الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




خصائص الأئمة- الشريف الرضيي

خصائص الأئمة

الشريف الرضي


[ 1 ]

خصائص الائمة عليهم السلام

[ 2 ]

" بمناسبة مرور ألف عام على وفاة الشريف الرضي "

[ 3 ]

خصائص الائمة عليهم السلام خصائص أمير المؤمنين عليه السلام تأليف الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى الموسوي البغدادي 359 - 406 تحقيق وتعليق: الدكتور محمد هادي الاميني

[ 4 ]

مجمع البحوث الاسلامية الآستانة الرضوية المقدسة مشهد - ايران ص، ب: 3663 الكتاب: خصائص الائمة عليهم السلام (خصائص امير المؤمنين عليه السلام) المؤلف: الشريف الرضي تحقيق: الدكتور محمد هادي الاميني العدد: 5000 نسخة التاريخ: ربيع الثاني 1406 ه‍. الناشر: مجمع البحوث الاسلامية الامور الفنية مؤسسة طبع ونشر الآستانة الرضوية المقدسة الطبع والتجليد: حقوق الطبع محفوظة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم إلهي... بقدرتك علي تب علي... وبحلمك عني اعف عني... وبعلمك بي ارفق بي... إلهي... لا تجعلني لغير جودك متعرضا... ولا تصيرني للفتن غرضا... وكن لي على الاعداء ناصرا... وعلى المخازي والعيوب ساترا... وعن المعاصي عاصما... إلهي... إعطني بصيرة في دينك... وفهما في حكمك... وفقها في علمك... وكفلين من رحمتك... إلهي... تقبل مني وأعل ذكري، وارفع درجتي، وحط وزري... ولا تذكرني بخطيئتي... واجعل ثواب مجلسي، وثواب منطقي، وثواب دعائي، رضاك والجنة...

[ 6 ]

قوبلت وصححت على نسخة السيد الفقيه الامام ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسني الراوندي الكاشاني المتوفى 570 ه‍

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله امناء الله منذ إنطلاقة الشرارة الاولى، للثورة الشعبية الاسلامية في ايران عام 1357 ه‍. ش، الموافق سنة 1399 ه‍. ق، بقيادة الزعيم الديني المقدام، الامام الخميني بارك الله في ثورته وعمره طلب من المسؤولين كافة، والقائمين بشؤون الدولة، أن يجعلوا رسالة الاسلام الخالدة نصب أعينهم، ويسيروا على هديه وهداه في الجوانب كافة، ويعاملوا الشعب ويأخذوا القضايا والاحداث والقوانين حسب ما يقتضيه التشريع الاسلامي، وتتطلبه قوانينه وانظمته التي جاء بها المشرع الاعظم - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي بعث رحمة للعالمين.. لان الثورة المظفرة هذه انبثقت من صميم الواقع الاسلامي الذي مهد للشعب الايراني المسلم طريق التحرر والانطلاق، ودفعه إلى اليقظة والوثبة، والثورة على الطغاة، والظالمين والمستبدين، العاملين للحواجز السياسية الدخيلة، للحيلولة بين الشعوب، ورسالة الاسلام. ولما كانت الثورة الاسلامية المظفرة في ايران مدينة بكاملها للاسلام وجاءت الانتفاضة الشعبية لهذا الغرض، فلا بد من العمل في إعادة الجوانب كافة إلى مهيع الحق، والصراط المستقيم، وإنقاذها من مخالب التيارات الدخيلة، سيما الجانب الفكري والعلمي، الذى تلاعب بهما العهد المقبور واتخذهما ذريعة لمأربه الشيطانية، ووسيلة في خدمة سياسة أسياده التوسعية

[ 8 ]

لذلك أصبح الشعب بمعزل عن عقيدته، ودينه، وشخصيته، وتفكيره الصحيح، ونهجه القويم الذي خطه من قبل الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله، ومن بعده الائمة الهداة المهديون عليهم السلام، ومن ثم فقهاء الطائفة وأعلامها. وفي خلال فترة قصيرة من الزمن، تمكنت الجمهورية الاسلامية في زحفها المقدس من إقامة مجاميع وندوات، وجامعات تخدم الشخصية الاسلامية، وتساند الحضارة الفكرية والعلمية وعلى الاخص في العواصم، والحوزات الدراسية في عرض البلاد وطولها. ولما كانت مدينة " مشهد " المقدسة البطلة، على جانب هام من الناحية الفكرية والاجتماعية، وموقعها الخطير بين سائر الالوية الايرانية لذلك وجهت القيادة عنايتها، ورعايتها لهذا البلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه فأقامت فيه إلى جوار مرقد الامام أبي الحسن الرضا عليه آلاف التحيات والبركات جامعة للعلوم الاسلامية على نسق حديث للتدريس والدراسة إلى جانب إقامة مجمع " للبحوث الاسلامية " للتأليف والتحقيق والنشر، وقد زاول عمله النشاطي منذ عام بحول الله وقوته، مكللا بالنجاح والسداد والموفقية برعاية سادن الروضة الرضوية المباركة فضيلة العلامة الجليل سماحة الشيخ عباس الطبسى بارك الله تعالى في عمره وأخذ بعضده. هذا وفي الوقت الذي تقدم المجمع إلى ميدان النشر والطبع، إرتأى المجلس الاعلى لادارة " مجمع البحوث الاسلامية " تدشين سلسلة مطبوعاته بكتاب " خصائص الائمة عليهم السلام " لابي الحسن الشريف الرضي... رضي الله عنه، وذلك بمناسبة الذكرى الالفية لوفاته التي تجتاز البلاد خلال الشهور هذه، وتتأهب بعض الاقطار الشقيقة لاقامة مهرجانات ومؤتمرات علمية لها أمثال الهند، والپاكستان، وسوريا، وكذا الجمهورية الاسلامية الايرانية والكتاب هذا، أثر قيم وجهد حيوي، ستقرأ تفاصيله في المقدمة، وقد تصدى إلى تحقيقه وإخراج أسانيد أحاديثه، ومصادره الاستاذ الدكتور الشيخ محمد هادي

[ 9 ]

الاميني نجل الفقيه المؤرخ والحجة الثبت شيخنا العلامة الاميني طيب الله ثراه، مؤلف كتاب " الغدير " والواقع إنه أعاد للكتاب إصالته العلمية، وقيمته التاريخية. إن مديرة " مجمع البحوث الاسلامية " في الوقت الذي تتقدم بشكرها الجزيل لسدنة الروضة المقدسة ترجو العلي القدير التوفيق والتسديد في هذا الصعيد الفكري ومواصلته لتقدم إلى المكتبة الاسلامية وأبناء القرآن المتعة العلمية الحية، والبحوث التي تساند الثورة الاسلامية المظفرة في زحفها المقدس ومن الله التوفيق. مجمع البحوث الاسلامية الآستانة الرضوية المقدسة مشهد - ايران ص، ب: 3663 صفر 1406 ه‍. ق آبان 1364 ه‍. ش

[ 11 ]

المقدمة لا مشاحة في أن كتاب " خصائص الائمة " كان الباعث والحافز للسيد رضي الدين ذي الحسبين.. رضي الله عنه، في جمع وتأليف كتابه المقدس " نهج البلاغة " وإن لم يكمل كتابه الاول، ولم يخرج منه غير خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، إلا أن التوفيق بكامله كان حليفه في تأليف كتابه الثاني " نهج البلاغة " والواقع ان كتاب " الخصائص " يعتبر بابا لتأليفه الآخر كما صرح في مقدمة " النهج " فقال: - كنت في عنفوان السن وغضاضة الغصن، إبتدأت بتأليف كتاب في " خصائص الائمة " يشتمل على محاسن أخبارهم، وجواهر كلامهم، حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب، وجعلته امام الكتاب، وفرغت من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليا - عليه السلام - وعاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الايام، ومماطلات الزمان وكنت قد بوبت ما خرج من ذلك أبوابا، وفصلته فصولا، فجاء في آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه عليه السلام، من الكلام القصير في المواعظ، والحكم، والامثال، والآداب، دون الخطب الطويلة، والكتب المبسوطة، فاستحسن جماعة من الاصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره، معجبين ببدائعه ومتعجبين من نواصعه -. ان هذا الكلام من الشريف الاعلم.. إن دل على شئ فإنما يدل على انه كان يعرض ويقرأ كتاباته على تلاميذه، والذين يحضرون مدرسته " دار العلم "

[ 12 ]

في بغداد للاخذ من موارد علمه الخصب والتي يتطلع إليها كل لبيب، وذي عقل، وطالب علم وأدب في اللحظات كافة.. فلما ألقى عليهم الفصل المتضمن لمحاسن ما نقل عنه عليه السلام، تقدموا إليه بطلب كريم مما جعله ينصرف عن إتمام كتابه " الخصائص " ويتحول إلى وضع خطط وأسس تأليفه القيم " نهج البلاغة " فقال بعد كلامه السالف بهذا الصدد: " وسألوني عند ذلك أن ابتدئ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام أمير المؤمنين - عليه السلام - في جميع فنونه، ومتشعبات غصونه، من خطب وكتب، ومواعظ وآداب، علما ان ذلك يتضمن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة، وجواهر العربية، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية، مما لا يوجد مجتمعا في كلام، ولا مجموع الاطراف في كتاب ". ومن هنا نجد الرضي العليم يتحول بكامل حيويته الادبية وشخصيته العلمية الفذة، إلى جمع كلام مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، الامام أمير المؤمنين - عليه السلام - ويضع كتابه " الخصائص " جانبا ويندفع إلى التنقيب عن كلام الامام عليه السلام، وجمعه من بطون المراجع والمصادر النادرة، ومن ثم تصنيفه وتقسيمه إلى ثلاثة أبواب: الخطب والاوامر.. الكتب والرسائل.. الحكم والمواعظ.. واجمع بتوفيق الله تعالى على الابتداء بإختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحكم والادب، مفردا لكل صنف من ذلك بابا ومفصلا فيه أوراقا. وهكذا يتحول السيد الرضي... من كتاب " خصائص الائمة " إلى تأليف كتاب " نهج البلاغة " الذي بلغ من السمو والرفعة والخلود، ما لم يبلغه كتاب غير القرآن الكريم.

[ 13 ]

كتاب خصائص الائمة لقد سبق القول أن لم يخرج من هذا الكتاب غير الفصل الخاص بالامام أمير المؤمنين عليه السلام... وهو كبقية تصانيفه رضي الله عنه.. ضم بين دفتيه العلم الكثير، والادب الجم، والحيوية الفكرية، وتداوله العلماء والمؤلفون على إمتداد التاريخ، ونقلوه واستنسخوه واكثروا من نسخه، وحافظوا عليه إلى يومنا هذا. اما الدافع إلى تأليف كتاب " الخصائص " فقد ذكر ذلك في مقدمة الكتاب فقال: - كنت حفظ الله عليك دينك، وقوى في ولاء العترة الطاهرة يقينك، سألتني أن أصنف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الائمة الاثنى عشر صلوات الله عليهم، وبركاته، وحنانه، وتحياته، على ترتيب أيامهم، وتدريج طبقاتهم ذاكرا اوقات مواليدهم، ومدد أعمارهم... ثم يقول بعد كلام طويل: " فعاقني عن إجابتك الى ملتمسك ما لا يزال يعوق من نوائب الزمان، ومعارضات الايام إلى أن أنهضني ذلك اتفاق إتفق لي، فاستثار حميتي، وقوى نيتي، واستخرج نشاطي، وقدح زنادي، وذلك ان بعض الرؤساء ممن غرضه القدح في صفاتي، والغمز لقناتي، والتغطية على مناقبي والدلالة على مثلبة إن كانت لي... لقيني وأنا متوجه عشية عرفة من سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة (383) هجرية إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر، وأبي جعفر محمد بن علي بن موسى عليهما السلام للتعريف هناك، فسألني عن متوجهي فذكرت له إلى أين قصدي ؟ فقال لي: متى كان ذلك يعني ان جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف، والبرائة ممن قال بالقطع، وهو عارف بان الامامة مذهبي، وعليها عقدي ومعتقدي، وإنما أراد التنكيت لي والطعن على ديني، فأجبته في الحال بما اقتضاه كلامه، واستدعاه خطابه، وعدت وقد قوي عزمي، على عمل هذا الكتاب إعلانا لمذهبي، وكشفا عن مغيبي، وردا على العدو الذي يتطلب عيبي، ويروم ذمي، وقصبى، وأنا بعون الله مبتدى بما ذكرت على الترتيب الذي شرطت، والله

[ 14 ]

المنقذ من الضلال، والهادي إلى سبيل الرشاد -. " فشرع بتأليف كتاب " الخصائص " عام 383 هجري، وبعد الفراغ من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، شرع في تأليف كتاب " نهج البلاغة " ومن ثم لم يمهله الاجل المحتوم، ولم يسمح له بالعودة إلى كتابه " الخصائص " والرجوع إليه وإتمامه، فتوفي سنة 406 هجرية. نقل العلماء عن هذا الكتاب واستفادوا منه، واستشهدوا بنصوصه، وكانت منه عده نسخ خطية في مكتبات ايران والعراق والهند.. وطبع في النجف الاشرف سنة 1368 هجرية في 100 ص، واعيد طبعه مرات عديدة غير أن الكتاب جاء مشحونا بالاغلاط والتصحيف والتحريف، ولم ينل من المؤسف كله الحظ من التصحيح والتحقيق والتعليق، والمقابلة ومراجعة نصوصه، وتعيين مصادره وأسانيده فقد طبع كما وجد، والمطبوع نسخة المرحوم العلامة الجليل السيد عبد الرزاق بن السيد محمد الموسوي المقرم المتوفى 1391 وقد كتبها عام 1349 هجري من نسخة مكتبة الفقيه الشيخ هادي بن الشيخ عباس آل كاشف الغطاء المتوفى 1360، وتاريخ كتابتها سنة 1300 هجرية. والغريب أن دور النشر أعادت طبع الكتاب على ما هو عليه من التصحيف والتحريف والاغلاط، ولم تصحح منه حتى الاغلاط الاملائية والكتابية. لقد شاءت الايام أن أجعل الكتاب في قائمة الكتب التي نويت تحقيقها، وتصحيحها، وإخراجها بصورة صحيحة بحول الله وقوته... منذ أمد بعيد حسبما يقتضيه، ويتطلبه الوقت والتوفيق... بيد ان الذكرى الالفية على وفاة الشريف الرضي كرم الله وجهه.. دفعتني إلى تحقيقه وجعله في الرعيل الاول من تلكم الكتب، فتقدمت إلى تحقيقه، وإخراجه مع تزاحم أعمالي الفكرية، وتراكم شؤوني في حقلي البحث والتأليف. عملي في تحقيق الكتاب: اما منهجي في تحقيق الكتاب، فقد فتشت عن نسخ الكتاب وقلبت

[ 15 ]

فهارس خزائن الكتب، إلى أن وقفت على أقدم نسخة مخطوطة منه كتبت في القرن السادس الهجري، وهي من مخطوطات إحدى مكتبات الهند وتوجد مصورتها بالميكرو فيلم في مكتبة العلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي في مدينة - قم - فتفضل بها علي مشكورا، وتقع في 40 ورقة كتبت على عمودين 30 21 x في كل صفحة 25 سطر طوله 8 سنتيم وعليها خطوط وتملكات عتيقة مؤرخة، وهي مصححة من قبل الامام الفقيه السيد ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسني الراوندي الكاشاني المتوفى 570 هجري. بالاضافة إلى الزيادات الحاصلة فيها، وقد جعلتها في الاخير وألحقتها بآخر الكتاب. ففي الصفحة الاولى من النسخة جاء ما لفظه: - قرأ الخصائص علي... وجيه الدين فخر العلماء أبو علي عبد الله بن الحسين بن أبي القاسم دامت نعمتهما، ورويتها له عن شيخي أبي الفتح إسماعيل بن الفضل بن أحمد بن الاخشيد السراج، عن أبي المظفر عبد الله بن شبيب عن أبي الفضل الخزاعي، عن الرضي رضي الله عنه، وكتبه فضل الله بن علي الحسني إبن الرضا الراوندي في ذي القعدة من سنة خمس وخمسين وخمسمائة (555) حامدا لله تعالى مصليا على -. وجاء في آخرها: - تمت كتابة كتاب خصائص الائمة عليهم السلام، وفرغ من كتبه العبد المذنب الراجي إلى غفران الله وعفوه عبد الجبار بن الحسين بن أبي العم الحاج الفراهاني، الساكن لقرية خومجان عمرها الله يوم الاربعاء الرابع من شوال سنة ثلاث وخمسين وخمسمائه. مئة غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات، إنه الغفور الرحيم -.

[ 16 ]

الصفحة الاولى من نسخة الفقيه الراوندي

[ 17 ]

أول الكتاب من نسخة الامام الراوندي

[ 18 ]

آخر النسخة المذكورة

[ 19 ]

وجاء في موضع آخر من الكتاب: - إنتهت الزيادة.. بحمد الله ومنه وصلواته على نبيه محمد وآله أجمعين. وفرغ من كتبه العبد المذنب عبد الجبار بن الحسين بن أبي العم الحاجي الفراهاني يوم الاربعاء التاسع عشر من جمادى الاولى من سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة (553) في خدمة مولانا الامير الاجل السيد ضياء الدين تاج الاسلام أبي الرضا فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسني أدام الله ظله، وقد آوى إلى قرية جوسقان راوند متفرجا حامدا لله ومصليا على النبي وآله اجمعين والسلام -. وجاء في هامش الصفحة الاخيرة: - وقع الفراغ من سماع هذا الكتاب بقراءة من قرأه على السيد الاجل الامام ضياء الدين تاج الاسلام حرس الله.. وقت الزوال في يوم الخميس من شهر جمادي.. سنة أربع وخمسين وخمسمائة حامدا لله ومصليا على نبيه محمد وآله اجمعين -. لقد حققت النسخة وأعلمت مصادر الموضاعات، والاحاديث الواردة فيها، بصورة كاملة إلى جانب ذكر أسانيد الاخبار والروايات، بالاضافة إلى مقابلة نصوص النسخة مع سائر المراجع والمصادر التي وردت فيها تلكم النصوص. وختاما شكرى المتواصل لاعضاء - مجمع البحوث الاسلامية - متمنيا لهم التوفيق والنجاح في إخراجهم الكتاب بهذا الشكل الانيق.. كما أرجوا الله تعالى بعملي هذا بعد أن حققت أصل الكتاب وضبطت نصوصه ويسرته للانتفاع به.. أن يجعله مقرونا بالقبول، وأن ينفع به انه نعم النصير.. وأكرم مسؤول.. أبو علي محمد هادي الاميني عفا الله عنه وعن والديه محرم 1406 ه‍. ق

[ 20 ]

الشريف الرضي (1) أبو الحسن محمد بن ابي أحمد الطاهر " ذي المنقبتين " الحسين بن موسى الابرش بن محمد الاعرج بن موسى " المعروف بأبي سبحة " بن ابراهيم (الاصغر) بن الامام موسى بن جعفر عليهم السلام. وأمه فاطمة بنت أبي محمد الحسين الناصر الصغير بن أبي الحسين أحمد (2) ابن محمد الناصر الكبير الاطروش (3) بن علي بن الحسن بن علي الاصغر ابن عمر الاشرف بن الامام زين العابدين عليهم السلام. كانت أسرة الشريف من طرف الابوين بهاليل مساعير، فيهم من دوخ الملوك، ونابغ في العلم والادب، وشاعر مجيد، ولابيه الطاهر ذي المنقبتين احمد المقام الرفيع في الدولة مع اباء وشهامة (4) وقد قلد النقابة خمس مرات (5)، و


1 - هذه الترجمة كانت بقلم المرحوم السيد عبد الرزاق المقرم.. وقد اجريت عليها زيادات هامة. 2 - سماه ابن الاثير ج 8 ص 26 حوادث سنة 301 الحسن. 3 - عند ابن الاثير السبب في صممه ضربة بالسيف على رأسه في حرب محمد بن زيد. 4 - يشهد لذلك ما في معجم الادباء ج 2 ص 110 ط 2 ان أحمد بن ابراهيم الضبي الوزير توفى سنة 399 في بروجرد وأوصى ان يدفن بمشهد الحسين عليه السلام، وكتب إبنه إلى أبي بكر الخوارزمي شيخ الحنفية في بغداد ان يبتاع له تربة في المشهد الحسيني فذكر أبو بكر للشريف الطاهر أبي أحمد (والد الرضي والمرتضى) فقال: هذا رجل قد التجأ إلى جوار جدي ولا اخذ على تربته ثمنا، ثم اخرج تابوته الى (براثا) وخرج معه الشريف أبو أحمد والاشراف والفقهاء، وصلى عليه الشريف أبو أحمد، واصحب معه خمسين رجلا من خاصته حتى أوصلوه الى كربلاء ودفن هناك. 5 - شرح النهج الحديدي ج 1 ص 10. (*)

[ 21 ]

تولى النظر في المظالم، والحج بالناس مرارا (1)، وان جلالة قدره أهلته للسفارة بين معز الدولة، والاتراك، وبين بهاء الدولة، وصمصام الدولة، كما توسط للصلح بين بهاء الدولة، ومهذب الدولة (2). وكان رسولا من معز الدولة إلى عضد الدولة في رد غلام أسره عنده (3) ووسيطا في الصلح بين معز الدولة، وبين أبي تغلب بن حمدان (4) إلى أمثال هذه القضايا التي لم يعهد بها إلا لذي كرامة سامية بين الجماهير، واحترام ذاتي غير مستعار. وأما عم الشريف الرضي، وهو أبو عبد الله أحمد بن موسى الابرش، فلم يكن خامل الذكر وضيع الشأن، يعرفنا خروجه إلى واسط لاستقبال بهاء الدولة، وكان من الطالبيين الذين أسهموا بالفخار والكرامة، فإنه لا يستقبل الملوك إلا من يعرفه الملوك، ويقدرون موقفه ومنزلته. ومن أسرة والدته: أبو علي الشاعر المجيد الذي أشخصه الرشيد من الحجاز، وحبسه في بغداد وافلت من حبسه واختفى فيها (5). ومحمد بن القاسم الصوفي الزاهد الفقيه الذي ظهر ايام المعتصم في (الطالقان) وقبض عليه ابن طاهر وانفذه الى بغداد فسجن ثم فر فاخذ وقتل صبرا (6). والناصر الاطروش صاحب الديلم (7). والناصر الصغير الحسن بن أحمد بن


1 - وفيات الاعيان ج 2 ص 107 ط ايران. 2 - ذيل تجارب الامم ص 268 حوادث سنة 835. 3 - المنتظم لابن الجوزي ج 7 ص 83 حوادث سنة 366. 4 - ابن الاثير ج 8 ص 208. 5 - شاعر مغمور لم اجد له ترجمة في المعاجم. 6 - أبو جعفر محمد بن علي بن عمر الحسيني العلوي الطالبي المقتول بعد 219 وكان يلقب بالصوفي لادمانه لبس ثياب من الصوف الابيض، وهو فقيه عالم زاهد قال المسعودي: وقد انقاد الى امامته خلق كثير. مقاتل الطالبيين / 577. البداية والنهاية 10 / 282. الاعلام 7 / 225. 7 - الحسن بن علي بن الحسن بن علي العلوي الاطروش.. اعيان الشيعة 21 / 170. تاريخ الطبري 10 / 149. (*)

[ 22 ]

الناصر الكبير أبي محمد الحسن بن علي الحسيني المقتول بآمل سنة 304 والنقيب ببغداد صاحب الناصريات في الفقه المطبوع مع عدة كتب في مجموع عرف (بجامع الفقه) (1). وكانت والدة الشريف الرضي فاطمة من النساء البرزة الرزان، أرضعته مع درها اماني النقابة والخلافة، وقصت عليه مآثر ابائها المصاليت البهاليل، وانفحته بالمال الذي احتوت عليه من آبائها، وفي رثائها يقول الشريف ولدها: آباؤك الغر الذين تفجرت * بهم ينابيع من النعماء من ناصر للحق أو داع إلى * سبل الهدى أو كاشف الظلماء نزلوا بعرعرة السنام من العلى * وعلوا على الاثباج والامطاء (2) كانت فاطمة والدة الشريف الرضي، ابنة أخت زوجة معز الدولة أميرة البلاط، وابنة خالة بختيار بن عز الدولة، وهذه المصاهرة عقدت على حساب وتدبير، ومن أسبابها تجليل مقام الناصر الكبير الاطروش الجد الاعلى لوالدة الشريف الرضي، وربما كان أبو أحمد والد الشريف زوجها يعمل السعاة الذين يسرون بانباء العاصمة الى والي الاهواز معز الدولة ويعرفونه ضعف الخلافة، ويستثيرون همته لامتلاكها ولجلالة والدة سيدنا الشريف وكبر شأنها الف شيخنا المفيد (3) كتاب احكام النساء (4) لها فانه قال في أوله: فاني عرفت من آثار السيدة الجليلة الفاضلة ادام الله عزها جميع الاحكام التي تعم المكلفين من النساء، وتخص النساء منهن على التمييز لهن، ليكون ملخصا في كتاب يعتمد


1 - الذريعة 20 / 370. 2 - ديوان الشريف الرضي 1 / 20. 3 - الشيخ الاكبر أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن نعمان البغدادي المتوفى 413 ه‍. 4 - الكتاب مرتب على ابواب أوله: الحمد لله الذي هدى العباد الى معرفته ويسر لهم سبيل.. كانت منه نسخة عتيقة في مكتبة المرحوم الشيخ عبد الحسين بن القاسم بن صالح بن القاسم الحلى المتوفى 1377. وكان من شيوخ الادب ومشاهير الفقهاء وله تأليف. الذريعة 1 / 302. معجم رجال الفكر والادب / 137. (*)

[ 23 ]

للدين، ويرجع إليه فيما يثمر به العلم واليقين، واخبرتني برغبتها ادام الله توفيقها في ذلك الخ (1). وعلى كل فالشريف الرضي كان بحاشيتي نسبه قابضا على عضادتي الامامة فهو ابن الامامين زين العابدين علي بن الحسين، وابي ابراهيم موسى بن جعفر الكاظم عليهم السلام، ومن ناحية الاعمام ولاخوال يكرع بكؤوس الفخار ويتزمل مطارف العلا وقد أثر هذا النسب الوضاح في شعره وتمشى في أدبه فيقول: ما عذر من ضربت به أعراقه * حتى بلغن إلى النبي محمد أن لا يمد إلى المكارم باعه * وينال منقطع العلا والسؤدد (2) ومن يقرأ شعر الشريف الرضي بتأمل يعرف نفسيته وطموحه الى الخلافة واولويته بها وتباهيهه بخيمه، وتمجده بآبائه الاكارم، وشعره ميادين حروب، وغمرات اجال، وشعور ملتهب، ونفس جائشة تتلمض للوثبة والانطلاق والتحرر كل ذلك للاغلال التى ارهق بها رهطه الانجاد والسجون التي اوصدت عليهم، والدماء السواجم التي اراقتها سيوف الظلم والعدوان والتمادي وهذا هو الذي أودع فيه روحا متحمسة وثابة ماثلة بين عيني المتصفح لديوانه. ولا غرابة في ذلك بعد ان انحدر السيد الشريف من أصلاب الشرف العلوي، ودرت عليه اخلاف المجد الهاشمي، وبزغ في ظلال اسرة الزعامة والعظمة، ودرج في احضان الامامة فكان لهذا أثر بليغ في ترفعه وشممه ومحاولاته وعواطفه وميوله، حتى اوجب لنفسه الكفاية في تسنم اريكة الخلافة، فيقول مخاطبا الخليفة العباسي القادر بالله: عطفا أمير المؤمنين فإننا * عن دوحة العلياء لا نتفرق ما بيننا يوم الفخار تفاوت * أبدا كلانا في المعالي معرق


1 - مستدرك الوسائل 3 / 516. 2 - ديوان الشريف الرضي 1 / 273. (*)

[ 24 ]

إلا الخلافة ميزتك فانني * انا عاطل منها وانت مطوق (1) فلم ينكر عليه الخليفة ولا استظهر بطيب مغرسه، نعم رد عليه بقوله: (على الرغم أنف الشريف) (2) ان نفس الشريف أبية صعبة المراس ذات اتجهات واسعة في السياسة، وكان الامراء ورجال الدولة يقدمونه على اخيه " علم الهدى " لما يجدون فيه من الاباء والعزة والترفع، وعدم قبول الصلات. ولكنه بالرغم من ذلك كان خاضعا لحكم عضد الدولة الشائن مع عمه وأبيه المعتقل لهما في القلعة من فارس (3). وكان اعتقاله حين دخول عضد الدولة إلى بغداد سنة 367 فبقي معتقلا فيها إلى سنة 376 أي بعد وفاة عضد الدولة بأربع سنين فانه توفى سنة 372 عندما دخلها شرف الدولة، وللشريف الرضي المولود سنة 359 يوم اعتقال أبيه ثمان سنين، واطلق سراحه وهو ابن ست عشرة سنة (4). ولما دخل شرف الدولة بغداد فاتحا سنة 375، انعقدت صلاته مع الطاهر ابي أحمد، والد الشريف الرضي وأقره على النقابة وادنا قربه، وهنا نرى الشريف الرضي في هذا الدور قلق الفكر لعدم توثق صلاته بالقادر بالله العباسي ولم يحصل على محاولاته وربما عضته نكبة في حياته السياسية، فيثور ملتهبا وينبه اولياء الامور باهتضامه ويتوعدهم بالالتجاء إلى من يرعى حقه ويحفظ حرمته فيقول من مقطوعة له: ألبس الذل في ديار الاعادي * وبمصر الخليفة العلوي وعليها استشاط القادر، وصرفه عن النقابة.


1 - ديوان الشريف الرضي 2 / 544. 2 - شرح النهج لابن ابي الحديد 1 / 11. 3 - تجارب الامم 2 / 399 حوادث سنة 369 هج‍. 4 - الشريف الرضي / 156 و 157. (*)

[ 25 ]

وظائفه في الدولة في سنة 388 قلده بهاء الدولة خلافته في بغداد وخلع عليه خلعا فاخرة، وفيها ولاه نقابة العلويين، واما ولاية المظالم فكانت وظيفة تخص الملوك والخلفاء فانهم يجلسون يوما خاصا في السنة، يؤذن فيه لارباب المظالم برفع ظلاماتهم مباشرة سواء نظر فيها القضاة أم لا، وقد يقوم مقامهم نائب خاص ينظر في المظالم ويشترط فيه كونه من بيت شرف ومنعة وطهارة وعفاف وفقه واسع بجميع الاحكام الشرعية، ففي سنة 388 قام الشريف الرضي بهذه الوظيفة بالنيابة عن بهاء الدولة. وفي سنة 397 بعث بهاء الملك من البصرة إلى بغداد مرسوما، بتولية الشريف امارة الحج، وكان الشريف ممارسا لها منذ صباه تولاها في أغلب أعوام عمره نائبا عن أبيه ومستقلا (1). القابه ان من العادات القديمة المنتشرة بين جميع الامم والشعوب أيا كان شكل حكومتها منح الالقاب لزعماء الدولة، وظالما تزلف بها رجال الحكم لرعاياهم ليصطنعوهم بها، وقد استكان ذووا الالقاب لاولئك الذين منحوهم بها ما يخول لهم حق الرفعة على من كان عاطلا منها. وعلى هذا جرت الحكومات الاسلامية في تقدير عظمائها باسداء ألقاب إليهم، وكان الشريف الرضي ممن يحمل أسمى الالقاب التي يرمز بها إلى مقامه الفخم، فقد لقبه بهاء الدولة في سنة 388 (بالشريف الجليل) في واسط، وسيره إلى بغداد في موكب ملوكي وفي سنة 498 صدر مرسوم من واسط بتلقيبه (بذي المنقبتين) وفيها لقبه بهاء الدولة (بالرضي ذي الحسبين) وفي سنة 401 أمر الملك قوام الدين ان تكون المكاتبة مع الشريف بعنوان (الشريف


1 - الغدير 4 / 204. البداية والنهاية 11 / 335. (*)

[ 26 ]

الاجل) مضافا إلى مخاطبته بالكنية (1). علمه لقد كان الشريف مجيدا في العلم إلى الغاية كاجادته في الشعر غير انه لم يكثر منه كاكثاره في الشعر، فلذلك لم يشتهر به، وإن كتابه " حقايق التأويل " اكبر آية على اتقانه للفنون العلمية الدينية ومبادئها ووقوفه على اسرارها، ولعل السبب الوحيد في قلة تأليف الشريف اشتغاله بشطر كبير من عمره بامارة الحج، والنظر في المظالم، ومقتضيات النقابة، وهذه الاحوال لا تتفق مع التأليف والبحث، اضف إلى ذلك شغل الوقت بالنظم في الاعياد والمواسم السنوية وما يتفق في العام الواحد من مراث وتهان ومعاتبات. ومع هذا فانا نعرف من شهادة ابن جني، والسيرافي، بأنه متوقد الذكاء جيد الحفظ سريع الانتقال ولما تتم له العشرون سنة حضر عند ابن السيرافي النحوي، وله دون العشرة فقال له يوما: إذا قلنا رأيت عمر فما علامة النصب في عمر ؟ فقال الشريف على البديهة: علامة النصب بغض علي، فتعجب ابن السيرافي ومن حضر من سرعة انتقاله وهو بهذا السن (2). ومحاوراته مع أخيه المرتضى تشهد بفقاهة الشريف ومعرفته بطرق الاستدلال والاجتهاد، قال الشهيد الاول (3) في " الذكرى " (4)، والشهيد الثاني (5) في


1 - الغدير 4 / 204. 2 - وفيات الاعيان 1 / 107 ط حجر ايران. 3 - شمس الملة والدين الامام الشيخ محمد بن جمال الدين مكي بن محمد بن حامد بن أحمد العاملي النبطي الجزيني المستشهد سنة 786 وهو اول من اشتهر بهذا اللقب. شهداء الفضيلة / 97 - 80. 4 - ذكرى الشيعة في احكام الشريعة. في الفقه خرج منه كتاب الطهارة والصلاة بعد مقدمة فيها سبع اشارات في المباحث الاصولية. وللفقهاء عليه حواش وشروح وقد طبع الكتاب في ايران عام 1271 حجر. الذريعة 6 / 86 و 10 / 40 5 - الشيخ الامام شرف الاسلام زين الدين بن الامام نور الدين علي بن احمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن صالح الجبعي العاملي المستشهد 965 والمعروف لدى فقهاء الامامية (*)

[ 27 ]

(روض الجنان) (1) سأل الرضي، أخاه المرتضى، فقال: ان الاجماع واقع على ان من صلى صلاة لا يعلم احكامها فهي غير مجزية فأجاب المرتضى: بجواز تغيير الحكم الشرعي بسبب الجهل. فهذه المناظرة تدل بأن له قوة في الاستدلال وملكة راسخة في الاستنتاج. دار العلم اتخذ الشريف الرضي لتلامذته مدرسة سماها " دار العلم " وارصد لها مخزنا فيه ما يحتاجه الطلاب، وذكر شاهدا له ان الوزير المهلبي لما بلغه ولادة ولد للشريف ارسل إليه الف دينار فردها، فبعث إليه الوزير ان هذا للقابلة فارجعها ثانيا يعلمه: أنا أهل بيت لم تكن قوابلنا غريبة، وانما هي من عجائزنا ولا يأخذن اجرة ولا يقبلن صلة، فاعلمه الوزير برغبته في تفريقه على ملازميه من طلاب العلم، فقال الشريف: لمن رجع المال انهم حضور يسمعون كلامك، فقام أحدهم وأخذ دينارا وقطع منه قطعة ورد الباقي، وأخبر الشريف بانه احتاج ليلة إلى دهن السراج ولم يكن الخازن حاضرا وقد اقترض هذا المقدار فأمر السيد أعلى الله مقامه، أن يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد التلاميذ ولا ينتظر الخازن (2). وفي هذه الدار كان الشريف يلقي على التلاميذ افاداته ودروسه يوميا متتابعة لا يشغله عن ذلك وظائف الدولة من النقابة وغيرها، ولم يتعلل بزيارة زائر أو مدح خليفة أو قصيدة في حميم فان هذا كله نقض لهمم الطلاب وفت في عزيمتهم.


بالشهيد الثاني. له تصانيف كثيرة وديوان شعر. شهداء الفضيلة / 132 - 164. 1 - روض الجنان في شرح ارشاد الاذهان.. كتاب في الفقه خرج منه موضوع الطهارة والصلاة اوله: الحمد لله المتفضل بشرح معالم شريعته لارشاد الانام المتطول بارسال الرسل.. طبع في ايران سنة 1307. الذريعة 11 / 275. 2 - روضات الجنات 6 / 194. عمدة الطالب / 199. (*)

[ 28 ]

على ان دار العلم لم تكن مدرسة فقط بل هي مكتبة ايضا فيها من امهات الكتب ما يحتاج إليه القاطن في المدرسة وغيره، فهي كبيت الحكمة المؤسس للرشيد، والمكتبة الحديثة التي انشأها وزير شرف الدولة البويهي ابو نصر سابور بن ازدشير سنة 381 وكان أبو أحمد عبد السلام بن الحسين البصري خازن (دار العلم) ولعبد السلام هذا مجمع علمي خاص ببغداد ينعقد يوم الجمعة من كل اسبوع. اساتذته قرأ الشريف على جماعة كثيرة منهم: 1 - أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي قرأ عليه " مختصر الطحاوي " في الفقه (1). 2 - أبو الحسن علي بن عيسى الربعي البغدادي النحوي المتوفى 420 قرأ عليه النحو (2). 3 - أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي مات 392 قرأ عليه " مختصر الجرمي "، وقطعة من " ايضاح " ابي علي الفارسي، و " العروض " لابي اسحاق الزجاج، و " القوافي " للاخفش (3). 4 - ابن السيرافي النحوي ابو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى 368 قرأ عليه النحو قبل ان تتم له العشرة (4). 5 - ابن نباتة ابو يحيى عبد الرحيم بن محمد المتوفى 394 صاحب " الخطب " (5).


1 - المجازات النبوية / 92. فصلنا القول عن شيوخه في كتابنا (الشريف الرضي). 2 - المجازات النبوية / 250. 3 - حقائق التأويل / 85 و 86. الغدير 4 / 184. 4 - الغدير 4 / 183. 5 - المجازات النبوية / 233. (*)

[ 29 ]

6 - قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الشافعي المعتزلي، قرأ عليه كتابه " شرح الاصول الخمس "، وكتابه " العمدة " في اصول الفقه (1). 7 - أبو حفص عمر بن ابراهيم الكناني، صاحب ابن مجاهد قرأ عليه " القراءات " بروايات كثيرة (2). 8 - أبو إسحاق ابراهيم بن احمد بن محمد الطبري الفقيه المالكي قرأ عليه " القرآن المجيد " وهو شاب (3). 9 - شيخ الامة وفقيه الطائفة ومتكلمهم الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي المتوفى 413. وكان السبب في ملازمته مع أخيه علم الهدى له ما يحدث عنه المؤرخون وهو: عن فخار بن معد الموسوي، قال: رأى الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الفقيه الامامي في منامه كأن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين عليهما السلام صغيرين، وقالت له: علمهما الفقه فانتبه متعجبا من ذلك، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا، دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر وحولها جواريها، وبين يديها ابناها محمد الرضي، وعلي المرتضى صغيرين فقام إليها وسلم عليها، فقالت: أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما اليك لتعلمهما الفقه، فبكى أبو عبد الله وقص عليها المنام وتولى تعليمهما، وأنعم الله عليهما، وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا، وهو باق ما بقي الدهر (4). ولا غرابة في ذلك بعد ان كانت والدتهما من أشراف النساء، وسليلة آبائها


1 - الغدير 4 / 184. المجازات النبوية / 233. 2 - المجازات النبوية / 155. الغدير 4 / 185. 3 - الغدير 4 / 185. المنتظم 7 / 223. 4 - الدرجات الرفيعة / 466. شرح ابن ابي الحديد 1 / 13. الغدير 4 / 184. دار السلام 1 / 417. (*)

[ 30 ]

علماء ادباء وملوك، ولاجلها صنف الشيخ المفيد رسالة في احكام النساء، وكان مجيؤها إلى المفيد بولديها أيام اعتقال أبيهما، وعمهما بالقلعة من فارس، وهما صغيران حينئذ، وللرضي ثمان سنين. 10 - وكان ممن يروي عنهم أبو محمد هاون بن موسى التلعكبري المتوفى 385 وذكر في (خصائص أمير المؤمنين عليه السلام) عنه حديث امير المؤمنين مع كميل بن زياد وهو طويل (1). ولسنا في حاجة إلى تعداد تلاميذه بعد أن عرفنا مدرسته (دار العلم) تحتوي على عدد كثير ممن يقطن هذه الدار للافادة منه والاستضاءة بانوار علومه و تحقيقاته. نعم: هنا شئ لابد من التنبيه عليه، وهو ان صاحب " روضات الجنات (2) " ذكر رواية الشيخ الطوسي عن الشريف الرضي، وقد عرفنا الميرزا النوري ان السيد الرضي توفى سنة 406 وقدوم الشيخ الطوسي إلى العراق سنة 408 فيكون ورود الشيخ الطوسي إلى العراق بعد وفاة السيد الرضي بأربع سنين فلم يدركه حتى يروي عنه، واحتمال مسافرة الشريف إلى طوس واجتماعه بالشيخ الطوسي هنا بعيد، اذلم يذكره أحد من أرباب التراجم ولا نبه عليه المؤرخون مع ان الشريف في اكثر ايام سنيه كان مشغولا بامر النقابة وولاية المظالم وامارة الحج (3).


1 - وذكر شيخنا الحجة العلامة الاميني كرم الله وجهه شيوخا آخرين للسيد الرضي غير من ذكرناهم وهم: ابو علي الحسن بن احمد الفارسي النحوي المتوفى 377 وله منه اجازة يروي عنه في كتابه المجازات النبوية. أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني الخراساني المتوفى 384 / 378. ابو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن داود بن الجراح... شيخه في الحديث كما في المجازات النبوية / 153. ابو محمد عبد الله بن محمد الاسدي الاكفاني. 2 - روضات الجنات 6 / 190. 3 - مستدرك الوسائل 3 / 510. (*)

[ 31 ]

آثاره للشريف الرضي مؤلفات كثيرة مفعمة بالتحقيق والبحث مع قصر المدة التي تمكن فيها من ذلك الانتاج، فان عمره كله 47 سنة قضى اكثره في مزاولة وظائف الدولة والقاء دروسه ومحاضراته في مدرسته (دار العلم) وقرضه الشعر، ومحاولاته السياسية ومجاملاته مع الخلفاء والملوك، فما بقى إلا النزر من ايامه خصوصا بعد اخراج سني الطفولة من تلك القائمة فهاهنا تعرف ان انتاج الشريف لتلك المؤلفات القيمة اعجاز، وهذا ما وصل الينا من مؤلفاته: 1 - " نهج البلاغة " جمع فيه ما اختاره من خطب أمير المؤمنين (ع)، وحكمه، ورسائله، وأشار إليه في المجازات النبوية ص 40 طبعة مصر (1). 2 - " تلخيص البيان عن مجاز القرآن " قال ابن خلكان فيه: انه نادر في بابه، وأشار إليه الشريف في المجازات النبوية ص 20 ط مصر وطبع في بغداد سنة 1328. 3 - " المجازات النبوية " من انفس المؤلفات في هذا الشأن طبع أولا سنة 1428 ببغداد وثانيا سنة 1356 في مصر. 4 - " حقائق التأويل في متشابه التنزيل ": وهو تفسيره ذكره في كتابه - المجازات النبوية - وعبر عنه تارة بحقائق التأويل، واخرى بالكتاب الكبير في متشابه القرآن. وعبر عنه النجاشي بحقائق التنزيل، وصاحب عمدة الطالب بكتاب المتشابه في القرآن. 5 - " الزيادات في شعر ابي تمام ". 6 - " اخبار قضاة بغداد ". 7 - " تعليق خلاف الفقهاء ". 8 - " تعليق على الايضاح " لابي علي الفارسي.


1 - لقد توالت عليه الشروح منذ عهد قريب من عصر المترجم له بما يربو على السبعين شرحا تجده في الغدير 4 / 186 - 193. (*)

[ 32 ]

9 - ما دار بينه وبين الصابي من الرسائل والشعر. 10 - " المختار من شعر أبي إسحاق الصابي ". 11 - " المختار من شعر ابن الحجاج " سماه: " الحسن من شعر الحسين ". 12 - رسائله ثلاث مجلدات ذكر في (الدرجات الرفيعة) بعضها ونشرت مجلة العرفان بعضها. 13 - " سيرة والده الطاهر أبي احمد " ألفه سنة 379. 14 - " معاني القرآن ". وهو كتابه الثالث في القرآن. 15 - " الزيادات " في شعر ابن الحجاج المذكور. 16 - " انشراح الصدر " في مختارات من الشعر. 17 - " طيف الخيال ". 18 - ديوان شعر يقع في مجلدين طبع في مصر ولبنان. 19 " خصائص الائمة " - خصائص امير المؤمنين عليه السلام، وهو الكتاب الذي بين يديك. وقد ذكرت هذه الكتب في " رجال النجاشي " / 283 و " روضات الجنات " 6 / 194. و " الغدير " 4 / 198. و " كشف الظنون " 1 / 523 ومصادر ترجمة الشريف الرضي. وفاة الشريف توفي الشريف الرضي بكرة يوم الاحد سادس المحرم سنة 406 ببغداد، وعمره 47 سنة وولادته كانت سنة 359 ببغداد، ودفن في دار بالكرخ بخط مسجد الانباريين (1) وحضره الوزير فخر الملك أبو غالب، وجميع الاشراف والقضاة، والشهود، والاعيان، وصلى عليه الوزير فخر الملك في الدار مع جماعة أمهم أبو عبد الله بن المهلوس العلوي، ثم دخل الناس أفواجا فصلوا عليه،


1 - ينسب إليهم لكثرة من سكنه منهم. (*)

[ 33 ]

وركب فخر الملك في آخر النهار فعزى المرتضى والزمه إلى داره ففعل لانه من جزعه عليه لم يستطع النظر إلى تابوته ومضى إلى مشهد موسى بن جعفر عليه السلام (1). واستغرب العلامة النوري عدم صلاة الشيخ المفيد عليه، وهو شيخ الطائفة وعلم الامة، قال: إلا ان يكون ذاهبا إلى زيارة الحسين (ع) لانها أيام عاشوراء، ثم نقل الشريف إلى كربلاء ودفن عند أبيه الطاهر ابي احمد، نص عليه السيد الداودي في " عمدة الطالب " ص 200، والسيد علي خان في الدرجات الرفيعة بترجمة الرضي، والشيخ الجليل الشيخ يوسف البحراني في " لؤلؤة البحرين ص 197، والسيد بحر العلوم في " رجاله " بترجمة السيد المرتضى قال: الظاهر أن قبر السيد علم الهدى، وقبر أبيه وأخيه في المحل المعروف بابراهيم المجاب الذي هو جد المرتضى، وابن الامام موسى بن جعفر عليه السلام، وذكر العلامة الحجة المتتبع السيد حسن الصدر الكاظمي في رسالته " نزهة أهل الحرمين " حاكيا عن مشجرة النسابة العبيد جمال الدين أحمد بن المهنا، أن قبر إبراهيم المجاب، خلف قبر الحسين عليه السلام بستة اذرع. ويظهر من التاريخ ان قبره كان في القرون الوسطى مشهورا معروفا في الحائر الحسيني المقدس وهذا قريب إلى الاعتبار لان بنى ابراهيم المجاب قطنوا كربلاء وجاوروا الامام السبط عليه السلام فاتخذ بنوه تربته مدفنا لهم وكان من قطن منهم بغداد والبصرة ونقلوا إلى كربلاء بعد موتهم، وكانت تولية تلك التربة المقدسة بيدهم وما كان يدفن فيها أي أحد إلا باجازة منهم (2)


1 - الغدير 4 / 210. المنتظم 7 / 283. 2 - مصادر ترجمة الشريف الرضي. (*)

[ 34 ]

أبو الرضا الراوندي ضياء الدين السيد فضل الله بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن محمد بن الحسن بن جعفر بن ابراهيم بن جعفر بن الحسن المثنى إبن الامام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. كان علامة زمانه، وعميد أقرانه جمع إلى علو النسب كمال الفضل والحسب، وكان استاذ أئمة عصره، ورئيس علماء دهره، وهو من أساتيذ ابن شهر اشوب، والشيخ محمد بن الحسن الطوسي والد الخواجه نصير الدين الطوسي، ومن تلاميذ الشيخ أبي علي ابن شيخ الطائفة الطوسي. روى عن الشيخ العلامة أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي. وأبي علي الحداد. والشيخ أبي جعفر النيسابوري. وأبي الفتح بن أبي الفضل الاخشيدي، وخلق آخرين من الشيعة والسنة كما روى عنه أكثر أهل عصره، وله تصانيف و وشروح في مختلف المواضيع والبحوث. قال أبو سعيد السمعاني الشافعي في كتابه (الانساب): اني لما وصلت إلى كاشان قصدت زيارة السيد أبي الرضا ضياء الدين فلما انتهيت إلى داره، وقفت على الباب هنيهة أنتظر خروجه فرأيت مكتوبا على طراز الباب هذه الآية المشعرة بطهارته وتقواه: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فلما إجتمعت به رأيت منه فوق ما كنت أسمعه عنه، وسمعت

[ 35 ]

منه جملة من الاحاديث، وكتبت عنه مقاطيع من شعره، ومن جملة أشعاره التي كتبها لي بخطه الشريف هذه الابيات: هل لك يا مغرور من زاجر * أو حاجز عن جهلك الغامر امس تقضى وغد لم يجئ * واليوم يمضي لمحة الباصر فذلك العمر كذا ينقضي * ما أشبه الماضي بالغابر ترجم له في: أعيان الشيعة 42 / 296. أمل الآمل 2 / 217. الانساب / ورقة 181. تنقيح المقال 2 / 13. الدرجات الرفيعة / 506. روضات الجنات 5 / 365. تأسيس الشيعة / 181. ريحانة الادب 4 / 9. فوائد الرضوية / 354. الكنى والالقاب 2 / 435. مجالس المؤمنين 1 / 526. مستدرك الوسائل 3 / 493. منتهى المقال / 242. هدية الاحباب / 190. جامع الرواة 2 / 9. راهنماي دانشوران 1 / 373 هدية العارفين 1 / 821. الغدير 4 / 186. الثقات العيون / 217. الذريعة 9 ق 2 / 352. رياض العلماء 4 / 364.

[ 36 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كنت - حفظ الله عليك دينك، وقوى في ولاء العترة الطاهرة يقينك - سألتني أن أصنف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الائمة " الاثنى عشر صلوات الله عليهم، وبركاته، وحنانه، وتحياته " على ترتيب ايامهم وتدريج طبقاتهم، ذاكرا أوقات مواليدهم، ومدد أعمارهم، وتواريخ وفاتهم، ومواضع قبورهم، وأسامي أمهاتهم، ومختصرا من فضل زياراتهم، ثم موردا طرفا من جوابات المسائل التي سئلوا عنها، واستخرجت أقاويلهم فيها، ولمعا من أسرار أحاديثهم، وظواهر وبواطن أعلامهم، ونبذا من الاحتجاج في النص عليهم، وحقيقة البرهان في الاشارة إليهم، موضحا من ذلك ما يزيد به الولي المخلص إخلاصا في موالاتهم، وصفاء عقد في محبتهم، ويصدع عن عين عدوهم العمى، ويكشف عن قلبه الغمى، حتى يستشف أنوارهم فيسعوا إليها، ويستوضح أعلامهم فيتتبعها، ويقتفيها سالكا في جميع ذلك طريق الاختصار، ومائلا عن جانب الاكثار، لان مناقب موالينا الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، لا تحصى بالعدد، ولا تقف عند حد، ولا يجري بها إلى أمد، فإني أعتقد أن جميع أعداد هؤلاء الغرر الذين هم قواعد الاسلام، ومصابيح الظلام، والذين خفض الله الخلق عن منازلهم، وقصر الالسن والايدي عن تناولهم، وميز بين العالم وبينهم، وأماط (1) العيب والعار عنهم، بين مغموس القلب في الجهالة،


1 - أماط: أذهب، أزال. (*)

[ 37 ]

ومطروف العين بالضلالة، لا يفيق من سكرة الهوى، فيتبين الطريقة المثلى، وبين عالم بفضلهم، خابر بطيب فرعهم، وأصلهم، يكتم معرفته معاندة، ويغالط نفسه مكايدة، ترجيبا (1) لغرس قد غرسه، وتوطيدا لبناء قد أسسه، وتنفيقا قد قامت له، وائتجارا (2) لجماعة قد إلتفت عليه. وكل ذلك طلبا لحطام هذه الدنيا، الوبيل مرتعها، الممر مشربها، المنغص نعيمها، وسرورها، المظلم ضياؤها ونورها، الصائرة بأهلها إلى أخشن المصارع، بعد ألين المضاجع، والناقلة لهم إلى أفزع المنازل، بعد أمن المعاقل، على قرب من المعاد، وعدم من الزاد، ثم تتقلب بهم إلى حيث " تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا " (3). فعاقنى عن إجابتك - إلى ملتمسك - مالا يزال يعوق من نوائب الزمان، ومعارضات الايام إلى ان أنهضني إلى ذلك اتفا اتفق لي فاستثار حميتي، وقوى نيتي، واستخرج نشاطي وقدح زنادي، وذلك أن بعض الرؤساء - ممن غرضه القدح في صفاتي، والغمز لقناتي، والتغطية على مناقبي، والدلالة على مثلبة - إن كانت لي - لقيني، وأنا متوجه عشية عرفة من سنة ثلاث وثمانين هجرية، إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر، وأبي جعفر محمد بن علي بن موسى عليهما السلام، للتعريف هناك، فسألني عن متوجهي فذكرت له إلى أين مقصدي، فقال لي: متى كان ذلك ؟ يعني ان جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف، والبرائة ممن قال بالقطع، وهو عارف بان الامامة مذهبي، وعليها عقدي ومعتقدي، وإنما أراد التنكيت لي، والطعن على ديني، فأجبته في الحال بما إقتضاه كلامه، واستدعاه خطابه، وعدت وقد قوى عزمي، على عمل هذا الكتاب إعلانا


1 - الترجيب: يدل على دعم شئ بشئ وتقويته. المقاييس 2 / 495. 2 - في الاصل: اتجرارا. وفي المطبوعة: استجرارا. والصواب ما اثبتناه. 3 - سورة آل عمران / 30. (*)

[ 38 ]

لمذهبي، وكشفا عن مغيبي، وردا على العدو الذي يتطلب عيبي، ويروم ذمي وقصبي، وأنا بعون الله مبتدئ بما ذكرته على الترتيب الذي شرطته، والله المنقذ من الضلال، والهادي إلى سبيل الرشاد. وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.

[ 39 ]

خصائص مولانا أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، بعد عام الفيل بثلاثين سنة، وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهو اول هاشمي في الاسلام، ولده هاشمي مرتين ولا نعلم مولود ولد في الكعبة غيره (1). وقبض عليه السلام قتيلا بالكوفة، ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان، سنة أربعين من الهجرة، وله يومئذ ثلاث وستون سنة على الرواية الصحيحة، وكان بقاؤه مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثا وثلاثين سنة، وكونه بعده حجة الله في أرضه ثلاثين سنة، ونقش خاتمه - وهو عقيق أحمر - الله الملك وعلي عبده، ويقال: الملك لله (2). واختلف الناس في موضع قبره، فقال قوم في رحبة القضاء، وقال قوم: في دار الامارة، وقال قوم: حمل إلى المدينة، والصحيح الذي لا شك فيه، ولا لبس عليه انه عليه السلام بالغري (3) من نجف الكوفة، ومما يدل على ذلك أن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، زاره في هذا الموضع لما أشخصه المنصور إليه.


1 - الغدير 6 / 22 - ولادة علي عليه السلام في الكعبة -. 2 - مناقب ابن شهر اشوب 3 / 301. 3 - أعلام الورى / 202. الارشاد / 19. فرحة الغري في تعيين قبر امير المؤمنين عليه السلام في النجف. (*)

[ 40 ]

فضل زيارته عليه السلام روي عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال: من زار عليا بعد وفاته فله الجنة (1). وقال الصادق عليه السلام: إن أبواب السماء لتفتح عند دعاء الزائر لامير المؤمنين عليه السلام. وقال عليه السلام: من ترك زيارة امير المؤمنين عليه السلام لم ينظر الله تعالى إليه، ألا تزورون من تزوره الملائكة والنبيون عليهم السلام، إن امير المؤمنين عليه السلام أفضل من كل الائمة، وله مثل ثواب أعمالهم، وعلى قدر أعمالهم فضلوا (2).


1 - كامل الزيارات / 38. 2 - المصدر السابق بسنده عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى العطار، عن حمدان بن سليمان النيشابوري، عن عبد الله بن محمد اليماني، عن منيع بن الحجاج، عن يونس عن أبي وهب البصري عن أبي عبد الله الصادق. (*)

[ 41 ]

طرف من الاحتجاج للنص عليه، عليه السلام مما يدل على ذلك أن الشيعة جماعة كثيرة لا يحصرهم العدد، ولا يشتمل عليهم بلد، وقد طبقوا البلدان، وملؤا الاقطار، وساروا شرقا وغربا وانتشروا برا وبحرا، على اختلاف أوطانهم، وتباعد ديارهم، وتفاوت هممهم، وأهوائهم، وتباين أقاويلهم وآرائهم، وانتفاء الاسباب الموجبة للشك، والوقوف في خبرهم، وفيهم مع ذلك عدد كثير، وجم غفير، من أهل بيت النبي عليه السلام، وذريه وأصحابه ومواليه، ينقلون نقلا متصلا متواترا ان النبي صلى الله عليه وآله، قد إستخلف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، على امته بعد وفاته، ونص عليه، وفرض طاعته في أمر الدين كله، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعل ذلك ظاهرا مكشوفا، فوجب قبول هذا الخبر علما ويقينا. فإن قال قائل: إنهم إنما كثروا الآن، وان اولهم كان قليلا، وسلفهم كان يسيرا مغمورا، قيل له: ما الفضل بينك وبين من احتج عليك بمثله من الملحدين، وسائر المخالفين ؟ فقال: إن آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا تصح لان عدد المسلمين الناقلين لها كان قليلا في الاول، وإنما كثر الآن فلا تجد بينهما فصلا.

[ 42 ]

فصل فيما روي من الاشعار في نص النبي على أمير المؤمنين عليهما السلام والصلاة في يوم الغدير فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار أن حسان بن ثابت الانصاري (1) إستأذن النبي عليه السلام، يوم الغدير بعد فراغه من المقام أن يقول شعرا في ذلك، فأذن له فأنشأ يقول: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا فقال: فمن مولاكم ووليكم * فقالوا: ولم يبدوا هناك التعاديا - آلهك مولانا، وانت ولينا * ولم تر منا في المقالة عاصيا فقال له: قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك (2). واتفق حملة الاخبار على نقل شعر قيس بن عبادة (3) وهو ينشده بين يدي


1 - ابو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر المتوفى 54 / 55 عاش ستين سنة في الجاهلية وستين في الاسلام. 2 - الغدير 2 / 39 - 34. 3 - سيد الخزرج قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الانصاري مات في آخر خلافة معاوية وقيل سنة 59 / 60. (*)

[ 43 ]

أمير المؤمنين عليه السلام، بعد رجوعه من البصرة في قصيدته التي أولها: قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح * البصرة بالامس والحديث طويل إلى أن بلغ فيها إلى قوله: وعلي إماما وإمام * لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبي من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جليل إنما قاله النبي على الامة * حتم ما فيه قال وقيل (1) وهذان الشاعران (2) صحابيان شهدا بالامامة لامير المؤمنين عليه السلام شهادة من حضر هذا المشهد، وعرف المصدر والمورد. ثم هذا الكميت بن زيد الاسدي (3) وهو غير مشكوك في فصاحته، ومعرفته بالعربية يقول: ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو اطيعا ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطرا منيعا (4) وهذا السيد بن محمد بن الحميري (5) وليس بدون في الفصاحة، ولا بمتأخر في البلاغة يقول من قصيدة: قالوا له لو شئت أعلمتنا * إلى من الغاية والمفزع فقام في خم النبي الذي * كان بما قيل له يصدع فقال مأمورا وفي كفه * كفه علي لهم تلمع من كنت مولاه فهذا له * مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا


1 - الغدير 2 / 67. 2 - حسان بن ثابت، وقيس بن سعد بن عبادة. 3 - ابو المستهل الكميت بن زيد بن خنيس الاسدي المقتول 126 من كبار شعراء العربية، 4 - ديوان الهاشميات / 18. 5 - ابو هاشم اسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري الملقب بالسيد والمتوفي 173. (*)

[ 44 ]

وعلى ذكر هذه الابيات فإني مورد حديثا طريفا سمعته في معناه وهو متعلق بها... حكى أن زيد (1) بن موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام، رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام كأنه جالس مع أمير المؤمنين عليه السلام، في موضع عال شبيه بالمسناة، وعليها مراق، فإذا منشد ينشد قصيدة السيد بن محمد الحميري هذه، واولها: لام عمرو باللوى مربع * طامسة أعلامه بلقع (2)


1 - هذه الحكاية عن زيد غير معروفة بين أهل الاثر، والمعروف ما ذكره المجلسي في البحار باب مدائح الصادق عليه السلام المجلد 47 / 328 بما لفظه: وجدت في تأليفات بعض أصحابنا أنه روي بإسناده عن سهل بن ذبيان قال: دخلت على الامام علي بن موسى الرضا عليهم السلام في بعض الايام قبل أن يدخل أحد من الناس فقال لي: مرحبا بك يا ابن ذبيان، الساعة أراد رسولنا أن يأتيك لتحضر عندنا. فقلت: لماذا يا ابن رسول الله ؟ فقال: لمنام رأيته البارحة وقد أزعجني وأقلقني، فقلت: خيرا يكون إن شاء الله تعالى، فقال يا ابن ذبيان: رأيت كأني نصب لي سلم فيه مائة مرقاة، فصعدت إلى أعلاه: فقلت يا مولاي: اهنيك بطول العمر، وربما تعيش مائة سنة لكل مرقاة سنة، فقال عليه السلام: ما شاء الله كان. ثم قال: فلما صعدت رأيت كأني دخلت في قبة خضراء، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، ورأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا فيها، وإلى يمينه وشماله غلامان حسنان، يشرق النور من وجههما، ورأيت إمراة بهية الخلقة، وبين يديه شخصا بهي الخلقة جالسا عنده، ورأيت رجلا واقفا وهو يقرأ: لام عمرو باللوى مربع.. فلما رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: مرحبا بك يا ولدي يا علي بن موسى الرضا، سلم على أبيك وأمك فاطمة، وعلى أبويك الحسن، والحسين عليهم السلام، فسلمت، قال: وسلم على شاعرنا ومادحنا السيد إسماعيل الحميري، فسلمت وجلست، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عد إلى ما كنا فيه، فلما أنشده لام عمرو.. الخ بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولما قال: ووجهه كالشمس إذ تطلع... بكى النبي ومن معه، ولما بلغ إلى قوله: قالوا له لو شئت أعلمتنا.. قال: وأشار بيده إلى علي وقال: آلهي أنت الشاهد اني قد أعلمتهم أن الغاية والمفزع علي بن أبي طالب. ولما فرغ من القصيدة إلتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلي، وقال: يا علي بن موسى إحفظ هذه القصيدة، ومر شيعتنا بحفظها، واعلمهم أن من حفظها وأدمن قراءتها ضمنت له على الله الجنة، قال الرضا عليه السلام: ولم يزل يكررها حتى حفظتها منه، والقصيدة هذه ثم ذكرها برمتها. هذا المنام جاء بكامله في كتاب مجالس المؤمنين 2 / 502. منتهى المقال / 142. تنقيح المقال 1 / 142. أعيان الشيعة 13 / 170. الغدير 2 / 222. أخبار السيد الحميري / 35. 2 - الغدير 2 / 219. اخبار السيد الحميري / 31. الاغاني 7 / 240. وقد شرح هذه العينية جمع من اعلام الطائفة كما خمسها جمع من العلماء والادباء. (*)

[ 45 ]

حتى إنتهى إلى قوله: قالوا له لو شئت أعلمتنا * إلى من الغاية والمفزع قال: فنظر رسول الله إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وتبسم ثم قال: أولم أعلمهم ؟ أولم أعلمهم ؟ أولم أعلمهم ؟ ثلاثا، ثم قال لزيد: إنك تعيش بعدد كل مرقاة رقيتها سنة واحدة، قال: فعددت المراقي فكانت نيفا وتسعين مرقاة، فعاش زيد نيفا وتسعين سنة. وهو الملقب بزيد النار، وانما سمي بذلك لانه لما غلب على البصرة أحرق نفرا من أهلها، وأسواقا كثيرة منها (1). وما اشد إستحساني لجواب كان بعض المتقدمين من الشيعة يجيب به من سأله عن قعود أمير المؤمنين عليه السلام، وتركه طلب الامر، ودعاء الناس إلى نفسه، وهو أنه كان يقول: أمير المؤمنين عليه السلام كان في هذا الامر فريضة، من فرائض الله تعالى أداها نبي الله صلى الله عليه وآله إلى قومه، مثل الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وليس على الفرائض أن تدعوهم إلى أنفسها، وتحثهم على طلبها، وإنما عليهم أن يجيبوها، ويسارعوا إليها، وكان أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الامر أعذر من هارون لان موسى عليه السلام لما ذهب إلى الميقات، قال لهارون: " اخلفني في قومي واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين " (2). فجعله رقيبا عليهم وزعيما لهم، وأن نبي الله تعالى صلى الله عليه وآله نصب عليا عليه السلام لهذه الامة علما، ودعاهم إليه وحضهم عليه، فعلي عليه السلام في عذر من لزوم بيته، وإرخاء ستره، والناس في حرج حتى يخرجوه من مكمنه، ويستثيروه من مربضه، ويضعوه في الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله.


1 - تنقيح المقال 1 / 471. مقاتل الطالبيين / 534. جمهرة انساب العرب / 64. الاعلام 3 / 102. 2 - سورة الاعراف / 142. (*)

[ 46 ]

ومن أعلامه ودلائله عليه السلام على الاختصار منها، والاقتصار على بعضها، فلو أني نشرت ما طويت منها لرماني الناس بيد واحدة عن قوس واحدة، وكذلك أنا في أخبار سائر الائمة عليهم السلام. روي إن أمير المؤمنين عليا - عليه السلام - كان جالسا في المسجد إذ دخل عليه رجلان فاختصما إليه، وكان أحدهما من الخوارج، فتوجه الحكم إلى الخارجي فحكم عليه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له الخارجي: والله ما حكمت بالسوية ولا عدلت في القضية، وما قضيتك عند الله تعالى بمرضية، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام وأومأ إليه إخسأ عدو الله، فاستحال كلبا أسود، فقال من حضره: فوالله لقد رأينا ثيابه تطاير عنه في الهواء، وجعل يبصبص لامير المؤمنين عليه السلام، ودمعت عيناه في وجهه، ورأينا أمير المؤمنين عليه السلام وقد رق فلحظ السماء، وحرك شفتيه بكلام، لم نسمعه فوالله لقد رأيناه وقد عاد إلى حال الانسانية، وتراجعت ثيابه من الهواء، حتى سقطت على كتفيه، فرأيناه وقد خرج من المسجد، وان رجليه لتضطربان. فبهتنا ننظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال لنا: ما لكم تنظرون وتعجبون ؟ فقلنا يا أمير المؤمنين: كيف لا نتعجب وقد صنعت ما صنعت. فقال: أما تعلمون أن آصف بن برخيا، وصي سليمان بن داود عليهما السلام قد صنع ما هو قريب من هذا الامر فقص الله جل أسمه قصته حيث

[ 47 ]

يقول: (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي، أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا اتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) إلى آخر الآية (1). فايما أكرم على الله نبيكم أم سليمان عليهما السلام ؟ فقالوا: بل نبينا عليه السلام أكرم يا أمير المؤمنين قال: فوصي نبيكم أكرم من وصي سليمان وإنما كان عند وصي سليمان عليهما السلام من إسم الله الاعظم حرف واحد، فسأل الله جل إسمه فخسف له الارض ما بينه وبين سرير بلقيس فتناوله في أقل من طرف العين، وعندنا من إسم الله الاعظم إثنان وسبعون حرفا، وحرف عند الله تعالى إستأثر به دون خلقه. فقالوا له يا أمير المؤمنين: فإذا كان هذا عندك فما حاجتك إلى الانصار في قتال معاوية وغيره، واستنفارك الناس إلى حربه ثانية ؟ فقال: (بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) (2) إنما أدعو هؤلاء القوم إلى قتاله لثبوت الحجة، وكمال المحنة، ولو أذن لي في إهلاكه لما تأخر، لكن الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء، قالوا فنهضنا من حوله ونحن نعظم ما أتى به عليه السلام (3). الحميري عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد بن عبيد الله، عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام، قال مر أمير المؤمنين عليه السلام في ناس من أصحابه بكربلاء فلما مر بها إغرورقت عيناه بالبكاء، ثم قال: هذا مناخ ركابهم، وهذا ملقى رحالهم، وهاهنا تهراق دماؤهم، طوبى لك من تربة عليها تهراق دماء الاحبة (4).


1 - سورة النمل / 39. 2 - سورة الانبياء / 27. 3 - البحار 35 / 429 - 436. باب في أنه عليه السلام عنده علم الكتاب. سفينة البحار 1 / 23. تفسير الصافي 4 / 67. 4 - وقعة صفين / 142. (*)

[ 48 ]

وباسناد عن الاصبغ بن نباته، عن عبد الله بن عباس، قال: كان رجل على عهد عمر بن الخطاب وله فلاء (1) بناحية اذربيجان قد إستصعبت عليه فمنعت جانبها، فشكى إليه ما قدنا له وانه كان معاشه منها، فقال له: إذهب فاستغث بالله عزوجل، فقال الرجل: ما زال أدعوا وأبتهل إليه وكلما قربت منها حملت علي، قال: فكتب له رقعة فيها من عمر أمير المؤمنين إلى مردة الجن والشياطين أن يذللوا هذه المواشي له، قال: فأخذ الرجل الرقعة ومضى فاغتممت لذلك غما شديدا، فلقيت أمير المؤمنين عليا عليه السلام فأخبرته بما كان، فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة ليعودن بالخيبة، فهدأ ما بي، وطالت علي سنتي، وجعلت أرقب كل من جاء من أهل الجبال، فإذا أنا بالرجل قد وافي وفي جبهته شجة (2) تكاد اليد تدخل فيها، فلما رأيته بادرت إليه فقلت له: ما وراءك ؟ فقال: اني صرت إلى الموضع ورميت بالرقعة فحمل علي عداد منها فهالني أمرها فلم تكن لي قوة بها، فجلست فرمحتني احدها في وجهي فقلت: أللهم إكفنيها.. فكلها يشتد علي، ويريد قتلي، فانصرفت عني، فسقطت فجاء أخ لي فحملني، ولست أعقل، فلم أزل أتعالج حتى صلحت، وهذا الاثر في وجهي فجئت لاعلمه يعني عمر. فقلت له: صر إليه فاعلمه فلما صار إليه وعنده نفر فأخبره بما كان فزبره، وقال له: كذبت لم تذهب بكتابي، قال: فحلف الرجل بالله الذي لا إله الا هو، وحق صاحب هذا القبر لقد فعل ما أمره به من حمل الكتاب. وأعلمه أنه قد ناله منها ما يرى، قال: فزبره وأخرجه عنه. فمضيت معه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فتبسم ثم قال: ألم أقل لك ؟ ثم أقبل على الرجل فقال له: إذا انصرفت فصر إلى الموضع الذي هي فيه وقل: اللهم أني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، وأهل بيته الذين إخترتهم على علم على العالمين، أللهم فذلل لي


1 - الفلا: المهر، والفرس - وفي بعض الروايات: وله مواش. 2 - الشجة: وهي الكسر في الرأس خاصة. (*)

[ 49 ]

صعوبتها، وحزانتها، واكفني شرها، فانك الكافي، المعافي، والغالب القاهر. فانصرف الرجل راجعا، فلما كان من قابل قدم الرجل ومعه جملة قد حملها من أثمانها إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فصار إليه وأنا معه، فقال: تخبرني أو أخبرك ؟ فقال الرجل بل: تخبرني يا أمير المؤمنين، قال: كأنك صرت إليها، فجاءتك، ولاذت بك خاضعة ذليلة، فأخذت بنواصيها واحدا بعد آخر فقال الرجل: صدقت يا أمير المؤمنين، كأنك كنت معي، فهذا كان، فتفضل بقبول ما جئتك به. فقال: امض راشدا بارك الله لك فيه. وبلغ الخبر عمر فغمه ذلك حتى تبين الغم في وجهه، وانصرف الرجل وكان يحج كل سنة وقد أنمى الله ماله. قال، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: كل من إستصعب عليه شئ من ماله أو أهله أو ولد أو أمر فرعون من الفراعنة، فليبتهل بهذا الدعاء فإنه يكفى مما يخاف إن شاء الله تعالى، وبه القوة (1). وروي بإسناد أن أمير المؤمنين عليه السلام كان جالسا في مجلسه والناس مجتمعون عليه بالمدينة، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى وافى رجل من العرب فسلم عليه، وقال: أنا رجل لي على رسول الله صلى الله عليه وآله وعد، وقد سألت عن قاضي دينه، ومنجز وعده، بعد وفاته فأرشدت إليك. فهل الامر كما قيل لي ؟ فقال أمير المؤمنين: نعم أنا منجز وعده، وقاضي دينه من بعده، فما الذي وعدك به ؟ قال: مائة ناقة حمراء، وقال لي: إذا أنا قبضت فأت قاضي ديني، وخليفتي من بعدي، فانه يدفعها إليك وما كذب صلى الله عليه وآله. فإن يكن ما ادعيته حقا فعجل علي بها - ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله خلفها ولا بعضها - فأطرق أمير المؤمنين عليه السلام مليا، ثم قال يا حسن: قم فنهض إليه فقال له: إذهب فخذ قضيب رسول الله صلى الله عليه وآله الفلاني، وصر إلى البقيع فأقرع به الصخرة الفلانية ثلاث قرعات، وانظر ما يخرج منها


1 - مهج الدعوات / 104. (*)

[ 50 ]

فادفعه إلى هذا الرجل، وقل له يكتم ما رأى. فصار الحسن - عليه السلام - إلى الموضع، والقضيب معه، ففعل ما أمره، فطلع من الصخرة رأس ناقة بزمامها، فجذبه الحسن - عليه السلام - فظهرت الناقة، ثم ما زال يتبعها ناقة ثم ناقة حتى إنقطع القطار على مائة، ثم إنضمت الصخرة فدفع النوق إلى الرجل، وأمره بالكتمان لما رأى. فقال الاعرابي: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله، وصدق أبوك عليه السلام، هو قاضي دينه، ومنجز وعده، والامام من بعده، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (1). وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام لما أقبل من صفين، مر في زهاء سبعين رجلا بأرض ليس فيها ماء، فقالوا له: يا أمير المؤمنين ليس هاهنا ماء، ونحن نخاف العطش، قالوا: فمررنا براهب في ذلك الموضع فسألناه هل بقربك ماء فقال: ما من ماء دون الفرات، فقلنا يا أمير المؤمنين العطش وليس قربنا ماء، فقال: إن الله تعالى سيسقيكم، فقام يمشي حتى وقف في مكان ودعا بمساح، وأمر بذلك المكان، فكنس، فأجلى عن صخرة، فلما انجلى عنها، قال: إقلبوها مرمناها بكل مرام فلم نستطعها فلما أعيتنا دنا منها فأخذ بجانبها فدحا (2) بها فكأنها كرة، فرمى بها، فانجلت عن ماء لم ير أشد بياضا، ولا أصفى، ولا أعذب منه، فتنادى الناس الماء، فاغترفوا، وسقوا، وشربوا، وجملوا، ثم أخذ عليه السلام الصخرة فردها مكانها، ثم تحمل الناس فسار غير بعيد، فقال: أيكم يعرف مكان هذه العين ؟ فقالوا: كلنا يعرف مكانها، قال: فانطلقوا حتى تنظروا. فانطلق من شاء الله منا فدرنا حتى أعيينا فلم نقدر على شئ فأتينا الراهب


1 - حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لامير المؤمنين عليه السلام: أنت قاضي ديني، ومنجز عدتي. مما أجمعت الائمة على صحته وتوثيقه وقد جاءت بأسانيد شتى صحيحة، مسند أحمد بن حنبل 1 / 111، بسنده عن علي عليه السلام. الرياض النضرة 2 / 168. حلية الاولياء 10 / 211. كنز العمال 6 / 403. مجمع الزوائد 9 / 113، عن جابر بن عبد الله. فضائل الخمسة 3 / 57. 2 - دحا: دفع. رمى. (*)

[ 51 ]

فقلنا له ويحك ألست زعمت أنه ليس قبلك ماء، ولقد إستثرنا هاهنا ماء، فشربنا واحتملنا، قال: فوالله ما استثارها إلا نبي أو وصي نبي، قلنا: فإن فينا وصي نبينا عليه السلام، قال: فانطلقوا إليه فقولوا له: ماذا قال له النبي حين حضره الموت ؟ قال: فأتيناه فقلنا له إن هذا الراهب قال: كذا، وكذا، قال: فقولوا له إن خبرناك لتنزلن ولتسلمن، فقلنا له فقال: نعم فأتينا أمير المؤمنين فقلنا قد حلف ليسلمن، قال: فانطلقوا فاخبروه أن آخر ما قال النبي، الصلاة، الصلاة، إن النبي - صلى الله عليه وآله - كان واضعا رأسه في حجري فلم يزل يقول: الصلاة، الصلاة، حتى قبض. قال فقلنا له ذلك فأسلم (1). وفي ذلك يقول السيد بن محمد الحميري من قصيدته البائية المعروفة بالمذهبة: ولقد سرى فيما يسير بليلة * بعد العشاء مغامرا (2) في موكب حتى أتى متبتلا في قائم * ألقى قواعده بقاع مجدب (3) فدنا فصاح به فأشرف ماثلا * كالنسر فوق شظية من مرقب (4) هل قرب قائمك الذي بوأته (5) * ماء يصاب فقال: ما من مشرب إلا بغاية فرسخين ومن لنا * بالماء بين نقاوقي سبسب (6) فثنى الاعنة نحو وعث (7) فاجتلى * بيضاء تبرق كاللجين المذهب قال: إقلبوها إنكم إن تفعلوا * ترووا ولا تروون إن لم تقلب


1 - مجمع الزوائد 9 / 293 عن أبي رافع. الارشاد / 176. أعلام الورى / 176. 2 - في اكثر الروايات هكذا: (بعد العشاء بكربلا في موكب). 3 - المتبتل: الراهب. القائم: الصومعة. القاعدة: الاساس. الجدار. الجدب: ضد الخصب. 4 - الماثل: المنتصب، وشبه الراهب بالنسر لطول عمره. والشظية: قطعة من الجبل. المرقب: المكان العالي. 5 - بوأ: أقام، حل. 6 - النقى: قطعة من الرمل، تنقاد محدوبة. والقى: الصحراء الواسعة. والسبسب القفرة. 7 - الوعث: الرمل الذي لا يسلك فيه. (*)

[ 52 ]

فاعصو صبوا في قلعها فتمنعت * منهم تمنع صعبة لم تركب (1) حتى إذا أعيتهم أهوى لها * كفو متى ترد المغالب تغلب فكأنها كرة بكف حزور (2) * عبل الذراع دحابها في ملعب فسقاهم من تحتها متسلسلا * عذبا يزيد على الالذ الاعذب حتى إذا شربوا جميعا ردها * ومضى فخلت مكانها لم يقرب ذاك ابن فاطمة الوصي ومن يقل * في فضله وفعاله لا يكذب يعني فاطمة بنت أسد امه رضي الله عنها. وفي هذه القصيدة يذكر رد الشمس على أمير المؤمنين عليه السلام، وسيرد ذكره فيما بعد بمشية الله، وذلك قوله: ردت عليه الشمس لما فاته * وقت الصلاة وقد دنت للمغرب حتى تبلج نورها في وقتها * للعصر ثم هوت هوي الكوكب وعليه قد حبست ببابل مرة * اخرى وما حبست لخلق معرب إلا لاحمد أوله ولحبسها * ولردها تأويل أمر معجب (3) وحدث أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا محمد بن سليمان الاصبهاني، قال: حدثني يونس، عن أم حكيم بنت عمرو (4) قالت: خرجت، وأنا أشتهي أن أسمع كلام علي بن أبي طالب عليه السلام، فدنوت منه وفي الناس رقة، وهو يخطب على المنبر، حتى سمعت كلامه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين إستغفر لخالد بن عرفطة، فإنه قد مات بأرض تيماء (5) فلم يرد عليه، فقال: الثانية


1 - إعصوصب إجتمع، وتعاضد. 2 - الحزور: الغلام المترعرع. 3 - أعلام الورى / 177. والقصيدة 112 بيتا شرحها السيد المرتضى علم الهدى وطبع بمصر عام 1313 وأول القصيدة قوله: هلا وقفت على المكان المعشب * بين الطويلع فاللوى من كبكب 4 - ام حكيم بنت عمرو بن سفيان الخولية... كانت من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. جامع الرواة 2 / 455. تنقيح المقال 3 / 70. رجال الطوسي / 66. 5 - تيماء: بليد في أطراف الشام، بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق. (*)

[ 53 ]

فلم يرد عليه، ثم قال: الثالثة، فالتفت إليه فقال: أيها الناعي خالد بن عرفطة كذبت، والله ما مات، ولا يموت حتى يدخل من هذا الباب، يحمل راية ضلالة، قالت: فرأيت خالد بن عرفطة (1) يحمل راية معاوية حتى نزل نخيلة وأدخلها من باب الفيل (2). وبإسناد عن الاصبغ بن نباتة، قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام بصفين فبايعه تسعة وتسعون رجلا ثم قال: أين تمام المائة ؟ فقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله إنه يبايعني في هذا اليوم مائة رجل، فقال فجاء رجل عليه قباء صوف متقلد سيفين، فقال: هلم يدك ابايعك فقال: على ما تبايعني ؟ قال: على بذل مهجة نفسي دونك، قال: ومن أنت ؟ قال: اويس القرني فبايعه، فلم يزل يقاتل بين يديه حتى قتل فوجد في الرجالة مقتولا (3).


1 - خالد بن عرفطة بن أبرهة بن سنان الليثي توفي بالكوفة سنة 60 / 61 إستخلفه سعد بن أبي وقاص على الكوفة من قبل معاوية. أسد الغابة 2 / 87. الاصابة 1 / 409. الاستيعاب 1 / 413. 2 - أعلام الورى / 175 وفيه: وهذا الخبر مستفيض في أهل العلم بالآثار من أهل الكوفة. 3 - سفينة البحار 1 / 53. رجال الطوسي / 35. اعلام الورى / 170. تأسيس الشيعة / 357. جامع الرواة 1 / 110. (*)

[ 54 ]

خبر ميثم التمار رضي الله عنه وبإسناد مرفوع إلى إبن ميثم التمار، قال: سمعت أبي يقول: دعاني أمير المؤمنين - عليه السلام - يوما فقال لي يا ميثم كيف أنت إذا دعاك دعي بني امية عبيد الله بن زياد إلى البرائة مني ؟ قلت: إذا والله أصبر، وذاك في الله قليل، قال: يا ميثم إذا تكون معي في درجتي. وكان ميثم يمر بعريف (1) قومه فيقول: يا فلان كأني بك قد دعاك دعي بني امية وابن دعيها فيطلبني منك، فتقول هو بمكة، فيقول: لا أدري ما تقول، ولا بدلك أن تأتي به. فتخرج إلى القادسية فتقيم بها أياما، فإذا قدمت عليك ذهبت بي إليه حتى يقتلني على باب دار عمرو بن حريث (2)، فإذا كان اليوم الثالث إبتدر من منخري دم عبيط. قال: وكان ميثم يمر في السبخة بنخلة فيضرب بيده عليها، ويقول: يا نخلة ما غذيت إلا لي، وكان يقول لعمرو بن حريث: إذا جاورتك فأحسن جواري، فكان عمرو يرى أنه يشتري عنده دارا أو ضيعة له بجنب ضيعته فكان عمرو يقول: سأفعل، فأرسل الطاغية عبيد الله بن زياد إلى غريف ميثم يطلبه منه فأخبره أنه بمكة فقال له: إن لم تأتني به لاقتلنك فأجله أجلا وخرج العريف إلى القادسية


1 - العريف: العالم بالشئ. من يعرف أصحابه. القيم بأمر القوم. 2 - أبو سعيد عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي القرشي مات بالكوفة سنة 85. ولي إمرة الكوفة لزياد ثم لابنه عبيد الله. الاصابة ت 5810. أسد الغابة 4 / 97. الكامل في التاريخ 2 / 249. (*)

[ 55 ]

ينتظر ميثما، فلما قدم ميثم أخذ بيده فأتى به عبيد الله بن زياد، فلما أدخله عليه، قال له: ميثم، قال: نعم، قال: إبرأ من أبي تراب. قال: لا أعرف أبا تراب قال: إبرأ من علي بن أبي طالب قال: فان لم أفعل ؟ قال: إذا والله أقتلك. قال: أما انه قد كان يقال لي إنك ستقتلني، وتصلبني على باب عمرو بن حريث، فإذا كان اليوم الثالث إبتدر من منخري دم عبيط. قال: فأمر بصلبه على باب عمرو بن حريث، فقال للناس: سلوني، سلوني - وهو مصلوب - قبل أن أموت، فوالله لاحدثنكم ببعض ما يكون من الفتنء فلما سأله الناس وحدثهم أتاه رسول من إبن زياد - لعنه الله - فألجمه بلجام من شريط، فهو أول من ألجم بلجام وهو مصلوب، ثم أنفذ إليه من وجأ جوفه حتى مات فكانت هذه من دلائل أمير المؤمنين عليه السلام (1). وبإسناد عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن أبيه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال يا علي: إذا أنا مت فاغسلني من بئري مرتين بسبع قرب فإذا فرغت من مهادي فضع سمعك على فمي، ثم اعقل ما أقول لك، قال: ففعلت ما أمرني به صلى الله عليه وآله فحدثني بما هو كائن إلى يوم القيامة (2). وبإسناد أن أمير المؤمنين عليه السلام، كان يقول: ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلا وقد نزلت فيه آية أو إثنتان تقوده إلى الجنة، أو تسوقه إلى نار، وما من آية نزلت في بر أو بحر أو في سهل أو جبل إلا وقد عرفت حين نزلت، فيم انزلت، ولو ثنيت لي وسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم (3).


1 - الارشاد / 171. أعلام الورى / 172. سفينة البحار 2 / 523. غزوات أمير المؤمنين (ع) / 46. 2 - البحار 22 / 514. بصائر الدرجات / 81. رسالة في تغسيل النبي صلى الله عليه وآله بسبع قرب للشيخ عبد الله بن الحاج صالح بن جمعة اسماهيجي المتوفى 1135 ه‍. 3 - من الاحاديث الثابتة أن أمير المؤمنين عليه السلام أعلم الصحابة على الاطلاق. كنز العمال 1 / 228. طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 101. تهذيب التهذيب 7 / 337. الغدير 3 / 95. كفاية الطالب / 207 حلية الاولياء 1 / 67. الاستيعاب 2 / 463. (*)

[ 56 ]

خبر رد الشمس وإن كان من الاخبار المشهورة روى محمد بن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن عبد الله، عن الحسين ابن المختار، عن أبي بصير عن عبد الواحد ابن المختار الانصاري، عن أبي المقدام الثقفي، قال لي جويرية بن مسهر (1): قطعنا مع أمير المؤمنين عليه السلام جسر الصراة (2)، في وقت العصر، فقال: إن هذه أرض معذبة لا ينبغي لنبي ولا وصي أن يصلي فيها، فمن أراد منكم أن يصلي فليصل، قال: فتفرق الناس يصلون يمنة ويسرة، وقلت أنا لاقلدن هذا الرجل ديني، ولا اصلي حتى يصلي. قال: فسرنا وجعلت الشمس تستقل، قال: وجعل يدخلني من ذلك أمر عظيم، حتى وجبت الشمس وقطعت الارض. قال، فقال يا جويرية: أذن فقلت تقول لي أذن وقد غابت الشمس ؟ قال: فأذنت، ثم قال لي: أقم فأقمت، فلما قلت: قد قامت الصلاة، رأيت شفتيه تتحركان، وسمعت كلاما كأنه كلام العبرانية، قال: فرجعت الشمس حتى صارت في مثل وقتها في العصر، فصلى فلما انصرف هوت إلى مكانها واشتبكت النجوم (3).


1 - جويرية بن مسهر العبدي الكوفي... من أصحاب علي عليه السلام، وكان الامام يحبه حبا شديدا قال له يوما: يا جويرية ليقتلنك العتل الزنيم، وليقطعن يدك ورجلك ثم إنه ليصلبنك، ثم مضى دهر حتى ولي زياد بن أبيه في أيام معاوية فقطع يده ورجله ثم صلبه. تنقيح المقال 1 / 238. رجال الطوسي / 37. رجال إبن داود / 67. أعيان الشيعة 17 / 195. 2 - معجم البلدان 3 / 399. 3 - تنقيح المقال 1 / 239. (*)

[ 57 ]

وفي حديث آخر: عن جويرية بن مسهرا أنه قال: فلما إنقضت صلاتنا سمعت الشمس وهي تنحط ولها صرير كصرير رحى البزر، حتى غابت وأنارت النجوم، قال: فقلت: أنا أشهد أنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال يا جويرية: أما سمعت الله يقول: (فسبح باسم ربك العظيم) ؟ فقلت بلى، فقال: اني سألت ربي باسمه العظيم، فردها علي (1). حدثني أبو محمد، هارون بن موسى بن أحمد المعروف بالتلعكبري، قال: حدثنا أبو الحسن، محمد بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن عيسى بن المنصور، قال: حدثنا أبو موسى، عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور، قال: حدثني أبو محمد، الحسن بن علي، عن أبيه علي بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن إبيه الحسين بن علي، عليهم السلام والصلاة، قال: حدثني قنبر مولى علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام على شاطئ الفرات، فنزع قميصه، ونزل إلى الماء فجاءت موجة، فأخذت القميص. فخرج أمير المؤمنين عليه السلام فلم يجد القميص فاغتم لذلك، فإذا بهاتف يهتف، يا أبا الحسن انظر عن يمينك وخذ ما ترى، فإذا منديل عن يمينه، وفيه قميص مطوي، فأخذه ولبسه فسقط من جيبه رقعة فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، هدية من الله العزيز الحكيم إلى علي بن أبي طالب، هذا قميص هارون بن عمران، كذلك وأورثناها قوما آخرين (2).


1 - جامع الرواة 1 / 169. سفينة البحار 1 / 57. وحديث رد الشمس لامير المؤمنين عليه السلام من القضايا الثابتة أخرجه جمع من الحفاظ الاثبات بأسانيد جمة صحح جمع من مهرة الفن بعضها، وحكم آخرون بحسن آخر، وشدد جمع منهم النكير على من غمز فيه وضعفه، وأفردها بالتأليف وجمعوا فيه طرقها وأسانيدها. الغدير 3 / 141 - 126. 2 - البحار 42 / 122 الطبعة الجديدة. تنقيح المقال 2 / 29 - باب القاف. جامع الرواة 2 / 24. (*)

[ 58 ]

وبإسناد مرفوع إلى عمرو بن المنهال، قال: بينا نحن ذات يوم جلوسا مع أمير المؤمنين - عليه السلام - في رحبة القصر، إذ زلزلت الارض فضربها أمير المؤمنين بيده وقال لها: ما لك فوالله لو كنت هي لانبأتني أخبارك، وإني الذى تحدثه الارض بأخبارها أو رجل مني (1). وبإسناد مرفوع إلى الاصبغ بن نباتة، قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال يا أمير المؤمنين قد زاد الفرات، والساعة نغرق، قال: لن تغرقوا، ثم جاءه آخر فقال يا أمير المؤمنين: قد فاض الفرات والساعة نغرق، فقال: لن تغرقوا، ثم دعا ببغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فركبها وأخذ بيده قضيبا ثم سار حتى إنتهى إلى شاطي الفرات، فنزل فضرب الفرات ضربة فنقص خمسة اذرع، وقال. بعضهم: عشرة أشبار (2). فقال الاصبغ سمعت عليا عليه السلام يومئذ يقول: لو ضربت الفرات ضربة ومشيت ما بقي فيه قطرة. وبإسناد مرفوع قال، قال إبن الكواء لامير المؤمنين: أين كنت حيث ذكر الله تعالى نبيه وأبا بكر فقال: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) (3) ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك يا ابن الكواء كنت على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد طرح علي ريطته (4) فأقبلت قريش مع كل رجل منهم هراوة فيها شوكها، فلم يبصروا رسول الله حيث خرج، فأقبلوا علي يضربونني بما في أيديهم حتى تنفط (5) جسدي وصار مثل البيض، ثم انطلقوا بي يريدون قتلي، فقال بعضهم: لا تقتلوه الليلة ولكن أخروه واطلبوا


1 - سفينة البحار 1 / 555 وفيه: أنها كانت على عهد أبي بكر. 2 - الارشاد 1 / 348 ألباب الثالث فصل 77 وفيه: رواه نقلة الآثار واشتهر في أهل الكوفة لاستفاضته بينهم. 3 - سورة التوبة / 40. 4 - الريطة: كل ثوب يشبه الملحفة. 5 - تنفط الجسم. قرح أو تجمع فيه بين الجلد واللحم ماء بسبب العمل. (*)

[ 59 ]

محمدا، قال: فأوثقوني بالحديد وجعلوني في بيت واستوثقوا مني، ومن الباب بقفل فبينا أنا كذلك إذ سمعت صوتا من جانب البيت يقول: يا علي فسكن الوجع الذي كنت أجده، وذهب الورم الذي كان في جسدي، ثم سمعت صوتا آخر يقول: يا علي فإذا الحديد الذي في رجلي قد تقطع، ثم سمعت صوتا آخر يقول: يا علي، فإذا الباب قد تساقط ما عليه، وفتح فقمت وخرجت، وقد كانوا جاؤا بعجوز كمهاء (1) لا تبصر ولا تنام تحرس الباب فخرجت عليها فإذا هي لا تعقل من النوم (2). وبإسناد عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله، جعفر بن محمد عليه السلام، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصم أمير المؤمنين عليه السلام بعض الصحابة في حق له ذهب به، وجرى بينهما فيه كلام فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: بمن ترضى ليكون بيني وبينك حكما ؟ قال: إختر. قال: أترضى برسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينك ؟ قال: وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد دفناه ؟ قال: ألست تعرفه إن رأيته ؟ قال: نعم. فانطلق به إلى مسجد قباء فإذا هما برسول الله صلى الله عليه وآله، فاختصما إليه فقضى لامير المؤمنين عليه السلام، فرجع الرجل مصفرا لونه، فلقى بعض أصحابه وقال: مالك ؟ فأخبره الخبر، فقال: أما عرفت سحر بني هاشم (3).


1 - كمه: عمى أو صار أعشى، وبصره إعترته ظلمة. 2 - البحار 36 / 43. الارشاد ومبيت علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من القضايا الثابتة المتسالم عليها لدى الفريقين. اسد الغابة 4 / 25. نور الابصار / 77. كنوز الحقائق / 31. مستدرك الصحيحين 3 / 4. مسند أحمد 1 / 348. مجمع الزوائد 9 / 119. فضائل الخمسة 2 / 345. 3 - سفينة البحار 1 / 605. (*)

[ 60 ]

ومن أعلامه عليه السلام عند قتال الخوارج بالنهروان وبإسناد مرفوع إلى جندب بن عبد الله البجلي، قال: دخلني يوم النهروان شك، فاعتزلت، وذلك أني رأيت القوم أصحاب البرانس، وراياتهم المصاحف حتى هممت أن أتحول إليهم فبينا أنا مقيم متحير إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام، حتى جلس إلي، فبينا نحن كذلك إذ جاء فارس يركض فقال يا أمير المؤمنين: ما يقعدك وقد عبر القوم ؟ قال: أنت رأيتهم ؟ قال: نعم. قال: والله ما عبروا ولا يعبرون أبدا فقلت في نفسي: ألله أكبر كفى بالمرء شاهدا على نفسه، والله لئن كانوا عبروا لاقاتلنه قتالا لا ألوى فيه جهدا، ولئن لم يعبروا لاقاتلن أهل النهروان قتالا يعلم الله به أني غضبت له. ثم لم ألبث أن جاء فارس آخر يركض ويلمع بسوطه، فلما إنتهى إليه قال: يا أمير المؤمنين، ما جئت حتى عبروا كلهم، وهذه نواصي خيلهم قد أقبلت. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: صدق الله ورسوله، وكذبت ما عبروا ولن يعبروا، ثم نادى في الخيل فركبوا وركب أصحابه وسار نحوهم. وسرت ويدي على قائم سيفي، وأنا أقول: أول ما أرى فارسا قد طلع منهم أعلو عليا بالسيف للذي دخلني من الغيظ عليه. فلما انتهى إلى النهر إذا القوم كلهم وراء النهر لم يعبر منهم أحد، فالتفت إلي ثم وضع يده على صدري، ثم قال: يا جندب أشككت ؟ كيف رأيت ؟ قلت يا أمير المؤمنين: أعوذ بالله من الشك، وأعوذ بالله من سخط الله، وسخط رسوله، و سخط أمير المؤمنين، قال: يا جندب ما أعمل إلا بعلم الله وعلم رسوله، فأصابت

[ 61 ]

جندبا يومئذ إثنتا عشرة ضربة مما ضربه الخوارج (1). وفي حديث آخر قال: لما قتل أمير المؤمنين عليه السلام أهل النهروان قال لاصحابه: اطلبوا إلي رجلا مخدج اليد، وعلى جانب يده الصحيحة ثدي كثدي المرأة إذا مد إمتد، وإذا ترك تقلص، عليه شعرات صهب، وهو صاحب رايتهم يوم القيامة، يوردهم النار و بئس الورد المورود، فطلبوه فلم يجدوه فقالوا: لم نجده. فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ونصب الكعبة، ما كذبت ولا كذبت، وأني لعلى بينة من ربي، قال: فلما لم يجدوه. قام والعرق ينحدر عن جبهته، حتى أتى وهدة من الارض فيها نحو من ثلاثين قتيلا، فقال: ارفعوا إلي هؤلاء فجعلنا نرفعهم حتى رأينا الرجل الذي هذه صفته تحتهم، فاستخرجناه، فوضع أمير المؤمنين رجله على ثديه الذي هو كثدي المرأة ثم عركه بالارض ثم أخذه بيده وأخذ بيده الاخرى يد الرجل الصحيحة، ومدها حتى استويا، ثم التفت إلى رجل جاء إليه وهو شاك فقال: وهذه لك آية. ثم قال: إن الجانب الآخر الذي ليس فيه يد ليس فيه ثدي فشقوا عنه جانب قميصه، فإذا له مكان اليد شئ مثل غلظ الابهام وإذا ليس في ذلك الجانب ثدي، فقال للرجل الشاك: وهذه لك آية اخرى (2). وبإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام، قال: لما قدم عبد الله بن عامر بن كريز (3) المدينة لقى طلحة والزبير، فقال لهما بايعتما علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فقال: أما والله لا يزال ينتظر بها الحبالى من بني هاشم، ومتى تصير اليكما، أما والله على ذلك ما جئت حتى ضربت على


1 - الارشاد / 318، بصورة مفصلة. سفينة البحار 1 / 182. مجمع الزوائد 6 / 241 بسنده عن جندب وقال: رواه الطبراني. 2 - أعلام الورى / 171. كفاية الطالب / 177. خصائص النسائي / 138. تاريخ بغداد 1 / 159. مجمع الزوائد 6 / 234. 3 - عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف.. أسلم يوم الفتح وكان من الموالين إلى بني أمية وبقى إلى خلافة عثمان. (*)

[ 62 ]

أيدي أربعة آلاف من أهل البصرة كلهم يطلبون بدم عثمان فدونكما فاستقيلا أمركما. فأتيا عليا عليه السلام فقالا له إئذن لنا في العمرة، فقال: والله إنكما تريدان العمرة وما تريدان نكثا ولا فراقا لامتكما وعليكما بذلك أشد ما أخذ الله على النبيين من ميثاق ؟ قالا: نعم. قال: انطلقا فقد أذنت لكما، قال: فمشيا ساعة، ثم قال: ردوهما فأخذ عليهما مثل ذلك، ثم قال: إنطلقا فاني قد أذنت لكما، فانطلقا حتى أتيا الباب، فقال: ردوهما الثالثة، ثم قال: والله إنكما تريدان العمرة وما تريدان نكث بيعتكما، ولا فراق امتكما، وعليكما بذلك أشد ما أخذ الله على النبيين من ميثاق، والله عليكما لذلك راع كفيل، قالا: اللهم نعم قال: أللهم اشهد، اذهبا وانطلقا، والله لا أراكما إلا في فئة تقاتلني (1). وعنه عليه السلام، قال خطب أمير المومنين عليه السلام: فقال: سلوني قبل أن تفقدوني فو الله لا تسألونني عن فتنة يضل فيها مائة ويهتدي فيها مائة إلا أخبرتكم بسائقها وناعقها إلى يوم القيامة حتى فرغ من خطبته (2). قال: فوثب إليه بعض الحاضرين فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني كم شعرة في لحيتي ؟ فقال: أما أنه قد أعلمني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله إنك تسألني عن هذا، فوالله ما في رأسك شعرة إلا وتحتها ملك يلعنك ولا في جسدك شعرة إلا وفيها شيطان يهزك، وإن في بيتك لسخلا يقتل الحسين ابن رسول الله، قال أبو جعفر عليه السلام: وعمر بن سعد لعنه الله يومئذ يحبو (3).


1 - أعيان الشيعة 1 / 448 الطبعة الكبيرة. غزوات أمير المؤمنين / 54. أعلام الورى / 169. 2 - الغدير 6 / 193 و 194 وج 7 / 107 و 108. 3 - الارشاد 1 / 331 بسنده عن زكريا بن يحيى القطان، عن فضل بن الزبير عن أبي الحكم قال: سمعت مشيختنا وعلماءنا يقولون - الحديث - أعلام الورى / 186. البحار 44 / 256. شرح ابن أبي الحديد 1 / 253 نقلا عن كتاب الغارات لابي هلال الثقفي. كامل الزيارات / 74. (*)

[ 63 ]

ومن دلائله عليه السلام عند موته وبإسناد مرفوع إلى الحسن بن أبي الحسن البصري قال: سهر علي عليه السلام في الليلة التي ضرب في صبيحتها، فقال: أني مقتول لو قد أصبحت فجاء مؤذنه بالصلاة فمشى قليلا فقالت إبنته زينب يا أمير المؤمنين مر جعدة (1) يصلي بالناس فقال: لا مفر من الاجل ثم خرج (2). وفي حديث آخر قال: جعل عليه السلام يعاود مضجعه فلا ينام، ثم يعاود النظر في السماء، ويقول: والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها لليلة التي وعدت. فلما طلع الفجر شد إزاره وهو يقول: اشدد حيازيمك للموت * فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت * وإن حل بواديكا وخرج عليه السلام. فلما ضربه ابن ملجم - لعنه الله - قال: فزت ورب الكعبة... وكان من أمره ما كان صلوات الله عليه (3).


1 - جعدة بن هبيرة إبن اخت أمير المؤمنين وامه ام هاني بنت أبي طالب وكان فقيها فارسا شجاعا ذا لسان وعارضة قوية. 2 - سفينة البحار 1 / 157 وفيه: قالت ام كلثوم يا أمير المؤمنين مر جعدة يصلي بالناس قال: نعم مروا جعدة فليصل. روضة الواعظين / 135. 3 - الصواعق المحرقة / 80. روضة الواعظين / 136. نظم درر السمطين / 137. فضائل الخمسة 3 / 66. (*)

[ 64 ]

وروى عن جعفر بن محمد عليه السلام، انه لما غسل أمير المؤمنين عليه السلام، نودوا من جانب البيت إن أخذتم مقدم السرير كفيتم مؤخره، وإن أخذتم مؤخره كفيتم مقدمه. وأشار عليه السلام إلى أن الملائكة قالت ذلك (1). وأنا الآن مورد بمشية الله، بعد ذكر الدلائل والاعلام، خواص أخباره عليه السلام، وفصولا من كلامه، ومواعظه، وحكمه، ويسيرا من قضاياه العجيبة، وأجوبته عن المسائل الغريبة على الشرط في الاختصار والاقتصار غير ذاكر شيئا من خطبه الطوال، وكتبه إلى ولاة الاعمال، ولا شرح سيرته في خلافته، وذكر الاحداث والحروب في أيامه، وفضائله التي إشترك الناس في روايتها وهي أظهر من إن يشار إليها، لان جميع ذلك قائم بذاته، ومشهور في مواضعه. حدثني هارون بن موسى، قال: حدثني محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد بن يحيى، عن الوليد بن أبان، عن محمد بن عبد الله بن مسكان عن أبيه، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام، إن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب عليه السلام تبشره بمولد النبي صلى الله عليه وآله، فقال لها أبو طالب: إصبري سبتا إنك بمثله إلا النبوة (2). قال: والسبت ثلاثون سنة، وكان بين مولد النبي، وأمير المؤمنين عليهما السلام ثلاثون سنة. حدثني هارون بن موسى، قال: حدثني محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد بن عبد الله، عن السياري عن محمد بن جمهور عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فاطمة بنت أسد عليها السلام - ام أمير المؤمنين - عليه السلام - كانت أول إمراة هاجرت إلى رسول الله - صلى الله عليه - من مكة


1 - روضة الواعظين / 136. 2 - اصول الكافي 1 / 452. روضة الواعظين / 81. فاطمة بنت أسد - خ -. البحار 35 / 6. (*)

[ 65 ]

إلى المدينة على قدميها، وكانت من أبر الناس عند رسول الله صلى الله عليه وآله فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان الناس يحشرون يوم القيامة عراة كما ولدوا، فقالت: واسوأتاه. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله فأني أسأل الله أن يبعثك كاسية. وسمعته يذكر ضغطة القبر، فقالت: واضعفاه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه: فإني أسأل الله أن يكفيك ذلك. وقالت لرسول الله، صلى الله عليه، يوما: إني أريد أن أعتق جاريتي هذه فقال لها: إن فعلت أعتق الله بكل عضو منها عضوا منك من النار، فلما مرضت أوصت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأعتقت الجارية المقدم ذكرها. واعتقل لسانها فجعلت تومى إلى رسول الله - عليه السلام - إيماء فقبل عليه السلام وصيتها. فبينا هو - صلى الله عليه - ذات يوم قاعدا إذ أتاه أمير المؤمنين عليه السلام وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما يبكيك ؟ قال إن امي فاطمة قد قضت فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله - وأمي والله. وقام صلى الله عليه وآله مسرعا، حتى دخل فنظر إليها، وبكى، ثم أمر النساء أن يغسلنها. وقال عليه السلام: إذا فرغتن فلا تحدثن شيئا حتى تعلمنني، فلما فرغن أعلمنه ذلك فأعطاهن أحد قميصيه، وهو الذي يلى جسده وأمرهن أن يكفنها فيه، وقال للمسلمين: إذا رأيتموني قد فعلت شيئا لم أفعله قبل ذلك فاسألوني لم فعلته ؟ فلما فرغن من تغسيلها، وتكفينها دخل - صلى الله عليه وآله - فحمل جنازتها حتى أوردها قبرها ثم وضعها، ودخل القبر فاضطجع فيه، ثم قام فأخذها على يديه حتى وضعها في القبر ثم انكب عليها طويلا يناجيها، ويقول لها إبنك إبنك. ثم خرج وسوى عليها التراب، ثم انكب على قبرها فسمعوه يقول: لا اله الا الله اللهم اني أستودعها إياك، ثم إنصرف. فقال المسلمون يارسول الله إنا رأيناك فعلت أشياء لم تفعلها قبل اليوم، فقال: اليوم فقدت أبا طالب، إن كانت ليكون عندها الشئ فتؤثرني به على

[ 66 ]

نفسها، وولدها، وإني ذكرت القيامة وأن الناس يحشرون عراة، فقالت: واسوأتاه فضمنت لها أن يبعثها الله كاسية، وذكرت ضغطة القبر، فقالت: واضعفاه فضمنت لها أن يكفيها الله ذلك، فكفنتها بقميصي، واضطجعت في قبرها لذلك، وانكببت عليها فلقنتها ما تسأل عنه، فانها سئلت عن ربها فقالت: وسئلت عن رسولها فأجابت، وسئلت عن وليها وإمامها فأرتج عليها فقلت لها: إبنك إبنك (1). وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - لما أجمع على المضي إلى تبوك ناجى أمير المؤمنين - عليه السلام - فأطال فقال أبو بكر لعمر: لقد أطال مناجاته لابن عمه، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ما أنا ناجيته، ولكن الله ناجاه، وفي ذلك يقول حسان: ويوم الثنية عند الوداع * وأجمع نحو تبوك المضيا تنحى يودعه خاليا * وقد وقف المسلمون المطيا فقالوا يناجيه دون الانام * بل الله أدناه منه نجيا علي فم أحمد يوحى إليه * كلاما بليغا ووحيا خفيا (2)


1 - تنقيح المقال 3 / 81. اصول الكافي 1 / 453. دعائم الاسلام 2 / 361. مسند الرسول 1 / 250. 2 - حلية الاولياء 7 / 195. كفاية الطالب / 282. خصائص النسائي / 81. (*)

[ 67 ]

في تسميته عليه السلام بأمير المؤمنين في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبإسناد مرفوع إلى جندب، عن أمير المؤمنين - صلوات الله وسلامه عليه - قال: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وعنده أناس قبل أن تحتجب النساء فأشار بيده أن اجلس بيني، وبين عائشة، فقالت: تنح كذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ماذا تريدين من أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام (1). وبإسناد مرفوع إلى بريدة الاسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه أن يسلموا على علي عليه الصلاة والسلام بإمرة المؤمنين، فقال عمر بن الخطاب: يارسول الله أمن الله أم من رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله: بل من الله ومن رسوله (2).


1 - الغدير 1 / 270. سفينة البحار 1 / 29. البحار 37 / 302. 2 - البحار 37 / 304. المناقب لابن شهراشوب 3 / 52. (*)

[ 68 ]

* في ذكره أسماء آبائه عليه السلام التي لا يكاد يعرفها أكثر الناس روي أن أمير المؤمنين عليه السلام، خطب الناس، فقال: أيها الناس من عرف نسبي وإلا فأنا أعرفة نسبي، فقام إليه إبن الكواء، فقال: أنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، حتى بلغ إلى قصي بن كلاب قال: أو تعرف لي نسبا غير هذا ؟ فقال: لا، فقال: إن أبي سماني زيدا باسم قصي فأنا زيد بن عبد مناف بن عامر بن عمرو بن المغيرة بن زيد بن كلاب، وإسم أبي طالب عبد مناف وإسم عبد المطلب عامر، قال الشاعر فيه: قامت تبكيه على قبره * من لي من بعدك يا عامر تركتني في الدار ذا غربة * قد ذل من ليس له ناصر وإسم هاشم عمرو، وفيه يقول الشاعر: عمرو العلى هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف (1) وإسم عبد مناف المغيرة، قال الشاعر فيه وفي إخوانه: إن المغيرات وأبناءهم * من غير أحياء وأموات يعني عبد مناف واخوته وسماهم كلهم المغيرات لان فيهم المغيرة، ومثل هذا كثير في كلام العرب. وإسم قصى زيد قال الشاعر (2):


1 - البيت لعبد الله بن الزبعري بن قيس السهمي القرشي شاعر قريش في الجاهلية مات نحو 15 ه‍ كان شديدا على المسلمين. الطبقات الكبرى 1 / 76. الشعر والشعراء / 132. 2 - البيت من شعر حذافة بن غانم العدوي... الطبقات الكبرى 1 / 71. (*)

[ 69 ]

قصي أبوكم كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم * به زيدت البطحاء فخرا على فخر (1)


1 - الكامل في التاريخ 2 / 6. الطبري 2 / 179. ثمار القلوب / 89. نهاية الارب 16 / 33. تاريخ اليعقوبي 1 / 201. (*)

[ 70 ]

قطعة من الاخبار المروية في إيجاب ولاء أمير المؤمنين عليه السلام والصلاة، وشئ من أخبار زهده في الدنيا وما يجرى هذا المجرى من خواص أخباره عليه السلام ما يروى بإسناد عن سهل بن كهيل عن أبيه في قول الله عزوجل: (ووصينا الانسان بوالديه إحسانا) (1) قال: أحد الوالدين علي بن أبي طالب عليه السلام (2). وقال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لتعطفن علينا الدنيا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها ثم قرأ: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض) الآية (3). ذكروا ان ضرار بن ضمرة الضبابي (4) دخل على معاوية بن أبي سفيان وهو


1 - سورة الاحقاف / 15. 2 - المناقب لابن شهراشوب 3 / 105. في السند سهل كهيل، وأظنه تصحيف والصحيح سهل بن حنيف وهو من الذين أنكروا على أبي بكر غصبه الخلافة وكان أمير المؤمنين (ع) يحبه شديدا، وحنيف بن ريال من الصحابة شهد احدا وما بعدها من المشاهد وقتل يوم مؤتة. 3 - سورة القصص / 5. شرح ابن أبي الحديد 19 / 29. شرح ابن ميثم 5 / 349. 4 - ضرار بن ضمرة الضبابي... من خلص أصحاب علي عليه السلام فصيح المقال طلق اللسان. (*)

[ 71 ]

بالموسم، فقال له: صف عليا قال: أو تعفني ؟ قال: لابد أن تصفه لي، قال: كان والله أمير المؤمنين عليه السلام طويل المدى، شديد القوى، كثير الفكرة، غزير العبرة، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطلق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا دعوناه ويعطينا إذا سألناه، ونحن والله مع قربه لا نكلمه لهيبته، ولاندنو منه تعظيما له، فإن تبسم فعن غير أشر ولا اختيال، وإن نطق فعن الحكمة وفصل الخطاب، يعظم أهل الدين ويحب المساكين، ولا يطمع الغني في باطله، ولا يوئس الضعيف من حقه، فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته، يتململ تملل السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يادنيا، يادنيا، إليك عني أبي تعرضت ؟ أم لي تشوقت ؟ لا حان حينك، هيهات، غري غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلة الزاد وطول المجاز، وبعد السفر وعظيم المورد. قال: فوكفت دموع معاوية ما يملكها، وهو يقول: هكذا كان علي عليه السلام، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال: حزني عليه والله حزن من ذبح واحدها في حجرها فلا ترقأ دمعتها ولا تسكن حرارتها (1). وبإسناد مرفوع إلى عبد الله بن العباس رحمه الله قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: (إن الذين آمنو وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) 2 قال: محبة في قلوب المؤمنين (3).


1 - مناقب ابن شهراشوب 2 / 103. حلية الاولياء 1 / 84. الاستيعاب 2 / 463. الرياض النضرة 2 / 212. 2 - سورة مريم / 96. 3 - الغدير 2 / 55. الرياض النضرة 2 / 207. الصواعق المحرقة / 102. نور الابصار / 101. فضائل الخمسة 1 / 323. مجمع الزوائد 9 / 125 وقال: رواه الطبراني في الاوسط. (*)

[ 72 ]

حدثني هارون بن موسى، قال: حدثني أحمد بن محمد بن عمار العجلي الكوفي، قال: حدثني عيسى الضرير عن أبي الحسن عن أبيه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حين دفع الوصية إلى علي، يا علي أعد لهذا جوابا غدا بين يدي ذي العرش، فإني محاجك يوم القيامة بكتاب الله، حلاله وحرامه و محكمه ومتشابهه على ما أنزل الله، وعلى تبليغه من أمرتك بتبليغه، وعلى فرائض الله كما أنزلت وعلى أحكامه كلها من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحاض عليه وإحيائه مع إقامة حدود الله كلها، وطاعته في الامور بأسرها، وإقام الصلاة لاوقاتها، وإيتاء الزكاة أهلها، والحج إلى بيت الله، والجهاد في سبيله، فما أنت صانع يا علي ؟ قال: فقلت بأبي وأمي إني أرجو بكرامة الله تعالى، ومنزلتك عنده ونعمته عليك، أن يعينني ربي عزوجل، ويثبتني فلا ألقاك بين يدي الله مقصرا ولا متوانيا ولا مفرطا ولا أمعر، وجهك وقاؤه وجهي ووجوه آبائي وأمهاتي. بل تجدني بأبي وامي مشمرا لوصيتك إن شاء الله، وعلى طريقك ما دمت حيا حتى أقدم عليك، ثم الاول فالاول من ولدي غير مقصرين ولا مفرطين، ثم أغمي عليه صلوات الله عليه وآله، قال: فانكببت على صدره ووجهه، وأنا أقول واوحشتاه بعدك بأبي أنت وأمي ووحشة إبنتك وإبنيك، واطول غماه بعدك يا حبيبي، إنقطعت عن منزلي أخبار السماء، وفقدت بعدك جبرئيل فلا أحس به، ثم أفاق صلى الله عليه وآله. حدثني هارون بن موسى، قال: حدثني أحمد بن محمد بن عمار، قال: حدثني أبو موسى الضرير البجلي، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألت أبي فقلت له ما كان بعد إفاقته صلى الله عليه ؟ قال: دخل عليه النساء يبكين، وارتفعت الاصوات وضج الناس بالباب المهاجرون والانصار. قال علي عليه السلام: فبينا أنا كذلك إذ نودي أين علي ؟ فأقبلت حتى دخلت إليه، فانكببت عليه، فقال لي: يا أخي فهمك الله وسددك، ووفقك

[ 73 ]

وارشدك، واعانك وغفر ذنبك، ورفع ذكرك، ثم قال: يا أخي إن القوم سيشغلهم عني ما يريدون من عرض الدنيا، وهم عليه قادرون، فلا يشغلك عني ما شغلهم، فإنما مثلك في الامة مثل الكعبة نصبها الله علما، وإنما تؤتى من كل فج عميق، وناد سحيق، وإنما أنت العلم علم الهدى، ونور الدين، وهو نور الله، يا أخي والذي بعثني بالحق لقد قدمت إليهم بالوعيد، ولقد اخبرت رجلا رجلا بما افترض الله عليهم من حقك، وألزمهم من طاعتك فكل أجاب إليك وسلم الامر إليك، وإني لاعرف خلاف قولهم. فإذا قبضت، وفرغت من جميع ما وصيتك به، وغيبتني في قبري فالزم بيتك، واجمع القرآن على تأليفه، والفرائض والاحكام على تنزيله، ثم امض ذلك على عزائمه وعلى ما أمرتك به، وعليك بالصبر على ما ينزل بك منهم حتى تقدم علي. قال عيسى: فسألته وقلت: جعلت فداك قد أكثر الناس قولهم في أن النبي عليه السلام، أمر أبا بكر بالصلاة ثم أمر عمر، فأطرق عني طويلا، ثم قال: ليس كما ذكر الناس ولكنك يا عيسى كثير البحث عن الامور لا ترضى إلا بكشفها، فقلت: بأبي أنت وامي، من أسأل عما أنتفع به في ديني، وتهتدي به نفسي مخافة أن أضل غيرك ؟ وهل أجد أحدا يكشف لي المشكلات مثلك ؟ فقال: إن النبي صلى الله عليه وآله لما ثقل في مرضه دعا عليا عليه السلام، فوضع رأسه في حجره واغمي عليه، وحضرت الصلاة فأذن بها فخرجت عائشة فقالت: يا عمر اخرج فصل بالناس، فقال لها: أبوك أولى بها مني، فقالت: صدقت، ولكنه رجل لين، وأكره أن يواثبه القوم، فصل أنت، فقال لها: بل يصلي هو، وأنا أكفيه إن وثب واثب، أو تحرك متحرك، مع أن رسول الله مغمى عليه، ولا أراه يفيق منها، والرجل مشغول به، لا يقدر أن يفارقه - يعني عليا عليه السلام - فبادروا بالصلاة قبل أن يفيق فإنه إن أفاق خفت أن يأمر عليا بالصلاة، وقد سمعت مناجاته له منذ الليلة، وفي آخر كلامه يقول لعلي عليه السلام: الصلاة، الصلاة.

[ 74 ]

قال: فخرج أبو بكر يصلي بالناس، فظنوا أنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يكبر حتى أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أدعو لي عمي - يعني العباس، رضي الله عنه - فدعى له فحمله وعلي عليه السلام، حتى أخرجاه فصلى بالناس وإنه لقاعد، ثم حمل فوضع على المنبر بعد ذلك فاجتمع لذلك جميع أهل المدينة من المهاجرين والانصار حتى برزت العواتق من خدورها، فبين باك وصائح، ومسترجع، وواجم، والنبي عليه السلام يخطب ساعة، ويسكت ساعة، فكان فيما ذكر من خطبته أن قال: يا معشر المهاجرين والانصار، ومن حضر في يومي هذا، وفي ساعتي هذه من الانس والجن ليبلغ شاهدكم غائبكم، ألا إني قد خلفت فيكم كتاب الله فيه النور والهدى، والبيان لما فرض الله تبارك وتعالى من شئ حجة الله عليكم وحجتي وحجة وليي. وخلفت فيكم العلم الاكبر، علم الدين، ونور الهدى، وضياءه وهو علي بن أبي طالب، ألا وهو حبل الله فاعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) (1). أيها الناس هذا علي من أحبه وتولاه اليوم، وبعد اليوم، فقد أوفى بما عاهد عليه الله، ومن عاداه وأبغضه اليوم، وبعد اليوم جاء يوم القيامة أصم وأعمى، لا حجة له عند الله. أيها الناس لا تأتوني غدا بالدنيا تزفونها زفا، ويأتي أهل بيتي شعثا غبرا مقهورين مظلومين تسيل دماؤهم، إياكم واتباع الضلالة والشورى للجهالة، ألا وإن هذا الامر له أصحاب قد سماهم الله عزوجل لي وعرفنيهم وأبلغتكم ما أرسلت به اليكم ولكني أراكم قوما تجهلون (2).


1 - سورة آل عمران / 103. 2 - سورة الاحقاف / 23. (*)

[ 75 ]

لا ترجعوا بعدي كفارا مرتدين تتاولون الكتاب على غير معرفة، وتبتدعون السنة بالاهواء، وكل سنة وحديث وكلام خالف القرآن فهو زور وباطل. القرآن إمام هاد، وله قائد يهدى به، ويدعو إليه، بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو علي بن أبي طالب، وهو ولي الامر بعدي، ووارث علمي، وحكمتي، و سري، وعلانيتي، وما ورثه النبيون قبلي، وأنا وارث ومورث فلا تكذبنكم أنفسكم. أيها الناس الله الله في أهل بيتي، وأنهم أركان الدين، ومصابيح الظلام، ومعادن العلم. علي أخي، ووزيري، وأميني والقائم من بعدي بأمر الله، والموفي بذمتي، ومحيي سنتي، وهو أول الناس إيمانا بي، وآخرهم بي عهدا عند الموت، وأولهم لقاء إلي يوم القيامة، فليبلغ شاهدكم غائبكم. أيها الناس من كانت له تبعة فها أناذا، ومن كانت له عدة أو دين فليأت علي بن أبي طالب، فأنه ضامن له كله حتى لا يبقى لاحد قبلي تبعة (1). * * * وحكي أن معاوية بن أبي سفيان سأل عبد الله بن العباس رحمة الله عليه، عن أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال إبن عباس: هيهات، عقم النساء أن يأتين بمثله، والله ما رأيت رئيسا مجربا يوزن به، ولقد رأيته في بعض أيام صفين، وعلى رأسه عمامة بيضاء تبرق وقد أرخى طرفيها على صدره وظهره، وكانما عيناه سراجا كسليط، وهو يقف على كتيبة كتيبة حتى انتهى إلي وأنا في كنف من القوم وهو يقول: معاشر المسلمين إستشعروا الخشية، وتجلببوا بالسكينة، وعضوا على النواجذ (2) فإنه أنبى للسيوف عن الهام (3) واكملوا اللامة (4) وقلقلوا السيوف في أغمادها


1 - البحار 22 / 482 - 284. الطرف / 29 - 34. 2 - النواجذ: جمع ناجذ وهو أقصى الاضراس. 3 - ألهام: جمع هامة وهى الرأس. 4 - أللامة: الدرع. (*)

[ 76 ]

قبل سلها، والحضوا لخزر (1) واطعنوا لشزر (2) ونافحوا بالظبا (3) وصلوا السيوف بالخطى، واعلموا أنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، فعاودوا الكرة، واستحيوا من الفر، فانه عار من الاعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم نفسا، وامشوا إلى الموت مشيا سجحا (4)، وعليكم بهذا السواد الاعظم، والرواق المطنب، فاضربوا ثبجه (5) فان الشيطان كامن في كسره، قد قدم للوثبة يدا، وأخر للنكوص رجلا، فصمدا صمدا حتى ينجلي لكم عمود الحق، وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم (6) وأنشأ يقول: إذا المشكلات تصدين لي * كشفت غوامضها بالنظر وإن برقت في مخيل الظنون * عمياء لا تجتليها الفكر مقنعة بغيوب الامور * وضعت عليها حسام العبر معي اصمع كظبى المرهفات * افري به عن بنات الستر لسان كشقشقة الارحبي * أو كالحسام اليماني الذكر ولكنني مدره الاصغرين * أقيس بما قد مضى ما غبر ولست بامعة في الرجال اسا * ئل هذا وذا ما الخبر (الاصغران القلب واللسان) ثم غاب عني عليه السلام، ثم رأيته قد أقبل وسيفه ينطف دما وهو يقرأ: (قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) (7). وباسناد مرفوع إلى الاعمش عن عطية قال: لما خرج عمر بن الخطاب


1 - الخزر: النظر وهو علامة الغضب. 2 - الشزر: الجوانب يمينا وشمالا. 3 - نافحوا: كافحوا وضاربوا، الظبا: السيف. 4 - السجح: السهل. 5 - الثبج: الوسط. 6 - سورة محمد / 35. 7 - سورة التوبة / 12. الغدير 6 / 194. شرح إبن أبي الحديد 5 / 168. مجمع الامثال 2 / 358. شرح إبن ميثم 2 / 178. (*)

[ 77 ]

إلى الشام وكان العباس بن عبد المطلب معه يسايره، فكان من يستقبله ينزل فيبدأ بالعباس فيسلم عليه يقدر الناس إنه هو الخليفة لجماله وبهائه، وهيبته، فقال عمر: لعلك تقدر إنك أحق بهذا الامر مني ؟ فقال له العباس بن عبد المطلب: أحق به مني ومنك من خلفناه بالمدينة، فقال عمر: ومن ذاك ؟ قال: من ضربنا بسيفه حتى قادنا إلى الاسلام (يعني أمير المؤمنين عليا عليه السلام) (1). حدثني أبو محمد هارون بن موسى، قال: حدثني أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن عيسى بن المنصور، قال: حدثني أبو موسى عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور، قال: حدثني الحسن بن علي بن محمد ابن علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام، قال: حدثني أبي علي قال: حدثني أبي محمد قال: حدثني أبي علي، قال: حدثني أبي موسى، قال: حدثني أبي جعفر، قال: حدثني أبي محمد، قال: حدثني أبي علي، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين عليهم السلام، والصلاة، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي مثلكم في الناس مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، فمن أحبكم يا علي نجا، ومن أبغضكم ورفض محبتكم هوى في النار. ومثلكم يا علي مثل بيت الله الحرام، من دخله كان آمنا فمن أحبكم و والاكم كان آمنا من عذاب النار، ومن أبغضكم ألقي في النار يا علي (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (2) ومن كان له عذر فله عذره، ومن كان فقيرا فله عذره، ومن كان مريضا فله عذره، وان الله لا يعذر غنيا، ولا فقيرا، ولا مريضا، ولا صحيحا، ولا أعمى، ولا بصيرا في تفريطه في موالاتكم ومحبتكم (3).


1 - فضائل الخمسة 2 / 83 و 87. 2 - سورة آل عمران / 97. 3 - مستدرك الصحيحين 2 / 343. ذخائر العقبى / 20. وقد تواترت أحاديث بهذا الشأن بألفاظ شتى، وتعابير مختلفة. وأسانيد كثيرة تجدها في كتاب فضائل الخمسة 2 / 83 و 87 و 64 و 66. (*)

[ 78 ]

وبهذا الاسناد عن أبي محمد مرفوعا إلى الحسن بن علي عليهما السلام، قال: حدثني أمير المؤمنين عليه السلام، قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله، ودعا الناس في مرضه، فقال: من يقضي عني ديني وعداتي ويخلفني في أهلي وامتي من بعدي ؟ فكف الناس عنه، وانتدبت له، فضمنت ذلك، فدعا لي بناقته العضباء، وبفرسه المرتجز، وببغلته، وحماره، وسيفه، وذي الفقار، وبدرعه ذات الفضول، وجميع ما كان يحتاج إليه في الحرب، ففقد عصابة كان يشد بها بطنه في الحرب، فأمرهم أن يطلبوها ودفع ذلك إلي ثم قال: يا علي اقبضه في حياتي لئلا ينازعك فيه أحد بعدي، ثم أمرني فحولته إلى منزلي (1). وذكر ان بعض عمال أمير المؤمنين عليه السلام أنفذ إليه في عرض ما أنفذ من حياته مال الفئ قطفا غلاظا، وكان عليه السلام يفرق كل شئ يحمل إليه من مال الفئ لوقته ولا يؤخره، وكانت هذه القطف قد جائته مساء، فأمر بعدها و وضعها في الرحبة ليفرقها من الغد، فلما أصبح عدها فنقصت واحدة فسأل عنها فقيل له: أن الحسن بن علي عليهما السلام، إستعارها في ليلته على أن يردها اليوم، فهرول عليه السلام مغضبا إلى منزل الحسن بن علي عليهما السلام وهو يهمهم وكان من عادته أن يستأذن على منزله إذا جاء. فهجم بغير إذن فوجد القطيفة في منزله فأخذ بطرفها يجرها وهو يقول: النار يا أبا محمد، النار النار يا أبا محمد، النار حتى خرج بها (2). وذكروا أن بعض العمال أيضا حمل إليه في جملة الجباية، حبات من اللؤلؤ فسلمها إلى بلال وهو خازنه على بيت المال، إلى أن ينضاف إليها غيرها،


1 - بحار الانوار 22 / 456 بصورة مفصلة. علل الشرائع / 1 / 168. 2 - هذا الحديث والذي يليه غير صحيح، وأنه من الموضوعات ومن دسائس المنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام لان الامامية تعتقد أن الائمة صلوات الله عليهم فوق مستوى البشر، وأنهم منزهون عن كل ما يزري بذلك المقام الطافح بالعظمة القدسية، وعلى هذا الاساس فما نقرأه في الحديثين ينافي تلك العظمة الآلهية ويصادم ما تقتضيه حقائقهم المقدسة، والغريب أن الشريف الرضي سجل الخبرين من دون تعقيب. (*)

[ 79 ]

ويفرقها فدخل يوما إلى منزله فوجد في أذن إحدى بناته الاصاغر حبة من تلك الحبات، فلما رآها إتهمها بالسرقة فقبض على يدها، وقال: والله لئن وجب عليك حد لاقيمن فيك، فقالت يا أمير المؤمنين. إن بلالا أعارنيها ليفرحني بها إلى أن تفرق مع أخواتها، فجذبها إلى بلال جذبا عنيفا وهو مغضب، فسأله عن صدق قولها فقال: هو كما ذكرت يا أمير المؤمنين، فقال: والله لا وليت لي عمار أبدا وخلى يد الجارية. والصحيح، أن صاحب هذه القصة، كان إبن أبي رافع وهو الذي كان على بيت ماله (1). وقال عليه السلام يوما على منبر الكوفة: من يشتري مني سيفي هذا، ولو ان لي قوت ليلة ما بعته، وغلة صدقته تشتمل حينئذ على أربعين ألف دينار في كل سنة (2). وأعطته عليه السلام الخادم في بعض الليالي قطيفة فانكر دفأها، فقال: ما هذه ؟ فقال الخادم: هذه من قطف الصدقة فألقاها، قال عليه السلام: اصردتمونا بقية ليلتنا (3). وقال عليه السلام في يوم وهو يخطب: معاشر الناس إني تقلدت أمركم هذا، فوالله ما حليت منه بقليل ولا كثير، إلا قارورة من دهن طيب أهداها إلي دهقان من بعض النواحي (4). قال: ودهقان بالضم فاستفيدت منه عليه السلام. ولما قبض عليه السلام خطب الناس الحسن بن علي عليهما السلام فقال:


1 - كيف يتفق هذا الخبر الموضوع مع ثناء أهل البيت عليهم السلام على بلال بن رباح، وانه يشفع لمؤمني الحبشة وقد إتفق علماؤنا الاعلام على إطرائه وتوثيقه ورسوخ قوة الايمان فيه. 2 - مناقب ابن شهر اشوب 2 / 72. نقلا عن البلاذري، وفضائل أحمد. 3 - انساب الاشراف 2 / 117 ومناقب ابن شهر آشوب 2 / 108. 4 - حلية الاولياء 1 / 81 بسنده عن ابي عمرو بن العلاء. وج 9 / 53. كنز العمال 6 / 401. (*)

[ 80 ]

لقد فارقكم أمس رجل ما سبقه الاولون، ولا يدركه الآخرون في حلم ولا علم، وما ترك من صفراء ولا بيضاء، ولا دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، الا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لاهله، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه الراية فلا يرجع حتى يفتح الله عليه (1). وروي عن مولى لبني الاشتر النخعي قال: رأيت أمير المؤمنين عليا عليه السلام، وأنا غلام وقد أتى السوق بالكوفة فقال: لبعض باعة الثياب أتعرفني ؟ قال: نعم أنت أمير المؤمنين، فتجاوزه وسأل آخر فأجاب بمثل ذلك إلى أن سأل واحدا فقال: ما أعرفك فاشترى منه قميصا فلبسه ثم قال: (الحمد لله الذي كسا علي بن أبي طالب)، وإنما ابتاع عليه السلام ممن لا يعرفه خوفا من المحاباة في إرخاص ما ابتاعه (2).


1 - جمهرة خطب العرب 2 / 7. الامامة والسياسة 1 / 127. العقد الفريد 2 / 6. تاريخ الطبري 6 / 91. 2 - مناقب ابن شهر اشوب 2 / 169. (*)

[ 81 ]

المنتخب من قضاياه عليه السلام، وجوابات المسائل التي سئل عنها بإسناد مرفوع إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، أن ثورا قتل حمارا، على عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فرفع ذلك إليه وهو في اناس من أصحابه فيهم أبو بكر، وعمر، فقال يا أبا بكر، إقض بينهم. فقال: يا رسول الله بهيمة قتلت بهيمة، ما عليها شئ. فقال: يا عمر، إقض بينهم. فقال: مثل قول أبي بكر. فقال: يا علي إقض بينهم. فقال: نعم يارسول الله، إن كان الثور دخل على الحمار في مستراحه ضمن أصحاب الثور، وإن كان الحمار دخل على الثور في مستراحه فلا ضمان عليهم (1). قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله يده إلى السماء وقال: الحمد لله الذي جعل مني من يقضي بقضاء النبيينى (2). وعنه - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - بقضية ما قضى بها أحد كان قبله، وكانت أول قضية قضى بها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأفضى الامر إلى أبي بكر، أتى برجل قد شرب الخمر، فقال له أبو بكر: أشربت الخمر ؟ قال: نعم قال ولم شربتها ؟ وهي محرمة، قال: اني أسلمت، ومنزلي بين ظهراني قوم


1 - مناقب إبن شهرآشوب 2 / 169. 2 - مناقب إبن شهراشوب 2 / 354 بسنده إلى مصعب بن سلام بلفظ آخر. نور الابصار / 71. الصواعق المحرقة / 73. فضائل الخمسة 2 / 303. (*)

[ 82 ]

يشربون الخمر ويستحلونها، ولم أعلم أنها حرام، فأجتنبها. قال: فالتفت أبو بكر إلى عمر فقال: ما تقول يا أبا حفص في أمر هذا الرجل ؟ فقال: معضلة وأبو حسن لها. فقال أبو بكر: يا غلام ادع عليا، فقال عمر: بل يؤتى الحكم في بيته، فأتوه وعنده سلمان، فأخبروه بقصة الرجل واقتص عليه الرجل قصته، فقال علي عليه السلام: لابي بكر: ابعث معه من يدور به على مجالس المهاجرين والانصار، فمن كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه، وإن لم يكن أحد تلا عليه آية التحريم فلا شئ عليه. قال: ففعل أبو بكر بالرجل ما قاله عليه السلام، فلم يشهد عليه أحد فخلى سبيله، فقال سلمان لعلي عليه السلام: لقد أرشدتهم، فقال عليه السلام: إنما أردت أن أجدد تأكيد هذه الآية في وفيهم: (افمن يهدى إلى الحق احق أن يتبع ام من لا يهدي إلا ان يهدى فمالكم كيف تحكمون) (1). أبو أيوب المدني، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن يزيد، عن أبي المعلى، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: أتى عمر بإمراة قد تعلقت برجل من الانصار، وكانت تهواه ولم تقدر له على حيلة، فذهبت فأخذت بيضة فأخرجت منها الصفرة وصبت البياض على ثيابها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر فقالت يا أمير المؤمنين: إن هذا الرجل أخذني في موضع كذا ففضحني، قال: فهم عمر أن يعاقب الانصاري، وعلي عليه السلام - جالس، فجعل الانصاري يحلف ويقول: يا أمير المؤمنين تثبت في أمري. فلما أكثر من هذا القول، قال عمر: يا أبا الحسن ما ترى فنظر علي عليه السلام إلى بياض على ثوب المرأة وبين فخذيها فاتهمها أن تكون إحتالت لذلك. فقال: آتوني بماء حار قد اغلي غليا شديدا، ففعلوا فلما أتي بالماء أمرهم فصبوه على موضع البياض فاشتوى ذلك البياض فأخذه عليه السلام، فألقاه إلى


1 - سورة يونس / 35. إبن شهراشوب 2 / 356. الارشاد 1 / 190. (*)

[ 83 ]

فيه فلما عرف الطعم ألقاه من فيه، ثم أقبل على المرأة فسألها حتى أقرت بذلك، ودفع الله عن الانصاري عقوبة عمر بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (1). وبإسناد مرفوع إلى عاصم بن ضمرة السلولي، قال: سمعت غلاما بالمدينة على عهد عمر بن الخطاب، وهو يقول: يا أحكم الحاكمين أحكم بيني، وبين امي، فقال له عمر: يا غلام لم تدعو على أمك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنها حملتني في بطنها تسعا، وأرضعتني حولين فلما ترعرعت، وعرفت الخير من الشر ويميني من شمالي طردتني وانتفت مني وزعمت أنها لا تعرفني. فقال عمر أين تكون المرأة ؟ قال: في سقيفة بني فلان. فقال عمر علي بأم الغلام، قال: فأتوا بها مع أربعة إخوة لها في قسامة يشهدون لها انها لا تعرف الصبي، وان هذا الغلام غلام مدع ظلوم غشوم، يريد أن يفضحها في عشيرتها و أن هذه الجارية من قريش، لم تتزوج قط، وأنها بخاتم ربها، فقال عمر: يا غلام ما تقول ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هذه والله امي، حملتني تسعا، وأرضعتني حولين، فلما ترعرعت، وعرفت الخير والشر ويميني من شمالي، طردتني وانتفت مني و زعمت أنها لا تعرفني. فقال عمر: يا هذه ما يقول الغلام ؟ قالت يا أمير المؤمنين و الذي احتجب بالنور ولا عين تراه وحق محمد وما ولد، ما أعرفه ولا أدري اي الناس هو، وإنه غلام مدع يريد أن يفضحني في عشيرتي، وأنا جارية من قريش لم أتزوج قط، واني بخاتم ربي. فقال عمر: ألك شهود ؟ فقالت: نعم هؤلاء، فتقدم القسامة فشهدوا أن هذا الغلام مدع يريد أن يفضحها في عشيرتها، وأن هذه جارية من قريش لم تتزوج قط، وأنها بخاتم ربها، فقال عمر: خذوا بيد الغلام فانطلقوا به إلى السجن حتى نسأل عن الشهود، فإن عدلت شهادتهم جلدته حد المفتري، فأخذ بيد الغلام لينطلق به الي السجن، فتلقاهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، في


1 - الغدير 6 / 126. ابن شهراشوب 2 / 367. الارشاد 1 / 210. (*)

[ 84 ]

بعض الطريق، فنادى الغلام: يا ابن عم رسول الله اني غلام مظلوم، وأعاد عليه الكلام الذي كلم به عمر، ثم قال: وهذا عمر قد أمر بي إلى الحبس. فقال علي عليه السلام: ردوه فلما ردوه قال لهم عمر: أمرت به إلى السجن فرددتموه إلي، فقالوا يا أمير المؤمنين: أمرنا علي بن أبي طالب برده إليك، و سمعناك تقول لا تعصوا لعلي أمرا، فبيناهم كذلك إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: علي بام الغلام فأتوا بها، فقال عليه السلام: يا غلام ما تقول ؟ فأعاد عليه الكلام، فقال عليه السلام لعمر: أتأذن لي في أن اقضي بينهما ؟ فقال عمر: يا سبحان الله وكيف لا، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أعلمكم علي بن أبي طالب عليه السلام (1). فقال عليه السلام للمرأة: يا هذه ألك شهود ؟ قالت: نعم فتقدم القسامة فشهدوا بالشهادة الاولى، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله لاقضين بينكم اليوم بقضية هي مرضاة الرب من فوق عرشه، علمنيها رسول الله صلى الله عليه و آله، ثم قال لها: ألك ولي ؟ فقالت: نعم هؤلاء إخوتي، فقال لاخوتها: أمري فيكم وفيها جائز ؟ قالوا: نعم يا ابن عم رسول الله، أمركم فينا وفى اختنا جائز، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: اشهد الله واشهد أمير المؤمنين (يعني عمر) وأشهد من حضر من المسلمين أني قد زوجت هذه المرأة من هذا الغلام على أربع مائة درهم، والمهر من مالي. يا قنبر علي بالدارهم، فأتاه قنبر بها، فصبها في يد الغلام، ثم قال: خذها فصبها في حجر إمرأتك، ولا تأتنا الا وبك أثر العرس (يعنى الغسل)، فقام الغلام فصب الدراهم في حجر المرأة ثم تلببها فقال لها: قومي فنادت المرأة، النار النار، يا ابن عم رسول الله، تريد أن تزوجني من ولدي هذا، والله ولدي زوجني إخوتي هجينا فولدت منه هذا الغلام، فلما ترعرع وشب أمروني أن أنتفي منه، وأطرده و


- 1 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب. الغدير 3 / 96. كنز العمال 6 / 153. مناقب الخوارزمي / 49. مقتل الخوارزمي 1 / 43. (*)

[ 85 ]

هذا والله إبني، وفؤادي يتحرق أسفا على ولدي، قال: ثم أخذت بيد الغلام وانطلقت ونادى عمر: واعمراه لولا علي لهلك عمر (1). * * * وبإسناد مرفوع قال: بينا رجلان جالسان في دهر عمر بن الخطاب إذ مر بهما رجل مقيد، وكان عبدا، فقال أحدهما: إن لم يكن في قيده كذا وكذا فامرأته طالق ثلاثا، فقال الآخر إن كان فيه كما قلت فامرأته طالق ثلاثا، قال: فذهبا إلى مولى العبد فقالا: إنا قد حلفنا على كذا وكذا فحل قيد غلامك حتى نزنه، فقال مولى الغلام: إمرأته طالق إن حللت قيد غلامي، قال فارتفعوا إلى عمر فقصوا عليه القصة، فقال مولاه أحق به إذهبوا فاعتزلوا نساءكم، فقالوا إذهبوا بنا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، لعله أن يكون عنده في هذا شئ فأتوه عليه السلام فقصوا عليه القصة، فقال ما أهون هذا ثم دعا بجفنة وأمر بقيد الغلام فشد فيه خيط وأدخل رجليه والقيد في الجفنة، ثم صب الماء عليه حتى إمتلات ثم قال: ارفعوا القيد فرفع القيد حتى أخرج من الماء ثم دعا بزبر الحديد فأرسلها في الماء حتى تراجع الماء إلى موضعه حين كان القيد فيه ثم قال: زنوا هذا الحديد فإنه وزنه (2). وروي ان أمير المؤمنين عليه السلام، كان إذا قطع اليد قطع أربع أصابع و ترك الكف، والراحة، والابهام، وإذا أراد قطع الرجل قطعها من الكعب وترك العقب، فقيل له: لم هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال: اني لاكره أن تدركه التوبة فيحتج علي عند الله إني لم أدع له من كرائم بدنه ما يركع به ويسجد (3).


1 - هذا الحديث واضرابه من القضايا التي اجمعت العامة والخاصة على صحته، وجاء في كتب الفريقين مما يثبت جهل عمر وقصوره في العلم إلى جانب اعترافه وتصريحه بفضل سيدنا امير المؤمنين عليه السلام. الغدير 6 / 104. مناقب ابن شهراشوب 2 / 361. البحار 9 / 487 الطبعة القديمة. 2 - الغدير 6 / 38 - 323. قضاوتهاى امير المؤمنين (ع) / 59. 3 - المصدر السابق. (*)

[ 86 ]

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ادعى على عهد أمير المؤمنين عليه السلام رجلان كل واحد على صاحبه أنه مملوكه، ولم يكن لهما بينة، فبنى لهما بيتا وجعل كوتين قريبة إحداهما من الاخرى، وأدخلهما البيت وأخرج رأسيهما من الكوتين، وقال لقنبر: قم عليهما بالسيف فإذا قلت لك إضرب عنق المملوك فافزعهما ولا تضربن أحدا منهما، ثم قال له: إضرب عنق المملوك فهز قنبر السيف فأدخل أحدهما رأسه وبقى رأس الآخر خارجا من الكوة فدفع الذي أدخل رأسه إلى صاحبه، وقال له: إذهب فانه مملوكك (1). وعنه عليه السلام قال: كان صبيان في زمن علي عليه السلام يلعبون بأحجار لهم، فرمى أحدهم بحجره فأصاب رباعية صاحبه، فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فأقام الرامي البينة أنه قال: حذار حذار، فدرأ عنه القصاص ثم قال عليه السلام: قد أعذر من حذر (2). وفي خبر مرفوع قال، لما رفع أمير المؤمنين عليه السلام يده من غسل رسول الله صلى الله عليه وآله أتته أنباء السقيفة، فقال: ما قالت الانصار ؟ قالوا قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال عليه السلام: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وصى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، قالوا: وما في هذا من حجة عليهم ؟ فقال عليه السلام: لو كانت الامارة فيهم لم تكن الوصية بهم، ثم قال عليه السلام: فماذا قالت قريش ؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول صلى الله عليه وآله، فقال عليه السلام: إحتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة (3).


1 - نفس المصدر. 2 - شرح محمد عبده 3 / 164. 3 - شرح ابن ميثم البحراني 2 / 184. شرح ابن ابي الحديد 6 / 3. (*)

[ 87 ]

من جوابات المسائل التي سئل عليه السلام عنها بإسناد مرفوع إلى الاصبغ بن نباته قال: أتى إبن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام، وكان معنتا في المسائل فقال له: يا أمير المؤمنين خبرني عن الله عزوجل، هل كلم أحدا من ولد آدم قبل موسى ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام قد كلم الله جميع خلقه برهم وفاجرهم، وردوا عليه الجواب، قال: فثقل ذلك على إبن الكواء ولم يعرفه فقال: وكيف كان ذلك ؟ فقال: أوما تقرأ كتاب الله تعالى إذ يقول لنبيه عليه السلام: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) (1) فقد أسمعهم كلامه وردوا عليه الجواب كما تسمع في قول الله يا ابن الكواء، قالوا بلى، وقال لهم: (إني أنا الله لا إله الا أنا وأنا الرحمن الرحيم) فأقروا له بالطاعة والربوبية، وميز الرسل والانبياء والاوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم فأقروا بذلك في الميثاق و أشهدهم على أنفسهم، وأشهد الملائكة عليهم أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذه غافلين (2). قال السيد الرضي أبو الحسن: ولهذه الآية تأويل ليس هذا الموضع كشف جليته وبيان حقيقته. وسأله عليه السلام رجل من اليهود، فقال: أين كان الله تعالى من قبل أن


1 - سورة الاعراف / 172. 2 - مجمع البيان 1 / 497. تفسير الدر المنثور 3 / 142. تفسير الطبري 9 / 114. (*)

[ 88 ]

يخلق السماوات والارض ؟ فقال عليه السلام: أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان. فقطعه في أوجز كلمة (1).


1 - شرح محمد عبده 1 / 160. (*)

[ 89 ]

ومن مسائل سأله عنها إبن الكواء فقال: كم بين المشرق والمغرب ؟ قال عليه السلام: مسيره يوم مطرد للشمس. وهذا أخصر كلام يكون وأبلغه. وبإسناد مرفوع قال: إجتمع نفر من الصحابة على باب عثمان بن عفان فقال كعب الاحبار: والله لوددت أن أعلم أصحاب محمد عندي الساعة فأسأله عن أشياء ما أعلم أحد على وجه الارض يعرفها ما خلا رجلا أو رجلين إن كانا، قال: فبينا نحن كذلك إذ طلع علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: فتبسم القوم. قال: فكأن عليا عليه السلام دخله من ذلك بعض الغضاضة، فقال لهم: لشئ ما تبسمتم ؟ فقالوا: لغير ريبة ولا بأس يا أبا الحسن إلا أن كعبا تمنى امنية فعجبنا من سرعة إجابة الله له في أمنيته، فقال عليه السلام لهم: وما ذاك ؟ قالوا: تمنى أن يكون عنده أعلم أصحاب محمد عليه السلام ليسأله عن أشياء زعم أنه لا يعرف أحدا على وجه الارض يعرفها، قال فجلس عليه السلام، ثم قال: هات يا كعب مسائلك. فقال: يا أبا الحسن أخبرني عن أول شجرة اهتزت على وجه الارض ؟ فقال عليه السلام: في قولنا أو في قولكم ؟ فقال: بل أخبرنا عن قولنا وقولكم، فقال عليه السلام: تزعم يا كعب أنت وأصحابك إنها الشجرة التي شق منها السفينة قال كعب: كذلك نقول فقال عليه السلام: كذبتم يا كعب ولكنها النخلة التي أهبطها الله تعالى مع آدم عليه السلام من الجنة، فاستظل بظلها وأكل من ثمرها.

[ 90 ]

هات يا كعب: فقال يا أبا الحسن أخبرني عن أول عين جرت على وجه الارض، فقال عليه السلام: في قولنا أو في قولكم ؟ فقال كعب: أخبرني عن الامرين جميعا، فقال عليه السلام: تزعم أنت وأصحابك أنها العين التي عليه صخرة بيت المقدس، قال كعب: كذلك نقول، قال: كذبتم يا كعب ولكنها عين الحيوان وهي التي شرب منها الخضر فبقى في الدنيا. قال عليه السلام هات يا كعب: قال أخبرني يا أبا الحسن عن شئ من الجنة في الارض فقال عليه السلام: في قولنا أو في قولكم، فقال: عن الامرين جميعا، فقال عليه السلام: تزعم أنت وأصحابك انه حجر أنزله الله من الجنة أبيض فاسود من ذنوب العباد، قال كذلك نقول، قال: كذبتم يا كعب ولكن الله أهبط البيت من لؤلؤة بيضاء، جوفاء من السماء إلى الارض فلما كان الطوفان رفع الله البيت وبقى أساسه. هات يا كعب، قال: أخبرني يا أبا الحسن عمن لا أب له، وعمن لا عشيرة له، وعمن لا قبلة له، قال: اما من لا أب له فعيسى عليه السلام، وأما لا عشيرة له فآدم عليه السلام، واما من لا قبلة له فهو البيت الحرام، هو قبلة ولا قبلة لها. هات يا كعب فقال: أخبرني يا أبا الحسن عن ثلاثة أشياء لم ترتكض في رحم ولم تخرج من بدن، فقال عليه السلام له: هي عصا موسى عليه السلام، و ناقة ثمود وكبش إبراهيم. ثم قال هات يا كعب، فقال: يا أبا الحسن بقيت خصلة فإن أنت أخبرتني بها فأنت أنت، قال هلمها يا كعب قال: قبر سار بصاحبه، قال: ذلك يونس بن متى إذ سجنه الله في بطن الحوت (1). وبإسناد مرفوع إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام، قال: قدم أسقف نجران على عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين: إن أرضنا باردة


1 - سفينة البحار 2 / 482 نقلا عن تفسير علي بن ابراهيم القمي. فضا وتهاى أمير المؤمنين / 250. (*)

[ 91 ]

سديدة المؤونة لا تحمل الجيش، وأنا ضامن لخراج أرضي أحمله إليك في كل عام كملا، فكان يقدم هو بالمال بنفسه، ومعه أعوان له حتى يوفيه بيت المال، ويكتب له عمر البرائة. قال: فقدم الاسقف ذات عام، وكان شيخا جميلا فدعاه عمر إلى الله، وإلى دين رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنشأ يذكر فضل الاسلام وما يصير إليه المسلمون من النعيم والكرامة، فقال له الاسقف: يا عمر أنتم تقرؤن في كتابكم أن لله جنة عرضها كعرض السماء والارض، فأين تكون النار ؟ قال: فسكت عمر، ونكس رأسه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام، و كان حاضرا: أجب هذا النصراني. فقال له عمر: بل أجبه أنت، فقال عليه السلام، له: يا أسقف نجران أنا أجيبك أرأيت إذا جاء النهار أين يكون الليل، وإذا جاء الليل أين يكون النهار ؟ فقال الاسقف: ما كنت أرى أن أحدا يجيبني عن هذه المسألة. ثم قال: من هذا الفتى يا عمر ؟ قال عمر: هذا علي بن أبي طالب ختن رسول الله صلى الله عليه وآله وإبن عمه، وأول مؤمن معه، هذا أبو الحسن والحسين عليهما السلام. قال الاسقف: أخبرني يا عمر عن بقعة في الارض طلعت فيها الشمس ساعة، ولم تطلع فيها قبلها ولا بعدها ؟ قال له عمر: سل الفتى فقال أمير المؤمنين: أنا اجيبك، هو البحر حيث انفلق لبني اسرائيل فوقعت الشمس فيه ولم تقع فيه قبله ولا بعده، قال الاسقف: صدقت يافتى. ثم قال الاسقف: يا عمر أخبرني عن شئ في أيدي أهل الدنيا شبيه بثمار أهل الجنة ؟ فقال: سل الفتى. فقال عليه السلام أنا أجيبك: هو القرآن يجتمع أهل الدنيا عليه فيأخذون منه حاجتهم، ولا ينتقص منه شئ وكذلك ثمار الجنة. قال الاسقف: صدقت يافتى. ثم قال الاسقف يا عمر: أخبرني هل للسماوات من أبواب ؟ فقال له عمر: سل الفتى. فقال عليه السلام: نعم يا أسقف، لها أبواب فقال: يافتى، هل

[ 92 ]

لتلك الابواب من أقفال ؟ فقال عليه السلام: نعم يا أسقف، أقفالها الشرك بالله قال الاسقف: صدقت يافتى. فما مفتاح تلك الاقفال ؟ فقال عليه السلام: شهادة ان لا إله إلا الله، لا يحجبها شئ دون العرش فقال: صدقت يافتى. ثم قال الاسقف يا عمر: أخبرني عن أول دم وقع على وجه الارض اي دم كان ؟ فقال: سل الفتى: فقال عليه السلام: أنا أجيبك، يا أسقف نجران، أما نحن فلا نقول كما تقولون أنه دم ابن آدم الذى قتله اخوه ليس هو كما قلتم، ولكن أول دم وقع على وجه الارض مشيمة حواء حين ولدت قابيل بن آدم، قال الاسقف صدقت يافتى. ثم قال الاسقف: بقيت مسألة واحدة أخبرني أنت يا عمر أين الله تعالى ؟ قال: فغضب عمر، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا اجيبك وسل عما شئت، كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم، أتاه ملك فسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: من أين ارسلت ؟ قال: من سبع سموات من عند ربي، ثم أتاه ملك آخر فسلم فقال له رسول الله: من أين ارسلت ؟ فقال: من سبع أرضين من عند ربي، ثم أتاه ملك آخر فسلم فقال له رسول الله: من أين ارسلت ؟ قال: من مشرق الشمس من عند ربي، ثم أتاه ملك آخر فقال له رسول الله: من أين ارسلت ؟ فقال: من مغرب الشمس من عند ربي، فالله هاهنا، و هاهنا، وهاهنا، في السماء إله، وفي الارض إله، وهو الحكيم العليم. قال أبو جعفر: معناه من ملكوت ربي في كل مكان، ولا يعزب عن علمه شئ تبارك وتعالى (1).


1 - الغدير 6 / 242. زين الفتى في شرح سورة هل أتى (خ). قضاوتهاى امير المؤمنين (ع) / 282. (*)

[ 93 ]

ومن جملة كلامه عليه السلام للشامي لما سأله أكان مسيره إلى الشام بقضاء من الله وقدره، بعد كلام طويل هذا مختاره: إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، فكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يرسل الانبياء لعبا، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثا، ولا خلق السموات والارض و ما بينهما باطلا (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) (1).


1 - الارشاد / 120. شرح إبن ميثم البحراني 5 / 278. (*)

[ 94 ]

ومن كلامه عليه السلام القصير في فنون البلاغة، والمواعظ والزهد، والامثال ولو لم يكن في هذا الكتاب سوى ما أوردناه من هذا الفصل لكفى به فائدة. قال عليه السلام: خذ الحكمه أنى أتتك فإن الحكمة تكون في صدر المنافق، فتلجلج في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن (1). وقال عليه السلام: الهيبة خيبة، والفرصة تمر مر السحاب، والحكمة ضالة المؤمن فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق (2). وقال عليه السلام: اوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الابل كانت لذلك أهلا، لا يرجون أحد منكم الا ربه. ولا يخافن إلا ذنبه. ولا يستحيين أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم. ولا يستحيين أحد إذا لم يعلم الشئ أن يتعلمه. وعليكم بالصبر فإن الصبر من الايمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه (2). وقال الاصمعي: أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام، فأفرط في الثناء عليه، فقال - عليه السلام - وكان له متهما: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك (3).


1 - شرح إبن ميثم 5 / 281. ابن أبي الحديد 18 / 229. 2 - المصدر السابق. 3 - الارشاد / 157. شرح، إبن ميثم 5 / 282. إبن أبي الحديد 18 / 232. (*)

[ 95 ]

وقال عليه السلام: قيمة كل امرئ ما يحسنه. قال السيد الرضي أبو الحسن رضي الله عنه: وهذه الكلمة لا قيمة لها ولا كلام يوزن بها (1). وقال عليه السلام: السيف أبقى عددا وأكثر ولدا (2). وقال عليه السلام: من ترك قول " لا أدري " اصيبت مقالته (3). وقال عليه السلام: رأي الشيخ أحب إلي من جلد الغلام. ويروى من مشهد الغلام (4). وقال عليه السلام: وقد سمع رجلا من الحرورية يتهجد بصوت حزين. نوم على يقين خير من صلاة في شك (5). وقال عليه السلام: إعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية، لا عقل رواية، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل (6) وقال عليه السلام، وقد سمع رجلا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون: يا هذا إن قولنا: إنا لله إقرار منا بالملك. وقولنا إليه راجعون إقرار منا بالهلك 7. وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله - كانتفاعي بكلام كتبه إلي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو: اما بعد، فإن المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما


1 - نفس المصدر. 2 - شرح إبن أبي الحديد 18 / 235. إبن ميثم البحراني 5 / 283. 3 - المصدر السابق. 4 - إبن ابي الحديد 18 / 237. إبن ميثم البحراني 5 / 284. 5 - شرح إبن ميثم 5 / 289. مجمع الامثال 2 / 455. 6 - إبن ميثم البحراني 5 / 290. 7 - نفس المصدر. (*)

[ 96 ]

فاتك منها وما نلت من دنياك، فلا تكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا، وليكن همك فيما بعد الموت (1). وكان عليه السلام يقول إذا اطري في وجهه: أللهم اجعلنا خيرا مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون (2). وقال عليه السلام: لا يستقيم قضاء الحوائج إلا بثلاث، باستصغارها لتعظم، وباستكتامها لتنسى، وبتعجيلها لتهنأ (3). وقال عليه السلام: يأتي على الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل، ولا يظرف فيه إلا الفاجر، ولا يضعف فيه إلا المنصف، يعدون الصدقة غرما، وصلة الرحم منا، والعبادة إستطالة على الناس، فعند ذلك يكون السلطان بمشورة الاماء، وإمارة الصبيان (4). وقال عليه السلام، وقد شوهد عليه ازار مرقوع فقيل له في ذلك فقال: يخشع له القلب، وتذل به النفس، ويقتدي به المؤمنون (5). وكان عليه السلام يقول: إنما أخشى عليكم من بعدي إتباع الهوى، وطول الامل، فان طول الامل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق، ألا وان الدنيا قد إرتحلت مدبرة، والآخرة قد جاءت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، واليوم المضمار، وغدا السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار (6). وقال عليه السلام: ان الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان،


1 - شرح إبن ميثم 5 / 215. دستور معالم الحكم / 96. 2 - المصدر السابق 5 / 290. 3 - نفس المصدر. 4 - إبن ميثم البحراني 5 / 291. 5 - إبن مثيم 5 / 292. 6 - شرح إبن ميثم 2 / 40. إبن أبي الحديد 2 / 91. (*)

[ 97 ]

فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها، وهما بمنزلة المشرق والمغرب، وماش بينهما كلما قرب من واحد بعد عن الآخر، وهما بعد ضرتان (1). وعن نوف البكالى، قال: رأيت أمير المؤمنين - عليه السلام - ذات ليلة وقد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم، ثم قال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق ؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، قال يا نوف: طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، اولئك قوم اتخذوا الارض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن شعارا، والدعاء دثارا ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح عليه السلام. يا نوف إن داود عليه السلام، قام في مثل هذه الساعة من الليل، فقال إنها ساعة لا يدعو فيها عبد الا استجيب له الا ان يكون عشارا، أو عريفا، أو شرطيا، أو صاحب عرطبة (وهى الطنبور) أو صاحب كوبة (وهي الطبل) (2). وقال عليه السلام: إن الله فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد لكم حدودا قلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها، رحمة من ربكم رحمكم بها فاقبلوها (3). وقال عليه السلام: لا يترك الناس شيئا من دينهم، لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو اضر منه (4). وقال عليه السلام: رب عالم قد قتله جهله، ومعه علمه لا ينفعه (5). وقال عليه السلام: أعجب ما في هذا الانسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب إشتد به الغيظ


1 - إبن ميثم البحراني 5 / 292. 2 - شرح إبن ميثم 5 / 293. إبن أبي الحديد 18 / 265. 3 - إبن ميثم البحراني 5 / 294. إبن أبي الحديد 18 / 267. 4 - المصدر السابق 5 / 295. 5 - نفس المصدر. إبن أبي الحديد 18 / 269. (*)

[ 98 ]

وإن أسعده الرضا نسي التحفظ، وإن غاله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له، الامر استلبته الغرة، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته الفاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد (1). وقال عليه السلام: نحن النمرقة الوسطى بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي (2). ومن كلام له عليه السلام: تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل، واقلوا العرجة على الدنيا، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد، فإن أمامكم عقبة كؤدا، ومنازل هائلة مخوفة، لا بد من الممر عليها، والوقوف عندها، فإما برحمة من الله نجوتم من فظاظتها (3) وشدة مختبرها، وكراهة منظرها، وإما بهلكة ليس بعدها نجاة، فيالها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة. وكان عليه السلام يقول: الوفاء توأم الصدق، ولا نعلم نجاة ولا جنة أوقى منه، وما يغدر من يعلم كيف المرجع في الذهاب عنه، ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الشر كيسا، ونسبهم أهل الجهل إلى حس الحيلة، ما لهم - قاتلهم الله - قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من الله ونهيه، فيدعها من بعد قدرة وينتهز فرصتها من لا جريحة في الدين (4). وقال عليه السلام: الناس في الدنيا عاملان، عامل في الدنيا للدنيا قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلف الفقر، ويأمنه على نفسه فيفني عمره في منفعة غيره، وآخر عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه، الذى له من الدنيا بغير عمل، فأصبح ملكا عند الله لا يسأل شيئا يمنعه (5).


1 - شرح إبن ميثم 5 / 295. الارشاد / 159. دستور معالم الحكم / 129. 2 - شرح إبن أبي الحديد 18 / 273. إبن ميثم 5 / 297. 3 - في اكثر الشروح هكذا: وطئتها. 4 - شرح إبن ميثم البحراني 2 / 104. 5 - المصدر السابق 5 / 380. (*)

[ 99 ]

وقال عليه السلام: شتان بين عملين، عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، و عمل تذهب مؤنته ويبقى أجره (1). وتحدث - عليه السلام - يوما بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله - فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقال عليه السلام: ما زلت مذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله مظلوما، وقد بلغني مع ذلك أنكم تقولون إني أكذب عليه، ويلكم أتروني اكذب ؟ فعلى من أكذب ؟ أعلى الله ؟ فأنا أول من آمن به، أم على رسول الله ؟ وأنا أول من صدقه. ولكن لهجة غبتم عنها، ولم تكونوا من أهلها، وعلم عجزتم عن حمله ولم تكونوا من أهله، إذ كيل بغير ثمن لو كان له وعاء (ولتعلمن نبأه بعد حين) (2). أراد أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يخيله ويسر إليه. وشيع علي عليه السلام جنازة، فسمع رجلا يضحك، فقال عليه السلام: كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وكأن الذي نرى من الاموات سفر، عما قليل إلينا راجعون، نبؤهم أجداثهم، ونأكل تراثهم قد نسينا كل واعظة، ورمينا بكل جائحة (3). وقال عليه السلام: طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه، وعزل عن الناس شره، ووسعته السنة، ولم ينسب إلى بدعة. قال السيد الرضي أبو الحسن رضي الله عنه، وهذا الكلام من الناس من يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله، وكذلك الذي قبله (4). وقال عليه السلام: من أراد عزا بلا عشيرة، وهيبة من غير سلطان، وغنى


1 - شرح إبن ميثم 5 / 306. 2 - سورة ص / 88. شرح إبن ميثم 2 / 192. 3 - إبن ميثم البحراني 5 / 306. إبن أبي الحديد 18 / 311. 4 - المصدر السابق. (*)

[ 100 ]

من غير مال، وطاعة من غير بذل، فليتحول من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله فإنه يجد ذلك كله (1). وقال عليه السلام:، وقد فرغ من حرب الجمل: معاشر الناس إن النساء نواقص الايمان، نواقص العقول، نواقص الحظوظ، فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن. وأما نقصان عقولهن فلا شهادة لهن إلا في الدين، وشهادة إمرأتين برجل. وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال (2). وقال عليه السلام: إتقو شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر، و لا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر (3). وقال عليه السلام: غيرة المرأة كفر، وغيرة الرجل إيمان (4). وقال عليه السلام: لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والاقرار هو الاداء، والاداء هو العمل (5). وقال عليه السلام: قد يكون الرجل مسلما ولا يكون مؤمنا، ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما، والايمان إقرار باللسان، وعقد بالقلب، وعمل بالجوارح، ولا يتم المعروف إلا بثلاث، تعجيله، وتصغيره، وتستيره، فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته تممته (6). وقال عليه السلام: عجبت للبخيل الذي استعجل الفقر الذي منه هرب، و فاته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب


1 - شرح إبن ميثم 5 / 304. 2 - إبن ميثم البحراني 2 / 223. 3 - المصدر السابق. 4 - شرح إبن ميثم 5 / 308. 5 - نفس المجلد والصفحة. 6 - شرح إبن أبي الحديد 19 / 51. شرح محمد عبده 3 / 203. (*)

[ 101 ]

في الآخرة حساب الاغنياء. وعجبت للمتكبر الذي كان بالامس نطفة وهو غدا جيفة. وعجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله. وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت. وعجبت لمن أنكر النشأة الاخرى وهو يرى النشأة الاولى. وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء (1). وقال عليه السلام: من قصر في العمل ابتلى بالهم، ولا حاجة لله فيمن ليس لله في نفسه وماله نصيب (2). وقال عليه السلام: لسلمان الفارسي رحمة الله عليه، إن مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل سمها، فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، فإن المرء العاقل كلما صار فيها إلى سرور أشخصته منها إلى مكروه، ودع عنك همومها إن أيقنت بفراقها (3). وقال عليه السلام: توقوا البرد في أوله، وتلقوه في آخره، فانه يفعل بالابدان كفعله في الاشجار أوله يحرق وآخره يورق (4). وقال عليه السلام: عظم الخالق عندك، يصغر المخلوق في عينك (5). وقال عليه السلام: ثلاث خصال مرجعها على الناس في كتاب الله، لبغي، والنكث، والمكر، قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنما بغيكم على نفسكم) (6) وقال تعالى: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) (7) وقال تعالى: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) (8).


1 - شرح إبن ميثم 5 / 309. 2 - إبن ميثم البحراني 5 / 310. 3 - دستور معالم الحكم / 37. شرح إبن ميثم 5 / 218. 4 - شرح إبن ميثم 5 / 311. 5 - نفس المصدر. 6 - سورة يونس / 23. 7 - سورة الفتح / 10. 8 - سورة الفاطر / 43. (*)

[ 102 ]

وقال عليه السلام، وقد رجع من صفين، فأشرف على القبور بظاهر الكوفة فقال: يا أهل القبور يا أهل التربة، يا أهل الغربة، يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة، أما الدور فقد سكنت، وأما الازواج فقد نكحت، وأما الاموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما لو أذن لهم في الكلام لاخبروكم: أن خير الزاد التقوى (1). وقال عليه السلام: إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن إتعظ بها، مسجد أحباء الله، و مصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، إكتسوا فيها الرحمة، و ربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت لهم ببلائها، وشوقتهم بسرورها إلى السرور، وراحت بعافية، و ابتكرت بفجيعة، ترغيبا وترهيبا وتخويفا وتحذيرا، فذمها رجال غداة الندامة، و حمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم الدنيا فذكروا وحذرتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا. فيا أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها، بم تذمها ؟ أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ؟ متى استهوتك ؟ أم متى غرتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بكفيك ؟ وكم مرضت بيديك ؟ تبغى لهم الشفاء، وتستوصف لهم الاطباء، لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فيه بطلبتك، قد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك (2). وقال عليه السلام: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة وقد يجمعهما لاقوام (3).


1 - ابن ميثم الكبير 5 / 312. ابن ابي الحديد 18 / 322. 2 - إبن أبي الحديد 18 / 235. ابن ميثم 5 / 313. 3 - شرح ابن ميثم 2 / 3. شرح ابن ابي الحديد 1 / 312. (*)

[ 103 ]

وقال عليه السلام: من لهج قلبه بحب الدنيا التاط منها بثلاث، هم لا يغبه، وأمل لا يدركه، ورجاء لا يناله (1). وقال عليه السلام: إن لله ملكا ينادي في كل يوم، لدوا للموت، واجمعوا للفناء، وابنوا للخراب (2). وقال عليه السلام: الدنيا دار ممر إلى دار مقر، والناس فيها رجلان، رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل إبتاع نفسه فأعتقها (3). وقال عليه السلام: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث، في نكبته، وغيبته، ووفاته (4). وقال عليه السلام: من أعطى أربعا لم يحرم أربعا، من أعطي الدعاء لم يحرم الاجابة. ومن اعطي التوبة لم يحرم القبول. ومن أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة. ومن اعطي الشكر لم يحرم الزيادة. وتصديق ذلك في القرآن قال الله تعالى في الدعاء: (ادعوني أستجب لكم) (5) وقال - تعالى - في الاستغفار: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) (6) و قال تعالى في الشكر: (لان شكرتم لازيدنكم) (7) وقال تعالى في التوبة: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة، ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب الله عليهم) (8). وقال عليه السلام: الصلاة قربان كل تقي، والحج جهاد كل ضعيف، و لكل شئ زكاة، وزكاة البدن الصيام، وجهاد المرأة حسن التبعل (9).


1 - شرح ابن ابى الحديد 19 / 52. ابن ميثم 5 / 356. 2 - شرح ابن مثيم 5 / 316. شرح محمد عبده 3 / 183. 3 - ابن ابي الحديد 18 / 329. ابن ميثم البحراني 5 / 316. 4 - شرح ابن ميثم 5 / 316. ابن ابي الحديد 18 / 330. 5 - سورة غافر / 60. 6 - سورة النساء / 110. 7 - سورة ابراهيم / 7. 8 - سورة النساء / 17. 9 - شرح ابن ابي الحديد 18 / 332. ابن ميثم البحراني 5 / 317. (*)

[ 104 ]

وقال عليه السلام: إستنزلوا الرزق بالصدقة. ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية (1). وقال عليه السلام: تنزل المعونة على قدر المؤونة (2). وقال عليه السلام: التقدير نصف العيش، وما عال إمرء اقتصد (3). وقال عليه السلام: قلة العيال أحد اليسارين (4). وقال عليه السلام: التودد نصف العقل (5). وقال عليه السلام: الهم نصف الهرم (6). وقال عليه السلام: ينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن ضرب على فخذه عند المصيبة حبط أجره (7). وقال عليه السلام: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء، حبذا نوم الاكياس وإفطارهم، عيبوا الحمقى بصيامهم وقيامهم، والله لنوم على يقين أفضل من عبادة أهل الارض من المغترين (8). وقال عليه السلام: لا تأكلوا الربا في معاملاتكم فوالذي فلق الحبة، وبرأ النسمة للربا أخفى في هذه الامة من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء (9). قال السيد الرضي رضي الله عنه، وهذا الكلام يروى أيضا للنبي


1 - شرح ابن ميثم البحراني 5 / 318. شرح محمد عبده 3 / 185. 2 - إبن أبي الحديد 18 / 337. ابن ميثم 5 / 318. 3 - شرح ابن ميثم البحراني 5 / 319. ابن ابي الحديد 18 / 338. 4 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 339. ابن ميثم 5 / 319. 5 - شرح ابن ميثم 5 / 319. ابن أبي الحديد 18 / 340. 6 - ابن أبي الحديد 18 / 341. شرح عبده 3 / 185. 7 - ابن ميثم البحراني 5 / 319. إبن أبي الحديد 18 / 342. 8 - ابن أبي الحديد 18 / 344. ابن ميثم البحراني 5 / 320. 9 - المصدر السابق 3 / 368. (*)

[ 105 ]

عليه السلام، ولا عجب أن يتداخل الكلامان، ويتشابه الطريقان، إذ كانا عليهما السلام يمضيان في اسلوب ويغرفان من قليب. وقال عليه السلام: سوسوا إيمانكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا البلاء بالدعاء. ومن كلامه عليه السلام، لكميل بن زياد النخعي على التمام: حدثني هارون بن موسى، قال حدثني أبو علي محمد بن همام الاسكافي، قال: حدثني أبو عبد الله جعفر بن محمد الحسني، قال: حدثني محمد بن علي ابن خلف، قال: حدثني عيسى بن الحسين بن عيسى بن زيد العلوي عن إسحاق ابن إبراهيم الكوفي، عن الكلبي، عن أبي صالح عن كميل بن زياد النخعي، قال: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأخرجني إلى الجبان، فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال: يا كميل بن زياد، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك، الناس ثلاثة، فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق. يا كميل بن زياد، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الانفاق. يا كميل بن زياد، معرفة العلم دين يدان به، يكسب الانسان الطاعة في حياته، وجميل الاحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه. يا كميل بن زياد، هلك خزان الاموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، اعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، ها إن هاهنا لعلما جما (وأشار إلى صدره) لو أصبت له حملة. بلى أصيب لقنا غير مأمون عليه مستعملا آلة الدين للدنيا ومستظهرا بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقادا لحملة الحق، لا بصيرة له في إغيائه، ينقدح الشك في قلبه لاول عارض من شبهة

[ 106 ]

ألا لاذا ولا ذاك، أو منهوما باللذة سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع و الادخار، ليسا من رعاة الدين في شئ أقرب شبها بهما الانعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى، لا تخلو الارض من قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهودا أو خافيا مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا، وأين أولئك، أولئك والله الاقلون عددا، والاعظمون قدرا بهم يحفظ الله حججه، وبيناته حتى يودعوها نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعر المترفون، وأنسوا ما استوحش منه الجاهلون، و صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الاعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه. آه آه شوقا إلى رؤيتهم، إنصرف إذا شئت (1). وقال عليه السلام: المرء مخبوء تحت لسانه (2). وقال عليه السلام: هلك إمرؤ لم يعرف قدره (3). وقال عليه السلام: لكل إمرئ عاقبة حلوة أو مرة (4). وقال عليه السلام: لكل مقبل إدبار، وما أدبر كأن لم يكن (5). وقال عليه السلام: أكثر العطايا فتنة وما كلها محمودا في العاقبة (6). وقال عليه السلام: الصبر لاعطاء الحق مر، وما كل له بمطيق (7). وقال عليه السلام: لا يعدم الصبور الظفر، وإن طال به الزمان (8).


1 - شرح ابن ميثم البحراني 5 / 321. محمد عبده 3 / 186. شرح ابن أبي الحديد 18 / 346. 2 - ابن ميثم 5 / 327. إبن أبي الحديد 18 / 353. 3 - إبن أبي الحديد المعتزلي 18 / 355. شرح ابن ميثم البحراني 5 / 327. 4 - شرح ابن ميثم 5 / 332. شرح ابن أبي الحديد 18 / 361. 5 - ابن أبي الحديد 18 / 363. إبن ميثم البحراني 5 / 332. 6 - دستور معالم الحكم / 119. 7 - ابن ميثم 5 / 225. 8 - شرح ابن ابي الحديد 18 / 366. شرح ابن ميثم - الكبير - 5 / 332. (*)

[ 107 ]

وقال عليه السلام: الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم (1). وقال عليه السلام: على كل داخل في باطل إثمان، إثم العمل به، وإثم الرضا به (2). وقال عليه السلام: ما اختلفت دعوتان إلا كانت إحداهما ضلالة (3). وقال عليه السلام: ما شككت في الحق منذ أريته (4). وقال عليه السلام: ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا ضل بي (5). وقال عليه السلام: للظالم البادي غدا بكفه عضة (6). وقال عليه السلام: الرحيل وشيك (7). وقال عليه السلام: من وثق بماء لم يظمأ (8). وقال عليه السلام: من أبدى صفحته للحق هلك (9). وقال عليه السلام: استعصموا بالذمم في أوتادها (1). وقال عليه السلام: عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته (11). وقال عليه السلام: قد بصرتم إن أبصرتم، وقد هديتم إن أهتديتم (2) 1.


1 - إبن ميثم البحراني 5 / 332. إبن أبي الحديد 18 / 362. 2 - إبن أبي الحديد 18 / 362. شرح ابن ميثم 5 / 332. 3 - شرح ابن مثيم البحراني 5 / 340. ابن أبي الحديد 18 / 367. 4 - إبن أبي الحديد 18 / 374. ابن ميثم الحبراني 5 / 340. 5 - شرح ابن ميثم 5 / 340. شرح ابن أبي الحديد 18 / 368. 6 - ابن ميثم البحراني 5 / 341. ابن أبي الحديد 18 / 369. 7 - إبن أبي الحديد المعتزلي 18 / 370. شرح ابن ميثم 5 / 341. 8 - ابن ميثم البحراني 1 / 270. إبن أبي الحديد 1 / 207 في آخر خطبته عليه السلام برقم 4. 9 - شرح إبن أبي الحديد 18 / 371. شرح عبده 3 / 195. 10 - إبن أبي الحديد 18 / 372. ابن ميثم البحراني 5 / 333 وفيه: اعتصموا. 11 - شرح ابن ميثم 5 / 333. شرح ابن أبي الحديد 18 / 373. 12 - ابن أبي الحديد 18 / 376. ابن ميثم البحراني 5 / 333. (*)

[ 108 ]

ومن كلامه عليه السلام في آخر عمره لما ضربه إبن ملجم لعنه الله وصيتي لكم ألا تشركوا بالله شيئا، ومحمد صلى الله عليه وآله فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، وخلاكم ذم، أنا بالامس صاحبكم، واليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم، وإن أبق فأنا ولي دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة، وهو لكم حسنة (فاعفوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) (1). وقال عليه السلام: عاتب أخاك بالاحسان إليه، واردد شره بالانعام عليه (2). وقال عليه السلام: من وضع نفسه موضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن (3). وقال عليه السلام: من ملك إستأثر (4). وقال عليه السلام: من إستبد برأيه هلك (5). وقال عليه السلام: من كتم سره كانت الخيرة بيده (6). وقال عليه السلام: الفقر الموت الاكبر (7).


1 - شرح محمد عبده 2 / 24. شرح ابن ميثم البحراني 4 / 403. (سورة النور / 22). 2 - شرح إبن أبي الحديد 18 / 160. ابن ميثم 5 / 333. 3 - إبن ميثم البحراني 5 / 334. ابن أبي الحديد 18 / 380. 4 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 381. شرح ابن ميثم 5 / 334. 5 - ابن ميثم البحراني 5 / 334. ابن أبي الحديد 18 / 382. 6 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 384. شرح ابن ميثم 5 / 334. 7 - ابن ميثم البحراني 5 / 335. إبن أبي الحديد 18 / 386. (*)

[ 109 ]

وقال عليه السلام: من قضى حق من لا يقضي حقه فقد عبده (1). وقال عليه السلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (2). ومن كلامه له عليه السلام، يعظ به بعض أصحابه: لا تكن ممن يرجوا الآخرة بغير عمل. ويرجي التوبة بطول الامل. يقول في الدنيا بقول الزاهدين. ويعمل فيها بعمل الراغبين. إن أعطي منها لم يشبع، و إن منع منها لم يقنع. يعجز عن شكر ما أوتي. ويعجبه الزيادة فيما بقي، ينهى و لا ينتهي. ويأمر بما لا يأتي. يحب الصالحين وليس منهم. ويبغض المذنبين وهو أحدهم. يكره الموت لكثرة ذنوبه. ويقيم على ما يكره الموت له. تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن. يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجوا لنفسه بأكثر من عمله. النوم مع الاغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء (3). ومن كلام له عليه السلام: قد قطعوا رحمي، واضاعوا أيامي، ودفعوا حقي، وصغروا عظيم منزلتي، واجمعوا على منازعتي، لايعاب المرء بتأخير حقه إنما يعاب من أخذ ما ليس له (4). وقال عليه السلام: الفرص تمر مر السحاب (5). وقال عليه السلام: الاعجاب يمنع من الازدياد (6). وقال عليه السلام: الامر قريب، والاصطحاب قليل (7). وقال عليه السلام: أضاء الصبح لذي عينين (8).


1 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 388. شرح محمد عبده 3 / 192. شرح ابن ميثم البحراني 5 / 335. 2 - ابن ميثم البحراني 5 / 335 رقم 151. ابن أبي الحديد 18 / 389 رقم 167. 3 - شرح محمد عبده 3 / 189. شرح ابن ميثم 5 / 328 رقم 137. ابن أبي الحديد 18 / 356 رقم 146. 4 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 390. ابن ميثم البحراني 5 / 335. 5 - ابن ميثم 5 / 248. ابن أبي الحديد 18 / 131. محمد عبده 3 / 155. 6 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 391. شرح إبن ميثم 5 / 335 7 - ابن ميثم البحراني 5 / 336. ابن أبي الحديد 18 / 391. 8 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 395. شرح ميثم بن علي بن ميثم البحراني 5 / 336 (*)

[ 110 ]

وقال عليه السلام: ترك الذنب أهون من طلب التوبة (1). وقال عليه السلام: كم من أكلة منعت أكلات (2). وقال عليه السلام: الناس أعداء ما جهلوا (3). وقال عليه السلام: من إستقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ (4). وقال عليه السلام: من أحد سنان الغضب لله قوي على قتل أشداء الباطل (5). وقال عليه السلام: إذا هبت أمرا فقع فيه، فان شدة توقيه أعظم مما يخاف منه (6). وقال عليه السلام: آلة الرئاسة سعة الصدر (7). وقال عليه السلام: ازجر المسئ بثواب المحسن (8). وقال عليه السلام: احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك (9). وقال عليه السلام: اللجاجة تسل الرأي (10). وقال عليه السلام: الطمع رق مؤبد (11). وقال عليه السلام: ثمرة التفريط الندامة (12).


1 - ابن ميثم 5 / 336. ابن أيي الحديد 18 / 396. 2 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 397. شرح ابن ميثم 5 / 336. شرح محمد عبده 3 / 193. 3 - شرح ابن ميثم البحراني 5 / 336. ابن أبي الحديد 18 / 403 رقم 174. 4 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 404. ابن ميثم 5 / 337. شرح محمد عبده 3 / 193. 5 - ابن ميثم البحراني 5 / 337. ابن أبي الحديد 18 / 405. 6 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 406. شرح ميثم بن علي بن ميثم 5 / 337. 7 - إبن ميثم البحراني 5 / 338. إبن أبي الحديد 18 / 407. 8 - شرح عبده 3 / 194. ابن أبي الحديد 18 / 410. شرح ابن ميثم 5 / 338. 9 - ابن أبي الحديد 18 / 411. شرح عبده 3 / 194. ابن ميثم البحراني 5 / 338. 10 - شرح ابن ميتم بن علي بن ميثم 5 / 339. شرح ابن أبي الحديد 18 / 412. 11 - ابن أبي الحديد 18 / 413. ابن ميثم البحراني 5 / 339. 12 - شرح ابن ميثم 5 / 339. محمد عبده 3 / 194. شرح ابن أبي الحديد 18 / 414. (*)

[ 111 ]

وقال عليه السلام: من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع (1). وقال عليه السلام: عليكم بالصبر فيه يأخذ الحازم، وإليه يرجع الجازع 2. وقال عليه السلام: في شأن الخلافة، واعجبا أتكون الخلافة بالصحابة، و لا تكون بالصحابة والقرابة. ويروى والقرابة والنص. ويروى له عليه السلام شعر في هذا المعنى وهو: فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب (3) ولقد أوضح عليه السلام بهذا القول نهج المحجة، وأخذ على خصومه بمضائق الحجة. سئل أبو جعفر الخواص الكوفي (وكان هذا رجلا من الصالحين ويجمع مع ذلك التقدم في العلم بمتشابه القرآن وغوامض ما فيه وسائر معانيه) عما جاء في الخبر أنه من أحسن عبادة الله في شيبته.. ألقى الله الحكمة عند سنه. فقال: كذا قال الله عزوجل: (فلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما و علما) (4) ثم قال تعالى: (وكذلك نجزي المحسنين) (5) وعدا عليه حقا. ألا ترى أن عليا أمير المؤمنين عليه السلام، آمن صغيرا فلم يلبث أن صار ناطقا حكيما فقال عليه السلام: رحم الله امرا سمع حكما فوعى، وأخذ بحجزة هاد فنجى، قدم خالصا وعمل صالحا، واكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا، وأحرز عوضا، خاف ذنبه وراقب ربه، وجعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته اغتنم المهل، وبادر الاجل، واقطع الامل، وتزود من العمل. ثم قال ابو جعفر: فهل رأيت كلاما أوجزا ووعظا أبلغ من هذا ؟ وكيف


1 - ابن أبي الحديد 18 / 415. ابن ميثم البحراني 15 / 341. 2 - ابن ميثم 5 / 341. ابن أبي الحديد المعتزلي 18 / 322. 3 - شرح ابن أبي الحديد 18 / 416. شرح محمد عبده 3 / 195. شرح ابن ميثم 5 / 341. 4 - سورة يوسف / 22. 5 - سورة القصص / 14. (*)

[ 112 ]

لا يكون كذلك، وهو خطيب قريش ولقمانها عليه السلام. وقال عليه السلام: تخففوا تلحقوا (1). قال الشريف الرضي أبو الحسن رضي الله عنه: ما أقل هذه الكلمة، وأكثر نفعها، وأعظم قدرها، وأبعد غورها، وأسطع نورها. وبعد هذه الكلمة قوله عليه السلام: فخلفكم الساعة تحدوكم وإنما ينتظر بأولكم آخركم. وقال عليه السلام: لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل (2). وقال عليه السلام: يا ابن آدم ما كسبت فوق قوتك فانت فيه خازن لغيرك (3) وقال عليه السلام: ان للقلوب شهوة واقبالا وادبارا فأتوها من قبل شهوتها و إقبالها، فإن القلب إذا أكره عمى (4). وقال عليه السلام: الناس نيام فإذا ماتوا انبتهوا (5). وقالوا: كان عليه السلام يقول: متى أشفي غيظي إذا غضبت ؟ أحين أعجز عن الانتقام ؟ فيقال لي: لو صبرت. أم حين أقدر عليه ؟ فيقال لي لو عفوت. ويروى لو غفرت (6). وعن الشعبي، أن أمير المؤمنين عليه السلام، مر بقذر على مزبلة فقال: هذا ما بخل به الباخلون. وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال: هذا ما كنتم تتنافسون عليه بالامس (7).


1 - شرح ابن أبي الحديد 1 / 301 من خطبة له عليه السلام برقم 21. شرح عبده 1 / 54. شرح إبن ميثم البحراني 1 / 330. 2 - شرح ميثم بن علي بن ميثم البحراني 5 / 340. شرح ابن أبي الحديد 19 / 9. 3 - ابن أبي الحديد 19 / 10. ابن ميثم البحراني 5 / 343. محمد عبده 3 / 196. 4 - شرح محمد عبده 3 / 197. ابن أبي الحديد 19 / 11. ابى ميثم 5 / 344. 5 - دستور معالم الحكم / 97. 6 - شرح ابن أبي الحديد 29 / 12. ابن ميثم البحراني 5 / 344. 7 - ابن ميثم البحراني 5 / 344. ابن أبي الحديد 19 / 13. شرح عبده 3 / 197. (*)

[ 113 ]

قال الشريف الرضي أبو الحسن رضي الله عنه، وكل واحد من القولين حكمة واضحة العبرة، ولمعة شادخة الغرة. وقال عليه السلام: لم يذهب من مالك ما وعظك (1). قال الرضي أبو الحسن رضي الله عنه، وأقول سبحان الله ! ما أقصر هذه الكلمة من كلمة وأطول شأوها في مضمار الحكمة ! وقال عليه السلام: إن القلوب تمل فابتغوا لها طرائف الحكمة (2). ومن كلام له عليه السلام، في قوم من أصحابه كانوا يتسللون إلى معاوية: فكفى لهم غيا وكفى بذلك منهم شافيا، فرارهم من الهدى والحق، و إيضاعهم إلى العمى والجهل، وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها، قد علموا أن الناس في الحق أسوة فهربوا إلى الاثرة فبعدا لهم وسحقا (3). وقال عليه السلام - لما سمع قول الخوارج: لا حكم إلا لله -: كلمة حق يراد بها باطل (4). قال الشريف أبو الحسن رضي الله عنه، وهذه أبلغ عبارة عن أمر الخوارج لما جمعوا حسن الاعتزاء والشعار، وقبح الابطان والاضمار. وقال عليه السلام، في صفة العامة: الغوغاء هم الذين إذا اجتمعوا ضروا، و إذا تفرقوا نفعوا، فقيل له عليه السلام: قد علمنا مضرة إجتماعهم فما منفعة افتراقهم ؟ قال عليه السلام: يرجع أصحاب المهن إلى مهنهم، فينتفع الناس بهم كرجوع البناء إلى بنائه، والحائك إلى منسجه، والخباز إلى مخبزه (5). ويروى أنه عليه السلام، أتي بجان ومعه غوغاء، فقال عليه السلام: لا


1 - شرح ابن أبي الحديد 19 / 15. شرح ابن ميثم 5 / 345. 2 - شرح عبده 3 / 197. شرح ابن ميثم البحراني 5 / 344. ابن أبي الحديد 19 / 16. 3 - شرح ابن ميثم البحراني 5 / 225 وفيه: من كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الانصاري و هو عامله على المدينة في بعض من أهلها لحقوا بمعاوية. شرح ابن أبي الحديد 18 / 52. 4 - ابن أبي الحديد 19 / 17. ابن ميثم 5 / 345. 5 - شرح إبن ميثم البحراني 5 / 345. شرح ابن أبي الحديد 19 / 18. (*)

[ 114 ]

مرحبا بوجوه لا ترى إلا عند كل سوأة (1). وجاءه عليه السلام رجل من مراد وهو في المسجد، فقال: احترس يا امير المؤمنين فإن هاهنا قوما من مراد يريدون اغتيالك، فقال عليه السلام: إن مع كل إنسان ملكين يحفظانه، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وأن الاجل جنة حصينة (2). ومن خطبة له عليه السلام: ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها راكبها، وخلعت لجمها فقحمت بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها، وأعطوا أزمتها، فأوردتهم الجنة (2). ومن جملة هذه الخطبة، أيضا قوله عليه السلام: حق وباطل، ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قل الحق لربما فعل، ولقلما أدبر شئ فأقبل (3). قالوا: ولما قال طلحة، والزبير له عليه السلام: نبايعك على إنا شركائك في هذا الامر، فقال عليه السلام: لا ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة، وعونان على العجز والاود (4). ومن كلام له عليه السلام في مدح الكوفة: ويحك يا كوفة، ما أطيبك ! وأطيب ريحك ! وأخبث كثيرا من أهلك ! الخارج منك بذنب. والداخل فيك برحمة، أما لا تذهب الدنيا حتى يحن إليك كل مؤمن ويخرج عنك كل كافر، أما لا تذهب الدنيا حتى تكوني من النهرين إلى النهرين حتى أن الرجل ليركب البغلة السفواء (5) يريد الجمعة ولا يدركها (6).


1 - ابن أبي الحديد 19 / 20. ابن ميثم البحراني 5 / 345. محمد عبده 3 / 198. 2 - شرح ابن أبي الحديد 19 / 21. شرح ابن ميثم - الكبير - 5 / 346. 3 - من خطبة له عليه السلام لما بويع بالمدينة. شرح عبده 1 / 42. شرح ابن ميثم البحراني 1 / 296. 4 - شرح ابن أبي الحديد 19 / 22. شرح ابن ميثم 5 / 346. 5 - السوفاء: السريعة السير. ريح سفواء سريعة المر، هوجاء. 6 - سفينة البحار 2 / 498. (*)

[ 115 ]

وقال عليه السلام: المسالمة حبيب العيوب (1). وقال عليه السلام: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم (2). وقال عليه السلام: ايها الناس إتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقمتم أخذكم، وإن نسيتموه ذكركم (3). وقال عليه السلام: لا يزهدك في المعروف من لا يشكره لك، فقد يشكرك عليه من لم يستمتع بشئ منه (4). وقال عليه السلام: يا ابن آدم لا تحمل هم يومك الذي لم يأتك على يومك الذي أنت فيه، فان يكن بقى من أجلك يأت الله فيه برزقك (5). وقال عليه السلام: كل وعاء يضيق بما جعل فيه، إلا وعاء العلم فانه يتسع (6). وقال عليه السلام: أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل (7). وقال عليه السلام: أفضل رداء يرتدي به الحلم، فإن لم تكن حليما فتحلم، فإنه قل من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم (8).


1 - شرح محمد عبده 3 / 105. شرح ابن أبي الحديد 18 / 97. 2 - الغرر والحكم 2 / 115. 3 - شرح ابن الحديد 19 / 23. شرح ابن ميثم البحراني 5 / 346. 4 - ابن ابي الحديد المعتزلي 19 / 24. ابن ميثم البحراني 5 / 347. 5 - شرح محمد عبده 3 / 217. شرح ابن ميثم - الكبير - 5 / 379. شرح ابن أبي الحديد 19 / 155. 6 - شرح ابن ابي الحديد 19 / 25. شرح ابن ميثم 5 / 347. 7 - ابن أبي الحديد 19 / 26. ابن ميثم البحراني 5 / 348. 8 - شرح ابن أبي الحديد 19 / 27. شرح ابن ميثم 5 / 348. (*)

[ 116 ]

ومن جملة وصيته لابنه الامام أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام والصلاة يا بني إني لما رأيتني قد بلغت سنا، ورأيتني أزداد وهنا، أردت بوصيتي إياك خصالا منهن: إني خفت أن يعجل بي أجلي قبل أن أفضي إليك بما في نفسي وأن انقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى، وفتن الدنيا، فتكون كالصعب النفور فإن قلب الحدث كالارض الخالية ما القي فيها من شئ قبلته، فبادرتك بالادب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك ما قد كفاك أهل التجارب بغيبة وتجربة، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب، وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك ما أظلم علينا فيه. ومنها: واعلم أن أمامك طريقا ذا مشقة، بعيدا، وهولا شديدا، وأنك لا غنى بك عن حسن الارتياد، وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك، فيكون ثقله وبالا عليك، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك ذلك فيوافيك به حيث تحتاج إليه تغتنمه، واغتنم ما أقرضت من استقرضك في حال غناك. واعلم يا بني أن أمامك عقبة كؤودا، مهبطها على جنة أو على نار، فارتد لنفسك قبل نزولك فليس بعد الموت مستعتب ولا إلى الدنيا منصرف.

[ 117 ]

واعلم يا بني أنك خلقت للآخرة لا إلى الدنيا، وللفناء لا للبقاء، وأنك لفي منزل قلعة، ودار بلغة، وطريق من الآخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه ولا يفوته طالبه، وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة، وإن استطعت ألا تكون بينك وبين الله تعالى ذو نعمة فافعل. ومنها: ظلم الضعيف أفحش الظلم، وربما كان الداء دواء، والدواء داء، وربما نصح غير الناصح، وغش المستنصح. وإياك والاتكال على المنى، فإنها بضائع النوكى. والعقل حفظ التجارب. وخير ما جربت ما وعظك. بادر الفرصة قبل أن تكون غصة. من الفساد إضاعة الزاد. لا خير في معين مهين. سيأتيك ما قدر لك. لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك. إمحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة. وإن أردت قطيعة أخاك فاستبق له من نفسك بقية ترجع إليها. لا يكونن أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته، و لا يكونن على الاساءة أقوى منك على الاحسان. لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرتك ونفعك وليس جزاء من سرك أن تسوئه. والرزق رزقان، رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن أنت لم تأته أتاك. ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى. إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك. إستدل على ما لم يكن بما قد كان فإن الامور أشباه. لا تكونن ممن لا تنفعه العظة إلا إذا أبلغت في ألمه، فإن العاقل يتعظ بالقليل وإن البهائم لا تنتفع إلا بالضرب الاليم. من ترك القصد جار. ومن تعدى الحق ضاق مذهبه ومن اقتصر على قدره كان أبقى له. وربما أخطأ البصير قصده وأصاب الاعمى رشده. قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. إذا تغير السلطان تغير الزمان. نعم طارد الهم اليقين. ومنها: يا بني وإياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن، وعزمهن إلى وهن، و

[ 118 ]

اقصر عليهن حجبهن فهو خير لهن. وليس خروجهن بأشد من الدخول من لا يوثق به عليهن، وإن استطعت الا يعرفن غيرك فافعل. ولا تملك المرأة من أمرها ما يجاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لبالها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تعطها حتى تشفع لغيرها. وإياك والتغاير في غير موضع غيرة فإن ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم. وأول هذه الوصية قوله عليه السلام: من الوالد الفاني، المقر للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن عنها غدا، إلى الولد المؤمل ما لا يدرك السالك، سبيل من قد هلك، غرض الاسقام، ورهينة الايام، ورمية المصائب، وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وغريم المنايا، وأسير الموت، وحليف الهموم، وقرين الاحزان، ونصب الآفات، وصريع الشهوات، وخليفة الاموات (1). ومن كلام له عليه السلام في صفة الدنيا ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها واتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته (2). ومن كلام له عليه السلام من حاسب نفسه ربح. ومن غفل عنها خسر. ومن خاف أمن. ومن اعتبر


1 - شرح ابن أبي الحديد 16 / 9. شرح ابن ميثم البحراني - كبير - 5 / 2. شرح محمد عبده 3 / 42. هذه الوصية على طولها موجودة في جميع شروح كتاب (نهج البلاغة) وقد تصدى لشرحها على حدة جمع من الاعلام والعلماء. 2 - شرح محمد عبده 1 / 127 مطبعة الاستقامة. شرح ابن ميثم 2 / 227. (*)

[ 119 ]

أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم. وصديق الجاهل في تعب (1). قال الشريف الرضي ذو الحسبين أبو الحسن رضي الله عنه، ولو لم يكن في هذه الفقرة المذكورة إلا هذه الكلمة الاخيرة، لكفى بها لمعة ثاقبة، وحكمة بالغة، ولا عجب أن تفيض الحكمة من ينبوعها، وتزهر البلاغة في ربيعها * * * * * * قال الكاتب: تمت كتابة كتاب خصائص الائمة عليهم السلام وفرغ من كتبه العبد المذنب الراجي إلى غفران الله وعفوه عبد الجبار بن الحسين بن أبي العم الحاج الفزاهاني الساكن بقرية خونجان (2) عمرها الله يوم الاربعاء الرابع من شوال سنة ثلاث وخمسين وخمس عائة (553) غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمسلمات إنه الغفور الرحيم.


1 - شرح ابن ميثم البحراني 5 / 348. شرح محمد عبده 3 / 199. شرح ابن أبي الحديد 19 / 28. 2 - خونجان: قرية من قرى اصفهان، قديمة ومتداعية، ينسب الحيا جمع من اعلام الفكر والادب والنسبة إليها الخونجاني - معجم البلدان 2 / 407. (*)

[ 121 ]

الزيادات في آخر النسخة المخطوطة وجدت بعض الصحائف بخط الكتاب نفسه، وهي تتعلق بكتاب (خصائص أمير المؤمنين عليه السلام) وكأن الكاتب وقف على نسخة مخطوطة أخرى جاءت فيها هذه الزيادات فكتبها وجعلها في آخر الكتاب، وقد اثبتناها أيضا هنا وهي:

[ 122 ]

منها الرعية (1) وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك، إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك، كاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ، وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة، قد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله حين وجهني إلى اليمن كيف اصلي بهم فقال: صل بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما. وأما بعد هذا، فلا تطولن إحتجابك من رعيتك، فإن إحتجاب الولاة عن الرعية، شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور. والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير ويقبح الحسن، و يحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، إنما الوالي بشر لا يعرف ما تواري عنه الناس به من الامور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين، إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم إحتجابك من واجب حق تعطيه، أو فعل كريم تسديه، أو مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مالا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة.


1 - من عهد له عليه السلام، كتبه للاشتر النخعي، لما ولاه مصر والموجود منه في المخطوطة هذا القسم فحسب. (*)

[ 123 ]

ثم أن للوالي خاصة وبطانة فيهم إستئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الاحوال، ولا تقطعن لاحد من حاشيتك وخاصتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة. وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة. وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنهم ظنونهم بإصحارك، فان في ذلك إعذارا تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق. ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك لله فيه رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك، وأمنا لبلادك. وليكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه فإن العدو ربما قارب ليتغفل فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن، وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة، أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالامانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فإنه ليس من فرائض الله شئ في الناس أشد عليه اجتماعا مع تفريق أهوائهم، وتشتيت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر، ولا تغدرن بذمتك ولا تخيسن بعهدك، ولا تختلن عدوك فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي، قد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعه، ويستفيضون إلى جواره، ولا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه، ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن القول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه.. * * *

[ 124 ]

والعين بالوكاء، فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء. وهذا القول في الاشهر الاظهر من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رواه قوم لامير المؤمنين عليه السلام، وذكر ذلك المبرد في كتاب المقتضب، في باب اللفظ بالحروف، وقد تكلمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم به (المجازات والآثار النبوية) (1). وقال عليه السلام في كلام له: ووليهم وال، فأقام واستقام، حتى ضرب الدين بجرانه (2). وقال عليه السلام: يأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر فيه على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك، قال الله سبحانه: (ولا تنسؤا الفضل بينكم) (3) تنهد فيه الاشرار، وتستذل الاخيار، ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله صلى عليه وآله وسلم عن بيع المضطرين (4). وقال عليه السلام: يهلك في رجلان، محب مفرط وباهت مفتر. وهذا مثل قوله: يهلك في محب غال، ومبغض قال (5). وسئل عليه السلام عن التوحيد، والعدل، فقال: إن التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل أن لا تتهمه (6). وقال: لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل (7).


1 - المجازات النبوية - أو - مجازات الاثار النبوية، من تأليف السيد الرضي طبع في ايران والعراق والقاهرة، وقد أختصره الشيخ ابراهيم الكفعمي، الذريعة 1 / 358 وج 19 / 351. 2 - شرح محمد عبده 3 / 263. شرح ابن ميثم 5 / 463. ابن أبي الحديد. 2 / 218. 3 - سورة البقرة / 237. 4 - شرح ابن أبي الحديد 20 / 119. ابن ميثم البحراني 5 / 563. شرح عبده 3 / 264. 5 - شرح عبده 3 / 264. شرح ابن أبي الحديد. 2 / 220. شرح ابن ميثم 5 / 464. 6 - شرح ابن ميثم البحراني 5 / 464. شرح محمد عبده 3 / 264. إبن أبي الحديد / 227. 7 - ابن أبي الحديد 19 / 9. شرح عبده 3 / 265. شرح ابن ميثم 5 / 265. (*)

[ 125 ]

وقال في دعاء استسقى به: اللهم اسقنا ذلل السحاب دون صعابها (1). وهذا من كلام العجيب الفصاحة، وذلك أنه - عليه السلام - شبه السحاب ذوات الرعود، والبوارق، والرياح، والصواعق بالابل الصعاب التي تقص بركبانها، وشبه السحاب خالية من تلك الروائع بالابل الذلل التي تحتلب طيعة، وتقتعد مسمحة. وقيل له عليه السلام، لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: الخضاب زينة، ونحن قوم في مصيبة (يريد مصيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم) (2). وقال عليه السلام: القناعة مال لا ينفد (3). وقد روى بعضهم هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عليه السلام لزياد بن أبيه وقد استخلفه لعبد الله بن العباس على فارس وأعمالها في كلام طويل، كان بينهما، نهاه فيه عن تقديم الخراج: استعمل العدل، واحذر العسف، والحيف فان العسف يعود بالجلاء، والحيف يدعو إلى السيف (4). وقال: أشد الذنوب ما استخف به صاحبه (5). وقال: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا، حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا (6). وقال: شر الاخوان من تكلف له (7).


1 - شرح ابن ميثم 5 / 465. ابن أبي الحديد 20 / 229. محمد عبده 3 / 265. 2 - شرح ابن أبي الحديد 20 / 230. ابن ميثم البحراني 5 / 466. 3 - شرح ميثم بن علي بن ميثم 5 / 466. ابن أبى الحديد 20 / 244. 4 - ابن أبي الحديد 20 / 245. شرح محمد عبده 3 / 266. إبن ميثم البحراني 5 / 466. 5 - شرح ابن ميثم 5 / 467. إبن أبي الحديد المعتزلي 20 / 246. شرح عبده 3 / 266. 6 - ابن أبي الحديد 20 / 247. شرح محمد عبده 3 / 266 ط مطبعة الاستقامة. شرح ميثم بن على بن ميثم 5 / 467. 7 - ابن ميثم البحراني 5 / 467. شرح ابن ابى الحديد 20 / 249. محمد عبده 3 / 266. (*)

[ 126 ]

وقال: إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه (1). إنتهت الزيادة بحمد الله ومنه وصلواته على نبيه محمد وآله أجمعين وفرغ من كتبه العبد المذنب عبد الجبار بن الحسين بن أبي العم الحاجي الفراهاني يوم الاربعاء 6 - ابن أبي الحديد 20 / 247. شرح محمد عبده 3 / 266 ط مطبعة الاستقامة. شرح ميثم بن على بن ميثم 5 / 467. 7 - ابن ميثم البحراني 5 / 467. شرح ابن ابى الحديد 20 / 249. محمد عبده 3 / 266. (*)

[ 126 ]

وقال: إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه (1). إنتهت الزيادة بحمد الله ومنه وصلواته على نبيه محمد وآله أجمعين وفرغ من كتبه العبد المذنب عبد الجبار بن الحسين بن أبي العم الحاجي الفراهاني يوم الاربعاء التاسع عشر من جمادي الاولى من سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة في خدمة مولانا الامير الاجل السيد ضياء الدين تاج الاسلام أبي الرضا فضل الله بن علي ابن عبيد الله الحسني أدام الله ظله وقد آوى إلى قرية جوسقان راوند متفرجا. من نسخته بخطه حامدا لله ومصليا على النبي وآله أجمعين والسلام.


1 - شرح محمد عبده 3 / 266. شرح ابن أبي الحديد 20 / 251. شرح ابن ميثم البحراني 5 / 486. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية