الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 4

شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 4


[ 1 ]

كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبي الحسن الشعراني المجلد الرابع

[ 3 ]

باب معاني الأسماء واشتقاقها المراد بمعاني الأسماء مفهوماتها اللغوية والعرفية. * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن ابن راشد عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تفسير * (بسم الله الرحمن الرحيم) * قال: الباء بهاء الله، والسين سناء الله، والميم مجد الله. وروى بعضهم: الميم ملك الله، والله إله كل شئ، الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصة. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن عبد الله بن سنان، قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تفسير * (بسم الله الرحمن الرحيم) * قال: الباء بهاء الله) البهاء في اللغة الحسن ولعل المراد به حسن معاملته مع عباده بالإيجاد والتقدير والألطاف والتدبير وإعطاء كل ما يليق به. (والسين سناء الله) السناء بالمد: الرفعة، والسني: الرفيع وأسناه: رفعه، والمراد بسناء الله: رفعته وشرفه بالذات على جميع الممكنات. (والميم مجد الله) المجد: الكرم، والمجيد: الكريم، وقد مجد الرجل بالضم فهو مجيد وماجد، إذا كان واسع الكرم كثير العطاء. وكون هذه الحروف إشارة إلى هذه المعاني إما بوضع الواضع واعتباره إياها عند وضع بسم الله، أو بمجرد مناسبة بين هذه الحروف وتلك المعاني بحيث يفهم منها تلك المعاني عرفا وإن لم يقصدها الواضع (1).


1 - قوله " بحيث يفهم منها تلك المعاني " فيه تكلف والوجه التوقف وايكال معناه الى أهله ونعم ما قال صدر المتألهين انه توقيف شرعى وذلك لانا لا نعقل الفرق بين الكلمات المبدوة بهذه الحروف حتى يجعل أحدها مدلولا دون الاخر كما اختلف الرواية في الميم انها مجد الله أو ملك الله. وفي توحيد الصدوق - عليه الرحمة - عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " الالف آلاء الله، والباء بهجة الله. والتاء تمام الامر بقائم آل محمد، والثاء ثواب المؤمنين على الاعمال الصالحة " وسرد الحروف إلى آخرها. وفي حديث آخر " ألف الله لا اله الا هو الحى القيوم، وأما الباء فالباقي بعد فناء الأشياء " إلى آخر الحروف هكذا فيختلج بالبال أن ما ورد في معنى حروف المعجم ليس الا على التمثيل لا الاختصاص وانه ينبغى أن يتنبه العارف من كل شئ يراه ويسمعه أو يدركه = (*)

[ 4 ]

(وروى بعضهم: الميم ملك الله) بدل " مجد الله " والمراد بملك الله سلطانه على جميع الكائنات أو نفس رقاب جميع المخلوقات وأصناف جميع الكائنات (والله إله كل شئ) أي معبوده الذي يستحق العبادة وغاية الخضوع والخشوع منه (الرحمن بجميع خلقه) في الدنيا مؤمنا كان أو كافرا، برا كان أو فاجرا بالإحسان والإلطاف وإعطاء الرزق وغير ذلك مما يتم به نظامهم ويتوقف به بقاؤهم (والرحيم بالمؤمنين خاصة) في الآخرة لأنهم المستحقون للرحمة الأخروية بحسن استعدادهم في الحياة الدنيوية، وذلك لأن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن أسماء الله واشتقاقها، الله مما هو مشتق ؟ فقال: يا هشام ! الله مشتق من إله، وإله يقتضي مألوها، والاسم غير المسمى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد، أفهمت يا هشام ؟ قال: قلت: زدني قال: الله تسعة وتسعون اسما فلو كان الاسم هو المسمى لكان كل اسم منها إلها، ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الأسماء وكلها غيره، يا هشام الخبز اسم للمأكول والماء اسم للمشروب والثوب اسم للملبوس والنار اسم للمحرق، أفهمت يا هشام فهما تدفع به وتناضل به أعداءنا المتخذين (1) مع الله عزوجل غيره، قلت نعم، فقال: نفعك الله (به) وثبتك يا هشام ! قال: فوالله ما قهرني أحد في التوحيد حتى قمت مقامي هذا. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن أسماء الله واشتقاقها، الله مما هو مشق) مر هذا الحديث بهذا السند بعينه في باب المعبود وشرحناه هناك على وجه الكمال فقال: (يا هشام الله مشتق من إله) المشتق مختص بالمعبود بخلاف المشتق منه (وإله يقتضي مألوها) أي متحيرا مدهوشا في أمره أو متعبدا له أو مطمئنا بذكره أو معبودا وهو الأنسب بقوله (والاسم غير المسمى) ذهب إليه المعتزلة والإمامية خلافا للأشاعرة فإنهم ذهبوا إلى أن الاسم هو المسمى حقيقة (فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر) حيث جعل ما ليس بإله إلها (ولم


= بوجه إلى الله تعالى وصفاته وحكمه وما يتعلق بمبدئه ومعاده فينتقل ذهنه إليه تعالى من الحروف كما ينتقل من الأشياء الممكنة إلى وجود الواجب وكذلك في تفسير الجمل كأبجد هوز حطي مثل أن حطي حطت الخطايا من المستغفرين. (ش) 1 - في أكثر نسخ الكافي " الملحدين ". (*)

[ 5 ]

يعبد شيئا) يستحق العبادة (ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك) حيث جعل معه إلها آخر مستحقا للعبادة (وعبد اثنين) باعتقاد أن كل واحد منهما أهل للعبادة (ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد) لصرف العبادة إليه وحده مجردا عما سواه (أفهمت يا هشام ؟ قال: قلت: زدني) كأنه أراد الدليل على ما ذكر من أن الاسم غير المسمى (قال: لله تسعة وتسعون اسما) لا دلالة فيه على حصر أسمائه في هذا العدد فلا ينافي ما مر في الباب السابق من الزيادة عليه. وفي كتاب مسلم أيضا: " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة ". قال القرطبي: وقد اعتنى بعض العلماء فخرج ما منها في القرآن مضاف وغير مضاف مشتق وغير مشتق كقادر وقدير ومقتدر ومليك ومالك وعليم وعالم الغيب، فلم يبلغ هذا العدد. واعتنى غيره بذلك فحذف التكرار ولم يحذف الإضافات فوجدها تسعة وتسعين. واعتنى آخرون فجمعها مضافة وغير مضافة ومشتقة وغير مشتقة وما وقع منها في الأحاديث والروايات منثورا ومجموعا وما أجمع عليه أهل العلم على إطلاقها فبلغها أضعاف العدد المذكور في هذا الحديث. وقال المازري نقل ابن العربي (1) عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم (فلو كان الاسم هو المسمى لكان لكل اسم منها إله) فيلزم تعدد الإله على قدر تعدد الأسماء إنه باطل. وفي بعض النسخ " لكان كل اسم منها إلها " وهو موافق لما مر آنفا (ولكن الله معنى) يعني ولكن المسمى بالله معنى قائم بنفسه موجود لذاته لا تعدد ولا تكثر فيه أصلا (يدل عليه بهذه الأسماء وكلها غيره)، لأن الدليل مغاير للمدلول قطعا. (يا هشام الخبز اسم للمأكول والماء اسم للمشروب والثوب اسم للملبوس والنار اسم


1 - قوله " قال المازري نقل ابن العربي " كان المراد بالمازري شارح صحيح مسلم منسوب إلى مازر بلد بصقلية جزيرة في بحر الروم يعرف في بلادنا بسيسيل وابن العربي بالألف واللام القاضى أبو بكر المالكي شارح الترمذي محدث، وابن عربي بدون حرف التعريف هو صاحب الفتوحات المكية والكتب الأخر، صوفي. فإن كان متن الكتاب صحيحا فهو الأول، وإن كان مسامحا فيه - كما يتفق كثيرا من المؤلفين [ الذين ] لا يراعون هذا التدقيق -، فهو صاحب الفتوحات، ولا ضير في النقل عنه، إذ خطأوه في أمر لا يدل على خطائه في جميع الأمور، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها ". وليس النقل عن محي الدين ابن عربي أو تعظيم علمه دليلا على تصديقه في جميع مطالبه، ورأيت في الفتوحات المجلد الأول تصديقه بأن المهدى (عليه السلام) قد ولد وقال: رأيته واجتمعت به فلا ولي بعده إلا وهو راجع إليه، وهذا تصريح بمذهب الشيعة لم يقل به أحد من غيرهم إلا نادرا يظن في حقهم التشيع أو اضطراب الذهن والانتقال والجربزة، على أني أرى القدح في دين العظماء تأييدا للملاحدة والنصارى نظير القول بتحريف القرآن ورأيت في كتبهم كثيرا أن دين الإسلام باطل خرافي لم يتدين به إلا الجهال، وأما الحكماء والعقلاء وأولو الأفكار والعلوم كالفارابي وابن سينا وأمثالهم لم يكونوا متدينين بهذ الدين باعتراف المسلمين أنفسهم، نعوذ بالله من الزلل والضلال. (ش) (*)

[ 6 ]

للمحرق) (1) وهذه الأسماء مغايرة للمسميات فكذا الحال في أسمائه تعالى، ومن قال هذه الأسماء للخلق ولا نزاع في المغايرة فيها وإنما النزاع في أسماء الخالق ورد عليه أن الفرق تحكم، ومن ادعاه فعليه الإثبات (أفهمت يا هشام فهما تدفع به وتناقل به) قال الجوهري: النقل المناقلة في المنطق، ومنه قولهم: رجل نقل وهو الحاضر الجواب، وناقلت فلانا الحديث إذا حدثته وحدثك، وفي بعض النسخ: " وتناضل " بالضاد المعجمة وهو بمعنى: تدافع وتجادل وتخاصم (أعداءنا الملحدين) العادلين عن دين الحق ومنهج الصواب. متخذين (مع الله تعالى غيره) على تضمين معنى الأخذ، ولو كان بدل الملحدين المتخذين بالتاء المثناة الفوقانية والذال المعجمة كما في الاحتجاج لما احتيج إلى التضمين. (قلت: نعم فقال: نفعك الله به وثبتك يا هشام. قال هشام: فوالله ما قهرني أحد في التوحيد حتى قمت مقامي هذا) في بعض النسخ: " حين " بدل " حتى " وهو الأظهر. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن معنى الله، فقال: استولى على ما دق وجل. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد (2) عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن معنى الله قال استولى على ما دق


1 - قوله " الخبز اسم للمأكول " هذا بحث حام حوله المتكلمون والحكماء، ومجمل الكلام فيه أن الوجود الذهني لكل شئ موافق للوجود الخارجي في الماهية ومباين له في نفس الوجود، فالنار في الذهن لها ماهية النارية لكن وجودها غير الوجود الخارجي، وعليه مبنى البحث في الوجود الذهني، وقالوا، إن حمل الماهية على نفسها في الوجود الذهني وهو الذي يسمى بالحمل الأولي الذاتي لا يعتبر في الصناعات وليس شايعا في متعارف الناس وإنما الحمل الشايع الصناعي حمل معنى على غير مفهومه وماهيته، وبعبارة أخرى: الحمل الشايع اتحاد المعنيين مصداقا لا مفهوما وعلى هذا، فالخبز لا يطلق بالحمل الشايع إلا على الموجود الخارجي الذي يؤكل لا على مفهومه الذهني، وكذلك الماء على ما هو ماء بالحمل الشائع، والاسم هو المفهوم والماهية والمسمى هو المصداق الخارجي وأحدهما غير الآخر وليس مفهوم الخبز خبزا ولا مفهوم الماء ماء. وبكلام الإمام (عليه السلام) يندفع توهم مجعولية الماهيات بالذات وكون الوجود مجعولا بالعرض إذ لو كانت المهيات مجعولة بالذات لزم كون الماهية في الذهن نفسها بالحمل الشائع فيؤكل الخبز الذهني ويشرب الماء الذهني ويندفع الإشكال المشهور وهو أن الجوهر في الذهن عرض ولا يمكن كون شئ واحد جوهرا وعرضا. والجواب: أن الخبز الذهني ليس مأكولا ولا جوهرا ولا جسما بالحمل الشائع بل هو غير المسمى، وهكذا. وقد بين ذلك صدر المتألهين في شرح هذا الحديث. (ش) 2 - قوله: " عن جده الحسن بن راشد " سبق ذكر الحسن بن راشد في أسناد الحديث الأول ويذكر هنا بمناسبة كلمه راشد ثلاثة = (*)

[ 7 ]

وجل) (1) من المشهور عقلا ونقلا أن الله اسم للذات المقدسة التي بعينها عين جميع الصفات الذاتية


= رجال يشتبه أحدهم بالآخرين، الأول الحسن بن راشد الطفاوي، وفي رجال ابن الغضائري " اسد " بدل " راشد " فقيل الأول صحيح والثاني مصحف، وقيل بالعكس، وهذا الرجل من رجال الصادق والكاظم (عليهما السلام) والطفاوة بالفاء قبيلة من ولم يذكروا أنه مولى والظاهر أنه عربي صميم. وقال النجاشي: ضعيف له كتاب نوادر حسن كثير العلم، وقال ابن الغضائري: يروي عن الضعفاء ويروون عنه وهو فاسد المذهب وما أعرف شيئا أصلح فيه إلا رواية كتاب على بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم وقد رواه عنه غيره، انتهى. وقوله: شيئا أصلح فيه، يعني: ما رأيت كتابا أتى فيه جميعا بالمطالب الصالحة والآراء الصحيحة إلا أنه روى كتاب على بن إسماعيل، ولا ضير في ضعفه بالنسبة إلى هذا الكتاب فإنه مروي بطرق أخرى، والحاصل أنه لا يقدح ضعفه في شئ لأن كتاب على بن إسماعيل روي من غير جهته وسائر رواياته التي انفرد بها ليس مما يحتاج إليه كثيرا، وأما كتاب النوادر الذي ذكره النجاشي ووصفه بالحسن وكثرة العلم فلعله لا ينافى قول ابن الغضائري إذ لا خلاف بينهما في ضعف الرجل وأن كثرة العلم وحسن الترتيب في نوادره لا ينافي اشتماله على أمور صالحة كما ذكره ابن الغضائري، ولا يدل رد ابن الغضائري على عدم وجود شئ صحيح فيه أصلا إذ ربما يرد الكتاب ويحكم بعدم اعتباره لوجود مسائل معدودة باطلة فيه، ألا ترى أنه لو كان ثلث لغات القاموس بل عشره غلطا خرج عن الاعتبار. وليعلم أن كل ما روى الحسن عن علي بن إسماعيل وهو الغالب في الروايات فهو هذا الرجل. الثاني: الحسن أو الحسين بن راشد جد القاسم بن يحيى في أسناد هذا الحديث كنيته أبو محمد ولم يكن عربيا ولا من طفاوة بل مولى بني العباس فكان هاشميا بالولاء وكان من رجال دولتهم وقيل إنه وزير المهدي وموسى وهارون وفي تاريخ اليعقوبي كان الغالب على أموره (أي المهدي) علي بن يقطين والحسن بن راشد قال الشيخ - رحمه الله - له كتاب الراهب والراهبة رواه القاسم بن يحيى عن جده، وقال ابن الغضائري: الحسن بن راشد مولى المنصور أبو محمد روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى (عليهما السلام) ضعيف في روايته. وقال ابن داود: رأيت بخط الشيخ له (رحمه الله) في كتاب الرجال الحسين مصغرا. أقول: وفي فهرست النجاشي القاسم بن يحيى بن حسين بن راشد مصغرا أيضا وكذلك في بعض روايات الكافي، والعجب أن الاسترابادي خطأ الشيخ رحمه الله ونسبه إلى السهو في تصغير الحسين، ولا أدري من أين حصل له العلم بخطائه، والظاهر أنه اشتبه عليه بالحسن بن راشد الطفاوي الذي اسمه مكبر يقينا وخلط بينه وبين جد القاسم بن يحيى، لأن اسم أبيه راشد، والذي يكثر ذكره في أسناد الروايات هو الطفاوي والبصري العربي وأين هو من البغدادي من موالي بني العباس وهل يمكن أن يكون أحد هاشميا وطفاويا معا أو عربيا وعجميا مولى ؟ وتحقيق ساير ما يتعلق بهذا الموضوع موكول إلى كتب الرجل. الثالث: أبو علي بن راشد قيل اسمه الحسن وهو ثقة من وكلاء أبي الحسن العسكري (عليه السلام) وهو متأخر عن الأولين لا يشتبه بهما وكان مولى آل المهلب ازديا لا هاشميا ولا طفاويا. (ش) 1 - استظهر العلامة المجلسي (رحمه الله) أن الخبر سقط منه شئ، لأن الكليني (رحمه الله) رواه عن البرقي والبرقي رواه بهذا السند بعينه في المحاسن هكذا: " سئل عن معنى قول الله: * (الرحمن على العرش استوى) * فقال: استولى على ما دق وجل " وهكذا نقله الطبرسي في الاحتجاج. والمعنى استولى على الأشياء دقيقها وجليلها. ولكن الصدوق - رحمه الله - رواه في معاني الأخبار = (*)

[ 8 ]

الملحوظة في مرتبة الذات ومن أعظم تلك الصفات هو استيلاؤه على جميع ما سواه من الممكنات دقيقها وصغيرها، جليلها وكبيرها، عظيمها وحقيرها،، لأن هذه الصفة مستلزمة لجميع الصفات الكمالية كالعلم بالكليات والجزئيات والقدرة الشاملة لجميع الممكنات والرحمة الكاملة التي وسعت كل شئ. فلذلك فسر (عليه السلام) الله بذلك، تفسيرا له ببعض الوجوه الكامل الشامل. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن العباس بن هلال قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله: * (الله نور السماوات والأرض) *. فقال: هاد لأهل السماء وهاد لأهل الأرض. وفي رواية البرقي: هدى من في السماء وهدى من في الأرض. * الشرح: (علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن العباس بن هلال قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله * (الله نور السماوات والأرض) * فقال: هاد لأهل السماوات وهاد لأهل الأرض. وفي رواية البرقي: هدى من في السماء وهدى من في الأرض) النور وهو ينكشف به الأشياء يظهر وجودها عند الحس إما جسم كما ذهب إليه جماعة من المحققين أو عرض كما قيل وعلى التقديرين لابد من تأويل الآية إلا عند المجسمة والمصورة القائلين بأنه تعالى نور، تأويلها على وجوه منها ذكره (عليه السلام) وهو أن المراد بالنور الهداية لاشتراكهما في الإيصال إلى المطلوب، ومنها: الله خالق نورهما، ومنها: الله منور عقول من في السماء والأرض لرؤية الآثار الألوهية والحقائق الربوبية، ومنها: أن الله ذو البهجة والجمال، وهو يرجع إلى الثاني أي خالقهما (1). * الأصل: 5 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن فضيل بن عثمان، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل، * (هو الأول والآخر) * وقلت: أما الأول فقد عرفناه وأما الآخر فبين لنا تفسيره، فقال: إنه ليس شئ إلا يبيد، أو يدخله التغير والزوال أو ينتقل من لون إلى لون ومن هيئة إلى هيئة ومن صفة إلى صفة ومن زيادة إلى نقصان ومن نقصان


= عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) كما في نسخة الكافي بلفظه. 1 - قوله: " وهو يرجع إلى الثاني أي خالقهما " بذلك يعلم أن مراد القائل بأن الله خالق نورهما خالق وجودهما والنور هو الوجود، وقد سبق في المجلد الثالث كلام في أن الله نور السماوات، تفسير الشيخ الصدوق رحمه الله. (ش) (*)

[ 9 ]

إلى زيادة إلا رب العالمين فإنه لم يزل ولا يزال بحالة واحدة، هو الأول قبل كل شئ وهو الآخر على ما لم يزل (و) لا تختلف عليه الصفات والأسماء كما تختلف على غيره، مثل الإنسان الذي يكون ترابا مرة، ومرة لحما ودما، ومرة رفاتا ورميما. وكالبسر الذي يكون مرة بلحا ومرة بسرا ومرة رطبا، ومرة تمرا، فتتبدل عليه الأسماء والصفات والله عز وجل بخلاف ذلك. * الشرح: (أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن فضيل بن عثمان، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل * (هو الأول والآخر) *. قلت: أما الأول فقد عرفناه) وهو أنه قبل كل شئ لأنه مبدأ الجميع (أما الآخر فبين لنا تفسيره ؟ فقال: إنه ليس شئ إلا يبيد) أي يهلك كالمركب الذي يفني بفناء بعض أجزائه أو جميعها (أو يتغير) من حال إلى حال كما أن النفس يتغير من جهل إلى علم ومن علم إلى جهل (أو يدخله التغير والزوال) وفي بعض النسخ الغير وهو - بالكسر - اسم من غيرت الشئ فتغير، وهذا قريب مما في الأصل، وقد يقال: هذه العبارة إشارة إلى العقول المقدسة العالية ودخول التغيرات فيها فإن صفاتها زايدة على ذواتها فقد دخلها التغير وزوال صفاتها عن مرتبة ذواتها (أو ينتقل من لون إلى لون ومن هيئة إلى هيئة، ومن صفة إلى صفة ومن زيادة إلى نقصان، ومن نقصان إلى زيادة) كل ذلك معلوم مشاهد في عالم الإمكان (إلا رب العالمين فإنه لم يزل ولا يزال بحالة واحدة) لا يدخله الهلاك والزوال ولا التغير ولا الانتقال لا بحسب الذات والصفات ولا باعتبار الأمور الخارجة والإضافات، لأن تلك الأمور من لوازم النقصان ولواحق الإمكان وقدس الواجب بالذات متعال عن الاتصاف بتلك الحالات (هو الأول قبل كل شئ وهو الآخر على ما لم يزل) أي على نحو كان في الأزل يعني هويته التي هي وجوده الواجبي باعتبار كونه أولا قبل إيجاد الأشياء هي بعينها هويته باعتبار كونه آخرا بعد فناء الأشياء، ومن غير تغير وتبدل فيها بوجه من الوجوه (لا تختلف عليه الصفات والأسماء) (1) إذ لا يعرض له صفات متعاقبة متضادة


1 - قوله " لا تختلف عليه الصفات والاسماء " الظاهر المتبادر إلى الأذهان الأول: بمعنى كونه في زمان ليس فيه شئ أصلا مقدما على الممكنات، والآخر: بمعنى كونه في زمان بعد فناء كل شئ وليس الفناء والعدم عند الناس بمعنى النفي الصرف بل بمعنى التبدد والتفرق وتنائر الأجزاء وزوال الهيئة، وأيضا أكثر المسلمين على خلود أهل النار في النار أبدا وعلى خلود أهل الجنة فيها كذلك. قال ابن حزم: الفناء المذكور ليس موجودا البتة في شئ من الجواهر وإنما هو عدم العرض فقط كحمرة الخجل إذا ذهبت عبر عن المعنى المراد بالأخبار عن ذهابها بلفظة الفناء كالغضب نفي ويعقبه رضا ولو شاء الله عزوجل أن يعدم الجواهر لقدر على ذلك ولكنه لم يوجد ذلك إلى الآن ولا جاء به نص فيقف عنده، انتهى. وإذا كان كذلك أشكل الأمر عليهم في تصور معنى الآخر وإطلاقه على الواجب تعالى، ومثله الباقي بعد فناء الأشياء، وحل الإشكال أن آخريته تعالى = (*)

[ 10 ]

يزول الأولى مع اسمها بعروض الأخرى مع اسمها (كما تختلف على غيره) أي كما تختلف الصفات والأسماء التي بإزائها على غيره لكون وضعه على الحدوث وبنائه على الانتقال والتغير (مثل الإنسان الذي يكون ترابا مرة ومرة لحما ودما ومرة رفاتا ورميما) الرفات الحطام وهو ما تكسر من اليبس والرميم العظم البالي وللإنسان صفات متعاقبة متكثرة وانتقالات متفاوتة متعددة، وله في كل مرتبة من المراتب رسم وفي كل مرحلة من المراحل اسم إلا أنه (عليه السلام) ذكر هنا ثلاث مراتب لاشتمالها على أمر غريب وصنع عجيب وهو الانتقال من الترابية إلى الحيوانية ومن الحيوانية إلى الجمادية وله في كل مرتبة من هذه المراتب وصف مخصوص واسم معلوم (وكالبسر الذي يكون مرة بلحا) البلح محركة بين الخلال والبسر والخلال (بفتح خاء نوعيست ازغوره خرما كذا في الكنز). وقال الجوهري: البلح قبل البسر، لأن أول التمر طلع ثم خلال ثم بلح، ثم بسر، ثم رطب، ثم تمر (ومرة بسرا) وهو ما كان فيه شئ من الحموضة (ومرة رطبا) وهو ما فيه حلاوة خالصة من الحموضة (ومرة تمرا فتتبدل عليه الأسماء والصفات، والله بخلاف ذلك) المقصود بيان أن هو في الأبد هو هو في الأزل، إلا أن إثبات هذا لما كان متوقفا على عدم عروض التغير والتبدل له مطلقا تعرض له أولا مطلقا ثم أوضحه بأمثلة جزئية، تقريبا إلى الفهم. * الأصل: 6 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن محمد بن حكيم، عن ميمون البان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وقد سئل عن الأول والآخر، فقال: الأول لاعن أول قبله، ولا عن بدء سبقه، والآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين ولكن قديم أول آخر، لم يزل ولا يزول بلا بدء ولا نهاية لا يقع عليه الحدوث ولا يحول من حال إلى حال، خالق كل شئ. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن محمد بن حكيم، عن ميمون، البان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وقد سئل عن الأول والآخر فقال: الأول لا عن أول قبله ولا عن بدء سبقه) البدء والبدئ بالهمزة أخيرا وقد يشدد الياء على فعل وفعيل: السيد الأول في السادة يعني هو الأول لكل شئ الذي لم ينشأ وجوده عن أول قبله وعن موجد سبقه لأنه الموجد لجميع الكائنات وإليه


= يعتبر بالنسبة إلى كل واحد واحد من التغيرات التي لا ينفك عنها الممكن البتة فهو تعالى بعد كل شئ لأنه وإن اعتبر بالنسبة الى مجموع الممكنات فآخريته ليس بالزمان بل بالعلية الغائية كما أنه تعالى مقدم بالعالية الفاعلية، والدليل عليه أن كل ممكن متغير وكل متغير ناقص، والله تعالى كامل، وغاية الناقص التقرب الى الكامل. (ش)

[ 11 ]

ينتهي سلسلة جميع الموجودات فهو الأول المطلق الذي ليس قبله شئ ليس لأوليته ابتداء ينتهي وجوده إليه فإذن وجوده أزلي (والآخر لا عن نهاية) يعني هو الآخر بعد كل شئ الذي لا يلحق لآخريته نهاية ينتهي إليها وجوده ويقبل العدم عندها، فإذن وجوده أبدي، والحاصل أنه ليس لأوليته بداية ولا لآخريته نهاية (كما يعقل من صفة المخلوقين) إذ من صفاتهم لحوق البداية والنهاية لوجوداتهم، وهذه الصفة لازمة للكل لامتناع مشاركتهم مع الواجب جل شأنه في الأزلية والأبدية، ثم أكد ما ذكره بقوله: (ولكن قديم أول آخر) أول باعتبار أنه مبدأ كل شئ ومنه نشأ وجود الأشياء كلها على النظام الأكمل، وآخر باعتبار رجوع جميع الأشياء وبقائه بعد فنائها، فما هو أول فهو بعينه آخر من غير اختلاف وتغير في ذاته وصفاته وهو برئ عن لحوق الوقت والمكان ووجوده في الحين والزمان فأوليته وآخريته تعودان إلى ما تعتبره الأذهان عن حالة تقدمه على وجود الأشياء وحالة تأخره عنها بعد عدمها، فهما اعتباران ذهنيان له بالقياس إلى مخلوقاته وليس هناك أولية وآخرية لأنهما فرع الوقت والزمان ولا وقت ولا زمان في عالم القدس. (لم يزل ولا يزول) الظاهر أن " لم يزل " متعلق بالأول " ولا يزول " متعلق بالآخرة فيفيد أنه الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء. ويحتمل أن يكون كل واحد متعلقا بكل واحد فيفيد أنه أول عند كونه آخرا وآخر عند كونه أولا من غير تقدم أحدهما وتأخر الآخر، ويرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " الحمد الله الذي لم يسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا " وسر ذلك أن القبلية والبعدية أمر يلحق الزمان لذاته والزمانيات بتوسط الزمان وقد ثبت أنه تعالى منزه عن الزمان فلا جرم لا يلحق ذاته المقدسة وما لها من صفات الكمال ونعوت الجلال شئ من لواحق الزمان فلا يجوز أن يقال مثلا: كونه أولا قبل كونه آخرا، وكونه ظاهرا قبل كونه باطنا، وكونه عالما قبل كونه قادرا، بل استحقاقه بالنظر إلى ذاته لما يصح أن يعتبر له استحقاق واحد دائما، فلا حال يفرض إلا وهو استحق فيه أن يعتبر له الأولية والآخرية معا استحقاقا أوليا ذاتيا لا على وجه الترتيب وإن تفاوتت الاعتبارات بالنظر إلى اعتبارنا، ويحتمل أيضا أن يكون كل واحد متعلقا بالقديم وهو ظاهر. (بلا بدء ولا نهاية) الأول ناظر إلى قوله " لم يزل " والثاني إلى قوله " لا يزول ". والوجه أن وجوب وجوده مستلزم لوجوده أزلا وأبدا وامتناع اتصافه ببداية ونهاية. (لا يقع عليه الحدوث) ناظر إلى ما قبله أو إلى قوله قديم، لأن الحدوث وهو الوجود بعد العدم ينافي القديم وعدم الابتداء والانتهاء. (ولا يحول من حال إلى حال) أي لا يحول من صفة إلى صفة أخرى ولا من اسم إلى اسم آخر،

[ 12 ]

وفيه إشارة إلى أن هويته الأبدية هي بعينها هويته الأزليه بلا تفاوت أصلا. (خالق كل شئ) على تباين أو صافها وتضاد صورها وتخالف أشكالها، وهذا مما يشهد بإثباته العقل أيضا فإن العبد عند أخذ العناية الإلهية بضبعيه يعلم أن جميع الموجودات مستند إلى تدبير حكيم وتقدير عليم، والغرض من ذكره هو التأكيد والتعليل لجميع ما مر فإن كونه خالق كل شئ ينتهي إليه سلسلة الموجودات كلها ولو بوسائط يدل على أنه أول على الإطلاق وإلا لكان الأول الحقيقي غيره، فذلك الغير هو الذي ينتهي إليه سلسلة الإيجاد لا هو، هذا خلف، وقس عليه البواقي. * الأصل: 7 - محمد بن أبي عبد الله رفعه إلى أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فسأله رجل فقال: أخبرني عن الرب تبارك وتعالى له أسماء وصفات في كتابه ؟ وأسماؤه وصفاته هي هو ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن لهذا الكلام وجهين، إن كنت تقول: هي هو أي أنه ذو عدد وكثرة فتعالى الله عن ذلك وإن كنت تقول: هذه الصفات والأسماء لم تزل فإن (لم تزل) محتمل معنيين. فإن قلت: لم تزل عنده في علمه وهو مستحقها فنعم، وإن كنت تقول: لم يزل تصويرها وهجاؤها وتقطيع حروفها، فمعاذ الله أن يكون معه شئ غيره، بل كان الله ولا خلق، ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرعون بها إليه ويعبدونه وهي ذكره وكان الله ولا ذكر والمذكور بالذكر وهو الله القديم الذي لم يزل والأسماء والصفات مخلوقات والمعاني والمعني بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف ولا الائتلاف وإنما يختلف ويأتلف المتجزئ فلا يقال: الله مؤتلف ولا الله قليل ولا كثير ولكنه القديم في ذاته، لأن ما سوى الواحد متجزئ، والله واحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزئ أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له، فقولك: إن الله قدير خبرت أنه لا يعجزه شئ فنفيت بالكلمة العجز وجعلت العجز سواه، وكذلك قولك: علم إنما نفيت بالكلمة الجهل وجعلت الجهل سواه وإذا أفنى الله الأشياء أفنى الصورة والهجاء والتقطيع ولا يزال من لم يزل عالما. فقال الرجل: فكيف سمينا ربنا سميعا ؟ فقال: لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع ولا نصفه بالسمع المعقول في الرأس وكذلك سميناه بصيرا لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون أو شخص أو غير ذلك ولم نصفه ببصر لحظة العين وكذلك سميناه لطيفا لعلمه بالشئ اللطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلك وموضع النشوء منها والعقل والشهوة للسفاد والحدب على نسلها وإقام بعضها على بعض ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفار فعلمنا أن خالقها لطيف بلا

[ 13 ]

كيف وإنما الكيفية للمخلوق المكيف وكذلك سمينا ربنا قويا لا بقوة البطش المعروف من المخلوق ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه ولاحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ناقصا كان غير قديم، وما كان غير قديم كان عاجزا. فربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا كيف ولا نهاية ولا ببصار بصر. ومحرم على القلوب أن تمثله، وعلى الأوهام أن تحده وعلى الضمائر أن تكونه جل وعز عن أدات خلقه وسمات بريته، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. * الشرح: (محمد بن أبي عبد الله رفعه إلى أبي هاشم الجعفري) هذا الحديث مذكور (1) في كتاب التوحيد للصدوق - رحمه الله - مسندا قال: حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق - رحمه الله - قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي: حدثني محمد بن بشير، عن أبي هاشم الجعفري (قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فسأله رجل فقال: أخبرني عن الرب تبارك وتعالى له أسماء وصفات في كتابه) المراد بالأسماء ما دل على ذاته المقدسة مثل الله ولفظ " هو " الدال على الهوية المطلقة الصرفة الحقة وبالصفات ما دل على الذات الملحوظة معها صفة مخصوصة مثل الرحمن والرحيم والعالم والعليم والقادر والقدير وأمثال ذلك، ويحتمل أن يراد بالأسماء ما يحمل على الذات من المشتقات مثل العالم والقادر، وبالصفات المعنى المشتق منه مثل العلم والقدرة (وأسماؤه وصفاته هي هو) هذا هو الغرض من السؤال بقرينة المقام والجواب وليس الغرض من السؤال استعلام أن له أسماء وصفات في كتابه أيضا، لأن ذلك معلوم لكل من له مسكة من العقل ومتابعة للشرع (فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن لهذا الكلام وجهين) وعني أن له وجهين، ابتداء، ولا ينافي ذلك أن له ثلاثة أوجه باعتبار أن أحد الوجهين يحتمل أمرين وبيان احتماله لهذه الوجوه على سبيل الإجمال أن قوله: " أسماؤه وصفاته هي هو " دل بحسب المنطوق على اتحادها معه وبحسب المفهوم على أزليتها، ثم على تقدير أن يكون مراد السائل أزليتها يحتمل أن يكون مراده أزلية علمه تعالى بها وأن يكون مراده أزلية نفسها فأشار (عليه السلام) إلى بطلان الأول والثالث وصحة الثاني بقوله (ان كنت تقول هي هو أي أنه) (2) أي الله جل


1 - قوله " هذا الحديث مذكور " وهو معجز من معجزات الإمام (عليه السلام) عند العارف الخبير إذلا يمكن التنبه لهذه الدقائق يغير التعليم إلا للحجة المنصوب من الله تعالى وهو أقوى في الدلالة على علمهم (عليهم السلام) من الحديث المروي عنه في حكم الصيد للمحرم في بحثه مع يحيى بن أكثم في مجلس المأمون. (ش) 2 - قوله " إن كنت تقول هي هو أي أنه ذو عدد وكثرة " النظر إلى الألفاظ على وجهين الأول النظر إليها باعتبار وجودها في نفسه = (*)

[ 14 ]

شأنه (ذو عدد وكثرة) وذلك بأن تقول تلك الأسماء والصفات هي المسمى بها فإن هذا القول مستلزم للقول بتعدد الإله لما مر من أن لله تعالى تسعة وتسعين اسما، فلو كان الاسم هو المسمى لكان كل اسم إلها (فتعالى الله عن ذلك) أي عن أن يكون ذا عدد وكثرة. (وإن كنت تقول: هذه الصفات والأسماء لم تزل) يعني كانت في الأزل فإن لم تزل محتمل معنيين. (فإن قلت: لم تزل عنده في علمه وهو مستحقها) في مرتبة ذاته الأحديه (فنعم)، لأن علمه الأزلي محيط بجميع الأشياء قبل كونها كما هو محيط بها بعد كونها. (وإن كنت تقول لم تزل تصويرها) بهذه الصور والهيئات (وهجاؤها) الهجاء - بكسر الهاء - مصدر، تقول: هجوت الحروف هجوا وهجاء وهجيته، وتهجيت كله بمعنى عددتها وتلفظت بها واحدا بعد واحد (وتقطيع حروفها) أي ذكر بعضها على أثر بعض من قولهم: جاء الخيل مقطوعات أي سراعا بعضها في أثر بعض، أو جعلها قطعة ثم تركيب بعضها مع بعض ومنه المقطعات من الثياب التي تقطع ثم تخاط. (فمعاذ الله أن يكون معه شئ غيره) " معاذ الله " مثل " سبحان الله " منصوب على المصدر أي أعوذ بالله معاذا (بل كان الله ولا خلق) فكان الله ولا أسماء ولا صفات له (ثم خلقها) أي الأسماء والصفات (وسيلة بينه وبين خلقه يتضرعون بها إليه ويعبدونه) لئلا يجهلوه ولا يسموه من عند أنفسهم بما لا يليق به من الأسماء. (وهي ذكرة) (1) بكسر الذال، والتاء أخيرا. قال الجوهري: الذكر: الذكرى نقيض النسيان وكذلك


= وهو أصوات مقطعة خارجة من الرية والحلقوم والفم والشفاه. والثاني النظر إليها باعتبار حكايتها عن المعاني، وهذا نظير الصكوك والأوراق المالية، تارة ينظر إليها باعتبار أنها قراطيس منقوشة وأخرى باعتبار حكايتها عن الذهب والفضة، فكما يختلف حكم المعاملات والبيوع إذا اختلف النظر كذلك يختلف حكم الحدوث والقدم في أسماء الله تعالى باعتبارين، فإن اعتبرت الألفاظ من حيث هي لفظ فهى حادثة البتة لأن الاسماء متعددة حسب اختلاف الحروف فلو كانت قديمة لزم تعدد القدماء وثبت شريك للباري تعالى في القدم، وإن اعتبرت من حيث حكايتها عن المبدأ الأول لم يتعدد لأن الاعتبار بالمحكي وهو واحد، كما أنك إن اشتريت طوابع البريد لنقشها وقدمتها بأضعاف القيمة المكتوبة عليها لم يكن ربا إذ قد اشتريت قرطاسا وإن اشتريت الطوابع باعتبار حكايتها عن مقدار من المال المكتوب عليها باكثر من قيمتها لم يجز لأنك قد اشتريت المال المحكي عنه بأكثر منه، وبالجملة يختلف الحكم عقلا وشرعا وعرفا باختلاف الاعتبارات ولافرق في بطلان الحكم بقدم الاسماء بين إن يقال هذه الألفاظ عين ذات الباري أو يقال هي معه تعالى في الأزل. (ش) 1 - قوله: " وهي ذكرة " يعنى أن الوجه الصحيح أن الأسماء حكاية ينظر إليها لدلالتها على المعبود وليتذكر بها العابد الله تعالى = (*)

[ 15 ]

الذكرة ويحتمل أن يقرأ " ذكره " بالضمير الراجع إليه سبحانه، والحمل في الصورتين إما على سبيل المبالغة والتجوز في الإسناد أو على سبيل التجوز في الكلمة بأن يراد بالذكرة ما به الذكرى وهو آلتها. (وكان الله ولا ذكر) إذ لم يكن في الأزل ذاكر، وإذا كان كذلك كان ما به الذكر وهو الأسماء والصفات حادثا وإن كان المذكور وهو الله جل شأنه قديما كما أشار إليه بقوله (والمذكور بالذكر هو الله (1) القديم الذي لم يزل والأسماء والصفات مخلوقات والمعاني) (2) الواو في قوله والمعاني بمعنى مع أو للعطف على الصفات أو على الأسماء يعني أن الأسماء والصفات ومعانيها اللغوية ومفهوماتها العرفية القائمة بالنفوس السافلة والعقول المقدسة العالية مخلوقة دالة على وجود الصانع القديم لأنك قد عرفت آنفا أن كل ما يتناوله اللسان أويدركه الأوهام والأذهان فهو مخلوق. وفي بعض نسخ هذا الكتاب وفي كتاب التوحيد للصدوق رحمة الله " مخلوقات المعاني " بالإضافة وهو الأظهر. (والمعني بها) أي المقصود بتلك الأسماء والصفات (هو الله) يعني هو المسمى بالله (الذي لا يليق به الاختلاف والايتلاف) أي لا يليق به الانفكاك والتحليل ولا الانضمام والتركيب، أو لا يليق به الاختلاف من حال إلى حال ولا ايتلاف حال بحال، أو لا يليق به اختلاف الأجزاء وتباينها ولا ايتلاف الأجزاء وتناسبها، أو لا يليق به كونه معروضا لشئ ولا كونه مركبا من شئ، وبالجملة فيه كناية عن نفي التركيب مطلقا، إذ كل مركب لا يخلو من هذين الأمرين كما أشار إليه بقوله (وإنما يختلف ويأتلف المتجزي) بأجزاء خارجية أو وهمية أو عقلية أو اعتبارية صرفه كتجزئة البسيط مثلا إلى ذات وإمكان ووجود وغير ذلك (فلا يقال الله مؤتلف) يوجد فيه الايتلاف والتعدد والكثرة وهذا متفرع على السابق، لأن عدم جواز القول بأنه مؤتلف بمنزلة النتيجة لعدم كون الاختلاف والايتلاف لايقا به (ولا الله قليل ولا كثير) الظاهر أنه عطف على قوله " الله مؤتلف " ومندرج تحت القول فهو متفرع على السابق أيضا.


= ولا ينظر إليها بنفسها بالنظر الاستقلالي بل بالنظر الآلي. والذكرى كلمة استعملها الامام (عليه السلام) للدلالة على ما نعبر عنه بالنظر الآلي والحكاية. (ش) 1 - قوله: " والمذكور بالذكر " أي المحكي عنه لهذا الحاكي والمعنى المستقل المدلول عليه بهذا الذكرى هو الله تعالى وإنما الأسماء والصفات هي حكايات عنه تعالى مخلوقات حادثات. (ش) 2 - قوله: " والمعاني " الأولى في تركيب العبارة ما اختاره صدر المتألهين وهو أن الواو لعطف الجملة والمعاني مبتدأ " والمعنى بها " عطف عليه " وهو الله " خبر، يعنى أن معاني الأسماء والصفات والمعنى لهذه المعاني هو الله تعالى كأنه جعل الألفاظ كالعالم والقادر والحي وغيرها في رتبة ومعانيها في رتبة والذات في رتبة فقال: أما الالفاظ فهي حادثة وأما المعاني التي مرجعها جميعا إلى معنى واحد وهو الذات هو الله تعالى القديم الأزلي. (ش) (*

[ 16 ]

فإن قلت: تفريع المعطوف عليه على السابق ظاهر، وأما تفريع المعطوف فغير ظاهر لعدم اشتمال السابق عليه. قلت: من البين أن الاختلاف والايتلاف لا زمان للقلة والكثرة وإذا ثبت أن اللازم غير لايق به فقد ثبت أنه لا يجوز وصفه بالملزوم. وقال سيد المحققين: إنه عطف على صدر الجملة السابقة لا على متعلق القول منها، وهذه الجملة كالتعليل للجملة السابقة أي الله سبحانه ليس داخلا في جنس القلة والكثرة والقليل والكثير، ومن البين أنه لا يصح أن يقال: مؤتلف إلا لما كان داخلا في جنس الموصوف بالقلة والكثرة. (ولكنه القديم في ذاته) دون غيره وهذا تأكيد للسابق لأن قدمه يقتضي عدم اتصافه بالاختلاف والايتلاف والقلة والكثرة، وإنما قال " في ذاته " للإشعار بأنه ليس له صفات زائدة على ذاته. (لأن ما سوى الواحد متجزي والله واحد لا متجزي ولا متوهم بالقلة والكثرة) حجة لقوله " لا يليق به الاختلاف " أو لقوله " فلا يقال الله مؤتلف " وما بعده، أو للحصر المستفاد من قوله: " ولكنه القديم " يعني أن ما سوى الواحد الحق متجزي بالمهية والوجود والعوارض والكيفيات، والله جل شأنه واحد من جميع الجهات لا يتجزي بحسب الذات والصفات ولا يتوهم اتصافه بالقلة والكثرة، لأن التجزية والاتصاف بالقلة والكثرة يستلزمان الحاجة والنقصان اللازمين لطبيعة الإمكان. لا يقال: قوله " واحد " ينافي قوله " ولا متوهم بالقلة والكثرة "، لأن الواحد مبدأ للكثرة عاد لها فلا محالة تلحقها الكثرة الإضافية فإن كل واحد بهذا المعنى هو قليل بالنسبة إلى الكثرة التي يكون مبدأ لها. لأنا نقول: ليس المراد بالواحد هنا ما هو مبدأ للكثرة تعد به ولو كان كذلك لكان من جملة الآحاد المعدودة وكان داخلا في الكم المنفصل تعالى الله عن ذلك، بل هو تعالى واحد بمعنى أنه لا ثاني له في الوجود وأنه لا كثرة في ذاته بوجه لا ذهنا ولا خارجا وأنه لم يفته شئ من كماله بل كل ما ينبغي له فهو له بالذات والفعل (وكل متجزي أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له، لأن كل متجزي ممكن مفتقر في وجوده ووجود أجزائه وانضمام بعضها إلى بعض إلى خالق وكذلك كل متصف بالقلة والكثرة فقد ثبت من هذه المقدمات (1) أن الله تعالى هو القديم وحده وأنه المبدأ لجميع


1 - قوله " فقد ثبت من هذه المقدمات " كلام الإمام يشير إلى نفى الجوهر الفرد، وبيان ذلك: أن الموجود إما واجب أو ممكن، والممكن إما جوهر أو عرض، وأيضا إما مجرد أو مادي. أما العرض فلا يتوهم كونه أزليا واجبا لاحتياجه إلى الموضوع. وأما الجوهر فإما أن يكون مركبا أو بسيطا ولا يتوهم كون المركب واجبا لاحتياجه إلى أجزائه وأما البسيط المادي وهو = (*)

[ 17 ]

الكائنات وأنه غير مختلف ولا مؤتلف ولا متجزي ولا متوهم بالقلة والكثرة. (فقولك) الفاء للتفريع (إن الله قدير خبرت) أي خبرت به على حذف العائد. قال الجوهري: أخبرته بكذا وخبرته بمعنى (أنه لا يعجزه شئ فنفيت بالكلمة) أي بهذه الكلمة وهي " الله قدير " فاللام للعهد (العجز) على وجه العموم يعني أنه ليس عاجزا عن شئ من الأشياء فقدرته عبارة عن نفي العجز عنه مطلقا لا أنها صفة زائدة عليه قائمة به، بخلاف قدرة غيره فإنها صفة قائمة به وبينها وبين العجز نوع مصاحبة وملاءمة، فإن الممكن وإن كان ذا قدرة موصوف بالعجز قطعا (وجعلت العجز سواء) وزايدا عليه غير متطرق إليه أصلا. ووجه ذلك التفريع أنه لما بين سابقا أن الله تعالى كان ولم يكن معه شئ وأنه القديم وحده وأنه واحد لا يتجزى ولا يأتلف، ظهر أن صفاته كلها راجعة إلى سلب أضدادها عنه لا إلى إثبات أمر له، لأن ذلك ينافي جميع الأمور المذكورة، وهذا مذهب الحكماء وصرح به بهمنيار في التحصيل وذهب إليه الإمامية والمعتزلة. (1) وهو الحق الذي لا ريب فيه، وقالت الأشاعرة: صفاته أمور موجودة قديمة زائدة على ذاته تعالى قائمة بها. ويلزمهم مفاسد كثيرة في الزبر الحكمية والكتب الكلامية. منها أنه يلزم خلوه عن الكمال واتصافه بالنقص في مرتبة ذاته الحقة وعليته المتقدمة. ومنها أنه يلزم أن يكون محلا لأعراض ينفعل عنها ويستكمل بها. ومنها أنه يلزم عليه الانتقال من حال إلى حال. (وكذلك قولك عالم إنما نفيت بالكلمة الجهل وجعلت الجهل سواه) لا أنك أثبت له علما زايدا


= الجوهر الفرد أي الجزء الذي لا يتجزأ، إن كان موجودا كان متعددا، فإن كان كل واحد واجبا لزم تعدد الواجب، وإن كان أحدها واجبا كان ترجيحا من غير مرجح، وإن كان المجموع واجبا لزم التركيب في الواجب، وكذلك البسيط المجرد كالعقول والنفوس يحتمل الكثرة والقلة من حيث العدد، فثبت أن ما سوى الواجب تعالى متجز إن كان مركبا، واحتمل القلة والكثرة إن كان بسيطا والواحد غير المتجزي، ولا المحتمل للقلة والكثرة منحصر في ذات واجب الوجود تعالى. والحق أن الجوهر الفرد غير موجود وإن كل جسم ينقسم إلى غير النهاية. (ش) 1 - قوله " ذهبت إليه الإمامية والمعتزلة " بين كلام الإمامية والمعتزلة فرق، لأن المعتزلة قائلون بنفي الصفات، والإمامية قائلون بإثباتها وكونها عين الذات، وبينهما اشتراك في نفي الصفات الزائدة على الذات على ما يدعيه الأشاعرة ويثبتون القدماء الثمانية زائدة على ذات الواجب، وقد مر في الجزء الثالث في الصفحة 326 أن إرجاع صفات الواجب إلى نفي أضدادها غير صحيح بتمام معنى الكلمة، لأن نفي النقص لا يوجب إثبات الكمال مطلقا، مثلا: الجمادات فاقدة لصفات العلم والقدرة والسمع والبصر ولأضدادها أيضا لعدم الشأنية فلا يقال: الجدار أعمى أو اصم أو أمي عاجز، ثم إن الحكماء موافقون للإمامية حتى أهل السنة منهم. (ش) (*)

[ 18 ]

عليه وكذا الحال في سائر الصفات الكمالية إنما يقصد منها نفي ما يقابلها، ثم أوضح أن علمه وقدرته وغيرهما مما يليق به إنما هو بنفس ذاته لا بالأسماء والصفات بوجه آخر مقابل للوجه الأول وهو أن العلم باق لا يزال، وتلك الأسماء والصفات يطرأ عليها العدم والفناء. فقال: (وإذا أفنى الله الأشياء) (1) أي إذا تعلقت إرادته الكاملة بفناء الأشياء التي هي في حد ذاتها باطلة غير مستحقة للوجود (أفنى الصورة) أي الصورة اللفظية والمعنوية يعني أفنى اللفظ ومفهومه القائم بالنفوس السالفة والعقول العالية (والهجاء والتقطيع) فيصير بعد الوجود معدوما كما صار بعد العدم موجودا مثل سائر الممكنات (ولا يزال عالما من لم يزل عالما) يعني أن الحق بذاته عالم لا يزال كما أنه عالم لم يزل من غير انتهاء لعلمه ولا ابتداء، فعلم أن علمه ليس باعتبار هذا اللفظ أعني العالم ولا باعتبار مفهومه الذي يدركه الخلق وكذلك بواقي الأسماء (فقال الرجل) إذا كان الله ولم يكن معه غيره (فكيف سمينا ربنا سميعا ؟) وكونه سميعا في الأزل يقتضي وجود المسموع فيه والحال أنه ليس معه في الأزل شئ. (فقال): سمينا ربنا سميعا (لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع) (2) من الأصوات يعني سمعه عبارة عن علمه الأزلي بأصوات خلقه ولغاتهم ما بين العرش إلى الثرى من الذرة إلى أكبر منها أو أصغر (ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس) لامتناع احتياجه إلى الآلة، والسمع بهذا المعنى هو الذي يقتضي وجود المسموع ولا يتحقق بدونه. ولما كان سؤال الرجل مشعرا بأنه حمل صفات الخالق على ما هو المعروف في الخلق حتى قال ما قال وأجاب (عليه السلام) وهمه بالجواب المذكور زاده إيضاحا بذكر شئ من صفاته الذاتية والسلبية على


1 - قوله " إذا أفنى الأشياء " فناء الأشياء بمعنى تفرق أجزائها وزوال صورها وانتفاء منافعها لا بمعنى العدم الصرف وكذلك قوله تعالى * (كل من عليها فان) * و * (كل شئ هالك إلا وجهه) * وأمثال ذلك إلا أن يقال بأن المراد بالفناء الهلاك الذاتي من جهة ذاته ليس وإنما يصير موجودا بعلته، قال العلامة المجلسي - رحمه الله - في البحار: وأكثر متكلمي الإمامية على عدم الانعدام بالكلية، ثم نقل كلام المحقق الطوسى - رحمه الله - في التجريد: " والسمع دل عليه ويتأول في المكلف بالتفريق كما في قصة إبراهيم (عليه السلام) انتهى " واختار المجلسي (رحمه الله) التوقف قال: والحق أنه لا يمكن الجزم في تلك المسألة بأحد الجانبين ثم طعن على الشيخ المفيد والطبرسي قدس سرهما أشد طعن وأفحشه وقال: إنهما خرجا عن صريح آيات القرآن في نفخ الصور إذ قالا إن الصور جمع الصورة، والنفخ في الصور بمعنى النفخ في صورة الأشباح والأجسام حتى يحيى نظير النفخ في صورة آدم وهو يدل على وجود الأجسام عند النفخ وعدم انعدامها. (ش) 2 - قوله: " لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع " وهذا معنى قول الحكماء أن علمه تعالى بالجزئيات بالوجه الكلي لا بالإحساس فإن الإحساس إنما هو بتأثر الآلات والجوارح (ش). (*)

[ 19 ]

وجه لائق به تعالى تقويما وتثبيتا له على منهج الصواب، فقال: (وكذلك سميناه بصيرا لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون أو شخص أو غير ذلك) من المبصرات بالذات أو بالعرض يعني أن المراد بكونه بصيرا كونه عالما بتمام المبصرات جليها وخفيها حتى أنه لا يخفى عليه أثر الذرة الصماء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء (ولم نصفه ببصر لحظة العين) لتنزهه عن الآلة البصارة التي هي من خواص الحيوان، والإبصار بهذه الآلة هو الذي لا يمكن تحققه بدون وجود المبصرات دون الإبصار بالمعنى المذكور. وفي كتاب التوحيد للصدوق: " ولم نصفه بنظر لحظ العين ". (وكذلك سميناه لطيفا) قد يراد باللطيف رقيق القوام، وقد يراد به صغير الجسم، وقد يراد به عديم اللون من الأجسام، والله سبحانه منزه عن إطلاق اللطيف عليه بأحد هذه المعاني لاستلزامها الجسمية والإمكان فبقي أن يكون إطلاقه عليه باعتبار آخر وهو علمه بذوات الأشياء الصغيرة الحقيرة وصفاتها وأفعالها وحركاتها كما أشار إليه بقوله (لعلمه بالشئ اللطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلك) (1) مما لا يكاد تستبينه العيون وتدركه الأبصار ويفرق بين الذكر والأنثى وبين الحديث المولود والقديم لكمال صغره (موضع النش ء منها والعقل) (2) النش ء بفتح النون وسكون الشين المعجمة والهمزة أخيرا بالضمتين وتخفيف الواو قبل الهمزة على وزن فعول وبالضمتين وتشديد الواو مثل النمو على القلب والإدغام مصدر " نشأ الغلام " إذا شب وارتفع من حد الصبا وقرب من إلادراك وقد يسمى به النسل أيضا فيقال هذا نش ء سوء، وبكسر النون وسكون الشين والواو أخيرا بمعنى شم الريح جمع نشوة، ويؤيد هذا وقوع نشوة في بعض النسخ والمراد أنه يعلم موضع القريب من الإدراك وموضع الإدراك منها يعني يعلم حال هاتين أو يعلم زمانيهما أو يعلم موضع نسلها يعني آلة التناسل من الذكر والأنثى أو يعلم موضع شم الريح منها يعني شامتها (والشهوة للسفاد) عطف


1 - قوله: " وأخفى من ذلك، وقد تبين في عصرنا وجود حيوانات صغار جدا لا يدرك بالطرف ولها آلات وجوارح ولكل منها وظائف وقد ذكرها علماء الفن ولا مجال هنا لتفصيلها. (ش) 2 - قوله: " موضع النش ء منها " الحيوان من الأجسام النامية وفيه القوة النباتية الشاملة للغاذية والنامية والمولدة ويسميها الأطباء قوى طبيعية. وفيه القوة الحيوانية الشاملة للحس والحركة، وكل حيوان صغير أو كبير له موضع النش ء أي آلة مهيئة لتنمية الحيوان بإيراد الغذاء كالكبد وله موضع العقل أي آلة مهيئة لضبط الحركات. وليس العقل هنا واردا على اصطلاح المعقول وهو إدراك الكليات كما قلنا مرارا: إن حمل الأخبار على اصطلاح أرباب الفنون مزلة، لأن عقد الاصطلاح كان مؤخرا عن زمان صدور الأخبار، وبالجملة لكل حيوان آلة للإدراك كالدماغ والعصب، فالبعوضة مثلا لابد أن يكون له جوارح وآلات للتنمية وجوارح وآلات للحس والإدراك، والله يعلم موضع كل واحد لأنه تعالى خلقها على وفق حكمته. (ش) (*)

[ 20 ]

على الموضع أو على النش ء (1) أي يعلم الشهوة منها المعدة للسفاد أو يعلم موضعها، والسفاد بالكسر نزو الذكر على الأنثى، وفي بعض النسخ للسفاد، وكأنه نشأ من تحريف السفاد على أن له أيضا معنى صحيحا، لأن الشهوة علة للسفاد. (والحدب على نسلها) عطفه أيضا يحتمل الأمرين، والحدب - محركة -: التعطف، يقال: حدب عليه أي تعطف، يعني يعلم موضع تعطفها على نسلها أو يعلم تعطفها عليه. (وإقام بعضها على بعض) الإقام مصدر أصله إقامة حذفت التاء المعوضة عن العين وأقيمت الإضافة مقامها كما في نحو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يعني يعلم موضع إقامة بعضها على بعض أو يعلم قيام ذكورها وأقويائها بأمور إناثها وضعفائها وحفظ نظامها وأحوالها على قدر الطاقة والجهد. (ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفار) " في الجبال " إما حال عن الأولاد أو متعلق بالنقل. والمفاوز جمع المفازة، قال ابن الأعرابي: سميت بذلك لأنها مهلكة من فوز إذا هلك. وقال الأصمعي: سميت بذلك تفاولا بالسلامة من الفوز وهو الظفر والنجاة. والأودية جمع الوادي على غير قياس، لأن الفاعل لا يجمع على الأفعلة قياسا وإنما يجمع عليها الفعيل فكأنها جمع ودي مثل سري وأسرية للنهر. والقفار جمع القفر وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء (فعلمنا أن خالقها لطيف) أي عالم بالأشياء اللطيفة الصغيرة والأمور الدقيقة الحقيرة لضرورة أن خلقها لا يتصور بدون العلم بها (بلا كيف) أي بلا علم زائد عليه (2) قائم به أو بلا كيف مطلقا لضرورة أن حصول الكيف له يوجب


1 - قوله: " عطف على الموضع أو على النش ء " فإن كان عطفا على الموضع كان المعنى يعلم الله تعالى سفادها والحدب على نسلها. آه. وإن كان عطفا على النش ء كان المعنى يعلم موضع شهوة السفاد وموضع الحدب على النسل، وفيه تكلف ولا يمكن في قوله بعد ذلك: " ونقلها الطعام والشراب " إلا أن يقال الموضع مصدر ميمي أي يعلم وجود هذه الأمور، والحاصل أن الله تعالى ركب في الحيوان قوى لحفظ شخصه واليه أشار بقوله (عليه السلام) " موضع النش ء والعقل " وقوى لحفظ نسله وبقاء نوعه وإليه أشار بقوله: " والشهوة للسفاد " فذكر (عليه السلام) أربعة أمور لها دخل في حفظ النوع ليتنبه للباقي. الأول الشهوة، والثاني الحدب على النسل، فكل حيوان يخطر بنفسه لحفظ أولاده بما هو عجيب، ذكره أصحاب هذا الفن. الثالث: قيام بعضها على بعض كالذكور على الإناث لحفظها كما في الحمامة أو قيام الملكة والعمال في النحل كل على وظيفته لحفظ نوعها، الرابع: نقل الطعام والشراب إلى أولادها وهذا كله بإلهام الله تعالى. (ش) 2 - قوله: " بلا علم زائد عليه " بل الظاهر أن معنى اللطيف ليس بمعنى رقة القوام كالهواء، فنعترف بأنه لطيف ولا نعلم كيفيته كما نعلم كيفية لطف الماء والهواء. (ش) (*)

[ 21 ]

إمكانه ونقصانه والممكن الناقص في حد ذاته لا يصدر عنه مثل هذا الخلق العجيب والصنع الغريب (وإنما الكيفية للمخلوق المكيف) أي للمخلوق الذي بناه على اتصافه بالكيفيات والصفات الزايدة عن ذاته ولذلك كان في مرتبة ذاته خاليا عن جميع الكمالات مستعدا لها استعدادا قريبا أو بعيدا، وأما الخالق الكامل من جميع الجهات فليس له استعداد للصفات أصلا تعالى عن ذلك علوا كبيرا (وكذلك سمينا ربنا قويا لا بقوة البطش المعروف من المخلوق) وهو الأخذ الشديد عند ثوران الغضب والتناول عند الصولة. وقيل: البطش قوة التعلق بالشئ وأخذه على الشدة، وإضافة القوة، على الاول لامية وعلى الثاني بيانية، وإنما قال: البطش المعروف من المخلوق، لأن البطش قد يطلق عليه سبحانه باعتبار معنى آخر وهو العذاب كما قال: * (إن بطش ربك لشديد) *. (ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه) بينه وبين المخلوق في البطش بهذا المعنى وفيما يتوقف عليه البطش من القوى الجسمانية مثل القوة الغضبية والشهوية ولو احقهما (ولاحتمل الزيادة)، لأن القوة الجسمانية قابلة للزيادة إلى حد معين قطعا، ولأن قوة بطش الرب وجب أن تكون زايدة على قوة بطش المخلوق (وما احتمل الزيادة احتمل النقصان) ضرورة أن نصفه وربعه أنقص منه، ولأن ما يحتمل الزيادة يندرج تحت الكم المتصل مثل المقادير أو المنفصل مثل العدد، وكل واحد منهما محتمل للنقصان كما هو محتمل للزيادة (وما كان ناقصا كان غير قديم) (1)، لأن القديم كامل من جميع الجهات فما كان ناقصا في ذاته أو في وجوده أو في صفاته كان مفتقرا في استكماله إلى الغير وكل مفتقر ممكن وكل ممكن حادث (وما كان غير قديم كان عاجزا) وما كان عاجزا لا يصلح أن يكون مبدأ لجميع الموجودات، أما الثاني فظاهر. وأما الأول فلأن كل ما كان غير قديم كان حادثا، وكل ما كان حادثا كان عاجزا مقهورا بين يدي من أحدثه، فقد ثبت من هذه المقدمات أن الرب المبدأ لجميع الخلق لا يجوز أن تقع المشابهة بينه وبينهم بوجه من الوجوه، كما أشار إليه بقوله: (فربنا تبارك وتعالى لا شبه له) يدل عليه أيضا أنه تعالى ليس بجنس فيعادله الأجناس، ولا بفصل فيشابهه الفصول، ولا بشبح فيضارعه الأشباح، ولا بعرض فيماثله الأعراض، ولا بمخلوق فيقع عليه الصفات ولا بمنعوت فيشاركه سائر الذوات. (ولا ضد له) يدل عليه أيضا أن ربنا خالق الأضداد كلها فلو كان له ضد لكان هو ضدا لضده فيكون خالقا لنفسه ولضده وذلك محال، وأيضا المضادة من الأمور الإضافية التي تتوقف على وجود الغير


1 - قوله: " ما كان ناقصا كان غير قديم " أي كان مخلوقا وما ليس بمخلوق لا بد أن يكون كاملا. (ش) (*)

[ 22 ]

فلو كان له ضد لكان وجوده تعالى متعلقا بوجود غيره (1) فلا يكون واجب الوجود، هذا خلف (ولا ند) الند - بالكسر - مثل الشئ في الحقيقة الذي يناده أي يخالفه في أموره من " ند البعير " إذا نفر واستعصى وذهب على وجهه شاردا (ولا كيف ولا نهاية) الكيفيات حالات وصفات عارضة لشئ ما، وقد عرفت مرارا أنه تعالى لا يحل فيه شئ ولا يتصف بصفات، والنهاية غاية لامتداد يقف عندها ولا امتداد فيه جل شأنه (ولا بصار بصر) لاستحالة أن يكون له قوة باصرة يبصر بها المبصرات، وفي بعض النسخ " ولا ببصار ببصر " بزيادة الباء على البصار والبصر، وفي بعضها " ولا تبصار بصر " على صيغة التفعال وإضافته إلى بصر (ومحرم على القلوب أن تمثله) مثله تمثيلا صوره حتى كأنه ينظر إليه، وكل من مثله فقد ألحد عنه إذ كل ما له مثل فليس هو الواجب لذاته، لأن المثلية إن تحققت من كل وجه فلا تعدد، وإن تحققت في تمام الحقيقة لزم تعدد الواجب، وإن تحققت في جزئها لزم تركيبه، وإن تحققت في عارض لزم حلول العرض فيه، وكل ذلك محال (وعلى الأوهام أن تحده) إذ ليس له ذاتيات ولا نهايات فلا يجري فيه الحد العرفي واللغوي أصلا. (وعلى الضمائر أن تكونه) أي تتصور هويته وماهيته اللائقة به إذ تضل الضماير في أمواج تيار إدراك ذاته وتكل البصائر عن مشاهدة عظمة وجوده وصفاته (جل وعز عن أدات خلقه) لعل الأدات بفتح الهمزة وهي الآلة مثل السامعة والباصرة واللامسة وغيرها من القوى الحيوانية المشهورة وغير المشهورة. فإن قلت: مد التاء في الأدات يمنع أن يراد منها الآلة، لأن الأداة بمعنى الآلة إنما هي بالتاء المدورة. قلت: الأمر فيه هين سيما إذا كان المقصود رعاية المناسبة بينها وبين السمات. وقال سيد المحققين الإدات هنا بكسر الهمزة بمعنى إثقال الخلق وإحماله وهي الصفات والهويات الزايدة والمهيات والأنيات الفاقرة والكميات والكيفيات الباطلة في حد ذواتها، أو بمعنى إثقال المخلوقات وإتعابها إياه في خلقها وإعطائها مؤن الوجود وكمالاتها، وهي جمع إدة بكسر الهمزة وتخفيف الدال المهملة المفتوحة، إما اسم الحاصل بالمصدر أو مصدر وأده يئده، والجمعية بحسب تكثر المضاف إليه، إذ المعنى المصدري يتكثر له حصص بتكثر ما يضاف إليه وإن لم يكن


1 - ويأتى أن شاء الله بيانه. (ش) (*)

[ 23 ]

يتصور له حصص متكثرة بحسب نفسه لا من تلقاء الإضافة وأصلها الوأد وهو الثقل كما أن عدات جمع عدة وأصلها الوصف، أو هي بالكسر أيضا جمع الأدي بفتح الهمزة وكسر الدال المهملة وتشديد الياء المثناة من تحت بمعنى الأهبة، أو هي بالكسر لفظة مفردة معناها المعونة وهي في الأصل مصدر آديته إذا أعنته. هذا كلامه مع تغيير يسير فتأمل فيه (وسمات بريته) السمات جمع سمة وهي علامة يعرف بها، يعني أنه جل وعز عن علامات بريته وخواصها من الأين والأينيات والكيف والكيفيات والأشباح وسائر الصفات والحيثيات التابعة لطبيعة الإمكان والناشئة من القوى الجسمانية والتصرفات النفسانية في الحيوان (وتعالى عن ذلك علوا كبيرا) لاستحالة المماثلة بينه وبين خلقه في شئ من الأمور المذكورة وإلا لما كان بينه وبينهم فصل ولا له عليهم فضل فيستوي الصانع والمصنوع، وتكافي البديع والمبتدع، وهو باطل بالضرورة العقلية، والتنبيهات النقلية، والبراهين الشرعية. * الأصل: 8 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رجل عنده: الله أكبر فقال: الله أكبر من أي شئ ؟ فقال: من كل شئ، فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): حددته فقال: الرجل: كيف أقول ؟ قال: قل: الله أكبر من أن يوصف. * الشرح: (علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال الرجل عنده: الله أكبر فقال: أكبر من أي شئ) الغرض استعلام حاله هل يعلم ذلك أم لا (فقال: من كل شئ) (1)، لأن عظمته ذاتية مطلقة فإذا اعتبرت فيه الإضافة لحقته على الإطلاق غير مقيدة ببعض


1 - قوله: " فقال من كل شئ " وذلك لأن الظاهر المتبادر من لفظة " أكبر " وكل ما هو مشتق من الكبر العظمة الجسمانية ووظيفة المخاطب حمل الكلام على الظاهر المتبادر حتى يثبت خلافه بالدليل، وقد اتفق علماؤنا في التوحيد على تأويل ما ظاهره يعطي التجسيم وإن كان التأويل على خلاف الأصل، ولا ريب أن الظاهر حجة فيما يتعلق بالعمل ويحصل منه اليقين بضم مقدمة عقلية وهي أن الله تعالى لا يمكن أن يريد غير ما يدل عليه ظاهر كلامه مثلا قوله تعالى * (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) * ظاهره وجوب غسل الوجوه والأيدى بالماء ويحصل اليقين لنا بأنه المراد فإنه تعالى حكيم عادل عالم لا يأمر بشئ لا يفهمه المخاطب بخلاف أصول الدين إذ لعله تعالى لم يرد ظاهر كلامه ولا يكون في عدم فهم المخاطب غائلة ومفسدة فيجب فيه التوقف إلى أن يتبين فكان يجب على من سمع قوله تعالى * (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) * مثلا أو * (يد الله مبسوطة) * التوقف في معناه حتى يسمعوه ممن قوله حجة، لأن الظاهر لا يفيد إلا الظن ولا معنى للتعبد به في أصول الدين إلا أن من حصل له الظن وجب عليه أن يكون له الظن وهو تحصيل الحاصل إذ الظن حاصل له قهرا ولا يمكن أن يقال: من حصل له الظن وجب عليه اليقين، فإنه محال لا يتعلق به التكليف. (ش) (*)

[ 24 ]

الأشياء دون بعضها (فقال أبو عبد الله (عليه السلام): حددته) بالتخفيف من الحد وبالتشديد من التحديد يعني شرحت عظمته بوجه وجعلتها محدودة متعينة بنحو وهو أنه أكبر من كل شئ فإن فيه دلالة على أن في المفضل مثل ما في المفضل عليه من الكبر والعظمة مع زيادة وإن كانت تلك الزيادة هنا غير متناهية ولا شبهة في أن عظمة المفضل عليه محدودة متناهية، فإذا اعتبرتها في المفضل فقد حددته بأن له هذا المقدار من العظمة مع زيادة، وهذا نحو من تحديده وتوصيف عظمته والإحاطة بها (فقال الرجل: كيف أقول ؟ قال: قل: الله أكبر من أن يوصف) بشئ من الأشياء وبنحو من الأنحاء حتى التوصيف بأنه أكبر من كل شئ. ففي هذه الكلمة الشريفة تنزيه كلي له بوصف من الأوصاف ونعت من النعوت وحد من الحدود. وبالجملة تفسير السائل إشارة إلى أنا وجدنا عظمته فوق عظمة غيره على الإطلاق، وهذا لا يخلو من تحديد عظمته بوجه ما ولو بفرض العقل، وتفسيره (عليه السلام) إشارة إلى عجز العقل عن إدراك عظمته وغيرها من الصفات، وعن توصيفه بشئ منها وبينهما بون بعيد. قال أبو عبد الله الآبي - وهو من أعاظم علماء العامة - في كتاب إكمال الإكمال: واختلف في " الله أكبر " فقيل: أن " أكبر " بمعنى كبير، وقيل: أنه على بابه والمعنى: أكبر من أن يدرك كنه عظمته. * الأصل: 9 - ورواه محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن مروك بن عبيد، عن جميع ابن عمير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أي شئ الله أكبر ؟ فقلت: الله أكبر من كل شئ، فقال: وكان ثم شئ فيكون أكبر منه ؟ فقلت: وما هو ؟ قال: الله أكبر من أن يوصف. * الشرح: (ورواه) أي روى مضمون الحديث المذكور (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن مروك بن عبيد، عن جميع بن عمير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) أي شئ الله أكبر ؟) الغرض تنبيه المخاطب على الخطأ وإرشاده إلى الصواب (فقلت الله أكبر من كل شئ فقال) على سبيل الإنكار (وكان ثم) أي في مرتبة ذاته الحقة ورتبته السابقة، أو في الأزل أو في نفس الأمر (شئ فيكون أكبر منه). والحاصل أن الله أكبر في مرتبة ذاته وفي الأزل وفي نفس الأمر، ولا يصح التفسير المذكور - أعني من كل شئ - بوجه من هذه الوجوه، أما على الأولين فلأنه لم يكن في مرتبة ذاته المقدسة ولا في الأزل شئ حتى يتصور قياسه به ويقع فيه معنى التفضيل، وأما على الآخر فلأنه - تعالى شأنه - هو الحق الثابت بذاته وفي نفس الأمر وكل ما سواه فهو باطل صرف وهالك محض بذاته، فلا ينبغي أن

[ 25 ]

يقاس الحق الثابت على الباطل الصرف ويفضل عليه لانتفاء النسبة بينهما (فقلت فما هو) أي أي شئ الله أكبر (قال: الله أكبر من أن يوصف) لأنه محرم على نوازع ثاقبات الفطن توصيفه وعلى عوامق نافذات الفكر تكييفه، وعلى غوايص سابحات النظر تصويره، وعلى لطايف الأوهام أن تكنيه، وعلى ثواقب الأفهام أن تستغرقه، وعلى مشاعر الأذهان أن تمثله، قد يئست عن الإحاطة به طوامح العقول ونضت عن الإشارة إليه بحار العلوم. * الأصل: 10 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن هشام ابن الحكم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سبحان الله فقال: أنفة لله. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سبحان الله فقال: أنفة لله) أنف من الشئ يأنف - من باب علم - أنفا وأنفة بفتح الهمزة والنون فيهما إذا استنكف عنه وكرهه وشرف نفسه عنه والمعنى استنكافه تعالى عما لا يليق به وتنزهه عما لا يجوز له وتقدسه عن كل ما يغاير ذاته وهو عبارة عن التنزيه المطلق. * الأصل: 11 - أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن علي بن أسباط، عن سليمان مولى طربال عن هشام الجواليقي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (سبحان الله) * ما يعني، به ؟ قال: تنزيهه. * الشرح: (أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن علي بن أسباط، عن سليمان مولى طربال، عن هشام الجواليقي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله سبحان الله ما يعني به، قال: تنزيهه) عن النقايص والمعايب وغيرهما مما لا يليق بجناب الحق وساحة القدس مثل الضد والند والشريك والنظير والتشابه بالخلق والاتصاف بالصفات والتكيف بالكيفيات، وإنما حذف متعلق التنزيه للدلالة على التعميم. * الأصل: 12 - علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد ابن محمد بن عيسى جميعا، عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا جعفر الثاني: (عليه السلام) ما معنى الواحد، فقال: إجماع الألسن عليه بالوحدانية كقوله تعالى: * (لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) *.

[ 26 ]

* الشرح: (علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى جميعا، عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا جعفر الثاني (عليهما السلام) ما معنى الواحد) سأل عن تفصيل معناه وتفسير مغزاه. (فقال: إجماع الألسن عليه بالوحدانية) (1) أي تفرده بالإلهية ووجوب الوجود وسائر ما يختص به وإنما أجاب بالمشتق منه مع أن السؤال عن المشتق لأن المشتق لا يمكن معرفته إلا بمعرفة المشتق منه والمراد بإجماع الألسن المقالية على سبيل الاختيار والاضطرار أو إجماع الألسن الحالية بنطق العجز والافتقار (كقوله: * (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) * انطباقه على الاحتمال الأول ظاهر، لأن الظاهر أنهم كانوا يقولون ذلك بلسان المقال على تقدير السؤال، وسر ذلك أن الله تعالى وهب كل نفس قسطا من معرفته حتى نفوس الجاحدين له فإنها أيضا معترفة بوجوده ووحدانيته وإيجاده لهم لشهادة أعلام وجوده وآيات صنعه في أنفسهم على ذلك بحيث تحكم صراحة عقولهم بالحاجة إلى صانع حكيم وخالق عليم وتقر باللسان عند الاضطرار والشدائد والكربات كما تشهد به التجربة والآيات والروايات وأما على الاحتمال الثاني فيحتاج إلى تأويل ذكره بعض المحققين وهو أنهم يقولون ذلك بألسنة مهياتهم وإنياتهم الشاهدة على أنفسهم بالليسية والبطلان، ولخالقهم بالقيومية والسلطان، وإن أنكرت ألسنة أفواههم وجحدت أفواه جثثهم.


1 - قوله: " اجماع الالسن عليه " هنا مسألتان، الأولى: عن معنى الواحد، والثانية: الدليل عليه. وظاهر السؤال أنه عن المعنى وتفسير الشارح يدل على أنه بصدد الاستدلال على إثبات هذه الصفة. إشكال آخر وهو أن اتفاق العقول وإجماع الألسن على وجود الله تعالى ليس دليلا على وحدته، كيف وأكثر الناس مشركون، وليس من شأن الإمام الاستدلال على التوحيد بإجماع الناس فالأوضح إرجاع الجواب إلى بيان معنى الوحدة ليستقيم المعنى ولا يرد عليه الإشكال. وذلك بأن يقال: ليس معنى الوحدة في صفته تعالى الوحدة العددية المتبادرة إلى الأذهان إذ ليس هو تعالى واحدا من الموجودات حتى يكون له ثان وثالث بل هو الموجود الحقيقي ليس غيره موجودا إلا غير مستقل بنفسه وحينئذ فيكون معنى الوحدة عين معنى التشخص فإن حقيقته تعالى عين حقيقة الوجود والوجود عين التشخص، والتشخص بمعنى عدم احتمال تعدد الأفراد، لأن هذا الاحتمال لا يتطرق إلا في ماهية كلية وليس وجوب الوجود ماهية كلية وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يشير أحد إلى فرد منه وآخر إلى فرد آخر، بل كل الناس يشير إلى فرد واحد كما في كل مشخص. ألا ترى أن المسيح (عليه السلام) رجل متشخص بعينه فكل من تلفظ بلفظ المسيح أراد ذلك الواحد بعينه بخلاف ما إذا تلفظ بلفظ النبي فإنه يمكن أن يريد أحد به موسى (عليه السلام) والآخر عيسى (عليه السلام) ومعنى الوحدة فيه (تعالى) أنه متشخص بذاته وكل من تلفظ بلفظ الله أو تصور معناه فإنما يشير إلى ذلك الواحد بعينه وإن كان مشركا. (ش) (*)

[ 27 ]

باب آخر وهو من الباب الاول المذكور فيه معاني الأسماء واشتقاقها (إلا أن فيه زيادة وهو الفرق) تذكير الضمير باعتبار الخبر (ما بين المعاني التي تحت أسماء المخلوقين) ليرتفع الاشتراك المعنوي بينه وبينهم وينتفي التشابه بالكلية. * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم عن المختار بن محمد بن المختار الهمداني ومحمد بن الحسن، عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعا عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سمعته يقول: وهو اللطيف الخبير السميع البصير الواحد الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد لو كان كما يقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق ولا المنشئ من المنشأ لكنه المنشئ فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه إذ كان لا يشبهه شئ ولا يشبه هو شيئا. قلت: أجل جعلني الله فداك لكنك قلت: الأحد الصمد وقلت: لا يشبهه شئ والله واحد والإنسان واحد أليس قد تشابهت الوحدانية ؟ قال: يا فتح أحلت ثبتك الله إنما التشبيه في المعاني، فأما في الأسماء فهي واحدة وهي دالة على المسمى وذلك أن الإنسان وإن قيل: واحد فإنه يخبر أنه جثة واحدة وليس باثنين، والإنسان نفسه ليس بواحد، لأن أعضاءه مختلفة وألوانه مختلفة ومن ألوانه مختلفة غير واحد وهو أجزاء مجزاة، ليس بسواء، دمه غير لحمه ولحمه غير دمه، وعصبه غير عروقه، وشعره غير بشره، وسواده غير بياضه وكذلك سائر جميع الخلق، فالإنسان واحد في الاسم ولا واحد في المعنى والله جل جلاله هو واحد لا واحد غيره، لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، فأما الإنسان المخلوق المصنوع المؤلف من أجزاء مختلفة وجواهر شتى غير أنه بالاجتماع شئ واحد. قلت: جعلت فداك فرجت عني فرج الله عنك، فقولك: اللطيف الخبير فسره لي كما فسرت الواحد فإني أعلم أن لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل، غير أني أحب أن تشرح ذلك لي فقال: يا فتح إنما قلنا: اللطيف لخلق اللطيف ولعلمه بالشئ اللطيف أو لا ترى وفقك الله وثبتك إلى أثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف ومن الخلق اللطيف ومن الحيوان الصغار ومن البعوض والجرجس وما هو أصغر منها ما لا يكاد تستبينه العيون بل لا يكاد يستبان - لصغره - الذكر من الأنثى والحدث المولود من القديم، فلما رأينا صغر ذلك في لطفه واهتدائه للسفاد والهرب من

[ 28 ]

الموت والجمع لما يصلحه وما في لجج البحار وما في لحاء الأشجار والمفاوز والقفار وإفهام بعضها عن بعض منطقها وما يفهم به أولادها عنها ونقلها الغذاء إليها ثم تأليف ألوانها حمرة مع صفرة وبياض مع حمرة وأنه ما لا يكاد عيوننا تستبينه لدمامة خلقها لا تراه عيوننا ولا تلمسه أيدينا علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف لطف بخلق ما سميناه بلا علاج ولا أداة ولا آلة وأن كل صانع شئ فمن شئ صنع والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شئ. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن المختار بن محمد بن المختار الهمداني، ومحمد بن الحسن، عن عبد الله ابن الحسن العلوي جميعا عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن (عليه السلام)) قال: العلامة: الفتح ابن يزيد الجرجاني صاحب المسائل لأبي الحسن (عليه السلام) واختلفوا فيه (1) أنه هو الرضا أو الثالث (عليهما السلام) والرجل مجهول، والإسناد إليه مدخول. وقيل: المراد به إما الرضا (عليه السلام) كما يلوح من كتاب التوحيد للصدوق، وإما الثالث (عليه السلام) كما يلوح من كشف الغمة. أقول: وقد نقل الصدوق - رحمه الله - في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) هذا الحديث بهذا السند عن الرضا (عليه السلام) (قال: سمعته يقول: وهو اللطيف الخبير) يعني هو اللطيف بدقائق الأشياء والخبير بحقايقها (السميع البصير) يعني هو السميع للأصوات الخفية من الحيوان الصغار في لجج البحار وبطون القفار، والبصير للأشياء الدقيقة مما لا يكاد يدرك بلحظ العيون وطرف الأبصار (2) (الواحد الأحد الصمد) يعني هو الواحد المطلق الذي لا تعدد فيه ذاتا وصفة، والأحد المستنكف عن الشريك والنظير، والصمد الذي يلوذ به جميع الكائنات ويرجع إليه جميع الممكنات (لم يلد ولم يولد) يعني لم يكن له ولد وزوجة ولم يكن له والد وأم لتنزهه عن لواحق الشهوة وتوابع الجسم وخواص الإمكان ومعايب الافتقار وسمات الحدوث (ولم يكن له كفوا أحد) المقصود نفي إمكان وجود الكفو له لا بيان عدم وجوده مع إمكانه


1 - قوله: " واختلفوا فيه " روايته عن الرضا وعن الهادي (عليهما السلام) ممكن محتمل إذ لا يبعد بقاؤه من زمن الرضا (عليه السلام) إلى عصر الهادي (عليه السلام) ولم يكن الفاصلة بين قتل الرضا (عليه السلام) وإمامة الهادي (عليه السلام) إلا عشرين سنة وفتح بن يزيد مجهول الحال، وراويه مختار بن محمد بن مختار غير مذكور في الرجال وإنما ذكروا مختار بن بلال أو هلال بن مختار وأما ابن محمد بن مختار فكان متأخرا عن الشيخ الطوسي (رحمه الله) ذكره الشيخ منتجب الدين في الفهرست ويوجد رواية الفتح بن يزيد عن الرضا صريحا في كثير من أبواب الفقه يطلب من مظانه. (ش) 2 - قوله: " في لجج البحار " فيه تعسف إذ ليس لحيوان الماء صوت. (ش) (*)

[ 29 ]

(ولو كان كما تقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق ولا المنشئ من المنشأ) إذ لو وقع التشابه بين الواجب والممكن فإن دخل الممكن في حد الواجب لزم أن يكون الممكن واجبا خالقا، وإن دخل الواجب في حد الممكن لزم أن يكون الواجب ممكنا مخلوقا، وعلى التقديرين يقع الاشتباه بين الخالق والمخلوق ولم يتميز أحدهما عن الآخر. وفي كتابي التوحيد وعيون أخبار الرضا (عليهما السلام) للصدوق رضي الله عنه هكذا: " ولم يكن [ له ] كفوا أحد منشئ الأشياء ومجسم الأجسام ومصور الصور، لو كان كما تقول المشبهة " وفي العيون: " لو كان كما يقولون لم يعرف الخالق من المخلوق - إلى آخر الحديث " (لكنه المنشئ) وحده لا يشاركه في الإبداع والإنشاء أحد، وكل ما سواه منشأ مخلوق (فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه) أي فرق بين مجعولاته وميز بين مخلوقاته بأن جعل بعضها جسما وبعضها صورة وبعضها غير ذلك، وميز أيضا بين الأجسام والصور بحيث لا يشتبه شئ منها بما يماثله من نظايره (إذ كان لا يشبهه شئ ولا يشبه هو شيئا) " إذ " متعلق بفرق وظرف له يعني أن الفرق المذكور وقع في وقت لم يكن معه - عز شأنه - في ذلك الوقت شئ حتى يقع بينهما التشابه والتماثل، وإذا لم يكن التشابه واقعا في ذلك الوقت لا يجوز أن يقع في وقت من الأوقات، وإلا لزم النقص فيه جل وعز وأنه محال (قلت: أجل جعلني الله فداك) " أجل " بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام: من حروف التصديق، لأن المخاطب يصدق بها ما يقوله المتكلم (لكنك قلت: الأحد الصمد وقلت: لا يشبهه شئ والله واحد والإنسان واحد أليس قد تشابهت الوحدانية ؟) توهم من قلة التدبير أن كلامه (عليه السلام) مشتمل على التناقض، ثم الاستفهام إن كان على حقيقته فالأمر فيه سهل لأن الغرض منه استعلام مجهول، وإن كان للتقرير أو التوبيخ ففيه سوء أدب بل كفر (قال: يا فتح أحلت ثبتك الله) أي تكلمت بالمحال، أو هل تحولت وانتقلت عن عقيدتك - على أن تكون الهمزة للاستفهام - والدعاء بالتثبت يناسب كلا الاحتمالين (إنما التشبيه في المعاني) هذا الحصر مما اتفق عليه أرباب العربية وأصحاب اللسان سواء أريد بالمعاني طرفا التشبيه أو أريد بها الجامع بينهما (فأما في الأسماء فهي واحدة وهي دلالة على المسمى) في بعض النسخ " دالة " وفي بعضها " دليل ". ولا يرد أن اشتراك الأسماء يوجب الاشتراك والتشابه في المعنى فإن كون كل واحد منهما صاحب

[ 30 ]

هذا الاسم ومسمى به معنى مشترك بينهما فيقع التشبيه بذلك المعنى، لأن هذا المعنى أمر اعتباري لا تحقق له بوجه، واعتباره وعدم اعتباره لا يوجب تغير الذات أصلا (وذلك) إشارة إلى ما علم سابقا وهو أنه لا تشبيه في المعنى (أن الإنسان وإن قيل واحد فإنه) (1) أي فإن القائل (يخبر) بقوله واحد (إنه جثة واحدة) الجثة شخص الإنسان (وليس باثنين) يعني أن الواحد إذا أطلق على الإنسان يراد به الواحد العددي الذي هو نصف الاثنين ومبدأ الكثرة وجزء لمراتب الأعداد الغير المتناهية، والمسمى به بهذا المعنى لا ينافيه التركيب والتأليف والتجزئة والايتلاف بمهية وإنية وصفة وكيفية وهيئة وأينية كما أشار إليه بقوله: (والإنسان نفسه ليس بواحد) يعني اسمه واحد لا نفسه وشخصه (لأن اعضاءه مختلفة) كالرأس واليد والرجل والأذن والأنف إلى غير ذلك (وألوانه مختلفة) كالبياض والسواد والحمرة والصفرة والكدرة إلى غير ذلك. (ومن ألوانه مختلفة غير واحد) في الكلام حذف بقرينة المقام أي ومن أعضاؤه وألوانه مختلفة ليس بواحد، كيف (وهو أجزاء مجزاة ليست بسواء، دمه غير لحمه، ولحمه غير دمه، وعصبه غير عروقه، وشعره غير بشرته، وسواده غير بياضه) إنما اقتصر على الأعضاء الظاهرة التي لا جواز لإنكارها لكون دلالتها على التركيب أظهر وإلا فالإنسان أيضا مهيته غير إنيته، ونفسه غير مهيته، وذاته غير صفاته، وقواه غير ذاته، وجنسه غير فصله، وفصله غير تشخصاته (وكذلك سائر جميع الخلق) ذكر السائر مع الجميع للمبالغة في جريان هذا الحكم في جميع المخلوقات بحيث لا يشذ منها شئ حتى البسايط فإنها أيضا مركبة من جنس وفصل ومن مهية وإنية وصفات وكيفية. (فالانسان واحد في الاسم ولا واحد في المعنى) لما عرفت أنه مركب من الأمور المذكورة فهذا نتيجة للسابق (والله تعالى هو واحد لا واحد غيره)، لأن الواحد إذا اطلق عليه سبحانه يراد به أنه واحد من جميع الجهات لا تركيب فيه ولا تجزئة ولا تأليف من جنس وفصل ومهية وإنية وصفة وكيفية فهو الواحد


1 - قوله: " إن الإنسان وإن قيل انه واحد " الوحدة على أقسام: الأول: الواحد المجازي وهو اشتراك واحد، كأن يقال: الإنسان مع الحمار واحد، أي متحد في الحيوانية، والسواد والبياض واحد أي مشتركان في كونهما عرضا أو لونا، ويشمل التجانس والتماثل والتساوي والتشابه والتناسب والتوازي وغيرها، وهي بالترتيب الاشتراك في الجنس والنوع والكم والكيف والنسبة والوضع وغيرها، وهذه كلها أقسام الواحد المجازي، القسم الثاني الواحد الحقيقي أي الحقيقي بحسب اللغة يشمل الوحدة الحقة أي الواحد الذي صفته عين ذاته وهو الله تعالى والوحدة غير الحقة أي الذي صفته زائدة كالنقطة والواحد العددي والمفارق مما موضوعه لا يقبل القسمة وكالجسم الواحد والإنسان الواحد مما موضوعه يقبله وفي جميعها شوب كثرة ولو من ماهية ووجود. (ش) (*)

[ 31 ]

الحقيقي الذي لا تكثر فيه أصلا لا في الذات ولا في مرتبة الذات ولا بعد الذات، وهو متفرد بالواحد بهذا المعنى لا يشاركه أحد من الممكنات إذ شئ منها لا يخلو من تعدد وتكثر، ومن ثم اشتهر أن عالم الإمكان عالم الكثرة، لا يوجد فيه معنى الوحدة أصلا. (لا اختلاف فيه ولا تفاوت) أي لا اختلاف في ذاته لانتفاء التركيب ولا تفاوت بين ذاته وصفاته لانتفاء الزيادة (ولا زيادة ولا نقصان) لامتناع اتصافه بالجسمية والمقدار (فأما الإنسان المخلوق المصنوع المؤلف من أجزاء مختلفة وجواهر شتى غير أنه بالاجتماع شئ واحد) الظاهر أن قوله " من أجزاء مختلفة " متعلق ب‍ " المؤلف " وأن " المؤلف " خبر المبتدأ وهو الإنسان وأن " المخلوق المصنوع " صفة للانسان يعني أن الإنسان المخلوق المصنوع مؤلف من أجزاء مختلفة كما عرفت ومن جواهر شتى وهي الجنس والفصل وغيرهما فليس بواحد في الحقيقة وإنما صار باجتماع هذه الأجزاء شيئا واحدا عدديا، وإنما قلنا الظاهر ذلك لأنه يحتمل أن يكون متعلقا بالمصنوع ويكون المصنوع خبر المبتدأ، ويحتمل أيضا أن يكون خبر المبتدأ لكنه بعيد. (قلت: جعلت فداك فرجت عني فرج الله عنك) (1) قال الجوهري: الفرج من الغم، تقول: فرج الله غمك تفريجا وكذلك فرج الله غمك يفرج بالكسر، فعلى هذا يجوز في فرجت وفرج الله التخفيف والتشديد، والمفعول محذوف للدلالة على التعميم (فقولك اللطيف الخبير فسره لي كما فسرت الواحد) (2) على وجه أزال الشبهة عني وانشرح


1 - قوله: " فرج الله عنك " من التحيات في تعارف الناس ولم يقصد به غيره. وهذا الذي اختلج في ذهن السائل واستشكله حتى رفعه الإمام (عليه السلام) هو الذي يختلج في ذهن أكثر الناس لاشتباه الاشتراك بالتشكيك ولا يسهل عليهم تصور معنى واحد مختلف الأفراد في الكثرة والقلة كما ترى في اختلاف المتأخرين في الصحيح والأعم وتصوير الجامع في الأصول كالصلاة مختلف أفرادها في كثرة الأجزاء والشرائط، وقلتها بحسب اختلاف الحالات في السفر والحضر والصحة والمرض وواجد الماء وفاقده، فمفهومها مشكك وان كان واحدا وليس مشتركا لفظيا لمفاهيم متكثرة، وكذلك الواحد يطلق على الله تعالى وعلى الممكنات وليس مشتركا لفظيا وإن كان مشككا فبين الإمام (عليه السلام) الفرق بين الاشتراك والتشكيك، والحق أنها مشتركة معنى وإن اختلفت مصاديقها. ونقل الشارح القزويني عن المحدث الاسترابادي أنها مشتركة لفظا وليس بشئ. وسيجئ لذلك تتمة في شرح الحديث اللاحق إن شاء الله عن اختيار الشارح الاشتراك اللفطي. (ش) 2 - قوله: " اللطيف الخبير فسره لي " يعلم من ذلك أن الغرض من تفسير هذه الأسماء دفع ما يوهم التشبيه وأن لا يعتقد في الله تعالى صفات الأجسام على ما كان عليه أهل الحشو أصحاب الحديث من العامة على مقتضى جمودهم على حمل الألفاظ على الظاهر المتبادر منها كما هو دأبهم والفرق بين ما يتعلق بالعمل وبين ما يتعلق بالتوحيد وأمثاله وأن ظاهر الالفاظ في الفروع والتكاليف حجة بخلاف التوحيد وأمثاله إذ يستحيل على الحكيم تعالى في الفروع أن يأمر عباده بألفاظ لا يفهمون معناها حتى يمتثلوا أو يدل ظاهرها على خلاف مراده بخلاف ما لا يتعلق بالتكاليف والعمل إذ لا يستحيل أن يريد بالالفاظ = (*)

[ 32 ]

بذلك صدري (فإني أعلم) على سبيل الإجمال (أن لطفه على خلاف لطف خلقه) الذي هو رقة القوام أو صغر الحجم أو عدم اللون أو التلطف في الأمر والرفق المستندين إلى لين الطبيعة (للفصل) بالصاد المهملة أي للفرق الظاهر بينه وبين خلقه فلا يجوز أن يكون لطفه كلطفهم، وفي بعض النسخ " للفضل " بالضاد المعجمة أي للفضل له سبحانه على خلقه (غير أني أحب أن تشرح ذلك لي، فقال: يا فتح إنما قلنا: اللطيف للخلق اللطيف) الخلق مصدر بمعنى الإيجاد، واللطيف صفة له، يعني إنما قلنا لله تعالى: إنه لطيف للإيجاد اللطيف، وإنما وصف الإيجاد باللطيف باعتبار تعلقه بشئ لطيف ولو لم يكن الخلق مصدرا بحرف التعريف وكان مضافا إلى اللطيف إضافة المصدر إلى المفعول كما وقع في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) حيث قال: " إنما قلنا اللطيف لخلق اللطيف " لكان أظهر في إفادة المقصود، ويحتمل أن يكون الخلق بمعنى المخلوق يعني إنما قلنا: إنه تعالى لطيف لمكان المخلوق اللطيف، ومحصل الاحتمالين أنه لطيف باعتبار أنه


= خلاف ظواهرها ويؤخر بيانها إلى وقت آخر. وقال علماؤنا في التكاليف أيضا: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ويجوز تأخيرها عن وقت الخطاب، وعلى هذا فما لا يتعلق بالعمل يجوز تأخير بيانه مطلقا، إذ ليس فيه وقت حاجة إلى العمل وعلى الناس أن يعترفوا بمفادها الواقعي إجمالا، ولذلك ترى أن تفسير الأسماء غير متواتر من صدر الإسلام عن جميع فرق المسلمين كتواتر تفسير الصلاة والصوم والحج وكان أكثرهم لا يعرفون معاني الواحد واللطيف وغيره من الصفات، وأما الشارح المولى خليل القزويني فقال: الغرض من هذا الحديث رد اليهود والفلاسفة والزنادقة وبنى العباس وبيان أن فاعل النفوس الناطقة وما تحت فلك القمر هو الله تعالى اللطيف الخبير وليس له كفو ونظير، وأما هؤلاء فقد أثبتوا التجرد لغير الله تعالى ونفوذ الإرادة وقالوا إن فاعلنا مجرد صادر بالإيجاب من مجرد... الى آخر ما قال. وفيه أن اليهود لم يعهد منهم القول بالإيجاب بل الله تعالى في مذهبهم فاعل مختار خلق السموات والأرض بارادته، وأما بنو العباس فمقتضى التدبر والاعتبار أنهم كسائر الناس من بني عقيل وبني تميم وبني يشكر كان فيهم من العقايد ما كان في غيرهم لم يختصوا بمذهب ولعل بعضهم كانوا على مذهب الزنادقة وبعضهم على مذهب أهل السنة أو الشيعة، وأما الزنادقة فما كانوا يعترفون بموجود مجرد على ما مر لا بوجود الواجب تعالى ولا العقل ولا النفس ولم يقولوا بإيجاب في العلة والمعلول أصلا بل باختلاط النور والظلمة بالبخت والاتفاق، ولا يناسب هذا الحديث أقوالهم البتة، وأما الفلاسفة فليسوا على مذهب واحد بل بعضهم سني وبعضهم شيعي وبعضهم ملحد، وكثير منهم من النصارى أو اليهود أو المشركين، وإنهم وإن اعتقدوا تجرد النفوس والعقول ولكن ليس في الحديث إشارة الى اعتقادهم أصلا وليس من مذهبهم الإيجاب والاضطرار في واجب الوجود ولا في العقول وإنما استفاد الشارح المذكور ذلك بقياس رتبه في ذهنه من الشكل الثاني هكذا: واجب الوجود علة تامة ولا شئ من الفاعل المختار بعلة تامة أنتج واجب الوجود ليس بفاعل مختار. والكبرى ممنوعة إذ لا يمتنع أن يريد الفاعل المختار صدور الفعل عنه دائما وانحصار العلة التامة في الفاعل غير الشاعر لفعله المضطر فيه ممنوع جدا. (ش) (*)

[ 33 ]

خلق خلقا لطيفا مع جميع ما يحتاج إليه في نشوئه وبقائه من القوة السامعة والباصرة واللامسة وغيرها من القوى الظاهرة والباطنة وأودع جميع ذلك فيه مع صغر حجمه بحيث لا تستبينه أحداق العيون ونواظر الأبصار (لعلمه بالشئ اللطيف) الظاهر أنه تعليل ثان لتسميته تعالى باللطيف، وفي بعض نسخ هذا الكتاب وفي كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام): " ولعلمه " بالواو، وهو الأظهر، وإنما قلنا الظاهر ذلك لأنه يحتمل أن يكون تعليلا لتسميته تعالى بالخبير، لأن السائل سأله عن تفسير اللطيف الخبير جميعا، إلا أن هذا الاحتمال بعيد نظرا إلى ظاهر قوله (عليه السلام): " إنما قلنا اللطيف " حيث لم يذكر الخبير، اللهم إلا أن يقال: اكتفى بذكر اللطيف عن ذكر الخبير تعويلا على قرينة السؤال، ولما أشار بقول كلي على سبيل الإجمال (1) إلى أنه تعالى لطيف باعتبار خلقه خلقا لطيفا وعلمه بالخلق اللطيف، أراد أن ينبه على ذكر بعض مخلوقاته اللطيفة على سبيل التفصيل ويبين لطف صنعه في صغر ما خلقه وأحكم خلقه وأتقن تركيبه وفلق سمعه وبصره وسوى عظمه وبشره على غاية صغره فقال: (أو لا ترى) بالواو في أكثر النسخ وفي بعضها ألا ترى بدونها (وفقك الله وثبتك) حذف متعلق الفعلين للدلالة على تعميمه وشموله للخيرات كلها (إلى أثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف) قد ذكرنا في المجلد الأول من جملة ذلك الأثر ما دل على كمال علمه تعالى سبحانه بالأشياء الدقيقة والأمور الخفية، ومن أراد الاطلاع عليه على وجه أكمل فليرجع إلى كتاب توحيد المفضل المنقول عن أبي عبد الله (عليه السلام). (ومن الخلق اللطيف ومن الحيوان الصغار) بالضم الصغير، قال الجوهري: صغر الشئ وصغير وصغار بالضم (ومن البعوض) البعوض البق والواحدة البعوضة (والجرجس) بكسر جيمين بينهما راء ساكنة لغة في القرقس وهو البعوض الصغار، فذكره بعد البعوض من باب ذكر الخاص بعد العام (وما هو أصغر منها ما لا يكاد تستبينه العيون (2) بل لا يكاد يستبان لصغره) الموجب لخفاء الامتياز


1 - قوله: " على سبيل الإجمال " وهذا الاعتقاد الإجمالي كاف في تفاصيل أصول الدين إذ لم يكن الراوي قبل أن يجيب الإمام (عليه السلام) ويفسر له معنى اللطيف ضالا بسبب إجمال الاعتقاد وإنما زادت معرفته بسبب التفسير، وكذا التكليف في جميع ما يشتبه على الانسان من تفاصيل المبدأ والمعاد وجب عليه الاعتراف به إجمالا وإيكال تفسيره وحقيقته إلى أهله وإلى أن يحين حينه. (ش) 2 - قوله: " ما لا يكاد يستبينه العيون " لما كان الغرض تفهيم معنى اللطيف للمخاطب والواجب الاستشهاد بحيوان يعترف بوجوده، ذكر (عليه السلام) أولا من الحيوان الصغار ما رآه المخاطب وكان من غاية الصغر بمثابة يقرب من أن لا يرى وقد ثبت في = (*)

[ 34 ]

وتقارب الجثث (الذكر من الأنثى والحدث المولود من القديم) الحدث بالتحريك: الحادث وذلك لغاية صغر القديم بحيث يكون الحادث مثله في الجثة فلا يتميز عنه (فلما رأينا صغر ذلك في لطفه) أي فلما رأينا صغر جسمه مع لطف هيئته التي عليها صورته وصورة أعضائه، ف‍ " في " بمعنى مع، ويحتمل الظرفية أيضا (واهتداءه) عطف على صغر ذلك أو على لطفه (للسفاد) أي نزو الذكر على الأنثى قضاء للشهوة وطلبا للذة (والهرب من الموت) وما ذلك إلا لأن له قوة مدركة للموت والحياة ومنافعهما ومضارهما ولا يعلم قدر تلك القوة وقدر محلها إلا هو. (والجمع لما يصلحه) يجمع في الحر للبرد وفي الصيف للشتاء وفي أيام تمكنه من الحركة لأيام عجزه عنها، وهو عارف بقوانين معاشه ونظام أحواله وتدبير وجوده وتحصيل بقائه (وما في لجج البحار) عطف على ما يصلحه لبيانه وتفسيره، وفي كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) " مما في لجج البحار " وهو الأظهر في البيان وعطفه على صغر ذلك أيضا محتمل. (وما في لحاء الأشجار) اللحاء بالكسر والمد: قشر الشجر (والمفاوز والقفار) فكل وإن كان في غاية الصغر ونهاية الضعف وكمال دقة ما يقوم به شخصه من العظام والعصب والأوتار (1) والعروق والرباطات وغير ذلك من الأجزاء


= زماننا بمنظارات مكبرة وجود حيوان لا يرى بالبصر أصلا (غير ما يسمى بالميكروب والجراثيم وفيروس مما هو من خلية واحدة) بل حيوان تام ذي رأس وبدن وجوارح واشار إليه (عليه السلام) بعد ذلك بقوله: لا تراه عيوننا، ومنه عامل الجرب في الإنسان والحيوان. وذكر الطنطاوي في المجلد الخامس والعشرين في الصفحة 136، هذا الحيوان قال: هي نوع من العنكبوت قلما ترى بالعين المجردة، وهذه تحدث تحت الجلد ثلمة تكون سببا للمرض الذي ذكرناه، ولقد كان الناس من قبل يظنون أن ذلك المرض الجلدي ليس له سبب من خارج، ولقد ثبت الآن ثبوتا قاطعا أن سبب ذلك المرض إنما هو وجود هذه الحشرة تحت الجلد. إن ذلك محل المرض الذي فتكت به تلك الحشرة بما يسمى مرهم الكبريت أودهن الكبريت كاف لطرد ذلك المرض انتهى. وما ذكره من العلاج بالكبريت مأخوذ من القدماء وإن نسبه الطنطاوي إلى الطب الجديد وخطأ السابقين، فقد عد الشيخ في القانون من خواص الكبريت قلعه للجرب بالجملة. هذا حيوان كامل من جنس العناكب رأيت تصويره منه ذكر وأنثى وله رأس وأرجل ويسفد ويبيض في النقب الذي يحفره على جلد الإنسان وكثير من الحيوانات ومع ذلك لا يرى بالبصر لصغره وربما يجتمع من ضم خمسة من أفرادها ميلميتر واحد. (ش) 1 - قوله: " من العظام والعصب والاوتار " اختص المفسر الطنطاوي بذكر تفاصيل هذه الأمور، ومن أراد الاطلاع عليها فعليه بتفسيره، وقد أورد في تفسير سورة النمل الصفحة 154 وما بعدها من المجلد الثالث عشر في وصف عين النملة ما حاصله أن لها خمسة أعين، ثلاث بسيطة في مقدم الرأس واثنتين مركبتين كل واحدة من مائتي عين على جانبي الرأس وكل واحدة من هذه الأربعمائة تتركب من قرنية وحولها أهداب وتحت القرنية مخروط تحته العدسية كالبلور (وهي التي نسميها الرطوبة الجليدية وفي اصطلاح العامة إنسان العين) إلى غير ذلك من النسوج كالشبكية والغشاءات الفاصلة بين كل واحدة وأخرى وأعصاب يصل العين بالدماغ ليدرك الحيوان فما ترى في صغر هذه الأعضاء مع أن مجموع الاربعمائة لا ترى بالبصر لغاية صغرها. (ش) (*)

[ 35 ]

والأعضاء التي لا يعلم تشريحها إلا هو، يطلب رزقه وما يصلح به أمره بإعلام إلهي وإلهام رباني حيث هيأ له الصانع القدير وقدر له العليم الخبير (وإفهام بعضها عن بعض منطقها) (1) الإفهام إما بكسر الهمزة أو بفتحها، ولفظة " عن " وفهم بعض منطقها كما في كتاب العيون يرجح الثاني وضمير " منطقها " يعود على الأول إلى البعض الأول وعلى الثاني إلى البعض الثاني، والتأنيث باعتبار إرادة البعوضة أو الحيوانات، والمراد بمنطقها إما ما دل على مطالبها ومقاصدها من الحركات والإشارات والأصوات على سبيل الاستعارة، أو المراد به النطق الحقيقي المشتمل على الصوت والتقطيع، ويؤيد الثاني ظاهر قوله تعالى: * (وإذ قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده) * (وما يفهم به أولادها عنها) من الحركات والرموز الخفية التي ألهمها الصانع الخبير (ونقلها الغذاء) بالمناقير والأفواه والأنياب (إليها) أي إلى أولادها قبل استكمالها تعطفا بها وتحننا عليها. (ثم تأليف ألوانها) عطف على صغر ذلك و " ثم " لمجرد التفاوت في الرتبة فإن تأليف الألوان وأشرابها وإظهار كل واحد منها مع كمال الاختلاط من أعظم الأدلة على كمال لطف الصانع وعلمه بدقائق الأشياء (حمرة مع صفرة وبياض مع حمرة) حمرة بالجر بيان للألوان أي ثم تأليف حمرة مع


1 - قوله: " وإفهام بعض عن بعض منطقها " وذكر الطنطاوي تفصيلا في حياة النمل الاجتماعية ومنطقها وتربية صغارها لا نستطيع نقلها تفصيلا، ومما قال: إن الملكة إذا باضت تتجمع النملات العاملات حولها وتحمل البيوض بأفواهها وتمضي بها إلى المكان الدافئ الذي أعدته لها وهناك تشرع تعرف البيوض بحسب حجمها فتضع الكبيرات في صف والصغيرات في صف، ومتى نفقت بيوضها وخرجت تضعها العاملات في شكل دائرة وتجعل رؤوسها إلى خارج الدائرة لكي تسهل عليها تغذيتها، ثم إن المربيات تبالغ في تنظيف أوكارها ولا سيما أوكار الصغار وتضع في عشوش الصغار نوعا من الاسفنج تصنعه من المواد الناعمة المختلفة فمتى اتسخت خراطيم النملات وعلق الوحل على أفواهها تسرع المربيات إلى هذا الاسفنج وتمسكه وتمسح به أفواه الصغيرات وخراطيمها انتهى. وحكي في الصفحة 144 قصة حرب وقعت بين قريتين من قرى النمل بينهما مستنقع ماء صغير وألقي عليه خشبة صارت كالجسر، وكان من حكاية حربهم أن نملة من إحدى القبيلتين خرجت فرأت صفوف أخرى قادمة تتدفق على الجسر فأسرعت إلى عشها وأبلغت الخبر إلى قبيلتها فما لبثت هذه أن خرجت أيضا صفوفا للقتال وجرت المعركة الهائلة دامت أربعة أيام بلياليها وفي خلالها حدثت هدنة بضع ساعات، والظاهر أن نملة لم تستطع ضبط غضبها فخرقت شروط الهدنة واستؤنفت المعركة ثانيا، وشوهد عدد عديد من الجرحى تنتفض في مصارعها، وأما القتيلات فكانت مطروحة في مصارع مختلفة بلا حراك. انتهى بتلخيص. وأورد في الصفحة 162 رسم منازلها وصورة البيوت والحجرات ومخازن الأقوات والغرف المعدة لتربية الصغار وجمع البيوض وجبانة لدفن الموتى، فإن النمل تدفن أجساد موتاها. ولا يخفى أن هذه الحياة الاجتماعية لا يمكن إلا بأن يفهم بعضها ما يريده الآخر، قال: ان ذلك بتبادل الخواطر ويحدث بين أفكارها تيار نظير التلغراف اللاسلكي، وقال: إن السبب في ضعف هذه الملكة في الإنسان هو عدم استعمالها بعد أن تمكن من الكلام والخطابة. (ش) (*)

[ 36 ]

صفرة، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف وهو الضمير الراجع إلى الألوان وما بعدها صفة لها، وفي كتاب العيون: " حمرة مع صفرة وبياضا مع خضرة " بنصب " بياضا " فوجب نصب " حمرة " أيضا بتقدير: أعني، أو على أنها حال من الألوان (وأنه ما لا يكاد عيوننا تستبينه) وأنه بفتح الهمزة وتشديد النون عطف على " صغر ذلك ". وقال بعض الأفاضل: وأنه بسكون النون وفتح الهاء أمر من نهى ينهي، والموصول منصوب على المفعولية وعبارة عن الأجزاء والمعنى: اسكت عما لا تدركه عيوننا من أجزائها وتأليف بعضها مع بعض. شبه السكوت عن الشئ بالنهي عنه في عدم إجرائه على اللسان والأمر بالسكوت عنه لعدم إمكان تفصيله (لدمامة خلقها) الدمامة بفتح الدال المهملة: الحقارة، والدميم كأمير: الحقير، وتذكير ضمير الموصول تاره وتأنيثه أخرى باعتبار اللفظ والمعنى. (لا تراه عيوننا ولا تلمسة أيدينا) لأن صغر الحجم وحقارة المقدار على وجه الكمال أخرجه من أن تدركه العين أو تناله اليد و " لا تراه " إما استيناف أو بمنزلة إضراب عن قوله " لا يكاد " ونصبه على الحال بعيد، لعدم ظهور عامل له (علمنا) جواب لما (أن خالق الخلق) الذي أقامه على قوائمه وبناه على دعائمه مع حقارة بنيته ولطافة هيئته وركب فيها من لطائف الصنعة وأودعها من طرائف الحكمة ما عرفت. (لطيف لطف بخلق ما سميناه) أي رفق به ودقق خلقه وعلم دقائق مصالحه وأعطاه ما يليق بحاله من الحقير والنفير (بلا علاج) أي بلا مباشرة بالأعضاء والجوارح أو بلا تجربة ولا مزاولة ولا تدريج، تقول: عالجت الشئ معالجة وعلاجا إذا زاولته ومارسته (ولا أداة ولا آلة) العطف للتفسير. قال الجوهري: الأداة الآلة ويحتمل أن يراد بالأداة الأداة البدنية مثل القوى الجسمانية وبالآلة الآلة الخارجية كالمنشار والمنحت وغيرهما مما يحتاج إليه الصانع الزماني، ويحتمل أيضا أن يراد بالآلة المادة والمدة، وبالأداة الصفة الزايدة. وعدم استناد فعله تعالى إليهما على جميع التقادير ظاهر لأنهما من الأمور الحادثة المتعلقة بأمر حادث لا يتم فعله إلا بها ويفتقر في كماله إليها، والله جل شأنه قديم كامل في ذاته وفعله لا يفتقر إلى شئ أصلا (وإن كل صانع شئ فمن شئ صنع والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شئ) أشار بذلك إلى الفرق بين الصانع الحادث الناقص في حد ذاته وبين الصانع القديم الكامل في مرتبة ذاته الحقة القدوسية بأن الاول كما هو نفسه زماني ومادي ومدي وآلي كذلك فعله وصنعه زماني ومادي ومدي وآلي لاستحالة أن يفعل هو بلا علاج ولا مزاولة ولا

[ 37 ]

أداة ولا آلة ولا مادة ولا مدة شيئا، وأما الثاني فكما أن ذاته الحقة منزهة عن جميع النقايص والافتقار كذلك صنعه للمجعولات المادية وفعله للمخلوقات المدية منزه عن النقص والافتقار (1) إلى العلاج والأداة والآلة والمادة والمدة، سبحان من إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون. فإن قلت: عطف قوله " وإن كل صانع شئ " على جواب لما يشعر بأن هذا أيضا علمناه من السابق، وليس في السابق ما يدل عليه فما وجه ذلك ؟ قلت: الوجه فيه أنا إذا علمنا من السابق أن الصانع الحق لطيف بالمعنى المذكور فقد علمنا أن كل صانع غيره ليس بلطيف بذلك المعنى، لاستحالة وقوع التشابه بينهما في أمر من الأمور، فقد دل السابق التزاما على أن كل صانع غيره تعالى فمن شئ صنع. * الأصل: 2 - علي بن محمد مرسلا عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قال: اعلم علمك الله الخير أن الله تبارك وتعالى قديم والقدم صفته التي دلت العاقل على أنه لا شئ قبله ولا شئ معه في ديموميته فقد بان لنا بإقرار العامة معجزة الصفة أنه لا شئ قبل الله ولا شئ مع الله في بقائه، وبطل قول من زعم أنه كان قبله أو كان معه شئ، وذلك أنه لو كان معه شئ في بقائه لم يجز أن يكون خالقا له لأنه لم يزل معه، فكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه. ولو كان قبله شئ كان الأول ذلك الشئ لا هذا وكان الأول أولى بأن يكون خالقا للأول، ثم وصف نفسه تبارك وتعالى بأسماء دعا الخلق إذ خلقهم وتعبدهم وابتلاهم إلى أن يدعوه بها فسمى نفسه سميعا، بصيرا، قادرا قائما، ناطقا، ظاهرا، باطنا، لطيفا، خبيرا قويا، عزيزا، حكيما عليما وما أشبه هذه الأسماء، فلما رأى ذلك من أسمائه القالون المكذبون وقد سمعونا نحدث عن الله أنه لا شئ مثله ولا شئ من الخلق في حاله قالوا: أخبرونا إذ زعمتم أنه لا مثل لله ولا شبه له، كيف شار كتموه في أسمائه الحسنى فتسميتم بجميعها ؟ فإن في ذلك دليلا على أنكم مثله في حالاته كلها أو في بعضها دون بعض إذ جمعتم الأسماء الطيبة، قيل لهم: إن الله تبارك وتعالى ألزم العباد أسماء من أسمائه على اختلاف المعاني وذلك كما يجمع الاسم الواحد معنيين مختلفين، والدليل على ذلك قول الناس الجائز عندهم الشائع وهو الذي خاطب الله به الخلق فكلمهم بما يعقلون ليكون عليهم حجة في تضييع ما ضيعوا فقد


1 - قوله: " عن النقص والافتقار " إذا كان صنعه من شئ لزم وجود شئ كالمادة قبل وجوده تعالى أو معه وهو يستلزم كون المادة واجب الوجود بالذات، ويلزم منه تعدد الواجب وهو باطل فلابد أن تكون المادة مخلوقة ولا يجوز أن يكون صنعه تعالى عن شئ. (ش) (*)

[ 38 ]

يقال للرجل: كلب وحمار، وثور، وسكرة، وعلقمة، وأسد كل ذلك على خلافه وحالاته لم تقع الأسامي على معانيها التي كانت بنيت عليه، لأن الإنسان ليس بأسد ولا كلب، فافهم ذلك رحمك الله، وإنما سمي الله تعالى بالعلم بغير علم حادث علم به الأشياء، استعان به على حفظ ما يستقبل من أمره والروية فيما يخلق من خلقه ويفسد ما مضى مما أفنى من خلقه مما لو لم يحضره ذلك العلم ويغيبه كان جاهلا ضعيفا، كما أنا لو رأينا علماء الخلق إنما سموا بالعلم لعلم حادث إذ كانوا فيه جهلة وربما فارقهم العلم بالاشياء فعادوا إلى الجهل. وإنما سمي الله عالما لأنه لا يجهل شيئا. فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم واختلف المعنى على ما رأيت، وسمي ربنا سميعا لابخرت فيه يسمع به الصوت ولا يبصر به كما أن خرتنا الذي به نسمع لا نقوى به على البصر ولكنه أخبر أنه لا يخفى عليه شئ من الأصوات، ليس على حد ما سمينا نحن، فقد جمعنا الاسم بالسمع واختلف المعنى وهكذا البصر لا بخرت منه أبصر كما أنا نبصر بخرت منا لا ننتفع به في غيره ولكن الله بصير لا يحتمل شخصا منظورا إليه، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى، وهو قائم ليس على معنى اتتصاب وقيام على ساق في كبد كما قامت الأشياء ولكن قائم يخبر أنه حافظ كقول الرجل القائم بأمرنا فلان. والله هو القائم على كل نفس بما كسبت. والقائم أيضا في كلام الناس: الباقي. والقائم أيضا يخبر عن الكفاية كقولك للرجل: قم بأمر بني فلان أي اكفهم. والقائم منا قائم على ساق، فقد جمعنا الاسم ولم نجمع المعنى، وأما اللطيف فيلس على قلة وقضافة وصغر ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء والامتناع من أن يدرك، كقولك للرجل: لطف عني هذا الأمر ولطف فلان في مذهبه وقوله يخبرك أنه غمض فيه العقل وفات الطلب وعاد متعمقا متلطفا لا يدركه الوهم فكذلك لطف الله تبارك وتعالى عن أن يدرك بحد، أو يحد بوصف، واللطافة منا الصغر والقلة، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى، وأما الخبير فالذي لا يعزب عنه شئ ولا يفوته ليس للتجربة ولا للاعتبار بالاشياء فعند التجربة والاعتبار علمان ولولاهما ما علم، لأن من كان كذلك كان جاهلا والله لم يزل خبيرا بما يخلق، والخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلم، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى، وأما الظاهر فليس من أجل أنه علا الأشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتسنم لذراها ولكن ذلك لقهره ولغلبته الأشياء وقدرته عليها كقول الرجل: ظهرت على أعدائي وأظهرني الله على خصمي، يخبر عن الفلج والغلبة، فهكذا ظهور الله على الأشياء، ووجه آخر أنه الظاهر لمن أراده ولا يخفى عليه شئ وأنه مدبر لكل ما برأ، فأي ظاهر أظهر وأوضح من الله تبارك وتعالى، لأنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت وفيك من آثاره ما يغنيك، والظاهر منا البارز بنفسه والمعلوم بحده، فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى، وأما

[ 39 ]

الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا، كقول القائل: أبطنته يعني خبرته وعلمت مكتوم سره، والباطن منا الغايب في الشئ المستتر وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى، وأما القاهر فليس على معنى علاج ونصب واحتيال ومداراة ومكر، كما يقهر العباد بعضهم بعضا، والمقهور منهم يعود قاهرا والقاهر يعود مقهورا، ولكن ذلك من الله تبارك وتعالى على أن جميع ما خلق ملبس به الذل لفاعله وقلة الامتناع لما أراد به لم يخرج منه طرفة عين أن يقول له كن فيكون، والقاهر منا على ما ذكرت ووصفت، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى، وهكذا جميع الأسماء وإن كنا لم نستجمعها كلها فقد يكتفي الاعتبار بما ألقينا اليك. والله عونك وعوننا في إرشادنا وتوفيقنا. * الشرح: (علي بن محمد مرسلا، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)) هذا الحديث رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) وفي كتاب التوحيد من طريق المصنف مسندا قال: حدثنا علي ابن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق (رضي الله عنه) قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني قال: حدثنا علي بن محمد المعروف بعلان، عن محمد بن عيسى عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (قال: قال: اعلم علمك الله الخير) الخير مفهوم عام شامل لجميع القوانين الشرعية وجزئياتها سواء كانت متعلقة بنظام الدين أو بنظام الدنيا، وهذا الخطاب عام شامل للموجود والمعدوم ومن هو في أصلاب الآباء وأرحام الامهات (إن الله تعالى قديم) وجوده ذاتي (1) مستند إلى ذاته غير مسبوق بالعدم ولا معروض له (والقدم صفته التي دلت العاقل) إما بالاستقلال أو بملاحظة مقدمة مبرهنة متقررة في العقل مسلمة عند الكل وهي أنه تعالى مبدأ لجميع ما سواه (على أنه لا شئ قبله لا شئ معه في ديموميته) التي كانت له في


1 - قوله: " وجوده ذاتي " كذا فسر القديم المجلسي (رحمه الله) ورفيعا النائيني (رحمه الله) لأن الذي وجوده عرضي حاصل له من غيره لابد أن يكون مخلوقا كما مر في محله، وأما الشارح القزويني - رحمه الله - فقال: المراد بالله هنا فاعل الأجسام سواء كان واجب الوجود لذاته أم لا، سواء كان بسيطا أو مركبا من عدة بسائط مجردة، وهو عجيب إذ لم يعهد إطلاق كلمة الله على غير واجب الوجود بالذات ولا يصح لا حقيقة ولا مجازا، لأن المجاز أيضا يتوقف على تجويز اللغة ولا يجوز في لغة العرب إطلاق الله مجازا على غيره تعالى حتى عند المشركين، والحامل له على ذلك أنه زعم أن صدر الحديث تقرير مذهب باطل يريد الإمام (عليه السلام) نقضه وهو مذهب الفلاسفة والأشاعرة حيث زعموا أن غير الله تعالى أيضا قديم، أي العقول أو الصفات الثمان التي سموها القدماء الثمانية، وهذا أيضا عجيب، لأن الإمام (عليه السلام) قال: " أعلم علمك الله الخير أن الله قديم " ولو كان هذا تقرير مذهب باطل لم يقل (عليه السلام) أعلم علمك الله الخير، فإنه لا يأمر بتصديق شئ باطل. (ش) (*)

[ 40 ]

مرتبة ذاته الحقة ومرتبة وجوده الذي هو نفس ذاته القدسية، وستعرف وجه دلالتها عليه (فقد بان لنا بإقرار العامة) أي بإقرار عامة الموجودات كلها بلسان الحال والإمكان وبعضها بلسان المقال والبيان والإقرار، إما من " أقر بالحق " إذا اعترف به، أو من " أقر الحق في مكانه " فاستقر هو. فقوله (معجزة الصفة) (1) على الأول منصوب بنزع الخافض وهو الباء وإن شذ نزعه في مثله، وعلى الثاني منصوب على المفعولية، والمعجزة اسم فاعل من " أعجزته " بمعنى: وجدته عاجزا، أو من " أعجزته " بمعنى: جعلته عاجزا، أو من " أعجزه الشئ " بمعنى: فاته. وإضافته إلى الصفة والمراد بها القدم من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. أي الصفة المعجزة وإنما وصفها بالإعجاز لأنها تجدهم، أو تجعلهم لنباهة شأنها عاجزين عن إدراكهم كنهها وحقيقتها أو عن اتصافهم بها أو عن إقرارهم بأنه تعالى قديم، أو لأنها تفوتهم وهم فاقدون لها، ويحتمل أن تكون المعجزة مصدر عجز عن الشئ عجزا ومعجزة بفتح الميم وكسر الجيم وفتحها للإضافة والانتساب وأدنى ملابسة أي إقرار العامة بعجزهم عن تلك الصفة وعدم قدرتهم على الاتصاف بها. هذا الذي ذكرناه في حل هذه العبارة هو ملخص ما ذكره جمع من المتأخرين منهم السيد الداماد والمحقق الشوشتري مع زيادات سنحت للخاطر،


1 - قوله: " معجزة الصفة " اتفق النسخ على إعجام الزاى وهي إما اسم فاعل أو مفعول أو مصدر ميمي. ويحتمل بعيدا أن يكون على وزن مفعلة التي يدل على تكثير الفعل وزيادته مثل " السواك مطهرة للفم " أي كثير التطهير " وصلة الرحم منماة للمال " أي يزيد في نمو المال " وقطعها مقربة للأجل " أي يزيد في قرب الأجل. والمعنى أن عامة الناس أقروا واعترفوا أو أثبتوا صفة القديم لله تعالى واعترفوا أيضا بأن هذه الصفة معجزة أي لا يقدرون على اكتناهها وعاجزون عن الاتصاف بها وتحصيلها لأنفسهم. والإمام (عليه السلام) يصوب هذا الرأي أي الإقرار من العامة ويستشهد بصحة كلامهم وقولهم على مطلوبه. وأما الشارح القزويني فقرأه " معجرة " بالراء المهملة والعجر ورم البطن واتساعه، وفسره بأن العامة وسعوا صفة القديم حتى شمل غير الله تعالى من العقول والأفلاك، وعلى هذا فلا يمكن استشهاد الإمام (عليه السلام) بهذا الإقرار من العامة وتصويب رأيهم، وهو خلاف عبارة الحديث، ولولا أنا نعلم كون القائل من أعاظم العلماء لذهب وهمنا إلى أنه من أقاصيص جحا. وأورد المجلسي رحمه الله في مرآة العقول عبارة الشارح ثم عبارة رفيع الدين النائيني في شرح هذا الحديث وأوردناها في حاشية الوافي، والفيض - رحمه الله - صوب نسخة عيون أخبار الرضا (عليه السلام) وهي هكذا: " فقد بان لنا بإقرار العامة مع معجزة الصفة أنه لا شئ، وقال: كأنه سقط كلمة " مع " من نساخ الكافي، ومقصوده: بأن لنا من شيئين إقرار العامة ومن معجزة الصفة أنه لا شئ من قبل الله. وأظن أن نسخة الكافي أصح واوضح، ولو كان الأمر كما استصوبه لقال (عليه السلام) بإقرار العامة مع مفهوم الصفة أي المتبادر من معناها لا مع إعجاز الصفة بغير إعجاز، والعجز إنما يناسب الإقرار أي العامة أقروا بأنهم عاجزون عن إثبات شئ معه تعالى. وأما صدر المتألهين - قدس سره - فإنه جعل إعجاز الصفة فاعلا لقوله " بان " وجملة " أنه لا شئ " متعلقة بالإعجاز، والمعنى: أن بإقرار العامة بان لنا إعجاز الصفة إياهم عن إثبات قديم معه تعالى، لأن الصفة أعجزتهم وجعلتهم غير قادرين على أن يثبتوا قديما غيره تعالى وألزمتهم باختصاص الصفة به تعالى. (ش) (*)

[ 41 ]

وقال بعض الأفاضل: متعلق الإقرار محذوف، والمعجزة اسم مفعول من أعجزه إذا فاته، وصفة للعامة ومضافة إلى الصفة، يعني بان لنا بإقرار العامة بفقدان تلك الصفة وفواتها فيهم بأنه تعالى قديم. وفيه أن الأصل عدم الحذف وأن الإضافة اللفظية لا تفيد تعريف المضاف فلا تقع صفة للمعرفة. وفي بعض نسخ لا يعتد به " بهذه الصفة " وهو أظهر. وفي كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) " مع هذه الصفة " والله أعلم. (إنه لا شئ قبل الله ولا شئ مع الله في بقائه) (1) أزلا وأبدا جميعا، فلا ينافي ما تقرر من أن الإنسان باق أبدا لا يموت بعد البعث (وبطل قول من زعم أنه كان قبله) كالقائلين بأنه مركب فإن الجزء قبل الكل (أو كان معه شئ) كالقائلين بزيادة الوجود والصفات، و " شئ " مرفوع على سبيل التنازع (وذلك أنه لو كان معه شئ في بقائه لم يجز أن يكون خالقا له) وإذا لم يكن خالقا لذلك الشئ لزم تعدد الواجب لذاته ولزم أيضا أن لا يكون جل شأنه مبدأ لجميع ما سواه وكلاهما باطل (لأنه لم يزل معه فكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه) في مرتبة ذاته ووجوده، والمخلوق يجب أن يكون بحسب الذات والوجود متأخرا عن الخالق القادر، وذلك، لأن وجوده تعالى عين ذاته، فلو كان وجود شئ ما مع وجوده غير متأخر عنه كان أيضا مع ذاته غير متأخر عنها أصلا. فلا تكون ذاته التي تفعل بالاختيار علة له لوجوب تقدمها على المعلول بحسب الرتبة والوجود، فقد ظهر أن القديم لا يجوز أن يكون معلولا (2) للقادر خلافا للمبتدعة (3) (ولو كان قبله شئ كان الأول ذلك الشئ لا هذا) الذي هو


1 - قوله: " ولا شئ مع الله في بقائه " عقد الباب لشرح أسمائه الحسنى والفرق بين معانيها إذ إطلق عليه الممكنات ومنها القديم، ومعناه فيه تعالى أنه لا شئ معه ولا شئ قبله، وفي غيره أمد بعيد ومدة طويلة عن أول وجوده، وهذا في كل شئ بحسبه. والعرجون القديم هو الذي مضى عليه ستة أشهر، والإنسان إذا مضى عليه هذه المدة لا يسمى قديما. والبحث عن الحدوث عن المتكلمين يمكن أن يقرر على ثلاثة أوجه: الأول إثبات الحدوث للعالم حتى يستدل به على وجود الله تعالى وهذا لا يجوز أن يثبت بالقرآن والحديث وإجماع الملل بل يجب أن يثبت بدليل عقلي إذ حجية ظاهر الكتاب وقول المعصوم (عليه السلام) يتوقف على إثبات وجوده تعالى أولا ثم إثبات النبوة، وإذا لم يثبت وجود الله تعالى كيف يصدق بالنبي والقرآن والحديث والإجماع بل هو مصادرة. الثاني إثبات الحديث بعد الإقرار بالله والنبي والاعتراف بالقرآن وأقوال الأنبياء لا لاثبات وجوده تعالى بل تعبدا، وهذا معقول لكن الظاهر من الأحاديث والإجماع إثبات الحدوث لاثبات وجوده تعالى لا تعبدا من حيث إن الاعتقاد به أصل برأسه من أصول الدين، وكل من عد إنكار الحدوث كفرا فإنما ذهب إليه، لأنه يؤدى إلى إنكار الواجب أو اضطراره. الثالث إطلاق الحدوث على المخلوقية للزوم عرفي بينهما، فكلما قيل حادث أريد أنه مخلوق، وكلما قيل قديم أريد أنه غير مخلوق، وهو الظاهر من الروايات بل صريحها عدم كون الحدوث أصلا برأسه بل هو تساوق لاثبات الواجب. (ش) 2 - قوله: " فقد ظهر أن القديم لا يجوز أن يكون معلولا " لم يظهر من كلامه (عليه السلام) من ذلك شئ إذ لم يفرق بين الفاعل المختار = (*)

[ 42 ]

القبل على الإطلاق وهو المسمى بالله وكان الأول بحسب هذا الفرض (أولى بأن يكون خالقا للأول) الذي هو الخالق لجميع ما سواه وهذا خلاف المتقرر الثابت من وجهين: الأول أن لا يكون المبدء للجميع مبدأ للجميع، والثاني أن يكون القديم الواجب حادثا ممكنا لأن كونه بعد أن لم يكن وصف له بالحدوث اللازم للإمكان. (ثم وصف نفسه تبارك وتعالى بأسماء) أي سمى نفسه بها أو عرف نفسه، وإنما قال بأسماء ولم يقل بمعانيها للدلالة على أنه ليس له صفة زائدة (دعا الخلق) بالنصب على أنه مفعول له مثل " حذر الموت " يعني وصف نفسه بالأسماء لأجل دعائهم إياه بتلك الأسماء (إذ خلقهم وتعبدهم) يعني طلب منهم العبادة والتذلل وغاية الخضوع، وأراد أن يكونوا عبيدا له (وابتلاهم) بالخير والشر واختبرهم بالمصائب والنوائب وألجأهم (إلى أن يدعوه بها) أي بتلك الأسماء التي وصف بها نفسه (فسمى نفسه) الفاء لتفسير الوصف المذكور لا للتفريع (سميعا بصيرا قادرا قائما ناطقا ظاهرا باطنا


= وغيره. وقوله " لم يزل معه فكيف يكون خالقا " يدل على كون صرف معيته علة لعدم مخلوقيته من غير تأثير للاختيار وقد ذكرنا سابقا أن الفاعل المختار لا يستحيل عقلا أن يريد صدور الفعل عنه دائما وأن يكون له في كل زمان مخلوق ولا يتصور مانع عن تجويز ذلك إلا أن يبين استحالة معلول مستمر باستمرار العلة ولم يبين، وإذا تعقل إمكان عدم الفصل الزمانى بين المعلول والعلة كحركة اليد وحركة المفتاح، فإنه مع سابقية حركة اليد لا فصل بينهما زمانا، فمع إمكانه لا مانع من إرادة الفاعل المختار هذا الأمر الممكن، فالحق أن غرض الإمام (عليه السلام) إثبات مخلوقية كل شئ له تعالى وأنه ليس في دار الوجود شئ إلا وهو محتاج إليه ومتأخر عنه في الوجود سواء كان نظير تأخر حركة المفتاح عن حركة اليد أو تأخر خلق السموات والأرض عن وجود الله تعالى أو تأخر خلق الإنسان عن خلق السموات والأرض. (ش) 3 - قوله: " خلافا للمبتدعة " البديع: الشئ الذي لم يعهد نظيره قبله، والمبتدعة كل طائفة تخترع في الدين أمورا غير معهودة فيه وإنما يتصور وجودهم بعد الإسلام لا قبله. ومراد الشارح هنا فرقة من أتباع المشائين مزجوا اصطلاحات الشرع باصطلاحات الفلسفة، وقلنا إن الخلط مزلة لا في خصوص اصطلاحات الفلسفة بل اصطلاح كل فن، كما أن بعض الناس أفتى بوجوب غسل الجمعة، إذ ورد في الحديث " أن غسل الجمعة واجب " ولم يعلم أن اصطلاح الأئمة في الوجوب غيره في اصطلاح أهل الأصول، وهكذا بعض أتباع المشائين لما رأوا قول أرسطو أن الإنسان كان مخلوقا لا أول لوجوده تأولوا قصة آدم وحواء وكذلك تأولوا خلق السموات والأرض من الدخان أو من الماء وأمثال ذلك، وكان قول أرسطو هنا فرضا يستحسنونه لا أمرا برهانيا يتمسكون به وهكذا كانت الفلاسفة قديما وجديدا حتى في أيامنا هذه، فربما يستخرجون حقيقة برهانية لا يشك فيها ويستدلون عليها بأدلة موجبة للعلم مثل أن الأرض كرة وأن الخسوف لحيلولة وتارة يبدعون رأيا وفرضا استحسانا من غير دليل علمي على إيجابه مثل قولهم بأن الأرض كانت قطعة انفصلت من الشمس وأن الإنسان حصل بالنشوء من قرد أو غيره، وكما لا يجوز خلط اصطلاح الشرع باصطلاحات الفنون كذلك لا يجوز خلط البرهانيات بالاستحسانات وإنما يجوز تأويل الظواهر إذا ثبت خلافه بالبرهان اليقيني لا إذا خالف الاستحسانات. (ش) (*)

[ 43 ]

لطيفا خبيرا قويا عزيزا حكيما عليما وما أشبه هذه الأسماء) من الأسماء المشتركة بينه وبين خلقه الدالة على الذات مع ملاحظة شئ من الصفات (فلما رأى ذلك من أسمائه الغالون المكذبون) الغالي المتجاوز عن الحد من غلا في الأمر يغلو غلوا إذا جاوز فيه الحد وهم قد جاوزوا الحد في أسمائه تعالى حيث جعلوا مبادي اشتقاقها موجودة خارجية زائدة عليه قائمة به، وفي بعض النسخ " القالون " بالقاف من القلى وهو البغض (وقد سمعونا نحدث عن الله أنه لا شئ مثله) بحسب الذات (ولا شئ من الخلق في حاله) بحسب الصفات (قالوا أخبرونا إذا زعمتم أنه لا مثل لله ولا شبه له كيف شاركتموه في أسمائه الحسنى فتسميتم بجميعها) إذ هذه الأسماء وهي السميع والبصير إلى آخر ما ذكر تطلق عليكم أيضا (فإن في ذلك) أي في مشاركتكم في أسمائه (دليلا على أنكم مثله في حالاته) التي دلت عليها تلك الأسماء (كلها أو في بعضها دون بعض) الترديد إما لعدم تحقق المشاركة في جميع أسمائه تعالى أو لكون المشاركة في البعض كافيا في مقام المناظرة والإلزام (إذ جمعتم الأسماء الطيبة) وذلك دل على أنكم مثله في المعنى إذ الاشتراك في المشتق يقتضي الاشتراك في المشتق منه. وفي كتاب التوحيد وكتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام): " إذ جمعتكم الأسماء الطيبة " ولما أشار إلى منشأ شبهتهم وتقريرها بأن مشاركتكم معه في الأسماء تقتضي مشابهتكم ومماثلتكم معه في المعنى لأن الاسم دليل على المعنى المشترك بينكما أشار إلى الجواب عنها وحاصله أن الاشتراك هنا من باب الاشتراك في اللفظ دون المعنى بقوله (قيل لهم: إن الله تعالى ألزم العباد أسماء من أسمائه على اختلاف المعاني) أي على سبيل الاشتراك في اللفظ دون المعنى (1) (وذلك كما يجمع الاسم الواحد


1 - قوله: " على سبيل الاشتراك في اللفظ دون المعنى " هذا خلاف رأي أهل التحقيق، لأن الصفات عندهم مشتركة معنى كما بينوا في إطلاق الوجود على الله وعلى الممكنات لكن الاشتراك المعنوي لا يوجب التساوي من جميع الجهات فالنور الضعيف والشديد مشتركان في معنى النورية ويطلق النور عليهما بمعنى واحد وإن اختلفا في الشدة والضعف، كذلك الوجود وسائر الصفات في الواجب والممكن ليست نظير لفظ العين في معانيه بل هي معنى واحد اختلف أفراده ففي الواجب وجود شديد فوق ما لا يتناهى وعلم وقدرة وحياة كذلك وفي الممكن كل ذلك ضعيف غاية الضعف البتة ومقصود الإمام (عليه السلام) بيان اختلاف المصاديق في المعنى لتشكيكه، ويتفق الاشتراك اللفظي والمشكك مع الحقيقة والمجاز في إطلاق لفظ واحد على أمور مختلفة ولذلك شبهه (عليه السلام) بإطلاق سكرة وعلقمة على النبتين وعلى الإنسان مع الاختلاف لاشتراكهما في إطلاق لفظ على أمور مختلفة كذلك يطلق العالم على الله وعلى الإنسان مع الاختلاف لا أن هذا حقيقة وذاك مجاز، كما أن المراد من الاشتراك في اللفظ الاشتراك ففي المفهوم ومن الاختلاف في المعنى الاختلاف في أفراد المشكك بحسب المصاديق. قال الحكيم السبزواري إذا قلنا إنه عالم أو يا عالم بعنوان إجراء أسمائه الحسنى في الأدعية والأوراد إما أن يعنى من ينكشف لديه الشئ فقد جاء الاشتراك، أو لا فقد جاء المحذورات الأخر، يعني إن حملناه على ضد ذلك المفهوم وهو الجهل، لزم المحال، وإن لم نفهم شيئا لزم التعطيل. (ش) (*)

[ 44 ]

معنيين مختلفين) من جميع الوجوه مثل العين للباصرة والذهب ولا يقع بذلك التماثل والتشابه بينهما، هذا إذا كان ذلك للتمثيل أما لو كان للتشبيه كما يشعر به ظاهر الكاف وظاهر الدليل الآتي المبتني على الحقيقة والمجاز، فالمراد بالمعنيين المختلفين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي والمختلفان في بعض الوجوه المتشابهان أو المتناسبان بوجه آخر، والمقصود من التشبيه هنا هو جهة المغايرة والمخالفة دون المناسبة والمشابهة، فإن المعنى المجازي للحمار مثلا هو الإنسان مخالف لمعناه الحقيقي وإن كان إطلاق الحمار عليه باعتبار مناسبة خارجة عنه، فإذا شبهنا العين بالحمار باعتبار المعنى أو شبهنا معناها بمعناه فلا شبهة في أن المقصود هو إظهار المخالفة وبيان المغايرة بين معنييها كما هي بين معنيي الحمار، وأما المناسبة التي بين معنيي الحمار فأمر غير مقصود في هذا التشبيه أصلا، فاندفع بذلك ما عسى أن يقال: هذا التشبيه يفيد اعتبار المناسبة أو المشابهة بين علمه تعالى مثلا وعلم غيره، وهذا مؤيد للشبهة لا دافع لها (والدليل على ذلك قول الناس الجائز عندهم الشايع) بالشين المعجمة والعين المهملة وفي كتاب العيون: " قول الناس الجايز عندهم السايغ " بالسين المهملة والغين المعجمة بمعنى الجايز، والمذكور هنا أصوب لخلوه عن التكرار (وهو الذي خاطب الله به الخلق فكلمهم بما يعقلون ليكون عليهم حجة (1) في تضييع ما ضيعوا) من الإيمان والأحكام والأخلاق (2) (فقد يقال للرجل كلب وحمار وثور وسكرة) السكر - بضم


1 - قوله: " ليكون عليهم حجة " هذا يدل على أن خطاب الله وكلام حججه (عليهم السلام) وردا على مجرى كلام الناس بعضهم مع بعض وقواعدهم وسننهم، فما يتكلف بعض الناس من حمل ألفاظ القرآن وبعض الأحاديث على ما لا يسوغ في اللغة العربية غير جائز بل خروج عن طريقة الشرع ولا يرضى به الأئمة (عليهم السلام)، فإن قيل: قد ورد في تفسير الآيات من ذلك شئ كثير مثل * (ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله) * هم الأئمة (عليهم السلام) مع أن إطلاق الشهور وإرادة الأئمة إن احتمل صحته فهو مجاز لا يصح في لغة العرب إلا بقرينة، ولا قرينة بل القرينة على خلافه، قلنا نمنع صحة هذه الروايات أولا، ونحملها على التمثل وأن الشئ بالشئ يذكر ثانيا، أو على التصريح ببعض أفراد المعنى الكلى من غير نفي الأفراد الأخر ثالثا، كما في قوله تعالى * (يؤمنون بالغيب) * أنه الإمام الغائب لا انحصار المراد فيه بل هو وأفراده الأخر كالقيامة والملائكة والمعاد ما لا يرى بالعين من الحقائق أيضا مرادة، وصرح ببعض أفراده دفعا لشبهة من لا يعترف بكونه مرادا وذكرنا شيئا مما يتعلق بهذا المعنى في الصفحة 380 من المجلد الثالث. (ش) 2 - قوله: " ما صنعوا من الإيمان " والإيمان ليس من الصنع والعمل بل الناظر في الأدلة إذا علم صحتها حصل له الإيمان قهرا وغير الناظر لا يحصل له وظاهر الألفاظ حجة في الصنع والعمل على ما صرح به الإمام (عليه السلام) لأن المكلف يجب أن يأتي بعمله على وفق مراده سبحانه، والشارح الحكيم يجب أن يصرح بمراده ويبينه حتى يتمكن العباد من الامتثال، فما يفهمه الناس من ظاهر كلامه هو مراده منهم، ولا يمكن أن يريد سواه بمقتضى الحكمة، وأما ما لا يتعلق بالعمل كتفاصيل المبدأ = (*)

[ 45 ]

السين المهملة وتشديد الكاف - فارسي معرب، الواحدة سكرة، وفي المغرب: السكر - بالتشديد -: ضرب من الرطب مشبه بالسكر المعروف في الحلاوة (وعلقمة وأسد) العلقم شجر مر ويقال للحنظل ولكل شئ مر علقم (كل ذلك على خلافه وحالاته) أي على خلاف ما هو المقصود منه وضعا وخلاف حالاته وصفاته المطلوبة منه حقيقة. وحالاته عطف على الضمير المجرور بالإضافة بدون إعادة الجار كما في قوله تعالى * (واتقو الله الذي تساءلون به والأرحام) * والدليل على امتناعه مدخول كما سنشير إليه في باب صلة الرحم إن شاء الله تعالى، ومن لم يجوز ذلك فليجعل الواو بمعنى " مع " أو ليقدر مضافا أي وخلاف حالاته. وفي كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام): " على خلافه " لأنه (لم يقع الأسامي على معانيها التي كانت بنيت عليه) هذا بيان وتوضيح لما قبله (لأن الإنسان ليس بأسد ولا كلب فافهم ذلك رحمك الله) أي ما يطلق عليه لفظ الإنسان حقيقة ليس ما يطلق عليه لفظ الأسد والكلب حقيقة. فقد تقرر مما ذكر أن معنى الأسماء في الواجب مخالف لمعناها في غيره كما أن المعنى الحقيقي للأسد مخالف لمعناه المجازي الذي هو الإنسان إلا أن الاسم فيما نحن فيه ليس في الواجب حقيقة وفي غيره مجازا بل في كليهما حقيقة من باب الاشتراك في اللفظ، فإن العالم مثلا موضوع تارة للعلم القديم الكامل بالذات لا بالغير، وتارة للعلم الحادث الناقص القابل للعدم سابقا ولاحقا القائم بالغير، ولا شبهة في أن هذا المعنى مخالف لذلك المعنى ولا اشتراك بينهما إلا في لفظ العلم. ولما نظر بعض المحققين إلى هذا الدليل ووجد الأسد ونحوه من الأسماء حقيقة في معانيها الأصلية ومجازا في الإنسان ظن أن الأسماء


= والمعاد ومراتب الأنبياء وكيفية الوحى فلا ضير أن يبقى مجملا ولا يعلمه الناس تفصيلا ولا يبينه الشارع لهم لعدم حاجتهم إليه في العمل مثل أنك إذا أردت تعليم الحج والزيارة لمن لم يزر بعد تبين له ما يحتاج إلى عمله وما ليس له طريق إليه إلا تعليمك إياه مثل شرايط الطواف والسعي وعبارة التلبية وطريق الزيارة وعبارتها، وأما ما لا يتعلق بالعمل ولا يتغير الواقع ببيانك ولا بجهل المخاطب بحقيقته فليس عليك تعليمها مثل أن حجر إسماعيل في جانب من الكعبة والحجر الأسود في جانب آخر فلو اشتبه الأمر على المخاطب وظن كليهما في جانب واحد وبقي على هذا الاشتباه حتى زار الكعبة لم يكن ضائرا به في علمه وعمله ولا يختل بذلك حجه ولا يعيب عليك أحد حيث أجملت الكلام ولم تبين له موضع الحجر. بخلاف ما إذا لم تبين له شرايط صحة الطواف مما يتعلق بعمله فإنه يضر بحكمتك وترى أن كثيرا من أعاظم أصحاب الأئمة عليهم السلام يسألون عن معاني أسماء الله ولم يكن مبينا لهم طول عمرهم ولم يكن جهلهم بها مخالفا لحكمة الله تعالى إذ ذكرهم بهذه الأسماء ولم يصر معناها مبينا إلا بعد حين كما مر ونقلنا في الصفحة 212 من المجلد الثالث كلام العسكري (عليه السلام) إلى ابن إسحاق الكندي أنه يمكن أن يكون الله تعالى أراد من ألفاظ القرآن غير الذي ذهبت أنت إليه. (ش) (*)

[ 46 ]

الكمالية أيضا كذلك فقال: معناه كما أن تلك الأسماء لا يستحقها حقيقة إلا معانيها الأصلية ولا تقع على الرجل حقيقة بل تقع عليه مجازا، كذلك الأسماء الكمالية لا يستحقها حقيقة إلا الذات القدسية ولا يقع على الكاملين من الخلق حقيقة بل تقع عليه مجازا من حيث إنهم مظاهر أسماء خالقهم، وفيه أنه إن أراد بالمجاز في قوله: " الأسماء الكمالية تقع على الخلق مجازا " الاستعارة ليوافق الأمثلة المذكورة في الدليل فإن الأسد ونحوه استعارة في الإنسان يرد عليه أن الاستعارة مبينة على التشبيه وقد مر مرارا أنه لا يجوز تشبيه شئ بالله سبحانه بوجه من الوجوه، وإن أراد مجازا مرسلا لعلاقة السببية والمسببية - كما يشعر به الظاهر - يرد عليه أنه على تقدير جواز ذلك، هنا فاتت المناسبة بين المقيس المقيس عليه فإن المقيس عليه استعارة، وإن اكتفى في المناسبة بمجرد التجوز وإن كان هذا نوعا منه وذاك نوعا آخر فليقل بالاشتراك اللفظي كما هو ظاهر سياق الحديث (1) وليكتف في المناسبة بما ذكرنا سابقا من مجرد الاختلاف بين المعنيين، ولما أشار إجمالا إلى اختلاف معاني الأسماء بين الخالق والخلق أراد أن يشير إلى تفصيل بعض ذلك وتوضيحه ليقاس عليه في البواقي فقال: (وإنما سمى الله بالعلم) المراد بالعلم العالم بذكر المشتق منه مقام المشتق، أو المراد بالتسمية الوصف أو قال ذلك للتنبيه على أن العلم عين ذاته، وفي كتاب العيون: " وإنما تسمى بالعالم على صيغة المشتق " (لغير علم حادث علم به الأشياء) يعنى سمي بعلم قديم كامل من جميع الجهات هو عين ذاته الحقة التي هي العلم بالأشياء كلها كليها وجزئيها على نحو واحد لا بعلم حادث زائد عليه قائم به علم به الأشياء لاستحالة الجهل عليه في مرتبة ذاته وامتناع اتصافه بالحوادث (استعان به على حفظ ما يستقبل من أمره) كالبشر فإنه يستعين بعلم حادث له بالكليات على حفظ تفاصيل جزئياتها الواردة


1 - قوله: " كما هو ظاهر سياق الحديث " بل سياق الحديث يدل على أن الإمام (عليه السلام) يريد الفرق بين حقيقة هذه الصفات في الواجب تعالى وفي المخلوق وأن علمه مثلا لكماله وشدته وكثرته لا يقاس بعلم المخلوق، ويكفي في ذلك كون اللفظ مشككا. وأما البحث اللفظي وأنه بعد الاعتراف بهذا الفرق هل لجميع الأفراد مفهوم واحد جامع وضع له اللفظ أو لا ؟ فهو أجنبي عن المقام وليس من شأن الإمام، وهكذا الغرض في السميع والبصير بيان أن سمعه وبصره تعالى ليس مثل سمعنا وبصرنا في الواقع ونفس الأمر وأما أن هذين المعنيين المختلفين هل يوجد مفهوم جامع لهما وهل وضع اللفظ لهذا المفهوم ؟ فهذا أمر تافه لا يضر ولا ينفع وليس بيانه على الإمام ولا يتبادر الذهن من كلامه إليه. وبالجملة فالاشتراك اللفظي قول ضعيف جدا حتى إن الشارح القزويني أيضا ضعفه، وأما الأشاعرة فانما ذهبوا إلى الاشتراك اللفظي اما الاشتباه المعنى باللفظ وتوهم أن المفهوم الواحد لا يمكن أن يصدق على متباينين أو للتقرب إلى العوام في تعظيم شأن الله بحيث يكون اللفظ المطلق عليه تعالى غير مطلق على غيره ومع ذلك فخالف علماء الأشاعرة رؤساءهم في ذلك. (ش) (*)

[ 47 ]

عليه في مستقبل أحواله (والروية فيما يخلق من خلقه) " ما " مصدرية والروية عطف على الحفظ وفيه إشارة إلى أن علمه بالأشياء علما إجماليا يستعين به على الروية والفكر ليجد وجه المصلحة فيما يخلق من خلقه كما هو شأن أرباب الصنايع فإنهم يتصورون أولا أمرا مجملا ثم يخطر ببالهم في أثناء الصنع ما له مدخل في تمامه وكماله ويصنعونه تكميلا لصنايعهم وعطفها على علم حادث، أي إنما سمى الله بالعلم بغير الروية إلى آخره أيضا محتمل، والمتكلمون بعدما قالوا: إنه تعالى عالم بجميع أفعاله قبل الإيجاد لا من طريق أصلا لا من حس ولا من روية ونظر واستدلال، سألوا أنفسهم وقالوا: لم زعمتم ذلك ولم لا يجوز أن يكون قد فعل أفعالا مضبوطة ثم أدركها فعلم كيفية صنعها بطريق كونه مدركا لها فأحكمها بالروية بعد اختلالها واضطرابها ؟ ثم أجابوا عن ذلك بأنه لا بد أن يكون قبل ذلك عالما بمفردات بعضها فوجب أن يعلم كذلك بأسرها لعدم التخصيص. ورد هذا الجواب بأنه لا يلزم العلم بمفردات الفعل العلم بالفعل، فقولكم " لا بد أن يكون عالما بمفرداتها قبل فعلها " مصادرة على المطلوب. والجواب الحق: أنه لو علمها بعد أن لم يعلمها لزم الجهل وهونقص لا يليق بجناب القدس ولكان علمه بها حادثا في ذاته فيلزم أن يكون جل شأنه محلا للحوادث وهو محال. (ويفسد ما مضى مما أفنى من خلقه) " يفسد " من أفسدت الشئ لعدم كونه على وجه المصلحة، والمفسدة خلاف المصلحة وهو عطف على يخلق، وصح ذلك، لأن " ما " مصدرية كما أشرنا إليه ولو جعلت موصولة أو موصوفة لم يصح و " ما مضى " مفعوله و " مما أفنى " بيان لما مضى والمقصود - والله أعلم - أنه ليس له علم حادث استعان به على الروية والتفكر في الخلق والإيجاد والإفناء والإفساد فكما لا يتفكر في استصلاح ما يخلق كذلك لا يتفكر في استصلاح ما يفسد لعدم وقوعه على وجه المصلحة كما هو شأن الفاعل بالعلم الحادث الناقص الذي يستكمل في الصنايع بالتجربة وتكرر الأفاعيل، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " ومنشئهم بحكمه بلا اقتداء ولا تعليم، ولا احتذاء لمثال صانع حكيم، ولا إصابة خطأ " (1) ومعنى قوله (عليه السلام) " ولا إصابة خطأ " أنه يخلق أولا اتفاقا على سبيل الاضطراب والخطأ في المصلحة من غير علم منه على وجهها، ثم علمه بعد ذلك بالروية والتفكر فأفسد ما فعله واستدرك فعله على وجه المصلحة وأحكمه. (مما لو لم يحضره ذلك العلم ويغيبه كان جاهلا ضعيفا). هذه الجملة إما في محل الجر على أنها صفة أخرى لعلم حادث أو في محل النصب على أنها حال عنه و " ما " في " مما " موصولة أو موصوفة،


1 - النهج، قسم الخطب، تحت رقم 189. (*)

[ 48 ]

والعائد إليها اسم الإشارة، والضمير المنصوب في قوله " لم يحضره " راجع إليه سبحانه و " يغيبه " على صيغة المضارع بالغين المعجمة والباء الموحدة بعد الياء المثناة من تحت من الغيبة، والأصل يغيب عنه بالحذف والإيصال، وهو عطف على قوله " لم يحضره " وفي بعض النسخ " تغيب " على صيغة الماضي من باب التفعل، والأصل فيه تغيب عنه. وفي كتاب العيون " ويعنه " على صيغة المضارع المجزوم من الإعانة لكنونه معطوفا على مدخول " لم " (كما أنا لو رأينا علماء الخلق إنما سموا بالعلم). في كتاب العيون أيضا " بالعلم " خلافا لما تقدم (لعلم حادث) قائم بذواتهم بعدما لم يكن (إذ كانوا فيه جهلة) بفتح الجيم والهاء جمع جاهل. وفي كتاب العيون " قبله " بدل " فيه " وكون علماء الخلق جاهلين أمر ظاهر فإن أكثرهم كانوا خالين عن العلم في بدء الفطرة ثم حصل لهم العلوم بالتجربة والممارسة، وبعضهم وإن لم يكن خاليا عنها كالنفوس الهيولانية العالية والعقول المجردة النورانية لكن في مرتبة ذاته الممكنة العارية عن حلية العلوم كان جاهلا، وإنما اتصف بالعلم بعد ملاحظة الذات وتكميلها فهو في مرتبة الذات كان جاهلا بخلاف الحق جل شأنه فإن علمه في مرتبة ذاته العالمة بكل شئ من كل جهة بالفعل لأنه عينها (وربما فارقهم العلم بالأشياء) لعروض النسيان والغفلة (فعادوا إلى الجهل) كما كانوا فيه أولا (وإنما سمي الله عالما لأنه لا يجهل شيئا) (1) لإنه بذاته الحقة القديمة عالم بجميع الأمور مستقبلها وماضيها كليها وجزئيها بحيث لا يتفكر ولا يتروى، ولا يزيد علمه ولا ينقص، ولا يتغير ولا يتبدل، ولا يجهل ولا ينسى، وبالجملة علمه هو الذات القدوسية الحقة وعلم غيره صفة فاقرة قائمة بذات فاقرة (فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم واختلف المعنى على ما رأيت) فإطلاق العالم على الخالق والمخلوق كإطلاق العين على الباصرة والذهب فالاشتراك بينهما إنما هو في الاسم دون المعنى


1 - قوله: " لأنه لا يجهل شيئا " وحاصل الفرق بين علمه تعالى وعلم غيره أنه عالم بذاته وساير الموجودات ان علموا شيئا بغيره، ولا يخفى أن كل ما بالعرض يجب أن ينتهى إلى ما بالذات، فإذا نظرنا إلى أفراد الإنسان وهم أعلم موجود في العالم الجسماني رأينا علمهم عرضيا حاصلا من غيرهم ولم نر قط إنسانا عالما بالذات، لأن الذاتي لا يختلف ولا يتخلف، ولو كان علمهم ذاتيا لهم كان جميع أفراد الإنسان متساوين في العلم ولم يتخلف عنهم العلم أصلا بأن يكون أحدهم في زمان جاهلا ثم يصير عالما ثم يعود جاهلا فظهر أن علمهم عرضي حاصل لهم لا من ذاتهم فلا بد أن يلتزم إما بأن في الوجود موجودا عالما ذاته بكل شئ وهو الله تعالى، أو بأن ما بالعرض لا يجب أن ينتهي إلى ما بالذات، وهو محال. وبعبارة أخرى: إنا نعلم بالبديهة أن العلم ليس من صفات الجسم من حيث هو جسم وأن الانتقاش بصورة شئ ليس علما بذلك الشئ وأن الجدار لا يدرك النقوش التي عليه والآلة الفوتوغرافية لا ترى التصوير فيها، فالبصر الذي يدرك ويرى الأشياء ليس إدراكها بجسميته بل بإشراق قوة عليه من عالم آخر وراء عالم الأجسام، والعلم الذاتي الذي لا يطرء عليه الجهل أبدا إنما هو ذلك العالم الغير الجسماني فما دام إشراق تلك القوة كان علم وإدراك بحسب استعداد المحل، وإذا انقطع الإشراق انقطع العلم. (ش) (*)

[ 49 ]

(وسمي ربنا سميعا لا بخرت فيه يسمع به الصوت ولا يبصر به) بل يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع وهو نفس ذاته المقدسة والخرت بفتح الخاء المعجمة وضمها وسكون الراء المهملة قبل التاء المثناة من فوق الثقب في الأذن وغيرها، وفي كتاب العيون " لا بجزء فيه " (كما أن خرتنا) في كتاب العيون: " كما أن جزءنا " (الذي به نسمع) الأصوات الداخلية فيه الواصلة إلى القوة المنبثة على العصب المفروش تحته، وهذا العصب محل لهذه القوة المدركة للصوت، والخرت طريق لوصول الصوت إليها (لا نقوى به على البصر) أي على إدراك المبصرات، لأن له خرتا آخر يختص به. ولما أشار إلى أن سمعه للأصوات ليس بشق الأذن وخرته كما في الإنسان لتنزهه عن الجسمية وآلاتها أشار إلى ما هو المقصود منه بقوله (ولكنه أخبر) أي ولكن السميع أخبر، أو ولكن الله تعالى أخبر بإطلاق السميع عليه (أنه لا يخفى عليه شئ من الأصوات) حتى صوت الذرة في الفلاة وحسيس النملة على الصفاة (ليس على حد ما سمينا نحن) " سمينا " على صيغة المجهول و " نحن " تأكيد للضمير المرفوع المتصل يعني ليس تسميته تعلى بالسميع على حد تسميتنا به وعلى معناه (فقد جمعنا الاسم بالسميع) أي التسمية به. و " جمعنا " إما بسكون العين على صيغة المتكلم مع الغير أو بفتحها على صيغة الغائب المذكر، والاسم على الأول منصوب على المفعولية وعلى الثاني مرفوع على الفاعلية (واختلف المعنى)، لأن السمع في الواجب هو العلم بالمسموعات بنفس الذات (1) لا


1 - قوله: " هو العلم بالمسموعات بنفس الذات " قد يختلج في أذهان قوم أن السمع والبصر يختصان بأصحاب الآلات والجوارح وليس لواجب الوجود والعقول القادسة هذان الإدراكان البتة فيلزم كون الأجسام الحية بالعرض أكمل في الإدراك ممن هو أصل معنى الحياة والإدراك، ومن حياة غيره مأخوذة منه. وهذا مما لا يلتزم به ذو مسكة بل الحق أن كل من تعرض لهذه المسألة معترف بكمال العلة البتة وإنما يحذف الآلة فقط ولا ضير فيه، وأعلم أن أصل الإدراك لغير الجسم كما قلنا، إذ ليس من شأن الأجسام أن تدرك ما ينتقش فيها. فإن قيل: كيف وقد أثبت الحكماء جسمانية القوى الحاسة بل لا يشك فيه العوام أيضا فإن الحواس الظاهرة الخمس جسمانية بالبديهة وتعدم بفساد مزاج أعضائها وأيضا يعرض النوم على أعصاب الحس فيسلب قوة الإدراك الحسي ويعرض الإغماء على الدماغ فيسلب الادراكات الباطنة أيضا خصوصا الإغماء بأدوية الجراحين مثل كلرفورم تغلب على الدماغ فلا يدرك الإنسان شيئا حتى أنه يغفل عن نفسه ولا يرى رؤيا ولا حلما كما في النوم فإن النائم يملك المتخيلة والحس المشترك والواهمة وإن فقد الاختيار، ويمكن لليقظان أن ينصرف من التخيل في شئ إلى التخيل في آخر باختياره ولكن النائم يتخيل فيها قهرا بغير اختيار، والمغمي عليه لا يملك المتخيلة ولا الحس المشترك، نعم إن القوة الحافظة لا تعدم بعروض النوم والإغماء ولذلك إذا استيقظ الإنسان أو أفاق من غشيته وجد نفسه مع جميع مدركاته السابقة ولو كانت الحافظة معدومة استحال عودها وعود مدركاتها إذ لم تكن إلا في الحافظة وقد ينسى النائم بعض الأمور مع ذكره بعضها مثلا يرى أباه وأمه الميتين في المنام ويعرفهما لبقاء الحفظ في الجملة وقد ينسى أنهما ماتا وقد لا ينسى، وهذا لا يدل على فناء الحافظة بل = (*)

[ 50 ]

بالأداة، وفينا إدراك المسموعات بالشقوق والأخرات، وهذا مخالف لذاك، لأن العلم بالمسموعات من جهة الآلات غير العلم بها لا من جهتها. لا يقال: هذا إنما يثبت التخالف بين هذين المقيدين لا مطلقا، لوقوع التشابه بينه وبيننا في الجزء المشترك بينهما وهو العلم بالمسموعات. لأنا نقول: قد عرفت آنفا أن علمه مخالف لعلمنا فلا نعيده. (وهكذا البصر لابخرت منه أبصر) في كتاب العيون: " وهكذا البصير " على وزن فعيل " لالجزء به أبصر " يعني ليس إبصاره بالعين ولا إدراكه للمبصرات بحاسة البصر لتنزهه عن الحواس (كما أنا نبصر بخرت منا) في كتاب العيون: " بجزء منا " (لا ننتفع به في غيره) أي كما أنا نبصر المبصرات بخرت العين لا ننتفع بذلك الخرت في غير الإبصار لأنه طريق لإدراك المبصرات فقط (ولكن الله بصير لا يحتمل شخصا منظورا إليه) أي لا ينطبع صورة المنظورة إليه ومثاله في ناظره لعدم وجود الناظر له، فيه دلالة على أن الإبصار بالانطباع (1) ويمكن أن يراد بالشخص الآلة الباصرة التي يمكن النظر إليها، وقيل الاحتمال هنا بمعنى المشقة يقال: احتمله أي تكلف المشقة فيه يعني لا مشقة له في إبصار شخص منظور إليه، في بعض نسخ هذا الكتاب وفي كتاب العيون: " لا يجهل " من الجهل في موضع لا تحتمل، وهو الأظهر (فقد جمعنا الاسم) الفعل هنا أيضا يحتمل الوجهين (واختلف المعنى)، لأن إبصارنا بالنواظر


= على وجودها وإنما يفقد القوة الذاكرة أي ملكة التذكر واستخراج ما في الحافظة وإحضاره في الحس المشترك ولذلك قال بعض أهل عصرنا من فلاسفة الإفرنج: إن الحافظة مجردة غير جسمانية لوجودها مع تعطل جميع الأعضاء خلافا لقدمائنا حيث قالوا بجسمانيتها إذ قد تعدم في أواخر الشيخوخه أو تضعف، والضعف لا يعرض إلا لضعف الدماغ. قلنا جميع ذلك حق لأنا لاننكر كون هذه الجوارح آلات للاحساس وكما يفقد الحس بفقد المدرك يفقد لفقد الآلة، ولكن نقول: ليس المدرك هذه الآلات بأنفسها كما يقول الطبيعيون بل المدرك شئ آخر وهذه آلاته ومثلنا مثل من يقول: الإنسان يدرك بالمنظار، ومثل الطبيعيين مثل من يقول: المنظار يدرك بنفسه، إذا ثبت هذا فإن قلنا بقول الطبيعيين امتنع إثبات معنى السمع والبصر لله تعالى إذ هما للجسم لا غير، وإن قلنا بقول الإلهيين لم يمتنع إثبات الكشف التام الواضح الذي يسمى سمعا وبصرا له تعالى بغير آلة، وهذا معنى قول المتكلمين: إن بصره علمه بالمبصرات وهكذا. (ش) 1 - قوله: " على أن الابصار بالانطباع " هذا هو الصحيح من مذهب الحكماء في الإبصار، والمذهب الآخر هو القول بخروج الشعاع، وتفصيل القولين والحجة على كل واحد في محله، وأورده الشيخ في علم النفس من طبيعيات الشفاء وأثبت هذا القول الذي يستفاد من الحديث ببراهين متقنة. (ش) (*)

[ 51 ]

والأخرات، وإبصاره هو العلم بالمبصرات بنفس الذات، والحاصل أن البصر والبصير في الخلق نفس الذات، وفينا الآلة والنفس الفاقرة من جميع الجهات، فلا اشتراك هنا إلا في مجرد الاسم (وهو قائم ليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد كما قامت الأشياء) الكبد بفتح الكاف والباء: الشدة والمشقة. والساق ساق قدم، ويمكن أن يراد بها هنا السبب، أي ليس قيامه على معنى قيام على سبب يقيمه كسائر الأشياء الموجودة القائمة بأسبابها. ويؤيده بقاء الأشياء على عمومها عدم الاحتياج إلى تخصيصها بذوات السوق (ولكن قائم يخبر أنه حافظ) أي ولكن قولنا هو قائم يخبر أنه حافظ للمخلوقات وأحوالهم وأفعالهم وآثارهم ومتول لحفظها وإصلاحها ورعايتها وتدبيرها. ولما كان هنا مظنة أن يقال: إطلاق القائم على الحافظ غير متعارف، أشار إلى أنه شايع في المحاورات بقوله: (كقول الرجل القائم بأمرنا فلان) أراد بالقائم الحافظ الضابط المدبر في أمورهم لا القائم بالساق ولو أريد هذا لكان المقصود منه على سبيل الكناية هو الحفظ. (والله هو القائم) أي الحافظ (على كل نفس بما كسبت) من الخير والشر. والواو إما للحال أو للعطف على قوله " كقول الرجل " أو على مقول القول وهو القائم (والقائم أيضا في كلام الناس الباقي) أي الثابت الوجود أزلا وأبدا على امتناع أن يسبقه أو يلحقه عدم، ويقال للباقي بهذا المعنى: الأزلي إلأبدي، ولا يستحق هذا الاسم إلا هو (والقائم أيضا يخبر عن الكفاية كقولك للرجل قم بأمر بني فلان أي اكفهم) مؤنتهم وسائر ما يحتاجون إليه والله سبحانه هو الكافي على الإطلاق لأنه يكفي بلا معاناة ولا آلة جميع ما يحتاج إليه، عالم الإمكان من الوجود والصفات والكمالات والأسباب والأرزاق وغيرها وإنما لم يذكره، لأن شهرته كفت مؤونة ذكره، وبالجملة القائم إذا أطلق عليه سبحانه يراد به الحفظ أو البقاء أو الكفاية لا القيام على ساق (والقائم منا قائم على ساق) أي على ساق القدم أو على سبب يقيمه، ولا يتحقق شئ من هذين المعنيين فيه جل شأنه لتنزهه عن الجسمية والقدم والساق والسبب. فإن قلت: القائم قد يخبر في الخلق عن الحفظ والكفاية والبقاء، أما الأولان فقد صرح به (عليه السلام) وأما الاخير فلأن الباقي يصدق على الجنة والنار والنفوس المجردة والبدن بعد بعثه وغيرهما مما كان وجوده أبديا، بل يصدق على الموجود وإن كان منقطع الوجود في الطرفين، فصرف القيام عن ظاهره إلى هذه المعاني لا ينفع، لوقوع التماثل والتشابه فيها. قلت: هذا مدفوع أما أولا فلأن هذه المعاني فينا تابعة للقيام على ساق لأنه قد يجعل كناية عنها، وفي الواجب غير تابعة له. وأما ثانيا فلأن هذه المعاني فينا صفات حادثة ناقصة قائمة بنا، مستندة إلى

[ 52 ]

آلات وأسباب معتبرة في تحققها، وفي الواجب يعتبرها العقول على الوجه الأكمل لذاته المقدسة بذاته من غير اعتبار صفة زائدة قديمة أو حادثة تحل فيه لتعاليه عن التحديد والتوصيف فلا اشتراك فيها أيضا إلا بحسب الاسم (فقد جمعنا الاسم ولم نجمع المعنى) إن كان " جمعنا " بسكون العين كان " لم نجمع " بالنون وإن كان بفتحها كان لم يجمع بالياء المثناة من تحت، والتقدير: لم يجمعنا المعنى، والأخير وإن كان خلاف الظاهر لاحتياجه إلى الحذف ومخالفته لظاهر ما سبق لكن يؤيده ما نقله الصدوق في كتابي العيون والتوحد بقوله: " ولم يجمعنا المعنى ". (وأما اللطيف فليس على قلة) في الحجم (وقضف) في الجسم. والقضف - محركة كعنب - الدقيق والنحيف، وقد قضف بالضم قضافة فهو قضيف أي نحيف (وصغر) في المقدار، لأن كل ذلك من صفات الجسم والجسمانيات وقدس الحق منزه عنها (ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء) (1) أي ولكن الله لطيف على معنى نفاذ علمه وقدرته وحكمه في الأشياء الصغار والكبار، ألا ترى كيف نفذت في الذرة والبعوضة وما هو أصغر منهما وفي غيرهما من الحيوانات والنباتات والجمادات والمعادن والأرضين والسموات وما فيهن وما بينهن مما يعجز عن إدراك قليل منها ومن منافعها وخواصها وآثارها أولو الالباب (والامتناع من أن يدرك) أي امتناعه من أن يدرك ذاته وصفاته من جهة العقل والحواس بحد ونهاية ورسم يحيط بها، وبالجملة لطفه عبارة عن نفوذ علمه وقدرته في الغير، وعدم نفوذ علم الغير وقدرته فيه، ثم أشار إلى أن إطلاق اللطيف على النفاذ غير بعيد لأنه مستعمل في محاورات الناس أيضا بقوله (كقولك للرجل) أي: لإعلامه وإخباره (لطف عني هذا الأمر) يعني لم ينفذ فيه فهمي ولم يبلغ إليه عقلي (ولطف فلان في مذهبه وقوله) إذا دق طريقهما وخفي مأخذهما ولم ينفذ فيهما العقل (يخبرك) في محل النصب على أنه حال عن مقول القول، أو في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هذا القول يخبرك (أنه غمض فيه العقل وفات الطلب) غمض بفتح الميم أو ضمها غار،


1 - قوله: " على النفاذ في الأشياء " كان معناه ما تكرر في كلام أمير المؤمنيين (عليه السلام): " داخل في كل شئ لا كدخول شئ في شئ " وكما في قوله تعالى: * (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) * وقد عبر عنه الشارح بقوله على معنى نفاذ علمه وقدرته وحكمته، وبالجملة هو الوجود الأصل القائم بنفسه المستغني عن كل شئ وغيره وجود ربطي تعلقي غير مستقل لا ينظر إليه بذاته ولا يتحقق له حقيقة، إن قطع النظر عن علته فهو مع كل شئ، والخاصة الظاهرة للموجودات اللطيفة اثنتان، الأولى: النفاذ، والثانية: عدم كونه مدركا بالحواس، فإن اللطيف البالغ في اللطافة لا يحس ببصر ولا يدرك بلمس، وهاتان الخاصتان ثابتتان للبارى تعالى من غير أن يثبت له المقدار وساير لوازم الجسمية، وبهذا يعلم أن اللطيف قد يستعار في اصطلاح الشرع للموجود المجرد، وببالي أن صدر المتألهين - قدس سره - ذكر في شرح قوله تعالى: * (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) * أن الله تعالى مجرد، ومقتضى التجرد العلم، ففهم من اللطف التجرد، وهذا الحديث يؤيده. (ش) (*)

[ 53 ]

والغموض الغور، والغامض من الكلام خلاف الواضح، والطلب بفتح اللام مصدر بمعنى المفعول، يعني غار فيه العقل وفات مطلوبه ولم ينله لدقته، ولو كان غمض بتشديد الميم من تغميض العين وهو إطباق أجفانها كان في الكلام استعارة مكنية وتخييلية وهو مع ذلك كناية عن عدم إدراك المطلوب، وفي كتاب العيون والتوحيد للصدوق - رحمه الله -: " أنه غمص فبهر العقل " بهر على البناء للمفعول من البهر بالفتح وهو الغلبة، يقال: بهره إذا غلبه فهو مبهور أي مغلوب. يعني هذا القول يخبرك أن ذلك الأمر غامض له غور شديد فبهر العقل وغلب لانقطاع إدراكه وانسداد سبيله قبل الوصول إليه وهذا أظهر وأنسب بالمقام لإفادته صريحا ما هو علة لفوات الطلب أعني غور ذلك الأمر (وعاد متعمقا متلطفا) أي صار ذلك الأمر ذا عمق ودقة (لا يدركه الوهم) لبعد عمقه وغاية دقته وخفاء سبيله. (فهكذا لطف الله تعالى) الظاهر أن " لطف " على صيغة الفعل دون المصدر. (عن أن يدرك بحد أو يحد بوصف) أي عن أن يدرك شرح حقيقة ذاته أو ما له من كمال صفاته بالتحديد والتعيين، أما الأول فلأنه لا حد لحقيقته، وأما الثاني فلأنه ليس لما يعتبره العقول من كماله سبحانه نهاية يقف عندها فيكون العقل حادا له. (واللطافة منا الصغر والقلة) المستلزمان لعسر إدراك المتصف بهما وصعوبة نفوذ العقل فيه، واللطافة في الواجب ليست بمعنى الصغر والقلة كما عرفت (فقد جمعنا الاسم) أي اسم اللطيف (واختلف المعنى، لأن اللطافة منا صفة حادثة قائمة بنا، وفيه جل شأنه علمه الذي هو نفس ذاته الحقة باعتبار نفوذه في جميع الأشياء، والاختلاف بينهما لا يشتبه على ذي عقل. (وأما الخبير) إذا أريد سبحانه (فالذي لا يعزب عنه شئ ولا يفوته ليس للتجربة ولا للاعتبار بالاشياء) يعني أنه تعالى خبير بمعنى أنه لا يبعد عنه شئ من الأشياء، ولا يغيب عنه أمر من الأمور، وليس خبره بالاشياء وعدم بعد شئ عنه مستندا إلى التجربة والتكرار ولا إلى النظر، والاعتبار هو العبور من علم إلى علم آخر، وفيه إشارة إلى أن علمه ليس بضروري ولا نظري (فعند التجربة والاعتبار علمان) أحدهما تجربي ضروري والآخر اعتباري نظري، وفي كتاب العيون: " فتفيد التجربة والاعتبار علما " وهو الأصوب والاظهر (ولولاها ما علم) أي لولا التجربة والاعتبار ما علم شيئا ضرورة أن انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبب، والمراد بالتجربة ما عدا طريق الاكتساب فيشمل طرق الضرورة كلها. ولما أشار إلى أن علمه ليس للتجربة والاعتبار بين ذلك وأثبته بقوله: (لأن من كان كذلك كان جاهلا) يعني من استفاد علمه بالتجربة والاعتبار كان جاهلا قبلهما بالضرورة (والله لم يزل) في مرتبة

[ 54 ]

ذاته الحقة من كل جهة (خبيرا بما يخلق) غير المتصف بالجهل أصلا فليس علمه مستفادا منهما (والخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلم) (1) الاستخبار السؤال عن الخبر، ولعل المقصود أنه يعتبر في مفهوم الخبير إذا أطلق على الناس زيادة الاحتمال وهي الاتصاف بالخبر يعني العلم بعد الطلب والتعلم من الغير مع جهل سابق، ولا يبعد أن يكون الاستخبار إشارة إلى طلبه بالتجربة ونحوها، والتعلم إشارة إلى طلبه بالاعتبار، فيكون فيه إشارة إلى اعتبار مأخذ العلم وطريقه في هذا المفهوم (وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى) لما عرفت أن خبره تعالى في مرتبة الذات بل هو نفس الذات بلا استخبار ولا تعلم ولا جهل سابق، وخبرنا بعد مرتبة ذواتنا وبعد هذه الأمور فافترقا وتباينا ولا يبعد أن يكون الخبير أخص من العالم، أما في الواجب فلأنه عبارة عن العالم بدقائق الأشياء وحقائقها والعالم فيه أعم منه، وأما في غيره فلأنه عبارة عن العالم من جهة التجربة والاعتبار ومن جانب التعلم والاستخبار على أن يكون هذه الأمور معتبرة في مفهومه، والعالم في غيره أعم منه لعدم اعتبار هذه الأمور في مفهومه وإن كان لا يخلو عنها. (وأما الظاهر) اعلم أن للظاهر ستة معان على ما يستفاد من سياق الحديث بعضها مختص بالخالق وبعضها مختص بالخلق، ومن هاهنا يظهر أن الاشتراك ليس إلا بحسب الاسم: الأول: العالي المرتفع بمعنى الراكب فوق شئ، وهو من قولهم: ظهر فلان السطح، إذا علاه، وحقيقته صار على ظهره، كما صرح به في المغرب. الثاني: البارز بنفسه المعلوم بحده وهو من قولهم: ظهر فلان إذا خرج وبرز، وهذان المعنيان مختصان بالخلق لاستحالة اتصاف الخالق بهما. الثالث: الغالب على جميع الأشياء بالقهر والقدرة عليها من قولهم: ظهر فلان على عدوه إذا غلبه. الرابع: البين وجوده بآثاره لكل أحد من قولهم: ظهر هذا الشئ إذا تبين وجوده بآثاره. الخامس: العالم بجميع الأشياء بحيث لا يخفى عليه شئ منها. السادس: المدبر لجميع الأشياء أو لكل ما يرى منها، وكأن هذين المعنيين مأخوذات من المعنى الثالث لاعتبار الغلبة فيهما بالعلم والتدبير وهذه الأربعة مختصة به سبحانه، وإلى هذا التفصيل أشار


1 - قوله: " المستخبر عن جهل المتعلم " المتعلم صفة للمستخبر، والمعنى أن الخبير من الناس مستخبر متعلم واستخباره حاصل بعد جهله، لأن علمنا إما بديهي وإما نظري كما قسمه أهل المنطق، والبديهيات حاصلة بالتجربة بالمعنى الأعم الشامل للحس والحدس، والنظريات حاصلة بالاعتبار، وكلاهما بعد الجهل، وقال بعض من لا عبرة به في تفسير الجملة: الخبرة الناس يفتش عن جهل تلاميذه، وهو عجيب، وقال الحكماء: كل متعجب ضاحك. (ش) (*)

[ 55 ]

بقوله: (فليس من أجل أنه علا الأشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتسنم لذراها) سنام كل شئ أعلاه، ومنه: تسنمه إذا علاه، وأسنم الدخان إذا ارتفع، والذرى بضم الذال المعجمة وكسرها جمع الذروة كذلك وهي أعلى الشئ وفوقه. (ولكن ذلك) أي كونه ظاهرا أو علوه على الأشياء (لقهره ولغلبته الأشياء وقدرته عليها) فمعنى الظاهر أنه العالي على جميع الأشياء بمعنى أنه قاهر غالب قادر عليها، فلا يعجزه ولا يفوته شئ ولا يغلبه ولا يسبقه أحد (كقول الرجل: ظهرت على أعدائي) أي غلبت عليهم (وأظهرني الله على خصمي) أي غلبني عليه تغليبا (يخبر عن الفلج والغلبة) الفلج بالفتح الظفر، وقد فلج الرجل على خصمه إذا غلب، وأفلجه الله عليه إذا جعله غالبا والاسم الفلج بالضم (فهكذا ظهور الله على الأشياء) فظهوره ليس ظهورا مكانيا حسيا بل هو قهره وغلبته جميع الأشياء واستيلاؤه عليها بالإيجاد والإبقاء والإفناء. (ووجه آخر أنه الظاهر لمن أراده) أي الظاهر لكل من أراده بحججه الباهرة وبراهينه الظاهرة وشواهد أعلامه النيرة الدالة على وجوده وثبوت ربوبيته وصحة وحدانيته إذ لا موجود إلا وهو يشهد بوجوده، ولا مخترع إلا وهو يعرب عن توحيده. (ولا يخفى عليه شئ) هذا وجه آخر غير ظهوره للغير وهو ظهور الغير له بنفس ذاته الحقة التي هي العلم بجميع الأشياء وقد عرفت أنه من توابع الغلبة إذ فيه غلبة على الأشياء بنفوذ علمه فيها وإحاطته بها. (وأنه مدبر لكل ما برأ) على وفق الحكمة والمقتضية للنظام الاكمل، وهذا أيضا وجه آخر لظهوره غير ما ذكر وتابع للغلبة كما أشرنا إليه، وتخصيص المرئي بالذكر باعتبار أنه مناسب لوصفه تعالى بالظهور (فأي ظاهر أظهر وأوضح من الله تعالى) متفرع على الوجوه الأربعة أو تعليل لها (لأنك لا تعدم صنعته حيث ما توجهت) فهو الظاهر وجوده بعجائب تدبيره وغرائب تقديره للمتفكرين والواضح ثبوته وعلمه بإنشاء الأجرام العلوية، وإبداع الأجسام السفلية للناظرين. (وفيك من آثاره ما يغنيك)، لأن ما في الإنسان من ظرائف الصنع ولطائف التدبير يغنيه في معرفة صانعه عن سائر المبدعات العجيبة والمخترعات الغريبة. (والظاهر منا البارز بنفسه) للناظرين وإنما قال بنفسه لأنه تعالى أيضا بارز لكن بروزه بحججه وآثاره (والمعلوم بحده) للحادين يعني المعلوم بشرح حقيقة ذاته وصفاته وبما له من أطرافه ونهاياته، والظاهر منا أيضا العالي على الشئ بالركوب عليه، ولم يذكره إما للاقتصار مع الإيماء إليه في صدر الكلام أو لأن البارز بنفسه يصدق عليه أيضا (فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى) للتغاير

[ 56 ]

والتخالف بين معنييه في الموضعين، لأن ظهورنا حسي يحصل بمنشأ هذه العين أو بتحديد العقل وتعيين الوصف بخلاف ظهوره تعالى كما عرفت (وأما الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها) كغور الغايص في الماء وغور بعض أجزاء الجسم في داخله على مقابل ما في ظاهره، وغور المتمكن ودخوله في مكانه، فلا يصح أن يقال: هو في كذا على الحقيقة (ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا) يعني أن الاستبطان منه تعالى محمول على استبطان كل واحد من علمه وحفظه وتدبيره للأشياء الجلية والخفية ودخوله فيها وتعلقه بباطنها كتعلقه بظاهرها فلا تفاوت بين التعلقين باعتبار كمون المتعلق وظهوره، إذ كل كامن بالقياس إلينا فهو ظاهر بالقياس إليه جل شأنه، ويقرب منه ما قيل من أن الباطن هو اللطيف، إذ المراد أنه يعلم بواطن الأمور وإن دقت ولطفت. ولما أشار إلى أن الباطن بمعنى العالم بباطن الأشياء أشار إلى أن ذلك متعارف في اللغة والعرف دفعا لتوهم الإنكار بقوله: (كقول القائل أبطنته) على صيغة المتكلم وحده من باب الإفعال (يعني خبرته وعلمت مكتوم سره) يفهم منه شيئان أحدهما وهو ليس بمقصود هنا أن خبرته بمعنى علمته، قال الجوهري: تقول: من أين خبرت هذا الأمر ؟ أي من أين علمت ؟ والاسم الخبر بالضم وهو العلم بالشئ. والخبير العالم. الثاني وهو المقصود هنا ليكون دليلا على ما سبق من أن أبطنته بمعنى علمته ولما كان هذا الكلام من معدن الفصاحة والبلاغة لا يرد أنه لم يثبت في اللغة أن أبطنته بمعنى علمته وإنما الثابت أن بطنته على صيغة المجرد بمعنى علمته، ففي النهاية الأثيرية والصحاح: بطنت هذا الأمر: عرفت باطنه، ومنه الباطن في صفة الله تعالى، ولا حاجة إلى ما قيل من أن الصيغة من المجرد والهمزة للاستفهام والتاء ضمير الخطاب. (والباطن منا الغايب في الشئ المستتر) المستتر خبر بعد خبر، أي المستتر بالشئ كاستتار الأجزاء الباطنة للجسم بالأجزاء الظاهرة، واستتار الجسم بالحجاب وأمثال ذلك (وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى) إذ البطون فينا من جهة الاستتار والاحتجاب وهو سبحانه منزه عنهما، وفيه سبحانه علمه بنفس ذاته المقدسة بباطن جميع الأشياء وإن دق وبعد عن الحواس ولا تتصف به (وأما القاهر فليس على معنى علاج) أي عمل ومزاولة ومدافعة (ونصب) النصب بالتحريك: التعب من " نصب " بالكسر نصبا إذا تعب وأنصبه غيره، وبالفتح والسكون: " المعاداة " من: " نصبت لفلان " بفتح العين، إذا عاديته، وبالضم والسكون: الشر والبلاء، ومنه قوله تعالى حكاية: * (مسني الشيطان بنصب وعذاب) *. (واحتيال ومداراة ومكر) في الصحاح: " مداراة الناس " تهمز ولا تهمز وهي المداجات والملاينة،

[ 57 ]

وفي المغرب: المداراة المخالطة، وبالهمزة: مدافعة ذي الحق عن حقه. والاحتيال والمكر متقاربان، قال في الصحاح: المكر: الاحتيال والخديعة. ولا يبعد أن يقال: الاحتيال هو استعمال الرؤية وأخذ الحيلة لدفع ضرر الغير عن نفسه. والمكر استعمال الرؤية وارتكاب الخديعة لإيصال الضرر إلى الغير (كما يقهر العباد بعضهم بعضا)، لأن القاهرية على المعاني المذكورة ليست من الصفات اللازمة لذات القاهر، بل هي من العوارض التي يجوز انفكاكها عن المعروض فيجوز أن يصير القاهر في وقت ما لوقوع تدبيره على وفق مدعاه، مقهورا في وقت آخر لعدم وقوع تدبيره على ذلك أو لوقوع تدبير المقهور على نحو إرادته وغلبته على تدبير القاهر كما يشاهد ذلك من تدبيرات السلاطين بل من تدبيرات أفراد الناس في مقاصدهم (ولكن ذلك) أي معنى القاهر (من الله تعالى على أن جميع ما خلق ملبس به الذل لفاعله) " ملبس " اسم مفعول من الإلباس، والذل فاعله، وفيه استعارة مكنية وتخييلية بتشبيه الذل باللباس وإثبات الإلباس له، ولفظ فاعله وقع موقع الضمير للإشارة إلى ما هو سبب لذل الجميع (وقلة الامتناع لما أراد به) الظاهر: أنه عطف على " الذل " وعطفه على " أن " أيضا محتمل، وذل الخلائق لفاعلهم القديم القاهر يعود إلى دخولهم في ذل الإمكان تحت غلبته واحتياجهم في أسر الحاجة إلى كمال قدرته، وحيث لا يقدرون على الامتناع لما أراد من صفاتهم وذواتهم وهيئاتهم ومقاديرهم وكمالاتهم ونفعهم وضرهم وخيرهم وشرهم للزوم حاجتهم في الذوات والصفات وجميع الحالات إليه ورفعهم أيدي الإمكان والافتقار من جميع الجهات بين يديه، ولعل لفظ القلة إشارة إلى صدور الامتناع عن بعضهم قليلا فيما أراد منهم من أفعالهم الاختيارية ولكن ليس ذلك لقهرهم وغلبتهم عليه بل لأنه تركهم على حالهم ولم يجبرهم تحقيقا لمعنى التكليف والاختيار (ولم يخرج منه طرفة عين أن يقول له كن فيكون) الظاهر أنه حال عن فاعله أو عن فاعل " أراد " وضمير " منه " راجع إليه و " أن يقول " فاعل لم يخرج يعني لم يخرج منه سبحانه (1) في


1 - قوله: " لم يخرج منه سبحانه " تركيب العبارة وإعرابها لا يخلوان عن صعوبة. قال العلامة المجلسي في مرآة العقول في التوحيد - يعنى في توحيد الصدوق -: " طرفة عين غير أنه يقول له " وهو غير ظاهر. ومعنى قوله " لم يخرج منه " لم ينتف منه سبحانه هذا القول طرفة عين أيضا، وقال أيضا: لعله يدل على أن الأشياء في كل آن محتاجة إلى إفاضة جديدة وإيجاد جديد. وقال: قد أشار إلى ما أومأنا إليه بهمنيار في التحصيل وغيره حيث قالوا: كل ممكن بالقياس إلى ذاته باطل، وبه تعالى حق، كما يرشد إليه قوله تعالى * (كل شئ هالك إلا وجهه) * فهو آنا فآنا يحتاج إلى ان يقول له الفاعل الحق: كن، ويفيض عليه الوجود بحيث لو أمسك عنه هذا القول والإفاضة طرفة عين لعاد إلى البطلان الذاتي والزوال الأصلي كما أن ضوء الشمس لو زال عن سطح المستضئ لعاد إلى ظلمته الأصلية. انتهى. = (*)

[ 58 ]

سلطانه على الخلق وقهره عليهم طرفة عين هذا الوصف أعني قوله " كن فيكون " وفيه إشارة إلى أنه القاهر الذي لا يعود مقهورا أبدا، بخلاف القاهر منا وإنما قلنا: الظاهر ذلك، لأنه يحتمل أن يكون حالا عما ذكر، ويكون فاعل " لم يخرج " ضميرا راجعا إليه، ويعود ضمير " منه " إلى " القاهر " ويجعل " أن يقول " بدلا عن ضمير " منه " يعني: لم يخرج الفاعل وهو الله تعالى من كونه قاهرا على الخلق ومن أن يقول " كن فيكون " طرفة عين، وفيه أيضا إشارة إلى ما ذكر. ويحتمل أيضا أن يكون حالا عن ضمير " به " أو عن مفعول ما خلق وضمير " منه " حينئذ راجع إلى لباس الذل إلا أن في ربط " أن يقول " بما قبله خفاء يزول بالتقدير أي أن يقول له يعني: لم يخرج المخلوق من لباس الذل في حدوث ذاته وصفاته ووجوده وبقائه، ومن أن يقول الله تعالى له: كن فيكون طرفة عين، وفيه إشارة إلى أن الممكن في بقائه يحتاج إليه سبحانه، وسر ذلك ما أشار إليه جماعة من المحققين منهم بهمنيار في التحصيل من أن كل ممكن بالقياس إلى ذاته باطل وبه تعالى حق كما يرشد إليه قوله تعالى * (كل شئ هالك إلا وجهه) * فهو آنا فآنا يحتاج إلى أن يقول له الفاعل الحق: كن، ويفيض عليه الوجود بحيث لو أمسك عنه هذا القول والإفاضة طرفة عين لعاد إلى البطلان الذاتي والزوال الأصلي كما أن ضوء الشمس لو زال عن سطح المستضئ لعاد إلى ظلمته الأصلية (والقاهر منا، على ما ذكرت ووصفت فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى) كيف وقهرنا ينادي بالعجز والنقصان، وقهره ينادي بكمال الغلبة والسلطان، فسبحان من قهر الجبابرة بالموت والنكال وغلب القياصرة بدون السيف والنصال (وهكذا جميع الأسماء وإن كنا لم نستجمعها كلها) مثل الرازق والباري والقدوس والقيوم وغير ذلك من الأسماء التي لم يقع التسمية بها في الخلق (فقد يكتفي بالاعتبار بما ألقينا إليك) فإن العاقل اللبيب يعرف في جميع أسمائه ما يليق به بالقياس إلى ما ذكر، ولو وقعت التسمية بها في الخلق لعرف الفرق بين المعنيين (والله عونك وعوننا) العون الظهير على الأمر والجمع الأعوان (في إرشادنا) إلى الحق (وتوفيقنا)


= وأعلم أن في احتياج الممكن في البقاء إلى المؤثر بحثا طويلا في علم الكلام، ومضمون هذا الحديث هو الحق الذي انتهى إليه بحثهم واختاره المحققون منهم، وذلك لأن علة الاحتياج إلى العلة إمكان الممكن، وهو صفة ثابتة له بعد الوجود، وغلط غير أهل الحق وتفوهوا بهذه الكلمة المنكرة: " لو جاز على الواجب العدم لما ضر عدمه وجود العالم " وفيمن أثبت الاحتياج في البقاء من لم ينل وجهه، وصدور هذه العلوم من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) معجزة عظيمة ولا يوجد مثلها في أحاديث مخالفينا البتة. (ش) (*)

[ 59 ]

لقبوله. وفي تقديم الدعاء للمخاطب أولا وضمه إلى أنفسهم القدسية ثانيا تعطف به وإيماء إلى كمال القرب بينهم وبين شيعتهم التابعين لأقوالهم وأعمالهم.

[ 60 ]

باب تأويل الصمد لعل المراد بالتأويل هنا معنى التفسير (1) وهو كشف معناه لا المعنى المصطلح وهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى ما هو أخفى منه. * الأصل: 1 - علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد ولقبه شباب الصيرفي، عن داود بن القاسم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك ما الصمد ؟ قال: السيد المصمود إليه في القليل والكثير. * الشرح: (علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد ولقبه شباب الصيرفي عن داود بن القاسم الجعفري) من أولاد جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) ثقة جليل القدر (قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) جعلت فداك ما الصمد ؟ قال: السيد المصمود إليه في القليل والكثير). سأل ب‍ " ما " عن شرح اسم الصمد فلذلك أجاب (عليه السلام) به وأشار بذكر القلة والكثرة إلى أن المعتبر في مفهوم الصمد هو كونه مرجوعا إليه في الحوائج كلها قليلها وكثيرها، حقيرها وكبيرها للتنبيه على أن الأحق بهذا الاسم هو الحق الغني عن الغير من كل وجه وأن إطلاقه على غيره إنما هو على سبيل التجوز والإضافة، إذ كل سيد سواه فهو في ربقة الحاجة إلى الغير فليس مصمودا إليه في الجميع. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن الحسن بن السري، عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شئ من التوحيد. فقال: إن الله تباركت أسماؤه التي يدعى بها وتعالى في علو كنهه واحد توحد بالتوحيد في توحيده، ثم أجراه على خلقه فهو واحد، صمد، قدوس، يعبده كل شئ ويصمد إليه كل شئ ووسع كل شئ علما. فهذا هو المعنى الصحيح في تأويل الصمد، لاما ذهب إليه المشبهة: أن تأويل الصمد:


1 - قوله: " لعل المراد بالتأويل هنا معنى التفسير " لا شبهة فيه، ولا يناسبه كلمة " لعل " وكذلك في أكثر الأحاديث وعرف القدماء، ولذلك ترى جميع ما نسميه تفسيرا من أقوال مشاهير المفسرين كقتادة وابن عباس ومجاهد سماه الطبري تأويلا. (ش) (*)

[ 61 ]

المصمت الذي لا جوف له، لأن ذلك لا يكون إلا من صفة الجسم، والله (جل ذكره) متعال عن ذلك، هو أعظم وأجل من أن تقع الأوهام على صفته أو تدرك كنه عظمته، ولو كان تأويل الصمد في صفة الله عزوجل المصمت، لكان مخالفا لقوله عزوجل: * (ليس كمثله شئ) *، لأن ذلك من صفة الأجسام المصمتة التي لا أجواف لها، مثل الحجر والحديد وسائر الأشياء المصمتة التي لا أجواف لها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فأما ما جاء في الأخبار من ذلك فالعالم (عليه السلام) أعلم بما قال، وهذا الذي قال (عليه السلام): إن الصمد هو السيد المصمود إليه هو معنى صحيح موافق لقول الله عزوجل: * (ليس كمثله شئ) * والمصمود إليه المقصود في اللغة، قال أبو طالب في بعض ماكان يمدح به النبي (صلى الله عليه وآله) من شعره: وبالجمرة القصوى إذا صمدوا لها * يؤمون قذفا رأسها بالجنادل يعني قصدوا نحوها، يرمونها بالجنادل يعني الحصا الصغار التي تسمى بالجمار، وقال بعض شعراء الجاهلية (شعرا): ما كنت أحسب أن بيتا ظاهرا * لله في أكناف مكة يصمد يعني يقصد. وقال ابن الزبرقان: ولا رهيبة إلا سيد صمد (1) وقال شداد بن معاوية في حذيفة بن بدر: علوته بحسام ثم قلت له: * خذها حذيف فأنت السيد الصمد ومثل هذا كثير، والله عزوجل هو السيد الصمد الذي جميع الخلق من الجن والإنس إليه يصمدون في الحوائج وإليه يلجأون عند الشدائد ومنه يرجون الرخاء ودوام النعماء ليدفع عنهم الشدائد. * الشرح: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن الحسن بن السري، عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شئ من التوحيد فقال: إن الله تباركت أسماؤه) أي تطهرت عن المعايب والنقائص، كذا فسره عياض، فقال القرطبي: تباركت أسماؤه معناه: كثرت صفات جلاله وعظمته (التي يدعى بها) أشار بهذا الوصف إلى فائدة وضع أسمائه تعالى وهي أن يدعوه الخلائق بها في حوائجهم كما مر (وتعالى في علو كنهه) أن يدركه أحد سواه، وكنه الشئ حقيقته التي هو بها هو هو (واحد) لا ثاني له في الوجود الذاتي ولا كثرة له في ذاته وصفاته فذاته ليست بمتجزية ووجوده وصفاته ليست بزائدة، ولم يفته شئ من كمالاته بل كلما


1 - أوله: ما كان عمران ذا غش ولا حسد. (*)

[ 62 ]

ينبغي له فهو له بالفعل وفي مرتبة ذاته (توحد بالتوحيد في توحده) أي تفرد بتوحيده في حال تفرده بالوجود يعني أنه كان في الأزل قبل إيجاد الخلق يوحد نفسه بلا مشارك (ثم أجراه) أي توحيده (على خلقه) (1) بأن فطرهم عليه أو كلفهم به (فهو واحد) بالمعنى المذكور (صمد) يرجع إليه جميع الخلائق في جميع الحوائج (قدوس) طاهر من النقايص والعيوب ومتنزه عن الأولاد والأنداد غيرهما مما لا يليق به (يعبده كل شئ) ناظر إلى الواحد، لأن الوحدة المطلقة وعدم المشاركة في الوجود الذاتي يقتضيان عدم المشاركة في العبادة فكل شئ عابد له لا معبود (ويصمد إليه كل شئ) ناظر إلى الصمد، والصمد القصد، وفعله من باب طلب (ووسع كل شئ علما) ناظر إلى القدوس، لأن القدس يقتضي العلم بجميع الأشياء لئلا يلزم الجهل المنافي له. (فهذا) أي ما ذكر من الصمد السيد المصمود إليه في القليل والكثير. والظاهر أن هذا كلام المصنف رضي الله عنه (هو المعنى الصحيح في تأويل الصمد) (2) عرف المسند إليه بالإشارة لزيادة التميز والإيضاح وعرف المسند بلام التعريف لقصد الحصر وأتى بضمير الفصل لقصد المبالغة فيه، ولهذا أيضا صرح بالجزء السلبي فقال: (لا ما ذهب إليه المشبهة أن تأويل الصمد المصمت الذي لا جوف له) هؤلاء لما رأوا أنه تعالى صمد وأن الصمد يطلق في اللغة على المصمت الذي لا جوف له أولوه به ومالوا إلى توصيفه بأنه مصمت وإلى تقديسه بأنه لا جوف له كإنسان ونحوه فلحقه التشبيه، لأن في الخلق ما هو بهذه الصفة. فتأويل الصمد بهذا باطل لما أشار إليه بقوله: (لأن ذلك) أي تأويل الصمد بهذا (لا يكون إلا من صفة


1 - قوله: " ثم أجراه على خلقه " والصحيح في تفسير هذا الكلام أن الوحدة الحقة مختصة بذاته تعالى، والوحدة في ساير خلقه ظل لوحدته ومأخوذة منه، فهو المتوحد في التوحيد أي لا واحد بالوحدة الحقيقية إلا هو، وذلك لما مر أن كل ممكن يجري فيه التجزية بوجه. وأشار بقوله تعالى في علو كنهه أن حقيقته أعلى من منال أفكار البشر وهذا مقدمة لتفسير التوحيد الذي سأل عنه السائل أي دليل كون الوحدة صفة خاصة به تعالى أن ذاته تعالت عن فكرنا ونحن لا نتعقل شيئا واحدا لا يدخله التجزى بوجه. (ش) 2 - قوله: " فهذا هو المعنى الصحيح في تأويل الصمد " الظاهر أن الحصر في كلام الكليني إضافي بالنسبة إلى المعنى الآخر وهو الجسم المصمت الذي لا جوف له وهو تشبيه وتجسيم تعالى الله عنه. وقد نقلوا في تفسير الصمد قريبا من عشرين قولا على ما في البحار ومرآة العقول منها قول محمد بن الحنفية: الصمد القائم بنفسه الغني عن غيره. ومنها قول زيد بن على (عليه السلام): الصمد الذي إذ أراد شيئا قال له: كن فيكن، ومنها قول الحسين بن على (عليهما السلام) أن قوله تعالى: * (لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد) * تفسير الصمد. ومنها الصمد: الذي لا يأكل ولا يشرب. ولا فائده في نقل جميع ما ذكر، ومرجع الجميع واحد، كما قال المجلسي رحمه الله. (ش) (*)

[ 63 ]

الجسم) الذي ليس له جوف وليس خالي الباطن (والله جل ذكره متعال عن ذلك) أي عن أن يكون صمدا بهذا المعنى ويتصف بصفة الجسم. ثم بالغ في تعاليه عن ذلك بقوله (هو أعظم وأجل من أن تقع الأوهام على صفته)، لأن غاية مراحل الأوهام هي أواخر عالم الأبدان، ونهاية منازل الأفهام هي أواخر عالم الإمكان، وصفة الواجب خارجة بالذات عن العالمين بمراحل غير معدودة ومنازل غير محصورة. (أو تدرك كنه عظمته)، لأن عظمته تعالى لا تتناهى قدرا وعرفانا، ولذلك كلما غاص العارف المتقرب إليه في البحر الزاخر من عظمته وعبر منزلا من منازلها ازدادت عظمته في نفسه وعلم منها فوق ما علمه أولا وهكذا حتى يكمل عقد يقينه بذلك ويبلغ إلى نهاية ما يتصور له من منازلها فينادي بالعجز عن معرفته ويقر بعلو عظمته كما نطق به لسان سيد الأنبياء وأشرف الأوصياء صلى الله عليهما وعلى أولادهما النجباء. (ولو كان تأويل الصمد في صفة الله تعالى المصمت) الذي لا جوف له، فاللام للعهد (لكان مخالفا لقوله (1) تعالى ليس كمثله شئ) واللازم باطل فالملزوم مثله، وأشار إلى بيان الملازمة بقوله: (لأن ذلك من صفة الأجسام المصمتة التي لا أجواف لها مثل الحجر والحديد وسائر الأشياء المصمتة التي لا أجواف لها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا). قوله: " مثل الحجر " - إلى قوله: " لها " في بعض الكتب نسخة وفي بعضها أصل. فإن قلت: لاشبهة في أنه تعالى شئ لا جوف له، وهو المراد بقول من قال: إنه المصمت الذي لا جوف له لا ما هو الظاهر منه أعني الجسم المصمت فإن المصمت ما لا جوف له، وهو يعم الجسم وغيره. قلت: هذا التوجيه لا يصح من جانب المشبهة لأنهم صرحوا بأنه تعالى جسم نوري صمدي كما مر، على أن الظاهر المتبادر من المصمت في اللغة والعرف هو الجسم الذي لا جوف له، فلا يجوز وصفه تعالى به قطعا (فأما ما جاء في الأخبار من ذلك فالعالم (عليه السلام) أعلم بما قال) (2) لم يرد بذلك ما هو المتبادر من أنه


1 - قوله: " لكان مخالفا لقوله تعالى " يعنى أن الخبر إذا خالف ظاهر الكتاب فهو مردود، وهذا يدل على حجية ظاهر الكتاب عند المصنف، وقوله: " لأن ذلك من صفة الأجسام " أن الخبر المخالف لصريح العقل أيضا مأول. (ش) 2 - قوله: " فالعالم (عليه السلام) أعلم بما قال " تأويل الصمد بالذى لا جوف له وارد في الأخبار، وظاهره غير مراد البتة، لأنه يستلزم الجسمية فلابد أن يكون له تأويل لا ينافي التنزيه، ولما لم يتبين لصاحب الكافي رحمة الله ذلك التأويل أحاله إلى الأئمة = (*)

[ 64 ]

جاء في الأخبار تأويل الصمد بالمصمت الذي لاجوف له لأنه خلاف الواقع، بل أراد به ما جاء فيها من تأويل الصمد بالشئ الذي لا جوف له، مثل ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد بالسند الصحيح " عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما الصمد ؟ قال: الذي ليس بمجوف " نقلنا بعض الحديث، وما رواه فيه أيضا بسنده " عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: الصمد الذي لا جوف له - الحديث " وما رواه فيه أيضا بسنده " عن الحسين بن علي (عليهما السلام) أنه قال: الصمد الذي لا جوف له ". وقوله رحمه الله: " فالعالم (عليه السلام) أعلم بما قال " يشعر بأن ظاهر التأويل ليس بصحيح وذلك إما لا نه بزعمه يرجع إلى التأويل بالمصمت (1) الذي لا جوف له أو لأنه لا يوافق اللغة، أو لأنه لا يظهر المقصود منه ووجه صحته في نفسه، فإن أراد الأول فهو ظاهر البطلان لظهور الفرق بين المصمت الذي لا جوف له وبين الشئ الذي لا جوف له، والأول جسم قطعا دون الثاني فهو أيضا ظاهر البطلان، لأن هذا التأويل على تقدير أن لا يكون معنى حقيقيا للصمد في اللغة فلا جواز لإنكار أن يكون معنى مجازيا له. فهو يوافق اللغة قطعا، على أن الصمد قد فسره علي بن الحسين (عليهما السلام) بأنه الذي لا شريك له، ولا يؤوده حفظ شئ، ولا يعزب عنه شئ، وأوله زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام) بأنه الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وبأنه الذي أبدع الأشياء فخلقها أضدادا وأشكالا وأزواجا، وتفرد بالوحدة بلا ضد ولا شكل ولا مثل ولا ند، وأوله ابن الحنفية بأنه القائم بنفسه، الغني عن غيره، وأوله غيره بأنه المتعالي عن الكون والفساد، وبأنه الذي لا يوصف بالتغاير، يظهر كل ذلك لمن نظر في كتاب التوحيد، ولم


= (عليهم السلام). وقال صدر المتألهين: قد مر في الحديث السادس من باب الإرادة أنها من صفات الفعل أن المخلوق أجوف معتمل (وهو في طبعتنا هذه في الصفحة 357 من المجلد الثالث) قال الصدر: فإذا كان المخلوق بما هو مخلوق أجوف بالمعنى الذي من لوازم المخلوقية كان الخالق موصوفا بمقابله وهو الصمد بالمعنى الذي يقابل ذاك المعنى، وقال: كما أن لفظ اليد والجنب والأعين والمجئ والاستواء قد جاءت في القرآن وأن الأصل في الجميع أن يأول على وجه لا يخل بالتوحيد الخالص عن التشبيه. وقال معنى الصمد: أنه تعالى برئ عن القوة والإمكان، كما أن معنى الأجوف في المخلوق أن للحوادث مدخلا فيه كما مر، وذكر المجلسي (رحمه الله) نحوا مما نقلناه من الصدر، قال فهو كناية عن عدم الانفعال والتأثر عن الغير وكونه للحوادث كما مر عن الصادق (عليه السلام) ونقل الحديث السادس الذي أشار إليه صدر المتألهين. (ش) 1 - قوله: " لأنه يرجع بزعمه إلى التأويل بالمصمت " الفرق الذى ذكره الشارح بين قوله " الذي لا جوف له والمصمت الذي لا جوف له " غير ظاهر، واعتراضه على الكليني (رحمه الله) غير وارد، أما الأول فلأن الذى لا جوف له يطلق على المصمت لا غير، والمجرد الذي ليس له أجزاء وامتداد أصلا، وإن صدق عليه أنه لا جوف له بالمعنى السلبي لكن المتبادر من مثل هذه العبارة عدم الملكة كما أن قولنا لا يمشي ولا يطير لا يتبادر منه إلا الحيوان دون الحجر والنبات. وأما الثاني فلأن الكليني - رحمه الله - رد ظاهر هذا التفسير وتوقف في تأويله، وهكذا وظيفة العلماء وغيرهم في كل ما لا يمكن قبول ظاهره ولارد أصله، وليت الشارح راعى الأدب في اعتراضه على صاحب الكافي - رحمهما الله - (ش) (*)

[ 65 ]

يقل أحد: هذه التأويلات ليست بصحيحة لأنها لا توافق اللغة (1)، وان أراد الثالث فأقول هذا التأويل له معنى صحيح ووجه ظاهر، إذ الجوف كما يطلق على فرجة في الباطن كذلك يطلق على الباطن وإن لم لكن له فرجة كما إذا قيل: هذا في جوف ذاك أي في تحته. فالجوف من الصفات اللازمة للجسم، فنفيه كناية عن نفي الجسمية عنه تعالى، بل لا يبعد أن يكون هذا التأويل تنزيها له تعالى عن التشبيه على الإطلاق وعن أن يكون له جزء ووجود وصفات زائدة وكمال بالقوة إذ كل ماكان له أحد هذه الأمور كان له فرجة عقلية وجوف معنوي يستقر فيه وجه التشبيه والأجزاء والوجود والصفات واستعداد الكمال، وبالجملة فيه إشارة إلى التوحيد المطلق ووجه نفي التشبيه بشئ من مخلوقاته أن كل مخلوق فهو ذوجوف وفرجة بماله من المهية والأجزاء (2) والوجود والاستعداد. (وهذا الذي... قال (عليه السلام): " إن الصمد هو السيد المصمود إليه، هو معنى صحيح موافق لقول الله تعالى: ليس كمثله شئ) لأن تفسير الصمد بهذا المعنى لا يوجب تشبيهه بخلقه بخلاف تفسيره المصمت الذي لاجوف له، أو بالشئ الذي لا جوف له، فإنه يوجب تشبيهه بالأجسام المصمتة، وهو مخالف لما نطقت به الآية الكريمة، وأنت تعلم أن تفسيره بالمصمت يوجب ذلك دون تفسيره بالشئ الذي لا جوف له فإنه يوجب التوحيد المطلق والتنزيه التام. (والمصمود إليه المقصود في اللغة) لا المصمت الذي لا جوف له. وفيه رفع لتوهم حمل المصمود إليه على المصمت. ثم استشهد لهذا بكلام البلغاء فقال: قال أبو طالب في بعض ما كان يمدح به النبي (صلى الله عليه وآله) (3) من شعره: وبالجمرة القصوى إذا صمدوا لها * يؤمون قذفا رأسها بالجنادل الجمرة بالفتح والسكون واحدة جمرات المناسك وهي ثلاث جمرات يرمين بالجمار، والقصوى مؤنث الأقصى من القصو وهو البعد يقال: قصى المكان يقصو قصوا أي بعد. ولعل المراد بها جمرة العقبة (يعني قصدوا نحوها) تفسير ل‍ " صمدوا لها " (يرمونها بالجنادل) جمع الجندل


1 - قوله " ليست بصحيحة لأنها لا توافق اللغة " وذلك لأنها توافق اللغة وإن كانت مجازا، فإن المجاز أيضا موافق للغة والتأويل الباطل أن لا يصح حقيقة ولا مجازا. (ش) 2 - قوله " بماله من المهية والأجزاء " هذا تأويل صدر المتألهين بعينه. (ش) 3 - قوله " في بعض ما كان يمدح به النبي (صلى الله عليه وآله) " هذه قصيدة معروفة قاله أبو طالب بعد ما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بأمر الصحيفة والارضة أكلتها. قال ابن كثير هي قصيدة بليغة جدا لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه وهي أفحل من المعلقات السبع وأبلغ في تأدية المعنى، وفي خزانة الأدب للبغدادي عن الواقدي توفي أبو طالب في النصف من شوال في السنة العاشرة من النبوة وهو ابن بضع وثمانين سنة واختلف في إسلامه، قال ابن حجر: رأيت لعلي بن حمزة البصري جزءا جمع فيه شعر أبي وزعم أنه كان مسلما ومات على الإسلام، وأن الحشوية تزعم أنه مات كافرا. (ش)

[ 66 ]

بسكون النون وهي الحجارة (يعني الحصا الصغار التي تسمى بالجمار) الحصا بالفتح والقصر جمع الحصاة، والصغار بالكسر جمع الصغير، والجمار بالكسر هي الصغار من الأحجار جمع جمرة وبها سموا المواضع التي ترمى جمارا وجمرات مجازا، لما بينهما من الملابسة، وقيل: لتجمع ما هنالك من الحصا من: تجمر القوم إذ تجمعوا، كذا في المغرب. (وقال بعض شعراء الجاهلية) أي الفرق الجاهلية (ما كنت أحسب أن بيتا ظاهرا لله * في أكناف مكة يصمد. يعني يقصد) الكنف بفتحتين: الناحية، وأحسب (بمعنى أظن) من الحسبان بالكسر، تقول: حسبته صالحا أحسبه من باب (علم) إذا ظننته صالحا، أو بمعنى أعد من الحساب تقول: حسبته أحسبه من باب (طلب) إذا عددته. (وقال ابن الزبرقان) بكسر الزاي والراء بينهما باء موحدة ساكنة، قال الجوهري: زبرقت الثوب: صفرته، والزبرقان: القمر، والزبرقان بن بدر الفزاري. وقال أبو يوسف: سمي الزبرقان لصفرة عمامته وكان اسمه حصينا. وقال صاحب المغرب: الزبرقان لقب ابن بدر واسمه الحصين يعني بالتصغير أو حصن بكسر الحاء، والدرهم الزبرقاني درهم أسود كبير. (ولا رهيبة إلا سيد صمد) أي مصمود إليه في الحوائج، ورهيبة على التصغير اسم رجل (1) (وقال شداد بن معاوية (2) في حذيفة بن بدر) عند ملاقاته في القتال: (وعلوته بحسام ثم قلت له * خذها حذيف فأنت السيد الصمد). علوته بحسام أي رفعت الحسام فوق رأسه، والحسام: السيف القاطع، وحسام السيف أيضا: طرفه الذي يضرب به، و " حذيف " منادى مرخم بحذف الأداة و " خذها " أمر على سببل التهكم، وضمير التأنيث راجع إلى الحسام باعتبار الضربة ونحوها. (ومثل هذا كثير) في كلام الفصحاء والبلغاء. (والله تعالى هو السيد الصمد الذي جميع الخلق من الجن والإنس) ذكرهما على سبيل الاقتصار


1 - لم نر في رجال العرب اسم رهيبة وابن الزبرقان ليس ابن الحصين الفزاري الصحابي بل كان من طبقة ابن المقنع وعمران من الخوارج وكان رهين بالنون أحد رؤسائهم والله العالم. (ش) 2 - قوله " قال شداد بن معاوية " ذكر البيت في الصحاح واللسان شاهدا ولم يسميا قائله وشداد بن معاوية هذا من رجال داحس وغبرا، وذكره في الاغاني في الجزء السادس عشر ولولا مخافة التطويل والخروج عن المقصود لاوردنا قصتهم ويذكر في حرب الجمل أيضا اسم شداد بن معاوية وربما ينسب إليه قتل محمد بن طلحة بن عبيد الله وليس ذلك الشاعر الذي ذكره الكليني - رحمه الله - لتأخره جدا. (ش) (*)

[ 67 ]

أو شدة احتياجهما إليه سبحانه، وإلا فالملائكة المقربون والخلائق والروحانيون أيضا محتاجون إليه في وجودهم وكمالاتهم (إليه يصمدون في الحوائج وإليه يلجأون عند الشدايد ومنه يرجون الرخاء ودوام النعماء) أي النعماء الظاهرة والباطنة، وتقديم الظرف في المواضع الثلاثة لقصد الحصر (ليدفع عنهم الشدائد) الظاهر أنه تعليل وغاية لقوله " وإليه يلجأون في الشدائد " وكونه تعليلا للجميع بعيد، وما ذكره من " لجأ الجميع إليه مؤمنا " كان أو كافرا " أمر يشهد عليه العقول ويحكم به التجربة ويدل عليه الخبر والآية، أما المؤمن فظاهر، وأما الكافر فلأنه إذا وقع في بلية أو دخل في مصيبة ولم يجد ملجأ سواه لم يدع في رفعها إلا إياه، كما دل عليه حكاية فرعون وقوله تعالى * (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه) *.

[ 68 ]

باب الحركة والانتقال من مكان إلى مكان ومن وضع إلى وضع. * الأصل: 1 - محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن عباس الجراذيني، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر الجعفري، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: ذكر عنده قوم يزعمون أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا، فقال: إن الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد ولم يحتج إلى شئ بل يحتاج إليه وهو ذو الطول، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، أما قول الواصفين: إنه ينزل تبارك وتعالى فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة وكل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به، فمن ظن بالله الظنون هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد تحدونه بنقص أو زيادة أو تحريك أو تحرك أو زوال أو استنزال أو نهوض أو قعود، فإن الله جل وعز عن صفة الواصفين ونعت الناعتين وتوهم المتوهمين، * (وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) *. * الشرح: (محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن عباس الجراذيني) بالراء المهملة بعد الجيم المضمومة وبالذال المعجمة بعد الألف قبل الياء المثناة من تحت وبالنون قبل الياء رازي ضعيف رمي بالغلو وغمز عليه (عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر الجعفري، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: ذكر عنده قوم يزعمون أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا) يعني يزعمون أن له تعالى مكانا أعلى الأمكنة وهو العرش وقد ينزل منه إلى هذه السماء طلبا لقربه من أهل الأرض وندائهم بما أراد. نقل الآبي في كتاب إكمال الإكمال عن بعض غلاة المجسمة (1) أنه نزل عند الوعظ من أدراج


1 - قوله: " عن بعض غلاة المجسمة " نقل مثل ذلك عن ابن تيمية وكان الآبي أراده، وقد يتكلف المتأخرون في نفي القول بالتجسيم عنه مع تصريحه بالنزول وأنه على المعنى الحقيقي وأن تأويله ضلال وخروج عن طريقة السلف، والحق أن من يثبت اللوازم البينة للجسمية فهو مجسم سواء صرح بالجسم أم لا، وظاهر أن من يعترف بأنه تعالى فوق العرش حقيقة وأنه = (*)

[ 69 ]

المنبر وقال: هكذا ينزل تمثيلا لنزوله تعالى - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - (فقال: إن الله لا ينزل) من مكان إلى مكان لتنزهه عن المكان، لأن افتقاره إلى المكان مستلزم للنقصان اللازم للإمكان (ولا يحتاج) في إمضاء ما أراد (إلى أن ينزل) دفع لما توهموه من احتياجه في إمضاء إرادته إلى تحصيل القرب المكاني من العباد وعلل عدم احتياجه إلى ذلك بقوله: (إنما منظره) أي مراقبته للأشياء بالعلم والإحاطة (في القرب والبعد سواء) (1) أي فيما يتصور فيه القرب والبعد بالنظر إلى عالم الحواس


= ينزل إلى السماء الدنيا حقيقة ولكن يحرم استعمال لفظ الجسم لأنه لم يرد في الشرع إطلاق الجسم عليه وأسماء الله توقيفية فهو معتقد بأنه جسم حقيقة وإن لم يجز إطلاق الجسم عليه تعبدا، قال القاسمي في تفسيره المسمى بمحاسن التأويل وهو متعصب لابن تيمية عن الحافظ بن عبد البر: إن حديث " ينزل ربنا كل ليلة إلى آخره " ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله في كل مكان وليس على العرش، والدليل في صحة ما قال أهل الحق قوله تعالى: * (الرحمن على العرش استوى.) *. قال ومن الحجة أيضا في أنه عزوجل على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزل بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء، وفي التفسير المذكور نقلا عن الشيخ إبراهيم الكوراني هو يعنى ابن تيمية على مذهب السلف قائل بأن الله فوق العرش حقيقة مع نفى اللوازم، انتهى. وأقول: إثبات الملزوم مع نفي اللازم لا يصدر من العقلاء. وقال نقلا عن الشهاب الآلوسي المفسر: حاشا الله أن يكون - يعنى ابن تيمية - من المجسمة بل هو أبرأ الناس منهم، نعم يقول بالفوقية وذلك مذهب السلف وهو بمعزل عن التجسيم، انتهى. وأقول: الفوقية الحقيقية هو التجسيم بعينه، سواء أقر به القائل أم لا، وأما الفوقية المجازية أعنى كونه قاهرا على عباده فهو مما يتبرأ منه ابن تيمية واتباعه أشد التبري، وذلك لأن كونه تعالى قاهرا فوق عباده مما اتفق عليه أهل الإسلام وغيرهم ولا معنى لمخالفة ابن تيمية معهم إلا في المعنى الحقيقي. وقال نقلا عن عبد القادر الجيلاني في معنى الاستواء على العرش أنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة كما قالت المجسمة والكرامية، ولا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية،، ولا على الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من السلف الصالح من أصحاب الحديث ذلك بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق. أقول: وهذا غير معقول لأن الفوقية إما حقيقي وإما مجازي وقد نفي كليهما إلا أن يريد وجوب السكوت، وقد جاء في يجب السكوت عنه وإيكال الأمر إلى أهله لكن لا يمكن الحكم بنفي النقيضين، لأن الحكم بنفى النقيضين ليس سكوتا بل تكلم بما فيه حماقة. (ش) 1 - قوله: " إنما منظره في القرب والبعد سواء " أصل شبهة المجسمة والمشبهة أنهم لا يتعقلون وجود موجود مجرد غير متحيز نسبته إلى جميع الأمكنة نسبة واحدة، وأما أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) فمبنية على كون الوجود المجرد أقوى في تأصل الوجود وأكمل في الصفات ولم يكن في عصرهم (عليهم السلام) بعد عقد اصطلاح التجرد في هذا المعنى لكنهم (عليهم السلام) ذكروا من = (*)

[ 70 ]

والأوهام. وفيه رد لما اخترعته أوهام المبتدعة من قرب بعض الأشياء إليه وبعد بعضها عنه حتى أنه يحتاج إلى النزول تحصيلا للقرب من البعيد، وبهذا التقرير يندفع ما عسى أن يقال من أن قربه إنما هو بحسب علمه الذي لا يعزب عنه شئ، وهو بهذا الاعتبار أقرب من كل قريب، فما الوجه لذكر البعد والحكم بالمساواة بينه وبين القرب (لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد) كما هو شأن الممكن المحتاج إلى المكان فإنه إذا انتقل من مكان إلى آخر يبعد منه ما كان قريبا منه في المكان الأول ويقرب منه ما كان بعيدا (ولم يحتج إلى شئ بل يحتاج إليه) فلم يحتج إلى المكان والنزول وتحصيل القرب من الغير واستعمال الحيلة في إمضاء المراد بل كل شئ يحتاج إليه من جميع الجهات (وهو ذو الطول) أي ذو المن والإعطاء (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ذكر هذه الأوصاف أعني الطول على الإطلاق والوحدة المطلقة والغلبة القاهرة والحكمة البالغة كالتأكيد والتعليل لعدم احتياجه إلى شئ من الأشياء بنحو من الأنحاء، لأن إعطاء وجود جميع الموجودات ولواحقه وتفرده بالإلهية واتصافه بالغلبة على جميع الكائنات وبالحكمة البالغة والعلم بجميع الأشياء يقتضي عدم احتياجه إلى شئ منها بالضرورة. ولا يخفى أن ظاهر هذا الحديث الآتي بعد حديثين يدل على ما روي أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كذب وافتراء، ويدل عليه أيضا إنكار الرضا (عليه السلام) على ما روى عنه الصدوق في الفقيه وقد بالغ (عليه السلام) في الإنكار حتى قال: لعن الله المحرفين للكلم عن مواضعه، ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك إنما قال: " إن الله تبارك وتعالى ينزل ملكا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أول


= خواص التجرد وصفات المجرد ما فهم منه أصحابهم معناه مثل قولهم هذا " ولم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد " وغير ذلك مما مضى وما سيأتي. وأما هؤلاء المجسمة لما لم يعقلوا معنى التجرد توهموا أن الله تعالى إن لم يكن على العرش بائنا من خلقه لزم كونه في كل مكان بمعنى الحلول والتحيز، وزعموا أنه عين قول الحلوليين ولزم منه امتزاجه بالقاذورات، ولا يفهمون من التنزيه إلا كونه فوق العرش مبائنا لخلقه ومحيطا لا مخالطا ولا محاطا. قال ابن تيمية فيما نقل القاسمي: إن الذين قالوا إنه في كل مكان هم أهل الحلول وهم يعبدون كل شئ، والذين قالوا: لا هو داخل العالم ولا خارج ولا مباين ولا حال فيه ولا فوق العالم ولا فيه ولا ينزل منه شئ ولا يصعد إليه شئ ولا يتقرب إليه بشئ ولا يدنو إليه شئ ولا يتجلى لشئ ولا يراه أحد ونحو ذلك فهم أهل نفي وجحود لا يعبدون شيئا، وهذا صريح في أنه لا يعترف بوجود شئ غير جسماني وأن ما ليس داخلا في العالم وإلا خارجا إلى آخره فهو ليس بموجود والقائل به منكر لوجود الحق، وفهم من الكلام الثاني معنى مناقضا للأول، لأن كونه في كل مكان يناقض عدم كونه في مكان أصلا لم يفهم أن جميع ذلك تعبير عن التجرد. (ش) (*)

[ 71 ]

الليل الحديث " ولكن روى المصنف في باب فضل يوم الجمعة وليلته (1) من هذا الكتاب بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " فإن استطعت أن تحييها يعني ليلة الجمعة بالصلاة والدعاء فافعل فإن ربك ينزل في أول ليلة الجمعة إلى السماء الدنيا الحديث " وقد أخذنا منه موضع الحاجة وفي طرق العامة روايات متعددة مذكورة في كتاب مسلم " أنه تعالى ينزل في كل ليلة " إلا أن في الروايات أنه ينزل الثلث الأخير، وفي بعضها بعد انقضاء الثلث الأول، وفي بعضها بعد انقضاء الشطر الأول أو ثلثيه، وإذ قد ثبت بالعقل والنقل عندنا وعند أكثر العامة استحالة الجسمية والحركة والانتقال عنه تعالى وجب


1 - قوله: " روى المصنف في باب فضل يوم الجمعة " هذا هو الحديث السادس من ذلك الباب رواه " عن محمد بن يحيى العطار عن عبد الله بن محمد بن علي بن الحكم عن أبان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن للجمعة حقا وحرمة فإياك أن تضيع أو تقصر في شئ من عبادة الله تعالى والتقرب إليه بالعمل الصالح وترك المحارم كلها فإن الله يضاعف فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات، قال: وذكر (يعنى قال أبان: ذكر أبو عبد الله (عليه السلام)) إن يومه مثل ليلته فإن استطعت أن تحييها بالصلاة والدعاء فافعل فإن ربك ينزل في أول ليلة الجمعة إلى السماء الدنيا فيضاعف فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات وإن الله واسع كريم " انتهى. وقال العلامة المجلسي - ره - في قوله " قال وذكر " كأنه سهو من النساخ أو الرواة، وعلى تقديره فهو القلب، انتهى. ومقصوده: أن " قال وذكر " سهو، والصحيح " ذكر وقال "، والحق أن السهو منه - ره - والمعنى ما أشرنا إليه بين الهلالين ولا سهو من النساخ والرواة. وقال المجلسي - ره - يمكن أن يكون المراد نزوله من عرش العظمة والجلال إلى مقام التعطف على العباد وهو حسن جدا. ثم اعلم أن عمدة تمسك المجسمة بظواهر الألفاظ وعدم جواز التأويل فيها كما نقول به نحن أيضا في الفروع والعبادات، وحجتنا في الفروع عدم إمكان خطاب الناس وتكليفهم بشئ لا يفهمون أو يفهمون خلافه فيعملوا بما لا يريد منهم الله تعالى، وأكثر مجسمة المتأخرين نظير ابن تيمية لا يثبتون لله تعالى صورة معينة كصورة الإنسان بل يقولون إنه محيط بكل شئ من فوق العرش، والظاهر من كلام ابن تيمية المنقول في محاسن التأويل أنه يرجح كون العرش جسما في هيئة قبة موضوعة على السموات كسقف البيوت وقباب المساجد والمزارات من جانب واحد وهو الجانب الذي يلى رؤوس أهل الأرض بين أقصى الشرق والغرب من البر القديم، وأما الجانب الآخر كأمريكة والجزائر في البحر المحيط الساكن فليس فوقهم عرش ولا يجوز لهم رفع أيديهم ورؤوسهم إلى السماء عند الدعاء، وأما القاسمي فيرجح إحاطة العرش من جميع الجوانب فيجوز لأهل الأرض من البر الجديد أيضا رفع أيديهم إلى السماء فإن الله تعالى يحيط بنا من جميع الجوانب، وعلى هذا فهو جسم غير متناه في العظمة محيط بالعالم، والعالم في جوفه، نظير ما كانوا يقولون في الفلك الأطلس ومقعره تعالى ينتهى إلى العرش ومحدبه تعالى أي الجانب الآخر يذهب إلى غير النهاية، ويبقى الكلام في نزوله فإن ابن تيمية يتأبى من كون ذاته تعالى محاطا متحيزا بل يقول: إنه فوق العرش ومحيط ولا يحويه شئ من الخلوقات، فإذا كانت ليلة الجمعة أو في جميع الليالى ينزل من فوق عرشه إلى جوف العرش أو إلى جوف نفسه فيصير محاطا بمخلوقاته بعد أن لم يكن ولم نعلم أنه ينزل بكليته فيسعه العالم لأنه يصير أصغر من المخلوق أو ينزل ببعض أجزائه فيتجزى، ولا عبرة عنده بقول المتكلمين والحكماء إن كل متجز ممكن، إذ لم ينقل من السلف الصالح وإنما أخذه المتكلمون من كفار اليونانيين وأئمة الرفضة وإنما طولنا الكلام مع عدم اقتضائه ذلك لأني أرى في زماننا جماعة كثيرة يتعصبون لابن تيمية وابن القيم وخرافاتهما خصوصا المدعين للإصلاح والتجديد. (ش) (*)

[ 72 ]

التأويل في هذه الأخبار (1) على تقدير صحتها وعدم تحريفها، وقد اختلف فيه، فقيل: المضاف محذوف أي: فإن ملك ربك ينزل، وقيل: المفعول محذوف والتقدير: فإن ربك ينزل ملكا من الإنزال، وقيل: هو استعارة وتمثيل لتقريبه للداعين وإجابته دعاءهم وعبر بذلك لقصد إفهامهم القرب، وقيل: النزول بمعنى الإقبال على الشئ، فهو كناية عن إقباله تعالى على المؤمنين وفعله فعلا يظهر به لطفه بهم، والأخير مما ذهب إليه بعض العامة. وتجئ لهذا زيادة تحقيق إن شاء الله تعالى. ولما أشار إلى أنه تعالى لا يحتاج إلى ما توهموه من النزول أشار إلى ما يرد عليهم من المفاسد بقوله: (أما قول الواصفين) له بصفات خلقه (إنه ينزل تبارك وتعالى فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة) لأن تلك الحركة إن كانت من صفات كماله ولم تكن له قبل وكانت بالقوة (2) لزم القول بالنقص فيه إذ لم يكن له بعض صفات كماله بالفعل، وان لم تكن من صفات كماله لزم القول بزيادة في صفاته زائدة على صفات كماله، وكلاهما محال.


1 - قوله: " وجب التأويل في هذه الأخبار " ومن شبه المجسمة في إنكار التأويل أن ظاهر الكلام حجة وأن الشارع إن أراد من الكلام خلاف ظاهره لا يجوز أن يحيلهم على دليل خفى لا يستنبطه إلا أفراد الناس سواء كان سمعيا أو عقليا لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكى والبليد والفقيه وغير الفقيه وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه ثم أوجب أن لا يقصدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره لأن هناك دليلا خفيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان تدليسا أو تلبيسا وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان اه. وهذا كلام ابن تيمية على ما نقل عنه القاسمي وبذلك أنكر تأويل آيات من القرآن أيضا مثل قوله تعالى: * (إليه يصعد الكلم الطيب) * يقوله: * (إني متوفيك ورافعك إلي) * و * (بل * (يخافون ربهم من فوقهم) * و * (تعرج الملائكة والروح إليه) * * (وهو القاهر فوق عباده) *. وعن ابن عبد البر من حق الكلام أن يحمل على حقيقته، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شئ من العبادات، وجل الله أن يخاطب إلا بما يفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. وربما ينقل عن بعضهم أن تأويل ما تزعمون دلالته على التجسيم في الواجب تعالى يستلزم تجويز تأويل ما ورد في المعاد من المطاعم والمشارب والجنة والنار، إذ لا فرق بينهما في الخروج من الظاهر. أقول: فرق بين المبدأ والمعاد، إذ الأدلة العقلية والنقلية قامت في التوحيد على عدم كونه تعالى جسما فوجب تأويل اليد والعين والجنب والوجه والاستواء على العرش وغيرها، وأما المعاد فلم يقم دليل عقلي أو نقلي على استحالة التجسيم حتى يصير قرينة على تأويل ظاهرها، نعم إذا قامت أولوا ما يتعلق بالمعاد أيضا كالوزن وميزان العمل في الآخرة أوله كثير، إذ لم يتبين لهم تجسم الأعمال، وأما العبادات فالظاهر فيها حجة، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وإن جاز عن وقت الخطاب، وأوامر العبادات وردت للعمل، والناس محتاجون إلى معرفة مراد الشارع عند العمل. (ش) 2 - قوله: " وكانت بالقوة " اقتباس من تعريف أرسطوطاليس للحركة وهو أنها كمال ما بالقوة من حيث هو بالقوة وظاهر أن كل ما يتحرك فإنما يطلب شيئا غير حاصل له مع كونه أولى به فإذا نزل الله تعالى - نعوذ بالله - طلب مكانا قريبا من مخلوقاته يكن هذا القرب حاصلا له وكان أولى به أن يكون قريبا، فالحركة تدل على الزيادة والنقصان سواء كانت أينية أو غيرها. (ش) (*)

[ 73 ]

وأيضا: الحركة الأينية من لوازم الجسم، وكل جسم قابل للزيادة والنقصان (وكل متحرك محتاج إلى من يحركه) إن كانت الحركة قسرية (أو يتحرك به) (1) إن كانت إرادية أو طبيعية. وفي العطف مناقشة يمكن دفعها بتقدير الموصول أي ما يتحرك به أو يجعل " من " شاملة لغير العاقل على سبيل التغليب (فمن ظن بالله الظنون) أي الأنواع من الظن (هلك) هلاكا أبديا، وفيه وعيد لمن تمسك في ذات الواجب وصفاته بظنه ورأيه، فإن ظنون العباد مختلفة وآراءهم متباينة، فربما يظنون بجناب الحق ما لا يليق به فيهلكون ويهلكون ألا ساء ما يظنون. (فاحذروا) أي تحرزوا (في صفاته من أن تقفوا له على حد) يحجزكم عنه تعالى ويمنعكم من التقرب به والوصول إليه (تحدونه) استيناف لبيان الوقوف أو حال عن فاعل تفقوا (بنقص أو زيادة) في صفاته التي لا يلحقها التحديد ولا يعرضها التعيين (أو تحريك أو تحرك) أي بتحريك الغير له أو بتحركه بطبعه أو بإرادته (أو زوال) أي بعدم وفناء أو بتغير من وصف إلى وصف (أو استنزال) أي نزول من مكان إلى مكان أو طلبه أو إنزال الغير إياه (أو نهوض) عن مكان بقيامه على ساق كنهوضنا عن مكاننا وقيامنا فيه على سوق (أو قعود) في مكان مثل قعودنا في أمكنتنا (فإن الله جل وعز عن صفة الواصفين ونعت الناعتين وتوهم المتوهمين) لتعليه عن مدارك الوهم والحواس وتباعده من منازل العقل والقياس فلا يجوز للوهم تعيين صفة من صفاته ولا للعقل تحديد شرح حقيقة ذاته،


1 - قوله: " إلى من يحركه أو يتحرك به " كلام ملوكي لا يمكن للسوقة أن يكلموا بمثله أو بما يقرب منه بل تعبير الهي لا يستطيع أن ينطق به إلا من ألهم به من عالم الملكوت. والمحرك على قسمين، إما أن يكون مبائنا كإنسان يرمي حجرا وإما غير مباين كحجر يسقط بطبعه، أو كانسان يمشي على الأرض، فالأول مصداق قوله " من يحركه " والثاني مصداق قوله " يتحرك به ". وأما علة احتياج الحركة إلى علة فلأن الحركة عرضية للجسم، وكل حالة عرضية محتاجة إلى علة، وإنما قلنا هي عرضية لأنه لا يستحيل السكون على طبيعة الجسم من حيث هو جسم، فإذا كانت الحركة بعلة فلا بد أن تكون العلة إما طبيعة مقارنة لذات الجسم نظير الإحراق للنار أو غير ذاته كالبياض للجدار. فإن قيل استحالة احتياج الواجب إلى من يحركه مباينا واضحة وأما احتياجه إلى من يتحرك به أي كون حركته بطبيعة ذاته فما الدليل على استحالته ؟ قلنا: عرف استحالته أولا من قوله (عليه السلام): من ينسبه إلى نقص أو زيادة، لأن كل متحرك يتحرك إلى كمال غير حاصل له، وهذا يدل على نقصه أولا وزيادة بعد الحركة. وثانيا كل متحرك طبيعي متجز في الجملة، لأن القوة المحركة التي فيه وإن كانت طبيعية شئ غير الذي يتحرك ويقبل الحركة إذ يستحيل أن يكون الفاعل والمنفعل واحدا من جميع الجهات، ومعنى المنفعل من التحريك أنه لو لم يكن محرك لم يتحرك، ومعنى الفاعل أنه يلزم منه الحركة البتة فهما شيئان متباينان أحدهما محرك نظير الطبيعة، والثاني متحرك نظير الجسمية فيما عندنا من الأجسام، ولم يعهد مثل هذا الاستدلال من سائر علماء الإسلام، وهو دليل قوي على إمامتهم من الله تعالى. (ش) (*)

[ 74 ]

والصفة مصدر تقول: وصفت الشئ أصفه وصفا وصفة، والهاء عوض من الواو. والنعت مصدر بمعنى الصفة تقول: نعت الشئ إذا وصفته، فالعطف للتفسير والتأكيد، ويحتمل تخصيص الصفة بصفة الذات وتخصيص النعت بصفة الفعل. * (وتوكل على العزيز الرحيم) * أي توكل في الحذر عما لا ينبغي له أو في جميع الأمور على من يغلب الأشياء ويقهر الأعداء ويرحم الأولياء وينصر الأحباء * (الذي يراك حين تقوم) * إلى التهجد أو إلى الخيرات أو إلى الأمور كلها، وفيه نوع من التحذير عما لا يليق به. * (وتقلبك في الساجدين) * أي ترددك وحركاتك فيما بين المصلين بالقيام والقعود والركوع والسجود. وفي اقتباس الآية إشارة (1) إلى أن الهداية لا تنال إلا بالتوكل عليه والتمسك به والرجوع إليه وإلى الداعي إلى التوكل، وهو أنه عالم بجميع الأحوال، وقادر على جميع الأشياء، وناصر للأولياء، وإلى غاية التوكل عليه في المعرفة والهداية وهي القيام بطاعته والجد في عبادته. * الأصل: 2 - وعنه، رفعه عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) أنه قال: لا أقول: إنه قائم فأزيله عن مكانه ولا أحده بمكان يكون فيه ولا أحده أن يتحرك في شئ من الأركان والجوارح، ولا أحده بلفظ شق فم ولكن كما قال (الله) تبارك وتعالى: * (كن فيكون) * بمشيئته من غير تردد في نفس، صمدا فردا، لم يحتج إلى شريك يذكر له ملكه، ولا يفتح له أبواب علمه. * الشرح: (وعنه رفعه، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) أنه قال: لا أقول: إنه قائم) بالمعنى المتعارف (2) من القيام على ساق (فأزيله عن مكانه) الظاهر من المكان معناه


1 - قوله: " في اقتباس الآية إشارة " بل استدلال بها على نقض القول المزور ورد توهم من يزعم أنه ينزل الى السماء الدنيا، لأن يسمع دعاء الناس من قريب، بأنه تعالى يسمع في جميع الأوقات ويرى العباد والساجدين والقائمين، ويكفي المتوكلين عليه في كل آن، فلا حاجة إلى أن ينزل ولا وجه للاعتقاد به، فإن قيل: لعله ينزل لغير غرض الاستماع. قلنا: هذا احتمال غير متبادر، بل تخرج وتحرج يعلم كل أحد أن القائل بالنزول لم يقل به إلا لأصل الاستماع أو لكماله ثم لو لم يكن (تعالى على عرشه) عالما بأحوال العباد كيف أمر بالتوكل عليه في قوله: * (وتوكل على العزيز الرحيم) * وشرط المتوكل عليه أن يكون عزيزا قادرا غالبا على كل شئ ورحيما بالمتوكل، وهذا يتوقف على أن يكون العرش والسماء الدنيا وقعر البحار متساوية لديه في العلم والقدرة. (ش) 2 - قوله: " بالمعنى المتعارف " في مقابل المكانة والمكان المتعارف وهو المختص بالأجسام سواء عرف بأنه ما يعتمد عليه = (*)

[ 75 ]

المعروف، ولما كان القول بقيامه على ساق مثل البشر مستلزم للقول بزواله عن مكانه، أشار بنفي اللازم إلى نفي الملزوم تنزيها له عن ذلك، وإنما قلنا: الظاهر ذلك لأنه يحتمل أن يراد بمكانه مكانته الحقة ومرتبته القدسية أي فأزيله عن مرتبته الحقة القدوسية الثابتة له، لأن القيام على ساق ينافي تلك المرتبة فالقول به مستلزم لإزالتها عنه تعالى، وفي بعض النسخ: " عن مكان " بدون الضمير وهو يؤيد الاول (ولا أحده بمكان يكون فيه) كما حده طائفة من المبتدعة حيث قالوا: هو جالس في العرش محدود به. وفي قوله " يكون فيه " إشارة إلى أنه حاضر في كل مكان لا بأن يكون مستقرا فيه بل بالعلم والإحاطة (ولا أحده أن يتحرك) أي بأن يتحرك - على حذف الجار وحذفه مع أن - وأن قياس (في شئ من الأركان والجوارح) بأن يتحرك رأسه أو عينه أو يده أو غيرها كما يشاهد مثل ذلك في الإنسان لقصد الإشارة وغيرها، وذلك لتنزهه تعالى عن الحركة والأركان والجوارح وغيرها من خواص الجسم والعطف للتفسير ويحتمل أن يراد بالاركان الأعضاء الباطنة وبالجوارح الأعضاء الظاهرة، ويحتمل أيضا أن يراد بالأركان النواحي والجوانب أي أصفه بأن يتحرك مثلا من السماء إلى الأرض وبالعكس، ومن المشرق إلى المغرب وبالعكس (ولا أحده بلفظ شق فم) الشق بالكسر: الناحية والمشقة ومنه قوله تعالى: * (لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) * وبالفتح: الفرجة والصدع مثل ما يوجد في اليد والرجل، يعني: لا أحده بلفظ خارج من ناحية الفم أو من مشقته أو من انفراجه وانفتاحه. وتقييد اللفظ بذلك للتوضيح والتفسير، لأن اللفظ كما صرحوا به عبارة عن الكلمة الخارجة من آلة النطق، وهي الفم واللسان والشفة والحنجرة، ولهذا لم يأذن الشارع بإطلاقه عليه ولم يجوز أن يقال له اللافظ كما أذن في الكلام، لكون دلالته على الآلة المذكورة أقوى من دلالة الكلام عليها كما مر (ولكن كما قال تعالى: كن فيكون، بمشيته) أي ولكن أقول موافقا لما قال الله تعالى إذا أراد وجود شئ لما فيه من الحكمة والمصلحة يقول له: كن، فيكون ذلك الشئ بمجرد مشيته من غير لفظ ولا صوت (1) على نهاية سرعة لإجابة أمره، فقوله " كن " عبارة عن حكمه بالوجود وإرادته إياه، وقوله


= الشئ أو السطح الحاوي أو الفضاء المتوهم الذي يشغله الأجسام وقوله (عليه السلام): " أزيله عن مكانه " أي أحكم بزواله عنه وأقول: ينزل من العرش إلى السماء الدنيا. (ش) 1 - قوله: " من غير لفظ ولا صوت " هنا سؤالان: الأول كيف أجازوا تأويل قوله تعالى * (كن فيكون) * على خلاف الظاهر ولا استحالة في أن يكون هذا قولا حقيقة نظير ما كلم الله به موسى (عليه السلام). ولو جاز تأويل هذا الكلام لجاز تأويل كثيرا من المسلمين في الصدر الأول فهموا منه اللفظ الحقيقي وإن لم يكونوا من المجسمة، فما حالهم في الهداية والضلال وصحة الاعتقاد وفساده ؟ = (*)

[ 76 ]

" فيكون " إشارة إلى وجوب ترتب الوجود من غير مهلة (من غير تردد فيه في نفس) أي من غير تفكر ونظر ليعلم وجه المصالح والمفاسد، لأن ذلك من توابع الجهل والنقص في العلم (صمدا فردا) في الوجود والوجوب والقدرة والإيجاد والحفظ (لم يحتج إلى شريك يذكر له) من التذكير أو الإذكار (ملكه) وهو حقايق الممكنات ووجوداتها وآثارها، يعني لم يحتج في أصل الإيجاد ولا في حفظ الموجودات إلى من يذكره وينبهه على النسيان والغفلة (ولا يفتح له أبواب علمه) يفتح عطف على يذكر و " لا " لتأكيد النفي يعني لم يحتج إلى شريك يفتح له أبواب العلم ويعلمه ما لم يعلم إذ لا يعرض لعلمه تغير وتجدد وزيادة ونقصان بل علمه كامل محيط بتفاصيل الأشياء أزلا وأبدا، وبالجملة الشركة بين الاثنين إما لعدم قدرة أحدهما على دفع الاخر أو لاحتياج كل واحد منهما إلى الاستعانة بالآخر في التدبير، وكلاهما على الله سبحانه محال. * الأصل: وعنه، عن محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن أسماعيل، عن داود بن عبد الله، عن عمرو بن محمد، عن عيسى بن يونس قال: قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد الله (عليه السلام) في بعض ما كان يحاوره: ذكرت الله فأحلت على غائب، فقال أبو عبد الله: ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم ويعلم أسرارهم، فقال ابن أبي العوجاء: أهو في كل مكان ؟ أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض ؟ وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان اشتغل


= والجواب عن الاول أن التأويل على خلاف الظاهر عند قيام الدليل عليه غير المنكر وإنما لا يجوز بغير دليل. وعن الثاني أن الخلاف في هذه الأمور وأن " كن " كان لفظا حقيقة أولا، مما لا يضر بالدين ولا يعد معتقد خلاف الحق فيه مبتدعا أو كافرا، لأن كثيرا من تفاصيل المعارف لم تكن معلومة لأكثر الناس وإلا لم يكن حاجة إلى الإمام (عليه السلام). فإن قيل: إذا احتمل الظاهر التأويل ولم نر عليه دليلا لم نقطع بكونه مرادا قطعا لجواز قيام دليل على خلافه لم نقف عليه. قلنا: لا ريب أن الظاهر يحصل منه الظن ولم يدع أحد حصول القطع واليقين منه من حيث هو ظاهر واحتمال قيام دليل على إرادة خلاف الظاهر ينقض اليقين، ولا ينقض الظن، فعلى الناس أن يتوقفوا وهو الأسلم أو يتعبدوا بظنهم الحاصل من ظواهر الألفاظ ويجروا عليه ما لم يروا دليلا على خلافه وليس عليهم أن يتكلفوا لتحصيل اليقين لعدم إمكانه. نعم يحصل من الظاهر اليقين في التكاليف الفرعية بضميمة مقدمة عقلية خارجية وهي أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فإذا أمرنا بالتطهير والظاهر أنه بالماء ولم يدل قرينة على خلافه كان هذا مرده قطعا ويقينا. فإن قيل: لعله أقام قرينة خفيت علينا بعد فلا نقطع بمراده. قلنا: هذا ممكن معقول لكنا وإن لم نقطع بمراده واقعا نقطع بأنه لم يرد فعلا منا غيره. (ش) (*)

[ 77 ]

به مكان وخلا منه مكان فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما يحدث في المكان الذي كان فيه فأما الله العظيم الشأن الملك الديان فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان. * الشرح: (وعنه عن محمد بن أبي عبد الله) ليس للضمير مرجع ظاهر وقيل: هو إما راجع إلى محمد بن أبي عبد الله مثل السابق، وقوله عن محمد بن أبي عبد الله بدل لقوله " عنه " وبيان له، أو راجع إلى المصنف، والكلام من تلامذته (عن محمد بن إسماعيل عن داود بن عبد الله) لم يذكره العلامة في الخلاصة وقيل: هو أبو سليمان داود بن عبد الله الذي روى عن القاسم بن حمزة بن القاسم العلوي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عنه (عن عمرو بن محمد) قيل: هو عمرو بن محمد الأسدي من رجال الكاظم (عليه السلام) (عن عيسى بن يونس) لم يذكره العلامة في الخلاصة، وقيل: هو عيسى بن يونس بن عيسى بن حميد الشاكري الكوفي من رجال الصادق (عليه السلام)، وفي بعض النسخ " عن عمرو عن محمد بن عيسى بن يونس " بلفظة " عن " بعد عمرو بدل " ابن " وبلفظ " ابن " بعد " محمد " بدل " عن ". وعمرو هو عمرو بن عثمان الثقفي الخزاز (قال: قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد الله (عليه السلام) في بعض ما كان يحاوره) المحاورة والتحاور التجاوب يقال كلمته فما أحار لي جوابا واستحاره أي استنطقه (ذكرت الله فأحلت على غائب) وتلك المحاورة ما نقله الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج أن ابن أبي العوجاء قدم مكة متمردا وإنكارا على من يحج فأتى أبا عبد الله (عليه السلام) فجلس إليه في جماعة من نظرائه فقال: يا أبا عبد الله إن المجالس بالأمانات ولا بد لكل من به سعال أن يسعل أفتأذن في الكلام ؟ فقال: تكلم فقال: إلى كم تدوسون هذا البيدر ؟ وتلوذون بهذا الحجر ؟ وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر ؟ وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ؟ إن من فكر هذا علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولاذي نظر، فقل فإنك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أسه ونظامه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق ولم يشغل به وصار الشيطان وليه، يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره، وهذا بيت استعبد الله به عباده ليختبر طاعتهم في إتيانه فحثهم على تعظيمه وزيارته وجعله محل أوليائه وأنبيائه وقبلة للمصلين له فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدي إلى غفرانه منصوبا على استواء الكمال ومجتمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما نهى عنه وزجر، الله المنشئ للأرواح والصور. فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت الله فأحلت على غائب

[ 78 ]

(فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد) أي حاضر مع خلقه (وإليهم أقرب من حبل الوريد) أي كيف يكون غائبا وهو أقرب إليهم من حبل الوريد، وهذا مثال لكمال القرب ومعنى التفضيل ظاهر، لأن وريد كل شخص يكون قريبا ببعضه دون بعض، وقربه تعالى لما كان بالعلم والإحاطه كانت نسبته إلى الجميع على السواء، والحبل العرق والإضافة للبيان، والوريد عرق تزعم العرب أنه من الوتين (1) وهما وريدان غليظان مكتنفان صفحتي العنق مما يلي مقدمه، ينتفخان عند الغضب، يتصلان بالوتين يردان من الرأس (يسمع كلامهم) وإن كان خفيا فإنه يسمع من الكلام ما أظهره المتكلم وأبداه وما أسره وأخفاه (ويرى أشخاصهم) بذاته التي ينكشف بها كمال المبصرات ويظهر الأسرار والخفيات فهو يشاهد ويرى حتى لا يغيب عنه ما تحت الثرى (ويعلم أسرارهم) فإنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (فقال ابن أبي العوجاء أهو في كل مكان) (2) الاستفهام لإنكار ما دل عليه قوله (عليه السلام) هو مع خلقه شاهد فإنه دل على أنه حاضر في كل مكان (أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض) أي لا يكون في الأرض. أورد النفي بصورة الاستفهام مع الرمز إليه، لأن " كيف " هنا للإنكار لغرض من الأغراض كترك التصريح بما يخالف اعتقاد المخاطب (وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء) أي لا يكون في السماء، والاستفهام في قوله " أليس " إما لإنكار السلب أو لحمله (عليه السلام) على الإقرار بمضمون الشرطيتين وهو الإقرار بأنه إذا كان في السماء لا يكون في الأرض وإذا كان في الأرض لا يكون في السماء ليورد عليه أن هذا مناف لكلامك أولا (فقال أبو عبد الله (عليه السلام)) توضيحا للمقصود وتنبيها بضعف عقله وسوء تفكره في وصف الباري (إنما وصفت) بقولك هو إذا كان في مكان لا يكون في مكان آخر (المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان) كان مستقرا فيه بالحواية (اشتغل به مكان) آخر انتقل إليه (وخلا منه مكان) انتقل منه (فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما يحدث في المكان الذي كان فيه)


1 - قوله: " تزعم العرب أنه من الوتين " نسبه إلى زعم العرب للإشارة إلى بطلان زعمهم فإن الوريدين لا ينشعبان من الوتين ولم يكن العرب عالمين بالتشرح والوتين هو الذي يسميه الاطباء أورطي والوريدان من الأجوف الصاعد. (ش) 2 - قوله: " أهو في كل مكان " الماديون لا يعتقدون بوجود موجود غير جسماني ولا يتعقلون شيئا لا يكون في مواضع هذا العالم قال تعالى * (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) * ولذلك لم يتصور السائل وجود مجرد نسبته إلى جميع الأمكنة نسبة واحدة وزعم أن الموجود إما أن يكون في مكان خاص فيكون بعيدا من الآخر أو في جميع الأمكنة على سبيل الاستغراق وهو غير ممكن إذ ليس لجسم واحد الإمكان واحد. (ش) (

[ 79 ]

لبعده عنه وقصور علمه بالوقايع والحوادث إلا بالحواس، والحواس لا تدرك إلا ما يحضرها (فأما الله العظيم الشأن) الشأن الأمر والحال، والمراد به هنا أوصافه الكاملة (الملك الديان) الملك أصناف الموجودات كلها والملك من أسمائه تعالى لأنه مالكها والدين الجزاء والديان من أسمائه تعالى لأنه يدين العباد أي يجزيهم بأعمالهم (فلا يخلو منه مكان) (1) لأنه لا يخلو مكان من علمه لتعلقه بجميع الأشياء وعلمه عين ذاته فلا يخلو منه تعالى مكان (ولا يشتغل به مكان) كإشغاله بالجسم المالئ له لا ستحالة الجسمية عنه ولأنه قبل حدوث المكان كان بلا مكان فهو أبدا كذلك لا متناع تغيره. وأيضا: عظمة شأنه على الإطلاق وافتقار جميع ما سواه إليه ينافي افتقاره إلى المكان (ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان) أي لا يكون هو بالقياس إلى مكان أقرب منه بالقياس إلى مكان آخر، والمقصود أن قربه من جميع الأمكنة سواء، إذ قربه بعلمه الذي لا يغيب عنه شئ فهو بعلمه قريب من الأمكنة كلها قربا متساويا لامتناع تحقق الاختلاف والزيادة والنقصان والشدة والضعف في علمه. * الأصل: 4 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى قال: كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام): جعلني الله فداك يا سيدي ! قد روي لنا: أن الله في موضع دون موضع على العرش استوى وأنه ينزل كل ليلة في النصف الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، وروي أنه ينزل عشية عرفة ثم يرجع إلى موضعه، فقال بعض مواليك في ذلك: إذا كان في موضع دون موضع فقد يلاقيه الهواء ويتكنف عليه والهواء جسم رقيق يتكنف على كل شئ بقدره، فكيف يتكنف عليه جل ثناؤه على هذا المثال ؟ فوقع (عليه السلام): علم ذلك عنده وهو المقدر له بما هو أحسن تقديرا، واعلم أنه إذا كان في السماء الدنيا فهو كما هو على العرش، والأشياء كلها له سواء علما وقدرة وملكا وإحاطة. وعنه، عن محمد بن جعفر الكوفي، عن محمد بن عيسى مثله. * الشرح: (علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى قال: كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) جعلني الله فداك يا سيدي قد روي لنا أن الله في موضع دون موضع) ليس المراد أنه يسير في ملكه وأنه في كل آن الله في موضع منه، بل المراد أنه في موضع مخصوص لشرف ذلك الموضع


1 - قوله: " فلا يخلو منه مكان " بين الإمام (عليه السلام) معنى الموجود المجرد بذكر صفات: الأولى أنه لا يخلو منه مكان، وهذا الكلام موهم حلوله في كل مكان دفع الوهم بقوله " لا يشتغل به مكان " وهي صفة ثانية وهو كالنفس الناطقة الإنسانية في بدنه لا يخلو منه موضع من البدن ولا يشتغل به مكان من البدن. والصفة الثالثة للمجرد أنه ليس أقرب إلى مكان منه إلى آخر. (ش) (*)

[ 80 ]

وعلوه كما يرشد إليه قوله: * (على العرش استوى) * فإنه بدل لقوله في موضع. والعرش محيط بجميع الأجسام مع ما يتعلق بها من النفوس العالية والسافلة والعقول المقدسة والأنوار المطهرة من أدناس عالم الطبيعة (وأنه ينزل كل ليلة في النصف الأخير من الليلة إلى السماء الدنيا) ليزداد قربه بالعالم السفلي لغرض من الأغراض. (وروي أنه ينزل عشية عرفة) يعني إلى السماء الدنيا على الظاهر، ولعل المراد بعشية عرفة ما بعد الزوال إلى الغروب، ويحتمل أيضا وقت الغروب (ثم يرجع إلى موضعه) الأصلي وهو العرش. (فقال بعض مواليك في ذلك) أي في إنكار ذلك المروي وتكذيبه (إذا كان في موضع دون موضع فقد يلاقيه الهواء ويتكنف عليه) تكنفه واكتنفه أي أحاط به ولعل التعدية بعلى لتضمين معنى الاحتواء (والهواء جسم رقيق) يتشكل بسهولة بشكل ظاهر ما يجاوره (يتكنف على كل شئ بقدره) أي بمقداره بلا زيادة ولا نقصان لاستحالة الخلأ والتداخل (فكيف يتكنف عليه جل ثناؤه على هذا المثال) الموجب لتحديده وتشبيهه بالخلق. (فوقع (عليه السلام)) من غير تكذيب المروي بل مع الإشعار بتصديقه (علم ذلك عنده) (1) أي علم ذلك الذكور من الآية والرواية عنده تعالى لأنه من المتشابهات التي لا يستقل بتأويلها عقول البشر ولا يعلمها إلا الراسخون في العلم بتوفيق إلهي (وهو المقدر له بما هو أحسن تقديرا) والمفسر له بما هو أتقن تفسيرا والمعبر عنه بما هو أفضل تعبيرا بالوحي إلى الأنبياء والالهام للإوصياء أما الآية فسيجئ تأويلها في الأخبار الآتية، وأما الرواية فقد أولت بأن المراد أنه ينزل ملك بأمر ربه فأعطى


1 - قوله: " علم ذلك عنده " ظاهره تصديق المنقول وأنه تعالى ينزل وأن الهواء يتكنف أي يحيط به لكن لا ومقدار ما يشغل الفضاء إلا هو وهو يقدر ذلك أحسن تقدير، وتأويل الشارح لا يخلو عن تكلف، ويصعب حمل العبارة عليه وإن كان أقرب من الرد. وأما صدر المتألهين (قدس سره) فأرجع هذا الكلام إلى قوله تعالى * (على العرش استوى) *. وقوله " هو المقدر له " أي الله هو الذي قدر العرش أحسن تقدير، والغرض الاستدلال به على أن خالق العرش ومقدره لا يكون حالا في العرش أو محمولا عليه ومحتاجا إليه، وهذا أقرب من تأويل الشارح. والمولى خليل القزويني اختار تأويل صدر المتألهين ودفع الاستبعاد باحتمال قريب وهو أن توقيع الإمام (عليه السلام) كان بين سطور السؤال بحيث كان أول قوله (عليه السلام) علم ذلك عنده تحت قول السائل مبتدأ من كلمة * (الرحمن على العرش استوى) * ومعنى علم ذلك عنده أي علم تفسير * (الرحمن على العرش استوى) * عنده، والضمير المجرور في قوله " وهو المقدر له " راجع إلى العرش لكونه مكتوبا تحت كلمة العرش وهو حسن جدا، ولولا هذا الاحتمال لقلنا بسهو الراوي وخطائه في نقل مكتوب الإمام (عليه السلام) وعدم فهمه مراده، لكن في نسخة صدر المتألهين كان كلمة " يتكيف " بالياء لا بالنون، والصحيح النون. (ش) (*)

[ 81 ]

الآمر حكم المأمور، ومثل هذا التأويل في الآيات والروايات غير قليل، ثم أشار إلى أنه تعالى ليس له موضع دون موضع ولا اختصاص له بمكان دون مكان لئلا يلاقيه الهواء ولا يحيط ولا يقع التشبيه كما ذكره بعض الموالي بقوله (واعلم أنه إذا كان في السماء الدنيا فهو كما هو على العرش) نبه بذلك على نفي التحيز عنه وعدم الظرفية له إذ من كان نسبته إلى جميع الأمكنة سواء لا يكون له مكان لاستحالة ذلك في المتحيز. (والأشياء كلها له سواء علما وقدرة وملكا وإحاطة) نبه بذلك على أن كونه فيهما ليس إلا المحيط بهما وجريان قدرته عليهما ونفاذ حكمه فيهما وإحاطة تصرفه بهما، وإن خطر ببالك شئ فانظر إلى عقلك اللطيف فإنه إذا لم يكن له مع تدنسه بغواشي الإمكان موضع معين تقول: هو هناك دون غيره من المواضع فجناب الحق المقدس عنها أولى بعدم الحاجة إلى مكان معين (وعنه عن محمد بن جعفر الكوفي، عن محمد بن عيسى مثله) أي مثل هذا الحديث في السؤال والجواب بلا تفاوت. (في قوله تعالى: * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) * (وفي قوله) عطف على الحركة والانتقال فهو من كلام المصنف كسائر عنوان أبواب الكتاب أي باب الحركة والانتقال، وفي تفسير قوله تعالى * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) * (1) أي يجعلهم أربعة من حيث أنه


1 - قوله * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) * في هذه الآية مباحث: الأول في دلالتها على عدم كونه تعالى على العرش بمعنى التمكن، ونقل في محاسن التأويل عن أحمد، قال: مما تأول به الجهمية من قول الله سبحانه * (ما يكون من نجوى ثلاثة) * الآية قالوا: إن الله عزوجل معنا وفينا، وفيه أيضا قال أحمد وقلنا للجهمية زعمتم أن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان فقلنا لهم: أخبرونا عن قول الله جل ثناؤه * (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) * لم تجلى إذا كان فيه بزعمكم ولو كان فيه كما تزعمون لم يكن يتجلى لشئ لكن الله على العرش وتجلى لشئ لم يكن فيه ورأى الجبل شيئا لم يكن يراه قط قبل ذلك. وقال إن الله بعلمه رابعهم * (ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا اكثر إلا هو معهم) * بعلمه. أقول: إن أحمد مع تأبيه عن التأويل حمل هذه الآية على خلاف ظاهرها. وأقول: إن قيل لهؤلاء المجسمة: كيف جوزتم حمل قوله تعالى * (ما يكون من نجوى إلى آخره) * على خلاف ظاهره ولا تجوزون حمل قوله تعالى * (الله على العرش استوى) * على خلاف ظاهره، لم يكن لهم جواب إلا أن يقولوا: نحن ماديون لا نعترف بوجود شئ غير متحيز ولا نتعقل كون الله تعالى وهو جسم في جميع الأمكنة، ولذلك نؤول ما دل عليه، كونه على العرش فمعقول لنا لا نؤوله. فنقول لهم: بناء على هذا يدور التأويل مدار كمال العقل ونقصه وليس خلاف في أصل التأويل إذا خالف العقل فمن كان ماديا هداه عقله إلى إبقاء كل ما دل على تجسيم الواجب على ظاهره وحمل ما دل على تجرده وتنزهه تعالى على خلاف ظاهره ومن كان روحانيا ومعتقدا لوجود موجودات أكمل وأشرف من الأجسام لم يمتنع من حمل ما يكون من نجوى وأمثاله على ظاهره، وحمل قوله * (على العرش استوى) * على خلاف ظاهره، لأن التمكن ينافي وجوب الوجود. المبحث الثاني في رد من يزعم أن هذه الآية تدل على التجسيم أيضا فإنه تعالى في كل مكان ومع كل أحد فيكون جسما متمكنا = (*)

[ 82 ]

يشاركهم في الاطلاع عليها والنجوى اسم من النجو وهو السر بين اثنين يقال نجوته نجوا أي ساررته قيل: إنما ذكر الثلاثة دون الاثنين مع أن الاثنين أقل عدد يقع فيه التناجي، لأن الله وتر يحب الوتر، والثلاثة أول الأوتار التي يقع فيه التناجي ولذلك قال بعده ولا خمسة إلا هو سادسهم ثم عمم لدفع توهم الاختصاص بقوله * (ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم) *. * الأصل: 5 - عنه، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن (عمر) ابن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) * فقال: هو واحد وأحدي الذات، بائن من خلقه، وبذاك وصف نفسه وهو بكل شئ محيط بالإشراف والإحاطة والقدرة. لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر بالإحاطة والعلم لا بالذات، لأن الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة فإذا كان بالذات لزمها الحواية. * الشرح: (عنه، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن (عمر) ابن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله * (وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) * قيل لتوضيح الاستثناء: إن النجوى مؤول بالمتناجين، وثلاثة صفة لها، وقيل غير ذلك (فقال (عليه السلام): هو واحد واحدي الذات) ليس له شريك ولا نظير ولا جزء مادي ولا صوري (1) لا ذهنا ولا خارجا فليست وحدته وحدة عددية (2) بأن يكون - تعالى شأنه - مبدأ كثرة عادا لها معدودا من جملتها، فيزيد العدد بإضافته تعالى وينقص بإسقاطه منه وإلا لكان داخلا في الكم المنفصل موصوفا بالعرض.


= في مكان، وعقد كلام الإمام في هذا الحديث للرد على هذا الوهم. المبحث الثالث قوله تعالى * (ما من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) * إلى آخره لا ينافي ما نقل عن أمير المؤمنين في معنى الواحد وأن من قال إنه ثالث ثلاثة فقد كفر، لما سيظهر إن شاء الله. (ش) 1 - قوله: " لا جزء مادي ولا صوري " ما ذكره الشارح دقيق صحيح ولكن الأوضح في معنى العبارة أن يقال في دفع وهم من يظن أنه تعالى متمكن في مكان ومتحيز في حيز: إنه تعالى لو كان مع كل ثلاثة وكل خمسة لزم كونه في زمان واحد في أمكنة متعددة مع أنه واحد يتطرق إليه الكثرة فليس معنى كونه في كل مكان التمكن الجسماني. (ش) 2 - قوله: " فليست وحدته وحدة عددية " هذا صحيح في الحقيقة ولعلنا نتكلم فيه في موضع أليق ولكنه غير مرتبط بهذا الموضع. (ش) (*)

[ 83 ]

(باين من خلقه (1) ليس بينه وبينهم مشابهة بوجه من الوجوه ولا مشاركة في أمر من الأمور (وبذلك وصف نفسه) كما قال * (ليس كمثله شئ) * وقال: * (ولم يكن له كفوا أحد) * إلى غير ذلك من الآيات الدالة على التنزيه والمباينة على الإطلاق (وهو بكل شئ محيط بالإشراف) لا بمقدار لتعاليه عنه، والمراد بالإشراف الاطلاع عليه على وجه الاستعلاء من قولهم أشرفنا عليه إذا اطلعوا عليه من فوق (والإحاطة والقدرة) أي بإحاطة علمه وقدرته بجميع الأشياء. (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر بالإحاطة والعلم لا بالذات يعني أن عدم بعد شئ من الأشياء عنه باعتبار إحاطة علمه لا باعتبار حصول ذاته في


1 - قوله: " بائن من خلقه " يعنى بينونة صفة لا بينونة عزلة فإن البائن بالعزلة لا يتعقل كونه عليه ولو كان شئ موجودا مستقلا بنفسه مبائنا لموجود آخر مستقل بنفسه لا يتصور كون أحدهما في وجوده محتاجا إلى الآخر، وإنما يتصور الاحتياج في شئ موجود غير مباين عن شئ كالعرض المحتاج إلى المحل، والنور المحتاج إلى جسم مضئ والمركب المحتاج إلى الأجزاء والصورة المحتاجة إلى المادة وبالعكس، ولا يتعقل كون جسم مستقل مباين عن جسم آخر متعلق الوجود به حدوثا وبقاء وكذا غير الجسم وإنما العلية نوع ارتباط ربما يطلق عليه الإضافة الإشراقية بين العلة والمعلول حتى يلزم من عدم العلة عدم المعلول ولذلك تكرر في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): أنه تعالى داخل في كل شئ لا كدخول شئ في شئ وخارج عنه لا كخروج شئ عن شئ. وهذا يجب أن لا يكون على وجه يلزم منه الاتحاد والحلول في الممكنات أو معها حتى يتكثر، لأن الوجود الصرف غير المتناهى في الشدة والعدة والمدة لا يعقل أن يحل في موجود له مهية محدودة فليس وحدته تعالى وحدة عددية إذ يلزم منها كونه تعالى مبائنا عن الموجودات وفي عرضها فتكون هذه غير محتاجة إليه تعالى حدوثا وبقاء، والنفس الناطقة بالنسبة إلى قواها المختلفة كذلك فإن الباصرة والسامعة والشامة والمحركة وغيرها متعلقة الوجود بالنفس ولا ينبغي أن تعد النفس من القوى وفي عرضها بل هي كالعلة لقواها وحاضرة معها ومشرفة عليها، ومع كونها في كل قوة لا يجوز أن يقال: حلت في الباصرة على طريق المحدودية، وهذا سر عظيم يجب أن يتدبر فيه حتى يتعقل وحدة النفس والفرق بين الوحدة العددية وغيرها. فإن قيل لا يبتني الدين على هذه التدقيقات ولو كان الواجب على الناس ذلك كان تكليفا بما لا يطاق. قلنا: لم ندع كون العلم بها والتدقيق فيها واجبا على كل مكلف ولكن ورد في كلام أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) أمور لا ينال مغزاها إلا بالتدقيق والتدبر فعلمنا أن في التوحيد وسائر مسائل المعارف أشياء خاصة بجماعة من الراسخين في العلم يتلذذون بمعرفتها ويدفعون شبهات المعاندين فيها وليعلم جهال الملاحدة أن التدين والإيمان ليس خاصا بالسذج وأن العقلاء غير متدينين كما قال شاعرهم: اثنان في الدينا فذو عقل بلا * دين وآخر دين لا عقل له فض فوه. وأي رجل أعقل وأعلم من أمير المؤمنين (عليه السلام) ويدل على أن ليس جميع مسائل الدين لجميع الناس قول المفيد في النهي عن القدر أنه خاص بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلهم عن الدين ولا يصلحهم إلا الإمساك عنه وترك الخوض فيه، ولم يكن النهي عنه عاما لكافة المكلفين وقد يصلح بعض الناس بشئ يفسد به آخرون ويفسد بعضهم بشئ يصلح به آخرون إلى آخر ما قال. (ش) (*)

[ 84 ]

مكان قريب من مكانه (لأن الأماكن محدودة (1) تحويها حدود أربعة، فإذا كان بالذات لزمها الحواية) ضمير التأنيث في لزمها للذات، وفي كتاب التوحيد للصدوق " لزمه " بتذكير الضمير، يعني إذا كان عدم بعد شئ عنه باعتبار حصول ذاته تعالى في مكان قريب منه لزم احتواء المكان عليه وكونه فيما يحيط به حدود أربعة كل حد مقابل لنظيره وأنه محال، فقد دل هذا الحديث على أن قوله تعالى * (إلا هو رابعهم) * ليس معناه أنه رابع الثلاثة بالعدد ومصيرها أربعة بضم الواحد العددي الذي هو هو إليها كما هو المعتبر في مرتبة الأعداد باعتبار التصيير، لتقدسه عن أن يكون واحدا عدديا مبدأ لمراتب الأعداد، معدودا من جملة آحاد العدد بل معناه أنه تعالى رابع كل ثلاثة بمعية العلم والإحاطة الواحدة بالنسبة إلى جميع الأشياء المغايرة للمعية الذاتية التي هي المعية المكانية والزمانية. (في قوله الرحمن على العرش استوى) (2) هذا مثل ما مر إلا أنه ترك العاطف هنا يعني هذا الباب أيضا في تفسير هذه الآية. * الأصل: 6 - علي بن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن (موسى) الخشاب، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن قول الله عزوجل: * (الرحمن على العرش استوى) * فقال: استوى على كل شئ، فليس شئ أقرب إليه من شئ. * الشرح: (علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن الحسن موسى الخشاب عن بعض


1 - قوله: " لأن الأماكن محدودة " ذكرنا أدلة تناهى الأبعاد في المجلد الثالث ص 239. 2 - قوله في قوله * (الرحمن على العرش استوى) * الآية من أقوى شبه المجسمة وقد ورد في سبع سور على ما قال الرازي في تفسيره: الأعراف. يونس. الرعد. طه. الفرقان. السجدة. الحديد. قال: وقد ذكرنا في كل موضع فوائد كثيرة، فمن ضم تلك الفوائد بعضها إلى بعض كثرت وبلغت مبلغا كثيرا وافيا بإزالة شبه التشبيه عن القلب والخاطر. أقول: وقد نقل أكثرها صدر المتألهين في شرحه مهذبة من الجدليات ومبينة محكمة على ما هو دأبه وزاد عليها أمورا: ولا ريب أن أهل الإسلام يتأبون عن التجسيم إلا أن بعضهم كالحنابلة والكرامية يتبرأون عن اسم الجسم ويثبتون معناه مع جميع لوازمه، وحاصل كلام أكثرهم في تأويل هذه الآية أن * (استوى) * ليس بمعنى الاستقرار في المكان بل هو بمعنى الاستيلاء، وقال بعضهم: هو كناية عن استقرار ملكه وقدرته على كل شئ، واستبعده صدر المتألهين ولم يرتضه لأنه حمل للايات القرآنية ونظائرها المذكورة في الكتاب والسنة على مجرد التخيل والتمثيل من غير حقيقة دينية وأصل إيماني، ثم اختار أن الاستواء على كل شئ بمعنى معيته القيومية واضافته الإشراقية، وهي من لوازم العلية وليس بينه وبين تأويل غيره كالقفال كثير فرق، إلا أن صدر المتألهين أجرى كل كلمة على معنى حقيقي أو مجازي صحيح، والقفال تأول في الجملة نظير من يقول طويل النجاد وكثير الرماد من غير أن يكون لكل من النجاد والرماد والعرش والاستواء معنى مراد، وبهذا كان تأويل الصدر أحسن إذ بين بإزاء كل من الاستواء والعرش معنى، ويأتي إن شاء الله شرح ذلك. (ش) (*)

[ 85 ]

رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن قول الله تعالى: الرحمن على العرش استوى فقال: استوى على كل شئ) أي استولى عليه بالقدرة والغلبة أو استوت نسبته إليه بالعلم والإحاطة، فإن الاستواء مشتمل على هذين المعنيين، فعلى الأول: ضمير " استوى " يعود إلى الرحمن والعرش، إما العلم أو الجسم المحيط بجميع الأشياء و " على " للاستعلاء، وكذا على الثاني مع احتمال عود الضمير إلى العرش إن أريد به العلم (فليس شئ أقرب إليه من شئ) (1) متفرع على السابق لضرورة أنه إذا تساوت نسبته إلى شئ بالعلم المحيط كان قرب كل شئ منه مثل قرب الآخر بلا تفاوت، وقد أول هذه الآية وأمثالها أيضا أكثر العامة، قال عياض: لم يختلف المسلمون إلا شرذمة قليلون في تأويل ما يوهم أنه تعالى في مكان أو في جهة مثل قوله تعالى * (ءأمنتم من في السماء) * وقوله تعالى: * (الرحمن على العرش استوى) * فمنهم من أول في ب‍ " على " وجعل " على " للاستيلاء، ومنهم من توقف في التأويل وفوض أمره إلى الله، والوقف في التأويل غير شك بالوجود ولا جهل بالموجود، فلا يقدح بالتوحيد بل هو حقيقته والتمسك بالآية على التنزيه الكلي وهي قوله تعالى * (ليس كمثله شئ) * عصمة لمن وفقه الله تعالى للرشاد والهداية. * الأصل: 7 - وبهذا الاسناد، عن سهر، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن مارد أن أبا عبد الله سئل عن قول الله عزوجل: * (الرحمن على العرش استوى) * فقال: استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ. * الشرح:


1 - قوله: " فليس شئ أقرب إليه من شئ " لما ثبت تجرده تعالى عن الأحياز والأمكنة ثبت أن نسبته إلى فالمراد " باستوى " استواء النسبة وصدر المتألهين (قدس سره) ذكر في شرح الحديث عشر حجج على نفي تجسيم الواجب مناسبة لأهل النظر ووجهين يناسبان أهل الحدس والذوق أحببت ايرادهما ملخصا الأول: كلما كان الكثافة الجسمية في شئ أقوى كان فاعليته ضعيفة، وكلما كان الجسمية - أعني الكثافة والثخانة - أقل وأضعف كانت الفاعلية أشد، مثلا: الأرض لكثافتها لا تفعل شيئا وفيها قوة الانفعال فقط، والماء أرق وأخف وهو أقوى تأثيرا بنفوذه، والهواء أرق من الماء، والنار أرق من الكل وهي قادرة على مزج العناصر مستولية قاهرة لها، والهواء يؤثر في الحياة أكثر من الماء، وإذا كان الأمر كذلك كان الخالق القاهر على الكل التام الفاعلية مطلقا مجردا عن الجسمية البتة. الثاني: أن القوى كلما كانت أعرق في المادية وأشد تعلقا بالجسم كانت أخس وأدون كاللامسة الحالة في جميع البدن فضلا عن الطبايع العنصرية والمعدنية والقوى النباتية والحيوانية، وكلما كانت أبعد من التعلق بالجسم كانت أشرف كالباصرة المتعلقة بجزء صغير من العين وهو الجلدية، والعاقلة لا تعلق لها بالبدن فلا بد أن يكون الواجب القادر على كل شئ الكامل في جميع صفاته غير جسم وغير جسماني وهذه كلها مقتبسة من كلام الفخر الرازي في تفسيره بينها وحققها صدر المتألهين (قدس سره) وهذبها حتى لا يرد عليه بعض شبهات الأوهام. (ش) (*)

[ 86 ]

(بهذا الإسناد عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن مارد أن أبا عبد الله (عليه السلام) سئل عن قول الله عزوجل: الرحمن على العرش استوى، فقال: استوى من كل شئ (1) فليس أقرب إليه من شئ إذ قربه باعتبار علمه الذي لا تفاوت فيه أصلا والأشياء كبيرها وصغيرها سواء في تعلق علمه


1 - قوله: " استوى من كل شئ " قال في الحديث السابق: " استولى على كل شئ "، وفي هذا الحديث: " استوى من كل شئ " وفي الحديث التالي " استوى في كل شئ " وكل هذه الثلاثة مشتركة في كلمة " كل شئ " والغرض عدم تخصيص استوائه بجسم خاص يسمى بالعرش بل كل نسبة له إلى العرش فهى ثابتة بالنسبة إلى جميع الأشياء، وأما الفرق بين " في " و " على " و " من " فغير مقصود بالبيان، ولعل الإمام (عليه السلام) أتى بأحدهما ونقل الرواة بثلاثة عبارات، وليس غرضه (عليه السلام) استفادة هذا المعنى من لفظ الاستواء أو من لفظ العرش بل بيان المراد للأدلة الكثيرة على عدم تحيزه في مكان، وأما الاستواء فقيل جاء هذه الكلمة بمعنى الركوب، قال تعالى: * (لتستووا على ظهوره) * وقال: * (إذا استويت أنت ومن معك على الفلك) * وقال تعالى: * (واستوت على الجودي) * وجاء بمعنى الاعتدال وتمام الخلقة قال تعالى: * (ولما بلغ أشده واستوى) * وجاء بمعنى ضد الاعوجاج وكأنه هو المعنى الحقيقي الأصلي، قال الشاعر: طال على رسم مهدد أبده * ثم عفا واستوى به بلده وساير اشتقاقات الكلمة يتضمن هذا المعنى كالسى والمساوي والتسوية والسوي وغير ذلك. وجاء " استوى " بمعنى القصد والإقبال، قال الجوهري: استوى إلى السماء أي قصد. قال الفراء: تقول: كان فلان مقبلا على فلانة ثم استوى على والى يشاتمني، وجاء بمعنى استولى، قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق يذكر بشر بن مروان أخا عبد الملك لما قتل مصعب وولي العراق لاخيه بشر، وقال النابغة: ألا لمثلك أو من أنت سابقه * سبق الجواد إذا استولى على الأمد وظن بعضهم أن العرش بمعنى كل شئ ولذلك فسر الإمام (عليه السلام) " استوى " على العرش بقوله: استوى على كل شئ. فإن أريد أنه المراد، لأن الاستيلاء على العرش يستلزم الاستيلاء على كل شئ غيره فله وجه، وإن اريد أنه المعنى المستعمل فيه اللفظ فهو غير صحيح ولا يدل كلام الإمام (عليه السلام) عليه، وبالجملة إذا كان الاستواء مستعملا في معان كثيرة ولو مجازا في بعضها لم يصح تمسك المجسمة به على غرضهم ونقول كما مر سابقا إنهم ماديون لا يعترفون بوجود شئ غير جسماني، ولا فرق بينهم وبين الملاحدة في ذلك أصلا، ويذهب ذهنهم من كل لفظ إلى المعنى الجسماني لا للتبادر اللغوي حتى يحتجوا به بل، لأن غير الجسم لم يدخل في ذهنهم قط حتى ينصرف إليه، ومثل هذا التبادر ليس بحجة مثل تبادر الذهن من كلمة الياقوت إلى الأحمر إذا لم ير السامع ياقوتا أصفر أو أبيض، والماديون إما ينكرون الواجب أصلا أو يقولون بجسميته وتحيزه وكذلك مذهبهم في الروح، فالملاحدة منهم ينكرون وجود شئ غير القوى الجسمانية مسمى بالروح، والمنتسبون للدين يجعلون الروح جسما مداخلا للبدن كالماء المتخلل في الورد ولازم قولهم أن لا يموت أحد إذا سد مسام بدنه، وفي الملائكة أيضا إما ينكرون وجودهم ويجعلونهم أجساما مادية وغير ذلك مما لا يحصى، وقد جاء في القرآن العظيم في مفتتح سورة البقرة اشتراط التقوى بالإيمان بالغيب، إذ بدونه يتحير عقول الناس في مسائل المعارف البتة، والإيمان بالغيب هو التصديق بوجود الشئ غير المحسوس. (ش) (*)

[ 87 ]

بها، قال الصدوق - رحمه الله - في كتاب الاعتقادات: اعتقادنا في العرش أنه حملة جميع الخلق، والعرش في وجه آخر هو العلم. ونقل هذا الحديث بعينه، والظاهر أنه - رحمه الله - نقله استشهادا لتفسير العرش بالعلم. وقد صرح بذلك من تصدى لشرح كلامه حيث قال معنى قوله (عليه السلام) " استوى من كل شئ " أنه استوى نسبة العرش من كل شئ فليس شئ من الأشياء أقرب إلى عرشه من شئ آخر، ومن البين أن العرش على هذا التقدير عبارة عن علمه الكامل الذي نسبته إلى جميع الأشياء على السوية، لا عن الجسم المحيط بجميع الخلق، هذا نقل لكلامه بالمعنى، لأن كلامه فارسي. أقول: هذا الاستشهاد إنما يتم لو رجع ضمير " استوى " إلى " العرش " وأما إن رجع إلى " الرحمن " ويكون " استوى " خبرا بعد خبر أو حالا عن فاعل الظرف بتقدير قد، فيجوز أن يراد بالعرش كلا المعنيين، وعلى التقديرين كلمة على للاستيلاء والاستعلاء، فلا يفيد الآية تشبيهه تعالى بالجسم واستقراره في المكان كما زعمه المجسمة. * الأصل: 8 - وعنه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (الرحمن على العرش استوى) * فقال: استوى في كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ، لم يبعد منه بعيد ولم يقرب منه قريب، استوى في كل شئ. * الشرح: (وعنه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمن ابن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى * (الرحمن على العرش استوى) * فقال: استوى في كل شئ) أي استوى نسبته إلى كل شئ علما وإنما ذكر لفظة في للأشعار بأن علمه نافذ في بواطن الأشياء كلها (فليس شئ أقرب إليه من شئ) نفي أقربية شئ من الأشياء يستلزم نفي أبعدية شئ من الأشياء أيضا فيلزم من ذلك تساوي جميع الأشياء بالنسبة إليه فقوله (لم يبعد منه بعيد ولم يقرب منه قريب) تأكيد لما قبله ولذا ترك العاطف، ومعنى هذا القول نفي أن يكون شئ بعيدا منه وشئ قريبا منه، لأن نفي البعد عن البعيد والقرب عن القريب نفي البعيد والقريب، ضرورة أنه لو كان هناك قريب وبعيد لم يكن البعد والقرب منفيين (استوى في كل شئ) هذا من باب ذكر النتيجة بعد المقدمات إن كانت الفاء الداخلة على " ليس " للتعليل، ومن باب ختم الكلام مجملا بما يرجع إلى ما ذكر في السابق مفصلا إن كانت الفاء للتفريع أو للتفسير، وهذا من المحسنات البديعية عن علماء العربية.

[ 88 ]

* الأصل: 9 - وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زعم أن الله من شئ أو في شئ أو على شئ فقد كفر. قلت: فسر لي ؟ قال: أعني بالحواية من الشئ له أو بإمساك له أو من شئ سبقه. وفي رواية أخرى: من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا ومن زعم أنه في شئ فقد جعله محصورا، ومن زعم أنه على شئ فقد جعله محمولا. * الشرح: (وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن النضر ابن سويد، عن عاصم بن حميد) بضم الحاء (عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زعم أن الله من شئ) أي من مادة أو من أجزاء بأن يزعم أنه ذو مادة أو ذو أجزاء أو من أصل له مدخل في وجوده كأبوين أو من مبدأ مفيض لوجوده كالفاعل (أو في شئ) كالصفة في الموصوف والصورة في المادة والعرض في الموضوع والجزء في الكل والجسم في الهواء المحيط به والمظروف في الظرف (أو على شئ) بالاستقرار فيه والاعتماد عليه كالملك على السرير والراكب على المركوب والسقف على الجدران والجسم على المكان أولا بالاستقرار والاعتماد عليه كالهواء على الماء والسماء على الهواء (فقد كفر) حيث وصفه بصفات المخلوقين وأنكر وجوده، لأن ما اعتقده ليس بإله العالمين. (قلت فسر لي قال: أعني بالحواية من شئ له أو بإمساك أو من شئ سبقه) الأول ناظر إلى قوله " في شئ " والثاني إلى قوله " على شئ " والثالث إلى قوله " من شئ " فالنشر على غير ترتيب اللف وفيه كسر للأحكام الوهمية في وصف الباري، لأن الوهم لألفه بالمحسوسات وأنسه بالممكنات يتوهم أن كل شئ من شئ أو شئ أو على شئ فبين (عليه السلام) أن ذاته تعالت عن ذوات المخلوقات وصفاته تقدست عن صفات المحسوسات، وراء ما تجده هذه العقول المتلبسة بغواشي الأوهام وخلاف ما تستأنسه هذه النفوس والأفهام. (وفي رواية أخرى من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا) (1)، لأن كل من كان من شئ فقد


1 - قوله: " فقد جعله محدثا " المراد بالمحدث هنا الحادث الذاتي، لأن من زعم أن الله تعالى من شئ يشمل من زعم أنه مركب من مادة وصورة أو من أجزاء أيا ما كانت، ومعلوم أن المركب قد لا يكون متأخرا عن أجزائه زمانا، وكما أنه لا يمكن تركب الواجب من أجزاء متقدمة عليه زمانا كذلك لا يمكن تركبه من أجزاء يكون مستمرة معه ومع ذلك حكم بكونه محدثا مطلقا، = (*)

[ 89 ]

افتقر وجوده إلى ذلك الشئ وكل من افتقر في وجوده إلى شئ فهو محدث مخلوق (ومن زعم أنه في شئ فقد جعله محصورا) بذلك الشئ ومحويا به فيكون له انقطاع وانتهاء وكل ذلك من لواحق الأمور الزمانية والمكانية والمادية وقد ثبت امتناع كونه تعالى زمانيا ومكانيا وماديا (ومن زعم أنه على شئ فقد جعله محمولا) وكل محمول يفتقر إلى حامل يحمله، وكل مفتقر ممكن، ولا شئ من الممكن بواجب لذاته، وبالجملة هذه الأمور من سمات المخلوقات وصفات المصنوعات فمن وصفه تعالى بشئ منها فقد جعله مماثلا لخلقه تعالى الله الذي ليس كمثله شئ. في قوله تعالى: * (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) *. هذا أيضا مثل ما مر كلام المصنف كسائر العنوانات، والظرف متعلق بإله، والراجع إلى الموصول مبتدأ محذوف أي هو إله في السماء، وإنما حذف لطول الصلة بمتعلق الخبر وبالعطف عليه، ولو جعل " إله " مبتدأ والظرف خبره بقي الموصول بلا عائد. كذا ذكره بعض المفسرين. * الأصل: 10 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال: قال أبو شاكر الديصاني: إن في القرآن آية هي قولنا: قلت: ما هي ؟ فقال: * (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) * فلم أدر بما أجيبه فحججت فخبرت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: هذا كلام زنديق خبيث إذا رجعت إليه فقل له: ما اسمك بالكوفة ؟ فإنه يقول: فلأن، فقل له: ما اسمك بالبصرة ؟ فإنه يقول: فلان، فقل: كذلك الله ربنا في السماء إله وفي الأرض إله وفي البحار إله وفي القفار إله وفي كل مكان إله. قال: فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته، فقال: هذه نقلت من الحجاز. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال: قال أبو شاكر الديصاني) (1) اسمه عبد الله (إن في القرآن آية هي قولنا) من أن الإله اثنان (قلت: ما هي فقال: * (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) * فهناك إلهان أحدهما في السماء وهو النور المعبر عنه بيزدان والآخر في الأرض وهو الظلمة المعبر عنها بأهرمن (فلم أدر بما أجيبه فحججت) - بفتح الحاء - أي فذهبت إلى مكة


= فكل متوقف في الوجود على غيره وكل محتاج حادث سواء كان فصل زماني بين وجود المحتاج والمحتاج إليه أولم يكن، وقد سبق في تعاليقنا على المجلد الثالث (الصفحة 289) كلام هشام بن الحكم في الحدوث الذاتي ويؤيده أيضا ما في (الصفحة 309) وسبق في (الصفحة 320) أيضا كلام أبي جعفر الثاني (عليه السلام): " كل متجزي أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق " وفي الصفحة 324 والصفحة 329. (ش) 1 - قوله " أبو شاكر الديصاني " قد مر ذكر أبي شاكر والديصانية في الصفحة 46 من المجلد الثالث. (ش) (*)

[ 90 ]

وفعلت أفعال الحج، ويجوز ضم الحاء على صيغة المجهول يعني صرت محجوجا مغلوبا لأبي شاكر (فخبرت) - بتشديد الباء - بمعنى أخبرت (أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: هذا كلام زنديق خبيث) هذا إخبار بالغيب إن كان هشام أخبره بمضمون الآية فقط، وتصديق قوله إن كان أخبره بمناظرة الديصاني (إذا رجعت إليه فقل له: ما اسمك بالكوفة فإنه يقول: فلان، فقل له: ما اسمك بالبصرة) يجوز حركات الباء والفتح أفصح وأشهر (فإنه يقول فلان) المقصود منه إرشاده إلى الجواب بأن تسمية شخص باسم في البلاد المتعددة والأماكن المختلفة لا يوجب تعدده فلذلك قال (فقل: كذلك الله تبارك وتعالى في السماء إله وفي الأرض إله وفي البحار إله وفي القفار إله وفي كل مكان إله) ولا يوجب ذلك تعدد الإله. والجواب واضح الدلالة على المقصود، لأن كونه تعالى إلها أمر يحلقه بالنظر إلى إيجاد السماء والأرض وأهلهما واستعباده إياهم وجريان ألوهيته واستحقاق عبادته عليهم فقد أشار الرب العظيم بهذا الكلام الكريم إلى نفي الآلهة السماوية والأرضية التي يعتقدها المشركون بأن عبر عن ذاته المقدسة ب‍ " هو " الدال على هويته المطلقة التي هي محض الوجود الحق الواجب، ولما لم يكن تعريف تلك الهوية إلا باعتبار أمر خارج عنها أشار إلى تعريفها بكونه مستحقا بالذات لاسم الإله والألوهية، والعبادة بالنسبة إلى السماء والأرض وأهلهما ولا يستحق شيئا منها غيره تعالى الله عما يقول الظالمون. (قال: فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته فقال هذه) أي هذه المناظرة أو هذه الحيلة في الجواب (نقلت من الحجاز) وليست من عندك. الحجاز بكسر الحاء بلاد سميت بذلك لأنها حجزت أي فصلت بين الغور والنجد وقيل: بين الغور وبين البادية، وقيل احتجز بالجبال والحرار الخمس أي أحاطت بها منها حرة بني سليم وحرة واقم، من " احتجز الرجل بإزار " إذا شده في وسطه، وعن الأصمعي: إذا عرضت لك الحرار بنجد فذلك الحجاز.

[ 91 ]

باب العرش والكرسي * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي رفعه، قال: سأل الجاثليق أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرني عن الله عزوجل يحمل العرش أم العرش يحمله ؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) الله عزوجل حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وبينهما وذلك قول الله عزوجل: * (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا) * قال: فأخبرني عن قوله: * (يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * فكيف قال ذلك ؟ وقلت إنه يحمل العرش والسماوات والأرض ؟ فقال: أمير المؤمنين (عليه السلام): إن العرش خلقه الله تعالى من أنوار أربعة: نور أحمر منه احمرت الحمرة ونور أخضر منه اخضرت الخضرة ونور أصفر منه اصفرت الصفرة ونور أبيض منه (ابيض) البياض وهو العلم الذي حمله وذلك نور من عظمته، فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة، بالأعمال المختلفة والأديان المشتبهة، فكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع بنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فكل شئ محمول والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا والمحيط بهما من شئ وهو حياة كل شئ، ونور كل شئ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. قال له: فأخبرني عن الله عزوجل أين هو ؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): هو هاهنا وهاهنا وفوق وتحت ومحيط بنا ومعنا وهو قوله: * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) * فالكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، وذلك قوله تعالى: * (وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) * فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حملهم الله علمه وليس يخرج عن هذه الأربعة شئ خلق الله في ملكوته الذي أراه الله أصفياءه وأراه خليله (عليه السلام) فقال: * (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين) * وكيف يحمل حملة العرش الله وبحياته حييت قلوبهم وبنوره اهتدوا إلى معرفته. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي رفعه قال: سأل الجاثليق) بفتح الثاء رئيس

[ 92 ]

النصارى (أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرني عن الله عزوجل يحمل العرش أم العرش يحمله ؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الله عزوجل حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما) يعني حاملها بالقدرة الكاملة على ما يقتضيه الحكمة البالغة من وضع كل شئ في موضعه وتقديره بالقدر اللايق به وتحديده وتصويره بما يناسبه. وفيه تنبيه على حاجة الخلق إليه في أن يقيمهم (1) في الوجود بمساك قوته ويحفظهم في البقاء بكمال قدرته (وذلك قول الله: * (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) * أي يمسكهما كراهة أن تزولا بالعدم والبطلان اللازم لطبيعة الإمكان وبانطباق السماء على الأرض ورسوب الأرض على الماء أو يمنعهما أو يحفظهما أن تزولا فإن الإمساك متضمن للمنع والحفظ، وفيه دلالة على أن الممكن (2) في بقائه واستمرار وجوده ودوام هيئته يحتاج إلى حافظ * (ولئن زالتا إن أمسكهما) * أي ما أمسكهما * (من أحد من بعده) * أي من بعد الله أو من بعد


1 - قوله: " حاجة الخلق إليه في أن يقيمهم " هذا مذهب الحكماء الالهين اختاره الشارح وهو الصحيح من المذاهب، وأما المتكلمون فقد اختلفوا وذهب أكثرهم إلى أن الممكن بعد وجوده يستغني عن المؤثر في البقاء وإنما يحتاج إلى الخالق في بدء حدوثه نظير البناء والباني، وذهب بعضهم إلى أنه كما يحتاج في الحدوث يحتاج في البقاء أيضا نظير الضوء يحتاج إلى السراج حدوثا وبقاء، والفرق أن السراج ليس له علم واختيار في الإضاءة، والله تعالى يفعل بعلم واختيار، فإن قيل: إنا لا نتصور فناء الجواهر، قلنا هذا الثبات والاستمرار حاصل من تعلق إرادته تعالى بإبقاء ما يبقى، ومع تعلق هذه الإرادة لا نتعقل عدمه. (ش) 2 - قوله: " وفيه دلالة على أن الممكن " دلالة الآية على ذلك ظاهر، إذ لا يمكن أن يراد من الإمساك المماسة باليد وأمثالها بل إمساك بعلية وتأثير. فإن قيل: لعل المراد من الزوال الانتقال من موضع إلى موضع آخر: قلنا: الانتقال من موضع إلى آخر ثابت في الجملة للأرض أو للسماء ولو في الوضع بل المراد إمساكهما حتى لا يفنيا ولا يحتمل هنا غيره. ثم إن الآية كما تدل على احتياج الممكن في البقاء إلى المؤثر تدل على أن العلة المبقية هي العلة الموجدة لا غيرها، ولا يمكن أن يوجد الشئ بعلة ثم يفوض إبقاؤها إلى علة أخرى حيث قال: * (ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) * والدليل العقلي عليه أن تشخص المعلول بتشخص العلة ولا يمكن الاستبدال فيها. وبالجملة: الوجود للممكن شئ بالعرض كالملوحة لماء البحر لا بالذات كما للملح نفسه فإذا زال تأثير الملح زال الملوحة عن الماء، فإن قيل: نرى بعض الصفات يبقى بعد زوال العلة كالحرارة للماء بعد إطفاء النار في الجملة وكما يستحيل بقاء المعلول بعد زوال العلة مدة كثيرة كذلك يستحيل عندكم بقاؤه ولو في آن، قلنا: أمثال الحرارة في الماء لا تعد معلولة ولا النار علة لها بل النار من المعدات ويجوز تقديم المعد على المعلول زمانا، وبقاء المعلول بعد فنائه، ومثله تقدم الأب على الابن، والباني على البناء، والعلة المؤثرة في الوجود لا يعقل زوالها مع بقاء المعلول كزوال الأربعة مع بقاء الزوجية وزوال الجسم مع بقاء العرض، وزوال الأجزاء مع بقاء المركب، فإن هذه هي التي يتوقف وجودها على غيرها ولا يتعقل بقاؤها بعد فناء ما عليها، وكذلك الممكن مع الله تعالى بل التعلق والربط بين الممكن والواجب واحتياجه إليه أشد من تعلق العرض بالجوهر، لأن وجود العرض في نفسه ووجود الممكن كالمعنى الحرفي ليس في نفسه. (ش) (*)

[ 93 ]

الزوال. " من " الأولى زائدة للمبالغة في الاستغراق والثانية للابتداء * (إنه كان حليما) * لا يعاجل بالعقوبة على الغفلة والعصيان وسوء الأدب والجهالة (غفورا) يغفر لمن يشاء، والآية دلت على أنه أمسكهما مع كونهما جديرين، نظرا إلى ذواتهما الباطلة غير الثابتة ومع عصيان العباد، بأن تزولا وتهدا هدا كما قال: * (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض) * ولذلك ذكر هذين الوصفين أعني الحلم والغفران (قال: فأخبرني عن قوله: * (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * فكيف قال ذاك وقلت: إنه يحمل العرش والسماوات والأرض) مراده أن ما قلت مناف لما دلت عليه هذه الآية من وجهين أحدهما أن حملة العرش ثمانية لا هو، وقلت: هو حامله. وثانيهما أن الثمانية إذا حملوا عرشه فقد حملوه أيضا لأنه على العرش، وقلت: إنه حامل جميع ما سواه (فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن العرش خلقه الله تعالى من أنوار أربعة نور أحمر منه احمرت الحمرة ونور أخضر منه اخضرت الخضرة ونور أصفر منه اصفرت الصفرة ونور أبيض منه ابيض البياض وهو) أي العرش (العلم (1) الذي حمله الله الحملة) الحملة بالتحريك جمع الحامل وحملته شيئا تحميلا إذا كفلته حمله وكلفته بحمله. أقول: هذا الحديث من الأسرار والذي يخطر بالبال على سبيل الاحتمال أن الموجود إما شر محض أو خير محض أو مشوب من الخير والشر، وهذا القسم إما الشر غالب أولا، فهذه أربعة أقسام،


1 - قوله: " وهو أي العرش العلم " ولا ينافى إطلاق العرش على موجود جسماني عظيم يسمى بمحدود الجهات راجع الصفحة 240 من المجلد الثالث. إن قيل: لم يأت في لغة العرب العرش بمعنى العلم لا حقيقة ولا مجازا، فلا يقال: لا عرض لي بالنحو أي لا علم لي به مثلا. قلنا: المراد بيان المصداق لا تفسير المفهوم، ومعنى العرش في لغة العرب حقيقة هو السرير، ومجازا القهر والاستيلاء، لأن عرش الملك مساوق لاستيلائه. ولما كان إيجاد الخلق وإبقاؤه من الله تعالى لعلمه العنائي صح أن يقال: عرشه علمه مصداقا فإنه سبب إيجاده واستيلائه وقهره، وقد فتح أمير المؤمنين (عليه السلام) باب التأويل على العقول وهو (عليه السلام) أصل كل خير وأساس كل علم، وفائدة التأويل رفع الاستبعاد والاستنكار، إذ ربما ورد في كلام الله والرسول (صلى الله عليه وآله) مجازات واستعارات لتقريب المعقول إلى المحسوس كما في كلام سائر الناس فيقال: ذلك الشعر لطيف رقيق وذلك كلام عذب وهذا لفظ مليح، وأهل الظاهر لا يرضون بحمل كلام الشارع على المعنى المجازى ويقولون: فتح باب التأويل يهدم أساس الشريعة ويوجب الشك في أصول العقائد، والعلماء يرون التأويل واجبا في مورده، لأن الجمود على الظواهر يهدم أساس الدين أيضا، لأن العقلاء إذا رأوا ظاهر الحديث أو القرآن لا يوافق ما تحقق لديهم ولم يجز تأويل ظاهره شكوا في صدق الرسول (صلى الله عليه وآله) أو أنكروا، مثلا علموا بعقولهم يقينا أن الله تعالى ليس بجسم ولا يحتاج إلى مكان وليس له يد وعين ووجه ولو لم يجوز لهم تأويل تلك الألفاظ نسبوا المسلمين ورؤسائهم إلى الجهل، ولذلك فتح أمير المؤمنين (عليه السلام) باب التأويل ولكن التأويل شئ يختص به الراسخون في العلم وليس لكل أحد أن يؤول كل شئ بهواه كما فعله الباطنية بل لكل شئ حد وقاعدة ومورد ومصدر يعرفه أهله. (ش) (*)

[ 94 ]

والعلم المسمى بالعرش لاستقرار الموجودات فيه وعلى وفقه متعلق بجميع هذه الأقسام، فمن حيث تعلقه بالأول يسمى بالنور الأحمر، لأن منه احمرت الحمرة أي الشرور إذ الشر يناسب وصفه بالحمرة لكونه محلا للغضب وكذا العلم المتعلق به لأدنى ملابسة ومن حيث تعلقه بالثاني يسمى بالنور الأبيض، لأن الخير من توابع الرحمة، والرحمة يناسب وصفها بالبياض، قال الله تعالى: * (وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله) * ومن حيث تعلقه بالثالث يسمى بالنور الأخضر لغلبة سواد الشر، والسواد إذا غلب النور مال النور إلى الخضرة، ومن حيث تعلقه بالرابع يسمى بالنور الأصفر، لأن فيه شيئا من سواد الشر، والسواد إذا خالط النور وساواه أو نقص منه مال النور إلى الصفرة. ومن هاهنا ظهر أن العرش الذي هو علم الحملة بالكائنات مخلوق من أنوار أربعة وإنما قدم الأول لغلبة الشرور في عالم الطبايع الظلمانية والنفوس البشرية ولذا أيضا قدم الثاني على الثالث وأخر الرابع لقلة الخير المحض في عالم النفوس الهيولانية، وقد مر شرح هذا في باب النهي عن الصفة (1). (وذلك نور من عظمته) (2) لعل المراد أن العرش الذي هو علم الحملة بالكاينات نور في صدورهم نشأ من عظمة الله تعالى ودليل عليها ولذلك أيضا سمي بالعرش لاستقرار العظمة فيه (فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين) إشارة إلى النور الأبيض، لأن أبصار قلوب المؤمنين مصداق له إذ به تنورت قلوبهم بالأسرار والمعارف وحقايق الإيمان حتى أبصرت الخيرات كلها (وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون) (3) إشارة إلى النور الأحمر إذ به عاداه الجاهلون الملحدون،، لأن معاداتهم مصداق له، وبه انخسفت قلوبهم وعميت عيون بصائرهم عن مشاهدة عظمة الحق وأسراره (وبعظمته ونوره ابتغى من في السماء والأرض من جميع خلايقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان المشتبهة) إشارة إلى النور الأخضر والأصفر إذ بهما طلب المخلوقات الوسيلة والتقرب


1 - قوله: " وقد مر شرح هذا في باب النهي " في الصفحة 272 من المجلد الثالث وذكرنا في الحاشية كلام صدر المتألهين ووالد المجلسي - رحمهما الله - في تأويل الأنوار وزدنا في توضيحه بعض ما خطر ببالنا. (ش) 2 - قوله: " وذلك نور من عظمته " استعار (عليه السلام) النور لما يسميه الحكماء الإضافة الاشراقية، وصرح بأن ليس المراد بالنور هنا المحسوس بأن أضافه إلى عظمته تعالى وصرح أيضا بأنه الرابطة بين العلة والمعلول بقوله " فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون " إلى آخر ما قال، سبحانه وتعالى عما يصفون علوا كبيرا. (ش) 3 - قوله: " بعظمته ونوره عاداه الجاهلون " العداوة لا بد لها من موضوع تتعلق به إذ لا يمكن عداوة اللاشئ والمعدوم كما أنه لا يمكن عداوة ما لا يدركه الإنسان، وصرح (عليه السلام) بأن المنكر جاهل مع أنه يجهل الموحدين، وذلك لأن عمدة أدلة التشبث بعدم الوجدان ليثبتوا به عدم الوجود، وهذا دليل بديهى البطلان لا يتمسك به إلا الجاهل كما قال تعالى: * (ما لهم بذلك من علم ان هم إلا يظنون) * وبالجملة أدرك الجاهل شيئا فعاداه، وإدراكه بالإضافة الاشراقية التي بينه وبينه. (ش) (*)

[ 95 ]

على أنحاء مختلفة، وأرشد إلى أن هذا من مصداق هذين النورين بذكر الاخلاف والاشتباه، ويمكن أن يكون الإبصار ناظرا إلى النور الأبيض، والمعاداة إلى الأنوار الثلاثة الباقية، والإبتغاء إلى الجميع، وبالجملة ذكر فرقا أربعة في مقابلة أنوار أربعة على سبيل التوزيع بحيث يناسب حال كل فرقة بنور من تلك الأنوار وتعلقه بها كتعلق العلم بالكائن في نفس الأمر (فكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته) أي فكل شئ من الكائنات صغيرا كان أو كبيرا خيرا كان أو شرا محمول يحمله الله تعالى بعلمه المحيط به وبعظمته التامة وقدرته العامة (لا يستطيع) شئ منها (لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا) إذ كل ما تعلق علمه وقدرته بوقوعه فهو يقع ولا يقع خلافه لما سيجئ من أنه لا يقع شئ إلا بعلمه وقدرته ومشيته ولا يلزم من ذلك جبر العباد على أفعالهم، لأن العلم تابع للمعلوم وسيجئ تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى (فكل شئ محمول) (1) يعني إذا كان كل شئ من


1 - قوله: " فكل شئ محمول " كما قال الشارح على سبيل التمثيل إذ ليس الممكن موضوعا على الله تعالى ومستعليا ليه كجسم على جسم بل المحمول بمعنى المعلول المتعلق بغيره المتوقف وجوده على حفظ غيره، وبالجملة لا ريب في أن الممكن وجوده ربطي تعلقي لا يتعلق تحققه بغير مقيم يقيمه، والشئ المتوقف على غيره لا بد أن يكون بينهما علاقة إذ لا يعقل توقف وجود شئ على شئ بحيث ينتفي أحدهما بانتفاء الآخر مع استقلال كل واحد وعدم رابطة بينهما ويسمى هذه الرابطة بالإضافة الاشراقية وعرفها أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقرائن المذكورة على الترتيب: الأولى الرابطة بين القلوب أي النفوس الناطقة وبينه تعالى، والنفوس أقرب موجودات العالم المحسوس إليه تعالى، والرابطة موجودة للنفوس العالمة والجاهلة. الثانية أن كل موجود في الأرض والسماء يتحرك نحوه، وهو تعالى غاية كل شئ، ويبتغى كل شئ إليه الوسيلة بذلك الإضافة الاشراقية التي سماها أمير المؤمنين (عليه السلام) نور عظمته، فالشاعر يعبده بشعوره وغير الشاعر بتكونه ووجوده. الثالثة ما يحمل به الله تعالى مخلوقه يسمى نورا وقدرة وعظمة، والنور استعارة للوجود الساري، لأن سبب لظهور كل شئ والقدرة هو ذلك أيضا إذ به أوجد الموجودات وهو العظمة وهو ظاهره. الرابعة لا يستطيع شئ من الممكنات لنفسه ضرا ولا نفعا اه. ولو كان الممكن موجودا في نفسه من غير ارتباط بالواجب لملك لنفسه نفعا وترتب على وجوده خواصه، وليس قهره واستعلاؤه تعالى على عباده نظير قهر الملوك واستعلائهم، لأن الرعية لا يحتاجون في أصل وجودهم إلى الملك ويستطيعون لأنفسهم نفعا وضرا في الجملة. الخامسة إمساك السموات والأرض تمثيل وتفهم لكيفية تعلق المعلول بالعلة وأنه حاصل حدوثا وبقاء فكما أن الشئ الثقيل إذا رفعته عن الأرض وأمسكته بيدك يحتاج في رفعه إليك ويحتاج في بقائه أيضا إلى إمساكك إياه بحيث لو أطلقته من يدك آنا لسقط كذلك السموات والأرض إن لم يمسكهما الله تعالى لحظة لزالتا وهما محتاجتان حدوثا وبقاء. السادسة المحيط بهما تمثيل آخر لتصور الرابطة بين الواجب والممكن وإن احتياج الممكن وتعلقه به إنما هو إلى ذاته المتعالية لا إلى أمره وعلمه فقط نظير احتياج الرعية في نظم أمور مدينتهم إلى نظر السلطان وتدبيره فقط، والإحاطة استعارة للحضور والقرب من كل شئ بذاته وبنور عظمته، لأن المحاط لا يمكنه أن يخرج من تصرف المحيط ويبان منه. السابعة هو حياة كل شئ ونور كل شئ تمثيل أيضا لتسهيل تصور الرابطة المذكورة، وذلك لأن حياة كل شئ إنما هي نفحة منه، = (*)

[ 96 ]

الكائنات واقعا على وفق علمه فهو محمول يحمله الله تعالى والحمل هنا على سبيل التمثيل أو على تشبيه علمه بالعمود لقيام الممكنات به كقيام السقف بالعمود (والله تعالى الممسك لهما) أي للسموات والأرض (أن تزولا) الواو للعطف على " كل شئ محمول " والمجموع نتيجة للسابق. (والمحيط بهما من شئ) يجوز جر المحيط بالعطف على ضمير لهما و " من " بيان له يعني الممسك للشئ المحيط بهما، أو متعلق بقوله " أن تزولا " يعني الممسك لهما وللمحيط بهما أن تزولا من الشيئية بالدخول في العدم الصرف، ويجوز رفعه بالعطف على الممسك و " من " بيان لضمير بهما لقصد زيادة التعميم أو بمعنى على، ومجئ " من " بمعناها ثابت كما صرح به الجوهري، يعني المحيط بهما على شئ حوتاه مما في عالم الكون والفساد أو بيان لمحذوف يعني المحيط بهما مع ما حوتاه من شئ (وهو حياة كل شئ) إذ به قيام جميع الأشياء وقوامه وكماله الذي هو عبارة عن الحياة، وذلك كما يقال: الماء حياة الأرض إذ به كمالها واهتزازها (ونور كل شئ) إذ به ظهور الأشياء من مكمن العدم والخفاء كما يظهر الأشياء المحتجبة بالظلمة بتوسط النور (سبحانه وتعالى عما يصفون) في بعض النسخ " عما يقولون " (علوا كبيرا) فيه تنزيه له عما يصفه الظالمون به من الصفات التي لا تليق بعز جنابه، وتنبيه على أنه وإن بالغ الواصفون في وصفه بما يليق به فهو أعلى من ذلك علوا كبيرا. (قال له: فأخبرني عن الله أين هو) لما اعتقد الجاثليق أن لله تعالى مكانا وأن مكانه هو العرش وأجاب (عليه السلام) بأن العرش ليس مكانا له ولا حاملا إياه، سأل ثانيا بأن العرش إذا لم يكن مكانا له فأين هو من المواضع والأمكنة (فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) هو هاهنا وهاهنا وفوق وتحت ومحيط بنا ومعنا) إحاطة مغايرة لإحاطة نحو الهواء بالجسم والجسمانيات ومعية خارجة عن المعية التي بين


= ونور كل شئ أي وجوده شعاع منبجس من وجوده، ولما كان الحياة والوجود للأشياء بالعرض لا بالذات صح أن يقال هو حياة كل شئ ونوره، ولا يتصور بقاء ما بالعرض بدون ما بالذات. وبهذه الفقرات لكل من يتدبر فيها يظهر معنى كون الممكن محمولا ومتعلق الوجود بغيره برابطة تسمى إضافة اشراقية أو الوجود السارى أو نور عظمته كما سماه أمير المؤمنين (عليه السلام) وليست إحاطته وإضافته فرضا اعتباريا كالاضافات المقولية، ولا ملكه نظير مالكية الإنسان لأمواله، ولا خلقه للاشياء نظير الباني للبناء، ولا تدبيره ونظره وقدرته نظير قدرة السلاطين بل ليس في الوجود إلا هو، وسائر الأشياء أعدام وأوهام، ونعم ما قال بعض العرفاء لما قيل بحضرته: كان الله ولم يكن معه شئ: الآن كما كان " داخل في الأشياء لا كدخول شئ في شئ وخارج عنها لا كخروج شئ عن شئ وليس بينونته بينونة عزلة ". (ش) (*)

[ 97 ]

الممكنات، بل إحاطة بالصنع والقدرة والتقدير، ومعية بالعلم والحفظ والتدبير كما قال: * (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) * فقد أشار (عليه السلام) إلى أنه لا يصح السؤال عنه بأين هو، لأن السؤال عن شئ بأين هو سؤال عن مكانه باعتبار حصوله فيه واختصاصه به وهو في حقه - تعالى شأنه - محال لأنه في جميع الأمكنة لا باعتبار الحصول فيها والافتقار إليها، لأن الحال في المكان لا يجوز أن يكون (1) في آن واحد في جميع الأمكنة بالضرورة بل بالاعتبار العلم والإحاطة، ومن هاهنا ظهر أنه لا مكان له فلا يصح أن يقال أين هو (وهو قوله * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم) * أي ولا أقل من ذلك المذكور كالواحد والاثنين ولا أكثر من ذلك كالأربعة والستة وما فوقها إلا هو معهم بالعلم والإحاطة * (يعلم ما يسرون وما يعلنون) * (أينما كانوا) سواء كانوا في مقام طاعة الله تعالى أو في مقام معصيته، وسواء كانوا في أمكنة متقاربة أو في أمكنة متباعدة، لأن قربه بالأشياء ليس قربا مكانيا، وعلمه بها ليس لقرب مكاني حتى يختلف باختلاف الأمكنة في القرب والبعد، ومن البين أن من كان كذلك يستحيل أن يكون في مكان بمعنى الاستقرار فيه وإلا لاختلفت نسبة الأمكنة وغيرها إليه (فالكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى) لما أشار إلى أن العرش هو العلم بالموجودات أشار هنا بالتفريع للتنبيه على المماثلة إلى أن الكرسي أيضا بمعناه وهو العلم بها دفعا لتوهم السائل فيه أيضا، وقد سئل الصادق (عليه السلام) عن قوله عزوجل * (وسع كرسيه السموات والأرض) * قال: علمه. (2) * (وإن تجهر بالقول فأنه يعلم السر وأخفى) * من السر وهو حديث النفس، وفي اقتباس هذه الآية إشارة إلى أن المراد بالكرسي هو العلم المحيط بجميع الأشياء وأن العلم بجليات الأمور وخفياتها على السواء (وذلك قوله تعالى * (وسع كرسيه السموات والأرض) *) يريد أن الكرسي فيه بمعنى العلم ودل عليه أيضا الرواية المذكورة وما قبل هذه الآية ولذلك ذهب إليه بعض المفسرين، وينبغي أن يعلم أن كثيرا ما يطلق الكرسي على الجسم المحيط بالسماوات السبع وما بينهما ولعله الفلك المشهور بفلك


1 - قوله: " لأن الحال في المكان لا يجوز أن يكون اه " إن تأولنا إحاطته بكل شئ بالعلم لم يناف ذلك تجسمه وحلوله في مكان واحد إذ يجوز أن يكون شئ حالا في مكان خاص ويعلم جميع الأشياء ويحيط بها إحاطة علمية فلا يصح قوله ظهر أنه لا مكان له، ألا ترى أن الإنسان يعلم البلاد البعيدة ويحيط علمه بالأفلاك والكواكب مع كونه في نقطة من الأرض، فما ذكره أولا من قوله " بل إحاطة بالصنع والقدرة والتقدير ومعية بالحفظ " أقرب إلى الواقع والمحيط الجسماني قاهر للمحاط ومانع له عن كل شئ يريد منعه بخلاف المحاط فإنه لا يقدر على المحيط، لذا استعير اللفظان للواجب والممكن. (ش) 2 - رواه الصدوق - رحمه الله - في كتاب الاعتقادات. (*)

[ 98 ]

البروج، ويطلق العرش على الجسم المحيط بالكرسي وما بينه ولعله الفلك الأعظم، فالعرش بهذا المعنى أعظم من الكرسي كما دل عليه ما رواه الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج قال: " مما سأل الزنديق أبا عبد الله (عليه السلام) أن قال: فالكرسي أكبر أم العرش قال (عليه السلام): كل شئ خلقه الله في جوف الكرسي خلا عرشه فإنه أعظم من أن يحيط به الكرسي " (1). وما رواه المصنف (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل قال: " والكرسي عن العرش كحلقة في فلاة قي وتلا هذه الآية * (الرحمن على العرش استوى) * وما روي من طريق العامة عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " ما السماوات السبع والأرضون السبع مع الكرسي إلا كحلقة في فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة " (3) ولذلك قيل الكرسي جسم بين يدي العرش ومن أجل ذلك سمي كرسيا وهو في الأصل ما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، إذا عرفت هذا فقد عرفت أن لكل واحد من العرش والكرسي معنيين أحدهما العلم المحيط، وثانيهما الجسم المحيط، وقد صرح بذلك الصدوق - رحمه الله - في كتاب الاعتقادات أيضا. * (ولا يؤوده) * أي لا يثقله، يقال: آدني الحمل يؤودني أي أثقلني وأنا مؤود مثال مقول * (حفظهما) * أي حفظ السماوات والأرض بإضافة المصدر إلى المفعول * (وهو العلي العظيم) * أي هو المتعالي عن أن يؤوده حفظ شئ أو يحيط به وصف واصف ومعرفة عارف أو يشبه شيئا أو يكون له شريك ونظير، والعظيم المطلق الذي لا أعظم منه ولا يساويه أحد، وتعريف الخبر للحصر (فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حملهم الله تعالى علمه) لما أشار سابقا إلى أن العرش هو العلم أشار هنا إلى أن حملته الثمانية هم العلماء، قال الصدوق - رحمه الله -: أما العرش الذي هو العلم فحملته أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين فأما الأربعة من الأولين فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) وأما الأربعة من الآخرين فمحمد وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمة (عليهم السلام) في العرش وحملته، وإنما صار هؤلاء حملة العرش الذي هو العلم، لأن الأنبياء الذين كانوا قبل نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) كانوا على شرايع الأربعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) ومن قبل هؤلاء الأربعة صارت العلوم إليهم وكذلك صار العلم بعد محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي والحسن والحسين إلى من بعد الحسين من الأئمة (عليهم السلام) وأما العرش الذي هو حامل


1 - المصدر ص 193. 2 - في كتاب الروضة تحت رقم 143. 3 - رواه الترمذي في السنن. (*)

[ 99 ]

الخلق ووعاؤه فحملته ثمانية من الملائكة (1) لكل واحد ثماني أعين كل عين طباق الدنيا، واحد منهم على صورة بني آدم يسترزق الله تعالى لبني آدم وواحد منهم على صورة الثور يسترزق الله تعالى للبهائم كلها وواحد منهم على صورة الأسد يسترزق الله تعالى للسباع وواحد منهم على صورة الديك يسترزق الله تعالى للطيور، فهم اليوم هؤلاء الأربعة فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية. (وليس يخرج عن هذه الأربعة) أي عن هذه الأنوار الأربعة (شئ خلق الله في ملكوته) أي في ملكه والتاء للمبالغة في عظمته (وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه وأراه خليله (عليه السلام)) فرأوا بعين البصر والبصيرة كل شئ على ما هو عليه من الذوات والصفات وسائر الحالات (فقال: * (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض) *) الدال على كمال الربوبية والقدرة والتدبير، والمشتمل على عجائب الخلقة وغرائب الصنعة والتقدير. (وليكون من الموقنين) أي ليستدل بذلك على كمال الصانع وليكون من الموقنين، أو وفعلنا ذلك ليكون من الموقنين. (وكيف يحمل حملة العرش الله) برفع " الحملة " على الفاعلية ونصب " الله " على المفعولية ؟ وكيف للإنكار، وعلل الإنكار بقوله: (وبحياته حييت قلوبهم) الواو للحال (وبنوره) أي بهدايته وتوفيقه (اهتدوا إلى معرفته) توضيح ذلك أنه إذا كانت حياتهم ومعرفتهم بالله سبحانه كان الله في الأزل بلا حامل بالضرورة لعدم وجود الحامل فيه فيكون في الأبد أيضا كذلك، لأن كل ما كان له أزلا يكون له أبدا، وكلما لم يكن له أزلا لا يكون له أبدا لأستحالة التغير عليه (2) وفي نسخة السيد الداماد:


1 - قوله: " فحملته ثمانية من الملائكة " قال الفاضل ابن ميثم في شرح النهج في صفة حملة العرش: أما من قال أن الملائكة أجسام كان حمل صفاتهم المذكورة في هذه الأخبار وفي كلامه (عليه السلام) على ظاهرها أمرا ممكنا وأنه تعالى قادر على جميع الممكنات، وأما من نزههم عن الجسمية فقال: إن الله سبحانه لما خلق الملائكة السماوية مسخرين لأجرام السموات مدبرين لعالمنا عالم الكون والفساد وأسبابا لما يحدث فيه، كانوا محيطين بإذن الله علما بما في السموات والأرض، فلا جرم كان منهم من ثبت في تخوم الأرض السفلى أقدام إدراكاتهم التي ثبتت واستقرت باسم الله الأعظم وعلمه الأعز الأكرم ونفذت في بواطن الوجودات خبرا ومرقت من السماء العليا أعناق عقولهم - إلى آخر ما قال - وإنما ذهبوا إلى تجردهم لأنهم رأوا وصفهم بأوصاف مختلفة لا تجتمع في الأجسام المادية، مثل ما روي أنهم في جميع الأمكنة كما في النهج، وما روي أنهم فوق السماء السابعة وأنهم في صورة بعض الحيوانات أو أنهم في صورة غيرها شبيهة بالانسان أو أنهم أربعة بألوان أربعة مع علم وقدرة كما مر، وأنهم لا يزاحمون الأجسام الأخر في المكان ويتمثلون بصور مختلفة ويدخلون من الباب المسدود وأمثال ذلك، ولم يمكنهم تكذيب جميع ذلك ونسبتها إلى الوضع والجعل لا جرم التزموا بتجردهم حتى يصح وصفهم بهذه الصفات باعتبارات مختلفة. (ش) 2 - قوله: " لاستحالة التغير عليه " وجملة ما ينبغي أن يقال في هذا الحديث الشريف ملخصا: أن جاثليق لم يكن منظوره

[ 100 ]

" وكيف يحمل حملة الله " بدون العرش قبل " الله " فقال: حملة بالنصب على المفعول المطلق أي كيف يحمل العرش الله حمله الذي في طوقه بالنسبة إلى محمولاته، ثم قال وفي بعض النسخ بل في كثير


= عن عدد الثمانية بل عن أصل الحمل، وغرضه الاعتراض على اعتقاد المسلمين بظنه من تجسيم الواجب وحلوله المكان واحتياجه إلى الحملة، ولذلك أجاب أمير المؤمنين (عليه السلام) بتوضيح المقصود من العرش ومعنى الحمل، فقال: المقصود من العرش العلم ويعبر عن العلم بالنور، ووجهه واضح، والمقصود من حمل العرش على الحملة إعطاء العلم للعلماء، والعلم أربعة أقسام بالتقسيم الجملي أحمر أخضر وأصفر وأبيض، والألوان مظاهر النور، إذ ليس اللون في الحقيقة إلا كيفية حاصلة من الأشعة على ما تبين في محله، والعلماء الحاملون إما من الملائكة المقربين وإما من علماء البشر المقتبسين علمهم من الملائكة. ويشمل كلامه (عليه السلام) بإطلاقه جميعهم، والعلماء وإن كانوا كثيرين فإنهم لا يخرجون عن أربعة أقسام كما قال: ليس يخرج عن هذه الأربعة شئ، لأن علماء البشر وأمثالهم تبع لما في عالم الملكوت، وعالم الملكوت عالم الغيب لا يراه إلا الأصفياء وأراه خليله (عليه السلام)، وما في ذلك العالم أربعة لا غير، ويدل على أن علماء البشر مقصودون بالكلام قوله (عليه السلام) فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين إلى آخره، حتى أن الجاهل المعادي أيضا أدرك بسره نورا فعاداه، والمنتحلون للأديان المشتبهة والباطلة أيضا أدركوا نورا فغلطوا وأخطأوا في تحقيقه لاختلاط الأوهام، نظير الشهوة التي جعلت في الإنسان لغاية صحيحة فانحرفت وصرفت إلى ما لا يجوز، وأما توجيه الألوان فقد ذكر فيا مر ولم يجب (عليه السلام) عن سر الثمانية في القيامة لعدم كون سؤال السائل متوجها إليه، وسيجئ إن شاء الله وجه له. وبما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) يظهر بطلان تأويل بعض المعتزلة في العرش وحملته وجعله بمنزلة الكنايات حيث لا يكون كل كلمة من الكناية تعبيرا حقيقيا أو مجازيا عن شئ مثل كثير الرماد وطويل نجاد السيف، وكذلك قالوا: ليس العرش تعبيرا عن شئ ولا الحملة تعبيرا عن أشخاص يحملون العرش بل الجملة تعبير يعنى به العظمة، وقد ذكر صدر المتألهين هنا كلاما جديرا بأن ننقله وإن طال بنا الكلام. قال - رحمه الله - ثم لا يخفى على أولي النهى ومن له تفقه في الغرض المقصود من الإرسال والإنزال أن مسلك الظاهريين الراكنين إلى إبقاء صور ألفاظ الكتاب وأوايل مفهوماتها أشبه من طريق المتأولين في صون عقائد المسلمين المكلفين بالطاعة والانقياد البدني لنيل السلامة والنجاة في النشأتين، وذلك لأن ما فهمه الظاهريون من أوائل المفهومات هي قوالب الحقائق التي هي مراد الله ومراد رسوله، وليس ما حصل للراسخين في العلم من أسرار القرآن وأغواره مناقضا لظاهر التفسير بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه من قشره، وإلى روحه من قالبه كما ستعلم من حمل الكرسي على العلم كما حمله أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهذا هو المراد بعلم التأويل لا ما يناقض الظاهر كما ارتكبه القفال والزمخشري وغيرهما من قولهم لا كرسي ولا عرش ولا قعود ولا استواء، بل المراد تصوير وتخيل للعظمة والكبرياء إلى آخر ما قال. فإن قيل: إن كان الإيمان بالظاهر كافيا وهو قالب الحقيقة فما الفائدة في التأويل ؟ قلنا فائدة التأويل دفع سورة استبعاد الناس لكثير مما ورد في الدين ومنع إنكار جماعة يرون بعض الظواهر مخالفا للواقع، لقد تأول أئمتنا (عليهم السلام) وجه الله وعين الله ويد الله والعرش والحملة لئلا يوجب تجسيم الواجب تنفير العقلاء عن الدين، ولو لم يكن التأويل مجازا لم بيق في العالم عاقل متدين قط وكفر العقلاء يوجب تزلزل العوام كما أن إيمانهم يقوي إيمانهم، فكم قد ضر بالدين من سد باب التأويل كما ضر به من وسع في فتح بابه، ولا فرق بين الحشوية المجسمة وأهل الظاهر والباطنية الملاحدة أهل التأويل في الإضرار بالدين. (ش) (*)

[ 101 ]

منها: " وكيف يحمل حملة العرش الله " وليس بذاك إذ كان السؤال أن الله سبحانه حامل العرش أم العرش حامل إياه لا أن حملة العرش حامل إياه سبحانه انتهى. أقول: فيه نظر أما أولا فلأنه ليس لضمير الجمع في قلوبهم واهتدوا على النسخة التي رجحها مرجع ظاهر بل ليس للجملة الحالية معنى محصل. وأما ثانيا فلأن قوله " وليس بذاك " غير تام وما ذكره لبيانه غير سديد إذ ليس قوله (عليه السلام) " وكيف " إنكارا للسؤال الأول بل هو إنكار لما تضمنه السؤال الثاني الذي أورده السائل لإثبات التناقض في كلامه (عليه السلام) وهو أن الثمانية إذا حملوا العرش كما دل عليه الآية فقد حملوه تعالى أيضا لزعمه أنه في العرش، ولما كان بناء هذا السؤال على أمرين أحدهما أن العرش جسم والثاني أنه تعالى جالس عليه، ويلزم منهما أن من حمل العرش فقد حمله تعالى أجاب (عليه السلام) أولا بأن العرش هو العلم. وثانيا حيث قال: وكيف بأن كونه تعالى محمولا محال وفيه إيماء إلى أن العرش على تقدير كونه جسما لا يلزم كونه تعالى جالسا عليه كما زعمه السائل وإنما إضافته إليه للتشريف كإضافة البيت والمسجد ونحوهما، والله ولي التوفيق. * الأصل: 2 - أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فاستأذنته فأذن لي فدخل، فسأله عن الحلال والحرام ثم قال له: أفتقر أن الله محمول ؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): كل محمول مفعول به، مضاف إلى غيره، محتاج، والمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل وهو في اللفظ مدحة وكذلك قول القائل فوق وتحت وأعلى وأسفل، وقد قال الله: * (وله الأسماء الحسنى فادعوه بها) * ولم يقل في كتبه: إنه المحمول بل قال: إنه الحامل في البر والبحر والممسك السماوات والأرض أن تزولا، والمحمول ما سوى الله ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه: يا محمول، قال أبو قرة: فإنه قال: * (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * وقال: * (الذين يحملون العرش) * فقال أبو الحسن (عليه السلام): العرش ليس هو الله والعرش اسم علم وقدرة، وعرش فيه كل شئ، ثم أضاف الحمل إلى غيره: خلق من خلقه، لأنه استعبد خلقه بحمل عرشه وهم حملة علمه وخلقا يسبحون حول عرشه وهم يعملون بعلمه وملائكة يكتبون أعمال عباده، واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته والله على العرش استوى كما قال، والعرش ومن يحمله ومن حول العرش، والله الحامل لهم، الحافظ لهم الممسك القائم على كل نفس وفوق كل شئ وعلى كل شئ ولا يقال محمول ولا أسفل، قولا مفردا لا يوصل بشئ فيفسد اللفظ والمعنى، قال أبو قرة فتكذب بالرواية التي

[ 102 ]

جاءت أن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه أن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم، فيخرون سجدا، فإذا ذهب الغضب خف ورجعوا إلى مواقفهم ؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه، فمتى رضي ؟ وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغيير من حال إلى حال وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين، سبحانه وتعالى، لم يزل مع الزائلين ولم يتغير مع المتغيرين ولم يتبدل مع المتبدلين، ومن دونه في يده وتدبيره وكلهم إليه محتاج وهو غني عمن سواه. * الشرح: (أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث) صاحب شبرمة وكان مذهبه أن الله تعالى جسم فوق السماء دون ما سواها (أن أدخله على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فاستأذنته فأذن لي فدخل فسأله عن الحلال والحرام) حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال له: من أقرب إلى الله الملائكة أو أهل الأرض قال (عليه السلام): إن كنت تقول بالشبر والذراع فإن الأشياء باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض يدبر أعلى الخلق من حيث يدبر أسلفه، ويدبر أوله من حيث يدبر آخره من غير عناء ولا كلفة ولا مؤونة ولا مشاورة ولا نصب، وإن كنت تقول من أقرب إليه في الوسيلة فأطوعهم له وأنتم تروون " أن أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد " ورويتم أن أربعة أملاك التقوا أحدهم من أعلى الخلق وأحدهم من أسفل الخلق وأحدهم من شرق الخلق وأحدهم من غرب الخلق فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: من عند الله أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه والتمثيل (ثم قال له: أفتقر أن الله محمول ؟) لما سمع الجواب عن الأول بأن شيئا من الأشياء ليس أقرب إليه بحسب المكان أراد بهذا السؤال حمله (عليه السلام) على الإقرار بأنه تعالى محمول ليورد عليه أن هذا الإقرار مناف لذلك الجواب لأنه إذا كان محمولا كان بعض الأشياء أقرب إليه من بعض بالضرورة (فقال أبو الحسن (عليه السلام)) إنكارا لذلك على سبيل الاستدلال (كل محمول مفعول به) لأنك إذا قلت حملت شيئا كان ذلك الشئ مفعولا به وكل مفعول به متأثر منفعل (مضاف إلى غيره) وهو الحامل للتأثر والانفعال منه (محتاج) (1) إلى ذلك الغير في الاتصاف بالتأثر والانفعالية


1 - قوله: " مضاف إلى غيره محتاج " يشير (عليه السلام) إلى الحدوث الذاتي، والظاهر أن أبا قره لم يكن يعرف هذا المعنى قط وكان يظن أن واجب الوجود إذا كان قديما لم يناف وجوبه احتياجه إلى غيره فأبان (عليه السلام) أن نفس الاحتياج والتعلق والإضافة إلى غيره يباين ألوهيته، ووجوب وجوده، وأن المحتاج إلى غيره وإن كان قديما زمانا ليس واجب الوجود، ثم لا ريب انه كان يتصور = (*)

[ 103 ]

والمحمولية، وكل ذلك على الله محال (والمحمول) عطف على قوله كل محمول وإشارة إلى دليل آخر (اسم نقص في اللفظ) بحسب ظاهر مفهومه وصريح منطوقه فهو ليس من الصفات الكمالية (والحامل فاعل وهو في اللفظ مدحة) أي ما يمدح به من الصفات المكالية فلو أطلق المحمول على الله سبحانه لزم إطلاق أخس طرفي النقيض عليه، وإطلاق أشرف طرفيه على خلقه وهو ممتنع (وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل) (1) فإن التحت والأسفل نقص في اللفظ، والفوق والأعلى مدحة فلا يجوز إطلاق التحت والأسفل عله لما مر، والحاصل أن كل أمرين إضافيين وكل معنيين متقابلين يكون أحدهما أخس من الآخر لا يجوز إطلاق لفظه عليه سبحانه أصلا لا تسمية ولا وصفا، فلا يجوز أن يقال: هو محمول وتحت وأسفل ومرحوم ومغفور وأمثال ذلك، وأما إطلاق لفظ الأشرف فإن وجد له معنى صحيح له تعالى وورد الإذن مثل الحامل والفوق والأعلى صح فإنه حامل جميع الأشياء بالحفظ والعلم والإيجاد وفوقها وأعلاها بالقدرة والاستيلاء (وقد قال الله تعالى) الظاهر أنه دليل ثالث * (وله الأسماء الحسنى فادعوه بها) * المراد بها ما ورد الاذن بالتسمية والوصف به لا مطلق أشرف المتقابلين فإن السخي والفاضل مثلا أشرف مما يقابلهما وليسا من أسمائه الحسنى. (ولم يقل في كتبه إنه المحمول) فلا يجوز لأحد أن يطلق عليه هذا اللفظ لعدم الإذن مع اشتماله على النقص (بل قال: إنه الحامل في البر والبحر والممسك السموات والأرض أن تزولا) ليس المراد بالحمل والإمساك المعنى المعروف فينا لتعاليه عنه، بل المراد بهما الحفظ بمجرد إرادته النافذة والإمساك بمساك قدرته الكاملة (والمحمول ما سوى الله) أي كل شئ سواه محمول لا هو أو كل محمول سواه (ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه: يا محمول) الظاهر أنه دليل رابع


= واجب الوجود قديما زمانا لا أول له وكان يتصور العرش أيضا قديما لا أول له لعدم تصوره وجود الواجب من دون مكان له هو العرش والأمر كان دائرا بين أن يقول بوجود موجودين غير محتاجين أي واجبين أحدهما العرش والثاني الله تعالى أو باحتياج العرش إلى الواجب تعالى أو باحتياج الواجب تعالى إلى العرش، فالزمه (عليه السلام) بأن الحق هو الاحتمال الثاني وأن العرش محتاج إليه تعالى لأنه إن فرض احتياجه إلى عرشه ثبت له مع قدمه الزماني الحدوث الذاتي وهو ينافى الألوهية، وقد ذكر المتكلمون أن العالم محتاج إلى العلة لإمكانه لا لحدوثه. (ش) 1 - قوله: " وكذلك قول القائل فوق وتحت " قد يكون المعنى مما يصح نسبته إلى الله تعالى واطلاقه عليه لكن يذهب ذهن السامع منه إلى نقص فلا يجوز اطلاقه لذلك ومثاله ما ذكر فإن الله تعالى في جميع الأمكنة بمعنى أن نسبته إلى جميعها نسبة واحدة فوق وتحت وأعلى وأسفل ولكن لا يجوز إطلاق التحت والأسفل عليه لأنه يلازم في ذهن الناس معنى التوهين والنقص ولذلك لا يجوز أن يقال إنه تعالى لا يبصر شيئا، ولا يسمع، ولا يدرك الجزئيات ولا يصدر عنه إلا واحد وأمثال ذلك، ويجوز أن يقال يبصر بلا عين ويسمع بلا إذن ويدرك الجزئيات بلا جارحة وأول ما خلق الله نور محمد (صلى الله عليه وآله). (ش) (*)

[ 104 ]

وفيه تعريض لمن قال: هو محمول، أنه ليس بمؤمن. (قال أبو قرة فإنه قال: * (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * وقال: * (الذين يحملون العرش) * تمسك بهاتين الآيتين على سبيل المعارضة لزعمه أن فيهما دلالة على أنه محمول باعتبار أن العرش جسم وهو جالس عليه فمن حمل العرش فقد حمله أيضا. (فقال أبو الحسن (عليه السلام): العرش ليس هو الله، والعرش اسم علم وقدرة، وعرش فيه كل شئ) (1) يعني أن الآية لا تدل على أنه تعالى محمول وإنما تدل على أن العرش محمول، والعرش ليس هو الله بل العرش اسم علم محيط بجميع الأشياء واسم قدرة نافذة فيها واسم جسم فيه كل شئ وهو الفلك الأعظم، وعلى شئ من هذه المعاني لا يلزم أن يكون - تعالى شأنه - محمولا. أما على الأولين فظاهر وأما على الأخير فلأن إضافة العرش إليه سبحانه ليست لأجل افتقاره إليه وجلوسه عليه بل لأجل التعظيم والتشريف، وإنما نفى أن العرش هو الله مع أن المعارض لم يدع ذلك حسما لمادة النزاع بالكلية (ثم أضاف الحمل إلى غيره) أضاف إما بكسر الهمزة على أنه مصدر مبتدأ مضاف بحذف التاء لقيام المضاف إليه مقامها مع ثقل الإضافة كما في إقام الصلاة، أو بفتحها على أنه فعل فقوله (خلق من خلقه) على الأول مرفوع على أنه خبر، والخلق بمعنى التقدير، يعني إضافة حمل العرش إلى غيره تقدير من تقديراته، وعلى الثاني مجرور على أنه بدل لغيره والخلق بمعنى المخلوق يعني أضاف حمله إلى غيره الذي هو مخلوق من مخلوقاته (لأنه استعبد خلقه بحمل عرشه وهم حملة علمه) ضمير الجمع يعود إلى خلقه لأنه جنس يصدق على الكثير يعني أن المراد بالعرش العلم وهم حملة علمه أحاطوا بإذن الله تعالى علما بما في السماوات والأرض وما بينهما وبكل شئ يليق به سبحانه (وخلقا يسبحون حول عرشه) خلقا عطف على " خلقه " يعني استعبد خلقا بأن يسبحوا حول عرشه كما قال * (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم) * وقال: * (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم) * أي يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الكمال ونعوت


1 - قوله: " وعرش فيه كل شئ " والحاصل أن للعرش معنيين. الأول: العلم والقدرة، والثانى: عرش فيه كل شئ وقوله " كل شئ " إما أن يعني به كل شئ جسماني فينطبق على محدد الجهات أعني الجسم المحيط بالكل، وقد بين كون الأبعاد محدودة ومر في المجلد الثالث. وأما أن يعني به كل موجود جسماني أو مجرد فيشمل عامة الممكنات وينطبق على الوجود الساري وهو بعينه العلم والقدرة باعتبار، وقد سبق في كلام الشارح تفسير الصدوق رحمه الله للعرش، وإن حملنا العرش على محدد الجهات لا يجب كون حملته أجساما مادية بل يصح نسبة حمله إلى الملائكة أيضا فإنهم يحملون الأجسام بالحفظ والإمساك والتدبير ووساطة العلية. (ش) (*)

[ 105 ]

الجلال (وهم يعملون بعلمه) ضمير الجمع يعود إلى خلقه وخلقا جميعا أي حملة العرش ومن حوله يعملون بمقتضى علمه ولا يخالفونه طرفة عين (وملائكة يكتبون أعمال عباده) ملائكة بالنصب عطفا على خلقا أي: استعبد ملائكة يكتبون أعمال عباده كلها صغيرة كانت أو كبيرة خيرا كانت أو شرا ليكون شاهدا لهم وعليهم يوم القيامة (واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته) كما استعبد خلقا يسبحون حول عرشه، وإنما ذكر الطواف وحده مع أن عليهم عبادات كثيرة، لأن الطواف من أعظم العبادات المالية والبدنية جميعا. وفي هذا الكلام إشارة إلى أن تفويض حمل العرش إلى غيره لا يخرجه عن التصرف في ملكه بل هو تدبير من تدبيراته وتقدير من تقديراته لأنه تعالى خلق أنواعا من الخلق واستعبد كل نوع بما يليق به من العبادة وهو حافظ رقيب عليهم يساوي نسبته إلى الجميع ونسبة الجميع إليه كما أشار إليه بقوله (والله على العرش) أي مستول عليه بالقدرة والحفظ (استوى كما قال) أي استوى على كل شئ بحيث لا يكون شئ من الأشياء أقرب إليه من شئ آخر كما قال: * (الرحمن على العرش استوى) * وقال ذلك في مواضع عديدة من القرآن الكريم. (والعرش ومن يحمله ومن حول العرش) أي سواء في نسبتهم إليه سبحانه ونسبته إليهم بالحفظ والمراقبة فقوله " والعرش " وما عطف عليه مبتدأ خبره محذوف وهو " سواء " بقرينة السابق واللاحق وعطفه على الأرض بمعنى استعبدهم أيضا محتمل (والله الحامل لهم) بالعلم والإحاطة (الحافظ لهم) من المهالك والمعاطب والجهالة بالنصر والتوفيق والإعانة. (الممسك) لهم عن الفناء والزوال والرجوع إلى ما يناسب طبيعة الإمكان من الفساد والبطلان. (القائم على كل نفس) بالتدبير لأحوالها والحفظ لأعمالها والرعاية لحركاتها وسكناتها والعلم بقصودها ونياتها (وفوق كل شئ وعلى كل شئ) فوقية عقلية لا حسية وعلوا على الإطلاق لا إضافيا، وذلك أن أعلى مراتب الكمال هو مرتبة العلية، ولما كانت - تعالى شأنه - مبدأ كل شئ حسي وعقلي وعلته التي لا يتصور النقصان فيها بوجه، لا جرم كانت مرتبته أعلى المراتب العقلية مطلقا، وله الفوق المطلق في الوجود العاري عن الإضافة إلى شئ دون شئ وعن إمكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه أو في مرتبته ما يساويه، فهو المتفرد بالفوقية المطلقة والعلو المطلق ولا يلحقه غيره فيهما (ولا يقال: محمول ولا أسفل قولا مفردا لا يوصل بشئ) أي لا يوصل ذلك القول بشئ يكون قرينة صارفة له عن المعنى المعروف إلى معنى صحيح له تعالى فقوله: " لا يوصل " صفة مبينة لقوله " قولا مفردا ". (فيفسد اللفظ والمعنى) أما فساد اللفظ فلأن هذا اللفظ اسم نقص فالله برئ عن النقائص كلها لا

[ 106 ]

يمدح به، وأما فساد المعنى فلأن معنى هذا اللفظ المجرد عن القرينة يوجب مفعوليته وتأثره عن الغير وافتقاره إليه وكون الشئ أعلى منه، وكل ذلك فاسد محال في حق الغني العالي على الإطلاق. فإن قلت: هل يجوز ذلك القول عند القرينة كما يشعر به التقييد المذكور أم لا ؟ قلت: لا، لبقاء الفساد اللفظي بحاله ففيه سوء أدب مع عدم ورود الإذن به، وهذا كما قالت طائفة من المبتدعة: هو جسم، وقالت طائفة أخرى: هو صورة، فلما أورد أهل الحق عليهم بأن هذا القول يوجب تماثله بخلقه وقد قال الله تعالى * (ليس كمثله شئ) * قالوا: جسم لا كسائر الأجسام وصورة لا كسائر الصور، وبهذا القيد يزول التشابه والتماثل بينه وبين خلقه، وهذا كما تقولون: هو شئ لا كسائر الأشياء، وأجاب المانعون بأن لفظ الجسم والصورة يشعر بالتركيب والحدوث، ففيه نقص لفظي لا يليق بجناب الحق بخلاف الشئ فإنه لا يشعر بشئ منهما، وقد ورد الإذن به مطلقا فكيف مقيدا فالقياس قياس مع الفارق. فإن قلت: إذا لم يجز ذلك القول عند القرينة أيضا فلم قيد (عليه السلام) عدم جوازه بالإفراد وما فائدة هذا القيد ؟ قلت: فائدته هي التنبيه على تحقق الفساد فيه من وجهين، والرد على السائل وإبطال مذهبه فإنه ذهب إلى جواز إطلاق المحمول عليه سبحانه مطلقا كما يشعر به صريح كلامه لا الإشارة إلى جوازه عند القرينة هذا، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يقال محمول ولا أسفل قولا واحدا لا خلاف فيه عند أهل الإيمان وحينئذ قوله " لا يوصل بشئ " استيناف كأنه قيل: هل يوصل ذلك اللفظ بشئ يكون قرينة لمعنى صحيح ؟ فقال: لا يوصل بشئ يعني لا يجوز إطلاقه عليه سبحانه مع القرينة أيضا فحينئذ لا يرد السؤال المذكور إلا أن التفريع ينافي هذا الاحتمال نظر إلى الظاهر وإن أمكن دفعه بأن التفريع متعلق بالأول ويفهم منه عدم صحة الثاني أيضا لفساد اللفظ. (قال أبو قرة) إنكارا لما ذكره (عليه السلام) تمسكا بالرواية المزخرفة عندهم (فتكذب) استفهام على سبيل الإنكار بحذف أداته (بالرواية التي جاءت أن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه، أن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم) الكاهل كصاحب الخلف أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى (فيخرون سجدا فإذا ذهب الغضب خف) أي خف الله وخف بخفته العرش (ورجعوا إلى مواقفهم) زعم أن العرش جسم كالسرير، وأن الله تعالى جالس فيه، وأنه يعرضه الغضب من جهة عصيان العباد فيوجب ثقله، وأنه تعالى ينتقل من الخفة إلى الثقل ومن الثقل إلى الخفة (فقال أبو الحسن (عليه السلام)) تعريضا بكذب تلك الرواية للتصريح بفساد مضمونها (أخبرني عن الله

[ 107 ]

تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه فمتى رضي ؟) وخف ورجع الحملة إلى مواقفهم، والاستفهام للإنكار (وهو في صفتك) الواو للحال أي والحال أنه تعالى في وصفك إياه (لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه) وغضبه سبب لثقله كما زعمت، ووجود السبب مستلزم لوجود المسبب فيكون هو ثقيلا دائما (كيف تجترئ) (1) الاجتراء: الإقدام على الشئ من غير مبالاة، والاستفهام للتوبيخ (أن تصف ربك بالتغيير من حال إلى حال) مثل التغير من الخفة إلى الثقل ومن الثقل إلى الخفة (وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين) من الغضب والثقل والحركة التابعة لهما (سبحانه وتعالى لم يزل مع الزايلين ولم يتغير مع المتغيرين ولم يتبدل مع المتبدلين) أي لم يتصف بالزوال والفناء ليكون مع الزايلين ومن جنسهم ولا بالتغير من الكيفيات الجسمانية ليكون مع المتغيرين فيها ولا بالتبدل من الوصف اللائق به إلى آخر ليكون مع المتبدلين في الأوصاف بل هو باق لا يطرأ عليه الزوال والفناء وثابت لا يعرضه التغير والفناء، وحق لا يتصف بالتبدل والرجاء ف‍ " مع " في المواضع الثلاثة مع مدخولها في محل النصب على أنه حال عن الفاعل وقيد للمنفي، ثم أشار إلى أن كونه على العرش عبارة عن جريان قدرته عليه ونفاد تدبيره فيه وإلى أنه لا يحتاج في نفاذ حكمه إلى الغضب بالمعنى المعروف وما يتبعه من الثقل والتغير والحركة، لأن ذلك من صفات الناقصين في القدرة والتدبير بقوله (ومن دونه في يده وتدبيره) (2) أي مقهورون في قدرته وتقديره ومغلوبون


1 - قوله: " كيف تجترئ أن تصف ربك " والظاهر أن أبا قرة كان من المحدثين الذين لا يراعون في التمسك بالأحاديث المروية عدم مخالفتها للقرائن العقلية والنقلية اليقينية بل لا يبالون بمخالفة القرآن أيضا فنبهه (عليه السلام) على أن الرواية إذا كانت مخالفة للعقل الصريح لم يجز قبولها والتمسك بها، وهذه كما ترى تباين ما علم ضرورة من القرآن أن الله تعالى غضب على إبليس ولن يرضى عنه قط فيلزم كون العرش ثقيلا دائما لم يخف في زمان أصلا، وأيضا تخالف العقل الحاكم بأن محل الحوادث حادث وأن واجب الوجود لا يتغير عن حال إلى غيرها، ولو كان أبو قرة من حشوية المتأخرين لتحكم بأن العقل لا عبرة به في مقابل أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وأن ملفقات العقول أوهام وشبهات لا يعارض بها الوحي الثابت من المعصوم وأن ظاهر القرآن ليس بحجة لأنا لا نفهمه. (ش) 2 - قوله: " من دونه في يده وتدبيره " هذا مطلب مستقل بنفسه ويمكن أن يجعل دليلا على عدم تطرق التغير إلى ذاته تعالى وذلك لأنه تعالى كامل مطلقا ولا يجوز فقده لصفات الكمال في حال والتغير إن كان من نقص إلى كمال دل على النقص السابق، وإن كان من كمال إلى نقص دل على النقص اللاحق، ولا يتحقق التغير إلا بفقدان شئ حاصل أو وجدان شئ غير حاصل، وإذا كان كل شئ في يده وتدبيره لم يتصور تأثره وانفعاله عن شئ أبدا. وأما كون كل شئ في يده وتدبيره فلأن الممكن وجوده زائد عليه ويحتمل الوجود والعدم ولذلك لا نحكم بوجود ماهية نتصورها إلا بدليل، فإذا قيل لك إن في الموضع الفلاني جسما عظيما أو صغيرا لا تصدق به من غير دليل، ولو كان الوجود غير زائد عليه لم تشك فيه ومع ذلك فقد أقاموا الدليل على كون الجسم مركبا من الهيولى والصورة وأن الصورة محتاجة إلى الهيولى، والهيولى محتاجة إلى الصورة = (*)

[ 108 ]

في إرادته وتدبيره، وتصرفه فيهم جار على حسب الحكمة، وأمره فيهم ماض على وفق المصلحة فإن شاء عذبهم وليس له دافع وإن شاء غفر لهم وليس له مانع، وذلك معنى غضبه ورحمته (وكلهم إليه محتاج) لاستناد جميع الآثار إليه، إذ كل أثر فهو عن مؤثره والكل منته في سلسلة الحاجة إليه، وإفراد الخبر باعتبار لفظ الكل (وهو غني عمن سواه) كما قال: * (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) *. وفي كتاب الاحتجاج: " قال صفوان فتحير أبو قرة ولم يحر جوابا حتى قام وخرج ". * الأصل: 3 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله جل وعز: * (وسع كرسيه السموات والأرض) * فقال: يا فضيل كل شئ في الكرسي السماوات والأرض وكل شئ في الكرسي. * الشرح: (محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى * (وسع كرسيه السموات والأرض) *


= فالجسم متعلق الوجود بأجزائه لكونه مركبا وكل واحد من أجزائه محتاج الى الآخر فلا يتعقل وجود الجسم إلا بأن يكون موجود مفارق من الملائكة أو العقول هو علة لوجود الهيولي والصورة ولتركيب الجسم وتأليفه منهما وتعلق الجسم بذلك الموجود المفارق نظير تعلق النور بالسراج لا يتعقل له وجود مع فرض عدم ذلك المفارق كما لا يتصور مع عدم الهيولى والصورة والمفارق يقيم الهيولى بالصورة والصورة في يده وتدبيره كما أن الهيولى في يده وتدبيره، وأما قدماء الطبيعيين والماديين المنكرون لوجود المبدأ الأول فقد التزموا بعدم وجود الهيولى والصورة وبأن هذه الأجسام التي نراها ليست ذات اتصال بل هي مركبات اعتبارية يتراءى في النظر من اجتماع ذرات صغيرة لا يتجزى، وعلى هذا فلا يعقل تعلقها بعلة مفارقة أما الذرات الصغار فكانت عندهم قديمة ذاتا وغير مخلوقة وأما الجسم المركب منها فشئ اعتباري كالحجر الموضوع بجنب الإنسان، وإذا لم يكن الجسم باتصاله موجودا حقيقيا فلا يبحث عن تركبه ولذلك يصعب على الموحدين والإلهين إثبات المبدأ الأول لهم، فالقول بالجزء الذي لا يتجزى من شعار الملاحدة ولوازم مذهبهم وإن أخذه بعض المتكلمين منهم لغفلتهم عن اللوازم الفاسدة التي يلزمهم وزعموا أن القول بالجزء لا ينافى إثبات المبدأ الأعلى، والحق أنه ينافي تصور تعلق الأجسام بفاعل، ولذلك لا يتعقلون فناءها. أما أهل عصرنا فأكثرهم على أن الجسم وهيئته الاتصالية شئ يتمثل في الحس المشترك من الحركة السريعة لقوى ذات وضع غير جسمانية كما يتمثل الدائرة النارية من حركة الشعلة الجوالة والسطح المستوى من حركة خشبة سريعة ويسمون القوى المتحركة الكترون ونوترون، وعليه فيسهل أيضا تصور التعلق والمعلولية للأجسام وتطرق الفناء إليها، إذ لا ريب أن هذه القوى نظير الكهربائية والنور والحرارة تفنى وليس الجسم إلا مظهرا لحركة هذه القوى يفنى بفنائها ويتعلق بالمبدأ بتعلق القوى به تعالى (ش). (*)

[ 109 ]

يعني سألت عن المراد منه (فقال: يا فضيل كل شئ في الكرسي) والكرسي محيط به (السماوات والأرض وكل شئ في الكرسي) السماوات وما عطف عليها مبتدأ، وقوله " في الكرسي " خبره، وهذه الجملة بيان أو تأكيد لقوله " كل شئ في الكرسي " ويفهم منه أن العرش أيضا في الكرسي، وهذا ينافي الروايات الدالة على أن العرش أعظم من الكرسي وقد ذكرنا بعضها آنفا. والجواب أن الكرسي هنا تصوير لعظمته (1) تعالى وتخييل لها بتمثيل حسي، أو المراد به علمه المحيط بجميع الأشياء أو ملكه وسلطنته، والعرش بمعنى الجسم المحيط داخل في الكرسي بهذه المعاني وليس المراد به فلك البروج كما زعم، على أنه لو كان هذا لأمكن أن يقال المراد بالسماوات السبع وبكل شئ كل شئ فيها، فلا منافاة. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة [ بن ميمون ] عن زرارة بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله جل وعز: * (وسع كرسيه السماوات والأرض) * السماوات والأرض وسعن الكرسي أم الكرسي وسع السماوات والأرض ؟ فقال: بل الكرسي وسع السماوات والأرض والعرش وكل شئ وسع الكرسي. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة، عن زرارة بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (وسع كرسيه السموات والأرض) * السماوات والأرض وسعن الكرسي أم الكرسي وسع السماوات والأرض ؟ فقال: بل الكرسي وسع السماوات والأرض) سأل زرارة عن ذلك لعدم علمه بأن كرسيه مرفوع على الفاعلية بناء على أن القرآن الذي رآه لم يكن معربا أو سأل عنه مع علمه بذلك طلبا لتصحيح رفعه في الواقع وميلا لمعرفة كونه فاعلا في نفس الأمر، إذ الاعراب لم يكن في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما نشأ بعده فلعلهم أخطأوا في رفعه فأزال (عليه السلام) شبهته بأن رفعه صحيح وأنه فاعل في نفس الأمر.


1 - قوله: " والجواب أن الكرسي هنا تصوير لعظمته " وحاصل الجواب أن العرش والكرسي لو كانا كلاهما جسمين نافى كون كل واحد منهما أعظم من الآخر، وأما لو لم يكونا كذلك جاز نسبة الأعظمية إلى كل منهما باعتبار. وقال صدر المتألهين كون العرش في الكرسي لا ينافى كون الكرسي في العرش، لأن أحد الكونين بنحو والآخر بنحو آخر، فكون الكرسي في العرش كون عقلي إجمالي على وجه أعلى وأشرف من كونه في نفسه، وكون العرش في الكرسي كون بصورة نفسانية تفصيلية، انتهى. أقول: تارة يقال الإنسان أعظم من الأفلاك والكواكب أي بعقله، وأخرى أن الافلاك أعظم منه أي بجسمه فإن كان الكرسي علما والعرش جسما كان الكرسي أعظم وإن كانا كلاهما علما فمراتب العلم مختلفة. (ش) (

[ 110 ]

وبما ذكرنا لا حاجة إلى ما قيل من أن سؤاله على قراءة إسماعيل * (وسع كرسيه) * بضم الواو وسكون السين من باب إضافة المصدر فكأنه قال: إضافته إلى الفاعل أو إلى المفعول وإلا فزرارة أرفع شأنا (1) وأجل قدرا من أن يسأل عن معنى الآية الكريمة على تقدير رفع كرسيه على الفاعلية، وقد نقل هذا التوجيه أيضا عن الشيخ العارف بهاء الملة والدين قال: إني لما قرأت هذا الخبر على والدي - قدس الله روحه - سألته أن زرارة مع علو شأنه وعلمه بمسائل النحو كيف يجوز عليه مثل هذا السؤال الذي لا يخفى على آحاد الطلبة إذ القراء اتفقوا على رفع كرسيه ونصب السموات والأرض وحينئذ لا مجال لهذا السؤال، فأجاب رحمه الله: أن بناء السؤال على قراءة * (وسع) * بضم الواو وسكون السين مصدرا مضافا، وعلى هذا يتجه السؤال وإني تصفحت كتب التجويد فما ظفرت على هذه القراءة إلا في هذه الأيام رأيت كتابا في هذا العلم مكتوبا بالخط الكوفي هذه القراءة وكان نسخة الأصل. (والعرش وكل شئ وسع الكرسي) الظاهر أن العرش منصوب عطفا على السموات، و " كل شئ " مرفوع على الابتداء، والجملة الفعلية بعده خبره بحذف العائد المفعول أي كل شئ وسعه الكرسي، والسؤال بالمنافاة يجاب بمثل ما مر. وأما رفع العرش بالابتداء ونصب الكرسي بالمفعولية وعطف " كل شئ " على الكرسي وجعل الجملة الفعلية خبرا فبعيد جدا مع امتناع تقديم المعطوف على المعطوف عليه إلا في ضرورة الشعر كما بين في علم العربية، وكذا رفع العرش بالابتداء وعطف كل شئ بحذف العائد إليه ونصب الكرسي، وجعل الجملة خبرا يعني العرش وكل شئ منه مثل الأجزاء والدوائر الموهومة وسع الكرسي كما قيل بعيد أيضا مع أن السؤال لم يتعلق بالعرش وشموله. * الأصل: 5 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (وسع كرسيه السموات والأرض) * السماوات والأرض وسعن الكرسي أو الكرسي وسع السماوات والأرض ؟ فقال: إن كل شئ في الكرسي.


1 - قوله: " فزرارة أرفع شأنا " لعل زرارة اشتبه الأمر عليه من جهة المعنى لا من جهة دلالة اللفظ فسأل الإمام (عليه السلام) عما يرفع شبهته. بيانه أنه لما نظر في الآيه وفهم منها أن الكرسي أعظم من السماوات والأرض وكان في نظره أن الكرسي بعض أجزاء العالم ولا يمكن أن يكون الجزء أعظم من الكل ولم يهتد لوجه التخلص عن الشبهة سأل الإمام (عليه السلام) عن ذلك، وإن ظاهر القرآن يدل على أعظمية الكرسي فكيف يكون ذلك مع أن الكرسي يجب أن يكون أصغر. (ش) (*)

[ 111 ]

* الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى * (وسع كرسيه السموات والأرض) * السماوات والأرض وسعن الكرسي أو الكرسي وسع السماوات والأرض ؟ فقال: إن كل شئ في الكرسي (1) العموم باق بحاله لما عرفت. * الأصل: 6 - محمد [ بن يحيى ]، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: حملة العرش - والعرش العلم - ثمانية: أربعة منا وأربعة ممن شاء الله. * الشرح: (محمد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: حملة العرش، والعرش العلم، (2) ثمانية، أربعة منا) محمد


1 - قوله: " فقال إن كل شئ في الكرسي " في كلام الإمام (عليه السلام) في الرواية السابقة زيادة على ما في هذه الرواية، وكلاهما نقل زرارة ويختلف الراوي عنه ففي الأولى ثعلبة وفي الثانية عبد الله بن بكير وقلنا سابقا في المجلد الثاني أن مثل هذا الاختلاف غير عزيز في الروايات. (ش) 2 - قوله: " حملة العرش والعرش العلم " روى في حملة العرش في تفسير قوله تعالى * (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * أقول وورد ذكر الحملة في نهج البلاغة وفي الصحيفة السجادية وأنهم ملائكة بالصفات المذكورة فيها، وعن الحسن: الله أعلم كم هم أثمانية أم ثمانية آلاف ؟ وعن الضحاك: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله، وروي أن بعضهم على صورة الإنسان وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر، وقد مر. وفي رواية: أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم وهم مطرقون مسبحون، وروي ثمانية أملاك على صورة أوعال ما بين أظلافها إلى ركبتها مسيرة سبعين عاما. وهذه الروايات تدل على تجردهم من المادة الجسمانية ويتشكلون بالتمثيل كما قال الله تعالى * (فتمثل لها بشرا سويا) * ولا ريب أن المجرد يمكن أن يتمثل أي يتشكل بأشكال مختلفة، ولو لم نقل بتجردهم لم نقدر على تفسير هذه الروايات والجمع بينها، ولو كانوا أجساما كأجسامنا لم يتعقل كون أرجلهم في تخوم إلا بالخرق أو مداخلة جسمهم في سائر الأجسام وأن يكون في تركيب كل جسم سوى العناصر جزء من عنصر الملائكة، ولا يبعد أن يلتزم بذلك أهل الظاهر لكن المتعمق البصير إذا نظر بنظر الدراية في الروايات التي وردت في حال الملائكة علم أن صفاتهم وحالاتهم لا تجتمع مع كونهم أجساما مادية فهم من الجواهر المجردة قطعا أصلا وإن تمثلوا في صورة الأجسام، والجوهر المجرد بالتقسيم الحاصر بين النفى والإثبات أما عقل أو نفس إذ لا يخلو إما أن يكون له تعلق بجسم بوجه ما أو لا ولا واسطة، ولذلك فهم العقول أو النفوس وإن تأبيت عن التسمية فما شئت فسمه ولكن المعنى ما ذكر، وأما من قال: إنهم المثل النورية المعلقة لكل نوع فيرجع إلى تجردهم أيضا = (*)

[ 112 ]

وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين (وأربعة ممن شاء الله) من السابقين وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى على نبينا وآله وعليهم الصلاة والسلام. هذا التفسير مما جاءت به الروايات وصرح به بعض الأصحاب، وقيل: المراد بالأربعة الأولى محمد وعلي والحسن والحسين أو علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، وبالأربعة الثانية سلمان والمقداد وعمار بن ياسر وأبو ذر - رضي الله عنهم - هذا كلامه ولم يذكر مستندا لذلك. * الأصل: 7 - محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن بن كثير، عن داود الرقي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل * (وكان عرشه على الماء) * فقال: ما يقولون ؟ قلت: يقولون: إن العرش كان على الماء والرب فوقه: فقال: كذبوا، من زعم هذا فقد صير الله محمولا ووصفه بصفة المخلوق ولزمه أن الشئ الذي يحمله أقوى منه. قلت: بين لي جعلت فداك. فقال: إن الله حمل دينه وعلمه الماء قبل أن يكون أرض أو سماء أو جن أو أنس أو شمس أو قمر، فلما أراد الله أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم: من ربكم ؟ فأول من نطق، رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة صلوات الله عليهم فقالوا: أنت ربنا، فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني وعلمي وأمنائي في خلقي وهم المسؤولون، ثم قال لبني آدم: أقروا لله بالربوبية ولهؤلاء النفر بالولاية والطاعة، فقالوا: نعم ربنا أقررنا، فقال الله للملائكة: اشهدوا، فقالت الملائكة: شهدنا على أن لا يقولوا غدا: إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا: إنما


= ومن قال إنهم أربعة من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) فلأنهم مظاهر العقول المجردة في عالمنا هذا ويجري حكم المظهر على الظاهر وبالعكس تقول للمصحف: هذا كلام الله تعالى وللصورة المنقوشة هذا أبي، وفي عدد الأربعة سر لا نعلمه وفي تكريرها في القيامة سر آخر والذى لا نشك فيه أن كل شئ في عالمنا الجسماني ظل لما في ذلك العالم، والغالب على أشكال المصنوعات المربع المطلق أو المستطيل فكأن بين نظم الصنع والتربيع مناسبة وارتباطا، وهذا التربيع ظل لتربيع أركان العرش وحملته، والملائكة المقربين أربعة والقوى العملية في الإنسان أربع وللقوى النظرية أربع مراتب، والأخلاط عن الأطباء أربعة، والأركان كذلك وفصول السنة أربعة إلا في خط الاستواء فثمانية وألوان أنوار العرش أربعة كما مر. فإن قيل هل يمكن أن ينسب حمل العرش على أنه جسم إلى الملائكة ؟ قلنا لا يجب أن يكون حامل العرش الجسماني موجودا جسمانيا ماديا بل يمكن نسبة حمل الجسم إلى المجرد. (ش) (*)

[ 113 ]

أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون. يا داود، ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق. * الشرح: (محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الرحمن بن كثير، عن داود البرقي: قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى * (وكان عرشه على الماء) * (1) فقال: ما قلت: يقولون: إن العرش كان على الماء) أي على متن الماء قبل الأرض والسماء، وقيل: معناه أنه كان فوق الماء محاذيا له لم يكن بينهما حائل لا أنه كان موضوعا على متنه، واستدلوا بذلك على أن الماء أول حادث من أجرام هذا العالم وقيل: كان الريح أول حادث وكان الماء على متنه، أقول: ما قالوا من أن الماء أول حادث دل عليه ما رواه المصنف في كتاب الروضة بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل قال: " ولكنه يعني الله تعالى كان إذ لا شئ غيره وخلق الشئ الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه، وخلق الريح من الماء " وهذا كما ترى دل أيضا على بطلان قول من قال: الريح أول حادث قبل الماء (والرب فوقه) كما أن الملك فوق عرشه، أقول: هذا مذهب طائفة من العامة وأما أكثرهم فقد حملوا العرش على المعنى المعروف ولكن نزهوه تعالى عن أن يكون فوقه جالسا عليه مفتقرا إليه وقالوا: إنما إضافته إليه كإضافة البيت ونحوه إليه (فقال كذبوا) على الله حيث فسروا كلامه بآرائهم وحملوه على خلاف ما أراد منه، ثم بين كذبهم بقوله (من زعم هذا فقد صير الله محمولا) يحمله عرشه (ووصفه بصفة المخلوق) المفتقر إلى محل


1 - قوله: " كان عرشه على الماء " نقل صدر المتألهين عن بعض العلماء تشبيها بديعا حاصله أن أعظم المكان والزمان، أما المكان فهو الفضاء الذي لا غاية له، وأما الزمان فهو الامتداد الخارج من قعر ظلمات عالم الأزل في ظلمات عالم الأبد، فالأول والآخر صفة الزمان، والظاهر والباطن صفة المكان، فالحق سبحانه وسع المكان ظاهرا وباطنا ووسع الزمان أولا وآخرا، وإذا كان المدبر للزمان والمكان هو الله سبحانه كان منزها عن المكان والزمان، إذ عرفت هذا فنقول: الحق سبحانه له عرش وله كرسي فعقد الزمان بالعرش فقال * (وكان عرشه على الماء) * لأن جرى الزمان يشبه جرى الماء وعقد المكان بالكرسي، لأن مكانه أعلى الأمكنة وأوسعها والعرش لا مكان له فالعلو صفة الكرسي والعظمة صفة العرش انتهى. وفي تفسير المنار تأويل الماء بالمادة السائلة التي يعتقد أهل عصرنا أن تكون الكواكب والشموس والأرض كان منها باعتقادهم وهي مسماة عندهم بالسديم ومعنى كون عرشه على الماء أن تدبيره وملكه يجرى على الأشياء وكلامه منبى على أن الفضاء غير متناه ولا يتصور إحاطة جسم واحد بكل ما في العالم، وقد ذكرنا الأدلة على التناهي سواء قلنا بالهيئة الجديدة أو القديمة، وقلنا: إن الحكم بعدم تناهي الفضاء من غير أن نحس به أو يدل عليه دليل أما تخرص على الغيب أو حكم بكون المكان واجب الوجود ذاتا غير مخلوق، وأقرب من هذا التأويل تشبيه الوجود المنبسط الساري وهو الإضافة الاشراقية بين المبدأ والممكنات بالماء، ولعله ألصق بكلام الإمام (عليه السلام) أيضا. (ش) (*)

[ 114 ]

يعتمد عليه (ولزمه أن الشئ الذي يحمله أقوى منه) وإنما غير الأسلوب. وقال: لزمه، لأن ذلك ليس مذهبه وإنما لزمه من حيث لا يعلم لأنه إذا اعتقد أنه محمول لزمه بالضرورة أن يكون حامله أقوى منه (قلت بين لي) ما هو المقصود من الآية (جعلت فداك فقال: إن الله حمل دينه وعلمه الماء) أي حمل الماء عبادته وطاعته أوسلطانه ومعرفته وعلمه بحقايق الأشياء وخواصها وآثارها وكمياتها ومقاديرها وكلياتها وجزئياتها على ما هي عليه في نفس الأمر (قبل أن يكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر) لا يبعد أن يقال: تحميل ذلك على الماء باعتبار أن فيه جزءا ماديا لمحمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وقال بعض المحققين: المراد بالماء هنا العقل القدسي (1) الذي هو حامل عرش المعرفة (فلما أراد أن يخلق الخلق) لعل المراد بالخلق ذوو العقول الدراكة مثل الملائكة والجن والإنس، وحمله على العموم بحيث يشمل الناطق والصامت والمتحرك والجامد أيضا محتمل إذ كل صامت وجامد بحسب الظاهر فهو ناطق بحسب الباطن بلسان الحال بل بلسان المقال كما يرشد إليه قوله تعالى * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) * وقوله تعالى * (أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ) * ويرشد إليه أيضا نطق الكعبة والنملة والحصى وغير ذلك (نثرهم بين يديه) وذلك بأن قبض قبضة من تراب خلق منها آدم (عليه السلام) فصب عليها الماء العذب الفرات ونظر إليها بعين الرحمة أربعين صباحا ثم صب عليها الماء المالح الأجاج ونظر إليها بعين الغضب وقد سبقت رحمته غضبه فتركها أربعين صباحا فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركا شديدا فخرجوا كالذر من يمينه وشماله على صور ومثال وتحركوا بين يديه على هيئة شبح وظلال فأخذ منهم الميثاق ثم قال: كونوا طينا فصاروا طينا كما كانوا، ثم خلق منه آدم ومن ثم يخرج منه أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. وقيل: المراد بنثرهم نثر ماهياتهم وحقايقهم وإنياتهم بين يدي علمه ونطقهم بعد السؤال الراجع إلى مجرد نفاذ القدرة وجريان الإرادة نطقهم بألسنة قابليات جواهرها واستعداد ذواتها (فقال لهم من ربكم فأول من نطق (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) فقالوا أنت ربنا) فهم السابقون الأولون في الإيمان بالله. وقد سئل (صلى الله عليه وآله) بأي شئ سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم ؟ فقال: إني كنت أول من آمن بربي وأول من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ فكنت أول من قال بلى، فسبقتهم بالإقرار بالله عزوجل. والنطق محمول على الحقيقة على ما قلنا وعلى الاستعداد الفطري بلسان طباع الإمكان


1 - قوله: " العقل القدسي " لأن نسبة العبادة والعلم إلى الماء المعروف تكلف لا يتسق مع ألفاط الحديث. 2 - قوله: " فأول من نطق " سيأتي شرح عالم الذر والطينة في محله إن شاء الله. (ش) (*)

[ 115 ]

الذاتي على ما قيل. وقال القاضي في تفسير قوله تعالى * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ربكم) *: إنه أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: * (ألست بربكم قالوا بلى) * فنزل تمكينهم من العلم وتمكنهم منه منزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل، وعلى هذين القولين لم يكن هناك سؤال وجواب في الحقيقة والله أعلم. (فحملهم العلم والدين) إما بانتقالهما من الماء إليهم أو بطريق تحميل المثل من غير انتقال والله أعلم. (ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني وعلمي وأمنائي في خلقي) لا يزيدون ولا ينقصون ولا يفترون فيما يؤمرون ويحفظون نظام الخلائق وكمالهم وما به يتم أمر معاشهم ومعادهم. والغرض من هذا القول هو الإعلام بعلو منزلتهم والحث على تعظيمهم وتكريمهم والثناء عليهم (وهم المسؤولون) يوم القيامة عن أداء الأمانة وحفظها وطاعة الخلق وعصيانهم فيشهدون لهم وعليهم على وفق ما علموا وشاهدوا منهم. (ثم قال) الظاهر بلا واسطة (لبني آدم أقروا لله بالربوبية ولهؤلاء النفر بالولاية والطاعة) جمع بين الإقرارين للتنبيه على أن بينهما تلازما وأن أحدهما لا ينفع بدون الآخر (فقالوا: نعم ربنا أقررنا) الظاهر أنهم قالوا ذلك بلسان المقال لا بمجرد لسان الحال أجمعين، فيفيد عموم الإقرار ووجوده في جميع الخلق، وهذا ينافي ما يجئ في باب طينة المؤمن والكافر عن أبي جعفر (عليه السلام) " أن الله تعالى دعاهم عند أخذ الميثاق إلى الإقرار بالنبيين، فأقر بعضهم وأنكر بعضهم ثم دعاهم إلى ولايتنا فأقر بها لله من أحب وأنكرها من أبغض " وقوله: * (وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) * ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) " كان التكذيب ثم " ويمكن رفع المنافاة بحمل الإقرار هنا على التخصيص كما يقتضيه القاعدة الأصولية. (فقال الله للملائكة اشهدوا) على إقرارهم، والإشهاد إنما هو لإجراء الأمور الأخروية على ما يقتضيه الحكمة الإلهية في الأمور الدنيوية من إثبات الحق بالشاهد وإلا فالله سبحانه كان شاهدا وكفى به شهيدا، وإنما أشهد الملائكة دون النبي والأئمة (عليهم السلام) لأن الحق كان لهم فلا بد لهم الشاهد من غيرهم. (فقالت الملائكة شهدنا على أن لا يقولوا غدا) أي يوم القيامة عند مشاهدة سوء العاقبة ووخامة الإنكار * (إنا كنا عن هذا غافلين) * لم نسمعه ولم ينبهنا به أحد * (أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل

[ 116 ]

وكنا ذرية من بعدهم) * فأتبعنا آثارهم واقتفينا أطوارهم، وفي بعض النسخ: " وكنا ذرية ضعفاء من بعدهم " * (أفتهلكنا بما فعل المبطلون) * أي بما فعل آباؤنا وأسس كبراؤنا من قوانين الشرك والضلال وأتبعناهم تقليدا للظن بأنهم كانوا على الحق وفيه قطع لعذرهم وذم لتقليدهم فإنه - تعالى شأنه - إذا أخذ الميثاق منهم أولا وأعطاهم العقل الفارق بين الحق والباطل ثانيا، وأرسل إليهم الرسول ثالثا، ونصب لهم دلائل التوحيد رابعا، وذكرهم بالميثاق خامسا لم يبق لهم معذرة في الشرك تقليدا للآباء والكبراء ولا حجة في ترك التمسك بذيل الهداة والأمناء (يا داود ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق) حين بعثهم في الظلال وأخرجهم على هيئة الصور والمثال ثم نسيها من نسيها لتوغله في ظلمة الطبائع البشرية، أو أنكرها من أنكرها لميله إلى الرياسة الظاهرة الفانية فأنكر العهد المأخوذ عليهم باطنا والنص النبوي المؤكد له ظاهرا.

[ 117 ]

باب الروح الغرض من هذا الباب هو بيان أن الروح ليس هو الله سبحانه كما زعمه طائفة من أهل الضلال. * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن الأحول قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الروح التي في آدم (عليه السلام) قوله: * (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) * قال: هذه روح مخلوقة والروح التي في عيسى مخلوقة. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن الأحول قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الروح التي في آدم (عليه السلام) قوله) قوله مجرور بدلا عن الروح أو عن آدم. * (فإذا سويته) * أي أكملت خلقته وعدلت هيئته بحيث صار قابلا لنفخ الروح فيه * (ونفخت فيه من روحي) * الروح بالضم يذكر ويؤنث، والمطلوب من هذا السؤال (1) هو معرفة أن الروح قديم واجب كما زعم أو حادث غير واجب لا معرفة معنى الإضافة والنفخ فإن المتضمن لهما هو الأحاديث الآتية، ولا معرفة أن مفهومه ماذا فإنه مسكوت عنه في هذا الباب ولا بأس أن نشير إليه إجمالا ليحصل ذلك زيادة بصيرة فنقول: المراد بالروح هنا ما يشير الإنسان إليه بقوله أنا أعني النفس الناطقة المجردة المتعلقة بالبدن (2) تعلق التدبير والتصرف، والحياة عبارة عن هذا التعلق، والموت


1 - قوله: " والمطلوب من هذا السؤال " ليس سؤال السائل عن الروح التي بها حياة الإنسان والحيوان بل المقصود تفسير قوله تعالى: " ونفخت فيه من روحي " فإن المستفاد منه أن جزء من الله تعالى حل في آدم نعوذ بالله تعالى مع أنه يستحيل عليه تعالى التجزي والحلول فأجاب (عليه السلام) بأن هذه الروح مخلوقة بحكمته ومشيئته في آدم لا أن شيئا من الله تعالى انفصل منه ودخل في آدم. (ش) 2 - قوله: " النفس الناطقة المجردة المتعلقة بالبدن " تصريح من الشارح - رحمه الله - بأن نفس الإنسان مجردة، والمجرد في اصطلاح الفلاسفة الجوهر القائم بنفسه غير قابل للأبعاد الثلاثة وهو ليس في مكان ولا له وضع ولا يشار إليه حسا وأكثر الناس لا يعترفون بوجود موجود هذه صفته إذ لا يؤثر الشئ غير الجسماني في حاستهم الجسمانية، وأنكر العلامة المجلسي رحمه الله في البحار تجرد النفس بل تجرد شئ غير واجب الوجود ولكن جما غفيرا من الخاصة والعامة صرحوا بتجرد النفس، قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: * (لا تحسبن الذين قتلوا...) * الآية، تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه، وقال في تفسير قوله تعالى: * (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله...) * في سورة البقرة. وفيها دلالة على أن الارواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت دراكة وعليه جمهور الصحابة = (*)

[ 118 ]

هو قطع هذا التعلق مع بقائها في ذاتها كما صرح به جم غفير من الخاصة والعامة، والروح بهذا المعنى هو المعروف في القرآن والأحاديث. وقد تحير العقلاء في حقيقته واعترف كثير منهم بالعجز عن معرفته حتى قال بعض الأكابر: إن قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " من عرف نفسه فقد عرف ربه " معناه أنه كما لا يمكن التوصل إلى معرفة النفس أعني الروح كذلك لا يمكن التوصل إلى معرفة الرب، وقوله تعالى: * (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) * (1) مما يعضد ذلك وحمل الروح هنا على ما هو مبدأ للتأثير والحركة والحياة سواء كان مجردا عن الكثافة الجسمانية أو منطبعا في مادة جسمانية ليشمل الأقسام الخمسة التي يجئ ذكرها في كتاب الحجة أعني روح القدس الذي به يعرفون الأشياء، وروح الإيمان الذي به يخافون الله تعالى، وروح القوة الذي به يقدرون على طاعة الله تعالى، وروح الشهوة الذي به اشتهوا طاعته وكرهوا معصيته، وروح المدرج الذي به يذهبون ويجيئون وإن كان محتملا لكنه بعيد جدا. (قال: هذه روح مخلوقة والروح التي في عيسى مخلوقة) ولا يتوهم من إضافتها إليه سبحانه أنها هو وأنها قديمة، لأن الإضافة للإيجاد والتشريف وقد سمعت عن بعض الثقات ما يناسب ذكره في هذا المقام وهو أن بعض النصارى حضر بلدا من بلاد الإسلام وحضر عنده جماعة من أهل العلم وكلموه فقال لهم: اصبروا حتى أشرب خمرا فلما شربها وظهر فيه مبادى النشاط قال لهم: نبيكم أشرف أم عيسى ؟ فقالوا: نبينا فقال: ما تقولون فيما نزل في كتابكم حيث سمى عيسى روح الله ونبيكم رسول الله، وروح الله أشرف من رسول الله، لأن المرسل أشرف من الرسول. فلما سمعوا ذلك سكتوا


= والتابعين وبه نطقت الآيات والسنن انتهى. وعرفوا مذهب الصحابة والتابعين بأنهم كانوا يزورون أمواتهم ويستغفرون لهم ويهدون لهم الثواب ويعبدون نيابة عنهم وكانوا يرون رسول الله يكلم الأموات فقد كلم أصحاب القليب وكلم سعد بن معاذ لما دفنه وقال: رأيته في قبره يعانق الحور العين، ومر على قبر سمع منه صوت صاحبه يعذب في البقيع وغير ذلك وآمن به الصحابة من غير أن يروا ويسمعوا ما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمعه وعرفوا أن هذا نوع من الحياة غير الحياة الدنيوية التي يرى آثارها جميع الناس ولا يختص بالأنبياء ولو كان الحياة بعد الموت بالروح البخاري الذي يتحلل بفساد البدن لم يتعقل له بقاء وأما من قال إنه جسم لطيف مخالط للبدن ويدخل فيه ويخرج منه من غير أن يتحلل ويفسد، فقوله بمعزل عن قابلية النقل والتكلم فيه، لأن الحيوان إذا سد مسامه ومخارقه يموت سريعا مع أنه لا يمكن أن يخرج منه شئ. (ش) 1 - قوله: * (ما أوتيتم من العلم إلا قليلا) * لا يدل على عدم علمهم بالروح أصلا أو على بطلان ما علموا بل على صحته وقلته بالنسبة إلى ما لا يعلمون، وإنما يدل على صحة علمهم بمفاد الاستثناء من النفي فإنه إثبات يعني أوتى الناس من قبل الله علم صحيح ولكنه قليل، وأهم ما عرفناه من الروح تجرده وبقاؤه بعد فساد البدن وتألمه وتلذذه كأشد ما يمكن أن يكون بعد فراق الدنيا فإنه يتخلص للإدراك والتألم والتلذذ من الإدراك ولا نعرف شيئا من تفاصيل الحياة الآخرة إلا من طريق الوحي. (ش) (*)

[ 119 ]

ولم يقولوا شيئا بيد ما قال بعضهم هذه شبهة متوجهة بحسب الظاهر ولم يعلموا أن إضافة الروح إليه سبحانه لا يقتضي أن يكون الروح نفسه تعالى ولا جزءه، لا وضعا ولا عرفا كما يقال: هذا فرسي وهذا كتابي وهذا بيتي وأمثال ذلك، غاية ما في الباب إفادتها الاختصاص باعتبار أن خلقها وإيجادها ليس بتوسط الأب. لا يقال: من كان بلا واسطة كان أشرف ممن كان بواسطة، لأن ذلك ممنوع إذ للشرافة أسباب وشرائط أخر كما لا يخفى على أولي الألباب. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة عن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (وروح منه) * قال: هي روح الله مخلوقة خلقها الله في آدم وعيسى. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة عن حمران (1) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى) في وصف عيسى (عليه السلام) * (وروح منه) * قال: هي روح الله مخلوقة خلقها في آدم وعيسى) على نبينا وآله وعليهما الصلاة والسلام لا بتوسط أب وما يجري مجرى الأصل والمادة كما هو المعروف في سائر الناس بل بمجرد إمضاء الإرادة ونفخ فم القدرة ولذلك نسبها إليه، وفي كتاب إكمال الإكمال للآبي سمع بعض عظماء النصارى قاريا يقرأ: * (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) * فقال: هذا دين النصارى، يعني هذا يدل على أنه بعض منه، فأجابه الحسن بن علي الواقد صاحب كتاب النظائر بأن الله تعالى إنما أراد بروح منه أنه من إيجاده وخلقه وأراد بالحصر تعريضا بالنصارى فيما ادعت النبوة والتثليث وباليهود


1 - قوله: " حمران " بن أعين أخو زرارة كان من القراء ومشاهير النحاة ذكروه في رجال العربية ويناسب الحديث الذي رواه في معنى من فنه وصنعته، وغير خفي على أهل اللغة أن أكثر المواد في العربية تستعمل في معان متغايرة متباينة جدا لكنها مشتركة في شئ غالبا يحفظ به التناسب مثلا: الكلام هو القول واللفظ والكلم الجرح ويشتركان في معنى التأثير والحكم القضاء بالعدل والحكمة العلم الصحيح المتقن وحكمة اللجام للدابة تمنعها من الشرد والحكم بمعنى الرد والمنع والمحكم يقابل المتشابه والمحكم الشيخ المجرب وكلها تشترك في معنى الإتقان والإحراز، وفي الحديث ذكر تناسب الروح والريح معنى جامع يشتركان فيه وهو عدم الظهور بذاته، المعلوم بآثاره، فالريح لا ترى بنفسها ولكن لها آثار تعرف بها وكذلك الروح لا يرى بنفسه ولكن يظهر بأثره للفرق الظاهر بين الجماد والحي في آثارهما، ولابد لظهور آثار الحياة من مبدأ يعلم وجوده منها ولو لم يكن في بدن الأحياء شئ مسمى بالروح لم يكن حركة الحي ولم يفرق بين الحي والميت في الهضم والإمساك والدفع والتنفس وغيرها. وليكن على ذكر منك حتى يحين حينه. (ش) (*)

[ 120 ]

فيما قذفت به مريم (عليها السلام) وأنكرته من رسالته فأسلم النصراني. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن عروة، عن عبد الحميد الطائي، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (ونفخت فيه من روحي) * كيف هذا النفخ ؟ فقال: إن الروح متحرك كالريح وإنما سمي روحا لأنه اشتق اسمه من الريح وإنما أخرجه عن لفظة الريح، لأن الأرواح مجانسة الريح وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح كما قال لبيت من البيوت: بيتي، ولرسول من الرسل: خليلي، وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن عروة، عن عبد الحميد الطائي، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى * (ونفخت فيه من روحي) * كيف هذا النفخ) أي نفخ الروح والروح ليس بهواء قابلا للحركة والنفخ وإنما يتعلق بهواء، لأن صورته الحقيقة إخراج الهواء من فم النافخ إلى المنفوخ فيه ليشمل فيه النار مثلا وإنما حملنا السؤال على هذا إلا على أنه كيف نسب النفخ إليه سبحانه مع أنه في حقه ممتنع، لدلالة الجواب عليه. وتحقيق نسبة النفخ إليه على أحد وجهين، أحدهما: أن النافخ جبرائيل (عليه السلام) أو ملك من الملائكة بأمره جل شأنه وإنما نسب إليه اتساعا باعتبار أنه الآمر، وثانيهما: أن النفخ على تقدير أن يكون النافخ هو الله سبحانه استعارة حسية لأنه لما امتنع تحقق صورته الحقيقية وهي الإخراج المذكور فيه وجب صرفه إلى ما يشبهها بأن يقال: لما كان اشتعال نور النفس (1) في فتيلة البدن عن الجود الإلهى المعطي لكل قابل ما يستحقه يشبه بحسب محاكاة خيالنا ما يشاهد من اشتعال النار في المحل القابل لها عن صورة النفخ فلا جرم حسن التجوز والتعبير بالنفخ عن إفاضة الجود الإلهي النفس على البدن لمكان المشابهة المتخيلة وإن كان الأمر أجل مما عندنا (فقال: إن الروح متحرك كالريح) يعني أن الروح متحرك سريعا في جميع أجزاء البدن (2) ويجري


1 - قوله: " لما كان اشتعال نور " مقتبس من صدر المتألهين (قدس سره). (ش) 2 - قوله: " يعني أن الروح متحرك سريعا في جميع أجزاء البدن " حمله الشارح تبعا لصدر المتألهين (قده) على الروح الحيواني أي البخار الصافي الجاري في العروق على ما كان عليه الأطباء قديما وينكره أطباء عصرنا وهو غير النفس الناطقة المجردة بل هو شئ من أجزاء بدن الحيوان، والدليل على وجوده ما ذكر من أن الحي مغاير للميت في الخواص الجسمانية، ومما يدل = (*)

[ 121 ]

آثاره في تجاويف أعضائه فيصلح البدن ويحيى مادام فيه كما أن الريح متحرك سريعا في أقطار العالم ويجري آثاره فيها فيصلح العالم بجريانه ويموت بفقدانه، فالروح بهذا الاعتبار يشابه الريح فيكون منفوخا كالريح. فإن قلت: الاستعارة على ما ذكرت تمثيلية والاستعارة التمثيلية لا يعتبر فيها التشبيه في المفردات. قلت: نعم ولكن لا بد من أن يكون للمفردات التي في طرف المشبه به نظائر في طرف المشبه


= على وجوده وإن لم يثبت كونه بخارا أن التجربة دلت على وجود قوة سيالة في أعصاب الحس والحركة نظير القوة الكهربائية فإذا انفعل بعض أعضاء بدن الإنسان من صدمة أو حرارة أو برودة أو لمس شئ انتقل الأثر منه إلى الأعصاب وينتهى إلى الدماغ فيدرك فيأمر الدماغ الأعصاب المحركة بالتقلص والتجنب ويصل أمره بواسطة الاعصاب إلى العضو المتأثر فيتقلص وقد وفق أصحاب التجارب من أهل عصرنا بآلاتهم الدقيقة لتقدير الزمان الفاصل بين التأثر والإدراك والتقلص وكان القدماء يسمون مثل هذه القوة السيالة الناقلة روحا نفسانيا، وأيضا إذا دار الإنسان على نفسه سريعا عرض عليه دوار فيسقط على الأرض ويرى كأن الأشياء حوله تدور عليه وليس تلك الحركة والدوران في الأشياء ولا في أحد أعضائه بل للروح الذي في دماغه فإنه إذا دار على نفسه دار الروح في دماغه فإذا سكن سكنت جوارحه ودماغه وبقي الروح متحركا مدة كإناء فيه ماء إذا أدرته سريعا ثم أسكنته دفعة بقي الماء دائرا بعد سكون الإناء هنيهة. ومما يدل على وجود الروح أيضا أن الإنسان إذا غضب توجه الروح بالدم إلى ظاهره للدفاع وتغير مزاج الدم واحمر الوجه والعين وإذا خاف فر الروح إلى الباطن واصفر اللون وليس الدم مما يقتضي بنفسه هذه الحركات وأيضا يتوجه الروح إلى الضياء ويهيج وينجذب إليه ويسكن في الظلمة ولذلك النوم في الظلمة أسرع وأهنأ ولا يمكن نسبة ذلك إلى الدم. وبالجملة الاستدلال على وجود الروح من تتبع آثاره كالاستدلال على وجود الريح بتحريكها الأشجار وإثارة الغبار وأمثال ذلك. وأطباء عصرنا على نفي وجود الروح الحيواني وعمدتهم عدم وجدانهم في تجزية أعضاء البدن وعناصره شيئا غير هذه الأمور المعلومة من الدم واللحم والعظم وأجزائها ولكن ليس البحث تجربيا محضا وماديا صرفا حتى نسلم لأهل العمل ونصدقهم في تجربتهم بل هو بحث فلسفي طبي عقلي يحتج عليه بالمقدمات الحكمية مع التجربة ولم يقع تجارب أطباء عصرنا إلا على الأعضاء الميتة، والدم إذا خرج من البدن وبقي مدة فهو ميت وكذلك اللحم والعظم والعصب والعروق المنفصلة عن بدن الحي أموات تحلل الروح الحيواني منها ولم يبق فيها شئ منه بالاتفاق، والكلام في وجود هذا الروح في الأحياء لا في الاموات، وتجاربهم قاصرة على المواد، ولافرق في المادة بين الحي والميت، ونحن ننسب جميع الخواص إلى الصورة النوعية لا إلى المادة والروح الحيواني من الصورة النوعية كما يقولون الماء مركب من الهيدروجين والأوكسجين وليس الممزوج من هذين العنصرين ماء ولا يظهر منه خواص الماء إلا بعد حصول الصورة المائية والسكر مركب من الفحم والماء بنسبة معينة ولا يترتب على الممزوج منهما أثر السكر ولا طعمه إلا بتعلق الصورة النوعية السكرية ويحتمل كون الروح قوة نظيرة الكهرباء حاصلة من تركيب بعض الأجسام مع بعض وإن لم نر تصريحا به من القدماء، وبالجملة فإنكار أصل وجود الروح غير موجه وإن شكك في ماهيته وهذا الحديث أيضا على وجوده صريحا إذ لا يحتمل حمل الروح فيه على النفس الناطقة بل هو الروح الحيوانى كما صرح به صدر المتألهين قده. (ش) (*)

[ 122 ]

بحيث يصح أن يقع بينهما التشبيه وبناء هذا السؤال والجواب على ذلك، ومما يناسب ذكره في هذا المقام. ويوضح الجواب ما نقله الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج وهو أن الزنديق سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسائل كثيرة - إلى أن قال له - فهل يوصف الروح بخفة وثقل ووزن ؟ قال (عليه السلام): الروح بمنزلة الريح في الزق إذا نفخت فيه امتلاء الزق منها فلا يزيد في وزن الزق (1) ولوجها فيه ولا ينقصها خروجها منه كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن. قال: فأخبرني ما جوهر الريح قال: الريح هواء إذا تحرك سمي ريحا فإذا سكن سمي هواء وبه قوام الدنيا ولو كفت الريح ثلاثة أيام لفسد كل شئ على وجه الأرض ونتن، وذلك أن الريح بمنزلة المروحة تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتطيبه، فهي بمنزلة الروح إذا خرج عن البدن نتن البدن وتغير * (تبارك الله أحسن الخالقين) *. (وإنما سمي روحا) هذا توضيح للجواب المذكور يعني إنما سمي الروح الجاري آثاره وتصرفه في البدن روحا (لأنه اشتق اسمه من الريح) قال صاحب كتاب الإكمال: وإنما سمي الريح الخارج من نفخ جبرائيل (عليه السلام) الداخل في البدن روحا لأنه يخرج من الروح يعني جبرائيل (عليه السلام) فهذا وجه آخر للتسمية. ثم أشار إلى وجه الاشتقاق بقوله (وإنما أخرجه) أي إنما أخرج اسم الروح (عن لفظه الريح) أي على وفقه، وفي بعض النسخ " عن لفظ الريح " يعني إنما اشتق اسم الروح عن لفظ الريح (لأن الأرواح مجانسة) بحسب المعنى والتحرك والتصرف وإصلاح ما تمر عليه (الريح) وإذا تحققت المجانسة المصححة للاشتقاق صح الاشتقاق كما هو المقرر عن أهله (وإنما أضافه إلى نفسه) حيث قال * (من روحي) * (لأنه اصطفاه على سائر الأرواح) الحيوانية والنباتية لكونه مبدأ لآثار شريفة وأطوار عظيمة لا تترتب عليها، فالإضافة للاختصاص والتشريف والإيجاد بلا واسطة شئ لا لإفادة أنه سبحانه أو بعضه لامتناع ذلك واستحالة حلوله عزوجل في غيره عقلا ونقلا (كما قال لبيت من البيوت: بيتي ولرسول من الرسل: خليلي وأشباه ذلك) هذا الحديث بعينه رواه الشيخ في الاحتجاج مرسلا عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) إلا أن فيه كما اصطفى بيتا من البيوت فقال: بيتي، وقال لرسول من الرسل: خليلي (وكل ذلك) المذكور من الروح والبيت والرسول (مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر) خلقه وصنعه وأحدثه ورباه ودبره اللطيف الخبير على وفق الإدارة ومقتضى الحكمة.


1 - قوله: " ولا يزيد في وزن الزق " أقول: ثبت بالآلات الدقيقة في زماننا أن الهواء له وزن أيضا ويزيد وزن الإناء إذا ولج فيه الهواء على ما إذا كان خاليا فمراد الإمام (عليه السلام) على فرض صحة الخبر أن وزنه ضعيف غير محسوس ملحق بالعدم ويستأنس به للإقرار بوجود شئ لا وزن له. (ش) (*)

[ 123 ]

* الأصل: 4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن بحر، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عما يروون أن الله خلق آدم على صورته، فقال: هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها الله واختارها على سائر الصور والمختلفة، فأضافها إلى نفسه، كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه. فقال: بيتي، * (ونفخت فيه من روحي) *. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن بحر) كوفي ضعيف ولكن ضعفه لا يضر بصحة مضمون هذا الحديث لا عتضاده بالعقل والنقل (عن أبي أيوب الخزاز عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عما يروون) يعني العامة (أن الله تعالى خلق آدم على صورته فقال: هي صورة محدثة اصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة) كما قال: * (وصوركم فأحسن صور كم) * (فأضافها الى نفسه) تشريفا وتكريما وإظهارا لاصطفائها (كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال: بيتي، ونفخت فيه من روحي) تشريفا وتكريما وتبيينا، لأن المضاف مصطفاه ومختاره، وما يفيد هذا التشبيه من أن إضافة الروح إلى نفسه لأجل أنه اصطفاه واختاره على سائر الأرواح لا لأجل أنه هو الله عز شأنه هو المقصود بالإفادة في هذا الباب وقد روى الصدوق رحمه الله - في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن الحسين بن خالد وروى الشيخ الطبرسي رضي الله عنه في كتاب الاحتجاج مرسلا عن الحسين بن خالد أيضا قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الله خلق آدم على صورته (1)


1 - قوله: " إن الله تعالى خلق آدم على صورته " مصرح به في التوراة، ورووه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإما أن يكون من الإسرائيليات التي دخلت في أحاديث المسلمين من أحبار اليهود وإما أن يكون له تأويل على خلاف ظاهره، والحق أن الإنسان هو الذي خلق صورة الله تعالى على وفق صورته فإنه يظن صورته على أكمل ما يمكن أن يكون فتوهم أن الله تعالى مثله. وقال صدر المتألهين: هذا الحديث مما لا خلاف في كونه مرويا عن النبي (صلى الله عليه وآله). أقول: ولكن الخلاف في صحة الرواية. ثم تأول في معناه بما هو صحيح في نفسه. وإن لم يكن الرواية صحيحة وطابق بين صورة الإنسان وصورة العالم الكبير فشبه القلب بالعرش والدماغ بالكرسي والحواس بالملائكة والأعضاء بالسماوات والقدرة في العضلة بالطبيعة في العناصر، ففي الحقيقة خلق الله تعالى آدم على صورة مخلوقه الكبير. وغرض الإمام (عليه السلام) نفي كون الله تعالى جسما على صورة الإنسان وغيره. ويلحق بمن يقول خلق الله آدم على صورته من يقول خلق الله آدم على صفات أو غرائز تشبه صفاته تعالى ويثبت له الغضب والرضا والمحبة والعشق والندامة والأسف وغيرها بالمعنى الذي يثبت للانسان وهو سبحانه برئ من كل تأثر وانفعال وربما يتعجبون مما ورد في عقاب العاصين بالنار أو ما ينزل على العباد من البلاء كالزلازل والطوفان والحرق والخسف وما = (*)

[ 124 ]

فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه " قبح الله وجهك ووجه من يشبهك " فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته " وفيما روياه دلالة واضحة على أن الرواية المذكورة كاذبة محرفة عن وجهها وأن الضمير المجرور في " صورته " يعود إلى الرجل المسبوب وإنما لم يجب الباقر (عليه السلام) بما أجاب به خلفه الطاهر الرضا وحكم بأن الضمير يعود إليه سبحانه وأن الإضافة للتشريف والاصطفاء للتنبيه على أن هذه الرواية على تقدير صحتها لادلالة فيها على ما هو مطلوبهم من أن له تعالى صورة كصورة آدم، وبالجملة هم يستدلون بهذه الرواية على ذلك المطلوب ونحن ما نعون فنمنع أولا صحتها وثانيا دلالتها على ذلك المطلوب بإرشاد الأئمة (عليهم السلام) على أن لنا أيضا أن نقول يعود الضمير إلى آدم ولا يلزم خلوه عن الفائدة لما أشرنا إليه في باب النهي عن الصورة، ويؤيده ما رواه مسلم في آخر باب صفة الجنة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذارعا فلما خلقه قال: إذهب وسلم على أولئك وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، قال فزادوه: ورحمة الله. قال: فكل من دخل على الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ". قال عياض ذكر الطول هنا يرفع الإشكال ويوضح أن الضمير في صورته يعود إلى آدم نفسه وأن


= يهلك به الصالح والطالح والشيخ الكبير والطفل الصغير لأنه يرى كل ذلك ينافي رقة القلب التي جعلت في الإنسان لتجنبه من الإفساد وتنفره من الظلم والله تعالى منزه من الإفساد والظلم والرقة والقسوة، وكل ما يفعل فهو بعلمه العنائي وحكمته الكاملة لا يمنعه من إنفاذه كما لم يمنع الأنبياء المجاهدين في سبيل الله عن إهلاك الكفار رقة، ورقته تنافي الحكمة، وأعلم أن كل غريزة وصفة خلقها الله في الإنسان لغاية حكمية يحتاج إليها فكل ما يستحسنه يميل إليه بطبعه أو يتنفر عنه ويفر منه فهو لحاجة مثلا يستحسن الماء والخضر والأشجار والأزهار جعله الله فيه ليرغب في عمران الأرض وتكثير الحرث وأرزاق العباد ويستحسن الرجل النساء الحسان والمرأة الرجل لبقاء النسل ويخاف من الظلمة، لأن النور معين له في جلب المنافع ودفع المضار ويتنفر من القذر والنتن لحفظ الصحة ويخاف من الموتى ليسهل عليه دفن أعزته في التراب وخلق فيه الترحم بالنسبة إلى الضعاف والصغار والمحبة للأصدقاء والرقة والغضب والحزن وغير ذلك ومرجع جميعها إلى الحاجة وجل الحق تعالى عن الحاجة فلا يعقل إثبات هذه الصفات له. وربما يعترض الملاحدة على الموحدين بأن الله أرحم الراحمين في اعتقادكم كيف يخلق الشر والآفة ونقص الأعضاء والأوجاع ونحن نعالج ونشفى يريدون بذلك أن ينسبوا تلك كلها إلى طبيعة لا تفعل ما تفعل لغرض، والجواب: أنه تعالى ليس على صفات البشر ولا يقاس فعله على فعله وما ذكرتم أمور يفعلها الله تعالى لمصلحة وان كانت تخالف رقة القلب التي في الإنسان وحب الحياة والبقاء فيه كما أنه ليس هذه الرقة لجراح يقطع الطفل الصغير قطعا في رحم المرأة لتسلم أمها. (ش) (*)

[ 125 ]

المراد على هيئته التي خلق عليها لم يتردد في الأرحام ولم ينتقل في النشأة بتنقل بنيته أو يكون المراد أن صورته في الأرض هي التي كان عليها في الجنة ولا تختلف صورته اختلاف صورة الملائكة (عليهم السلام) في أصل صورهم وفي الصورة التي يتراؤون فيها للخلق غالبا.

[ 126 ]

باب جوامع التوحيد يذكر فيه أنحاء من اعتبارات ثبوتية وسلبية للرد على الفرق المبتدعة منهم الملاحدة الذين لا يؤمنون بالله وهم صنفان: الأول صنف طلبوا للعلم سببا فأحالوه على الطبع الذي هو صفة جسمانية مظلمة خالية عن المعرفة والإدراك. الثاني: صنف لم يتفرغوا لذلك ولم يتنبهوا بطلب السبب بل اشتغلوا بأنفسهم وعاشوا عيش البهائم. ومنهم عبدة الأوثان وهم قد علموا أن لهم ربا وجب طاعته ولكن حجبوا بظلمة الحس وكدورات النفس عن أن يتجاوزوا العالم الجسماني المحسوس في إثباته فاتخذوا ربا من هذا العالم، وهم أصناف: الأول صنف اتخذوا من الجواهر كالذهب والفضة أشخاصا مصورة وجعلوها آلهة، الثاني صنف ترقوا عن ذلك وقالوا: هذه الصور منحوتة نحن نحتناها والرب أعز من ذلك وأجمل فإذا رأوا إنسانا في غاية الجمال أو فرسا أو بقرا أو شجرا لها نوع اعتبار وخصوصية عبدوه وقالوا: هو ربنا. الثالث: صنف ترقوا عن ذلك وقالوا: ينبغي أن يكون الرب نورانيا فعبدوا النار إذ وجدوها بهذه الصفة. الرابع: صنف ترقوا عن ذلك وقالوا: النار تطفأ وتقهر فلا تصلح أن تكون ربا والرب يجب أن يكون نورانيا موصوفا بالعلو، فعبدوا النجوم كالشمس والمشتري والشعرى وغيرها، ومنهم فصلوا فقالوا: إن في هذا العالم خيرات وشرورا والخير نور والشر ظلمة وبينهما منازعة فوجب أن يكون الخير مستندا إلى النور، والشر إلى الظلمة، فأحالوا العالم إليهما وهم الثنوية. ومنهم جاوزوا الحس وقالوا: الرب أعز من أن يكون محسوسا ولكن لم يتجاوزوا مرتبة الوهم والخيال فعبدوا موجودا قاعدا على العرش، وأخسهم رتبة المجسمة، ثم أصناف الكرامية، وأرفعهم درجة من نفى الجسمية وجميع عوارضها إلا الجهة فخصصوه بجهة فوق وهم المشبهة. ومنهم من ترقوا عن ذلك فعبدوا إلها سميعا بصيرا متكلما عالما قادرا منزها عن الجهات لكن فهموا هذه الصفات على حسب مناسبة صفاتهم، وربما صرح بعضهم فقال: كلامه صوت ككلامنا. وربما ترقى بعضهم فقال: لا بل هو كحديث أنفسنا ولاصوت ولاحرف ولذلك إذا حقق القول رجعوا إلى التشبيه في المعنى وإن أنكروه لفظا إذ لم يدركوا كيفية إطلاق هذه الألفاظ في حق الله تعالى. وكل هؤلاء مشتركون في أنهم يدعون مع الله إلها آخر * (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) * ووراء هذه المذاهب وغيرها من المذاهب الباطلة مذهب صحيح وهو أن الصانع موجود قديم أزلي

[ 127 ]

أبدي، له نعوت جلالية وصفات كمالية غير زائدة ولا تشابه بينه وبين خلقة أصلا لا بحسب الذات ولا بحسب الصفات والمتمسكون به هم المتمسكون بذيل الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وهم الذين خرقوا بذلك حجب الطبايع الظلمانية والنفسانية، وتجاوزوا عن المقايسات الوهمية والخيالية، ووصلوا إلى عالم التوحيد المطلق وشاهدوا رتبة الحق وعظمته وكماله وجلاله وجماله بعين البصيرة وهم بعد ما خرقوا تلك الحجب في حجب من نور عظمته كما ورد " أن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه كل من أدرك بصره " قيل: سبحات وجهه جلاله وعظمته. وقيل: أضواؤه. وقيل: محاسنه. وقيل: غير ذلك. وإن أردت زيادة فيها فارجع إلى النهاية الأثيرية. * الأصل: 1 - محمد بن أبي عبد الله ومحمد بن يحيى جميعا رفعاه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) استنهض الناس في حرب معاوية في المرة الثانية، فلما حشد الناس قام خطيبا فقال: الحمد الله الواحد الأحد الصمد المتفرد الذي لا من شئ كان ولا من شئ خلق ما كان، قدرة بان بها من الأشياء وبانت الأشياء منه فليست له صفة تنال ولا حد تضرب له فيه الأمثال، كل دون صفاته تحبير اللغات وضل هناك تصاريف الصفات وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب، تاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول في لطيفات الأمور. فتبارك الله الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن وتعالى الذي ليست له وقت معدود ولا أجل ممدود ولا نعت محدود، سبحان الذي ليس له أول مبتدا ولا غاية منتهى ولا آخر يفنى، سبحانه هو كما وصف نفسه والواصفون لا يبلغون نعته، وحد الأشياء كلها عن خلقه، إبانة لها من شبهه وإبانة له من شبهها لم يحلل فيها فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن، ولم يخل منها فيقال له: أين ؟ لكنه سبحانه أحاط بها علمه وأتقنها صنعه وأحصاها حفظه لم يعزب عنه خفيات غيوب الهواء ولا غوامض مكنون ظلم الدجى ولا ما في السماوات العلى إلى الأرضين السفلى. لكل شئ منها حافظ ورقيب، وكل شئ منها بشئ محيط، والمحيط بما أحاط منها الواحد الأحد الصمد الذي لا يغيره صروف الأزمان ولا يتكأده صنع شئ كان، إنما قال لما شاء: كن فكان، ابتدع ما خلق بلا مثال سبق ولا تعب ولا نصب، وكل صانع شئ فمن شئ صنع، والله لا من شئ صنع ما خلق، وكل عالم فمن بعد جهل تعلم، والله لم يجهل ولم يتعلم، أحاط بالأشياء علما قبل كونها، فلم يزدد بكونها علما، علمه بها قبل أن يكونها كعلمه بعد تكوينها، لم يكونها

[ 128 ]

لتشديد سلطان ولا خوف من زوال ولا نقصان ولا استعانة على ضد مناو، ولا ند مكاثر، ولا شريك مكابر، لكن خلائق مربوبون وعباد داخرون. فسبحان الذي لا يؤوده خلق ما ابتدأ ولا تدبير ما برأ ولا من عجز، ولا من فترة بما خلق اكتفى، علم ما خلق وخلق ما علم، لا بالتفكير في علم حادث أصاب ما خلق، ولا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق، لكن قضاء مبرم وعلم محكم وأمر متقن، توحد بالربوبية وخص نفسه بالوحدانية واستخلص بالمجد والثناء وتفرد بالتوحيد والمجد والسناء وتوحد بالتحميد وتمجد بالتمجيد وعلا عن اتخاذ الأبناء وتطهر وتقدس عن ملامسة النساء، وعزوجل عن مجاورة الشركاء، فليس له فيما خلق ضد ولا له فيما ملك ند ولم يشركه في ملكه أحد، الواحد الأحد الصمد المبيد للأبد، والوارث للأمد، الذي لم يزل ولا يزال وحدانيا أزليا قبل بدء الدهور وبعد صروف الأمور، الذي لا يبيد ولا ينفد، بذلك أصف ربي فلا إله إلا الله، من عظيم ما أعظمه، ومن جليل ما أجله، ومن عزيز ما أعزه، وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. * الشرح: (محمد بن أبي عبد الله، ومحمد بن يحيى جميعا رفعاه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام)) رواه الصدوق في كتاب التوحيد مسندا من طريقين عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) أن أمير المؤمنين (عليه السلام) (استنهض الناس في حرب معاوية في المرة الثانية) النهوض القيام إلى أمر بسرعة ومنه نهض الطائر إذا نشر جناحيه ليطير واستنهضه أمره بالنهوض وحثه (فلما حشد الناس) أي اجتمعوا يقال حشدوا يحشدون من باب ضرب إذا اجتمعوا، وكذلك احتشدوا وتحشدوا جاء فلان حاشدا ومتحشدا أي مستعدا ومتأهبا وفي بعض النسخ: " فلما حشر الناس بالراء " يقال: حشرت الناس أحشرهم من باب ضرب ونصر أي جمعتهم، فالناس في نسخة الأصل مرفوع على الفاعلية، وفي هذه النسخة إما منصوب على المفعولية إن كان الفعل مبنيا للفاعل أو مرفوع إن كان الفعل مبنيا للمفعول (قام خطيبا فقال: الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرد) (1) أشار بذكر الله إلى الذات المقدسة


1 - قوله: " الواحد الاحد الصمد " يشكل الفرق بين الأحد والواحد من جهة اللغة وإن قال بعضهم إن الأحد يختص بالنفي والحجود فيقال ما جاءني أحد، والواحد بالإثبات، وقيل: إن أحد يجعل في موضع الجمع، بخلاف الواحد قوله تعالى: * نفرق بين أحد من رسله) * ولا يصح لا نفرق بين واحد من رسله. قيل ينفى بأحد في النفي الاثنان والثلاثة أيضا، بخلاف الواحد تقول: ما جاءني أحد أي لا واحد ولا اثنان ولا ثلاثة، وتقول: ما جاءني واحد، ولعله جاءك اثنان ولا تنفيه، فالواحد أخذ في مفهومه شرط الوحدة لا بشرط ويشمل الواحد المجتمع مع غيره ويحتمل في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) التأكيد أو الاشارة إلى كونه تعالى جامعا لجميع خصوصيات الوحدة، وفرق العرفاء بين الواحد والأحد بأن الأول يجامع ملاحظة = (*)

[ 129 ]

الجامعة لجميع صفات الكمال، وبالواحد إلى تقدس ذاته عن التركيب والتجزية ذهنا وخارجا، وبالأحد إلى تنزه صفاته عن التكثر والاختلاف، وبالصمد وهو المرجع للجميع في جميع الحوائج إلى امتناع التجزية في ذاته والزيادة في صفاته لاستلزام ذلك افتقاره المنافي لكونه صمدا على الإطلاق، والمتفرد إلى نفي الشريك عنه في الذات والصفات واستحقاق الحمد من جميع الجهات (الذي لا من شئ كان) (1) فلا مادة له ولا أصل له ولا جزء له ولا موجد له كما كان ذلك للإنسان فإن له مادة هي التراب والمني وله أصل هو الأبوان وله أجزاء تأليفية وفاعل يوجده. وفي وصفه تعالى بالوجود رد على الصنف الثان من الملاحدة، وفي تنزيه وجوده عن الأمور المذكورة رد على جميع الفرق المبتدعة والمذاهب الباطلة فإنهم وإن لم يصرحوا بافتقار وجوده إلى الأمور المذكورة لكن يلزمهم ذلك من حيث لا يشعرون (2) (ولا من شئ خلق ما كان قدرة) (3) الظاهر أن " كان " تامة بمعنى وجد وقدرة بالنصب على التميز أو بنزع الخافض وإن كان شاذا في مثله. وفي بعض نسخ هذا الكتاب وكتاب التوحيد للصدوق " بقدرة " وهو يؤيد الثاني أي لم يخلق ما وجد من الممكنات بقدرته الكاملة من مثال سابق يكون أصلا له ودليلا عليه ولا من مادة أزلية كما زعمت الفلاسفة من أن الأجسام لها أصل أزلي هي المادة (4) بل هو المخترع للمكنات بما فيها من


= الصفات الكمالية والأول مقام الذات فقط من غير ملاحظة الأسماء والصفات، وربما يقال: الواحد يشير إلى نفي الشريك، والأحد إلى نفي الأجزاء والتركب، والله العالم. وأما الصمد فقد سبق باب مفرد لتفسيره. (ش) 1 - قوله: " لا من شئ كان " إذ لو كان من شئ كان ذلك الشئ أولى بوجوب الوجود، والكائن عن غيره محتاج إلى غيره ممكن مخلوق. (ش) 2 - قوله: " لكن يلزمهم ذلك من حيث " أما المجسمة فواضح لأن الجسم مركب والمركب محتاج الى أجزائه وأما المثبتون للصفة زائدة على الذات فلأنه يلزمهم ما يلزم القائلين بتعدد الواجب. (ش) 3 - قوله: " لا من شئ خلق ما كان " إن قيل هذا مخالف للحس فإنا نرى أنه تعالى خلق كثيرا من الاشياء من شئ فإنه خلق الانسان من النطفة، والشجر من البذر، وخلق كل دابة من ماء، قلنا: ليس المراد أنه تعالى خلق جميع الكائنات ابتداء اختراعا لامن شئ، بل مراده أنه خلق أول ما خلق كذلك، وأما ساير ما خلقه بعد الموجود الأول فلا يستحيل أن يخلقه من شئ، والدليل عليه على ما ذكره صدر المتألهين - قدس الله تربته - أن المخلوق الأول لو كان خلق من شئ فلا يخلو إما أن يكون ذلك الشئ واجب الوجود أو ممكن الوجود فإن كان ذلك الشئ واجب الوجود ثبت الشريك له تعالى في وجوب وجوده، وهو باطل، وإن كان ممكن الوجود كان مخلوقا له تعالى قبل المخلوق الأول وهذا خلف. وقال (قدس سره): كل ما كان في وجوده محتاجا إلى شئ لم يكن اول مخلوق كالمركب المحتاج إلى الأجزاء والصورة المحتاجة الى المادة والعكس والنفس المتعلقة بالبدن والزمان المحتاج الى الحركة والحركة المحتاجة الى الجسم والحادث الزماني المحتاج إلى معنى زمان، فالمخلوق الأول ليس مركبا ولا صورة ولا مادة ولا نفسا ولا يحتاج إلى مضي زمان قبله وإلا احتاج إلى حركة سابقة واحتاج الى جسم متحرك فكان ذلك الجسم قبله ولم يكن أول مخلوق. (ش) 4 - قوله: " من أن الأجسام له أصل أزلي هي المادة " هذا مذهب الدهريين والحرنانين يظنون أن المادة غير مخلوقة وأنها

[ 130 ]

المقادير والأشكال والنهايات والمبتدع للمخلوقات بما لها من الهيئات والآجال والغايات بمحض القدرة على وفق الإرادة والحكمة، ويحتمل أن يقرأ قدرة بالرفع (1) على الابتداء أي له قدرة (بان بها) أي بتلك القدرة الكاملة التي لا يتأبى منها شئ (من الأشياء (2) وبانت الأشياء منه) لتحقق تلك القدرة له لا ليغيره (فليست له صفة تنال) أي ليس مطلق ما يوصف به من صفات الكمال أمرا تدركه عقول العقلاء وفهم الأذكياء لكمال عظمته، أو ليست له صفة زائدة حتى تنال كما تنال صفاتنا الزائدة على ذو اتنا لتنزهه عن الكثرة مطلقا، أو ليست له صورة وهيئة تنالها الأفهام إذ العرب المثبتون للصفات إنما يعرفون منها الصور والهيئات، فنفي الصفة مستلزم لنفيهما في عرفهم


= الوجود لا يتعقل عدمها وإنما تنتقل من حال إلى حال، ورد عليهم الفلاسفة الإلهيون بعد إبطال الجزء الذي لا يتجزى بأن المادة أمر بالقوة محتاجة في ذاتها إلى الصورة والصورة لا يمكن أن تكون علة مطلقة لها بل المادة والصورة والجسم المركب منها جميعا معلولات للموجود المفارق، وذكرنا شيئا يتعلق بذلك سابقا وذكرنا مذهب أهل عصرنا في تحصل المادة من القوى المتحركة المسماة عندهم بإلكترون ونيترون وبذاك ظهر أن مراد الشارح من الفلاسفة الذين قالوا بكون المادة غير مخلوقة الدهريون، والماديون منهم لا جميعهم. (ش) 1 - قوله: " ويحتمل أن يقرأ قدرة بالرفع " وذكر صدر المتألهين (رحمه الله) وجها بعيدا من جهة اللفظ وإن كان صحيحا من جهة المعنى وهو أن الكلمة فدرة بكسر الفاء لابضم القاف ومعنى الفدرة القطعة، والمعنى ما كان تعالى قطعة يمتاز بها من الأشياء نظير الخط الذي يمتاز عن الخطوط الأخر بقطعة منه، مثلا: الخط إذا كان بمقدار ذراع ونصف يمتاز عن الذي هو بمقدار ذراع بقطعة منه بمقدار نصف ذراع، ولا يستبعد صدور مثل ذلك من العلماء فقد رأينا منهم أغرب من ذلك فقد ذكر السيد الداماد - قدس سره - في شرح حديث في الكافي " التوكل وضده الحرص " الحرض بالضاد المعجمة. وفي قوله: " الفهم وضده الحمق " القهم بالقاف وقال المولى خليل في قوله " معجزة الصفة " أنه معجرة الصفة بالراء المهملة والعجر عظم البطن، وقد ذكرنا في حواشي الوافي عن أبي على القالي وهو إمام من أئمة الأدب أنه فسر اللحن وهو ضرب من الأصوات المصنوعة للغنا باللغة في أشعار لا يحتمل غير لحن الغناء. منها قول الشاعر: لقد تركت فوادك مستجنا * مطوقة على فنن تغنى يميل بها وتركبه بلحن * إذا ما عن للمحزون أنا وقول الآخر: وهاتفين بشجو بعد ما سجعت * ورق الحمام بترجيع وإرنان باتا على غصن بان في ذرى فنن * يرددان لحونا ذات الوان وأبو علي هذا كان مشهورا في العالم في عصره حتى أن عبد الرحمن بن محمد الأموي خليفة الأندلس استقدمه إلى بلاده من بغداد ليتزين بوجوده ملكه ويفتخر به على ملوك المشرق. وبالجملة فليس هذا وأمثاله مما يطعن به على العلماء فإن الصارم قد ينبو. (ش) 2 - قوله: " بان بها من الأشياء " يشير إلى أن بينونته تعالى بينونة صفة لا بينونة عزلة حيث قال: بان بها من الأشياء أي بصفة القدرة. (ش) (*)

[ 131 ]

(ولا حد يضرب له فيه الأمثال) حد الشئ منتهاه (1) والأمثال جمع المثل، ومثل الشئ بكسر الميم وفتحها نظيره كشبهه وشبهه، ولعل المقصود أنه ليس لوجوده نهاية يطرأ عليه العدم، ولا لذاته طبيعة امتدادية ينتهي إلى حد ونهاية، ولا لصفاته نهاية في القوة والكمال تقف عندها، ولا لحقيقته حد حقيقي يتصور بالكنه وإلا لجرى فيه حكم المخلوقات، لأن الحد بالمعاني المذكورة من صفاتهم ولو احقهم، وصح أن يقال: هو مثلهم وأنه على الواجب بالذات محال (كل دون صفاته تحبير اللغات) تحبير الصوت والخط والشعر وغيرها تحسينه تقول: حبرت الشئ تحبيرا إذا أحسنته. والكلال: العجز والأعياء، تقول: كل اللسان عن البيان إذا أعيى عن أداء حقه وإسناده إلى التحبير مجاز يعني أعيى قبل الوصول إلى ذكر صفاته تحبير اللسان وعجز قبل البلوغ إلى وصف عظمتها تحسين البيان فعجز كل قائل عن ذكر كنه صفاته وأعيى كل واصف عن نيل حقيقة جلاله وكمالاته. (وضل هناك تصاريف الصفات) قد استوفينا شرحه في الخطبة، وظهر لي الآن وجهان آخران، أحدهما: أنه ليس لجناب الحق تصاريف الصفات (2)، لأن صفاته عين ذاته فلا صفات هناك. وثانيهما: أنه ليس له تصاريف الصفات وتغيرها وتبدلها، لأن كل ما اعتبره العقل والنقل له من الصفات الكمالية فإنما هو أزلا وأبدا لا يتطرق إليه التغير والتبدل أصلا (وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير) الملكوت فعلوت من الملك كالرهبوت من الرهبة، وقد يخص الملكوت بعالم المجردات والروحانيات ويخص الملك بعالم الشهادة وعالم الماديات والجسمانيات والتعميم هنا أولى، والعميقات جمع العميقة وهي صفة لمحذوف وهو الأفكار، والتفكير: التأمل في الشئ ليجد غوره وأفكر في الشئ وفكر فيه وتفكر بمعنى، يعني حار في إدراك حقائق ملكوته وخواصها وآثارها وعظمتها وكيفية ترتيبها على النظام الأكمل وكيفية وقوعها عن القدرة القاهرة وغير ذلك مما هو محل


1 - قوله: " حد الشئ منتهاه " ليس له الحد الجسماني كالسطح والخط والنقطة ولا حد الزمان بأن ينتهى زمان وجوده في وقت معين وهو واضح بعد فرض تنزهه عن المكان والزمان والمقصود حد الماهية بدليل قوله (عليه السلام) " يضرب له فيه الأمثال "، إذ لو كان له تعالى ماهية والماهية معنى كلى يفرض له أفراد بعضها مثل بعض فكل حد نفرضه له أي كل معنى يحدد الوجود المطلق بقيد ويميزه عن أشياء أخر يمكن أن يكون في الوجود فردان منه، يضرب أحدهما مثلا للآخر، فلو قلت وهو نور يمكن ضرب مثل له هو نور الشمس. (ش) 2 - قوله: " تصاريف الصفات " الظاهر أن الصفة هنا بالمعنى المصدري بمعنى الوصف، والوصف والصفة نظير الوعد والعدة، ويطلق على الحالة العارضة مجازا كما يطلق العدة على الموعود والمراد هنا هو نفس المصدر أي كل ما يتصرف المتصرف في أن يصف الله تعالى بصفة لم يقدر وذهب الذهن منه إلى غير صفاته حقيقة فيضل، وأما حمل الشارح الصفات على المعنى المصطلح بين المتكلمين ثم حمله التصاريف على تغيير الصفة من حال إلى حال ودعواه أنه وجه آخر غير ما ذكره في شرح الخطبة فبعيد. (ش) (*)

[ 132 ]

التعجب والحيرة الأفكار العميقة الواقعة في مذاهب التفكير وطرقه الخفية والجلية، فسبحان من لا يكون لنا سبيل إلى إدراك ملكه وملكوته فكيف يكون لنا سبيل إلى إدراك عظمته وجبروته (وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير) الرسوخ: الثبوت، يقال: رسخ الشئ رسوخا إذا ثبت، وكل ثابت راسخ ومنه * (الراسخون في العلم) * وعلمه هنا مصدر مضاف إلى المفعول والضمير عائد إليه سبحانه، والجوامع وصف للكمالات المحذوفة يعني انقطع قبل تحقق الرسوخ في العلم بذاته وصفاته وأسراره سبحانه الكلمات الجامعة لأنحاء التفسير والتبيين لظهور أن تلك الكلمات لها معان ومفهومات حاصلة في الذهن وليس شئ منها هو الله تعالى ولا صفاته وإنما طريق معرفته والرسوخ في العلم به طور العقل العاري عن شوائب الأوهام (1) بأن يتلقى تلك المفهومات لا على وجه شعوره بما يشعر به من تلك الكلمات بل على وجه أعلى وأشرف بتعقل صرف، برئ عن علائق المواد، مجرد عن إدراك الوهم والحواس وتوابع إدراكاتهما من الأين والوضع والمقدار والكيف وغير ذلك مما لا يليق بجناب الحق فإذا أطلق عليه شيئا من أسمائه الحسنى مثل: الله والموجود والعالم والقادر والحي وغيرها ينبغي أن يحمله على أشرف مما يتخيله وأعلى مما يتصوره، ويعتقد أن ذاته ووجوده وعلمه وقدرته وحياته ليست كذات سائر الموجودات ووجودهم وعلمهم وقدرتهم وحياتهم ليخرج بذلك عن حد التشبيه المتعالى قدس الحق عنه. (وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب) المكنون المستور يقال: كننت الشئ فهو مكنون أي سترته فهو مستور. المراد بغيبه المكنون: الأسرار الربوبية والأنوار الإلهية والصفات الكمالية المستورة عن أبصار ذوي البصائر بحجب ظلمانية وأستار نورانية، أما الحجب الظلمانية فهي الهيئات البدنية والظلمات النفسانية الحاجبة للنفس عن مشاهدة أنوار جلال الله وأسراره بالكلية، وأما الحجب النورانية فهي أنور العظمة المانعة من مشاهدة ذاته وصفاته وجلاله وكماله كما هي لمن


1 - قوله: " العقل العاري عن شوائب الأوهام " كلمة يتفوه بها الظاهريون لتغليط العقول والحكماء لتنقيص أصحاب الجدل والعلماء لتنفير العوام عن آراء أهل البدع، والمعنى أن العقل من حيث هو عقل طريق صحيح إلى الواقع فيدركه ويحكم بصحته فهو حق، إلا أن الإنسان قد تشتبه عليه مدركات عقله بمدركات وهمه ويظن ما أدرك بوهمه هو عين ما أدرك بعقله ولا يعرف قانونا يميز به أحدهما من الآخر وإنما يمكن التميز للمنطقي المتمرن الذي جرب أغلاط الناس وسبرها وعرف أقسام المغالطة مثل من يزعم أن كل موجود محسوس وأن كل شئ في مكان وأن الزمان موجود بنفسه غير مخلوق وأن المكان فضاء غير متناه وأن التسلسل ممكن وأن الجسم موجود بنفسه أزلا وأبدا ويمتنع عليه الفناء والعدم وأن كل شئ يجب أن يسقط إلى أسفل، وهذا كله نظير الخوف من الميت، وأقرب الناس إلى قبول الأوهام والتعبد بها العوام وأهل الظاهر، وأبعدهم منه أهل المنطق والممارسون للعلوم الفكرية والنظرية، ومع ذلك كله فالعقل العاري عن شوائب الأوهام أيضا لا يستطيع أن يدرك كنه حقيقة الباري تعالى وإنما يتعرف بوجوده وعجزه عن إدراك ذاته. (ش) (*)

[ 133 ]

خرق تلك الهيئات وخلص من تلك الظلمات ونزل في ساحة العز والجلال وقد احتجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحجاب يتلألأ كما دل عليه حديث المعراج فكيف غيره. كيف الوصول إلى سعاد ودونها * قلل الجبال ودونهن حتوف (تاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول في لطيفات الأمور) التيه: التحير، والدنو: القرب، وأدنى: اسم تفضيل والأداني: جمع الدني وهو القريب، وضمير التأنيث للحجب، والإضافة في طامحات العقول ولطيفات الأمور من باب الإضافة في جرد قطيفة. و " في " متعلق بالطامحات، والطامح الأمر المرتفع يقال: طمح بصره إلى شئ إذا ارتفع إليه وبالغ ليراه: يعني تحيرت في أول حجاب من تلك الحجب وأقرب من تلك الأستار العقول الطامحة في الأمور اللطيفة للمبالغة في إدراكها وإدراك أسرارها فكيف حال العقول الغير الطامحة أعني العقول الناقصة وكيف حال بواقي الحجب التي هي أرفع وأعظم من المذكور، وفيه تنبيه على أنه لا يجوز للبشر أن يعتمد في معرفة الصانع بعقله وإن كان ذكيا فهيما بل يجب عليه أن يرجع إلى صاحب الوحي (1) وأهل الذكر وبالله التوفيق. (فتبارك الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن) تبارك: إما مشتقة من البروك المستلزم للبقاء والثبات في موضع واحد أو من البركة وهي الزيادة، فهو بالاعتبار الأول إشارة إلى عظمته باعتبار دوام بقائه واستحقاقه قدم الوجود لذاته وثبوت وجوده لا عن ابتداء ولا إلى انقطاع، وبالاعتبار الثاني إشارة إلى فضله وإحسانه ووجوه الثناء عليه. والنيل: الإصابة، والهمة: العزم الجازم يقال: فلان بعيد الهمة إذا كانت إرادته تتعلق بعليات الأمور دون محقراتها. والغوص: الغور والحركة في عمق الماء. والفطن بفتح الفاء وكسر الطاء: الذكي المتوقد، وبالعكس جمع الفطنة وهي في اللغة: الفهم وعند العلماء: جودة الذهن المعدة لا كتساب المطالب العلية، ولما كانت صفات كماله ونعوت جلاله في عدم الوقوف على حقائقها وأغوارها تشبه البحر الخضم الذي لا يصل الغائص إلى قعره كانت الفطنة المتحركة فيها شبيهة بالغائص في البحر فاستعير الغوص لحركات الفطن في عميقات غيوب ملكوته وأسرار عالم الغيب العميقة طالبة لتصورها كما هي والبلوغ إلى كنهها، ويفهم منه استعارة البلوغ لحركات الهمم البعيدة إذ هو حقيقة في لحوق جسم وجسماني بجسم وجسماني آخر، وهاتان الاضافتان في معنى الصفة أي لا يبلغه الهمم البعيدة ولا


1 - قوله: " بل يجب أن يرجع إلى صاحب الوحي " قد سبق الكلام في هذا وأمثاله في مقدمة الكتاب وبعض التعاليق. وقلنا إن إثبات أصل وجود الباري تعالى لا يمكن أن يؤخذ من الوحي لاستلزامه الدور، وأما التفاصيل الأخر فيجب أن يثبت بالخبر المتواتر القطعي الدلالة لا برواية الآحاد ولا بالظواهر المظنونة، وما يدعيه الأخباريون في ذلك غير صحيح لم يتفوهوا به إلا تقريرا للعوام وجلبا لهم إلى تعظيم الآثار. (ش) (*)

[ 134 ]

يناله الفطن الغائصة، ووجه الحسن أن المقصود هو المبالغة في عدم إصابة ذاته وصفاته وأسراره تعالى بالهمة من حيث هي بعيدة وبالفطنة من حيث هي غائصة، فالحيثية مقصودة بالقصد الأول فلذا قدم، فسبحان الذي كل ذي همة بعيدة في أنوار كماله حريق، وكل ذي فطنة غائصة في بحار جلاله غريق (وتعالى الله الذي ليس له وقت معدود ولا أجل ممدود) أي ليس لو جوده زمان متناه ولا زمان غير متناه، لأن موجد الزمان (1) يمتنع تقدير وجوده بالزمان، لأن وجوده لو كان زمانيا لزم تقدم الزمان عليه وإذا لم يكن زمانيا كان غنيا في وجوده عنه (ولا نعت محدود) أي ليس له نعت محدود بحد لغوي وهو النهاية ولا بحد حقيقي وهو المشتمل على الذاتيات أما الأول فلأنه ليس لمطلق ما يعتبر عقولنا من الصفات الكمالية والصفات السلبية والإضافية نهاية معقولة تنتهي عندها، وأما الثاني فلأن نعته تعالى ليس مركبا من الجنس والفصل وإلا لكان حادثا فيلزم نقصه تعالى وكونه محلا للحوادث وكلاهما باطل، ويمكن أن يؤول هذا القول بما يؤول به قولهم " ليس بها ضب ينجحر " أي: ليس بها ضب فينجحر، فيكون المراد أنه ليس له نعت فيحد، وهذا على ما هو الحق من أنه تعالى منزه من كل جهة عن الكثرة بوجه ما، وقد حصل في هذه القرائن الثلاث السجع المتوازي مع نوع من التجنيس (سبحان الذي) ترك العاطف لأنه تأكيد للسابق وتقرير لمضومنه (ليس له أول مبتدأ) بالرفع والتنوين معا أو بالرفع فقط لأنهم اختلفوا في صرفه (ولا غاية منتهى ولا آخر يفنى) لأنه أزلي وأبدي فليس له ابتداء ولا انتهاء ولا فناء، والنفي راجع إلى القيد وإلا فهو الأول المطلق الذي لا شئ قبله، والآخر المطلق الذي لا شئ بعده، والغاية لكل شئ باعتبار أن مصاير الخلائق وعواقب الأمور إليه، فهو غاية مطالب السائرين ونهاية مقاصد الطالبين وهو الباقي بعد كل شئ، في وجوده الحق وكماله المطلق (سبحانه هو كما وصف نفسه) في القرآن الكريم وحين كان ولم يكن معه شئ لا كما وصف الظالمون المكذبون (والواصفون لا يبلغون نعته) وإن بالغوا، لأن عقول المقربين ونفوس المقدسين


1 - قوله: " لأن موجد الزمان " قد تكرر في الحديث نفي الزمان عنه تعالى ولا يمكن أن يكون المراد منه نفي الزمان المعين كساير الحوادث، والشارحون على أن ذاته تعالى غير مقترن بالزمان لا مستمرا ولا معينا بمعنى أنه لا يتغير حتى يكون زمانيا، وفي الزمان مذاهب مشهورة وهو عند بعضهم واجب الوجود بمعنى أنه لا يمكن عدمه فليس مخلوقا، وعند بعضهم هو أمر موهوم لا حقيقة له في الخارج وعلى هذين المذهبين لا يتصور له موجد والمشهور عن الحكماء والمتكلمين أنه مقدار حركة ما فيكون من عوارض الحركة والحركة من عوارض الجسم فموجد الزمان هو الذي أوجد الجسم وأوجد التغير فيه فيكون الزمان مخلوقا بخلق الجسم والحركة ولا يتصور وجود زمان قبل أن يخلق جسم. والعجب أن بعضهم يثبتون الزمان قبل أن يخلق الله تعالى جسما مع قولهم بأن الزمان أمر موهوم لا حقيقة له في الخارج وليس بنا حاجة إلى فهم كل ما قاله الناس وتصحيح أوهامهم، والمقصود هو عدم ثبوت التغير في ذاته حتى يكون له زمان. (ش) (*)

[ 135 ]

عاجزة عن إدراك كنه ذاته وحقيقة صفاته: سبحان من تحير في ذاته سواه * فهم خرد بكنه كمالش نبرده راه از ما قياس ساحت قدسش بود * جنانك مورى كند مساحت گردون زقعر چاه (وحد الأشياء كلها عند خلقه (1) إبانة لها من شبهه وإبانة له من شبهها) لعل المراد أنه ميز الأشياء عند خلقه لها في الأصول والمقادير والصور والأشكال والهيئات والصفات والأمزجة والأخلاق وغيرها إبانة لها من أن تشبهه تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، وإبانة له تعالى من أن يشبهها في شئ من ذلك، لظهور أن جميع ذلك من فيض الوجود الحق وجعل الجاعل المطلق فلو وقع بينهما تشابه في شئ منه لزم افتقاره تعالى إلى جعل جاعل وإفاضة مفيض، وساحة قدسه منزهة عن ذلك، والمراد أنه جعل للأشياء حدودا ونهايات أو ذاتيات هي محدودة ومعلومة بها ليعلم أنه تعالى لا يشبهها في ذلك لأنه لا يحد ولا يجري عليه صفات المصنوعات المحدودة بأحد الوجهين والله أعلم (لم يحلل فيها) أصلا لا على الجزئية ولا على الوصفية ولا على التمكن والتحيز (فيقال هو فيها كائن) (2) هذا بمنزلة قياس استثنائي تقريره إن حل فيها جاز أن يقال هو فيها كائن والتالي باطل فالمقدم مثله، أما بطلان التالي فلاستحالة افتقار الواجب إلى الغير وتعينه به وامتناع دخوله في معلوله وكونه جزءا منه (ولم ينأ) أي لم يبعد (عنها فيقال هو منها بائن) أي هاجر بعيد بتراخي مسافة لأنه


1 - قوله: " وحد الأشياء كلها عند خلقه " كل شئ سوى الله له ماهية، والله تعالى وجود صرف لاماهية له، وهذا هو الفارق بين الممكن والواجب كما قال الرئيس: كل ممكن زوج تركيبي له ماهية ووجود، وهذا عبارة أخرى عن كلام أمير المؤمنين ( " حد الأشياء كلها ". وقوله (عليه السلام) " ابانة لها من شبهه " يدل على أن عدم الحد والمهية له تعالى لعدم كونه شبيها ببعض الأشياء إذ لها حد. فإن قيل: كيف يكون الماهية حدا، قلنا: لانك إذا نظرت إلى شئ من الممكنات كالماء وجدته سيالا باردا بالطبع ولا يمكن أن يكون حارا بالطبع كالنار فهو محدود بخاصة متفرعة على طبيعته لا يتجاوزها وطبيعة المائية حدته أي منعته من ترتب آثار موجودات آخر عليه، بخلاف الوجود المطلق الذي يصدر عنه جميع الآثار والخواص ويقدر على جميع الأفعال فإنه غير محدود، ولو كان له ماهية كان محدودا. (ش) 2 - قوله: " فيقال هو فيها كائن " هذا متكرر في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو تعالى ليس حالا في الأشياء ولا خارجا عنها، فإن قيل: هذا يستلزم ارتفاع النقيضين إذ لو لم يكن حالا كان خارجا لا محالة ؟ قلنا: الدخول والخروج أوالحلول والبينونة بالمعنى المتبادر إلى الذهن خاص بالأجسام والجسمانيات وهو تعالى ليس جسما فهو خارج عن المقسم، ولا يستلزم قوله ارتفاع النقيضين والعلة المطلقة للوجود والبقاء لا يمكن أن يكون مبائنا عن المعلول بل المعلول لابد أن يكون متعلقا بها بوجه حتى يستلزم فرض عدم العلة عدم المعلوم ولو كان الممكن شيئا موجودا مستقلا بنفسه وعلته مستقلة مباينة عنه لم يعقل احتياج المعلول إليه في البقاء، ومن تعقل أصول صدر المتألهين في الوجود وتشكيكه وأن الممكنات وجودات تعلقية، ربطية، سهل عليه تصور كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأن كان لوحدة الوجود معنى صحيح هو ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المعنى. (ش) (*)

[ 136 ]

تعالى أقرب إلى كل شئ من نفسه ويحتمل أن يكون المراد بهاتين الفقرتين أنه لما كان الكون في المحل والنأي عنه والمباينة له أمورا إنما يقال على ما يصح حلوله فيه كان هو الله تعالى منزها عن الحلول وجب أن يمتنع عليه إطلاق هذه الأمور وإذ ليس هو بحال في الأشياء فليس هو بكائن فيها، وإذ ليس بكائن فيها فليس بناء عنها ولا مبائن لها (ولم يخل منها فيقال له أين) لما كان عدم خلوه من شئ من الأشياء سببا لعدم حصوله في أين ودليلا على عدم تحيزه، بحيز إذ الحاصل في أين والكائن في حيز قريب من بعض الأشياء وبعيد خال عن بعض آخر بالضرورة كان خلوه من الأشياء سببا لحصوله في أين وتحيزه بحيز، ودليلا عليه، لأن انتفاء السبب دليل على انتفاء المسبب فصح التفريع على المنفي وبعبارة أخصر هو مع كل شئ ولم يخل من شئ ما حتى يقال: أين هو (لكنه سبحانه أحاط بها علمه) إشارة إلى أن عدم خلوه من الأشياء عبارة عن إحاطة علمه بكلياتها وجزئياتها ومستقبلها وماضيها ونفوذه في كل مستتر وغايب بحيث لا يستره ساتر ولا يحجبه حاجب حتى أنه يعلم ما دق من عقائد القلوب وأسرار الصدور وشخوص لحظة وصدور لفظة وانبساط خطوة وحسيس نملة في ليل داج وغسق ساج (وأتقنها صنعه) (1) على وفق الحكمة في أكمل نظام وأفضل قوام وأحسن أحوال وأزين أشكال بحيث يتحير فيه فحول الحكماء وعقول العلماء، سبحانه أعطى كل شئ خلقه وأحكم به أمره (وأحصاها حفظه) نبه بذلك على إحاطة حفظه بجميع الأشياء تفصيلا وشمول علمه بها كما وكيفا وإحصائه لها عددا كما قال: * (لقد أحصاهم وعدهم عدا) *. وقال: * (وأحصى كل شئ عددا) * وفيه انجذاب للنفوس البشرية من مقتضيات الطبيعة الناسوتية إلى الطاعة والانقياد له والميل إليه والردع عن المشتهيات لظهور أن علم العصاة بأنه لا يشذ أحد منهم عن إحاطة علمه وإحصائه جذاب إلى تقواه وبالله التوفيق (لم يعزب عنه خفيات غيوب الهواء) وهو الفضاء ما بين الأرض والسماء. وإضافة الخفيات إلى الغيوب بيانية، وإضافة الغيوب إلى الهواء ظرفية بتقدير " في " والمراد بالخفيات: الذرات المبثوثة وغيرها، وجعل الإضافة الثانية من باب جرد قطيفة والإضافة الأولى ظرفية أي الخفيات التي في الهواء الغايب عن الأبصار يأباه جمع الغيوب على الظاهر وإن كان المعنى أحسن وأتقن. (ولا غوامض مكنون ظلم الدجى) الغوامض: جمع الغامض وهو خلاف الواضح، والدجى بضم


1 - قوله: و " أتقنها صنعه " كأنه (عليه السلام) ذكره دليلا على ثبوت علمه بكل شئ فإنا إذا رأينا الحكم والمصالح التي راعاها المبدئ الحكيم في كل عضو وتركيب من بدن الحيوان وغيره حكمنا بأن الفاعل عالم بما فعل وبما هو صالح أن يكون كل شئ عليه. وهذا لا يمكن إلا بالعلم بجميع الأمور من خواص المقادير وتركيب الطبايع والعناصر والمزاجات وغيرها. (ش) (*)

[ 137 ]

الدال والقصر جمع دجية بالضم والسكون، وهي: الظلمة عند جمهور أهل اللغة أو شيوع الظلمة وإلباسها كل شئ بحيث لا يصل إليه البصر ولا يدركه النظر، لا نفس الظلمة عند بعضهم، والإضافة الأولى بيانية أو بتقدير " في " والإضافة الثانية بتقدير " في "، والإضافة الثالثة بيانية يعني لم يعزب عنه الغوامض أي الخفيات والأسرار التي هي في الأمر المكنون المستور في الظلمة الشديدة المانعة لنفوذ شعاع البصر بالكلية وذلك لأنه - تعالى شأنه - يدرك بذاته المقدسة كل شئ بما هو عليه لا بالبصر (ولا ما في السماوات العلى) جمع العليا (إلى الأرضين السفلى) فلا يصرفه شخص عن شخص، ولا يلهيه صوت عن صوت ولا يحجزه شئ عن شئ ولا يمنعه أمر عن أمر، فيه تنزيه لعلمه تعالى عن أن يكون مثل علم المخلوقين إذ كانوا لإدراكهم بعض الأشياء الخفية وبعض الأجرام السماوية والأرضية إدراكا ناقصا محجوبين عن إدراك ما وراه، وأما علمه تعالى فهو المحيط بالكل على وجه الكمال بحيث لا يحجبه السواتر ولا يخفى عليه السرائر، وقد كرر (عليه السلام) بيان إحاطة علمه بجميع الأشياء دفعا للأحكام الفاسدة الوهمية، فإن بعض القاصرين توهموا أنه لا علم له (1) قبل الإيجاد وبعضهم توهموا أنه لا علم له بالجزئيات، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. (لكل شئ منها) أي من السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما (حافظ ورقيب الحافظ والرقيب المنتظر، فالعطف على الأول للتفسير، وعلى الثاني للجمع، والتقسيم أي: لكل شئ منها حافظ يحفظه على مقداره وشكله وصورته وغير ذلك مما يناسبه من حاله ويليق به من كماله، ورقيب ينتظر آثاره المطلوبة منه. ولعل فيه إشارة إلى الملائكة المدبرات للعلويات والسفليات، فمنهم الموكلون على السماوات يدبرون أمرها بأمر ربهم، ومنهم الموكلون على الأرضين، ومنهم الموكلون على الجبال، ومنهم الموكلون على السحاب، ومنهم الموكلون على الرياح، ومنهم الموكلون على المياه، ومنهم الموكلون على النبات، ومنهم أمناء لوحيه يحفظونه ويبلغونه إلى رسله،


1 - قوله: " توهموا أنه لا علم له " قد سبق نسبة ذلك إلى هشام بن الحكم وبينا وجه التأويل فيما ينسب إلى أعاظم القوم بأنه مبني على اصطلاح خاص بهم أرادوا به شيئا تبادر إلى أذهان غيرهم شئ آخر لعدم شهرة تلك المصطلحات وعدم تداولها بين الناس، وقلنا إن الجسم عنده بمعنى الشئ المستقل بنفسه استعار هذا اللفظ له لقربه من معنى الجسم في مقابل إعراضه، وكذلك نفى علمه بالأشياء قبل الإيجاد لعله أراد به طورا خاصا من العلم يتوقف على وجود المعلوم لا نفى العلم مطلقا وكذلك نفي علمه بالجزئيات عند بعضهم عدم إحساسه بالجوارح وتأثر القوى، فبصره علمه بالمبصرات وسمعه علمه بالمسموعات وهكذا، على ما قال المتكلمون. والحق ما ذكره الصدر من أن علم الأول سبحانه يجب أن يكون واحدا بسيطا لا كثرة فيه ومع وحدته وبساطته علم بكل شئ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهذه المسألة بعينها كمسألة الوجود وزان كل منها وزان الآخر. وقال أيضا: إن علمه بالاشياء قبل كونها هو بعينه علمه بها بعد كونها. (ش) (*)

[ 138 ]

ومنهم المترددون بقضائه وأمره مرة بعد أخرى، ومنهم الحفظة لعباده وأعمالهم، ومنهم الخزنة لأبواب جنانه ونيرانه إلى غير ذلك مما لا يعلم عدده وأمره إلا هو (1). (وكل شئ منها بشئ محيط) كما هو المعروف من نضد هذا العالم وتركيبه على وجه يحيط بعضه ببعض وهذا أغلبي لبطلان التسلسل ووجوب الانتهاء إلى محيط غير محاط بشئ، ويحتمل أن يراد بالمحيط الخواص والصفات وأن يراد به الحافظ والرقيب على أن يكون تأكيدا لما قبله (والمحيط بما أحاط منها الواحد الأحد الصمد) المحيط مبتدأ والواحد خبر يعني المحيط علما وحفظا بما أحاط من تلك الأشياء مع المحاط به هو الواحد الأحد الصمد وفي ذكر هذه الأوصاف إشعار بعلة هذا الحكم أعني كونه تعالى محيطا بالجميع لا غيره لأنه إذا كان هو موصوفا بالوحدة الحقيقية ونعت الصمدية لا غيره كان هو المحيط بالجميع دون غيره. (الذي لا تغيره صروف الأزمان) أي حوادثها ونوايبها، لما عرفت مرارا أنه تعالى ليس بزماني يدخل تحت صروف الزمان حتى تغيره ولامتناع لحوق التغير به، لأن التغير من لواحق الأمور المادية (2) وهو سبحانه منزه عن المادة ولواحقها. (ولا يتكأده صنع شئ كان إنما قال لما شاء: كن، فكان) تكأدني الشئ أو تكآدني أي شق علي على تفعل وتفاعل بمعنى لا يشق عليه ولا يعجزه صنع أي شئ كان، لأن ذلك إنما يعرض لذي القدرة الضعيفة الناقصة، وقدرته تعالى على غاية الكمال، منزهة عن الضعف والنقصان، وهو سبحانه إنما قال لما شاء كونه وأراد وجوده: كن، فيكون ذلك الشئ من غير مهلة وتراخي، والمراد بقوله للشئ " كن " حكمه وقضاؤه عليه بالوجود لا التلفظ بهذا اللفظ والنطق به.


1 - قوله: " مما لا يعلم عدده وأمره إلا هو " إن قيل: الملائكة عند الشارح هم العقول القادسة على ما يصرح بذلك فيما يأتي قريبا، والعقول عند الحكماء عشرة لا غير جعلهم كثيرة بما لا يحصى عددهم ؟ قلنا: وافقهم الشارح في الأصل لا في العدد، ولا دليل على حصر العقول في العشرة، والمشاؤون أيضا لم ينفوا وجود أكثر منها بل قالوا: نعلم وجود العشرة لحركات الأفلاك والعناصر ولا نعلم دليلا على وجود أكثر، وأما الاشراقيون فقد أثبتوا عقولا غير متناهية، وأما الشارح فتمسك بما ورد في الأحاديث من كثرتهم ولا مانع من الإلتزام به وإن كانوا هم العقول القادسة في اصطلاح الحكماء. (ش) 2 - قوله: " من لواحق الأمور المادية " كون التغير خاصا بالمادة ثابت واضح وبذلك أثبت المشاؤون وجود المادة للأجسام وقالوا: إن الجسم يتغير من حال إلى حال ولا بد أن يكون فيه شئ ثابت هو المادة وشئ يفنى ويتجدد غيره، وهو الصورة والحالات الطارية، وبيانه موكول إلى محله، ولو كان واجب الوجود أيضا متغيرا لزم إثبات شيئين فيه أحدهما ثابت مع تغير الحالات حتى يصدق عليه في الحالة الثانية أنه هو في الأول، وثانيهما متغير لا يبقى في الحالة الثانية حتى يصدق عليه أنه تغير، فثبت التركب فيه. (ش) (*)

[ 139 ]

(ابتدع ما خلق بلا مثال سبق) (1) يعني أنه اخترع الأشياء على ما لها من المقادير والأشكال والنهايات والآجال والصفات والكمال على وفق الحكمة بلا مثال امتثله ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله (ولا تعب ولا نصب) التعب والنصب الكلال والأعياء، فالعطف للتفسير والتأكيد، وحمل أحدهما على كلال القوة الآلية والآخر على كلال القوة المدركة النفسية ممكن، ولما كان شأن من فعل فعلا من سائر الفاعلين لا يخلو عن تعب وكلفة ومشقة نزه فعله تعالى عما يلزم غيره من الأمور المذكورة لأنها من توابع الانفعالات العارضة للآلات النفسانية والقوى الجسمانية وقدسه تعالى منزه عنها. (وكل صانع شئ فمن شئ صنع، والله لا من شئ صنع ما خلق) إشارة إلى الفرق بين الصنايع البشرية وصنع الله تعالى بأن صنعه تعالى على سبيل الابداع والاختراع (2) دون الصنايع البشرية، وذلك لأن الصنايع البشرية إنما تحصل بعد أن ترسم في الخيال صورة المصنوع وتصور وضعه وكيفيته أولا وتلك الصور والتصورات تارة تحصل عن أمثلة للمصنوع وتصور مقادير وكيفيات خارجية له يشاهدها الصانع ويحذو حذوها، وتارة تحصل بمحض الإلهام كما يفاض على ذهن بعض من الأذكياء صورة شكل لم يسبق إلى تصوره فيتصوره ويبرز صورته في الخارج وليس شئ من هذين الفعلين اختراعا، أما الأول فظاهر، وأما الثاني مع أن الفاعل يسمى مخترعا في العرف فلأن التحقيق يشهد بأنه إنما فعل على وفق ما وجد في ذهنه من الشكل والهيئة والمقدار الفائضة من مفيض الحق فيكون في الحقيقة فاعلا عن مثال سبق من الغير فلا يكون مخترعا، وكيفية صنع الله تعالى للعالم وجزئياته منزهة عن الوقوع على أحد هذين الوجهين، أما الأول فلأن الله تعالى (3) كان ولم يكن معه شئ فلم يكن في مرتبة وجوده مثال ومقدار ولا ممثل ومقدر حتى يعمل هو جل شأنه


1 - قوله: " ابتدع ما خلق بلا مثال سبق " قد يكون المخلوق من شأنه أن لا يكون له مثال سابق أو غير سابق كالمجردات المحضة وقد يكون من شأنه أن يكون له مثال كالا فلاك والابتداع يشمل كليهما بل يشمل الكائنات إذا نسبت إليه تعالى. (ش) 2 - قوله: " على سبيل الابداع والاختراع " جعل الشارع الابداع والاختراع بمعنى واحد ولعله في العرف كذلك إذ لا يفرقون بينهما وخص بعضهم كلمة الابداع بما لا يكون مسبوقا بمادة ولا مدة والأختراع بما لا يكون مسبوقا بمدة وان كان مسبوقا بمادة، فالعقول عندهم مبدعة والافلاك مخترعة والمسبوق بالمادة والمدة جميعا كائن كالنفوس والمواليد ولا مشاحة في الاصطلاح. (ش) 3 - قوله: " أما الاول فلان الله تعالى " يعنى كل مثال ومقدار يفرض فهو متأخر عن وجوده تعالى ذاتا لانه ممكن والممكن مخلوقه، فان احتمل أنه تعالى خلق شيئا على وفق مثال نذلك المثال أيضا مخلوقه. (ش) (*)

[ 140 ]

بمثله ويحذو حذوه وأما الثاني فلاستحالة حصول الصور والمقادير في ذاته تعالى (1) ولامتناع استفاضتها من الغير، فكان صنعه لا كصنع الغير وكان فاعلا من غير مثال على أحد الوجهين، فإذن صنعه محض الإبداع وفعله مجرد الاختراع على أبعد ما يكون عن حذو مثال، بخلاف صنع المخلوقين تبارك الله رب العالمين، وإنما كرر (عليه السلام) إبداعه واختراعه تعالى للتأكيد والمبالغة في نفي الافتقار والعجز والحدوث عنه تعالى وفي نفي القدم عن العالم. (وكل عالم فمن بعد جهل تعلم) أما الإنسان فظاهر لأنه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم، وإنما خلقت له هذه الآلات البدنية ليتصفح بها صور المحسوسات ومعانيها ويتنبه لمشاركات بينها ومباينات فتحصل له التجربة وسائر العلوم الضرورية والمكتسبة من المبدأ الفياض بلا واسطة معين ومرشد أو بواسطة، وعلى التقديرين فهو من بعد جهل تعلم من الغير، وأما العقول القادسة (2) فلأنهم


1 - قوله: " والمقادير في ذاته تعالى " وحصول الصورة والمقدار حادث لابد له من علة لاستحالة ترجح أحد طرفي الوجود والعدم للممكن من غير مرجح ثم حصولهما في ذاته تعالى محال لوجهين: الأول: أن محل المقدار لا بد أن يكون جسما ذا طول وعرض ويستحيل حلوله في المجرد، والثاني أن وجود هذه الصور والمقادير في ذاته تعالى إن كانت علته ذات الواجب ثبت خلق هذه الصور بلا مثال سبق وإن كانت تعالى فهو محال إذ ليس غيره إلا ممكنا مخلوقا له. (ش) 2 - قوله: " وأما العقول القادسة " العالم في الممكنات إما إنسان ومثله، أو ملك، وعلوم هؤلاء بعد الجهل فعلم ما سوى الواجب بعد الجهل، أما الإنسان وأمثاله فواضح، وأما العقول القادسة وهم الملائكة فإنهم وإن لم يكن علمهم متأخرا عن الجهل بالتأخر الزماني لكن كان متأخرا بالتأخر الذاتي لأنهم في مرتبة ذاتهم غير عالمين لكون علومهم زائدة على ذاتهم وإنما أخذوا علومهم من الفياض على الإطلاق، ويمكن أن يكون بعض من خلق من البشر عالما من غير سبق جهل زمانا نظير العقول ونقول في تأخر علمهم ما قلنا في العقول وقد أجبنا بذلك عن سؤال ورد علينا في علم النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) مضمونه أنكم تقولون إنهم (عليهم السلام) كانوا عالمين بكل شئ منذ بدء وجودهم وقد قال الله تعالى خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله): * (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك) * وقال تعالى: * (ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان) *. فقلت في الجواب: لا يدعي أحد من الشيعة الإمامية أن النبي والأئمة (عليهم السلام) كانوا مستغنين عن الله تعالى بلى الخلق فقط، علمهم بتعليم الله تعالى إياهم ولم يكن علمهم عين ذاتهم فإن هذه خاصة لواجب الوجود ولا ينافى ذلك كونهم عالمين منذ بدء خلقتهم من الله تعالى ولو لم يكن تعليمه إياهم لم يكونوا عالمين بذاتهم كما أن وجودهم من الله تعالى ولولا إيجاده لم يكونوا موجودين بذاتهم فعدم علمهم مقدم على علمهم، لأن عدم علمهم ذاتي وعلمهم مقتبس من العلة، وما بالذات مقدم على ما بالغير والآيتان لا تدلان على مضي زمان عليه (صلى الله عليه وآله) وهو جاهل إلا إن ادعى مدع اختصاص التقدم والتأخر عرفا ولغة بالزمانيين وليس كذلك بل يطلقان على الذاتيين أيضا إذ لا يختلف أهل العربية في أن الفاء وثم تدلان على الترتب ومع ذلك يصح في اللغة أن يقال: تحركت اليد فتحرك المفتاح دون العكس مع كون الحركتين معا زمانا وتأخر حركة المفتاح عن حركة اليد ليس بالزمان بل بالذات، فثبت أن أهل العرف واللغة يعرفون معنى التأخر الذاتي ويستعملونه في كلامهم ولا يجب حمل جميع ما ورد في الكتاب والسنة من الترتب والتأخر على الزماني ولا يصح دعوى من يدعي اختصاص التأخر الذاتي بأصحاب العلوم النظرية وأنه شئ لا يعرفه أهل اللغة والعرف فقوله تعالى: * (ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان) * أي ما كنت تعرفها بنفسك بل هو شئ عرفته بتعليم الله تعالى إياك منذ أول خلقتك. (ش) (*)

[ 141 ]

في مرتبة ذواتهم لكون علومهم زائدة عليها جاهلون متعلمون من الفياض على الإطلاق، وبالجملة كل عالم سواه متعلم (والله لم يجهل ولم يتعلم) من الغير، لأن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل إنما هو لذاته المقدسة عن شوائب النقص والافتقار فهو العالم المطلق الذي لا يحتاج في علمه إلى غيره بوجه من الوجوه (أحاط بالأشياء) كما هي من حقائقها ولوازمها وعوارضها وخواصها وآثارها وأقدارها وجوانبها وأقطارها وغاياتها (علما قبل كونها) أي قبل وجودها من كتم العدم (فلم يزدد بكونها علما)، لأن ذاته بذاته مناط لظهور الأشياء وانكشافها عند ذاته وعلم أزلي بجميعها من كل وجه فلا يتصور في علمه الزيادة والنقصان. (علمه بها قبل أن يكونها كعلمه) بها (بعد تكوينها) ليس المقصود ما يستفاد من ظاهر التشبيه وهو تحقق المغايرة بين العلمين من وجه، وتحقق المشاركة من وجه آخر، بل المقصود أن علمه بالأشياء في الصورتين واحد لا تفاوت فيه بوجه ما، وهذا تأكيد للسابق وتقرير لمضمونه. (لم يكونها لتشديد سلطان) لأنه إنما يحتاج إلى الناصر والمعين ذو النقصان العاجز عن التصرف في ملكه وإجراء حكمه عليه، ولما كان - تعالى شأنه - هو الغني المطلق عن كل شئ وكان كل ما عداه مقهورا تحت قدرته القاهرة بالإيجاد والإبقاء والإفناء لم يحتج في سلطانه إلى أحد من خلقه. (ولا خوف من زوال ولا نقصان)، لأن ذلك الخوف من توابع الانفعالات ولواحق الممكنات القابلة في حد الذات للزوال والنقصان، ولما ثبت تنزهه تعالى عن ذلك لم يتصور أن يكون الغرض من إيجاده رفع ذلك الخوف عن نفسه (ولا استعانة على ضد مناو) أي معاد، من " ناوأه " مهموز اللام: إذا عاداه، قال الجوهري: ناوأت الرجل مناوءة ونواء عاديته يقال: إذا ناوأت الرجال فاصبر. وربما لهم يهمز وأصله الهمز. وفي بعض النسخ على ضد مثاور بالثاء المثلثة بعد الميم والراء المهملة بعد الواو أي مواثب من ثار به الناس إذا وثبوا عليه (ولا ند مكاثر) أي متعرض للغلبة عليه، يقال: كاثرناهم فكثرناهم أي غلبناهم بالكثرة، والضد والند في اللغة بمعنى المثل والنظير، ولا يبعد أن يراد هنا بالأول أعم من المساوي والأدون بقرينة ذكر المعادة معه إذ المعاداة قد تكون من الأدون وبالثاني أعم من المساوي والأعلى بقرينة ذكر الغلبة معه إذ الغلبة تكون من الأعلى غالبا (ولا شريك مكابر) يطلب الكبر والعظمة عليه وكل ذلك لانتفاء مبدأ الاستعانة وهو العجز فيه، لأن العجز من تناهي القوة والقدرة وقدس الحق منزه عنه أيضا لا ضد ولا ند ولا شريك له حتى يحتاج في دفعهم إلى الاستعانة بغيره من مخلوقاته، وفيه تنزيه له تعالى عن صفات المخلوقين وخواص المحدثين. ولما نفى أن يكون الغرض من الإيجاد ما ذكر، أشار إلى ما هو الغرض منه بقوله: (لكن خلايق مربوبون وعباد داخرون) الدخور: الصغار والذل، يعني: لكنهم خلايق مربوبون لهم رب قاهر وعباد

[ 142 ]

ذليلون لهم معبود غالب. والحاصل أنه خلقهم ورباهم من حد النقص إلى حد الكمال لإظهار ربوبيته وإعلان قدرته وطلب منهم العبادة وحثهم على طاعته فقال: * (يا عباد فاتقون) * فيجب على الكل أن يرتبط بربقة الذلة والمسكنة والحاجة إليه، وينادي بلسان الحال والمقال بالثناء المطلق عليه، وفيه جذب للخلق بذكر جذب المربوبية والعبودية والدخور إلى ما خلقوا لأجله كما قال سبحانه: * (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) *. (فسبحان الذي لا يؤوده خلق ما ابتدأ ولا تدبير ما برأ) كما قال سبحانه: * (أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن) * وذلك لأن إيجاده وتدبيره ليس بتحريك آلة جسمانية ولا استعمال روية نفسانية حتى يعرض له الثقل والكلال، إنما هو بمجرد العلم بالمصلحة (1) ومحض تعلق الإرادة والمشية وتدبيره يعود إلى تصريفه جميع الذوات والصفات وغيرها مما يناسب كل شئ ويليق به دائما تصريفا كليا وجزئيا على وفق حكمته وعنايته وإنما قال: ما ابتدأ ليكون سلب الثقل والأعياء عنه أبلغ، إذ ما ابتدئ من الأفعال يكون المشقة فيه أتم كما يرشد إليه قوله تعالى: * (أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى بلى إنه على كل شئ قدير) *. (ولا من عجز ولا من فترة بما خلق اكتفى) " من " علة ل‍ " اكتفى "، وبما خلق متعلق بمدخولها أو ب‍ " اكتفى "، والعجز والفترة متقاربان في المفهوم ولا يبعد أن يكون أحدهما لضعف القوة الفاعلية والآخر لضعف القوة الآلية أو يكون أحدهما لضعفهما والآخر لضعف العلم وقصوره عن تصور ما يريد العالم فعله، والحاصل أنه ليس الاقتصار على ما خلقه لعجزه عن الزائد وفتوره بسبب ما خلقه عن خلق ما سواه، لأن العجز والفتور من جهة تناهي القوة الجسمية وانفعالها وتأثرها مما يمانعها في التأثير، وهو منزه عن جميع ذلك (علم ما خلق وخلق ما علم) يعني علم في الأزل ما خلقه وخلق ما علمه في الأزل، والحاصل أن الأكتفاء بما خلق ليس لأجل العجز والفتور بل لأجل المصلحة واقتضاء الحكمة إذ كل ما قدره في الوجود من الممكنات فهو على طبق مصلحته ووفق حكمته بحيث لو زاد


1 - قوله: " بمجرد العلم بالمصلحة " وهو معنى الإرادة بالنسبة إلى الله تعالى فإن قيل: هذا يستلزم أن يكون الواجب تعالى موجبا مضطرا لأنه إذا صدر الفعل عنه بمجرد علمه بالمصلحة كان نظير السقوط لمن هو على جذع بمجرد توهم السقوط وسيلان لعاب الفم بمجرد تصور الحموضة. قلنا: الغرض أن إرادته تعالى ليس باضطراب نفس واستعمال روية وليس فعله تعالى نظير المثالين بل فعله باختياره وإن لم يتوقف على ترديد سابق أو حصول عزم جديد بل أراد من الأزل ما أراد من غير لبث وتأمل وهمامة نفس وفكر وأمثال ذلك، ولا نوافق من يقول العلة التامة لا يكون مختارا في فعله والقديم الزماني لا يكون فعلا للقادر المختار. (ش) (*)

[ 143 ]

على ذلك المقدار لاختل نظام الكل بل نظام كل واحد، فالاكتفاء بما خلق لوقوعه على وجه الحكمة والنظام الأتم الأكمل الذي ليس في الإمكان أن يكون على أتم منه وأحسن، ومن اعتبر القابلية والاستعداد في الإيجاد وإفاضة الوجود فهو يقول: الاكتفاء بما خلق دون الزايد عليه إنما هو لنقص في القابل لا لقصور في الفاعل لأنه مفيض الخير والجود والوجود من غير بخل ولا منع ولا تعويق على كل قابل بقدر ما يقبله ويستعد له، فكل ما أوجده أوجده لكونه قابلا مستعدا له. وكل ما لم يوجد لم يوجده لعدم كونه قابلا مستعدا له صالحا لإفاضة الوجود عليه. (لا بالتفكير في علم حادث أصاب ما خلق) يعني خلق ما علم في الأزل وجه صلاحه لا بالروية والتفكر في تحصيل علم حادث أصاب جل شأنه بذلك العلم الحادث ما خلق وعلم وجه الصواب في خلقه لاستحالة أن يكون له علم حادث وإلا لكان جاهلا قبل حدوثه وإنه باطل، ولأن التفكر من لواحق النفوس البشرية بآلة بدنية وقد تنزه قدسه تعالى عن ذلك. (ولا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق) وصار ذلك منشأ لعدم خلقه إياه بل عدم خلقه لعلمه بأنه لا مصلحة في وجوده. وفيه إشارة إلى كمال علمه وامتناع طريان الشبهة عليه. وسر ذلك أن الشبهة إنما تعرض العقل في الأمور المعقولة الصرفة الغير الضرورية، وذلك لأن الوهم لا يصدق حكمه إلا في المحسوسات (1) وأما الأمور المعقولة فحكمه فيها كاذب فالعقل حال استفصاله وجه الحق فيها يكون معارضا بالأحكام الوهمية، فإذا كان المطلوب غامضا فربما كان في الأحكام الوهمية ما يشبه بعض أسباب المطلوب فيتصوره النفس بصورة الحق ويعتقده مبدأ للمطلوب فينتج الباطل في صورة المطلوب وليس به، ولما كان - تعالى شأنه - منزها عن القوة البدنية والأحكام الوهمية وكان


1 - قوله: " إلا في المحسوسات " قال صدر المتألهين (قدس سره) لأنه - أي الوهم - لا يصدق حكم العقل إلا في المحسوسات لا في المعقولات فيعارضه ويدخل الشبهة عليه في المعقولات المحضة ولا يصدقه، فالعقل حال استفصاله وجه الحق فيها يكون معارضا بالأحكام الوهمية، فإذا كان المطلوب غامضا فربما كان في الأحكام الوهمية ما يشبه بعض أسباب المطلوب فيتصور النفس بصورته ويعتقد لما ليس بمبدأ فينتج الباطل في صورة المطلوب وليس به، ولما كان الباري جل مجده منزها عن صحبة القوى المتعلقة بالأبدان التي رئيسها الوهم وكان علمه لذاته، لم يجز أن يعرض لقضائه ولا لقدره وصمة شبهة أو يدخل عليه عيب شك وريب لكونهما من عوارض المعقول المقترنة بها، انتهى. ولا تتوهمن أن اقتباس المعنى ونقل عبارة الصدر عيب على الشارح وغيره من الشراح أو طعن فيهم وإن لم ينسبوا إليه، إذ من المعلوم أن المؤلف مطلقا يحتاج إلى ذكر ما سبقه إليه غيره في كتابه لتأييد أو رد أو توضيح فيكتفي بنقل عبارته من غير تغيير، وإنما العيب أن يذكر شيئا بديعا لغيره وينسبه إلى نفسه صريحا، ولم يصرح الشارح هنا بأن ما ذكره هنا من مستنبطات خاطره، ونقل كلام صدر المتألهين يدل على كثرة ممارسته لشرحه وفهمه غوامض تحقيقاته وأسرار أفكاره واختياره منه ما يناسب كتابه، وهذا من أعلى مدارج الكمال لا يوفق له إلا الأوحدي من الناس والاستخبار من الخبير كالاغتراف من البحر ليس دون شأن المرتاد. (ش) (*)

[ 144 ]

علمه الكامل الأزلي الفعلي من كل وجه لذاته المقدسة، لم يجز أن تعرض له شبهة أو يدخل عليه شك لكونهما من عوارضها. (لكن قضاء مبرم) أي بل إيجاد ما أوجده بدون الزيادة ودخول الشبهة عليه قضاء محكم وحكم موثق لا يحتمل الزيادة والنقصان (وعلم محكم) أي برئ من فساد الشبهة والشك والغلط، وهو إشارة إلى قدره الذي هو العلم الأزلي بوجود الكائنات على مقاديرها ومنافعها وخواصها وآثارها على ما هي عليه في نفس الأمر، وهذا كالأساس لبناء القضاء أعني خلق الأشياء وإيجادها في الأعيان، فالقضاء تابع للقدر كما أن بناء الباني بيتا تابع لتقديره أولا ذلك البيت ووضعه وهيئته ومقداره في نفسه، إلا أن الباني لقصور علمه قد يسنح له في أثناء البناء تغيير بعض ما قدره أولا، والصانع الحق لكمال علمه يوجد ما قدره أزلا من غير تغيير وتبديل وزيادة ونقصان. (وأمر متقن) أي محكم لا يرد، لكونه واقعا على وفق الحكمة والمصلحة. (توحد بالربوبية) أي تفرد بالربوبية المطلقة والتدبير في نظام العالم لا يشاركه أحد، إذ كل رب ومالك سواه فإنما تثبت له هذه الصفة بالإضافة إلى بعض الأشياء وهو مربوب مملوك له تعالى شأنه. (وخص نفسه بالوحدانية) إذ الوحدانية المطلقة إنما هي له وحده، وكل ما سواه ولو كان بسيطا فهو زوج تركيبي ومركب حقيقي إذ له ذات وإنية، وصفات وأينية، وسمات وكيفية، فهو متكثر من جهات متعددة. (واستخلص بالمجد والثناء) المجد: الكرم، والمجد أيضا: الشرف، والثناء: المدح والتعظيم وذكر الخير وأسبابه. إذا عرفت هذا فنقول: له المجد على الإطلاق وله الثناء بالاستحقاق، لا يشاركه فيهما موافق رشيد، ولا ينازعه فيهما مخالف عنيد، أما الأول فلأن وجوده أشرف الوجودات وأفضلها وذاته أشرف الذوات وأكملها، وموائد كرمه مبسوطة على ساحة الإمكان، وعوائد نعمه منشورة على أهل المنع والإحسان، وليست هذه الكرامة لأحد سواه ولا يدعي هذه الشرافة أحد عداه، وأما الثاني فلأن الثناء إما بإزاء شرف الذات والصفات والوجود أو في مقابل المن والإعطاء والجود، وقد عرفت أن شيئا من ذلك لا يوجد في غيره جل شأنه ولا يتحقق لأحد سواه عظم برهانه. وكل من عداه وإن كان شريفا فهو ذليل وإن كان كريما فهو بخيل، وكل من سواه إن استحق الثناء في الجملة فلأن الله تعالى أولاه، ومن المعلوم أن العبد وما في يده لمولاه. (وتفرد بالتوحيد والمجد والسناء) السناء بالقصر: الضوء، وبالمد: الرفعة، والسني: الرفيع، والأخير هو المراد هنا على الأظهر، أما تفرده بالتوحيد والمراد به التوحيد المطلق أعني التوحيد في عين الذات لانتفاء التركيب والأجزاء، والتوحيد في مرتبة الذات لانتفاء زيادة الوجود، والتوحيد بعد

[ 145 ]

مرتبة الذات لانتفاء زيادة الصفات فظاهر، لأن غيره إما مركب أو بسيط، فإن كان مركبا انتفى عنه التوحيد بجميع أقسامه إذ له أجزاء ووجود وصفات زائدة عليه فهو متكثر من جميع الجهات، وإن كان بسيطا انتفى عنه التوحيد بالمعنيين الأخيرين. وأما تفرده بالمجد فقد عرفت وجهه ولا يبعد أن يراد بالمجد هنا الشرف والعز وفي السابق الكرم بقرينة ذكر الثناء معه، لأن الظاهر من الثناء أن يكون مقرونا بالكرم والإعطاء، وأما تفرده بالسناء أعني الرفعة والعلو على الإطلاق فلكونه أرفع وأعلى من غيره عموما بالرتبة والعلية إذ مصير جميع الخلائق في سلسلة الحاجة بذاوتهم ووجوداتهم وكمالاتهم إليه. (وتوحد بالتحميد) أي بتحميده لنفسه كما هو أهله ولا يشاركه في تحميده كما هو حقه أحد حتى الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) كما يرشد إليه قوله (صلى الله عليه وآله) " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " أو بتحميد غيره له يعني لا يستحق أحد بتحميد الخلائق له هو، إلا هو. وأما تحميد غيره لنعمة أو كمال فيه فإنما هو تحميد له - تعالى شأنه - في الحقيقة كما بين في موضعه. (وتمجد بالتمجيد) تمجيده يعني نسبته إلى المجد، يحتمل الأمرين مثل السابق (وعلا عن اتخاذ الأبناء) لأنه يمتنع لحوق مرتبته بمراتب الأجسام التي هي في معرض الزوال، ولأن مفهوم الابن هو الذي يتولد وينفصل عن آخر مثله في نوعه، وقدسه تعالى منزه عن المشابهة والمماثلة. (وتطهر وتقدس عن ملامسة النساء) لأنه يمتنع عليه الملامسة ولوازمها من الجسمية والشهوة والتركيب وطهارته تعود إلى تنزهه عن المواد وعلايقها من الملامسة والمماسة وغيرها. (وعزوجل عن مجاورة الشركاء) المجاورة بالجيم على ما رأيناه من النسخ أو بالحاء على احتمال، ووجه ذلك أنه لو كان له شريك كان هو ناقصا في ذاته لافتقاره إلى ما به الامتياز، وفي فعله لعدم اقتداره على التصرف في ملكه إلا بإذن الشريك، والنقص عليه محال. وأيضا: لو كان له شريك يحاوره ويكالمه في خلقه ويستعين به في كيفية الإيجاد وحفظ نظام الموجودات حتى يكون إيجاده وحفظه أقرب إلى الصواب لكان محتاجا إلى معين وظهير، والحاجة يستلزم الإمكان المنزه قدس الواجب بالذات عنه. (فليس له فيما خلق ضد) (1) يضاده في إمضاء إرادته ويمنعه من إجراء قدرته أو يرده عن الخطأ إلى الصواب ويهديه إلى الرأي الصحيح في كل باب لبراءة ذاته وقدرته وعلمه عن النقصان التابع


1 - قوله: " فيما خلق ضد " المخلوق وجوده مأخوذ من الخالق ومحتاج إليه حدوثا وبقاء، والضد لا يمكن أن يكون وجوده مأخوذا من ضده وإلا لكان الشئ مضادا لنفسه. (ش) (*)

[ 146 ]

للإمكان (ولا له فيما ملك ند) (1) أي مثل ونظير في ذاته وصفاته ويفعل مثل فعله (ولم يشركه في ملكه أحد) لتقدسه عن المشاركة وتنزهه عن صفات المخلوقين (الواحد الأحد الصمد المبيد للأبد) أي المهلك المفني للدهر والزمان والزمانيات (والوارث للأمد) أي للغاية ومنتهى المدة المضروبة للزمانيات، فالأبد والأمد والابتداء والانتهاء وجميع آثاره في عالم الأمر والخلق بأسرها تنتهي إليه انتهاء في أوليتها بالإيجاد وفي آخريتها بالإفناء، وهو أول كل شئ وآخره، ووارث كل شئ ومالكه وهو المستحق للأزلية والأبدية والبقاء وكل ما سواه مستحق للحدوث والعدم والفناء، وفيه رد على الدهرية وعلى من اعتقد قدم الزمان. وبالجملة كما أنه مبدأ الزمان والخلق فهو مرجعهما أيضا، ولما كان ذلك إشارة إلى أنه دائم متوحد موجود أزلا وأبدا، عقبه بقوله: (الذي لم يزل ولا يزال وحدانيا) أي منسوبا إلى الوحدة المطلقة للمبالغة في وحدته (أزليا) أي منسوبا إلى الأزل حيث لم يكن لوجوده أول (قبل بدء الدهور وبعد صروف الأمور) البدء بفتح الباء وسكون الدال والهمزة أخيرا مصدر " بدأت الشئ ": فعلته ابتداء، والدهر: الزمان، وجمعه باعتبار أجزائه التي كل واحد منها زمان، والمراد بصروف الأمور إما إيجادها، لأن فيه صرفا لها من العدم إلى الوجود أو أعدامها، لأن فيه صرفا لها من الوجود إلى العدم، ولفظة قيل ظرف لقوله " لم يزل ولا يزال " أي لم يزل قبل بدء الدهور، ولا يزال بعد صروف الأمور أو لقوله " وحدانيا " أي هو واحد لا يشاركه أحد في ذاته ووجوده وصفاته وأفعاله وتدبيره قبل بدء الدهور وبعد صروف الأمور، ولما أشار بهذا إلى أنه باق أبدا أشار إلى سلب ما ينافي بقاءه للتأكيد والتقرير بقوله: (الذي لا يبيد ولا ينفد) أي لا يهلك ولا ينفد وجوده، لأن الهلاك والنفاد من صفات الممكن الذي هو في مرتبة ذاته باعتبار اتصافه بوصف الإمكان موصوف بالعدم والبطلان، والحق الثابت بالذات برئ عن الاتصاف بأمثال هذه الصفات. (بذلك أصف ربي) أي بما ذكرته من الثناء والتوحيد والتنزيه أصف ربي لا بما ذكره الواصفون المشبهون له بخلقة. ولما ظهر مما ذكر أنه المستحق للصفات الإلهية والمستجمع لها بحيث لا يوجد شئ منها في غيره أشار إلى التصريح بتفرده بها وتوحده بمقتضاها بقوله: (فلا إله إله الله) ثم وصفه بالعظمة والجلال، والغلبة على الإطلاق على سبيل التعجب بقوله: (من عظيم ما أعظمه، ومن جليل ما أجله، ومن عزيز ما أعزه) للتنبيه على أن أحدا لا يقدر على معرفة حقيقة هذه الصفات وجلالة قدرها، ولإشعار بأنه وجب الانقياد له والإيمان به والطاعة له، ولفظة " من " بيان وتفسير لقوله


1 - قوله: " في ما مالك ند " لأن المخلوق لا يمكن أن يكون نظيرا ومثلا لخالقه وفي رتبته. (ش) (*)

[ 147 ]

" الله " وترجمة عنه. (وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا) تنزيه لجناب الحق عما ينشب إليه المبتدعة من التشبه والتجسم والتصور بصورة وغير ذلك من الأقاويل الكاذبة وهؤلاء متشاركون في إنكار الصانع مثل الملاحدة وإن لم يصرحوا بإنكاره، لأن الثابت بزعمهم ليس بصانع، والصانع الحق ليس بثابت عندهم. * الأصل: وهذه الخطبة من مشهورات خطبه (عليه السلام) حتى لقد ابتذلها العامة وهي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبرها وفهم ما فهم، فلو اجتمع ألسنة الجن والانس ليس فيها لسان نبي على أن يبينوا التوحيد بمثل ما أتى به - بأبي وأمي - ما قدروا عليه، ولو لا إبانته (عليه السلام) ما علم الناس كيف يسلكون سبيل التوحيد. ألا ترون إلى قوله: " لا من شئ كان ولا من شئ خلق ما كان " فنفى بقوله: " لا من شئ كان " معنى الحدوث وكيف أوقع على ما أحدثه صفة الخلق والاختراع بلا أصل ولا مثال، نفيا لقول من قال: إن الأشياء كلها محدثة بعضها من بعض وإبطالا لقول الثنوية الذين زعموا أنه لا يحدث شيئا إلا من أصل ولا يدبر إلا باحتذاء مثال، فدفع (عليه السلام) بقوله: " لا من شئ خلق ما كان " جميع حجج الثنوية وشبههم،، لأن أكثر ما يعتمد الثنوية في حدوث العالم أن يقولوا: لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شئ أو من لا شئ، فقولهم " من شئ " خطأ، وقولهم: " من لا شئ " مناقضة وإحالة، لأن " من " توجب شيئا " ولا شئ " تنفيه، فأخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه اللفظة على أبلغ الالفاظ وأصحها فقال: " لا من شئ خلق ما كان " فنفى " من " إذ كانت توجب شيئا، ونفى الشئ إذ كان كل شئ مخلوقا محدثا، لا من أصل أحدثه الخالق، كما قالت الثنوية: إنه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلا باحتذاء مثال. ثم قوله (عليه السلام): ليست له صفة تنال ولا حد تضرب له فيه إلا مثال، كل دون صفاته تحبير اللغات فنفى (عليه السلام) أقاويل المشبهة حين شبهوه بالسبيكة والبلورة وغير ذلك من أقاويلهم من الطول والاستواء وقولهم: " متى ما لم تعقد القلوب منه على كيفية ولم ترجع إلى إثبات هيئة لم تعقل شيئا فلم نثبت صانعا " ففسر أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه واحد بلا كيفية وأن القلوب تعرفه بلا تصوير ولا إحاطة. ثم قوله (عليه السلام): الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن وتعالى الذي ليس له وقت معدود ولا أجل ممدود ولا نعت محدود ثم قوله (عليه السلام): لم يحلل - في الأشياء فيقال هو فيها كائن ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن فنفى (عليه السلام) بهاتين الكلمتين صفة الأعراض والأجسام لأن من صفة الأجسام التباعد والمباينة، ومن صفة الأعراض الكون في الأجسام بالحلول على غير مماسة ومباينة الأجسام

[ 148 ]

على تراخي المسافة. ثم قال (عليه السلام): لكن أحاط بها علمه وأتقنها صنعه أي هو في الأشياء بالإحاطة والتدبير وعلى غير ملامسة. * الشرح: (وهذه الخطبة من مشهورات خطبه (عليه السلام) حتى لقد ابتذلها العامة) أي عظموها وأشهروها فيما بينهم حتى اشتهرت وصارت مبتذلة، غير متروكة. (وهي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبرها وفهم ما فيها) لاشتمالها على ما لا مزيد عليه من أمر التوحيد المطلق والتنزيه المحقق وتضمنها على إشارات لطيفة واعتبارات صحيحة من الصفات الكمالية والصفات الإضافية والسلبية. (فلو اجتمع ألسنة الجن والإنس) (1) وتعاضدت قلوبهم واستظهر بعضهم من بعض (ليس فيها


1 - قوله: " فلو اجتمعت ألسنة الجن والانس " قال صاحب المواقف - هو من مشاهير متكلمي أهل السنة وكتابه أشهر كتب الكلام: علي أعلم الصحابة لأنه كان في غاية الذكاء والحرص على التعلم، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعلم الناس وأحرصهم على إرشاده، وكان في صغره في حجره وفي كبره ختنا له يدخل عليه كل وقت، وذلك يقتضي بلوغه في العلم كل مبلغ - إلى أن قال - إن عليا ذكر في خطبه من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر ما لم يقع مثله في كلام الصحابة ولأن جميع الفرق ينتسبون إليه في الأصول والفروع وكذا المتصوفة في علم تصفية الباطن، وابن عباس رئيس المفسرين تلميذه، وكان في الفقه والفصاحة في الدرجة القصوى، وعلم النحو إنما ظهر منه وهو الذي أمر أبا الاسود الدؤلي بتدوينه. وقال أستاد الحكماء المتألهين صدر الدين الشيرازي (قدس سره): وشاهد ذلك أما جملة فقول النبي (صلى الله عليه وآله): " أنا مدينة العلم وعلى بابها " ولاشك أن المقصود أنه (عليه السلام) هو المنبع الذي يفيض عنه العلوم القرآنية والأسرار الحكمية التي اشتمل الحكيم والسنة الكريمة - إلى أن قال -: فالمشهور على ألسنة الجمهور وفي الكتب مسطور أن جميع فرق الإسلام انتهوا في علومهم إليه. أما المتكلمون فمعظمهم المعتزلة وانتسابهم إليه ظاهر فإن أكثر أصولهم مأخوذة من ظواهر كلامه في التوحيد والعدل وأيضا فإنهم ينتسبون إلى مشايخهم كالحسن البصري وواصل بن عطاء وكانوا منتسبين إلى على (عليه السلام) ومتلقفين عنه العلوم، وأما الأشعرية واستنادهم إلى أبي الحسن الأشعري وقد كان تلميذا لأبي علي الجبائي وهو من مشايخ المعتزلة، وأما الشيعة فانتسابهم إليه ظاهر، وأما الخوارج فهم وإن كانوا في غاية البعد عنه إلا أنهم ينتسبون إلى مشايخهم وكانوا تلامذة علي، وأما الفقهاء فمرجع انتساب فقه الجميع إليه كما هو مفصل في الكتب ككتاب الأربعين للفخر الرازي. وكفى في ذلك شاهدا قول النبي (صلى الله عليه وآله): " أقضاكم علي " والأقضى لا بد أن يكون أفقه وأعلم بالأصول والفروع، وأما الفصحاء فالجميع بمنزلة عياله في الفصاحة من حيث يملؤون أوعية أذهانهم من ألفاظه ويضمنونها خطبهم ورسائلهم فيكون بمنزلة درر العقود. وأما النحويون فأول واضع النحو أبو الأسود الدؤلي وكان ذلك بإرشاده، وأما علماء الصوفية وأرباب العرفان فنسبتهم إليه في تصفية الباطن وكيفية سلوكهم العلمي والعملي إلى الله تعالى ظاهرة الانتهاء إليه، انتهى بتخليص ما، ولا ينافي كون علم الخوارج من أعدائه منتسبا إليه كما أن علم الأخباريين مأخوذ من المجتهدين إذ لو لم يتمارسوا كتبهم لم يبلغوا ما أدركوا البتة. (ش) (*)

[ 149 ]

لسان نبي) حال عن الألسنة (على أن يبينوا التوحيد بمثل ما أتي به - بأبي وأمي) صلوات الله عليه (ما قدروا عليه) لظهور أن علم التوحيد من جهة الوحي، والعقل البشري عاجز عن إدراك ما في عالم القدس بالاستقلال. وقوله: " بأبي وأمي " كلمة معتادة للعرب يقال لمن يعز عليهم، ولا يختلج في وهمك أنه كيف يحسن التفدية هنا بعد الموت وهي غير ممكنة لأنه لا بشرط في إطلاقها في عرفهم إمكان الفدية وليس الغرض منها تحقيق الفدية بل تخييلها وإيهامها للاسترقاق وتخييل المقول له أنه عزيز في نفس القائل إلى غاية أنه أرجح من أبيه وأمه بحيث يفديه بهما، وظاهر أنه مما يفعل في الطبع ميلا من المقول له (ولولا إبانته (عليه السلام)) وتمييزه للحق عن الباطل في أمر التوحيد (ما علم الناس كيف يسلكون سبيل التوحيد)، لأن سبيل التوحيد دقيق وبحر معرفته عميق يعجز الغواصون قبل الوصول وإن بالغوا ويضل الوصافون قبل البلوغ وإن جاهدوا، وقد ضل جمع كثير من المتكلمين بأوهامهم وجم غفير من المعتمدين بأفهامهم في أول مرتبة من مراتب السلوك وأول ظلمة من ظلمات الشكوك. (ألا ترون إلى قوله) في وصف ذات الواجب (لا من شئ كان) (1) وفي وصف فعله إيجاده (ولامن شئ خلق ما كان فنفى بقوله لامن شئ كان معنى الحدوث) عن ذاته تعالى إذ حدوث كل حادث يستلزم أن يكون وجوده من شئ (2) ونفي اللازم مستلزم لنفي الملزوم. (وكيف أوقع) عطف على قوله " نفى " عطف الإنشاء على الإخبار، ومن لم يجوز ذلك فله أن يقول: هذا الكلام وإن كان بحسب الظاهر إنشاء للتعجب عن الإيقاع لكنه في الحقيقة إخبار بحصول التعجب له، وهذا القدر كاف في صحة العطف. (على ما أحدثه صفة الخلق والاختراع بلا أصل ولا مثال، نفيا لقول من قال) من الدهرية والملاحدة و " نفيا " مفعول له لقوله أوقع.


1 - قوله: " لا من شى كان " مناط الحدوث كون وجود الشئ مأخوذا عن غيره، والله تعالى منزه عنه، لأن كل شئ متعلق بغيره لا يكون واجب الوجود بذاته وإن كان قديما زمانا، فلو فرض ذات الواجب تعالى معلولا لغيره كالنور والشئ الآخر الذي تعلق به الواجب كالشمس لم يكن الواجب واجبا لذاته بل كان مخلوقا لغيره ولا يرضى أحد بأن يقول هو تعالى متعلق الوجود بشئ آخر نظير تعلق النور بالشمس وإن كان تعالى وما فرض علة له كلاهما قديمين زمانا. فإن قيل أن الحدوث الذاتي والتأخر الذاتي شئ لا يفهمه الناس، قلنا: الله تعالى منزه عن كل شئ ينافي وجوب وجوده سواء فهمه الناس أو لا، وفهم بعضهم كاف في ذلك، على أنا بينا في موضع آخر أنهما مما يفهمه العامة وإن لم يعرفوا الاصطلاح كساير الأمور العامة. (ش) 2 - قوله: " أن يكون وجوده من شئ " الحادث سواء كان حادثا زمانيا أو ذاتيا فإن وجوده من غيره فليس واجب الوجود حادثا زمانيا وهو واضح ولا ذاتيا، لأن وجوده ليس من شئ. (ش) (*)

[ 150 ]

(إن الأشياء) أي الأشياء الجزئية (كلها محدثة بعضها من بعض) (1) على سبيل التسلسل والتعاقب في الجزئيات الغير المتناهية والنوع منضبط تحتها، فإنهم يقولون: كل واحد من أفراد الإنسان مثلا محدث ونوعه قديم (2) وليس ثم إنسان أول وإنما هو إنسان من نطفة والنطفة من إنسان لا إلى النهاية ولهذا ينكرون وجود الصانع، تعالى عما يقولون (وإبطالا لقول الثنوية) (3) وهم الذين يثبتون إلها نورانيا وإلها ظلمانيا ينسبون إلى الأول الخيرات وإلى الثاني الشرور، ولعل المراد بالثنوية هنا القائلون بالمادة وأزليتها وأنه لا يحدث شئ إلا من مادة أزلية بحسب استعداداتها وسموا ثنوية لأنهم حكموا بسرمدية المادة وأزليتها (الذين زعموا أنه لا يحدث شيئا إلا من أصل ولا يدبر) شيئا (إلا باحتذاء مثال) يحذو حذوه وينظر إليه ويعمل مثله وهم


1 - قوله: " كلها محدثة بعضها من بعض " هو رأي الملاحدة المنكرين للصانع المكتفين بالعلل المعدة في وجعل صاحب الكافي عليه الرحمة قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " لا من شئ خلق ما كان " إشارة إلى رد هذا الرأي، وتقريره أنه أطلق الخلق على كل موجود، وظاهر أن الخلق بمعنى الإيجاد بعد العدم فيلزم أن يكون كل شئ مخلوقا بعد العدم، وعلى قول الملاحدة: يلزم كون بعض الأشياء غير مخلوق وهو المادة التي تتعاقب عليها الصور، ويلزم أيضا أن يكون كل شئ من شئ لعدم تناهى الحوادث الماضية فلا يكون شئ لا من شئ وأما الاستدلال على بطلان رأيهم فموكول إلى ساير أقواله (عليه السلام). (ش) 2 - " محدث ونوعه قديم " إن كان مرادهم أن نوع الإنسان على سطح هذه الأرض قديم فيرد عليه قبل كل شئ أن الأرض ليست قديمة فضلا عن ما هو عليها، ثم إن العلم الجديد يرجح كون الأرض في زمان قطعة من نار لم يمكن أن يعيش عليها أي موجود ذي حياة نباتي أو حيواني وإنما صارت قابلة بعد أن مضى عليها زمان طويل ولا بد أن يكون أول حي وجد على الأرض أبا لساير أفراد نوعه من غير أن يكون له أب قبله، وهذا بمنزلة الأسماك المتولدة في قنوات تحدث في الأرض من غير أن تتصل بمنبع ماء أو بحر إذ قد يتولد فيها أسماك بغير التوالد والتناسل ولا بد من القول بأول سمكة خلقت فيها من غير أب وأم. وإن كان المراد أن قبل وجود هذه الأرض خلقت أرض أخرى وخلق عليها موجودات حية وإنسان بقيت أو زالت وقبلها أرض وأحياء وهكذا إلى غير النهاية فهذا لا يستلزم على فرض صحته نفي الصانع إذ لا يمتنع في العقل أن يخلق الله عالما فيفنيه ويحدث عالما آخر وهكذا متواليا. والقول الصحيح في هذا المقام أن مراده (عليه السلام) إثبات مخلوقية كل شئ حتى المادة فإن أذهان العامة والملاحدة لا تعترف بكون مادة الأشياء مخلوقة بل يظنونها واجبة الوجود إذ لا يتعقلون إمكان عدمها أصلا فهي عندهم موجودة مستغنية عن الإيجاد وإنما الحادث التغيرات الطارية والحالات العارضة عليها فأصلها ثابت وأحوالها متغيرة فلم يوجد شئ إلا من شئ، وسيجئ بطلانه إن شاء الله تعالى. (ش) 3 - قوله: " لقول الثنوية " أي بعضهم لا جميعهم فإنهم فرق عديدة ذكرهم الشهرستاني وغيره، والثنوية يشتركون في إثبات أصلين للعالم النور والظلمة أو يزدان وأهريمن وأمثال وذلك ومنهم المانوية وهم زنادقة ونسبتهم إلى الزردشتية نسبة الملاحدة إلى المسلمين، وأما احتمال كون المراد منهم الماديين على ما ذكره الشارح فغير صحيح إذ لم يعهد إطلاق هذا الاسم عليهم في موضع. (ش) (*)

[ 151 ]

أيضا يقولون بقدم الأنواع والأصول (1) مثل الملاحدة إلا أنهم يقرون بوجود الصانع المحدث لأ فرادها على وجه الاحتذاء، بخلاف الملاحدة فإنهم يسندون حدوث الأفراد إلى الطبايع. (فدفع (عليه السلام) بقوله: لا من شئ خلق ما كان جميع حجج الثنوية وشبههم) العطف للتفسير والتنبيه على أن ما هو حجة بزعمهم فهو شبهة منسوجة من الباطل في الحقيقة (لأن أكثر ما يعتمد الثنوية) المراد بالأ كثرية الأ كثرية بحسب القوة والاستعمال في مقام الاحتجاج لا الأ كثرية بحسب العدد فلا يرد أن ما نقله منهم واحد فلا يصح وصفه بالأ كثرية (في حدوث العالم) أي في حدوث العالم من أصل ومثال كما هو مذهبهم أو في نفي حدوث العالم على سبيل الإبداع والاختراع كما هو الحق (أن يقولوا: لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شئ) أي من مثال سابق بالاقتداء به وإجراء مثل ما وقع فيه من التدبير على خلقه (أو من لا شئ) والثاني باطل إذ لا يجئ من لا شئ شئ بالضرورة فتعين الأول وهو المطلوب. الجواب أن كل واحد من شقي الترديد باطل وأن الشق الثاني ليس نقيضا للشق الأول حتى يلزم من بطلان الثاني كما قالوا ثبوت الأول ومن بطلانهما كما قلنا ارتفاع النقيضين، وإنا نختار شقا ثالثا هو النقيض للأول وهو: أنه خلق لا من شئ. أما وجه بطلان شقي الترديد فأشار إليه المصنف بقوله (فقولهم من شئ خطأ) لأنه يستلزم عجز الواجب وسلب التدبير عنه وافتقاره إلى الغير في تنفيذ قدرتة وثبوت قديم غيره وكل ذلك محال (وقولهم من لا شئ مناقضة وإحالة) المحال من الكلام بالضم ما عدل عن وجهه كالمستحيل وأحال وأتى بالمحال (لأن " من " توجب شيئا " ولا شئ " تنفيه) يعني أن لفظة " من " الابتدائية توجب شيئا يقع الابتداء منه، ومدخولها وهو لفظة لا شئ ينفي ذلك


1 - قوله: " بقدم الأنواع والأصول " القول فيهم كالقول في من قال بقدم نوع الإنسان على ما مر. وهذه شبهة عجيبة مرتكزة في ذهن الناس، وتحير العقلاء في علة رسوخها فيهم، لأن الطبع البشرى مجبول على عدم التصديق بشئ لم يحسه بحواسه ولم يقم عليه دليل عقلي، ومقتضى عدم الدليل على شئ الشك فيه، ومع ذلك هم على قدم المادة ولا تناهي الفضاء من غير أن يدركوه بديهة أو يقوم عليه دليل، وقال الحكماء: إن المادة لا يمكن وجودها إلا بصورة وإن فرضنا أن لا صورة فلا مادة فالمادة متعلقة الوجود بالصورة والذي يتعلق وجوده بغيره لا يكون واجب الوجود على ما مر، ولا ريب أن كل أحد يمكن أن يتعقل كون صورة الإنسان مخلوقة للصانع وكذلك صورة الغذاء الذي تحصلت صورة الإنسان منه وصورة الماء الذي دخل في تركيب الإنسان وصورة الأشياء التي تركب منه الغذاء وهكذا كل صورة والمادة متعلق وجودها بصورة ما من هذه الصور المخلوقة فالمادة متعلقة الوجود بخالق الصور، نعم إن قلنا بالجزء الذي لا يتجزى وأنكرنا وجود الصورة الجسمية أصلا وأنكرنا إمكان استحالة الصور النوعية بعضها إلى بعض صعب تصور تعلق المادة الجسمانية بعلة مفارقة مجردة، ولكن ثبت بطلان الجزء بالدليل القطعي وهو كان هنا، وبالجملة فأزلية المادة واستغناؤها في الوجود عن العلة من أسخف الآراء وأضعفها، والقائل بقدم الأنواع والأصول ليست شبهته إلا تصور استغناء المادة عن العلة وكونها أزلية فيجب أن يكون في ضمن نوع دائما. (ش) (*)

[ 152 ]

الشئ ضرورة أن اللا شئ لا يصدق على شئ من الأشياء، فبين مفهوم " من " ومفهوم اللاشئ تناقض، فلا يصح قولهم " من لا شئ " أيضا، وإذا ثبت بطلان شقي الترديد كليهما ثبت أنه لا تناقض بينهما. وأما الشق الثالث فهو ما اختاره (عليه السلام) كما أشار إليه المصنف بقوله (فأخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه اللفظة) أي هذه العبارة المشتملة على الترديد أو قولهم خلق الأشياء من لا شئ (على أبلغ الألفاظ وأصحها) من حيث اللفظ والمعنى (فقال (عليه السلام) لا من شئ خلق ما كان) فإنه رد عليهم بأن ترديدهم ليس بحاصر لعدم وقوعه بين النفي والإثبات فإن قولهم " من لا شئ " ليس رفعا ونقيضا لقولهم " من شئ " بل قولنا " لا من شئ " دفع ونقيض له فإن نقيض الابتداء من شئ سلب الابتداء من ذلك الشئ لما تقرر من أن نقيض كل شئ رفعه لا الابتداء من " لا شئ " إذ لا تناقض بين الموجبتين، وإن كان المحمول في إحداهما متضمنا للسلب، ولما لم يكون ترديدهم حاصرا اختار (عليه السلام) شقا ثالثا وهو أنه خلق الأشياء لا من شئ (فنفى من) بإدخال حرف النفي عليها وأنكر عليهم إدخال " من " على حرف النفي (إذ كانت) يعني " من " (توجب شيئا) (1) فلو دخلت على حرف النفي كما قالوا لزم التناقض في قولهم " من لا شئ " كما عرفت (ونفي الشئ) إشارة إلى أن النفي في قولنا " لا من شئ " راجع إلى مفهوم " من " الابتدائية، ومفهوم مدخولها وهو الشئ كليهما، لا إلى مفهوم من وحده حتى يلزم وجود شئ قبل خلقه للأشياء. (إذ كان كل شئ مخلوقا محدثا لا من أصل) تعليل لنفي " من " ونفي الشئ جميعا وهو في الحقيقة سند للمنع كما يظهر بالتأمل. (أحدثه الخالق) (2) لا من أصل، وهذا تأكيد للسابق ومبالغة في أن خلقه بمحض الاختراع من غير


1 - قوله: " من توجب شيئا " " من " هذه حرف جر بمعنى ابتداء الغاية وقد يقال لها " من " النشوية وهي تقتضي شيئا منه يبتدأ وينشأ شئ آخر مثل ابتداء المسافة الحقيقية نحو: سرت من البصرة إلى الكوفة، أو الوهمية نحو: حفظت الكتاب من أوله إلى آخره، وقد تدل على العلة الفاعلية نحو أن يقال: وجود العالم من الله، أو على العلة المادية نحو: خلقكم من تراب ثم من نطفة، أو على العلة المعدة نحو: الابن من الأب، والعذاب من المعاصي، وإذا اغتسل الإنسان خلق الله من كل قطرة من ماء ملكا يستغفر له، ونعيم الآخرة تتجسم من أعمال أهل الدنيا وأجسامهم من أجسامهم في الدنيا، ويجب الفرق بين العلة المادية والعلة المعدة، وخلق النفس المجردة من البدن من الثاني، والصورة النوعية من المزاج من قبيل الأول. (ش) 2 - قوله: " لا من أصل أحدثه الخالق " مذهب أهل التوحيد أن الله تعالى خلق ما خلق من أصل وخلق ذلك الأصل أيضا وليس الأصل غير مخلوق بخلاف الثنوية أي المانوية منهم فإنهم قالوا بعدم مخلوقية الأصل وبمخلوقية ما تركب منه فقط وقوله " أحدثه الخالق " أي أوجده وأطلق الأحداث على الإيجاد للملازمة عرفا بين الحدوث والخلق. وقد تكرر البحث في الحدوث متفرقا في الحواشي، ونلخص لك هاهنا حاصل ما سبق وهو أن الحدوث يمكن أن يثبت للعالم لوجوه: الاول التعبد الشرعي في الاعتقاد به والدليل عليه ظاهر الكتاب والسنة والإجماع وهذا وجه حسن ولكن يتوقف على إثبات = (*)

[ 153 ]

أن يكون مأخوذا من شئ وكاينا على مثاله، والضمير المفعول في " أحدثه " يعود إلى كل شئ. (كما قالت الثنوية) متعلق بالمنفي الذي في قوله " لا من أصل "


= حجية الإجماع وظاهر الكتاب وقول الرسول والأئمة (عليهم السلام) فما لم يثبت ذلك أولا لم يصح متوقف على إثبات وجوده تعالى وعدله ولطفه وحكمته والنبوة وغير ذلك قبل إثبات الحدوث. الثاني إثبات حدوث العالم حتى يثبت به احتجاجه إلى الصانع ويثبت به وجوده تعالى ولا يجوز التمسك حينئذ في ذلك بالإجماع وأدلة الشرع، لأن المنكر أو الشاك في وجوده تعالى لا يعترف بالشرع ولا بدليله بل الصحيح أن يثبت الحدوث بالدليل العقلي أولا، ثم يثبت به وجود الواجب ثانيا، ثم بعد ذلك يثبت النبوة وحجية قول النبي وبعد ذلك الإمامة وحجية أقوالهم، ثم يثبت حجية الإجماع لدخول قول المعصوم فحجية الإجماع متأخرة عن إثبات الحدوث بهذه المراتب لا مقدمة عليه. الثالث إثبات الحدوث لا لتوقف إثبات الواجب تعالى عليه ولا للتعبد به شرعا بل لأنه مطلب علمي محض مثل عدم تناهي الأبعاد ومساحة الأرض وكرويتها ومقدار الأبعاد بين الكرات السماوية وأمثال ذلك. وبالجملة من يريد إثبات الحدوث لإثبات الصانع لم يجز له التمسك بالأدلة الشرعية، ومن يتمسك بالأدلة الشرعية لا يجوز له التمسك به لإثبات الواجب، وظاهر كلامهم أن الاعتقاد بالحدوث إنما هو لإثبات الواجب تعالى وأن انكار الحدوث مساوق لإنكار الصانع، وأن إثبات الصانع يكفي لاثبات الحدوث، وعلى هذا فلا يجوز التمسك به بالأدلة الشرعية كالإجماع، ولما كان ذهب أكثر المتكلمين أن علة احتياج الممكن إلى الواجب إمكانه لا حدوثه، وأن العقل لا يأبى أن يتعلق شئ قديم زمانا بشئ قديم مثله كما لو فرضنا الشمس قديمة كان نورها قديما مع تعلقه بالشمس التزموا بأن إثبات الصانع مطلقا لا يتوقف على إثبات الحدوث، نعم زعم كثير منهم أن الفاعل المختار لا يجوز أن يكون فعله قديما وأن واجب الوجود مختار ففعله حادث زمانا وإلا لزم اضطراره. والجواب: أن ذلك غير معقول لنا إذ لا يستحيل عند العقل أن يكون الفاعل المختار تعلق إرادته بأن يكون فاعلا دائما وأن يكون خلق عالما وأفناه، ثم خلق عالما آخر وأفناه وهكذا إلى غير النهاية أزلا وأبدا بحيث كان له في كل زمان مخلوق، فالوجه أن يقال: الحدوث أمر تعبدي ثابت بالدليل الشرعي لا لتوقف إثبات الواجب عليه بل هو مثل خلق العالم في ستة أيام، أو يقال حدوث الأجسام مسألة علمية مثل تركبها من الهيولى والصورة وأمثال ذلك، وبحث المتكلمون عنه كما بحثوا عن الجوهر والعرض والمقولات العشر لا لكونه مسألة شرعية، والحق أن يقال: غرض المتكلمين إثبات مخلوقية كل شئ للفاعل المختار وهو الأصل الذي لا محيص عنه وإنما عبروا بالحدوث لأنهم اعتقدوا ملازمة بين المخلوقية والحدوث ولا يهمهم إلا إثبات مخلوقية كل شئ له. قال العلامة الحلى (قدس سره) في نهج المسترشدين: الموجود إما أن يكون قديما أو محدثا فالقديم ما لا أول لوجوده، والذي لا يسبقه العدم وهو الله تعالى خاصة، والمحدث ما لوجوده أول وهو المسبوق بالعدم وهو كل ما عدا الله تعالى. وغرضه هنا القديم والمحدث الذاتيان، بقرينة أنه قال: والقديم لا يجوز عليه العدم لأنه إما واجب الوجود لذاته، فظاهر أنه يجوز عليه العدم، وإما ممكن الوجود فلا بد له من علة واجبة الوجود وإلا لزم التسلسل، ويلزم من امتناع عدم علته امتناع عدمه، فاعترف بأن الممكن يجوز أن يكون قديما زمانا مع كونه معلولا، ثم قال: إن علة احتياج الأثر إلى المؤثر إنما هي الإمكان لا الحدوث. وقال أيضا: الحدوث كيفية الوجود فتكون متأخرة عن الوجود تأخر عن الايجاد المتأخر عن الاحتياج المتأخر عن علة الاحتياج، فلو كان الحدوث علة الاحتياج لزم الدور بمراتب وهو محال. (ش) (*)

[ 154 ]

(إنه خلق من أصل قديم) هو أصل للأشياء الحادثة ومادتها (فلا يكون تدبيرا لا باحتذاء مثال) صفة كاشفة لقوله " تدبيرا " إذ التدبير وهو رعاية كل ما له مدخل في نظام كل واحد من أجزاء العالم من الأمور الكلية والجزئية إنما يتحقق إذا لم يكن باحتذاء مثال وإلا فالتدبير لخالق المثال لا لمن تبعه. وفي بعض النسخ إلا بأداة الاستثناء وهو الأوفق بمذهبهم لأنهم يسمون رعاية المصالح على سبيل الاحتذاء تدبيرا كما يرشد إليه الكلام السابق. (ثم قوله (عليه السلام)) " قوله " بالجر عطفا على قوله " لا من شئ كان " أي ألا تنظرون إلى قوله (عليه السلام). (ليست له صفة تنال ولا حد تضرب له فيه الأمثال، كل دون صفاته تحبير اللغات، فنفى (عليه السلام) أقاويل المشبهة) المتبعين لأوهامهم وأحكامها الفاسدة المحجوبين عن ربهم بظلمات نفوسهم (حين شبهوه بالسبيكة) أي بالفضة المذابة يقال: سبكت الفضة أسبكها سبكا أذبتها، والفضة سبيكه (والبلورة) البلور مثل التنور والسنور: جوهر معروف والجامع بينهما هو الصفاء واللون. (وغير ذلك من أقاويلهم من الطول) قال بعضهم: طوله سبعة أشبار من شبر نفسه. وقال بعضهم غير ذلك (والاستواء) على العرش ونحوه حتى ذهب بعضهم إلى أنه قد ينزل عنه لأمر ما ثم يصعد إليه. (وقولهم) بالنصب عطفا على الأقاويل أي فنفى (عليه السلام) قولهم. (متى ما لم تعقد القلوب منه على كيفية) يكون هو عليها سواء كانت قارة أو غير قارة (ولم ترجع إلى إثبات هيئة) أي صفة قارة يكون هو عليها (لم تعقل شيئا فلم تثبت) أي العقول حينئذ (صانعا)، لأن العقل لا يحكم بوجود شئ لا يدركه أصلا، وهم قالوا ذلك بحكم العادة في إدراك النفس للأمور المعقولة من الأمور الممكنة باستعانة الوهم والخيال، فإن النفس إذا توجهت إلى أمر معقول تستعين بالقوة الوهمية والخيالية على إثبات ذلك المعنى المعقول وضبطه وتتأبى عن الإشارة إليها إلا بمشاهدة الوهم والخيال واستثبات حد وكيفية وهيئة يكون هو عليها فظنوا أن عالم قدس الحق وعالم التوحيد مثل هذا العالم فأجروا فيه حكم هذا العالم واعتقدوا فيه بالمشابهة والمماثلة والكيفية والهيئة إلى غير ذلك من العقائد الباطلة الفاسدة (فعبر أمير المؤمنين (عليه السلام)) عبر من التعبير بالعين والباء الموحدة وفي بعض النسخ " ففسر " من التفسير بالفاء والياء والمثناة من تحت وهو الأظهر (أنه واحد بلا كيفية) من الكيفيات التي يثبتها المشبهة (وأن القلوب تعرفه بلا تصوير) من التصويرات التي يعقلها المبتدعة (ولا إحاطة) بكنه ذاته وصفاته. فإن قلت: أين يفهم هذه الأمور من كلامه (عليه السلام). قلت: يفهم من مجموع منطوق كلامه ومفهومه كما لا يخفى على المتأمل.

[ 155 ]

(ثم قوله (عليه السلام)) وهو أيضا عطف على قوله " لا من شئ كان " وكذا ما بعده (" الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن وتعالى الذي ليس له وقت معدود ولا أجل ممدود ولا نعت محدود " ثم قوله (عليه السلام) " لم يحلل في الأشياء (1) فيقال هو فيها كائن ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن " فنفى (عليه السلام) عنه بهاتين الكلمتين صفة الأعراض والأجسام) والظاهر أن الكلمتين هما القولان ولكن الظاهر من سياق كلام المصنف فيما يذكره من الدليل أن نفي صفة الأعراض والأجسام بالقول الأخير وفي فهم هذا النفي من القول الأول خفاء يزول بالتأمل (لأن من صفة الأجسام التباعد والمباينة) أي تباعد بعضها عن بعض بحسب تباعد الأمكنة والمباينة بينها بتراخي مسافة وحيث لم يكن الله تعالى بعيدا عن شئ من الأشياء ولا مباينا له بهذا المعنى لم يكن جسما (ومن صفة الأعراض الكون في الأجسام بالحلول على غير مماسة) إذ مماسة شئ أن يلاقي بعض من ذاك بعضا من هذا مع قيام كل واحد منهما بذاته، والعرض قائم بغيره فلا يتحقق المماسة بينه وبين الجسم (ومبانية الأجسام على تراخي المسافة) المباينة عطف على المماسة فإن العرض الحال في الأجسام غير مباين لها على تراخي مسافة بينهما وحيث لم يكن الله تعالى حالا في الأجسام لم يكن


1 - قوله: " لم يحلل في الأشياء " تفسير صاحب الكافي يرجع إلى بيان التجرد يعني أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بهاتين الكلمتين إلى أن الله تعالى ليس جسما ولا جسمانيا وقوله (عليه السلام) " لم يحلل في الأشياء " لنفي كونه تعالى عرضا، ولم ينأ عنها لنفي كونه جسما، ولكن كلامه (عليه السلام) أشمل وأعم فائدة مما فسره به (رحمه الله) لأن المجرد أيضا يمكن تباعده عن مجرد آخر نوع تباعد كنفسين مستقلين من النفوس الناطقة الانسانية لا ارتباط بينهما أصلا ولا تلازم بينهما ولا يحيط أحدهما بالآخر ولا يعلم أحدهما ما في ذهن الآخر، ويمكن ارتباط مجردين نظير ما يراه الحكماء من ارتباط النفوس الناطقة بالعقل الفعال والملائكة الملهمة، ولذا قد يتفق أن يرى في المنام أمورا من عالم الغيب باتصاله بهم، وبالجملة التباعد والاتصال كما يتصور في الأجسام كذلك يتصور في المجردات، وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يشمل جميع الأشياء، والله تعالى جل وعز من أن يباين الأشياء وتستقل هي دونه بل هو محيط قاهر بها بحيث لا يتصور لها وجود مستقل وليس هو عينها، فكما هو محيط بالاجسام وقريب منها وقاهر عليها بالعلية من غير أن يكون عينها كذلك هو قاهر على المجردات وقريب منها من غير أن يكون حالا فيها أو عينها، ولو كان معنى كلامه (عليه السلام) منحصرا فيما أفاده صاحب الكافي لم يترتب عليه ما فرع عليه من قوله " لكنه أحاط بها علمه وأتقنها صنعه قال صدر المتألهين تنزيهه تعالى عن الكون في الأشياء والبون عنها مطلب غامض دقيق ومقصد خائض عميق وتوحيد تام وتقديس كامل وتنزيه بالغ وعلم فائق عظيم أعظم من بيان سلب العرضية الجسمية عنه تعالى، أما العرضية فشئ لم يحتمله ولم يجوزه في حقه أحد ممن له أدنى شعور، وأما الجسمية فنفيها محصل بأدنى بضاعة من العقل، والأولى حمل كلامه وهو سيد الموحدين وإمام العارفين على ما هو أولى وأقرب بكماله في المعرفة وحاله في التوحيد، انتهى. أقول: وما ذكرنا من تفريعه الإحاطة في العلم والصنع والقدرة يبين صحة قول صدر المتألهين صريحا. (ش) (*)

[ 156 ]

عرضا. (ثم قال (عليه السلام): " لكن أحاط بها علمه وأتقنها صنعه ") بإفاضته على كل شئ ما يليق به وإنما غير الأسلوب، لأن هذا القول ليس من قبيل الأقوال السابقة إذ المقصود من هذا القول هو الإثبات دون النفي (أي هو في الأشياء بالإحاطة) (1) أي بإحاطة علمه بها ونفوذه في بواطنها بحيث لا يخفى عليه ضمائر المضمرين ونجوى المتخافتين وحركة الجفون وخيانة العيون وأسرار القلوب وموارد الغيوب ورجع الحنين وانقلاب الجنين (والتدبير على غير ملامسة) أي بتدبير الأشياء ورعاية مصالحها من غير مماسة بها وملامسة لها، لأن ذلك من صفات الأجسام وقدسه تعالى منزه عن الاتصاف بها. * الأصل: 2 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك اسمه وتعالى ذكره وجل ثناؤه سبحانه وتقدس وتفرد وتوحد ولم يزل ولا يزال وهو الأول والآخر والظاهر والباطن فلا أول لأوليته، رفيعا في أعلى علوه شامخ الأركان رفيع النيان، عظيم السلطان، منيف الآلاء، سني العلياء الذي


1 - قوله: " أي هو في الأشياء بالإحاطة " تقريب لمعنى العلية إلى أذهان السامعين فإن تصورها لا يخلو عن صعوبة على أكثر الناس. وليس صرف الإحاطة العلمية كافيا في العلية إذ ربما يكون غير العلة عالما كعلمنا بالخسوف والكسوف وبأعضاء بدن الإنسان بالتشريح ولذلك أضاف أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله " أتقنها صنعه " على قوله " أحاط بها علمه " ولما كان بعض الفاعلين عندنا كالنجار والبناء يتقنون صنع ما يصنعون مع عدم كونهم عللا بالمعنى الذي يجب إثباته للباري أعني احتياج المعلول إليه حدوثا وبقاء أضاف (عليه السلام) إليه قوله " وأحصاها حفظه " ثم بين ذلك بما ذكره بعده إلى قوله " كل شئ منها بشئ محيط " يعنى كل واحد من الملائكة الحفظة والرقباء محيط بكل واحد من الأشياء التي فوض إليه تدبيرها وبذلك تم معنى العلية ووضح المقصود، ثم قال: علة العلل هو الذي أحاط بهؤلاء الملائكة الحفظة المحيطين بالاشياء وقد مر سابقا كيفية تعلق المادة بالصورة والصورة بالمبدأ المفارق أعني الملائكة على ما بينه الحكماء ويظهر ذلك ظهورا تاما بتدبر ما ذكروه في القوة المصورة فيقاس عليه غيره، مثلا: إذا تأمل الإنسان في خلق الجنين والحكم التي روعيت في تركيب أعضائه ومزاج كل عضو عرف أن الطبيعة غير الشاعرة غير كافية في تعليل هذه الأمور بل لا بد من موجود عاقل يكون هذه المصالح بتدبيره كان هناك طبيعة فهي مسخرة لذلك الموجود العاقل. قال السبزواري في شرح المنظومة لبطلان استناد هذه الأفعال العجيبة المحكمة المتقنة إلى قوة عديمة الشعور بل هي مستندة إلى الملائكة المدبرين الفاعلين بالتسخير لأمر الله، انتهى. فإذا تصور الإنسان كون هذا الموجود العاقل مع طبيعة الرحم حافظا ورقيبا ومدبرا سهل عليه اثباته في كل موجود على ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) " كل شئ منها بشئ محيط والمحيط بما أحاط منها الواحد الأحد الصمد " لا يجب عزل الطبيعة عن التأثير بل عن الاستقلال كما قال الشيخ الرئيس: الصورة علة مع المفارق لإقامة الهيولى، ومثله الحكيم الطوسي بمن يقيم السقف بدعامات. (ش) (*)

[ 157 ]

عجز الواصفون عن كنه صفته ولا يطيقون حمل معرفة إلهيته ولا يحدون حدوده لأنه بالكيفية لا يتناهى إليه. * الشرح: (علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن إبراهيم) مشترك بين ثلاثة (1) إبراهيم الصيقل وإبراهيم الكرخي البغدادي وإبراهيم بن إسحق البصري (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك اسمه) أي اسمه ذو بركة عظيمة، أو ثابت غير متغير، أو برئ عن العيوب النقائص والجملة الفعلية في محل الرفع على أنها خبر " إن " (وتعالى ذكره) عن ذكر المخلوقين أو عن الوصول إليه والإتيان به كما هو حقه عقول البشر وألسنتهم (وجل ثناؤه) أي عظم ثناؤه كما هو حقه وخرج عن طوق البشر (سبحانه) جملة اعراضية لكونه مصدرا لفعل محذوف، وفي حذف المتعلق دلالة على عموم تنزيهه عن كل ما لا يليق به (وتقدس) أي تطهر عن النقائص كلها (وتفرد) بالإلهية والتدبير (وتوحد) بالربوبية والتقدير (ولم يزل ولا يزال) فلم ينقطع أزليته بعدم سابق ولا ينقطع أبديته بعدم لاحق (وهو الأول) للأشياء كلها فلا شئ قبله (والآخر) للأشياء كلها فلا شئ بعده، وقد عرفت أن الأولية والآخرية أمر إضافي يعتبره العقل له بالنسبة إلى خلقه وأنه الأول حين كونه آخر والآخر حين كونه أول من غير زمان وامتداد بينهما إذ لازمان هناك (والظاهر والباطن) أي الظاهر وجوده بعجايب تدبيره للمتفكرين والباطن كنه ذاته وصفاته عن توهم المتوهمين أو الظاهر العالي على كل شئ والغالب عليه من " ظهر عليه " إذا علاه وغلبه، والباطن العالم بباطن كل شئ. (فلا أول لأوليته) أي لاحد لكونه أولا للأشياء تقف عنده أوليته وتنتهي به وإلا لكان محدثا فكان ممكنا فلا يكون واجب الوجود، هذا خلف. وكذا لا آخر لآخريته وإنما لم يذكره لأنه يعلم من سياق الكلام بل من قوله " فلا أول لأوليته " لما تقرر من أن ما ثبت قدمه (2) امتنع عليه عدمه.


1 - قوله: " مشترك بين ثلاثة " بل الظاهر المتبادر إلى الذهن أنه إبراهيم بن عبد الحميد من مشاهير الواقفة لأن الحسن بن على هو ابن حمزة البطائني أيضا من مشاهيرهم وكان إبراهيم كثير الرواية فيهم وأما إبراهيم الصيقل فمجهول غير معروف في الروايات وأما إبراهيم بن إسحاق البصري فكان متأخرا جدا لا يمكن روايته عن أبي عبد الله (عليه السلام) بل روى عن الصفار وعلي بن إبراهيم ومن في طبقتهما، وأما الكرخي فلم يكن من الواقفة ولم نر رواية الحسن بن على بن أبي حمزة عنه ويحتمل أيضا كونه إبراهيم ابن ميمون بياع الهروي، والله العالم، وعلى كل حال فالرواية ضعيفة ولكن لا يضر ضعفها، لأن الاعتماد في هذه الأمور على المعنى لا على الإسناد. (ش) 2 - قوله: " لما تقرر من أن ما ثبت قدمه " ذكرنا فيما مر قريبا عبارة العلامة في نهج المسترشدين حيث قال: القديم لا يجوز عليه = (*)

[ 158 ]

(رفيعا) لرفعة شرف ذاته وصفاته عن ذوات المخلوقين وصفاتهم، وهو حال عن فاعل الظاهر أو عن الضمير المجرور في أوليته (في أعلى علوه) بحسب الرتبة والعلية لأنه مبدأ كل موجود حسي وعقلي، وإليه ينتهي سلسلة العلية في الممكنات، فكل عال سواه سافل في حد ذاته وبالنسبة إلى ما فوقه، الله سبحانه فوق كل عال وله العلو المطلق الذي هو العلو الأعلى. وهذا أيضا حال عما ذكر أو عن فاعل " رفعا " (شامخ الأركان) الشامخ المرتفع، وقد شمخ الرجل فهو شامخ أي مرتفع، وركن الشئ: جانبه الأقوى ومنه أركان البيت وقد يعبر به عن العز والمنعة، يقال هو يأوي إلى ركن شديد أي إلى عز ومنعة، وهذا الكلام إما استعارة تمثيلية بتشبيه المعقول بالمحسوس إيضاحا لعلوه ورفعته أو استعارة تحقيقية بتشبيه صفاته الكمالية مثل العلم والقدرة وغيرهما بالأركان في أن بناء تدبيره في هذا العالم على هذه الصفات كما أن بناء البيت على الأركان، وذكر الشامخ حينئذ ترشيح والمراد بارتفاع هذه الصفات ارتفاعها عن أن تكون مطارح لعقول الأذكياء. (رفيع البنيان) وهو الحائط وهذا الكلام أيضا استعارة على سبيل التمثيل لتنزيل علوه المعقول منزلة العلو المحسوس لزيادة الإيضاح. (عظيم السلطان) وهو التسلط والقهر على ما عداه أو الحجة والبرهان والوجه لوصف تسلطه وقهره على ما عداه أو وصف براهين ربوبيته وشواهد الوهيته بالعظمة ظاهر لذوي البصائر. (منيف الآلاء) أي جزيل الآلاء وشريف النعماء، وشرافتها باعتبار كمالها في الكمية والكيفية وكونها على حسب المصالح. (سني العلياء) السني: الرفيع. والعلياء بالضم والمد: كل مكان مشرف. وأيضا استعارة على سبيل التمثيل لقصد الإيضاح والإفصاح. (الذي يعجز الواصفون) العارفون له بترقي عقولهم في معارج المعارف (عن كنه صفته) لأن العقول البشرية وأفكارها لا تقدر أن تحيط بحقيقة ما له من صفات الكمال ونعوت الجلال (ولا يطيقون حمل معرفة إلهيته) إذ لو تجلت الحقيقة الإلهية والأنوار الربوبية لا نفطرت قلوبهم كما


= العدم لأنه إما واجب الوجود لذاته فظاهر أنه لا يجوز عليه العدم وإما ممكن الوجود فلا بدله من علة وجبة الوجود وإلا لزم التسلسل ويلزم من امتناع عدم علته امتناع عدمه، وقوله هذا صريح في أنه يجوز أن يكون الممكن المعلول لغيره قديما زمانا باقيا ببقاء علته، وقال الصدوق رحمه الله في التوحيد على ما رواه في البحار (المجلد الثاني صفحة 104): إن الاستيلاء لله تعالى على الملك وعلى الأشياء ليس هو بأمر حادث بل كان لم يزل مالكا لكل شئ ومستوليا على كل شئ، فقولهم بالحدوث الزماني، لأمر آخر لا لاحتياج التأثير إليه. (ش) (*)

[ 159 ]

تنفطر البيضة على الصفا كيف والجبل الشامخ عجز أن يكون مظهرا لتجليها كما قال: * (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا) * (ولا يحدون حدوده) الضمير يعود إليه تعالى يعني لا يحد الواصفون حدود الرب، لأن تحديده يستلزم توصيفه بكيفية التناهي والتجزية والتحليل والتركيب إذ كان من شأن المحدود ذلك، ولما كانت هذه اللوازم باطلة في حقه تعالى كما أشار إليه بقوله (لأنه بالكيفية لا يتناهى إليه) أي إلى حد كان ملزومها وهو وجدانهم بالتحديد باطلا أيضا. وقال سيد المحققين: الضمير في " حدوده " يعود إلى الحمل، يعني لا يحدون حدود حمل معرفته إذ بالوصف لا يبلغ إلى مداه، وبالصفة لا يدرك منتهاه وبالكيفية لا يتناهى إلى حد. * الأصل: علي بن إبراهيم، عن المختار بن محمد بن المختار، ومحمد بن الحسن، عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعا، عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال: ضمني وأبا الحسن (عليه السلام) الطريق في منصرفي من مكة إلى خراسان وهو سائر إلى العراق فسمعته يقول: من اتقى الله يتقى، ومن أطاع الله يطاع، فتلطفت في الوصول إليه، فوصلت فسلمت عليه، فرد علي السلام ثم قال: يا فتح من أرضى الخالق لم يبال بسخط المخلوق ومن أسخط الخالق فقمن أن يسلط الله عليه سخط المخلوق وإن الخالق لا يوصف إلا بما وصف وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه والأوهام أن تناله والخطرات أن تحده، والأبصار عن الإحاطة به جل عما وصفه الواصفون وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب في نأيه فهو في نأيه قريب، وفي قربه بعيد، كيف الكيف فلا يقال: كيف، وأين الأين فلا يقال: أين ؟ إذ هو منقطع الكيفوفية والأينونية. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن المختار بن محمد بن المختار، ومحمد بن الحسن، عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعا عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال: ضمني وأبا الحسن (عليه السلام)) هو أبو الحسن الثاني مولانا الرضا (عليه السلام) كما يظهر من كتاب العيون للصدوق - رحمه الله -. وقال بعض الأفاضل: المعلوم من كتاب كشف الغمة أنه أبو الحسن الثالث (عليه السلام). (الطريق في منصرفي من مكة إلى خراسان وهو سائر إلى العراق فسمعته يقول: من اتقى الله) بالعدل في القول والعمل سرا وعلانية (يتقى) لكمال الارتباط بينه وبين الحق ولهذا كان المتقون يمرون على السباع غير مكترثين بها، وإقبال الأسد الذي كان جاثما في الطريق مع اللبوة وأشبالها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وتبصبصه له بذنبه ودنوه منه إلى أن مسح قدمه بوجهه وتكلمه معه بكلام ذلق فصيح وتسليمه، أمر مشهور في كتاب العدة وغيره مذكور، ومثله وقع للصادق (عليه السلام) قال: ذو الفاخر

[ 160 ]

صاحب العدة: حدث أبو حازم عبد الغفار بن الحسن قال: قدم إبراهيم بن أدهم الكوفة وأنا معه وذلك على عهد المنصور وقدمها أبو عبد الله جعفر بن محمد العلوي فخرج جعفر بن محمد صلوات الله عليهما يريد الرجوع إلى المدينة فشيعه العلماء وأهل الفضل من الكوفة وكان فيمن شيعه ثوري وإبراهيم بن أدهم فتقدم المشيعون له فإذا هم بأسد على الطريق فقال لهم إبراهيم بن أدهم: قفوا حتى يأتي جعفر فننظر ما يصنع فجاء جعفر صلوات الله عليه فذكروا له حال الأسد فأقبل أبو عبد الله (عليه السلام) حتى دنا من الأسد فأخذ بأذنه حتى نحاه عن الطريق، ثم أقبل عليهم فقال: " أما الناس لو أطاعوا الله حق طاعته لحملوا عليه أثقالهم " وبالجملة التقوى سبب لنيل الأمن في الدنيا والآخرة وعدم الخوف من ساير المخلوقات وعامة المؤذيات، ولهذا قيل: التقوى سبب للنجاة من مخاوف دنيوية كما هي سبب للنجاة من مهلكات أخروية. (ومن أطاع الله) في أوامره ونواهيه وآدابه (يطاع) هذا تفسير لما قبله، إذ الطاعة من وثايق التقوى وأجزائها وإنما حذف فاعل " يطاع " للدلالة على التعميم، وذلك لأنه يطيعه الله تعالى أولا كما ورد " من كان لله كان الله له " وكما قال جل شأنه * (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) * فيسهل له الصعاب ويهيئ له الأسباب ويفيض عليه أنواع الكرامة، وينبت له رياض السلامة، ولباه إذا ناداه، ويجيبه إذا ناجاه، ويطيعه النفس الأمارة بالسوء والقوى الجسمانية والآلات النفسانية ثانيا لظهور أن ملكة الطاعة سبب لإطاعة النفس المطمئنة وإطاعة جموح الهوى في موارد الهلكة، ويطيعه جميع الخلائق وإن كانوا فجارا وكفارا ثالثا، لأنه لما ترك الدنيا وزهراتها واشتغل بالطاعة صار أبناء الدنيا الطالبون لها يحبونه ويطيعونه لإعراضه عن مطلوبهم، أو لأنه جبلت القلوب على حب المطيع لله، أو لأن كل شئ له رجوع إلى الله إذا اتصلت نفس المطيع بالله اتصالا معنويا حتى صار نطقه نطق الحق ولسانه لسان الحق وقدرته قدرة الحق وفعله فعل الحق صار كل شئ مطيعا له منقادا لأمره ومن هذا القبيل انشقاق القمر ونقل الشجر وتسبيح الحصى في كفه (صلى الله عليه وآله) إلى غير ذلك من المعجزات وخوارق العادات، وكان غرضه (عليه السلام) من هذا الكلام دفع ما خلد في قلب فتح بن يزيد من لحوق الضرر به (عليه السلام) من جانب الطاغي المأمون. (فتلطفت في الوصول إليه) لطف بالضم: رفق، وتلطفوا: رفقوا (فوصلت وسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: يا فتح من أرضى الخالق) بالإتيان بما يوجب القرب منه ورضاه وإكرامه وإحسانه (لم يبال بسخط المخلوق) عليه وعدم رضاه عنه، لعلمه بأن المخلوق لا يضره مع رضا الخالق، لأن من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن آثر محامد الله على محامد الناس كفاه الله مؤونة الناس، وعلى تقدير إضراره فإنما إضراره في هذه الحياة الدنيا ولا قدر لها بالنظر إلى البقاء

[ 161 ]

الأخروي الأبدي كما قال سحرة فرعون عند وعيده بالقتل والصلب: * (لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون) * فلم يبالوا بوعيده وإضراره لعلمهم بأنهم عند الله في زمرة المقربين. وكأنه (عليه السلام) عرف أن الغرض من وصول الفتح إليه أن يعرف حقيقة قوله (عليه السلام) من اتقى الله فإن هذا الكلام في الحقيقة تفسير له. (ومن أسخط الخالق) بفعل ما يوجب غضبه وعقابه (فقمن) في المغرب: هو قمن بكذا وقمين به أي خليق، والجمع قمنون وقمناء، وأما قمن بالفتح فيستوى فيه المذكر والمؤنث والاثنان والجمع، وفي كتاب إكمال الاكمال قمن بكسر الميم صفة يثنى ويجمع ومعناه: خليق وجدير، وبفتحها مصدر لا يثنى ولا يجمع، وعلى هذا قول الجوهري: قمن أن يفعل كذا بالتحريك أي خليق وجدير، لا يخلو من شئ. (أن يسلط الله عليه سخط المخلوق) ترتب استحقاق ذلك على إسخاط الخالق أمر ضروري وقد يكشف الله تعالى عن سره ظاهرا حتى يبغضه إليهم ويعرفهم أنه ممقوت عنده ليمقتوه أو يضربوه أو يقتلوه وقد يكشف عنه باطنا فيشاهدون حاله بمرآة قلوبهم فيمقتونه، ومن هذا القبيل ما روي أن رجلا من بني إسرائيل قال: لأعبدن الله عبادة أذكر بها، فمكث مدة مبالغا في الطاعات وجعل لا يمر بملأ من الناس إلا قالوا متصنع مرائي، فأقبل على نفسه وقال: قد أتعبت نفسك وضيعت عمرك في لا شئ فينبغي أن تعمل لله سبحانه، فغير نيته وأخلص عمله لله فجعل لا يمر بملأ من الناس إلا قالوا ورع تقي. ثم أشار إلى بعض ما يسخط الخالق وهو وصفه بما لم يصف به نفسه بقوله: (وأن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه) من الأسماء الحسنى والصفات العليا، ثم أشار إلى أن القوى المدركة الإنسانية عاجزة عن إدراك ما له سبحانه من الصفات كما هو حقه توضيحا لما ذكر بقوله: (وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه) لتعلق إدراكها بالأجسام وكيفياتها وتنزهه تعالى عن الجسمية ولواحقها (والأوهام أن تناله) لتعلق إدراك الوهم بالمعاني المتعلقة بالمادة ولا يترفع عن الأمور المربوطة بالمحسوسات (والخطرات أن تحده) لأن عظمة كماله في ذاته، وصفاته أجل وأرفع من أن تنالها الأفكار الدقيقة وتحدها بحد ونهاية (والأبصار عن الإحاطة به) لأن الإحاطة بالشئ فرع لانقطاعه وانتهائه وجانب الحق منزه عنهما (جل عما وصفه الواصفون وتعالى عما ينعته الناعتون) لأن كل وصف اعتبروه وإن كان كمالا وكل نعت تخيلوه وإن كان جلالا فهو موصوف بالنقصان ومندرج تحت الإمكان، ومن البين أن رتبة الواجب بالذات أعظم من أن تتصف بالنقصان وأرفع من أن يعرض له الإمكان. (نأى في قربه، وقرب في نأيه، فهو في نأيه قريب وفي قربه بعيد) نأيته ونأيت عنه أي بعدت،

[ 162 ]

يعني بعد من الأشياء في حال قربه منها وقرب منها في حال بعده عنها، فهو في حال بعده قريب وفي حال قربه بعيد، وسر ذلك أن قربه وبعده ليسا بالالتصاق والافتراق، لأن ذلك من خواص الجسمانيات وهو منزه عنها بل قربه باعتبار علمه المحيط بكل شئ، وبعده باعتبار عدم كونه من جنس مخلوقاته وعدم بلوغ العقل والحواس إلى كنه ذاته وصفاته، وفيه تأكيد لرد الأحكام الوهمية بالاحكام العقلية فإن الوهم يحكم بأن ما كان بعيدا عن شئ لا يكون قريبا منه، وما كان قريبا من شئ لا يكون بعيدا عنه لكون حكمه مقصورا على المحسوسات، ونحن لما بينا أن قربه وبعده من الخلق ليسا قربا وبعدا مكانيين بل بمعنى آخر، لا جرم لم يكن بعده بذلك المعنى منافيا لقربه ولا قربه بذلك المعنى منافيا لبعده، بل كانا مجتمعين. (كيف الكيف فلا يقال كيف (1) وأين الأين فلا يقال أين) يعني هو جعل الكيف كيفا والأين أينا ولم يكن قبل ذلك الجعل كيف ولا أين فلا يجوز أن يسأل عن كيفيته وأينيته (إذ هو منقطع الكيفوفية والأينونية) (2) قبل وجود الكيف والاين بالضرورة وإذا كان كذلك كان منقطعا عنهما بعد وجودهما أيضا لاستحالة انتقاله من حال إلى حال وامتناع اتصافه بوصف لم يكن له في وقت من الأوقات. * الأصل: 4 - محمد بن أبي عبد الله رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه يقال له ذعلب، ذولسان بليغ في الخطب، شجاع القلب، فقال: يا أمير المؤمنين ! هل رأيت ربك ؟ قال: ويلك يا ذعلب ! ما كنت أعبد ربا لم أره، فقال: يا أمير المؤمنين ! كيف رأيته ؟ قال: ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ويلك يا ذعلب، إن ربي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كل شئ لا يقال شئ قبله وبعد كل شئ لا يقال: له بعد، شاء الأشياء لا بهمة، دراك لا بخديعة في الأشياء كلها، غير متمازج بها، ولا بائن منها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، ناء لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا


1 - قوله: " كيف الكيف فلا يقال كيف " المعلول شئ لا يمكن أن يحتاج إليه العلة ولا يكون في مرتبته فإذا كان المكان مخلوقا له متأخرا عنه في الوجود لم يتصور احتياجه إلى المكان وإذا كان الكيف مخلوقا له لم يتصور له في ذاته كيف. (ش) 2 - قوله: " منقطع الكيفوفيه " كلمة " منقطع " بصيغة اسم المفعول يحتمل كونه اسم مكان أي محل انقطاع سلسلة العلل إذا عن الكيف بأى شئ حصل أجيب بعلته وإن سئل عن علتها أجيب بعلة العلة وينقطع السؤال إذا انتهى إلى واجب الوجود. (ش) (*)

[ 163 ]

بآلة، بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن ولا تضمنه الأوقات ولا تحده الصفات ولا تأخذه السنات، سبق الأوقات كونه والعدم وجوده والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة واليبس بالبلل والخشن باللين والصرد بالحرور، مؤلف بين متعادياتها ومفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلفها وذلك قوله تعالى: * (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) * ففرق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه، كان ربا إذ لا مربوب، وإلها إذ لا مألوه، وعالما إذ لا معلوم، وسميعا إذ لا مسموع. * الشرح: (محمد بن أبي عبد الله رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا) قال الجوهري: " بينا " فعلى أشبعت الفتحة فصارت ألفا و " بينما " زيدت عليه " ما " والمعنى واحد تقول: بينا نحن نرقبه أتانا، أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه، والجملة مما يضاف إليها أسماء الزمان كقولك: أتيتك زمن الحجاج أمير، ثم حذفت المضاف الذي هو أوقات وولي الظرف الذي هو " بين " الجملة التي أقيمت مقام المضاف كقوله تعالى * (واسأل القرية) * وكان الأصمعي يخفض ما بعد " بينا " إذا صلح في موضعه " بين " وغيره يرفع ما بعده بينا وبينما على الابتداء والخبر. (أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له ذعلب) ذعلب اليماني ضبطه الشهيد في قواعده بكسر الذال المعجمة وسكون العين المهملة وكسر اللام (ذو لسان بليغ في الخطب شجاع القلب) كان المراد أنه كان ذكيا فهيما متفكرا في الأمور ويحتمل أيضا حمله على الظاهر (فقال يا أمير المؤمنين: هل رأيت ربك ؟ فقال: ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربا لم أره) أثبت رؤيته إزراء للسائل، والظاهر أن السؤال عن الرؤية العينية والجواب بالرؤية القلبية من باب حمل السؤال على غير ما يترقبه السائل للتنبيه على أن الواجب هو السؤال عنها وأما الرؤية العينية فلكونها محالا لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها إلا أن المثبت لما كان هو الرؤية المطلقة وتوهم السائل أن المراد منها الرؤية العينية سأل عن كيفية وقوع هذه الرؤية (فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته) لا عن كيفية التي تعلقت بها الرؤية، لأن العاقل لا يعتقد أن له كيفية وإن كان السؤال عن كيفية الرؤية مستلزما لتجويز الكيفية له، والفرق بين اللازم من الشئ وبين اعتقاد ذلك اللازم صريحا ظاهر (قال: ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار) إذ ليس بذي وضع وجهة، والرؤية

[ 164 ]

البصرية إنما تتعلق به، والإبصار بكسر الهمزة أو فتحها، والإضافة على الأول بيانية وعلى الثاني لامية. (ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمان) المراد بالقلب: العقول القدسية، وبالإيمان: الإذعان الخالص، وبحقايق الإيمان: التصديقات اليقينية التي هي أركان الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر مثل التصديق بوجوده ووحدانيته وقدرته وعلمه إلى غير ذلك من التصديقات الداخلة في حقيقة الإيمان، أو المراد بها الأنوار العقلية الناشية من الإيمان، فإن الإيمان إذا حصل واستقر في قلب متقدس طاهر حصل في القلب نور يشاهد به الرب كمشاهدة العيان، والباء للاستعانة أو للملابسة. (ويلك يا ذعلب إن ربي لطيف اللطافة) تأكيد للطافته، ولطافته باعتبارين، أحدهما: تصرفه في ذوات الأشياء الدقيقة الخفية وصفاتها تصرفا بفعل الأسباب المعدة لوجوداتها وإفاضة كمالاتها، والثاني: جلالة ذاته وصفاته عن أن يدركها العقول والحواس ويتطرق إليه التحديد والقياس (لا يوصف باللطف) المعروف في الخلق وهو رقة القوام وصغر الحجم وعدم اللون والاشتمال على الصنع الغريب (عظيم العظمة) عظمته عبارة عن تسلطه وجريان حكمه على جميع ما عداه لكونه مبدأ شأن كل ذي شأن ومنتهى سلطان كل ذي سلطان، فلا سلطان أعظم من سلطانه ولا شأن أرفع من شأنه (لا يوصف بالعظم) المعروف في الخلق وهو كبر الحجم والمقدار التابع لزيادة الامتداد في الجهات (كبير الكبرياء) أي رفيع القدر على الإطلاق إذ لا قدر أرفع من قدره (لا يوصف بالكبر) المعروف في الخلق وهو العلو في السن والبسطة في الجسم والزيادة في المقدار (جليل الجلال) أي عظيم القدرة وشديد القوة لا مانع لنفاذ قدرته ولا دافع لإمضاء قوته (لا يوصف بالغلظ) لأن الغلظ من نعوت الجسم، والفظاظة من صفات النفس الحيوانية وجلال الحق منزه عنهما، ولما كانت لهذه الألفاظ أعني اللطيف ونظايره المذكورة معان صحيحة له تعالى غير معروفة أخرج (عليه السلام) هذه الألفاظ بالسلوب المذكورة عن المعاني المعروفة إلى غيرها بل عن حقيقتها إلى مجازها لتنزيه الحق عن الكيفيات الجسمانية وتنبيه السائل على عدم إمكان رؤيته بالعين، لأن المرئي بالعين لا ينفك عن هذه الكيفيات. (قبل كل شئ) لأنك إذا لاحظت ترتيب الوجودات في سلسلة الحاجة إليه سبحانه وجدته تعالى بالإضافة إليها أنه قبلها إذ كان انتهاؤها في تلك السلسلة إلى عنايته ووجوده الحق فهو قبل بالعلية والذات والشرف. (لا يقال شئ قبله) إذ لما لم يكن بذي مكان فالتقديم بالمكان منفي عنه والزمان يتأخر عنه إذ هو

[ 165 ]

من لواحق الحركة المتأخرة عن الجسم المتأخر عن علته فلم يلحقه القبلية والزمانية ولا القبلية المكانية، فلم يكن شئ قبله مطلقا لا من الزمانيات ولا من غيرها. (وبعد كل شئ) لأنه الباقي بعد فناء الأشياء وهو وارث كل شئ، وأيضا: إذا نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت مراتب السالكين في منازل عرفإنه وجدته بعد كل شئ وآخره إذ هو آخر ما يرتقى إليه درجات العارفين ومعرفته هي الدرجة القصوى والمنزل الآخر. (لا يقال له بعد) لامتناع فنائه وبقاء شئ بعده ولأنه ليس فوقه شئ حتى يرتقى إليه سير العارفين ويكون هو آخر مقاماتهم، وبالجملة هو القبل المطلق الذي لا شئ قبله والبعد المطلق الذي لا شئ بعده. (شاء الأشياء لا بهمة) شاء: فعل ماض أو اسم فاعل مع التنوين، ونصب الأشياء على المفعولية يعني أراد وجود الأشياء ولواحق وجودها بمجرد ذاته لا بعزم وإرادة زائدة على ذاته ولا بهمة فكرية إذ هي من لواحق النفوس البشرية وفيه تنزيه لإرادته عن مثلية إرادتنا في سبق العزم والهمة لها (دارك لا بخديعة) الخديعة بالخاء المعجمة اسم من خدع الضب في جحره إذا دخل أو من خدعت العين إذا غارت يعني يدرك الأشياء كلها لا بصور داخلة فيه فليس إدراكه بالانطباع، أو من خدعه إذا ختله يعنى يدركها من غير استعمال الحيلة وإجالة الرأي، لأن ذلك من خواص خلقه. وقال الفاضل الشوشتري: لا يبعد أن يكون بالجيم قال في الصحاح: المجادعة والتجادع المخاصمة فيكون المقصود أنه يدرك من غير تعب كما أنه يشاء من غير همة ولا يخفى بعده (في الأشياء كلها غير متمازج بها) (1) إذ كونه في الأشياء ليس عبارة عن كونه جزءا منها أو وصفا لها أو داخلا فيها ومعدودا من جملتها حتى يكون متمازجا بها بل عبارة عن إحاطة علمه بها ونفوذه في جميعها، فهذا السلب قرينة صارفة للظرفية عن حقيقتها إلى مجازها (ولا باين منها) أي ليس بعيدا من الأشياء بالمسافة لتنزهه عن المكان، أو ليس بعيدا منها بالعلم والإحاطة فيكون تأكيدا لما قبله. وفيه كسر للأحكام الوهمية بتقديس ذاته عن صفات الممكنات (ظاهر لا بتأويل المباشرة) أي لا


1 - قوله: " في الأشياء كلها " هو المعنى الصحيح لوحدة الوجود وقد تكلم الناس فيها كثيرا فمنهم من جعلها أصل التوحيد حتى قالوا إن من لم يكن معتقدا بها لم يكن موحدا حقا، ومنهم من أنكرها مطلقا لأنها توهم الحلول وأزال أمير المؤمنين (عليه الوهم بقوله: " غير متمازج بها " وبين أن كونه تعالى في الأشياء لا يستلزم الحلول. ومنهم من أولها بتأويل بعيد، وبعضهم فرق بين وحدة الوجود ووحدة الموجود ولا محصل له. وتكرر هذا المعنى في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بمعبارات مختلفة، وسره أن ذاته تعالى عين حقيقة الوجود، والممكنات وجودات تعلقية ربطية لا حقيقة لها بذاتها مع قطع النظر عن علتها، والبحث في ذلك يطول ليس هنا محل تحقيقه. (ش) (*)

[ 166 ]

بمعناها كظهور الجسم والجسمانيات بمباشرة الحواس لها وتناولها إياها بل بمعنى ظهور وجوده وقدرته بمشاهدة عجائب خلقه وغرايب تدبيره وهذا السلب أيضا قرينة لصرف الظاهر عن ظاهره وكذا السلوب الآتية. (متجل لا باستهلال رؤية) التجلي: الوضوح والانكشاف، والاستهلال: التبيين يقال: استهل الصبي إذا تبين. والاستهلال أيضا: الإبصار. قال في المغرب: أهل الهلال واستهل - مبنيا للمفعول فيهما - إذا أبصر، يعني: أنه تعالى متبين منكشف لخلقه لا بالتبين والانكشاف الحاصلين من جهة رؤيته، ولا بالإبصار الذي هو الرؤية لتنزهه عن ذلك بل لظهوره في قلوب عباده من ملاحظة مصنوعاته حتى أشبهت كل ذرة من مخلوقاته مرآة ظهر وتجلى لهم فيها وهم يشاهدونه على استعداد قلوبهم لمشاهدته وتتفاوت تلك المشاهدة بحسب تفاوت أشعة إبصار بصائرهم. (ناء لا بمسافة أي بعيد من الأشياء لا بمسافة بينها وبينه، لأن ذلك من خواص المكانيات بل بذاته المقدسة المغائرة لذوات الممكنات المتصفة بعلو الشرف والرتبة، لأن رتبته فوق مراتب جميع الموجودات بالشرف والعلية فلا جرم رتبته بعيدة عن رتبتها. (قريب لا بمداناة) أي قريب من كل شئ لا بالدنو في المسافة بل بالعلم والإحاطة ونفاذ قدرته وحكمه فيه، لأن كل شئ حاضر عند بذاته بحيث لا يعزب عنه مثقال ذرة. (لطيف لا بتجسم) أي لطيف لا باعتبار كونه جسما له قوام رقيق أو حجم صغير أو تركيب غريب وصنع عجيب، أو لا لون له، لأن كل ذلك من شأن اللطيف المخلوق، والله سبحانه خالق ليس بمخلوق بل باعتبار كونه خالقا للخلق اللطيف، أو باعتبار كونه عالما بالأشياء اللطيفة مثل البقة وقواها والذرة وهواها والنملة وصداها. (موجود لا بعد عدم) (1) إذ لو كان وجوده بعد عدم كان حادثا ولو كان حادثا كان ممكنا ولو كان ممكنا لم يكن واجب الوجود لذاته هذا خلف (فاعل لا باضطرار) (2) أي لا باضطراره إلى فعله لأنه


1 - قوله: " موجود لا بعد عدم " إطلاق الموجود على الواجب تعالى حجة صحة توصيفه به وإن لم يكن بعنوان إجراء الاسم، وقد ورد هذا الإطلاق في بعض خطب نهج البلاغة أيضا. (ش) 2 - قوله: " بالاضطرار " وفي نهج البلاغة " فاعل لا بالاضطراب آلة " وقال ابن ميثم في شرحه: أما أنه فاعل فلأنه موجد العالم، أما أنه منزه في فاعليته عن اضطراب آلة فلتنزهه عن الآلة التي هي من عوارض الأجسام، وقال في شرح خطبة أخرى في الاستدلال على عدم الآلة: إنه لو كان كذلك لكانت تلك الآلة إن كانت من فعله فإما بتوسط آلة أخرى أو بدونها، فإن كانت بدونها فقد صدق أنه فاعل لا بمعنى الآلة، وإن كان فعله لها بتوسط آلة أخرى فالكلام فيها كالكلام في الأولى، ويلزم التسلسل، وإما إن لم تكن تلك الآلة من فعله ولم يمكنه الفعل بدونها كان الباري تعالى مفتقرا في تحقيق فعله إلى الغير. = (*)

[ 167 ]

فاعل مختار لا موجب، أولا باضطراره في فعله إلى الآلة إذ فعله بمجرد الإرادة والمشية (مقدر لا بحركة) كما يفتقر غيره في تقدير أفعاله وصنايعه إلى الحركة الذهنية والبدنية ليعلم وجه صحتها وكمالها، وذلك لأن الحركة إنما تعرض الجسم والجسمانيات والله سبحانه منزه عن الجسمية وعوارضها. (مريد لا بهمامة) أي مريد للأشياء لا بهمامة النفس وهي اهتمامها بالأمور وترديد عزمها عليها مع الهم والغم بسبب فوتها، مأخوذة من الهمهمة وهي ترديد الصوت الخفي وهو سبحانه منزه عنها. (سميع لا بآلة) وهي الأذنان والصماخات والقوة الكاينة تحتهما، لتعاليه عن الالآت الجسمانية بل سمعه عبارة عن علمه بالمسموعات فهو نوع مخصوص من العلم باعتبار تعلقه بنوع من المعلوم. (بصير لا بأداة) لظهور أن المفتقر إلى المعونة بالأداة ممكن فلا يكون واجب الوجود، ولأنه تعالى خالق الأداة فيمتنع عليه الحاجة إلى الاستعانة بها. (لا تحويه الأماكن) لبراءته عن الجسمية ولواحقها، وكل ما كان كذلك فهو برئ عن المكان ولواحقه من الحواية وغيرها. (ولا تضمنه الأوقات) لأن الأوقات أجزاء الزمان الذي هو من لواحق الحركة التي هي من لواحق الجسم المتأخر وجوده عن وجوده تعالى، فكان وجود الزمان والوقت متأخرا (1) عن وجوده تعالى بمراتب فلم يصدق تضمن الأوقات لوجوده تعالى ولم يصح كونها ظرفا له وإلا لكان مفتقرا إلى وجود الزمان فكان يمتنع استغناؤه عنه لكنه سابق فوجب استغناؤه عنه. (ولا تحده الصفات) إذ ليس له صفات زائدة فيحده العقل بتحديدها وإحاطته بها، وكل ما اعتبره


= وبالجملة فالاضطراب أقرب من اضطرار، وإن كان لا بد من تصحيح هذه الكلمة فالأولى تفسيرها بأنه تعالى لم يكن في فعله محتاجا إلى المخلوق كما أن الإنسان إنما يفعل لاحتياجه واضطراره، وكل ممكن يفعل شيئا ليكمل ويصير بحالة أرجح من حاله قبل الفعل فهو فاعل محتاج بخلاف الواجب تعالى، لأن فعله منزه عن غرض التكميل وبعبارة أخرى يفعل لأنه كامل، لا لأن يكمل وكماله سبب فعله لا فعله سبب كماله. (ش) 1 - قوله: " فكان وجود الزمان والوقت متأخرا " فما أسخف قول من أثبت زمانا غير متناه قبل أن يخلق الله العالم وزعم أن معنى الحدوث تقدم الزمان الذي ينتزع من وجود الواجب تعالى قبل خلق العالم، بل الحق أن الزمان والجسم المتحرك كل مع الآخر لا يعقل وجود زمان قبل وجود الجسم، ولا يصح أن يقال: كان زمان لم يكن فيه جسم بل كان الله وحده، وقال الشارح ابن ميثم - قدس سره - بعد ذكر أن الزمان من لواحق الحركة: فكان وجود الزمان والوقت متأخرا عن وجوده تعالى بمراتب من الوجود فلم تصدق صحبة الأوقات لوجوده ولا كونها ظرفا له وإلا لكان مفتقرا إلى وجود الزمان فكان يمتنع استغناؤه عنه لكنه سابق عليه فوجب استغناؤه عنه. نعم قد يحكم الوهم بصحبة المجردات للزمان ومعيته لها حيث يقيسها إلى الزمانيات إذ كان لا يعقل المجردات إلا كذلك، انتهى. وقد سبق منا في التعليقات السابقة شرح أكثر. (ش) (*)

[ 168 ]

من صفاته فهو داخل تحت الإمكان لا سبيل له إلى ساحة ذاته. (ولا تأخذه السنات) لأن السنة، وهي مبدأ النوم وفتور يتقدمه، حال يعرض الحيوان من أجل استرخاء أعصاب الدماغ بسبب تصاعد رطوبات الأبخرة، وهو سبحانه منزه عن ذلك. (سبق الأوقات كونه) لأنه خالص الأوقات فوجب أن يتقدمها وجوده. (والعدم وجوده) أي سبق وجوده عدم الممكنات، لأن عدمها لكونه ممكنا بالذات مستند إلى عدم الداعي إلى إيجادها المستند إلى وجوده تعالى سابقا على عدمها أو سبق وجوده على عدمه، لأن وجوده لما كان واجبا لذاته كان عدمه ممتنعا لذاته فكان وجوده سابقا على عدمه لا لتحقق عدمه وسبق وجوده عليه بل لأن لحوق العدم له محال بالذات بخلاف سائر الموجودات، فإن كلها لما كانت محدثة كان عدمها سابقا على وجودها (1) ولو كان بعضها قديما (2) كما زعمه طائفة من المبتدعة، فلا شبهة في أنه قابل في مرتبة ذاته للوجود والعدم جميعا مستفيض للوجود من الموجد فيكون وجوده مسبوقا بعدمه اللاحق له في مرتبة ذاته. (والابتداء أزله) أي سبق أزله الابتداء، وذلك لأن الأزل عبارة عن عدم الأولية والابتداء، وذلك أمر


1 - قوله: " لما كانت محدثة كان عدمها سابقا " مأخوذ من شرح ابن ميثم (قدس سره) بتصرف فيه أوهم التناقض قال ابن ميثم: بيانه أنه تعالى مخالف لساير الموجودات الممكنة فإنها محدثة فيكون عدمها سابقا على وجودها، ثم إن لم يكن كذلك وجودها وعدمها بالنسبة إلى ذواتها على سواء كما بين في مظانه، ولها من ذواتها أنها لا تستحق وجودا ولا عدما لذواتها وذلك عدم سابق على وجودها فعلى كل تقدير فيكون وجودها مسبوقا بعدم بخلاف الموجود الأول جلت عظمته فإنه لما كان واجب الوجود لذاته كان لما هو هو موجودا فكان لحوق العدم له محالا فكان وجوده سابقا على العدم المعتبر لغيره من الممكنات آه‍. (ش) 2 - قوله: " ولو كان بعضها قديما " يعنى لو كان قديما زمانا كان محتاجا إلى الواجب أيضا مع قدمه لكونه ممكنا وقد بينا مرارا أن علة احتياج الممكن إلى العلة هي الإمكان دون الحدوث فلا منافاة بين أن يكون شئ قديما زمانا ومع ذلك مخلوقا لواجب الوجود معلولا له تعالى وإنما نسبه الشارح إلى البدعة، لا لأن من التزم بقدم بعض الممكنات استلزم قوله إنكار الواجب تعالى، بل لأن الاعتقاد بالحدوث الزمانى شئ دل عليه ظواهر الأدلة، والخارج عن الالتزام بالظواهر مبتدع، ولو كان مستلزما لإنكار المبدأ لم يكن مبتدعا بل كافرا صريحا فيرجع الكلام إلى دلالة الأدلة الشرعية على الحدوث الزماني، أعني سبق الزمان على وجود الأشياء وقد أنكره الشارح فيما مضى قريبا. وقال: لا يمكن تقدم الزمان على الجسم، ففي كلامه نوع تنافر فتارة يقول: الزمان متأخر عن الحركة المتأخرة عن الجسم، وأخرى يقول: الزمان متقدم على وجود كل شئ ممكن، وكيف يكون الزمان متأخرا عن الجسم ومتقدما عليه معا. وأما الأدلة الشرعية على الحدوث فالمتتبع فيها الناظر بعين بصيرة لا يستريب في أن المقصود منها إثبات الواجب تعالى لا تعبد الاعتقاد بالحدوث الزماني، والشارح (رحمه الله) صرح هنا بأن الحدوث الذاتي يكفى في الاحتياج، فلابد إما أن يقول المراد من الحدوث في الأدلة الشرعية الحدوث الذاتي أو يلتزم بأن علة احتياج الممكن حدوثه لا إمكانه أو ينكر - نعوذ بالله - علم الأئمة (عليهم السلام) بما لا يخفى على أصاغر الطلبة ونحن في غنى عن تفصيل هذا البحث بما سبق. (ش) (*)

[ 169 ]

يلحق واجب الوجود لما هو بحسب الاعتبار العقلي وهو ينافي لحوق الابتداء والأولية لوجوده، فاستحال أن يكون له ابتداء لا متناع اجتماع النقيضين، بل سبق في الأزلية ابتداء ما كان له ابتداء وجود من الممكنات وهو مبدؤها ومصدرها. (بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له) (1) وذلك لأنه تعالى لما خلق المشاعر وأوجدها ذوات شعور وإدراك وهو المراد بتشعره لها امتنع أن يكون له مشاعر وإلا لكان وجودها إما من غيره وهو محال أما أولا فلأنه مشعر المشاعر، وأما ثانيا فلأنه يلزم أن يكون في كماله وإدراكه محتاجا إلى غيره وهو محال، وإما منه وهذا أيضا محال لأ نها إن كانت من كمالاته كان موجدا لها من حيث إنه فاقد كمال فكان ناقصا بذاته وهو محال، وإن لم يكن من كمالاته كان إثباتها له نقصا، لأن الزيادة على كمال نقص فكان إيجادها له مستلزما لنقصانه وهو أيضا محال. (وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له) أي بإيجاده المهيات الجوهرية وجعلها جواهر في الأعيان عرف أنه ليس بجوهر ولا مهية جوهرية إذ هي مهية إذا وجدت (2) في الخارج لم تفتقر في وجودها العيني إلى موضوع، ولا خفاء في أن وجودها زائد عليها، وليس وجود الواجب زائد عليه، بل هي عين ذاته الحقة الأحدية من كل جهة، فلا يكون له مهية جوهرية. (وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له) يعني بجعله بعض الأشياء ضدا لبعض كالحرارة والبرودة (3) والرطوبة واليبوسة والسواد والبياض والنور والظلمة إلى غير ذلك مما لا يحصى، عرف أن لا ضد له تعالى لأنه الخالق للأضداد، فلو كان له ضد لكان خالقا لنفسه ولضده وهو محال ولأن


1 - قوله: " يتشعيره المشاعر أن لا مشعر له " سيجئ إن شاء الله كلام في ذلك في بعض الخطب الآتية. 2 - قوله: " إذ هي مهية إذا وجدت " حمل الشارح (رحمه الله) الجوهر في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) على مصطلح الفلاسفة، ولا ريب أن اصطلاحهم متأخر عن زمانه (عليه السلام) ولا يجوز حمل ألفاظ الكتاب والسنة على اصطلاح أرباب الفنون الذي لم يكن معروفا في عهدهم، وليس هذا خاصا باصطلاح الفلاسفة بل يعم اصطلاحات الفقه والحديث وغيرهما أيضا، والأقرب أن يحمل الجوهر على الذوات المحدودة والمهيات المتميزة ويكون المراد كونه تعالى عين حقيقة الوجود المطلق كما ذكره الشارح أخيرا لأن إطلاق الجوهر في كلام العرب على المهيات والحقائق المعينة غير عزيز، ثم أن الجمل كما يتعلق بالوجود أصلا وبالذات يتعلق بالمهية ثانيا وبالعرض تبعا لجعل الوجود فيصح نسبة تجهير الجواهر إليه تعالى، وأما ما نقل من بعض الحكماء ما جعل الله المشمشة مشمشة بل أوجدها فليس مراده نفى الحمل مطلقا بل نفي الجعل أولا وبالذات. (ش) 3 - قوله: " كالحرارة والبرودة " ربما يتوهم أن التضاد بين الحرارة والبرودة ذاتي غير مجعول كساير المتضادات فكيف نسب جعله إليه تعالى ؟ والجواب أنه تعالى خلق الحرارة والبرودة وأمثالهما فتعلق خلقه بلوازمها كما ينسب الاحراق إلى من يشعل النار، ومن قال أن اللوازم غير مجعولة أراد بذلك جعلا مستقلا بعد جعل الملزومات لا نفي الجعل مطلقا ولا تفويض جعل شئ إلى غيره، وسيجئ الكلام في دلالة ذلك على نفي الضد له تعالى إن شاء الله، والكلام في حمل الشارح الضد على الاصطلاح الفلسفي ما مر. (ش) (*)

[ 170 ]

الضدين هما الأمران اللذان يتعاقبان على محل واحد ويمتنع اجتماعهما فيه فلو كان بينه وبين غيره تضاد لكان محتاجا إلى محل يحل فيه وهو محال. (وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له) (1) لأنه تعالى لما كان خالقا للمقارنات ومبدأ المقارنة بينها لم يجز أن يكون له قرين وإلا لكان خالقا لنفسه ولقرينه وأنه محال، ولأن المقارنة من باب الإضافة والمضاف من حيث هو مضاف كان وجوده متعلقا بوجود الغير، فلو كان للواجب قرين كان وجوده متعلقا بوجود قرينه، فلم يكن واجب الوجود، هذا خلف. (ضاد النور بالظلمة) تأكيد لقوله " وبمضادته بين الأشياء " وتقرير له، وفي كونهما ضدين خلاف بين العلماء مبني على كون الظلمة أمرا وجوديا أو عدميا، والأقرب أنها أمر وجودي مضاد للنور على أنه لو كان أمرا عدميا فالظاهر أنها عدم الملكة لا عدم صرف، فجاز أن يطلق عليها أنها ضد للنور مجازا (2). (واليبس بالبلل) اليبس بالضم مصدر وبالفتح اليابس، والثاني هنا أنسب بقرينة مقابلته مع البلل وهو بالتحريك: ما فيه الندى والرطوبة وهما متضادان باعتبار اتصافهما باليبوسة والرطوبة وقد يستعملان للكناية عن الشدة والرخاء، كما صرح به الزمخشري في الفايق، وبين هذين المعنيين أيضا تضاد. (والخشن باللين) الخشن بفتح الخاء وكسر الشين واللين بالفتح والتشديد وقد يخفف متضادان باعتبار الخشونة واللين بالكسر والسكون. (والصرد بالحرور) الصرد بالفتح والسكون البرد فارسي معرب والحرور بالفتح الريح الحارة وهي بالليل كالسموم بالنهار. وقال أبو عبيدة: الحرور بالليل وقد يكون بالنهار، والسموم بالنهار وقد يكون بالليل، وهما أيضا متضادان باعتبار اشتمالهما على البرودة والحرارة. (مؤلف بين متعادياتها) مؤلف بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو مؤلف، وهو الموافق لما في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام). وفي بعض النسخ: مؤلفا بالنصب على أنه حال عن فاعل " ضاد " والمقصود أنه تعالى ألف بقدرته الكاملة بين العناصر الأربعة (3) فإن كيفياتها المتضادة يجتمع بقدرته


1 - " وبمقارنته بين الأشياء " مراده (عليه السلام) بقرينة مقابلته للضد ما لا يمتنع اجتماعها. (ش) 2 - قوله: " ضد للنور مجازا " كلام الشارح مبنى على أن الضد في لغة العرب مرادف له في اصطلاح الفلاسفة، وإلا فكل معنيين لا يجتمعان ضدان حقيقة في اللغة وإن كان أحدهما عدميا. (ش) 3 - قوله: " بين العناصر الأربعة " العنصر: هو الجسم البسيط الطبيعة التي لم يبين قابلية انحلالها إلى طبيعتين مختلفتين وكان = (*)

[ 171 ]

وتنكسر سورة كل واحد منها بالآخر، فتحصل كيفية متوسطة هي المزاج، وبين الأرواح اللطيفة التي لا تحتاج في ذاتها إلى مادة أصلا، وبين الأبدان الكثيفة بإيجاد الربط والملائمة بينهما وبين القلوب المتعادية كما قال: * (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) * إلى غير ذلك مما لا يخفى على المعتبر. (مفرق بين متدانياتها) " مفرق " أيضا بالرفع، وفي بعض النسخ بالنصب، يعني هو المفرق بين المتدانيات والمتناسبات كما فرق بين كل واحد من العناصر وبين جزئه المأخوذ لغرض التركيب مع التناسب بين الجزء والكل في الطبيعة والكيفية وبين الأرواح والأبدان وبين أجزاء الأبدان بعد تدانيها وتقاربها بالموت والإفناء وبين قلوب متدانية لأمر مشترك بينهما كما قال * (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) * وبين أشياء متدانية بالأجناس والأنواع والأشخاص والحدود والأقدار والغرايز والصفات والخواص والآثار إلى غير ذلك مما يظهر على المتأمل. (دالة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلفها) دالة حال من المتدانيات المتفرقة والمتعاديات المتألفة يعني دلت تلك المتدانيات والمتعاديات بسبب التفريق والتأليف الواقعين فيها على وجود مفرقها ومؤلفها وصفاته مثل العلم والقدرة والحكمة (1) والتقدير والتدبير فإن تفريق أجزاء العناصر


= يزعم القدماء من اليونانيين وغيرهم أن العنصر واحد إما ماء وإما هواء أو غيرهما، ثم اتفق رأيهم على تربيع العناصر وتبين عند المتأخرين أن العناصر الأربعة المعروفة كلها مركبة من عناصر أخرى وكان جماعة منهم يعتقدون أن عدد العناصر خمسون ثم انكشف لديهم كونها أكثر حتى انتهى عددها في زماننا إلى قريب من مائة عنصر، ولا دليل على الحصر مطلقا ويظهر في كل زمان عنصر لم يكن معلوما للسابقين ولا طعن عليهم في ذلك، لأن العلم يزيد والإنسان ناقص وكلما كان عدد العناصر فلا ريب أن كل واحد منها يفعل وينفعل ويؤثر ويتأثر فما هو شديد التأثر يوصف بالحرارة وإن كان باردا في الحس في عرف الأطباء كالخردل والفلفل وفي مقابله بارد وبالقوة، وما ينفعل سريعا يوصف بالرطوبة وإن لم يكن مبلولا كالهواء ومقابله باليبوسة، وهذه الكيفيات الأربع الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة شاملة لجميع العناصر وإن كانت مائة، والمزاج حاصل من انفعال العناصر بعضها من بعض وكسر سورة خاصة كل بضدها والمزاج شئ روعي بالعناية الإلهية والحكمة المتقنة في توليد المواليد بحيث تحير فيه أفكار أولي الألباب كلما تعمقوا فيه انكشف لهم حكمة لم يكن منكشفة قبله ومصلحة لم يطلعوا عليها، فلو تفكرت في مزاج الدم مثلا في الإنسان أو مزاج اللحم في كل واحد من أعضائه والمصلحة في كل واحد من عناصر كل عضو ووجه الاحتياج إليها لتبين لك معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " مؤلف بين متعادياتها " ولا حاجة بنا ولا عناية للحكماء أيضا بعدد العناصر وأنها خمسون أو أكثر أو أقل، بل الغرض إثبات البساطة والتركيب والمزاج وحصول المواليد وإنما يهتم بالعدد أصحاب الصناعات والمتحرفون في حرفهم وصناعاتهم والأطباء في معالجاتهم لا الفلاسفة والمتكلمون في إثبات العناية الإلهية والحكمة الربانية وكلما ذكروه في العناصر الأربعة ثابت وإن تكثرت حتى صارت مائة. (ش) 1 - " مثل العلم والقدرة والحكمة " لا يقدر الانسان على إحصاء ما ضمنه أمزجة المواليد من الحكم والمصالح المختلفة كلما = (*)

[ 172 ]

منها مع وجود الداعي إلى الاجتماع (1) والالتصاق، وتأليف تلك الأجزاء مع وجود الداعي إلى الافتراق من أعظم الدلايل الدالة على ما ذكر، وكذا تفريق الأشياء المتدانية بأجناسها وأنواعها وأشخاصها وحدودها وحقيقتها وأشكالها وصفاتها مقاديرها وغرايزها وأخلاقها كما هي في نظام الوجود دليل واضح على ذلك، وكذا تأليف الأرواح بالأبدان مع كمال المعاداة بينهما بحسب الذات والصفات واللطافة والكثافة وإحداث الملايمة بينهما وتخصيص كل نفس ببدن من الأبدان على وجه تشتغل بتدبيره وإصلاحه واستعماله فيما يعود إليه من المصالح والمنافع على النظام الأقصد والطريق الأرشد، ثم التفريق بينهما بقطع الملايمة وإزالة الارتباط دليل قاطع على ذلك وقس على ما ذكرنا سائر التفريقات والتأليفات الواقعة في هذا العالم (وذلك قوله تعالى * (ومن كل شئ خلقنا زوجين (2) لعلكم تذكرون) * أي ذلك المعنى المذكور أعني وقوع التأليف والتفريق في الأشياء


= تكثر الوسائل والتجارب وتتبع الموجودات بأنحائها، ولا بد أن يعترف بعلم من ألف بين متعادياتها وقدرته وحكمته، وأشرنا الى مزاج الدم في الانسان كيف ركبه الصانع من جزء مايع وحيوانات صغيرة غواصة، وقال أصحاب التجربة: إن في بدن الانسان نحو جزء من ثلاثة عشر جزءا من وزنه من الدم وفي كل ميليمتر مكعب منه نحو خمسة ملايين جرثومة حمراء صغيرة وستة عشر ألف جرثومة بيضاء وكلها غواصة في مائع يحتوى على قريب من نصفه جسما بخاريا هوائيا وأملاحا ودسومة وغير ذلك، كلها لخاصة فيها ومصلحة يترتب على وجودها، وعلم الخالق أن سلامة بدن الانسان إنما تتوقف على وجود تلك العناصر في الدم بحيث لو زاد على ذلك أو نقص أوجب أمراضا هائلة. ففي دم الانسان ثلاثة إلى خمسة غرامات من ملح الطعام مثلا وللدم خاصية الترويح بالنسيم في الرية ودفع الأدخنة، وهذه الخاصية من المزاج الذي اختار له الخالق بقدرته وحكمته، فلو لم يكن الدم مركبا من عناصره المشخصة بالمقادير المحدودة لم يكن لجراثيمه أخذ النسيم الذي هو العمدة في تركيب الروح الحيواني ويستعمل الأطباء كثيرا تجزية الدم وتميز المواد فيه في تشخيص الأمراض، وما هذا إلا لأن زيادة بعض العناصر أو نقصه فيه مضر بصحة البدن، فيعرف منه حكمة الخالق فيه وفي كل شئ غيره ومثله. (ش) 1 - قوله: " مع وجود الداعي إلى الاجتماع " أراد بالداعي السبب، ولا يخفى أن أكثر العوام يطلبون دليل وجوده تعالى في الأمور النادرة والمخالفة للعادة كأنه لا يحتاج إليه تعالى في الوقائع المعتادة مثلا نبات الشجر من البذر معتاد لا ينسب إليه تعالى وأما ان نبت من الحجر مثلا فهو من الله ولا يجوز أن يحمل عليه كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأن كل شئ من الله وإنما يستدل عليه بإحكام الصنع ونظام الوجود كما قال الشارح " كما هي في نظام الوجود ". (ش) 2 - قوله: " ومن كل شئ خلقنا زوجين " هذا في الحيوانات ظاهر للعامة وفي النباتات ثابت بالتجربة للعارفين بهذا الشأن إذ تحقق لديهم أن في كل نبات ذكرا وأنثى، والذكر يلقح الأنثى وكان يسمى في النخل تأبيرا وفي ما سواها يلقح بالرياح الحاملة لنطفة ذكران النبات إلى أناثها، وأما في ساير الموجودات فيستدل عليه بحجة، وهي أن إفاضة الصور الحادثة على المواد متوقفة على حصول الاستعداد لها إذ معلوم أن كل شئ إذا خلى وطبعه ولم يؤثر فيه شئ من الخارج بقي على ما هو عليه أبدا، فلو بقي التراب من غير أن يؤثر فيه حرارة أو برودة أو ماء أو نار أو أي قوة أخرى بقى ترابا لم يستحل إلى شئ = (*)

[ 173 ]

ودلالتهما على وجود المؤلف والمفرق الصانع لهذا العالم مفاد هذه الآية الشريفة ومضمونها أما أولا فلما ذكره بعض المفسرين من أن المقصود أنه تعالى خلق كل جنس من أجناس الموجودات نوعين وهما زوجان، لأن كل واحد منهما مزدوج بالآخر كالذكر والأنثى، والسواد والبياض (1) والنور والظلمة، والليل والنهار، والحار والبارد، والرطب واليابس، والسماء المرفوعة، والأرض الموضوعة، والشمس والقمر، والثوابت والسيارات، والسهل والجبل، والبر والبحر، والصيف والشتاء، والجن والإنس، والعلم والجهل، والشجاعة والجبن، والجود والبخل، والإيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والحلاوة والمرارة، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والضحك والبكاء، والفرح والغم، والحياة والموت، إلى غير ذلك مما لا يحصى، وفايدة هذا التفريق دلالتهم على التذكر بأن لهذه الأشياء موجدا وأن موجده واحد إذ التعدد والانقسام والأزواج من خواص الممكنات.


= آخر نبات أو معدن أو حيوان، ويتوقف استحالته على تأثير مؤثر فيه حتى يتغير أي حتى يحصل له جديدة، ويسمى في عرفهم بالامكان الاستعدادي، وقالوا: كل حادث في مادة متوقف على سبق استعداد ولا يمكن ذلك إلا بوجود مؤثر في متأثر، والمؤثر بمنزلة الذكور، والمتأثر بمنزلة الإناث اللهم إلا في المبدعات التي استعدادها حاصل لها من خالقها ولا بد من الانتهاء إليها، لأن قوله تعالى: * (من كل شئ خلقنا زوجين) * لا يشمل نفس الزوجين مطلقا، لأن كل زوج لو كان من زوجين وكل واحد منهما من زوجين أيضا لزم التسلسل فهو بمنزلة أن يقال من كل شئ خلقنا زوجين إلا نفس الزوجين فكل شئ إنما يحصل من زوجين لتحصيل الاستعداد إلى أن ينتهى إلى ما يكون الاستعداد حاصلا له من غير توقف على تأثير وتأثر وتغير من حال إلى حال ويسمى مبدعا. والمبدعات عناصر مركبة كل واحد منها من مادة وصورة نوعية وجسمية بل كل شئ سوى الله تعالى زوج تركيبي له ماهية ووجود. (ش) 1 - قوله: " والسواد والبياض " والمناقشة في بعض هذه الأمثلة غير ضارة بأصل المقصود، والغرض أن هذه الأمور المتضادة مؤثرة في تحصيل الاستعداد للمواد حتى تتهيأ لقبول الصورة الكمالية، فالنور مؤثر لدفعه الظلمة عن بعض المواد، وجرب أن النباتات لا تنمو في الظلمة وبعض الحشرات لا تتولد في النور المحض، فالظلمة مؤثرة فيها بدفعها النور عنها والحرارة مهيئة لبعض المواد حيث لا تقبل الصورة الكمالية إلا بالحرارة كبعض الحيوانات وبيض الدجاج لا تنفلق عن الفراريج إلا بحفظها مدة في حرارة ثابتة وهكذا كل شئ حاصل من مدافعة الأمور المتضادة بعضها بعضا، والحكم والمصالح التي روعيت بعناية الصانع الحكيم في هذا التفريق والتأليف دالة على حكمته وعلمه وقدرته، وزعم بعض الجهلة أن الاستدلال بجمع المتضادين من جهة خرق العادة وذلك لأنهم يظنون الطبيعة والعادة شيئا وإرادة الله ومشيئته شيئا مضادا لهما فإن رأوا الأشياء جارية على مجرى العادة كالنار تحرق والماء يسيل إلى المنحدر لم ينسبوا فعلهما إلى الله تعالى إلا بالمجاز والتخلية والتفويض، وإن رأوا النار صارت بردا وسلاما، والماء جرى إلى فوق نسبوه إلى الله تعالى وزعموا أن الجمع بين المتضادين بمعنى تركيب شئ من الثلج والنار مثلا بحيث لا يطفئ النار ولا يذاب الثلج، والحق أن جميع أفعال الطبايع ومجاري العادات بمشيئة الله تعالى وليست إرادته ضدا للطبيعة ولا الطبيعة ضدا لإرادته تعالى، ولا مؤثر في الوجود إلا هو سواء كان على مجرى العادة أو غيرها. (ش) (*)

[ 174 ]

وأما ثانيا فلأن كل شئ سواه زوج تركيبي من الذات والوجود الزايد عليها مثلا وانحلاله إليهما وكل واحد منهما مزدوج بالآخر وزوج لصاحبه وهما زوجان، والتفريق بينهما مع كونهما متقاربين في قبول الإمكان والمجعولية بجعل هذا شيئا وذاك شيئا آخر، ثم التأليف بينهما بجعل الثاني عارضا للأول تحصيلا لتحققه في الخارج مذكر واضح ودليل قاطع على وجود الصانع المفرق والمؤلف بينهما لضرورة أن الذات القابلة للوجود الزائد عليها ليس التفريق بينهما ولا انضمام الوجود إليهما بمستندين إليها، لأن المعدوم لا يوجد نفسه فوجب استنادها إلى الغير، وهو ما ذكرنا. (ففرق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل ولا بعد له) هذا مثال للتفريق بين المتدانيات فإن الله سبحانه فرق بين أجزاء الزمان وبين الزمانيات مع التداني بينها في كونها زمانا وزمانية بأن جعل بعضها قبلا وبعضها بعدا حتى أن لكل قبل منها بعدا ولكل بعد منها قبلا ليعلم أن لا قبل له تعالى ولا بعد له وإلا لكان هو مشابها بخلقه فيكون ممكنا، والتالي باطل (شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها) شاهدة عطف على دالة بحذف العاطف فهي أيضا حال عما ذكر. والغريزة الطبيعة التي طبع عليها الأشياء (1) كأنها غرزت فيها، وضمير التأنيث في مغرزها يرجع إلى ذي الحال أو إلى الغرائز، والمراد بتغريز تلك الغرائز إيجادها في الأشياء على سبيل الاستعارة التحقيقية للمشابهة بينها وبين العود الذي يركز في


1 - قوله: " والغريزة الطبيعة التي طبع عليها الأشياء " ولعل الغريزة أعم من الطبيعة المصطلحة فإن الأولى تشمل غرائز الحيوانات على ما مثل به الشارح كالشجاعة للأسد، والطبيعة في اصطلاح الحكماء في أكثر الأمر تختص بما يصدر عنه الفعل على نهج واحد من غير شعور وأما بيان شهادة الغرائز بنفيها عن المبدأ فقد قال صدر الحكماء المتألهين (قدس سره): كل أمر وجودي يتحقق في الموجودات الإمكانية فنوعه وجنسه مسلوب عنه تعالى ولكن يوجد له ما هو أعلى وأشرف منه، أما الاول فلتعاليه عن النقص وكل مجعول ناقص وإلا لم يكن مفتقرا إلى جاعل وكذا ما يساويه في المرتبة، وآحاد نوعه كأفراد جنسه. وأما الثاني فلأن معطي كل كمال ليس بفاقد له بل هو منبعه ومعدنه وما في المجعول رشحه وظله فهو سبحانه ذات الذوات ووجود الوجودات وحقيقة الحقائق وعلم العلوم إلى آخر ما قال. وقد نقله عنه المجلسي (رحمه الله) بعنوان بعض الافاضل ونقل جملة من عباراته السابقة عليه واللاحقة، وربما يورد هنا شك وهو أنه ما الفرق بين هذه الأمور وبين الصفات التي تثبت له تعالى وكيف يصح وأن يقال " بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له وبتجهيره بالجواهر عرف أن لا جوهر له وبتغريزه الغرايز علم أن لا غريزة له " إلى غير ذلك ولا يصح أن يقال: بتعليمه العلماء عرف أن لا علم له وبتقديره القادرين عرف أن لا قدرة له ؟ ويظهر جوابه من كلام صدر المتألهين (قدس سره): وبوجه تركيب هذه الحجة نظير تركيب قياس المساواة فيقال ألف مساو ل‍ " ب " و " ب " مساو ل‍ " ج " فألف مساو ل‍ " ج " ولا يقال ألف نصف " ب " و " ب " نصف " ج " فألف نصف الحجة تكمل بمقدمة مطوية كلما صحت أنتج القياس وكلما لم تصح لم تنتج وهي مساوي المساوي مساو وهي صحيحة ونصف النصف نصف ليست بصحيحة وهكذا هنا بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له وهو كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) صحيح. وبتعليمه العلماء عرف أن لا علم له غير صحيح، لأن هنا مقدمة مطوية صحيحة في الأول وغير صحيحة في الثاني، وهي وأن المشعر ليس إلا مخلوقا لنقصه وعدم تصور مشعر يكون واجب الوجود وهذا صحيح ولا يصح أن العلم ليس إلا مخلوقا، ولا يتصور علم يكون عين ذات الواجب، وسيأتي إن شاء الله لذلك تتمة في شرح حديث حارث الأعور. (ش) (*)

[ 175 ]

الأرض من جهة الغاية ومن جهة المبدأ، فكما أن العود يثمر ثمرا منتفعا بها كذلك الغرائز تثمر الآثار الموافقة لنظام العالم كقوة التعجب والضحك والإدراك للإنسان والشجاعة للأسد والجبن للأرنب والمكر للثعلب (1) إلى غير ذلك مما تعلم ولا يعلم من آثار طبايع هذا العالم وخواصها فدلت تلك الأشياء بسبب الغرائز المركوزه فيها والطبايع المغروزة فيها أن لا غريزة لمغرز تلك الغرائز وموجدها ضرورة أن ذات الخالق الواجب بالذات مغايرة لذوات المخلوقات غير مشابهة بغرايزها المخلوقة وإلا لكان هو ممكنا مخلوقا مثلهم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (مخبرة بتوقيتها أن لاوقت لموقتها) (2) يعني أن الله تعالى قدر الأشياء بالعلم الأزلي وربط كل ذي


1 - قوله: " والمكر للثعلب " هذه الغرائز في الحيوان تارة تسمى فطنا وأخرى إلهاما وأخرى جبلة، وفي توحيد المفضل: " فكر يا مفضل في الفطن التى جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفا من الله عزوجل لهم لئلا يخلو من نعمه - جل وعز - أحد من خلقه لا بعقل وروية - الى أن قال - والثعلب إذا أعوزه الطعم تماوت ونفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها فأخذها. فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذا وشبهه " وفي ذلك الكتاب أيضا: " انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس لها بيض مجتمع ولا وكر موطى بل تنبعث وتنتفخ وتقوقي وتمتنع من الطعم حتى يجمع لها البيض فتحضنه وتفرخ فلم كان ذلك منها الا لاقامة النسل ؟ ومن أخذها بإقامة النسل ولا روية ولا تفكر لولا أنها مجبولة على ذلك ؟ " وفيه أيضا: " ثم صار الطائر السابح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه أسبوعا وبعضها اسبوعين وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسع حوصلته للغذاء ثم يربيه ويغذيه بما يعيش به فمن كلفه أن يلقط الطعم ويستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه ؟ ولأي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي روية ولا تفكر ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العز والرفد وبقاء الذكر الى آخره ؟ ومن ذلك كله تعرف أن الغريزة ومرادفاتها معان أخذت فيه قيد لا يمكن إثباته لواجب الوجود، وهذا القيد صدور فعل أعظم وأحكم من علم الفاعل وقدرته، وجل الحق تعالى من أن يصدر عنه فعل لم يتعلق به علمه وقدرته فليس فيه غريزة. (ش) 2 - قوله: " أن لا وقت لموقتها " نفي الزمان عن الواجب تعالى متواتر في الروايات موثق بالدلائل العقلية والحجج البرهانية وقد مر نبذة منها وبذلك يعلم أنه لا يمكن إثبات زمان بين وجود الواجب وأول الصوادر عنه ولا يصح أن يقال: مضى زمان كان فيه واجب الوجود وحده ولم يكن شئ من المخلوقات، ولا أن يقال: عدم الممكنات مقدم زمانا على حدوثها. وقد حكى العلامة المجلسي (رحمه الله) في المجلد الرابع عشر من بحار الأنوار تصريحات من العلماء ومؤكدات لذلك منها ما عن المحقق الطوسي قال: والعقل كما يأبى عن إطلاق التقدم المكاني كذلك يأبى عن إطلاق التقدم الزماني بل ينبغي أن يقال أن للباري تعالى تقدما خارجا عن القسمين وإن كان الوهم عاجزا عن فهمه. وعنه أيضا: أزليته تعالى إثبات سابقية له على غيره، ونفي المسبوقية عنه، ومن تعرض للزمان أو الدهر أو السرمد في بيان الأزلية فقد ساوق معه غيره في الوجود، ونقل عن الكراجكي بعد نفى كون تقدم في الوجود التقدم المفهوم المعلوم الذي يكون أحدهما به موجودا والآخر معدوما، ولسنا نقول إن هذا التقدم موجب للزمان لأن الزمان أحد الأفعال والله تعالى متقدم جميع الأفعال، وليس أيضا من شرط التقدم والتأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان، لأن الزمان نفسه قد يتقدم بعضه على بعض، ولا يقال: إن ذلك مقتض لزمان آخر = (*)

[ 176 ]

وقت بوقته بحيث لا يتأخر المتقدم ولا يتقدم المتأخر فهي تخبر بسبب كونها موقتة أن لا وقت لموقتها لامتناع تشبيهه بخلقه وارتباط وجوده بوقت وافتقاره إلى الموقت، وسبق العدم على وجوده (حجب بعضها عن بعض) (1) أما تحقق الحجاب بين المحسوسات بعضها عن بعض وبين المحسوسات والحواس فظاهر، وأما تحققه بين المعقولات والعقل ويسمى ذلك الحجاب بالحجاب العقلي فلأن كثيرا من الأمور المعقولة لا يدركه العقل أصلا ولا يصدق بوجودها أبدا لعدم ارتباطها بما أدركه أو لبعد ارتباطها عنه أو لخفائها وغاية دقتها (ليعلم أن لا حجاب) أصلا (2) لا حسي ولا عقلي (بينه وبين خلقه) يمنعهم من مشاهدة وجوده


=. وقال أيضا: لو قلنا أن بين القديم وأول الافعال أوقاتا بالحقيقة لناقضناه ودخلنا في مذهب خصمنا - نعوذ بالله - من هذا. وعن أبي القاسم البلخي: لا يطلق القول بأن بين القديم وأول المحدثات مدة ونقول إنه قبلها بمعنى أنه تعالى كان موجودا ثم وجدت. وعن المفيد (رحمه الله): الزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفعل محتاجا في وجوده إلى وقت ولا زمان، وعلى هذا القول ساير الموحدين. ونقل عن اثولوجيا كلاما ارتضاه: لابد للعلة أن يكون قبل المعلول فيتوهم المتوهم أن القبلية هي الزمان وليس ذلك كذلك ونقل في خلال ما سبق أمورا يوهم مناقضتها له لا حاجة بنا إلى ذكره ورده. وبالجملة فالحدوث الزماني بمعنى كون وجود الحادث الأول بعد عدمه زمانا باطل، ولعل من تلفظ بالحدوث الزماني أو بكون الزمان سابقا على كل موجود أراد بكلامه غير ما يدل عليه لفظه ولم يستطع التعبير عن غرضه. (ش) 1 - قوله: " وحجب بعضها عن بعض " الزمان والمكان كلاهما حاجبان، والمناسبة بين الحجاب والزمان حيث ذكره بعده أن الزمان علة للحجاب والواقع في زمان معين لا يعلم ما في الماضي والمستقبل وكذا الواقع في مكان لا يعلم ما في مكان آخر، وأما واجب الوجود وما خلقه لا في زمان ومكان، فإن نسبة جميع الأزمنة والأمكنة إليهم واحد، ونفس الإنسان باعتبار جسمانيتها محجوبة كساير الجسمانيات فإنه لا يمكن لها الاطلاع على الغائبات بخلاف ذاتها المجردة. ألا ترى أن الإنسان في النوم أو في الرياضات إذا تخلى بنفسه وانصرف من عالم الطبيعة إلى باطنه قد يرى الأمور الغائبة والمستقبلة. (ش) 2 - قوله: " ليعلم أن لا حجاب أصلا " هذه العبارة وما شابهها تدل دلالة واضحة على صحة الاعتماد على الأدلة العقلية ووجوب التفكر فيها، لأن دلالة كون الممكنات محجوبة بعضها عن بعض على عدم الحجاب بينه تعالى وبين خلقه متوقفة على مقدمات نظرية لا يهتدي إليها الظاهريون بمجرد مطالعة الألفاظ وفهم مداليلها لغة وعرفا، ومثلها قوله (عليه السلام) " بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له " وغيره من أمثاله. قال العلامة المجلسي (رحمه الله): عن بعض الأفاضل يعني صدر المتألهين (قدس سره) في تقرير الدليل أن الطبيعة الواحدة لا يمكن أن يكون بعض أفرادها علة لبعض آخر لذاته لأنه لو فرض كون نار علة لنار فعلية هذه ومعلولية تلك أما لنفس كونهما نارا فلا رجحان لأحدهما في العلية وللأخرى في المعلولية بل يلزم أن تكون كل نار علة للأخرى بل علة لذاتها ومعلولا لذاتها وهو محال، وإن كانت العلية لانضمام شئ آخر فلم يكن ما فرضناه علة علة بل العلة حينئذ ذلك الشئ فقط لعدم الرجحان في إحداهما للشرطية والجزئية أيضا لاتحادهما من جهة المعنى المشترك، وكذلك لو فرض المعلولية لأجل ضميمة فقد تبين أن جاعل الشئ يستحيل أن يكون مشاركا لمجعوله - إلى آخر ما قال - وهذه عبارة صدر المتألهين بعينها. أترى أن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يمكن فهمه من دون التفكر في أمثال هذه

[ 177 ]

والتصديق بثبوته وإلا لكان مشابها بخلقه في الاحتجاب وذلك باطل لامتناع المشابهة ولظهور نور وجوده في كل ذرة من الموجودات وارتباط إشراق جوده بكل معقول من المعقولات كما قال: * (وأشرقت الأرض بنور ربها) * وقال: * (أفي الله شك فاطر السموات والأرض) * ويحتمل أن يراد أنه حجب بعضها عن بعض بحجاب حسي ليعلم أنه ليس بينه وبين خلقه حجاب حسي وإلا لرفع التشبيه بالمحسوس في المحسوسية والوضع والجهة والجسمية، لأن الحجاب الحسي إنما يحجب من المحسوسات ذا الوضع والجهة والجسمية، والله سبحانه منزه عنها (كان ربا إذ لا مربوب) (1) إذ ظرفية على توهم الزمان أي كان ربا في الأزل ولم يكن شئ من


= الدقيقة ولو كان ممكنا لم يحتج المجلسي (رحمه الله) إلى نقل عبارة الصدر (قدس سره) مع أنه نقلها في مرآة العقول وفي البحار أيضا. واستدل أيضا صدر المتألهين هنا ببرهان أدق حاصله أن تأثير الجسم أن فرض تأثيره وتأثير قواه ومتعلقاته إنما يكون بمشاركة الوضع ولكن لا وضع لشئ بالقياس إلى ما لم يوجد بعد، إذ كل علة مقتضية للشئ فلها مرتبة في الوجود سابقة على وجود معلوله، وإذا كان تأثير العلة الجسمانية بمشاركة الوضع والوضع لا يتحقق إلا بعد وجود ما بالقياس إليه الوضع أو مادته وأما ذات الجسم والمادة التي كلامنا فيه فلا يمكن أن يكون لموجدها وضع بالقياس إليها قبل وجودها وإلا لزم تقدم الشئ على نفسه، فإذن موجد الجسم يجب أن لا يكون جسما ولا جسمانيا فيكون مرتفع الذات عن عالم الاحتجاب والظلمات، فوجود المحتجبات دل على أن موجدها موجود غير محتجب عن الخلق. انتهى ما أردنا نقله. ولو كان مراد أمير المؤمنين (عليه السلام) ما خطر ببال بعض أهل الظاهر من التمسك بصرف عدم الاشتباه بتقرير أن كل صفة وجدت في الممكنات دلت على عدمها في الواجب تعالى، مثلا: وجود الحجاب في الممكنات دال عدمه في الواجب ووجود الزمان والمكان والجسم والمشعر والغريزة والضد والمثل والقرين في الممكن دل على عدم جميع تلك في الواجب كان برهانا ناقصا وغير صحيح إذ يلزم منه أن ثبوت العلم في الممكن دال على الجهل في الواجب، والحياة فيه على عدم الحياة فيه، والسمع والبصر والقدرة وغير ذلك، فلا بد من الفرق كما قلنا. وما يقال من أن كلام الأئمة (عليهم السلام) لفهم جميع الناس البدوي والقروي والعالم والجاهل وأمثال هذه المطالب الدقيقة مما لا يمكن فهمه للعامة ولا يمكن أن يبتنى عليها أدلة العقائد في كلام الأئمة (عليهم السلام)، نقول في جوابه لا نسلم أن جميع ما ورد في الدين ورد لجميع الناس بل ورد بعضها لأهل العلم والفطنة لأن لهم حقا أداه الأئمة (عليهم السلام) إليهم ولا نوجب على الناس كافة فهم كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه المطالب بل نوجب اعترافهم بعلمه (عليه السلام) وإن لم ينالوه كما نعترف بفضل ساير العلماء والحكماء وإن لم نعرف جميع مطالبهم. (ش) 1 - قوله: " كان ربا إذ لا مربوب " هذا متفرع على نفي الزمان عنه تعالى وعدم الحجاب بينه وبين خلقه وبيانه: أن الموجودين إن كانا زمانيين وكانا محجوبين كل عن الآخر لم يتصور أن يكون أحدهما يربي الاخر أو يشاهده أو يسمعه وأما إذا لم يكن شئ زمانيا ولم يحجب عن غيره وكان نسبة جميع الأزمنة إليه على سواء لم يفرق الماضي والحال والاستقبال بالنسبة إليه وكما هو عالم بما في الحال والماضي عالم بما في المستقبل وكما يتعلق تصرفه وتربيته بالنسبة إلى ما في الحال كذلك يتعلق بما في الاستقبال فهو رب إذ لا مربوب وهذا جزئي من فروع مسألة ربط الحادث بالقديم ولا يتعقله الماديون وأهل الظاهر وأصحاب الأوهام البتة لكونهم في الزمان ولا يتصورون شيئا محيطا بالأزمنة كما لا يتصورون شيئا لا يكون في مكان أو = (*)

[ 178 ]

المربوب موجودا فيه لأنه كان مالكا لأزمة الإمكان وتصريفه من العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم حيث شاء ومتى أراد. (وإلها إذ لا مألوه) إذ كان في الأزل مستحقا للعبادة، ولا يتوقف هذا المعنى على وجود المألوه. (وعالما إذ لا معلوم)، لأن علمه بالأشياء عين ذاته وتقدم ذاته على معلولاته الحادثة ومعلوماته الكاينة ظاهر فظهر أنه كان عالما ولم يكن معلوم في الوجود سوى ذاته فهو كان في الأزل عالما ومعلوما وعلما ولم يكن معه شئ. (وسميعا إذ لا مسموع) لأن سمعه عبارة علمه بالمسموعات وهو سبحانه كان في الأول عالما بها قبل وجودها وليس سمعه بالقوة السامعة حتى يتوقف تحققه على وجود المسموعات. * الأصل: 5 - علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن شباب الصيرفي واسمه محمد بن الوليد، عن علي ابن سيف بن عميرة قال: حدثني إسماعيل بن قتيبة قال: دخلت أنا وعيسى شلقان على أبي عبد الله (عليه السلام) فابتدأنا فقال: عجبا لأقوام يدعون على أمير المؤمنين (عليه السلام) ما لم يتكلم به قط، خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس بالكوفة فقال: الحمد لله الملهم عباده حمده وفاطرهم على معرفة ربوبيته، الدال على وجوده بخلقه وبحدوث خلقه على أزله وباشتباههم على أن لا شبه له، المستشهد بآياته على قدرته، الممتنعة من الصفات ذاته، ومن الأبصار رؤيته، ومن الأوهام الإحاطة به، لا أمد لكونه، ولا غاية لبقائه، لا تشمله المشاعر، ولا تحجبه الحجب والحجاب بينه وبين خلقه إياهم لامتناعه مما يمكن في ذواتهم ولإمكان مما يمتنع منه ولافتراق الصانع من المصنوع والحاد من المحدود والرب من المربوب، الواحد بلا تأويل عدد، والخالق لا بمعنى حركة، والبصير لا بأداة، والسميع لا بتفريق آلة، والشاهد لا بمماسة، والباطن لا باجتنان، والظاهر البائن لا بتراخي مسافة، أزله نهيه


= حيز ولا يتعقلون كون الخلاء مخلوقا وكون الفضاء متناهيا كذلك لا يتصورون شيئا إلا في زمان حتى أن وجود الواجب تعالى عندهم شئ مستمر متصل قابل للتطبيق على الأزمنة وأجزائها وإن لم يكن فيه تغيير ظاهر، وإن تفوهوا بعدم ثبوت زمان له تعالى فإن معناه غير ثابت عندهم وغير معقول لديهم ويقولون لو لم يكن في الدنيا تغير وحركة أصلا بل كان أجسام ثابتة على حال واحدة جميعا يتصور زمان من استمرار وجودها وهذا غير معقول، نعم اننا لممارستنا طول حياتنا أمورا متغيرة ارتكز في أذهاننا معنى الزمان فإذا تصورنا شيئا غير متغير قايسنا بينه وبين الزمان المرتكز في ذهننا من سابق علمنا بالاشياء المتدبرة وظننا لزوم ثبوت الزمان واقعا للأشياء، ولو فرضنا رجلا خلق دفعة ولم ير متغيرا أصلا ولم يكن طفلا حتى يشب ويكهل ويشيب ولا يرى ليلا ولا نهارا وشمسا وقمرا ولا شيئا من هذه المتغيرات أصلا لم يكن معنى الزمان المنقضي مرتكزا في خاطره، ولم يضطر إلى تصور استمرار الوجود والزمان في الباري تعالى. (ش) (*)

[ 179 ]

لمجاول الأفكار، ودوامه ردع لطامحات العقول، قد حسر كنهه نوافذ الأبصار، وقمع وجوده جوائل الأوهام، فمن وصف الله فقد حده ومن حده فقد عده ومن عده فقد أبطل أزله، ومن قال أين ؟ فقد غياه، ومن قال علام ؟ فقد أخلا منه، ومن قال فيم ؟ فقد ضمنه. * الشرح: (علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن شباب الصيرفي واسمه محمد بن الوليد، عن علي بن سيف بن عميرة قال: حدثني إسماعيل بن قتيبه) عده العلامة من أصحاب الرضا (عليه السلام) وقتيبة بضم القاف وفتح التاء والياء بينهما ياء ساكنة مثناة من تحت وقال بعض المحققين: المظنون أن الذي في هذا السند إسماعيل بن حقيفة بالحاء المهملة والقاف، وقال بعض الأفاضل إسماعيل بن جفينة بالجيم والفاء وهو رجل صالح من أصحاب الصادق (عليه السلام) (قال: دخلت أنا وعيسى شلقان) هو عيسى بن أبي منصور شلقان بفتح الشين واللام، واسم أبي منصور صبيح قال النجاشي عيسى بن صبيح العزرمي ثقة، وقال الكشي: سألت حمدويه بن نصير عن عيسى فقال: خير فاضل هو المعروف بشلقان وهو ابن أبي منصور واسم أبي منصور صبيح. وقال الصادق (عليه السلام) في حق عيسى: إنه خيار في الدنيا وخيار في الآخرة، وقال فيه أيضا: من أحب أن يرى رجلا من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. والذي يظهر مما ذكرنا أن شلقان ليس اسما لأبيه. وقال بعض المحققين: عيسى بن شلقان ذكره الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) ولعل ترك " ابن " في نسخ الكافي من تروك الناسخين والله أعلم. (على أبي عبد الله (عليه السلام) فابتدأ) بالكلام من غير سؤال (فقال عجبا) نصبه على المصدر أي عجبت عجبا (لأقوام يدعون على أمير المؤمنين (عليه السلام)) في باب التوحيد (ما لم يتكلم به قط) (1) سبب التعجب عن ذلك أن ما نسبوه إليه (عليه السلام) كان السبب الباعث لهم على ذلك أمرا خفيا فصار ذلك محلا للتعجب ولذلك كلما كان الأمر أغرب وأسبابه أخفى كان أعجب، ولعل الغرض إظهار هذا التعجب تنفير الحاضرين عن مقالة هؤلاء الأقوام وتحريك نفوسهم إلى الاعتبار لئلا يقعوا فيما وقع هؤلاء. ثم أشار على سبيل الاستيناف إلى براءة ساحته (عليه السلام) عما نسبوه إليه مع الإيماء إلى ذمهم في ترك ما ينبغي أن يأخذوه منه بقوله (خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس بالكوفة فقال: الحمد لله الملهم عباده


1 - قوله: " ما لم يتكلم به قط " من دعوى الألوهية وهؤلاء الأقوام من الغلاة وربما ينسب هذه الدعوى إلى عبد الله بن سبأ ويقال إن أمير المؤمنين (عليه السلام) هم بإحراقه مع أتباعه أو أحرقهم. وهو بعيد، وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يعذب بالنار إلا رب النار، وفي كتاب الملل والنحل للشهرستاني: أنه أظهر الدعوى بعد انتقال أمير المؤمنين (عليه السلام) فليس دعوى الإحراق صحيحة، والله العالم. (ش) (*)

[ 180 ]

حمده) حمد الله تعالى باعتبارات لا ينبغي إلا له: الأول: أنه ألهم عباده حمده على ذاته المنزهة عن لواحق الإمكان وصفاته المقدسة عن الزيادة والنقصان ونعمائه الفائضة على الإنس والجان، وآلائه المنثورة في عرصة الإمكان إذ لا يخلو أحد من نعمه في شئ من الأحوال، فلا يخلو من حمده بلسان الحال أو المقال كما قال جل شأنه * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) * (وفاطرهم على معرفة ربوبيته) (1) إذ العقول البشرية مفطورة على الاعتراف بربوبيته كما دل عليه قوله تعالى * (ألست بربكم ؟ قالوا ! بلى) * وذلك لأنه تعالى وهب كل نفس قسطا من معرفته وفطرها على استعداد قبول كمال إلهيته حتى نفوس الجاحدين له فإنها أيضا اعترفت بربوبيته لشهادة أعلام الوجود وآيات الصنع بصدورها عنه حتى حكم صريح بديهتها إذا لم ينخدع من الوهم بالحاجة إلى رب صانع حكيم (الدال على وجوده بخلقه) إشارة إلى طريق الطبيعيين وهو الاستدلال بالنظر في المخلوقات وطبايعها وإمكانها وتكونها وحدوثها وقبولها للتغير والانتقال والتركيب والتحليل على وجود المبدأ الأول، وإلى هذا الطريق أشار خليل الرحمن كما هو المذكور في القرآن، والمتكلمون فرعوا هذا الطريق إلى أربع طرق، لأن بعضهم استدلوا بحدوث هذه الذوات على إمكانها (2) وبإمكانها على حاجتها إلى موجد مؤثر، وبعضهم استدلوا بحدوث هذه الذوات فقط من غير نظر إلى الإمكان فقالوا: الأجسام محدثة وكل محدث فله محدث والمقدمة الأولى استدلالية (3) والثانية بديهية، وبعضهم


1 - قوله: " وفاطرهم على معرفة ربوبيته " من الأمور التي فطر الله الخلق عليها اعترافهم بربوبيته وخضوعهم وهذا نظير فطرة الحيوان على معرفة الذكر من الأنثى، وما ينفع ويضر من الطعام، والهرب من الموت، ومحبة الأولاد، وهي غرايز طبيعية غير قسرية إذا خرج منها عاد إليها كما إذا سخن الماء قسرا رجع إلى البرودة. (ش) 2 - قوله: " بحدوث هذه الذوات على إمكانها " والفرق بين الأول والثاني توسيط الإمكان، والغرض منه أن الحدوث لا يمكن أن يكون علة للحاجة كما مر، نعم يمكن أن يكون دليلا على الإمكان إذ لو كان واجبا كان قديما لكنه ليس قديما فليس واجبا. (ش) 3 - قوله: " والمقدمة الأولى استدلالية " إذ ليس حدوث الأجسام بديهيا، واستدلوا عليه بأن الجسم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث حادث فالجسم حادث، أما أن الجسم لا يخلو عن الحوادث فلأنه إما أن يكون ساكنا أو متحركا والسكون هو الكون في الآن الثاني في المكان الأول، والحركة كونه في الآن الثاني في المكان الثاني، والكون الثاني حادث لا محالة. أما أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث فلأن عدد تلك الحوادث لا يمكن أن يكون غير متناه ببرهان التطبيق وقد مر تقريره في المجلد الثالث. فإن ناقش أحد في استحالة عدم تناهى الأكوان بأن عدد الأكوان بين المبدأ والمنتهى في الحركة غير متناه أيضا، لأن المسافة التي يتحرك فيها الجسم والزمان ينقسمان إلى غير النهاية لبطلان الجزء الذي لا يتجزى ولو فرض أن أكوان هذا الجسم في = (*)

[ 181 ]

استدلوا بحدوث الصفات على وجود موجد لها، فقالوا: الأجسام كلها متماثلة، وقد اختص بعضها بصفات ليست للآخر، وذلك التخصيص ليس للجسمية ولا للوازمها لاشتراك الأجسام فيهما فوجب اشتراكها في الصفات ولا لعارض من عوارضها، لأن الكلام في تخصيص ذلك العارض (1) مثل


= كل نقطة من نقاط المسافة أمور بالفعل لها عدد حقيقة لزم كون غير المتناهى محصورا بين حاصرين وهو أفحش من التسلسل وإن فرض أن كثرة الأكوان بالقوة نظير تقسيم الجسم والمقادير إلى غير النهاية بالقوة لبطلان الجزء الذي لا يتجزى فليس عدم التناهي بالقوة باطلا. قلنا: في جواب المناقشة: يكفينا في إلزام الملاحدة وتبكيتهم الحوادث المتباينة المتفاصلة التي لها كثرة بالفعل وعدد بالحقيقة فإنهم معترفون بعدم تناهي تلك الحوادث أيضا مثل عدد الأيام والليالي وتوليد المواليد من النبات والحيوان ولا نحتاج إلى التمسك بالكثير بالقوة كأكوان الحركة والسكون فإن ناقشوا في تلك الحوادث المتفاصلة أيضا بأن عدم التناهي إنما يبطل فيما يجتمع في الوجود لا في المتعاقبات أو أنكروا عدم تناهيها أصلا، أجبنا بأنا لا نحتاج أيضا إلى البحث فيه بل نقول: الجسم مركب من المادة والصورة، ومحال أن توجد المادة بغير صورة فهي محتاجة إلى الصورة البتة، والصورة إما جسمية بمعنى الاتصال وتتغير بالافتراق إلى صورتين أو أكثر، وإما صورة نوعية كالنارية والمائية والحديدية والنحاسية والحيوانية والنباتية، ولا ريب أن تغيرها بالاستحالة، فمادة الجسم لا تخلو عن قبول الحوادث التي هي صورها وعدم خلوها عنها بمعنى احتياجها إليها، وما لا يخلو عن الحوادث محتاجا إليها مخلوق، وكل مخلوق حادث، فاحتاج إلى محدث واجب، وتبين بذلك كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) " الدال على وجوده بخلقه " وليس غرضنا إلا تفسير كلامه، وهذا يكفينا في هذا الغرض. (ش) 1 - قوله: " لأن الكلام في تخصيص ذلك العارض " تقرير الاستدلال أن للجسم عوارض وحالات لا ينفك عنها كالشكل والمقدار والأين وأمثال ذلك مما يتساوى نسبته إلى أفراد كل منها فيمكن أن يكون كرة أو مكعبا أو أسطوانة وذراعا أو شبرا أو ميلا، وفي هذا المكان أو ذلك المكان، وليس تخصصه بواحد منها لجسميته لتساوي الأجسام في الجسمية واختلافها في العوارض، ولو كانت العلية لنفس الجسمية لكانت جميع الأجسام في مكان واحد وعلى شكل ومقدار واحد وهو محال وليس لعارض من عوارضها، لأن الكلام في تخصيص ذلك العارض الذي أوجب كونه كرة بهذا الجسم والعارض الذي أوجب كونه مكعبا بذلك باق بحاله ولا يتسلسل، فوجب أن ينتهى إلى واجب الوجود، وحينئذ نقول: الجسم أيضا محتاج في وجوده إلى الواجب لأنه محتاج إلى هذه العوارض المحتاجة إلى الواجب والمحتاج إلى المحتاج محتاج. فإن قيل: لعل المخصص هو الطبيعة أي الصورة النوعية. قلنا: الطبيعة محتاجة إلى علة تنتهى إلى الواجب وقيل: هذا أيضا غير صحيح، لأنا نرى أجساما مشتركة في الصورة النوعية كالحديد والنحاس يتساوى نسبتها إلى الأشكال والمقادير، وكما يمكن أن يكون قطعة من نحاس كرة يمكن أن تكون مكعبة وعلى مقادير مختلفة فتعيين بعضها لهذه القطعة وغيره لتلك القطعة بمخصص لا محالة غير الطبيعة. فإن قيل: لعل المخصص صنعة الصانع أو المعدات السابقة فإنك ترى جسما كرة أو مكعبا بصنعة إنسان أو بتأثير العوامل الطبيعية السابقة واستعداد المادة فترى جبلا أعظم من جبل وبحرا أوسع من بحر لهذه المعدات ومعدن النحاس في أرض بمقدار والملح في مكان آخر بمقدار. قلنا: الكلام في الجسم البسيط الاول الذي لم يتركب من أجزاء، أخر أعني العناصر لا المواليد وما يتوهم نسبته إلى المعدات على = (*)

[ 182 ]

الكلام في الأول ويلزم التسلسل ولا للطبيعة لأنها لا تفعل في المادة البسيطة كالنطفة (1) مثلا أفعالا مختلفة فبقي أن يكون ذلك التخصيص من مدبر حكيم، وبعضهم استدلوا بحدوث الصفات على وجود مدبر والمتكفل لبيان هذه الطرق وما لها وما عليها على وجه التمام هو علم الكلام. (وبحدوث خلقه على أزله) إذ لو كان حادثا لكان مثلهم في الحدوث وليس كمثله شئ (2) وإذا


= فرض الصحة إنما هو المركب وأما البسيط الذي لم يتحصل ولم يستحل من جسم آخر باعتقاد هؤلاء وكان بد أن يكون في أزليته على شكل ومقدار معين مع احتمال كونه على غير ذلك المقدار وغير ذلك الشكل فلا يمكن نسبة تخصصه بشكل ومقدار بعلة معدة سابقة كالمركبات والمواليد ولا بد أن يلتزموا إما بعدم استحالة الترجح من غير مرجح أو إمكان وجود وجسم أزلي بغير مقدار وشكل، وقد ذكر الشيخ الصدوق ابن بابويه (رحمه الله) في كتاب التوحيد كلاما في حدوث الأجسام يقرب مما ذكرنا وتمسك باجتماع بعض الأجسام مع بعض وافتراق بعضها من بعض فإنهما مما لا يخلو منها الأجسام البتة أزلا لو فرض أزليتهما كما قلنا في الشكل والمقدار. وقال ليس إحدى الحالتين أولى بالجسم من الأخرى ولا بد لتخصيص إحداهما من موجب كما مر، وفي هذا الاستدلال مناقشة لأنه مبني على مسلمات الخصم فهو حسن في مقام الجدل لا في البرهان، إذ لقائل أن يقول: إني لا أعترف بوجود عناصر بسيطة مختلفة على ما عليه الحكماء قديما وجديدا ولعل العنصر الأصلي واحد يقتضي بطبعه شكلا معينا على مقدار معين يملأ الفضاء، ثم حصل غيره باستحالته وتركيبه وتغيره والتغير من الصفات اللازمة للاجسام ولما لم يكن نظير هذا القول مذهبا لأحد اكتفوا بما قالوا، ولو تمسكنا بما قال الإمام الصادق (عليه السلام) في جواب ابن العوجاء على ما يأتي كان أولى وأصح. (ش) 1 - قوله: " لأنها لا تفعل في المادة البسيط كالنطفة " وفيه أنا لا نعلم بساطة النطفة بل نعلم تركبها من أجزاء مختلفة فالوجه أن يبين عدم كفاية الطبيعة بما نقلنا عن الصدوق عليه الرحمة وما قلنا في الحاشية السابقة. (ش) 2 - " وليس كمثله شئ " قد مر سابقا أن مثل هذا البيان غير كاف لتفسير كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ولو صح هذا لجرى مثله في العلم والقدرة والحياة فإن هذه الصفات موجودة في الممكنات ولو كانت في الواجب أيضا لكان مثلهم وليس كمثله شئ وقلنا سابقا: إن هذا نظير قياس المساواة يصح بمقدمة مطوية حيث صحت فيقال ألف مساو ل‍ " ب " و " ب " مساو ل‍ " ج " فألف مساو ل‍ " ج " ولا يقال ألف نصف " ب " و " ب " نصف " ج " فألف نصف " ج "، لأن نصف النصف ليس نصفا. والوجه أن يطلب هاهنا المقدمة المطوية على أن حدوث خلقه كيف يدل على أزليته، ثم النظر في أن حدوث بعض الممكنات كأفراد الإنسان يكفي في الدلالة على أزليته أو يجب إثبات حدوث الجميع، والحق أنه يجب إثبات حدوث الجميع، ونورد هنا كلاما من الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أورده الصدوق في التوحيد جوابا عن سؤال ابن أبي العوجاء قال: ما الدليل على حدوث الأجسام فقال الإمام (عليه السلام): " إني ما وجدت صغيرا ولا كبيرا إلا إذا ضم إليه مثله صار أكبر وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى ولو كان قديما ما زال ولا حال، لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث وفي كونه في الأزل دخوله في القدم ولن يجتمع صفة الأزل والعدم في شئ واحد فقال عبد الكريم: هبك علمت في جرى الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت على حدوثها فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدوثها ؟ فقال العالم (عليه السلام): إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر كان لا شئ أدل على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره = (*)

[ 183 ]

بطل حدوثه ثبت أزله، وأيضا قد ثبت أن جميع المحدثات صادرة عن قدرته ومشيته متنهية إليه في سلسلة الحاجة، فلو كان - تعالى شأنه - محدثا لكان محدثا لنفسه وهو محال وباطل بالضرورة، وإذا لم يكن محدثا كان قديما أزليا. (وباشتباههم على أن لا شبه له) (1) أي الدال باشتباه بعضهم ببعض ومشاركتهم في معنى الإمكان والحدوث والافتقار إلى المؤثر والتكيف بالكيفيات التابعة للإمكان أن لا شبه له من خلقه إذ لو كان له شبه لكان - تعالى شأنه - موصوفا بالأمور المذكورة، والتالى باطل فالمقدم مثله، وبالجملة تحقق هذه الأمور بين كل شيئين متشابهين دليل قاطع على أنه لا شبه له وإلا لتحققت هذه الأمور فيه تعالى وأنه باطل. وقيل: أراد اشتباههم في الجسمية والجنس والنوع والأشكال والمقادير والألوان ونحو ذلك وإذ ليس داخلا تحت جنس لبراءته عن التركيب المستلزم للإمكان ولا تحت نوع لافتقاره في التخصيص بالعوارض إلى غيره ولا بذي مادة لاستلزامه التركيب والحاجة إلى المركب فليس بذي شبه في شئ من الأمور المذكورة، وما ذكرنا أعم في نفي التشبيه.


= (أقول: وهذا صريح في أن المراد الحدوث الذاتي أعني الإمكان وتطرق احتمال العدم ثم قال (عليه السلام):) ولكن أجبتك من حيث قدرت أنك تلزمنا وتقول إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما ضم شئ منه إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغير عليه خروجه من القدم كما بان في تغيره دخوله في الحدث ليس لك وراءه شئ يا عبد الكريم فانقطع وخزى " انتهى ما أردنا نقله من كلامه القدوسي الذي لا يمكن أن يصدر إلا من الروح الذي معهم كما ورد في الحديث. وبيانه أن كل شئ احتمل في حقه أن لا يكون فإثبات الوجود له إنما يكون بعلة وليس الواجب إلا من لا يحتمل في حقه العدم أصلا، ولما كان الجسم صغيرا أو كبيرا يحتمل عدمه ووجود شئ آخر مكانه لم يكن واجبا. وهذا معنى الحدث الذي يجب اثباته لما سوى الله، أعني عدم كون وجوده لذاته بل مقتبسا من غيره ويعلم من ذلك أن المراد بالحدوث الامكان وتعلق الوجود بالغير والمخلوقية إذ لا يستفاد من كلام الإمام أكثر من ذلك، وأما تقدم الزمان على وجود الممكن فغير معقول وتناقض أولا وغير مستفاد من كلامه (عليه السلام) ثانيا. راجع الصفحة 304 من المجلد الثالث. (ش) 1 - قوله: " باشتباههم على أن لا شبه له " أي الشباهة يقتضي اشتراك شيئين في معنى هو وجه الشبه مع افتراقهما وافتراقهما لا بد أن يكون بالوجود ولوازمه إذ لا يعقل أن يكون شيئان الا بتغاير وجوديهما، والشباهة إنما تكون في الماهية وصفاتها واشتراك الشيئين فيها وليس له تعالى اشتراك مع شئ في ماهية وصفات ماهية، فإن قيل: الشباهة بمعنى الاشتراك في صفة ولا ريب أنه تعالى مشترك مع الممكنات في كثير من الصفات كالعلم والقدرة والحياة وغير ذلك ؟ قلنا: ليس المراد هنا الاشتراك في المفاهيم والالفاظ بل في الحقائق، ولا ريب أن صفاته تعالى عين ذاته حقيقة وحقيقته الوجود الذي لا يشترك معه أحد فيه وانما الاشتراك في المفهوم فقط، والحاصل أن التشابه يدل على وجود حد وماهية وكون الواجب تعالى مشتركا ماهية مع بعض الاشياء دون بعض وهو منزه عن ذلك. (ش) (*)

[ 184 ]

(المستشهد بآياته على قدرته) عطف بحذف العاطف (1) على الدال أو على الملهم والاستشهاد الاستدلال. وآياته هي السماوات وما فيها من الثوابت والسيارات والأرضون وما عليها من العناصر والمركبات وغير ذلك من العقول والنفوس وساير المجردات، ودلالة هذه الآيات على قدرته القاهرة التي لا يستعصى عليها شئ من الأشياء أمر بين للأذكياء. (الممتنعة من الصفات ذاته) لاستحالة اتصافه بصفة زائدة على ذاته عارضة لها وإلا لكان ناقصا بدونها ومفتقرا في كماله إليها ومشابها بخلقه ومحلا للحوادث إن كانت صفاته حادثة، وغير متفرد بالقدم إن كانت قديمة، وكل ذلك محال، وكل ما اعتبره العقل له من الصفات الكمالية فانما يرجع إلى نفي ضده عنه كما مر (2). (ومن الأبصار رؤيته) لأن الرؤية البصرية إنما تتعلق بالمبصرات التي هي نوع من المحسوسات والله سبحانه ليس بمحسوس. (ومن الأوهام الإحاطة به) لما كان تعالى غير مركب لم يمكن للعقل الإحاطة به، فالوهم أولى بذلك لأن الوهم إنما يتعلق بالمعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات والمواد الجسمانية فلا يمكن له إدراك الواجب المنزه عنها فضلا أن يحيط به ويطلع على كنه حقيقته. (لا أمد لكونه) الأمد بالتحريك الغاية كالمدى يقال: ما أمده أي منتهى عمره، ولما كان الأمد هو الغاية ومنتهى المدة المضروبة لذي الزمان من زمانه، وثبت أنه تعالى ليس بذي زمان يعرض له الأمد، ثبت أنه دائم لا أمد لوجوده (ولا غاية لبقائه) لأنه منزه عن طريان العدم على وجوده، وهذا تأكيد للسابق ويحتمل أن يراد هنا بالأمد الأمر الممتد من الزمان وهو مدة العمر وهو يطلق على هذا المعنى أيضا كما صرح به الزمخشري في " الفائق " وهذا الاحتمال أولى، لأن التأسيس خير من التأكيد ومعناه حينئذ: لا زمان لوجوده لأنه منزه عن الزمان (3) ولأن وجوده قبل وجود الزمان. (لا تشمله المشاعر) الظاهر أن المشاعر هي الحواس ويحتمل أن يراد بها المدارك مطلقا سواء كانت قوة مادية مدركة للحسيات والوهميات أو قوة عقلية مدركة للعقليات والفكريات إذ ليس


1 - في بعض النسخ: بحذف العائد. 2 - قوله: " إلى نفى ضده عنه كما مر " ومر أيضا ما عندنا في ذلك والحق أن له تعالى صفات هي عين ذاته ونفي الصفات بمعنى نفي الصفات الزائدة الحالة. راجع الصفحة 326 من المجلد الثالث. (ش) 3 - قوله: " لأنه منزه عن الزمان " هذا شئ لا يرضى به كثير من الظاهريين كما مر ويقولون: الزمان مقدم على كل شئ، لأن كل شئ كان معدوما في زمان وكان لم يكن فيه أحد إلا الله تعالى وقد مضى زمان غير متناه على الله تعالى قبل أن يخلق العالم ومضى طرف من ذلك في الصفحة 320 من المجلد الثالث. (ش) (*)

[ 185 ]

للمدارك مطلقا إلى معرفة كنه ذاته سبيل ولا على الوصول إلى حقيقة صفاته دليل وإنما غاية كمالها هي الإيقان بوجوده بعد مشاهدة الآيات والبرهان منزها عن المشابهة بالخلق مجردا عن لواحق الإمكان. (ولا تحجبه الحجب) لأن الحجب الجسمانية إنما تحجب الأجسام وعوارضها. وقد علمت أنه تعالى منزه عن ذلك، ولما أشار إلى أن المانع من رؤيته ليس هو الحجاب الجسماني، أشار إلى أن هناك نوعا آخر من الحجاب المانع بقوله: (والحجاب بينه وبين خلقه خلقه إياهم) أي الحجاب المانع من رؤيته تعالى هو أن خلقهم على صفات ليست من صفاته، ثم أشار إلى تعليل هذا المجمل بقوله: (لامتناعه مما يمكن في ذواتهم ولإمكان مما يمتنع منه) قوله " ولإمكان " بالتنوين عوضا عن المضاف إليه أي لامتناع ذاته سبحانه من كل ما يمكن في ذواتهم من الصفات ولإمكان كل ما في ذواتهم مما يمتنع منه سبحانه، وهذا حجاب مانع من رؤيته بالبصر لأن كونهم بحيث يتعلق بهم رؤية البصر من صفاتهم الممكنة، ولهم باعتبار هذه الصفة صفات أخرى وهي الوضع والجهة واللون وغيرها من شرايط الرؤية، وإذا كانت هذه الأمور من صفاتهم وكانت ممتنعة في حقه تعالى علم أنه امتنع أن يكون جل شأنه محلا لنظر العيون ومرئيا مثلهم ووجب أن يكون محتجبا عن أبصارهم بهذا الحجاب الذي هو الامتناع الذاتي لا بالحجاب الجسماني. ثم قال لتأكيد ذلك أو لتعميم المغايرة بينه وبينهم بحسب الذات والصفات كلها: (ولافتراق الصانع من المصنوع والحاد من المحدود والرب من المربوب)، لأن لكل من الصانع والمصنوع صفات تخصه وتميزه وهي أليق به وهو بها يفارق الآخر وهذا هو الحجاب، فالإمكان الذاتي والوجود بالغير والمخلوقية والحدوث والاشتباه والمرئية والملموسية بالمشاعر والحجب بالسواتر من لواحق المصنوعات ومما ينبغي لها ويليق بها. والوجوب الذاتي والخالفية والأزلية والتنزه عن المشابهة والمرئية ولمس المشاعر وحجب السواتر من صفات الصانع الأول ومما ينبغي له ويليق به ويضاد ما سبق من صفات المصنوعات، فلو جرى فيه صفات المصنوعات وجرى في المصنوعات صفاته لوقع المساواة والمشابهة بينه وبينها فيكون مشاركا لها في الحدوث المستلزم للإمكان المستلزم للحاجة إلى الصانع، فلم يكن بينه وبينها فصل ولا له عليها فضل، وكل ذلك - أعني المساواة والمشابهة وعدم الفضل والفصل - ظاهر البطلان. وأراد بالحاد خالق الحدود والنهايات (1)


1 - قوله: " أراد بالحاد خالق الحدود والنهايات " يوصف الممكن بالمحدودية والواجب بعدم الانتهاء ولا يخفى أن ليس المراد الحد المقداري إذ ليس الواجب وبعض الممكنات متصفا بالمقدار حتى يوصف بالحد أو بغير التناهي، وإنما المراد الحد بمعنى = (*)

[ 186 ]

وهو الصانع، واعتباره غير اعتبار الرب لدخول المالكية في مفهوم الرب دون الصانع. (الواحد بلا تأويل عدد)، لأن وحدته ليست بمعنى كونه مبدأ لكثرة تعد به ويكون معدودا من جملتها بأن يقال: هو واحد لا اثنان، لأن الإنسان أيضا واحد بهذا المعنى مع ما فيه من التركيب والتجزية، أو يقال: هو واحد آحاد الموجودات المتألفة من الوحدات، إذ لو كان واحد بمعنى أنه من جملة الآحاد المعدودة لكان من جنسها وكان داخلا في الكم المنفصل فكان موصوفا بالعرض بل بمعنى أنه لا ثاني له في الوجود (1) ولا كثرة في ذاته، لا في الذهن ولا في الخارج. ولا اختلاف في صفاته، ولا يشبهه شئ، ولم يفته شئ من كماله بل كل ما ينبغي له فهو له بالذات والفعل. قيل: نفي


= الماهية فإنها تحدد الوجود وتمنعه من بعض الآثار، ولأن كل مهية لها آثار خاصة بها لا تتعداها إلى غيرها بخلاف واجب الوجود فهو تعالى في عين وحدته لا يمتنع منه فعل وأثر، وأيضا الوجود المحض مطلق والوجودات المختلفة بالمهيات مقيدة وقد سبق بيانه بوجه آخر في محله، وإذا لم يكن للاشياء وجود في نفسها بل كان وجودها ربطيا تعلقيا بل عين الربط والتعلق صح أن يقال هو حاد وهذه محدودة وقد مر في الصفحة 176 من هذا المجلد كلام يتعلق بالحد والمحدود فراجع إليه. (ش) 1 - " بل بمعنى أنه لا ثاني له في الوجود " تفسير الواحد به من دقائق علم التوحيد وأسرار المعارف الإلهية التي لا يهتدي إليها إلا العقول المتمرنة في دقائق البرهان المنورة بنور الوجدان وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) رد على من زعم أنه ليس في الشرع أمر دقيق ومسألة غامضة إلا ما يفهمه عامة الناس ولهم فائدة في حياتهم ومعاشهم، لأن تأكيده (عليه السلام) في كلامه وخطبه نفي الوحدة العددية يدل على أن فهم هذه المسألة من الأمور الهامة مع أنه ليس سهلا على الأكثر ولا يفيدهم في معاشهم ومعاشراتهم كالآداب والقوانين الأخلاقية والأحكام الفقهية وقد ورد في كتاب التوحيد للصدوق عليه الرحمة حديث عنه (عليه السلام) في معنى الواحد وأنه على أربعة اوجه لا يجوز اثنان منها عليه تعالى ويجوز إطلاق اثنين، قال الراوي وهو شريح بن هاني: إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أتقول إن الله واحد، قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) من تقسم القلب ؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم. ثم قال: يا أعرابي إن القول في أن الرب واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على الله عزوجل ووجهان يثبتان فيه، فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل " واحد " يريد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنه تعالى كفر من قال ثالث ثلاثة، وقول القائل " هو واحد من الناس " يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه، وجل ربنا عن ذلك وتعالى، وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل إنه هو عزوجل في الأشياء واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربنا. وقول القائل أنه عزوجل أحدى المعنى، يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عزوجل، انتهى. ولا ينبغى أن يتعجب من سؤال الأعرابي هذه المسألة العميقة ولا من تكلم أمير المؤمنين معه إذ قد حكي من فصحاء الأعراب وأهل البدو في الدقة والفرق بين المعاني وإيراد الكلام على مقتضى المقام ما هو أعجب، ولو سألنا سائل بدوي عن غير ما يتعلق بطهارته وعبادته لم نجب عنه وقلنا عليك بواجبات تكاليفك العملية وما لك والدخول في هذه المعضلات التي لا تفيدك، ثم ضبط الراوي ونقله وهو شريح غير عجيب لأنه مع جميع هناته كان فطنا جدا لا يبعد منه الاعتناء بهذه الأمور وضبطها وفهمها، وسيأتي قريبا تفسير للمعاني الأربعة إن شاء الله تعالى. (ش) (

[ 187 ]

الوحدة العددية عنه (1) ينافي ما في بعض أدعية الصحيفة " لك يا إلهي وحدانية العدد " وأجيب بأنه إنما أريد بذلك نفي الوحدة العددية لا إثباتها له. أقول: ويمكن الجواب عنه أيضا بأنه أريد بذلك أن لك وحدانية العدد بالخلق والإيجاد لها فإن الوحدة العددية من صنعه وفيض وجوده. (والخالق لا بمعنى حركة)، لأن الحركة من لوازم الجسم وتوابع الاستعداد والانفعال وهو منزه عنها وإنما هو خالق بمجرد الإرادة كما قال: * (إنما إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) *


1 - " نفي الوحدة العددية عنه " تأويله هذا بعيد جدا، لأن ظاهر المتبادر من كلمة له إثبات الوحدة له تعالى بنحو الوصفية لا بمعنى الملكية والأولى أن يقال الوحدة العددية التي أثبتها زين العابدين (عليه السلام) غير الوحدة العددية التي نفاها جده أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأن الوحدة مبدأ العدد لا محالة ويقابلها الكثرة بأي معنى فرضت، فجميع المعاني الأربعة التي ذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام) الاثنان اللذان لا يجوزان والاثنان الجائزان تشترك في مفهوم واحد مقابل للتكثر كما بينه أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: " هو عزوجل في الأشياء واحد ليس له في الأشياء شبه " وهذا نفي الكثرة فإن الشبه يوجب التكثر وكذلك قوله (عليه السلام) " أحدي المعنى " يعني به أنه لا ينقسم في وجوده. وهذا أيضا نفي التكثر فالذي أثبته زين العابدين (عليه السلام) الوحدة بمفهومها العام والذي نفاه أمير المؤمنين (عليه السلام) بعض مصاديقها فمن مصاديق الواحد المنفي، الواحد الذي له شبيه في وجوده ومثيل في رتبته وهو أكثر المصاديق وتتبادر الأذهان إليه، ولا ريب أنه ينفي هذه الوحدة عنه تعالى كما ينفي عن كل شئ لا نظير له، مثلا خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) واحد لا بمعنى أن له ثانيا وثالثا بل بمعنى أنه واحد لا نظير له، وأما زيد فواحد من الرجال بمعنى أن له ثانيا وثالثا. ويقال: جالينوس واحد الأطباء أي لم يكن أحد في رتبته وامرؤ القيس واحد الشعراء كذلك، وأقليدس واحد المهندسين ويقال: زيد أحد الاطباء أو أحد الشعراء بمعنى أن أمثاله كثير ويناسب هنا الاشارة إلى الفرق بين المعاني الأربعة إجمالا فنقول: قد يلاحظ تساوي ما يتصف بالوحدة مع غيره من مشاركاته فيقال: زيد أحد أفراد الإنسان أي لا ميز بينه وبينهم ولا فضل له عليهم، وقد يلاحظ تميزه في الجملة فيقال: الإنسان واحد من أنواع جنس الحيوان فإنه متخصص بفصل كأن تميزه مسلم مقطوع به ويراد بيان ما يشرك معه، وقد يلاحظ تفرده وتميزه مطلقا ونفي الاشتراك وأنه لا نظير له كما مثلنا بقولنا: أمرؤ القيس واحد الشعراء، وقد يقطع النظر عن ملاحظة الغير أصلا، ويطلق عليه الواحد باعتبار ذاته وماهيته فيقال: واجب الوجود واحد في ذاته أي غير منقسم، فالمعنيان الأولان لا يجوزان على الله تعالى والثانيان يجوزان. وقوله (عليه السلام) " لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم " عين ما ذكره الفلاسفة في أنحاء التقسيم في معنى الجزء الذي لا يتجزى فإن الشئ قد ينقسم في الوجود خارجا وهو ظاهر إما بالكسر أو بالقطع وغيرهما وقد لا ينقسم في الوجود لغاية صغره وعدم تمكن الآلة منه ولكن يقسمه الوهم، وقد لا يمكن للوهم أن يحضره فيقسمه، فيقسمه العقل، وأما الأجزاء العقلية فيقسم الشئ إليها العقل أيضا فانظر إلى كلامه (عليه السلام) كيف يبلغ الغاية ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من العلم إلا بينها وأوضحها لك، وأعلم أنك لن تضل بعد متابعته حتى يوردك الجنة إن شاء الله تعالى ثم إن لنفى الوحدة العددية معنى أدق سنشير إليه في شرح قوله: " الباطن لا باجتنان ". قال في الوافي: وأما ما ورد في بعض الأدعية السجادية (عليه السلام) من قوله: لك يا إلهي وحدانية العدد فانما أراد بذلك جهة وحدة الكثرات واحدية جمعها لا إثبات الوحدة العددية. (ش) (*)

[ 188 ]

(والبصير لا بأداة) أي لا بقوة باصرة (والسميع لا بتفريق آلة) أي لا بتفريق القوة السامعة وتوزيعها على المسموعات وهو توجيهها تارة إلى هذا المسموع وتارة إلى ذلك كما يقال فلأن مفرق الخاطر إذا وزع فكره على حفظ أشياء متباينة ومراعاتها كالعلم وتحصيل المال، وتنزه إدراكه تعالى عن ذلك ظاهر لكونه من توابع الآلات الجسمية والنفوس البشرية. (والشاهد لا بمماسة) أي الحاضر عند كل شئ لا بمماسة شئ من الأشياء، لأن حضوره ليس كحضور الجسم والجسمانيات المستلزم لتماسها وتقاربها في الأين والوضع بل حضوره عبارة عن إحاطة علمه بكل شئ (والباطن لا باجتنان). (1) في كنز اللغة: الاجتنان: " پنهان شدن ودفن كردن " أي الباطن الخفي بسبب أنه لا يدرك ذاته العقول والأفهام ولا ينال صفاته الحواس والأوهام لا بسبب استتاره في شئ أو احتجابه بحجاب. (والظاهر) أي الظاهر وجوده بالاشراقات العقلية والتجليات الذهنية والتدبيرات التي له في كل ذرة من الموجودات إذ كل شئ دليل على وجوده ومرآة لظهوره. (الباين لا بتراخي مسافة) أي مباين للأشياء متباعد منها لا بتباعد أين ولا بتراخي مسافة وبينها، لأن ذلك من خواص الأينيات بل بذاته وصفاته حيث إن ذاته لا تماثل بذوات شئ من الموجودات وصفاته لا تشابه بصفات شئ من الممكنات (إزله نهية لمجاول الأفكار) النهية بضم النون وسكون الهاء وفتح الياء المثناة من تحت اسم من نهاه ضد أمره. وفي بعض النسخ " نهي " بدون التاء. والمجاول بالجيم جمع مجول بفتح الميم وهو مكان أو زمان من المحاولة وفي المصادر: المحاولة: " جستن وخواستن " يعني أزله ينهى ويمنع أن يتحقق محل لجولان الأفكار الطالبة لمعرفة ذاته وصفاته أو


1 - " الباطن لا باجتنان " والأظهر أن الباطن بمعنى الباطن في كل شئ كما تكرر مفاده في كلامه (عليه السلام) " داخل في الأشياء لا بالممازجة وخارج عنها لا بالمباينة " ولا يخفى أنه لو كان ممازجا كان باطنا باجتنان وهو محال ولزم التجزي والتعدد تعالى الله عنه، ولو كان مباينا عن الأشياء لزم استقلال الأشياء واستثناؤها عنه في البقاء بل في الحدوث أيضا وهذا هو الوحدة العددية التي نفاها أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذات واجب الوجود إذ يلزم منه كون مجموع الموجودات حاصلا من آحاد متباينة متمايزة أحدها واجب الوجود والباقي ممكنات فيكون هو تعالى في عرض الممكنات مع أن شيئا منها لا يستحق أن يعد شيئا معه، ولا أقرب إلى الفهم إلا أن يسمى جميها عدما أو ربطا أو ظلا وأمثال ذلك مما يجعلها لا شيئا في الحقيقة، وقد يمثل بالنفس والقوى، ولله المثل الاعلى، وليس كمثله شئ، فالنفس في وحدتها كل القوى، والبصر غير السمع، وهما غير الذوق والشم واللمس وكلها متحدة في ذات النفس، لأنا نعلم أن الذي يبصر هو الذي يسمع، ونعلم أيضا أن البصر لا يدرك الصوت، والسمع لا يدرك اللون، والنفس مدركة لها، محيطة بجميعها والله تعالى قاهر عليها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم من غير أن يلزم حلول، تعالى الله عنه، فإن الحلول ينبئ عن تأصل الممكن وأقوائيته في الوجود وأشديته في التحصيل من الحال فيه مع أنه ليس شيئا إلا بقيوميته تعالى، فالحلول يجعل وجوده تعالى تابعا وعرضا في الممكن ووحدة الوجود يجعل الممكنات لا شيئا حتى ينحصر الوجود في الواجب عزوجل، ويصح أن يقال لا هو إلا هو. (ش) (*)

[ 189 ]

الطالبة لمعرفة أوله، أما على الأول فلأن غاية سير الأفكار هي أو اخر منازل الإمكان ولا محل لسيرها في الأزل حتى يعرف حقيقة الأزلي من حيث الذات والصفات، وأما على الثاني فلأن الأزل عبارة عن عدم الأولية ومن ليس لوجوده أول لم يكن للفكر محل يجول فيه لطلب أوله. (ودوامه ردع لطامحات العقول) الردع: المنع والكف، والعقول الطامحة هي المرتفعة إلى أقصى مدارج كمالها وإدراكها، يعني دوامه الأبدي وبقاؤه السرمدي يمنع العقول الكاملة ويكفها عن الوصول إلى آخره لضرورة أن الشئ المعلوم الوقوع يمنع العاقل من طلب نقيضه. (قد حسر كنهه نوافذ الأبصار) حسر البعير يحسر حسورا أعيى، وحسرته أنا يتعدى ولا يتعدى والأول هو المراد هنا، لأن كنهه فاعله ونوافذ الأبصار مفعوله يعني أعيى وأعجز كنهه الأبصار النافذة العقلية عن إدراكه فإن البصيرة العقلية وإن كانت قوية نافذة إنما تنفذ فيما يمكن نفوذها فيه مما هو في عالم الإمكان، وكنه الواجب خارج عن هذا العالم. (وقمع وجوده جوايل الأوهام) القمع القلع والكسر. والجوائل جمع الجائل يقال: جال واجتال إذا ذهب وجاء، منه الجولان في الحرب، يعني: كسر وجوده الأوهام الجائلة في ميدان معرفة حقيقته لأنك قد عرفت مرارا أن الوهم إنما يدرك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات ووجوده تعالى لما لم يكن محسوسا ولا متعلقا به كان كاسرا لتعلق الأوهام (1) به وبحقيقته. (فمن وصف الله فقد حده) (2) أي من وصفه بكيفيات لائقة بمخلوقاته (3) وصفات زائدة على


1 - قوله: " كان كاسرا لتعلق الأوهام " ليس في كلام امير الؤمنين (عليه السلام) شئ آكد من هذا التنزيه البليغ وردع الأوهام والعقول عن تصور ذاته تعالى، وقد كان يكفي ذكره مرة واحدة إن كان المقصود بيان الواقع فقط ولكن مراعاة قواعد البلاغة وإيراد الكلام مطابقا لمقتضى الحال يقتضي تذكير المخاطب بعد كل كلمة يحتمل ذهاب وهمه منه إلى التشبيه وإن أوجب التكرار، لأن المقام يقتضي التأكيد فقال: البصير لا بأداة، فإن ذهن المخاطب يذهب من البصر إلى العين الباصرة، وقال بعده: السميع لا بتفريق آلة، وهكذا أورد بعد كل كلمة دافعا للوهم، ثم أكد جميع ذلك بأربع جمل في التنزيه وردع الأوهام عن إثبات اللوازم العرفية والعادية، فقد جمع (عليه السلام) بين تفهيم العامة وتقويم الخاصة وتطعيم عقول الكرام وتزميم شراسة الأوهام، وطريقة الأئمة (عليهم السلام) تغاير طريقة الفلاسفة العظام إذ يكتفي الفلاسفة ببيان شئ مرة واحدة غالبا لأن مخاطبهم الخواص، مثلا: يقولون: لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى ويكتفون به، ثم يقولون: الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، ويجعلون الكلام الأول قرينة على المراد من كلام الثاني وإن كان بينهما فواصل ومقتضى البلاغة أن يصلوا بالكلام الثاني ما يدفع به ذهاب الأوهام إلى بعض لوازم الكلام فيقولوا مثلا: لا يخلق الله تعالى أول ما يخلق إلا أشرف مخلوقه وأقربهم إليه كما ورد: أول ما خلق الله العقل أو اللوح أو القلم أو روح خاتم الأنبياء أو الماء، ومعلوم أن الأول واحد ولا يفعل إلا الأصلح، ومثله قول بعضهم بوحدة الوجود ويذهب الوهم منه إلى لوازم باطلة وكان عليهم إن أرادوا بلاغة الكلام أن يقولوا: هو مع كل شئ أو داخل فيها من غير ممازجة وأمثال ذلك مما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام). (ش) 2 - قوله: " فمن وصف الله فقد حده " في توحيد المفضل: " ان العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار ولا

[ 190 ]

ذاته فقد حده بالكثرة، أو من وصفه بأنه معلوم له وزعم أنه وجد ذاته وأحاط بحقيقته فقد أوجب له حدا يقف الذهن عنده إذ الحقيقة إنما تعلم من جهة ما هي ويشير العقل إليها ويحيط بها إذا كانت مركبة وكل مركب محدود. (ومن حده فقد عده) (1) لأن حده بأحد الوجهين المذكورين يستلزم تحقق الكثرة فيه، وكل ذي كثرة معدود من جملة المعدودات. (ومن عدة فقد أبطل أزله) (2)، لأن من عده من جنس من ذي الكثرة باعتبار الصفات أو باعتبار


= يوجب له الإحاطة بصفة فإن قالوا: فكيف يكلف العبد الضعيف معرفة بالعقل اللطيف ولا يحيط به ؟ قيل لهم: إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه ولم يكلفوا الإحاطة بصفته كما أن الملك لا يكلف رعيته أن يعلموا أطويل هو أم قصير، أبيض هو أم أسمر إنما تكليفهم الإذعان بسلطانه طاعة والانتهاء إلى أمره، ألا ترى أن رجلا لو أتى باب الملك فقال أعرض علي نفسك حتى أتقصى معرفتك وإلا لم أسمع لك، قد أحل نفسه العقوبة، فكذا القائل إنه لا يقر بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه متعرض لسخطه. فإن قالوا: أو ليس نصفه فنقول: هو العزيز الحكيم الجواد الكريم ؟ قيل لهم كل هذه صفة إقرار وليست صفات إحاطة فإنا نعلم أنه حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه، وكذلك قدير وجواد وساير صفاته كما قد نرى السماء ولا ندري أين منتهاها بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له، لأن الامثال كلها تقصر عنه ولكنها تقود العقل إلى معرفته. انتهى ما أردنا نقله، وهذا مذهب الحكماء في الصفات قالوا: إن مفاهيم الصفات معلومة وحقيقتها وهي عين الذات مجهولة. (ش) 3 - " بكيفيات لائقة بمخلوقاته " لا حاجة إلى هذا القيد فإن الإنسان إذا وصفه وصفه بما يفهمه ويتعقله ولا يتعقل إلا ما يليق بالمخلوق فيصح إذا كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) من غير تقييد. ولا ريب أن الوصف تحديد، مثلا إذا قلت: انه أبيض سلبت عنه ساير الألوان، وإذا قلت إنه جسم سلبت عنه التجرد وإذا قلت مجرد سلبت عنه الأبعاد والمواد، وبالجملة وصف كل شئ بشئ يوجب تحديد وجوده في حد، نعم إذا كان الوصف بالوجود كان معناه سلب العدم وليس تحديد الوجود، وأيضا: إثبات العلم الله تعالى نفي للجهل وهو عدم وليس تحديدا للوجود، وإثبات القدرة نفي العجز وهو عدم، فلا جرم لا يكون الوصف بأمثاله تحديدا والمراد من الوصف تميزه بصفة من بين الصفات الوجودية مع أن نسبته تعالى إلى الجميع على السواء. (ش 1 - قوله: " ومن حده فقد عده " لوجهين، الأول: أن ذاته تتركب حينئذ من ماهية ووجود فيدخل العدد والكثرة في ذاته، والثاني أن الله تعالى إذا تخصص بحد وماهية كان في الوجود ماهية أخرى وحد آخر لا محالة في الوجود شيئان أحدهما الواجب بماهية وحد خاص به، والثاني الممكن بحد وماهية أخرى خاصة، ولزم الوحدة العددية التي أبطلناها، والوجه الأول أصح وأوفق بما يأتي إن شاء الله في رواية أخرى لهذا الكلام. (ش) 2 - قوله: " ومن عده فقد أبطل أزله " الأزل القدم والمراد هنا: القدم الذاتي وعدم الاحتياج إلى العلة، يعني: من أثبت له تعالى عددا فقد أبطل كونه قديما غير مخلوق، لأن كل معدود مخلوق وذلك، لأن الواجب تعالى وجود محض ولو كان له مهية كان معلولا كما قال صاحب المنظومة: الحق ما هيته إنيته * إذ مقتضى العروض معلوليته فإن الوجود هو الذي يمتنع سلبه عنه لامتناع سلب كل شئ عن نفسه، وأما غير الوجود من ساير الماهيات فلا يمتنع سلب = (*)

[ 191 ]

الذات فقد أدخله في الممكنات والمحدثات الغير المستحقة للأزلية بالذات فكان عده بأحد الاعتبارين مبطلا لأزله الذي يستحقه لذاته. (ومن قال: أين فقد غياه) أي جعل له غايات وأطرافا ينتهي إليها، لأن ذلك من لوازم الأينيات كالجسم والجسمانيات. (ومن قال على ما فقد أخلى منه) في بعض النسخ " على م " بحذف الألف أي ومن قال " على أي شئ هو ؟ " فقد أخلى منه ساير الأشياء، لأن من قال: هو فوق شئ بمعنى الاستقرار عليه فقد قال بقرب نسبته إلى ذلك الشئ وبعدها عن أشياء آخر أو فقد أخلى منه سائر الأمكنة لأن السؤال ب‍ " على م " مستلزم لتجويز خلو بعض الجهات عنه واختصاصه بالجهة المعينة. وقيل: المراد أخلى منه ذلك الشئ الحامل لضرورة أن المحمول يكون خارجا عن حامله، وفيه نظر. (ومن قال: فيم ؟ فقد ضمنه) أي فقد جعله في ضمن غيره سواء سأل عن حصوله في المكان كحصول الجسم فيه، أو عين حصوله في الموضوع كحصول العرض فيه، أو عن حصوله في الكل كحصول الجزء فيه، وجعله ضمن الغير باطل لأنه إن افتقر إلى ذلك الغير لزم الإمكان، وإن لم يفتقر إليه أصلا فهو غني عنه مطلقا، والغني المطلق يستحيل حلوله في شئ واتباعه له في الوجود، ولأن حصوله في ضمن الغير، إن كان من صفات كماله لزم اتصافه بالنقص قبل وجود ذلك الغير وإن لم يكن من صفات كماله كان حصوله فيه مستلزما لاتصافه بالنقص. * الأصل: 6 - ورواه محمد بن الحسين، عن صالح بن حمزة، عن فتح بن عبد الله مولى بني هاشم قال: كتبت إلى أبي إبراهيم (عليه السلام) أسأله عن شئ من التوحيد. فكتب إلى بخطه: الحمد لله الملهم عباده حمده - وذكر مثل ما رواه سهل بن زياد إلى قوله - وقمع وجوده جوائل الأوهام - ثم زاد فيه -: أول الديانة به معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده نفي الصفات عنه، بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة الموصوف أنه غير الصفة وشهادتهما جميعا بالتثنية الممتنع منه الأزل، فمن وصف الله فقد حده، ومن حده فقد عده ومن عده فقد أبطل أزله، ومن قال: كيف ؟ فقد استوصفه، ومن قال: فيم ؟ فقد ضمنه، ومن قال على م ؟ فقد جهله، ومن قال: أين ؟ فقد أخلا منه، ومن قال:


= الوجود عنه كما نقلنا من حديث أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قريبا. وإذا كان هو الوجود المحض فلا ثاني له إذ ليس في الوجود شئ غير الوجود، فمن جعل له ماهية ووصفه فقد عده في عداد الكثرات، ومن عده في الكثرات أبطل كونه قديما غير محتاج، لأن كل معدود محتاج إذ له ثان في الوجود، والأصح أن من عده يعني به أدخل التجزية والتثنية في ذاته تعالى كما يأتي في رواية أخرى. (ش) (*)

[ 192 ]

ما هو ؟ فقد نعته، ومن قال: إلى م ؟ فقد غاياه، عالم إذ لا معلوم، وخالق إذ لا مخلوق، ورب إذ لا مربوب، وكذلك يوصف ربنا وفوق ما يصفه الواصفون. * الشرح: (ورواه محمد بن الحسين، عن صالح بن حمزة، عن فتح بن عبد الله مولى بني هاشم قال: كتبت إلى أبي إبراهيم (عليه السلام) أسأله عن شئ من التوحيد فكتب إلي بخطه: الحمد لله الملهم عباده حمده - وذكر مثل ما رواه سهل بن زياد إلى قوله - وقمع وجوده جوايل الأوهام - ثم زاد فيه - أول الديانة به معرفته) الديانة مصدر بمعنى الإطاعة والانقياد يقال: دان بكذا ديانة فهو متدين، والدين ما يتدين به الرجل والملة والورع، وشاع ذلك في الشرع إطلاقه على الشرايع الصادرة بواسطة الرسل (عليهم السلام)، واعلم أن معرفة الصانع على مراتب: الأولى وهي أدناها أن يعرف إن لهذا العالم صانعا ويصدق بوجوده، الثانية أن يترقى إلى توحيده وتنزيهه عن الشركاء، الثالثة أن يترقى إلى نفي الصفات التي يعتبرها العقل عنه وهي غاية العرفان ومنتهى قوة الإنسان. وكل واحدة من الأولين مبدأ لما بعدها، وكل واحدة من الأخيرتين كمال لما قبلها فلذا قال (عليه السلام): (وكمال معرفته توحيده، وكمال نفي الصفات عنه) توضيح ذلك: أن التصديق بوجوده بدليل يقتضيه تصديق ناقص، تمامه توحيده والتصديق بأنه واحد لا شريك له، ثم هذا التوحيد والتصديق مع الجهل بنفي الصفات عنه ناقص. تمامه نفيها عنه ووجه نقصانه أنه يستلزم حدوثه ونفي الأزلية عنه كما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: (بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة الموصوف أنه غير الصفة) وهي الشهادة بلسان الحال فإن حال الصفة تشهد بحاجتها إلى الموصوف وعدم قيامها بدونه وحال الموصوف تشهد بالاستغناء عن الصفة وقيامه بدونها فهما متغايران. (وشهادتهما جميعا بالتثنية) (1) إذ هما تشهدان بلسان الحال عن اجتماعهما وتقارنهما بالتثنية والتعدد أعني الذات المعروضة للصفات والصفات العارضة لها. (الممتنع منه الأزل) الممتنع صفة للتثنية والأزل فاعله، وضمير " منه " يعود إلى التثنية باعتبار أنه مصدر. وفي بعض النسخ: " منها ". وبيان ذلك الامتناع أن الواجب حينئذ ليس نفس الذات وحدها ولا نفس الصفة وحدها وإلا لزم افتقاره إلى الغير وأنه ينافي الوجوب الذاتي والغناء المطلق، بل هو المركب من مجموع الذات


1 - قوله: " شهادتهما جميعا بالتثنية " وبهذا يتبين أن معنى كلامه في الرواية الأولى " من حده فقد عده ": بتجزية ذاته وتركيبه. (ش) (*)

[ 193 ]

والصفة وكل مركب حادث (1) وكل حادث يمتنع منه الأزل الذي هو عبارة عن عدم الحدوث، على أن الواجب لو كان نفس الذات وحدها فلا شبهة في أن صفاته الزائدة عليه من كماله فهو ذو كثرة، وكل ذي الكثرة الذي كماله فيها ممكن لافتقاره إلى غيره، وكل ممكن حادث، وقد عرفت أن الأزل يمتنع من الحدوث وإذا ثبت المنافاة بين الأزل وزيادة الصفات ثبت أن من قال بزيادة الصفات فقد أبطل أزله، ولذلك فرع عليه قوله: (فمن وصف الله فقد حده) أي وصف الله بصفات زائدة فقد حده بالتجزي والتكثر. (ومن حده فقد عده) (2) من جملة المركبات والمعدودات المتكثرة التي ليست له وحدة حقيقة (ومن عده فقد أبطل أزله) للمنافاة بين أزله وتعديده على الوجه المذكور (3) وذلك الوصف ينشأ من الجهل بأمر التوحيد، ولا يبعد أن يجعل قوله " فمن وصف الله " ناظر إلى قوله " بشهادة كل صفة "، وقوله " من حده " ناظرا إلى قوله " وشهادتهما "، وقوله " من عده " ناظرا إلى قوله " الممتنع ". (ومن قال: كيف، فقد استوصفه) أي طلب وصفه، لأن " كيف " سؤال عن الكيفية والصفة (ومن قال: فيم، فقد ضمنه) بأحد الوجوه المذكورة (ومن قال على ما فقد جهله)، لأن من قال: هو علا شيئا بركوب فوقه وقعود عليه، فقد أجرى عليه صفات الخلق، ومن أجرى عليه صفاتهم فهو جاهل به. وفي بعض النسخ " فقد حمله " بالحاء والميم. (ومن قال: أين ؟ فقد أخلى منه)، لأن أين سؤال عن الحيز والجهة فمن قال: " أين " فقد جعله في حيز وجهة، ومن جعله فيهما فقد أخلى منه سائر الأحياز والجهات كما هو شأن الجسم والجسمانيات، وهو باطل لأنه تعالى في جميع الأحياز بالعلم والإحاطة، أو فقد أخلى منه صفات الإلهية والربوبية وهي التنزه عن كونه في الأين لأنه من لواحق الأجسام أو فقد برئ منه من قولهم


1 - قوله: " وكل مركب حادث " كما ينفي عن واجب الوجود جل شأنه الحدوث الزماني، كذلك ينفي عنه الحدوث الذاتي أي الاحتياج إلى الغير، ولا ريب أن المركب مفتقر إلى أجزائه ولو كان الواجب مركبا ودخل فيه العدد صار مفتقرا إلى الأجزاء، والمفتقر إلى الأجزاء ليس واجبا وإن فرض كون الأجزاء قديمة زمانا والمركب مثلها قديما كذلك، وبالجملة: المفتقر إلى الغير ممكن لا واجب، واحتياج المركب إلى الأجزاء لا يقتضي تأخره عنها زمانا، فالممكن لا يجب تأخره زمانا عن علته. (ش) 2 - قوله: " فقد عده " الأولى أن يقال: فقد أدخل التكثر والتعدد في ذاته بإثبات صفة موصوف، كما قال (عليه السلام): " شهادتهما جميعا بالتثنية ". (ش) 3 - قوله: " وتعديده على الوجه المذكور " والأنسب بسياق الكلام أن يقال: من عده وأدخل التكثر في ذاته فقد جعله مركبا والمركب محتاج إلى أجزائه فلا يكون أزليا وواجب الوجود غير محتاج إلى العلة. ولا يخفى أن احتياج المركب إلى الاجزاء احتياج مستمر حدوثا وبقاء. (ش) (*)

[ 194 ]

فلان خلي منك أي برئ. (ومن قال: ما هو، فقد نعته) بأنه محدود معروف بكنه حقيقته، لأن " ما هو " سؤال عن ذلك، وهو جهل به، إذ لا يعرف حقيقته إلا هو (ومن قال: إلى م، فقد غياه) أي جعل لوجوده غاية ينتهي فيها وينقطع بالوصول إليها وهذا محال على الوجود الحق بالذات (عالم إذ لا معلوم)، لأن علمه بالأشياء بنفس ذاته التي هي مبدأ لانكشاف الأشياء عندها لا يتوقف على وجود الأشياء بل علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها. (وخالق إذ لا مخلوق) الخلق بمعنى التقدير وهو مقدر للأشياء في الأزل قبل وجودها، ولو أريد بالخلق معنى الإيجاد لورد أن الخالقية بهذا المعنى مع المخلوق لا قبله (1) وفي الأزل، اللهم إلا أن يقال: اتصافه تعالى بوصف الإيجاد قبل المخلوق، لأن إيجاد الشئ عبارة عن إعطاء الوجود إياه فهو مقدم بالذات على وجود ذلك الشئ لاستحالة إيجاد الموجود، ولكن فيه بعد من وجهين، الأول: أن هذا التوجيه يجعل الكلام قليل الفائدة لظهور أن إيجاد كل شئ قبل وجوده فلا فائدة في التعرض لبيانه. الثاني: أن المقصود بيان تحقق هذا الوصف أعني الخالقية له تعالى في الأزل وإفادة استحقاقه لاسم الخالق أزلا، وهذا التوجيه لا يفيد ذلك بل ينافيه. (ورب إذ لا مربوب) قد علمت معنى ربوبيته ووجه تقدمها على المربوب آنفا.


1 - قوله: " مع المخلوق لا قبله " لما كانت نسبة جميع الأزمنة إليه تعالى على السوية نظير نسبة جميع الأمكنة إليه صدق أن اختصاص المخلوق بزمان خاص ومكان معين لا يوجب اختصاص الخالق أيضا بهما، وقد مثلنا سابقا بما عليه أهل عصرنا من تقدير سير النور زمانا وما يقولون من أن نور بعض الكواكب يصل إلينا بعد مضي سنين، ولعلنا نرى كوكبا في موضع بعينه وصفة بعينها ولا يكون هو كذلك بل كان عند إرسال النور في ذلك الموضع لا عند وصول النور إلى أعيننا بل لعله انعدم وتلاشى ونحن نراه متلألئا في جو السماء فنحن نرى ما مضى وكان في زمان سابق كما نرى ما هو موجود في زماننا في الأمكنة القريبة، والله تعالى محيط بجميع الأمكنة والأزمنة ومسألة ربط الحادث بالقديم من أصعب المسائل كذلك إحاطة الدهر بالزمان. وأما مسألة ربط الحادث بالقديم فالكلام فيها أن واجب الوجود لا يجوز أن يمنع الفيض والجود ولا أن يغير إرادته وحكمه ويهتم يوما بشئ وينصرف عنه ويتوجه إلى شئ آخر إلا إذا كان التغير وعدم الاستعداد من جهة الممكنات فإذا لم يكن لشئ استعداد الوجود أو لا يكون في وجوده مصلحة لم يوجده، وإن كان مستعدا أفاض عليه الوجود كما قال: * (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) *. وبالجملة التغير دائما من جهة الممكنات لا من جهته ونسبته إلى جميع الأزمنة على السوية، والإشكال في تصور عدم تأثير تغير الممكنات في نسبته إلى الله، ولا يتعقل الناس أن الله تعالى يكون مشاهدا مدركا لآدم ونوح في زماننا المتأخر كما كان يراهما وكان قاهرا عليهما عند وجودهما، وأما ما يقال إن الحوادث المتتالية في الزمان مجتمعة في الدهر فنشير إليه إن شاء الله. (ش) (*)

[ 195 ]

(وكذلك يوصف ربنا وفوق ما يصفه الواصفون) " فوق " إما عطف على " يوصف " بتقدير يوصف أو حال عن " ربنا ". وفيه إيماء إلى أن ما وصفه الواصفون ليس ربا، والرب فوقه بالربوبية والشرف والوصف اللايق به، وما وصفوه فهو مخلوق مصنوع مثلهم. * الأصل: 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أحمد بن النضر وغيره، عمن ذكره، عن عمرو بن ثابت، عن رجل سماه، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) خطبة بعد العصر فعجب الناس من حسن صفته وما ذكره من تعظيم الله جل جلاله، قال أبو إسحاق: فقلت للحارث: أو ما حفظتها قال: قد كتبتها فأملاها علينا من كتابه: الحمد لله الذي لا يموت ولا تنقضي عجائبه، لأنه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن، الذي لم يلد فيكون في العز مشاركا ولم يولد فيكون موروثا هالكا، ولم تقع عليه الأوهام فتقدره شبحا ماثلا ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلا، الذي ليست في أوليته نهاية، ولا لآخريته حد ولا غاية، الذي لم يسبقه وقت ولم يتقدمه زمان، ولا يتعاوره زيادة ولا نقصان ولا يوصف بأين ولا بم ولا مكان، الذي بطن من خفيات الأمور وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير، الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا ببعض بل وصفته بفعاله ودلت عليه بآياته، لا تستطيع عقول المتفكرين جحده، لأن من كانت السماوات والأرض فطرته وما فيهن وما بينهن وهو الصانع لهن فلا مدفع لقدرته، الذي نأى من الخلق فلا شئ كمثله، الذي خلق خلقه لعبادته وأقدرهم على طاعته بما جعل فيهم، وقطع عذرهم بالحجج، فعن بينة هلك من هلك وبمنه نجا من نجا، ولله الفضل مبدئا ومعيدا، ثم إن الله - له الحمد - افتتح الحمد لنفسه وختم أمر الدنيا ومحل الآخرة بالحمد لنفسه، فقال: وقضي بينهم بالحق، وقيل: الحمد لله رب العالمين. الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تجسيد والمرتدي بالجلال بلا تمثيل، والمستوي على العرش بغير زوال، والمتعالي على الخلق بلا تباعد منهم ولا ملامسة منه لهم، ليس له حد ينتهى إلى حده، ولا له مثل فيعرف بمثله، ذل من تجبر غيره، وصغر من تكبر دونه، وتواضعت الأشياء لعظمته، وانقادت لسلطانه وعزته، وكلت عن إدراكه طروف العيون، وقصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق. الأول قبل كل شئ ولا قبل له، والآخر بعد كل شئ ولا بعد له، الظاهر على كل شئ بالقهر له، والمشاهد لجميع الأماكن بلا انتقال إليها، لا تلمسه لامسة ولا تحسه حاسة، هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم، أتقن ما أراد من خلقه من الأشباح كلها لا بمثال سبق إليه ولا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه، ابتدأ ما أراد ابتداءه وأنشأ ما أراد

[ 196 ]

إنشاءه، على ما أراد من الثقلين الجن والانس، ليعرفوا بذلك ربوبيته وتمكن فيهم طاعته. نحمده بجميع محامده كلها، على جميع نعمائه كلها ونستهديه لمراشد أمورنا ونعوذ به من سيئات أعمالنا ونستغفره للذنوب التي سبقت منا ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، بعثه بالحق نبيا دالا عليه وهاديا إليه، فهدى به من الضلالة واستنقذنا به من الجهالة، من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ونال ثوابا جزيلا ومن يعص الله ورسوله فقد خسر خسرانا مبينا، واستحق عذابا أليما، فابخعوا بما يحق عليكم من السمع والطاعة وإخلاص النصيحة وحسن المؤازرة وأعينوا على أنفسكم بلزوم الطريقة المستقيمة وهجر الأمور المكروهة، وتعاطوا الحق بينكم وتعاونوا به دوني وخذوا على يد الظالم السفيه ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واعرفوا لذوي الفضل فضلهم، عصمنا الله وإياكم بالهدى وثبتنا وإياكم على التقوى وأستغفر الله لي ولكم. * الشرح: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أحمد بن النضر وغيره عمن ذكره، عن عمرو بن ثابت) لعله عمرو بن أبي المقدام الممدوح من رجال السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام) (عن رجل سماه عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور) هو الحارث بن قيس الأعور قال العلامة: روى الكشي في طريق فيه الشعبي أنه قال لعلي (عليه السلام): إني أحبك، ولا يثبت بهذا عندي عدالته بل ترجيح ما (1). (قال خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) يوما خطبة بعد العصر فعجب الناس من حسن صفته) أي من حسن وصفه للرب (وما ذكره من تعظيم الله تعالى. قال أبو إسحاق فقلت للحارث أو ما حفظتها) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على محذوف أي اسمتها وما حفظتها (قال: قد كتبتها (2) فأملاها علينا من كتابه:). الحمد لله الذي لا يموت) وصف له بالدوام بسبب سلب الموت عنه، لأن الموت انقطاع تعلق


1 - فيه اشتباه، وفي الخلاصة بعد عنوان " الحارث بن قيس " عنون الحارث الأعور وساق الكلام كما في المتن والمراد الحارث بن عبد الله الأعور، كما هو الظاهر. 2 - قوله: " قال كتبتها " كتبها بجميع ألفاظها وخصوصياتها أو اختار منها ما قدر على حفظها، وكذلك كانوا يحفظون خطب الأمراء والخلفاء وساير الفصحاء، ففي كتب التواريخ نقل قدر واف من خطب قس بن ساعدة وسحبان وائل وحجاج بن يوسف وغيرهم، واحتمال حفظ جميع خصوصيات الألفاظ بعيد لاختلاف الروايات في خطبة واحدة اللهم إلا ما يتشبث بالخاطر من لفظ بديع ومعنى طريف أطرف وأبدع من ساير كلمات الخطبة، ولذلك قد يقول المؤرخون فكان مما حفظ من خطبة مثلا، ومعلوم أن المنقول ربما يتم قراءته في خمس دقائق، أو عشر، ولم تكن الخطبة قصيرة بهذا الحد. (ش) (*)

[ 197 ]

الروح عن البدن ورجوع الخلق إلى الحق لزوال القوة المزاجية وكل ذلك عليه سبحانه محال، وإنما افتتح بالحمد لتعليم الخلق بلزوم الثناء على الملك الوهاب والاعتراف بنعمته عند الافتتاح بالخطاب لاستلزام ذلك ملاحظة حضرة الجلال والالتفات إليها عامة الأحوال، وابتدأ بعده بالصفات السلبية الدقيقة وهي أن التوحيد المطلق والإخلاص المحقق لا يتحققان إلا بنقض جميع ما عداه عن لوح النفس وطرحه عن درجة الاعتبار وما لا يتحقق الشئ إلا به (1) كان اعتباره مقدما على اعتبار ذلك الشئ، ولما كان (عليه السلام) معلما لكيفية السلوك إلى الحق وكانت العقول قاصرة عن إدراك حقيقته والأوهام حاكمة بمثليته تعالى لمدركاتها، بدأ بذكر السلب لأنه مستلزم لغسل درن الحكم الوهمي في حقه تعالى عن لوح الخيال حتى إذا ورد ذكره تعالى بما هو أهله ورد على ألواح صافية من كدر الباطل فانتقش كما قيل " فصادف قلبا خاليا فتمكنا ". (ولا تنقضي عجايبه) التي كلما تأملها الإنسان وأجال فيه البصر يجد من كمال قدرته وآثار حكمته فوق ما وجده في بادي النظر (لأنه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن) الشأن: الأمر والحال وهو سبحانه في كل زمان من الأزمان يحدث في عالم الإمكان على وفق الحكمة والقضاء الأزلي ما هو محل العجب العجيب الذي يحار فيه أبصار البصاير من أفعال غريبة وأشخاص جديدة وأحوال بديعة لم يكن شئ منها قبل ذلك. قال القاضي: وفي الحديث من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين وهو رد لقول اليهود إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا، انتهى. أقول: وهو أيضا رد على من ذهب أنه تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما عليه الآن معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا ولم يتقدم خلق آدم (عليه السلام) على خلق أولاده والتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها لا في حدوثها (2) وهذا المذهب مأخوذ من (3) أصحاب الكمون والظهور من جملة الفلاسفة كما أشار إليه


1 - قوله: " ما لا يتحقق الشئ إلا به " يعنى به الذاتيات والأجزاء وأنها مقدمة على المركب منها تقدما بالذات سابقا أن أقسام التقدم الخمسة المشهورة متعارفة عن الناس ويستعملونها في محاوراتهم وليس التقدم عندهم منحصرا في التقدم بالزمان كما توهمه بعض الظاهريين، يقولون في التقدم المكاني: رأيت زيدا وهو شاب جلس مقدما على الشيوخ، وفي التقدم بالشرف: أن نبينا (صلى الله عليه وآله) مقدم على سائر الأنبياء، ويقولون في التقدم الذاتي: تحركت اليد فتحرك المفتاح، ولو عكست القول وقلت: تحرك المفتاح فتحركت يدى غلطوك لدلالة الفاء على الترتب والتأخر وليس حركة اليد بعد حركة المفتاح بل قبله. وعوام العجم أيضا يستعملون هذه المعاني في محاوراتهم في الفارسية. نعم تعديد أقسام التقدم ومعرفة الاصطلاحات خاص بأهل العلم. وهذا نظير الواجب والممكن والممتنع يعرفه الطفل الصغير والشيخ والجاهل البدوي والعامي القروي وإن لم يميزوا الاصطلاح والدور والتسلسل يعترف ببطلانهما جميع الناس ويختص بتقرير الدليل عليه العلماء وهكذا. (ش) 2 - " في ظهورها لا في حدوثها " ظاهر هذا الكلام غير معقول، اللهم إلا أن يرجعوا إلى ما قالوا في الفرق بين الدهر والزمان وأن = (*)

[ 198 ]

صاحب الملل والنحل. (الذي لم يلد فيكون في العز مشاركا) يمكن إرجاعه إلى قياس استثنائي تقريره: لو كان له ولد كان في العز والجلال مشاركا معه، والتالي باطل إذ لا عزيز على الإطلاق سواه، فالمقدم مثله، بيان الملازمة أن ولد العزيز عزيز مثله وقد سلك (عليه السلام) في ذلك سبيل المعتاد الظاهر في بادي الرأي والاستقراء وهو أن كل ولد يلحق بأبيه في العز والذل وإن لم يجب ذلك في العقل والاستقراء مما يستعمل في الخطابة ويحتج به فيها إذ غايته الإقناع (ولم يولد فيكون موروثا هالكا) أي لو كان مولودا لكان موروثا هالكا يرثه من خلفه، وهو تنزيه له عن صفات البشر إذ العادة أن كل مولود من الإنسان يهلك فيرثه من خلفه والبرهان على استحالة كونه والدا ومولودا أن ذلك من لواحق الشهوة الحيوانية وتوابع القوة الجسمانية، وقدسه تعالى منزه عنها. (ولم تقع عليه الأوهام فتقدره شبحا ماثلا) الماثل القائم والماثل أيضا المشابه يعني لم تدركه الأوهام فإنها إن أدركته قدرته شخصا منتصبا قائما وصورة شبيهة بصورة الجسم والجسمانيات، لأن الوهم إنما يدرك الأمور المتعلقة بالمادة وشأنه فيما يدركه أن يستعمل المتخيلة في تقديره بمقدار معين ووضح معين ويحكم بأن ذلك مبلغه ونهايته فلو أدركته الأوهام لقدرته شخصا معينا قايما على مقدار معين وصورته بصورة معينة في محل معين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حايلا) حال الشئ يحول إذا انقلب حاله وكل متغير


= الأمور المترتبة في الزمان مجتمعة في الدهر وربما يمثل ذلك بخيط ملون بألوان مختلفة تمشي عليه نملة ترى كل لون إذا حاذاها، وأما الإنسان فيرى جميع الألوان دفعة واحدة، ولما كان واجب الوجود علة العلل ووجود كل موجود إنما هو بإضافته الإشراقية والرابطة التي بينه تعالى وبين المعلول أقوى وأشد من كل رابطة، وقلنا إن رابطة النور تقتضي رؤية الإنسان شيئا مضى وتموجات الهواء تقتضي سماعنا لأصوات مضت، فلم يستبعد أن يرى الله ويسمع ويحيط بقدرته على جميع ما مضى وما سيأتي دفعة واحدة وليس معنى اجتماع المترتبات في الدهر نفى الزمان عنها ولا عدم الترتب بينها ومعيتها في الزمان بل معيتها واجتماعها في علم الباري وحضورها عنده دفعة واحدة وقدرته عليها جميعا. (ش) 3 - قوله: " وهذا المذهب مأخوذ " أصحاب الكمون والبروز طائفة من قدماء فلاسفة اليونان أورد الشيخ في الشفا مذهبهم وزيفه في الفصل الرابع من الفن الثالث من الطبيعيات وحاصل مذهبهم أن ما نرى من استحالة العناصر بعضها إلى بعض كالهواء يتبدل نارا مثلا ليس استحالة بالحقيقة إذ لا يجوز تغير ماهية شئ إلى غيرها فلا يصير شئ شيئا أصلا فما خلق في أول وجوده مثلا حديدا أو نحاسا أو كبريتا أو غيرها فهو يبقى على ما هيته وصورته النوعية أزلا وأبدا إلا أن في كل منها سائر الأشياء كامنة فالنار كامنة في الهواء ومخلوقة فيه غير ظاهرة وإنما يظهر بالاشتعال، وشاركهم أهل عصرنا في قولهم بعدم استحالة العناصر ولكن يخالفونهم في أن المواليد بالتراكيب والأمزجة لا بالبروز فكل حادث عندهم بتركيب ومزاج أو بتحليل ولا يستحيل شئ آخر إلا بزيادة عنصر فيه أو نقص، ولا حاجة فعلا إلى نقل مذهبهم ولا فائدة فيه. (ش) (*)

[ 199 ]

حائل. كذا في النهاية. يعني لا تدركه الأبصار فإنها إن أدركته كان بعد انتقال الأبصار عنه متغيرا ومنقلبا عن الحالة التي كانت له عند الإبصار وهي المقابلة والمحاذاة والوضع الخاص وغير ذلك من الأمور المعتبرة في الرؤية إلى حالة أخرى مغايرة للأولى فيوصف تارة بالمقابلة والمحاذاة مثلا وتارة باللامقابلة واللامحاذاة، وذلك لا يليق بقدس الحق، لأن نسبته إلى جميع الأشياء والأحياز والأوضاع والأشخاص والأوقات والأزمنة والأمكنة على السواء لا تتغير ولا تتبدل أصلا وأبدا، فنسبته إلى الشرق كنسبته إلى الغرب، ونسبته إلى السماء كنسبته إلى الإرض، ونسبته إلى زيد وإبصاره لشئ كنسبته إلى زيد وإبصاره لشئ آخر، ويحتمل أن يكون لفظة " بعد " بضم الباء ويكون اسم " يكون ". والحايل حينئذ بمعنى الحاجز، يعني لا تدركه الأبصار لأنها لو أدركته كان بعد انتقال الأبصار إليه مانعا من رؤيته، لأن من شرايط الرؤية هو القرب المتوسط واللازم باطل، لأن ذلك شأن ذوات الأحياز التي يتصور فيها القرب والبعد بحسب المسافة، وقدس الحق منزه عن ذلك (الذي ليست في أوليته نهاية ولا لآخريته حد ولا غاية) إذ العدم لا يسبق الوجود الأزلي ولا يلحقه. (الذي لم يسبقه وقت ولم يتقدمه زمان) الوقت جزء الزمان، ولما كان جل شأنه خالق الوقت والزمان وجب أن يتقدمهما فلا يتصور تقدمهما عليه. (ولم يتعاوره) أي لم يأخذه على سبيل التبادل والتناوب (زيادة ولا نقصان) لأنهما من لوازم الكم والكميات (ولا يوصف بأين ولا بم ولا مكان) أي لا يوصف بالحصول في الأين ولعل المراد بالأين الجهة دون المكان لئلا يلزم التكرار، وصح إطلاق الأين على الجهة لكمال المناسبة بينهما في أنهما مقصد للمتحرك الأول باعتبار الحصول فيه والثاني باعتبار الوصول إليه والقرب منه، وكذا لا يوصف بما هو، لأن وصفه به يستلزم وصفه بأنه يمكن معرفة كنه حقيقته، لأن " ما هو " سؤال عن كنه الحقيقة، وكذا لا يوصف بالكون في المكان لاستحالة افتقاره إلى المكان. (الذي بطن من خفيات الأمور) أي أدرك الباطن من خفيات الأمور يعني نفذ علمه في بواطنها لأنه عالم السر والخفيات، ويحتمل أن يكون المراد أنه باطن خفي داخل في جملة خفيات الأمور ولما كانت بواطنها أخفى من ظواهرها كان المفهوم من كونه بطن منها أنه أخفي منها عند العقول وغيرها من القوى المدركة، وذلك لأن الإدراك إما حسى وإما عقلي، ولما كان عز وجل مقدسا عن الجسمية منزها عن الوضع والجهة استحال أن يدركه شئ من الحواس الظاهرة والباطنة، ولما كان ذاته بريئة عن أنحاء التركيب استحال أن يكون للعقل اطلاع عليها بالكنه فخفاؤه إذن على جميع الإدركات ظاهر وكونه أخفى الأمور الخفية واضح.

[ 200 ]

(وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير) إذ بآيات قدرته وتدبيره وعلامات صنعته وتقديره تجلت ذاته في عقول العارفين (1) وظهرت صفاته في صدور العالمين، وقد حث


1 - قوله: " تجلت ذاته في عقول العارفين " أكثر العلوم الحاصلة للانسان مبدؤها الانتقال الدفعي من ملاحظة مقدمات حصلت بغير اختيار ويسميها المنطقيون الحدس وهو يفيد اليقين وليس مرادفا للظن والتخمين كما في اصطلاح الناس، ومثاله المعروف نور القمر مستفاد من الشمس، إذ رأوا ارتباطا دائما بين اختلاف تشكيلات القمر ووضعه من الشمس قالوا: إن نوره منها وأمثلة ذلك في الهيئة وساير العلوم كثيرة وربما يسمى أصحاب هذا الحدس القوى أهل زماننا عبقريا وفي الفارسية الدارجة نابغة، وظاهر أن معرفة الناس بالله المدبر الحكيم لم يكن خارجا من القاعدة الكلية في استنباط سائر أسرار الكون، ففي زمان قديم لا نعلم تأريخه تنبه رجل عبقري، لأن الأرض كرة ولا نعلم اسم ذلك الرجل وبيئته ولا زمانه كذلك تنبه من طريق العقل رجل لا نعلم اسمه وساير مشخصاته أن مبدأ هذا العالم فاعل حكيم عالم فعل ما فعل لغاية. أما من جهة تعليم الأنبياء والإلهام فأول من علم التوحيد آدم أبو البشر وليس هو مراد أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الموضع بل مراده الظهور في العقول من ملاحظة علامات التدبير وطريق تنبه العقل ما ذكره (عليه السلام) فإن الإنسان لما نظر في الآفاق وفي نفسه خصوصا بعد معرفة شئ من التشريح والطب تنبه، لأن صانعه ليس موجودا غير شاعر كما يتنبه من صنايع يد الإنسان وإتقان فعله مهارة صانعه، وما يقال من أن أول من عرف الله تعالى بالعقل هو سقراط الحكيم أو انكساغوراس أو غيره فانما عنى في اليونانيين وفلاسفتهم، وما في توحيد المفضل عن الصادق (عليه السلام) أن أرسطوطاليس هو الذي بين خطأ من تقدمه من نفي فمراده (عليه السلام) أن هذا الحكيم أول من بينه ببيان علمي استدلالي ظهر الحق بقوله ونسخ قول الطبيعيين نسخا بينا أوجب إعراض العقلاء عنهم، وأما أصل تنبه الإنسان لوجود الحق تعالى كان سابقا في الأمم البتة وإن لم بيينوه كما بين أرسطوطاليس. وأما جماعة من العوام وحمقاء الإفرنج وأصحاب الحرف والصناعات منهم فقد توهموا أن الإنسان إنما ينسب الأمور إلى الله تعالى وتدبيره لأنه جاهل بالأسباب الطبيعية ولما عرف تلك الأسباب عرف استغناء العالم عن الله - نعوذ بالله - مثلا ما لم يعلم أن لنمو النبات وتكون الجنين في الرحم ونزول المطر وهبوب الرياح وغير ذلك أسبابا، نسبها إلى فعل الله ولما علم أن المطر بصعود الرطوبات إلى الجو البارد وتبدل البخار وكذلك ساير الاسباب أنكر أن يكون لله تعالى تأثير، فالاعتراف والإيمان بالله تعالى عندهم من الجهل، والإلحاد والكفر من العلم، وقد رأيت كتابا لرجل منهم يسمى باغوست كنت، طول الكلام في ذلك وأتى بأمور تخالف الحس وما نعلم من التاريخ. ونقل عن بعض ملاحدة شعراء العرب حاصل ما في ذلك الكتاب: اثنان في الدنيا فذو عقل بلا * دين وآخر دين لا عقل له وإنما قلنا إنه مخالف للحس والتاريخ لأنا نرى الجهل بالأمور الغيبية مقدما على العلم بها في التاريخ كما أن جهل الناس بكروية الأرض كان قبل علمهم، وجهلهم بالتشريح وخواص الأدوية قبل علمهم، وجهلهم بعلة الخسوف والكسوف وأسبابهما قبل علمهم، كذلك كان جهلهم بمبدء حكيم قادر لا يرى قبل علمهم به، ونعلم أن أرسطوطاليس وأنكسار غوراس وغيرهما كانوا أعلم الناس جميعا بالأمور الطبيعية وكانوا عالمين بأن نزول المطر من استحالة البخار الصاعد من الأرض كما نص أرسطو في كتابه عليه وعلى ساير الأمور الطبيعية ومع ذلك اعترف بوجود المبدأ الحكيم وبقاء النفس، وبالجملة الحق ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) من أن معرفة الله تعالى بالنظر والتفكر إنما حصل للانسان بعد تأمله في خلقه لا ما يقوله هذه الجهال إن اعترافهم بالمبدأ كان قبل التفكر والنظر والتأمل. (ش) (*)

[ 201 ]

على التفكر فيها والنظر إليها للاستدلال بها على وجود الصانع وصفاته قوله تعالى: * (أو لم يتفكروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئ) * الآية وقوله تعالى: * (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) * وهذا الطريق هو طريق المليين وساير فرق المتكلمين فإنهم يستدلون أولا على حدوث الأجسام (1) والأعراض ثم يستدلون بحدوثها وتغيراتها على وجود الصانع، ثم يستدلون بالنظر في أحوال المخلوقات على صفاته واحدة واحدة، مثلا يستدلون بإحكامها وإتقانها على كون صانعها عالما حكيما قادرا وبتخصيصها بأمر ليس للآخر (2) على كونه مريدا وبلطافة خلق بعضها ودقته على كونه لطيفا، وكذلك الحكماء الطبيعيون يستدلون بوجود الحركة على محرك وبامتناع اتصال الحركات لا إلى أول على وجود محرك أول (3) غير متحرك، ثم


1 - قوله: " أولا على حدوث الأجسام " يعنى بالدليل العقلي إذ يريد به إثبات الواجب تعالى كمال قال، ثم يستدل بحدوثها على وجود الصانع، ولا يجوز التمسك هنا بإجماع المسلمين ولا بظاهر الكتاب والأخبار، لأن حجية الإجماع وظاهر النصوص بعد إثبات الواجب تعالى والنبوة والكتاب كما مر في الصفحة 200 من هذا الجزء وفي مواضع أخر. (ش) 2 - قوله: " بتخصيصها بأمر ليس للآخر " ولكن إرادة الله تعالى ليس جزافا بغير علة ومرجح بل يكون تخصيص إرادته بشئ دون شئ بحصول استعداد مرجح لقبول الفيض كما قيل " أبي الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها " و " إذا اراد الله شيئا هيأ أسبابه " وهذا جار في كل شئ، قال تعالى: * (حتى يغيروا ما بأنفسهم) * وإثبات العمد والتدبير والإرادة هو الأصل في التوحيد الفارق بين المتأله والملحد وإلا فالمبدأ الواجب مما اتفق عليه كل الناس إلا أن المتأله يقول إنه فعل ما فعل بعمد وإرادة، والملحد يقول هو غير شاعر ولا مريد. وفي توحيد المفضل بعد نقل كلام الإمام (عليه السلام) في فوائد كثير من أعضاء الإنسان قال المفضل فقلت: يا مولاي إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة. فقال: سلهم عن هذه الطبيعة هي شئ له علم وقدرة على مثل هذه الافعال أم ليست كذلك ؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق فإن هذه صفته، وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد يراه من الصواب والحكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم وأن الذي سموه طبيعة هو سنة في خلقه جارية على ما أجراها عليه، انتهى. قال العلامة المجلسي (رحمه الله) في بيان ذلك: والذي صار سببا لذهولهم أن الله تعالى أجرى عادته بأن يخلق الأشياء بأسبابها، فذهبوا إلى استقلال تلك الأسباب في ذلك، انتهى. وهذه الأسباب هي التي تسمى في اصطلاح الحكماء معدات ويحصل بها للشئ الإمكان الاستعدادي السابق على وجود الحادثات الزمانية فيستعد البذر لقبول صورة النبات بأسباب هي الماء والأرض والسماء الحرارة والنور وغير ذلك، وقال العلامة المجلسي (رحمه الله) أيضا: يعلم بعد الاعتبار والتفكر أن الكل مستند إلى قدرته وتأثيره تعالى وإنما هذه الأشياء وسائل وشرائط لذلك. ثم أنه - رحمه الله - أنكر في بعض المواضع الإمكان الاستعدادي وإن اثبته هنا، وله وجه ليس هاهنا موضع ذكره. (ش) 3 - قوله: " على وجود محرك أول غير متحرك " لا ريب أن الجسم يتحرك في الجملة وصفات الأجسام وأفعالها إما أن تكون ذاتية طبيعية وتكون علة ثبوتها لها ذات الأجسام كالبرودة والميعان للماء، والحرارة للنار وإما أن تكون غير طبيعية لا بد أن تكون لها علة من خارج ولا ريب أن الحركة من حيث هي حركة ليست ذاتية طبيعية بحيث تكون ذات الجسم يقتضيها بالذات بل الحركة دائما للوصول إلى غرض وغاية إذا وصل الجسم إليه سكن ومعنى كون الحركة طبيعية في بعض الأجسام = (*)

[ 202 ]

يستدلون من ذلك على وجود مبدأ أول. (الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا ببعض) لامتناعهما في حقه، أما الحد فلأنه ليس له حقيقة مركبة من الذاتيات ولا امتداد منته إلى النهايات، وأما البعض فلأنه ليس له أبعاض لاستحالة التجزية والتكثر على جناب القدس (بل وصفته بفعاله ودلت عليه بآياته) فإنهم أرشدوا العقول الناقصة إلى الشهادة بوجوده بالنظر في أفعاله العجيبة وآياته الغريبة والتأمل في آثار قدرته وأطوار صنعته والتفكر في لطايف تدبيره وطرائف تقديره وبينوا أن كل ما تصورته النفوس من الصور العقلية وأدركته الحواس من الصور الحسية وجب تنزيهه تعالى عنه، وأن الواجب هو الإذعان بوجوده إذعانا بريئا من المواد وعلايقها مجردا عن مدركات الحواس ولواحقها من الأين والوضع والجهة والمقدار وغير ذلك من لواحق الممكنات وخواص المصنوعات. (لا يستطيع عقول المتفكرين جحده، لأن من كانت السموات والأرض فطرته وما فيهن وما بينهن وهو الصانع لهن فلا مدفع لقدرته)، لأن هذه المصنوعات آيات ظاهرة على وجوده وحكمته وعلامات باهرة على علمه وقدرته لكن ظهورها للعقول يتفاوت بحسب تفاوت مراتب الاستعداد والتفكر على درجات متباعدة ومنازل متفاوتة ومن جحده فإنما جحده لعدم تفكره في ذواتها وسوء تدبره في صفاتها التي كلها شواهد صدق على وجوده ووحدته في الربوبية وتفرده في الإلهية وتنزهه عن صفات المخلوقين وتقدسه عن سمات المصنوعين مع إقرار العقل بدون معارضة الوهم بالتصديق له حتى إن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله. ولذلك إذا وقعوا في مصيبة ودخلوا في بلية كالغرق ونحوه لم يجدوا ملجأ سواه ولم يدعوا إلا إياه.


= أن له غاية يتوخى الوصول إليها بالطبع فيتحرك لتحصيل تلك الغاية ولا يعقل أن يكون الحركة كمالا أولا بحيث تكون هي بنفسها غاية ومقصودة، لأن نيل المقصود يقتضي السكون والقرار لا الانتقال والفرار والغاية لكل شئ الذي ينتهي إليه الحركات هو الله تعالى وهو المحرك غير المتحرك، منه المبدأ وإليه المصير. والحركة الذاتية بغير ذلك من الآيات. فإن قيل: غاية الحركة في الجسم تحصيل الحالة الطبيعية كما أشرت إليه ولا يجب أن ينتهى إلى المبدأ الأول فالماء مثلا إذا سخن بالقسر ثم خلى وطبعه تحرك إلى البرودة فإذا حصلت سكن لأنه وصل إلى غايته. قلت: كل شئ خلق على صفاته الطبيعية ولو لم يكن قاسر يخرج شيئا عما هو عليه طبعا لسكن العالم بأسره وبجميع أجزائه على حالة واحدة ولم يحدث شئ موجود ولم يفن شئ موجود ولكن هنا قاسرا لكل شئ يخرجه عن مقتضى طباعه فننقل الكلام إلى ذلك القاسر وتحريكه وغايته في التحريك فلا بد أن ينتهى إلى قاسر ثان يحرك القاسر الأول فإن كان هو أيضا متحركا احتيج إلى قاسر ثالث فإن كان غير متحرك ثبت المبدأ المحرك غير المتحرك، وهو المطلوب لبطلان التسلسل. وإن كان متحركا احتاج إلى محرك غير طبيعة وهكذا. (ش) (*)

[ 203 ]

(الذي نأى من الخلق) أي بعد منهم لعدم مشابهته بهم وعدم إدراكهم له (فلا شئ كمثله) في ذاته وصفاته إذ لا يتصف هو بصفات شئ من الأشياء ولا يتصف شئ من الأشياء بصفاته، لأن عالم الوجوب والغناء مغاير بالكلية لعالم الإمكان والفناء فلا يوجد ما يليق بأحدهما في الآخر (1) (الذي خلق خلقه لعبادته) ليجذبهم بها إلى جناب عزته ولم يخلقهم عبثا كما قال: * (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) * وقال: * (ما خلقت السموات والأرض وما بينهما لاعبين) *. (وأقدرهم على طاعته بما جعل فيهم) من شرائط التكليف مثل العقل والقدرة وغيرهما فمنهم سماع أجابوه ومنهم صماء خالفوه. (وقطع عذرهم بالحجج) أي بالحجج الباطنة وهي العقول والحجج الظاهرة وهي بعث الأنبياء ونصب الأوصياء وإنزال الكتب تنبيها للغافلين وتذكيرا للجاهلين فقطع عذرهم ودفع حجتهم لئلا يقولوا يوم القيامة لولا أرسلت إلينا رسولا يهدينا إلى معرفتك ويرشدنا إلى طاعتك (فعن بينة هلك من هلك وبمنه نجا من نجا) يعني من هلك بالكفر والضلال بعد بعث الأنبياء وإنزال الكتب وإرشاد الطريق وإكمال العقل فعن وضوح بينة هلك، ومن نجا عن العقوبة والنكال بالايمان والكمال فبمنه وإفضاله نجا (ولله الفضل مبدئا ومعيدا) أي ولله الفضل والجود والزيادة في الإحسان في حال إبداء الخلق وإيجادهم في الدنيا وفي حال إعادتهم وإرجاعهم بعد الفناء أما فضله في الإيجاد فظاهر لأنه


1 - قوله: " فلا يوجد ما يليق بأحدهما في الآخر " فإن قيل يوجد في عالم الإمكان العلم والحياة والقدرة ويتصف بها واجب الوجود أيضا بل ربما يقال كل ما هنا يجب أن يكون جلوة لما هناك وموجد الشئ ليس فاقدا له، قلنا: المقصود أن ما في الإمكان مشوب بالنقص ومختلط بالعدم والواجب تعالى يجب أن يكون مبرأ من كل نقص، ولا يوجد شئ بنقصه في الواجب وعلم الممكن ممزوج بالجهل وحادث بعد العدم وقابل للزيادة والنقصان وكذلك حياته وقدرته، وقد سبق ما يناسب ذلك في شرح قوله (عليه السلام): " بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له "، لأن المشعر يحكي عن النقص لدلالته والانفعال عن المحسوس ولا يقال بتعليمه العلماء عرف أن لا علم له، لأن العلم لا يدل على النقص من انفعال وجسمية وغير ذلك، مثلا إذا تأملت في خلق العين وقوة الباصرة عرفت أن خالق هذا العضو يعلم أن في العالم نورا ولونا وشيئا يحمل النور واللون وأن النور يدخل الجسم الشفاف كالزجاج فيعلم أن في العالم جسما شفافا وكدرا ويجب أن يختار للتأثر من النور في الباصرة جسما شفافا كالجليدية والقرنية ويعلم أن غذاء هذا الجسم الشفاف يجب أن يكون لطيفا وهكذا. وعلمه بجميع هذه الأمور إنما يكون قبل خلقه العين حتى يخلق العين على وفق ما علم وجوب كونها عليه ثم إن الخالق لو كان له عين بالصفات اللازمة للرؤية فإن كانت هذه العين نفس ذات الواجب لم يكن جارحة ومشعرا بل كان ذات الواجب عالما بالمبصرات وإن كانت غير ذات الواجب كانت مخلوقة له وكان الواجب خلقها ليستعين بها على رؤية الأشياء تعالى الله عنه وقد كان يعلم قبل الخلق أن في العالم نورا ولونا ولكل منهما خواص وأن هناك جسما كدرا وشفافا وبالجملة يعلم كل شئ قبل أن يخلق لنفسه عينا فلا يحتاج إلى عين، وبتشعيره المشاعر عرف أنه قبل تشعيره يعلم كل شئ يحتاج عرفإنه إلى مشعر، وهذا نظير أن صانع المنظار يجب أن يكون قبل صنعته عارفا برؤية ومرئي من غير احتياج إلى المنظار. (ش) (*)

[ 204 ]

بلا سبق استحقاق قطعا، وأما فضله في الإعادة وازدياد الإحسان في الآخرة فهو مختص بالمؤمنين المتقين كما قال: * (وأزلفت الجنة للمتقين) * إلى قوله * (ولدينا مزيد) *. ثم أشار إلى استحقاقه للحمد في البداية والنهاية فضل الحمد والحث عليه بقوله: (ثم إن الله وله الحمد) هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب وإنما لم يذكر متعلق الحمد لقصد التعميم أو للإشارة إلى أنه يستحقه لذاته و " ثم " لمجرد التفاوت في الرتب فإن حمده تعالى لنفسه أفضل وأكمل من حمد الغير له (افتتح الحمد لنفسه) في التنزيل أو عند خلق العالم كما قال * (الحمد لله فاطر السموات والأرض) * أو عند خلق الإنسان ونفخ الروح كما قال: * (ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) * لأن الحمد هو الثناء الجميل ولا يجب أن يكون ذلك بلفظ الحمد. (وختم أمر الدنيا) لعل المراد بأمر الدنيا ما يتعلق بها من سوء العاقبة وحسنها للعباد بحسب القضاء الإلهي (ومجل الآخرة بالحمد لنفسه) المجل بالتحريك أو سكون الجيم مصدر يقال مجلت يده مجلا بفتح الجيم فيهما ومجلت يده مجلا بكسر الجيم في الأول وسكونها في الثاني وهو أن يجتمع بين الجلد واللحم ماء من كثرة العمل وشدته ويحصل منه بثرة ويقال له بالفارسية " آبله " وضبطه بعضهم بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وهو الجدب وانقطاع المطر ويبس الأرض من الكلاء والمجادلة والكيد، والمراد به هنا على جميع هذه المعاني هو الشدة والمصيبة على سبيل الكناية يعني ختم أمر الدنيا وختم شدايد الآخرة وأهوالها بالحمد لنفسه على القضاء بالحق كما قال (وقضى بينهم بالحق) بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار. (وقيل الحمد لله رب العالمين) على القضاء بالحق وإعطاء كل قوم ما يستحقونه من غير ظلم ولا جور، والظاهر من سياق هذا الحديث أن القائل هو الله تعالى وقيل هم المؤمنون والملائكة. فإن قلت: ختم شدائد الآخرة بهذا القضاء وهذا القول ظاهر وأما ختم أمر الدنيا بهما فما الوجه فيه ؟ قلت هما في الحقيقة مقارنان لختم أمر الدنيا لانقطاع العمل حينئذ وعند ذلك يتحقق حال كل شخص ويعلم أنه من أهل الجنة أو من النار، ولذلك قيل: " من مات قامت قيامته ". (الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تجسيد والمرتدي بالجلال بلا تمثيل) تشبيه الكبرياء والجلال أعني العظمة الرفعة باللباس والرداء في الإحاطة والشمول مكنية تعلق اللبس والارتداء بهما تخيلية، ولما كان المتبادر من الكبير والجليل في الأوهام أن يكون ذا جسد ومثال أشار إلى أن وصفه تعالى بهما من غير تجسيد بشخص جسداني وتمثيل بمثال جسماني للتنبيه على أن المراد منهما هو العظمة والرفعة بحسب القدر والرتبة.

[ 205 ]

(والمستوي على العرش بغير زوال) لما كان المتبادر من الاستواء في أفهام القاصرين هو الاستقرار أشار إلى نفي إرادة ذلك بسلب لازمه الذي هو الزوال من حال إلى حال والانتقال من وضع إلى وضع، لأن كل مستقر على شئ شأنه جواز اتصافه بذلك للتنبيه على أن المراد به معنى آخر يجوز في حقه تعالى وهو الاستعلاء والاستيلاء والغلبة، وإطلاقه على هذا المعنى أيضا شايع في العرف واللغة. (والمتعالي عن الخلق) بالشرف والعلية والتنزه عن صفاتهم، ولما كان الوهم يتسارع إلى أن ما استعلى على الشئ كان فوقه إما بتباعد وتراخي مسافة بينهما كالفلك التاسع بالنسبة إلى الأرض أو بمماسة والتصاق بلا تراخي مسافة كالماء بالنسبة إليها أشار إلى دفع ذلك تأكيدا لرد الأحكام الوهمية بقوله (بلا تباعد منهم ولا ملامسة منه لهم)، لأن علوه تعالى ليس علوا مكانيا بل علوا معنويا كما ذكرناه، والتباعد والتماس إنما يكونان في العلو المكاني فهذا قرينة لحمل التعالي على غير ما يتناوله الوهم (ليس له حد ينتهي إلى حده)، لأن حد الشئ في اللغة منتهاه كحد الدار ونحوها وفي العرف ما يشرح حقيقة ذاته وما له من كمال صفاته وليس له سبحانه شئ منهما، أما الأول فلأنه من لواحق الامتداد وليس له سبحانه طبيعة امتدادية وأما الثاني فلأنه مؤلف من كثرة معتبرة في الحدود وهو سبحانه منزه عن الكثرة من جميع الوجوه (ولا له مثل فيعرف بمثله) لتقدسه عن المماثل وفيه تنزيه عن التشبيه والتنظير، ولعل السر في إيراد الفاء هنا دون السابق هو الإشعار بأن المثل منفي على الإطلاق دون الحد فإن له حدا بمعنى تميزه عن غيره بوصفه بما يليق به وعدم وصفه بما يليق بخلقه إلا أن جواز إطلاق الحد على ذلك محل كلام (ذل من تجبر غيره وصغر من تكبر دونه) غيره ودونه حالان عن فاعل تجبر وتكبر والضمير فيهما عايد إليه سبحانه يعني كل من تجبر وتكبر غير الله تعالى على خلقه بشئ ما مثل النسب والحسب والجاه والمال وحسن الهيئة والجمال أو لا بشئ فهو ذليل صغير حقير عنده تعالى وعند الصالحين من عباده بل عند الفاسقين أيضا في الدنيا والآخرة، لأن العظمة والكبرياء من أخص صفاته تعالى ومن نازعه في صفاته فهو بزعمه شريك له ولا شئ أذل وأصغر ممن يدعي أنه شريك الباري. (وتواضعت الأشياء لعظمته)، لأن كل شئ من الموجودات وكل ذرة من الممكنات متواضع لديه موضوع على بساط العجز والافتقار بين يديه وما ذلك إلا لملاحظة عظمته المطلقة التي عجزت العقول عن الإحاطة بها، ومن أنكرها بقلبه ولسانه فمع تواضع ساير جوارحه وأركانه يتواضع بهما عند نزول المصائب وظهور الموت وقيام الساعة التي هي محل الندامة ولكن لا ينفعه ذلك (وانقادت لسلطانه وعزته)، لأن كل شئ من المصنوعات وكل نوع من المخلوقات منقاد لقضائه وقدرته

[ 206 ]

وحكمه وتقديره ومنساق على نحو إيجاده وإبقائه وإفنائه وتدبيره فيجئ على نحو ما أراد له من الذوات والصفات وما قدر له من المقدار والكيفيات وما ذلك إلا لملاحظة سلطانه وعزته وغلبته على جميع الأشياء كما قال سبحانه * (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها) * (وكلت عن إدراكه طروف العيون) الطروف بضم الطاء والراء والفاء أخيرا: الطموح جمع طارف بمعنى طامح وفي الفايق طرفت عينه أي طمحت يعني حسرت عن إدراكه العيون الطامحة المرتفعة إلى الشئ ليراه كما هو، وهنا احتمالات أخر، الأول: أن يكون الطروف جمع الطرف بالتسكين وهو تحريك الجفن بالنظر كما في المغرب أو هو العين كما في الصحاح والإضافة حينئذ بيانية وفيه بعد، لأن الطرف بمعنى العين لا يثنى ولا يجمع لأنه في الأصل صرح به مصدر كما صرح به في الصحاح. الثاني أن يكون الطروف جمع الطرف بالكسر والتسكين وهو الكريم من الخيل ويراد هنا الكريم مطلقا والمراد بالعيون الكريمة العيون الصحيحة الكاملة في إدراكها. الثالث أن يكون الطروف مصدرا بمعنى النظر يقال: طرفت عينه إذا نظرت وما ذكرناه أولا هو الأحسن والأتقن، وفي بعض النسخ طروق العين من الطرق بالقاف وهو الدق أي دق العيون أبواب مدركاتها حتى تدخل فيها (وقصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق) لما عرفت أن الوهم لا طريق له إلى قدس الحق، ويمكن أن يراد بالأوهام ما يتناول العقل أيضا لعدم استغنائه في الإدراك عن الاستعانة بالوهم غالبا ولأن العقل في باب معرفة الحق مثل الوهم في أن ما أدركه لا يوجد في عالم القدس. (الأول قبل كل شئ ولا قبل له والآخر بعد كل شئ ولا بعد له) قد مر شرح ذلك مفصلا. (الظاهر على كل شئ بالقهر له) على الإيجاد والإفناء وإجراء جميع ما أراد، فكل شئ مسخر مغلوب له عند حكمه وإرادته، عاجز مقهور تحت قهره وغلبته وليس ظهوره عليه بمعنى الركوب والتسنم لذراه كما مر (والمشاهد لجميع الأماكن) بالعلم والإحاطة (بلا انتقال إليها)، لأن الانتقال من خواص الأجسام المنزه قدسه عنها وهذا قرينة لصرف شهوده لجميع الأماكن عن الحلول فيها إلى ما ذكرناه لاستحالة ذلك بدون الانتقال (لا تلمسه لامسة ولا تحسه حاسة) لأنه ليس من الكيفيات الملموسة والمحسوسة * (هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) * لاستحقاق العبادة والإلهية بالنسبة إلى أهل السماء وأهل الأرض جميعا وقد مر شرحه مفصلا. (وهو الحكيم العليم) لإتقان أفعاله وآثاره بحيث لا يجوز أن يقال لو فعل هذا لكان أتقن ولو لم

[ 207 ]

يفعل ذاك لكان أحسن وتعلق علمه بجميع الأشياء بحيث لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ولا حسيس نملة في الصخرة الملساء. (أتقن ما أراد من خلقه من الأشباح كلها) " من " الأولى متعلقة بأراد، و " من " الثانية بيان ل‍ " ما "، والمراد بالأشباح الأشخاص المتغايرة والصور المتباينة كصورة الإنسان وصورة الفيل وصورة البقة وصورة النملة وغيرها من الصور النوعية والصور الشخصية والصور الجمادية والصور النباتية والصور الفلكية والصور العنصرية. (لا بمثال سبق إليه) إن أريد بالمثال الصورة العلمية وإطلاقه عليها شايع كان " سبق " بالباء الموحدة مبنيا للفاعل وضمير فاعله يعود إليه والضمير المجرور إلى الله سبحانه أي خلق ما أراد لا بصورة علمية زايدة سبقت إليه، لأن ذاته بذاته علم بجميع الموجودات. وإن أريد به مثال الموجودات كما هو الظاهر كان " سبق " مبنيا للمفعول والضمير المستتر له تعالى والضمير المجرور للمثال، والمقصود أنه خلق ما أراد لا بمثال سبقه تعالى غيره إلى إيجاد ذلك المثال أو مبنيا للفاعل ومرجع الضمير بحاله يعني خلق بلا مثال سبق الله تعالى غيره إلى ذلك المثال في إيجاد مثله بناء على أن المثال قديم لا موجد له أو على أن السبق إضافي ويحتمل أن يكون " إلى " بمعنى " على "، وإطلاق حروف الجر بعضها على بعض شايع، ويحتمل أن يكون " سيق " بالياء المثناة من تحت وحكم الضمير فيهما عكس ما والمقصود في هذه الصورة أنه خالق ما أراد بلا مثال سابق لاستحالة افتقاره ونقصانه في العلم والقدرة والفعل وامتناع وجود خالق غيره. (ولا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه) أي عند الخلق والإيجاد أو عنده تعالى بلا مثال، وهو على الأول متعلق بدخل وعلى الثاني بخلق، واللغوب: التعب، وفيه تنزيه له تعالى عن الأحوال البشرية والعوارض البدنية واللواحق الحيوانية من الضعف والأعياء والتعب وكلال الأعضاء عند كثرة الاشتغال. (ابتدأ ما أراد ابتداءه وأنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراد من الثقلين الجن والانس) تأكيد لما مر ومبالغة في أنه البديع المخترع للموجودات وحدودها وهي ما لها من المقادير والأشكال والنهايات والآجال والكمالات على وفق إرادته الكاملة وحكمته البالغة ليس له معين ناصر ولا دافع زاجر يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون. والفرق بين الابتداء والإنشاء خفي ذكرناه سابقا.

[ 208 ]

(ليعرفوا بذلك ربوبيته) (1)، لأن ما فيهم من التقديرات والتدبيرات ودقايق الصنع كاف لهم في معرفته ومعرفة ربوبيته (وتمكن فيهم طاعته) بإيجاد القوة والقدرة عليها، و " تمكن " إما من التمكن تحذف إحدى التاءين " وطاعته " على الأول مفعول والفاعل هو الله تعالى وعلى الثاني فاعل. (نحمده بجميع محامده كلها على جميع نعمائه كلها) المحامد جمع المحمدة وهي ما يحمد به من صفات الكمال ونعوت الجلال، وفيه تعميم لحمده على وجه الاجمال من جهة المحمود به ومن جهة المحمود عليه، وذلك يتصور على وجهين: الأول أن يكون بإزاء فرد من الثاني فرد من الاول، وثانيهما أن يكون بإزاء كل فرد من الثاني جميع الأفراد من الأول، ولا ريب في أن حمده تعالى بأحد هذين الوجهين على سبيل التفصيل متعذر لنا، وإنما المقدور لنا هو حمده كذلك على سبيل الإجمال. ثم إنه يحتمل أن من حمده كذلك كان له ثواب من حمده على سبيل التفصيل وبه يشعر ظاهر كلام بعض العامة. وقال بعضهم: إنه يثاب بأكثر من ثواب من حمده على بعض نعمائه، ولا يبعد أن يكون له ثواب بكل فرد فرد إلى آخر الأفراد، ولكن ثوابه دون من أتى به على التفصيل وإلا لم يكن للتفصيل فائدة (ونستهديه لمراشد أمورنا) أي لمقاصد الطرق التي توصلنا إلى الأمور المطلوبة عنا من المعارف والأحكام والأخلاق. (ونعوذ به من سيئات أعمالنا ونستغفره للذنوب التي سبقت منا) (2) في هذه الفقرات الثلاث


1 - قوله: " ليعرفوا بذلك ربوبيته " وروى مثله في تفسير قوله تعالى: * (ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) * أي إلا ليعرفون وبهذا امتاز الإنسان من ساير أنواع الحيوان وبهذا الاعتقاد امتاز المسلمون من الملاحدة والدهريين الذين يجعلون الإنسان في رتبة الحيوان ولا يرون في خلقه سرا ولا يعتبرون الخلافة التي جعلها الله في آدم أصلا ولا يفرقون بين النفس الناطقة المجردة والنفس المنطبعة الحالة في المادة الجسمانية، أما المسلمون والإلهيون فيرون في الإنسان شيئا آخر وسرا وخلافة ورثها من آدم (عليه السلام)، فإنا لا نرى في موجودات هذا العالم المحسوس شيئا أشرف من الإنسان، فإن كان هو يعيش ويفنى كساير الأشياء لم يكن فائدة في الخلق أصلا فلا محيص من أن يكون للانسان غاية يسلك إليها وإن كان شئ يشرف به فهو المعرفة لانه أكمل الكمالات، وإن كان في المعارف شئ يستحق أن يكون غاية فهو المعرفة بمبدأ الوجود وأصل الكون فمن يرى كمالا في غير المعرفة فهو بعد لم يترق من مقام الحيوانية ونحن نوافقهم - أي الماديين - في أنهم في رتبة الحيوان لم يتعالوا عنها فإن أبوا من ذلك وادعوا لأنفسهم فضلا بالمعرفة فقد صدقوا بما قلنا. (ش) 2 - قوله: " ونستغفره من الذنوب التي سبقت منا " تأوله علماؤنا بحيث لا ينافي ما دل عليه العقل من وجوب عصمة الحجج (عليهم السلام) وما دل عليه النقل بالضرورة من أن قولهم وفعلهم وتقريرهم حجة، وهذا واضح جدا وإن خالف فيه حشوية أهل الحديث لعدم تجرئهم على رد الأحاديث الدالة على صدور العصيان عنهم ولا على تأويلها على خلاف الظاهر ويرون أن رد الخبر يوجب الخروج من الدين والتأويل يوجب اللعب بأحكام الشرع وهو فتح باب للخروج عن جميع العقايد ولا يعلمون أن ذلك يناقض مذهبهم إذ يسهل أمر الخروج من الدين واللعب بأحكام الشرع، لأن الخبر المروي عن المعصومين (عليهم السلام) = (*)

[ 209 ]

إشارة إلى ما يجب على السالك مراعاته ليتم سلوكه وسيره إلى الله تعالى فإنه يجب عليه أولا أن يعلم الطريق الموصل له إلى المطلوب، وثانيا أن يجتنب ما يخرجه عن هذا الطريق ويدخله في طريق الضلال وهو الأعمال السيئة، وثالثا أن يرفع عنه الأغلال المانعة من السير وهي الذنوب السابقة، ولما كان تحصيل هذه الأمور لا يمكن بدون الهداية من الله والاستعانة به طلب الهداية منه أولا وعاذ من شرور النفس وسيئات الأعمال التي من مقتضياتها ثانيا، وطلب غفران الذنوب ورفع الأغلال ثالثا، والله ولي التوفيق. (ونشهد أن لا إله الله وأن محمد عبده ورسوله بعثه بالحق) أي أرسله بدين الحق الذي لا يعتريه الباطل (نبيا دالا عليه) أي على الله أو على الحق الذي هودينه (وهاديا إليه فهدى به) أي فهدانا الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) أو هدانا محمد بدين الحق (من الضلالة) والوجهان يأتيان في قوله (واستنقذنا به من الجهالة) قد مر أنه بعث في زمان شاع فيه الضلالة والجهالة ولم يكن فيه إمام عدل يهتدى به ولا قانون حق يقتدى به (من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) أي ظفر بالخير ظفرا عظيما لا يبلغ عقل البشر إلى كنه حقيقته وكمال وصفه (ونال ثوابا جزيلا) لكون سيرته القصد وطريقته الرشد وقوله الفضل وأمره العدل وفعله الحق ونيته الصدق، وكل من كان كذلك فله الأجر الجميل والثواب الجزيل (ومن يعص الله ورسوله) وضع الظاهر موضع الضمير إذ ظاهر المقام ومن يعصهما للدلالة على تعظيم الله سبحانه إذ الضمير يوهم التسوية ولعل هذه علة الذم فيما رواه مسلم عن عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: " من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى " فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " بئس الخطيب أنت ! قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ". (فقد خسر خسرانا مبينا واستحق عذابا أليما) إنما قال " استحق عذابا " ولم يقل " نال عذابا " كما قال " نال ثوابا " للطيفة لا تخفى على ذوي البصاير، وينبغي أن يعلم أن فائدة القضية الأولى أعني قوله " ومن يطع الله " الجذب إلى اتباع دين الحق وسلوك الصراط المستقيم، وفايدة القضية الثانية أعني


= يتطرق إليه على مذهب أهل الحق احتمال كذب الراوي فقط أو سهوه وغلطه فإذا جوزنا الخطأ والمعصية على المعصومين (عليهم السلام) تطرق إلى الخبر مع احتمال غلط الراوى غلط المروي عنه أيضا فيعظم الخطب، ولو ادعى أحد أن المسلمين قاطبة مجمعون على عصمة من قوله حجة لم يجازف لأنا لا نعقل أن مسلما رأى أو تحقق لديه أن النبي (صلى الله عليه وآله) بحليته أو عمل عملا إلا استنبط جوازه ولو احتمل كونه مخطئا - نعوذ بالله - أو عصى بفعله لم يجز الحكم بجواز ما فعل فمن أنكر لفظا عصمة الحجة لا يوافق لسانه. وأما تأويل ما ورد في نسبة العصيان والذنب إليهم فأحسنه ما اختاره صدر المتألهين تبعا للأربلي صاحب كشف الغمة، وحاصله: أن توجههم إلى أمر معاشهم والتفاتهم إلى ضروريات عالم الإمكان دعاهم إلى التخشع والاعتذار، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ألا ترى أن من اشتغل بأمر مولى يعلم أنه لا يرضى عنه إلا بذلك الاشتغال مع كونه في طاعته يتأسف على عدم الحضور الدائم لديه، وبينوا في التفاسير وكتب الكلام وجوها حسنة لا يعسر على الطالب الاطلاع عليها. (ش) (*)

[ 210 ]

قوله " من يعص الله " التنبيه على النظر في عواقب الأمور، إذ لا عذر للخابطين في جهالاتهم بعد وضوح الحق (فابخعوا) البخع بالباء الموحدة ثم الخاء المعجمة: المبالغة في الشئ والإقرار به والخضوع له. قال في الفائق في تفسير قوله (صلى الله عليه وآله): أتاكم أهل اليمن أرق قلوبا (1) وألين أفئدة وأبخع طاعة أي أبلغ طاعة من بخع الذبيحة إذا بالغ في ذبحها وهو أن يقطع عظم رقبتها ويبلغ بالذبح البخاع، والبخاع بالباء العرق الذي في الصلب، هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في كل مبالغة فقيل: بخعت له نصحي وجهدي وطاعتي وقال ابن الأثير: في الحديث " أتاكم أهل اليمن أرق قلوبا وأبخع طاعة " أي أبلغ وأنصح في الطاعة من غيرهم كأنهم بالغوا في بخع أنفسهم أي قهرها وإذلالها. وقال الجوهري: بخع نفسه بخعا أي قتلها غما، ومنه قوله تعالى * (فلعلك باخع نفسك على آثارهم) * وبخع بالحق بخوعا: أقر به وخضع له، وكذلك بخع بالكسر بخوعا وبخاعة (2). (بما يحق عليكم) أي بما يثبت عليكم ثبوتا لازما أو غير لازم كالعقائد العقلية والأحكام الشرعية والآداب الخلقية. (من السمع والطاعة) أي من سمعكم قول الله وقول الرسول وقول أولي الأمر وطاعتكم لهذه الأقوال والإذعان به والاتباع له (وإخلاص النصيحة) أي تصفيتها من الغش وهي اسم من النصح وهو الخلوص وكل شئ خلص فقد نصح، وهذه من الكلمات الجامعة إذ يندرج فيها النصيحة لله والنصيحة لكتابه والنصيحة لرسوله والنصيحة للأئمة (عليهم السلام) والنصيحة لعامة المسلمين، والأولى عبارة عن صحة الاعتقاد بوحدانيته وإخلاص النية في عبادته والثانية عبارة عن التصديق بالكتاب والعمل بما فيه والثالثة عبارة عن التصديق برسالة الرسول والانقياد له بما أمر به وما نهى عنه والرابعة عبارة عن إطاعة الأئمة في كل ما يقررون في الشرع وكل ما ينكرون فيه وعدم تجويز رد قولهم ومخالفتهم بوجه والخامسة عبارة عن إرشاد المسلمين إلى مصالحهم الدنيوية والأخروية.


1 - قوله: " أتاكم أهل اليمن أرق قلوبا " مدح أهل اليمن كثير في الأحاديث حتى روي عنه (صلى الله عليه وآله): " إني أجد نفس الرحمن من جانب اليمن " وهم أصل الشيعة ومنهم انتشر هذا المذهب في أنحاء العالم وأول من هداهم إلى الإسلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان غالب أهل الكوفة من قبائل اليمن المهاجرين وكان التشيع فيهم ثم المهاجرون منهم إلى قم الأشعريون أيضا يمانيون، وانتشر هذا المذهب من قم إلى ساير البلاد، ثم إن اليمن كانت محفوظة من عساكر التتار وبقوا على ما كانوا عليه من أصول الإسلام في حكومتهم بخلاف أكثر بلاد المسلمين ثم بعد ذلك لم يؤثر فيهم غلبة الإفرنج وعادات النصارى ورسوم الكفار الذين هم أشد ضررا وأعظم داهية من المغول على الإسلام والمسلمين، وأهل اليمن إلى زماننا هذا باقون على أحكام الإسلام في جميع الأمور رفضوا تمدن الافرنج وحفظوا مآثر الإسلام حفظهم الله من وساوس الشياطين المتفرنجة وأبقاهم على الطريقة القويمة وهدى ساير المسلمين إلى التمسك بطريقتهم ورفض البدع والضلالات ومفاسد الاخلاق وشرايع الكفار بمحمد وآله. (ش) 2 - وفي بعض النسخ: (فانجعوا) بالنون والجيم أي أفلحوا بما يجب عليهم من الطاعة. (*)

[ 211 ]

(وحسن المؤازرة) أي حمل بعضكم ثقل بعض بلا من ولا ضجر، والوزر: الثقل، والوزير: الموازر كالوكيل المواكل لأنه يحمل عن الأمير ثقله. (وأعينوا على أنفسكم) تقريبا لها إلى كمالاتها وتبعيدا لها عن مشتهياتها (بلزوم الطريقة المستقيمة) وهي الطريقة النبوية والقوانين الشرعية التي يوجب التمسك بها استعداد النفس لقبول الألطاف الإلهية والأسرار الربانية والانجذاب عما يدعو إليه النفس الأمارة من الشهوات الدنيوية والزهرات الدنية الفانية فإنه إذا حصل هذا الاستعداد أمكن الترقي إلى أقصى ما هو المطلوب من الحقيقة الإنسانية (وهجر الأمور المكروهة) وهي التي نهى عنها الشارع، نهي تحريم أو نهي تنزيه فإن الاجتناب عن الأمور التنزيهية أيضا معد للنفس في تحصيل كمالاتها (وتعاطوا الحق بينكم) أي تناولوه بأن يأخذه بعضكم من بعض ليظهر ولا يضيع، وفيه ترغيب لكل أحد في إعلان الحق وعدم الاستنكاف عن أخذه ممن هو دونه في الفضل والكمال (وتعاونوا به) أي بالحق أو بالتعاطي (دوني) حال كون التعاون متجاوزا عني لأنه (عليه السلام) عيبة علمه تعالى ومعدن أسراره لا يحتاج إلى التعاون بأحد من الأمة في معرفة الحق أو حال كون الحق عندي وفيه حينئذ تحريض لهم على أخذ الحق منه (عليه السلام) كما يقال للإغراء بالشئ: دونك. (وخذوا على يد الظالم السفيه) أي خذوا للفقير الملهوف والمستغيث المظلوم على يد السفيه الظالم لنفسه ولغيره، والسفيه هو الذي يحركه الهوى النفسانية إلى مشتهياتها وتميله القوى الشهوانية إلى مقتضياتها، وفي لفظة " على " إشعار بلزوم الأخذ وإن بلغ حد الضرب والجدال وغير ذلك من أنواع التهتك والتشدد. (ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر) باللسان واليد وإن لم يمكن ذلك فبالقلب بالتباغض والتباين، وهذا أضعف المراتب. والمعروف قيل: هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ماندب إليه الشرع، والمنكر بخلافه ولكن الأمر بالمندوبات والنهي عن المكروهات مستحبان غالبا. (واعرافوا لذوي الفضل فضلهم) (1) أمر بتقديم ذوي الفضل وتوقيرهم والرجوع إليهم في


1 - قوله: " واعرفوا لذوي الفضل فضلهم " لما كان قريش وهم أصحاب أعلام الكفر والنفاق وأعداء الإسلام هم الذين تملكوا بعد رحلة النبي (عليه السلام) واستأثروا بالمال والغنائم وتوسعوا في المناهي واللهو واللذائذ واستذلوا عباد الله المؤمنين ومنعوهم من الفئ والأموال وانتقموا من أنصار النبي (عليه السلام) الذين كانوا في حياته مالك أزمة الأمور وبسيوفهم قهر الله قريشا وسائر الكفار وقتلوا صناديدهم وكان حقدهم كامنا في قلوب قريش حتى إذا ملكوا الأمر أظهروا أحقادهم وفعلوا ما ملأ التواريخ من الظلم والحيف، ثم لما قتل عثمان وبايعوا عليا (عليه السلام) وعلم الناس أنه (عليه السلام) يرجع الامر إلى العدل ونصرة الأنصار على ما كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه يبطل استئثار قريش بالملك والمال، ورفض الناس من أمر الحكومة وهاج الناس واستنشطوا، والعادة في = (*)

[ 212 ]

الأعمال والعقائد، لأن نظام الدين والدنيا ونظام الحقيقة الإنسانية وكمالها إنما يحصل بالفضل والعلم، وتفاوت أقدار الرجال إنما هو بحسب تفاوت مراتبهم في الفضل والكمال. (عصمنا الله وإياكم) عن سبيل الباطل والفساد (بالهدى) إلى سبيل الحق والرشاد، هذا دعاء شامل لمن تبعه من العباد إلى يوم المعاد (وثبتنا وإياكم على التقوى) وهي الإتيان بالطاعات والاجتناب عن المنهيات تابعة للخوف الحاصل من مشاهدة آيات الوعيد وما صرحت به الدنيا من انصرام لذاتها وانقطاع شهواتها وما كشفت عنه عبرها من العقوبات النازلة على من خالف فيها ربه وأوقف عليها همه وحصر فيها قصده فإن من حبس قلبه على تلك المشاهدة أفاض الله تعالى عليه صورة خشيته وهي مستلزمة للتقوى ومن ثم قيل: المتقي هو الذي يجعل بينه وبين عذاب الله وعقوباته العاجلة والآجلة وقاية من الطاعات وترك المنهيات. (وأستغفر الله لي ولكم) ختم بالاستغفار للتنبيه على أنه الأصل العظيم للسالك في رفع الموانع وقطع العلائق المانعة من السلوك على وجه الكمال، لأن السالك وإن اجتهد في السير وبالغ في التقوى فهو بعد في مقام التقصير، والتقصير مانع عظيم، والرافع له هو الاستغفار، وأيضا للسالك مقامات كثيرة (1) بعضها فوق بعض إلى أن يبلغ أعلاها وهو مقام الفناء في الله، ولا ريب في أن كل مقام


= أمثال هذه الوقائع والحوادث أن يبالغ بعضهم في الانتقام ويفضي بالأمر إلى الفوضى وقتل النفوس المتبرئة ونهب الأموال المحترمة ويغلوا في طلب التساوي كما كان السابقون غالين في الاستئثار ولذلك أمر (عليه السلام) أولا بالأخذ على يد الظالم السفيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم قال: واعرفوا لذوي الفضل فضلهم حتى لا يغلوا ولا يتمنوا الإفراط بعد التفريط ولا يتوقعوا المناصب الجليلة إلا بعلم وفضل وشجاعة، ولياقة كل بحسبه. (ش) 1 - " وأيضا للسالك مقامات كثيرة " زعم بعض الناس أن الدين عبارة عن العمل بظواهر الشرائع من العبادات والمعاملات والسياسات على ما يثبت في الفقه بأن يكون صحيحا فإن عمل بالواجب وترك المحرم فقد بلغ أعلى مراتب السعادة وليس وراء ذلك شئ وعلى هذا فلا يعقل أن يكون للسالك مقامات كثيرة لأنه إن لم يعمل بالظواهر فهو فاسق وإن عمل فهو مرتبة واحدة يشترك فيها الجميع، وترقى بعضهم حتى نظر في النية وجعل اختلاف الناس في العمل بنيه التنعم بالجنة أو الخوف من النار أو استحقاق الله تعالى العبادة موجبا لاختلافهم في درجات السعادة الاخروية، وبعضهم ترقى عن ذلك أيضا وجعل ما ورد في الأحاديث من مكارم الأخلاق أيضا من المؤثرات في سعادة الإنسان في الجملة لكن لا بحيث يوجب التخلق بمساويها عذابا في الآخرة وبعدا عن الله تعالى بل جعلوا الأخلاقيات أنزل في الرتبة من المستحبات الفقهيه أيضا مثلا المضمضة والاستنشاق وغسل اليد قبل الطعام مؤثرة في الوصول إلى درجات النعيم ولا يضر الحقد والحسد وحب الدنيا والجاه شيئا إذا لم يظهر منهم عمل منهي عنه في الفقه، وأفرط جماعة في مقابلة هؤلاء وقالوا: يكفي التخلق بمكارم الاخلاق ولا يؤثر في سعادة الآخرة هذه الأعمال الظاهرة أصلا وربما يتركون الشرائع والاحكام بزعم أنها وضعت لتدبير السياسة الدنيوية ولا يبقى منه أثر في الآخرة أو هي آداب لحفظ صحة الأبدان كالسواك وغسل اليد ولا تأثير لها في تهذيب النفوس. والمذهب الحق متابعة ما ورد في الشرع سواء سمي فقها أو أخلاقا، فروعا أو أصولا، ويجب الجمع بين جميع الأوامر وترك جميع النواهي سواء تعلق بعمل الجوارح الظاهرة أو القلب والنفس وإن كان عمل الجوارح الظاهرة مشتركا بين جميع الناس = (*)

[ 213 ]

سابق نقص بالنسبة إلى المقام اللاحق وكل مقام لاحق كمال بالنسبة إلى المقام السابق ومن هنا يظهر سر قولهم: " حسنات الأبرار سيئات المقربين " فلا ريب في أن السالك مادام سالكا ولم ينته سلوكه إلى أرفع المقامات أو انتهى إليه ورجع إلى ما دونه لإعانة سائر السالكين فهو في مقام نقص، والنقص تقصير، والتقصير يوجب الاستغفار، ومن هنا ظهر وجه استغفار المعصوم لنفسه والله ولي التوفيق.


= ويفهمه كلهم ويستطيع امتثاله، بخلاف العقايد والأخلاق فالناس مختلفون فيها جدا والسلوك فيها عبارة عن التدرج في مراتبها. ثم إن تأثير الأعمال والاخلاق من جهة الإعداد وتهيئة قلب الإنسان بصفائه وتوجهه إلى الغيب لنزول بركات لا يدركها إلا من نالها، لا لأن نفس الأعمال ومكارم الاخلاق أمور مقصودة لذاتها بل لأنها أسباب لكمال آخر مقصود بذاته يبقى مع النفس بعد المفارقة عن البدن، ومعنى تجسم الاعمال أو الملكات ذلك، فالحسد مثلا أو الغضب أو حب الدنيا ملكات خبيثة بدنية والبدن آلة لوجودها بتأثر من الأوهام والشهوات البدنية فإذا زالت لم يبق علة لوجود الحسد وأمثالها لكنها ما دامت في الدنيا مصاحبة لقلب الإنسان منعت من التوجه إلى الغيب وأن يترقى إلى أن يعرف الله ويتحقق بمعرفته، وبعبارة أوفق بالاصطلاح: أن يفنى في الله ولا يتوجه إلى غيره بل يرى أنه ليس شئ غيره. (ش) (*)

[ 214 ]

باب النوادر * الأصل: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن سيف بن عميرة عمن ذكره، عن الحارث بن المغيرة النصري قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: " كل شئ هالك إلا وجهه " فقال: ما يقولون فيه ؟ قلت: يقولون يهلك كل شئ إلا وجه الله، فقال: سبحان الله لقد قالوا قولا عظيما: إنما عنى بذلك وجه الله الذي يؤتى منه. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي النعمان، عن سيف بن عميرة: عمن ذكره، عن الحارث بن المغيرة النصري قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى * (كل شئ هالك إلا وجهه) * فقال: ما يقولون فيه ؟) الغرض من هذا السؤال تخطئتهم وتنزيهه تعالى عما يقولون وتطهير قلب المخاطب عن ذلك ليستعد لقبول الحق، لأن التخلية مقدم على التحلية (قلت: يقولون: يهلك كل شئ إلا وجه الله) أرادوا به الوجه المعروف فلذلك نزهه (عليه السلام) عن ذلك (فقال: سبحان الله لقد قالوا قولا عظيما) حيث شبهوه بخلقه وجعلوه ذا وجه معروف (إنما عنى بذلك وجه الله الذي يؤتى منه) أي يؤتى الله من ذلك الوجه وهو الرسول وأوصياؤه (عليهم السلام) لأنهم طرق إلهية وأنوار ربوبية (1)


1 - قوله: " لأنهم طرق الهية وأنوار ربوبية " تفسير ألفاظ القرآن والحديث قد يكون مفهوميا وهو الأقل وقد يكون مصداقيا بعد أن يكون المفهوم معلوما وهو الأكثر، ولذلك قد يختلف التفاسير وجميعها صحيح لأنها جميعا مصداق مثل قوله تعالى: * (الذين يؤمنون بالغيب) * فمن فسره بالله تعالى أو بالملائكة أو بالوحي أو بالقيامة أو بغيبة صاحب الأمر أو غير ذلك جميعها صحيح ومن عمم فهو مصيب أيضا. والوجه هنا استعارة وأصله وجه الإنسان وهو الجانب الذي يقبل به على غيره ويراهم ويطلع عليهم ويقبل غيره عليه ويعرفونه ويتكلمون معه، وجل الخالق عن الجانب لكن يطلع على الناس ويراهم ويعلم أسرارهم ويقضي حوائجهم ويسمع دعاءهم، ويقبل الناس عليه ويعرفونه في الجملة ويطلبون منه ويستفيضون منه وجودهم وكمالهم وسعادتهم، فاستعير الوجه لهذا المعنى، ولما كان الأئمة (عليهم السلام) وسيلة لهم إلى ما ذكر في معنى الوجه صح إطلاق الوجه عليهم وتفسير الوجه بهم تفسير مصداقي بأظهر وأكمل وأولى ما يصدق عليه وجه الله تعالى، قال صدر المتألهين (قدس سره): فهؤلاء ساروا إلى الله وأعرضوا عما سوى الله ثم وقفوا مع الله فهم أجسام روحانيون وفي الأرض سماويون ومع الخلق ربانيون، أجساد أرضيه بقلوب سماوية وأشباح فرشية بأرواح عرشية نفوسهم في منازل سيارة وأرواحهم في فضاء القرب طيارة وأسرارهم إلى ربهم نظارة كائنين بالجثمان بائنين بقلوبهم عن مواطن الحدثان، ودايع الله بين خليقته وصفوته في بريته وصايا لنبيه خبايا عند صفيه لم يزل يدعو الأول الثاني ويخلف السابق اللاحق، لا يزال منهم = (*)

[ 215 ]

بهم يتنور أذهان الخلائق لقبول فيض الحق ويستعد قلوبهم لسلوك سبيله، وقد روي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه قال: " من وصف الله تعالى بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله تعالى أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم وهم الذين بهم يتوجه إلى الله عز وجل وإلى دينه ومعرفته وقال الله تعالى * (كل من عليها فان ويبقي وجه ربك) * وقال عز وجل: * (كل شئ هالك إلا وجهه) * وإطلاق الوجه على هذا المعنى شايع، قال في المغرب: * (فثم وجه الله) * أي جهته التي أمر بها ورضيها. وينبغي أن يعلم أن الحصر المستفاد من " إنما " إنما هو بالنظر إلى ما قالوه أو بالنظر إلى كون المراد بالوجه ما ذكره (عليه السلام) هو المقصود الأصلي من هذه الآية وتنزيلها فلا ينافيه أن يكون للوجه تأويل آخر وهو ذاته تعالى كما ذكره بعض المفسرين ومعناه أن كل شئ في مرتبة ذاته هالك إلا ذاته الحقة بذاته، وقد أو ضحنا ذلك سابقا. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي " نصر، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " كل شئ هالك إلا وجهه " قال: من أتى الله بما أمر به من طاعة محمد (صلى الله عليه وآله) فهو الوجه الذي لا يهلك وكذلك قال: " ومن يطع الرسول فقد أطاع الله. * الشرح: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى * (كل شئ هالك إلا وجهه) * قال من أتى الله بما أمر به من طاعة محمد (صلى الله عليه وآله) فهو الوجه الذي لا يهلك) هذا القول تفسير للوجه وضمير هو يعود إلى الموصول والمعنى أن كل شئ هالك في الدنيا والآخرة إلا من أطاع محمدا (صلى الله عليه وآله) ولا ريب في أن الأئمة الطاهرين أفضل وأشرف من أطاعه فهم المقصودون بهذا الوجه أولا وبالذات، ثم يندرج فيه كل من تبعهم إلى يوم القيامة الحمد الله رب العالمين (وكذلك قال: * (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) * في بعض النسخ " ولذلك " باللام ويمكن أن يكون هذا الكلام استدلالا على المطلوب، تقريره من أطاع الرسول فقد أطاع الله ومن أطاع الله فهو وجه الله الذي يؤتى منه، ينتج من أطاع الرسول فهو وجه الله. * الأصل: 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبي سلام النخاس،


= قائمون بالحق داعون الخلق، منحوا رتبة الدعوة وجعلوا للمتقين إماما وقدوة، من اقتدى بهم اهتدى، ومن جحدهم ضل وغوى وتردى في غيابة جب الهوى. (ش) (*)

[ 216 ]

عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نحن المثاني الذي أعطاه الله نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) ونحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم ونحن عين الله في خلقه ويده المبسوطة بالرحمة على عباده، عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا. وإمامة المتقين. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبي سلام النخاس، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نحن المثاني التي أعطاها الله محمد (صلى الله عليه وآله)) المثاني مثناة من التثنية بمعنى التكرار وإنما سموا مثاني لاقترانهم بالقرآن وفي كتاب التوحيد: " معناه " نحن الذين قرننا النبي (صلى الله عليه وآله) إلى القرآن وأوصى بالتمسك بالقرآن وبنا وأخبر أمته بأنهما لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض " انتهى، ويبعد أن يراد بالمثاني القرآن ويكون حملها على نحن باعتبار أنهم (عليهم السلام) مظاهر القرآن والسنة أو باعتبار أن القرآن صار مثاني باقترانه بهم، لأن كل ذلك خلاف المتبادر من الحمل (ونحن وجه الله) إذ بهم يتوجه الخلائق إلى المعارف الإلهية والملة النبوية والكمالات النفسانية (نتقلب في الأرض بين أظهركم) بفتح الهمزة وضم الهاء جمع الظهر أي نتقلب بينكم لشيوع استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى أعني الإقامة بين قوم مطلقا أو نتقلب بينكم في أيام معدودة لما نقل عن بعض أهل اللغة أن قولهم لقيتهم بين الظهرانين معناه في اليومين أو في الأيام أو نتقلب بين ظهوركم وخلفكم لا بين قد امكم فيكون كناية عن إعراض الخلق عنهم وشكاية عن عدم التفاتهم إليهم وجعلهم وراء ظهورهم (ونحن عين الله في خلقه) فلان عين من عيون الله أي خاصة من خواصه وولي من أوليائه، كما صرح به في النهاية، فالمعنى نحن خواصه وأولياؤه وحفظة دينه فيما بين خلقه لئلا يكون لهم على الله حجة (ويده) أي نعمته (المبسوطة بالرحمة على عباده) في الدنيا والآخرة، فاليد مجاز عن النعمة من باب إطلاق اسم السبب على المسبب لتقدسه تعالى عن الجارحة وكون اليد مبدأ للنعمة ظاهر. والبسط يعني النشر وإن كان حقيقة في الأجسام إلا أنه من الاستعارات الشايعة التي قاربت الحقيقة (عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا) أي عرفنا في الدنيا والآخرة من عرفنا واعتقد بحقية ولايتنا وإمامتنا وأنكرنا من أنكرنا ولم يعتقد بها، وإليه أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " الأئمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده لا يدخل الحجة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه " (وإمامة المتقين) يحتمل رفع الإمامة وهو مصدر أممت القوم إمامة على الابتداء بحذف الخبر أي

[ 217 ]

ولنا إمامة المتقين ويحتمل نصبها للعطف على ضمير المتكلم في جهلنا والإضافة بتقدير اللام أي جهلنا من جهل إمامة المتقين التي جعلها الله تعالى حقا لهم. وفي كتاب التوحيد: " فأمامه اليقين " الأمام بالفتح نقيض الخلف والضمير عايد إلى " من " والفاء للتعقيب، وفي الإتيان بالفاء دون ثم إشعار بقرب ذلك والمراد باليقين إما الموت وإما العلم االقطعي الذي يحصل لهم في النشأة الآخرة وعند الموت بحقية إمامة الأئمة (عليهم السلام) وفيه تهديد ووعيد لهم وإخبار بما يحصل لهم في ذلك الوقت من الحسرة والندامة. * الأصل: 4 - الحسين بن محمد الأشعري ومحمد بن يحيى جميعا، عن أحمد بن إسحاق عن سعدان ابن مسلم، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: * (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) * قال: نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفته. * الشرح: الحسين بن محمد الأشعري، ومحمد بن يحيى جميعا عن أحمد بن إسحاق عن سعدان بن مسلم عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل * (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) * قال: نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا) يحتمل أن يراد بالأسماء الحسنى أسماؤهم (عليهم السلام) وإنما نسبها الله إليه لأنه سماهم بها قبل خلقهم كما دل عليه بعض الروايات ويحتمل أن يراد بها ذواتهم، لأن الاسم في اللغة العلامة وذواتهم القدسية علامات ظاهرة لوجود ذاته وصفاته، وصفاتهم النورية بينات واضحة لتمام أفعاله وكمالاته وإنما وصفهم بالحسنى مع أن غيرهم من الموجودات أيضا علامات وبينات، لما وجد فيهم من الفضل والكمال ولمع منهم من الشرف والجلال ما لا يقدر على وصفه لسان العقول ولا يبلغ إلى كنهه أنظار الفحول، فهم مظاهر الحق وأسماؤه الحسنى وآياته الكبرى فلذلك أمر سبحانه عباده أن يدعوه ويعبدوه بالتوسل بهم والتمسك بذيلهم ليخرجوا بإرشادهم عن تيه الضلالة والفساد ويسلكوا بهدايتهم سبيل الحق والرشاد. * الأصل: 5 - محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن سعيد، عن الهيثم بن عبد الله، عن مروان بن صباح قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا وجعلنا عينه في عباده. ولسانه الناطق في خلقه. ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدل عليه، وخزانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار وجرت الأنهار وبنا ينزل غيث السماء وينبت

[ 218 ]

عشب الأرض وبعبادتنا عبد الله ولولا نحن ما عبد الله. * الشرح: (محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن سعيد، عن الهيثم بن عبد الله، عن مروان بن صباح قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله خلقنا فأحسن خلقنا) بفتح الحاء أو ضمها والأول أنسب لفظا والثاني أحسن معنى (وصورنا فأحسن صورنا) أي صورنا الظاهرة والباطنة التي هي الإنسان في الحقيقة، والمراد بإحسانها خلقها وتصويرها على وجه الكمال من الإحكام والإتقان والتزيين بالكمالات الصورية والمعنوية والتحلية بالأخلاق النفسانية (وجعلنا عينه في عباده) أي " ديدبانه " فيما بين عباده فنراهم في حركاتهم وسكناتهم وأعمالهم ثم نشهد لهم وعليهم يوم القيامة (ولسانه الناطق في خلقه) لأنهم ينطقون بمراد الله تعالى من أسراره وأحكامه وشرايعه ومحكمه ومتشابهه ومجمله ومأوله وغير ذلك مما له مدخل في نظام الخلق وكمالهم في الدارين ولفظ اللسان استعارة (ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة) قد مر تفسيره وسنح لي الآن وجه آخر وهو أن هذا الكلام على سبيل الاستعارة التمثيلية بتشبيه رأفتهم ورحمتهم بعباد الله برحمة الرحماء بالأيتام وإمرار أيديهم على رؤوسهم فإن عباد الله في هذه الدار بمنزلة الأيتام كما دل عليه بعض الروايات، وهم (عليهم السلام) أرحم بهم من الاب الرحيم (ووجهه الذي يؤتى منه) لأنهم واقفون على سواء سبيل الحق ومزال الأقدام فوجب على السالك اقتفاء آثارهم والرجوع إلى أشعة أنوارهم لينتهي سيره إلى الله (وبابه الذي يدل عليه) المراد بالباب باب علمه الذي يدل سبحانه على ذلك الباب بقوله * (وأتوا البيوت من أبوابها) * أو يدل بذلك الباب عليه سبحانه فإن العلم هو الدليل على الله وعلى الخشية منه والانقياد له كما قال سبحانه * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * وفيه إشارة إلى قوله (صلى الله عليه وآله) " أنا مدينة العلم وعلى بابها " أو المراد به باب جنته ولفظ الباب على التقديرين مستعار ووجه المشابهة أن من أراد أن يكتسب علما ويدخل الجنة وجب أن يأتيهم أولا كما أن من أراد أن يدخل بيتا وجب أن يأتي بابها أولا. (وخزانه في سمائه وأرضه) أي جعلنا فيما بين أهل سمائه وأهل أرضه خزان علمه وأسرار غيبه المشار إليها بقوله * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول) * أو خزان جنته على معنى أن من جاء يوم القيامة بولايتنا دخل الجنة وإلا فلا، أو خزان أمره على الإطلاق ولفظ الخزان على التقادير استعارة ووجه المشابهة تصرفهم بمنع العلم وإعطائه أو بمنع الجنة وإعطائها أو بمنع نزول المنافع من السماء وخروج الكامنات من الأرض والإذن بها مثلا كما أن شأن الخازن للشئ كذلك

[ 219 ]

(بنا أثمرت الأشجار) أي بوجودنا وبركتنا أو بأمرنا صارت الأشجار مثمرة أما الأول فلأن وجودهم سبب لبقاء نظام العالم فلو لم يكن وجودهم لم يكن عالم ولا نظام ولا أشجار ولا أثمار، وأما الثاني فلأنهم المدبرون في هذا العالم بإذن ربهم (1).


1 - قوله: " فلأنهم المدبرون في هذا العالم بإذن ربهم " يعني لا على جهة التفويض إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى وكلما يرى من تأثير غيره سواء كان روحانيا أو جسمانيا فانما هو بإذن الرب تعالى، لأن وجود كل موجود معلق بالواجب تعالى فكيف بفعله ؟ ومثاله: المرآة ينعكس منها نور الشمس على الجدران لا تنسب الإنارة إلى المرآة وإنما هي للشمس والمرآة واسطة ونسبة إنماء الأشجار وإيناع الثمار وإجراء الأنهار إلى وجود الأئمة (عليهم السلام) في هذا الحديث وغيره ليس غلوا وتفويضا بل يتبرأ الشيعة من الغلو والتفويض كما يتبرأ من النصب. وقد اخترع جهلة أهل الحديث من متأخري العامة مذهبا في التوحيد مبنيا على نفي تأثير شئ في شئ لا بإذن الله ولا بغير إذن الله وهو مذهب مادي محض ودهري صرف، وقال مؤسس طريقتهم: من الشرك: لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء وقال: من علق تميمة فقد أشرك وقال: من الشرك: النذر لغير الله والاستعاذة بغير الله، وقال: في رسول الله نزل * (وليس لك من الأمر شئ) * وإنه لا يغني شيئا عن أقاربه. وقال: الغلو في الصالحين سبب الكفر، وعدوا من الغلو إكرام قبورهم وعبادة الله تعالى عندها. وقال: من الشرك: الطيرة والفال والعدوى والتنجيم وحب غير الله، ومن الشرك: إرادة الإنسان بعمله الدنيا وجحد الأسماء والصفات وإسناد النعم وأسبابها إلى غير الله تعالى - إلى غير ذلك مما يدل على سخافة عقل قائله وعدم تدبره إذ لا ينكر هو تأثير النار في الحرارة، والسراج في الإنارة والعدوى في كثير من الأمراض، والبرد في هلاك النبات والحيوان، والدواء في علاج المرضى فإن كان نسبة التأثير والإعداد إلى جميع ذلك كفرا وشركا لم يبق على التوحيد دليل ولا للموحدين حجة بل ثبت قول الكفار ولم يكن للمؤمنين سبيل إلى ردهم والاحتجاج عليهم، وإن كان هذه الأسباب مؤثرة بإذن الله وأمره كما مثلنا من مثال المرآة ونور الشمس ولم يكن ذلك شركا لم يجز الفرق بين تأثير الشمس في إنماء الاشجار وإيناع الثمار بإرادة الله وبين تأثير أرواح الأئمة (عليهم السلام) بإذن ربهم إلا أن يكون رجل ماديا دهريا يتعقل تأثير القوى الجسمانية كالنور والحرارة والدواء ولا يتعقل تأثير القوى الروحانية كهمة الأولياء وتأثير الأدعية والتمائم فيستبشع الثاني وينسبه إلى الشرك ولا يستبشع الأول ولا يشعر بأنه في الباطن مادي، وهذا التوحيد المخترع متولد من المادية وإلا فأي فرق بين نسبة علاج المرضى إلى الدواء أو إلى التمائم وكلاهما بإذن الله لا محالة لكن الإنسان قد يندفع إلى اتخاذ رأي أو العمل بشئ من غير أن يعلم داعيه النفساني من شهوة أو حب أوبغض أو غير ذلك. وإن قيل لعل التمسك ببعض التمائم والفال والتطير من الخرافات التي لم تقم عليها دليل ولذلك أنكرها قلنا: التمسك بالخرافة شئ والشرك شئ آخر وبينهما بون بعيد. وإن قيل: لعل التوسل بمثل الدواء والغذاء والوسائل المادية لا يوجب الشرك دون التوسل بالأسباب الروحانية، قلنا: نطلب بيان الفرق، لأن الشرك لا يفرق فيه بين أن يجعل جسم شريكا لله تعالى أو موجودا روحانيا بل الأول أفحش التوسل شركا كان شراء الخبز واللحم واللباس أيضا شركا لأنه توسل بسبب لغرض حصول الشبع وبقاء السلامة ولا يجوز أن يطلب السلامة إلا من الله تعالى. وقد روي أن مروان بن الحكم طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى أبا أيوب الأنصاري مكبا على القبر الشريف يتبرك بترابه ويقبله فهاج حقده القديم على الرسول وعلى الأنصار ولم يستطع أن يرى تعظيم الرسول (صلى الله عليه وآله) بعد موته وأخذ بقفا أبي أيوب ورفعه وقال: هل تعرف ما تفعل إنما هذا شرك وعبادة لغير الله تعالى، فنظر إليه أبو أيوب وقال: مالك = (*)

[ 220 ]

(وأينعت الثمار وجرت الأنهار) ينع الثمر بتقديم الياء على النون وأينع إذا أدرك ونضج، والينيع واليانع مثل النضيج والناضج لفظا ومعنى (وبنا ينزل غيث السماء ونبت عشب الأرض) (1) في بعض النسخ " ينبت " على صيغة المضارع والعشب بضم العين وسكون الشين المعجمة الكلاء الرطب ولا يقال له حشيش حتى يهيج (وبعبادتنا عبد الله) أصل العبادة الخضوع والذل والطاعة والانقياد، ولا ريب في أن العبادة لهم هي العبادة لله تعالى، ولذلك قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وقال * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * فطاعتهم طاعة الله تعالى وطاعته طاعتهم، فمن لم يطعهم وظن أنه أطاع الله فهو من * (الأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) *. (ولولا نحن ما عبد الله) أصلا، لأن وجودهم سبب لوجود عالم الأمر وعالم الخلق أعني عالم الروحانيات وعالم الجسمانيات، فلو لم يكن وجودهم لم يكن وجود في عالم الإمكان فلم يكن عابد لله أصلا، أو المراد ما عبد الله في هذه الأمة، لأن العبادة لا يمكن إلا باتباع الشريعة والالتزام لأحكامها ولا يمكن ذلك إلا بمعرفتها ومعرفة كيفية العمل بها ولا يمكن ذلك إلا ببيان صاحب الشريعة والقائم بها وإرشاده وتعليمه، ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة الإمام وحقية إمامته والتصديق


= والدخول في هذه الأمور التي نحن أعلم بها منك فبسيوفنا أسلم قومك وكانوا مشركين ونحن علمناكم الحق وعبادة الله تعالى. (ش) 1 - قوله: " وينبت عشب الأرض " قال صدر المتألهين (قدس سره) جميع ما ذكره (عليه السلام) في هذا الحديث غير إطراء مبالغة وهو جد كله في حقهم من غير مداهنة وتجوز - حاشاهم - عن التكلم بكلام شعري أو خطابي مجرد عن اليقين، ونحن بحمد الله وهدايته عرفناهم كذلك لا بمجرد التقليد والسماع والنقل والإجماع أو تعصبا لمذهب دون مذهب أو ألفا بطائفة دون أخرى بل بنور البصيرة والبرهان والكشف والعيان واعلم أن ثبوت هذه الدرجة للانسان من كون روحه في أعلى عليين لا ينافي كونه بعد في هذا العالم الأسفل لما سبقت الإشارة إلى أن أولياء الله قد تحولت بواطنهم وحشروا الى الله في دنياهم فصارت أرواحهم في المحل الأعلى وأجسادهم في المنزل الأدنى، ثم شبهه بروح المؤمن عند نومه يرتقى إلى عالم الملكوت حيث يرى ويشاهد رؤيا صادقة وأمورا غائبة عن هذا العالم وليست بأضغاث أحلام، فدل على أن الروح انقطعت علاقته بهذا البدن لكن لا بالكلية وإلا لفسد المزاج وانخلعت صورته. وقال أيضا في شرح الحديث الثالث: هذا الحديث صريح في أن لا واسطة بينه تعالى وبين أرواحهم وهذا يوجب كون ذواتهم في مقام القرب معدة مع العقل الأول والملك الأقرب والقلم الأعلى، ثم ذكر شواهد على ذلك من الأحاديث، ثم قال: وجميع ذلك دال على أن للانسان الكامل مرتبة في البداية تلو مرتبة الحق الأول وهي مرتبة العقول المفارقة والجواهر القدسية ينزل منها عند النزول من الحق إلى الخلق وهي بعينها مرتبته التي يرجع إليها عند الصعود من الخلق إلى الحق. انتهى واقتص أثره العلامة المجلسي (رحمه الله) في تطبيق ما ذكره الحكماء في العقول على أرواح الائمة (عليهم السلام). (ش) (*)

[ 221 ]

بولايته ليقتدى به، لأن علمهم بالشرايع على أفضل المراتب وأكملها. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة ابن بزيع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: * (فلما آسفونا انتقمنا منهم) * فقال: إن الله عزوجل لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه، لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه. فلذلك صاروا كذلك وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه، لكن هذا معنى ما قال من ذلك وقد قال: " من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها " وقال: * (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) * وقال: * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) * فكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك، ولو كان يصل إلى الله الأسف والضجر وهو الذي خلقهما وأنشأهما (2) لجاز لقائل هذا أن يقول: إن الخالق يبيد يوما ما، لأنه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغير، وإذا دخله التغير لم يؤمن عليه الإبادة، ثم لم يعرف المكون من المكون، ولا القادر من المقدور عليه، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه، فافهم إن شاء الله تعالى. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: فلما آسفونا) أي أغضبونا وأحزنونا حزنا شديدا يقال: أسف عليه أسفا أي غضب وأسفه أي أغضبه والأسف. أشد الحزن (انتقمنا منهم) بإهلاكهم واستيصالهم (فقال: إن الله تعالى لا يأسف كأسفنا)، لأن الاسف من تغير المزاج وثوران القوة الغضبية وانفعال النفس عن المكاره الواردة عليها وكل ذلك على الله محال (ولكنه خلق أولياء لنفسه) يحبهم ويحبونه ويذكرونه في جميع الحالات ولا يغفلون عنه في وقت من الأوقات (يأسفون ويرضون) أي


1 - حمزة بن بزيع من أصحاب أبي الحسن موسى وابنه الرضا (عليهما السلام) على ما صرح به الشيخ في رجاله، وقيل: واقفي ولم يدرك الصادق (عليه السلام) فلابد فيه من إرسال. 2 - في بعض النسخ [ بأشباههما ]. (*)

[ 222 ]

يغضبون على من خالف حبيبهم ويحزنون به أشد الحزن ويرضون عمن أطاعه ويتبع مرضاته (وهم مخلوقون مربوبون) خلقهم الله على أحسن الصور والهيئات ورباهم إلى ما قدر لهم من الحالات والكمالات (فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه) لكمال القرب والاتصال بينه وبينهم حتى يظن الجهلة والغلاة أنهم هو، وليس كذلك لوجوب المغايرة بين الخالق والمخلوق والرب والمربوب. (لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه) يدعون عباد الله بعد خوضهم في بحار الفتن والآفات وتوغلهم فيما اكتسبوه من الآثام والسيئات إلى الإقرار بوجوده ووحدانيته في الإلهية وتفرده في الربوبية وتوحده باستحقاق الطاعة والعبادة، ويدلونهم على ذلك بالحجج البالغة والدلائل القاطعة والبراهين الواضحة (فلذلك صاروا كذلك) أي فلذلك المذكور من كونهم أولياء الله والدعاة إليه والأدلاء عليه صاروا بحيث يكون رضاهم رضاه وسخطهم سخطه حتى نسب سبحانه أسفهم بقوله * (فلما آسفونا) * إلى ذاته المقدسة عن الاتصاف به. (وليس أن ذلك) أي ليس المقصود أن الأسف (يصل إلى الله تعالى كما يصل إلى خلقه)، لأن ذلك محال كما ستعرفه (لكن هذا) أي نسبة أسف الأولياء إلى نفسه في هذه الآية. (معنى ما قال من ذلك) القبيل. (وقد قال: من أهان لي وليا) أي من استحقر وليا لي واستخف به وأذله (فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها) مبارزة الرجل ظهوره من الصف طلبا للمقاتل، فقد نسب سبحانه المحاربة التي من شأنها أن تكون وصفا للولي لتعلق الإهانة به إلى نفسه المقدسة تعظيما لوليه وتوقيرا له حتى كان محاربته محاربة ذاته المقدسة (وقال: * (ومن يطع الرسول فقط أطاع الله) * وقال: * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) *) جعل الله سبحانه إطاعة الرسول وبيعته ويده إطاعة الله وبيعته ويده (فكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك) من أنه تعالى جعل ما للأولياء وعليهم لذاته المقدسة وعليها. وهذا شايع بين المحب والمحبوب إذا كانت المحبة في غاية الكمال. (وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك) في كونه وصفا له تعالى مجازا باعتبار أنه وصف لوليه حقيقة، ولما أشار إلى أن نسبة الأسف إليه تعالى مثل نسبة الطاعة ونظايرها في الآيات المذكورة إليه وبذلك لا يثبت امتناع اتصافه بالأسف، أشار إلى البرهان عليه تحقيقا لقوله وليس أن ذلك يصل إلى الله تعالى كما يصل إلى خلقه بقوله:.

[ 223 ]

(ولو كان يصل إلى الله الأسف والضجر) الضجر - محركة -: الغلق من الغم. (وهو الذي خلقهما وأشباههما) الواو الأولى للحال والثانية للعطف على الأسف أو على مفعول خلقهما، والمراد بأشباههما نظايرهما التي نسبت إليه سبحانه (لجاز لقائل هذا) أي هذا القول وهو أن الأسف والضجر يصل إلى الله (أن يقول أن الخالق) للأشياء الواجب لذاته (يبيد) أي يهلك وينقطع وجوده (يوما ما) وفي وقت من الأوقات (لأنه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغير)، لأن الغضب هو ثوران القوة والتغير على الغير لقصد الانتقام والتشفي. والضجر اضطراب النفس وتغيرها خوفا من فوات المقصود أو لحوق الضرر (وإذا دخله التغير لم يؤمن عليه الإبادة) أي إهلاك التغير إياه، لأن التغير المفرط كثيرا ما يهلك صاحبه دفعة وقد يورث أمراضا أخر مهلكة ولو بعد حين، وفناء الواجب بالذات وإبادته ممتنع (ثم لم يعرف المكون من المكون ولا القادر من المقدور عليه ولا الخالق من المخلوق) لوقوع التشابه بينهما باعتبار اتصاف كل منهما بصفات الآخر ولاشتراكهما في معنى الإمكان والحدوث، لأن كل متغير ممكن حادث، والظاهر أن هذا دليل آخر على المطلوب (تعالى الله عن هذا القول) المستلزم لتجويز الفناء على الخالق وعدم الفرق بينه وبين المخلوق (علوا كبيرا) في وصف العلو بالكبير إشعار بأنه لا يبلغ أحد كنه علوه تعالى (بل هو الخالق للأشياء) كلها في سلسلة نظام الوجود (1) (لا لحاجة) إلى شئ منها لأنه الغني المطلق ولأن الاحتجاج نقص والنقص من لواحق الإمكان. (فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه) يعني استحال تحديده وتعيينه بأنه شئ فيه صفات


1 - قوله: " في سلسلة نظام الوجود " السلسلة والنظام يدلان على الترتب والتقدم والتأخر، مثلا: إذا ترتب علل ومعلولات متعددة كحركة جسم تكون علة لحركة جسم آخر وهي لآخر وهكذا كحلق السلسلة إذا مددت إحداهما اتبع الأولى الثانية، والثانية الثالثة، فينتظم في ذهن الإنسان من تصور الترتيب سلسلة على ما ذكر، وإن لم تكن العلل والمعلولات محسوسة كتصور معنى أوجب تصور معنى آخر وهو أوجب تصور معنى ثالث أو الحسد في النفس أوجب الحقد، والحقد أوجب الغضب، والغضب أوجب إرادة الانتقام. فإن هذه الامور الغير الجسمانية أيضا توجب تصور سلسلة منتظمة وقد يكون جميعها في زمان واحد لكن يتصور فيه تقدم وتأخر ويتعقل شئ كالزمان مسمى عند السيد الداماد (قدس سره) بالدهر وهو غير الزمان ويستلزم تصور معنى حدوث سماه بالحدوث الدهري وهو أشبه بالزماني فإن الزمان أيضا يتمثل من ترتب أمور متقدمة ومتأخرة كالدهر وقالوا: الدهر وعاء الثابتات وهو ملاك التقدم والتأخر فيهما كما أن الزمان وعاء المتغيرات وهذا الوعاء أمر ذهني لا خارجي سواء كان زمانا أو دهرا، ومنشأ انتزاعه الموجودات المترتبة المتسلسلة ويلحق بهذين الوعاءين معنى آخر تصوري يضاف إلى ذات الله وأسمائه وصفاته حيث لا تأخر ولا تقدم فيها ومرجعه إلى نفي الدهر والزمان أي نفس التقدم التأخر والترتب والعلية والمعلولية وربما يقال: الزمان للمتغيرات والدهر للثابتات إن اعتبرت مقيسة إلى المتغيرات، والسرمد للثابتات مقيسة بعضها إلى بعض وهي اصطلاحات للتفهيم والتفريق. (ش) (

[ 224 ]

معلومة وكيفيات مخلوقة مثل الغضب والضجرو أمثال ذلك وإلا لزم احتياجه في تمام كماله إلى تلك الصفات والكيفيات هذا خلف (فافهم إن شاء الله تعالى) (1) ما أشرنا إليه وأوضحنا لك والله ولي التوفيق. * الأصل: 7 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن محمد بن حمران، عن أسود ابن سعيد قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فأشأ يقول ابتداء منه من غير أن أسأله: " نحن حجة الله، ونحن باب الله، ونحن لسان الله، ونحن وجه الله، ونحن عين الله في خلقه، ونحن ولاة أمر الله في عباده ". * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن محمد بن حمران، عن أسود ابن سعيد قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فأنشأ يقول - ابتداء منه من غير أن أسأله -: نحن حجة الله) على عباده، أي أدلته وعلامته التي بها يهتدون إليه سبحانه، إذ بنا يعرفون وعده ووعيده وصراطه وغاية وجودهم، وبنا يحتج الله تعالى عليهم يوم القيامة لئلا يقولوا * (إنا كنا عن هذا غافلين) * (ونحن باب الله) أي باب علمه وتوحيده وأحكامه وأسراره وجميع ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) وذلك


1 - قوله: " فافهم إن شاء الله " هذا الحديث الشريف يشتمل على دقائق وأسرار لا يهتدى إليها إلا من أيده الله بروح منه من الراسخين في العلم أشار إلى بعضها الشارح في تضاعيف كلامه، ثم إنه لا ينبغي أن يتوهم من أولى فقرات الحديث الحلول الذي يقول به عوام الصوفية، لأن مثل قوله تعالى * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) * و * (ويد الله فوق أيديهم) * يدل على تخصيص ذلك بالنبي " ومن أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة " يدل على تخصيصه بالأولياء، ومبنى الحلول الذي يقولون به التعميم في كل شئ، نعم ينطبق الحديث على الفناء الحكمي في الأولياء وانهماك إرادتهم في إرادة الله واستهلاك ذاتهم في ذات الله في السلوك إليه وقطع نظرهم عما سواه وبينه وبين الحلول المتبادر من قولهم فرق عظيم، على أن الحلول يدل على ثبوت الممكن بنفسه واستقلاله في الوجود حتى يحل فيه شئ وهو بمعزل عن التوحيد وقوله " هو الذي خلقهما وأشباههما " يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يتأثر عن مخلوقه وهو واضح، لأن وجود المعلول متعلق بالعلة ولا يصدر عن المعلول فعل إلا بتأثير العلة فيلزم أن يتأثر الواجب عن نفسه وهو باطل وكيف يؤثر فيه ما هو ابداه وخلقه، وقوله (عليه السلام) دخله التغير يدل على أن التغير ينافي الوجوب لأنه لا يتحقق التغير إلا بسلب صفة وإثبات أخرى وهو لا يمكن إلا بأن يتأثر ذاته عن شئ خارج عن ذاته، وهو باطل، أو يكون ذاته بذاته في معرض الزيادة والنقصان وهذا أمارة الإمكان، لأن ما ينقص منه شئ بذاته في معرض أن ينقص منه شئ ثم شئ حتى لا يبقى منه شئ لأن ذاته واحد متشابه. فإن قيل: فليس كل جائز واقعا. قلنا: نفس جواز النقصان، وهو في معنى جواز العدم ينافي وجوب الوجود كما ذكرنا في معنى الحدوث الذاتي، ولو كان واجب الوجود دائما ولكن أمكن له الزوال لم يكن واجبا، لأن إمكان تطرق العدم إليه مع كونه دائما يوجب إمكانه واحتياجه في الوجود إلى العلة وقد ذكرنا أن صفة الإمكان لا تنافي الدوام في نظر العقل وإن لم يكن واقعا عند أهل الكلام. (ش) (*)

[ 225 ]

ظاهر إذ كل أحد لم يسمع ذلك منه (صلى الله عليه وآله) ولايجوز له التكلم فيه برأيه على قدر عقله فوجب أن يعلمه ممن يقوم مقامه بأمره وأمر ربه وهم الأئمة (عليهما السلام) فهم أيضا باب هذه المعارف ولا يدخل أحد بيت المعرفة إلا بهذا الباب. (ونحن لسان الله) هذا واضح لأنهم يفصحون عن أوامره ونواهيه ويظهرون مراده منهما وينطقون بالمصالح العالية والحكم البالغة. (ونحن وجه الله) إذ بهم يتوجه الخلائق إلى مقاصدهم ومراشدهم التي تنجيهم من الظلمات البشرية، وتوصلهم إلى مقام القرب منه تعالى (ونحن عين الله في خلقه) لأنهم الناظرون إلى المصالح الكلية والجزئية والمعاهدون لأذهان الخلق فيما يصلح لها من العقايد الدينية والمرشدون لنقوسهم إلى الأخلاق والقوانين الشرعية (ونحن ولاة أمر الله في عباده)، لأن ولاية أمور المسلمين وإمارة المؤمنين وخلافة الرسول الأمين ثابتة لهم لخصائص موجودة فيهم وهي الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة فهم الناصرون لله والقائمون بأوامره والذابون عن دينه. * الأصل: 8 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حسان الجمال قال: حدثني هاشم بن أبي عمار الجنبي قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: أنا عين الله، وأنا يد الله، وأنا جنب الله، وأنا باب الله. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حسان الجمال، قال: حدثني هاشم بن أبي عمار الجنبي) ضبطه بعض الأصحاب بفتح الجيم وسكون النون قبل الباء الموحدة، والجنب: حي من اليمن ينسب إليه حصين بن جندب الجنبي وأبو عمار الجنبي، وهاشم بن أبي عمار هذا من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) وهو غير هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال، وضبطه بعضهم بكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحت قبل الباء الموحدة منسوب إلى جيب وهو حصن قريب من القدس (قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: أنا عين الله وأنا يد لله) أي قدرته أو نعمته (وأنا جنب الله) الجنب في اللغة الأمير وهو (عليه السلام) أمير من عند الله تعالى على خلقه، والخلق


1 - قوله: " من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) " قال صدر المتألهين: مجهول الاسم والصفة. قوله " عين الله وباب الله ويد الله " وأمثال ذلك ليس المراد منها الجسمية والحلول ولا يلزم منه الغلو إذ لكل ممكن حظ من فيض الواجب تعالى * (وهو معكم أينما كنتم) * * (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) * وللأولياء الحظ الأوفر. (ش) (

[ 226 ]

مأمورون باتباعه في جميع الأمور لأنه سبب لمن اهتدى به في الوصول إليه سبحانه، ويحتمل أن يكون المراد أنه (عليه السلام) جنب رحمة الله والرجاء فمن رجا بالله وأراد رحمته وتولى به (عليه السلام) قضى رجاءه وأوصله إلى رحمة الله، ومن تبر أعنه أبعده عن رحمته (وأنا باب الله) أي باب حكمته التي عليها العقايد والأعمال والأخلاق والسياسات ونظام الدين والدنيا. * الأصل: 9 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة ابن بزيع، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) في قول الله عز وجل: * (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) * قال: جنب الله أمير المؤمنين (عليه السلام) وكذلك ما كان بعده من الأوصياء بالمكان الرفيع إلى أن ينتهي الأمر إلى آخرهم. * الشرح: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام في قول الله تعالى: * (يا حسرتى) * أقبلي فهذا أوان إقبالك ونزولك (على ما فرطت) أي قصرت (في جنب الله قال: جنب الله أمير المؤمنين (عليه السلام) وكذلك ما كان بعده من الأوصياء بالمكان الرفيع إلى أن ينتهي الأمر إلى آخرهم) وهو المهدي المنتظر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين، والمراد بالمكان الرفيع كونهم جنب الله وأميره بالاستحقاق وعلو شرفهم وسمو نسبهم وضياء عقولهم بأنوار الأسرار الإلهية حتى أنهم يرون بأبصار بصايرهم ما لا يراه الناس ويسمعون بآذان ضمائرهم ما لا يسمعه الناس ؟ إذ هم يمرون على لطائف غيبية وشواهد عينية وفرائد ذهنية لا يمر عليها غيرهم لتعلق نفوسهم بالهيئات البدنية وانغماسها في العلايق الدنيوية، فصار اولاء القاصرون مأمورين باتباع هؤلاء الكاملين الذين طهرهم الله عن درن تلك الهيئات وخبث تلك التعلقات حتى صارت نفوسهم كمرآة مجلوة حوذي بها شطر الحقايق الإ لهية فجلت وانتقشت فيها، فشاهدوا بعين اليقين سبيل النجاة والعرفان وسبيل الهلاك والخسران وما بينهما، فسلكوا على بصيرة وهدوا الناس على يقين، فمن تبعهم فله الشرف والكرامة، ومن تخلف عنهم فله الحسرة والندامة. * الأصل: 10 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن علي بن الصلت، عن الحكم وإسماعيل ابني حبيب، عن بريد العجلي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: بنا عبد الله وبنا

[ 227 ]

عرف الله وبنا وحد الله تبارك وتعالى، ومحمد حجاب الله تبارك وتعالى. * الشرح: (الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن علي ابن الصلت، عن الحكم وإسماعيل (1) ابني حبيب، عن بريد العجلي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: بنا عبد الله وبنا عرف الله وبنا وحد الله تبارك وتعالى) توضيح ذلك أن الله تعالى كان ولم يكن معه شئ، ثم خلق محمدا وأوصياءه الطاهرين (2) صلوات الله عليهم أجمعين وهم كانوا أرواحا نورانيين في ظلة خضراء يسبحونه ويقدسونه ويهللونه ويمجدونه، ثم خلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم، وفوض تعليمهم للمعرفة والتوحيد والعبادة إلى محمد وآله الطاهرين، فهم معلمو الملائكة (3) ومن دونهم


1 - قوله: " الحكم وإسماعيل ابني حبيب " قال صدر المتألهين: هما مجهولان غير مذكورين في كتب الرجال التي رأينا، انتهى. وظاهر أنهما لم يكن لهما كتاب معروف وإلا لذكرهما الشيخ والنجاشي وإنما أخذ الكليني هذا الحديث من كتاب بعض المقدمين عليهما في الأسناد مثل علي بن الصلت أو غيره. (ش) 2 - قوله: " كان ولم يكن معه شئ ثم خلق محمدا " قال الحكماء: أول ما صدر عن الواجب تعالى جوهر مجرد أي غير جسماني ولا متعلق بجسم وهو مدرك عاقل وسموه العقل الأول. أما عقلا فلكونه مدركا أما كونه أول فلأنه أول موجود صدر عن الواجب، وقد روى في أول الكتاب حديث فيه أيضا، ثم إن بعض العلماء كصدر المتألهين والعلامة المجلسي (رحمهما الله) حملوا العقل الأول على نور خاتم الأنبياء (عليهم السلام) بل العقول مطلقا على أرواح الأئمة (عليهم السلام) كما مر، لأن أرواحهم كانوا مدركين للكليات وهم أول ما صدر قبل الأجسام، فصح بحسب اللغة والاصطلاح إطلاق العقل على أرواحهم، وأما تقديم الروحانيات على الجسمانيات في الخلق فيجب أن يعد من الفطريات كالأربعة زوج، ولعله متفق عليه بين من يعترف بموجود مجرد روحاني، والقائل بتقدم الجسم على الروح والعقل كأنه من الماديين الملاحدة الذين يجعلون العقل والفكر من أحوال المزاجات. وروى صدر المتألهين في معنى كلام الشارح حديثا عن الشيخ المفيد عن النبي (صلى الله عليه وآله): لما أسري به إلى السماء السابعة ثم أهبط إلى الأرض يقول لعلي بن أبي طالب: يا علي إن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ معه فخلقني وخلقك روحين من نور جلاله فكنا أمام عرش رب العالمين نسبح الله ونحمده ونهلله وذلك قبل أن يخلق السموات والأرضين فلما أراد الله أن يخلق آدم خلقني وإياك من طينة عليين. ثم قال بعد نقل روايات في هذا المعنى: وجميع ذلك دال على أن للإنسان الكامل مرتبة في البداية تلو مرتبة الحق الأول وهي مرتبة العقول المفارقة والجواهر القدسية ينزل منها عند النزول من الحق إلى الخلق وهي بعينها مرتبته التي يرجع إليها عند الصعود من الخلق إلى الحق. وقال قبل ذلك: هذا يوجب كون ذواتهم في مقام القرب متحدة مع العقل الأول. إلى آخر ما قال: (ش) 3 - قوله: " فهم معلمو الملائكة ومن دونهم " وبذلك يتضح جواب أهل الظاهر عن شبهة يبدونها هنا وهي أن أئمتنا (عليهم السلام) كانوا متأخرين في الوجود زمانا عمن قبلهم من الحكماء والموحدين والأنبياء فكيف يمكن حصر تعليم التوحيد والمعارف = (*)

[ 228 ]

في ذلك الوقت وهم أيضا أول القائلين ب‍ * (بلى) * عند أخذ الميثاق ب‍ * (ألست بربكم) *، ثم بإقرارهم وتعليمهم أقر من أقر، وهم أيضا أول العارفين وأول العابدين وأول الموحدين بعد ظهورهم في ديجور الإمكان وتعلق أرواحهم المطهرة بأبدانهم المقدسة إذ كان الناس كلهم عند ذلك جهالا سالكين لتيه الضلالة والغواية، ثم بنور هدايتهم وحد الله وعرفه وعبده من أخذت يده العناية الأزلية (ومحمد حجاب الله تبارك وتعالى) أشار إلى أن سلوك سبيل الله تعالى لا يمكن إلا بالتوسل بمحمد (صلى الله عليه وآله) (1) لأنه حجاب الله المرشد إلى كيفية سلوك طريقه الموصل إليه والمبين لمراحله ومنازله وما لا بد منه للسائرين فيه من العلم والعمل، ثم لا يمكن التوسل بذلك الحجاب إلا بالتوسل بأوليائه الطاهرين وأوصيائه المعصومين لأنهم ورثة علمه وسالكون مسلكه بتعليمه والمنزهون عن الجور والطغيان والمتصفون بالعدل والعرفان.


= والعبادة فيهم على ما هو مفاد قوله " بنا عبد الله وبنا عرف الله " ؟ وكيف يتصور كونهم علة فاعلية أو غائية على ما هو مفاد الحديث الخامس من هذا الباب ؟ ثم المراد من كونهم علة غائية أو فاعلية ليس العلية المطلقة، لأن الممكن ليس له علة مطلقة إلا واجب الوجود بذاته فهو الأول والآخر والمبدأ والغاية، وكل شئ سواه تعالى إنما يكون واسطة أو معدا كالدواء لعلاج المرضى، والشمس لإضاءة الأرض، والعقول للاجسام، وليست وساطتها بمعنى تفويض الامر إليها كما يتوهمه من لا بصيرة له، وكون الإنسان الكامل علة غائية على ما هو مفاد " خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي " وقوله " ما خلقت سماء مبنية ولا أرضا مدحية إلى قوله - إلا لأجلكم ومحبتكم " ليس إلا أنهم في الممكنات غاية لساير الممكنات، وإنا لا نعلم في هذا العالم الأدنى موجودا أشرف من الإنسان، فصح أن يجعل ساير الأشياء مخلوقة لأجله وهو غاية لها إذ الغاية يجب أن يكون أشرف من المقدمات، وإذا كان بعض أفراد الإنسان أشرف من غيرهم صح أن يجعلوا غاية لسايرهم، وإذا رأينا أن بدن الإنسان ينهدم ويفسد ولا يبقى على صورته تحقق لدينا أن بدنه لا يكون غاية بل الغاية الحقيقة النورية المجردة، ولو لم تكن هي غاية لم يكن للعالم الأدنى غاية أصلا، والحكيم تعالى لا يفعل شيئا بلا غاية، فالغاية إنما هي الحقيقة المجردة النورية للإنسان الكامل. (ش) 1 - قوله: " لا يمكن إلا بالتوسل بمحمد (صلى الله عليه وآله) " ولا يجوز في سلوك الطريق إلى الله متابعة غيره، سواء كان غيره نبيا، لنسخ دينه، أو فيلسوفا مكتفيا بعقله، إذ لا يجوز تقليد غير المعصوم، والفلاسفة غير معصومين من الخطاء، لأنك ترى فيهم الاختلاف في المسائل أكثر من اختلاف كل فرقة وملة ففيهم المادي الملحد المنكر للصانع كذي مقراطيس وابيقورس وفيهم المؤمن الموحد التابع لشرائع الأنبياء كنصير الدين الطوسي وبينهما مراتب غير متناهية وأوساط لا تحصى، ولا يؤخذ ممن يكتفى بعقله إلا ما أثبته بالدليل العقلي ولا يعتمد عليه بالتقليد، فلا يؤخذ من الفلاسفة كلام ورأى إلا بدليل وليس هذا متابعة لهم وتوسلا بهم بل متابعة للدليل وتوسل بالعقل ولم نجد شيئا عندهم ثابتا محققا إلا وهو مذكور في الأحاديث مشار إليه أو مصرح به، وليس فائدة تتبع كتب الحكمة وتدبر كلام الفلاسفة فيما يتعلق بالإلهيات إلا تشحيذ الذهن وتنبيهه لفهم أسرار الحديث كفائدة علم الكلام والأصول لهذا الغرض بعينه، إذ لا يمكن فهم خطب أمير المؤمنين في التوحيد وحجج الأئمة خصوصا الرضا (عليه السلام) إلا لمن تعمق في الحكمة والمعقول وأدلة الأصول، كما لا يمكن استنباط الاحكام الفرعية من الأحاديث إلا بالتعمق في أصول الفقه وما يتوقف عليه هذا العلم. (ش) (*)

[ 229 ]

* الاصل: 11 - بعض أصحابنا، عن محمد بن عبد الله، عن عبد الوهاب بن بشر، عن موسى بن قادم، عن سليمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزوجل: * (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * قال: إن الله تعالى أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته، حيث يقول: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * يعني الأئمة منا، ثم قال في موضع آخر: * (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * ثم ذكر مثله. * الشرح: (بعض أصحابنا، عن محمد بن عبد الله، عن عبد الوهاب بن بشر، عن موسى بن قادم، عن سليمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله تعالى * (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) *) لرجوع جزاء الظلم ونكاله إليهم يقال: ظلمه حقه إذا أخذه ظلما وقهرا، وحقيقة الظلم وضع الشئ في غير موضعه (قال: إن الله أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم) لبراءة ساحته عن الانفعال والتغير والعجز وإذا كان كذلك فلا فائدة في نفي المظلومية عنه فلا بد من صرف نفيها إلى من هو قابل لها وإليه أشار بقوله: (ولكنه خلطنا بنفسه) يقال خلطت الشئ بغيره خلطا فاختلطا بانضمام بعض إلى بعض يعني ضمنا إلى نفسه المقدسة وشاركنا (فجعل ظلمنا ظلمه) أي فجعل الظلم الواقع علينا منسوبا إلى نفسه واقعا على ذاته مجازا كما جعل أسفنا منسوبا إلى ذاته ثم نفاه عنا تسهيلا للأمر علينا وتسلية لنا (وولايتنا ولايته) الولاية بالفتح: الحكومة والتصرف في أمور الخلق يعني: وكذلك جعل ولايتنا على المؤمنين وتولينا لأمورهم وحكومتنا عليهم وإمامتنا لهم ولايته وحكومته وإمامته (حيث يقول: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * يعني الأئمة منا) يعني أراد بالذين آمنوا الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا التفسير كاف للعلم بأن المراد ما ذكر لأنه (عليه السلام) أعلم بما هو المقصود من كلام الله تعالى، ولكن لا بأس أن نشير إلى توضيح ذلك فنقول: أولا: قال العلامة في كشف الحق: أجمعوا على أن هذه الآية نزلت في علي (عليه السلام) وهو مذكور في الصحاح الستة لما تصدق بخاتمه على المسكين بمحضر من الصحابة وقال بعض أصحابنا: الجمع للتعظيم على أنه وقعت هذه الكرامة عن باقي الأئمة (عليهم السلام) ونقول: ثانيا: إن الولي هنا بمعنى الأولى بالتصرف، والإمام دون الناصر والمحب، لأن حصر النصرة والمحبة في المؤمن المعطي للزكاة في حال الركوع غير مستقيم لتحققهما في المؤمن مطلقا وإذا كان الولي بالمعنى المذكور كانت نسبة الولاية إلى الله تعالى من باب نسبة ما لأوليائه إليه.

[ 230 ]

وقال بعض المخالفين: الولي في هذه الآية بمعنى الناصر والمحب دون الأولى بالتصرف الذي هو الإمام وإلا لفاتت مناسبة هذه الآية لما قبلها وهو قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) * فإن الأولياء هاهنا بمعنى الأنصار والأحباب لا بمعنى الأحقين بالتصرف، ولما بعدها وقوله هو تعالى * (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) * فإن التولي هاهنا بمعنى النصرة والمحبة دون الأولى بالتصرف فوجب أن يحمل الولي فيما بينهما على الناصر والمحب ليلتئم أجزاء الكلام. الجواب عنه: أما أولا: فبأن حمل الولي على ذلك يوجب فساد الحصر (1) وأما ثانيا: فبأن فوات المناسبة ممنوع، لأن الولاية بمعنى الأولوية في التصرف شاملة للولاية بمعنى النصرة والمحبة فالمناسبة حاصلة. وأما ثالثا: فبأن العطف دل على التشريك في اختصاص الولاية ولا خفاء في أن نصرة الرسول للمؤمنين نصرة مخصوصة مشتملة على التصرف في أمرهم على ما ينبغي فكذلك نصرة الذين آمنوا. وأما رابعا: فبأنا لا نسلم أن التولي فيما بعد هذه الآية بمعنى النصرة والمحبة بل بمعنى الأحق بالتصرف فإن باب التفعل يجئ كثيرا لاتخاذ الفاعل أصل الفعل، فالمعنى من " اتخذ الله ورسوله والذين آمنوا " - وهم الأئمة - أولياء يعني الأحقين بالتصرف. وأما خامسا: فبأن وجوب التوافق بين الآيات ممنوع فقوله: ف‍ " يجب " غير ثابت، وعلى تقدير التسليم فالتوافق إنما يجب إذا لم يمنع مانع وقد عرفت وجود المانع هاهنا. واعترض شارح المقاصد على الإمامية بأن الحصر يجب أن يكون فيما فيه نزاع وتردد، ولا خفاء في أن النزاع في الإمامة لم يكن عند نزول الآية ولم يكن في ذلك الزمان إمامة حتى يكون نفيا للتردد. والجواب عنه: أما أولا: فبأن نفي التردد إنما يعتبر في القصر الإضافي كما صرح به في شرحه للتخليص وهذا القصر قصر الصفة على الموصوف قصرا حقيقيا لا إضافيا (2).


1 - قوله: " يوجب فساد الحصر " لأنه حصر الولاية في المؤمن الذي آتى الزكاة حال الركوع، والولاية بمعنى المحبة لا تنحصر فيه ولا ينبغي أن يستبعد إطلاق صيغة الجمع حيث يكون المنظور واحدا ولا يختلف أهل السنة وغيرهم في أن قوله تعالى: * (إن الذين يرمون المحصنات المؤمنات الغافلات) * ناظر إلى عائشة وكذلك في إطلاق الكلي ناظرا إلى الفرد قوله تعالى * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * ناظرا إلى الوليد. (ش) 2 - قوله: " قصرا حقيقيا لا إضافيا " وسره أن الإضافة إلى معنى خاص يستلزم ترجيحا له على غيره بخلاف الحصر المطلق، مثلا: إذا قال: إنما زيد كاتب. وعنى به أنه ليس بشاعر، لا بد أن يكون تخيصص الشعر بالنفي لمرجح وليس إلا التفات = (*)

[ 231 ]

وأما ثانيا: فبأنه تعالى عالم بجميع الأشياء فلما علم اعتقادهم إمامة الغير في الاستقبال أنزل هذه الآية دفعا لاعتقادهم وردا لهم عن خطائهم. وأما ثالثا: فبأنه يجوز أن يكون الحصر لدفع التردد الواقع من بعضهم عند نزول الآية بين انحصار الولاية في الله ورسوله أبدا، أو اشتراكهما بينهما وبين غيرهما، على أن يكون القصر لتعيين الاشتراك. (ثم قال) هذا كلام زرارة يعني (1) ثم قال (عليه السلام) (في موضع آخر) غير هذا الموضع في سياق بعض حديثه أو ابتداء (* (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * ثم ذكر مثله) وهو " أنه تعالى أعظم وأعز - إلى قوله - فجعل ظلمنا ظلمه " على الظاهر أو إلى قوله " يعني الأئمة منا على " الاحتمال والحاصل أن زرارة روى عنه (عليه السلام) تفسير هذه الآية بما مر في موضعين، والله أعلم.


= المخاطب إليه وتوهمه كون زيد شاعرا. وأما الحصر المطلق بمعنى أنه ليس طبيبا ولا واعظا ولا نحويا ولا محدثا إلى غير ذلك من المهن فلا يقتضي سبق توجه للمخاطب إليه وترديده فيه، إذ ليس هذا تخصيص حتى يطلب وجه ترجيحه. (ش) 1 - أو هو كلام الإمام (عليه السلام) يعني: ثم قال الله تعالى. (*)

[ 232 ]

باب البداء (1) البداء بالفتح والمد في اللغة ظهور الشئ بعد الخفاء وحصول العلم به بعد الجهل واتفقت الأمة على امتناع ذلك على الله سبحانه إلا من لا يعتد به ومن افترى ذلك على الإمامية فقد افترى كذبا، والإمامية منه براء (2) وفي العرف على ما استفدت من كلام العلماء وأئمة الحديث يطلق على معان


1 - قوله: " باب البداء " قوام معنى البداء بتغير العزم، فإذا عزم رجل على فعل شئ ثم تبين له عدم المصلحة فيه وندم على عزمه وتغير قصده قيل: بدا له أي ندم وعلم أن عزمه السابق كان خطأ، وهذا معنى محال على الله تعالى باتفاق الأمة لاستلزامه الجهل على الله تعالى وحدوث علمه بالمفسدة في فعل بدا له فيه، وربما تمحل بعض وقال: إنا لا نقول بالجهل والندامة بل الله تعالى قضى حكما يعلم أنه يغيره بسبب حادث مثلا ويحكم الله تعالى بقصر عمر زيد مع أنه يعلم أنه يتصدق ويصل الرحم فيستحق طول العمر ويغير الحكم الاول ويطيل عمره وهذا معنى لا يناسب سائر أقوال الشيعة، لأن فيه تناقضا صريحا مثل أن يقال عزم زيد على إقامة عشرة أيام في بلد مع أنه يعلم أنه لا يقيم به أكثر من ثلاثة أيام وكيف يحكم الله تعالى بقصر عمر رجل يعلم أنه يطيل عمره ؟ فإن قيل لا تناقض في حكمين مختلفين موقوفين على شرطين مختلفين فيحكم بقصر عمره إن لم يصل الرحم ولم يتصدق، وبطوله إن وصله وتصدق، فيرفع التناقض باختلاف الشرط. قلنا: لا يطلق الإرادة والمشية والقضاء والقدر وأمثالهما إلا على الطرف المثبت الذي حصل شرطه الذي حكم الشارع بوقوعه ولا يطلق على ما يعلم تعالى أنه لا يقع قط، فلا يقال: قضى الله تعالى بظلمة النهار وضياء الليل على فرض كون الشمس طالعة ليلا وآفلة نهارا وكذلك لا يقال قضى الله بكون الحمار ناطقا أي إن صار إنسانا وكون النار باردة أي إن صارت ماء وكون عمر زيد قصيرا إن لم يصل الرحم مع علمه تعالى بكون عمره طويلا لصلة الرحم. وقد أولوا ما ورد من لفظ البداء تأويلا لا يستلزم المحال. 2 - قوله: " والإمامية منه براء " صرح بذلك، لأن مخالفينا نسبوا إلينا القول بالبداء ويعيبون به على مذهبنا حتى أن الفخر الرازي نقل في آخر كتابه المسمى بالمحصل عن سليمان بن جرير الزيدي كلاما لا يتفوه به مسلم، قال: إن أئمة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم لا يظفر معهما أحد عليهم: الأول القول بالبداء فإذا قالوا إنه سيكون لهم قوة وشوكة ثم لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا: بدا لله تعالى فيه، ثم نقل أشعارا عن زرارة وقال: الثاني التقية فكلما أرادوا شيئا يتكلمون به فإذا قيل لهم هذا خطأ وظهر بطلانه قالوا إنما قلناه تقية، انتهى. وقال المحقق الطوسى (رحمه الله): إنهم - يعني الشيعة - لا يقولون بالبداء وإنما القول بالبداء ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنه جعل إسماعيل القائم مقامه فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه فجعل القائم موسى، فسئل عن ذلك فقال: بدا لله في أمر إسماعيل، وهذه رواية وعندهم أن الخبر الواحد لا يوجب علما ولا عملا، انتهى. يعني: ليس خبر الواحد حجة في أصول الدين إذ لا يوجب العلم ولا في فروع الدين لأنه لا يقوم به الحجة ولا يوجب العمل. وأما العلامة المجلسي فقد نقل بعض ما سبق من كلام الفخر الرازي. ثم قال: وأعجب منه أنه أجاب المحقق الطوسي (رحمه الله) في نقد المحصل عن ذلك لعدم إحاطته كثيرا بالأخبار بأنهم لا يقولون بالبداء وإنما القول به ما كان إلا في رواية. وأقول: ليس إنكار البداء خاصا بالمحقق الطوسي (قدس سره) بل كل من وجدنا له قولا ممن يعتبر قوله من العلماء واطلعنا على رأيه في الآراء وافق المحقق الطوسي في نفي البداء وتبرئة الإمامية عن القول به منهم السيد المرتضى (رحمه الله) في الذريعة وشيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في العدة والتبيان وحبر الأمة وأعلم علمائها بعد المعصومين (عليهم السلام) الشيخ العلامة الحسن بن يوسف = (*)

[ 233 ]

كلها صحيح في حقه تعالى. منها إبداء شئ وإحداثه (1) والحكم بوجوده بتقدير حادث وتعلق إرادة حادثة بحسب الشروط


= بن مطهر الحلي فإنه قال في نهاية الأصول في البحث الرابع من الفصل الأول من المقصد الثامن: النسخ جائز على الله تعالى لأن حكمه تابع للمصالح... والبداء لا يجوز عليه تعالى... لأنه دل على الجهل أو على فعل القبيح وهما محالان في حقه، انتهى. ونظير ذلك في تفسير مجمع البيان كثير وفى تفسير أبي الفتوح الرازي نسبة نفي البداء إلى مذهبنا في مواضع كثيرة منها في الصفحة 4 و 286 من المجلد الاول ط 1383 وقال السيد عميد الدين في شرح التهذيب في باب عدم جواز نسخ الحكم قبل وقت التمكن من الفعل: بأنه لو جاز ذلك لزم البداء أعني ظهور حال الشئ بعد خفائه على الله تعالى، والتالي باطل فالمقدم مثله - إلى آخر ما قال، ولو لم يكن خوف الإطالة لنقلنا شيئا كثيرا من كلام علمائنا السابقين ولا أظن أحدا من الامامية يلتزم بالبداء من غير تأويل حتى أن العلامة المجلسي (رحمه الله) أوجب ظاهرا التلفظ به تأدبا لا الاعتقاد بمعناه تعبدا لأنه أيضا أوله تأويلا. فإن قيل: فما تقول فيما ورد في أخباركم من لفظ البداء. قلنا: كلامنا في إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى نظير كلامنا في إطلاق الغضب والرضا والأسف، كما قال: * (فلما آسفونا انتقمنا) * والنسيان في قوله * (نسوا الله فنسيهم) * وقوله * (كذلك اليوم تنسى) * أمثال ذلك يجب تأويله بما يوافق المذهب والعقل، والجامع لجميع ذلك أنه تعالى يعامل معاملة الراضي والغاضب والناسي والمحزون والنادم على ما فعل. لا أنه تعالى متصف بهذه الصفات واقعا. وقد أطالوا الكلام في تأويل البداء ونكتفي هنا بما قاله صدر المتألهين (قدس سره) ومرجعه إلى نسبة البداء إلى بعض مخلوقاته تعالى من الملائكة والنفوس الكلية وهو غير بعيد كما مر نظيره في خبر حمزة بن بزيع في الباب السابق في تأويل قوله تعالى * (فلما آسفونا انتقمنا) * قال الصادق (عليه السلام): " إن الله تعالى لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه - إلى أن قال - هكذا الرضا والغضب وغيرهما مما يشاكل ذلك " ومبنى كلام الصدر على أن بعض الملائكة وهم العقول القادسة يعلمون بتعليم الله ما سيقع على ما هو عليه وبعضهم كالنفوس يعلمون الأسباب المؤدية إلى شئ من غير أن يطلعوا على ما يتفق مما نعته لها فيظهر ما يقع على خلاف ما علموا كمن يعلم أن الزرع بعد نموه وبدو صلاحه يحصل منه مقدار من الطعام ولا يعلم السيل أو النار أو الدابة أو الجند يفسدون الزرع، ومثله حديث آخر مضى آنفا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): " إن الله أعظم وأجل وأعز وأمنع من أن يظلم ولكن خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه " وسنذكر تأويلات أخر - ذكرها علماؤنا - في تضاعيف الشرح. (ش) 1 - قوله: " إبداء شئ وإحداثه " هذا تأويل حسن وقد ذكره الصدوق (رحمه الله) في كتاب التوحيد قال: معناه أن له أن يبدأ بشئ فيخلقه قبل شئ ثم يعدم ذلك الشئ ويبدأ بخلق غيره أو يأمر ثم ينهى عن مثله أو ينهى عن شئ ثم يأمر بمثل ما نهى عنه، وذلك مثل نسخ الشرائع وتحويل القبلة وعدة المتوفى عنها زوجها، ولا يأمر الله عباده بأمر في وقت ما إلا وهو أن الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك ويعلم أن في وقت آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به - إلى أن قال - والبداء هو رد على اليهود لأنهم قالوا: إن الله قد فرغ من الأمر. فقلنا: إن الله كل يوم في شأن يحيي ويميت ويرزق ويفعل ما يشاء، انتهى. = (*)

[ 234 ]

والمصالح، ومن هذا القبيل إيجاد الحوادث اليومية، ويقرب منه قول ابن الأثير: " في حديث الأقرع والأبرص والأعمى: بدا لله عزوجل أن يبتليهم أي قضى بذلك وهو معنى البداء هاهنا، لأن القضاء سابق والبداء استصواب شئ علم بعد أن لم يعلم وذلك على الله عزوجل محال غير جايز، ولعله أراد بالقضاء: الحكم بالوجود، وأراد بكونه سابقا أن العلم به سابق، كما يرشد إليه ظاهر التعليل المذكور بعده، فلا يرد عليه ما أورده بعض الأصحاب من أن هذا القول ركيك جدا، لأن القضاء السابق متعلق بكل شئ، وليس البداء في كل شئ بل فيما يبدو ثانيا ويتجدد أخيرا. ومنها: ترجيح أحد المتقابلين والحكم بوجوده بعد تعلق الإرادة بهما تعلقا غير حتمي (1) لرجحان مصلحته وشروطه على مصلحة الآخر وشروطه، ومن هذا القبيل إجابة الداعي وتحقيق مطالبه وتطويل العمر بصلة الرحم وإرادة إبقاء قوم بعد إرادة إهلاكهم، وقد قال مولانا أبو الحسن الرضا (عليه السلام) لسليمان المروزي وهو كان منكرا للبداء وطلب منه (عليه السلام) ما يدل عليه من القرآن قوله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (فتول عنهم فما أنت بملوم) * ثم بدا لله تعالى فقال * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) * يريد (عليه السلام) أنه تعالى أراد إهلاكهم (2) لعلمه بأنهم لا يؤمنون وأراد بقاءهم لعلمه بأنه يخرج من أصلابهم


= وبالجملة إذا خلق زيدا وأماته ثم خلق عمرا فهذا بداء أي خلق جديد وإذا شب زيد ثم شاخ فهذا بداء أي أمر جديد حدث، * (كل يوم هو في شأن) *، و * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * بمعنى أنه يمحو زيدا من لوح الوجود ويثبت عمرا فإن قيل: ليس هذا معنى البداء المصطلح عند العلماء على ما صرحوا به في تعريف النسخ بل ما ذكره الصدوق من شمول البداء للنسخ أيضا خلاف الاصطلاح قلنا لا ضير فيه، لأن كثيرا من اصطلاحات العلماء لا توافق اصطلاح الأخبار، مثلا: الاجتهاد عند العلماء، معنى صحيح جائز وقد نهى عنه الأخبار، لأن الاجتهاد فيها بمعنى آخر غير اصطلاح العلماء، وكذلك نهى عن التقليد في الدين بمعنى آخر غير التقليد المصطلح، والحبط غير جائز عند الامامية وقد ورد في وقوعه روايات وآيات بمعنى آخر، فلا يبعد أن يكون البداء الوارد في الروايات بمعنى غير ما اصطلح عليه أرباب الأصول. (ش) 1 - قوله: " تعلقا غير حتمي " هذا من طغيان القلم أو سهو وذهول من القائل وليس أحد معصوما عن الخطأ ولا يجوز على الله تعالى إلا الحتم والحكم ولا يقبل قضائه الترديد، وكما أن الندامة عليه تعالى محال كذلك التردد بل كل ما تعلق علمه وإرادته به فهو كما هو من الأزل ولم يحصل القطع بعد الترديد، فإن قيل: فما معنى إجابة الدعاء وتطويل العمر بصلة الرحم وأمثال ذلك ؟ قلنا: الأمر فيه كالأمر في ساير الأسباب، فكما تعلق ارادته تعالى بإرسال السحاب ونزول المطر بسببه كذلك تعلق علمه وارادته بصلة الرحم من فلان وطول عمره بالصلة وأنه لو لم يصل رحمه لم يطل عمره كما أنه لو لم يرسل السحاب لم ينزل المطر، فقصر العمر إنما هو على فرض عدم صلة الرحم وطوله على فرض الصلة، والثاني هو الواقع وتعلق علمه بالثاني، وسيجئ له مزيد توضيح إن شاء الله. (ش) 2 - قوله: " يريد أنه تعالى أراد أهلاكهم " بل كلام الإمام تعميم معنى البداء حتى يشمل النسخ، فأمر أولا بالإعراض عن الكفار، = (*)

[ 235 ]

المؤمنون، فرجح بقاءهم وحكم به تحقيقا لمعنى الإيمان. ومنها: محو ما ثبت وجوده (1) في وقت محدود بشروط معلومة ومصلحة مخصوصة وقطع استمراره بعد انقضاء ذلك الوقت والشروط والمصالح سواء ثبت بدله لتحقق الشروط والمصالح في إثباته أو لا، ومن هذا القبيل: الإحياء والإمانة والقبض والبسط في الأمر التكويني ونسخ الأحكام بلا بدل أو معه في الأمر التكليفي. والنسخ أيضا داخل في البداء كما صرح به الصدوق في كتابي التوحيد والاعتقادات. ومن أصحابنا من خص البداء بالأمر التكويني وأخرج النسخ عنه وليس لهذا التخصيص وجه يعتد به (2) وإنما سميت هذه المعاني بداء لأنها مستلزمة لظهور شئ على الخلق بعد ما كان مخفيا عنهم، ومن ثم عرف البداء بعض القوم بأنه أن يصدر عنه تعالى أثر لم يعلم أحد من خلقه قبل صدوره عنه أنه يصدر عنه. واليهود أنكروا البداء وقالوا * (يد الله مغلولة) * * (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا) * وهم يعنون بذلك أنه تعالى فرغ من الأمر فليس يحدث شيئا، ونقل عنهم أيضا: أنه تعالى لا يقضي يوم السبت شيئا، ويقرب منه قول النظام من المعتزلة: إن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا ولم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده، والتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكانها دون حدوثها ووجودها، وكأنه أخذ ذلك من الكمون والظهور من مذهب الفلاسفة. ونقل صاحب الكشاف عن الحسين بن الفضل ما يعود إلى هذا المذهب وهو أن عبد الله بن طاهر دعا الحسين ابن الفضل وذكر أن من آيات أشكلت عليه قوله عز من قائل * (كل يوم هو في شأن) * وقد صح " أن القلم جف بما هو كاين إلى يوم القيامة " فقال الحسين: أما قوله * (كل يوم هو في شأن) * فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها (3)، وهذه المذاهب عندنا باطلة لأنه تعالى يحدث ما يشاء في أي وقت يشاء على وفق الحكمة والمصلحة كما دلت عليه روايات هذا الباب ودل عليه أيضا ما مر


= وأمر ثانيا بتذكيرهم ومنعه من الإعراض. (ش) 1 - قوله: " ومنها محو ما ثبت وجوده " هذا راجع إلى الوجه الأول المذكور. 2 - قوله: " وليس لهذا التخصيص وجه يعتد به " بل هو اصطلاح خاص غير مصطلح الروايات ولا مشاحة في الاصطلاح وإنما فرق الاصوليون بين النسخ والبداء لاختلاف حكمهما وجواز الأول واستحالة الثاني، ولا بد عند الفرق بين الاحكام تفرق الاصطلاح حتى لا يشتبه الأمر على غير المتدبر. (ش) 3 - قوله: " شؤون يبديها " أي يظهرها في الوجود الخارجي بعد أن كان معلوما عند الباري، لا أنه تعالى يبتديها من غير أن يكون له علم بها في الأزل، وإرجاع هذا القول إلى مذهب الكمون والبروز غير ظاهر لي وكذلك إرجاعه إلى قول النظام وإرجاع قول النظام إلى قول هؤلاء، نعم يشبه كلام النظام قول المتأخرين في الدهر والزمان، وقول الحسين بن الفضل لا يخالف مذهب ساير المؤمنين بالقضاء. (ش) (*)

[ 236 ]

من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " الحمدلله الذي لا يموت ولا ينقضي عجائبه لأنه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن، فإنه صريح في أنه تعالى يحدث في كل وقت ما أراد إحداثه من الأشخاص والأحوال، ولعل الحسين كالسائل فهم أن ابتداءها وإحداثها ينافي ما صح من جفاف القلم وأنت تعلم أنه لا منافاة بينهما فإن جفاف القلم دل على أن كل ما هو كاين إلى يوم القيامة فهو مكتوب في اللوح المحفوظ أو في لوح التقدير ومعلوم له - تعالى شأنه - بحيث لا يتغير ولا يتبدل، ومن المكتوب والمعلوم له تعالى أنه يقدر كذا في وقت كذا ويبتدي بايجاده وإحداثه على وفق الحكمة والمصلحة فالابتداء والإحداث الذي هو البداء المراد هنا أيضا من المكتوبات فليتأمل. * الأصل: 1 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال عن أبي إسحاق ثعلبة، عن زرارة بن أعين، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ما عبد الله بشئ مثل البداء وفي رواية ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ما عظم الله بمثل البداء. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن أبي إسحاق ثعلبة) هو ثعلبة بن ميمون وكنيته أبو إسحاق، فما وقع في بعض النسخ عن أبي إسحاق عن ثعلبة فهو سهو من الناسخ (عن زرارة بن أعين، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ما عبد الله بشئ مثل البداء) (1) أي مثل القول بالبداء والتصديق بثبوته له تعالى، لأن فيه إذعانا بأنه تعالى قادر على الحوادث اليومية، واعترافا بأنه مختار يفعل بإرادته ما يشاء ويتصرف في ملكه كيف يشاء ولا يبلغ شئ من العبادة هذه المرتبة، لأن العبادة إنما هي عبادة وكمال بعد معرفته بما ينبغي له، ومن أنكر البداء له تعالى فقد نسب العجز إليه وأخرجه عن سلطانه وعبد إلها آخر ودان بدين اليهود. قال الفاضل الأمين الأستر آبادي: القول بالبداء رد على اليهود حيث زعموا أنه تعالى فرغ من الأمر لأنه عالم في الأزل بمقتضيات الأشياء فقدر كل شئ على وفق علمه، وملخص الرد أنه يتجدد له تعالى تقديرات وإرادات حادثة كل يوم بحسب المصالح المنظورة له تعالى. (وفي رواية ابن أبي عمير، عن هشام ابن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ما عظم الله بمثل البداء) أي ما عظم الله تعالى بشئ من أوصاف ومحامد يكون مثل البداء، لأن تعظيمه تعالى ووصفه بالبداء الذي


1 - قوله: " مثل البداء " البداء في هذا الحديث ليس بالمعنى المصطلح مثل أن يقدر الله تعالى موت زيد ثم يبطل هذا التقدير ويقضى بحياته، بل المراد أنه تعالى يميت زيدا ويحيى عمرا ويسقم هذا ويشفي ذلك، وكل يوم هو في شأن، فالتغير بفعله في العالم لا التغيير في حكمه وإرادته بالنسبة إلى شئ واحد. (ش) (*)

[ 237 ]

هو فعل من أفعاله مستلزم لتعظيمه ووصفه بجميع الصفات الكمالية مثل العلم والقدرة والتدبير والارادة، والاختيار وأمثالها. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وحفص بن البختري وغيرهما، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في هذه الآية: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * قال: فقال: وهل يمحي إلا ما كان ثابتا وهل يثبت إلا ما لم يكن. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وحفص بن البختري وغيرهما، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في هذه الآية) أي في تفسيرها: (يمحو الله ما يشاء) محوه وإعدامه (ويثبت) ما يشاء إثباته إيجاده (قال فقال) إعادة القول للتأكيد والتقدير: (وهل يمحى إلا ما كان ثابتا) في اللوح المحفوظ أو في الأعيان (وهل يثبت إلا ما لم يكن) ثابتا فيهما. أن المحو يتعلق بالموجود والإثبات يتعلق بالمعدوم، وكل ذلك لعلمه تعالى بالمصالح العامة والخاصة والشرائط، فيزيل وجود ما أو جده ويفيض وجود ما أراد إيجاده لانقضاء مصالح الوجود وشرائط حسنه في الأول وتحققها للثاني وتلك المصالح والشرائط مما يختلف باختلاف الأوقات والأزمان ودلالته على البداء (1) بمعنى تجدد التقدير والمشية والإرادة في كل وقت بحسب المصالح ظاهرة. * الأصل: 3 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما بعث الله نبيا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار له بالعبودية، وخلع الأنداد، وأن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما [ من خل ] يشاء * الشرح: (علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما بعث الله نبيا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال الإقرار له بالعبودية) أي إقرار النبي بأنه عبد له تعالى يستحق العبادة منه وأخذه على أمته الإقرار بذلك (وخلع الأنداد) أي خلع الأمثال والأضداد بالتصديق بوحدانيته في الذات والصفات وتفرده باستحقاق العبادة (وأن الله يقدم ما يشاء ويؤخر من


1 - قوله: " ودلالته على البداء " كما أن عدم دلالته على البداء بالمعنى المصطلح أيضا ظاهر ويصدق على نسخ حكم بحكم أو شريعة بشريعة أنه محو وإثبات أي محو السابق وإثبات اللاحق، والبداء المصطلح إثبات شئ ثم محو ذلك الشئ بعينه. (ش) (*)

[ 238 ]

يشاء) على وفق ما يقتضيه الحكمة والمصلحة ونظام الكل، لأن الحكيم العليم إذا علم حسن شئ في وقت وقبحه في وقت آخر يضعه في موضعه. قال الصدوق - رحمه الله - في كتاب الاعتقادات بعد نقل هذا الحديث: ونسخ الشرائع والأحكام بشريعة نبينا (صلى الله عليه وآله) من ذلك ونسخ الكتب بالقرآن من ذلك، أقول: وهو رد على اليهود المنكرين للنسخ باعتبار أن النسخ بداء والبداء على الله تعالى محال وتحقيق الرد أن البداء المحال عليه سبحانه هو ظهور الشئ بعد الخفاء عليه. وأما البداء بمعنى إثبات كل شئ في وقته بارادته لمصلحة تقتضيه فهو من أعظم أو صافه ومحامده كما عرفت. وفي بعض نسخ هذا الكتاب وكتاب الاعتقادات والعيون " ويؤخر ما يشاء " بلفظة " ما " الموصولة وهو الإظهر والأنسب بما قبله. فإن قلت: هذا الحديث ينافي ما يجئ في باب مولد النبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن عبد المطلب أول من قال بالبداء ". قلت: لا منافاة بينهما، لأن المراد بالأولية الأولية الإضافية بالنسبة إلى غير الأنبياء (عليهم السلام) أو المراد أنه أول من أطلق هذا اللفظ على غير معناه اللغوي. * الأصل: 4 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل * (قضى أجلا وأجل مسمى عنده) * قال: هما أجلان: أجل محتوم وأجل موقوف. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله تعالى: قضى أجلا) أي أحكمه وأبرمه (وأجل مسمى عنده) " أجل " مبتدأ لتخصيصه بالصفة " عنده " خبره (قال: هما أجلان) أي أجلان للموت أو أجلان متغايران بقرينة المقام، والتفسير فلا يرد أن الحمل غير مفيد لأنه بمنزلة أن يقال: الأجلان أجلان والاثنان اثنان (أجل محتوم) أي مبرم محكم لا يتغير ولا يتبدل لتعلق القضاء بالإمضاء به فلا يجري فيه البداء لما سيجئ من أنه لا بداء بعد القضاء وهو ناظر إلى قوله قضى أجلا وتفسير له (وأجل موقوف) لم يتعلق القضاء به بعد لتوقف تعلقه (1) به على حصول مصالح وشرائط وأمور خارجة عن ذات الأجل عند


1 - قوله: " بعد لتوقف تعلقه به " هذا الحديث أيضا لا يدل على البداء بالمعنى المصطلح أعنى تغيير المقدرات. والأجل قد يكون محتوما وقد يكون موقوفا نظير أن الأمر قد يكون مطلقا وقد يكون مشروطا ولا يكون شئ واحد مأمورا به مطلقا = (*)

[ 239 ]

حضوره فإن حصلت تلك الأمور يتعلق به القضاء فيصير مبرما وإلا فلا وتعلق العلم الأزلي بحصولها مثلا عند حضور ذلك الأجل لا يقتضي تقدم القضاء عليه وهذا ناظر إلى قوله * (وأجل مسمى عنده) * معناه: الله أعلم أن الأجل المسمى المعلق، حكمه عنده، إن شاء أمضاه بقدرته واختياره، وهذا معنى البداء هنا. وقال بعض الأصحاب: المراد بالأجل المحتوم الأجل لمن مضى فلا بداء فيه لانقضائه وإمضائه ولا قدرة على ما مضى وبالأجل الموقوف الأجل لمن يأتي وفيه البداء لتجدده بالقدرة، فالفرق بين الأجلين في جريان البداء في الثاني، وعدم جريانه في الأول وإلا فكل من الماضي والآتي محتوم بالنسبة إليه تعالى. وفيه أن كون الآجال الاستقبالية كلها موقوفة محل نظر لجواز أن يكون بعضها مما حتمه الله تعالى وقضى به في الأزل فلا يجري فيه البداء ولا يقع فيه المحو. * الأصل: 5 - أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن علي بن أسباط، عن خلف بن حماد، عن ابن مسكان، عن مالك الجهني قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا) * قال: فقال، لا مقدرا ولا مكونا، قال: وسألته عن قوله: * (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) * فقال كان مقدرا غير مذكور. * الشرح: (أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن علي بن أسباط عن خلف بن حماد، عن ابن مسكان، عن مالك الجهني) كأنه مالك بن أعين وقد قيل إنه كان مخالفا ولم يكن من هذا الأمر في


= ومشروطا معا، مثلا: الحج واجب مشروط بالاستطاعة، وليس له وجوب آخر غير مشروط، وكذلك ويتصدق طويل بسبب صلة الرحم والصدقة وليس له أجل آخر قريب غير مشروط، وإنما يكون البداء إذا كان لشئ واحد بعينه أجلان لا أن يكون لشئ أجل محتوم ولشئ آخر أجل موقوف فإن قيل إذا كان لشئ أجل موقوف على شرط فلابد أن يكون له أجل آخر غير موقوف على فرض عدم ذلك الشرط، قلنا لا نسلم ذلك بل الأجل المسمى الذي تعلق علم الواجب تعالى بوقوعه هو الأجل الموقوف على الشرط الذي علم تعالى بوجوده وحصوله وليس غيره أجلا مقدرا في علمه تعالى، مثلا: أبو لهب قضى عليه بأنه سيصلى نارا ذات لهب بسبب كفره وليس له قضاء آخر بأنه يدخل الجنة ولا بأنه يدخل النار ولو بغير سبب كفره حتى يلزم الجبر، وغاية ما يمكن أن يتوهم هنا قضية منطقية غير بتية لم تثبت في قضائه تعالى ولم يتعلق بها مشيئته وهو أن زيدا لو لم يصل رحمه كان عمره قصيرا لكنه يصل في علم الله فلا يكون عمره قصيرا وإن بنينا على تسمية هذه القضايا قضاء وقدرا ومشية وإرادة يكون كل ممتنع بالغير مقضيا مقدرا، مثلا: اليوم مظلم إن لم يطلع الشمس قضاء إلهي فيكون طلوعها وإضاءة النهار بداء لأنه تغيير القضاء، وبالجملة فلابد لإثبات البداء من التماس دليل آخر غير هذا، ولذلك الحديث بيان آخر سنشير إليه في موضع أليق إن شاء الله تعالى. (ش) (*)

[ 240 ]

شئ وقيل في شأنه رواية دالة على مدحه بل على توثيقه إلا أنه هو راويها (قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: * (أولم ير الإنسان) *) الهمزة لإنكار السلب أو لتقرير الإثبات (أنا خلقناه من قبل) أي قدرناة بالإرادة والمشية من زمان وجوده أو من قبل أن يكون إنسانا أو من قبل أن يكون له صورة ومثال في عالم الإمكان، وهذا أنسب، لأن دلالته على الابداع أظهر (ولم يك شيئا) حال عن المفعول. (قال: فقال: لا مقدرا ولا مكونا) (1) بل كان معدوما صرفا وفيه دلالة على أن المعدوم ليس شيئا وإنما قدم المقدر على المكون ولم يعكس مع أن العكس أتم فائدة باعتبار أن نفي التقدير مستلزم لنفي التكوين فليس لنفي التكوين بعده كثير فائدة بخلاف نفي التكوين فإنه لا يستلزم لنفي التقدير لوجهين، أحدهما: أن المقصود الأصلي هاهنا نفي التقدير ونفي التكوين مقصود بالعرض والمقصود الأصلي أولى بالتقديم. ثانيهما: أن التقدير مقدم على التكوين في نفس الأمر فقدمه في الذكر لرعاية التناسب ثم المراد بالمكون إما المادة الانسانية مثل النطفة والعلقة وغيرهما أو الصورة الانسانية الحاصلة بعد تكامل الأجزاء وتمام الأعضاء حتى صارت قابلة لفيضان الروح (قال: وسألته عن قوله: هل أتى على الإنسان) الاستفهام للتقرير. وقال أبو عبيدة: " هل " هاهنا بمعنى قد (حين من الدهر) أي طايفة من الزمان (لم يكن شيئا مذكورا) حال عن الإنسان (فقال كان مقدرا غير مذكور) أشار إلى أن النفي راجع إلى القيد أي كان مقدر الوجود ذلك الحين عند كونه نطقة أو علقة غير مذكور بين أهل الأرض وأهل السماء من الملائكة وغيرهم بالإنسانية إذ ما لم تكمل صورته ولم تتم أعضاؤه وجوارحه ولم يتعلق به الروح الإنسانية لا يسمى إنسانا، وفي هذين الحديثين دلالة على تجدد إرادته تعالى وتجدد تقديره وتدبيره في خلق الإنسان، وهذا هو المراد بالبداء في حقه تعالى. * الأصل: 6 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: العلم علمان فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه


1 - قوله: " لا مقدرا ولا مكونا " ليس المراد من المقدر ما تعلق علم الله تعالى بوجوده وقدره إذ علمه متعلق بكل شئ من الأزل فكيف لا يكون شئ مقدرا فلا بد يكون المراد بالتقدير بعض مراحل الاستعداد قبل الوجود بأن يكون الشئ بعد حصول جميع الأسباب مكونا وبعد حصول بعضها مقدرا، مثلا: الإنسان عند انعقاد النطفة يكون مقدرا وعند تمام خلقة الجنين مكونا. (ش) (*)

[ 241 ]

أحدا من خلقه وعلم علمه ملائكته ورسله فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء ويؤخر منه ما يشاء ويثبت ما يشاء. * الشرح: (محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: العلم علمان فعلم عند الله مخزون) لا يعلمه إلا هو كما فسره بقوله (لم يطلع عليه أحدا من خلقه) وهو العلم بسر القضاء والقدر ونحوه، وقيل: المراد بالعلم المخزون والعلم المكتوب: المقرر في اللوح المحفوظ. أقول: فيه نظر، لأن كل ما في اللوح المحفوظ من العلوم لا يجب أن يكون مختصا به سبحانه لا يطلع عليه أحد من خلقه بل لنا أن نقول: كل ما فيه فهو حاصل لبعض خلقه فإن اللوح المحفوظ إما الملك كما هو مذهب الصدوق (رضي الله عنه) وقد صرح به في كتاب الاعتقادات، أو الروح المقدس لأمير المؤمنين (عليه السلام) كما قال في خطبة البيان: أنا اللوح المحفوظ (وعلم علمه ملائكته ورسله) تعليما لا يحتمل متعلقه نقيضه وذلك بأن لا يكون معلقا بشرط (فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون) على وفق ما علمهم من غير تغير وتبدل (لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله) (1) لا يكذب إما من الكذب أو من التكذيب أي لا يكذب نفسه في إخباره للملائكة بوقوع متعلقه ولا يكذب ملائكته في إخباهم للرسل ولا يكذب رسله في إخبارهم للخلق، لأن الكذب نقص وقبيح وجب تنزهه تعالى وتنزه سفرته عنهما. فإن قلت: هذا ينافي ما رواه الصدوق في كتاب العيون بإسناده عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) لإثبات البداء قال (عليه السلام) " لقد أخبرني أبي عن آبائه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الله عزوجل أو حى إلى نبي من أنبيائه أن أخبر فلانا الملك أني متوفيه إلى كذا وكذا، فأتاه ذلك النبي فأخبره فدعا الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير، فقال: يا رب أجلني حتى يشب طفلي وأقضي أمري، فأوحى الله تعالى إلى ذلك النبي أن ائت فلانا الملك فأعلمه أني قد أنسيت أجله وزدت في عمره خمسة عشر سنة فقال


1 - قوله: " فما علمه ملائكته ورسله " أقول: هذا الحديث رد على ما توهمه الفخر الرازي ونقلنا عن المحصل من علة ذهاب الشيعة إلى القول بالبداء ويؤيد مضمون الحديث بقاعدة اللطف الذي يقول به الشيعة وأن كل شئ يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية فهو واجب عليه تعالى وأن الإغراء بالجهل قبيح، ولا ريب أن النبي والإمام إذا أخبرا عن الله تعالى ولم يقع المخبر على ما أخبر به كان ذلك مزلة عظيمة توجب عدم الاعتماد بأقوال الأنبياء ويخالف اللطف ويوجب نقض غرض الواجب تعالى، وحينئذ فما ورد من تغيير ما أخبر به الأئمة (عليهم السلام) والأنبياء فهو مردود لمخالفته العقل والأخبار الكثيرة، ومنها حديث أمامة عن إسماعيل والبداء فيه. (ش) (*)

[ 242 ]

ذلك النبي: يا رب إنك لتعلم أني لم أكذب قط فأوحى الله تعالى إنما أنت عبد مأمور وأبلغه ذلك والله لا يسأل عما يفعل " قلت: المراد بالتعليم التعليم المقرون بما يفيد القطع بوقوع متعلقه فإنه لابد من وقوعه لما مر، وأما التعليم المجرد عن ذلك فيجوز أن لا يقع متعلقه لجواز أن يكون وقوع متعلقه مقيدا بشرط في علم الله تعالى كما في حديث وفاة الملك فإنه كان مقيدا في علم الله تعالى بترك الدعاء والتضرع فلما وجدا لم يقع الوفاة لانتفاء الشرط وإخبار النبي ذلك الملك من الله بأنه متوفيه، لم يكن كذبا في نفس الأمر فإن قوله " متوفيه " من كلامه تعالى وهو مقيد في علمه بما ذكر وعدم علم النبي بذلك القيد لا ينافي ذلك الكلام المقيد في نفس الأمر ولا يكون الإخبار به كذبا (1) وإنما يكون كذبا لو لم يؤمر بالإخبار فأخبره. وبمثل هذا التوجيه يندفع أيضا ما يتوجه على ظاهر ما رواه المصنف في باب " أن الصدقة تدفع البلاء " بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " مر يهودي بالنبي (صلى الله عليه وآله) فقال: السام رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليك. فقال أصحابه إنما سلم عليك بالموت فقال: الموت عليك، قال النبي (صلى الله عليه وآله) وكذلك رددت، ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله، قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطبا كثيرا فاحتمله ثم لم يلبث أن انصرف، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ضعه فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود فقال: يا يهودي أي شئ عملت اليوم ؟ فقال: ما عملت عملا إلا حطبي هذا احتملته فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بها دفع الله عنك وقال: إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان " تقرير الدفع أن قوله (صلى الله عليه وآله): إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله من كلامه تعالى أوحاه إليه وأمره بتبليغه لقوله تعالى * (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) * وهذا الكلام في علم الله كان مقيدا بالشرط وهو عدم التصدق وهو مع هذا القيد صادق كصدق الشرطية، والمخبر به من الله أيضا صادق لأنه مأمور بتبليغه وعدم وقوع متعلقه لانتفاء الشرط لا ينافي صدقه. نعم فيه دلالة على أن الأنبياء (عليهم السلام) لا يعملون جميع أسرار القدر، ولا يبعد أن يكون الغرض من أمرهم بتبليغ أمثال ذلك (2) أن يظهر للخلق أن لله تعالى علوما لا يعلمها إلا هو، والله أعلم (وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء ويؤخر منه ما يشاء ويثبت ما يشاء) باختياره وإرادته إن كان


1 - قوله: " ولا يكون الإخبار به كذبا " إذا أخبر مقيدا لم يتحقق المحذورات التي ذكرنا من زلة الناس ورفع اعتمادهم بقول الحجج، وإن قيل لم ينقل كون أخبارهم مقيدة، قلنا لعلهم اعتمدوا على قرينة للتقييد أو أخبروا مقيدا ولم ينقل إلينا، مثلا: قال النبي للملك: إني متوفيه إلى وقت كذا إن لم يحدث حدث، أو كان معلوما للملك أن إخباره مقيد بعدم الدعاء. (ش) 2 - لعله أخبر مقيدا ولم ينقل ولعل كلام الشارح يخالف نفس الحديث الذي هو في شرحه. (ش) (*)

[ 243 ]

لكل واحد من التقديم والتأخير والإثبات مصلحة تقتضيه وهذا هو المراد بالبداء هنا. توضيح ذلك أن الله سبحانه عالم في الإزل بالأشياء ومنافعها ومصالحها فإذا كان لشئ مصلحة في وقت من وجه وفي وقت من وجه آخر إن شاء قدمه وإن شاء أخره (1) وكذا إذا كان لشئ مصلحة في وقت دون وقت آخر بينه في ذلك الوقت بإرادته وعلمه في الأزل بإثباته في ذلك الوقت وتقديمه وتأخيره على حسب الاختيار، والإرادة الحادثة لا ينافي الاختيار والقدرة بل يؤكدهما ولا يوجب تغيير علمه أصلا وإنما يوجب تغييره لو علم أنه يؤخره ولا يثبته مثلا فقدمه وأثبته. لا يقال: لو كان البداء عبارة عن الإيجاد بالاختيار والإرادة كان في القسم الأول أيضا بداء لضرورة أن ما وقع فيه التعليم أيضا يوجده بالاختيار والإرادة. لأنا نقول: المعتبر في البداء أن يوجده بالاختيار والإرادة الحادثة عند وقت الإيجاد (2) وإن لا يكون للخلق علم بصدوره عنه قبل صدوره عنه كما أشار إليه سابقا ولا يتحقق شئ من ذينك الأمرين في القسم الأول أما الثاني فظاهر وأما الأول فلإرادة الإيجاد في الأزل أو عند التعليم، والله أعلم. هذا، وقال الفاضل الاسترآبادي في حل هذا الكلام وعلم عنده مخزون أي مقدر في اللوح المحفوظ أولا على وجه ثم يغير ذلك إلى وجه آخر لمصلحة حادثة وهذا هو البداء في حقه تعالى. وقال الفاضل الشوشتري في حله: ولعله إنما يستقيم البداء فيه ويرتفع العبث ولا يتطرق شبهة التغير


1 - قوله: " ان شاء قدمه وان شاء أخره " لكن علمه من الأزل تعلق بأحدهما المعين من غير ترديد بحيث لا يتصور فيه تغيير أصلا، وحاصل تفسير الشارح أن هذا الكلام دفع لوهم من يزعم أنه تعالى فاعل موجب ويقول إنه تعالى يفعل ما يشاء، مثلا يخلق زيدا في زمان مقدم وعمرا في زمان مؤخر كما يصنع شيئا صغيرا وشيئا كبيرا وشيئا في هذا المكان وشيئا في ذلك المكان على حسب ما يراه من المصالح، وهذا تأويل للبداء على الوجه الأول الذي ذكره سابقا. (ش) 2 - قوله: " عند وقت الإيجاد " الإرادة من الله تعالى ان كان علمه بالمصلحة فهو قديم وإن كان نفس فعله فلا يتصور كون الإرادة في بعض الأمور سابقة على الفعل وفي بعضها حاصلة عنده والحق أنه تعالى كان عالما من الأزل بما يفعل في كل زمان وتعلق مشيئته به ولا تغير في مشيئته ولا يؤخر ما أراد تقديمه من الأزل ولا يقدم ما أراد تأخره من الأزل، ولا يخفى أن كلام الشارح في معنى إنكار البداء وتأويله بشئ لا يستلزم منه المحال وحدوث المصلحة في زمان الإيجاد لا ينافي كون علمه تعالى بالمصلحة قديما، وأما على تأويل صدر المتألهين أن التقديم والتأخير ليس فيما تعلق علم الله تعالى والعقول القادسة به بل في علم النفوس الغير العالمة بتفاصيل ما سيأتي من الأزل فيحكمون بشئ على ظاهر الأمر والعادة، وربما يتفق شئ يخرج عن مجرى العادة ولا يعلم به تلك النفوس وينسب التغير الحاصل في علم تلك النفوس إلى الله تعالى، ويسمى بالبداء كما ينسب حزن الاولياء إلى الله تعالى في قوله * (فلما آسفونا انتقمنا) * على ما مر، فيستقيم الكلام من غير حاجة إلى تكلف والتزام محال ولا خروج عن ظاهر الحديث، وسيجئ بيانه إن شاء الله تعالى. وأما كلام الفاضلين الاسترآبادي والتستري فغير ظاهر لنا ولم نعرف مقصودهما. (ش) (*)

[ 244 ]

في علمه إذا قلنا بإثبات مخزونه في موضع واطلع عليه أحد ولم يجز له إظهاره وأنه اطلع بعض الناس عليه كما سيجئ ما يفهم منه ذلك انتهى، فليتأمل. * الأصل: 7 - وبهذا الإسناد، عن حماد، عن ربعي، عن الفضيل قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من الأمور أمور موقوفة عند الله يقدم منها ما يشاء ويؤخر منها ما يشاء. * الشرح: (وبهذا الإسناد، عن حماد، عن ربعي، عن الفضيل قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من الأمور أمور موقوفة عند الله) الأمور قسمان القسم الأول أمور محتومة (1) حتمها الله تعالى قبل أوان وجودها وهو يوجدها في أوقاتها لا محالة ولا يمحوها، ومن هذا القبيل ما مر من أن ما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون، وما رواه الصدوق عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) حين قال له سليمان المروزي: ألا تخبرني عن * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * في أي شئ أنزلت قال: يا سليمان ليلة القدر يقدر الله تعالى فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياة أو موت أو خير أو شر أو رزق فما قدره الله في تلك الليلة فهو من المحتوم. والقسم الثاني أمور غير محتومة حتمها موقوف على مشية وإرادة حادثة في أوقاتها (يقدم منها ما يشاء ويؤخر منها ما يشاء) فعلم من ذلك تجدد إرادته تعالى في القسم الثاني وهو معنى البداء. وقيل: المراد بالأمور المحتومة الأمور الماضية وبالامور الموقوفة الأمور الآتية، ولا بداء في الأولى، إذ الماضي لا قدرة عليه بخلاف الآتي. وفيه أن الأمور الآتية قد تكون محتومة (2) كما ذكرنا سابقا ودل عليه أيضا حديث مولانا الرضا (عليه السلام). * الأصل: 8 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة، عن أبي نصير، ووهب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله علمين علم


1 - قوله: " الأمور قسمان الأول أمور محتومة " إن كان مراد الشارح تقسيم الأمور بالنسبة إلى علم الباري تعالى وإرادته فإنا لا نسلم التقسيم بل الأمور قسم واحد وهو المحتوم فإنه تعالى يعلم ما يقع ولا يتردد في شئ فكل شئ موقوف على شرط يعلم أن شرطه يحصل أولا يحصل فإن علم أنه يحصل الشرط يعلم أنه يحصل المشروط به أيضا، وإن علم أنه لا يحصل الشرط علم أنه لا يحصل المشروط، وليس له تعالى تجدد علم بعد الجهل ولا تجدد عزم بعد الترديد، فليس التغيير في علمه تعالى وإرادته بل إن كان شئ من ذلك ففي علم بعض النفوس الذين ليس لهم إحاطة بجميع الشروط والأسباب وما يمكن أن يقع من الموانع والجوائح، ولا مناص عن تأويل صدر المتألهين في توجيه هذه العويصة. (ش) 2 - قوله: " قد تكون محتومة " قد تدل على جزئية الحكم، والحق أن القضية كلية وأن الأمور تكون مطلقا محتومة في علم الباري تعالى وإنما يكون الترديد عند النفوس الناقصة. (ش) (*)

[ 245 ]

مكنون مخزون، لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء، وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير، ووهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لله علمين علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء) (1) أي إيجاد فعل بالتقدير والتدبير والإرادة


1 - قوله: " من ذلك يكون البداء " سبق هذا المعنى في حديث الفضيل بن يسار عن الباقر (عليه السلام) وفي معناه روايات أخر مروية في البحار وغيره وهو حديث مستفيض مؤيد بالعقل على ما سبق وبه يضعف صحة ما روى في بعض الأخبار من أن بعض الأنبياء أو الأئمة (عليهم السلام) أخبروا بشئ على البت فلم يقع كما أخبروا للبداء لأنه يرتفع الاعتماد عن أخبار الحجج (عليهم السلام) كما مضى لكن العلامة المجلس (رحمه الله) وقبله صدر المتألهين (قدس سره) التزما بصحة ذلك وأن الأئمة (عليهم السلام المحو والإثبات وأخبروا بشئ لم يقع على ما أخبروا. قال صدرا المتألهين: إن القوى المنطبعة الفلكية لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب تقتضي ذلك ولم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ثم علمت به وكان موته بتلك الاسباب مشروطا بأن لا يتصدق فتحكم أولا بالموت وثانيا بالبرء، وإذا كانت الاسباب لوقوع أمر ولاوقوعه متكافئة ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجئ أوان سبب ذلك الرجحان بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر - إلى أن قال - فإذا اتصلت بتلك القوى نفس النبي أو الإمام (عليه السلام) وقرأ فيها بعض تلك الأمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه أو شاهده بنور بصيرته أو سمع بأذن قلبه. انتهى ما اردنا. ولعل مراده أن الحجة يخبر بما رآه وسمعه لا على سبيل البت والقطع بل على الاحتمال والترديد ثم نقول: اطلاع بعض النفوس والقوى على الغائبات أمر ممكن صحيح سواء قلنا بالفلك والنفوس المنطبعة الفلكية أو لا، إذ لا ريب في وجود موجودات مجردة غيبية لهم علم بما سيأتي كما يظهر لنا في الرؤيا الصادقة ونسميها ملائكة وإن سماه نفوسا فلكية ولا يبعد عدم علم بعضهم بجميع الشرائط كما ذكره (قدس سره) وأما اطلاع الأئمة (عليهم السلام) واتصال نفوسهم بتلك النفوس فهو ممكن أيضا لكن لا يظنوه محتوما ويخبروا به على البت. وقال العلامة المجلسي في البحار: يظهر من بعض الأخبار أن البداء لا يقع فيما يصل علمه إلى الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) ويظهر من كثير منها وقوع البداء فيما يصل إليهم أيضا ويمكن الجمع بوجوه ثم ذكر الوجوه، منها: أن المراد بالأولة الوحي ويكون ما يخبرون به من جهة الإلهام واطلاع نفوسهم على الصحف السماوية يعني يكون ما يخبرون به ويقع فيه البداء مما ألهموا به، لا من الله من اللوح المحفوظ بل باطلاع نفوسهم على الصحف السماوية، فيكون إخبارهم بها من قبل أنفسهم لا على وجه التبليغ وأما ما أمروا بتبليغه فلا يقع فيه البداء، والصحف السماوية التي ذكرها هي القوى المنطبعة الفلكية التي ذكرها صدر المتألهين، ويبقى هنا سؤال الفرق بين الوحي والإلهام وجواز الخطأ والتغيير في الإلهام دون الوحى، فإن كان إخبارهم بخلاف الواقع قادحا في عصمتهم فلا فرق بينهما، ثم نقول هل الأئمة (عليهم السلام) يميزون بين ما ألهموا وبين ما أوحي إليهم مما لا يتغير أولا وبعد التميز هل يعلمون أن ما اطلعوا عليه في الصحف السماوية ربما لا يكون موافقا للواقع أولا وإن علموا هل يخبرون بما رأوا على سبيل البت أو لا يخبرون إلا على وجه الاحتمال ولابد للعلامة المجلسي (رحمه الله) أن يجيب بأنهم يميزون ولا يخبرون في ما رأوا إلا على وجه الاحتمال فيرجع جوابه إلى الوجه الرابع الذي نقله عن الشيخ الطوسى (رحمه = (*)

[ 246 ]

الحادثة لحكم ومصالح لا يعلمها إلا هو (وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه) بتعليم نبوي وإلهام إلهي، وهكذا ينبغي أن يكون أوصياء الأنبياء وخلفاؤهم في أرض الله تعالى وعباده ولا بداء فيه لما عرفت. * الأصل: 9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما بدا لله في شئ إلا كان في علمه قبل أن يبدو له. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما بدا لله في شئ) أي ما نشأ منه سبحانه حكم وإرادة في شئ بالمحو والإثبات على حسب المصالح (إلا كان) ذلك الشئ ومحوه وإثباته ومصالحهما (في علمه قبل أن يبدو له) فهو سبحانه كان في الأزل عالما بأنه يمحو ذلك الشئ الثابت في وقت معين لمصلحة معينة عند انقطاع ذلك الوقت وانقضاء تلك المصلحة ويثبت هذا الشئ في وقته عند تجدد مصالحه، ومن زعم خلاف ذلك واعتقد بأنه بدا له في شئ اليوم مثلا ولم يعلم به قبله فهو كافر بالله العظيم ونحن منه براء. * الأصل: 10 - عنه، عن أحمد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن داود بن فرقد، عن عمرو بن عثمان الجهني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله لم يبد له من جهل. * الشرح: (عنه، عن أحمد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن داود بن فرقد، عن عمرو بن عثمان الجهني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله لم يبد له من جهل) أي لم ينشأ منه حكم بمحو الثابت من أجل الجهل


= الله) وهو أن الحجج (عليهم السلام) لم يخبروا قط بشئ يقع فيه البداء على البت وهو الكلام القاطع لمادة الإشكال وإن توهم متوهم أن نبيا أو وصيا ألقي في روعه شئ ولم يميز بين كونه محتوما وغير محتوم تطرق نعوذ بالله إلى جميع أحكام الشرايع والمبدأ والمعاد احتمال الخطأ برفع العصمة، ثم قال العلامة المجلسي: الثالث أن تكون الأولة يعني عدم البداء محمولة على الغالب فلا ينافي ما وقع على سبيل الندرة وهو ضعيف جدا إذ تطرق الخطأ إلى الوحي والإلهام ولو مرة واحدة يرفع الاعتماد عن قول الأنبياء، ولا يجوز الغلو في تصحيح الروايات بحيث يلزم منه إبطال أصل الشريعة. وقلنا في حاشية الوافي (الصفحة 178 من المجلد الثاني): اعتقادنا أن الحجج (عليهم السلام) معصومون يحفظهم الله عن الاتصال بالنفوس الجاهلة وعن أن يغلطوا فيما يوحى إليهم ولا يمكن أن يظنوا ما ليس حقا من جانب الله وحيا مطابقا للواقع. (ش) (*)

[ 247 ]

برعاية جهات حسنه ومصالحه واعتبار ما ينبغي له، ثم علم اشتماله على الخلل والفساد فمحاه كما هو شأن الناقصين في العلم وكذا لم ينشأ منه حكم بايجاد المعدوم في الوقت المعلوم لا قبله من أجل الجهل به قبله لتعاليه عن الجهل بل كل ذلك لأجل مصالح وشرايط لا يعلمها إلا هو، وفي هذين الحديثين إشارة إلى أن بداءه تعالى ليس بداء ندامة وبداء جهل. * الأصل: 11 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن منصور بن حازم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يكون اليوم شئ لم يكن في علم الله بالأمس ؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله، قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله ؟ قال: بلى قبل أن يخلق الخلق. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يكون اليوم شئ) من فعله وفعل العباد (لم يكن في علم الله بالأمس قال: لا) لاستحالة الجهل عليه وتجدد العلم له (من قال هذا فأخزاه الله) أي أذله وأهانه وأوقعه في بلية وعذاب (قلت: أرأيت) أي أخبرني (ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة) بل وما هو كائن في يوم القيامة أيضا (أليس في علم الله ؟) لعل الفرض من هذا السؤال بعد الجواب عن السؤال المذكور هو استعلام حال علمه تعالى بجميع الكائنات في جميع الأوقات من حيث الثبوت والاستمرار وعدم التغير (قال: بلى) هو في علم الله أزلا (قبل أن يخلق الخلق) هذا عقيدة جميع أهل الإسلام إلا من لا يعتد به من أهل البدع كما مر آنفا، وفيه دلالة على ثبوت البداء له تعالى وعلى أن بداءه ليس من جهل. * الأصل: 12 - علي، عن محمد، عن يونس، عن مالك الجهني، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه. * الشرح: (علي، عن محمد، عن يونس، عن مالك الجهني قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه)، لأن السعي في الشئ على قدر عظمته وزيادة أجره، وفي هذا الإبهام دلالة على عظمة الأجر في هذا القول. كيف لا ؟ وفيه اعتراف بتقديره تعالى وتدبيره وقدرته على إيجاد الحوادث واختياره في إفاضة الوجود على ما تقتضيه الحكمة والمصالح واقتداره على ما أراد عدمه وإبقاء ما أراد بقاءه، وفيه أيضا خروج عن قول اليهود القائلين بأنه تعالى قد

[ 248 ]

فرغ من الأمر فراغا لا يريد، ولا يقدر ولا يدبر بعده شيئا (1) وعن قول الحكماء القائلين بأنه واحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وينسبون ما زاد إلى العقل. وعن قول بعض المعتزلة القائلين بأنه خلق الأشياء كلها دفعة واحدة ثم يظهر وجوداتها متعاقبة بحسب تعاقب الأزمنة. وعن قول الدهرية القائلين بأن الجالب للحوادث هو الدهر. وعن قول الملاحدة القائلين بأن المؤثر هو الطبايع. * الأصل: 13 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن عمرو الكوفي أخي يحيى، عن مرازم بن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله بخمس خصال: بالبداء والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن عمرو الكوفي أخي يحيى، عن مرازم بن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما تنبأ نبي) أي ما صار النبي نبيا ولم ينل شرف النبوة (قط حتى يقر لله بخمس خصال: بالبداء والمشية والسجود والعبودية والطاعة) رد بالبداء على من أخرجه عن سلطانه في ملكه وبالمشية وهي الإرادة على من قال: إنه موجب،


1 - قوله: " ولا يدبر بعده شيئا " إن العلامة المجلسي (رحمه الله) بعد ما ذكر التوجيهات التي نقلها عن سائر العلماء - قدس الله أسرارهم - وزيفها جميعا قال: ولنذكر ما ظهر لنا من الآيات والأخبار بحيث تدل عليه النصوص الصريحة ولا يأبى عنه العقول الصحيحة فنقول وبالله التوفيق: إنهم إنما بالغوا في البداء ردا على اليهود الذين يقولون إن الله قد فرغ من الأمر وعلى النظام، وبعض المعتزلة الذين يقولون إن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا ولم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده، والتقدم إنما يقع في ظهورها لا في حدوثها ووجودها، وإنما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة وعلى بعض الفلاسفة القائلين بالعقول والنفوس الفلكية وبأن الله تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل الأول فهم يعزلونه تعالى عن ملكه وينسبون الحوادث إلى هؤلاء فنفوا (عليه السلام) ذلك وأثبتوا أنه تعالى كل يوم في شأن من إعدام شئ وإحداث آخر وإماتة شخص وإحياء آخر إلى غير ذلك انتهى كلامه. وهذا الذي ظهر له من الآيات والأخبار ليس شيئا غير ما ذكره الشارح هنا وفي تفسير عنوان الباب، إلا أن الشارح قال هنا عن قول الحكماء القائلين بأن الواحد، اه‍. وقال العلامة المجلسي (رحمه الله) على بعض الفلاسفة القائلين فزاد كلمة بعض لأنه اعتقد أن جميع الفلاسفة لا يقولون بتفويض الله تعالى أمر الخلق إلى العقول بل العقل عندهم سبب وواسطة كسائر العلل الطبيعية وبالجملة فما اختاراه عين قول الصدوق رحمهما الله وأنه رد لقول اليهود (وقد أورد - رحمه الله - كلام الصدوق في الصفحة 136 من المجلد الثاني من بحار الأنوار فراجع) وقال إنه بمعزل عن البداء وبينهما كما بين الأرض والسماء. ألا ترى إلى قوله إعدام شئ وإحداث آخر وإماتة شخص وإحياء آخر فإن ذلك ليس بداء، والبداء هو العزم بإماتة شخص بعينه ثم تغيير العزم وإحياء ذلك الشخص بعينه هذا هو الاصطلاح، وأما البداء في كلام الأئمة على تأويل الصدوق فشئ مخالف للبداء المصطلح ولا ضير فيه إذ كثيرا ما اتفق اختلاف الاصطلاحين. ومع ذلك فالبداء مصرح به في التوارة التي بأيدي اليهود الآن. (ش) (*)

[ 249 ]

وبالسجود وهو موضع أشرف الأجزاء على التراب للتذلل له على من أنكر استحقاقه للسجود وحده أو بالكلية لإنكار أصل وجوده، وبالعبودية على من قال: عزير ابن الله وعيسى ابن الله، كما رد عليه جل شأنه بقوله: * (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله) *. وبالطاعة على من قال من المتصوفة: إن الطاعة مرفوعة عمن بلغ غاية الكمال لأنها من المعالجات التي تحتاج إليها النفس لبرئها من الأمراض فإذا برئت لا تحتاج إليها، وعلى من أنكر من المبتدعة التكليف مطلقا لأنه مشقة علينا ولا ينفعه تعالى مع أنه يقدر أن يعطينا بدون الطاعة ما يعطينا معها وهذا مزخرف من القول، ثم هذا الحديث لا ينافي ما سبق في حديث محمد بن مسلم من أن المأخوذ عليهم ثلاث خصال إذ لا دلالة فيما سبق على الحصر إلا بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة كما بيناه في أصول الفقه على أنه يمكن إدراج الطاعة والسجود في العبودية أولا وإدراج البداء والمشية في قوله " يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء " وإدراج خلع الأنداد في العبودية أخيرا، فكل ما هو مذكور في الأول مذكور في الأول مذكور في الآخر وبالعكس. * الأصل: 14 - وبهذا الاسناد عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن يونس، عن جهم بن أبي جهمة، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عزوجل أخبر محمدا (صلى الله عليه وآله) بما كان منذ كانت الدنيا وبما يكون إلى انقضاء الدنيا وأخبره بالمحتوم من ذلك واستثنى عليه فيما سواه. * الشرح: (وبهذا الاسناد، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن يونس عن جهم بن أبي جهمة) جهم بالجيم المفتوحة والميم بعد الهاء الساكنة، وأبي جهمة كذلك مع الهاء بعد الميم وفي بعض النسخ بدون الهاء وقيل جهيم بن أبي جهم بالتصغير في الأول (عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن الله أخبر محمدا (صلى الله عليه وآله) بما كان منذ كانت الدنيا وبما يكون إلى انقضاء الدنيا) من الأمور الكلية والجزئية والحوادث اليومية (وأخبره بالمحتوم من ذلك) أي مما يكون إلى انقضاء الدنيا والمراد بالمحتوم ما يكون محكما واجب الوقوع (واستثنى عليه فيما سواه) (1) بأن قال: إنه سيقع إن قضيت أو إن أردت أو إن


1 - قوله: " واستثنى عليه فيما سواه " صريح في التأويل الذي نقل عن الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة وحاصله أن كل شئ يتوهم وقوع البداء فيه ليس مما قضى به الله تعالى على البت ولا أخبر أنبياءه ورسله كذلك بل أخبرهم على الاحتمال وإمكان وقوع الخلاف وباصطلاح فقهائنا أخبرهم بالاقتضاء لا العلية التامة، وعلى هذا فلا بداء بالمعنى المتبادر المصطلح عليه واعتقادي أن كلام الشيخ هو الحاسم لمادة عويصة البداء وتوجيه لجميع ما ورد في أحاديثنا من هذه الكلمة ولا يستغنى عنه القائل بساير التأويلات مما ذكره في بحار الأنوار وغيره منها تأويل الصدوق (رحمه الله) وهو أن البداء ليس تغيير حكم وقضاء راجع إلى شخص بعينه بل إثبات حكم بعد زوال حكم آخر وهو النسخ أو إيجاد شئ بعد إفناء شئ آخر كإحياء زيد بعد = (*)

[ 250 ]

أوجدت على تقدير الحكمة والمصلحة والبداء إنما يكون في هذا القسم لا فيما يكون حتما ولا فيما كان لأنه وقع فلا يصح أن لا يقع، وقيل هاهنا أيضا المراد بالمحتوم ما كان، وبغيره - وهو ما استثنى عليه - ما يكون - فإن كل ما يكون يجري فيه البداء ولا يجري البداء في شئ مما كان إذ لا بداء بعد القضاء. وفيه ما مر من أن بعض ما يكون لا يجري فيه البداء أيضا كما يرشد إليه بعض الروايات. * الأصل: 15 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: ما بعث الله نبيا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: ما بعث الله نبيا قط إلا بتحريم الخمر) تحريم الخمر كان ثابتا في جميع الأزمان وفي جميع الملل وما رواه العامة من أن شربها كان حلالا في شرعنا أولا ثم حرم فالظاهر أنه افتراء (وأن يقر لله بالبداء) لأنه من اصول الإيمان بالله القادر المختار. (1)


= إماتة عمرو، كما مر تفصيله، ومنها تأويل السيد المحقق الداماد (قدس سره) وهو أن البداء تغيير حال شخص بعينه في التكوين مثل إماتة زيد بعد مضي أجله وشفائه بعد انقضاء مدة مرضه وإغنائه بعد اقتضاء المصلحة فقره نظير النسخ فإنه تغيير الحكم الشرعي بعد انقضاء مدته واعترض المجلسي عليه الرحمة على مثله بأن هذا ليس معنى البداء. أقول: لأن المصطلح منه هو تغيير قضاء بالنسبة إلى شخص واحد في زمن واحد. ومنها تأويل صدر المتألهين (قدس سره) نقله المجلسي (رحمه الله) بعنوان بعض الأفاضل وقد مر ولا حاجة إلى نقل عبارته هنا. ومنها ما نقله عن بعض المحققين ومراده الميرزا رفيعا النائيني - (قدس سره) - قال: تحقيق القول في البداء أن الأمور كلها عامها وخاصها ومطلقها ومقيدها وناسخها ومنسوخها ومفرداتها ومركباتها وأخباراتها وإنشاءاتها بحيث لا يشذ عنها شئ منتقشة في لوح، والفائض منه على الملائكة والنفوس العلوية والنفوس السفلية قد يكون الأمر العام المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت ويتأخر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه وهذه النفوس العلوية وما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو والإثبات، والبداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب، انتهى. ولا يفهم منه شئ غير ما قاله صدر المتألهين من نسبة التغيير إلى علم بعض النفوس العلوية أو النفوس الفلكية. والظاهر من المجلسي (رحمه الله) أنه غير تأويل الصدر ولعل نظره إلى أن لفظه غير لفظ الصدر لا أن معناه غير معناه. ومنها ما نقله عن السيد المرتضى (قدس سره) في جواب مسائل أهل الرأي أن البداء في اصطلاح الأئمة هو النسخ لا غيره، ولا يخفى أن جميع هذه الوجوه لا تستغنى عن كلام الشيخ الطوسي (رحمه الله) إن صح ما روي في الموارد الخاصة التي صرح فيها بالتغير. (ش) 1 - " لأنه من أصول الإيمان بالله القادر المختار " وذهب بعض علماؤنا إلى أن الإيمان بالبداء يقتضي توجه العباد إلى الله تعالى = (*)

[ 251 ]

* الأصل: 16 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد قال: سئل العالم (عليه السلام) كيف علم الله ؟ قال علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى وقضى ما قدر وقدر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة وبمشيئته كانت الإرادة وبإرادته كان التقدير وبتقديره كان القضاء وبقضائه كان الإمضاء، والعلم متقدم على المشيئة، والمشيئة ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء، فلله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء، وفيما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعلم في المعلوم قبل كونه، والمشيئة في المنشأ قبل عينه، والإرادة في المراد قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عيانا ووقتا، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام المدركات بالحواس من ذوي لون وريح ووزن وكيل وما دب ودرج


= بالدعاء وطلب التوفيق والمغفرة لأنهم إذا اعتقدوا أن القضاء لا يتغير وأيسوا من الدعاء والإجابة لم يعبدوا الله تعالى ولم يطلبوا منه شيئا، وطريقة الأنبياء دعوة الناس إلى الطلب من الله تعالى كما هو معلوم وذكرنا ما عندنا في ذلك في حواشي الوافي، وقال العلامة المجلسي (رحمه الله) ثم اعلم: أن الآيات والأخبار تدل على أن الله تعالى خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات أحدهما اللوح المحفوظ والذي لا تغير فيه أصلا وهو مطابق لعلمه تعالى والاخر لوح المحو والإثبات فيثبت فيه شيئا ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أولى الألباب مثلا يكتب فيه أن عمر زيد خمسون سنة ومعناه أن مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره فإذا وصل الرحم مثلا يمحى الخمسون ويكتب مكانه ستون وإذا قطعها يكتب مكانه اربعون وفي اللوح المحفوظ أنه يصل وعمره ستون، انتهى. أقول: ولوح المحو والإثبات هو الذي عبر عنه في موضع آخر بالصحف السماوية كما مر ومرجعه إلى تأويل صدر المتألهين وأن البداء ليس في علم الله ولا في اللوح المحفوظ بل في بعض مخلوقاته وسماه لوح المحو والإثبات كما سماه الصدر القوى المنطبعة الفلكية واللوح والقلم على ما ذكره الصدوق في اعتقاداته ملكان من ملائكة الله، فتأويل المجلسي (رحمه الله) يرجع إلى تأويلين أحدهما ما مر وهو عين تأويل الصدوق عليه الرحمة في كتاب التوحيد وهو في معنى انكار البداء والتغير بتا كما سبق، والثاني ما نقلناه هنا وهو عين تأويل صدر المتألهين (قدس سره) ومرجعه إلى الإقرار بالبداء والتغير لكن لا بالنسبة إلى علم الله تعالى بل إلى علم بعض مخلوقاته ولكن الظاهر أن المجلسي (رحمه الله) رأى أنهما تأويل واحد غير متخالف ولا بد من التأمل في ذلك وعلى كل حال فحمل البداء على تأثير الدعاء والصدقات وصلة الرحم حسن جدا لكنه ليس من البداء المصطلح في شئ إذ لا حاجة إلى الالتزام بلوح المحو والإثبات فيه بل إذا اعتقد الإنسان أن القضاء لا يتغير وأن علمه تعالى تعلق بحصول الصحة من المرض وطول العمر والغنى بعد الفقر بعد حصول أسباب طبيعية كشرب الدواء والتجارة والسعي في طلب أو أسباب روحانية كصلة الرحم والدعاء والتضرع كفى في السعي والطلب وفي الدعاء أيضا وبذلك يجمع بين القول بالقضاء والقدر وبين اختيار العبد وتكليفه بالسعي والعمل لتحصيل معاشه ومعاده من غير أن نلتزم بالبداء المصطلح كما سيجئ إن شاء الله في محله. (ش) (*)

[ 252 ]

من إنس وجن وطير وسباع وغير ذلك مما يدرك بالحواس. فلله تبارك وتعالى فيه البداء مما لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء والله يفعل ما يشاء فبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميز أنفسها في ألوانها وصفاتها، وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها وآخرها، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها وذلك تقدير العزيز العليم. * الشرح: (الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد قال: سئل العالم (عليه السلام) كيف علم الله) هذا الحديث من الثنائيات فهو من أعلى الأسانيد العالية (1) ولعل السائل استفهم عن تقدم علمه على المعلومات أو عن كفاية علمه بها في وجودها، والجواب مشعر بتقدمه عليها بمراتب وعدم كفايته في وجودها بل بينه وبين وجودها وسائط (قال علم) أي علم في الأزل بأنه سيوجد الأشياء، وهذا العلم بعينه هو العلم بها بعد وجودها لما عرفت آنفا من أن العلم بالأشياء قبل وجودها وبعده واحد، وأن العلم نفس ذاته ولا معلوم سواه فلما أحدث المعلومات وقع العلم منه عليها (وشاء) ما يكون في وجوده مصلحة ويكون وجوده خيرا محضا أو خيرا غالبا (وأراد) إرادة عزم فهي آكد من المشية وأخص منها كما يجئ في رابع الجبر والقدر تفسير الإرادة بأنها هي العزيمة على ما يشاء وقد يعبر عنها بأنها هي الثبوت على ما يشاء يعني الجد فيه، وربما يفهم من كلام بعض العلماء أن المشية هي العلم بشئ مع ما يترجح به وجوده فهي حينئذ نوع من العلم مغايرة للإرادة (وقدر) أي قدر الأشياء أولها وآخرها وحدودها وذواتها وصفاتها وآجالها وأرزاقها إلى غير ذلك مما يعتبر في كمالها وتميزها وتشخصها (وقضى) أي حكم بوجود تلك الأشياء في الأعيان على وفق الحكمة والتقدير (وأمضى) أي أنفذ حكمه وأتمه فجاءت الأشياء كما أرادها وقدرها وقضاها مع أسبابها وشرايطها وتميزاتها وتشخصاتها في أماكنها ومساكنها طوعا وانقيادا لقدرته القاهرة كما قال سبحانه * (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) * فهذه ستة أمور لابد منها في خلق كل شخص من أشخاص الموجودات وإيجاد كل فرد من أفراد المخلوقات، وبين تلك


1 - قوله: " فهو من أعلى الأسانيد العالية " ما ذكره غير ظاهر لأنا لا نعلم الإمام الذي عناه بقوله سئل العالم فلعله كان متقدما على معلى بن محمد كثيرا أو لعله كان في زمانه لكنه سمعه بواسطة والقول بكون الحديث مرسلا أظهر، وأما معنى الحديث وتفسيره فسيجئ إن شاء الله في نظائره في الأبواب الآتية إن شاء الله. (ش) (*

[ 253 ]

الأمور ترتب وتسبب في لحاظ العقل، نظير ذلك أن الصانع منا لشئ لا بد من أن يتصور ذلك الشئ أولا وأن تتعلق مشيته وميله إلى صنعه ثانيا وأن يتأكد العزم عليه ثالثا وأن يقدر طوله وعرضه وحدوده وصفاته رابعا وأن يشتغل بصنعه وإيجاده خامسا وأن يمضي صنعه سادسا حتى يجئ على وفق ما قدره، إلا أن هذه الأمور في صنع الخلق لا تحصل إلا بحيلة وهمة وفكر وشوق ونحوها بخلاف صنع الحق فإنه لا يحتاج إلى شئ من ذلك كما مر (فأمضى ما قضى) أي فأبرم وأتم وأحكم ما حكم بوجوده (وقضى ما قدر وقدر ما أراد) أشار بهذا التفريع إلى أن وجود القضاء وتحققه دليل على وجود جميع الأمور المذكورة المعتبرة في لحاظ العقل لتحققه، لأن وجود المسبب دليل على وجود جميع أسبابه المتعاقبة، أو إلى أنه يمكن اعتبار تلك الأمور وملاحظتها تارة على سبيل التعاقب وتارة على سبيل الاجتماع وإنما لم يقل أيضا أراد ما شاء وشاء ما علم إما للاقتصار لظهور ذلك مما ذكر، أو لأنه لا تفاوت بين المشية والإرادة إلا بحسب الاعتبار، وتعلق المشية بكل ما علم غير صحيح لأنه تعالى عالم بالمفاسد والقبايح ولا يشاؤها، ولما كان المقصود مما ذكر هو بيان الترتب في الأمور المذكورة فرع عليه الترتب بقوله: (فبعلمه كانت المشية) (1) إذ مشية الشئ متوقفة على العلم به وبجهات حسنه (وبمشيته كانت الإرادة) أي الارادة المؤكدة بالعزم على المشبة إذ العزم على الشئ فرع لحصول ذلك الشئ (وبإرادته كان التقدير) إذ تقدير الشئ يقع بعد إرادته كما أن الباني يقدر في نفسه طول البيت وعرضه وسائر ما يعتبر في خصوصياته بعد العزم على بنائه (وبتقديره كان القضاء) إذ خلق الشئ والحكم بوجوده يقع بعد تقديره بقدر معين ووزن معلوم ومقدار مخصوص فإن القضاء بمنزلة البناء والقدر بمنزلة الأساس ولا يتحقق البناء بلا أساس (وبقضائه كان الإمضاء) إذ الإمضاء هو إتمام القضاء وإنفاذه والفراغ منه ولا يتصور ذلك بدون القضاء، ثم أكد ذلك بقوله: (والعلم متقدم على المشية (2)، والمشية ثانية والإرادة ثالثة والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء) النسبة بين التقدير والقضاء كالنسبة بين العلم والمعلوم في التقدم والتأخر فكما أن العلم واقع على المعلوم منطبق عليه إذا وجد المعلوم كذلك التقدير واقع على القضاء منطبق عليه إذا وجد القضاء


1 - قوله: " فبعلمه كانت المشية " ليس المراد التأخر الزماني بمعنى أن يكون العلم قبل المشية قبلية بالزمان وهكذا ما بعده بل إن أمكن فرض وجود زمان حين وجود علم الباري تعالى علمه ومشيته وإرادته وتقديره وقضاؤه وإمضاؤه في زمان واحد، والباء في بعلمه وبمشيته وغيرها بمعنى السببية. والتعليل. 2 - قوله: " العلم متقدم على المشية " المراد به التقدم بالعلية وبذلك ثبت أن العلية لا تقتضي التقدم الزماني بل العلية نفسها مناط التقدم. (ش) (*)

[ 254 ]

بالإمضاء، ثم لما كان الانطباق من الطرفين كان القضاء أيضا منطبقا على التقدير واقعا على وفقه (فلله البداء فيما علم متى شاء (1) وفيما أراد لتقدير الأشياء فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء) أشار بذلك إلى إذا لوحظت تلك الأسباب من أولها إلى أعلى المسببات أعني القضاء بالإمضاء كان له تعالى البداء في كل مرتبة من مراتب تلك الأسباب إذ له أن يشاء وأن لا يشاء بقدرته واختياره على ما يقتضيه الحكمة والمصلحة وأن يريد وأن لا يريد وأن يقدر وأن لا يقدر، وهذا معنى البداء في حقه تعالى. وإذا لوحظت تلك المسببات من آخرها وهو القضاء بالإمضاء لا بداء له في شئ من مراتبها، لأن تحقق القضاء دليل على وقوع جميع أسبابها، ووقوع ما وقع خارج عن متعلق القدرة والارادة إذ لا يقدر أحد على وقوع ما وقع ولا يمكن له إرادته، لأن القدرة والارادة إنما يتعلقان بالشئ قبل وقوعه لا بعده بالاتفاق، ثم أشار إلى أن كلا من العلم والمشية والإرادة والتقدير متعلق بمتعلقه قبل وجود ذلك المتعلق في الأعيان على سبيل التفريع لكونه نتيجة للسابق ومعلوما منه بقوله: (فالعلم بالمعلوم قبل كونه) في الخارج بمراتب، لأن كونه في الخارج بعد القضاء والعلم مقدم عليه بثلاث مراتب كما عرفت، وسر ذلك أن ذاته تعالى في الأزل علم بالموجودات في أوقاتها، وبعبارة أخرى: هو علم في الأزل بأنه سيوجدها في أوقاتها، فالعلم أزلي، والمعلوم حادث


1 - قوله: " فلله البداء فيما علم متى شاء " لا يظهر المراد من البداء هنا حق الظهور إلا بعد ما سيجئ إن شاء الله تعالى من تفسير مراتب القضاء وبعد اللتيا والتي، فالبداء ليس يستحق هذه العناية والتهويل الذي اهتم به المتأخرون واستوعروا مسلكه واستصعبوا حله ولست أرى فيه شيئا أوجب هذا الاستعضال، وفهم وجه عنايتهم به عندي أشكل من أصل المسألة وما أدري سبب هذه العناية التامة العجيبة وذلك لأنه لا خلاف بين علمائنا في أن البداء محال على الله تعالى كما مر وأنه لا يجوز التغير في علمه ولا يجوز عليه الكذب بأن يخبر الحجج بوقوع ما لا يقع أصلا ولا أن يمكن أنبيائه ورسله من اعتقاد الأمر الباطل، وأيضا لا خلاف بينهم في أن ما ورد في الروايات من نسبة البداء إلى الله تعالى فهو مثل نسبة الرضا والغضب والكراهة والحزن والأسف يجب تأويله بوجه صحيح يمكن نسبته إلى الله تعالى، وحينئذ فالاختلاف في البداء لفظي نظير أن يختلفوا في أن الله تعالى هل يغضب أو لا، فمن نفاه فمراده نفي حقيقته ومن أثبته فلا بد أن يؤوله، ولما كان مقام بيان العقائد فالصحيح أن يقال لابداء كما لاغضب ولارضاء وليس له تعالى يد ولا رجل ولا عين ولا إذن كما نقلناه عن المحقق الطوسي وغيره من العلماء، ولا وجه لاعتراض أهل الحديث عليهم بروايات لا يخالفون في وجوب تأويلها وإن اختلفوا في وجه التأويل، وما أشبه مسألتنا بمسألة الجهة عند مشبهة العامة حيث يوافقون غيرهم في أنه تعالى ليس جسما ولا يحويه مكان ويوجبون التعبد بالتصريح بكلمة الاستعلاء على العرش، وهكذا يوجب بعض علمائنا التعبد بالتلفظ بالبداء وإن وافقوا غيرهم في نفي معناه، والعامة أيضا يوجبون التلفظ بإمكان رؤية الله تعالى للمؤمنين في الآخرة. وفي البداء أمور ونكات رأينا أن نشير إليها في تضاعيف مباحث القضاء والقدر ومطاوي الأحاديث الآتية لجهات ستظهر إن شاء الله تعالى. (ش) (*)

[ 255 ]

(والمشية في المنشأ (1) قبل عينه) أي قبل وجوده في الأعيان بمرتبتين أو قبل تعيين عينه وحقيقته (والإرادة في المراد قبل قيامه) في الزمان والمكان، والحاصل قبل وجوده في الأعيان لأن قيامه إنما هو بالإرادة المتعلقة بإيجاده في وقت معين وحدها أو لمرجح على اختلاف، وعلى التقديرين قيامه مسبوق بالإرادة (والتقدير لهذه المعلومات) المذكورة أعني المشئ والمراد أو المحسوسة والمشاهدة في هذا العلم (قبل تفصيلها وتوصيلها) أي تفصيل بعضها عن بعض وتوصيل بعضها ببعض، لأن التفصيل والتوصيل واقعان على وفق التقدير (عيانا ووقتا) نصبهما على الظرفية لكل من التفصيل والتوصيل. أما التفصيل العياني أي الخارجي فهو مثل جعل السماء مرفوعة والأرض موضوعة وجعل بعض الحيوان متحركا على رجلين وبعضه على أربع ووضع بعض الأجسام في مشرق وبعضها في المغرب ووضع بعض الأحوال في محل وبعضها في محل آخر إلى غير ذلك مما لا يحصى، وأما التوصيل العياني فهو مثل جعل هذا الجسم متصلا بآخر مماسا به مقاربا له في المكان وجعل هذه الاشخاص متساوية في الحقيقة ولوازمها ووضع هذه الأحوال في محل واحد وأمثال ذلك مما لا يعد كثرة، وأما التفصيل الوقتي فهو كجعل بعض الأشياء موجودا في هذا الزمان وبعضها في زمان سابق وبعضها في زمان لاحق، وأما التوصيل الوقتي فهو كجعل كثير من الأشياء متشاركة في الوجود في هذا الزمان وكثير منها متشاركة في الوجود في زمان آخر (والقضاء بالإمضاء) أي الحكم على تلك المعلومات بإمضائها ووجودها على وفق التقدير (هو المبرم) أي المحكم المتقن الواقع بلا دافع ولا مانع ولا خلل من جهة القضاء ولا من جهة الإمضاء ولا من جهة المقضى ولا من جهة انطباقه على النظام الأكمل (من المفعولات) بالفاء والعين، والظاهر أن " من " صلة للمبرم أو بيان له وجعلها بيانا للمعلومات بعيد (ذوات الأجسام) بيان للمفعولات أو بدل منه أي الذوات التي هي الأجسام (المدركات بالحواس) فالإضافة بيانية أو الذوات التي للأجسام، والإضافة لامية فيندرج حينئذ في الذوات العقول والنفوس مطلقا سواء كانت فلكية أو حيوانية (من ذوي لون وريح ووزن وكيل) بيان للأجسام والمراد بالوزن والكيل كون تلك الأجسام على مقدار مخصوص وحد معلوم (وما دب ودرج) عطف على ذوات الأجسام من باب عطف الخاص على العام، والدبيب والدروج المشي على


1 - أو المشئ مفعول شاء. (ش) (*)

[ 256 ]

الأرض والمراد هنا مطلق الحركة وإن كان في الهواء (من أنس وجن وطير وسباع وغير ذلك مما يدرك بالحواس) من أنواع الحيوان وأشخاصه (فلله تعالى فيه) أي في كل واحد من المعلوم والمشئ والمراد والمقدر والمذكور في قوله: فالعلم بالمعلوم قبل كونه إلى آخره (البداء) أي الإرادة والقدرة على اختيار أحد الطرفين لمرجح أولا على اختلاف المذهبين (مما لاعين له) أي مما ليس له وجود في الأعيان، وهذا حال عن الضمير المجرور في قوله فيه (فإذا وقع العين المفهوم المدرك) بالحواس بعد القضاء بالإمضاء (فلا بداء) إذ لا تتعلق الإرادة والقدرة بإيجاد الموجود كما عرفت (والله يفعل ما يشاء) الظاهر أنه تأكيد لثبوت البداء له تعالى فيما ذكر ويحتمل أن يكون بيانا وتعليلا لعدم ثبوت البداء له في المفعولات العينية المدركة بالحواس، لأن المراد بالبداء هنا هو أن يفعل ما يشاء فعله وإيجاده، وهذا المعنى لا يمكن تحققه في شئ بعدما فعله وأوجده، نعم يمكن له أن يعدمه ويزيل وجوده لحكمة ومصلحة كما في النسخ وغيره، وهذا أيضا بداء ولكن المراد بالبداء المنفي هو البداء في إيجاد الموجود فليتأمل (فبالعلم) الذي هو نفس ذاته المقدسة (علم الأشياء قبل كونها) (1) أي قبل وجوداتها المتعاقبة الزمانية (وبالمشية عرف صفاتها) الظاهر أن عرف من المعرفة لا من التعريف (وحدودها وإنشاءها قبل إظهارها) في الأعيان، وفيه إشعار بأن المراد بالمشية هنا هو العلم بالأشياء من حيث اتصافها بالصفات المذكورة، وهذا قريب مما ذكرناه سابقا، ولعل الوجه لذلك أن العلم المذكور سبب للمشية


1 - قوله: " فبالعلم علم الأشياء قبل كونها " لا ريب أن الله تعالى ليس محلا للحوادث ولا يتجزى ذاته ولا مدخل للتركيب فيه وليس شئ من صفاته الذاتية حادثا وانما الحدوث والتقدم والتأخر في الإضافات وكذلك التكثر والتعدد فهو يعلم الجميع بعلم بسيط وعلمه إرادته، والفرق بين العلم والارادة اعتباري إن جعلنا الإرادة من صفات الذات أو الإرادة نفس الفعل إن جعلناها من صفات الفعل، وقد سبق في المجلد الثالث الصفحة 344 باب في الارادة. وعلى كل حال فهذا الترتيب والتقسيم في مراتب القضاء على ما ذكره الإمام (عليه السلام) بالنظر إلى الممكن المخلوق لا بالنسبة إلى الخالق والممكن يوجد أو لا يوجد والله تعالى عالم بذلك من الأزل وأيضا له ماهية وحد أي ذاتيات كالجنس والفصل. وثالثا له صفات وعوارض لذاته لكن خارجة عن ذاته كالألوان والطعوم. ورابعا أجل وأمد ومدة بقاء أعني له زمان وفي زمان وجوده قد يكون له قوت ورزق بدل ما يتحلل منه. وخامسا له مكان إن كان محسوسا: ومرتبة في الوجود إن كان معقولا. وسادسا له شرائط وأسباب وعلل يحتاج في وجوده إليها من المعدات وغيرها، والله تعالى يعلم جميع ذلك من ممكن معين وغيره من الممكنات بعلم بسيط إلا أن علمه بالنسبة إلى كل واحد من الستة المذكورة سمي باسم كما ذكره (عليه السلام) والتقدم والتأخر فيها بالنسبة إلى الممكن المخلوق لا إلى الخالق، لأن الوجود مقدم على الماهية على المذهب الحق من أصالة الوجود، والذاتيات مقدمة على العرضيات، والصفات اللازمة لذات الشئ مقدمة على ما يعرضه باعتبار ساير الأشياء كالزمان والمكان، واعتبار الذات وتعيينها أقدم من اعتبار علل وجودها فإنها أمور خارجة، فالنطق وقابلية العلم وصنعة الكتابة للانسان ووجود الأب والأم خارج عنه (ش). (*)

[ 257 ]

فأطلقت المشية على العلم مجازا من باب تسمية السبب باسم المسبب (وبالارادة ميز أنفسها) أي أنفس الأشياء (في ألوانها وصفاتها) من الكيفيات والحدود وغيرها، وفيه إشارة إلى أن تخصيص كل شئ بلون مخصوص وصفات معينة بمجرد الإرادة من غير ملاحظة استعداد واعتبار قابلية كما هو مذهب الفلاسفة (1) (وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها وآخرها) من الزمان المقدر وجودها فيه ويحتمل أن يراد أولها من حيث ذواتها وآخرها من حيث صفاتها (وبالقضاء أبان للناس أماكنها) المحسوسة والمعقولة (ودلهم عليها) أما المحسوسة فظاهرة، وأما المعقولة فهي أمكنتها في مرتبة العلم والمشية والإرادة والتقدير، فإن أصحاب العقول الخالصة يعلمون بعد مشاهدة وجوداتها العينية الحاصلة بعد القضاء أن لها وجودات في هذه المراتب بحسب نفس الأمر (وبالإمضاء شرح عللها) الفاعلية والمادية والصورية والغائية (وأبان أمرها) من حقايقها وصورها ومصالحها ومنافعها وحركاتها وسكناتها إلى غير ذلك من عجايبها وغرايبها التي يتحير فيها عقول ذوي البصائر (وذلك تقدير العزيز العليم) أي ذلك المذكور من كيفية الإيجاد تقدير العزيز الغالب القاهر على جميع المكنات، العليم المحيط علمه بجميع الكائنات فيعلم كيفية سوقها من كتم العدم إلى الوجود والظهور، ويعلم فروعها وأصولها وأجناسها وفصولها ولواحقها وعوارضها وخواصها ومنافعها وأماكنها ومواضعها وطريق تميز بعضها عن بعض وضم بعضها إلى بعض، سبحان الذي لا يخفى عليه شئ في ملكه ولا يعجزه شئ عن أمره.


1 - قوله: " واعتبار قابلية كما هو مذهب الفلاسفة " ليس اعتبار القابلية والاستعداد مذهبا فلسفيا فقط بل هو أمر تجربي، لأن الناس رأوا أن البر لا ينبت إلا من البر في أرض مستعدة وماء وهواء وحرارة معتدلة ولا ينبت في غير شرائطه، وقد سبق ما يدل عليه، ويأتي في هذا الحديث أيضا قوله: " وبالإمضاء شرح عللها " وزاد الشارح: الفاعلية والمادية والصورية والغائية، وسبق شئ يتعلق بالاستعداد في حواشي الصفحة 269 من هذا المجلد. (ش) (*)

[ 258 ]

باب في انه لا يكون شئ في السماء والأرض إلا بسبعة * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد ومحمد بن خالد جميعا، عن فضالة بن أيوب، عن محمد ابن عمارة، عن حريز بن عبد الله وعبد الله بن مسكان جميعا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا يكون شئ في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع: بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وكتاب وأجل، فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة فقد كفر. ورواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن حفص، عن محمد بن عمارة، عن حريز بن عبد الله وابن مسكان مثله. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، ومحمد بن خالد جميعا، عن فضالة بن أيوب، عن محمد بن عمارة، عن حريز بن عبد الله وعبد الله بن مسكان جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا يكون شئ من أفعال الخالق وأفعال الخلق (1) في الأرض ولا في السماء) المراد به هو التأكيد في عمومية الشئ (إلا


1 - قوله: " وأفعال الخلق " والأظهر أن يخصص الكلام بأفعال الخالق، وغرض الإمام (عليه السلام) أن الأمور التكوينية لا يكون في الأرض ولا في السماء إلا بسبعة لا الأفعال الاختيارية للناس وحينئذ فلا حاجة إلى الشرح الطويل الذي أورده لتطبيق مفاد الحديث على أفعال الناس ولا منافاة بين كون هذه الأمور هنا سبعة وفي الحديث السابق ستة لاحتمال اندراج بعضها في الباقي كما يتفق في ساير التقاسيم فيقال مثلا: الاعراض ثلاثة: الكم والكيف والنسبة، وقد يقال تسعة: الكم والكيف والوضع والجدة ومتى وأين إلى آخره وكلها داخلة في النسبة وقد يقال أكثر، وأمثلته كثيرة جدا، ووجه تكثر هذه الأمور أن كل شئ ممكن يخلقه الله تعالى وله صفات وحدود وأجل وغيرها، وكل واحد منها بإرادته تعالى وتقديره واختياره وليس لأحد غيره تعالى فيه تأثير، مثلا: الشجر الذي ينبت من بذر خاص يوجد بإرادة الله ولا يقدر أحد أن يوجده بغير إرادته تعالى وله صفات نوعية وطبيعية خاصة مثل كونه شجر رمان أو تفاح وله خواص صنفية مثل كونه حامضا أو حلوا وله امتداد طولي معين وعدة أغصان وضخامة وغير ذلك من المقادير وله مدة وأجل وهكذا ساير ما يتعلق بهذا الموجود كلها بإرادة الله تعالى لا يقدر أحد على تغييره ونقضه، ومن زعم أنه يقدر على ذلك فقد كفر. اللهم إلا أن يكون بتسبيب الأسباب كغرس البذر والسقى وتربية الأغصان وغير ذلك من غير أن يكون لأحد تأثير في الإيجاد بل يخلى بينه وبين طبيعته الحاصلة له بإذن الله، ثم إنه (عليه السلام) سمى تعيين كل واحد من هذه باسم كما مر مثله (ش). (*)

[ 259 ]

بهذه الخصال السبع بمشية وإرادة) قد مر أن الإرادة هي العزيمة على المشية (1) وتأكد العزم والثبوت عليها وأنت خبير بأن هذا بحسب الظاهر إنما ينطبق على مذهب الأشاعرة القائلين بأن الإرادة موافقة للعلم بمعنى أن كل ما علم الله تعالى وقوعه فهو مراد الوقوع وكل ما علم الله تعالى عدم وقوعه فهو مراد العدم كما صرح به بعض الأفاضل في شرح الطوالع فهم يقولون بأن جميع أفعال العبادة التي صدرت منهم من الطاعات والمعاصي مثل الكفر والزندقة وسب النبي وسبه تعالى مراد له تعالى، وأما انطباقه على مذهب العدلية أعني المعتزلة والإمامية القائلين بأنه تعالى يريد من أفعال العباد الطاعات والخيرات ولا يريد المعاصي والشرور فقد استفدناه من الحديث وكلام الأصحاب من وجوه: الأول - أنه مشيته تعالى وإرادته متعلقة بجميع الموجودات بمعنى أنه أراد أن لا يكون شئ إلا بعلمه كما يرشد إليه الحديث الخامس من الباب الآتي، الثاني: أن الارادة متعلقة بالأشياء كلها لكن تعلقها بها على وجوه مختلفة، لأن تعلقها بأفعال نفسه بمعنى إيجادها والرضا بها لكون كلها حسنة واقعة على وجه الحكمة، والشر القليل تابع لخيرات كثيرة فيه وليس مرادا بالذات، وتعلقها بأفعال العبادة أما الطاعات فهو إرادة وجودها والرضا بها أو الأمر بها، وأما بالمباحات فهو الرخصة بها، وأما بالمعاصي فهو إرادة أن لا يمنع منها بالجبر والقهر، وقد صرح به الصدوق في كتاب الاعتقادات أو إرادة عدمها، وبذلك فسروا قوله تعالى * (لو شاء الله ما أشركوا) * حيث قالوا ولو شاء الله عدم شركهم على سبيل الإجبار ما أشركوا ولكن لم يشأ على هذا الوجه لمنافاته غرض التكليف وإنما شاء على سبيل الاختيار ليكون لهم القدرة على الفعل والترك. ومما يدل على هذا المعنى ما رواه الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن الرضا (عليه السلام) قال: " إرادة الله تعالى ومشيته في الطاعات الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها وإرادته ومشيته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها. قال السائل: فلله فيه قضاء ؟ قال: نعم ما من فعل يفعل العباد من خير أو شر إلا ولله فيه قضاء قال السائل: ما معنى هذا القضاء ؟ قال: الحكم عليهم بما يستحقونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة " نقلنا بعض الحديث بحسب المعنى. الثالث - أن تعلقها بأفعاله تعالى هو ما مر وتعلقها بأفعالهم على سبيل التجوز باعتبار إيجاد الآلة والقدرة عليها وعدم المنع منها فكأنه أرادها. الرابع - إن إرادته تعالى عبارة عن العلم بما في الفعل من المصلحة.


1 - قوله: " هي العزيمة على المشيئة " ولكن في كلام الإمام (عليه السلام) في الحديث السابق تخصيص المشيئة بالذاتيات والصفات المنوعة وتخصيص الإرادة بالعوارض الذاتية. (ش) (*)

[ 260 ]

الخامس - إن إرادة العبد لأفعاله مخلوقة لله تعالى وقد صرح به سيد المحققين في تفسير قول الصادق (عليه السلام) " خلق الله المشية ثم خلق الأشياء بالمشية " حيث قال: المراد بالمشية هنا إرادة المخلوقين والمراد أنه تعالى خلق إرادتهم بنفسها لا بمشية أخرى مباينة لها ثم خلق الأشياء يعني أفاعيلهم المترتب وجودها على تلك المشية بتلك المشية وصرح به أيضا السيد الشهيد الثالث الشوشتري في شرحه لكشف الحق حيث قال في بحث إبطال الكسب: أصل الإرادة مخلوقة له تعالى، والإرادة الجازمة التي صدر منها الفعل وهي الجامعة للشرائط وارتفاع الموانع اختيارية لنا لأنه إذا حصل لنا العلم بنفع فعل يتعلق به الارادة بلا اختيارنا لكن تعلق الارادة به غير كاف في تحققه ما لم تصر جازمة بل لا بد من انتفاء كف النفس عنه حتى تصير جازمة موجبة للفعل فإنا قد نريد شيئا ومع هذا نكف نفسنا عنه وذلك الكف أمر اختياري يستند وجوده على تقدير تحققه إلى وجود الداعي إليه فإن عدم علة الوجود علة العدم وعدم الداعي إلى هذا وهكذا وغاية ما يلزم منه التسلسل في العدمات ولا استحالة فيه وبالجملة الارادة الجازمة اختيارية لنا لاستناد عدم كف النفس المعتبر فيها إلى اختيارنا وإن لم يكن نفسها اختيارية. ثم ذكر ما أورده بعض الجبرية على قول العلامة الحلي في كشف الحق بأن إرادة العبد فعل من أن الارادة إذا كانت فعلا وهي عندك وعند أصحابك مخلوقة له في العبد والعبد بها يرجح الفعل كان بعض أفعال العباد عندكم مخلوقا له فوافقتمونا في البعض فلا نزاع بيننا وبينكم فيه فلم لا يجوز ذلك في الكل حتى يرتفع الخلاف بالكلية، وأجاب عنه بأن أصل الإرادة من الأفعال الاضطرارية ومحل النزاع هو الأفعال الاختيارية وبما قررنا يندفع ما ينسبه إليه أهل الخلاف والمشنعون علينا من أهل الإلحاد من أنه إذا كانت إرادته متعلقة بكل شئ لزم أن يكون جميع المعاصي مرادا له وأن يكون قتل الحسين (عليه السلام) مرادا له. (وقدر وقضى) (1) لعل المراد بالقدر تقدير الموجودات طولا وعرضا وكيلا ووزنا وحدا ووصفا


1 - قوله: " وقدر وقضى " وفي الحديث السابق تخصيص القدر بما يقرب مما ذكره الشارح وتخصيص القضاء بتعيين الأمكنة وبقي في هذا الحديث ثلاثة أمور غير مفسرة في الحديث السابق. الإذن والكتاب والأجل، والأجل هنا مندرج في التقدير في الحديث السابق، وأما الإذن فقال الشارح: هو العلم، وقال صدر المتألهين: هو الإمضاء الذي ذكر في الحديث السابق وقوله أبعد من التكلف، وأما الكتاب فلعله يشير إلى كون جميع هذه الأمور محتومة، لأن الكتاب كثيرا ما ورد في القرآن بمعنى الحتم والفرض مثل قوله تعالى: * (لكل أجل كتاب) * وقوله: * (كتب ربكم على نفسه الرحمة) *. فإن قيل: سمى تعيين الذاتيات والحدود مشيئة والعوارض اللازمة إرادة، وهكذا وما الفرق بينهما ؟ وما هو وجه المناسبة والتخصيص ؟ قلنا: علم ذلك بالتفصيل غير ممكن لنا وهو من الأسرار وعلوم الآخرة والإمام (عليه السلام) أعلم بما قال لكن نقول = (*)

[ 261 ]

وكما وكيفا بحيث لا يزيد ولا ينقص كما قال * (قد جعل الله لكل شئ قدرا) * وبالقضاء في أفعاله هو الحكم بوجودها وفي أفعالنا هو الحكم عليها بالثواب والعقاب كما مر نقلا عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وقال الآبي من علماء العامة: القدر عبارة عن علمه تعالى وإرادته بالكاينات قبل وجودها. وفيه أن مجئ القدر بمعنى العلم والإرادة في اللغة والعرف غير ثابت، وقيل: القضاء هو العلم الإجمالي بما يكون وما هو كائن، والقدر تفصيله الواقع على وفقه، فكل واقع في الوجود فبقضاء وقدر. وقيل: القضاء هو الحكم الإجمالي والقدر تفصيله. (وإذن) المراد بالإذن هنا العلم ومنه قوله تعالى * (فأذنوا بحرب من الله ورسوله) * أي كونوا على علم، من أذن بالشئ كسمع إذنا بالكسر وآذن الأمر وبه من باب الإفعال: أعلمه، وما من شئ يقع في الوجود إلا وقد سبق به علمه تعالى، أو المراد به الأمر، وإذنه تعالى في أفعاله عبارة عن الأمر لها بالوجود بقوله " كن " وفي معاصي العباد أمرهم بالترك والإعراض عنها وفي طاعاتهم بها، وقد سأل المأمون الرضا (عليه السلام) عن قوله تعالى * (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) * قال (عليه السلام) إذنه أمره لها بالايمان أو المراد به الرخصة لأنه تعالى رخص عباده بالمعاصي حيث لم يجبرهم على الطاعة، ومن ثم قال بعض الأصحاب: المراد بالاذن أن لا يحدث سبحانه مانعا زاجرا للعبد عن فعله وتركه كسلب القدرة والهمة وإبطال الآلة وإيجاد الضد وإعدام العبد ونحوها (وكتاب) في اللوح المحفوظ بقلم التصوير، لأن صورة كل ما يدخل في الوجود مكتوبة فيه ويحتمل أن يراد بالكتاب الفرض والايجاب كما في قوله تعالى * (كتب عليكم الصيام) * و * (كتب على نفسه الرحمة) * أي فرض وأوجب ومعناه إيجاد خلق الأشياء خلق تقدير وتمكين في أفعال العباد وخلق إيجاد وتكوين في أفعال نفسه. (وأجل) أي أمد معين ووقت مقدر عنده تعالى لكل شئ لا يتقدم عليه ولا يتأخر (فمن زعم أنه


= لتقريب المعنى إلى الذهن: إن كل واحد من ذات الشئ وصفاته مظهر اسم من أسمائه تعالى الدال على يبعد أن تكون المشيئة صفة له تعالى تناسب الذات والذاتيات، والارادة صفة تناسب العوارض وتكون المشيئة مثلا أصلا بالنسبة إلى الارادة، والارادة فرعا عليه فناسب أن يكون المشيئة مصدرا للذوات التي هي أصل والارادة مصدرا للعوارض التي هي فروع، وقد ذكر صدر المتألهين أن المشيئة بمنزلة الشوق، والارادة بمنزلة العزم الجازم وبمثله نقول في تسمية تعيين المقادير قدرا وتعيين المكان والرتبة قضاء، وقد قال المشاؤون أن مصدر الأجسام في العقل الأول جهة إمكانه وماهيته ومصدر المجردات جهة وجوبه، وما ذكره الإمام (عليه السلام) أوضح وأقرب فيكون كل خصوصية في الأشياء من مصدر عند الباري تعالى مسمى بالقضاء أو القدر أو المشيئة أو الارادة وغيرها من السبعة وفي اصطلاحنا للقضاء معنى أعم يشمل الجميع. (ش) (*)

[ 262 ]

قدر على نقض واحدة) من هذه الخصال السبع (فقد كفر) كما زعمت الفلاسفة أن الأجسام قديمة (1) لا أجل لها وأن الفاعل الحق موجب لا إرادة له، وتمسكوا لإثبات ذلك بمفتريات عقولهم الكاسدة ومكتسبات أوهامهم الفاسدة، وقد بين فساد ذلك في موضعه. (ورواه علي بن إبراهيم، عن محمد بن حفص، عن محمد بن عمارة، عن حريز بن عبد الله وابن مسكان مثله) " مثله " بدل عن الضمير المنصوب في قوله " ورواه " أو حال عن كونه مماثلا المذكور في المتن في عدد الخصال. * الأصل: 2 - رواه أيضا عن أبيه، عن محمد بن خالد، عن زكريا بن عمران، عن أبي الحسن موسى ابن جعفر (عليهما السلام) قال: لا يكون شئ في السماوات ولا في الأرض إلا بسبع: بقضاء وقدر وإرادة ومشية وكتاب وأجل وإذن، فمن زعم غير هذا فقد كذب على الله أو رد على الله عزوجل. * الشرح: (ورواه أيضا) من غير تفاوت إلا في التقديم والتأخير في الخصال (عن أبيه، عن محمد بن خالد، عن زكريا بن عمران، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: لا يكون شئ في السماوات ولا في الأرض إلا بسبع: بقضاء وقدر وإرادة ومشية وكتاب وأجل وإذن فمن زعم غير هذا) بأن نفى كلها أو بعضها (فقد كذب على الله أو رد على الله عزوجل) الترديد من الراوي. وفيه اهتمام بالنقل على الوجه المسموع والكذب بحسب المفهوم، والمورد أعم من الرد.


1 - " كما زعمت الفلاسفة أن الأجسام قديمة " الفلسفة ليس مذهبا واحدا وليس بين فرقهم المختلفة أمر نظير ما يتفق أهل الإسلام على نبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويتفق أصحاب الأديان على وجود رب قادر بل يوجد في الفلاسفة الملحد المادي الصرف بل السوفسطائي المنكر للمحسوسات ثم ثم الموحد المؤمن الاثنا عشري كنصير الدين الطوسي وبينهما متوسطون فكما ينسب شئ إلى الفلاسفة المراد بعضهم وهكذا هنا فإن كثيرا منهم زعم أن بعض الأجسام قديمة أو أن بعضها أصل لبعض، مثلا: العناصر الأربعة أصل لسائر المولدات، أو الماء أصل لساير العناصر، وأما الذين قالوا الفاعل الحق موجب لا إرادة له فمذهبهم قريب من مذهب الدهريين والطبيعيين، لأن الفاعل الذي لا يعلم ما يصدر عنه أو يصدر عنه الأفعال قهرا بغير اختيار هو الطبيعة تقريبا، ويكفي لردهم كلام الشيخ الرئيس أبي على بن سينا في أوائل كتاب القانون أن الخالق تبارك وتعالى أعطى كل حيوان وكل عضو من المزاج ما هو أليق به وأصلح لأحواله وأفعاله وقال: أعطى كل عضو ما يليق به من مزاجه فجعل بعض الاعضاء أحر وبعضها أبرد وبعضها أرطب ثم إنه في كل باب من أبواب التشريح بين العناية الإلهية في تخصيص كل عضو بمزاج وتركيب ومقدار وغير ذلك، ومعلوم أن تخصيص الأشياء بحالة واحدة من الأحوال المختلفة واختيار ما هو أصلح وأوفق لا يكون فعل الفاعل الموجب، وهذا باب واسع لا يمكن ذكر ما يجب فيه هنا. (ش)

[ 263 ]

باب المشيئة والارادة * الأصل: 1 - علي بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: لا يكون شئ إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى. قلت: ما معنى شاء ؟ قال: ابتداء الفعل، قلت: ما معنى قدر ؟ قال: تقدير الشئ من طوله وعرضه، قلت: ما معنى قضى ؟ قال: إذا قضى، أمضاه فذلك الذي لا مرد له. * الشرح: (علي بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: لا يكون شئ إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى. قلت: ما معنى شاء ؟ قال: ابتداء الفعل) لما كان قوله (عليه السلام): لا يكون شئ إلا ما شاء الله دالا بحسب الظاهر على أن المعاصي تقع بمشيئته تعالى (1) وإرادته وهذا لا يستقيم على المذهب الحق سأل السائل عن معنى المشية حتى يظهر له وجه الاستقامة، فأجاب (عليه السلام) بأن المشية ابتداء الفعل وأوله، ولعل المراد بابتداء الفعل أن مشيته تعالى أول فعل من الأفعال وكل فعل غيرها يتوقف عليها ويصدر بعدها كما يدل عليه ما مر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشية " يعني خلق أفعاله بها وكذا خلق أفعال عباده بها لكن بتوسط مشية جازمة صادرة منهم كما عرفت في الباب السابق، فإذن سلسلة جميع الأفعال منتهية إلى مشيته تعالى أو المراد به أن مشته تعالى أول المشيات وكل مشية سواها تابعة لها كما أنه تعالى هو الفاعل الأول وكل فاعل بعده فاعل ثانوي يسند إليه فعله بلا واسطة وإلى الفاعل الأول بواسطة وهذا معنى مشيته تعالى لأفعال العباد ومعنى إسناد أفعالهم إلى مشيته أو المراد به إيجاد الآلة مثل الحياة والقوة والقدرة والهمة والشوق فكأنه شاء أفعالهم على سبيل التجوز والله أعلم. وفي محاسن البرقي في هذه الرواية بعد هذا السؤال والجواب.


1 - قوله: " إن المعاصي تقع بمشيئته " وكلامنا في هذا الحديث هو كلامنا في ما سبق من أن تخصيصه بالأمور التكوينية أقرب وأولى بخلاف بعض ما سيأتي. (ش) (*)

[ 264 ]

" قلت: فما معنى أراد ؟ قال: الثبوت عليه " يعني على ابتداء الفعل ومن هاهنا فسر بعضهم الإرادة تارة بأنها العزيمة على المشية وتارة بأنها الإتمام لها وتارة بأنها الجد عليها (قلت: ما معنى قدر ؟ قال: تقدير الشئ من طوله وعرضه) المراد به تعيين ذات الشئ وصفاته وحدوده وكيفياته وسائر ما يدخل في خصوصياته، وقيل: التقدير هو الإعلام والتبيين. وقيل: هو الكتابة في اللوح المحفوظ. وقيل: غير ذلك، ولا شبهة في صحة تعلق تقديره تعالى بهذه المعاني بجميع الأشياء. (قلت ما معنى قضى ؟ قال: إذا قضى أمضاه (1) فذلك الذي لا مرد له)، لأن إمكان رد الشئ وتركه والقدرة عليها إنما هو قبل القضاء والايجاد وأما بعدهما فقد خرجا عن تحت القدرة والفاعل كالمجبور لا يقدر على إيجاده وعدم إيجاده، لأن إيجاد الموجود وعدم إيجاده محال وتحقق هذا المعنى لقضائه في أفعاله ظاهر، وكذا لقضائه في أفعال العباد إذ قضاؤه فيها أعني الحكم عليها بالثواب والعقاب كما عرفت آنفا أيضا لا مرد له. * الأصل: 2 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): شاء وأراد وقدر وقضى ؟ قال: نعم. قلت: وأحب ؟ قال: لا. قلت: وكيف شاء وأراد وقدر وقضى ولم يحب ؟ قال: هكذا خرج إلينا. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): شاء وأراد وقدر وقضى ؟ قال: نعم) قد عرفت وجه تعلق هذه الأمور بجميع الأفعال آنفا (قلت وأحب) جميع ما شاء وأراد وقدر وقضى ؟ (قال: لا) أي لا يحب جميع ذلك، فالنفي وارد على الإيجاب الكلي، وإنما قلنا ذلك، لأن الايجاب الجزئي ثابت وذلك لأن الله تعالى يحب جميع أفعاله ويرضاه ويحب بعض أفعال عباده أعني الطاعات والخيرات ولم يحب بعضها أعني المعاصي


1 - قوله: " قال: إذا قضى أمضاه " هذا اصطلاح في القضاء غير ما تقدم في حديث معلى بن محمد من تخصيص القضاء بتعيين المكان والرتبة بل هو منطبق على الإمضاء في ذلك الحديث ونقول في تربيع المراتب في هذا الحديث وتسبيعها فيما قبله وتسديسها في حديث معلى ما ذكرنا سابقا من أن في مثل هذه التقسيمات قد يندرج بعض الأقسام في بعض ولا ضير فيه. (ش) (*)

[ 265 ]

والشرور. وفي نفي الإيجاب الكلي رد على الجبرية لأنهم قائلون بأنه تعالى يريد ويحب جميع أفعالهم حتى الكفر والزناء والسرقة وغير ذلك من القبايح والشرور بناء على أن جميع أفعالهم مخلوقة له تعالى بلا واسطة (قلت: وكيف شاء وأراد وقدر وقضى ولم يحب) لعل السائل لم يعرف معاني هذه الأمور عند تعلقها بأفعال العباد حتى يعرف أنها لا يستلزم المحبة لجميع أفعالهم والرضا بها أو عرفها ولم يعرف معنى محبته تعالى لأفعالهم وهو الإثابة بها والمدح عليها أو عرفه أيضا ولم يعرف علة عدم الاستلزام إذ لو حصلت له المعرفة بتلك الأمور لما خفي عليه وجه عدم الاستلزام ولم يحتج إلى السؤال (قال: هكذا خرج إلينا) (1) من الوحي أو من البيان النبوي، وفيه على الأولين زجر له على الخطأ في السؤال حيث لم يسأل عن الطرفين المجهولين له وسأل عن علة عدم استلزام أحدهما للآخر، وهذا خلاف قانون التعلم، وعلى الأخير تنبيه له على أن الواجب عليه أمثال ذلك بعد حصول أصل المطلب هو التسليم والإذعان ولا يضره الجهل بلمية الحكم، والله أعلم. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن واصل بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: أمر الله ولم يشأ وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد ولو شاء لسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن واصل بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: أمر الله ولم يشأ) لعل المراد أنه أمر الله بشئ على وجه الاختيار وإراده على وجه التفويض والاختيار ولم يشأ ذلك الشئ مشية جبر ولم يرده إرادة قسر (وشاء ولم يأمر) يعني شاء شيئا مشية تكليفية وإراده تخييرية ولم يأمر به على وجه القسر ولم يرده على وجه الجبر أو


1 - قوله: " هكذا خرج الينا " مقصود السائل والمجيب من الواجب ما لا يحتاج إلى علة والحقيقة أن المعلول لا يمكن وجوده إلا بعلة وذلك، لأن كل فعل صدر عن الإنسان فهو صادر عن ارادته ولا يمكن صدوره كذلك كما أن وجود البياض والسواد وساير الاعراض لا يمكن إلا حالا في محل فإذا تعلق العلم الأزلي بوجود العرض فليس معناه أن ذاك العرض يوجد منفكا عن الموضوع بل احتياجه إلى الموضوع ذاتي له فإذا علم الله تعالى وجود البياض وتعلق به مشيئته فقد تبين أنه علم وجود جسم هو موضوعه وتعلق به أيضا مشيئته وإذ علم صدور فعل من زيد مثلا وصدور الفعل منه لا يكون إلا باختياره وارادته دفعا للجبر فقد علم وجود الاختيار والإرادة من زيد باختياره وإرادته ثم صدور الفعل عنه وليس معنى علمه تعالى بصدور الفعل عن زيد أنه يصدر عنه ولو لم يكن عن إرادة حتى يكون واجبا بل علمه تعلق بالفعل على ما هو عليه ذاتا من الاحتياج إلى علته التي هي إرادة الفاعل واختياره. (ش) (*)

[ 266 ]

شاء شيئا باعتبار أنه لم يجبر على ضده ولم يأمر بذلك الشئ أصلا كما أنه شاء أكل آدم من الشجرة بالاعتبار المذكور ولم يأمر به لكونه مرجوحا ثم أوضح ذلك بقوله (أمر أبليس أن يسجد لآدم) على سبيل الاختيار وأراد منه السجود من غير القسر والإجبار (وشاء أن لا يسجد) بالجبر والقسر، أو المراد ولم يشأ أن يسجد بقرينة قوله " أمر الله ولم يشأ " ومعناه ولم يشأ أن يسجد له مشية جبر ولم يرد منه ذلك إرادة قسر، والمال واحد (ولو شاء لسجد) أي ولو شاء سجوده لآدم على القسر والجبر لسجد، لأن الأفعال القسرية لا تتخلف عن الفاعل، وحيث لم يسجد علم انتفاء المشية القسرية والإرادة الجبرية (ونهى آدم عن أكل الشجرة) على وجه الاختيار وكره منه أكل ثمرتها من غير القسر والإجبار (وشاء أن يأكل منها) أي شاء أن يكون أكله منها أمرا اختياريا له أراد أن لا يكون مجبورا في تركه وفي قبول النهي عنه (ولو لم يشأ لم يأكل) يعني لو لم يشأ أن يكون له اختيار في أكله ويكون مجبورا على تركه لم يأكل، لأن المجبور على ترك الشئ مسلوب الاختيار عن فعله لا يقدر على الاتيان بذلك الشئ، وحيث أكل علم أنه صاحب القدرة والاختيار فيه وأنه تعالى أراد أن يكون فعل العبد وتركه بقدرته حفظا لنظام التكليف وتحقيقا لمعنى الثواب والعقاب، وبهذا التقرير يندفع (1) ما يتوجه إلى ظاهر هذا الحديث من أنه موافق لمذهب الجبرية القائلين بأنه تعالى قد يأمر بالشئ وهو لا يريده وينهى عن الشئ وهو يريده، وأنه يريد كل ما يدخل في الوجود وإن كان معصية ولا يريد ما يدخل فيه وإن كان طاعة بناء على ما تقرر عندهم من أنه تعالى خالق لأفعال العباد، فكل ما خلقه فقد أراده وكل ما لم يخلقه لم يرده فأمر إبليس بالسجود ولم يرده لعدم تحققه وأراد عدمه لتحققه، ونهى آدم عن الأكل وأراد أكله لتحققه ولم يرد تركه لعدم تحققه، وغير موافق لمذهب العدلية الإمامية وهو أنه تعالى كل ما يأمر به فهو يريده وكل ما ينهى عنه فهو لا يريده بل يكرهه، وأنه تعالى يريد كلما هو خير حسن وجد أو لم يوجد، ولا يريد كلما هو شر وقبيح كذلك. ويخطر بالبال توجيه آخر وهو أن معنى قوله: " أمر الله ولم يشأ " هو أنه أمر بشئ ولم يرد تعلق


1 - قوله: " بهذا التقرير يندفع " يعنى إذا كان ظاهر الخبر مخالفا للمعلوم من مذهب الإمامية وجب علينا تأويله والخروج عن ظاهره، ومعلوم من مذهبنا بطلان الجبر وظاهر الحديث يدل على الجبر فوجب التأويل، وبالجملة لا يجوز أن تكون إرادته التكوينية مخالفة لإرادته التشريعية لأنه حينئذ تقع التكوينية لا محالة ولا يقدر العبد على امتثال التكليف التشريعي وهو جبر، فقوله (عليه السلام): " شاء أن لا يسجد " بمعنى لم يشأ أن يسجد أي لم يشأ أن يقهره على السجود ولو شاء ذلك لسجد أو هو بمعنى شاء أن لا يسجد بالقهر بل أراد من كل مكلف أن يعبدوا باختيارهم وكذلك قوله " شاء أن يأكل منها " بمعنى شاء أن يكون الأكل في إمكانه واختياره ولو لم يشأ ذلك وكان الأكل خارجا عن امكانه واختياره كان مقهورا على عدم الاكل، وهذا التأويل سواء كان بعيدا أو قريبا لابد من الالتزام به، أو رد الحديث إن لم يمكن تأويله حتى لا يلزم الجبر. (ش) (*)

[ 267 ]

علمه بوقوع ذلك الشئ لعلمه بعدم وقوعه. ومعنى قوله " وشاء ولم يأمر " هو أنه أراد تعلق علمه بوقوع شئ لعلمه بوقوعه ولم يأمر بذلك الشئ لأنه يكرهه، وتوجية ثالث بناء على أن المراد بالمشية العلم وهو أنه أمر بشئ ولم يعلم وقوع ذلك الشئ لعلمه بعدم وقوعه فلا يتعلق علمه بوقوعه و " شاء " يعني علم وقوع شئ ولم يأمر به لكونه غير مرضي له، والتوجيه الاول أقرب والثالث أبعد، لأن إطلاق المشية على العلم لم يثبت لغة ولا عرفا. وحمل الحديث على التقية محتمل أيضا. * الأصل: 4 - علي بن إبراهيم، عن المختار بن محمد الهمداني، ومحمد بن الحسن، عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعا، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: إن لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن المختار بن محمد الهمداني، ومحمد بن الحسن عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعا، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: إن لله إرادتين ومشيئتين (1) إرادة حتم) أي أرادة حتمية ومشيئة قطعية لا يجوز تخلف المراد عنها كما هو شأن إرادته ومشيئته بالنسبة إلى أفعاله (وإرادة عزم) أي إرادة عزمية غير حتمية ومشية تخييرية غير قطعية يجوز تخلف المراد عنها، كما هو شأن إرادته ومشيته بالنسبة إلى أفعال العباد


1 - قوله: " إرادتين ومشيتين " ظاهر هذا الحديث أيضا يخالف ما هو المعلوم من مذهب الامامية وهو اتحاد الطلب والارادة ويوافق مذهب الأشاعرة من اختلافهما، وذلك لأن المراد من إحدى الارادتين الطلب التكليفى والتشريعي وهو الأمر والنهي والأخرى الارادة التكوينية، وعند الأشاعرة يجوز الأمر بشئ يريد الله تعالى أن لا يقع البتة، والنهي عن شئ يريد أن يقع البتة، ومذهبنا أنه ليس له تعالى في أقعال العباد إلا الأمر والنهي ولا إرادة ولا طلب غير مفاد الأمر والنهي، فلا يريد كفر أبي لهب تكوينا ولا أكل آدم من الشجرة تكوينا إن فرض نهيه عنه تشريعا وإنما يريد صدور الأفعال عن الناس باختيارهم وإن كان تعالى يعلم أنهم يختارون العصيان لكن لا يريد صدور العصيان منهم، والعلم بالعصيان غير ارادة العصيان، وبالجملة فلابد من تأويل الحديث أو رده إن لم يمكن التأويل حتى لا يخالف المذهب. ولو كان الله تعالى أراد تكوينا من الإنسان شيئا وكان الإنسان مقهورا عليه لم يجز له تعالى أن يأمره تكليفا بضده، فقوله (عليه السلام) - إن صحت النسبة - " نهى آدم عن أكل الشجرة وشاء ذلك، ليس معناه شاء أكله قهرا وجبرا بل شاء كونه مختارا في الأكل وتركه، وعلم أنه يأكل باختياره فإن استبعد أحد حمل اللفظ على هذا المعنى ولم يرض بالتأويل نرد الخبر على أي حال لمخالفة المعلوم. وقوله " لو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت - إلى آخره " غير باق على ظاهره أيضا ومعناه لو شاء أن يأكلا لكان قادرا على جبرهما لكن لم يجبرهما على ترك الاكل. (ش) (*)

[ 268 ]

(ينهى وهو يشاء) أي ينهى عن العبد عن شئ ويكره ذلك الشئ وهو يريد بالعرض صدوره منه باعتبار أنه لم يجبره على قبول النهي والترك (ويأمر وهو لا يشاء) أي يأمر العبد بشئ ويريد صدوره منه وهو لا يريد ذلك الشئ باعتبار أنه لم يجبره على قبول المأمور به، والحاصل أنه تعالى لما كان قادرا على منع العبد جبرا وقسرا من الفعل في صورة النهي ومن الترك في صورة الأمر ولم يمنعه كذلك لأنه مناف للتكليف كأنه شاء فعل المنهي عنه وترك المأمور به. (أو ما رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك) أي أكلهما منها باعتبار أنه لم يجبرهما على تركه (ولو لم يشأ أن يأكلا) بجبره لهما على المنهي عنه ومشيته لتركه حتما (لما غلبت مشيتهما) للأكل (مشية الله تعالى) لتركه حتما، لأن المغلوب المجبور على ترك شئ لا يمكنه الإتيان بفعله فضلا عن أن يكون مشيته غالبة على مشية الجابر القاهر. (وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق) دل على أن الذبيح إسحاق ابن سارة، وفي رواية أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) المذكورة في باب حج إبراهيم (عليه السلام) من هذا الكتاب أيضا دلالة على ذلك ولكن رواية الصدوق رحمه الله في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن الفضل بن شاذان، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وبإسناده الآخر، عن علي بن الحسن بن علي بن الفضال، عن أبيه عنه (عليه السلام) دلت على أن الذبيح إسماعيل ابن هاجر، وكذا روايته في كتاب معاني الأخبار في باب نوادر المعاني صريحة في ذلك وفي آخرها " فمن زعم أن إسحاق أكبر من إسماعيل وأن الذبيح إسحاق فقد كذب بما أنزل الله من نبأهما. (ولم يشأ أن يذبحه) (1) مشية حتم يمتنع معها الذبح والإعراض عنه


1 - قوله: " ولم يشأ أن يذبحه " لولا هذه الفقرات لأمكن حمل أول الكلام على وجه لا يخالف المعلوم من مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بأن يكون المراد إثبات قسمين من الإرادة أعني التكويني والتشريعي من غير أن يكون كلاهما متعلقين بفعل واحد مع تناقضهما، لأن المحال اجتماع المتناقضين منهما على فعل واحد كذبح ولد إبراهيم وعدم ذبحه لا وجود الإرادتين مطلقا، وحمل صدر المتألهين الإرادتين على ما سبق منه في باب البداء من اللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات وهو بعيد جدا لا يطابق عبارة الحديث إلا بتكلف بأن يكون أمره تعالى بالذبح من لوح المحو والإثبات وعدم مشيئته من اللوح المحفوظ، وهذا توجيه للحديث أولى من الطرح والرد ولكن علماءنا - كما سبق - أبطلوا البداء صريحا خصوصا في هذه القصة، وتمام الكلام في الأصول، واعلم أن الشيخ محيي الدين بن عربي أطال البحث في الفتوحات المكية في الباب السادس عشر وثلاثمائة في لوح القضاء والقدر والمحو والإثبات واللوح المحفوظ وأثبت البداء على تأويل بعض علمائنا، ومنه اقتبس صدر المتألهين وبعده المجلسي رحمهما الله كلامهما في اللوحين مع فرق ما في التعبير ولاضير فيه، لأن ابن عربي مع اختلاف الناس في أمره لم يختلفوا في تضلعه في العلم وليس اقتباس المعنى منه تقليدا بل هو أخذ بالدليل وتصديقه في أمر لا يستلزم تصديقه في الكل حتى مسائل الإمامة والولاية مثلا، مع أن بعض علمائنا اعتقد تشيعه، ولا حاجة لنا في تحقيق = (*)

[ 269 ]

(ولو شاء أن يذبحه) كذلك (لما غلبت مشية إبراهيم) ترك الذبح والإعراض عنه بعد الاشتغال به (مشية الله تعالى) ذبحه حتما لأنه (عليه السلام) حينئذ كان مجبورا بالذبح غير قادر على تركه، والله أعلم. * الأصل: 5 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن درست بن أبي منصور، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: شاء وأراد ولم يحب ولم يرض، شاء أن لا يكون شئ إلا بعلمه وأراد مثل ذلك ولم يحب أن يقال: ثالث ثلاثة ولم يرض لعباده الكفر. * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن درست بن أبي منصور، عن فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: شاء وأراد ولم يحب (1) ولم يرض) هذا باعتبار المطلق مجمل فسره بقوله (شاء أن لا يكون شئ إلا بعلمه وأراد مثل ذلك) قد عرفت أن الإرادة آكد من المشية يعني شاء وأراد إرادة حتم أن يتعلق علمه بكل شئ من الأشياء إلا بعلمه وهذا أحد التأويلات لتعلق مشيته وإرادته بكل شئ خيرا كان أو شرا (ولم يحب أن يقال: ثالث ثلاثة) المحبة في حق العبد ميل النفس أو سكونه بالنسبة إلى موافقه وملائمه عند تصور كونه ملايما وموافقا له، وهذا مستلزم لإرادته إياه، ولما كانت المحبة بهذا المعنى محالا في حقه تعالى يراد بها ذلك اللازم يعني لم يرد أن يقال: هو إله من الآلهة الثلاثة: الله وعيسى ومريم كما قالت النصارى ودل على قولهم ذلك قوله تعالى * (ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين) * (ولم يرض لعباده الكفر)، لأن الرضا بالكفر قبيح لا يجوز إسناده إليه تعالى، وفيه رد على


= هذه الأمور، وكان دأب علمائنا اقتباس العلم من كل من يجدون عنده علما واستحسان ما هو حسن من كل أحد وأظن أني رأيت في سفينة البحار نقل كتاب منه إلى الفخر الرازي في النصيحة يليق على ما اصطلحوا عليه في التحسين أن يكتب بالنور على صفحات خدود الحور. ثم إن صدر المتألهين قال: ليس المراد كما يتراءي من ظاهر الكلام أنه سبحانه قد يأمر وينهى من غير ارادة بإتيان المأمور أو ترك المنهي عنه، حاشا عن ذلك، قياسا على السيد الذي يأمر عبده بشئ يريد عدم إتيانه به ليظهر عذره على من يلومه بإيذاء عبده انتهى، وذلك لأن ظاهر الأمر يدل على حقيقة الارادة والطلب، وخلافه بمنزلة الكذب في الإخبار إغراء بالجهل وقبيح وليس في حكمته تعالى الإغراء بالجهل. (ش) 1 - قوله: " شاء وأراد ولم يحب " هذا حديث محكم واضح المعنى موافق للمعلوم من مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وللعقل، ويجب إرجاع ساير الأحاديث من المتشابهات إلى هذا المحكم الواضح وحاصله أنه تعالى أراد من العباد الخير والصلاح إرادة غير جبرية بل بأن يختاروا الخير بأنفسهم فلم يوجب كما أوجب في التكوينيات ولو فعلوا خلاف ما أمروا به لم يرض بفعلهم. (ش) (*)

[ 270 ]

الأشاعرة لأنهم يقولون: أراد الله الكفر من الكافر وأراد أن يقال له " ثالث ثلاثة " بناء على ما تقرر عندهم من أنه تعالى أراد كلما له حظ من الوجود وإذا أرادهما فقد أحبهما (1) ورضيهما، لأن حبه تعالى للشئ ورضاه عبارة عن الإرادة، كما صرحوا به في كتبهم وصرح به أصحابنا أيضا. ومن ثم قال ابن قيم الحنبلي وابن هشام على ما نقل عنهما شارح كشف الحق أن هؤلاء - يعني الأشاعرة - يقولون: إن كل ما شاء الله وقضاه فقد أحبه ورضيه، ولما رآى جماعة المتأخرين منهم شناعة هذا القول وقبحه حاولوا التحرز عنه فقال بعضهم: إرادته تعالى بجميع الأشياء حتى الكفر وغيره عبارة عن تقديرها، وتقديره للكفر لا يوجب أن يحبه ويرضاه. وقال صاحب المواقف: الرضا عبارة عن ترك الإعراض والله [ لا ] يريد الكفر ويعترض عليه ويؤاخذ به، ويؤيده أن العبد لا يريد الآلام والأمراض وليس مأمورا بإرادتها وهو مأمور بترك الاعتراض عليها. والجواب عن الأول: أن الإرادة لم تجئ لغة ولا عرفا بمعنى التقدير ولم يصطلح عليه سوى هذا القائل ولهذا لم يتمسكوا في دفع هذه الشناعة عن أنفسهم بهذا القول مع أنه لا ينفعهم أصلا لأن أفعال العباد كلها مخلوقة له تعالى عندهم ولا معنى لخلق الفاعل المختار لها بدون إرادتها فالقبح بحاله. والجواب عن الثاني من وجوه: الأول أنه لم يثبت في اللغة ولا في العرف أن الرضا عبارة عن ترك الاعتراض بل الثابت فيهما أنه عبارة عن الإرادة وبذلك يشعر كلام ابن قيم في شرح منازل السائرين وكلام الآبي في كتاب إكمال الإكمال وكلام بعض شراح نهج البلاغة حيث قال: المحبة إرادة هي مبدأ فعل ما، ومحبته تعالى للشئ إرادته، والرضا قريب من المحبة ويشبه أن يكون أعم منها، لأن كل محب راض عما أحبه ولا ينعكس، وقد قيل: إن الرضاء على ما يقتضيه القرآن مستلزم للإرادة أو إرادة مخصوصة ولعل تلك الإرادة المخصوصة هي التي ذهب إليها بعض الأصحاب من أن الرضا إرادة متعلقة بالأمور الحسنة من حيث هي كذلك، الثاني أن إرادة الكفر من شخص والاعتراض عليه قبيح بحسب العقل، فلا يصح إسناده إليه تعالى، الثالث أن ترك الاعتراض يتحقق في المباحات


1 - قوله: " وإذا أرادهما فقد أحبهما " قد تبين مما مر سابقا أن هذه المعاني التي تدل على التأثر والانفعال لا يجوز إثباتها لله تعالى فإن ذاته تعالى برئ عن الانفعال فالارادة والحب والرضا جميعها منفية عنه تعالى بمعناها الحقيقي وإنما يثبت له بالتأويل وبإثبات بعض لوازمها الممكنة كما في تأويل الغضب بالعقاب والرضا بالثواب، وحينئذ فإذا نظرنا إلى أنفسنا لتحقيق المعنى الحقيقي فينا رأينا أن الارادة والمشيئة فينا غير الحب والرضا، مثلا الحجامة والأدوية البشعة نريدها ونشر بها بإرادتنا ولا نحبها ولا نرضاها، واما بالنسبة إلى الله تعالى فلا يتصور أن يكون بعض الأمور كذلك بمعناها الحقيقي لكن بالتأويل بأن يعامل مع بعض الأشياء معاملة المراد المكروه كخلق إبليس وساير الشرور فإنها مرادة بالعرض وخلقها الله تعالى، لأن الخيرات العظيمة لا تنفك عن الشرور القليلة وترك الخير الكثير للشر القليل شر كثير. (ش) (*)

[ 271 ]

والمكروهات ولا يقال: إنه تعالى راض عن العباد بفعلها، الرابع أن التأييد المذكور في محل المنع، لأن رضا العبد بالآلام عبارة عن إرادتها ترجيحا لإرادته تعالى على إرادة نفسه، وترك الاعتراض تابع لتلك الإرادة. * الأصل: 6 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد محمد بن أبي نصر قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) قال الله: ابن آدم ! بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوتي أديت فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا، بصيرا، قويا، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك وذاك أني أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني وذاك أنني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) قال الله: ابن آدم) بحذف حرف النداء وفي كتاب العيون " يا ابن آدم " بذكرها (بمشيئتي) مشيتك وتوفيقك واللطف بك (كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء) (1) من الطاعات والخيرات الموجبة لاستقامة أحوالك في الدارين كما قال سبحانه * (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) * وفي الكلام ترجيح لجانب المعنى والخطاب على جانب اللفظ والغيبة. (وبقوتي) التي أودعتها فيك (أديت فرائضي) التي توجب قربك مني ورضاي عنك، ولما كان أداؤها متوقفا على إرادتها والقوة عليها والتوفيق المحرك إليها كان كل ذلك من صنع الله تعالى بعباده


1 - قوله: " بمشيتي كنت أنت الذي تشاء " شاء الله أن يكون الإنسان مختارا في أفعاله فإذا اختار عملا لم يكن خارجا عن مشيئة الله تعالى من جهة أنه شاء اختيار العبد وإن كان مختار العبد مبغوضا ولو أراد إجبار العباد على الخير كان قادرا عليه بأن لا يوجد أسباب المعصية ولا يخلق لهم الخمر والخنزير وكان الرجل إذا أراد ضرب آخر أو قتله أو سرقة ماله شلت يده وإذا أراد الزنا سلبت عنه الشهوة، وهكذا ولكنه تعالى أقدرهم على الخير والشر معا، وخلق لهم أسباب كل فعل وآلاته وخيره مع أنه يبغض المعاصي بأسبابها لينتهي العبد باختياره وكان خير الاختيار بالنسبة إلى شر المعصية كثيرا جدا، ألا ترى أن الملك المقتدر إن أراد قمع مادة الفساد وإفناء دواعي القتل والسرقة من بلاده يمنع جميع الناس من تملك أسبابهما كالسيف والسكين وآلات النقب والكسر والسلم وأمثال ذلك إن فرضنا إمكان ذلك له لزم منه حرمانهم من جميع المنافع والفوائد وفسد أمرهم لكن يخليهم وتملكهم تلك الاسباب لمنافعها وإن لزم منه القتل والسرقة أحيانا، لأن ضرر سلب الاختيار عن الناس في أعمالهم أعظم بكثير منه، وحينئذ فلا يمكننا أن نقول رضي الملك بالقتل والسرقة وأنهما عملان مقبولان عنده حيث لا يمنع منه جبرا قهرا ولا أنه أراد وقوع القتل والسرقة بالذات وشاء وقوعهما بالنظر الاستقلالي بل شاء بالعرض كما أن الأب يريد إيلام ابنه بالحجامة ولا يريد الإيلام بالذات بل يريد تحصيل سلامته من المرض بالذات، والسلامة لا تنفك عن الإيلام فهو يريد الإيلام بالعرض. (ش) (*)

[ 272 ]

والتفضل عليهم، أما الأخيران فظاهران وأما الأول فلأنك قد عرفت آنفا أن أصل الإرادة من خلق الله تعالى وإن كانت الإرادة الجازمة من العبد، من الله تعالى عليهم بذكر هذه الأمور (وبنعمتي قويت على معصيتي) فيه توبيخ لك بالظلم والكفران ووعيد باستحقاق العقوبة والخذلان، وذلك لأن حكمة التكليف المورث لاستحقاق الثواب والعقاب تقتضي إمكان تعلق القوة بالضدين وصلاحية ارتباطها بالطريق وتلك لكونها جسمانية تقوى وتضعف بسبب توارد النعمة وعدمه اقتضت الحكمة لأجل تكميل الحجة تقويتها بالنعمة، والغرض الأصلي من تقويتها هو أن تصيرها إلى أشرف الضدين وتميلها إلى أفضل الطرفين أعني الطاعات والخيرات، فإذا جعلها مايلة إلى المعاصي والشرور فقد صرف أثر النعمة في سبيل الظلم والطغيان وحصل لك استحقاق العقوبة والخذلان (جعلتك بلا سبق استحقاق سميعا) بما نطقت به ألسن الشرايع والرسل (بصيرا) بما دل على أشرف المناهج والسبل (قويا) على سلوك طريق الاستقامة والزلل. (ما أصابك من حسنة) طاعة كانت أو نعمة (فمن الله) (1) تفضلا منه عليك وإحسانا منه إليك فله الفضل والحق عليك أما الطاعة فلأخذ لطفه عنان مشيتك إليها وإقامة توفيقه جواد إرادتك عليها، وأما النعمة سواء كانت دنيوية أو أخروية فلظهور رجوع جلها بل كلها إلى التفضل والإحسان، لأن الإنسان وإن صرف عمره في سبيل الطاعة والرضوان واجتنب دهره عن طريق المعصية والطغيان فهو بعد لم يأت بما يكافي نعمة الوجود فكيف يستحق بعمله نعمة أخرى، ولذلك ورد من طريق العامة والخاصة " لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله ورحمته " وفيه دلالة على نفي التفويض (وما أصابك من سيئة) معصية كانت أو بلية (فمن نفسك) لكونها فاعلة لها وجالبة إياها، أما المعصية فلصرف النفس عنان القدرة القادرة على الطاعات والمعاصي إلى سبيل المعاصي، وأما البلية فلاستجلاب النفس إياها بارتكاب المناهي كما روى المصنف في باب " تعجيل عقوبة الذنب " بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قول الله عزوجل * (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) * ليس من التواء عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم ولا خدش عود إلا بذنب - الحديث "


1 - قوله: * (ما أصابك من حسنة فمن الله) *، لأن تسبيب الاسباب وتمكين المكلف وخلق الآلات والهداية إلى الخير جميعا من الله تعالى وإن كان اختيار الخير من العبد إذ لو لم يكن الأسباب لم يقدر على الحسنة أصلا وأما السيئة من حيث هي سيئة فليست من الله تعالى وإن كان تسبيب أسبابها وإقدار المكلف عليها منه تعالى كأسباب الطاعة والحسنة إلا أنه تعالى لم يخلق الآلات والأسباب للسيئة بل خلقها للحسنة وإنما صارت سيئة بسوء اختيار العبد، وبعبارة أخرى: الفائض منه تعالى الوجود وهو خير محض وكون السيئة شرا إنما هو من جهة العبد فقط حيث صرف ما يمكن أن يصرف في الحسنة في السيئة. (ش) (*)

[ 273 ]

قال القاضي الآية مخصوصة بالمجرمين فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر منها تعويضه للأجر العظيم بالصبر عليه، إنتهى. ولك أن تريد بالنفس واليد الجنس وتقول قد يصيب المصيبة بريئا بفعل غيره كما دل عليه بعض الآيات والروايات وأن تريد بهما نفس المصاب ويده وتجعل المكسوب الجالب للمصيبة شاملا لخلاف الأولى أيضا وتقول غير المجرم لا يخلو منه كما اشتهر " حسنات الأبرار سيئات المقربين "، ومن هاهنا أصاب آدم (عليه السلام) ما أصابه. وفيه دلالة واضحة على أن العبد ليس مجبورا على المعصية وأن أفعاله مستندة إليه لا إليه سبحانه كما زعمت الأشاعرة (وذاك) المذكور وهو كون (ما أصابك من حسنة) سببا للحكم عليه بأنه من الله وكون " ما أصابك من سيئة " سببا للحكم عليه بأنه من نفسك لأجل (أني أولى بحسناتك منك) لصدورها عنك بقوتي التي أودعتها فيك اختيارا وامتحانا وتوفيقي ولطفي بك تفضلا وإحسانا حتى لو صرفت وجه التوفيق واللطف عنك، ووكلتك إلى نفسك كنت من الشر أقرب ومن الخير أبعد وأنت أولى بسيئاتك مني) لصدورها عنك على وفق عنايتك وإرادتك ومقتضى مشيتك وقدرتك. وفي لفظة أولى وإضافة الحسنات والسيئات إلى المخاطب إشعار بأن الحسنات والسيئات كلها مكسوبة للعبد إلا أن فعل الحسنات لما كان بالتوفيق واللطف الخارجين عن الأمور المعتبرة في أصل التكليف كان إسناده إليه تعالى أولى بهذا الاعتبار كإسناد الرمي إليه تعالى في قوله * (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) * وفعل السيئات لما كان عن مجرد القوة التي هي مناط التكليف مع شوق النفس إليه من غير إعانة من الله تعالى عليه كان إسناده إلى الفاعل الحقيقي أولى من إسناده إلى الفاعل بواسطة (وذلك) إشارة إلى الأمر المفهوم من سياق الكلام وهو الإقدار على الطاعة والمعصية وإحداث اللطف والتوفيق لبعض دائما ولبعض في وقت دون وقت. (إنني لا اسأل عما أفعل) (1) لكمال الجلالة والعظمة والجبروت مع اشتمال ذلك الفعل على الحكم


1 - قوله: " إنني لا أسأل عما أفعل " كان مبدأ أكثر الشبهات وسوسة الواهمة في مصالح كثير من الأمور وحكمها لعدم تبينها وغموضها، وكان جواب الجميع أنه تعالى عالم بجميع الأشياء حكيم * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * عقب مسألة التكليف وصدور الحسنات والسيئات من الناس بهذا الكلام لدفع تلك الشبهات منها أنه تعالى لم خلق الكافر إذا علم أنه يكفر ولا ينتفع بالوجود ؟ وكان الأصلح والأرجح أن لا يخلقه أصلا، لأن غاية الخلق إيصال النفع. والشبهة الثانية أنه لا فائدة في التكليف مطلقا إذ كان خلق الإنسان وجميع ذوي العقول في الجنة والتذاذهم بالنعيم من غير تكليف ممكنا له تعالى ونقل عن إبليس سبع شبهات في معناها الأولى والثانية ما ذكر، والثالثة أنه لم يكن فائدة في خصوص السجود لآدم إذا علم الله تعالى أني أعصي ولا أطيعه مع أني كنت أعبده وأطيعه في غيره من التكاليف ولم يكن هذا التكليف إلا إضرارا بي، والرابعة أني تركت السجود لآدم ولم يكن قبيحا إذ لا ينبغي ولا يحسن السجود إلا لله تعالى فلم أمرني بعمل غير الحسن ولعنني على = (*)

[ 274 ]

والمصالح وغيرها من أسرار القدر التي لا يصل إليها عقول أحد من البشر. (وهم يسألون) عما يفعلون وعن صرف القوة والنعمة فيما يعملون لأنهم عباد مملوكون وفيه أيضا دلالة على أنهم الفاعلون إذ لا معنى لسؤال أحد عما هو مجبور عليه وليس من فعله.


= تركه، الخامسة والسادسة لم يكن في تسليطي على آدم أولا وذريته بعده حكمة ومصلحة بل كان إضرارا لآدم وكان الأصلح منعي من الدخول والوسوسة لآدم ثم لذريته بعده، السابعة كان قادرا على حسم مادة الفساد والحكم بموتي وقضاء عمري حتى لا أتسلط على ذرية آدم إلى يوم القيامة. ومثل هذه الشبهات تختلج ببال الناس كثيرا بل إن تتبعت وسبرت وجدت الملاحدة والزنادقة لم يضلوا إلا لتشبثهم بهذه الشبهات. والجواب الحق إجمالا ما أشير إليه في هذا الحديث وهو أن الإنسان لا يمكن أن يدعي الإحاطة بمصالح جميع الأمور وحكمها وبعد الاعتراف بجهله ونقصه لم يصعب عليه الخروج من هذه المزلات خصوصا إذا اعترف بأن فعل الله تعالى لا يقاس على فعل الإنسان وأصل الاشتباه أن الإنسان العامي يتصور واجب الوجود كإنسان قوي صاحب الملكات الفاضلة وأفعال جزافية، والملحد ينكر وجود هذا الذي يتصوره العوام لأنه يرى أفعاله لا يشبه أفعال الإنسان، وفائدة إصرار الأئمة (عليهم السلام) في نفي التشبيه دفع هذه الأوهام، وجميع الشبهات السبع مبنية على تشبيه إله العالم بالإنسان في فعله وذاته. (ش) (*)

[ 275 ]

باب الابتلاء والاختبار * الأصل: 1 - علي بن إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن حمزة ابن محمد الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من قبض ولا بسط إلا ولله فيه مشيئة وقضاء وابتلاء. * الشرح: (علي بن إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن عن حمزة بن محمد الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من قبض ولا بسط إلا ولله فيه مشيئة وقضاء وابتلاء) القبض في اللغة: الإمساك والأخذ يقال: قبض عليه بيده إذا ضم عليه أصابعه، وقبض الشئ أخذه، والبسط: نشر الشئ والجود والإنعام، وفلان مبسوط اليد وجواد عبارتان متعقبتان على معنى واحد، ومن أسمائه تعالى القابض والباسط لأنه يقبض الرزق عمن يشاء ويبسط الرزق لمن يشاء ويقبض الأرواح عند الممات ويبسطها في الأجساد عند الحياة، ولعل المراد بالقبض والبسط هنا القبض والبسط في الأرزاق بالتوسع والتقتير، وفي النفوس بالسرور والأحزان، وفي الأبدان بالصحة والألم، وفي الاعمال بتوفيق الإقبال إليها وعدمه، وفي الأخلاق بالتحلية بها وعدمها، وفي الدعاء بالإجابة له وعدمها، وفي الأحكام بالرخصة في بعضها والنهي عن بعضها، يعني ما من قبض ولابسط بشئ من هذه المعاني إلا ولله تعالى فيه مشية وإرادة وقضاء وحكم، والابتلاء هو اختبار يختبر بها عباده ويعامل معهم معاملة المختبر مع صاحبه لا ليعلم مآل حالهم وعاقبة أمرهم لأنه علام الغيوب بل ليظهر لهم كيف يخرجون من بوتقة الامتحان أيخرجون صابرين خالصين أو يخرجون شاكين خبيثين، فالفقير والمحزون والمتألم مختبرون بالفقر والحزن والألم، والغني والمسرور والصحيح مختبرون بالغنى والسرور والصحة وهكذا البواقي، فإن صبروا دخلوا في زمرة الصابرين الكاملين وإن لم يصبروا دخلوا في زمرة الشاكين الناقصين، والسالكون العارفون بمراتب هذه الاختبارات ورموز هذه الامتحانات مترددون بين خوف ورجاء ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفيه دلالة على أن أفعال العباد اختيارية لهم إذ لا معنى لا ختبار أحد بفعل لا يقدر عليه. * الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن حمزة ابن محمد الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنه ليس شئ فيه قبض أو بسط مما أمر الله به أو نهى عنه إلا

[ 276 ]

وفيه لله عزوجل ابتلاء وقضاء. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن حمزة بن محمد الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنه ليس شئ فيه قبض أو بسط مما أمر الله به أو نهى عنه) لعل المراد بالأمر خلاف النهي فيشمل ما وقع فيه الرخصة مثل المباحات أيضا، والبسط في صورة الأمر، والقبض في صورة النهي، لأن الناهي قبض المنهي وأخذه عن فعل المنهي عنه، ويمكن تعميم الأمر والنهي على وجه يشمل القبض والبسط في غير الأحكام أيضا فإن الفقر والغنى والألم والصحة وغيرها أيضا حاصلة بأمره تعالى (إلا وفيه لله تعالى ابتلاء وقضاء) وذلك بعد حصول اللطف منه تعالى ببعث الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الكتب وإرشاد العباد وإيضاح السبل ومدح الصابرين وتعظيم أجرهم، فلا يرد أن الاختبار ينافي اللطف المقرب إلى الطاعة والانقياد واجب على الله تعالى كما بين في موضعه.

[ 277 ]

باب السعادة والشقاء الشقاء والشقاوة خلاف السعادة، سعد الرجل بالفتح والكسر فهو سعيد، وبالضم والكسر فهو مسعود. والسعيد فسره الآبي بأنه من يدخل الجنة وإن أردت زيادة توضيح فنقول: السعادة والشقاوة حالتان متقابلتان للإنسان ولهما أثر وسبب قريب وسبب بعيد، أما الأثر فهو استحقاق الثواب والعقاب، وأما السبب القريب فهو الإتيان بالخيرات التي أشرفها الإيمان والاتيان بالشرور التي أخسها الكفر وقد يطلق السعادة والشقاوة على نفس هذا السبب أيضا، وقول الصادق (عليه السلام) السعادة سبب خير يمسك به السعيد فجره إلى النجاة، والشقاوة سبب خذلان يمسك به الشقي فجره إلى الهلكة، وكل بعلم الله، يحتمل الأمرين، وأما السبب البعيد فهو ما أشار إليه مولانا الباقر (عليه السلام) بقوله: " إن الله جل وعز قبل أن يخلق الخلق قال كن ماء عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وكن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي، ثم أمرهما فامتزجا فمن ثم صار يلد المؤمن الكافر والكافر المؤمن - الحديث " فإن هذين الماءين سبب لاقتدار الإنسان بالخير والشر وتكليفه وامتحانه بهما ومبدأ لاستعداده لقبول السعادة والشقاوة وميله إليهما ولا يقتضي ذلك الجبر، لأن الجبر إنما يلزم لو خلقه من ماء أجاج وحده فإن ذلك كان يوجب انتفاء القدرة على الخير، والظاهر أنهما يطلقان على هذا السبب أيضا، وبالجملة هما في الحقيقة الحالتان المذكورتان، وإطلاقهما على السببين المذكورين على سبيل التوسع من باب تسمية السبب باسم المسبب. * الأصل: 1 - محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله خلق السعادة والشقاء قبل أن يخلق خلقه فمن خلقه الله سعيدا لم يبغضه أبدا وإن عمل شرا أبغض عمله ولم يبغضه، وإن كان شقيا لم يحبه أبدا وإن عمل صالحا أحب عمله وأبغضه لما يصير إليه، فإذا أحب الله شيئا لم يبغضه أبدا، وإذا أبغض شيئا لم يحبه أبدا. * الشرح: (محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان (1)، عن صفوان يحيى، عن بن منصور ابن حازم عن أبي


1 - قوله: " محمد بن إسماعيل عن الفضل " اختلاف العلماء في محمد بن إسماعيل هذا معروف، والصحيح قول السيد الداماد إنه النيشابوري المعروف ببندفر. وقال المجلسي (رحمه الله): في إسناده مجهول كالصحيح وليس في الإسناد مجهول إلا أن يكون = (*)

[ 278 ]

عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله خلق السعادة والشقاء قبل أن يخلق خلقه) أي قدرهما قبل تقدير الخلق (1) أو قبل إيجاده فلا يرد أنهما أمر عرضي كيف يتصور تحققه قبل تحققه هذا إن أريد بهما الحالة المذكورة أو السبب القريب لها وأما إن اريد بهما السبب البعيد فيحتمل أن يراد بخلقهما تقديرهما ويحتمل أن يراد به إيجادهما لأن مبدأ الخير والشر مما أوجده الله تعالى في مبدأ الإنسان الذي هو الماء الذي اختمرت به طينته (فمن خلقه الله سعيدا) (2) حال عن المفعول أو تميز للنسبة وعلى التقديرين كان تقديره أو إيجاده مقرونا بسعادته في علم الله تعالى فلا يرد أن سعادته مكسوبة له لا أنه تعالى موجد لها على ما هو الحق عند الإمامية (لم يبغضه أبدا) لتحقق السعادة الموجبة للمحبة والرضا عنه (وإن عمل شرا) بمقتضى ما فيه من القوة الداعية إلى الشر (أبغض عمله) بما هو شر متصف بأنه خلاف المراد (ولم يبغضه) بغضه له يعود إلى كراهته له وعلمه بعدم وقوعه على نهج الصواب واستحقاق صاحبه للتعذيب ثم يوفقه للتوبة الماحية له أو يمحوه بالآلام والمصائب أو يعفو عنه لمن يشاء حتى يرد عليه خالصا من الذنوب (وإن كان شقيا لم يحبه أبدا) لغلبة شقاوته الموجبة للمقت والبغض وفي تغيير الاسلوب إيماء لطيف (3) إلى أنه تعالى لا يخلق أحدا شقيا وإنما الشقاوة من كسب العبد بخلاف السعادة فإنها أيضا


= محمد بن إسماعيل هذا، ولا يكفى في رفع القدح عن جهالته على فرضها وجود صفوان بن يحيى بعده وهو من أصحاب الإجماع، وعادة المجلسي أن يعد كل إسناد مقدوح كالصحيح بسبب أحد أصحاب الإجماع ولكن هذا يصح إن كان محمد بن إسماعيل بعد صفوان بن يحيى في الإسناد. (ش) 1 - قوله: " أي قدرهما قبل تقدير الخلق " مقتبس من صدر المتألهين فإنه فسر قوله (عليه السلام) " إن الله خلق السعادة " بتفسيرين أحدهما الخلق بمعنى التقدير، والثاني السعادة بمعنى الرتبة التي الوصول إليها سعادة للانسان، مثلا: وصول الإنسان إلى إدراك الكليات والإيمان بالموجودات المجردة سعادة له، وخلق الله هذه الكليات والمجردات قبل تقدير خلقه وخلق الجنة قبل أن يخلق الناس وكذلك النار (ش). 2 - قوله: " فمن خلقه الله سعيدا " يجب تفسير هذا الكلام بحيث لا يستلزم الجبر فإن الجبر خلاف ضرورة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) والعدل من أصول مذهبهم، والذي لا نشك فيه أنه تعالى خلق كل شئ خالصا مستعدا للوصول إلى غايته المطلوبة كالماء الذي خلقه في أول الفطرة غير آجن ولا متغير ولا ممزوج والذهب المخلوق في الفطرة الاولية لا غش فيه، والإنسان في فطرته الأولى لائق لما خلقه الله لأجله ومستعد لتحصيل كمال يليق به والعدل الالهي يقتضي أن يكون نسبة أفراد الإنسان إلى الخير متساوية لا أن يكون بعضهم أقرب إلى الخير وأسهل له الوصول إليه والآخر أبعد وأصعب، لأن هذا ظلم، وقد ورد أن " كل ميسر لما خلق له " والواجب أن يؤول بفرقهم فيما لا مدخلية له في الشقاء والسعادة. (ش) 3 - قوله: " في تغيير الأسلوب إيماء لطيف " يعني نسب الله تعالى السعادة إلى نفسه فقال فمن خلقه الله سعيدا، ونسب الشقاء إلى = (*)

[ 279 ]

وإن كانت من كسبه إلا أنه لحسن استعداده صار محلا للطفه تعالى به وتوفيقه له في اكتسابها فكأنه تعالى خالق لها (وإن عمل صالحا) لما فيه من القوة الداعية إلى الصلاح (أحب عمله) حبه له يعود إلى علمه بوقوعه على نهج الصواب وإرادة المكافأة لصاحبه فيكافيه بالإحسان والإنعام الدنيوي ونحوه ليرد عليه خاليا عما يوجب الدخول في الجنة (وأبغضه لما يصير إليه بسوء اختياره من الشقاوة التامة الموجبة للدخول في النار (فإذا أحب الله شيئا) سواء كان عملا أو غيره (لم يبغضه أبدا وإذا أبغض شيئا لم يحبه أبدا) توضيح ذلك أن الإنسان عبارة عن مجموع الجوهرين: النفس والبدن (1) ولكل واحد منهما طريقان طريق الخير وطريق الشر فطريق الخير للأول هي العقائد الصحيحة والأخلاق المرضية وللثاني هي الأعمال الحسنة، وطريق الشر للأول هي العقائد الباطلة والأخلاق الرذيلة، وللثاني هي الأعمال القبيحة. فإن استقام هذان الجوهران في شخص دائما كما في الأنبياء والأوصياء كان سعيدا مطلقا محبوبا لله دائما غير مبغوض أبدا، وإن لم يستقم شئ منهما أبدا كان شقيا مبغوضا أبدا غير محبوب أصلا، وإن استقام الأول دائما دون الثاني كان هو محبوبا دائما غير مبغوض أبدا، لأن الجوهر الأول أولى بالحقيقة الإنسانية بل هو الإنسان حقيقة وكان عمله مبغوضا، وإن استقام الثاني دائما دون الأول كان هو مبغوضا وعمله محبوبا، وإن استقام كل واحد منهما في وقت دون آخر يعتبر حاله في الخاتمة فإن استقيما أو استقيم الأول وحده كان هو عند الله محبوبا وكان عمله مبغوضا، وإن استقيم الثاني أو


= العبد، فقال: وإن كان شقيا، ولم يقل خلقه الله شقيا للإيماء إلى أن الشقاء حاصل بفعل العبد لا بقهر الله تعالى واجباره وهكذا ينبغي أن يحمل الكلام عليه دفعا للجبر. (ش) 1 - قوله: " جوهرين النفس والبدن " لما كان المتبادر من هذا الكلام الجبر وأقربية بعض الناس إلى الخير قهرا وبعضهم إلى الشر قهرا أوله الشارح بذلك دفعا للجبر، والحاصل: أن العمل للبدن، والاعتقاد والأخلاق للنفس، والإنسان إن كان اعتقاده صحيحا وأخلاقه فاضلة ولكن بعض أعماله البدنية غير مشروعة في الفقه كان من الذين يحب الله تعالى ذاتهم ويبغض عملهم، وإن كان عمله البدني موافقا لظاهر الشرع على ما يقتضيه علم الفقه لكن اعتقاداته غير كاملة وأخلاقه غير فاضلة كان من الذين يحب الله عمله ويبغض ذاته، وليس بغضه تعالى وحبه لشئ قهر العباد عليه، وهذا مقتبس من صدر المتألهين - (قدس سره) - قال: إن جوهر النفس الإنساني قد تكون خيرا فاضلا شريفا لكن أعماله البدنية سيئة قبيحة وقد يكون أحد بالعكس من هذا فيكون نفسه شريرة وأخلاقه رذيلة ولكن أعماله الظاهرة من الصلاة والزكاة والحج وغيرها صالحة، فعند ذلك كان الأول محبوبا عند الله وعمله مبغوضا، وكان الثاني بعكس ذلك جوهره ممقوتا وعمله محبوبا انتهى. وأول صدر المتألهين (قدس سره) البغض والمحبة بالبعد والقرب من الحضرة الربوبية لعدم صحة المعنى المعروف من البغض والحب بالنسبة إليه تعالى وينبغي أن يكون خيرية جوهر النفس وفضله وشرفه بفضيلة أخلاقه الفاضلة المكتسبة بقرينة ما ذكره في ضده بقوله وأخلاقه رذيلة. (ش) (*)

[ 280 ]

لم يستقم شئ منهما كان هو عند الله مبغوضا وكان عمله محبوبا، وكلما كان العمل وحده مبغوضا أمكن أن يتداركه: التوبة أو المصيبة الدنيوية أو البرزخية أو الشفاعة أو العفو، ومما ذكرنا ظهر أن الكافر الذي يؤمن محبوب له تعالى في علم الغيب والمؤمن الذي يكفر مبغوض أبدا. لا يقال: هذا ينافي قوله تعالى * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) * فإن هؤلاء كانوا محبوبين لله تعالى، لأن الرضا عنهم يوجب المحبة ثم صار بعضهم مبغوضا بالنفاق في حال حياته (صلى الله عليه وآله) وبعضهم بالخلاف بعده. لأنا نقول: الرضا متعلق بالمؤمنين وكون هؤلاء من المؤمنين عند المبايعة ممنوع، وعلى تقدير التسليم كان الرضا مشروطا بالوفاء وعدم النكث كما يدل عليه قوله تعالى * (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) * وهؤلاء لما نكثوا علم أنهم فقدوا شرط المحبة، وفي هذا الحديث رد على الأشاعرة القائلين بأنه تعالى أراد جميع أفعال العباد ورضي بها وأحبها بناء على ما زعموا من أنه الموجد لها. * الأصل: 2 - علي بن محمد رفعه، عن شعيب العقرقوفي، عن أبي بصير قال: كنت بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام) جالسا وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله ! من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم الله لهم في علمه بالعذاب على عملهم ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أيها السائل حكم الله عزوجل لا يقوم له أحد من خلقه بحقه. فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على معرفته ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ماهم أهله. ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، ومنعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم في علمه ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه. لأن علمه أولى بحقيقة التصديق وهو معنى شاء ما شاء وهو سره. * الشرح: (علي بن محمد رفعه، عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير قال: كنت بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام) جالسا) قوله جالسا إما خبر والظرف متعلق به أوحال والظرف خبر (وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله من أين لحق الشقاء أهل المعصية) (1) أي من أي محل، على أن يكون " من "


1 - قوله: " من أين لحق الشقاء أهل المعصية " لا يخلو ما ذكره في تأويل الخبر عن تكلف ولكن من المعلوم من مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، لأن ظاهره الجبر وأنه تعالى قدر السعادة لبعض الناس والشقاء لبعضهم فمن قدر له السعادة سهل له السبيل إليها ومن قدر له الشقاء هيأ له وسائل العصيان ومنعه من قبول الطاعات ولم يقدروا أن يتخلصوا منه، لأن علم الله فيهم لا يتخلف. فإن قيل كيف قهرهم على الشقاء، قيل في الجواب إنه تعالى علم أنه يشقى لا محالة، وإن سهل له = (*)

[ 281 ]

للابتداء أو " من " أي سبب على أن يكون للتعليل كما في قوله تعالى * (مما خطيئاتهم أغرقوا) * ويكون أين بمعنى أنى للسؤال عن الحال (حتى حكم لهم في علمه بالعذاب) عليهم (على عملهم) اللام في " لهم " للتهكم و " في " بمعنى الباء أي بسبب علمه بسوء حالهم وقبح مآلهم وفساد أعمالهم أو للظرفية


= السبيل إلى طاعته لا يطيع ولذلك لم يقدر له وسائل الطاعة وأسبابها وهو لا يوافق ساير ما روي عنهم (عليهم السلام) من أنه تعالى سهل أسباب الخير لجميع الناس وسوى التوفيق بين الوضيع والشريف مكن من أداء المأمور وسهل سبيل اجتناب المحظور وقال تعالى * (هديناه النجدين) * وتأويل الشارح كما ترى لا يخلو عن التكلف. وحمله صدر المتألهين على السؤال عن علة دوام العقاب وخلوده مع أن العصيان متناه منقض في زمان قليل متناه، وحمل جواب الإمام (عليه السلام) على أن العقاب ليس على نفس العمل فإنه عرض ينقضي وحكم الله تعالى بالعقاب الدائم لا يقوم له ولا يتسبب عنه وليس من حق العمل العقاب بل إنما يكون العمل معدا، لأن يفيض من الله تعالى على النفوس ملكات راسخة واعتقادات ومعارف يبقى ببقاء الله تعالى فيدوم الثواب والعقاب ببقاء تلك المعارف والملكات كما أن قصور الغارس في تربية الشجر في مدة قليلة يوجب فساد ثمارها، وهذا تأويل حسن في نفسه لكن في حمل ألفاظ الخبر عليه تكلف، ومع ذلك فهذا خبر مرسل مضطرب المتن لا حجة فيه وإن فرض حجية أخبار الآحاد في هذه المسائل فقد رواه الشيخ الصدوق - رحمه الله - في التوحيد مع اختلاف لا يوجب الجبر. وقال العلامة المجلسي (رحمه الله) بعد نقله من التوحيد هذا الخبر: مأخوذ من الكافي وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق (رحمه الله) وانه إنما فعل ذلك ليوافق مذهب العدل انتهى. وهذا الاحتمال الذي ذكره لا يتطرق عندي إلى نقل فساق مؤرخي المخالفين فكيف إلى رواية أعاظم علماء أهل الحق وفي الصفحة 583 من المجلد الرابع أن الصدوق من عظماء القدماء التابعين لآثار الأئمة النجباء الذين لا يتبعون الآراء والأهواء انتهى. وهو كلام تام في مدح الصدوق (رحمه الله) ولكنه رحمه الله لم يكن تأخذه في تحقيق الأخبار لومة لائم ولا يجاري هو معلوم من طريقته خصوصا في البحار، منها ما في المجلد الثالث عشر في حديث ملاقاة سعد بن عبد الله الأشعري للعسكري (عليه السلام) على ما سبق في الصفحة 332 من المجلد الثالث من هذا الشرح بعد نقل كلام الشهيد (رحمه الله) في كون هذا الخبر موضوعا قال معترضا عليه: رد هذه الأخبار للتقصير في معرفة شأن الأئمة الاطهار إذ وجدنا أن الاخبار المشتملة على المعجزات الغريبة إذا وصل إليهم فهم إما يقدحون فيها أو في راويها بل ليس جرم أكثر المقدوحين من أصحاب الرجال إلا نقل مثل تلك الأخبار انتهى. وليت شعري إن كان الشهيد الثاني مقصرا في معرفة الأئمة (عليهم السلام) فمن هو العارف بهم ؟ وإن كان أصحاب الرجال وهم الشيخ الطوسي والنجاشي والعلامة الحلي وابن داود وأمثالهم غير معتمد عليهم في قدح المقدوحين لعدم معرفتهم بمقام الأئمة (عليهم السلام) فممن يجب أن نأخذ معالم ديننا وأدلة معارفنا، وأعجب منه قوله في المفيد عليه الرحمة فإنه بعد ما نقل فصولا من كلامه في رد بعض روايات ظاهرها الجبر قال في الصفحة 74 من المجلد الثالث: طرح الآيات والأخبار المستفيضة بأمثال تلك الدلائل الضعيفة والوجوه السخيفة (يعنى بها أفادات المفيد (قدس سره)) جرأة على الله وعلى أئمة الدين انتهى. ولا المفيد متجريا على الله والرسول والأئمة (عليهم السلام) فمن المؤمن الخائف من الله المطيع له ولرسوله، وكذلك لم ينج أكثر الفقهاء من طعن تلويحا أو تعريضا ولكن ذلك كله فلتات ولمم وبناؤه على تعظيمهم وتجليلهم والاعتراف بفضائلهم ومناقبهم إلا إذا ردوا خبرا أو ضعفوه أو أخرجوه من ظاهره بتأويل والله يهدي إلى سواء السبيل. (ش) (*

[ 282 ]

المقدرة لاستقرار هذا الحكم في علمه المحيط بكل شئ واحتواء علمه به كاستقرار السعي في الحاجة في قوله سعيت في حاجتك والباء متعلق بحكم و " حتى " عاطفة لا جارة بقرينة وقوع الفعل بعدها، وما بعدها هاهنا أقوى مما قبلها، لأن للشقاء أفرادا وهذا الفرد وهو حكم الله تعالى عليهم بالعذاب أقوى أفراده، ولذلك جعله السائل غاية له ليقيد لحوق جميع أفراد الشقاء بهم حتى هذا الفرد الذي لا شقاء أقوى منه، ثم إن أراد بلحوق الشقاء لحوقه بحسب العلم الإلهي كان المعطوف مؤخرا بحسب الذهن ونفس الأمر جميعا، لأن هذا الحكم تابع لعلمه بشقائهم وإن أراد به لحوقه بحسب الخارج كان المعطوف مؤخرا بحسب الذهن لملاحظة إحاطة أفراد الشقاء بهم فردا بعد فرد إلى أن بلغ هذا الفرد الذي هو نهاية أفراده وأقواها ومقدما بحسب نفس الأمر لأنه تابع لعلمه الأزلي بحالهم، بقي هاهنا شئ وهو أنه إن أراد بالمعصية المعصية الموجبة للدخول في النار أبدا مثل الكفر يراد بالشقاء الشقاء التام وبالعذاب العذاب الأبدي، وإن أراد بها أعم مما ذكر يراد بهما أيضا أعم مما ذكر وحينئذ يراد بقوله " حكم لهم بالعذاب " أنه حكم لهم باستحقاق العذاب لئلا ينافي جواز العفو وغيره في بعض الصور، ولما سأل سائل عن المبدأ الأول والسبب الأصلي للشقاء أشار (عليه السلام) إلى أن ذلك سر من الأسرار التي لا يصل إليها العقول الناقصة. (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أيها السائل حكم الله لا يقوم له) أي لمعرفته ومعرفة أسراره (أحد من خلقه بحقه) أي بحق الحكم أو بحق القيام، ولعل المراد بهذا الحكم هو حكمه تعالى في علمه بالثواب والعقاب على عملهم أو حكمه تعالى في مادة الإنسان بامتزاج الماءين أو بامتزاج الطينتين طينة الجنة وطينة النار كما في بعض الروايات، وهذا الامتزاج مبدأ للقوة الداعية إلى الخير والشر والسعادة والشقاوة (فلما حكم بذلك) أي بالثواب والعقاب أو بالامتزاج المذكور (وهب لأهل محبته) أي للذين علم أنهم سيصبرون على طاعته ويقومون على أمره ونهيه ويسلكون باختيارهم سبيل محبته (القوة على معرفته) (1) القوة إن اعتبر في مفهومها صلاحية تأثيرها في الخير والشر وإمكان ارتباطها


1 - قوله: " القوة على معرفته " هذه الجملة إلى قوله " وهب لأهل المعصية " محذوفة من نسخة كتاب التوحيد للصدوق (قدس سره) على ما نقل في البحار وموجودة في النسخ التي بأيدينا فتصير العبارة بعد الحذف هكذا " وهب لأهل محبته القوة على المعصية " وهو معنى صحيح موجه يعنى وهب للصلحاء القوة على العصيان فهم مع أنهم كانوا قادرين على المعصية اجتنبوها ليتم الحجة على الأشقياء كما وهب للاشقياء القدرة على الطاعة ليصح مؤاخذتهم، ولما كان الثاني ظاهرا لم يصرح به في الحديث، وبالجملة بعد حذف هذه العبارة يستقيم المعنى بغير تكلف. ولعلها من زيادات بعض الناسخين في الكافي وبعض نسخ التوحيد لأنهم رأوا القوة على المعصية غير مناسبة لأهل محبته وظنوا حذف شئ فزادوها بظنونهم حتى يكون هبة القوة على المعصية لأهل المعصية والقوة على الطاعة لأهل الطاعة ليتسق الالفاظ وإن فسد المعنى، ويحتمل أن تكون الزيادة صحيحة والحذف من نسخة التوحيد التي كانت عند المجلسي عليه الرحمة لغلط الكاتب والله العالم. (ش) (*)

[ 283 ]

بالفعل والترك إلا أنها في هؤلاء لما كانت متوجهة إلى طريق الخير ومتعلقة بسبيل المعرفة خصها بالذكر باعتبار هذا الطريق لا نتفاء أثرها في غيرها. (ووضع عنهم) لطفا وتوفيقا لهم لمراعاتهم ما هو الغرض من هذه القوة (ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله) من الإتيان بالطاعات والاجتناب عن المنهيات والسلوك إلى الله، وبذلك صاروا من أهل المحبة والسعادة، فالقوة والإعانة منه تعالى، والفعل منهم على سبيل الاختيار. (ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم) وجه التخصيص يعرف مما ذكر، وإنما أضاف المعصية إليهم لا إليه سبحانه كما في المحبة والمعرفة للتنبيه على أن معصيته مما ينبغي أن لا يقع وأنها لكونها من مقتضيات نفوسهم وجب أن يضاف إليهم ولما كان المراد بهذه القوة القوة الجامعة لشرائط التأثير في المعاصي بقرينة تخصيص تعلقها بالمعصية بالذكر أشار إلى تعليل هبتها بوجه يخرجها عن الجبر والظلم بقوله (لسبق علمه فيهم) بما يصيرون إليه من المعصية والمخالفة، وهذا العلم تابع للمعلوم بمعنى أنه مطابق له، والأصل في هذه المطابقة هو المعلوم إذ لولاه لم يتعلق العلم به لا بمعنى أنه متأخر عنه لاستحالة حدوث العلم له تعالى (ومنعهم إطاقة القبول منه) في الطاعات وسلوك سبيل الخيرات، والظاهر أن إضافة المنع إلى ضمير الجمع من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، والمقصود أن هبة القوة المؤثرة في المعصية لأجل مجموع هذين الأمرين أعني العلم والمنع فلا يلزم الجبر لاستناد المنع إليهم. وإنما قلنا " الظاهر ذلك " لاحتمال أن يكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول، والفاعل هو الله تعالى، والمقصود منه سلب التوفيق والإعانة عنهم بسبب إبطالهم الاستعداد الفطري لإطاقة القبول منه وإفسادهم القوة المعدة لقبول الطاعة ولا يلزم منه جبر ولاظلم، لأن الجبر إنما يلزم لو لم يهب لهم القوة على الطاعة وإطاقة القبول (1) والظلم إنما هو وضع الشئ في غير موضعه، وهم بسبب ذلك الابطال والافساد خرجوا عن استحقاق الإعانة والتوفيق (فواقعوا) بالقاف والعين، وفي بعض النسخ: فوافقوا بالفاء والقاف (ما سبق لهم في علمه) من المعاصي الموجبة لعذابهم (2) (ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم (3) من عذابه، لأن علمه أولى بحقيقة التصديق).


1 - قوله: " ومنعهم إطاقة القبول " في التوحيد: " لم يمنعهم إطاقة القبول " منه يعني أن الله عزوجل لم يمنع أولياءه وأهل محبته من القدرة على المعصية وقبول صفات وملكات تدعو إليها إذ علم أنهم لا يعصون مع كمال القدرة كما في قصة يوسف (عليه السلام). (ش) 2 - قوله: " من المعاصي الموجبة لعذابهم " بناء على نسخة التوحيد و [ مع ] حذف ما مر من العبارة يصير المعنى فوافقوا ما سبق لهم في علم الله من الخير والصلاح وإن كانت فيهم القوة على العصيان. (ش) 3 - قوله: " ولم يقدروا أن يأتوا حالا " وفي كتاب التوحيد: " وإن قدروا أن يأتوا خلالا تنجيهم عن معصيته " معناه بناء على = (*)

[ 284 ]

إن قلت: علمه تعالى بأحوالهم الموجبة لعذابهم لا يقتضي أن تكون تلك الأحوال واجبة وأن لا يكون لهم قدرة على الأحوال الموجبة لنجاتهم عن العذاب إذ العلم تابع للمعلوم لا علة له. قلت: لادلالة فيه على أن علمه علة لتلك الأحوال وعدم قدرتهم على نقيضها وإنما دل على أن المعلوم واجب الحصول، لأن علمه مطابق. وأما وجود المعلوم فهو مستند إلى علته التامة التي هي باختيارهم (1) ومع تحقق علته التامة فهو واجب الحصول، ونقيضه ممتنع لا قدرة لهم عليه (وهو معنى شاء ما شاء وهو سره) أي إعطاء القوة على الطاعة والمعصية وعدم الجبر على شئ منها تحقيقا لمعنى الاختيار والتكليف هو معنى شاء ما شاء وسره إذ لو لم يشأ صدورها على سبيل الاختيار لما أعطاهم القوة عليها ولجبرهم على الطاعة، وفيه رد على الجبرية القائلين بأن معناه أنه تعالى أراد جميع أفعال العباد وفعل هو خيرها وشرها، وهم - كما صرح به بعض المتأخرين منهم - صنفان، صنف يقولون بأنه تعالى هو الفاعل لأفعال العباد وليس لهم اختيار وقدرة عليها أصلا، وصنف يقولون لهم قدرة واختيار على أفعالهم، ولا يكون لقدرتهم واختيارهم مدخل وتأثير فيها وإنما الموجد لها هو الله تعالى، والعبد كاسب، بمعنى أنه محل لتلك الأفعال التي أوجدها الله تعالى فيه، وتحقيقه يرجع إلى أن العبد إذا توجهت قدرته إلى الفعل سبقت قدرته تعالى إليه وتوجدها، وهذا الصنف وهم الأشاعرة مع موافقتهم للصنف الأول في بعض الوجوه خالفوهم بوجه آخر لئلا يرد عليهم أن فعله تعالى معاصي العباد ثم تعذيبهم بها ظلم وجور لأنهم يقولون يستحق العباد التعذيب باعتبار المحلية والكسب واقتران المعصية مع قدرتهم وإن لم يكن قدرتهم مؤثرة فيها أصلا. وأنت تعلم أن القول بوجود قدرة غير مؤثرة غير معقول، لأن القدرة صفة مؤثرة على وفق الإرادة فلو لم يكن قدرة العبد مؤثرة كانت تسميتها قدرة مجرد اصطلاح وأن الظلم لازم غير مدفوع، ولقد أحسن بعض أصحابنا حيث أتى بالتمثيل لإيضاح قبح هذا القول وقال: لعمري إن القول بكسب العبد وبأن قدرته غير مؤثرة وإنما المؤثر قدرة الله تعالى ثم القول بثواب العبد أو عقابه من باب أن يقال إن


= حذف العبارة أو ذكرها مختلف، أما على حذف العبارة فيجب أن يقرأ وأن قدروا بفتح همزة أن والمعنى أن أهل المحبة وافقوا ما سبق بهم في علمه تعالى من الخير واتفق لهم أن قدروا فعل أمور أوجب نجاتهم، وأما على ذكر العبارة فالمعنى أن أهل المعصية وافقوا ما سبق لهم في علمه تعالى من العصيان ولم يكن هذا جبرا لهم على العصيان لأنهم قدروا أن يأتوا أمورا تنجيهم ولكنهم اختاروا العصيان بسوء اختيارهم، لأن علم الله ليس ملزما وحينئذ يقرأ " وإن قدروا " بكسر همزة " إن " والله العالم ومنه التوفيق. (ش) 1 - العلة التامة لا تنافي الاختيار. (*)

[ 285 ]

أحدا قادر على الزناء مثلا إذا كان معه قادر آخر تكون قدرته أشد من قدرته وارتكب الزناء دون الأول صار ذلك الضعيف الغير المرتكب له مستحقا للحد والرجم دون المرتكب له، وهو كما ترى. * الأصل: 3 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد عن يحيى ابن عمران الحلبي، عن معلى بن عثمان، عن علي بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه قال: يسلك بالسعيد في طريق الأشقياء حتى يقول الناس ما أشبهه بهم بل هو منهم، ثم يتداركه السعادة، وقد يسلك بالشقي طريق السعداء حتى يقول الناس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثم يتداركه الشقاء، إن من كتبه الله سعيدا وإن لم يبق من الدنيا إلا فواق ناقة ختم له بالسعادة. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحبي، عن معلى بن عثمان، عن علي بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: يسلك بالسعيد في طريق الأشقياء) تقول أسلكت الشئ في كذا إسلاكا وسلكته فيه سلكا بالفتح فانسلك إذا أدخلته فيه فدخل، فالفعل متعد إما مزيد أو مجرد وعلى التقديرين إما معلوم مسند إلى ضمير يرجع إلى الله تعالى أو مجهول مسند إلى الظرف والباء للمبالغة في التعدية وقد تجعل للتعدية بناء على أن السلك قد يجئ لازما (حتى يقول الناس ما أشبهه بهم) إظهارا للتعجب في كمال المشبهة بينه وبينهم في الشقاء (بل هو منهم) لحصول المساواة في الظاهر وانتفاء التشبيه المشعر بالتفاوت (ثم يتداركه السعادة) برجوعه إلى طريق السعداء وندامته عما كان فيه فيحسن خاتمته، وقد تقرر أن كل من مات على شئ حكم له به من خير أو شر (وقد يسلك بالشقي طريق السعداء حتى يقول الناس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم ثم يتداركه الشقاء) بالحركة إلى طريق الأشقياء واستقرار خاتمته على الشقاوة. (إن من كتبه الله سعيدا وإن لم يبق من الدنيا فواق ناقة ختم له بالسعادة) الفواق بالفتح والضم ما بين الحلبتين من الوقت، لأن الناقة تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل ثم تحلب، وهذا تمثيل بقرب ما بين موته ووصوله إلى مرتبة السعادة ثم تلك السعادة حصلت له باختياره وحسن اعتباره مع لحوق اللطف والتوفيق به، ولا يلزم من كونه مكتوبا من السعداء سلب الاختيار عنه إذ معنى كتبه سعيدا ليس تعلق علمه بأنه سعيد (1) وعلمه بسعادته لا يلزم وجودها لا باختياره وإرادته، لأن العلم تابع


1 - قوله: " ليس إلا تعلق علمه بأنه سعيد " هذا هو الكلام الحاسم لمادة الإشكال وعليه نجري في تأويل كل كلام يوهم خلاف = (*)

[ 286 ]

للمعلوم ومطابق لما يقع في نفس الأمر، وفيه تنبيه على الخوف من سوء الخاتمة، وهو الذي قرح قلوب العارفين، ووقع من سوئها جزئيات كثيرة، وزل فيها أقدام جماعة من أهل العرفان ولذلك كان أهل الحق والسعادة يطلبون حسن العاقبة واستقامة الخاتمة بالتضرع والابتهال، وقد وقع مثل هذا الحديث في طرق العامة، روي مسلم في باب بيان المقادير السابقة بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم عمله بعمل أهل الجنة " وبإسناده عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة ". قال المازري: الانتقال من الشر إلى الخير كثير، وأما من الخير إلى الشر فهو في غاية الندور، وهو من باب " سبقت رحمتي غضبي " ثم الشر المنتقل إليه أعم من كونه كفرا وشر مخالفة. قال الآبي: وما ذكر المازري من أن ذلك في غاية الندور، ذكر الغزالي أن تسعين صديقا انحطت من درجة الصديقية إلى درجة الزندقة باتخاذ النساء، وغرضنا من نقل أحاديثهم وأقاويلهم هو الإشعار بأنهم أيضا قايلون بأن الانتقال من أحدهما إلى الآخر غير مستبعد من غير المعصوم فكيف يستبعدون ذلك من الثلاثة الذين خلفوا على تقدير إيمانهم وخروجهم من الكفر الذي مضوا عليه في أكثر عمرهم.


= ذلك وقد نظمه بعض الشعراء ونسب إلى الحكيم نصير الدين الطوسي (قدس سره): علم ازلى علت عصيان كردن * نزد عقلا زغايت جهل بود وبالجملة علم الله تعالى أن كل شئ يتحقق بأسبابه وعلله الواقعية فما كانت علته أمرا طبيعيا كالشفاء من المرض بالدواء، والموت بالسم، ونبات الشجر بسقي الماء، وإضاءة العالم بطلوع الشمس، أو كانت أمرا اختياريا كالنجاة من القتل بالفرار، وتحصيل المال بالاكتساب، والتفقه بالنفر إلى العالم والتعلم منه، والجنة بالإطاعة، فكل تلك إنما علم الله تعالى وقوعها بأسبابها والإطاعة في علم الله تعالى باختيار العبد وليس شئ أمرا محتوما بحيث يجب أن يقع وإن لم يكن وجد سببه، فليس علم الله تعالى بنبات الشجر بسقي الماء موجبا لنباته وإن لم يكن ماء ولا علمه الله تعالى بشفاء المرض بالدواء موجبا للشفاء وإن لم يكن دواء وكذلك علمه تعالى بإطاعة العبد باختياره الإطاعة ليس موجبا لوقوع الإطاعة وإن لم يختر العبد الإطاعة، وهذا أصل فليكن في ذكرك واحمل جميع ما يوهم الجبر عليه إن شاء الله تعالى. (ش) (*)

[ 287 ]

باب الخير والشر (1) * الأصل: 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن محبوب وعلي بن الحكم، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن مما أوحى الله إلى موسى (عليه السلام) وأنزل عليه في أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الخير وأجريته على يدي من أحب، فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يدي من أريده، فويل لمن أجريته على يديه. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن محبوب وعلي بن الحكم، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن مما أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) وأنزل عليه في التوراة) العطف للتفسير مع احتمال أن يكون الإيجاد قبل الإنزال (إني أنا الله لا إله أنا) إشارة إلى التوحيد في الذات والصفات (خلقت الخلق) إشارة إلى التوحيد في كونه مبدأ لجميع المخلوقات مع احتمال أن يراد بالخلق الخلق القابل للخير والشر بقرينة المقام (وخلقت الخير وأجريته على يدي من أحب فطوبى لمن أجريته على يديه) طوبى فعلى من الطيب والواو منقلبة عن الياء لا نضمام ما قبلها وقيل: هي اسم شجرة في الجنة وعلى التقديرين فهو مبتدأ والمعنى له طيب العيش أو له الجنة لأنها تستلزم طيبه (وأنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يدي من أريده) أي من أريد إجراءه


1 - قوله: " الخير والشر " إما أن يراد بالخير والشر الطاعة والمعصية أو أعم منهما ومن الخيرات والشرور التكوينية، والشبهة في الأول من جهتين، وفي الثانية من جهة واحدة، لأن الخيرات التكوينية كالمعادن والنباتات والحيوانات النافعة لا شبهة في حسن إيجادها من الحكيم تعالى وإنما الشبهة في الموجودات الضارة كالسموم والسباع والعقارب والحيات وأما الطاعة والمعصية فخلقهما مطلقا يوجب الجبر لا فرق بين الخير والشر ولكن ليس في الإجبار على الخير ظلم من حيث هو إلا إذا اختص ذلك ببعض الناس وحرم الآخرون، والاشكال إنما هو في الإجبار على الشر والمعاصي ويرجع الأمر بالأخرة إلى توجيه صدور الشرور عنه تعالى أعم من المعاصي أعني أسبابها والقدرة عليها وخلق من يعلم أنه يعصي، أو من الأمور التكوينية كالأمراض والآلام. والجواب المشترك: أن الشر مجعول بالعرض كما بينا مفصلا في بعض الحواشي قريبا، ويشير إليه الشارح في شرح الحديث الأول. (ش) (*)

[ 288 ]

على يديه (فويل لمن أجريته على يديه) هذا الحديث وما يتلوه دل بحسب الظاهر على الجبر كما هو مذهب الأشاعرة القائلين بأنه تعالى هو الخالق الموجد أفعال العباد كلها خيرها وشرها، وبطلانه لما كان معلوما عندنا بالعقل والنقل وجب التأويل فيه * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * ولكن لا بأس أن نشير إليه على سبيل الاحتمال والله أعلم بحقيقة الحال فنقول: لعل المراد بالخير والشر الجنة والنار وإجراؤهما عبارة عن الإعانة والتوفيق للمتوجه إلى الأول، وعن سلبهما عن المتوجه إلى الثاني. وهذا التأويل قد ذكره بعض شارحي نهج البلاغة حيث قال: وكأني بك تستعلم عن كيفية التوفيق بين ما روي في دعاء التوجه إلى الصلاة " الخير في يديك والشر ليس إليك " وما روي في الدعاء " اللهم أنت خالق الخير والشر " فوجه التوفيق أن المراد بالأول أن الأفعال التي فعلها الله تعالى وأمر بها حسنة كلها وليست القبايح من أفعاله تعالى ولا من أوامره، ومعنى الثاني أنه تعالى خالق الجنة والنار، انتهى. أو نقول: المراد بخلق الخير والشر تقديرهما والخلق كما جاء في اللغة بمعنى الإيجاد جاء أيضا بمعنى التقدير، والله سبحانه هو المقدر لجميع الأشياء والمبين لحدودها ونهاياتها حتى الخير والشر ومعنى إجرائهما ما عرفت، أو نقول: الخلق بمعنى الإيجاد مستلزم للإرادة والمشية والمراد هنا هو الإرادة على سبيل الكناية وقد صرح بعض علماء العربية بأن الكناية قد يتحقق في موضع يمتنع فيه إرادة الحقيقة. فإن قلت: فهو تعالى على هذا التأويل يريد الشر من أفعال العباد كما يريد الخير وهذا ينافي الحق الثابت عندنا من أنه يريد الخير دون الشر. قلت: لا منافاة أما أولا فلأن إرادة الشر بالعرض من حيث إنها تابعة لإرادة الخير وذلك لأنه إذا أراد الخير بدون حتم بمعنى أنه أراد صدوره عنهم باختيارهم ولم يجبرهم عليه فقد أراد الشر بالعرض فإرادته تابعة لإرادة الخير بالمعنى المذكور والحق الثابت أنه لا يريد الشر بالذات كما يريد الخير كذلك. وأما ثانيا فلأنه أراد الخير، صدر عنهم أو لم يصدر وأراد الشر لعلمه بصدوره عنهم على اختيارهم، فإرادة الشر تابعة للعلم بصدوره بخلاف إرادة الخير وسيأتي في ثالث باب الاستطاعة ما يدل عليه، والحق الثابت أنه لا يريد الشر بما هو شر، ولا ينافي ذلك إرادته من حيث علمه بصدوره عنهم، وسر ذلك أنه تعالى علم جميع الموجودات وأراد أن يكون علمه مطابقا للواقع فمن أجل ذلك كأنه أراد جميعها وإن كان بعضها مرادا له بالذات وبعضها مكروها له بالذات، ومنه يظهر سر * (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) * تأمل تعرف فإنه دقيق جدا (1) وحمل الحديث على التقية عن بعض


1 - قوله: " فتأمل تعرف فإنه دقيق جدا " وبينا ذلك في بعض الحواشي السابقة، وبالجملة: الشرور من لوازم كون الإنسان مختارا = (*)

[ 289 ]

الحاضرين أيضا محتمل. هذا، وقال بعض الناظرين في هذا الحديث أن إيجاده تعالى للشر بالعرض لا بالذات بل ذلك تابع لإيجاد الخيرات. ألا ترى أن خلق الماء فيه منافع كثيرة وشرور قليلة مثل هدم بعض الأبنية وهلاك بعض الأشخاص وهو تعالى إنما أوجده للأول لا للثاني، وكذا كل خلق مشتمل على خيرات كثيرة وشرور قليلة، وليس خلقه إلا لاشتماله على الخيرات لا لاشتماله على الشرور ولا لاشتماله عليهما جميعا فيكون وقوع الشر منه تعالى بالعرض وبتبعية الخيرات لا بالذات وظني أنه لا مدخل له في هذا الحديث (1)، لأن المقصود من الخير والشر هو الخير والشر من أفعال العباد كما يشعر له سياق الكلام وما ذكره إنما يتم في أفعاله تعالى لا في أفعالهم، وعلى تقدير التسليم فهذا القايل قد اعترف بأن موجد الخيرات بالذات (2) هو الله تعالى، وهذا بعينه مذهب الجبرية (3).


= في أفعاله فهي صادرة من الإنسان مباشرة ومنسوبة إليه وإن نسب إلى الله باعتبار أنه تعالى علم أن الإنسان المختار قد يختار الشرور ومع ذلك خلقه مختارا ولم يمنعه عن المعاصي إجبارا فيصدق أنه تعالى خلق الشر لكن بالعرض على ما تبين. (ش) 1 - قوله: " وظني أنه لا مدخل له في هذا الحديث " والحق أنه لا فرق بين الشرين ومناط الإشكال فيهما والجواب عنه واحد، والإشكال أنه لم خلق الشرور التكوينية كالأمراض والآلام ؟ ولم قدر المعاصي وأجراها على أيدي عباده مع أنه كان قادرا على عدم إيجاد الأمراض والآلام وعدم إيجاد من يعلم أنه يعصي والآلات التي يعصى به ؟ والجواب أن خلق الشرور بالعرض لا بالذات على ما أجاب الشارح. (ش) 2 - قوله: " وقد اعترف بأن موجد الخيرات بالذات " لعل القائل أراد بالخيرات الخيرات التكوينية ولا يرد عليه إيراد الشارح ولا يستلزم قوله الجبر. نعم يرد عليه تخصيصه الكلام بالتكوينيات إن كان مراده التخصيص، والأولى أن غرضه الجواب عن التكويني حتى يتنبه منه على جواب الشرور الاختيارية. (ش) 3 - قوله: " وهذا بعينه مذهب الجبرية " مذهب الجبرية أن الخير والشر كليهما من الله ولا يخصصون بالخير، والإجبار على الخير لو كان عاما لجميع الناس لم يكن ظلما وإنما الظلم الفرق والتخصيص، وقد استشهد بعض الجبرية بقول الحكماء " لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى " وهو استشهاد باطل صدر من جاهل غير متدبر للأمور، والعجب أنهم يعترضون على الحكماء في قولهم بإثبات العقول واسطة بين الله وبين بعض خلقه ويزعمون أنهم ينفون القدرة والتأثير عن الله تعالى وبعضهم يجعل إثباتهم المعدات والأسباب نفيا لقدرته تعالى فكيف يستشهدون بقولهم " لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى " والحق أنه " لا مؤثر في الوجود إلا الله " كما قالوا، لا تقليدا لهم وتعبدا لقولهم بل لأن سلسلة الوجود ينتهى إليه تعالى، والتسلسل باطل، فكل من فعل فعلا فانما فعل ما فعل بالوجود المستفاد منه المتعلق به والقدرة الحاصلة بإرادته. والإنسان الفاعل بالاختيار له وجود ظلي ربطي غير مستقل بل متعلق به تعالى وصدر فعله عنه بالاختيار الذي جعله الله تعالى فيه والتمكين الذي قدر له، وهذا لا يوجب الجبر بل هو عين الاختيار نظير ذلك عمل أفراد الجند باختياهم موافقا لإرادة أمرائهم وينسب فتح البلاد والظفر على الأعداء والغلبة في الحرب إلى القواد والأمراء وإلى كل واحد من الجندية ويثابون إن جهدوا، ويعاقبون إن قصروا، ولا ينافي تأثير الأمير والقائد الشجاع المدبر في الفتح والغلبة اختيار أفراد الجند، فالمؤثر أولا هو الأمير وبعده = (*)

[ 290 ]

* الأصل: 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حكيم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن في بعض ما أنزل الله من كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الخير وخلقت الشر فطوبى لمن أجريت على يديه الخير وويل لمن أجريت على يديه الشر وويل لمن يقول: كيف ذا كيف ذا. * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حكيم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن في بعض ما أنزل الله من كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الخير وخلقت الشر فطوبى لمن أجريت على يديه الخير، وويل لمن أجريت على يديه الشر) الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب (وويل لمن يقول: كيف ذا وكيف ذا) (1) على سبيل الإنكار والإشارة الأولى لخلق الخير وإجرائه على يد أهله والثانية لخلق الشر وإجرائه على يد أهله، أو الأولى لخلق الخير والشر، والثانية لإجرائهما على يد أهلهما. * الأصل: 3 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بكار بن كردم، عن مفضل بن عمر،


= الأفراد كل باختيارهم وإنما الجبر أن يجري فعل على يد العبد بسبب مباين مضاد لاختياره، وليكن في خاطرك هذا المثال حتى يحين حين شرحه في بيان الأمر بين الأمرين إن شاء الله تعالى. (ش) 1 - قوله: " ويل لمن يقول كيف ذا وكيف ذا " بعد تأويل ما ذكر في الحديث السابق لا حاجة إلى الكلام في هذا الحديث وفيما بعده لاتحاد المعنى فيها ولكن لا ينحسم عن الوهم مادة الشك وإن أقيم ألف برهان قوي يخضع لها العقل كما مثلنا سابقا بقولنا: الميت جماد، والجماد لا يخاف عنه، فيخضع العقل لقولنا: الميت لا يخاف عنه، ولا يخضع الوهم، وكذلك الدليل على امتناع غير متناهي في البعد والجزء الذي لا يتجزى ويختلج في الواهمة في مسألتنا أنا سلمنا كون الأفعال الاختيارية بإرادة العبد، أليس إرادة العبد مسببة عن إرادته تعالى كما مثلت بأمير الجند وأفرادها، فلولا تدبيره وشجاعته وإعداد الاسلحة والأرزاق لما ظفر الجند، ولو أراد الله تعالى أن لا يعصي العبد ولا يكفر ولا يشرك كان له القدرة على ذلك ولو شاء لهداهم أجمعين فلم لم يمعنهم. ويجاب عنه بأن أمير الجند يريد الخير وهو الغلبة والفتح وقد يقصر الجندي في ثغر فلا يفتح، والله تعالى أراد السعادة لعباده وقد يقصر بعضهم فيصير شقيا وكان الله قادرا على أن لا يخلق هذا العبد العاصي أو يجبره على الطاعة ولكن الحكمة اقتضت خلقه واختياره ولزم من ذلك الشر بالعرض، فيسأل: - كيف اقتضت الحكمته خلق رجل شرير وإعطاء الاختيار الذي هو بمنزلة السيف بيده ؟ فيقال: ليست الحكمة في ذلك بالذات بل هذا من لوازم الاختيار ومقتضياته، ولا يخضع الوهم لهذه الحجج بل الواجب عدم الاعتناء به كالوسواسي ولا يصلح حينئذ جواب إلا أن يقال " ويل من يقول كيف ذا وكيف ذا " لعدم إمكان إحاطة الإنسان بمصالح الأمور وحكم أفعال الله تعالى، وليس كل أحد يعرف الشر بالذات والشر بالعرض. (ش) (*)

[ 291 ]

وعبد المؤمن الأنصاري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال الله عزوجل: أنا الله لا إله إلا أنا، خالق الخير والشر فطوبى لمن أجريت على يديه الخير وويل لمن أجريت على يديه الشر وويل لمن يقول: كيف ذا وكيف هذا. " قال يونس: يعني من ينكر هذا الأمر بتفقه فيه ". * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بكار بن كردم) بكار بفتح الباء وتشديد الكاف، والكردم في اللغة الرجل القصير الضخم ثم جعل علما وشاعت التسمية به (عن مفضل بن عمر، وعن عبد المؤمن الأنصاري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال الله تعالى: أنا الله لا إله إلا أنا، خالق الخير والشر فطوبى لمن أجريت على يديه الخير وويل لمن أجريت على يديه الشر) ربما يقال: إنه تعالى لما أقدر العبد على الخير والشر كأنهما يجريان منه تعالى على أيديهم (وويل لمن يقول: كيف ذا وكيف هذا قال يونس يعني) بمن يقول (من ينكر هذا الأمر) وهو خلق الخير والشر وإجراؤهما على يد أهلهما (بتفقه فيه) أي في الإنكار أوفي هذا الأمر وقوله " بتفقه " إما مصدر مجرور بالباء أو فعل مضارع، وهو على التقديرين حال عن فاعل ينكر. وفي هذا التفسير إشارة إلى أن ترتب الويل على هذا القول إنما هو إذا كان القائل منكرا لهذا الأمر يدعي الفقه في ذلك الإنكار والعلم بخلاف ذلك الأمر، أو يطلب التفقه والدليل على ذلك الأمر كما أن المنكر لشئ قد يطلب من الخصم دليلا عليه لا ما إذا كان غير عارف بحقيقة ذلك الأمر ولا عالم بمعناه فيسأل العارف عنها فإن السؤال على هذا الوجه ليس بمنهي عنه والسائل ليس محلا للوعيد. تم المجلد الرابع ويليه إن شاء الله المجلد الخامس أوله: " باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ".

[ 292 ]

فهرس الآيات (الأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا).... 217 (الحمد لله فاطر)... 201 (الذين يحملون العرش)... 100 (الذين يحملون العرش)... 102 (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم)... 103 (الراسخون في العلم)... 130 (الرحمن على العرش استوى)... 83 (الرحمن على العرش استوى)... 84 (الرحمن على العرش استوى)... 84 (الرحمن على العرش استوى)... 86 (الرحمن على العرش استوى)... 97 (الرحمن على العرش استوى)... 104 (الله نور السماوات والأرض)... 8 (إنا أنزلناه في ليلة القدر)... 241 (إنا كنا عن هذا غافلين)... 114 (إنا كنا عن هذا غافلين)... 221 (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)... 218 (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)... 219 (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا)... 90 (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا)... 91 (إن بطش ربك لشديد)... 20 (إنما إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)... 185 (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)... 118 (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)... 226

[ 293 ]

(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)... 226 (إنما يخشى الله من عباده العلماء)... 215 (إنه كان حليما)... 92 (أفتهلكنا بما فعل المبطلون)... 114 (أفي الله شك فاطر السموات والأرض)... 175 (ألست بربكم)... 225 (ألست بربكم ؟ قالوا ! بلى)... 178 (أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ)... 113 (أو لم يتفكروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئ)... 198 (أولم ير الإنسان)... 236 (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا)... 236 (أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن)... 140 (أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم)... 114 (بسم الله الرحمن الرحيم)... 3 (تبارك الله أحسن الخالقين)... 121 (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى)... 169 (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض)... 92 (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)... 249 (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها)... 203 (ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)... 202 (سبحان الله)... 25 (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)... 198 (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول)... 215 (على العرش استوى)... 78 (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا)... 232 (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي)... 116

[ 294 ]

(فإذا سويته ونفخت فيه من روحي)... 116 (فأذنوا بحرب من الله ورسوله)... 258 (فتول عنهم فما أنت بملوم)... 231 (فسبحان الذي لا يؤوده خلق ما ابتدأ ولا تدبير ما برأ)... 140 (فلعلك باخع نفسك على آثارهم)... 208 (فلما آسفونا انتقمنا منهم)... 218 (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا)... 157 (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه)... 278 (قد جعل الله لكل شئ قدرا)... 258 (قضى أجلا وأجل مسمى عنده)... 235 (كتب عليكم الصيام)... 258 (كتب على نفسه الرحمة)... 258 (كل شئ هالك إلا وجهه)... 58 (كل شئ هالك إلا وجهه)... 211 (كل شئ هالك إلا وجهه)... 212 (كل من عليها فان ويبقي وجه ربك)... 212 (كل يوم هو في شأن)... 232 (كن فيكون)... 73 (لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله).... 25 - 26 (لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون)... 159 (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)... 278 (لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس)... 74 (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله)... 246 (لو شاء الله ما أشركوا)... 256 (ليس كمثله شئ)... 60 (ليس كمثله شئ)... 82 (ليس كمثله شئ)... 84

[ 295 ]

(ليس كمثله شئ)... 105 (ما خلقت السموات والأرض وما بينهما لاعبين).... 201 (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)... 80 (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم)... 81 (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم)... 96 (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا)... 90 (مسني الشيطان بنصب وعذاب)... 56 (مما خطيئاتهم أغرقوا)... 279 (من يطع الرسول فقد أطاع الله)... 217 - 218 (واتقو الله الذي تساءلون به والأرحام)... 45 (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه)... 66 (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ربكم)... 113 (وإذ قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده)... 35 (واسأل القرية)... 161 (وإن تجهر بالقول فأنه يعلم السر وأخفى)... 96 (وإن من شئ إلا يسبح بحمده)... 113 (وإن من شئ إلا يسبح بحمده)... 177 (وأتوا البيوت من أبوابها)... 215 (وأجل مسمى عنده)... 236 (وأحصى كل شئ عددا)... 134 (وأزلفت الجنة للمتقين)... 201 (وأشرقت الأرض بنور ربها)... 175 (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم)... 169 (وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله)... 93

[ 296 ]

(وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم)... 103 (وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين)... 67 - 72 - 73 (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)... 231 (وروح منه)... 118 (وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم)... 90 (وسع كرسيه السموات والأرض)... 96 (وسع كرسيه السموات والأرض)... 107 - 108 - 109 (وصوركم فأحسن صوركم)... 122 (وكان عرشه على الماء)... 111 - 112 (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض)... 98 (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين)... 90 (ولئن زالتا إن أمسكهما)... 91 (ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم)... 81 (ولدينا مزيد).... 201 (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)... 214 (ولم يكن له كفوا أحد)... 82 (وله الأسماء الحسنى فادعوه بها)... 100 (وله الأسماء الحسنى فادعوه بها)... 102 (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)... 270 (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)... 269 (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)... 286 (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون)... 140 (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون)... 201 (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)... 271 (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)... 226 (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)... 226 (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)... 228

[ 297 ]

(وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله)... 258 (وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل)... 114 (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)... 286 (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى)... 239 (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)... 161 (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)... 170 (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)... 158 (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)... 227 (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون)... 124 (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله)... 212 (ومن يطع الرسول فقط أطاع الله)... 219 (ونفخت فيه من روحي)... 119 - 122 (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)... 88 (وهو غني عمن سواه)... 107 (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير)... 96 (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)... 92 (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)... 100 (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)... 102 (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)... 117 (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا)... 236 (هو الأول والآخر)... 8 - 9 (هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)... 204 (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)... 217 (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض)... 227 (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد).... 107 (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله)... 223 (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله... 223

[ 298 ]

(يا عباد فاتقون)... 140 (يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)... 90 (يد الله مغلولة)... 232 (يعلم ما يسرون وما يعلنون)... 96 (يمحو الله ما يشاء ويثبت)... 234 (ءأمنتم من في السماء)... 84 (ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين)... 267

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية