الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 1

شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 1


[ 1 ]

شرح أصول الكافي: 1 كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الإسلام ابى جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبو الحسن الشعراني المجلد الأول

[ 3 ]

المقدمة / حياة المؤلف * حياة المؤلف هو المولى محمد صالح السروي المازندراني - قدس سره - كان رحمه الله - من أعاظم العلم، ونقدة الحديث، وفطاحل العرفان، جامعا للمعقول والمنقول، ماهرا في الاصول والفروع، أزهد أهل زمانه وأعبدهم وأروع أهل أوانه وأورعهم، قل من يساويه أو يدانيه في الزهد من أهل دهره. وقد يعبر عنه بفخر المحققين الصالح الزاهد المجاهد. ورد محروسة إصبهان في حلمه، وسكن بها، وتتلمذ لعلمائها الأعيان منهم المولى عبد الله التستري. وولده المولى حسن على، والمولى محمد تقي المجلسي، وتزوج بابنته الكبرى (آمنة بيكم) التي هي معروفة بالفضل والعلم والدين، ورزقه الله تعالى منها بنات وبنين، ومن جملة بناتها زوجة مولينا محمد أكمل الأصبهاني والدة الأستاذ الأكبر المولى محمد باقر البهبهاني. توفي - قدس سره - بأصبهان سنة 1081 أو 1086. والظاهر أن الاختلاف نشأ مما كتب على مزاره الشريف في تاريخ وفاته في مرثية طويلة بالفارسية حيث قال: هاتفي گفت بتاريخ كه آه * صالح دين محمد شده فوت فإذا حسبنا مادة التاريخ من لفظه (آه) الواقعة في المصراع الأول يكون 1086 وإن لم نحسبها يكون 1081. ودفن بأصبهان في مقبرة أستاذه العلامة المجلسي حنب المسجد الجامع مما يلي رجله - رحمهما الله. وهو مزار معروف يزار. وأما شرحه هذا فهو كتاب علمي كبير قل مثله، شرح الكافي مزجيا وفسر غريبه، وأبلج معضله، وشرح غامضه في مجلدات ضخمة فخمة. وهو من أحسن شروح الكافي وضعا، وأتمها نفعا، وأبعدها عن الافراط والتفريط، يطفح بالفضيلة، ويمتاز عما سواه من الشروح بجودة السرد ورصانة البيان، ويعرب عن طول باع مؤلفه الفذ في التحقيق وسعة اطلاعه، ولا غنى عنه لأي باحث متضلع في الحديث لما أودعه من العلم الغزير والدقائق والرقائق. ألا وهي بشرى نزفهاالى العلماء ورواد الفضل ومعتنقي الحديث والرواية من المثقفين الذين يرجون أن تخدم تراثنا العلمي الديني سيماكتب الحديث على النحو الذي يقرب منالها وييسر الانتفاع بها. فبذلنا غاية الوسع في تصيحح الكتاب على أوسع مدى مستطاع ولم نأل جهدا في تنميقه ومقابلته وعرضه على النسخ المصححة المقروءة على العلماء وتخريج أحاديثه، وتوضيح مشكله.

[ 4 ]

هذا ولاستاذنا العلامة الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني خطوات واسعة ويد ناصعة في إعانتنا بإحياء هذا التراث العلمي فأفاد بأثارة علمه الغزير وفضله الجم وعلق على الكتاب تعليقات راقية وشروحا وافية، حافلة بآرائه العملية التي لا غنى عنه لأي بحاثة منقب ديني تروقه دراية الحديث فضلا عن روايته، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير جزاء المحسنين آمين رب العالمين، ونرمز إلى تعاليقه ب‍ (ش). علي أكبر الغفاري * واعتمدنا في التصحيح والمقابلة على نسخ عدة: 1 - نسخة كاملة مصححة مقروءة على بعض العلماء في ثلاث مجلدات، تفضل بها الفاضل الألمعي السيد أبو الحسن الكتابي الأصبهاني أدام الله تعالى عمره. 2 - نسخة نفيسة ثمينة مصححة جدا، كتبها السيد محمد بن السيد زين العابدين وأرخها 1088 لخزانة كتب سماحة الحجة آية الله السيد شهاب الدين النجفي المرعشي نزيل قم المشرفة لاضحى ظله. وقد وعدنا بإرسال نسخ اخرى. 3 - نسخة مصححة (من أول الكتاب إلى تمام كتاب الحجة) لخزانة كتب المحقق المدقق البارع، سيدنا الحجة السيد موسى المازندراني دام ظله العالي. 4 - نسخ، مصححة (شرح كتاب الحجة) لمكتبة البحاثة، الاستاد السيد محمد مشكاة. وللمعظم له نسخة اخرى (شرح كتاب الروضة) تفضل بإرسالها أدام الله إفضاله. 5 - نسخة (من كتاب الإيمان والكفر) مصححة لخزانة كتب استاذنا العلامة الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني أبقاه الله منارا للحق. 6 - نسخة مصححة مؤرخة 1202 كتبها محمد علي بن شاه مراد التنكابني لمكتبة العلم الحجة المهذب البارع السيد محي الدين العلوي الطالقاني دام ظله. 7 - نسخة نفيسة ثمينة موشحة بالحواشي (شرح كتاب التوحيد فقط) لخزانة كتب المحقق، الاستاذ السيد محمد باقر السبزواري أدام الله عمره. 8 - نسخة نفيسة من أول الكتاب إلى آخر كتاب التوحيد تاريخها سنة 1124 تفضل بإرسالها السيد الجليل والحبر النبيل السيد صدر الدين الجزائري أدام الله إفضاله.

[ 5 ]

تقدمة للمحشي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي ألهم قلوب العارفين وجوب حمده، وأنطق لسان المتكلمين بشكر رفده، والصلاة على النبي الهادي إلى سبيل الرشاد والداعي إلى طريق الخير والسداد، وآله امناء الدين وحجج رب العالمين. وبعد فإن كتاب الكافي أجمع الكتب المصنفة في فنون علوم الإسلام وأحسنها ضبطا، وأضبطها لفظا، وأتقنها معنى، وأكثرها فائدة، وأعظمها عائدة، حائز ميراث أهل البيت وقمطر علومهم، فهو بعد القرآن الكريم أشرف الكتب وهو أحد الثقلين اللذين أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بهما وبأنا لو تمسكنا بهما لن نضل. وتصدى جماعة من أعاظم العلماء لشرحه خصوصا لقسم الاصول ومن جملتها هذا الشرح وهو للمولى العظيم العارف الحكيم المحقق الجامع للفضائل العملية والفنون العقلية والشرعية المولى محمد صالح بن أحمد بن شمس الدين السروي المازندراني المتوفى سنة 1086 وهو شرح مزجي حسن العبارة خال من التكلف لم يترك شيئا يحتاج إلى بيان إلا أتى به وسنذكر إن شاء الله ترجمة الشارح ومزايا شرحه ليكون الناظر فيه على بصيرة وهذا الشرح مع كمال جودته وكثرة فوائده لم يطبع إلى أن قيض الله في زماننا اناسا شمروا عن ساق الاجتهاد لنشر الكتب الدينية وطبع الاثار النبوية وعلوم أهل بيت الرسالة، ومنها هذا الشرح فقوبل بنسخ مخطوطة كثيرة وصحح بغاية الدقة وخرج صديقنا الفاضل الخريت (علي اكبر الغفاري) مصحح الكتاب أسناد الأحاديث الواردة في الشرح وذكر المأخذ في ذيل الصفحات وعلقت أنا عليه بعض ما ورد في خاطري الفاتر وفكري القاصر أثناء المطالعة مما يوضح كلام الشارح أو يسد ثلمة فيه أو يرفع ما يوهم التناقض منه وغير ذلك، من الفوائد، والمرجو من القارئين أن يعذرونا إن وقفوا على خطأ وسهو ويقيلونا من عثرة أو زلة فإنا معترفون بالقصور ونسئلهم لنا الدعاء وطلب المغفرة ولهم من الله التوفيق والهداية إن شاء الله. والفضل في عمل هذا الخير للسيد القدوة الموفق لكل سعادة (الحاج سيد إسمعيل الكتابچي) وإخوانه الغر، أصحاب المكتبة الإسلامية المقدمين على نشر آثار الائمة الطاهرين نرجو لهم ولنا التوفيق لإتمام هذا الغرض. أما ترجمة الشارح ووصف شرحه ترجمة الشارح قال في الروضات بعد ذكر الألقاب على ما هو دأبه: محمد صالح بن مولينا أحمد السروي المازندراني ثم الأصفهاني، كان من العلماء المحدثين والعرفاء المقدسين، ماهرا في المعقول والمنقول،

[ 6 ]

جامعا للفروع والاصول ورد ماء مدين إصفهان وتلمذ عند علمائها الأعيان مثل المولى عبد الله التستري أو ولده المولى حسن علي والمولى محمد تقي المجلسي وتزوج بابنته الكبرى المعروفة بسمة الفضل والعلم والدين ورزقه الله منها بنات وبنين ومن جملة بناتها زوجة مولانا محمد أكمل الاصفهاني التي هي والدة سمينا المروج البهبهاني رحمة الله عليهم أجمعين إلى أن قال: توفي بأصفهان سنة إحدى وثمانين بعد الألف ودفن مما يلي رجل صهره المجلسي في قبته المشهورة ثمة ونظموا في تاريخ وفاته بالفارسية من جملة مرثية طويلة كتبت على لوح مزاره الشريف (صالح دين محمد شده فوت) انتهى ما أردنا نقله. وأقول: كان وفاة المجلسي الأول أبي زوجته سنة ألف وسبعين قبل ما ذكر في تاريخ وفاة صاحب الترجمة باحدى عشرة سنة، فكان هو والمجلسي أبو زوجته متقاربي السن وكان وفاة المجلسي الثاني بعد وفاة صاحب الترجمة بثلاثين سنة والحق ما ذكرناه أولا من أن وفاته سنة 1086 بزيادة كلمة آه على المصراع وأورده المحدث النوري في خاتمة المستدرك حكايات لا فائدة فيها في تراجم الرجال ولعله أخذها من أفواه الناس لا من مأخذ يعتمد عليه. وفي بعض ما حكاه شك قال: كان - رحمه الله - يقول أنا حجة على الطلاب من جانب رب الأرباب، لأنه لم يكن في الفقر أحد أفقر مني وقد مضى علي برهة لم أقدر على ضوء غير ضوء المستراح، وأما في الحافظة والذهن فلم يكن أسوء مني إذا خرجت من الدار كنت أضل عنها وكنت أنسى أسامي ولدي وابتدأت بتعلم حروف التهجي بعد ثلاثين من عمري فبذلت مجهودي حتى من الله تعالى علي بما قسمه لي. وهذا نصح حسن، لكن روى عن الوحيد البهبهاني أنه شرح معالم الاصول في صغر سنه قال: ومن لاحظ شرح معالم الاصول علم مهارته في قواعد المجتهدين في ذلك السن انتهى. وهذا ينافي شروعه في تعلم حروف التهجي بعد الثلاثين، وروى أيضا أنه بعد فراغه من شرح اصول الكافي أراد أن يشرح فروعه أيضا فقيل له يحتمل أن لا يكون لك رتبة الاجتهاد فترك لأجل ذلك شرح الفروع. وقال شيخنا المحقق الحفظة وارث آثار العلماء صاحب الذريعة أطال الله بقاءه خرج منه أي من شرح الكافي للمولى صالح شرح كتاب العقل والجهل والتوحيد والحجة والايمان والكفر والدعاء والزكاة والخمس وجميع كتاب الروضة. وقال المحدث النوري إن السيد حامد حسين الهندي طاب ثراه ذكر في بعض مكاتيبه إلي من بلدة لكهنو أنه عثر على مجلد من مجلدات شرحه على الفروع وعزم على استنساخه وإرساله إلي فلم يمهله الأجل. وهذا يناقض ما ذكر من امتناعه عن شرح الفروع وليس الاجتهاد في الفروع أصعب حصولا وأمنع وصولا من التمهر في الاصول حتى يقتحم في الاصول من يحترز عن الفروع والخطأ في الفروع سهل، بخلاف الاصول ومن قدر على شرح

[ 7 ]

أحاديث الاصول وبيان الأدلة فيها وتأويل ما يخالف اصول المذهب ببيان شاف فهو قادر على حل مسائل الفقه وفهم معاني أخبار الفروع بطريق أولى، والذي يظهر من بعض عبارات الشارح أن علم الفروع عنده لم يكن بمثابة المعارف في الشرف والأهمية ولذا لم ينظر إليه إلا بالقصد الثاني وصرح بذلك في بعض كلامه قال: إن اسم الفقه في العصر الأول إنما كان يطلق على علم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع في نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب ويدل عليه قوله تعالى * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * فقد جعل العلة الغائية من الفقه الانذار والتخويف ومعلوم أن ذلك لا يترتب إلا على هذه المعارف لا على معرفة فروع الطلاق والمساقاة والسلم وأمثال ذلك. ثم إن الشارح - رحمه الله - كان راغبا في التصوف شديد التمسك به لكن تصوفه وتصوف أمثاله من علماء ذلك العصر كان خاليا من البدع والأهواء وكانوا مرتاضين متشرعين عاملين في السلوك والرياضة بما يوافق الشرع المبين البتة، قال في بعض كلامه: فيه أي في الحديث دلالة على أنه لا بد للناس من استاذ مرشد عالم ليحصل به نجاتهم. وفي كلام آخر له: " وبين أهل السلوك خلاف في أنه هل يضطر السالك إلى الشيخ العارف أم لا، وأكثرهم يرى وجوبه ويفهم ذلك من كلامه (عليه السلام) وبه يتمسك الموجبون له ويؤيده أن طريق المريد مع شيخه العارف بالله أقرب إلى الهداية وبدونه أقرب إلى الضلالة فلذلك قال (عليه السلام) " فنجا " أي النجاة متعلقة به ودلائل الفريقين مذكورة في مصباح العارفين " انتهى ثم إن الشارح مع تبحره في الحديث والنقليات كان عارفا بالعلوم المتداولة في عصره كالعلوم الرياضية والطب والكلام والحكمة الإلهية والمفهوم من تحقيقاته أنه كان خبيرا متضلعا بها وكان في الأكثر معتقدا لاصول صدر المتألهين والفيض - قدس سرهما - وكان يعترف بتشكيك الوجود وأنه ذو مراتب وأن وجود الممكن بالنسبة إلى الواجب وجود ربطي تعلقي وكان معتقدا للحركة الجوهرية والأجسام المثالية وبتجسم الأعمال في الآخرة وأنها نشأة اخرى، وكان معتقدا بتجرد النفوس وإمكان إتحادها بالعقول المجردة وغير ذلك من اصول صدر المتألهين، ولم يكن مقلدا يقبل مجازفات قدماء المشائين التي لا دليل لهم عليها على ما هو دأب بعض المتفلسفة كحصر العقول في العشرة وأن الله تعالى خلق كل عقل مع فلك إلى العقل العاشر، ولم يكن ينكر وجود العقول الجوهرية ولكن كان ينكر ما يوهم ظاهر كلامهم أن الله تعالى فوض أمر العالم إلى العقول ووساطة العقول عند أهل الحق نظير سببية الشمس والريح والماء في النبات، وبالجملة كانت فلسفته حكمة شرعية أو شريعة مستدلة بالعقل، ومع ذلك كان في التعبير بحيث لا يشمئز منه طبع الجاهل، وأذكر في ذلك مثالا من واعظ خبير باصطلاح الحكماء - وكان يخطب في المشهد

[ 8 ]

الرضوي عليه آلاف التحية والثناء ورزقنا الفوز بسعادة زيارته أبدا دائما - فقال الواعظ في ضمن كلامه في تحقيق الوجود وأن الوجود الحق هو عين ذات الله تعالى ولذلك يجب أن يقال: هو وجود ولا يقال هو موجود بمعنى أنه ذات له الوجود، توهم بعض الحاضرين أنه يريد إنكار وجود الواجب فاستشاط وقام وخرج. وبالجملة فالشارح حسن التعبير ولا يتكلم على اصطلاحات خاصة بهم لا يتبادر معناها ذهن الأكثر ومع ذلك فإنه يأتي بجمل متعاطفة متأكدة وقرائن متكررة يوجب التطويل. وقد يعترض على السيد المحقق الداماد في اختياره الغريب من الكلمات مثل كلمة " الحرص " في الحديث الثاني عشر " التوكل وضده الحرص " قال السيد: ضده الحرض بالضاد المعجمة وكذلك " الفهم وضده الحمق " قال الصحيح " القهم " بالقاف وقد يعترض على الحكيم المحقق المدقق استاد العلماء صدر المتألهين (قدس سره) في تعبيراته العويصة البعيدة عن أذهان الأكثرين ولكن اعتراضاته غالبا مناقشات لفظية ومؤاخذات تافهة والحق أن الصدر لم يكتب شرحه للأكثرين ولا يرد عليه شئ مما أورده، ولا يجب على العلماء أن يقتصروا على ما يفهمه جميع الناس، بل لأهل الدقة والذوق حق على العلماء يجب الإيفاء به ولا يعبؤ بما يعتقده كثير من أن ما لا يفهمه العامة من دقائق الحكمة ورقائق المعرفة فهو باطل فإن الناس مختلفون وما يعرفه المدقق الخبير يعسر على غيره، ويجب على من لا يفهم معنى أن لا يسرع إلى رده وإبطاله. ثم إن من أهم ما يجب أن يعلم أن الاعتماد في الاصول على العقل والكتاب والأخبار المتواترة وبالجملة ما يوجب اليقين دون أخبار الآحاد، والأحاديث الواردة في أبواب الاصول إنما يعتمد عليها إذا كانت موافقة لاعتقاد الشيعة الإمامية المعلوم بالقطع واليقين مما صرف العلماء عمرهم واستفرغوا جهدهم في استخراجها من الأدلة اليقينية، وأما ما خالفه فمأول أو مردود فلذلك ترى أن أكثر أحاديث الاصول في الكافي غير صحيحة الإسناد ومع ذلك أورده الكليني - رحمه الله - معتمدا عليها لاعتبار متونها وموافقتها للعقائد الحقة ولا ينظر في مثلها إلى الإسناد. ورأيت أن اشير إشارة مختصرة إلى عقائد الطائفة هنا وأذكر ما ذكره أعلم علمائنا وأوثقهم أعني العلامة الحلي - قدس سره - في الباب الحادي عشر ونبذة من غيره ليكون الناظر في الشرح على بصيرة تحفظه من التحير وتشتت الفكر عند اختلاف التأويلات ووجوه التفاسير، ويجعل العقيدة المعلومة أصلا يرجع ما يخالفه ظاهرا إليه إن شاء الله. فأقول: " اعتقادنا في الايمان أنه يجب فيه اليقين ولا يكتفي فيه بالظن إذ لم يعهد من أحد من المسلمين أن يكتفي في الحكم بإسلام الكافر بأن يقول: أظن أن لا إله إلا الله وأظن أن محمدا رسول

[ 9 ]

الله، بل صيغة الإسلام " أشهد " وهي أدل على اليقين من " أعلم " وأمثاله ونسب ذلك العلامة إجماع المسلمين وهو حق. واعتقادنا فيه أنه يجب أن يكون بالدليل لا بالتقليد لأن الاعتقاد التقليدي ليس علما ولأن الله تعالى ذم أقواما بتقليد آبائهم، ولأن التقليد لو كان إيمانا كان الكفار أيضا معذورين ولأن من يقلده الإنسان إن ثبت عصمته بالدليل اليقين فقوله يفيد العلم وليس ذلك تقليدا وإن لم يثبت عصمته يحتمل الخطأ عليه في قوله واعتقاده ولا يفيد قوله شيئا، واعتقادنا في الايمان أنه التصديق بالجنان فقط وأما الاقرار باللسان فهو علامة عليه فلو علم إيمان رجل من علامة اخرى كفى وليس العمل بالأركان أيضا جزء من الايمان لأن الإخلال بالواجبات وارتكاب المناهي لا يوجب الكفر بالاتفاق، وأيضا اعتقادنا فيه أنه لا يزيد ولا ينقص بنفسه لأن اليقين هو عدم احتمال الخلاف فإن احتمل الخلاف لم يكن إيمان، وإن لم يحتمل كان اليقين حاصلا وليس لعدم احتمال الخلاف مراتب كمراتب الظن، وإنما يكون الزيادة في الأدلة والمعتقدات والآثار، مثلا يعرف أحدنا إمامة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بدليل واحد ولا يحتمل الخلاف، ويعرفها آخر بألف دليل ولا يحتمل الخلاف فهذا الاختلاف في الأدلة لا في نفس اليقين، وأيضا يعرف أحد أن الله تعالى واحد لا شريك له ويعلم ذلك يقينا لا يشك فيه أصلا، ويعرف آخر أسمائه وصفاته ومعاني كل واحد وما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز بالأدلة وغير ذلك مما لا حصر له، فهذه الكثرة في المعتقدات، ثم إن بعض الناس يؤثر يقينه في العمل أكثر من تأثيره في الآخر فيخاف من عذاب الله أشد من آخر فهذا الاختلاف في الخوف، وهو من آثار الايمان بالمعاد لا نفس الايمان، والمؤمن لا يشك في المعاد ولا يتصور أن يكون أحد منهم يحتمل الخلاف والآخر لا يحتمله أو أحد يحتمل احتمالا ضعيفا والآخر احتمالا قويا. واعتقادنا في الله وصفاته ما هو معروف من أنه عالم بكل شئ جزئي وكلي من غير أن يكون له جارحة وعضو، وعلمه بالجزئيات علم حضوري على ما حققه المتأخرون من الحكماء كالمحقق الطوسي - قدس سره - وقال بعض المتكلمين: إن بصره بمعنى العلم بالمبصرات وسمعه بمعنى العلم بالمسموعات ولا يطلق عليه اللامس والذائق والشام مع علمه بالملموسات والمذوقات والمشمومات تعبدا شرعيا أو لغويا، وأيضا أنه تعالى قادر حي مريد كاره مدرك قديم أزلي باق أبدي متكلم وكلامه مخلوق حادث ليس قديما كما يقول به الأشاعرة، وأنه صادق لقبح الكذب عليه واعتقادنا في هذه الصفات أنه لا تشبه صفات الإنسان فهو موجود قائم بذاته وليس بجسم ولا حالا في جسم ولا محل له ولا جهة ولا يصح عليه التأثرات النفسانية كاللذة والألم والشهوة والغضب والأسف والحزن وأنه لا يتحد بغيره كما يقول به النصارى والغلاة من الشيعة، وأما الاتحاد في عرف المتصوفة فتصور معناه أشكل من التصديق بصحته وبطلانه، والحق السكوت عنه، ونعم

[ 10 ]

ما قال شارح الباب الحادي عشر بعد ابطال الاتحاد بمعناه المتبادر: فإن عنوا غير ما ذكرناه فلا بد من تصوره أولا ثم يحكم عليه وإن عنوا ما ذكرناه فهو باطل قطعا. واعتقادنا في الله تعالى أنه لا يرى بالبصر وأنه لا شريك له، وليست صفاته معاني زائدة على ذاته مثلا ليست حياته بنفس أو روح حيواني كما في أبداننا وليس صفاته منحصرة فيما ذكر بل لا يحيط بصفاته وأسمائه إلا هو، واعتقادنا أن حسن الأفعال أو قبحها ذاتي يعرفان بالعقل ولذا يحكم بهما من لا يعترف بشرع اصلا واعتقادنا أنا فاعلون بالاختيار ولذلك يصح من الله تكليفنا ولو كنا مجبورين قبح أن يخلق الفعل فينا ثم يعذبنا عليه. واعتقادنا أن القبيح محال عليه تعالى فلا يصدر منه وإن قدر عليه. واعتقادنا أن فعل الله تعالى لغاية ومصالح ولا يجوز أن يصدر منه فعل عبثا بل لا يمكن صدوره من غيره ولا يجوزأن يكون غاية فعله تعالى تكميل ذاته لأنه فوق كل كمال ولا أن يكون حاله بعد الفعل أولى به مما قبله، بل مقتضى حكمته ورحمته ولطفه إفاضة الخيرات وبذلك الاعتبار يصح أن يقال: هو ذاته غاية فعل نفسه فمنه المبدء وإليه المصير، فإذا قيل: لم فعل الله تعالى العالم اجيب بأن ذلك لرحمته وحكمته وهما عين ذاته، ولو قيل: لم فعل الإنسان بيتا له ؟ اجيب لأن يسكن فيه ويأمن الحر والبرد وهذه الغاية ليست عين ذات الإنسان بخلاف غاية فعله تعالى. واعتقادنا أن التكليف من الشارع حسن إذ خلق الشهوة والميل إلى القبيح والتكليف زاجر عنه وكل شئ يقرب العبد إلى ارتكاب المحاسن ويبعده عن المكاره كبعث الأنبياء وتأييدهم بالمعجزات والأمر والنهي والتخويف من العقاب والترغيب في الثواب لطف كما قيل: التكاليف الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية. واعتقادنا أن اللطف واجب في حكمته ورحمته كما قال: * (كتب ربكم على نفسه الرحمة) * وشرط اللطف أن لا يبلغ الإلجاء بأن يسبب الأسباب بحيث لا يتمكن العبد من المعصية مثلا لا يجب على الله أن لا يخلق الخمر حتى لا يشربها أحد أو لا يخلق فيه الشهوة حتى لا يزني فإن ذلك وإن كان يقرب العبد إلى الطاعة لكن يبلغ حد الإلجاء وهو ينافي التكليف كما قال: * (لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا) * يعني بالإلجاء لكن خيرهم ولم يجبرهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. ويجب أيضا عليه إقدار العبد وتمكينه من الفعل المكلف به وهذا شرط التكليف ولا يسمى لطفا فإن قيل: نرى كثيرا مما يقرب العبد إلى الطاعة يقينا لم يحصل مثلا لو رأى الفاسق في كل يوم معجزة من ولي ربما يرتدع ولو ابتلى كل فاسق ببلاء بعد عمله ربما انزجر، وأمثال ذلك. قلنا جميع ما يتوهم من ذلك إما امور غير ممكنة في حكمة الله تعالى وإما يصير إلى حد الالجاء وإن لم نعلم تفصيله. واعتقادنا في أفعال الله تعالى أنه ليس فيه شر وأن الآلام الصادرة عنه تعالى معوض في الآخرة

[ 11 ]

أو الدنيا بحيث يرضى به المبتلى ونظير ذلك من يموت بالزلازل والصواعق والأوبئة ومن يتضرر بذلك وهذا مقتضى عدل الله. واعتقادنا في القضاء والقدر أنهما علم الله بما سيقع وأن علمه لا يوجب جبر العباد. واعتقادنا في الفطرة التي خلق الله الناس عليها أنها فطرة التوحيد والتصديق ولم يخلق أحدا على فطرة خبيثة بحيث يستلزم جبره على الكفر والشر أو أقربيته إلى الشر ثم يعاقبه عليه، وقد سوى أولا التوفيق في الوضيع والشريف. واعتقادنا في البداء على الله تعالى أنه محال لأن البداء ندامة والندامة من الجهل صرح بذلك علماؤنا في التفاسير والاصول كالشيخ الطبرسي والطوسي والسيد المرتضى والعلامة الحلي وقال السيد عميد الدين في شرح التهذيب في قصة أمر إبراهيم بذبح ولده أنه لو كان أمرا حقيقة لزم منه البداء وهو باطل بالاتفاق، ومن أقر به لفظا فقد أوله معنى بحيث أخرجه من حقيقته كصدر المتألهين والمجلسي والسيد الداماد - رحمهم الله - وتأويل البداء نظير تأويل الغضب والرضا والأسف والترجى، فان جميع ذلك محال على الله تعالى بمعناها الحقيقي. واعتقادنا في أفعال الله تعالى أيضا أن كل شي مخلوق له يحتاج إليه حدوثا وبقاء ولا يستغنى عنه شئ بعد الحدوث. ولا قديم ذاتا غيره تعالى ولا المادة ولا الخلاء على ما كان يقول به بعض قدماء الفلاسفة، ولم يرد التعبد باعتقاد شئ من المكونات كعدد السماوات وطبقات الأرض وأبعاد الكواكب وعظام بدن الإنسان وشكل العرش والكرسي. والعلم المتعلق بهذه الامور ليس من الدين إلا من جهة دلالتها على حكمة الله وقدرته، نعم يجب الاعتقاد بوجود الملائكة والجن والشياطين من الموجودات الروحانية. واعتقادنا في النبوة أنها واجبة في الحكمة لأنها لطف في الواجب العقلي. واعتقادنا أن الأنبياء معصومون من المعصية عمدا وخطأ وإلا لارتفع الوثوق بهم، ولم يكن قولهم وفعلهم حجة وأنهم منزهون من كل ما ينفر الطباع ويسقط محلهم من القلوب كدناءة الآباء وعهر الامهات والرذائل الخلقية والعيوب الخلقية. وأنهم أفضل أهل زمانهم لأن تقديم غير الأفضل قبيح. واعتقادنا فيهم أنهم أفضل من الملائكة لأن الإنسان الكامل أشرف من كل موجود مجرد أو مادي، وربما خالف في ذلك بعض العلماء فجعل الملائكة أفضل. وليس في عدد الأنبياء وكتبهم وقصصهم ونسبهم واممهم شئ موظف يجب الاعتقاد به إلا ما ورد في نص القرآن، إذ ليس في ذلك أخبار متواترة غالبا. واعتقادنا في نبوة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) معروف وأنه أفضل الأنبياء وخاتم النبيين، وكتابه وهو القرآن أفضل الكتب فمن اعتقد أن هنا حكما أحسن من حكمه وقانونا أفضل من شرعه أو أنه كان نبيا

[ 12 ]

لقوم خاص كالعرب أو في زمان خاص، ولا يناسب شرعه جميع الأزمنة فهو كافر ليس بمسلم البتة. واعتقادنا في الإمامة أنها رئاسة عامة في امور الدين والدنيا نيابة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأنها لطف إذ يقرب العباد إلى الطاعة ويبعدهم من المعصية، فهي واجبة ويجب أن يكون الإمام معصوما حتى يجب طاعته ويحرم عصيانه، ولو احتمل في قوله وفعله خطأ خرجا من أن يكونا حجة ولذلك يجب أن يكون منصوصا من الله تعالى والنبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام السابق لان العصمة أمر خفي لا يطلع عليه إلا من قبل الله تعالى، ويجب أن يكون الإمام أفضل الناس لقبح إطاعة الفاضل المفضول. واعتقادنا في الأئمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) أنهم اثنا عشر معروفون، أجمع المسلمون على طهارتهم وفضلهم وقال النبي (صلى الله عليه وآله) في الحديث المتفق عليه بين الفريقين " أن الأئمة بعده اثنا عشر " روي بالفاظ مختلفة عن جابر بن سمرة وأورده البخاري والمسلم في الصحيحين وغيرهما في كتب كثيرة. واعتقادنا في المعاد أنه حق واجب " لتجزى كل نفس بما تسعى " ولو لم يكن معاد لزم العبث في التكليف وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجميع ما ورد في القرآن أو الروايات المتواترة من الصراط والميزان وإنطاق الجوارح وغير ذلك حق والثواب والعقاب لأهل الاستحقاق، والأعواض لأصحاب الضر والبلاء واجب، والتفضل لمن لا يستحق شيئا كالموتى بعمل الأحياء لهم حق واقع أيضا. واعتقادنا أن الاحباط باطل، وهو أن يقع العمل بشرائط الصحة ثم يبطل ثوابه بوقوع معصية فان ورد لفظ الاحباط في القرآن والروايات فهو بمعنى آخر غير معناه الاصطلاحي كعدم الثواب لعدم وجود شرائطه لئلا يخالف ما دل على وجود الجزاء. واعتقادنا أن الملكف معذور في الفروع إذا خالف مودى اجتهاده أو فتوى مجتهده الحكم الواقعي، إذ لا يقدر على غيره وما ورد في ذم الاجتهاد ليس بمعنى الاجتهاد المصطلح في زماننا. واعتقادنا أن قبول التوبة تفضل من الله تعالى وغير واجب ولذلك يمكن أن يؤخر عن التوبة. واعتقادنا أن كل مشقة تحملها لمكلف في سبيل أمر الشارع فقد وقع أجره على الله سواء في ذلك مقدمات الواجب أو نفسه وإن لم يوفق لاتمامه لعذر من جانب الله كمجاهد أو حاج مات في الطريق، لأن ترك إثابته بعد المشقة ظلم قبيح. ثم إن هذه الاصول وأمثالها المستفادة من القرآن الكريم المؤيدة بالعقول والاخبار المتواترة التي استخرجها علماؤنا منها بفكرهم الدقيق وجمعوها في كتبهم الكلامية وغيرها وإن وجد شئ في بعض الأخبار مخالف لها في الظاهر يجب تأويلها إن ثبتت صحتها بحيث يرفع التنافي. وذكر العلماء أن إنكار الضروري دليل على إنكار الرسالة وعلامة للخروج عن ربقة الإسلام. ومعنى الضروري أن

[ 13 ]

يكون ثبوته في دين الإسلام بديهيا لا يقبل الشك كالصلاة والحج بحيث لا يمكن أن يعتقد أحد رسالة نبينا (صلى الله عليه وآله) ولا يعتقد وجوب الحج في شرعه إلا أن يدعى شبهة ممكنة في حقه مثل أن يكون في بلاد بعيدة عن الإسلام أو يكون قريب العهد به بحيث يمكن أن يتصور جهله به. ومثل المجسم والقائل بالجهة إذا كان بليدا جدا لا يعقل الأدلة على بساطة الواجب وتركب الجسم ويزعم أن غير الجسم موهوم، ولكن في اعتقادات المجلسي - رحمه الله - في تعداد الضروريات ما يوهم التناقض، فانه عرف الضروري بما لا يخفى على أحد من المسلمين إلا ما شذ، ثم عد منه اشتمال الصلاة على تكبيرة الاحرام والقيام على الأظهر. وقوله " على الاظهر " يدل على عدم كونه ضروريا. وعد من الضروري غسل النفاس على الأظهر، وكون الريح ناقضا للوضوء على احتمال، يعني يحتمل كونه ضروريا، وهذا تناقض ظاهر لأن الضروري ما لا يحتمل الخلاف. قال: اشتمال الحج على الرمي ضروري على احتمال، والجمع بين الزوجة واختها وامها ضروري على الأظهر، وحرمة الربا في الجملة على احتمال. والعجب أنه عد حرمة الربا ضرورية على احتمال مع أنه حرام من غير شبهة يعرف ذلك غير المسلمين أيضا من مذهب الإسلام. وعد من الضروريات رجحان السلام ورده على الأظهر ورجحان صلة الأرحام على احتمال. قال: وغير ذلك مما اشتهر بينهم بحيث لا يشك فيه إلا من شذ منهم. وأقول: وهذا عجيب ولا يبعد أن يكون هذه الرسالة منحولة وإذا كان الضروري ما لا يشك فيه كيف يوصف بالاحتمال والأظهر، ومعنى الاحتمال والأظهر أن فيه شكا وكلام المجلسي - رحمه الله - مثل أن يقول أحد أظن أني عالم بمجئ زيد ثم يجعل ذلك علما. ثم اعلم أن لفظ القرآن والحديث يحمل على ظاهره إلا أن يدل قرينة نقلية أو عقلية على خلافه ويختلف الناس في فهم القرآن ومثاله ما روي أن شاعرا مدح النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لبعض أصحابه: إقطع لسانه. والظاهر منه قطع اللسان بالسكين لكن القرينة العقلية تدل على عدم كونه مرادا ولم يفهمه الصحابي حتى دله غيره بأن المراد الإحسان إلى الشاعر فان الإحسان يقطع اللسان إذ لا يأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بقطع اللسان من غير تقصير وما من أحد إلا ويأول الحديث في الجملة حتى الحنابلة مع أنهم أبعد الناس من التأويل ويبالغون في حمل الألفاظ على الظواهر حتى مثل قوله وجه الله ويد الله والرحمن على العرش استوى بل المجد دون منهم أيضا مصرون على ذلك ورأيت في كتاب بعضهم حديثا في شمائل النبي (صلى الله عليه وآله) أن سبابته كان أطول من الوسطى والظاهر منه سبابة اليد ولا يستحيل ذلك وجعله بعض أصحاب القيافة دليلا على العزم والصبر وعلو الهمة ولكن هذا العالم الحنبلي أوله بسبابة الرجل لاستبعاده ذلك في اليد ولو كان المراد الرجل لم يستحق الذكر فان جميع الناس سبابة رجلهم أطول من وسطاها. وأورد الصدوق (رحمه الله) في اعتقاداته بابا في الأخبار الواردة في الطب وأولها

[ 14 ]

على خلاف ظاهرها بل رد بعضها بقرائن عقلية مثل الحديث الدال على أن العسل شفاء من كل داء حمله على الشفاء من كل داء بارد مع أن الصدوق كان شديد الاحتراز من الرد والتأويل حتى أنه لم يأول ولم يرد رواية سهو النبي (صلى الله عليه وآله) ولا رواية طهارة الخمر المخالفة لاجماع المسلمين إلا أهل الظاهر، ولا رواية أن شهر رمضان لا ينقص أبدا وذلك لأنه عرف باليقين بعض مسائل الطب وخواص الأدوية ورأى بعض الروايات مخالفا له فحمل بعضها على خلاف الظاهر، وبعضها على سهو الناقل وبعضها على تدليس المخالفين في الكتب، وأما كون شهر رمضان ناقصا ووجوب عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يتضح عنده كما اتضح مسائل الطب فلم يحمله على سهو الرواة ولا على خلاف ظاهره، والعلامة المجلسي - رحمه الله - أيضا كان أبعد الناس في المتأخرين من التأويل بالقرينة العقلية ومع ذلك أول جميع الروايات الواردة في تجسم الأعمال ووزنها في الآخرة على خلاف ظاهرها بأن ذلك محال عقلا وقال: لا يتصور أن يتجسم العمل ويكون له وزن ونسب جميع من حملها على ظاهرها إلى الضلال ووافق العلماء في تأويل آيات الجبر والتفويض ورواياتهما ونسبة السهو والعصيان الى الأنبياء: إذ علم استحالتهما ولم يوافقهم في إنكار البداء والحبط وغير ذلك وبالجملة الناس مختلفون في إدراك القرائن العقلية مع اتفاقهم على التأويل فيما يعتقدون استحالته فبعضهم لم يعرف استحالة كون الله تعالى جسما وفي جهة وعلى العرش ولم يأولها مع أنه أول حديث طول سبابة النبي (صلى الله عليه وآله). وبعضهم لم يأول رواية عدم نقص شهر رمضان وسهو النبي (صلى الله عليه وآله) ولكن أول أحاديث الطب لأنه اعتقد استحالة هذا ولم يعرف استحالة ذاك، والأشاعرة لم يأولوا الروايات والآيات الدالة على الجبر إذ لم يعرفوا استحالة القبيح على الله تعالى. أولوا آيات التجسيم إلى غير ذلك. وإياك أن تظن أن مثل هذا الاختلاف بين علمائنا الإمامية قدح فيهم أو أن تتعصب لواحد وتتبرأ من الآخر فإن هذا من موبقات الآثام. وأول ما يشقى ظان السوء بهم الحرمان من بركاتهم، وليس غير الأئمة المعصومين خاليا عن السهو والخطأ، ولو لا محبة الحق وحرصهم على إظهاره لم يخالف أحدهم أحدا فكلهم صلحاء امناء مرضيون مجاهدون مأجورون عند الله. وهذه العلوم الشرعية كلها واجبة وقوام الدين بكل واحد منها كقوامه بالآخر وسواء في ذلك علم التجويد والقراءات والفقه والنحو والكلام والتفسير والحديث والرجال، ولا يمكن التمهر للكل في الجميع إلا للأوحدي وليس للمحدث أن يبغض المتكلم ولا للمتكلم أن يسفه المحدث ولا للاصولي أن يستحقر المجود وهكذا، هدانا الله وأياكم إلى طريق السداد ويوفقنا لتحصيل الزاد ليوم المعاد بحق محمد وآله الامجاد. (كتبه الفقير إلى الله أبو الحسن المدعو بالشعراني عفا الله عنه).

[ 15 ]

شرح مقدمة المؤلف [ شرح المقدمة ] بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يا مروج عقول العارفين بمظاهر كمالك ليلا ونهارا، ونشكرك يا مفرج قلوب السالكين بظواهر جلالك سرا وجهارا، ونشهد أن لا إله إلا أنت شهادة توجب لنا في مقام قربك مستقرا وقرارا. ونصلي على سيد أنبيائك وأشرف أوليائك صلاة دائمة ما دامت الارض ساكنة والفلك دوارا (1). وبعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الغني حسام الدين محمد صالح بن أحمد المازندراني: إني قد رسمت على جميع أبواب الكافي تعليقات، ورقمت على جميع فنونه تحقيقات، مع قلة البضاعة في هذه الصناعة وتشتت البال وتفرق الحال فلما أردت جمعها وتدوينها خطر ببالي أن أشرح جميع أحاديث هذا الكتاب شرحا متوسطا بين الايجاز والاطناب، لأن الأحاديث وإن كان بعضها ظاهر الدلالة على المعنى المراد واضح الاشارة على المفهوم المستفاد، لكن قد يوجد فيه من الفرائد النفيسة والفوائد الشريفة ما لا يدركه بدء النظر، ولا يبلغه أول الفكر، كم من لئالي فريدة تؤخذ في الساحل لغفلة الواردين عنها، وعدم التفات الطالبين إليها، فها أنا أشرع في المقصود بعون الله الملك المعبود مبتدئا بشرح الخطبة لما فيها من منافع الحكمة. * الأصل بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله المحمود لنعمته، المعبود لقدرته، المطاع في سلطانه، المرهوب لجلاله، المرغوب إليه فيما عنده النافذ أمره في جميع خلقه، علا فاستعلى، ودنا فتعالى، وارتفع فوق كل منظر، الذي لا بدء لأوليته، ولا غاية لأزليته، القائم قبل الأشياء، والدائم الذي به قوامها، والقاهر الذي لا يؤوده حفظها، والقادر الذي بعظمته تفرد بالملكوت، وبقدرته توحد بالجبروت، وبحكمته أظهر حججه على خلقه، اخترع الأشياء إنشاء، وابتدعها ابتداء (2)


1 - هذا على اعتقاد أن الارض ساكنة وعليه جل القدماء، لكن في عصرنا هذا لا نعرف من جزم بسكون الارض بل أثبتوا لها حركة محورية تدور حول نفسها، تحدث منها الليل تسمى بالحركة الوضعية، وحركة انتقالية تدور حول مركز الشمس تحصل منها الفصول الاربعة. 2 - كذا في جميع النسخ وسيأتي في باب النهي عن الجسم والصورة من كتاب التوحيد تحت رقم 3 عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) هذه الجملة إلى قوله " الكبير المتعال " وفيه هكذا " فاطر الاشياء انشاء ومبتدعها ابتداعا " بالعين المهملة. (*)

[ 16 ]

بقدرته وحكمته لا من شئ فيبطل الاختراع، ولا لعلة فلا يصح الابتداء، خلق ما شاء كيف شاء متوحدا بذلك لاظهار حكمته، وحقيقة ربوبيته، لا تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلت دونه الأبصار، وضل فيه تصاريف الصفات، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، عرف بغير روية، ووصف بغير صورة، ونعت بغير جسم، لا إله إلا الله الكبير المتعال " * الشرح: أبتدأ باسمه الحميد مقتديا بالسلف وبالقرآن المجيد ومعتمدا بما قاله سيد البشر " كل أمر ذي بال لم يبدء فيه باسم الله فهو أبتر " وفي ذكر الاسم إيماء إلى أن المراد بهذه الأسماء الشريفة المسميات وأن الاستعانة في الاستفاضة وقعت بأسمائها، لأن لتلك الأسماء من الشرف والكمال ما لا يعرف قدره الغواصون في بحار آثارها والوصافون بشرح منافعها وأسرارها، على أن الاستعانة بالاسم تدل على الاستعانة بالمسمى قطعا دون العكس، وإنما خص هذه الأسماء بالذكر لأنها أصل لاصول الفيض عاجلا وآجلا. ومبدئا بحصول الرجاء ظاهرا وباطنا. (الحمد لله) اختلفوا في تحديد الحمد والأحسن ما ذهب إليه بعض المحققين من الصوفية ومال إليه المحقق الشريف العلامة الدواني، وهو أن الحمد إظهار صفات الكمال بالقول أو بالفعل، والثاني أقوى من الأول، لأن الأفعال التي هي آثار السخاوة مثلا تدل عليها دلالة عقلية قطعية لا يتصور فيها التخلف بخلاف الأقوال فان دلالتها عليها وضعية وقد يتخلف عنها مدلولها، وعلى هذا كان حمده تعالى على ذاته حمدا على سبيل الحقيقة، بل هو من أفضل أفراده لأنه تعالى كشف عن صفات كماله ببسط بساط الوجود على ممكنات لا تحصى، ووضع عليها موائد كرمه التي لا تتناهى، إذ كل ذرة من ذرات الوجود تدل عليها، ولا يتصور في العبارات مثل هذه الدلالات. وما اشتهر من أن الحمد في اللغة الثناء باللسان على الجميل، وفي العرف أعم منه ومن عقد الجنان وفعل الأركان، فهو باعتبار أن هذه الامور من الأفراد الشايعة لذلك المفهوم، لا أن الحمد مختص بها كما فهمه الأكثر وحكموا بأن حمده تعالى على ذاته مجاز، واللام في " الحمد " للجنس أو الاستغراق وفي " لله " للاختصاص يعني أن جنس الحمد أو جميع أفراده مختص به سبحانه وبينهما تلازم، وصح ذلك لأنه تعالى مبدء كل كمال ومرجع كل جلال. (المحمود بنعمته) للحمد أركان أربعة: الحامد، والمحمود، والمحمود به والمحمود عليه. والأولان قد يتحدان بالذات كحمده تعالى على ذاته، وقد يتغايران كحمدنا له تعالى، وكذا الأخيران كحمده تعالى بالنعمة لأجلها. وحمده بالعلم لأجل إنعامه. إذا عرفت هذا فنقول: النعمة في قوله: " بنعمته "

[ 17 ]

إما محمود عليها إن كانت الباء سببا للحمد أو محمود بها إن كانت صلة له، ولا يلزم من الحمد بها أن يكون الحمد لأجلها، لجواز أن يكون لأجل غيرها، كما إذا حمدت زيدا بالشجاعة لأجل سخاوته. وفي بعض النسخ " لنعمته " باللام وهو يؤيد الأول كما يؤيده نظيره في القرينة الثالثة. لا يقال: لا يصح جعل الحمد للنعمة علة للحمد على ما يقتضيه قاعدة التعليق بالوصف، لأنه من باب تعليل الشئ بنفسه. لأنا نقول: على تقدير اطراد تلك القاعدة الحمد لأجل النعمة بمنزلة العلة الغائية لجنس الحمد فيصح أن يجعل علة له. وإنما ابتدأ بعد التسمية بالحمد لحفظ ما أدرك من آلائه، وجلب ما يترقب من نعمائه، مع أنه من أفضل الطاعات وأكمل العبادات إذ الحامد يلاحظ جماله وجلاله ويراعي إحسانه وإفضاله فيكون ذلك سببا لمزيد امتنانه حالا ورضوانه مآلا. (المعبود لقدرته) قدم الحمد للنعمة على الحمد للقدرة مع أن القدرة من الصفات الذاتية التي هي أجدر بالثناء عليها، لأن النعمة قد وصلت إلى الحامد بخلاف القدرة فان الواصل إليه إنما هو أثره، فالنعمة أولى بالحمد لها بهذا الاعتبار ولقد أحسن في جعل النعمة سببا لمحموديته والقدرة سببا لمعبوديته، لأن نعمته الواصلة إلى الغير توجب الحمد من حيث هو وقدرته على جميع الممكنات توجب العبادة والتذلل لله تعالى. (المطاع في سلطانه) السلطان التسلط والقهر أو الحجة والبرهان، وقد فسر بهما قوله تعالى: * (فقد جعلنا لوليه سلطانا) * والله سبحانه مطاع بالمعنيين لكونه قاهرا على جميع الممكنات فيطيعه كل ما كان في عنقه ربقة الامكان، وينقاد له كل من احتجب عن الحس أو يشار إليه بالبنان، لا يقدر شئ أن يتجاوز عن حده المقدر وكماله المقرر بالأمر المبرم والقضاء المحكم، وغالبا على جميع المخلوقات بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة، فلا يتمكن أحد أن يرد حجته وبرهانه ويمنع دليله وفرقانه، ولفظ " في " إما للظرفية أو للسببية والثاني أولى بالنظر إلى السابق واللاحق، واستعمالها فيه شايع حتى قيل: إنها حقيقة فيه. (المرهوب لجلاله) قال في المغرب رهبه: خافه رهبة، والله مرهوب، ومنه " لبيك مرهوب ومرغوب إليك " ويفهم منه أن مرهوبا متعد بنفسه، والذي يفهم من كلام ابن الأثير في النهاية أنه متعد بمن، وعلى هذا حذف " من " للاقتصار كما هو المتعارف، واللام لأن من عرف عظمته وجلاله ولاحظ غناه عن الخلق وكماله وعلم أن كل موجود بأسره مقهور تحت حكمه وأمره، وهو يتصرف فيه ما يشاء كيف يشاء، ويحكم ما يريد كيف يريد، ولا يسئل، حصلت له بذلك رهبة وخوف يتحير فيه العقول حيث رأى نفسه عارية عن الاختيار في الرد والقبول كما هو المعروف من أحوال

[ 18 ]

الأنبياء والصلحاء وبه يظهر سر قوله تعالى: * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) *. (المرغوب إليه فيما عنده) من النعم الدنيوية والاخروية جليها وخفيها يقال: رغب فيه وإليه إذا أراده وطمع فيه وحرص عليه. الرغبة السؤال والطلب، وإنما عقب بالرهبة الرغبة للتنبيه على وجوب مقارنتهما في التحقق، إذ لا خير في رهبة بلا رغبة، ولارغبة بلا رهبة، بل وجب تقارنهما وتساويهما كما دل عليه بعض الأخبار ويرشد إليه قوله تعالى في وصف الأنبياء والأولياء * (إنهم يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) * وقوله تعالى: * (وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين) * وإنما ترك سبب الرغبة للاشارة إلى أن ذاته بذاته هو الجواد المطلق، فلا حاجة في بسط الرجاء إلى ملاحظة شئ آخر غير ذاته أو لاندراج سببها تحت سبب الرهبة لأن جلالته المطلقة كما يكون بالقهر والغلبة على ما عداه ممن اتصف بسمة الامكان كذلك يكون بالرحمة واللطف والاحسان، إذ لولا الثاني لكانت عظمته وجلالته مقيدة بوجه من الوجوه فحينئذ نقول من ملاحظة الأول تحصل الرهبة ومن ملاحظة الثاني تحصل الرغبة، ولا يجوز ملاحظة أحدهما وحده، لأنه يستلزم القنوط أو الجرأة وكلاهما مذموم، أو نقول في كل واحد من الأول والثاني تحصل الرهبة والرغبة جميعا، أما في الأول فلأن لطفه مستور في قهره فمن حيث القهر تحصل الرهبة ومن حيث اللطف تحصل الرغبة، واليه يشير قوله تعالى: * (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه) * وأما في الثاني فلان قهره مستور في لطفه وإحسانه لاحتمال أن يكون ذلك على سبيل الاستدراج، وإليه يشير قوله تعالى حكاية عن سليمان (عليه السلام) * (ليبلوني ءأشكر أم أكفر) * وقوله تعالى: * (ولئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) * وبالجملة هو مرهوب ومرغوب إليه دائما، والعبد راغب وراهب في جميع الأحوال واليه يشير قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " هو المأمول مع النقم والمرهوب مع النعم " (1). (النافذ أمره في جميع خلقه) أي أمر التكوين، أو أمر الافناء والإعدام، أو حكم القضاء، أو أمر التشريع بارادة لازمة من الثواب والعقاب دون ظاهره بأنه متعلق بالثقلين منهم من أطاعه ومنهم من عصاه. (علا فاستعلى) الاستعلاء هنا لزيادة المبالغة أي علا في رتبته عن رتبة المخلوقين، فاستعلى عن التشبه بصفاتهم، والتفريع ظاهر لأن الأول مستلزم للثاني، وإن أردت زيادة توضيح فنقول: العلو يطلق بالاشتراك على معان ثلاثة:


1 - هذا الكلام مروي عنه (عليه السلام) في كتاب نهج البلاغة في خطبة له (عليه السلام) تحت رقم 62 أوله " الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالا " وفيه هكذا " المأمول مع النقم والمرجو من النعم ". (*)

[ 19 ]

الأول الحسي كالعلو بحسب المكان. الثاني التخيلي كعلو الملك على رعيته. والثالث العقلي كعلو السبب على المسبب، والأول محال في حقه تعالى لاستحالة كونه في المكان، وكذا الثاني لتنزهه عن الكمالات الخيالية إذ هي إضافية تتغير وتدرك بحسب الأشخاص والأوقات، ولا شئ من كماله كذلك فبقي أن يكون عقليا مطلقا بمعنى أنه لا رتبة تساوي رتبته. بيان ذلك: أن أعلى مراتب الكمال العقلي هو مرتبة العلية ولما كان ذاته المقدسة هي مبدء كل موجود حسي وعقلي وعلته التي لا يتصور فيها النقصان بوجه من الوجوه لاجرم كانت مرتبته أعلى المراتب العقلية على الاطلاق وله العلو في الوجود العاري عن الاضافة إلى شئ، وعن إمكان أن يكون في مرتبته أو فوق مرتبته شئ ومن كان كذلك فهو منزه عن التشبه بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (دنا فتعالى) أي قرب من كل شئ من كل وجه بحيث لا يكون شئ أقرب منه فتعالى أن يكون في مكان أو زمان أو مدركا بالبصر أو بغيره من الحواس، والتفريع أيضا ظاهر لأن الزماني والمكاني والمدرك بالحواس يمتنع أن يكون قريبا من كل شئ لظهور أن قربه من أحد مستلزم لبعده عن الآخر، ثم الدنو يطلق على معان ثلاثة ومقابلة لمعاني العلو ولا يجوز أن يراد هنا شئ منها، ويطلق على معنى رابع في مثل قولك فلان أدنى إلى فلان إذا كان مطلعا على أحواله أكثر من غيره، وهو المراد هنا، فدنوه في قربه إذن بحسب علمه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فهو أدنى من كل دان، وأقرب من كل قريب بهذا الاعتبار، كما قال سبحانه: * (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) *. (وارتفع فوق كل منظر) الظرف حال من فاعل " ارتفع ". ويجوز أن يراد بالمنظر العلة لأن نظر المعلول إليها، يعني أنه فوق كل علة لأن تاليه نظر جميع الكائنات وانتهاء سلسلة جميع الممكنات، وأن يراد به المدرك بالعقل يعني أنه فوق كل ما أدرك العقل لأن كل ما أدركه العقل فهو صورة ومثال يمتنع أن يقال: إنه هو، ويحتمل أن يكون هذا الكلام على سبيل التمثيل والله أعلم. (لا بدأ لأوليته) لاستحالة الحدوث عليه. (ولا غاية لأزليته) لاستحالة العدم عليه. (القائم قبل الأشياء) أي قبل كل واحد منها، لأنه كان ولم يكن معه شئ ثم أحدثه بمجرد حكمته فهو متفرد بالقدم، وفيه رد على بعض الفلاسفة، وليس المراد بالقبلية القبلية الزمانية حتى يلزم أن يكون في زمان وأن لا يكون متقدما عليه، لأن القبلية الزمانية إنما يكون في الزمانيات كما بين في موضعه والله سبحانه ليس بزماني. (والدائم الذي به قوامها) قوام الشئ - بالكسر -: نظامه، وتقديم الظرف للحصر، وفيه رد

[ 20 ]

على من أسند نظام هذا العالم إلى غيره كالدهرية والمبتدعة من الفلاسفة وأضرابهم. (والقاهر الذي لا يؤوده حفظها) آدني الحمل يؤودني أودا، أي أثقلني، وأنا مؤود مثال مقول. يعني لا يثقله ولا يتعبه حفظه للأشياء مثل السماوات والارضين وما فيهما وما بينهما لأن فعله سبحانه بمجرد الإرادة والمشيئة ولا يحتاج فيه إلى استعمال الآلات وتحريك الجوارح كما يحتاج إليهما أصحاب الصنايع فلا مدافع له في فعله أصلا فلا يلحقه الانفعال، ولا يعرض له الثقل والتعب والكلال. تعالى عن ذلك علوا كبيرا. (والقادر الذي بعظمته تفرد بالملكوت، وبقدرته توحد بالجبروت) القادر من أسمائه تعالى ومعناه المتمكن من جميع الأشياء بحيث لا تطيق شئ منها الامتناع عن مراده ولا يستطيع الإباء عن إصداره وإيراده. وله في هذا النحو من التمكن وصفان: الأول الكبرياء والعظمة، والثاني القدرة التامة، و " الملكوت " فعلوت من الملك - بالكسر - وهو الموضع كالمملكة وخص بعد الزيادة بملك الله تعالى سواء كان من عالم المجردات والمفارقات أو من عالم الجسمانيات والمقارنات، ولو اجتمع الملك والملكوت كما في قولهم " يا ذا الملك والملكوت " يراد بالملك الجسمانيات وبالملكوت المجردات. " والجبروت " من الجبر وهو إغناء رجل من فقر ونحوه أو إصلاح عظمه من كسر ونحوه، ومنه الجبار من أسمائه تعالى لأنه يغنى من يشاء متى يشاء ويجبر مفاقر الخلق ويكفيهم أسباب المعاش والرزق ويصلح نقائص حقائق الممكنات بإفاضة الوجود وما يتبعه من الخيرات والكمالات وهو أيضا خص بعد الزيادة بالله سبحانه. والمقصود أنه تعالى شأنه بالوصف الأول تفرد بمالكية جميع الأشياء من الممكنات المجردة والمادية، لأن العظمة المطلقة مقتضية لعدم المشاركة، وأما المالك غيره فانما هو مالك بالاضافة وله عظمة بالاضافة، وهي عند ذاتها بذاتها ليست عظمة بل هي عجز وقصور. وبالوصف الثاني تفرد بايجاد الممكنات وإصلاحها وتكميلها بإفاضة ما يليق بها من الكمالات وإفنائها متى يشاء، من غير معارض ولا مدافع لأن القدرة الكاملة الإلهية توجب عدم مشاركة الغير معه في شئ من ذلك فكل شئ مملوك له منقاد لأمره، وكل كامل مستكمل به مفتقر إليه، وهو الغني الحميد. (وبحكمته أظهر حججه على خلقه) الحكمة العلم والاتقان، والله سبحانه حكيم لأنه عالم بحقائق الأشياء متقن بخلقها بلطف التدبير وحسن التصوير والتقدير. و " الحجج " جمع الحجة والمراد بها هنا البرهان، يعني أنه سبحانه بحكمته البالغة أظهر براهين وجوده ووحدته وقدرته وساير كماله على خلقه بايجاد الممكنات وتصوير المخلوقات على النظام المشاهد، ويحتمل أن يراد باظهار الحجج نصب الأنبياء والأوصياء إلا أنه يوجب التكرار فيما سيأتي.

[ 21 ]

(اخترع الأشياء إنشاء وابتدعها ابتداء بقدرته وحكمته) لا أجد لأهل اللغة فرقا بين الاختراع والابتداء. قال الجوهري: " ابتدعت الشي اخترعته لاعلى مثال " ولا بين الانشاء والابتداء قال: " أنشأ يفعل كذا ابتدأه " لكن الظاهر من كلام المصنف أن الاختراع هو الايجاد لا من شئ والابتداء هو الايجاد لا من علة كما ستعرفه. وقيل: الانشاء هو الايجاد الذي لم يسبق غير الموجد إلى إيجاد مثله، والابتداء هو الايجاد الذي لم يوجد الموجد قبله مثله. وقوله: " إنشاء " و " ابتداء " مفعول مطلق من باب جلست قعودا لتأكيد الفعلين. أو تمييز لنسبتهما إليه، وقوله: " بقدرته وحكمته " متعلق بالفعلين على الترتيب المذكور أو بكل واحد منهما. (لا من شئ فيبطل الاختراع) يعني اخترع الأشياء بقدرته لا عن أصل ومثال، إذ لو أوجدها عن مثال لبطل الاختراع لأنه في إيجاد ذلك المثال يحتاج إلى مثال آخر وهكذا، وبطلان الاختراع يستلزم عدم القدرة على وجه الكمال كما يشاهد في الكاتب المحتاج في كتابته إلى أصل منتسخ فإنه بدون ذلك الأصل عاجز عن الكتابة. (ولا لعلة فلا يصح الابتداع) يعني ابتدع الأشياء لا لعلة مادية أو لا لعلة فاعلية متوسطة بينه وبينها وإلا لبطل معنى الابتداع، لأنا ننقل الكلام إليهما فيتسلسل، أو لا لعلة غائية تعود إليه وإلا لكان ناقصا في ذاته وصفاته والناقص لا يخترع شيئا من غير حاجة إلى شئ أصلا. وقيل: لا لعلة غائية (1)، ويكون هذا إشارة إلى نفي الغرض والعلة الغائية عن فعله تعالى بالكلية كما ذهب إليه طائفة وإلا لكان ناقصا في فاعليته مستكملا فيها بذلك الغرض، والناقص لا يصلح للاختراع، أما الشرطية فلأن الغرض يجب أن يكون أصلح للفاعل من عدمه إذ ما استوى وجوده وعدمه بالنظر إليه أو كان عدمه راجحا لا يكون باعثا على الفعل بالضرورة، فكل ما كان غرضا وجب أن يكون وجوده أصلح للفاعل وأليق به وهو معنى الكمال، فإذن يكون الفاعل مستكملا به ناقصا بدونه. أقول: الغرض عائد إلى الغير ووجوده وعدمه سواء بالنظر إليه سبحانه لتنزهه عن عود المنفعة أو المضرة إليه، وعدم كونه حينئذ باعثا على الفعل ممنوع، ودعوى الضرورة في محل النزاع لا يجدي نفعا، والمسألة محلها علم الكلام. (خلق ما يشاء كيف شاء) يعني أنه خلق الأشياء على الوزن والتقدير والأحوال اللائقة بها


1 - لا يخفى ان الغرض في اصطلاح الحكماء شئ، والعلة الغائية شئ آخر وانهم نفوا الغرض في فعله تعالى ولم ينفوا العلة الغائية والشارح - رحمه الله - خلط بينهما وزعم انهما واحد وما يأتي من قوله " خلق ما شاء كيف شاء متوحدا بذلك لاظهار حكمته وحقيقة ربوبيته " يدل على ان غايته في فعله اظهار الحكمة فلا يناسبه نفي العلة الغائية هنا مطقا، فإن كمال ذاته غاية لافعاله تعالى. (*)

[ 22 ]

لمشيئته وإرادته، لا بالايجاب، ولا بتحريك الآلة والجوارح، ولا بتوسط اللفظ والصوت لأن ذلك من خواص الجسم والجسمانيات. (متوحدا بذلك) بالنصب على أنه حال من فاعل خلق، يعني خلق ما شاء حال كونه متوحدا بالذات والصفات بخلقه وإيجاده، غير مستعين أصلا لا بذات آخر ولا بصفات زائدة عليه وإلا لكان ناقصا لاحتياجه في الايجاد إلى الغير. (لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيته) يعني خلق ما شاء على النظام العجيب والصنع الغريب الذي يتحير فيه عقول العقلاء وفحول العلماء، لاظهار علمه وحكمته وحقيقة ربوبيته التي كانت في مكمن الخفاء كما قال: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لاعرف " (1). (لا تضبطه العقول) أي لا تضبط شرح حقيقة ذاته ولا ماله من كمال صفاته عقول العارفين، لأنه تعالى في علو الذات وارتفاع الصفات إلى حيث يقف دون بلوغه عقول أهل العرفان وأذهان أهل الايقان، وإنما يعرفونه بنحو خاص من المعرفة اليقينية التي هي غاية الوسع للعقول البشرية، ولأنه لا حد لحقيقته لأنه برئ عن أنحاء التركيب الخارجية والعقلية فهي منزهة (2) عن اطلاع العقول عليها، ولا نهاية لصفاته يقف عنده تقدر بها، فلا يكون العقول محيطة ضابطة إياها. (ولا تبلغه الأوهام) لأنه تعالى ليس بمحسوس والوهم لا ينال إلا المحسوسات. (ولا تدركه الأبصار) لأن البصر إنما يدرك اللون والضوء وما تتبعها من الجسمانيات والله سبحانه منزه عن الجسمية ولواحقها. (ولا يحيط به مقدار) لأن المقدار من لواحق الجسمية وأيضا ما يقبله يقبل التحيز والقسمة والزيادة والنقصان ولا يجري شئ من ذلك عليه سبحانه. (عجزت دونه العبارة، وكلت دونه الأبصار) " دون " ظرف نقيض " فوق " وهو يقصر عن الغاية، والكلال الأعياء يقال: كلت العين إذا أعيت عن الادراك وعجزت عنه، و " الأبصار " بالفتح جمع البصر يعني عجزت قبل بلوغ صفاته عبارة الواصفين، وأعيت قبل بلوغ ذاته أبصار الناظرين، كما أشار إليهما في الصحيفة السجادية على صاحبها أفضل الصلوات وأكمل التحيات " الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين ". (وضل فيه تصاريف الصفات) ضل الشئ يضل: ضاع، والضلال ضد الرشاد، والمعنى ضل في طريق صفاته الحقة تصاريف صفات الواصفين، وأنحاء تعبيرات العارفين، يعني أنهم وإن بالغوا في


1 - هذا ينافي ما سبق من كون أفعاله تعالى غير معللة بالعلة الغائية مطلقا أو كونها معللة بأغراض تعود إلى الغير كما لا يخفى. 2 - الضمير راجع إلى " حقيقته ". (*)

[ 23 ]

التوصيف (1) وانتقلوا من صفة إلى ما هو أشرف وأعظم عندهم، لم يصفوه بما هو وصفه، ولم ينعتوه بما هو حقه، ولم ينالوا حقيقة صفاته على وجه يليق بذاته. وذلك لأن تصاريف الصفات والنقل من بعضها إلى بعض إنما هو من خواص الممكنات التي يتصور فيها الزيادة والنقصان والله سبحانه منزه عنها. وأيضا لسان التعبير إينما يخبر عما في الضمير، وكل ما هو في الضمير مخلوق مثله كما دل عليه قوله: " كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مصنوع مثلكم مردود إليكم "، وقال بعض العارفين: هر چه پيش توبيش از آن ره نيست * غايت وهم تو است الله نيست لا يقال: إذا كان الأمر كذلك لم يكن ثناؤه مقدورا لنا فكيف وقع التكليف به ؟ لأنا نقول: لم يقع التكليف بمعرفة كنه الصفات الكمالية والثناء بها لأن ذلك محال، بل التكليف إنما وقع بالثناء عليها بمفهومات كلية حاصلة في الذهن صادقة عيها، فتلك الصفات الكمالية إنما هي معقولة بعنوانات هي مفهوماتها ومعبر عنهما بهذه المفهومات والعنوانات لا بالكنه، وإدراكها بالكنه مختص به سبحانه، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) " لا احصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (2) " أو المعنى ضل في الوصول منتهى بسيط بساط ثنائه وإحصائه أقدام تصاريف صفات الواصفين لأنها كلما بلغت مرتبة من مراتب المدح والتكريم كان وراءها أطوار من استحقاق الثناء والتعظيم. وانطباق الحديث المذكور عليه ظاهر. (احتجب بغير حجاب محجوب واستتر بغير ستر مستور) أي: احتجب عن العقول واستتر عن الأبصار والحجب لغة: المنع، ومنه حاجب العين لأنه يمنعها من الأذى، وحاجب الملك لأنه يمتنع من الناس والخلق ممنوعون من إدراك ذاته سبحانه عينا وعقلا، ويسمى ذلك المنع حجابا مستورا، ثم الحجاب والستر بهذا المعنى ليسا وصفين لأمر حائل بين العقول والأبصار وبين ذات الباري لأن ذلك الحائل إما حسي كالأجسام الحائلة بين الرائي والمرئي أو عقلي كالعوائق الواسطة بين الصور العقلية والعقول، والحجب الحسية إنما تحجب الجسم والجسمانيات المحدودة المستترة بها، والحجب العقلية إنما تحجب الصور، والله تعالى شأنه ليس بجسم ولا جسماني ولا صورة، وإلى نفي هذين النوعين من الحجاب أشار بقوله " بغير حجاب محجوب " و " بغير ستر مستور " لدفع توهم أن الاحتجاب والاستتار هنا كما في أكثر الموجودات بالحجاب والساتر ة وهذا التركيب يحتمل وجهين: الأول أن يكون " محجوب " خبر مبتدأ محذوف والجار والمجرور متعلق به أي هو محجوب


1 - لم يجئ في اللغة وصفه من باب التفعيل والظاهر أنه غلط مشهور. 2 - رواه مسلم في صحيحة ج 2 ص 51 وابو داود ج 1 ص 203. (*)

[ 24 ]

بغير حجاب بالمعنى المتعارف في أكثر الموجودات، والجملة مستأنفة لدفع ذلك التوهم الناشئ من قوله: " احتجب ". الثاني أن يكون مضافا إليه والاضافة بتقدير اللام والنفي راجع الحجاب والمقصود أن حجابه ليس بالمعنى المتعارف بل لتعاليه عن إدراك القوة البشرية إياه وهذا الاحتمال بعيد جدا، ويخطر بالبال أيضا معنى آخر لهذا الكلام وظني أنه أولى بالإرادة منه وهو أنه لما قال: " احتجب " توهم منه أن حجابه غليظ ثخين كثيف مانع من إدراك وجوده وصفاته تعالى شأنه بالكلية فدفع ذلك التوهم بقوله: " بغير حجاب محجوب " صفة لحجاب والمقصود أن احتجابه ليس بججاب محجوب بحجاب آخر بأن يكون غليظا أو يكون بعضه فوق بعض آخر مانعا من مشاهدته. نظير ذلك قوله تعالى: * (حجابا مستورا) * قال الجوهري في تفسيره أي حجابا على حجاب، والأول مستور بالثاني يراد بذلك كثافة الحجاب. وهذا المعنى رقمته سالف الزمان ورأيت الآن حين التحرير أنه سبقني إليه سيد الحكماء الإلهيين (1) حيث قال: هذا من باب " حجابا مستورا " أي حجابا على حجاب. (عرف بغير روية) " عرف " مبني للمفعول، الروية - بفتح الراء وكسر الواو وشد الياء - التفكر والنظر يعني عرف وجوده من غير نظر واستدلال لأنه بديهي كما صرح به بعض المحققين، أو لأن الاستدلال لا يفيد معرفته بخصوصه، لأن اللمي غير ممكن أو ليس له علة والإني لا يفيد لأنه استدلال من الأثر والأثر لا يفيد إلا مؤثرا ما على وجه كلي لا مؤثرا معينا، فمعرفته بالحقيقة ليس إلا بالمشاهدة الحضورية كما هي لبعض الكاملين. وفي بعض النسخ " رؤية " بضم الراء والهمزة الساكنة يعني عرف بغير إبصار كما قال سبحانه: * (لا تدركه الأبصار) * وهو تأكيد للسابق. (ووصف بغير صورة) أي وصف بغير صفة فانه وصف بأنه قادر بغير قدرة قائمة بذاته وكذلك وصف بأنه سميع بصير عالم حكيم لطيف خبير إلى غير ذلك، وليس هناك صورة وصفات زائدة على الذات وإطلاق الصورة على الصفة شايع أو وصف بغير حد، إذ كل ما وصف بحد لا بد أن يكون له مهية كلية مركبة من جنس وفصل وإذ ليس له تعالى شأنه شئ من أنحاء التركيب لا يجوز أن يوصف بالحد. (ونعت بغير جسم) أي نعت بأنه مغاير بجسم وجسماني أي بأمر مغاير لهما بحدوثهما وتحيزهما وهو منزه عنهما، ولما ذكر حمده تعالى على وجه يشعر بالاختصاص وكان ذلك مفيدا لتفرده بالالهية وذكر أيضا تفرده بالملكوت والجبروت وبخلق الأشياء إلى غير ذلك من صفات المدح والتكريم المفيدة لتفرده بالثناء والتعظيم أراد أن يصرح بالمقصود لأنه كالنتيجة لما مر فقال:


1 - يعني السيد الداماد - رحمه الله -. (*)

[ 25 ]

(لا إله إلا الله الكبير المتعال) أي العظيم لا بالكم والمقدار، بل بالرتبة والرفعة، لأن ذاته المقدسة مبدء كل موجود، ومنتهى كل مقصود، المتعال عن التشابه بالخلق. هذه الكلمة الطيبة أشرف كلمة وحد بها الخالق عز اسمه وهي منطبقة على جميع مراتب التوحيد، وقد سميت فاتحة الإسلام. ونقل عن بعض العلماء أن الله سبحانه جعل عذابه نوعين أحدهما السيف في يد المسلمين والثاني عذاب الآخرة، فالسيف غلاف يرى والنار في غلاف لا يرى فقال تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله) من أخرج لسانه من الغلاف المرئي وهو الفم فقال " لا إله إلا الله " أدخلنا السيف في الغمد المرئي، ومن أخرج لسان قلبه من الغلاف الذي لا يرى وهو غلاف الشرك فقال: " لا إله إلا الله " أدخلنا سيف عذاب الآخرة في غمد الرحمة واحدة بواحدة جزاء ولا ظلم اليوم. * الاصل: " ضلت الأوهام عن بلوغ كنهه، وذهلت العقول أن تبلغ غاية نهايته لا يبلغه حد وهم، ولا يدركه نفاذ بصر، وهو السميع العلم، احتج على خلقه برسله، وأوضح الامور بدلائله، وابتعث الرسل مبشرين ومنذرين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه فيعرفوه بربوبيته بعدما أنكروه، ويوحدوه بالالهية بعد ما أضدوه، أحمده حمدا يشفي النفوس، ويبلغ رضاه، ويؤدي شكر ما وصل إلينا من سوابغ النعماء، وجزيل الآلاء، وجميل البلاء ". * الشرح: (ضلت الأوهام عن بلوغ كنهه) إشارة إلى نفي الحد عنه لانه تعالى ليس بمركب وكل ما ليس بمركب لا يمكن إدراك كنه حقيقته بالحد. أما الصغرى فلان كل مركب محتاج إلى الجزء الذي هو غيره، وكل محتاج إلى الغير ممكن لأن ذاته بذاته من دون ملاحظة الغير لا يكون كافيا في وجوده وإن لم يكن فاعلا له خارجا عنه، وأما الكبرى فلأن إدراك كنه الحقيقة إنما يكون من الحد المؤلف من أجزائها كما بين في موضعه والله سبحانه منزه عن أن يكون لكنهه أجزاء. (وذهلت العقول أن تبلغ غاية نهايته) يمكن أن يراد بالغاية المسافة ونهاية الشئ آخره، فالإضافة لامية ويمكن أن يراد بها النهاية. قال الجوهري: " النهاية: الغاية " فالإضافة بيانية. وإنما لا تبلغ العقول غاية نهايته لأنه لا نهاية له، إذ ليس له طبيعة امتدادية تنتهى إلى حد ونهاية، وأيضا لا يطرء عليه العدم، " فهذا الكلام مثل قول العرب " لا يرى بها ضب ينجحر " أي ليس بها ضب فضلا عن أنه ينجحر. لا يقال: ذهول العقول عن البلوغ أي نسيانها عنه يشعر بإمكان البلوغ في نفسه.

[ 26 ]

لأنا نقول: الذهول عن الشئ يستلزم عدم حصول ذلك الشئ والمراد هنا هذا اللازم على سبيل الكناية على أن ذلك الاشعار ممنوع ألا ترى أن غفلتنا عن وجود شريك البارئ لا يستلزم وجوده. (ولا يبلغه حد وهم) أي منتهاه لأن كل ما بلغه الوهم فهو ممكن ولا سبيل للإمكان في ساحة جنابه، وأيضا الوهم إنما يلحق بالمادي ويتعلق بامور محسوسة ذات صور وأحيان حتى أنه لا يقدر نفسه ولا يدركها إلا ذات مقدار وجسم، والله سبحانه منزه عن المادة. (ولا يدركه نفاذ بصر) قال الجوهري: " نفذ السهم من الرمية (1) ونفذ الكتاب إلى فلان، ورجل نافذ في أمره أي ماض " ونفاذ البصر بكل واحد من هذه المعاني محال على الله سبحانه، أما الأول فلأن شعاع البصر إنما ينفذ في جسم شفاف، وهو سبحانه ليس بجسم ولا شفاف، وأما الأخيران فلاستحالة أن يدرك سبحانه بحاسة البصر لأنه غير ذي وضع وكل غير ذي وضع يمتنع رؤيته، والمقدمة الأولى استدلالي والثانية ضرورية، وربما استدل عليها والمسألة مستقصاة في علم الكلام، ثم الظاهر من هذه المعاني هو الأول لأن الأخيرين قد ذكرهما سابقا. (وهو السميع العليم) يعنى أنه السميع لا بآلة السمع، والعليم لا بعلم زائد عليه، لأنهما من صفات خلقه، بل هما عبارتان عن عدم خفاء المسموعات والمعلومات وإن كانت خفية دقيقة عند ذاته بذاته حتى يعلم كفر من كفر وإيمان من آمن. (وهو عليم بذات الصدور) والجمع بين الوصفين لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد. (احتج على خلقه برسله) ليهدوهم إلى معرفة ذاته وصفاته، وحشره ونشره وثوابه عقابه وربوبيته، ومعرفة ما به يتم نظامهم في الدين وكمالهم في النشأتين، ويجذبوهم عن مقتضيات نفوسهم من اتباع الشهوات الباطلة واقتفاء اللذات الزائلة بتذكيرهم لما في الدار الباقية وتنفيرهم عن خسائس هذه الدار الفانية لئلا يكون لهم على الله حجة بعد الرسل. (وأوضح الامور بدلائله) أي أوضح امور الرسل وحقية رسالتهم وشرايعهم بالدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة لتقريب الخلق إلى التصديق وتبعيدهم عن التكذيب أو أوضح الشرايع بالرسل وأوصيائهم (عليهم السلام) أو أوضح وجود ذاته وكمال صفاته مثل العلم والقدرة وغيرهما بنصب سماء ذات أبراج وأرض ذات مهاد غير ذلك من الآثار الدالة على صدورها من العزيز الجبار، ولما كان الرسل علماء وحكماء يحملون الخلق على الطريقة الإلهية من معرفة أحوال المبدء أو المعاد وما يتبعهما من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة على حسبما يقتضيه الحكمة، وذلك قد


1 - بكسر الميم وشد الياء. (*)

[ 27 ]

يكون بالتذكير والتنبيه كما أشرنا إليه، وقد يكون بالتبشير والتهديد وهذا مما يحتاج إليه أكثر الناس لأن طبايعهم مثل طبايع الأطفال في الميل إلى الظاهر من الحياة الدنيا وزهراتها فيحتاجون في الميل إلى الخيرات والزجر عن المنهيات إلى الوعد الوعيد، أشار إليهما بقوله: (وابتعث الرسل) بعثهم وابتعثهم بمعنى أرسلهم (مبشرين) للخلق بما أعد الله للمطيع من الثواب العظيم (ومنذرين) لهم بما أعد الله للعاصي من العذاب الأليم وبذلك يجذبونهم عن طريق الغواية ويرشدونهم إلى سبيل الهداية، وأما من أخذت يده العناية الأزلية وتنور قلبه من المشكاة النبوية فانه يعلم أنه لولا الثواب والعقاب لاستحق سبحانه التوصل إليه بذاته والتذلل له طلبا لمرضاته (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) تضمين للآية الكريمة وإشارة إلى غاية الاحتجاج والإبتعاث قال القاضي (1): والمعنى ليموت من يموت عن بينة عاينها ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها لئلا يكون له حجة ومعذرة. فإن الاحتجاج بالرسل ابتعاثهم وتصديقهم بالمعجزات من البينات الواضحة، أو ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة، على استعارة الهلاك والحياة للكفر والإسلام. المراد بمن هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة أو من هذا حاله في علم الله وقضائه، وقيل: يحتمل أن يكون هذا من باب المجاز المرسل لأن الكفر سبب للهلكة الحقيقية الأخروية، والايمان سبب للحياة الحقيقية الأبدية فأطلق المسبب على السبب مجازا. (وليعقل العباد عن ربهم) بتذكير الرسل وتعليمهم (ما جهلوه) من أحوال المبدء والمعاد (فيعرفوه بربوبيته بعدما أنكروه) لغفلتهم عن العهود الإلهية والمواثيق الربانية ونبذ طاعته وترك عبادته كأن لم يكن شيئا مذكورا. (ويوحده بالالهية بعد ما أضدوه) بالتشريك وعبادة الأصنام. للوساوس الشيطانية وتخيلات الأوهام. توضيح ذلك: أن المعرفة هي إدراك الشئ، ثانيا بعد توسط الجهل، والعباد قد أقروا له بالربوبية وهم في صورة الذر حين قال: * (ألست بربكم قالوا بلى) * لشهادة عقولهم الخالصة عليها. ثم جهلوا ذلك وأنكروه لتعلقهم بالعلائق الجسمانية، وتشبثهم بالتسويلات النفسانية، وتمسكهم بالتخيلات الشيطانية، فبعث الله تعالى رسله رحمة منه وتفضلا لتعليمهم وتذكيرهم، فمن ضل بعد ذلك فقد غوى ومن آمن فقد اهتدى، ولما حمد سابقا ذاته تعالى لأجل نعمته وقدرته وغيرهما من الصفات المذكورة أراد أن يحمده ثانيا على نعمائه المتجددة آنا فآنا على سبيل الاستمرار التجددي


1 - يعني البيضاوي صاحب التفسير المعروف بمعالم التنزيل. (*)

[ 28 ]

فأتى بالجملة الفعلية رعاية للتناسب فقال: (أحمده) أي أحمده آنا فآنا وساعة فساعة، ولما كان الحمد من أجل الطاعات واكمل العبادات إذ الحامد يلاحظ جلالا وجمالا ومنعما، وإطاعة دواء الأمراض النفسانية على حسب تفاوت مراتبها في الاخلاص كما قال سبحانه: * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * والدافعة لجميع الأمراض هي المرتبة القصوى من مراتب الاخلاص قيده بقوله: (حمدا يشفي النفوس) طلبا لتلك المرتبة ورجاء لحصولها، ثم لما كان شفاء النفس من جميع الأمراض سببا لرضاه حالا ومآلا عقبه بقوله (ويبلغ رضاه) الموجب لمزيد إمتنانه في الدنيا ورضوانه في الآخرة، ثم مفهوم الحمد وإن كان مغايرا لمفهوم الشكر لكنهما قد يصدقان على فرد ما، فوصف الحمد بقوله: (ويؤدي شكر ما وصل إلينا) حصرا للحمد هنا في ذلك الفرد لأنه أفضل أفراده وأكملها ثم بين الموصول بقوله: (من سوابغ النعماء، وجزيل الآلاء، وجميل البلاء) هذه التراكيب من باب جرد قطيفة، والمراد بسوابغ النعماء: النعماء الكاملة الوافية الواسعة، قال الجوهري: " شئ سابغ أي كامل واف وسبقت النعمة تسبغ بالضم سبوغا اتسعت وأسبغ الله عليه النعمة أي أتمها " والجزيل: الكثير العظيم. والآلاء بالمد النعم واحدتها الألاء بالفتح ويجوز القراءة هنا بالجمع والافراد، والبلاء الاختبار بالخير والشر، يقال: بلوته بلوا جربته اختبرته، ولا يبعد أن يراد بالفقرة الأولى النعم الباطنة كالعقل والحواس المستورة وملائماتها، وبالثانية النعم الظاهرة، وبالثالثة الاحتجاج بالرسل وابتعاثهم لأن أعظم الاختبار هو الاختبار بما جاء به الرسل: وهذه وإن كانت من النعم الظاهرة المندرجة في الثانية لكن خصها بالذكر لشدة الاهتمام بها، ثم لما كان أفضل أفراد الحمد هو الشهادة بالتوحيد وبرسالة رسولنا بخصوصه (صلى الله عليه وآله) إذ هي أصل للبواقي أشار إليهما بقوله: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) " وحده " تأكيد للحصر وتقرير له وحال بتأويل منفردا (إلها واحدا) دل الأول على جميع صفات الكمال والثاني على جميع صفات الجلال إذ الواحد الحقيقي منزه عن أنحاء التركيب الخارجية والذهنية والتعدد وعما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز وأمثالهما (صمدا) الصمد السيد لأنه يصمد إليه في الحوائج من صمد إذا قصد، والله سبحانه هو الموصوف به على الاطلاق لاستغنائه عن غيره مطلقا واحتياج غيره إليه من جميع الجهات (لم يتخذ صاحبة) لاستحالة الشهوة والحركة عنه تعالى، ولأن اتخاذها يقتضي المجانسة بينه وبينها ولا يجانسه أحد (ولا ولدا) لأن الولد يجانس الوالد ولا يجانسه شئ، ولانه تعالى لا يلتذ بشئ لأن اللذة من لواحق الجسمية ولا يفتقر إلى ما يعنيه أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه. (وأشهد أن محمدا (صلى الله عليه وآله) عبد انتجبه) أي اختاره واصطفاه وإنما قرنت هذه الكلمة بكلمة التوحيد

[ 29 ]

لأن كلمة التوحيد يعتبر فيها الاخلاص ولا يحصل الاخلاص الابسلوك مراتبه ودرجاته ولا يحصل ذلك إلا بمعرفة كيفية السلوك ولا تحصل تلك المعرفة إلا بالبيان النبوي فكانت الشهادة بصدق النبيين أجل كلمة بعد كلمة الاخلاص وأنها بمنزلة الباب لها فلذلك قرنت بها وصارتا كلمتين مقارنتين لا يصح انفكاك إحديهما عن الأخرى (ورسول ابتعثه) وارشاد العباد وهدايتهم، وفي تقديم العبودية على الرسالة إشارة إلى تقدمها في التحقق (1) كما دل عليه بعض الاخبار (على حين فترة من الرسل) الفترة الضعف والانكسار وما بين الرسولين من رسل الله تعالى، يعني ابتعثه على حين فتور من الارسال وانقطاع من الوحي. وذلك الابتعاث نعمة عظيمة لا يدانيها شئ من النعماء لظهور أن خلو الزمان عن رسول فيه يستلزم وجود الشرور بمقتضى النفوس البشرية ووقوع الهرج والمرج وتلك أحوال مذمومة يلحق ذلك الزمان بها من الذم بمقدار ما يلحق زمان وجود الرسول من المدح، ولذلك ذكر من خبث أحوال ذلك الزمان وذم الخلائق فيه ما يدل على عظمة نعمة بعثته (صلى الله عليه وآله) ما استلزمه من الخيرات ليعتبروا ويعرفوا قدر تلك النعمة ويحصل لهم التوجه إلى الله ويشكروا له. (وطول هجعة من الامم) الهجع والهجعة والهجيع بالفتح في الجميع طائفة من الليل، الهجوع النوم ليلا كذا في النهاية. وقال الجوهري: " أتيت بعد هجعة من الليل أي بعد نومة خفيفة " وهي ههنا كناية عن غفلة الامم في ظلمات الجهالة عن أمر المبدء والمعاد وسائر المصالح التي ينبغي التوجه إليها. (وانبساط من الجهل) أي انتشاره في الربع المسكون وإحاطته بالامم أجميعن لفقدهم من يهديهم إلى المعارف الالهية والمصالح الدينية والدنيوية (واعتراض من الفتنة) أي عروضها في الأقاليم وإحاطتها بأهلها طولا وعرضا، أو وقوعها على غير قانون شرعي ومشيها في غير طريق عقلي ونقلي، من اعترض الشئ صار عارضا كالخشبة المعترضة في عرض النهر، والفرس الماشي في عرض الطريق من غير استقامة بتشبيهها بالفرس المتصف بهذه الصفة واستعارة لفظ الاعتراض لها. (وانتقاض من المبرم) المبرم المحكم من أبرمت الشئ أحكمته، والمراد به نظام أحوالهم وإبرام أمورهم أي استحكامها بالشرائع السالفة، والمراد بانتقاضه انقطاع ذلك النظام وانهدام بناء ذلك الاستحكام بتغيير تلك الشرائع وفسادها، فان الخلائق كلهم في زمان الفترة حرفوا الطريقة


1 - قيل: ولها تقدم في الرتبة والشرف أيضا إذ العبودية حقيقة التفات إلى الحق وانتقال إليه والرسالة بالعكس فانه انتقال إلى عالم الخلق. (*)

[ 30 ]

الربانية، وخرجوا عن الشريعة الالهية وأرقدتهم نقمات وساوس الشياطين في مهاد المراقد الطبيعية إلا من عصمه الله بلطفه الخفي وقليل ماهم. (وعمى عن الحق) العمى يطلق على معنيين أحدهما عدم البصر وثانيها عدم البصيرة وهو المراد هنا. والحق هو الأمور الثابتة بالشرائع السابقة من التوحيد وصفات الكمال والجلال وغير ذلك من الأمور المتعلقة بصلاح النشأتين، والعمى عن الحق عبارة عن بطلان بصيرتهم القلبية باستيلاء الأمراض النفسانية عن إدراك هذه الأمور. (واعتساف من الجور) العسف الأخذ على غير الطريق وكذلك التعسف والاعتساف، والجور الميل عن طريق الحق، والظلم، قال في المغرب " جار عن طريق مال جار ظلم " والمعنى الثاني أنسب يعني ابتعثه (صلى الله عليه وآله) حين مالوا عن طريق الهداية وسلكوا طريق الغواية وظلموا بذلك أنفسهم، فبعضهم كانوا من عبدة الأوثان (1) وبعضهم كانوا من عبدة النيران، وبعضهم كانوا من عبدة الشمس والقمر، وبعضهم كانوا من عبدة الشجر والبقر، وبعضهم: قالوا عزير ابن الله، وبعضهم قالوا: المسيح ابن الله، وبعضهم قالوا: الملائكة بنات الله، وبعضهم قالوا: الله جسم، وبعضهم قالوا: هو نور مثل سائر الأنوار، وبعضهم قالوا: يجوز رؤيته - إلى غير ذلك من الملل الفاسدة والمذاهب الباطلة. (وامتحاق من الدين) محقه أبطله ومحاه وتمحق الشئ وامتحق أي بطل. والدين في اللغة: الطاعة والجزاء. وفي العرف: الشرائع الصادرة بواسطة الرسل. وبطلانه كناية عن تركهم العمل بما فيه من صلاح معاشهم ومعادهم فانهم غيروا وبدلوا وشرعوا لهم ما سولت لهم أنفسهم فحللوا حراما وحرموا حلالا فبعثه الله الرؤف الرحيم ليهديهم إلى الصراط المستقيم. * الأصل: " وأنزل إليه الكتاب فيه البيان والتبيان، قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون، قد بينه للناس ونهجه بعلم قد فصله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد أوجبها وأمور قد كشفها لخلقه وأعلنها، فيها دلالة إلى النجاة ومعالم تدعو إلى هداه، فبلغ (صلى الله عليه وآله) ما أرسل به، وصدع بما أمر، وأدى ما حمل من أثقال النبوة، وصبر لربه، وجاهد في سبيله، ونصح لامته، ودعاهم إلى النجاة، وحثهم على الذكر، ودلهم على سبيل الهدى من بعده بمناهج ودواع، أسس للعباد أساسها، ومنائر رفع لهم أعلامها، لكيلا يضلوا من بعده وكان بهم رؤوفا رحيما ".


1 - في بعض النسخ (عبدة الاصنام). (*)

[ 31 ]

* الشرح: (وأنزل إليه الكتاب) الكتاب في الأصل الفرض والحكم والقدر كما يظهر من الصحاح والمغرب، ثم المتبادر منه عند الاطلاق هو القرآن العزيز لاشتماله على هذه الأمور على الوجه الأتم والأكمل. (فيه البيان والتبيان) أي بيان كل شئ وتبيانه وهو البيان مع البرهان، وقدم الظرف للحصر أو لقرب المرجع أو الاهتمام لاشتماله على ضمير " الكتاب " أو لربط الحال على صاحبها ابتداء. (قرآنا) حال بعد حال عن " الكتاب " (عربيا) صفة للتخصيص أو للمدح واشتماله على غير العربي نادرا على تقدير ثبوته لا يقدح في عربيته (غير ذي عوج) لا اختلال ولا اختلاف ولا شك فيه أصلا لا من جهة المباني ولا من جهة المعاني (لعلهم يتقون) من العقوبات الاخروية والمشتهيات الدنيوية، باتباع أوامره ونصايحه واستماع زواجره ومواعظه. (قد بينه للناس) ضمير المفعول للقرآن وضمير الفاعل لله تعالى أو للرسول (صلى الله عليه وآله) وكذا الفاعل في الأفعال الآتية والأول أولى وأرجح (ونهجه) بالتخفيف أي أوضحه وأبانه من نهجت الطريق إذا أبنته وأوضحته، أو سلكه من نهجت الطريق إذا سلكته (بعلم قد فصله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد أوجبها وامور قد كشفها لخلقه وأعلنها) الظاهر أن القرائن الأربعة أحوال متعاقبة للقرآن، يعني أوضحه حال كونه متلبسا بعلم عظيم من التأويل والتفسير والمحكم والمتشابه والعام والخاص وغير ذلك قد فصله الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله) أو الرسول للناس، وبدين يعني بشرايع نبوية ونواميس إلهية قد أو ضحه لهم، وبفرائض مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد ونحوها قد أوجبها عليهم، وبأمور من أحوال الامم الماضية والقرون السالفة قد كشفها وأعلنها لهم، وبالجملة في القرآن علم ما كان وما يكون وما هو كائن وما يحتاج إليه الخلائق وقد بينه الله تعالى لرسوله وبينه الرسول لامته وهو مخزون عند أهله. (فيها دلالة إلى النجاة) أي في الامور المذكورة دلالة إلى نجاة الخلق من الخزي والنكال عاجلا، ومن الحرمان عن الثواب والخذلان بالعقاب آجلا. (ومعالم تدعو إلى هداه) معالم جمع معلم وهو ما جعل علامة للطرق والحدود، والمراد بها هنا مواضع العلوم ومرابطها من الكلمات الرائقة والعبارات الراشقة والدلائل الواضحة، هي بالرفع عطف على " دلالة "، وبالجر عطف على " النجاة " والجملة الفعلية صفة لها، والضمير المجرور بالاضافة يعود إلى الله أو إلى الرسول أو إلى الكتاب، والهدى ضد الضلالة وإضافته من باب إضافة المصدر إلى الفاعل ومفعول " تدعو " محذوف وهو الخلق وقيل: الهدى المهتدى به وهو الدين والكتاب والرسول. والاضافة على تقدير رجوع

[ 32 ]

الضمير إلى الله لامية، وعلى الاحتمالين الأخيرين بيانية. وقيل: الهاء في " هداه " ساكنة زائدة للوقف كما في كتابيه ويا رباه ويا سيداه، وفيه نظر يعرف بالتأمل. (فبلغ (صلى الله عليه وآله) ما ارسل به) من أحوال المبدء والمعاد وجميع ما يحتاج إليه الامة إلى يوم القيامة (وصدع بما امر) أي أجهر به من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا أو أظهره من صدعه إذا أظهره وبينه أو فرق به بين الحق والباطل من صدعه إذا شقه على سبيل الاستعارة، وتشبيه الفرق بينهما بصدع الزجاجة ونحوها في عدم الالتيام من باب تشبيه المعقول بالمحسوس لزيادة الايضاح، والباء على الأخيرين زائدة أو للتعدية بها على طريق التجوز، و " ما " مصدرية أو موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف أي بما امر به (وأدى ما حمل من أثقال النبوة) الأثقال إما جمع ثقل وهو ضد الخفة أو جمع ثقل بالتحريك وهو متاع البيت والمسافر على سبيل الاستعارة، وقد أدى كلها عند الامامية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يكن أحد غيره حاملا بجميعها باتفاق الامة وقالت العامة لم يخص (صلى الله عليه وآله) أحدا من الامة بجميعها وإنما أدى جميعها إلى جميع الامة بأن أخذ كل واحد منهم ما يليق بفهمه، ثم أدوا إلى التابعين كذلك، وهكذا إلى انقراض العالم. وأنت تعلم ما في هذا القول ولكن من أضله الله فلا هادي له. (وصبر لربه) أي صبر لرضا ربه وطلب التقرب منه في تبليغ الرسالة وأداء أثقال النبوة على تحمل المشاق وأذى المعاندين وطعن الطاعنين من كفرة قريش وفسقة العرب (وجاهد في سبيله) الذي هو التوحيد ودين الحق مع قلة العدد وضعف العدد (1) (ونصح لامته) النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحه ونصح له، فتعديته إلى المنصوح إما بنفسه أو باللام، والمراد بنصحه لهم إرشادهم إلى مصالح دينهم ودنياهم وتعليمه إياها وعونهم عليها والذب عنهم وعن أعراضهم، وبالجملة جلب خير الدنيا والآخرة إليهم خالصا مخلصا لوجه الله، ومن ثم قيل: النصيحة في وجازة لفظها وجمع معانيها كلفظ " الفلاح " الجامع لخير الدنيا والآخرة (ودعاهم إلى النجاة) النجاة مصدر نجوت من كذا إذا تخلصت منه وتنحيت عنه، يعني دعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى نجاتهم من العقوبات والشدايد أو إلى ما به نجاتهم من المصالح وخلوص العقايد (وحثهم على الذكر) حث يتعدى بعلى، يقال: حثه على كذا إذا حضه عليه، وتعديته هنا بالى إما باعتبار أن حروف الجر قد يجئ بعضها في موضع بعض أو بتضمين معنى الدعاء ونحوه، والمراد بالذكر ذكر الله تعالى بالقلب واللسان في جميع الأحوال وله شرف عظيم قال الله تعالى * (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة) * قال * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا) * وقال


1 - العدد - بكسر العين وفتح الدال - جمع عدة - بالضم - وهي الاستعداد. (*)

[ 33 ]

* (اذكروني أذكركم) * وقال الصادق (عليه السلام): " وقال الله تعالى من ذكرني في ملاء من الناس ذكرته في ملاء من الملائكة " (1) المراد به ذكر آلاء الله ونعمائه أو الصلاة والدعاء لأنهما نوعان كاملان من الذكر والقرآن العزيز. (ودلهم على سبيل الهدى من بعده بمناهج ودواع أسس للعباد أساسها) المناهج جمع المنهج وهو الطريق الواضح الذي لا يضل سالكه. والدواعي جمع داعية التي تدعوهم إلى اتباع سبيل الهدى. والأساس جمع اس بالضم وهو أصل الحائط وضمير التأنيث يعود إلى المناهج والدواعي، والمراد بتأسيس الأساس: وضعها وإحكامها، وبسبيل الهدى: الطريقة الشرعية، وبالمناهج، الأوصياء الطاهرين. ويجوز أن يراد بالأول الأوصياء وبالأخير الأدلة الدالة على خلافتهم (ومنائر رفع له أعلامها) عطف على " سبيل الهدى " والمنائر جمع المنارة على القياس لأن وزنها مفعلة إذ أصلها منورة موضع النور وهي ما يوضع فوقه السراج وقياسها في الجمع مفاعل كمناور ومنائر بقلب الواو همزة تشبيها للأصلي بالزائد كما قالوا مصائب في مصاوب. وفي بعض النسخ " منار " وهي جمع منارة أيضا عى غير القياس، ثم استعير للأوصياء (عليهم السلام) لأنهم محال للأنوار العقلية، وبهم يستبين حقائق الدين ويستنير قلوب العارفين كما أن المشبه به للأنوار الحسية، ورفع الأعلام عبارة عن نصب الأدلة الدالة على خلافتهم وإمامتهم: (لكيلا يضلوا من بعده) أي دلهم على كذا وكذا لكيلا يضلوا من بعده على طريق الحق بالاقتداء بآثارهم والاهتداء بأنوارهم (وكان به رؤفا رحيما) الرأفة أشد الرحمة والواو للعطف على الأفعال المتقدمة، أو للحال عن المستكن فيها أو عن البارز في " يضلوا ". * الأصل: " فلما انقضت مدته، واستكملت أيامه، توفاه الله وقبضه إليه وهو عند الله مرضي عمله، وافر حظه، عظيم خطره، فمضى (صلى الله عليه وآله) وخلف في امته كتاب الله ووصيه أمير المؤمن وإمام المتقين صلوات الله عليه، صاحبين مؤتلفين، يشهد كل واحد منهما لصاحبه بالتصديق، ينطق الإمام عن الله في الكتاب بما أوجب الله فيه على العباد من طاعته، وطاعة الإمام وولايته، وواجب حقه الذي أراد من استكمال دينه، وإظهار أمره، والاحتجاج بحججه، والاستضاءة بنوره في معادن أهل صفوته ومصطفى أهل خيرته، فاوضح الله بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا (صلى الله عليه وآله) عن دينه وأبلج بهم عن سبيل مناهجه وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه وجعلهم مسالك لمعرفته ومعالم لدينه حجابا بينه وبين خلقه والباب المؤدي إلى معرفة حقه،


1 - رواه الكليني في كتاب الدعاء من الكافي باب ما يجب من ذكر الله في كل مجلس. (*)

[ 34 ]

وأطلعهم على المكنون من غيب سره ". * الشرح: (فلما انقضت مدته واستكملت أيامه توفاه الله وقبضه إليه) تفصيل لقوله: " ودلهم - آخره - " والعطف للتفسير، قال الجوهري: " توفاه الله أي قبض روحه، والوفاة الموت " (وهو عند الله مرضي عمله وافر حظه عظيم خطره) أي قدره ومنزلته، والواو للحال عن مفعول " توفاه " (فمضى (صلى الله عليه وآله) وخلف في امته كتاب الله ووصيه أمير المؤمنين وإمام المتقين صلوات الله عليه) تصريح لما علم سابقا ولذلك صح التفريع، قال الجوهري: " خلف فلان فلانا إذا كان خليفته في قومه ومنه قوله تعالى: * (يا هارون اخلفني في قومي) * وقال المطرزي في المغرب: " خلفته خلافة كنت خليفته " وقال القاضي: الخليفة من يخلف عيره وينوب منابه، والهاء للمبالغة، والأنسب بالنظرهذه المعاني أن مفعول خلف محذوف وهو الضمير العائد إليه (صلى الله عليه وآله) والواو للحال بتقدير " قد " و " كتاب الله " وما عطف عليه فاعله، ويجوز أن يقرأ " خلف " بتشديد اللام ويجعل الواو للعطف، أي وجعلهما خليفته في امته ليقطع أعذارهم في ترك دين الحق ورفض العمل بما فيه بفقدهم من يرجعون إليه من التوقيف على الأسرار الشرعية، فإن المرجع إذا كان موجودا بينهم بعده (صلى الله عليه وآله) لم يبق لهم معذرة لاتباع الأهواء الباطلة، واقتفاء الاراء الفاسدة. (صاحبين مؤتلفين) حال عن الكتاب والوصي، أي لا يفارق أحدهما الآخر أصلا، الائتلاف مطاوع التأليف، يقال: ألفت بين الشيئين تأليفا فتألفا وائتلفا، وفيه إشارة إلى قوله (صلى الله عليه وآله) " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي الحديث " (يشهد كل واحد لصاحبه بالتصديق) أي بسبب تصديق كل واحد ما يقول وينطق، فالقرآن يصدقه (عليه السلام) في كل ما يقول باعتبار اشتماله عليه ومن جملة ما يقوله (عليه السلام) تقدمه في خلافته، ووجوب إطاعته، والقرآن يشهد له بقوله * (إنما وليكم الله - الآية) * وبقوله * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم) * إلى غير ذلك وهو (عليه السلام) يصدق القرآن فيما ينادي من اشتماله على كل ما كان وما يكون وما يحتاج إليه الامة إلى يوم القيامة لأنه عالم بظاهره وباطنه ومفهومه ومنطوقه وعامه وخاصه وناسخه ومنسوخه وأسراره كما يرشد إليه قوله تعالى * (ومن عنده علم الكتاب) * قوله تعالى * (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) *. (ينطق الإمام عن الله في كتاب الله بما أوجب الله فيه على العباد من طاعته) خلق الله تعالى عباده للطاعة والانقياد له في كل ما أمر به ونهى عنه في الكتاب، وظاهر أن كل أحد لا يقدر على استنباط المقصود مه لكونه ظاهرا وباطنا، ورمزا وإشارة ومجملا ومفصلا، ومحكما ومتشابها، وعاما وخاصا، ومطلقا ومقيدا، ومفهوما ومنطوقا، وناسخا ومنسوخا، فلذلك وجب في الحكمة

[ 35 ]

ثبوت إمام ينطق عن الله بما أوجب عليهم وما يحتاجون إليه لئلا يضلوا، ولا يبقى لهم حجة ولا معذرة وهو لسان الحق والناطق عن كتابه والمبين لخطابه. ووجب عليهم الانقياد له واتباع آثاره، واستماع أخباره، واقتفاء أفعاله وأطواره (وطاعة الإمام وولايته) لدلالة الآيات القرآنية والبينات الربانية على ثبوت الإمامة والولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) وبعد لأولاده الطاهرين، وبينها الرسول وأهل الذكر (عليهم السلام) وعينوها وعينوا مواضعها وكيفية دلالتها، والمنكرون لفضل آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين أولوها بما سولت لهم أنفسهم فضلوا وأضلوا كثيرا وأوردوهم النار وبئست مصيرا. (وواجب حقه) ليس عطفا " على ولايته " والضمير للامام، بل على الموصول أو على طاعته والضمير لله تعالى وإدراج الواجب على الأخير للمبالغة والاضافة على التقديرين من باب جرد قطيفة. (الذي أراد) أي أراده من الإمام أو العباد والموصول مع صلته صفة لحقه. (من استكمال دينه) بالعلم والعمل (وإظهار أمره) لحفظ الطريقة الالهية عن الانطماس والعلوم النبوية عن الاندراس سيما عند ظهور البدعة وبروز الخدعة فانه يجب على العالم حينئذ إبطالها باظهار الحق. ومن ثم وجب وجود معصوم في كل عصر ليكون مفزعا في كل مصيبة وملجأ في كل بلية. (والاحتجاج بحججه) إذ لكل حق حقيقة، ولكل حقيقة دليل وحجة من الله سبحانه فوجب على العاقل التمسك في إثباتها بتلك الحجة لا بما سولت له نفسه فان إيصاله إلى المفاسد أولى من إيصاله إلى المقاصد. ويجوز أن يراد بالحجج الأئمة المعصومين إذ من حق الله تعالى على العباد أن يحتجوا في العلوم الدينية والمعارف اليقينية بقولهم (عليهم السلام) لأنهم حفظة لسره وخرنة لعلمه (والاستضاءة بنوره) الذي أودعه (في معادن أهل صفوته) المراد بالنور العلم على سبيل الاستعارة وتشبيه المعقول بالمحسوس لجامع عقلي وهو الايصال إلى المطلوب إذ بالعلم يدرك الحق ويفرق بينه وبين الباطل كما أن بالنور يدرك المحسوس ويفصل بين الأشياء المرئية، والاستيضاء ترشيح، وصفوة الشئ خالصه، ونبينا (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرين (عليهم السلام) صفوة الله من خلقه، والاضافة الأولى بيانية أو لامية إن أريد بالمعادن القلوب والثانية بيانية والثالثة لامية، وتتابع الاضافات لا يوجب ثقلا مخلا بالفصاحة (ومصطفى أهل خيرته) عطف على المعادن، الاصطفاء الاختيار يقال: اصطفيته أي اخترته، والمصطفى بصيغة الافراد أو الجمع باسقاط النون للاضافة، والاضافة إما بيانية أو بتقدير " من " والخيرة مثال العنبة والسيرة إما بمعنى المختار أو بمعنى الاختيار وقد استعملت فيهما كما في قولهم محمد (صلى الله عليه وآله) خيرة الله وقوله تعالى: * (ما كان لهم الخيرة) *. (فأوضح الله بأئمة الهدى من هل بيت نبينا) حال عن الأئمة أو بيان لها. (عن دينه) الذي هو عبارة عن مجموع ما جاء به نبينا من القوانين. والايضاح الاظهار والابانة. يقال: وضح الشئ أي

[ 36 ]

ظهر وبان، وأوضحته أي أظهرته وتعديته بعن للمبالغة (وأبلج بهم عن سبيل مناهجه) بلج الصبح يبلج بالضم بلوجا إذا أشرق وأضاء وكذا الحق إذا اتضح، وأبلجه إذا أظهره وأوضحه و " عن " زائدة للمبالغة في الربط والايصال ومناهجه كل ما يتقرب به إليه سبحانه من العلوم الكاملة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، وسبيلها دلائلها، يعني أضاء بأنوار أئمة الهدى وإشراقاتهم سبيل هذه الامور الموصلة إلى جناب الحق الموجبة للتقرب به، وأوضح دلائلها (وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه) الينابيع جميع ينبوع وهي عين الماء، وهذا الكلام إما على سبيل الاستعارة المكنية والتخييلية. بتشبيه العلم بالماء، وإثبات الينابيع له، أو من قبيل لجين الماء، وفي لفظ الباطن إشارة إلى علمهم بالأسرار الالهية والعلوم الغيبية اللدنية المشار إليها بقوله تعالى: * (عالم الغيب والشهادة فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) * أو إلى علمهم بباطن القرآن ومتشابهاته على أن يكون المراد بالينابيع الآيات القرآنية. (وجعلهم مسالك لمعرفته) لكل مطلوب طريق ومسلك من سلكه وصل إليه وهم (عليهم السلام) طرق معرفة الله بما يليق به ومسالكها بأمر الله عز شأنه ومن رجع إليهم يتنور ذهنه بنور المعرفة وضوء الايمان ومن أعرض عنهم يتحير قلبه في تيه الجهالة وظلمة الكفران. (ومعالم لدينه) الناس بتعليمهم يعلمون أطوار الطريقة وبتفهيمهم يفهمون أسرار الشريعة (وحجابا بينه وبين خلقه) الحجاب بالضم والتشديد جمع حاجب السلطان وهو الذي يمنع من شاء من الدخول عليه ويأذن من شاء ولا يمكن الوصول إلا بالرجوع إليه والتمسك به وهم (عليهم السلام) كذلك بالنسبة إلى السلطان الأعظم جل شأنه (والباب المؤدي إلى معرفة حقه) الباب جنس يصدق على الكثير وبهذا الإعتبار صح حمله على الجمع. وتوضيح المرام في هذا المقام: أن حقوق الله على عباده كثيرة وهي مدينة ليس فيها إلا الحق ولا يدخلها إلا أهل الحق، وتلك الحقوق أشرف وأعظم من أن ينالها العقول البشرية بذاتها ويدركها باستقلالها، لخفاء طرقها ودقة مسالكها فربما يقع في الخيال مثلا التماثل بينه تعالى وبين المخلوقات ويجري عليه أحكام الأجسام والجسمانيات كما ترى في كثير من المبتدعة، ولذلك جعل الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) مدينة تلك الحقوق وعليا وأوصياءه (عليهم السلام) بابها كما يدل عليه " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وهو في الحقيقة باب الجنة وباب الرحمة وباب السعادة، فمن عكف على سدنته فقد رشد، ومن أعرض عنه فقد هلك وقد فسد. (أطلعهم على المكنون من غيب سره) أطلعهم إما بتخفيف الطاء من قولك أطلعت على سري إذا أظهرته له ووقفته عليه، وإما بتشديدها من قولك اطلعت على باطن أمره بمعنى أشرفت عليه،

[ 37 ]

فلا يناسب المقام لأنه لازم والمقصود أنهم (عليهم السلام) لم يكونوا مقصورين على العلم بظاهر الشريعة بل أطلعهم الله سبحانه على أسرار مكنونه في لوح التصوير مكتوبة بقلم التقدير، غايبة عن بصائر الخلائق، مستورة عن ضمائر أرباب العلائق والعوائق وهم قد كانوا يظهرون بعضها لبعض إن وجدوه أهلا ويخفونها من غير أهله إذ كانوا أطباء النفوس يتكلمون الناس بقدر عقولهم ومن ثم قال سيد الوصيين أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد أشار بيده إلى صدره " إن ههنا لعلوما جمة لو وجدت لها أهلا ". * الأصل: " كلما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماما بينا، وهاديا نيرا. وإماما قيما، يهدون بالحق وبه يعدلون، حجج الله ودعاته ورعاته على خلقه، يدين بهديهم العباد، ويستهل بنورهم البلاد، وجعلهم الله حياة للأنام ومصابيح للظلام ومفاتيح للكلام ودعائم للاسلام وجعل نظام طاعته وتمام فرضه التسليم لهم فيما علم والرد إليهم فيما جهل، وحظر على غيرهم التهجم على القول بما يجهلون ومنعهم جحد ما لا يعلمون، لما أراد تبارك وتعالى من استنقاذ من شاء من خلقه، من ملمات الظلم ومغشيات البهم وصلى الله على محمد وأهل بيته الأخيار الذين أذهب الله عنهم الرجس [ أهل البيت ] وطهرهم تطهيرا ". * الشرح: (كلما مضى منهم إمام نصب) فاعله ضمير يعود إلى الله أو إلى الإمام، ولا تفاوت في المعنى لأن الإمامة عهد من الله ورسوله لرجل بعد رجل حتى ينتهى الأمر إلى صاحبه (لخلقه من عقبه إماما) " من " جارة أو موصولة " وإماما " على الأول مفعول " نصب " وعلى الثاني حال عن الموصول وذلك لاستحالة خلو الأرض من حجة وإلا لساخت بأهلها (بينا) في العلم والحلم والإمامة لظهور الآيات والكرامات منه مقرونا بدعوى الإمامة (وهاديا) للقرن الذي هو فيهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم (نيرا) كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم، إذ بنوره يضئ قلوب المؤمنين ويرتفع عنها ظلمة الجهالة والغواية، كما أن بنور الشمس يضئ وجوه الأرضين ويرتفع عن الأبصار ظلمة الغطاء والغشاوة (وإماما قيما) أي مستقيما في أفعاله وأعماله وسائر الحالات الكاملة المطلوبة من الإنسان، من قومت الشئ فهو قويم أي مستقيم أو قيما بأمر الإمامة من قام بأمر كذا (يهدون بالحق) " يهدون " حال عن الأئمة و " بالحق " ظرف مستقر حال عن ضمير الجمع أي يهدون الناس حال كونهم متلبسين بالحق، أو ظرف لغو أي يهدونهم بكلمة الحق ويدلونهم على الاستقامة ويرشدونهم إليها (وبه يعدلون) بينهم في الأحكام.

[ 38 ]

(حجج الله) أي هم حجج الله على خلقه والجملة حال عن ضمير الجمع (ودعاته ورعاته) جمع الداعي والراعي، وهو إما من رعى الأمير رعيته رعاية إذا حفظهم عن المكاره أو من رعيت الأغنام أرعاها رعيا إذا أرسلتها إلى المرعى، وكفلت مصالحها بتشبيه الخلق بالأغنام لأنهم قبل الاستكمال بالشريعة بمنزلتها في الحيرة وعدم علمهم بمصالحهم ومضارهم أو لاحتياجهم إلى من يحبسهم على مرعى الشريعة ويمنعهم عن الخروج عنها، كما أن الأغنام تحتاج إلى من يحبسها على مرعاها وما فيه مصالحها (على خلقه) متعلق بالثلاثة المذكورة على سبيل التنازع إذ بهم يحتج الله على خلقه استكمال الدين فلا يكون لهم عليه حجة وهم دعاته على خلقه يدعونهم إلى معرفة ذاته وصفاته وشريعته، ورعاته عليهم يحفظونهم عن المكاره والمقابح ويرشدونهم إلى المحاسن والمصالح (يدين بهديهم العباد) أي العباد يطيعون الله ورسوله في الأمر والنهي وغيرهما مما يجب التقرب والرضوان بسبب هدايتهم وإرشادهم ولولا ذلك لهلكوا جميعا (ويستهل بنورهم البلاد) أي يستضي بعلمهم البلاد أو أهلها على سبيل الاستعارة بتشبيه العلم بالنور في الهداية (جعلهم الله حياة للانام) أي سببا لحيوتهم وبقائهم في الدنيا إلى أجل معدود إذ لولا وجودهم لمات الخلائق دفعة واحدة. ويحتمل أن يراد بالحيوة الإيمان بالله وباليوم الآخر والتصديق بما جاء به الشرع من باب تسمية السبب باسم المسبب لأن هذه الأمور سبب للحيوة الأبدية (ومصابيح للظلام) شبه البدعة والجهالة بالظلمة في المنع من الاهتداء للطريق واستعمل في المشبه لفظ المشبه به ولزم من ذلك تشبيههم (عليهم السلام) بالمصابيح إذ بنورهم يرتفع غشاوة البدعة والجهالة عن بصائر المؤمنين فيهتدون سبيل الحق ويجتنبون عن طريق المفاسد كما أن بنور المصباح يرتفع غشاوة الظلمة عن أبصار الناظرين فيبصرون المطالب ويرشدون إلى المقاصد. (ومفاتيح للكلام) تشبيه الكلام بالبيت المخزون فيها الجواهر استعارة مكنية وإثبات المفاتيح له تخييلية. والمراد بالكلام الكلام الحق مطلقا أو القرآن العزيز ولا يفتح باب حقايقه وأسراره على قلوب العارفين ولا يشاهدها بصائر الطالبين إلا بتفسيرهم وتعليمهم (عليهم السلام) (ودعائهم للاسلام) تشبيه الإسلام بالبيت مكنية، وإثبات الدعائم له تخييلية، فكما أن بقاء البيت يحتاج إلى دعائم متناوبة يقوم الآخر مقام الاول عند زواله كذلك بقاء الإسلام وعدم اندراسه بتوارد صواعق المحن وتواتر سيول الفتن يحتاج إلى ناصر ومعين يقوم واحد بعد واحد إلى قيام الساعة. (وجعل نظام طاعته) أي ما ينتظم به طاعته. والنظام - بالكسر - الخيط الذي ينظم به اللؤلؤ ففي الكلام استعارة مكنية وتخييلية (وتمام فرضه) على العباد من غير أن يكون فيه نقص وعيب (التسليم لهم فيما علم) أي فيما علمه العبد أو فيما هو معلوم ومعنى التسليم الاخبات والخضوع، وتصديق قولهم فيما

[ 39 ]

أسروا وما أعلنوا سواء علمت المصلحة أو لم تعلم، ومن التسليم نقل حديثهم كما سمعوه من غير زيادة ونقصان كما دل عليه رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) (والرد إليهم فيما جهل) أي فيماجهله العبد أو فيما هو مجهول يعني الرجوع إليهم في استعلام المجهولات لا إلى غيرهم قال الله تعالى * (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * وبالجملة أوجب الله تعالى علينا التسليم لهم في كل ما علمناه من تعليمهم والرجوع إليهم في كل ما جهلناه لأنهم استادنا وهادينا (2) في ظلمات الطبايع البشرية. (وحظر على غيرهم التهجم على القول بما يجهلون) الحظر المنع ومنه قوله تعالى * (وما كان عطاء ربك محظورا) * وكثيرا ما يرد في الحديث ذكر المحظور ويراد به الحرام، قد حظرت الشئ حرمته وهو راجع إلى المنع، والهجوم الاتيان بغتة والدخول من غير استيذان من باب طلب يعني حرم على غيرهم الدخول على القول بما يجهلون ومنعهم عن الاقدام عليه بمجرد الظن والرأي والقياس بقوله تعالى * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * وقوله تعالى * (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) * ومثله ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " حق الله على العباد أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون " (3) وما روي عنه (عليه السلام) أيضا قال لسدير: " يا سدير أفاريكم الصادين عن دين الله ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري وهم حلق في المسجد يعني في مسجد الحرام فقال هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين، إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله (صلى الله عليه وآله) " (4). (ومنعهم جحد ما لا يعلمون) لأن عدم العلم بالشئ ليس علما بعدمه ولا مستلزما له فإنكاره لا يجوز عقلا ولا نقلا لقوله تعالى: * (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) * وقوله تعالى: * (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) * (لما أراد تبارك


1 - سيأتي في باب التسليم وفضل المسلمين تحت رقم 8 حديث عن أحمد بن مهران عن عبد العظيم الحسني عن علي بن اسباط عن علي بن عقبة عن الحكم بن أيمن عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه إلى آخر الآية) * قال: " هم المسلمون لآل محمد الذين إذا سمعوا الحديث لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه جاؤا به كما سمعوه ". 2 - كذا في جميع النسخ التي كانت عندنا. 3 - سيأتي في باب النهي عن القول بغير علم تحت رقم 7 من كتاب فرض العلم. 4 - رواه الكليني في كتاب الحجة باب أن الواجب على الناس بعدما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام. (*)

[ 40 ]

وتعالى من استنقاذ من شاء من خلقه من ملمات الظلم ومغشيات البهم) (1) اللام لتعليل ما تقدم في حقهم: من لطف الله تعالى بهم وإكرامه عليهم وما موصولة والعائد إليه محذوف والملمات جمع الملمة وهي النازلة من نوازل الدنيا وحوادثها، والظلم جمع الظلمة والمراد بها البدعة والفتنة على سبيل الاستعارة وملمات الظلم من باب جرد قطيفة، والغشاوة الغطاء والإغشاء التغطية ومنه قوله تعالى * (فأغشيناهم فهم لا يبصرون) * والبهم جمع البهمة بالضم وهي ما يوقع في الحيرة لعدم معرفة وجهه من قولهم كلام مبهم إذا لم يعرف له وجه، والتركيب أيضا من باب جرد قطيفة يعني فعل الله تعالى في شأن الأئمة ما فعل وأكرمهم بما ذكر وجعلهم هادي الامة لما أراده الله تبارك وتعالى من استنقاذ من شاء من خلقه برحمته ورأفته ونجاتهم بسبب هداية الأئمة وإشراقات أنوارهم من ظلمات البدع والفتن إذا نزلت بهم ومن البهم الموجبة لحيرة عقولهم المغطية لبصائر قلوبهم إذا وردت عليهم ولما حمد الله تعالى على صفاته الذاتية والفعلية التي من جملتها بعث الرسول ونصب الخلفاء، أراد أن يدعو لهم أستعانة بأرواحهم المقدسة المطهرة فيما هو بصدده وامتثالا لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه) *. فقال (وصلى الله) عطف على قوله " الحمد لله " لأنه في قوة الجملة الفعلية أو على قوله " أحمد " (على محمد وأهل بيته) الطاهرين المعصومين جميعا وإن كان أهل البيت يطلق تارة على علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) (الأخيار) جمع الخير بالتشديد إذ الخير بالتخفيف اسم تفضيل لا يثنى ولا يجمع كما بين في موضعه (الذين أذهب الله عنهم الرجس) اللام إما للجنس أو للاستغراق (وطهره تطهيرا) اقتباس لقوله تعالى * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *. * الأصل: " أما بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة وتوازرهم وسعيهم في عمارة طرقها ومباينتهم العلم وأهله، حتى كاد العلم معهم أن يأرز كله وينقطع مواده، لما قد رضوا أن يستندوا إلى الجهل ويضيعوا العلم وأهله. وسألت: هل يسع الناس المقام على الجهالة والتدين بغير علم إذ كانوا داخلين في الدين مقرين بجميع اموره على جهة الاستحسان والنشوء عليه والتقليد للآباء والأسلاف والكبراء والاتكال على عقولهم في دقيق الأشياء وجليلها ؟ فعلم يا أخي رحمك الله إن الله تبارك وتعالى خلق عباده خلقة


1 - المراد بالمغشيات هنا الشبهات من باب الاستعارة كما أن الغطاء والغشاء مانع من رؤية ما وراه كذلك الشبهات حاجب عن رؤية الحق والطريق المحقق من مرضات الله. (*)

[ 41 ]

منفصلة من البهائم في الفطن والعقول المركبة فيهم، محتملة للأمر والنهي وجعلهم جل ذكره صنفين: صنفا منهم أهل الصحة السلامة وصنفا منهم أهل الضرر والزمانة، فخص أهل الصحة والسلامة بالأمر والنهي بعدما أكمل لهم آلة التكليف ووضع التكليف عن أهل الزمانة والضرر إذ قد خلقهم خلقة غير محتملة للأدب والتعليم وجعل عز وجل سبب بقائهم أهل الصحة والسلامة وجعل بقاء أهل الصحة والسلامة بالأدب والتعليم، فلو كانت الجهالة جائزة لأهل الصحة والسلامة لجاز وضع التكليف عنهم وفي جواز ذلك بطلان الكتب والرسل والآداب وفي رفع الكتب والرسل والآداب فساد التدبير والرجوع إلى قول أهل الدهر فوجب في عدل الله عز وجل وحكمته أن يحض من خلق من خلقه خلقة محتملة للأمر والنهي لئلا يكونوا سدى مهملين، وليعظموه يوحدوه ويقروا له بالربوبية وليعلموا نه خالقهم ورازقهم، إذ شواهد ربوبيته دالة ظاهرة وحججه نيرة واضحة وأعلامه لائحة، تدعوهم إلى توحيد الله عز وجل وتشهد على أنفسها لصانعها بالربوبية والالهية، لما فيها من آثار صنعه وعجائب تدبيره، فندبهم إلى معرفته لئلا يبيح لهم أن يجهلوه ويجهلوا دينه وأحكامه لأن الحكيم لا يبيح الجهل به والانكار لدينه، فقال جل ثناؤه: * (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق) * وقال * (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) * فكانوا محصورين بالأمر والنهي، مأمورين بقول الحق، غير مرخص لهم في المقام على الجهل، أمرهم بالسؤال والتفقه في الدين فقال * (لولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) * وقال * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * فلو كان يسع أهل الصحة والسلامة المقام على الجهل، لما أمرهم بالسؤال ولم يكن يحتاج إلى بعثة الرسل بالكتب والآداب وكادوا يكونون عند ذلك بمنزلة البهائم ومنزلة أهل الضرر والزمانة. ولو كانوا كذلك لما بقوا طرفة عين، فلما لم يجز بقاؤهم إلا بالأدب والتعليم وجب أنه لا بد لكل صحيح الخلقة كامل الآلة، من مؤدب ودليل ومشير وآمر وناه وأدب وتعليم وسؤال ومسألة ". * الشرح: ولما فرغ عن التحميد والصلاة أراد أن يشير إلى سبب تأليف هذا الكتاب وسببه بطريق الاجمال أن رجلا من المؤمنين شكى إليه الخلائق بسوء عقايدهم وأفعالهم من اتفاقهم على الجهل بأمر الدين وتعظيمهم لأهله لعله ينزعه عن شكايته ويزيله عما يشكوه وسأله هل يسعهم المقام على الجهل والتقليد بالآباء والأسلاف أم لا، فأجاب بأن الناس على صنفين: صنف أهل الضرر والزمانة، وصنف أهل الصحة والسلامة، وهذا الصنف لا يجوز لهم المقام على الجهل بل وجب

[ 42 ]

عليهم التعلم والتعليم وبينه في كلام طويل، ثم لما علم وجوب التعلم على هذا الصنف شكى إليه اختلاف الروايات وأنه ليس بحضرته من يسأله ويعتمد بقوله، وسأله أن يصنف له كتابا جامعا للروايات الواردة في اصول الدين وفروعه فأجاب سؤاله، وصنف هذا الكتاب ليكون مرجعا له ولسائر المؤمنين إلى يوم الدين فأشار إلى ما ذكرناه إجمالا بقوله: (اما بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة) أي من تراضيهم وتوافق آرائهم عليها ومحبتهم لأهلها واجتماع كلمتهم فيها واستحسانهم إياها، لأن كل حزب بما لديهم فرحون. والاصطلاح من الصلي وهو اسم بمعنى المصالحة والتصالح خلاف المخاصمة والتخاصم (وتوازرهم) أي تعاونهم من الأزر وهو القوة يقال: آزرت فلانا أي عاونته والعامة تقول وازرته (وسعيهم في عمارة طرقها) بتزيينها وتحسينها وترويج آثارها من اكتساب الخطيئات واقتراف السيئات ومودة الأنذال ومعاشرة الأرذال لأن كل ذلك سبب لشهرتها واتضاح أمرها وميل أهل الطبع إليها. (ومباينتهم العلم وأهله) في لفظ المباينة إشعار بأن الفعل من الطرفين ذلك لأن العلم ضد الجهل فمن اتصف بأحدهما وحسنه لنفسه يجتنب عن الآخر وأهله، فكما أن الجاهل يستنكف عن التحلي بالعلم والاستكمال بصحبة العلماء ومجالستهم كذلك العالم يستنكف عن التدنس بالجهل والاسترذال بصحبة الجهال ومجالستهم مما ينبهك على ذلك وإن لم يكن من هذا الباب حكاية الخضر وموسى على نبينا وآله عليهما الصلاة والسلام فإذا كان الحال بين النبيين المقربين الكاملين في القوة العلمية والعلية ما قد تعلم فالحال بين غيرهما أظهر ولزوم الافتراق أبين وأجدر (حتى كاد العلم معهم) أي مع سوء معاملتهم وقبح أفعالهم وشدة معاندتهم (أن يأرز كله) بتقديم الراء المهملة على المنقوطة أي يجتمع كله في زاوية النسيان من أرزت الحية إلى جحرها إذا انضمت إليها واجتمع بعضها إلى بعض فيها، أو يتقبض ويهزل من الهم الغم من أرز فلان يأرز أرزا فهو أروز إذا تقبض من بخله ولم ينبسط للمعروف، وعلى التقديرين في الكلام استعارة تبعية، ويأزر بتقديم المنقوطة على المهملة بمعنى يضعف غير بعيد، والأرز مشترك بين الضدين أي القوة والضعف (وينقطع مواده) بالكلية وهي الأخبار والآثار المروية عن المعصوم (عليه السلام) (لما قد رضوا أن يستندوا) في أعمالهم وعقايدهم (الى الجهل) ويعتمدوا عليه ويركنوا إليه وهو إشارة الى الاصطلاح والتوازر المذكورين كما أن قوله (ويضيعوا العلم وأهله) إشارة إلى المباينة المذكورة لأنهم بسبب تلك المباينة يلبسون الحق بالباطل وهم عن الحق معرضون، ويدرسون كتاب الجهل وهم به موقنون ويروجون مسائله وهم بذلك مبتهجون، ويتبعون آثاره من الخطيئات وهم على ذلك مفرطون، ويمدحون الدنيا وأهلها وهم إليهم

[ 43 ]

متقربون، ويذمون العلم وأهله وهم عنهم يجتنبون، ويوحون إلى أقرانهم زخرف القول في ذم العلماء وهم بذلك مستبشرون، ويكرهون مجالسة الحكماء الذين هم ورثة الأنبياء وهم بهم مستهزؤون، كذلك طبع الله على قلوبهم وهم عن إدراك الحق مبعدون، فلذلك كاد العلم أن يأرز وينقطع مواده وينهزم عن عساكر الجهل لفقده من ينصره إلا قليلا من المؤمنين. (وسألت هل يسع الناس المقام) بنصب الأول على المفعولية ورفع الثاني على الفاعلية (على الجهالة) في المعارف الحقيقية والامور الشرعية. و " يسع " من وسعة المكان إذا لم يضيق عليه ويستعمل كثيرا في معنى الجواز يقال: يسعه أن يفعل كذا أي يجوز لأن الجائز موسع غير مضيق. والمقام بفتح الميم وضمها لأنه إن كان من قام يقوم فمفتوح، وإن كان من أقام يقيم فمضموم، وهو على التقديرين قد يكون مصدرا بمعنى القيام أو الاقامة، وقد يكون إسما لموضع القيام ويجوز حمله هنا على كلا المعنيين، لأن الأول يناسب الوسع بمعنى الجواز والثاني يناسبه بمعنى الضيق (والتدين بغير العلم) يستند إلى معصوم شفاها أو بواسطة رواة ثقات (إذ كانوا داخلين في الدين، مقرين بجميع اموره على جهة الاستحسان) من غير حجة وبرهان، والظرف متعلق بالدخول والاقرار على سبيل التنازع. (والنشوء عليه) نشأ الصبي ينشأ نشا على فعل بتسكين العين ونشوء على فعول بضمتين وهمز اللام: إذا كبر وشب ولم يتكامل، قيل: في بعض النسخ " والنشق " قال الجوهري: " يقال رجل نشق إذا كان يدخل في امور لا يكاد يتخلص منها " (والتقليد) القلادة هي التي في العنق وقلدت المرأة فتقلدت هي، ومنه التقليد في الدين وتقليد الولاة الأعمال وتقليد الهدي وهو أن يعلق في عنقه شئ ليعلم أنه هدي (للآباء والأسلاف والكبراء) فقبلوا ما قبلوه وردوا ما ردوه من غير أن يتمسكوا في ذلك بمتمسك صحيح ومستند صريح كما هو المشاهد في أكثر هذه الامة. ولو سئلتهم عن وجه ذلك لسكتوا بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (و الاتكال على عقولهم في دقيق الأشياء وجليلها) يعني في اصول العقائد وفروعها كما هو شأن بعض الحكماء والمتكلمين وتابعيهما وبعض الفقهاء المتمسكين بالأدلة العقلية مثل الاستحسان والاستصحاب والمفهومات وغيرها. (فاعلم يا أخي) شرع في الجواب عما سئله السائل بقوله: " هل يسع الناس " وما أشكاه عن شكايته لم يأت بما يزيلها لأن تلك الخصال الذميمة قد صارت في أكثر الناس كالطبيعة الثانية فلا بد للعاقل اللبيب أن يتجرع كأس الغصص ويصبر صبرا جميلا (إن الله تبارك وتعالى خلق عباده خلقة) بكسر الخاء للنوع والحالة (منفصلة) أي متميزة (عن البهائم في الفطن) جمع الفطنة وهي الفهم والذكاء رجل فطن وفطن ذكي فهيم، وفي بعض النسخ " في الفطر " بالراء جمع الفطرة وهي

[ 44 ]

الخلقة من الفطر بمعنى الايجاد كالخلقة من الخلق في أنها اسم للحالة ثم جعلت إسما للخلقة القابلة لدين الحق على الخصوص، وعليه الحديث المشهور " كل مولود يولد على الفطرة " إسما لملة الإسلام نفسها لأنها حالة من أحوال صاحبها وعليه قوله (عليه السلام) " قص الأظفار من الفطرة " كذا في المغرب، وقد يرجح هذا على ما في الأصل بأن الكلام في أصل الخلقة والفطنة من الامور العارضة. (والعقول المركبة فيهم) بالجر عطف على الفطن يحتمل الرفع بالابتداء قال الجوهري: " تقول في تركيب الفص في الخاتم والنصل في السهم ركبته فتركب فهو مركب " (محتملة) بالنصب حال عن العقول على الأول وبالرفع خبر لها على الثاني (للأمر والنهي) بخلاف البهائم، إذ ليست لها فطانة وذكاء ولا عقول بل يتعلق بها نفوس حيوانية لحفظ التركيب والاغتذاء والنمو وتوليد المثل والاحساس والحركات الارادية. (وجعلهم) بعد اشتراكهم في الفطن والعقول (صنفين صنفا منهم) بدل أو عطف بيان للمفعول الأول (أهل الصحة والسلامة) مفعول ثان، ومن قال: إن " صنفا منهم " منصوب على أنه بدل عن مفعول ثان لجعل وأورد على قوله " أهل الصحة والسلامة " بأنه لا محل له من الأعراب فقد أخطأ (وصنفا منهم أهل الضرر) الضر خلاف النفع والاسم الضرر وهو المشقة والضرير ذاهب البصر (والزمانة) هي آفة في الحيوانات ورجل زمن أي مبتلى بين الزمانة قيل: المراد أنهم ضراير وزمناء في الجوهر الباطني والأول إشارة إلى قصور القوة النظرية التي يقال لها العقل النظري، والثاني اختلال القوة العلمية التي يقال لها العقل العملي. وأقول الأولى حملهما على كل ما يمنع من توجه خطاب التكليف بالأدب والتعليم لأن المقصود بيان من يجوز له التقليد ومن لا يجوز. وأهل الضرر في العقل النظري وأهل الزمانة في العقل العملي قد لا يكونون من أهل التقليد أيضا، ولا يشتبه حالهم على أحد فلا يكون التقسيم كثير فائدة. وههنا سؤال مشهور وهو أنه لم لم يخلقهم سواء ؟ وما الباعث على هذا التفاوت وما المصلحة فيه ؟ فأجاب عنه الأشاعرة بأنه فاعل مختار يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وأجاب بعض الحكماء بأن هذا التفاوت للتفاوت في القابلية، والقابلية شرط في الإفاضة وهذا إلى الإيجاب أقرب ومن ظاهر الشريعة أبعد. وأجاب بعض آخر منهم بأنه لمصلحة نظام الكل الذي لا نظام أكمل منه، لأنه لو خلق كل فرد على الوجه الأكمل بالنسبة إليه وحده لفات نظام الكل من حيث هو كل بل فات نظام كل فرد أيضا، مثلا لو جعل كل فرد فاضلا عاملا لما انتظم المصالح الجزئية التي لا بد في مزوالتها خسة. والحق أن لهذا التفاوت بواعث ومصالح جمة والعقول الناقصة قاصرة عن معرفة تفاصيلها.

[ 45 ]

وقد سأل المفضل بن عمر في توحيده عن الصادق (عليه السلام) حين ذكر (عليه السلام) منافع الإنسان من العقل والقوى الظاهرة والباطنة وغير ذلك من الأعضاء وذكر مضار عدمها، فقال المفضل: قلت فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله في ذلك مثل ما وصفته يا مولاي ؟ قال (عليه السلام): ذلك للتأديب والموعظة لمن يحل ذلك به ولغيره بسببه، كما قد يؤدب الملوك الناس للتنكيل والموعظة فلا ينكر ذلك عليهم بل يحمد من رأيهم ويصوب من تدبيرهم، ثم إن الذين تنزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت أن شكروا وأنابوا ما يستصغرون معه ما ينلهم منها حتى أنهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب، (فخص أهل الصحة السلامة) القابلة عقولهم للأدب والتعليم. وخص بالخاء المعجمة والصاد المهملة (بالأمر والنهي) في المعارف الالهية والفروع الشرعية، وطلب منهم معرفة ذلك بالاستدلال على الوجه المعتبر وتعليمهم لغيرهم كما يشعر به قوله تعالى * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (بعد ما أكمل لهم آلة التكليف) يعني القوى الباطنة والظاهرة مع صحتها عن الآفات وخلوها عن الموانع (ووضع التكليف عن أهل الضرر والزمانة إذ خلقهم خلقة غير محتملة للأدب والتعليم) في المعارف اليقينية والقوانين الشرعية بالنظر والاستدلال. ولبعض ههنا كلام لا يخلو من مناقشة لأنه فسر آلة التكليف بالعقل الذي لم يعرضه الجنون والإغماء وشبههما وفسر الضرر والزمانة بالاختلال في العقل وهذا صريح بقرينة المقابلة في أن أوضع التكليف عن أهلهما عنده لفقد العقل بالجنون ونحوه، ثم خص الأدب والتعليم بالمعارف الإلهية حيث قال: أي غير محتملة للتأدب بالآداب العقلية والنسك الإلهية والتعلم بالعلوم الحقيقية والمعارف اليقينية العلمية، والا فالقسمان مكلفان بالأوامر والنواهي الشرعية والأعمال من الصلاة والطواف والزكاة والصيام وغيرها من الأعمال البدنية. هذه عبارته، وفيه: أن القسم الثاني إذا فقد العقل كيف يكون مكلفا بهذه الامور فتأمل. (وجعل عز وجل سبب بقائهم) في الدنيا (أهل الصحة والسلامة وجعل بقاء أهل الصحة والسلامة بالأدب والتعليم) إذ لولا الأدب والتعليم لكانوا كلهم بمنزلة البهائم ولفات الغرض من الايجاد ولو كانوا كذلك لما بقوا طرفة عين، لأن الله تعالى لا يدع الأرض بغير عالم يعرف به الحق من الباطل (فلو كانت الجهالة جايزة) الظاهر أن الفاء للتعليل (لأهل الصحة والسلامة) ولم يجب عليهم الأدب والتعليم كما لم يجب على أهل الضرر والزمانة (لجاز وضع التكليف عنهم) كما جاز وضعه عن أهل الضرر الزمانة (وفي جواز ذلك بطلان الكتب والرسل والآداب) لأن الغرض من إنزال الكتب وإرسال الرسل وتقرير الآداب هو التلقي بما تضمنه الأول والتصديق بما جاء به الثاني

[ 46 ]

وتزيين النفس وتكميلها بالثالث، ليحصل لهم بذلك نظام الدنيا وكمال الآخرة، وإذا لم يجب عليهم ذلك بطل الغرض من هذه الامور وإذا بطل الغرض بطل هذه الامور ولزم العبث (وفي رفع الكتب والرسل والآداب) والقول ببطلانها وفسادها (فساد التدبير) أي: القول بأن ليس لهذا العالم صانع عالم مدبر يصنعه بتقدير وتدبير وعلم بعواقب الامور من تدبر الأمر إذا نظر في إدباره أي في عواقبه (والرجوع إلى قول أهل الدهر) المنكرين للحشر والنشر وبعث الأنبياء، والقائلين بأن وجود هذا العالم وأجزائه منفعل الطبيعة بإهمال لا بعلم ولا بتدبير، ولا صنعة فيه ولا تقدير بل الاشياء تتكون من ذاتها وكانت الدنيا لم تزل ولا تزال ويقولون * (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر) * وإن شئت أن تعرف جملة من تقديرات ربك وتدبيرات إلهك فعليك بمطالعة توحيد المفضل المنقول عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) وقد سمعت عمن أثق به أن السيد الجليل ابن طاووس رضي الله عنه أوصى إلى بعض أحبائه وأمره أن يطالعه ويمارسه (1) والحق أنه مع قلة حجمه كتاب يظهر لمن مارسه من العلم بالحكم الإلهية والتدبيرات الربوبية ما يكل اللسان عن وصفه، ويعجز البيان عن شرحه. (فوجب في عدل الله وحكمته أن يحض) بالحاء المهملة والضاد المعجمة أو بالخاء المعجمة والصاد المهملة وقيل: في بعض النسخ " أن يحصر " بالحاء والصاد المهملتين والراء أخيرا أي يضيق ويحبس. ويؤيد الأخيرين قوله فيما بعد " فكانوا محصورين بالأمر والنهي " (من خلق من خلقه خلقة محتملة للأمر والنهي) وهو من كان من أهل الصحة والسلامة كاملا فيه آلة الكليف (بالأمر والنهي) في الأحكام والمعارف والظرف متعلق بيحض (لئلا يكونوا سدى) السدى بضم السين وقد يفتح وكلاهما للواحد والجمع بمعنى المهمل يقال إبل سدى أي مهملة، وأسديتها أي أهملتها وذلك إذا أرسلتها ترعى ليلا ونهارا بلا راع، فقوله (مهملين) بدل أو بيان أو صفة للتوضيح والتفسير، وفي إهمالهم والتخلية بينهم وبين نفسوهم غير ما ذكر من المفاسد ما لا يخفى (وليعظموه) بتحميده وتمجيده وتوصيفه بما يليق به من صفات الكمال ونعوت الجلال (ويوحدوه) بنفي الشريك والتجزية ذهنا وخارجا (ويقروا له بالربوبية) أي بأنه رب كل شئ ومالكه ومدبره ولا رب سواه. والرب من أسمائه تعالى ولا يطلق على غيره إلا بالإضافة (وليعلموا أنه خالقهم) منه بدء وجودهم وبقاؤهم (ورازقهم) في كل ما ينتفعون به ويحتاجون إليه في التعيش والبقاء، والرزق في اللغة ما ينتفع به وعند الأشاعرة كل ما ينتفع به حي، غذاء كان أو غيره، مباحا كان أو حراما،


1 - قد أوصى السيد - رحمه الله - ولده وثمرة مهجته " محمد " بقراءة هذا الكتاب الفصل السادس عشر من كتاب كشف المحجة. (*)

[ 47 ]

وخصه بعضهم بالأغذية والاشربة وعند المعتزلة هو كل ما صح انتفاع الحيوان به بالتغذي وغيره وليس لأحد المنع منه فليس الحرام رزقا عندهم. (إذ شواهد ربوبيته دالة ظاهرة وحججه نيرة واضحة وأعلامه لائحة) العطف فيهما للتفسير ويحتمل أن يراد بالشواهد طبائع الممكنات القابلة للتربية الموصلة لها إلى كمالاتها، بالحجج نفس تلك الكمالات، وبالأعلام مجموع ذلك من حيث المجموع أو وضع كل ممكن في حده ومرتبته التي يليق به. (تدعوهم إلى توحيد الله عز وجل) وعلمه قدرته وتدبيره وساير صفاته وكمالاته وتبعثهم على التصديق بذلك، والجملة في محل النصب على أنها حال من فاعل الأخبار المذكورة وإنما وضع الظاهر موضع الضمير للتبرك بذكر الله والإشارة إجمالا إلى دلالة الامور المذكورة على جميع كمالاته أيضا كما أشرنا إليه. (وتشهد) أي تلك الشواهد والحجج والأعلام (على أنفسها لصانعها بالربوبية والإلهية لما فيها من آثار صنعه وعجايب تدبيره) فان من نظر بقلب سليم وعقل صحيح إلى أحوال هذا العالم وكيفية نضدها ومنافعها وأحوال الأفلاك وكيفية حركتها حول الأرض من شرق إلى غرب ومن غرب إلى شرق وأحوال الشمس في طلوعها وغروبها وانتقالها من برج الى برج لإقامة دور السنة والفصول ومنافعها التي من جملتها نشو النبات ونموها وإدراك الثمار والغلات وضبط الأوقات للديون والمعاملات وأحوال القمر في إنارته ونقصانه وزيادته وحركته في منازله ومنافع هذه الامور وأحواله المتحيرة في اختلاف حركاتها كما وكيفا وجهة وانتقالاتها واقتراناتها واستقامتها ووقوفها، ورجوعها وما يترتب على هذه الامور من المنافع وأحوال السفليات مثل الأرض والماء والنار والهواء والسحاب المسخر بين الأرض والسماء وانتقاله من موضع إلى موضع، وإفاضة الماء في وقت وفي محل دون وقت ومحل آخر وأحوال المعدنيات مثل الذهب والفضة والياقوت والزبرجد والزمرد والفيروزج والحديد والنحاس والرصاص والزرنيخ والكبريت والقار والموميا، وغيرها مما يشتد حاجة الناس إليه وتكثر منافعه، وأحوال الحيوانات ومنافعها وفوائدها وخواصها واهتدائها إلى مصالحها في معاشها وبقائها وفرارها عما يضرها وميلها إلى ما ينفعها، ومن جملتها الذرة الحقيرة وهي مع حقارتها وصغرها يجتمعن في جمع القوت وإعداده بالمعاونة في نقله إلى بيوتهن ثم يعمدن ويقطعن الحب لكيلا ينبت ولا يفسد، ومنها الزنبور فانه يعمل بيوتات مسدسات ومخمسات متجاورات من غير فرجة وقد يعجز عن مثلها المهرة من أرباب الهندسة. وأحوال الإنسان وما فيه من القوى والحواس والأعضاء والجوارح والعروق الساكنة والمتحركة والنفوس القابلة للعروج إلى أعلى عليين والنزول أسفل السافلين، وأحوال الجنين وا حتجابه في ظلمات، ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة حيث

[ 48 ]

لا حيلة له في طلب الغذاء ولا دفع الضرر ولا جلب النفع كيف يجري إليه في تلك الأحوال جميع ما يحتاج إليه وكيف يجعل له ثدي الام بمنزلة الأداوتين وكيف يجعل له الدم لبنا خالصا وكيف يحرك هو شفتيه طلبا لغذائه، عرف أن كل هذه الامور وغيرها مما لا يعد ولا يحصى بأمر صانع عليم خبير قدير مدبرا أوجد كل ذرة من ذرات هذا العالم بعلم وقدرة وتدبير لا إله إلا هو تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا كبيرا. (وندبهم) أي دعاهم (الى معرفته) أي معرفة ذاته وصفاته وشرايعه وأحكامه كما يرشد إليه قوله (لئلا يبيح لهم أن يجهلوا دينه) الذي شرعه لنظام أحوالهم وانقيادهم بالعبودية (وأحكامه) الخمسة المعروفة (لأن الحكيم لا يبيح الجهل به والانكار لدينه) لأرباب الاستعداد وأهل الصحة والسلامة، ولعل المراد بالانكار الجهل بناء على أن إنكار الشئ مستلزم للجهل به، فيطبق الدليل على المدعى (فقال جل ثناؤه) الفاء تفصيل لقوله " ندبهم " أو تعليل له، أو لقوله " لأن الحكيم لا يبيح الجهل والإنكار لدينه " (ألم يؤخذ عليهم) إنكار للنفي أي أخذ على أهل الكتاب (ميثاق الكتاب) أي الميثاق المذكور في الكتاب وهو التورية، والميثاق العهد (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) وهو القول باشتراط التوبة في غفران الذنوب حتما، وفيه أن ما ذهب إليه اليهود من إثبات المغفرة بغير توبة والبت عليها نقض لميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه بما ليس بحق " وأن لا يقولوا " عطف بيان للميثاق أو متعلق به أي بأن لا يقولوا، وقيل المراد بميثاق الكتاب قوله تعالى في التورية " من ارتكب ذنبا عظيما فانه لا يغفر إلا بالتوبة " وحينئذ قوله " أن لا يقولوا " مفعول له ومعناه لئلا يقولوا، ثم الآية وإن نزلت لسبب مخصوص كما ذكره المفسرون إلا أنا قد بينا في الاصول أن خصوص السبب لا يخصص عموم الحكم، وعلى هذا دلت الآية على أنه يجب على هذه الامة أيضا أن يقولوا الحق ويحرم عليهم أن يقولوا في صفاته وأفعاله وأحكامه وشرائعه ما ليس بحق، وأن يثبوا له ما هو منزه عنه من الولد والصاحبة والتجسم والتحديد والتشبيه وغير ذلك. (وقال بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) قال القاضي وصاحب الكشاف: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن أول ما سمعوه وفي بديهة السماع قبل أن يفقهوا ويتدبروا آياته ويعلموا كنه أمره ويفقهوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم على مخالفة دينهم ومفارقة دين آبائهم كالناشي على التقليد إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه وإن كانت أضوء من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة، أنكرها أول وهلة واشمئز منها قبل أن يحسن إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب، ففي هاتين الآيتين دلالة واضحة على الندب إلى معرفة الحق والقول به وذم الجهل والمنكرين لدين الحق

[ 49 ]

(فكانوا) أي أهل الصحة والسلامة (محصورين بالأمر والنهي) في المعارف والأحكام أي محبوسين بهما لا يجوز لهم التفارق عنهما أو أنهما يتوجهان إليهم لاغيرهم من أهل الضرر والزمانة (مأمورين بقول الحق) فيهما، والإضافة بيانية أو من إضافة المصدر إلى المفعول (غير مرخص لهم) بفتح الخاء والظرف قائم مقام الفاعل أو بكسرها والفاعل هو الله تعالى (في المقام) بالفتح والضم مصدر (على الجهل) بدين الحق وأحكامه (أمرهم بالسؤال والتفقه في الدين) بمنزلة التعلى لما مر فلذلك ترك العاطف (فقال فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) قال القاضي وصاحب الكشاف: فهلا نفر من كل جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة جماعة قليلة ليتكلفوا الفقاهة في الدين، ويتجشموا المشاق في أخذها وتحصيلها، و ليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه إرشاد القوم وإنذارهم والنصيحة لهم، وتخصيصه بالذكر لأنه أهم، وفيه دليل على أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم فيه أن يستقيم في نفسه ويقيم غيره، لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم كما هو شأن بعض المتفقهين. وأورد عليهما بعض الأفاضل وتبعه بعض آخر بأنهما جعلا الانذار والنصيحة آخر القصد ومرمى الهمة في التفقه ولم يتفطنا بأنه مما لا يساعده اللفظ لوجود العاطف في التعليل فيكون " لينذروا " عطفا على " ليتفقهوا " بإعادة لام العلة ولو لم يكن الواو كان لما ذكره وجه. أقول: نسبة عدم التفطن بالعاطف إلى مثلهما سيما إلى صاحب الكشاف المبرز في علم العربية والمقنن لقوانينها في غاية البعد وإنما نشأ ذلك من عدم التفطن بمقصودهما لأن مقصودهما أن مجموع التفقه في الدين وتعلم الأحكام واصول القواعد على اليقين وإنذار القوم وإرشادهم إليهما وإن كان غاية السعي والنفر لكن الظاهر أن الانذار غاية النفر بواسطة التفقه إذ لا يمكن حصوله بدونه فهو بحسب الحقيقة والمعنى غاية التفقه وإن كان في العبارة بظاهر العطف غاية النفر فهما جعلا الانذار غاية التفقه رعاية لجانب المعنى وتنبيها على ما ذكرنا. (وقال فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أمرهم بالسؤال على تقدير عدم العلم ولم يجوز لهم البقاء على الجهالة. والمقدم هنا جزاء للشرط عند من جوز تقديمه عليه، ودليل على جزاء محذوف بعده عند طائفة، والشرط حال لا يحتاج إلى جزاء عند آخرين (فلو كان يسع أهل الصحة والسلامة المقام على الجهل لما أمرهم بالسؤال) فيه دلالة على أن الأمر للوجوب إذ استحباب السؤال لا ينافي جواز المقام على الجهل (ولم يكن يحتاج إلى بعثة الرسل بالكتب والآداب) لأن

[ 50 ]

البعثة على هذا التقدير عبث، إذ الغرض منها تكميل الخلائق وتهذيبهم فإذا لم يجب عليهم قبول ذلك وجاز لهم المقام على الجهل بطل الغرض، وإذا بطل الغرض لزم العبث وإذا لزم العبث لزم عدم الإحتياج إلى ما ذكر، ولكن عدم الإحتياج باطل إما لما مر من نفي التدبير والرجوع إلى قول أهل الدهر، وإما لما أشار إليه بقوله (فكانوا) أي أهل السلامة (يكونون عند ذلك) أي عدم بعثة الرسل بالكتب والآداب (بمنزلة البهائم ومنزلة أهل الضرر والزمانة) عدم الفرق بين الحق والباطل وعدم التمييز بين المعارف وغيرها، وقيل: إلا أن بين الفريقين فرقا لأن أهل الصحة والسلامة لهم عذاب أليم في القيامة لأنهم أبطلوا استعدادهم وأفسدوا قوة مرآة بصيرتهم دون الطائفة الأخيرة لأنهم مختوم على قلوبهم في الأزل. وفيه نظر لأن المفروض عدم وقوع التكليف بشئ أصلا فكيف يكونون معذبين في القيامة والعذاب إنما يكون بترك التكاليف (ولو كانوا كذلك) أي بمنزلة البهائم وأهل الضرر والزمانة (لما بقوا طرفة عين) وهلكوا دفعة واحدة من غير مهلة لأن حكمة الله تعالى تقتضي عدم بقاء الأرض ومن عليها بدون أهل شريعة ودين وأصحاب معرفة ويقين. (فلما لم يجز بقاؤهم إلا بالآداب والتعليم وجب أنه لا بد لكل صحيح الخلقة كامل الآلة من مؤدب ودليل مشير) ليحصل التأدب بالآداب بإعانته وإرفاده والاهتداء إلى الحق بدلالته وإرشاده (وآمر وناه) ليسلك سبيل الخيرات بزواهر أمره ويسد سبيل المنهيات بزواجر نهيه (وأدب وتعليم) ليكتسب الذهن من نورهما جلاء ويقترف العقل من ضوئهما صفاء (وسؤال ومسألة) ليرفع عن وجه القلب نقاب الجهالة ويزيل عن ساحة العقل حجاب الضلالة، لأن شفاء العي هو السؤال، كل ذلك ليستكمل القوة النظرية والعملية على مراتبهما وتتخلى النفس عن الرذائل وتتحلى بالفضائل، وتخرج إلى حد الكمال من حد النقصان، وتشاهد الصور الإدراكية مشاهدة العيان، وتدرك جلال الحق في مرآة ذاته، ولا تغفل طرفة عين عن أفعاله، وصفاته، ففي كل وقت يحصل لها الشوق والسرور، والله وليها يخرجها من الظلمات إلى النور. * الأصل: " فأحق ما اقتبسه العاقل والتسمه المتدبر الفطن وسعى له الموفق، المصيب العلم بالدين ومعرفة ما استعبد الله به خلقه: من توحيده وشرايعه وأحكامه وأمره ونهيه وزواجره وآدابه، إذ كانت الحجة ثابتة والتكليف لازما والعمر يسيرا والتسويف غير مقبول والشرط من الله جل ذكره فيما استعبد به خلقه أن يؤدوا به جميع فرائضه بعلم ويقين وبصيرة ليكون المؤدي لها محمودا عند ربه مستوجبا لثوابه وعظيم جزائه، لأن الذي يؤدي بغير علم وبصيرة لا يدري ما يؤدي ولا يدري إلى من يؤدي. وإذا كان جاهلا لم يكن على ثقة مما أدى، ولا

[ 51 ]

مصدقا. لأن المصدق لا يكون مصدقا حتى يكون عارفا بما صدق به من غير شك ولا شبهة، لأن الشاك لا يكون له من الرغبة والرهبة والخضوع والتقرب مثل ما يكون من العالم المستيقن وقد قال الله عز وجل: " الا من شهد بالحق وهم يعلمون " فصارت الشهادة مقبولة لعلة العلم بالشهادة، ولولا العلم بالشهادة لم تكن الشهادة مقبولة، والأمر في الشاك المؤدي بغير علم وبصيرة إلى لله جل ذكره إن شاء تطول عليه فقبل عمله وإن شاء رد عليه، لأن الشرط عليه من الله أن يؤدي المفروض بعلم وبصيرة ويقين كيلا يكونوا ممن وصفه الله فقال تبارك وتعالى: * (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين) * لأنه كان داخلا فيه بغير علم ولا يقين فلذلك صار خروجه بغير علم ولا يقين وقد قال العالم (عليه السلام): " من دخل في الإيمان بعلم، ثبت فيه ونفعه إيمانه، ومن دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه ". وقال (عليه السلام): " من أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) زالت الجبال قبل أن يزول، ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال ". وقال (عليه السلام) " من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن ". * الشرح: (فأحق ما اقتبسه) العاقل من المؤدب والدليل، يقال: اقتبست منه علما أي استفدته (و التمسه) أي طلبه بالمسألة والسؤال (المتدبر الفطن وسعى له الموفق المصيب العلم بالدين ومعرفة ما استعبد الله به خلقه) إذ بهذين العلمين يخرج الخلق من ظلمات الجهالة ويعلمون كيفية الخروج عن غشاوة الغواية والضلالة، وبذلك يحصل لهم إصابة قرب رب العالمين ورفاقة من أنعم الله عليه من الانبياء والملائكة المقربين وحسن اولئك رفيقا. (من توحيده) بيان للدين أي العلم بالدين هو التصديق بوحدانيته وصفاته اللايقة به ويندرج فيه التصديق بملائكته وكتبه ورسله وأوصياء رسله، وبما أخبر به الرسل من أحوال الآخرة مثل الحشر والنشر والحساب والميزان والصراط والجنة والنار وغير ذلك من أحوال القيامة (وشرايعه وأحكامه وأمره ونهيه وزواجره وآدابه) بيان لما استعبد الله به خلقه (إذ كانت الحجة ثابتة) على صحيح الخلقة كامل الآلة وهذا مع ما عطف عليه دليل على أن العلم بالدين ومعرفة ما استعبد الله به خلقه أحق بالاقتباس وأولى بالالتماس (والتكليف لازما) لما عرفت من الدلايل (والعمر يسيرا) مع ما فيه من الضروريات التي لا يمكن البقاء بدونه كالنوم وتحصيل الغذاء واللباس ونحوها فلا يسع العمر إلا للأهم والأحق وهو الامور المذكورة (والتسويف غير مقبول) لأن العمر لا يفي بذلك ولأن التكليف ثابت في وقت التسويف أيضا (والشرط من الله جل ذكره فيما استعبد به خلقه أن يؤدوا جميع فرائضه

[ 52 ]

بعلم ويقين وبصيرة) لقوله تعالى * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * وقوله * (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * وقوله * (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) * وقوله * (فلولا نفر - الآية -) * إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اشتراط العلم والبصيرة في العمل. (ليكون المؤدي لها محمودا عند ربه) من ألطافه الخفية وعناياته الجلية أنه تعالى مع كمال استغنائه عن الخلق يقابل حمدهم بالحمد وشكرهم بالشكر وذكرهم بالذكر كما قال: * (اذكروني أذكركم) * وفي الحديث " قال الله تعالى من ذكرني في ملاء من الناس ذكرته في ملاء خير من ملائه (1) " (مستوجبا لثوابه وعظيم جزائه) لأن الثواب والجزاء إنما يترتب على فعل المأمور به وترك المنهي عنه ولا يتصور ذلك إلا بالعلم والبصيرة بهما (لأن الذي يؤدي بغير علم وبصيرة لا يدري ما يؤدي ولا يدري إلى من يؤدي) لظهور أن من لم يعرف ربه ولم يعلم أوامره نواهيه لا يدري ما يفعل، ولا لمن يفعل، ولا من يتقرب إليه فلو فعل شيئا لم يكن ذلك عبادة لأن العلم أصل العبادة والتقرب روحه فإذا لم يتحققا لم يتحقق العبادة (وإذا كان جاهلا لم يكن على ثقة مما أدى ولا مصدقا) بأن ما أداه هو المطلوب منه ويترتب عليه الثواب والجزاء (لأن المصدق لا يكون مصدقا حتى يكون عارفا بما صدق به من غير شك ولا شبهة) إن لم يكن للطالب بعد الشعور بالمطلوب رجحان بأحد طرفيه كان له شك فلا يكون عارفا ومصدقا به وإن كان له رجحان فإن لم يكن ذلك الرجحان مستندا إلى دليل كان له تقليد وإن كان مستندا إلى دليل فإن كان ذلك الدليل ظنيا كان له ظن وهذان قد اشتركا في أن تصديقهما قابل للشبهة فليس تصديقهما في الحقيقة تصديقا، لزواله بسهولة عند توارد الشبهات، فلا يكون لهما معرفة وتصديق بحسب الحقيقة، وإن كان ذلك الدليل برهانا مفيدا لليقين كان له تصديق قطعي وعلم يقيني غير قابل للشبهة وهو مصدق بحسب الحقيقة وعارف بما صدق به، وهذا التصديق هو المطلوب في دين الحق ومعارفه (لأن الشاك) بدين الحق الغير الثابت الذي يمكن زوال معرفته بتوارد الشبهات (لا يكون له من الرغبة والرهبة والخضوع والتقرب مثل ما يكون من العالم المستيقن) بالله وصفاته وبدينه الذي شرعه للتقرب إليه ولصلاح الخلق عاجلا وآجلا كما قال عز شأنه * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * وقال: * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) *. (وقد قال الله عز وجل * (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) *) قيد الشهادة بالعلم وهو يفيد اشتراط قبولها (فصارت الشهاة مقبولة لعلة العلم بالشهادة) أي بالأمر المشهود ولولا العلم بالشهادة (لم يكن الشهادة مقبولة ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه ولا شبهة في أن الشهادة


1 - تقدم في ص 25 نحوه. (*)

[ 53 ]

بالامور الدينية والمعارف اليقينية داخلة تحت هذا الحكم بل هي من أعظم الشهادات فهي مشروطة بالعلم قطعا (والأمر في الشاك) الظاهر أن المراد بالشاك من ليس له رجحان وتصديق أصلا ومن كان لد رجحان مستند إلى تقليد أو إلى دليل ظني بقرينة تقييد العلم فيما سيأتي باليقين، إذ يفهم منه أن الشاك يشمل الأخيرين لقبول رجحانهما تشكيكا وشبهة (المؤدي) لفرائض الله تعالى (بغير علم وبصيرة) قلبية بتلك الفرائض (الى الله جل ذكره) أي إلى مشيته من غير أن يكون قبوله واجبا عليه كما هو الواجب في صورة العلم (إن شاء تطول عليه فقبل عمله وإن شاء رد عليه) هذا إن اتفق إصابته في العمل. إن قلت: أصحاب التقليد مع تحقق الاصابة مؤمنون من أهل الجنة، غايته أن إيمانهم دون إيمان أصحاب اليقين من أرباب المكاشفة والبراهين ودرجاتهم دون درجاتهم فكيف يصح الرد عليهم ؟ قلت: أولا كون اعتقادهم إيمانا يوجب ترتب القبول والثواب والجزاء عليه غير معلوم، وثانيا، أن الايمان التقليدي قابل للزوال بطريان أدنى شبهة خصوصا عند حضور الموت واضطراب النفس وإلقاء الشياطين شبهات متكاثرة فربما ينهدم اعتقاده بتلك الشبهات لعدم ابتنائه على أصل ثابت وأساس قائم، ولقد سمعت من أثق به أنه قال: كانت لعجوزة دعوى على أحد بمال جزيل فمرضت مرضا شديدا وحضرتها في حال الاحتضار وكررت الشهادتين عليها وهي لم تتكلم بهما، فلما بالغت في ذلك قالت: إن هذا الذي حاضر يقول لا تتكلمي بهما فانهما تمنعانك من أخذ حقوقك من فلان فماتت، وربما يظهر عنده خلاف بعض عقائده وبطلانه فيصير ذلك سببا لعدم وثوقه بساير اعتقاداته فيتردد، وربما يميل قلبه إلى حب زهرات الدنيا وشهواتها فيشتغل بها ويغفل عن امور الآخرة لعدم كونه واثقا بها ثابتا عليها فيزهق روحه وهو على تلك الحالة مسلوب الايمان نعوذ بالله من هذه المفاسد وهذا هو المراد بقوله " إن شاء تطول عليه فقبل عمله وإن شاء رد عليه " يعنى أن مشية الله تعالى في شأنه لكون متزلزلا غير ثابت غير معلومة لنا إن شاء أبقاه على ما كان عليه بفضله وإن شاء وكله إلى نفسه. وهذا بخلاف العالم الثابت المنور قلبه بنور ربه فإنه لما كان مستيقنا مشاهدا لما في عالم الملك والملكوت بعين البصيرة عارفا بالمطالب عالما بالمفاسد وبحقارة الدنيا وزينتها كان له قدرة له تامة على أن يدفع عن نفسه جميع هذه المفاسد بعون الله تبارك وتعالى، وقد نقل عن بعض المشايخ العارف الكامل: أنه قال في حال الاحتضار حضرني ذلك اللعين وألقى علي شبهات كثيرة وأنا أجبت عن كل واحدة واحدة منها ببراهين قاطعة فأفحم فعلمت أن علمي نفعني في الدنيا والآخرة، والله الموفق والمعين. وإلى ما ذكرناه أشار بقوله: (لأن الشرط عليه من الله أن يؤدي المفروض بعلم وبصيرة ويقين كيلا يكون ممن وصفه الله فقال تبارك

[ 54 ]

وتعالى: * (ومن الناس من يعبد الله على حرف) *) قال القاضي أي على طرف من الدين لاثبات له فيه كالذي يكون على طرف الجيش فإن أحس بظفر قر وإلا فر (* (فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) * قال أيضا، روي أنها نزلت في أعاريب قدموا إلى المدينة فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا وولدت امرأته غلاما سويا وكثر ماله وماشيته قال ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا واطمأن به وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبت إلا شرا وانقلب، وعن أبي سعيد أن يهوديا أسلم فأصابته مصايب فتشأم بالإسلام فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال أقلني فقال: إن الإسلام لا يقال. فنزلت * (خسر الدنيا والآخرة) * أما خسران الدنيا فلابتلائه بالمصايب والفتن وذهاب الأموال والأولاد، وأما خسران الآخرة فلذهاب عصمته وحبوط عمله وفساد دينه بالارتداد (ذلك هو الخسران المبين) لفوات رأس ماله الذي هو حياته الدنيا وحياته في الآخرة ولا خسران أظهر من ذلك وإنما كان شأنه ذلك. (لأنه كان داخلا فيه) أي في الدين (بغير علم ولا يقين فلذلك صار خروجه بغير علم ولا يقين) فخرج منه كما دخل فيه (وقد قال العالم (عليه السلام)) المراد به هنا موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وقيل: هو المراد من العالم إذا اطلق، ويقال له الكاظم وأبو الحسن على الاطلاق وأبو الحسن الأول والعبد الصالح وأبو إبراهيم، ويقال أبو الحسن الثاني للرضا (عليه السلام). وأبو الحسن الثالث للهادي (عليه السلام) وأبو عبد الله الصادق (عليه السلام). وأبو جعفر على الاطلاق وأبو جعفر الأول للباقر (عليه السلام). وأبو جعفر الثاني للجواد (عليه السلام) والماضي وأبو محمد للعسكري (عليه السلام) (من دخل في الايمان بعلم ثبت فيه ونفعه إيمانه، ومن دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه) أي خرج منه بغير علم إما لشبهة أو لغرض من أغراض نفسانية وفيه أيماء إلى تساوي الايمان وعدمه عنده فليس استقراره فيه أولى من خروجه عنه. (وقال (عليه السلام) من أخذ دينه) أي فرائضه أو طريقه وسبيله إلى الحق وثوابه (من كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)) بفهم وبصيرة (زالت الجبال قبل أن يزول) الضمير المستكن راجع إلى " من " أو إلى " دينه " وفيه على التقديرين مبالغة في استقراره على الدين وعدم اهتزازه بصرصر الشبهات وهبوب رياح الأغراض والبليات، لحصول اعتقاده بعلم ويقين وابتنائه على أصل متين (ومن أخذ دينه من أفواه الرجال) تقليدا لهم واتباعا لآثارهم واقتفاء لأفعالهم وأطوارهم (ردته الرجال) عنه بإلقاء أدنى الشبهات وأضعف التدليسات لعدم تمسكه بمستند شديد وأصل سديد فهو كنبات يابس تكسره حوادث الزمن، وتقلبه رياح الفتن، وفيه إيماء لطيف إلى أن المقلد لا بد من أن ينقل من حال إلى حال لأن متابعته للأول ليس بأولى من متابعته للآخر، فإذا اختلفا يبقى هو مترددا في قبول قول أحدهما دون صاحبه فيرجع من الظن إلى الشك (وقال (عليه السلام) من لم يعرف

[ 55 ]

أمرنا) أي شأننا في الإمامة ورتبتنا في الخلافة والوراثة (من القرآن) بل أخذه بمجرد التقليد أو الاستحسان (لم يتنكب الفتن) تنكبها تجنبها وتباعد عنها، يعني لا يقدر على العدول عنها ولا يأمن الوقوع فيها لأن فتنة الشبهة والشكوك قد تزيله عن عقايده، وفيه دلالة على وجوب الاستدلال في الاصول. * الأصل: " ولهذه العلة انبثقت على أهل دهرنا بثوق هذه الأديان الفاسدة، والمذاهب المستشنعة التي قد استوفت شرائط الكفر والشرك كلها، وذلك بتوفيق الله تعالى خذلانه فمن أراد الله توفيقه وأن يكون إيمانه ثابتا مستقرا، سبب له الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وآله بعلم ويقين وبصيرة، فذاك أثبت في دينه من الجبال الرواسي، ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معارا مستودعا - نعوذ بالله منه - سبب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة. فذاك في المشيئة إن شاء الله تبارك وتعالى أتم إيمانه وإن شاء سلبه إياه ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، لأنه كلما رأى كبيرا من الكبراء مال معه وكلما رأى شيئا استحسن ظاهره قبله، وقد قال العالم (عليه السلام): إن الله عز وجل خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، وخلق الأوصياء على الوصية فلا يكونون إلا أوصياء، وأعار قوما إيمانا فإن شاء تممه لهم وإن شاء سلبهم إياه. وقال: وفيهم جرى قوله: * (فمستقر ومستودع) *. وذكرت أن أمورا قد أشكلت عليك، لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها، وأنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها وأنك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها، وقلت إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع [ فيه ] من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهما السلام) والسنن القائمة التي عليها العمل، وبها يؤدي فرض الله عز وجل وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) وقلت: لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سببا يتدارك الله تعالى - بمعونته وتوفيقه - إخواننا وأهل ملتنا ويقبل بهم إلى مراشدهم ". * الشرح: (ولهذه العلة) بعينها وهي أن من أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال ومن لم يعرف أمرنا من القرآن يقع في الفتنة (انبثقت على أهل دهرنا) أي جرت عليهم. وفي النهاية انبثق الماء انفجر وجرى. وفي المغرب بثق الماء بثقا: فتحه بأن خرق الشط أو السكر وانبثق هو إذا جرى بنفسه من

[ 56 ]

غير فجر. والبثق بالفتح والكسر الاسم. (بثوق هذه الأديان الفاسدة) فاعل انبثقت شبه الأديان الفاسدة بالسيول وأثبت لها البثوق أي الشقوق جمع البثق بمعنى الشق ففيه استعارة مكنية وتخييلية وأقحم البثوق وأسند الفعل إليها مع أن إسناده إلى هذه الأديان الشبيهة بالسيول أولى، للتنبيه على أن هذه الأديان قد أحدثت في دين الحق ثلما متكثرة وخللا متفاحشة متعددة لا يمكن تدراكها وإصلاحها، وفي بعض النسخ " انبسق " بالسين المهملة ومعناه طالت عليهم فروع هذه الأديان وأغصانها من انبسق النخل إذا طالت باسقاتها وبواسقها وفيه أيضا استعارة مكنية وتخييلية وما في الأصل أحسن وأتقن (والمذاهب المستشنعة) هي اثنان وسبعون لقوله (صلى الله عليه وآله) " ستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة " (التي قد استوفت شرائط الكفر والشرك كلها) لأن أصحاب هذه المذاهب مخلدون في النار كما يقتضيه الحديث المذكور وغيره ولا معنى للكفر والشرك إلا ما يوجب الخلود فيها (وذلك) المذكور يعنى أخذ الدين من كتاب الله تعالى وسنة نبيه أخذه من أفواه الرجال (بتوفيق الله عز وجل وخذلانه) التوفيق: توجيه الأسباب نحو المطلوب الخير وهو يرجع إلى نصرة الطالب وإعانته على طلبته. ولا بد من وقوع ذلك لكل من تمسك بذيل رحمته لقوله تعالى * (والذين جاهدوا فيها لنهدينهم سبلناإن الله لمع المحسنين) * والخذلان: عدم الإعانة لمن أعرض عنه. والحاصل: أنه تعالى هدى عباده أجمعين طريق الخير وطريق الشر فمن اختار طريق الخير أعانه عليه، ومن اختار طريق الشر وكله إلى نفسه فلا جبر ولا ظلم والله ليس بظلام للعبيد (فمن أراد الله توفيقه وأن يكون إيمانه ثابتا مستقرا) في لفظ الاستقرار إيماء إلى أن لفعل العبد مدخلا في ثبوت إيمانه (سبب له الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله) وضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التعظيم والتكريم (وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) بعلم ويقين وبصيرة) قلبية بها يسلك سبيل المعارف ويشاهد كمال الله وجماله وجلاله (فذاك أثبت في دينه من الجبال الرواسي) أي الثوابت لأن زوال الاعتقادات إنما يكون بتطرق الشبهات وتصادم التدليسات ولا سبيل لها إليه. (ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معارا مستودعا - نعوذ بالله منه - سبب له أسباب الاستحسان) أي خلا بينه وبينها ويعمل بعقله ما رآه حسنا مثل القياس وأصالة البراءة ومفهوم اللقب ومفهوم الصفة (1) إلى غير ذلك من المحسنات العقلية في أصول العقائد وفروعها (والتقليد


1 - ليس هذه الأمور مما يوجب الخذلان غير القياس والتفصيل في علم اصول الفقه ولكن الشارح جارى مع معاصريه من الأخباريين. والظاهر من حاشيته على المعالم وشرحه الزبدة أنه ناهج منهج أهل الاجتهاد ويتبع الدليل في الأصول والمفاهيم غيرها. (ش) (*)

[ 57 ]

للآباء) والكبراء (والتأويل) في المجمل المتشابه وغيرهما بمجرد رأيه (من غير علم وبصيرة) ناشية من الكتاب والسنة، وقول أهل البيت (عليهم السلام) (فذاك في المشية إن شاء الله تبارك وتعالى أتم إيمانه) ووفقه لسلوك سبيل النجاة (وإن شاء سلبه إياه) ووكله إلى نفسه، والنفس أمارة بالسوء فتورده موارد الهلكات (ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا) مثله كمثل المسافر لا بصيرة له وقد صادفه طريقان: أحدهما يوصله إلى المطلوب والآخر يبعده عنه، فان سلك الأول فقد اهتدى وإن سلك الآخر فقد ضل، أو كمثل مسافر سلك طريقا مخوفا قد كثر فيه السباع وقطاع الطريق فإن سلم منهم فقد رشد وإلا فقد هلك (لأنه كلما رأى كبيرا من الكبراء مال معه) من غير علم بأن ذلك حق أو باطل وقد ذمهم سبحانه بقوله * (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) * وحكى عنهم بقوله * (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) * * (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) *) (وكلما رأى شيئا استحسن ظاهره قبله) لاستيناس قلبه بظواهر المحسوسات واستيحاش عقله عن بواطن المعقولات، إذ المعقولات إنما تدرك بعلوم برهانية وأنوار ربانية وهي مفقودة فيه * (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) * فلذلك أفلس قلبه عن معرفة الأشياء على ما هي عليه وعن معرفة الأحكام وأحوال الآخرة التي بها قوام الايمان وثباته (وقد قال العالم (عليه السلام): إن الله عز وجل خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء) ولا يتزايلون عن وصف النبوة أصلا (وخلق الأوصياء على الوصية فلا يكونون إلا أوصياء) ولا يتفارقون عن معنى الوصاية والخلافة أبدا (وأعار قوما إيمانا فإن شاء تممه لهم وإن شاء سلبهم إياه، قال: وفيهم جرى قوله فمستقر ومستودع) مستقر بفتح القاف أو كسرها على اختلاف القراءة جار في النبي والوصي فبالفتح اسم مفعول يعني مثبت في الايمان، أو اسم مكان يعنى له موضع استقرار وثبات فيه وبالكسر اسم فاعل يعني مستقر ثابت فيه. ومستودع بفتح الدال اسم مفعول أو اسم مكان جار في المعار، واعلم أن الايمان والكفر طريقان متقابلان ولكل منهما سالك والسالك على طبقات متفاوتة. فالطبقة الاولى للايمان من وضع القوانين الشرعية بأمر الله تعالى وهم الأنبياء الذين أيدهم الله بروح النبوة وروح القدس. والثانية أوصياؤهم الذين أيدهم الله بروح الإمامة وإذا قبض الانبياء انتقل روح القدس إلى أوصيائهم وهو لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، وبه يعرفون ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى، ويشاهدون ما كان وما هو كائن وما يكون في الدنيا والآخرة. والثالة التابعون لهم في الأقوال والأعمال والعقائد والمسلمون لهم في جميع ما أمروا به

[ 58 ]

ونهوا عنه. والرابعة أصحاب التقليد والاستحسان الذين ينظرون ظواهر الأشياء ويأخذون ما رأوا حسنا ويتركون ما عدوه قبيحا. والطبقة الاولى للكفر من وضع القوانين الفاسدة لشبهات شيطانية وتسويلات نفسانية كواضعي الدين من الملاحدة والمجسمة ونحوهما من الأديان الفاسدة، والثانية المتعلمون لتلك الشبهات بتعليهم والمروجون لتلك الأديان بأمرهم وتفهيمهم وهم بمنزلة أوصيائهم مقابل أوصياء الأنبياء (عليهم السلام). والثالثة التابعون لهم وأهل التسليم لعقائدهم وأفعالهم وأعمالهم. والرابعة أصحاب التقليد والاستحسان وحال الكل في الهداية والضلالة والرسوخ وعدمه ظاهرة إلا أصحاب التقليد والاستحسان من الفريقين فان الايمان والكفر فيهما معاران مستودعان فإن شاء الله تممها لهم وإن شاء سلبهم إياهما ومن ههنا ترى المؤمن قد يرتد فيصير كافرا بعدما كان مؤمنا أو الكافر يرجع ويصير مؤمنا بعدما كان كافرا، نعوذ بالله من سوء العاقبة. (وذكرت أن امورا قد أشكلت عليك لا تعرف حقايقها لاختلاف الرواية فيها) اختلافا يوجب الأخذ ببعضها طرح البواقي لعدم إمكان الجمع بينها بوجه (وإنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها) من جملتها أغراض نفسانية وتقربات سلطانية وتخيلات شيطانية لقوم سولت لهم أنفسهم فوضعوا الأحاديث لخبث عقائدهم على وفق مقاصدهم كما حكي أن غياث بن إبراهيم دخل على المهدي العباسي وكان المهدي يحب المسابقة بالحمام فروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم فلما خرج قال المهدي أشهد أن قفاه قفا كذاب على رسول الله، ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو جناح ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا وأمر بذبح الحمام وقال: أنا حملته على ذلك. وقد وضع المنافقون والزنادقة والغلات والخوارج أحاديث كثيرة، وحكي أن بعضهم كان يقول بعد ما رجع عن ضلالته: انظروا إلى هذه الأحاديث عمن تأخذونها فانا كنا إذا رأينا رأيا وضعنا له حديثا، ومنها توهم الراوي فربما سمع حديثا ولم يحفظه على وجهه ووهم فيه فلم يتعمد كذبا وهو في يده يقول ويعمل به ولو علم أنه وهمه لرفضه ولو علم المسلمون أنه وهم لرفضوه. ومنها: التقية إذ كثيرا ما كانوا (عليهم السلام) يفتون على سبيل التقية والخوف من النهب والقتل. ومنها: عدم علم الراوي بالناسخ فربما سمع الأمر بالشئ ثم نهوا عنه وهو لا يعلم، أو سمع النهي عن الشئ ثم أمروا به وهو لا يعلم فعلم المنسوخ ولم يعلم الناسخ فيروي المنسوخ ويعمل به، ولو علم هو أو المسلمون أنه منسوخ لرفضوه. (وذكرت أنك لا تجد بحضرتك) حضرة الرجل قربه وفناؤه (من تذاكره وتفاوضه) فاوضه في الأمر أي جاراه ومفاوضة العلماء أن يعطي كل واحد منهم ما عنده من العلم صاحبه ويأخذ ما عند صاحبه وهي المساواة والمشاركة مفاعلة من التفويض وهو رد الامور إلى الغير (ممن تثق

[ 59 ]

بعلمه فيها) أي في الروايات حتى يكشف لك عن وجهها حجاب الاختلاف (وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع [ فيه ] من جميع فنون علم الدين) الفنون الأنواع والأفانين الأساليبت وهي أجناس الكلام وطرقه، المراد بها هنا اصول المعارف وفروعها على اختلاف أنواعها (ما يكتفى به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به) ليكون تبصرة للطالبين وتذكرة للعالمين وتكملة للعاملين (بالآثار الصحيحة) متعلق بيجمع أو بيأخذ أو بعلم الدين أو ظرف مستقر حال عن " كتاب " (عن الصادقين (عليهما السلام) والسنن القائمة) المراد بالسنة هنا الطريقة النبوية الشاملة للمندوبات والمفروضات غيرها، والمراد بقيامها دوامها واستمرارها واتصال العمل بها إلى يوم القيامة (التي عليها العمل وبها يؤدي فرض الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)) تقديم الظرف في الموضعين للحصر، والمراد بالسنة هنا خلاف الفرض بقرينة المقابلة أو الأعم من الندب والفرض بتخصيص الفرض المذكور بما ثبت بالقرآن فقد طلب منه كتابا يكون العامل به مؤديا جميع ما عليه من معرفة أحوال المبدء والمعاد ومعرفة الفروع كلها. (وقلت لو كان ذلك) أي لو وجد الكتاب المذكور (رجوت أن يكون ذلك سببا يتدارك الله) استدركت ما فات وتداركته بمعنى، وفيه إشارة إلى ما مر صريحا من اضمحلال أهل الملة المستقيمة وتفرق نظامهم وتشتت أحوالهم (بمعونته وتوفيقه) المعونة والاعانة بمعنى وفي بعض النسخ " بمعرفته " والمصدران مضافان إلى الفاعل الضمير عايد إلى قوله " سببا " وإرجاعه إلى الله تعالى يوجب خلو الجملة الوصفية عن ضمير الموصوف (إخواننا وأهل ملتنا) من الفرقة الامامية فينتظم به أحوالهم بعد تشتتها ويجتمع كلمتهم بعد تفرقها (ويقبل بهم) أي يجعلهم مقبلين (الى مراشدهم) الرشد خلاف الغي والمراشد الطرق الموصلة إلى الحق لأنها محال الرشد والهداية. * الأصل: " فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شئ مما اختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله (عليه السلام): اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه وقوله (عليه السلام) دعوا ما وافق القوم فان الرشد في خلافهم. وقوله (عليه السلام) خذوا بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه. ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقلة ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم (عليه السلام) وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله (عليه السلام) بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم وقد يسر الله وله الحمد تأليف ما سألت وأرجو أن يكون بحيث توخيت فمهما كان فيه من تقصير فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة إذ كانت واجبة لاخواننا وأهل ملتنا مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكل من

[ 60 ]

اقتبس منه وعمل بما فيه في دهرنا هذا وفي غابره إلى انقضاء الدنيا إذ الرب جل وعز واحد والرسول محمد خاتم النبيين - صلوات الله وسلامه عليه وآله - واحد والشريعة واحدة وحلال محمد حلال وحرامه حرام إلى يوم القيامة. ووسعنا قليلا كتاب الحجة وإن لم نكمله على استحقاقه لأنا كرهنا أن نبخس حظوظه كلها وأرجو أن يسهل الله جل وعز إمضاء ما قدمنا من النية إن تأخر الأجل صنعنا كتابا أوسع وأكمل منه نوفيه حقوقه كلها إن شاء الله تعالى وبه الحول والقوة وإليه الرغبة في الزيادة في المعونة والتوفيق. والصلاة على سيدنا محمد النبي صلى الله عليه وآله الطاهرين الأخيار. وأول ما أبدأ به وأفتتح به كتابي هذا كتاب العقل وفضائل العلم وأرتفاع درجة أهله وعلو قدرهم ونقص الجهل وخساسة أهله وسقوط منزلتهم، إذ كان العقل هو القطب الذي عليه المدار، وبه يحتج وله الثواب وعليه العقاب والله الموفق ". * الشرح: (فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شئ) أي لا يجوز من وسعه الشئ إذا جاز له أن يفعله ولم يضق عنه (مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام)) " فيه " متعلق بالاختلاف، " وعن " بالرواية، والمراد بالاختلاف ما ذكرنا من الاختلاف التام الذي يوجب عليه العمل ببعضها طرح البواقي، وحمله على مطلق الاختلاف بين الروايات التي يصلح أن يكون بعضها مفسرا لبعض بعيد جدا (برأيه) متعلق بالتمييز أي لا يجوز التمييز بما يقتضيه رأيه بنحو من أنحاء الاستحسان لأن دين الله لا يدرك بالرأي والقياس (الا على ما أطلقه العالم) أي أحله وجوزه من الطلق بالكسر وهو الحلال (بقوله (عليه السلام) اعرضوها) أي الروايات المختلفة (على كتاب الله عز وجل فما وافق كتاب الله جل وعز فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه) لأن كل حكم من الأحكام وكل حق من الحقوق موجود في الكتاب كما قال سبحانه * (ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (1) فما لم يوجد فيه ليس بحكم ولا حق وكل ما ليس بحكم ولا حق فهو مردود. (وقوله (عليه السلام) دعوا) من الروايات المختلفة بعد موافقة الجميع كتاب الله (ما وافق القوم) يعني العامة فان الرشد أي الهداية إلى الحق (في خلافهم) لأنهم سالكون مسالك الطبايع راغبون عن مراشد الشرايع غالبا وهذه قرينة واضحة على أن الحق في خلافهم (وقوله (عليه السلام) خذوا) من الروايات المختلفة (بالمجمع عليه) عند العصابة المحقة (فان المجمع عليه) عندهم (لا ريب فيه)


1 - قوله * (في كتاب مبين) * ليس المراد بكتاب مبين هنا القرآن لكن ورد هذا المضمون في آي كثيرة مثل * (تبيانا لكل شئ) * * (ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ) * إلى غير ذلك. (ش) (*)

[ 61 ]

وقد يستدل بهذا على حجية الإجماع وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى (ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله) أي أقل ذلك الجميع يعني إنا لا نعرف من أفراد التمييز الحاصل من جهة تلك القوانين المذكورة إلا الأقل أو إنا لا نعرف من جميع ذلك المذكور من القوانين الثلاثة إلا الأقل فان ذلك متوقف على معرفة الأحكام الجزئية واستنباطها من الكتاب ومعرفة مذاهب العامة فيها ومعرفة إجماع الفرقة الناجية عليها، وتحصيل هذه المعارف متعسر جدا، وقيل: المقصود أنا لا نعرف للاعتماد والتعويل لكل أحد من المتعلمين من جميع ما ذكرنا إلا ما هو أقله إتعابا وأسهله عليهم مأخذا، وهو المفسر بقوله " ولا نجد " وهذا مستبعد جدا لعدم فهمه من العبارة (ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم) من أهل بيت نبينا (صلى الله عليه وآله) فان فيه التحرز عن القول في الدين بغير علم والتخلص عن التعب والتجنب من عذاب الآخرة كما قال العالم (عليه السلام) " إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات " وقيل: يجوز أن يراد بالعالم العالم من علماء الامامية الذي علم اصول المذهب وفروعه ببصيرة وبرهان، وهذا بعيد أما أولا فلأن المعهود من كلام المصنف أنه كلما أطلق العالم أراد به المعصوم (عليه السلام) وأما ثانيا فلوجود (عليه السلام) بعد العالم في بعض النسخ، وأما ثالثا فلأنه لا يناسب العبارات الآتية إلا بتكلف كما ستعرفه (وقبول ما وسع من الأمر فيه) أي فيما اختلفت الرواية فيه عنهم (عليهم السلام) وفاعل " وسع " بالتشديد ضمير العالم (بقوله) متعلق بوسع (بأيما أخذتم من باب التسليم) للعالم والإنقياد له (وسعكم) أي جاز لكم، وفيه دلالة على أن المكلف مخير في العمل بالروايات المختلفة في زمان الغيبة كما هو مذهب أرباب اصول الفقه وعلى ما جوزه ذلك القائل لا يرتبط هذا الكلام بما قبله إلا بتكلف وهو أن يجعل قوله: " بقوله " متعلقا بالقبول، ومعناه قبول ما وسع ذلك العالم من علماء الامامية وصح له من التحقيق والتوفيق بين الروايات المختلفة بقوله أي بمجرد قوله ورأيه للاعتماد عليه فيما صححه أو رده من الروايات والفتاوي والأحكام ويجعل قوله " بأيما أخذتم - إلى آخره - " مبتدءا وخبرا على سبيل الاستيناف لا مقول القول، يعنى أيما أخذتم به من أقوال ذلك العالم تسليما له وقبولا لقوله جاز لكم العمل به، وهذا التكلف بعينه من غير تفاوت أشار إليه ذلك القائل وهو أعلم بما قال وبما حداه على ذلك. (وقد يسر الله وله الحمد تأليف ما سألت) من الكتاب الكافي الشامل لجميع فنون علم الدين (وأرجو أن يكون بحيث توخيت) أي تحريت وقصدت فمهما كان فيه من تقصير في الجمع والتأليف وذكر ما يحتاج إليه (فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة) التقصير في الأمر التواني فيه وعدم الاتيان به على وجه الكمال والاهداء الابلاغ والإرسال. والنصيحة فعل شئ الذي به الصلاح

[ 62 ]

كارشاد الجاهل وتنبيه الغافل والاعانة على مصالح الدنيا والدين، يعني لو كان فيه تقصير ما لم يكن ذلك لقصور في النية وتوانيها بل بالغت في إبلاغ النصيحة بقدر الوسع والطاقة (إذ كانت) أي النصيحة (واجبة لاخواننا وأهل ملتنا) لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لينصح الرجل أخاه كنصيحته لنفسه " (1) وقول الصادق (عليه السلام): " يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة " (2) (مع ما رجونا) " ما " مصدرية والظرف حال من فاعل أرجو يعني أن ذلك الرجاء مقرون مع رجاء (أن نكون مشاركين لكل من اقتبس منه) أي استفاد منه علما وهداية (وعمل بما فيه) من الأحكام (في دهرنا) متعلق باقتبس وعمل أو حال عن فاعلهما (وفي غابره) الغابر الماضي والمستقبل وهو من الأضداد والمراد هنا الثاني (الى انقضاء الدنيا) متعلق بالغابر وغاية للاقتباس والعمل فلا ينافي رجاء مشاركة الثواب في الآخرة ولم يذكره لأنه تابع لذلك الرجاء، ثم علل بقاء الاقتباس والعمل إلى انقضاء الدنيا بثلاثة امور، الأول: ما أشار إليه بقوله (إذ الرب عز وجل واحد) لا شريك له فلا يتطرق التغير في تدبيره من جهة الشركة والتنازع، والثاني: ما أشار إليه بقوله (والرسول محمد خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) واحد) لا شريك له في تبليغ الرسالة فلا يتصور فساد الدين من جهة الشركة في الرسالة أيضا. والثالث: ما أشار إليه بقوله (والشريعة واحدة) إذ لا نبي بعده ولا شريعة بعد شريعته فلا يتصور زوال الدين من جهة النسخ أيضا، وبالجملة زوال الدين إما من جهة التنازع التابع للشركة في الرب أو في الرسول أو من جهة النسخ وإذا انتفت هذه الامور بقي الدين إلى قيام الساعة كما أشار بقوله (وحلال محمد حلال، وحرامه حرام إلى يوم القيامة) فإذن كان الاقتباس والعمل بما في هذا الكتاب المشتمل على حلاله وحرامه باقيا إلى يوم القيامة (ووسعنا قليلا) التوسيع خلاف التضييق، تقول وسعت الشئ فاتسع أي صار واسعا و " قليلا " منصوب على المصدر أي توسيعا قليلا (كتاب الحجة) وهو الكتاب الثالث (3) من كتب الكافي سمي به لاشتماله على بيان لزوم الحجة وعدم خلو الأرض منها ما دامت السموات والأرض (وإن لم نكمله) أي كتاب الحجة (على استحقاقه) لأنا لم نذكر جميع ما يتعلق به الأحاديث والأخبار (لأنا كرهنا) تعليل للتوسيع في الحجة (أن نبخس) أي ننقص ونترك (حظوظه كلها) الحظوظ جمع كثرة للحظ وهو النصيب (وأرجو أن يسهل الله عز وجل امضاء ما قدمنا من النية) أي القصد إلى تأليف كتاب الكافي أو إلى توسيع كتاب الحجة قليلا هذا إن كان وضع الخطبة قبل التأليف وإلا فالمراد


1 - ورواه الكليني - رحمه الله - في باب نصيحة المؤمن من كتاب الايمان والكفر من الكافي تحت رقم 4. 2 - رواه الكليني - رحمه الله - أيضا في الباب المذكور تحت رقم 3. 3 - هذا سهو من الشارح أو تصحيف من النساخ فإن كتاب الحجة هو الكتاب الرابع من الكافي. (*)

[ 63 ]

بالنية القصد إلى توسيع كتاب الحجة منفردا على وجه الكمال وذكر جميع ما يتعلق به من الأخبار كما أشار إليه بقوله (إن تأخر الأجل) أي الوقت المضروب المحدود من العمر (صنعنا) من الصنع أو من التصنيف (كتابا) في الحجة (أوسع وأكمل منه) أي من كتاب الحجة الذي ذكرناه في هذا الكتاب (نوفيه حقوقه كلها إن شاء الله تعالى) أوفاه حقه ووفاه بمعنى أي أعطاه وافيا كاملا غير ناقص، والجملة حال عن فاعل " صنعنا " (وبه الحول والقوة) الحول الحركة يقال: حال الشخص يحول إذا تحرك، والقوة الطاقة، يقال: قوي على الأمر إذا طاقه، أي به الحركة إلى المقاصد والمطالب مطلقا والقوة على تحصيلها والطاقة، على تحملها أو به الحركات الفكرية والأنظار العقلية مطلقا أو في تأليف هذا الكتاب والقوة عليها. وتقديم الجار للاختصاص مع الاهتمام ومراعات قرب المرجع (وإليه الرغبة في الزيادة في المعونة) أي في الإعانة على الخيرات مطلقا أو على تأليف هذا الكتاب (والتوفيق) أي تكميل الأسباب لتحصيل المطالب (والصلاة) أي الرحمة التامة الربانية بمعنى إفاضة الإحسان دائما (على سيدنا محمد النبي) أي المرتفع على جميع الخلائق من النبوة وهي الارتفاع أو المخبر عن الله من النبأ وهو الخبر (وآله الطيبين الأخيار). (وأول ما أبدء به وأفتتح به كتابي هذا كتاب العقل والجهل وفضايل العلم وارتفاع درجة أهله وعلو قدرهم) في الدنيا والآخرة (ونقص الجهل وخساسة أهله وسقوط منزلتهم) عند رب العالمين والملائكة المقربين والأنبياء المرسلين وعباد الله الصالحين، ثم أشار إلى وجه تقديم كتاب العقل على سائر الكتب بقوله (إذا كان العقل هو القطب الذي عليه المدار) أي مدار التكليف والحكم بين الحق والباطل من الأفكار وبين الصحيح والسقيم من الأنظار وسائر القوى تابعة له منقادة لأمره ونهيه وهو الحاكم على جميعها، وقطب الرحى بحركات القاف والضم أشهر: الحديدة المركبة في وسط حجر الرحى السفلى التي تدور حولها العليا، وقطب القوم سيدهم الذي يدور عليه أمرهم كصاحب الجيش ونحوه (وبه يحتج) على العباد في تصويب أعمالهم وتخطئة أفعالهم (وله الثواب وعليه العقاب) اللام في " له " إما للتعليل أي لأجله أو للاختصاص وحصر الثواب والعقاب باعتبار أنه منشأ وأهل لهما سواء حصلا له عند تجرده عن البدن كما في البرزخ أو عند اقترانه به كما في الآخرة.

[ 65 ]

كتاب العقل والجهل بسم الله الرحمن الرحيم كتاب العقل والجهل * الأصل: 1 - أخبرنا أبو جعفر محمد بن يعقوب قال: حدثني عدة من أصحابنا منهم محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن احب، أما أني إياك آمر وإياك أنهي وإياك اعاقب وإياك اثيب ". * الشرح: الغرض من الفصل بين أنواع المسائل بالترجمة بالكتاب وبين مسائل النوع بالفصول والأبواب هو التسهيل على الناظر وتنشيط المتعلم فان المتعلم إذا ختم كتابا اعتقد أنه كاف في ذلك النوع فينشط إلى قراءة غيره، بخلاف ما لو كان التصنيف كله جملة واحدة. والأولى بالقاري أن يصرح بالترجمة ويقول مثلا كتاب كذا لأنها جزء من التصنيف، وكتاب العقل والجهل اسم لجملة من الأحاديث المتضمنة لأحكامها. (أخبرنا أبو جعفر محمد بن يعقوب) كان هذا كلام الرواة عنه أو كلامه بلسانهم أو إخبار عن نفسه بطريق الغيبة (قال حدثني عدة من أصحابنا) قال المصنف رحمه الله في هذا الكتاب في كثير من الأخبار " عدة من أصحابنا " قال العلامة وغيره أنه رحمه الله قال: " كل ما قلت في هذا الكتاب عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى فهم محمد بن يحيى العطار، وعلي بن موسى الكميذاني وداود بن كورة وأحمد بن إدريس وعلي بن إبراهيم بن هاشم. وكل ما قلت فيه عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد فهم علي بن إبراهيم، وعلي بن محمد بن عبد الله بن اذينة، وأحمد ابن عبد الله ابن أذينة، وعلي بن الحسن. وكل ما ذكرت فيه عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد فهم علي بن محمد بن علان، ومحمد بن أبي عبد الله، ومحمد بن الحسن، ومحمد بن عقيل الكليني إنتهى " والظاهر أن محمد بن أبي عبد الله هو محمد بن جعفر الأسدي الثقة، والعدة على هذا في جميع الموارد مشتملة على العدول والثقات فهذا الحديث صحيح لأن بواقي الرجال ثقات وعدول. (منهم محمد بن يحيى العطار عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن زرين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لما خلق الله العقل) أي النفس الناطقة وهي الجوهر المجرد عن

[ 66 ]

المادة في ذاته دون فعله في الأبدان بالتصرف والتدبير وهذا الجوهر يسمى نفسا باعتبار تعلقه بالبدن وعقلا باعتبار تجرده ونسبته إلى عالم القدس، إذ هو بهذا الاعتبار يعقل نفسه أي يحبسها ويمنعها عما يقتضيه الاعتبار الأول من الشرور والمفاسد المانعة من الرجوع إلى هذا العالم وله مراتب متفاوتة وحالات مختلفة في القوة والضعف. وهي ستة، أولها: حالة الاستعداد الصرف للكمالات (1). وثانيهما: حالة بها يشاهد الأوليات (2). وثالثها: حالة بها يشاهد النظريات من مرآت الأوليات (3). ورابعها: حالة بها يشاهد تلك النظريات بعد زوالها من هذه المرآة واختزانها من غير كسب جديد وهذه الحالة حالة علم اليقين، وهي حالة بها يشاهد الصور العلمية والمطالب اليقينية في ذاته، وخامسها: حالة عين اليقين وهي حالة بها يشاهد تلك الصور والمطالب في ذات المفيض (4). وسادسها: حالة حق اليقين وهي حالة بها يتصل بالمفيض اتصالا معنويا وتلاقي به تلاقيا روحانيا (5) وهذه الحالة هي أعظم الحالات للقوة البشرية، وقد تسمى هذه الحالات التي للنفس فيها عقلا أيضا. ومن ههنا ظهر وجه تفاوت العقول في البشر ووجه قبولها للكمال


1 - قوله " الاستعداد الصرف " وهذه الحالة تسمى عند الفلاسفة بالعقل الهيولاني (ش). 2 - قوله: " الاوليات " أراد بذلك البديهيات لأنه جعلها مقابلة النظريات، والبديهيات أعم من الاوليات والمشاهدات والمتواترات والحدسيات والتجربيات وقضايا قياساتها معها، وهذه المرتبة تسمى عند الحكماء بالعقل بالملكة (ش). 3 - قوله: " من مرآة الاوليات " القوة التي بها تدرك الاوليات مرآة لادراك النظريات أيضا إذ ينتقل الذهن منها إليها وأدراك النظريات على وجهين: الاول ما يدركها بالبرهان والاستدلال لاول مرة وهي العقل بالفعل في اصطلاحهم، والثاني أن يكون بحيث يراجعها بعد الغفلة عنها لكونها حاضرة في الحافظة فيرجع إليه مهما أراد وهذا هو العقل المستفاد في اصطلاحهم وهي الحالة الرابعة (ش). 4 - قوله: " في ذات المفيض " وهذا المفيض هو العقل الفعال في اصطلاح الحكماء أذ لا بد لزيادة الصور في أذهان المتفكرين من علة فاعلة ولا بد أن تكون العلة الفاعلة للمعقولات عاقلة تدرك الكليات إذ لا يكون الموجد للشئ فاقدا له ولا بد أن يكون جوهرا مجردا، ثم إن ملاحظة الصور في العقل الفعال أعلى وأكمل من ملاحظتها في النفس فان ما في العقل الفعال بريئة عن شوائب الوهم ومحفوظة عن الخطأ، مصونة عن الغلط بخلاف ما يأخذه النفس عن العقل فيدركه في لوح نفسه فانه يحتمل اختلاطه بمدركات الوهم والحواس فيدخل فيه الخطأ، وإذا وصل النفس الى مقام يدرك عين الصور الحاصلة في العقل الفعال وتحقق لديه أنه ادركها فيه لا في نفسه، فهذه الحالة الخامسة التي تكون مدركات الانسان عين الحق ولا تحصل الا للكمل من الاولياء (ش). 5 - قوله: " روحانيا " هذا نحو من الاتحاد حققه الحكماء الالهيون والعرفاء الشامخون وللتفصيل فيه محل آخر وهو آخر سير البشر في السلوك إلى الله وعد بعض العرفاء اللطائف سبعة، " وللناس فيما يعشقون مذاهب " (ش). (*)

[ 67 ]

والنقصان. وقد يطلق العقل على الجوهر المفارق عن المادة في ذاته وفعله (1) ويقال إنه أول خلق من الروحانيين، وإنه كثير العدد كثرة لا مثل كثرة الأشخاص المندرجة تحت نوع واحد، ولا مثل كثرة الأنواع المندرجة تحت جنس واحد لأن تلك الكثرة من توابع المادة (2) والعالم القدسي منزه عنها بل هي مراتب وجودية نورانية بسيطة مختلفة في الشدة والضعف في النورية متفاوتة في الكمال والقرب إلى نور الأنوار، وأنه روح النفس الناطقة وحالة لها ومتعلق بها كتعلق النفس بالبدن وباضاءاته وإشراقاته تضئ النفس وتشرق وتبصر ما في عالم الملك والملكوت وتعرف منافعها ومضارها فتطلب الأول وتجتنب عن الثاني، وأنه لا بعد في ذلك التعلق لأنه إذا جاز تعلق النفس بالبدن مع المباينة بينهما في التجرد والمادية جاز تعلق ذلك الجوهر بالنفس (3) مع المناسبة بينهما في التجرد بالطريق الأولى. والحق أن وجود ذلك الجوهر أمر ممكن دل عليه ظاهر كثير من الروايات لكن لا على الوجه الذي ذهب إليه طائفة من الفلاسفة من أنه موجد للأفلاك (4) وما فيها وما تحتها


1 - قوله: " في ذاته وفعله " هذا تعريف للعقل المجرد في اصطلاح الحكماء وقال المشاؤن: إن العقول نعلم هذا العدد ولا تنكر الزيادة، وقال الاشراقيون: ان عدتهم لا تحصى كثرة ويقال إن العقل أول خلق من الروحانيون، وقد ورد في الحديث كما يأتي ان شاء الله وقال الحكماء: انه أول صادر عن المبدء كما ورد في الحديث وذلك لأن الأشرف مقدم في الوجود ولا ريب أن الموجود العاقل بذاته أشرف من الجماد والحيوان الذي لا عقل له. واعلم ان المجلسي رحمه الله جعل في كتاب الاربعين وغيره من كتبه القول بوجود العقل المجرد مستلزما لانكار كثير من ضروريات الدين وأنكر وجود مجرد سوى الله تعالى (ش). 2 - قوله: " لان الكثرة من توابع المادة " الكثرة للعدد ويتكثر الشئ اما بالماهية كالحديد فإنه غير الذهب ماهية، واما بالتشخص مثل هذا الحديد في المسحاة وذلك الحديد في القدوم وكلاهما حديد متحدا الماهية. وليس تكثر العقول مثل هذا ولا مثل ذاك بل جميعها متحدة الحقيقة كالنور وذو مراتب مثله، والعقول في اعتقاد بعضهم مختلفة الماهية ولا يشترك نوعا ولا جنسا وللبحث في ذلك محل آخر (ش). 3 - قوله: " تعلق ذلك الجوهر بالنفس " تعلق العقل بالنفوس المجردة الانسانية نظير تعلق النفس بالبدن وبالجملة العقل الفعال له اشراقات على النفوس وبتلك الاشراقات متحد بالنفس فمثل العقل الفعال والنفوس مثل الشمس واشعتها. والمجلسي رحمه الله عد اكثر ما حققه الشارح هنا واعترف بامكانه وصحته مخالفا لضروريات الدين (ش). 4 - قوله: " موجد للافلاك " وحاصل كلام الشارح اثبات وجود العقل المجرد الذي يقول به الحكماء واختار في ذلك مذهب صدر المتألهين صاحب الاسفار الاربعة واعترف بامكان اتحاد العقول الجزئية بالعقل الفعال وبأن الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب وغير ذلك من دقائق هذا العلم، واما ما نسبه إلى طائفة من الفلاسفة فكأنه اراد المتفلسفين الجاهلين الذين غاية همهم حفظ الاصطلاحات وسماهم الفارابي الفيلسوف البهرج وإلا فإن تأثير العقل نظير تأثير الدواء في دفع المرض وتأثير الرياح في اثارة السحاب في قوله تعالى * (يرسل الرياح فتثير سحابا فكما أن الاعتقاد بتأثير هذا باذن الله ليس كفرا كذلك الاعتقاد بتأثير العقول باذن الله ليس كفرا وتأثيرهم نظير تأثير الملائكة الموكلين بالعقول هم الملائكة والفرق بالاصطلاح = (*)

[ 68 ]

من الأجسام والعناصر وغيرها فان وجوده على هذا الوجه غير ثابت لا عقلا ولا نقلا، بل باطل بالنظر إلى الآيات والروايات الدالة على أن موجد ما ذكر ليس إلا الله جل شأنه وأن تكثره وتعلقه بالنفس على الوجه المذكور أيضا أمر ممكن، وأن انتساب الحالات والمراتب المذكورة للنفس إليه باعتبار تفاوت إشراقاته عليها أيضا جايز، وأن انتساب الثواب والعقاب إليه غير بعيد إذ كما أن ثواب البدن وعقابه باعتبار متعلقه وروحه الذي هو النفس كذلك يجوز أن يكون ثواب النفس وعقابها باعتبار متعلقها وروحها الذي هو ذلك الجوهر، إذا عرفت هذا فلا يبعد أن يراد بالعقل في الروايات الدالة على أنه أول خلق من الروحانيين وأنه حالة من أحوال النفس كما في حديث الجنود وغيره ذلك الجوهر (1) ثم معاني العقل على تباينها يجمعها أمر واحد يشترك الكل فيه وهو أنه ليس بجسم ولا جسماني ولهذا صح أن يجعل موضوعا لفن واحد كما في هذا الكتاب ويبحث عن العوارض الذاتية له ولأقسامه وللرأي الصائب أن يحمله في كل حديث على ما يناسبه من المعاني المذكورة. وإذا عرفت العقل فاعرف الجهل بالمقابلة فهو إما النفس باعتبار تعلقها بالبدن والحالات المقابلة للحالات المذكورة لأن ذلك التعلق وتلك الحالات منشأ لظلمة النفس وانكسافها وميلها إلى الشرور، أو أمر مقابل لذلك الجوهر النوراني متعلق بالنفس وروح خبيث لها يدعوه إلى الشر والفساد، ولا يبعد أن يكون ما في بعض الروايات " من أن المؤمن مؤيد بروح الايمان " (2) و " أن لكل قلب اذنين على أحدهما ملك يهديه وعلى الآخر شيطان يضله " (2) إشارة إلى العقل والجهل بهذا المعنى والله أعلم بحقائق الامور (استنطقه) ناطقه واستنطقه أي كلمه وفي استنطاقه إخراج له عن الوحشة وتأنيس له بالقربة وتكريم له بالعزة كما يقع مثل ذلك كثيرا ما بين المحب


= (ش). 1 - قوله: " ذلك الجوهر " أي العقل المفارق هو الذي خلقه تعالى أولا ومع ذلك يعد حالة من حالات النفس باعتبار اشراقاته واضاءاته وجنوده التي في النفوس وهذا عين مذهب الفلاسفة إلا أن الشارح تبرأ من طائفة منهم حتى لا يوهم أنه يقلد الفلاسفة تقليدا أعمى فلو كان صرح بأن مذهب الفلاسفة هنا حق لذهب الأوهام إلى تجويز تقليد ملاحدتهم وصار سببا لضلال جماعة عظيمة ولكن صرح بالمعنى وتبرأ من اللفظ، والحق أن أقرب الاقوال إلى قول الملاحدة الماديين قول المجسمة فإنهم لا يعترفون بوجود شئ غير جسم ولا جسماني حتى أن الله تعالى عندهم جسم، وبعد ذلك قول من لا يعترف بوجود مجرد سوى الله تعالى وأبعد الاقوال عنهم قول من أنكر الوجود المستقل للمكن وجعل وجوده كالمعنى الحرفي، وبعد ذلك من أنكر وجود الجسم وجعله مركبا من قوى متحركة كما ذهب إليه أكثر أهل عصرنا وبعدهم من اعترف بوجود الجسم والموجودات المجردة معا (ش). 2 - و (2) رواهما الكليني في كتاب الايمان والكفر من الكافي ج 2 ص 268 و 266. (*

[ 69 ]

والمحبوب ومن هذا القبيل قوله تعالى * (وما تلك بيمينك يا موسى) * مع علمه تعالى بخفيات الامور (ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر) كأن المراد إقباله إلى ما يصلح أن يؤمر به من الطاعة وإدباره عما ينهى عنه من المعصية أو إقباله إلى المقامات العالية والدرجات الرفيعة التي يمكنه الوصول إليها، وإدباره عن تلك المقامات ونزوله في منازل الطبيعة الجسمانية وهبوطه مواطن الظلمة البشرية، ولعل الغرض من الأمر بالاقبال إراءه مقاماته وإظهار درجاته ليستيقظ في العالم السفلي من نوم الجهالة وسنة البطالة ويتذكر بأن له سوى هذه النشأة الدنية نشأة اخرى أحسن وأفضل منها بل لا نسبة بينهما، أو إقباله إلى الدنيا وإدباره عنها وعدم ركونه إليها، وقيل: المراد بالأمر بالاقبال والادبار هو الأمر التكويني الايجادي لا التكليفي والاقبال والادبار التزيد والتنقص في كل مرتبة من مراتب القوة العاملة بالقياس إلى العلوم والأخلاق كما وكيفا بحسب كل من الاستعداد الأولي الجبلي في الفطرة الاولى والاستعداد الثاني المكتسب في الفطرة الثانية، فان بالإعمال والتعطيل في الفطرة الثانية يربو ويطف ما في الفطرة الاولى والذي من لوازم الذات هو القدر المشترك السيال بين حدي الربو والطفافة وهو متحفظ غير متبدل ما دامت الذات في مراتب التزيد والتنقص. وفيه: أن تكوينه على قبول الزيادة والنقصان إنما هو في مرتبة تكوين ذاته لا بعده كما يشعر به لفظة " ثم " (ثم قال وعزتي) أي وغلبتي على جميع الممكنات يقال: عزه يعزه بالفتح عزا إذا غلبه والاسم العزة ومنه العزيز من أسمائه تعالى بمعنى القوي الغالب الذي لا يغلب وبمعنى الملك مثل قول إخوة يوسف * (يا أيها العزيز) * (وجلالي) أي وعظمة شأني وارتفاع قدري ومكاني، ومنه الجليل من أسمائه تعالى بمعنى العظيم المطلق، والواو للقسم وما بعدها مبتدأ وخبره محذوف وهو قسمي (ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك) دل على أن العقل ليس هو أول المجعولات (1) كما زعم. قيل: المحبة ميل القلب إلى ما يوافقه وهي بين الطرفين لما روي عن الصادق (عليه السلام) حين سأله رجل عن رجل يقول: أودك فكيف أعلم أنه يودني فقال: امتحن قلبك فإن كنت توده فانه يودك " (2) سيما إذا اخبر أحدهما الآخر بحبه له فانه يوجب حب الآخر للمخبر أيضا كما ورد في بعض الأخبار، ومن ههنا يعلم أن العقل كما كان أحب المخلوقات إلى الله سبحانه كذلك كان سبحانه أحب الموجودات إلى العقل وسبب محبة الشئ إما كونه حسنا في ذاته، أو في الحس كالصور الجميلة. أو في العقل كمحبة الصالحين، أو كونه محسنا يجلب نفعا أو يدفع ضرا، وثمرة محبة الله لخلقه إرادة الخير له وإفاضة رحمته عليه والاحسان إليه بكشف الحجاب عنه وتمكينه من


1 - قوله " ليس هو اول المجعولات " سيجئ تحقيقه عند قوله (عليه السلام) " هو أول خلق من الروحانيين " ان شاء الله تعالى (ش). 2 - الكافي كتاب العشرة باب نادر ج 2. (*)

[ 70 ]

أن يطأ بساط قربه وثمرة محبة الخلق له تعالى وقوفه عند حدوده وحبه لمن أحبه وبغضه لمن أبغضه واستيناسه واستيحاشه عما سواه، وتجافيه عن دار الغرور وترقيه إلى عالم النور، وكأن من أنكر المحبة بينه وبين خلقه وزعم أن ذلك يوجب نقصا في ذاته تعالى أنكر المحبة بمعنى الميل لأن الله تعالى منزه عن أن يميل أو يمال إليه وليس هذا المعنى مرادا هنا بل المراد هنا هي الغايات والثمرات المذكورة لأن ما نسب إليه تعالى مما يمتنع أخذه باعتبار المبادي والحقائق وجب أخذه باعتبار الغايات وقد شاع أمثال ذلك في القرآن العزيز. على أنه قد يقال محبة الخلق له بمعنى ميل العقل ليس بممتنع لأن الميل العقلي إدراك ولا يمتنع ذلك كما لا يمنع العلم به، وإنما الممتنع هو الميل الحسي لاستلزامه أن يكون في جهة والوجه العقلي في كونه أحب المخلوقات إليه أن الطاعة والانقياد مع القدرة على المخالفة أشد من الطاعة بدونها وأدخل في التقرب واستفاضة الرحمة والاحسان منه تعالى. وقيل: الوجه فيه أن المحبة تابعة لادراك الوجود لأنه خير محض، فكل ما كان وجوده أتم كانت خيريته أعظم والإدراك المتعلق به أقوى والابتهاج به أشد فأجل مبتهج بذاته هو الحق الأول، لأن إدراكه لذاته أشد إدراكا لأعظم مدرك له الشرف الأكمل والنور الأنور والجلال الأرفع، فذاته سبحانه أحب الأشياء إليه وهو أشد مبتهج به، ومحبته لعباده راجعة إلى محبته لذاته لأن كل من أحب شخصا أحب جميع حركاته وأفعاله وآثاره لأجل ذلك المحبوب، فكل ما هو أقرب إليه فهو أحب إليه وجميع الممكنات على مراتبها آثار الحق وأفعاله فالله يحبها لأجل ذاته وأقرب المجعولات إليه هو العقل، فثبت أنه أحب المخلوقات إليه. ومن المتكلمين من أنكر محبة الله لعباده زعما منهم أن ذلك يوجب نقصا في ذاته ولم يعلموا أن محبة الله لخلقه راجعة إلى محبته لذاته إنتهى. وفيه نظر من وجوه أما أولا فلان قوله " المحبة تابعة لادراك الوجود، ممنوع وما ذكرناه لاثباته من أن الوجود خير محض مدخول (1) والبحث عنه مشهور مذكور في موضعه، وأما ثانيا فلأن كون العقل المبحوث عنه أقرب المجعولات كلها إليه سبحانه ممنوع (2) وأما ثالثا فلأن المحبة والبغض متقابلان وقد نسب البغض لبعض المخلوقات إليه سبحانه ولا شك أن بغضه له ليس لأجل أنه من آثاره بل لأجل شئ آخر


1 - قوله: " خير محض مدخول " هذا شئ مبني على التتبع والاستقراء فانا لا نجد شيئا يسمى شرا إلا لأن العدم دخل فيه بوجه وحقق ذلك نصير الدين الطويي في موضعه (ش). 2 - قوله: " ممنوع " لا ريب أن الله تعالى عالم بكل شئ والعلم كمال لا كمال فوقه كل موجد يكون علمه أكمل من غيره فهو أقرب إلى الله تعالى، ولا يتصور أن يعتقد أحد أن الجاهل أقرب إليه من عالم ومنع الشارح هنا في غير محله نعم جعل بعضهم رتبة الإنسان الكامل فوق العقل لأنه جامع بين كمال العقل وكمالات اخرى يختص به ولذلك قال العقل المبحوث عنه أي الذي هو بشرط لا عن كمال غيره (ش). (*)

[ 71 ]

فلم لا يجوز أن لا يكون محبته لخلقه لا لأجل أنه من آثاره بل لأجل شئ آخر (1) وأما رابعا فلأن قوله تعالى * (إن الله يحب المحسنين) * * (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) * صريح في أن محبته لهم لأجل إحسانهم وتوبتهم وطهارتهم لا لأجل أنهم من آثاره، ولو أريد أن الاحسان والتوبة والطهارة من فعله وآثاره لرجع هذا إلى قول الأشاعرة ويتسع دائرة المناقشة فليتأمل. (ولا أكملتك إلا فيمن احب) دل على أن كمال العقل كأصله حباء من الله جل شأنه ولكن لكسب العبد وعنايته مدخل فيه كما يدل عليه قول موسى بن جعفر (عليه السلام): " من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله عز وجل في مسئلته بأن يكمل عقله (2) " ويرشد إليه التجربة فإن من نشأ في التعلم وطهارة النفس وصرف القوة العلمية والعملية في تحصيل العلوم والأعمال والأخلاق المرضية ازداد عقله ضوءا ونفسه نورا يكاد يبصر ما تحت العرش وما تحت الثرى، وتلك العناية التي هي من التوفيقات الربانية إنما يتوقف على وجود أصل العقل لا على كماله فلا يلزم الدور. (أما إني إياك آمر وإياك أنهى وإياك اعاقب وإياك اثيب) " أما " حرف تنبيه يصدر بها الكلام الذي لمضمونه خطر وعناية لتنبيه المخاطب وإيقاظه طلبا لاصغائه، وتقديم المفعول للاختصاص فإن العقل وإن استشعر من الأمر بالاقبال والإدبار أنه مخلوق يتوجه إليه الأمر والنهي لكنه استشعر أيضا بأنه مقارن مع مخلوق اخر فكأنه غفل عن ذلك لشدة شغفه بمخاطبة ربه جل ذكره وتوهم أن الأمر والنهي والثواب والعقاب يتوجه إليه مع مشاركة الغير أو يتوجه إلى الغير وحده لا إليه، فأتى الله سبحانه بحرف التنبيه إيقاظا له عن تلك الغفلة وإظهارا بأن الكامل لا بد من أن لا يصير مغرورا بكماله بل هو دائما يحتاج إلى تنبيه وتذكير وبطريق الحصر دفعا لما عرض له من التوهم وإشعارا بأن القابل للخطاب هو دون غيره وحصر الثواب والعقاب فيه باعتبار أنه بذاته، أو بواسطة قوة وروية فيه منشأ للطاعة والعرفان ومبدء للمعصية والطغيان في مواد الإنسان ومستحق لهما في ضمن تلك المواد. فلا يدل الحديث على ثبوتهما له مجردا عنها أصلا فضلا عن أن يدل على نفي المعاد الجسماني. وانطباق معنى الحديث على العقل بالمعنى الأول وهو النفس باعتبار


1 - قوله: " لاجل شئ آخر " لا ينكر أحد محبة الله لاوليائه لاجل عبادتهم تقربهم إليه ولكن له تعالى محبة عامة لجميع خلقه بالرحمة الرحمانية، ومحبة خاصة لخصوص المؤمنين بالرحمة الرحيمية واثبات شئ لا ينفي غيره كما أن غضبه تعالى على الكفار لاجل كفرهم لا ينافي شمول الرحمة العامة لهم في الدنيا بسعة الرزق والدولة وساير النعم وبهذا يدفع المناقشة المذكور بقوله رابعا (ش). 2 - جزء من الخبر الذي يأتي في هذا الباب تحت رقم 12. (*)

[ 72 ]

التجرد ظاهر، وبالمعنى الثاني وهو حالة النفس وقوتها الداعية إلى الخيرات في المراتب المذكورة يحتاج في قوله " إياك أعاقب وإياك اثيب " إلى تكلف بأن يقال معناه بك أعاقب وبك اثيبت على سبيل التوسع، لأن المعاقب والمثاب هو النفس، أو يقال لما كانت تلك القوة منشأ تكليف النفس نسب الثواب والعقاب إليها على سبيل التجوز والمعنى الأخير وهوا لجوهر النوراني المفارق عن المادة في ذاته وفعله يحتاج في هذا القول وفي قوله: " ولا أكملتك إلا فيمن احب " إلى تكلف بأن يقال المراد بإكماله أكمال إشراقاته على النفس، وبثوابه وعقابه ثواب النفس وعقابها باعتبار الاستضاءة من مشكاته وعدمها. وقيل: المراد بالعقل هنا العقل النبوي والحقيقة المحمدية وهو الروح الأعظم المشار بقوله تعالى * (قل الروح من أمر ربي) * وأحب الخلق إليه استنطقه الله تعالى بعد ما خلقه وجعله ذا نطق وكلام يليق بذلك المقام ثم قال له: أقبل إلى الدنيا واهبط إلى الأرض رحمة للعاملين فأقبل فكان روحه مع كل نبي باطنا ومع شخصه المبعوث ظاهرا، ثم قال له: أدبر يعني أدبر عن الدنيا وارجع إلى ربك، فأدبر عنها ورجع إليه ليلة المعراج وعند المفارقة عن دار الدنيا ثم أعلمه تشريفا وتكريما له بأنه أحب الخلق إليه وآكد ذلك بالقسم، ثم قال: " إياك آمر وإياك أنهى وإياك أعاقب وإياك اثيب " والمراد بك آمر وبك أنهى وبك أعاقب من جحدني وجحدك من الأولين والآخرين وبك اثيب من عرفني وعرفك منهم كل ذلك لأنك سبب للايجاد ولولاك لما خلقت الأفلاك، أو المراد إياك آمر إياك أنهى لأنك ملاك التكليف وإياك اعاقب بحبسك في الدنيا مدة ودخولك في المنزل الرفيع من الجنة وإياك اثيب باعتبار غاية كمالك وكمال قربك ومنزلتك لدينا، ولدينا مزيد والله أعلم بحقيقة كلامه. * الأصل: 2 - " علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن مفضل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباته، عن علي (عليه السلام) قال: هبط جبرئيل (عليه السلام) على آدم (عليه السلام) فقال: يا آدم إني امرت أن اخيرك واحدة من ثلاث فاخترها ودع اثنتين فقال له آدم: يا جبرئيل وما الثلاث ؟ فقال: العقل والحياء والدين، فقال آدم (عليه السلام) إني قد ا خترت العقل فقال جبرئيل للحياء والدين: انصرفا ودعاه فقالا: يا جبرئيل إنا امرنا أن نكون مع العقل حيث كان قال: فشأنكما وعرج ". * الشرح: (علي بن محمد) يروي المصنف في هذا الكتاب كثيرا عن علي بن محمد وهو علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف بعلان ثقة عين (عن سهل بن زياد) ضعيف في الحديث (عن عمر بن عثمان) كوفي ثقة نقي الحديث (عن مفضل بن صالح) ضعيف كذاب (عن سعد بن

[ 73 ]

طريف) قيل: هو صحيح الحديث ونقل العلامة عن النجاشي أن يعرف وينكر، وعن ابن الغضائري أنه ضعيف وقال الكشي عن حمدويه أنه كان ناو وسيا وقف على أبي عبد الله (عليه السلام) (عن الأصبغ ابن نباته) بضم النون قال العلامة والنجاشي الشيخ في فهرست: إنه كان من خاصة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال العلامة: إنه مشكور. (عن علي (عليه السلام) قال هبط جبرئيل (عليه السلام) على آدم (عليه السلام)) الظاهر أن ذلك كان بعد هبوط آدم من الجنة وبعد قبول توبته (فقال يا آدم إني امرت أن أخيرك واحدة من ثلاث أي خصلة واحدة من ثلاث خصال فاخترها ودع اثنتين فقال: آدم يا جبرئيل وما الثلاث) الظاهر أن الواو لمجرد حسن الارتباط وزيادة الاتصال لا للعطف (فقال: العقل والحياء والدين) العقل هنا قوة نفسانية وحالة نورانية بها يدرك الإنسان حقائق الأشياء ويميز بين الخير والشر وبين الحق والباطل، ويعرف أحوال المبدء والمعاد وبالجملة هو نور إذا لمع في آفاق النفوس يكشف عنها غواشي الحجب فتتجلى فيها صور المعقولات كما يتجلى في العين صور المحسوسات. والحياء خلق يمنع من ارتكاب القبيح وتقصير في الحقوق، وقال الزمخشري هو تغير وانكسار يلحق من فعل ما يمدح به أو ترك ما يذم به وهو غريزة وقد يتخلق به من يجبل عليه فيلتزم منه ما يوافق الشرع وسيجئ تحقيقه وتحقيق أن ما في بعض الإنسان من الكيفية المانعة له عن القيام بحقوق الله تعالى من الحياء إن شاء الله تعالى. والدين هو الصراط المستقيم الذي يكون سالكه قريبا من الخيرات بعيدا عن المنهيات (1) وهو عبارة عن معرفة مجموع ما يوجب القرب من الرب والعمل بما يتعلق به الأمر ومعرفة مجموع ما يوجب البعدعنه وترك العمل بما يتعلق به النهي (فقال آدم إني اخترت العقل) لا يقال: اختياره للعقل لم يكن إلا لملاحظة أن حسن عواقب اموره في الدارين يتوقف عليه وإن نظام أحواله في النشأتين لا يتم إلا به ولا يكون ذلك إلا لكونه عاقلا متفكرا متأملا فيما ينفعه عاجلا وآجلا، لأنا نقول: المراد بهذا العقل العقل الكامل الذي يكون للأنبياء والأوصياء واختياره يتوقف على عقل سابق يكون درجته دون هذا وللعقل درجات ومراتب. وقد يقال هذه الامور الثلاثة كانت حاصلة له (عليه السلام) على وجه الكمال والتخيير فيها لا ينافي حصولها والغرض منه إظهار قدر نعمة العقل والحث على الشكر عليها (فقال جبرئيل للحياء والدين انصرفا ودعاه) أي انصرفا عن آدم ودعاه مع العقل معه (فقال يا جبرئيل) الظاهر أن هذا القول حقيقة بلسان المقال بحياة خلقها الله تعالى فيهما ولا يبعد ذلك عن القدرة الكاملة وقد ثبت نطق اليد والرجل على صاحبهما ونطق الكعبة والحجر وغيرهما. ويحتمل أن يكون ذلك مجازا بلسان الحال أو يخلق الله سبحانه فيهما كلاما


1 - في بعض النسخ [ عن السيئات ]. (*)

[ 74 ]

أسمعه جبرئيل وآدم (عليه السلام) كما قد خلق ذلك في بعض الأجسام الجمادية وأسمعه من شاء من خلقه (إنا امرنا أن نكون مع العقل حيث كان) أي حيث وجد أو حيث كان موجودا، يفهم منه أن العقل مستلزم لهما وهما تابعان له، والأمر كذلك لأن بالعقل يعرف الله سبحانه وجلاله وجماله وكماله وتنزهه عن النقايص وإحسانه وإنعامه وقهره وغلبته بحيث يرى كل جلال وجمال وكمال وإحسان وإنعام وقهر وغلبة مقهورا تحت قدرته مغلوبا تحت قهره وغلبته بل لا يرى في الوجود إلا هو فيحصل له بذلك خوف وخشية يرتعد به جوانحه كما قال سبحانه: * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * ويحصل له بذلك قوة وملكة تمنعه عن مخالفته طرفة عين وهذه القوة هي المسماة بالحياء، ثم بتلك القوة يسلك الصراط المستقيم وهو الدين القويم، ومن ههنا ظهر أن الحياء مستلزم للدين والدين تابع له، ثم جبرئيل (عليه السلام) إن كان عالما بكونهما مأمورين بذلك كان قوله: " انصرفا ودعاه " محمولا على نوع من الامتحان لاظهار شرف العقل ونباهة قدره وإن لم يكن عالما كان ذلك القول محمولا على الطلب (قال فشأنكما وعرج) الشأن بالهمزة الأمر والحال والقصد أي فشأنكما معكما أو ألزما شأنكما، وهذا الحديث وإن كان ضعيفا بحسب السند لكن صحيح المضمون، وكذا الحديث الآتي مع ضعفه بالارسال أيضا لاعتماده بالبرهان العقلي وكذلك كثير من الأحاديث الواردة في الأحكام العقلية من أصول المعارف ومسائل التوحيد. * الأصل: 3 - " أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال، قلت له: ما العقل ؟ قال: " ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان، قال: قلت: فالذي كان في معاوية ؟ فقال: تلك النكراء تلك الشيطنة وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل " * الشرح: (أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: ما العقل قال ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان). سأل سائل عن معرفة العقل مطلقا سواء كان حقيقيا أو رسميا أو لفظيا أو عن حقيقته وأجاب (عليه السلام) ببعض خواصه وأغراضه المقصودة منه للتنبيه على أن معرفة هذا هو الأهم والأسهل له دون معرفة حقيقته وإشعارا بأن عرفان حقيقته متعسر جدا فلا يحصل له بسهولة، ولهذا اختلف العلماء فيها وتحيرت عقول الحكماء في تحديدها وهذا التعريف إشارة إلى القوة النظرية المسماة بالعقل النظري وإلى القوة العملية المسماة بالعقل العملي إذ بالاولى يعلم المعارف الإلهية والأحكام الشرعية والأخلاق الحسنة النفسانية، وبالثانية يعمل بها ويهذب الظاهر والباطن وبالعلم والعمل

[ 75 ]

يتم نظام عبادة الرحمن واكتساب الجنان، ويمكن أن يكون إشارة إلى العقل بالمعنى الأول والأخير أيضا لأن مقتضى النفس من حيث التجرد وعدم معارضة الأوهام وسائر القوى البدنية ومقتضى الجوهر النوراني المجرد عن شوائب المادة من جهة إشراقاته على النفس عبادة الرحمن واكتساب الجنان كما يشهد به الذوق السليم، ولما كان هذا الجواب من الخواص الشاملة للعقل من شأنها عدم تخلفها عما هي خاصة له وقد تخلفت ههنا عما في بعض الأشخاص مثل معاوية من مناط التدبير والتصرف في الامور الدنيوية الموجبة لبعده عن عبادة الرحمن واكتساب الجنان، والناس يسمونه عقلا وصاحبه عاقلا، سأل ثانيا حيث (قال: قلت: فالذي كان في معاوية) الموصول مبتدأ خبره محذوف وهو ما هو (فقال) كشفا لغمته وتوضيحا لمسألته (تلك النكراء) النكراء بالفتح والسكون والنكر بالضم وبضمتين: المنكر والأمر الشديد وكل ما قبحه وكرهه العقل أو الشرع فهو منكر أي تلك القوة التي كانت في معاوية وكانت سببا لتحصيله المصالح الدنيوية واكتساب الامور الشرية، وانحرافه عن الله وعن أمر الآخرة قوة منكرة شنيعة قبيحة (تلك الشيطنة) فيعلة من شطن عنه إذا بعد، ومنه الشيطان لبعده عن رحمة الله سبحانه والمراد بها روية نفسانية تكتسب بها أعمال الجاهلين وملكة شيطانية يقترف بها أفعال الشياطين، وقوة داعية إلى الأغراض الفاسدة والشرور وتحصيل المطالب بالحيل والمكر وقول الزور (وهي شبيهة بالعقل) في أنها حالة للنفس وقوة محركة لها منافعها كما أن العقل كذلك. توضيح ذلك: أن العقل نورانية شريف الذات نقي الجوهر يدعو إلى ملازمة العلم والعمل واكتساب المنافع الاخروية الموجبة للسعادة الأبدية وكلما زاد العلم والعمل زادت نورانيته وصفاؤه حتى يصير نورا محضا وضوءا صرفا يضئ به سماء القلوب وأرض النفوس، والشيطنة قوة ظلمانية خسيس الذات مكدر الجوهر تدعو إلى ملازمة الشرور واكتساب المنافع الدنيوية الموجبة للشقاوة السرمدية واقتراف زهراتها الزائلة الفانية بالمكر والحيل والوساوس الشطانية وكلما زادت تلك الشرور والمنافع زادت ظلمتها وكثرت كدورتها حتى تصير ظلمة صرفة وشيطنة محضة، ولكن لما كان التمايز بينهما ومنافع العقل من الامور المعنوية ومنافع الشيطنة ورويتها من الامور الحسية صارت الشيطنة شبيهة بالعقل بل عقلا عند الجهال (وليست بالعقل) ولا شبيهة به عند أهل الفضل والكمال، فالجهال لفقدان بصيرتهم عن تلك القوة النوارنية وعميان سريرتهم عن مشاهدة تلك الروية الربانية مع سماعهم بأن للانسان عقلا هو مبدء الفطانة والروية يغصبون اسم العقل عن موضعه ويسمون هذه الروية النكراء وهذه الفطانة العمياء عقلا ويعدون معاوية من جملة العقلاء، وأما أهل الفضل والكمال فإنهم يعرفون بنور البصيرة أن بين تينك القوتين تباينا بحسب الذات والصفات لأن إحداهما نور والاخرى ظلمة، وبين الحركتين

[ 76 ]

تغايرا في الجهات لأن جهة إحداهما التقرب بالحق والنتعم وجهة الاخرى التقرب بالشيطان والدخول في الجحيم وبين المغرضين تفاوتا في الحالات لأن غرض إحداهما التلذذ باللذة الروحانية وغرض الاخرى التلذذ باللذة الجسمانية، ويمكن أن يقال: العقل على أي معنى كان يقع الاشتباه بينه وبين الشيطنة عند الجهلة لأن في كل واحد منهما جودة الروية وسرعة التفطن بما ينفع ويضر وعزم الانتقال إلى النافع والاجتناب عن الضار سواء كان متعلقا بأمر الدنيا بأمر الآخرة تحقيق ذلك أن للعقل على الإطلاق بداءة ونهاية وكلتها هما تسميان عقلا أما الاولى فهي جوهر مبدء للعلوم والأعمال والخيرات كلها ومنشأ للروية والتفطن بها والتمييز بينها وبين غيرها من أضدادها وأما الثانية فهي العلوم والمعارف التي بها يعبد الرحمن ويكتسب الجنان وهي ثمرة الاولى فإذا استعمل ذلك الجوهر مع ما فيه من الروية والتفطن فيما خلق لأجله من اتخاذ الزاد ليوم المعاد واقتباس العلم والحكمة غير ذلك مما هو نافع في الآخرة زادت رويته وتفطنه وعظمت قوتهما، وتسمى تلك القوة أيضا عقلا إما حقيقة أو مجازا، وتتفاوت بحسب التفاوت في القوة والضعف وكثرة جنود العقل وقلتها وشدة معارضة الأوهام والقوى وعدمها وإن ترك مهملا ولم يستعمل فيما ذكر، بل استعمل في أضداده وصرف رويته وفاطنته بجميع أنحاء الحيل والمكر إلى جمع متفرقات الدنيا وزهراتها وتحصيل جزئياتها وضبط من خرافاتها حتى يكون أبدا في الحزن والأسف في فوات ما فات وفي الخوف من ذهاب ما حصل وفي الحرص على جمع ما لم يحصل، وعاونته جنود الجهل صارت قوة تلك الروية والفطانة شيطنة وروية من الشيطان وهو عقل عند الجهلة دون الكملة كما عرفت. * الأصل: 4 - " محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: صديق كل امرء عقله وعدوه جهله ". * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال) وهو الحسن بن علي بن فضال من أصحاب الرضا (عليه السلام) وكان خصيصا به. وكان جليل القدر عظيم المنزلة ورعا ثقة وكان فطحيا يقول بإمامة عبد الله بن جعفر في جميع عمره حتى حضره الموت فرجع إلى الحق (جش) (عن الحسن بن الجهم قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: صديق كل امرء عقله وعدوه جهله) كما أن صديق كل رجل يجلب له الخير، ويدفع عنه الشر وعدوه بالعكس كذلك عقله يجلب له المنافع ويدفع عنه المضار، وجهله بالعكس إذ بالعقل يعرف الحلال والحرام وأحوال المبدء والمعاد، ويسلك سبيل الهداية والرشاد، ويميز بين الحق والباطل، ويعبد الرحمن ويكتسب الجنان فهو أجدر باطلاق الصديق عليه

[ 77 ]

وأولى، إذ كل صديق غيره لا ينفع بدونه وبالجهل يغفل عن جميع ذلك ويسلك سبيل الغي والجهالة ويسعي في طريق الشر والضلالة ويعبد الشيطان ويكتسب غضب الرحمن فهو أليق باطلاق العدو عليه وأحرى، إذ كل عدو غيره لا يضره بدونه، وفيه إيماء إلى أنه ينبغي أن لا يتخذ الجاهل صديقا والعاقل عدوا، لأن الجاهل إذا كان عدوا لنفسه فكيف يكون صديقا لغيره والعاقل كما يكون صديقا لنفسه يكون صديقا لأخيه ويعينه فيما يعينه فمن اتخذه عدوا كان أثر عدواته خزيا بين يديه ومانعا من وصول الخير إليه، ولذلك كثر الأمر في الأحاديث بملازمة العالم ومفارقة الجاهل. وكما أن صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء متفاوتة في الناس كذلك صداقة العقل وعداوة الجهل متفاوتة بحسب تفاوت مراتب العقل والجهل في الشدة والضعف لكثرة جنودهما وقلتها على ما سيأتي تفصيل ذلك في الحديث المتضمن لذكر الجنود إن شاء الله تعالى. * الأصل: 5 - " وعنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن عندنا قوما لهم محبة وليست لهم تلك العزيمة يقولون بهذا القول ؟ فقال: ليس اولئك ممن عاتب الله إنما قال الله: * (فاعتبروا يا اولي الأبصار) * ". * الشرح: (وعنه) أي محمد بن يحيى (عن أحمد بن محمد) الظاهر أنه أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ويحتمل أحمد بن محمد بن خالد البرقي لأن محمد بن يحيى يروي عنهما إلا أن روايته عن الأول أكثر ورواية الأول عن ابن فضال أشهر وكلاهما عدلان ثقتان (عن ابن فضال عن الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام)) الظاهر أنه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) ويحتمل أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) لأن الحسن بن الجهم يروي عنهما (إن عندنا قوما) من الشيعة والتنكير للتكثير (لهم محبة) لكم أهل البيت والتنكير للتحقير (وليست لهم تلك العزيمة) الواو للعطف أو للحال والعزم إرادة الفعل والقطع عليه والجد فيه يعني ليس لهم القطع واليقين بمحبتكم كما يكون لخلص شيعتكم، وذلك لعدم كمالهم في العقل والتمييز وعدم تمسكهم في الدين بالبرهان (يقولون بهذا القول) بمجرد التقليد والنشوء عليه لا بالبصيرة والبرهان وهو تأكيد للسابق ولذا ترك العطف (فقال ليس اولئك ممن عاتب الله) للتقليد وترك الاستدلال لأن الاستدلال متوقف على إدراك مقدمات مناسبة للمطلوب واعبتار الحدود فيها وترتيبها على نهج الصواب واعتبار الشرايط المعتبرة في الانتاج وقوة الانتقال منها. ولا يتصور ذلك إلا فيمن له قوة استعدادية وبصيرة عقلية ومكنة ذهنية (1) وليس أولئك بهذه


1 - في بعض النسخ [ سمة ذهنية ]. (*)

[ 78 ]

الصفة فلا يتعلق بهم الخطاب بالاستدلال والعتاب بتركه (إنما قال الله فاعتبروا يا أولي الابصار) خص الأمر بالاعتبار باولي الابصار والحث على الاستدلال بذوي الأفكار إذ لهم أذهان ثاقبة وعقول كاملة وبصائر نافذة تمكنوا بها من معرفة غوامض الامور من مباديها، فأولئك مكلفون بمعرفتنا والتصديق بولايتنا والاقرار بإمامتنا والبلوغ إلى أعلى مراتب محبتنا بمناهج البرهان ومعارج التبيان، فإن فعلوا اتصفوا بحقايق الأيمان وصاروا رفقاءنا في الجنان وإن أهملوا تمسكوا بعروة الكفران واستحقوا عذاب النيران ومذلة الخذلان. وهذا الحديث كما ترى صريح في أن التكليف عاجلا وتحصيل كمال الرضا والقرب عاجلا وآجلا متوجه إلى العاقل الكامل، وأن الضعفاء من الشيعة غير مؤاخذين بالتقليد في اصول الدين، وأن هذا الصنف دون الصنف الأول في الثواب والعقاب كما قال سبحانه * (ورفع بعضهم فوق بعض درجات) *. * الأصل: 6 - " أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان، عن أبي محمد الرازي، عن سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من كان عاقلا كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة ". * الشرح: (أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان) ضعيف (عن أبي محمد الرازي) قيل هو جعفر بن محمد بن يحيى القاضي بالري ويحتمل أحمد بن إسحاق الرازي (عن سيف بن عميرة) بفتح العين ثقة عند الأكثر، وقال محمد بن شهر آشوب: هو واقفي، وقال الشهيد في شرح الارشاد - في نكاح الأمة باذن المولى -: وربما ضعف بعضهم سيفا والصحيح أنه ثقة (عن إسحاق بن عمار) ثقة عند الكل شيخ من أصحابنا عند بعض وفطحي عند بعض، وقال العلامة: الأولى عندي التوقف فيما ينفرد به. (قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من كان عاقلا كان له دين ومن كان له دين دخل الجنة) هذا ضرب أول من الشكل الأول (1) مركب من متصلين والنتيجة من كان عاقلا دخل الجنة، أما بيان الصغرى فلما مر في حديث عقل آدم (عليه السلام) من أن الدين لازم للعقل وذلك لأن العاقل يعرف أحوال المبدء والمعاد وما هو خير له في الدنيا والآخرة فيحصل له بذلك قوة تمنعه من الخروج عن الصراط المستقيم، والدين عبارة عنه، وبعبارة اخرى العاقل من كان له علم بالمصالح وعمل بها إذ لو لم يكن الأول كان جاهلا ولو لم يكن الثاني كان سفيها وهو أيضا جاهلا، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه (عليه السلام) في الحديث السابق من " أن العقل ما يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان " فثبت أن من


1 - الضرب الأول ان يكون الصغرى والكبرى موجبتنين كليتين (ش). (*)

[ 79 ]

كان له عقل كان له دين. وأما الكبرى فلأن الدين كما عرفت عبارة عن الصراط المستقيم وهو طريق الجنة، فمن سلكه كان لا محالة غايته دخول الجنة ولأن سالكه استحق دخولها ومحال على فضل الله وإحسانه أن يمنعه من دخولها مع الاستحقاق، ويلزم من مفهوم الشرط أن من كان جاهلا لا دين له ولا يدخل الجنة ولكن لا بد من القول بأن هذا المفهوم غير معتبر لأن الجاهل قد يكون له دين وإن كان ضعيفا وقد يدخل الجنة بالتفضل، أو القول بأن المراد بدخول العاقل الدخول بلا تعذيب بعذاب يوم القيامة أو بلا حساب لأن العاقل يؤدي حسابه في دار الدنيا ويلزم أيضا من قاعدة انتفاء الملزوم عند انتفاء اللازم أن لا يكون أحد من فرق الكفار والمخالفين عاقلا، وأن لا يكون ما فيهم من قوة التصرف والتفكر والتدبير عقلا وقد مر أنها شيطنة ونكراء. * الأصل: 7 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنما يداق الله العباد الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا ". * الشرح: (عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد) ثقة (عن الحسن بن علي بن يقطين) ثقة فقيه متكلم (عن محمد بن سنان) ثقة عند المفيد ضعيف عند الشيخ الطوسي والنجاشي وابن الغضايري، ممدوح بمدح عظيم عند الكشي ولأجل ذلك قال العلامة والوجه عندي التوقف فيما يرويه (عن أبي الجارود) اسمه زياد بن المنذر زيدي أعمى مذموم بذم عظيم (عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنما يداق الله العباد في الحساب) المداقة مفاعلة من الدقة يعني أن مناقشتهم في الحساب وأخذهم على جليله ودقيقه (يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا) للعقل مراتب متفاوتة في القوة والضعف والكمال والنقصان المرتبة العليا للأنبياء والأوصياء والمرتبة السفلى لمن يتميز به عن ساير الحيوانات الخارجة عن رتبة التكليف والمتوسطات على كثرتها متوسطات والمداقة في الحساب بحسب تلك المراتب فحساب من في الدرجة الثانية أشق وأدق من حساب من الدرجة الاولى وأخف من حساب من في الدرجة الثالثة هكذا وذلك لأن الحساب على حسب التكاليف والتكاليف متفاوتة على حسب تفاوت العقول إذ الأقوى عقلا أشد تكليفا من الأضعف هذا، وقال سيد الحكماء الالهيين (1): " إنما يداف الله العباد " بالدال المهملة والفاء المشددة ويروى بالذال المعجمة. وفي بعض النسخ " يدا في " بإبدال إحدى الفائين ياء يقال: دف عليه دفيفا أي وفد وقدم،


1 - يعني السيد محمد باقر الداماد - رحمه الله -. (*)

[ 80 ]

وداففت الرجل مدافة ودفافا أجهزت عليه، وفي النهاية الأثيرية في حديث ابن مسعود " انه داف أبا جهل يوم بدر " أي أجهز عليه وجز رقبته، ويذاف بالذال المعجمة بمعنى يداف، وأما يداق بالقاف فتصحيف تحريفي وتحريف تسقيمي هذا ملخص كلامه. وإنما كلامه مطول مبسوط كله لبيان معنى هذا اللفظ بحسب اللغة كما هو دأبه في تصحيح اللغات وأسماء الرجال ولا أدري ما الباعث له على الحكم بتحريف " يداق " بالقاف وتسقيمه وترجيح يداف بالفاء عليه. * الأصل: 8 - علي بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): فلان من عبادته ودينه وفضله ؟ فقال: كيف عقله ؟ قلت: لا أدري، فقال: إن الثواب على قدر العقل إن رجلا من بني إسرائيل كان يعبد الله في جزيرة من جزائر البحر خضراء نضرة كثيرة الشجر ظاهرة الماء وإن ملكا من الملائكة مر به فقال: يا رب أرني ثواب عبدك هذا فأراه الله تعالى ذلك، فاستقله الملك فأوحى الله تعالى إليه: أن اصحبه فأتاه الملك في صورة إنسي فقال له: من أنت ؟ قال: أنا رجل عابد بلغني مكانك وعبادتك في هذا المكان فأتيتك لأعبد الله معك فكان معه يومه ذلك، فلما أصبح قال له الملك: إن مكانك لنزه وما يصلح إلا للعبادة فقال له العابد: إن لمكاننا هذا عيبا فقال له: وما هو ؟ قال: ليس لربنا بهيمة فلو كان له حمار رعيناه في هذا الموضع فان هذا الحشيش يضيع، فقال له [ ذلك ] الملك: وما لربك حمار، فقال: لو كان له حمار ما كان يضيع مثل هذا الحشيش فأوحى الله إلى الملك إنما اثيبه على قدر عقله ". * الشرح: (علي بن محمد بن عبد الله) (1) أبو الحسن القزويني وجه من أصحابنا ثقة في الحديث (عن إبراهيم ابن إسحاق الأحمر) النهاوندي ضعيف في حديثه متهم في دينه، وفي مذهبه إرتفاع وأمره مختلط لا أعتمد على شئ مما يرويه (صه) (2) (عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه) سليمان بن


1 - قال الفيض القاشاني - رحمه الله -: كأنه ابن اذينة الذي هو من مشايخ الكليني ويحتمل ابن عمران البرقى انتهى. أقول: كونه القاضي القزويني في غاية البعد لأنه كما نص عليه النجاشي قدم بغداد سنة ست وخمسين وثلاثمائة وتوفي الكليني 328 والمشهور أنه رتب الكافي في عشرين سنة ولازم ذلك أن يكون علي بن محمد بن عبد الله أبو الحسن القزويني أجاز الكليني قبل خمسين عام وهذا بعيد جدا، والظاهر أنه ابن بندار أو على بن محمد بن عبد الله القمي كما أن الظاهر اتحاد الرجلين. 2 - رمز لخلاصة الأقوال للعلامة الحلي قدس سره. (*)

[ 81 ]

زكريا الديلمي كذاب غال كذا نقل عن ابن الغضايري. وكذا ابنه ضعيف في حديثه مرتفع في مذهبه (صه) والحديث معتبر لأن الكذوب قد يصدق (قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) فلان) بمكان رفيع (من عبادته ودينه وفضله ؟ فقال: كيف عقله) في القوة والضعف (قلت: لا أدري) حال عقله فيهما (فقال: إن الثواب) المترتب على العبادة والدين والفضل (على قدر العقل) فإن كان كاملا كان الثواب كاملا وإن كان ناقصا كان الثواب ناقصا لأن زيادة الثواب بكمال العبادة وكمال العبادة بمعرفة المعبود وصفاته واستحقاقه للعبادة دون غيره، ومعرفة حقيقة العبادة وأحكامها وشرايطها وكيفية فعلها وبصدورها على الخوف والخشية ولا يحصل ذلك إلا بزيادة العقل والعلم فإذن زيادة الثواب على قدر العقل كما أن زيادة العقاب على قدره لقول الصادق (عليه السلام): " يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد (1) " ولا يقال: مجاهدة قليل العقل مع نفسه ودفعه للمخاطرات الشيطانية واللذات النفسانية أشق وأعظم لضعف الآلة من مجاهدة العاقل الكامل العالم الماهر فينبغي أن يكون ثواب عبادته أكثر وأعظم كما ورد " ان الذي يعالج القرآن بمشقة وقلة حفظه له اجران (2) " لأنا نقول: ذلك ممنوع بل الظاهر الحق الذي لا ريب فيه أن مجاهدة العاقل العالم أعظم لأن اللذات النفسانية مشتركة والمخاطرات الشيطانية فيه أكثر وأعظم، وسيره في طرق تفاصيل المقامات العالية الدقيقة وتركه لأضدادها مع كثرة قطاع الطريق والمختلس فيها أشد وأشق بخلاف قليل العقل فانه إنما يسمع أن هناك طرقا ومقامات وهي معارك النفوس ولم يقع فيها ولم ير مشقتها ولا صولة الأعادي فيها، أما تضعيف أجر من له قلة حفظ على أجر من له قوة حفظ فانما هو بعد تساويهما في العلم بالقراءة وأحكامها فليس هذا من قبيل ما نحن فيه. (إن رجلا من بني إسرائيل كان يعبد الله في جزيرة من جزاير البحر) قال المطرزي في المغرب: الجزر انقطاع المد، ويقال جزر الماء إذا انفرج عن الأرض أي انكشف حين غار ونقص، منه الجزيرة. وقال الجوهري: الجزيرة واحدة جزاير البحر سميت بذلك لانقطاعها عن معظم الأرض (خضراء) بفتح الخاء وسكون الضاد أي فيها الفواكه والتفاح والكمثرى وغيرها أو البقول كالكراث والكرفس والسداب ونحوها أو النبات والكلاء الأخضر أو جميع ذلك (نضرة) صفة بعد صفة، والنضرة الحسن والرونق، وقد نضر وجهه أي حسن ونضره الله يتعدى ولا يتعدى (كثيرة الشجر، ظاهرة الماء) بالظاء المعجمة يعنى أن ماءها كان جاريا على وجه الأرض وقد يقرأ بالطاء المهملة، وكان طهارة مائها كناية عن صفائه ولطافته وخلوه عما يغير لونه أو طعمه، والظاهر " ظاهر الماء " بلا تاء، لأن الوصف بحال المتعلق في


1 - سيأتي في كتاب فضل العلم باب لزوم الحجة على العالم تحت رقم 1. 2 - رواه الكليني في كتاب فضل القرآن باب من يتعلم القرآن بمشقة تحت رقم 1. (

[ 82 ]

التأنيث والتذكير تابع لفاعله دون الموصوف، والفاعل هنا مذكر (وإن ملكا من الملائكة مر به فقال: يا رب أرني ثواب عبدك هذا) دل هذا وغيره من الأخبار على أن الملائكة لا يعلمون ثواب أعمال العباد كما وكيفا بل لا يعلمون نفس الأعمال أيضا إلا ما شاء الله (فأراه الله تعالى ذلك فاستقله الملك) أي عدة قليلا بالنظر إلى عبادته (فأوحى الله تعالى إليه أن اصحبه فأتاه الملك في صورة إنسي) تلبس الملائكة والشياطين والأجنة الذين هم أجسام شفافة بل الأعراض أيضا كالأعمال والعقايد بالصور الجسمانية الكثيفة مما لا ينكره العقل وقد ثبت ذلك من طرق العامة والخاصة بأخبار معتبرة متكثرة، ولا يستلزم ذلك تبدل الحقايق ولاعبرة بانكار بعض أهل الظواهر (1) إذ الحقيقة الواحدة يختلف صورها باختلاف المواطن فيتحلى في كل موطن بحلية ويتزيا في كل نشأة بزي، وهو مذهب الخواص من أهل التحقيق وتوضيحه ما أشار إليه الشيخ في الأربعين من أن سنخ الشئ وأصله أمر مغاير لصورته التي يتجلى بها على المشاعر الظاهرة ويلبسها لدى المدارك الباطنة وأنه يختلف في تلك الصور بحسب المواطن والنشات فيلبس في كل موطن لباساو يتجلبب في كل نشأة بجلباب كما قالوا: إن لون الماء لون إنائه وأما الأصل الذي يتوارد عليه هذه الصور ويعبرون عنه تارة بالسنخ وتارة بالوجه ومرة بالروح فلا يعلمه إلا علام الغيوب، فلا بعد في كونه متلبسا في موطن بالصورة الملكية أو العرضية وفي آخر بالصورة الإنسانية أو الجوهرية، وأيده بمؤيدات لا يليق المقام ذكرها وإنما أتاه بصورة إنسي لا بصورة ملكية ليعرف ذلك العابد أنه من جنسه ولا يعلم أنه ملك لأنه أدخل في الامتحان، أو لعدم استعداد العابد لرؤية الملك بصورته الأصلية أو لعدم قدرته على تحمل هيبة الصورة الملكية، وفيه دلالة على تحقق المكاشفة وظهور الأشياء الملكوتية والآثار الربوبية التي حجبتها الشواغل الجسمية والعوايق البدنية والعلائق البشرية من مشاهدتها على بعض النفوس العارية عن هذه الشواغل، الخالية عن تلك المواضع، المرتاضة بأنحاء الرياضة، الممتازة بأنواع العبادة. والشواهد عليها من القرآن والأخبار كثيرة فلا عبرة بانكار المنكرين (فقال) أي العابد (له) أي للملك (من أنت ؟ قال: أنا رجل عباد) لم يرد أنه رجل بحسب الحقيقة حتى يلزم انقلاب المهية بل أراد أنه رجل بحسب الصورة ويصدق عليه


1 - " بانكار بعض أهل الظواهر " هذا الكلام من الشارح تصريح بعدم كون ما يرى من الملائكة في الصورة الجسمية عين صورتهم بل يتلبسون بها وكذلك تصريح بتجسم الاعمال، وقال الفاضل العلامة المجلسي رحمه الله في حق اليقين ما معناه بعضهم قائلون بتجسم الاعمال ويقولون يجوز تبدل الصور باختلاف النشآت والعوالم كما يتمثل العلم في الرؤيا باللبن أو الماء وهذا شئ بعيد في العقل ولا يوافق المعاد الذي يعتقده المسلمون - إلى آخر ما قال - والحق ما قاله الشارح، إنه ليس بعيدا في العقل (ش). (*)

[ 83 ]

مفهومه بحسب الرؤية وفائدة الاخبار باعتبار الوصف (بلغني مكانك) أي نزاهة مكانك أو منزلتك أو موضعك (وعبادتك في هذا المكان فأتيتك لأعبد الله معك) فيه ترغيب في الميل إلى الصالحين والرفاقة معهم في العبادة (فكان معه يومه ذلك فلما أصبح قال له الملك: إن مكانك لنزه) بالغ في التأكيد (1) مع أن نزاهة المكان أمر محسوس غير قابل للإنكار لأنه رأى العابد مشتغلا بعبادة ربه معرضا عما سواه بحيث لا يخطر بباله المكان والمكانيات أصلا بل كأنه ينكر وجود غيره بالكلية فهو بهذا الاعتبار صار منكرا مصرا فناسب الخطاب معه تأكيدا بليغا (وما يصلح إلا للعبادة) دل على أن مكان العبادة ينبغي أن يكون طاهرا نزها لأنه يوجب نشاط النفس وسرورها ويدفع عنها أنقباضها وكل ذلك يعدها للحركة إلى المقامات العالية الموجبة لتحمل مشاق العبادة ورياضاتها (فقال له العابد: إن لمكاننا هذا عيبا فقال له: وما هو ؟ قال: ليس لربنا بهيمة) أي في الوجود أو في هذا الموضع والأول أولى وأنسب وإنما عد هذا عيبا للمكان باعتبار أنه سبب لعيبه وهو ضياع حشيشه كما أشار إليه بقوله (فلو كان له حمار رعيناه في هذا الموضع، فإن هذا الحشيش يضيع) بيان للملازمة (فقال له ذلك الملك: وما لربك حمار) " ما " للاستفهام ويحتمل أن يكون للنفي أيضا أي ليس لربك حمار لأنه أجل وأرفع من أن يكون له حمار، وفيه أن النفي على تقدير صحته لا يناسب قوله (فقال: لو كان له حمار ما كان يضيع مثل هذا الحشيش) هذا قياس استثنائي أنتج برفع التالي رفع المقدم والملازمة ممنوعة لأن خلق كل حشيش لا يجب أن يكون للحمار ونحوه إذ له منافع كثيرة ومصالح جمة لا يعلمها إلا هو، فهذا الكلام من جملة ما دل على قلة عقله (فأوحى الله إلى الملك إنما اثيبه على قدر عقله) فكما كان عقله قليلا كان ثواب عمله أيضا قليلا، وأما عقله فلعدم علمه بأنه ما يفعل ربه بالحمار وأي احتياج له إليه وأن العيب الذي نسبه إلى المكان راجع بزعمه إلى عيب ربه واعتراض عليه بضعف تدبيره لخلق الحشيش عبثا بلا منفعة ولا مصلحة، وأن خلق كل حشيش لا يجب أن يكون لأجل حمار وأن لكل شئ منافع وأغراضا لا يعلمها إلا هو وأن ليس لأحد أن يقوله لربه: لم خلقت هذا ؟ ولم تخلق ذاك، وأن المقامات العلية والدرجات الرفيعة إنما هي للعابدين المعرضين عما سواه حتى علق قلبه بأخس المخلوقات وصرف همته إلى أن يكون راعيا لئلا يضيع النباتات. وفيه دلالة على أن أمثال هذه الاعتقادات الفاسدة والاعتراضات الباطلة والاقتراحات الكاسدة لا يضر في أصل الايمان ولا في الإثابة على الأعمال الصالحة إذا كان مستندة إلى قلة العقل


1 - يعني " أن " و " اللام " في قوله " ان مكانك لنزه " مشتمل على التأكيد وانما يؤكد الكلام إذا كان المخاطب منكرا مع كون النزاهة محسوسة لا يقبل الانكار فأجاب الشارح (ش). (*)

[ 84 ]

وضعف البصيرة كيف وقد دل الأحاديث الكثيرة على أن أكثر أهل الجنة النساء وضعفاء العقول، لا يقال: ترتب الثواب على العبادة مشروط بصحتها وصحتها مشروطة بنية التقرب إلى الله تعالى ونية التقرب إليه متوقفة على معرفته ومعرفته بهذا النحو وهو أنه خالق الأشياء عبثا بلا مصلحة ولا منفعة ليست بمعرفة حقيقة فكيف يترتب الثواب على عبادة هذا الرجل في الآخرة، لأنه يقال: أدنى المعرفة مع نفي الشريك يكفي في ترتب أدنى الثواب على العمل وذلك أن العبد إذا عرف ربه بقدر عقله ووسعه ولم يعتقد الشريك له ولا مشابهته لخلقه في الجسمية والمقدار وما يتبعهما كان قابلا لرحمته الواسعة مع رجحان الرحمة فإذا ضم معها عبادة عارية من الكبر والعجب والرياء وغيرها من الآفات والمفسدات للعبادة صار جانب الرحمة أرجح واستحقاق الثواب أقوى فوجب تحقق الثواب ولو كان حصول أصل الثواب موقوفا على كمال المعرفة فظاهر أن ذلك لا يتيسر إلا للعاقل الكامل الذي هو فريد في العقل والكمال لزم أن لا يكون من هو دونه من الضعفاء من أهل الرحمة. وهو خلاف ما نطقت به الروايات ودلت عليه الآيات والظاهر أنه لم يذهب إليه أحد أيضا. * الأصل: 9 - " علي بن إبراهيم، عن أبيه عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله، فانما يجازى بعقله ". * الشرح: (علي بن إبراهيم) ثقة معتمد صحيح المذهب له كتب (عن أبيه) إبراهيم بن هاشم أبي إسحاق القمي ولم يصرحوا بجرحه وتعديله والأرجح قبول قوله (صه) (عن النوفلي) الحسين بن يزيد بن محمد بن عبد الملك وكان شاعرا أديبا وقال قوم من الكوفيين إنه غلا في آخر عمره (عن السكوني) إسمعيل بن أبي زياد الشعيري له كتاب وكان عاميا (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)) صرح (عليه السلام) بهذه النسبة مع أن جميع ما روي عنه أخذه من مشكاة النبوة للتشرف بذكره (صلى الله عليه وآله) وللتأكيد والمبالغة في قبول مضمون الحديث ولاحتمال أن يكون السامع عاميا لا يقبل منه بدون ذلك (إذا بلغكم عن رجل حسن حال) من فعل الصلاة والزكاة والصيام والحج والصدقات وغيرها من الأعمال الدينية والدنيوية (فانظروا في حسن عقله) فإن وجدتم عقله على وجه الكمال فاعلموا أن أعماله أيضا على وجه الكمال وأن الثواب المترتب عليها على وجه الكمال. وإن وجدتم عقله ناقصا فاعلموا أن جميع ذلك ناقص فلا تغتروا بحسن أعماله وأفعاله واستقامة أحواله ظاهرا ولا تحكموا بمجرد ذلك على صحة عقيدته وسلامة قلبه وكمال عمله وثوابه بل انظروا أولا في حسن عقله وكمال جوهره (فانما يجازى بعقله) أي بقدر عقله وللعقل مراتب متفاوتة تفاوتا فاحشا

[ 85 ]

وهو أصل العبادة وأساسها كما قال الصادق (عليه السلام): " العبادة حسن النية من الوجوه التي يطاع الله منها) (1) وظاهر أن ذلك لا يحصل بدون العقل ففضل العبادة وكمال ثوابها بقدر فضل العقل وكماله، وفيه دلالة على أن ثواب العالم أفضل من ثواب الجاهل وإن كان الجاهل أعبد منه، وعلى اختبار حال الشاهد والراوي وكل مخبر وإن كانت أحوالهم حسنة بحسب الظاهر. * الأصل: 10 - " محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان قال: ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت: هو رجل عاقل، فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): وأي عقل له وهو يطيع الشيطان ؟ فقلت له: وكيف يطيع الشيطان ؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شئ هو، فانه يقول لك: من عمل الشيطان ". * الشرح: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان قال: ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة) أي بالوسواس في نيتهما أوفعلهما أو بالمخاطرات التي تشغل القلب عنها (وقلت هو رجل عاقل) التنكير للتعظيم والتفخيم (فقال أبو عبد الله (عليه السلام): وأي عقل له وهو يطيع الشيطان) إنكار لذلك القول على سبيل المبالغة، فان من يطيع الشيطان كأنه لا عقل له فضلا عن أن يكون عقله كاملا، ويحتمل أن يكون نفيا لعقله حين الإطاعة فيكون ردا لذلك القول على أن يكون قضية دائمة، واعلم أن للشيطان تصرفا عجيبا في الإنسان وعملا غريبا معه. فانه إذا يئس من كفر من صح إيمانه قصده بالوسوسة ليشغل سره بحديث النفس يكرر عليه أفعاله ويؤذيه فربما يتصرف فيه بأمر النية وهي القصد إلى الفعل المأمور به تقربا إلى الله تعالى فيقول له: إنك لم تقصد قصدا معتبرا ويقول الملك الموكل بقلبه لتسديده إنك قصدت ويقع بينهما تعارض يوجب تردده فعند ذلك يقول له الشيطان: كيف قصدت مع هذا التردد فيبطله ويستأنف، وهكذا دائما وقد يقول له: لا يكفيك هذا القصد الإجمالي بل يجب عليك القصد إلى ما ينحل به تفصيلا، فيشرع في تفصيل معنى القصد والفعل والأمر والقربة وغير ذلك، وكلما خطر معنى من هذه المعاني بالبال غفل عن الآخر لأن مشرب القلب ضيق فيقول له حينئذ لا بد لك من تدارك ذلك الآخر فيأمره بذلك دائما فيبقى مترددا بحيث لا يدري ما يفعل فيصير ذلك سببا لقلقه واضطرابه حتى كأنه مجنون. وقد نقل عن ابن الباقلاني أنه قال يجب على المصلي في نية الصلاة أن يستحضر العلم بالصانع وما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز له من بعثة الرسل وتأييدهم بالمعجزات ووجه


1 - رواه الكليني في كتاب الايمان والكفر باب العبادة تحت رقم 4. (*)

[ 86 ]

دلالتها على صدقهم ويستحضر مع ذلك الطرق التي وصل بها التكليف، ويستحضر حدوث العالم وما يتوقف عليه العلم بحدوثه من إثبات الأعراض واستحالة خلو الجوهر عنها وإبطال حوادث لا أول لها، ويستحضر الصلاة بجميع أجزائها وأفعالها وشرايطها. وقال المازري: إني أردت اتباع الباقلاني في ذلك القول فرأيت في منامي كأني أخوض بحرا من ظلام فقلت: هذه والله قول ابن الباقلاني. وربما يتصرف في قلبه ويشغله عن ذكر ربه وعن أفعال العبادة وأجزائها ويقول له: اذكر كذا وكذا وافعل كذا وكذا إلى غير ذلك من المخاطرات الردية، فيصير بحيث لا يعلم ما فعل وكم صلى. وقد قيل: إن رجلا شكا إلى بعض أهل العلم أنه خبأ شيئا فلم يدر أين هو فأمر أن يصلي ركعتين ويجتهد أن لا يحدث فيهما نفسه ففعل فجاءه الخبيث فذكره أين خبأه. ولا يخفى أن سرعة قبول القلب لتلك المخاطرات وتأثره بتلك التصرفات إنما هو لضعف العقل، فان العاقل اللبيب يعلم أن العبادة ومقدماتها معراج العارفين وكلما يمنعه ويشغله عن التذكر فهو من تدليسات ذلك اللعين فيسد طرق تصرفاته بالبصيرة واليقين وأن النية إنما هي القصد بالشئ ولا معنى لإنكاره بعد حصوله وأن التردد إنما ينشأ من العدو المبين وأن ملاحظة تفاصيلها وتمييز بعضها عن بعض خارجة عن الدين وأن امتثال أمر الله سبحانه كامتثال العبد أمر سيده وأن تعظيمه كتعظيمه فلو أمره سيده بفعل معين في وقت معين فقام امتثالا لأمره وفعله في ذلك الوقت كان ممتثلا لأمره عرفا وشرعا ولو شرع في القيام وقال: أقوم امتثالا لأمر مولاي قياما مقارنا لتعظيمه وأمشي إلى ذلك المكان مشيا مطلوبا له وأفعل فيه في وقت كذا الفعل الذي أجزاؤه كذا وكذا، ويكرر ذلك لينتقش في قلبه صور هذه المعاني لعد ضعيفا في عقله وسخيفا في رأيه لأن هذه الصور مخطورة بالبال مندرجة تحت الامتثال على سبيل الإجمال كاندراج أجزاء العالم وعلة حدوثهافي قولك: " العالم حادث " فكما أن القصد إلى الأجزاء مثل الأرض والسماء إلى غير ذلك مما لا يحيطه العد والإحصاء خارج عن إفادة هذا القول بل زايد، كذلك القصد إلى الصور المذكورة فيما نحن فيه (فقلت له كيف يطيع الشيطان) مع اشتغاله بالعبادة واهتمامه بها و " كيف " للاستفهام عن وجه ذلك إلا للإنكار (فقال سله هذا الذي يأتيه) من الوسواس في الوضوء والصلاة والابتلاء بهما (من أي شئ هو) إنما أحال البيان إليه للتنبيه على أن كون ذلك من الشيطان أمر بين يعرفه كل أحد حتى صاحبه وذلك لأن كل أحد يعلم أن الزيادة في الدين إنما هو من عمل الشيطان اللعين (فانه يقول لك من عمل الشيطان) لعلمه بأنه الباعث لهذا العمل دون الشرع أو العقل وتصديقه بذلك لا يوجب كونه عاقلا كاملا كشارب الخمر والزاني والسارق وإنما العاقل من ترك عمل الشيطان ولم يعمل بقوله، وقيل قوله " من عمل الشيطان " قوله بلسانه ولم يؤمن به قلبه إذ لو عرف أنه من عمل

[ 87 ]

الشيطان لكان عاقلا ولا موصوفا وإنما يقوله ذلك تقليدا أو اضطرارا وذلك مثل ما حكى الله سبحانه عن الكفار بقوله * (ولئن سئلتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) * فان هذا قولهم بأفواههم ولم تؤمن به قلوبهم إذ لو علموا ذلك لم يكونوا كفارا وإنما قالوا ذلك تقليدا وسماعا من الناس على الرسم والعادة لا تحقيقا وعرفانا فلذلك لا ينفعهم في الدنيا والآخرة. وفيه نظر لأنا لا نسلم أن علمه بأن ذلك من عمل الشيطان يستلزم أن يكون عاقلا لما عرفت، ولا نسلم به أن علم الكفار بأن الله تعالى خلق السموات والأرض يسلتزم عدم كفرهم لجواز أن يكون كفرهم مع علمهم بذلك لأجل أمر آخر كاعتقادهم باستحقاق الأصنام للعبادة ونحوه فليتأمل. * الأصل: 11 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما قسم الله للعباد شيئا أفضل من العقل، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل، ولا بعث الله نبيا ولا رسولا حتى يستكمل العقل ويكون عقله أفضل من جميع عقول امته وما يضمر النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين، وما أدى العبد فرائض الله حتى عقل عنه ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل، والعقلاء هم أولو الألباب، الذين قال الله تعالى: * (وما يتذكر إلا أولو الألباب) * ". * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابه رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قسم الله للعباد شيئا أفضل من العقل) كما قال بالفارسية: " الهى آنرا كه عقل دادي چه ندادي وآنرا كه عقل ندادي چه دادى ؟ " والمقصود أن العقل أفضل من جميع ما قسمه الله تعالى للعباد وهذا المعنى يفهم من هذه العبارة بحسب العرف فإن المقصود من قولنا ليس في البلد أفضل من زيد هو أن زيدا أفضل من غيره وسر ذلك أن العقل مناط لجميع الفيوضات الدنيوية والاخروية وليس شئ من الأغيار بهذه المثابة، والجهل بحكم المقابلة أخس من جميع الأشياء فيظهر وجه التفريع في قوله (فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل) يعني للعبادة وذلك لأن حقيقة السهر وإن كان أفضل من حقيقة النوم إلا أن النوم المقارن للعقل أفضل وأشرف من السهر المقارن للجهل بحكم المقابلة للملابسة والمجاورة ففيه زيادة مبالغة على شرافة العقل وخساسة الجهل، أو لأن العاقل لا ينام إلا بطهارة ودعاء والملائكة يستغفرون له ويكتبون له الصلاة ما دام نائما، كما نطقت به الأخبار وظاهر أن استغفار الملائكة والصلاة المكتوبة له أفضل من عبادة الجاهل، أو لأن نوم العاقل قلما ينفك عن رؤيا صالحة وهي جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة كما دلت عليه

[ 88 ]

الروايات، فنوم العاقل في الحقيقة معراج له بخلاف سهر الجاهل، أو لأن العاقل لا ينام إلا بقدر الضرورة ويجعل نومه وسيلة إلى عبادة اخرى ولا شك أن نومه على هذا الوجه عبادة مستندة إلى العقل وسهر الجاهل لأجل العبادة وعبادة غير مستندة إليه وظاهر أن العبادة المستندة إلى العقل أفضل من العبادة الغير المستندة إليه، وقد سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلا من الحرورية أي الخوارج يتهجد ويقرء فقال: " نوم على يقين خير من صلاة في شك " (1) والوجه فيه ظاهر لأن صلاة الشاك فيما يجب الاعتقاد فيه لا ينفعه ونوم المؤمن له فوائد كثيرة (وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل) أي انتقاله من بلد إلى بلد في طاعة الله تعالى كالحج والجهاد ونحوهما مع أن في الشخوص مشقة زائدة على الإقامة وذلك لأن عقل العاقل وإن كان جسمه مقيما سائر في المقامات العالية التي لا تخطر ببال الجاهل أبدا وله في كل آن سفر روحاني وشهود رباني ولا شبهة في أن سير الروح في معارج العرفان مع سكون الجسم أفضل من سير الجسم في البلدان مع سكون الروح أو لأن، إقامة العاقل وسكونه عبادة كشخوص الجاهل ولا ريب في أن عبادة العاقل وأشرف من عبادة الجاهل أو لأن روح الطاعة واعتبارها هو النية وقصد القرية ولا يحصل ذلك إلا بالمعرفة واليقين والجاهل بمعزل عنهما (ولا بعث الله نبيا ولا رسولا) من باب ذكر الخاص بعد العام لأن النبي أعم من الرسول كما سيجئ في الباب الثالث من كتاب الحجة. (حتى يستكمل العقل ويكون عقله أفضل من جميع عقول أمته) لأنه واسطة بينهم وبين الله تعالى فيستحيل أن يكون في امته من هو أفضل منه عقلا أو مساويا، لاستحالة ترجيح المفضول على الأفضل وترجيح أحد المساويين على الآخر وفيه مدح عظيم للعقل والعقلاء حيث حكم بأن التفاضل في الدرجة والتشريف بشرف النبوة والرسالة إنما حصل به ولذلك صار خاتم المرسلين أشرف المخلوقات أجمعين ولولاه لما خلق الله السموات والأرضين ولا الملائكة المقربين لأن عقله نور رب العالمين به أخذ النور كل نبي وكل وصي في ديجور الإمكان كما أن الكواكب تستضئ بنور الشمس في ظلمة الليالي وإن كانت غائبة في الحس، فإذا طلعت قهر نورها على أنوار الكواكب ومنه يظهر سر نسخ شريعته الغراء لشرايع الأنبياء (وما يضمر النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين) لكون عقله أفضل وأرفع من عقولهم لأن عقله لشدة اتصاله بنور الحق جل شأنه كمال محض لا نقص فيه قطعا ونور صرف لا يشوبه ظلمة أصلا وذلك الاتصال بمنزلة اتصال الحديد بالنار وتأثره منها بحيث يصير نارا صرفا يمحو هويته حتى يؤثر في غيره مثل تأثيرها، وبه يشعر قوله تعالى ليلة المعراج خطابا له (صلى الله عليه وآله) " وما يتقرب عبدي إلي بشئ أحب مما افترضت


1 - أورده الشريف الرضي - رحمه الله - في النهج باب المختار من حكم امير المؤمنين (ع) تحت رقم 97. (*)

[ 89 ]

عليه، وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته (1) " ولأجل ذلك الاتصال التام يظن من ليس له معرفة وتمييز أنهما متحدان. وأما أرباب المعرفة فيعرفون أن بينهما مغايرة وأن هذا مخلوق اتصل بكمالات الخالق كما أن ذلك حديد اتصف بصفات النار، وهذه المرتبة هي المرتبة العظمى والدرجة العليا من مراتب العقل ودرجاته وهي مرتبة حق اليقين، وهو فيما دون تلك المرتبة أعني مرتبة علم اليقين، مرتبة عين اليقين يشاهد المعقولات كلها مشاهدة عيان بحيث لا يعزب عنه شئ إلا ما شاء الله، هذا حال عقله (صلى الله عليه وآله) وعقل أوصيائه (عليهم السلام) إلا أن بين عقله وعقلهم تفاوتا دقيقا لا يعرفه إلا الله سبحانه، وأما عقل غيرهم ممن تمسك بذيل عصمتهم فهو وإن كان كمالا ونورا في حد ذاته لكنه استعداد محض، وظلمة صرف بالنطر إلى عقلهم إذ غاية جهده ونهاية سعيه تحصيل تلك المعقولات على قدر الوسع من مباديها بالاجتهاد وهو في هذه المتربة بمنزلة من استدل على وجود النار بمشاهدة الدخان، وبين هاتين المرتبتين مسافة بعيدة كما لا يخفى على العارفين. وإذا كان عقله (صلى الله عليه وآله) أكمل وأفضل من عقول المجتهدين كان إدراكاته وتعقلاته أفضل وأتم من اجتهادات المجتهدين وتعقلاتهم ولهذا يحكم بأن عقل الأعلم وإدراكاته أتم وأفضل من عقل العالم وإدراكاته، وكذا عقل العالم وإدراكاته أتم وأفضل من عقل الجاهل وإدراكاته، بل لا نسبة هنا، ويرشد إلى التفاوت المذكور قول الصادق (عليه السلام) " اعرفوا منازل الناس على قدر رواياتهم عنا (2) " (وما أدى العبد فرائض الله حتى عقل عنه) أي عقل عن الله وعرفه حق معرفته وعلم ما يصح عنه وما يمتنع عليه وحق أمره فيما أراده من الفرائض والأحكام وذلك ظاهر لأن أداء الفرائض لا يتصور بدون معرفتها المتوقفة على معرفته تعالى ومعرفته لا يتصور بدون العقل هو الأصل لجميع ذلك (ولا بلغ جميع العابدين) أي مجموعهم من حيث المجموع أو كل واحد منهم (في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل) أي في فضل عبادته أو في عقله عن الله وأحكامه وعلمه بهما لأن العقل أصل للعبادة وروح لها إذ به يحصل الخوف والخشية والخضوع الموجبة لصعودها إلى محل القبول، وانحطاط الفرع عن الأصل وعدم صعود العبادة الفاقدة لروحها بين لا سترة فيه (والعقلاء هم أولو الألباب) في تعريف الخبر باللام وتوسيطه بضمير الفصل تنبيه على التخصيص والتأكيد أي على قصر المسند على المسند إليه كما هو الشايع في مثل زيد هو الأمير، أو على قصر المسند إليه على


1 - رواه الكليني في كتاب الايمان والكفر باب من اذى المسلمين واحتقرهم تحت رقم 8. 2 - سيأتي في كتاب فضل العلم باب النوادر تحت رقم 13. (*)

[ 90 ]

المسند، فإنه قد يجئ لهذا المعنى أيضا كما في قولهم: الكرم هو التقوى أي لا كرم إلا التقوى، وهذا أنسب بالمقام لأن الظاهر أن المقصود حصر العقلاء بأنهم ليسوا إلا أولو الألباب الذين مدحهم الله تعالى في الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد بيان اتحاد المفهومين يعني إذا حصلت مفهوم أولو الألباب وتقرر ذلك في ذهنك وتصورته حق تصوره فقد عرفت مفهوم العقلاء وحقيقتهم، فانه لا مفهوم لهم وراء ذلك فليس هناك حمل بحسب المعنى ولا قصر، وقد صرح أئمة العربية بجواز إرادة هذا المعنى في مثل هذا التركيب منهم الشيخ في دلائل الإعجاز. (الذين قال الله تعالى) في مدحهم والجملة صفة لاولي الألباب أو للعقلاء * (وما يتذكر إلا أولو الألباب) * وهم الذين اتصفوا بنور البصائر وجودة الأذهان وشاهدوا المعارف مشاهدة العيان واهتدوا إليها لتجرد عقولهم عن غواشي الحواس وعلايق الأبدان وصعدوا لسلامة عقولهم معارج اليقين فصاورا أهل الذكر ومنبع العرفان الذين فرض الله سبحانه رجوع العباد إليهم بقوله: * (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * فالمتمسكون بهم متمسكون بحبل الله وهم مهتدون. * الأصل: 12 - " أبو عبد الله الأشعري، عن بعض أصحابنا، رفعه عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: * (فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) *. " يا هشام: إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلة فقال: * (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم * إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، لآيات لقوم يعقلون) *. " يا هشام قد جعل الله ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا، فقال: * (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) * وقال: * (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون) * وقال: * (إن في اختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيى به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح [ والسحاب المسخر بين السماء والأرض ] لآيات لقوم يعقلون) * وقال: * (يحيي الأرض بعد

[ 91 ]

موتها، قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون) * وقال: * (وجنات من أعناب وزرع ونخيل، صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) * وقال: * (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) * وقال: * (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) *. وقال: * (هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) *. " يا هشام: ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال: * (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة للذين يتقون أفلا تعقلون) *. " يا هشام: ثم خوف الذين لا يعقلون عقابه فقال تعالى: * (ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) *. وقال: * (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) *. " يا هشام: إن العقل مع العلم فقال: * (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها العالمون) *. " يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: * (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقولون شيئا ولا يهتدون) * وقال: * (مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) * وقال: * (ومنهم من يستمع إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون) * وقال: * (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) *. وقال: * (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) * وقال: * (وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) *. " يا هشام: ثم ذم الله الكثرة فقال: * (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) *. وقال: * (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) *. وقال: * (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون) *. " يا هشام ثم مدح القلة فقال: * (وقليل من عبادي الشكور) * وقال: * (وقليل ما هم) * وقال: * (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) *. وقال: * (ومن

[ 92 ]

آمن وما آمن معه إلا قليل) *. وقال: * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * وقال: * (وأكثرهم لا يعقلون) *. وقال: * (وأكثرهم لا يشعرون) *. " يا هشام ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية فقال: * (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب) * وقال: * (الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) *. وقال: * (إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب) *. وقال: * (أفمن يعلم أنما انزل اليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الالباب) *. وقال: * (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الالباب) *. وقال: * (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) *. وقال: * (لقد آتينا موسى الهدى، وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لاولي الألباب) *. وقال: * (وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين) *. " يا هشام إن الله تعالى يقول في كتابه: * (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) * يعني: عقل: وقال: * (ولقد آتينا لقمان الحكمة) *. قال: الفهم والعقل ". * الشرح: (بعض أصحابنا رفعه) النسخ هنا مختلفة ففي بعضها هذا وفي بعضها " أبو عبد الله الأشعري، عن بعض أصحابنا رفعه " واسمه الحسين بن محمد وفي بعضها أبو عبد الله الاشعري رفعه " وفي بعضها " أبو علي الأشعري رفعه (1) وضعف الخبر بحسب الاسناد لا يضر بصحته مضمونه لاشتماله على علوم عقلية، وحكم برهانية وآثار إلهية، ودلائل وحدانية وشواهد ربوبية، ومواعظ لقمانية، هي مناهج الايمان، ومعارج العرفان، كما سيظهر ذلك من مطالع البيان ومشارق التبيان (عن هشام بن الحكم) يروي عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى (عليهما السلام) وكان ثقة محققا متكلما حاضر الجواب وله مدائح كثيرة جليلة عنهما (عليهما السلام) وسيجئ في كتاب الحجة بعض مدايحه ومهارته في صناعة الكلام وما روي في ذمه أجابوا عنه في موضعه، وقال العلامة هو عندي عظيم الشأن رفيع المنزلة (قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): يا هشام إن الله تعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه) لما كان الغرض من خلق الإنسان معرفته تعالى والعبادة كما قال: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف


1 - وفي بعضها " أبو علي الاشعري عن بعض أصحابنا رفعه " والاصح " أبو عبد الله الاشعري عن بعض اصحابنا رفعه " وهو الحسين بن محمد بن عمران بن أبي بكر الاشعري القمي المعروف بابن عامر وهو ثقة له كتاب يروي عنه الكليني بلا واسطة كما نص عليه النجاشي وغيره. (*)

[ 93 ]

فخلقت الخلق لاعرف " وقال: * (ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) * وذلك الغرض لا يتصور حصوله إلا باستعمال العقل والفهم خص الله سبحانه أهلهما بالبشارة تعظيما وتكريما لهم وأما غيرهم فلكونهم بمنزلة همج رعاع غير قابلين للبشارة والخطاب لأنهم من أهل الضرر والزمانة كما مر في صدر الكتاب (فقال فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) في إضافة العباد سبحانه تشريف لهم بشرف الاختصاص والتكريم، وفي عدم ذكر المبشر به دلالة على التفخيم والتعظيم، وفيه مدح للسالكين في منهج الصواب التابعين للحق في كل باب وقد سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية فقال (عليه السلام): " هم المسلمون لآل محمد الذين إذا سمعوا الحديث لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه جاؤا به كما سمعوه (1) " ويمكن التعميم بحيث يندرج فيه المترددون بين الفريقين والناصحون بين المتخاصمين يسمعون من أحد الطرفين أقوالا ينقلون إلى أحسنها يرفع التخالف عنهم ويوقع التوافق بينهم ويندرج فيه الناظرون إلى جمال الحقايق بنور البصر والطامحون إلى قعر المعارف بغوص الفكر والمجتهدون في سبيل الحق بالاستدلال والنظر فان كل قول صدق وعقد حق له ضد ومعاند، فإن القول بأن الله تعالى موجود، عالم قادر حكيم مثلا ضد أنه ليس بموجود كما يقول الملاحدة، وأنه ليس بعالم على الإطلاق كما يقوله من نفى عنه العلم بالجزئيات وأنه ليس بقادر على إعادة الأجسام كما يقوله من نفى المعاد الجسماني أو أنه ليس بحكيم كما يقوله من نفى التدبير عنه، وقس عليه غير ذلك مما يتعلق بالاصول والفروع، ومن البين أن التمييز بين الصحيح والسقيم من هذه الأمور وغيرها لا يمكن بمجرد الاستماع وإلا لما وقع الخلاف فيها وإنما يمكن بما هو حجة الله تعالى على عباده وهو العقل الصحيح السليم عن غواشي الأجسام ولوابس الأوهام وذلك التمييز يتصور بوجهين، أحدهما: أن العقل الصحيح إذا لاحظ الضدين يجد منهما ما هو أحسن كما هو شأن المجردين من لواحق الأبدان مثل الأنبياء والأولياء. وثانيهما: أن يدرك الأحسن من المبادي المتعلقة به كما هو شأن المجتهدين والبشارة تشمل الجميع (أولئك الذين هداهم الله) يعني أولئك الموصوفون بالصفة المذكورة هداهم الله إلى خير الدنيا والآخرة من أجل تلك الصفة ويحتمل أن يكون جواب سؤال عن سبب تبشيرهم دون غيرهم كأنه قيل: ما لهؤلاء العباد الموصوفين بالصفة المذكورة اتصفوا بالتبشير لهم دون غيرهم ؟ فأجيب بأن السبب هو اختصاصهم بالهداية واللطف والتوفيق لسلوك سبيل الخيرات من الله سبحانه، وعلى التقديرين لا محل لهذه الجملة من الاعراب، وفيه دلالة على أن الهداية أمر حادث من الله تعالى للعقول القابلة المستعدة لها (وأولئك هم أولو الألباب) أي ذوو العقول السليمة عن


1 - سيأتي في كتاب الحجة باب فضل المسلمين. (*)

[ 94 ]

التأثر بخبايث العلائق ومفاسد العادات، وأما غيرهم ممن لم يفرق بين الأقوال والعقائد الحسنة والقبيحة أو فرق واتبع القبيحة بحكم النفس الأمارة فهو من أهل الضلالة والجهالة بحكم المقابلة وإن كان له ما يحيل به في اقتناص الدنيا وزهراتها فإن ذلك عقل عند الجهلاء وشيطنة عند العقلاء. (يا هشام: إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول) الحج القصد ومنه الحجة أي البرهان وولاة أمر الله سبحانه لأنهما يقصدان ويعتمدان وبهما يقصد الحق المطلوب. وقد تطلق على العقل أيضا كما في بعض الروايات: لله على الناس حجتان إحداهما العقل وأخراهما الرسول (1). ولا يجوز إرادته هنا بخلاف الأولين، فانه يجوز إرادة الأول على أن يكون الباء للسببية يعني أكمل للناس براهين وجوده ووجوبه وقدرته إلى غير ذلك من الصفات بسبب العقول وخلقها وتركيبها فيهم ويجوز إرادة الثاني على أن يكون الباء للتعدية أو للسببية أيضا يعني أكمل للناس حججه من الأنبياء والأوصياء المرضيين بعقولهم الصافية وأذهانهم الثاقبة أو بسبب أن منحهم عقولا زكية عارية عن شوائب النقصان مدركة لشواهد الربوبية بحقايق الإيمان (ونصر النبيين بالبيان) البيان الفصاحة لأن نبي كل قوم أفصح منهم لسانا ويجوز أن يراد به ما يتبين به الشئ من الكلام والآيات وغيرهما يعني نصرهم بالكلمات الفائقة والمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة الدالة على ثبوت نبوتهم ليكمل بهم أحوال عباده وينور بهدايتهم أطراف بلاده ويخرج الناس من ظلمة الجهالة والغواية وينجيهم من حيرة الندامة والضلالة (ودلهم على) طريق (ربوبيته) عود ضمير الجمع إلى " النبيين " قريب وإلى " الناس " بعيد (بالأدلة) الدالة على وجود ذاته، والآيات الكاشفة عن جمال صفاته، وتلك الأدلة من آثاره العجيبة وأفعاله الغريبة، لأن معرفة الشئ إما بمشاهدته وحضوره عند العارف كمعرفة هذا الرجل وهذا الجبل، وإما بمعرفة علته وهذا الطريق يقال له برها لمي، وإما بمعرفة معلوله ويقال له: برهان إني. ولا طريق للمعرفة غير هذه الثلاثة لأن ما لا يكون نفس الشئ ولا علته ولا معلوله لا تعلق له بذلك الشئ فلا دخل له في معرفته، ثم الطريق الأول لا يتيسر الوصول إليه إلا للمقربين المخصوصين بزيادة اللطف والتوفيق وهم الذين أخذت أيديهم العناية الأزلية وأزالت عنهم الهويات البشرية وقطعت عنهم العوائق البدنية وأنزلتهم في أعلى منازل القدس وأرفع مقامات الانس، فصاروا بحيث يشاهدونه بلا حجاب ويكالمونه بلا سؤال ولا جواب، كما هو وصف نبينا وأوصيائه (عليهم السلام). والطريق الثاني لا أثر له في ساحة قدسه جل شأنه لأنه بسيط صرف لا تركيب فيه أصلا لا ذهنا ولا خارجا، واجب لذاته مبدء لجميع ما سواه وإليه ينتهي الآثار كلها فلا فاعل له خارجا عن ذاته ولا سبب له داخلا في


1 - سيأتي مضمونها في هذا الباب تحت رقم 22. (*)

[ 95 ]

ذاته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والطريق الثالث يشترك فيه الكل فلذا خصه بالذكر وهو طريق يسلكه كل من له عقل سليم وطبع مستقيم ولكن سلوكهم ووصولهم وإيمانهم وإيقانهم على حسب تفاوت مراتب عقولهم أما ترى أنك تستدل بملكوت السماوات وحركات الكواكب وبزوغها وافولها على وجود صانعها ومدبرها كما استدل بها خليل الرحمن وإن كان استدلاله بها للتعليم وقد حصل لك علم ضعيف شبيه بالجهل حتى لو وقعت في أدنى بلية تلوذ بكل من زعمت أنه ينجيك منها، وحصل له علم ثابت ويقين جازم حتى قال له الروح الأمين حين رمي بالمنجنيق وكان في الهواء مايلا إلى النار: ألك حاجة ؟ فقال: أما إليك فلا فإعراضه عنه في تلك الحالة والتجاؤه إلى ربه ليس إلا لأنه رأى أن كل ما سواه محتاج إليه خاشع لديه خاضع بين يديه مقهور لعزته مغلوب لقدرته بل لم ير موجودا سواه وملجأ إلا أياه، ولو عاد ضمير الجمع في " دلهم " إلى الناس أمكن أن يراد بالأدلة معصومون المطهرون (عليهم السلام). (فقال وإلهكم إله واحد) أي مستحق العبادة منكم واحد لا شريك له يصلح أن يعبد ويسمى إلها. قيل: وحدة الشئ ما يوجب عدم انقسامه من جهة اتصافه بها، فكل موجود متصف بها فإن الرجل الواحد مثلا يستحيل أن ينقسم إلى رجلين وإن أمكن أن ينقسم من وجوه اخر وقيل: هي وجوده الخاص الذي به يوجد، ووحدته تعالى لما لم تكن مقيدة بجهة دون اخرى بل هو متصف بها من جميع الجهات كانت وحدته راجعة إلى أنه بسيط في الذات يعني أن ذاته غير مؤلفة من الأجزاء أصلا، وإلى إنه فرد لا شريك له في الوجود الذاتي والالهية، وإلى أنه واحد في أفعاله لا شريك له في المبدئية وفي انتساب جميع الكائنات إليه إما بلا واسطة أو بواسطة، وإلى أنه واحد في صفاته لان صفاته عين ذاته، وبالجملة عالم الالهية والوجوب الذاتي يتأبى عن تحقق الكثرة فيه ذاتا وصفة والشركة والكثرة إنما يتحقق في عالم الأمكان فمن قال بوقوع الكثرة في ذلك العالم كان ذلك لقصور بصيرته وعدم تميزه بين عالم الأمكان وعالم الوجوب (لا إله إلا هو) قال القاضي وغيره: هذا تقرير للوحدانية وإن أحدا لا يتوهم أن في الوجود إلها ولكن لا يستحق منهم العبادة، وتوضيحه أنه لما قال " وإلهكم إله واحد " ومعناه أن مستحق العبادة منكم واحد أمكن أن يتوهم أحد ويقول: إلهنا إله واحد يستحق العبادة منا فلعل في الوجود إلها غير إلهنا لا يستحق العبادة منا، فأزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق حيث نفى مهية الإله وأثبت فردا منها فعلم أنه لا وجود لها إلا في هذا الفرد وهو التوحيد التام (الرحمن الرحيم) أي المعطي لجميع النعم الدنيوية والاخروية، فهذا كالبرهان لما مر من أنه يستحق العبادة دون غيره، لأنه لما كان هو المعطي للنعم كلها اصولها وفروعها في الدنيا والآخرة وما سواه إما نعمة أو منعم كانت الالهية واستحقاق العباة منحصرة فيه لا توجد في غيره

[ 96 ]

أصلا. قيل: كان للمشركين حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فلما سمعوا بهذه الآية تعجبوا وقالوا إن كنت صادقا فأت بآية نعرف بها صدقك فنزلت (إن في خلق السموات) على مقادير متفاوتة وأبعاد مشاهدة في البعد البعيد لما في قربها من تحير الأبصار بمشاهدة شعاع الكواكب وسرعة دورانها كما يشاهد ذلك من البروق المتوالية المضطربة في الجو ومن المصابيح المتكثرة التي تدور حول أحد دورانا حثيثا فإنها تحير بصره حتى يتحير لوجهه، وعلى إدارتها مثل الدولاب مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم الثوابت والسيارات على بسيط الأرض دائما بهذا التقدير المشهود والتأثير المعلوم لصلاح الأرض ومن عليها، من غير انثلام ولا انكسار مع كمال لطافتها وانشفافها وعلى حركات مختلفة في الكم والكيف والجهة فبعضها سريع وبعضها بطئ وبعضها شرقي وبعضها غربي وبعضها ذاتي وبعضها عرضي وعلى تجزئتها بممثلات ومتممات وحوامل، وخوارج المراكز والتداوير كل ذلك على أنحاء مخصوصة وأوضاع معلومة لأغراض مقصودة بعضها جلي وبعضها خفي (والأرض) على حجمها وثقلها ورسوبها في الماء وانكشاف بعضها ليكون مسكنا للحيوانات البرية وعلى سعتها وسكونها وتوسطها بين الصلابة والرخاوة لتكون مأوى أنواع الوحوش ومسكن أصناف الناس ومزارعهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم ولا يكونوا بمنزلة المتحصنين في حصار ضيق. وليتمكنوا من السعي فيها في مأربهم والجلوس فيها والنوم عليها والاتقان لأعمالهم فإنها لو كانت متحركة رجراجة (1) لم يتمكنوا التعيش فيها كما نشاهد ذلك فيما يصيبهم حين الزلازل على قلة مكثها وليتمكنوا من الزرع فيها والبناء عليها والمشي فيها ويسهل خروج النبات والأشجار. فإنها لو كانت شديدة الصلابة مثل الحجر أو شديدة الرخاوة مثل الماء لما أمكن شئ من ذلك، وعلى ما فيها وما عليها من المياه والجبال والمعادن مثل الياقوت والزبرجد والفيروزج والذهب والنحاس والحديد وغيرها كل ذلك لمنافع الخلق التي يعجز الوصافون عن توصيفها وتحديدها وعلى كرويتها الموجبة لاختلاف الآفاق والطوالع والمطالع والتعديلات والطلوع والغروب مستويا ومعكوسا واختلاف أهوية الأقاليم الموجبة لاختلاف أمزجة سكانها واختلاف أحوالهم وأخلاقهم وألوانهم، وقيل: إنما جمع السماء وأفرد الأرض لأن كل سماء جنس آخر بخلاف الأرض فانها جنس واحد. كتاب العقل والجهل (واختلاف الليل والنهار) أي تعاقبهما على النظام المشاهد من الخلقة بالكسر وهي أن يذهب أحدهما ويجئ الآخر خلفه وبه فسر قوله تعالى " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة " ومنه قولهم: واختلفا ضربة أي ضرب كل واحد منهما صاحبه على التعاقب، أو اختلافهما في النور


1 - الرجرجة: الاضطراب. (*)

[ 97 ]

والظلمة، أو في الزيادة والنقصان ودخول أحدهما في الآخر على سبيل التدريج حتى يبلغ كل واحد منهما منتهاه في الزيادة والنقصان وهي خمس عشر ساعة تقريبا أو في الطول والقصر والحر والبرد باعتبار العروض وأهويتها فان العروض الشمالية كلما كانت أكثر كان قوس النهار أطول وقوس الليل أقصر فيكون النهار أطول من الليل بقدر ضعف تعديل النهار، والعروض الجنوبية بعكس ذلك واختلاف كل واحد منهما بحسب الأمكنة فان الأرض لما كانت كروية فأية ساعة فرضت من النهار فهي صبح لموضع وظهر لآخر وعصر لثالث ومغرب لرابع، وقس على هذا ولاختلافهما فوائد ومنافع للخلق فإنه لو كان الليل أو النهار سرمدا إلى يوم القيامة أو كان مقدار النهار مائة ساعة أو مائتي ساعة أو أكثر كما في عرض تسعين - فان هناك مدة كل منها ستة أشهر كان في ذلك بوار كل ما في الارض من حيوان ونبات ولو كان دخول أحدهما في الآخر دفعيا لأضر ذلك بالأبدان وأسقمها كما يضر الخروج من الحمام إلى موضع بارد دفعة، ولو كانت العروض متساوية في الحر والبر والأهوية لضاق الأمر على العباد بخلاف ما إذا كانت متفاوتة فإنه ينتقل منهم من أراد من موضع إلى موضع وجده موافقا لمزاجه فهي كالخوان الموضوع بين يدي جماعة فيه ألوان مختلفة من الأطعمة والأشربة في الكمية والكيفية يأكل منها كل واحد منهم ما أراد ووافق مزاجه، وبالجملة آثار صنع الله تعالى وحسن تدبيره في اختلافهما ومصالحه ومنافعه أعظم من أن يحيط بها علم الإنسان أو يكتب في الدفاتر ويذكر باللسان ولذلك ذكره الله تعالى في القرآن المجيد في مواضع عديدة وموارد كثيرة تنبيها لهم عن الغفلة وتذكرا لهم بالحكمة. (والفلك التي تجري في البحر) الفلك بضم الفاء وسكون اللام واحد وجمع فإذا كان واحدا فالضمة بمنزلة ضمة قفل، وإذا كان جمعا فالضمة بمنزلة اسد، فالضمتان متفقتان لفظا ومختلفتان معنى أما الجمع فكما في قوله تعالى * (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) * وأما الواحد فقد يأتي للمذكر بمعنى المركب كما في قوله تعالى * (في الفلك المشحون) * وقد يأتي للمؤنث بمعنى السفينة كما في قوله تعالى * (والفلك التي تجري في البحر) * ويحتمل أن يكون فيه جمعا * (بما ينفع الناس) * " ما " إما مصدرية أي بنفعهم، أو موصولة أي بالذي ينفعهم من المحمولات والمجلوبات وغوص اللآلي، وضمير " ينفع " على الأول يعود إلى " الفلك " بمعنى المركب ففيه استخدام أو إلى الجري أو البحر، وعلى الثاني إلى الموصول وفي موضع هذا المركوب المشكل بالشكل المخصوص الداخل فيه الهواء وحمله للأمتعة الكثيرة وأصناف من الحيوان وجريه في الماء بسياق الرياح، وعدم رسوبه فيه وتقوية القلوب على ركوبه، وجعل البحر متوسطا بين الكثيف واللطيف القابل لجريانه من لطايف الصنع وحسن التدبير في مصالح الناس ومعاشهم ما لا يخفى على ذوي البصائر الثاقبة، ومن جملتها

[ 98 ]

أنه لولا هذا المركوب لعطلت التجارات التي تجلب من البلاد البعيدة مثل ما يجلب من الصين إلى العراق ومن العراق إلى الصين، وبقيت الأمتعة في بلدانها في أيدي صاحبها لأن أجر حملها على ظهور الدواب كان يجاوز أثمانها فلا يتعرض أحد لحملها على أن بعض المسافات كالبحر مما لا يمكن قطعه بالدواب، فتفقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها فينقطع المعاش ويتضيق طرقه على الناس، فلأجل هذه الحكمة جعل الفلك بحيث يحمل ما لا يحصى من الحمولة والأفراس والأفيال وهي تجري بعنايته في موج كالجبال وجعل الريح سايقها ومحركها ولولا الريح لركدت كما قال سبحانه * (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) * ومن جملتها أنه لو جعل البحر لطيفا محضا مثل الهواء لما استقر الفلك على ظهره بل غاص فيه، ولوجعله كثيفا محضا مثل الأرض لما أمكن من قطعه وشقه فجعل متوسطا بينهما لتكميل مصالحهم، قال القاضي: القصد من هذه الآية إلى الاستدلال بالبحر وأحواله وتخصيص الفلك لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ولذلك قدمه على ذكر المطر والسحاب لأن منشأهما البحر في غالب الأمر، وقيل: الحكمة في عدم رسوب السفينة إلى الماء وإن كان بعض أجزائه أو كلها أثقل منه كالحديد هي أن الأجسام المتداخلة بعضها في بعض بمنزلة جسم واحد والمعتبر في الرسوب في الماء وعدمه ثقل المجموع بالقياس إليه وعدمه، ولذلك لو كثرت الحمولة وقل الهواء الداخل بحيث يكون المجموع أثقل من الماء لرسب فيه وغرق أهلها، والضابطة فيه أنه إذا فرض مع الماء جسم آخر فإن كان نسبة حجمه إلى حجم الماء كنسبة ثقله إلى ثقل الماء فلا يرسب فيه أصلا بل يكون سطحه العالي مساويا لسطح الماء في العلو والسفل وإن كانت نسبة حجمه إلى حجم الماء أقل منها فيرسب فيه البتة وبقدر تفاوت ثقله يكون سرعة حركته وبطؤها في النزول إلى القعر، وإن كانت أكثر فلا يرسب على الطريق الأولى لكن يخرج منه شئ من الماء ثم بقدر أكثرية هذه النسبة يكون خروج أبعاضه حتى يستوفي جميع النسبة التي يتصور بينهما وإن لم يبق بينهما نسبة أصلا وذلك بأن لا يكون لذلك الشئ ثقل وميل إلى المركز أصلا وعند ذلك يكون مماسا له بنقطة إن كان كرة أو بخط أو سطح إن كان غيرها من الاشكال كل ذلك إذا كان غير طالب للعلو وإلا فيرفع منفصلا على الماء ذلك تقدير العزيز العليم. (وما أنزل الله من السماء من ماء) " من " الأولى للابتداء والثانية للبيان والسماء يحتمل الفلك والسحاب المعلق وهذه من آيات وجوده سبحانه وقدرته وحكمته وحسن تدبيره من جهة كيفية نزو المطر ومبدء نزوله وفوائده. أما الأول فانه ينزل متقاطرا متعاقبا ولو نزل متصلا دفعة واحدة مثل البحر لأضر كل ما تصيبه وينزل في وقت دون وقت آخر على تعاقب بينه وبن الصحو لما في

[ 99 ]

دوام أحدهما من فساد العالم وبطلان نظامه، إذ لو دام المطر عفنت البقول والنباتات واسترخت أبدان الإنسان وساير الحيوانات وحسر الهواء فأحدث ضروبا من الأمراض والوباء وأفسد الطرق والمسالك والبلاد وأخرب البناء إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يحيط بها العد والإحصاء، ولو دام الصحو جفت الأرض واحترق النبات وغيض ماء العيون والأودية وغلب اليبس وحدث القحط والجدب وضروب من الأمراض، وفيه هلاك الأرض ومن عليها وما فيها جميعا، ففي هذا التعاقب على النحو المشاهد الذي يوجب اعتدال الهواء ونظام الأشياء وصلاحها واستقامتها ودفع كل منهما عادية الآخر دلالة على اللطيف الخبير، وأما الثاني فقال بعض الطبيعيين أن الشمس وغيرهما إذا أثرت في الأرض يخرج منها أبخرة متصاعدة إلى الطبقة الزمهريرية التي لا يصل إليها أثر شعاع الشمس المنعكس من وجه الأرض وهي منشأ السحب والصواعق والرعد والبرق، فإذا وصلت تلك الأبخرة إلى هذه الطبقة تتكاثف بالبرد وتصير سحابا، فإما أن لا يكون البرد قويا فيتقاطر وهو المطر أو يكون قويا بأن أثر في الأجزاء المائية قبل اجتماعها يحصل الثلج وإن أثر بعده يحصل البرد، وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " أن تحت العرش بحرا فإذا أراد الله أن ينبت به ما يشاء أوحى إليه فمطر ما شاء من سماء إلى سماء حتى يصير إلى السماء الدنيا فيلقيه إلى السحاب والسحاب بمنزلة الغربال فيمطر على النحو الذي أمر به، وليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك حتى يضعها موضعها " (1) والحديث طويل نقلنا بعض مضمونه. شرح أصول الكافي: 1 ويؤيده ما روي عنه (عليه السلام) قال: قال " رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عز وجل جعل السحاب غرابيل للمطر حتى يذيب البرد حتى يصير ماء كيلا يضر شيئا يصيبه " (2) وهذا وإن كان مما يستبعده الغافلون لكن وجب قبوله وإذعانه إذا أخبر به المخبر الصادق كما في سائر الأسرار الالهية (3) وروي عنه (عليه السلام) أيضا أنه سئل عن السحاب أين يكون قال: " يكون على شجر على كثيب (4) على شاطئ البحر يأوي إليه فإذا أراد الله عز وجل أن يرسله أرسل ريحا وأتارته ووكل به ملائكة يضربونه بالمخاريق وهو البرق ويرتفع ثم قرأ هذه الآية * (هو الذي يرسل الرياح فتثير سحابا


(1 و 2) كلاهما في حديث واحد رواه الكليني في كتاب الروضة تحت رقم 326. 3 - يعني يجب التصديق بظاهره وتفويض معناه إلى الله تعالى، لأن ظاهر الآية الكريمة ان المطر يخرج من خلال السحاب كما نقله الشارح عن بعض الطبيعيين ففي سورة النور " ألم تر ان الله يزجي سحابا - إلى ان قال - فترى الودق يخرج من خلاله " فالمراد بالسماء في الاي الاخر أيضا السحاب، نعم ورد في القرآن ان كل شئ نزل من السماء اي العالم الروحاني إلى هذا العالم كما قال " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد " وقال: " انزلنا لكم من الانعام ثمانية أزواج " (ش). 4 - الكثيب الرمل المستطيل، التل. (*)

[ 100 ]

فسقناه إلى بلد ميت) * واللمك اسمه رعد (1) " وفيه دلالة على أن السحاب تحمل الماء من بحار الارض ويتصاعد بأمر الله تعالى ويمطر في كل مكان تعلق به إرادته ومشيئته ويدل عليه أيضا ظاهر ما نقله العامة والخاصة كما صرح به الشيخ في مفتاح الفلاح من أن المأمون خرج يوما من بغداد فأرسل صقره فارتفع في الهواء ولم يسقط على الأرض حتى رجع في منقاره سمكة فتعجب المأمون من ذلك فلما رجع بغداد رأى في بعض طريقه محمد بن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وله في ذلك الوقت إحدى عشرة سنة وقيل عشرة فتقدم إليه المأمون وهو ضام كفه على السمكة وقال له قل أي شئ في يدي فقال (عليه السلام): إن الغيم حين يأخذ من ماء البحر يداخله سمك صغار فتسقط منه فيصيدها صقور الملك فيمتحنون بها سلالة النبوة، فأدهش ذلك المأمون فنزل عن فرسه وقبل رأسه وتذلل له ثم زوجه ابنته (2). والظاهر أن جميع ذلك حق لأن الشئ الواحد قد يكون له أسباب متعددة وفي جميع ذلك دلالة على الحكيم القدير المدبر للأشياء على أحسن ما ينبغي. فان قال قائل: إنما ينزل المطر من السحاب بطبعه لأنه ثقيل فأي دلالة فيه على ما ذكرتم ؟ قلنا: أولا: هذا الطبع له ليس من قبل نفسه بالضرورة فمن أعطاه إياه دون غيره من الأجسام الخفيفة مع اشتراكهما في الجمسية ؟ ومن أسكنه في جو السماء وكبد السحاب بحيث ينزل تارة دون اخرى مع اقتضاء طبعه نزوله وعدم استقراره ؟ ومن ساقه من جو إلى جو مع اقتضاء طبعه الحركة إلى المركز ؟ وثانيا: أنه إذا نزل بطبعه لثقله فلم يتصاعد إلى أعالي الشجر والأوراق والنباتات من المسامات الضيقة والعروق الدقيقة ليصل منافعه إلى كل جزء من أجزائها ؟ ولو قال: صعود لجذب قواها الجاذبة إياه، قلنا له: من أعطاها تلك القوى التي تفسره إلى الصعود المخالف لمقتضى طبعه فيرجع الكلام بالآخرة إلى وجود واجب الوجود الذي بأمره وتدبيره يتحرك الماء فيما بين الأرض والسماء، من شرق إلى غرب ومن غرب إلى شرق، ومن شمال إلى جنوب ومن جنوب إلى شمال، ومن علو إلى سفل، ومن سفل إلى علو، ذلك تقدير العزيز العليم، وأما الثالث: فهو أشار إليه سبحانه بقوله * (فأحيا به الأرض بعد موتها) * أي بسبب ما يتبعه من النباتات والحيوانات والكلام هنا في ثلاثة امور، الأول: في كون النبات والحيوان حياة الأرض، ومجمل القول فيه أن نسبة النبات والحيوان الأرض كنسبة النفس إلى الحيوان فكما أن الحيوان بلا نفس ميت عديم المنفعة، كذلك


1 - رواه الكليني في كتاب الروضة تحت رقم 268 - والمخاريق كما في النهاية الاثيرية جمع مخراق وهو في الاصل ثوب يلف به الصبيان بعضهم بعضا وفي حديث على (عليه السلام) البرق مخاريق الملائكة أراد أنها آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه. 2 - مطالب السئول ص 87، كشف الغمة ص 282. (*)

[ 101 ]

الأرض بلا نبات ولا حيوان، ومن ثم قيل: الأرض بما فيه من النبات والحيوان بمنزلة حيوان واحد تموت عند الجدب والشتاء ويحيى عند الخصب والربيع. والثاني: في أن الماء سبب لحياة النبات والحيوان وهما يحتاجان إليه احتياجا شديدا، ووجهه ظاهر لأن القوى النباتية والحيوانية في جذب الغذاء والإلصاق والتنمية تحتاج إلى ماء يرطب ذلك الغذاء ويعده للنفوذ في المنافذ الضيقة ويعين تلك القوى في أعمالها، وإذا فقد الماء بطلت أعمالها وإذا بطلت أعمالها عدم الحيوان والنبات وبالجملة الإنسان وسائر الحيوانات والزروع وساير النبات يحتاجون إليه في الوجود والنمو والبقاء احتياجا شديدا. وقال صاحب العدة روي أن بعض الوعاظ دخل على هارون الرشيد فقال له هارون عظني، فقال: أراك لو منعت شربة ماء عند عطشك بم كنت تشتريها ؟ قال: بنصف ملكي، قال: أتراها لو حبست عنك عند خروجها بم كنت تشتريها ؟ قال: بالنصف الباقي، قال: لا يغرنك ملك قيمته شربة ماء. الثالث: في دلالة إحياء الأرض بالمطر على وجود الصانع المدبر للعالم وذلك أن البرد في الشتاء يوجب كثافة الهواء والأرض والشجر ويبس ظاهرها فتعود القوى النباتية والحرارة الغريزية في الشجر والنبات، وتستقر في بطونها وأصولها وتهئ فيهما مواد الثمار وتولد الأمثال فإذا نزل الماء وقت الربيع الذي هو وقت بروز ما في البطون وظهور ما في الكمون انتفخت الأرض واهتزت وتحركت القوى والحرارة وتتولد المواد الكامنة في الشتاء فيطلع النبات ويتنور الأشجار والأزهار ويخرج أصناف مختلفة مونقة رايقة من الثمار التي يتمتع بها الإنسان وغيره من أنواع الحيوان، كما قال سبحانه: * (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) * وقال: * (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا) * فالعاقل اللبيب إذا نظر هذه الحركات والانقلابات وفي صنوف مختلفة من النباتات والأشجار والأزهار والأثمار من حب وعنب وقضب وزيتون ونخل ورمان وفواكه كثيرة على اختلاف أنواعها وأصنافها مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروايح يفضل بعضها على بعض في الاكل والمنافع مع أن جميعها يخرج من أرض واحدة ويسقى من ماء واحد، وتفكر ما في النباتات من ضروب المنافع وصنوف المآرب فالثمار للغذاء والنبات للعلف والحطب للوقود والخشب لكل شئ من أنواع التجارة وغيرها واللحاء والورق والاصول والعروق والصموغ وغيرها لضروب المنافع فبعضها يقوي وبعضها يغذي، وبعضها يقتل وبعضها يحيى، وبعضها يسخن وبعضها يبرد، وبعضها يدفع السوداء وبعضها يسهل للصفراء، وبعضها يقمع البلغم إلى غير ذلك من الفوائد الغير المحصورة، ورأى ما في الأوراق من شبه العروق مبثوثة في جرمها أجمع فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها

[ 102 ]

لامساكها وحفظها عن التمزق والاضطرب ولإيصال الماء إلى أطرافها بمنزلة الجداول ومنها دقاق تتخلل تلك الغلاظ لإيصال الماء والغذاء إلى كل جزء من أجزائها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن. علم أن جميع ذلك من فاعل قادر مختار عليم حكيم يوجد الأشياء بمجرد إرادته لمصالح أو منافع غير محصورة (وبث) عطف على أنزل فهو صلة على حدة لموصول مقدرة بحكم العطف ويجوز عطفه على " أحياء " لأن الحيوان أيضا ينمو بالماء ويعيش بالخصب والحب (فيها من كل دابة) مختلفة في الطبايع والأخلاق والأشكال والادراك والحواس والحركات والمنافع والاهتداء إلى طرق المعاش. فمنها ما يمشي على بطنه كالحيات، ومنها ما يمشي على رجلين كالإنسان، ومنها ما يمشي على أربع كالفرس، ومنها ما يمشي على أكثر كبعض الحشرات، ومنها ما يمشي تارة ويطير اخرى كالطيور، ومنها ما يدخر قوته بحيلة وتدبير كالذرة والعنكبوت، ومنها ما يطلب قوته عند الحاجة كالطير فإنه يروح جايعا ويرجع شبعانا، ومنها ما في خلقه صنعة عجيبة كالبعوضة فإنها مع صغرها على هيئة الفيل مع زيادة الجناحين تطير بهما. ومنها ما لا يحتاج إلى بيت بل يبيت حيث كان من الأرض، ومنها ما يحتاج إليه ويبنيه على شكل عجيب غريب لا يهتدى إليه المهرة من المهندسين كالنحل، وكل ذلك وغيره مما يتعذر عده وإحصاؤه دل على أن في الوجود موجودا عالما حكيما يفعل ما يشاء كيف يشاء، وإليه ينتهي الموجودات على تفاوت طبايعهم ومراتبهم التي أرفعها وأعلاها وأشرفها وأسناها المرتبة الانسانية، لأن الأنسان على تفاوت الطبقات في العقل والأدراك خلق له أكثر هذه الموجودات فبعضها لمأكله ومشربه وسائر منافعه وبعضها يستدل به على وجود صانعه وقدرته وعلمه وحكمته بل لو لم يكن في هذا العالم موجود سواه وتأمل في مبدء نشؤه وصورته وأعضائه ومنافع قواه الظاهرة والباطنة وفي أحوال نفسه وعقله وعلمه بالمعلومات الكلية والجزئية وإحاطته بالمدركات العقلية والحسية علم أنه مخلوق مغلوب مقهور له خالق غالب قاهر مصور عليم حكيم، فإنه إذا اعتبر مثلا حاله حين كونه نطفة في الرحم وصيرورته جنينا حيث لا تراه عين ولا تناوله يد مع اشتماله على جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الاحشاء والجوارح وسائر الاعضاء من العظام واللحم والشحم والمخ والعصب والعروق والغضروف وهو محجوب في ظلمات ثلاث ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ولا حيلة له في طلب غذائه، ولا دفع أذاه، ولا استجلاب منفعته، ولا دفع مضرته، وقد جرى إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات فلا يزال ذلك غذاه حتى إذا كمل خلقته واستحكم بدنه وقوي أديمه على مباشرة الهواء وبصره على ملاقات الضياء هاج

[ 103 ]

الطلق (1) بامه فأزعجه أشد إزعاج واعنفه حتى يولد وإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه في الرحم إلى ثديي امه وانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء وهو أشد موافقة له من الدم فيوافيه في وقت حاجة إليه وحين تولد قد تلمظ وحرك شفتيه طلبا للغذاء فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن دقيق ا لامعاء لين الأعضاء حتى إذا تحرك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتد ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس ليمضغ بها الطعام فيلين عليه ويسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتى يدرك فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكل ذلك علامة الذكر وعزه الذي يخرج به من حد الصبى وشبه النساء، وإن كانت انثى يبقى وجهها نقيا من الشعر ليبقى لها البهجة والنضارة التي تحرك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه، واعتبر أنه لو لم يجر إليه ذلك الدم وهوالرحم لزوى وجف كما يجف النبات إذا فقد الماء ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه لبقي في الرحم كالموؤد في الأرض، وفي ذلك هلاكه وهلاك امه، ولو لم يوافقه اللبن بعد الولادة لمات جوعا، ولو لم يطلع عليه الأسنان في وقتها لامتنع عليه مضغ الطعام وإساغته أو يقيم على الرضاع فلا يشتد بدنه ولا يصلح للعمل مع أن ذلك يمنع امه عن تربية غيره من الأولاد بل عن امورها مطلقا، ولو لم يخرج الشعر من وجهه في وقته لبقي شبيها بالصبيان والنساء فلم يكن له جلالة ولا وقار، وكذا إذا اعتبر في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير، وفكر في أن الطعام يصير إلى المعدة فتطحنه وتبعث بصفوه إلى الكبد منه في عروق دقاق قد جعلت كالمصفاة للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ فينكأها (2) وذلك أن الكبد رقيقه لا يحتمل العنف ثم إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما وينفذ إلى البدن كله في مجاري مهياة لذلك بمنزلة المجاري التي للماء حتى يطرد في الأرض كلها، وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفايض قد اعدت لذلك، فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة، وتأمل في حكمة التدبير في تركيب البدن، ووضع هذه الأعضاء منه في مواضعها، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل الفضول لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، وفكر في أعضاء البدن أجمع وتدبير كل منها للإرب والحاجة، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعى، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، واللسان للتكلم. والحنجرة لتقطيع الصوت وتحصيل الحروف، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص والمنافذ لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، والفرج لإقامة النسل، وفكر في سائر الأعضاء والقوى ومنافعها وأعمل فكره فيها ووجد كل شئ قد قدر لشئ على صواب وحكمة وتقدير وتدبير يعجز العقل عن معرفة تفاصيلها، علم أن له خالقا عالما قديرا عليما


1 - الطلق وجع الولادة والمخاض. 2 - أي يقرحها ويثخنها. (*)

[ 104 ]

حكيما يوجد الأشياء بمجرد إرادته بلا كلام ولا حركة ولا آلة لأغراض ومصالح لا يعرف تفاصيلها إلا هو وهو اللطيف الخبير. (وتصريف الرياح) الرياح جمع كثرة للريح وهي الهواء المتموج المتحرك بسبب مقدر من الله العزيز العليم، والعين فيهما واو قلبت ياء لكسرة ما قبلها وجمع القلة أرواح بالواو إذ لم يوجد فيه ما يوجب الإعلال، والمراد بتصريفها في مهابها صباء ودبورا وشمالا وجنوبا، أو في أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقما ولواقح، أو جعلها تارة للرحمة يرحم بها من أطاعه وتارة للعذاب يعذب بها من عصاه ولكل واحدة من الرياح الأربع المذكورة ملك يهيجها ويحركها بأمر الله سبحانه كما ورد في الرواية الصحيحة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) " إن الرياح الأربع الشمال والجنوب والصبا والدبور إنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها فإذا أراد الله أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر، وإذا أراد الله أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الجنوب في البر والبحر حيث يريد الله، فإذا أراد الله أن يبعث ريح الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله في البر والبحر، وإذا أراد الله أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه دبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر والبحر، ثم قال (عليه السلام) أما تسمع لقوله (2) ريح الشمال. وريح الجنوب، وريح الدبور، وريح الصبا. إنما تضاف إلى الملائكة: الموكلين بها ". إذا عرفت هذا فنقول: في تصريف الرياح ومنافعها دلالة واضحة على أن مبدعا حكيم قادر عليم بمصالح العباد أما الأول فلأن حركة الهواء إلى الجوانب المختلفة إرادية بالضرورة ولا طبيعية لأن الحركة الطبيعية إلى جهة واحدة هي العلو والسفل. وحركة الهواء إلى جهات متعددة فينبغي أن يكون لأمر خارج فإن كان ذلك الخارج إرادة الواجب بالذات ثبت المطلوب، وإن كان غيرها ننقل الكلام إلى ذلك الغير فيرجع بالآخرة إلى المطلوب، وأما الثاني فلان الريح تحيي الأبدان وتمسكها من داخل بما تستنشق منها ومن خارج بما تباشر بها من روحها وتبلغ الأصوات وتؤديها إلى المسامع


1 - رواه الكليني في الكافي ج 8 (كتاب الروضة) رقم 63 في حديث بهذا الاسناد محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي ابن رئاب، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام). 2 - أي لقول القائل. (*)

[ 105 ]

من البعد والبعيد ولولا ذلك لبطل نظام العالم، وتحمل الأراييح التي تقوي القلب والدماغ من موضع إلى موضع، ألا ترى كيف تأتيك الرائحة من حيث تهب الريح وتروح عن الأجسام وتدخل في فرجها وتصير مادة لنشوء النباتات التي يحتاج إليها جميع الحيوانات في الاغتذاء والدواء وغيرهما فلولا الريح لتعفنت وفسدت، وتعفنها وفسادها يؤدي إلى فساد الحيوان والإنسان جميعا، وتزجي السحاب من موضع إلى من موضع ليعم نفعه ثم تعصره حتى يستكثف فيمطر ثم تنفضه حتى يتخلخل ويستخف فيتفشى وينتشر، وتلقح الشجر، وتسير السفن، وترخى الأطعمة، وتبرد الماء وتشب النار، وتجفف الأشياء الندية، وتعين في تصفية الغلات ولو ركدت دائما لفاتت هذه المصالح الجليلة والمنافع العظيمة، وحدث الكرب في النفوس، ومرض الأصحاء ونهك المرضى (1) وفسد الثمار، وعفنت البقول، وحدث الوباء في الأبدان، والآفة في الغلات، وركدت السفن، وتحير التجار، وبالجملة بطل نظام العالم بالكلية، ففيها من تدبير الحكيم ومصالح الخلق ما لا يحصيه اللسان ولا يحيط به العبارة والبيان، وكل هذا شواهد صادقة وآيات ناطقة بلسان حالها، مفصحة عن جلالة باريها وقدرته، ومعربة عن كمال صانعها وحكمته. (والسحاب المسخر بين السماء والأرض) وهو يحمل مع ما فيه من الصواعق الصادعة والبروق اللامعة والرعود القارعة ثقل الماء وكثره مستقلا في الهواء ويجمع بعد تفرقه وينفجر بعد تمسكه ويرفع مرة ويدنو اخرى فتصفقه الرياح وتسوقه وتفرقه بأمر مدبره وخالقه فيما بين الأرض والسماء إلى البلدان النائية فيخرج الوقد من خلاله بقدر معلوم لمعاش ورزق مقسوم، ويرسل قطرة بعد قطرة وشيئا بعد شئ على رسله حتى يغمر البرك ويملأ الفجاج، ويعتلي الأودية وتحيى به الأرض الميتة فتصبح مخضرة بعد أن كانت مقبرة وتعود معشبة بعد أن كانت مجدبة وتكسو ألوانا من نبات ناضرة زاهرة مزينة معاشا للناس والأنعام ولو احتبس عن أزمنته وتخلف عن وقته هلكت الخليقة ويبست الحديقة، ثم إذا صب ما فيه أقلع وتفرق وذهب حتى لا يعاين ولا يدري أين يتوارى، فعرف العاقل حيت تفكر في ذلك أن له مدبرا حكيما عالما حيا قيوما وأن السحاب لو تحرك بنفسه وصب ما فيه بمقتضى طبعه لما مضى به ألف فرسخ وأكثر وأقرب من ذلك وأبعد ليرسل قطرة بعد قطرة بلا هدم ولا فساد ولا سارية إلى بلدة متجاوزا عن الاخرى. (لآيات لقوم يعقلون) أي في كل واحد من الامور الثمانية آية ظاهرة ودلالة واضحة على وجود الصانع وقدرته وحكمته ووحدته واستحقاقه للعباد لقوم ينظرون إليه بعيون عقولهم الصحيحة ويعتبرونه ببصاير أذهانهم السليمة، أو في كل واحد منها آيات كثيرة كما يظهر لمن تأمل فيها تأملا عاريا عن الأوهام الفاسدة


1 - نهك الحصى فلانا: أضنته وهزلته وجهدته. (*)

[ 106 ]

وقد يوجه بأن كل واحد منها يدل من حيث وجوده على وجود الصانع، ومن حيث حدوثه في وقت معين على إرادته وعلمه بالجزئيات، ومن حيث منافعه على حكمته واتقان صنعه وحسن تدبيره، ومن حيث ارتباط بعضه ببعض على وجه الانتظام والتعاون على وحدانيته. وقال القاضي دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصلا، والكلام المجمل أنها امور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة مثلا إذا كان من الجائز أن لا تتحرك السموات أو بعضها كالأرض وأن تتحرك بعكس حركاتها وبحيث تصبر المنطقة دائرة مارة بالقطبين، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلا وعلى هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها فلا بد لها من موجد قادر حكيم يوجدها على ما يستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته متعاليا عن معارضة غيره، إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه فإن توافقت إرادتهما فالفعل إن كان لهما لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد وإن كان لأحدهما لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وعجز الآخر المنافي لالهيته وإن اختلفت لزم التمانع والتطارد كما أشار إليه بقوله تعالى * (قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله وحث على البحث والنظر فيه. اه‍. وقيل: الأحق بذلك هو العلم الذي فوق الطبيعة وهو الحكمة الالهية الحقة. (يا هشام قد جعل الله ذلك) أي المذكور من الآيات ومثلها أو مضمونها فان مضمونها مذكور تفصيلا في الآيات الآتية (دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا) لأنهم إذا تأملوا فيها ونظروا إليها بعين البصاير واعتبار الضمائر علموا أن لهم خالقا خبيرا وصانعا بصيرا خلقهم بعمد وتقدير، وصنعهم بقصد وتدبير، وخلق لهم جميع ما يصلح لانتفاعهم وينفعهم في وجودهم وبقائهم كما يظهر بعض ذلك مما ذكرناه آنفا. (فقال: وسخر لكم الليل والنهار) بأن قدرهما لمنافعكم وهيأهما مخصوصا لمصالحكم، وجزء الزمان بهما لصلاح بالكم ونظام حالكم فصارا يتعاقبان تعاقبا مخصوصا ويتبادلان تبادلا معلوما، لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله، ومتى نظر فيه اللبيب البصير دله إلى وجود الصانع العليم الخبير، وقيل: وجه دلالتهما عليه أنهما أجزاء الزمان الواحد المتصل، والزمان مقدار حركة دورية غير مستقيمة، فالحافظ لها لا بد أن يكون جسما كرويا إبداعيا وهو السماء فدل وجودهما على وجود السماء، والسماء دل على وجود خالق الأشياء لأن السماء ممكنة مفتقرة العلة وعلتها ليست مادتها ولا صورتها ولا نفسها ولا جسم آخر حاويا أو محويا فتتعين أن يكون خارجا عن الكون والمكان وهو المطلوب. وفيه: أن هذا على تقدير تمامه مبني على مقدمات كثيرة كلامية وليس هذا المقام موضع ذكر أمثال هذا الكلام * (والشمس والقمر) * سخر الشمس بأن جعلها ضياء وأمرها بالارتفاع والانحطاط والسير في البروج لإقامة الفصول وتربية البقول

[ 107 ]

وتنمية الحيوان والأشجار وتقوية الفواكه والأثمار إلى غير ذلك من المنافع التي يعجز عن ذكرها القلم واللسان ولا يحيط بها الوصف والبيان ولو سارت دائما على مدار واحد لأحرقت ما تحته وما يليه وفات أثرها فيما لا يدانيه، ولم يتحقق الفصول الأربعة، ومنافعها المذكورة في الكتب مع أن المذكور منها ليس إلا قليل من كثير. وسخر القمر بأن جعله نورا يستضئ به المسافرون في قطع المفاوز، ويستعين به العاملون في حرث الزرع وضرب اللبن وقطع الخشب ونحو ذلك. وسائرا في منازله المعروفة ليكون أثره في أقطار الأرض وفيضه على أهاليها على السواء ولغير ذلك من المنافع الغير المحصورة ومختلفا في أحواله من الزيادة والنقصان والمحق والخسوف والوجود غالبا في بعض الليل دون بعض ليعلموا به عدد الشهور والسنين والحساب ولئلا ينبسطوا في العمل والسير لشدة الشره والحرص مثل انبساطهم بالنهار ويمتنعوا من الهدء والقرار فيهلكهم ذلك، ولغير ذلك من المنافع التي يعلمها أرباب البصائر الثاقبة وأصحاب الضمائر النافذة، ويحكمون بأنها من لدن حكيم خبير فسبحان من نور بهما الظلم، وأوضح بهما البهم، وجعلهما آيتين من آيات ملكه، وعلامتين من علامات سلطانه * (والنجوم مسخرات بأمره) * قرأهما حفص بالرفع على الابتداء والخبر فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه، ونصب ما قبلهما على المفعولية. وقرئ " الشمس والقمر " بالرفع أيضا ونصب الليل والنهار وحدهما. والقراءة المشهورة عند الأكثر: نصب جميع الأسماء الستة، وأورد على هذه القراءة بأنه ما الحاجة إلى مسخرات بعد قوله " وسخر لكم " وأجيب عنه بأن نصب الأخيرين بفعل مقدر يعني وجعل النجوم مسخرات بأمره خلقها ودبرها كيف شاء، أو نصب " مسخرات " على الحالية للمفاعيل الخمسة على أن سخر بمعنى صير يعني صير هذه الأشياء الخمسة نافعة لكم، ونفعكم بها حال كونها مسخرات بأمره لما خلقن له أو على المصدرية يعني سخرها لكم أنواعا من التسخير على أن يكون مسخر بمعنى تسخير، كما في قولك سخره مسخرا مثل سرحه مسرحا فجمع لاختلاف الأنواع. وتلك التسخيرات في النجوم اختلاف أشكالها وصورها ونورها ومقاديرها ومواقعها وحركتها كما وكيفا وجهة وتقارنها وتفارقها وتثليثها وتربيعها وتسديسها واستقامتها ورجعتها ووقوفها وظهور بعضها دائما وخفاء بعضها كذلك وظهور بعضها في بعض السنة واحتجابها في بعضها (1) كل ذلك لمصالح كثيرة بعضها معلوم بالضرورة وبعضها بالنظر الصادق،


1 - التسديس هو أن يكون بين الكوكبين سدس الدور برجان، والتربيع ان يكون بينهما ربع الدور ثلاثة بروج، والتثليث ثلث الدور أربعة بروج، والاستقامة أن يسير الكوكب من المغرب إلى المشرق أي على التوالي، والرجعة ان يسير من المشرق إلى المغرب على خلاف التوالي وهي خاصة للخمسة المتحيرة، = (*)

[ 108 ]

وبعضها لا يعلمه إلا هو. أما ترى أن الثريا والجوزاء والشعريين والسهيل كل ذلك يطلع حينا ويغيب حينا لمصالح معروفة ومنافع مشهورة وفوائد مذكورة ولو كانت بأسرها تظهر في وقت لم يكن لواحد منها على حياله دلالات يعرفها الناس ويهتدون بها لبعض امورهم كمعرفتهم بما يكون من طلوع الثريا والجوزاء إذا طلعتا ومن احتجابها إذا اجتجبتا فصار ظهور كل واحد منهما في وقت واجتجابه في وقت آخر لينتفع الناس بما يدل كل واحد منهما على حدته وكما جعلت الثريا وأشباهها تظهر حينا وتحجب حينا لضرب من المصلحة، كذلك جعلت بنات النعش ظاهرة لا يغيب لضرب آخر من المصلحة، فإنها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في البر والبحر للطرق المجهولة وذلك أنها لا تغيب أبدا فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث توجهوا وصار الأمران جميعا على اختلافهما موجهين نحو الإرب والمصلحة وفيهما مآرب اخرى مع ما في ترددها في كبد السماء مقبلة ومدبرة ومشرقة ومغربة من العبرة لاولي الألباب، وبالجملة خلق الله جل شأنه الإنسان لمعرفته وعبادته وخلق لهم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم كلها بل هذا العالم كله، وقد قال إمامنا ومولانا الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) في كتاب التوحيد للمفضل: أول العبر والأدلة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائها ونظمها على ما هي عليه، فانك إذا تأملته بفكرك وميزته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم منضودة كالمصابيح والجواهر مخزونة كالذخائر وكل شئ فيها لشأنه معد والإنسان كالمملك ذلك البيت، والمحول فيه وضروب النبات مهيأة لمأربه وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه ففي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة، وأن الخالق له واحد وهو الذي ألفه ونظمه بعضا إلى بعض جل قدسه وتعالى جده وكرم وجهه ولا إله غيره تعالى عما يقول الجاحدون وجل وعظم عما ينتحله الملحدون لقصور أفهامهم عن تأمل الصواب والحكمة فيما ذرأه الباري فخرجوا بقصر علومهم الجحود وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود حتى أنكروا خلق الأشياء وادعوا أن كونها بالاهمال لا صنعة فيها ولا تقدير ولا حكمة من مدبر ولا صانع تعالى الله عما يصفون وقاتلهم الله أنى يؤفكون. * (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) *. تأمل أيها اللبيب كيف جعل الله سبحانه هذه الامور أدلة على معرفته ودل العقلاء الراسخين في علم على ربوبيته ومدحهم بذلك الفضل والروية، ومنحهم بتلك النعمة والعطية فأولئك هم المقربون


= والوقوف أن يتوقف في موضع لا يتحرك منه أياما، وخفاؤها لكونها قريبة من الشمس مختفية بضوئها وظهورها لبعدها عن الشمس فيظهر ليلا. (ش) (*)

[ 109 ]

يوم التناد، وأولئك هم المقصودون من الغرض في الإيجاد (وقال: هو الذي خلقكم من تراب) نسب خلق هذا النوع إلى التراب لأن خلق أول أفراده منه، ويحتمل أن يراد بالتراب الغذاء الذي يتكون منه المني * (ثم من نطفة) * النطفة الماء القليل ومنه سمي نطفة لقلته وجمعها نطف * (ثم من علقة) * هي قطعة جامدة منعقدة من الدم يتغير بالتدريج إلى أن تصير مضغة هي قطعة من اللحم قدر ما يمضغ وهي تنتهي بالتدريج إلى العظام المكسوة باللحم المنتهية بالتدريج إلى خلق آخر وهو صورة البدن المشتملة على القوى والروح الإنساني، ولم يذكر بعض هذه المراتب هنا لذكره قبل ذلك في مواضع اخر، وللإنسان في انتقالاته واستحالاته إلى أوان خروجه من بطن الأم الذي هو العالم الأول والعالم الأصغر منازل غير محصورة والمعروف منها هذه الستة التي أولها التراب يعني الغذاء، وثانيها العلقة، ورابعها المضغة، وخامسها العظام الكاسية باللحم (1) وسادسها الصورة الانسانية التي فيها الروح والقوى، ثم له بعد خروجه منه ودخوله في بطن اللام الكبرى الذي هو العالم الأوسط إلى دخوله في العالم الأكبر وهو عالم الآخرة وعالم لقاء الله تعالى أيضا مراحل غير معدودة إلا أن المعروف منها أولها منزل الصبا والطفولية، وثانيها منزل تمام النمو وكمال القوة وهو منزل الشباب، وثالثها منزل الشيخوخة، فأشار جل شأنه إلى الأول من هذه الثلاثة بقوله * (ثم يخرجكم طفلا) * أي أطفالا وإنما أفرد لإرادة الجنس والجنس يصدق على الكثير، أو على تأويل ويخرج كل واحد منكم، أو لأنه في الأصل مصدر وهو في هذا المنزل في التزايد والنمو وكما، فيكمل قواه ويزيد مقداره شيئا فشيئا بحسبما يقتضيه الطبيعة فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شئ حتى يألف الأشياء ويتمرن عليها ويصل إلى غايته ويخرج من حد الحيرة فيها إلى التصرف في المعاش بعقله والى الاعتبار والطاعة والسهو والمعصية وذلك من تدبير الحكيم العليم، إذ لو كان النمو دائما لعظمت الأبدان واشتبهت المقادير حتى لا يكون لشئ منها حد يعرف، ولو ولد فهما عاقلا كاملا لأنكر العالم عند ولادته ولبقي حيران تائه العقل إذ رأى ما لم يعرف وورد عليه ما لم ير مثله ولم يأنس به من اختلاف صور العالم والطيور والبهائم غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم، ولوجد في نفسه غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصبا بالخرق


1 - جعل العظم واللحم في منزل واحد إذ لا يتقدم العظم على اللحم زمانا بان يكون الجنين في وقت عظاما غير مكسوة باللحم ثم تكسى به كما يتوهم من ظاهر قوله تعالى: " ثم كسونا العظام لحما " بل تقدم العظام تقدم طبعي إذ يحتاج اللحم في قوامه إلى العظم واللحم موخر عن العظم بهذا الاعتبار كتأخر الكل عن الجزء والمشروط عن الشرط وان اتحدا زمانا، فإن قيل ظاهر التقدم والتأخر هو الزمانيان قلنا: نعم ولكن الظاهر معتبر حيث لا يكون قرينة على خلافه وهنا نعلم يقينا بالقرينة العقلية ان الجنين لا يكون في زمان عظما مجردا ثم يكسى لحما في زمان آخر بعده ومثاله العرف تحرك المفتاح بعد تحرك اليد. (ش) (*)

[ 110 ]

مسجى في المهد، لأنه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ولذهبت حلاوة تربية الأولاد للأب والام وما يوجبه التربية من البر والعطف ولفاتت الالفة بين الأبوين والأولاد لأنهم يستغنون عن تربيتهما فيتفرقون عنهما قريبا من الولادة، فلا يعرف الرجل أباه وامه، ولا يمتنع من نكاح امه وأخته وذوات المحارم إذ كان لا يعرفهن ولأنه يرى ويعقل حين الولادة من امه ما لا يحل له أن يراه، فمن تفكر في هذه الامور وغيرها علم أن ذلك من تدبير اللطيف الخير الذي أقام كل شئ من الخلقة على غاية الصواب وأشار إلى الثاني بقوله * (ثم لتبلغوا) * قيل: متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا * (أشدكم) * أي كمالكم في القوة والعقل، جمع الشدة كالأنعم جمع النعمة وهو حد التكليف ووقت الشباب وكمال النشوء الذي يكون القوي فيه أقوى من ساير أوقات العمر ويستمر إلى أوان شروع تلك القوى في الانحطاط. وأشار إلى الثالث بقوله ثم (لتكونوا شيوخا) وهو حد ينتهي إليه الشباب ويتوجه الباطن بسبب حدوث قوة اخرى من نوع آخر فيه إلى عالم الآخرة فيظهر أثر من آثار الضعف فيه ويتزايد على التدريج إلى أوان الفراغ من هذه الدار الفانية * (ومنكم من يتوفى من قبل) * أي من قبل الشيخوخة أو الأشد، ومنشأ الموت عند الأطباء والطبيعيين أن الحرارة الغريزية التي هي آلة للطبيعة في أفعالها كالجذب والدفع والهضم وغير ذلك، ولذلك قيل: إنها كدخداء البدن تفنى الرطوبة الغريزية شيئا فشيئا ثم تفنى هي بفناء الرطوبة كما أن النار تفني الدهن، ثم تنطفي بانتفائه. وقيل: منشأه أن النطفة التي هي مادة البدن جسم مركب ذو نضج تام إذ وقع هضمه في خمس مراتب: أربعة منها لأن يصير الغذاء جزء من بدن المتغذي (1) والخامسة لأن يصير مادة لتكون المثل


1 - للهضم عند الاطباء مراتب أربع: الاول الهضم في المعدة فيصير الاغذية به كيلوسا أي مادة شبيهة بماء الكشك الثخين. والهضم الثاني في الكبد وبه ينتقل الكيلوس من طريق وريد الباب والعروق الماسار يقاوية إلى الكبد فينطبخ فيه ويصير كيموسا. والهضم الثالث في الاوردة، لأن الدم الحامل للغذاء إذا خرج من الكبد إلى الوريد المسمى بالاجوف وانشعب الى العروق الصغار والرواضع والعروق الشعرية ينطبخ فيها ويتبدل ماهيته بخروج مالا يناسب التغذية منه. والهضم الرابع في نفس الاعضاء، لأن الدم له طبيعة واحدة يجرى إلى كل عضو من لحم وعظم وشحم وعصب ويحمل إليها غذائها فيتصرف كل عضو في هذا الدم ويغيره إلى صورته وطبيعته فيصير الدم في العظم عظما وفي اللحم لحما إلى غير ذلك ولكل هضم من هذه الهضوم الاربعة فضلات يضر وجوده في بدن الإنسان فوكل الله تعالى بعظيم حكمته قوة دافعة تخرجها عنفا فنخرج فضلة الهضم الاول من طريق الامعاء وفضلة الهضم الثاني من طريق الكلى والمثانة بالبول والمرارة والطحال وفضلة الهضمين الثالث والرابع من طريق مسام البدن بالعرق والاوساخ وبالتنفس ومثل ذلك والنطفة من فضلات الهضم الرابع الا انها ليست مما يضر اجتماعه في البدن بل يمكن ان تحتبس في وعائه وتنجذب في البدن ولا يتضرر البدن = (*)

[ 111 ]

فإن المادة المنوية فضلة الهضم الرابع، وإذا وقعت في أوعية التوليد كالخصية استحالت نطفة بهضم خامس، ثم يزيد مقدارها بورود الغذاء عليها بدلا مما يتحلل منها، وليس حكم هذا الوارد في الاعتدال والنضج حكم ما ينقص منها بالتحليل فما دام شئ منها باقيا في البدن كانت الحياة باقية ونسبة القوة والضعف على نسبة ما بقي منها زيادة ونقصانا وإذا تحللت بالكلية تحقق الموت وهذا قريب مما قيل من أن الموت طبيعي ومعناه أن الإنسان عند نشأة منه تعالى يتوجه بحسب الغريزة الفطرية والأشواق الإلهية نحو النشأة الآخرة ويسلك سبيله تعالى ليرجع إليه كما نزل منه فهو متحرك دائما على منازل ومراحل من طور إلى طور في دار البلية ودار الفراق إلى أن يبلغ تلك النشأة التي هي منتهى حركته في هذه الدار، فإذا بلغها انتقل إليها وأوائلها القبر والبرزخ والحشر والنشر والعرض والحساب إلى غير ذلك، ثم بعد ذلك يرجع إما إلى نعيم مقيم أو إلى عذاب أليم يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد * (ولتبلغوا) * متعلق بمحذوف أي يفعل ذلك لتبلغوا * (أجلا مسمى) * قيل: هو وقت الموت أو يوم القيامة، وقيل: يحتمل أن يراد به وقت لقاء الله تعالى في الجنة الذي هو الغاية الأخيرة لخلق الإنسان * (ولعلكم تعقلون) * ما في هذه الأحوال العجيبة والأطوار الغريبة من العبر والحجج الدالة على أنه سبحانه هو الذي خلقكم على أطوار مختلفة وخلق مادتكم وأصولكم من الأشياء المذكورة وأودع الحياة فيها وأبدعها، ثم أبقاكم إلى أجل مقدر، وإن من كان قادرا على ذلك فهو قادر على جميع تلك المواد وإحيائها ثانيا فالآية الكريمة دليل على التوحيد والبعث جميعا. وقيل: معناه لعلكم تصيرون بعد هذه الأحوال عاقلا كاملا بالفعل فيكون إشارة إلى أن غاية الخلقة وآخر النشأة والأطوار هي صيرورة الإنسان جوهرا عقليا (1). والحاصل أنه إشارة إلى أن غاية هذه الأكوان وجود العقل وذات العاقل مع قطع النظر عن تعقله وقال: * (إن في اختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق) * أي من ماء وإطلاق الرزق على الماء من باب الحقيقة بالنظر تفسيره لغة وعرفا قال الجوهري: الرزق ما ينتفع به. وقالت الأشاعرة: هو كل ما ينتفع به حي غذاء كان أو غيره حلالا كان أو حراما ومنهم من خصه بالأغذية والأشربة فيخرج نحو اللباس والهواء الذي ينتفع به المتنفس. وقالت المعتزلة: هو كل ما صح أن ينتفع به حي بالتغذي وغيره وليس لأحد منعه منه فيخرج الحرام فالماء رزق على هذه التفاسير لأنه مما ينتفع به. ويحتمل أن يكون من باب المجاز تسمية السبب باسم المسبب، ويؤيده


= بها بخلاف البول مثلا. (ش) (*) 1 - قوله " جوهرا عقليا " هذا تصديق منه بوجود العقل الجوهرى كما سبق منه أيضا وأنه غاية الإنسان ولا ينافيه ما مر منه آنفا بأن غايته أن يرجع إلى نعيم مقيم أو عذاب اليم. (ش). (

[ 112 ]

قول الجوهري وقد يسمى المطر رزقا، وذلك قوله عز وجل: * (وما أنزل لكم من السماء من رزق فأحيا به الارض بعد موتها) * * (وفي السماء رزقكم) * وهو اتساع في اللغة كما يقال: التمر في قعر القليب يعنى به سقى النخل * (فأحيا به الارض بعد موتها) * الظاهر أن المراد بالارض والرزق معناهما الحقيقي ويحتمل أن يراد بالارض القلب لاشتراكهما في قبول الحياة وبالرزق العلم لاشتراكهما في السببية للحياة. قال ابن الاثير في النهاية: الأرزاق نوعان ظاهرة للأبدان كالأقوات وباطنة للنفوس والقلوب كالمعارف والعلوم وقد شاع في القرآن العزيز وكلام الحكماء نسبة الحياة بالعلم، والموت بالجهل القلب * (وتصريف الرياح (والسحاب المسخر بين السماء والارض) (1) لآيات لقوم يعقلون) * أي يفهمون تلك الأيات بعقولهم الصافية ويستدلون بها علي وجوده جل شأنه ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته، وقد ذكرنا سابقا ما يناسب هذا المقام. وقال (يحي الارض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون وقال * (وجنات) * جمع جنة وهي البستان سمي بها لاجتنانه وواستتاره بالأشجار والأغصان والأوراق وهذا التركيب دل على الأستتار ومنه الجن لاستتاره من الانس والجنون لأنه يستر العقل والجنين لأنه مستور في الرحم والمجنة والجنة بمعنى الترس لانه يستر صاحبه وهي بالرفع عطف على " قطع " في قوله تعالى * (وفي الأرض قطع متجاورات) * أي بعضها طيبة وبعضها سبخة وبعضها رخوة وبعضها صلبة وبعضها حجر وبعضها رمل وبعضها أبيض وبعضها أسود وبعضها أحمر وبعضها أصفر وبعضها معدن للجواهر المختلفة مثل الياقوت والعقيق والزبرجد والفيروزج والزمرد والذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد وغيرها مما يستعمله الناس في مأربهم وفي هذا أيضا دلالة على المطلوب لأن انقسام الأرض إلى هذه الأقسام واتصافها بهذه الأوصاف مع اتحاد الطبيعة الأرضية في تلك الأقسام وتساوي الأجرام العلوية وأوضاعها بالنسبة إليها دل علي وجود قادر مختار يوجد الأشياء الممكنة على وجه دون وجه (2) بلا ضد ولاند له وحده لا شريك له * (من أعناب وزرع


1 - ما بين القوسين زائدة من الناسخ. 2 - قوله " على وجه دون وجه " من تدبر في خلق العالم والحكم والمصالح فيه واتقان الصنع في كل شي يراه من هذه المواليد، علم أن الامر ليس على ما يظنه المعطلة والملاحدة وأصحاب الطبايع وليس هذا الاحكام والاتقان في الصنع حاصلا بالبخت والاتفاق كما كان عليه ذيمقراطيس من القدماء وكثير من الافرنج والمتفرنجة في عصرنا فإن هذه المواد والعناصر التي يتركب منها الإنسان والحيوان والنبات وسائر الاجسام ذوات الخواص يمكن أن ئتركب على أنحاء كثيرة يلحق بغير المتناهى لكثرتها والمفيد الموجود منها واحد من آلاف الملائين، مثلا كل واحد من اللحم والعظم في كل عضو من بدن الإنسان والحيوان مركب من عناصر خاصة على نسبة خاصة لا يحصل من أقل منها ولامن أكثر وليس اختيار واحد من انحاء التراكيب = (*)

[ 113 ]

ونخيل) * أفرد الزرع لأنه في الأصل مصدر، والنخيل اسم جمع وهما إما مرفوعان معطوفان " على " " جنات " أي في الارض قطع متجاورات وجنات من أنواع الاعناب وفيها زروع ونخيل أو مجروران معطوفان على " أعناب " أي في الارض بساتين مشتملة على أنواع الاعناب والزروع والنخيل و (صنوان) أي نخلات أصلها واحد، جمع صنو وهو أو تطلع نخلتان من عرق واحد ومنه الصنو بمعنى المثل كما في قولهم عم الرجل صنو أبيه أي مثله لأنهما خرجا من أصل واحد (وغير صنوان) أي نخلات متفرقات مختلفة أصولها وعروقها، وقرأ حفص بضم الصاد فيهما وهي لغة تميم (يسقى بماء واحد) في الطبيعة والصورة والغرض من ذلك دفع توهم إسناد هذا الأمور والاختلاف إلى الماء، ويسقى بالتذكير في قراءة عاصم ويعقوب وابن عامر على تأويل ما ذكر (ونفضل) بالنون في القراءة المشهورة وبالياء في قراءة حمزة والكسائي (بعضها على بعض في الأكل) أي في الثمر شكلا وقدرا ورايحة وطعما كما هو المشاهد (إن في ذلك) المذكور * (لايات لقوم يعقلون) * أي يستعملون عقولهم السليمة عن شوائب النقص بالتفكر فيها ويستدلون بها على وجود الصانع الحكيم القادر المختار، فان من تفكر في تلك الأشجار المختلفة في الهيئة والمقدار وخروجها من الأرض واغتذائها من أجزاء أرضية ونموها وفي أوراقها المشتملة على العروق الصغار والكبار لاستقامة الحجم ووصول الغذاء إلى جميع الأجزاء وفي أثمارها حين كونها بمنزلة الأجنة في بطونها ثم خروجها بعد استكمال المواد واستقرارها على رؤس الأغصان وانضياف ما ينميها آنا فآنا إليها من المنافذ الضيقة إلى وقت بلوغها حد الكمال لمنافع الناس وغيرهم وفي اختلاف أنواعها وأصنافها وأشكالها وأقدارها وروايحها وطعومها وفي أن الطبيعة الأرضية مع اتحادها وعدم شعورها لا يمكن اسناد هذه الأمور إليها وكذا الطبيعة المائية، وفي الأوضاع الفلكية والاتصالات الكوكبية وتأثيرات الأجرام السماوية نسبتها إليها متساوية متشابهة سيما القطعات المتجاورات علم أن ذلك من تدبير عليم بصير وقدير حكيم خبير يتعلق قدرته بجميع الممكنات ويحيط علمه بكيفية نظام جميع الكائنات فيوجب كلا منها على أحسن وجه وأكمله على حسب الارادة والاختيار وقال * (ومن آياته * (هامش) = الغير المتناهية إلا من فاعل حكيم عالم بكل شئ لو ادعى صاحب مطبعة أراد طبع كتاب من الحروف المصنوعة أنه ملاء بيتا معينا من ألف ألف حرف من الهمزة إلى الياء غير مرتبة بل ممزوجة مختلفة وأمر عاملا أعمى ودخل البيت وجمع من الحروف ورتبها كما يريد صاحب المطبعة وطبع كتابا خاصا فقبول دعواه مع كونه محالا أسهل من قبول دعوى الفيلسوف الطبيعي الذي يرى تركب أعضاء حيوان من الطبقة السفلى كالخراطين والبراغيث من عناصر كيف اتفق بيد طبيعة عمياء فكيف بسائر المواليد والإنسان خاصة ولا يلزم من ذلك القول بالارادة الجزا فية الحادثة في ذات المبدء بتأثير العلل الممكنة كما يدعيه قدماء المتكلمين وللبحث في ذلك محل آخر (ش). (*)

[ 114 ]

يريكم البرق) * الفعل مصدر بتقدير " أن " أو صفة لمحذوف أي آية يريكم بها البرق (خوفا) من الصاعقة أو تخريب المنازل والزروع أو من المسافرة ونحوها (وطمعا) في الغيث والنبات وسقي الزروع وغير ذلك ونصبهما على العلة لفعل لازم للفعل المذكور فإن إرائتهم يستلزم رؤيتهم أو لفعل مذكور بتقدير مضاف أي إرإة خوف وطمع أو بتأويل الخوف والطمع بالإخافة والاطماع، وعلى التقادير يتحد فاعلهما وفاعل عاملهما أو على الحال مثل كلمته شفاها. وأما البرق آية من آياته فإما لأن البخار الممتزج مع الدخان إذا وصل إلى الكرة الزمهريرية يحتبس فيما بين السحاب فيميل إلى السفل للثقل وغلبة البرد أوالعلو لبقاء سخونته وزيادة لطافته فيمزق السحاب تمزيقا عنيفا فيحصل الرعد ويشتعل الدخان بالتسخين الحاصل من المصاكة العنيفة فأن كان لطيفا ينطفي سريعا وهو البرق وإن كان كثيفا لا ينطفي حتى يصل إلى الأرض وهو الصاعقة أو لأن السحاب فيه كثافة ولطافة بالنسبة إلى الهواء والماء وإذا هبت ريح قوية تخرقه بعنف فيحدث صوت الرعد ويخرج منه النار للمصادمة بينهما كما تخرج من ضرب الحديد على الحجر ولاخفاء في أن خروج البرق الذي هو نار محرقة من السحاب الرطب المشتمل على الماء لأي سبب كان دل على وجود الصانع الذي رتب المسببات على أسبابها وآية من آياته. ونقل عن العترة الطاهرة " أن الرعد صوت ملك يزجر السحاب ويسوقه والبرق نار تحدث من حركة سوطه (1) ". وقال بعض العارفين: من سمع هذا الصوت ورأى هذه النار وكان له رؤية قلبية وبصيرة ذهنية علم أن ما نقل عنهم (عليه السلام) حق وصدق (2) (وينزل) قرئ بالتشديد * (من السماء ماء فيحيى به الأرض بعد موتها) * بأنواع النباتات والحيوانات * (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) * أي يفهمونها ويتدبرون بها في استنباط أسبابها وتكونها، وكيفية ربطها بتلك الأسباب ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته وعلمه بحقائق الأمور خفيها وجليها. وقال * (قل تعالوا) * أمر من تعالون قال القاضي وصاحب الكشاف: هو من الخاص الذي صار عاما فإن أصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم اتسع فيه بالتعميم (أتل) مجزوم بشرط مقدر بعد الأمر * (ما حرم ربكم) * منصوب بأتل " وما " إما موصولة والعايد محذوف أو مصدرية، ويحتمل أن يكون استفهامية


1 - راجع بحار الانوار ج 14 ص 275 إلى 280. 2 - " قوله حق وصدق " ويقول أهل عصرنا ان الرعد والبرق من القوة الكهربائية في طبقات السحاب والشارح جمع بين السبب المادى والعلة الفاعلية الروحانية إذ لا يخالف أحدهما الاخر والسبب المادى معد نظير تأثير الحرارة في ذوب الحديد والعلة الفاعلية هو الله تعالى والملائكة المقربون مأمورون نظير الصانع الماهر الذي يصنع من الحديد المذاب بالحرارة آلات الضنعة والمكائن وغيرها والحرارة علة معدة والفاعل للآلات هو الصانع (ش). (*)

[ 115 ]

منصوبة بحرم بمعنى أتل أي شئ حرم (عليكم) متعلق بأتل أو حرم على سبيل التنازع * (أن لا تشركوا به شيئا) * " أن " ناصبة " ولا " للنفي والجملة خبرية لفظا وإنشائية معنى بدلا من " ما حرم " أو من العائد المحذوف، ويحتمل أن يكون مفسرة لما حرم ولا للنهي * (وبالوالدين إحسانا) * أي وأن تحسنوا بمعنى أحسنوا أو أحسنوا بالوالدين إحسانا، فالجملتان المتعاطفتان إنشائيتان معنى فقط، أو لفظا ومعنى جميعا، أو الأولى معنى فقط والثانية لفظا ومعنى، أو بالعكس ويكونان في بعض الوجوه مثل قوله تعالى * (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا) * فإن لا تعبدون بمعنى لا تعبدوا وبالوالدين بتقدير وتحسنون بهما بمعنى أحسنوا أو بتقدير وأحسنوا بهما. وفي جعلهما خبريتين لفظا وإنشائيتين معنى فائدة لطيفة وهي المبالغة باعتبار أن المخاطب كأنه شرع في الامتثال وهو يخبر عنه، ورد صاحب الكشاف أن يكون " أن " ناصبة " ولا " للنفي بأنه وجب أن يكون " لا تشركوا " نهيا لعطف الأمر عليه وهو قوله تعالى * (وبالوالدين إحسانا) * لأن التقدير وأحسنوا بالوالدين إحسانا. والجواب عنه يظهر بالتأمل فيما ذكرناه. بقي ههنا شئ وهو " أن لا تشركوا " وما عطف عليه لا يصح أن يجعل تفسيرا لما حرم لأن كلا من ترك الشرك والاحسان بالوالدين واجب لامحرم، والجواب أن ايجاب ترك الشرك مستلزم لتحريم الشرك وإيجاب الاحسان بالوالدين مستلزم لتحريم إلاساءة إليهما مع ما فيه الإشارة إلى أن ترك إساءتهما غير كاف بل لابد من الاحسان بهما والتفسير باعتبار اللازم. وفي ذكر الإحسان بهما عقيب النهي عن الشرك بالله دلالة واضحة على جلالة حق الوالدين على الولد لأن أعظم النعم على الإنسان نعمة الايجاد ونعمة التربية وللوالدين مدخل في كل واحد منهما كما يقتضيان عدم الشرك بالله كذلك يقتضيان عدم إساءتهما والاحسان بهما ولذلك قال الله سبحانه: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا - الآية " * (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) * أي من أجل فقر * (نحن نرزقكم وإياهم) * فوجب على الوالدين تبقية الأولاد وتربيتهم والاتكال في رزقهم على الله. لا يقال: يلزم جواز قتلهم عند عدم خوف الفقر لما تقرر من أن النفي والإثبات في الكلام راجعان إلى القيد لأنا نقول إذا لم يجز مع الفقر فعدم جوازه بدونه أولى فهذا من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى على أن للتقييد فائدة أخرى هي زجرهم عما كانوا عليه من الخصلة الذميمة * (ولا تقربوا الفواحش) * في النهي عن قربها مبالغة في المنع منها * (ما ظهر منها وما بطن) * بدل من الفواحش، قيل: المراد بها الزنى سرا وعلانية: وقيل الكبائر مطلقا * (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) * لما نهى أولا عن قتل الأولاد لعلة مذكورة نهى ههنا عن القتل مطلقا دفعا لتوهم

[ 116 ]

الاختصاص. إن قلت: قتل النفس المحرمة داخل تحت الفواحش على تقدير عمومها فما الفائدة في ذكره على حدة ؟ قلت: الفائدة هي الاشارة إلى تعظيمه وزيادة فظاعة عقوبته كما قال سبحانه * (ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) * (إلا بالحق) كالقود وقتل المرتد ورجم المحصن وغيرها مما ثبت جوازه بدليل منفصل، والإستثناء متصل إن كان عن القتل المطلق ومنقطع إن كان عن القتل المقيد بالتحريم، هذا وقال سيد الحكماء لعل معناه: ولا تميتوا النفس المجردة التي حرم الله موت ذاتها بالجهل. وهو أعظم داهية من موت بدنها بهلاك الروح الحيواني إماتة الجهالة والغواية والإضلال والإبعاد عن سمت الرشد وسبيل القدس، ولا تخرجوها عن حياة جوهرها الحقيقية بالعلم والمعرفة إلا بحق سوء استعدادها الفطري ونقص جبلتها الغريزي (ذلكم) إشارة إلى ما مر ذكره مفصلا (وصاكم به) أي بحفظه ورعايته ولا يخفى ما في التعبير عن التكليف بالتوصية من اللطف المقرب إلى القبول * (لعلكم تعقلون) * فوايد هذه التكاليف وتبصرون بعيون البصائر منافعها المترتبة عليها في الدنيا والآخرة، فانظر أيها اللبيب كيف مدح الله سبحانه العقل والعقلاء الذين هم الغايات الذاتية للإيجاد بما لهم من الحكمة النظرية (1) التي هي إدراك السموات والأرض وما بينهما من الأمور المذكورة والتصديق بأحوالها والانتقال منها إلى مبدعها، وفي هذه الآية بمالهم من الحكمة العملية التي هي العلم بأصول الشرايع وقوانينها والعمل بها للاشارة إلى أن كمال الإنسان إنما يحصل بتكميل القوة النظرية بصور الحقائق وتحليها بنور العرفان وتكميل القوة العملية بمعرفة الشرايع وتخليها عن الرذايل والنقصان ليحصل له بذلك البهجة والسرور الدنيوية والفوز بالسعادات الأبدية الأخروية (وقال: هل لكم) هذا بعض آية صدرها * (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم) * أي منتزعا ذلك المثل من أحوال أنفسكم التي هي أقرب الأمور إليكم فالاعتبار بحالها أولى وأقرب من الاعتبار بحال غيرها. وإنما لم يذكره (عليه السلام) لأن ما ذكره لكونه مثلا لا يحتاج إليه ويتم المقصود بدونه وفيه دلالة على جواز الاستشهاد ببعض آية أو بعض حديث إذا كان تام الفائدة


1 - الحكمة هي العلم باحوال الوجود بقدر الطاقة البشرية وقسموها إلى مايبحث عن الموجودات التي ليست بقدرتنا واختيارنا، والى ما يبحث عن الموجودات التي هي بقدرتنا وهى أعمالنا والأولى هي الحكمة النظرية والثانية الحكمة العملية. والحكمة النظرية تنقسم إلى الرياضي والطبيعي والالهى، والرياضى آلة أو مقدمة لساير العلوم والعملية تنقسم إلى الاخلاق وتدبير المنزل وسياسة المدن، والوجه الذي يرغب به في تعلم العلوم الطبيعة التوسل بها إلى معرفة الله تعالى فالطبيعي أيضا مقدمة للعلم الالهى وبالجملة فالطبيعي ينقسم إلى سمع الكيان وعلم العناصر والمواليد الثلاثة وكائنات الجو وعلم الافلاك وعلم النفس وأشار جميعها فيما مر من الآيات الكريمة وان الحكمة علم مرغوب فيه ونبه عليه الشارح - رحمه الله - (ش). (*)

[ 117 ]

والمطلوب نفي شريك البارئ وهو كما يثبت بدلائل عقلية ونقلية توجب انتقال النفس من معقول صرف إلى معقول، وإذعانها بها كما مر من الآيات والبينات الظاهرة، كذلك يثبت بالأمثال الجزئية المحسوسة لأنها تكشف الممثل له وترفع الحجاب عنه وتبرزه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم والعقل ويتفقا عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة الوهم لأن الوهم من طبعه الميل إلى المحسوس وحكاية المعقول به، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء وكتب المصنفين مشحونة بذكر الأمثلة الجزئية لأن أكثر الافهام قاصرة عن إدراك حقيقة الشئ إلا في مادة مخصوصة محسوسة * (مما ملكت إيمانكم) * يعنى عبيدكم وإمائكم (من شركاء) " من " زائدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي * (فيما رزقناكم) * من الأموال * (فأنتم فيه سواء) * متفرع على الشركة وحمله على الاستفهام الإنكاري محتمل أيضا * (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) * حال عن " أنتم " أو عن ضمير المخاطبين في " رزقناكم " أي والحال أنكم تخافون من شركة مماليككم في أموالكم واستبدادهم بالتصرف فيها، كما يخاف الأحرار بعضها من بعض في ذلك، والاستفهام ليس محمولا على الحقيقة لأنه على الله سبحانه محال فوجب صرفه إلى المجاز وهو إما إنكار أن يكون مماليكهم شركاؤهم في ملكهم لينتقلوا من ذلك إلى أنه لا ينبغي أن يكون مملوكه سبحانه شريكا له بالطريق الأولى أو تقريرهم وحملهم على الاقرار بما يعرفونه من عدم شركة المماليك لأن الاستفهام عن أمر معلوم للمخاطب يستلزم حمله على الأقرار بما هو معلوم له أو استبعاد أن يكون مماليكهم شركاؤهم لأن الاستفهام عن الشئ يستلزم به وهو يناسب استبعاد وقوعه، لأن ما هو قريب الوقوع شانه أن يكون معلوما والمقصود على التقادير كلها هو أنه إذا لم يكن مماليككم مع نقصانكم وشدة حاجتكم شركاءكم فيما لكم من أموالكم، مع أنهم مثلكم في الصورة والسيرة وقابلية التصرف لا يكون مماليك الحق جل شأنه مع شدة ضعفهم وكمال نقصهم شركاءه في الإلهية واستحقاق العبادة مع كمال قدرته ونهاية عظمته وعدم المشابهة بينه وبينهم بالطريق الأولى. (كذلك) أي مثل ذلك التفصيل التمثيل الذي يرفع الحجاب ويكشف المعاني ويوضحها * (نفصل الآيات) * الدالة على وحدة الصانع واستحقاقه للعبادة دون غيره * (لقوم يعقلون) * أي يستعملون عقولهم الصحيحة في تدبر الأمثال ومعرفة حسن موقعها ومضربها والانتقال منها إلى المقصود، وفيه دلالة واضحة على شرف العقل وتعظيم العقلاء حيث جعل العقل باعثا لتفصيل الآيات في الكتاب والعاقل مقصودا من التكلم والخطاب لأنه ينتفع به دون غيره فلو لم يكن عقل ولا عاقل لم يكن تفصيل ولا خطاب بل لم يكن كون ولامكان ولا إيجاد ولا زمان.

[ 118 ]

(يا هشام ثم وعظ أهل العقل) وزهدهم عن الدنيا (ورغبهم في الآخرة) بعد دلالتهم على توحيد الذات والصفات بالآيات والبينات (فقال: وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو) شبه التقلب في الدنيا والأعمال المختصة بها باللعب واللهو وساعة قليلة لاشتراكهما في الاتعاب بلا منفعة وفي المنع عما يورث منفعة أبدية ولذة حقيقية من الأعمال للآخرة * (وللدار الآخرة) * خير من الدار الدنيا لعد زوالها ودوام منافعها ولذاتها بخلاف الدنيا. وذلك لأن الحقير الدايم خير من العظيم المنقطع فكيف إذا كان الأمر بالعكس * (للذين يتقون) * من الشرك والمعاصي، أو من الدنيا وزهرتها وأعمالها الشبيهة باللهو واللعب * (أفلا تعقلون) * التفاوت بين الدنيا والآخرة ولا تعلمون أن الآخرة خير من الاولى أو التفاوت بين أعمالها ولا تعلمون أن أعمال الاولى بمنزلة اللهو تعب بلا منفعة، وأعمال الثانية تورث منفعة دائمة غير منقطعة، والهمزة للإنكار وإنكار النفي إثبات والمعنى أنتم تعقلون هذا التفاوت فوجب عليكم أن لا تستبد لوا الذي هو أدنى بالذي هو خير والغرض من الآية ذكر فضيلة العقل، ونحن نقدم قبل بيانها الكلام في شيئين. الأول: في الزهد في الدنيا وهو ضد الرغبة فيها وقد فسر الزهد في بعض الأحاديث بأنه الحب في الله والبغض في الله وترك طول الأمل وترك حطام الدنيا وزينتها وعدم الالتفات إلى حرامها وهو يوجب معرفة القلب بحلاوة الإيمان وتفرغه للآخرة، كما قال الصادق (عليه السلام) " حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا " (1) وقال: " ألا إنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا " (2) وقال: " كل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة " (3) ومن ادعى رغبته في ثواب الآخرة وهو حريص على الدنيا فهو كاذب لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقص مما قسم الله عز وجل فيها وإن زهد، وإن حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها وإن حرص، فالمغبون من حرم حظه من الآخرة " (4) إن الزهد بالمعنى المذكور عمل يتوقف على العلم بأحوال الدنيا وانقلابها وعدم ثباتها ودوامها والعلم بأحوال الآخرة ودوامها ودوام سعادتها وشقاوتها فإذا حصل هذا العلم وصار ملكة أمكن الوصول إلى مقام الزهد بتوفيق الله تعالى. الثاني: في التقوى وقد فسره الصادق (عليه السلام): بأن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك (5)،


1 - (1 و 2 و 3 و 4) الكافي كتاب الايمان والكفر باب ذم الدنيا والحرص فيها تحت رقم 2 و 10 و 5 و 6 على الترتيب. 5 - المجلد الخامس عشر من بحار الانوار ج 15 ص 95 من القسم الثاني. (*)

[ 119 ]

وبعبارة اخرى ذكر الله عندما أحل وحرم فإن كان طاعة عمل بها وإن كان معصية تركها فهو عبارة عن فعل الطاعات وترك المنهيات والثاني أهم من الأول لأن الثاني يفيد في نفسه وينمو معه الأول وإن قل، والأول بدون الثاني لا ينفع كما صرح به صاحب العدة (1)، وفي خبر معاذ دلالة عليه ودل عليه أيضا روايات اخر، ثم التقوى خصلة عظيمة أوصى الله سبحانه بها الأولين والآخرين كما قال * (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) * وأثنى عليها كما قال: * (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور) * وهي توجب حفظ النفس والمال من الأعداء كما قال: * (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) * وتوجب النصر من الله تعالى كما قال: * (إن الله مع المتقين) * وتوجب محبته كما قال: * (إن الله يحب المتقين) * وتوجب إكرامه كما قال: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * وتوجب إصلاح العمل كم قال: * (يا أيها الذين آمنوا اتقو الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم) * وتوجب قبول العبادة كما قال: * (إنما يتقبل الله من المتقين) * وتوجب البشارة عند الموت كما قال: * (الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) * وتوجب النجاة من شدايد الدنيا والرزق الحلال، كمال قال: * (ومن يتق الله جعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * وتوجب تيسير الحساب كما قال: * (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) * وتوجب النجاة من النار كما قال: * (ثم ننجي الذين اتقوا) * وتوجب الخلود في الجنة كما قال: * (اعدت للمتقين) * وبالجملة هي حكمة عملية مركبة من العلم والعمل توجب محبة صاحبها لله تعالى ومحبة الله تعالى لصاحبها ولا تحصل إلا بمعرفة مصالح الجوارح والأعضاء ومفاسدها واكتساب الأول وترك الثاني وذلك بأن يعرف مثلا مصالح القلب ومفاسدها ويكتسب العقائد الصحيحة ويجتنب عن العقائد الذميمة ويعرف مصالح اللسان ومفاسده ويكتسب الاقوال الصحيحة ويجتنب عن الاقوال الباطلة وعلى هذا القياس في ساير الأعضاء ولا يكفى العمل بدون العلم لأنه يوجب الخطأ والبعد عن الحق كثيرا ما، ولا العلم بدون عمل فإن من به داء وعلم أن هذا الدواء ينفعه وذاك يضره واستعمل الثاني وترك الأول لا ينفعه علمه بل يصير سببا لذمه ولومه عرفا وشرعا بل اللوم عليه أشد وأعظم من لوم الجاهل بمنافع الدواء ومضاره، كما يرشد إليه قول مولانا الصادق (عليه السلام): يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد (2). إذا عرفت هذا فانظر إلى العقل كيف فضله الله تعالى وشرفه حيث جعله حاكما على أفعال جميع الجوارج والأعضاء يميز بين صحيحها وسقيمها وحسنها وقبيحها، ويقبل الصحيح والحسن ويرد السقيم والقبيح حتى يحصل له بذلك السلطنة العظمى والفضيلة الكبرى وهي الوصول إلى غاية


1 - أي عدة الداعي لابن فهد الحلى - رحمه الله -. 2 - سيأتي في كتاب العلم ان شاء الله تعالى. (*)

[ 120 ]

مدارج الزهد ونهاية مناهج التقوى، فيمشي على بساط الحق في الآخرة والأولى. وإلى العاقل كيف عظمه وكرمه حيث جعله مخاصبا بهذا الوعظ الشريف والخطاب المنيف تنبيها على تمامه وكماله وإنافة رتبته وحاله وعلى أنه ينتفع به دون غيره ممن صار لقوة جهله وضعف عقله ذليلا وفي عدم صلاحية الخطاب كالأنعام بل هو أضل سبيلا. (يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون) أي خوف الذين لا يستعملون عقولهم في الاتعاظ بأحوال الماضين والاعتبار من استيصالهم للشرك وارتكاب المعاصي والقبايح ولا يتبعون الرسول فيما جاء به من التوحيد والصفات وغيرهما من المعارف والشرايع. (عقابه) بتدمير أمثالهم وإنزال الرجز عليهم من السماء ليمتنعوا عن الأعمال الشنيعة والأفعال القبيحة فقال عز وجل * (ثم دمرنا الآخرين) * بعد تنجية لوط وأهله إلا أمرأته فإنها كانت من الغابرين، وكيفية تدميرهم أنه اقتلع جبرئيل (عليه السلام) قريتهم لسوء صنيعتهم بجناحه من سبع أرضين ومعه من الملائكة ميكائيل وإسرافيل وكروبيل، ثم رفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها وأمطر عليها وعلى من حولها حجارة من سجيل * (وإنكم) * يا أهل مكنة أو أهل الضلالة * (لتمرون) * في متاجرتكم ومسافرتكم إلى الشام * (عليهم) * أي على منازلهم فإن قريتهم وهي سدوم بفتح السين في طريقه بين القدس والكرك * (مصبحين) * أي داخلين في الصباح * (وبالليل) * أي بالمساء يعنى داخلين في هذا الوقت أو نهارا وليلا. قال القاضى وغيره: لعلها وقعت قريب منزل يمر بها المرتحل عنه صباحا والقاصد لها مساء * (أفلا تعقلون) * أي أفليس لكم عقل تعتبرون به وتعلمون أن تدميرهم وإهلاكهم لمعصية ربهم ومخالفة رسولهم لكى تطيعوا ربكم وتتبعوا رسولكم فيما جاء به من التوحيد والشرايع وتتركوا الشرك والمعصية وتنجوا من وبال الدنيا ونكال الآخرة، والإنكار للتوبيخ على عدم استعمالهم العقول في الاعتبار والاستبصار بمثل هذه الآية الجلية الدالة على وخامة حال أهل المعصية وقال * (إنا منزلون) * من الانزال على القراءة المشهورة وقرأ ابن عامر بالتشديد * (على أهل هذه القرية) * هي سدوم قرية قوم لوط (عليه السلام) وهذا خطاب الملائكة معه بدليل قوله تعالى قبله * (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين) * وإنما قدم التنجية على التعذيب لوجوه سنحت لي، الأول: أن التنجية من آثار الرحمة والتعذيب من آثار الغضب وقد سبقت رحمته غضبه. الثاني: أن بشارة أحد بالنفع العايد إليه أدخل في السرور من بشارته بالضرر العايد إلى عدوه. الثالث: أن في التنجية إشارة إجمالية إلى العذاب فإذا وقع العذاب بعده وقع بعد الطلب والواقع

[ 121 ]

بعد الطلب أهم وأوقع في النفس وأدخل في التعظيم. الرابع: أن لا يتطرق الحزن إلى خاطره (عليه السلام) إذ لو قدم تعذيب أهل القرية على تنجية المؤمنين كان ذلك موهما ابتداء لتعميم العذاب وشموله كل من فيها * (رجزا من السماء) * أي عذابا واختلفوا فيه فقيل: هو حجارة من سجيل، وقيل: هو نار، وقيل: هو تقليب الأرض وجعل عاليها سافلها. والمراد بانزاله إنزال مبدئه والقضاء به من السماء لاعينه * (بما كانوا يفسقون) * أي بسبب فسقهم. وفيه دلالة على استمرارهم فيه وعدم انزجارهم عنه أصلا، وإنما علل التعذيب بالفسق دون التنجية بالايمان ونحوه، لأن الرحمة بالذات فلا يحتاج التعليل بخلاف الغضب فإنه أمر عرضي نشأ لعلة * (ولقد تركنا منها) * أي من القرية * (آية بينة) * دالة على سوء عاقبة الفاسقين، قيل: هي حكايتها الشايعة، وقيل: هي آثار الديار الخربة، وقيل: هي الحجارة الممطورة بعد تقليب الأرض فإنها كانت باقية بعده، وقيل: هي الماء الأسود فإن أنهارها صارت مسودة * (لقوم يعقلون) * أي لقوم لهم عقل وبصيرة فيستبصرون ويعتبرون أن الفسق يوجب خراب الديار وعقوبة الدنيا والآخرة. (يا هشام إن العقل مع العلم) المراد بالعقل هنا نور يعرف به حقائق الأشياء على ماهي عليه في نفس الأمر وهو العقل بالفعل أو العقل المستفاد، والعلم هو هذه المعرفة ولاخفاء في التلازم بينهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر وإنما آكده مع ظهوره دفعا لتوهم ما هو المتعارف عند الجمهور حيث يقولون لمن له روية وكياسة في امور الدنيا أنه عاقل فإن تلك الروية ليست بعقل بل هي شيطنة ونكراء، وما هو المتعارف عندهم أيضا حيث يطلقون العقل على الغريزة التي يتميز الإنسان بها عن البهائم فإن ذلك يتحقق في الصبيان والجهال مع أنهم معزولون عن المدح والكمال بل المراد به ذلك النور الذي لا يفارق العلم والعرفان والعقلاء هم العلماء الربانيون والحكماء الإلهيون (1) الذين قال الله تعالى في شأنهم * (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا) * فقال * (وتلك الأمثال) * لما مثل سبحانه حال الذين اتخذوا من دون الله أولياء واتكلوا عليهم واعتمدوا بهم بحال العنكبوت اتخذت ببتا في الوهن والضعف فكما أن الثاني لايقي الحر والبرد وينهدم بورود أدنى شئ عليه كذلك الأول لا يدفع حر العذاب عنهم يوم القيامة ولا يقيهم شر ذلك اليوم ولا ينهدم أساسه بالكلية بورود صرصر غضب الله عليهم عقبه بقوله وتلك الأمثال


1 - قوله: " والحكماء الالهيون " مدح الحكماء وتعظيم الحكمة لا ينافى ما تقدم منه وما يأتي في بعض عباراته من تخطئة الفلاسفة، لأن الغرض من ذم الفلاسفة المقلدة منهم كما ذكرنا لا الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه. والحكماء أنفسهم يتبرمون ممن يتناول الحكمة وليس له بأهل وليس له هم إلا حفظ الاصطلاح وسماهم الفارابى الفيلسوف البهرج. (ش) (*)

[ 122 ]

إشارة إلى المثل المذكور ونظايره من الأمثال المذكورة في القرآن المجيد * (نضربها للناس) * تقريبا لما بعد من أفهامهم وتفهيما لما شرد عن أذهانهم إذ المثل يبرز المعقول بصورة المحسوس وذلك أسهل في التفهيم وأجدر في التعليم لمن ألف طبعه بالمحسوسات واشمأز عقله عن المعقولات. ولذلك قال سيد المرسلين (نحن معاشر الأنبياء امرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) (1) * (وما يعقلها إلا العالمون) * لأنهم يعرفون بنور بصيرتهم وضياء سريرتهم حسن مبانيها ولطف معانيها وكيفية ارتباطها بالمقصود وطريق دلالتها على المطلوب وينتقلون من ظاهرها إلى باطنها ومن محسوسها إلى معقولها بل يجدون عالم المحسوس كله مثالا لعالم المعقول ويعلمون أن كل صورة محسوسة في هذا العالم لها صورة حقيقية وحقيقة عقلية في العالم المعقول يرشد إلى ذلك ما نقل عن أبي جعفر (عليه السلام) حين سأله النصراني فقال له: أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون أعطني مثلهم في الدنيا فقال (عليه السلام): " هذا الجنين في بطن أمه يأكل مما تأكل امه ولا يتغوط " (2) وما نقل عن بعض أئمتنا (عليه السلام) حين سئل عن الأجساد المعادة يوم القيامة هل هي عين الأول أو غيره قال: لاعينه ولا غيره، فقيل: أخبرني عن مثله في الدنيا فقال مثل اللبنة المضروبة بقالب مخصوصة فإنها إذا كسرت وضربت تارة اخرى بذلك القالب ليست عين الاولى ولا غيرها " (3) وبالجملة ما من صورة في الدنيا إلا وله حقيقة في عالم العقول والآخرة (4) وما من معنى حقيقي فيهما إلا وله مثال


1 - الكافي كتاب العقل والجهل - ح 15. 2 - رواه الراوندي في الخرائج والجرائح ص 197 في حيث طويل. 3 - راجع بحار الانوار المجلد الثالث باب اثبات الحشر وكيفته ص 190 الى 200. 4 - قوله " في عالم العقول والآخرة " ما في عالم العقول وعالم الآخرة حقيقة وما في الدنيا صورة لها وتلك الحكم والمصالح والجمال التي نراها في الموجودات الدنيونية ليست إلا ظلا لوجود حقايقها في ذلك العالم ترى أن الخاتم إذا كانت كتابته حسنة جيدة كان النقش الذي يرتسم به على القرطاس خطا حسنا وظل الجسم مثله في الشكل كذلك كل موجود في الدنيا كالنقش في القرطاس من خاتم روحاني ولا يعرف ذلك إلا الراسخون في العلم وسائر الناس يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون وأين الطبيعة من نقش ألوان ريش الطاووس لولا أن ذلك عكس لعاكس جميل روحاني بدا صورته فيه كنقش الخاتم ولذلك نقول لا قبيح ولا شر في الوجود كما مر، ويتبادر إلى الذهن من هذه العبارة ان عالم العقول وعالم الآخرة واحد في مقابل الدنيا وأن حقيقة واحدة تكون في الدنيا مثالا وصورة، وفي الآخرة أو عالم العقول معنى حقيقيا وربما يتوهم الجاهل من اتال هذه العبارات أن قائلها معتقد للمعاد الروحانى فقط دون الجسماني إذ جعل عالم الآخرة عالما عقليا وأن عالم الاجسام عنده هو الدنيا دون الآخرة وليس مرادهم نفى المعاد الجسماني قطعا بل الشارح واترابه قائلون بتجسم الاعمال والمعاني المجردة والاعتقادات في الآخرة كما مر التصريح به منه وسيصرح به أيضا وتعبيراتهم هنا مبنية على ذلك فأجسام عالم الآخرة باعتبار ان منشأ = (*)

[ 123 ]

وصورة في الدنيا ولا يعلم ذلك إلا العلماء الراسخون في العلم الناظرون إليها بنور العقل، وأما الجهال فهم الغافلون عن ذلك ولا يعلمون إلا ما هو ظاهر محسوس بل لا يدر كون من الظواهر إلا ما يدر كه سائر البهائم فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا. (يا هشام ثم الذين لا يعقلون) مدارك اصول العقايد ولا يفهمون ما نطقت به الشريعة من فروع القواعد (فقال: إذا قيل لهم) الضمير للناس في قوله تعالى: * (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان) * على سبيل الإلتفات من الخطاب إلى الغيبة للتنبيه على بعدهم عن رتبة الخطاب بسبب سلوكهم طريق التقليد الذي هو خارج عن منهج الصواب وإنما عقب الآية المذكورة بهذا الذم للتنبيه على التقليد من جملة خطوات الشيطان * (اتبعوا ما أنزل الله) * قيل المأمورون بالاتباع هم المشركون فالموصول حينئذ عبارة عن القرآن وما اشتمل عليه من أصول الشرايع وفروعها ومواعظها ونصائحها مما ينتظم به نظام الدنيا والآخرة وقيل: هم طائفة من اليهود دعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الإسلام فالموصول على هذا يشمل التورية أيضا لأن التورية أيضا تدعو إلى الإسلام والاقرار بنبينا (صلى الله عليه وآله) وبما أنزل الله سبحانه إليه * (قالوا: بل نتبع ما ألفينا) * أي ما وجدنا * (عليه آباؤنا) * قدم الظرف على المفعول به لقرب المرجع أو لقصد الحصر أو للاهتمام لاشتماله على ضمير دينهم الذي هو مستحسن عندهم * (أولو كان آباؤهم) * الهمزة لانكار فعل مقدر والتعجب منه والواو للحال ومعناه أيتبعون آباءهم والحال أن آباءهم * (لا يعقلون شيئا) * من الحق مثل صفات الواجب وأفعاله وكتبه ورسله وما جاء به رسله مما يكمل به نظام الخلق عاجلا وآجلا * (ولا يهتدون) * إليه لعميان بصيرتهم وفقدان ضياء سريرتهم ويجوز أن يكون الواو للعطف على ذلك المقدر وجزاء الشرط محذوف ومعناه لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون لا تبعوهم. والآية تدل على وجوب النظر والمنع من التقليد أعني الرجوع إلى الغير والأخذ منه بغير بصيرة مطلقا، خرجت الفروع بالإجماع كما قيل، فبقيت الأصول مندرجة تحت المنع هذا إذا لم يعلم ذلك الغير صادقا محقا وإما إذا علم كالأنبياء والأوصياء فاتباعه واجب ولا يسمى ذلك تقليدا في العرف بل هو اتباع لما أنزل الله. قيل: وجوب النظر شرعا محال لأنه لو وجب النظر فأما على العارف


= وجودها هو الاعمال الصالحة والملكات الحسنة أمر حقيقي معنوي وباعتبار أنفسها أجسام أخروية أيضا والاجسام الدنيوية تحفظ حقيقتها وماهيتها في الآخرة وتبطل عنها صورتها ومثالها الدنيوي كما مثل باللبنة المضروبة بقالب فإنها إذا كسرت بطلت عنها صورتها الاولى ويبقى حقيقتها وهي الطين فيضرب بصورة اخرى غير الصورة الدنيوية (ش). (*)

[ 124 ]

وهو تحصيل الحاصل، أو على غيره وهو دور لتوقف وجوب النظر على معرفة إيجاب الله إياه وهي متوقفة على معرفة ذاته وهي متوقفة على معرفة وجوب النظر. واجيب بأن معرفة إيجابه متوقفة على معرفة ذاته باعتبار ما وبوجه من الوجوه والمتوقف على وجوب النظر هو معرفة ذاته بوجه أتم. أقول: هذا لو تم فإنما يتم في وجوب النظر على صفاته وأفعاله وآثاره وأما على أصل وجوده فلا لأن معرفة إيجابه متوقفة على معرفة ذاته والتصديق بوجوده كما لا يخفى والأحسن أن يقال معرفة ذاته لا يتوقف على وجوب النظر لجواز حصولها بالنظر وإن لم يجب. ومنهم من أوجب التقليد في الأصول وحرم النظر لأن الشبهات في الأنظار كثيرة والنظر مظنة الوقوع (1) في الضلالة وهي في الاصول كفر بخلاف التقليد فإنه أسلم لعدم مشاهدة المقلد تلك الشبهات فوجب لوجوب الاحتراز عن مظنة الضلالة إتفاقا. والجواب أنه إن اريد بالتقليد تقليد أهل العصمة (عليهم السلام) فلا ينبغي النزاع فيه إلا أن ذلك لا يسمى تقليدا ولكن لا مشاحة في الاصطلاح. وإن اريد به مطلقا ففيه أن المظنة أي مظنة الضلالة تجري في التقليد أيضا لأن المقلد إما يقلد ناظرا أو مقلدا آخر فعلى الأول يلزم المحذور المذكور وهو الوقوع في الضلالة مع زيادة وهي احتمال كذب الناظر في صدور النظر منه، وعلى الثاني فاما أن لا ينتهي سلسلة التقليد إلى ناظر فيلزم التسلسل وهو باطل أو ينتهى فيلزم ذلك المحذور مع احتمال كذب ذلك الناظر بخلاف ما إذا كان هو ناظرا بنفسه فإنه لا يجرى فيه هذا


1 - قوله: " مظنة الوقوع في الظلالة " قال العلامة المجلسي في كتاب حق اليقين ما معناه " اختلفوا في أنه يشترط في الإيمان اليقين أو يكفى الظن القوي وأيضا في انه يجب ان يكون بالدليل أو يجوز فيه التقليد وهذان الخلافان متقاربان وظاهر كلام العلامة وأكثر العلماء أنه يجب تحصيل اليقين بالبرهان وبعضهم ادعى الإجماع عليه إلى أن قال في صدر الإسلام كانوا يكلفون الناس باظهار العقائد ويأمرونهم بالطاعات والعبادات ولا يعرضون عليهم دليل الدور والتسلسل لأنه مادة التشكيك ولذلك نرى بعض العباد والزهاد الذين لم يمارسوا تلك العلوم يقينهم أكمل من اكثر المدققين من العلماء الذين صرفوا أكثر عمرهم في الشكوك والشبهات " إلى آخر ما قال. أقول: ولا ريب أن الصحيح ما ذكره الشارح مع إنا لم نر احدا نقل في كتاب حديث أو تاريخ أو سيرة ان رجلا من المسلمين في صدر الإسلام اكتفى في ايمان الكافر بالظن على ما ادعاه المجلسي رحمه الله وشعار المسلمين أشهد ان لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ولفظ أشهد يدل على اليقين ولو قال الكافر أظن ظن قويا أن الله واحد وأظن أن محمدا (صلى الله عليه وآله) نبى لم يعد مسلما في عهد ووقت، فالاجماع على وجوب تحصيل اليقين حق والناس مفطورون على بطلان الدور والتسلسل وان لم يعرفوا اسمهما ولم يقدروا على تقرير دليل بطلانهما لفظا وان قال رجل ولدنى ابني ضحك منه الناس لأنهم يبطلون الدور ولو قال انا املح الاطعمة كلا من الاخر من غير ان يكون لي ملح ضحكوا منه أيضا والعالم الذي ايمانه اضعف من العوام ليس عالما البتة بل هو حافظ للاصطلاحات من غير ان يفهم معناها وقد بين الشارح ذلك في شرح المقدمة أتم بيان (فليراجع صفحة 52 وما بعدها) (ش). (*)

[ 125 ]

الاحتمال لأن الإنسان عالم بما أدى إليه نظره فالتقليد أولى وأجدر بأن يكون حراما (وقال مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء) هذه الآية في القرآن متصلة بالآية السابقة ولما ذم الكفرة في الآية السابقة بسبب التقليد لآبائهم وعدم متابعتهم لما أنزل الله وعدم التدبر والنظر فيه ضرب لهم مثلا متضمنا لتشبيههم بالبهائم في عدم فهم المقصود من الخطاب توضيحا لسوء حالهم. فإن قلت: الذين كفروا هم المدعوون إلى دين الحق والذي ينعق هو الداعي للبهائم فلا مطابقة بين المشبه والمشبه به ؟ قلت: للناظرين في هذه الآية اختلاف في تفسيرها وحلها، فمنهم من قدر مضافا ومنهم من حملها على ظاهرها، فأما الذين قدروا مضافا فمنهم من قدره في جانب المشبه وقال تقديره ومثل داعي الذين كفروا وهو الرسول ومن يحذو حذوه في إلقاء الخطاب إليهم وعدم فهمهم لما هو المقصود منه وعدم استبصارهم به لأنهما كهم في التقليد واستحسانهم دين آبائهم كمثل داعي البهائم الذي ينعق بها وهي لا تسمع إلا دعاءه ونداءه الذي هو تصويت بها ولا تقف على شئ آخر فقد شبه الكفرة المقلدين في عدم فهمهم لما يسمعون من الرسول بالبهائم التي تسمع الصوت من الراعي ولا تفهم معناه، ومنهم من قدره في جانب المشبه به وقال: تقديره كمثل بهائم الذي ينعق، ومعناه مثل الذين كفروا في عدم فهم ما ألقى إليهم من الخطاب كمثل بهائم الراعي الذي يتصوت بها فتسمع الصوت ولا تعرف مغزاه، وتحس بالنداء ولا تفهم معناه والمعنيان متقاربان أو معناه ومثلهم في اتباعهم آباءهم والتقليد لهم على ظاهر حالهم وعدم فهمهم أهم على حق أم على باطل كمثل بهائم الراعي التي لا تسمع ألا ظاهر الصوت ولاتفهم ما تحته. وأما الذين حملوها على ظاهرها فقيل: معناها مثل الذين كفروا في دعائهم أصنامهم التي لاشعور لها بدعائهم وخطابهم كمثل الراعي الذي يتصوت بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء ونداء، فقد شبه الأصنام بالبهائم في عدم الفهم المتحقق في الطرفين، وتحققه فيهما وإن لم يكن متوقفا على قوله إلا دعاء ونداء، لكن الغرض من ذكره زيادة المبالغة في التوبيخ والذم إذ لاشبهة في أن من دعى بهيمة لا تسمع إلا دعاء ونداء عد جاهلا ضعيف العقل سخيف الرأي، فمن دعا صنما لا يسمع شيئا كان أولى بالذم والسخافة وبما قررنا ظهر اندفاع ما أورده القاضي وصاحب الكشاف من أن هذا التفسير لا يساعده قوله ألا دعاء ونداء لأن الأصنام لا تسمع شيئا. وأجاب عنه القاضي بأن التشبيه من باب التمثيل المركب والتشبيه غير معتبر في مفرداته وهذا مدفوع بأن التشبيه وإن كان مركبا لكن المذكور في الجانبين لابد أن يكون له مدخل في التشبيه وإن يكون ما اعتبر في أحد الجانبين مما له مناسبة في الجانب الآخر، وقيل: معناها مثل الذين كفروا في قلة عقلهم وضعف حالهم

[ 126 ]

في عبادة الأصنام كمثل الراعي الذي ينعق بالبهائم فكما أن هذا يقضى على الراعى بقلة العقل فكذا ذاك، فوجه التشبيه قلة العقل وقيل: معناها مثلهم في اتباعهم آباءهم والرسوخ في دينهم بالتقليد لهم كمثل الراعي الذي ينعق بالبهائم فكما أن الكلام مع البهائم عديم الفائدة كذلك التقليد، ثم بالغ في ذمهم على التقليد وعدم النظر فيما أنزل الله إليهم. بقوله * (صم بكم عمى) * رفع على الذم من باب التشبيه البليغ أي هم بمنزلة الصم حيث تركوا العمل بما سمعوه فكأنهم لم يسمعوه لفوات الغرض الأصلي منه وهذا كما يقال لعالم لم يعمل بعلمه: إنه ليس بعالم، وبمنزلة البكم حيث لم يتكلموا بالحق ولم يستجيبوا لما دعوا إليه وقالوا: * (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) * وبمنزلة العمى حيث أعرضوا عن الدلائل الساطعة والبراهين القاطعة فكأنهم لم يشاهدوها. وبالجملة لما فات منهم الغرض من السماع والتكلم والإبصار فكأنه فقد عنهم تلك الآلات، ويمكن حمل الكلام على الحقيقة وذلك لأنه كما يكون للإنسان مؤمنا كان أو كافرا سمع ظاهري به يدرك المسموعات ونطق ظاهري به يتكلم بالكلمات وبصر ظاهري به يدرك المبصرات كذلك يكون للمؤمن قوة باطنية بها يفرق بين الحق والباطل وهي من حيث إنها الحاكمة في المسموعات فارقة بين صحيحها وسقيمها تسمى سمعا عقليا ومن حيث إنها فارقة بين الأقوال الصادقة والكاذبة تسمى نطقا عقليا، ومن حيث أنها فارقة بين المبصرات تسمى بصرا عقليا، وقد يطلق البصيرة على قوة بها تدرك النفس صور الحقايق الكلية بلا آلة وأما الذين كفروا واتبعوا أقوال آبائهم، وتركوا ما سمعوه من كلام داعي الحق ولم ينظروا فيما شاهدوه من الدلائل فهم فاقدون لتلك القوة العقلية فهم صم بكم عمي حقيقة حيث لم يكن لهم سمع ونطق وبصيرة عقلية أصلا، ونسبة العمى إلى القلب أولى من نسبته إلى العين كما يشعر به قوله تعالى * (لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدر) * * (فهم لا يعقلون) * أي لا يعقلون فرقا بين الحق والباطل ولا يتفكرون فيما أنزل الله ولا ينظرون إليه بعيون عقولهم ليعلموا أنه الحق من ربهم. (وقال: ومنهم) أي ومن المكذبين الذين سارعوا إلى تكذيب القرآن وما اشتمل عليه من الحشر والنشر والثواب والعقاب، وسائر ما يخالف دينهم ودين آبائهم قبل أن يقفوا على معانيه وينظروا إلى مبانيه حتى يتبين لهم أنه صدق * (من يستمع إليك) * إذا قرأت القرآن وعلمت الشرايع ولكن لا يقبلون كالأصم الذي لا يسمع أصلا لغلبة الشقاوة عليهم وإحاطة الغواية بهم بسبب التقليد والإلف بالباطل ومعارضة الوهم * (أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون) * أي أفأنت تقدر على إسماعهم ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم شيئا من الحق لقساوه قلوبهم وجمود طبايعهم وخمود أذهانهم حتى صاروا بمنزلة البهائم، فيه تنبيه على أن الإعراض عن نصح أمثالهم

[ 127 ]

أولى لأن من شرائط النصيحة أن يكون للمنصوح قوة سامعة وبصيرة قلبية فإذا انتفت إحداهما أو كلاهما فالإعراض عنها حري ولذلك ترى الطبيب الحاذق إذا علم استيلاء المرض وعدم قبوله للعلاج يعرض عنه، قيل: هذه الآية تدل على أن السمع أفضل من البصر لأنه قرن ذهاب العقل بذهاب السمع لا بذهاب البصر فالسمع أفضل ويرشد إليه تقديمه فيما قبل أيضا ويدل عليه أيضا قوله تعالى: * (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع) * فجعل السمع قرينا للقلب، والمراد به العقل دل على أنه أفضل، وقوله تعالى: * (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) * فإنهم جعلوا السمع مثل العقل سببا للخلاص عن السعير، وقيل: البصر أفضل من السمع لأن آلة القوة الباصرة هي النور وآلة القوة السامعة هي الهواء، والنور أشرف من الهواء فالبصر أفضل من السمع، ولأن البصر يرى ما فوق سبع سماوات والسمع لا يدرك ما بعد عنه على فرسخ فكان البصر أقوى، ولأن محله الوجه وهو أشرف الأعضاء وللطرفين مؤيدات وتزئيفات لا يناسب المقام ذكرها. (وقال أم تحسب) " أم " حرف عطف في الاستفهام ولها موضعان، أحدهما: أن يكون متصلة بما قبلها وهي تقع دائما معادلة لألف الاستفهام ولا تستعمل بدونها تقول: أزيد في الدار أم عمرو وتعلم أن الكائن فيها أحدهما وتطلب التعين والمعنى أيهما فيها، وشرطها أن يكون أحد المستويين يليها والآخر يلى الهمزة بلا فصل، والثاني: أن يكون منقطعة عما قبلها خبرا كان أو استفهاما تقول في الخبر أنها لابل أم شاة يافتى، وذلك إذا نظرت إلى شخص فتوهمته إبلا فقلت ما سبق إلى وهمك، ثم أدركك الظن أنه شاة فانصرفت عن الأول وقلت أم شاة بمعنى بل أشاة إلا أن ما يقع بعد " بل " يقين، وما بعد " أم " مظنون، وتقول في الاستفهام: هل زيد منطلق أم عمرو يافتى، إنما أضربت عن سؤالك عن انطلاق زيد وجعلته عن عمرو والمعنى بل عمرو منطلق، إذا عرفت هذا فنقول: " أم تحسب " عطف على قوله تعالى " أفأنت " في الآية المتصلة به في القرآن العزيز وهي قوله تعالى: * (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا) * والاستفهام الأول للتقرير والتعجيب، والثاني لإنكار الفاعل، والثالث لإنكار الفعل و " أم " ههنا ليست متصلة لإنتفاء الشرط المذكور، بل هي منفصلة إضراب عن الأول إلى ما هو أشد مذمة منه حتى حق بالاضراب عنه إليه، والمعنى بل أتحسب * (أن أكثرهم يسمعون) * آيات القرآن والحجج المنزلة للتحدي بها * (أو يعقلون) * معانيها الدقيقة ولطائفها الخفية وحقايقها الجلية وفيه قطع لاهتمامه بشأنهم وطمعه بايمانهم وخص الأكثر بالذكر لأن منهم من عرف الحق وآمن به، ومنهم من عرفه وأنكره عنادا أو استكبارا أو خوفا على فوات الرياسة * (إن هم إلا كالأنعام) * وفي عدم انتفاعهم بما يقرع آذانهم من الآيات وعدم تدبرهم

[ 128 ]

فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات. وفيه تنبيه على أن تميز الإنسان في الحقيقة عن غيره من الحيوانات ليس بحسب الصورة المحسوسة بل بحسب الحقيقة الإنسانية التي بها يدرك المعقولات المفصلة ويميز بين الحق والباطل فإذا فسدت تلك الحقيقة وبطل فعلها ارتفع التميز وحصل التشابه * (بل أضل سبيلا) * من الأنعام لأنها تنقاد لصاحبها وتميز المحسن إليها من المسئ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب عما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يميزون إحسانه من إساءة الشيطان ولا يطلبون ثوابه الذي هو أعظم المنافع، ولا يجتنبون عن عذابه الذي هو أشد المضار ولأنها لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا ولم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا باطلا واكتسبوا شرا، ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تهيج الفتن وتصد الناس عن الحق، ولأنها تتخلص بالموت ونفوسهم الشريرة باقية أبدا متألمة محزونة منكوسة إلى أسفل السافلين، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولاذم وهؤلاء مقصرون مستحقون للبعد عن حضرة القدس. وتوضيح ذلك: أن للأنعام صورة ظاهرية محسوسة وحقيقة باطنية معدة لأفعال مخصوصة وآثار معلومة وتلك الصورة دائما مطابقة لهذه الحقيقة لا تتعداها إلى غيرها، مثلا الأسد أسد بحسب الصورة وبحسب الحقيقة الباطنية السبعية، والذئب ذئب بحسب الصورة وبحسب الحقيقة الباطنية الضارية، والحمار حمار بحسب الصورة وبحسب الحقيقة الباطنية الناهقية، وتلك الحقيقة لا تقدر أن تبطل آثارها وخواصها بخلاف الإنسان فإنه إنسان بحسب الصورة والحقيقة الروحانية القلبية وهي مستعدة لاكتساب الضدين اكتساب الخير والشر وقابلة للتحلي بالفضائل والتدنس بالرذايل، فإذا اعتقد شيئا أو فعل فعلا واستمر فيه صار ذلك ملكة يصدر منها الأفعال بسهولة وتلك الملكة صورة باطنية فإن كانت ملكة الفضايل طابقت الصورة الظاهرة تلك الصورة الباطنة ويترقي بذلك الإنسان إلى أن يتصل بملاء الروحانيين ويصير من أصحاب اليمين ويعد من السابقين، وإن كانت ملكة الرذايل والكفر والزندقة خالفت الصورة الظاهرة تلك الصورة الباطنة ويتنزل الإنسان بذلك إلى أسفل السافلين ويصير من أصحاب الشمال ويعد من الخاسرين، فصورته الظاهرة صورة إنسان وصورته الباطنة صورة كلب أو خنزير أو سبع أو شيطان أو أخس منها ولكن لا ترى هذه الصورة في الدار الدنيا لكونها دار التباس ودار تدليس ودار تكليف إلا من منحه الله سبحانه وتعالى بزيادة بصيرة قلبية بمجاهدات نفسانية ورياضات جسمانية ومكاشفات روحانية، فإنه قد يظهر له هذه الصورة على ما هي عليه في نفس الأمر لكن لامن حيث إنه في هذا

[ 129 ]

العالم بل كأنه في عالم آخر بين العالمين (1) ولقد رأى بعض الصالحين - ممن اصدقه في عقايده وأعماله - جماعة من الناس في جنب كل واحد منهم كلب بحقيقة الكلبية وصورته، له ذنب واذن وعينان ورأس وفم وشعر مثل الكلب المشاهد. وأما دار الآخرة فلما كان موطن بروز الحقايق بصورها الذاتية بلا التباس يحشر بعض الناس على صورة القردة والخنازير أو الكلاب أو الذر، فأولئك لعدم المطابقة بين ظاهرهم وباطنهم وإبطالهم الحقيقة الانسانية وإفسادهم قوة الاستعداد للسعادة الاخروية أضل من الأنعام للمطابقة بين ظاهرها وباطنها وعدم إبطالها الحقيقة الحيوانية والقوة الاستعدادية. (وقال لا يقاتلونكم) ضمير الخطاب للرسول ومن معه من المؤمنين وضمير الغائب لليهود والمنافقين إذ وعد المنافقون اليهود بالنصرة على قتال المؤمنين (جميعا) أي مجتمعين في محاربتكم (إلا في قرى محصنة) بالحصون والقلاع والدروب والخنادق (أو من وراء جدر) لشدة رهبتهم منكم، ولما توهم منه أن يكون ذلك لضعف حالهم وقلة عدتهم وعدتهم دفعه على سبيل التكميل بقوله (بأسهم بينهم شديد) يعني ليس ذلك لضعف حالهم وقلة شوكتهم إذ يشد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا بل لأن الله تعالى قذف الرعب في قلوبهم والرهبة في صدورهم (تحسبهم جميعا) أي مجتمعين في الحاربة متفقين على الالفة والمحبة (وقلوبهم شتى) أي متفرقة غير متفقة في الأمر لاختلاف عقايدهم وافتراق مقاصدهم، وذلك يوجب اختلافهم في الامور وفيه تقوية للمؤمنين وتحريضهم على القتال (ذلك) أي تشتت قلوبهم وهذا وإن كان معنى غير محسوس لكن لظهور آثاره أعني تباين كلمتهم وافتراق شملهم صار بمنزلة المحسوس فاستحق الاشارة إليه (بأنهم) أي بسبب أنهم (قوم لا يعقلون) إذ العقلاء متوافقون في أمر ظاهرا وباطنا وقلوبهم غير متفرقة فيه، لأن دينهم واحد بخلاف الجهلاء، لأن طرق الجهل متعددة فلا جرم قلوبهم متفرقة متفاوتة بحسب تفاوت أغراضهم، ولذلك قيل: العقل فن واحد والجنون فنون، ويحتمل أن يكون المراد أنهم قوم لا يفقهون ما فيه صلاحهم وبقاء شملهم وإن تشتت قلوبهم يوجب وهنهم وافتراقهم، ففي الأول إشارة إلى علة التشتت وفي الثاني إلى عدم علمهم بغايته، ولك أن تجعل ذلك إشارة إلى شدة بأسهم بينهم واختيارهم قرى محصنة خوفا من المؤمنين يعني أن كل ذلك لعدم عقلهم إذ العقلاء لا بأس بينهم بل هم كنفس واحدة ولا يخافون إلا الله ولا يرهبون إلا منه، وهؤلاء أشد رهبة في صدرو المؤمنين من الله عز شأنه.


1 - وهو عالم البززخ المتوسط بين العالم المادى المحسوس وعالم الآخرة وصور عالم البرزخ ذات مقدار مجرد عن المادة بخلاف صور هذا العالم فإنها مادية وبخلاف صور العالم الروحانى المجرد عن كل شئ (ش). (*)

[ 130 ]

(وقال وتنسون أنفسكم) الواو للعطف على تأمرون في قوله تعالى * (أتأمرون الناس بالبر) * أو للحال عن ضمير الجمع والهمزة للتنبيه على الضلال أو للانكار والتوبيخ بمعنى لا ينبغى أن يكون ذلك أو للتعجب أو للتقرير والتثبيت، والبر الصلاح. وقيل الخير، وقيل التوسع في الخير من البر وهو الفضاء الواسع، وبالجملة هو يتناول كل خير والآية نزلت في جماعة كانوا يأمرون الناس بطاعة الله تعالى وهم كانوا يتركونها ويقدمون على المعاصي، وقيل: كانوا يأمرونهم بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونهما، وقيل: نزلت في أحبار اليهود كانوا يأمرون من نصحوه في السر من الأقارب وغيرهم باتباع محمد (صلى الله عليه وآله) وهم لا يتبعونه، وقيل: كانوا يأمرون الناس قبل بعثة الرسول باتباعه فلما بعث أنكروه، وعلى التقادير لا يختص الذم بمن نزلت الآية فيهم بل يجري فيمن يقتفى أثرهم إلى يوم القيامة، لأنا قد بينا في اصول الفقه أن خصوص السبب لا يخصص الحكم، والمعنى أتأمرون الناس بما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة وتتركون أنفسكم منه كالمنسيات وتفعلون ما فيه فسادها فيهما (وأنتم تتلون الكتاب) أي القرآن على أن يكون الخطاب لطائفة من المسلمين فإن فيه وعيدا على ترك البر والصلاح ومخالفة القول للعمل مثل قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) * أو التورية على تقدير أن يكون الخطاب لأحبار اليهود فإن الوعيد المذكور موجود في التورية أيضا، إذ الكتب الإلهية كلها نازلة لتكميل الخلق ومشتملة على ما فيه صلاحهم في الدارين. وأما تعميم الكتاب بحيث يشتمل الكتب المدونة في الأحكام كما زعم فغير مناسب إذ لم يعهد في القرآن إطلاق الكتاب عليها * (أفلا تعقلون) * أي أتصنعون ذلك فلا تعقلون قبحه وشناعته حتى يمنعكم عنه فكأنه لا عقل لكم إذ العقل يمنع عن الاقدام به. ولقبح ذلك وجوه، الأول: أن من ارتكب ذلك كان قوله مناقضا لفعله وهو مستقبح من العاقل. الثاني: أن الغرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير والاحسان إليه والاحسان إلى نفسه أولى من الاحسان إلى الغير فمن أمر ولم يأتمر ونهى ولم ينته فقد ترك ما هو الأحسن بالنسبة إليه ولا يليق ذلك بالعاقل. الثالث: الغرض من الأمر والنهي ترويج الدين وهو بفعله يريد عدم ترويجه فقد جمع بين المتناقضين وهو غير واقع من العاقل. الرابع: الآمر لا محالة يريد نفاذ أمره في القلوب وفعله يوجب عدم نفاذه لأنه ينفر القلوب عن القبول فقد نقض مراده بفعله والعاقل لا يفعل ذلك ولذلك ورد " أن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا " (1). الخامس: أنه إذا أمر بشئ أظهر للناس علمه بذلك الشئ فإذا تركه كان لومهم به


1 - سيأتي في كتاب العلم باب استعمال العلم تحت رقم 3. (*)

[ 131 ]

أشد وذمهم به أبلغ من لوم من تركه تجاهلا أو بلا علم، ولذلك ورد أن عقوبة العالم إذا لم يعمل أعظم من عقوبة الجاهل (1). السادس: أنه بقوله يقول لهم افعلوا وبفعله يقول لهم لا تفعلوا فقد أتى بالمتناقضين والعقل يأباه. ثم المراد بالآية حث الواعظ على تزكية نفسه وتهذيبها والاقبال عليها بتقديسها وتكميلها ليقيمها أولا ثم يقيم غيره ولذلك كان بعث الأنبياء بعد تكميل نفوسهم القدسية، لامنع الفاسق عن الوعظ كما زعم، لأنه مأمور بشيئين أحدهما ترك المعصية والثاني منع الغير منها والاخلال بأحد التكليفين لا يوجب الاخلال بالآخر، ودلالة الآية على النهي عن الجمع بينهما وتحريمه غير مسلمة لجواز أن يكون النهي راجعا إلى نسيان النفس مطلقا لا إلى نسيانها منضما إلى الأمر بالمعروف ويشعر بذلك قوله (عليه السلام) وقال: " وتنسون أنفسكم " حيث رتب الذم عليه ولم يذكر صدر الآية، وفيه دلالة أيضا على جواز الاستشهاد ببعض الآية إذا كان تام الفائدة فيفهم جواز ذلك في الحديث بالطريق الأولى. (يا هشام ثم ذم الله الكثرة فقال: وإن تطع أكثر من في الأرض) في عقايدهم وأقوالهم وأعمالهم * (يضلوك عن سبيل الله) * إذ الحق له سبيل واحد لا يسلكه إلا العارف العالم الراسخ في علمه وورعه وهو قليل جدا وأما الباطل فله طرق متكثرة يسلكها أكثر من في الأرض على مطايا الغواية والجهالة ومراكب الغباوة والضلالة ويدعون إليها من اقتفى آثارهم وتتبع أطوارهم ولا يأمرونه إلا بما فيه هواهم ولا يرشدونه إلا إلى مقاصدهم ومناهم، كما دل عليه قوله تعالى * (كل حزب بما لديهم فرحون) * والآية كما دلت على أن إطاعة الأكثر سبب للضلالة كذلك دلت على أن مخالفتهم سبب للهداية وعلى هذا لا يجوز متابعة الأكثر إلا إذا كان هناك دليل على حقيتهم فالمتبع حينئذ هو الدليل دون الكثرة من حيث هي ولا يجور التمسك في الأحكام بمجرد الشهرة وكثرة القائلين بها ولا تأييدها به والله أعلم. (وقال ولئن سألتهم) أي الذين يعبدون غير الله سبحانه * (من خلق السموات والأرض ليقولن الله) * أي ليقولن خلقهن الله فحذف المسند بقرينة سؤال محقق. والدليل على أن المرفوع فاعل والمحذوف فعله أنه جاء عند عدم الحذف في مثل هذا الكلام كذلك كقوله تعالى * (ولئن سئلتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) * وقوله تعالى * (قال من يحيى العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) * ويحتمل أن يكون المرفوع مبتدأ والمحذوف خبره أي الله خلقهن ليطابق السؤال في الاسمية ولأن السؤال عن الفاعل لا عن الفعل وتقديم


1 - راجع باب " لزوم الحجة على العالم وتشديد الامر عليه " فيما يأتي من كتاب العلم. (*)

[ 132 ]

المسؤول عنه أولى وأهم، وإقرارهم بذلك على سبيل الالجاء والاضطرار لوضوح الدليل المانع من اسناد خلقهن غير الله تعالى * (قل الحمد لله) * على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان عقائدهم وأعمالهم في باب الشريك أو على حفظك وعصمتك من مثل هذه الضلالة * (بل أكثرهم لا يعلمون) * أي لا يعلمون أن ذلك يلزمهم، أو لا يعلمون ما اعترفوا به ببرهان عقلي ودليل قطعي لأن كونه تعالى خالق السماوات والأرض نظري لا يعلم إلا بالبرهان وهم معزولون عن العلم به وإنما اعترفوا به اضطرارا وكل من ادعى علما نظريا بلا نظر استحق أن يلام بالسفاهة ويذم بالجهالة، أو لا يعلمون ما تريد بتحميدك عند مقالتهم، أو يعلمون أنهم يتناقضون حيث يقرون بأنه خالق السموات والأرض ثم يشركون به غيره، أو لا علم لهم أصلا حتى يقروا بالتوحيد بعد ما أقروا بما يوجبه، وفيه ذم عظيم للجهلة الذين انصرفوا عن طريق الحق وسلكوا طريق الضلالة، ومدح بليغ للعلماء الذين يميزون بين الحق والباطل ويسلكون سبيل الهداية، وإرشاد إلى كيفية الاستدلال على التوحيد. (يا هشام ثم مدح القلة) يعنى أن الممدوح من الناس وهو المؤمن الحقيقي العالم العامل المهذب للظاهر والباطن قليل نادر جدا وقد دلت على قلته الآيات المتكثرة والروايات المعتبرة المتواترة كما يظهر ذلك لمن تأمل في أحاديث الكفر والايمان ودلت عليه التجربة أيضا (فقال وقليل من عبادي الشكور) قيل: الشكر في اللغة فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه، وفي العرف صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه فيما أنعمه لأجله. أقول: الظاهر أن النسبة بينهما عموم من وجه لتحقق الأول في صرف اللسان وحده مثلا في مقابلة النعمة دون الثاني إذ قد اعتبر فيه صرف جميع الجوارح، وتحقق الثاني في صرف الجميع لا في مقابلة النعمة بل لأجل كمالاته الذاتية وتحققهما جميعا في صرف الجميع بازاء النعمة ولكن القوم صرحوا بأن الأول أعم مطلقا من الثاني لأنه كلما يتحقق صرف الجميع بازاء النعمة يتحقق صرف واحد بازائها أيضا من غير عكس، وأورد عليه بأن هذه النسبة إنما يتم لو اعتبر في الثاني كونه في مقابل النعمة ولا إشعار به في التعريف: واجيب عنه تارة بأن هذا القيد يستنبط من تعليق الحكم بوصف الانعام الصالح للعلية، ورد ذلك بأنه يلزم منه أن لا يكون الخلص شاكرين ولا واسطة بين الشكر والكفران، وتارة بأن المراد بكونه في مقابل النعمة أن يكون بازائها وإن لم تكن ملحوظة للشاكر ومحصله أن إنعامه هنا عرفية لا حقيقية، ويمكن دفعه أيضا بأن مفهوم التعريف مطلق والايراد المذكور وارد بالنظر إلى ظاهره، إذا عرفت هذا فنقول: الشكر بكلا المعنيين منزلة عظيمة ومرتبة جليلة والمانع فيه قليل جدا، وبالمعنى الثاني أعظم لأن حصوله يتوقف على العلم بالله

[ 133 ]

وصفاته وأفعاله والتصديق بالرسول وخواصه وكمالاته وبجميع ما جاء به من الشرايع والآداب مع العمل بها وتهذيب الظاهر والباطن عن الأخلاق الرذيلة ورداها، ومجاهدة النفس الأمارة بدفع متمنياتها وهواها، وقال الشريف في حاشية المطالع قيل: وبهذا المعنى يعني بالمعنى الثاني ورد قوله تعالى * (وقليل من عبادي الشكور) * وقال بعض المحققين: بل الظاهر أنه بالمعنى الأول وتكون القلة ناشئة عن المبالغة المستفادة من الشكور كما هو المعروف من أن النفي والاثبات في الكلام راجعان إلى القيد، وأما المعنى الثاني فلا يتصور فيه المبالغة، لأن المراد به صرف الجميع في الجميع فيكون الشكور بهذا المعنى ممتنع الوجود لا قليلا، ولو سلم استقامة حمله على هذا المعنى فلا يتعين لجواز حمله على المعنى الأول أيضا، وأجاب عنه المحقق الداوني بأن صرف الجميع في الجميع يتفاوت بحسب استغراق الأوقات وعدمه وتحقق المبالغة في استغراق الأوقات بأن يتحقق صرف الجميع في الجميع في أكثر الأوقات أو في جميعها، ثم أورد على نفسه بأن صرف الجميع في الجميع في أكثر الاوقات أو في جميعها مما لا يتصور ضرورة أنه لا يمكن صرف جارحة اللسان مثلا في وقت من الأوقات في جميع ما خلق لأجله كالذكر والنصيحة وإنذار الأعمى من البئر إلى غيرها، وأجاب بأن جميع ما خلق لأجله هو جميع ما كلف به وفي ذلك الوقت فهو شاكر بالمعنى الثاني وإذا استمر على ذلك الوصف في جميع الأوقات أو في أكثرها فهو شكور، وأجاب عن المنع المذكور بأن المعنى اللغوي غير محتمل لأن المبالغة فيه ليس قليلا لصدور البسملة والشهادتين وغيرها من الأفعال والأقوال المنبئة عن تعظيمه سبحانه عن كثير من العباد. أقول: كما أن صرف الجميع في الجميع يتفاوت بحسب استغراق الأوقات وعدمه كذلك صرف البعض فيتحقق المبالغة فيه أيضا بأن يصرف البعض في أكثر الأوقات أو في جميعها ولا شبهة في أن الصارف بهذا الوصف قليل بالنسبة إلى الصارف في وقت ما، نعم هو كثير في حد ذاته وبالنسبة صارف الجميع في الجميع في معظم الأوقات ولا يقدح شئ من ذلك كونه قليلا بالنسبة إلى الصارف في وقت ما فكما يجوز إرادة المعنى الثاني في الآية يجوز إرادة المعنى الأول أيضا فليتأمل. (وقال: وقليل ماهم) الضمير راجع إلى الموصول في قوله تعالى: * (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) * أي المؤمنون العاملون للصالحات قليلون جدا، و " ما " مزيدة للابهام والتعجب من قلتهم وسبب القلة أن الله سبحانه خلق أعضاء الإنسان على مقتضى حكمته البالغة بحيث تصلح أن تناول الخير والشر فإن اليد تتناول الضرب والبطش والاعطاء والمنع وغيرها من الأفعال الصادرة منها، والرجل يتناول المشي إلى سبيل الحق والباطل، والبصر يقدر أن يدرك المصنوعات العجيبة والمبدعات الغريبة التي دلت على وجود صانعها وقدرته وحكمته. وأن يدرك

[ 134 ]

المحرمات من الصور وغيرها والسمع يصلح أن يسمع الآيات والبينات المحركة للسير إلى الله تعالى، وأن يسمع الهزل واللغو والأقوال الكاذبة الموجبة للبعد منه ومن رحمته، وقس عليها البواقي وجعل النفس واسطة بين القوة الشهوية والغضبية وغيرهما من القوى الطبيعية الحيوانية وبين القوة العاقلة والملكية، وهي بالاولى تحرص على تناول اللذات البهيمية الفانية كالقهر والغلبة والشره والشبق (1) والعداوة، والتهجم على الغير بالضرب والشتم وتستعمل الأعضاء والجوارح في وجوه الشر والضلالة وإذا استمرت على ذلك صارت شيطانا ولحقت بزمرة الشياطين وترجع إلى أسفل السافلين، وبالثانية تتناول اللذات الملكية الباقية مثل العلوم الحقيقية والخصال الحميدة المؤدية إلى السعادات الابدية وتستعمل الأعضاء والجوارح في وجوه الخير وتستكمل السياسة البدنية وإذا استمرت على ذلك شاركت الملائكة المقربين في فضائلهم، وزاحمت الأنبياء والمرسلين في منازلهم، وتستحق أن تخاطب بيا أيتها النفس المطمئنة إرجعى إلى ربك راضية مرضية - وإلى هذين الطريقين أشار سبحانه بقوله * (وهديناه النجدين) * وبقوله * (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) * ولكن النفس بالذات لما كانت مايلة إلى اللذات آنسة بالمحسوسات، واللذات الفانية الدنيوية لذات حاضرة محسوسة ظاهرة واللذات الاخروية لذات غائبة عقلية مخفية صارت النفوس كلها مايلة إلى الدنيا وزخارفها باغواء الشياطين وغلبة الشقاوة والهوى عليها حتى خرجوا عن الدين، واندرجوا في سلك الشياطين، واتصفوا بالخسران المبين، أو خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وصاروا من المذنبين إلا من عصمه الله وأخذت بيده العناية الأزلية ونور قلبه بنور الحكمة والايمان وأفاض عليه مياه الكرامة والاحسان وطهر ظاهره بالأعمال الصالحة وحلى باطنه بالأخلاق الفاضلة وهذا القليل الوجود جدا كما أشار إليه مولانا الصادق (عليه السلام) بقوله: " المؤمنة أعز من المؤمن والمؤمن أعز من الكبريت الأحمر، فمن رأى منكم الكبريت الأحمر " (2). (قال: وقال رجل مؤمن من آل فرعون) من أقاربه، قيل: هو ابن عمه، وقيل: كان قبطيا من قومه، وقيل: كان من بني إسرائيل ويرجح الأول لفظ الآل لأنه يطلق على القريب كما قال سبحانه: * (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) * وهو صفة ثانية لرجل، وقيل: هو متعلق بقوله * (يكتم إيمانه) * هذا صفة ثالثة على ما قلنا، وصفة ثانية على ما قيل، وهذا القول بعيد لأنه يلزم الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبى، اللهم إلا أن يجعل * (يكتم إيمانه) * حالا وهو بعيد جدا. ولأنه لو كان كذلك لكانت تأخيره أولى إذ لاوجه لتقديمه إلا الحصر وهو غير مناسب للمقام


1 - اي الشهوة الفاسدة. 2 - رواه الكليني في كتاب الايمان والكفر باب قلة عدد المؤمنين تحت رقم 1. (*

[ 135 ]

ولأن كتمان الايمان دل على ثبوت الايمان مثل مؤمن، فكان الأنسب أن يذكر بعده بلا فصل، فإن قلت: فعلى هذا لو كان صفة كان الأنسب أيضا تأخيره عن الصفة الثالثة، قلت: نعم ولكن في تأخيره إخلال بيان المعنى المقصود لأنه يتوهم حينئذ أنه من صلة * (يكتم) * فلم يفهم أن ذلك الرجل كان من آل فرعون فقدم لدفع هذا التوهم على أن تقدميه أهم لأن إيمانه مع كونه من آل فرعون كان مستبعدا * (أتقتلون رجلا) * وهو موسى (عليه السلام) والهمزة للانكار إما للتوبيخ أو للتعجب وحملها على حقيقة الاستفهام بعيد * (أن يقول) * أي لأن يقول أو وقت أن يقول * (ربي الله) * وحده لا شريك له وهو يفيد قصر الربوبية على الله ردا لقول فرعون * (أنا ربكم الأعلى) * فهو من قبيل صديقى زيد والغرض من ذكر الآية الكريمة أن الله سبحانه وصف رجلين من بين كثيرين لا يعلم عددهم إلا هو بالايمان ومدحهما به (وقال ومن آمن) عطف على أهلك في قوله تعالى * (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول) * ولما أوحى إلى نوح (عليه السلام) أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وأمره بعمل السفينة وأخبره باهلاك قومه بالغرق شرع (عليه السلام) في عمل السفينة، فلما تم عمله وجاء أمر الله تعالى وفار التنور أمره بأن يحمل معه في السفينة من كل نوع من الحيوان ذكرا وأنثى وأهله إلا ابنه كنعان وامه وأن يحمل فيها المؤمنين فحمل (عليه السلام) فيها زوجين من كل حيوان وكل من آمن * (وما آمن معه إلا قليل) * قيل: كانوا ثمانين مقاتلا وفي ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بها لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها وهذا القول بعيد وقال في الكشاف روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم، وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة خمسة رجال وخمسة نسوة وقيل: كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة واولاد نوح سام وحام ويافث ونساءهم والجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء وقال: * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * أي لا يوجد لهم حقيقة العلم ولا يعلمون استقامة هذا الدين لعدم تدبرهم فيه حتى يحصل لهم العلم باستقامته وبما يتبعها من نظام أحوالهم في الدنيا والآخرة وقال * (أكثرهم لا يعقلون) * أي ليس لهم فضيلة العقل أو لا يعقلون الحلال والحرام وما جاء به رسولهم من المصالح والأحكام ليهذبوا ظاهرهم وباطنهم ويتصفوا بكمال الإنسان ويتركوا ما سولت لهم أنفسهم وزينه لهم الشيطان وقال * (أكثرهم لا يشعرون) * (1) بما فيه صلاحهم في الدارين وكمالهم في النشأتين وهذه الآيات الثلاث يستلزم مدح القليل وهو المقصود في هذا المقام. واعلم أن الآيات والروايات الدالة على ذم الكثير ومدح القليل أكثر من أن تحصى، والغرض من ذكر بعضها هنا أمران: أحدهما بيان أن الضلالة والطغيان صارتا كالطبيعة الثانية للانسان إلا من


1 - ليس في القران بلفظ لا يشعرون ولعله مصحف. (*)

[ 136 ]

عصمه الله من سلوك سبيل الشيطان ونور قلبه بنور المعرفة والايمان وهذا الصنف قليل جدا بل ينحصر في بعض الأعصار في فرد كما قيل في تفسير قوله تعالى * (إن إبراهيم كان أمة) * إنه كان وحده مؤمنا وكان سائر الناس كفارا، الثاني التنبيه على أن ما وقع بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) من ارتداد أكثر الناس وخروجهم عن الدين وبقاء قليل منهم مثل عمار وسلمان وأبي ذر وأضرابهم غير مستبعد (يا هشام ثم ذكر اولى الألباب) أي ذوي العقول الخالصة عن لواحق الوهم والفشل، الكاملة بفضيلتى العلم والعمل (بأحسن الذكر) الذكر نقيض النيسان ويطلق أيضا على الصيت والثناء والشرف كما في قوله تعالى * (والقرآن ذي الذكر) * أي ذي الشرف (وحلاهم بأحسن الحلية) أي زينهم بأحسن الزينة، أو وصفهم بأحسن الصفة، والحلية بكسر الحاء المهملة وسكون اللام تطلق على الصفة مثل العلم والشجاعة والسخاوة ونحوها وعلى الزينة من ذهب أو فضة أو لؤلؤ أو نحوها وفي التنزيل * (وتستخرجون حلية تلبسونها) * ومن حلي بضم الحاء وكسر اللام وشد الياء جمع حلى بفتح الحاء وسكون اللام وهي ما يتحلى به المرأة، جمع الحلية حلى مثل اللحية ولحى وربما ضم (فقال يؤتى الحكمة) قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): " هي طاعة الله ومعرفة الإمام " (1) وهذا القول منه (عليه السلام) إشارة إلى الحكمة النظرية والعملية (2) وهما خروج النفس من القوة الاستعدادية إلى حقيقة العلم والعمل لأن معرفة الإمام إشارة اجمالية إلى معرفته على ما ينبغي ومعرفة الرسول وما جاء به ومعرفة الله وما يليق به، وهذه المعارف عبارة عن الحكمة النظرية. وطاعة الله إشارة إلى تخلية الظاهر والباطن عن الرذائل وتحليتهما بالفضائل وهذه هي الحكمة العملية ويرجع إلى هذا التفسير قول القاضي: هي تحقيق العلم والعمل. وقول صاحب الكشاف: هي العلم والعمل به والحكيم عند الله هو العالم العامل وقول المازري: هي العلم النافع المصحوب بإنارة البصيرة وتهذيب النفس. وقول ابن دريد: هي كل ما يؤدي إلى مكرمة ويمنع من قبيح. وقال شيخ العارفين بهاء الملة والدين: هي ما يتضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الاخرى من العلوم والمعارف وأما ما تضمن صلاح الحال في الدنيا فقط فليس من الحكمة في شئ.


1 - راجع تفسير البرهان ذيل الآية. 2 - هذه الحكمة هي التي آتاها الله لقمان ولم يكن لقمان نبيا ولم ينزل إليه وحى بل كان يعرف الأمور بعقله وروى أنه لم يقبل الوحى والنبوة واختار الحكمة وليست الحكمة أيضا أخذ علوم الشريعة من نقل رواة الاحكام عن النبي المعصوم إذ لم يختص ذلك بلقمان بل هو حاصل لكل أحد " ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا " خاص ببعض عباد الله " ش ". (*)

[ 137 ]

وقال مالك: الحكمة في الفقه في الدين (1) وهذان التعريفان لا يصدقان على الحكمة العملية كما لا يصدق تعريف من قال: هي الإصابة في القول ومن قال: هي طاعة الله تعالى على الحكمة النظرية. * (من يشاء) * مفعول أول اخر للاهتمام بالمفعول الثاني وللدلالة على تعظيمه في أول الأمر * (ومن يؤت الحكمة) * بفتح التاء في القراءة المشهورة على البناء للمفعول لأن المقصود بيان حال المفعولين بخلاف الأول لأن المقصود هنا تعلق الفعل بالفاعل أيضا ليتبين أن الحكمة فضيلة إلهية وموهبة ربانية للنفوس المستعدة لها ولا تحصل بمجرد الاكتساب وإن كان للاكتساب مدخل فيها * (فقد أوتى خيرا كثيرا) * التنكير للتعظيم والتكثير جميعا والوصف بالكثرة للمبالغة والتأكيد وكثرته باعتبار اشتماله على خير الدنيا والآخرة، وفيه دلالة على كمال العلم وعلو منزلته وعموم فوائده. لا يقال هذا ينافي قوله تعالى: * (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) * لأن قلته بالإضافة إلى علم الواجب لا ينافي كثرته بالنظر إلى ذاته ومدة بقائه وبقاء السعادة اللازمة له * (وما يذكر) * أي وما يعلم الحكمه التي أعطاها للنفوس القابلة ولا يعرف قدر تلك النعمة، أو وما يتفكر في القرآن وما فيه من حقايق العلوم ودقايقها * (إلا أولو الألباب) * أي ذوو العقول الكاملة المائلة عن الدنيا وزهراتها، الآمنة من مكايد النفس ومتمنياتها، وقد نقل في هذا الكتاب عن الرضا (عليه السلام) في فضل الإمام وصفاته في حديث طويل: " إن الأنبياء (عليهم السلام) يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمته ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم ثم قرأ هذ الآية (2) وقال: * (والراسخون في العلم) * رسخ الشئ رسوخا ثبت كل ثابت راسخ ومنه الراسخون في العلم أي الذين ثبتوا فيه واستقروا بحيث لا يؤزهم شئ من مكايد الشيطان ومتمنيات النفوس وزهرات الدنيا على الخروج عن سبيل الحق بوجه من الوجوه * (يقولون آمنا به) * أي بالكتاب الذي منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات أو بالمتشابه وهو كلام يحتمل وجوها متعددة لا


1 - بعض مسائل الفقه يتضمن صلاح الحال في الدنيا فقط وروعي فيه المصالح الدنيوية كالقضاء بالشاهد واليمين فإنه لا يحرم حلال الله ولا يحلل حرامه بل المصلحة فيه قطع التنازع ومثله التمسك باصالة الصحة والسلامة وعدم الغفلة في العقود والمعاوضات والانكحة فإنه لا يغير الاحكام فإذا أوقع البيع والنكاح غافلا عن معناهما أو سهوا ونسيانا لم يحل به شئ واقعا ويحكم بصحة المعاملة ظاهرا، ومنه الحدود والتعزيرات للمصالح الدنيوية ولذلك إذا اسر المعصية لم يكن عليه حد وكذلك الصلاة وانواع العبادات، فان الفقيه يحكم بصحتها ونظره إلى اسقاط القضاء وهو أمر دنيوى والمتكلم نظره إلى ترتب الثواب عليه وهو أمر اخروى وهكذا وبين ذلك الغزالي في الاحياء أتم بيان " ش ". 2 - الكافي كتاب الحجة باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته تحت رقم 1. (*)

[ 138 ]

يتضح المقصود منه لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص الشديد والنظر الدقيق. والمحكم كلام لا يحتمل إلا وجها واحدا * (كل من عند ربنا) * أي كل واحد من المحكم والمتشابه نزل من عند ربنا وهذا كالتأكيد للسابق فلذا فصل عنه * (وما يذكر إلا أولو الألباب) * أي وما يعلم المتشابه إلا الكاملون في العقول وهم الراسخون في العلم أو وما يعلم الراسخين في العلم وهم النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرون (عليهم السلام) وما يذكر أحوالهم إلا اولو الألباب الذين هم شيعتهم. روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله " (1) وروى عبد الله بن بكير عنه (عليه السلام) قال: " الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمة " (عليهم السلام) (2) وروى بريد بن معاوية عن أحدهما (عليهما السلام) " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخين في العلم قد علمه الله جميع ما أنزله عليه من التنزيل والتأويل وما كان لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله وأصياؤء من بعده يعلمونه كله الحديث (3) " روى جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله الله تعالى * (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكرو أولو الألباب) * (4) قال أبو جعفر (عليه السلام) (إنما نحن الذين يعلمون والذين لا يعلمون عدونا وشيعتنا أولو الألباب). وقال * (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات) * أي لعلامات ظاهرة وأدلة واضحة على وجود الصانع ووحدته وقدرته وحكمته وتدبيره * (لاولى الألباب) * أي لذوى العقول الثاقبة والبصاير النافذة لأنهم لصفاء ضمايرهم ونور بصايرهم هم القادرون على التفكر في خلق السموات وما فيها من الثوابت والسيارات وحركاتها شرقا وغربا جنوبا وشمالا إجتماعا وافتراقا إلى غير ذلك من أحوال السماء والسماويات وما يترتب عليها من المنافع والمصالح، وفي خلق الأرض وما فيها وما عليها من أنواع المعادن والنباتان والحيوانات ومنافعها وفي اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما وتفاوتهما في الزيادة والنقصان وفوايدها وعلى الاستدلال بهذه الامور وأمثالها مما لا يحصى على أن لها صانعا لطيفا عليما خبيرا حكيما قادرا موجدا لها بمجرد إرادته ومشيته بلا مشاركة ولا معاونة وأما غيرهم ممن ضعف ضمائرهم وعمت بصايرهم فهم إنما ينظرون إليها نظر البهائم ويدركون منها ما يدركه المعلوفة والسوائم، ذاهلين عما فيها من عجائب الفطر ولطائف التقدير وغرائب الصنع وبديع التدبير. قال القاضي ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن مناط الاستدلال هو التغير، والتغير إما أن يكون في ذات الشئ كتغير الليل والنهار، أو


1 - (1 و 2 و 3) الكافي كتاب الحجة باب أن الراسخين في العلم هم الائمة عليهم السلام. 2 - 3 - 4 - رواه البرقي في المحاسن ص 169، وسيأتي في كتاب الحجة باب من وصفه الله بالعلم. (*)

[ 139 ]

في جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها، أو في الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها، وقال بعض أهل الاشارة: وخلق السماوات (1) إشارة إلى خلق الأرواح وأطوارها العالية وخلق الأرض إشارة إلى خلق النفوس البشرية وقرارها وتسفلها في مراكز الأبدان، واختلاف الليل والنهار إشارة إلى اختلاف ظلمة النفوس البشرية والأنوار الروحانية فإن هذه الامور أدلة واضحة على وجود الصانع لاولى الألباب، وهم الذين عبروا بقدم الذكر والفكر عن قشر الوجود الظلماني الفاني إلى لب الوجود الروحاني الباقي فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم إلها قيوما قادرا حيا عليما سميعا بصيرا متكلما حكيما له الأسماء الحسنى والصفات العليا وقال: * (أفمن يعلم أن ما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) * لما ضرب الله سبحانه مثلا للذين استجابوا لربهم استجابة حسنة وهم المؤمنون العالمون العاملون والذين لم يستجيبوا له وهم الكافرون والجاهلون تارة بالماء وزبده وهو وضره ودرنه، وتارة بالفلزات كالذهب والفضة والحديد والنحاس وزبدها وهو خبثها ورديها. وأوضح الفرق بين الفريقين بأن الأول بمنزلة الماء والفلزات الخالصة التي تبقى في الأرض وينتفع بها انتفاعا عظيما والثاني بمنزلة زبدها ودرنها يرمى به الماء والفلزات المذابة الخالصة أنكر على من زعم التساوي بينهما بعد ضرب المثل والايضاح وبين أنه لا مساواة بين من يعلم أن ما انزل إليك من ربك وهو القرآن وما اشتمل عليه من التوحيد وصفات الواجب والأحكام وأحوال الحشر والنشر والثواب والعقاب والأمثال وغيرها حق وصدق ويذعن به إذعانا جازما ثابتا، وبين من هو أعمى القلب فاقد البصيرة لا يهتدي إلى الحق منكرا له أو جاهلا به بل بينهما مباينة تامة وبعد مفرط كبعد ما بين الماء والزبد والفلزات الخالصة وأخبائها * (إنما يتذكر) * أي ما يعلم ذلك أولا يتفكر فيه إلا * (اولو الألباب) * وأما الكفرة والجهلة الفاقدون للبصاير الذهنية والأنوار العقلية والسالكون سبيل الغي والضلالة فهم بمنزلة البهائم، بل هم أضل فطمع التذكر والتفكر منهم في المطالب العالية كطمعه من البهائم. وقال * (أمن هو قانت) * أي قائم بوظايف الطاعات من القنوت وهي الطاعة والدعاء والقيام في قوله (عليه السلام): " أفضل الصلاة طول القنوت " (2) والمشهور الدعاء وقولهم دعاء القنوت إضافة بيان كذا في المغرب، وقال الجوهري: " القنوت الطاعة هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى * (والقانتين والقانتات) * ثم سمي القيام في الصلاة قنوتا وفي الحديث " أفضل الصلاة طول القنوت " ومنه قنوت الوتر.


1 - السماء قد يطلق على العالم الروحانى والمجردات في القرآن والاخبار كما هو ظاهر للمتتبع (ش). 2 - رواه احمد ج 3 ص 302، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه. (*)

[ 140 ]

وقال ابن الأثير في النهاية: " قد تكرر ذكر القنوت في الحديث ويرد بمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والسكون فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه " قرأ حمزة * (أمن) * بتخفيف الميم بمعنى أمن هو قانت كمن هو ليس بقانت، والمقصود نفي المساواة بينهما وإثبات الفضل للأول، وقرأ الباقون بتشديد الميم أصله أم من ادغمت الميم في الميم * (أم) * متصلة معطوفة على محذوف دخل عليه حرف الاستفهام تقديره أتارك القنوت خير أمن هو قانت مثل قولك أزيد أفضل أم عمر وأم منقطعة بمعنى بل والمعنى بل أمن هو قانت كمن ليس كذلك قيل: فيه دلالة على أن العمل الذي يتصف بسببه الإنسان بالكمال هو ما كان الإنسان مواظبا عليه، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائما عليه من الطاعات فما لا مواظبة فيه من الأعمال ليس فيه كثير فائدة * (آناء الليل) * أي ساعاته خصها بالذكر مع أن العبادة في كل وقت فضيلة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، ويتميز بها عن غيره، لوجوه: أولها: أن القلب في الليل فارغ عن المحسوسات المانعة عن السير إلى الله سبحانه، فيتوجه إلى ذكره مشاهدا له ولصفاته الذاتية والفعلية، وكمال قدرته وغلبته على جميع الممكنات فيحصل له بذلك خوف وخشية بحيث لا يغفل عنه طرفة عين وهذه الحالة أفضل الحالات الواقعة والطاعة فيها أفضل الطاعات لأن التفاوت في مراتب الطاعات بحسب تفاوت مراتب القلب في القرب والبعد. وثانيها: أن الليل وقت النوم والاستراحة فيكون القيام أشق فيكون الطاعة فيه أفضل وقد دل على هذين الوجهين قوله تعالى: * (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا) *. وثالثها: أن القيام في الليل لكونه أقرب من الخلوص وأبعد من الرياء أفضل من القيام في النهار. ورابعها: أن النهوض في الليل للعبادة لما كان غير مدافع بطلب المعاش ونحوه كان أكمل من النهوض في النهار وأفضل. * (ساجدا وقائما) * حالان من فاعل " قانت " ونقل أيضا قراءتهما بالرفع والخبرية وتعدد الخبر بدون العطف جائز والواو للجمع بين الصفتين، وتقديم السجود على القيام للاهتمام به لأن السجود أرفع منازل العارفين وأعلى معارج العابدين كما نطق به الأخبار عن الأئمة الطاهرين * (يحذر الآخرة) * أي عذابها * (ويرجو رحمة ربه) * استيناف للتعليل كأنه قيل ما سبب قنوته وسجوده وقيامه ؟ فاجيب ببيان سببها أو في موضع النصب على الحال ولابد من نكتة في إيراد بعض الأحوال مفردا وبعضها جملة فعلية ولعل النكتة فيه هو التنبيه على اعتبار استمرار الحذر والرجاء ووجود كل واحد منهما في زمان وجود الاخرى بخلاف السجود والقيام. وإنما أثر

[ 141 ]

الحذر على الخوف مع أن الخوف في مقابل الرجاء على ما هو المتعارف لأن الحذر أبلغ من الخوف لأنه خوف مع الاحتراز عن المعاصي وإنما أضاف الحذر إلى الآخرة لا إلى عذابه وأضاف الرجا إلى رحمته للتنبيه على أن الرجاء أفضل وبحضرة الربوبية أليق ولذلك أيضا أضاف الرحمة إلى الرب والرب إلى الضمير مع ما فيه من الدلالة على الاستعطاف والاختصاص ورجحان الرحمة على العذاب * (قل هل يستوي الذين يعلمون) * وهم القانتون الموصوفون بالصفات المحمودة المذكورة * (والذين لا يعلمون) * وهم التاركون للقنوت، وهذه الآية على هذا التفسير بيان للسابق وإشارة إلى أن منشأ تلك الصفات هو العلم ومنشأ عدمها هو الجهل وتنبيه على شرف العلم والفضيلة وفضل العلماء على الجهال ونفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية كما أنا السابق نفي لاستوائهما باعتبار القوة العملية للاشعار بأن الحقيقة الإنسانية إنما تتسم بالنباهة والجلال وتتصف بالفضيلة والكمال باعتبار العلم والعمل فمن لم يتصف بهما ليس له من وصف الإنسانية إلا اسم ولا من حقيقتها إلا اسم، وإنما أخر العلم عن العمل مع أن العمل تابع له، متوقف عليه للتنبيه على أن العمل هو الغرض الأصلي من العلم حتى أن العالم إذا لم يعمل بعلمه كانت الحجية عليه أعظم والحسرة عليه أدوم، أو للدلالة باختلاف الآثار الظاهرة أعني العبادة وعدمها على اختلاف مباديها الباطنة أعني العلم والجهل فكان من قبيل اثبات معقول بمحسوس، وقيل: وجه الترتيب بين الأوصاف المذكورة أن الإنسان عند قيامه بوظايف الطاعات ومواظبته عليها ينكشف له في أول الامر مقام القهر المقتضى للخوف والحذر ثم ينكشف له بعده مقام الرحمة الباعث للرجاء ثم يحصل له بعده أنواع العلوم والمكاشفات فالعلم على هذا تابع للأوصاف المتقدمة ولذلك أخره عنها * (إنما يتذكر أولو الألباب) * يعني أن هذا التفاوت العظيم بين العالم والجاهل وبين القانت وغيره لا يعرفه إلا ذوو العقول الكاملة الخالصة عن غواشي الأوهام لأنهم القادرون على التمييز بين الحق والباطل بما لهم من بصيرة عقلية وقوة روحانية دون غيرهم ممن كان على بصائر عقولهم غشاوة وفي صفحات قلوبهم قساوة وقد روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال في تفسير هذه الآية: * (نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون وشيعتنا اولو الألباب) * (1) وعن الصادق (عليه السلام) " أن الآية نزلت في وصف علي (عليه السلام) وذم أبي الفصيل " (2) يعني أن عليا (عليه السلام) لكونه قانتا بالأوصاف المذكورة وعالما بأن محمدا (صلى الله عليه وآله) رسول الله ليس مثله، وهو لا يقنت ولا يعلم ذلك ويقول باطنا أنه ساحر كذاب وما نقلناه معنى الحديث والحديث المذكور في كتاب الروضة قبل حديث الصيحة. وقال: * (كتاب أنزلناه إليك مبارك) * مبارك بالرفع على القراءة المشهورة صفة للكتاب أو خبر


1 - رواه البرقي في المحاسن كما تقدم. 2 - روضة الكافي تحت رقم 246. (*)

[ 142 ]

بعد خبر، وبالنصب على الحالية في بعض القراءة ومعناه نفاع من البركة وهي في الأصل الزيادة والنمو * (ليد بروا آياته) * فيعرفوا ما فيه من الشرايع والأحكام والمواعظ والنصائح والعبر التي بها يتم نظامهم في الدارين ويصلح حالهم في النشأتين * (وليتذكر اولو الألباب) * أي وليعلم ما فيه من الأسرار الإلهية الربانية التي لا يهتدي إليها إلا ذوو العقول الكاملة والأذهان الثاقبة وهم أهل العصمة (عليهم السلام) فإن علوم الكتاب بعضها ظاهر سهل المأخذ يعرفه أكثر العلماء بالتدبر والتامل فيه، وبعضها خفي لا يصل إليه إلا اولو الألباب وذوو العقول الكاملة العارية عن شوايب النقصان، وقيل: الكتب الإلهية بيان لما لا يعرف إلا بالشرع وإرشاد إلى ما يستقل به العقل والتدبر للأول والتذكر للثاني، وقيل: الكتاب مشتمل على أسرار عظيمة ومعارف لطيفة وفائدة إنزاله أن يتدبر المتدبرون ويتفكر المتفكرون آياته، والغرض الاصلي من التدبر والتفكر وهو النظر والتأمل أن يحصل لهم الذكر أي المعرفة اليقينية بتلك الأسرار والمعارف، والتدبر لا يستلزم التفكر إذ رب متفكر لا ينتهي بفكره إلى المطلوب فالتدبر غير مختص باولي الألباب، بل يعمهم وغيرهم بخلاف التذكر فانه مختص بهم، فقد ثبت أن غاية إنزاله ليس إلا التذكر المختص باولى الألباب، وهذا غاية المدح والتعظيم لهم، وفيه أن ظاهر العطف يقتضي أن كلا من التدبر والتذكر غاية مستقلة لانزاله (قال: * (ولقد أتينا موسى الهدى) * أي الدلالة على الدين أو ما يهتدي به إليه من المعجزات والصحف والشرايع * (وأورثنا بني إسرائيل الكتاب) * أي التوربة يعني تركناه بعده عليهم يتوارثونه ويأخذونه بعضهم من بعض ويحملونه ويحفظون ألفاظه ومدلولاته اللفظية ومعانيه الأولية وأحكامه الظاهرية * (هدى وذكرى) * مفعول له لقوله أورثنا أو حال عن فاعله أو عن الكتاب أي أورثناه لأجل الهداية والتذكير أو هاديا ومذكرا * (لاولى الألباب) * أي لذوي العقول الصحيحة السليمة وهم الراسخون في العلم العارفون بالله وصفاته وأفعاله العالمون بأحوال المبدء والمعاد المشاهدون لها بعيون البصائر المهذبون لأخلاقهم الظاهرة والباطنة: وملخصه: أن غير اولى الألباب من أهل الكتاب بمنزلة الخدمة لهم يحفظون الكتاب لئلا يندرس بطول الأزمنة فيبقي محفوظا لهؤلاء الكاملين في العقول وهم أوصياء موسى (عليه السلام) وعلماء امته فهم الممدوحون غاية المدح والتعظيم المقصودون من الثناء والتكريم، وفيه تنبيه على أن سبحانه أورث القرآن في هذه الامة بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) هدى وذكرى لأولي الألباب وهم العلماء الراسخون من امته الأوصياء المرضيون من عترته لا يفارقهم القرآن ولا يفارقونه حتى يردوا عليه يوم القيامة كما قال (صلى الله عليه وآله) " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي ألا وهما الخليفتان من بعدي ولن يفترقا حتى

[ 143 ]

يردا علي الحوض " (1). وقال * (وذكر) * لما أمر الله سبحانه نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله) بالتولي والاعراض عن مجادلة المشركين المنكرين لنبوته المصرين على إنكار دعوته إلى ما فيه صلاحهم في الدارين وبين أنه ليس بملوم على ذلك الاعراض لبذل جهده في التبليغ بقوله " فتول عنهم فما أنت بملوم " وأمره ثانيا بالتذكير والتعليم تسلية وبشارة له بقوله " ذكر " يعني لا تدع التذكير والموعظة الحسنة * (فان الذكرى تنفع المؤمنين) * أي الذين يؤمنون بك ممن هو في أصلاب الآباء وأرحام الامهات إلى يوم القيامة، أو الذين آمنوا بك فإنها تنفعهم وتزيد بصيرتهم وتحبي أرواحهم وتنور قلوبهم وتصقل إذهانهم كما أن المطر في الأراضي القابلة توجب حيوتها، وفي ذكر هذه الآية في مقام مدح اولي الألباب إشارة أنهم هم المؤمنون بالايمان الحقيقي وهذا غاية المدح والتعظيم لهم. (يا هشام إن الله تعالى يقول في كتابه: إن في ذلك) أي فيما ذكر من خلق السماء وبنائها بلا عمد وتزيينها بالكواكب ومد الأرض وإلقاء الجبال الرواسي فيها وإنبات أنواع النباتات الحسنة البهيجة وتنزيل الأمطار وإنبات الزروع والأشجار والجنات الرائقات والنخيل الباسقات وإحياء البلاد وإهلاك بعض القرون السابقة بسبب تكذيب رسلهم مثل قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع إلى غير ذلك من الامور المذكورة في سورة ق * (لذكرى) * أي لتذكرة * (لمن كان له قلب) * أي عقل وإطلاق القلب على العقل شايع لغة وعرفا وبذلك فسره القراء أيضا في هذه الآية ومن قال: قلب واع يتفكر في الحقايق. أراد به ما قلنا لأن التفكر من صفات العقل (2) دون العضو المخصوص المتشكل بشكل مخصوص صنوبري لأن ذلك موجود في الصبيان والمجانين مع عدم تحقق التذكر لهم وفيه دلالة واضحة على أن غاية إيجاد هذه العالم وإنزال المواعظ الربانية والنصايح القرآنية ليست إلا أصحاب العقول الراسخة وهذا كمال المدح والتعظيم لهم. وقال * (ولقد آتينا لقمان الحكمة قال الفهم والعقل) * الفهم العلم تقول: فهمت الشئ إذا علمته والعقل الجوهر المجرد (3) الذي يدرك المعاني الكلية والحقايق المعنوية من عقل البعير عقلا إذا شد


1 - أما من طريق العامة اخرجه مسلم ج 7 ص 122 والدارمى ح 2 ص 432 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 109 وخصائص النسائي ص 30 ومسند أحمد ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59 وج 4 ص 356 و 381 بالفاظ مختلفة وأما من طريق الخاصة فمروى بطرق متعددة. 2 - قال الحكماء القوة المتخيلة أو المتصرفة ان كان تصرفهما بتدبير العقل سميت مفكرة وان كان بتدبير الوهم سميت متخيلة فالتفكر وان كان قوة من القوى الجسمانية لكن لا يكون تفكرا إلا بالعقل (ش). 3 - العقل: الجوهر المجرد هو الذي يقول به الحكماء والشارح قائل به كما صرح مرارا واما ما يفهم من بعض = (*)

[ 144 ]

بالعقال سمي به لأنه يمنع صاحبه عن ارتكاب ما لا ينبغي مثل العقال وإطلاق الحكمة عليهما إن كانت عبارة عما يمنع من الجهل كما صرح به في المغرب أو ما يمنع من قبيح ويؤدي إلى مكرمة كما صرح به أبن دريد ظاهر لأنهما يمنعان صاحبهما عن الجهل والقبيح وإطلاقها على الفهم إن كانت عبارة عن العلم مطلقا كما صرح به بعض أرباب اللغة أو عن العلم بالدين كما صرح به بعض العلماء أو عن معرفة حقائق الأشياء وأحوالها والتخلق بالأخلاق الحسنة على قدر الطاقة البشرية كما هو المعروف أيضا ظاهر وعلى العقل يعني العقل بالفعل من قبيل إطلاق الحال على المحل أو إطلاق الأثر على المبدء والمؤثر أو على اعتبار اتحاد بين العقل والمعقول (1) وقال القاضي: هو ابن اخت أيوب أو خالته وعاش حتى أدرك داود وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه، وقال بعض الأفاضل ناقلا عن كتاب عين المعاني: إنه تولد في عشر سنين من سلطنة داود (عليه السلام) وعاش إلى أن أدرك يوسف (عليه السلام) وقيل: إنه عاش ألف سنة، واختلف في نبوته فأكثر العلماء على أنه لم يكن نبيا، وقيل: كان حبشيا أسود اللون غليظ الشفتين وقيل: ذكر السجاوندي نقلا عن أهل السير أنه كان في بيته وقت القيلولة إذ دخل جمع من الملائكة وسلموا عليه فأجابهم ولا يرى أشخاصهم، فقالوا: يا لقمان نحن ملائكة الله نزلنا إليك لنجعلك خليفة في الأرض لتحكم بين الناس بالحق قال إن كان هذا أمرا حتميا فالسمع والطاعة وأرجو منه أن بوفقني ويسددني وإن جعلني مخيرا فإني أريد العافية لا التعرض للفتنة فاستحسنه الملائكة وأحبه الله وزاده في الحكمة والمعرفة (2) ومن حكمته أنه صحب داود


= عباراته من عدم الدليل على وجود العقل الذي يقول به الحكماء فالمراد به بعض ما يلتزم به المشاؤن من كون عدد العقول عشرة وان كل عقل صدر منه فلك عقل وما يتوهمه الجاهل من تفويض الواجب فعله وقدرته إلى العقل وغير ذلك (ش). 1 - يعني اطلاق الحكمة على العقل لا يخلو عن تجوز بوجه، لأن الحكمة هي المعقولات واما العقل فهو آلة درك الحكمة لانفس الحكمة إلا أن يقال باتحاد العاقل والمعقول فيصح حقيقة فإن المعقولات نفس العقل حينئذ والاتحاد مذهب صدر المتألهين قدس سره والشارح يرتضى آرائه غالبا ويختارها في هذا الشرح ويعرض عما يحتاج اثباته إلى دفع المناقشات وتزييف الاعتراضات. (ش) 2 - هذا صريح في ان الحكمة التي أوتيها لقمان لم يكن من النبوة ولا علوم الشريعة المبنية على التعبد بالمنقول فانها لا تختص برجل دون رجل بل كل أحد يستاهل أن يوتيه الله علم الشريعة المنقولة بالسماع والحفظ وفي سورة لقمان حجة قاطعة على من ينفر عن النظر والحجة والادلة العقلية وعلم الكلام والحكمة وأمثالهما وربما يتعسف متعسف ويأول الحكمة الممدوحة في القرآن بعلم الشريعة نقلا وقد ذكرنا في حواشى منهج الصادقين أن مجلة لقمان الحاوية لبعض حكمه كانت معروفة عند العرب وكانت عند سويد بن صامت نسخة منها أراها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: عندي أحسن منه وقرأ عليه أشياء من القرآن. وقلنا هناك أيضا ان لقمان في رواية كان مصريا ونقل الطنطاوي أسامي جماعة من حكماء مصر القدماء

[ 145 ]

شهورا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت، وقال: الصمت حكمة وقليل فاعله وإن داود قال له يوما: كيف أصبحت فقال: أصبحت في يدي غيري مرتهنا بعملي، وأنه أمره بذبح شاة وأن يأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب ثم بعد أيام أمر بأن يأتي بأخبث مضغتين فأتى بهما أيضا فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب شئ إذا طابا وأخبث شئ إذا خبثا. * الأصل: " يا هشام إن لقمان قال: لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس وإن الكيس لدى الحق يسير، يا بني إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الايمان وشراعها التوكل وقيمها العقل ودليلها العلم وسكانها الصبر يا هشام إن لكل شئ دليلا ودليل العقل الفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شئ مطية ومطية العقل التواضع وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة. يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأما الباطنة فالعقول. يا هشام إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره ولا يغلب الحرام صبره. يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكره بطول أمله ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه. يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك. يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ورغب فيما عند الله، وكان الله انسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة وغناه في العيلة ومعزه من غير عشيرة. يا هشام نصب الحق لطاعة الله، ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة العلم بالعقل. يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.


= كشفوا أسماءهم وصحفهم في هذه العصور واحدهم اسمه قاقمه والله أعلم " ش ". (*)

[ 146 ]

يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم. يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض. يا هشام إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة فطلب بالمشقة أبقاهما يا هشام إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته. يا هشام من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين، فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا. * الشرح: (يا هشام إن لقمان قالا لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس) التواضع التذلل من الوضع وهو خلاف الرفع ويحصل ذلك بالاجتناب عن التكبر والافتخار وسائر المنهيات والاتيان بالأوامر والمصالح وسائر الخيرات والتمسك بحول الله وقوته في الحركات والسكنات ولا ريب في أن هذه خصلة عظيمة دلت على أن صاحبها من أعقل الناس لأن العقل هو الداعي إليها ويمكن أن يكون المراد أن تواضعك سبب لصيرورتك من أعقل الناس، ويؤيده ظاهر الشرط المقدر وتوجيه ذلك أن العقل من أفضل النعماء وشكرها التواضع وشكر النعمة يجلب الزيادة كما قال سبحانه * (ولئن شكرتم لأزيدنكم) * فالتواضع سبب لازدياد العقل وكماله * (وإن الكيس لدى الحق يسير) * الكيس - بفتح الكاف وتشديد الياء مع كسرها - من دان نفسه وعمل لما بعد الموت أي العاقل الذكي المتأني في الأمور وحسن عاقبتها، وقد كاس يكيس كيسا وكياسة يعني أن العاقل الذي يعمل بمقتضى عقله ويطلب ثواب الله ورضاه بتسديد قوتي العلم والعمل عند الحق قليل لظهور أن أكثر الناس تابع للنفس وهواها مشتغل بلذات الدنيا ومقتضاها كما نطق به الكتاب العزيز في مواضع عديدة والسنة النبوية في مواطن كثيرة، وهذا الحكم وإن كان ظاهرا لكن لما كان خلافه أولى صار بهذا الاعتبار محلا للانكار، فلذا أكده، ثم لا يبعد أن يكون الغرض من هذه الأخبار هو التنبيه على أن الاعتزال عن أكثر الناس أولى وأهم والفرار عنهم أحرى وأسلم، ويحتمل أن يكون الكيس - بفتح الكاف وسكون الياء - وهو العقل والذكاء وحسن التأني في الامور.

[ 147 ]

واليسير أيضا بمعنى القليل يعني أن عقل الرجل وذكاء وحسن تأنيه وتدبره عند ظهور الحق وموافاته قليل كما هو المشاهد في أكثر الناس والمعلوم بالنظر إلى أحوالهم. قيل: اليسير ضد العسير ومعناه أن كياسة الإنسان وهي عقله وفطانته سهل هين عند الحق لاقدر له وإنما الذي له قدر عند الله تعالى هو التواضع والمسكنة والخضوع والعجز والافتقار، فكل علم وكمال لا يؤدي بصاحبه إلى مزيد فقر وحاجة إليه سبحانه يصير وبالا عليه وكان الجهل والنقيصة أولى به ولذلك قيل غاية مجهود العابدين تصحيح جهة الامكان والفقر إليه تعالى فكل عالم كيس [ زعم ] أن له وجودا وكمالا غير ما هو رشح من رشحات بحر وجوده وتفضله (1) فهو في غطاء شديد وحجاب عظيم عن درك الحقيقة. (يا بني إن الدنيا بحر عميق) هذا تشبيه بليغ بحذف الأداة وحمل المشبه به على المشبه للمبالغة في الاتحاد ووجه التشبيه تغيرها وانقلابها واضرابها وعدم ثبات ما فيها من صور الكائنات كتغير البحر وانقلابه واضطرابه بالأمواج المتعاقبة أو إهلاك من دخل فيها وركن إليها ومشى عليها بقدم الضلالة والطغيان وأخذها بيد الجهالة والعصيان وهذا الوجه أظهر ولما كان وجوده في الأصل ظاهرا محسوسا بخلاف وجوده في الفرع أوضحه بقوله * (قد غرق) * أي هلك * (فيها عالم كثير) * لانهماكهم في لذاتها وانغمارهم في زهراتها واشتغالهم بشواتها وإغماض بصيرتهم عن الآخرة وأحوالها وتركهم ما يوجب النجاة عن عقباتها والخلاص من عقوباتها وجعلهم قوله تعالى * (ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) * من وراء ظهورهم ورضائهم باللذات الحاضرة الهالكة والمنافع المغوية الباطلة بغرورهم فكأنهم لم يسمعوا قوله سبحانه * (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * * (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) * وإنما خص العالم بالذكر لأن هلاكه محل التعجب وأما الجاهل فلا اعتناء به لعدم اتصافه بالحقيقة الإنسانية واللطيفة الروحانية، أو لأن حكمه يعلم بالأولوية وفي الكلام استعارة تبعية لأنه شبه الهلاك بالغرق واشتق منه فعل فوقع التشبيه في المشتق بتبعية المصدر وهي تأكيد لتشبيه الدنيا بالبحر باعتبار أنه أثبت المشبه في المشتق بتبعية المصدر وهي تأكيد لتشبيه الدنيا بالبحر إيماء لطيف إلى أنه يجب لأهلها أن لا يقصدوا الإقامة فيها والركون إليها، بل يجب لهم أن يقصدوا المرور منها إلى


1 - حققه صدر المتألهين اكثر كتبه وعليه مبنى حكمته فوجود الممكن ليس وجودا في نفسه وبنفسه ولنفسه بل هو نظير المعنى الحرفي الذي لا استقلال له ولا يمكن أن يتصور وحده من غير ان يتصور معه اسم أو فعل وأصل الوجود وحقيقته هو الله تعالى وما سواه ليس بشئ ومن لم يعرف ذلك فلم يعرف شيئا على ما ذكره الشارح (ش). (*)

[ 148 ]

ساحلها أعني دار الآخرة كما أن راكب البحر لا يقصد الإقامة فيه والركون إليه بل غرضه المرور إلى ساحله، ولما شبه الدنيا بالبحر وكان سائر البحر يحتاج إلى آلات للنجاة منه والوصول إلى الساحل سالما غانما كان السائر في الدنيا أيضا محتاجا في المرور منها والوصول إلى جناب الحق ونعيم الأبد إلى امور للنجاة منها، وقد بين هذه الامور وشبهها بتلك الآلات في كونها أسبابا للنجاة بقوله * (فلتكن سفينتك فيها تقوى الله) * وهي ملكة التجنب عن المعاصي والتنزه عما يشغل السر عن الحق وإنما شبهها بالسفينة لأن من اتصف بالتقوى وجلس فيها يطفو الدنيا ويأمن من الرسوب فيها كما أن جالس السفينة يطفوا البحر ويأمن من الرسوب فيه. * (وحشوها الإيمان) * بالله وبصفاته وأفعاله وبجميع ما أنزله إلى رسوله وإنما شبه الايمان بما في السفينة من المتاع وأنواع ما يتجر به لأنه حافظ للتقوى عن الانقلاب والاضطراب مثل ما في السفينة أو لأنه ينفع بعد الخروج من الدنيا، كما أن ما في السفينة ينفع جالسها بعد الخروج من البحر إذ لو خلت سفينة التقوى عن الايمان بقي صاحبها بعد خروجه من الدنيا فقيرا مضطرا متحيرا في أمره مستحقا للعذاب. وشراعها التوكل شراع السفينة بالفارسية بادبان كذا في المغرب والشين مكسورة، والتوكل إظهار العجز والاعتماد على الله والوثوق به في جميع الامور وتفويضها إليه وهو درجة عليه للعارفين ومنزلة رفيعة للسالكين، من وصل إليها بطلت عنه قيود الهموم، وتقشعت عنه سحائب الغموم، وارتفعت بواعث الاضطراب، وانقطعت عنه دواعي الاكتساب، وسبحت عليه مزن الأمن والايمان، وجلس على موائد الرحمة والرضوان وارتوى من حياض الفيوضات الربانية وشبع من موائد الكرامات الرحمانية وإنما شبهه بالشراع لأن سفينة التقوى المحشوة بالايمان لا تسير بدونه، إذ من لم يعتقد أن الامور كلها يجري بأمر الله والأرزاق كلها بيد الله وأنه المتكفل لها يعتقد بأسبابها ويشتغل بتحصيل تلك الأسباب فيمنعه ذلك عن السير إلى المقامات العالية وطلب الوصول إليها بالطاعات ويضعف اعتقاده بالمبدء كما أن غير المتوكل من المسافرين في هذه الدنيا يشتغل بتحصيل الأسباب وينتظر وجود القوافل والرفيق حذرا عن عدم القوت وخوفا عن قاطع الطريق فيبقى مقيما في آونة من الزمان منتظرا في مدة لحصول الأسباب واجتماع الإخوان. (وقيمها العقل) العقل (1) جوهر قلبي قابل لمعرفة الصانع وما يتعلق به، أي معرفة الآخرة وما يتعلق بها، وهو مبدء التقوى وبه ضبطها وحفظها وسيرها ونقل صاحبها إلى ساحة حضرة القدس وقرب


1 - العقل عند العامة عرض من العوارض النفسانية وعند الحكماء جوهر مستقل وهو الذي اختاره الشارح وأمور الآخرة تدرك بالعقل كما أن المبدء أيضا يعرف به ولذلك لم يكلف الحيوان وان قوى حواسه المدركة للجسمانيات بمعرفة المبدء والمعاد (ش). (*)

[ 149 ]

الحق فهو بمنزلة قيم السفينة وربانها (1) في إصلاحها وضبطها وحفظها من المفاسد والخلل الواردة عليها فكما أنه لو لم يكن للسفينة قيم لفسدت امورها وبطلت أوضاعها وتعطلت أحوالها بحيث لا تصلح لقطع البحر الزاخر ويصير أهلها مشرفا بالهلاك كذلك لو لم يكن للمتقى عقل ينهدم أساس تقواه إذ لم يتميز عنده الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، ومخاطرات الشيطان من إلهامات الرحمن. (ودليلها العلم) الدليل ما يهديك إلى شئ سمي العلم دليلا لأنه يدل العقل على الطريق المستقيم ويهديه إلى المنهج القويم كما أن دليل المسافرين يهديهم إلى سواء السبيل والكواكب دليل قيم السفينة وبه يهتدي إلى الطريق بل النسبة بين العلم والعقل أكد من النسبة بين الكواكب والقيم إذ العقل لا ينفك عن العلم فأن نسبته كنسبة النور إلى السراج ونسبة الرؤية إلى البصر. (وسكانها الصبر) السكان ذنب السفينة لأنها به تقوم وتسكن، والصبر في الأصل الحبس يقال: صبرت نفسي على كذا أي حبستها ويطلق على حبسها على الطاعة بأن يربطها عليها ليلا ونهارا ويقدم عليها سرا وجهارا، وعلى المصيبة بأن لا يجزع ولا يشكو، وعلى الفاقة والمسكنة بأن يرضى بها ولا يسأل غير الله سبحانه أصلا، وعلى الغنى بأن لا يغتر به ولا يتكبر ويؤدي الحقوق المالية وعلى المجاهدات الطويلة والرياضات الشديدة بأن يقوم عليها طلبا للوصول إلى المقامات العالية وعلى الأمراض والبلايا بأن يرضى بها ولا يشكو لها وإنما شبهه بالسكان لأنه كما يتوقف سير السفينة وتقويمها وتسديدها وتسكينها وثباتها بالسكان يعرف ذلك ربانها وقيمها بعلمه وتدبيره كذلك يتوقف سير سفينة التقوى إلى حضرة القدس وقرب الحق في تقويمها وتسديدها وتسكينها وثباتها بالصبر على الامور المذكور لظهور أن ارتقاء النفس من حد النقص إلى حد الكمال ومن المنازل البشرية إلى المنازل الإلهية لا يتحقق إلا بتحولات كثيرة (2) وانتقالات عديدة وانقلابات شديدة ومجاهدات عظيمة في مدة طويلة مع النفس المايلة إلى الراحة فيحتاج إلى صبر كامل وعزم ثابت ولذلك أمر الله سبحانه أشرف الكاملين الصديقين الراسخين بقوله * (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) * وتلك الامور ستة ضرورية (3) النجاة من العقوبة الدنيوية والاخروية، والفوز بالسعادة الدايمة الأبدية.


1 - ربان - كرمان - من يجرى السفينة. 2 - تعبير قريب التناول قابل لفهم أكثر الناس عن الحركة الجوهرية التي حققها صدر المتألهين وهي أحد اركان حكمته (ش). 3 - الستة الضرورية عند الاطباء هي الهواء والطعام الشامل للمشروب والنوم واليقظة والحركة والسكون والاستفراغ والاحتباس والاعراض النفسانية وهي ضرورات الحياة الجسدانية والتحول والانتقال والانقلاب والمجاهدة مع الصبر والعزم سنة ضرورية للحيوة العقلانية (ش). (*)

[ 150 ]

(يا هشام إن لكل شئ) وهو يطلق على الموجودات أو على المعدومات أيضا عند المحققين (دليلا) وهو الموجودات عبارة عما يقتضي وجودها أو العلم بها من الأسباب والشرائط والآثار، وإنما سمي هذا دليلا لأن الأشياء بسببه تنتقل من العدم إلى الوجود كما أن المسافر بالدليل ينتقل من بلد إلى بلد، وأما المعدومات فدليلها (1) عدمي أعني عدم ما يقتضي وجودها فإنه سبب لنقل العدم من آن إلى آن آخر، ومن زمان إلى زمان آخر (ودليل العقل التفكر) في أبواب المعارف وأحوال المبدء والمعاد وما يتبعهما وإنما صار التفكر دليل العقل لأن العقل بسببه ينتقل من عالم الجهالة والسفالة الذي هو منزل الإدبار والمسخ عند أصحاب القلوب النورانية إلى العلم الحقيقي والعالم العلوي فيستريح عن اللواحق الناسوتية ويتحلي بالفضايل اللاهوتية وهذا المعبر عنه بالإقبال كما في بعض الأحاديث (ودليل التفكر الصمت) أي السكوت عما لا يعني، لأن التفكر أعني حركة الروح النورانية القابلة للمطالب العالية من المبادي إلى تلك المطالب إذا أخذت في الاستدلال أو إدراكهما معا إذا كانت لها رتبة المكاشفة يتوقف على سد طرق الحواس ويحتاج إلى المنع من دخول الأغيار في القلب أما على الأول فلأن مشرب القلب على ذلك التقدير ضيق جدا فلا يرد فيه من لطايف المعاني إلا واحد بعد واحد، فإذن دخول الغير من طرق الحواس يمنع ورودها فيه قطعا، وأما على الثاني فلأن القلب لغاية صفائه ونهاية ضيائه يتأثر سريعا من أنفاس تلك الأغيار وأكدارها فلا ينطبع فيه صور هذه المطالب ومن جملة الحواس اللسان وهو أعظهما فإنه يتناول كل موجود ومعدوم ومعلوم وموهوم ويتعرض له بنفي وإثبات وهذه الحالة لا توجد في غيره فإن اليد لا تصل إلى غير الأجسام والاذن لا تصل إلى غير الأصوات وكذا القياس في البواقي فلذلك خص الصمت بالذكر تنبيها على اعتبار حال سائر الحواس أيضا فإذن الصمت مما يتوقف عليه التفكر وهو دليله في انتقاله من القوة إلى الفعل. (ولكل شئ مطية ومطية العقل التواضع) المطية الدابة التي تمطو في سيرها أي تجد وتسرع والجمع المطايا والمطي والامطاء، وفي النهاية هي الناقة التي يركب مطاها. أي ظهرها يعني لكل شئ في انتقاله من العدم إلى الوجود أو من القوة إلى الفعل أو من حالة أنقص وأدنى إلى حالة أرفع وأعلى سبب هو كالمطية له وسبب انتقال العقل من القوة الذاتية الفطرية إلى العقل بالفعل ومن عالم الغواشي الجسمانية إلى عالم المجردات (2) هو التواضع لله سبحانه والتذلل له


1 - الدليل سبب لانتقال الذهن إلى المدلول وبهذا الاعتبار يسمى دليلا والعدم الصرف لا يمكن ان يتصور فلا ينتقل إليه الذهن إذ التصور نحو من الوجود والعدم إذا تصور ودل عليه فله نحو من الوجود (ش). 2 - اشار إلى ما حققه الحكماء من أن لنفس الإنسان اربع مراتب من العقل الهيولاني إلى العقل بالفعل ومن

[ 151 ]

عند الوقوف على معارفه والعكوف على نواهيه وأوامره فمن ورد في مكان المعارف والأحكام ولم يتواضع له تعالى فقد فقد مطيته للحركة إليه والنزول بين يديه فيبقي تائها متحيرا في ذلك المكان أو يرجع مدبرا بتطاول الأعادي وإغواء الشيطان. وقيل تحقيق هذا الكلام: أن لكل شئ طبيعة متوجهة إلى غايتها وله مادة حاملة لقوتها واستعدادها نحو كمال هي بمنزلة الراحلة (1) له ومادة العقل هي النفس وكل مادة تستعد لكل صورة كماليه فانما تستعدها لكونها في نفسها خالية عن الفعلية والوجود الذي من جنسها وإلا لم تكن قابلة فكذلك النفس ما لم تصر موصوفة بصفة التواضع والفقر لم تصر مطية للعقل الذي هو الصورة الكمالية التي بها تصير الأشياء معقولة للانسان فليتأمل وفي صدر هذا الكلام استعارة مصرحة وفي آخره تشبيه بليغ (وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه) ارتكاب المنهي عنه من آثار الجهل وعلاماته وقد شبهه بالمركوب لأن الإنسان بسببه يتقلب في عالم اللذات الجسمية وينتقل إلى أسفل السافلين كما أنه بالتواضع لله وانقياد أحكامه والعمل بها يتقلب في عالم المجردات ويرتقى إلى أعلى عليين، ففي الكلام استعارة مصرحة وذكر الركوب ترشيح وقيل في بيان هذا الكلام أن جميع المناهي امور محسوسة ولذات جسمانية واشتغال النفس بها يوجب تقيدها بالصور الجسمية فيحجب العقل عن إدراك الصور العقلية لأنها تضاد تلك الصور، وينبغي أن يعلم أن العقل إما مستقيم أو راجع أو مقيم والاستقامة بأن يسير إلى أعلى عليين ومركبه التواضع، والرجوع بأن يسير إلى أسفل السافلين ومركبه المناهي، والاقامة بأن يقف في هذا العالم ويشتغل بالمباحات، وهذا وإن كان مذموما من حيث أنه مفوت للمقصود ولكنه غير مذموم من حيث أنه لم يشتغل بالمناهي وغير ممدوح من حيث أنه لم يتصف بالتواضع فلذا لم يذكره (عليه السلام) واقتصر على الأولين لأن المدح والذم إنما يتعلقان بهما وينبغى أن يعلم أيضا أن الجهل عند العترة (عليهم السلام) هو ارتكاب المناهي وإن كان المرتكب لها عالما بل هو عندهم في الحقيقة أجهل والذم المتعلق به أشنع وأكمل فمن ادعى كونه عالما عاقلا واختار الدنيا وشهواتها وآثر الزهرات الفانية ولذاتها فهو مفتون بالضلالة وملتبس بلباس الجهالة.


التجسم إلى التجرد وان النفس في هذه المرتبة مجردة (ش). 1 - الممكن قسمان أحدهما ما يتغير عن حاله ويطلب كمالا آخر كالبذر يصير نباتا، والثاني مالا يتغير وجميع ما يمكن له من الكمال حاصل من اول خلقته والقسم الاول يحتاج إلى مادة بها يستعد لقبول الكمال كما ثبت في الحكمة والإنسان قابل للكمال فله مادة ومادته النفس الهيولانية وهي جسمانية إذا المراد به النفس المنطبعة لا النفس المجردة والنفس المنطبعة عقل بالقوة لا بالفعل. (ش) (*)

[ 152 ]

(يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله) أي ليعرف العباد ويعلموا بتعليم الرسل وتفهيمهم من الله مالا يعلمون من عند أنفسهم أو ليؤدي الرسل عنه ما لزمه من هداية عباده وإرشادهم إلى دين الحق من عقلت عن فلان إذا أديت عنه ما لزمه (فأحسنهم استجابة) أي أحسن العباد أو أحسن الرسل استجابة لله تعالى بالطاعة والاجتهاد والصبر والانقياد وكذا ضمير الجمع في الفقرات الآتية يحتمل الأمرين إذ كما أن درجات العباد متفاوتة كذلك درجات الرسل كما نطقت به الآيات والروايات الكثيرة (أحسنهم معرفة) بالله وآياته وغيرها من مصالح الدنيا والآخرة، وذلك لأن حسن الاستجابة تابع لحسن المعرفة فكلما زاد حسن الأصل زاد حسن الفرع (وأعلمهم بأمر الله) يعني أحسنهم معرفة بأحكامه وشرايعه (أحسنهم عقلا) لأن حسن العلم والمعرفة تابع لحسن العقل (وأكملهم عقلا) يعني أحسنهم عقلا وإنما عبر عنه بذلك للتفنن وللتنبيه على أن حسن العقل بكماله في العلم بالموجودات والاحاطة بالمعقولات (أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة) لأن تفاوت الدرجات فيهما غاية أخيرة للامور المذكورة وتفاوت الغاية في الكمال والنقصان باعتبار تفاوت ذي الغاية فيهما وهذا الحديث على ما قررناه من باب القياس المفصول النتايج ينتج أن أحسنهم استجابة أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة (1) وفيه مدح عظيم للعقل حيث جعله أصلا لجميع الخيرات ومبدء للتفاضل في الدرجات كما يظهر ذلك بالتأمل الصادق لأنه جعل كمال الدرجات في الدنيا والآخرة الاستجابة كما يقتضيه مضمون النتيجة، وجعل كمال الاستجابة تابعا لكمال المعرفة وكمال المعرفة تابعا لكمال العقل فيفهم منه أن العقل أصل لجميع الكمالات ومبدء للتفاضل في الدرجات. (يا هشام إن لله على الناس حجتين) أي دليلين (حجة ظاهرة) مشاهدة (وحجة باطنة) مستورة (فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأما الباطنة فالعقول) لما خلق الله جل شأنه النفوس البشرية واسطة بين النجدين، مستعدة لسلوك الطريقين طريق الخير وطريق الشر. قابلة للضدين من الصفات الشريفة والسمات الرذيلة مايلة إلى اكتساب الحسنات متشوقة اقتراف السيئات لما فيها من اللذة الحاضرة والمنفعة الظاهرة وأيدها بالقوى الشهوية والغضبية وغيرها من القوى الطبيعية الداعية إلى الشر الناهية عن الخير كانت النفوس لذلك ولما يوحى إليها إبليس وجنوده من الشر أقرب ومن الخير أبعد فالله سبحانه أخذ باعهم برحمته في تيه الضلالة بتبيين المنهج وتعيين الحجج، فجعل عليهم حجتين إحديهما ظاهرة والاخرى باطنة، أما الظاهرة فهم الأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السلام) لأنهم أنوار ساطعة في بلاده وبراهين ظاهرة في عباده يدعونهم إلى


1 - والعاقل اكثر ثوابا في الآخرة كما يأتي ان شاء الله تعالى (ش). (*)

[ 153 ]

سبيل النجاة ويخرجونهم من غياهب الظلمات (1) ويحركونهم من حضيض النقص والوبال إلى أوج الفضل والكمال، فمن تبعهم فقد اهتدى ومن تخلف عنهم فقد غوى، وأما الباطنة فهى العقول لأن بها تميز الحق من الباطل والصواب من الخطاء والسعادة من الشقاوة، والحسن من القبيح والخير من الشر وتأمرهم في كل ذلك باتباع أشرف المناهج وأقوم السبل واستماع ما يتلو عليهم الأنبياء والرسل، ويحكم بأن في ذلك حسن عاقبتهم وسعادة خاتمتهم كل ذلك ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. (يا هشام إن العقل الذي لا يشغل) من شغل لامن أشغل فإنه لغة ردية والموصول خبر " ان " (الحلال) وهو كل ما يجوز التصرف فيه والانتفاع به شرعا وعقلا من الأموال والأزواج وغيرها (شكره) أي صرف اللسان في مدح المنعم والثناء عليه، وصرف جميع الجوارح فيما خلقن لأجله كصرف اللسان في الثناء والتعظيم وصرف البصر في مطالعة المصنوعات ليستدل به على وجود الصانع ووحدته وقدرته وحكمته وتدبيره وصرف القلب في التفكر في ذاته وصفاته ودقائق حكمته وآثار قدرته، وبالجملة العاقل من لا يمنعه كثرة نعم الله عليه ووفور أياديه لديه عن ذكر الله في جميع الأحوال والأزمان، وعن الاقرار له بالعظمة والجود والاحسان، وعن التذلل له والتخشع لديه وجلب المزيد منه، والتضرع إليه كما قال سبحانه * (يا أيها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون) * (ولا يغلب الحرام) هو كل مالايجوز التصرف فيه شرعا أو عقلا (صبره) في الفاقة والجوع والشدايد، ولا يخرجه التمكن من اكتساب الحرام عن سنن الشرائع واصول القواعد ولا يقطع عنان اصطباره شموس النفس وجموح (2) الطبيعة بل يقمع نفسه بالمواعظ الحسنة ومقامع النصيحة ويرجو في ذلك أجر الصابر الحزين ومحبة رب العالمين كما قال سبحانه * (إن الله يحب الصابرين) *. (يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله) كأنما أصله أن دخلت عليه كاف التشبيه وألحقت به " ما " الكافة فلذلك وقع بعده الفعل. والهدم مصدر، هدم البناء أي نقضه وكسره، ففيه إستعاره تمثيلية لتشبيه الصورة المعقولة بالصورة المحسوسة لزيادة الايضاح والتقرير أو استعارة مكنية لتشبيه العقل بالبيت في أنه يكن صاحبه ويصونه من المكاره واستعارة تخييلية باثبات الهدم له، وإنما أدرج لفظ كأن وأعان ولم يقل: فقد هدم عقله للتنبيه على أن تسليط الثلاث على الثلاث إنما يوجب هدم المسلط عليه حقيقة إلا


1 - الغيهب - كزيبق - الظلمة، الشديد السواد من الخيل والليل، جمعه غياهب. 2 - الشموس والجموح بضم الشين والجيم مصدران لهما بفتحهما وزان چموش وبمعناه. (*)

[ 154 ]

أن المسلط عليه لما كان من خصال العقل كما ستعرفه في التفصيل فكان هدم ذلك هدمه ويحتمل أن يكون كان ههنا مستعملا العلم بثبوت الخبر من غير قصد إلى التشبيه ويؤيده قوله في آخر التفصيل " ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه " (من أظلم نور تفكره) في أحوال المبدء والمعاد، والاضافة من باب لجين الماء، لأن التفكر يشبه النور في الايصال إلى المطلوب أو بتقدير اللام والمراد بالنور العلوم الحاصلة من التفكر (بطول أمله) فيما لا ينبغي من المقتنيات الفانية المورثة لنسيان الآخرة وخمود التفكر وهو معنى الاظلام وذلك لأن طول توقع الامور المحبوبة الدنيوية يوجب دوام ملاحظتها الموجب لدوام إعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة وهو يوجب انمحاء ما تصور في العقل من تلك الأحوال وذلك معنى النسيان وخمود نور التفكر ولذلك قيل: الدنيا والآخرة ضرتان لأن محبة إحديهما (1) توجب الاضرار بالأخرى (ومحا طرايف حكمته) عن لوح العقل، قال بعض الحكماء: الحكمة شئ يجعله الله تعالى للقلب فينوره حتى يدرك به المشروعات والمحظورات ويعلم المعقولات والمستحيلات، كما أن البصر شئ يرى به المحسوسات، وسمى ذلك الشئ المنور للقلب حكمة تشبيها له بحكمة اللجام وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس في منع صاحبه من الخروج عن طريق الصواب. والطرائف جمع طريف وهو كل شئ مستحدث يعجبك، والاضافة إما بيانية أو من باب جرد قطيفة أو لامية بأن يراد بالطرائف العلوم والادراكات النابعة لذلك النور (بفضول كلامه) الفضل الزيادة وقد غلب جمعه على مالاخير فيه حتى قيل: شعر فضول، وقيل: لمن يشتغل بما لا يعينه: فضولي، والتكلم بما لا يعني سبب لمحو الحكمة وطرائفها لأن اللسان ينبوع القلب فإذا اعتادا المتكلم باللغو وتقاطر منه ذلك أفاض ذلك على القلب وهو يغسل الحكمة عنه ويمحوها. ولأن مشرب القلب ضيق كلما دخل فيه شئ يخرج منه ضده ولو لم يخرجه بقي شئ مختلط من الحق والباطل وهذا ليس بحكمة كما أن قليلا من الماء إذا خالطه دم كثير لا يسمى هذا المختلط ماء، وأكثر الشبهات مبدؤها ذلك المختلط، وأيضا من أكثر الكلام في مجلس العوام يجد لنفسه في تأثير قلوبهم حلاوة ولذة فإذا دام على ذلك يميل طبعه الخسيس إلى كل كلام مزخرف يرو جونه وإن كان باطلا ويتنفر عن كل كلام يستثقلونه وإن كان حكمة فيصرف همته إلى ما تحرك قلوبهم ليعظم منزلته عندهم فلا محالة ينمحي طرائف الحكمة عن قلبه لأن الذي يؤثر في قلوبهم ليس إلا ما فهموه


1 - ان التوجه إلى الأمور الدنيوية يوجب انمحاء ما تصور في العقل من احوال الآخرة، فالدنيا ضرة للاخره والضرنان امرأتان تحت زوج واحد إذا اقبل على احديهما اعرض عن الأخرى، والعقل يناسب الآخرة والحس يناسب الدنيا فإن الأمور الاخروية لا تدرك هنا إلا بالعقل والحس خاص بادراك ما في الدنيا (ش). (*)

[ 155 ]

وما فهموه ليس من الحكمة في شئ وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه العبرة هي ملاحظة أحوال الماضين والاتعاظ بما كانوا فيها من نعيم الدنيا ولذاتها والمباهات بكثرة العشيرة والأولاد والافتخار بكثرة أسبابها ومقنياتها، ثم مفارقتهم لذلك كله بالموت الذي هو هادم اللذات وكاسر الفقرات وبقاء الحسرة والندامة لهم حجبا حائلة بينهم وبين الرحمة الإلهية، وكل من اتصف بالعبرة ومارسها حتى صارت ملكة يحصل في قلبه نور يهديه إلى الآخرة وما يوجب تعميرها من الأعمال الصالحة والصفات الفاضلة ومن تبع النفس الأمارة بالسوء وشهواتها ورتع في مرعى ضلالتها ولذاتها حصل في قلبه ظلمة شديدة وغشاوة عظيمة مانعة عن دخول نور الاعتبار ونور الاستبصار، ومن سلط هذه الخصال الثلاث التي بناء الهوى والجهل عليها أعني طول الأمل وفضول الكلام والشهوات النفسانية على الخصال التي بناء العقل عليها أعني نور التفكر وطرايف الحكمة ونور العبرة (فكأنما أعان هواه) وهو ميل النفس الأمارة بالسوء إلى ما يقتضى طباعها من اللذات الدنيوية الغانية إلى حد الخروج من حدود الشريعة (على هدم عقله) وهو نور يسلك به الإنسان طريق الجنان وعبادة الرحمن فيصل إلى السعادة التامة الكبرى وهي مشاهدة الحضرة الربوبية ومجاورة الملاء الأعلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وذلك لظهور أن أتباع النفس الأمارة بالسوء لميولها الطبيعية وسيرها في سبيل هواها واشتغالها باستيفاء مقتضاها أشد صدمة على العقل وأقوى ظلمة في طمس نوره، وأكمل جاذب له عن طريق الحق، وأظهر ساد له عن قصد الكمالات والترقي في ملكوت السموات كما نقل عن سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) " ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه (1) " (ومن أفسد عليه عقله أفسد عليه دينه ودنياه) أما إفساد الدين فلان استقامته إنما هي بادراك أحوال المبدء والمعاد والتصديق بها والعمل بما ينبغي أن يعمل والانزجار عما ينبغي أن يترك، والمدرك لهذه الامور والدليل عليها والحاكم بحقيقتها إنما هو العقل فإذا فسد العقل فسد الدين وأما إفساد الدنيا مع أنه روي عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده (عليه السلام) قال: " وكل الرزق بالحمق، ووكل الحرمان بالعقل " (2) وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أن العقل ما عبد الرحمن واكتسب به الجنان " (3) وأما الذي يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية بالمكر والحيل مثل ما في معاوية وأضرابه فتلك شيطنة ونكراء وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل، فوجهه أمران: الأول: أن الدنيا المعتبرة عند أهل البيت (عليهم السلام) هي التي تكون معبرة يعبر بها إلى الآخرة كما دل عليه


1 - رواء الصدوق في الخصال أبواب الثلاثة. 2 - رواه الكليني في كتاب الروضة تحت رقم 277 وزاد " ووكل البلاء بالصبر " 3 - الكافي كتاب العقل والجهل تحت رقم 3. (*)

[ 156 ]

قولهم: " الدنيا مزرعة الآخرة " (1) فالدنيا عندهم ما يهيئ به المؤمن أمر آخرته ويجعله وسيلة إلى تحصيل فوائدها وذريعة إلى تكميل عوائدها، وظاهر أن هذه الدنيا لا يمكن استقامتها ولا يتيسر استفادتها بدون العقل، إذ غير العاقل لا يأمن وقوعه في الشبهات ووروده على المحرمات واستقراره في المهلكات. الثاني: أن كثرة الرزق وحصول الدنيا وإن كان منوطا بالبطالة والحماقة ومربوطا بالسفاهة والجهالة لكن الأحمق لا يأمن وقوعه في أشنع المهالك وسلوكه في أقبح المسالك وتورطه في أعظم الشدائد والمكاره الموجبة لهلاكه وفساد دنياه كما يشهد به المشاهدة. (يا هشام كيف يزكو) أي كيف يطهر عن أعراض الدنيا وشوائب النقصان أو كيف يزيد وينمو عند الله (عملك وقد شغلت قلبك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك) بالتسليط المذكور في الكلام المتقدم يعني لا يكون عملك طاهرا ومطهرا أو ناميا زاكيا عند الله تعالى وأنت على هذه الصفة لأنك إذا قمت بين يديه ولا يكون قلبك متوجها إليه بل يكون شاغلا عن أمر الله وفارغا عن ذكر الله وغافلا عن عظمة الله وتاركا لأحكام العقل ومقتضاها وتابعا للنفس الأمارة وهواها كنت تعبد بحسب الظاهر إلها وبحسب الحقيقة إلها آخر لأن أصل العبادة هو الطاعة والانقياد ولذلك جعل الله سبحانه اتباع الهوى والانقياد له عبادة فقال جل شأنه * (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) * وجعل طاعة الشيطان عبادة له فقال: * (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) * وفي بعض الروايات " إن إطاعة أهل المعاصي عبادة لهم " (2) " وإن من أصغى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق يؤدي عن الله فقد عبد الله وإن كان يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان " (3) وهذا هو الشرك الخفي عند العارفين ولئن نزلنا عن ذلك فلا شبهة في أنه يفوتك حيئذ حقيقة العبادة وروحها الذي به تصعد العبادة إلى الدرجة العليا والمرتبة العظمى من الشرف والقبول فلا يكون عبادتك مأمونة عن طرء البطلان ولا مصونة عن شوائب النقصان ولا قابلة للزيادة والنماء عند ما يأخذ العابد بواحدة عشرة أمثالها أو ما زاد في يوم الجزاء. فلا بد لك أيها العاقل أن تقتل هواك بسيف عقلك وتوجه قلبك إلى أمر ربك وتعبده كأنك تراه، وهذه المرتبة مقام المشاهدة وفي أعلى منازل العابدين ولو لم يكن لك هذه المرتبة فلا أقل تعبده وفي


1 - اخرجه الديلمي في مسند الفردوس كما في كنوز الحقايق للشيخ عبد الرؤف المناوي تحت عنوان الدال. 2 - روى الكليني في الكافي كتاب الايمان والكفر باب الشرك تحت رقم 8 عن أبي عبد الله (عليه السلام) " من أطاع رجلا في معصية الله فقد عبده ". 3 - رواه الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول ص 456 عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) وفيه " ابليس " مكان " الشيطان " في الموضعين. (*)

[ 157 ]

قلبك أنه يراك وهذه المرتبة مقام المراقبة وهي أوسط منازل المقربين ومع ذلك تكون خايفا خاشعا متضرعا راجيا إلى رحمته لعلك تكون من المفلحين، وفي هذا الكلام دلالة واضحة على أن قبول الأعمال وصلاحها وكمالها وطهارتها ونموها إنما هو بالعقل الكامل المتأمل في عظمة الله وقدرته وسطوته وسلطنته وغلبته على جميع الممكنات، وأما الجاهل المغرور المطيع للنفس وهواها الغافل عن أوامر ربه ومقتضاها فهو عبد لئيم، وعمله ساقط هابط سقيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. (يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل) لأن الإنسان مدني بالطبع وله ميل إلى بني نوعه في التأليف والتودد والاستيناس بهم والمشاركة معهم في طلب المعاش وساير ما يحتاج إليه فإذا ترك ذلك كله لعلمه بأنه يوجب منقصة في دينه وضعفا في يقينه وآثر الوحدة على الكثرة ورجح الفرقة على الالفة للتحرز عن مشاركتهم في أفعالهم الشنيعة وأطوارهم الدنية علم أنه قوي في العقل والتدبير في أمور الآخرة لأن ذلك من آثار العقول الكاملة (فمن عقل عن الله) أي فمن عرف الله وعرف ذاته وصفاته وما يجوز له وما يمتنع عليه وأحكامه وشرايعه وأحوال الآخرة وشدة فاقة الناس وكثرة احتياجهم إليه يوم القيامة الذي يشتغل فيه الأبرار بأنفسهم فضلا عن الأشرار (اعتزل عن أهل الدنيا والراغبين فيها) وهم الذين يؤثرون الدنيا وزهراتها ويبذلون الجهد في اقتنائها وادخار ثمراتها كما هو المشاهد من أبناء الزمان الذين يجيبون دواعي النفس في منازل الطغيان ويقتفون آثارها ويسمعون وساوس إبليس في مراحل العصيان ويطأون أدبارها كما هو المعلوم من أرباب الفسوق والكفران، وفيه دلالة على شيئين أحدهما أن الاعتزال إنما للعاقل العالم بمعالم دينه وأما الجاهل فاللايق بحاله أن يخالط الناس ويشتغل بطلب العلم فإن أمكنه في بلده وإلا فليطلبه في بلد آخر كما قيل: " اطلبوا العلم ولو بالصين " (1). الثاني: أن الاعتزال مطلوب عن أهل الدنيا وأهل العصيان لاعن أهل الآخرة، فإنهم أولياء الله وأنصاره في دينه، والتوصل بهم يوجب الاستنارة بنورهم والاستضاءة بضوئهم (ورغب فيما عند الله) من الخيرات والأنوار الإلهية والاشراقات العقلية والا بتهاجات الذوقية والترقيات الروحية، إلى غير ذلك مما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا بأس أن نشير إلى العزلة وأقسامها وشئ من فوائدها ومنافعها إذ ذكر جميع فوائدها متعذر لأنها ذوقية حاصلة لأرباب العزلة بعد الممارسة في مدة طويلة لمجاهدات شديدة فنقول:


1 - ظاهر كلام المؤلف أنه من كلام غير المعصوم لكن رواه العقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب من حديث عائشة، وابن عبد البر وفي العلم من حديث أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله). (*)

[ 158 ]

العزلة من الناس أقسام: الاول: وهو أدناها أن يكون بينهم ولا يكون معهم بل يكون وحيدا غريبا مستوحشا منهم ولا يجالسهم وإن جالسهم أبغضهم كما روي عن الصادق (عليه السلام) قال: " إذا ابتليت بأهل النصب ومجالستهم فكن كانك على الرضف (1) حتى تقوم فإن الله يمقتهم ويلعنهم فإذا رأيتهم يخوضون في ذكر إمام من الأئمة فقم فإن سخط الله ينزل هناك عليهم " (2). الثاني: وهو أوسطها أن يسكن في بيته ولا يخرج إليهم أصلا ولا يركن إلى مجالستهم ومقاولتهم كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال " يا أيها الناس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس فطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعة ربه، وبكى على خطيئة " (3) وكما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين سأله عن عقبة بن عامر الجهني عن طريق النجاة أنه قال له: " ليسعك بيتك وأمسك عليك دينك وابك على خطيئتك " (4). الثالث: أن يخرج إلى الصحاري وقلل الجبال وشعبها ويعبد الله ربه حتى يأتيه اليقين كما قيل له (صلى الله عليه وآله) " أي أفضل: فقال: " رجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره " (5) وقال (عليه السلام) " إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي " (6) والاخبار الدالة على مدح المعتزلين من طرقنا وطرق العامة أكثر من أن تحصى وفوائدها كثيرة منها الفراغ لعبادة الله تعالى والذكر له والاستيناس بمناجاته والاستكشاف لأسراره في امور الدنيا والآخرة من ملكوت السموات والأرض ولذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتعبد بجبل حراء ويعتزل به حتى أتته النبوة.


1 - الرضف: الحجارة المحماة على النار. 2 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب مجالسة أهل المعاصي تحت رقم 13. 3 - أورده الشريف الرضى في النهج في خطبه (عليه السلام) تحت رقم 174 أوله " انتفعوا ببيان الله " وقال بعض الشراح في هذا الكلام ترغيب في العزلة عن اثارة الفتن واجتناب الفساد وليس ترغيبا في الكسالة وترك العامة وشأنهم فقد حث أمير المؤمنين (عليه السلام) - في غيره هذا الموضع - على مقاومة المفاسد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. 4 - رواه الترمذي ج 9 ص 247 وحسنه، واحمد ج 4 ص 148. 5 - تمام الخبر كما رواه أحمد في مسنده ج 3 ص 477 باسناده عن كرز بن علقمة الخزاعي قال أتى النبي (صلى الله عليه وآله) أعرابي فقل يا رسول الله هل لهذا الامر من منتهى، قال " نعم فمن أراد الله به خيرا من أعجم أو عرب أدخله عليهم ثم تقع فتن كالظلل يعودون فيها اساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض وافضل الناس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشعاب يتقى ربه تعالى ويدع الناس من شره " ورواه البخاري ج 4 ص 18 وابن ماجه تحت رقم 3978 كما في المتن. 6 - اخرجه أحمد في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص بسند صحيح كما في الجامع الصغير. (*)

[ 159 ]

ومنها: الاخلاص في العبادة وتبعيدها عن تطرق احتمال السمعة والرياء كما روي عن الباقر (عليه السلام): " لا يكون العبد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كلهم إليه فحينئذ يقول: هذا خالص لي فيقبله بكرمه " (1). ومنها: صرف القلب عن غير الله وهي نعمة عظيمة وفائدة جليلة كما قال الصادق (عليه السلام) " ما أنعم الله عز وجل أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله عز وجل غيره ". ومنها: الأمن من نزول العذاب عليه عند نزوله بساحة الظالمين كما روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنه نهى رجلا من أصحابه عن مجالسة خالد وهو من أهل الضلال فقال: أي شئ علي منه إذا لم أقل ما يقول ؟ فقال (عليه السلام): أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا، أما سمعت بالذي كان من أصحاب موسى وكان أبوه من أصحاب فرعون، فلما لحقت خيل فرعون موسى تخلف عنه ليعظ أباه فيلحقه بموسى فمضى أبوه وهو يراغمه حتى بلغا طرفا من البحر فغرقا جميعا، فأتى موسى الخبر فقال عوفي: رحمه الله ولكن النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمن قارب المذنب دفاع " (2). ومنها: الاتقاء عن مواضع التهمة والريبة كما روي عن الصادق (عليه السلام) قال: " لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المرء على دين خليله وقرينه (3) وعنه (عليه السلام) قال: قال " أمير المؤمنين (عليه السلام): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقوم مكان ريبة " (4). ومنها: التخلص عن المعاصي إذ الخلطة لا يخلو عنها غالبا كالغيبة والكذب والسب والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها. ومنها: الخلاص من شرهم فإنهم كثيرا ما يؤذون جليسهم بالاستهزاء والغيبة والتهمة والبهتان وافتراء الأقوال والأعمال عليه. ومنها: النجاة من خبث مشاهد الثقلان والحمقاء وقبح ملاحظة أطوارهم وأخلاقهم فقد قيل للأعشى: لم أعشت عينك ؟ قال: من النظر إليك ومن النظر إلى الثقلاء ولهذه الوجوه من الأدلة والفوائد ذهب جماعة من المحققين والعارفين إلى أن العزلة أفضل من المخالطة ذهب طايفة إلى العكس


1 - نقله ابن فهد الحلي في عدة الداعي في مبحث الاعتزال عن الناس. 2 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب مجالسة أهل المعاصي تحت رقم 2. 3 - الكافي كتاب العشرة باب من يكره مجالسته ومرافقته تحت رقم 10. 4 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب مجالسة أهل المعاصي تحت رقم 1. (*)

[ 160 ]

لقوله تعالى * (وألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) * وقوله تعالى: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * ومعلوم أن الزلة تنفي تألف القلوب وتوجب تفرقها ولقوله (صلى الله عليه وآله) " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " (1) وقوله (صلى الله عليه وآله) " لا هجرة فوق ثلاث " (2) وقول الصادق (عليه السلام) " لا خير في المهاجرة " (3) إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على الأمر بالتصافح والتعانق والتعاشر والاجتماع، وعلى النهي عن المهاجر وقطع الرحم والتباعد والافتراق ولكثرة منافع الخلطة وفوائدها التي لا توجد في العزلة مثل التعليم والتعلم والتأديب والتأدب والنفع والانتفاع والإمداد في المهمات وفضيلة الجمعة والجماعة والزيارة والتبرك برؤية العلماء والصلحاء والعبرة بمشاهدة الأحوال وكسب الأخلاف المرضية من أهلها وثواب التأهل والنكاح وتكثير الأولاد إلى غير ذلك من المنافع الدنيوية والاخروية، وينبغي أن يعلم أن كلا الاحتجاجين صحيح ولكن ليست العزلة أفضل من المخالطة مطلقا ولا المخالطة أفضل من العزلة مطلقا، بل كل في حق بعض الناس وفي بعض الأوقات بحسب المصالح، إذ لكل منهما مصالح وشرائط متفاوتة بحسب تفاوت الأشخاص والأوقات. وقد مر أن من شرايط الاعتزال أن يبلغ الإنسان رتبة الكمال في القوة النظرية والعملية ويستغني عن مخالطة كثير من الناس وأن يعتزل المنهمكين في الدنيا الراغبين في حطامها السالكين سبيل العصيان التابعين لوساوس الشيطان فلو لم يبلغ المعتزل تلك المرتبة أو لم تكن الجماعة موصوفين بالصفات المذكورة كانت المخالطة أفضل والاجتماع لتحصيل المحبة والالفة أجدر وأكمل، وبالجملة النبي (صلى الله عليه وآله) ومن يقوم مقامه علماء حكماء وقد بينوا ما فيه صلاح الناس عاجلا وآجلا جليا وخفيا ولا ينافي تفاوته في أفرادهم كما أمروا بالنكاح تارة ونهوا عنه تارة وأباحوه تارة لتفاوت ذلك في أفراد البشر ومن أراد أن يعرف مقاصدهم من أوامرهم ونواهيهم وتدبيراتهم وتقديراتهم ينبغي أن يعلم طرفا من قوانين الأطباء ومقاصدهم من العبارات المطلقة، فإنه كما أن الأطباء معالجون للأبدان بأنواع الأدوية والعلاجات لغاية بقائها على صلاحها أو رجوعها إلى العافية من الأمرض البدنية كذلك النبي (صلى الله عليه وآله) ومن يقوم مقامه أطباء النفوس وهم مبعوثون لعلاجها من الأمراض النفسانية كالجهل والحقد والحسد والرياء وسائر رذايل الأخلاق بأنواع الكلام من


1 - أخرجه أحمد في مسند كما في كنوز الحائق للشيخ عبد الرؤف المناوى. 2 - رواه الكليني في الكافي كتاب الايمان والكفر باب الهجرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وروى البخاري في صحيحه ج 8 ص 23 من حديث أنس بن مالك " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ". 3 - رواه الكليني في الكافي كتاب الايمان والكفر باب الهجرة تحت رقم 4. (*)

[ 161 ]

الآداب والنصائح والمواعظ والأوامر والنواهي والضرب والقتل والاعتزال والاختلاط، وكما أن الطبيب قد يقول إن الدواء الفلاني نافع من المرض الفلاني ولا يعني به في كل الأ مزجه وفي كل الأوقات وفي كل البلاد بل في بعضها، كذلك النبي (صلى الله عليه وآله) والقائمون مقامه إذا أطلقوا القول في شئ أنه نافع كالعزلة مثلا فإنهم لا يريدون أنه نافع لكل إنسان وفي كل زمان (1) وكما أن الطبيب قد يصف لمريض دواء ويصف شفاء فيه ويرى أن ذلك الدواء بعينه لمريض آخر كالسم القاتل ويعالجه بغيره، كذلك النبي (صلى الله عليه وآله) والقائمون مقامه قد يرون أن بعض الامور دواء لبعض النفوس فيقتصرون عليه ويأمرون به كالعزلة وقد يرون أن ذلك مضرا لغير تلك النفس فيأمرون بضد ذلك مثل المخالطة وإن أردت أوضح من ذلك فنقول: إما أن لا يكون في الخلطة خير أصلا أو يكون فيها خير والخير إما للطرفين أو لأحدهما، فهذه أربعة أقسام، ثم الخير إما خير في الدنيا فقط، أو في الآخرة فقط، أو فيهما، فينبعث منها أقسام يرجح في بعضها الخلطة وفي بعضها العزلة ويتساوي في بعضها الأمران، فللعاقل العالم المتدرب أن يختار منها ما يقتضيه عقله وتدبيره والله أعلم بحقايق الامور (2). (وكان الله انسه في الوحشة) الانس مصدر قولك آنست به انسا من باب حسب أو من باب ضرب وهو ضد الوحشة، والمشهور فيه ضم الهمزة وسكون النون وقد جاء بكسرة الهمزه قليلا بفتح الهمزة والنون جميعا، والحمل على سبيل المبالغة أو الانس بمعنى الأنيس ويؤيده أنه نقله صاحب العدة بلفظ الأنيس ويحتمل أن يقرأ آنسه على وزن الفاعل وأصله آنسا به اضيف إلى الضمير بعد حذف الجار من باب الحذف والايصال، وصح إطلاق الآنس عليه سبحانه كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعائه: " اللهم إنك آنس الآنسين بأوليائك " والوحشة بمعنى الخلوة أو بمعنى الهم


1 - فإن قيل ان الإطلاق يفيد التعميم فمن أين يفهم التخصيص ويعرف المورد الذي يخصص الحكم به ؟ قلنا جميع ما ورد من هذه الأمور مقرون بقرائن ومبين بأسباب ومعلل بعلل يظهر منها المراد مثلا ورد في مدح العزلة " يعبد ربه ويدع الناس من شره " ويعلم منه أن حسن العزلة للعبادة وسلامة الناس من شر المعتزل ويعرف من ذلك أن المعاشرة إذا كانت عبادة كتعلم الدين والقرآن أو تعليمهما أو كسب الرزق الحلال للانفاق في سبيل الخير مع الامن من إضرار الناس وأذاهم فلا يرجح العزلة عليها وكذلك المعاشرة والصحبة مظنة الوقوع في المعاصي والحسد والغيبة وطول الامال وبعث الشهوات الدنية والرغبة في حطام الدنيا واعانة أهل الظلم والمعصية وتحسين افعالهم السيئة والتسامح معهم بترك النهي عن المنكر وإذا لم تكن مستلزمة لهذه الأمور وامثالها فلا ومثل ذلك الترغيب في كسب المال ومدح القناعة باليسير كلاهما معلل بعلل يعلم منها وجه كل منهما " ش ". 2 - راجع تفصيل الكلام في مدح العزلة وذمها وفوائدها وغوائلها وكشف الحق فيها المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء كتاب العزلة. (*)

[ 162 ]

والحزن الحاصلين له بسبب فقد الالفة بينه وبين بني نوعه وعشيرته أو بسبب الغربة والانفراد من جهة العزلة خصوصا في مباديها أو بسبب عدم تعاهده لذلك المكان إذ غير المألوف من المكان يوجب الوحشة كما يحكم به التجربة، ومحصل معناه أن المعتزل لو حصلت له وحشة ما لأجل تركه صحبة بني نوعه وعشيرته وسلوكه طريق الحق بالمحبة الراسخة والنية الصادقة والرغبة الكاملة كان الله أنيسه الذي يرفع وحشته ويدفع عنه حزنه وكربته ويصرف وجه قلبه إلى شطر كعبة وجوده ويسره بمطالعة أنوار كبريائه ومشاهدة إضافات جوده حتى يرى كل خير حاضرا وكل كمال ظاهرا، فهو بكرمه يألف، وبفضله يستزيد، وبرحمته يستفيض كل ما يريد. (وصاحبه في الوحدة) والله سبحانه وإن كان صاحب الكل في كل الأوقات كما قال الله تعالى: * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا) * لكن المقصود هنا إفادة الاختصاص كما يفيده الإضافة ووجه ذلك أن الرجل إذا ترك متاع الدنيا وأبناءها، وأعرض عن الاستماع به واقتنائه، واختار الوحدة والانفراد، وتمرن على الطاعة والانقياد، وأقبل بحسن الطوية إليها وحبس نفسه بزمام المشية عليها وفك عنه أغلال اللذات الدنيوية وقطع عنه أنواع العلاقات النفسانية والهيئات البدنية بحيث لا يبقى معه شئ إلا التفكر في ذاته وصفاته تعالى وما يوجب قربه يستقبله حينئذ نور الحق كما قال: " من تقرب إلي بذراع تقربت إليه بباع " (1) وينزله على بساط العز والمصاحبة ويشرفه بشرف الانس والمكالمة ويكرمه بأنواع التعظيم والمخاطبة حتى إذا ناداه أجابه بلبيك وإذا سكت ناداه يا عبدي أنا مشتاق إليك لم سكت عن عرض الحالات والمقالات بعد الترخص لك بالأجوبة والسؤالات وعند ذلك ينكشف عنه الحجاب ويسكن فيه عروق الاضطراب، ويزول عنه لواحق الوحشة والاغتراب، فيقول: لا إله إلا أنت ولا اشرك بك أحدا، وتسيل عليه الكرامات الإلهية والسعادات الربانية والكمالات النفسانية ما لم يكن يخطر بباله أبدا (2) (وغناه في العيلة) الغناء بالفتح والمد النفع، وقيل: الكفاية وبالكسر والقصر اليسار والحمل على سبيل المبالغة أو المصدر بتأويل الفاعل، والعيلة بالفتح الفقر والفاقة يعني أنه سبحانه نفس غناه أو مغنيه في وقت حاجته وفقره لاغيره إذ


1 - الباع ضعف الذراع والخبر رواه البخاري في صحيحه ج 9 ص 192. 2 - وقد روى عن عمران بن الحصين وهو من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: كان يسلم على يعنى الملائكة كانوا يسلمون عليه في خلواته فاكتويت يعنى عالج نفسه في مرض طرى عليه بالكى وانقطع السلام منهم لكراهة العلاج بالكى ثم منع الراوي ان يروي حديثه مادام حيا لأنه خشى ان يهجم عليه الناس للتبرك به فيؤذوه أو يتوقعوا منه شيئا لا يقدر عليه وعمران هذا كان ممن رجع إلى امير المؤمنين وكان يندر على من قال برايه في المتعة وكشف الأمور الملكوتية لا يحصل إلا لمن يعتزل الناس ويانس بالوحدة (ش). (*)

[ 163 ]

عين افتقاره حينئذ لا تنفتح إلا إليه ويد اضطراره لا تتحرك إلا بين يديه ولا ملجأ له سواه حتى يكله عليه، واعلم أنه يحتمل أن يراد بالفقر والغناء ما هو المعروف بين الناس وهو أن يجد من متاع الدنيا ما يعيش به ويسد خلله ويقيم أمره ويكمل نظامه ويصون وجهه وأن يفقد ذلك ويحتمل أن يراد بهما الغنى والفقر الاخرويين وقد شاع إطلاقها عليهما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " الغنى والفقر بعد العرض على الله سبحانه " (1) يعني هما يتبينان يوم القيامة ويتحققان بعد العرض على الله سبحانه وبعد الفراغ من الحساب والفقير في ذلك اليوم من تحير في خسارة نفسه وحرم من كرامة ربه والغني من تحلى نفسه بالأخلاق والكمالات واستحق الفوز بالسعادات والكرامات ونظر إليه ربه بعين الرحمة والغفران وأنزله أعلى درجات الفردوس وأشرف منازل الجنان، وهذا الاحتمال أقرب من الأول لأن الفقر بمعنى الافلاس في الدنيا سهل لأنه ينقطع شدائده بالموت بخلاف الفقر والافلاس في الآخرة فإنه يوجب الهلاك الدايم والشقاء الأبد (ومعزه من غير عشيرة) المعز من العز خلاف الذل أو خلاف الضعف بمعنى القوة والشدة، والمعنى وكان الله معزه في الآخرة بالثواب الجزيل أو في الدنيا بالذكر الجميل والمدح الجليل وبافاضات الأسرار الغيبية وكشف الحقائق العينية، والثاني أنسب بقوله " من غير عشيرة " لأن العشيرة وهي القبيلة المتأكدة بينهم العشرة والصحبة توجب العز في الدنيا. (يا هشام نصب الحق لطاعة الله) نصب إما على البناء للمفعول أي اقيم الحق يعني الدين بإرسال الرسل وإنزال الكتب لأجل طاعة الله في أوامره ونواهيه، ولو تركت الطاعة صار الحق موضوعا والدين مخفوضا وهو يوجب زواله بالكلية وإما على البناء للفاعل لكن بحذف الفاعل أو استتاره أي أقام الله تعالى الحق يعني الدين لطاعته، وهذا قريب مما ذكر بحسب المعنى أو بحذف المفعول، والمراد بالحق هو الله تعالى أي أقام الله تعالى خلقا أو دينا لطاعته في الأوامر والنواهي وإما على المصدر والمراد بالحق الدين كما في الأول أي إقامة الدين الحق بتحقيق لطاعة الله بفعل ما أمره وترك ما نهاه (ولا نجاة إلا بالطاعة) أي لانجاة من الشدايد الأبدية والعقوبات الاخروية على سبيل الحتم والجزم إلا بطاعة الله وانقياده وأوامره ونواهيه أو الحصر إضافي بالنسبة إلى المعصية، وعلى التقديرين لا ينافي ذلك حصول النجاة في بعض الأحيان بالعفو والغفران كما دل عليه بعض الأخبار وآيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه لانجاة للإنسان من الظلمات البشرية والهويات الناسوتية في عالم الأجسام وعالم الأشباح ولا يحصل لهم الترقي إلى مشاهدة الأنوار الربوبية والأسرار اللاهوتية في عالم المجردات، وعالم الأرواح إلا بالطاعة إذ هي مرقاة للإنسان في البلوغ إلى


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 452. (*)

[ 164 ]

غاية مرامهم والوصول إلى نهاية مهامهم وهي التشبه بالروحانيين والدخول في زمرة المقربين. واعلم أن الغرض من هاتين الفقرتين بيان أن الطاعة أصل عظيم إذ بها يتحقق إقامة الدين والنجاة من العذاب المهين كما عرفت ثم بين أنها متوقفة على العقل بثلاث مقدمات آتية على سبيل القياس المفصول النتايج ليظهر لك شرافة العقل وأصالته بالنسبة إلى جميع المقاصد وهذا غاية المدح والتعظيم له ولمن اتصف به (والطاعة بالعلم) أي الطاعة متوقفة على العلم إذ هي عبارة عن فعل المأمور به وترك المنهي عنه وكسب الأخلاق المرضية والأطوار الحسنة للتقرب بالحق فلا بد من العلم بهذه الامور وبصفات الحق مما يجوز له وما يمتنع عليه وبأحوال المعاد (والعلم بالتعلم) أي العلم بالامور المذكورة موقوف على التعلم إما بلا واسطة بشر كالأنبياء والرسل ومعلمهم هو الله سبحانه أو بواسطة بشر كما للامة فإن معلمهم هم الأنبياء والرسل (عليهم السلام) بالإرشاد والهداية، وأما مفيض العلوم والصور فليس إلا هو ويحتمل أن يراد بالعلم معناه على الاطلاق تصوريا كان أو تصديقيا، ضروريا كان أو نظريا دينيا كان أو غيره، فإن حصول كلها للبشر متوقف على التعلم من المعلم الحقيقي وهو الله سبحانه بالافاضة أو الإلهام أو التعليم بواسطة أو بدونها (والتعلم بالعقل يعتقد) من اعتقاد الشئ إذا اشتد وصلب أو من عقدت الحبل فانعقد والزيادة للمبالغة، وفي بعض النسخ " يعتقل " باللام من اعتقل الرجل أي حبس ومنع والظرف متعلق بيعتقد قدم للحصر، أو للاهتمام يعني تعلم الأحكام والمعارف معقود بالعقل ومحكم به، أو محبوس عليه ملازم له لا يحصل بدونه لأن العقل هو القابل لجميع العلوم فلو لم يكن للمتعلم عقل منفعل بالقوة قابل لفيضانها من المعلم العالم بها بالفعل كان تعلمه بلا فائدة وسعيه بلا أثر كالراقم على الماء. (ولا علم إلا من عالم رباني) في النهاية الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للمبالغة وقيل: هو من الرب بمعنى التربية كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها، والرباني العالم الراسخ في الدين أو الذي يطلب بعلمه وجه الله وقيل: العامل المعلم وفي الصحاح والقاموس الرباني المتأله العارف بالله تعالى وفي الكشاف الرباني هو شديد التمسك بدين الله تعالى وطاعته وفي مجمع البيان هو الذي يرب أمر الناس بتدبيره له وإصلاحه إياه وهذه الجملة اعتراضية وقعت بين كلامين متصلين معنى لنكتة وهي التنبيه على أنه يجب على المتعلم أن يأخذ العلم من العالم الرباني دون غيره أو يقال لأنه وقع حقيقة في آخر الكلام لافادة نكتة يتم أصل المعنى بدونها وهي زيادة المبالغة والتأكيد لما يستفاد من قوله والعلم بالتعلم فإنه يفهم منه أن حصول العلم موقوف على التعلم من العالم الرباني إذ المراد بالعلم العلم الالهي فظاهر أن العلم الالهي إنما يستفاد من العالم الرباني، وإنما قلنا حقيقة لأن ما بعدها نتيجة للسابق فكان الكلام قد انتهى وتم قبل ذكره من غير حاجة إليه.

[ 165 ]

(ومعرفة العلم بالعقل) هذا في الحقيقة نتيجة للكلام السابق وهو قوله: " والعلم بالتعلم والتعلم بالعقل " فقد ثبت مما ذكر أن العلم والطاعة مع كونهما أصلين للوصول إلى الدرجة العظمى والبلوغ إلى المرتبة القصوى يتوقفان على العقل وفيه غاية التعظيم للعقل ونهاية التكريم لأهله، ومن العجائب أن امة من السفهاء وزمرة من الحمقاء في عصرنا هذا (1) يعتقدون أنهم الغاية الكبرى من الايجاد والتكوين ويجالسون العلماء والعقلاء بصفة المنافقين * (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن * الله يستهزء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) *. (يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف) لأن العالم يعرف ربه وما يليق به ومالا يليق وما صنع من إكرامه وإنعامه الذي يعجز عن ذكره اللسان ولا يحيط على وصفه البيان وما شرع من الأوامر والنواهي والأعمال والعبارات وشرائطها ومحسناتها وما يتخلص به العبد عن مخالفته وكيفية التخلص منها، وبالجملة يعرف حقيقة العمل ومصالحه وشرائطه وفوائده ومفاسده ويكون لأنوار تلك المعارف قلبه تقيا نقيا زكيا صافيا طاهرا مضيئا. ويكون عمله وإن كان قليلا خالصا كاملا مشتملا على جميع الامور المعتبرة في قوامه وكماله واعتباره وقبوله وتصاعده وتضاعفه فيكون مقبولا مضاعفا لأن الله سبحانه حكيم كريم لايرد عملا صالحا وإن كان قليلا إذ الكثرة ليست من شرائط القبول كيف وقد مدحه في القرآن العزيز في مواضع عديدة ووعد الوفاء به مع الزيادة كما قال: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * وقال: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * (وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود) لأن الجاهل لاعلم له بشئ من الامور المذكورة بل ينظر إليها بعين عمياء فيخبط في كثير منها خبط عشواء وذلك لأن لصلاح العمل طريقا واحدا لا يعرفه إلا ذو فطنة ثاقبة وبصيرة كاملة، ولفساده طرق متكثرة فمن أراد أن يسلك طريق العمل الصالح بلا بصيرة ولا دليل مع مرافقة الجهل والهوى النفسانية والوساوس الشيطانية ضل عنه وسلك أحد هذه الطرق المضلة، ثم كلما بالغ فيه وأكثر صار أبعد من الحق وأقرب من الباطل وأفسد عليه سعيه وعمله فيكون عمله مردودا عند الله تعالى إذ لا يصعد إليه إلا العمل الصالح، ولو فرض أن عمله مشتمل على جميع الامور المعتبرة في


1 - كانه يريد بهم المتظاهرين بالتصوف من أهل الدنيا من غير ان يكون لهم بصيرة في الدين ومعرفة بالله يعلمون الاصطلاحات المتداولة عند العرفاء فضلا عن المعاني وذلك، لأن الدولة في ذلك العصر كانت للصوفية، والسلطان منهم وكل من كان يريد التقرب إليهم يتظاهر بالتصوف حتى يفوز بالمقامات والمناصب من غير ان يعرف شيئا منه وهكذا كل علم يكون وسيلة لنيل الجاه والمال في زمان كالطب والفقه يكثر المتشبهون بالعلماء فيه وما لا يكون وسيلة اليهما لا يدعى به العلم إلا المحقون به ولا يتشبه الجاهل بعالم لا يكون علمه طريقا إلى تحصيل الدنيا. (ش) (*)

[ 166 ]

صلاحه نادرا كان ذلك مثل الكثير لأن الاتفاقيات من الأعمال غير معتبرة بل لابد من وقوعها على ايقان وتصديق. هذا ولبعض الناظرين في هذا الكلام كلام طويل في تفسيره وظني أن المقصود منه ليس ما ذكره وهو أعرف بما قال، وحاصله بعد حذف الزوايد (1) أن العلوم الحقيقية والمعارف الإلهية تطلب لذاتها لاللعمل ثم هي تصلح القلب وتصقله لأنه ينكشف جلال الله وعظمته في ذاته وصفاته وأفعاله، والأعمال لما كانت وسيلة إليها، معينة لها، حافظة إياها تطلب لأجلها، ففضيلة كل عمل إنما هي بقدر تأثيره في صفاء القلب وإزالة الحجاب عنه فكل عمل كان تأثيره أكمل من غيره فهو أفضل، ومراتب الإنسان في ذلك مختلفة، فرب إنسان يكفيه قليل العمل في تأثير قلبه للطافة طبعه ورقة حجابه ورب إنسان بخلافه لغلظة طبعه وكثافة حجابه فربما يؤثر كثير العمل فيه تأثيرا قليلا، وبعد تقرير هذا يتبين معنى قوله (عليه السلام) " قليل العمل من العالم مقبول مضاعف " لأن معنى كونه مقبولا أنه مؤثر في صفاء قلبه وإزالة الحجاب عنه ومعنى كونه مضاعفا أن تأثيره في قلبه أضعاف تأثيره في قلب غيره، وذلك لأن ارتفاع أكثر الحجب عنه بممارسة العلوم فإن كل مسألة يحققها العالم تجلي قلبه وتصقله، فإذا ترادفت المسائل والعلوم يبلغ قلبه في الصفاء إلى حد لا يحتاج إلى كثير عمل لكن مادام الإنسان في دار الغرور لا يستغني بالكلية عن عمل وكسب لا لأجل إنشاء أصل التصقيل الذي قد فعل بل للمحافظة عليه وحراسته من الآفات وهي مما يكفيه القليل من الأعمال ومعنى قوله (عليه السلام) وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود أنه لا يؤثر الأعمال الكثيرة في تلطيف قلوبهم وإزالة الحجاب والغشاوة عنها لأن قلوبهم قاسية ونفوسهم جرمانية وسدهم شديد. (يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة) للنفس حياتان وموتان بازاء كل


1 - لخصه أيضا صاحب الوافي بلفظ أجمع وأخصر قال: قليل العمل من العالم مقبول لأنه يؤثر في صفاء قلبه وارتفاع الحجاب عنه ما لا يؤثر أضعافه في قلوب أهل الهوى والجهل لممارسة العلوم والافكار المجلية لقلبة والمصيقلة له عن الرين والغين المعدة له لاستفاضة النور عليه بسبب قليل من العمل وقسوة قلوب أهل الهوى والجهل وغلظ حجبهم وجرمانية نفوسهم وبعدها عن قبول التصفية فلا يؤثر فيها كثير العمل انتهى. وهذا معنى لطيف وتفسير معقول يصح أن يحمل عليه عبارة الحديث ولا موجب لظن الشارح أن مراد الحديث غيره وما ذكره الشارح من التفسير أيضا لا بأس به مع نقصه وحاصله ان عمل أهل الهوى باطل غير جامع لشرائط الصحة ولذلك يرد وأما عمل أهل العلم فصحيح جامع لشرائط الصحة ولذلك يقبل، وهذا يبين وجه كون عمل العالم مقبولا ولا يبين وجه كونه مضاعفا والحق أن عملا واحدا جامعا لشرائط الصحة يكون ثوابه للعالم أفضل وأكثر من غير العالم ولابد لتصور معنى التضاعف ان يكون للعمل ثواب غير مضاعف لعامل ما وهذا العامل ليس هو العالم، لأن ثوابه مضاعف فهو جاهل غير معاند ولا تابع لمعاند (ش). (*)

[ 167 ]

حياة موت، الحياة الأولى للنفس تعلقها بهذا البدن وتصرفها بهذا النحو من التعلق والتصرف المعلومين، وموتها انتقالها من هذا البدن وانقطاع تعلقها وتصرفها فيه. الحياة الثانية ابتهاجها بكمالاتها وصفاتها وأعمالها وأخلاقها المرضية الموجبة لقرب الحق جل شأنه، وموتها فقدها لتلك الكمالات والأعمال والأخلاق وتحيرها في ظلمات أضدادها، والعاقل يعلم قطعا أن الحياة الاولى حياة مجازية لسرعة انتقال النفس عن البدن وقلة مدتها، وأن الاحتياج إلى زهرات الدنيا التي هي سبب لهذه الحياة إنما هو بقدر بقائها في تلك المدة القليلة وإن الزائد على ذلك وبال عليه وتضييع للغمر فيما لا يحتاج إليه، ويعلم أن الحياة الثانية حياة حقيقية أبدية لعدم انصرامها أبد الآبدين وإن سبب هذه الحياة الأبدية هي الحكمة وقد عرفت تفسيرها آنفا فيرضى مع الحكمة الموجبة للحياة الأبدية بالدون من الدنيا والقليل منها الذي هو سبب للحياة المجازية (ولم يرض بالدون من الحكمة) وقليل من العلم والمعرفة (مع الدنيا الكثيرة) الزائدة التي لا يحتاج إليها في بقاء الحياة الدنيوية، فأولئك اشتروا الأشرف بالأخس والأعلى بالأدنى حيث استبدلوا الحكمة التي قال الله تعالى في وصفها * (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) * بما لا يحتاجون إليه من فضل الدنيا واختاروها عليه (فلذلك ربحت تجارتهم) ضمير الجمع باعتبار إرادة الجماعة من الجنس وإسناد الربح وهو الفضل على رأس المال إلى التجارة وهي طلب الربح بالبيع والشري إسناد مجازي لأن الربح حقيقة للتاجر إلا أن التجارة لما كانت متعلقة بالتاجر ومتلبسة به وسببا للربح أسند الربح إليها اتساعا. وفيه حث بليغ على الزهد في الدنيا وزهراتها إلا القدر الذي له مدخل في البلغة والحياة فإن زهراتها مع عدم الاحتياج إليها شاغلة للفكر مانعة للقلب عن التوجه إلى حضرة القدس، باعثة لشدة الحساب، مقربة إلى العقاب، محركة للآمال، منسئة للآجال، مذهبة للعبادة وحلاوتها داعية للنفس الأمارة إلى شقاوتها، وحض عظيم على طلب الحكمة (1) فإن السعادة في الدارين والتفاضل في النشأتين إنما تحصل بها بل هي عين السعادة العظمى والغاية القصوى والفضيلة الكبرى، بها يتم نظام الدين، ويحصل قرب رب العالمين، والوصول إلى أعلى منازل المقربين، ولذلك أمر الله سبحانه حبيبه وصفيه بعد تشرفه بشرف الرسالة وتحليه بلباس الكرامة فقال: عز شأنه وجل برهانه " قل


1 - سبق أن الحكمة - وهي العلم باحوال الموجود على ما هو عليه بقدر الطاقة البشرية - علم مرغوب فيه شرعا وهي تشمل الحكمة النظرية من الطبيعي والرياضي والالهي والحكمة العملية كل ذلك بالدليل واما التقليد وهو أخذ الشئ من غير دليل من غير المعصوم فمذموم والضلال يحصل من ترك التمسك بالثقلين فقط فكما ضل بعض الفلاسفة لتلك العلة فقد ضل أقوام لم تكونوا عارفين بالحكمة أصلا (ش). (*)

[ 168 ]

رب زدني علما " ولو كان شئ أعظم من العلم لأمره بطلب زيادته. (يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا) وهي المباحات (فكيف الذنوب) الموبقة المورثة لخزي الوبال وشدايد النكال، فإنهم تركوها بالطريق الاولى وأعلم أن أمور الدنيا على تكثرها مندرجة تحت الأحكام الخمسة، لأنها إما حرام أو حلال، والحلال إما واجب أو مندوب أو مكروه أو مباح، والمراد بالفضول هو الأخيران، وبالذنوب هو الأول وأما الواجب وهو تحصيل القدر الضروري الذي لا يمكن التعيش والبقاء بدونه، والمندوب وهو الزائد على ذلك مما يتوسع به الرجل على نفسه وعياله على حد القانون الشرعي الذي يسمونه كفافا فليس بمذموم بل هو واجب أو مستحسن عقلا ونقلا، إذا تبين ذلك فنقول: العقلاء تركوا فضول الدنيا لالأنها مذمومة إذ لا ذم فيها بل لغاية تنزههم ونهاية تقدسهم وكمال حراستهم صرف العمر فيما يشتغل القلب عن ذكر الله تعالى ومشاهدة عظمته وجلاله ومخافة أن ينجر ذلك إلى الحرام كما قال (صلى الله عليه وآله) " لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع مالا بأس به مخافة ما به بأس " وذلك مثل الاجتناب عن التحدث بأحوال الناس لمخافة أن ينجر ذلك إلى الغيبة، وإذا تركوا الفضول لهذه الامور تركوا الذنوب الموجبة للعذاب المهين، والبعد عن رحمة رب العالمين، المحركة للنفس إلى أسفل السافلين، والداعية لها إلى الخسران المبين (وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض) الجملة حالية وهي كالتأكيد للسابق والدليل عليه، لأن ترك فضول الدنيا إذا كان من باب الفضل والكمال دون الفرض وترك الذنوب والاجتناب عنها من باب الفرض الذي يطلب به النجاة عن عقوبات الدنيا والآخرة فهم إذا ارتكبوا ما ليس بفرض ارتكبوا ما هو فرض قطعا وإنما قال: وترك الدنيا، ولم يقل: وترك فضول الدنيا للتنبيه على أن غير الفضول وهو القدر الضروري ليس من الدنيا في شئ لأن المقصود منه حفظ النفس والاستعانة به على العمل للآخرة في طلبه عبادة كما روي " الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله " (1) والعبادة لاتعد من الدنيا (2). (يا هشام إن العاقل نظر) بعين البصر والبصيرة (إلى الدنيا وإلى أهلها) الطالبين لزهراتها،


1 - الكافي ج 5 ص 88 رقم تحت 1. 2 - جميع ما عدهنا من مناقضات العقل هي من آثار الوهم وما عد من علائم العقل هو من مناقضات الوهم وعليك بالتأمل فيها بعد ما ننبه عليه انموذجا ومثالا فحب المال والجاه والتجمل والرياسة وأمثال ذلك مما يسمى بالدنيا انما هو من الوهم والوهم حس يدرك به المعاني الجزئية كما يدرك الغنم وحشة من الذئب وعداوة فيه يبعثه على الفرار منه والأم تدرك محبة للولد تبعثها على إرضاعه وحضانته وأهل الدنيا يدركون في أنفسهم محبة للمال والجاه يبعثهم على الخيانة والفساد والسعي في جمع المال من أي وجه كشهوة تجرهم من غير اختيارهم إلى شئ يضرهم (ش). (*)

[ 169 ]

الغارقين في شهواتها، المائلين إلى لذاتها (فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة) لما رأى من أهلها في تحصيلها من خوض اللجج وسفك المهج وقطع البحار وطي القفار في التجارات وصرف الأعمار وقصر الأفكار في الزراعات إلى غير ذلك من أنحاء الأسباب وأنواع الاكتساب، وفي حفظها من دوام السهر ليلا ونهارا وجعلها نصب العين سرا وجهرا إلى أن يموتوا أو يقتلوا ذلا وصغارا (ونظر) بعين البصيرة (إلى الآخرة) ومقاماتها الرفيعة، ومنازلها الشريفة، ومثوباتها الجزيلة، ومنافعها الجميلة وإنما لم يقل هنا " وأهلها " كما قال قرينته للتنبيه على قلتهم بل على عدم وجودهم (فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة) الحاصلة من صرف الفكر في المعارف الإلهية والاحكام الربانية في جميع الأوقات وحبس النفس والجوارح على الطاعات في آناء الليل وأطراف النهار وأشرف الساعات، وعلم مع ذلك أن الدنيا والآخرة كضرتي إنسان في أن محبة إحديهما إسخاط للاخرى، أو مثل كفتي ميزان في أن رفع إحداهما وضع للاخرى (فطلب بالمشقة أبقاهما) لما جبلت النفوس عليه من عدم تحمل المشاق إلا لأجل المنافع والمنافع الاخروية أجل قدرا أو أعظم شأنا وأدوم زمانا من المنافع الدنيوية بل لا نسبة بينهما إذ المتناهي لا يقاس بغير المتناهي كما قال عز شأنه حكاية عن قوم حين شاهدوا أهوال القيامة وعلموا طول زمانها وسئلوا عن كمية زمان تلبثهم في الدنيا * (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسئل العادين) * وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) " لو كانت الدنيا من ذهب والآخرة من خزف لاختار العاقل الخزف الباقي على الذهب الفاني " كيف والأمر على العكس هذا حال العاقل، وأما الجاهل فلكونه ضريرا يرى أمر الدنيا عظيما وأمر الآخرة حقيرا، وربما يخطر من تدليس إبليس بباله القاصر وذهنه الفاتر أن النقد خير من النسيئة فيختار الدنيا على الآخرة ولا يعلم لعميان قلبه (1) ونقصان بصيرته أن النقد خير من النسيئة إذا كان مماثلا لها في


1 - عميان القلب ونقصان البصيرة من غلبة الوهم على العقل ومثل لذلك المنطقيون بأن العقل يركب مقدمات صحيحة يعترف بها الوهم فإذا اراد الاستنتاج نكص الوهم على عقبيه كالشيطان، مثلا يقول العقل الميت جماد وهو حق والجماد لا يخاف عنه وهو أيضا حق يعترف به الوهم والنتيجة الميت لا يخاف عنه يعترف به العقل دون الوهم فإن كان الإنسان تابعا لوهمه خاف، وان كان تابعا لعقله لم يخف. والوهم هو السلطان المطلق والحاكم في الحيوان ويعرف في زماننا في لسان العوام بالغريزة والفطرة وقد يطلق عليه العواطف في الإنسان والوهم مع تغليطه ومعارضته العقل له شأن كبير ومصالح عظيمة خله الله تعالى لتلك المصالح فلولا الخوف والوهم لم يرض الناس بدفن اعزتهم واحبتهم في التراب ولما تحمل احد مشقه تربية الاولاد ولما دافع الناس عن اعراضهم واموالهم واقاربهم ولما خاطروا بانفسهم في سبيل جمع المال وتحصيل الجاه فإن ذلك كله ناش من تصور معنى جزئي كالمحبة والعداوة ينبعث منه الغضب والشهوة لكن الإنسان مأمور بتسخير وهمه لعقله وأن يستعمله حيث يجوزه العقل وساير الحيوان مجبولة بمتابعة أوهامهم ولا عقل يردعهم عما يأمر به وهمهم (ش). (*)

[ 170 ]

الكمية والكيفية وليس الأمر ههنا كذلك إذ هذا النقد لاقدر له أصلا ولا وزن له قطعا عند هذه النسيئة على أن أصحاب الايمان وأرباب العرفان لكثرة عبادتهم وشدة رياضتهم يجدون نقدا من الفيوضات الإلهية والإشراقات الربانية مالا يرضون بعوض واحد منها أخذ الدنيا وما فيها. (يا هشام إن العقلاء زهدوا في الدنيا) وأعرضوا عن حطامها وزهراتها الفانية وطهروا ساحة قلوبهم عن طول الأمل ولوث العوائق وقطعوا عن رقاب نفوسهم زمام التمني وحبل العلائق (ورغبوا في الآخرة) وطلبوا ثوابها باستعمال العبادات واستكمال الطاعات واجتهدوا في الوصول إلى أشرف المنازل وأرفع المقامات فتاهت أوراحهم في مطالعة الملك والملكوت، وكشفت لهم حجب العز والجبروت، وخاضوا في بحر اليقين، وتنزهوا في رياض المتقين، وركبوا سفينة التوكل وأقلعوا بشراع التوسل، وساروا بريح المحبة في جداول قرب الغرة وحطوا بشاطئ الإخلاص (1) حتى نزلوا في ساحة الجلال ومنزل الاختصاص. (لأنهم علموا أن الدنيا طالبة) لمن فيها لتوصل إليه ما عندها من رزقه المقدر وقوته المقرر (مطلوبة) يطلبها أهلها حرصا في جميع مالايحتاج إليه وذخر ما يكون نفعه لغيره وضره عليه (والآخرة طالبة) لمن في الدنيا لتؤتيه ما عندها من وقته المقرر وأجله المقدر، إذا لأجل مثل الرزق مكتوب مقدر (ومطلوبة) يطلبها أهلها للوصول إلى أشرف درجاتها وأرفع طبقاتها بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، وفي ترك عطف " مطلوبة " على " طالبة " في الأول وعطفها في الثاني تنبيه على أن المتحقق من نسبة الطالبية والمطلوبة إلى الدنيا والواقع منهما في نفس الأمر هو المطلوبية بناء على أن النفي والإثبات في الكلام راجعان إلى القيد كما هو المقرر في العربية ووجهه ظاهر لظهور أن الناس كلهم إلا من شذ طالبون للدنيا بخلاف نسبتهما إلى الآخرة، فإن طالبيتها أيضا متحققة في نفس الأمر هذا إن جعلت " مطلوبة " صفة " لطالبة " وقيدا لها وإن جعلت خبرا بعد خبر كما هو الأنسب بالقرينة الثانية فالوجه في ترك العطف هو الإيماء إلى كمال اتصال مطلوبية الدنيا بطالبيتها، ونهاية ربطها بها، وعدم افتراقها عنها باعتبار أن الدنيا في الواقع مطلوبة للكل فلا حاجة هنا إلى رابطة مستفادة من العطف بخلاف مطلوبية الآخرة فإنه لا اتصال بينها وبين طالبيتها لوقوع الافتراق بينهما باعتبار قلة طلب الآخرة فاحتيج في ربط إحديهما بالاخرى إلى العطف هكذا فافهم، ثم الطالبية والمطلوبية في كل واحدة من الدنيا والآخرة يمكن أن تتصور على وجهين أحدهما أن كل واحدة من الدنيا والآخرة متصفة بهما مع قطع النظر عن الاخرى، وثانيهما أن كل واحد منهما


1 - وحطوا أي انزلوا رحالهم والدنيا لا تطلب الا بالوهم فانها مال وجاه ورياسة وغلبة وتلذذ وأمثال ذلك من القوة الواهمة والعقل معارض لها (ش). (*)

[ 171 ]

طالبة عند كون الاخرى مطلوبة ومطلوبة عند كون الاخرى طالبة، والوجه الثاني هو المراد هنا كما يرشد إليه قوله (عليه السلام) (فمن طلب الآخرة) وسعى لها سعيها طلبا لمقاماتها العالية، وإنما قدم هنا طلبها على طلب الدنيا للاهتمام به، والتنبيه على أنه هو الذي يجب رعايته، وعكس في السابق باعتبار تقدم الدنيا على الآخرة وملاحظة وقوع طلبها في نفس الأمر (طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه) كما قال الله سبحانه * (وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) * وقال: * (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) * وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لا يموت نفس حتى تستكمل رزقها " (1) وقال الصادق (عليه السلام) " لو كان العبد في جحر لآتاه الله برزقه " وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن أنت لم تأته أتاك " (2) وقال: " يا ابن آدم لاتحمل هم يومك الذي لم يأتك على يومك الذي أتاك فإنه إن يك من عمرك يأتي الله فيه برزقك " (3) وقيل لبعض الأكابر: قد غلا السعر، فقال: لو كان وزن حبة من الطعام بمثقال من ذهب ما باليت فإن علينا أن نعبده كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا. ومن ثم قيل: أترك الدنيا وخذها فإن تركها في أخذها وأخذها في تركها (ومن طلب الدنيا) وسعى لها سعيها وصرف عمره الذي هو رأس ماله في ادخار متقنياتها (طلبته الآخرة) حتى يستوفي منها أجله (فيأتيه الموت فتفسد عليه دنياه وآخرته) أما فساد دنياه فلا نقطاعها عنه وعدم وفائها وزوال تصرفه فيها وعود ما جمعه إلى غيره حتى كأنه كان عبدا لذلك الغير، وأما فساد آخرته فلان صلاح الآخرة إنما هو باكتساب الأعمال المرضية وصرف الفكر في الأحكام النافعة الشرعية، وهما إنما يكونان قبل الموت وفي دار الدنيا، وهو قد كان في الدنيا عاملا للدينا، ومكتسبا لزخار فها، ومتفكرا في منافعها، وعبدا لغيره، فقد ظهر من هذا الحديث أن طالب الآخرة له الدنيا والآخرة وطالب الدنيا خاسر فيهما ونظيره قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " الناس في الدنيا عاملان عامل في الدنيا للدنيا قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلفه الفقر ويأمنه على نفسه، فيفنى عمره في منفعة غيره، وعامل عمل في الدنيا لما بيدها فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظين معا، وملك الدارين جميعا فأصبح وجيها عند الله تعالى لا يسئل الله حاجة فيمنعه " (4) وفيه ترغيب في تفويض الرزق إلى الله تعالى والتوكل عليه وتنبيه


1 - (1 و 2) رواه الكليني في الكافي ج 5 ص 80 باب الاجمال في الطلب من كتاب المعيشة. 2 - 3 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 379 بأدنى اختلاف. 4 - أورده الشريف الرضى في النهج أبواب الحكم تحت 8 قم 269. (*)

[ 172 ]

على أنه لا يبلغ هذه المرتبة إلا العقلاء لأنهم الذين إذا تأملوا بعقولهم الصحيحة ونظروا إلى لطف الله تعالى في باب الارزاق وتفكروا في رزق الطيور والاجنة في بطون الامهات ورزق المجانين وساير الحيوانات بلا تكلف ولا حيلة علموا أن وصول الرزق منوط بالمشيئة الإلهية وما قدر للشخص فهو يأتيه قطعا ويطلبه جزما، فيكون طلبه عبثا لا فائدة فيه وتضييعا للعمر فيما لا يعنيه، وصرفوا عنان الهمة نحو الآخرة ساعين عابدين خاشعين متضرعين لعلمهم بأن الآخرة ودرجاتها لا تناول إلا بالأعمال الصالحة، فنسأل الله تعالى الاقتفاء بآثارهم والتمسك بأطوارهم إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. (يا هشام من أراد الغنى بلا مال) (1) الغنى الدنيوي على وجهين أحدهما ما يدفع ضرورة الحاجة بحسب الاقتصاد والقناعة، وثانيهما المفهوم المتعارف بين أرباب الدنيا من جمع المال وادخاره والاتساع به فوق الحاجة والغنى على الوجه الأول ممدوح عقلا ونقلا، وعلى الوجه الثاني مذموم. والغنى الديني - وهو ما يدفع النزول في عذاب الجحيم ويوجب الوصول إلى جنات النعيم - مع تفاوت مراتبه كله ممدوح والأنسب هنا هو الوجه الأول بقرينة التفريع الآتي والتنكير في قوله " بلا مال " حينئذ للتكثير لأن الاقتصاد والقناعة يحتاج إلى قليل من المال وحمله على المعنى الأخير محتمل لكنه بعيد جدا (وراحة القلب من الحسد) تارة بأنه تمنى الرجل زوال النعمة من ذوى النعمة وعودها إليه، واخرى بأنه اغتمامه بخير يناله غيره من حيث لامضرة عليه، واتفق أرباب القلوب على أنه من أعظم أبواب الشيطان التي يدخل بها على القلب، وعلى أنه من أقبح العوارض الردية للقلب ويتولد من البخل والشر ويراد بالشر التذاذ الطبع بما يضر الناس اغتمامه بما يوافقهم، وعلى أنه مضر بالقلب. والحسد إما بالقلب فلأنه يصرف فكره إلى الاهتمام بأمر المحسود والإعتماد بشأنه حتى لا يفرغ للتصرف فيما يعود نفعه إليه وينسى ما حصل له من الملكات الخيرية التي هي الحسنات المنقوشة في جوهره فتضمحل تلك الملكات على طول الحسد واشتغال الفكر في المحسود وطول الحزن والهم في أمره ويتضيق وقته ويتوقى عقله من تحصيل الحسنات والخيرات، ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام)


1 - الغنى بلا مال هو القناعة ومقابله الطمع وتوهم الحاجة إلى التجمل وادخار المال وهو من القوة الواهمة المعارضة للعاقلة فإذا غلب العقل ذهب الوهم وكذلك الحسد من حب الغلبة ولاستكثار وتصور العداوة وهي معاني جزئية تدركه الواهمه تبعث به الإنسان على الاضرار وتمنى زوال النعمة والوساوس والافات النفسانية المضرة بالدين كلها من الواهمة ودافعه العقل. (ش). (*)

[ 173 ]

" لا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب " (1) وإما بالجسد فلأنه يعرض له عند حدوث هذه الأعراض الشنيعة والأمراض الردية طول السهر وسوء الاغتذاء ويعقب ذلك رداءة اللون وسوء السحنة وفساد المزاج والقوى (والسلامة في الدين) من الآفات النفسانية والوساوس الشيطانية (فليتضرع إلى الله عز وجل في مسئلته بأن يكمل عقله) أي علمه أو جوهره المجرد القابل (2) له وفيه دلالة على أن العقل موهبة الهية وعطية ربانية لا يزداد ولا يكمل إلا بعنايته، وعلى أنه سبب للأمور الثلاثة المذكورة أما للثاني فلان العاقل الكامل يعلم أن الحسد لا ينفعه بل يضره وأنه صفة موجبة للمقت من الله جل شأنه لعلمه بأن الحاسد مضاد لارادته لأنه تعالى هو المتفضل للكل وهو المفيص للخير إلى كل أحد بما يليق به ويصلح له فيعلم أن كلا من الإعطاء والمنع وقع على وفق الحكمة والمصلحة فيطمئن قلبه بقسمة ربه، وأما للثالث فلأن العاقل يعلم بنور عقله طريق الحق وكيفية سلوكه إلى حضرة القدس ويعلم آفات الدين وكيفيته اجتنابه عن تلك الآفات ويعمل بمقتضى عقله الصريح وذهنه الصحيح فيتم له بهذين العلمين مع العمل نظام الدين وكمالاته، ويسلم عن مفاسده وآفاته. وأما للأول فلما أشار إليه بقوله (فمن عقل قنع بما يكفيه) لأن العاقل إذا نظر إلى جلال الله وآثار ملكه وملكوته وإلى أحوال الآخرة وما فيها من المقامات العالية واللذات الروحانية وإلى ما حصل له عجالة من الأنوار العقلية والفيوضات القلبية وإلى أن كماله فطام النفس عن الشهوات ونزع القلب عن الأماني والشبهات وترك ما يمنعه من التوجه إلى الآخرة من الزهرات وخلو السر عن النظر ألى الدنيا وما فيها من المقتنيات استحقر الدنيا وما فيها ورجع بالكلية إلى حضرة الحق وما في الآخرة من المقامات فيقنع من الدنيا بقدر الكفاف وبما يقيم به بدنه وقواه ويقدر به على الإقامة بالطاعات إذ التعرض للزايد على ذلك لقصور العقل وضعف اليقين وفتور النيات وخلو النفس عن المعارف النورانية وإلفها بالمحسوسات وانفتاح عينها إلى الأمور الدنيوية والصور الوهمية واحتباسها في الظلمات وغفولها أن الدنيا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ليجده شيئا فيضيع سعيه ويزداد عليه الندامة والحسرات (ومن قنع بما يكفيه استغنى) بما يكفيه عن الزايد أو بالآخرة عن الدنيا أو بالحق عن الخلق من رضي بالقوت وتوكل على الحي الذي لا يموت لم


1 - رواه الكليني في الكافي كتاب الايمان والكفر باب الحسد. 2 - يعني نفسه والنفس الناطقة جوهر مجرد قابل للعلم كما سبق والقول المقابل لذلك هو ان النفس والعقل قوة جسمانية حالة في الدماغ ويلزمه ان يضمحل بالموت وفساد الدماغ كالنور يفنى بفناء الدهن وهو قول الملاحدة والزنادقة وربما يتفوه به غير البصير من المنتحلين إلى الإسلام والملحد المتظاهر بالدين. (ش) (*)

[ 174 ]

يفتقر إلى غيره لأجل المسكنة (ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا) لأن الغنى هو الكفاف فمن لم يكفه الكفاف فجميع ما في الأرض لا يكفيه، ولأن طلب الزيادة منوط بالحرص، ومراتب الحرص غير محصورة، فإذا حصلت له مرتبة من تلك المراتب طلب ما فوقها فلذلك قال عيسى (عليه السلام) لأصحابه: يا معشر الحواريين لأنتم أغنى من الملوك، قالوا: وكيف يا روح الله ؟ وليس نملك شيئا، قال: أنتم ليس عندكم شيئ ولا تريدونه وهم عندهم أشياء ولا يكفيهم. * الأصل: " يا هشام إن الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: * (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) * حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها، إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا وسره لعلانيته موافقا، لأن الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه. (يا هشام كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما عبد الله بشئ أفضل من العقل وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، ونصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه وهو تمام الأمر يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه. يا هشام لادين لمن لا مروة له ولادين لمن لاعقل له، وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا، أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها. يا هشام إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: إن من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام ويشير بالرأى الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذ الخصال الثلاثة شئ فهو أحمق إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن فمن لم يكن فيه شيئ منهن فجلس فهو أحمق. وقال الحسن بن علي (عليهم السلام): إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها، قيل: يا ابن رسول الله ومن أهلها ؟ قال: الذين قص الله في كتابه وذكرهم، فقال: إنما يتذكر أولو الألباب

[ 175 ]

قال: هم أولو العقول. وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا. يا هشام إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد مالا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه. ". * الشرح: (يا هشام إن الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا ربنا لا تزغ) أي لا تمل من الإزاغة وهي الإمالة (قلوبنا) من الحق إلى الباطل أو من الايمان إلى الكفر أو من اليقظة إلى الغفلة أو من العلم والهداية إلى الجهل والغواية، وقال صاحب الكشاف لا تبتلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا (بعد إذ هديتنا) إلى الخيرات المذكورة و " بعد " نصب على الظرف و " إذ " في موضع الجر بالاضافة، وقيل: " إذ " ههنا بمعنى أن ولما كان بين الرهبة والرغبة تلازم وقد صدر منهم الدعاء بالنظر إلى الاولى أولا صدر منهم الدعاء بالنظر إلى الثانية ثانيا طلبا لزيادة الإفضال والإحسان ورجاء لمزيد النعمة والامتنان (فقالوا: وهب لنا من لدنك رحمة) أي كرامة توجب قربنا منك والزلفى إليك والفوز بالفلاح لديك أو توفيقا للثبات على الحق أو الإيمان أو مغفرة للذنوب، ثم قالوا لتأكيد رجائهم في إجابه دعائهم (إنك أنت الوهاب) في النهاية: الهبة العطية الخالية عن الأعواض فإذا كثرت سمى صاحبها وهابا، وهو من أبنية المبالغة، يعني أنت الوهاب لكل طلبة ومسألة أو لوجود كل شئ وحقيقته وماهيته وخواصه وآثاره وكماله من غير عوض، وفيه دلالة على أن السلامة من آفات الدنيا والهداية إلى المولى والنجاة من الضلالة والعمى والاستقامة على سبيل الرشاد من الله المتفضل برحمته على العباد (حين علموا) ظرف لقالوا (أن القلوب تزيغ) بفتح التاء من زاغ بمعنى مال، أي تميل عن طريق الصواب (وتعود إلى عماها) (1) أي جهلها يقال: رجل عمى القلب أي جاهل، وأصل العمى ذهاب البصر وإذا اضيف إلى القلب يراد به ذهاب البصيرة، وقد يجعل كناية عن


1 - " تزيغ وتعود إلى عماها " ربما غلب العقل على الوهم ودفعه إلى تسليم الحقيقة وربما يقوى الهوى فيرجع الوهم إلى ما كان ويزيغ عن الهدى مثلا في الشبهات الاعتقادية، ربما يدخل على الوهم شبهة ان الموجود محسوس فيشكك في المبدء بعد أن كان معتقدا وربما يشتغل بالعبادة ويمضى على ذلك مدة ثم يغلب عليه الهوى وحب الشهوات فيرجع عما كان عليه ويشتغل باللذات وهذا أيضا من القوة الواهمة المدركة للمعاني الجزئية في غير تدبير العقل. (ش) (*)

[ 176 ]

الجهل (ورداها) أي هلاكها من ردى الدابة في البئر إذا سقط فيها، أو من ردى فلان في الأرض إذا ذهب وتاه فيها، أو من ردي فلان بالكسر يردى رديا إذا هلك، وفيه إشارة إلى شيئين أحدهما أن القلوب يعني النفوس البشرية كانت في مبدء الفطرة جاهلة للمعارف الإلهية، غافلة عن الأنوار الربانية، هالكة ساكنة في تيه الجهالة قابلة لنور الهداية وظلمة الغواية. كما يظهر ذلك لمن تفكر في أطوار الإيجاد والتكوين فإنه يعلم أنها كانت صورا جمادية، ثم صارت صورا نباتية، ثم صارت صورا حيوانية، ثم صارت بتلك الاستحالات صورا إنسانية مستعدة للخير والشر قابلة للهداية والضلالة، ثم حصلت لها بالترقيات الإلهية والتوفيقات الربانية كما يرشد إليه قوله " بعد إذ هديتنا " جملة من العلوم وزمرة من المعارف ونبذة من الأحوال والأعمال فخرجت بذلك من حد النقص على الاطلاق في قوتي العلم والعمل إلى مرتبة الكمال، الثاني أن هذه المرتبة ليست لازمة للنفس ثابتة لها غير منفكة عنها لأن النفس الحرون قد تقف من الجري في ميدان العلم والعمل، بل ترجع القهقرى إلى حالتها الاولى، وسر ذلك أنها ما دامت في الدنيا متعلقة بهذا البدن مائلة إلى الهوى ودواعي الشيطان ذاكرة لأصناف الباطل وأنواع العصيان فربما تأخذ يد الشقاوة زمامها وتسوقها إلى ما هو مطلبها ومرامها، وتجذبها عما هي عليه من العلوم والأعمال الصالحة وتوردها في تيه الجهالة والضلالة، وقد روى أبو بصير وغيره قال: قال الصادق (عليه السلام): " إن القلب ليكون الساعة من الليل والنهار ما فيه كفر ولا إيمان كالثوب الخلق، قال ثم قال لي: أما تجد ذلك من نفسك، قال: ثم تكون النكتة من الله في القلب بما شاء من كفر ولا إيمان " (1) ولذلك خاف الصالحون ووجل المتقون وطلبوا بالتضرع والابتهال حسن العاقبة بقولهم * (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) * والأدعية المأثورة في هذا الباب أكثر من أن تحصى، ولما بين أن بقاء النفس على كمالها العملي والعلمي ما دامت في الدنيا ومسكن الشياطين غير لازم، بل ربما تعود إلى عماها ورداها وتترك العمل وتنسى العلم والآخرة أراد أن يبين ذلك فيمن لم يكن قلبه مستضيئا بنور الله وعقله مهتديا بهداية الله ولم يأخذ علمه من الله تعالى إما بلا واسطة كالأنبياء والرسل أو بواسطة كالمتمسكين بذيل عصمتهم والراجعين في كيفية العمل والعلم إلى معدن طهارتهم فأشار إلى الأول بقوله (إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله) لأن من لم يكن علمه بذات الله وصفاته وشرائعه وأركان الاعمال وشرائطها وأحوال الآخرة مستندا إلى الله تعالى بأحد الوجهين المذكورين كان علمه إما تقليدا محضا كما في أكثر العوام وإما رأيا وقياسا كما في أكثر الناس وإما ظنا


1 - رواه الكليني في الكافي في كتاب الايمان والكفر باب سهو القلب تحت رقم 1. (*)

[ 177 ]

وتخمينا وجدليا كما في أكثر المتكلمين (1) الذين وضعوا لأنفسهم دلائل على هذه الامور واستحسنوها وكل ذلك لا يوجب الخوف من الله سبحانه والخشية من عذابه، أما التقليد فظاهر لأنه لم يحصل لهم من الحقيقة الإلهية إلا الاسم ومن حقيقة الأحكام الشرعية وأركانها وشرائطها إلا الرسم، ومن أحوال الآخرة وشدايد أهوالها إلا اللفظ، والخوف منوط بادراك حقائق هذه الامور، وأما القياس فهو أيضا ظاهر وكذا تخمين المتكلمين على أن أكثرهم القائلين بالفاعل المختار ينكرون السببية في الممكنات (2) ويجوزون مغفرة الكافر الشقي ومعاقبة المؤمن السعيد فلا يحصل لهم خوف وخشية، وإذا انتفى الخوف انتفى العمل وكماله والجد فيه، وأما العلماء الراسخون الآخذون علومهم من مشكاة النبوة فهم يعلمون الحقائق كما هي وصفات الواجب وما يجوز له وما يمتنع عليه وأحكام الدين وأركانها وشرائطها وأحوال الآخرة وشدائد أهوالها كأنهم يشاهدونها ويعلمون أن الله تعالى لا يظلم أحدا مثقال ذرة وأن ما يرجع إليهم من الخير والشر فهو من نتايج نفوسهم ولوازم أخلاقهم وتبعات أعمالهم (3) وأفعالهم فيخافون من الله عز شأنه غاية الخوف كما قال سبحانه * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * فلا جرم يعملون في الدنيا للاخرة ويسعون لها غاية السعي


1 - ذم التقليد وهو الأخذ من غير دليل وذم الكلام أيضا وهو الأخذ بدليل جدلي أو ظني فبقى أن يكون الدين مستندا إلى دليل برهاني أو كشف عرفاني. (ش) 2 - هذا مذهب أكثر المتكلمين وهم الأشاعرة وأتباعهم من غيرهم فإنهم ينكرون التسبيب يقولون مثلا ليس النار علة للحرارة ولا الماء للبرودة ولا الشمس للنمو ولا السموم للقتل وهكذا ولكن عادة الله جارية بالاحراق عند ملامسة النار وغير ذلك. وهذا مذهب باطل بل جعل الله لكل شيئ سببا لا يجاوز والفاعل المختار بالارادة الجزافية غير حكيم والله تعالى حكيم فلا يفعل شيئا بالارادة الجزافية، فإن قيل قد صرح صاحب التجريد نصير الدين الطوسى (قدس سره) والعلامة وغيرهما بأنه تعالى فاعل مختار فيكف يخطئه الشارح مع انه مذهبنا قلت الفاعل المختار عند متكلمي الشيعة ومن يعتد بقوله منهم ويؤخذ العلم عنه ويقول ما يقول عن تدبر وبصيرة، وما يكون مقابل الفاعل المضطر والفاعل بلا شعور فإن صدور الفعل عن الله تعالى ليس كصدور النور عن الشمس بلا شعور مضطرا ولا يريدون أن فعله تعالى كفعل الإنسان المختار بفكر وروية تارة يختار هذا وتارة يختار ذلك في ظرف وأمد ولا يخفى أن مثل هذا الكلام من الشارح وغيره من الحكماء صار منشأ، لأن ينسب إليهم القول بان الله فاعل موجب وهذا من قلة التأمل والشارح مع تصريحه هنا بالقدح في الفاعل المختار صرح في كلامه كثيرا بالقادر المختار كما مر وكل بمعنى. (ش) 3 - هذا أيضا متفرع على ما سبق من التسبيب فلا يفعل الله تعالى شيئا في الدنيا والآخرة إلا باسبابها ولا يكون ارادته ارادة جزافية وليس فاعلا مختارا بالمعنى الذي يفهمه بعض المتكلمين فكما أن سبب نمو النبات في الدنيا البذرو الماء والحر والشمس ولا ينبت الحنطة من بذر الشعير كذلك ثواب الآخرة مسبب عن ملكات النفوس واخلاقها وما رسخت فيها من الصفات بالاعمال الصالحة والسيئة (ش). (*)

[ 178 ]

ويحصلون ما يوجب نجاتهم من النار وفوزهم بالجنة وأشار إلى الثاني (1) بقوله: (ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه) يعني من لم يأخذ علمه من الله سبحانه بأحد الوجهين المذكورين لم يكن إيمانه ثابتا ولا علمه باقيا لأنهما يزولان بأدنى شبهة بخلاف من أخذ علمه منه تعالى فإن إيمانه ثابت وعلمه راسخ لا يزول بوجه من الوجوه كما قال العالم (عليه السلام) من: " أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وآله زالت الجبال قبل ان يزول ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال " (2) قال (عليه السلام) " من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن) (3) (ولايكون أحد كذلك) أي يعقل عن الله ويعقد قلبه على معرفة ثابتة ويبصرها ويجد حقيقتها في قلبه (إلا من كان قوله لفعله مصدقا) بأن يكون عاملا بالمعروف آمرا به وتاركا للمنكر ناهيا عنه فأن العلم الحقيقي وإلايمان الكامل يحكمان بالتلازم بينهما وحمل القول هنا على الاعتقاد بعيد (وسره لعلانيته موافقا) بأن يكون صفاته وكمالاته الباطنة موافقة لصفاته وكمالاته الظاهرة مثل الاعمال الحسنة وحسن الخلق وطلاقة الوجه وإكرام المؤمن وأمثال ذلك (لان الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه) أي مخبر عنه ومشعر به هذا دليل على ما يفيده الاستثناء من أن من كان قوله لفعله مصدقا وسره لعلانيته موافقا تجده عاقلا عن الله ثابتا على معرفته راسخا في إيمانه وعرفانه ويجد حقيقة ذلك في قلبه. بيان ذلك: أن العلم بخفيات الأمور وصفات القلوب ليس إلا لعلام الغيوب لأنه العليم بذات الصدور وأما غيره فقد يعلم الباطن من الظاهر، فكما يعلم من حمرة الوجه وانتفاخ العروق وغلظ الصوت شدة الغضب وإرادة الانتقام، ومن اصفرار الوجه وتضايل البدن وتحرك الفرائص شدة الخوف كل ذلك للتناسب بين الروح والبدن بحيث يصل أثر أحدهما إلى الآخر كذلك يعلم الصفات النفسانية والكمالات الروحانية والعلوم والعقائد الراسخة القلبية من الأعمال والأفعال الصادرة من الاعضاء الظاهرة مثلا يقول فلان عليم مؤمن راسخ في علمه وإيمانه وكريم حليم رحيم إذا صدر منه الافعال التابعة للعلم والايمان وأفعال الكريم والحليم والرحيم مرارا كرة بعد اخرى، والسر في ذلك أن تلك الصفات أسباب لهذه الافعال والأعمال لأنه ينبعث منها الشوق والارادة والعزم ويتحرك بسبب هذه الامور الاعضاء نحو المتشوق والمراد، فيظهر منها الافعال والاعمال، ودلالة هذه الاعمال والافعال على تلك الصفات كدلالة الأثر على المؤثر وبالجملة ظاهر الرجل


1 - أي نسيان العلم والآخرة ان لم يكن علمه مستندا إلى الله باحد الوجهين (منه) 2 - (2 و 3) تقدما في مقدمة الكتاب. 3 - (*)

[ 179 ]

عنوان لباطنه ومعرفة باطنه تابعة لمعرفة ظاهره، فإن كان جميع أفعاله الظاهرة دائما مستقيمة واقعة على القوانين الشرعية دل ذلك على ثبوت معرفته وإيمانه وكمالهما ورسوخهما وإن كان جميعها غير مستقيمة أو كان القول مستقيما وغيره من الأفعال غير مستقيم أو كان عكس ذلك دل ذلك على عدم ثبوت معرفته وإيمانه وعدم كمالهما ومثل هذه المعرفة والايمان في معرض الزوال. (يا هشام كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما عبد الله بشئ أفضل من العقل) المقصود أن العقل أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى وكل ما يتقرب به سواه دونه في الفضل وهذا كمال المدح له ولأهله واعلم أن للعقل اطلاقات والمشهور منها أمران: الاول القوة المهيأة للعلوم الكلية ضرورية كانت أو نظرية تصورية كانت أو تصديقية ولا نعني مجرد القوة والاستعداد بل نعني بها القوة الحاصلة معها كمالاتها بالفعل، والثاني العلم والحكمة التي هي ثمرته ويمكن حمله هنا على كل واحد منهما، لأن كل واحد منهما أصل يتوقف عليه غيره مما يتقرب به العبد إلى الله تعالى مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة ونحوها فكل واحد منهما أفضل مما عداه وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وآله لعلي (عليه السلام): " يا علي إذا تقرب الناس إلى خالقهم بأبواب البر فتقرب أنت بعقلك تسبقهم بالدرجات والزلفى عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة (1) (وما تم عقل امرء حتى تكون فيه خصال شتى) الخصال بالكسر جمع الخصلة بالفتح وهي المرة من الخصل وهو الغلبة في النضال، والخصلة أيضا الخلة وهي المراد هنا وكأنها منقولة عن الاولى لجامع الغلبة والفضيلة بينهما، وشتى جمع شتيت وهو التفرق، يقال ثغر شتيت أي مفلج (2) وقوم شتى وأشياء شتى وجاؤا أشتاتا أي متفرقين واحدهم شت وقد ذكر ههنا اثنتى عشر خصلة: (الكفر والشر منه مأمونان) والناس آمنون من كفره وشره (3) والكفر يطلق على خمسة معان كما يأتي في باب الكفر: الأول إنكار الرب، الثاني إنكار الحق مع العلم بأنه حق، الثالث ترك ما أمر


1 - رواه أبو نعيم في الحلية من حديث علي (عليه السلام) هكذا " إذا اكتسب الناس من أنواع البر ليتقربوا بها إلى ربنا عز وجل فاكتسب أنت من انواع العقل تسبقهم بالزلفة والقرب " وأورده الشيخ أبو علي سينا في الرسالة المعراجية ص 15. ونقله المحقق الداماد في كتاب الصراط المستقيم بهذا اللفظ " يا علي إذا عني الناس أنفسهم في تكثير العبادات والخيرات فانت عن نفسك في أدراك المعقولات حتى تسبقهم ". 2 - الانفراج بين الاسنان. 3 - الكفر باي معنى فرض لا يجتمع مع العقل فإن انكار الرب مبنى على قاعدة وهمية وهي أن كل موجود محسوس ولا يعرف بشئ لا يحس به وانكار الحق مع العلم بأنه حق وظيفة الواهمة كما عرفت من المثال المتقدم من أن الميت لا يخاف لأنه جماد، وكذلك ساير المعاني الذي ذكره كما يظهر بالتأمل. (ش) (*)

[ 180 ]

الله تعالى به، الرابع كفران النعم قال هذا من فضل ربي ليبلونئ أشكر أم أكفر الخامس كفر البراءة قال " كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء " يعني تبرأنا منكم، والشر يطلق على كل خبيث ومنقصه كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) والشر جامع مساوي العيوب والحاصل أنه امر كلي تحته أفراد كثيرة كلها من العيوب والخبائث وقد يقسم إلى شر مطلق كعدم العقل مثلا وإلى شر مقيد كعدم كل واحدة من الصفات المرضية والشرايع النبوية ووجود أضدادها. (والرشد والخير منه مأمولان) يعني العقلاء آملون صدورهما منه، والرشد الهداية وخلاف الغي، والخير لفظ جامع لجيمع الامور الحسنة كما أن الشر جامع لجميع الأمور القبيحة فهو أيضا مفهوم كلي تحته أفراد كثيرة ويقسم إلى خير مطلق كوجود العقل وإلى خير مقيد كوجود كل واحدة من الصفات المرضية والشرائع النبوية ولعل المقصود أن من أتصف بالخير والرشد والهداية واجتنب سبيل الشر والغي والضلالة، وكان جميع أفعاله وأعماله بالفعل على الوجه المستقيم بحيث يأمل العقلاء منه خيرا ورشدا في غابر عمره ويستنبطون منه ذلك في بقية دهره، فهو تام العقل ويجعل ذلك دليلا على كماله، وإنما قلنا المقصد ذلك لأن كونه قابلا لمطلق الرشد والخير في حيز الاستعداد وكونهما مأمولين منه بالقوة من جميع الوجوه لا يدل على تمام عقله وكماله لأن عقله حينئذ في المرتبة الهيولانية. (وفضل ماله مبذول) يحتمل أن يراد بالفضل ما زاد على القوت والكفاف وإنما خص بالفضل لأن بذل الكفاف قد لاتطيب به نفس أكثر العقلاء بل قد ورد النهي عنه في بعص الروايات، ويدل عليه أيضا قوله تعالى * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) * ويحتمل أن يراد به الصدقات المفروضة مثلا الزكاة وغيرها وفي الخبر " أن السخى هو من أدى فرايض ماله " (1) واعلم أن لبذل المال ومنعه غايات وبين غاياتهما تفاوت والفضل لغايات البذل والحاكم بذلك هو العقل الصحيح والنص الصريح، أما غايات البذل فمنها الذكر الجميل بين الناس وهو مطلوب عقلا وشرعا لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " (2) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " ولسان صدق يجعله الله للمرء في الناس


1 - راجع الكافي كتاب الزكاة باب معرفة الجود والسخاء. 2 - وذلك أن الناس لا يذكرون أحدا بخير إلا لملكاته الفاضلة وصفاته الحسنة أو لأنه أفادهم فائدة أو دفع عنهم ضرا وجميع ذلك مطلوب في الشرع، فإن كان فاعله مؤمنا يستحق الثواب وإلا يدفع إليه أعواض كتخفيف عذاب إن كان يستحق العقاب (ش). (*)

[ 181 ]

خير له من المال يورثه غيره " (1)، ومنها رعاية حال الفقراء الذين هم ودائع الله وعيال رسوله وجبر كسر قلوبهم ومواساتهم وقد وقع الحث عليها في روايات متكثرة، ومنها جلب قلوب الناس إلى المحبة والمودة، ومنها تحصيل رضوان الله تعالى وطلب الدرجات العالية في الآخرة، ومنها أنه يأخذ بدل واحد أضعافا كثيرة قال الله تعالى: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضغافا كثيرة " وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة " (2) يعني من يعطي يسيرا يجزى به كثيرا واليدان عبارتان عن النعمتين، وفي طرق العامة قال أبو ذر: " يا نبي الله أرأيت الصدقة ماذا هي ؟ قال: أضعاف مضاعفة وعند الله المزيد " قوله: " وعند الله المزيد " هي الزيادة على الثواب لمن يشاء بما يشاء كما قال سبحانه: * (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) * وأما غايات المنع وترك البذل فيعرف مما ذكرنا بالتضاد وأيضا المنع يورث البخل والشغل عن ذكر الله تعالى ومحبة الدنيا إلى غير ذلك من المفاسد فمن آثر البذل على الجمع مع أن من مقتضى النفوس البشرية والأوامر الشيطانية، فإن الشيطان دائما يأمر الإنسان بالمنع والجمع ويعدهم بالفقر بسبب الاحسان والبذل علم أن ذلك من تمام عقله ومتانته وكمال رأيه ورزانته. (وفضل قوله مكفوف) لأن العاقل هو الذي يضع الأشياء في مواضعها ومن جملة ذلك أن يتكلم بما يحتاج إليه ويترك ما زاد عليه (3) وهو المراد بالفضل، ولأنه يعلم أن الاكثار يوجب الاهجار، ومن ثمة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثر ذنوبه ومن كثر ذنوبه فالنار أولى به " (4) وإن الكلام في وثاقه ما لم يتكلم به فإذا تكلم صار هو في وثاق الكلام فلا يتكلم إلا بالاحتياط. ولذلك قيل: لا تتكلم بلسانك ما تكسر به أسنانك وأن الجوارح مسؤولة يوم القيامة فلا تتكلم إلا بالحكمة والموعظة الحسنة وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " (5). (ونصيبه من الدنيا القوت) لأن العاقل الكامل يعلم بعين الاعتبار والبصيرة أن المال مادة


1 - أورده الشريف الرضى في النهج أبواب الخطب تحت رقم 23. 2 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 232. 3 - الكلام إما أن يكون حكمة ولا فضل فيه والفضل هو الزيادة التي لا يحتاج إليه وان كان غير الحكمة فهو محصول الوهم ولا يحوم حوله العاقل. (ش) 4 - اخرجه الطبراني في الاوسط من حديث ابن عمر كما في الجامع الصغير. 5 - رواه الكليني في كتاب الايمان والكفر من الكافي باب الصمت وحفظ اللسان تحت رقم 19 من حديث أبي عبد الله (عليه السلام) عن الني (صلى الله عليه وآله) لكن في النهج من كلامه (عليه السلام) في أبواب الحكم تحت رقم 369. (*)

[ 182 ]

الشهوات وحبالة الشيطان فلا يطلبه حذرا من الدخول فيها وأن من اقتصر على القوت لا يفتقر أبدا وأن من رضى به كان مستريحا في الدنيا ناجيا في الآخرة وإلى الوجهين الأخيرين أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " لا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة، وتبوأ خفض الدعة " (1) يعني من قنع فقد ألزم الراحة فلهذه الوجوه وغيرها رضي العاقل بالقوت وكف نفسه عن طلب الزايد عليه. (لا يشبع من العلم دهره) دهره منصوب بنزع الخافض أي في دهره يعني تمام عمره، والمراد بالعلم المتعلق بأحوال المبدء والمعاد وغير ذلك من الأمور الدينية والأحكام الشرعية، وهذا العلم هو الذي يكسب به الإنسان الطاعة في حياته والذكر الجميل والثواب الجزيل بعد وفاته، وإلى مدح هذا العلم وأهله أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدهر " (2) يعني لتنور قلوبهم بأنوار الهية وفيوضات ربانية أو لاشتهار صيتهم وانتشار فضلهم فيما بين فرق الأنام إلى يوم القيامة، وفي قوله " لا يشبع " إشارة إلى أن العلم غذاء القلب وحيوته وبه يتعذى ويتقوى ويكمل كما أن الطعام غذاء البدن وحيوته وقوامه، وبالجملة شبه العلم بالغذاء إذ كما أن الغذاء سبب لبقاء البدن وحياته في مدة العمر كذلك العلم سبب لبقاء النفس وسعادته في الدارين، ولذلك يقال: الجاهل ميت. والسرفي أن جوع العاقل في تحصيل العلم لا يسكن هو أن مراتب شوقه غير متناهية وكذا مراتب العلم كما قال سبحانه * (فوق كل ذي علم عليم) * فكلما وصل إلى مرتبة من مراتب العلم واستضاء قلبه بنور تلك المرتبة وكمل به واستشرق، رأى فوقها مرتبة اخرى أكمل منها وأنور فيسوقه الشوق إليها ويستضئ بنورها وهكذا إلى ما شاء الله ومن ههنا ظهر أن للعاقل في كل آن ترقيات وفي كل زمان انتقالات وابتهاجات وتلك الترقيات حقيق بأن تسمى معارج النفوس. (الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره) لعل المراد أن ذل نفسه وهو مع الله بأخذ زمامها كيلا تتجاوز عن حدود الشريعة أحب إليه من عز نفسه وهو مع غيره بارسال زمامها لكي تجري في ميدان مرامها، فلا يرد أنه إذا كان مع الله كان عزيزا لا ذليلا لقوله تعالى: * (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون) * ويحتمل أن يراد بالعز والذل ما هو المتعارف عند الناس أعني الرفعة فيما بينهم وعدمها يعني إذا كان المماشاة مع الناس موجبا لرفعة القدر فيما بينهم والسير في سبيل الله والتمسك بحبل الله موجبا للذل ووضع القدر عندهم فالعاقل هو الذي يحب هذا الذل


1 - أورده الشريف الرضي في النهج أبواب الحكم تحت رقم 371. 2 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 147. (*)

[ 183 ]

ويختاره على ذلك العز لعمله بأن في هذه الرفعة مفاسد غير محصورة، وأنها رفعة دنيوية وذلك الذل رفعة أخروية، والرفعة الدنيوية مثل الدنيا داثرة داحضة، بخلاف الرفعة الاخروية، فإنها باقية أبدا. (والتواضع أحب إليه من الشرف) التواضع التذلل من الوضع وهو خلاف الرفع. والشرف الترفع بالنسب أو بالحسب، والمعنى أن العاقل هو الذي يؤثر التواضع لله على الشرف والرفعة (1) لأنه لما عرف عظمة الله ونظر إلى جلال قدره وكمال قدرته على جميع المقدورات وشدة استيلائه على جميع الممكنات بالايجاد والافناء وغاص في بحار وجوده وكماله وقدرته وتفكر في قهره ومنعه وجوده احتقر نفسه ووجوده وكماله وقدرته بل لا يرى لنفسه وجودا وكمالا وقدرة، وإنما يرى هذه الامور الجاهل الذي لم يخطر بباله ذات الباري وصفاته فيرى لنفسه وجودا ولوجوده آثارا نظير ذلك أن من لم يرماء أبدا ثم رأى جدولا صغيرا فإنه يستعظمه فإذا وقف هناك بقي له ذلك الاستعظام، وأما إذا جاوزه ورأى نهرا عظيما فإنه يزول عنه ذلك الاستعظام ويستعظم هذا النهر ثم إذا جاوزه ورأى بحرا زاخرا زال عنه استعظام ما سواه قطعا. وإلى ما ذكرنا أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " إنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم " (2) فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له في هذا التعليل إشارة إلى أن التواضع له سبحانه عين الرفعة وذلك لأن الله سبحانه هو العظيم المطلق وكل عظمة ورفعة فمستفاده من وجوده والقرب منه فكما كانت العادة جارية من الملوك في حق من يتواضع لهم ويوفيهم حقهم من الاجلال والاكرام وحسن الانقياد أن يرفعوه ويعظموه كذلك عادة مالك الملوك جل شأنه، يرشد إلى ذلك رفعة حال الأنبياء والأوصياء والصالحين عليهم صلوات الله أجميعن، ويدل عليه قول الصادق (عليه السلام) " إن في السماء ملكين موكلين بالعباد فمن تواضع لله رفعاه ومن تكبر وضعاه " (3) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " لا حسب كالتواضع " (4) يعني في إيجاب الرفعة هذا حال التواضع لله سبحانه وأما التواضع للفقراء والصالحين فمن شعب تواضعه لله تعالى شأنه لأن من أحب أحدا


1 - الشرف والرفعة معنى جزئي يدركه الوهم ويحبه الإنسان بهذه القوة الخبيثة والعقل لا يصدق بحسن ذلك إلا أن يكون وسيلة إلى دفع ظلم عن مظلوم أو ترويج حق كما قال سليمان (عليه السلام) " رب هب لي ملكا لا ينبغى لاحد من بعدي " أراد ذلك لانفاذ الحق وترويج التوحيد وحينئذ فلا يكون الشرف مطلوبا لذاته بل إذا علم ان مقصوده الديني يحصل بالتواضع والخمول والضعة كان طالبا له دون الشرف وبالجملة فطلب الرفعة من علامات ضعف العقل وغلبة الوهم (ش). 2 - النهج أبواب الخطب تحت رقم 145 - أوله " فبعث محمد صلى الله عليه وآله بالحق ". 3 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب التواضع تحت رقم 2. 4 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 113. (*)

[ 184 ]

وتواضع له فإنه يجب أن يحب محبوبيه ويتواضع لهم على أن التواضع لهم يوجب ازدياد المودة. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) " التودد نصف العقل " (1) ووجه ذلك أن العقل نصفان نصف عقل المعاد ونصف عقل المعاش، وقال الصادق (عليه السلام): " من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس، وأن تسلم على من تلقى، وأن تترك المراء وإن كنت محقا ولا تحب أن تحمد على التقوى " (2) وفي حديث آخر: " التواضع درجات منها أن يعرف المرء قدر نفسه فينزل منزلتها بقلب سليم لا يحب أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يؤتى إليه، إن رأى سيئة درأها بالحسنة، كاظم الغيظ عاف عن الناس والله يحب المحسنين " (3) وينبغي أن يعلم أن الأولى والاحسن بحال الفقراء أن يتركوا تواضع الاغنياء ويعتزلوا عنهم ويتكلوا على الله سبحانه كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " ما أحسن تواضع الاغنياء للفقراء طلبا لما عند الله وأحسن منه تيه الفقراء على الاغنياء اتكالا على الله " (4) والتيه التكبر، ولعل المراد به ما ذكرناه من الاعتزال عنهم وترك التواضع لهم وإلا فالتكبر قبيح من كل أحد لأن الكبرياء إنما يليق بالحق عز شأنه إذا الخلق محل النقص، فإذا تكبر تكلف أن يتصف بما لا يليق به، ومن ثم قيل: هتك ستره من جاوز قدره. (يستكثر قليل المعروف من غيره) العاقل يؤثر ذلك من وجوه: الأول: التشبه بالبارئ جل شأنه فإنه يقبل قليل الحسنات من عباده ويضاعفه أضعافا كثيرة وفي الأدعية المأثورة " يا من يقبل القليل ويعفو عن الكثير ". الثاني: استكثاره تعظيم للنعمة والمنعم، وكلاهما مطلوب واستقلاله تحقير لهما وهو مذموم جدا. الثالث: استكثاره نوع من الشكر وهو يوجب الزيادة لقوله تعالى: * (ولئن شكرتم لأزيدنكم) * ولما رواه مسمع بن عبد الملك قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) بمنى وبين أيدينا عنب نأكله فجاء سائل فسأله فأمر بعنقود فأعطيته فقال السائل: لا حاجة لي في هذا إن كان درهم، قال: يسع الله عليك، فذهب ثم رجع فقال ردوا العنقود فقال: يسع الله لك ولم يعطه شيئا، ثم جاء سائل آخر فأخذ أبو عبد الله (عليه السلام) ثلاث حبات عنب فناولها، إياه فأخذ السائل من يده ثم قال: الحمد لله رب العالمين الذي رزقني، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): مكانك فحثا ملأ كفيه عنبا فناولها إياه فأخذها السائل من يده ثم قال الحمد لله رب العالمين فقال أبو عبد الله (عليه السلام) مكانك، يا غلام أي شئ


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 113. 2 - (4 و 5) الكافي كتاب الايمان والكفر باب التواضع تحت رقم 6 و 13. 3 - 4 - النهج أبوا الحكم تحت رقم 406. (*)

[ 185 ]

معك من الدراهم فإذا معه نحو من عشرين درهما فيما حرزناه (1) أو نحوها فناوله إياها، فأخذها ثم قال: الحمد لله هذا منك وحدك لا شريك لك فقال أبو عبد الله (عليه السلام) (عليهم السلام) مكانك فخلع قميصا كان عليه فقال: ألبس هذا، فلبسه، ثم قال: الحمد لله الذي كساني وسترني يا أبا عبد الله أو قال: جزاك الله خيرا، لم يدع لأبي عبد الله (عليه السلام) إلا بذا ثم انصرف، فذهب فظننا أنه لو لم يدع له لم يزل يعطيه لأنه كلما كان يعطيه حمد الله أعطاه " (2). (ويستقل كثير المعروف من نفسه) لأن العاقل يعلم أن في استعظام ما أعطاه من المعروف مفاسد شتى منها أنه يؤذي الآخذو أذاه يحبط الأجر لقوله تعالى * (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) * ومنها أنه يوجب منا عليه والمن يهدم أجره لقول الصادق (عليه السلام) " المن يهدم الصدقة " (3) ومنها أنه يستلزم البخل لأنه لا يستعظم إلا ما عظم في عينه وكثر في نظره فيشق عليه إخراجه، ومن ثم قيل: الجواد لا يستعظم ولو أعطى الدنيا بحذافيرها، ومنها أنه يوجب العجب والفخر وهما من الصفات الرذيلة التي لا يرتكبها العاقل وأيضا العاقل إذا شاهد نعم الله تعالى على الفقراء ظاهرة وباطنة مما لا يعد ولا يحصى، وعلم أنه تعالى مع ذلك يستصغرها ويخاطبهم يوم القيامة بالاعتذار ويقول: " يا عبادي مامعتكم في الدنيا لهواني بكم بل لاكرامي لكم في هذ اليوم " (4) وقاس معروفه على نعماء الله تعالى يجده شيئا قليلا بل لاشيئا محضا، فلا يخطر بباله استعظام ذلك قطعا، ثم الاستعظام بأن يقول مثلا: لي عليك نعمة عظيمة، أو أعطيتك مالا كثيرا، أو أحييتك باعطاء كذا وكذا، أو خذ هذا المال الكثير، أو يعد نعماءه ويكررها عليه، أو نحو ذلك مما دل عليه صريحا أو ضمنا أو كناية. (ويرى الناس كلهم خيرا منه) لحسن الظن بهم وعدم علمه بخفيات أمورهم ولاجتنابه عن رذيلة العجب المانع من الترقي في الكمالات والتودد في الالتيام ولأن هذا نوع من التواضع لله تعالى ولعباده والتواضع يوجب السعادة في الدارين والرفعة في النشأتين ومحبتهم إياه، ولأن الخيرية الحقيقة لكل أحد باعتبار قربه بالمبدء ولطف المبدء به ولا يعلم ذلك إلا الله سبحانه، ومراتبهما مختلفة متفاوتة في الزيادة والنقصان، والعاقل يجوز أن يكون القرب واللطف في غيره أكمل فلذلك يراه خيرا منه وحكاية موسى (عليه السلام): مع الكلب مشهورة وفي الكتب مذكورة.


1 - الحرز تعيين مقدار شي بالتخمين. (ش) 2 - رواه الكليني في الفروع كتاب الزكاة أبواب الصدقة باب النوادر تحت رقم 12. 3 - الفروع من الكافي كتاب الزكاة باب المن وفيه " المن يهدم الصنيعة ". 4 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب فضل فقراء المسلمين تحت رقم 9. (*)

[ 186 ]

(وأنه شرهم في نفسه) لما فيه من التواضع والتذلل وإهانة نفسه وعدم إكرامها وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " طوبى لمن ذل نفسه " (1) ولأن العاقل عارف بعيوبه وعجزه وقصوره لا بعيوب غيره (وهو تمام الأمر) أي هذا الأخير وهو أن يرى العاقل أنه شر الناس في نفسه تمام العقل وكماله إذ به يحصل الاستكانة والتضرع والخضوع لله تعالى والرجوع إليه بالكلية، والتعري عن جلبات الوجود والهوية المجازية والتوصل إلى الفناء في الله والهوية الحقيقية، ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى جميع ما تقدم من الخصال المذكورة فهو حينئذ بمنزلة إعادة ما أفاده (عليه السلام) بقوله: و " ماتم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى ". (يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه) قريب منه قول أمير - المؤمنين (عليه السلام): " علامة الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك " (2) قال في المغرب: الهوى مصدر هويه إذا أحبه واشتهاه ثم سمى به المهوى المشتهى، محمودا كان أو مذموما، ثم غلب على غير المحمود فقيل: فلان اتبع هواه إذا اريد ذمه، وفي التنزيل * (ولا تتبع أهواء قوم) * ومنه فلان من أهل الأهواء إذا زاغ عن الطريقة المثلى من أهل القبلة كالجبرية والحشوية والخوارج. والمعنى أن العاقل لا يكذب فيما فيه هواه ونفعه تحرزا من الفضيحة ووقوع الناس في أعراضه عند ظهور خلافه أو من عقوبة الله والبعد من رحمته فكيف إذا لم ينفعه الكذب ولا يهويه وفيه ترغيب في إيثار الصدق على الكذب ومبالغة في أن العاقل لا يكذب أصلا، وقال بعض الحكماء: الكذاب والميت سواء لأن فضيلة الحي النطق فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته. (يا هشام لا دين لمن لا مروءة له) في المغرب المروءة كمال الرجولية ومنها تجافوا عن عقوبة ذي المروءة وقد مرأ الرجل مروءة، وفي الصحاح المروءة الإنسانية (ولا مروءة لمن لاعقل له) الظاهر أن النفي في المواضع الأربعة وارد على الحقيقة كما يقضيه وقوع النكرة في سياق النفي، والمعنى لا تتحقق حقيقة الدين ولا توجد لمن ليس له حقيقة المروءة، ولا تتحقق حقيقة المروءة لمن ليس له حقيقة العقل ينتج لا يتحقق حقيقة الدين لمن ليس له حقيقة العقل، والمقدمتان ظاهرتان ضرورة أن من كان له مروءة في الجملة كان له دين في الجملة ومن كان له عقل في الجملة كان له مروءة في الجملة، ويحتمل أن يكون النفي فيها واردا على الكمال كما هو الشايع في استعمال نحو هذا الكلام، والمعنى لا يتحقق كمال الدين لمن ليس له كمال المروءة، ولا يتحقق كمال المروءة لمن ليس له كمال العقل، ينتج لا يتحقق كمال الدين لمن ليس له كمال العقل، والمقدمتان أيضا ظاهرتان ولا يجوز أن يراد في الاولى نفي الحقيقة وفي الثانية نفي الكمال أو بالعكس لفقد الارتباط حينئذ بين


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 123. 2 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 452. (*)

[ 187 ]

الفقرتين وعدم الانتاج لعدم تكرر الأوسط. والأول أظهر لما مر، والثاني أنسب بما بعده، ولما بين (عليه السلام) أن المروءة والانسانية بالعقل وكان كل واحد منهما مستورا لا يدركه الحواس وكانت الظواهر أدلة على البواطن كما مر أشار إلى أنه يعرف ذلك بترك الدنيا وعدم الركون إليها، وإلى أن مراتبه متفاوته في الشدة والضعف بقوله: (وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا) الخطر: الحظ والنصيب والقدر والمنزلة والسبق الذي يتراهن عليه، وقد أخطر المال أي جعله خطرا بين المتراهنين، ويجوز إرادة كل واحد من هذه المعاني هنا، أما الأولان فظاهران لأن أقدار الناس عند الله سبحانه في الدنيا والآخرة متفاوتة في الفضل والكمال والقرب والبعد وأعظمهم قدرا من لا يرى الدنيا حظا ونصيبا وقدرا ومنزلة لنفسه ولا يلتفت إليها أصلا لتنور قلبه بضوء عقله وإشراق لبه بنور ربه، فعاد بحيث لا ينظر إلا إليه ولا يرغب إلا فيما لديه ولعلمه بأن الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان وسبيلان مختلفان وهما بمنزلة المشرق والمغرب، وأن من أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها، وأن من مشى إلى إحديهما بعد عن الاخرى، وأن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الآخرة. وأن الدنيا موبقة زهراتها مهلكة شهواتها، باقية آفاتها، دائمة كدوراتها، حائلة بين المرء والطاعة لذاتها، فلذلك ترك الدنيا من وراء ظهره وسار إلى حضرة المولى فصار عنده أعظم قدرا وأرفع مكانا وأعلى شأنا ووجيها في الدنيا والآخرة، ومن المقربين الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون، وأما الأخير فلأن الناس في هذه النشأة بمنزلة أهل السياق والرهان يتسابقون لأغراض مطلوبة وغايات مقصودة وأعظمهم قدرا عند الله تعالى من شرق عقله وكمل علمه فصار بحيث لا يرى الدنيا وزهراتها الغائلة (1) ولذاتها الزايلة ومقتنياتها الباطلة خطرا وسبقا لنفسه أصلا بل غرضه من السباق وغايته من الاستباق هو الفلاح بالسعادات الاخروية والفوز بالمكاشفات الربوبية والدخول في زمرة الأبرار وفي جنات تجري من تحتها الأنهار، وبالجملة ترك الدنيا دل على كمال العقل والعلم، وظاهر أن العالم الكامل العقل أعظم قدرا عند الله تعالى من غيره (أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة) فيه تنبيه للغافلين وإيقاظ لهم عن نوم غفلتهم وترغيب للسالكين في الزهادة عن الدنيا وتحريض للعاملين على تحمل المشقة والفناء بتوقع رفع المنزلة وعظيم الجزاء بنوع من التشبيه والتمثيل، وتلميح إلى قوله تعالى * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) * أي استبدل من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة حياتها السرمدية بالأنفس


1 - في بعض النسخ (زهراتها الفانية). (*)

[ 188 ]

ونعيمها الأبدية بالأموال فالمشتري هو الله تعالى، والبايع هو النفوس البشرية، والمبيع هو الأبدان، والثمن هو الجنة العالية، الباقية، والدنيا أوان التسليم، فارتضوا بهذا البيع واستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وسلموا المبيع إلى المشتري لتستفيدوا الربح العظيم فإن البايع إذا قصر في تسليم المبيع حتى هلك انفسخ البيع وبطل الربح، قيل: وفي جعل الجنة ثمن الأبدان إشارة إلى أن ثمن النفوس المجردة هو الله تعالى فكأنه (عليه السلام) قال: أما أن أبدانكم ثمنها الجنة فلا تبيعوها بغيرها وأما نفوسكم المجردة وأرواحكم القدسية فإنما ثمنها هو الله سبحانه والفناء المطلق فيه (1) وفي مشاهدة الوجه الكريم فلا تبيعوها بغيرها ولما كان البيع منوطا بالرضا وكان (عليه السلام) هو الناصح الأمين رغبهم في هذا البيع لما فيه من المصالح الدنيوية والمنافع الاخروية ونهاهم عن بيع أبدانهم بالدنيا الفانية الزايلة الخاسرة الغدارة المكارة بقوله (فلا تبيعوها بغيرها) يعني يجب عليكم أن لا تعاملوا الشيطان ولا تبيعوا الأبدان بالدنيا وشهواتها فإن من آثر مبايعة الرحمن على مبايعة الشيطان فأولئك هم الرابحون، ومن عكس فما ربحت تجارتهم واولئك هم الخاسرون. وينبغي أن يعلم أن العبد في الدنيا تاجر وهو في محل الخطر بنفسه وماله فلابد أن لا يغفل لمحة من حاله، فإن الشيطان قاطع الطريق، مترصد في اغتياله، منتهض للفرصة في إضلاله، والمشتري وهو الله تعالى عالم بأحواله ولا يقبل إلا السليم والجيد من أعماله وأقواله وأفعاله فيجب عليه أن يبتهل أن لا يكون من الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. (يا هشام إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: إن من علامة العاقل) علامة الشئ ما يعرف به ذلك الشئ وللعاقل علامات كثيرة كما يظهر لمن تصفح أحاديث هذا الكتاب وغيرها والمذكور هنا ثلاثة كلها لتكميل الغير اثنان منها لتكميل العلم والآخر لتكميل العمل أو لتكميل العلم والعمل جميعا (أن يكون فيه ثلاث خصال) يريد أن كل واحدة منها علامة بدليل ما بعده (يجيب إذا


1 - الفناء شئ لا يعرفه إلا الراسخون في العلم فمن تفوه به ولا يعرف معناه خيف عليه الضلال ولا يعترف أحد بعدم المعرفة وأما من عرف معنى الفناء فهو غاية مقصود العارفين ففي الحديث " يتقرب العبد بالنوافل حتى احبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها " نقلناه من كتاب عين الحياة للمجلسي عليه الرحمة مترجما ثم بعد نقله هذا الحديث تكلف لتاويل الفناء بما يوافق مذاقه وأطال الكلام فيه جدا ويمكن تلخيص كلامه في جملتين الأولى أن المراد كنت مسموعه مبصره فقال السمع وأراد المسموع، الثاني: ان الله تعالى يده التي يبطش أي يفعل الشئ في زمان يريد العبد فعل ذلك الشئ ولا يسع المقام البحث في ذلك ولعل الله يوفقنا في مكان أليق، وأما على أصول الشارح فلا يحتاج إلى التأويل، لأن وجود الممكنات بالنسبة إلى وجود الواجب كالفئ من الشئ وجود تعلقي صرف فإذا وصل العارف إلى إدراك ذلك بالوجدان لا بالقول فقط فقد وجد فناءه (ش). (*)

[ 189 ]

سئل) لأن الجواب على نهج الصواب عقيب السؤال دل على كمال المجيب وإنارة عقله ونضارة ذهنه ومهارة طبعه في العلوم ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه " (1) وقال أيضا " قدر كل امرء ما يحسنه فتكلموا في العلم تبين أقداركم " (2) ولأن هذا الجواب ينفع السائل لأنه ينور قلبه بالحكمة وإيصال النفع من الصفات الجلية والسمات العلية للعاقل كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " خير القول ما نفع " (3) وقوله: أيضا " لا خير في علم لا ينفع " قيل يعني لا ينفع صاحبه غيره بل فيه مضرة، لقول النبي (صلى الله عليه وآله) " من سئل عن علم علمه ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " (4) وهذا يفيد وجوب الجواب عقيب السؤال ويستثنى من ذلك ما إذا كان الجواب موجبا لمضرة والترك مشتملا على المصلحة كالتقية ونحوها يدل على ذلك ما رواه المصنف (5) عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء قال: سألت الرضا (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك * (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * ؟ فقال: نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون، قلت: فأنتم المسؤولون ونحن السائلون ؟ قال: نعم، قلت: حقا علينا أن نسئلكم ؟ قال: نعم، قلت حقا عليكم أن تجيبونا ؟ قال: لا، ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل أما تسمع قول الله تعالى: * (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * وبالجملة العاقل حكيم يجيب إن رأى الجواب خيرا وبترك الجواب إن رأى تركه خيرا، وترك الجواب والصمت لمصلحة أيضا من علامات العاقل، وقد نقل بعض أرباب السير أن رجلا من أهل العراق حج بيت الله الحرام وغلبه النوم ليلة في المسجد الحرام فاعطي في المنام تعبير الرؤيا، فلما رجع إلى بلده اشتهر بذلك حتى كان الناس ينتقلون إليه من البلدان البعيدة لاستعلام رؤياهم وكان يجيبهم ويعبر لهم ولا يخطئ أصلا ونقل من جملة تعبيراته حكايات عجيبة غريبة فبلغ ذلك إلى الوالي فطلبه وأجلسه بين يديه وشرع بذكر حكايات من مزخرفات ومنامات مفتريات على سبيل السخرية والاستهزاء وكان ذلك الرجل ساكتا في كل ما يقول ولم يجبه أصلا فقال له الأمير بعدما أطال الكلام لايش ما تتكلم ؟ فقال: أيها الأمير نحن نتكلم إذا كان السائل مستفهما لا ما إذا كان مستهزيا ومتعنتا. فاستحسن عقله وتدبيره فعززه وقربه.


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 392. 2 - الاختصاص للشيخ المفيد - رحمه الله - ص 2. 3 - و (4) النهج جزء من كتاب له (عليه السلام) إلى ولده الحسن بن علي (عليه السلام). 4 - أخرجه البغوي في المصابيح ج 1 ص 22 بسند ضعيف عن أبي هريرة. 5 - كتاب الحجة باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة (عليه السلام) تحت رقم. 2 (*)

[ 190 ]

(وينطق إذا عجز القوم عن الكلام) بالحكمة الإلهية، والأسرار الربوبيية والقوانين الشرعية والأخلاق النبوية والسياسات المدنية، وغيرها لشدة خوضه في العلوم والحقائق وكثرة غوصه في بحار المعاني والدقائق إما بتعلم ومناظرة مع الخلان في مدة طويلة وآونة من الزمان أو بمكاشفات وإلهامات لكثرة أفكار ورياضات فحصل له بذلك كمالات لازمة وسعادات دائمة وملكات ثابتة وأحوالات راسخة حتى عرج بذلك إلى رتبة التعليم بعبارات لايقة، ودرجة التفهيم بكلمات رائقة، ومنزل التقويم بتقريرات واضحة، كما هو شأن العلماء ودأب الحكماء، وطرز العقلاء، فدل ذلك على كماله في عقله وتفوقه في فضله وتقدمه في جلال قدره وكمال نيله ومن ههنا يظهر أن أمير المؤمنين (عليه السلام) مقدم على الثلاثة المنتحلين للخلافة لعجزهم عن معرفة كثير من الأحكام ورجوعهم إليه في كثير من مسائل الحلال والحرام (ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله) لأن ذلك يتوقف على التميز بين الحق والباطل والحسن والقبيح والصحيح والسقيم والخير والشر في الأقوال والأعمال والأخلاق كلها، ثم اختيار أفضل هذه الامور للاخوان والاشارة إليه شفقة عليهم، وكل ذلك من آثار الفضل وعلامات العقل ولذلك قيل: من أشار إلى أخيه بأمر يعلم أن الرشد فيه فقد كمل عقله وفاق فضله وظهر عدله. وهذه الفقرة من الكلمات الجامعة لشمولها جميع أنواع الخير مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمر بالأخلاق المرضية والترغيب في أمر الآخرة والتزهيد عن الدنيا، وغير ذلك مما يتم به نظام الدارين وتكمل به سعادة الكونين، وقيل الفقرة الاولى ناظرة إلى الفتاوى في النقليات والشرعيات والثانية إلى تحقيق المعارف والعقليات والثالثة إلى معرفة التدبيرات والسياسات في العمليات (1) (فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شئ) يعني لم يقدر على الجواب عند سؤال، وعلى النطق عند عجز القوم، وعلى الاشارة بما فيه صلاح أهله فهو أحمق ناقص العقل لفساد قوته النظرية والعملية المعبرتين بالعقل النظري والعملي. قال في المغرب: الحمق نقصان العقل عن ابن فارس، وعن الأزهري فساد فيه وكساد، ومنه انحمق الثوب إذا بلي، انحمقت السوق إذا كسدت، وقد حمق حمقا فهو أحمق، وحمق حماقة فهو أحمق. (إن أمير المؤمنين (عليه السلام)) تأكيد للسابق وتقرير له ولذلك ترك العاطف (قال لا يجلس في


1 - لأن قوله في الفقرة الثالثة " صلاح أهله " صريح في السياسة وتدبير المنزل والاخلاق وأما الفقرة الثانية فوجه اختصاصها بالمعارف والعقليات ان الناس لا يسئلون عنها حتى ينحصر التعليم في مورد السؤال بل على العالم ان يعلم الناس التوحيد ويوجههم إلى الآخرة ويبين لهم النبوة والإمامة قبل أن يلتفتوا ويسئلوا واما الفروع فيسئل عنها المؤمن بالله والآخرة فيجيب العالم كما في الفقرة الأولى (ش). (*)

[ 191 ]

صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث) التي هي من أعاظم اصول حاجات الناس (أو واحدة منهن) لأن صدر المجلس لأصحاب العلوم الراسخة وأرباب العقول الكاملة في قوتي العلم والعمل ليرجع إليهم الضعفاء ويلوذ بهم الفقراء في تحصيل الكمال وتكميل الأحوال ويعظموهم لحق التعليم والإرشاد ويوقروهم لحق التقدم في المعرفة والعلم بأحوال المبدء والمعاد، وهذا صريح في أن تفاوت الرجال في المجالس باعتبار تفاوتهم في الفضل والكمال لا باعتبار تفاوتهم في النسب والمال، يدل على ذلك قوله (عليه السلام) أيضا " قيمة كل امرء ما يحسنه " (1) وقول الصادق (عليه السلام) " اعرفوا منازل الناس على قدر رواياتهم عنا " (2) وبالجملة التقدم على الاطلاق لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم بعده لعلي بن أبي طالب وأولاده الطاهرين (عليهم السلام) ثم بعدهم لشيعتهم على تفاوت مراتبهم في العلم والعمل (فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق) لأنه وضع لنفسه في غير موضعها وموضعها موضع أراذل الناس لأنه رذل وإن كان ذانسب لقول النبي (صلى الله عليه وآله) ما استرذل الله عبدا إلا حظر عليه العلم والأدب " (3) وقول أمير المؤمنين: " إذا أرذل الله عبدا حظر عليه العلم " (4). (وقال الحسن بن علي (عليهما السلام) إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها) يمكن أن يراد بالحوائج الحوائج الدينية أعني اصول المعارف والأحكام وفروعها وأن يراد بها الحوائج الدنيوية وقد دل العقل والنقل على قبح الطلب وذم السؤال في امور دنيوية لأن فيه خساسة وذلا وانكسارا ودنية وإراقة ماء الوجه وهي أشد وأصعب من منيته، ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " أكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب " (5) وهي جمع الرغيبة يعني العطاء الكثير وفي الخبر أيضا " لأن يأتي أحدكم جبلا فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من إن يسأل أعطوه أو منعوه " (6) وإن اضطررتم وليس الاضطرار إلا لقلة البصيرة وضعف اليقين بالله، لأن من توكل على الله فهو حسبه فاطلبوها من أهلها لأنه إن قضاها قضاها بلا منة ولا استهانة وعلى وجه جزيل وإن ردها ردها بوجه حسن وعلى وجه جميل، ولا تطلبوها من غير أهلها لأن تلك دنية حاضرة ومذلة ظاهرة، وفوت الحوائج أحسن وأهون منها فقال: (قيل يا ابن رسول الله ومن أهلها ؟ قال: الذين قص الله في كتابه وذكرهم فقال: * (إنما يتذكر أولو الألباب) * قال: هم


1 - تقدم آنفا (2) سيأتي في كتاب العلم ان شاء الله. 3 - أخرجة ابن النجار من حديث أبي هريرة بسند ضعيف كما في الجامع الصغير. 4 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 288. 5 - جملة من كتاب له (عليه السلام) إلى الحسن بن علي (عليه السلام) في النهج تحت رقم 31. 6 - أخرجه البغوي في المصابيح ج 1 ص 123. (*)

[ 192 ]

أولو العقول الخالصة) عن شوائب النقص والأوهام (1) إن أريد بالحوائج الحوائج الدينية فالرجوع فيها إلى اولى الألباب وطلبها منهم ظاهر لأنهم العارفون بالمعارف والأحكام وسائر الناس فقراء يحتاجون إلى السؤال منهم والأخذ من خزائن عقولهم، وكذا إن اريد بها الحوائج الدنيوية لأنهم بسبب كمال عقولهم وعلو طبعهم وشدة محبتهم ومودتهم بخلق الله إما يقضون حوائجهم على الوجه الأحسن، كما روي " أن سائلا سأل الرضا (عليه السلام) فقال اجلس رحمك الله فدخل الحجرة وبقى ساعة ثم خرج ورد الباب وأخرج يده من أعلى الباب وقال للسائل: خذ هذا المائتي دينار واستعن بها على مؤونتك ونفقتك وتبرك بها ثم خرج بعد ذهاب السائل، فقيل له: جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت فلما ذا سترت وجهك عنه ؟ فقال مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته " (2) وإما يردونهم على الوجه الأحسن ويرشدونهم إلى ما يتحصل به قضاء حوائجهم كما روي " أن رجلا اشتدت فاقته فقالت له امرأته لو أتيت رسول الله فسألته فجاءه ليسأله فلما رآه النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله فقال الرجل ما يعني غيرى فرجع إلى امرأته فأعلمها فقالت: إن رسول الله بشر فأعلمه، فأتاه فلما رآه قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله حتى فعل ذلك ثلاثا ثم ذهب الرجل واستعار معولا واشتغل بالاحتطاب وابتياعه حتى اشترى بكرين وغلاما ثم أثرى حتى أيسر فجاء إليه (صلى الله عليه وآله) فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع منه، فقال (صلى الله عليه وآله) قلت لك: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله " (3) فانظر رحمك الله إلى جلالة قدر العقلاء ونبالة حالهم وعظمة شأنهم حيث جعلهم الله سبحانه منارا في بلاده بهم يعرفون معالم الدين ويصعدون إلى أعلى معارج اليقين، وملاذا لعباده بهم يتوسلون في تحصيل المطالب ويتمسكون في تيسير المآرب، تلك نعمة يمن بها على من يشاء من عباده وهو الحكيم العليم.


1 - العقل الخالص عن شوائب الاوهام لفظ يتفوه به جميع الناس ويظنون أنفسهم واجدين له متصفين به ولكن الحق أن الخالص المحض ليس إلا في قليل ويعرف ذلك من عرض نفسه على العلامات المذكورة في هذا الحديث الشريف للعاقل كما مر وبينا في بعض ما مر كيفية ارتباط منافيات العقل للوهم انموذجا يقاس به الباقي ماذا رأيت أحدا يصدق بشئ لم يقم عليه دليل ولا يدرك بالبديهة كالفضاء الغير المتناهي والجزء الذي لا يتجزء وأن كل موجود محسوس فاعلم أن عقله مشوب بالوهم فهو بعينه نظير من يعترف بان الميت جماد ومع ذلك يخاف عنه ولكن ليس جميع الاصول العقلية مما يعارضه الوهم في التصديق بل في العمل ولولا ذلك لم يكن العقل حجة إذا لم يميز الإنسان مدركات وهمه من مدركات عقله. (ش) 2 - رواه الكليني في الكافي كتاب الزكاة باب من أعطى بعد المسألة تحت رقم 3. 3 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب القناعة تحت رقم 7. (*)

[ 193 ]

(وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح) لأن كلامهم يعمر قلب الأنيس ويلين طبع الجليس (1) ويخرجه من الغفلة والنسيان ويذكره ثواب الأبد ونعيم الجنان، ويحييه بالموعظة العليا والسعادة العظمى والزهادة عن الدنيا حتى يصير تكونه كتكونهم وتلونه كتلونهم فيرتقى بذلك إلى معارج القدس، ويرتع في رياض الانس، ألا يرى أن من عقد خدمة النبي في وسط روحه كيف فتح الله عليه أبواب فتوحه ومن قارن بيضاء سماء الولاية ولازم نير فلك الإمامة وأخذ جواهر المعاني من زواهر كلماته واقتبس أنوار الحقايق من ضوء مشكاته كيف نور الله بذلك مهجته وزاد بهاءه وبهجته، وقد يرشد إلى ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " قارن أهل الخير تكن منهم وباين أهل الشر تبن عنهم " (2) أي تتميز عنهم. وفيه حث عظيم على وجوب مفارقة الفاسقين والاجتناب عن الظالمين والفرار عن أولياء الشياطين حتى كان تقارنهم موجبا للاتحاد بين الاثنين وذلك لأن جليس أهل الشر يأخذ منهم أعمال الشر بدارا كما أن الحديد بمجاورة النار يصير نارا، إذ قد اجتمع على تلك الأعمال بواعث من الطبع ووساوس من الشيطان وتد ليسات من مردة الإنس، وتلبيسات من أهل الخذلان، فيوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ويزين كل لصاحبه باطلا وزورا. (واداب العلماء زيادة في العقل) الآداب جمع الأدب (3) قال في المغرب الأدب أدب النفس والدرس - وقد أدب فهو أديب وأد به غيره فتأدب واستأدب وتركيبه يدل على الجمع - والدعاء ومنه الآدب لأنه يأدب الناس إلى المحامد أي يدعوهم إليها عن الأزهري، وعن أبي يزيد الأدب اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج به الإنسان في فضيلة من الفضايل والمقصود أن آداب العلماء موجبة لزيادة عقل من جالسهم وعروجه من حضيض النقص إلى أوج الكمال، والوجه في


1 - ما نقل عن زين العابدين (عليه السلام) هنا راجع إلى عقل المعاش والمعاشرة مع الناس بعد ما كان ما رواه سابقا عليه من عقل المعاد وتهذيب النفس أشار إلى ذلك استاد الحكماء المتألهين صدر الدين (قدس سره) وذلك لأن المعاشرة مع الصلحاء والمداراة مع الاعداء من كمال العقل والشريعة الكاملة المحمدية (صلى الله عليه وآله) تدعوا التعاون والمعاشرة. (ش) 2 - النهج كتاب له (عليه السلام) إلى ابنه الحسن بن علي (عليه السلام). 3 - المبتدأ في تلك الجمل مصدر أو اسم مصدر مثل مجالسة الصالحين وطاعة ولاة الامر واستثمار المال وارشاد المستشير وكف الأذى فلا بد أن يكون آداب أيضا مصدرا حتى يتناسق الالفاظ ويتناسب المعنى إذ ليس آداب العلماء زيادة في العقل بل المعاشرة معهم والاختلاف إليهم ومصاحبتهم وملازمة خدمتهم. والأنسب عندي بعد فرض صحة الكلمة ان يقرأ اداب العلماء مصدر باب الافعال من دأب يعني الالحاح والسؤال المتتابع والاصرار في ملازمتهم والتشرف بخدمتهم واستنباط المعارف منهم والدأب التتابع والتكرر قال تعالى * (تزرعون سبع سنين دأبا) * أي متتابعا وفي نسخة لنا مصححة مقروءة على المحدث الجزائري " أدب العلماء " وهو أحسن من " آداب " (ش). (*)

[ 194 ]

ذلك مع ظهوره أن عقول العلماء مشرقة مضيئة في سماء الأبدان كالشمس فانقشعت عنهم سحائب الحجب وظلمات الغشاوة إلى أن شاهدوا العلوم الإلهية والحكمة الربانية وإذا قابلت العقول الناقصة القابلة عقولهم استعدت بذلك لأن يتنور بنورها وتستضئ بضوئها كما أن القمر المقابل للشمس يتنور بنورها ويستضئ بضوئها وعلى حسب ذلك ينكشف عنها الحجاب والعوائق ويحصل لها الترقي إلى عالم العلوم والحقائق ولذلك قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) " محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابي " (1) (وطاعة ولاة العدل تمام العز) (2) لما كان الإنسان أسيرا للنفس الأمارة بالشهوات والقوى الداعية إلى اللذات وكان أهواؤهم لذلك مختلفة وآراؤهم متباعدة وقلوبهم متفرقة كانت استقامة نظام أحوالهم في أمر معاشهم ومعادهم محوجة إلى سلطان قاهر وحاكم زاجر تأتلف برهبته النفوس والأهواء وتجتمع بهيبته القلوب والآراء وتنكف بسطوته الأيدي العادية إذ في طباعهم من حب الغلبة على ما أثروه والقهر لمن عاندوه مالا ينكفون عنه إلا بمانع قوي ورادع ملي وزاجر جلي وقد أفصح المتنبي عنه حيث قال: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدم والظلم من شيم النفوس فإن تكن * ذاعفة فلعلة لا يظلم والعلة المانعة من الظلم عند الاستقراء ترجع إلى امور أربعة إما عقل زاجر أو دين حاجز، أو عجز مانع، أو سلطان رادع، والسلطان القاهر أبلغها نفعا وأعظمها ردعا لأن العقل والدين ربما كانا


1 - سيأتي في كتاب العلم ان شاء الله تعالى. 2 - " قوله وطاعة ولاة العدل " الظاهر المتبادر إلى الذهن في كلام الأئمة (عليه السلام) وشعيتهم من ولاة العدل الإمام المعصوم وأما ساير الولاة وان اتسموا بالعدالة فهم جائرون لا يجب اطاعتهم إذ لا يخلو غير المعصوم من أمر بالقبيح ولو خطاء وهذا مذهبنا في الحكومة والسياسة ونقول: يجب في حكمة الله تعالى ولطفه أن ينصب في كل زمان إماما معصوما حجة ويوجب طاعته على العباد والمدينة الفاضلة التي يقول به الحكماء هي التي يكون الأمير فيه بصفة العلم والحكمة والعدل وتزيد فيه العصمة، وقال الفارابي في بعض كتبه ما حاصله أن أفضل أنحاء المدينة بعد المدينة الفاضلة مدينة الجماعة وعرفها بما يطابق الحكومة الديمقراطية في عهدنا وقال هذه المدينة يعد الناس ويهيئهم لقبول المدينة الفاضلة ومدينة الجماعة هي التي قبلها أكثر بلاد النصارى ولم يعهد إلى زماننا هذا حكومة أعدل منها إذ عزلوا الأمراء والولاة والجنود بل الوزراء مع كمال قدرتهم أن ينفذوا شيئا بأرائهم ويستبدوا بشئ من الاحكام إلا إذا رضي به الناس وصوبه الرعايا ومع ذلك فليس إطاعة ولاة مثل تلك الحكومات إلا إذا رضي به الناس وصوبه الرعايا ومع ذلك فليس إطاعة ولاة مثل تلك الحكومات أيضا واجبة على الناس إن فرض محالا وجودها بين المسلمين إلا تقية وتحرزا عن الفتنة وأمثال ذلك (ش). (*)

[ 195 ]

مغلوبين بدواعي الهوى والعجز قد ينتفى كما هو المشاهد في الأكثر فيكون رهبة السلطان أقوى ردعا وأعم نفعا، ثم السلطان الجائر وإن كان دافعا للفتنة من بعض الجوانب لكنه جالب لها من جوانب اخر فلا خير فيه من جهة ما هو جاير فلا بد من أن يكون السلطان عادلا ليكون دافعا للفتنة بالكلية مانعا من وقوع الهرج والمرج والذل والخسران في الخلق ولكن دفعه لها منوط بطاعتهم ومتابعتهم له فوجب عليهم الوفاء بذمامه والاستماع إلى كلامه، والاتباع لأفعاله وأعماله، واللزوم للالفة والتحاض عليها والتواصي بها، والاجتناب عن الفرقة وغيرها مما يكسر فقرتهم ويوهن قوتهم من تضاغن القلوب وتشاحن الصدور وتدابر النفوس وتخاذل الأيدي ليحصل له قوة لدفع كيد المعاندين وشر الظالمين ومكر الحاسدين وطعن الملحدين عن حوزة المسلمين وعرض المؤمنين، فتحصل لهم العافية وتكمل لهم النعمة وتجري عليهم العزة والكرامة، ويكونون حينئذ أنصارا معززين وأربابا في الأرضين ملوكا على رقاب العالمين، ولو تركوا طاعته واختاروا فرقته وجانبوا الفتنة وهدموا كلمته وكسروا شوكته وتشعبوا مختلفين وتفرقوا متحاربين خلع الله تعالى عنهم لباس كرامته ورداء عزته وغضارة نعمته فيستولي عليهم الاعداء ويتخذونهم عبيدا ويسومونهم سوء العذاب وهم متحيرون في ذل الهلكة وقهر الغلبة لا يجدون حيلة في امتناع ولا سبيلا إلى دفاع (1). (واستثمار المال تمام المروءة) أي استثمار المال واستنماؤه بالتجارة وغيرها من أنواع الاكتساب تمام الانسانية وكمال الرجولية (2) لما فيه من الاستعفاف عن الناس والسعي للتوسعة على الأهل والتعطف على الجار والاقتداء على قضاء الحوائج والإتيان بسائر أبواب البر من مصالح الدنيا والآخرة.


1 - من قوله: " واللزوم للالفة " إلى هنا مقتبس من النهج الخطبة المعروفة بالقاصعة. 2 - المروءة مصدر مرء الرجل وأرادوا به شيئا غير كون الإنسان مرءا اي رجلا فإن هذا المعنى ثابت لكل رجل وليس كل رجل ذا مروءة وذلك، لأن الناس على ضربين منهم يعتد بما يقول وما يقال فيه، ونظير ذلك اختلاف الناس في ساير أموالهم وما يتعلق بهم مثلا بعضهم يعتنى بداره وأثاثه وأولاده، وبعضهم يهمل كل شئ له والعالم يعتني بكتبه ويحفظها من التلف ويضن بها من الضياع وغير العالم لا يعتنى بما يقع في يده من الكتب والزارع كذلك بالنسبة إلى البذور والحقول والبساتين يعتنى بأمور لا يعتني به غيره وصاحب المروءة هو المعتني بنفسه والمروءة ممدوحة في الشرع والعرف وعدها الفقهاء من شرائط العدالة لأن البذي الوقيح الذي لا يبالي بما يقال فيه ولا يعد نفسه مما يجب أن يتعاهد لا يجتنب القبائح البتة. وأما استثمار المال فعده من تمام المروءة فإن من يعتني بنفسه يعتني بماله من حيث إن ماله يقي عرضه ويحفظه من السؤال ويسهل عليه البذل وإعانة المضطرين وإغاثة الملهوفين فحفظ المال كمال لحفظ النفس (ش). (*)

[ 196 ]

قال الصادق (عليه السلام): " إصلاح المال من الايمان " (1) وقال أيضا: " عليك باصلاح المال فإن فيه منبهة للكريم واستغناء عن اللئيم " (2) والاخبار المرغبة في كسب الحلال والاستغناء عن الناس وجعله وسيلة إلى السعادات الأخروية والتقرب بالقربات الإلهية وصرفه في وجوه البر أكثر من أن تعد وتحصى وإنما المذموم من جعل الدنيا لنفسه استقرارا ورضي بها دارا واطمأن بها وركن إليها وجعلها آلة للشهوات الباطلة واللذات الزائلة والسيئات الحائلة بينه وبين السعادة الأبدية. وقد روى " أن الدنيا دنيا آن دنا دنيا ممدوحة " وهي ما يوجب زيادة القرب من الله تعالى، " ودنيا ملعونة " وهي ما يوجب البعد عن رحمته ويحتمل أن يكون استثمار المال كناية عن إخراج الزكاة لأن إخراج الزكاة يوجب نمو المال ولذلك سمي المخرج من المال زكاة ويدل عليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " ان الله وضع الزكاة قوتا للفقراء وتوفيرا لاموالكم " (3). (وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة) الاستشارة أمر مرغوب فيه شرعا وعقلا والروايات المرغبة فيها متظافرة وقد أمر الله تعالى بها سيد المرسلين وهو أعقل العاقلين فقال: " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله " فمن اهتم بأمر يعلم أن الخيرة في فعله أو في تركه فعليه أن يستشير بذي الرأى المتين فإنه سبحانه يلهمه الخير والشر وعلى المستشار أن لا يخونه فإن من خان مسلما فقد خان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن خان رسول الله فقد خان الله ومن خان الله أخزاه الله في الدنيا والآخرة وسلب عنه نعماه ورحمته وعليه هدايته وإرشاده إلى ما هو خير له " قضاء لحق النعمة " أي نعمة المستشير عليه لأن تفويض المسلم أمره إلى أخيه واتكاله على رأيه فيه نعمة عليه، أو المراد بالنعمة عقل المستشار لأن العقل من أفضل نعماء الله تعالى على عباده والمراد بها أعم من ذلك وعلى التقادير إرشاده سبب لمقتضى حقها واستبقاء لها وإضلاله سبب لفسادها ويرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " إن لله عبادا يختصهم بالنعم لمنافع العباد فيقرها في أيديهم ما بذلوها فإذا منعوها نزعها ثم حولها إلى غيرهم " (4). (وكف الأذى من كمال العقل) قال: في المغرب: الأذى ما يؤذيك وأصله المصدر وقوله في المحيض " هو أذى " أي شئ يستقذر كأنه يوذي من يقر به نفرة وكراهة، والتأذي أن يؤثر فيه الأذى. أقول: الاذى لفظ شامل لجميع أنواع الخصال المذمومة مثل الضرب والشتم والهجو والغيبة


1 - و (4) الكافي كتاب المعيشة باب إصلاح المال وتقدير المعيشة تحت رقم 2 و 6. 3 - في المحاسن ص 319 والفقيه والكافي والعلل من حديث العقر قوفى عن موسى بن جعفر عليهما السلام. 4 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 425. (*)

[ 197 ]

والتهمة وغيرها وإنما كان كف الأذى من كمال العقل لأن العاقل يعلم أن الغرض الأصلي من الخلق هو الوصول إلى جناب عزته والطيران في حظاير قدسه بأجنحة الكمال مع الملائكة المقربين وأن ذلك كما يتوقف على عبادة الرحمن كذلك يتوقف على كف الأذى من الإخوان، فكما أن صرف الهمة في العبادة من كمال العقل كذلك صرف النفس عن الأذى، وأما المؤذي فهو بمنزلة البهائم والسباع، عار عن حلية العقل ويعلم أيضا أن ترك الأذى يوجب التعاون والتعاطف والتراحم والتواصل والتظاهر والتواخي والتآلف والتودد والاجتماع، وكل ذلك مما يقتضيه كمال العقل ويعلم أيضا أن ترك الأذى يدل على حلمه وأناته ورفقه وإشفاقه وعلمه بعواقب الامور وهي من آثار العقل، ويعلم أيضا أن إيذاء المسلم نقصان في الدين أو خروج منه لقوله (عليه السلام): " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " (1) فلذلك يتركه طلبا لكماله وأنه من كمال العقل ولا تفاوت في هذا الحكم بين كف نفسه عن أذى الغير أو كف غيره عن أذى أحد (وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا) لأن الدنيا والآخرة دار المكافاة فمن ترك الأذى سلم عن الآفات أما الآخرة فلقوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * وقوله تعالى: * (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد " (2) وقوله " يوم المظلوم على الظلم أشد من يوم الظالم على المظلوم " (3) إلى غير ذلك من الآيات والروايات، وأما الدنيا فلقوله (عليه السلام) " من سل سيف البغي قتل به، ومن حفر بئرا لأخيه وقع فيها " (4) ولأن المظلوم إن كان ذا قوة فقد ألقى المؤذي نفسه إلى التهلكة وإن لم يكن ذا قوة أضمر العداوة وينتهز الفرصة لا يقاع المكروه به كما هو المعلوم من أحوال أبناء الزمان، وأيضا قد يرفعه الدهر وليس ذلك من الدهر ببعيد فالمؤذي دائما في معرض الهلاك وقد يقال: الناس إما كاملون أو ناقصون والناقص نقصانه إما بحسب الدنيا أو بحسب الاخرة والنقصان بحسب الاخرة إما بحسب العمل أو بحسب العلم والنقصان بحسب الدنيا إما في الجاه والعزة أو في المال والثروة، والكامل من حقه أن ينفع غيره أو يدفع الضرر عنه فصارت الأقسام ستة أربعة من جهة النقص وإثنان من جهة الكمال فقوله (عليه السلام) " مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح " إشارة إلى الناقص من جهه العمل المفتقر إلى من يدعوه إلى الصلاح وقوله: " وآداب العلماء زيادة في العقل، إشارة إلى الناقص في العلم المفتقر إلى التعلم وقوله: " وطاعة ولاة الأمر تمام العز " إشارة الناقص بحسب الدنيا


1 - النهج أبواب الخطب تحت رقم 165 أو لها " ان الله تعالى أنزل كتاب هاديا ". 2 - و (3) و (4) النهج أبواب الحكم تحت رقم 221 و 241 و 349. 3 - 4 - (*)

[ 198 ]

من جهة العزة. وقوله: " واستثمار المال تمام المروءة " إشارة إلى الناقص بحسب الدنيا من جهة المال، فهذه أقسام الناقصين وعلاج جميعهم بالمعاشرة والصحبة. وقوله: " وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة " إلى الكامل النافع لغيره. وقوله: " وكف الأذى تمام العقل " إشارة إلى الكامل الدافع للضرر عن الغير. (يا هشام إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه) لأن العاقل لا يعين غيره بالإثم والعدوان ولا يسعى على نفسه بالاستهانة والخذلان، بل يحفظ قدره وشرفه على قدر الامكان ويجتنب من تحديث من يكذبه كما يجتنب من الذنوب والعصيان أو أشد اجتنابا لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): " أشد الذنوب ما استهان به صاحبه " (1) ولأن المكذب للعاقل جاهل ورؤية الجاهل ومجالسته شوم فيكف تحديثه ومجاورته ولأن تحديثه مع احتمال تكذيبه ربما ينجر إلى الخصومة والجدال وقد ورد النهي عنها. (ولا يسأل من يخاف منعه) لأن أصل السؤال - والطمع - عما في أيدي الناس ذل والخيبة بالمنع وعدم الانجاح ذل آخر فالعاقل لا يسأل غيره ما استطاع لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله سبحانه أكرم وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه " (2) وإن اضطر إليه ونظر إلى أن المال في أيدي العباد مال الله في الحقيقة قد ملكهم التصرف فيه وأن هذا العالم عالم الأسباب فلا يسأل قطعا من يخاف منعه تحاشيا عن ذل في ذل وانكسار في انكسار وإراقه ماء الوجه بلا منفعة أصلا وتماسكا بقوله (عليه السلام) " ماء وجهك جامد فانظر عند من تقطره " (3) وبقوله: لقلع ضرس، وضنك حبس * ونزع نفس، ورد أمس وحمل عار، ونفخ نار * وبيع دار بعشر فلس وقود قرد، ونسج برد * ودبغ جلد بغير شمس وقتل عم، وشرب دم * وحمل غم، ونقل رمس أهون من وقفة بباب * تلقاك حجابها بعبس (ولا يعد مالا يقدر عليه) لأن خلف الوعد من صفة النفاق وصنع اللئام وفيه مذلة حاضرة وخساسة ظاهرة يستنكفها أصحاب العقول الخالصة وقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 348 و 477. 2 - النهج من كتاب له (عليه السلام) إلى ابنه الحسن (عليه السلام). 3 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 346. (*)

[ 199 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ثلاث من كن فيه كان منافقا وعد منها خلف الوعد " (1) ولاظهار شرف الوفاء به وسمو رتبته وعلو درجته ذكر الله سبحانه في القرآن العزيز وقدمه على وصف الرسالة والنبوة وغيرهما من الصفات العالية مثل الأمر بالصلوة والزكاة فقال " واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا " وقيل، معناه إن العاقل لا يعد أمرا من الامور حتى يعلم أنه قادر على إتمامه والبلوغ إلى غايته. وكأنه قرأ يعد بشد الدال من الإعداد والظاهر أنه تصحيف (ولا يرجوا ما يعنف برجائه) التعنيف اللوم والتعيير والرجاء هي الصورة الحاصلة في النفس من تقدير شئ وتصويره فيها وأكثره ينشأ من تخمين بلا روية، وفي النهاية الرجاء هي التوقع والأمل والمراد به هنا طلب رجل ما لا يستحقه ولا يليق بحاله كما هو من بضائع النوكى (2) وشرايع الحمقى، مثل أن يطلب الفقير الخمول السلطنة والجاهل الغبي التطلع بالأسرار اللاهوتية ويدعي المبتدئ في العلم رتبة الاستادين الكاملين ورجاء أمثال ذلك من لوازم الجهالة ولواحق الغباوة لامن صفة العلماء وسمت العقلاء فإن العاقل العالم لإنارة قلبه وإضاءة ذهنه وانفتاح عين بصيرته له حاجز عن ذلك ونور يستبين به العواقب ويترك به القبايح ويجتنب عن رجاء مالا يليق به وينزل نفسه في مكانه ويطلب الأشياء في مظانها " رحم الله عبدا عرف قدره فلم يجاوز طوره " (لا تقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه) قرء بعض العلماء قوته بالقاف المضمومة وتشديد الواو، وقال: أي على قوته فالنصب على نزع الخافض، والنسخ التي رأيناها بالفاء المفتوحة والواو الساكنة يعني أن العاقل لا يقدم على فعل ليس في وسعه ولا يرتكبه تحرزا عن لحوق اللوم بسبب العجز عنه رأسا أو بسبب العجز عن الاتيان به على وجه الكمال وكذا لا يقدم على قول وفعل في غير وقتهما لأنه يعلم أن الأشياء مرهونة بأوقاتها ومن أقدم عليهما في غيرها عجز عنهما (3) وأذل نفسه، وقال الصادق (عليه السلام): " لا


1 - بحار الانوار المجلد الخامس عشر الجزء الثالث من كتاب الايمان والكفر باب صفات المنافق والمرائي عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد عنه عن آبائه (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) " للمنافق ثلاث علامات إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ". 2 - بضايع جمع الضاعة. النوك - بالضم والفتح - جمع نوكي كسكرى (القاموس). 3 - أدب المعاشرة مع الناس ينقسم بانقسام الناس وهم طوائف فمنهم العلماء والمعاشرة معهم لتحصيل الآداب وزيادة العقل، ومنهم ولاة العدل وأدب الناس معهم الطاعة لحفظ العزة، ومنهم من تعرفه ويعرفك وله حق نعمة عليك بوجه من الوجوه وأدبك معه بذل النصيحة وترك الخيانة في الرأي ومراعاة مصلحته، ومنهم من ليس بينك وبينه معارفة وأدبك معه الكف عن أذاه والامتناع من الإضرار به، وأما أدب النفس بحيث يحفظ كرامته عند الناس فأوله استثمار المال، ذكره بعد ذكر طاعة الولاة لما بينهما من الارتباط ثم أن لا

[ 200 ]

ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قيل له: وكيف يذل نفسه ؟ قال: يتعرض لما لا يطيق " (1) وفي رواية اخرى (2) عنه (عليه السلام) قال: " يدخل فيما يتعذر منه ". (3) * الأصل: 13 - " علي بن محمد، عن سهل بن زياد رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): العقل غطاء ستير، والفضل جمال ظاهر، فاستر خلل خلقك بفضلك، وقاتل هواك بعقلك، تسلم لك المودة، وتظهر لك المحبة ". * الشرح: (علي بن محمد عن سهل بن زياد رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): العقل غطاء ستير) العقل جوهر مجرد له مراتب متفاوتة في النقص والكمال باعتبار التفاوت في العلم والعمل والكشف حتى يبلغ غاية الكمال التي تختص بعقول الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، والمراد بالعقل هنا نوعه في ضمن أي صنف وجد غير الصنف الذي هو في غاية الكمال سواء كان من جهة المكاشفة أو من جهه الاكتساب بقرينة أن هذا الصنف لا يحصل إلا بعد قتل مشتهيات النفس وهواها. والغطاء كالكساء ما يغطى ويستر به مثل الثوب ونحوه وسمي العقل غطاء على سبيل التشبيه لأنه يستر المقابح الظاهرة والمفاسد الفاضحة والعيوب الباطنة بالمدافعة والممانعة، ووصفه بستير بمعنى ساتر


= يحدث من يخاف تكذيبه فإن ذلك يشهره بالكذب، ولا يسأل من يخاف منعه فإنه يوجب الذلة، ولا يعد ما لا يقدر عليه فإن هذا أيضا يوجب مهانته وعدم اعتماد الناس عليه، ولا يتعرض لطلب ما لا يناله فإن هذا يستلزم رميه بالسفاهة ويستهرئ به ويذهب بكرامته ولا يستعجل في إدراك شئ يظن أنه لا يدركه لعجزه فإن ذلك أيضا سفاهة " ش ". 1 - و (2) الكافي في كتاب الجهاد باب كراهة التعرض لما لا يطيق تحت رقم 4 و 5. 3 - هذا خبر طويل روايه الحسين بن محمد بن عمران وهو ثقة، عن بعض أصحابنا وهو مجهول عن هشام بن الحكم مرسلا فروايته غير معتبرة من جهة الاسناد، والاعتماد على متنه إذ يتضمن مدح العقل مع الاستشهاد بالقرآن الكريم والتأيد بالأدلة العقلية فإن شمل بعض ألفاظه على ما يحتاج إلى تكلف في تفسيرها أو ينقل آية على خلاف ما في المصحف الشريف لا يستغرب ذلك فإن حفظ جميع ألفاظ الإمام (عليه السلام) في الروايات الطويلة خرق للعادة ولا يبعد سهو الراوي ونقله بعض الكلمات بتحريف وتصحيف ولا يجعل مثله دليلا على تحريف القرآن كما هو دأب الأخباريين فإن احتمال تطرق الوهم والتحريف إلى الخبر قريب والى القرآن ممتنع. وقال صاحب الوافي قدس سره ولهذا الحديث ذيل في غير الكافي نذكره في كتاب الروضة ان شاء الله تعالى وفي الوافي أيضا شرح وتحقيق كثير اقتبس بعضه من السيد الداماد واستاده صدر المتألهين قدس سرهما ونقل منه كثيرا في هذا الشرح بألفاظهم من غير أن ينسبه إليهم وله عذر في ذلك نشير إليه في موضعه إن شاء الله تعالى (ش). (*)

[ 201 ]

على سبيل الكشف والايضاح أو بمعنى مستور لأن العقل جوهر مجرد مستور عن الحواس لا يدرك إلا بشئ من آثاره وأحواله كما أشار إليه بقوله (والفضل جمال ظاهر) والمراد بالفضل إما جنوده الآتية مثل الرأفة والرحمة والعفة وأمثالها ووجه ظهورها ظاهر، وإما ما حصل له من العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية والأخلاق النفسانية وظهوره إما لأنه يظهر في بعض الأوقات بالتعليم والتفهيم، أو لأن أكثره حصل من طرق الحواس ولما كان مقتضى العقل هو القرب من الخالق وتحصيل المحبة والإلف بالمخلوق وتكميل المودة ليتم له سعادة الدارين ونظام النشأتين ومقتضى النفس ضده أعني الميل إلى أنواع المشتهيات وأنواع المستلذات ولو بالغلبة الموجبة لعداوة الخالق والمخلوق وكان بينهما تدافع وتعارض وكان لكل منهما ممد ومعين، أما معين العقل فهو العلوم والمعارف وما أعطى له من الأخلاق والأعمال المرضية وهي جنوده الآتية، وأما معين النفس فهو ما قدر لها من الاخلاق الرذيلة وهي جنودها الآتية، واشتغال الحواس والقوى بتحصيل متمنياتها وتكميل مهوياتها أراد (عليه السلام) أن يبين لنا طريقا به يقطع التنازع بينهما ويحصل القوة على النفس ويصل إلى مقصوده فقال: (فاستر خلل خلقك بفضلك) إن كان " خلقك " بضم الخاء فالمراد بخلله رذائل الأخلاق النفسانية كالغضب والحسد والجور ونحوها، وإن كان بفتحها فالمراد بها هذه، والطرق الموصلة للصورة الشهية المحسوسة إلى النفس أعني الحواس أيضا يعني استر رذائل أخلاقك النفسانية وصور المحسوسات الشهوانية بعلمك وفضائل صفاتك العقلية والمراد بسترها دفعها بلطايف السياسات وطرائف التدبيرات فيتقوى العقل حينئذ بالفضل وتبقى النفس مع المتمنيات وميلها إلى اللذات بلا معين من خارج وداخل فتصير ضعيفة مغلوبة بحيث تقدر على قتلها بسيف العقل، ولذلك أمر (عليه السلام) به حيث قال: (وقاتل) بعد ما صيرت عقلك قويا ونفسك ضعيفة. (هواك بعقلك) أي متمنياتها ومهوياتها وذلك إنما يتحقق بقتل النفس ويمكن أن يراد بالهوى النفس مجازا من باب تسمية السبب باسم المسبب (تسلم لك المودة وتظهر لك المحبة) الفعلان مجزومان بالشرط المقدر بعد الأمر أي إن سترت وقتلت تسلم لك مودتك الخلق أو موده الخلق لك لخلوصك عما يوجب التباغض والتحاسد والتفارق وغيرها من منافرات التودد والالتيام، وتظهر لك محبة الله تعالى إياك أو محبتك إياه لعروجك بالعقل والفضل بلا معارض من النفس وهواها ومن رذائل الأخلاق ورداها إلى ساحة قدسه ومقام أنسه وفي بعض النسخ وتظهر لك الحجة يعني وتظهر لك الحجة والغلبة بذلك على الخلائق فهم يقتفون آثارك وأطوارك لحق رياستك ويتبعون أفعالك وأقوالك لحسن سياستك فيكمل لك منقبة الدنيا وسعادة الآخرة، هذا ما وصل إليه الفكر الفاتر والله أعلم بحقيقة كلام وليه.

[ 202 ]

* الأصل: " 14 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن سماعة بن مهران قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل والجهل فقال أبو عبد الله (عليه السلام): اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا قال سماعة فقلت: جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا، فقال أبو عبد لله (عليه السلام): إن الله عز وجل خلق العقل وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، فقال الله تبارك وتعالى: خلقتك خلقا عظيما وكرمتك على جميع خلقي قال: ثم خلق الجهل من البحر الاجاج ظلمانيا فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال: له أقبل فلم يقبل فقال له: استكبرت فلعنه، ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا فلما رأى الجهل ما أكرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل: يا رب ؟ هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وأنا ضده ولا قوة لي به فأعطني من الجند مثل ما أعطيته. فقال: نعم فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي قال: قد رضيت فأعطاه خمسة وسبعين جندا فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند: الخير وهو وزير العقل وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل والايمان وضده الكفر، والتصديق وضده الحجود، والرجاء وضده القنوط، والعدل وضده الجور، والرضا وضده السخط، والشكر وضده الكفران، والطمع وضده اليأس، والتوكل وضده الحرص، والرأفة وضدها القسوة، والرحمة، وضدها الغضب، والعلم وضده الجهل، والفهم وضده الحمق، والعفة وضدها التهتك، والزهد وضده الرغبة، والرفق وضده الخرق، والرهبة وضدها الجرأة، والتواضع وضده الكبر، والتؤدة وضدها التسرع، والحلم وضده السفه، والصمت وضده الكبر، والتؤدة وضدها التسرع، والحلم وضده السفه، والصمت وضده الهذر، والاستسلام وضده الاستكبار، والتسليم وضده الشك، والصبر وضده الجزع، والصفح وضده الانتقام، والغنى وضده الفقر، والتذكر وضده السهو، والحفظ وضده النسيان، والتعطف وضده القطيعة، والقنوع وضده الحرص، والمؤاساة وضدها المنع، والمودة وضدها العداوة، والوفاء وضده الغدر، والطاعة وضدها المعصية، والخضوع وضده التطاول، والسلامة وضدها البلاء، والحب وضده البغض، والصدق وضده الكذب، والحق وضده الباطل، والأمانة وضدها الخيانة، والاخلاص وضده الشوب، والشهامة وضدها البلادة، [ والفهم وضده الغباوه، والمعرفة وضدها الانكار ] والمداراة وضدها المكاشفة وسلامة الغيب وضدها المماكرة، والكتمان وضده الافشاء،

[ 203 ]

والصلاة وضدها الاضاعة، والصوم وضدها الافطار، والجهاد وضده النكول، والحج وضده نبذ الميثاق، وصون الحديث وضده النميمة، وبر الوالدين وضده العقوق، والحقيقة وضدها الرياء، والمعروف وضده المنكر، والستر وضده التبرج، والتقية وضدها الاذاعة، والانصاف وضده الحمية، والتهيئة وضدها البغي، والنظافة وضدها القذر، والحياء وضدها الجلع، والقصد وضده العدوان، والراحة وضدها التعب، والسهولة وضدها الصعوبة، والبركة وضدها المحق، [ والعافية وضدها البلاء ]، والقوام وضده المكاثرة، والحكمة وضدها الهواء، والوقار وضده الخفة، والسعادة وضدها الشقاوة، والتوبة وضدها الاصرار، والاستغفار وضده الاغترار، والمحافظة وضدها التهاون، والدعاء وضده الاستنكاف، والنشاط وضده الكسل، والفرح وضده الحزن، والالفة وضدها الفرقة، والسخاوة وضده البخل فلا تجتمع هذه الخصال كلها من أجناد العقل إلا في نبي أو وصي نبي أو مؤمن قد آمتحن الله قلبه للايمان، وأما سائر ذلك من موالينا فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل وينقى من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء وإنما يدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده وبمجانبة الجهل وجنوده، وفقنا الله وإياكم لطاعته ومرضاته ". * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد) ضعفه الشيخ في كتابي الحديث وقال: لا يعول على ما ينفرد بنقله وقال الكشى: قال نصر بن الصباح، إنه فطحي من أهل الكوفة وكان أدرك الرضا (عليه السلام) وروى عن أبي جعفر وأبي الحسن (عليهم السلام) ما دل على مدحه وجواز الصلاة خلفه والأخذ بقوله ولكن حكم بعض أصحابنا بضعف هذه الرواية (عن سماعة بن مهران) فطحى ثقة روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) وأبي الحسن (عليه السلام) وما قيل: من أنه مات في حياة أبي عبد الله (عليه السلام) فهو غلط لأنه يروي كثيرا عن أبي الحسن (عليه السلام) (قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل والجهل فقال أبو عبد الله (عليه السلام) اعرفوا العقل وجنده) أي أعوانه وأنصاره وفيه مكنية وتخييلية (والجهل وجنده تهتدوا) مجزوم بالشرط المقدر ولعل المراد بالمعرفة المعرفة مع اختيار جنود العقل لأن الهداية لا تحصل إلا بهما (قال سماعة: فقلت: جعلت فداك) الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور، وعن المبرد المفاداة أن تدفع رجلا وتأخذ رجلا والفداء أن تشتريه وقيل: هما بمعنى. (لا نعرف إلا ما عرفتنا فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله خلق العقل وهو أول خلق من

[ 204 ]

الروحانيين) الجار والمجرور إن كان خبرا بعد خبر أي هو أول خلق وهو من الروحانيين فأفاد الكلام أن العقل يعني الجوهر المجرد الإنساني (1) أول المبدعات ومقدم على غيره من الممكنات كلها في الفطرة والإيجاد، ويؤيده قوله (صلى الله عليه وآله) " أول ما خلق الله العقل " وإن كان بيانا لخلق أو صفة أو حالا عنه أفاد أنه أول خلق بالنسبة إلى الروحانيين وأما أنه أول خلق بالنسبة إلى غيره من الممكنات كلها فلا إلا إذا ثبت تقدم الروحانيين على سائر الممكنات في الايجاد وثبوت ذلك خارج عن مفاد هذا الكلام، فما قيل: من أن فيه دلالة على أن العقل هو المبدع الأول بالحقيقة وعلى الاطلاق دون غيره من الممكنات لأنها بتوسطه فمدفوع أما أولا فلأنه لادلالة فيه على تقدم العقل على غيره على الاطلاق إلا في بعض الاحتمال الذي هو أبعد الاحتمالات فلا يتم بذلك ما ادعاه، وأما ثانيا فلأنه لادلالة فيه على أن غير العقل من الممكنات صدر منه تعالى بتوسط العقل وهو ظاهر بل لا يبعد القول ببطلان ظاهر هذا الحكم لأن بناء ظاهره (2) على تخليط الفلاسفة وهو أن أرسطو ومن تابعه


1 - " الجوهر المجرد الانساني " إعلم أن الموجود إما روحاني ليس له مقدار بالذات وإما جسماني له طول وعرض وعمق والقسمة حاصرة دائرة بين النفي والاثبات واصطلحوا على تسمية الأول بالمجرد وهو المراد بالروحاني إذ هو المقابل للجسماني في الاصطلاح واختلف الناس في تقدم الروحاني على الجسماني أو العكس فذهب الملاحدة وأصحاب الطبائع والدهرية إلى الثاني وقالوا أن ما يسمى روحا ليس إلا فرعا على الجسم متأخرا عنه وأثرا من آثاره كالحرارة والبرودة، فإن بطل الجسم بطل الروح وليس هنا موجود مدرك عاقل مستقل بنفسه غير حال في الجسم وعلى قول هؤلاء فلا عقل ولا نفس ولا ملائكة ولاجن ومن مات فات وبطل وفنى وذهب الإلهيون والروحيون إلى أن المجرد مقدم على الجسم وليس الروح العاقل المدرك أثرا وفرعا على الجسم بل هو مستقل بنفسه ومقدم في الوجود عليه لأن الجسم الجامد محتاج إلى الموجود المجرد وليس الموجود المجرد محتاجا إلى الجسم، والجسم مركب من المادة والصورة وحفظ المادة بالصورة وحفظ الصورة بالموجود المجرد الروحاني وفتح الله على عقول الناس وهم في هذا العالم الأدنى بابا إلى عام التجرد وهو الرؤيا الصادفة والإلهامات فإذا رأى شيئا. من الأمور الغائبة المستقبلة مما لا يمكن أن يستنبطه الإنسان بعقله ولم يوجد بعد ثم وقع كما رأى دل ذلك على وجود عالم عقلي مدرك يعلم ما سيقع في المستقبل ويتصل روح الإنسان في المنام بموجودات ذلك العالم نحوا من الاتصال ويدرك بعض الأمور والعقل الذي هو أول خلق من الروحانيين ليس إلا الموجود العاقل في ذلك العالم والحديث يدل على أن العقل أول خلق من الروحانيين، والروحانيون مقدمون على الجسمانيين فالعقل أول الخلق مطلقا. ولا يتصور أن يعتقد أحد أن الجمادات أقرب إلى الله تعالى من الروحانيين كما سيصرح به الشارح (ش). 2 - قال ببطلان ظاهر هذا الحكم لاحقيقته لأن الذي يتبادر إلى ذهن أكثر الناس من أمثال هذه العبارات التفويض أي تفويض الله تعالى أمر الخلق إلى العقل الأول نظير تفويض المولى تدبير ملكه إلى بعض خدامه وهذا باطل جدا، وليس مراد من قال به ذلك قطعا وليس توسط العقل إلا كتوسط الاسباب كما يشفي الله المريض بالدواء ويرسل الرياح فتثير السحاب بها ويمطر من السحاب فيحيي به أرضا ميتة = (*)

[ 205 ]

من فلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا قالوا: إن الباري تعالى من حيث إنه واجب الوجود يجب أن يكون واحدا ومن حيث إنه واحد يجب أن لا يخلق إلا واحدا إذ لو خلق اثنين لكان ذلك باعتبار أمرين مختلفين في ذاته وتلك كثرة تنافي ما وجب له من الوحدة وذلك الواحد الصادر هو العقل ثم صدر عن ذلك العقل أربعة جواهر عقل ونفس وفلك مركب من جوهرين مادة وصورة، ثم صدر عن العقل الثاني أربعة جواهر أيضا، ثم هكذا على الترتيب إلى أن كملت عشرة عقول وتسع أنفس وتسعة أفلاك، ثم تحركت الأفلاك فحدثت العناصر الأربعة التي هي الماء والهواء والنار والتراب، ثم تمازجت هذه العناصر فحدث العالم السفلى وهو ما تحت الفلك القمر عالم الكون والفساد وسموه بذلك لأن الأجسام العلوية أعني الأفلاك العرية عن العناصر تركبت من العناصر الأربعة تركيبا يقبل الانحلال فسموا ذلك التركيب والانحلال كونا وفسادا ثم تركبت الموجودات في عالم الكون والفساد من آثار طبايع العناصر وآثار عالم الكون والفساد قابلة لاختلاف الأشكال والصور والآثار التي في العالم العلوي متناسبة غير قابلة لاختلاف الصور، فالشمس مثلا لاتقبل أن تكون على غير تلك الصورة وما يجري في العالم السفلي هو من آثار نفوس الأفلاك وعقولها (1)، وكان أصل أكثرهم في الموجود الأول أن لا يخلق شيئا بالاختيار، فإيجاد العقل الأول إنما هو بحسب الذات إيجاب العلة معلولها فإن العالم العلوي والسفلي لامفتتح لوجودهما عندهم لأن العلة والمعلول موجودان معا وتقدم العلة على المعلول إنما هو بالذات لابالوجود إلى غير ذلك من المزخرفات التي ليس هذا موضع استيفائها (2) ولا مستند لهم على طريق البرهان فإذا ضويقوا في


= ومثله الملائكة الموكلون على كل شيئ في العالم بل ليس المراد من العقل إلا الملائكة ولكل اصطلاح فظاهر الحكم وهو التفويض باطل وحقيقته صحيحة. ويجوز أن يقال في العقل بنظير ما يقال في ساير الاسباب (ش). 1 - إلى هنا تقرير مذهب أرسطو ومن تابعه ولم يحكم فيه بشئ تفصيلا إلا أنه تخليط أي ممزوج حقه بباطله وبما لم يبين حقه من باطله لعدم تعلق الغرض به ورجع بعد تقرير كلامهم إلى إبطال الاصل الذي يبني عليه أكثرهم وهو لا يوافق مذهب المسلمين وهو أن الله تعالى فاعل بالاختيار لأن تحقيق ذلك هو الغرض الاصلي. واعلم أن الحكماء المتأخرين كصدر المتألهين وأتباعه لا يرتضون مذهب المشائين في حصر العقول في العشرة الطولية وتكثير الجهات على ما ذكروه مع أنهم أيضا لم يريدوا الحصر، والتفصيل في محله (ش). 2 - المزخرف المموه بالذهب، شبه الكلام الباطل المشتبه بالحق بالنحاس الملبس بالذهب وقال: إن أكثر أتباع أرسطو لهم أصل في الموجود الأول تعالى وأنه لا يفعل شيئا باختياره بل هو فاعل موجب وخص القول بأكثرهم لأن بعضهم قائلون بالاختيار ولم ينقل من أصولهم الفاسدة هنا إلا واحدا فقط لعدم تعلق غرضه بالنقل، ثم رجع إلى ما سبق ذكره من بيان مذهب أرسطو في مبدء الخليقة وكيفية صدور الممكنات = (*)

[ 206 ]

المطالبة به قالوا: لا تدرك هذه الامور بالبرهان وإنما تدرك بالرياضات أو بالرياضيات فمن أحكمها علم ذلك ضرورة ولا يخفى فساد هذا القول أما الرياضات فإن الأنبياء والأوصياء وهم الأقدمون في باب الرياضة والمكاشفة لم يخبروا بذلك (1) وأما الرياضيات فقال المحققون: هذا أسخف لأن الرياضيات كالهندسة والحساب والهيئة والموسيقى لا ارتباط بينها وبين المطلوب فإن الهندسة تنظر في هيئة الجسم المتصل، والحساب ينظر في الكم المنفصل، والهيئة تنظر في كيفية الأجسام (2) والموسيقي ينظر في ترتيب الألحان وتقطيعها على وجه معروف مخصوص، ثم إنهم رضوا في القطعيات بما لا يفيد علما ولا ظنا (3) والحق أن كل هذا باطل (4) والموجود الأول قديم وحده


= منه تعالى وقال لا مستند لهم على طريق البرهان - إلى آخر ما قال - والحاصل من كلام بطوله أن ما قالوا من أن العقل هو أول صادر من الواجب تعالى لا يستفاد من لفظ هذا الحديث وهو حق إلا أنه يستفاد من حديث آخر نقله وهو " أول ما خلق الله العقل " أقول: ومن هذا الحديث أيضا بضميمة ما ذكرنا من أن الروحانيين مقدمون على الجسمانيين. (ش) 1 - لا أظن أن أرسطو وأتباعه تمسكوا في إثبات مطلوبهم بالرياضة وهذا بعيد عن طريقتهم إلا أن يكون المراد الاشراقيين وليس مذهبهم في صدور الممكنات ما ذكره هنا بل لهم طريقة أخرى مذكورة في محله وأما أن الانبياء لم يخبروا بذلك فهو لا يدل على بطلانه فإنهم (عليه السلام) يخبرون بما علم الله فيه مصلحة الخلق باخبارهم لا بجميع ما هو حق يعلمه الله تعالى مثلا لم يخبر الانبياء بأن زوايا المثلث مساوية لقائمتين وأن الجزء الذي لا يتجزى محال، وأن دواء السل ما هو، وبم يعالج مرض السرطان، وقيض الله لذلك غير الانبياء عليهم السلام (ش). 2 - غرض القائل إن عدد السموات يستفاد من علم الهيئة لما يرى من اختلاف حركات الكواكب في الطول والعرض ولا يمكن أن ينسب الحركات المختلفة إلى قوة واحدة فإذا رأيت عربة تمشى إلى جانب بسرعة وأخرى إلى جانب آخر ببطوء علمت أن محرك أحدهما غير الآخر ولم يكن الشارح جاهلا بمسائل الهيئة كما يدل عليه ما مضى منه في تفسير بعض الآيات ولا يحتمل أن ينقل العبارة هناك من غير علم بمعناه ولكن ما ذكره هنا طغيان من القلم (ش). 3 - قوله " لا يفيد علما ولا ظنا " ذكر الفلاسفة قدماؤهم ومتأخروهم حتى أهل عصرنا في مبدء الخليقة أمورا لا تستند إلى برهان قطعي ولا ظن قوي بل يستحسنون أمورا بذهنهم ويذكرون أمارات عليه ويسميه أهل عصرنا نظرية أو فرضا مثل ما نقل عن ثاليس الملطي من القدماء أن أصل الكون هو الماء وقول هراقليطس أنه النار وفيثا غورث أنه العدد وقول ذي مقراطيس أنه الذرات المتحركة في الفضاء فتلاقت بالبخت والاتفاق وقول أصحاب الخليط والكمون والبروز على ما هو مفصل في موضعه وفي عصرنا من فلاسفة الافرنج من يقول أن العالم مركب من ذرات روحية تركبت على نظام عقلي وهو قول لبنيز ومنهم من يقول كانت الشمس والسيارات والأقمار جميعا كتلة واحدة من الاجسام المحترقة المتحركة على نفسها بسرعة فتطاير منها قطعات كما يتطاير من الشعلة الجوالة ذرات النار فبردت القطعات وكل سيارة قطعة منها وقال بعضهم في تسلسل المواليد بالنشوء والارتقاء كما هو معروف وقال بعض أهل عصرنا منهم إنه = (*)

[ 207 ]

وفاعل العقول والاجسام والجواهر والأعراض ولوازمها كلها بالاختيار على سبيل الحدوث لا بالايجاب وإلى قدرته ينسب الجميع خالق كل شئ لا إله إلا هو الواحد القهار، والروح يذكر ويؤنث يجمع عل الأرواح وقد تكرر ذكره في القرآن والحديث على معان منها جبرئيل (عليه السلام) في قوله تعالى: روح الأمين وروح القدس ومنها سائر الملائكة ومنها القوة التي تقوم بهذا الجسد وتكون به الحياة ومنها القوة الناطقة الانسانية التي يعبر عنها الإنسان بقوله: أنا. واختلف المتكلمون والحكماء وغيرهما في حقيقته وقالوا فيه أقوالا كثيرة وظنوا فيه ظنونا متقاربة صدرت عنهم من غير بصيرة فإنه لا يعلم حقيقته إلا الله سبحانه ومن علمه من عباده كما قال جل جل شأنه * (ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أو تيتم من العلم إلا قليلا) * (1) وهو مذهب أكثر المتكلمين وأرباب المعاني وأهل الباطن. وتقول في نسبة الواحد: الروحاني وفي نسبة الجمع: الروحانيين بضم الراء فيهما والألف والنون من زيادات النسب وزعم أبو عبيدة أن العرب تقول لكل شئ فيه روح ومكان روحاني بالفتح أي طيب، ثم الروحانيون يطلق عليهم عالم المجردات وعالم الغيب وعالم الملكوت وعالم الأمر كما يطلق على هذا العالم المحسوس عالم الماديات وعالم الشهود وعالم الملك وعالم الخلق، وقد يقال إن الروحانيين جواهر مجردة نورانية غير مفتقرة في وجودها إلى جسم وجسمانيات فإن كان في فعلها وتصرفها مفتقرة إليها فهي نفس وإلا فهي عقل أو غيره (2) وأن الأنوار كلها حقيقة واحدة لا تفاوت بينها في المهية وعوارضها بل في الشدة والضعف والكمال والنقص في أصل النورية والوجود والله أعلم بحقيقة الحال (عن يمين العرش) متعلق بخلق أو حال عن الروحانيين واليمين


= لاجسم ولا مادة بل قوى مختلفة نظير القوة الكهربائية يمنع بسرعة انتقالها ودورانها عن ان ينفذ فيها شئ فيظن صلابة ويتصور جسم ولا يعتقد أحد من أصحاب هذه الأقوال في مبدء إظهار آرائهم صحتها بل يبدون رأيا وينظرون حتى يقضي الادلة والبراهين بعد ذلك على صحتها أو بطلانها وغالبا لا يثبت النظريات والفروض بجميع تفاصيلها، وما نقل عن المشائين نظير تلك إلا أن هذه الأقوال طبيعية محضة وقول المشائين تخليط من الطبيعي والإلهي وللاشراقين طريقة أخرى (ش). 4 - لكن بطلانه راجع إلى شئ واحد وهو كون صدور الاشياء عنه تعالى بالاضطرار والايجاب وبالتفويض إلى العقل (ش). 1 - لم يقل الله تعالى إن الناس لا يعلمون شيئا أو ما يعلمونه باطل بل قال تعالى إنهم يعلمون وإن الله آتاهم علمه لكن ما يعلمون قليل بالنسبة إلى مالا يعلمون وغاية ما يعلمون أن الروح جوهر مجرد باق بعد فناء البدن وله في عالمه لذات وآلام أقوى مما في هذا العالم مثل ما نعلم أن في بلاد الصين رجالا ونساء ولهم مكاسب ومعايش ولا نعلم منهم ما نعلم من بلادنا (ش). 2 - أو غيره مثل نورية أو ملك تفصيلا اصطلاحا. (ش) (*)

[ 208 ]

الجانب الأقوى والأشرف خلاف الشمال، والعرش في اللغة سرير الملك وكونهم على يمين العرش كناية عن كرامتهم وعلو منزلتهم ورفعة شأنهم من بين المخلوقات لأن من عظمت منزلته تبوأ عن يمين الملك وفي عرف المتشرعة يطلق على ثلاثة امور أحدها الملك، وثانيها الجسم المحيط بسائر الأجسام وهو الفلك التاسع، وثالثها العلم المحيط بجميع الأشياء وكل ذلك على سبيل التشبيه بسرير الملك، ويمكن إرادة كل واحد منها هنا أما الأول فلأن الملك وهو عبارة عن جميع الكائنات له يمين وشمال ويمينه أي جانب أقواه وأشرفه هو يلى المبدء الأول في ترتيب الايجاد وتقدمه (1) فكل ما هو أقرب منه جل شأنه في الايجاد فهو أيمن بالقياس إلى ما بعده لكونه أقوى وأشرف وأما الثاني فلأن ذلك الجسم المحيط إذا سمي بالعرش كان له يمين وشمال كما كان لسرير الملك، ثم الكاين على يمينه من أهل الكرامة والمنزلة كالكاين عن يمين سرير الملك، وأما الثالث فلمثل ما ذكرناه في الثاني أو في الأول باعتبار المعلومات لأن العلم المتعلق باليمين يمين بالنسبة إلى العلم المتعلق بما بعده وإن كان علمه بالأشياء بسيطا والتكثر إنما هو في المعلومات، ولا يبعد أن يقال: يجوز أيضا إطلاق العرش على عالمين: أحدهما عالم الجسمانيات كلها ويسمى بالعرش الجسماني، وثانيهما عالم المجردات كلها ويسمى بالعرش العقلاني والعرش الروحاني. ويجوز أن يراد بالعرش هنا العرش الروحاني وبيمينه أشرف جانبيه وهو ما يقرب من الحق في سلسلة الإيجاد (2) وأن يقال، يجوز أيضا أن يراد بالعرش القلب الانساني لأنه عرش الرحمن، ويمينه الجانب المائل إلى الحق، وشماله الجانب البعيد عنه لأنه قابل لسلوك الطريقين: طريق الحق وطريق الباطل هذا وقيل: المراد بالعرش هنا الجوهر المجرد الانساني المسمى بالعقل وبالعرش العقلاني وهو بازاء الفلك التاسع المسمى بالعرش الجسماني وكل منهما في جانب مقابل لجانب آخر، والمراد بيمينه مطلق جانبه وسمي يمينا للتشريف والتعظيم، وقيل: العرش جوهر متوسط بين العالم العاقل الثابت وبين العالم المتغير المتجدد نفوسا كانت المتغيرات أو أجساما والله سبحانه أوجد الثابتات بنفس ذاته بلا واسطة وأوجد المتغيرات بواسطة العرش والثابت هو اليمين في سلسلة الإيجاد لأنه أقرب منه تعالى (من نوره) متعلق بخلق العقل أي خلقه من ذاته بلا واسطة شئ ولا اعتبار مادة (3) أو


1 - هذا تصريح بأن الروحانيين مقدمون في الايجاد على الاجسام. (ش) 2 - هذا أيضا تصريح بتقدم العقل في الوجود على غيره (ش). 3 - فإن قيل كيف أنكر أولا كون العقل الأول خلقه الله بلا واسطة ثم اعترف هنا بما أنكره أولا ؟ قلنا: إنما أنكر سابقا دلالة قوله (عليه السلام) وهو أول خلق من الروحانيين على كون العقل أول مخلوق ولم ينكر أصل المعنى بل استدل عليه بحديث آخر وهو " أول ما خلق الله العقل " والذي زيفه هو قول المشائين في كيفية صدور الكثير عن الواحد من أن العقل الأول صدر منه شيئان الفلك التاسع والعقل الثاني ثم من كل عقل فلك = (*)

[ 209 ]

حال عن العقل والاضافة للتشريف والتكريم كما في عيسى روح الله، أو حال عن الروحانيين بناء على أن الروحانيين كلهم نورانيون والعقل أولهم وأفضلهم وعلى التقادير فيه إشارة إلى أن العقل نور رباني لأنه يظهر به الحق عن الباطل والصواب عن الخطأ كما يظهر بالنور الأشياء المتحجبة بالظلام وإن نوريته مستفادة من نور ذاته سبحانه بلا توسط شئ نوراني غيره (1) ولا تكدره كدرة المواد الظلمانية ولذلك إذا عرى عن العوائق وانقطع عن العلائق اتصل بالخلق اتصالا تاما، ومن ثم قيل: لا مسافة في العالم الروحاني، ويحتمل أن يراد بالنور العدل وإطلاق النور على العدل سايغ شايع كما صرح به القاضي وغيره في تفسيره قوله تعالى * (وأشرقت الأرض بنور ربها) * والمعنى أن الله سبحانه خلق العقل خلقا ناشيا من عدله إذ لولا العقل لبطل الغرض من إيجاد الإنسان فعدله اقتضى خلق هذا النوع من المخلوق لئلا يفوت الغرض (فقال له: أدبر) عن المنهيات أو أنزل إلى عالم السفلى والمنازل الجسمية التي هي في غاية البعد عن العوالم الربوبية (فأدبر) وأطاع أمره عز شأنه وانقاد لحكمه من غير أن يفارق نوريته وتجرده وإنما كان إدباره بمجرد إشراقات نوره في العالم الجسماني. (ثم قال له: أقبل) إلى الطاعات وما يوجب النزول في ساحة كرامته تعالى من القربات أو أقبل


= وعقل إلى العاشر ولم يريدوا الحصر في العشرة كما صرحوا به والمتأخرون من الحكماء يزيفون قول المشائين وقال الحكيم السبزواري مشيرا إلى قولهم: إذ ذا لدى الشرق بلا وثاق * أسس اسا شيخنا الاشراقي ثم قال بعد أبيات: وليس في الثاني من الجهات ما * يفي بثامن كثير أنجما واعلم أن المجلسي رحمه الله أخا زوجة الشارح أنكر وجود العقل المجرد مطلقا بل أنكر المجردات وقال كل شئ غير الله تعالى جسم وقد مضى في الصفحة 69 و 70 وكرر في مرآة العقول انكاره لوجود مجرد غيره تعالى وقال في شرح أربعينه إثبات العقل المجرد يوجب إنكار كثير من ضروريات الدين ولكن الشارح كرر ذكر عالم المجردات وأن العقول جواهر مجردة وأنها لا تفتقر في فعلها إلى مادة والنفوس تفتقر إليها، وقال أيضا: إن النفس الانساني جوهر مجرد والانوار العقلية حقيقة واحدة تختلف في الشدة والضعف والنقص في أصل النورية والوجود وغير ذلك مما مضى وسيأتي إن شاء الله ولا يتعجب من اختلاف الطريقتين فان الناس لا يزالون مختلفين (ش) 1 - لما كان خلق العقل من ذاته سبحانه بلا واسطة شئ نوراني ولا مادي. أما أنه لا واسطة نورانية بينه وبين الله تعالى فلأنه لا شئ أشرف من العقل ولا أقرب إليه تعالى ولا واسطة مادية إذ ليس وجود العقل متوقفا على الاستعداد كالنفوس الانسانية فإنها تتوقف على أن يستعد البدن بالنطفة والعلقة والمضغة والعظام واللحم لأن ينشأ خلقا آخر فيكون المادة واسطة بين المبدء وبين النفوس والعقل لا تكدره كدرة المواد الظلمانية فيكون خلق العقل من نور الله سبحانه لذلك يتصل به آخرا (ش). (*)

[ 210 ]

من مكامن المواد الجسمية ومنازل الظلمات البشرية ومظاهر الجهالات الطبيعية إلى عالم المجردات النورية ومنازل الشواهد الربوبية (فأقبل) مطيعا لأمره منقادا لحكمه تاركا لمعصيته متدرجا في الصعود من طور إلى طور حتى صار عقلا فعالا وترقى حتى مرتبة عين اليقين وهناك رجع إلى ما نزل منه وانتهى إلى ما بدأ منه وقد مر مثل هذا الحديث وشرحه في صدر كتاب العقل إلا أن بينهما مغايرة في الجملة لأن الأمر بالاقبال في السابق مقدم على الأمر بالادبار، وهنا بالعكس فإن كانت القضية في الخطاب متعددة فالأمر واضح والا ففيه إشكال اللهم إلا أن يقال: كان في الواقع أمر الاقبال ثم أمر بالادبار ثم أمر بالاقبال ففي الحديث السابق لم يذكر الأمر بالاقبال بعد الأمر بالادبار وفي هذا الحديث لم يذكر الأمر بالاقبال قبل الأمر بالادبار ومن مجموعهما يستفاد ما كان في الواقع فليتأمل (فقال الله تعالى) تعظيما وتكريما له وحثا له على أداء شكر هذه النعمة الجليلة. (خلقتك خلقا عظيما) العظيم الحقيقي ليس إلا الله سبحانه وأما غيره فعظمته باعتبار قربه منه وإطاعته لأمره وقد تحقق هذان الوجهان في العقل (وكرمتك) أي شرفتك وفضلتك ومنه * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * (على جميع خلقي) فيه أن العظمة والشرافة والفضيلة من باب التفضل منه تعالى من غير اشتراط القابلية والاستعداد وإن العقل أشرف من الملائكة المقربين (قال ثم خلق الجهل) ليس المراد بالجهل هنا الجهل المركب أعني الصور العلمية الغير المطابقة للواقع ولا الجهل البسيط أعني عدم العلم عما من شأنه العلم لأن إطاعته وعصيانه غير متصورة فلا يلائم قوله: (فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي) ولأن الجهل بهذيبن المعنيين من جنود الجهل المذكور هنا وجند الشئ غيره، ولأن الجهل بالمعنى الثاني أمر عدمي والاعدام غير مخلوقة سواء كانت سلوبا محضة أو ملكات بل المراد به مبدء الشرور والمقابح كما أن المراد بالعقل مبدء الخيرات والمحاسن ويمكن أن يراد بهذين المبدأين صفة النفس المسماة بالقوة الجاهلة وصفتها المسماة بالقوة العاقلة وأن يراد بهما ذات النفس أي الجوهر المجرد المدبر للبدن المحتاج في فعله وتصرفه إليه وذات الجوهر المستغني عن البدن في وجوده وفعله (1) الذي إذا حصل لغيره وأشرق نوره فيه كان ذلك


1 - ذات الجوهر المستغني عن البدن عبارة عن العقل المفارق الذي يقول به الحكماء وأنه الموجود الأول مستغن عن البدن في ذاته وفعله وهو الذي يشرق نوره على النفوس فتصير عاقلة باشراقه وإذا نظر إليه من حيث هو كان جوهرا قائما بذاته وكان عقلا ومعقولا وهذا مبدء الخيرات وأما مبدء الشرور فهو النفس أي الجوهر المجرد المدبر للبدن المستغني عن البدن ذاتا والمحتاج إليه في أفعاله ومثل أمير المؤمنين (عليه السلام) إشراق العقل على النفوس وتسلطه عليها واتصالها به حديث رواه الصدوق في علل الشرايع عنه (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال خلقه ملك له رؤس بعدد الخلائق من خلق ومن يخلق إلى يوم القيامة ولكل رأس وجه ولكل آدمي رأس من رؤس العقل واسم ذلك الإنسان على وجه ذلك الرأس مكتوب وعلى كل وجه ستر

[ 211 ]

الغير عاقلا به إذا لم يحصل له وقام بذاته كان عقلا ومعقولا وتسمية النفس بالجهل من باب المجاز لأنها محل للجهل المركب والبسيط، بل يمكن أن يقال: إنها من باب الحقيقة لأن النفس وإن كانت مبدءا للجهالات ومنشأ للشرور كلها ومصدرا للصور الوهمية الكاذبة الباطلة ومقتضيات القوى الشهوية والغضبية والبهيمية وسائر القوى البدنية لكن إذا تمكنت فيها هذه الأباطيل ورسخت فيها صارت جهلا محضا وشيطانا صرفا بعيدا عن الحق جل شأنه وكلما ازداد التمكن والرسوخ ازدادت جهالتها وشيطنتها واحتجابها عن الحق حتى بلغت النهاية في الجهالة والغاية في الضلالة وصارت قدوة المترددين وإمام المتكبرين (1). (من البحر الاجاج ظلمانيا) ماء اجاج أي ملح مر و " ظلمانيا " حال عن الجهل أو عن البحر الاجاج والمراد به الغضب (2) الالهى لأنه مر كريه الطعم والرايحة على مذاق الشاربين ومشام العارفين أو المراد به مجموع الصفات النفسانية التي بعضها حسن وبعضها قبيح لتخمير النفس بها وهذا المجموع من حيث هو بمنزله ماء كدر مر ممتزج بغبار الملكات الدنية ومرارة الصفات الشنيعة وملوحة قبايح الآثار وخشونة فضايح الأطوار وعبر عنه بالبحر للدلالة على تراكم تلك الصفات وكثرتها ووصفه بالظلمة لسترها أنوار العقول حايلا بينها وبين بصيرتها، أو المراد به المواد البدنية الهيولانية التي هي محض الاستعداد وعلة قابلية لتعلق النفس بها وتشخصها وعبر عنها بالبحر الظلماني لتراكم مياه الشرور والصفات المتغايرة المتضادة فيها ونسبتها إليها كنسبة البحر إلى الأمواج (فقال له: أدبر فأدبر) أمره بالهبوط من عالم الملكوت والنور إلى عالم الظلمات والشرور والتوجه إلى ما يلايمه من المشتهيات والنظر إلى ما فيه هواه من المستلذات فهبط لما في ذلك من مصلحة وهي ابتلاء العباد ونظام البلاد وعمارة الأرض إذ لولا ذلك لكان الناس بمنزلة الملائكة عارين عن حلية التناكح والتناسل والزراعة وتعمير الأرض وبطل الغرض المطلوب من هذا النوع من الخلق وبطل خلافة الأرض، ولزم من ذلك بطلان الثواب والعقاب وعدم انكشاف صفات الباري وانجلاء حقايقها وآثارها مثل العدالة والانتقام والجبارية والقهارية والعفو والغفران


= ملقى لا يكشف ذلك الستر من ذلك الوجه حتى يولد هذا المولود ويبلغ حد الرجال أو حد النساء فإذا بلغ كشف ذلك الستر فيقع في قلب هذا الإنسان نور فيفهم الفريضة والسنة والجيد والردي إلا ومثل العقل في القلب كمثل السراج في وسط البيت انتهى (ش). 1 - ولعله لا يريد أن الشيطان بعينه هو النفوس الراسخة في الضلالة والشرور بل يريد أنها مثله في صفاته الخبيثة. (ش) 2 - لا مناص عن الاستعارة والتمثيل في هذه العبارات وكلما كان العالم ظاهريا حاملا للالفاظ على المعاني الجسمانية لم يمكنه في هذا الحديث كما لا يمكن في مثل يد الله وعين الله. (ش) (

[ 212 ]

وغيرها (ثم قال له: أقبل فلم يقبل) أمره بعد الادبار بالاقبال إليه تعالى والرجوع إلى ما لديه من المقامات العلية والكرامات الرفيعة التي لا يتيسر الوصول إليها إلا بالانتقال من طور أخس إلى طور أشرف ومن حالة أدنى إلى حالة أعلى ومن نشأة فانية إلى نشأة باقية وهكذا من حال إلى حال ومن كمال إلى كمال حتى يبلغ إلى غاية مشاهدة جلال الله ونهاية ملاحظة أنوار الله ويرتع في جنة عالية قطوفها دانية فأبى السلوك في سبيل الرشاد والتقيد بربقة الانقياد والمسك بلوازم الوعظ والنصيحة والانقلاع عن الافعال القبيحة كل ذلك لشدة احتجابه بحجاب الظلمات وانغماسه في بحار ذمائم الصفات لتوهمه أن تلك الذمائم الخاسرة والصفات الظاهرة والمشتهيات الحاضرة كمال له فاغتر بها أو افتخر وأخذها بضاعة له واستكبر (فقال له: استكبرت فلعنه) الاستفهام للتوبخ والتعيير واللعن الطرد والإبعاد من الخير يعني تركت أمري بما يصلح في النشأتين استكبارا وجعلت الامتثال به مذلة وافتقارا، واستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير لجهلك بما يوجب قرارة العين والسرور، واحتباسك بقيد الجهالة والشرور فلا جرم أنت بعيد من الرحمة والسلامة، مطرود عن مقام العزة والكرامة فإن قلت: من لعنه الله تعالى فهو مقيد بقيد العصيان، مقيم مقام الخذلان، محروم عن الرحمه والجنان أبدا فما وجه قوله: فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي قلت: اللعنة مشروطة بالاستكبار، فإن دام دامت وإن زال بالتوبة والانابة زالت لأن الله تعالى يحب المفتن التواب. (ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا) في المغرب الجند جمع معد للحرب وجمعه أجناد وجنود. وفي الصحاح الجند الأعوان والأنصار وفي عد كل واحد من الامور المذكور جندا باعتبار تكثر أفراده وشعبه، ولما كان الطريق إلى الله مخوفا وفي كل قدم منه شعبة وعلى كل شعبة منه عدو مقاتل وخصم مجالد يقود سالكه إلى مهاوي الضلالة ومساوي الجهالة احتاج سلطان العقل في قطع هذا الطريق إلى أعوان وأنصار يستعين بهم في دفع الأعداء والمحاربة مع الخصماء، فأعطاه الله سبحانه بفضل رحمته وكمال رأفته جنودا تعينه في مواضع الجدال ومواطن القتال وتوصله على السلامة منازل القرب والكرامة، وهذه الجنود خمسة وسبعون على ما في العنوان والمذكور في التفصيل ثمانية وسبعون ولا منافاة بينهما إذ ليس في العنوان ما يفيد الحصر (1) إلا مفهوم العدد وهو ليس بمعتبر كما بيناه في اصول الفقه. وقال الشيخ بهاء الملة والدين رحمه الله على ما نقل عنه: لعل الثلاثة الزايدة إحدى فقرتي الرجاء والطمع وإحدى فقرتي الفهم وإحدى فقرتي السلامة والعافية، فجمع الناسخون بين البدلين


1 - فإن الجنود اكثر وذكر منها الاهم. (*)

[ 213 ]

غافلين عن البدلية وسنشير إلى توضيح ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. (فلما رأى الجهل ما أكرم الله به العقل) من تصفيته بنوارنية الذات وتقويته بكثرة الجنود وشرائف الصفات التي بنضارتها تشرق قلوب العارفين، وبإنارتها تضئ صدور السالكين، وبإضائتها يسيرون إلى أعلى المقامات وينالون أشرف الكرامات (أضمر له العداوة) بين العقل والجهل تضاد بحسب الذات لأن العقل جوهر نوراني والجهل كدر ظلماني (1) وهذا يصلح أن يكون منشأ لعداوته. ولذلك كانت العداوة بين العاقل والجاهل والمؤمن والكافر قائمة إلى قيام الساعة كما قال سبحانه * (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) * ولكن لما كان النور والظلمة متساويين في الغلبة والتدافع كأنه لم يحصل للجهل من هذه الجهة عداوة، وإنما حصلت العداوة على من جهة إكرام العقل بالجنود وتقويته بالفضايل والكمالات الموجبة لغلبته على الجهل فلذلك أضمر الجهل عداوة له حسدا ولم يظهرها لعدم القدرة على إمضاء آثارها بل طلب لنفسه مثل جنوده في القوة والعدد كما أشار إليه بقوله (فقال الجهل يا رب هذا خلق مثلي) أي مثلي في كونه مخلوقا، أو مثلي بحسب الذات ولا مزية له علي في المحاسن الذاتية وهذا القول منه على الأخير تمويه واغترار بنفسه، كما هو شأن الجاهل حيث يعد نفسه مماثلا للعاقل وهو إما غافل عن التفاوت الفاحش بين النور والظلمة أو عالم به لكنه قال ذلك إدعاء واستنكافا لانحطاط ذاته عن ذات العقل وإلا فأين المماثلة بحسب الذات بين المخلوق من ماء الرحمة والنور الرباني وبين المخلوق من نار الغضب والبحر الاجاج الظلماني ولعدم الفرق بينهما استكبر الشيطان لعنه الله وأبى أن يسجد لآدم (عليه السلام) وتمسك بقوله * (خلقتني من نار وخلقته من طين) * وهو لقصر نظره لاحظ طينية آدم وغفل عن نورانيته ولو علم ذلك لعلم بطلان قياسه. (خلقته وكرمته وقويته) يعني خلقته من نورك وكرمته على جميع خلقك وقويته بجنود يتقوى بها في الحركة إلى عالم الانس والانتقال إلى عالم القدس (وأنا ضده ولاقوة لي به) في المضادة والمقابلة والانتقال إلى ما هو غاية مرامي ونهاية مقامي في اللذات التي عاينتها والحركة إلى أقصى مدارجها (فأعطني من الجند مثل ما أعطيته) في العدد والقوة، طلب ذلك ليحصل له قوة بسبب جنوده على معارضة العقل وجنوده فيتيسر له الوصول إلى غاية منيته ونهاية بغيته (فقال: نعم)


1 - بناء على ما ذكره الشارح من أن الجهل هو النفس باعتبار عدم تنوره بنور العقل فلا يستبعد نسبة اضمار العداوة والقول وخطاب الله تعالى له إليه ولا يجوز أن يتوهم أن الجهل عدم والعدم لا ينسب إليه هذه الأمور (ش). (*)

[ 214 ]

اعطيك مثل جنود العقل اختبارا وامتحانا لك وتكميلا للحجة عليك (1) باعطاء سؤلك وانتظارا لرجعتك إلى درجة رفيعة ومنزلة شريفة، فإن المطيع مع العجز وفقد الآلات ليس مثل المطيع مع القدرة على المخالفة، بل أولئك أعظم درجة وأرفع منزلة، ولذلك كانت عباده الشبان وإنابتهم وإخباتهم أحسن وأشرف من عبادة الشيوخ وإنابتهم وإخباتهم (فإن عصيت بعد ذلك) أي بعد ذلك العصيان بترك الاقبال أو بعد أن أعطيتك جنودا وأنصارا مقابلة لجنود العقل وأنصاره (أخرجتك وجندك من رحمتي) المعدة للمطيعين فتشقى بذلك وتدخل في زمرة الأشرار وتستحق الدخول في الدرك الأسفل من النار، والوجه لكون معصية النفس مع الجنود موجبا للخروج من الرحمة دون معصيتها لامعها أن النفس إذا كانت ضعيفة فاقدة للأنصار كانت أفعالها ناقصة فلم تكن شقاوتها شديدة موجبة للخروج من الرحمة بخلاف ما إذا كانت قوية واجدة لأنصارها وآلاتها فإن سلوكها في طريق الشقاوة وسيرها في منهج الضلالة أفخم، واكتسابها للأخلاق الذميمة والرذايل وإنهما كها في ظلمات الغي والغوائل أعظم فيكون تباعدها عن الرحمة الإلهية والألطاف الربانية أكثر وأقوى ودخولها في دركات الجحيم واستحقاقها للعذاب الأليم أقرب وأولى. (قال رضيت) رضي عن الحق باجابة سؤاله أو رضي بالخروج عن الرحمة على تقدير معصيته والنفس وإن كانت مائلة إلى الفساد عليلة بأمراض تلك الصفات والأجناد لكن ذلك لا يسلب عنها الاختيار ولا يوجب صدور القبايح عنها على سبيل الاضطرار بل يمكن لها تحصيل الصحة والسلامة عن الوساوس الشيطانية بالادوية والعلاج المقررة لدفع الأمراض النفسانية وبالجملة النفس بعد تقويتها بالجنود والصفات التي هي بمنزلة العلل والأمراض لها اختيار في أعمالها وقدرة على أفعالها وليس صدرو تلك الاعمال والافعال عنها على سبيل الإلجاء والاضطرار فلها أن تترك


1 - جنود العقل تساعده في الخيرات وجنود الجهل في الشرور، والحقيقة أن الجند من حيث هم جند نسبتهم إلى الخير والشر سواء فجنود الملك قد تعينه في الجهاد وفتح بلاد الكفار وقد تعينه في الظلم والاضرار بالمسلمين وسلب الاموال وقتل النفوس، وجنود الجهل إذا اعتبرت من حيث وجودها في أنفسها لاشرية فيها بل هي خير من جهة وجودها الصادر عن الله تعالى. فإن قيل معنى قوله: اختبارا وامتحانا وتكميلا للحجة أن تلك الجنود تعين الجهل في الخيرات لا في الشرور إذ باسباب الخير والسعادة يتم الحجة على المكلف لا بأسباب الضلال والعصيان. قلنا: ينفع السؤال بما ذكر من أن الجنود من حيث هم جنود لا شرفيهم وأن الجهل إذا استعملهم في الشر صاروا أشرارا وأعطاه الله جنودا يستعين بها في الخيرات ولم تكن اسماءها شرا كالحرص والرياء فاستعملها في الشرور وهذه الاسامي التي تدل على الشرور إنما صارت لها بعد استعمال الجهل وإلا فليس الوجود الصادر عن المبدء إلا الخير المحض (ش). (*)

[ 215 ]

مقتضيات تلك الصفات، وترتقي إلى أعلى مدارج الكمالات الأبدية حتى تستحق أن يقال لها * (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) * ولها أن تمضي تلك المقتضيات وتسرح في مراعي هذه الصفات حتى ترتد إلى أسفل السافلين وتبعد عن رحمة رب العالمين (فأعطاه خمسة وسبعين جندا) في مقابلة ما أعطى العقل وكما أنهما متقابلان كذلك جنودهما متقابلان فحصل التكافؤ في الايجاد وتحقق التعاند والتضاد وبقيت العداوة بينهما إلى يوم التناد (1) وذلك لمصلحة ظاهرة يعلمها أولو الألباب وخفية لا يعلمها إلا علام الغيوب، وينبغي أن يعلم أن أجناس الفضائل باتفاق الحكماء أربعة الأول الحكمة، الثاني الشجاعة، الثالث العفة، الرابع العدالة وذلك لأن للإنسان قوى ثلاثة متباينة هي مبادي لآثار مختلفة مع مشاركة الارادة وإذا غلبت أحدها على البواقي صارت البواقي مغلوبة أو مفقودة وتلك القوى أولها قوة ناطقة وتسمى نفسا ملكية وهي مبدء الفكر في المعقولات والنظر في حقائق الامور. وثانيها القوة الغضبية وتسمى نفسا سبعية وهي مبدء الغضب والإقدام على الأهوال والتسلط والترفع على الغير، وثالثها القوة الشهوية وتسمى نفسا بهيمية في مبدء الشهوة وطلب الغذاء وشوق الالتذاذ بالمآكل والمشارب والمناكح، وإذا تحركت القوة الناطقة بالاعتدال في ذاتها واكتسب المعارف اليقينية حصلت فضيلة العلم والحكمة وإذا تحركت القوة الغضبية بالاعتدال وانقادت للقوة العاقلة فيما تعده حظا ونصيبا لها ولم تتجاوز عن حكمها حصلت فضيلة الحلم والشجاعة وإذا تحركت القوة الشهوية بالاعتدال وانقادت للقوة العاقلة واقتصرت على ما تعده العاقلة نصيبا لها ولم تخالفها في حكمها حصلت فضيلة العفة والسخاء وإذا تركبت هذه الفضائل الثلاثة وتمازجت حصلت حالة متشابهة هي فضيلة العدالة ثم إنه يندرج تحت هذه الأجناس الأربعة أنواع غير محصورة من الفضائل. أما الحكمة فالمشهور من أنواعها سبعة: الذكاء وسرعة الفهم وصفاء الذهن وسهولة التعلم وحسن التعقل والتحفظ والتذكر، وأما الشجاعة فالمشهور من أنواعها أحد عشر: كبر النفس والنجدة والهمة والثبات والحلم


1 - وزعم بعض أهل عصرنا ممن له إلمام بالنقليات من غير نظر أن الجهل الذي يضاد العقل هو الجنون لأن العاقل ضد المجنون وجنود الجهل على ما هو مذكور في الحديث إحساسات وعواطف باصطلاح أهل العصر والجنون عبارة عن متابعة الاحساسات والعواطف كالغضب وعدم إدراك القبح والعفة والطيش والحزن والغم وغير ذلك فترى المجانين بعضهم يضحك وبعضهم يبكي وبعضهم يبطش على من يقر به وهكذا. وأقول هذا خبط وخروج عن أصول المذهب وطريقة أهل العلم فإن المجنون غير مكلف ولا يؤاخذ بشئ مما يرتكبه في الدنيا والآخرة والجاهل في هذا الحديث مؤاخذ بفعله شقي معدود من الاشرار مستحق للنار فما ذكره باطل جدا، وليس المراد بالجهل الجنون ولا ما يقرب من الجنون وليس في عدل الله وحكمته أن يجن أحدا ويعاقبه على أعمال المجانين. (ش) (*)

[ 216 ]

والسكون والشهامة والتحمل والتواضع والححمية والرقة. وأما العفة فالمشهور من أنواعها اثني عشر الحياء والرفق وحسن الهدى والمسالمة والدعة والصبر والقناعة والوقار والورع والانتظام والحرية والسخاء، ثم السخاء نوع يندرج تحته أصناف كثيرة من الفضائل والمشهور منها ثمانية: الكرم والإيثار والعفو والمروءة والنبل والمواساة والسماحة والمسامحة، وأما العدالة فالمشهور من أنواعها اثني عشر: الصداقة والالفة والوفاء والشفقة وصلة الرحم والمكافأة وحسن الشركة وحسن القضاء والتودد والتسليم والتوكل والعبادة. وكذا ينبغي أن يعلم أن أجناس الرذايل أيضا أربعة بإزاء كل جنس من الفضيلة جنس من الرذيلة، الأول: الجهل وهو ضد الحكمة، الثاني: الجبن وهو ضد الشجاعة، الثالث: الشره وهو ضد العفة، الرابع: الجور وهو ضد العدالة هذا بحسب بادي النظر. وأما بعد التأمل فأجناس الرذايل ثمانية لأن كل فضيلة لها حد معين إذا جاوزته في طرف الإفراط أو في التفريط تنتهي إلى رذيلة، فالفضيلة بمثابة الوسط والرذيلة بمثابة الأطراف فيكون أجناس الرذايل ثمانية: السفه والبله - وهما في طرف الحكمة السفه في طرف الإفراط والبله في طرف التفريط، والتهور والجبن وهما في طرفي الشجاعة والشره وخمود الشهوة وهما في طرفي العفة. والظلم والاظلام - وهما في طرفي العدالة - وكما أن لكل جنس من الفضايل جنسين من الرذايل كذلك لكل نوع من الفضايل نوعان من الرذايل: أحدهما في جانب الإفراط والآخر في جانب التفريط، ولبعض تلك الأنواع اسم خاص دون بعضها وقد عرفت أن أنواع الحكمة سبعة فأنواع ضدها أربعة عشر: الخبت والبلادة - وهما في طرفي الذكاء الخبت في طرف الافراط والبلادة في طرف التفريط - وسرعة التخيل والابطاء - وهما في طرفي سرعة الفهم - وظلمة الذهن المانعة من إدراك المطالب والتهابه المانع من الاقامة على المطلوب - وهما في طرفي صفاء الذهن - والمبادرة المانعة من استثبات الصور والتعصب المؤدي إلى التعذر - وهما في طرفي سهولة التعلم - وصرف الفكر في إدراك ما هو زائد على تعقل المطلوب وصرفه في إدراك ما هو ناقص عنه - وهما في طرفي حسن التعقل - وضبط مالا فائدة فيه وترك ضبط ما هو مهم - وهما في طرفي التحفظ - وتذكر ما يوجب تضييع الأوقات والنسيان الموجب لاهمال مراعاة الواجبات - وهما في طرفي التذكر - وقس عليه أنواع بواقي الأجناس، وربما يكون لبعض الأنواع اسم مشهور كالوقاحة والخرق وهما في طرفي الحياء - والاسراف والبخل - وهما في طرفي السخاء - والتكبر والتذلل - وهما في طرفي التواضع - والفسق والتحرج - وهما في طرفي العبادة - إذا عرفت هذا فنقول: ما ذكره (عليه السلام) في هذا الحديث من الفضائل والرذايل بعضه من الاجناس وبعضه من الأنواع وبعضه من الأصناف وبعضه من الجزئيات كما لا يخفى على المتأمل وسيجئ تفسير بعض

[ 217 ]

هذه الامور إن شاء الله تعالى. (فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند: الخير) " من " الأولى للتبعيض و " ما " موصولة، " من " الثانية للبيان والظرف خبر كان قدم على اسمه وهو الجند أو الخير للتشويق ذكره. قال القرطبي: قيل الخير شئ من أعمال القلب نوراني زائد على الايمان وغيره من الصفات المرضية يدل على ذلك ما في حديث أنس " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن مثقال ذرة " إنتهى. وقيل: الخير هو الموجود وإطلاقه على غيره إنما هو بالعرض وهو ينقسم إلى خير مطلق كوجود العقل لأنه خير محض لا يشوبه شر ونقص (1) وإلى خير مقيد كوجود غيره من الذوات والصفات. أقول: الحق إن الخير كلي يندرج تحته جميع الأعمال الصالحة كما يدل عليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " افعلوا الخير ولا تحقروا منه شيئا فإن صغيره كبير وقليله كثير " (2) ويؤيده ما في طرق العامة " يخرج منها (أي من جهنم) قوم لم يعملوا خيرا قط " (3) وهؤلاء الذين ليس معهم إلا الايمان (وهو وزير العقل) الوزر الحمل الثقيل يقال: وزره إذا حمله ومنه الوزير لأنه يحمل عن الأمير وزره أي ثقله والوزارة على قسمين تفويض وتنفيذ والأول يستورزه الأمير بتفويض تدبير الامور إلى رأيه وإمضائها إلى اجتهاده بدون مراجعة إليه في كل قضية والثاني أن يكون النظر في الامور مقصورا على رأي الأمير وتدبيره والوزير يتوسط بينه وبين رعيته ويرشده إلى المصالح ويؤدي عنه ما أمر وينفذ له ما ذكر ويعينه في الأمور، وهذا المراد هنا لأن الخير إن كان عبارة عن الكلي المندرج تحته المصالح كلها فحكمه يجري في جزئياته وهو يتوسط بينها وبين العقل في جريان حكم العقل ونفاذ تدبيره فيها وإن كان عبارة عن العمل القلبي النوراني الذي ذكره القرطبي أو عن وجود العقل فهو يتوسط بين العقل وبين سائر ما يصدر عنه من الأعمال المرضية التي هي في الحقيقة أنوار إلهية تستضئ بها القلوب والجوارح ويرشده إليها كما يرشد الوزير الأمير إلى الامور الملكية ومصالحها. (وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل) لما كان الشر ضد الخير كان مقابلا له في المعاني الثلاثة


1 - لا ريب أنه لايدخل في العقل من حيث هو عقل احتمال الشر وإنما الشر في التزاحمات والتصادفات التي يمنع بعض الاشياء بعضها من بلوغ غاياتها ومقاصدها ولكن هنا لا يجوز حمل الخير على العقل إذ ليس هو جندا لنفسه بل المراد منه شئ آخر باعتبار ما يؤل العقل إليه (ش). 2 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 422. 3 - أخرجه أبو داود الطيالسي في الجزء التاسع من مسنده تحت رقم 2179 في خبر طويل عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. (*)

[ 218 ]

المذكورة فهو إما شئ ظلماني من أعمال القلب زايد على الكفر وغيره من الصفات الذميمة أو عدم منقسم إلى شر مطلق كعدم العقل، وإلى شر مقيد كعدم غيره من الصفات الكمالية أو كلي يندرج تحته جمع القبايح ويؤيده قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " الشر جامع لمساوي العيوب " (1) ووزارته للجهل تظهر بالتأمل فيما ذكرناه في وزارة الخير للعقل، ويمكن أن يراد بالخير تورية العقل وضياء ذاته إذ كل ما يصدر عنه بتوسطها من الأفعال كان على نهج الصواب فهي وزير له في الدلالة على المحاسن والمصالح وبالشر ظلمة الجهل وكدورة ذاته إذ كل ما يصدر عنه بتوسطها من الآثار والافعال كان على نهج الخطأ فهي وزير له في الدلالة على المفاسد والمقابح. (والايمان وضده الكفر) الايمان هو الاعتقاد الثابت الجازم بأحوال المبدء والمعاد (2) وملائكته وكتبه ورسله وما جاء به رسوله الذي من جملته الوصاية والإمامة على سبيل الاجمال وهو روح العلوم الحقيقية والتصديق بالمسائل اليقينية على سبيل التفصيل كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " وبالايمان يعمر العلم " (3) والحق أن الاعمال غير داخلة في حقيقته لقوله (عليه السلام) " بالايمان يستدل على الصالحات وبالصالحات يستدل على الايمان " (4) يريد بالأول الاستدلال من المؤثر على الأثر وبالثاني عكس ذلك (5)، وأما قوله (عليه السلام) " الايمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان " (6) ومثله قول علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فالجمع يقتضي أنه تعريف للإيمان الكامل وقد شاع في لسان الشرع إطلاق اسم الايمان عليه، والكفر الذي هو ضده


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 371. 2 - ليس الاقرار باللسان جزء من الايمان بل هو دليل عليه وليس العمل بالاركان أيضا جزء من الايمان بل هو من آثاره وفوائه. ويعتبر في الايمان الجزم فلا يكفي الظن والثبات فلا يكفي التقليد (ش). 3 - و (4) النهج أبواب الخطب تحت رقم 154. 5 - تارة يكون الغرض بيان المذهب الحق من بين المذاهب الموجودة وهذا وظيفة العلماء يحررون محل النزاع ويبينون القول الحق بالبرهان والأدلة وتارة يكون الغرض بيان مفاهيم الأحاديث وبيان ما هو يوهم التناقض فيها وهو وظيفة المحدثين والشارح سلك المسلك الأول أما بيان كلام الشارح فهو أن المسلمين اختلفوا في حقيقة الايمان أي الفرق بين المؤمن والكفار فإن لكل منهما أحكاما في الشرع فالكافر نجس لا يدفن في مقبرة المسلمين ولا يرث من المورث المسلم ولا ينكح في المسلمات إلى غير ذلك بخلاف المؤمن والحق ما ذكره الشارح من أن عمل الجوارح لا يدخل في الايمان والمخالف فيه الوعيدية من الخوارج حيث قالوا إن مرتكب الكباير كافر وبعض المحدثين مال إلى تفسير ألفاظ الأحاديث فطول الكلام وقسم الايمان إلى درجات وذكر له معاني كثيرة ولم يقطع بمذهبنا من أن العمل ليس من الايمان (ش). 6 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب أن الايمان قبل الإسلام. (*)

[ 219 ]

عدم الأعتقاد بالأمور المذكورة أو إنكار شئ منها وهو روح الجهالات والداعي إلى ذمائم الصفات. وقيل: الايمان نور من أنوار الله فائض منه على قلب من يشاء من عباده به يرى الأشياء كما هي وهو المسمى تارة بالحكمة النظرية يعني ملكة يقتدر بها الإنسان على إحضار المعلومات الحقة متى شاء من غير تجشم كسب جديد وتارة بكمال العقل النظري أو القوة النظرية وتارة بالعقل بالفعل وتارة بالعقل البسيط الاجمالي. والكفر الذي ضده ملكة ظلمانية حاصلة في النفس من كثرة الاغلوطات وتراكم الشبهات وتزاحم الوهميات ورسوخها فتصير تلك الملكة الظلمانية حجابا عن إدراك حق وعمى في عين قلب عن كل مستتر وصما في اذن عقل عن سماع كل كلام صادق والذي يدل على أن الايمان نور والكفر ظلمة قوله تعالى: * (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) * وفيه أولا أن تفسير الايمان بما ذكره غير معروف وثانيا أن الآية لاتدل على ما قال بل تدل على أن الايمان سبب للنور ووسيلة إليه والكفر سبب للظلمة وذريعة إليها فليتأمل. (والتصديق وضده الجحود) أي تصديق الصادقين فيما قالوه، أو التصديق بالمسائل اليقينية والمعارف الحقيقية على سبيل التفصيل والركون إليها بايراد الدلائل والبراهين عليها والتفاوت بين الايمان والتصديق على ما ذكرنا مثل التفاوت بين العلم الإجمالي والتفصيلي والجحود الذي هو ضده إنكار الصادقين أو إنكار تلك المسائل والمعارف والركون إلى الشهوات والشبهات والميل إلى الجهالات والرجوع في المعضلات إلى نفسه والتعويل في المبهمات على رأيه فما أنكرته النفس كان هو المنكر، وما عرفته كان هو المعروف فهي تاركة لرواسم الشريعة، تابعة لأهوائها مائلة إلى آرائها. (والرجاء وضده القنوط) الرجاء بالمد مصدر بمعنى التوقع والأمل تقول: رجوته أرجوه رجوا ورجاء ورجاوة وهمزته منقلبة عن واوبدليل ظهورها في رجاوة وقد جاء فيها رجاة، ومبدء الرجاء يعني توقع ثواب الله وإحسانه وإكرامه وإنعامه معرفته تعالى وملاحظة غناه عن العالمين واعتبار أسباب نعمة ظاهرة وباطنة، جلية وخفية، ضرورية كآلات التغذية والتنمية وغير ضرورية كتقوس الحاجبين واختلاف ألوان العينين إلى غير ذلك من الألطاف الإلهية والفيوضات الربانية التي صدرت منه قبل الاستحقاق والأعمال وبعد الاستحاق والاستيهال فإنه إذا تفكر العقل في هذه الأمور وتأمل فيها وفي غيرها استكمل رجاءه بالله سبحانه. والقنوط هو اليأس من رحمته وعفوه وهو من صفات الخاسرين الجاهلين وسمات الضالين

[ 220 ]

الغافلين عن سعة رحمته وإحاطة مغفرته قال سبحانه: * (ورحمتي وسعت كل شئ) * * (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الخاسرون) * وقال: * (لا تقنطوا من رحمة إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو غفور الرحيم) * وقال: * (من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) * فمن وقع في شر وقنط من رحمته ازداد جهلا على جهل وترقي من باطل إلى باطل وهو جاهل بالله العظيم، وأما العاقل فيستغفره ويرجع إليه ويتضرع بين يديه ويكون عقله برجاء غفرانه أوثق وقلبه بشمول العناية له أعلق فإنه لا ييأس من روح الله إلا الذين عميت أبصار بصائرهم عن أسرار الله تعالى فهم في طغيانهم يعمهون، فاولئك هم الخاسرون، واعلم أن الرجاء بثواب الله والفوز بالسعادات الاخروية مقام شريف مستلزم لمقامات عالية لأنه يستلزم الصبر على المكاره وفعل الطاعات وترك المنهيات لعلمه بأن الجنة محفوفة بالمكاره ومقام الصبر يؤدي إلى مقام المجاهدة والتجرد لذكر الله ودوام الفكر فيه ومقام المجاهدة يؤدي إلى مقام كمال المعرفة المؤدي إلى مقام الانس المؤدي مقام المحبة المستلزم لمقام الرضا والتوكل إذ من ضرورة المحبة الرضا بفعل المحبوب وتفويض نفسه وأمره إليه، والوثوق بعنايته، ولذلك قيل الرجاء لا ينفك عن الأعمال الصالحة. وقيل: الرجاء مادة الاستهتار بلزوم الطاعة، ويدل عليه ماروي عن الصادق (عليه السلام) قيل له: " إن قوما من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون: نرجو ؟ فقال: كذبوا ليسوالنا بموال اولئك قوم ترجحت بهم الاماني من رجا شيئا عمل له ومن خاف من شئ هرب منه " (1) ومن ثم قالوا: الرجاء من الفضائل إذا قارنه خوف لأن كل واحد منهما بدون الآخر من الملكات الردية المهلكة كما يرشد إليه أيضا قوله تعالى * (يدعون ربهم خوفا وطمعا) * وقول الباقر (عليه السلام) " إنه ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم تزد على هذا " (2) ومن ههنا ظهر أن الخوف غير القنوط فإن القنوط ضد الرجاء لايجامعه بخلاف الخوف، ثم قيل: إن بين الخوف والرجاء تفاوتا في الدوام وعمده وذلك لأن الخوف ليس من الفضائل العقلية الباقية في النشأة الآخرة وإنما هو من الامور النافعة للنفس في فعل الطاعات والهرب عن المعاصي ما دامت في دار الدنيا التي هي دار العمل وأما عند حلول الأجل والخروج منها فلا فائدة فيه بخلاف الرجاء فإنه باق أبدا إلى النشأة الآخرة لا ينقطع لأنه كلما نال العبد من رحمة الله أكثر كان رجاؤه فيما عند الله أشد وأوفر، لأن خزائن رحمته غير متناهية. (والعدل وضده الجور) وهي الملكة الحاصلة من التحلي بالأوساط الفاصلة في باب العقائد كالتوحيد بين التعطيل والتشبيه والتعويل على الأمر المتوسط بين الجبر والتفويض، وفي باب


1 - و (2) الكافي كتاب الايمان والكفر باب الخوف والرجاء تحت رقم 6 و 13. (*)

[ 221 ]

الأعمال كأداء الواجبات والسنن بين الكسالة والترهب التام والاعطاء المتوسط بين القبض بالكلية والبسط التام، وفي باب الأخلاق كالحكمة بين السفاهة والبلاهة في القوة العقلية، والشجاعة بين التهور والجبن في القوة الغضبية، والعفة بين الشره وخمود الشهوة في القوة الشهوية وإذا حصلت هذه الأوساط وصارت ملكات حصلت حالة اخرى متشابهة من تمازجها واختلاطها وهي المسماة بالعدل (1)، وكما أن كل واحدة من تلك الأوساط محيطة بأنواع متكثرة من الفضائل إحاطة الجنس بأنواعها ومحاطة بجنسين من الرذائل كذلك ملكة العدالة محيطة بأنواع متكثرة من الفضائل ومحاطة بجنسين من الرذايل أعني الظلم والانظلام والظلم في طرف الافراط والانظلام في طرف التفريط ويعبر عنهما بالجور لأن جور الجائر أعم من أن يكون ظلما على نفسه وعلى غيره ومن ههنا ظهر أن العدل أمر وسيط يتوقف حصوله على الأوساط المذكورة، ورئيس شريف يتذلل لحكمه كثير من الفضائل العقلية، وأمير كبير ينتظم به سلطنة العقل في ملكوت القلب. بل هو طريق قويم وصراط مستقيم يسير فيه العقل من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني فيشاهد عجائب الملك والملكوت في هذه النشأة ويدخل جنات النعيم مع مرافقة الأخيار في النشأة الآخرة كما أن الجور الذي هو الفرار عن هذه الأوساط والاستقرار في طرف التفريط والافراط وهو من أعاظم أمراء الجهل وأكابر رؤسائه، ويندرج في حكمه كثير من جنوده طريق سقيم وصراط غير مستقيم يبعد سالكه في هذه النشأة عن حضرة الجبار ويدخل في النشأة الآخرة في عذاب النار وقد شبهوا تلك الصورة الباطنة الواقعة في الوسط المسماة بالعدالة لزيادة الايضاح والتقرير تارة بالصورة الظاهرة المحسوسة فكما أن لتلك الصورة الظاهرة أركانا مثل العين والأنف والفم والخد واليد والرجل إلى غير ذلك من الأعضاء الظاهرة، ولا توصف تلك الصورة بالحسن ما لم يحسن جميع تلك الأعضاء ولم يتوسط بين الافراط والتفريط كتوسط العين بين زيادة غؤورها وزيادة بروزها وبين زيادة الصغر وزيادة الكبر وتوسط الأنف بين زيادة الطول وزيادة القصر وبين صغر الحجم وكبره وعلى هذا القياس في ساير الأعضاء كذلك لتلك الصورة الباطنة التي هي صورة القلب أركان مثل القوة الناطقة والقوة الغضبية والقوة الشهوية ولا يوصف تلك


1 - لا ريب أن هذا الحديث أصل يبتني عليه جميع ما ذكره علماء الاخلاق في كتبهم كإحياء العلوم وجامع السعادات والمحجة البيضاء وأمثالها خصوصا ما ذكروه في المنجيات والمهلكات وهي بمنزلة شرح لهذا الحديث الشريف وعلماء الاخلاق بنوا على أن العدل التوسط في كل شئ وفسر بعضهم العدل بعدل السلاطين وربما يترجم بالفارسية (دادو دهش) أي العدل والعطاء والعطاء زايد وعدل الحكام داخل في تفسير الشارح. وبالجملة العدل هو الجامع للفضائل كما في قوله تعالى: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * (ش). (*)

[ 222 ]

الصورة بالحسن والقبول ما لم يحسن جميع هذه الأركان ولم يتوسط بين الافراط والتفريط على ما ذكرنا، وتارة اخرى بالمزاج، فإن تلك الصورة الباطنة بالنسبة إلى القلب كالمزاج بالنسبة إلى البدن فكما أن اعتدال المزاج واستقامته أعني الصحة والسلامة تتوقف على زوال الأمراض البدنية كلها كذلك اعتدال تلك الصورة واستقامتها يتوقف على زوال الأمراض القلبية التي هي الأخلاق الذميمة الواقعة في طرفي الافراط والتفريط لأن الأخلاق الذميمة علة مسرية ينجر بعضها إلى بعض والنجاة في النشأتين وحسن القبول في الدارين والتعشق عند الباري جل شأنه وتسخير عالم الملك والملكوت لا تحصل إلا بزوال جميعها، ومن ههنا ظهر سر قولهم: " خير الامور أوسطها ". (والرضا وضده السخط) في باب الرضا بقضاء الله تعالى أخبار كثيرة فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " نعم القرين الرضا بقضاء الله) (1) وعن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " أوحى الله إلى موسى صلوات الله عليه إنك لن تتقرب إلي بشئ أحب إلي من الرضا بقضائي " (2) في الحديث القدسي " من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر على نعمائي فليعبد ربا سوائي، وليخرج من أرضي وسمائي " واختلفوا في تفسيره فقيل: هو رفع الاختيار، وقيل: هو سكون النفس تحت مجاري القدر، وقيل: هو السرور بمر القضاء. وقال الارجواني: عرفت طرفا من الرضا لو أدخلني النار كنت به راضيا. وقيل: هو سكون القلب إلى أحكام الله تعالى، وموافقة الضمير بما رضي واختار. وقيل: هو فرح القلب وسروره بنزول الأحكام في الحلو والمر: قال عياض: الأولان تعريف لمبدئه والثالث تعريف لمنتهاه وفي الرابع نظر، والخامس قريب من الثاني، والسادس قريب من الثالث. وقال ذو المفاخر صاحب العدة رحمه الله: سأل النبي (صلى الله عليه وآله) جبرئيل (عليه السلام) عن تفسير الرضا فقال " الراضي هو الذي لا يسخط على سيده أصاب من الدنيا أو لم يصب، ولا يرضى من نفسه باليسير " واعلم أيها اللبيب أن الرضا من أعلى منازل المقربين وأقصى مراتب السالكين فإنه ثمرة المحبة وهي ثمرة الأنس بالله تعالى شأنه وهو ثمرة كمال معرفته وهو ثمرة دوام المجاهدة مع النفس الأمارة والتجرد لذكر الله ودوام الفكر فيه وهو ثمرة الصبر على فعل الطاعات وترك المنهيات وتحمل المشاق والمكاره وهو ثمرة الخوف من الله تعالى والرجاء بثوابه وإكرامه وإنعامه. والخوف له


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 4. 2 - لم أجده من حديث ابن عباس ورواه الكليني في الكافي كتاب الايمان والكفر باب الرضا بالقضاء تحت رقم 7 من حديث أبي عبد الله (عليه السلام) بنحو أبسط. (*)

[ 223 ]

تأثير في الأعضاء الباطنة فيمنعها عن الرذايل النفسانية مثل الكبر والحسد والحقد والعداوة والبخل وغيرها وفي الأعضاء الظاهرة فيكفها عن المنهيات ويقيدها بالطاعات ولعلو منزلة الرضا رفعه الله سبحانه فوق جنات عدن وجعله أكبر من نعمها فقال عز من قائل: * (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيبة من جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم) * فهو فوق نعيم الجنات وغاية مطلب سكانها وإذا رضي العبد عن الله تعالى رضي الله عنه كما قال * (رضي الله عنهم ورضوا عنه) *. وإذا عرفت حال الرضا وشرف منزلته فاعرف حال ضده الذي هو السخط بالتضاد فإن كل ما ذكرنا في الرضا يجري ضده في السخط وأورد عليه بأن المستفاد من هذا الحديث وغيره أن العبد يجب عليه أن يرضى بقضاء الله سبحانه خيرا كان كالإيمان والطاعة أو شرا كالكفر والمعصية لكن الرضا بالكفر كفرو بالمعصية فسق كما ورد في الحديث فكيف التوفيق ؟ والجواب المشهور هو أنه فرق بين القضاء والمقضي وأنه يجب الرضا بالقضاء دون المقضي والكفر ونحوه من جملة المقضي، ورده بعض المحققين بأن القضاء عبارة عن الحكم بوقوع شئ في الخارج وهو أمر نسبي إضافي فحسنه وقبحه وخيره وشره إنما هو بحسب ماأضاف إليه لأن نفس الاضافة لا توصف بشئ إلا باعتبار المضاف إليه فالتناقض بحاله ثم أجاب عن أصل الاشكال بأن المقضي بالذات لا يكون إلا خيرا والشر مقضي بالعرض لا بالذات يجب الرضا به هو القضاء أو المقضي بالذات والذي يجب عدم الرضا به هو القضاء أو المقضي بالعرض كالكفر والظلم ونحوهما، وقال بعض الأفاضل لدفع الرد المذكور عن الجواب المشهور: القضاء كالعلم ليس مجرد إضافة ونسبة بل هو صورة عقلية ذات إضافة فإن القضاء الالهي كما حقق عبارة عن وجود صور جميع الموجودات الخارجية وجودا عقليا إجماليا على وجه أشرف وأعلى فكل ما كان أو سيكون له وجود في عالم علمه تعالى علما مقدسا منزها من التغير والقصور والنقص والشر وأما المقضي فهو الصور الكاينة والمواد الخارجية على وفق ما جرى في القضاء فللقضاء نحو من الوجود وللمقضي نحو آخر من الوجود وقد يتطرق إليه النقص والآفة والشر والفساد والصورة العقلية للكفر والمعاصي ليست كفرا ولا معصية وإنما هي كذلك بحسب وقوعها في الخارج فمن قال: القضاء لا يكون إلا خيرا يجب الرضا به دون المقضي لعله أراد بالقضاء صور ما في علم الله سبحانه لا مجرد النسبة وبالمقضي وجود الأكوان الخارجية التي قد يكون شرا وكفرا فظهر الفرق ورفع التناقض (1).


1 - لا ريب أن المقصود الرضا بالمقضي لا بالقضاء مثلا الرضا بالفقر ليس معناه الرضا بوجود معناه في الله بل بوجوده خارجا وحصوله للراضي والحق في الجواب أن ينكر قضاء الله تعالى بكفر أحد بمعنى حكمه = (*)

[ 224 ]

(والشكر وضده الكفر) إن الشكر حالة نفسانية تنشأ من العلم بالمشكور وصفاته وإنعامه، وتثمر العمل بالقلب واللسان والأركان، وهم بالنظر إلى تلك الثمرة عرفوه بأنه فعل دال على تعظيم المنعم سواء كان بالجنان أو باللسان أو بالأركان وتوضيحه أن الشكر على النعمة لا يتحقق إلا بأن تعرف المنعم الحقيقي وصفاته ونعمه وأن تعرف أن النعم كلها منه وأن الأوساط الموصلة لنعمه نعمة أو التي لها مدخل في إيصالها أو تكميلها مثل السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والسحاب والعباد وغيرها كلها منقادة لامره مضطرة لحكمه كانقياد تبعة الملك له في إنفاذ أمره (1) وايصال عطاياه فتعرف أن لا منعم في الحقيقة إلا هو وهذه المعرفة تورث حالة نفسانية هي التذلل والانقياد للمنعم والسرور بنعمه لا من حيث أنها موافقة لغرض نفسك إذ في ذلك متابعة في هواها واقتصار همة في رضاها، بل من حيث أنها دالة على عنايته بك بمجرد إحسانه وإفضاله من غير سبق استحقاق واستئهال ووسيلة إلى التقرب به برعاية حقوقه وعلامة ذلك أن لا تفرح من الدنيا إلا بما يوجب القرب منه في الدنيا والآخرة، وهذه الحالة شكر في الحقيقة وهي تورث العمل لأنها إذا حصلت في النفس وتمكنت فيها حصل لها نشاط للعمل الموجب للقرب منه وهذا العمل أيضا شكر وهو يتعلق بالقلب واللسان والأركان أما عمل القلب فهو القصد إلى تعظيمه وتحميده وتمجيده وتهليله والتفكر في مصنوعاته وأفعاله وآثار إنعامه وإكرامه وإيصال الخير إلى كافة خلقه إلى غير ذلك من الأعمال القلبية. وأما عمل اللسان فهو إظهار ذلك المقصود بالتحميد والتمجيد والتسبيح والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها. وأما عمل االركان فهو استعمال نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته والتوقي من الاستعانة


= بكفره بحيث يعد كراهة الكفر كراهة حكم الله بل قضائه بمعنى علمه بكفر الكافر عن اختيار ولا يرضى الله لعباده الكفر وكذلك ينبغي أن لا يرضى به العبد ومعنى الرضا بالقضاء الرضا بالحكم الذي حكم به الله وألزمه على العباد ولا يقدر العبد على دفعه عن نفسه كالمرض والموت لا ما يقدر على دفعه كالكفر والفسق فإن قضاء الله بهما أعني علمه ليس ملزما والذي علم الله تعالى صيرورته كافرا باختياره يصير كافرا باختياره لا مجبورا والرضا به في معنى رضاه بكونه مختارا. (ش) 1 - بل أشد انقيادا فإن تبعة الملك مستقلون في وجودهم وليس وجودهم معلولا لوجود الملك بخلاف الاوساط الموصلة لنعمه تعالى إلى عباده فإنهم معلولون وبقاؤهم وفناؤهم بمشية الله تعالى ولا فرق في ذلك بين مراتب الوسائط فإن العقول المجردة اي الملائكة المقربين والنفوس الكلية فضلا عن السماء والارض والشمس والقمر وغيرها هم بأمره يعملون ولا استقلال لهم في وجودهم فضلا عن فعلهم وليست وساطة العقول بمعنى تفويض الأمر إليهم كما يتوهمه من لا خبرة له. (ش) (*)

[ 225 ]

بها في معصيته ومخالفته كاستعمال العين في مطالعة مصنوعاته، واستعمال الاذن في استماع براهينه وآياته. وهكذا حكم سائر الجوارح، وإذا عرفت الشكر فقد عرفت الكفران الذي هو ضده بالمقايسة فإنه أيضا حالة نفسانية هي العتو وسوء الظن بالمنعم والتباعد منه والسرور بالنعمة من حيث إنها موافقة للأغراض الفاسدة النفسانية، وهذه الحالة تنشأ من عدم معرفة المنعم الحقيقي على ما ينبغي وتورث العمل بالقلب كالقصد إلى معصيته والعزم على مخالفته، وباللسان كالافتراء والشكاية والمذمة وغيرها من الأقاويل الباطلة وبالجوارح كترك النظر فيما يعنيه وصرفه فيما لا يعنيه، وبالجملة صرف الجوارح في غير ما خلقت لأجله. (والطمع وضده اليأس) هذا تكرار للرجاء وضده، ولذلك قال الشيخ بهاء الملة والدين رحمه الله: لعل أحدهما كان بدلا عن الآخر فجمع بينهما الناسخ غافلا عن البدلية، ويمكن أن يقال التكرار إنما يلزم لو اريد به ما اريد بالرجاء أعني الطمع في ثواب الله والأمور الاخروية مطلقا أما إن اريد به توقع الامور الاخروية من غير سبق استحقاق وخص الرجاء بتوقعها مع السبق أو مطلقا أو واريد به توقع الامور الدنيوية مما يحتاج إليه من الضروريات وغيرها أو اريد به توقع ما في أيدي الناس وجعل الطمع من جنود الجهل واليأس من جنود العقل على خلاف ما وقع في سائر النظائر من تقدم جنود العقل فلا تكرار وهذه الوجوه وإن كانت بعيدة لكن القول بالتكرار وتخطئة الناسخ أبعد منها. (والتوكل وضده الحرص) معنى توكل العبد على الله تعالى هو صرف اموره إليه والاعتماد فيها عليه يقال: وكل فلان فلانا إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته أو عجزاعن القيام بأمر نفسه ومن أسمائه تعالى الوكيل وهو القيم بأرزاق العباد، وبالجملة التوكل حالة فاضلة للقلب توجب تفويض الامور إلى الحق والانقطاع عما سواه وله مبدء وأثر مترتب عليه ومبدؤه العلم بأنه تعالى واحد لا شريك له وأنه عالم بجميع الأشياء بحيث لا يعزب عنه تعالى مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وأنه قادر على جميع المقدورات وأنه حكيم لا يجور في حكمه وأنه رؤف بعباده ولابد بعد ذلك من الرضا بقضاء الله إذ بالعلم الأول يعلم أنه لا كفيل لمهماته إلا هو، وبالعلم الثاني يعلم أنه لا يخفى عليه شئ من مهماته وبالعلم الثالث يعلم أن السماوات والأرضين وما بينهما وما فيهما من الروحانيات والحيوانات والنباتات والجمادات والامور الكاينة مسخرات بأمره، فيعلم أنه لا يعجز عن إمضاء مهماته وإنجاح مطالبه ومراداته، وبالعلم الرابع يعلم أنه لا يكون ظالما في نفاذ اموره، وبالعلم الخامس يعلم أنه يفعل كل ما يصلح له وبالسادس يسهل عليه جريان صعاب الامور فإذا أيقن هذه الأمور واستنار قلبه بأنوار تلك المعارف ولم يعارضه الوهم والجبن وضعف البصيرة ومع ذلك تأمل في حال بعض الحيوانات الذي لا حيلة له في تحصيل اموره وادخار قوته كالطيور وأمثالها بل

[ 226 ]

في حال نفسه حين كان جنينا في بطن امه وكان مضطرا إلى الرزق وكان رزقه يأتيه بغير حيلة له من حيث لا يدري وقتا فوقتا حصلت له حالة شريفة هي وثوقه في اموره بالله سبحانه وانقطاعه عن غيره من الأسباب والوسائط بل عن نفسه أيضا لأنه يسلب الحول والقوة عنها ويحكم بأنه لاحول ولا قوة إلا بالله ويرى حاله معه مثل حال الموكل مع وكيله في الثقة به والاتكال عليه أو مثل حال الطفل مع امه في الركون إليها، أو مثل حال الشمعة مع المصور في أنها مقهورة تحت يده وقدرته يصورها ويشكلها كيف يشاء وهذه الحالة هي المسماة بالتوكل وهي مقام عال من مقامات السالكين ودرجة عظيمة من درجات المقربين ومنزلة رفيعة من منازل المتقين لا يصل إليها إلا من اطمأن قلبه بالإيمان بالله القاهر فوق عباده، ثم إن هذه الحالة تتفاوت كمالا ونقصانا بحسب تفاوت العلوم المذكورة وصفاء القلب ونورانيته فلها أقسام: أولها: الثقة بالله وبكفالته وكفايته وعنايته مع ملاحظة أن العادة جرت على ربط المسببات بأسبابها فيتمسك بالأسباب على قدر الحاجة والأثر المترتب عليه هو الاعتقاد بأن حصول المطلوب وسببه من توفيق الله تعالى وعنايته فيكتسب ويغلق الباب من السارق ويتحصن من العدو مثلا ويثق بأن الرزق والحفظ منه تعالى، ولا يتكل على السبب وإنما اتخذ جريا على العادة وهو راض عن ربه وشاكر له إن لم يحصل المسبب، بناء على أنه لا يدري في أي شئ الخيرة وحافظ مع اشتغاله بالسبب لأوقات الصلوات وغيرها من العبادات وبالجملة يكون مقصوده هو الكفيل الحق وخيرته ومنظوره هو التشبث بذيل عنايته وإرادته، والاكتساب على هذا الوجه لا ينافي التوكل لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان رأس المتوكلين وقد توارى من العدو وخندق على نفسه وظاهر بين درعين وداخر قوت عياله سنة، ولتواتر الروايات عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) على هذا المعنى ولقوله تعالى: * (رجال لا تلهيهيم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) * ولذا قيل: من طعن في الكسب طعن في السنة ومن طعن في تركه طعن في التوحيد، والكسب الغير المنافي ما كان على قدر الحاجة، وحده بعض للمنفرد بدون الأربعين، واختلف في إدخار قوت الأربعين فقيل: يخرج عن التوكل، وقيل: لا يخرج بما زاد على الأربعين وهذا كله ما لم يتشوش خاطره فإن تشوش فالإدخار في حقه أفضل، بل قيل: لو حبس ضيعة يكفيه دخلها كان أرجح لأن المقصود تفريغ القلب للعبادة حده للمعيل بقوت عام تطمينا لقلبه وقلب عياله لفعل النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك ولم يفعله لطيب قلبه وإنما فعله ليدل على الجواز وقيل: ادخار قوت عامين في مقام يتوهم غلبة العدو لا ينافيه لعدم الأمن بالغلبة والأظهر أن ادخار القوت مطلقا لا ينافيه إذا كان اعتماده على الله تعالى لاعلى القوت المدخر وبالجملة التمسك بالأسباب مع الاعتماد على الله لا عليها لا ينافيه، وثانيها الثقة بالله وبكفالته مع

[ 227 ]

احتراق حجاب الأسباب والمسببات عنده ولكن لم يعود نفسه بالصبر على الجوع والعطش اسبوعا أو أكثر أو أقل ولا راض نفسه على أكل غير المأنوس من الأطعمة والأشربة والأثر المترتب عليه لأنه لا يجوز له ترك الاكتساب ولا الخروج من المعمورة والسكون في البادية ولا السفر بلا زاد ولاماء لأن إلقاء النفس إلى التهلكة لا يجوز عقلاونقلا والمقام في المعمورة مظنة إتيان الرزق، وثالثها مثل الثاني إلا أنه عود نفسه على ما ذكر، والأثر المترتب عليه أنه يجوز له ترك الاكتساب والسكون في البادية والسفر بلا زاد ولا ماء في مدة يعلم أنه يتحمل الرياضة ولا يجوز له ولا الثاني ترك الأسباب الضرورية كمد اليد للطعام وابتلاعه ولا انقطاعهما في شعب لا ماء فيه ولا كلاء ولا إقامتهما في ميل ماء أو تحت جدار مائل ولا عدم دفاعهما عنهما سبعا ولو قالا في جميع ذلك، توكلنا فهما جاهلان في معنى التوكل وفي اعتقادهما أن الأسباب الضرورية تنافيه، وكان بعض المتوكلين لا يفارق الإبرة والمقراض والركوة والحبل لملاحظة أنه قد ينخرق ثوبه وقد لا يوجد الماء بوجه الأرض ثم إنهما إن تفارغا للعبادة ولم يطمعا ما في أيدي الناس ولم يتشوش بالهما في العبادة وراضا نفسهما على الجوع وصبرا صبرا جميلا في كل حال يأتيهما الرزق لا محالة لأن أصل وجودهما يجلب الرزق وغيره من ضروريات الوجود، وقد قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): لو سد على رجل باب بيته وترك فيه فمن أين كان يأتيه رزقه. فقال (عليه السلام): من حيث يأتيه أجله، وهذا التوكل، وترك الكسب إنما هو للمنفرد، وأما المعيل فالمناسب له هو القسم الأول لأنه ليس له أن يكلف عياله بالصبر على الجوع وقد رجح جماعة القسم الأول على بواقي الاقسام مطلقا لما مر ولغيره من الأخبار الواردة في الحث على طلب المعيشة ويمكن أن يقال: إن ذلك باعتبار أن القسم الأول أسهل والأخرين في غاية الصعوبة وهم (عليهم السلام) حكماء يحملون الناس على مالا يصعب عليهم كثيرا. وأما ضد التوكل فالمشهور في ألسنة العلماء المضبوط في النسخ المعتبرة هو الحرص بالصاد المهملة وقال سيد الحكماء الالهيين هو الحرض بالحاء المهملة أولا والضاد المعجمة أخيرا والراء في الوسط وبالتحريك وأما الحرص بالصاد المهملة فتصحيف لأنه ضد القناعة كما سيجئ فلو جعل ضد التوكل أيضا لزم أن يكون جند الجهل أقل من من ثلاثة وسبعين وعلى خلاف عدد جند العقل وأنه باطل لأنه خلاف قول الإمام (عليه السلام) بل هو وهم فاسد في نفسه لأنه ضد القناعة في نفس الأمر لاضد التوكل لأن ضد التوكل هوالهم بالشئ والحزن له والوجد عليه وصرف الفكر في التوسل إليه والتبالغ في تحصيل البغية وتهييج الأسباب المؤدية إليها وتحريكها وتحريشها وتحريبها والغم في إبطاء نيلها وبطوء نجاحها وذلك كله معنى الحرض بالضاد المعجمة وهو والحرب بمعنى، هذا محصل

[ 228 ]

كلامه ويمكن دفعه بأن الحرص بالصاد المهملة حالة نفسانية تنشأ من الجهل بالامور المذكورة المعتبرة في تحقق التوكل أو من ضعف القلب لا ستيلاء مرض الوهم عليه فإن الوهم كثيرا ما يعارض اليقين كمن تراه لا يبيت وحده مع ميت وهو يبيت مع جماد مع علمه بأن الميت أيضا جماد وتبعث تلك الحالة على السعي التام في الاكتساب وشدة الاهتمام بجميع الاسباب وصرف العمر والفكر في جمع المال في جميع الأوان كما هو دأب أهل العصر وشأن أبناء الزمان ولا شبهة في أن ذلك لقوة الاعتماد على الكسب والطلب وعدم الاعتماد على الله سبحانه، فالحرص متضمن لأمرين أحدهما المبالغة في الاكتساب والثاني عدم الاعتماد والوثوق بالله سبحانه، فباعتبار الأمر جعل ضدا للقنوع وباعتبار الأمر الثاني جعل ضدا للتوكل فلا يكون جند الجهل أقل من جند العقل إذ الحرص في الموضعين ليس بمعنى واحد ولا يلزم خلاف قول الإمام (عليه السلام)، ولا يرد أنه ليس ضد التوكل في نفس الأمر. (والرأفة وضده القسوة) قل المازري القسوة ضد اللين، والغلظة ضد الرأفة وكأنه غفل عن معنى القسوة، قال الجوهري قسى قلبه قسوة وقساوة وقساء بالفتح والمد وهو غلظة القلب وشدته، والرأفة حالة نورانية للقلب داعية إلى الخير وحسن الخلق ورقة الوجه وطهارة اللسان وكثرة الحياء والتلطف بالخلق والاجتناب عن المناهي، وضدها حالة ظلمانية له داعية إلى الشر وسوء الخلق وغلظة الوجه وخباثة اللسان وقلة الحياء وايذاء الخلق وركوب المحارم وكشف الاستار والوثوب على الناس في الخصومات، وكل واحدة منهما إما طبيعية وإما كسبية تحصل الأولى بممارسة العلوم والأعمال الصالحة، والثانية بمزاولة الجهل والأعمال القبيحة والمراد هنا هو القسم الثاني. (والرحمة وضدها الغضب) الرحمة حالة للقلب يثمرها العلم بقباحة الطغيان وشناعة العدوان وسوء عاقبتهما وثمرتها الشفقة على الخلق والتلطف بهم والترحم عليهم والفرق بينها وبين الرأفة كالفرق بين المسبب والسبب فإن الرأفة لينة القلب الموجبة لميله إلى التلطف والشفقة والرحمة نفس هذا الميل وقد خفى هذا الفرق على بعضهم فحكم بأن هاتين الفقرتين متحدتان في المعنى ولم يدر أن الرأفة ليست نفس الرحمة والقسوة ليست نفس الغضب وأن الأولى منهما بمنزلة السبب الثاني وأن الاصل عدم التكرار عند الجمع بينهما مثل * (إن الله لرؤف رحيم) * وإطلاقهما على الله سبحانه باعتبار الآثار وهي ألطافه وإحسانه تعالى بمن أطاعه وإنكاره على من عصاه وسخطه عليه إعراضه عنه ومعاقبته له، والغضب من المخلوقين قد يكون ممدوحا، وقد يكون مذموما، فالمحمود ما كان في جانب الدين والحق، والمذموم ما كان في خلافه، وهذا هو المراد هنا وهو أيضا حالة للقلب

[ 229 ]

يثمر الجهل بما ذكر وتسويل النفس الامارة والافراط في المؤاخذة وتزيينه، وثمرتها الطغيان على الخلق باليد واللسان والتعدي عليهم بالظلم والعدوان ومن علاماته أحمرار الوجه والعين وانتفاخ العروق وسر ذلك أن القوة الغضبية إذا تحرك نحو الانتقام واشتعلت نارها في الباطن يغلي به دم القلب كغلي الحميم فينبعث منه الدخان ويرتفع إلى أعالي البدن كما يرتفع في القدر ويصب في الوجه والعين والعروق فيحمر الوجه والعين وينتفخ العروق، ويختل الدماغ الذي هو معدن الفكر في المحسوسات وينطفي نور عقله كما ينطفي ضوء السراج في البيت باستيلاء الدخان عليه، فيظلم بصره وبصيرته بحيث لا يرى شيئا ويسود عليه الدنيا وما فيها ولا يميز بين الحق والباطل والحسن والقبح، ولا يؤثر فيه وعظ ونصيحة، بل قد يبلغ إلى حد يحرق جميع ما يقبل الاحتراق ويفني الرطوبة التي بها بقاء الحياة فيموت صاحبه غيظا وهذه الخصلة من أعظم الخصال الذميمة ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس " (1) وقال الباقر (عليه السلام) " إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وأيما رجل غصب على ذي رحم فليدن منه فليمسه فإن الرحم إذا مست سكنت " (2). (والعلم وضده الجهل) هما وصفان متقابلان ونعمتان متضاد ان للعقل والجهل اللذين كلامنا في جنودهما لأنك قد عرفت أن المراد بالعقل إما القوة العاقلة أو النفس من حيث استعدادها لسلوك طريق الحق وكل واحدة منهما مبدء للعلوم، وبالجهل إما القوة الجاهلة أو النفس من حيث استعدادها لسلوك طريق الباطل وكل واحدة منهما مبدء للجهل المقابل للعلم أعني عدمه ثم للعلم مراتب: الأول الاعتبار * (فاعتبروا يا أولي الأبصار) * وإليه أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " ومن اعتبر أبصر " الثاني التجلي والانكشاف التام، الثالث الادراك مطلقا، الرابع الادراك المطابق لما في نفس الأمر، كالاعتقاد بالمعارف الإلهية والأحكام الشرعية وهذا القسم قد يجب على الجميع وقد يختلف باختلاف الأشخاص فالذي يجب على الجميع هو العلم بأن الله تعالى واحد حي قديم أزلي إلى غير ذلك من اصول العقائد والعلم بالصلاة والصوم والوضوء والغسل وشرائطها ومفاسدها إلى غير ذلك مما يشترك فيه جميع المتكلمين والذي يجب على البعض هو العلم بأحكام الحج والزكاة للغني والعلم بأحكام العقود للتاجر وكذا من عمل عملا وجب عليه العلم بذلك العمل والعلم من حيث إنه علم ومتعلق بالحق طريق واحد والجهل المقابل له طرق متعددة وإذا وقعت المحاربة بين


1 - النهج في أبواب كتبه ورسائله تحت رقم 69 في آخر كتاب له (عليه السلام) إلى الحارث الهمداني رضي الله عنه. 2 - و (3) الكافي كتاب الايمان والكفر باب الغضب تحت رق 2 و 3. (*)

[ 230 ]

العقل والجهل في ساحة القلوب واستظهر الجهل بهذا الجهل الذي من جنوده استظهر العقل بالعلم فيغلبه ويهزمه * (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) *. (والفهم وضده الحمق) الفهم هنا بمعنى العقل كما قيل، أو صفة فاضلة للذهن وهي ملكة الانتقال من الملزومات إلى اللوازم بحيث لا يحتاج في ذلك إلى فضل مكث وتأمل كذا عرفه المحقق الطوسي وعده نوعا من الفضائل مندرجا تحت جنس الحكمة وإنما قلنا هنا لأن الفهم فيما سيأتي من قوله (عليه السلام) " والفهم وضده الغباوة " بمعنى الفطنة وهي شدة الحدس وجودة الذهن وقوته المعدة لاكتساب العلوم أو بمعنى الذكاء وهو نوع آخر من جنس الحكمة فوق النوع المذكور وعرفه المحقق بأنه ملكة حاصلة من كثرة من مزاولة المقدمات المنتجة وممارستها موجبة لسرعة انتاج القضايا وسهولة استخراج النتايج على سبيل البرق الخاطف ومنهم من لم يفرق بين الفهمين وظن أنهما بمعنى واحد فحكم بأن إحدى الفقرتين كانت بدلا عن الاخرى فجمع بينهما الناسخ غافلا عن البدلية ومنهم من جوز أن يكون القهم هنا بالقاف دفعا للتكرار من قهم بالقاف كفرح قل شهوته للطعام وأقهم في الشئ أغمض، وعنه كرهه، وعن الطعام لم يشته. وهذا الأخير نقله سيد الحكماء عن بعض ولم يصرح باسم القائل ثم قال: هذا أعجوبة التعاجيب فأين أنتم يا معشر المتعجبين، وإذا عرفت الفهم فقد عرفت الحمق بالمقابلة فهو إما ضد العقل على ما قيل أو بطؤ الانتقال من الملزومات إلى اللوازم ويسمى ذلك بالبلادة المفرطة وهو نوع من جنس رذيلة الجهل المقابلة لفضيلة الحكمة ومنشأ ذلك نقصان الذهن (1) وكساده من انحمق الثوب إذا بلى وانحمقت السوق إذا كسدت وانحمق القمر إذا زال نوره وقد عد الحمق أعظم الفقر وأكبره لكونه اشد بلاء وأكثر ابتلاء من الفقر المعروف بين الناس إذ الأحمق يفقد الدين والكمال الذي هو اشرف من المال والدليل عليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (وأكبر الفقر هو الحمق) ويعلم منه بحكم المقابلة إن أعظم الغنى الفهم * (ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم) *. (والعفة وضدها الهتك) لما كان بقاء النوع والشخص مفتقرا إلى التناكح والتناسل وتناول الغذاء والتلذذ بالمآكل والمشارب لأن الحرارة الغريبة الخارجة والغريزية الداخلة أعدى عدو


1 - نقصان الذهن إذا كان فطرة لا يعاب صاحبه عليه إذ ليس اختياريا فلا بد أن يحمل الحمق هنا على التحامق الاختياري وعدم الوجه والنظر والتفهم والدقة كما ذم الله تعالى قوما بالغفلة في قوله * (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) * وقال تعالى * (لهم قلوب لا يفقهون بها) * ويمكن أن يتكلف ويقال ليس المراد هنا الذم الذي يستتبع العتاب والعذاب بل التنقيص مطلقا كما يفهم من قوله * (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) * فإن الذم بالنسبة إلى الكلب لا يستلزم عقابا كما يستلزم بالنسبة إلى المشبه به (ش). (*)

[ 231 ]

للرطوبه الغريزية التي في طينة الإنسان فلا تزال تلك الحرارة تحلل الرطوبة وتجففها وتبخرها وتفنيها فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء جبرا لما يتحلل لفسد المزاج وبطل التركيب في أسرع زمان، خلق الله سبحانه بمقتضى الحكمة البالغة قوة شهوية هي مبدء الشوق إلى طلب الغذاء والالتذاذ بالمآكل والمشارب والمناكح، والناس في تلك القوة على ثلاث درجات لأن تلك القوة كما بينا آنفا إ ن تحركت بالاعتدال واستقرت في الوسط مثل المركز بأن لا تتعدى عما أذن له العقل والشرع من الأغذية والأشربة والأنكحة وغيرها بل طاوعته فيما عداه (1) حظا ونصيبا لها واقتصرت عليه وتركت هواها حصلت فضيلة العفة وهي جند عظيم من جنود العقل منقادة لحكمه تابعة لأمره ونهيه، وإن تحركت نحو الافراط وجاوزت عن حكم العقل والشرع، وارتكبت من اللذات ما لم يأذنا لها حصلت رذيلة الهتك وخرق الأستار وهي مسماة بالشره والفجور أيضا ومعدودة من جند الجهل لانقياد حكمه واتباع أمره ونهيه وخروجه على سلطان العقل، وإن تحركت نحو التفريط وآثرت ترك طلب اللذات الضرورية التي أذن لها العقل والشرع واختارت البلية والمشقة التي تورث الهلاك حصلت رذيلة خمود الشهوة وهي أيضا من أضداد العفة وإنما اقتصر على الهتك الذي هو في طرف الإفراط لأن رذالته أشهر وضديته أظهر. (والزهد وضده الرغبة) الزهد جعل القلب حيا بمشاهدة أحوال الآخرة وعدم الغفلة عنها وميتا عن طمع الدنيا وزخارفها، وبعبارة اخرى هو إعراض النفس عن الدنيا وزهراتها وقطع الالتفات إلى ما سوى الله تعالى وبعبارة أقصر هو حذف موانع الالتفات إليه سبحانه ولا يتحقق ذلك إلا بحذف الموانع الداخلة النفسية عن النفس مثل محبة غير الله تعالى والميل إلى ما سواه وحذف الموانع الخارجة مثل متاع الدنيا وزهراتها وإليه يشير قول بعض الأكابر الزهد ثلاثة أحرف زاء وهاء ودال فالزاي ترك الزينة، والهاء ترك الهواى، والدال ترك الدنيا، ومما يبعث على سلوك هذه الطريقة هو تلاوة القرآن الكريم والتدبر في آياته فإنها تثمر محبة الحق والتوجه إلى الآخرة وتغسل عن لوح القلب درن الوساوس وخبث الرذايل ورين الميل إلى الدنيا، ثم مطالعة أحوال الماضين ورفضهم ما كانوا عليه من الدنيا وزخارفها وانقطاع أيديهم عنها واستقرارهم في القبور، ثم التأمل في أحوال الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) مع كمال تمكنهم من الاستمتاع من الدنيا وتركهم لها طوعا ورغبة في ثواب الله ومقام القرب منه وذلك دليل على ذم الدنيا وعيبها وكثرة مساويها فانظر إلى حال كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) (2) إذ يقول: " رب إني لما أنزلت إلي من


1 - ضمير التثنية للعقل والشرع (ش). 2 - مأخوذ من النهج خ 158 أولها " أمره قضاء " والدنيا المذمومة هي أن يكون الغاية والغرض والشئ = (*)

[ 232 ]

خير فقير " وما سأله إلا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض حتى كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه (1)، وإلى حال داود (عليه السلام) فإنه كان يعمل سفايف الخوص بيده ويقول لجلسائه أيكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشعير من ثمنها، وإلى حال عيسى ابن مريم (عليهم السلام) فإنه يتوسد الحجر ويلبس الخشن وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاكهته ما تنبت الأرض للبهايم، ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله، دابته رجلاه، وخادمه يداه. وإلى حال نبيك الأطيب الأطهر (صلى الله عليه وآله) وفيه اسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى وأحب الأعمال إلى الله تعالى التأسي به والاقتفاء لأثره فإنه قضم الدنيا قضما ولم يعرها طرفا (2) وأهضم أهل الدنيا كشحا، وأخمصهم بطنا، وعرضت عليه الدنيا وخزاينها فأبى أن يقبلها، وقد كان (صلى الله عليه وآله) يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري ويردف خلفه، ويكون الستر على باب بعض زوجاته ويكون فيه التصاوير فيقول: لها غيبيه عني فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه وأحب أن تغيب زينتها عن عينه لكي لا يتخذ منها رياشا وتجملا (3) ولا يعتقدها قرارا ولا يرجو فيها مقاما، فأخرجها عن النفس، وأشخصها عن القلب وغيبها عن البصر وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده، وقد كان فيه (صلى الله عليه وآله) ما يدلك على مساوي الدنيا وعيوبها إذ جاع فيها مع خاصته وزويت عنها زخارفها مع عظيم زلفته، فانظر بنور عقلك أكرمه الله تعالى بذلك أم أهانه، فإن قلت: أهانه فقد كذبت وأتيت بالإفك العظيم، وإن قلت: أكرمه فالعلم أنه تعالى قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه. وإلى حال وصي نبيك أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنه


= المطلوب لذاته فإنه اصل كل خطيئة ورأس كل معصية فإن الإنسان لا يرتكب معصية م‍ المعاصي من اكبر كبائرها كالظلم والقتل إلى أصغر صغائرها إلا لأن الدنيا مطلوبة عنده لذاته ولو عقل أن في الوجود عالما آخر روحانيا باقيا ببقاء الله وأن الإنسان من ذلك العالم ويرجع إليه البتة وأن اللذة فيه أضعاف ألذ اللذات التي يحصل له ههنا وأن الآلام هناك أضعاف أشد الآلام كالنار الدنيوية لم ينظر إلى الدنيا وزخارفها ولم يلتفت إلى لذاتها ولا يأسف على فوات شئ منها ولا يرتكب معصية توجب لذة عاجلة فانية وآلاما آجلة باقية (ش). 1 - شف الثوب أي رق، والصفاق الجلد الاسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، وقيل جلد البطن كله. 2 - الطرف نظر العين اي لم يعطها نظرة على وجه العارية فكيف بان يجعلها مطمح نظره. والهضم محركة انضمام الجنبين وخمص البطن. وطوى عنه كشحا أي أعرض عنه وقاطعه. والكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع. 3 - الرياش اللباس الفاخر. (*)

[ 233 ]

قال: رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها ؟ فقلت: أعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى. قوله (عليه السلام): " فعند الصباح - إلى آخره -) مثل يضرب محتمل المشقة ليصل إلى الراحة وأصله أن القوم يسيرون بالليل فيحمدون عاقبة ذلك لقرب المنزل إذا أصبحوا ومطابقة الصباح لمفارقة النفس البدن أو لاعراضها واتصالها بالعالم الأعلى بسبب تلك الرياضة الكاملة والزهد عن الدنيا وإشراق أنوار العالم العلوي عليها التي عندها يحمد عواقب الصبر على مكاره الدنيا وترك لذاتها ومعاناة الزهد عنها مطابقة ظاهرة واقعة موقعها، وقد روي أنه سئل (عليه السلام) " لم رقعت قميصك ؟ فقال: يخشع لها القلب ويقتدي بي المؤمنون " (1) ومما نقل في زهده (عليه السلام) ما رواه أحمد في مسنده (2) عن أبي الثور بالكوفة قال: جاءني علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى السوق ومعه غلام له وهو خليفة فاشترى مني قميصين وقال لغلامه اختر أيهما شئت فأخذ علي (عليه السلام) الآخر ثم لبسه ومد يده فوجد كمه فاضلا فقال أقطع الفاضل فقطعته ثم كفه وذهب. وقريب من هذا موجود في روايات أصحابنا رضوان الله عليهم فتأس بهم واقتف أثرهم ولج مولجهم لتأمن من الهلكة فإن الله سبحانه جعلهم أعلاما للعباد واطلعهم على قبايح الدنيا وأحوال الآخرة. فإذا علمت معنى الزهد فقس عليه الرغبة التي ضده وهي الركون إلى الدنيا والميل إلى أسبابها المانعة من خلوص ذكر الله ومشاهدة أحوال الآخرة، وقال بعض العارفين الرغبة في الدنيا تجر إلى مساوي الأخلاق وارتكاب المنكرات الحاجبة للمروءات إذ الغريق في بحر الدنيا قلما ينفك عن الكبر والفخر والخيلاء والظلم وسوء الخلق واستصغار النعم وكفرانها إلى غير ذلك من الصفات الرذيلة المهلكة، ولو فرض خلوه عن جميع تلك الصفات واتصافه بجميع الصفات الحميدة كما يفرض المحال والممتنع لكان في غاية الخطر من مزلة القدم في كل حركة وتصرف بخلاف أهل القشف الذين اقتصروا من الدنيا على مقدار الضرورة والله ولي التوفيق. (والرفق وضده الخرق) قال سيد الحكماء: الخرق باخلاء المعجمة والقاف من حاشيتي الراء بالتحريك مصدر الأخرق وهو ضد الرفق، وقد خرق يخرق خرقا والاسم الخرق بالضم. أقول: هذا هو المستفاد من الصحاح حيث قال الخرق بالتحريك الدهش من الخوف أو الحياء والخرق أيضا مصدر الأخرق وهو ضد الرفق وقد خرق بالكسر يخرق خرقا والاسم الخرق وأما


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 103. 2 - ما عثرت عليه في المسند لعله رواه في الفضائل ورواه أبو نعيم في الحلية ونقل عنه علي بن عيسى الاربلي في كشف الغمة أبواب زهده وورعه (عليه السلام). (*)

[ 234 ]

المستفاد من المغرب حيث قال: الخرق بالضم خلاف الرفق ورجل أخرق أي احمق وامرأة خرقاء، ومن النهاية الأثيرية حيث قال: فيه - يعني في الحديث - الرفق يمن والخرق شؤم الخرق بالضم الجهل والحمق وقد خرق يخرق خرقا فهو أخرق والاسم الخرق بالضم أن ضد الرفق هو الخرق بالضم والمستفاد من القاموس جواز الأمرين أعني التحريك والضم فيه حيث قال: والخرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق وأن لا يحسن الرجل العمل والتصرف في الامور، إذا عرفت هذا فنقول: الرفق اللين والتلطف والخرق العنف والعجلة والخشونة وترك التلطف، لأن هذه الامور من آثار الحمق والجهل ومن الرفق رفق الرجل بصديقه وعدوه لأن ذلك يوجب ازدياد الصداقة ورفع العداوة ومنه قوله رفقه لجلسائه بالمساواة بينهم في اللحظة والنظرة والإشارة والتحية والتكلم كيلا يورث العداوة بينهم ومنه رفق الأمير برعيته لأنه أدخل لجلب قلوبهم وانقياد هم لحكمه وإطاعتهم لأمره ونهيه كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لبعض عما له: " واخفض للرعية جناحك وألن لهم جانبك " (1) وفي الخبر (إن أفضل العباد عند الله منزلة يوم القيامة إمام عادل رفيق، وإن شر الناس منزلة يوم القيامة إمام جائر خرق " (2) وفيه " أن الرفق لا يوضع في شئ إلا زانه ولا نزع من شئ إلا شانه " (3) ثم الرفق إنما يكون من جنود العقل إذا علم أنه أصلح وأصوب عن الخرق وإلا فالرفق حينئذ خرق كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا " (4) يعني إذا كان الرفق في أمر غير نافع فعليك بالخرق وهو العنف والعجلة وإذا كان الخرق غير نافع فعليك بالرفق، والمراد به الحث على استعمال كل واحد منهما في موضعه كما هو شأن العاقل الحكيم فإن الرفق إذا استعمل في غير موضعه كان خرقا والخرق إذا استعمل في غير موضعه كان رفقا وقريب من هذا المعنى قوله (عليه السلام) " ربما كان الداء دواء والدواء داء " (5) قوله (عليه السلام) " وارفق ما كان الرفق أرفق " (6) يعني أصلح وأصوب واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك يعني إلا الشدة وقوله (عليه السلام) " ردوا الحجر من حيث جاء فإن الشر لا يدفعه إلا الشر " (7) فقد رخص (عليه السلام) لمن أراده الغير بالضرب والرمي والقتل أن يدافعه بمثل ذلك إذا علم أن لادفع إلا به فإن ذلك جائز حسن


1 - النهج أبواب الكتب من كتال له (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكر. 2 - ما عثرت على لفظه نعم أخرج أحمد في مسنده ج 3 ص 22 و 55 والترمذي في سننه ج 6 ص 70 من حديث أبي سعيد الخدري " ان أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر ". 3 - أخرجه مسلم في الصحيح ج 8 ص 22 من حديث عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله). 4 - و (5) النهج من كتاب له (عليه السلام) إلى ابنه الحسن (عليه السلام) تحت رقم 31. 6 - النهج أبواب الكتب والرسائل تحت رقم 46. 7 - النهج أبواب الحكم والمواعظ تحت رقم 314. (*)

[ 235 ]

عقلا ونقلا فإن أدى إلى هلاك الظالم فلا شئ على الدافع إذا لم يتعد. (والرهبة وضدها الجرأة) الرهبة وهي الخوف على ثلاثة أضرب خوف من الحق وخوف من الخلق وخوف من النفس كل ذلك من ثمرة الحكمة والعلم بالله وآياته وصفاته ومخاطرات النفس وتسويلاتها ومحاسن امور الدنيا والآخرة ومقابحها ومضار أخلاق الخلائق ومنافعها أما الخوف من الحق فيورث القرب منه كما ورد في الخبر " إذا اقشعر جسد العبد من خشية الله تعالى تتحات عنه ذنوبه كما يتحات من الشجرة ورقها " (1) ومن البين أن ذلك يوجب القرب منه وأما الخوف من الخلق فيورث البعد عنهم كما ورد في الخبر " خالط الناس تخبرهم ومتى تخبرهم تقلهم " ومن البين أن من يخاف لصا أو سبعا يفر منه، وأما الخوف من النفس فيورث تهذيبها لأن العبد إذا خاف منها يحارسها في جميع حركاتها وسكناتها فيدفع عنها سنان مكرها وسيف مخادعتها، وذلك يوجب تهذيب الظاهر والباطن. ومن ثم قال بعض أهل العرفان: الخوف نار تحرق الوساوس والهواجس في القلب والظاهر المتبادر هنا هو الخوف من الله تعالى وهو قد يكون لامور مكروهة لذاتها وقد يكون لأمور مكروهة لإدائها إلى ما هو مكروه لذاته، والثاني له أقسام كثيرة كخوف الموت قبل التوبة أو خوف نقض التوبة أو خوف عدم قبولها، أو خوف الانحراف عن الفضل في عبادة الله تعالى أو خوف ابتلاء القوة الغضبية أو القوة الشهوية بحسب مجرى العادة في ارتكاب الانتقام واستعمال الشهوات المألوفة أو خوف سوء الخاتمة أو خوف الشقاوة في العلم الأزلي وأعلى هذه الأقسام بحسب الرتبة عند الخائفين خوف الخاتمة فإن الأمر فيها خطير بل أعلاها وأدلها على كمال المعرفة خوف الشقاوة السابقة في العلم الأزلي لكون الخاتمة تابعة لها ومظهرة لما سبق في اللوح المحفوظ وقد مثل من له خوف السابقة ومن له خوف الخاتمة برجلين وقع لهما ملك بتوقيع يحتمل أن يكون لهما فيه عناء أو هلاك فيتعلق قلب أحدهما بحال نشر التوقيع وما يظهر فيه من خير أو شر ويتعلق قلب الآخر بما حضر للملك حال التوقيع وما ظهر له من رحمة أو غضب وهذا التفات إلى السبب فكان أولى وأعلى فكذلك الالتفات إلى القضاء الأزلي الذي جرى بتوقيعه القلم الأزلي في اللوح المحفوظ أعلى من الالتفات إلى الأبد وإليه يشير ما في الحديث " السعيد سعيد في بطن امه والشقي شقي في بطن امه " (2) ومن طرق العامة " السعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله " (3) وكذا


1 - أخرجه الطبراني من حديث العباس بن عبد المطلب بسند ضعيف كما في الجامع الصغير. 2 - رواه الصدوق في كتاب التوحيد. 3 - ويجب أن يكون ذلك بحيث لا يوجب الجبر فإن ذلك يوجب اليأس واليأس يجرئ على المعصية (ش)

[ 236 ]

للأول أقسام كثيرة كالخوف من سكرات الموت وشدايده أو من سؤال منكر ونكير أو من عذاب القبر أو من أهوال الموقف بين يدي الله عز وجل أو من كشف الستر أو من السؤال عن النقير والقطمير أو من الصراط وحدته وكيفية العبور عليه أو من النار وأغلالها وسلاسلها أو من حرمان الجنة أو من نقصان الدرجات فيها أو من الحجاب من الله سبحانه، وكل هذه الامور مكروهة لذاتها ويختلف حال السالكين إلى الله فيها وأعلاها رتبة وهو الأخير أعني خوف الفراق والحجاب وهو خوف العارفين الناظرين لأنوار عظمته وجلاله، الغائصين في بحار لطفه وفضله وكماله، الذين أضاءت ساحة قلوبهم بمصباح الهداية الربانية وأشرقت مرآة ضمائرهم بأنوار المعارف الإلهية كما قال الله سبحانه * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * وأما ما قبله فهو خوف العابدين والصالحين والزاهدين ومن لم يكمل معرفته بعد وإذا عرفت الخوف ودرجاته فقس عليه ضده وهو الجرأة ودرجاتها لأن ضد كل درجة من الخوف درجة من الجرأة والأول من أعوان العقل وجنوده، والثاني من أعوان الجهل وجنوده فإذا وقع المطاردة بينهما في ساحة القلوب وميدان الأبدان واستظهر الجهل بالجرأة استظهر العقل بالخوف فيغلبه ويهزمه باذن الله تعالى ألا إن حزب الله هم الغالبون. لا يقال: المعروف في مقابل الرهبة أعني الخوف هو الرجاء دون الجرأة لأن الرجاء ليس ضدا حقيقيتا للخوف ولا الخوف ضدا حقيقيا للرجاء لأنهما قد يجتمعان في قلب المؤمن بل افتراق أحدهما عن الآخر مذموم واجتماعهما ممدوح كما يدل عليه قوله تعالى في وصف العابدين * (ويدعوننا رغبا ورهبا) * وإنما الضد الحقيقي للرهبة هو الجرأة والضد الحقيقي للرجاء هو القنوط كما مر لعدم إمكان اجتماعهما في قلب واحد. (والتواضع وضده الكبر) من أعاظم جنود العقل ومكارم الأخلاق الانسانية ومحاسن الأوصاف النفسانية التي يرتقي بها الإنسان إلى أعلى مدارج القرب والكمال ويصعد إلى أقصى معارج العز والجلال التواضع لله ولعباده المؤمنين كما أن من أفاخم جنود الجهل ومساوي الأخلاق ومذام الأوصاف التي يبعد بها الإنسان عن قرب رب العالمين ولا ينتهي قهقراه إلا إلى أسفل السافلين التكبر على الله وعلى عباده المسلمين ولكل واحد من المتواضع والمتكبر وتعزز وتذلل والتعزز للمتواضع من عند الله تعالى والتذلل من عند نفسه، وللمتكبر بالعكس ولا بد هنا من التكلم أولا في حقيقتهما وثانيا فيما هو سبب لحصول تلك الحقيقة، وثالثا فيما يلزمها ورابعا في المدايح والمذام الواردة فيهما أما حقيقة التواضع فهي هيئة نفسانية تحصل من تصور الإنسان نفسه أذل من


= والخبر رواه الطبراني في مسنده الصغير بسند صحيح عن أبي هريرة. (*)

[ 237 ]

غيره وأخس رتبة منه، ثم الاذعان به إذعانا جازما لا يشوبه شئ من الشكوك والأوهام. وأما أسبابه فهي معرفة عظمة الله وجلاله وكبريائه وقهره وغلبته على جميع الممكنات ومعرفة نفسه وشدة احتياجه وكمال افتقاره إليه في جميع الأحوال ويكفي في حصول تلك المعرفة التأمل في قوله تعالى: * (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم انكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون، ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين) * فإنه إذا تفكر فيه علم أنه كان في الأصل عدما صرفا ولم يكن له في الوجود خبر ولا في العين أثر ولم يكن شيئا مذكورا، ثم خلقه الله سبحانه من أكثف الأشياء وهو التراب ثم من أخبثها وهو النطفة كما كان في الكتاب مسطورا، ثم بد له من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، ومن نشأة إلى نشأة حتى جعله ذا صورة محصلة وقوة ناطقة وروح باصرة وآلات سامعة ولامسة إلى غير ذلك مما له دخل في استكمال تلك الصورة ثم نقله من رحم الام إلى رحم الدنيا ورباه صغيرا وكبيرا وجعله سقيما وصحيحا وغنيا وفقيرا وقويا وضعيفا إلى غير ذلك من الأحوالات المتبادلة والصفات المتضادة التي هي خارجة عن قدرة البشر، ثم يميته ويقبره ويصيره جيفة منتنة، يهرب منه الحيوان، ويتنفر منه أوثق الإخوان، فتبلى أعضاؤه وتتفرق أجزاؤه حتى يصير ترابا كما كان أول امره ثم إذا شاء أنشره فيقوم من مرقده ناظرا إلى أحوال موحشة وأرض مبدلة ونجوم منكدرة وشمس منكسفة وحبال سايرة وكتب طايرة وصراط وميزان وحساب وملائكة غلاظ شداد إلى غير ذلك من أحوال القيامة وعقباتها وعقوباتها التي يطير من هولها قلوب العارفين وإذا عرف هذه الامور حق المعرفة علم أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وأنه مضطر ذليل عبد مملوك لا يقدر على شئ وأنه متلبس بالعجز والانكسار ومتصف بالمسكنة والافتقار وأنه بعيد عن الاتصاف بالبطر والكبرياء والفخر والخيلاء لعمله بأن الكبرياء لا يليق إلا بذاته تعالى لأن الكبرياء تابع لكمال الذات وكمال صفاتها وأفعالها وجميع ذلك حاصل له تعالى أما الأول فلأن كمال الذات عبارة عن كمال وجودها ووجوده تعالى أتم الوجودات وأشرفها لاقتضاء الذات إياه وأما الثاني، فلأن جميع صفاته حاصلة له بالفعل بحيث لا يكون له وصف منتظر أزلا وأبدا، وأما الثالث فلأنه يصدر عنه تعالى وجود كل موجود عداه بلا مشقة ولا حركة ولا آلة فأذن علم أن المستحق للعظمة والكبرياء ليس إلا هو وهذا معنى التواضع وحقيقته وأما لوازمها فهي كثيرة جدا لأن تلك الحقيقة إذ انبعث من القلب وجرى في جداول الأعضاء والجوارح رشحاتها تنبت منها أنواع أشجار الفضائل منها العبادات القلبية

[ 238 ]

والبدنية كالذكر والصوم والصلاة ونحوها ومنها مجالسة الفقراء ومحبتهم ومؤاكلتهم وتقديمهم في الطرق والمجالس ومنها لين القول وحسن المعاشرة والرفق بذوي الحاجات، ومنها الشكر عند حدوث النعمة ودفع النقمة، ومنها الابتداء بالسلام وترك المراء. وأما المدايح الواردة فيه فهي كثيرة في القرآن والسنة كقوله تعالى لسيد المرسلين وأشرف الأولين والآخرين: * (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) * وقوله تعالى: * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) * وقول النبي (صلى الله عليه وآله): " إن التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضعوا يرفعكم الله " (1) وأما حقيقة الكبر فهي هيئة نفسانية تنشأ من تصور الإنسان نفسه أكمل من غيره وأعلى رتبة منه، وتلك الهيئة تعود إلى ما يحصل للنفس من ذلك تصور، من النفخ والهزة والتعزز والتعظم والركون إلى ما يتصوره من كمالها وشرفها على الغير ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " أعوذ بك من نفخة الكبر " (2) وهي رذيلة تحت الفجور تقابل التواضع وإن تصور الإنسان فضيلته على الغير مع قطع النظر عن قياس نفسه إلى متكبر عليه وعن إضافة تلك الفضيلة إلى الله تعالى باعتبار أنها منه ولم يكن خايفا من زوالها بل كان ساكنا إليها مطمئنا فذلك هو العجب فإذن العجب هيئة نفسانية تنشؤ عن تصور الإنسان فضله واستقطاعه عن المنعم به والركون إليه والفرح به مع الغفلة عن قياس نفسه إلى الغير بكونه أفضل منه، وبهذا القيد يمتاز عن الكبر إذ لابد في الكبر أن يرى الإنسان لنفسه مرتبة وللغير مرتبة ثم يرى مرتبته فوق مرتبة غيره وإن تصور فضيلته على الغير وأضافها إلى الله سبحانه باعتبار أنها منه فهو نوع من الحمد كما يدل عليه قوله تعالى * (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) * وأما أسباب الكبر فهي أضداد أسباب التواضع أعني عدم العلم بعظمة الله تعالى وجلاله وكبريائه وقهره على جميع الممكنات، وعدم معرفة نفسه وشدة احتياجه وافتقاره إليه سبحانه في جميع الأحوال، ولست أعني بعدم العلم بهذه الامور عدم تصورها والغفلة عنها بالمرة فإن كثيرا من الجبابرة والمتكبرين ينسبون أنفسهم إلى العلم بها، بل أعني عدم استقراره وتمكنه في قلوبهم وعدم لصوقه بها كعدم لصوق الماء بريش الأوز والبط.


1 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب التواضع تحت رقم 1. 2 - ما عثرت على اصل له الاعلى ما اخرجه ابن ماجه في كتاب (اقامة الصلاة باب الاستعاذة في الصلاة) رقم 807 في حديث: " اللهم اني اعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه " وقال عمرو: همزه الموتة، ونفثه الشعر، ونفخه الكبر، انتهى، والموتة نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال العقل كالسكران. (*)

[ 239 ]

وأما لوازمه وآفاته وثمراته من الأعمال والتروك فهي أيضا كثيرة جدا فإن هذا الخلق الاجاج إذا نبع في القلب وجرى في الأعضاء والجوارح ينبت منها أعمال ردية وتروك مردية. أما الأعمال فمنها باطنة كتحقير الغير وازدرائه واعتقاد أنه لا يصلح للمجالسة والمجانسة والمؤانسة والمؤاكلة واعتقاد أنه ينبغي أن يكون ماثلا بين يديه أو ماشيا من خلفه إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة الموجبة لاستخفاف الغير، ومنها ظاهرة كالتقدم عليه في الطرق والارتفاع عليه في المجالس وإبعاده عن مجالسته وزجره عن مؤاكلته والعنف عن رد قوله والغلظة على المتعلمين وذوي الحاجات وإذلالهم وغيبتهم والتطاول عليهم في القول، وأما التروك فكترك التواضع وترك معاشرة الفقراء وترك الرفق بالناس ونحوها وأما المذام الواردة فيه فهي أيضا كثيرة من القرآن والسنة كقوله تعالى: * (يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) * وقوله (صلى الله عليه وآله) " يقول الله عز وجل الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في جهنم " (1) وقول الباقر والصادق (عليهما السلام) " لا يدخل الجنة من في قلبه مثال ذره من كبر " (2) قيل وإنما صار الكبر حجابا من دخول الجنة لأنه يحول بين العبد والفضائل التي هي أبواب الجنة إذ الكبر يغلق تلك الأبواب كلها فلا يقدر العبد ومعه شئ من الكبر أن يحب للمؤمن ما يحب لنفسه ولا يتمكن من ترك الرذايل التي توجب الدخول في النار وفعل أضدادها من الفضائل كالتواضع وكظم الغيظ وحب الفقراء والمساكين وحب معاشرتهم ومجالستهم وقبول الحق والرفق. وبالجملة ما من خلق ذميم إلا وصاحب العز والكبر مضطر إليه ليحفظ به عزه وعظمته وما من خلق فاضل إلا وهو عاجز عنه خوفا عن أن يفوته عزه وعظمته لأن الأخلاق الذميمة علة مسرية (3) يستلزم بعضها بعضا فلذلك لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر. (والتؤدة وضده التسرع) التؤدة بضم التاء وفتح الهمزة وسكونها الرزانة والتأني والتثبت في


1 - أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4174، ورواه صاحب الكافي كتاب الايمان والكفر تحت رقم 3 و 4 باختلاف في اللفظ من حديث أبي جعفر (عليه السلام). 2 - الكافي باب الكبر تحت رقم 5، ورواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ج 1 ص 65. 3 - يعني علة سارية كالوباء أو مسرية لغيرها كالسل يستلزم الحمى، فإن قيل بعض أهل التكبر وطالبي الجاه والعزة يتكلفون فضائل ليحسن سمعتهم فيتواضعون ويبذلون الأموال ويرفقون بالناس ويتظاهرون بأكثر الفضائل كمعاوية. قلنا إنما الاعمال بالنيات والذي يبذل المال لحفظ الجاه لا يضع إحسانه موضع الاحسان بل يبذل للشعراء والفساق حتى يمدحوهم بما ليس فيهم ولمن يروج أمرهم ويصفهم في المجالس بالصفات الحسنة كالعلم والتقوى ويمنعون من لا يتقرب إليهم وإن كانوا أحوج وأحق وليس هذا البذل من الفضائل المأمور بها في الشرع وكذلك التواضع والتحالم وغيرها (ش). (*)

[ 240 ]

الأمر وقد اتأد فيه ويؤد أي يتأنى ويتثبت وهو افتعل ويفعل والتاء في اتاد بدل من الواو والتؤدة صفة تابعة للسكون والحلم واللذين هما من أنواع الاعتدال في القوة الغضبية فإن حصولها يتوقف عليهما أما على السكون فلأنه عبارة عن ثقل النفس وعدم خفتها في الخصومات وأما على الحلم فلأنه عبارة عن الطمأنينة الحاصلة للنفس باعتبار ثقلها وعدم خفتها بحيث لا يحركها الغضب بسرعة وسهولة وإذا حصلت للنفس هاتان الصفتان أمكن لها التثبت والتأني وعدم العجلة في البطش والضرب والشتم إلى غير ذلك من أنحاء المؤاخذة وضد التؤدة التسرع بالسين المهملة في النسخ التي رأيناها، وقال سيد الحكماء عضدها التترع بتائين مثناتين من فوق وتشديد الراء قال في الصحاح: تترع إليه بالشر أي تسرع وهو رجل ترع أي سريع إلى الشر والغضب انتهى. والتسرع - يعني العجلة في الامور وعدم التأني في الأخذ - من فروع التهور الذي في جانب الإفراط من القوة الغضبية ومنشؤه الجهل بحسن السياسة وخفة النفس المقتضية لحركتها واضطرابها بأدنى سبب. (والحلم وضده السفه) الحلم هيئة حاصلة للنفس من اعتدال القوة الغضبية المسماة بالنفس السبعية التي من شأنها الاقدام على الأهوال وشوق التسلط والترفع والغلبة على الأقران، واعتدال تلك القوة إنما يحصل بانقيادها للعقل فيما عده حظا ونصيبا لها، وعدم تجاوزها عن حكمه، ويعتبر في حصول تلك الهيئة عدم انفعال النفس عن الواردات المكروهة المؤذية هذا في حق الإنسان وأما في حق الله سبحانه فالحلم عبارة عن عدم انفعاله عن مخالفة عبيده لأوامره ونواهيه وعدم استفزاز الغضب له عند مشاهدة المنكرات. وعدم حمل قدرته الكاملة له على المسارعة إلى الانتقام والفرق بينه تعالى وبين العبد في هذا الوصف إن سلب الانفعال عنه تعالى سلب مطلق وسلبه عن العبد سلب عما من شأنه أن يكون له ذلك الانفعال ويكون عدم الانفعال عنه تعالى أتم وأبلغ من عدمه عن العبد وبذلك الاعتبار يكون حلمه أعظم، ثم للحلم آثار غير محصورة منها كبر النفس ويعرف ذلك بتحملها للأمور الغير الملايمة لها، ومنها نجدتها ويعرف ذلك بعدم صدور حركات غير منظمة منها، ومنها علو همتها ويعرف ذلك بعدم جزعها عند الامور الهائلة حتى لا يبالي من أهوال الموت وشدايده، ومنها سكونها ويعرف ذلك بعدم طيشها في المؤاخذة، ومنها تواضعها ويعرف ذلك بالتخشع والتذلل للغير وعدم إظهار مزيتها عليه، ومنها حميتها ويعرف ذلك بعدم تهاونها في محافظة ما يجب حفظه شرعا وعقلا، ومنها رقتها ويعرف ذلك بظهور تألمها عند تألم أحد من المؤمنين وكذا له منافع غير معدودة في الدنيا والآخرة أما في الآخرة فيكفي في الدلالة ما روي " أن الرجل ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم " (1) وأما في الدنيا فيكفي قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " الحلم


1 - رواه ابن حبان في كتاب الثواب. (*)

[ 241 ]

عشيرة " (1) يعني أن الرجل كما يتمتع بالعشيرة يتمتع بالحلم ويتوقر لأجله، ومن ثم قيل الحلم اكتساب المدح من الملوك والثناء من المملوك. والسفه الذي ضده وطرف الافراط من القوة المذكورة عبارة عن خفة النفس وحركتها إلى ما لا يليق من الامور التي يقتضيها طغيان تلك القوة مثل الضرب والقتل والشتم والبطش والترفع والتسلط والغلبة والظلم ومفاسده كثيرة وقد يطلق السفه على الجهل وسخافة رأي ونقصان عقل منه قوله تعالى حكاية عن الكفار * (أنؤمن كما آمن السفهاء) * وهذا المعنى ليس بمراد هنا لأنه ضد العلم والحكمة التابعين لحركة القوة الناطقة بالاعتدال في العلوم والمعارف. (والصمت وضده الهذر) صمت صمتا وصموتا وصماتا أطال السكوت، ومنه الصامت خلاف الناطق. وهذر في نطقه يهذر هذرا والاسم الهذر بالتحريك وهو الهذيان، والهذر من خواص الجاهلين وأفعال الناقصين كما أن الصمت عما يضر وما لا يهم من خصال المرسلين وآداب العاقلين وأخلاق الكاملين ومنافعه كثيرة جدا فإنه يورث القلب فكرا في المعارف العقلية والنقلية ويزينه بالحكمة النظرية والعملية لأن الصمت دليل التفكر وقائد الحكمة ويورث السلامة عن الآفات والمعاصي لأن آفات الكلام ومعاصي اللسان كثيرة، فعن معاذ بن جبل قال: قلت: يا رسول الله أنؤاخذ بما نقول ؟ فقال: ثكلتك أمك وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصايد ألسنتهم " (2) ويورث الهيبة لصاحبه فإن من رآه يخيل إليه أن لها شأنا فيهيب منه ويوقره بخلاف النطق بما لا يعني فإنه يهين مكارم العاقل ويبدي مساوي الجاهل ويصغرها في أعين الناس كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " بكثرة الصمت تكون الهيبة " (3) وقال " المرء مخبوء تحت لسانه " (4) يعني أن الرجل إذا تكلم يظهر كونه فصيحا أو معجما، عالما أو جاهلا، خيرا أو شرا، وإن لم ينطق كان جيمع ذلك مستورا عليه عند العامة ثم الظاهر أن السكوت عما يشعر بفساد الرأي وقبح العقائد من شعب الاعتدال في القوة الفكرية وعما يشعر بالهتك والترفع والغلبة والذم في أعراض الناس من شعب الاعتدال في القوة الغضبية وعما يشعر بالميل إلى المستلذات والمشتهيات من شعب الاعتدال في القوة الشهوية والهذر المقابل له من شعب الانحراف في هذه القوى.


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 418. 2 - أخرجه ابن ماجة تحت رقم 3973 في حديث طويل من حديث معاذ وقوله (صلى الله عليه وآله) " يكب " من كبه، إذا صرعه. " حصائد السنتهم " أي محصوداتهم، على تشبيه ما يتكلم به الانسان بالزرع المحصود بالمنجل فكما أن المنجل يقطعه من غير تمييز بين رطب ويابس وجيد وردي كذلك المكثار في الكلام بكل فن من الكلام من غير تمييز بين ما يحسن وما يقبح. 3 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 224. 4 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 147. (*)

[ 242 ]

(والاستسلام وضده الاستكبار) الظاهر أن الاستسلام وهو الطاعة والانقياد على سبيل المبالغة في متابعة الحق من فروع الحكمة الواقعة في حاق الوسط من القوة الناطقة، ويحتمل أن يكون من فروع العدالة الحاصلة من توسط هذه القوة والقوة الغضبية والشهوية جميعا لأن الاستسلام كما يكون في مقتضى القوة الناطقة كذلك يكون في مقتضى هاتين القوتين، والاستكبار وهو التمرد عن الحق وترك الطاعة والانقياد له من فروع الجهل المقابل للحكمة أو من فروع الجور المقابل للعدالة، والفرق بينه وبين الكبر أن الكبر كما ذكرناه هيئة نفسانية ناشية من تصور الإنسان نفسه أكمل وأشرف من غيره، والاستكبار عبارة عن إظهار تلك الهيئة فهو كبر مع زيادة كما يدل عليه زيادة البناء. (والتسليم وضده الشك) التسليم بذل الرضا بقبول قول الله تعالى وفعله وقول الرسول وأوصيائه وأفعالهم (عليهم السلام) وتلقيها بالبشر وطلاقة الوجه وإن لم يكن موافقا للطبع ولم يعلم وجه المصلحة وهو من فروع العدالة وعلامة الإيمان قال الصادق (عليه السلام): لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكوة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان. ثم قالوا لشئ صنعه الله أو صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألا صنع خلاف الذي صنع أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين (1) ثم تلا هذه الآية: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * (2) والشك هو عدم قبول ما ذكر وسماه شكا لأنه من آثار الشك في الله وصفاته وفي الرسول وأوصيائه وأقوالهم وأفعالهم، وقيل: المراد بالتسليم هنا الإذعان والتصديق القلبي وفيه أن التسليم بهذا المعنى هو العلم وقد مر ذكره سابقا وعلى ما ذكرنا لا قصور فيه أصلا لأن هنا ثلاثة أشياء مترتبة الأول العلم بصدق قول الله


1 - فإن من يعتقد عصمة الرسول (صلى الله عليه وآله) من الخطأ والغلط لا يشك في صحة أفعاله وأقواله ولا يرجح فعلا آخر على فعله ولا قولا على قوله وأما إن لم يعتقد عصمته عن الخطأ فلا يبعد أن يرجح فعل غيره على فعله، وإنكار العصمة مساوق لإنكار النبوة وإنكار النبوة شعبة من الشرك. فإن قيل فكيف عبدوا الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة مع عدم اعتقادهم عصمة الرسول (صلى الله عليه وآله) عن الخطأ في فهم الوحي وتبليغه والالتزام بأن النبي لا يخطئ في شئ ويخطئ في آخر بشيع فظيع قلنا بعض الناس لغلبة الاوهام على عقولهم يعتقدون شيئا وينكرون لوازمه بل ينكرون عين ذلك الشئ إذا اتى به بلفظ آخر كما قيل لبعض الخلفاء: يموت جميع اقربائك فساءه، فقيل عمرك أطول منهم فسره. ويقال لأهل الظاهر: سمع الله وبصره بمعنى علمه بالمبصرات والمسموعات كعلمه بالمذوقات والمشمومات فيقبلون ويستحسنون وإن قيل لهم لا علم له تعالى بالجزئيات إلا بوجه كلي فيستنكرون وكلاهما بمعنى واحد وكلاهما غير صحيح (ش). 2 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب الشرك تحت رقم 6. (*)

[ 243 ]

وقول الرسول، الثاني ما ينشؤ من هذا العلم وهو الرضا بقولهما، الثالث ما ينشؤ من الرضا وهو قبول قولهما. (والصبر وضده الجزع) الإنسان ما دام في هذه النشأة كان موردا للمصايب والآفات ومحلا للنوائب والعاهات ومكلفا بفعل الطاعات وترك المنهيات والمشتهيات وكل ذلك ثقيل على النفس بشع في مذاقها وهي تتنفر منه نفارا وتتباعد منه فرارا فلابد من أن يكون فيه قوة ثابتة وملكة راسخة بها يقدر على حبس النفس على هذه الامور الشاقة والوقوف معها بحسن الأدب وعدم الاعتراض على المقدر بإظهار الشكوى وتلك القوة أو ما يترتب عليها أعني حبس النفس على تلك الامور ومقاومتها لهواها هي المسماة بالصبر وهو نوع من أنواع العفة وباب من أبواب الجنة ومقام عال من مقامات السالك إلى الله تعالى، وبناؤه على أربع قواعد الشوق والاشفاق والزهد والترقب للموت فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات وطيب نفسه عن ترك جميع المشتهيات، ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استخف بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات، والآيات والروايات الواردة في مدحه كثيرة جدا ويكفى في معرفة علو قدره قوله تعالى * (والله مع الصابرين) * وقوله تعالى: * (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) * والجزع وهو حمل النفس على الشكاية وفعل ما يدل على عدم رضاها بصنع الله تعالى وهو نقيض الصبر، وجند الجهل ومنشؤه عمى البصيرة وتكدر السريرة فيتوهم عند نزول البلاء أن الجزع والاضطراب ينفعه فيتمسك به ويتمسك العقل حينئذ بالصبر ويقع بينهما قتال وجدال ومعركة هذا القتال قلب العبد وساحته الجوارح، والله يؤيد بنصره من يشاء وهو على كل شئ قدير. (والصفح وضده الانتقام) صفح فلان عن فلان إذا أعرض عن ذنبه وعفى عن عقوبته وحقيقته ولاه صفحة وجهه وهو من فروع الحلم وشعب الاعتدال في القوة الغضبية وهو من صفات الأنبياء والأوصياء ومناقب الحكماء والعقلاء ومفاخر العلماء والكرماء إذ الحكيم يتغافل ويتدبر والعاقل يتسامح ويتفكر: والكريم يغفر إذا قدر وقد وقع الترغيب فيه في مواضع عديدة من القرآن والسنة قال الله تعالى: * (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) * وقال النبي (صلى الله عليه وآله) (من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا) (1) وفوائده غير محصورة منها أنه يوجب زيادة الأنصار والأعوان، ومنها أنه يوجب الذكر الجميل بين الإخوان والصيت الحسن في غابر الزمان كما قيل:


1 - أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب من حديث ابن عمر عنه (صلى الله عليه وآله) وفي الكافي كظم الغيظ من حديث أبي عبد الله الصادق (عليه السلام). (*)

[ 244 ]

فعفوك في الأيام كالمسك فايح * وصفحك في الإسلام كالنجم زاهر والانتقام - وهو المعاقبة بالذنوب والمآثم والمؤآخذة بالزلل والجرائم - من فروع التهور وشعب الانحراف في القوة المذكورة ومن خصايل الجهلاء ورذائل السفهاء ومنشؤه عدم سكون النفس وثباتها، فإن تلك القوة تحركها حينئذ بسهولة إلى الشغب وإرادة الانتقام ويحدث بحر كتهما حرارة في القلب فيثور دمه ويغلي وينتشر إلى الجوارح فتتحرك هذه الجوارح بعضها إلى الشتم وبعضها إلى الضرب وبعضها إلى غير ذلك من أنحاء المؤاخذة، ومضاره غير معدودة لأنه ينجر إلى استمرار العدوان وغلظتها واستيناف الخصومة وشدتها، وقد يؤدي إلى الظلم والعدوان ويبعث على الفجور والطغيان لتجاوزه عن القدر الجايز ولذلك كان الصفح أحسن من الانتقام هذا إذا علم أن الصفح لا يضره ولا يؤدي إلى جرأة الخصم وإلا فالانتقام بالقدر الجائز أحسن وعلى هذا يحمل قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " الشر يدفعه الشر " (1)، وقوله: " ردوا الحجر من حيث جاء " (2). (والغنى وضده الفقر) في القاموس الغنى كإلى ضد الفقر وإذا فتح مد والاسم الغنية بالضم والكسر والغنوة والغنيان مضمومتين، والغناء ككساء من الصوت ما طرب به وكسماء رمل، وهذه الفقرة يحتمل وجوها الأول الغنى والفقر الاخرويان وهو الذي أشار إليه (صلى الله عليه وآله) بقوله: " أتدرون ما المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ؟ فقال: إن المفلس من امتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه اخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار " (3) وهذا حقيقة الفقر، والافلاس وأما من ليس له مال ومن قل ماله فالناس يسمونه فقيرا ومفلسا وليس هو حقيقة الفقير والمفلس لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته وربما ينقطع بغنى ويسار يحصل له بعذ ذلك في حياته، بخلاف ذلك الفقير المفلس فانه يهلك بالهلاك الأبدي وأشار إليه سيد الوصيين بقوله: " الغنى والفقر بعد العرض على الله سبحانه " (4) الثاني غنى القلب بالأخلاق وفقره بعدمها وهذا قريب من قوله (عليه السلام): ليس البلية في أيامنا عجبا * إن السلامة فيها أعجب العجب ليس الجمال بأثواب تزينها * إن الجمال جمال العلم والأدب ليس اليتيم الذي قد مات والده * إن اليتيم يتيم العقل والحسب


1 - و (3) تقدما سابقا. 3 - روى نحوه مسلم واحمد في مسنده ج 2 ص 303 وغيره من حديث أبي هريرة راجع الترغيب والترهيب للمنذري ج 4 ص 405. 4 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 452. (*)

[ 245 ]

الثالث إظهار الغنى مع كمال المسكنة ورياضة النفس والقناعة بما قضى له والرضا بالموجود والصبر على المفقود والاعراض عن الدنيا والعقب والاقبال على المولى وقطع الآمال وترك القيل والقال كما يرشد إليه قوله تعالى: * (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا) * وإظهار الفقر والطمع مما في أيدي الناس وهذا قريب من قوله (صلى الله عليه وآله) حين قيل له: ما الغنى ؟ قال: " اليأس مما في أيدي الناس " (1) ومن قول بعض الأكابر: عليك باليأس من الناس * إن غنى نفسك في اليأس الرابع الغنى بالحق جل شأنه عما سواه من الأسباب والوسائل والفقر التمسك بما سواه والاستعانة به والغنى بهذه المعاني من جنود العقل وأعوانه إذ به يترقى العقل من حضيض المذلة إلى أوج الكمال في الإنسان كما أن الفقر الذي هو ضده من جنود الجهل وأنصاره إذ به يستولى الجهل على ممالك القلب بالجور والطغيان. (والتذكر وضده السهو) التذكر من أنواع العلم وفروع الاعتدال في القوة العاقلة والسهو من أنواع الجهل المقابل للعلم وفروع الانحراف في هذه القوة وهذه الفقرة أيضا يحتمل وجوها: الأول أن يكون المراد بالتذكر تذكر أحوال القيامة وعقباتها وشدائدها فإن من تذكرها ورآها بعين البصيرة يسعى في مرضات الرب ويأخذ عنان الطبيعة عن يد النفس الأمارة ويعد لنفسه ما ينجيه من الهلاك الأبدي. الثاني: تذكر الموت وسكراته وما يتبعه من أحوال البرزخ وكيفية النجاة وأسبابها. الثالث: تذكر الصور المخزونة في القوة الحافظة بعد زوالها عن القوة المدركة واستحضارها ثانيا. الرابع: الصور العقلية المخزونة في المبادي العالية بإقبال النفس إليها وارتباطها بها. الخامس: تذكر حالاته من بدء الوجود إلى كمال نشوئه وكيفية انتقاله من حال إلى حال وارتحاله من طور إلى طور وانقلابه من وضع إلى وضع على ما يقتضيه القدرة القاهرة. والسهو مقابل للتذكر بهذه المعاني وكون التذكر من جنود العقل والسهو من جنود الجهل ظاهر لأن التذكر من نوع من العلم والسهو نوع من الجهل فالأول يعين العقل في السير إلى الله، والثاني يعين الجهل في الميل إلى الضلالة. (والحفظ وضده النسيان) الحفظ أيضا من أنواع العلم والنسيان من أنواع الجهل المقابل للعلم، ولعل المراد بالأول حفظ الميثاق الذي أخذه الله تعالى من العباد حين كونهم في صورة الذر أو حفظ ما يجب حفظه مطلقا أو حفظ صور الحسية في خزانتها أو حفظ الصور العقلية بأن يحصل للذهن ملكة يشاهد بها تلك الصور من المبادي العالية من غير حاجة إلى تجشم كسب، والنسيان عبارة عن نبذ الميثاق والغفلة عنه بالمرة أو عن زوال صور ما وجب حفظه عن القوة المدركة أو زوال


1 - أخرجه أبو نعيم في الحلية والقضاعي في مسند الشهاب عن ابن مسعود. (*)

[ 246 ]

الصور الحسية عن الخزانة والقوة المدركة جميعا أو عن زوال الصورة العقلية بفقد ملكة المشاهدة. (والتعطف وضده القطيعة) العطف الميل ومنه عطفت عليه بمعنى أشفقت عليه ورحمته لأن في الإشفاق والرحمة ميلا وانعطافا إلى المرحوم، والعطاف الرداء وتعطفت بالعطاف أي ارتديته والمتعطف بأحد كأنه ضمه إلى نفسه بمنزلة الرداء، والقطيعة مصدر يقال: قطع رحمه قطعا وقطيعة فهو قطع كصرد وهمزة هجرها وعقها وبينهما رحم قطعها إذا لم توصل، والتعطف من أنواع العدالة وضده من أنواع الظلم وعليكم أيها الاخوان أن تكونوا إخوانا متعاطفين متباذلين متواصلين متآلفين بالنسبة إلى كل أحد من المسليمن وأن لا تفرقوا بين الغني والفقير والقوي والضعيف والكبير والصغير وقد صدر الترغيب فيه من القرآن والسنة قال الله تعالى: * (إنما المؤمنون إخوة) * وقال: * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) * وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " (1) وهذه الفضيلة فضيلة شريفة من فضائل الأخلاق لا يتصف بها إلا من امتحن الله قلبه بالتقوى وطهره من الكبر والرين ونزهه من الحقد والغين ويندرج تحتها كثير من المكارم مثل خفض الجناح ولين الجانب والرفق في الأقوال والأفعال وعدم الغلظة والجفاوة في جميع الأحوال وبسط الوجه وطلاقته من غير تقطير وتقطيب وعبوس والمواساة بينهم في جليل الأمور وحقيرها وقليلها وكثيرها بقدر الامكان فأن جميع ذلك من توابع الشفقة والرحمة ولوازمها، ولها منافع غير محصورة ويكفى في هذا المقام قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " من لأن جانبه كثر أعوانه " (2) وقوله: " من رفع عن الناس يدا واحدة رفعت عنه أيد كثيرة " (3) ثم إن التعاطف والتواصل من حقوق العشرة والصحبة إذا كانا في جانب الدين وإلا فهجرة أهل الأهواء والبدع دائمية على مر الأوقات ما لم يظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق ولذلك لما خاف (صلى الله عليه وآله) على كعب بن مالك وأصحابه النفاق لتخلفهم عن غزوة تبوك أمر بهجرانهم خمسين يوما. (والقنوع وضده الحرص) القنوع بالضم هنا مصدر بمعنى القناعة بالكسرو هي الرضى باليسير من متاع الدنيا والاقتصار على قدر الكفاف بل على ما دونه لو تعزز عليه وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " قلت: يا جبرئيل ما تفسير القناعة ؟ قال: يقنع بما يصيب من الدنيا يقنع بالقليل ويشكر باليسير " (4) وفسرها المحقق الطوسي بعد ما عدها من الأنواع المندرجة تحت العفة الحاصلة من


1 - أخرجه البخاري ج 8 ص 23 وفي الكافي باب الهجرة نحوه. 2 - ما عثرت على لفظه وفي خطبة له (عليه السلام) تحت رقم 23 نحوه. 3 - النهج من كتابه له (عليه السلام) إلى ابنه الحسن (عليه السلام) تحت رقم 31. 4 - راجع سفينة البحار ج 2 ص 452. (*)

[ 247 ]

الاعتدال في القوة الشهوية بأنها رضاء النفس في المآكل والمشارب والملابس وغيرها بما يسد الخلل من أي جنس اتفق وقد وقع الحث عليها في القرآن والسنة ويكفي في ذلك قوله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) * وقوله تعالى: * (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا) * وقول الباقر والصادق (عليهما السلام): " من قنع بما رزقه الله فهو أغنى الناس " (1) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " القناعة مال لا ينفد ولا يفنى " (2) ومن طرق العامة " القناعة كنز لا ينفد " (3) يعني بذلك أن الإنفاق منها لا ينقطع كلما تعزز عليه شئ من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي وقوله (عليه السلام): " كفى بالقناعة ملكا " (4) يعني أن القناعة منجية عن مهلكة الالتماس كالملك وإن دخلك من ذلك شئ فانظر إلى عيش الأنبياء والأوصياء والأولياء والصلحاء من قبلك وقد بلغك حال نبيك الأطهر أنه إنما كان قوته الشعير ولم يشبع منه وحلواه التمر وثوبه الخشن ووقوده السعف إذا وجده، وأما ضدها وهو الحرص في طلب زهرات الدنيا والانهماك في لذاتها وجمع مشتهياتها زايدا على القدر الضروري الذي يجوزه العقل والنقل فهو من شعب الانحراف في القوة الشهوية وطرف الافراط فيها وصاحبه مع عدم خلوه من المشقات لا يأمن من الوقوع في الشبهات وارتكابه للمحرمات ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " والرغبة مفتاح النصب ومطية التعب " (5) وقال: " الحرص داع إلى التقحم في الذنوب " (6) وقال " ابن آدم: إن كنت تريد من الدنيا من يكفيك فان أيسر ما فيها يكفيك وإن كنت تريد ما لا يكفيك فإن كل ما فيها لا يكفيك " (7) ووجه ذلك ظاهر لأن الحريص في جمع الدنيا وزخارفها يقدم رضاه على الرضا بما قدر الله له ويتبع حرصه وأمله ومراتب الحرص غير محصورة ودرجات الأمل غير معدودة فلو فرض أنه جمع له تسعة أعشار الدنيا طلب العشر الباقي، ثم بعده يطلب الدنيا مرتين وعلى هذا حتى يموت هذا حكم طلب القدر الزايد، وأما طلب القدر الضروري له ولعياله فليس من الحرص في شئ بل هو من العبادة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله " (8) فلو ترك ذلك


1 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب القناعة تحت رقم 9. 2 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 57 و 475. 3 - أخرجه الطبراني في الاوسط من حديث جابر كما في مجمع الزوائد ج 10 ص 256. والقضاعي في مسند الشهاب من حديث أنس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير. 4 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 229. 5 - المصدر أبواب الحكم تحت رقم 371. 6 - المصدر الباب تحت رقم 371 وفيه " الحرص والكبر والحسد دواع إلى التقحم في الذنوب ". 7 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب القناعة تحت رقم 6. 8 - الكافي ج 5 ص 88 كتاب المعيشة باب من كد على عياله. (*)

[ 248 ]

كان مذموما وينشؤ ذلك من خمود الشهوة الذي هو طرف التفريط من القوة المذكورة. (والمواساة وضده المنع) في المغرب آسيته بمالي أي جعلته اسوة اقتدي به ويقتدى هو بي وواسيته لغة ضعيفة، وفي النهاية الاسوة بكسر الهمزة وضمها القدرة والمواساة المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق وأصلها الهمزة فقبلت واوا تخفيفا، واعلم أن المواساة يعني معاونة ذوي الأرحام والأقربين وسائر الناس من الفقراء والمساكين في المعيشة وإشراكهم في القوت والمال من شعب السخاء المعدود من أنواع العفة ومن كمال الصالحين وخصال العاقلين، إذ العاقل الكامل يعلم بنور عقله أن سد خلة الفقراء ومواساة الضعفاء وإعطائهم ما ينتظم به أحوالهم من فضل المال يوجب ذكرا جميلا في الدنيا كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه غيره " (1) وثوابا جزيلا في الآخرة كما وعد الله سبحانه أهل الإنفاق بقوله: * (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * وبقوله: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم) * ويعلم أن الفضل الزايد في ماله على القدر الذي يدفع ضرورته ليست زيادته معتبرة في صلاح حاله ولانقضائه معتبر في فسادها فلا يزيده إذن إن أبقاه ولا ينقصه إن أنفقه وأعطاه، فيسهل عليه إنفاقه على ذوي الحاجات توقعا لما يترتب عليه من رفع الدرجات، وأما المنع يعني عدم إعطاء الفقراء ترك مشاركتهم ومساهمتهم في فضل المال فهو من شعب البخل ومن صفات الجاهلين وعلامات الغافلين، إذ الجاهل الغافل مع جهله بما يترتب على الانفاق من الثناء الجميل عاجلا والثواب الجزيل آجلا يظن أنه إن أنفقه يصير فقيرا فيمسكه لنفسه وذلك لسوء ظنه بمالك الأرزاق وعدم إيمانه برب الأرباب وضعف إذعانه بيوم الحساب فيستحق بذلك الشقاء العظيم والعذاب الأليم كما قال العزيز العليم: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) *. (والمودة وضدها العداوة) والمودة المحبة تقول: وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته والود بالحركات الثلاث المودة ولما كان الإنسان محتاجا في تعيشه إلى التمدن وهو اجتماعه مع بني نوعه للتعاون والتشارك في تحصيل الملايم والحاجات إذ لا يمكن للانسان الواحد القيام بجميع ما يحتاج إليه من المصالح والضروريات التي لا بقاء له بدونها وذلك التعاون والتشارك لا يتم إلا بايتلاف ومعاملة واختلاط ومصاحبة ولا ينتظم ذلك إلا بتحقق الروابط بينهم احتاجوا إلى تلك الروابط وأعظمها المودة التي هي من فروع الاعتدال في القوة الغضبية وهي من جملة نعوت الكاملين


1 - تقدم سابقا عن النهج أبواب الخطب تحت رقم 23. (*)

[ 249 ]

وصفات العاقلين إذ العاقل الكامل يعلم أن مودته للناس مستلزمة لمودتهم ومودة أتباعهم وخدمهم وحواشيهم له ويجلب لنفسه من مودة واحد مودة أشخاص كثيرين له وذلك مستلزم لنفعهم له وعدم مضرتهم إياه وميل قلوبهم إليه وأنسهم به ومعاونتهم له ومدافعتهم عنه وبذلك يتم نظامهم وصلاح حالهم في الدنيا والآخرة ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " التودد نصف العقل " (1) وأما ضدها أعني العداوة التي من فروع الإفراط في القوة المذكورة فهو من جملة نعوت الناقصين وصفات الجاهلين إذ الجاهل لغفلته عن سوء العاقبة ووخامتها يظن أن عداوة الناس خير له ويغفل عن حصولها فيهم بالنسبة إليه أيضا، وعن بعدهم منه ونفارهم عنه المستلزمين لفساد نظامه وعدم حصول مرامه وتضييق ماله وتغير حاله في الدنيا والآخرة. (والوفاء وضده الغدر) وفى بعهده وأوفى به وفاء وهو وفي إذا قام به واتمه وهو فضيلة مندرجة تحت العدالة كما أن الغدر الذي هو ضده يعني نقض العهد رذيلة مندرجة تحت الفجور وبه يشعر قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة " (2) هذا أشرف الضروب من الشكل الأول ينتج كل غدرة كفرة، والوجه في لزوم الكفر للغادر إن استحل الغدر ظاهر وإلا فالمراد بالكفر كفر نعم الله تعالى وسترها بإظهار المعصية والمخالفة كما هو المفهوم اللغوي من لفظ الكفر ثم للوفاء مراتب: الأولى الوفاء بكلمتي الشهادة وثمرته حفظ النفس والمال، والثانية الوفاء بالعبادات المفروضة والمندوبة وثمرته الثواب الجزيل والأجر الجميل في الآخرة، والثالثة الوفاء بترك الكباير والاجتناب عن الصغاير وثمرته النجاة من الجحيم والتخلص من العذاب الأليم، والرابعة الوفاء بالفضايل النفسانية والاجتناب عن رذايلها وثمرته الترقي إلى عالم الروحانيين والتشبه بالملائكة المقربين (3)، والخامسة الوفاء بعهود الناس ومواثيقهم الموافقة للقوانين الشرعية وثمرته استبقاء نظامهم واستكمال مقاصدهم ومرامهم والسادسة وهي أعلى المراتب وأسناها التعري عن الأغطية البشرية بالتجريد والاستضاءة بالأنوار الربوبية والاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلا عن غيره (4) وثمرته الفوز بالكرامة في دار المقامة والاستبشار باللقاء الدائم كما قال سبحانه


1 - النهج أبواب الحكم رقم 142. 2 - النهج أبواب الخطب تحت رقم 198. 3 - هذا أعلى من الثواب الجميل حيث جلعه في المرتبة. (ش) 4 - هذا يسمى بالفناء في اصطلاح العرفاء ويصرح بذلك عن قريب ومر نقل حديث وكلام عن المجلسي (رحمه الله) في الفناء ثم نقول الفناء ثابت قهرا لكل وجود ممكن سواء اعترف به الإنسان ووجده في نفسه أم لا، لان الممكن لا استقلال له في الوجود وليس بشئ ينظر إليه بل هو معنى حرفي كما قال الشاعر " ألا كل شئ ما خلاء الله باطل " واستحسنه النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما ينكره الإنسان الطبيعي لأنه يتوهم نفسه وأمثاله شيئا فإذا عرف الوجود حق المعرفة ووجد نفسه وكل شئ فانيا في الحق كما هو الواقع وغلب سره على وهمه وعقله = (*)

[ 250 ]

* (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) * ولعل حذف مفعول الوفاء للدلالة على تعميمه وشموله لهذه المراتب كلها وللغدر أيضا مراتب تعلم بالمقايسة والمرتبة الخامسة من الوفاء إنما تطلب وتمدح إذا كان المعاهد عليه باقيا على عهده وشرطه وإلا فالوفاء حينئذ غير ممدوح بل هو مذموم كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله " (1) يعني أن إيفاء العهد والعمل بمقتضاه لأهل الغدر ترك العهد ونقضه في حكم الله تعالى ويترتب عليه أثره، والغدر في حقهم وفاء وذلك إذا كان الغادر على الحق لأن الموفي حينئذ يمدهم على المعصية والغادر لا. (والطاعة وضدها المعصية) الطوع والطاعة: الاذعان والانقياد، يقال: طاع له يطوع إذا انقاد، والعصيان والمعصية خلاف الطاعة، يقال: عصاه يعصيه عصيا ومعصية وعصيانا إذا خالفه والمراد أن طاعة الله تعالى وطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) وطاعة اولى الأمر من جنود العقل إذ العقل بها يصعدمنازل الأبرار ويستعد لمرافقة الأخيار كما قال الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) * وقال: * (ومن يطع الله ورسوله فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) * ولم يذكر طاعة اولي الأمر في هذه الآية لأن طاعتهم طاعة الرسول كما يرشد إليه عطفهم على الرسول في الآية السابقة من غير إعادة الأمر بطاعتهم ثم إن النافع مجموع هذه الطاعات دون بعضها كما يرشد إليه قول الصادق (عليه السلام) " وصل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسوله وطاعة رسوله بطاعته فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم


= على طبعه واستغرق في التوحيد وغفل عن نفسه لأنه لا شئ في الحقيقة فقد بلغ أعلى المراتب وأسناها إذ عرف الوجود على ما هو عليه وقال الفاضل المجلسي (رحمه الله) في أوائل كتاب عين الحياة بعد نقل معنى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين من المحقق الطوسي هذا أعلى مراتب المعرفة ويعبرون عنه بالفناء في الله واستشهد بالرواية المشهورة " لا يزال يتقرب إلى العبد بالنوافل اه " وبقوله تعالى * (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) * وبالحديث " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " وما روي في أحاديث العامة " بي يسمع وبي يبصر وبي يمشي وبي ينطق " ثم تأول في الاحاديث بما كان متقررا في ذهنه من تتبع أقوالهم ولكنه لم يفرق بين الفناء الذي هو حاصل لكل ممكن والفناء الحاصل للكمل في منتهى سلوكهم وقال معترضا عليهم: إن الفناء لجميع الممكنات عندهم فكيف يخصون به المقربين. والجواب: إن الفناء حاصل للجميع لكن وجدانه والاعتراف به حاصل للكاملين فقط ألا ترى إن تحقق الشئ غير الاعتراف به وقد اتفق له (قدس سره) ذلك مثلا ما كنا نعلم إن الشيخ صفي الدين جد السلاطين الصفوية كان له مقام عظيم في العرفان والعلم ونظنه كبعض المدعين إذا لم نر منه أثرا يدل على ذلك حتى رأينا في كتاب عين الحياة للمجلسي - ره - وصفه بسلطان العلماء والمحققين وبرهان الاصفياء والكاملين الشيخ صفي الدين فعلمنا فضله وفضل الشيخ واقعا لا يلازم الاعتراف به من كل أحد. 1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 259. (*)

[ 251 ]

يطع الله ولا رسوله " (1) فالمعصية المقابلة للطاعة هي ترك هذه المجموع سواء كان تركه بترك جميع أجزائه أو بترك بعضها وهي رذيلة مندرجة تحت الجور موجبة للدخول في النار كما قال سبحانه * (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مبين) *. (والخضوع وضده التطاول) في الصحاح الخضوع التطامن والتواضع وفي الكشاف الخضوع اللين والانقياد والتطاول إظهار حصول الطول بالفتح يعني الفضل والعلو، وسر كون الأول من صفات العاقل والثاني من صفات الجاهل أن العاقل يعرف بنور بصيرته، أن له تعالى شأنه العلو المطلق لافتقار كل شئ إليه وله أعلام الوجود لدلالة كل شئ عليه وله العزة لكون كل موجود سواه مقهورا في تصريف قدرته، وموصفا بالعجز في جريان حكمه ومشيته، وله خشوع جميع الممكنات وخضوعها في رق الحاجة والامكان لانفعالها عن سطوته، وله قوام جميع الموجودات وقيامها لتذللها من عظمته ويعرف أن إليه فزع كل ملهوف ومنه غنى كل فقير وعز كل ذليل وقوة كل ضعيف فيوصله تلك المعارف والكمالات إلى أعلى الفضايل وأشرف المقامات وهو مقام الفزع الله بالتخشع والتخضع والتذلل والتواضع وتطيب القلب وتلين السر فيحصل له حينئذ قلب خاضع وذهن واله ودمع منهمل وعقل مرتحل، ويؤثر ذلك في جوارحه إذ هي تابعة للقلب ومنه يظهر سر ما روي من أن " لسان المؤمن من وراء قلبه " فيصدر حينئذ من جميع أعضائه الظاهرة والباطنة أفعال مناسبة في الخشوع وأعمال متناسقة في الخضوع وفي ذلك مراتب متفاوتة ودرجات متصاعدة أرفعها الوصول إلى ساحة الحق والفناء المطلق (2) والطيران في حظاير القدس بأجنحة الكمال مع الملائكة المقربين، بخلاف الجاهل فإنه لخلوه عن تلك الحالات وغفلته عن تلك المعارف والكمالات محبوس في ظلمات الطبيعة بعيد عن التشرف بشرف تلك الفضيلة إذ قلبه في واد وجوارحه في واد آخر فلذلك أعماله غير منتظمة بروابط الخضوع وأفعاله غير متعلقة بعلائق الخشوع وهو مع ذلك يعتقد لنفسه فضيلة كاملة ورفعة بالغة ورتبة فايقة (3) وهذا معنى التطاول


1 - سيأتي في كتاب الحجة باب معرفة الإمام والرد إليه. 2 - الفناء المطلق في اصطلاح العرفاء وهو أعلى مدارج السالكين وقد سبق إشارة إليه في بعض الحواشي وأوردنا فيه حديثا من كتاب عين الحياة للمجلسي رحمه الله تعالى وذكرنا تأويله للحديث بما يوافق مذاقه ولا يوافق مذاق الشارح (رحمه الله). (ش) 3 - هؤلاء جماعة من الناس محبوسون في ظلمات الطبيعة لا يعترفون بغير الموجود الجمساني ولا حقيقة عندهم غير الجسم وإدراك الجسم إنما هو بالحواس فلا يعتمدون على غير الحس ويأولون جميع السعادات الحقيقية واللذات الروحانية إلى الجسمانيات حتى تكون شيئا يدرك بالحواس وإذا تصدوا لتلعم العلوم اختاروا شيئا يدرك بالسمع والبصر لا بالعقل والفقه والاصول والكلام صعب عليهم لتوقفها على مقدمات = (*)

[ 252 ]

وحقيقة التفاضل كما هو المشاهد من الجهلة والمعلوم من السفلة. وينبغي أن يعلم أن الخضوع والخشوع والتواضع وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينها فرقا ما لأن الاذعان واللين إذا حصلا في القلب فمن حيث إنهما يوجبان انكسارا وافتقارا وتذللا خضوع ومن حيث إنهما يوجبان الخوف والخشية والعمل خشوع ومن حيث أنهما يوجبان انحطاط رتبته عن الغير وتعظيم ذلك الغير تواضع وقد يفرق بين الخضوع والخشوع بأن الخضوع بالقلب والخشوع بالجوارح، وبين الخضوع والتواضع بأن التواضع عدم اعتقاد المزية بالنسبة إلى الأدنى في الجاه والمنزلة والخضوع أعم أو مختص بالنسبة إلى الأعلى. (والسلامة وضدها البلاء) ليس المراد السلامة من الأمراض البدنية والابتلاء بها لما روي عن الصادق (عليه السلام) " إن أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل " (1) ولا السلامة من الفقر والابتلاء به لما روي عنه (عليه السلام) قال: " قال الله تعالى يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغني مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته " (2) إلا أن يخصص الأمراض والفقر بما يوجب كسر الظهر والفتنة في الدين فإنه قد نقل الاستعاذة منهما عن أهل العصمة (عليهم السلام)، بل المراد السلامة عن إيذاء المسلمين والابتلاء به كما روي " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه " (3) أو السلامة من الأمراض النفسانية والآراء الفاسدة والعقايد الباطلة مثل الكفر والكبر والحقد والحسد والنفاق وغيرها والابتلاء بها، فان الأول من جنود العقل وأنصاره لكونه من شعب العدالة الواقعة في حاق الوسط، والثاني من حنود الجهل لكونه من فروع الجور الواقع في طرف الافراط.


= تدرك بغير السمع والبصر كالاجماع والتواتر والقواعد العقلية التي تستعمل لاستفاد المعنى من اللفظ وانما يسهل عليهم الحفظ والضبط فيدركون نقش الكتابة بالبصر وأصوات الكلمات بالسمع يحفظونها ويضبطون ادق واكمل من العلماء المدققين والكاملين لعدم توجه نفوسهم وأذهانهم إلى غير النقوش والاصوات وهذا عندهم فضيلة وليس لهم هم بتهذيب النفس والكمالات بل يختارون في العمل أيضا شيئا محسوسا مثلا إسباغ الوضوء وطول الركوع وتكثير الاذكار والتنطع في إخراج الحروف من مقاطعها من أمور ومع ذلك محسوسة وأما النية وحضور القلب وتخليصه من العجب والرياء فأمور غير محسوسة لا يهتمون بها كثيرا ومع ذلك فليس هذا عيبا ومذمة إلا إذا تطالوا على العلماء وزعموا أنفسهم أعلى درجة منهم ونسبوهم إلى الضلال وترك طريقة أهل البيت (عليهم السلام) كما كان دأب كثير من معاصري الشارح (رحمه الله). (ش) 1 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب شدة ابتلاء المؤمن. 2 - المصدر باب فضل فقراء المسلمين تحت رقم 12. 3 - المصدر باب فضل فقراء المسلمين تحت رقم 12. (*)

[ 253 ]

(والحب وضده البغض) الحب بالضم والكسر والمحبة ميل القلب إلى ما يلائمه، والبغض المقت وقد بغض الرجل بغاضة أي صار بغيضا، وبغضه الله إلى الناس تبغيضا فأبغضوه أي مقتوه، ولعل المراد أن حب الخلق بعضهم بعضا من جنود العقل وبغضهم من جنود الجهل، لأن العاقل يعلم أن نظام الدنيا والدين لا يتم إلا بالمحبة فلذلك يختارها تحرزا عما يلزم البغض من التقاطع المستلزم لتطاول الحاسدين وتسلط المعاندين، ومن التنازع المستتبع لعدم الثبات والقرار والمؤدي بالأخرة الهلاك والبوار، وإن أردت أن تعرف أنك تحب أحدا فاجعل نفسك ميزانا فيما بينه وبينك فإن كنت تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك فأنت تحبه وهو حبيبك وإلا فلا، بخلاف الجاهل فإنه لظلمة بصيرته غافل عن حسن عاقبة المحبة وسوء عاقبة البغض فيظن أن البغض خير له في تحصيل مقاصده فيختاره ويسوق سفينة البغاضة في بحر الغواية بريح الغباوة إلى أن يدركه الغرق من حيث لا يعلم، وينبغي أن يكون أعظم محبتنا لعباد الله تعالى محبتنا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين لشرافة ذاتهم وجريان نعمائهم ظاهرا وباطنا علينا ووصول إحسانهم جليا وخفيا إلينا وبالجملة محبة الشئ إما لحسنه في الظاهر كالصور الجميلة أو في الباطن كحسن بواطن الصالحين وشرافة نفوسهم، أو لإحسانه بجلب نفع ودفع ضر كإحسان الناس بعضهم بعضا، أو لإعظامه كإعظام الولد والده، أو لترحمه وشفقته بحسب الجبلة والمشاكلة كترحم الوالد على ولده. وقد اجتمع الجميع فيهم (عليهم السلام) لما فيهم من جمال الظاهر والباطن وإحسانهم إلينا بالهداية والشفاعة وعظمة شأنهم وإنافة قدرهم على كل والد وولد ومحسن فلذلك وجب علينا محبتهم على أكمل الوجوه وأتمها ومن محبتهم الذب عن سنتهم ونصر شريعتهم والتمسك بطريقتهم وبذل النفس والمال دون مهجتهم والوقوف عند حدودهم وإعانة أهل ملتهم، أو المراد أن حب العباد لله من جنود العقل وبغضه من جنود الجهل لأن محبة العبد له تعالى شأنه إنما هي على قدر معرفته بجلاله سبحانه وكمال أوصافه وتنزيهه عن النقص، والعاقل هو الذي يعرف جماله وجلاله وكماله وقدرته وعظمته وإحسانه فعند شروق أنوار هذه المعارف على مرآة سره وبروق آثار الأعمال الصالحة في مشارق قلبه يمطر الله عليه أسباب الحب ويكشف عنه الحجاب وتجذبه العناية الأزلية إلى بساط القرب وتسقيه من ماء المحبة وتنجيه من هذا السراب، وأما الجاهل فانه لا يعرف من هذه المعارف اسما ولا من هذه الأسماء رسما ولا من هذه الأعمال حدا فكيف له الوصول إلى مرتبة المحبة التي هي المرتبة العليا للسالكين، والدرجة العظمى للعاقلين، والمنزلة الكبرى للزاهدين، بل هو بطبعه هارب عن عالم النور مستقبل إلى دار الغرور وهذا معنى بغض العبد له تعالى أعاذنا الله من ذلك،

[ 254 ]

واعلم أن الفرق بين الحب والمودة وبين البغض والعداوة دقيق جدا حتى أنه قد ظن رجوع هذه الفقرة إلى قوله (عليه السلام) " والمودة وضده العداوة " وإن إحديهما كانت بدلا عن الاخرى جمع بينهما في الكتابة قلم الناسخ ولكن ظاهر قوله تعالى * (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء) * يفيد المغايرة، ويمكن القول بتحقق المغايرة بأن المودة ميل ظاهر القلب والمحبة ميل ظاهره وباطنه وبه يشعر قوله تعالى * (وقد شغفها حبا) * فالمحبة أعظم من المودة أو بأن المودة والعداوة من الامور القلبية والكيفيات النفسانية مع قطع النظر عن ظهور آثارهما من الجوارح والمحبة والبغض من هذه الامور والكيفيات مع اعتبار ظهور آثارهما منها ويؤيده قول القاضي في تفسير الآية المذكورة فلا تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم فليتأمل. (والصدق وضده الكذب) صدق الخبر بمطابقة حكمه للواقع وكذبه بعدم مطابقته له لا بمطابقته لاعتقاد المخبر وعدمها، كما ذهب إليه النظام ولا بمطابقته لهما وعدمها كما ذهب إليه الجاحظ لأن العقلاء يصفون كل خبر علموا أنه ليس مطابقا للواقع بأنه كاذب، وإن لم يعلموا اعتقاد المخبر، والمسلمين يصفون اليهود والنصارى بالكذب على الله وإن كان أكثرهم لا يعلم أنه كاذب بل يعتقد أنه صادق وأورد عليه أولا بأن قول القائل محمد (صلى الله عليه وآله) ومسيلمة صادقان خبر وليس مطابقا للواقع ولا غير مطابق له واجيب بأنه كاذب باعتبار إضافة الصدق إليهما لأنه غير مطابق، وقد يجاب بأنه كاذب لأنه يفيد صدق أحدهما في حال صدق الآخر، ورد بان التثنية لا تفيد المصاحبة وثانيا بأن قول القائل كل كلامي في هذا اليوم كاذب ولم يوجد منه سوى هذا الكلام ليس مطابقا للواقع وإلا لكان غير مطابق فيجتمع النقيضان وليس غير مطابق وإلا لكان بعض أفراده مطابقا وليس إلا هذا الفرد فيجتمع النقيضان، واجيب بأن الصدق والكذب إنما يعرضان لخبر مغاير للمخبر عنه حتى يتصور فيه المطابقة فيحكم بصدقه وعدمها فيحكم بكذبه وهنا قد اتحدا فلا يدخله الصدق والكذب وللبحث فيه مجال واسع واستدل النظام بقوله تعالى * (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) * فانه تعالى شأنه أخبر بأنهم كاذبون في قولهم * (إنك لرسول الله) * مع أنه مطابق للواقع فلو كان الصدق عبارة عن المطابقة للواقع لما صح فالتكذيب ليس باعتبار أنه غير مطابق للواقع بل باعتبار أنه غير مطابق لاعتقادهم، واجيب بأن المعنى والله يشهد إنهم لكاذبون في قولهم * (إنك لرسول الله) * من عند أنفسهم لأن هذا الخبر كاذب غير مطابق للواقع عندهم أو أنهم لكاذبون في لازم فائدة هذا الخبر وهو كونهم عالمين بمضمونه أو أنهم لكاذبون في * (نشهد) * باعتبار تضمنه خبرا كاذبا، وهو أن شهادتنا هذه من صميم القلب وخلوص الاعتقاد بحيث واطأت فيه قلوبنا ألسنتنا كما يشعر به (أن)

[ 255 ]

واللام واسمية الجملة فكذبهم الله تعالى لعلمه بعدم المواطاة بين قولهم وقلبهم. أو أنهم لكاذبون في دعوى الاستمرار المستفاد من نشهد، أو أنهم لكاذبون في حلفهم على عدم النهي عن الانفاق على فقراء المهاجرين أو أنهم لكاذبون يعني إن شأنهم الكذب فالتكذيب ليس في هذا الخبر بل مطلق فكأنه قيل: إنهم وأن صدقوا في هذا الخبر لكن صدقهم فيه لا يخرجهم من زمرة الكاذبين فإن الكذوب قد يصدق واستدل الجاحظ بقوله تعالى حكاية عن المشركين * (افترى على الله كذبا أم به جنة) * فانهم حصروا خبر النبي بالحشر والنشر والتوحيد في كونه كاذبا أو كلام مجنون ولا شك أن المراد بالثاني غير الكذب لأنه قسيمه وقسيم الشئ يجب أن يكون مباينا له وغير الصدق لاعتقادهم عدمه ولعدم دلالة الثاني عليه فقد أثبتوا بين الصدق والكذب واسطتين إحديهما عدم مطابقة خبر النبي (صلى الله عليه وآله) للواقع مع شكه في المطابقة والاخرى عدم مطابقته له مع اعتقاده المطابقة بأن يكون اعتقادهم الفاسد أن عدم مطابقة هذا الخبر بلغ بمرتبة لا يخفى على من له شايبة عقل فالشك في المطابقة لا يكون إلا من مجنون فكيف اعتقاد المطابقة، ولا شك أن الواسطة إنما يكون إذا اعتبر في الصدق والكذب مطابقة الخبر للواقع والاعتقاد جميعا وعدمها لهما إذ لا واسطة عند اعتبار المطابقة للواقع وعدمها ولا عند اعتبار المطابقة للاعتقاد وعدمها، واجيب بأن ترديدهم لخبره (صلى الله عليه وآله) ليس بين الكذب المطلق والاخبار حالة الجنون، بل إنما هو بين الافتراء وهو الكذب عن عمد وعدمه فمعنى قوله * (أم به جنة) * أم لم يفتر فعبروا عن عمد الافتراء بالجنة كناية عن أن المجنون لا يفترى فقد جعلوا قسيم الكذب عن عمد الكذب لا عن عمد فيكون مقصودهم حصر خبره الكاذب في نوعيه ولما كان هنا فوائد جمة وفروع متكثرة لا يتيسر القول بها إلا بتحقيق معنى الصدق والكذب أطنبنا القول فيه ومن تلك الفوائد لو أخبرك أحد بشئ. فقلت: إن كنت صادقا فلله علي كذا فإن كان مطابقا للواقع فقط لزمك الوفاء به على الأول دون الأخيرين وإن كان مطابقا للاعتقاد فقط لزمك الوفاء به على الثاني دون الآخرين وإن كان مطابقا لهما لزمك الوفاء عند الجميع ومنها لو شهد عليك رجل فقلت هو صادق فهو إقرار على الأول والأخير دون الثاني، ومنها لو حلف رجل أن لا يكذب ثم أخبر بما لم يكن مطابقا للواقع فقط أو للاعتقاد فقط أولهما فإنه في الأول يحنث على المذهب الأول دون الأخيرين، وفي الثاني يحنث على المذهب الثاني دون الباقيين، وفي الثالث عند الجميع، ومنها لو حلف أن لا يتكلم اليوم بكلام صادق وكاذب فإنه يحنث إذا تكلم على الأولين دون الأخير فإن فيه مفرا عن الصدق والكذب ومنها لو حلف أن لا يعطي كاذبا فانه يختلف فيه الحكم أيضا كما لا يخفى وأمثال ذلك كثيرة، واعلم أن الصدق فضيلة عظيمة داخلة تحت فضيلة العفة وقد وقع مدحه ومدح المتصف به في مواضع من

[ 256 ]

القرآن والأخبار ويكفي في ذلك قوله تعالى: * (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) * والكذب رذيلة داخلة تحت الفجور وقد نطقت الآيات والأخبار على ذمه وذم المتصف به، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الكذب رأس النفاق وهو مفسدة عظيمة في الدنيا والدين " (1) والوجدان شاهد عدل بأن الكذب يسود لوح النفس ويمنعه أن ينتقش بصورة الحق ويفسد المنامات والالهامات ويؤدي إلى خراب الدنيا وقتل النفوس وأنواع الظلم والفساد ولذلك اتفق أهل العلم من أرباب الملل وغيرهم على تحريمه وادعى المعتزلة قبحه بالضرورة. (والحق وضده الباطل) هذا والسابق عليه متقاربان لأن الخبر والاعتقاد إذا طابقا الواقع كان الواقع أيضا مطابقا لهما لأن المفاعلة من الطرفين فمن حيث إنهما مطابقان أو غير مطابقين له بالكسر يسميان صدقا وكذبا ومن حيث إنهما مطابقان أو غير مطابقين له بالفتح يسميان حقا وباطلا والمقصود أن اختيار هما من جنود العقل والجهل، ويحتمل أن يراد بالحق الدين الحق المسمى بالصراط المستقيم والباطل الدين الباطل الداعي إلى سواء الجحيم وأن يراد بالحق الاقبال على الله وبالباطل الادبار عنه ولا واسطة بينهما، فوجود كل واحد مستلزم لعدم الآخر وعدم كل واحد مستلزم لوجود الآخر. (والامانة وضده الخيانة) الأمانة مصدر أمن الرجل أمانة فهو أمين إذا صار كذلك برعاية ماائتمن عليه من حقوق الحق أو الخلق وأدائه في وقته كما هو وهي تدخل في أفعال الأعضاء والجوارح كلها لأن القلب إذا استضاء بنور البصيرة يتهدي كل عضو إلى أمانته ويسعى في حمايتها وحفظها وأدائها على ما ينبغي كما تدخل الخيانة وهي مصدر خانه إذا ترك الحفظ في تلك الأفعال ومنه قوله تعالى * (يعلم خائنة الأعين) * أي مسارقتها وكثيرا ما تطلق الأمانة على ما تأتمن به صاحبك مجازا على سبيل المبالغة ومنه قوله تعالى * (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) * أي لما يؤتمنون عليه من جهة الحق أو الخلق وقوله تعالى * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * وفي روايات متكثرة (2) تصريح بأن المراد بأهل الامانة في هذه الآية الإمام (عليه السلام) وأن الله تعالى أمر الإمام الأول أن يدفع إلى الإمام الذي بعده كل شئ عند من أمر الإمامة وقوله تعالى * (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، انه كان ظلوما جهولا) * روي عن الصادق (عليه السلام) " أن المراد بالأمانة ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) " (3)


1 - أخرجه ابن عدي في الكامل هكذا " الكذب باب من أبواب النفاق - الحديث ". 2 - سيأتي في كتاب الحجة أخباره. 3 - الكافي كتاب الحجة باب في نكت ونتف من التنزيل في الولاية تحت رقم 2. (*

[ 257 ]

وقيل: المراد بها العبادة والطاعة المطلوبة من الإنسان وسماها أمانة من حيث إنها يجب حفظها وأداؤها في وقتها. وإباء الأجرام المذكورة يعود إلى امتناع قبولها خوفا وإشفاقا بلسان الحال لقصورها وعدم صلاحيتها لها بحسب الطبع أو إلى الفرض والتقدير، كأنه قيل: لو كانت هذه الأجرام عاقلة ثم عرضنا عليها لأبين أن يحملنها خوفا وإشفاقا من وخامة عاقبتها وإنما جيئ بلفظ الواقع لأنه أبلغ أو إلى أنه تعالى خلق فيها عقلا وفهما ثم عرض عليها على سبيل التخيير، فأبين إباء عجز واحتقار وخوف وانكسار لا إباء استكبار لخضوعها تحت ذل الحاجة ثم خلق الإنسان وعرضها عليه فقبله وحمله مع ضعف بنيته ورخاوة قوته إنه كان ظلوما لنفسه بعدم محافظته لها وتقصيره في أداء حقوقها جهولا بأسرارها وبما يستلزم حفظها وفعلها وتركها من المثوبات والعقوبات. (والخلوص وضده الشوب) الشوب الخلط وهو مصدر شبت الشئ أشوبه شوبا فهو مشوب إذا خلط بغيره والخلوص مصدر خلص الشئ - بالفتح - يخلص خلوصا أي صار خالصا صافيا غير ممتزج بغيره، والعمل الخالص في العرف ما يجرد قصد التقرب فيه عن جميع الشوائب وهذا التجريد يسمى إخلاصا وقد عرفه بعض أصحاب القلوب بتعريفات اخر فقيل: هو تنزيه العمل عن أن يكون لغير الله فيه نصيب، وقيل: هو إخراج الخلق عن معاملة الحق، وقيل: هو ستر العمل عن الخلائق وتصفيته عن العلايق، وقيل: أن لا يريد عامله عوضا في الدارين. وهذه درجة علية قل من يبلغها وقد أشار إليها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك " ولو قصد العبد في عبادته مجرد وجه الله سبحانه وإطاعة أمره والتقرب إليه يرتقي بأجنحة القبول إلى منازل القرب وحظاير القدس قطعا ولو قصد مجرد غيره ألبسه الله لباس الذل وأبعده عن ساحة رحمته وبساط قربه جزما وأما لو قصده سبحانه وقصد غيره أيضا فهو خطر عظيم، وللمسلمين فيه كلام طويل تركناه خوفا للاطناب ونذكر ما أظنه حقا والله تعالى هو المستعان فنقول: الضميمة إما قصد الثواب أو التحرز عن العقاب أو قصد الرياء أو قصد الامور اللازمة للعبادة كقصد التخلص من النفقة بعتق العبد في الكفارة وغيرها وقصد التبرد (1) بالوضوء، أما الأول فالظاهر صحة العبادة لقول الصادق (عليه السلام) " العباد ثلاثة قوم عبدوا الله عزوجل خوفا فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلبا للثواب فتلك


1 - قال بعض شراح الشرائع: إن قصد التبرد مبطل بعد أن حكم المحقق بصحته ولعله أراد أن يكون الداعي إلى الفعل التقرب بحيث لو لم يكن التقرب لم يتوضأ، وإن ضم التبرد إليه. (ش) (*)

[ 258 ]

عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله عزوجل حبا له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة " (1) فان صيغة أفضل تفيد وجود الفضل في الأولين وهو المطلوب. وقول الباقر (عليه السلام) " من بلغه ثواب من الله تعالى على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه " (2) ولغير ذلك من ظواهر الآيات والأخبار، وأما الثاني فالظاهر بطلانها لقوله تعالى * (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) *. وقول الصادق (عليه السلام) لعباد البصري: " يا عباد إياك والرياء فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له " (3) ولغير ذلك من الآيات والروايات. وأما الثالث فالقول بالتفصيل - وهو أن العبادة صحيحة إن كانت هي المقصودة بالذات والضميمة مقصودة تبعا، وباطلة إن انعكس الأمر أو تساويا - غير بعيد (4) وإن لم نجد عليه دليلا نقليا والاحتياط في الجميع ظاهر وبعض الأفاضل حكم بالتفصيل في الأقسام الثلاثة وهو بعيد جدا سيما في الرياء لدلالة الآيات والأخبار على بطلان العبادة لأجل انضمام الرياء إليها والظاهر أنه لا خلاف فيه بين أصحابنا قال المحقق الشيخ علي (5) ضم الرياء إلى القربة يبطل العبادة قولا واحدا إلا ما يحكى عن المرتضى أنه يسقط الطلب عن المكلف ولا يستحق بها ثوابا وليس بشئ، والخلوص من جنود العقل وأنصاره والشوب من جنود الجهل وأعوانه وميدان مجادلتهما ومعارضتهما ساحة القلب وذلك لأن العقل ميله الصعود إلى عالم القدس وقصده تسخير عالم الملك والملكوت وخلوص العمل يعينه على ذلك، والجهل ميله الهبوط إلى عالم الحس ومنازل النسيان وقصده النزول في محل البعد وبساط الخذلان وشوب العمل بالرياء وغيره من التدليسات النفسانية والتلبيسات الشيطانية والمخاطرات الوهمية يعينه على ذلك.


1 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب العبادة. 2 - يعني ما إذا كان العمل مسنونا في الكتاب والسنة من دون تقدير الثواب العاجل أو الاجل، وأما إذا كان العمل غير مسنون فلا أجر له أبدا إن لم يكن عليه وزر لقول النبي (صلى الله عليه وآله) " لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة " والخبر في الكافي كتاب الايمان والكفر باب (من بلغه ثواب من الله على عمل). 3 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب الرياء تحت رقم 1. 4 - خبر لقوله " فالقول بالتفصيل " ولا يحتاج إلى تصريح به في خبر بل يكفي الادلة الدالة على وجوب الاخلاص وإبطال تشريك غير الله معه في النية فيقال: إذا كان المقصود بالذات التقرب لم يقدح في الاخلاص ضم غيره تبعا والعلامة على ذلك أن يعرض العابد على نفسه هل كان يصدر هذا العمل منه إن لم تكن الضميمة فإن أحس من نفسه أنه يصدر منه كان العمل صحيحا (ش). 5 - يعني الشيخ علي بن عبد العالي الكركي (قدس سره). (*)

[ 259 ]

(والشهامة وضدها البلادة) عد المحقق الطوسي الشهامة من انواع الشجاعة الحاصلة من الاعتدال في القوة الغضبية وفسرها بأنها حرص النفس على اقتناء الامور العظام توقعا للذكر الجميل وهذه ليست بمرادة هنا لأن البلادة ليست بضدها وليس لضدها أيضا اسم مشهور، بل المراد بها ذكاء الفؤاد يقال: شهم - بالضم - شهامة فهو شهم أي جلد ذكي الفؤاد فهي من توابع الاعتدال في القوة العاقلة. والبلادة وهي ضد الذكاء يقال: بلد بالضم فهو بليد وتبلد أي تردد متحيرا، من فروع التفريط والنقصان في القوة المذكورة، ونعني بهذه البلادة ما كان من سوء الاختيار لا ما كان من أصل الخلقة لأن المقصود هو الترغيب في تحصيل الأول وترك الثاني وذلك لا يتصور إلا فيما كان فعله وتركه مقدورا، ثم كون الأول من جنود العقل والثاني من جنود الجهل ظاهر لأن الذكاء سبب لعروج العقل إلى أقصى المدارج من معارج المعارف الربانية وضده سبب لنزول النفس في أسفل الدركات من مهالك الشبهات الظلمانية. (والفهم وضده الغباوة) قال بعض المحققين: لعل هذه الفقرة كانت في الأصل بدلا عن قوله (عليه السلام) فيما مضى " والفهم وضده الحمق " والناسخون جمعوا بينهما في الكتابة غافلين عن البدلية والمعنى واحد. ويمكن أن يقال: المراد بالفهم هنا الفطنة وهي جودة تهيأ الذهن لاكتساب العلوم وبعبارة اخرى هي إدراك المقصود من الخطاب بسهولة. والغباوة " كودن شدن ودر نيافتن " كما في كنز اللغة يعني عدم فهم المقصود من الخطاب بسهولة وهذا المعنى غير المعنى المقصود من الفهم والحمق كما أشرنا إليه سابقا، وأما حمل الفهم هنا على الذكاء الذي هو فوق الفهم المذكور سابقا كما أشرنا إليه هناك وإن كان ممكنا ويحصل به المغايرة بين الفهمين لكن معنى هذه الفقرة حينئذ يرجع إلى الفقرة السابقة عليها أعني قوله: " والشهامة وضدها البلادة " إذ مالهما واحد. (والمعرفة وضدها الإنكار) المعرفة سراج القلب يرى بها خيره وشره ومنافعه ومضاره، وكل قلب لا معرفة له فهو مظلم، والمراد بها إما معرفة الائمة وفضلهم وعلومنزلتهم وهي أكمل فضائل العاقل لأنه يعرف بنور معرفته أنهم دعائم الإسلام وولايج الاعتصام والهداة إلى نور الدين وأن طلب العلم والفضيلة والوصول إلى أنوار الحكمة وأسرار الشريعة لا يتيسر إلا بوساطتهم ولا يتحصل إلا بعنايتهم، وأنهم الذين عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية (1) ولا


1 - فإن قيل أليس الدين لجميع الناس والشريعة لعامتهم ؟ وهل ورد الكتاب والسنة إلا لفهم جميع الامة وهل يتعبدون إلا بظواهر الالفاظ على ما يفهمون فإن كان هذا حقا فمن سمع وروى لابد أن يعرف معنى الكلام وظاهره إذ ليس الغرض من الرواية أن يحفظ اللفظ العربي من لا يعرف العربية كفارسي يحفظ كلمة تركية لا يعرف معناها بل معنى الرواية أن يحفظ لفظا يعرف معناه وهو حجة عليه فما معنى قولهم " عقل = (*)

[ 260 ]

يخالفون الحق أبدا ولا يتجاوزونه إلى رذيلة الإفراط والتفريط قطعا وإنكار شئ من ذلك أو عدم معرفته من أخس رذائل الجاهل المغرور برأيه السقيم الراجع عن الصراط المستقيم، أو المراد بها معرفة الرب بصفاته وآثاره وأفعاله وكلا المعينين يناسب ما اشتهر من أن المعرفة إدراك شئ. ثانيا بعد الغفلة عن إدراكه أولا، وذلك أن الله سبحانه أخذ الميثاق على عباده بأنه ربهم ومحمد (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله وعليا (عليه السلام) أمير المؤمنين وأوصياءه من بعده ولاة أمره وخزان علمه ثم نسوا بعد رقودهم في مراقد أصلاب الآباء ومهاد أرحام الامهات وانغمارهم في بحار العوائق الجسمية واستتارهم بحجب العلايق البشرية تلك المواثيق القديمة والعهود الوكيدة فمن أيقظته صحيحة المواعظ الإلهية عن نوم الغفلة وجذبته أيدي الهداية الربانية عن تيه الظلمة وتنور قلبه بنور الهداية والارشاد واستشرق ذهنه بضوء الاطاعة والانقياد توجه إلى مولاه ومقتداه بعد النسيان وحصل له بعد الغفلة فضيلة المعرفة وشرف الترقي إلى مقام أهل العرفان ومن غرق في بحار الشهوات ونام في مراقد الغفلات حتى صار بمنزلة الجمادات أو آل إلى التشابه بالأموات ولم يؤثر فيه تلك المواعظ والنصايح، ولم يحصل له التميز بين المحاسن والمقابح فهو غريق الغفلة والنسيان وأسير الغي والطغيان لا ينزجر عن الباطل انزجارا ولا يتوجه إلى الحق إلا جهلا وإنكارا ويترك عنان الطبيعة في يد الهوى ويعرض عن ذكر المولى وهو غافل عن قوله تعالى * (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) *.


= وعاية " وقد ورد في الحديث مكررا الترغيب في الوعاية وعدم الاكتفاء بالرواية ؟ قلنا نعم ورد الشريعة لجميع الناس وكلهم متعبدون بظاهرها على ما يفهم الكلام العربي ويشترك فيه كل من يعرف هذا اللسان ومع ذلك الناس مختلفون في فهم أمور زائدة على المشترك بين الكل فمنها ما لم يأت وقت الحاجة إليه ولا يمتنع تأخير البيان فيها فيكون مجملا كأحوال القيامة حيث قال " فيم أنت من ذكريها " إذ ليس في الدنيا حاجة إلى معرفة تفاصيلها ويجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب ولعل مثل ذلك كثير في غير الاعمال البدنية وأهل الرواية يكتفون بظواهر الالفاظ وأهل الوعاية يتفاضلون في فهم ما لا يدل ظاهر اللفظ عليه وفي الالفاظ ما يتبادر المعنى منها إلى الذهن بحسب العادات كما يتبادر من البيت إلى الذهن البدوي الخيمة ومن مجئ الملائكة وخروج الروح التجسم. وهذا كثير مثل * (الله نور السماوات والأرض) * * (وإنا عرضنا الامانة على السموات والأرض) * و * (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) * و * (الملائكة باسطو أيديهم) * ومثله اختلافهم في معنى العرش والكرسي وأنهما العلم أو القدرة أو جسمان عظيمان واختلافهم في معنى السموات وأنها أجسام لطيفة أو المراد منها عالم المجردات أو أريد به كل منها بحسب المواضع، واختلافهم في يد الله ووجه الله وآيات الجبر والتفويض (ش).

[ 261 ]

(والمداراة وضدها المكاشفة) المداراة في حسن الخلق التي من فروع الاعتدال في القوة الغضبية تهمز ولا تهمز يقال دارأته ودرايته إذا اتقيته وداجيته ولاينته، والمقصود أن مداراة الخلق وترك مجادلتهم ومناقشتهم صديقا كان أو عدوا، عاقلا كان أو جاهلا، من صفات العاقل كما يظهر ذلك بالاعتبار في حال الأنبياء والأوصياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل على تفاوت مقاماتهم وتفاضل درجاتهم، هذا إذا اقتصروا في حقوقه وأما إذا اقتصروا في حقوق الله تعالى فوجب تقويمهم واسترجاعهم بالحكمة والموعظة الحسنة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن افتقر إلى الغلظة جاز عن قدر الضرورة من المواعظ الحسنة في استجلاب طبايع الجهال إلى الحق وتأنيسهم به أن لا يحمله عليهم دفعة فإن ذلك مما يوجب نفارهم عنه وفساد نظام أحوالهم بل ينبغي أن يحمله ويأنسهم به على التدريج قليلا قليلا وربما لم يمكنه تأنيسهم به إما لغموضه بالنسبة إلى أفهامهم، أو لقوة اعتقادهم في ضده فينبغي أن يخدعهم عن ذلك ويميلهم إليه بحسب ما يقتضيه الحكمة وربما يحتاج إلى إظهار الحق بصورة الباطل كاستدلال إبراهيم (عليه السلام) بافول الكوكب بعد قوله: * (هذا ربي) * على نقصها المنافي لالهيتها. والمكاشفة من رذائل الأخلاق للجاهل ومن فروع الإفراط في القوة المذكورة وهي الخشونة والمناقشة وإظهار العداوة وإعلانها المؤدي المخاصمة والمجادلة والمقابلة إلى غير ذلك من المفاسد والشدائد الموجبة لفساد أحوالهم وبطلان نظامهم. (وسلامه الغيب وضدها المماكرة) الغيب ما غاب عن العيون وإن كان محصلا في نفسه وكان المراد به هنا القلب أو رجل غايب، والمنكر الاحتيال والخديعة والمقصود أن سلامة القلب وخلوصه من الغش والاحتيال والخدعة في المعاملة مع الإخوان والمعاشرة مع الخلان وغيرهم أو سلامة كل غايب من صفات العاقل لصفاء طينته وخلوص عقيدته وعلمه بأن المؤمنين كنفس واحدة فلا يرضى لهم إلا ما يرضى لنفسه وبأن المكر بهم مكر بنفسه حقيقة كما قال سبحانه * (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله) * بخلاف الجاهل المنغمس ذهنه الكثيف في ظلمة الجهالة فإنه لكدرة طينته وفساد عقيدته يتخذ المكر منهجا لمطالبه ومسلكا لمأربه وهو غافل عن سوء مآله عاجلا وآجلا وعن اختلال حاله ظاهرا وباطنا. (والكتمان وضده الافشاء) من شأن العاقل كتمان سره بوضعه في صندوق جنانه وعدم فتحه مفتاح لسانه وتحريم إبرازه على أوثق إخوانه فإنك إذا لم تكتم سرك فكيف تتوقع ذلك من غيرك ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " المرء احفظ لسره " (1) وقال أيضا " من كتم سره كان الخيرة


1 - النهج أبواب الكتب والرسائل تحت رقم 31. (*)

[ 262 ]

بيده " (1) وقال أبو الحسن (عليه السلام): " إن كان في يدك هذه شئ فإن استطعت أن لا يعلم هذه فافعل، وكان عنده اناس فتذاكروا الاذاعة فقال: احفظ لسانك تعز ولا تمكن الناس من قياد رقبتك فتذل " (2) وإن كنت فاعلا فعليك بصديق قد جربته مرارا وعلمت حفظ لسانه سرا وجهارا كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار عجز " (3) ومن أشعاره (عليه السلام): لا تودع السر إلا عند ذي كرم * والسر عند كرام الناس مكتوم والسر عندي في بيت له غلق * قد ضاع مفتاحه والباب مختوم ويندرج فيه كتمان عيبه ومعاصيه والكرامات التي أودع الله تعالى فيه فان إفشاءها قد يوجب زوالها وكتمان دينه إذا توهم الضرر باظهاره قال الصادق (عليه السلام) لسليمان بن خالد " يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله " (4) أمره بكتمان دينه من غير أهله وممن لا يعرف حاله. وكتمان عيب أخيه وسره لأن المؤمنين إخوة بل هم معدن واحد كنفس واحدة فمن أذاع منهم سر أحدهم أو عيبه كان كمن أذاع سر نفسه أو عيبه وقد وردت الآيات والروايات المتكثرة على الحث به قال الله تعالى: * (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) * وقال: * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) * وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من أذاع فاحشة كان كمبتديها " (5) وان أودعك أخوك سرا فعليك أن لا تخبر به أحدا وإن كان صديقك لأن للصديق أيضا صديقا وقال عمار: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " أخبرت بما أخبرتك به أحدا ؟ قلت: لا إلا سليمان بن خالد. قال: أحسنت أما سمعت قول الشاعر: فلا يعدون سري وسرك ثالثا * ألا كل سر جاوز اثنين شايع (6) قوله (عليه السلام): " أحسنت " للتقريع كما هو الشايع في استعمال هذا الكلام في المحاورات ويدل عليه ما بعده وقيل لرجل: كيف تحفظ السر ؟ فقال: أجحد للمخبر واحلف للمستخبر. وجحده وإن كان كذبا لكن الكذب مطلوب في بعض المواضع وكذا الحلف والتورية فيها أحسن، ونقل أن رجلا أفشى سره إلى أخيه فقال له أحفظت ؟ فقال: بل نسيت، ومن شأن الجاهل إفشاء السر والعيب


1 - المصدر أبواب الحكم تحت رقم 162. 2 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب الكتمان تحت رقم 14. 3 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 384. 4 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب الكتمان تحت رقم 3. 5 - رواه الكليني في الكافي باب التعيير من كتاب الايمان والكفر. 6 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب الكتمان. (*)

[ 263 ]

لعدم علمه بوخامة عاقبته وسوء خاتمته وإنما ذلك لظلمة جنانه وضعف إيمانه ورخاوة لسانه واعتياده بالايذاء والاضرار فدائما نفسه منه في تعب وبلاء وغيره منه في نصب وعناء. (والصلوة وضدها الاضاعة) إقامة الصلوة بحدودها وشرايطها من أكمل فضائل العقل وملكاته، وإضاعتها من أعظم رذايل الجهل وصفاته وذلك لأن الصلاة الكاملة الموجبة للمحو عن الهويات البشرية والاتصاف بالصفات الملكية والعروج إلى المقامات اللاهوتية كما يعتبر في تحققها أعمال بدنية مثل الطهارة وستر العورة والاستقبال إلى بيت الله والتكبير والقراءة والأذكار والركوع والسجود والتشهد والتسليم كذلك يعتبر في تحققها أفعال قلبية بازاء تلك الأعمال وتلك الأعمال بمثابة الجسد وهذه الأفعال بمنزلة الروح أما طهارة القلب فتخليصه عما سواه تعالى وتنزيهه عما عداه وأما ستره فستر عيوبه عن الروحانيين بالتوبة والانابة طلبا لقابلية محاورة الله ومناجاته والدخول في ساحة عزه ومشاهدة كمالاته. وأما استقباله إلى الله فمطالعة جلاله وجماله وقدرته وكماله، وأما قيامه بين يديه فاذعانه بأنه عبد ذليل عاجز فقير ماثل بين يدي رب جليل، وأما تكبيره فبأن يعتقد أنه تعالى أكبر من أن يصفه الواصفون وينعته الناعتون ويأتي بحق عبادته العابدون، وأما قراءته فبأن يتعمق في الباطن ما نطق به اللسان الظاهر ويتذكر أنه تعالى هو المستحق للحمد والثناء والجامع للكمالات كلها في ضمن أحسن الأسماء وأنه رب كل شئ يعطيه ما يليق به من حاله آنا فآنا ويبلغه إلى غاية كماله شيئا فشيئا فكل شئ سواء في رق الحاجة إليه مفتقر إلى فيضه مقهور بين يديه وأنه المنعم في الدنيا والآخرة ينعم كل أحد ما يليق بحاله وأنه المالك في يوم الجزاء بالاستحقاق ولا مالك فيه غيره على الاطلاق، وأنه المعبود المستحق للعبادة وغاية الخضوع دون غيره، وأنه المستعان في جميع المهمات وفي أداء العبادات، وأنه الهادي إلى الدين القويم والصراط المستقيم صراط أمير المؤمنين والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وأنه الموفق للميل عن صراط الضالين المضلين، وأما ركوعه فبأن يتواضع ويتخشع ويعترف بأنه تعالى متصف بالعظمة والكبرياء ومستحق بأن يتذلل له الأشياء بالانحناء، وأما سجوده فبأن يرى كل شئ عند كمال عظمته موضوعا وكل قدر عند جلال رفعته مخفوضا ويتواضع له زايدا على ما سبق ويلقي نفسه على تراب المسكنة والافتقار ويضع جبهته على غبار العجز والانكسار، وأما تشهده فبأن يشاهد بعين البصيرة تفرده بالالهية وتوحده بالربوبية وتنزهه على أن يشاركه في العبادة، وأما تسليمه فبأن يقصد أنه قطع المراحل الناسوتية وبلغ المنازل اللاهوتية ورأى عند أبوابها الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين خاشعين لهيبته فيسلم عليهم تحية لهم وتأنيسا بهم، وبالجملة المقصود الأصلي من الصلاة تطويع النفس

[ 264 ]

الأمارة للعقل وتمرينها على موافقته وهو لا يحصل بدون حضور القلب وأفعاله المذكورة والتفاته إلى مشارق أنوار الحق ومطالع أسراره وتجرده عن جلابيب العوايق البشرية وسيره في عالم التوحيد والصلاة بهذا الوجه أعني المشتملة على الأعمال البدنية والأفعال القلبية من أكمل فضائل العاقل العارف بالله وآياته، وهي التي ورد في وصفها والحث عليها قوله تعالى * (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء) * وقوله تعالى * (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) * وقوله (صلى الله عليه وآله): " الصلاة عمود الدين " (1) وقوله " الصلاة مفتاح الجنة " (2) وقوله " من صلى ركعتين ولم يحدث نفسه فيهما بشئ من الدنيا غفر الله ذنوبه " (3) وقوله " قرة عيني في الصلاة " (4) وقوله: " الصلاة قربان كل تقي " (5) وإضاعتها من جنود الجهل وصفات الجاهل وهي عبارة عن تركها بالمرة أو الإتيان بالأعمال البدنية مجردة عن الأفعال القلبية لأن الاضاعة تختلف باختلاف حال الجهل ورسوخه فرب جاهل يبلغ جهله إلى حد يتركها بالكلية لسواد قلبه وزوال بصيرته واعتقاده ورب جاهل يصلي ولا يخطر بباله أن يصلي إلى آخر الصلاة لتسلط النفس والشيطان عليه واشتغال قلبه بغير الله والتفاته إلى ما سواه ويشملها الذم في قوله تعالى * (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) * ورب جاهل يصلي وهو أنه يصلي في بعض الأوقات دون بعض ويحضر قلبه في بعض الأفعال دون بعض وهذا فعله مختلط وعمله ممتزج يقرب من الحق تارة ويبعد اخرى والذي يقتضيه النظر أنه في خطر عظيم ولكن دل بعض الروايات المعتبرة أنه يقبل من صلاته بقدر ما يعقله وهذا دل على صحة صلاته وخروجه عن عهدة التكليف (6) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.


1 - أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة وابن منيع أيضا، كما في الجامع الصغير وكنوز الحقائق للمناوي. 2 - لم أجده هكذا وللدارمي في سننه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري " مفتاح الجنة الصلاة ". 3 - أخرجه أحمد في مسنده ج 4 ص 112 و 117. ورواه ابن المبارك في الزهد والرقائق والراوندي في لب اللباب كما في المستدرك الوسائل كلهم بزيادة " من توضأ وصلى ركعتين - الحديث " وبادنى اختلاف في لفظه. 4 - أخرجه النسائي ج 7 ص 67 في حديث عن انس. ورواه الصدوق في الخصال أبواب الثلاثة ج 1 ص 79. 5 - رواه الكليني في الكافي كتاب الصلاة باب فضل الصلاة تحت رقم 6. 6 - قد يقع في كلام بعضهم ان قبول العمل شئ وصحته شئ آخر ويمكن ان يكون العمل صحيحا غير مقبول وربما ترى في كلام أهل التحقيق إنكار هذا المعنى ونسبته إلى الحشوية أي جهال أهل الحديث وحجة هؤلاء أن الله تعالى أمر بشئ أتى به المكلف على ما أمر به فيستحق الثواب عليه عقلا ونقلا حيث قال * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * ومن يدعي أن الله تعالى ربما لا يقبل العمل الصحيح ان أراد به أنه = (*)

[ 265 ]

(والصوم وضده الافطار) ليس المراد بالصوم هنا مجرد الامساك عن الطعام والشراب وغيرهما من الامور المذكورة في كتب الفقهاء بل المراد به الإمساك عنها وعن جميع ما يوجب البعد عنه تعالى ولا يتحقق ذلك إلا بصوم جميع الجوارح والأعضاء الظاهرة والباطنة وإمساكها عما يكره أو يحرم وذلك بأن يجتنب عن أذى الخادم وغيره وعن ضربه وشتمه، ويحفظ البصر عن النظر إلى ما لا ينبغي النظر إليه والقلب عن ذكر غير الله والسمع عن استماع ما لا يجوز واللسان عن الكذب والهذيان والغيبة والبهتان والحلف والمراء وإنشاد الشعر في الليل والنهار ويعف البطن والفرج عن تناول الشبهات والمحرمات وإكثار الحلال من الأطعمة والأشربة وتناول أنواع المستلذات وقت الإفطار، وقس على ذلك ساير الأعضاء وهو مع ذلك يقوم بين الخوف والرجاء في رده لتجويز التقصير فيه وقبوله لملاحظة لطف الله وكرمه ولا ريب في أن الصوم بهذا المعنى من أفضل خصال العقل وأعظم جنوده التي يستعين بها في جهاد النفس الأمارة بالسوء وكسر قوتها وشهواتها وإن الإفطار يعني ترك الامساك عن جميع ما ذكر أو عن بعضه من أكمل رذايل الجهل وأعوانه في إطاعة المهويات النفسانية وتناول الشهوات الشيطانية والملتذات الجسمانية الموجبة للبعد عن نيل رحمة رب العالمين والقرب من أسفل السافلين نعوذ بالله من مخاطرات الجهل وهمزات الشياطين. (والجهاد وضده النكول) الجهاد بالكسر مصدر جاهدت العدو إذا قابلته في تحمل الجهد إذ كل واحد من المتخاصمين يبذل طاقته ويتحمل مشقته في دفع صاحبه، والنكول الجبن، يقال: نكل عن العدو ينكل بالضم أي جبن، والناكل الجبان، الضعيف، ثم الجهاد على خمسة أصناف جهاد مع العدو الظاهر وهو الكافر قال الله تعالى * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) * وجهاد مع العدو الخفي قال الله تعالى * (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) * وجهاد مع أصحاب الباطل بالعلم والحجة قال الله تعالى * (وجادلهم بالتي هي أحسن) * وجهاد مع الفاسق من أهل الايمان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) * وجهاد مع النفس الأمارة بالسوء قال الله تعالى * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) * وهذا الصنف أشق وأعظم من الجميع كما دلت عليه التجربة ودل عليه ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) بعث بسرية فلما رجعوا قال: " مرحبا


= لا يعطيه ثوابا أصلا فهو قبيح لا يجوز نسبته إلى الله تعالى وإن أراد أن يعطي ثوابا أقل من أمثاله لقلة شرائط الكمال فهو ممكن ولكنه غير متبادر من لفظ القبول والحق أن كل عمل صحيح مجز يثاب عليه وان اختلفت الاعمال باختلاف شرايط الكمال ولا ريب في صحة ما ذكر الشارح من استفادة صحة العمل من الرواية ولابد أن يحمل القبول في الروايات على زيادة الثواب لا أصل الثواب (ش). (*)

[ 266 ]

بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول الله ما الجهاد الأكبر ؟ قال: جهاد النفس " (1) ومن نظر في هذا الخبر الذي نحن في صدد شرحه حق النظر وتأمل في كثرة جنود الجهل وكثرة شوكتها وغلبتها في الأكثر حق التأمل عرف سر كون هذا الجهاد أعظم وأكبر ونحن نذكر حقيقته وكيفيته ووجه كونه أعظم في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى ولا يبعد أن يراد بالجهاد هنا جميع هذه الأصناف لأن كل واحد منها من صفات العقلاء وخواص الأولياء والصابرين في البأساء والضراء الذين غاية مناهم تخليص نفوسهم ونفوس عباد الله عن قيود الهلكات، وأغلال الشبهات وسلاسل الزلات وأنتزاعها من أيدي هذه الدنيا الغدارة والأبالسة المكارة وسياقها إلى بساط الحق وساحة رحمته ومحل كرامته وفناء جنته فيدخلون فيها إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين. وأما النكول عن الجهاد والتقاعد منه فهو من سمات الغافلين وصفات الجاهلين الذين يسلكون مسالك النفوس الأمارة ويختارون راحتها على مشاقها وهم عن شناعة العاقبة جاهلون ويؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة وهم عنها غافلون. (والحج وضده نبذ الميثاق) والحج بالفتح القصد وقد غلب على قصد الكعبة للنسك المعروف، وبالكسر الاسم، والميثاق العهد ونبذه نقضه من نبذ الشئ من يده طرحه ورمى به لأن نقض العهد طرح له والمقصود أن حج بيت الله تعالى من صفات العاقل الذي شأنه الوفاء بالعهد والميثاق وتركه من صفات الجاهل الذي شأنه نقض العهد والميثاق وذلك لأن الله تعالى لما أراد أن يأخذ المواثيق من العباد أخذها في ذلك المكان وأمر الحجر وهو ملك بهذه الصورة يسمع ويرى فالتقمها فمن أتاه وجدد له الاقرار يشهد له بالموافاة يوم القيامة ومن لم يأته فهو ناقض العهد وناسيه ويشهد عليه بالكفر والانكار ونقض العهد يدل على ذلك روايات متكثرة ويحتمل أن يراد الميثاق ما أجابوا عند نداء إبراهيم (عليه السلام) وطلبه إياهم إلى الحج وهم في أصلاب الآباء وأرحام الامهات بقولهم لبيك اللهم لبيك ويحتمل أيضا أن يراد بالحج القصد إلى الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) والعكوف في أبواب علومهم ومعارفهم والسؤال عنهم لأن الله تعالى أخذ ميثاق ذلك على العباد. ونبذ الميثاق تركهم والرجوع إلى أصحاب الأهواء الباطلة وأرباب الآراء الفاسدة ومن الأفاضل لما رأى أن عدد الجنود زائد على الخمسة والسبعين بثلاثة حكم بأن هذه الفقرات الأربع أعني الصلاة وضدها الاضاعة إلى آخر الأربع ترجع إلى فقرة واحدة أعني العبادة وضدها الاضاعة (2) والله اعلم.


1 - الكافي كتاب الجهاد باب الجهاد الاكبر. 2 - قد مر في شرح أول الحديث في الصفحة 270 أن مفهوم العدد غير معتبر وليس المراد الحصر في خمسة وسبعين بل الجنود أكثر من ذلك بكثير وإنما ذكر الاهم والاعرف ومر أيضا كلام الشيخ بهاء الدين وقال في = (*)

[ 267 ]

(وصون الحديث وضده النميمة) نم الحديث ينمه وينمه بالضم والكسر نما أي قته والاسم النميمة والرجل نام ونم ونمام أي قتات للمبالغة والقتات من قتت الحديث إذا سمعته وجمعته وكذلك فعل النمام، وقال في النهاية: النميمة نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الافساد والشر، ومثله قال المازري وعلى هذا هذه الفقرة أخص من الكتمان والافشاء لأن الكتمان أعم من صون الحديث وغيره والافشاء أعم من نقل الحديث وغيره، وقال الغزالي: النميمة كشف ما يكره كشفه من قول أو فعل كرهه المنقول عنه أو إليه أو ثالث وعلى المنقول إليه أن لا يصدق الناقل لأنه فاسق وأن ينهاه لأن نهيه من النصيحة وأن يبغضه لأنه مبغض عند الله ويجب بغض من يبغضه الله سبحانه وأن لا يظن بالمنقول عنه شرا وأن لا يجسس عليه ولا يحكى ما نقل عنه لأنه يصير نماما، وحكمها الحرمة لتضمنها مفسدة عظيمة من التباغض والتباعد والتفارق وكسر عرض المؤمن وقد يؤدي إلى سفك الدماء ونهب الأموال ونحوها إلا أن تتضمن مصلحة شرعية فلا تمنع كإخبار الإمام عمن يريد أن يوقع فسادا وإخبار الرجل عمن يريد أن يفتك به أو بأهله أو بماله وقد يجب ذلك بحسب المواطن إلا أنها حينئذ ليست بنميمة وقد ورد الروايات على ذم النمام منها ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " محرمة الجنة على القتاتين (1) المشائين بالنميمة " (2). (وبر الوالدين وضده العقوق) قال في النهاية: البر بالكسر الاحسان منه الحديث في بر الوالدين وهو في حقهما وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق وهو الاساءة والتضييع لحقهم يقال بر يبر فهو بار وجمعه بررة وجمع البر أبرار وهو كثيرا ما يخص بالأولياء والزهاد والعباد، وعق والده يعقه عقوقا فهو عاق إذا آذاه وعصاه وخرج عليه وأصله من العق وهو الشق والقطع وقد ورد من طرق الخاصة والعامة أن عقوق الوالدين من كباير الذنوب فالبر بحكم التضاد من عظايم الحسنات، ومن برك بهما أن تحسن صحبتهما وتقضى ديونهما، وتعينهما على فعل الخيرات، وتفعل ما يسرهما وتترحم عليهما، وتوصل ما أمكن من الخيرات إليهما، ولا تكلفهما سؤال شئ مما يحتاجان إليه، ولا تقول لهما: اف إن أضجراك، ولا تنهرهما إن ضرباك، ولا تملأ النظر إليهما إن أغضباك ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما، ولا تقدمهما ولا تستسبهما بأن تسب أبا غيرك وامه


= الوافي: المذكور في النسخ التي رأيناها عند التفصيل ثمانية وسبعون ولعل الثلاثة الزائدة الطمع والعافية والفهم لاتحاد الاولين مع الرجاء والسلامة المذكورين وذكر الفهم مرتين في مقابله اثنين متقاربين ولعل الوجه في ذلك أنه لما كان كل منها غير صاحبه في دقيق النظر ذكر على حدة ولما كان الفرق دقيقا خفيا والمعنى قريبا كما يأتي ذكره لم يحسب من العدد - وقال المجلسي (رحمه الله) - وفي الخصال وغيره زيادات اخر يرتقى منها إلى احدى وثمانين (ش). 1 - قتوه سخن چيني (ش). 2 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب النميمة تحت رقم 2. (*)

[ 268 ]

فيسب أباك وامك ولا تفعل ما يؤذي نفسك أو صديقهما فإن ذلك يؤذيهما، ولا تعنهما على الظلم فان الاعانة عليه خلاف البر، ولا تسافر إلا بإذنهما وإن كان إلى الجهاد لأن انسهما بك يوما وليلة خير من جهاد سنة، ثم لا فرق في وجوب برهما بين أن يكونا حيين أو ميتين لرواية محمد بن عمران عن الصادق (عليه السلام) ورواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إن العبد ليكون بارا بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما دينهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عزوجل عاقا، وإنه ليكون عاقا لهما في حياتهما غير بار بهما فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه عزوجل بارا " (1) وكذا لا فرق بين أن يكونا برين أو فاجرين لما رواه عنبسة بن مصعب عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " ثلاث لم يجعل الله عزوجل لأحد فيهن رخصة أداء الامانة إلى البر والفاجر. والوفاء للعهد للبر والفاجر وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين " (2) ولا بين أن يكونا مؤمنين أو مخالفين أو كافرين لروايات متكثرة منها رواية جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) ورواية زكريا بن إبراهيم عنه (عليه السلام) (4). (والحقيقة وضدها الرياء) لكل شئ حقيقة وحقيقة العمل هي الاخلاص يعني صرفه إلى الله طلبا لرضاه والرياء وهو القصد بالطاعة إلى التقرب بالمخلوقين وطلب المنزلة في قلوبهم والميل إلى إعظامهم له وتوقيرهم إياه وتسخيرهم لقضاء حوائجه والقيام بمهماته إلى غير ذلك من الأغراض الفاسدة النفسانية والتسويلات الكاسدة الشيطانية مناف لتلك الحقيقة وضدها لا يجامعها أصلا كما أشرنا إليه سابقا بخلاف الشوب في قوله (عليه السلام) " والاخلاص وضده الشوب " فإن بعض أفراده وهو ما إذا ضم إلى العبادة قصد تحصيل الثواب والتحرز عن العقاب أو قصد التبرد والتسخن غير مناف لحقيقة الاخلاص وإنما هو مناف لكماله فلذلك لم يجعل الشوب ضد الحقيقة مثل الرياء إذا عرفت هذا فنقول: إن خصصنا الرياء في هذه الفقرة بالرياء الخالص وعممنا الشوب في الفقرة السابقة بشوب الرياء وغيره أو خصصنا الشوب بشوب غير الرياء وعممنا الرياء هنا بالرياء الخالص والرياء المنضم كان بينهما تباين في التحقق قطعا وفي الحكم ايضا على الثاني دون الأول لأن الرياء مبطل للحقيقة مطلقا والشوب على الثاني غير مبطل للحقيقة بل لكمالها عند بعض وعلى الأول أعم من أن يكون مبطلا أو غير مبطل وإن عممنا الشوب والرياء كليهما كان بينهما عموم من وجه في التحقق وعموم مطلق في الحكم. (والمعروف وضده المنكر) أي الاتيان بهما والكلام هنا في سبعة أشياء الأول في حد المعروف


1 - و (2) الكافي كتاب الايمان والكفر باب البر بالوالدين تحت رقم 21 و 15 3 - و (4) المصدر تحت رقم 10 و 11. (*)

[ 269 ]

وهو في اللغة اسم لكل ما اتصف بحال يوجب كونه معلوما ومنه يقال: فلان معروف إذا اتصف بوصف يوجب شهرته بين الناس وفي الشرع اسم لجميع ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى واجبا كان أو ندبا مثل الصلاة والزكاة والاحسان إلى الناس وإعطاء فضل المال إلى غير ذلك من مكارم الأعمال ومحاسن الأفعال ولا يبعد تخصيصه هنا بما سوى الواجبات مما يتعلق بالحقوق المالية لقول الصادق (عليه السلام) " المعروف شئ سوى الزكاة فتقربوا إلى الله عزوجل بالبر وصلة الأرحام " (1) والمنكر الشئ المتغير عن حاله ووصفه حتى ينكرو يجهل ومنه النكرة ضد المعرفة فان المعرفة إذا غيرت عن وصف التعريف تصير نكرة مجهولة. الثاني في باعثه وعلته قال الصادق (عليه السلام) " وليس كل من يحب أن يصنع المعروف إلى الناس يصنعه وليس كل من يرغب فيه يقدر عليه ولا كل من يقدر عليه يؤذن له فيه فإذا اجتمعت الرغبة والقدرة والاذن فهنالك تمت السعادة للطالب والمطلوب إليه " (2). الثالث في ثمرته وفوائده، وفوائده غير محصورة منها ما أشار إليه الباقر (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أول من يدخل الجنة المعروف وأهله، وأول من يرد علي الحوض " (3) وما أشار إليه الصادق (عليه السلام) بقوله " صنايع المعروف تقي مصارع السوء " (4) الرابع في خصال أهله قال الصادق (عليه السلام) " رأيت المعروف لا يصلح إلا بثلاث خصال تصغيره وتستيره وتعجيله فإنك إذا صغرته عظمته عند من تصنعه إليه، وإذا سترته تممته، وإذا عجلته هنأته وإن كان غير ذلك سخفته ونكدته " (5). الخامس في وضعه موضعه قال الصادق (عليه السلام) لمفضل بن عمر: " إذا أردت أن تعرف إلى خير يصير الرجل أم إلى شر فانظر إلى أين يضع معروفه فإن كان يضع معروفه عند أهله فاعلم أنه يصير إلى خير وإن كان يضع معروفه عند غير أهله فاعلم أنه ليس له في الآخرة من خلاق " (6) وقال جابر: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " لو أن الناس أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه فيما نهاهم الله عنه ما قبله منهم ولو أخذوا ما نهاهم الله عنه فأنفقوه فيما أمرهم الله به ما قبله منهم حتى يأخذوه من حق وينفقوه في حق " (7). السادس في آدابه وهي اختيار المتوسط بين الافراط والتفريط قال الله تعالى * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) * وقال أبو الحسن (عليه السلام) " لا تبذل لاخوانك من نفسك ما


1 - و (2) و (3) الكافي كتاب الزكاة باب فضل المعروف تحت رقم 5 و 3 و 11. 4 - المصدر باب أن صنائع المعروف تدفع مصارع السوء تحت رقم 1. 5 - المصدر باب تمام المعروف تحت رقم 1. 6 - و (7) المصدر باب وضع المعروف موضعه تحت رقم 2 و 4. (*)

[ 270 ]

ضره عليك أكثر من منفعته لهم " (1) السابع عدم كفران الطالب للمعروف قال أبو عبد الله (عليه السلام): " لعن الله قاطعي سبيل المعروف، قيل: وما قاطعوا سبيل المعروف قال: الرجل يصنع إليه المعروف فيكفره فيمتنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره " (2) وقال (عليه السلام): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أتى إليه معروف فليكاف به، فإن عجز فليثن عليه فإن لم يفعل فقد كفر النعمة " (3) وإذا عرفت المعروف وأقسامه وأحكامه عرفت المنكر وأقسامه وأحكامه بالتضاد، والأول من صفات العاقل العارف المستيقن بالله وباليوم الآخر، المشفق بعباد الله، والثاني من صفات الجاهل المغرور بالدنيا المفتون بزهراتها. (والستر وضده التبرج) الستر بالفتح مصدر سترت الشئ أستره إذا غطيته فاستتر هو وتستر أي تغطى والرجل ستير أي عفيف، والجارية ستيرة، وأما الستر بالكسر فهو ما يستر به كالسترة بالضم يعني أن من جنود العقل وصفات العاقل ستر الذنوب بالتوبة أو سترها عن الناس لقوله (صلى الله عليه وآله): " المذيع بالسيئة مخذول والمستتر بها مغفور له " (4) أو ستر زلات المؤمنين وعوراتهم ومعايبهم أو ستر الحلي والزينة ومواضعها عن الأجانب مثل السوار للزند والخلخال للساق والدملج للعضد والقلادة للعنق والقرط للاذن والوشاح للعاتق والكشح، وهذا أظهر الاحتمالات بقرينة ضده إذ الظاهر هو أن التبرج إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للأجانب وهو حرام عليها قال الله تعالى: * (ولا يبدين زينتهن - الآية) * وقال: * (ولا تتبرجن تبرج الجاهلية الاولى) * وإذا حرم إظهارها حرم إظهار مواضعها بالطريق الأولى وهو متفق عليه بين العامة والخاصة ومن التبرج تطييبها وتجمير ثوبها وتزيينها بأثواب فاخرة وخروجها من بيتها وتعرضها نفسها للرجال فيطمع منهم من كان في قلبه مرض قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أية امرأة تطيبت وخرجت من بيتها فهي تلعن حتى ترجع إلى بيتها متى رجعت " (5) وقال أبو عبد الله (عليه السلام) " لا ينبغي للمرأة أن تجمر ثوبها إذا خرجت من بيتها " ومنه إظهار صوت حليها للاجانب قال الله تعالى: * (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) *. (والتقية وضدها الاذاعة) في الصحاح اتقى يتقى أصله أو تقى على افتعل قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وابدلت منها التاء وادغمت، فلما كثر استعماله في لفظ الافتعال توهموا أن التاء من نفس الحروف يعني من نفس حروف الكلمة واصولها فجعلوه إتقى يتقي بفتح التاء فيهما مخففة ثم لم


1 - الكافي باب آداب المعروف تحت رقم 2. 2 - و (3) الكافي باب الكفر المعروف تحت رقم 1 و 2. 4 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب ستر الذنوب تحت رقم 1. 5 - و (2) الكافي كتاب النكاح باب التستر تحت رقم 2 و 3. (*)

[ 271 ]

يجدوا له مثالا في كلامهم يلحقونه به فقالوا تقى يتقي مثل قضى يقضي. وفي المغرب الوقاية والوقا، كل ما وقيت به شيئا والتقية اسم من الاتقاء وتاؤها بدل من الواو لأنها فعيلة من وقيت وهي أن يقي نفسه من اللائمة أو من العقوبة وإن كان على خلاف ما يضمر وفي القاموس اتقيت الشئ وتقيته وأتقيه وأتقيه تقى وتقية وتقاء ككساء: حذرته، والإذاعة إفعال من الذيع يقال: ذاع الخير يذيع ذيعا إذا انتشر وأذاعه غيره أي أفشاه والمذياع الذي لا يكتم السر إذا عرفت هذا فنقول التقية جايزة إلى يوم القيامة نقله المغرب عن الحسن أيضا وهي دين الله في عباده وسنة الله في بلاده (1) وجنة المؤمن يدفع بها سيوف مكر الماكرين وترسه يرد بها سهام كيد الكائدين وحصنه يأوي إليه لدفع تعدي الظالمين ومن صفات العاقل الفاضل الذي يعلم حقيتها وحقيقتها ومواضع استعمالها وموارد الحاجة إليها فيقول ويفعل عند الضرورة والحاجة بخلاف ما يعتقده حفظا لنفسه وماله وغير ممن المسلمين عن التورط في المهالك ويحسن صحبة الأشرار تحرزا من عقوبتهم وتفززا من مؤاخذتهم وقد روي " أن رجلا استأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: بئس أخو العشيرة فأذن له فلما دخل عليه أقبل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوجهه وبشره يحدثه حتى فرغ وخرج من عنده فقيل له: يا رسول الله أنت تذكر هذا الرجل بما ذكرته وأقبلت عليه بوجهك وبشرك فقال (عليه السلام): إن من شر عباد الله من يكره مجالسته لفحشه " (2) وتقية الأئمة (عليهم السلام) من أهل الجور مشهورة في الكتب مسطورة في الآيات والروايات الكثيرة دلالة على جوازها بل على وجوبها قال الله تعالى: * (إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان) * نزل في عمار بن ياسر حين (3) أكرهه أهل مكة وقال: * (اولئك يؤتون


1 - التقية دين الله في عباده فإنه تعالى أمر بذلك وسنة الله في بلاده لأن الناس مجبولون عليها ولا يخالفون الجبارين في سلطانهم إلا إذا عملوا من أنفسهم قوة وقدرة على دفعه. واعلم أن التقية من السلطان أعني الحكومة والحكومة لا يهتم بشئ إلا بملكه وقدرته فإذا احتمل من جماعة خروجا عليه دفعهم ونكل بهم سواء كانوا موافقين له في المذهب أو مخالفين وإن لم يعتقد فيهم خلافا خلاهم ومذهبهم ولذلك أمر الأئمة (عليهم السلام) شيعتهم باستعمال التقية وإظهار الطاعة حتى يأمن الامراء من بوائقهم ويخلوهم وهذا أكثر تأثيرا في بيان الاحكام وترويج الشرع وإنما بقي مذهب التشيع وانتشر هذا الانتشار السريع العظيم بشيئين بأمن الامراء من طغيانهم وبائقتهم في بلاد المخالفين وبتنزه علمائهم من تصدي مناصب الحكومة واستقلالهم في أمرهم بحيث لا يحتمل العزل والنصب في حقهم كما في علماء أهل الخلاف (ش). 2 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب من يتقى شره وأخرجه مسلم ج 8 ص 21. 3 - ويعيب مخالفونا على مذهبنا في التقية وعمدتهم في ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) في اعتقادكم نصبو لبيان الشرايع والاحكام فلو اتقوا من الاعداء ولم يبينوا بقيت الاحكام مستورة غير معلومة وانتفت الفائدة من نصبهم وأيضا لم يبق اعتماد على أقوالهم وأحكامهم إذ يحتمل التقية بيان خلاف الواقع وأنتم تقولون الإمام يجب أن يكون معصوما من الخطأ ليكون قوله حجة والتقية مثل الخطأ أو أشنع إذ يوجب عدم الاعتماد = (*)

[ 272 ]

أجرهم مرتين بما صبروا) * قال الصادق (عليه السلام): بما صبروا على التقية وقال: " ويدرؤن بالحسنة السيئة " قال (عليه السلام): " الحسنة التقية والسيئة الإذاعة " (1) وبالجملة التقية ترس العاقل وحرزه وجنده، وأما ضدها وهي الاذاعة فمن صفات الجاهل الذي يقصر نظره عن ملاحظة سوء عاقبتها وقبح مآلها فإنه قد يفعل شيئا أو يتكلم بكلام أو يروي حديثا يورث قتله أو ضربه أو حبسه أو شتمه أو نهب أمواله أو سبي ذراريه أو نكال غيره من المسلمين وقد دلت الآيات والروايات المتكثرة على ذمها قال الله تعالى: * (فإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به) * وقد عيرهم بالاذاعة فاياكم والاذاعة وقال الصادق (عليه السلام): " ما قتلنا من أذاع حديثنا خطاء ولكن قتلنا قتل عمد " (2). (والانصاف وضده الحمية) الانصاف العدل والتسوية، يقال: القاضي أنصف بين الخصمين إذا عدل وسوى بينهما في المجلس، وفلان أنصف الناس من نفسه إذا رضي لهم ما رضي لنفسه وكره لهم ما كره لنفسه وحكم على نفسه لو كان الحق لهم وعن الصادق (عليه السلام): " سيد الأعمال ثلاثة وعد منها إنصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى لك بشئ إلا رضيت لهم مثله " (3) ومنه الانصاف في المعاملة وهو أن لا يأخذ من صاحبه من المنافع إلا مثل ما يعطيه ولا يناله من المضار ما يناله منه وهو من أكمل فضايل العقل لأن العاقل يعلم أن من أنصف زاده الله تعالى عزا في الدنيا والآخرة وهو في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله والحمية الأنفة يعني استنكاف الرجل من دخول العار عليه وهي سبب لحميته وحمايته وغايتها أن يدفع عن قومه ظلما وجورا وإن أدى دفعه إلى ظلم وجور أشنع وأقبح من ذلك أو يرتكب لدفع ما هو خلاف الأولى عن نفسه أو عن قومه ضررا عظيما لغيره أو يرى شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين أو نحوها مما هو شريعة الجهلاء وطريق السفهاء لقسوة قلوبهم وغلظة طبايعهم حتى أنهم يستعملون لسوط واحد سيوفا ويحدثون لحتف واحد حتوفا ويقيمون حمية الجاهلية الاولى ويظنون أن ذلك مماثل للانصاف بل هو أفضل وأولى فلا يجدون إلى الانصاف دليلا اولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من تعصب


= عليهم والجواب أن فرض التقية إنما هو فيما لا يوجب خفاء الاحكام ولا ينتفي به الاعتماد على قول الإمام وفرق بين التقية وعدم العصمة لأن التقية عمد فإذا افتى بالتقية وكان عالما به لم يمنعه من بيان الحقيقة في وقت آخر بحيث يزيل الشبهة وأما عدم العصمة فربما يخطي في الحكم أو في الفعل ولا يعلم به ولا يلتفت إليه فيمضي الأمر على خطائه وإن أراد الاستدراك احتمل خطائه في الثاني دون الاول (ش). 1 - راجع الكافي كتاب الايمان والكفر باب التقية. 2 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب الاذاعة تحت رقم 4. 3 - المصدر باب الانصاف والعدل تحت رقم 7. (*)

[ 273 ]

أو تعصب له فقد خلع ربقة الايمان من عنقه " (1) وقال: " من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية " (2) وينبغي أن يعلم أن تعصب الرجل وحميته في الدين ومحبته لقومه وإعانته لهم لا على الظلم ليست من الحمية المذمومة قال علي بن الحسين (عليه السلام): " لم تدخل الجنة حمية غير حمية حمزة بن عبد المطلب وذلك حين أسلم غضبا للنبي (صلى الله عليه وآله) في حديث السلا الذي ألقى على النبي (صلى الله عليه وآله) " (3) وقال (عليه السلام): " ليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم " (4). (والتهيئة وضدها البغي) التهيئة إما بمعنى الموافقة يقال: تهايئوا أي توافقوا أو بمعنى الاصلاح تقول: هيأت الشئ إذا أصلحته، أو بمعنى تهيئة النفس واستعدادها للحركة نحو الفضايل والاعراض عن الرذايل أو بمعنى ما يتبع ذلك الاستعداد من هيئة حسنة راسخة موجبة لعدم ظهور ريبة منها ولبقائها على حالة واحدة واستمرارها عليها وهي في الحقيقة مبدء لتحصيل الكمالات. قال في المغرب: الهيئة هي الحالة الظاهرة للمتهيئ للشئ وقوله (عليه السلام): " اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم " (5) قال الشافعي ذو الهيئة من لم يظهر منه ريبة والبغي بمعنى طلب الشر، يقال: بغى أحدهما صاحبه في شئ أي طلب له شرا أو أراده له وبمعنى التعدي والاستطالة والظلم وكل مجاوزة المحل وإفراط على المقدار الذي هو حد الشرع ولعل المقصود والله يعلم أن الموافقة بين الناس أو بين الإمام والرعية أو إصلاح النفس من رينها وصقلها من كدرة شرارتها أو استعدادها نحو الكمال أو الهيئة التابعة لذلك الاستعداد الموجبة لعدم ظهور ريبة منها ولبقائها على حالة واحدة مع استمرارها على تلك الحالة وعدم خروجها منها من صفات العقل وجنوده والبغي بالمعاني المذكورة من صفات الجهل، هذا وقرأها سيد الحكماء بالبهشة، وقال: البهشة بالباء الموحدة قبل الهاء وقبل الشين المعجمة الارتياح لذي فضل وللمعروف وأحبابه والميل إليه وضدها البغي عليه. (والنظافة وضدها القذر) في الصحاح النظافة النقاوة وقد نظف الشئ بالضم فهو نظيف ونطفته أنا تنظيفا نقيته والتنظف تكلف النظافة وفي النهاية فيه أن الله تعالى نظيف يحب النظافة. نظافة الله كناية عن تنزهه من سمات الحدوث في صفاته وتعاليه في ذاته عن كل نقص وحبه النظافة من غيره كناية عن خلوص العقيدة ونفي الشرك ومجانبة الأهواء ثم نظافة القلب عن الغل والحقد والحسد وأمثالها ثم نظافة المطعم والملبس عن الحرام والشبهة، ثم نظافة الظاهر بملابسة العبادات


1 - و (2) و (3) و (4) رواه الكليني في كتاب الايمان والكفر باب العصبية تحت رقم 2 و 3 و 5 و 7. 5 - أخرجه أبو داود في السنن ج 2 ص 446 هكذا " اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود ". (*)

[ 274 ]

ومنه الحديث " نظفوا أفواهكم فإنها طرق القرآن " (1) اي صونوا عن اللغو والفحش والغيبة والنميمة والكذب وأمثالها وعن أكل الحرام والقاذورات والحث على تطهيرها من النجاسات والسواك، والحاصل أن طهارة الباطن والظاهر ونزاهتهما عن جميع ما لا ينبغي اتصاف الناس به ظاهرا أو باطنا من أنصار العقل في الترقي إلى عالم القدس كما يرشد إليه قوله تعالى: * (وثيابك فطهر والرجز فاهجر) * وقذارتهما من أعوان الجهل في التباعد عن ذلك العالم لأن عالم القدس طاهر لا يسكن فيه إلا الطاهرون، وينبغي (أن يعلم) أن طهارة الباطن يستلزم طهارة الظاهر وكذا نجاسة الباطن يستلزم نجاسة الظاهر لأن ما في الباطن يترشح إلى الظاهر فلا جرم الحالة الباطنة مبدء للحالة الظاهرة ومن ثم يستدلون بالظواهر على البواطن. (والحياء وضده الخلع) قيل: الحياء انكسار يصيب الحياة، وقيل: هو تغير يلحق من فعل أو ترك ما يذم به، وقيل: هو خلق يمنع من القبيح ومن التقصير في الحقوق وهو غريزة في الاكثر وقد يتخلق به بالاكتساب لأن من لم يجبل عليه ربما يلتزم الحقوق ويتمسك بالشرايع ويمارسها في كر الدهور ومر الازمان فيحصل له ملكة الانزجار عن القبايح ومبدء الانقباض عن المحارم وهي الحياء وله مراتب متفاوتة وأفراد متفاضلة أكملها وأفضلها ما ينزجر به الجوارح الظاهرة والباطنة كلها عن ارتكاب ما لا ينبغي ودون ذلك درجات، فإن قلت قد يكون في الإنسان ما يمنعه من حقوق الله تعالى فهل هو حياء حقيقة أم لا ؟ قلت: لا وإنما هو خور ومهانة وحمق - وإطلاق الحياء عليه أحيانا وتقسيمه إليهما في قوله (صلى الله عليه وآله): " الحياء حياءان حياء عقل وحياء حمق فحياء العقل هو العلم وحياء الحمق هو الجهل " (2) وفيما نقل عن الحكماء أن الحياء منه سكينة ووقار ومنه ضعف وفيما نقل عنهم في باب الأخلاق أن كل فضيلة نفسانية وسط بين طرفيها المذمومين طرف الإفراط وطرف التفريط فالحياء الممدوح وسط بين طرف إفراطه وهو الخور أعني الاستحياء من كل شئ وهذا مذموم لأن يؤدي إلى ترك الواجبات كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره وطرف تفريطه وهو الخلاعة أعني عدم الاستحياء من بعض الوجوه وهذا أيضا مذموم لأنه يؤدي إلى ارتكاب بعض المحظورات - لا يدل على أن إطلاق الحياء على ما يمنع من حقوقه تعالى على سبيل الحقيقة لأن الاستعمال أعم من الحقيقة والمقسم لا يجب أن يكون محمولا على معناه الحقيقي ويؤيد ما قلنا ما رواه مسلم عن عمران بن حصين أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " الحياء لا يأتي إلا بخير " (3) و " الحياء كله خير " (4)


1 - أخرجه الديلمي في الفردوس كما في كنوز الحقائق للمناوي. 2 - رواه الكليني في كتاب الايمان والكفر باب الحياء 8. 3 - أخرجه في صحيحه ج 1 ص 47 والبخاري ج 8 ص 35 من حديث عمران بن حصين. = (*)

[ 275 ]

وحمل هذا على الايجاب الجزئي لا وجه له على أن اصطلاح الحكماء ليس حجة علينا ولذلك لما سمع بشر بن كعب عن عمران ما نقله عارضه بقول الحكماء فقال عمران احدثك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتحدثني عن صحيفة الحكماء فانكار عمران دل على أن لا وجه لمعارضة السنة بقول الحكماء ويؤيده أيضا قول المحقق الطوسي (رحمه الله) حيث عد الحياء من أنواع العفة الحاصلة من الاعتدال في القوة الشهوية وعرفه بأنه انحصار النفس عن ارتكاب القبايح احترازا عن استحقاق المذمة فإنه صريح في أن انحصار النفس عن ارتكاب المحاسن لغرض ما ليس بحياء، فإن قلت: قد ينسب الحياء إلى الله تعالى فيقال: إنه حيي فما معناه ؟ قلت: معناه إنه سبحانه يعامل معاملة من له حياء يعني لا يصدر عنه القبايح وذلك لأنه إذا نسب إليه تعالى مبادي الآثار ولا يصح عقلا أو شرعا إرادة تلك المبادى يراد منها تلك الآثار مجازا والجلع الذي هو ضده إما بالجيم وهو قلة الحياء قال في الصحاح: جلعت المرأة بالكسر فهي جلعة وجالعة أيضا قليلة الحياء تتكلم بالفحش وكذلك الرجل جلع وجالع، ومجالعة القوم مجاوبتهم بالفحش وتنازعهم عند الشرب والقمار، وإما بالخاء المعجمة وهو النزع يقال: خلع ثوبه عن بدنه إذا نزعه وجه كونه ضد الحياء ظاهر لأن الحياء بمنزلة اللباس يستر جميع الأعضاء ويمنع ظهور معايبها وصدور قبايحها وضده هو خلع ذلك اللباس وكشف تلك المعايب والقبايح وإنما كان الحياء من جنود العقل وضده من جنود الجهل لأن الإنسان متوسط بين العالمين عالم الهداية وعالم الغواية وعالم القدس وعالم الطبيعة. والعقل يدعوه إلى الأول والجهل يدعوه إلى الثاني فإذا لبس الحياء الزاجر له عن ارتكاب القبايح يجذبه العقل إلى غاية مناه بسهولة لأن الجذب بلا مانع أشد وأسهل من الجذب معه، وإذا خلع منه ذلك اللباس وظهر منه أنواع القبايح وأصناف المعايب يجذبه الجهل إلى نهاية مناه بسهولة لما عرفت، فمن له حياء كامل قريب من الحق بالغ إلى أقصى مدارج الهداية ومن له خلع كامل بعيد عن الحق بالغ إلى أعلى معارج الغواية والمتوسط بين الامرين متوسط بين العالمين متردد يقرب من كل منهما تارة ويبعد اخرى حتى يؤل أمره إلى ما شاء الله. والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل. (والقصد وضده العدوان) القصد بالشئ إرادة الاتيان به، والقصد أيضا العدل وهو التوسط في الامور بين الافراط والتفريط ولعل المقصود أن من جنود العقل إرادة الخيرات كما روي " نية المؤمن خير من عمله " (1) وإن قصد برا ولم يقدر عليه كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو


= 4 - أخرجه مسلم ج 1 ص 48 وأبو داود في السنن ج 2 ص 552. 1 - أخرجه الطبراني في الكبير من حديث سهل بن سهل. (*)

[ 276 ]

عمله أو المقصود أن من جنوده التوسط بين الطرفين في الأقوال والأفعال والعقائد كالتوسط في المشي بين الدبيب والاسراع قال الله تعالى * (واقصد في مشيك) * وروي أن سرعة المشي يذهب ببهاء المؤمن (1) والتوسط في الانفاق بين التبذير والتقتير قال الله تعالى: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) * والتوسط في العبادة بحيث لا يلحق البدن مشقة شديده يتنفر الطبع عنها ولا يتركها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا علي إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض نفسك عبادة ربك فان المنبت (يعني المفرط) لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرما، واحذر حذر من يخاف أن يموت غدا " (2) [ والتوسط في جميع الأخلاق بين الافراط والتفريط ] والتوسط في معرفته تعالى بين التعطيل والتشبيه والتوسط في الكسب بين الكسالة والجد المانع من الراحة البدنية أو الحقوق الدينية، وبالجملة التوسط في جميع الامور إلا الذنوب مطلوب ممدوح والعدوان بمعنى التجاوز عن الأوساط إلى طرف التفريط والافراط كما هو شأن الجاهل [ الهارب ] عن الصراط المستقيم مذموم. (والراحة وضدها التعب) يعني أن الراحة الروحانية والجسمانية واختيار ما يوجبها من فضائل العقل وجنوده لعلمه بحقارة الدنيا وزهراتها وانصرام زخارفها ولذاتها وانقضاء مصائبها وآفاتها فيرفض الشواغل الدنياوية وينفض الوساوس النفسانية ويترك اللذات الجسمانية فلا يغتم بفوات الأموال والأسباب ولا يهتم بتحصيل المقتنيات والاكتساب، ولا يغتم بغبرة التزلزل والاضطراب، ولا يحسد ولا يبغض ولا يغضب ولا يجادل ولا يماري فهو دائما فارغ البال مرفه الحال، لا نفسه منه في تعب ولا روحه منه في نصب، وأما الجاهل فهو دائما في تعب ومشقة وأبدا في محنة وبلية لاهتمامه بتحصيل المقتنيات وحفظه للرسوم والعادات، واغتمامه بفوات المشتهيات من المطعومات والملبوسات، وارتكابه لامور شديدة صعبة من المعاملات واحتماله من الاشغال الدنياوية والأثقال الزايلة الفانية ما يتعب نفسه من تحملها أو يعجز، والتجائه في ذلك إلى التحاسد والتباغض مع بني نوعه من أبناء الزمان إلى غير ذلك من الامور المورثة للحزن والغم والهم والتعب كما هو المعروف من جملة أفراد الإنسان ومنشؤ ذلك استعظام الدنيا واستحقار الآخرة وهم لا


1 - رواه الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني في تحف العقول ص 36 عن النبي (صلى الله عليه وآله) مرسلا، وأخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي هريرة والخطيب في الجامع والديلمي في الفردوس من حديث ابن عمر، وابن النجار عن ابن عباس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير. 2 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب الاقتصاد في العبادة تحت رقم 6. ورواه احمد في مسنده من حديث انس، والبزار من حديث جابر. (*)

[ 277 ]

يعلمون * (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون) * فقد ظهر مما ذكرنا أن الراحة من صفات العقل والتعب من صفات الجهل. وأما إعانة كل لصاحبه فظاهرة لأنه نجى المخفون وهلك المثقلون. (والسهولة وضدها الصعوبة) السهولة اللينة واليسر والذل بالكسر يعني سرعة الانقياد يعني سهولة الطبع في قبول الحق ويسره في قبول الصفات المرضية والأخلاق الحسنة والأطوار الصحيحة وذله وانقياده في الدين من صفات العاقل وعلامات الإيمان كما ورد من طرق العامة والخاصة " المؤمنون هينون لينون " (1) وصعوبة الطبع يعني أضداد هذه الامور من صفات الجاهل الحاير الذي ينبو ذهنه من الحق الزاهر، ويمرق طبعه من عرض الصدق إلى الجانب الآخر، ولا يطيع لقائده إلى منازل العرفان والكمال بل يغلبه مثل الجموح عن دين الحق مسرعا في سبل الضلال وكذا شأنه دائما في سرعة المسير إلى أن يقع في أسفل السافلين وبئس المصير. (والبركة وضدها المحق) البركة النماء والزيادة ويحتمل أن يراد بها الدوام والثبات من برك البعير إذا استناخ ولزم وثبت في موضع واحد، والمحق النقصان وذهاب البركة، وقيل: هو أن يذهب الشئ كله حتى لا يرى منه أثر، ومنه * (يمحق الله الربا) * أي يستأصله ويذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه ولعل المقصود أن الزيادة في فعل الخيرات والمبالغة في المبرات والثبات والدوام عليها من صفات العقل وكمال العقلاء كما روي " من استوى يوماه فهو مغبون " (2) وروي أيضا " ما من شئ أحب إلى الله عزوجل من عمل يداوم عليه وإن قل " (3) والنقصان في العمل أو عدم الدوام والثبات عليه من صفات الجاهل لجهله بمنافع العمل وغفلته عن جزيل الثواب ونسيانه حظه ونصيبه في يوم الحساب، وقيل: المراد أن العاقل يحصل المال من الوجه الذي يصلح له ويصرف فيما ينبغي الصرف فيه فينمو ويزيد ويبقى ويدوم له، والجاهل يحصل من غير وجهه ويصرف في غير المصرف فيبطل ماله ويذهب بركته، وقيل: المراد أن البركة من صفات العقل لارتفاعه عن العالم التغير والآفة والدثور والنقص من صفات الجهل لتعلقه بعالم الفساد والزوال والشرور.


1 - أخرجه البيهقي في شعب الايمان من حديث ابن عمر كما في الجامع الصغير. ورواه الكليني في الكافي كتاب الايمان والكفر (باب المؤمن وعلاماته وصفاته) تحت رقم 14. 2 - رواه الصدوق (رحمه الله) في معاني الاخبار ص 342 باب معنى المغبون باسناده عن الصادق (عليه السلام) " من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان. ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة ". 3 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب استواء العمل والمداومة عليه تحت رقم 3. (

[ 278 ]

(والعافية وضدها البلاء) يقال: عافاه الله معافاة وعافية إذا سلمه من الآفات وبلاه وأبلاه بلاءا إذا جربه واختبره وامتحنه ويمكن أن يراد بالسلامة والبلاء فيما مر السلامة من إيذاء المسلمين أو من الأمراض النفسانية كما أشرنا إليه أو من العيوب والآفات البدنية كما قيل فإن السلامة من هذه الامور من صفات العاقل إذ العاقل لا يؤذي مسلما ويتخلص من الأمراض النفسانية مهما أمكن من العيوب والآفات حيث يعرفها ويعرف طريق التخلص، والجاهل يختارها ويقع فيها من حيث لا يدري وأن يراد بالعافية والبلاء هنا العافية والسلامة من الأعمال الظاهرة الفاسدة أو من العقوبات الاخروية وأهوالها بالتحرز عن موجباتها أو مما يوجب سقوط المنزلة عند الله تعالى أو من المكاره الناشية من الإخوان، أو من زوال النعمة فإن السلامة من هذه الأمور من صفات العاقل لأنه يفر عما يوجب فساد العمل وثبوت العقوبة وسقوط المنزلة ويعفو عن بني نوعه ويسامحهم فيتخلص بهذه الحيلة عن مكارههم ويشكر النعم فيجلب النعمة ويأمن زوالها والابتلاء بهذه الامور من صفات الجاهل. وعلى ما ذكرنا يتحقق الفرق المعنوي بين الفقرتين وإن كان تكلفا، ونقل عن الشيخ بهاء الملة والدين أنهما بمعنى واحد وإن إحديهما كانت بدلا عن الاخرى جمع بينهما الناسخ غافلا عن البدلية، وقال سيد الحكماء: البلاء ضد العافية بمعنى البلوى والبلية، والبلاء ضد السلامة بمعنى الامتحان والاختبار ومن توهم أنهما بمعنى واحد يلزمه أن يكون جند الجهل ثلاثة وسبعين وهو على خلاف قول الإمام (عليه السلام) وعلى خلاف جند العقل وفيه أولا أن الامتحان والاختبار أيضا بلية وثانيا أن من توهم اتحاد البلاء في الموضعين توهم اتحاد العافية والسلامة أيضا فلا يلزمه أن يكون جند الجهل على خلاف جند العقل وأقل منه، ولا يلزمه أيضا أن يكون الجهل أقل من ثلاثة وسبعين لأن تفصيل الجنود زايد على ثلاثة وسبعين بثلاثة وغرض المتوهم أن يرجع بعضها إلى بعض حتى يعود الجميع إلى ثلاثة وسبعين كما أشرنا إليه في أول الحديث. (والقوام وضده المكاثرة) القوام بالفتح العدل قال الله تعالى: * (وكان بين ذلك قواما) * وقوام الأمر بالكسر ما يقوم به أمره ويتم به نظامه، يقال: لفلان قوام من العيش أي ما يقوم بحاجته الضرورية، والمكاثرة من الكثرة وهي نقيض القلة وكثيرا ما تستعمل للمغالبة، يقال: كاثرناهم فكثرناهم أي غلبناهم بالكثرة في المال أو العدة. يعني من صفات العاقل التوسط في تحصيل المعاش والاقتصار بقدر الكفاف وهو القدر الذي يحتاج إليه في بقاء شخصه ويتقوى به في عبادة ربه غير متجاوز عن ذلك الحد لعلمه بحقارة الدنيا ومفارقته لها إلى دار القرار ووقوفه للحساب بين يدي الملك الجبار فيبعثه ذلك إلى إعداد زاد الآخرة والانقطاع عن حبل العلائق وصرف العمر في طلب الحقائق والاجتناب عن زوائد الدنيا والاختيار في طريق المعاش أحسن الطرائق وهو طريق

[ 279 ]

التوسط ومن صفات الجاهل صرف العمر في تحصيل ما لا يحتاج إليه من زهرات الدنيا وزخارفها الموجبة للخسران وفي استكثار الأموال والأسباب للغلبة على غيره من أبناء الزمان وذلك يوجب فرار طبعه السقيم عن إدراك معالم الدين حتى يأتيه الموت بغتة وهو من الهالكين. (والحكمة وضدها الهوى) الحكمة ما يمنع من الجهل والحكيم من منعه عقله منه اخذت من حكمة الدابة وهي حديدة اللجام لأنها تمنع الدابة عن الجموح والمراد بها العلم والعمل النافعين في الآخرة واتباع ما هو الأصلح والأنفع فيها لا ما اشتهر من العلم بحقائق الأشياء والتصديق بأحوالها والعمل بما يقصد به العمل إذ هو شامل للحكمة النظرية بأقسامها أعني علم ما بعد الطبيعة وعلم الرياضي وعلم الطبيعي وللحكمة العملية بأقسامها أعني تهذيب الاخلاق وتدبير المنازل وسياسات المدن والظاهر أنه لا مدخل لاصول الرياضي في الدين والشارع لا يرغب فيها، وهي علم الهندسة الباحث عن المقادير وأحكامها ولو احقها وعلم الحساب الباحث عن أحوال العدد وخواصه، وعلم النجوم الباحث عن اختلاف أوضاع الأجرام العلوية بنسبة بعضها إلى بعض وبالنسبة إلى الأجرام السفلية وعن مقادير تلك الأجرام وأبعادها (1). وعلم التأليف الباحث عن أحوال المؤلفة، وعلم الموسيقى الباحث عن تناسب الأصوات بعضها ببعض وكمية زمان سكناتها وحركاتها وكيفية إخراجها عن مواضعها، وكذا لا مدخل لفروعها فيه، مثل علم المناظر والمرايا وعلم الجبر والمقابلة وعلم جر الأثقال، وكذا لا مدخل فيه لاصول الطبيعي الباحثة عن الزمان والمكان والحركة والسكون والنهاية واللانهاية وعن الأجسام البسيطة والمركبة وكيفية حدوث الحوادث الهوائية والأرضية وعللها مثل الصاعقة والمطر والرعد والبرق والزلزلة وأمثالها، وكذا لا مدخل لفروعها فيه مثل الطب والفلاحة وغيرهما. والهوى مصدر هواه إذا أحبه واشتهاه ثم سمي به الهوى المشتهى محمودا كان أو مذموما ثم غلب على المذموم والمراد به


1 - ليس المراد بالحكمة المذكورة في هذا الموضع من الحديث علم الحكمة الاصطلاحي لإنه (عليه السلام) جعلها في مقابل الهوى ولو كان المراد العلم الاصطلاحي لجعله في مقابل الجهل أو السفاهة والغباوة وأمثالها وهذا هو الصحيح في الاحتجاج لا ما ذكره الشارح (رحمه الله) من أن الشارع لا يرغب في العلوم الرياضية كالنجوم إذ فيه مؤاخذتان الأولى أن الشارع رغب في علم النجوم وأمثاله بقوله * (إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار - إلى قوله - لآيات لقوم يعقلون) * لأن فيها دلائل على التوحيد كما رغب في العلوم الطبيعة في آيات كثيرة وفي الطب والتشريح والجامع لذلك كله * (سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) * والمؤاخذة الثانية أن كل شئ رغب فيه الشارع لا يجب حمل كل كلام عليه وظاهر كلام الشارح أن ما يتعلق من علم الحكمة الاصطلاحي بالالهيات وعلم النفس وتهذيبها وبالجملة ما رغب فيها وهي غير العلوم الرياضية والطبيعة داخل في المراد (ش). (*)

[ 280 ]

هنا المعنى المصدري أعني اتباع المهويات الذميمة واقتفاء المشتهيات القبيحة. ووجه كون الحكمة من جنود العقل وأعوانه والهوى من جنود الجهل وأنصاره ظاهر إذ بالحكمة (1) يتنور قلب العاقل حتى يفهم المشروعات والمحظورات والمستحيلات ويبصر المقاصد الشرعية ويهتدي إلى وجوه المصالح الدنيوية والاخروية ويحصل له بذلك من القول والفعل والعقل حالة وثيقة وملكة شريفة لا يرد عليها الانتقاض ولا يعتريه الانتقاص (2) إلى أن يرد في ساحة الحق والجاهل لما كان قلبه مظلما بحيث لا يجد إلى معارف الحق دليلا ولا إلى منازل القدس سبيلا إذ اتبع الهوى وارتكب المحظورات واستمر على المحرمات وانهمك في المشتهيات زادت ظلمته وغلبت كدرته فهو في بيداء الجهالة طاير، وفي ظلمات بعضها فوق بعض حاير، حتى يطلع صبح يوم القيامة عن افق الموت وأي يوم * (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) *. (والوقار وضده الخفة) الوقار بالفتح الرزانة، والمتانة، وقد وقر الرجل وقارا فهو وقور أي رزين متين إذا كانت نفسه مطمئنة في تحصيل المطالب مستقيمة في الوصول إلى المآرب بحيث لا يحركها الغضب ولا يهزه المكاره بسهولة ولا يتجاوز عن الحد اللايق به عقلا وشرعا وهو من جنود العقل في تصاعده من المنازل السافلة وعروجه إلى المقامات العالية في الدنيا والآخرة لأن عدم انفعال النفس بورود المكاره وعدم اضطرابها بنزول المصائب وعدم تزلزلها بمشاهدة النوائب راحة حاضرة ومنفعة ظاهرة والعفو عن جرائم الناس والصفح عنها وعدم الغلظة عليهم بتسكين ثوران الغضب واطفاء نيران الغيظ والتعب وترك ما يوجب الفرقة بين التصاغر والتشاجر والتقاطع والتخاذل والتنازع والتشاتم والطيش والعجلة من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال ومحامد الامور التي يوصف بها أهل المجد والشرف والنجدة والرزانة، ويوجب الرفعة عند الخالق والخلائق، ويجلب محبتهم ومودتهم. والخفة وهي الطيش والعجلة والجزع لفوات قليل والفرح لطلب كثير


1 - يعني به علم الحكمة الإلهية فإن صاحب هذا العلم يعرف المشروع والمحظ بالحكمة العملية عرفانا جيدا مأخوذا من وجهه ودليله ويعرف المعقول من المستحيل بالحكمة النظرية مثل أن يد الله وعين الله بالمعنى الجسماني محال وأنه ليس في جهة ومكان وأن الكلام النفساني محال وأنه لا يجوز القبيح عليه تعالى كتقديم المفضول على الفاضل ويبصر المقاصد الشرعية أي يعرفها على بصيرة مثل أن الغرض من العبادة تهذيب النفس فيجتنب الرياء (ش). 2 - لأنه علم كل مسألة اعتقادية بدليل لا تعتريه شبهة فاستقام بخلاف أهل التقليد والجهال وربما ترى في كلام أصحاب الحديث أن إيمان الجهال أتقن وأحكم من كثير من العلماء وهو بمعزل عن الصواب مردود على قائله. (ش) (*)

[ 281 ]

والاضطراب لأمر يسير والتزلزل لشئ حقير من صفات الجاهل لأن قلبه سخيف وعقله خفيف ولبه في تيه الجاهلة حاير كأنه موضوع على جناح طاير فيتحرك ويضطرب دائما وذلك يثير الفتنة العظمى والبلية الكبرى، ويسومه سوء العذاب، ويورده في مورد العتاب، ويخلع عنه لباس الكرامة، ويجره إلى ذل المهانة في الدنيا والآخرة. (والسعادة وضدها الشقاوة) قال الله تعالى * (فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) * والسعيد الحقيقي من آمن وصدق بالله وملائكته ورسله إيمانا لا يفوته عمل ولا يشوبه دغل ولا ينوبه زلل ولا يعرضه خلل وتصديقا يقوي به عقله على التحرز من المكائد الشيطانية والوساوس النفسانية واللذات الجسمانية ويستعد به ذهنه لشروق أنوار المعارف الآلهية وبروق مكارم الأخلاق الربانية بحيث ينظر بعين التفكر في ملك الأرضين وملكوت السموات، ويرى الحق بعين البصيرة في عجائب المخلوقات وبدايع المصنوعات ويرتوي من زلال عيون الكمالات ويخلع عن نفسه لباس الشهوات ويجتنب من هموم الدنيا وعلائق حالاتها ويتوجه إلى أمر الآخرة وشواهق مقاماتها فيصير نورا في نفسه ومصباحا لغيره ذلك فضل الله سبحانه على عباده المرسلين والأئمة الطاهرين ومن اقتفى آثارهم من العباد الصالحين، والشقي الحقيقي من كفر بالامور المذكورة ووقع في مهاوي الضلالة ومهالك الغواية وبينهما مراتب متفاوتة ومنازل متباعدة يجتمع فيها اسم السعادة والشقاوة بالإضافة فرب سعيد من وجه شقي من وجه آخر ومن غلبت سعادته فهو في جنات النعيم ومن غلبت شقاوته فهو في عذاب الجحيم ومن استوى فيه الأمران فهو في خطر عظيم ورحمة الله قدامه وهو الغفور الرحيم. (والتوبة وضدها الإصرار) التوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه ومنعه من الوصول إلى الحق والندم على ما فرط والعزم على ترك المعاودة ودرك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال ورد المظلمة إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منه فمتى اجتمعت هذه الامور تحققت حقيقة التوبة وكملت شرايطها وتاب الله تعالى وهي من أهم قواعد الإسلام وأول مقامات سالكي الآخرة، وقد اتفق أهل الإسلام على وجوبها فورا ومنافعها كثيرة منها أنها تخلع ثوب الدنس وتقطع عرق النجس، ومنها أنها تورث محبة الرب ورضوانه والدخول في جنانه قال الله تعالى * (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) * وفيه فضل عظيم وشرف جسيم للتائب حيث ينال محبة الحق التي هي أعلى مقاصد السالكين بعدما كان في زمرة الهالكين، وقال الباقر (عليه السلام) * (إن الله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل

[ 282 ]

أضل راحلته ومزاده في ليلة ظلماء فوجدها فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها) * (1) فانظر أيها اللبيب إلى هذا الحديث الشريف وعلو مضمونه تجده كافيا في الترغيب إلى التوبة والتحريص عليها لو لم يكن غيره ولكن الآيات الكريمة والروايات الشريفة في باب التوبة وبيان فضلها أكثر من أن تحصى وهي من صفات العاقل وأجناده لأن العاقل قصده لقاء الله تعالى دائما وهمه النزول في ساحة عزه وهو يجوز ذلك في كل آن ويرقبه في كل زمان فأكبر مقاصده وأعظم مطالبه أن يطهر نفسه بالتوبة والندامة على ما يوجب البعد عنه من رجس الآثام قبل انتهاء وقت التكليف بالموت وانقضاء مدة العمل بالفوت بخلاف الجاهل فإن وصفه الاصرار على الذنوب والمعاصي والاقامة على الآثام والمناهي إذ هو لعميان بصيرته وفقدان سريرته ونقصان عقيدته محجوب عن درك الآخرة وحالاتها وعن نيل عناية الحق ومقاماتها فيظن أن غاية خلق الإنسان هي وصوله إلى هذه اللذات الحاضرة والمنافع الداثرة فيستمر عليها ويستبشر بها، وهو من الغافلين أو يظن بالآخرة ظنا ضعيفا يستعد به لقبول ما يتلو عليه الشياطين من تسويف التوبة غدا بعد غد إلى أن يموت وهو من الخاسرين، ثم الإصرار بالذنب أعم من فعله على الاستمرار وفعله مرة مع عدم عزمه بالتوبة والاستغفار وما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله الله عزوجل * (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) * قال " الإصرار هو أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بتوبة فذلك الاصرار " (2) يحتمل الأمرين والظاهر منه هو الثاني ومن فسر الاصرار بتكرار ذنب واحد أو بإيجاد حقيقة الذنب في ضمن أنواع مختلفة من الذنوب بحيث يشعر بقلة المبالاة فقد غفل عن تحقق معنى الاصرار في ذنب واحد مع عدم التوبة. (والاستغفار وضده الاغترار) الاستغفار من الغفر وهو الستر، والاغترار من الغرة بالكسر وهي الغفلة والجرأة، واعلم أن والي البدن كثيرا ما يطغى في الإمارة ويخون في الولاية ويعصي السلطان الأعظم في إرادته فيستعمل الجوارح الظاهرة والباطنة كلها أو بعضها في غير طاعته ثم إنه قد يستشعر بتقصيره وعصيانه وخيانته وطغيانه فيخاف أن يعاقب في الدنيا والدين وينكشف مساويه عند المقربين فيقبل بالطوع والاختيار ويتمسك بذيل الاقالة والاستغفار طالبا لغفران الذنوب وسترها على الكرام لئلا يفتضح بها عندهم يوم القيامة، ولمحوها باللطف العظيم والكرم العميم لئلا يعذب بسلاسل وأغلال في الجحيم، ويمحوها من لوح نفسه وصفحة الجنان لئلا يخجل بتذكرها بعد دخول الجنة وروضة الجنان ومستكملا لاستعداد الفوز بالرحمة في الدنيا بإنزال


1 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب التوبة تحت رقم 8. 2 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب الاصرار على الذنب تحت رقم 2. (*)

[ 283 ]

البركات وفي الآخرة برفع الدرجات والشاهد العدل على ذلك قوله تعالى: * (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) * وقد يرفع الله تعالى باستغفار مؤمن العذاب الدنيوي عن جماعة من العصاة كما روي " أن الله تعالى يقول: إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين والمستغفرين بالأسحار صرفته عنهم " (1) ثم الاستغفار لا يتحقق معناه بمجرد هذا اللفظ بل لابد في تحققه من امور لا يتلقاها إلا الصابرون والمجاهدون كما يرشد إليها قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لقايل قال بحضرته أستغفر الله فقال (عليه السلام) " ثكلتك امك أتدري ما الاستغفار إن الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معان أولها: الندم على ما مضى، والثاني: العزم على ترك العود أبدا، والثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس وليس عليك تبعة، والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد، والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول أستغفر الله " (2) وإذا عرفت هذا عرفت أن الاستغفار من جنود العقل وأعوانه في العود إلى الحق والقرب منه، والاغترار يعني الغفلة عن الحق والجرأة عليه والانخداع من النفس والشيطان الموجب للاصرار على المعاصي والاستمرار على الطغيان من جنود الجهل وأعوانه في البعد عنه والاستحقاق بمزيد الخذلان وأنا أستغفر الله وأقول كما قال الشاعر: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه * من جود كفيك ما علمتني الطلبا أراد بذلك قوله تعالى * (استغفروا ربكم إنه كان غفارا) *. (والمحافظة وضدها التهاون) الحفظ الحراسة، والتحفظ التيقظ، والمحافظة المراقبة، والاستيهان والتهاون الاستحقار والاستخفاف، يقال: استهان به وتهاون به إذا استحقره واستحفظه ولم يبال، أراد أن حراسة النفس وتيقظها ومراقبتها في السير إلى الله سبحانه أو حراسة ما فعله من الصالحات وما أتى به من الخيرات ومراقبتها من أن تتطرق إليها الشبهات المبطلة والعقائد الفاسدة كالرياء والسمعة ونحوهما أو حراسة الطاعات والعبادات بالاتيان بها في أوقاتها مع شرايطها أو حراسة المؤمنين ومراقبة أحوالهم ومحافظة حقوقهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصايص العاقل لأنه يعلم بنور عقله أن له في كل قدم يرفعها لله تعالى قرينا من الشيطان مترصدا لإغوائه وفي كل منزل عدوا من الغيلان منتظرا لإضلاله وإن الله سبحانه لا يقبل من


1 - أخرجه البيهقي في شعب الايمان من حديث أنس بن مالك بسند ضعيف. 2 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 417. (*)

[ 284 ]

الأعمال إلا ما هو خالص من المفاسد مقرون مع الشرايط واقع في أوقاتها، وأن المؤمنين كنفس واحدة، وهو لكماله في العقل بمنزلة راعيهم وحافظهم، فلا يغفل عن المحارسة ولا يغمض من المراقبة أبدا بخلاف الجاهل فانه دائما غافل عن الحراس، بعيد عن الحفاظ مستحقر لذلك العدو، غير مبال به مع كمال قوته وكثرة مكيدته، مستخف بالطاعات متهاون بالعبادات مضيع للأوقات حتى يرده الشياطين إلى أسفل السافلين ألا ذلك هو الخسران المبين. (والدعاء وضده الاستنكاف) الدعاء في اللغة النداء والصيحة تقول دعوت فلانا إذا ناديته وصحت به، وفي العرف طلب الرحمة والفيض من الله سبحانه على وجه الخضوع والاستكانة وهو من أجل مقامات الموحدين وأفضل درجات السالكين لكونه مشعرا بالذل والانكسار، وإقرارا بصفة العجز والافتقار، ومظهرا لتعلق ربقة الحاجة بربقة الامكان، واعترافا بانغماس الممكن في غمرة المسكنة والنقصان، وقد وردت الآيات المتكاثرة والروايات المتواترة من طريقة الخاصة والعامة في الترغيب فيه والحث عليه حتى صار شرعه من ضروريات الدين وهو من شعار الصالحين والصديقين وآداب الأنبياء والمرسلين فإن حكاية آدم ونوح وذي النون وموسى وأيوب وداود وسليمان وعيسى وغيرهم (عليهم السلام) ودعاء خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) وسيد الوصيين وأولاده الطاهرين (عليهم السلام) وكمال تضرعهم وخشوعهم في القرآن العظيم مذكورة وفي كتب السير مسطورة وفي دفاتر المتقدمين والمتأخرين مزبورة وفي ألسنة الخواص والعوام مشهورة بحيث لا مساغ للرد والانكار ولا مجال للعناد والاستنكار، وما خالج بعض الأذهان من أن المطلوب بالدعاء إما أن يكون معلوم الوقوع لله تعالى أو معلوم اللاوقوع وعلى التقديرين لا فائدة لأن الأول واجب والثاني ممتنع، وبعبارة اخرى إما أن يكون وقوعه مصلحة للداعي أو لا يكون فعلى الأول يقع وإن لم يطلب لأن الله يفعل ما هو صالح العباد قطعا، وعلى الثاني لا يقع وإن طلب فطلبه على التقديرين عبث، وأيضا أعظم مقامات العارفين الرضا بالقضاء والدعاء ينافي ذلك، فالواجب عن الأولين أن كل كائن وفاسد موقوف في كونه وفساده على شرائط وأسباب كما علم من موضعه ودل عليه أيضا ما روي من أن الله تعالى يأبى إلا أن يجري الأشياء بأسبابها (1). إذا كان كذلك فلعل الدعاء من شرائط وجود المطلوب ومصالحه كما أن شرب الدواء من شرائط صحة المريض وأسبابه فالمطلوب مع الدعاء معلوم الوقوع ومصلحة وبدونه معلوم اللاوقوع وغير مصلحة، وبالجملة هذا العالم عالم الأسباب والأشياء تجري بأسبابها والعبد لعدم كونه عالما بكيفية علم الله تعالى بالأشياء وقضائه إياها يكون دائما بين الخوف والرجاء ويجوز كون


1 - الكافي كتاب الحجة باب معرفة الإمام والرد إليه تحت رقم 7. (*)

[ 285 ]

المعلوم والمقتضى مقيدا بالدعاء ويتأكد ذلك بقوله تعالى: * (ادعوني أستجب لكم) * فذلك لا يترك الدعاء في البأساء والضراء، على أن لنا أن نقول الدعاء لا يخلو من فائدة عظيمة ومنفعة جليلة لأنه إن كان من شرائط وجود المطالب وأسبابه ففائدته ظاهرة، وإن لم يكن كذلك سواء كان المطلوب مصلحة في نفسه من غير شرطية الدعاء وسببيته أو لم يكن مصلحة أصلا كان الدعاء عبادة مستقلة بل هو من أفضل العبادات كما دل عليه الروايات المعتبرة فيورث ثوابا جزيلا وأجرا جميلا في الآخرة، والجواب عن الأخير أن العبد إذا دعا كان دعاؤه من جملة القضاء فكيف يكون منافيا له. والحاصل أن المنافي للقضاء ما لا يجامعه والقضاء إذا تعلق بشئ مقيد بشرط أو سبب لا يكون ذلك السبب والشرط منافيين له، وما روي " أن الدعاء يرد القضاء وقد أبرم إبراما " (1) فمعناه - والله أعلم - أن الدعاء يوجب اختيار أحد الفردين من القضاء التخييري مثلا إذا تعلق القضاء بموت هذا المريض بشرط عدم طلب صحته وببقائه بشرط طلبها كان هذا القضاء متعلقا بأمرين متضادين مشروطين بشرطين متقابلين واختيار أحدهما موكول إلى العبد فأيهما اختار فقد رضي بالقضاء، وإذا عرفت أن الدعاء من أشرف مقامات السالكين عرفت أن ضده وهو الاستنكاف يعني الأنفة والكراهة والترفع والعدول عن الدعاء الموجب للبعد عن الحق من أخس صفات الجاهلين والهالكين قال الله تعالى * (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) * والعبادة هي الدعاء. (والنشاط وضده الكسل) النشاط في العبادة من كمال المراتب الانسانية وهو ينبعث من عدم النقص اللاحق للنفس بسبب كلال بعض القوى الطبيعية عن أفعالها وعدم وقوف الأعضاء وفتورها عن أعمالها بسبب تحلل الروح وضعفه ورجوع إلى الاستراحة ولا شبهة في أن ذلك من صفات العاقل الذي فك عنه بالهمة الصادقة قيود الأغلال البشرية ودفع عنه بالنية الخالصة أو زار الأثقال البدنية، وأنار بنور عقله أعضاءه الظاهرة حتى يرى شخصه في هذا العالم وروحه لخفته ونورانيته في عالم الروحانيين، يطير مع الملائكة المقربين، فله من النشاط في العبادة ما لا يدخله سامة من جد ودؤوب، ولا إعياء من كد ولغوب، ولا نقصان من تطرق قصور، ولا استحسار من طريان فتور كما قال سبحانه في وصف الملائكة * (وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار ولا يفترون) * والكسل يعني التثاقل في العبادة من صفات الجاهل والمحبوس في سجن الطبيعة البشرية والمغلول بأغلال لواحق القوة الشهوية والمصفود بصفاد عوارض القوى البدنية فهو ثقيل لا يحركه ريح النشاط عن مركزه


1 - الكافي كتاب الدعاء باب (أن الدعاء يرد البلاء والقضاء). (*)

[ 286 ]

إلى الدرجة العليا، ولا شوق العبادة عن موضعه إلى المرتبة القصوى، فيرضى - وهو كسلان - بالدون من الحياة الدنيا. (والفرح وضده الحزن) الفرح السرور يقال: فرح به أي سر، وأفرحه وفرحه تفريحا إذا سره، والفرح أيضا البطر والأسر وهذا ليس بمراد هنا لأنه من صفات الجاهل لقوله تعالى * (إن الله لا يحب الفرحين) * والحزن خلاف السرور يقال حزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه، وهذه الفقرة تحمل معنيين الأول أن يكون الفرح كناية عن البشاشة وطلاقة الوجه للاخوان، والحزن كناية عن الكلوح والعبوس، والثاني - وهو الأظهر - أن العاقل لكونه عارفا بالمعارف الالهية وعالما بالحكم الربانية، ومستشرقا لأنوار الحق تابعا لهداه ومقبلا على عبادة ربه معرضا عما سواه، مسرور مبتهج فرح أبدا في الدنيا والآخرة بما آتاه الله من الفضيلتين العلمية والعملية إذ لا لذه أعظم منهما ولو نظر إلى ما يوجب الشرور في دار الغرور والتفت التفاتا ما إلى خسايس هذه الامور بسبب شيطان قاده إليها أو ميل نفس حرضه عليها أخذت بضبعيه الأنوار العقلية (1) وتوقظه من رقدة الغفلة في المراقد الطبيعية، وحذيته العناية الالهية من ورطة الهلكة الأبدية وأيدته على إبليس وجنوده فيجتهد في مقاومته ويتخلص من مصائده ويترصد لدفع حيله ويثبت في رفع مكائده، فيحصل بذلك ابتهاج وسرور أيضا لغلبته على عدوه، وأما الجاهل الفاقد لهاتين الفضيلتين والمقهور في أسر ذلك العدو فهو حزين في الدارين إذ لا ألم أعظم من ذلك في الدنيا والآخرة أما في الآخرة فظاهر لأن الآلام الاخروية التي توجب الهم والغم والحزن عند مشاهدة السلاسل والأغلال ومعاينة الشدايد والأهوال، ظاهرة غير محتاجة إلى البيان. وأما في الدنيا فلأن الاعراض عنه سبحانه والاشتغال بما سواه كما هو وصف الجاهل ألم نفساني ومرض روحاني يوجب هما وغما وحزنا في نفس الأمر ولا يقدح فيه غفلته وتوهمه أن ذلك أنفع له كما أن السم [ ألم ] مهلك وإن توهم شاربه أنه أنفع له على أنه قد يصدق على مقتضى عقله الفطري بأن الأولى به والأنفع له هو متاع الآخرة سيما عند معاينة الموت فيحصل له ألم شديد وحزن طويل ولكن لا ينفعه ذلك ما بقي على حاله أن الخائن المعذب بسبب الخيانة يصدق بأنه كان الأولى به ترك الخيانة ويحزن ويتأسف ولا ينفعه ذلك. (والالفة وضدها الفرقة) الألفة توافق الآراء والعقائد في تدبير المعاش والمعاد وهي فضيلة مندرجة تحت العدالة التي هي الاستقامة في القوى الفكرية والغضبية والشهوية والمتوقفة على كثير


1 - الانوار العقلية هم الملائكة الموكلون بتسديد عباد الله وهدايتهم إلى التقوى والاخذ بالضبعين كناية عن هذا التسديد والتأييد والضبع تحت العضد (ش). (*)

[ 287 ]

من الفضائل النفسانية مثل التحمل والتواضع والرقة والحياء والرفق والصبر والوقار والورع والعفو والمروءة والسماحة والمسامحة والصداقة والوفاء والشفقة والتودد إلى غير ذلك من الامور المعلومة لمن تأمل في فضائل النفس، وكونها من صفات العاقل ظاهر لأن هذه الامور المذكورة لا يتصف بها إلا عاقل راض نفسه في ميدان المجاهدة، ولأنه يعلم بشروق عقله أنه يحتاج في غذائه ولباسه ومسكنه ودفع أعدائه وتحصيل أمر الآخرة وترويج الشريعة إلى التناصر والتعاون والتعاضد وكل ذلك متوقف على الالفة، والفرقة من أخس صفات الجاهل لاتصافه برذايل نفسانية مؤدية إليها أو لأنه لظلمة قلبه لا يراعي عواقب الامور ومدى نظره إنما هو جلب منفعة حاضرة ودفع كل ما هو عائق عنها ولو بسفك الدماء كما هو المشاهد من أبناء الزمان ولا ريب في أن ذلك موجب للمعاندة والمفارقة ويحتمل أن يراد بالالفة الالفة بأهل البيت (عليهم السلام)، وبالفرقة التباعد عنهم، وقيل: الوجه في كون الالفة من عالم الوحدة والجمعية، والجهل صفة النفوس المتعلقة بالأجسام وصورها التي وجودها عين قبول الانقسام والافتراق ووحدتها عين كثرة ووصلتها عين انفصال ومباينة فكل واحد من ذوي النفوس الجزئية قبل أن يستكمل ذاته عقلا بالفعل لا يحب إلا نفسه بل يعادي غيره ويحسده على ما آتاه الله من فضله فإذا أحب بعضهم بعضا فإنما أحبه ليتوسل به إلى هواه وشهوته فما أحب إلا نفسه ولذلك إذا ارتفعت الأغراض والأعواض بينهم كما في الآخرة رجعوا إلى ما كانوا عليه من الفرقة والعداوة كما في قوله تعالى * (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) *. (والسخا وضده البخل) السخاء في اللغة الجود يقال: سخا يسخو إذا جاد بماله، وسخو الرجل بالضم يسخو سخاوة أو صار سخيا، وفي الاصطلاح ملكة توجب إنفاق الأموال وساير المقتنيات في موضعه على قدر لابد منه بسهولة ومن شرايطه أن يأخذ الشئ من موضعه ويضعه في موضعه فلو صرف الحرام في المستحقين أو صرف الحلال في غيرهم لا يكون سخيا ولا يستحق بذلك ثوابا وتلك الملكة خلقية في الأكثر وقد تكون كسبية حاصلة بكثرة الإعطاء ومزاولة الجود، فإن غير الطبيعي قد يصير طبيعيا بالممارسة وهي فضيلة نفسانية مندرجة تحت العفة التي هي الاعتدال في القوة الشهوية، ويندرج تحت السخا كثير من الملكات والفضائل، منها الكرم وهو أن يسهل على النفس إنفاق الكثير فيما نفعه عام على وجه يقتضيه المصلحة، ومنها الإيثار وهو أن يسهل عليها صرف ما يحتاج إليه في الفقراء والمساكين، ومنها المواساة وهي أن يسهل عليها تشريك المستحقين في ماله وأسبابه، ومنها المسامحة وهي أن يسهل عليها ترك ما لا يجب عليها تركه، ومنها العفو وهو أن يسهل عليها ترك المجازاة بالظلم مع القدرة، ومنها المرؤة وهي أن يكون لها رغبة صادقة على التحلي بحلية البذل وإعطاء ما ينبغي، ومنها النيل وهو أن يكون لها ابتهاج بمداومة الأفعال الحسنة

[ 288 ]

والخصال المرضية، ومنها الصداقة وهي أن يكون لها اهتمام على تحصيل أسباب صديقه بقدر الامكان، ومنها الالفة وهي أن يكون لها اعتناء بتدبير معاش الخلطآء، ومنها الوفاء وهو أن تلتزم طريق المواساة والمعاونة، ومنها الشفقة وهي أن يكون لها همة صادقة على إزالة المكروهات عن الغير، ومنها المكافات وهي أن تقابل الإحسان بمثله أو زائد عليه، ومنها حسن الشركة وهو أن تراعي الاعتدال في المعاملات، ومنها التودد وهو إظهار المحبة للأقران وأهل الفضل وتلقيهم بطلاقة الوجه وحسن البشر، ومنها صلة الرحم وهي أن تراعي حقوق الأقربآء وتشاركهم في الخيرات الدنيوية والاخروية، ومنها التوكل وهو تفويض أمرها إلى الله سبحانه، ومنها الصبر وهو أن لا نجزع من فوات المال وغيره، ومنها القناعة وهي أن لا تحرص على جمع ما لا يحتاج إليه. ومنها الوقار وهو أن تكون ساكنة في تحصيل المطالب غير مضطربة، ومنها الورع وهو أن تجتنب عن الأفعال القبيحة، ومنها الحرية وهي أن تقتصر على اكتساب المال من الطرق الجميلة ولذلك كانت السخاوة والجود من صفات الأنبياء والمرسلين والصديقين ومن اقتفى آثارهم من الصالحين الذين آمنوا بالله وكتبه ورسله ووعده ووعيده في الحشر والنشر والثواب والعقاب وراعوا بصدق الهمة في أحوال الفقراء والمساكين والايتام والأرامل والمستحقين وقصدوا بخلوص النية رفع الحوائج عنهم لا يريدون منهم جزاء ولا شكورا، وقد دل العقل والنقل على شرافة تلك الفضيلة وعلو منزلتها، أما العقل فإن عباد الله عياله ومن قام لقضاء حوائج عيال أحد في حال حضوره وغيبته ووطن نفسه على رعاية حقوقهم ونظر بعين التلطف والشفقة إليهم كان عند صاحب العيال مكرما معززا محبوبا سيما إذا كان كريما قادرا على جميع أنحاء الإكرام والله سبحانه لم يجعل أحدا فقيرا لأجل الهوان ولا غنيا لأجل استحقاقه بالفضل والإحسان بل إنما فعل ذلك لأجل المصلحة والامتحان فمن نظر إلى الفقراء والمحتاجين بعين الحقارة وخطر بباله أنهم لا يستحقون الكرامة من الله سبحانه وإلا لأعطاهم ورفع حاجتهم فهو جاهل بالمصالح الإلهية وكافر بالحكم الربانية ويتوجه إليه الذم في قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين) * وأما النقل فلقوله تعالى * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطمعكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبرا جنة وحريرا) * وقول أبي الحسن (عليه السلام) " السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس والسخاء شجرة في الجنة من تعلق بغصن من أغصانها دخل الجنة " (1) إلى غير ذلك من الآيات


1 - الكافي كتاب الزكاة باب معرفة الجود والسخاء تحت رقم 9. (*)

[ 289 ]

الكريمة والروايات الصحيحة وهي أكثر من أن تحصى، والبخل وعدم بذل المال سيما فضله في وجوه الفقراء والأقرباء من صفات الجاهل ومبدؤه حب الدنيا والرغبة عن الآخرة وخوف الفقر وسوء الظن بالله وبمواعيده الصادقة وبعده عن التوكل والزهد والشفقة والرقة والرحمة والتعطف لغلظة طبعه ورداءة نفسه وسوء خلقه وشرارة ذاته، فيبعثه ذلك على استمساك المال عن نفسه فضلا عن غيره فلذا قال سيد الوصيين (عليه السلام): " عجبت للبخيل الذي يستعجل الفقر الذي منه هرب ويفوته الغنى الذي إياه طلب فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حسب الاغنياء " (1) وسبب التعجب أنه اختار البخل خوفا من الفقر وضنك العيش يوما ما مع أنه يدخل في الفقر وضنك العيش باعتبار أنه لا ينفق على نفسه ولا على عياله ولا على غيره وبالجملة البخل عار في نفسه جامع لمساوي العيوب وهو زمام يقاد به إلى كل سوء وكفاك شاهدا قوله تعالى في قصة قارون وأمثاله وقوله تعالى * (ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه) * وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " إذا لم يكن لله في عبد حاجة ابتلاه بالبخل " (2) وامثال ذلك من الآيات والروايات أكثر من أن تحصى (ولا تجتمع هذه الخصال كلها من أجاد العقل) التي بها يقاتل الجهل وجنوده في ملك الأبدان وساحة القلوب وهذه الخصال من حيث أن بها يتحقق التناصل والتسابق إلى الخيرات تسمى خصالا، ومن حيث عروضها تسمى صفات، ومن حيث عدم رسوخها بعد تسمى أحوالا، ومن حيث رسوخها بالتمرن والتدرب تسمى أخلاقا وملكات ومن حيث إطاعتها للعقل وعدم خروجها عن حكمه تسمى خوادم. ومن حيث كونها محفوظة بحفظ العقل وحراسته عن الآفات تسمى رعايا، وما ورد في بعض الأخبار من الأمر بمراعاة الراعي لرعيته يندرج فيها هذا أيضا ومن حيث أنها أعوان للعقل في محاربته للجهل تسمى أجنادا (إلا في نبي أو وصي نبي أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان) أي اختبره بالشدائد والمحن والرياضات والفتن لتحقق الايمان (3) له أو ليتحقق له الايمان الكامل أو صقله وجلاه من كدر الأرجاس وطهره ونقاه من دنس الأخباث من محنت البئر محنا إذا أخرجت ترابها وطينها (وأما ساير ذلك) المذكور (من موالينا) جمع الموالي وهو


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 126. 2 - الكافي كتاب الزكاة باب البخل والشح تحت رقم 3. 3 - يقول أهل العصر ممن له استهتار باصحاب الطبايع إن عبادة رب لا يرى ينافي الأمر بمتابعة العقل وتعظيم شأنه وهكذا كلام شيطاني نقل من الملاحدة وأصحاب الدهر وأجاب بعضهم بأن الادراك بالوجدان كالادراك بالعيان. والاعتراض ساقط من أصله إذ الانسان العاقل إذا قامت الادلة على وجود واجب الوجود عبده وإن لم يره ولم يجده ولم يعرف حقيقته وأما أن كل موجود محسوس فمن أغلاط الواهمة سيأتي إبطاله في مباحث التوحيد إن شاء الله. (ش) (*)

[ 290 ]

يطلق على المعتق بالكسر والفتح وعلى ابن العم والعصبة كلها ومنه قوله تعالى * (وإني خفت المولى) * وعلى الرب والمالك ومنه قوله تعالى * (ثم ردوا إلى الله موليهم الحق) * وقوله (عليه السلام) " أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها " على الناصر والمحب ومنه قول تعالى * (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا) * والمراد به هنا الأخيران (فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود) وذلك ظاهر فإن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ففيهم بعض الخصال المذكورة من جنود العقل قطعا (1) وبحسب ما وجد منها فيهم يتنور قلوبهم ويصفو


1 - واعلم أن كون العقل حجة ودليلا لا ينافي ما ورد في ذم القياس من أن دين الله لا يصاب بالعقول وليس شئ أبعد من عقول الرجال من أحكام الله تعالى لأن العقل حجة فيما أفاد اليقين والنهى إنما هو عن الظن إذ لا يستفاد من القياس أكثر من الظن والاحكام الشرعية الفرعية مما لا طريق للعقل إليه غالبا كوجوب صوم شهر رمضان وحرمة صوم العيد وقد يكون للعقل إليه طريق فيكون حجة كحرمة القتل والسرقة وغصب أموال الناس وقال بعض من لا خبرة له إن العقل لا يحتج به في الاصول والمقررات الاولية ويحتج به في التجزية والتحليل وتطبيق الاحكام على مقتضيات الازمان والحق عدم الفرق بينهما فما حصل من العقل اليقين فهو حجة في الاصول الاولية وغيرها وما لم يحصل لم يكن حجة مطلقا والتجزية والتحليل والتطبيق ألفاظ مبهمة لا محصل لها وإن كان للتجزية والتحليل معنى معقول فهو القياس بعينه وتطبيق الاحكام على مقتضى الازمان غلط لأن الاحكام الإلهية لا تغيير بتغير الازمان والشرع المحمدي (صلى الله عليه وآله) ناسخ لجميع الشرايع وحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة والله ورسوله أعلم بمقتضى كل زمان ومصالحها حيث حكما ببقاء هذا الدين إلى الابد. ثم إنه مثل مثالا لتغيير أحكام الإسلام بمقتضى الزمان وهو أن عبد الملك بن مروان أراد هدم دار في جوار المسجد الحرام وجعلها فيه فلم يرض صاحب الدار بكل قيمة وتحير عبد الملك ولم يدر ما يفعل لأن غصب أموال الناس حرام في الشريعة ولا يجوز بناء المسجد والصلاة في المكان المغصوب فدلوه على زين العابدين (عليه السلام) فافتاه بهدم الدار وعدم استحقاق صاحبها القيامة لأن بناء المسجد كان سابقا على بناء الدور. وهذا غير صحيح وعلى فرض صحته أجنبي عن المقام لأن الكلام في أن غير المعصوم أمثالنا لا يجوز لنا تغيير حكم الله تعالى الذي ورد من النبي والأئمة المعصومين، وأما الأئمة لنفسهم فقولهم حجة مأخوذ من الله تعالى بالوحي والالهام فحكمهم حكم الله تعالى وهو حكم الشرع بعينه وهذا مثل ما حكموا بقطع يد السارق مع حرمة قطع اليد وبيع أموال المديون قهرا عليه لأداء حق الديان مع عدم جواز التصرف في مال أحد إلا بإذنه ولا يلزم من جواز التخصيص والتقييد بل النسخ من الله تعالى في أحكامه أن يجوز لنا أيضا ولعل زين العابدين (عليه السلام) علم بإخبار غيبي إلهي أن تلك الدار كانت غصبا من المسجد وقد روي في الكافي والتهذيب ونقل في الوسائل عنهما في أبواب مكان المصلي ما يؤيده عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث سئل عما زيد في المسجد الحرام قال إنهم لم يبلغوا بعد مسجد إبراهيم واسماعيل (عليهما السلام) وقال: إن إبراهيم واسماعيل حدا المسجد ما بين الصفا والمروة وفي رواية أخرى بين الحزورة والمسعى. ثم إن ما نقله عن زين العابدين (عليه السلام) نقلوه عن الخليفة الثاني ولا نعرف معنى كلامه ولا حجة في قوله ولم يحكم أحد من أئمة المسلمين إن من سبق إلى عمارة أرض له حق فيما يجاوره كلما احتاج إليه بحيث يجوز له هدم بناء من لحقه في العمارة. وروي عن عبد الصمد بن سعد وهو = (*)

[ 291 ]

أذهانهم ويرتفع درجتهم وذلك متفاوت في الكم والكيف والعدد على تفاوت أنحاء التركيبات الغير المحصورة المتصورة فيها ولذلك لا تجد اثنين منهم متفقين في خصلة واحدة لا توجد فيها تفاوت، وإنما قال: " من موالينا " فان غيرهم قد يخلو من جميع هذه الخصال ويكون قلبه معسكر الجهل وجنوده كلها وفي أطرافه وثغوره حراس بحيث لا يجد العقل إليه دليلا ولا إلى أستطلاع حاله سبيلا كما قال الله تعالى: * (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب أليم) * وقد يوجد في بعضهم بعض جنود العقل كالسخاء ونحوه ولكن لا ينفعه لفقده ما هو أعظم منه وأصل للجميع أعني الايمان الذي هو موجب للرحمة والدخول في الجنة فهو دائما في الدرجة السفلى محشورة مع الشياطين. (حتى يستكمل وينقى من جنود الجهل) وذلك الاستكمال أمر ممن لأنه لما بنى دينه على أصل متين وأمر يقين وحصل له بعض الخصال المرضية والأنوار العقلية أمكن له تكميل ذاته بسائر الخصال النورانية والعروج إلى أعلى مدارج الكمال بجذبة من الجذبات الربانية وتنقيته بهمة صادقة ونية خالصة وقدم ثابتة من جنود العقل وأعوانه وذلك بأن يكون متيقظا في جميع الأوقات ومراعيا لحاله في جميع الحالات ويختار من الأعمال والعقائد والصفات ما هو في الشرع أحكم وأتقن، وعند العقل أفضل وأحسن فينظر مثلا إلى الصلة والسخاء ومنافعهما وإلى القطيعة والبخل ومضارهما ويختار الأولين على الأخيرين وكذا دائما (فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء) وحسن أولئك رفيقا وإنما لم يذكر المؤمن الممتحن إما للاقتصار أو للاشارة إلى أن هذا المستكمل هو ذلك المؤمن (وإنما يدرك ذلك) أي الاستكمال بجميع تلك الخصال أو الكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء والأول أولى لفظا ومعنى (بمعرفة العقل وجنوده ومجانبة الجهل وجنوده) وجه الحصر ظاهر لأن العمل بشئ متوقف على العلم به، ولأن التمييز بين الحق والباطل متوقف على العلم بكون هذا حقا وذاك باطلا، وإنما لم يقل وبمعرفة الجهل وجنوده كما قال في الأول


= مجهول لا يعرف ونكرة لا تتعرف عن أبي جعفر المنصور وأبي عبد الله (عليه السلام) نظير ما نقل هذا القائل عن عبد الملك وزين العابدين (عليه السلام) وكذا عن رجل آخر مرسلا عن المهدي ولا حجة في هذه أصلا وأما عبد الملك بن مروان فلم يزد في المسجد الحرام شيئا على ما صرح به المؤرخون كالطبري والكامل والمعتنون بتاريخ مكة والكعبة كالازرقي والفاكهي والفاسي في شفاء الغرام وصاحب كتاب الاعلام بإعلام بيت الله الحرام ولا ريب أن جميع حوادث مكة المشرفة مضبوطة حتى إنهم ذكروا عدد السيول التي جرت والسنين التي وقعت فيها والقحط والغلا في كل سنة حدثت فضلا عن ولاتها وعمارة المسجد وغير ذلك وأصل الحكاية فرية بلا مرية. نظير ما ادعاه من ترويج المتوكل مذهب الاشعري وكان متأخرا عنه بمائة سنة (ش). (*)

[ 292 ]

لأمرين أحدهما أنه إذا حصلت معرفة العقل وجنوده حصلت معرفة الجهل وجنوده بالمقابلة لأن كل ما ليس عقلا وجنوده فهو جهل وجنوده في حالات الإنسان، وثانيهما أن المقصود الاهم هو مجانبة الجهل وجنوده لأنه الغالب في الأكثر والموافق للنفوس البشرية (وفقنا الله وإياكم لطاعته ومرضاته) الرضوان بالضم والكسر والرضى والمرضاة بمعنى واحد وهذا من كلام الصادق (عليه السلام) ودعاء لنفسه ولمن كان حاضرا عنده من مواليه، ولمن غاب عنه ولمن يوجد إلى يوم القيامة من باب تغليب الحاضر على الغائب، وفيه تنبيه على أنه لابد لطالب الخير من الالتجاء إليه سبحانه وطلب التوفيق منه إذ بيده الخير وهو على كل شئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * الأصل: 15 - " جماعة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي ابن فضال، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) العباد بكنه عقله قط، وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنا معاشر الأنبياء امرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم ". * الشرح: (جماعة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) العباد بكنه عقله قط) كنه الشئ نهايته يقال " أعرفه كنه المعرفة أي نهايتها ولا يشتق منه فعل وقولهم لا يكتنهه الوصف بمعنى لا يبلغ كنهه كلام مولد وقد يكون كنه الشئ حقيقته التي هو بها هو، وفيه إشارة إلى كمال عقله (صلى الله عليه وآله) فانه نور رباني لا يدانيه شئ من العقول إذ كما أن الأنوار متفاوتة فنور الشمس والقمر والكواكب والمصباح واليراعة بعضها فوق بعض لا يكون اللاحق مثل السابق، فكذلك العقول متفاوتة في الدرجات والمراتب وعقله (عليه السلام) أعلى الدرجات الممكنة وأقصى المراتب المتصورة وهو مظهر للحقايق والمعارف الإلهية ومعدن للأسرار والمعلوم الربانية ومدرك لما يعجز عن إدراكه عقول البشر ويقف دون الوصول إليه الفكر والنظر فلذلك ما كلم العباد أبدا بحقيقة ما عرفه ونهاية ما بلغه وكيفية ما عقله لئلا يقعوا في الحيرة وقد بعث لازاحتها وارسل لازالتها، ولأن الغرض من الكلام إنما هو الافهام والمخاطب إذ الم يفهم كان ذلك عبثا والحكيم لا يبعث. ولذلك كانت الحكماء يوصفون بضنة الحكمة عن غير أهلها " (1) ومن هذا القبيل ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " قام عيسى ابن مريم


1 - قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في أول كتاب الاشارات: وأنا أعيد وصيتي وأكرر التماسي أن يضن بما يشتمل عليه هذه الاجزاء كل الضن على من لا يوجد فيه ما اشترطه في آخر هذه الاشارات، ومنع في آخر الكتاب من تعليم الحكمة لطائفتين الأولى الجاهلين المبتذلين ومن لم يرزق الفطنة الوقادة - إلى آخر ما = (*)

[ 293 ]

خطيبا فقال: يا بني إسرائيل لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم " (1) وينبغي أن يعلم أن المراد بالعباد أكثرهم فانا نعلم قطعا أن عليا (عليه السلام) نفسه المقدسة كما دلت عليه آية المباهلة وغيرها من الروايات وأنه كلمه وعلمه بكنه ما عقله مما هو كائن ويكون في الدنيا والآخرة. (وقال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما معاشر الأنبياء) أي جماعاتهم جمع معشر وهي الجماعة (امرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) أي على قدر ما يدركه عقولهم من المعارف والحقايق وغيرها لأن الحكيم النحرير يراعي في تعليم العقول الناقصة المتحيرة في تيه الضلالة والنفوس المنكدرة برين الغواية وغين الجهالة وتأديبها بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق والفضائل وتخليصها عن غواشي الأوهام ومساوي العيوب والرذايل وما يناسبها ويبلغ إليه فهمها وينتهى إليه دركها (2) وقد يلبس المطالب بكسوة الأمثال لعلهم يفهمون كما قال سبحانه * (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) * وبالجملة الناس أطفال وعقولهم غير بالغة وهو (صلى الله عليه وآله) معلم والمعلم الرباني لا يعلم


= قال - والثانية ملحدة هذه المتفلسفة وهمجهم - إلى أن قال - فإن أذعت هذا العلم أو أضعته فالله بيني وبينك وكفى بالله وكيلا (ش). 1 - سيأتي في كتاب العلم باب بذل العلم تحت رقم 4. 2 - يدرك أرباب العقول الكاملة فضلا عن الانبياء أمورا لا يمكن تعليمها لعامة الناس بوجه أصلا لعدم استعدادهم لفهمها فيجب عليهم تخصيص تعليمها بمن يجدون فيه استعدادا تاما ويدركون أيضا أمورا يمكن تعليمه للناس في صورة مثل وتعبير قريب إلى أذهانهم وأعظم الافات للعامة تمكن العادات ومغالطة الاوهام وعدم تدربهم في فك العقل عن الوهم ولكل شئ في ذهنهم لوازم غير مترتبة عليه واقعا ولا يتوقع منهم ما يعسر على المتدربين في العقليات مثلا الفرق بين الحدوث الزماني والحدوث الذاتي والفاعل بالاختيار والعلة التامة، فإنهم رأوا كل علة تامة فاعلا غير مختار كالنار للحرق والشمس للنور ورأوا كل فاعل مختار علة ناقصة كالانسان وإذا قيل لهم إن الله فاعل مختار ذهب ذهنهم إلى أنه تعالى علة ناقصة وإذا قيل إنه تعالى علة تامة ذهب ذهنهم إلى أن فاعل لا بالاختيار ويشمئزون من كلا الحكمين ولا يسهل عليهم الجمع بينهما ولا يمكن أيضا أن يفهم العامة معنى قول العلامة الحلي (رحمه الله) في شرح التجريد إن إعادة المعدوم ممتنعة ويذهب ذهنهم إلى إنكار المعاد وكذلك قوله إن احتياج الممكن إلى الواجب لإمكانه لا لحدوثه وقولهم المحال غير مقدور ولا يعرف الناس معنى المحال ولا يفرقون بين المحال العادي والعقلي بل ولا بين النادر الوقوع والمحال العادي أيضا ويظنون مثل شق القمر والمعراج محالا وقد ورد أن المرأة تحتلم ولكن لا تحدثوهن ولو كان احتلامهن عادة كالرجل وجب تعليمهن لوجوب الغسل والصلاة عليهن ولكن منعوا (عليهم السلام) من تعليمهن لأن ذلك أمر نادر فإذا حدثن بذلك ذهبت أوهامهن إلى أن ذلك عادة مستمرة لهن فيغتسلن لكل رطوبة لزجة في مفاسد اخر وكثير من مسائل الفقه مما يذهب ذهنهم من جوابها إلى أمور باطلة وان كان الجواب صحيحا وإن أفتيت بولاية الجائر ذهبت أوهامهم إلى تجويز كل ظلم أو تجويز الصفق ذهبت إلى كل منكر وفحشاء وهكذا. (ش) (*)

[ 294 ]

الأطفال إلا بما يناسب حالهم وتبلغ إليه عقولهم وينتهى إليه ذهنهم. * الأصل: 16 - " علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن قلوب الجهال تستفزها الأطماع وترتهنها المنى وتستعلقها الخدائع ". * الشرح: (علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن النوفلي عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن قلوب الجهال تستفزها الأطماع) أي تستخفها ويفزعها وتزعجها وتطيرها وتسلب طمانيتها، والأطماع جمع طمع وهو معروف وقد يجئ بمعنى الرزق يقال: أمر لهم الأمير بأطماعهم أي بأرزاقهم وينشؤ ذلك من تموج القوة الشهوية واضطرابها حتى تستولي على ساحة القلب فيصير مظلما إذ أخرج يده لم يكد يراها، وعند ذلك يعدل عن الصراط المستقيم وهو الوثوق بالله العظيم إلى ما هو من أخس مكايد الشيطان وضر أحوال الإنسان وهو الطمع فيما في أيدي الناس فيقع في وثاق الذل وعبودية العباد ويحرم عما سيق له من الميعاد في دار المعاد وهو أصم لا يسمع نصح الناصح الأمين قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " لا تخضعن لمخلوق على طمع فإن ذلك وهن منك في الدين، واسترزق الله مما في خزائنه فإن ذلك بين الكاف والنون، إن الذي أنت ترجوه وتأمله من البرية مسكين بن مسكين وأما العاقل فهو مع علمه بأن مورد الطامع قد لا يكون باعثا لتحصيل المراد ولا سببا لاصدار ما أراد بل يتخلف عنه المرام ويصير ذلك موجبا لتضييع الأيام يرى في صفاء مرآة قلبه وخامة مآل تلك الأحوال فيفر منها فرار الجبان من مشبل معها الأولاد والأشبال. (وترتهنها المنى) المرتهن الذي يأخذ الرهن والمنية والامنية واحد والجمع المنى والأماني فتشبيه المنى بالمرتهن مكنية وإثبات الارتهان لها تخييلية، والراهن هو النفس الأمارة بالسوء، وفيه مبالغة بليغة على كمال إفلاسها حيث رهنت لغاية اضطرارها وعدم اهتدائها المظلوم ما هو أشرف متاع البيت وهو القلب وينشؤ ذلك من الافراط في القوة الشهوية ومرضها الذي يسري إلى البصاير ويوهنها ويطمس نورها ويمنعها من إدراك المعارف وما ينفع في اليوم الآخر فلا محالة يتوجه إلى الشهوات الزايلة والزهرات الحاضرة والأماني الباطلة وينظر إليها بعين الظاهرة فيتمنى دائما حصول ما لا يبلغه وبناء ما لا يسكنه وجمع ما يتركه لانتفاء الزاجر فلا يبالي من باطل جمعه ومن حق منعه ومن حرام حمله وأما العاقل فيعلم بنور بصيرته أن أشرف الغنى ترك المنى والاعتماد

[ 295 ]

على الموالي. وبخلوص سريرته أن الأماني آفة تعمي أعين البصاير التي في الصدور حتى لا ترى وخامة عواقب الامور فيحصل له همة صادقة تبعثه على فطام النفس عن الشهوات ونزع القلب عن أيدي الأماني والشبهات وصرف النظر عن الخلق والرجوع بالكلية إلى الحق (وتستعلقها الخدايع) بالعين المهملة والقاف يقال: علق الشئ بالشئ تعليقا فتعلق به وعلق بابا على داره إذا نصبه وركبه وعلق بالشئ بكسر اللام بمعنى تعلق واستعلق هنا بمعنى علق بالكسر لا لمجرد الطلب إلا أن فيه مبالغة لأن الواقع مع الطلب أشد وأقوى، وخدعه ويخدعه خدعا أي ختله وأراد به المكروه والضرر من حيث لا يعلم والاسم منه الخديعة وجمعها الخدايع ومعناه بالبفارسية (ميچسبد بقلب جاهل خديعه ومكر) وهذا يحتمل وجهين أحدهما أن الجاهل شأنه أن يخدع غيره ويمكر به ويريد إيصال المكروه والضرر إليه لغرض من الأغراض الفاسدة كما قال سبحانه في وصف المنافقين * (يخادعون الله) * أي يخادعون أولياءه وثانيهما أن شأنه الانخداع وقبول الخديعة والمكر من الخادعين الماكرين كثيرا سريعا لقلة عقله وضعف بصيرته وسوء تدبيره في عاقبة أمره، وأما العاقل فله عينان في الظاهر وعينان في الباطن وبذلك ينتظم حاله ظاهرا وباطنا لا يخدع غيره تحرزا عن صفات المنافقين ولا ينخدع من غيره كثيرا كما هو شأن المؤمنين قال (صلى الله عليه وآله): " المؤمن لا يلدغ من حجر مرتين " (1) قيل في بعض النسخ " تستلقها " بالقافين أي تجعلها الخدايع منزعجة منقطعة عن مكانها. وفي بعضها بالغين المعجمة من استغلقني في بيعة أي لم يجعل لي خيارا في رده. * الأصل: 17 - " علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبيد الله الدهقان، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أكمل الناس عقلا أحسنهم خلقا ". * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبيد الله الدهقان، عن درست عن إبراهيم بن عبد الحميد) مشترك بين رجلين أحدهما مستقيم من رجال الصادق (عليه السلام) والآخر واقفي من رجال الكاظم (عليه السلام) (قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أكمل الناس عقلا أحسنهم خلقا) العقل نور رباني يفرق بين الحق والباطل ويستبان به المعارف والعواقب ويترك به الذمايم والقبايح، ويتبعه قوة الالتفات إلى جميع المحاسن والفضايل التي منها حسن الخلق، واختلف العلماء في تعريفه فقيل هو بسط الوجه وكف الأذى وبذل الندى وقيل: هو أن لا يظلم صاحبه ولا يمنع ولا يجفو أحدا وإن ظلم غفر، وإن منع شكر، وإن ابتلي صبر، وقيل: هو صدق التحمل وترك التجمل، وحب الآخرة


1 - رواه احمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة في سننه تحت رقم 3983. (*)

[ 296 ]

وبغض الدنيا والحق أن كل هذا تعريف له بالآثار والأفعال التابعة له الدالة عليه وأنه هيئة راسخة حاصلة للنفس بصفاتها اللايقة، وذلك النور كما يتنور به الباطن ويهتدي به كل عضو منه إلى ما يليق به كذلك يتنور به الظاهر ويهتدي به كل عضو منه إلى ما خلق لاجله لما بين الظاهر والباطن من مناسبة بها يتعدى حكم كل واحد منها إلى الآخر، وعند ذلك يستقيم الظاهر والباطن ويتوجه كل واحد منهما إلى ما هو مطلوب منه، ومما هو مطلوب منه هو حسن الخلق فحسن الخلق تابع لذلك النور المسمى بالعقل، ولا شبهة في أن العقول متفاوتة في النور والضياء تفاوتا فاحشا لا تكاد تنحصر في عدد وبتفاوتها الأخلاق التابعة لها تفاوتا عظيما، فقد ظهر أن العقل كلما كان أكمل وأتقن كان الخلق أكمل وأحسن، وأيضا العقل محل للحكمة الإلهية والمعارف الربانية وهي توجب محبته تعالى ومحبته توجب محبة عباده من حيث أنهم عباده وصنايعه لأن من أحب أحدا أحب جميع أفعاله من حيث أنها أفعاله وكما يقتضي محبة الله تعالى تعظيمه ظاهرا وباطنا كذلك يقتضى محبة عباده تعظيم وتكريمهم وتلطفهم ظاهرا وباطنا وهي حسن الخلق ولكن لما كانت درجات معرفته متفاوتة ومراتب محبته مختلفة كانت مراتب حبتهم أيضا كذلك ومن ههنا أيضا يتبين أن العقل كلما كان أكمل كان الخلق أحسن ولذلك قال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (إنك لعلى خلق عظيم) * لأن عقله فوق جميع العقول وأسناها، ومعرفته فوق جميع المراتب وأعلاها، ومحبته فوق جميع الدرجات وأقصاها، فخلفه فوق جميع الأخلاق وأقواها ولذلك اتصف بالعظمة البالغة التي لا تبلغ العقول إلى منتهاها. * الأصل: 18 - " علي [ عن أبيه ] عن أبي هاشم الجعفري قال: كنا عند الرضا (عليه السلام) فتذاكرنا العقل والأدب فقال: يا أبا هاشم العقل حباء من الله، والأدب كلفة فمن تكلف الأدب قدر عليه، ومن تكلف العقل لم يزدد بذلك إلا جهلا ". * الشرح: (علي بن أبي هاشم الجعفري) اسمه داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب ثقة جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمة (عليهم السلام) شاهد أبا جعفر وأبا الحسن وأبا محمد (عليهم السلام) وكان شريفا عندهم وله موقع جليل عندهم وروى أبوه عن الصادق (عليه السلام) (صه) (1) نقل سيد الحكماء هذا العنوان هكذا علي عن أبيه، عن أبي هاشم الجعفري، ثم قال وأما ما يروى في عدة من النسخ علي عن أبي هاشم الجعفري فغلط من إسقاط الناسخ فان أحدا من العليين الذين يعنيهم الكليني في


1 - رمز إلى كتاب خلاصة الاقوال للعلامة الحلي (رحمه الله). (*)

[ 297 ]

صدور الأسانيد وهم علي بن محمد المعروف بعلان وعلي بن محمد المعروف أبوه بما جيلويه، وعلي بن إبراهيم بن هاشم لم يرووا عن أبي هاشم الجعفري من غير واسطة (قال: كنا عند الرضا (عليه السلام) فتذاكرنا العقل والأدب فقال: يا أبا هاشم العقل حباء من الله والأدب كلفة فمن تكلف الأدب قدر عليه. ومن تكلف العقل لم يزدد بذلك إلا جهلا) الحباء بالكسر العطاء، يقال: حباه حبوة أي أعطاه وفي المغرب الأدب أدب النفس والدرس وقد أدب فهو أديب، وأدبه غيره فأدب وتركيبه يدل على الجمع، والدعاء ومنه الأدب لأنه يأدب الناس إلى المحامد أي يدعوهم إليها (1). وقيل: الأدب اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضايل، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " الآداب حلل مجددة " (2) يعني كما أن الشخص يتزين بالحلل كذلك يتزين بالاداب مثل العلم وما يتبعه من حسن المجاورة والمعاشرة وأمثالها، وقال بعض أهل المعرفة: للأدب شعب كثيرة فلذا قال بعضهم: هو ما يتولد من صفاء القلب وحضوره، وقال بعضهم: هو مجالسة الخلق على بساط الصدق ومطالعة الحقايق بقطع العلايق، وقال بعضهم: هو وضع الأشياء موضعها، وقال بعضهم: أدب اللسان ترك ما لا يعنيه، وإن كان صدقا فكيف الكذب، وأدب النفس معرفة الخير والحرص عليه ومعرفة الشر والانزجار عنه، وأدب القلب معرفة حقوق الله تعالى والاعراض عن الخطرات المذمومة، والكلفة ما يتكلفه الإنسان من المشاق ويتجشمه يعني أن العقل عطية من الله تعالى وغريزة في الإنسان وجوهر رباني خلقه وجعل نوره في القلب الهداية إلى خير الدنيا والآخرة وليس للعبدة قدرة على اكتساب ذلك الجوهر لنفسه كما أنه ليس ذلك في وسع المجانين وساير الحيوانات الفاقدة له فمن تكلف في تحصيله وتجشم في اكتسابه كان سعيه عبثا، ومع ذلك يزداد به جهله حيث اعتقد أنه عاقل لما لا يليق به ولا يقدر على فعله وارتكب ما يفضى إلى الدور، نعم الآداب التي يرشده العقل إليها ويدله عليها وهي من توابع حركاته وسكناته الموافقة لقانون الشرع والعرف داخلة تحت قدرته فله السعي في اقتنائها والاجتهاد في اكتسابها ليرتقي من حضيض النقص إلى أوج الكمال، فإن قلت لا شبهة في أن أصل العقل منه تعالى فهل درجاته السنية ومراتبه العلية التي تحصل بكثرة التجارب والمعارف واقتراف العلوم والحقايق واكتساب الآداب والفضايل منه تعالى أو من العبد (3) ؟ قلت: النظر إلى ظاهر هذا الحديث وظاهر ما مر " ولا أكملتك إلا فيمن أحب " وظاهر قوله " إنما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم


1 - تقدم تحقيقه ص 243. 2 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 4. 3 - احتمال كونه من العبد ساقط من أصله مبنى على اعتقاد العوام من أن بعض الاشياء بفعل الله وبعضها بفعل غيره وينسبون إلى الله ما لا يجدون له سببا (ش). (*)

[ 298 ]

من العقول في الدنيا " إلى غير ذلك من الأخبار المتكثرة يفتضى أنها منه تعالى وتلك العلوم والآداب وإن كان لها مدخل في حصولها لكنها ليست عللا فاعلية لها بل هي شرائط لتحققها وصدورها من المبدء الفياض كما أن الدهن شرط أو معد لزيادة ضوء المصباح وأصل الضوء وزيادته وكماله منه تعالى (1). * الأصل: 19 - " علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك إن لي جارا كثير الصلاة، كثير الصدقة، كثير الحج لا بأس به قال: فقال: يا إسحاق كيف عقله ؟ قال: قلت له: جعلت فداك ليس له عقل، قال: فقال: لا يرتفع بذلك منه ". * الشرح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن يحيى بن مبارك) في بعض كتب الرجال أنه من أصحاب الرضا (عليه السلام) وما رأيت اسمه في الخلاصة (عن عبد الله بن جبلة عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك إن لي جارا كثير الصلوة كثير الصدقة كثير الحج) لفظ الكثير منصوب على أنه صفة لأن الاضافة اللفظية لا يكتسب تعريفا، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو والصفة حينئذ جملة (لا بأس به) لعل المراد من نفي البأس هو أنه من أهل الولاية أو أنه من أهل الصلاح لا يؤذي أحدا (قال: فقال: يا إسحق كيف عقله ؟) لما بالغ إسحاق في وصفه بالأعمال الصالحة سأل (عليه السلام) عن أصل تلك الأعمال وهو العقل الذي يميز بين الحق والباطل ويوجب الإقرار بالحق تنبيها على أنه هو الحري بالاتصاف به لأنه نور يبصر به خير الدنيا والآخرة (قال: قلت: جعلت فداك ليس له عقل، قال: فقال لا يرتفع بذلك منه) أي لا يرتفع عمله بسبب أنه ليس له عقل منه، وفي بعض النسخ " لا ينتفع بذلك منه " أي لا ينتفع ذلك الرجل بسبب أنه ليس عقل من عمله وهنا شئ وهو أنه إن اريد بقوله: " ليس له عقل " نفي العقل عنه مطلقا حتى ما هو مناط التكليف كما هو الظاهر أو نفى كونه من أهل الولاية كناية كان عدم ارتفاع عمله محمولا على الظاهر لأن عمل غير المكلف وعمل غير الإمامي ليس مرتفعا، ولكن تلك الإرادة ينافي ظاهر ما تقدم،


1 - وكذلك كل شئ في العالم ليس له علة فاعلية غير الله تعالى لأن غيره لا يقدر على ايجاد شئ والسحاب والريح والامطار علل معدة للنبات لا فاعلة والحرارة والقوة المصورة في الرحم كذلك معدات للجنين والوجود من الله تعالى ولا بنور الشمس شيئا ولا نار يحرق إلا بالاعداد ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى (ش). (*)

[ 299 ]

وإن اريد به نفي الكمال يعني نفي العقل المستتبع للعلوم الدينية والمعارف اليقينية كان عدم الارتفاع مأولا بأنه لا يرتفع عمله كاملا ولا يبلغ درجة عمل ذوي العقول الكاملة، فأن رفعة العمل والثواب عليه على قدر العقل كما مر في عابد بني أسرائيل أو بأن هذا الحكم أعني عدم رفع العمل بالكلية في خصوص الجار المذكور كما يشعر به لفظة منه لعلمه (عليه السلام) بفساد علمه في الواقع. * الأصل: 20 - " الحسين بن محمد، عن أحمد بن محمد السياري عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السكيت لأبي الحسن (عليه السلام): لماذا بعث الله موسى بن عمران (عليه السلام) بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر، وبعث عيسى (عليه السلام) بآلة الطب، وبعث محمدا صلى الله عليه وآله وعلى جميع الأنبياء بالكلام والخطب فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الله لما بعث موسى (عليه السلام) كان الغالب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله وما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجة عليهم وإن الله بعث عيسى (عليه السلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله وبما أحيالهم الموتى وأبرء الأكمة والأبرص باذن الله وأثبت به الحجة عليهم وإن الله بعث محمد (صلى الله عليه وآله) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام وأظنه قال: الشعر - فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم، قال: فقال ابن السكيت: بالله ما رأيت مثلك قط فما الحجة على الخلق اليوم ؟ قال: فقال (عليه السلام): العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه، قال: فقال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب ". * الشرح: (الحسين بن محمد) بن عمران بن أبي بكر الأشعري الثقة (عن أحمد بن محمد السياري) ضعف ونسب إلى التناسخ (عن أبي يعقوب البغدادي) اسمه يزيد ابن حماد بن الأنباري السلمي ثقة (قال: قال ابن السكيت) اسمه يعقوب بن إسحاق ثقة ثبت عالم بالعربية واللغة مصدق لا يطعن عليه وكان متقدما عند أبي جعفر الثاني وأبي الحسن الثالث (عليهما السلام) قتله المتوكل لأجل التشيع (لأبي الحسن (1) (عليه السلام) لماذا بعث الله موسى بن عمران) في " ماذا " ثلاثة أوجه الأول أن يكون مجموعه بمعنى أي شئ والثاني أن يكون " ما " بمعنى أي شئ " وذا " زائدة، والثالث أن يكون " ما " بمعنى أي شئ


1 - ذكرنا في حواشي كتاب الوافي (صفحة 33 وما بعده) ان المسؤول هو أبو الحسن الثالث أعني وذكرنا هناك وجهه ومن الناس من نسب الحديث إلى الرضا (عليه السلام) وهو خطأ ورأيت بعد ذلك من نسبه الكاظم وهو أخطأ لعدم علم قائله بالرجال وعدم تدبره (ش). (*)

[ 300 ]

و " ذا " موصولة بمعنى الذي، وهو على جميع هذه التقادير سؤال عن سبب اختصاص كل نبي من الأنبياء (عليهم السلام) بإعجاز مخصوص (بالعصا ويده البيضاء) * (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) * (وآلة السحر) من باب عطف العام على الخاص، والمراد بها ما يناسب السحر ويشبه عند القاصرين مثل الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب في نواديهم والنقصان في مزارعهم، والسحر في اللغة ما دق مأذه ولطف سواء كان مذموما شرعا أو عقلا أو ممدوحا ومنه قوله (عليه السلام): " إن من البيان لسحرا " قيل: هذا يحتمل المدح والذم، المدح من حيث أن صاحبه قادرا على استمالة القلوب بحسن عبادته ولطف دلالته وإفصاح مرامه وإبلاغ كلامه، والذم من حيث أنه قادر على تحسين القبيح وتقبيح الحسن وفي الاصطلاح قيل: هو أمر خارق مسبب عن سبب يعتاد كونه عنه فيخرج المعجزة والكرامة لأنهما لا يحتاجان إلى تقديم أسباب وآلات وزيادة اعتمال بل إنما تحصلان بمجرد توجه النفوس الكاملة إلى المبدء جل شأنه، وأيضا الاعجاز يتحقق عند التحدي دون السحر. وقيل: هو كلام يتكلم به أو يكتبه أو رقية أو عمل شئ يؤثر في بدن المسحور أو عقله أو قلبه من غير مباشرة، ومنه عقد الرجل عن زوجته وإلقاء العداوة والبغضاء والتفرقة بينهما وذهب أكثر الأصحاب وبعض العامة إلى أنه لا حقيقة له وإنما هو تخيل محض وتوهم صرف ولا تأثير له أصلا ولا مستند لهم يعتد به على أن التأثير بالوهم يتم لو سبق للمسحور علم بوقوعه وقد يجد أثره من لا يشعر به أصلا، والظاهر أن له حقيقة في نفس الأمر كما دل عليه ظواهر القرآن والأخبار وذهب إليه أكثر العامة وبعض الأصحاب وإليه ميل الشهيد الثاني ومن شاهد من الأجسام ما هو قتال كالسموم وما هو مسقم كالأدوية الحارة مثلا وما هو مصحح كالأدوية المضادة للمرض لا يبعد في عقله أن يكون تركيب مخصوص في الكلام وتلفيق معين في الكلمات وهيئة مخصوصة في العقود ونحوهما مما يؤدي إلى الهلاك والتفرقة أو السقم أو اختلال الحال إلى غير ذلك من المفاسد وأن ينفرد الساحر بعلم ذلك كما ينفرد صاحب التجربة بخواص الدواء (وبعث عيسى (عليه السلام) بآلة الطب) أي بما يشبه بها من إبراء الأكمه والأبرص وأنواع الأمراض المزمنة وإحياء الموتى. والطب بالحركات الثلاث والكسر أشهر وهو في اللغة الحذاقة وكل حاذق طبيب عند العرب وفي الاصطلاح علم تعرف به أحوال بدن الإنسان من حيث الصحة والفساد والغرض منه حفظ الصحة وإزالة المرض. (وبعث محمدا صلى الله عليه وآله وعلى جميع الأنبياء بالكلام والخطب) يحتمل أن يراد بالكلام القرآن الكريم البالغ في الفصاحة والبلاغة حد الاعجاز الخارج عن قدرة البشر وبالخطب الكلام النبوي المشتمل على غاية الفصاحة والبلاغة بحيث لا يدانيه كلام أحد من البلغاء ولا

[ 301 ]

تركيب أحد من الخطباء والفصحاء، ويحتمل أن يكون العطف لتفسير الكلام ويراد به الجنس (فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الله لما بعث موسى (عليه السلام) كان الغالب على أهل عصره السحر) كما * (قالوا أرجه وأخاه وابعث في المداين حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم * فجمع السحرة لميقات يوم معلوم * وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين) * (فأتاهم من عند الله لم بما يكن في وسعهم مثله وما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجة عليهم) كما قال سبحانه * (فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون * فالقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون) * لعلمهم بأن ما جاؤوا به من التمويهات النفسانية والتدليسات الشيطانية والصناعات الانسانية وما جاء به موسى (عليه السلام) من المعجزات الربوبية والبراهين الملكوتية والعنايات الإلهية فوقع الحق في قلوبهم وثبت الايمان في صدورهم وتقرر الايمان في نفوسهم حتى لم يبالوا بلومة اللائمين ووعيد الظالمين بالقتل والصلب وقالوا * (لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون) * وإذا وقعت الغلبة على الماهرين في جنس ما كانوا على قادرين وهم أذعنوا بها وجب على ضعفاء العقول اتباعهم على أنا نعلم قطعا أن الله سبحانه يلقي في قلوبهم عند ذلك أنه إعجاز تكميلا للحجة عليهم وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة كما يرشد إليه قول الصادق (عليه السلام) " ما من أحد إلا وقد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه قبله أم تركه وذلك أن الله يقول في كتابه * (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون) * " (1). (وإن الله تعالى بعث عيسى (عليه السلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات) جمع الزمانة وهي آفة في الحيوانات، ورجل زمن أي مبتلى بين الزمانة وفي المغرب الزمن الذي طال مرضه زمانا (واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله) أي بما عجزوا عن الاتيان بمثله فإن ما جاء به (عليه السلام) هو إزاحة الزمانات وإزالة الأمراض والآفات بمجرد القوة الروحانية وتوجه نفسه القدسية، وطلب ذلك من الله تعالى من غير فتش أسباب الأمراض واستعمال الأدوية المناسبة لها وهم قد عجزوا عن ذلك إذ غاية سعيهم هي المعالجة بمقتضى القوانين الطبية والعمل بأحكامها واستعمال الأدوية المناسبة بزعمهم بعد تفتيش الاسباب والخطأ في أمثال ذلك كثير (وبما أحيا لهم الموتى وأبرء الاكمه) وهو الذي ولد أعمى أو الممسوح العينين (والأبرص بأذن الله) البرص بياض براق أملس في الجلد واللحم معا ولموضعه غور لقلة نفوذ الغذاء فيه فيضمر ويغور، وقلة النفوذ إنما يكون لبرد العضو وتكاثفه وانسداد مساماته بالمادة الفجة ومن علاماته بياض الشعر وعدم خروج الدم بغرز الابرة، ومن أسبابه انصباب أخلاط ردية باردة رطبة في العضو غير قابلة


1 - سيأتي في كتاب الايمان والكفر ان شاء الله. (*)

[ 302 ]

لفعل القوة المغيرة الثانية (1) في التشبيه وإن لم يكن تلك القوة ضعيفة في نفسها أو ضعف تلك القوة في نفسها عن التأثير والتشبيه وعلى التقديرين يتولد البلغم الأبيض لأن سوء الهضم يوجب تولده وإذا تمكنت هذه المادة أحالت كل غذاء ورد عليه إلى مزاجها فيصير شبيها بها، وقد يكون البرص سوادا وسببه مادة سوداوية كثيرة تتراكم في الجلد وما يقرب منه، فيزاد بذلك حجم ذلك الموضع ويتكاثف جدا ويتمدد ويتقشر ويسقط منه فلوس كفلوس السمك وقوله " باذن الله " دفعا لتوهم الالوهية فان أمثال الأفعال المذكورة ليست من جنس الأفعال البشرية. (وأثبت به الحجة) عليهم لأنه ادعى النبوة وأتى ببينة من جنس ما هو المعروف بينهم وهم قد عجزوا عن الاتيان بمثلها وعلموا لأجل مهارتهم في صناعتهم أنها ليست من جنس أفعال البشر، بل هي من جنس أفعال خالق القوى والقدر، قد أظهرها على يده تصديقا لدعواه ولو أتى بينة اخرى غير ما هو المعروف عندهم لأمكن لهم التوهم بأنه ما هو في صناعته لو اجتهد غيره أيضا فيها صار مثله. (وإن الله بعث محمد (صلى الله عليه وآله) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال: الشعر -) بدلا من الكلام لا على الجمع والانضمام وإلا يقال والشعر والظن من أبي يعقوب وقد ذكروا في السير والآثار ونقلوا عن ثقاة الرواة أنهم كانوا يلبسون كلامهم ما قدروا عليه من حلية الفصاحة والبلاغة، ويزينونه ما يوجب التفوق والبراعة، ويعمدون فيه ما يوجب طباقه بمقتضى الحال وارتقاؤه إلى أعلى مدارج الكمال، ويقصدون فيه أنواع المحسنات اللفظية والمعنوية وأنحاء بدايع النكت العربية وتناسب العبارات والاستعارات ولطائف التخيلات والمجازات ومحاسن الكنايات والتشبيهات إلى غير ذلك من الامور التي تزيد في الكلام دقة وسحرا وفي القلب ابتهاجا وانبساطا وسرورا ويجعلونه كالعروس العارية عن مقابح العيوب التي ينفتح إليها عيون الظواهر وبصائر القلوب وكانوا يجتمعون ويتناشدون ويتفاخرون ويطلبون المعارضة بالمثل ويعتقدون


1 - القوة المغيرة اثنتان الأولى ما يفصل المني إلى مزاجات مختلفة لكل عضو عضو لأن مزاج اللحم غير مزاج العظم وهكذا، ولابد من هذه القوة إذ لو فرض بطلانها صار الجنين قطعة من اللحم من غير تقسيم. والمغيرة الثانية وتسمى المصورة أيضا هي التي توجب تخطيط الاعضاء وتشكيلها وهذه القوة أو قوة مثلها موجودة في كل عضو من بدن الإنسان إلى آخر زمان حياته لأن الغذاء إذا تحول إلى الاخلاط وخصوصا الدم كان له مزاج واحد متشابه وإذا وصل إلى العين مثلا تبدل صورته إلى شئ وإذا وصل إلى العظم تحول إلى شئ آخر، والجلد واللحم كذلك وهذا التبدل والتغير متوقف على تأثير القوة الفاعلة واستعداد المواد القابلة حتى يتشبه الغذاء في كل عضو بسائر أجزائه ولولا هذه القوة حدث أمراض منها البرص. وهكذا الكلام يدل على تبحر الشارح في علم الطب (ش). (*)

[ 303 ]

الفضل لمن جاء بالأحسن منه. (فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه) أي من مواعظه القرآنية وحكمه الفرقانية (ما أبطل به قولهم واثبت به الحجة عليهم) لأنه أتاهم بالقرآن يشفي رمد بصاير أهل العرفان فان الاكتحال بكحل حقايقه يسقى كبد العطشان بالورود على زلال دقايقه ولا يحول فؤاد الأفكار إلى أقصى معارج عجابيه ولا يجول جواد الأنظار إلى أعلى مدارج غرايبه وهو نير مضئ لا يضل من ضوئه عقول المسافرين وعلم رفيع لا يعمى منه أبصار السائرين، وبحر زاخر لا يصل إلى قعره غوص العارفين، ومنهج واضح لا يزل فيه قدم السالكين، وشجرة نصوص لا يتحرك بهبوب صرصر الشبهات أوراقه وأغصانه. وبنيان مرصوص لا ينهدم بحوادث الخطرات حيطانه واركانه، وناطق فصيح لا ينقطع بشبه المخالفين دلايله وبرهانه، وناصر معين لا يخذل بهجوم المعاندين أنصاره وأعوانه، ونور ساطع في قلوب أرباب العرفان، وشعاع لامع في صدور أصحاب الايمان، ومعدن الفضل والتوحيد والعدل والايمان، ومنبع العلم والجود والكرم والاحسان، وقد جعله الله سبحانه ريا لعطش العلماء وربيعا لقلوب الفقهاء، معراجا لعقول الصلحاء، ودواء ليس بعده داء، فمن أراد معارضة أقصر سورة من سوره حلت به الندامة وظهرت فيه الجهالة والسفاهة إذ هو مصادر لأطوار الفصاحة، ومظاهر لأسرار البلاغة التي يعجز عن فهمها عقول الفصحاء ويقصر عن دركها فحول البلغاء، ويتحير فيها أذهان مصاقع الخطباء ولذلك بعدما خيروا بين المعارضة باللسان والمقابلة بالسيف والسنان أعرضوا عن الأول مع طول المدة وكثرة العدة وشدة القوة وغاية العصبية ونهاية الأنانية وكمال الحرص في الغلبة والرسوخ في إظهار المفخرة لعلمهم بأن ذلك خارج عن قدرتهم وفايق على صنعتهم وبعيد عن طريقتهم فعلم أن ذلك وحي أنزله لهداية العباد من ظلم الضلالة ونور أظهره لارشادهم في بيداء الجهالة اللهم اجعله وسيلة لنا إلى أشرف منازل الكرامة، وسببا لنجاتنا في عرصة القيامة وذريعة نقدم بها على نعيم دار المقامة، وفيه دلالة واضحة على أن إعجاز القرآن لاشتماله على امور غريبة وألفاظ رشيقة ومعان دقيقة ونكات لطيفة، إلى غير ذلك من الامور الخارجة عن قدرة البشر. وسر ذلك أن الله تعالى عالم الغيب والشهادة لا يعزب عنه مثقال ذرة فإذا رتب لفظا فلاحاطته علما بكل بشئ يعلم الكلمة التي تصلح أن تليه ويعلم وجوه المعاني ومواضع استعمالات الكلام وحسن ابتدائها واختتامها حتى لو أريد تغيير شئ منها بأحسن من ذلك لم يمكن ولم يوجد وليس في قدرة البشر أن يحيطوا علما بكل شئ فلذلك تجد الفصيح منا قد يصنع الخطبة ثم لا يزال ينقح ويبدل. وما ذلك إلا لأنه ظهر له الآن ما لم يكن له ظاهرا قبل فلذلك صار القرآن حجة على الناس

[ 304 ]

إلى يوم الدين لأنه لما نزل قوله تعالى * (فأتوا بسورة من مثله) * قال كل فصيح من الفصحاء: ما بال هذا الكلام لا يؤتى بمثله فلما تأمله تبين له ما تبين وصح عنده لا قدرة له على مثله وأنه من الله العزيز العليم فمنهم من آمن ومنهم من أبي حسدا، وقامت بهم الحجة على أهل العالم لأنهم كانوا من أرباب الفصاحة فإذا عجزوا فغيرهم أعجز وإلا فليأتوا بسورة من مثله، وذهب الأشعري إلى أن إعجازه بالصرفة (1) ومعناها أن الفصحاء كانوا قادرين على الإتيان بمثله إلا أن الله سبحانه صرف الهمة عنهم، وهو بهذا الوجه أيضا وإن كان آية من آيات الرسالة إلا أنه تحكم محض وقول بلا حجة، والوجه هو الأول. وله مع ذلك فضل على غيره من المعجزات لأن كل معجزة غيره لانقراضها لم يشاهد وجه إعجازها إلا من حضرها وهو باق إلى قيام الساعة ففي كل زمان يحدث من يشاهد وجه إعجازه ويتجدد إيمانه ولأن فائدة غيره إنما هي إثبات الرسالة فقط، وفائدته إثباتها مع اشتماله على علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون، وعلم ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) من الوعد والوعيد والمواعظ والنصايح وجميع ما يحتاج إليه الامة إلى يوم القيامة. (قال: فقال ابن السكيت: بالله ما رأيت مثلك قط) بالله بدون ألف قبل الجلالة على ما هو المصحح من النسخ ولفظه " باء " تحتمل وجهين: الأول أن يكون باء القسم أو تاؤه، والثاني أن يكون حرف النداء للتعجب ولما وقف ابن السكيت على سبب اختصاص كل نبي بإعجاز مخصوص من كلام معدن الرسالة مدحه بقوله " ما رأيت مثلك قط " يعني في العلوم وحضور الجواب، مصدرا بالقسم ترويجا للمدح وتنبيها على أنه من صميم القلب لا من باب الإطراء وظاهر اللسان كما هو شأن أكثر المادحين، أو بكلمة التعجب إشعارا بأن تفوقه (عليه السلام) على غيره بلغ حدا يعجز العقول عن الوصول إليه وعن إدراك كميته وسببه، ويحتمل أن يقرء يا الله بالاف وهو حينئذ للتعجب مثل لا إله إله الله وسبحان الله فان هذه الكلمات الشريفة كثيرا ما تستعمل للتعجب وفيه جواز مدح الرجل مواجهة بالفضايل الموجودة فيه ولكن


1 - ولا ريب أن التعمق في البحث عن وجه إعجاز القرآن وسوسة فإنه إذا ثبت أن أحدا لم يأت بمثله من صدر الإسلام إلى الآن فهو معجز قامت به الحجة سواء كان سببه فصاحته أو اشتماله على الدقائق والنكات التي تقصر عن فهمها أذهان العرب أو احتوائه على الاخبار الغيبية أو الصرفة التي يقول بها السيد المرتضى - رحمه الله تعالى - أو لغير ذلك فإن توجيه الذهن إلى ذلك يوجب صرف الفكر عن نفس الاعجاز وهذا كما نعلم أن سحرة فرعون عجزوا عن معارضة موسى (عليه السلام) ولا نعلم أنه كان لنقصانهم علما أو لتصرفه أو لأن طبيعة عملهم غير طبيعة عمل موسى (عليه السلام) ونعلم بالاجمال أنهم عجزوا، وإجراء خوارق العادات من الله تعالى على يد الكاذب قبيح على الله تعالى وإلا لا يعرف أكثر الناس حقيقة السحر بل يزعمون أنه مغير للحقائق كالمعجزة كما قال فرعون * (انه لكبيركم الذي علمكم السحر) * (ش). (*)

[ 305 ]

جوازه مشروط بما إذا لم يكن موجبا لفخر الممدوح وتكبره ولما علم ابن السكيت أن كل عصر لا يخلو من داع إلى الله تعالى إما نبي أو وصي نبي، وعلم أن القرآن حجة على الخلق ودليل على صدق نبينا (صلى الله عليه وآله) سأل عن الحجة على الخلق والدليل على صدق الداعي بعده بقوله (فما الحجة على الخلق اليوم) إذ الدعاة متكثرة والآراء مختلفة والقرآن غير رافع للاختلاف إلا بتفسير صادق مؤيد من عند الله تعالى فلابد اليوم من حجة يتميز بها الداعي الصادق عن غيره (قال: فقال (عليه السلام): العقل) وهو خبر مبتدء محذوف أي الحجة في هذا اليوم العقل أو مبتدء خبره قوله (يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه) لأن العقل يحكم بامتناع أن يمضي (صلى الله عليه وآله) ويضيع امته ولا ينصب لهم خليفة، فمن نصبه فهو الصادق وغيره ممن يدعي خلافته فهو الكاذب ولأن العقل العاري عن شوائب الأوهام يعرف بعد نزول الكتاب وتقرير الدين وتكميل السنة أن الصادق على الله (1) هو الذي يعلم أحكام الكتاب والسنة وشرايع الدين ويحكم بها ويحفظ لها وأن الكاذب على الله هو الذي لا يعلمها ولا يحكم بها وبالعقل تمت الحجة على الخلق فإن عملوا بمقتضاه من تصديق الصادق والعمل بما يأمره والانتهاء عما ينهاه وتكذيب الكاذب والاجتناب عن متابعته انتظم حالهم في الدارين وإن عملوا بالعكس ماتت قلوبهم ومرضت صدورهم حتى لا يؤثر فيهم البرهان ويستولي عليهم الشيطان وعلى هذا الوصف يموتون وينزل بهم ما كانوا يوعدون (قال: فقال ابن السكيت هذا والله هو الجواب) فيه مبالغة من وجوه أحدها اسمية الجملة لأنها من المؤكدات. وثانيها الابتداء باسم الإشارة الدال على كمال الظهور، وثالثها تأكيد مضمون الجملة بالقسم لترويجه وتقريره، ورابعها تعريف البخر بالام المفيد للحصر، وخامسها التوسط بضمير الفصل الدال على تأكيد الحصر ووجه ظاهر لأن التمييز بين الصادق والكاذب لا يتحقق إلا بالعقل العاري


1 - تأول الشارح هنا تأويلا حسنا حتى يدفع ما يختلج في الذهن من فساد ظاهر هذا الكلام لأن ما يتبادر إلى الذهن أن ابن السكيت سأل الإمام عن دليل النبوة في هذه الازمنة المتأخرة لأن معجزات الانبياء خاصة بزمانهم فأحال الإمام (عليه السلام) على العقل وهو أن يعرف صدق النبي الصادق وكذب الكاذب بالعقل فإن العاقل بعد تتبع سيرة الرجال يعرف دخلة أمورهم وهذا باطل جدا لأن النبوة سر باطني بين النبي وبين الله تعالى ولا يعرف إلا بالاعجاز وخوارق العادات ولا طريق للعقل إلى معرفة هذا السر. والسياري راوي هذا الحديث متهم بالجعل والالحاد كان يزعم كسائر الملاحدة أن الانبياء كسائر نوابغ العالم فاقوا بعبقريتهم وفطنتهم وقوة ذكائهم والشارح تأول الكلام على وجه يستلزم كون معجزات نبينا (صلى الله عليه وآله) خصوصا القرآن حجة على أهل زمانه وعلى من بعده إلى يوم القيامة، وبالجملة ظاهر الكلام يدل على أن ابن السكيت سأل عن الحجة على النبوة والدليل على صحة دعواه (صلى الله عليه وآله) وصرفه الشارح السؤال عن الحجة أي الإمام في زمانه والدليل عليه (ش). (*)

[ 306 ]

عن شبهات الأوهام والخالي عن بليات الأسقام فإنه ميزان يوزن به مكائيل الأقوال فيميز بين الراجح والناقص وبين الصادق والكاذب فيصدق الصادق توقعا لنظام حاله ويكذب الكاذب تحرزا عن وخامة مآله ثم كون العقل حجة ليس مختصا بهذا اليوم ولا بهذه الامة ولا دلالة في الجواب على ذلك، وإنما المقصود منه هو التنبيه على أن العقل حجة الله على عباده وعلى كمال تفطن العقلاء ولطافة قرايحهم حتى تمكنوا على تحصيل الايمان بالله واليوم الآخر وبالصادق الأمين من غير مشاهدة معجزات وملاحظة كرامات، بل لا يبعد القول بأن تأثير العقل بالاذعان أقوى وأشد من تأثير المعجزات فيه لأن تأثيره يوجب انقياد القلب وانشراح الصدر وانكشاف البصيرة بخلاف تأثيرها فانه يوجب الانقياد فقط من غير تثبت ورسوخ ولذلك كثير ممن آمن بنبينا (صلى الله عليه وآله) بمشاهدة الآيات والمعجزات ارتدوا بعده كثير ممن آمن بموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بمشاهدة معجزاته طلبوا منه بعد الخروج من البحر أن يجعل لهم أصناما آلهة وعبدوا عجلا جسدا له خوار، كل ذلك لضعف عقولهم وقلة بصيرتهم وعدم تثبتهم ورسوخهم في الايمان وأما المؤمن نور العقل والمذعن بمقتضاه فهو أثبت من الجبال الرواسي. ومن ههنا يظهر التفاوت بين الحجتين والبون بينهما بعد المشرقين. * الأصل: 21 - " الحسين بمحمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن المثنى الحناط عن قتيبة الأعشى، عن ابن أبي يعفور، عن مولى لبني شيبان، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم ". * الشرح: (الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد) مضطرب الحديث والمذهب (عن الوشاء) الحسن بن علي ابن زياد الوشاء من أصحاب الرضا (عليه السلام) وكان من وجوه هذه الطايفة (عن المثنى الحناط) الظاهر أنه ابن الوليد وله كتاب (عن قتيبة الأعشى) بن محمد المؤدب ثقة (عن ابن أبي يعفور) اسمه عبد الله ثقة جليل في أصحابنا (عن مولى لبني هاشم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا قام) أي خرج بعد الغيبة المقدرة وظهر لاظهار دين الحق وإعلاء كلمته (قائمنا) المهدي المنتظر الموعود بالنصر والظفر وهذا القيام كاين قطعا لروايات متواترة من طريق العامة والخاصة إلا أن العامة يقولون: إنه يولد في آخر الزمان من نسل علي وفاطمة وجده الحسين (عليه السلام) كما صرح به الآبي في كتاب إكمال الكمال ونحن نقول: هي حي موجود قامت السموات بوجوده ولولا وجوده لساخت الأرض بأهلها طرفة عين (وضع الله يده) أي قدرته أو شفقته أو نعمته أو إحسانه أو ولايته أو حفظه، والضمير عايد إلى الله

[ 307 ]

أو إلى القايم (عليه السلام) (على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم) ضمير التأنيث إما عايد إلى اليد والباء للسببية أو إلى الرؤوس والباء بمعنى " في " وهذا الأخير يناسبه ما قيل من أن العقل جوهر مضئ خلقه الله تعالى في الدماغ وجعل نوره في القلب يدرك الغايبات بالوسايط والمحسوسات بالمشاهدة (وكملت به أحلامهم) أي عقولهم جمع حلم بالكسر وهو الاناة والتثبت في الامور وذلك من شعار العقلاء، والمراد بجمع عقولهم رفع الانتشار والاختلاف بينهم وجمعهم على دين الحق وبكمال أحلامهم كمال عقل كل واحد واحد بحيث ينقاد له القوة الشهوية والغضبية ويحصل فضيلة العدل في جوهر البدن، والأمر ان يتحققان في عهد صاحبنا (عليه السلام) لأنه إذ خرج ينفخ الروح في الإسلام ويدعو إلى الله بالسيف فمن أبي قلته ومن نازع قهره حتى رفع المذاهب من الأرض فلا يبقى في وجهها إلا دين الحق فيملأها عدلا وأمنا وايمانا كما ملئت ظلما وجورا وطغيانا فشهداؤه خير الشهداء وأمناؤه خير الامناء وأصحابه العارفون بالله والقائمون بأمره والمشفقون على عباده والحافظون لبلاده والعاقلون العاملون الكاملون العابدون الناصحون له فيعود الخلائق بعد التفرقة إلى الجمعية وبعد التشتت إلى المعية وبعد الكثرة إلى الوحدة وبعد التفارق إلى التوافق وبعد الجهل إلى العلم وينظرون إلى الحق بأعين سالمة من الرماد ويسلكون إليه بأقدام ثابتة في سبيل الرشاد وهذا معنى جمع عقولهم وكمال أحلامهم لأن كمالها بحسب ميلها ورجوعها إلى الحق فإذا تحقق الرجوع ثبت الكمال قطعا، هذا. وقيل: المراد باليد هنا الملك الموكل بالقلب الذي يتوسطه يرد الجود الإلهي والفيض الرباني عليه كما في قوله (صلى الله عليه وآله) " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف شاء " (1) والمراد برؤوس العباد نفوسهم الناطقة وعقولهم الهيولانية، والمراد بجمع الله عقولهم جمع الله بواسطة ذلك الملك القدسي والجوهر العقلي (2) عقولهم من جهة التعليم والإلهام فإن العقول الإنسانية في أول نشأتها منغمرة في طبايع الأبدان، متفرقة في الحواس، متشوقة إلى الأغراض والشهوات، محبوسة في سجون الأماني وشعب الرغبات. ثم إذا ساعده التوفيق وتنبه بأن وراء هذه النشأة نشأة اخرى علم ذاته وعرف نفسه واستكمل بالعلم والحال، وارتقى إلى معدنه الأصلي، وعاد من مقام التفرقة والكثرة إلى مقام الجمعية والوحدة، ولما ثبت وتقرر أن النفوس الإنسانية من زمن آدم (عليه السلام) الخاتم (صلى الله عليه وآله) كانت متدرجة في التلطف ومترقبة في الاستعداد، وكذلك كلما جاء رسول كانت معجزة


1 - أخرجه الحاكم في المستدرك ج 4 ش 321 هكذا " القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن - الحديث ". 2 - سبق أن الملك في اصطلاح أهل الشرع هو العقل الجوهري في اصطلاح الحكماء، وهذا الكلام تصريح به من قائله ولم يعترض عليه الشارع فيما اعترض عليه والقائل هو صدر الحكماء المتألهين (قدس سره) (ش). (*)

[ 308 ]

المتأخر أقرب إلى المعقول من المحسوس من معجزة المتقدم ولأجل ذلك كانت معجزة نبينا (صلى الله عليه وآله) القرآن وهو أمر عقلي إنما يعرف كونه إعجازا أصحاب العقول الذكية ولو كان منزلا على الامم السابقة لم يكن حجة عليهم لعدم استعدادهم لدركه ثم من بعثته (صلى الله عليه وآله) آخر الزمان كانت الاستعدادات في الترقي والنفوس في التلطف والتذكي ولهذا لا يحتاجون إلى رسول آخر (1) يكون حجة الله عليهم لأن الحجة عليهم هي العقل الذي هو الرسول الداخلي ففي آخر الزمان يترقى الاستعدادات من النفوس إلى حد لا يحتاجون إلى معلم من خارج على الرسم المعهود بين الناس لأنهم مكتفون بالالهام النفسي عن التأدب الوضعي وبالمدد الداخلي عن المؤدب الخارجي، وبالمكمل العقلي عن المعلم الحسي كما لساير الأولياء فيد الله وهو ملك روحاني يجمع عقولهم ويكمل أحلامهم (2) هذا كلامه وفيه نظر أما أولا فلأن ترقي العقول على الوجه المذكور غير مسلم ولو كان كذلك لكان الاختلاف بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) أقل من الاختلاف في الامم السالفة وقد دلت الأخبار المتكاثرة على عكس ذلك (3) وأما ثانيا فلان المقصود من هذا الحديث أن تكميل العقول في آخر الزمان بواسطة معلم حسي وهو الصاحب (عليه السلام) (4) وما ذكره يدل على أنهم لا يحتاجون إلى معلم حسي أصلا، وأما ثالثا فلأنه وإن أمكن حمل اليد هنا على الملك لكن لا حاجة لنا تدعو إليه لأن إعانة أي ملك وتسديدة أقوى وأحسن من إعانة الصاحب وتسديده (عليه السلام) (5). * الأصل: 22 - " علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن علي بن إبراهيم، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله


1 - غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن العقل يدعوه إلى متابعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) 2 - فيعرفون بالعقل المكمل صحة الدين وامامة القائم (عليه السلام) فيتبعونه ولم يكونوا كذلك في صدر الإسلام. (ش) 3 - كثرة الاختلاف لا يدل على ضعف العقول نعم لو كانت العقول في أعلى مدارج الكمال لم يختلفوا كما أن الامم الذين في ادنى درجات التقليد قد لا يختلفون أيضا ولكن أهل التوسط يختلفون جدا والمسلمون في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكونوا في أعلى درجات الكمال حتى لا يختلفوا (ش). 4 - الحديث صريح في خلاف هذا الكلام لأن يد الله في الحديث غير الإمام قطعا وانما يجمع الله عقول الناس بتوفيقه وتسديده وإعانة الملك الذي عبر عنه باليد حتى يتبعوا صاحب الامر (عليه السلام) بعقولهم ولو أظهر في زماننا هذا أو قبله ولم يكمل عقول الناس بعد لنفروا وأعرضوا أو قتلوه. (ش) 5 - إعانة الملك ليس أقوى من إعانة الإمام (عليه السلام) لكن لابد من العقل الكامل في متابعة الناس أجميعن له (عليه السلام) كما كانوا محتاجين إليه على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبالجملة لا يريد القائل أن الناس في آخر الزمان لا يحتاجون إلى الحجة (عليه السلام) بل يريد أنهم بسبب كمال عقولهم يستعدون لظهوره وقبول قوله وحكمه ويبقون على الحق مستعدين قابلين إلى يوم القيامة وما كانوا كذلك في العصر الاول والاوسط (ش). (*)

[ 309 ]

العقل ". * الشرح: (علي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان) مشترك بين الضعفاء (عن علي بن إبراهيم) الظاهر أنه علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن الجواني بفتح الجيم وتشديد الواو ثقة صحيح الحديث (عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال حجة الله على العباد النبي والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل) هذا الحديث والله أعلم يحتمل وجوها الأول ما أشار إليه بعض الأفاضل وهو أن الحجة الموصلة للعباد إلى السعادة والنجاة بعد الاعتقاد بإلهيته تعالى وهو النبي (صلى الله عليه وآله)، والحجة فيما بينه وبين العباد بمعرفته تعالى وحجية النبي بما عداها مما لا يدل عليه دليل ولا يتحصل له منى إذ النبي حجة أيضا في معرفته تعالى وصفاته والعقل حجة فيما عداها أيضا الثاني أن النبي حجة الله الموصلة لعباده إلى الطريق الحق والباطل وطريق الخير والشر كلها يعني يهديهم إليها والعقل هو الحجة بينه تعالى وبين العباد الموصلة لهم إلى تصديق نبيه والاذعان لكل ما أخبر به وفي تغيير الاسلوب إشارة إلى ما بينهما من التفاوت في الظهور والخفاء، الثالث أن النبي حجة الله على عباده على سبيل التفضل لقطع أعذارهم كما يشعر به لفظة " على " والعقل هو الحجة الكافية في الحقيقة بينه وبين العباد ولو أبى عن الحق فإنما هو لسوء تدبيرهم وبطلان استعدادهم لأمر عرض له بمجاورة الأبدان لا لنقصان في ذاته، الرابع أن حجية النبي مختصة بالله سبحانه ومن صنعه تعالى وليس للعباد مدخل فيها كما يشعر به الإضافة وحجية العقل غير مختصة به تعال بينه وبين عباده ولهم مدخل فيها وذلك لأن الله تعالى خلق العقل قابلا لجميع الكمالات البشرية ومن الظاهر أنه لا يتصف بالحجية حتى يتصف بالكمال في الجملة إذ هو في حيز القوة المحضة ليس حجة واتصافه بالكمال بسعي العباد وطلبهم وحسن تدبيرهم فلهم مدخل في حجيته. الخامس بين الاحتياج إلى الحجتين والتغيير في الاسلوب إنما هو لمجرد التفنن والمقصود أن حركة العبد نحو المقصود لا تحصل إلا بدليل خارجي هو النبي ودليل داخلي هو العقل أما الثاني فلأن الوصول إلى منازل القرب لا يتصور إلا بالاتصاف بالفضايل والتجرد عن الرذايل وذلك لا يمكن إلا بعد معرفة الفرق بينهما ومبدء تلك المعرفة هو العقل وأما الأول فلأن العقل وإن كان مستقلا في بعض المعارف لكنه غير مستقل في بعضها كأحوال العباد والشرايع الإلهية مع تحقق خطائه فيما يستقل كثيرا فاحتاجوا إلى النبي المؤيد من عند الله تعالى ليهديهم إلى المطالب والمحاسن ويزجر عن الرذايل والقبايح ليكونوا معه أقرب من الخير وأبعد من الشر.

[ 310 ]

* الأصل: 23 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، مرسلا قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) دعامة الإنسان العقل والعقل منه الفطنة والفهم والحفظ والعلم، وبالعقل يكمل وهو دليله ومبصره ومفتاح أمره، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالما، حافظا، ذاكرا، فطنا، فهما فعلم بذلك كيف ولم وحيث، وعرف من نصحه ومن غشه، فإذا عرف ذلك عرف مجراه وموصوله ومفصوله، وأخلص الوحدانية لله والاقرار بالطاعة فإذا فعل ذلك كان مستدركا لما فات، وواردا على ما هو آت يعرف ما هو فيه ولأي شئ هو ههنا، ومن أين يأتيه، وإلى ما هو صائر، وذلك كله من تأييد العقل ". * الشرح: (عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد مرسلا قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) دعامة الإنسان العقل) الدعامة بالكسر عماد البيت ودعامة السقف الاسطوانة التي يقوم عليها السقف، ودعامة الحايط المايل العماد الذي يستند إليه ليستمسك به فتشبيه الإنسان بالبناء مكنية، وإثبات الدعامة له تخييلية، وحمل العقل عليها تشبيه بليغ وتعريف العقل باللام للحصر يعني أن إثبات الإنسانية للإنسان وتحققها وقيام معناها إنما هو بالعقل كما أن إثبات السقف وقيامه بالعماد لظهور أن الإنسان ليس مجرد هذا الهكيل المخصوص وإلا لما كان بينه وبين الصور المنقوشة على الجدار أو المصنوعة من الحجر والخشب فرق بل الإنسان إنسان بما وجد فيه من العقل الذي هو منشؤ المعارف والكمالات ومبدء العلوم وملكات وأما من لم يوجد فيه العقل كالجاهل الفاقد لتلك المعارف والملكات الواجد لأضدادها من الشرور والآفات فهو نسناس في صورة الناس (والعقل منه الفطنة والفهم) أي ينشؤ من العقل الفطنة والفهم وهذا الكلام وما بعده بيان وتفسير لذلك المرام أعني كون العقل دعامة الإنسان، والفطنة الذكاء ولها مراتب أعلاها أن يحصل للذهن ملكة الانتقال من المبادي إلى المطالب بسهولة بحيث لا يحتاج إلى فضل مكث وتأمل، والفهم جودة تهيؤ الذهن لقبول ما يريد عليه وله أيضا مراتب في القوة والضعف وأعلاها أن يحصل للذهن من كثرة مزاولة المقدمات المنتجة ملكة سرعة انتاج المطالب وسهولة استخراج النتايج على سبيل البرق الخاطف (والحفظ والعلم) لعل المراد بالحفظ حفظ الميثاق أو حفظ الصور الحسية بضبطها في خزانة الخيال أو حفظ الصور العقلية بأن يحصل للذهن ملكة الارتباط بالمبادئ العالية بحيث يقدر أن يشاهد تلك الصور فيها متى شاء من غير حاجة إلى تجشم كسب جديد (1) أو الأعم من الجميع، والمراد بالعلم الادراك


1 - قالوا إن الحافظة للقوة العاقلة هي العقل الفعال وعبر عنه الشارح بالمبادئ العالية إذ قد يعبر بذلك عن = (*)

[ 311 ]

مطلقا أو إدراك المعارف الالهية والأحكام النبوية والتصديق بهما على التفصيل، ثم ذكر هذه الأربعة كأنه على سبيل التمثيل والاقتصار وإلا فأحوالات العقل وفضايله الناشية منه غير منحصرة فيها كما يظهر لمن تأمل في الآثار سيما الخبر الوارد في ذكر جنوده (وبالعقل يكمل) أي يكمل الإنسان لأن العقل مبدء لجميع الخيرات ومنشؤ لجميع الكمالات التي بها يصير الإنسان كاملا في الدارين وتمام العيار في النشأتين وممدوحا عند الخالق ومحبوبا عند الخلائق، وتقديم الظرف لقصد الحصر أو الاهتمام وإنما لم يقل: وبه يكمل مع تقدم المرجع لئلا يتوهم عود الضمير إلى العلم، وهذا وإن كان أيضا صحيحا لكن الكلام في العقل وبيان أحوالاته (وهو دليله ومبصره ومفتاح أمره) أي العقل دليل الإنسان إلى سبيل النجاة ومبصره للخيرات اسم فاعل من بصره ويجوز أن يقرأ بفتح الميم والصاد وسكون الباء، وقيل: المبصر والمبصرة على هيئة اسم المكان: الحجة. ومفتاح أمره ينفتح به أبواب العلوم والكمالات كل ذلك لأن العقل في عالم الأبدان كالشمس يتلألأ نوره ويلمع ضوؤه في الحواس الباطنة والظاهرة ويتنور به القلب ويستضيئ به الصدر، فمن حيث أنه يهتدي به كل عضو من أعضاء الإنسان إلى ما هو المطلوب منه فهو دليله، ومن حيث أنه ينظر القلب به أو فيه إلى الحقايق والمعارف ويبصرها بعين البصيرة فهو مبصره، ومن حيث أنه ينكشف به تلك الحقايق والمعارف للقلب وينتقش فيه صورها فهو مفتاح أمره (فإذا كان تأييد عقله) أي تقويته (من النور) أي بالفضايل العقلية والكمالات النفسانية التي هي من جنود العقل مثل العلم والحفظ والذكر والفطنة والفهم، وسماها نورا على سبيل الاستعارة والتشبيه به في الهداية كما يسمى أضدادها أعني الجهل والنسيان والسهو والغباوة والحمق ظلمة، أو على ملاحظة أنها فايضة من عالم نوراني يعني عالم الملكوت على قلب إنساني ليستعد بها للترقي إليه، والفاء حينئذ للتفريع إذ هذا الشرط مع الجزاء بمنزلة نتيجة للكلام السابق كما يظهر بأدنى تأمل، ويحتمل أن يراد بالنور الحجة الظاهرة يعني النبي لأنه نور إلهي في ظلمات الأرض به يتقوى العقول في ثباتها على صراط الحق واتصافها بالفواضل والفضايل واهتدائها إلى حضرة القدس، وأن يراد به بصيرة قلبية أو عناية رباينة أو جوهر مجرد مخلوق من نور ذاته (1) وهو الذي دل عليه بعض الأحاديث


= العقول أو لأنا لا نعلم انحصار الموجودات الموجودة التي يرتبط بها أفراد الإنسا في عقل واحد مسمى بالعقل الفعال، وبالجملة لكل مدرك حافظ وحافظ المحسوسات قوة الخيال وحافظ المعاني الجزئية يسمى حافظة وحافظ المدركات الكلية هو المبادى العالية ونسيانها بزوال ملكة الارتباط بين عقل الإنسان والعقل الفعال والذكر ببقاء تلك الملكة ولم يقولوا بكون حافظة المدركات العقلية في الإنسان نفسه بل أثبتوه في خارج لأن مدرك الكلي مجرد لا يتبعض والمدرك موجود مجرد والحافظ موجود آخر وبينهما ربط (ش). 1 - سبق أن العقل جوهر مجرد مخلوق قبل عالم الاجسام ولم يخلقه الله تعالى من مواد هذا العالم الجسماني = (*)

[ 312 ]

المذكورة والمراد بتقوية العقل به ارتباطه واستشراقه من نوره والله أعلم بحقايق كلام وليه (كان عالما بالله) واليوم الآخر وعواقب الامور في الباطن والظاهر (حافظا لنفسه) في المسير إلى الله من الخطأ والزلل، وللصور العلمية والمكتسبات العملية من الفساد والخلل (ذاكرا) لما يفضيه إلى جنات النعيم وينجيه من عذاب الجحيم (فطنا) في اكتساب الحقايق واقتراف الدقايق (فهما) لمقابح الدنيا ومكائد زهراتها ومنافع الآخرة وشدايد خطراتها. (فعلم بذلك كيف ولم وحيث) كيف اسم مبهم غير متمكن وإنما حرك آخره لالتقاء الساكنين وبنى على الفتح دون الكسر لمكان الياء وهو للاستفهام عن الأحوال و " ما " للاستفهام وتحذف منها الالف للتخفيف إذ ضم إليها حرف مثل بم وعم يتساءلون ولم وهي سؤال عن علة الشئ وسبب وجوده، وحيث كلمة تدل على المكان لأنه ظرف في الامكنة بمنزلة حين في الأزمنة وهو اسم مبني حرك آخره لالتقاء الساكنين، فمن العرب من يبنيها على الضم تشبيها لها بالغايات لأنها لم تجئ إلا مضافة إلى جملة كقولك أقوم حيث يقوم زيد، ومنهم من يبنيها على الفتح مثل كيف استثقالا للكسر مع الياء، ولعل المراد فعلم بسبب كون تأييد عقله من النور أو بسبب كونه عالما إلى آخر أحواله وكيفيتها (1) من كونها خيرا أو شرا نافعا أو ضارا أو كيفية سلوكه فيها وجعله وسيلة للسير إلى منازل الآخرة وعلم علة تلك الاحوال (2) والباعث لسلوكه فيها وهي الخروج من حضيض النقص إلى أوج الكمال ومن الشقاوة إلى السعادة وعلة إيجاده وباعث إنشائه وتحريكه من عالم القدس إلى هذا العالم (3) وهي كونه عبدا خالصا راعيا لحقوق عبوديته بقدر الامكان ناصحا لعباده بالقلب واللسان علم مقاماته من أول الايجاد إلى ما شاء الله فان العقل المؤيد من النور (4) يعلم بالمشاهدة والعيان أن له من بدء وجوده إلى ما شاء الله مقامات متفاوتة ودرجات مختلفة متباعدة ويعلم التفاوت فيما بين تلك المقامات والتفاضل فيما بين تلك الدرجات، وبالجملة له بصيرة كاملة يعلم بها حالاته وصفاته المطلوبة منه عقلا ونقلا وأسباب تلك الحالات والباعث لوجوده في نفسه


= وعناصره بل خلقه من نور ذاته بلا واسطة، كما ورد أن العقل أول خلق من الروحانيين (ش). 1 - تفسير لكلمة " كيف " يعني يعلم كيف حاله ومنازله وسيره فيها (ش). 2 - تفسير لكلمة " لم " لأنها سؤال عن العلة الغائية أو الفاعلية. (ش) 3 - تفسير لقوله " حيث " وهي السؤال عن المكان أين كان والى ما يصير. (ش) 4 - فهم هذه الأمور بالعقل لأن أصحاب الحس وأهل الدنيا لا يعرفون هذه المعاني أصلا ويزعمون أن وظيفة الإنسان والمقصود من خلقته عمارة الدنيا وتسهيل أمر المعاش وجميع أمورهم يدور حول ذلك حتى أن الملكات الفاضلة والخصائل الذميمة عندهم ما تتعلق بنظام هذا العالم ولا يعرفون ما ذكره الشارح من منازل الآخرة والسلوك فيها أصلا ويعدون ذلك أوهاما وخرافات (ش). (*)

[ 313 ]

ومقاماته المندرجة ومنازلة المتفاوتة في السير إلى الله تعالى، ويحتلم أن يكون المراد أنه إذا كان تأييد عقله من النور علم كيفية الأشياء في نفس الأمر ولميتها وحيثيتها وإنيتها والله أعلم (وعرف من نصحه ومن غشه) لأنه يميز بين الأقوال الصادقة والكاذبة ويفرق بين الأحوال الصحيحة والسقيمة فمن أتاه بشئ منها يتلقاه بوجه قلبه ويزنه بميزان عقله، فيعلم صرفه من ممزوجه وخالصه من مغشوشه وصريفه من صرفاته وبذلك يميز بين الناصح الأمين والغاش الميون. وبين أئمة الهدى وأئمة الضلال. (فإذا عرف ذلك) أي كيف ولم وحيث ومن نصحه ومن غشه (عرف مجراه) اسم المكان أو مصدر ميمي فبضم الميم من الاجراء وبفتحها من الجري وبالوجهين قرئ قوله تعالى * (بسم الله مجريها ومرسيها) * يعني إذا عرف الأحوالات والصفات وميز بين دريها وجيدها وعرف أغراضها وأسبابها والغرض من إيجاده ومقامات وجوده وعرف من نصحه ومن غشه معرفة صحيحه خالصة من شوائب الوهم وعرف مسلكه الذي يسلكه وسمته الذي يتوجه إلى أو عرف جريه وسيره إلى حضرة القدس وسلوكه إلى مقام الانس إذ السير على أي وجه اتفق ليس موجبا للوصول إليه والقيام بين يديه بل الموجب لذلك سير مخصوص وجري معلوم لأرباب العقول المنورة (وموصوله ومفصوله) أي من ينبغي الوصول معه الفصل عنه من أئمة الهدى وأئمة الضلال أو ما ينبغي من الأحوال والصفات (وأخلص الوحدانية لله والإقرار بالطاعة) إخلاص هذين الأمرين الذي هو الأصل في التقرب إليه والفوز بالمزيد من لديه إنما يتيسر لمن له معرفة بالامور المذكورة لأنه العارف بأنه تعالى هو المستحق للعبادة والإقرار له بالعبودية والطاعة لكون بدنه منخرطا في سلك خدمته، وقلبه مستغرقا في بحر معرفته، وسره طالبا إياه، وعقله معرضا عما سواه، وأما غيره فلا يخلو قطعا من الشرك الخفي أو الجلي (فإذا فعل ذلك كان مستدركا لما فات وواردا على ما هو آت) ينبغي الوقوف في آخر الكلمتين، ولا شك أن الاخلاص المذكور غاية المراتب العلية في العقايد البشرية وأنه متوقف على المعارف المذكورة آنفا بحكم الشرط المذكور وأن تلك المعارف كلها غير متحصلة في أول التكليف إلا لمن خصه الله تعالى بكمال العقل من الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) ومن هذه المقدمات يعلم أن الإنسان لا يخلو من تقصير ما فيما مضى إلى أوان كماله، وإذا بلغ حد الكمال واتصف بتلك المعارف وحصل له ذلك الاخلاص ووجد لذة العبودية وتحلى بغاية الخضوع وتزين بلباس الخوف، كان مستدركا قطعا لما فات عنه فيقضي بعضه مما ينبغي فعله ويستغفر ربه فيما لا يمكن تداركه إلا به، ويعترف بالتقصير فيما يعجز عنه، وواردا على ما هو آت من الأعمال الصالحة والأفعال الفاضلة، فاعلا لها على وجه الاخلاص الموجب لكمال القرب

[ 314 ]

والاختصاص، ويحتمل أن يراد واردا على ما هو آت من الثواب الجزيل والأجر الجميل والنعيم المقيم والسرور الدائم في رياض الجنان (يعرف ما هو فيه) حال عن المستتر في " مستدركا " وتأكيد للكلام السابق (1) وما للاستفهام أو للخبر بمعنى الذي والضمير المرفوع يعود إلى الإنسان والضمير المجرور إلى " ما " يعني أن الإنسان إذا بلغ حد الكمال واتصف بالامور المذكورة مستدرك لما فات وهو يعرف حقيقة الفعل الذي اشتغل به ووجوه اعتباراته وجهات حسنه وطريق الاتيان به على وجه يوافق قانون العقل والنقل، ويحتمل أن يكون المراد " بما هو فيه " المكان الذي هو فيه، يعني يعرف حقيقة هذا المكان ومهية هذه النشأة وسرعة انتقال أهلها منها وكثرة ابتلائهم فيها بالتكليف وغيرها (ولاي شئ هو ههنا) كلمة أي معرب يستفهم بها عما يميز الشئ سواء كان ذاتيا له أو عرضيا يعني يعرف أنه لأي شئ هو في هذه الدار الفانية وأن الغرض من كونه فيها تكميل النفس بالقوة النظرية والعملية وتحريكها من المنازل السفلية الظلمانية إلى أقصى المعارج الملكوتية النورانية واكتسابها للقربات واجتنابها عن المنهيات ليستأهل النزول في بساط الحق والقعود عليه وفيه إشارة إجمالية إلى معرفة مقامات النفس ومراتب درجاتها (ومن أين يأتيه) أين سؤال عن المكان يعني يعرف من أي عالم يأتي هذا العالم الداثر الذي فيه اليوم ويعرف ما بينهما من التفاوت فان الأول عالم روحاني ومكان نوراني (2). والثاني عالم جسماني ومكان ظلماني حبس فيه الروح ما شاء الله ليتذكر قدر تلك النعمة ويسلك منهج النجاة ويعترف بالعجز والافتقار ويقر لربه بالقهر والغلبة. وفيه إشارة إلى علمه بأحوال مبدئه ومنازل انتقالاته في النشأة الكونية التي يتحير فيها عقول العقلاء وفحول العلماء وقد أشار جل شأنه إلى هذه المراتب بقوله: " وما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا " ومن تأمل فيه اضطر إلى معرفة خالقه والانقياد له وإلى علمه بأن الغرض من اجرائه من جداول أصلاب الآباء وأرحام الامهات عهدا بعيدا إى أن جرى على وجه الأرض أن يحصل منه زرع صالح ونبات حسن وهي الأعمال التي يوجب أجرا جميلا وثوابا جزيلا بعد العود (وإلى ما هو صاير) يعني يعرف أنه بعد استقراره في الدنيا في أجل معدود وزمان محدود يصير إلى مقام آخر فيه " تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينهما وبينه أمدا بعيدا " وفيه إشارة إلى علمه بأحوال المعاد ومنازله وعقباته من القبر والبرزخ والحشر والنشر والميزان


1 - وناظر إلى قوله " كيف " كما أن " لأي شئ هو ههنا " ناظر إلى قوله " لم " و " من أين يأتيه، وإلى ما صائر " ناظر إلى قوله " حيث " (ش). 2 - مبناه على مذهب صدر المتألهين (قدس سره) ان النفس روحانية البقاء وجسمانية الحدوث. (ش) (*)

[ 315 ]

والصراط والحسان والعرض والجنة والنار (وذلك كله من تأييد العقل) يعني ذلك المذكور من قوله: الفطنة والفهم والحفظ والعلم إلى آخر ما ذكر من تأييد العقل وتقويته بالنور المذكور إذ الإنسان بذلك النور يخرج من حد النقص والقصور ويهتدي الامور المذكورة وينظر في ظلمة الطبيعة البشرية إلى فضاء القدس وعالم الانس ويطير بجناح الهمة مقامات رفيعة في جنة عالية. * الأصل: 24 - " علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: العقل دليل المؤمن ". * الشرح: (علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: العقل دليل المؤمن) إذ بدلالة نوره يخرج المؤمن من المرتبة الهيولانية إلى استكمال القوة النظرية والعملية ومن مرقد الطبيعة البشرية إلى التفطن بالمقاصد اللاهوتية والمواعظ الربانية ومن مهد الغفلة الناسوتية إلى استماع نداء الحق إلى منهج السداد في كل آن ودعاء الرب إلى مسلك الرشاد في كل زمان، فلا يزل بعد هذه الدلالة أقدام بصيرته ولا يضل بعد هذه الهداية أنظار فكرته وهكذا يسير ويسعى نور العقل بين يديه إلى أن يصل إلى أقصى منازل العرفان وأعلى مراتب الايقان فيتخلص عند ذلك من ألم الفراق وينظر إلى جمال الحق نظر الحبيب المشتاق. * الأصل: 25 - " الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن السري بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي لا فقر أشد من الجهل ولا مال أعود من العقل ". * الشرح: (الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن السري بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي لا فقر أشد من الجهل) الفقر في عرف الناس فقد المال وإطلاقه على الجهل مجاز لاشتراكهما في انتفاء اللذات والمنافع إذ ينتفي في الأول اللذات والمنافع الجسمانية وفي الثاني اللذات والمنافع الروحانية، وفي عرف الخواص فقد ما يوجب الانتفاع به مالا كان أو علما وإطلاقه على الجهل عندهم على سبيل الحقيقة. ثم المقصود أن الجهل أشد أفراد الفقر فان أهل العرف يفهمون من قولنا ليس في البلد أفضل من زيد أن زيدا أفضل من غيره، وكون الجهل أشد من فقد المال ظاهر لأن انتفاء اللذات والفضايل الروحانية في الدنيا والآخرة أشد

[ 316 ]

وأصعب من انتفاء اللذات الجسمانية المتعلقة بالحيوة الدنيا بل لا نسبة بينهما عند ذوي البصاير الثاقبة (ولا مال أعود من العقل) يقال: هذا الشئ أعود عليك من كذا أي أنفع، والعائدة المنفعة، وكون العقل أعظم أفراد المال وأنفعها ظاهر بالقياس إلى ما ذكرناه على أن المال بدون العقل لا ينفع بل يضر لكثرة مفاسده بخلاف العقل فأنه ينجي صاحبه من ملامة الدنيا وندامة العقبى لوضعه الأشياء في موضعها وقد يقال: العقل أنفع من المال لأن المال كالآلة لطالب الخير والمنافع في وصوله إليهما والعقل دليل موصل له إليهما وبه معرفتهما واختيارهما فتأمل. * الأصل: 26 - " محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن العاء ابن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، إياك آمر وإياك أنهى وإياك اثيب وإياك اعاقب ". * الشرح: (محمد بن الحسن) كأنه الصفار الثقة واحتمال ابن الوليد الثقة بعيد (عن سهل بن زياد عن ابن أبي نجران) عبد الله الثقة (عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما خلق الله العقل قال له: أقبل) إلى مقاماتك (1) أو إلى مرضاتي بالامتثال أو إلى مشاهدة جلالي وكبريائي أو إلى تكميل ذاتك بفضائل صفاتك (فأقبل) إلى ما ذكر والمستحفظون لهذا الخطاب، والهون في شواهد الملكوت، حائرون من آثار الجبروت طالبون للتقرب بحضرة الباري، هاربون عما عداه أشد هربا من الأسد الضاري (ثم قال له: أدبر) من عالم النور والمقامات الروحانية أو من مرضاتي بالطاعات إلى مساخطي بالسيئات، أو من تكميل ذاتك إلى تكميل غيرك كما هو شأن أصحاب الخلافة الكاملين في أنفسهم المستكملين لغيرهم (فأدبر) إلى ما ذكر امتثالا لأمره، والعقل شأنه الامتثال دائما وإن يصدر منه خلاف فانما يصدر لغفلته في مراقد الطبيعة البشرية وسجون الأبدان وانسه بالزهرات الدنياوية وصفات النقصان (فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك) أكد مضمون الجملة بالقسم مع أنه اصدق القائلين إما لان المقصود منه صورة القسم ترويجا لمضمونها أو لأن العقل لما شاهد إدباره المؤدي إلى الشقاوة والبعد توهم أنه أخس الخلائق أكده دفعا لتوهمه وبشارة له وفي التفريع دلالة على أن إقباله مع كونه قابلا للادبار سبب لكونه أحسن


1 - هذا هو الحديث الأول بعينه عن العلاء عن محمد بن مسلم مع تغيير يسير في العبارة لا يخلو منه الروايات باختلاف الرواة (ش). (*)

[ 317 ]

المخلوقات وسر ذلك يظهر مما ذكرنا آنفا (إياك آمر وإياك أنهي وإياك اثيب) بطاعتك وانقيادك فيما ينبغي (وإياك أعاقب) بمخالفتك وعصيانك فيما لا ينبغي. * الأصل: 27 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسين بن خالد، عن إسحاق بن عمار قال: قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل آتيه واكلمه ببعض كلامي فيعرفه كله ومنهم من آتيه فاكلمه بالكلام فيستوفي كلامي كله ثم يرده علي كما كلمته، ومنهم من آتيه فاكلمه فيقول: أعد علي ؟ فقال: يا إسحاق وما تدري لم هذا ؟ قلت: لا، قال: الذي تكلمه ببعض كلامك فيعرفه كله فذاك من عجنت نطفته بعقله، وأما الذي تكلمه فيستوفي كلامك ثم يجيبك على كلامك فذاك الذي ركب عقله فيه في بطن امه، وأما الذي تكلمه بالكلام فيقول: أعد علي الذي فذاك ركب عقله فيه بعدما كبر فهو يقول لك: أعد علي ". * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الهيثم بن أبي مسروق الهندي، عن الحسين بن خالد، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل آتيه واكلمه ببعض كلامي فيعرفه كله) يعني ينتقل من البعض إلى الكل ويفهم معناه المقصود منه (ومنهم من آتيه فاكلمه بالكلام) على التمام (فيستوفي كلامي كله) ويسمعه من أوله إلى آخره ويفهم معناه بعد تمامه لا قبله (ثم يرد علي كما كلمته) من غير نقص وزيادة حافظا لألفاظه ومعناه (ومنهم من آتيه فاكلمه بالكلام كله) ويسمعه من أوله إلى آخره ولا يضبط لفظه ولا معناه (فيقول أعد علي) طالبا لتكريره لينتقل منه إلى المقصود، والغرض من هذا السؤال الاستكشاف عن سبب تفاوتهم في العقل والإدراك، وينبغي أن يكون الكلام من نوع واحد في الدقة والخفاء وإلا فقد يكون المحتاج إلى الإعادة أقوى إدراكا من الأولين (قال: فقال: يا إسحاق وما تدري لم هذا) الظاهر أنه استفهام على حقيقة أو للتقرير والواو للعطف على محذوف أي أتقول ذلك وما تدري، ويحتمل أن يكون خبرا عطفا على كلام السائل وإظهارا لما هو المقصود من ذلك الكلام (قلت: لا) هذا على الأول تعيين لما هو المقصود من الاستفهام، أو إقرار للنفي، وعلى الأخير تصديق لقوله (عليه السلام) (قال الذي تكلمه ببعض كلامك فيعرفه كله فذاك من عجنت نطفته بعقله، وأما الذي تكلمه فيستوفي كلامك، ثم يجيبيك على كلامك فذاك الذي ركب عقله فيه في بطن امه، وأما الذي تكلمه في الكلام فيقول: أعد علي فذاك الذي ركب عقله فيه بعدما كبر فهو يقول لك: أعد علي) المواد الإدراكية كلها موجودة في النطفة الإنسانية على سبيل الاستعداد ولكنها مختلفة في القوة والضعف واللطافة

[ 318 ]

والكثافة والنفوس الإنسانية العاقلة القابلة للإدراكات الكلية والجزئية متفاوتة في الكدرة والصفاء والظلمة والضياء وبحسب تفاوتها وتفاوت المواد يتفاوت التعلقات والادراكات فكلما كانت النفس الناطقة أشرف وأنور كان تعلقها بالمواد التي هي ألطف وأقوى أقدم وأسرع، وكان إدراكها أتم وأكمل لتمام الاستعداد والمناسبة وكمال الصفاء والنورانية فيصل الجذب والادراك بسهولة، فمن عجنت نطفته بزلال العقل وخمرت به واستضاءت موادها بنوره لغاية لطافتها وقوة استعدادها كان بعد انتهاء الاستعداد وحصول بقية شرايط الادراك بالفعل عاقلا فاضلا مدركا كاملا عارفا للآخر من الأول، والفرع من الاصل، لأنه وقت كونه نطفة إلى أوان الادراك كان يمشق الادراك ويتمرن عليه والفعل بعد المشق والتمرن في غاية السهولة والكمال كما لا يخفى على المتدرب، ولا يجوز أن ينكر تعلق العقل بالنطفة حين كونها نطفة باعتبار عدم حصول العلم بذلك التعلق، وإلا لجاز أن ينكر تعلقه بعد تسوية البدن وتكميله لاشتراك العلة، مع أنه قد يحصل لبعض العارفين المجردين عن العلايق الجسمية والعوائق البدنية الناظرين إلى جمال المطلوب بعين المشاهدة، علم بتعلقات عقله في الأكوان البشرية وتصرفاته في المواد الجسمية، بل ربما كان في آن تعلقه عالما كاملا فاضلا عارفا بالله وملائكته وكتبه ورسله، كما روي في شأن أئمتنا صلوات الله عليهم أجمعين وعدم حركة النطفة وانقلابها لا يوجب إنكار تعلقه بها كما يشاهد ذلك من النائم وأصحاب السكتة وقد ذهب جماعة إلى إن للأرض والجبال وغيرهما من الجمادات نفوسا متعلقة بها مع أنها ساكنة على أن الحركة الإرادية في الماديات من خواص النفس الحيوانية وامتناع تعلق القوة العاقلة قبلها ممنوع (1). وبالجملة تعلق العقل بالنطفة أمر ممكن عقلا وقد أخبر به الصادق (عليه السلام) فوجب الاعتراف به ومن ركب عقله في بطن امه فهو دون الأول في الإدراك لقلة تمرنه وتدربه وضعف امتزاج مادته وتعجينها بخميرة العقل بالنسبة إلى الأول فله الدرجة الوسطى من الإدراك يفهم معنى الكلام بعد تمامه لا قبله مثل الأول ومن ركب عقله فيه بعد الوضع إلى زمان التكليف وهذا هو المراد بقوله بعدما كبر فهو دون الثاني في الادراك لقلة تمرنه قطعا وعدم امتزاج مادته بالعقل وضعف استضاءة


1 - ماهية التعلق ليست واحدة مثلا تعلق المعلول بالعلة نحو من التعلق لا يستحيل بين الممكن والواجب وأثر هذا التعلق انعدام الممكن على فرض عدم تعلق الممكن به تعالى وتعلق النفس بالبدن تعلق بنحو آخر وأثره زوال الحياة بزوال التعلق وتعلق الملائكة بالموجودات بنحو التدبير والتصرف وتعلق العقل الفعال بالنفوس الناطقة على مذهب الحكماء أو بجميع الموجودات في عالم الكون والفساد نحو من التعلق معقول وتعلق النفوس الفلكية بالافلاك أيضا أمر معقول سواء كان واقعا أو لا وليس في جميع الآثار نظير تعلق النفس الحيوانية بأبدانها واحتمال تعلق النفس بالارض والجبال نظير تعلقها بالافلاك إذ لا يستلزم التعلق سمعا وبصرا ولمسا وعصبا ودماغا وغيره باعتبار أستلزامه حركة إرادية في الافلاك وهكذا (ش). (*)

[ 319 ]

ساير قواه الادراكية بنوره وهو بمنزلة بيت وضع المصباح في خارجه فله الدرجة الأدنى من الفهم والمرتبة الدنيا من الإدراك لا يفهم معنى الكلام بعد تمامه، بل يحتاج إلى تكريره فلذلك يقول أعد علي ثم هذه المراتب هي الامهات في مراتب الادراك واختلافاتها وإلا فلكل درجة مراتب متفاوتة في القوة والضعف يدل على ذلك ما رواه يحيى بن أبان عن شهاب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " لو علم الناس كيف خلق الله تعالى هذا الخلق لم يلم أحد أحدا فقلت: أصلحك الله وكيف ذلك ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق اجزاء بلغ بها تسعة وأربعون جزءا، ثم جعل الأجزاء أعشارا فجعل الجزء عشرة أعشار ثم قسمه بين الخلق فجعل في رجل عشر جزء وفي آخر عشري جزء، حتى بلغ به جزءا تاما، وفي آخر جزءا وعشر جزء وفي آخر جزء عشري جزء، حت بلغ به جزءا تاما، وفي آخر جزءا وعشر جزء وفي آخر جزء وعشري جزء وآخر جزءا وثلاثة أعشار جزء حتى بلغ به جزءين تامين ثم بحساب ذلك حتى بلغ بأرفعهم تسعة واربعون جزءا، فمن لم يجعل فيه إلا عشر جزء لم يقدر على أن يكون مثل صاحب العشرين، وكذلك صاحب العشرين لا يكون مثل صاحب الثلاثة الاعشار، وكذلك من تم له جزء لا يقدر على أن يكون مثل صاحب الجزءين، ولو علم الناس أن الله عزوجل خلق هذا الخلق على هذا لم يلم أحد أحدا " (1) ويحتمل أن يكون قوله " من عجنت نطفته بعقله " معناه من خلقت نفسه قبل التعلق بالبدن على وصف كمالي مناسب للعقل وارتباطها به ثم تعلقت بالبدن وقوله " فذاك الذي ركب عقله فيه في بطن امه " معناه هو الذي اتصفت نفسه بالوصف الكمالي الموجب لقوة ارتباطها بالعقل بعد تعلقها بالبدن وقوله " فذلك الذي ركب عقله فيه بعدما كبر " معناه هو الذي اتصفت نفسه بذلك الوصف وحصل لها ارتباط بالعقل بعد استعمال الحواس وحصول الضروريات التي هي مبادي النظريات والله أعلم بحقايق الامور. * الأصل: 28 - " عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن بعض من رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم الرجل كثير الصلاة، كثير الصيام فلا تباهوا به حتى تنظروا كيف عقله ". * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن بعض من رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم الرجل كثير الصلاة كثير الصيام فلا تباهوا به) أي فلا تفاخروا به من المباهاة


1 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب آخر من باب درجات الايمان. (*)

[ 320 ]

وهي المفاخرة أو فلا تؤانسوا به من البهاء بالفتح والمد وهو الانس يقال: بهأت بالرجل بهاء آنست به وحينئذ يقرأ تباهئوا بالهمزة بعد الهاء (حتى تنظروا كيف عقله) فإن وجدتم عقله كاملا باعتبار ظهور آثار العقلاء عنه واشتمال أعماله وأفعاله على المحسنات العقلية والنقلية وجودة رأيه في الأمور الدنيوية والاخروية وحسن تصرفه في الفضايل العلمية والعملية، ورعاية آداب المعاشرة مع بني نوعه فهو أهل للمباهاة والمفاخرة والمؤانسة، إذ هو مظهر للألطاف الالهية ومورد للكمالات النفسانية ومعدن للفضايل الروحانية ونور في نفسه ومنور مرشد لغيره، وإن وجدتم عقله بخلاف ذلك فعمله بعيد عن الاعتبار والافتخار، وفيه دلالة على جواز مدح العلماء والثناء بالعقلاء سرا وعلانية كيف لا والآيات القرآنية والروايات النبوية مشحونة بذكر كمالاتهم ونشر فضائلهم زادهم الله شرفا وتعظيما. * الأصل: 29 - " بعض أصحابنا، رفعه عن مفضل بن عمر: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا مفضل لا يفلح من لا يعقل، ولا يعقل من لا يعلم، وسوف ينجب من يفهم ويظفر من يحلم، والعلم جنة والصدق عز، والجهل ذل، والفهم مجد، والجود نجح حسن الخلق مجلبة للمودة، والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس. والحزم مساءة الظن، وبين المرء والحكمة نعمة العالم والجاهل شقي بينهما، والله ولي من عرفه، وعدو من تكلفه، والعاقل غفور والجاهل ختور، وإن شئت أن تكرم فلن، وإن شئت أن تهان فاخشن، ومن كرم أصله لأن قلبه، ومن خشن عنصره غلظ كبده، ومن فرط تورط، ومن خاف العاقبة تثبت عن التوغل فيما لا يعلم، ومن هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه، ومن لم يعلم لم يفهم، ومن لم يفهم لم يسلم، ومن لم يسلم لم يكرم، ومن لم يكرم يهضم، ومن يهضم كان ألوم، ومن كان كذلك كان أحرى أن يندم ". * الشرح: (بعض أصحابنا رفعه عن مفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يا مفضل) صدر الحديث بندائه لطلب احضار قلبه واستعداده لما سيتلو عليه من فضايل العقل ورذايل ضده (لا يفلح من لا يعقل) لأن الفوز بالسعادات الدنيوية والاخروية لا يتصور بدون العقل الذي هو مبدء لجميع الخيرات ومنشؤ لجميع الكمالات، وبدون استيلائه على القوة الغضبية والشهوية (ولا يعقل من لا يعلم) أي من انتفت عنه حقيقة العلم انتفت عنه حقيقة العقل لأن تحقق حقيقة العقل وقوامها ومراتبها إنما هو بالعلم فإذا انتفى انتفى، أو من انتفى عنه العلم بقوى النفس ومحاسنها ومقابحها فلا يعقل يعني لا يستولى عقله على قواه النفسانية ضرورة أن استيلاءه عليها متوقف على العلم بها

[ 321 ]

فاللازم من المقدمتين إما انتفاء حقيقة الفلاح والنجاة عند انتفاء حقيقة العلم، أو انتفاء الفلاح والنجاة من مقابح القوى النفسانية عند انتفاء العلم بها والله أعلم (وسوف ينجب من يفهم) رجل نجيب أي كريم بين النجابة وقد نجب ككرم نجابة إذا كان فاضلا متادبا بالآداب النقلية والعقلية، ووجه ذلك ظاهر لأن الفهيم بنور فهمه يميز بين الحق والباطل وبين الصفات والحسنة والقبيحة فهو بمرور الأيام يكتسب المحاسن ويجتنب عن الرذايل ويصير عالما فاضلا غالبا على النفس وقواها وهواها حتى يصير نجيبا في الدنيا والآخرة (ويظفر من يحلم) الظفر النجاة والفوز بالخيرات والحلم بالكسر الاناة تقول منه حلم الرجل يحلم بضم اللام فيهما إذا تأنى ولم يستعجل وذلك ظاهر لأن من تأنى في العقوبة ولم يستعجل فيها ولم يستخفه سوء الأدب ولم يستفزه الغضب يظفر عن قريب بالمطالب ويفوز بالمآرب لأن ذلك سبب لكثرة المعاون والاصدقاء وازدياد الناصر والأخلاء بخلاف المستعجل فانه يضيق عليه أمره (والعلم جنة) يقي من سهام مكايد الشيطان وسنان مخاطرات النفوس وصولة القوى الشهوية والغضبية والدواعي النفسانية بل من جميع الآفات الدنيوية والعقوبات الاخروية (والصدق عز) المراد بالصدق استقامة اللسان في القول والخطاب وثباته على منهج العدل والصواب في الصغير والكبير والقليل والكثير سواء كان على نفسه أو على الله تعالى أو على رسوله أو على الأئمة الطاهرين أو على المؤمنين وهو سبب للعزة والقوة والغلبة أو المراد به الاعتقاد الصادق ويؤيده المقابلة بالجهل لأنه الاعتقاد الكاذب. (والجهل ذل) غاية العزة هي التقرب بالله والارتواء بزلال لطفه والتنعم برياض قدسه والتمكن في قلوب العارفين وذلك لا يحصل إلا بالعلم والعمل فإذا انتفى العلم وحصل الجهل بسيطا كان أو مركبا ثبت الذل والبعد عن الحق وإنما قابل الصدق بالجهل دون الكذب لئلا يصير الثاني تأكيدا لمضمون الأول والتأسيس خير من التأكيد (والفهم مجد) المجد الكرم والشرف الواسع يعني أن الفهم من الصفات الكريمة الشريفة الموجبة لشرافة الذات ورفعة الحسب وجلالة القدر (والجود نجح) النجح والنجاح الظفر بالحوائج يعني أن الجود بالمال وبذله في وجوه الغير وصرفه في مصارف الخير يوجب الظفر بالمطالب الاخروية لأن الله تعالى يقابل القليل بالجزيل ويورث الفوز بالمآرب الدنيوية لأنه يجذب قلوب الناس إلى التودد لصاحبه ويصرف همتهم إلى الذب عنه وتحصيل مطالبه قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " الجود حارس الأعراض " (1) (وحسن الخلق مجلبة للمودة) حسن الخلق هو الاعتدال بين طرفي الافراط والتفريط في القوة الغضبية والشهوية، ومجلبة اسم آلة أو مصدر ميمي والحمل هنا للمبالغة كما في السوابق. يعني أن حسن الخلق مع الناس ومخالطتهم على


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 211. (*)

[ 322 ]

الوجه الحسن الجميل والتودد لهم والاحتمال منهم والاشفاق عليهم والحلم والصبر وغير ذلك من محاسن الصفات الخلقية يجلب إلى صاحبه محبتهم ودادتهم وصداقتهم وغير ذلك من خير الدنيا والآخرة حتى أن العدو يصير بذلك صديقا شفيقا وقد رغب فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: " خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنوا إليكم " (1) (والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس) في المغرب الهجوم الاتيان بغتة والدخول من غير استيذان من باب طلب، يقال: هجم عليه. يعني يتعدى بعلى. واللوابس جمع اللابس على غير قياس كالفوارس جمع فارس من اللبس بالضم مصدر لبست الثوب ألبسه أو بالفتح مصدر لبست عليه الأمر ألبسه أي خلطته ومنه قوله تعالى * (وللبسنا عليهم ما يلبسون) * والتبس عليه الأمر أي اختلط واشتبه أو جمع لبسة، يقال: في الأمر لبسة بالضم أي شبهة ليس بواضح، والمقصود أن العالم بأحوال أبناء زمانه وعاداتهم الفاسدة ورسومهم الكاسدة من إنكار الحقوق واتباع أهواء النفوس وترويج الشرور وإعلان قول الزور لا تهجم عليه اللوابس أي الذين يلبسون الحق بالباطل والنور بالظلمة والأمر الواضح بالشبهة. ولا يدخلون عليه بغتة وعلى سبيل الغلبة بالتدليسات والتلبيسات ولا يغلبونه بالتخليط وإلقاء الشبهات لعلمه بفساد أقوالهم وأفعالهم وإدراكه بالفراسة والتجربة سوء صنايعهم وقبايح أعمالهم أو المقصود أنه لا يدخل عليه الشبهات، فيه تنبيه على أن الغالب في كل عصر هو إنكار الحق وترويج الكفران، وإفشاء الظلم ونشر الجور والطغيان، كما يعرفه أصحاب القلوب وأرباب العرفان وإذا تحقق ذلك مع طول مدة الإسلام واستقراره في القلوب فلا ينكر تحققه بعد فوت النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يستبعد وقوع ما وقع بعده من خروج أكثر الامة عن الدين، ولما كان هنا مظنة أن يقال عدم هجوم اللوابس على العالم بأهل زمانه لسوء ظنه بهم وعدم استماعه لأقوالهم ولا اتباعه لآثارهم وأطوارهم إلا بعد الاستظهار فيها والأخذ بالحزم لئلا ينخدع وسوء الظن لا يجوز قال دفعا لذلك (والحزم مساءة الظن) حزم الرجل جودة رأيه وإحكام أمره وضبطه له وأخذه بالثقة والحذر من فواته، والمساء مصدر ميمي ساءه يسوؤه سوءا بالفتح ومساءة نقيض سره والحمل للمبالغة والإضافة إلى الفاعل على الظاهر. يعني جودة الرأي وإحكام الأمر وأخذه بالثقة على وجه لا يقع في الباطل والشبهة يقتضي سوء الظن بهم يعني تجويز السوء منهم والتثبت فيما يأتون به حتى يتبين الحق من الباطل والصدق من الكذب والعلم من الشبهة ولو وجب القبول منهم من غير حزم ولم يجز نسبة السوء إليهم لوقع الهرج والمرج وبطل الدين ورجع كما كان قبل البعثة، ولذلك قال الله تعالى * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * وقال * (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) * وبالجملة


1 - النهج أبواب الحكم تحت رقم 9. (*)

[ 323 ]

الحزم يوجب أن يبنى الحال أولا على جواز السوء منهم حتى يتبين له الحق ويحصل الإذعان به، وفيه تنبيه على أنه لا ينبغي متابعة الغير في أمر من الامور مع تجويز كون ذلك الأمر خطأ، بل لابد من كمال الاحتياط فيه، وإنما قلنا على جواز السوء منهم لأنه الذي يقتضيه الحزم والاحتياط فلا ينافي ما ورد من النهي عن مساءة الظن بالخلق لأن ما ذكرناه من باب التجويز العقلي المناسب للحزم وما ورد النهي عنه من باب الاعتقاد الفاسد والقول بالشئ رجما بالغيب. (وبين المرء والحكمة نعمة العالم) " نعمة " بالتنوين والعالم بيان لها أو بالإضافة للبيان أو بتقدير اللام، ولعل المقصود أن بين المرء العاقل والحكمة نعمة العالم هي إرشاده وهدايته الموصلة إليها وتخليصه من ظلمات الأوهام وتثبيته من مزال الأقدام وتسديده في مواضع أغاليط الأفهام وتعليمه كيفية السلوك في طرق المطالب وتقويته للوصول إلى دقايق الحكمة في أعلى المراتب (والجاهل شقي بينهما) أي بين الحكمة ونعمة العالم يعني لا ينفعه سعي العالم وإرشاده وهدايته وتعليمه وتفهيمه وتسديده كل ذلك لشقاوته الذايتة ودناءته الطبيعية وظلمته النفسية وكدورته الذهنية، واحتمال عود ضمير التثنية إلى الجاهل والحكمة يعني كما أن بين العاقل والحكمة عالم رباني يهديه إليها كذلك بين الجاهل والحكمة شقي يضله عنها بعيد، وفيه دلالة على أن العقول البشرية وإن كانت قابلة لإدراك الحكمة والعلوم فهي تحتاج إلى توسط استاد هو عقل العالم وإرشاده. لأنها مع هذا الوسط تصير نورا على نور فتدرك الحقايق كما هي وتأمن من الغلط ثم إن هذا العالم يحتاج إلى عالم رباني إلى أن نتهى إلى عالم بالذات لا يحتاج في علمه إلى غيره أصلا وهو الله تعالى شأنه ونظير ذلك أن نور البصر في إدراكه يحتاج إلى توسط نور الشمس أو نور المصباح أو غيرهما فانه حينئذ يصير نورا على نور يدرك المبصرات على ما ينبغي، والروايات الدالة على اعتبار ذلك الوسط كثيرة جدا منها " من أعجب برأيه ضل ومن استغنى بعقله زل " (1) وعلى أن الجاهل الفاقد للبصيرة لا ينفعه توسط العالم وإرشاده أو على أن له قرينا شقيا يضله عن طريق الحكمة " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ". ولشرح هذه العبارة أقوال اخر نحن نشير إلى بعضها إجمالا ليحصل لك الإحاطة بجهات الكلام فنقول: قال بعض الأفاضل: المقصود منها أن المرء من لدن عقله وتمييزه إلى بلوغه حد الحكمة متنعم بنعمة العلم ونعيم العلماء فانه لا يزال في نعمة من أغذية العلوم وفواكه المعارف فان معرفة الحضرة الالهية لروضة فيها عين جارية وأشجار مثمرة قطوفها دانية والجاهل بين مبدء أمره ومنتهى عمره في شقاوة عريضة وطول أمل طويل ومعيشة ضنكة وضيق صدر وظلمة قلب إلى قيام ساعته


1 - في الاختصاص ص 221 هكذا " من أعجب بنفسه هلك ومن أعجب برأيه هلك ". (*)

[ 324 ]

وكشف غطائه وفي الآخرة عذاب شديد. وقال بعضهم: المراد أن ما أنعم الله تعالى به على العالم من العلم والفهم والصدق على الله واسطة للمرء يوصله إلى الحكمة فإن المرء إذا عرف العالم أتبعه وأخذ منه فيحصل له الحكمة ومعرفة الحق والاقرار به والعمل على وفقه، وهكذا إذا عرف حال الجاهل وأنه غير عالم فهم صادق على الله يترك متابعته والأخذ منه ويسعى في طلب العالم فيطلع عليه فيأخذ منه فالجاهل باعتبار سوء حاله باعث بعيد لوصول المرء إلى الحكمة فهو شقي محروم يوصل معرفة حالة المرء إلى سعادة الحكمة (والله ولي من عرفه) يعني محبه وناصره والمتكفل لأمره في الدنيا بهدايته إلى الطاعات والخيرات وتثبيت ذهنه على الفضايل والملكات وفي الآخرة بتشريفه بمنازل القرب في أعلى درجات الجنان والاقبال عليه بالاكرام والافضال والاحسان. (وعدو من تكلفه) أي تكلف العرفان وتصنع به وهو غير عارف وهو أحق بالعداوة من الجاهل الخامل، ومن ثم قيل: النفاق أسوء من الكفر والمراد بعداوته له إبعاده عن الرحمة وترك الافضال عليه ووكوله إلى نفسه حتى تورده مورد الهلاك والخذلان (والعاقل غفور) أي مصلح لأمره من قولهم غفروا هذا الأمر أي أصلحوه بما ينبغي أن يصلح، أو ساتر لذنوب إخوانه وعيوبهم ومتجاوز من خطاياهم وإساءتهم من الغفر بمعنى التغطية، وذلك لعلمه بما في الغفران من الأجر الجميل والثواب الجزيل، ولأنه قريب من الله تعالى ومتخلق بأخلاقه ومن أخلاقه الكريمة غفران الذنوب وستر العيوب والتجاوز عن السيئات وإن صدر عنه المؤاخذة والكشف في بعض الأحيان لمصلحة لا يسلب عنه هذا الاسم كما في الواجب (والجاهل ختور) أي خبيث النفس كثير الغدر والخدعة بالناس لأنه فاقد للبصاير الذهنية وعادم للفضائل العقلية وحامل للرذايل الشيطانية فيظن أن الغدر والحيل والمكر والختل وكشف العيوب والذنوب وسوء المعاملة مع الناس خير له في تحصيل منافعه ومطالبه وتيسير مقاصده ومآربه وإنما أتى بصيغة المبالغة للاشعار بان الفعل مع وجود دواعيه وعدم موانعه يصدر على وجه الكمال (وإن شئت أن تكرم فلن) تكرم على البناء للمفعول أي إن شئت أن تكون كريما وشريفا حسنا خيارا عند الخالق والخلائق فلن للناس في الكلام والسلام واخفض لهم جناحك عند اللقاء فإن من لأن جانبه كثر أعوانه وأنصاره، ومن كثر أنصاره كان مكرما شريفا (وإن شئت أن تهان فاخشن) تهان على البناء للمفعول من الاهانة وهي الاستخفاف والاستحقار، واخشن بضم الشين من الخشونة وهي ضد اللين وقد خشن الرجل بالضم فهو خشن يعني إن شئت استخفافك واستحقارك وانحطاط منزلتك فصر ذا خشونة عند ملاقاة الناس ومحاوراتهم ومقاولاتهم فان الخشونة جالبة لهذه الامور (ومن كرم أصله لأن قلبه ومن خشن عنصره غلظ كبده) بين (عليه السلام) السبب الأصلي لحسن الخلق ولين القلب ورحمته ولطافته

[ 325 ]

والسبب الأصلي لسوء الخلق وغلظة القلب وقساوته بأن من كرم أصله ولطف عنصره الذي ينحل إليه البدن وشرفت طينته التي منها خلق شرف قلبه يعني نفسه الناطقة لأن الشريف إنما يتعلق بالشريف، ومن شرف قلبه شرفت صفاته من اللينة والرأفة وحسن الخلق وغيرها لأن فعل الشريف وصفاته لا يكون إلا شريفا، ومن خشن عنصره وكثفت طينته غلظ كبده وخس قلبه لأن الخسيس إنما يتعلق بالخسيس ومن خس قلبه قبحت صفاته من الخشونة والغلظة وسوء الخلق وغيرها، وأورد لفظ الكبد بدل القلب للتنبيه على عدم استحقاقه (1) لهذا الاسم وبالجملة الأخلاق والصفات مترتبة على اجتماع النفوس والأبدان فأشرف الأخلاق يتعلق بأشرف النفوس وأشرف النفوس يتعلق بأشرف الأبدان وألطفها وأخس الأخلاق يتعلق بأخس النفوس وأخس النفوس يتعلق بأخس الأبدان وأكثفها، فالتفاوت إنما نشأ من كرم الأصل وخسته، كل ذلك ظاهر إلا التفاوت في الأصل فانه دقيق جدا، ومعرف ذلك يتوقف على التأمل الدقيق في الروايات المذكورة في كتاب الكفر والإيمان. وقيل المراد بكرم الأصل كون النفس فاضلة شريفة ذات ارتباط شديد وتأيد بالنور ومن كان كذلك لأن قلبه الذي هو مبدء الآثار العقلانية لأن النفس أولا يتعلق بالروح (2) الحاصلة فيه فلأن عناصره باستمداد من الروح الذي يجيئ إليها من القلب " ومن خشن عنصره غلظ كبده " أي ومن لم يكن كريم الاصل وهو من خشن عنصره وخبث طينته غلظ منه ما هو المناط في قوام البدن وقوته وهو الكبد فيستولي القوى البدنية فيه على القوة العقلانية (ومن فرط تورط) يقال: فرط في الأمر فرطا أي قصر فيه وضيعه حتى فات وكذلك التفريط وفرط أيضا فهو فارط إذا سبق وتقدم وجاوز الحد، وتورط في الورطة أي وقع في الهلكة، ولعل المراد من فرط في الحق وقصر فيه وقع في الهلكة لأن أصل التقصير في الحق ورطة وهلكة أو لانه مستلزم لوقوعه في ضد الحق أعني الباطل أو المراد من سبق إلى دواعي النفوس وجاوز الحد في متابعة القوى النفسانية فقد وقع في الهلكة.


1 - يعني ليس المراد بالكبد هذا العضو الجسماني الواقع في الجانب الايمن من البطن لطبخ الغذاء وتبديل الكيلوس إلى الكيموس بل المراد منه النفس وكذا القلب وإنما يعبر عن النفس تارة بالكبد وتارة بالقلب والكبد عند الاطباء مبدء القوة الطبيعية أي النفس النباتية والقلب محل القوة النفسانية أي الحيوانية، والقلب أقرب إلى النفس الناطقة من الكبد، وأشار (عليه السلام) بهذه العبارة إلى أن من خشن عنصره فالمناسب أن يعبر عن نفسه بالكبد لبعده عما خلق له وميلانه إلى الطبيعة (ش). 2 - المراد بالروح هنا الروح الطبيعي الحيواني في اصطلاح الاطباء وهي عندهم بخار له مزاج سار في العروق ومسام البدن وبطون الدماغ وهو اكثر في الشرائين من الاوردة، النفس يتعلق أولا به وبتوسطه بالبدن وليس المراد بالروح هنا النفس الناطقة (ش). (*)

[ 326 ]

(ومن خاف العاقبة تثبت عن التوغل فيما لا يعلم) تثبت ماض من التثبت أو مضارع من الثبات، والوغول الدخول وأوغل في السير وتوغل إذا أسرع فيه وأمعن، يعني من خاف سوء العاقبة ولومها تثبت عن الدخول فيما لا يعلمه وعن الإسراع في التكلم فيه والاعتقاد به، ومن علامة العاقل السكوت في الشبهات فإن مفاسد النطق بها كثيرا جدا وفي الحديث " من تورط في الامور غير ناظر للعواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب " (ومن هجم على أمر بغير علم فقد جدع أنف نفسه) الجدع بالجيم والدال المهملة قطع الانف وقطع اليد وقطع الشفة تقول منه جدعته فهو أجدع وجدع أنف النفس المجردة اما كناية عن أزالة سعاداتها الأبدية بالجهل أو كناية عن تحقيرها وإذلالها يعني من دخل في أمر بغير علم بذلك فقد استحقر نفسه واستصغرها ووسمها بسمة الحقارة والرذالة والهلاك عند الخالق والخلق جميعا، ومثله مثل الفراش تتساقط من جهلها في نار المصباح يتوهم أنها كوة يستضئ منها النور فيقصدون الخروج منها فيحترقن، ثم بين (عليه السلام) فضل العلم وشرفه بقياس مفصول النتايج بقوله (ومن لم يعلم لم يفهم، ومن لم يفهم لم يسلم) أي من لم يعلم الحسن والقبيح لم يفهمها ولم يميز بينهما ومن لم يميز بينهما لم يسلم من ارتكاب القبيح والتعرض له (ومن لم يسلم لم يكرم) معلوم من كرم أي من لم يسلم عن القبيح لم يكن شريفا نجيبا فاضلا، أو مجهول من أكرم أي لم يكن معززا مكرما معدودا من كرام الناس بل مخذولا مهانا (ومن لم يكرم يهضم) في أكثر النسخ يهضم من الثلاثي المجرد، وفي بعضها تهضم من باب النفعل وفي القاموس هضم فلانا ظلمه وغضبه كاهتضمه وتهضمه، وفي الصحاح هضمت الشئ كسرته، يقال: هضمه حقه واهتضمه وتهضمه إذا ظلمه وكسر عليه حقه ورجل هضيم ومتهضم أي مظلوم، ثم الفعل الأول إن كان مبنيا للفاعل كان الثاني أيضا كذلك على الظاهر في النسختين جميعا لأن الموصول هو الذي يكسر نفسه ويذلها ويظلمها بسبب عدم اكتساب كرامتها وشرافتها وإن كان مبنيا للمفعول كان الثاني أيضا كذلك لأن المكاسر عزه والمذل له حينئذ غيره. (ومن يهضم كان ألوم) أي أكثر استحقاقا ولوما مما تقدم (ومن كان ذلك) أي ألوم (كان أحرى أن يندم) على ما ساقه إلى الملومية من التوغل فيما لا يعلم أو من الهجوم على أمر بغير علم أو من جميع ما تقدم. واعلم أن هذه المقدمات إذا اعتبرت انتاجها تنتج " فمن لم يعلم كان أحرى أن يندم " أما المقدمة الأولى فلان الفهم وهو ملكة الانتقال كما عرفت مرارا مستلزم للعلم ومتوقف عليه وانتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم، وأما الثانية فلأن السلامة عن الرذايل النفسانية متوقفة على الفهم والتمييز بينها وبين فضايلها فينتفي بانتفائه، وأما الثالثة فلأن كرامة النفس وشرافتها وعلو منزلتها فرع لسلامتها عن الرذايل والمقابح وانتفاء الأصل مستلزم لانتفاء الفرع، وأما الرابعة فلأن

[ 327 ]

عدم إكرام أحد وتعظيمه بسبب لهضمه وكسره واحتقاره وإذلاله، وأما الخامسة فلأن هضم أحد وإذلاله مستلزم لرداءته ولومه وعذله، وألوم بمعنى اسم المفعول وسبب الزيادة ظاهر إذ الإذلال لا يساوقه شئ من الاضرار، وأما السادسة فلأن لوم أحد بجهالته وعذله برداءته على وجه المبالغة من أقوى الأسباب لندامته على سوء أحواله وقبح أوضاعه وأفعاله. * الأصل: 30 - " محمد بن يحيى رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من استحكمت لي فيه خصلة من خصال الخير احتملته عليها واغتفرت فقد ما سواها ولا أغتفر فقد عقل ولا دين، لأن مفارقة الدين مفارقة الأمن فلا يتهنأ بحياة مع مخافة، وفقد العقل فقد الحياة ولا يقاس إلا بالأموات ". * الشرح: (محمد بن يحيى رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من استحكمت لي فيه خصلة من خصال الخير) أي صارت محكمة يعني ملكة راسخة، والمراد من خصال الخير فضائل النفس وأخلاقها مثل العفة والسخاوة والحلم وغيرها مما عرفته آنفا وستعرفه فيما بعد ومما هو مذكور في كتاب الأخلاق وقوله " لي " على تضمين معنى الثبوت أو الظهور أي ثابتا لي ذلك، أو ظاهرا عندي، أو على معناه لأجلي يعني لأجل إعانتي في إنجائه من العقوبات وهذا نظير ما قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): " اضمن لي الجنة فقال: أعني بكثرة السجود " (1) (احتملته عليها واغتفرت فقد ما سواها) أي أعنته على تلك الخصلة ورضيت باحتماله وقبلتها منه ورفعت بها قدره في الآخرة وتجاوزت عن فقد ما سواها وسترته ولم آخذه به (ولا اغتفر فقد عقل ولا دين) ليس المراد بالعقل هنا العقل الهيولاني الذي به يفارق الإنسان ساير الحيوانات لأنه موجود في الجميع ولو فقد في البعض ففقده ليس باختياره بل المراد به العقل الذي له ملكة إدراك المعارف الإلهية وهو الذي يسمونه عقلا بالفعل، والمراد بالدين معرفة الشرايع الصادرة بواسطة الرسول وإطاعته في الأمر والنهي وغيرهما، يعني لا أغتفر فقد عقل فقط ولا أتجاوز عن التقصير فيه وإن كان له دين ولا فقد دين فقط وإن كان له عقل سواء كان الفاقد لهما موصوفا بجميع خصال الخير أولا (لأن مفارقة الأمن) لأن الأمن من العذاب والوقوع في الباطل إنما يحصل باتباع الرسول وإطاعته لأن قوله قول الله وأمره أمر الله وقد بعثهم على الناس ليجذبهم عما يميلون إليه من اتباع الشهوات الباطلة واقتناء اللذات الزايلة بتذكيرهم لما أعطاهم الله من نعمه الجسيمة ومننه العظيمة وترغيبهم فيما أعده لأوليائه وتحريصهم على ما قرره لأصفيائه


1 - أخرجه مسلم في صحيحه ج 2 ص 52 باب فضل السجود والحث عليه. (*)

[ 328 ]

وإشارتهم إلى الدرجات الرفيعة وإرشادهم إلى المقام العلية بالمقدمات اللامعة والبراهين الساطعة، فمن تبعه أمن من الكفر والعذاب وخلص من الباطلة والعقاب، ومن فارقه ولم يتمسك بدينه ولم يعمل بقوانينه واتبع رأيه الفاسد المستند إلى النفس الأمارة أو جاهلا يتكلم في الدين بغير بصيرة ولا يقين فقد فارق الأمن وتصدى للبطالة والغواية وأورد نفسه مورد الضلالة والمخافة لعدم علمه باصابة رأيه ورأي ذلك الجاهل المتبوع فلا يأمن من الكفر والخروج من الدين في هذه النشأة ولامن العقاب في النشأة الآخرة. (فلا يتهنأ بحياة مع مخافة) في المصادر التهنؤ " گوارنده شدن " وفي الصحاح والنهاية هنأني الطعام يهنئني ويهنأني وهنئت الطعام أي تهنأت به فالفعل على الأول مبنى للفاعل وحياة فاعله والباء زائدة وكذا على الثاني وفاعله ضمير لفاقد الدين والباء للتعدية ولعل المراد بالحيوة الحياة الدنيوية وتكدرها بالمخافة الناشية من مفارقة الدين ومن العقل والعلم في الجملة ظاهر وكيف يكون فاقد الدين وهو عالم آمنا سعيدا، ومتى يكون عيشه وحيوته طيبا رغيدا مع علمه بأن له في كل قدم خطرا عظيما وفي الآخرة عذابا أليما وأما الجاهل الفاقد له، فإنه وإن كان أيضا هالكا ضالا لكن لجهله لا يشعر بالخوف التابع للعلم ومثلهما مثل رجلين مسافرين في مفازة مخوفة عميقة إلى شقة بعيدة وتركا طريق الأمن الموصل إليها وسلكا طريقا آخر فيه أنحاء من الفساد والضرر وأنواع من الخوف والخطر، ويعلم أحدهما أحوال هذا الطريق دون الآخر فإن العالم بها حيوته مكدرة وعيشه منغصة وربما يضطره مخافة الهلاك إلى ترك الشراب والطعام واعتزاله عن فراش الاستراحة والمنام، وأما الجاهل بها فإنه فارغ عن هذا الخوف والاضطراب وإن كان مشاركا له في الهلاك عند نزول العذاب، أو المراد بالحيوة الحياة المعنوية القلبية وهي العلم الإجمالي بالله تعالى وبكتابه وبرسوله وحقية شرايعه ودينه إلا أنه رجع في تفصيله إلى رأيه أو إلى جاهل متصنع بالعلم التفصيلي ولم يسمعه من الرسول أو ممن يقوم مقامه كما هو شأن مخالفينا ولا ريب في أن حيوته هذه مكدرة ناقصة لا تنفعه مع مخافة أن يخرج في أصول القواعد الشرعية أو فروعها عن منهج الدين أو مع مخافة أن تزول عنه هذه الحياة بتسويلات الشياطين. (وفقد العقل فقد الحياة) لأن الحياة التي يجب صرف العمر في حفظها وتكميلها ووردت الشرايع والكتب الإلهية بالأمر بتحصيلها هي استكمال النفس بالحقايق والمعارف والعلوم النافعة في الآخرة فمن تحلى نفسه بها وصار عقله عاقلا بالفعل فهو حي حقيقة في الدنيا والآخرة ومن تخلى نفسه عن هذه المعارف والكمالات وغطى عقله بأغطية الرذايل والجهالات فهو معدود بلسان الشرع من الجمادات (ولا يقاس) أي لا يقدر ولا يشبه (إلا بالأموات) لعدم اطلاعه على وجوه

[ 329 ]

مفاسده ومصالحه وعدم اهتدائه إلى رفع مضاره وجلب منافعه كالأموات بل هو أدنى حالا وأقبح مآلا لاضطجاعه بين الشبهات. * الأصل: 31 - " علي بن إبراهيم بن هاشم، عن موسى بن إبراهيم المحاربي، عن الحسن بن موسى، عن موسى بن عبد الله، عن ميمون بن علي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): المرء بنفسه دليل على ضعف عقله ". * الشرح: (علي بن إبراهيم بن هاشم، عن موسى بن إبراهيم المحاربي) لم أعرف حاله (عن الحسن بن موسى) شريف معظم من وجوه أصحابنا كثير العلم والحديث (عن موسى بن عبد الله، عن ميمون ابن علي) لم أعرف حاله أيضا (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إعجاب المرء بنفسه) أي استعظامه إياها لاتصافها بفضيلة دنيوية مثل المال والجاه وكثرة الأولاد والأنصار أو بفضيلة اخروية مثل العلم والعمل وساير الكمالات واستكثاره لتلك الفضيلة والابتهاج بها والركون إليها والرضا بها حتى يظن أنه قد فاق العابدين وجاوز عن حد التقصير ويستبعد إنحطاط رتبته عند الله تعالى وله مثل هذا العمل والفضيلة عن رتبة العابدين ويعتقد أنه لا يعذبه أبدا لأجله. (دليل على ضعف عقله) وقلة علمه وقصور معرفته بالصانع وصفاته التامة الكاملة إذ لو كان له عقل كامل وعلم تام ومعرفة بما له جل شأنه من القوة والقدرة والغلبة والعظمة والجلال علم أن كل شئ سواه مقهور تحت قدرته مغلوب عند عزته ذليل في ساحة عظمته، وأن لا مانع لسلطانه ولا نهاية لعرفانه ولا دافع لامضاء أمره وجريان برهانه وإن السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما ما يرى وما لا يرى من الروحانيين والملائكة والمقربين والأنبياء المرسلين خاشعون خاضعون متذللون لحكمه معترفون بالعجز والتقصير، فإذا عرف هذه الامور وتفكر فيها تفكرا صحيحا خاليا عن الشبهات وتأمل فيها تأملا سليما عن الآفات وجد نفسه وإن كان لها جميع الكمالات مذعنة بالعجز والانكسار معترفة بالذل والافتقار مربوطة بربقة العبودية والخذلان موصوفة بصفة المسكنة والنقصان، بعيدة عن الاعجاب، قريبة من الخوف والاضطراب. وسيجئ تحقيق العجب ولوازمه ومفاسده وعلاجه في بابه إن شاء الله تعالى. * الأصل: 32 - " أبو عبد الله العاصمي، عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن الحسن بن الجهم، عن

[ 330 ]

أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: ذكر عنده أصحابنا وذكر العقل قال: فقال (عليه السلام): لا يعبؤ بأهل الدين ممن لا عقل له قلت: جعلت فداك إن ممن يصف هذا الأمر قوما لا بأس بهم عندنا وليست لهم تلك العقول فقال: ليس هؤلاء ممه خاطب الله إن الله خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل، وقال له أدبر فأدبر فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت شيئا أحسن منك أو أحب إلي منك، بك آخذ وبك اعطي ". * الشرح: (أبو عبد الله العاصمي) هو أحمد بن محمد بن محمد بن عاصم ثقة (عن علي بن الحسن) يعني ابن فضال (عن علي بن أسباط) فطحي ثقة رجع إلى الحق عند النجاشي ولم يرجع عند الكشي، وقال العلامة أنا أعتمد على روايته (عن الحسن بن الجهم عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)) قال: يعني الحسن بن الجهم (ذكر عنده أصحابنا وذكر العقل) " ذكر " في الموضعين على البناء للمفعول وأصحابنا والعقل في موقع الفاعل يعني ذكر عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أصحابنا الإمامية وأحولاتهم وذكر عنده العقل وتفاوت مراتبه (قال: فقال: لا يعبؤ بأهل الدين بمن لا عقل له) بدل لقوله بأهل الدين وفي بعض النسخ " ممن لا عقل له " ولا يعبؤ على البناء للمفعول والظرف قائم مقام الفاعل والعب ء بفتح العين وسكون الباء المبالاة، يقال: ما عبأت بفلان عبأ أي ما باليت به، والمراد بالعقل العقل بالفعل والعقل المستفاد أو ملكة الانتقال إلى العلوم والادراكات الحقة، أو نفس تلك العلوم وسميت تلك العلوم بالعقل لأن العقل مأخوذ من عقال دابة والعلوم تمنع صاحبها من الهلاك كالعقال للدابة يعني لا يبالي بأهل الدين بحسب الظاهر ممن لا عقل له، ولا يلتفت إليه، ولا يعد شريفا مكرما، ولا يثاب ثوابا جزيلا، ولا يعطى أجرا جميلا، وإنما قلنا بحسب الظاهر لأن أهل الدين بحسب الحقيقة من كان له مناط التمييز بين الحق والباطل واستضاء ذهنه بأنوار المعارف الالهية واستنار قلبه بشموس الحقايق الربانية فصار بحيث لا يحجبه ظلمة الهيئات البدنية والمعارضات الوهمية والخيالية عن ملاحظة أسرار عالم الغيب وأنوار عالم الشهادة، وأما الذي ليس له تلك الفضايل وإن كان من أهل الدين فهو مستغرق بعد في بحر الرذايل يغشاه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض أعنى موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية وموج الغفلات الداعية إلى الصفات السبعية كالغضب والعداوة والحقد والحسد والمباهات والمفاخرة وأمثالها وسحاب العقائد الفاسدة التي صارت حجابا لنور البصاير عن إدراك نور الحق ومن كانت هذه صفاته كثرت على جوارحه وقلبه زلاته فلا اعتناء بعقائده وعاداته ولا مبالاة في أعماله من صومه وصلاته وسائر عباداته. (قلت جعلت فداك إن ممن يصف هذا الأمر) أي أمر الإمامة ويقول بها وينسب نفسه إليها

[ 331 ]

وفي قوله " يصف " دون أن يقول يتصف إيماء إلى أن ذلك بمجرد القول الخالي عن العقد اليقيني والإذعان القلبي الحاصل بالبرهان القطعي (قوما لا بأس بهم عندنا) معاشر الإمامية في أفعالهم وأعمالهم الظاهرة الموافقة لمذهبنا وليست لهم تلك العقول التي هي مشكاة الهداية في ظلمات الطبايع البشرية ومصباح الدراية في شبهات الأوهام الطبيعية (فقال ليس هؤلاء ممن خاطب الله تبارك وتعالى) بالارتفاع إلى المعارج العلية (1) والاهتداء إلى المعارف الربوبية والقيام بالسياسة المدنية والرياسة العقلية والشرعية وإنما هم جماعة يجري عليهم أحكام صاحب السياسة ومالك زمام الرياسة بأنحاء التعذيب وأنواع التأديب ليتم صلاحهم وصلاح بني نوعهم ويحصل لهم بذلك حياة الدنيا ونجاة الآخرة وبما ذكرنا لا يرد أن قول السائل " لا بأس بهم عندنا " دل على أن لهم العقل الذي هو مناط التكليف والخطاب بالأحكام وقوله (عليه السلام): " ليس هؤلاء ممن خاطب الله " دل على أن ليس لهم هذا العقل فبين السؤال والجواب منافاة في الجملة ووجه عدم الورود أن للعقل مراتب متفاوتة وأدنى مراتبه وما هو مناط التكليف بظواهر الأعمال والأفعال الشرعية التي يحصل به صلاح الخلق في الدنيا ونجاتهم في الآخرة. وأعلاها ما هو مناط الفوز بأعلى المقامات الممكنة لقوة البشرية والمتصف به هو خاص الخاص والمتوسطات متوسطات، والثابت لهم هو أدنى المراتب، والمنفي عنهم ما سواها ويرشد إليه أيضا قول السائل: " وليست لهم تلك العقول " فإن " تلك " للاشارة إلى البعيد وفيها دلالة على أن العقل المسلوب عنهم هو الواقع في الدرجات العالية، والغرض من هذا السؤال هو استعلام حالهم أيعبؤبهم أم لا فأشار (عليه السلام) بقوله " ليس هؤلاء ممن خاطب الله " إلى أنه لا يعبؤ بهم إلا أنه أقام السبب موقع المسبب (إن الله خلق العقل) وهو نور محض وضوء صرف ما شابه أرجاس الأوهام وأخباث الظلام، وهذا تعليل للسابق وبيان له ولذا ترك العاطف (فقال له أقبل فأقبل، وقال له: أدبر فأدبر، فقال وعزتي ما خلقت شيئا أحسن منك، أو أحب إلي منك) الترديد من الراوي لعدم


1 - والعجب أن البلهاء من المتدينين يعدون طريقتهم ومذهبهم أسلم وآمن من طريقة العقلاء يقولون إن الفكر مثار الشبهة والعقول ليست مما يعتمد عليها ومن اتكل على عقله ضل الطريق ويحملون قولهم (عليهم السلام) " إن دين الله لا يصاب بالعقول " على هذا وهو غير معناه والمعلوم أن في كل زمان حتى في عصر الأئمة (عليهم السلام) كان جماعة من هؤلاء ونحن نقول فائدة العقل أن يميز بين الدليل الصحيح والفاسد والحديث الصحيح والسقيم بالقرائن ويعرف المعنى المراد من الكتاب الكريم وغير المراد منه كيد الله ووجه الله وآيات الجبر والتفويض وما يجب أن يختاره عند تزاحم الامارات وتعارض الادلة كالتقية في مورد وجوبها عن مورد حرمتها وغير ذلك مما لا يحصى و " أكثر أهل الجنة البلهاء " مثال لذلك فيحمله الجاهل على فضل الجهل ويحمله العاقل على معناه المراد أعني فاقد النكراء والشيطنة. (ش) (*)

[ 332 ]

ضبط اللفظ المسموع بخصوصه (بك آخذ) أي بسبك اعاقب بالبعد عن مقام القرب والاحسان وبالحبس في سجون الطبايع والنسيان، وهذه المرتبة سماها مرتبة المسخ بعض أهل العرفان، أو بسببك أقبل الأعمال الموجبة للقرب (وبك أعطي) أجرا جميلا وثوابا جزيلا ومقاما محمودا فيه أنواع من الافضال والاكرام وأنحاء من الاحسان والانعام، ولدينا مزيد، وفي حذف مفعول الفعلين دلالة على التعميم ولا يبعد تنزيلهما منزلة اللازم وجعلهما كنايتين عنهما حال كونهما متعلقين بمفعول معلوم بقرينة المقام وقد مر شرح هذا الكلام مستوفى (1) مرارا وملحض القول فيه أن الاخذ والاعطاء بسبب العقل فإن زاد زادا وإن نقص نقصا حتى يبلغ إلى عقول أقوام لا يبالي بهم ولا يشدد عليهم وهم قريب المنزلة بالبهائم والله أعلم. * الأصل: 33 - " علي بن محمد، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس بين الايمان والكفر إلا قلة العقل قيل: وكيف ذاك يا ابن رسول الله ؟ قال: إن العبد يرفع رغبته إلى مخلوق فلو أخلص نيته لله لأتاه الذي يريد في أسرع من ذلك ". * الشرح: (علي بن محمد عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس بين الايمان والكفر) لعل المراد بالايمان هنا الايمان الكامل (2) وهو الذي يوجب القرب التام إليه سبحانه وجلب رحمته على وجه الكمال، وبالكفر الكفر المحض وهو الذي يوجب غاية البعد عنه تعالى وسلب استحقاق رحمته بالكلية (إلا قلة العقل) يعني قليل العقل متوسط بين المؤمن والكافر ليس مؤمنا حقيقيا كاملا لما فيه من قصور العقل الموجب لبعده عنه تعالى في الجملة ولا كافرا حقيقيا محضا لما فيه شئ من نور العقل الموجب لقربه تعالى في الجملة.


1 - سبق مفاد هذا الحديث مرتين ومضى شرحه مرارا وذكرنا شيئا يتعلق باولية خلق العقل في التعليقات والحاصل ان وجود جزئيات الاجسام يدل على جود عالم جسماني اصله ومبدؤه المادة وتتشكل المادة تارة في صورة وتارة في صورة اخرى كذلك العقول الجزئية في افراد الإنسان تدل على جود عالم عقلي مجرد عن المادة وشأنه العلم والادراك ومبدؤه موجود مجرد وهو للعالم الروحاني بمنزلة المادة للعالم الجسماني وهو العقل الكلي الذي له اشراق على العقول الجزئية فالعقل مبدء ما لا يرى، والمادة مبدء ما يرى والفرق بينهما أن ما يتولد من المادة أفضل وأكمل من نفس المادة وما يتولد من العقل انقص منه والعقل الكلي المجرد اول ما خلق الله والعقول الجزئية اشراقات منه وبهذا الاعتبار هو مناط التكليف. (ش) 2 - انما احتاج إلى هذا التأويل لأنه لا واسطة بين الايمان والكفر عند المسلمين إلا عند طائفة شاذة من المعتزلة قد انقرضت من ثبوت المنزلة بين المنزلتين. (ش) (*)

[ 333 ]

(قيل كيف ذاك) أي توسط قلة العقل بين الايمان والكفر (يا ابن رسول الله) لعل منشؤ السؤال استبعاد الواسطة نظرا إلى ظاهر قوله تعالى * (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) * وذلك الاستبعاد مدفوع إذ لا نسلم أن في الآية الكريمة دلالة على الحصر لجواز أن يكون ذكرا لواسطة مسكوتا عنه ولو سلم، فلعل المراد بالايمان والكفر في الآية أصلهما ولا واسطة بينهما لاكمالهما وثبوت الواسطة بين كمالهما ظاهر (قال: إن العبد) أراد به العبد العارف بالله في الجملة بقرينة قوله " فلو أخلص نيته لله " (يرفع رغبته) أي حاجته ومراده وما يرغب فيه من امور الدنيا (إلى مخلوق) لظنه بصور عقله أن المخلوق يرفع حاجته ويحصل بغيته فيتذلل له ويتخشع (فلو أخلص نيته لله) ويرفع رغبته وحاجته بالقصد الخالص عن شوائب الأوهام إليه سبحان (لأتاه الذي يريد) أتاه من أتى يأتي بمعنى جاءه، أو من آتى يؤتى بمعنى أعطاه والموصول على الاول فاعله وعلى الثاني مفعوله (في أسرع من ذلك) أي من إتيانه عند ذلك المخلوق أو من وقت الرفع إلى المخلوق، أو من الوقت الذي يتوقع حصول مطلوبه عند المخلوق وذلك لشمول قدرته تعالى على جميع المقدورات وإحاطته بجميع الممكنات فيتحقق ما أراد بمحض الارادة من غير حاجة إلى استعمال آلة وانتظار روية فهذا العبد ليس مؤمنا حقيقيا لقصور نيته بالله تعالى ولا كافرا محضا لعلمه بالصانع فقد أفهم (عليه السلام) ثبوت الواسطة بمثال جزئي وأزال وهم السائل، كما هو شأن المعلم الشفيق، ومما يدل على ثبوت الواسطة ما روي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: " إن عليا باب من أبواب الهدى فمن دخل من باب علي كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في طبقة الذين فيهم المشية " (1) ويحتمل أن يكون معنى الحديث أن السبب للخروج من الايمان الفطري إلى الكفر ليس إلا قلة العقل وما ذكرناه أولا أوفق وأنسب. * الأصل: 34 - " عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبيدالله الدهقان، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن يحيى بن عمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: بالعقل استخرج غور الحكمة وبالحكمة استخرج غور العقل، وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح قال: وكان يقول: التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي الماشي في الظلمات بالنور بحسن التخلص وقلة التربص ". * الشرح: (عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبيد الله الدهقان، عن أحمد بن عمر الحلبي) ثقة


1 - الكافي كتاب الايمان والكفر باب الكفر تحت رقم 18. (*)

[ 334 ]

(عن يحيى بن عمران) ثقة (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: بالعقل استخرج غور الحكمة وبالحكمة استخرج غور العقل) غور كل شئ عمقه وبعده وغاية خفاه وهذا الكلام يمكن أن يكون إشارة إلى تفاوت مراتب العقل والعلم في باب معرفة الصانع وازدياد كل واحد منها بسبب الآخر إذ للعقل في السير من العالم السفلي إلى العالم الذي هو عالم القدس وعالم التوحيد منازل غير محصورة وله في كل منزل نور معين وكمال معلوم وبصيرة مخصوصة يستعد بها لقبول علم فوق ما يكون له في هذا المنزل واستخراجه من القوة إلى الفعل (1) فإذا استخرجه فقد انتقل من هذا المنزل إلى منزل آخر فوقه، وهذا العلم يوجب زيادة نوره وكماله وبصيرته على ما كان له في هذا المنزل السابق فيستخرجه هذا العلم من النقص إلى الكمال وهكذا يتدرجان في الكمال ويتبدلان في السببية إلى ما شاء الله فقد تبين أن بكل واحد منهما يستخرج غور الآخر ونهاية كماله، ويمكن أن يكون إشارة إلى مراتب العقل والحكمة النظرية فإن العقل الهيولاني يستخرج العلوم الأولية باستعمال الالآت أعني الحواس الظاهرة والباطنة وبهذه العلوم يستخرج العقل من الهيولانية إلى الملكة وهكذا إلى العقل بالفعل الذي حصل له ملكة الاستحضار متى شاء من غير تجشم كسب جديد بل إلى ما فوق ذلك مما تعلق به المشية الإلهية، وبالجملة العقل بنور بصيرته يستخرج المعارف الالهية والحكمة الربانية وتلك الحكمة بعد حصولها توجب كمال العقل وزيادة بصيرته فكل منهما يوجب خروج الآخر من حد النقص إلى حد الكمال على وجه لا يكون دورا، وكما أن للعقل قوة نظرية بها يتأثر من المبدء الأعلى ويستفيض منه العلوم (2) وكمالها


1 - في عبارة الشارح نكات يجب التنبيه عليها حتى ينظر إليها بعناية خاصة ولا يمر عليها مرورا: الأول سير العقل من العالم الادنى إلى العالم الاعلى يسمى في اصطلاح العرفاء بالسلوك والسائر فيه السالك وقد يقال له السفر وينقسم إلى أربعة اسفار من الخلق إلى الحق وفي الحق بالحق ومن الحق إلى الخلق وفي الخلق كل ذلك بالحق وعلى ذلك بنى صدر المتألهين (قدس سره) كتابه المعروف بالاسفار الاربعة. الثانية أن الترقي في كمال العقل متوقف على الاستعداد كانتقال المادة من صورة إلى صورة وفعلية السابقة معدة للاحقة. الثالثة أن الحكمة هي معرفة الله وما يتعلق بتلك المعرفة وهي تحصل للعقل باليسير والمجاهدة كما قال * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) * فبتعلم الحكمة يترقى العقل وبترقي العقل يتعلم حكمة جديدة لم يكن مستعدة لها أولا، أو يقال المراد الحكمة العملية أي إطاعة الله في كل ما خلق الإنسان لاجله وليس المراد بالحكمة النظرية أو العملية تقليد جماعة معينة من الحكماء بل متابعة العقل والدليل، وقد ألف الانصاري الهروي كتابا ممتعا في منازل السائرين. (ش) 2 - هذا مذهب الحكماء في كيفية إفادة المقدمات للنتائج ومذهب الاشاعرة في مطلق الاسباب أن عادة الله جرت بخلق المسبب عند وجود السبب وقالت المعتزلة بالتوليد من غير تأثير لله - تعالى الله عن ذلك - ومذهب الحكماء في هذه الاسباب أنها معدات يستعد به العقل والهيولي للافاضة من المبدء الاعلى. (ش) (*)

[ 335 ]

باكتساب تلك العلوم وقد أشار إليها بعبارة وجيزة فكذلك له قوة عملية بها يؤثر فيما تحته وكمالها باكتساب الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة وقد أشار إليها بقوله (وبحسن السياسة) في البدن والمنزل والمدينة (يكون الادب الصالح) أي العمل المندرج تحت القواعد النبوية والخلق الموافق للقوانين الشرعية وذلك لأن العقل سلطان في عالم الكون فيجب عليه أن ينظر أولا في أحوال البدن ومشاغل قواه وحواسه وجوارحه بالأمر والنهي وتهذيب الظاهر باستعمال الشرايع النبوية والنواميس الالهية (1) وتهذيب الباطن عن الشواغل الدنية والملكات الردية وتحليها بالملكات والأخلاق المرضية وإلى هذه المرتبة أشار جل شأنه بقوله * (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) * فإنه تعالى أمر رسوله (صلى الله عليه وآله) بهذه الخصال المرضية والاجتناب عن الرجز الشامل لجميع الملكات الردية وأن ينظر ثانيا في أحوال جماعة معه في النسب والمنزل من الخدم والحشم ويأمرهم بمثل ذلك وبما فيه صلاحهم في الدارين من التآلف والتوافق والتعاون غير ذلك مما يوجب تكميل نظامهم، وإلى هذه المرتبة أشار جل وعز بقوله: * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * وإليها وإلى الاولى أيضا بقوله * (قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) * وأن ينظر ثالثا إلى أحوال جماعة متشاركة في المدينة ومندرجة في سلك رعيته ويأمرهم بمثل ما مر. وإلى هذه المرتبة أشار عز سلطانه بقوله: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) * فإذا فعل ذلك وحملهم على تلك الأعمال والأخلاق بأسواط حسن السياسة والتدبير حصل لهم الآداب الصالحة وصاروا حزب الله سائرين إلى الله، ناظرين إلى جماله وكماله، نازلين في منازل عزه وجلاله ألا إن حزب الله هم المفلحون (وكان يقول التفكر حياة قلب البصير) لما أشار (عليه السلام) إلى أن أثر العقل هو الوصول إلى غور الحكمة والبلوغ إلى نهاية كمالها، وأن أثر الحكمة هو الوصول إلى غور العقل والبلوغ إلى غايته، وأن أثر حسن السياسة هو التخلق بالآداب الصالحة والتحلي بالأخلاق الفاضلة، من البين أن الغرض الأصلي من هذه الآثار هو الوصول إلى قرب الحق والنزول في ساحة عزه وهناك اتحدت الغايتان وتقاربت المسافتان أشار هنا إلى أن مبدأ تلك الآثار ومنشأ هذه الأطوار هو تفكر قلب البصير، الفهم الذكي، والتفكر هو حركة الذهن في مقدمات المطلوب والانتقال عنها إليه والقلب في عرف العارفين هي النفس الإنسانية، واستعار الحياة للتفكر إيضاحا


1 - يعني أن الشريعة الإلهية النازلة بالوحي على الانبياء (عليهم السلام) مطابق لما ذكره الحكماء في العملية إلى ما يتعلق بالانسان وحده بينه وبين ربه، وما يتعلق بتدبير المنزل، وما يتعلق بسياسة المدن. (ش) (*)

[ 336 ]

للمقصود وتنزيلا للمعقول بمنزلة المحسوس وتنبيها على أن الحيوان كما يتحرك بحياة الأبدان في عالم المحسوسات إلى تحصيل مقاصده كذلك القلب بالتفكر يتحرك في عالم المعقولات والمصنوعات لينتقل منها إلى عالم النظريات وعالم التوحيد ليحصل له المطالب النظرية ومعرفة الصانع وصفاته وأحوال المبدء والمعاد أو على أن وجود الحيوان وبقاءه وكماله كما يكون بحياة الأبدان كذلك وجود القلب وبقاؤه وكماله في الدارين وسعادته في النشأتين يكون بالتفكر وإنما أضاف القلب إلى البصير ولم يقل حياة القلب لأن حياة القلب حقيقة عند العامة بحياة الجسد المعروفة وقد يراد بها معنى آخر مجازي وهو حياته بالعلم والحكمة سواء كانت مع حياة الجسد أو لا فيكون ذكر البصير كالقرينة المعينة لارادته بتلك الحياة معناها المجازي ودلالة نسبتها إلى التفكر على ذلك لا ينافيه، ويحتمل أن يراد بالبصير البصير بذلك التفكر أو البصير بنور العلم أو الفهم الذكي وفيه على الأخيرين تنبيه على أن التفكر مع وجود شئ من العلم أو مع وجود الفهم والذكاء هو النافع في الوصول إلى غاية الحكمة ونهايتها وتحصيل المطالب العالية. والمقصود أن التفكر نور إلهي وروح رباني لقلب البصير الفهم الذكي به يصير قلبه حيا عالما عارفا يلبس رداء الحياة ويستيقظ من نوم النسيان وسهو الغفلات ويتخلص من سكرة الموت بأسقام الجهالات ويهتدي إلى وجوه المصالح الدنيوية والاخروية وما يليق به من الكمالات العقلية والنقلية والمطالب العالية وينظر بعين اليقين إلى منزل التوحيد والمعارف الالهية وينتقل إليها من المبادي الموصلة إليها فيسافر في ظلام بيداء الطبيعة البشرية إليها سريعا ويمشي في ليالي فيفاء العلايق البدنية إليها حثيثا ونور التفكر بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله يستضئ به حوله مع حزم واحتياط وحسن تخلص ونجاة من الوقوع في الباطل في مواضع يستزل فيها قدم الأفكار ويتوهم وجود قطاع الطريق من الأشرار (كما يمشي الماشي في الظلمات بالنور) يعني أن الذي قلبه حي بنور التفكر والعلم يمشي في المطالب التي هي صراط الحق ومنازل العرفان في ضباب الطبيعة وظلمات الأبدان كما يمشي الإنسان في ظلمات الليالي بنور المشاعل وضوء المصابيح وهذه استعارة على وجه التمثيل لتوضيح المقصود بتنزيل المعقول منزلة المحسوس ومتضمن لتشبيه الحركات الفكرية في مبادي المطلوب عند الجهل به بمشي الماشي في الظلمات بالنور (بحسن التخلص) الظرف إما متعلق بيمشي أو بالتفكر أو بكليهما أو حال عن الماشي أو عن المتفكر أو عنهما، أي حال كون ذلك الماشي أو المتفكر متلبسا بحسن التخلص والنجاة من مواضع الخوف وموارد الباطل باستعمال التدبيرات اللايقة والاراء الصحيحة الرايقة ويحتمل أن يكون الظرف صفة لمفعول مطلق محذوف أي مشيا أو تفكرا مقرونا بحسن التخلص.

[ 337 ]

(وقلة التربص) يعني قلة التوقف في الانتقال من المقدمات إلى المطالب كما هو شأن الذكي الفهم وفي سبيل المجاز في حال الجواز لأن التوقف والاستبطاء في وسط الصراط مع توهم الخوف بهجوم الأوباش واللئام وزوال النور بصرصر الرياح واستيلاء الظلام بعيد عن الحزم والاحتياط نعم ما قيل: " من سلك سبيل الاحتياط فليس بناكب عن الصراط " هذا حال من تفكر. وأما من لم يتفكر في دقايق المصنوعات وعجايب المخلوقات ولم ينتقل منها إلى مقام التوحيد وصفات الصانع وكماله وكذا لم يفتكر في مبادي المطالب العالية والمقاصد النظرية ولم يتحرك إليها فهو مثل الحشرات لا يرى أن له وراء بدنه كمالا آخر فكان أعظم محبوباته بقاء جسده بهذه الحياة الزايلة، وأهم مهروباته هو نقصانها وموتها فهو حي ظاهرا وميت باطنا وماش في ظلمات شديدة بعضها فوق بعض، حايرا بايرا تائها وهكذا حاله إلى أن يموت فإذا مات وقع في ظلمة دائمة وحسرة ثابتة ووحشة باقية أبدا. مهروباته هو نقصانها وموتها فهو حي ظاهرا وميت باطنا وماش في ظلمات شديدة بعضها فوق بعض، حايرا بايرا تائها وهكذا حاله إلى أن يموت فإذا مات وقع في ظلمة دائمة وحسرة ثابتة ووحشة باقية أبدا. (هذا آخر كتاب العقل (1) والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم). اللهم اجعلنا من الذين تاهت أرواحهم في مطالعة الملك والملكوت. وكشفت لهم بنور العقل والفهم حجب العظمة والجبروت. وخاضوا بغوص التفكر في بحر اليقين، وتنتزهوا بعلو الهمة في زهر رياض المتقين برحمتك يا أرحم الراحمين. * * *


1 - انظر - وفقك الله لمرضاته - إلى كثرة الاحاديث الواردة من طرقنا في العقل ومدحه مع تأييده بالقرآن الكريم ثم انظر إلى كتب محدثي أهل السنة والجماعة ونقدتهم فقد عدوا من الموضوعات جميع الاحاديث في العقل قال المقدسي في كتاب الموضوعات " ومنها أحاديث العقل كلها كذب ". وأقول: العقل يدل على عدم جواز متابعة الفاضل للمفضول والعالم للجاهل ولعلهم لذلك أنكروا صحة أحاديث العقل، وقلنا في غير هذا المقام إن رواية خلق العقل وأنه قال له: أقبل فاقبل إلى آخره، رواه أبو نعيم والطبراني في المعجم الكبير وعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد. (ش) (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية