الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحف العقول- ابن شعبة الحرانيي

تحف العقول

ابن شعبة الحراني


[ 1 ]

تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم ألفه الشيخ الثقة الجليل الأقدم أبو محمد الحسن بن على بن الحسين بن شعبة الحرانى رحمه الله من اعلام القرن الرابع عنى بتصحيحه والتعليق عليه على اكبر الغفاري الطبعة الثانية 1363 - ش 1404 - ق مؤسسة النشر الاسلامي (التابعه) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران) حقوق الطبع والتقليد بهذه الصورة المزدانة بالتعاليق والحواشي محفوظة للناشر

[ 2 ]

(شكر وتقدير) حمدا خالدا لولي النعم الذي من علي فضلا منه بتحقيق هذا التراث العلمي النفيس الذي لا مندوحة عنه لاي محدث عليم، أو باحث فهيم، أو واعظ ناطق، أو معلم ناصح، أو عالم عامل، أو أديب أريب، أو عابد ناسك، أو ذي قلب سليم ارتاد مهيع الحق، أو مثقف ديني ابتغى سبيل الرشاد. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وشكرا متواصلا لحضرة الاستاذ الاجل، المهذب، فرع الشجرة النبوية، صاحب الفضيلة " السيد علاء الدين العلوي الطالقاني " أطال الله سبحانه بقاه وبلغه غاية مناه حيث تفضل وأعانني في كثير من الموارد التي تحتاج إلى مزيد الاطلاع، فشكرا له ثم شكرا. وثناء جميلا عليه الصديق الاعز الاديب الاحوذي الميرزا " محسن الاحمدي " بما أخلص وعاضدني في مهمة تصحيح الكتاب وصرف الهمة ولم يأل جهدا في مراعاة - صحة الاعراب. جعله الله من العلماء العاملين وزمرة أصحاب اليمين بمنه وكرمه. و كان ذلك منه في الطبعة الثانية. على اكبر الغفاري

[ 3 ]

الاهداء إلى مكتبة الجامعة العلمية الكبرى. إلى مكتبة كلية الفقه والعلم والدين. إلى مكتبة معقد العز والفخر والعظمة (النجف الاشرف). إلى ام المكتبات التي تنتهي إليها حلقات المجد المؤثل. إلى مكتبة الامام أمير المؤمنين عليه السلام العامة. نهدي هذا السفر الكريم بيد الولاء الخالص، تقديرا لها، وإكبارا لمقامها، وإعجابا بها، راجيا من المولى سبحانه القبول وله الحمد.

[ 4 ]

كلمة طيبة أتتنا من مديرية المكتبة العامرة [ مكتبة الامام أمير المؤمنين عليه السلام العامة ] في النجف الاشرف، نعتز بها، ونجل محلها ونعظم ساحة صدورها، ننشرها بنصها وفصها، ردفها الشكر المتواصل منا غير مجذوذ. ألا وهى: بسم الله الرحمن الرحيم حمدا لك يامن خلق فرزق، وألهم فأنطق، وابتدع فشرع، وعلا فارتفع، وقدر فأحسن، وصور فأتقن، واحتج فأبلغ، وأنعم فأسبغ، وأعطى فأجزل، ومنح فأفضل، حمدا لك وألف حمد. وصلاة عليك يا أبا القاسم، نبي الرحمة، ومنقذ الامة، وسيد ولد آدم، وعلة الكون، وسر الوجود، ونور الارض والسماوات العلى، وقطب مدار الفلك، ومهبط الوحي والملك ! وعلى أهل بيتك الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ماهى تحف العقول ؟ لم يحظ الانسان بنفيس أثمن وأغلى من العقل، وهو دعامته، ولا مال أعود منه، أتحفه إياه ربه وحباه، وشرفه وفوقه بذلك على ما سواه، هي غريزة تأبى ذميم الفعل، وفضيلة تدرك بها سعادة الابد، وينال بها الفوز والفلاح في الحياة الدنيا، هي طرة صحائف الفضائل الانسانية، وغرة طرة الانسان الكامل، وبلج جبهته، وعنوان بشائر فضائله وفواضله، هي بضاعة حياة البشر السعيد في نشأتيه، وبذرة كل خير كسبت يداه، وجمال كل محمدة ومكرمة يتحلى بها. وإنما قيمة المرء عقله، وهو نظامه، وعلى قدره يكون الدين والطاعة، وهو أفضل رائد، وجمال السرائر والظواهر، وبه توزن الاعمال، ويجازى به الانسان، وبه تتأتى سعادته، وينجو عن البوار والبوائق، وهو دليل شرفه، ومقياس ما اكتسبه

[ 5 ]

كلمة طيبة أو اقترفه في ورده وصدره، من خير أو شر، من حسنة أو سيئة، وإنما يناقش الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا. وللعقل سمات وعلامات، وبه تحد الصفات، وتقيد الفعال والخصال، يوقف صاحبها على حد، ويعرفه الملا بمعروفه ومنكره، ويعرب عن مدى حياته، ومبلغ رشده، وغاية سيره وسلوكه. وهو كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: عقلان: مطبوع ومكتسب. يدوران في قوسي الصعود والنزول، ويقبلان التعالي والانحطاط، فصاحبهما بين سعادة وشقاء، سعيد أسعد الله حظه، وأصلح باله، ورافقه توفيقه، يعبد الرحمن، ويكتسب الجنان، فبالعقل طاب كسبه، وكثر خيره، وصلحت سريرته، وحسنت سيرته، واستقامت خليقته. وآخر: ذو نكراء منكر، فطنته الدهاء، وفكرته المكر والخديعة، يتواني عن البر ويبطئ عنه، وإن تكلم أثم، وإن قال مال، وإن عرضت له فتنه سارع إليها، وإن رأى سوءة قحم فيها. وإنما العلم نور العقل ودليله، يقيم أوده، ويبرء أمته، يقوده إلى الخير، ويدله على سبل السلام، ومناهج السعادة، وجدد الصلاح، ومهيع العمل الناجع، وبه يتأتى كماله، ويتم نضجه، ويبدو صلاحه، وقد جاء في حكم الامام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قوله: لا يصلح من لا يعقل ولا يعقل من لا يعلم. والكلم الطيب في العلم والدين والحكم والآداب والاخلاق والمعارف هي: تحف العقول. يتفكه بها النهى، ويتمتع بها الحجي، ويأنس بها اللبيب. ولغرر الكلم ودرر الحكم ينابيع جارية فجرها الله على ألسنة ناطقة من الصلحاء والصادقين، ولتلكم الدروس العالية من العلوم الراقية حملة من أهل بيت الوحي ولتربية العقول السليمة أئمة معصومون لم يدنسهم لوث الجاهلية، ولم تلبسهم مدلهمات ثيابها، فإن عطفت النظرة إلى كلم الانبياء والاوصياء الماضين والتابعين لهم باحسان من ولي صالح، وحكيم إلهي، ومتكلم مفوه، وخطيب مصقع، وعارف نابه، وإمام مقتدى من لدن آدم عليه السلام وهلم جرا تجدها دون ما نطق به سيد من نطق بالضاد، نبي العظمة

[ 6 ]

كلمة طيبة رسول الكتاب والحكمة، وأوصياؤه المصطفون، تقصر لدى كلمهم الكلم، وعند حكمهم الحكم، ويعجز عن أن يأتي بمثلها الحكماء البلغاء من السلف والخلف، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ويكل عن ندها لسان كل طلق ذلق، ويحسر عن وصفها بيان كل ذرب اللسان منطيق، ولا يبلغ مداه، ولا يسعه الاستكناه. نعم تلكم الكلم الصادرة عن ينابيع الوحي الفياضة من أهل بيت العصمة: تحف العقول. وهي آية في البلاغة والفصاحة والمتانة في اللفظ والمعنى، دون كلام الخالق وفوق مقال البشر، ومن أمعن فيها يجدها أقوى برهنة وأدل دليل على إمامة اولئك السادة القادة أئمة الكلام، ومداره الحكمة، ويراها أكبر معجز وأعظم كرامة لاولئك النفوس القدسية الطاهرة، تبقى مدى الابد تذكر وتشكر. وحسب اولئك الذرية الطيبة عظمة وفخرا ما خلده صدق منطقهم في الدهر من غرر الآثار، أو مآثر بثتها ألسنتهم مما نفث الله من الحكمة في روعهم، يفتقر إليها المجتمع البشري، وتصلح بها الامة المسلمة، ويحتاج إليها كل حكيم بارع، وعاقل محنك، وخلقي كريم، وفيلسوف نابه، وعارف ناصح، وإمام مصلح. ولا مندح عنها لاي إبن انثى إن عقل صالحه. جير: متى ما سمعت كلمة قيمة تعزى إلى أحد من عظماء الدنيا تقرطت الآذان فثق بأنها من مستقى ذلك العذب النمير، ومهما قرعت سمعك حكمة بالغة أو موعظة حسنة تلوكها الاشداق فأيقن بأنها قطرة من ذلك البحر الطامي، وإن أعجبك صلاح أو صالح أخذ الامر بالاوثق فلتعلم أنهما ينتهيان إلى اولئك العترة الهادية عليهم صلوات من ربهم ورحمة. إي ولعمر الله هم عيش العلم وموت الجهل، يخبر حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق ولا يختفون فيه، هم دعائم الاسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق في نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لاعقل سماع ورواية، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل (1).


(1) هذه جمل من خطبة لمولانا أمير المؤمنين يصف أهل بيته سلام الله عليه وعليهم. (*)

[ 7 ]

كلمة طيبة فإن قرن الله ولايتهم بولايته فلا بدع، وإن قارنهم نبي العظمة بالكتاب الكريم في التمسك بهما، والاخذ بحجزتهما، وعدهما عكمى بعير في الثقل لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، فبالحق نطق وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وإن عرفهم أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: نحن معدن العلم والحكمة، أمان لاهل الارض، ونجاة لمن طلب، فإنا صنايع ربنا، والناس بعد صنايع لنا، إنا لامراء الكلام وفينا تنشبت عروقه، وعلينا تهدلت غصونه، نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم، وينابيع الحكم (1) إلى أمثال هذه الكلم من الكثير الطيب، فقد أعرب عن حقيقة ناصعة يخبت إليها الموالي، ولا تعزب عن المناوئ إن شاء وإن أبى. ولقد قيض الله سبحانه في القرون الخالية امة من أعلام الدين، وأساتذة العلم وأئمة الحديث، لجمع شتات تلكم الآثار والماثر، ولم شعثها لبغاة العلم، ورواد الفضيلة، وحملة العقل والنهى، فدونوا من كلم اولئك السادة أئمة أهل البيت عليهم السلام مجاميع ومسانيد وألفوا كتبا قيمة تحوى دررا وغررا، وتتضمن بين دفتيها ينابيع الحكم وجوامع الكلم وعقود العظات البالغة ومعاقد المنجيات والمهلكات. وفي طليعة اولئك الافذاذ وتآليفهم هذا الكتاب القيم الذي لاريب فيه هدى للمتقين [ تحف العقول ] ومؤلفه الحبر الفقيه النيقد الاعظم، حسنة الدهر، ومفخرة العلم والفضيلة في القرن الرابع شيخنا أبو محمد الحسن بن علي بن حسين بن شعبة الحراني ولقد جمع فأوعى، وأفاد باثارة علمه فأجاد، وأتحف العقول بفضله الجم، وأدبه الكثار، فجاء كتابه منية المريد، وبغية المحدث، وطلبة الباحث، ومأرب الواعظ الناصح، ونجعة المتكلم المصلح، فليس من البدع أن يكون كتابه في الطبقة العليا من موسوعات العلم والعمل، وقد عكفت عليه العلماء الاعلام منذ يوم تأليفه حتى شارف عصرنا الحاضر، ووصفوه في المعاجم والتراجم (2) بكل جميل ونصوا على اعتبار الكتاب واعتماد الاصحاب


(1) فصول مختارة من خطب مولانا أمير المؤمنين توجد برمتها في مسند المناقب ومرسلها من كتاب [ الغدير ] الاغر. (2) راجع أمل الامل لشيخنا الحر العاملي، رياض العلماء ج 1، ديباجة البحار، الفرقة الناجية للقطيفى، روضات الجنات ص 177، الفوائد الرضوية 1: 109، الذريعة ج 3: 400. (*)

[ 8 ]

كلمة طيبة عليه وشهرته وكثرة فوائده، وأثنوا على مؤلفه بالفقه والعلم والفضل والتبحر والنباهة والوجاهة والجلالة والثقة به، أضف إليها حسن اختياره وانتخابه، وهو دليل عقله وبرهان قدسه، وتضلعه من الحديث. أتانا البريد بهذا السفر الكريم هدية إلى [ مكتبة الامام أمير المؤمنين عليه السلام العامة ] وهي أثمن هدية وأغلى تحفة، عني بنشره الالمعي البارع حلف الصلاح " ميرزا علي الاكبر الغفاري الرازي " - وفقه الله لمرضاته - في عاصمة ايران [ طهران ] أسدى إلى الملا العلمي خيرا عم نفعه، وأتحف المكتبات معروفا تزادان به وتشكر يده. وهذه الطبعة انمازت عن سابقتها بتعاليق قيمة فيها فوائد جمة وتخريج الاحاديث من ينابيع قويمة، وتوضيح ما فيه من مشكل اللغة، وبيان ما يحتاج إليه الباحث في درك المغزى من دقائق ورقائق، وتراجم اناس ينبغي أن يقف القارئ عليها، فنحن نشكر المهدي الصالح على هديته الغالية وإخراجه الكتاب القيم بهذه الصورة البهية، والجمال الرايع وعنايته البالغة في تصحيحه وتنميقه وتهذيبه جزاه الله عنا وعن الامة المسلمة خير جزاء المحسنين، والسلام عليه وعلى الجمعية الكريمة ورحمة الله وبركاته. مديرية المكتبة عبد الحسين احمد الاميني 1376

[ 9 ]

ترجمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم المؤلف والثناء عليه أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني الحلبي المعاصر للشيخ الصدوق الذي توفي سنة 381 والرواي عن أبي علي (1) محمد بن همام المتوفى سنة 336. كان - رحمه الله - من أعاظم علماء الامامية في القرن الرابع، وأوحديا من نياقدها، وفذا من أفذاذ الشيعة ومفخرا من مفاخرها بل هو عبقري من عباقرة الامة وعلم من أعلامها فقيه من فقهاء الطائفة وإمام من أئمتها، محدث جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة كثير العلم، له نفسياته الزاكية وفضله الواسع وأدبه الناصع وعلمه الناجع، ينم عن كل ذلك تأليفه القيم الذي هو عنوان عقله وعيار قدره بل لسان فضله وميزان علمه كتاب تحف العقول في ما جاء من الحكم والمواعظ عن آل الرسول، كتاب كريم لم يصنف مثله وهو يحوي من نظام عقود الغرر والدرر، ومحاسن الكتب والمواعظ والزواجر والعبر وكرائم الحكم والخطب وعقائل الكلم والادب ما يروق اللبيب رواؤها ويروي الغليل رواؤها، تزجر النفوس عن رداها وترشد القلوب إلى مستواها وتوحي إليها رشدها وكمالها وتبصرها عيوبها وعماها وتخلبها عن غاشيات هواها ويلمها فجورها وتقواها، وتقودها إلى الملكوت الاعلى وسنامها الاسنى وتسوقها إلى مشهد النور الاجلى، وهي الغاية المتحراة للعقل الرشيد وذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. (أقوال العلماء حول المؤلف وتأليفه) قد أثنى عليه كل من تعرض له وأطراه بالعظمة والنبالة والتبجيل وأطبقت كافتهم على فضله وفقهه وتبحره وجلالة قدره ورفعة شأنه ووثاقته والاعتماد على كتابه. قال الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي المعاصر للمحقق الكركي - رحمهما الله - في كتابه


(1) أبو على بن همام كان من أهل بغداد ثقة جليل القدر، يروى عنه التلعكبرى. راجع الكنى والالقاب للمحدث القمى ج 1 ص 318. (*)

[ 10 ]

ترجمة المؤلف الوافية في تعيين الفرقة الناجية على ما حكاه القاضي التستري - قدس سره - في المجالس في ترجمة أبي بكر الحضرمي: الحديث الاول ما رواه الشيخ العالم الفاضل العامل الفقيه النبيه أبو محمد الحسن بن علي بن شعبة الحراني في الكتاب المسمى بالتمحيص عن أمير المؤمنين عليه السلام.. الحديث وقال الشيخ الحر العاملي - رحمه الله - في أمل الآمل: أبو محمد الحسن بن علي بن شعبة فاضل محدث، جليل، له كتاب تحف العقول عن آل الرسول حسن كثير الفوائد، مشهور: وكتاب التمحيص ذكره صاحب مجالس المؤمنين. إه‍. وقال العلامة المجلسي - رضوان الله عليه - في الفصل الثاني من مقدمة البحار: كتاب تحف العقول عثرنا على كتاب عتيق ونظمه دل على رفعة شأن مؤلفه وأكثره في المواعظ والاصول المعلومة التي لا تحتاج فيها إلى سند. إه‍. وقال المولى عبد الله الافندي صاحب الرياض - قدس سره -: الفاضل العالم الفقيه المحدث المعروف صاحب كتاب تحف العقول وقد اعتمد على كتابه التمحيص الاستاد - أيده الله - في البحار والمولى الفاضل القاساني في الوافي. إلخ. وقال صاحب الرواضات - رحمه الله -: الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي - كما في بعض النسخ -: فاضل فقيه، ومتبحر نبيه، ومترفع وجيه له كتاب تحف العقول عن آل الرسول، مبسوط كثير الفوائد، معتمد عليه عند الاصحاب، أورد فيه جملة وافية من النبويات وأخبار الائمة عليهم السلام ومواعظهم الشافية على الترتيب وفي آخره القدسيان المعروفان الموحى بهما إلى موسى وعيسى ابن مريم في الحكم والنصائح البالغة الالهية وباب في مواعظ المسيح الواقعة في الانجيل، وفي آخره وصية المفضل بن عمر للشيعة. اه‍. وقال الشيخ الجليل العارف الرباني الشيخ حسين بن علي بن صادق البحراني - طيب الله رمسه - في رسالته في الاخلاق والسلوك إلى الله على طريقة أهل البيت عليهم السلام ما لفظه: ويعجبني أن أنقل في هذا الباب حديثا عجيبا وافيا شافيا عثرت عليه في كتاب

[ 11 ]

مصادر التصحيح والتعليق تحف العقول للفاضل النبيل الحسن بن علي بن شعبة من قدماء أصحابنا حتى أن شيخنا المفيد ينقل عن هذا الكتاب وهو كتاب لم يسمح الدهر بمثله. الكنى ج 1 ص 318. يوجد ذكره الجميل في أعيان الشيعة لسيدنا العلم الحجة - رحمة الله عليه - ج 22 ص 318 وتأسيس الشيعة ص 413 والذريعة للعلامة الرازي ج 3 ص 40 والكنى والالقاب للمحدث القمى ص 318 وفي مقدمة بحار الانوار المطبوع حديثا وغير ذلك من معاجم التراجم. * (مصادر التصحيح والتعليق) * 1 - نسخة نفيسة ثمينة مخطوطة لخزانة كتب العالم النحرير، الفهامة الجليل، الشريف السيد جلال الدين الارموي المعروف بالمحدث (دام مجده). 2 - نسخة مخطوطة لمكتبة العامة [ كتابخانه ملى ] في عاصمة ايران (تهران). 3 - الكتب المتأخرة الناقلة عن الكتاب كالوافي والوسائل والبحار ومستدرك الوسائل وغير ذلك. وأريد من البحار طبع الكمپاني. ومن أمالي الصدوق الطبعة الحروفية الحديثة. ومن أصول الكافي طبعته الحديثة التي عليها تعاليقنا. ومن فروعه وروضته الطبعة الاولى وهكذا بقية الكتب التي نقلنا عنها في الهامش نريد منها طبعتها الاولى. على اكبر الغفاري 1335 - ش = 1376 - ق

[ 1 ]

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل الحمد له من غير حاجة منه إلى حمد حامديه طريقا من طرق الاعتراف بلا هوتيته وصمدانيته وربانيته وسببا إلى المزيد من رحمته ومحجة للطالب من فضله (1) ومكن في إبطان اللفظ حقيقة الاعتراف لبر إنعامه (2) فكان من إنعامه الحمد له على إنعامه، فناب الاعتراف له بأنه المنعم عن كل حمد باللفظ وإن عظم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة بزغت عن إخلاص الطوي (3) ونطق اللسان بها عبارة عن صدق خفي، إنه الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى، ليس كمثله شئ، إذ كان الشئ من مشيئته وكان لا يشبهه مكونه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، استخلصه في القدم على سائر الامم، على علم منه بانفراده عن التشاكل والتماثل من ابناء الجنس، وانتجبه آمرا وناهيا عنه (4)، أقامه في سائر عالمه في الاداء مقامه، إذ لا تدركه الابصار ولا تحويه خواطر الافكار، ولا تمثله غوامض الظنن (5) في الاسرار، لا إله إلا هو الملك الجبار،


(1) المحجة: جادة الطريق. (2) في بعض النسخ [ الاعتراف له بانعامه ]. (3) البزوغ: الطلوع، بزغت الشمس: طلعت. والطوى: الاضمار والاستتار. (4) انتجبه: اختاره واصطفاه. (5) كذا. (*)

[ 2 ]

وقرن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بلاهوتيته واختصه من تكرمته (1) بما لم يلحقه فيه أحد من بريته وهو أهل ذلك بخاصته وخلته (2) إذ لا يختص من يشوبه التغيير ولا من يلحقه التنظير، وأمر بالصلاة عليه مزيدا في تكرمته وتطريقا لعترته (3)، فصلى الله عليه وعلى آله وكرم وشرف وعظم مزيدا لا يلحقه التنفيد ولا ينقطع على التأبيد، وإن الله تبارك وتعالى اختص لنفسه بعد نبيه خاصة علاهم بتعليته وسما بهم إلى رتبته وجعلهم (4) إليه والادلاء بالارشاد عليه، أئمة معصومين فاضلين كاملين وجعلهم الحجج على الورى ودعاة إليه، شفعاء بإذنه، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يحكمون بأحكامه ويستنون بسنته ويقيمون حدوده ويؤدون فروضه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، صلوات الله والملائكة الابرار على محمد وآله الاخيار. وبعد فإني لما تأملت ما وصل إلي من علوم نبينا ووصيه والائمة من ولدهما صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته، وأدمت النظر فيه والتدبر له علمت أنه قليل مما خرج عنهم، يسير في جنب ما لم يخرج، فوجدته مشتملا على أمر الدين والدنيا وجامعا لصلاح العاجل والآجل، لا يوجد الحق إلا معهم ولا يؤخذ الصواب إلا عنهم ولا يلتمس الصدق إلا منهم. ورأيت من تقدم من علماء الشيعة قد ألفوا عنهم في الحلال والحرام والفرائض والسنن ما قد كتب الله لهم ثوابه و أغنوا من بعدهم عن مؤونة التأليف وحملوا عنهم ثقل التصنيف ووقفت مما انتهى إلي


(1) من كرم أي عظم والتكريم: التعظيم. (2) - بفتح الخاء - أي بخصوصيته وخصلته أو بضم الخاء بمعنى الصداقة والاول أظهر. وفى بعض النسخ [ لا يخص ]. (3) طرق له أي جعل له طريقا. (4) فيه سقط والادلاء جمع دليل أو الدال وهو المرشد إلى المطلوب وفى الزيارة الجامعة الكبيرة في وصف الائمة عليهم السلام: " السلام على الدعاة إلى الله والادلاء على مرضات الله " إذ هم يدلون الناس على المعارف الالهية والاحكام الشرعية. ولعل الساقط " ندباء ". (*)

[ 3 ]

من علوم السادة عليهم السلام على حكم بالغة ومواعظ شافية وترغيب فيما يبقى، وتزهيد فيما يفنى، ووعد ووعيد، وحض على مكارم الاخلاق والافعال ونهي عن مساويهما، وندب إلى الورع وحث على الزهد. ووجدت بعضهم عليهم السلام قد ذكروا جملا من ذلك فيما طال من وصاياهم وخطبهم ورسائلهم وعهودهم، وروي عنهم في مثل هذه المعاني ألفاظ قصرت وانفردت معانيها وكثرت فائدتها ولم ينته إلي لبعض علماء الشيعة في هذه المعاني تأليف أقف عنده ولا كتاب أعتمد عليه وأستغني به يأتي على ما في نفسي منه. فجمعت ما كانت هذه سبيله وأضفت إليه ما جانسه وضاهاه وشاكله وساواه من خبر غريب أو معنى حسن متوخيا (1) بذلك وجه الله - جل ثناؤه - وطالبا ثوابه وحاملا لنفسي عليه ومؤدبا لها به (2) وحملها منه على ما فيه نجاتها شوق الثواب وخوف العقاب، ومنبها لي وقت الغفلة ومذكرا حين النسيان ولعله أن ينظر فيه مؤمن مخلص فما علمه منه كان له درسا وما لم يعلمه استفاده فيشركني في ثواب من علمه وعمل به، لما فيه من أصول الدين وفروعه وجوامع الحق وفصوله وجملة السنة وآدابها وتوقيف الائمة وحكمها والفوائد البارعة والاخبار الرائقة (3) وأتيت على ترتيب مقامات الحجج عليهم السلام وأتبعتها بأربع وصايا شاكلت الكتاب ووافقت معناه. وأسقطت الاسانيد تخفيفا وإيجازا وإن كان أكثره لي سماعا ولان أكثره آداب وحكم تشهد لانفسها ولم أجمع ذلك للمنكر المخالف بل ألفته للمسلم للائمة، العارف بحقهم، الراضي بقولهم، الراد إليهم. وهذه المعاني أكثر من أن يحيط بها حصر وأوسع من أن يقع عليها حظر وفيما ذكرناه مقنع لمن كان له قلب، وكاف لمن كان له لب.


(1) في بعض النسخ [ متوجها ]. (2) أي كنت مؤدبا لنفسي بسبب تلكم المواعظ. (3) البارعة مونث البارع من برع أي فاق علما أو جمالا أو فضيلة أو غير ذلك من الاوصاف. والرائق من الروق: الفضل من الشئ. (*)

[ 4 ]

فتأملوا معاشر شيعة المؤمنين ما قالته أئمتكم عليهم السلام وندبوا إليه وحضوا عليه. وانظروا إليه بعيون قلوبكم، واسمعوه بآذانها، وعوه بما وهبه الله لكم واحتج به عليكم من العقول السليمة والافهام الصحيحة ولا تكونوا كأنداكم (1) الذين يسمعون الحجج اللازمة والحكم البالغة صفحا وينظرون فيها تصفحا (2) ويستجيدونها قولا ويعجبون بها لفظا، فهم بالموعظة لا ينتفعون ولا فيما رغبوا يرغبون ولا عما حذروا ينزجرون، فالحجة لهم لازمة والحسرة عليهم دائمة. بل خذوا ما ورد إليكم عمن فرض الله طاعته عليكم وتلقوا ما نقله الثقات عن السادات بالسمع والطاعة والانتهاء إليه والعمل به، وكونوا من التقصير مشفقين وبالعجز مقرين. واجتهدوا في طلب ما لم تعلموا، واعملوا بما تعلمون ليوافق قولكم فعلكم، فبعلومهم النجاة وبها الحياة، فقد أقام الله بهم الحجة وأقام (3) بمكانهم المحجة وقطع بموضعهم العذر، فلم يدعوا لله طريقا إلى طاعته ولا سببا إلى مرضاته ولا سبيلا إلى جنته إلا وقد أمروا به وندبوا إليه ودلوا عليه وذكروه وعرفوه ظاهرا وباطنا وتعريضا وتصريحا، ولا تركوا ما يقود إلى معصية الله ويدني من سخطه ويقرب من عذابه إلا وقد حذروا منه ونهوا عنه وأشاروا إليه وخوفوا منه لئلا يكون للناس على الله حجة، فالسعيد من وفقه الله لاتبعاعهم والاخذ عنهم والقبول منهم والشقي من خالفهم واتخذ من دونهم وليجة (4) وترك أمرهم رغبة عنه إذ كانوا العروة الوثقى وحبل الله الذي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بالاعتصام والتمسك به، وسفينة النجاة وولاة الامر، الذين فرض الله طاعتهم فقال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم (5) " والصادقين الذين


(1) النديد من الند وهو الضد والنظير - والمراد به ههنا الاول. (2) في بعض النسخ [ صفحا ]. (3) كذا والظاهر: أنار. (4) الوليجة: البطانة. (5) النساء - 58. (*)

[ 5 ]

أمرنا بالكون معهم، فقال: " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (1) ". واجتهدوا في العمل بما أمروا به صغيرا كان أو كبيرا واحذروا ما حذروا قليلا كان أو كثيرا، فإنه من عمل بصغار الطاعات ارتقى إلى كبارها، ومن لم يجتنب قليل الذنوب ارتكب كثيرها. وقد روي: " اتقوا المحقرات من الذنوب وهي قول العبد: ليت لا يكون لي غير هذا الذنب (2) ". وروي: " لا تنظر إلى الذنب وصغره ولكن انظر من تعصي به، فإنه الله العلي العظيم ". فإن الله إذا علم من عبده صحة نيته وخلوص طويته في طاعته ومحبته لمرضاته وكراهته لسخطه وفقه وأعانه وفتح له مسامع قلبه وكان كل يوم في مزيد فإن الاعمال بالنيات. وفقنا الله وإياكم لصالح الاعمال وسددنا في المقال، وأعاننا على أمر الدنيا والدين وجعلنا الله وإياكم من الذين إذا اعطوا شكروا وإذا ابتلوا صبروا وإذا أساؤوا استغفروا، وجعل ما وهبه لنا من الايمان والتوحيد له والائتمام بالائمة مستقرا غير مستودع (3) إنه جواد كريم.


(1) التوبة - 120 وفى الكافي ج 1 ص 208 عن البزنطى عن أبى الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " قال: هم الائمة والصديقون بطاعتهم. وقال صاحب الوافى: لعل المراد أن الصادقين صنفان صنف منهم الائمة المعصومون عليهم السلام والاخر المصدقون بأن طاعتهم مفترضة من الله تعالى. (2) في الكافي باب استصغار الذنب ج 2 ص 287 عن زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اتقوا المحقرات من الذنوب فانها لا تغفر. قلت: وما المحقرات ؟ قال: الرجل يذنب الذنب فيقول: طوبى لى لم يكن لى غير ذلك. ويأتى أيضا في باب مواعظ أبى محمد العسكري عليه السلام من هذا الكتاب قوله عليه السلام: " من الذنوب التى لا تغفر: ليتنى لا أؤاخذ الا بهذا ". (3) أي ايمانا مستقرا غير مستودع. (*)

[ 6 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله في طوال هذه المعاني) * * (وصيته لامير المؤمنين عليه السلام) * (*) يا علي إن من اليقين أن لا ترضي أحدا بسخط الله ولا تحمد أحدا بما آتاك الله ولا تذم أحدا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يجره حرص حريص ولا تصرفه كراهة كاره، إن الله بحكمه وفضله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. يا علي إنه لا فقر أشد من الجهل ولا مال أعود من العقل (1) ولا وحدة أوحش من العجب ولا مظاهرة أحسن من المشاورة (2) ولا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق (3) ولا عبادة كالتفكر. يا علي آفة الحديث الكذب. وآفة العلم النسيان. وآفة العبادة الفترة. (4) وآفة السماحة المن. (5) وآفة الشجاعة البغي وآفة الجمال الخيلاء. وآفة الحسب الفخر (6). يا علي عليك بالصدق ولا تخرج من فيك كذبة أبدا ولا تجترئن على خيانة أبدا، والخوف من الله كأتك تراه. وابذل مالك ونفسك دون دينك وعليك بمحاسن الاخلاق فاركبها وعليك بمساوي الاخلاق فاجتنبها.


(*) رواها البرقى في كتاب الاشكال والقرائن من المحاسن ص 17 مسندا عن أبى عبد الله عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وعليهم اجمعين وفيه [ وإن اليقين ]. وأعلم أن جميع ما روى عنه صلى الله عليه وآله في هذا الكتاب كانت موجودة في كتب الفريقين، رووها بأسانيدهم المعنعنة عن مشيخة العلم والحديث ولذلك لم نتعرض لتخريجها من كتب الاصحاب لقلة ثمرها وعدم الحاجة إليها وإنما تعرضنا لبعضها لاجل اختلافها وهذا دأبنا في جميع الكتاب. (1) الاعود: الانفع. (2) المظاهرة: المعاونة وفى المحاسن [ أوثق من المشاورة ]. (3) زاد في المحاسن [ ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق ]. (4) الفترة: الانكسار والضعف وأيضا الهدنة. وزاد في المحاسن [ وآفة الحسب الفخر ]. (5) زاد في المحاسن [ وآفة الظرف الصلف ]. والسماحة: الجود. (6) زاد في المحاسن [ يا على انك لا تزال بخير ما حفظت وصيتى انت مع الحق والحق معك اه‍ ]. (*)

[ 7 ]

يا علي أحب العمل إلى الله ثلاث خصال: من أتي الله بما افترض عليه فهو من أعبد الناس. ومن ورع عن محارم الله فهو من أورع الناس. ومن قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس. يا علي ثلاث من مكارم الاخلاق: تصل من قطعك. وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك. يا علي ثلاث منجيات: تكف لسانك. وتبكي على خطيئتك. ويسعك بيتك (1). يا علي سيد الاعمال ثلاث خصال: إنصافك الناس من نفسك. ومساواة الاخ في الله. وذكر الله على كل حال. يا علي ثلاثة من حلل الله (2): رجل زار أخاه المؤمن في الله فهو زور الله وحق على الله أن يكرم زوره (3) ويعطيه ما سأل. ورجل صلى ثم عقب إلى الصلاة الاخرى فهو ضيف الله وحق على الله أن يكرم ضيفه. والحاج والمعتمر فهما وفدا الله وحق على الله أن يكرم وفده. يا علي ثلاث ثوابهن في الدنيا والآخرة: الحج ينفي الفقر. والصدقة تدفع البلية وصلة الرحم تزيد في العمر. يا علي ثلاث من لم يكن فيه لم يقم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله عزوجل. وعلم يرد به جهل السفيه. وعقل يداري به الناس. يا علي ثلاثة تحت ظل العرش يوم القيامة: رجل أحب لاخيه ما أحب لنفسه. ورجل بلغه أمر فلم يتقدم فيه ولم يتأخر حتى يعلم أن ذلك الامر لله رضى


(1) كذا. (2) الحلل جمع الحلة - بالضم، كقلل وقلة - وهى الثوب الساتر لجميع البدن. وفى بعض النسخ [ من خلل الله ]. (3) زوره: أي زائره وقاصده. (*)

[ 8 ]

أو سخط. ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه كلما أصلح من نفسه عيبا بدا له منها آخر، وكفى بالمرء في نفسه شغلا. يا علي ثلاث من أبواب البر: سخاء النفس. وطيب الكلام. والصبر على الاذى. يا علي في التوراة أربع إلى جنبهن أربع: من أصبح على الدنيا حريصا أصبح وهو على الله ساخط. ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يكشو ربه. ومن أتى غنيا فتضعضع له (1) ذهب ثلثا دينه. ومن دخل النار من هذه الامة فهو ممن اتخذ آيات الله هزوا ولعبا. أربع إلى جنبهن أربع: من ملك استأثر (2). ومن لم يستشر يندم. كما تدين تدان. والفقر الموت الاكبر، فقيل له: الفقر من الدينار والدرهم ؟ فقال: الفقر من الدين. يا علي كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاث أعين: عين سهرت في سبيل الله (3). وعين غضت عن محارم الله. وعين فاضت من خشية الله (4). يا علي طوبى لصورة نظر الله إليها تبكي على ذنب لم يطلع على ذلك الذنب أحد غير الله. يا علي ثلاث موبقات وثلاث منجيات فأما الموبقات: فهو متبع. وشح مطاع (5). وإعجاب المرء بنفسه. وأما المنجيات فالعدل في الرضا والغضب. والقصد


(1) تضعضع له: أي ذل وخضع له. وإنما ذلك إذا كان خضوعه لغناه. (2) كذا وسقطت لفظة " يا على " من صدر الكلام. والاستيثار: الاستبداد، يقال استأثر بالشئ: استبد به وخص به نفسه. (3) سهر كفرح أي بات ولم ينم ليلا. أي تركت النوم قدرا معتدا به زيادة عن العادة في طاعة الله كالصلاة وتلاوة القرآن والدعاء ومطالعة العلوم الدينية أو في طريق الجهاد والحج والزيارات وكل طاعة لله سبحانه. (4) المحارم جمع محرم على بناء المصدر الميمى أي ما حرم الله النظر إليه. وعين فاضت أي سال دمعها بكثرة. (5) الشح: البخل والحرص. (*)

[ 9 ]

في الغنى والفقر، وخوف الله في السر والعلانية كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. يا علي ثلاث يحسن فيهن الكذب (1): المكيدة في الحرب، وعدتك زوجتك، والاصلاح بين الناس. يا علي ثلاث يقبح فيهن الصدق: النميمة، وإخبارك الرجل عن أهله بما يكره. وتكذيبك الرجل عن الخير. يا علي أربع يذهبن ضلالا (2): الاكل بعد الشبع. والسراج في القمر. والزرع في الارض السبخة (3). والصنيعة عند غير أهلها (4). يا علي أربع أسرع شئ عقوبة: رجل أحسنت إليه فكافأك بالاحسان إساءة. ورجل لا تبغي عليه وهو يبغي عليك ورجل عاقدته على أمر فمن أمرك الوفاء له ومن أمره الغدر بك. ورجل تصله رحمه ويقطعها. يا علي أربع من يكن فيه كمل إسلامه: الصدق. والشكر. والحياء وحسن الخلق. يا علي قلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر وكثرة الحوائج إلى الناس مذلة وهو الفقر الحاضر.


(1) لا يخفى أن الكذب حرام وارتكابه من المعاصي كسائر المحرمات ولا فرق في ذلك بينه وبين سائر المحرمات ولكن إذ دار الامر بينه وبين الاهم فليقدم الاهم حينئذ لان العقل مستقل بوجوب ارتكاب أقل القبيحين عند التزاحم كما إذا ال الامر بانقاذ غريق إلى ارتكاب معصية مثلا أو تزاحم الامر بينه وبين واجب أخر فليقدم الاهم منهما وقد دلت الادلة الاربعة - الكتاب والسنة والاجماع والعقل - عليها وهذا الكلام وما بعده من تلك الموارد. (2) في بعض نسخ الحديث [ ضياعا ] والمراد منهما الاتلاف والاهمال. (3) السبخة: أرض ذات ملح. يعلوها الملوحة ولا يكاد ينبت فيها نبات. (4) الصنيعة: الاحسان. (*)

[ 10 ]

* (وصية اخرى) * * (إلى أمير المؤمنين عليه السلام مختصرة) * يا علي إن للمؤمن ثلاث علامات: الصيام. والصلاة. والزكاة. وإن للمتكلف من الرجال (1) ثلاث علامات: يتملق إذا شهد. ويغتاب إذا غاب. ويشمت بالمصيبة. وللظالم ثلاث علامات: يقهر من دونه بالغلبة. ومن فوقه بالمعصية. ويظاهر الظلمة (2). للمرائي ثلاث علامات: ينشط إذا كان عند الناس (3). ويكسل إذا كان وحده. ويحب أن يحمد في جميع الامور. وللمنافق ثلاث علامات: إن حدث كذب. وإن ائتمن خان وإن وعد أخلف. وللكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط. (4) ويفرط حتى يضيع. ويضيع حتى يأثم. وليس ينبغي للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمة لمعاش (5). أو خطوة لمعاد. أو لذة في غير محرم. يا علي إنه لا فقر أشد من الجهل. ولا مال أعود من العقل. ولا وحدة أوحش من العجب. ولا عمل كالتدبير. ولا ورع كالكف. ولا حسب كحسن الخلق، إن الكذب آفة الحديث، وآفة العلم النسيان، وآفة السماحة المن (6). يا علي إذا رأيت الهلال فكبر ثلاثا وقل: الحمد لله الذي خلقني وخلقك


(1) المتكلف: المتصنع والمتدلس والذى هو لا يتصف بما يترائى به في نفس الامر. (2) أي يعاونهم. والظلمة: جمع ظالم. (3) المرائى أصله من الرياء أي المتظاهر بخلاف ما هو عليه. ونشط كسمع نشاطا - بالفتح - طابت نفسه للعمل وغيره. والكسل - محركة - التثاقل عن الشئ والفتور. وقد يكون النشاط قبل العمل وباعثا له وتارة يكون بعده وسببا لتطويله وتجويده. (4) التفريط: التقصير والتضييع، كما أن الافراط تجاوز الحد من جانب الزيادة (5) " شاخصا " أي ذاهبا. والمرمة مصدر من رم الشى يرمه أي أصلحه (6) قد مضى آنفا مع اختلاف يسير. (*)

[ 11 ]

وقدرك منازل وجعلك آية للعالمين (1). يا علي إذا نظرت في مرآة فكبر ثلاثا وقل: اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي. يا علي إذا هالك أمر فقل: اللهم بحق محمد وآل محمد إلا فرجت عني. قال علي عليه السلام: قلت: يا رسول الله " فتلقى آدم من ربه كلمات " ما هذه الكلمات ؟ قال: يا علي إن الله أهبط آدم بالهند وأهبط حواء بجدة والحية بإصبهان وإبليس بميسان (2) ولم يكن في الجنة شئ أحسن من الحية والطاووس وكان للحية قوائم كقوائم البعير، فدخل إبليس جوفها فغر آدم وخدعه فغضب الله على الحية وألقى عنها قوائمها وقال: جعلت رزقك التراب، وجعلتك تمشين على بطنك لا رحم الله من رحمك، وغضب على الطاووس، لانه كان دل إبليس على الشجرة، فمسخ منه صوته ورجليه، فمكث آدم بالهند مائة سنة، لا يرفع رأسه إلى السماء واضعا يده على رأسه يبكي على خطيئته، فبعث الله إليه جبرئيل فقال: يا آدم الرب عزوجل يقرئك السلام ويقول: يا آدم ألم أخلقك بيدي ؟ ألم أنفخ فيك من روحي ؟ ألم أسجد لك ملائكتي ؟ ألم ازوجك حواء أمتي ؟ ألم أسكنك جنتي ؟ فما هذه البكاء يا آدم ؟ [ ت‍ ] تكلم بهذه الكلمات، فإن الله قابل توبتك قل: سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي، فتب على إنك أنت التواب الرحيم.


(1) الهلال: غرة القمر أو لليلتين أو إلى ثلاث أو إلى سبع قال شيخنا البهائي - قدس سره - يمتد وقت قراءة الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالا والاولى عدم تأخيره عن الليلة الاولى عملا بالمتيقن المنفق عليه لغة وعرفا فان لم يتيسر فعن الليلة الثانية لقول اكثر اهل اللغة بالامتداد إليها فان فاتك فعن الثالثة لقول كثير منهم بانها آخر لياليه. (2) ميسان: كورة معروفة بين البصرة وواسط والنسبة ميسانى - كما في القاموس. ولعل ذكر هذه المواضع كناية عن بعد المسافة بينها. (*)

[ 12 ]

يا علي إذا رأيت حية في رحلك فلا تقتلها حتى تخرج عليها ثلاثا، فإن رأيتها الرابعة فاقتلها فإنها كافرة. يا علي إذا رأيت حية في طريق فاقتلها، فإني قد اشترطت على الجن [ أ ] لا يظهروا في صورة الحيات (1). يا علي أربع خصال من الشقاء: جمود العين. وقساوة القلب. وبعد الامل. وحب الدنيا من الشقاء. يا علي إذا اثنى عليك في وجهك فقل: اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي مالا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون. يا علي إذا جامعت فقل: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فإن قضى أن يكون بينكما ولد لم يضره الشيطان أبدا. يا علي إبدأ بالملح واختم به فإن الملح شفاء من سبعين داء، أذلها الجنون والجذام والبرص (2). يا علي ادهن بالزيت، فإن من ادهن بالزيت لم يقربه الشيطان أربعين ليلة (3). يا علي لا تجامع أهلك ليلة النصف ولا ليلة الهلال، أما رأيت المجنون يصرع في ليلة الهلال وليلة النصف كثيرا (4).


(1) كما يمكن حمل هذا الحديث والذى قبله على أنواع الحية وأقسامها، كذلك يمكن حملهما على حالاتها المختلفة ولعل البيان في الحديث إشارة إليه والى أن خباثتها مستندة إلى ذاتها الخبيثة. (2) الامر ارشادى وإنما كان منشا اكثر الامراض من جهة الطعام وهضمه في المعدة والملح قبل الطعام وبعده يؤثر في المعدة خشونة موجبة لهضم الطعام بسهولة فهو تأثير طبيعي موجب لحفظ البدن من الامراض الكثيرة. (3) أما لاجل التنظيف أو لخواصه الطبيعية أو لغير ذلك من الامور التى خفيت علينا وعلمها عند الله سبحانه. (4) لما كان القمر يؤثر في الكرة الارضية تأثيرا طبيعيا موجبا لبروز آثار في مواد الارض فيمكن أن يؤثر في المزاج أيضا على نحو يظهر آثاره في الاولاد والاعقاب. (*)

[ 13 ]

يا علي إذا ولد لك غلام أو جارية فأذن في اذنه اليمنى وأقم في اليسرى فإنه لا يضره الشيطان أبدا (1). يا علي ألا انبئك بشر الناس ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من لا يغفر الذنب ولا يقيل العثرة. ألا انبئك بشر من ذلك ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من لا يؤمن شره، ولا يرجى خيره. * (وصية له اخرى إلى أمير المؤمنين عليه السلام) * يا علي إياك ودخول الحمام بغير مئزر (2) فإن من دخل الحمام بغير مئزر ملعون الناظر والمنظور إليه. يا علي لا تتختم في السبابة والوسطى، فإنه كان يتختم قوم لوط فيهما ولا تعر الخنصر (3). يا علي إن الله يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. يقول: يا ملائكتي عبدي هذا قد علم أنه لا يغفر الذنوب غيري: اشهدوا أني قد غفرت له.


(1) وقد وردت به السنة ويتأكد به كما فعل النبي صلى الله عليه وآله للحسنين عليهما السلام حين ولادتهما. (2) المئزر: إزار يلتحف به، الجمع مآزر. (3) نهيه صلى الله عليه وآله لاجل التشبه وهذا العنوان أحد موجبات الرحمة في الاسلام فكل عمل كان مثل ذلك فهو حرام مادام هذه العنوان صادقا عليه وإذا لم يصدق عليه لم يكن من هذه الجهة كما سئل عن على عليه السلام عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود " فقال عليه السلام: انما قال صلى الله عليه وآله ذلك والدين قل فالان قد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار. والخنصر: الاصبع الصغرى. (*)

[ 14 ]

يا علي إياك والكذب فإن الكذب يسود الوجه، ثم يكتب عند الله كذابا وإن الصدق يبيض الوجه ويكتب عند الله صادقا، واعلم أن الصدق مبارك والكذب مشؤوم. يا علي احذر الغيبة والنميمة، فإن الغيبة تفطر والنميمة توجب عذاب القبر. يا علي لا تحلف بالله كاذبا ولا صادقا من غير ضرورة ولا تجعل عرضة ليمينك (1)، فإن الله لا يرحم ولا يرعى من حلف باسمه كاذبا. يا علي لا تهتم لرزق غد، فإن كل غد يأتي رزقه. يا علي إياك واللجاجة، فإن أولها جهل وآخرها ندامة. يا علي عليك بالسواك، فإن السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب ومجلاة للعين، والخلال يحببك إلى الملائكة، فإن الملائكة تتأذى بريح فم من لا يتخلل بعد الطعام. يا علي لا تغضب، فإذا غضبت فاقعد وتفكر في قدرة الرب على العباد وحلمه عنهم، وإذا قيل لك: اتق الله فانبذ غضبك وراجع حلمك. يا علي احتسب بما تنفق على نفسك تجده عند الله مذخورا. يا علي احسن خلقك مع أهلك وجيرانك ومن تعاشر وتصاحب من الناس تكتب عند الله في الدرجات العلى. يا علي ما كرهته لنفسك فاكره لغيرك وما أحببته لنفسك فأحببه لاخيك، تكن عادلا في حكمك، مقسطا في عدلك، محبا (2) في أهل السماء، مودودا في صدور أهل الارض (3)، احفظ وصيتي إن شاء الله تعالى.


(1) العرضة: فعلة بمعنى المفعول كالقبضة يطلق لما يعرض دون الشئ. (2) في بعض النسخ [ محببا ]. (3) مودودا أي محبوبا. (*)

[ 15 ]

* (ومن حكمه صلى الله عليه وآله وكلامه) * في جمله خبر طويل ومسائل كثيرة سأله عنها راهب يعرف بشمعون بن لاوي ابن يهودا من حواري عيسى عليه السلام فأجابه عن جميع ما سأل عنه على كثرته فآمن به وصدقه، وكتبنا منه موضع الحاجة إليه. ومنه قال: أخبرني عن العقل ما هو وكيف هو وما يتشعب منه وما لا يتشعب وصف لي طوائفه كلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب فعن لم تعقل حارت، فالعقل عقال من الجهل، وإن الله خلق العقل فقال له: أقبل، فأقبل وقال له: أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك ولا أطوع منك، بك أبدء وبك اعيد، لك الثواب وعليك العقاب (1)، فتشعب من العقل الحلم ومن الحلم العلم ومن العلم الرشد ومن الرشد العفاف ومن العفاف الصيانة ومن الصيانة الحياء ومن الحياء الرزانة ومن الرزانة المداومة على الخير ومن المداومة على الخير كراهية الشر ومن كراهية الشر


(1) يعنى بك خلقت الخلق وأبدأتهم وبك أعيدهم للجزاء، إذ لولا العقل لم يحسن التكليف ولولا التكليف لم يكن للخلق فائدة ولا للثواب والعقاب منفعة ولا فيهما حكمة - قاله المجلسي (ره) في البحار - وأقول: أن للانسان حقيقة موجودة فيه وبها يختار أحد الضدين من الفعل والترك بمعنى أنه إذا اختار فعلا وأقبل عليه يمكنه أن يختار تركه وأدبر عنه وبهذا فالانسان قادر بارادته واختياره أحد طرفي الفعل بخلاف غيره من ذوى الارواح فان اختيار أحد الطرفين غير موجود فيهم بارادتهم بل كان فطريا وجبليا فيهم، لا يتغير ولا يتبدل كالملائكة في أفعالهم، وعلى هذا فالاقبال والادبار مختص بالانسان لحقيقة موجودة فيه وهى العقل إذ له الاقبال على الشئ وله الادبار عنه ولذلك ترتب عليه التكليف والثواب والعقاب والمواخذة والاعادة في المعاد، وقد اشتق لفظ العقل من العقال وهو الحبل الذى يشد به البعير ليمسكه. (*)

[ 16 ]

طاعة الناصح (1)، فهذه عشرة أصناف من أنواع الخير ولكل واحد من هذه العشرة الاصناف عشرة أنواع. فأما الحلم: فمنه ركوب الجميل وصحبة الابرار ورفع من الضعة ورفع من الخساسة وتشهي الخير وتقرب صاحبه من معالي الدرجاب والعفو والمهل والمعروف والصمت، فهذا ما يتشعب للعاقل بحلمه (2). وأما العلم، فيتشعب منه الغنى وإن كان فقيرا والجود وإن كان بخيلا والمهابة وإن كان هينا والسلامة وإن كان سقيما والقرب وإن كان قصيا والحياء وإن كان صلفا والرفعة وإن كان وضيعا والشرف وإن كان رذلا والحكمة والحظوة، فهذا ما يتشعب للعاقل بعلمه، فطوبى لمن عقل وعلم. (3) وأما الرشد فيتشعب منه السداد والهدى (4) والبر والتقوى والمنالة و


(1) الرشد مصدر وهو ضد الغى. والاهتداء والاستقامة على طريق الحق، والعفاف: الكف ومنع النفس عما لا يحل. والصيانة - مصدر -: حفظ النفس من العيوب ومنعها عن الشبهات فلذلك تتفرع على العفاف. والرزانة - مصدر من باب كرم -: الوقار والمراد عدم الانزعاج عن المحركات الشهوانية والغضبية وعدم التزلزل بالفتن والحوادث، فتصير سببا إلى المداومة على الخيرات و المدوامة على الخير توجب كراهية الشر فإذا كان الرجل كارها للشر فقد صفى باطنه، ونفسه طاهرة زكية، فيطيع كل ناصح يدله على الخير أو يزجره عن الشر ويسمع منه. (2) الضعة - مصدر وضع -: الردى والدناءة والقبح واللوم. والخساسة: الرذالة والحقارة ونقص في الوزن والقدر وقيل. المراد الضعة بحسب الدنيا، والخساسة: ما كان بسبب الاخلاق الذميمة. وتشهى الخير أي حبه والرغبة فيه. والمهل - بالفتح أو السكون مصدر -: الرفق و تأخير العقوبة وعدم المبادرة بالانتقام. (3) المهابة والهيبة مصدران والهين: السهل، الذليل، الضيف والصلف - بالتحريك -: التمدح بما ليس فيه والادعاء فوق المقام تكبرا. والرفعة - بكسر الراء - مصدر رفع - بضم الفاء -: علو القدر والمنزلة، والفرق بينه وبين الشرف، هو أن الرفعة ما كان لنفسه والشرافة ما يتعدى إلى غيره ويمكن أن يراد بالاول بحسب الدنيا والثانى بحسب الاخلاق الشريفة. والحظوة: المكانة والمنزلة والقرب. (4) السداد بالفتح: الرشاد والصواب والاستقامة ولعل المراد الصواب من القول والفعل والمنالة: إما من النول وهى العطية أو من النيل وهى الاصابة. والقصد: الطريق الوسط المستقيم والاقتصاد: ترك الافراط والتفريط ورعاية الوسط الممدوح. (*)

[ 17 ]

القصد والاقتصاد والصواب والكرم والمعرفة بدين الله، فهذا ما أصاب العاقل بالرشد فطوبى لمن أقام به على منهاج الطريق. وأما العفاف، فيتشعب منه الرضا والاستكانة والحظ والراحة والتفقد والخشوع والتذكر والتفكر والجود والسخاء، فهذا ما يتشعب للعاقل بعفافه رضى بالله وبقسمه. (1) وأما الصيانة، فيتشعب منها الصلاح والتواضع والورع والانابة والفهم والادب والاحسان والتحبب والخير واجتناء البشر، فهذا ما أصاب العاقل بالصيانة، فطوبى لمن أكرمه مولاه بالصيانة. (2) وأما الحياء: فيتشعب منه اللين والرأفة والمراقبة لله في السر والعلانية و السلامة واجتناب الشر والبشاشة والسماحة وللظفر وحسن الثناء على المرء في الناس، فهذا ما أصاب العاقل بالحياء، فطوبى لمن قبل نصيحة الله وخاف فضيحته (3). وأما الرزانة، فيتشعب منها اللطف والحزم وأداء الامانة وترك الخيانة وصدق اللسان وتحصين الفرج واستصلاح المال والاستعداد للعدو والنهي عن المنكر وترك السفه، فهذا ما أصاب العاقل بالرزانة، فطوبى لمن توقر ولمن لم تكن له خفة ولا جاهلية وعفا وصفح (4). وأما المداومة على الخير، فيتشعب منه ترك الفواحش والبعد من الطيش والتحرج واليقين وحب النجاة وطاعة الرحمن وتعظيم البرهان واجتناب الشيطان


(1) الاستكانة: الخضوع والمذلة. والحظ: النصيب من الخير. وفى بعض النسخ [ التفضل ] مكان " التفقد ". (2) البشر بالكسر: الطلاقة وبشاشة الوجه وفى نسخة [ واجتناب الشر ]. (3) السماحة: الجود والعطاء. والفضيحة: العيب وانكشاف المساوى. (4) الحزم: ضبط الامر والاخذ فيه بالثقة والتفكر في عواقب الامور. والسفه محركة مصدر. ومعناه الجهل وخفة الحلم ونقيضه أي عديم الحلم. والخفة اما بمعنى السرعة وخف إلى العدو أي أسرع والقوم: ارتحلوا مسرعين. أو بمعنى الجهل واستخف قومه أي حمله على الجهل. والمعنى أن من له صفة الرزانة أعنى الوقار والتأنى والتثبت في الامور تتشعب منها هذه الاوصاف. (*)

[ 18 ]

والاجابة للعدل وقول الحق، فهذا ما أصاب العاقل بمداومة الخير، فطوبى لمن ذكر أمامه وذكر قيامه واعتبر بالفناء (1). وأما كراهية الشر، فيتشعب منه الوقار والصبر والنصر والاستقامة على المنهاج والمداومة على الرشاد والايمان بالله والتوفر والاخلاص وترك ما لا يعنيه والمحافظة على ما ينفعه، فهذا ما أصاب العاقل بالكراهية للشر، فطوبى لمن أقام بحق الله وتمسك بعرى سبيل الله (2). وأما طاعة الناصح، فيتشعب منها الزيادة في العقل وكمال اللب ومحمدة العواقب والنجاة من اللوم والقبول والمودة والانشراح (3) والانصاف والتقدم في الامور والقوة على طاعة الله، فطوبى لمن سلم من مصارع الهوى (4)، فهذه الخصال كلها تتشعب من العقل. قال شمعون: فأخبرني عن أعلام الجاهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن صحبته عناك (5) وإن اعتزلته شتمك وإن أعطاك من عليك وإن أعطيته كفرك وإن أسررت إليه خانك وإن أسر إليك اتهمك وإن استغنى بطر وكان فظا غليظا وإن افتقر جحد نعمة الله ولم يتحرج (6) وإن فرح أسرف وطغى وإن حزن أيس


(1) الطيش: الخفة وذهاب العقل. والتحرج: تجنب الحرج أي الاثم وقيل: تضييق الامر على النفس. والبرهان: الحجة وكل ما يوجب وضوح أمر والمراد هنا براهين الله وحججه. ومن داوم على الخير تتشعب منه هذه الاوصاف. وفى بعض نسخ الحديث [ ذكر ما أمامه ]. (2) يقال: توفر على صاحبه رعى حرماته وعلى كذا: صرف همته إليه. وترك مالا يعنيه أي ما لا يهمه ولا ينفعه. والعرى جمع العروة كغرف وغرفة. (3) في بعض نسخ الحديث [ الاسراج ]. (4) الصرع: الطرح على الارض والمراد الامور التى يصرع هوى النفس فيها. (5) عناك: آذاك وكلفك ما يشق عليك وأتعبك من العناء: وهو النصب والتعب. (6) ولم يتحرج أي لم يجتنب عن الاثم. (*)

[ 19 ]

وإن ضحك فهق، وإن بكى خار (1)، يقع في الابرار (2) ولا يحب الله ولا يراقبه ولا يستحيي من الله ولا يذكره، إن أرضيته مدحك وقال فيك من الحسنة ما ليس فيك وإن سخط عليك ذهبت مدحته ووقع فيك من السوء ما ليس فيك، فهذا مجرى الجاهل (3). قال: فأخبرني عن علامة الاسلام ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الايمان والعلم والعمل: قال: فما علامة الايمان وما علامة العلم وما علامة العمل ؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما علامة الايمان فأربعة: الاقرار بتوحيد الله والايمان به والايمان بكتبه والايمان برسله. وأما علامة العلم فأربعة: العلم بالله. والعلم بمحبيه. والعلم بفرائضه. والحفظ لها حتى تؤدى. وأما العمل: فالصلاة والصوم والزكاة والاخلاص. قال: فأخبرني عن علامة الصادق، وعلامة المؤمن، وعلامة الصابر، وعلامة التائب، وعلامة الشاكر، وعلامة الخاشع، وعلامة الصالح وعلامة الناصح (4) وعلامة الموقن، وعلامة المخلص، وعلامة الزاهد، وعلامة البار، وعلامة التقي، وعلامة المتكلف وعلامة الظالم، وعلامة المرائي، وعلامة المنافق، وعلامة الحاسد، وعلامة المسرف، وعلامة الغافل وعلامة الخائن (5) وعلامة الكسلان، وعلامة الكذاب، وعلامة الفاسق ؟.


(1) الفهق: الامتلاء والمراد به هنا انه فتح فاه وامتلا من الضحك. والخوار: صوت البقر والمراد انه جزع وصاح كالبهائم. (2) يقع في الابرار أي يعيبهم ويذمهم. (3) المجرى: الممر والطريقة وأصله محل جرى الماء. (4) رجل ناصح الجيب أي لا غش فيه. (5) في بعض النسخ [ الجائر ]. (*)

[ 20 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما علامة الصادق فأربعة: يصدق في قوله ويصدق وعد الله ووعيده ويوفي بالعهد ويجتنب الغدر. وأما علامة المؤمن: فإنه يرؤف ويفهم ويستحيي (1). وأما علامة الصابر فأربعة: الصبر على المكاره، والعزم في أعمال البر، والتواضع، والحلم. وأما علامة التائب فأربعة: النصيحة لله في عمله (2) وترك الباطل. ولزوم الحق والحرص على الخير. وأما علامة الشاكر فأربعة: الشكر في النعماء، والصبر في البلاء، والقنوع بقسم الله، ولا يحمد ولا يعظم إلا الله. وأما علامة الخاشع فأربعة: مراقبة الله في السر والعلانية، وركوب الجميل والتفكر ليوم القيامة. والمناجاة لله. وأما علامة الصالح فأربعة: يصفي قلبه، ويصلح عمله، ويصلح كسبه ويصلح أموره كلها. وأما علامة الناصح فأربعة: يقضي بالحق. ويعطي الحق من نفسه. ويرضى للناس ما يرضاه لنفسه. ولا يعتدي على أحد. وأما علامة الموقن فستة: أيقن بالله حقا فآمن به (3) وأيقن بأن الموت حق فحذره. وأيقن بأن البعث حق فخاف الفضيحة. وأيقن بأن الجنة حق فاشتاق إليها. وأيقن بأن النار حق فظهر سعيه (4) للنجاة منها. وأيقن بأن الحساب حق فحاسب نفسه.


(1) الرأفة أشد الرحمة. وفى بعض النسخ [ يرحم ] موضع " يفهم ". (2) النصيحة: الاخلاص أي يخلص عمله لله. وترك الباطل أعم من ترك ما لا ينفعه وما يضره. (3) وفى بعض نسخ الحديث [ بان الله حق ]. (4) وفى بعض نسخ الحديث [ فطهر سعيه ]. (*)

[ 21 ]

وأما علامة المخلص فأربعة: يسلم قلبه وتسلم جوارحه، وبذل خيره، و كف شره. وأما علامة الزاهد فعشرة، يزهد في المحارم. ويكف نفسه. ويقيم فرائض ربه فإن كان مملوكا أحسن الطاعة وإن كان مالكا أحسن المملكة وليس له حمية و لا حقد (1)، يحسن إلى من أساء إليه وينفع من ضره. ويعفو عمن ظلمه. ويتواضع لحق الله. وأما علامة البار فعشرة، يحب في الله. ويبغض في الله. ويصاحب في الله. و يفارق في الله. ويغضب في الله. ويرضى في الله. ويعمل لله. ويطلب إليه. ويخشع لله، خائفا، مخوفا، طاهرا، مخلصا، مستحييا، مراقبا. ويحسن في الله. وأما علامة التقي فستة: يخاف الله. ويحذر بطشه (2) ويمسي ويصبح كأنه يراه، لا تهمه الدنيا، ولا يعظم عليه منها شئ لحسن خلقه (3). وأما علامة المتكلف فأربعة: الجدال فيما لا يعنيه، وينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال (4)، ويجعل همه لما لا ينجيه. وأما علامة الظالم فأربعة: يظلم من فوقه بالمعصية، ويملك (5) من دونه بالغلبة ويبغض الحق، ويظهر الظلم (6).


(1) في بعض النسخ [ وليس له محمية ولا حقد ]. وهى مصدر من الحماية وهى قريبة من الحمية. (2) البطش: الاخذ بصولة وشدة والاخذ بسرعة. (3) كذا، والظاهر أنه تصحيف والصحيح " ويحسن خلقه " وهى السادسة من العلائم. وفى بعض النسخ [ بحسن خلقه ] وهى أيضا تصحيف. (4) التعاطى: التناول وتناول ما لا يحق. (5) كذا. ولعل الصحيح " يقهر " (6) وفى بعض نسخ الحديث [ يظاهر الظلمة ] أي يعاونهم. (*)

[ 22 ]

وأما علامة المرائي فأربعة: يحرص في العمل إذا كان عنده أحد ويكسل إذا كان وحده. ويحرص في كل أمره على المحمدة ويحسن سمته بجهده (1). وأما علامة المنافق فأربعة: فاجر دخله (2) يخالف لسانه قلبه. وقوله فعله و سريرته علانيته، فويل للمنافق من النار. وأما علامة الحاسد فأربعة: الغيبة والتملق والشماتة بالمصيبة (3). وأما علامة المسرف فأربعة: الفخر بالباطل. ويأكل ما ليس عنده. ويزهد في اصطناع المعروف (4). وينكر من لا ينتفع بشئ منه. وأما علامة الغافل فأربعة: العمى، والسهو، واللهو، والنسيان. وأما علامة الكسلان فأربعة: يتوانى حتى يفرط. ويفرط حتى يضيع. و يضيع حتى يضجر ويضجر حتى يأثم. وأما علامة الكذاب فأربعة: إن قال لم يصدق، وإن قيل له لم يصدق، و النميمة والبهت. وأما علامة الفاسق فأربعة: اللهو واللغو والعدوان والبهتان. وأما علامة الخائن (5) فأربعة: عصيان الرحمن وأذى الجيران وبغض الاقران والقرب إلى الطغيان. فقال شمعون: لقد شفيتني وبصرتني من عماي، فعلمني طرائق أهتدي بها ؟


(1) المرائى بالضم: اسم فاعل من باب المفاعلة يقال: رائيه رئاء أي أراه خلاف ما هو عليه. (2) الدخل محركة كفرس: الخديعة والمكر وفى القرآن ": لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم " ويمكن أن يقرء بسكون الخاء فهو بمعنى داخله أي باطنه. (3) كذا، والشماتة من شمت به: إذا فرح ببليته ومصيبته. (4) الاصطناع: الاتخاذ. (5) في بعض النسخ [ الجائر ]. (*)

[ 23 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا شمعون إن لك أعداء يطلبونك ويقاتلونك ليسلبوا دينك من الجن والانس، فأما الذين من الانس فقوم لا خلاق لهم في الآخرة (1) ولا رغبة لهم فيما عند الله، إنما همهم تعيير الناس بأعمالهم، لا يعيرون أنفسهم ولا يحاذرون أعمالهم، إذ رأوك صالحا حسدوك وقالوا: مراء، وإن رأوك فاسدا قالوا: لا خير فيه (2). وأما أعداؤك من الجن فإبليس وجنوده، فإذا أتاك فقال: مات إبنك، فقل إنما خلق الاحياء ليموتوا وتدخل بضعة مني الجنة، إنه ليسرني، فإذا أتاك وقال: قد ذهب مالك، فقل: الحمد لله الذي أعطى وأخذ وأذهب عني الزكاة، فلا زكاة علي (3)، وإذا أتاك وقال لك: الناس يظلمونك وأنت لا تظلم، فقل: " إنما السبيل - يوم القيامة - على الذين يظلمون الناس " " وما على المحسنين من سبيل (4) "، وإذا أتاك وقال لك: ما أكثر إحسانك، يريد أن يدخلك العجب (5)، فقل: إساءتي أكثر من إحساني، وإذا أتاك وقال لك: ما أكثر صلاتك، فقل: غفلتي أكثر من صلاتي، وإذا قال لك: كم تعطي الناس، فقل: ما آخذ أكثر مما اعطي، وإذا قال لك: ما أكثر من يظلمك، فقل: من ظلمته أكثر، وإذا أتاك وقال لك: كم تعمل، فقل: طال ما عصيت، وإذا أتاك وقال لك: اشرب الشراب، فقل: لا أرتكب المعصية، وإذا أتاك وقال لك:


(1) أي لا نصيب لهم، الخلاق: النصيب. (2) يعنى: انك إذا تعمل عملا صالحا يقول أعداؤك حاسدا بك: إنك تعمل رئاء، وإذا تفعل فعلا قبيحا، يقولون: انك مفسد ولا خير فيك. (3) يعنى فليس لى مال حتى يجب على أداء حقوقه وانفاقه. (4) المراد بالسبيل: الاستيلاء والتسلط والحجة، يعنى أن الاستيلاء والمؤاخذة على الظالمين لا على غيرهم من المحسنين. كما قال الله تعالى في سورة التوبة - 92 " ما على المحسنين من سبيل ". (5) العجب بالضم: الزهو والكبر وإعجاب النفس من عمل أتى به. (*)

[ 24 ]

ألا تحب الدنيا ؟، فقل: ما احبها (1) وقد اغتر بها غيري. يا شمعون خالط الابرار واتبع النبيين: يعقوب ويوسف وداود، إن الله تبارك وتعالى لما خلق السفلى فخرت وزخرت (2) وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الارض فسطحها على ظهرها، فذلت، ثم إن الارض فخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الله الجبال، فأثبتها على ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها، فذلت الارض واستقرت، ثم إن الجبال فخرت على الارض، فشمخت (3) واستطالت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الحديد، فقطعها، فذلت، ثم إن الحديد فخر على الجبال وقال: أي شئ يغلبني ؟ فخلق النار، فأذابت الحديد، فذل الحديد، ثم إن النار زفرت وشهقت و فخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الماء، فأطفأها فذلت، ثم إن الماء فخر و زخر وقال: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الريح، فحركت أمواجه وأثارت ما في قعره (4) وحبسته عن مجاريه، فذل الماء، ثم إن الريح، فخرت وعصفت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الانسان، فبنى واحتال ما يستتر به من الريح وغيرها فذلت الريح، ثم إن الانسان طغى وقال: من أشد مني قوة، فخلق الموت فقهره، فذل الانسان، ثم إن الموت فخر في نفسه، فقال الله عزوجل: لا تفخر فإني ذابحك بين الفريقين: أهل الجنة وأهل النار، ثم لا احييك أبدا فخاف (5) ثم قال: والحلم يغلب الغضب والرحمة تغلب السخط والصدقة تغلب الخطيئة (6).


(1) في بعض النسخ [ ما أريدها ]. (2) الزخر: الفخر والشرف. (3) الشمخ والشموخ: العلو والرفعة. (4) الثور: الهيجان والنهوض. (5) يستفاد من هذا الحديث: أن كل موجود له صفة تخص به، وبها يقهر ما دونه، و يغلب عليه ولكن لا يجوز أن يفتخر بها على ما دونه، لانه مقهور ومغلوب بما فوقه " وفوق كل ذى علم عليم " فيكون الكبر موجبا لسقوطه، حتى أن الانسان مع ما فيه من القوة والقدرة التى لا يكون في غيره مقهور ومغلوب بالموت، وكذلك الموت أيضا. واما ما في الحديث من خلق الموت إشارة إلى ما في قوله تعالى في سورة الملك " الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ". وفى تفسير القمى " خلق الموت والحياة " قدرهما ومعناه قدر الحياة ثم الموت. (6) أي تقهره وتدفعه. (*)

[ 25 ]

وصيته صلى الله عليه وآله لمعاذ بن جبل (1) لما بعثه إلى اليمن يا معاذ علمهم كتاب الله وأحسن أدبهم على الاخلاق الصالحة، وأنزل الناس منازلهم (2) - خيرهم وشرهم - وأنفذ فيهم أمر الله، ولا تحاش في أمره، ولا ماله أحدا (3) فإنها ليست بولايتك ولا مالك، وأد إليهم الامانة في كل قليل وكثير، وعليك بالرفق والعفو في غير ترك للحق (4)، يقول الجاهل: قد تركت من حق الله، واعتذر إلى أهل عملك (5) من كل أمر خشيت أن يقع إليك منه عيب حتى يعذروك وأمت أمر الجاهلية إلا ما سنه الاسلام.


(1) معاذ بن جبل بضم الميم انصاري، خزرجي يكنى أبا عبد الرحمن، أسلم وهو ابن ثمان عشر سنة، وشهد ليلة العقبة مع السبعين - من أهل يثرب (المدينة) - وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله المشاهد، وبعثه صلى الله عليه وآله إلى اليمن بعد غزوة تبوك، في سنة العاشر، وعاش إلى أن توفى في طاعون عمواس بناحية الاردن سنة ثمان عشر في خلافة عمر. ولما بعثه صلى الله عليه وآله إلى اليمن شيعه صلى الله عليه وآله ومن كان معه من المهاجرين والانصار - ومعاذ راكب، ورسول الله صلى الله عليه وآله يمشى إلى جنبه، ويوصيه. فقال معاذ: يا رسول الله: أنا راكب وأنت تمشى، ألا أنزل فأمشي معك ومع أصحابك ؟ فقال: يا معاذ إنما أحتسب خطاى هذه في سبيل الله. ثم أوصاه بوصايا - ذكرها الفريقين مشروحا و موجزا في كتبهم -، ثم التفت صلى الله عليه وآله، فاقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: إن أولى الناس بى المتقون من كانوا وحيث كانوا. (2) يعنى أنزل الناس على قدرهم، وشؤوناتهم من الخير والشر. (3) " لا تحاش " من حاشى فلانا من القوم أي استثناه. أي لا تكترث بما لا حد فتخرجه من عموم الحكم، بل لا تستئن أحدا. (4) في بعض النسخ [ من غير ترك للحق ]. (5) في بعض النسخ [ واعتذر إلى أهل علمك ] يعنى ان في كل أمر خشيت أن يسرع اليك عيب منه تقدم العذر قبل أن يعذروك. (*)

[ 26 ]

وأظهر أمر الاسلام كله، صغيره وكبيره، وليكن أكثر همك الصلاة، فإنها رأس الاسلام بعد الاقرار بالدين وذكر الناس بالله واليوم الآخر، واتبع الموعظة، فإنه أقوى لهم على العمل بما يحب الله (1)، ثم بث فيهم المعلمين، وا عبد الله الذي إليه ترجع، ولا تخف في الله لومة لائم. واوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والوفاء بالعهد وأداء الامانة وترك الخيانة، ولين الكلام وبذل السلام، وحفظ الجار ورحمة اليتيم وحسن العمل و قصر الامل وحب الآخرة والجزع من الحساب ولزوم الايمان والفقه في القرآن، وكظم الغيظ وخفض الجناح (2). وإياك أن تشتم مسلما، أو تطيع آثما، أو تعصي إماما عادلا، أو تكذب صادقا، أو تصدق كاذبا، واذكر ربك عند كل شجر وحجر (3)، وأحدث لكل ذنب توبة، السر بالسر والعلانية بالعلانية. يا معاذ لولا أنني أرى ألا نلتقي إلى يوم القيامة، لقصرت في الوصية ولكنني أرى أن لا نلتقي أبدا (4)، ثم اعلم يا معاذ أن أحبكم إلي من يلقاني على مثل الحال التي فارقني عليها (5).


(1) أي انه يقويهم على العمل بالصالحات. (2) الخفض: الغض والاخفاء وأيضا خفض: ضد رفع. وبمعنى اللين والسهل. والجناح ما يطير به الطائر وخفض الجناح كناية عن التواضع. (3) يعنى: واذكر ربك عند كل شئ وفى كل حال. (4) هذا البيان تصريح بموته صلى الله عليه وآله وأن معاذا لن يراه بعد اليوم ومقامه هذا، فانه صلى الله عليه وآله ودعه وانصرف وسار معاذ إلى اليمن حتى أتى صنعاء اليمن، فمكث أربعة عشر شهرا ثم رجع إلى المدينة فلما دخلها فقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) لعل في هذا البيان اشارة إلى معاذ بانك لو تلقاني يوم القيامة على مثل هذه الحال ولم يتغير حالك في مستقبل الزمان ولم تنحرف عن طريقي بعد وفاتي تكون محبوبا عندي، ولكن قيل في حقه: إنه من اصحاب الصحيفة [ هم الذين كتبوا صحيفة واشترطوا على أن يزيلوا الامامة عن على عليه السلام ]. وممن قوى خلافة أبى بكر رغما لعلى عليه السلام. (*)

[ 27 ]

* (ومن كلامه صلى الله عليه وآله) * إن لكل شئ شرفا، وإن شرف المجالس ما استقبل به القبلة، من أحب أن يكون أعز الناس فليتق الله ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده (1). ثم قال: ألا انبئكم بشرار الناس ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من نزل وحده ومنع رفده، وجلد عبده (2)، ألا انبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: من لا يقيل عثرة (3) ولا يقبل معذرة، ثم قال: ألا انبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، ثم قال: ألا انبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من يبغض الناس ويبغضونه. إن عيسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ولا تكافئوا ظالما (4) فيبطل فضلكم، يا بني إسرائيل الامور ثلاثة: أمر بين رشده، فاتبعوه وأمر بين غيه، فاجتنبوه وأمر اختلف فيه، فردوه إلى الله (5). أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم (6) وإن لكم نهاية، فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد لنفسه من نفسه ومن دنياه لآخرته و


(1) " بما في يد الله " أي في قدرة الله وقضائه وقدره. (2) الرفد بالكسر: العطاء والصلة وهو اسم من رفده رفدا من باب ضرب أعطاه وأعانه والظاهر أنه اعم من منع الحقوق الواجبة والمستحبة. (3) أقال يقيل اقالة أي وافق على نقض البيع وسامح فيه. والفترة: الخطيئة وفى هذا الحديث تقديم وتأخير في بعض النسخ. (4) كافأ الرجل على ما كان منه جازاه - كافأ فلانا راقبه وقابله، صار نظيرا له وساواه. (5) رواه الصدوق في معاني الاخبار. (6) المعالم جمع معلم، وهو ما يستدل به على الطريق. (*)

[ 28 ]

من الشيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الموت، والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب (1) وما بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار. * (ذكره صلى الله عليه وآله العلم والعقل والجهل) * قال: تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لاهله قربة، لانه معالم الحلال والحرام وسالك بطالبه سبل الجنة، ومونس في الوحدة، وصاحب في الغربة، ودليل على السراء وسلاح على الاعداء، وزين الاخلاء (2)، يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم (3) وتقتبس آثارهم وترغب الملائكة في خلتهم (4)، لان العلم حياة القلوب ونور الابصار من العمى وقوة الابدان من الضعف، وينزل الله حامله منازل الاحباء ويمنحه مجالسة الابرار في الدنيا والآخرة. بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحد وبه توصل الارحام ويعرف الحلال والحرام، والعلم أمام العقل (5). والعقل يلهمه الله السعداء ويحرمه الاشقياء، وصفة العاقل أن يحلم عمن جهل عليه ويتجاوز عمن ظلمه ويتواضع لمن هو دونه ويسابق من فوقه في طلب البر، و إذا أراد أن يتكلم تدبر، فإن كان خيرا تكلم فغنم وإن كان شرا سكت فسلم وإذا


(1) المستعتب: طلب العتبى أي الاسترضاء والمراد أن بعد الموت لا يكون ما يوجب الرضا لان زمان الاعمال قد انقضى وختم ديوانها ولعل اصل العتبى الرضا والفرح من الرجوع عن الذنب والاساءة وهذا المعنى لا يمكن الوصول إليه الا في دار الدنيا، وقبل الموت فليس بعد الموت من استرضاء بهذا المعنى. (2) الاخلاء جمع خليل. أي زينة لهم. (3) ترمق أعمالهم يعنى تنظر إليها وتكتسب منها فيجعلون الناس أعمالهم على طريقتهم يقال: رمقه رمقا: أطال وأدام النظر إليه. (4) زيد هنا في بعض نسخ الحديث [ يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم ]. (5) " أمام العقل " بفتح الهمزة أي قائده. (*)

[ 29 ]

عرضت له فتنة استعصم بالله، وأمسك يده ولسانه، وإذا رأى فضيلة انتهز بها (1)، لا يفارقه الحياء ولا يبدو منه الحرص، فتلك عشر خصال يعرف بها العاقل. وصفة الجاهل: أن يظلم من خالطه ويتعدى على من هو دونه، ويتطاول على من هو فوقه، كلامه بغير تدبر، إن تكلم أثم، وإن سكت سها وإن عرضت له فتنة سارع إليها فأردته (2) وإن رأى فضيلة أعرض وأبطأ عنها، لا يخاف ذنوبه القديمة ولا يرتدع فيما بقي من عمره من الذنوب، يتوانى عن البر ويبطئ عنه، غير مكترث (3) لما فاته من ذلك أو ضيعه، فتلك عشر خصال من صفة الجاهل الذي حرم العقل. * (موعظة (4)) * مالي أرى حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس، حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب، وكأن الحق في هذه الدنيا على غيرهم وجب، وحتى كأن ما يسمعون من خبر الاموات قبلهم عندهم كسبيل قوم سفر عما قليل إليهم راجعون (5) تبوؤونهم أجداثهم (6) وتأكلون تراثهم وأنتم مخلدون بعدهم، هيهات هيهات أما يتعظ آخرهم بأولهم، لقد جهلوا ونسوا كل موعظة في كتاب الله وأمنوا شر كل عاقبة سوء ولم يخافوا نزول فادحة (7) ولا بوائق كل حادثة (8).


(1) الانتهاز: الاغتنام. (2) فأردته أي فأهلكته، أصله الردى بمعنى الهلاك والسقوط. (3) أي لا يعبأ به ولا يباليه. يقال: اكترث للامر أي بالى به. (4) في روضة الوافى ص 42 عن الكافي عن أبى عبد الله عليه السلام عن جابر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بنا ذات يوم ونحن في نادينا وهو على ناقته وذلك حين رجع من حجة الوداع فوقف علينا فسلم فرددنا عليه السلام ثم قال: مالى أرى حب الدنيا. ذكر الحديث. (5) يعنى أنهم إذا سمعوا بموت فلان مثلا يظنون أنه قد سافر إلى مكان في الارض، ثم يرجع إليهم ثانيا بعد مضى أيام. (6) وفى بعض نسخ الحديث [ وبيوتهم ]. والاجداث جمع الجدث وهو القبر. (7) الفادحة: النازلة. والفادح: الصعب المثقل. (8) بوائق: جمع البائقة وهى الداهية والشر. (*)

[ 30 ]

طوبى لمن شغله خوف الله عن خوف الناس. طوبى لمن طاب كسبه وصلحت سريرته وحسنت علانيته واستقامت خليقته. طوبى لمن أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله. طوبى لمن تواضع لله عز ذكره وزهد فيما أحل له من غير رغبة عن سنتي ورفض زهرة الدنيا (1) من غير تحول عن سنتي واتبع الاخيار من عترتي من بعدي وخالط أهل الفقه والحكمة ورحم أهل المسكنة. طوبى لمن اكتسب من المؤمنين مالا من غير معصية وأنفقه في غير معصية و عاد به على أهل المسكنة (2). وجانب أهل الخيلاء والتفاخر والرغبة في الدنيا المبتدعين خلاف سنتي (3) العاملين بغير سيرتي. طوبى لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته وعدل عنهم شره. * (خطبته صلى الله عليه وآله في حجة الوداع) * (4) الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و [ من ] سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل (5)، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على العمل بطاعته، وأستفتح الله بالذي هو خير أما بعد: أيها الناس ! اسمعوا مني [ ما ] أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا.


(1) المراد بها: بهجتها وغضارتها. (2) يعنى صرفه فيهم. (3) المبتدع: صاحب البدعة. (4) هذه الخطبة من أجل خطب النبي صلى الله عليه وآله المشهورة بين العامة والخاصة والمذكورة في كتبهم، موجزا ومشروحا. (5) في بعض نسخ الحديث [ ومن يضلل الله ]. (*)

[ 31 ]

أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها (1)، وإن ربا الجاهلية موضوع وإن أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة (2) بن الحارث بن عبد المطلب (3) و إن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية. والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن ازداد فهو من الجاهلية. (4)


(1) أي فليؤدها إلى صاحبها. (2) في اكثر نسخ الحديث [ حارث بن ربيعة ]. (3) كان عامر بن ربيعة مسترضعا في بنى سعد فقتله بنو هذيل في الجاهلية فأبطل النبي صلى الله عليه وآله الطلب بدمه في الاسلام ولم يجعل لربيعة - أبيه - في ذلك تبعة. وانما بدأ صلى الله عليه وآله بابطال الربا والدم من أهله وأقربائه ليعلم أنه ليس في الدين محاباة. (4) المآثر جمع المأثرة وهى الاثر والفعل والعمل المتوارثة السدانة الخدمة السادن بكسر الدال: خادم الكعبة. والسقاية: موضع السقى. والقود محركة القصاص. والجاهلية هي حالة الناس قبل الاسلام. وكانت أمة العرب في هذا العصر في حالة انحطاط وانحلال من حيث الديانة والمدنية والفضائل والاخلاق، فلم تكن لها ديانة حنيفية ولا وحدة قومية ولا رابطة وطنية ولا أصل من الاصول التى ترتكز عليها الفضائل الانسانية، يعبدون الاصنام ويسفكون الدماء ويأكلون الربا ويفعلون الفواحش ويقولون قول الزور ويأكل القوى الضعيف، فهى فوضى في العقائد، فوضى في الاخلاق، فوضى في المعاش. لا تدين غير الوثنية وكانت لكل قبيلة منهم آلهة خاصة، كانوا مغرمين بشرب الخمر وبلعب الميسر والتفاخر بالآباء وتزويج الرجل من النساء بقدر ما تسمح له وسائله المعيشية وتزويج نساء الاب. ودفن البنات حيا والمطالبة بالثار عندهم لا تقف عند حد حتى ان لم يظفر الرجل بغريمه انتقم من أحد أقربائه وربما يقنع بالدية للقتيل بمال كثير على قدر شرف المقتول وغير ذلك من المآثر السخيفة والعادات القبيحة. ولما كانت مكة عاصمة بلاد العرب وكان بناء البيت فيها، كانت توليتها وأمر البيت تنقسم بالسدانة والحجابة والسقاية والرفادة والقيادة والندوة واللواء وغيرها ويتوارثون كابرا عن كابر ويفتخر الرجل بها ويقول: أنا أفضل لان حجابة البيت مثلا بيدى كما يفتخر بالحسب والنسب وبالمال وبكثرة الاولاد والعشيرة ويهتمون بها اهتماما عظيما حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله فأبطلها ومحاها. (*)

[ 32 ]

أيها الناس ! إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه ولكنه قد رضي بأن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم (1). أيها الناس ! " إنما النسيئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم الله (2) " وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والارض و " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم (3) " ثلاثة متوالية، وواحد فرد - ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب بين جمادى وشعبان (4) ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد.


(1) في بعض نسخ الحديث [ ورضى منكم بمحقرات الاعمال ]. (2) التوبة - 38. وقوله: " ليواطؤوا " أي ليوافقوا عدة الاربعة المحرمة. (3) التوبة - 37. (4) النسيئ مصدر بمعنى التأخير من نسأ الشئ أي أخره. والمراد تأخير أهل الجاهلية الحج والمحرم عن موقعها وموسمها لمصالحهم المادية التى كانت تتعطل بسبب وقوع الاشهر الحرم في مواسمها، لان السنة القمرية أقل من السنة الشمسية بمقدار معلوم وبسبب ذلك ينتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل وقد يكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفى الصيف أخرى وربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الاطراف فارادوا أن لا يوافق أشهر الحرم مواسم مصالحهم واحتالوا على ذلك وأقدموا على عمل الكبيسة باضافة الايام في آخر كل سنة هلالية لتوافق السنة الشمسية فهذا النسيئ وإن كان سببا لحصول المصالح المادية إلا أنه لزم منه تغيير حكم الله تعالى ولما كانت أيام الحج في تلك السنة - حجة الوداع - قد عادت إلى زمنها المخصوص قبل النقل قال صلى الله عليه وآله: " ألا وإن الزمان قد استدار إلى آخره " وقال المجلسي رحمه الله في المجلد الرابع عشر من كتاب بحار الانوار بعد ذكر بعض الاقوال في تفسير هذة الآية: وللآية تفسير آخر وهو أن يكون المراد بالنسيئ كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية وذلك أن السنة القمرية أعنى إثنى عشر قمريا هي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس أو سدس يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات. والسنة الشمسية هي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة نفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم الا كسرا قليلا، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 33 ]

أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حقا، حقكم عليهن أن لا يوطئن أحدا فرشكم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، وألا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح (1)، فإذا انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " أيام واحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريبا وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفى الصيف أخرى وكذا في الربيع و الخريف وكان يشق الامر عليهم، إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الاطراف فكان تختل أسباب تجاراتهم ومعائشهم، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائما عند اعتدال الهواء وادراك الثمرات والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفى فكسبوا تسع عشرة سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية، فزادوا في السنة الثانية شهرا، ثم في الخامسة، ثم في السابعة، ثم في العاشرة، ثم في الثالثة عشر، ثم في السادسة عشر، ثم في الثامنة عشر وقد تعلموا هذه الصنعة من اليهود والنصارى. فانهم يفعلون هكذا لاجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبيس وسمى النسيئ لانه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه وهذا التفسير يطابق ما روى أنه صلى الله عليه واله خطب في حجة الوداع و كان في جملة ما خطب به " ألا وان الزمان قد استدار كهيئة [ خ ل كهيئته ] يوم خلق الله السماوات والارض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضربين جميدى وشعبان ". والمعنى رجعت الاشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذى الحجة وبطل النسيئ الذى كان في الجاهلية وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الامر... ". انتهى - والمواطأة: الموافقة. واستدار يستدير كدار يدور بمعنى إذا طاف حول الشئ وعاد إلى الموضع الذى ابتدأ فيه. والشهر مأخوذ من شهرة الامر أي ظهوره ووضوحه، ويطلق على الشهور القمرية لحاجة الناس إليه في ديونهم ومعاملاتهم وغير ذلك من مصالحهم ولشهرته عند العالم والجاهل والبادى والحاضر ويمكن أن يضبطها كل الناس حتى العامي والبادى. فلذلك كان المدار في أحكام الاسلام عليها والدليل عليه هذه الآية في سورة التوبة. وأيضا قوله تعالى في سورة يونس - 5 " جعل الشمس ضياءا والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب " وتقدير القمر بالمنازل علة للسنين ويصح ذلك إذا كانت السنة معلقة بسير القمر. وقوله في سورة البقرة - 189 " يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس ". (1) العضل: المنع والتضييق. والهجر: الترك والاعتزال وضد الوصل - والمبرح بكسر الراء من البرح أي الشدة والاذى وقد يكون بمعنى الغضب. والانتهاء إذا ما عدى بلفظة " عن " يكون بمعنى الكف. يقال: انتهى عنه أي كف. (*)

[ 34 ]

بالمعروف، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكتاب الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا. أيها الناس، " إنما المؤمنون إخوة " ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد، فلا ترجعن كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد. أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب (1). " أيها الناس، إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا تجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث. والولد للفراش وللعاهر الحجر (2)، من ادعى إلى غير أبيه، ومن تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا (3) والسلام عليكم ورحمة الله.


(1) ومن خطبته صلى الله عليه وآله عام الفتح " أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم بالاسلام نخوة الجاهلية والتفاخر بآبائها وعشائرها. أيها الناس إنكم من آدم وآدم من طين، ألا وإن خيركم عند الله وأكرمكم عليه أتقاكم. ألا إن العربية ليست بأب والد ولكنها لسان ناطق، فمن قصر به عمله لم يبلغ حسبه ". (2) العاهر: الزانى والفاجر من العهر وهو الزنا والفجور. يعنى يثبت الولد لصاحب الفراش وهو الزوج وللعاهر الحجر كما يقال: له التراب أي الخيبة ولا يثبت له نسب. وكان أمر الجاهلية أن يثبت النسب بالزنا كما فعله معاوية بزياد بن سمية واستلحقه به وقد محاه الاسلام وأبطله. (3) يقال: صرفا وعدلا أي توبة وفدية. فالمراد بالصرف ههنا ما يصرف الانسان عن عذاب الله. والعدل: الفدية وقيل: البدل، قال الله تعالى في سورة الفرقان - 19 " فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ". وقال في البقرة - 48: " لا يؤخذ منها عدل " أي فدية. (*)

[ 35 ]

* (وروى عنه صلى الله عليه وآله في قصار هذه المعاني) * قال صلى الله عليه وآله: كفى بالموت واعظا، وكفى بالتقى غنى، وكفى بالعبادة شغلا وكفى بالقيامة موئلا وبالله مجازيا (1). وقال صلى الله عليه وآله: خصلتان ليس فوقهما من البر شئ: الايمان بالله والنفع لعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما من الشر شئ: الشرك بالله والضر لعباد الله. وقال له رجل: أوصني بشئ ينفعني الله به، فقال صلى الله عليه وآله: أكثر ذكر الموت يسلك عن الدنيا (2) وعليك بالشكر فإنه يزيد في النعمة، وأكثر من الدعاء فإنك لا تدري متى يستجاب لك، وإياك والبغي فإن الله قضى أنه من " بغى عليه لينصرنه الله (3) " وقال: " أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم (4) " وإياك والمكر، فإن الله قضى أن " لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله (5) ". وقال صلى الله عليه وآله: ستحرصون على الامارة، ثم تكون عليكم حسرة وندامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة (6). وقال صلى الله عليه وآله: لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة (7). وقيل له صلى الله عليه وآله: أي الاصحاب أفضل ؟ قال: من إذا ذكرت أعانك وإذا نسيت ذكرك. وقيل: أي الناس شر، قال: العلماء إذا فسدوا.


(1) الموئل: الملجأ من وأل إليه وألا ووئيلا إذا لجأ إليه وطلب النجاة منه. (2) أي يذهلك عنها. من سلى عن الشئ يسلو. (3) الاية في سورة الحج هكذا " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله ". (4) سورة يونس - 23 والاية هكذا " يا ايها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ". (5) سورة فاطر - 24. قوله: " لا يحيق " أي لا يحيط. " الا بأهله " أي الا بالماكر. (6) الفطم: القطع وفصل الولد عن الرضاع. ولعل المراد حسن اقبال الامارة و قبح إدبارها. وذلك لانها تقبل مظهرة خيرها مستخفية بشرورها وتدبر مع وزرها وبقاء شرها ووبالها وتحمل الحسرة على مزايلتها وغير ذلك من مضارها. (7) في بعض النسخ [ واسدوا ] وهو بمعنى أسندوا. (*)

[ 36 ]

وقال صلى الله عليه وآله: أوصاني ربي بتسع، أوصاني بالاخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر الغنى، وأن أعفو عمن ظلمني. واعطي من حرمني، وأصل من قطعني وأن يكون صمتي فكرا ومنطقي ذكرا ونظري عبرا (1). وقال صلى الله عليه وآله: قيدوا العلم بالكتاب. وقال صلى الله عليه وآله: إذا ساد القوم فاسقهم وكان زعيم القوم أذلهم واكرم الرجل الفاسق فلينتظر البلاء. وقال صلى الله عليه وآله: سرعة المشي يذهب ببهاء المؤمن. وقال صلى الله عليه وآله: لا يزال المسروق منه في تهمة من هو برئ، حتى يكون أعظم جرما من السارق (2). وقال صلى الله عليه وآله: إن الله يحب الجواد في حقه. وقال صلى الله عليه وآله: إذا كان امراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم (3) وأمركم شورى بينكم، فظهر الارض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم و أغنياؤكم بخلاءكم واموركم إلى نسائكم، فبطن الارض خير لكم من ظهرها. وقال صلى الله عليه وآله: من أمسى وأصبح وعنده ثلاث فقد تمت عليه النعمة في الدنيا من أصبح وأمسى معافى في بدنه، آمنا في سربه (4)، عنده قوت يومه، فإن كانت عنده الرابعة، فقد تمت عليه النعمة في الدنيا والآخرة وهو الايمان. وقال صلى الله عليه وآله: ارحموا عزيزا ذل وغنيا افتقر وعالما ضاع في زمان جهال. وقال صلى الله عليه وآله: خلتان كثير من الناس فيهما مفتون: الصحة والفراغ.


(1) أي اعتبارا وموعظة " العبر " جمع العبرة وهى العظة. (2) يعنى ان من يسرق منه قد يتهم الناس ومن هو برئ من السرقة حتى يكون جرمه أعظم من السارق. (3) السمحاء جمع السمح وهو الجواد. (4) السرب بفتح السين وسكون الراء: الوجهة والطريق. يقال: في سربه أي في طريقه ومذهبه وقيل: أي في نفسه. (*)

[ 37 ]

وقال صلى الله عليه وآله: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. وقال صلى الله عليه وآله: إنا معاشر الانبياء امرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم. وقال صلى الله عليه وآله: ملعون من ألقى كله على الناس (1). وقال صلى الله عليه وآله: العبادة سبعة أجزاء، أفضلها طلب الحلال. وقال صلى الله عليه وآله: إن الله لا يطاع [ جبرا ] ولا يعصى مغلوبا ولم يهمل العباد من المملكة ولكنه القادر على ما أقدرهم عليه والمالك لما ملكهم إياه، فإن العباد إن ائتمروا (2) بطاعة الله لم يكن منها مانع ولا عنها صاد وإن عملوا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبينها فعل، وليس من [ إن ] شاء أن يحول بينه وبين شئ [ فعل ] ولم يفعله فأتاه الذي فعله كان هو الذي أدخله فيه (3). وقال صلى الله عليه وآله لابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه: لولا أن الماضي فرط الباقي (4) وأن الآخر لاحق بالاول لحزنا عليك يا إبراهيم، ثم دمعت عينه وقال صلى الله عليه وآله: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون. وقال صلى الله عليه وآله: الجمال في اللسان. وقال صلى الله عليه وآله: لا يقبض العلم انتزاعا من الناس ولكنه يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، استفتوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. وقال صلى الله عليه وآله: أفضل جهاد امتي انتظار الفرج (5).


(1) الكل: الثقل والعيال. (2) في بعض النسخ [ ائتمروا ]. بدون الشرطية. والايتمار: الامتثال. (3) توضيح ذلك أن مجرد قدرة الله على الحيلولة بين العبد وفعله لا يدل على كونه تعالى فاعله إذ القدرة على المنع لا توجب اسناد الفعل إليه. (4) الفرط بفتحتين: المتقدم قومه إلى الماء. (5) أي الترقب والتهيؤ له بحيث يصدق عليه اسم المنتظر والمترقب، وليس معناه ترك السعي والعمل لانه ينافى معنى الجهاد. (*)

[ 38 ]

وقال صلى الله عليه وآله: مروءتنا أهل البيت العفو عمن ظلمنا وإعطاء من حرمنا. وقال صلى الله عليه وآله: أغبط أوليائي عندي من امتي، رجل خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه في الغيب وكان غامضا في الناس وكان رزقه كفافا فصبر عليه ومات، قل تراثه وقل بواكيه (1). وقال صلى الله عليه وآله: ما أصاب المؤمن من نصب ولا وصب (2) ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به عنه من سيئاته. وقال صلى الله عليه وآله من أكل ما يشتهي، ولبس ما يشتهي وركب ما يشتهي، لم ينظر الله إليه حتى ينزع أو يترك. وقال صلى الله عليه وآله: مثل المؤمن كمثل السنبلة، تخر مرة، وتستقيم مرة ومثل الكافر مثل الارزة، لا يزال مستقيما لا يشعو (3).


(1) الغبطة: حسن الحال والمسرة وأصله من غبطه غبطا إذا عظم نعمة في عينه وتمنى مثل حاله من غير أن يريد زوالها عنه. ورجل خفيف الحاذ يعنى قليل المال والحظ من الدنيا. وفى بعض نسخ الحديث " حفيف الحال " بالحاء المهملة بمعنى قليل المال والمعيشة. والغامض: الضعيف والحقير وأصله المبهم والخفى، يقال: نسب غامض أي لا يعرف. وغامضا في الناس يعنى من كان خفيا عنهم لا يعرف سوى الله ومغمورا غير مشهور. وفى بعض النسخ [ ذو حظ من صلاح ]. والتراث: ما يخلفه الرجل لورثته وهو مصدر والتاء فيه بدل من الواو. ولله در من نظم الحديث فقال: أخص الناس بالايمان عبد * خفيف الحاذ مسكنه القفار له في الليل حظ من صلاة * ومن صوم إذا طلع النهار وقوت النفس يأتي من كفاف * وكان له على ذاك اصطبار وفيه عفة وبه خمول * إليه بالاصابع لا يشار فذاك قد نجا من كل شر * ولم تمسسه يوم البعث نار وقل الباكيات عليه لما * قضى نحبا وليس له يسار (2) النصب محركة: التعب. والوصب أيضا محركة: المرض والوجع. (3) السنبلة واحدة السنبل، من الزرع ما كان في اعالي سوقه. والخر: السقوط من علو إلى سفل. والارز: شجر عظيم صلب كشجر الصنوبر. وشجرة آرزة أي ثابتة. ولعل المراد به قلب المؤمن والكافر، فان قلب المؤمن لرقته يتقلب احواله مرة يسهل ومرة يصعب بخلاف قلب الكافر فانه لا يزال يصعب وهى كالحجارة بل أشد قسوة كما ورد في الاخبار، في الكافي باسناده عن " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 39 ]

وسئل صلى الله عليه وآله: من أشد الناس بلاء في الدنيا، فقال صلى الله عليه وآله: النبيون ثم الاماثل فالاماثل، ويبتلي المؤمن على قدر إيمانه وحسن عمله، فمن صح إيمانه و حسن عمله اشتد بلاؤه ومن سخف إيمانه وضعف عمله قل بلاؤه (1).


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " سلام بن المستنير قال: كنت عند أبى جعفر عليه السلام فدخل عليه حمران بن أعين وسأله عن أشياء فلما هم حمران بالقيام قال لابي جعفر عليه السلام: اخبرك أطال الله بقاءك وأمتعنا بك، إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا ويهون علينا ما في أيدى الناس من هذه الاموال، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: انما هي القلوب مرة تصعب ومرة تسهل، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: أما إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك ؟ قالوا: إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كأنا نعاين الاخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الاولاد ورأينا العيال والاهل يكاد أن نحول عن الحالة التى كنا عليها عندك وحتى كأنا لم نكن على شئ أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: كلا إن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا والله لو تدومون على الحال التى وصفتم انفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله تعالى خلقا حتى يذنبوا ثم يستغفروا الله فيغفر لهم، إن المؤمن مفتن تواب، اما سمعت قول الله تعالى: " ان الله يحب التوابين " وقال: " استغفروا ربكم ثم توبوا إليه " وفى حديث آخر: " واما المؤمن في يقينه وثبات دينه فهو أصلب من الجبل، لانه يستقل منه والمؤمن لا يستقل من دينه شئ ". وفى بعض النسخ [ يستفل ] من الفلول. (1) البلاء ما يختبر ويمتحن من خير أو شر وأكثر ما يأتي مطلقا الشر، وما اريد به الخير يأتي مقيدا كما قال تعالى: " بلاء حسنا " وأصله المحسنة والله تعالى يبتلى عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره وبما يكره ليمتحن صبره. وفى النهاية: فيه أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل أي الاشرف فالاشرف والاعلى فالاعلى في الرتبة والمنزلة. والاماثل جمع الامثل. وأماثل القوم: خيارهم - انتهى. والابتلاء لازم لوصول الانسان إلى الدرجات ولا ينال أحد درجة أو مقاما حتى يستحق ذلك ولا يستحق حتى يمتحن ويختبر فالدرجات لا يمكن الوصول إليها الا بالبلية ولذلك ورد في خبر شهادة أبى عبد الله الحسين عليه السلام " أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في المنام فقال له: يا حسين ان لك درجة في الجنة لا تصل إليها الا بالشهادة " فكل من كان مقامه أفضل و أشرف كان ابتلاؤه واختباره أشد وأعظم. (*)

[ 40 ]

وقال صلى الله عليه وآله: لو كانت الدنيا تعدل عند الله مثل (1) جناح بعوضة ما أعطى كافرا ولا منافقا منها شيئا. وقال صلى الله عليه وآله: الدنيا دول (2) فما كان لك، أتاك على ضعفك وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك، ومن انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه، ومن رضي بما قسمه الله قرت عينه. وقال صلى الله عليه وآله: إنه والله ما من عمل يقربكم من النار إلا وقد نبأتكم به ونهيتكم عنه وما من عمل يقربكم من الجنة إلا وقد نبأتكم به وأمرتكم به (3)، فإن الروح الامين نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها (4). فاجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شئ من الرزق أن تطلبوا ما عند الله بمعاصيه، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته. وقال صلى الله عليه وآله: صوتان يبغضهما الله: إعوال عند مصيبة، ومزمار عند نعمة (5). وقال صلى الله عليه وآله: علامة رضى الله عن خلقه رخص أشعارهم وعدل سلطانهم وعلامة غضب الله على خلقه جور سلطانهم وغلاء أسعارهم (6). وقال صلى الله عليه وآله: أربع من كن فيه كان في نور الله الاعظم، من كان عصمة أمره


(1) في بعض النسخ [ مثقال ]. (2) الدول: جمع الدولة وهى ما يتداول من المال والغلبة. والدنيا دول يعنى لا ثبات لها ولا قرار بل تتغير فتكون مرة لهذا ومرة لذاك. (3) منقول في الكافي بلفظ أفصح ج 2 - 74. (4) النفث: الالقاء والالهام. والروع بالفتح فالسكون: الفزع وبالضم موضع الفزع أعنى القلب فالمعنى في الحقيقة واحد إلا أن الروع بالفتح اسم للحدث أي الفزع وبالضم اسم للذات أي القلب المفزع. وروح الامين لقب جبرئيل عليه السلام لانه يوحى وينفث في القلب المفزع فيطمئنه ويأمنه من الفزع والاضطراب. ويستفاد منه أن الانسان وإن بلغ أقصى مراتب الكمال قد يعرض عليه ما يفزعه. وقيل: أول موضع قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك كان في إحدى غزواته لما رأى أصحابه يسرعون إلى جمع الغنائم قال صلى الله عليه وآله ذلك. والاجمال في الطلب ترك المبالغة فيه. (5) العول والعولة بالفتح فالسكون: رفع الصوت بالبكاء. والمزمار: ما يترنم به من الاشعار. والالة التى يزمر فيها. (6) الرخص: ضد الغلاء وأصله السهل واليسر. والاسعار جمع السعر بالكسر وهو الثمن. (*)

[ 41 ]

شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. ومن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ومن إذا أصاب خيرا قال: الحمد لله. ومن إذا أصاب خطيئة قال: أستغفر الله وأتوب إليه. وقال صلى الله عليه وآله: من اعطي أربعا لم يحرم أربعا: من اعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة ومن اعطي الشكر لم يحرم الزيادة. ومن اعطي التوبة لم يحرم القبول. ومن اعطي الدعاء لم يحرم الاجابة. وقال صلى الله عليه وآله: العلم خزائن ومفاتيحه السؤال، فاسألوا رحمكم الله، فإنه تؤجر أربعة: السائل والمتكلم والمستمع والمحب لهم. وقال صلى الله عليه وآله: سائلوا العلماء، وخاطبوا الحكماء، وجالسوا الفقراء. وقال صلى الله عليه وآله: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وأفضل دينكم الورع. وقال صلى الله عليه وآله: من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والارض. وقال صلى الله عليه وآله: إن عظيم البلاء يكافئ به عظيم الجزاء، فإذا أحب الله عبدا ابتلاه، فمن رضي قلبه فله عند الله الرضى ومن سخط فله السخط (1). وأتاه رجل فقال: يا رسول الله: أوصني، فقال: لا تشرك بالله شيئا وإن حرقت بالنار وإن عذبت إلا وقلبك مطمئن بالايمان. ووالديك فأطعهما وبرهما حيين أو ميتين، فإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإن ذلك من الايمان والصلاة المفروضة فلا تدعها متعمدا، فإنه من ترك صلاة فريضة متعمدا فإن ذمة الله منه بريئة. وإياك وشرب الخمر وكل مسكر فإنهما مفتاحا كل شر. وأتاه رجل من بني تميم يقال له: أبو أمية، فقال: إلى م تدعو الناس


(1) " يكافئ به " على بناء المفعول أي يجازى أو يساوى. في القاموس، كافأه مكافاة و كفاءا جازاه وفلانا ماثله وراقبه. " فإذا أحب الله عبدا " أي أراد أن يوصل الجزاء العظيم إليه ويرضى عنه ووجده أهلا لذلك ابتلاه بعظيم البلاء من الامراض الجسمانية والمكاره الروحانية. (*)

[ 42 ]

يا محمد ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " وأدعو إلى من إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك. وإن استعنت به وأنت مكروب أعانك وإن سألته وأنت مقل أغناك. فقال: أوصني يا محمد، فقال: لا تغضب، قال: زدني، قال: إرض من الناس بما ترضى لهم به من نفسك، فقال: زدني، فقال: لا تسب الناس فتكتسب العداوة منهم، قال: زدني، قال: لا تزهد في المعروف عند أهله، قال: زدني، قال: تحب الناس يحبوك. والق أخاك بوجه منبسط. ولا تضجر فيمنعك الضجر من الآخرة والدنيا. واتزر إلى نصف الساق وإياك وإسبال الازار والقميص، فإن ذلك من المخيلة والله لا يحب المخيلة (1). وقال صلى الله عليه وآله: إن الله يبغض الشيخ الزاني، والغني الظلوم، والفقير المختال، و السائل الملحف، ويحبط أجر المعطي المنان ويمقت البذيخ الجري الكذاب (2). وقال صلى الله عليه وآله: من تفاقر افتقر. وقال صلى الله عليه وآله: مداراة الناس نصف الايمان والرفق بهم نصف العيش. وقال صلى الله عليه وآله: رأس العقل بعد الايمان بالله مداراة الناس في غير ترك حق ومن سعادة المرء خفة لحيته. وقال صلى الله عليه وآله: ما نهيت عن شئ بعد عبادة الاوثان ما نهيت عن ملاحاة الرجال (3). وقال صلى الله عليه وآله: ليس منا من غش مسلما أو ضره أو كره. وقام صلى الله عليه وآله في مسجد الخيف فقال: نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه.


(1) يقال أسبل إزاره إذا أرخاه وأسدله. والمخيلة: الكبر. (2) المختال: المتكبر. والملحف: الملح في السؤال. والبذيخ: المتفاخر المتكبر. والجرى على وزن فعيل من جرؤ جراءة وجرأة فهو جرى. والمعنى لا يبالى ما قال أو ما قيل فيه. (3) الملاحاة: المنازعة والمخاصمة والمجادلة. ومنه " من لاحاك فقد عاداك ". (*)

[ 43 ]

ثلاث لا يغل عليهن قلب امرء مسلم (1) إخلاص العمل لله والنصيحة لائمة المسلمين واللزوم لجماعتهم. المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم (2). وقال صلى الله عليه وآله: إذا بايع المسلم الذمي فليقل: اللهم خرلي عليه. وإذا بايع المسلم فليقل: اللهم خرلي وله (3). وقال صلى الله عليه وآله: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت عن سوء فسلم. وقال صلى الله عليه وآله: ثلاث من كن فيه استكمل خصال الايمان: الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له (4). وقال صلى الله عليه وآله: من بلغ حدا في غير حق (5) فهو من المعتدين. وقال صلى الله عليه وآله: قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة و ذكر الله أفضل من الصدقة والصدقة أفضل من الصوم والصوم حسنة. ثم قال: لا قول إلا بعمل، ولا قولا ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة. وقال صلى الله عليه وآله: الاناة من الله والعجلة من الشيطان (6). وقال صلى الله عليه وآله: إن من تعلم العلم ليماري به السفهاء أو يباهي به العلماء أو


(1) الغل: الخيانة والحقد. (2) وفى الحديث ذمة المسلين واحدة يسعى بها أدناهم. سئل الصادق عليه السلام عن معناه. فقال عليه السلام: لو أن جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين، فاشرف رجل منهم، فقال: اعطوني الامان حتى ألقى صاحبكم أناظره، فأعطاه أدناهم الامان وجب على أفضلهم الوفاء به. مجمع البحرين. (3) يقال: خرلى واختر لى أي اجعل أمرى خيرا وألهمنى فعله واختر لى الاصلح. مجمع البحرين. (4) لم يتعاط أي لم يأخذ ولم يتناول وهذا الحديث أيضا منقول في الكافي في باب المؤمن وصفاته - ج 2 ص 239 -. (5) في بعض النسخ [ غير حد ]. (6) الاناة كقناة: الوقار والحلم. (*)

[ 44 ]

يصرف وجوه الناس إليه ليعظموه فليتبوء مقعده من النار، فإن الرئاسة لا تصلح إلا لله ولاهلها. ومن وضع نفسه في غير الموضع الذي وضعه الله فيه مقته الله. ومن دعا إلى نفسه، فقال: أنا رئيسكم (1) وليس هو كذلك لم ينظر الله إليه حتى يرجع عما قال ويتوب إلى الله مما ادعى. وقال صلى الله عليه وآله: قال عيسى بن مريم للحواريين: تحببوا إلى الله وتقربوا إليه، قالوا: يا روح الله بماذا نتحبب إلى الله ونتقرب ؟ قال: ببغض أهل المعاصي والتمسوا رضى الله بسخطهم. قالوا: يا روح الله فمن نجالس إذا ؟ قال: من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله. وقال صلى الله عليه وآله: أبعدكم بي شبها البخيل البذي الفاحش (2). وقال صلى الله عليه وآله: سوء الخلق شؤم. وقال صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال أو ما قيل فيه فإنه لبغي (3) أو شيطان. وقال صلى الله عليه وآله: إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال وما قيل، أما إنه إن تنسبه (4) لم تجده إلا لبغي أو شرك شيطان. قيل: يا رسول الله وفي الناس شياطين ؟ قال: نعم أو ما تقرأ قول الله " وشاركهم في الاموال والاولاد " (5). وقال صلى الله عليه وآله: من تنفعه ينفعك. ومن لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز. ومن قرض الناس قرضوه. ومن تركهم لم يتركوه (6) قيل: فأصنع ماذا يا رسول الله ؟


(1) في بعض النسخ [ وليكم ]. (2) البذى على فعيل: الذى تكلم بالفحش. والبذاء: الكلام القبيح. (3) في بعض نسخ الحديث وبعض النسخ المنقولة عن الكتاب [ لغية ]. والام للملكية المجازية وهى بكسر المعجمة وتشديد الياء المفتوحة الضلال يقال: انه ولد غية أي ولد زنى والغيى كالغنى: الدنى الساقط عن الاعتبار وفى بعض النسخ [ لبغية ] وهو تصحيف وكذا ما في المتن في الموضعين والصحيح " لغيى " كغنى أو " لغية ". (4) في بعض النسخ [ ان تبينه ]. (5) سورة الاسراء آية 66. (6) قرض فلانا: مدحه أو ذمه. (*)

[ 45 ]

قال: أقرضهم من عرضك ليوم فقرك (1). وقال صلى الله عليه وآله: ألا أدلكم على خير أخلاق الدنيا والآخرة ؟ تصل من قطعك و تعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك. وخرج صلى الله عليه وآله يوما وقوم يدحون حجرا، فقال: أشدكم من ملك نفسه عند الغضب وأحملكم من عفا بعد المقدرة (2). وقال صلى الله عليه وآله: قال الله: هذا دين أرتضيه لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه. وقال صلى الله عليه وآله: أفضلكم إيمانا أحسنكم أخلاقا. وقال صلى الله عليه وآله: حسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، فقيل له: ما أفضل ما اعطي العبد. قال: حسن الخلق. وقال صلى الله عليه وآله: حسن الخلق يثبت المودة. وقال صلى الله عليه وآله: حسن البشر يذهب بالسخيمة (3). وقال صلى الله عليه وآله: خياركم أحاسنكم أخلاقا الذين يألفون ويؤلفون. وقال صلى الله عليه وآله: الايدي ثلاثة: سائلة ومنفقة وممسكة وخير الايدي المنفقة. وقال صلى الله عليه وآله: الحياء حياءان: حياء عقل وحياء حمق، فحياء العقل العلم، وحياء الحمق الجهل. وقال صلى الله عليه وآله: من ألقى جلباب الحياء لا غيبة له. وقال صلى الله عليه وآله: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد. وقال صلى الله عليه وآله: الامانة تجلب الرزق. والخيانة تجلب الفقر.


(1) العرض بالفتح: المتاع يقال: اشتريت المتاع بعرض أي بمتاع مثله. (2) يقال: دحى الحجر بيده أي رمى به. وفى بعض النسخ [ يدحرجون ]. وأحملكم أي أقواكم ويمكن أن يقرء أحلمكم بتقديم اللام. (3) السخيمة: الضغينة والحقد الموجدة في النفس من السخمة وهي السواد. (*)

[ 46 ]

وقال صلى الله عليه وآله: نظر الولد إلى والديه حبا لهما عبادة. وقال صلى الله عليه وآله: جهد البلاء أن يقدم الرجل فتضرب رقبته صبرا (1)، والاسير ما دام في وثاق العدو، والرجل يجد على بطن امرأته رجلا. وقال صلى الله عليه وآله: العلم خدين المؤمن (2). والحلم وزيره. والعقل دليله. والصبر أمير جنوده. والرفق والده. والبر أخوه، والنسب آدم (3). والحسب التقوى. والمروءة اصلاح المال (4). وجاءه رجل بلبن وعسل ليشربه، فقال صلى الله عليه وآله: شرابان يكتفى بأحدهما عن صاحبه لا أشربه ولا احرمه ولكني أتواضع لله، فإنه من تواضع لله رفعه الله. ومن تكبر وضعه الله. ومن اقتصد في معيشته رزقه الله. ومن بذر حرمه الله (5). ومن أكثر ذكر الله آجره الله. وقال صلى الله عليه وآله: أقربكم مني غدا في الموقف أصدقكم للحديث وآداكم للامانة وأوفاكم بالعهد. وأحسنكم خلقا. وأقربكم من الناس. وقال صلى الله عليه وآله: إذا مدح الفاجر اهتز العرش وغضب الرب. وقال له رجل ما الحزم ؟ قال صلى الله عليه وآله: تشاور امرءا ذا رأي ثم تطيعه (6). وقال صلى الله عليه وآله يوما: أيها الناس ما الرقوب فيكم ؟ قالوا: الرجل يموت ولم يترك ولدا، فقال صلى الله عليه وآله: بل الرقوب حق الرقوب رجل مات ولم يقدم من ولده أحدا يحتسبه عند الله وإن كانوا كثيرا بعده، ثم قال صلى الله عليه وآله: ما الصعلوك فيكم ؟ قالوا: الرجل الذي لا مال له، فقال صلى الله عليه وآله: بل الصعلوك حق الصعلوك من لم يقدم من


(1) الجهد: المشقة. والصبر أصله الحبس. يقال: قتل صبرا أي حبس على القتل. (2) الخدين: الصديق والرفيق من خادنه أي صادقه وصاحبه. (3) أي نسبه ينتهى إلى آدم وآدم من طين، فلا يفتخر به. (4) المروة أصله المروء فقلبت الهمزة واوا وأدغمت والمعنى كمال الرجولية. ونقل عن الشهيد (ره) في الدروس أنه قال: " المروءة تنزيه النفس عن الدناءة التى لا تليق به ". (5) التبذير إضاعة المال والاسراف. (6) الحزم: التثبت في الامور والاخذ فيها بالثقة. (*)

[ 47 ]

ماله شيئا يحتسبه عند الله وإن كان كثيرا من بعده. ثم قال صلى الله عليه وآله: ما الصرعة فيكم ؟ قالوا: الشديد القوي الذي لا يوضع جنبه. فقال: بل الصرعة حق الصرعة رجل وكز الشيطان في قلبه فاشتد غضبه وظهر دمه ثم ذكر الله فصرع بحلمه غضبه (1). وقال صلى الله عليه وآله: من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح. وقال صلى الله عليه وآله: الجلوس في المسجد انتظار الصلاة عبادة ما لم يحدث. قيل: يا رسول الله: وما الحدث ؟ قال صلى الله عليه وآله: الاغتياب. وقال صلى الله عليه وآله: الصائم في عبادة وإن كان نائما على فراشه ما لم يغتب مسلما. وقال صلى الله عليه وآله: من أذاع فاحشة كان كمبديها (2). ومن عير مؤمنا بشئ لم يمت حتى يركبه. وقال صلى الله عليه وآله: ثلاثة وإن لم تظلمهم ظلموك: السفلة. وزوجتك. وخادمك (3). وقال صلى الله عليه وآله: أربع من علامات الشقاء: جمود العين وقسوة القلب وشدة الحرص في طلب الدنيا والاصرار على الذنب. وقال رجل: أوصني، فقال صلى الله عليه وآله: لا تغضب، ثم أعاد عليه، فقال: لا تغضب، ثم قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. وقال صلى الله عليه وآله: إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا. وقال صلى الله عليه وآله: ما كان الرفق في شئ إلا زانه، ولا كان الخرق في شئ إلا شانه (4). وقال صلى الله عليه وآله: الكسوة تظهر الغنى. والاحسان إلى الخادم يكبت العدو.


(1) الرقوب التى تراقب موت زوجها بمعنى الانتظار. والصعلوك: الفقير. والصرعة بضم الاول وفتح الثاني والثالث: الذى يصرع الناس وبالغ في الصرع من صرعه أي طرحه على الارض. والوكز: الركز. يقال: وكزه في الارض أي ركزه وغرزه فيه. (2) الاذاعة: الانتشار. (3) أي ولو لم تكن ظالما لهم فانهم لخفة العقل وقلة الفهم لا ينصفون، فيظلمونك. وقيل: المراد بالظلم ههنا ليس هو معنى المشهور بل بمعنى التسلط وتضييق ما عليهم. (4) الخرق بضم الخاء المعجمة: ضد الرفق. وفى الحديث " الخرق شوم والرفق يمن " من خرقه خرقا من باب تعب إذا فعله فلم يرفق به فهو أخرق والانثى خرقاء والاسم الخرق بالضم فالسكون. (*)

[ 48 ]

وقال صلى الله عليه وآله: امرت بمداراة الناس كما امرت بتبليغ الرسالة. وقال صلى الله عليه وآله: استعينوا على أموركم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود. وقال صلى الله عليه وآله: الايمان نصفان: نصف في الصبر ونصف في الشكر. وقال صلى الله عليه وآله: حسن العهد من الايمان. وقال صلى الله عليه وآله: الاكل في السوق دناءة. وقال صلى الله عليه وآله: الحوائج إلى الله [ و ] أسبابها فاطلبوها إلى الله بهم فمن أعطاكموها فخذوها عن الله بصبر. وقال صلى الله عليه وآله: عجبا للمؤممن لا يقضي الله عليه قضاء إلا كان خيرا له، سره أو ساءه إن ابتلاه كان كفارة لذنبه وإن أعطاه وأكرمه كان قد حباه (1). وقال صلى الله عليه وآله: من أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه جعل الله الغنى في قلبه وجمع له أمره. ولم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه. ومن أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له. وقال صلى الله عليه وآله لرجل سأله عن جماعة امته، فقال: جماعة امتي أهل الحق وإن قلوا (2). وقال صلى الله عليه وآله: من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار (3). وقال صلى الله عليه وآله: ألا اخبركم بأشبهكم بي أخلاقا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: أحسنكم أخلاقا وأعظمكم حلما وأبركم بقرابته وأشدكم إنصافا من نفسه في الغضب والرضا. وقال صلى الله عليه وآله: الطاعم الشاكر أفضل من الصائم الصامت (3). وقال صلى الله عليه وآله: ود المؤمن المؤمن في الله من أعظم شعب الايمان ومن أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو من الاصفياء.


(1) حباه أي أعطاه. (2) السؤال عن كمية الجماعة. (3) يقال: رجل طاعم أي حسن الحال في المطعم. والمراد به هنا المفطر. (*)

[ 49 ]

وقال صلى الله عليه وآله: أحب عباد الله إلى الله أنفعهم لعباده وأقومهم بحقه الذين يحبب إليهم المعروف وفعاله. وقال صلى الله عليه وآله: من أتى إليكم معروفا فكافوه (1)، فإن لم تجدوا فأثنوه فإن الثناء جزاء. وقال صلى الله عليه وآله: من حرم الرفق فقد حرم الخير كله. وقال صلى الله عليه وآله: لا تمار أخاك وتمازحه ولا تعده فتخلفه (2). وقال صلى الله عليه وآله: الحرمات التي تلزم كل مؤمن رعايتها والوفاء بها: حرمة الدين وحرمة الادب وحرمة الطعام. وقال صلى الله عليه وآله: المؤمن دعب لعب. والمنافق قطب غضب (3). وقال صلى الله عليه وآله: نعم العون على تقوى الله الغنى. وقال صلى الله عليه وآله: أعجل الشر عقوبة البغي. وقال صلى الله عليه وآله: الهدية على ثلاثة وجوه: هدية مكافأة. وهدية مصانعة. وهدية لله. وقال صلى الله عليه وآله: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود لم يره. وقال صلى الله عليه وآله: من عد غدا من أجله فقد أساء صحبة الموت (4). وقال صلى الله عليه وآله: كيف بكم إذا فسد نساؤكم وفسق شبانكم (5) ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر ؟ ! قيل له: ويكون ذلك يا رسول الله ؟ قال: نعم وشر من ذلك، وكيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ ! قيل: يا رسول الله ويكون ذلك ؟ قال: نعم وشر من ذلك، وكيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا.


(1) فكافوه أي جازوه من كافئ الرجل مكافاة بمعنى جازاه. (2) المراء: الجدال. (3) الدعب ككتف: اللاعب والممازح - والقطب أيضا ككتف: العبوس والذى زوى ما بين عينيه وكلح. (4) من أجله أي من عمره. (5) في بعض النسخ [ شبابكم ] وفى اللغة: الشباب بالفتح والتخفيف والشبان بالضم والتشديد: جمع الشاب. (*)

[ 50 ]

وقال صلى الله عليه وآله: إذا تطيرت فامض. وإذا ظننت فلا تقض. وإذا حسدت فلا تبغ (1). وقال صلى الله عليه وآله: رفع عن امتي [ تسع ]: الخطأ. والنسيان. وما اكرهوا عليه. وما لا يعلمون. وما لا يطيقون. وما اضطروا إليه. والحسد. والطيرة. والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة ولا لسان (2). وقال صلى الله عليه وآله: لا يحزن أحدكم أن ترفع عنه الرؤيا فإنه إذا رسخ في العلم رفعت عنه الرؤيا. وقال صلى الله عليه وآله: صنفان من امتي إذا صلحا صلحت امتي وإذا فسدا فسدت امتي، قيل: يا رسول الله ومن هم ؟ قال: الفقهاء والامراء. وقال صلى الله عليه وآله: أكمل الناس عقلا أخوفهم لله وأطوعهم له، وأنقص الناس عقلا أخوفهم للسلطان وأطوعهم له.


(1) وفى الحديث ثلاث لم يسلم منها أحد: الطيرة والحسد والظن، قيل: وما نصنع ؟ قال، إذا تطيرت فامض وإذا حسدت فلا تبغ وإذا ظننت فلا تحقق. (2) الطيرة - بكسر الطاء وفتح الياء وسكونها -: ما يتشأم به من الفال الردى. أصله من الطير، لان أكثر تشأم العرب كان به خصوصا الغراب وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع حتى روى أن الطيرة شرك وانما يذهبه التوكل. والمراد برفع المؤاخذة عن الحسد هو ما لم يظهره الحاسد كما ورد في الاخبار " ان المؤمن لا يظهر الحسد "، فالظاهر ان جملة " ما لم ينطق بشفة ولا لسان " قيد للثلاثة ويؤيده ما في الكافي ج 2 ص 463 " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن امتى تسع خصال: الخطأ والنسيان وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه والطيرة والوسوسة في التفكر في الخلق والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد - الحديث ". ويحتمل أن يكون المراد بالتفكر في الوسوسة التفكر فيما يوسوس الشيطان في النفس من أحوال المخلوقين وسوء الظن به في أعمالهم وأحوالهم. ويمكن أن يكون فيه تقديم وتأخير من النساخ والصحيح: " والوسوسة في التفكر في الخلق " كما في الكافي وكما قيل: " وسوسة الشيطان للانسان عند تفكره في أمر الخلقة " وروى " ثلاث لم يسلم منها أحد: الطيرة والحسد والظن - الخبر ". واعلم أن هذه الموارد لابد أن تكون في الصورة التى لا يستقل العقل بقبحها كما إذا كان مقدماتها حصلت بيد المكلف وتكون من قبله، حتى تكون رفعها منة على الامة ونظيرها قوله تعالى في آخر سورة البقرة " ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا بنه - الاية ". وتفصيلها تطلب في باب أصل البراءة من كتب أصول الفقه. (*)

[ 51 ]

وقال صلى الله عليه وآله: ثلاثة مجالستهم تميت القلب: الجلوس مع الانذال والحديث مع النساء والجلوس مع الاغنياء (1). وقال صلى الله عليه وآله: إذا غضب الله على امة ولم ينزل العذاب عليهم، غلت أسعارها وقصرت أعمارها، ولم تربح تجارها (2)، ولم تزك ثمارها، ولم تغزر أنهارها (3)، وحبس عنها أمطارها، وسلط عليها [ أ ] شرارها. وقال صلى الله عليه وآله: إذا كثر الزنا بعدي كثر موت الفجأة. وإذا طفف المكيال أخذهم الله بالسنين والنقص (4). وإذا منعوا الزكاة منعت الارض بركاتها من الزرع والثمار والمعادن. وإذا جاروا في الحكم تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهود سلط الله عليهم عدوهم. وإذا قطعوا الارحام جعلت الاموال في أيدي الاشرار. وإذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتبعوا الاخيار من أهل بيتي سلط الله عليهم أشرارهم فيدعو عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم. ولما نزلت عليه " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم (5) " - إلى آخر الآية - قال صلى الله عليه وآله: من لم يتعز بعزاء الله انقطعت نفسه حسرات على الدنيا (6) ومن مد عينيه إلى ما في أيدي الناس طال من دنياهم طال حزنه وسخط ما قسم الله له من


(1) الانذال - جمع النذل والنذيل: الخسيس والمحتقر في جميع أحواله. وفى بعض النسخ هكذا " قال صلى الله عليه وآله " ثلاثة مجالستهم تميت القلب: الجلوس مع الاغنياء والجلوس مع الانذال والحديث مع النساء ". ورواه الكليني في الكافي ج 2 ص 641 كما في المتن. (2) وفى بعض النسخ [ ولم تربح تجارتها ]. (3) غزر الماء - بالضم - أي كثر. (4) الفجأة مصدر أي ما فاجأك يعنى ما جاءك بغتة من غير أن تشعر به. الطفيف: النقصان والقليل والخسيس. والسنين: الجدب والقحط وقلة الامطار والمياه. والمراد بالنقص نقص ريع الارض من الحبوب والثمرات قال الله تعالى في سورة الاعراف - 127 " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ". (5) سورة طه - 131. (6) المراد أن من لم يصبر ولم يتسل نفسه بما عند الله من الاجور والدرجات الرفيعة وغير ذلك انقطعت نفسه حسرة على الدنيا وما فيها. (*)

[ 52 ]

رزقه وتنغص عليه عيشه (1) ومن لم ير أن لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد جهل وكفر نعم الله وضل سعيه ودنا منه عذابه. وقال صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما، فقال أبو ذر: يا رسول الله وما الاسلام ؟ فقال: الاسلام عريان ولباسه التقوى. وشعاره الهدى. ودثاره الحياء (2) وملاكه الورع. وكماله الدين. وثمرته العمل الصالح. ولكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت (3). وقال صلى الله عليه وآله: من طلب رضى مخلوق بسخط الخالق سلط الله عزوجل عليه ذلك المخلوق. وقال صلى الله عليه وآله: إن الله خلق عبيدا من خلقه لحوائج الناس يرغبون في المعروف ويعدون الجود مجدا، والله يحب مكارم الاخلاق. وقال صلى الله عليه وآله: إن لله عبادا يفزع إليهم الناس في حوائجهم أولئك هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة. وقال صلى الله عليه وآله: إن المؤمن يأخذ بأدب الله، إذا أوسع الله عليه اتسع، وإذا أمسك عنه أمسك. وقال صلى الله عليه وآله: يأتي على الناس زمان لا يبالي الرجل ما تلف من دينه إذا سلمت له دنياه.


(1) يقال: تنغص عيشه أي تكدر. وانغص: منع نصيبه من نغص أي لم يتم مراده وعيشه وفى بعض النسخ [ تنقص ]. (2) الشعار - بالكسر -: ما يلى شعر الجسد. والدثار - بالكسر - ما يتدثر به الانسان من كساء أو غيره، فالشعار تحت الدثار والدثار فوق الشعار. والهدى - بالضم -: الرشاد. (3) أي بيت النبوة وذلك لطهارة نفوسهم وحياتهم، قال الله عزوجل في سورة الاحزاب " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ". ذلك البيت أسسه الله تعالى وجعل أهله طاهرا مطهرا معصوما ليكونوا المقتدى لمجتمع العالم الاسلامي فيجب على المسلمين حبهم والاقتداء بهم حتى ينالوا فضل السعادة والكمال في الدنيا والاخرة. ولا يبعد شموله لغيرهم ممن اتصفوا بصفاتهم وأخلاقهم على حسب درجات إيمانهم كقول رسول الله صلى الله عليه وآله لسلمان الفارسى: " سلمان منا أهل البيت ". قال الله العزيز في سورة إبراهيم نقلا عن قوله: " فمن تبعني فانه منى ". (*)

[ 53 ]

وقال صلى الله ض عليه وآله: إن الله جبل قلوب عباده على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. وقال صلى الله عليه وآله: إذا فعلت امتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، قيل: يا رسول الله ما هن ؟ قال: إذا أخذوا المغنم دولا (1). والامانة مغنما. والزكاة مغرما. وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه. وارتفعت الاصوات في المساجد. واكرم الرجل مخافة شره. وكان زعيم القوم أرذلهم. وإذا لبس الحرير. وشربت الخمر. واتخذ القيان والمعازف (2). ولعن آخر هذه الامة أولها، فليترقبوا بعد ذلك ثلاث خصال: ريحا حمراء ومسخا وفسخا. وقال صلى الله عليه وآله: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر (3).


(1) وفى بعض النسخ [ إذا أكلوا ]. والمغنم: الغنيمة. والدول: جمع دولة وهو ما يتداول فيكون مرة لهذه ومرة لذاك. فتطلق على المال. (2) القيان - جمع القينة -: المغنية. والمعازف جمع معزف: وهى من آلات الطرب كالطنبور والعود ونحوه من عزف بمعنى صوت وغنى. (3) هذا الحديث منقول من طرق الخاصة والعامة. في البحار ج 3 ص 134 عن على بن الحسين عليه السلام أنه قال: " لما اشتد الامر بالحسين بن على بن أبى طالب عليهما السلام نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم لانهم كلما اشتد الامر تغيرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ووجلت قلوبهم و كان الحسين صلوات الله عليه وبعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم وتهدأ جوارحهم وتسكن نفوسهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يبالى بالموت. فقال لهم الحسين عليه السلام: صبرا بنى الكرام فما الموت الا قنطرة يعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة، فايكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر وما هو لاعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، إن أبى حدثنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله: " أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت ولا كذبت ". قال السيد الاجل فضل الله بن على الرواندى رحمه الله، المعروف بضياء الدين الراوندي من علماء القرن الخامس في ضوء الشهاب: " شبه رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمن بالمسجون من حيث هو ملجم بالاوامر والنواهي، مضيق عليه في الدنيا، مقبوض على يده فيها، مخوف بسياط العقاب، مبتلى بالشهوات، ممتحن بالمصائب - بخلاف الكافر الذى هو مخلوع العذار، متمكن من شهوات البطن والفرج بطيبة من قلبه وانشراح من صدره، مخلى بينه وبين ما يريد على " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 54 ]

وقال صلى الله عليه وآله: يأتي على الناس زمان يكون الناس فيه ذئابا، فمن لم يكن ذئبا أكلته الذئاب. وقال صلى الله عليه وآله: أقل ما يكون في آخر الزمان أخ يوثق به. أو درهم من حلال (1). وقال صلى الله عليه وآله: احترسوا من الناس بسوء الظن (2). وقال صلى الله عليه وآله: إنما يدرك الخير كله بالعقل. ولا دين لمن لا عقل له. وأثنى قوم بحضرته على رجل حتى ذكروا جميع خصال الخير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف عقل الرجل ؟ فقالوا: يا رسول الله نخبرك عنه باجتهاده في العبادة وأصناف الخير تسألنا (3) عن عقله ؟ فقال صلى الله عليه وآله: إن الاحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم. وقال صلى الله عليه وآله: قسم الله العقل ثلاثة أجزاء فمن كن فيه كمل عقله ومن لم يكن فلا عقل له: حسن المعرفة بالله وحسن الطاعة لله وحسن الصبر على أمر الله. وقدم المدينة رجل نصراني من أهل نجران وكان فيه بيان وله وقار وهيبة، فقيل: يا رسول الله ما أعقل هذا النصراني ؟ ! فزجر القائل وقال: مه (4) إن العاقل من وحد الله وعمل بطاعته.


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " ما يسول له الشيطان، لا ضيق عليه ولا منع، فهو يغدو فيها ويروح على حسب مراده وشهوة فؤاده، فالدنيا كأنها جنة له يتمتع بملاذها وينتفع بنعيمها، كما أنها كالسجن للمؤمن، صارفا له عن لذاته مانعا من شهواته. وفى الحديث أنه قال صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام: " يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة ". وروى " ان يهوديا تعرض للحسن بن على عليهما السلام وهو في شظف من حاله وكسوف من باله والحسن عليه السلام راكب بغلة فارهة، عليه ثياب حسنة، فقال: جدك يقول: " ان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر "، فأنا في السجن وأنت في الجنة فقال عليه السلام لو علمت مالك وما يترتب لك من العذاب لعلمت أنك مع هذا الضر ههنا في الجنة ولو نظرت إلى ما أعد لى في الآخرة لعلمت أنى معذب في السجن ههنا " انتهى نقلا عن كتاب بحار الانوار ج 15. ص 162. (1) أي لا يكون في آخر الزمان شئ اقل منهما. (2) الاحتراس والتحرس: التحفظ من حرسه حرسا أي حفظه. (3) في بعض النسخ [ تسأله ]. (4) " مه " بالفتح - اسم فعل بمعنى انكفف. (*)

[ 55 ]

وقال صلى الله عليه وآله: العلم خليل المؤمن. والحلم وزيره. والعقل دليله. والعمل قيمه. والصبر أمير جنوده. والرفق والده. والبر أخوه. والنسب آدم. والحسب التقوى والمروة إصلاح المال (1). وقال صلى الله عليه وآله: من تقدمت إليه يد، كان عليه من الحق أن يكافئ، فإن لم يفعل فالثناء، فإن لم يفعل فقد كفر النعمة. وقال صلى الله عليه وآله: تصافحوا فإن التصافح يذهب السخيمة (2). وقال صلى الله عليه وآله: يطبع المؤمن على كل خصلة ولا يطبع على الكذب، ولا على الخيانة. وقال صلى الله عليه وآله: إن من الشعر حكما - وروي حكمة (3) - وإن من البيان سحرا. وقال صلى الله عليه وآله لابي ذر: أي عرى الايمان أوثق ؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: الموالاة في الله والمعاداة في الله والبغض في الله (4). وقال صلى الله عليه وآله: من سعادة ابن آدم استخارة (5) الله ورضاه بما قضى الله. ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله وسخطه بما قضى الله (6). وقال صلى الله عليه وآله: الندم توبة.


(1) قد مضى ذكر هذا الحديث مع اختلاف ما. (2) التصافح: المصافحة. والسخيمة: الضغينة والحقد. (3) هذا قول المؤلف. والحكم بمعنى الحكمة كما في الآية " وآتيناه الحكم صبيا ". (4) وفى الكافي ج 2 ص 125 - 126 عن عمرو بن مدرك الطائى عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لاصحابه: أي عرى الايمان أوثق ؟ فقالوا: الله ورسوله اعلم، وقال بعضهم: الصلاة وقال بعضهم: الزكاة وقال بعضهم: الصيام وقال بعضهم: الحج والعمرة وقال بعضهم: الجهاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكل ما قلتم فضل وليس به ولكن أوثق عرى الايمان. الحب في الله والبغض في الله وتوالى أولياء الله والتبري من أعداء الله عزوجل. انتهى. والعروة ما يكون في الحبل يتمسك به من اراد الصعود. (5) في بعض النسخ [ استخارته ]. (6) - الشقوة: الشقاوة. والسخط: ضد الرضا. وسخط عيه أي غضب عليه. (*)

[ 56 ]

وقال صلى الله عليه وآله: ما آمن بالقرآن من استحل حرامه. وقال له رجل: أوصني ؟ فقال صلى الله عليه وآله: احفظ لسانك، ثم قال له: يا رسول الله أوصني ؟ قال صلى الله عليه وآله: احفظ لسانك، ثم قال: يا رسول الله أوصني ؟ فقال: ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم (1) ؟. وقال صلى الله عليه وآله: صنائع المعروف تقي مصارع السوء. والصدقة الخفية تطفئ غضب الله. وصلة الرحم زيادة في العمر. وكل معروف صدقة. وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة وأول من يدخل الجنة أهل المعروف (2). وقال صلى الله عليه وآله: إن الله يحب إذا أنعم على عبد أن يرى أثر نعمته عليه، ويبغض البؤس والتبؤس. وقال صلى الله عليه وآله: حسن المسألة نصف العلم. والرفق نصف العيش. وقال صلى الله عليه وآله: ويهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص والامل (3). وقال صلى الله عليه وآله: والحياء من الايمان. وقال صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة لم تزل قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعما اكتسبه من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت (4).


(1) يقال كب على وجهه: أي صرعه وقلبه. والمناخر جمع المنخر بفتح الميم والخاء: وهو الانف من نخر - بالفتح - أي مد الصوت والنفس في خياشيمه. والحصائد - جمع الحصد والحصيد والحصيدة -: من حصد الزرع أي قطع. وحصائد ألسنتهم: ما يقولونه من الكلام في حق الغير، لانه حصد به. (2) وفى الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، قيل: يا رسول الله وكيف ذلك ؟ قال: يغفر لهم بالتطول عليهم ويدفعون حسناتهم إلى الناس فيدخلون بها الجنة فيكونون أهل المعروف في الدنيا والاخرة. (وسائل الشيعة المجلد الثالث). (3) يعنى ان ابن آدم إذا كبر وضعفت غرائزه وخلقته قوى فيه الحرص والامل. (4) السؤال عن المحبة لانها أساس الاسلام والدين. وقد مضى بيانه - ص 52 -. (*)

[ 57 ]

وقال صلى الله عليه وآله: من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته (1) وظهر عدالته ووجب أجره وحرمت غيبته. وقال صلى الله عليه وآله: المؤمن حرام كله: عرضه وماله ودمه. وقال صلى الله عليه وآله: صلوا أرحامكم ولو بالسلام. وقال صلى الله عليه وآله: الايمان عقد بالقلب وقول باللسان وعمل بالاركان. وقال صلى الله عليه وآله: ليس الغنى عن كثرة العرض (2) ولكن الغنى غنى النفس. وقال صلى الله عليه وآله: ترك الشر صدقة. وقال صلى الله عليه وآله: أربعة تلزم كل ذي حجى وعقل من امتي (3)، قيل: يا رسول الله ما هن ؟ قال: استماع العلم وحفظه ونشره والعمل به. وقال صلى الله عليه وآله: إن من البيان سحرا ومن العلم جهلا ومن القول عيا (4). وقال صلى الله عليه وآله: السنة سنتان، سنة في فريضة الاخذ بعدي بها هدى وتركها ضلالة. وسنة في غير فريضة الاخذ بها فضيلة وتركها غير خطيئة. وقال صلى الله عليه وآله: من أرضى سلطانا بما يسخط الله خرج من دين الله. وقال صلى الله عليه وآله: خير من الخير معطيه وشر من الشر فاعله (5). وقال صلى الله عليه وآله: من نقله الله من ذل المعاصي إلى عز الطاعة أغناه بلا مال وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس. ومن خاف الله أخاف منه كل شئ. ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شئ. ومن رضي من الله باليسير من الرزق رضي الله منه باليسير من العمل. ومن لم يستحي من طلب الحلال من المعيشة خفت مؤنته ورخى باله


(1) المروة أصله المروءة. قلبت الهمزة واوا وادغمت. (2) العرض - محركة - المتاع، والسلعة. (3) الحجى بالكسر والقصر: العقل والفطنة. (4) عيى في المنطق: حصر. وعيا تعيية الرجل: أتى بكلام لا يهتدى إليه. وقيل: العى: التحير في الكلام وبالفتح العجز وعدم الاهتداء بوجه مراده. وفى بعض النسخ [ غيا ] بالغين المعجمة مصدر من باب ضرب أي ضل وخاب وهلك والغية بالفتح والكسر: الضلال. (5) وفى نهج البلاغة. " فاعل الخير خير منه وفاعل الشر شر منه ". (*)

[ 58 ]

ونعم عياله. ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار القرار. وقال صلى الله عليه وآله: أقيلوا ذوي الهناة عثراتهم (1). وقال صلى الله عليه وآله: الزهد في الدنيا قصر الامل وشكر كل نعمة والورع عن كل ما حرم الله. وقال صلى الله عليه وآله: لا تعمل شيئا من الخير رئاء ولا تدعه حياء. وقال صلى الله عليه وآله: إنما أخاف على امتي ثلاثا: شحا مطاعا وهوى متبعا وإماما ضلالا (2). وقال صلى الله عليه وآله: من كثر همه سقم بدنه ومن ساء خلقه عذب نفسه ومن لاحى الرجال ذهبت مروته وكرامته. وقال صلى الله عليه وآله: ألا إن شر أمتي الذين يكرمون مخافة شرهم، ألا ومن أكرمه الناس اتقاء شره فليس مني. وقال صلى الله عليه وآله: من أصبح من امتي وهمته غير الله فليس من الله. ومن لم يهتم بامور المؤمنين فليس منهم. ومن أقر بالذل طائعا فليس منا أهل البيت (3).


(1) الهناة: الداهية وهى المصيبة وجمعها هنوات. والعثرات جمع العثرة: وهى السقطة والزلة والخطيئة والمعنى: تجاوزوا وتصفحوا عن زلات صاحب المصيبة. (2) كذا. (3) قال سيد الشهداء الحسين بن على صلوات الله وسلامه عليه في خطبته يوم عاشوراء إذ عرض عليه الامان وأصحابه فأنف من الذل: "... ألا وإن الدعى بن الدعى قد ركز بين اثنتين بين الذلة والسلة، هيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنى زاحف بهذه الاسرة مع قلة العدد وخذلة الناصر " ولنعم ما قيل: طمعت أن تسومه الضيم قوم * وأبى الله والحسام الصنيع كيف يلوى على الدنية جيدا * لسوى الله ما لواه الخضوع فأبى أن يعيش إلا عزيزا * أو تجلى الكفاح وهو صريع فتلقى الجموع فردا ولكن * كل عضو في الروع منه جموع زوج السيف بالنفوس ولكن * مهرها الموت والخضاب النجيع (*)

[ 59 ]

وكتب صلى الله عليه وآله إلى معاذ يعزيه بابنه (1): " من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل: سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو - أما بعد - فقد بلغني جزعك على ولدك الذي قضى الله عليه وإنما كان ابنك من مواهب الله الهنيئة (2) وعواريه المستودعة عندك فمتعك الله به إلى أجل وقبضه لوقت معلوم فإنا لله وإنا إليه راجعون، لا يحبطن جزعك أجرك ولو قدمت على ثواب مصيبتك لعلمت أن المصيبة قد قصرت لعظيم ما أعد الله عليها من الثواب لاهل التسليم والصبر، واعلم أن الجزع لا يرد ميتا ولا يدفع قدرا فأحسن العزاء وتنجز الموعود. فلا يذهبن أسفك على ما لازم لك ولجميع الخلق نازل بقدره والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ". وقال صلى الله عليه وآله: من أشراط الساعة كثرة القراء وقلة الفقهاء وكثرة الامراء وقلة الامناء وكثرة المطر وقلة النبات. وقال صلى الله عليه وآله: أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة (3) وقال صلى الله عليه وآله: غريبتان: كلمة حكم من سفيه فاقبلوها، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها. وقال صلى الله عليه وآله: للكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط ويفرط حتى يضيع و يضيع حتى يأثم. وقال صلى الله عليه وآله: من لا يستحي من الحلال نفع نفسه وخفت مؤنته ونفى عنه


(1) التعزية: التسلية من عزى يعزى من باب تعب: صبر على ما نابه والتعزي: التصبر والتسلى عند المصيبة وشعاره أن يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون ". والعزاء ممدودا: الصبر والتعزي يجيئ بمعنى النسبة من تعزى إلى فلان أي نسبه إليه. (2) المواهب جمع الموهبة: العطية، الشئ الموهوب. والهنيئة: ما تيسر من غير مشقة. (3) وفى كتاب عهد امير المؤمنين عليه السلام للاشتر لما ولاه مصر: " قال: وتفقد أمور من لا يصل اليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرغ لاولئك ثقتك من اهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله يوم تلقاه فان هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه ". (*)

[ 60 ]

الكبر. ومن رضي من الله باليسير من الرزق رضي الله منه (1) بالقليل من العمل. ومن [ ي‍ ] رغب في الدنيا فطال فيها أمله أعمى الله قلبه على قدر رغبته فيها. ومن زهد فيها فقصر فيها أمله أعطاه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية فأذهب (2) عنه العمى وجعله بصيرا، ألا إنه سيكون بعدي أقوام لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر، ولا يستقيم لهم الغنى إلا بالبخل، ولا تستقيم لهم المحبة في الناس إلا باتباع الهوى والتيسير في الدين (3) ألا فمن أدرك ذلك فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على الذل وهو يقدر على العز وصبر على البغضاء في الناس وهو يقدر على المحبة لا يريد بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة أعطاه الله ثواب خمسين صديقا. وقال صلى الله عليه وآله: إياكم وتخشع النفاق وهو أن يرى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع. وقال صلى الله عليه وآله: المحسن المذموم مرحوم. وقال صلى الله عليه وآله: إقبلوا الكرامة وأفضل الكرامة الطيب، أخفه حملا وأطيبه ريحا. وقال صلى الله عليه وآله: إنما تكون الصنيعة إلى ذي دين أو ذي حسب (4). وجهاد الضعفاء الحج وجهد المرأة حسن التبعل لزوجها. والتودد نصف الدين. [ و ] ما عال امرء قط على اقتصاد. واستنزلوا الرزق (5) بالصدقة. أبى الله أن يجعل رزق عباده المؤمنين من حيث يحتسبون (6). وقال صلى الله عليه وآله: لا يبلغ عبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس.


(1) في بعض النسخ [ عنه ]. (2) في بعض النسخ [ وأذهب ]. (3) أي المسامحة والمماطلة في أمر الدين. (4) الصنيعة: الاحسان. وجمعه الصنائع. وفى الروايات: لا يصلح الصنيعة الا عند ذى حسب أو دين. (5) في بعض النسخ [ واستزادوا الرزق ]. (6) قال الله تعالى " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. سورة الطلاق: 3. (*)

[ 61 ]

[ باب ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام (1) ] وروي عن أمير المؤمنين الوصي المرتضى، علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله في طوال هذه المعاني، على أننا لو استغرقنا جميع ما وصل إلينا من خطبه و كلامه في التوحيد خاصة دون ما سواه من المعاني لكان مثل جميع هذا الكتاب و لكننا ابتدأنا الرواية عنه بخطبة واحدة في التوحيد وقع الاقتصار عليها، ثم ذكرنا بعدها ما اقتضاه الكتاب مقتصرين مما ورد عنه في هذه المعاني على ما غرب منها وأجمع على تفضيله الخاص والعام وفيه مقنع إن شاء الله تعالى. * (خطبته عليه السلام في اخلاص التوحيد) * إن أول عبادة الله معرفته. وأصل معرفته توحيده. ونظام توحيده نفي الصفات عنه (2)، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران. وشهادة الاقتران بالحدث. وشهادة الحدث بالامتناع من الازل الممتنع من حدثه (3) فليس الله عرف من عرف ذاته (4) ولاله وحد من نهاه (5) ولا به صدق من مثله. ولا حقيقته أصاب من شبهه


(1) العنوان زائد منا ولم يكن في النسخ. (2) " أو عبادة الله " أي أشرفها وأقدما زمانا ورتبة " معرفته " لانها شرط لقبول الطاعات، وأصل المعرفة التوحيد إذ مع إثبات الشريك أو القول بتركيب الذات أو زيادة الصفات يلزم القول بالامكان فلم يعرف المشرك الواجب ولم يثبته. فمن لم يوحده لا ينل بدرجة المعرفة ونظام التوحيد وتمامه نفى الصفات الزائدة الموجودة عنه إذ أول التوحيد نفى الشريك ثم نفى التركيب ثم نفى الصفات الزائدة، فهذا كماله ونظامه. (3) " لشهادة العقول - إلخ " استدل عليه السلام على نفى زيادة الصفات بأن العقول تشهد بأن كل صفة محتاجة إلى الموصوف لقيامها به والموصوف كذلك لتوقف كما له بالصفة فهو في كماله محتاج إليها وكل محتاج إلى الغير ممكن فلا يكون شئ منهما واجبا ولا المركب منهما، فثبت احتياجهما إلى علة ثالثة ليس بموصوف ولا صفة وإلا لعاد المحذور. وفى بعض النسخ [ الممتنع من الحدث ]. (4) أي المعرفة بالتشبيه. (5) أي جعل له حدا ونهاية. (*)

[ 62 ]

ولا إياه أراد من توهمه ولا له وحد من اكتنهه (1). ولا به آمن من جعل له نهاية. ولا صمده من أشار إليه (2). ولا إياه عنى من حده. ولا له تذلل من بعضه، (3) كل قائم بنفسه مصنوع (4) وكل موجود في سواه معلول. بصنع الله يستدل عليه. وبالعقول تعتقد معرفته. وبالفكرة تثبت حجته. وبآياته احتج على خلقه (5). خلق الله الخلق فعلق حجابا بينه وبينهم فبمباينته إياهم مفارقته إنيتهم (6).


(1) " ومن مثله " أي من جعل له شخصا ومثالا في ذهنه وجعل الصورة الذهنية مثالا له فهو لا يصدق بوجوده ولا يصيب بحقيقته لان كل ما توهمه المتوهم فهو مخلوقه ومصنوع وهمه. وقوله: " من اكتنهه " أي بين كنه ذاته أو طلب الوصول إلى كنهه، إذ لو كان يعرف كنهه لكان شريكا مع الممكنات في التركيب والصفات الامكانية فهو ينافى التوحيد. (2) أي لا قصد نحوه من أشار إليه باشارة حسية أو الاعم منها ومن الوهمية والعقلية. (3) أي حكم بأن له أجزاء وأبعاضا. (4) كذا. والصواب كما في بعض نسخ الحديث: [ كل معروف ] أي كل ما يعلم وجوده ضرورة بالحواس من غير أن يستدل عليه بالآثار فهو مصنوع. أو المعنى أن كل معلوم بحقيقته فانما يعلم من جهة أجزائه وكل ذى جزء كان مركبا فكل معلوم الحقيقة مركب وكل مركب محتاج إلى مركب يركبه وصانع يصنعه فاذن كل معلوم الحقيقة هو مصنوع. وقوله: " كل موجود في سواه معلول " في النهج " كل قائم في سواه معلول " أي كل شئ يتقوم بغيره فهو معلول. ولعل هذا الكلام وما قبله إشارة إلى أن الله تعالى لا جوهر و لا عرض ولا يوصف بشئ منهما. (5) " بصنع الله يستدل عليه " يعنى بالآثار يستدل على وجوده وبالتعقل يكمل معرفته و بالتفكر والتدبر تثبت حجته. وفى بعض نسخ الحديث [ بالفطرة تثبت حجته ]. (6) " خلق الله الخلق " الخلقة سببا لاحتجاب الخالق عن المخلوق لان الخلقة صفة كمال له وكماله تعالى ونقص مخلوقه حجاب بينه وبينهم. وقوله: " مفارقته إنيتهم " يعنى بمفارقة ذاته تعالى وحقيقة ذاتهم وحقيقتهم وفى بعض نسخ الحديث " أينيتهم " وقال المجلسي (ره): مباينته تعالى اياهم ليس بحسب المكان حتى يكون في مكان وغيره في مكان آخر بل انما هي بأن فارق اينيتهم فليس له أين ومكان وهم محبوسون في مطمورة المكان. أو المعنى أن مباينته لمخلوقه في الصفات صار سببا لان ليس له مكان. انتهى. (*)

[ 63 ]

وإيداؤه إياهم شاهد على ألا أداة فيه، لشهادة الادوات بفاقة المؤدين. وابتداؤه إياهم دليل على ألا ابتداء له. لعجز كل مبتدء عن إبداء غيره. أسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم. وذاته حقيقة. وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه، قد جهل الله من استوصفه. وتعداه من مثله. وأخطأه اكتنهه (1)، فمن قال: أين فقد بوأه. ومن قال: فيم فقد ضمنه. ومن قال: إلى م فقد نهاه. ومن قال: لم فقد علله (2). ومن قال: كيف، فقد شبهه. ومن قال: إذ، فقد وقته. ومن قال: حتى فقد غياه (3). ومن غياه فقد جزأه. ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه ومن بعضه فقد عدل عنه. لا يتغير الله بتغيير المخلوق كما لا يتحدد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، صمد لا بتبعيض بدد، (4) باطن لا بمداخلة، ظاهر لا بمزايلة، متجل لا باشتمال رؤية، لطيف لا بتجسم، فاعل لا باضطراب حركة، مقدر لا بجول فكر [ ة ]، مدبر لا بحركة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، قريب لا بمداناة، بعيد لا بمسافة، موجود لا بعد عدم، لا تصحبه الاوقات ولا تتضمنه الاماكن ولا تأخذه


(1) " اسماؤه تعبير " أي ليست عين ذاته وصفاته بل هي معبرات شهد عنها. وأفعاله تفهيم ليعرفوه ويستدلوا بها على وجوده وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته. وقوله: " وذاته حقيقة " أي حقيقة مكونة عالية لا تصل إليها عقول الخلق بأن يكون التنوين للتعظيم والتبهيم أو خليقة بأن تتصف بالكمالات دون غيرها أو ثابتة واجبة لا يعتريها التغير والزوال، فان الحقيقة ترد بتلك المعاني كلها. " وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه " لعدم اشتراكه معهم في شئ والحاصل عدم امكان معرفة كنهه. وقوله: " تعداه " أي تجاوزه. وقوله: " من اكتنهه " أي توهم أنه أصاب كنهه. (2) في بعض النسخ [ اعله ] وهو تصحيف ولعله من النساخ. (3) أي جعل لبقائه غاية ونهاية. (4) " أحد لا بتأويل عدد " بأن يكون معه ثان من جنسه أو بأن يكون واحدا مشتملا على اعداد وقوله: " صمد لا بتبعيض بدد " الصمد هو السيد المقصود إليه في الحوائج لانه القادر على أدائه. والبدد جاء بمعنى الحاجة فعلى هذا يكون المعنى هو السيد المصمود المقصود إليه في الحوائج من دون تبعيض الحاجة. (*)

[ 64 ]

السناة (1) ولا تحده الصفات ولا تقيده الادوات، سبق الاوقات كونه والعدم وجوده والابتداء أزله (2). بتشعيره المشاعر علم أن لا مشعر له. وبتجهيره الجواهر علم أن لا جوهر له. و بإنشائه البرايا علم أن لا منشئ له. وبمضادته بين الامور عرف أن لا ضد له. وبمقارنته بين الاشياء علم أن لا قرين له (3)، ضاد النور بالظلمة والصرد بالحرور (4)، مؤلفا


(1) قوله: " متجل لا باشتمال رؤية " التجلى: الانكشاف والظهور ويقال: استهل الهلال على المجهول والمعلوم أي ظهر وتبين أي ظاهر لا بظهور من جهة الرؤية. وقوله: " لا بمزايلة " أي لا بمفارقة مكان بان انتقل عن مكان إلى مكان حتى خفى عنهم أو بان دخل في بواطنهم حتى عرفها بل لخفاء كنهه عن عقولهم وعلمه ببواطنهم وأسرارهم. وقوله: " لا بتجسم " أي لطيف لا بكونه جسما له قوام رقيق أو حجم صغير أو تركيب غريب وصنع عجيب. وقوله: " فاعل لا باضطراب حركة " أما فاعل فلانه موجد العالم وأما تنزيهه في فاعليته عن الاضطراب فلتنزهه عن عوارض الاجسام. وفى النهج: " فاعل لا باضطراب آلة " أي لا بتحريك الآلات والادوات. وقوله: " مقدر لا بجول فكرة " أي ليس في تقديره الاشياء محتاجا إلى جولان الفكر. " قريب لا بمداناة " أي ليس قربه قربا مكانيا بالدنو من الاشياء بل بالعلم والعلية والرحمة. وقوله: " بعيد لا بمسافة " أي لا بمباينة لبعده بحسب المسافة عنهم بل لغاية كماله ونقصهم باينهم في الذات والصفات. وقوله: " لا تصحبه الاوقات " لحدوثها وقدمه تعالى أو ليس بزماني أصلا. وقوله: " ولا تأخذه السناة " السناة جمع السنة بالكسر وهى النعاس وأول النوم. (2) " سبق الاوقات كونه " أي كان وجوده سابقا على الازمنة والاوقات بحسب الزمان الوهمي والتقديري وقوله: " والعدم وجوده " بنصب العدم ورفع الوجود أي وجوده لوجوبه سبق وغلب العدم فلا يعتريه عدم أصلا. (3) " بتشعيره المشاعر " أي بخلقه المشاعر الادراكية وافاضتها على الخلق عرف أن لا مشعر له وهو اما لانه تعالى لا يتصف بخلقه أو لانا بعد افاضته المشاعر علمنا احتياجنا في الادراك إليها فحكمنا بتنزهه تعالى عنها لاستحالة احتياجه تعالى إلى شئ أو لما يحكم العقل به من المباينة بين الخالق والمخلوق في الصفات. وقوله: " بتجهيره الجواهر الخ " أي بتحقيق حقائقها وايجاد ماهياتها عرف أنها ممكنة وكل ممكن محتاج إلى مبدء فمبدء المبادى لا يكون حقيقة من هذه الحقائق. وقوله: " بمضادته بين الامور إلخ " أي عقده التضاد بين الاشياء دليل على استواء نسبتها إليه فلا ضد له إذ لو كانت له طبيعة تضاد شيئا لاختص ايجاده بما يلائمها لا ما يضادها فلم تكن أضداد، والمقارنة بين الاشياء في نظام الخلقة دليل على أن صانعها واحد لا قرين له، إذ لو كان له شريك لخالفه في النظام الايجادى فلم تكن مقارنة، والمقارنة هنا بمعنى المشابهة. (4) الصرد: البرد. فارسي معرب. (*)

[ 65 ]

بين متعادياتها (1) متقاربا بين متبايناتها، دالة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلفها، جعلها سبحانه دلائل على ربوبيته وشواهد على غيبته ونواطق عن حكمته إذ ينطق تكونهن عن حدثهن، ويخبرن بوجودهن عن عدمهم، وينبئن بتنقيلهن عن زوالهن ويعلن بافولهن أن لا افول لخالقهن، وذلك قوله جل ثناؤه: " ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (2) " ففرق بين هاتين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها (3) دالة بتفاوتها أن لا تفاوت في مفاوتها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها، ثبت له معنى الربوبية إذ لا مربوب وحقيقة الالهية ولا مألوه (4) وتأويل السمع ولا مسموع ومعنى العلم ولا معلوم ووجوب القدرة ولا مقدور عليه، ليس مذ خلق الخلق استحق اسم الخالق ولا بإحداثه البرايا استحق اسم البارئ (5) فرقها لا من شئ وألفها لا بشئ وقدرها لا باهتمام، لا تقع الاوهام على كنهه ولا تحيط الافهام بذاته، لا تفوته متى (6)


(1) المتعاديات كالعناصر المختلفة. (2) سورة الذاريات - 49 والاستشهاد بالاية يحتمل أن يكون اشارة إلى أن التأليف والتفريق والتضاد بين الاشياء واتصافها بصفة التركيب والزوجية والتضايف كلها دلائل على ربوبيته تعالى وعلى أن خالقها واحد لا يوصف بصفاتها لدلالة خلق الزوجين على المفرق والمؤلف لانه خلق الزوجين من واحد بالنوع فيحتاج إلى مفرق يجعلهما مفرقين أو جعلهما مزاوجين مؤتلفين الفة لخصوصهما فيحتاج إلى مؤلف يجعلهما مؤتلفين. (3) الغرائز الطبائع والمغرز: موجد الغرائز ومفيضها عليه والمفاوت - على صيغة اسم الفاعل - من جعل بينها التفاوت. (4) في بعض نسخ الحديث [ اذلا مألوه ]. أي من له إله. أي كان مستحقا للعبودية أذ لا عابد وإنما قال: " تأويل السمع " لانه ليس فيه تعالى حقيقة بل مؤل بعلمه بالمسموعات. (5) " ليس مذ خلق - إلخ " وذلك لان خالقية التى هي كماله هي القدرة على كل ما علم أنه أصلح ونفس الخلق من آثار تلك الصفة الكمالية ولا يتوقف كماله عليه. والبرايا: جمع البرية وهى الخلق. (6) كذا. ولكن في بعض نسخ الحديث [ لا يوقته متى ] ولعله هو الصحيح والمعنى: ليس له وقد أول حتى يقال له: متى وجد أو متى علم أو متى قدر وهكذا. (*)

[ 66 ]

ولا تدنيه قد ولا تحجبه لعل ولا تقارنه مع ولا تشتمله هو، إنما تحد الادوات أنفسها وتشير الآلة إلى نظائرها وفي الاشياء توجد أفعالها وعن الفاقة تخبر الاداة وعن الضد يخبر التضاد وإلى شبهه يؤول الشبيه ومع الاحداث أوقاتها وبالاسماء تفترق صفاتها ومنها فصلت قرائنها وإليها آلت أحداثها (1)، منعتها مذ القدمة وحمتها قد الازلية ونفت عنها لولا الجبرية، افترقت فدلت على مفرقها وتباينت فأعربت عن مباينها، بها تجلى صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية وإليها تحاكم الاوهام وفيها أثبتت العبرة ومنها انيط الدليل، بالعقول يعتقد التصديق بالله وبالاقرار يكمل الايمان (2).


(1) " ولا تدنيه قد " يعنى لما لم يكن زمانيا لا تدنيه كلمة قد التى هي لتقريب الماضي إلى الحال أو ليس في علمه شدة وضعف حتى تقربه كلمة قد التى للتحقيق إلى العلم بحصول شئ ولا تحجبه كلمة لعل التى هي لترجى أمر في المستقبل، أي لا يخفى عليه الامور المستقبلة أو ليس له شك في أمر حتى يمكن أن يقول لعل. " ولا تقارنه مع " أي بأن يقال: كان شى معه ازلا. أو مطلق المعية بناءا على نفى الزمان أو الاعم من المعية الزمانية أيضا. " ولا تشتمله هو " لعله تصحيف من النساخ والصحيح " لا يشمله حين " أو " لا يشمل بحد " كما في النهج والمراد إما الحد الاصطلاحي وظاهر كونه تعالى لا حد له إذ لا اجزاء له فلا يشمل ولا تحاط حقيقته بحد وإما الحد اللغوى وهو النهاية التى تحيط بالجسم وذلك من لواحق الكم المتصل والمنفصل وهما من الاعراض ولا شئ من واجب الوجود بعرض أو محل له فامتنع أن يوصف بالنهاية. " وإنما تحد الادوات أنفسها " المراد بالادوات هنا: آلات الادراك التى هي حادثة ناقصة وكيف يمكن لها أن تحد الازلي المتعالى عن النهاية. وقوله: " عن الفاقة تخبر الاداة " أي يكشف الادوات والالات عن احتياج الممكنات وبالضد عن التضاد وبالتشبية عن شبه الممكنات بعضها من بعض وبالحدثية يكشف عن توقيتها وتفترق الاسماء عن صفاتها. (2) " مذ " و " قد " و " لولا " كلها فواعل لافعال قبلها، و " مذ " و " قد " للابتداء و التقريب ولا تكونان إلا في الزمان المتناهى وهذا مانع للقدم والازلية وكلمة " لولا " مركب من " لو " بمعنى الشرط و " لا " بمعنى النفى ويستفاد منها التعليق وهو ينافى الجبرية. وقوله: " بها تجلى إلخ " أي بهذه الالات والادوات التى هي حواسنا ومشاعرنا وبخلقه إياها وتصويره لنا تجلى للعقول وعرف لانه لو لم يخلقها لم يعرف. وقوله: " بها احتجب عن الرؤية " أي بها استنبطنا استحالة كونه مرئيا بالعيون لانا بالمشاعر والحواس كملت عقولنا وبعقولنا استخرجنا الدلالة على أنه لا تصح رؤيته فأذن بخلقه الالات والادوات لنا عرفناه عقلا. وفى بعض النسخ [ ومنها انبسط الدليل ]. (*)

[ 67 ]

لا دين إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بتصديق ولا تصديق إلا بتجريد التوحيد ولا توحيد إلا بالاخلاص ولا إخلاص مع التشبيه ولا نفى مع إثبات الصفات ولا تجريد إلا باستقصاء النفي كله، إثبات بعض التشبيه يوجب الكل ولا يستوجب كل التوحيد ببعض النفي دون الكل والاقرار نفي الانكار ولا ينال الاخلاص بشئ من الانكار، كل موجود في الخلق لا يوجد في خالقه وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه، لا تجري عليه الحركة ولا يمكن فيه التجزية ولا الاتصال، وكيف يجري عليه ما هو أجراه أو يعود إليه ما هو ابتدأه أو يحدث فيه ما هو أحدثه إذا لتفاوتت ذاته ولتجزأ كنهه ولامتنع من الازل معناه ولما كان للازل معنى إلا معنى الحدث ولا للبارئ إلا معنى المبروء (1)، لو كان له وراء لكان له أمام ولو التمس التمام إذا لزمه النقصان وكيف يستحق اسم الازل من لا يمتنع من الحدث وكيف يستأهل الدوام من تنقله الاحوال والاعوام وكيف ينشئ الاشياء من لا يمتنع من الاشياء (2) إذا لقامت فيه آلة المصنوع ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ولاقترنت صفاته بصفات ما دونه، ليس في محال القول حجة ولا في المسألة عنها جواب (3). - هذا مختصر منها - (4).


(1) قوله: " إذا لتفاوتت ذاته إلخ " أي لاختلف ذاته باختلاف الاعراض عليها ولتجزأت حقيقته. وقوله: " لامتنع من الازل معناه " أي لو كان قابلا للحركة والسكون لكان جسما ممكنا لذاته فكان مستحقا للحدوث الذاتي بذاته فلم يكن مستحقا للازلية بذاته فيبطل من الازلية معناه وهذا القول وما بعده كالتعليل لما سبق. (2) كذا ولكن في بعض نسخ الحديث [ من لا يمتنع من الانشاء ]. (3) " إذا لقامت إلخ " يعنى لو كان فيه تلك الحوادث والتغيرات لقامت فيه علامة المصنوع وكان دليلا على وجود صانع آخر غيره ومشترك مع غيره في الصفات فليس في هذا القول المحال حجة ولا في السؤال عنه جواب لظهور خطائه لانه إذا يكون ممكنا كسائر الممكنات وليس بواجب الوجود. (4) هذه الخطبة منقولة في النهج مع اختلاف وزيادات ورواها الصدوق طاب ثراه بتمامها في التوحيد والعيون عن على بن موسى الرضا عليهما السلام بأدنى تفاوت. (*)

[ 68 ]

* (كتابه إلى ابنه الحسن عليهما السلام) * من الوالد الفان المقر للزمان (1)، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن عنها إليهم غدا إلى المولود المؤمل ما لا يدرك (2) السالك سبيل من [ قد ] هلك، غرض الاسقام ورهينة الايام ورمية المصائب (3) وعبد الدنيا وتاجر الغرور وغريم المنايا وأسير الموت وحليف الهموم وقرين الاحزان ونصب الآفات وصريع الشهوات وخليفة الاموات (4) - أما بعد - فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي وإقبال الآخرة إلي ما يزعني عن ذكر من سواي (5) والاهتمام بما ورائي غير أنه حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدفني رأيي وصرفني هواي وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب وصدق لا يشوبه كذب (6) [ و ] وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا [ لو ] أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي فكتبت إليك كتابي هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت (7). فإني اوصيك بتقوى الله أي بني ولزوم أمره وعمارة قلبك بذكره والاعتصام


(1) أي المقر له بالغلبة والقهر، المعترف بالعجز في يد تصرفاته كانه قدره خصما ذا بأس. (2) أي يؤمل البقاء وهو مما لا يدركه أحد. (3) الرهينة: ما يرهن. والرمية: الهدف والتاء لنقل الاسم من الوصفية إلى الاسمية الصرفة. (4) الحليف: المحالف والحلف بالكسر: الحلف بالفتح: التعاقد والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. وقوله: " نصب الافات " يقال: فلان نصب عينى - بالضم - أي لا يفارقنى. والصريع: الطريح. (5) جمح الفرس إذا غلب على صاحبه فلم يملكه. ويزعنى أي يمنعنى ولفظ " ما " اسم " إن ". (6) صدفه: صرفه والضمير للرأى. والمحض: الخالص. وأفضى أي انتهى. والشوب المزج والخلط. (7) " بل وجدتك كلى " أي عبارة عن كله إذ كان هو الخليفة له والقائم مقامه ووارث علمه وفضائله وكتب إليه هذه الوصية ليكون له ظهرا ومستندا يرجع إلى العمل بها في حالتى بقائه وفنائه عنه. (*)

[ 69 ]

بحبله وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن [ أنت ] أخدت به. أحي قلبك بالموعظة وموته بالزهد وقوه باليقين وذلله بالموت (1) وقرره بالفناء وبصره فجائع الدنيا (2) وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والايام (3) وأعرض عليه أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كان قبله وسر في بلادهم وآثارهم وانظر ما فعلوا وأين حلوا وعما انتقلوا فإنك تجدهم انتقلوا عن الاحبة وحلوا دار الغربة وناد في ديارهم: أيتها الديار الخالية أين أهلك ثم قف على قبورهم فقل: أيتها الاجساد البالية والاعضاء المتفرقة كيف وجدتم الدار التي أنتم بها، أي بني وكأنك عن قلى قد صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف وأمسك عن طريق إذا خفت ضلاله فإن الكف عن حيرة الضلالة خير من ركوب الاهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بلسانك ويدك وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم وخض الغمرات إلى الحق حيث كان (4) وتفقه في الدين وعود نفسك التصبر (5) وألجئ نفسك في الامور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز (6) ومانع عزيز وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة (7) وتفهم وصيتي ولا تذهبن [ عنها ] صفحا (8)، فإن خير القول ما نفع


(1) في النهج " وأمته بالزهادة وقوه باليقين ونوره بالحكمة وذلله بذكر الموت ". (2) أي اطلب منه الاقرار بالفناء. وبصره بالفجائع: جمع الفجيعة وهى المصيبة تفزع بحلولها. (3) الفحش بمعنى الزيادة والكثرة. (4) في بعض نسخ الحديث [ للحق ] مكان " بالموت ". والغمرات: الشدائد. (5) في النهج [ وعود نفسك التصبر على المكروه ونعم الخلق التصبر ]. والتصبر: تكلف الصبر. (6) الكهف: الملجأ والحريز: الحصين. (7) الاستخارة: اجالة الرأى في الامر قبل فعله لاختيار أفضل الوجوه. (8) الصفح: الاعراض. وفى بعض النسخ [ لا تذهبن منك صفحا ]. (*)

[ 70 ]

واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم حين لا يقال به. (1) أي بني إني لما رأيتك قد بلغت سنا (2) ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إياك خصالا منهن أن يعجل بي أجلي (3) دون أن افضي إليك بما في نفسي أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور (4)، وإنما قلب الحدث كالارض الخالية ما القي فيها من شئ قبلته فبادرتك بالادب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته (5) فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك منه ما ربما أظلم علينا فيه (6). أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلى فقد نظرت في أعمالهم و فكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلى من امورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله وتوخيت لك جميلة (7) وصرفت عنك


(1) في النهج " ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه ". وذلك تنبيه على أن من العلوم ما لا خير فيه وهى التى نهت الشريعة عن تعلمها كالسحر والكهانة والنجوم والنيرنجات ونحوها. (2) في النهج [ إنى لما رأيتنى قد بلغت سنا ]. (3) في النهج [ بادرت بوصيتي إليك وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بى أجلى ]. (4) اشارة إلى أن الصبى إذا لم يؤدب الاداب في حداثته ولم ترض قواه لمطاوعة العقل وموافقته كان بصدد أن يميل القوى الحيوانية إلى مشتهياتها وينجذب في قياد هواه إلى الاشتغال بها فيفتنه ويصرفه عن الوجه الحقيقي وما ينبغى له فيكون حينئذ كالصعب النفور من الابل. و وجه التشبيه أنه يعسر حمله على الحق وجذبه إليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور وتصريفه بحسب المنفعة. (5) وذلك ليكون جد رأيك أي محققه وثابته مستعدا بقبول الحقائق التى وقف عليها أهل التجارب وكفوك طلبها. والبغية بالكسر: الطلب. وفى بعض النسخ [ تعقله وتجربته ]. (6) استبان أي. ظهر وذلك لان العقل حفظ التجارب وإذا ضم رأيه إلى آرائهم ربما يظهر له ما لم يظهر لهم. (7) النخيل: المختار المصفى. وتوخيت أي تحريت. (*)

[ 71 ]

مجهولة ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه (1) من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل بين ذي النقية والنية وأن أبدأك بتعليم كتاب الله (2) وتأويله وشرائع الاسلام وأحكامه وحلاله وحرامه، لا اجاوز ذلك بك إلى غيره ثم أشفقت أن يلبسك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم مثل الذي لبسهم (3) وكان إحكام ذلك لك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة (4) ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك وأن يهديك لقصدك فعهدت إليك وصيتي هذه واحكم مع ذلك. أي بني إن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوي الله والاقتصار على ما افترض عليك والاخذ بما مضى عليه الاولون من آبائك والصالحون من أهل ملتك فإنهم لم يدعوا أن [ ي‍ ] نظروا لانفسهم كما أنت ناظر وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم آخر ذلك إلى الاخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم ما كانوا علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم لا بتورط الشبهات وعلق الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك عليه والرغبة إليه في توفيقك وترك كل شائبة أدخلت عليك شبهة (5) وأسلمتك إلى ضلالة وإذا أنت أيقنت أن قد صفا [ لك ] قلبك فخشع وتم رأيك فاجتمع وكان همك في ذلك هما واحدا فانظر فيما فسرت لك وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من نفسك من فراغ (6) فكرك


(1) عطف على يعنى. " أن يكون " في محل النصب على أنه مفعول أول لرأيت و " يكون " هنا تامة والواو في قوله: " وأنت " للحال. (2) في النهج [ وأنت مقبل العمر، مقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله ]. وفى بعض نسخ الكتاب [ ذى الفئة ]. (3) في النهج [ أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذى التبس عليهم ]. (4) أي أنك وإن كنت تكره أن ينبهك أحد لما ذكرت لك فانى أعد إتقان التنبيه على كراهتك له أحب إلى من إسلامك إى ألقائك إلى امر تخشى عليك فيه الهلكة. (5) في النهج [ أولجتك في شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة ]. (6) في بعض نسخ الحديث [ وفراغ نظرك وفكرك ] وفى بعضها بالقاف. (*)

[ 72 ]

ونظرك فاعلم أنك إنما تخبط خبط العشواء (1) وليس طالب الدين من خبط ولا خلط والامساك عند ذلك أمثل (2). وإن أول ما أبدأ به من ذلك وآخره أني أحمد إليك إلهي وإلهك وإله آبائك الاولين والآخرين ورب من في السماوات والارضين بما هو أهله [ و ] كما هو أهله وكما يحب وينبغي ونسأله أن يصلي عنا على نبينا صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته وعلى أنبياء الله ورسله بصلاة جميع من صلى عليه من خلقه وأن يتم نعمه علينا فيما وفقنا له من مسألته بالاجابة لنا فإن بنعمته تتم الصالحات. فتفهم أي بني وصيتي واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة وأن الخالق هو المميت وأن المفني هو المعيد وأن المبتلي هو المعافي وأن الدنيا لم تكن لتستقيم إلا على ما خلقها الله تبارك وتعالى عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد أو ما شاء مما لا نعلم، فإن أشكل عليك شئ من ذلك فاحمله على جهالتك به فإنك أول ما خلقت [ خلقت ] جاهلا ثم علمت وما أكثر ما تجهل من الامر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك، فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسواك وليكن له تعمدك (3) وإليه رغبتك ومنه شفقتك. واعلم [ يا بني ] أن أحدا لم ينبئ عن الله تبارك وتعالى كما أنبأ عنه نبينا صلى الله عليه وآله فارض به رائدا (4) [ وإلى النجاة قائدا ] فإني لم آلك نصيحة (5) وإنك لم تبلغ في النظر لنفسك [ وإن اجتهدت مبلغ ] نظري لك. واعلم [ يا بني ] أنه لو كان لربك شريك لاتتك رسله ولرايت آثار ملكه وسلطانه ولعرفت صفته


(1) العشواء: الضعيفة البصر أي تخبط خبط الناقة العشواء لا تأمن أن تسقط فيما لا خلاص منه. واشعار لفظ الخبط له باعتبار أنه طالب للعلم من غير استكمال شرائط الطلب وعلى غير وجهه فهو متعسف، سالك على غير طريق المطلوب كالناقة العشواء. (2) لان كف النفس عن الخبط والخلط في أمر الدين أقرب إلى الخير. (3) في النهج [ تعبدك ]. (4) الرائد: هو الذى يذهب لطلب المنزل لصاحبه أو من ترسله في طلب الكلاء ليتعرف موقعه والرسول قد عرف عن الله وأخبرنا، فهو رائد سعادتنا. (5) أي لم اقصر في نصيحتك. (*)

[ 73 ]

وفعاله ولكنه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ذلك أحد ولا يحاجه وأنه خالق كل شئ وأنه أجل من أن يثبت لربوبيته بالاحاطة قلب أو بصر (1) وإذا أنت عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك في صغر خطرك وقلة مقدرتك وعظم حاجتك إليه أن يفعل مثله في طلب طاعته والرهبة له والشفقة من سخطه، فإنه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح. أي بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها بأهلها وأنبأتك عن الآخرة وما اعد لاهلها فيها. وضربت لك فيهما الامثال، إنما مثل من أبصر الدنيا كمثل قوم سفر نبابهم منزل جدب فأموا منزلا خصيبا [ وجنابا مريعا ] فاحتملوا وعثاء الطريق (2) وفراق الصديق وخشونة السفر في الطعام والمنام (3) ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ولا يرون نفقة مغرما ولا شيئا أحب إليهم مما قربهم منزلهم، ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصب فنبابهم إلى منزل جدب فليس شئ أكره إليهم ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه (4) ويصيرون إليه. وقرعتك بأنواع الجهالات لئلا تعد نفسك عالما، فإن ورد عليك شئ تعرفه أكبرت ذلك فإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل، فعد نفسه بذلك جاهلا فازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا، فما يزال للعلم طالبا وفيه راغبا وله مستفيدا ولاهله خاشعا مهتما وللصمت لازما وللخطأ حاذر ومنه مستحييا، وإن ورد عليه مالا يعرف لم ينكر ذلك لما قرر به نفسه من الجهالة، وإن الجاهل من عد نفسه بما جهل من معرفة العلم عالما وبرأيه مكتفيا فما يزال للعلماء مباعدا وعليهم زاريا ولمن خالفه مخطئا ولما لم يعرف من الامور مضللا، فإذا ورد عليه من الامور ما لم يعرفه أنكره وكذب به وقال بجهالته:


(1) كذا. وفى النهج [ من أن تثبت ربوبيته باحاطة قلب أو بصر ] وهو الصواب. (2) الجناب: الناحية. والريع: كثير العشب. ووعثاء الطريق: مشقته. (3) في النهج [ خشونة السفر وجشوبة المطعم ] والجشوبة بضم الجيم: الغلظ أو كون الطعام بلا أدم. (4) هجم عليه أي انتهى إليه بغتة. (*)

[ 74 ]

ما اعرف هذا وما أراه كان وما أظن أن يكون وأنى كان ؟ وذلك لثقته برأيه وقلة معرفته بجهالته، فما ينفك بما يرى مما يلتبس عليه رأيه مما لا يعرف للجهل مستفيدا وللحق منكرا وفي الجهالة متحيرا وعن طلب العلم مستكبرا. أي بني تفهم وصيتي واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم وأحسن كما تحب أن يحسن إليك. واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس لك ما ترضى به لهم منك (1) ولا تقل بما لا تعلم، بل لا تقل كلما تعلم، ولا تقل مالا تحب أن يقال لك. واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الالباب (2) فإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك. واعلم أن أمامك طريقا ذا مشقة بعيدة وأهوال شديدة وأنه لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد (3) وقدر بلاغك من الزاد (4) مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق بلاغك، فيكون ثقلا ووبالا عليك وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك فيوافيك به حيث تحتاج إليه فاغتنمه، واغتنم من استقرضك (5) في حال غناك و اجعل وقد قضائك في يوم عسرتك (6). واعلم أن أمامك عقبة كؤودا لا محالة مهبطا بك على جنة أو على نار، المخف


(1) فارض من الناس إذا عاملوك بمثل ما تعاملهم ولا تطلب منهم أزيد مما تقدم لهم. (2) الاعجاب: استحسان ما يصدر عن النفس. (3) الارتياد: الطلب أصله واوى من راد يرود وحسن الارتياد: إتيانه من وجهه. (4) البلاغ بالفتح: الكفاية أي ما يكفى من العيش ولا يفضل. (5) في قوله: " من استقرضك إلخ " حث على الصدقة والمراد انك إذا أنفقت المال على الفقراء وأهل الحاجة كان أجر ذلك وثوابه ذخيرة لك تنالها في القيامة فكأنهم حملوا عنك زادا ويؤدونه اليك وقت الحاجة. (6) كذا وفى النهج [ واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك ]. (*)

[ 75 ]

فيها أحسن حالا من المثقل (1) فارتد لنفسك قبل نزولك (2) واعلم أن الذي بيده ملكوت خزائن الدنيا والآخرة قد أذن بدعائك وتكفل بإجابتك وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم، لم يجعل بينك وبينه ترجمانا. ولم يحجبك عنه. ولم يلجئك إلى من يشفع إليه لك. ولم يمنعك إن أسأت التوبة (3). ولم يعيرك بالانابة. ولم يعاجلك بالنقمة. ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة. ولم يناقشك بالجريمة. ولم يؤيسك من الرحمة. ولم يشدد عليك في التوبة فجعل النزوع عن الذنب حسنة (4). وحسب سيئتك واحدة. وحسب حسنتك عشرا. وفتح لك باب المتاب والاستيناف (5)، فمتى شئت سمع نداءك ونجواك فأفضيت إليه بحاجتك (6) وأنبأته عن ذات نفسك وشكوت إليه همومك واستعنته على امورك وناجيته بما تستخفي به من الخلق من سرك (7) ثم جعل بيدك مفاتيح خزائنه فألحح (8) في المسألة يفتح لك باب الرحمة بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه، فألحح ولا يقنطك إن أبطأت عنك الاجابة فإن العطية على قدر المسألة وربما اخرت عنك الاجابة ليكون أطول للمسألة وأجزل للعطية وربما سألت الشئ فلم تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا وآجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ولتكن مسألتك فيما يعنيك مما يبقى لك جماله [ أ ] وينفى عنك وباله والمال لا يبقى له ولا تبقى له، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا أو يعفو العفو الكريم.


(1) الكؤود: صعبة شاقة المصعد. والمخف بالضم فالكسر: الذى خفف حمله، بعكس المثقل. وفى النهج [ المخف فيها أحسن حالا من المثقل والمبطئ عليها أقبح حالا من المسرع وأن مهبطك بها لا محالة على جنة أو على نار ] وفى بعض النسخ [ مهبطها بك ]. (2) فارتد لنفسك أصله من راد يرود إذا طلب وتفقد وتهيأ مكانا لينزل إليها والمراد ابعث رائدا. (3) التوبة مفعول لقوله عليه السلام " ولم يمنعك ". وفى النهج [ ولم يمنعك ان أسأت من التوبه ]. والانابة الرجوع إلى الله. (4) النزوع: الرجوع والكف. (5) المتاب: التوبة. والاستئناف: الاخذ في الشئ وابتداؤه. وفى بعض النسخ [ استيتاب ]. (6) افضيت: ألقيت وأبلغت إليه. (7) المناجاة: المكالمة سرا. (8) يقال: ألح في السؤال: ألحف فيه وأقبل عليه مواظبا. (*)

[ 76 ]

واعلم أنك خلقت للآخرة لا للدنيا وللفناء لا للبقاء وللموت لا للحياة وأنك في منزل قلعة ودار بلغة (1) وطريق إلى الآخرة، إنك طريد الموت الذي لا ينجو [ منه ] هاربه ولابد أنه يدركك يوما، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك فيها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك فإذا أنت قد أهلكت نفسك. أي بني أكثر ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه واجعله أمامك حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك (2) ولا يأخذك على غرتك. وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الاليم، فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك. وقد نبأك الله عنها ونعت لك نفسها (3) وكشفت عن مساويها، فاياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها (4)، وإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض (5)، يأكل عزيزها ذليلها وكبيرها صغيرها، قد أضلت أهلها عن قصد السبيل وسلكت بهم طريق العمى (6) وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب فتاهوا في حيرتها (7) وغرقوا في فتنتها. واتخذوها ربا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها. فإياك يا بني أن تكون قد شانته كثرة عيوبها، (8) نعم معقلة واخرى مهملة


(1) القلعة - بالضم فالسكون - أي لا يصلح للاستيطان والاقامة، يقال: منزل قلعة أي لا يملك لنازله ويقلع عنه ولا يدرى متى ينتقل عنه. والبلغة: ما يبلغ به من العيش والمراد أنها دار تؤخذ فيها الكفاية للاخرة. (2) الحذر - بالكسر -: الاحتراز والاحتراس. والغرة - بالكسر فالتشديد -: الغفلة. (3) النعى: الاخبار بالموت والمراد أن الدنيا تخبر بحالها من التغير والتحول عن فنائها. (4) التكالب، التواثب وتكالبهم عليها أي شديد حرصهم عليها. (5) ضارية: مولعة بالافتراس. يهر أي يكره أن ينظر بعضها بعضا ويمقت. (6) العمى والعماءة: الغواية. (7) فتاهوا أي ضلوا الطريق. والحيرة: التحير والتردد. (8) الشين: ضد الزين. أي إياك أن تكون الذى شانته كثرة عيوب الدنيا. وعقل البعير بالتشديد شد وظيفه إلى ذراعه. والنعم - محركة -: الابل أي أهلها على قسمين قسم كأبل منعها عن الشر عقالها وهم الضعفاء وأخرى مهملة تأتى من السوء ما تشاء وهم الاقوياء. (*)

[ 77 ]

قد أضلت عقولها (1) وركبت مجهولها سروح عاهة بواد وعث (2) ليس لها راع يقيمها (3). رويدا حتى يسفر الظلام (4) كأن قد وردت الظعينة (5) يوشك من أسرع أن يؤوب. واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار (6) فإنه يسار به وإن كان لا يسير، أبى الله إلا خراب الدنيا (7) وعمارة الآخرة. أي بني فإن تزهد فيما زهدك الله فيه من الدنيا وتعزف نفسك عنها فهي أهل ذلك وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فيها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك وأنك في سبيل من كان قبلك، فاخفض في الطلب (8) وأجمل في المكتسب فإنه رب طلب قد جر إلى حرب (9) وليس كل طالب بناج وكل مجمل بمحتاج. وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى رغبة، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا (10) ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا وما خير خير لا ينال إلا بشر


(1) أضلت عقولها: أصاعت عقولها وركبت طريقها المجهول لها. (2) - السروح بالضم - جمع سرح بفتح السين وسكون الراء: المال السائم من إبل ونحوها الماشية. والعاهة: الافة. والوعث: الطريق الغليظ العسر يصعب السير فيه. (3) وفى النهج " ليس لها راع يقيمها ولا مقيم يسيمها ". (4) رويدا مصدر أرود مصغرا تصغير الترخيم: مهلا. ويسفر أي يكشف. والمعنى عن قريب يكشف ظلام الجهل عما خفى من الحقيقة بحلول الموت. (5) الظعينة: الهودج. عبر به عليه السلام عن المسافرين في طريق الدنيا إلى الاخرة كان حالهم أن وردوا على غاية سيرهم. وقوله: " يؤوب " أي يرجع. (6) المطية: الدابة التى تركب. (7) وفى بعض النسخ [ وإن كان واقفا لا يسير إلى الله إلا خراب الدنيا وعمارة الاخرة ]. (8) فاخفض أي وأرفق من الخفض بمعنى السهل. وأجمل فيما تكتسب أي اسع سعيا جميلا لا بحرص ولا بطمع. (9) الحرب - محركة -: سلب المال من حرب الرجل: سلبه ماله وتركه بلا شئ وأيضا بمعنى الهلاك والويل. (10) الدنية: مونث الدنى، الساقط الضعيف، الخصلة المذمومة المحقورة وأيضا النقيصة. والمراد أن طلب المال لصيانة النفس وحفظه فلو أتعبت وبذلت نفسك لتحصيل المال فقد ضيعت ما هو المقصود منه فلا عوض لما ضيع. و " لن تعتاض " أي لن تجد عوضا. (*)

[ 78 ]

ويسر لا ينال إلا بعسر (1). وإياك أن توجف بك مطايا الطمع (2) فتوردك مناهل الهلكة. وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك. وإن اليسير من الله تبارك وتعالى أكثر وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه. ولو نظرت - ولله المثل الاعلى - فيما تطلب من الملوك ومن دونهم من السفلة لعرفت أن لك في يسير ما تصيب من الملوك افتخارا، وأن عليك في كثير ما تصيب من الدناة عارا. (3) فاقتصد في أمرك تحمد مغبة عملك (4). إنك لست بائعا شيئا من دينك وعرضك بثمن. والمغبون من غبن نصيبه من الله، فخذ من الدنيا ما أتاك واترك ما تولى، فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب. وإياك ومقاربة من رهبته على دينك وباعد السلطان ولا تأمن خدع الشيطان (5) وتقول: متى أرى ما أنكر نزعت، فإنه كذا هلك من كان قبلك من أهل القبلة وقد أيقنوا بالمعاد، فلو سمعت بعضهم بيع آخرته بالدنيا لم يطب بذلك نفسا (6)، ثم قد يتخبله الشيطان بخدعه ومكره حتى يورطه في هلكته بعرض من الدنيا حقير (7)


(1) إن الذى لا ينال إلا بشر لا يكون خيرا بل يكون شرا لان طريقه شرا فكيف يكون هو خيرا وهكذا مالا ينال إلا بعسر لا يكون يسرا وقيل: " إن العسر الذى يخشاه الانسان هو ما يضطره لرذيل الفعال فهو يسعى كل جهده ليتحامى الوقوع فيه، فان جعل الرذائل وسيلة لكسب اليسر أي السعة فقد وقع أول الامر فيما يهرب منه، فما الفائدة في يسره وهو لا يحميه من النقيصة. (2) توجف: تسرع سيرا سريعا. والمطايا جمع المطية: وهى الدابة التى تركب. والمناهل جمع المنهل: موضع الشرب على الطريق وما ترده الابل ونحوها للشرب. (3) الدناة: جمع الدانى أو الدنى وهو الخسيس. (4) المغبة: عاقبة الشئ. (5) الخدع جمع الخدعة. (6) " فلو سمت " أي فلو عرضت للبيع، من سام السلعة يسوم أي عرضها وذكر ثمنها. والمعنى أنك لو عرضت ببعضهم بأن يبيع آخرته بالدنيا لم يرض بذلك ولم يطب نفسه بهذه التجارة. (7) يورطه: يلقاه في الورطة ويوقعه فيما لا خلاص له منه وقوله: " بعرض من الدنيا " أي بحطام من الدنيا ومتاعها. يعنى إن الشيطان ما زال يسول له بشئ حقير من متاع الدنيا حتى يئس من رحمة الله ويخرجه منها فينجر الامر في متابعته إلى ما خالف الاسلام. (*)

[ 79 ]

وينقله من شر إلى شر حتى يؤيسه من رحمة الله ويدخله في القنوط فيجد الوجه إلى ما خالف الاسلام وأحكامه، فإن أبت نفسك إلا حب الدنيا وقرب السلطان فخالفت ما نهيتك عنه بما فيه رشدك، فاملك عليك لسانك فإنه لا ثقة للملوك عند الغضب (1) ولا تسأل عن أخبارهم ولا تنطق عند إسرارهم ولا تدخل فيما بينك وبينهم. وفي الصمت السلامة من الندامة. وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك (2) وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك. ولا تحدث إلا عن ثقة (3) فتكون كاذبا والكذب ذل. وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الاسراف (4) وحزن اليأس (5) خير من الطلب إلى الناس. والعفة مع الحرفة خير من سرور مع فجور (6) والمرء أحفظ لسره (7). ورب ساع فيما يضره (8). من أكثر [ أ ] هجر (9) ومن تفكر أبصر. ومن خير حظ امرئ قرين صالح، فقارن أهل الخير تكن منهم وباين أهل الشر تبن عنهم (10) ولا يغلبن عليك سوء الظن، فإنه لا يدع بينك وبين خليل صلحا. وقد يقال: من الحزم سوء الظن. بئس الطعام الحرام. وظلم الضعيف أفحش الظلم. والفاحشة كاسمها التصبر على


(1) " فأملك عليك لسانك " أي فاحفظ لسانك وفى بعض النسخ [ لا بقية للملوك ]. (2) التلافى: التدارك لاصلاح ما فسد أو كاد. والفرط: القصر والمراد أن سابق الكلام لا يدرك فيسترجع بخلاف مقصر السكوت فسهل تداركه. والماء يحفظ في القربة بشد وكائها أي رباطها فكذلك اللسان. وفيه تنبيه عليه وجوب ترجيح الصمت على كثرة الكلام وذلك لان الكلام يسمع وينقل فلا يستطاع إعادته صمتا. (3) أي ولا تقل إلا عن صدق وثقة. (4) " مع الكفاف " أي بقدر الكفاية. (5) وفى النهج " مرارة اليأس ". (6) وفى النهج " والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور ". (7) أي الاولى أن لا تبوح بسرك إلى أحد فانت احفظ من غيرك فان أذعته انتشر فلم تلم إلا نفسك لانك كنت عاجزا عن حفظ سر نفسك فغيرك أعجز إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه * فصدر الذى يستودع السر أضيق. (8) ربما كان الانسان يسعى فيما يضره لجهله أو سوء قصده. (9) يقال: فلان أهجر في منطقه أي تكلم بالهذيان، وكثير الكلام لا يخلو من الاهجار. (10) أي تبين عنهم والفعل مجزوم لجواب الشرط. (*)

[ 80 ]

المكروه نقص للقلب [ يعصم القلب ظ ]، وإن كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا (1) وربما كان الدواء داء والداء دواء. وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح (2). وإياك و الاتكال على المنى فإنها بضائع النوكى (3) وتثبط عن خير الآخرة والدنيا، ذك قلبك بالادب كما تذكى النار بالحطب. ولا تكن كحاطب الليل وغثاء السيل (4). وكفر النعمة لؤم. وصحبة الجاهل شوم. والعقل حفظ التجارب. وخير ما جربت ما وعظك ومن الكرم لين الشيم (5) بادر الفرصة قبل أن تكون غصة. من الحزم العزم. من سبب الحرمان التواني. ليس كل طالب يصيب. ولا كل راكب يؤوب. ومن الفساد إضاعة الزاد ولكل أمر عاقبة. رب يسير أنمى من كثير. سوف يأتيك ما قدر لك. التاجر مخاطر (6) ولا خير في معين مهين. لا تبيتن من أمر على غرر (7) من حلم ساد. ومن تفهم أزداد. ولقاء أهل الخير عمارة القلوب. ساهل الدهر ما دل لك قعوده (8) وإياك أن تجمح (9) بك


(1) الخرق - بالضم -: العنف أي الشدة وضد الرفق. والمراد أنه إذا كان في مقام يلزمه العنف لمصلحة كمقام التأديب واجراء الحدود يكون إبداله بالرفق عنفا ويكون العنف في هذا المقام من الرفق، فلا يجوز وضع كل منهما موضع الاخر. (2) المستنصح - اسم مفعول -: المطلوب منه النصح. (3) المنى: جمع منية - بالضم فالسكون -: ما يتمناه الانسان لنفسه ويعلل نفسه باحتمال الوصول إليه. والبضائع: جمع بضاعة وهى من المال ما أعد للتجارة. والنوكى - كسكرى -: جمع الانوك أي الاحمق وأيضا المقهور والمغلوب والمراد هنا الضعيف النفس في الرأى والعمل. وفى النهج " الموتى " لان المتجر بها الموتى. والتثبط: التعويق. فإذا تمنيت فاعمل لامنيتك. (4) يقال: " هو حاطب ليل " أي يخلط في كلامه. (5) الشيم - بالكسر والفتح -: جمع شيمة وهى الخلق والطبيعة. والمراد به الاخلاق الحسنة. (6) أي بنفسه وماله. والمهين إما بضم الميم بمعنى فاعل الاهانة ولا يصلح لان يكون معينا فيفسد ما يصلح، أو بفتحها بمعنى الحقير فانه أيضا لا يصلح لضعف قدرته. وفى النهج بعد هذا الكلام " ولا في صديق ظنين " والظنين - بالظاء: المتهم: - وبالضاد -: البخيل. (7) الغرر منه - بالتحريك - المغرور به. وفى النهج " ولا تبين من أمر على غدر ". (8) القعود - بالفتح -: من الابل ما يقتعده الراعى في كل حاجة أي يتخذ مركبا ويقال أيضا للابل: الفصيل من قياده. (9) يقال: جمحت المطية: تغلب على راكبه وذهب به. وجمحت به أي طرحت به وحمله على ركوب المهالك. اللجاج - بالفتح - الخصومة. أي أنى أحذرك من أن تغلبك الخصومات فلا تملك نفسك من الوقوع في مضارها. (*)

[ 81 ]

مطية اللجاج وإن قارفت سيئة فعجل محوها بالتوبة. ولا تخن من ائتمنك وإن خانك ولا تذع سره وإن أذاعة. ولا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه. واطلب فإنه يأتيك ما قسم لك، خذ بالفضل وأحسن البذل. وقل للناس حسنا. وأي كلمة حكم جامعة أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لها. إنك قل ما تسلم ممن تسرعت إليه أن تندم أو تتفضل عليه. واعلم أن من الكرم الوفاء بالذمم والدفع عن الحرم (1) والصدود آية المقت و كثرة العلل آية البخل. ولبعض إمساكك عن أخيك مع لطف خير من بذل مع جنف (2). ومن التكرم صلة الرحم (3) ومن يرجوك أو يثق بصلتك إذا قطعت قرابتك ؟ والتحريم وجه القطيعة. احمل نفسك مع أخيك عند صرمه على الصلة (4) وعند صدوده على اللطف والمسألة وعند جموده على البذل وعند تباعده على الدنو وعند شدته على اللين وعند جرمه على الاعتذار حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك. وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه وأن تفعله بغير أهله. لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك ولا تعمل بالخديعة فإنها خلق اللئام. وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة. وساعده على كل حال وزل معه حيث زال. ولا تطلبن مجازاة أخيك ولو حثا


(1) الذمم - بكسر الاول وفتح الثاني -: جمع الذمة: العهد والامان والضمان. والحرم - بضم الاول والثانى -: جمع الحريم -: ما يدافع عنه ويحمى. والصدود: الاعراض والميل عن الشئ. والمقت: شدة البغض. (2) الجنف: الجور، ربما كان الامساك مع حسن الخلق خير من البذل مع الجور. قال الله تعالى في سورة البقرة آية 265: " قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ". (3) في بعض نسخ الحديث [ ومن الكرم صلة الرحم ]. ولعل قوله عليه السلام ومن يرجوك عطف على قوله: " الرحم " يعنى صلة من يرجوك الخ. والتحريم من الصلة سبب لقطع القرابة. (4) في بعض نسخ الحديث [ احمل نفسك من أخيك ]. والصرم - بالضم أو الفتح -: القطيعة. وقوله عليه السلام: " على الصلة " متعلق باحمل نفسك. أي ألزم نفسك بصلة صديقك إذا قطعك. وهكذا بعده. والمراد بالجمود: البخل. (*)

[ 82 ]

التراب بفيك (1). وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحرى للظفر (2). وتسلم من الناس بحسن الخلق وتجرع الغيظ، فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة (3) ولا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب (4). ولن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك. ما أقبح عن القطيعة بعد الصلة والجفاء بعد الاخاء والعداوة بعد المودة والخيانة لمن ائتمنك وخلف الظن لمن ارتجاك والغدر بمن استأمن إليك. فإن أنت غلبتك قطيعة أخيك فاستبق لها من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا ذلك له يوما [ ما ] (5) ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه (6). ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه. ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك. ولا ترغبن فيمن زهد فيك. ولا تزهدن فيمن رغب إليك إذا كان للخلطة موضعا. ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته (7) ولا تكونن على الاساءة أقوى منك على الاحسان، ولا على البخل أقوى منك على البذل. ولا على التقصير أقوى منك على الفضل. ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه إنما يسعى في مضرته ونفعك. وليس جزاء من سرك أن تسوءه والرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك (8).


(1) حثا التراب أي صبه. (2) في النهج [ فانه أحلى الظفرين ] أي ظفر الانتقام وظفر التملك بالاحسان. (3) المغبة - بفتحتين وتشديد الباء -: العاقبة. ان لكظم الغيظ لذة تجدها النفس عند الافاقة. فللعفو لذة أحلى وهى الخلاص من الضرر المعقب لفعل الغضب. (4) الارتياب: الاتهام والشك. الاستعتاب: طلب العتبى، أي الاسترضا. (5) بقية من الصلة يسهل لك معها الرجوع إليه " إن بدا له " أي ظهر له حسن العودة يوما. (6) بلزوم ما ظن بك من الخير. (7) أمر بلزوم حفظ الصداقة، يعنى إذا أتى أخوك بالقطيعة فقابلها أنت بالصلة حتى تغلبه ولا يكونن هو أقدر على ما يوجب القطيعة منك على ما يوجب الصلة. وهكذا بعده. (8) المراد بالرزق رزقان: رزق طالب ورزق مطلوب فالرزق الطالب ما هو المقدر للانسان فان أنت لم تأته أتاك، والرزق المطلوب ما كان مبدؤه الحرص في الدنيا. (*)

[ 83 ]

واعلم أي بني أن الدهر ذو صروف (1) فلا تكونن ممن تشتد لائمته ويقل عند الناس عذره. ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك (2)، فانفق في حق ولا تكن خازنا لغيرك. وإن كنت جازعا على ما تفلت من يديك فاجزع على كل ما لم يصل إليك (3). واستدلل على ما لم يكن بما كان، فإنما الامور أشباه ولا تكفرن ذا نعمة (4)، فإن كفر النعمة من ألام الكفر. واقبل العذر. ولا تكونن ممن لا ينتفع من العظة إلا بما لزمه (5) فإن العاقل ينتفع بالادب، والبهايم لا تتعظ إلا بالضرب. اعرف الحق لمن عرفه لك رفيعا كان أو وضيعا. واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين (6). من ترك القصد جار (7). ونعم حظ المرء القناعة. ومن شر ما صحب المرء الحسد وفي القنوط التفريط. والشح يجلب الملامة. والصاحب مناسب (8). والصديق من صدق غيبه (9). والهوى شريك العمى (10). ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة. ونعم


(1) في بعض نسخ الحديث [ ذو صرف ]. وصرف الدهر وصروفه: نوائبه وحدثانه. يعنى أن الدهر بطبيعته وحقيقته متغير ومتزلزل لا يثبت بحال ولا يدوم على وجه وقد أذن بفراقه ونادت بتغيره ونعت نفسه وأهله ولا يجوز أن تشتد ذمه ولومه. (2) المثوى: المقام، أي حظك من الدنيا ما أصلحت به منزلتك من الكرامة في الدنيا والاخرة. (3) تفلت - بتشديد اللام - أي تملص وتخلص من اليد فلم يمكن أن يحفظه. والمراد لا تجزع على ما فاتك، فان الجزع عليه كالجزع على ما لم تصله فالثاني لا يجوز لانه لا يحصر فينال فالجزع عليه مذموم فكذا الاول. (4) وفى بعض نسخ الحديث [ ولا تكفر نعمة ]. (5) وفى النهج [ ممن لا تنفعه العظة إلا إذا بالغت في ايلامه ]. (6) العزائم: جمع العزيمة وهى ما جزمت بها ولزمتها من الارادة المؤكدة. (7) القصد: الاعتدال. وجار: مال عن الحق. (8) ينبغى ان يكون الصاحب كالنسيب المشفق ويراعى في المصاحب ما يراعى في قرابة النسب. (9) أي من حفظ لك حقك وهو غائب عنك. (10) في كونهما موجبين للضلال وعدم الاهتداء معهما إلى ما ينبغى من المصلحة. وفى بعض نسخ الحديث [ والهوى شريك العناء ]. والعناء: الشقاء والتعب. (*)

[ 84 ]

طارد الهم اليقين. وعاقبة الكذب الذم. وفي الصدق السلامة. وعاقبة الكذب شر عاقبة. رب بعيد أقرب من قريب وقريب أبعد من بعيد والغريب من له يكن له حبيب. لا يعدمك من حبيب سوء ظن. ومن حمى طنى (1). ومن تعدى الحق ضاق مذهبه. ومن اقتصر على قدره كان أبقى له. نعم الخلق التكرم (2). وألام اللوم البغى عند القدرة. والحياء سبب إلى كل جميل. وأوثق العرى التقوى. وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله. ومنك من أعتبك (3). والافراط في الملامة يشب نيران اللجاج. وكم من دنف قد نجى (4) وصحيح قد هوى. وقد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا (5). وليس كل عورة [ تظهر، ولا كل فريضة ] تصاب. وربما أخطأ البصير قصده وأصاب الاعمى رشده. ليس كل من طلب وجد، ولا كل من توقى نجى (6). أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته (7). وأحسن إن أحببت أن يحسن إليك. واحتمل أخاك على ما فيه. ولا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة، ويجر إلى البغضة (8).


(1) حمى الشئ يحميه حميا وحمى وحماية: منعه ودفعه عنه وحمى القوم حماية: قام بنصرهم والمريض: ما يضره. وطنى اللديغ من لدغ العقرب: عوفي وطنى فلانا: عالجه من طناه والمعنى من منع نفسه عما يضره نال العافية. وفى بعض النسخ [ من حمأ ظمأ ] والمعنى ظاهر. (2) التكرم: تكلف الكرم وتكرم عنه: تنزه. (3) أعتبه: أعطاه العتبى وأرضاه أي ترك ما كان يغضب عليه من أجله ورجع إلى ما أرضاه عنه بعد إسخاطه إياه عليه وحقيقته أزال عنه عتبه. والهمزة فيه همزة السلب كما في أشكاه والاسم العتبى. وعنه: انصرف. ولعل المعنى: من عليك من استرضاك ويؤيده ما في بعض نسخ الحديث: [ سرك من أعتبك ]. (4) الدنف - محركة -: المرض اللازم والدنف: المريض الذى لزمه المرض - بلفظ واحد مع الجميع - يقال: رجل دنف وامرأة دنف وهما دنف - مذكرا ومؤنثا - وهم وهن دنف. لان الدنف مصدر وصف به والدنف - بكسر النون ككتف -: من لازمه مرضه، الجمع: أدناف. (5) إذا كان الطمع في الشئ هلاكا كان اليأس منه إدراكا للنجاة. (6) توقى أي تجنب وحذر وخاف. (7) قيل: لان فرص الشر لا تنقضي لكثرة طرقه وطريق الخير واحد وهو الحق. (8) البغضة - بالكسر -: شدة البغض. (*)

[ 85 ]

واستعتب من رجوت إعتابه (1). وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. ومن الكرم منع الحزم (2). من كابر الزمان عطب. ومن ينقم عليه غضب (3). ما أقرب النقمة من أهل البغي. وأخلق بمن غدر ألا يوفى له (4). زلة المتوقي أشد زلة. وعلة الكذب أقبح علة. والفساد يبير الكثير (5). والاقتصاد يثمر اليسير. والقلة ذلة. وبر الوالدين من كرم الطبيعة (6). والزلل مع العجل. ولا خير في لذة تعقب ندما. والعاقل من وعظته التجارب. والهدى يجلو العمى، ولسانك ترجمان عقلك (7). ليس مع الاختلاف ائتلاف. من حسن الجوار تفقد الجار. لن يهلك من اقتصد. ولن يفتقر من زهد. بين عن امرئ دخيله (8) رب باحث عن حتفه. لا تشترين بثقة رجاء (9). ما كل ما يخشى يضر. رب هزل عاد جدا (10) من أمن الزمان خانه ومن تعظم عليه أهانه (11) ومن ترغم عليه أرغمه ومن لجأ إليه أسلمه. وليس


(1) في بعض نسخ الحديث [ استعتب من رجوت عتباه ]. (2) الحزم: ضبط الامر وإحكامه والحذر من فواته والاخذ فيه بالثقة وهنا بمعنى الشدة والغلظة. ويحتمل أن يكون بالراء المهملة. (3) عطب الرجل - كفرح - يعطب عطبا: هلك وفى بعض النسخ [ من تنقم عليه غضب ]. (4) الاخلق: الاجدر. يقال: هو خليق به أي جدير. وفى بعض نسخ الحديث [ أن لا يعفى له ]. (5) في بعض نسخ الكتاب [ يدبر الكثير ]. وفى بعض نسخ الحديث [ يبيد الكثير والاقتصاد ينمى اليسير ]. (6) في بعض نسخ الحديث [ من أكرم الطباع ]. (7) في بعض نسخ الحديث [ رسلك ترجمان عقلك ]. (8) في بعض نسخ الحديث [ ينبئ عن امرئ دخيله ]. (9) بحث في الارض: حفرها. والحتف: الموت. وفى المثل " كالباحث عن حتفه بظلفه " يضرب لمن يطلب ما يؤدى إلى تلف النفس. وفى بعض نسخ الحديث [ لا تشوبن ]. (10) هزل في كلامه هزلا - كضرب -: مزح وهو ضد الجد. (11) تنبيه على وجوب الحذر من الزمان ودوام ملاحظة تغيراته والاستعداد لحوادثه قبل نزولها واستعار لفظ الخيانة باعتبار تغيره عند الغفلة عنه والامن فيه فهو في ذلك كالصديق الخائن. (*)

[ 86 ]

كل من رمى أصاب (1). إذا تغير السلطان تغير الزمان (2). وخير أهلك من كفاك. والمزاح يورث الضغائن. وربما أكدى الحريص (3). رأس الدين صحة اليقين. وتمام الاخلاص تجنبك المعاصي. وخير المقال ما صدقه الفعال. والسلامة مع الاستقامة. و الدعاء مفتاح الرحمة. سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار. وكن من الدنيا على قلعة (4). احمل لمن أدل عليك. واقبل عذر من اعتذر إليك. وخذ العفو من الناس، ولا تبلغ إلى أحد مكروهه (5). أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك. وعود نفسك السماح (6) وتخير لها من كل خلق أحسنه، فإن الخير عادة. وإياك أن تذكر من الكلام قذرا (7) أو تكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك (8). وأنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك (9). وإياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن (10) واكفف عليهن من أبصارهن بحجبك إياهن فإن شدة الحجاب خير لك ولهن (11)


(1) تنبيه على ما ينبغى من ترك الاسف على ما يفوت من المطالب والتسلى بمن أخطأ في طلبه وإليه أشار أبو الطيب: ما كل من طلب المعالى نافذا * فيها ولا كل الرجال فحول (2) تنبيه على أن تغير السلطان في رأيه ونيته وفعله في رعيته من العدل إلى الجور يستلزم تغير الزمان عليهم إذ يغير من الاعداد للعدل إلى الاعداد للجور. (3) يقال: أكدى الرجل أي لم يظفر بحاجته. (4) أي على رحلة وعدم سكونك للتوطن، وفى بعض نسخ الحديث [ أحمل من أذل عليك ]. (5) في بعض النسخ [ ولا تبلغ من أحد مكروهه ] وفى بعض نسخ الحديث [ ولا تبلغ من أحد [ من ] مكروه ]. (6) السماح: الجود أي صير نفسك معتادة بالجود. (7) القذر: الوسخ. وفى بعض نسخ الحديث [ هذرا ] مكان " قذرا ". وهذر في كلامه: خلط وتكلم بما لا ينبغى. (8) ذلك لاستلزامه الهوان وقلة الهيبة في النفوس. (9) أي عامل الناس بالانصاف قبل أن يطلبوا منك النصف. (10) الافن - بالتحريك -: ضعف الرأى والوهن: الضعف. (11) وفى بعض نسخ الحديث [ واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن فان شدة الحجاب خير لك ولهن من الارتياب ]. (*)

[ 87 ]

وليس خروجهن بأشد من إدخالك من لا يوثق به عليهن (1) وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل ولا تمك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لحالها و أرخى لبالها وأدوم لجمالها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ولا تعد بكرامتها نفسها (2) ولا تطمعها أن تشفع لغيرها فتميل مغضبة عليك معها، ولا تطل الخلوة مع النساء فيملنك أو تملهن. واستبق من نفسك بقية من إمساكك (3) فان إمساكك عنهن وهن يرين أنك ذو اقتدار خير من ان يظهرن منك على انتشار (4) وإياك والتغاير في غير موضع غيرة فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم ولكن أحكم أمرهن، فإن رأيت ذنبا فعاجل النكير على الكبير والصغير. وإياك أن تعاقب فتعظم الذنب وتهون العتب (5). وأحسن للمماليك الادب. وأقلل الغضب. ولا تكثر العتب في غير ذنب، فإذا استحق أحد منهم ذنبا فأحسن العذل فإن العذل مع العفو أشد من الضرب لمن كان له عقل، ولا تمسك من لا عقل له، وخف القصاص (6). واجعل لكل امرئ منهم عملا تأخذه به، فإنه أحرى أن لا يتواكلوا (7) وأكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه


(1) أي ادخال من لا يوثق به عليهن إما مساو لخروجهن في المفسدة أو أشد وكل ما كان كذلك لا يجوز الرخصة فيه وانما كان أشد في بعض الصور لان دخول من لا يوثق به عليهن أمكن لخلوته بهن والحديث معهن فيها يزاد من الفساد. (2) أي لا تكرمها بكرامة تتعدى صلاحها أو لا تجاوز باكرامها نفسها فتكرم غيرها بشفاعتها. (3) أين هذه الوصية من حال الذين يصرفون النساء في مصالح الامة ويعدون أنفسهم - على ما يلهجون به -: المصلح ويرفعون الاصوات بانتصار المرأة ومطالبة حريتها في الشؤون الاجتماعية ويزعمون أن العفاف اهتضام المرأة، وصيانتها عن الفساد تضييع حقها ويقولون كلمة حق أرادوا بها الباطل فاوقدوا نيران الشهوات وأفسدوا الامة. وإذا قيل لهم: لا تفسدوا في الارض قالوا: انما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. (4) في بعض نسخ الحديث [ واستبق من نفسك بقية فان إمساكك عنهن وهن يرين أنك ذو اقتدار خير من أن يعثرن عليك على انكسار ]. والتغاير: إظهار الغيرة على المرأة بسوء الظن في حالها من غير موجب. (5) في بعض نسخ الحديث [ إياك أن تعاتب فيعظم الذنب ويهون العتب ]. (6) في بعض النسخ [ والتمسك بمن لا عقل له أوجب القصاص ]. والظاهر ولا تنكل من الخ. (7) أي يتكل بعضهم على بعض وفى النهج [ واجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به، فانه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك ]. (*)

[ 88 ]

تصير وبهم تصول (1) وهم العدة عند الشدة، فأكرم كريمهم وعد سقيمهم (2) وأشركهم في أمورهم وتيسر عند معسور [ ل‍ ] هم. واستعن بالله على أمورك، فانه أكفى معين. أستودع الله دينك ودنياك وأسأله خير القضاء لك في الدنيا والآخرة والسلام عليك ورحمة الله. * (وصيته لابنه الحسين عليهما السلام) * يا بني أوصيك بتقوى الله في الغنى والفقر وكلمة الحق في الرضى والغضب والقصد في الغنى والفقر. وبالعدل على الصديق والعدو. وبالعمل في النشاط والكسل. والرضى عن الله في الشدة والرخاء. أي بني ما شر بعده الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير. وكل نعيم دون الجنة محقور. وكل بلاء دون النار عافية. واعلم أي بني أنه من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره. ومن تعرى من لباس التقوى لم يستتر بشئ من اللباس. ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته. ومن سل سيف البغي قتل به. ومن حفر بئرا لاخيه وقع فيها. ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته (3) ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره. ومن كابد الامور عطب (4). ومن اقتحم الغمرات غرق. ومن أعجب برأيه ضل. ومن استغنى بعقله زل. ومن تكبر على الناس ذل. ومن خالط العلماء وقر. ومن خالط الانذال


(1) الصولة: السطورة والقدرة أي بهم تسطو وتغلب على الغير وفى النهج [ ويدك التى بها تصول ]. والعدة - بالضم -: الاستعداد - وبالكسر -: الجماعة. (2) من عاد المريض يعوده عيادة أي زاره. (3) وفى بعض النسخ [ عوراته ]. (4) كابدها أي قاساها وتحمل المشاق في فعلها بلا إعداد أسبابها. وعطب أي هلك. والغمرات: الشدائد. وفى النهج [ ومن اقتحم اللجج غرق ]. (*)

[ 89 ]

حقر (1). ومن سفه على الناس شتم (2). ومن دخل مداخل السوء اتهم. ومن مزح استخف به. ومن أكثر من شئ عرف به. ومن كثر كلامه كثر خطاؤه، ومن كثر خطاؤه (3) قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار. أي بني من نظر في عيوب الناس ورضي لنفسه بها فذاك الاحمق بعينه. ومن تفكر اعتبر، ومن اعتبر اعتزل، ومن اعتزل سلم. ومن ترك الشهوات كان حرا. ومن ترك الحسد كانت له المحبة عند الناس. أي بني عز المؤمن غناه عن الناس. والقناعة مال لا ينفد. ومن أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه. أي بني العجب ممن يخاف العقاب فلم يكف، ورجا الثواب فلم يتب ويعمل. أي بني الفكرة تورث نورا. والغفلة ظلمة. والجهال‍ [ - ة ] ضلالة. والسعيد من وعظ بغيره. والادب خير ميراث. وحسن الخلق خير قرين. ليس مع قطيعة الرحم نماء، ولا مع الفجور غنى. أي بني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله وواحد في ترك مجالسة السفهاء. أي بني من تزيا (4) بمعاصي الله في المجالس أورثه الله ذلا. ومن طلب العلم علم. يا بني رأس العلم الرفق، وآفته الخرق (5). ومن كنوز الايمان الصبر على


(1) الانذال - جمع النذل -: الخسيس من الناس، المحتقر في جميع أحواله والمراد بهم ذوى الاخلاق الدنية. (2) يعنى ومن عابهم شتم وسب. (3) وفى بعض نسخ الحديث [ خطؤه ] في الموضعين والمعنى واحد. (4) تزيا أي صار ذا زى. (5) الخرق: الشدة، ضد الرفق. (*)

[ 90 ]

المصائب. والعفاف زينة الفقر. والشكر زينة الغنى. كثرة الزيارة تورث الملالة والطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم (1). وإعجاب المرء بنفسه يدل على ضعف عقله. أي بني كم نظرة جلبت حسرة. وكم من كلمة سلبت نعمة. أي بني لا شرف أعلى من الاسلام. ولا كرم أعز من التقوى. ولا معقل أحرز من الورع (2). ولا شفيع أنجح من التوبة. ولا لباس أجمل من العافية. ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقوت. ومن اقتصر على بلغة الكفاف تعجل الراحة وتبوء خفض الدعة (3). أي بني الحرص مفتاح التعب ومطية النصب (4) وداع إلى التقحم في الذنوب والشره جامع لمساوي العيوب (5) وكفاك تأديبا لنفسك ما كرهته من غيرك (6). لاخيك عليك مثل الذي لك عليه. ومن تورط في الامور بغير نظر في العواقب فقد تعرض للنوائب. التدبير قبل العمل يؤمنك الندم. من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطاء. الصبر جنة من الفاقة. البخل جلباب المسكنة. الحرص علامة الفقر. وصول معدم خير من جاف مكثر (7). لكل شئ قوت، وابن آدم قوت الموت.


(1) الطمأنينة اسم من الاطمينان: توطين النفس وتسكينها. والخبرة: العلم بالشئ. و الحزم: ضبط الامر وإحكامه والاخذ فيه بالثقة. (2) المعقل: الحصن والملجأ. والورع أمنع الحصون وأحرزها عن وساوس الشيطان وعن عذاب الله. والنجاح: الظفر والفوز أي لا يظفر الانسان بشفاعة شفيع بالنجاة من سخط الله وعذابه مثل ما يظفر بالتوبة. (3) البلغة - بالضم -: ما يتبلغ به من القوت ولا فضل فيه. والكفاف - بفتح الكاف -: ما كفى عن الناس من الرزق واغنى. والخفض لين العيش وسعته. والدعة - بالتحريك -: الراحة والاضافة للمبالغة أي تمكن واستقر في متسع الراحة. (4) النصب - بالتحريك -: أشد التعب. (5) الشره - بكسر الشين وشد الراء -: الحرص والغضب والطيش والعطب وقد يطلق على الشر أيضا وفى بعض النسخ بدون التاء. (6) كذا والظاهر " اجتناب ما تكرهه - الخ " كما في النهج. (7) الوصول - بفتح الواو -: الكثير الاعطاء. والمعدم: الفقير. والجاف فاعل من جفا يجفو جفاءا ضد: واصله وآنسه. والمكثر: الذى كثر ماله، يعنى من يصل إلى الناس بحسن الخلق و المودة مع فقره خير ممن يكثر في العطاء وهو جاف أي سيئ الخلق. (*)

[ 91 ]

أي بني لا تؤيس مذنبا، فكم من عاكف على ذنبه ختم له بخير، وكم من مقبل على عمله مفسد في آخر عمره، صائر إلى النار، نعوذ بالله منها. أي بني كم من عاص نجا. وكم من عامل هوى. من تحرى الصدق خفت عليه المؤن (1). في خلاف النفس رشدها. الساعات تنتقص الاعمار. ويل للباغين من أحكم الحاكمين وعالم ضمير المضمرين. يا بني بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. في كل جرعة شرق، وفي كل اكلة غصص (2). لن تنال نعمة إلا بفراق اخرى. ما أقرب الراحة من النصب والبؤس من النعيم والموت من الحياة والسقم من الصحة. فطوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه وحبه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وفعله وقوله. وبخ بخ (3) لعالم عمل فجد وخاف البيات فأعد واستعد، إن سئل نصح وإن ترك صمت، كلامه صواب وسكوته من غير عي جواب (4). والويل لمن بلي بحرمان وخذلان وعصيان فاستحسن لنفسه ما يكرهه من غير وأزرى على الناس بمثل ما يأتي (5). واعلم أي بني أنه من لانت كلمته وجبت محبته. وفقك الله لرشدك وجعلك من أهل طاعته بقدرته إنه جواد كريم.


(1) التحرى: القصد والاجتهاد في الطلب. والمؤن - بضم الميم وفتح الهمزة - جمع المؤونة وهى القوت أو الشدة والثقل. (2) الشرق: الغصة وهى اعتراض الشئ في الحلق وعدم اساغته ويطلق الاول في المشروبات والثانى في المأكولات. (3) " بخ " اسم فعل للمدح واظهار الرضى بالشئ ويكرر للمبالغة، فيقال: بخ بخ بالكسر والتنوين. (4) العى: العجز عن الكلام (5) أزرى عليه عمله أي عاتبه وعابه عليه. (*)

[ 92 ]

* (خطبته المعروفة بالوسيلة) * (1) * (كتبنا منه ما اقتضاه الكتاب دون غيره) * الحمد لله الذي أعدم الاوهام (2) أن تنال إلا وجوده وحجب العقول أن تخال (3) ذاته لامتناعها من الشبه والتشاكل بل هو الذي لا يتفاوت ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله. فارق الاشياء لا باختلاف الاماكن. ويكون فيها لا على الممازجة. وعلمها لا بأداة، لا يكون العلم إلا بها. وليس بينه وبين معلومه علم غيره (4) كان عالما لمعلومه. إن قيل: كان فعلى تأويل أزلية الوجود وإن قيل: لم يزل فعلى تأويل نفي العدم (5). فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه فاتخذ إلها غيره علوا كبيرا، نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه، وأوجب قبوله على نفسه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. شهادتان ترفعان القول وتضعان العمل (6). خف ميزان ترفعان منه، وثقل ميزان توضعان فيه. وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط. وبالشهادة تدخلون الجنة. وبالصلاة تنالون الرحمة. فأكثروا من الصلاة على نبيكم " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسلما ".


(1) هذه الخطبة قد نقلها الكليني رحمه الله في كتاب الروضة بتمامها مع اختلاف كثير و لذلك تعرضنا لتلك الاختلافات في الهامش والمصنف رحمة الله عليه اختار منها ما اقتضاه الكتاب كما صرح به. (2) في الروضة [ منع الاوهام ]. (3) في الروضة [ أن يتخيل ]. (4) يحتمل الاضافة والتوصيف فعلى الاول فالمراد أنه لا يتوسط بينه وبين معلومه علم غيره وعلى الثاني فالمراد أن ذاته المقدسة كافية للعلم ولا يحتاج إلى علم أي صورة علمية غير ذاته تعالى، بهذه الصورة العلمية وبارتسامها كان عالما بمعلومه كما في الممكنات. (5) أي ليس كونه موجودا في الازل عبارة عن مقارنته للزمان أزلا لحدوث الزمان بل بمعنى أن ليس لوجوده ابتداء أو أنه تعالى ليس بزماني و " كان " يدل على الزمانية فتأويله أن معنى كونه أزلا أن وجوده يمتنع عليه العدم ولعل المعنى الاخير في الفقرة الثانية متعين. (6) تضعان خلاف ترفعان أي تثقلان. وفى الروضة [ وتضاعفان العمل ]. (*)

[ 93 ]

أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام. ولا كرم أعز من التقوى. ولا معقل أحرز من الورع. ولا شفيع أنجح من التوبة. ولا لباس أجل من العافية. ولا وقاية أمنع من السلامة. ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى والقنوع، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة. والرغبة مفتاح التعب. والاحتكار مطية النصب. والحسد آفة الدين. والحرص داع إلى التقحم في الذنوب وهو داع إلى الحرمان (1). والبغي سائق إلى الحين. والشره جامع لمساوي العيوب (2). رب طمع خائب. وأمل كاذب. ورجاء يؤدي إلى الحرمان. وتجارة تؤول إلى الخسران، ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب. وبئست القلادة الدين للمؤمن (3). أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم. ولا عز أنفع من الحلم. ولا حسب أبلغ من الادب. ولا نصب أوجع من الغضب (4). ولا جمال أحسن من العقل. ولا قرين شر من الجهل. ولا سوأة أسوء من الكذب (5) ولا حافظ أحفظ من الصمت. ولا غائب أقرب من الموت. أيها الناس إنه من نظر في عيب نفسه شغل عن عيب غيره. ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره. ومن سل سيف البغي قتل به. ومن حفر لاخيه بئرا وقع فيها. ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته. ومن نسى زلته (6) استعظم زلل غيره. ومن أعجب برأيه ضل. ومن استغنى بعقله زل. ومن تكبر على الناس ذل ومن سفه


(1) قد مضى هذه الكلمات مع اختلاف يسير في وصيته لابنه الحسين عليهما السلام. (2) الحين - بفتح المهملة والمثناة التحتانية -: الهلاك والمحنة والشرة غلبة الحرص والغضب والطيش والحدة والنشاط. وفى بعض النسخ [ الشره ] وهو الحرص أيضا. (3) وفى الروضة [ وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن ]. (4) النصب: التعب والمشقة الذى يتفرع على الغضب وهو من أخس المتاعب إذ لا ثمرة له ولا داعى إليه إلا عدم تملك النفس وفى بعض نسخ الروضة [ ولا نسب أوضع من الغضب ]. (5) السوأة: الخلة القبيحة والجمع سوءات. (6) الزلة: السقطة والخطيئة وفى بعض النسخ والروضة [ ومن نسى زلله ]. (*)

[ 94 ]

على الناس شتم. ومن خالط العلماء وقر. ومن خالط الانذال حقر. ومن حمل ما لا يطيق عجز (1). أيها الناس إنه لا مال [ هو ] أعود من العقل (2). ولا فقر هو أشد من الجهل ولا واعظ هو أبلغ من النصح (3) ولا عقل كالتدبير. ولا عبادة كالتفكر. ولا مظاهرة أوثق من المشاورة (4). ولا وحدة أوحش من العجب. ولا ورع كالكف (5). ولا حلم كالصبر والصمت. أيها الناس إن في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه، شاهد يخبر عن الضمير وحاكم يفصل بين الخطاب. وناطق يرد به الجواب. وشافع تدرك به الحاجة وواصف تعرف به الاشياء. وأمير يأمر بالحسن. وواعظ ينهى عن القبيح. ومعز تسكن به الاحزان. وحامد تجلى به الضغائن. ومونق يلهي الاسماع (6). أيها الناس [ إنه ] لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل (7). اعلموا أيها الناس أنه من لم يملك لسانه يندم. ومن لا يتعلم يجهل. ومن لا يتحلم لا يحلم (8). ومن لا يرتدع لا يعقل. ومن لا يعقل يهن ومن يهن لا يوقر. ومن يتق ينج (9). ومن يكسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره (10).


(1) قد مضى بعض هذه الكلمات في وصيته لابنه الحسين عليهما السلام. (2) الاعود: الانفع. (3) النصح: الخلوص. (4) المظاهرة: المعاونة. والعجب: الكبر وإعجاب المرء بنفسه وبفضائله وأعماله. (5) وفى الروضة [ كالكف عن المحارم ] وفى بعض نسخ الروضة [ ولا حكم كالصبر والصمت ]. أي ولا حكمة. (6) المعزى من التعزية بمعنى التسلية والضغائن جمع الضغينة بمعنى الحقد وفى الروضة [ وحاضر تجلى به الضغائن ]. والموثق: المعجب وفى الروضة [ ومونق يتلذذ به ]. (7) الحكم - بالضم -: الحكمة. (8) أي لا يحصل ملكة الحلم إلا بالتحلم وهو تكلف الحلم. (9) الردع: الرد والكف. " ومن لا يرتدع " أي من لا ينزجر عن القبائح بنصح الناصحين لا يكون عاقلا ولا يكمل عقله ولا يعقل قبح القبائح. وفى الروضة [ ومن لا يوقر يتوبخ ]. (10) أي فيما لا يوجر عليه في الدنيا والاخرة. (*)

[ 95 ]

ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم (1). ومن لم يعط قاعدا منع قائما (2). ومن يطلب العز بغير حق يذل. ومن عاند الحق لزمه الوهن. ومن تفقه وقر، و من تكبر حقر. ومن لا يحسن لا يحمد. أيها الناس إن المنية قبل الدنية. والتجلد قبل التبلد (3) والحساب قبل العقاب. والقبر خير من الفقر. وعمى البصر خير من كثير من النظر. والدهر [ يومان: ] يوم لك ويوم عليك (4) فاصبر فبكليهما تمتحن. أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه (5). وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع (6). وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص. وإن ملكه اليأس قتله الاسف. وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ. وإن اسعد بالرضى نسي التحفظ (7). وإن ناله الخوف شغله الحزن (8). وإن اتسع بالامن استلبته الغرة. وإن جددت له نعمة أخذته العزة (9). وإن أفاد مالا أطغاه الغنى. وإن عضته فاقة (10) شغله البلاء. وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع. وإن أجهده الجزع


(1) أي من لا يترك الشر وما لا ينبغى على اختيار يدعه على اضطرار ولا يحمد بهذا الترك. (2) أي من لم يعط المحتاجين حال كونه قاعدا يقوم عنده الناس ويسألونه يبتلى بان يفتقر إلى سؤال غيره فيقوم بين يديه ويسأله ولا يعطيه. (3) المنية: الموت والدنية: الذلة يعنى أن المدت خير من الذلة، فالمراد بالقبلية القبلية بالشرف وفى النهج " المنية ولا الدنية والتعلل ولا التوسل ] وهو أوضح. والتجلد: تكلف الشدة والقوة. والتبلد ضده. (4) زاد في الروضة [ فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك - إلخ ] ولعله سقط من قلم النساخ. (5) في النهج [ ولقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه وذلك القلب ]. (6) سنح له: بدا وظهر. (7) التحفظ: التوقى والتحرز من المضرات. (8) وفى الروضة والنهج [ شغله الحذر ]. (9) الغرة - بالكسر -: الاغترار والغفلة. واستلبته أي سلبته عن رشده ويمكن أن تكون " العزة " بالاهمال والزاى. (10) " أفاد مالا " أي اقتناه. وقوله: عضته أي اشتد عليه الفاقة والفقر. (*)

[ 96 ]

قعد به الضعف. وإن افرط في الشبع كظته البطنة (1)، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد. أيها الناس من قل ذل. ومن جاد ساد. ومن كثر ماله رأس (2). ومن كثر حلمه نبل (3). ومن فكر في ذات الله تزندق (4). ومن أكثر من شئ عرف به. ومن كثر مزاحه استخف به. ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته. فسد حسب [ من ] ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. ليس من جالس الجاهل بذي معقول. من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال (5). لن ينجو من الموت غني بماله، ولا فقير لاقلاله. أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط (6). فطنة الفهم للمواعظ مما يدعو النفس إلى الحذر من الخطأ (7). وللنفوس خواطر للهوى. والعقول تزجر وتنهى (8). وفي التجارب علم مستأنف. والاعتبار بقود إلى


(1) وفى الروضة والنهج [ وان جهده الجوع قعد به الضعف ]. والكظة - بالكسر -: ما يعترى الانسان عند الامتلاء من الطعام، يقال: كظ الطعام فلانا أي ملاءه حتى لا يطيق التنفس. البطنة - بالكسر -: الامتلاء المفرط من الاكل. (2) رأس بفتح الهمزة أي هو رئيس للقوم ويحتمل أن يكون من رأس يرؤس أي مشى متبخترا أو أكل كثيرا. (3) النبل: الفضل والشرف والنجابة. (4) تزندق أي اتصف بالزندقة. (5) في اللغة: يستعمل " القول " في الخير. " والقال والقيل والقالة " في الشر. والقول مصدر والقال والقيل اسمان له. والقال الابتداء والقيل الجواب. والاقلال: قلة المال. (6) المدرج والمدرجة: المذهب والمسلك يعنى أن للقلوب شواهد تعرج الانفس عن مسالك أهل التقصير إلى درجات المقربين. ولعل الصواب [ تعرج الانفس ]. (7) الفطنة: الحذق والفهم وهى مبتدأ وخبره قوله: " مما يدعو " يعنى أن الفطنة هي مما يدعو النفس إلى الحذر من المخاطرات. (8) الخواطر: جمع خاطر: ما يخطر بالقلب والنفس من أمرأ وتدبير والعقول تزجر و تنهى عنها. (*)

[ 97 ]

الرشاد. وكفاك أدبا لنفسك ما تكرهه من غيرك، عليك (1) لاخيك المؤمن مثل الذي لك عليه. لقد خاطر من استغنى برأيه (2). [ و ] التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم. ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقف الخطاء (3). ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول (4). ومن حصر شهوته فقد صان قدره. ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته (5). وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال. والايام توضح لك السرائر الكامنة. وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة (6). ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة. وأشرف الغنى ترك المنى. والصبر جنة من الفاقة. والحرص علامة الفقر. والبخل جلباب المسكنة. والمودة قرابة مستفادة. ووصول معدم خير من جاف مكثر (7). والموعظة كهف لمن وعاها. ومن أطلق طرفه كثر أسفه (8). ومن ضاق خلقه مله أهله.


(1) وفى الروضة [ وعليك ]. (2) يقال: خاطر بنفسه عرضها للخطر أي أشرف نفسه للهلاك. (3) أي استشار الناس وأقبل نحو آرائهم ولاحظها واحدا واحدا وتفكر فيها فمن طلب الاراء من وجوهها الصحيحة انكشف له مواقع الخطاء واحترس منه. (4) أي حكم العقول بعدالة رأيه وصوابه. (5) أمنه - بالفتح - أي أمن قومه من شره ويحتمل بالمد من باب الافعال أي آمن من شر قومه أوعد قومه أمينا ونال الحاحه التى توهم حصولها في إطلاق اللسان. (6) يقال: خطف البرق البصر: استلبه بسرعة وذهب به. والمستمتع: المنتفع والمتلذذ، يعنى لا ينفعك ما يبصر وما يسمع كالبرق الخاطف بل ينبغى أن تواظب وتستضئ دائما بانوار الحكم لتخرجك من ظلمات الجهل ويحتمل أن يكون المراد لا ينفع ما يبصر وما يسمع من الايات والمواعظ مع الانغماس في ظلمات المعاصي والذنوب. (7) قد مضى هذه العبارة وبيان ما فيها في وصيته عليه السلام لابنه الحسين سلام الله عليه ويحتمل أيضا أن يكون المراد أن الفقير المتودد خير من الغنى المتجافى. قوله: وعاها أي حفظها وجمعها. (8) الطرف - بسكون الراء: العين و - بالتحريك -: اللسان أي ومن اطلق عينه ونظره كثر أسفه. وفى الروضة بعد هذا الكلام هكذا [ وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان ]. (*)

[ 98 ]

ومن نال استطال (1) قل ما تصدقك الامنية. التواضع يكسوك المهابة وفي سعة الاخلاق كنوز الارزاق (2). من كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه. تحر - القصد من القول فإنه من تحرى القصد خفت عليه المؤن (3). في خلاف النفس رشدها من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد. ألا وإن مع كل جرعة شرقا وفي كل اكلة غصصا. لا تنال نعمة إلا بزوال اخرى. لكل ذي رمق قوت. ولكل حبة آكل. وأنت قوت الموت (4). اعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الارض فإنه يصير إلى بطنها. والليل والنهار يتسارعان في هدم الاعمار. أيها الناس كفر النعمة لؤم (5). وصحبة الجاهل شوم. من الكرم لين الكلام. إياك والخديعة فإنها من خلق اللئام. ليس كل طالب يصيب. ولا كل غائب يؤوب. لا ترغب فيمن زهد فيك. رب بعيد هو أقرب من قريب. سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار. استر عورة أخيك لما تعلمه فيك (6). اغتفر زلة صديقك ليوم


(1) النيل: إصابة الشئ. يقال: نال من عدوه أي بلغ منه مقصوده يعنى من أصاب شيئا من أسباب الشرف كالمال والعلم يتفضل ويترفع غالبا ويمكن أن يكون هذا نظير قوله: " من جاد ساد " فالمراد أن الجود والكرم غالبا يوجبان الفخر والاستطالة. والامنية: البغية وما يتمنى الانسان، يعنى في الغالب امنيتك كاذبة. (2) وفى الروضة بعد هذا الكلام كذا [ كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره ]. (3) أي اقصد الوسط العدل من القول وجانب التعدي والافراط والتفريط ليخف عليك المؤونة. (4) قد مضى هذه الكلمات في وصاياه عليه السلام أيضا. (5) اللوم - بالفتح غير مهموز -: الملامة ومهموزا: ضد الكرم. واللئام: جمع لئيم و - بالضم -: الدنى وقد لؤم الرجل - بالضم - لؤما. (6) في الروضة بعد هذه الجملة هكذا [ ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك كما يعلمها فيك ]. وفى بعض النسخ [ لما يعلمها ]. (*)

[ 99 ]

يركبك عدوك. من غضب على من لا يقدر أن يضره طال حزنه وعذب نفسه. من خاف ربه كف ظلمه. ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة. إن من الفساد إضاعة الزاد. ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا. وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب (1). ما أقرب الراحة من التعب. والبؤس من التغيير (2). ما شر بشر بعده الجنة. وما خير بخير بعده النار. وكل نعيم دون الجنة محقور. وكل بلاء دون النار عافية. عند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر (3). تصفية العمل أشد من العمل. تخليص النية عن الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد. هيهات لولا التقى كنت أدهى العرب (4). عليكم بتقوى الله في الغيب والشهادة (5)، وكلمة الحق في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وبالعدل على العدو والصديق، وبالعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله في الشدة والرخاء. ومن كثر كلامه كثر خطاؤه، ومن كثر خطاؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار ومن تفكر اعتبر. ومن اعتبر اعتزل. ومن اعتزل سلم. ومن ترك الشهوات كان حرا. ومن ترك الحسد كانت له المحبة عند


(1) في الروضة [ هيهات هيهات وما تناكرتم الا لما فيكم من المعاصي والذنوب ]. أي ليس تناكركم إلا لذنوبكم وعيوبكم. (2) وفى الروضة وبعض النسخ [ من النعيم ] والمراد بالتغيير سرعة تقلب أحوال الدنيا. (3) أي إذا أراد الانسان تصحيح ضميره عن النيات الفاسدة والاخلاق الذميمة تظهر له العيوب الكبيرة الكامنة في النفس والاخلاق الذميمة التى خفيت عليه تحت أستار الغفلات. (4) الدهاء: جودة الراى، والحذق وبمعنى المكر والاحتيال وهو المراد ههنا وفى الروضة [ لولا التقى لكنت أدهى العرب ] ومن كلام له عليه السلام " والله ما معاوية بأدهى منى ولكنه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة. ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة. والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة ". (5) قد مضى هذا الكلام إلى آخر الخطبة في وصيته صلوات الله عليه لابنه الحسين عليه السلام ولذا لم يذكر في الروضة وفيها بعد هذا الكلام [ أيها الناس ان الله عزوجل وعد نبيه محمدا صلى الله عليه وآله الوسيلة ووعده الحق ] إلى أخر ما خطبه عليه السلام. (*)

[ 100 ]

الناس. عز المؤمن غناه عن الناس. القناعة مال لا ينفد. ومن أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه. العجب ممن يخاف العقاب فلا يكف. ويرجو الثواب ولا يتوب ويعمل الفكرة تورث نورا. والغفلة ظلمة. والجهالة ضلالة. [ و ] السعيد من وعظ بغيره. والادب خير ميراث. حسن الخلق خير قرين. ليس مع قطيعة الرحم نماء. ولا مع الفجور غنى. العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله وواحد في ترك مجالسة السفاء. رأس العلم الرفق، وآفته الخرق. ومن كنوز الايمان الصبر على المصائب. والعفاف زينة الفقر. والشكر زينة الغنى. كثرة الزيارة تورث الملالة. والطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم. إعجاب المرء بنفسه يدل على ضعف عقله. لا تؤيس مذنبا، فكم من عاكف على ذنبه ختم له بخير. وكم من مقبل على عمله مفسد في آخر عمره، صائر إلى النار بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه وحبه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وفعله وقوله. لا يكون المسلم مسلما حتى يكون ورعا، ولن يكون ورعا حتى يكون زاهدا، ولن يكون زاهدا حتى يكون حازما، ولن يكون حازما حتى يكون عاقلا، وما العاقل إلا من عقل عن الله وعمل للدار الآخرة. وصلى الله على محمد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين. * (آدابه عليه السلام لاصحابه) * * (وهى أربعمائة باب للدين والدنيا) * الحجامة تصح البدن وتشد العقل. أخذ الشارب من النظافة وهو من السنة. الطيب في الشارب كرامة للكاتبين وهو من السنة. الدهن يلين البشرة (1)، ويزيد في الدماغ والعقل، ويسهل موضع الطهور، ويذهب بالشعث ويصفي اللون.


(1) هذا الخبر مروى في الخصال مع اختلاف غير يسير في بعض المواضع. والدهن: الاسم من دهن الشئ إذا بله ودهن الشئ: زيته والبشرة - بفتحتين -: ظاهر الجلد. والشعث: انتشار الامر وخلله. والمراد هنا شعث الشعر وفى الخصال ومكارم الاخلاق هكذا [ قال: الدهن يلين البشر ويزيد في الدماغ ويسهل مجارى الماء ويذهب بالقشف ويسفر اللون ]. (*)

[ 101 ]

السواك مرضاة للرب ومطيبة للفم، وهو من السنة. غسل الرأس بالخطمي يذهب بالدرن وينقى الاقذار (1) المضمضة والاستنشاق بالماء عند الطهور طهور للفم والانف. السعوط مصحة للرأس (2) وشفاء للبدن وسائر أوجاع الرأس. النورة مشدة للبدن وطهور للجسد، وتقليم الاظفار يمنع الداء الاعظم ويجلب الرزق ويدره (3). نتف الابط ينفي الرائحة المنكرة وهو طهور وسنة. غسل اليدين قبل الطعام وبعده زيادة في الرزق. غسل الاعياد طهور لمن أراد طلب الحوائج بين يدي الله عزوجل واتباع السنة. قيام الليل مصحة للبدن (4) ورضى للرب وتعرض للرحمة وتمسك بأخلاق النبيين. أكل التفاح نضوح للمعدة (5). مضغ اللبان يشد الاضراس وينفي البلغم ويقطع ريح الفم. الجلوس في المسجد بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس أسرع في طلب الرزق من الضرب في الارض. أكل السفرجل قوة للقلب الضعيف وهو يطيب المعدة، ويذكي الفؤاد. ويشجع الجبان ويحسن الولد. أكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء على الريق (6) في كل يوم تدفع الامراض إلا مرض الموت. يستحب للمسلم أن يأتي أهله في أول ليلة من شهر رمضان لقول الله: " احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم (7) ". لا تختموا بغير الفضة فإن رسول


(1) الخطمى بالكسر: نبت معروف والدرن - بفتحتين - الوسخ. والاقذار: جمع قذر - بفتحتين - وهو أيضا الوسخ. وفى بعض نسخ الحديث [ ينفى الاقذار ]. (2) السعوط: الدواء الذى يصب في الانف. (3) في المكارم عن الباقر عليه السلام " قال: إنما قصت الاظفار لانها مقيل الشيطان ومنه يكون النسيان ". ويدره أي يحسنه ويكثر خيره. (4) المصحة - بالفتح -: ما يجلب الصحة أو يحفظها أي مجلبة للصحة. (5) أي طيب للمعدة. والنضوح: ضرب من الطيب تفوح رائحته وأصل النضح: الرش فشبه كثرة ما طيبه بالرش. واللبان - بالضم -: الكندر. (6) الريق من كل شئ أوله وعلى الريق أي قبل أن يأكل شيئا. (7) سورة البقرة آية 187. (*)

[ 102 ]

الله صلى الله عليه وآله قال: ما طهر الله يدا فيها خاتم حديد (1) من نقش على خاتمه اسما من أسماء الله فليحوله عن اليد التي يستنجي بها (2) إذا نظر أحدكم إلى المرآة فليقل: " الحمد لله الذي خلقني فأحسن خلقي وصورني فأحسن صورتي وزان مني ما شان من غيري وأكرمني بالاسلام (3) ". ليتزين أحدكم لاخيه المسلم إذا أتاه كما تزين للغريب الذي يحب أن يراه في أحسن هيئة. صوم ثلاثة أيام في كل شهر وصوم شعبان يذهب بوسواس الصدر وبلابل القلب (4) الاستنجاء بالماء البارد يقطع البواسير. غسل الثياب يذهب بالهم وطهور للصلاة. لا تنتفوا الشيب فإنه نور. ومن شاب شيبة في الاسلام كانت له نورا يوم القيامة. لا ينام المسلم وهو جنب. ولا ينام إلا على طهور، فإن لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد (5)، فإن روح المؤمن ترتفع إلى الله عزوجل فيقبلها ويبارك عليها، فإن كان أجلها قد حضر جعلها في صورة حسنة وإن لم يحضر أجلها بعث بها مع أمنائه من الملائكة فردها في جسده. لا يتفل المسلم في القبلة (6)، فإن فعل ناسيا فليستغفر الله. لا ينفخ المرء موضع سجوده ولا في طعامه ولا في شرابه ولا في تعويذه. لا يتغوطن أحدكم على المحجة (7) ولا يبل على سطح في الهواء ولا في ماء جار، فمن فعل ذلك فأصابه شئ فلا يلومن إلا نفسه، فإن للماء أهلا وللهواء


(1) في المكارم، عن السكوني، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما طهر الله يدا فيها خاتم من حديد. (2) في المكارم " وقال عليه السلام في وصيته لاصحابه: من نقش خاتما وفيه أسماء الله فليحوله عن اليد التى يستنجى بها إلى المتوضأ ". وفى الكافي عن أبى بصير عن أبى عبد الله عن امير المؤمنين مثله. (3) الزين: ضد الشين يقال: زانه الشئ: حسنه وزخرفه. (4) بلابل: الاحزان والهموم واحدته بلبلة وهى شدة الهم والحزن. (5) الصعيد: وجه الارض ترابا كان أو غيره وقيل: التراب. (6) التفل: البصاق، يقال: تفل في الارض أي طرح البصاق فيها وقوله: " لا ينفخ المرء " أي لا يخرج من فمه الريح. والتعويذ: ما يكتب ويعلق على الانسان ليقيه من الاصابة بالعين. (7) المحجة: جادة الطريق. (*)

[ 103 ]

أهلا. وإذا بال أحدكم فلا يطمحن ببوله (1) ولا يستقبل به الريح، لا ينامن مستلقيا على ظهره. لا يقومن الرجل في الصلاة متكاسلا ولا متقاعسا (2). ليقل العبد الفكر إذا قام بين يدي الله، فإنما له من صلاته ما أقبل عليه. لا تدعوا ذكر الله في كل مكان ولا على كل حال. لا يلتفتن أحدكم في صلاته، فإن العبد إذا التفت فيها قال الله له: إلي عبدي خير لك ممن تلتفت إليه. كلوا ما يسقط من الحوان (3) فإنه شفاء من كل داء باذن الله لمن أراد أن يستشفي به. البسوا ثياب القطن فإنه لباس رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن يلبس الصوف ولا الشعر إلا من علة (4) إذا أكل أحدكم الطعام فمص أصابعه التي أكل بها قال الله عزوجل ذكره: بارك الله فيك. إن الله ليحب الجمال وأن يرى أثر نعمته على عبده. صلوا أرحامكم ولو بالسلام لقول الله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام (5) ". ولا تقطعوا نهاركم بكيت وكيت وفعلنا كذا وكذا (6)، فإن معكم حفظة يحفظون عليكم. واذكروا الله عزوجل بكل مكان. صلوا على النبي وآله صلى الله عليه وعليهم، فإن الله يتقبل دعاءكم عند ذكره ورعايتكم له. أقروا الحار حتى يبرد ويمكن، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال - وقد


(1) أي يرفع ببوله ويرمى به في الهواء. (2) المتكاسل: المتثاقل. والمتقاعس من تقاعس الرجل من الامر إذا تأخر ورجع إلى خلف ولم يتقدم فيه ولعل مراده (ع) لم يصل متثاقلا ويحتمل أن يكون متناعسا من النعاس كما في الخصال. (3) الخوان: ما يوضع عليه الطعام ويقال لها: " سفرة " أيضا. (4) وفى الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله. وفى المكارم، عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس من ثيابكم شئ أحسن من البياض فالبسوه وكفنوا فيه موتاكم. (5) سورة النساء آية 2 " واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام إن الله كان بكم رقيبا " وقوله: " تساءلون " أي يسأل بعضكم بعضا فيقول: أسألك بالله، وأصله تتساءلون. و " الارحام " إما عطف على " الله " إى اتقوا الارحام أن تقطعوها أو على محل الجار والمجرور كقولك مررت بزيد وعمروا كما قيل. (6) كيت وكيت - بفتح آخرهما وقد يكسر - يكنى بهما عن الخبر والحديث. (*)

[ 104 ]

قرب إليه طعام حار -: أقروه حتى يبرد ويمكن وما كان الله ليطعمنا الحار والبركة في البارد، والحار غير ذي بركة. علموا صبيانكم ما ينفعهم الله به، لا تغلب عليهم المرجئة (1). أيها الناس كفوا ألسنتكم وسلموا تسليما، أدوا الامانات ولو إلى قتلة الانبياء. أكثروا ذكر الله إذا دخلتم الاسواق وعند اشتغال الناس بالتجارات، فإنه كفارة للذنوب وزيادة في الحسنات ولا تكونوا من الغافلين. ليس للعبد أن يسافر إذا حضر شهر رمضان لقول الله: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه (2) ". ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية (3) إياكم والغلو فينا، قولوا: إنا عباد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم. من أحبنا فليعمل بعملنا ويستعن بالورع، فإنه أفضل ما يستعان به في الدنيا والآخرة. لا تجالسوا لنا عائبا ولا تمدحونا معلنين عند عدونا فتظهروا حبنا وتذلوا أنفسكم عند سلطانكم. إلزموا الصدق فإنه منجاة. ارغبوا فيما عند الله واطلبوا مرضاته وطاعته واصبروا عليهما. فما أقبح بالمؤمن أن يدخل الجنة وهو مهتوك الستر. لا تعيونا (4) في طلب الشفاعة لكم يوم القيامة بسبب ما قدمتم (5).


(1) في الكافي عن جميل بن دراج عن أبى عبد الله عليه السلام قال: بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة. وذكره الفيض رحمه الله في الوافى قائلا بعده بيان: يعنى علموهم في شرخ شبابهم بل في أوائل إدراكهم وبلوغهم التمييز من الحديث ما يهتدون به إلى معرفة الائمة عليهم السلام والتشيع قبل أن يغويهم المخالفون ويدخلهم في ضلالتهم فيتعسر بعد ذلك صرفهم عن ذلك، والمرجئة في مقابلة الشيعة من الارجاء بمعنى التأخير لتأخيرهم عليا عليه السلام عن مرتبته وقد يطلق في مقابلة الوعيدية إلا أن الاول هو المراد هنا. انتهى. وفى الخصال [ لا يغلب عليهم المرجئة برأيها ]. (2) سوره البقرة آية 182 أي السفر بعد الرؤية كانه فرار عن أمر المولى سبحانه وهذا مناف لمقام العبودية. (3) الخف: ما يلبس بالرجل. وعدم جواز التقية في شرب المسكر من المخالفين لعدم الاضطرار إليها لما جاء به النص وهكذا المسح على الخفين لاختلافهم فيه فلا يجوز شرب المسكر والمسح على الخفين في حال من الاحوال تقية. (4) أي لا تتعبونا. من أعياه أي أتعبه وأكله (بشد اللام). وفى الخصال [ لا تعنونا ]. (5) من الاعمال القبيحة والاخلاق الذميمة. (*)

[ 105 ]

ولا تفضحوا أنفسكم عند عدوكم يوم القيامة ولا تكذبوا أنفسكم في منزلتكم عند الله بالحقير من الدنيا. تمسكوا بما أمركم الله به فما بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى ما يحب إلا أن يحضره رسول الله (1) وما عند الله خير وأبقى وتأتيه البشارة والله فتقر عينه ويحب لقاء الله. لا تحقروا ضعفاء إخوانكم، فإنه من احتقر مؤمنا حقره الله ولم يجمع بينهما يوم القيامة إلا أن يتوب. ولا يكلف المرء أخاه الطلب إليه إذا عرف حاجته. تزاوروا وتعاطفوا وتباذلوا ولا تكونوا بمنزلة المنافق الذي يصف مالا يفعل. تزوجوا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كان يحب أن يستن بسنتي فليتزوج، فإن من سنتي التزويج. اطلبوا الولد فإني مكاثر بكم الامم، توقوا على أولادكم من لبن البغي من النساء والمجنونة (2)، فإن اللبن يعدى. تنزهوا عن أكل الطير الذي ليس له قانصة ولا صيصية ولا حوصلة ولا كابرة (3). اتقوا أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. ولا تأكلوا الطحال، فإنه ينبت من الدم الفاسد. ولا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون. اتقوا الغدد من اللحم، فإنها تحرك عرق الجذام. لا تقيسوا الدين فإنه لا يقاس وسيأتي قوم يقيسون الدين هم أعداؤه، وأول من قاس إبليس، لا تتخذوا الملسن فإنه حذاء فرعون وهو أول من حذا الملسن (4). خالفوا


(1) لا يفصل بينكم وبين ما تحبون إلا حضور رسول الله عند احتضار الموت. (2) البغى: المرأة الزانية الفاجرة. (3) القانصة للطير بمنزله المعا لغيره. والصيصية - بكسر أوله بغير همزة - الاصبع الزائد في باطن رجل الطائر بمنزلة الابهام من بنى آدم لانها شوكته فان الصيصية يقال للشوكة. والحوصلة للطير مكان المعدة لغيره يجتمع فيه الحب وغيره من المأكول ويقال لها بالفارسية (چينه دان). وقال بعض اللغويين: القانصة: اللحمة الغليظة جدا التى يجتمع فيها كل ما تنقر من الحصى الصغار بعدما انحدر من الحوصلة ويقال لها بالفارسية: (سنگ دان) وهذا القول هو الصواب لموافقته للاخبار، في الكافي " عن ابن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الطير ما يؤكل منه ؟ فقال: لا يؤكل ما لم تكن له قانصة ". وهى غير المعدة كمعدة الانسان لانها موجودة في الطيور كلها. وليست في الخصال " ولا كابرة ". ولم أجده في اللغة. (4) الحذاء: النعل. والملسن منها كمعظم: ما جعل طرفه كطرف اللسان والملسنة من النعال: ما فيها طول ولطافة كهيئة اللسان. (*)

[ 106 ]

أصحاب المسكر. وكلوا التمر فإن فيه شفاء من الادواء. اتبعوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه قال: من فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر. أكثروا الاستغفار فإنه يجلب الرزق. قدموا ما استطعتم من عمل الخير تجدوه غدا. إياكم والجدال فإنه يورث الشك. من كانت له إلى الله حاجة فليطلبها في ثلاث ساعات: ساعة من يوم الجمعة - ساعة الزوال حين تهب الريح وتفتح أبواب السماء وتنزل الرحمة وتصوت الطير، وساعة في آخر الليل عند طلوع الفجر، فإن ملكين يناديان: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فيعطى ؟ هل من مستغفر فيغفر له ؟ هل من طالب حاجة ؟، فأجيبوا داعي الله. واطلبو الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإنه أسرع لطلب الرزق من الضرب في الارض، وهي الساعة التي يقسم الله عزوجل فيها الارزاق بين عباده. انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله فإن أحب الامور إلى الله انتظار الفرج وما داوم عليه المؤمن (1). توكلوا على الله عند ركعتي الفجر بعد فراغكم منها ففيها تعطى الرغائب. لا تخرجوا بالسيوف إلى الحرم، ولا يصل أحدكم وبين يديه سيف، فإن القبلة أمن. ألموا (2) برسول الله صلى الله عليه وآله إذا حججتم، فإن تركه جفاء وبذلك امرتم. ألموا بالقبور التي يلزمكم حق سكانها وزوروها واطلبوا الرزق عندها، فإنهم يفرحون بزيارتكم، ليطلب الرجل الحاجة عند قبر أبيه وامه بعد ما يدعو لهما. لا تستصغروا قليل الاثم لما لم تقدروا على الكبير، فإن الصغير يحصى ويرجع إلى الكبير. أطيلوا السجود فمن أطاله أطاع ونجا. أكثروا ذكر الموت ويوم خروجكم من القبور، ويوم قيامكم بين يدي الله تهن عليكم المصائب. إذا اشتكى أحدكم عينه فليقرأ آية الكرسي وليضمر في نفسه أنها تبرء فإنه يعافى إن شاء الله. توقوا الذنوب فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب حتى الخدش والنكبة


(1) انتظار الفرج هو التهيؤ والترقب له بحيث يصدق اطلاق اسم المنتظر عليه وقد مر الكلام فيه. (2) يقال: ألم به أي أتاه فنزل به وزاره زيارة غير طويلة. يعنى إذا ذهبتم إلى مكة لزيارة بيت الله وإذا فرغتم من أعمال الحج فأذهبوا إلى المدينة فزوروا قبر النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 107 ]

والمصيبة (1)، فإن الله جل ذكره يقول: " ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (2) ". أكثروا ذكر الله جل وعز على الطعام ولا تلفظوا فيه فإنه نعمة من نعم الله ورزق من رزقه يجب عليكم شكره وحمده. أحسنوا صحبة النعم قبل فواتها فإنها تزول وتشهد على صاحبها بما عمل فيها. من رضي من الله باليسير من الرزق رضي الله منه باليسير من العمل. إياكم والتفريط، فإنه يورث الحسرة حين لا تنفع الحسرة. إذا لقيتم عدوكم في الحرب فأقلوا الكلام وأكثروا ذكر الله جل وعز ولا تولوا الادبار فتسخطوا الله وتستوجبوا غضبه إذا رأيتم من إخوانكم المجروح في الحرب أو من قد نكل (3) أو طمع عدوكم فيه فقووه بأنفسكم. اصطنعوا المعروف (4) بما قدرتم عليه، فإنه تقي مصارع السوء. من أراد منكم أن يعلم كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله منه عند الذنوب. أفضل ما يتخذ الرجل في منزله الشاة، فمن كانت في منزله شاة قدست عليه الملائكة كل يوم مرة ومن كان عنده شاتان قدست عليه الملائكة كل يوم مرتين وكذلك في الثلاث ويقول الله: بورك فيكم. إذا ضعف المسلم فليأكل اللحم باللبن، فإن الله جعل القوة فيهما. إذا أردتم الحج فتقدموا في شراء بعض حوائجكم بأنفسكم فإن الله تبارك وتعالى قال: " ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة (5) ". إذا جلس أحدكم في الشمس فليستدبرها لظهره فإنها تظهر الداء الدفين. إذا حججتم فإكثروا النظر إلى بيت الله، فإن لله مائة وعشرين رحمة عند بيته الحرام، منها ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين أقروا عند بيت الله الحرام بما حفظتموه من ذنوبكم وما لم تحفظوه فقولوا: ما حفظته يا رب علينا ونسيناه فاغفره لنا. فإنه من أقر بذنوبه


(1) الخدش: تفرق اتصال في الجلد أو الظفر أو نحو ذلك وإن لم يخرج الدم. والنكبة كسجدة: الجراحة وما يصيب الانسان من الحوادث. (2) سورة الشورى آية 30. (3) النكالة ونكل به من باب قتل ونكل به - بالتشديد -: أصابه بنازلة. (4) أي اتخذوا المعروف واختاروه. (5) سورة التوبة آية 47. (*)

[ 108 ]

في ذلك الموضع وعددها وذكرها واستغفر الله جل وعز منها كان حقا على الله أن يغفرها له. تقدموا في الدعاء قبل نزول البلاء فإنه تفتح أبواب السماء في ستة مواقف: عند نزول الغيث وعند الزحف (1) وعند الاذان وعند قراءة القرآن ومع زوال الشمس وعند طلوع الفجر. من مس جسد ميت بعدما يبرد لزمه الغسل. من غسل مؤمنا فليغتسل بعدما يلبسه أكفانه ولا يمسه بعد ذلك (3) فيجب عليه الغسل. ولا تجمروا الاكفان (2). ولا تمسوا موتاكم الطيب إلا الكافور، فإن الميت بمنزلة المحرم. مروا أهاليكم (4) بالقول الحسن عند الميت، فإن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لما قبض أبوها عليهما السلام أشعرها بنات هاشم فقالت: اتركوا الحداد (5). وعليكم بالدعاء. المسلم مرآة أخيه فإذا رأيتم من أخيكم هفوة فلا تكونوا عليه إلبا (6) وأرشدوه وانصحوا له وترفقوا به. وإياكم والخلاف فإنه مروق. وعليكم بالقصد (7) تراءفوا وتراحموا. من سافر بدابته بدأ بعلفها وسقيها. لا تضربوا الدواب على حر وجوهها (8) فإنها تسبح ربها. من ضل منكم في سفر أو خاف على نفسه فليناد: " يا صالح أغثني " فإن في إخوانكم الجن من إذا سمع الصوت أجاب وأرشد الضال منك وحبس عليه دابته. ومن خالف منكم الاسد على نفسه ودابته وغنمه فليخط عليها خطة وليقل: " اللهم رب دانيال والجب


(1) الزحف: الجيش الكثير يمشى ويزحف إلى العدو والمراد به ههنا الجهاد. (2) أي لا تبخروا بالطيب. (3) أي بعدما يبرد قبل أن يغسل. (4) كذا ويمكن أن يكون " عزوا " من التعزية. و " مروا " من أمر يأمر كما في الخصال. (5) في الخصال [ ساعدها جميع بنات بنى هاشم فقالت: دعوا التعداد ]. والحداد - بالكسر -: ترك الزينة. وثياب الماتم السود ومنه حدت المرأة على زوجها إذا أحزنت ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة. (6) الهفوة: الزلة والسقطة. والالب: القوم يجمعهم عداوة واحد. (7) أي بالاسقامة والعدل والرشد. وتراءفوا من الرأفة. (8) حر الوجه: ما بدا من الوجنة. (*)

[ 109 ]

وكل أسد مستأسد، احفظني وغنمي (1) " ومن خاف منكم الغرق فليقل: " بسم الله مجريها ومرسيها إن ربي لغفور رحيم، وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ". ومن خاف العقرب فليقرأ " سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ". عقوا عن أولادكم في اليوم السابع وتصدقوا إذا حلقتم رؤوسهم بوزن شعورهم فضة، فإنه واجب على كل مسلم (2) وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وآله بالحسن والحسين. إذا ناولتم سائلا شيئا فاسألوه أن يدعو لكم فإنه يستجاب فيكم ولا يجاب في نفسه لانهم يكذبون، ويرد الذي يناوله يده إلى فيه فليقبلها فإن الله يأخذها قبل أن تقع في يد السائل: قال الله تبارك وتعالى: " ويأخذ الصدقات (3) ". تصدقوا بالليل فإن صدقة الليل تطفئ غضب الرب. احسبوا كلامكم من أعمالكم يقل كلامكم إلا في الخير. أنفقوا مما رزقكم الله، فإن المنفق في (4) بمنزلة المجاهد في سبيل الله. فمن أيقن بالخلف أنفق وسخت نفسه بذلك (5). من كان على يقين فأصابه ما يشك فليمض على يقينه، فإن الشك لا يدفع اليقين ولا ينقضه. ولا تشهدوا قول الزور.


(1) الجب: البئر العميقة ودانيال النبي عليه السلام كان من أنبياء بنى إسرائيل محبوسا في الجب في زمن بخت النصر على ما قيل وروى الشيخ الطوسى (ره) في أماليه عن أبى عبد الله عليه السلام أنه كان في زمن ملك جبار عات أخذه فطرحه في جب وطرح معه السباع فلم تدنوا منه ولم تخرجه فأوحى الله عزوجل إلى نبى من أنبيائه أن ائت دانيال بطعام، قال: يا رب وأين دانيال ؟ قال: تخرج من القرية فيستقبلك ضبع فاتبعه فانه يدلك إليه، فأتت به الضبع إلى ذلك الجب فإذا فيه دانيال، فأدلى إليه الطعام فقال دانيال: الحمد لله الذى من وثق به لم يكله إلى غيره - إلى آخر ما قال. انتهى. وقوله: " أسد مستأسد " أي قوى مجترئ. (2) يعنى أنه من سنن الاسلام فعلى المسلم أن يأخذ به ولا ينبغى تركه مهما أمكن. (3) قال الله تعالى في سورة التوبة آية 105: " ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم ". (4) كذا وليست " في " في الخصال. (5) الخلف - بفتحتين -: البدل والعوض. (*)

[ 110 ]

ولا تجلسوا على مائدة يشرب عليها الخمر، فإن العبد لا يدري متى يؤخذ وإذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد ويأكل على الارض ولا يضع إحدى رجليه على الاخرى ولا يتربع، فإنها جلسة يبغضها الله ويمقت صاحبها. عشاء الانبياء بعد العتمة (1) فلا تدعوا العشاء، فإن تركه يخرب البدن. الحمى رائد الموت (2) وسجن الله في الارض، يحبس بها من يشاء من عباده وهي تحت الذنوب كما تحات الوبر عن سنام البعير، ليس من داء إلا وهو داخل الجوف إلا الجراحة والحمى، فإنهما يردان على الجسد ورودا (3) اكسروا حر الحمى بالبنفسج والماء البارد، فإن حرها من فيح جهنم (4) لا يتداوى المسلم حتى يغلب مرضه صحته (5). الدعاء يرد القضاء المبرم فأعدوه واستعملوه. للوضوء بعد الطهر عشر حسنات فتطهروا. إياكم والكسل فإنه من كسل لم يؤد حق الله. تنظفوا بالماء من الريح المنتنة وتعهدوا أنفسكم فان الله يبغض من عباده القاذورة الذي يتأفف به من جلس إليه (6). لا يعبث أحدكم بلحيته في الصلاة ولا بما يشغله عنها. بادروا بعمل الخير قبل أن تشغلوا عنه بغيره. المؤمن نفسه منه في تعب والناس منه في راحة. ليكن جل كلامكم ذكر الله. احذروا الذنوب، فإن العبد يذنب الذنب فيحبس عنه الرزق. داووا مرضاكم بالصدقة. وحصنوا أموالكم بالزكاة. الصلاة قربان كل تقي. والحج جهاد كل


(1) العشاء - بالفتح -: طعام العشى. العتمة - بالتحريك -: ظلمة الليل ويطلق أيضا على الثلث الاول من الليل. (2) الرائد: الذى يرسله القوم لينظر لهم مكانا ينزلون فيه، أو ليخبرهم بما خفى عليهم والمراد به ههنا الذى يخبر بالموت. وتحت الذنوب أي تزال وترد وتسقط الذنوب. (3) اما الجراجة فمعلوم، وأما الحمى فلاثارها لان أثر الحمى يظهر في الجسد وترتفع حرارة الجسم فيها إلى ما فوق درجتها المعتادة وتسرع حركة النبض أيضا. (4) فاح يفوح فوحا وفاح يفتح فيحا: انتشر. وقيل: الفيح: شيوع الحر. (5) لان التداوى لا يمكن غالبا إلا بالدواء والدواء له أثر ويهيج داءا غالبا ولذا وردت في الاحاديث " اجتنبوا الدواء ما احتمل بذلك الداء " " وما من دواء إلا ويهيج داءا ". (6) التعهد: التحفظ وتجديد العهد ويتأفف أي يقول أف من كرب أو ضجر. (*)

[ 111 ]

ضعيف. حسن التبعل جهاد المرأة. الفقر الموت الاكبر. قلة العيال أحد اليسارين (1). التقدير نصف المعيشة. الهم نصف الهرم. ما عال امرؤ اقتصد (2). ما عطب امرؤ استشار. لا تصلح الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين. لكل شئ ثمرة وثمرة المعروف تعجيل السراح. من أيقن بالخلف جاد بالعطية. من ضرب على فخذيه عند المصيبة فقد حبط أجره (3). أفضل عمل المؤمن انتظار الفرج. من أحزن والديه فقد عقهما. استنزلوا الرزق بالصدقة. ادفعوا أنواع البلاء بالدعاء، عليكم به قبل نزول البلاء، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة (4) للبلاء أسرع إلى المؤمن من السيل من إعلى التلعة إلى أسفلها أو من ركض البراذين. سلوا العافية من جهد البلاء، فإن جهد البلاء ذهاب الدين (5). السعيد من وعظ بغيره واتعظ. روضوا أنفسكم على الاخلاق الحسنة فإن العبد المؤمن يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم. من شرب الخمر وهو يعلم أنها خمر سقاه الله من طينة الخبال (6) وإن كان مغفورا له. لا نذر في معصية ولا يمين في قطيعة. الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر. لتطيب المرأة لزوجها. المقتول دون ماله شهيد. المغبون لا محمود ولا محاور (7). لا يمين للولد مع والده ولا للمرأة مع زوجها. لا صمت إلى الليل إلا في ذكر الله. لا تعرب بعد الهجرة (8) ولا هجرة بعد الفتح. تعرضوا لما عند الله عزوجل فإن فيه غنى عما في أيدي الناس. الله يحب المحترف


(1) اليسر: الهين. (2) أي من اقتصد لا يفتقر. وعطب أي هلك. الصنيعة: الاحسان. (3) أي حرم من ثواب أعماله. (4) النسمة: كل ذى روح من إنسان وغيره. والتلعة: ما علا من الارض. والبراذين جمع البرذون - بكسر الباء وفتح الذال المعجمة -: التركي من الخيل والدابة الحمل الثقيلة وأصلها من برذن أي أثقل. وركضها: سرعتها. (5) الجهد: المشقة. وبمعنى الطاقة والاستطاعة والمراد به ههنا الاول. (6) فسرت طينة الخبال بصديد أهل النار وما يخرج من فروج الزناة فيجتمع ذلك في جهنم فيشربه أهل النار وأصل الخبال: الفساد والهلاك والسم القاتل. (7) في الخصال [ لا محمود ولا مأجور ]. وقوله: " لا يمين " أي بدون أذنهما. (8) أي الالتحاق ببلاد الكفر والاقامة بها بعد المهاجرة عنها إلى بلاد الاسلام. وفى زماننا هذا أن يشتغل بتحصيل العلم والمعرفة بالدين ثم بتركه ويصير منه غريبا. (*)

[ 112 ]

الامين (1). ليس من عمل أحب إلى الله من الصلاة، لا تشغلنكم عن أوقاتها أمور الدنيا، فإن الله ذم أقواما استهانوا بأوقاتها فقال: " الذين هم عن صلاتهم ساهون (2) " يعني غافلين. اعلموا أن صالحي عدوكم يرائي بعضهم من بعض وذلك أن الله عزوجل لا يوفقهم ولا يقبل إلا ما كان له. البر لا يبلى والذنب لا ينسب. " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (3) ". المؤمن لا يعير أخاه ولا يخونه ولا يتهمه ولا يخذله ولا يتبرء منه. إقبل عذر أخيك فإن لم يكن له عذر فالتمس له عذرا. مزاولة قلع الجبال أيسر من مزاولة ملك مؤجل " استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (4) ". لا تعجلوا الامر قبل بلوغه فتندموا. ولا يطولن عليكم الامد (5) فتقسو قلوبكم. ارحموا ضعفاءكم واطلبوا الرحمة من الله عزوجل. إياكم والغيبة فإن المسلم لا يغتاب أخاه وقد نهى الله عن ذلك فقال: " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه (6) " لا يجمع المؤمن يديه في الصلاة وهو قائم يتشبه بأهل الكفر (7). لا يشرب أحدكم الماء قائما، فإنه يورث الداء الذي لا دواء له إلا أن يعافي الله. إذا أصاب أحدكم في الصلاة الدابة فليدفنها [ أ ] ويتفل عليها أو يضمها في ثوبه حتى ينصرف. والالتفات الفاحش يقطع الصلاة ومن فعل


(1) الاحتراف: الاكتساب. (2) سورة الماعون آية 5. (3) سورة النحل آية 128. (4) سورة الاعراف آية 125. (5) الامد: الاجل. (6) سورة الحجرات آية 14. (7) روى الصدوق طاب ثراه في الخصال عن أبى بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لا يجمع المؤمن يديه في صلاته وهو قائم بين يدى الله عزوجل إلا تشبه بأهل الكفر يعنى المجوس. وفى دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: إذا قمت قائما في الصلاة فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى ولا اليسرى على اليمنى فان ذلك تكفير أهل الكتاب ولكن ارسلهما إرسالا فانه أحرى أن لا تشتغل نفسك عن الصلاة. وحكى الطحاوي في اختلاف الفقهاء عن مالك ان وضع اليدين أحدهما على الاخرى انما يفعل في صلاة النوافل في طول القيام وتركه أحب إلى، وحكى أيضا عن الليث بن سعد أنه قال: سدل اليدين في الصلاة احب إلى الا أن يطول القيام. (*)

[ 113 ]

فعليه الابتداء بالاذان والاقامة والتكبير. من قرأ قل هو الله أحد إلى أن تطلق الشمس عشر مرات ومثلها إنا أنزلناه في ليلة القدر ومثلها آية الكرسي منع ماله مما يخاف عليه. ومن قرأ قل هو الله أحد وإنا أنزلناه في ليلة القدر قبل طلوع الشمس لم يصب ذنبا وإن اجتهد فيه إبليس. استعيذوا بالله عز وجل من غلبة الدين. مثل أهل البيت سفينه (1) نوح من تخلف عنها هلك. تشمير الثياب طهور للصلاة، قال الله تعالى: " وثيابك فطهر (2) " أي فشمر. لعق العسل شفاء قال الله: " يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس (3) ". ابدؤوا بالملح في أول طعامكم واختموا به فلو يعلم الناس ما في الملح لاختاروه على الدرياق (4)، ومن ابتدأ طعامه به أذهب الله عنه سبعين داء لا يعلمه إلا الله. صوموا ثلاثة أيام من كل شهر فهي تعدل صوم الدهر ونحن نصوم خميسين وأربعاء بينهما لان الله خلق جهنم يوم الاربعاء فتعوذوا بالله جل وعز منها. إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر فيها يوم الخميس، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " اللهم بارك لامتي في بكرتها يوم الخميس. وليقرأ إذا خرج من بيته " إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار - إلى قوله -: إنك لا تخلف الميعاد (5) " وآية الكرسي. وإنا أنزلناه في ليلة القدر وأم الكتاب فإن فيها قضاء حوائج الدنيا والآخرة. عليكم بالصفيق من الثياب (6)، فإنه من رق ثوبه رق دينه. لا يقومن أحدكم بين يدي ربه جل وعز وعليه ثوب يصفه (7). توبوا إلى الله وادخلوا في محبته


(1) كذا وقد استفاض عن رسول الله صلى الله عليه وآله من طريق الخاصة والعامة أنه قال: " مثل أهل بيتى كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ". (2) سوره المدثر آية 4. (3) سورة النحل آية 71. (4) الدرياق: لغة في الترياق وهو دواء يدفع السموم. (5) سورة آل عمران آية 193. (6) في المكارم " قال رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيته لابي ذر: يا أبا ذر البس الخشن من اللباس والصفيق من الثياب لئلا يجد الفخر فيك مسلكا ". ثوب صفيق: كثيف نسجه. (7) في المكارم عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: كان لابي ثوبان خشنان يصلى فيهما صلاته فإذا أراد أن يسأل الحاجة لبسهما وسأل الله حاجته ". " وعنه عليه السلام قال: إن الجسد إذا لبس الثوب اللين طغى ". (*)

[ 114 ]

فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، والمؤمن منيب وتواب. إذا قال المؤمن لاخيه: أف انقطع ما بينهما، وإذا قال له: أنت كافر كفر أحدهما، ولا ينبغي له أن يتهمه فإن اتهمه انماث الايمان بينهما كما ينماث الملح في الماء. باب التوبة مفتوح لمن أرادها فتوبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم. أوفوا بالعهود إذا عاهدتم. فما زالت نعمة عن قوم ولا عيش إلا بذنوب أجترحوها، إن الله ليس بظلام للعبيد ولو استقبلوا ذلك بالدعاء لم تزل ولو أنهم إذا نزلت بهم النقم أو زالت عنهم النعم فزوعوا إلى الله عزوجل بصدق من نياتهم ولم يهنوا ولم يسرفوا لاصلح لهم كل فاسد ورد عليهم كل ضائع، إذا ضاق المسلم فلا يشكون ربه ولكن يشكو إليه، فإن بيده مقاليد الامور وتدبيرها في السماوات والارضين وما فيهن وهو رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين. وإذا جلس العبد من نومه فليقل قبل أن يقوم: " حسبي الرب من العباد، حسبي هو حسبي ونعم الوكيل (1) " وإذا قام أحدكم من الليل فلينظر إلى أكناف السماء وليقرأ " إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار - إلى قوله -: لا تخلف الميعاد ". الاطلاع في بئر زمزم يذهب بالداء فاشربوا من مائها مما يلي الركن الذي فيه الحجر الاسود (2). أربعة أنهار من الجنة: الفرات، والنيل، وسيحان، وجيحان وهما نهران (3). لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم ولا ينفذ في الفيئ أمر الله جل وعز وإن مات في ذلك كان معينا لعدونا في حبس حقنا والاشاطة (4) بدمائنا وميتته ميتة جاهلية. ذكرنا - أهل البيت - شفاء من الوغل والاسقام (5) ووسواس


(1) من قوله: " وتدبيرها " إلى هنا مشوه والصحيح ما في الخصال ولا يسعنا تصحيحه. (2) وكذا في البحار في كتاب الحج. ولعله من الطلاع أي الاناء ويحتمل أن يكون بالهمزة بدل العين فمن الطلى وهو واضح. (3) الفرات بالعراق والنيل بمصر وسيحان وجيحان ببلخ وفى بعض النسخ [ ومهران ] موضع " وهما نهران ". وهذه الانهار لكثرة منافعها كأنها من أنهار الجنة ومادة منها فلا منحصر فيها. (4) أشاط السلطان دمه. وبدمه: عرضه للقتل وأهدر دمه. (5) الوغل: الخباثة، الاغتيال، الافساد. (*)

[ 115 ]

الريب وحبنا رضى الرب. والآخذ بأمرنا وطريقتنا ومذهبنا معنا غدا في حظيرة الفردوس، والمنتظر لامرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله. من شهدنا في حربنا وسمع واعيتنا فلم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار. نحن باب الجنة إذا بعثوا وضاقت المذاهب. ونحن باب حطه (1) وهو السلم، من دخله نجا ومن تخلف عنه هوى. بنا فتح الله جل وعز وبنا يختم الله وبنا يمحو الله ما يشاء وبنا يدفع الله الزمان الكلب وبنا ينزل الغيب (2) ولا يغرنكم بالله الغرور. لو قد قام قائمنا لانزلت السماء قطرها ولا خرجت الارض نباتها وذهبت الشحناء من قلوب العباد و اصطلحت السباع (3) والبهائم حتى تمشي المرأة بين العراق والشام لا تضع قدميها إلا على نبات وعلى رأسها زنبيلها، لا يهيجها سبع ولا تخافه. لو تعلمون ما في مقامكم بين عدوكم وصبركم على ما تسمعون من الاذى لقرت أعينكم. لو قد فقدتموني لرأيتم بعدي أشياء يتمنى أحدكم الموت مما يرى من الجور والعدوان والاثرة (4) والاستخفاف بحق الله والخوف على نفسه، فإذا كان ذلك فاعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وعليكم بالصبر والصلاة والتقية واعلموا أن الله عزوجل يبغض من عباده التلون. لا تزولوا عن الحق وأهله فإن من استبدل بنا هلك وفاتته الدنيا وخرج منها آثما. إذا دخل أحدكم منزله فليسلم على أهله (5)، فإن لم يكن له أهل فليقل: " السلام علينا من ربنا " ويقرأ قل هو الله أحد حين يدخل منزله، فإنه ينفي الفقر. علموا صبيانكم الصلاة وخذوهم بها إذا بلغوا ثماني سنين. تنزهوا عن قرب الكلاب،


(1) في الحديث " من ابتلاه في جسده فهو له حطة أي يحبط عنه خطاياه وذنوبه " وهى فعلة من حط الشئ يحطه إذا أنزله وألقاه. ومعنى كونهم عليهم السلام باب حطة أي أنهم باب الانابة إلى الله والطريق إليه. (2) " بنا فتح الله - إلى قوله -: ينزل الغيث " إنما ذلك لكونهم المقصود من الوجود والايجاد. والزمان الكلب: الشديد الصعب. (3) الشحناء: العداوة امتلات منها النفس. واصطلحت أي تصالحت. (4) الاثرة - بالتحريك -. اسم من استأثر بالشئ إذا استبد به بمعنى الاختيار وحب النفس المفرط واختصاص الرجل نفسه بأحسن الشئ دون غيره. (5) قال الله تعالى: " وتسلموا على أهلها " و " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة " سورة النور آية 61. (*)

[ 116 ]

فمن أصابه كلب جاف فلينضح ثوبه بالماء (1) وإن كان الكلب رطبا فليغسله. إذا سمعتم من حديثنا ما لا تعرفونه فردوه إلينا وقفوا عنده وسلموا إذا تبين لكم الحق ولا تكونوا مذائيع عجلى (2). فإلينا يرجع الغالي وبنا يلحق المقصر. من تمسك بنا لحق ومن تخلف عنا محق، من اتبع أمرنا لحق. من سلك غير طريقتنا سحق (3). لمحبينا أفواج من رحمة الله ولمبغضينا أفواج من سخط الله. طريقنا القصد وأمرنا الرشد، لا يجوز (4) السهو في خمس: الوتر والركعتين الاوليين من كل صلاة مفروضة التي تكون فيهما القراءة، والصبح والمغرب وكل ثنائية مفروضة وإن كانت سفرا. ولا يقرء العاقل القرآن إذا كان على غير طهر حتى يتطهر له. اعطوا كل سورة حقها من الركوع والسجود إذا كنتم في الصلاة. لا يصلي الرجل في قميص متوشحا به (5)، فإنه من فعال أهل لوط. تجزي للرجل الصلاة في ثوب واحد، يعقد طرفيه على عنقه، وفي القميص الصفيق يزره عليه (6)، لا يسجد الرجل على صورة ولا على بساط هي فيه. ويجوز أن يكون الصورة تحت قدميه أو يطرح عليها ما يواريها. ولا يعقد الرجل الدرهم الذي فيه الصورة في ثوبه وهو يصلي


(1) أي رشه وبله لينظف به. (2) المذائيع جمع مذياع: الذى لا يكتم السر، من الاذاعة بمعنى الافشاء. وعجلى مؤنث العجلان بمعنى العجول. (3) في النهج " نحن النمرقة الوسطى بها يلحق التالى وإليها يرجع الغالى " وذلك لان سيرتهم عليهم السلام هي الطريق والدين القويم والصراط المستقيم وهم السبل إلى الفطرة الحنيفية التى بنيت الشرائع عليها فنوديت كافة الناس باتباعها " فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " فهم عليهم السلام قاموا بخلوص الفطرة وأسسوا تعاليمهم عليها ولم تتأثروا بأية عاطفة اعتيادية أو تعليمات بشرية وان قل، فلذا من غلا في دينه وتجاوز بالافراط حدود الجادة الالهية فانما نجاته بالرجوع إلى سيرتهم والتفيؤ في ظلالهم. والمحق: الابطال. والسحق: البعد والهلاك. (4) أي لا يكون. (5) يقال: فلان يتوشح بثوبه هو أن يدخله تحت إبطه فألقاه على منكبه كما يتوشح الرجل بحمائل سفيه. وفى الحديث " التوشح في القميص من فعل الجبابرة ". (6) الصفيق من الثوب خلاف السخيف. ويزره أي يشد أزراره وأدخلها في العرى والازرار جمع الزر وهو ما يجعل في العروة. وعروة الثوب ما يدخل فيه الزر عند شده. (*)

[ 117 ]

ويجوز أن يكون الدرهم في هميان أو في ثوب إن كان ظاهرا. لا يسجد الرجل على كدس حنطة (1) ولا على شعير ولا على شئ مما يؤكل ولا على الخبز. إذا أراد أحدكم الخلاء فليقل: " بسم الله اللهم أمط عني الاذى وأعذني من الشيطان الرجيم (2) " وليقل إذا جلس: " اللهم كما أطعمتنيه طيبا وسوغتنيه فاكفنيه " (3). فإذا نظر إلى حدثه بعد فراغه فليقل: " اللهم ارزقني الحلال وجنبني الحرام " فإن رسول الله صلى الله على وآله قال: ما من عبد إلا وقد وكل الله به ملكا يلوي عنقه إذا أحدث حتى ينظر إليه فعند ذلك ينبغي له أن يسأل الله الحلال، فإن الملك يقول: يا ابن آدم هذا ما حرصت عليه، انظر من أين أخذته وإلى ماذا صار. لا يتوضأ الرجل حتى يسمي قبل أن يمس الماء، يقول: " بسم الله، اللهم أجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ". فإذا فرغ من طهورة قال: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله ". فعندها يستحق المغفرة. من أتى الصلاة عارفا بحقها غفر الله له. ولا يصل الرجل نافلة في وقت فريضة ولا يتركها إلا من عذر وليقض بعد ذلك إذا أمكنه القضاء (4)، فإن الله عزوجل يقول: " الذين هم على صلاتهم دائمون (5) " هم الذين يقضون ما فاتهم من الليل بالنهار ومن النهار بالليل. لا تقضوا النافلة في وقت الفريضة ولكن ابدؤوا بالفريضة ثم صلوا ما بدا لكم. الصلاة في الحرمين تعدل ألف صلاة. درهم ينفقه الرجل في الحج يعدل ألف درهم. ليخشع الرجل في صلاته فإنه من خشع لله في الركعة فلا يعبث بشئ في صلاة (6). القنوت في كل صلاة ثنائية قبل الركوع في الركعة الثانية إلا الجمعة فإن فيها قنوتين


(1) الكدس - بالضم -: الحب المحصود المجموع. (2) ماط وأماط عنه أي أزال وأبعده ويريد بالاذى الفضلة. (3) يقال: ساغ الطعام أو الشراب أي هنأ وسهل مدخله في الحلق. والسائغ من الشراب: سهل المرور في الحلق. (4) وإلا فليوص بذلك. (5) سورة المعراج آية 23. (6) كذا. وفى الخصال [ فان من خشع قلبه لله خشعت جوارحه ]. (*)

[ 118 ]

أحدهما قبل الركوع في الركعة الاولى والآخر بعده في الركعة الثانية. والقراءة في الجمعة في الركعة الاولى بسورة الجمعة بعد فاتحة الكتاب وإذا جاءك المنافقون (1). اجلسوا بعد السجدتين حتى تسكن جوارحكم. ثم قوموا فإن ذلك من فعلنا. إذا افتتح أحدكم الصلاة فليرفع يديه بحذاء صدره. إذا قام أحدكم بين يدي الله فليتجوز وليقم صلبه ولا ينحني (2). إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء في الدعاء ولينتصب، فقال ابن سبأ (3): يا أمير المؤمنين أليس الله بكل مكان ؟ قال: بلى، قال: فلم نرفع أيدينا إلى السماء ؟ فقال: ويحك أما تقرأ: " وفي السماء رزقكم وما توعدون (4) " فمن أين نطلب الرزق إلا من موضعه وهو ما وعد الله في السماء. لا تقبل من عبد صلاة حتى يسأل الله الجنة ويستجير به من النار ويسأله أن يزوجه من الحور العين. إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليصل صلاة مودع. لا يقطع الصلاة التبسم وتقطعها القهقهة. إذا خالط النوم القلب فقد وجب الوضوء. إذا غلبتك عينك وأنت في الصلاة فاقطعها ونم، فإنك لا تدري لعلك أن تدعو على نفسك. من أحبنا


(1) أي في الركعة الثانية بعد الفاتحة. (2) " فليتجوز " أي فاقتصر على الجائر المجزى. وفى الخصال [ فليتحرى بصدره ]. والصلب عظم الفقرات تكون في الظهر. ويمتد من الكاهل إلى أسفل الظهر. (3) ابن سبا هو عبد الله بن سبا الذى رجع إلى الكفر وأظهر الغلو وانه كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وممن يهيج الناس على عثمان ويعين عليه ويقول بإمرة على بن ابي طالب عليه السلام وقال فيما قال لهم: " لكل نبى وصى وكان على وصى محمد صلى الله عليه وآله، ثم قال محمد خاتم الانبياء وعلى خاتم الاوصياء ومن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وآله ووثب على وصى رسول الله صلى الله عليه وآله وتناول أمر الامة - ثم قال لهم -: إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصى رسول الله فانهضوا في هذا الامر وحركوه وابدؤوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الامر بالمعروف وانهو عن المنكر " قيل: انه يدعى أن عليا عليه السلام هو الله فاستتابه على عليه السلام ثلاثة فلم يرجع فأحرقه بالنار وروى الكشى باسناده عن عبد الله بن سنان عن أبيه عن الباقر عليه السلام أن عبد الله بن سبا كان يدعى النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الله - تعالى الله عن ذلك - فبلغ أمير المؤمنين عليه السلام فدعاه وسأله فأقر بذلك وقال: نعم أنت هو وقد كان ألقى في روعى أنك أنت الله وإنى نبى فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك امك وتب فابى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه بالنار. وأنكر وجوده بعض من عاصرناه. (4) سورة الذاريات آية 22. (*)

[ 119 ]

بقلبه وأعاننا بلسانه وقاتل بيده فهو معنا في الجنة في درجتنا. ومن أحبنا بقلبه ولم يعنا بلسانه ولم يقاتل معنا فهو أسفل من ذلك بدرجة. ومن أحبنا بقلبه ولم يعنا بلسانه ولا بيده فهو معنا في الجنة. ومن أبغضنا بقلبه وأعان علينا بلسانه ويده فهو في أسفل درك من النار. ومن أبغضنا بقلبه وأعان علينا بلسانه ولم يعن علينا بيده فهو فوق ذلك بدرجة. ومن أبغضنا بقلبه ولم يعن علينا بلسانه ولا يده فهو في النار. إن أهل الجنة لينظرون إلى منازل شيعتنا كما ينظر الانسان إلى الكواكب التي في السماء. إذا قرأتم من المسبحات شيئا فقولوا: سبحان ربي الاعلى. [ وإذا قرأتم ] " إن الله وملائكته يصلون على النبي " فصلوا عليه في الصلاة كثيرا وفي غيرها. ليس في البدن أقل شكرا من العين فلا تعطوها سؤلها فتشغلكم عن ذكر الله جل وعز. إذا قرأتم والتين فقولوا [ في آخرها ]: " ونحن على ذلك من الشاهدين. [ إذا قرأتم " قولوا آمنا بالله " ] فقولوا: " آمنا بالله - حتى تبلغوا إلى قوله -: ونحن له مسلمون " (1). إذا قال العبد في التشهد الاخير من الصلاة المكتوبة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ثم أحدث حدثا (2) فقد تمت صلاته. ما عبد الله جل وعز بشئ هو أشد من المشي إلى الصلاة. اطلبوا الخير في أعناق الابل وأخفافها صادرة وواردة (3). إنما سمي نبيذ السقاية لان رسول الله صلى الله عليه وآله اتي بزبيب من الطائف فأمر أن ينبذ ويطرح في ماء زمزم لانه مر فأراد أن تسكن مرارته، فلا تشربوا إذا اعتق (4). إذا تعرى الرجل نظر إليه الشيطان فطمع فيه، فاستتروا. ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذه و يجلس بين يدي قوم. من أكل شيئا من المؤذيات (5) فلا يقربن المسجد.


(1) سورة البقرة آية 131. (2) أي أتى بشئ من المبطلات. (3) لعل مراده عليه السلام بيعها وشرائها. (4) أي إذا مضى عليه زمانا. (5) كالثوم والبصل. (*)

[ 120 ]

ليرفع الساجد مؤخره في الصلاة. إذا أراد أحدكم الغسل فليبدأ بذراعيه فليغسلهما. إذا صليت وحدك فأسمع نفسك القراءة والتكبير والتسبيح. إذا انفتلت من صلاتك (1). فعن يمينك. تزودوا من الدنيا التقوى فإنها خير ما تزودتموه منها. من كتم وجعا أصابه ثلاثة أيام من الناس وشكا إلى الله كان حقا على الله أن يعافيه منه. أبعد ما يكون العبد من الله إذا كانت همته بطنه وفرجه. لا يخرج الرجل في سفر يخاف على دينه منه. اعط السمع أربعة في الدعاء: الصلاة على النبي وآله، والطلب من ربك الجنة، والتعوذ من النار، وسؤالك إياه الحور العين. إذا فرغ الرجل من صلاته فليصل على النبي صلى الله عليه وآله وليسأل الله الجنة ويستجير به من النار ويسأله أن يزوجه الحور العين، فإنه من لم يصل على النبي رجعت دعوته ومن سأل الله الجنه سمعت الجنة فقالت: يا رب أعط عبدك ما سأل. ومن استجار به من النار قالت النار: يا رب أجر عبدك مما استجار منه. ومن سأل الحور العين سمعت الحور العين فقالت: أعط عبدك ما سأل. الغناء نوح إبليس على الجنة (2). إذا أراد أحدكم النوم فليضع يده اليمنى تحت خده الايمن وليقل: " بسم الله وضعت جنبي لله على ملة إبراهيم ودين محمد وولاية من افترض الله طاعته، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " من قال ذلك عند منامه حفظ من اللص المغير والهدم واستغفرت له الملائكة حتى ينتبه. ومن قرأ قل هو الله أحد حين يأخذ مضجعه وكل الله به خمسين ألف ملك يحرسونه ليلته. إذا نام أحدكم فلا يضعن جنبه حتى يقول: " اعيذ نفسي وأهلي وديني ومالي وولدي وخواتيم عملي و [ ما ] خولني ربي (3) ورزقني بعزة الله وعظمة الله وجبروت الله وسلطان الله ورحمة الله ورأفة الله وغفران الله وقوة الله وقدرة الله ولا إله إلا الله وأركان الله وصنع الله وجمع الله وبرسول الله صلى الله عليه وآله وبقدرته على ما يشاء من شر السامة والهامة (4) ومن شر الجن والانس ومن شر ما ذرأ في الارض وما يخرج


(1) انفتل من الصلاة أي انصرف عنها. (2) النوح: الصيحة مع الجزع. (3) كذا وفى الخصال [ وما رزقني ربى وخولني ]. خوله الشئ: ملكه إياه وأعطاه متفضلا. (4) السامة: ما يسم ولا يقتل مثل العقرب والزنبور والهامة: ما يسم ويقتل وقد تطلق على ما يدب وإن لم يقتل كالحشرات. (*)

[ 121 ]

منها ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم وهو على كل شئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله " فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعوذ الحسن والحسين بها وبذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليهم أجمعين. نحن الخزان لدين الله ونحن مصابيح العلم. إذا مضى منا علم بدا علم، لا يضل من اتبعنا ولا يهتدي من أنكرنا ولا ينجو من أعان علينا عدونا، ولا يعان من أسلمنا، ولا يخلو عنا بطمع في حطام الدنيا الزائلة عنه، فإنه من آثر الدنيا علينا (1) عظمت حسرته غدا وذلك قول الله: " أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (2) ". اغسلوا صبيانكم من الغمر فإن الشيطان يشم الغمر (3) فيفزع الصبي في رقاده ويتأذى به الكاتبان (4). لكم من النساء أول نظرة فلا تتبعوها واحذروا الفتنة. مد من الخمر يلقى الله عزوجل حين يلقاه كعابد وثن فقال له حجر بن عدي (5): يا أمير المؤمنين من المدمن للخمر ؟


(1) أي قدم نفسه علينا وغصب حقنا. (2) سورة الزمر آية 56. وقوله: فرطت أي قصرت. (3) الغمر - بالتحريك -: الدسم والزهومة من اللحم والوضر من السمن وفى الحديث لا يبيتن أحدكم ويده غمرة (4) أي الملكان الموكلان على الانسان ويكتبان أعماله وأفعاله من الخير والشر. (5) بتقديم الحاء المهملة على الجيم المعجمة الساكنة من قبيلة كندة وكان رحمه الله من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بل من خواصه وكان مقيما بالكوفة إلى زمن زياد بن أبيه فأخذه زياد وحبسه وأصحابه ثم بعث بهم إلى معاوية بن أي سفيان حتى انتهوا إلى مرج عذراء (قرية بغوطة دمشق على أميال منها) وحبسوا به وكانوا أربعة عشر رجلا فجاء رسل معاوية إليهم فقال لهم: إنا قد امرنا أن نعرض عليكم البراءة من على واللعن له فان فعلتم هذا تركناكم وإن ابيتم قتلناكم وأمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنه عفى عن ذلك فابرؤوا من هذا الرجل يخل سبيلكم، قالوا: لسنا فاعلين، فامروا بقيودهم فحلت واتى باكفانهم فقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء قد رأيناكم البارحة اطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان ؟ قالوا: هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق، فقالوا: أمير المؤمنين أعرف بكم، ثم قاموا إليهم وقالوا: تبرؤون من هذا الرجل قالوا: بل نتولاه فأخذ كل رجل منهم رجلا يقتله فقال: لهم حجر: دعوني أصلى ركعتين فانى والله ما توضأت قط إلا صليت فقالوا له: صل فصلى ثم انصرف فقال: والله ما صليت صلاة قط أقصر منها ولولا أن يروا أن ما بى جزع من الموت لاحببت ان استكثر منها فمشى إليه هدبة بن الفياض الاعور بالسيف فارعدت فرائصه فقال: كلا زعمت أنك لا تجزع من الموت فانا ندعك فابرء من صاحبك فقال: مالى لا أجزع وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا وإنى والله إن جزعت لا أقول ما يسخط الرب، ثم قتله رضوان الله عليه وقد عظم قتله على قلوب المسلمين وعابوا معاوية على ذلك. (*)

[ 122 ]

قال: الذي إذا وجدها شربها. من شرب مسكرا لم تقبل صلاته أربعين ليلة. من قال لمسلم قولا يريد به انتقاص مروته حبسه الله في طينة خبال (1) حتى يأتي مما قال بمخرج. لا ينم الرجل مع الرجل في ثوب واحد ولا المرأة مع المرأة في ثوب واحد ومن فعل ذلك وجب عليه الادب وهو التعزير. كلوا الدباء (2) فإنه يزيد في الدماغ وكان يعجب النبي صلى الله عليه وآله. كلوا الاترج قبل الطعام وبعده فإن آل محمد صلى الله عليه وآله يأكلونه. الكمثرى يجلو القلب ويسكن أوجاعه بإذن الله. إذا قام الرجل في الصلاة أقبل إبليس ينظر إليه حسدا لما يرى من رحمة الله التي تغشاه. شر الامور محدثاتها (3). خير الامور ما كان لله جل وعز رضى. من عبد الدنيا وآثرها على الآخرة استوخم العاقبة (4). لو يعلم المصلي ما يغشاه من رحمة الله ما انفتل ولا سره أن يرفع رأسه من السجدة. إياكم والتسويف في العمل، بادروا به إذا أمكنكم. ما كان لكم من رزق فسيأتيكم على ضعفكم وما كان عليكم فلن تقدروا على دفعه بحيلة. مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر. إذا وضع الرجل في الركاب يقال: " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون (5) ". وإذا خرج أحدكم في سفر فليقل: " اللهم أنت الصاحب في السفر والحامل على الظهر والخليفة في الاهل والمال والولد ". وإذا نزلتم فقولوا: " اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ". إذا دخلتم الاسواق لحاجة فقولوا: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله اللهم إني أعوذ بك من صفقة خاسرة ويمين فاجرة وأعوذ بك من بوار الايم (6). المنتظر وقت الصلاة بعد العصر زائر لله وحق على الله عزوجل


(1) يقال: انتقص الرجل أي عابه. والخبال: الفساد وطينة الخبال فسرت بصديد أهل النار. (2) الدباء: القرع وهو نوع من اليقطين. والاترج: الترنج. (3) المحدثات -: ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع ومنه الخبر " إياكم و محدثات الامور ". (4) " آثرها " أي اختاره وفضله عليها. واستوخم العاقبة: وجدها وخيما أي ثقيلا. (5) سورة الزخرف آية 12، 14. (6) الصفقة: ضرب اليد على اليد في البيع وكانت العرب إذا وجب البيع ضرب أحدهما يده على يد صاحبه، ثم اسعملت الصفقة في عقد البيع والمراد بها ههنا بيعة خاسرة. والبوار: الكساد و الايم مرأة لا زوج لها وفى النسخ: " بواء الاثم " أي جزاؤه. لكنه تصحيف. (*)

[ 123 ]

أن يكرم زائره ويعطيه ما سأل. الحاج والمعتمر وفد الله وحق على الله أن يكرم وفده (1) ويحبوه بالمغفرة. من سقى صبيا مسكرا وهو لا يعقل حبسه الله في طينة خبال حتى يأتي مما فعل بمخرج. الصدقة جنة عظيمة وحجاب للمؤمن من النار ووقاية للكافر من تلف المال ويعجل له الخلف ويدفع السقم عن بدنه، وماله في الآخرة من نصيب. باللسان يكب أهل النار في النار، وباللسان يستوجب أهل القبور النور، فاحفظوا ألسنتكم واشغلوها بذكر الله. من عمل الصور سئل عنها يوم القيامة. إذا أخذت من أحدكم قذاة (2) فليقل: أماط الله عنك ما تكره. إذا خرج أحدكم من الحمام فقال له أخوه: طاب حميمك، فليقل: أنعم الله بالك. وإذا قال له: حياك الله بالسلام فليقل: وأنت فحياك الله بالسلام وأحلك دار المقام. السؤال بعد المدح فامدحوا الله ثم سلوه الحوائج وأثنوا عليه قبل طلبها. يا صاحب الدعاء لا تسأل مالا يكون ولا يحل. إذا هنأتم الرجل من مولود ذكر فقولوا: بارك الله لك في هبته وبلغ أشده ورزقت بره. إذا قدم أحدكم من مكة فقبل عينيه وفمه الذي قبل الحجر الاسود الذي قبله رسول الله صلى الله عليه وآله وقبل موضع سجوده وجبهته، وإذا هنأتموه فقولوا: قبل الله نسكك وشكر سعيك وأخلف عليك نفقتك ولا جعله آخر عهدك ببيته الحرام. إحذروا السفلة فإن السفلة لا يخاف الله عزوجل. إن الله اطلع فاختارنا واختار لنا شيعتنا، ينصروننا ويفرحون بفرحنا ويحزنون بحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أولئك منا وإلينا. ما من شيعتنا أحد يقارف أمرا (3) نهيناه عنه فيموت حتى يبتلى ببلية تمحص بها ذنوبه (4) إما في مال أو ولد وإما في نفسه


(1) الوافد: الوارد القادم. ويحبوه أي يعطيه، من حباه بكذا أي أعطاه إياه بلا جزاء. (2) القذى والقذاة: ما يقع في العين أو في الشراب من تراب وتبن ونحوهما وأماط: أي نحاه وأبعده. (3) أي يقارب أمرا ويدنوه. (4) تمحص بها ذنوبه أي تطهر بها. ويخلص بها. وفى سورة آل عمران 141 " وليمحص الله الذين آمنوا ". (*)

[ 124 ]

حتى يلقى الله محبنا وما له ذنب وإنه ليبقى عليه شئ من ذنوبه فيشدد عليه عند الموت فيمحص ذنوبه. الميت من شيعتنا صديق شهيد، صدق بأمرنا وأحب فينا وأبغض فينا، يريد بذلك وجه الله، مؤمنا بالله ورسوله. من أذاع سرنا أذاقه الله بأس الحديد (1). اختنوا أولادكم يوم السابع ولا يمنعكم حر ولا برد، فإنه طهر للجسد وإن الارض لتضج على الله من بول الاقلف (2). أصناف السكر أربعة: سكر الشباب (3) وسكر المال وسكر النوم وسكر الملك. احب للمؤمن أن يطلى في كل خمسة عشر يوما مرة بالنورة. أقلوا أكل الحيتان فإنها تذيب البدن وتكثر البلغم وتغلظ النفس. الحسو باللبن (4) شفاء من كل داء إلا الموت. كلوا الرمان بشحمه. فإنه دباغ للمعدة (5) وحياة للقلب ويذهب بوسواس الشيطان. كلوا الهندباء (6) فإنه ما من صباح إلا وعليه قطرة من قطر الجنة. اشربوا ماء السماء. فإنه طهور للبدن ويدفع الاسقام قال الله جل وعز: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان (7) ". الحبة السوداء ما من داء إلا وفيها منه شفاء إلا السام. لحوم البقر داء وألبانها شفاء كذلك أسمانها. ما تأكل الحامل شيئا ولا تبدأ به أفضل من الرطب قال الله: " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (8) " حنكوا أولادكم بالتمر (9) فهكذا فعل


(1) يعنى بالسيف في الدنيا لان من أذاع سر أهل البيت سيما في زمان خلفاء الجور قتل به. (2) الاقلف: الذى لم يختن. (3) في الخصال [ سكر الشراب ]. (4) الحسو من البن: شربه شيئا بعد الشئ والحسوة - بالضم والفتح -: الجرعة. (5) أي أزال ما بها من رطوبة ونتن. (6) الهندباء: نبات يقال له بالفارسية: (كاسنى). (7) سورة الانفال آية 11. (8) سورة مريم آية 25. (9) الحنك - بالتحريك - أعلى باطن الفم والاسفل من طرف مقدم اللحيين وقد يطلق على ما تحت الذقن. وتحنك المولود بالتمر هو أن يمضغ حتى يصير مايعا فيوضع في فيه ليصل شئ إلى جوفه يقال: حنك أي مضغ فدلك بحنكه. (*)

[ 125 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله بالحسن والحسين. إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فلا يعاجلنها وليمكث يكن منها مثل الذي يكون منه. إذا رأى أحدكم امرأة تعجبه فليلق أهله فإن عندها مثل الذي رأى ولا يجعل للشيطان على قلبه سبيلا وليصرف بصره عنها، فإن لم تكن له زوجة فليصل ركعتين ويحمد الله كثيرا. إذا أراد أحدكم غشيان زوجته فليقل الكلام فإن الكلام عند ذلك يورث الخرس (1). لا ينظرن أحدكم إلى باطن فرج المرأة، فإنه يورث البرص. وإذا أتى أحدكم زوجته فليقل: " اللهم إني استحللت فرجها بأمرك وقبلتها بأمانك فإن قضيت منها ولدا فاجعله ذكرا سويا ولا تجعل للشيطان فيه شركا ونصيبا ". الحقنة من الاربعة التي قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيها ما قال، وأفضل ما تداويتم به الحقنة وهي تعظم البطن وتنقي داء الجوف وتقوي الجسد. استعطوا بالبنفسج، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لو يعلم الناس ما في البنفسج لحسوه حسوا (2). إذا أراد أحدكم إتيان أهله فليتوق الاهلة وأنصاف الشهور فإن الشيطان يطلب الولد في هذين الوقتين. توقوا الحجامة يوم الاربعاء ويوم الجمعة، فإن الاربعاء نحس مستمر وفيه خلقت جهنم. وفي يوم الجمعة ساعة لا يحتجم فيه أحد إلا مات.


(1) الغشيان - بالكسر -: الاتيان بالمجامعة. والخرس - بالتحريك -: آفة تصيب اللسان فتمنعه من الكلام. (2) أي شربوه شيئا بعد شئ. واعلم أنه ينبغى أن يراعى الانسان في استعمال ما جاء عن الائمة عليهم السلام في خواص بعض النباتات بل في كل ما صدر عنهم في الطب والتداوى الاهوية والامكنة والامزجة فما قيل على هواء مكة والمدينة لا يجوز استعماله في سائر الاهوية وما روى في العسل أنه شفاء من كل داء فهو صحيح ومعناه أنه شفاء من كل داء بارد وما روى في الاستنجاء بالماء البارد لصاحب البواسير فان ذلك إذا كان بواسيره من الحرارة وهكذا في غير ذلك انظر سفينة البحار المجلد الثاني ص 78 قول المشايخ في ذلك. (*)

[ 126 ]

(عهده عليه السلام إلى الاشتر حين ولاه مصر وأعمالها) [ بسم الله الرحمن الرحيم ] (1). هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها ومجاهدة عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها. أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر الله به في كتابه: من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها وأن ينصر الله بيده وقلبه ولسانه، فإنه قد تكفل بنصل من نصره إنه قوي عزيز وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم. وأن يعتمد كتاب الله عند الشبهات، فإن فيه تبيان كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. وأن يتحرى رضا الله، ولا يتعرض لسخطه ولا يصر على معصيته، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. ثم اعلم يا مالك أني وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل و جور وأن الناس ينظرون من امورك في مثل ما كنت تنظر فيه من امور الولاة قبلك. ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم. وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده. فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح بالقصد فيما تجمع وما ترعى به رعيتك. فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك (2)، فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحببت وكرهت. وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة


(1) مختار هذا العهد منقول في النهج ودعائم الاسلام مع اختلاف. وهو مالك بن الحارث الاشتر النخعي من اليمن كان من أكابر أصحابه عليه السلام ذو النجدة والشجاعة روى أن الطرماح لما دخل على معاوية قال له: قل لابن أبى طالب: انى جمعت العساكر بعدد حب جاورس الكوفة وها أنا قاصده فقال له الطرماح: ان لعلى عليه السلام ديكا أشتر يلتقط جميع ذلك فانكسر من قوله معاوية. (2) أي وابخل بنفسك عن الوقوع في غير الحل. (*)

[ 127 ]

لهم واللطف بالاحسان إليهم. ولا تكوننن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم (1) فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق، تفرط منهم الزلل (2) وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفو [ ه ] فإنك فوقهم ووالي الامر عليك فوقك والله فوق من ولاك بما عرفك من كتابه وبصرك من سنن نبيه صلى الله عليه وآله. عليك بما كتبنا لك في عهدنا هذا لا تنصبن نفسك لحرب الله، فإنه لا يد لك بنقمته (3) ولا غنى بك عن عفوه ورحمته. فلا تند من على عفو ولا تبجحن بعقوبة (4) ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ولا تقولن إني مؤمر آمر فاطاع (5) فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين و تقرب من الفتن، فتعوذ بالله من درك الشقاء. وإذا أعجبك ما أنت فيه من سلطانك فحدثت لك به ابهة أو مخيلة (6) فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على مالا تقدر عليه من نفسك فإن ذلك يطامن إليك من طماحك (7) ويكف عنك من غربك و يفئ إليك ما عزب من عقلك. وإياك ومساماته في عظمته (8) أو التشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال فخور. أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصتك ومن أهلك ومن لك فيه هوى


(1) الضارى من الكلاب: ما لهج بالصيد وتعود بأكله وأولع به. (2) تفرط: تسبق. والزلل: الخطأ. وأراد بالعلل الامور الصارفة لهم عما ينبغى من إجراء أوامر الوالى على وجوهها. (3) يعنى لا تخالف أمر الله بالظلم والجور فليس لك يد أن تدفع نقمته. (4) بجح كفرح لفظا. ومعنى. (5) البادرة: حدة الغضب. والمندوحة: السعة والفسحة. والمؤمر - كمعظم -: المسلط. والادغال: الافساد. والنهك: الضعف ونهكه أضعفه. (6) الابهة - بضم الهمزة وفتح الباء مشددة وسكونها -: العظمة والكبرياء. والمخيلة: الكبر والعجب. (7) يطامن أي يخفض ويسكن. والطماح: الفخر والنشوز والجماح. وارتفاع البصر والغرب: الحدة ويفئ أي يرجع ما غاب عن عقلك. (8) المساماة: المفاخرة والمباراة في السمو أي العلو. (*)

[ 128 ]

من رعيتك، فإنك إن لا تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ومن خاصمه الله أدحض حجته (1) وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة من إقامة على ظلم، فإن الله يسمع دعوة المظلومين وهو للظالمين بمرصاد و من يكن كذلك فهو رهين هلاك في الدنيا والآخرة. وليكن أحب الامور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها (2) للرعية فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة (3) وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل له معونة في البلاء وأكره للانصاف وأسأل بالالحاف (4) وأقل شكرا عند الاعطاء وأبطأ عذرا عند المنع وأضعف صبرا عند ملمات الامور من الخاصة، وإنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للاعداء أهل العامة من الامة فليكن لهم صغوك (5) واعمد لاعم الامور منفعة وخيرها عاقبة ولا قوة إلا بالله. وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لعيوب الناس، فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها فلا تكشفن ما غاب عنك واستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك واطلق عن الناس عقد كل حقد (6) واقطع عنك سبب كل وتر واقبل العذر وادرء الحدود بالشبهات. وتغاب عن كل ما لا يضح لك ولا تعجلن إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين (7).


(1) أدحض: أبطل. وحربا أي محاربا. وينزع أي يقلع عن ظلمه. وأدعى أي أشد دعوة. (2) في النهج [ أجمعها لرضى الرعية ]. (3) يجحف أي يذهب برضى الخاصة. (4) الالحاف: الالحاح والشدة في السؤال. (5) الصغو: الميل. وفى بعض النسخ [ صغوك ]. (6) أي احلل عقد الاحقاد من قلوب الناس بحسن السيرة مع الناس. والوتر - بالاكسر -: العداوة أي اقطع عنك أسباب العداوات بترك الاساءة إلى الرعية. (7) الساعي: النمام بمعاتب الناس. والغاش: الخائن. (*)

[ 129 ]

لا تدخلن في مشورتك بخيلا يخذلك عن الفضل ويعدك الفقر (1). ولا جبانا يضعف عليك الامور ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجور والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله كمونها في الاشرار (2). أيقن ان شر وزرائك من كان للاشرار وزيرا ومن شركهم في الآثام وقام بامورهم في عباد الله. فلا يكونن لك بطانة تشركهم في أمانتك (3) كما شركوا في سلطان غيرك فأوردوهم وأوردوهم مصارع السوء ولا يعجبنك شاهد ما يحضرونك به، فإنهم أعوان الاثمة (4) وإخوان الظلمة وعباب كل طمع ودغل وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل أدبهم ونفاذهم ممن قد تصفح الامور فعرف مساويها بما جرى عليه منها (5) فأولئك أخف عليك مؤونة وأحسن لك معونة وأحنى عليك عطفا (6) وأقل لغيركم إلفا، لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على إثمه. ولم يكن مع غيرك له سيرة أجحفت بالمسلمين والمعاهدين (7) فاتخذ أولئك خاصة لخلوتك وملائك ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق (8) وأحوطهم على الضعفاء بالانصاف وأقلهم لك


(1) في النهج [ يعدل بك عن الفضل ] والفضل هنا الاحسان بالبذل والجود. ويعدك أي يخوفك. والشره - بالتحريك: أشد الحرص. وفى النهج [ يضعفك عن الامور ] بمعنى تحملك على الضعف. (2) أي يجتمع كلها فيهم سوء الظن بكرم الله وفضله. وفى النهج [ فان البخل والجبن والحرص ]. (3) البطانة - بالكسر -: الخاصة، من بطانة الثوب خلاف ظهارته. (4) الاثمة: جمع آثم، كظلمة: جمع ظالم. والعباب - بضم العين -: معظم السيل وعباب البحر: موجه. (5) تصفح: تأمل ونظر مليا. والمساوي: جمع مساءة وهى القبيح. وفى النهج [ وأنت واجد منهم خير الخلق ممن له مثل أرائهم ونفاذهم وليس عليه آصارهم وأوزارهم ممن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على إثمه ]. (6) أحنى عليك أي أشفق و " عطفا " مصدر جيئ به من غير لفظ فعله. والالف - بالكسر -: الالفة والمحبة. (7) اجحف بهم: ساتأصلهم وأهلكهم وفى النهج [ فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك ]. والمعاهدين: أهل الكتاب. (8) أي ليكن أفضلهم لديك أكثرهم قولا بالحق المر. (*)

[ 130 ]

مناظرة (1) فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع (2) فإنهم يقفونك على الحق ويبصرونك ما يعود عليك نفعه والصق بأهل الورع و الصدق وذوي العقول والاحساب، ثم رضهم على أن لا يطروك (3) ولا يبجحوك بباطل لم تفعله فإن كثرة الاطراء تحدث الزهو وتدني من الغرة والاقرار بذلك يوجب المقت من الله. لا يكوننن المحسن والمسيئ عندك بمنزلة سواء، فإن ذلك تزهيد لاهل الاحسان في الاحسان وتدريب لاهل الاساءة على الاساءة فالزم كلا منهم ما ألزم نفسه (4) أدبا منك ينفعك الله به وتنفع به أعوانك. ثم اعلم أنه ليس شئ بأدعى لحسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم و تخفيفه المؤونات عليهم وقلة استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم فليكن في ذلك أمر يجتمع لك به حسن ظنك برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده (5) وأحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده. فاعرف هذه المنزلة لك وعليك لتزدك بصيرة في حسن الصنع واستكثار حسن البلاء عند العامة مع ما يوجب الله بها لك في المعاد. ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة واجتمعت بها الالفة وصلحت


(1) وفى النهج [ مساعدة ]. وقوله: " فيما يكون منك " أي يقع ويصدر. (2) أي لا يساعدك على ما كره الله حال كونه نازلا من ميلك إليه. ومن قوله عليه السلام " ثم ليكن " على هنا تنبيه على من ينبغى أن يتخذ عونا ووزيرا وميزه باوصاف أخص. (3) رضهم أي عودهم على أن لا يطروك أي يزيدوا في مدحك من أطرى إطراء: أحسن الثناء وبالغ في المدح. ولا يبجحوك أي ولا يفرحوك بنسبة عمل إليك. قوله: " تدنى " أي تقرب. والزهو: العجب. والغرة - بالكسر -: الحمية والانفة. وهذا كله أمر بأن يلازم أهل الورع والصدق منهم ثم أن يروضهم ويؤدبهم بالنهي عن الاطراء له أو يوجبوا له سرورا بقول باطل ينسبونه فيه إلى فعل ما يفعله. (4) والتدريب: الاعتياد والتجرى. وقوله: " وما ألزم نفسه " في مقابلة الاحسان أو الاساءة بمثلها. (5) أي اختبارك عنده. (*)

[ 131 ]

عليها الرعية. ولا تحدثن سنة تضر بشئ مما مضى من تلك السنن، فيكون الاجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها. وأكثر مدارسة العلماء مثافنة الحكماء (1) في تثبيت ما صلح عليه أهل بلادك وإقامة ما استقام به الناس من قبلك، فإن ذلك يحق الحق ويدفع الباطل ويكتفى به دليلا ومثالا لان السنن الصالحة هي السبيل إلى طاعة الله. ثم اعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله. ومنها كتاب العامة والخاصة. ومنها قضاة العدل. ومنها عمال الانصاف والرفق. ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس (2). ومنها التجار وأهل الصناعات. ومنها طبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلا قد سمى الله سهمه ووضع على حد فريضته في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله. وعهدا عندنا محفوظا (3). فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبيل الامن والخفض (4) وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يصلون به إلى جهاد عدوهم ويعتمدون عليه ويكون من وراء حاجاتهم ثم لا بقاء لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من الامور ويظهرون من الانصاف ويجمعون من المنافع ويؤمنون عليه من خواص الامور وعوامها. ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجمعون


(1) المثافنة: المجالسة والملازمة. وفى بعض نسخ النهج [ ومنافثة ] أي المحادثة. (2) " مسلمة الناس " قال بعض شراح النهج: هذا تفصيل لاهل الخراج ويجوز أن يكون تفسير لاهل الجزية والخراج معا لان للامام أن يقبل أهل الخراج من سائر المسلمين وأهل الذمة. (3) أراد عليه السلام بالسهم الذى سماه الله الاستحقاق لكل من ذوى الاستحقاق في كتابه إجمالا من الصدقات كالفقراء والمساكين وعمال الخراج والصدقة وفصله في سنة نبيه صلى الله عليه وآله، وحده الذى وضع الله عليه عهدا منه أهل بيت نبيه هو مرتبته ومنزلته من أهل المدينة الذين لا يقوم الا بهم فان للجندي منزلة وحدا محدودا وكذلك العمال والكتاب والقضاة وغيرهم فان لكل منهم حدا يقف عنده وفريضة يلزمها عليها عهدا من الله محفوظا عند نبيه وأهل بيته عليهم السلام. (4) يعنى الراحة والسعة والعيش. (*)

[ 132 ]

من مرافقهم (1) ويقيمون من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم. ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم (2) وفي فئ الله لكل سعة ولكل على الوالي حق بقدر يصلحه وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر فيما خف على وثقل. فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولامامك وأنقاهم جيبا (3) وأفضلهم حلما وأجمعهم علما وسياسة ممن يبطئ عن الغضب ويسرع إلى العذر، ويرأف بالضعفاء وينبو على الاقوياء (4) ممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف ثم الصق بذوي الاحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة. ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم (5) وشعب من العرف، يهدون إلى حسن الظن بالله والايمان بقدره. ثم تفقد أمورهم بما يتفقد الوالد من ولده ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به (6). ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة وحسن الظن بك. فلا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها، فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه.


(1) المرافق: المنافع. (2) الرفد: العطاء والمعونة. (3) الجيب من القميص: طوقه. وأيضا: الصدر والقلب، يقال: فلان نقى الجيب أي أمين الصدر والقلب. وأيضا: الامين، يقال: رجل ناصح الجيب أي أمين لا غش فيه. (4) النبو: العلو والارتفاع وينبو أي يشتد ويعلو عليهم ليكف أيديهم عن الظلم. والعنف - مثلث العين -: الشدة والمشقة، ضد الرفق. ويحتمل أن يكون بمعنى اللوم كما جاء في اللغة أيضا. (5) أي مجموع منه. والعرف: المعروف. ومراده عليه السلام شرح أوصاف الذين يؤخذ منهم الجند ويكون منهم رؤساؤه. (6) تفاقم الامر: عظم أي لا تعد ما قويتهم به عظيما ولا ما تلطفك حقيرا بل لكل موضع وموقع. (*)

[ 133 ]

وليكن آثر رؤوس جنودك من واساهم في معونته (1) وأفضل عليهم في بذله ممن يسعهم ويسع من ورائهم من الخلوف من أهلهم حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو. ثم واتر إعلامهم (2) ذات نفسك في إيثارهم والتكرمة لهم والارصاد بالتوسعة. وحقق ذلك بحسن الفعال والاثر والعطف، فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك. وإن أفضل قرة العيون للولاة استفاضة العدل في البلاد (3) وظهور مودة الرعية لانه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم. ولا تصح نصيحتهم إلا بحوطتهم على ولاة أمورهم (4) وقلة استثقال دولتهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم (5). ثم لا تكلن جنودك إلى مغنم وزعته بينهم بل أحدث لهم مع كل مغنم بدلا مما سواه مما أفاء الله عليهم، تستنصر بهم به ويكون داعية لهم إلى العودة لنصر الله ولدينه. واخصص أهل النجدة (6) في أملهم إلى منتهى غاية آمالك من النصيحة بالبذل وحسن الثناء عليهم ولطيف التعهد لهم رجلا رجلا وما أبلى في كل مشهد، فإن كثرة الذكر منك لحسن فعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله. ثم لا تدع أن يكون لك


(1) آثر أي أكرم وأفضل وأعلى منزلة. من واساهم أي ساعدهم وعاونهم. وأفضل عليهم أي أفاض وأحسن إليهم، فلا يقتر عليهم في الفرض ولا ينقص منهم شيئا ويجعل البذل شاملا لمن تركوهم في الديار. والخلوف - مضمومتين جمع خلف بفتح فسكون -: من يخلف في الديار من النساء والعجزة. (2) واتر: أمر من المواترة وهى إرسال الكتب بعضها أثر بعض والاعلام: الاطلاع. ويحتمل أن يكون وآثر بالثاء: أمر من الافعال أي أكرم وفضل. والاعلام: جمع علم: سيد القوم ورئيسهم. (3) الاستفاضة: الانتشار والاتساع. وفى النهج [ الاستقامة ]. (4) الحوطة: الحيطة: مصدر حاطه بمعنى حفظه وتعهده أي بحفظهم على ولاتهم وحرصهم على بقائهم. (5) استثقل الشئ: عده وجده ثقيللا. واستبطأ الشئ: عده اوجده بطيئا، فيعدون زمنهم قصيرا. (6) النجدة: الشدة والبأس والشجاعة. والناكل: الجبان الضعيف والمراد هنا المتأخر القاعد. (*)

[ 134 ]

عليهم عيون (1) من أهل الامانة والقول بالحق عند الناس فيثبتون بلاء كل ذي بلاء منهم ليثق أولئك بعلمك ببلائهم. ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره ولا تقصرن به دون غاية بلائه (2) وكاف كلام منهم بما كان منه واخصصه منك بهزة. ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ولا ضعة امرئ (3) على أن تصغر من بلائه ما كان عظيما. ولا يفسدن امرءا عندك علة إن عرضت له (4) ولا نبوة حديث له، قد كان له فيها حسن بلاء، فإن العزة لله يؤتيه من يشاء والعاقبة للمتقين. وإن استشهد أحد من جنودك وأهل النكاية في عدوك فاخلفه في عياله بما يخلف به الوصي الشفيق الموثق به حتى لا يرى عليهم أثر فقده، فإن ذلك يعطف عليك قلوب شيعتك ويستشعرون به طاعتك ويسلسون لركوب معاريض التلف الشديد في ولايتك (5). وقد كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله سنن في المشركين ومنا بعده سنن، قد جرت بها سنن وأمثال في الظالمين ومن توجه قبلتنا وتسمى بديننا. وقد قال الله لقوم أحب إرشادهم: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (6) " وقال: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (7) "


(1) العين: الرقيب والناظر والجاسوس. (2) لا تضم عمل امرئ إلى غيره ولا تقصر به في الجزاء دون ما يبلغ منتهى عمله. (3) الضعة: من مصادر وضع - كشرف -: صار وضيعا أي دنيا. (4) أي لا يفسدن عندك أحدا علة تعرض له. ونبوة الزمان: خطبه وجفوته. (5) يسلسون: ينقادون ويسهل عليهم. (6) سورة النساء آية 62. (7) سورة النساء آية 85. (*)

[ 135 ]

فالرد إلى الله الاخذ بمحكم كتابه (1) والرد إلى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المتفرقة (2) ونحن أهل رسول الله الذين نستنبط المحكم من كتابه ونميز المتشابه منه ونعرف الناسخ مما نسخ الله ووضع إصره (3). فسر في عدوك بمثل ما شاهدت منا في مثلهم من الاعداء وواتر إلينا الكتب (4) بالاخبار بكل حدث يأتك منا أمر عام والله المستعان. ثم انظر في أمر الاحكام بين الناس بنية صالحة فإن الحكم في إنصاف المظلوم من الظالم والاخذ للضعيف من القوي وإقامة حدود الله على سنتها و منهاجها مما يصلح عباد الله وبلاده. فاختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك وأنفسهم للعلم والحلم والورع والسخاء ممن لا تضيق به الامور ولا تمحكه الخصوم (5) ولا يتمادى في إثبات الزلة ولا يحصر من الفئ (6) إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع (7) ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه (8) وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج وأقلهم تبرما بمراجعة الخصوم (9) وأصبرهم على تكشف الامور وأصرمهم (10) عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء (11) ولا يستميله إغراق ولا يصغى للتبليغ. فول


(1) محكم الكتاب: نصه الصريح. (2) أي الاخذ بما أجمع عليه مما لا يختلف في نسبته إليه، فلا يكون مما افترق به الاراء في نسبته إليه. (3) الاصر: الثقل أي ثقل التكليف كما قال الله تعالى في سورة الاعراف آية 156: " ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم ". (4) واتر: أمر من المواترة. والحدث - بفتحين -: الحادثة أي الامر الحادث. (5) لا تمحكه: لا تغضبه - من محك الرجل: نازع في الكلام وتمادى في اللجاجة عند المساومة - أي ولا تحمله مخاصمة الخصوم عند اللجاجة على رأيه. والزلة: السقطة والخطيئة. (6) حصر: ضاق صدره أي إذا عرف الحق لا يضيق صدره من الرجوع إليه. وفى بعض النسخ [ في انبات الزلة ولا يحصر من العى ]. (7) الاشراف على الشى: الاطلاع عليه من فوق. (8) أي ينبغى له التأمل في الحكم فلا يكتفى بما يبدو له باول فهم. (9) التبرم: الضجر. والملل. (10) وأصرمهم: أقطعهم للخصومة عند وضوح الحكم. (11) لا يزدهيه: افتعال من الزهو: العجب والفخر. والاطراء: المبالغة في المدح أي لا تحمله على الكبر والعجب ولا يستخفه زيادة الثناء عليه. وفى النهج [ ولا يستميله اغراء ]. (*)

[ 136 ]

قضاءك من كان كذلك وهم قليل. ثم أكثر تعهد قضائه (1) وافتح له في البذل ما يزيح علته (2) ويستعين به وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال إياه عندك. وأحسن توقيره في صحبتك وقربه في مجلسك وأمض قضاءه وأنفذ حكمه واشدد عضده واجعل أعوانه خيار من ترضى من نظرائه من الفقهاء وأهل الورع والنصيحة لله ولعباد الله، ليناظرهم فيما شبه عليه ويلطف عليهم لعلم ما غاب عنه ويكونون شهداء على قضائه بين الناس إن شاء الله. ثم حملة الاخبار لاطرافك قضاة تجتهد فيهم نفسه (3) لا يختلفون ولا يتدابرون في حكم الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فإن الاختلاف في الحكم إضاعة للعدل وغرة في الدين (4) وسبب من الفرقة. وقد بين الله ما يأتون وما ينفقون وأمر برد ما لا يعلمون إلى من استودعه الله علم كتابه واستحفظه الحكم فيه، فإنما اختلاف القضاة في دخول البغى بينهم واكتفاء كل امرئ منهم برأيه دون من فرض الله ولايته، ليس يصلح الدين ولا أهل الدين على ذلك. ولكن على الحاكم أن يحكم بما عنده من الاثر والسنة، فإذا أعياه ذلك (5) رد الحكم إلى أهله، فإن غاب أهله عنه ناظر غيره من فقهاء المسلمين ليس له ترك ذلك إلى غيره وليس لقاضيين من أهل الملة أن يقيما على اختلاف في [ ال‍ ] حكم دون ما رفع ذلك إلى ولي الامر فيكم فيكون هو الحاكم بما علمه الله، ثم يجتمعان على حكمه فيما وافقهما أو خالفهما فانظر في ذلك نظرا بليغا فإن هذا الدين قد كان أسيرا بأيدي الاشرار يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا. واكتب إلى قضاة بلدانك فليرفعوا إليك كل حكم اختلفوا فيه على حقوقه. ثم تصفح تلك الاحكام فما وافق كتاب الله وسنة نبيه والاثر من إمامك فأمضه واحملهم عليه. وما اشتبه عليك فاجمع له الفقهاء


(1) تعهد: تفقد وتحفظ. (2) يزيح: يبعد ويزول وفى النهج [ يزيل ]. أي وسع له حتى يكون ما يأخذه كافيا لمعيشته. (3) كذا. وفى بعض النسخ [ حملة الاختيار ] وفى بعضها [ حمل الاختيار ]. وقيل الصحيح " ثم اختيار حملة الاخبار لاطرافك قضاة تجتهد فيه نفوسهم " وإن نعثر على نسخة مصححة بعد نشر إليها في آخر الكتاب. وفى دعائم الاسلام " واختر لاطرافك قضاة تجهد فيهم نفسك - إلخ " مع اختلاف كثير. (4) الغرة - بالكسر -: الغفلة. (5) أعياه: أعجزه ولم يهتد لوجه مراده. (*)

[ 137 ]

بحضرتك فناظرهم فيه ثم أمض ما يجتمع عليه أقاويل الفقهاء بحضرتك من المسلمين، فإن كل أمر اختلف فيه الرعية مردود إلى حكم الامام وعلى الامام الاستعانة بالله والاجتهاد في إقامة الحدود وجبر الرعية على أمره ولا قوة إلا بالله. ثم انظر إلى أمور عمالك واستعملهم اختبارا ولا تولهم امورك محاباة (1) و أثرة، فإن المحاباة والاثرة جماع الجور والخيانة وإدخال الضرورة على الناس وليست تصلح الامور بالادغال (2) فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعلم والسياسة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام. فإنهم أكرم أخلاقا وأصح أعراضا وأقل في المطامع إشرافا وأبلغ في عواقب الامور نظرا من غيرهم فليكونوا أعوانك على ما تقلدت. ثم أسبغ عليهم في العمالات ووسع عليهم في الارزاق فإن في ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك (3) ثم تفقد إعمالهم وابعث العيون عليهم من أهل الصدق والوفاء، فإن تعهدك في السر أمورهم حدوة لهم (4) على استعمال الامانة والرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة فوسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة. وتفقد ما يصلح أهل الخراج (5) فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، فليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج فإن الجلب لا يدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم له أمره إلا قليلا، فاجمع إليك أهل الخراج من كل بلدانك ومرهم فليعلموك حال بلادهم وما


(1) " محاباة " أي اختصاصا وميلا. والاثرة - بالتحريك -: اختصاص المرء نفسه بأحسن الشئ دون غيره ويعمل كيف يشاء، يعنى استعمل عمالك بالاختبار والامتحان لا اختصاصا واستبدادا. (2) الادغال: الافساد وإدخال في الامر بما يخالفه ويفسده. (3) نقصوا وخانوا في أدائها وأحدثوا فيها. (4) الحدوة: السوق والحث. (5) في النهج [ وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله ]. (*)

[ 138 ]

فيه صلاحهم ورخاء جبايتهم (1) ثم سل عما يرفع إليك أهل العلم به من غيرهم، فان كانوا شكوا ثقلا (2) أو علة من انقطاع شرب أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بهم العطش أو آفة خففت عنهم ما ترجو أن يصلح الله به أمرهم. وإن سألوا معونة على إصلاح ما يقدرون عليه بأموالهم فاكفهم مؤونته، فإن في عاقبة كفايتك إياهم صلاحا. فلا يثقلن عليك شئ خففت به عنهم المؤونات، فإنه ذخر يعودون به عليك لعمارة بلادك وتزيين ولايتك مع إقتنائك مودتهم وحسن نياتهم (3) واستفاضة الخير وما يسهل الله به من جلبهم (4)، فإن الخراج لا يستخرج بالكد والاتعاب مع أنها عقد تعتمد عليها إن حدث حدث كنت عليهم معتمدا لفضل قوتهم بما ذخرت عنهم من الجمام (5) و الثقة منهم بما عودتهم من عدلك ورفقك ومعرفتهم بعذرك فيما حدث من الامر الذي اتكلت به عليهم فاحتملوه بطيب أنفسهم، فإن العمران (6) محتمل ما حملته وإنما يؤتى خراب الارض لاعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لاسراف الولاة (7) وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر. فاعمل فيما وليت عمل من يحب أن يدخر حسن الثناء من الرعية والمثوبة من الله والرضا من الامام. ولا قوة إلا بالله. ثم انظر في حال كتابك فاعرف حال كل امرئ منهم فيما يحتاج إليه منهم، فاجعل لهم منازل ورتبا، فول على امورك خيرهم واخصص رسائلك التي تدخل فيها


(1) الجباية: الخراج. (2) أي من الخراج أو علة اخرى كانقطاع الشرب (بالكسر أي النصيب من الماء) أو إحالة أرض يعنى تغييرها عما كانت عليه من الاستواء لاجل الاغتمار أي الانغماس في الماء بالغرق فلم ينجب زرعها ولا أثمر نخلها. وقوله: " أو أجحف بهم " أي ذهب بمادة الغذاء من الارض فلم تنبت. (3) في بعض النسخ [ نيتهم ]. وفى النهج [ مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم معتمدا فضل قوتهم بما ذخرت عندهم ]. (4) في بعض النسخ [ حليهم ]. (5) في بعض النسخ [ الجمام ] وفى النهج [ من اجمامك ] والجمام: الراحة. (6) فان العمران ما دام قائما فكل ما حملت أهله سهل عليهم أن يحملوه. والاعواز: الفقر والحاجة. (7) في النهج [ لاشراف أنفس الولاة على الجمع ]. أي لتطلع أنفسهم إلى جمع المال. (*)

[ 139 ]

مكيدتك وأسرارك بأجمعهم (1) لوجوه صالح الادب ممن يصلح للمناظرة في جلائل الامور من ذوي الرأي والنصيحة والذهن، أطواهم عنك لمكنون الاسرار كشحا ممن لا تبطره الكرامة ولا تمحق به الدالة فيجترئ بها عليك في خلاء أو يلتمس إظهارها في ملاء، ولا تقصر به الغفلة (2) عن إيراد كتب الاطراف عليك وإصدار جواباتك على الصواب عنك وفيما يأخذ ويعطي منك ولا يضعف عقدا اعتقده لك ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل. وول ما دون ذلك من رسائلك وجماعات كتب خرجك ودواوين جنودك قوما تجتهد نفسك في إختيارهم، فإنها رؤوس أمرك أجمعها لنفعك وأعمها لنفع رعيتك. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك (3) وحسن الظن بهم، فإن الرجال يعرفون فراسات الولاة بتصنعهم وخدمتهم (4) وليس وراء ذلك من النصيحة والامانة. ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا وأعرفهم فيها بالنبل والامانة (5)، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره. ثم مرهم بحسن الولاية ولين الكلمة واجعل لرأس كل أمر من امورك رأسا منهم، لا يقهره كبيرها (6) ولا يتشتت عليه كثيرها، ثم تفقد ما غاب عنك من حالاتهم وامور


(1) باجمعهم متعلق باخصص، أي ما يكون من رسائلك حاويا لشئ من المكائد والاسرار فاخصصه بمن كان ذا أخلاق وصلاح ورأى ونصيحة وذهن وغير ذلك من الاوصاف المذكورة. وطوى الحديث: كتمه. وطوى كحشا عنه أي أعرض عنه وقاطعه. وبطر الرجل يبطر بطرا - محركة - إذا دهش وتحير في الحق. وبالامر ثقل به. وبطره النعمة: أدهشه. والدالة: الجرأة. (2) أي ولا تكون غفلته موجبة لتقصيره في اطلاعك على ما يرد من أعمالك ولا في اصدار الاجوبة عنه على وجه الصواب. (3) الفراسة - بالكسر -: حسن النظر في الامور والاستنامة: السكون والاستيناس، أي لا يكون انتخاب الكتاب تابعا لميلك الخاص. (4) وفى النهج [ بتصنعهم وحسن خدمتهم ]. (5) النبل - بالضم -: الذكاء و: النجابة والفضل. (6) أي لا يقهره عظيم تلك الاعمال ولا يخرج عن ضبطه كثيرها. (*)

[ 140 ]

من يرد عليك رسله وذوي الحاجة وكيف ولايتهم وقبولهم وليهم وحجتهم (1) فإن التبرم والعز والنخوة من كثير من الكتاب إلا من عصم الله وليس للناس بد من طلب حاجاتهم ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه الزمته (2) أو فضل نسب إليك مع مالك عند الله في ذلك من حسن الثواب. ثم التجار وذوي الصناعات فاستوص وأوص بهم خيرا: المقيم منهم والمضطرب بماله (3) والمترفق بيده فانهم مواد للمنافع وجلابها في البلاد في برك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها (4) ولا يجترئون عليها من بلاد أعدائك من أهل الصناعات التي أجرى الله الرفق منها على أيديهم فاحفظ حرمتهم وآمن سلبهم وخذلهم بحقوقهم فإنهم سلم لا تخاف بائقته (5) وصلح لا تحذر غائلته، أحب الامور إليهم أجمعها للامن وأجمعها للسلطان، فتفقد امورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك. واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا (6) وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عنه. وليكن البيع والشراء بيعا سمحا (7) بموازين عدل وأسعار لا


(1) في بعض النسخ [ وقبولهم ولينهم وحجتهم ]. والتبرم: التضجر. (2) تغابيت أي تغافلت عن عيب في كتابك يكون ذلك العيب لاصقا بك. (3) المضطرب بماله: المتردد بأمواله في الاطرف والبلدان. والمترفق بيده: المكتسب به وأصله ما به يتم الانتفاع كالادوات. والجلاب: الذى يجلب الارزاق والمتاع إلى البلدان. (4) يلتئم: يجتمع وينضم أي بحيث لا يمكن اجتماع الناس في مواضع تلك المرافق. و لا يجترئون أي ولا يكون لهم الجرأة على الاقدام من تلك الامكنة من بلاد الاعداء. والرفق - بالفتح النفع. (5) البائقه: الداهية والشر. والغائلة: الفتنة والفساد والشر. أي فان التجار والصناع مسالمون ولا تخشى منهم فتنة ولا داهية. (6) الضيق: عسر المعاملة. البياعات: جمع بياعة: ما يباع. (7) السمحة: السهلة التى لا ضيق فيها وبيع السماح: ما كان فيه تساهل في بخس الثمن وفى الخبر " السماح رباح " أي المساهلة في الاشياء تربح صاحبها. (*)

[ 141 ]

تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع (1)، فمن قارف حكرة بعد نهيك فنكل وعاقب في غير إسراف. فإن رسول الله صلى الله عليه وآله فعل ذلك. ثم ألله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وذوي البؤس، والزمنى (2)، فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا (3) فاحفظ الله ما استحفظك من حقه فيها واجعل لهم قسما من غلات صوافي الاسلام (4) في كل بلد، فإن للاقصى منهم مثل الذي للادنى. وكلا قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم نظر (5)، فإنك لا تعذر بتضييع الصغير لاحكامك الكثير المهم (6)، فلا تشخص همك عنهم. ولا تصعر خدك لهم وتواضع لله يرفعك الله واخفض جناحك للضعفاء واربهم (7) إلى ذلك منك حاجة وتفقد من امورهم ما لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون (8) وتحقره الرجال، ففرغ لاولئك ثقتك (9) من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك امورهم، ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله يوم تلقاه، فإن هؤلاء أحوج إلى الانصاف من غيرهم وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم والزمانة والرقة في السن ممن لا


(1) المبتاع: المتشرى. وقارف: قارب وخالط. والحكرة - بالضم -: اسم من الاحتكار. (2) البؤس - بضم الباء - وفى النهج [ البؤسى ] - كصغرى -: شدة الفقر. والزمنى - بالفتح جمع زمن - ككتف -: المصاب بالزمانة - بالفتح - وهى العاهة وتعطيل القوى وعدم بعض الاعضاء. (3) القانع - من قنع بالكسر كعلم -: إذا رضى بما معه وما قسم له. ومن قنع بالفتح كمنع إذا سأل وخضع. المعتر - بتشديد الراء -: المتعرض للعطاء من غير أن يسأل. (4) الصوافى: جمع صافية: الارض التى جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لهم. وصوافى الاسلام هي ارض الغنيمة. وغلات: جمع غلة وهى الدخل الذى يحصل من الزرع. والتمر واللبن والاجارة والبناء ونحو ذلك وغلات صوافي الاسلام: ثمراتها. (5) في النهج [ بطر ]. (6) في بعض النسخ [ الكبير المهم ]. " فلا تشخص " أي لا تصرف إهتمامك عن ملاحظة شؤونهم. والصعر: الميل في الخد إعجابا وكبرا أي لا تعرض بوجهك عنهم. (7) كذا. وفى نسخة [ ارئهم ]. (8) تقتحمه العيون: تكره أن تنظر إليه احتقارا. (9) " ففرغ " أي فاجعل للتفحص عنهم وعن حالهم اشخاصا ممن تثق بهم يتفرغون أنفسهم لمعرفة أحوالهم ويبذلون جهدهم فيهم. (*)

[ 142 ]

حيلة له. ولا ينصب للمسألة نفسه فاجر لهم أرزاقا فإنهم عباد الله فتقرب إلى الله بتخلصهم ووضعهم مواضعهم في أقواتهم وحقوقهم، فإن الاعمال تخلص بصدق النيات. ثم إنه لا تسكن نفوس الناس أو بعضهم إلى أنك قد قضيت حقوقهم بظهر الغيب دون مشافهتك بالحاجات (1) وذلك على الولاة ثقيل. والحق كله ثقيل. وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة (2) فصبروا نفوسهم ووثقوا بصدق موعود الله لمن صبر واحتسب فكن منهم واستعن بالله. واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك وذهنك من كل شغل، ثم تأذن لهم عليك وتجلس لهم مجلسا تتواضع فيه لله الذي رفعك. وتقعد عنهم جندك وأعوانك (3) من أحراسك وشرطك تخفض لهم في مجلسك ذلك جناحك وتلين لهم كنفك (4) في مراجعتك ووجهك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع (5)، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غير موطن: " لن تقدس امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع ". ثم احتمل الخرق منهم والعي (6) ونح عنك الضيق والانف (7) يبسط الله عليك أكناف رحمته (8) و


(1) المشافهة: المخاطبة بالشفه أي من فيه إلى فيه والمراد حضورهم. (2) في بعض النسخ [ العافية ]. (3) تأمر بآن يقعد عنهم ولا يتعرض لهم. والاحراس: جمع حارس وهو من يحرس الحاكم من وصول المكروه إليه. أي أعوان الحاكم. والشرط - بضم ففتح -: جمع شرطة - بضم فسكون - وهم طائفة من أعوان الولاة وسموا بذلك لانهم اعلموا أنفسهم بالعلامات يعرفون بها. وهم المعروفون الان بالضابطة. (4) الكنف - بالتحريك - الجانب، الظل. (5) التعتعة في الكلام: التردد فيه من عى أو عجز والمراد غير خائف منك ومن أعوانك وفى النهج [ غير متتعتع ] في الموضعين ولعله أصح. (6) الخرق - بالضم -: العنف. والعى - بالكسر -: العجز عن النطق أي اطق واصبر، لا تضجر من هذا ولا تغضب لذاك. (7) المراد بالضيق: ضيق الصدر من هم أو سوء خلق. والانف - بالتحريك -: الاستكبار والترفع. أي بعد عن نفسك هذا وذاك. (8) الاكناف: الاطراف. (*)

[ 143 ]

يوجب لك ثواب أهل طاعته، فأعط ما أعطيت هنيئا (1) وامنع في إجمال وإعذار و تواضع هناك فإن الله يحب المتواضعين. وليكن أكرم أعوانك عليك الينهم جانبا و أحسنهم مراجعة وألطفهم بالضعفاء، إن شاء الله. ثم إن امورا من امورك لابد لك من مباشرتها، منها إجابة عمالك ما يعيى عنه (2) كتابك. ومنها إصدار حاجات الناس في قصصهم. ومنها معرفة ما يصل إلى الكتاب والخزان مما تحت أيديهم، فلا تتوان فيما هنالك ولا تغتنم تأخيره واجعل لكل أمر منها من يناظر فيه ولاته بتفريغ لقلبك وهمك، فكلما أمضيت أمرا فأمضه بعد التروية (3) ومراجعة نفسك ومشاورة ولي ذلك، بغير احتشام ولا رأي (4) يكسب به عليك نقيضه. ثم أمض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه. واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الاقسام (5) وإن كانت كلها لله إذا صحت فيها النية (6) و سلمت منها الرعية. وليكن في خاص ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ما يجب، فإن الله جعل النافلة لنبيه خاصة دون خلقه فقال: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (7) "، فذلك أمر اختص الله به نبيه وأكرمه به ليس لاحد سواه وهو لمن سواه تطوع فإنه يقول: " ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (8) " فوفر ما تقربت به إلى الله وكرمه وأد فرائضه إلى الله كاملا غير مثلوب ولا منقوص (9) بالغا ذلك من


(1) هنيئا: سهلا لينا أي لا تخشنه وإذا منعت فامنع بلطف وعذر. (2) أي يعجز عنه. (3) التروية: النظر في الامر والتفكر فيه. (4) الاحتشام من الحشمة - بالكسر -: الاستحياء والانقباض والغضب. (5) أجزل: أعظم. (6) في النهج [ إذا صلحت ]. (7) سورة الاسراء آية 81. (8) سورة البقرة آية 153. وفى النهج [ ووف ما تقربت ]. (9) المثلوب: المعيوب. وفى النهج [ المثلوم ] أي المخدوش. وبالغا أي وإن بلغ من اتعاب بدنك أي مبلغ. (*)

[ 144 ]

بدنك ما بلغ. فإذا قمت في صلاتك بالناس فلا تطولن ولا تكونن منفرا ولا مضيعا (1) فإن في الناس من به العلة وله الحاجة. وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله حين وجهني إلى اليمن: كيف نصلي بهم ؟ فقال: " صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما. وبعد هذا (2) فلا تطولن احتجابك عن رعيتك. فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالامور. والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل (3) وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور وليست على القول سمات (4) يعرف بها الصدق من الكذب، فتحصن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب (5) فإنما أنت أحد رجلين: إما امرء سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك ؟ من واجب حق تعطيه ؟ أو خلق كريم تسديه ؟، وإما مبتلى بالمنع فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك مالا مؤونة عليك فيه من شكاية مظلمة أو طلب إنصاف. فانتفع بما وصفت لك واقتصر فيه على حظك ورشدك إن شاء الله. ثم إن للملوك خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف (6) فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الاشياء، ولا تقطعن لاحد من حشمك ولا حامتك قطيعة (7) ولا تعتمدن في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك


(1) أي بالتطويل والتنقيص. والمطلوب المتوسط. (2) وفى النهج [ وأما بعد ]. (3) يشاب: يخلط. (4) سمات: جمع سمة - بكسر السين -: العلامة. وفى النهج [ وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب ]. (5) الادخال في الحقوق: الافساد فيها. ومن المحتمل " الادغال في الحقوق ". (6) الاستئثار: تقديم النفس على الغير. والتطاول: الترفع والتكبر. (7) الحسم: القطع. والحشم - محركة -: الخدم. وفى النهج [ حاشيتك ]. والحامة: الخاصة والقطيعة - من الاقطاع -: المنحة من الارض (*)

[ 145 ]

يحملون مؤونتهم على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة (1). عليك بالعدل في حكمك إذا انتهت الامور إليك وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابرا محتسبا، وافعل ذلك بقرابتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليه منه (2). فإن مغبة ذلك محمودة. وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك (3) واعدل عنك ظنونهم بإصحارك فإن في تلك رياضة منك لنفسك ورفقا منك برعيتك وإعذارا تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق في خفض وإجمال (4). لا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك فيه رضى (5) فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمنا لبلادك. ولكن الحذر كل الحذر من مقاربة عدوك في طلب الصلح (6) فإن العدو ربما قارب ليتغفل فخذ بالحزم وتحصن كل مخوف تؤتى منه. وبالله الثقة في جميع الامور. وإن لجت بينك (7) وبين عدوك قضية عقدت له بها صلحا أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالامانة واجعل نفسك جنة دونه (8). فإنه ليس شئ من فرائض الله جل وعز الناس أشد عليه


(1) العقدة: الولاية على البلد، وما يمسك الشئ ويوثقه، وموضع العقد وهو ما عقد عليه والضيعة، والعقار الذى اعتقده صاحبه ملكا، والبيعة المعقودة لهم، والمكان الكثير الشجر أو النخل والكلاء الكافي للابل. وفى النهج هكذا [ ولا تقطعن لاحد من حاشيتك وحامتك قطيعة ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس ]. والمهنأ: ما يأتيك بلا مشقة والمنفعة الهنيئة. (2) في النهج [ واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه ]. والمغبة: العاقبة. (3) الحيف: الظلم. والاصحار: الابراز والاظهار. أي إذا فعلت فعلا وظنت الرعية أنه ظلم فأبرز لهم عذرك وبينه. وعدل عنه: نحاه عنه. (4) الخفض: السكون والدعة. (5) في النهج [ ولله فيه رضى ]. (6) في النهج [ ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه ]. (7) اللجاج: العناد والخصومة. لج في الامر: لازمه وأبى أن ينصرف عنه. (8) أي دون ما أعطيت، كما في النهج. (*)

[ 146 ]

اجتماعا في تفريق أهوائهم وتشتيت أديانهم من تعظيم الوفاء بالعهود (1). وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا (2) من الغدر والختر فلا تغدرن بذمتك ولا تخفر بعهدك (3) ولا تختلن عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل. وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته (4) وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون به إلى جواره، فلا خداع ولا مدالسة ولا إدغال فيه (5). فلا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله على طلب انفساخه فإن صبرك على ضيق ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته (6) وأن تحيط بك من الله طلبة ولا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك. وإياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى لزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير الحق. والله مبتدئ بالحكم بين العباد فيما يتسافكون من الدماء. فلا تصونن سلطانك (7) بسفك دم حرام، فإن ذلك يخلقه ويزيله، فإياك والتعرض لسخط الله فإن الله قد جعل لولي من قتل مظلوما سلطانا قال الله: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (8) "


(1) الناس مبتدأ وخبره أشد والجملة خبر ليس، يعنى إن الناس مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم لم يجتمعوا على فريضة أشد إهتماما من اجتماعهم على تعظيم الوفاء بالعهود حتى أن المشركين التزموا به مع أنهم ليسوا من المسلمين. (2) استوبلوا: استوخموا من عواقب الغدر والخطر. (3) فلا تخفر أي فلا تنقض بعهدك وفى النهج [ ولا تخيسن ] من خاس بعهده أي خانه ونقضه. (4) الافضاء أصله الاتساع وهنا مجاز ويراد به الافشاء والانتشار. والحريم: ما حرم أن يمس. والمنعة: القوة التي تمنع من يريد باحد سوءا. (5) المدالسة: الخيانة. والادغال: الافساد. (6) التبعة: ما يترتب على الفعل من الخير أو الشر واستعماله في الشر أكثر. و " أن تحيط " عطف على تبعة والطلبة اسم من المطالبة أي وتخاف أن تتوجه عليك من الله مطالبة بحقه في الوفاء الذى غدرته ولا يمكن أن تسأل الله أن يقيلك من هذه المطالبة بعفوه عنك. (7) في النهج [ ولا تقوين سلطانك ]. (8) سورة الاسرى آية 33. (*)

[ 147 ]

ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لان فيه قود البدن (1). فإن ابتليت بخطأ وأفرط عليه سوطك أو يدك لعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أهل المقتول حقهم دية مسلمة يتقرب بها إلى الله زلفى (2). إياك والاعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء (3)، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسن. إياك والمن على رعيتك بإحسان أو التزيد فيما كان من فعلك (4) أو تعدهم فتتبع موعدك بخلفك أو التسرع إلى الرعية بلسانك (5)، فإن المن يبطل الاحسان (6). والخلف يوجب المقت. وقد قال الله جل ثناؤه: " كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون (7) ". إياك والعجلة بالامور قبل أوانها والتساقط فيها (8) عند زمانها واللجاجة فيها إذا تنكرت (9) والوهن فيها إذا أوضحت، فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه. وإياك والاستئثار بما للناس فيه الاسوة والاعتراض فيما يعنيك والتغابي


(1) القود - بالتحريك -: القصاص. (2) " أفرط عليه " عجل بما لم يكن يريده أي أردت تأديبا فاعقب قتلا. والوكزة: الضربة بجمع الكف. وهى تعليل: " لقوله وفرط عليه ". قوله: " فلا تطمحن " جواب الشرط أي لا يرتفعن بك كبرياء السلطان عن تأدية الدية إلى أهل المقتول في القتل الخطاء. (3) الطراء: المبالغة في المدح والثناء. الفرص: جمع الفرصة - بالضم -: الوقت المناسب للوصول إلى المقصد. (4) التزيد - كالتقيد -: إظهار الزيادة وتكلفها في الاعمال عن الواقع منها. (5) التسرع: المبادرة والتعجيل. (6) في النهج بعد هذه العبارة [ والتزيد يذهب بنور الحق ]. والمقت: السخط والبغض. (7) سورة الصف آية 4. (8) التساقط: تتابع السقوط والمراد به هنا التهاون وقيل: من ساقط الفرس إذا جاء مسترخيا وفى النهج [ التسقط فيها عند إمكانها والوهن عنها إذا استوضحت ]. (9) أي لم يعرف وجه الصواب فيها. والوهن. الضعف. (*)

[ 148 ]

عما يعنى به (1) مما قد وضح لعيون الناظرين، فإنه مأخوذ منك لغيرك. وعما قليل تكشف عنك أغطية الامور ويبرز الجبار بعظمته فينتصف المظلومون من الظالمين، ثم املك حمية أنفك (2) وسورة حدتك وسطوة يدك وغرب لسانك. واحترس كل ذلك بكف البادرة (3) وتأخير السطوة وارفع بصرك إلى السماء عندما يحضرك منه حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد (4). ثم اعلم أنه قد جمع ما في هذا العهد من صنوف ما لم آلك فيه رشدا إن أحب الله إرشادك وتوفيقك أن تتذكر ما كان من كل ما شاهدت منا فتكون ولايتك هذه من حكومة عادلة أو سنة فاضلة أو أثر عن نبيك صلى الله عليه وآله أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به منها. وتجتهد نفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي واستوثقت من الحجة لنفسي لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها. فليس يعصم من السوء ولا يوفق للخير إلا الله جل ثناؤه. وقد كان مما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في وصايته تحضيضا على الصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم. فبذلك أختم لك ما عهدت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأنا أسأل الله سعة رحمته وعظيم مواهبه وقدرته على إعطاء كل رغبة (5) أن يوفقني وإياك لما في رضاه من الاقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه (6)، مع حسن الثناء


(1) التغابى: التغافل عما يهتم به و " يعنى " بصيغة المفعول. (2) الحمية: الانفة والنخونة وفلان حمى الانف: إذا كان أبيا بأنف الضيم. والسورة - بفتح فسكون -: السطوة. والحدة - بالكسر - من الانسان: بأسه وما يعتريه من الغضب. والغرب: الحدة والنشاط وأيضا بمعنى الحد. (3) البادرة: الحدة أو ما يبدر من اللسان عند الغضب من السب ونحوه. (4) في النهج [ بذكر المعاد إلى ربك ]. (5) أي إعطاء كل سائل ما سأله. كانه قال: القادر على إعطاء كل سؤال. (6) المراد من العذر الحجة الواضحة العادلة، يعنى فانه حجة لك عند من قضيت عليه وعذر عند الله فيمن أجريت عليه عقوبة أو حرمته من منفعة. (*)

[ 149 ]

في العباد وحسن الاثر في البلاد وتمام النعمة وتضعيف الكرامة (1) وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة وإنا إليه راغبون والسلام على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم كثيرا. * (خطبته عليه السلام المعروفة بالديباج) * الحمد لله فاطر الخلق وخالق الاصباح ومنشر الموتى وباعث من في القبور و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله. عباد الله ! إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله جل ذكره الايمان بالله و برسله وما جاءت به من عند الله والجهاد في سبيله، فإنه ذروة الاسلام (2) وكلمة الاخلاص، فإنها الفطرة. وإقامة الصلاة. فإنها الملة. وإيتاء الزكاة، فإنها فريضة. وصوم شهر رمضان فإنه جنة حصينة. وحج البيت والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر ويكفران الذنب ويوجبان الجنة. وصلة الرحم، فإنها ثروة في المال (3) و منسأة في الاجل وتكثير للعدد. والصدقة في السر فإنها تكفر الخطأ وتطفئ غضب الرب تبارك وتعالى. والصدقة في العلانية، فإنها تدفع ميتة السوء. وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع السوء. وأفيضوا في ذكر الله جل ذكره (4) فإنه أحسن الذكر وهو أمان من النفاق وبراءة من النار وتذكير لصاحبه عند كل خير يقسمه الله جل وعز وله دوي تحت العرش (5). وارغبوا فيما وعد المتقون، فإن وعد الله أصدق الوعد وكل ما وعد فهو


(1) أي زيادة الكرامة أضعافا. (2) الذروة - بالكسر والصم -: من كل شئ أعلاه. (3) الثروة: الكثرة. وفى النهج [ مثراة ]. المنسأة - من النساء -: التأخير. (4) أفيضوا: أسرعوا واندفعوا. (5) الدوى: الصوت. (*)

[ 150 ]

آت كما وعد، فاقتدوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وآله (1) فإنه أفضل الهدي واستنوا بسنته. فإنها أشرف السنن. وتعلموا كتاب الله تبارك وتعالى، فإنه أحسن الحديث وأبلغ الموعظة، وتفقهوا فيه، فإنه ربيع القلوب واستشفوا بنوره فإنه شفاء لما في الصدور وأحسنوا تلاوته، فإنه أحسن القصص، " وإذا قرئ عليكم القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون (2) " وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم منه لعلكم تفلحون. فاعلموا عباد الله ! أن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله (3) بل الحجة عليه أعظم وهو عند الله ألوم، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه مثل ما على هذا الجاهل المتحير في جهله وكلاهما حائر بائر مضل مفتون متبور ما هم فيه (4) وباطل ما كانوا يعملون. عباد الله ! لا ترتابوا فتشكوا. ولا تشكوا فتكفروا. ولا تكفروا فتندموا ولا ترخصوا لانفسكم فتدهنوا، وتذهب بكم الرخص مذاهب الظلمة فتهلكوا. ولا تداهنوا في الحق إذا ورد عليكم وعرفتموه فتخسروا خسرانا مبينا. عباد الله ! إن من الحزم أن تتقوا الله. وإن من العصمة ألا تغتروا بالله. عباد الله ! إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه وأغشهم لنفسه أعصاهم له. عباد الله ! إنه من يطع الله يأمن ويستبشر ومن يعصه يخب ويندم ولا يسلم. عباد الله ! سلوا الله اليقين، فإن اليقين رأس الدين وارغبوا إليه في العافية، فإن أعظم النعمة العافية، فاغتنموها للدنيا والآخرة وارغبوا إليه في التوفيق، فإنه اس


(1) الهدى - بالفتح -: الطريقة والسيرة. (2) سورة الاعراف آية 203. (3) أي كالجاهل المتحير الذى لا يفيق من جهله. (4) البائر: الفاسد، الهالك، الذى لا خير فيه وفى المثل " حائر بائر " أي لا يطيع مرشدا ولا يتجه لشئ: والمبتور: المقطوع. (5) لا ترخصوا أي لا تجعلوه رخيصا والرخصة - بالضم -: التسهيل والتخفيف. والادهان: المصانعة كالمداهنة أي المساهلة. (*)

[ 151 ]

وثيق (1) واعلموا أن خير ما لزم القلب اليقين وأحسن اليقين التقى وأفضل امور الحق عزائمها وشرها محدثاتها. وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. وبالبدع هدم السنن. المغبون من غبن دينه والمغبوط من سلم له دينه وحسن يقينه. والسعيد من وعظ بغيره والشقي من انخدع لهواه. عباد الله ! اعلموا أن يسير الياء شرك. وأن إخلاص العمل اليقين. والهوى يقود إلى النار. ومجالسة أهل اللهو ينسي القرآن ويحضر الشيطان. والنسيئ زيادة في الكفر (2) وأعمال العصاة تدعو إلى سخط الرحمن. وسخط الرحمن يدعو إلى النار. ومحادثة النساء تدعو إلى البلاء وتزيغ القلوب. والرمق لهن يخطف نور ابصار القلوب (3) ولمح العيون مصائد الشيطان. ومجالسة السلطان يهيج النيران. عباد الله ! اصدقوا، فإن الله مع الصادقين. وجانبوا الكذب، فإنه مجانب للايمان وإن الصادق على شرف منجاة وكرامة (4). والكاذب على شفا مهواة وهلكة. وقولوا الحق تعرفوا به. واعملوا به تكونوا من أهله. وأدوا الامانة إلى من ائتمنكم عليها. وصلوا أرحام من قطعكم. وعودوا بالفضل على من حرمكم. وإذا عاقدتم فأوفوا. وإذا حكمتم فاعدلوا. وإذا ظلمتم فاصبروا. وإذا اسيئ إليكم فاعفوا واصفحوا كما تحبون أن يعفى عنكم. ولا تفاخروا بالآباء " ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان " ولا تمازحوا ولا تغاضبوا ولا تباذخوا (5) ولا يغتب بعضكم بعضا " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا (6) " ولا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الايمان


(1) الاس - بالتثليث -: الاساس. (2) قد مضى بيان ما فيه في الصفحة 32. (3) والرمق: طول النظر إلى الشئ وفعله من باب قتل واللمحة - بالفتح -: النظرة بالعجلة والنظرة الخفيفة أي ونظر العيون إليهن بنظر خفيف من حبائل الشيطان ومكائده. (4) شرف - بالتحريك -: العلو والمكان العالي. والمنجاة - بالفتح -: الباعث على النجاة ويقال: الصدق منجاة أي منج. وشفا كل شئ طرفه وجانبه والهواة: ما بين الجبلين ونحوه. (5) التمازح: التداعب والتلاعب. والتباذخ: التفاخر. (6) سورة الحجرات آية 12. (*)

[ 152 ]

كما تأكل النار الحطب ولا تباغضوا فإنها الحالقة (1) وأفشوا السلام في العالم وردوا التحية على أهلها بأحسن منها. وارحموا الارملة (2) واليتيم وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب والمكاتب والمساكين وانصروا المظلوم وأعطوا الفروض وجاهدوا أنفسكم في الله حق جهاده. فإنه شديد العقاب وجاهدوا في سبيل الله. واقروا الضيف (3). وأحسنوا الوضوء وحافظوا على الصلوات الخمس في أوقاتها فإنها من الله جل وعز بمكان، " ومن تطوع خيرا [ فهو خير له ] فإن الله شاكر عليم (4) ". " تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان (5) ". و " اتقو الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (6) ". واعلموا عباد الله ! أن الامل يذهب العقل ويكذب الوعد ويحث على الغفلة ويورث الحسرة فاكذبوا الامل فإنه غرور وإن صاحبه مأزور (7). فاعملوا في الرغبة والرهبة فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا واجمعوا معها رغبة فإن الله قد تأذن للمسلمين بالحسنى (8) ولمن شكر بالزيادة فإني لم أر مثل الجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها ولا أكثر مكتسبا ممن كسبه. اليوم تذخر فيه الذخائر وتبلى فيه السرائر. وإن من لا ينفعه الحق يضره الباطل. ومن لا يستقيم به الهدى تضره الضلالة (9). ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك. وإنكم قد امرتم بالظعن (10) ودللتم على الزاد


(1) الحالقة: الخصلة السيئة التى تحلق أي تهلك كل خصلة حسنة. (2) الارملة: الضعفاء. ويطلق أيضا على المسكين ومن لا أهل له ومن ماتت زوجها. (3) قرى الضيف. أضافه. (4) سورة البقرة آية 153. وقوله: " تطوع " أي تبرع. (5) سورة المائدة آية 5. (6) سورة آل عمران آية 97. (7) المأزور: الآثم - من وزر - وقياسه موزور. (8) الحسنى: العاقبة الحسنة. (9) لانه ليس بين الهدى والضلالة شئ فان وراء الهدى ضلال كله. وفى النهج [ ومن لم يستقم به الهدى يجر به الضلال إلى الردى ]. (10) الظعن: الرحيل والامر تكويني والمراد بالزاد عمل الصالحات وترك السيئات. (*)

[ 153 ]

ألا إن أخوف ما أتخوف عليكم إثنان طول الامل واتباع الهوى. ألا وإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بانقلاع (1) ألا وإن الآخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع. ألا وإن المضمار اليوم (2) والسباق غدا. ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار. ألا وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل (2) يحثه [ ال‍ ] - عجل. فمن أخلص لله عمله في أيامه قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضره أجله ومن لم يعمل في أيام مهله ضره أجله ولم ينفعه عمله. عباد الله ! افزعوا إلى قوام دينكم (3) بإقام الصلاة لوقتها. وإيتاء الزكاة في حينها والتضرع والخشوع. وصلة الرحم. وخوف المعاد. وإعطاء السائل. وإكرام الضعفة [ والضعيف ] (4) وتعلم القرآن والعمل به. وصدق الحديث. والوفاء بالعهد. وأداء الامانة إذا ائتمنتم. وارغبوا في ثواب الله وارهبوا عذابه. وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. وتزودوا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم. واعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز بالخير من قدم الخير. أقول قولي واستغفر الله لي ولكم.


(1) آذنت أي أعلمت، وإعلامها هو ما أودع في طبيعتها من التقلب والتحول. ومن نظر إليها تحصل له اليقين بفنائها. والاطلاع من اطلع على فلان أي أشرف وأتاه ويفهم منه الاتيان بفجأة. وفى النهج كذا [ قد آذنت بوداع والآخرة قد أشرفت باطلاع ألا وان اليوم المضمار وغدا السباق ]. والمضمار: الموضع الذى تضمر فيه الخيل. وتضميره أن تربط ويكثر علفها وماؤها حتى تسمن ثم يقلل علفها وماؤها وتجرى في الميدان حتى تهزل وذلك في مدة اربعين يوما و هذه المدة أيضا تسمى المضمار. والسباق: المسابقة وإجراء الخيل في مضمار فتسابق فيه. والسبقة - بفتح فسكون -: المرة من السبق - وبفتحتين -: الغاية المحبوبة التى يحب السابق أن يصل إليها. و - بضم فسكون -: ما يتراهن عليه المتسابقون وهذا الكلام على سبيل الاستعارة أي العمل في الدنيا للاستباق في الآخرة. (2) المهل - بالفتح -: المهلة. وايضا: الرفق. وفى النهج [ أمل ]. أي الامل في البقاء واستمرار الحياة. (3) الافزاع: الاخافة، الاغاثة وازالة الفزع (ضد). (4) في بعض النسخ [ الضعيفة والضعيف ]. (*)

[ 154 ]

* (ومن حكمه صلوات الله عليه) * وترغيبه وترهيبه ووعظه أما بعد فإن المكر والخديعة في النار فكونوا من الله على وجل ومن صولته على حذر (1). إن الله لا يرضى لعباده بعد إعذاره وإنذاره واستطرادا واستدراجا من حيث لا يعلمون (2) ولهذا يضل سعى العبد حتى ينسى الوفاء بالعهد ويظن أنه قد أحسن صنعا ولا يزال كذلك في ظن ورجاء وغفلة عما جاءه من النبأ يعقد على نفسه العقد ويهلكها بكل جهد وهو في مهلة من الله على عهد، يهوي مع الغافلين ويغدو مع المذنبين ويجادل في طاعة الله المؤمنين ويستحسن تمويه المترفين (3) فهؤلاء قوم شرحت قلوبهم بالشبهة وتطاولوا على غيرهم بالفرية (4) وحسبوا أنها لله قربة وذلك لانهم عملوا بالهوى وغيروا كلام الحكماء وحرفوه بجهل وعمى وطلبوا به السمعة و الرياء (5)، بلا سبل قاصدة ولا أعلام جارية ولا منار معلوم إلى أمدهم وإلى منهل هم واردوه (6) حتى إذا كشف الله لهم عن ثواب سياستهم (7) واستخرجهم من جلابيب


(1) الصولة: السطوة والقدرة. (2) الاستدراج: الارتقاء من درجة إلى درجة. وأيضا: الخدعة. واستدراج الله للعبد انه كلما جدد خطيئة جدد له نعمة وأنساه الاستغفار فيأخذه قليلا قليلا. قال الله تعالى " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ". (3) التمويه: التلبيس والممزوج من الحق والباطل. والمترف: المتنعم والذى يترك و يصنع ما يشاء ولا يمنع. (4) تطاول عليه: اعتدى وترفع عليه. والفرية - بالكسر -: القذف والكذبة العظيمة التى يتعجب منها. (5) السمعة - بالضم -: ما يسمع، يقال " فعله رئاء وسمعة " أي ليراه الناس ويسمعوه. (6) المنار - بالفتح -: ما يجعل في الطريق للاهتداء. والمنهل: المورد وموضع الشرب على الطريق ويسمى أيضا المنزل الذى في المفاوز على طريق المسافر لان فيه ماء. (7) في بعض النسخ [ عن جزاء معصيتهم ]. (*)

[ 155 ]

غفلتهم، استقبلوا مدبرا واستدبروا مقبلا، فلم ينتفعوا بما أدركوا من أمنيتهم ولا بما نالوا من طلبتهم ولا ما قضوا من وطرهم وصار ذلك عليهم وبالا فصاروا يهربون مما كانوا يطلبون (1). وإني احذركم هذه المزلة وآمركم بتقوى الله الذي لا ينفع غيره فلينتفع بنفسه إن كان صادقا على ما يجن ضميره (2) فإنما البصير من سمع وتفكر ونظر وأبصر، وانتفع بالعبر وسلك جددا واضحا (3) يتجنب فيه الصرعة في المهوى ويتنكب طريق العمى ولا يعين على فساد نفسه الغواة بتعسف في حق أو تحريف في نطق أو تغيير في صدق ولا قوة إلا بالله. قولوا ما قيل لكم وسلموا لما روي لكم ولا تكلفوا ما لم تكلفوا فانما تبعته عليكم فما كسبت أيديكم ولفظت ألسنتكم أو سبقت إليه غايتكم واحذروا الشبهة فإنها وضعت للفتنة واقصدوا السهولة واعملوا فيما بينكم بالمعروف من القول والفعل واستعملوا الخضوع واستشعروا الخوف والاستكانة لله. واعملوا فيما بينكم بالتواضع والتناصف والتباذل (4) وكظم الغيط، فإنها وصية الله. وإياكم والتحاسد والاحقاد، فإنهما من فعل الجاهلية " ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (5) ". أيها الناس اعلموا علما يقينا أن الله لم يجعل للعبد وإن اشتد جهده وعظمت حيلته وكثرت نكايته أكثر مما قدر له في الذكر الحكيم ولم يحل بين المرء على ضعفه وقلة حيلته وبين ما كتب له في الذكر الحكيم. أيها الناس إنه لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه (6) ولن ينتقص نقيرا بحمقه، فالعالم بهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعة.


(1) الامنية: البغية وما يتمنى. والطلبة - بالكسر -: الاسم من المطالبة - وبالفتح -: المرة. والوطر - بفتحتين -: الحاجة. (2) في بعض النسخ [ فلينتفع بتقية إن كان صادقا على ما يحن ضميره ]. (3) الجدد - بفتحتين -: الارض الصلبة المستوية التى يسهل المشى فيها. ويتنكب: عدل وتجنب. والغواة - بالضم -: جمع غاوى اسم فاعل من غوى. (4) التناصف: الانصاف. (5) سورة الحشر آية 18. (6) النقير: النكتة التى في ظهر النواة. والمراد بها هنا الحقير والقليل من الشئ. والمراد بالذكر الحكيم: القرآن ولا يكون للانسان أن ينال من الكرامة فوق ما نص عليه القرآن. (*)

[ 156 ]

والتارك له أكثر الناس شغلا في مضرة. رب منعم عليه في نفسه مستدرج بالاحسان إليه. ورب مبتلى عند الناس مصنوع له (1). فأفق أيها المستمتع من سكرك وانتبه من غفلتك وقصر من عجلتك (2) وتفكر فيما جاء عن الله تبارك وتعالى فيما لا خلف فيه ولا محيص عنه ولابد منه، ثم ضع فخرك ودع كبرك واحضر ذهنك واذكر قبرك ومنزلك، فإن عليه ممرك وإليه مصيرك. وكما تدين تدان (3). وكما تزرع تحصد. وكما تصنع يصنع بك. وما قدمت إليه تقدم عليه غدا لا محالة. فلينفعك النظر فيما وعظت به. وع (4) ما سمعت ووعدت، فقد اكتنفك بذلك خصلتان ولابد أن تقوم بأحدهما: إما طاعة الله تقوم لها بما سمعت وإما حجة الله تقوم لها بما علمت. فالحذر الحذر والجد الجد، فانه " لا ينبئك مثل خبير " (5) إن من عزائم الله في الذكر الحكيم التي لها يرضى ولها يسخط ولها يثيب وعليها يعاقب أنه ليس بمؤمن وإن حسن قوله وزين وصفه وفضله غيره إذا خرج من الدنيا فلقى الله بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها: الشرك بالله فيما افترض عليه من عبادته، أو شفاء غيظ بهلاك نفسه أو يقر بعمل فعمل بغيره، أو يستنجح حاجة إلى الناس (6) بإظهار بدعة في دينه أو سره أن يحمده الناس بما لم يفعل من خير، أو مشى في الناس بوجهين ولسانين والتجبر و الابهة. واعلم [ واعقل ذلك ف‍ ] إن المثل دليل على شبهه إن البهائم همها بطونها وإن السباع همها التعدي والظلم وإن النساء همهن زينة الدنيا والفساد فيها وإن المؤمنين مشفقون مستكينون خائفون.


(1) أي يغتر المنعم عليه بالنعمة. فربما تكون هذه النعمة استدراجا له من الله ثم يأخذه من حيث لا يشعر. وكذلك لا يقنط المبتلى عند الناس فقد تكون البلوى صنعا من الله له ليرفع بها مقامه ومنزلته. وفى بعض النسخ [ فافق أيها المستمع من سكرك ]. (2) أي العجلة في طلب الدنيا. (3) أي كما تجازى (المبنى للفاعل) تجازى (المبنى للمفعول) بفعلك وبحسب ما عملت. (4) " ع " أمر من وعى يعى أي احفظ. (5) سورة فاطر آية 15. (6) في بعض النسخ [ حاجته ]. ويستنجح: سأل أن يقضوها له. والتجبر: التكبر. و الابهة: العظمة والنخوة. (*)

[ 157 ]

* (موعظته عليه السلام ووصفه المقصرين) * لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويرجو التوبة (1) بطول الامل يقول في الدنيا قول الزاهدين ويعمل فيها عمل الراغبين إن اعطي منها لم يشبع وإن منع لم يقنع يعجز عن شكر ما اوتي ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهى الناس ولا ينتهي ويأمر الناس ما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم ويبغض المسيئين وهو منهم. ويكره الموت لكثرة سيئاته ولا يدعها في حياته، يقول: كم أعمل فأتعنى (2) ألا أجلس فأتمنى فهو يتمنى المغفرة ويدأب في المعصية (3). وقد عمر ما يتذكر فيه من تذكر، يقول فيما ذهب: لو كنت عملت ونصبت (4) لكان خيرا لي ويضيعه غير مكترث لاهيا. إن سقم ندم على التفريط في العمل وإن صح أمن مغترا يؤخر العمل، تعجبه نفسه ما عوفي (5) ويقنط إذا ابتلي تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن (6). لا يقنع من الرزق بما قسم له ولا يثق منه بما قد ضمن له ولا يعمل من العمل بما فرض عليه، فهو من نفسه في شك، إن استغنى بطر وفتن (7) وإن افتقر قنط ووهن، فهو من الذنب والنعمة موفر (8) ويبتغي الزيادة ولا يشكر ويتكلف من الناس مالا يعنيه ويصنع من نفسه ما هو أكثر. إن عرضت له شهوة واقعها باتكال على التوبة وهو لا يدري كيف يكون ذلك. لا تغنيه رغبته ولا تمنعه رهبته.


(1) وفى النهج [ ويرجئ التوبة ] ويرجئ أي يوخر التوبة. (2) في بعض النسخ [ لم ]. وأتعنى: أتعب من العناء أي التعب والمشقة. (3) يدأب: يستمر ويجد في المعصية. (4) نصبت: اجتهدت واتعبت فيه و " غير مكترث لاهيا " أي لا يعبأ به ولا يباليه. (5) أي مادام في العافية. (6) يعمل بالظن في اعمال الدنيا ولا يعمل للاخرة باليقين. وهو على يقين من ان السعادة والشرف في الفضيلة والزهد في الدنيا ولا يكتسبهما ولكن إذا ظن وتوهم لذة حاضرة وشهوة عاجلة بادر إليها. (7) بطر أي اغتر بالنعمة ففتن. (8) ولا ينقص منهما شيئا من وفره أي كثره وجعله وفرا أي كثيرا. (*)

[ 158 ]

ثم يبالغ في المسألة حين يسأل ويقصر في العمل، فهو بالقول مدل (1) ومن العمل مقل، يرجو نفع عمل ما لم يعمله. ويأمن عقاب جرم قد عمله. يبادر من الدنيا إلى ما يفنى، ويدع جاهلا ما يبقى (2) وهو يخشى الموت ولا يخاف الفوت. يستكثر من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه. ويستكثر من طاعته ما يحتقر من غيره. يخاف على غيره بأدنى من ذنبه. ويرجو لنفسه بأدنى من عمله، فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن. يؤدي الامانة ما عوفي وارضي والخيانة إذا سخط وابتلي. إذا عوفي ظن أنه قد تاب. وإن ابتلي ظن أنه قد عوقب. يؤخر الصوم ويعجل النوم، لا يبيت قائما ولا يصبح صائما. يصبح وهمته الصبح ولم يسهر (3). ويمسي وهمته العشاء وهو مفطر. يتعوذ بالله ممن هو دونه ولا يتعوذ ممن هو فوقه. ينصب الناس لنفسه ولا ينصب نفسه لربه. النوم مع الاغنياء أحب إليه من الركوع مع الضعفاء يغضب من اليسير ويعصي في الكثير، يعزف لنفسه على غيره (4) ولا يعزف عليها لغيره. فهو يحب أن يطاع ولا يعصى ويستوفي ولا يوفي. يرشد غيره ويغوي نفسه. ويخشى الخلق في غير ربه ولا يخشى ربه في خلقه. يعرف ما أنكر وينكر ما عرف. ولا يحمد ربه على نعمه. ولا يشكره على مزيد ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر فهو دهره في لبس (5). إن مرض أخلص وتاب وإن عوفي قسا وعاد (6)، فهو أبدا عليه ولا له، لا يدري عمله إلى ما يؤديه إليه، حتى متى وإلى متى (7). اللهم اجعلنا منك على حذر. احفظ وع، انصرف إذا شئت.


(1) يقال: ادل على فلان أي أخذه من فوقه واستعلى عليه. (2) يبادر في الدنيا إلى ما كان يفنى ويترك ما يبقى من الاعمال التى للاخرة، مع أنه يخشى من الموت لا يخاف من الفوت وفى النهج [ يخشى الموت ولا يبادر الفوت ]. (3) ولم يسهر أي ينام الليل. والسهر - بالتحريك -: النوم في الليل. (4) يعزف: يزهد ويمنع. (5) أي كان في مدة عمره الذى يعيش في خلط واشتباه. (6) في بعض النسخ [ نسى ]. (7) كذا في النسخ. وهو استفهام توبيخي. (*)

[ 159 ]

* (وصفه عليه السلام المتقين) * قال - بعد حمد الله والثناء عليه (1) -: إن المتقين في الدنيا هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع، خضعوا لله بالطاعة، غاضين أبصارهم عما حرم الله جل وعز، واقفين أسماعهم على العلم، نزلت منهم أنفسهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء رضى بالقضاء، لولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون (2) وهم والنار كمن قد رآها وهم فيها معذبون قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة وأجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة ومعونتهم للاسلام عظيمة. صبروا أياما قصارا فأعقبتهم راحة طويلة مربحة يسرها لهم رب كريم. أرادتهم الدنيا ولم يريدوها. و طلبتهم فأعجزوها. أما الليل فصافون أقدامهم، تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا (3) يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم (4). وتهيج أحزانهم بكاءا على ذنوبهم. ووجع كلومهم (5) وجراحهم. فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا وتطلعت أنفسهم إليها شوقا وظنوا أنها نصب أعينهم. وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في اصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم ومفترشون جباههم وأكفهم وأطراف الاقدام (6) يطلبون إلى الله العظيم في فكاك رقابهم.


(1) - منقول في النهج مع اختلاف يسير. (2) في بعض النسخ [ متكئون ]. (3) في بعض النسخ [ يتلونه ترسلا ] والترسل في القراءة: الترتل. (4) أي يختارون وفى بعض النسخ [ يستشيرون ] وفى بعض نسخ الحديث [ يستشفعون ]. (5) الكلوم: جمع كلم - بالفتح -: الجرح. (6) هذا ذكر لكيفية ركوعهم وسجودهم في آناء الليل. وقوله: " يطلبون " إلى قوله: " فكاك رقابهم " ذكر لغرضهم من عبادتهم تلك. (*)

[ 160 ]

أما النهار فحكماء علماء، أبرار أتقياء، قد براهم الخوف أمثال القداح (1) ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ويقول: قد خولطوا (2) وقد خالط القوم أمر عظيم إذا هم ذكروا عظمة الله تعالى وشدة سلطانه، مع ما يخالطهم من ذكر الموت وأهوال القيامة أفزع ذلك قلوبهم وطاشت له أحلامهم (3) وذهلت له عقولهم فإذا أشفقوا من ذلك (4) بادروا إلى الله بالاعمال الزاكية لا يرضون باليسير ولا يستكثرون له الكثير. هم لانفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون إذا زكي أحدهم خاف مما يقولون، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي منى. اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون إنك علام الغيوب. فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين. وخوفا في لين. وإيمانا في يقين (5). وحرصا في علم. وكيسا في رفق (6) وشفقة في نفقة. وفهما في فقه. وعلما في حلم. وقصدا في غنى (7). وخشوعا في عبادة. وتجملا في فاقة (8) وصبرا في شدة. ورحمة للمجهود وإعطاء في حق. ورفقا في كسب. وطلبا في حلال. ونشاطا في هدى وتحرجا عن طمع (9) وبرا في استقامة واعتصاما عند شهوة. لا يغره ثناء من جهله. ولا يدع إحصاء


(1) القداح: جمع قدح - بالكسر -: السهم قبل أن براش. وقوله: " براهم " أي نحت الخوف أجسامهم كما ترقق السهام بالنحت. (2) خولط في عقله: اضطرب عقله واختل ومازجه خلل فيه. والامر العظيم الذى خالط عقولهم هو الخوف الشديد من الله. (3) طاش السهم: عدل وجاز. وطاش عقله: خف وذهب. والاحلام: جمع حلم - بالكسر - أي العقل والذهول: الذهاب بدهشة. (4) أشفق من كذا: خاف منه. والمشفقون: خائفون من التقصير فيها. (5) أي إيمان في حد اليقين. (6) الكيس: العقل، الفطنة، جودة القريحة، خلاف الحمق. والشفقة - بالتحريك -: الرحمة. (7) قصدا: اقتصادا. التجمل: التظاهر باليسر. والفاقة: الفقر. (8) في بعض النسخ [ تحملا في فاقة ] بالحاء المهملة. (9) التحرج التجنب والتباعد. (*)

[ 161 ]

عمله مستبطئا لنفسه في العمل (1). يعمل الاعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي و همه الشكر. يصبح وهمه الذكر، يبيت حذرا ويصبح فرحا. حذرا لما حذر من الغفلة. فرحا بما أصاب من الفضل والرحمة. إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما هويت (2) فرحه فيما يحذر وقرة عينه فيما لا يزول (3). وزهادته فيما يفنى. يمزج الحلم بالعلم ويمزح العلم بالعمل. تراه بعيدا كسله، دائما نشاطه، قريبا أمله قليلا زلله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، متغيبا جهله (4)، سهلا أمره، حريزا دينه، ميتة شهوته، مكظوما غيظه، صافيا خلقه، لا يحدث الاصدقاء بالذي يؤتمن عليه، ولا يكتم شهادة الاعداء، لا يعمل شيئا رئاء، ولا يتركه استحياء. الخير منه مأمول والشر منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين (5). يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه، لا يعزب حلمه، ولا يعجز فيما يزينه (6)، بعيدا فحشه، لينا قوله، غائبا مكره، كثيرا معروفه (7)، حسنا فعله، مقبلا خيره، مدبرا شره. فهو في الزلازل وقور (8)، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور. لا يحيف على من يبغض، (9) ولا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد حقا هو عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ (10)، ولا ينابز بالالقاب، لا يبغي ولا يهم به، ولا يضار بالجار، ولا


(1) أي لا يكون عمله في نظره وإن كثر حد الاحصاء موجبا لان يقيل واستبطا نفسه فيه. (2) " إن استصعبت " أي إذا لم تطاوعه نفسه فيما يشق عليها من الطاعة عاقبها بعدم إعطاء سؤلها وترغب إليها من الشهوة التي فرحت باتيانها. (3) ما لا يزول هو الاخرة وما يفنى هو الدنيا. (4) في الكافي [ منفيا جهله ]. وزاد هنا في النهج [ منزورا أكله ] أي قليلا. وحريزا: حصينا. (5) لانه ذاكرا بقلبه وفى أمالى الصدوق والنهج [ وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين ]. (6) كذا. ولعل المعنى لا يذهب حمله وحزمه. وفى الامالى [ ولا يعجل فيما يريبه ]. (7) في النهج [ غائبا منكره حاضرا معروفه ]. (8) الزلازل: الشدائد والاهوال الموعدة. والوقور: الرزين والذى لا يضطرب. (9) لا يحيف: لا يظلم. " ولا يأثم إلخ " أي ولا يرتكب إثما لارضاء حبيبه. (10) زاد هنا في النهج [ لا ينسى ما ذكر ]. النبز: اللقب. ولا ينابز أي لا يدعو غيره باللقب الذى يكره ويشمئز منه ولا يعاير به. (*)

[ 162 ]

يشمت بالمصائب (1) سريع إلى الصواب، مؤد للامانات. بطئ عن المنكرات. يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. لا يدخل في الدنيا بجهل (2). ولا يخرج من الحق. إن صمت لم يغمه الصمت وإن ضحك لم يعل به الصوت. قانع بالذي له (3). لا يجمح به الغيظ (4). ولا يغلبه الهوى. ولا يقهره الشح. ولا يطمع فيما ليس له. يخالط الناس ليعلم. ويصمت ليسلم ويسأل ليفهم. لا ينصت للخير ليعجز به (5). ولا يتكلم به ليتجبر على من سواه، إن بغي عليه صبر حتى يكون الله جل ذكره ينتقم له. نفسه منه في عناء والناس منه في رجاء. أتعب نفسه لآخرته وأراح الناس من نفسه. بعده عمن تباعد عنه بغض ونزاهة (6). و دنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده تكبرا ولا عظمة. ولا دنوه خديعة ولا خلابة (7) بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير. وهو إمام لمن خلفه من أهل البر. * (خطبته عليه السلام التي يذكر فيها الايمان) * ودعائمه وشعبها والكفر ودعائمه وشعبها إن الله ابتدأ الامور فاصطفى لنفسه منها ما شاء (8). واستخلص منها ما أحب، فكان


(1) لا يشمت: لا يفرح. (2) في النهج [ ولا يدخل في الباطل ]. (3) في الكافي [ بالذى قدر له ]. (4) جمح الرجل: إذا ركب هواه وأسرع إلى الشئ فلم يمكن رده. ويقال: جمحت المفازة بالقوم: طوحت بهم. وجمح بفلان مراده أي لم ينله. (5) كذا وفى الكافي [ لا ينصت للخبر ليفجر به ] أي لا يسكت مستمعا للخبر لينقله في مجلس آخر. (6) وفى النهج [ زهد ونزاهة ]. والنزاهة - مصدر من نزه أي العبد عن المكروه. (7) الخلابة - مصدر -: الخديعة بالقول اللطيف. (8) منقول في الكافي ج 2 ص 49 مع اختلاف في بعض المواضع وذكره الشريف الرضى رحمه الله في النهج. (*)

[ 163 ]

مما أحب أنه ارتضى الايمان فاشتقه من اسمه (1)، فنحله من أحب من خلقه، ثم بينه فسهل شرائعه لمن ورده وأعز أركانه على من جانبه (2) وجعله عزا لمن والاه وأمنا لمن دخله. وهدى لمن ائتم به. وزينة لمن تحلى به. ودينا لمن انتحله. وعصمة لمن اعتصم به. وحبلا لمن استمسك به. وبرهانا لمن تكلم به. وشرفا لمن عرفه. وحكمة لمن نطق به. ونورا لمن استضاء به. وحجة لمن خاصم به. وفلجا لمن حاج به (3). وعلما لمن وعى. وحديثا لمن روى. وحكما لمن قضى. وحلما لمن حدث (4). ولبا لمن تدبر. وفهما لمن تفكر. ويقينا لمن عقل. وبصيرة لمن عزم. وآية لمن توسم. وعبرة لمن اتعظ ونجاة لمن آمن به. ومودة من الله لمن صلح (5). وزلفى لمن ارتقب. وثقة لمن توكل. وراحة لمن فوض. وصبغة لمن أحسن. وخيرا لمن سارع. وجنة لمن صبر. ولباسا لمن اتقى. وتطهيرا لمن رشد وأمنة لمن أسلم (6) وروحا للصادقين. فالايمان أصل الحق.


(1) قال الله تبارك وتعالى في سورة الحشر آية 23 " هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن - الاية ". وليس المراد من اشتقاقه اشتقاق اللفظ من اللفظ فقط بل اشتقاق الحقيقة والمعنى من اسمه تعالى كما جاء في حديث المعراج إن الله تعالى قال لى: يا محمد اشتققت لك اسما من أسمائي فأنا المحمود وأنت محمد واشتققت لعلى اسما من أسمائي فأنا الاعلى وهو على وهكذا فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فكلهم أشباح نور من نوره تعالى جل اسمه. واما الايمان فرابطة باطنية بين الله وعبده، به يعبد الله وبه يتقرب إليه وبه ينجو من الهلكة ويهدى من الضلالة ويخرج من الظلمة وله آثار في الخارج تظهر من اعضاء المؤمن وجوارحه من الصالحات والاعمال الحسنة فالايمان بمنزلة شجرة منبتها في القلب واغصانها تظهر من الاعضاء والجوارح وثمارها الاخلاق الحسنة والملكات الفاضلة والاعمال الصالحة وكل صفة من الاوصاف الحسنة كالسخاوة والشجاعة. والعدل ثمرة من ثمراتها كما ان البخل والجبن والظلم من ثمرات الكفر. (2) يقال: جانبه أي سار إلى جنبه. وفى الكافي [ لمن حاربه ] وفى النهج [ على من غالبه ]. أي حاول أن يغلبه ولعله أظهر. (3) الفلج الظفر والفوز. (4) في الكافي [ لمن جرب ]. (5) في الكافي [ وتؤدة لمن أصلح وزلفى لمن اقترب ]. (6) الامنة - بفتح الثلاثة -: الامن والسلم. (*)

[ 164 ]

وأصل الحق سبيله الهدى وصفته الحسنى. ومأثرته المجد (1). فهو أبلج المنهاج مشرق المنار. مضئ المصابيح. رفيع الغاية. يسير المضمار (2). جامع الحلبة. متنافس السبقة. قديم العدة. كريم الفرسان. الصالحات مناره والعفة مصابيحه. والموت غايته (3) والدنيا مضماره. والقيامة حلبته. والجنة سبقته. والنار نقمته. والتقوى عدته. والمحسنون فرسانه. فبالايمان يستدل على الصالحات. وبالصالحات يعمر الفقه وبالفقه يرهب الموت (4). وبالموت تختم الدنيا. وبالدنيا تحذو الآخرة (5). وبالقيامة تزلف الجنة والجنة حسرة أهل النار. والنار موعظة التقوى. والتقوى سنخ الاحسان (6). والتقوى غاية لا يهلك من تبعها ولا يندم من يعمل بها، لان بالتقوى فاز القائزون. و بالمعصية خسر الخاسرون فليزدجر اولوا النهى. وليتذكر أهل التقوى. فالايمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد:


(1) المأثرة - بضم الثاء وفتحها: المكرمة والفعل الحميد وأبلج أي أوضح والمنهاج: الطريق الواضح. وقيل: أبلج المناج أي واضح الطريق وفى الكافي والنهج [ أبلج المناهج ] بصيغة الجمع أي أشد الطرق وضوحا وأنورها. والمنار: علم الطريق ومنار الايمان هي دلائله الواضحة من الاعمال الصالحة والاخلاق الحسنة. (2) أي إذا سوبق سبق. وفى النهج [ كريم المضمار ]. وإذا كان المضمار موضع الذى تضمر فيه الخيل فالمراد به الدنيا لانها يسيرة والحلبة - بسكون اللام -: خيل تجمع للسباق والنصرة. والمتنافس: الراغب على وجه المباراة. والمفاخرة والسبقة - بفتحتين -: الغاية المحبوبة التى يحب السابق أن يصل إليها. - وبضم فسكون -: ما يتراهن عند السباق أي جزاء السابقين والعدة - بالضم -: ما اعددته لحوادت الدهر وبمعنى الاستعداد - وبالفتح - الجماعة. (3) أي غايته في حفظه فالمؤمن كان في مدة حياته في الدنيا في التعب والمشقة. وقيل يريد الموت عن الشهوات البهيمية والحياة بالسعادة الابدية والدنيا مضماره أي موضع الذى يضمر فيه لانها مزرعة الاخرة. (4) في النهج [ وبالصالحات يستدل على الايمان. وبالايمان يعمر العلم. وبالعلم يرهب الموت ]. (5) أي تقابل الاخرة من حذاه أي كان بازائه وحذائه. وفى النهج وبعض نسخ الكافي [ تحوز الاخرة ] أي تحفظ السعادة بسبب الاعمال الصالحة والاخلاق الفاضلة. (6) أي أصله وأساسه. وفى الكافي [ والنار موعظة المتقين والتقوى سنخ الايمان ]. (*)

[ 165 ]

فالصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق (1) والزهد والترقب. فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات (2). ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات. ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات. ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة وتأول الحكمة (3). وموعظة العبرة وسنة الاولين. فمن تبصر في الفطنة تأول الحكمة. ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة عرف السنة ومن عرف السنة فكأنما عاش في الاولين. والعدل على أربع شعب: على غائص الفهم وغمرة العلم (4) وزهرة الحكم وروضة الحلم. فمن فهم فسر جميع العلم. ومن عرف الحكم لم يضل (5). ومن حلم لم يفرط أمره وعاش به في الناس حميدا. والجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق عند المواطن (6) وشنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن. ومن نهى عن المنكر أرغم أنف الكافرين (7) ومن صدق في المواطن قضى ما عليه ومن شنأ الفاسقين غضب لله


(1) الشفق: بالتحريك: الخوف. (2) سلا عنه أي نسى وذهل عن ذكره. (3) التبصرة: التعرف أي الوصول إلى دقائقها. والعبرة: الاعتبار والاتعاظ. وفى الكافي [ معرفة العبرة ] أي المعرفة بأنه كيف ينبغى أن يعتبر من الشئ ويتعظ به. (4) الغمرة: بالفتح: الشدة والجمع. والمراد غور العلم أي سره وباطنه. وفى النهج [ غور العلم ]. وزهرة الحكم أي الحكم الزاهرة الواضحة ويمكن أن يقرأ " زهرة الحكم " بضم الزاى وسكون الهاء وضم الحاء وسكون الكاف أي حسن الحكم. " روضة الحلم " أي الحلم الواسع. والحلم هو الامساك عن المبادرة إلى قضاء وطر الغضب وفى النهج [ رساخة الحلم ] أي ملكته وعبر عنها بالرسوخ لان شأن الملكة ذلك. (5) في النهج [ فمن فهم علم غور العلم ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم ] والصدور: الرجوع بعد الاعتراف للافاضة على الناس. فيحسن حكمه فلم يضل. (6) المواطن: مشاهد الحرب في سبيل الحق أو المواطن المكروهة. والشنآن: بالتحريك: البغض. (7) في الكافي [ ارغم أنف المنافق وأمن كيده ] وفى النهج [ فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافقين ]. (*)

[ 166 ]

ومن غضب لله غضب الله له فذلك الايمان ودعائمه وشعبه. والكفر على أربع دعائم: على الفسق والغلو والشك والشبهة (1). فالفسق من ذلك على أربع شعب: الجفاء والعمى والغفلة والعتو (2). فمن جفا حقر المؤمن ومقت الفقهاء وأصر على الحنث. ومن عمى نسي الذكر، فبذى خلقه وبارز خالقه وألح عليه الشيطان. ومن غفل جنى على نفسه وانقلب على ظهره وحسب غيه رشدا وغرته الاماني وأخذته الحسرة (3) إذا انقضى الامر وانكشف عنه الغطاء وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب. ومن عتا عن أمر الله شك. ومن شك تعالى الله عليه ثم أذله بسلطانه وصغره بجلاله. كما فرط في حياته واغتر بربه الكريم. والغلو على أربع شعب: على التعمق والتنازع والزيغ والشقاق (4). فمن تعمق لم ينته إلى الحق ولم يزده إلا غرقا في الغمرات، لا تنحسر عنه فتنة إلا غشيته اخرى، فهو يهوي في أمر مريج (5). ومن نازع وخاصم وقع بينهم الفشل وبلي أمرهم (6) من طول


(1) الفسق: الخروج من الطاعة. والغلو: مجاوزة الحد في الدين. والشك: خلاف اليقين وهو التردد. والشبهة هي ترجيح الباطل بالباطل وتصوير غير الواقع بصورة الواقع. (2) والجفاء هو الغلظة في الطبع والخرق في المعاملة والفظاظة فيها ورفض الصلة و البر والرفق. والعمى: إبطال البصيرة القلبية وترك التفكر في الامور النافعة في الآخرة والغفلة هي غيبة الشئ عن بال الانسان وعدم تذكره له والعتو مصدر بمعنى التجبر والاستكبار. (3) زاد هنا في الكافي " والندامة " أي أخذته الحسرة مما لحقه من الفضائح والندامة مما فعله من القبائح. (4) التعمق أصله: التشدد في الامر طلبا لاقصى غاية والمراد به هنا كما يعلم من تفسيره: الذهاب في الاوهام لزعم طلب الاسرار. والزيغ: العدول عن الحق والميل مع الهوى الحيوانى. والشقاق بالكسر -: العناد. ونقل السيد الشريف الرضى هذه الشعب الاربعة من دعائم الكفر ولم يذكره من شعب الغلو الذى هو أحد دعائم الكفر وقال بعد ذكر الشك وشعبه: " وبعد هذا كلام تركنا ذكره، خوف الاطالة والخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب ". ولعله سهو أو سقط من قلم النساخ. (5) الانحسار: الانكشاف. ومريج أي مختلط أو مضطرب. وزاد في الكافي [ وانخرق دينه ]. (6) في الكافي [ ومن نازع الرأى وخاصم شهر بالفشل ] وهو الجبن والضعف وفى بعض نسخه [ بالعثل ] - بضم العين - وهو الحمق. (*)

[ 167 ]

اللجاج. ومن زاغ ساءت عنده الحسنة وحسنت عنده السيئة وسكر سكر الضلال. ومن شاق اعورت عليه طرقه (1) واعترض عليه أمره وضاق مخرجه. وحري أن ينزع من دينه من اتبع غير سبيل المؤمنين (2). والشك على أربع شعب: على المرية والهول والتردد والاستسلام (3)، فبأي آلاء ربك يتمارى الممترون (4). ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه. ومن تردد في دينه سبقه الاولون وأدركه الآخرون ووطئته سنابك الشياطين (5). ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلك فيهما. ومن نجا من ذلك فبفضل اليقين. والشبهة على أربع شعب: على الاعجاب بالزينة وتسويل النفس وتأويل العوج ولبس الحق بالباطل. وذلك أن الزينة تصدف عن البينة. وتسويل النفس تقحم إلى الشهوة (6). والعوج يميل بصاحبة ميلا عظيما. واللبس ظلمات بعضها فوق بعض فذلك الكفر ودعائمه وشعبه. والنفاق على أربع دعائم: على الهوى والهوينا والحفيظة والطمع (7).


(1) شاق أي خالف وعاند. واعورت عليه أي صارت أعور لا علم لها. وفى النهج [ ومن شاق وعرت عليه طرقه وأعضل عليه أمره ] وعر الطريق: خشن ولم يسهل السير فيه. وأعضل: اشتد واستغلق وأعجرت صعوبته. (2) وفى الكافي [ إذا لم يتبع سبيل المؤمنين ]. (3) المرية - بكسر وضم - الجدل والشك وفى الكافي هكذا [ وهو قول الله عزوجل: فبأى آلاء ربك تتمارى " ]. وفى النهج [ على التمارى ] أي التجادل لاظهار قوة الجدل. والامتراء: الشك. والهول - بالفتح -: المخالفة. والاستسلام: الانقياد والمراد هنا إلقاء النفس في تيار الحادثات. (4) في النهج [ فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله ] وديدنا أي عادة وسيرة يعنى لم يخرج من ظلمة الشك إلى اليقين. (5) السنابك: جمع سنبك - بضم السين والباء الموحدة -: طرف الحافر أي تستزله الشياطين فتطرحه في الهلكة. (6) تسويل النفس: تزيينها. وتأول العوج: تأويل المعوج والباطل بوجه يخفى عوجه ويبرز استقامته فيظن أنه حق ومستقيم. والصدف: الصرف وفى الكافي [ تقحم على الشهوة ] وقحم في الامر: رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية. (7) الهوينا: تصغير الهونى تأنيث الاهون وهو من الهون: الرفق واللين والمراد هنا التهاون في أمر الدين وترك الاهتمام فيه. والحفيظة: الغضب والحمية. (*)

[ 168 ]

والهوى من ذلك على أربع شعب: على البغي والعدوان والشهوة والعصيان (1) فمن بغى كثرت غوائله (2) وتخلى عنه ونصر عليه ومن اعتدى لم تؤمن بوائقه ولم يسلم قلبه. ومن لم يعذل نفسه عن الشهوات خاض في الحسرات وسبح فيها (3). ومن عصى ضل عمدا بلا عذر ولا حجة. وأما شعب الهوينا: فالهيبة والغرة والمماطلة والامل (4). وذلك أن الهيبة ترد عن الحق والاغترار بالعاجل تفريط الآجل. والمماطلة مورط في العمى. ولولا الامل علم الانسان حساب ما هو فيه (5). ولو علم حساب ما هو فيه مات خفاتا من الهول والوجل (6). وأما شعب الحفيظة (7): فالكبر والفخر والحمية والعصبية. فمن استكبر أدبر. ومن فخر فجر ومن حمي أصر. ومن أخذته العصبية جار، فبئس الامر بين إدبار وفجور وإصرار. وشعب الطمع: الفرح والمرح واللجاجة والتكبر (8). فالفرح مكروه عند الله والمرح خيلاء. واللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حمل الآثام. والتكبر لهو ولعب و شغل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.


(1) في الكافي [ الطغيان ] موضع " العصيان " وكذا في تفسيره " طغى " مكان " عصى ". (2) الغوائل: جمع الغائلة: الداهية والمهلكة. والبوائق: جمع البائقة: الشر والداهية. (3) العذل: اللوم. وفى الكافي [ ولم يملك نفسه عن الشهوات. ومن لم يعذل نفسه في الشهوات خاض في الخبيثات ]. (4) الهيبة: المخافة والمهابة. والمماطلة: التعلل والتسويف. (5) كذا. وفى الكافي [ وذلك بأن الهيبة ترد عن الحق والمماطلة تفرط في العمل حتى يقدم عليه الاجل ولولا الامل علم الانسان حسب ما هو فيه ] أي قدر ما هو فيه. (6) الخفات بضم الخاء المعجمة: الموت فجأة. (7) الحفيظة: اسم من المحافظة والحفاظ والمراد بها السجية القبيحة التى يحفظ بها الكبر والفخر والحمية والعصبية. (8) الفرح: السرور. والمرح: شدة الفرح حتى جاوز القدر فتبختر واختال. وفى الكافي [ التكاثر ] موضع " التكبر ". وكذا في تفسيره وهو الصواب وما في الصلب تصحيف من النساخ. (*)

[ 169 ]

فذلك النفاق ودعائمه وشعبه، والله قاهر فوق عباده تعالى ذكره، واستوت به مرته (1)، واشتدت قوته، وفاضت بركته، واستضاءت حكمته، وفلجت حجته (2). وخلص دينه، وحقت كلمته، وسبقت حسناته، وصفت نسبته، واقسطت موازينه، و بلغت رسالاته، وحضرت حفظته، ثم جعل السيئة ذنبا والذنب فتنة، والفتنة دنسا وجعل الحسنى غنما، والعتبى توبة (3) والتوبة طهورا، فمن تاب اهتدى، ومن افتتن غوى ما لم يتب إلى الله ويعترف بذنبه ويصدق بالحسنى ولا يهلك على الله إلا هالك. فالله الله ما أوسع ما لديه من التوبة والرحمة والبشرى والحلم العظيم. وما أنكر ما لديه من الانكال (4) والجحيم والعزة والقدرة والبطش الشديد، فمن ظفر بطاعة الله اختار كرامته. ومن لم يزل في معصية الله ذاق وبيل نقمته. هنالك عقبى الدار. * (ومن كلامه عليه السلام لكميل بن زياد) * بعد اشياء ذكرها (5) إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها. احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع (6) أتباع كل


(1) قال الله تعالى في سورة النجم آية 6: " ذو مرة فاستوى " أي ذو قوة وعقل وشدة. (2) فلج: ظفر وفاز. (3) الدنس: الوسخ. " غنما " - بضم الغين مصدر - أي فوزا. والعتبى: الرضا أي سببا له و في الكافي [ وجعل الحسنى عتبى والعتبى التوبة ]. (4) الانكال: جمع النكل - بالفتح -: القيد الشديد وفى الكافي [ وما أنكل ما لديه من الانكال ]. والبطش: الاخذ بصولة وسطوة. والوبيل: الوخيم. (5) منقول في الخصال وفى النهج مع أدنى اختلاف وكميل كان من أكابر أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام من اليمن، وجلالة هذا الرجل مما تحدث به المخدرات في حجالهن واعترف به المؤالف و المخالف، قال الذهبي: كميل بن زياد بن نهيك بن هيثم النخعي حدث عن على عليه السلام وغيره، شهد صفين مع على (ع) وكان شريفا مطاعا ثقة عابدا على تشيعه قليل الحديث، قتله الحجاج لعنه الله. 83 ه‍ (تنقيح المقال). (6) الهمج: الذى لا خير فيه والحمقى. والرعاع - بالفتح -: سفلة الناس. (*)

[ 170 ]

ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم فيهتدوا ولم يلجأوا إلى ركن وثيق فينجوا. يا كميل العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تفنيه النفقة (1) والعلم يزكو على الانفاق. العلم حاكم والمال محكوم عليه. يا كميل بن زياد محبة العالم دين يدان به (2) به يكسب الانسان الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة بعد وفاته. ومنفعة المال تزول بزواله. مات خزان الاموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر. أعيانهم مفقودة وأمثلتهم في القلوب موجودة. ها، إن ههنا لعلما جما - وأشار إلى صدره - لم أصب له خزنة (3) بلى أصيب لقنا غير مأمون، مستعملا آلة الدين في طلب الدنيا، يستظهر بحجج الله على أوليائه وبنعمة الله على معاصيه أو منقادا لحملة الحق (4) لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، اللهم لا ذا ولا ذاك، أو منهوما باللذة (5) سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والادخار ليسا من رعاة الدين ولا من ذوي البصائر واليقين. أقرب شبها بهما الانعام السائمة (6) كذلك يموت العلم بموت حملته. اللهم بلى، لا يخلو الارض من قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا (7)


(1) في النهج [ تنقصه النفقة ]. (2) في النهج [ العلم دين يدان به، به يكتسب الانسان الطاعة في حياته ]. وذلك لان العلم أشبه شئ بالدين، فالعالم في قومه كالنبى في امته، يوجب على المتدينين طاعة صاحبه في حياته والثناء عليه بعد وفاته. والاحدوثة - بالضم - ما يتحدث به. (3) أي لم أجد له خازنين. واللقن - بفتح فكسر -: سريع الفهم. (4) " منقادا " معطوف على " لقنا ". والاحناء: جمع حنو: طرف الشئ وجانبه. والمراد جوانب الحق وخفاياه ودقائقه. (5) المنهوم: المفرط في شهوة الطعام. والسلس: السهل. والقياد: حبل يقاد به. والمغرم - بفتح الراء -: المولع به. (6) السائمة: الانعام والمواشى الراعية. (7) المغمور: المقهور، المستور، المجهول، الخامل الذكر. وفى بعض النسخ [ إما ظاهرا مكشوفا أو خائفا مفردا ]. (*)

[ 171 ]

لئلا تبطل حجج الله وبيناته ورواة كتابه. وأين اولئك ؟ هم الاقلون عددا، الاعظمون قدرا، بهم يحفظ الله حججه حتى يودعه نظراءهم ويزرعها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقائق الايمان، فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعر منه المترفون (1) واستأنسوا بما استوحش منه الجاهلون. صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الاعلى. يا كميل اولئك امناء الله في خلقه وخلفاؤه في أرضه وسرجه في بلاده (2) والدعاة إلى دينه. واشوقاه إلى رؤيتهم أستغفر الله لي ولك. * (وصيته عليه السلام لكميل بن زياد مختصرة (3)) * يا كميل سم كل يوم باسم الله وقل لا حول ولا قوة إلا بالله. وتوكل على الله و اذكرنا وسم بأسمائنا وصل علينا. وادر بذلك على نفسك (4) وما تحوطه عنايتك، تكف شر ذلك اليوم إن شاء الله. يا كميل إن رسول الله صلى الله عليه وآله أدبه الله وهو عليه السلام أدبني وأنا أؤدب المؤمنين وأورث الآداب المكرمين. يا كميل ما من علم إلا وأنا أفتحه وما من سر إلا والقائم عليه السلام يختمه. يا كميل ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. يا كميل لا تأخذ إلا عنا تكن منا. يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة. يا كميل إذا أكلت الطعام فسم باسم الذي لا يضر مع اسمه داء وفيه شفاء من كل الاسواء (5).


(1) استلانوا: وجدوا وعدوا لينا. استوعر: وجدوا وعدوا وعرا أي صعبا. والمترف: المتنعم يعنى عدوا لينا ما استخشنه المتنعمون وهو الزهد. (2) السرج - بضم السين والراء المهملة -: جمع سراج. (3) تمام الوصية في بشارة المصطفى لمحمد بن على الطبري رحمه الله واختصره المؤلف (ره). (4) ادر: أمر من أدار بالشئ أي جعله يدور. وقوله تحوطه: تحفظه وتعهده عنايتك. (5) في بعض النسخ وفى بشارة المصطفى [ من كل الادواء ]. (*)

[ 172 ]

يا كميل وآكل الطعام ولا تبخل عليه، فإنك لن ترزق الناس شيئا والله يجزل لك الثواب بذلك. أحسن عليه خلقك. وابسط جليسك (1). ولا تتهم خادمك. يا كميل إذا أكلت فطول أكلك ليستوفي من معك ويرزق منه غيرك. يا كميل إذا استوفيت طعامك فاحمد الله على ما رزقك وارفع بذلك صوتك يحمده سواك فيعظم بذلك أجرك. يا كميل لا توقرن معدتك طعاما (2) ودع فيها للماء موضعا وللريح مجالا. ولا ترفع يدك من الطعام إلا وأنت تشتهيه، فإن فعلت ذلك فإنت تستمرئه (3)، فإن صحة الجسم من قلة الطعام وقلة الماء. يا كميل البركة في مال من آتى الزكاة وواسى المؤمنين ووصل الاقربين (4). يا كميل زد قرابتك المؤمن على ما تعطي سواه من المؤمنين وكن بهم أرأف وعليهم أعطف. وتصدق على المساكين. يا كميل لا ترد سائلا ولو من شطر حبة عنب أو شق تمرة، فإن الصدقة تنمو عند الله. يا كميل أحسن حلية المؤمن التواضع وجماله التعفف وشرفه التفقه وعزه ترك القال والقيل (5). يا كميل في كل صنف قوم أرفع من قوم، فإياك ومناظرة الخسيس منهم وإن أسمعوك واحتمل وكن من الذين وصفهم الله " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (6) "


(1) بسط الرجل -: سره. وفى بعض النسخ [ ولا تنهرن خادمك ]. (2) " لا توقرن " أي لا تثقلن معدتك من الطعام. وفى بعض النسخ [ توفرن ]. (3) استمرأ الطعام: استطيبه ووجده مريئا. (4) واسى المؤمنين: عاونهم. (5) القال والقيل - مصدران -: ما يقوله الناس. وقيل: القال الابتداء والسؤال والثانى الجواب. (6) سورة الفرقان آية 64. (*)

[ 173 ]

يا كميل قل الحق على كل حال وواد المتقين واهجر الفاسقين وجانب المنافقين ولا تصاحب الخائنين. يا كميل لا تطرق أبواب الظالمين (1) للاختلاط بهم والاكتساب معهم وإياك أن تعظمهم وأن تشهد في مجالسهم بما يسخط الله عليك وإن اضطررت إلى حضورهم فداوم ذكر الله والتوكل عليه واستعذ بالله من شرورهم وأطرق عنهم وأنكر بقلبك فعلهم واجهر بتعظيم الله تسمعهم، فإنك بها تؤيد وتكفى شرهم. يا كميل إن أحب ما تمتثله العباد إلى الله بعد الاقرار به وبأوليائه التعفف والتحمل والاصطبار. يا كميل لا تر الناس إقتارك واصبر عليه احتسابا بعز وتستر. يا كميل لا بأس أن تعلم أخاك سرك. ومن أخوك ؟ أخوك، الذي لا يخذلك عند الشديدة ولا يقعد عنك عند الجريرة (2) ولا يدعك حتى تسأله ولا يذرك وأمرك حتى تعلمه، فإن كان مميلا فأصلحه (3). يا كميل المؤمن مرآة المؤمن، لانه يتأمله فيسد فاقته ويجمل حالته. يا كميل المؤمنون إخوة ولا شئ آثر عند كل أخ من أخيه (4). يا كميل إن لم تحب أخاك فلست أخاه، إن المؤمن من قال بقولنا، فمن تخلف عنه قصر عنا ومن قصر عنا لم يلحق بنا ومن لم يكن معنا ففي الدلك الاسفل من النار. يا كميل كل مصدور ينفث (5) فمن نفث إليك منا بأمر أمرك بستره، فإياك


(1) لا تطرق أي لا تقرع. وأطرق الرجل: سكت ولم يتكلم وبمعنى أرخى عينيه ينظر إلى الارض. (2) الجريرة: الجناية، لانها تجر العقوبة إلى الجاني. ولا يذرك أي لا يدعك. قيل: ولا فعل منه بهذا المعنى إلا المضارع والامر. (3) المميل - اسم فاعل من أمال - أي ان كان ضالا يدعوك إلى صلاله فأصلحه. (4) أي أقدم وأكرم. (5) المصدور: الذى يشتكى من صدره. وينفث المصدور أي رمى بالنفاثة. والمراد إن من ملا صدره من محبتنا وأمرنا لا يمكن له أن يقيها ولا يبرزها فإذا أبرزها أمر بسترها. وفى بعض النسخ [ مصدود ]. (*)

[ 174 ]

أن تبديه وليس لك من إبدائه توبة وإذا لم يكن توبة فالمصير إلى لظى (1). يا كميل إذاعة سر آل محمد [ صلوات الله عليهم ] لا يقبل منها ولا يحتمل أحد عليها وما قالوه فلا تعلم إلا مؤمنا موقنا (2). يا كميل قل عند كل شدة: " لا حول ولا قوة إلا بالله " تكفها وقل عند كل نعمة: " الحمد لله " تزدد منها. وإذا أبطأت الارزاق عليك فاستغفر الله يوسع عليك فيها. يا كميل انج بولايتنا من أن يشركك الشيطان في مالك وولدك. يا كميل إنه مستقر ومستودع (3) فاحذر أن تكون من المستودعين وإنما يستحق أن يكون مستقرا إذا لزمت الجادة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج (4) ولا تزيلك عن منهج. يا كميل لا رخصة في فرض ولا شدة في نافلة. يا كميل إن ذنوبك أكثر من حسناتك وغفلتك أكثر من ذكرك ونعم الله عليك أكثر من عملك. يا كميل إنك لا تخلو من نعم الله عندك وعافيته إياك، فلا تخل من تحميده وتمجيده وتسبيحه وتقديسه [ وشكره ] وذكره على كل حال. يا كميل لا تكونن من الذين قال الله " نسوا الله فأنسيهم أنفسهم (5) " ونسبهم إلى الفسق فهم فاسقون. يا كميل ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق، الشأن أن تكون الصلاة بقلب نقي وعمل عند الله مرضي وخشوع سوي وانظر فيما تصلي وعلى ما تصلي إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول.


(1) اللظى: النار ولهبها. (2) في بعض النسخ [ تعلمه إلا مؤمنا موقفا ]. وفى بعضها [ فلا يعلمه إلا مؤمنا موقفا ]. وكذا في بشارة المصطفى. (3) يعنى به الايمان فانه مستقر ومستودع. (4) العوج - بكسر العين - للمعانى و - بفتحها - للاشياء. (5) سورة الحشر آية 19. (*)

[ 175 ]

يا كميل اللسان ينزح من القلب (1) والقلب يقوم بالغذاء، فانظر فيما تغذي قلبك و جسمك فإن لم يكن ذلك حلالا لم يقبل الله تسبيحك ولا شكرك. يا كميل إفهم واعلم أنا لا نرخص في ترك أداء الامانة لاحد من الخلق. فمن روى عني في ذلك رخصة فقد أبطل وأثم وجزاؤه النار بما كذب، اقسم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لي قبل وفاته بساعة مرارا ثلاثا: يا أبا الحسن أد [ اء ] الامانة إلى البر والفاجر فيما جل وقل حتى الخيط والمخيط. يا كميل لا غزو إلا مع إمام عادل ولا نفل إلا من إمام فاضل (2). يا كميل لو لم يظهر نبي وكان في الارض مؤمن تقي لكان في دعائه إلى الله مخطئا أو مصيبا، بل والله مخطئا حتى ينصبه الله لذلك ويؤهله له. يا كميل الدين لله فلا يقبل الله من أحد القيام به إلا رسولا أو نبيا أو وصيا. يا كميل هي نبوة ورسالة وإمامة وليس بعد ذلك إلا موالين متعبين أو عامهين مبتدعين، إنما يتقبل الله من المتقين (3). يا كميل إن الله كريم حليم عظيم رحيم دلنا على أخلاقه وأمرنا بالاخذ بها و حمل الناس عليها، فقد أديناها غير متخلفين وأرسلناها غير منافقين وصدقناها غير مكذبين وقبلناها غير مرتابين. يا كميل لست والله متملقا حتى أطاع ولا ممنيا (4) حتى لا اعصى ولا مائلا لطعام الاعراب حتى انحل (5) إمرة المؤمنين وادعى بها. يا كميل إنما حظي من حظي بدنيا زائلة مدبرة ونحظى بآخرة باقية ثابتة. يا كميل إن كلا يصير إلى الآخرة والذي نرغب فيه منها رضى الله والدرجات العلى من الجنة التي يورثها من كان تقيا.


(1) في المصباح نزحت البئر من باب نفع ونزوحا استقيت ماءها كله. والمراد ههنا الترشح. وفى بشارة المصطفى [ يبوح من القلب ]. (2) النفل - محركة - الغنيمة وفى بشارة المصطفى [ نقل ]. (3) أي ما يقوم به النبي والرسول والامام. وعمه أي تحير في طريقه. وفى بعض النسخ [ ضالين مبتدعين ]. وفى بشارة المصطفى [ إلا متولين ومتغلبين وضالين ومعتدين ]. (4) في بشارة المصطفى [ ممنا ]. (5) أنحل فلانا شيئا: أعطاه إياه وخصه به. وفى بشارة المصطفى [ حتى انتحل ]. (*)

[ 176 ]

يا كميل من لا يسكن الجنة فبشره بعذاب أليم وخزي مقيم. يا كميل أنا أحمد الله على توفيقه وعلى كل حال، إذا شئت فقم. * (وصيته عليه السلام محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر) * هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر (1) حين ولاه مصر أمره بتقوى الله والطاعة له في السر والعلانية وخوف الله في الغيب والمشهد وباللين للمسلم وبالغلظة على الفاجر وبالعدل على أهل الذمة وبإنصاف المظلوم وبالشدة على الظالم وبالعفو عن الناس وبالاحسان ما استطاع والله يجزي المحسنين ويعذب المجرمين. وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة، فإن لهم في ذلك من العافية و عظيم المثوبة مالا يقدرون قدره ولا يعرفون كنهه. وأمره أن يلين لهم جناحه وأن يساوي بينهم في مجلسه ووجهه ويكون القريب والبعيد عنده في الحق سواء. وأمره أن يحكم بين الناس بالعدل. وأن يقيم بالقسط ولا يتبع الهوى ولا يخاف في الله لومة لائم فإن الله مع من اتقاه وآثر طاعته وأمره على من سواه. وكتب عبيد الله بن أبي رافع. (1) * (ثم كتب إلى أهل مصر بعد مسيره ما اختصرناه) * من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر سلام عليكم. أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما سألت عنه وأعجبني اهتمامك بما


(1) ولد في حجة الوداع وقتل بمصر سنة ثمان وثلاثين من الهجرة في خلافته عليه السلام وكان عاملا عليها من قبله جليل القدر عظيم المنزلة من خواص أمير المؤمنين عليه السلام وروى الكشى روايات كثيرة تدل على جلالته. (2) عبيد الله بن أبى رافع من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بل من خواصه وله كتاب قضايا أمير المؤمنين (ع) وكتاب تسمية من شهد مع على بن أبى طالب (ع) من الصحابة الجمل والصفين والنهروان. وأخوه على بن أبى رافع من خيار الشيعة وكاتبا له عليه السلام وكان له حفظ كثير وجمع كتابا في فنون من الفقه. وأبوه إبراهيم أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله وشهد مع على عليه السلام حروبه وكان صاحب ماله بالكوفة. (*)

[ 177 ]

لابد لك منه وما لا يصلح المسلمين غيره وظننت أن الذي أخرج ذلك منك نية صالحة و رأى غير مدخول (1). أما بعد فعليك بتقوى الله في مقامك ومقعدك وسرك وعلانيتك وإذا أنت قضيت بين الناس فاخفص لهم جناحك ولين لهم جانبك وابسط لهم وجهك وآس بينهم في اللحظ (2) والنظر حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا يأيس (3) الضعفاء من عدلك عليهم وأن تسأل المدعي البينة وعلى المدعى عليه اليمين، ومن صالح أخاه على صلح فأجز صلحه إلا أن يكون صلحا يحرم حلالا أو يحلل حراما. وآثر الفقهاء وأهل الصدق والوفاء والحياء والورع على أهل الفجور والكذب والغدر. وليكن الصالحون الابرار إخوانك و الفاجرون الغادرون أعداءك، فان أحب إخواني إلي أكثرهم لله ذكرا وأشدهم منه خوفا. وأنا أرجو أن تكون منهم إن شاء الله. * وإني اوصيكم بتقوى الله فيما أنتم عنه مسؤولون وعما أنتم إليه صائرون، فان الله قال في كتابه: " كل نفس بما كسبت رهينة (4) " وقال: " ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (5) " وقال: " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون (6) " فعليكم بتقوى الله


(1) أي لم يدخل عليه الفساد. (2) وآس: أمره من المؤاساة أي وشارك. (3) في النهج [ ولا ييأس ]. (*) هذا مما كتبه عليه السلام وأرسله إلى محمد بن أبى بكر وأمره أن يقرأه على أهل مصر كما رواه المفيد في أماليه ص 152 الطبعة الاولى وابن الشيخ أيضا في أماليه ص 16 مسندا عن أبى إسحاق الهمداني قال: لما ولى أمير المؤمنين عليه السلام محمد بن أبى بكر مصر وأعمالها كتب له كتابا أمره أن يقرأه على أهل مصر ويعمل بما وصاه به فيه فكان الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين على بن أبى طالب إلى أهل مصر ومحمد بن أبى بكر سلام عليكم... إلخ. وما هاهنا مختصر منه كما أشار إليه المصنف رحمه الله. (4) سورة المدثر آية 43. (5) سورة آل عمران آية 28. (6) سورة الحجر آية 92. (*)

[ 178 ]

فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدنيا وخير الآخرة، قال الله: " وقيل للذين اتقوا: ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا: خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (1) " اعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، قال الله عزوجل: " قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق... الآية (2) ". سكنوا الدنيا بأحسن ما سكنت وأكلوها بأحسن ما اكلت. واعلموا عباد الله أنكم إذا اتقيتم الله (3) وحفظتم نبيكم في أهله فقد عبدتموه بأفضل عبادته وذكرتموه بأفضل ما ذكر وشكرتموه بأفضل ما شكر وقد أخذتم بأفضل الصبر والشكر واجتهدتم بأفضل الاجتهاد وإن كان غيركم أطول منكم صلاة وأكثر منكم صياما وصدقة، إذ كنتم أنتم أوفى لله وأنصح لاولياء الله ومن هو ولي الامر من آل رسول الله صلى الله عليه وآله. واحذروا عباد الله الموت وقربه وكربه (4) وسكراته وأعدوا له عدته فانه يأتي بأمر عظيم (5) بخير لا يكون معه شر. وبشر لا يكون معه خير أبدا. فمن أقرب إلى الجنة من عاملها و (6) أقرب إلى النار من أهلها، فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أكثروا ذكر هاذم اللذات (7) ". واعلموا أن ما بعد الموت لمن لم يغفر الله له ويرحمه أشد من الموت. واعلم يا محمد أنني وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر وأنت محقوق (8)


(1) سورة النحل آية 30. (2) بقية الاية " قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون " سورة الاعراف آية 32. (3) في بعض النسخ [ إذا لقيتم ]. (4) الكرب - بالفتح -: الحزن والمشقة ويحتمل أن يكون - بالضم فالفتح - جمع كربة. (5) في بعض نسخ الحديث [ يفجأكم بامر عظيم ]. (6) كذا وفى النهج [ ومن أقرب إلى النار ]. (7) الهاذم: القاطع. وهاذم اللذات: كناية عن الموت. (8) أي حقيق. (*)

[ 179 ]

أن تخاف على نفسك وأن تحذر فيه على دينك وإن لم تكن إلا ساعة من النهار. فإن استطعت أن لا تسخط ربك برضى أحد من خلقه فافعل، فإن في الله خلفا من غيره ولا في شئ خلف من الله. اشدد على الظالم وخذ على يديه (1). ولن لاهل الخير وقربهم منك واجعلهم بطانتك وإخوانك. ثم انظر صلاتك كيف هي، فإنك إمام. وليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير إلا كان عليه أوزارهم ولا ينتقص من صلاتهم شئ ولا يتممها إلا كان له مثل أجورهم ولا ينتقص من أجورهم شئ. وانظر الوضوء، فإنه تمام الصلاة ولا صلاة لمن لا وضوء له. واعلم أن كل شئ من عملك تابع لصلاتك. واعلم أنه من ضيع الصلاة، فإنه لغير الصلاة من شرايع الاسلام أضيع. وإن استطعتم يا أهل مصر أن يصدق قولكم فعلكم وسركم علانيتكم ولا تخالف ألسنتكم أفعالكم فافعلوا. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إني لا أخاف على امتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيخزيه الله ويقمعه بشركه ولكني أخاف عليكم كل منافق حلو اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون " ليس به خفاء. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " من سرته حسناته وساءته سيئاته فذلك المؤمن حقا ". وكان يقول صلى الله عليه وآله: " خصلتان لا يجتمعان في منافق: حسن سمت (2) وفقه في سنة ". واعلم يا محمد بن أبي بكر أن أفضل الفقه الورع في دين الله والعمل بطاعة الله، أعاننا الله وإياك على شكره وذكره وأداء حقه والعمل بطاعته إنه سميع قريب. واعلم أن الدنيا دار بلاء وفناء والآخره دار بقاء وجزاء. فإن استطعت أن تزين ما يبقى على ما يفنى فافعل رزقنا الله بصر ما بصرنا وفهم ما فهمنا حتى لا نقصر عما أمرنا ولا نتعدى على ما نهانا عنه، فإنه لابد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك


(1) " خذ على يديه " أي امنعه عما يريد فعله. (2) السمت: الطريق والمحجة. وأيضا يستعمل لهيئة اهل الخير وهى عبارة عن الحالة التى يكون عليها الانسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة، يقال: فلان حسن السمت أي حسن المذهب في الامور كلها. (*)

[ 180 ]

من الآخرة أحوج. فإن عرض لك أمران أحدهما للآخرة والآخر للدنيا فابدأ بأمر الآخرة. وإن استطعت أن تعظم رغبتك في الخير وتحسن فيه نيتك فافعل، فإن الله يعطي العبد على قدر نيته إذا أحب الخير وأهله وإن لم يفعله كان إن شاء الله كمن فعله. ثم إني اوصيك بتقوى الله، ثم بسبع خصال هن جوامع الاسلام: تخشى الله ولا تخشى الناس في الله فإن خير القول ما صدقه الفعل. ولا تقض في أمر واحد بقضائين فيختلف عليك أمرك وتزل عن الحق. وأحبب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأهل بيتك واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك وألزم الحجة عند الله وأصلح رعيتك (2) وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف في الله لومة لائم وأقم وجهك. وانصح للمرء المسلم إذا استشارك واجعل نفسك اسوة لقريب المسلمين وبعيدهم. " وأمر بالمعروف وانه عن المنكر. واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور ". والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. * (ومن كلامه عليه السلام في الزهد وذم الدنيا وعاجلها) * إني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وتحببت بالعاجلة وعمرت بالآمال (3) وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها (4) ولا تؤمن فجعتها، غرارة، ضرارة، زائلة، نافدة أكالة، غوالة (5)، لا تعدو - إذا هي تناهت إلى امنية أهل الرغبة فيها والرضا بها - أن تكون كما قال الله سبحانه: " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا " (6). مع أن امرءا لم يكن منها


(1) أي تحمل المشاق والشدائد في طريق الوصول إلى الحق. (2) في الامالى [ فان ذلك أوجب للحجة وأصلح للرعية ]. (3) في النهج [ وتحلت بالامال ]. (4) الحبرة - بالفتح -: السرور والنعمة. وفى بعض نسخ الحديث [ لا تدوم خيرها ]. (5) نافدة: فانية. أكالة: كثير الاكل. وفى النهج [ حائلة زائلة، نافدة، بائدة ] وغوالة أي مهلكة. (6) سورة الكهف آية 44. الهشيم: النبت اليابس المتكسر. (*)

[ 181 ]

في حبرة إلا أعقبته عبرة (1) ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا (2) ولم تطله فيها ديمة رخاء (3) إلا هتفت عليه مزنة بلاء. إذا هي أصبحت منتصرة أن تمسي له منكرة (4). وإن جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى، أمر عليه جانب منها فأوبى (5) وان لبس امرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح في أخوف خوف (6) غرارة، غرور ما فيها، فانية فان من عليها. لا خير في شئ من زادها إلا التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها لم يدم له وزال عما قليل عنه. كم من واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها قد صرعته. وذي حذر قد خدعته. وكم ذي ابهة فيها قد صيرته حقيرا. وذي نخوة قد ردته جائعا فقيرا. وكم ذي تاج قد أكبته لليدين والفم. سلطانها ذل (7) وعيشها رنق. وعذبها اجاج. وحلوها صبر (8). حيها بعرض موت. وصحيحها بعرض سقم. ومنيعها بعرض اهتضام (9). وملكها مسلوب وعزيزها مغلوب وأمنها منكوب (10) وجارها محروب ومن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته وهول المطلع


(1) العبرة بالفتح -: الدمعة. (2) كأن المراد بالبطن والظهر الاقبال والادبار. (3) الديمة - بالكسر -: مطر يدوم في سكون ولا رعد. الرخاء - بالفتح -: السعة في العيش. والمزنة - بالضم -: القطعة من المزن أي السحاب. ويحتمل أن يكون كما في النهج [ ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء ]. الطل: المطر الضعيف. وطلت السماء الارض: قطرت عليها الطل. وهتنت المزن: تتابع مطرها وانصب. (4) في النهج [ وحرى إذا اصبحت له منتصرة أن تمسى له منكرة ]. (5) اعذوذب واحلولى: افعوعل - من ابنية المبالغة - من العذوبة والحلاوة. فاوبى: صار كثير الوباء. (6) في النهج [ الا أصبح على قوادم خوف ]. (7) في النهج [ دول ]. وفى بعض النسخ [ زل ] بالزاى. (8) رنق: ككدر لفظا ومعنى. والصبر - ككتف - وقد تسكن الباء نادرا: عصارة شجر مر. (9) المنيع: العزيز الشديد الذى لا يقدر عليه. واهتضمه: دفعه عن موضعه وظلمه وكسر عليه حقه. (10) المنكوب: المصاب بنكبة: والمحروب: الذى سلب ماله وترك بلا شئ. (*)

[ 182 ]

والوقوف بين يدي الحاكم العدل " ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " الستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا وأبين آثارا وأعد منكم عديدا وأكثف منكم جنودا وأشد منكم عنودا (1). تعبدوا للدنيا أي تعبد وآثروها أي إيثار. ثم ظعنوا عنها بالصغار (2). أفهذه تؤثرون ؟ أم على هذه تحرصون ؟ أم إليها تطمئنون ؟ يقول الله: " من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * اولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (3) " فبئست الدار لمن لم يتهيبها (4) ولم يكن فيها على وجل. واعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم تاركوها لابد وإنما هي كما نعت الله: " لعب ولهو وزينة و تفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد " (5) فاتعظوا فيها بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون (6) وبالذين قالوا: " من أشد منا قوة " (7) واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم ولا يدعون ركبانا وانزلوا ولا يدعون ضيفانا (8). وجعل لهم من الضريح أكنان (9) ومن التراب أكفان ومن الرفات جيران (10). فهم جيرة (11) لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما. لا يزورون


(1) أي مخالفة للحق والعدول عنه مع العلم به. (2) الصغار - بالفتح -: الهون والذلة. وفى النهج [ بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع ]. (3) سورة هود آية 15. (4) " لم يتهيبها " أي لم يخف ولم يفزع منها. وفى النهج [ لم يتهمها ]. (5) سورة الحديد آية 20. (6) اشارة إلى قوله تعالى في سورة الشعراء: 128. والريع: المكان المرتفع. (7) سورة فصلت: 16. (8) الضيفان - بالكسر -: جمع الضيف والضيفة. (9) الضريح القبر والشق في وسط القبر. والاكنان: جمع كن - بالكسر -: البيت ووقاء كل شئ وستره وفى النهج [ من الصفيح أجنان ]. (10) الرفاء: العظام المندقة المكسورة. (11) كذا - بالجيم المعجمة -: جمع الجار. ويحتمل أن يكون بالحاء المهملة. (*)

[ 183 ]

ولا يزارون. حلماء قد بارت أضغانهم (1) جهلاء قد ذهبت أحقادهم. لا تخشى فجعتهم ولا يرجى دفعهم. وهم كمن لم يكن وكما قال الله سبحانه: " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " (2). استبدلوا بظهر الارض بطنا وبالسعة ضيقا وبالاهل غربة وبالنور ظلمة. جاؤوها كما فارقوها، حفاة عراة. قد ظعنوا منها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة وإلى خلود أبد يقول الله تبارك وتعالى: " كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فاعلين " (3). * (خطبته عليه السلام عندما انكر عليه قوم) * تسويته بين الناس في الفئ (4) أما بعد أيها الناس فإنا نحمد ربنا وإلهنا وولي النعمة علينا، ظاهرة وباطنة بغير حول منا ولا قوة إلا امتنانا علينا وفضلا ليبلونا أنشكر أم نكفر فمن شكر زاده ومن كفر عذبه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحدا صمدا. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه رحمة للعباد والبلاد والبهائم والانعام، نعمة أنعم بها ومنا وفضلا صلى الله عليه وآله وسلم. فافضل الناس - أيها الناس - عند الله منزلة وأعظمهم عند الله خطرا أطوعهم لامر الله وأعملهم بطاعة الله وأتبعهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وأحياهم لكتاب الله فليس لاحد من خلق الله عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة رسوله واتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله هذا كتاب الله بين أظهرنا وعهد نبي الله وسيرته فينا، لا يجهلها إلا جاهل مخالف معاند عن الله عزوجل يقول الله: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقيكم (5) " فمن اتقى الله فهو الشريف المكرم


(1) بارت - من البور -: هلكت. وبادت - من البيد -: هلكت أيضا. (2) سورة القصص آية 58. (3) سورة الانبياء آية 104. (4) منقول في النهج. (5) سورة الحجرات آيه 14. (*)

[ 184 ]

المحب وكذلك أهل طاعته وطاعة رسول الله يقول الله في كتابه: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " (1). وقال: " وأطيعوا الله واطيعوا الرسول فان توليتم فإن الله لا يحب الكافرين (2) ". ثم صاح بأعلى صوته يا معاشر المهاجرين والانصار ويا معاشر المسلمين أتمنون على الله وعلى رسوله بإسلامكم ولله ولرسوله المن عليكم إن كنتم صادقين. ثم قال ألا إنه من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أجرينا عليه أحكام القرآن وأقسام الاسلام، ليس لاحد على أحد فضل إلا بتقوى الله وطاعته، جعلنا الله وإياكم من المتقين وأوليائه وأحبائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم قال: ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها وأصبحت تعظكم وترميكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له ولا الذي دعيتم إليه. ألا وإنها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها، فلا يغرنكم عاجلها فقد حذرتموها ووصفت لكم وجربتموها، فأصبحتم لا تحمدون عاقبتها. فسابقوا رحمكم الله إلى منازلكم التي امرتم أن تعمروها فهي العامرة التي لا تخرب أبدا والباقية التي لا تنفد. رغبكم الله فيها و دعاكم إليها وجعل لكم الثواب فيها. فانظروا يا معاشر المهاجرين والانصار وأهل دين الله ما وصفتم به في كتاب الله ونزلتم به عند رسول الله صلى الله عليه وآله وجاهدتم عليه فيما فضلتم به بالحسب والنسب ؟ أم بعمل وطاعة ؟ فاستتموا نعمه عليكم - رحمكم الله - بالصبر لانفسكم والمحافظة على من استحفظكم الله من كتابه. ألا وإنه لا يضركم تواضع شئ من دنياكم بعد حفظكم وصية الله والتقوى. ولا ينفعكم شئ حافظتم عليه من أمر دنياكم بعد تضييع ما امرتم به من التقوى، فعليكم عباد الله بالتسليم لامره والرضا بقضائه والصبر على بلائه. فأما هذا الفئ فليس لاحد فيه على أحد أثرة (3) قد فرغ الله عزوجل من قسمه


(1) سورة آل عمران آيه 31. (2) مضمون مأخوذ من آية 32 سورة آل عمران. (3) الاثرة - محركة -: الاختيار واختصاص المرء باحسن شئ دون غيره. (*)

[ 185 ]

فهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون وهذا كتاب الله به أقررنا وعليه شهدنا وله أسلمنا وعهد نبينا بين أظهرنا فسلموا - رحمكم الله - فمن لم يرض بهذا فليتول كيف شاء. فإن العامل بطاعة الله والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه " اولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " " اولئك هم المفلحون " ونسأل الله وإلهنا أن يجعلنا وإياكم من أهل طاعته وأن يجعل رغبتنا ورغبتكم فيما عنده. أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم. * (ومن كلامه عليه السلام في وضع المال مواضعه) * لما رأت طائفة من أصحابه بصفين ما يفعله معاوية بمن انقطع إليه وبذله لهم الاموال - والناس أصحاب دنيا - قالوا لامير المؤمنين عليه السلام: أعط هذا المال وفضل الاشراف ومن تخوف خلافه وفراقه حتى إذا استتب (1) لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من العدل في الرعية والقسم بالسوية (2). فقال: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من أهل الاسلام والله لا أطور به ما سمر به سمير (3) وما أم نجم في السماء نجما (4) ولو كان مالهم مالي لسويت بينهم فكيف وإنما هي أموالهم. ثم أزم طويلا ساكتا (5)، ثم قال: من كان له مال فإياه والفساد، فإن إعطاءك المال في غير وجهه تبذير (6) وإسراف وهو يرفع ذكر صاحبه في الناس ويضعه عند الله (7). ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه وعند غير أهله


(1) استتب: استقام واطرد واستمر. (2) رواه الشيخ أبو على ابن الشيخ في أماليه ص 121 مع اختلاف يسير أشرنا إلى بعضه. (3) لا أطور به: لا أقاربه. والسمير: الدهر أي لا أقاربه مدى الدهر ولا أفعله أبدا. وفى الامالى [ أتأمروني أن أطلب النصر بالجور والله لا افعلن ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم والله لو كان مالى لواسيت بينهم وكيف وإنما هو أموالهم ]. (4) أم: قصد أي ما قصد نجم نجما. (5) أزم: امسك. (6) في بعض النسخ [ في غيره ] وفى الامالى [ غير حقه ]. (7) في الامالى [ وهو وإن كان ذكرا لصاحبه في الدنيا والاخرة فهو يضيعه عند الله ]. (*)

[ 186 ]

إلا حرمه شكرهم وكان خيره لغيره. فإن بقي معه منهم من يريه الود ويظهر له الشكر فإنما هو ملق وكذب (1) وإنما يقرب لينال من صاحبه مثل الذي كان يأتي إليه قبل. فإن زلت بصاحبه النعل واحتاج إلى معونته ومكافأته فأشر خليل وألام خدين (2) مقالة جهال مادام عليهم منعما وهو عن ذات الله بخيل فأي حظ أبور وأخس من هذا الحظ ؟ !. وأي معروف أضيع وأقل عائدة من هذا المعروف ؟ !. فمن أتاه مال فليصل به القرابة وليحسن به الضيافة وليفك به العاني (3) والاسير وليعن به الغارمين وابن السبيل والفقراء والمهاجرين وليصبر نفسه على الثواب والحقوق فإنه يحوز بهذه الخصال شرفا في الدنيا ودرك فضائل الآخرة (4). * (وصفه عليه السلام الدنيا للمتقين) * قال جابر بن عبد الله الانصاري: كنا مع أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة فلما فرغ من قتال من قاتله أشرف علينا من آخر الليل (5) فقال: ما أنتم فيه ؟ فقلنا: في ذم الدنيا. فقال: على م تذم الدنيا - يا جابر - ؟ ! (6).


(1) ملق - بفتح فكسر ككذب مصدر -: التودد والتذلل والاظهار باللسان من الاكرام والود ما ليس في القلب. وفى الامالى [ وكان لغيره ودهم فان بقى معه من يوده يظهر له الشكر الخ ]. (2) الخدين: الحبيب والصديق. (3) العانى: السائل. (4) في الامالى [ فان الفوز بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الاخرة ]. (5) أشرف علينا: دنا منا وأشفق " فقال: ما أنتم فيه " أي في أي حال أنتم وما كلامكم ؟. (6) رواه الشيخ الطوسى في المجلس السابع من أماليه مع اختلاف كثير قد تعرضنا لبعضه في الهامش. عن جابر بن عبد الله قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام في جماعة من أصحابه أنا فيهم إذ ذكروا الدنيا وتصرفها بأهلها، فذمها رجل وذهب في ذمها كل مذهب فقال امير المؤمنين (ع): أيها الذام للدنيا أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك فقال: بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين، قال فيم تذمها أليست منزل صدق لمن صدقها - إلى آخر الكلام - ورواه محمد بن طلحة في مطالب السؤول ص 51 الطبعة الاولى. والمفيد أيضا في الارشاد مع اختلاف. (*)

[ 187 ]

ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فما بال أقوام يذمون الدنيا ؟ انتحلوا الزهد فيها. الدنيا منزل صدق لمن صدقها ومسكن عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومسكن أحبائه ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا منها الجنة، فيمن ذا يذم الدنيا يا جابر ؟ و قد آذنت ببينها (1) ونادت بانقطاعها ونعت نفسها بالزوال ومثلت ببلائها البلاء وشوقت بسرورها إلى السرور وراحت بفجيعة وابتكرت بنعمة وعافية ترهيبا وترغيبا، يذمها قوم عند الندامة. خدمتهم جميعا فصدقتهم (2). وذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا وخوفتهم فخافوا. وشوقتهم فاشتاقوا. فأيها الذام للدنيا المغتر بغرورها متى استذمت إليك بل متى غرتك بنفسها ؟ بمصارع آبائك من البلى ؟ (3) أم بمضاجع امهاتك من الثرى ؟. كم مرضت بيديك وعللت بكفيك (4)، تستوصف لهم الدواء. وتطلب لهم الاطباء، لم تدرك فيه طلبتك ولم تسعف فيه بحاجتك (5)، بل مثلت الدنيا به نفسك وبحاله حالك غداة لا ينفعك أحباؤك ولا يغني عنك نداؤك، حين يشتد من الموت أعالين المرض وأليم لوعات المضض، حين لا ينفع الاليل (6) ولا يدفع العويل،


(1) آذنت - بمد الهمزة - أي أعلمت ببعدها. ونعاه إذا أخبر بفقده. (2) راحت: وافت وقد العشى. وابتكرت: اصبحت. ومن قوله: " راحت بفجيعة " إلى هنا في مطالب السؤول هكذا [ فان راحت بفجيعة فقد غدت بمبتغى وان أغضرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى، ذمها رجال يوم الندامة ومدحها آخرون، حدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا ]. وفى الامالى [ فابتكرت بعافية وراحت بفجيعة فذمها رجال فرطوا غداة الندامة وحمدها آخرون اكتسبوا فيها الخير ]. (3) المصرع: مكان الصرع أي السقوط. والبلى - بكسر الباء: الفناء بالتحلل. والثرى: التراب الندى. (4) مرض المريض: خدمه في مرضه. وعلله: خدمه في علته. وفى الامالى [ وعالجت بكفيك تلتمس لهم الشفاء وتستوصف لهم الاطباء لم تنفعهم بشفاعتك ولم تسعفهم في طلبتك ]. (5) الطلبة - بالكسر -: ما يطلب أي المطلوب. وتسعف بحاجته أي تقضاها له. (6) " أعالين المرض " كذا في جميع النسخ التى رأيناها ولعله جمع إعلان. ولوعات: جمع لوعة وهى الحرقة من هم أو شوق. والمضض: الالم والوجع. ولوعة المضض: حرقته. والاليل: الانين والثكل. والعويل: رفع الصوت بالبكاء والصياح. (*)

[ 188 ]

يحفز بها الحيزوم (1) ويغص بها الحلقوم، لا يسمعه النداء ولا يروعه الدعاء فيا طول الحزن عند انقطاع الاجل. ثم يراح به على شرجع (2) نقله أكف أربع، فيضجع في قبره في لبث وضيق جدث فذهبت الجدة (3) وانقطعت المدة ورفضته العطفة وقطعته اللطفة، لا تقاربه الاخلاء ولا يلم به الزوار (4) ولا اتسقت به الدار. انقطع دونه الاثر واستعجم دونه الخبر (5). وبكرت ورثته، فاقتسمت تركته ولحقه الحوب وأحاطت به الذنوب. فإن يكن قدم خيرا طاب مكسبه. وإن يكن قدم شرا تب منقلبه. وكيف ينفع نفسا قرارها والموت قصارها (6) والقبر مزارها، فكفى بهذا واعظا. كفى يا جابر امض معي فمضيت معه حتى أتينا القبور، فقال: يا أهل التربة و يا أهل الغربة أما المنازل فقد سكنت. وأما المواريث فقد قسمت وأما الازواج فقد نكحت. هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم ؟ ثم أمسك عني مليا. ثم رفع رأسه فقال: والذي أقل السماء فعلت (7) وسطح الارض فدحت لو أذن للقوم في الكلام، لقالوا: إنا وجدنا خير الزاد التقوى. ثم قال: يا جابر إذا شئت فارجع. * (ذكره عليه السلام الايمان والارواح واختلافها) * أتاه رجل فقال له: إن اناسا يزعمون أن العبد لا يزني وهو مؤمن. ولا يشرب الخمر وهو مؤمن. ولا يأكل الربا وهو مؤمن. ولا يسفك دما حراما وهو مؤمن.


(1) كذا والحيزوم: وسط الصدر أو ما استدار بالصدر والظهر والبطن. والحفز الدفع وحفزت فلانا بالرمح طعنته. ومن كذا ازعجته. ويغص بها أي يضيق بها فلا يسوغ. (2) راح: ذهب في الرواح أي العشى وعمل فيه ويستعمل لمطلق الذهاب والمضى أيضا. والشرجع - بالجيم كعسكر - الطويل والنعش والجنازة والسرير والخشب الطويلة الربعة. (3) الجدة: الوجد: القدرة والغنى. (4) الم بفلان: أتاه فنزل به. (5) استعجم: سكت عجزا ولم يقدر عليه. بكرت: أسرعت وتقدمت. والحوب: الاثم. (6) تب: خسر. قصارها - بفتح وضم - غاية جهدها وآخر أمرها. (7) أقل واستقل السماء: رفعها. (*)

[ 189 ]

فقد كبر هذا علي وحرج منه صدري حتى أزعم أن هذا العبد الذى يصلي ويواريني واواريه (1) اخرجه من الايمان من أجل ذنب يسير أصابه، فقال عليه السلام: صدقك أخوك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: خلق الله الخلق على ثلاث طبقات فأنزلهم ثلاث منازل، فذلك قوله: " فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون اولئك المقربون " (2). فإما ما ذكره الله عزوجل من السابقين السابقين، فإنهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين جعل الله فيهم خمسة أرواح: روح القدس وروح الايمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن، فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وبروح الايمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا وبروح القوة جاهدوا عدوهم وعالجوا معائشهم وبروح الشهوة أصابوا لذيذ المطعم والمشرب ونكحوا الحلال من النساء (3) وبروح البدن دبوا و درجوا، فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنبهم (4). ثم قال: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس (5) ". ثم قال في جماعتهم: " وأيدهم بروح منه (6) " يقول: أكرمهم بها وفضلهم على سواهم (7) فهؤلآء مغفور لهم.


(1) روى هذا الخبر محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات وهذا الكتاب من الاصول المعتبرة التى روى عنه الكليني وغيره رضوان الله عليهم وأيضا رواه الكليني في الكافي باب الكبائر ج 2 ص 281: مع اختلاف يسير في بعض المواضع. ومنها هذا الموضع فيه [ أن هذا العبد يصلى صلاتي ويدعو دعائي ويناكحني واناكحه ويوارثني وأوارثه ] وهكذا في البصائر ولعل هذا أصح. (2) سورة الواقعة آية 9 إلى 12. (3) في بعض نسخ الحديث وفى الكافي [ من شباب النساء ]. وقوله: " دبوا ودرجوا " دب: مشى كالحية ودرج بمعناه. (4) هذان الفقرتان ليستا في البصائر وعلى ما في الكتاب كان الذنب هنا ما دل على ترك الاولى أو كناية عن عدم صدورها عنهم. (5) سورة البقرة آية 253. (6) سورة المجادلة آية 52. (7) في الكافي [ على من سواهم ]. (*)

[ 190 ]

ثم ذكر أصحاب الميمنة وهم المؤمنون حقا بأعيانهم فجعل فيهم أربعة أرواح: روح الايمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن، فلا يزال العبد مستكملا هذه الارواح الاربعة حتى تأتى عليه حالات، فقال: وما هذه الحالات ؟ فقال علي عليه السلام: أما أولهن فما قال الله: " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا (1) " فهذا تنقص منه جميع الارواح وليس بالذي يخرج من الايمان (2)، لان الله الفاعل به ذلك وراده إلى أرذل العمر (3)، فهو لا يعرف للصلاة وقتا ولا يستطيع التهجد بالليل ولا الصيام بالنهار، فهذا نقصان من روح الايمان وليس بضاره شيئا إن شاء الله (4). وتنقص منه روح الشهوة فلو مرت به أصبح بنات آدم ما حن إليها (5) وتبقى فيه روح البدن فهو يدب بها ويدرج حتى يأتيه الموت فهذا بحال خير، الله الفاعل به ذلك وقد تأتي عليه حالات في قوته وشبابه يهم بالخطيئة فتشجعه روح القوة وتزين له روح الشهوه وتقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة، فإذا لامسها تفصى من الايمان (6) وتفصى الايمان منه، فليس بعائد أبدا أو يتوب (7)، فإن تاب وعرف الولاية تاب الله عليه وإن عاد فهو تارك للولاية أدخله الله نار جهنم. وأما أصحاب المشأمة فهم اليهود والنصارى يقول الله سبحانه: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه (يعني محمدا والولاية في التورية والانجيل) كما يعرفون أبنائهم (في منازلهم) وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (8) " فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم الله بذلك فسلبهم روح الايمان وأسكن أبدانهم


(1) سورة النحل آية 70. (2) في الكافي [ من دين الله ]. (3) في الكافي [ هو الذى رده إلى أرذل العمر ]. (4) كذا. وفى الكافي [ ومنهم من ينتقص منه روح القوة، فلا يستطيع جهاد عدوه ولا يستطيع طلب المعيشة ومنهم من ينتقص منه روح الشهوة... الخ ]. (5) " أصبح بنات آدم " أي أحسن وجها. ما حن: ما اشتاق إليها وفى بعض نسخ الحديث [ ما يحن ]. (6) تفصى: تخلص وخرج منه وأزاله: عنه وفى الكافي [ نقص منه الايمان وتفصى الايمان منه ]. (7) في الكافي [ فليس يعود فيه حتى يتوب ]. (8) سورة البقرة آية 146، 147. (*)

[ 191 ]

ثلاثة أرواح: روح القوة وروح الشهوة وروح البدن. ثم أضافهم إلى الانعام فقال: " إن هم إلا كالانعام " (1) لان الدابة تحمل بروح القوة وتعتلف بروح الشهوة وتسير بروح البدن. قال له السائل: أحييت قلبي (2). * (وصيته عليه السلام لزياد بن النضر (3)) * حين أنفذه على مقدمته إلى صفين إتق الله في كل ممسى ومصبح (4) وخف على نفسك الغرور ولا تأمنها على حال من البلاء واعلم أنك إن لم تزع نفسك (5) عن كثير مما تحب مخافة مكروهه، سمت بك الاهواء (6) إلى كثير من الضر حتى تظعن فكن لنفسك مانعا وازعا (7) عن الظلم والغي والبغي والعدوان. قد وليتك هذا الجند، فلا تستذلنهم ولا تستطل عليهم (8)، فإن خيركم أتقاكم تعلم من عالمهم وعلم جاهلهم واحلم عن سفيههم، فإنك إنما تدرك الخير بالعلم وكف الاذى والجهل. - ثم أردفه بكتاب يوصيه فيه ويحذره -: إعلم أن مقدم القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم. فإذا أنت خرجت من بلادك ودنوت من عدوك فلا تسأم من توجيه الطلائع في كل ناحية وفي بعض الشعاب


(1) سورة الفرقان آية 44. وفى الكافي [ لان الدابة إنما تحمل ]. (2) في الكافي [ أحييت قلبى باذن الله يا امير المؤمنين ]. (3) زياد بن النضر الحارثى - بالضاد المعجمة - وقيل: ابن النصر - بالصاد المهملة - كان من أصحاب امير المؤمنين عليه السلام وقد ولاه على مقدمة جيشه عند مسيره إلى صفين وكانت مقدمته اثنى عشر ألفا وأوصاه عند عزمه على المسير بوصية ذكرها المؤلف رحمه الله في المتن فقال زياد: " اوصيت - يا أمير المومنين - حافظا لوصيتك، مؤدبا بأدبك، يرى الرشد في إنفاذ أمرك والغى في تضييع عهدك " وكان عليه السلام جعله يوم صفين على مذحج والاشعريين خاصة من اليمانين. وفى النهج: شريح بن هاني بدل زياد بن النضر. (4) أي المساء والصباح كما في النهج. (5) لم تزع: لم تكف ولم تمنع (6) سمت أي ارتفعت بك الاهواء. (7) وازعا أي زاجرا. (8) ولا تستطل أي لا تقتل منهم أكثر ما كانوا قد قتلوا. (*)

[ 192 ]

والشجر والخمر (1) وفي كل جانب حتى لا يغيركم عدوكم ويكون لكم كمين. ولا تسير الكتائب والقبائل (2) من لدن الصباح إلى المساء إلا تعبية (3)، فإن دهمكم أمر أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبية. وإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في أقبال الاشراف (4) أو في سفاح الجبال أو أثناء الانهار كيما يكون لكم ردءا ودونكم مردا (5). ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد واثنين. واجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال (6) وبأعلى الاشراف وبمناكب الانهار، يريئون لكم لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن. وإذا نزلتم فانزلوا جميعا. وإذا رحلتم فارحلوا جميعا. وإذا غشيكم الليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح والترسة (7) واجعلوا رماتكم يلوون ترستكم كيلا تصاب لكم غرة (8) ولا تلقى لكم غفلة. واحرس عسكرك بنفسك وإياك أن ترقد أو تصبح إلا غرارا أو مضمضة (9). ثم ليكن ذلك شأنك ودأبك حتى تنتهي إلى عدوك. وعليك بالتأني في حربك. وإياك والعجلة إلا أن تمكنك فرصة (10) وإياك أن تقاتل إلا أن يبدأوك أو يأتيك أمري والسلام عليك ورحمة الله.


(1) الخمر - بالتحريك -: كل ما واراك من جبل أو غيره. (2) الكتائب: جمع الكتيبة: القطعة من الجيش. والقبائل: جمع القبيلة. وفى بعض النسخ [ القنابل ] وهى جمع قنبلة: طائفة من الناس. (3) عبى الجيش: هيأه وجهزه. دهمكم أمر أي فجأكم وغشيكم. (4) أقبال: جمع القبل - بالضم - من المكان: سفحه أي أسفله. والاشراف: المكان العالي. وسفح الجبل: أصله وأسفله حيث يسفح - أي ينصب - فيه الماء. وثنى الوادي - بكسر الثاء -: منعطفه. (5) مردا: مصرفا. (6) الصياصى: الحصون والقلاع وكل ما امتنع بها. وصياصى الجبال: أطرافها العالية. ومناكب الانهار: نواحيها وجوانبها. (7) فحفوا: فأحدقوا وأحيطوا بها. الترسة - بالكسر -: جمع الترس - بالضم -: ما يقال لها بالفرسية: (سپر). (8) والرماة: بالضم: جمع الرامى. والغرة: بالكسر: الغفلة. (9) ترقد: تنام. والغرار: بالكسر: النوم القليل. وتمضمض النعاس في عينيه. دب. (10) الفرصة - بالضم -: النوبة. (*)

[ 193 ]

* (وصفه عليه السلام لنقلة الحديث) * قال له سليم بن قيس (1): إني سمعت سلمان وأبا ذر والمقداد يتحدثون بأشياء من تفسير القرآن والاحاديث والروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سمعت منك تصديق ذلك ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن والاحاديث والروايات عن رسول الله صلى الله على وآله يخالفونها فيكذب الناس متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قد سألت فافهم الجواب، إن في أيدي الناس حقا وباطلا وصدقا وكذبا وناسخا ومنسوخا وعاما وخاصا ومحكما ومتشابها وحفظا ووهما وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته كذبا كثيرا حتى قام خطيبا فقال: " أيها الناس قد كثر علي الكذابة (2)، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار " وكذلك كذب عليه بعده. إنما أتاك بالحديث أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الايمان متصنع بالاسلام لا يتأثم ولا يتحرج (3) أن يكذب


(1) رواه الكليني (ره) في الكافي باب اختلاف الحديث ج 1 ص 62. والصدوق (ره) في الخصال. والرضى (ره) في النهج. وسليم بن قيس الهلالي - بضم السين وفتح اللام - نقل العلامة (ره) في الخلاصة عن العقيقى كان سليم من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام طلبه الحجاج ليقتله وآوى إلى أبان بن أبى عياش فلما حضرته الوفاة قال لابان: إن لك حقا وقد حضرني الموت يا ابن أخى انه كان من الامر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كيت وكيت وأعطاه كتابا فلم يرو عن سليم سوى أبان وذكر في حديثه ان سليم كان شيخا متعبدا له نور يعلوه. (2) الكذابة بكسر الكاف وتخفيف الذال مصدر كذب يكذب أي كثرت على كذبة الكذابين ويصح ايضا جعل الكذاب بمعنى المكذوب والتاء للتأنيث أي الاحاديث المفتراة أو بفتح الكاف وتشديد الذال بمعنى الواحد الكثير الكذب والتاء لزيادة المبالغة والمعنى كثرت على أكاذيب الكذابة أو التاء للتأنيث والمعنى كثرت الجماعة الكذابة ولعل الاخير أظهر وعلى تقديري صدقه وكذبه يدل على وقوع الكذب عليه. قاله المجلسي رحمه الله. (3) " متصنع بالاسلام " أي متكلف له ومتدلس به وغير متصف به في نفس الامر. " لا يتأثم " أي لا يخاف الاثم ولا يخشى منه أو لا يعتقد الاثم. " لا يتحرج " أي لا يتجنب الحرج ولا يخشى الوقوع فيه. (*)

[ 194 ]

على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا ولو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه ولكنهم قالوا: قد صحب رسول الله صلى الله عليه وآله ورآه وسمع منه، فأخذوا منه وهم لا يعرفون حاله. وقد أخبر الله عزوجل عن المنافقين بما أخبر (1) ووصفهم بأحسن الهيئة فقال: " إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم (2) " ثم تفرقوا من بعده وبقوا واختلفوا وتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بزور والكذب فولوهم الاعمال والاحكام والقضاء وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا (3).


(1) في الكافي [ بما أخبره ]. وفى النهج [ أخبرك الله بما أخبرك ]. (2) سورة المنافقون آية 4. " إن يقولوا " أي إذا قالو شيئا اصغيت إلى كلامهم. (3) كأبى هريرة الذى كان من الضعة والهوان باقصى مكان وقضى شطرا من حياته وهو معدم فقير خادم في البيوت يستأجر نفسه لشبع بطنه فلما أسلم أدرج نفسه بفقراء الصفة، يعيش بصدقات المسلمين على ما نقله البخاري في الصحيح وكان ملازما لرسول الله ليشبع بطنه ويسد خلته كما في الاصابة وهو على هذا الحال المرير إلى أن انتهت الخلافة إلى الثاني فتفضل عليه واستعمله على البحرين سنة احدى وعشرين ثم عزله بعد عامين لخيانته واستنقذ منه ما اختلسه من اموال المسلمين وقال له: انى استعملك على البحرين وانت بلا نعلين ثم بلغني أنك ابتعت أفراسا بالف دينار وستمائة دينار. وضربه بالدرة حتى أدماه فرجع إلى حاله الاول وقد وسم بالخيانة والاختلاس إلى أن آل الامر إلى الثالث انضم إليه وصار من أعوانه وأنصاره وأخذ يفتعل الاحاديث في فضله فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ان لكل نبى خليلا من امته وان خليلي عثمان " كما ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال وجزم ببطلانه وقال أيضا: " لكل نبى رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان " وعده الذهبي أيضا من منكراته: إلى غير ذلك من الاحاديث التى افتعلها على رسول الله صلى الله عليه وآله في فضل عثمان والامويين ولما انقضت ايامه وصارت الخلافة إلى أمير المؤمنين هاجر أبو هريرة إلى الشام فعقد صلته بمعاوية و أخذ يتزور الحديث في ارضائه وجعل يروى لاهل الشام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " ان الله ائتمن على وحيه ثلاثا أنا وجبرئيل ومعاوية " وقال لهم ان النبي صلى الله عليه وآله ناول معاوية سهما فقال له: خذ هذا السهم حتى تلقاني في الجنة كما رواهما الخطيب في تاريخه وهكذا يفتعل الحديث بعد الحديث في فضل معاوية والامويين والصحابة ويتقرب بذلك إلى معاوية وهو شكر سعيه ورفع شأنه فكساه الخز وأغدق عليه بالاموال فلما كان عام الجماعة قدم مع ولى نعمته ابن آكلة الاكباد إلى العراق فإذا رأى كثرة الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مرارا وقال: يا اهل العراق أتزعمون أنى اكذب على الله ورسوله واحرق نفسي بالنار والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ان لكل نبى حرما وان المدينة حرمى فمن احدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين " قال: وأشهد بالله (بقية الحاشية في الصفحة الاتية) (*)

[ 195 ]

وقد علمت أن الناس مع الملوك أتباع الدنيا (1) وهي غايتهم التي يطلبون إلا من عصم الله فهذا أحد الاربعة. والثاني: رجل سمع [ من ] رسول الله شيئا ووهم فيه ولم يحفظه على وجهه ولم يتعمد كذبا، فهو في يده يعمل به ويقول: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله ولو علم الناس أنه وهم لم يقبلوه ولو علم هو أنه وهم لرفضه ولم يعمل به فهذا الثاني. والثالث: رجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله أشياء أمرها بها ثم نهى عنها وهو لم يعلم النهي، أو نهى عن شئ ثم أمر به ولم يعلم الامر، حفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم الناس أنه منسوخ لرفضه الناس ورفضه هو (2) فهذا الرجل الثالث. والرابع: رجل لم يكذب على الله وعلى رسوله، يبغض الكذب خوفا من الله وتعظيما لرسوله صلى الله عليه وآله ولم يتوهم ولم ينس، بل حفظ ما سمع فجاء به على وجهه لم يزد فيه ولم ينقص حفظ الناسخ وعمل به وعلم المنسوخ ورفضه. فان أمر الرسول صلى الله عليه وآله مثل القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه، يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الامر له وجهان: كلام عام وكلام خاص مثل القرآن وقد قال الله عزوجل:


(بقية الحاشية من الصفحة الماضية) أن عليا احدث فيها. فلما بلغ معاوية قوله أجازه واكرمه وولاه امارة المدينة. أقول: إلى هنا مأخوذ من كتاب (أبو هريرة) تأليف سماحة العلامة الجليل الحاج السيد عبد الحسين شرف الدين (مد ظله) وأخرج العلامة الكبير الاميني في كتابه (الغدير) ج 11 ص 30 عن الطبري في تاريخه ج 6 ص 132 أن معاوية اعطى سمرة بن جندب من بيت المال أربعمائة ألف درهم على أن يخطب في أهل الشام بان قوله تعالى: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " أنها نزلت في على بن أبى طالب عليه السلام وأن قوله: " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله " نزل في ابن ملجم أشقى مراد. اه‍. فقبل وروى الايتين واستخلفه زياد على البصرة فقتل فيها ثمانية آلاف من الناس. قال الفيض (ره) في الوافى نقل العتايقى في شرحه لنهج البلاغة عن المدائني أنه قال في كتاب الاحداث أن معاوية كتب إلى عماله أن ادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة ولا تتركوا خبرا يرويه أحد في أبى تراب الا وآتوني بمناقض له في الصحابة، فرويت أخبار كثيرة مفتعلة لا حقيقة لها حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر. وروى ابن أبى الحديد أن معاوية أعطى صحابيا مالا كثيرا ليضع حديثا في ذم على عليه السلام ويحدث به ففعل. ويروى عن ابن عرفة المعروف بنفطويه أن أكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بنى امية تقربا إليهم بما يظنون انهم يرغمون بها أنف بنى هاشم. (1) في الكافي والخصال والنهج وكتاب سليم كذا [ وانما الناس مع الملوك والدنيا ]. (2) كذا. (*)

[ 196 ]

" ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (1) " فكان يسمع قوله من لم يعرفه ومن لم يعلم ما عنى الله به ورسوله صلى الله عليه وآله ويحفظ ولم يفهم (2). وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسأله عن الشئ ويستفهمه، كان منهم من يسأل ولا يستفهم حتى لقد كانوا يحبون أن يجيئ الاعرابي أو الطاري (3) أو الذمي فيسأل حتى يسمعوا ويفهموا. ولقد كنت أنا أدخل كل يوم دخلة فيخليني معه أدور فيها معه حيثما دار، علم ذلك أصحابة أنه لم يصنع ذلك بأحد غيري ولربما أتاني في بيتي وإذا دخلت عليه منازله أخلاني وأقام نساءه فلا يبقى أحد عند غيري، كنت إذا سألت أجابني وإذا سكت وفنيت مسائلي إبتدأني. وما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار ولا سماء ولا أرض ولا دنيا وآخرة ولا جنة ولا نار ولا سهل ولا جبل ولا ضياء ولا ظلمة إلا أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بيدي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها وأين نزلت وفيم نزلت إلى يوم القيامة. * (كلامه عليه السلام في قواعد الاسلام) * * (وحقيقة التوبة والاستغفار) * * (اختصرناه) * قال كميل بن زياد: سألت أمير المؤمنين عليه السلام عن قواعد الاسلام ما هي ؟ فقال: قواعد الاسلام سبعة: فأولها (4): العقل وعليه بني الصبر. والثاني (4): صون العرض وصدق اللهجة (5). والثالثة: تلاوة القرآن على جهته. والرابعة: الحب في الله والبغض في الله.


(1) سورة الحشر آية 7. (2) في الكافي والخصال [ فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله ورسوله ]. (3) الطارى: الغريب الذى أتاه عن قريب. ويقال له بالفارسية: (تازه رسيده). (4) كذا. (5) انما عدهما عليه السلام خصلة واحدة لان الثاني سبب الاول. (*)

[ 197 ]

والخامسة: حق آل محمد صلى الله عليه وآله ومعرفة ولايتهم. والسادسة: حق الاخوان والمحاماة عليهم (1). والسابعة: مجاورة الناس بالحسنى. قلت: يا أمير المؤمنين العبد يصيب الذنب فيستغفر الله منه، فما حد الاستغفار ؟ قال: يا ابن زياد التوبة. قلت: بس ؟ قال: لا. قلت: فكيف ؟ قال: ان العبد إذا أصاب ذنبا يقول: استغفر الله بالتحريك. قلت: وما التحريك ؟ قال: الشفتان واللسان، يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة، قلت: وما الحقيقة ؟ قال: تصديق في القلب وإضمار أن لا يعود إلى الذنب الذي استغفر منه. قال كميل: فإذا فعلت ذلك فأنا من المستغفرين ؟ قال: لا. قال كميل: فكيف ذاك ؟ قال: لانك لم تبلغ إلى الاصل بعد. قال كميل: فأصل الاستغفار ما هو ؟ قال: الرجوع إلى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه وهي أول درجة العابدين وترك الذنب والاستغفار اسم واقع لمعان ست: أولها: الندم على ما مضى. والثاني: العزم على ترك العود أبدا. والثالث: أن تؤدي حقوق المخلوقين التي بينك وبينهم. والرابع: أن تؤدي حق اله في كل فرض. والخامس: أن تذيب اللحم الذي نبت على السحت والحرام (2) حتى يرجع الجلد إلى عظمه ثم تنشئ فيما بينهما لحما جديدا. والسادس: أن تذيق البدن ألم الطاعات كما أذقته لذات المعاصي * (وصيته إلى ابنه الحسن عليهما السلام) * * (لما حضرته الوفاة) * كتبنا منها ما اقتضاه الكتاب (3) هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب. أوصى المؤمنين بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين


(1) كذا. والمحاماة: الحماية والمدافعة. (2) السحت - بالضم -: المال الحرام وكل ما لا يحل كسبه فلزم عنه العار كالرشوة. (3) رواه الكليني في الكافي باب صدقات النبي ص 248 ج 2 من الفروع. (*)

[ 198 ]

كله ولو كره المشركون وصلى الله على محمد وسلم. ثم، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وأنا أول المسلمين. ثم إني اوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغه كتابي من المؤمنين بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصوم " وإن المبيرة وهي الحالقة للدين (1) فساد ذات البين ولا قوة إلا بالله. انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب. ألله الله في الايتام (2) لا يضيعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله له بذلك الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار " ألله ألله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العلم (3) به غيركم. ألله ألله في جيرانكم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى بهم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم. ألله ألله في بيت ربكم فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا. وأدنى ما يرجع به من أمه أن يغفر له ما سلف (4) ألله ألله في الصلاة فإنها خير العمل، إنها عماد دينكم. ألله ألله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم. ألله ألله في صيام شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار. ألله ألله في الفقراء والمساكين فشاركوهم في معائشكم. ألله ألله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، فإنما يجاهد رجلان إمام هدى أو مطيع له مقتد بهداه. ألله ألله في ذرية نبيكم، لا تظلمن بين أظهركم وأنتم تقدرون على المنع عنهم.


(1) في الكافي [ من عامة الصلاة والصيام. وأن المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البين ]. (2) في الكافي [ لا يغيروا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم ]. (3) في الكافي [ إلى العمل به ]. (4) " من أمه " أي من قصده. (*)

[ 199 ]

ألله ألله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثا ولم يؤووا محدثا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى بهم ولعن المحدث منهم ومن غيرهم والمؤوي للمحدثين. ألله ألله في النساء وما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به نبيكم أن قال: " اوصيكم بالضعيفين: النساء وما ملكت أيمانكم ". الصلاة، الصلاة، الصلاة، لا تخافوا في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم (1). قولوا للناس حسنا كما أمركم الله ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الله أمركم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم عليهم. عليكم يا بني بالتواصل والتباذل والتبادر وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب وحفظكم الله من أهل بيت وحفظ نبيكم فيكم (2) أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ثم لم يزل يقول لا إله إلا الله حتى مضى. * (تفضيله العلم) * أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به. وأن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم بينكم، مضمون لكم (3)، قد قسمه عادل بينكم وضمنه، سيفي لكم به، والعلم مخزون عليكم (4) عند أهله قد امرتم بطلبه منهم، فاطلبوه واعلموا أن كثرة المال مفسدة للدين مقساة للقلوب (5) وأن كثرة العلم والعمل به مصلحة للدين وسبب إلى الجنة. والنفقات تنقص المال والعلم يزكو على إنفاقه (6)


(1) في الكافي [ يكفيكم الله من أذاكم وبغى عليكم ]. (2) أي حفط رعايته وامتثال أمره. وفى الكافي بتقديم " نبيكم " على " فيكم ". (3) " مقسوم " إشارة إلى قوله تعالى: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " وقوله: " مضمون "، اشارة إلى قوله عزوجل: " وما من دابة الا على الله رزقها ". (وافى) (4) في الكافي بدون " عليكم ". (5) أي سبب الفساد له. والمقساة: ما يقسى. (6) أي ينمو ويزداد. والبث النشر. (*)

[ 200 ]

فإنفاقه بثه إلى حفظته ورواته. واعلموا أن صحبة العلم واتباعه دين يدان الله به. و طاعته مكسبة للحسنات ممحاة للسيئات وذخيرة للمؤمنين ورفعة في حياتهم وجميل الاحدوثة عنهم بعد موتهم (1). إن العلم ذو فضائل كثيرة فرأسه التواضع. وعينه البراءة من الحسد. وأذنه الفهم. ولسانه الصدق. وحفظه الفحص. وقلبه حسن النية. وعقله معرفة الاسباب بالامور. ويده الرحمة. وهمته السلامة. ورجله زيارة العلماء. و حكمته الورع. ومستقره النجاة. وقائده العافية. ومركبه الوفاء. وسلاحه لين الكلام وسيفه الرضى. وقوسه المدارأة. وجيشه محاورة العلماء. وماله الادب. وذخيرته اجتناب الذنوب. وزاده المعروف ومأواه الموادعة (2). ودليله الهدى. ورفيقه صحبة الاخيار (3). * (وروي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني (4)) * قال عليه السلام: من كنوز الجنة البر وإخفاء العمل والصبر على الرزايا (5) وكتمان المصائب. وقال عليه السلام: حسن الخلق خير قرين. وعنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه. وقال عليه السلام: الزاهد في الدنيا من لم يغلب الحرام صبره ولم يشغل الحلال شكره. وكتب إلى عبد الله بن عباس (6). أما بعد فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلته من آخرتك وليكن أسفك على ما فاتك منها. وما نلته من الدنيا فلا تكثرن به فرحا. وما فاتك منها فلا تأسفن عليه حزنا. وليكن همك فيما بعد الموت.


(1) الاحدوثة: ما يتحدث به الناس والمراد الثناء والكلام الجميل. (2) الموادعة: المصالحة والمسالمة. (3) في الكافي [ محبة الاخيار ]. (4) كل ما كان في هذا الباب فهو موجود في كتب أصحابنا كالخصال والكافي والامالي وكشف الغمة والمناقب وكنز الفوائد والنهج وارشاد المفيد وأمثالها وفى كتب العامة أيضا كحلية الاولياء والمناقب لابن الجوزى ومطالب السؤول وأمثالها. وإنما تعرضنا لبعضها لاجل اختلاف كان فيه. (5) الرزايا: جمع الزرية: المصيبة العظيمة. (6) منقول في النهج بادنى اختلاف. (*)

[ 201 ]

وقال عليه السلام في ذم الدنيا: أولها عناء وآخرها فناء (1)، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب. من صح فيها أمن. ومن مرض فيها ندم. من استغنى فيها فتن. ومن افتقر فيها حزن. من ساعاها فاتته (2). ومن قعد عنها أتته. ومن نظر إليها أعمته. ومن نظر بها بصرته (3). وقال عليه السلام: احبب حبيبك هونا ما عسى أن يعصيك يوما ما (4). وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما. وقال عليه السلام: لا غنى مثل العقل. ولا فقر أشد من الجهل. وقال عليه السلام: قيمة كل امرئ ما يحسن. وقال عليه السلام: قرنت الهيبة بالخيبة (5). والحياء بالحرمان. والحكمة ضالة المؤمن فليطلبها ولو في أيدي أهل الشر. وقال عليه السلام: لو أن حملة العلم حملوه بحقه لاحبهم الله وملائكته وأهل طاعته من خلقه. ولكنهم حملوه لطلب الدنيا. فمقتهم الله وهانوا على الناس. وقال عليه السلام: أفضل العبادة الصبر والصمت وانتظار الفرج. وقال عليه السلام: إن للنكبات غايات لابد أن تنتهي إليها فإذا حكم على أحدكم بها فليطأطأ لها ويصبر حتى تجوز (6) فإن إعمال الحيلة فيها عند إقبالها زائد في مكروهها. وقال عليه السلام للاشتر: يا مالك احفظ عني هذا الكلام وعه. يا مالك بخس مروته من ضعف يقينه. وأزرى بنفسه من استشعر الطمع (7). ورضي [ ب‍ ] الذل من كشف [ عن ] ضره.


(1) العناء النصب والتعب. (2) " ساعاها " أي غالبها في السعي. وفى كنز الفوائد [ فاتنه ]. (3) أي نظر إليها بعين الحقيقة ونظر تأمل وتفكر. وفى كنز الفوائد [ ومن نظر إليها ألهته و من تهاون بها نصرته ]. (4) - الهون: الرفق، السهل، السكينه والمراد احببه حبا مقتصدا لا افراط فيه. وأبغضه بغضا مقتصدا. (5) الهيبة. المخافة. والخيبة: عدم الظفر بالمطلوب. (6) طأطأ: خفض وخضع. (7) أي احتقرها. يقال: أزرى به أي عابه ووضع من حقه. (*)

[ 202 ]

وهانت عليه نفسه من أطلع على سره. وأهلكها من أمر عليه لسانه (1) الشره جزار الخطر (2). من أهوى إلى متفاوت خذلته الرغبة. البخل عار. والجبن منقصة. والورع جنة. والشكر ثروة. والصبر شجاعة. والمقل غريب في بلده (3). والفقر يخرس الفطن عن حجته (4). ونعم القرين الرضى. الادب حلل جدد (5). ومرتبة الرجل عقله. وصدره خزانة سره. والتثبت حزم. والفكر مرآة صافية. والحلم سجية فاضلة. والصدقة دواء منجح (6). وأعمال القوم في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم. والاعتبار منذر صالح. والبشاشة فخ المودة. (7) وقال عليه السلام: الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فمن لا صبر له لا إيمان له. وقال عليه السلام: أنتم في مهل من ورائه أجل ومعكم أمل يعترض دون العمل فاغتنموا المهل وبادروا الاجل وكذبوا الامل وتزودوا من العمل، هل من خلاص أو مناص أو فرار أو مجاز أو معاذ أو ملاذ أو لا ؟ فأنى تؤفكون. وقال عليه السلام اوصيكم بتقوى الله فإنها غبطة للطالب الراجي وثقة للهارب اللاجي استشعروا التقوى شعارا باطنا. واذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة وتسلكوا به طرق النجاة. وانظروا إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق. فإنها تزيل الثاوي الساكن (8)


(1) وأمر لسانه أي جعله أميرا. (2) - الشره: اشد الحرص وطلب المال مع القناعة. والجزار: الذباح. والمتفاوت: المتباعد وفى كنز الفوائد [ إلى متفاوت الامور ]. وفى النهج [ من أومأ إلى متفاوت خذلته الحيل ] أي من طلب تحصيل المتباعدات وضم بعضها إلى بعض لم ينجح فيها فخذلته الحيل والرغبة فيما يريد. (3) المقل: الفقير. وفى النهج [ في بلدته ]. (4) الفطن. - بفتح فكسر -: الفاطن أي صاحب الفطنة والحذاقة. (5) الحلل: جمع الحلة - بالضم -: كل ثوب جديد. والجدد: جمع الجديد. (6) انجحت حاجته: قضيت والرجل: فاز وظفر بها. (7) الفخ: المصيدة أي آلة يصاد بها. وفى النهج [ والبشاشه حبالة المودة ] والحبالة - بالكسر - شبكة الصيد. (8) الثاوى: القائم. يعنى أن الدنيا تزيل من قام بها واتخذها وطنا. (*)

[ 203 ]

وتفجع المترف الآمن. لا يرجى منها ما ولى فأدبر ولا يدرى ما هو آت منها فيستنظر. وصل الرخاء منها بالبلاء. والبقاء منها إلى الفناء. سرورها مشوب بالحزن والبقاء منها إلى الضعف والوهن. وقال عليه السلام: إن الخيلاء من التجبر والتجبر من النخوة والنخوة من التكبر. وإن الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل. إن المسلم أخ المسلم فلا تخاذلوا ولا تنابزوا. فإن شرايع الدين واحدة وسبله قاصدة، فمن أخذ بها لحق ومن فارقها محق ومن تركها مرق (1). ليس المسلم بالكذوب إذا نطق ولا بالمخلف إذا وعد. ولا بالخائن إذا اؤتمن. وقال عليه السلام: العقل خليل المؤمن. والحلم وزيره. والرفق والده. واللين أخوه. ولابد للعاقل من ثلاث: أن ينظر في شأنه ويحفظ لسانه ويعرف زمانه. ألا وإن من البلاء الفاقة وأشد من الفاقة مرض البدن وأشد من مرض البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم سعة المال وأفضل من سعة المال صحة البدن وأفضل من صحة البدن تقوى القلب. وقال عليه السلام: إن للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه (2) وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل. وليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمة لمعاشه (3) وخطوة لمعاده أو لذة في غير محرم. وقال عليه السلام كم من مستدرج بالاحسان إليه (4) وكم من مغرور بالستر عليه وكم من مفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله عبدا بمثل الاملاء له (5) قال الله عزوجل: " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما (6) ".


(1) محق: هلك. ومرق: خرج من الدين بضلالة أو بدعة. (2) وكذا في أمالى ابن الشيخ وفى النهج [ وساعة يرم معاشه ]. (3) رممت الشى - بالتثقيل -: اصلحته. والمرمة: الاصلاح. وفى الحديث: " لا يكون العاقل ظاعنا الا في ثلاث: تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم ". (4) استدرجه الله من حيث لا يعلم بالانعام والاحسان إليه وهو يعصى الله ولا يعلم أن ذلك ابلاغا للحجة عليه واقامة للمعذرة في أخذه وقد مر بيان الاستدراج كرارا. (5) والاملاء: الامهال. (6) سورة آل عمران آية 178. (*)

[ 204 ]

وقال عليه السلام: ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم، يكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك (1) ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك. وقال عليه السلام: لا تغضبوا. ولا تغضبوا (2). أفشوا السلام. وأطيبوا الكلام. وقال عليه السلام: الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسوا إذا ألطف. وقال عليه السلام: ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يرخص الناس في معاصي الله ولم يقنطهم من رحمة الله ولم يؤمنهم من مكر الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه. ولا خير في عبادة ليس فيها تفقه. ولا خير في علم ليس فيه تفكر. ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر. وقال عليه السلام: إن الله إذا جمع الناس نادى فيهم مناد أيها الناس إن أقربكم اليوم من الله أشدكم منه خوفا وإن أحبكم إلى الله أحسنكم له عملا وإن أفضلكم عنده منصبا أعملكم (3) فيما عنده رغبة وإن أكرمكم عليه أتقاكم. وقال عليه السلام: عجبت لاقوام يحتمون الطعام مخافة الاذى كيف لا يحتمون الذنوب مخافة النار (4). وعجبت ممن يشترى المماليك بماله كيف لا يشترى الاحرار بمعروفه فيملكهم. ثم قال: إن الخير والشر لا يعرفان إلا بالناس، فإذا أردت أن تعرف الخير (5) فاعمل الخير تعرف أهله. وإذا أردت أن تعرف الشر فاعمل الشر تعرف أهله. وقال عليه السلام: إنما أخشى عليكم اثنتين: طول الامل واتباع الهوى، أما طول الامل فينسي الآخرة واما أتباع الهوى، فإنه يصد عن الحق. وسأله رجل


(1) البشر - بالكسر -: بشاشة الوجه. والنزاهة: العفة والبعد عن المكروه. (2) في بعض النسخ [ ولا تعصبوا ]. ولعل الصحيح " ولا تعضبوا " أي لا تقطعوا. (3) في بعض النسخ [ أعلمكم ]. (4) يحتمون أي يتقون وفى بعض النسخ [ كيف لا يحتمى ]. (5) في بعض النسخ [ أن تعمل الخير ]. (*)

[ 205 ]

بالبصرة عن الاخوان فقال: الاخوان صنفان: إخوان الثقة وإخوان المكاشرة، فأما إخوان الثقة فهم الكهف والجناح (1) والاهل والمال فإن كنت من أخيك على حد الثقة فابذل له مالك ويدك وصاف من صافاه (2) وعاد من عاداه واكتم سره وعيبه وأظهر منه الحسن. اعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريت الاحمر، وأما إخوان المكاشرة فإنك تصيب منهم لذتك، فلا تقطعن منهم لذتك، ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان. وقال عليه السلام: لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعدى صديقك. وقال عليه السلام: لا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب (3). وقال عليه السلام: ينبغي للمسلم أن يجتنب مؤاخاة ثلاثة: الفاجر (4) والاحمق والكذاب فأما الفاجر فيزين لك فعله ويحب أنك مثله ولا يعينك على أمر دينك ومعادك، فمقارنته جفاء وقسوة ومدخله عار عليك (5). وأما الاحمق فإنه لا يشير عليك بخير ولا يرجى لصرف السوء عنك ولو جهد نفسه (6) وربما أراد نفعك فضرك. فموته خير من حياته وسكوته خير من نطقه وبعده خير من قربه. وأما الكذاب فإنه لا يهنئك معه عيش، ينقل حديثك وينقل إليك الحديث. كلما أفنى احدوثة مطاها باخرى مثلها (7) حتى أنه يحدث بالصدق فلا يصدق، يغزي بين الناس بالعداوة (8) فينبت الشحناء في الصدور. فاتقوا الله وانظروا لانفسكم.


(1) المكاشرة - مفاعلة من كشر كضرب - وكشر الرجل عن أسنانه أي أبدى واظهر ويكون في الضحك. والمكاشر: المتبسم في وجهه. والكهف: الملجأ. ورواه الصدوق في الخصال وفيه [ فهم الكف والجناح والاصل والاهل والمال ]. والجناح من الانسان: اليد: لانه بمنزلة جناح الطائر. (2) صافى فلانا: أخلص له الود. (3) لا تصرم أي لا تقطع. والاستعتاب: الاسترضاء. (4) رواه الكليني (ره) في الكافي 2 ص 639 وفيه [ الماجن الفاجر ]. (5) في الكافي [ مقاربته جفاء ]. و " مدخله " أي زيارته ومواجهته. (6) في الكافي [ ولو أجهد نفسه ]. (7) مطا يمطو: أسرع في سيره ومطا بالقوم: مد بهم في السير. وفى الكافي [ مطرها ]. وفى بعض نسخه [ مطها ]. (8) يغرى أي القى بينهم العداوة. والشحناء: العداوة والبغضاء امتلات منها النفس من شحن أي ملا. وفى الكافي [ يفرق بين الناس بالعداوة فينبت السخائم في الصدور ]. (*)

[ 206 ]

وقال عليه السلام: لا عليك (1) أن تصحب ذا العقل وإن لم تجمد كرمه (2) ولكن انتفع بعقله واحترس من سيئ أخلاقه ولا تدعن صحبة الكريم وإن لم تنتفع بعقله ولكن انتفع بكرمه بعقلك. وافرر الفرار كله من اللئيم الاحمق. وقال عليه السلام: الصبر ثلاثة: الصبر على المصيبة. والصبر على الطاعة. والصبر عن المعصية. وقال عليه السلام: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مكروه أبدا، قيل: وما هن ؟ قال: العجلة واللجاجة والعجب والتواني. وقال عليه السلام: الاعمال ثلاثة: فرائض وفضائل ومعاصي، فأما الفرائض فبأمر الله ومشيئته وبرضاه وبعلمه وقدره يعملها البعد فينجو من الله بها. وأما الفضائل فليس بأمر الله لكن بمشيئته وبرضاه وبعلمه وبقدره يعملها العبد فيثاب عليها. وأما المعاصي فليس بأمر الله ولا بمشيئته ولا برضاه لكن بعلمه وبقدره يقدرها لوقتها، فيفعلها العبد باختياره فيعاقبه الله عليها، لانه قد نهاه عنها فلم ينته. وقال عليه السلام: يا أيها الناس إن لله في كل نعمة حقا، فمن أداه زاده ومن قصر عنه خاطر بزوال النعمة وتعجل العقوبة، فليراكم الله من النعمة وجلين كما يراكم من الذنوب فرقين (3). وقال عليه السلام: من ضيق عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك حسن نظر من الله [ له ] فقد ضيع مأمولا. ومن وسع عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك استدراج من الله فقد أمن مخوفا. (4) وقال عليه السلام: يا أيها الناس سلوا الله اليقين وارغبوا إليه في العافية، فإن أجل


(1) أي لا بأس بك ولا حرج. (2) جمدت يده: بخل. (3) " وجلين " أي خائفين. " فرقين " أي فزعين. (4) ذات يده: ما يملكه. ومأمولا أي ما أمل ورجا أي من كان في ضيق بحسب المال ولم يظن ان ذلك احسان من الله وامتحان منه فقد ضيع اجرا مأمولا وهكذا إذا لم يظن ان نعمته استدراج منه فقد أمن من مكر الله وذكر في النهج بتقديم وتأخير. (*)

[ 207 ]

النعم العافية. وخير مادام في القلب اليقين. والمغبون من غبن دينه. والمغبوط من حسن يقينه. وقال عليه السلام: لا يجد رجل طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه ليكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال عليه السلام: ما ابتلي المؤمن بشئ هو أشد عليه من خصال ثلاث يحرمها، قيل: وما هن ؟ قال: المواساة في ذات يده والانصاف من نفسه وذكر الله كثيرا، أما إني لا أقول لكم: سبحان الله والحمد لله ولكن ذكر الله عندما أحل له وذكر الله عندما حرم عليه. وقال عليه السلام: من رضي من الدنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيه يكفيه ومن لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن فيها شئ يكفيه. وقال عليه السلام: المنية لا الدنية والتجلد لا التبلد (1) والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فلا تحزن فبكليهما ستختبر. وقال عليه السلام: أفضل على من شئت يكن أسيرك. وقال عليه السلام: ليس من أخلاق المؤمن الملق ولا الحسد إلا في طلب العلم. وقال عليه السلام: أركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والسخط والغضب. وقال عليه السلام: الصبر مفتاح الدرك. والنجح عقبى من صبر (2). ولكل طالب حاجة وقت يحركه القدر. وقال عليه السلام: اللسان معيار أطاشه الجهل (3) وأرجحه العقل. وقال عليه السلام: من طلب شفا غيظ بغير حق أذاقه الله هوانا بحق. إن الله عدو ما كره. وقال عليه السلام: ما حار من استخار ولا ندم من استشار (4). وقال عليه السلام: عمرت البلدان بحب الاوطان. وقال عليه السلام: ثلاث من حافظ عليها سعد: إذا ظهرت عليك نعمة فاحمد الله. وإذا


(1) المنية: الموت أي يكون الموت ولا يكون ارتكاب الدنية. والتجلد: تكلف الجلد - محركة - و الصبر عليه. والتبلد: ضد التجلد والتلهف. ومضمون هذا الكلام منقول في النهج وفيه [ والتقلل ولا التوسل ]. (2) النجح - بالضم -: الفوز والظفر. (3) أطاشه أي خفه. وبالفارسية (يعنى سبك ميكند اورا). (4) الحور - بالفتح -: التحير والرجوع إلى النقصان. (*)

[ 208 ]

أبطأ عنك الرزق فاستغفر الله وإذا أصابتك شدة فأكثر من قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". وقال عليه السلام: العلم ثلاثة: الفقه للاديان. والطب للابدان. والنحو للسان. وقال عليه السلام: حق الله في العسر الرضى والصبر. وحقه في اليسر الحمد والشكر. وقال عليه السلام: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. وكم من شهوة ساعة قد أورثت حزنا طويلا. والموت فضح الدنيا، فلم يترك لذي لب فيها فرحا ولا لعاقل لذة. وقال عليه السلام: العلم قائد والعمل سائق والنفس حرون (1). وقال عليه السلام: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى عليه السلام خرج يقتبس لاهله نارا فكلمه الله ورجع نبيا. وخرجت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان عليه السلام. وخرجت سحرة فرعون يطلبون العز لفرعون فرجعوا مؤمنين. وقال عليه السلام: الناس بامرائهم أشبه منهم بآبائهم. وقال عليه السلام: أيها الناس اعلموا أنه ليس بعاقل من انزعج (2) من قول الزور فيه ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه. الناس أبناء ما يحسنون وقدر كل امرء ما يحسن فتكلموا في العلم تبين أقداركم. وقال عليه السلام: رحم الله امرءا راقب ربه (3) وتوكف ذنبه وكابر هواه وكذب مناه. زم نفسه من التقوى بزمام وألجمها من خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها. وقدعها عن المعصية بلجامها (4)، رافعا إلى المعاد طرفه، متوقعا في كل أوان حتفه، دائم الفكر، طويل السهر، عزوفا عن الدنيا، كدوحا لآخرته (5)، جعل الصبر مطية نجاته والتقوى عدة وفاته ودواء [ داء ] جواه (6)، فاعتبر وقاس فوتر الدنيا والناس، يتعلم للتفقه


(1) الحرون من الخيل: الذى لا ينقاد لراكبه فإذا استدر جريه وقف. (2) ازعجه فانزعج: أقلقه وقلعه من مكانه فقلق وانقلع. (3) في بعض النسخ [ راقب دينه ]. والتوكف: التجنب. والمكابرة: المعاندة والمغالبة. (4) قدع الفرس باللجام: كبحه أي جدبه به لتقف وتجرى. (5) سهر سهرا - كفرح - إذا لم ينم ليلا. وعزفت نفسه عن الشئ: انصرفت وزهدت فيه والكدح السعي في مشقة وتعب. (6) الجوى: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن. (*)

[ 209 ]

والسداد، قد وقر قلبه ذكر المعاد، فطوى مهاده (1) وهجر وساده، قد عظمت فيما عند الله رغبته واشتدت منه رهبته، يظهر دون ما يكتم ويكتفي بأقل مما يعلم، أولئك ودائع الله في بلاده، المدفوع بهم عن عباده، لو أقسم أحدهم على الله لابره، آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. وقال عليه السلام: وكل الرزق بالحمق. ووكل الحرمان بالعقل. ووكل البلاء بالصبر. وقال عليه السلام للاشعث (2) يعزيه بأخيه عبد الرحمن: إن جزعت فحق عبد الرحمن وفيت وإن صبرت فحق الله أديت، على أنك إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت محمود وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مذموم (3). فقال الاشعث: إنا لله وإنا إليه راجعون فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أتدري ما تأويلها ؟ فقال الاشعث: لانت غاية العلم ومنتهاه فقال عليه السلام: أما قولك: " إنا لله " فإقرار منك بالملك. وأما قولك " وإنا إليه راجعون " فإقرار منك بالهلك (4). وركب يوما فمشى معه قوم فقال عليه السلام لهم: أما علمتم أن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي، انصرفوا.


(1) طوى نقيض نشر. والمهاد: الفراش. وهجره أي تركه وأعرض عنه. (2) الظاهر هو اشعث بن قيس المكنى بابى محمد ذكروه في جملة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان اسر بعد النبي صلى الله عليه وآله في ردة اهل ياسر وعفى عنه أبو بكر وزوجه اخته ام فروة وكانت عوراء فولدت له محمد. وكان اشعث سكن الكوفة وهو عامل عثمان على آذربيجان وكان ابا زوجة عمر بن عثمان وكتب أمير المؤمنين عليه لسلام إليه بعد فتح البصرة فسار وقدم على على عليه السلام وحضر صفين ثم صار خارجيا ملعونا وقال ابن أبى الحديد كل فساد كان في خلافة امير المؤمنين عليه السلام وكل اضطراب حدث فأصله الاشعث وهو الذى شرك في دمه عليه السلام وابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام. (3) في النهج عزاه عن ابن له قال: [ يا أشعث إن تحزن على ابنك فقد استحقت ذلك منك الرحم. وان تصبر ففى الله من كل مصيبة خلف. يا أشعث إن صبرت جرى عليك القدر وانت مأجور وان جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور إبنك سرك وهو بلاء وفتنة وحزنك وهو ثواب ورحمة ]. (4) الهلك بالضم: الهلاك. (*)

[ 210 ]

وقال عليه السلام: الامور ثلاثة: أمر بان لك رشده فاتبعه (1) وأمر بان لك غيه فاجتنبه وأمر أشكل عليك فرددته إلى عالمه (2). وقال له جابر يوما: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام أصبحنا وبنا من نعم الله ربنا ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فلا ندري ما نشكر أجميل ما ينشر أم قبيح ما يستر. وعزى عبد الله بن عباس عن مولود صغير مات له فقال عليه السلام: لمصيبة في غيرك لك أجرها أحب إلي من مصيبة فيك لغيرك ثوابها فكان لك الاجر لابك وحسن لك العزاء لاعنك وعوضك الله عنه (3) مثل الذي عوضه منك. وقيل له: ما التوبة النصوح ؟ فقال عليه السلام: ندم بالقلب واستغفار باللسان والقصد على أن لا يعود (4). وقال عليه السلام: إنكم مخلوقون اقتدارا ومربوبون اقتسارا (5) ومضمنون أجداثا و كائنون رفاتا ومبعوثون أفرادا ومدينون حسابا، فرحم الله عبد اقترف فاعترف. ووجل فعمل. وحاذر فبادر. وعبر فاعتبر. وحذر فازدجر. وأجاب فأناب وراجع فتاب. و اقتدى فاحتذى (6). فباحث طلبا. ونجا هربا. وأفاد ذخيرة. وأطاب سريرة. وتأهب للمعاد. واستظهر بالزاد ليوم رحيله (7) ووجه سبيله وحال حاجته وموطن فاقته، فقدم أمامه لدار مقامه. فمهدوا لانفسكم، فهل ينتظر أهل غضارة الشباب إلا حواني الهرم وأهل بضاضة الصحة (8) الا نوازل السقم وأهل مدة البقاء إلا مفاجأة الفناء واقتراب الفوت ودنو الموت.


(1) في بعض النسخ [ فارتكبه ]. (2) في بعض النسخ [ فرده إلى عالمه ]. (3) في بعض النسخ [ منه ]. (4) في بعض النسخ [ العقد على أن لا يعود ]. (5) في بعض النسخ [ انتشارا ]. والاقتسار: عدم الاختيار، أي رباهم الله من عند كونهم أجنة في بطون أمهاتهم إلى كبرهم من غير إختيار منهم. وفى بعض النسخ [ ومضمون أحداثا ]. (6) الاحتذاء: الاقتداء أي أتى بكل ما للاقتداء من معنى. (7) استظهر بالزاد: استعان به. (8) البضاضة: رقة اللون وصفاؤه. (*)

[ 211 ]

وقال عليه السلام: اتقوا الله تقية من شمر تجريدا. وجد تشميرا. وانكمش في مهل واشفق في وجل. (1) ونظر في كرة الموئل وعاقبة المصير ومغبة المرجع. (2) فكفى بالله منتقما ونصيرا وكفى بالجنة ثوابا ونوالا (3) وكفى بالنار عقابا ونكالا وكفى بكتاب الله حجيجا وخصيما (4). وسأله رجل عن السنة والبدعة والفرقة والجماعة. فقال عليه السلام: أما السنة فسنة رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما البدعة فما خالفها (5). وأما الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا وأما الجماعة فأهل الحق وإن قلوا، وقال صلى الله عليه وآله (6): " لا يرجو العبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه ولا يستحي العالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم (7) والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد. وقال له رجل: أوصني. فقال عليه السلام: اوصيك أن لا يكونن لعمل الخير عندك غاية في الكثرة ولا لعمل الاثم عندك غاية في القلة. وقال له آخر: أوصني، فقال عليه السلام: لا تحدث نفسك بفقر ولا طول عمر. وقال عليه السلام: إن لاهل الدين علامات يعرفون بها: صدق الحديث وأداء الامانة ووفاء بالعهد وصلة للارحام ورحمة للضفاء وقلة مواتاة للنساء (8) وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الحلم واتباع العلم وما يقرب من الله زلفى، فطوبى لهم وحسن مآب. وقال عليه السلام: ما أطال [ ال‍ ] عبد الامل إلا أنسا [ ه ] العمل.


(1) التشمير: السرعة والخفة. وفى بعض النسخ والنهج [ وجد تشميرا ]. وانكمش أي أسرع وجد فيه. والمهل - بفتح فسكون وبالتحريك - مصدر بمعنى الرفق والامهال. وفى النهج [ وبادر عن وجل ]. (2) في النهج [ عاقبة المصدر ]. والمغبة - بفتح الميم والغين وتشديد التاء -: العاقبة. (3) النوال: العطاء والنصيب. (4) الحجيج: المغالب باظهار الحجة. (5) في بعض النسخ [ فمن خالفها ]. (6) كذا في جميع النسخ. (7) في الكافي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: للعالم إذا سئل عن شئ وهو لا يعلمه أن يقول: الله أعلم وليس لغير العالم أن يقول ذلك. ج 1 ص 42. (8) المواتاة: المطاوعة. وفى الكافي [ قلة المراقبة للنساء ]. (*)

[ 212 ]

وقال عليه السلام: ابن آدم أشبه شئ بالمعيار إما ناقص بجهل أو راجح بعلم. وقال عليه السلام: سباب المؤمن فسق وقتاله كفر وحرمة ماله كحرمة دمه. وقال عليه السلام: ابذل لاخيك دمك ومالك. ولعدوك عدلك وإنصافك. وللعامة بشرك وإحسانك. سلم على الناس يسلموا عليك. وقال عليه السلام: سادة الناس في الدنيا الاسخياء وفى الآخرة الاتقياء. وقال عليه السلام: الشئ شيئان فشئ لغيري لم أرزقه فيما مضى ولا آمله فيما بقي وشئ لا أناله دون وقته، ولو أجلبت عليه بقوة السماوات والارض، فبأي هذين أفني عمري. وقال عليه السلام: إن المؤمن إذا نظر اعتبر. وإذا سكت تفكر. وإذا تكلم ذكر. وإذا استغنى شكر. وإذا أصابته شدة صبر، فهو قريب الرضى، بعيد السخط، يرضيه عن الله اليسير ولا يسخطه الكثير ولا يبلغ بنيته إرادته في الخير، ينوي كثيرا من الخير ويعمل بطائفة منه ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به (1). والمنافق إذا نظر لها وإذا سكت سها وإذا تكلم لغا (2) وإذا استغنى طغا وإذا أصابته شدة ضغا (3)، فهو قريب السخط بعيد الرضى، يسخطه على الله اليسير ولا يرضيه الكثير، ينوي كثيرا من الشر ويعمل بطائفة منه ويتلهف على ما فاته من الشر كيف لم يعمل به. وقال عليه السلام: الدنيا والآخرة عدوان متعاديان وسبيلان مختلفان، من أحب الدنيا ووالاها أبغض الآخرة وعاداها، مثلهما مثل المشرق والمغرب والماشي بينهما لا يزداد من أحدهما قربا إلا ازداد من الآخر بعدا. وقال عليه السلام: من خاف الوعيد قرب عليه البعيد (4). ومن كان من قوت الدنيا لا يشبع لم يكفه منها ما يجمع. ومن سعى للدنيا فاتته. ومن قعد عنها أتته. إنما الدنيا


(1) تلهف أي حزن عليه وتحسر. (2) " لها " أي لعب. " سها " أي غفل ونسى وذهب قلبه إلى غيره. و " لغا " أي خطأ وتكلم من غير تفكر وروية. (3) " ضغا " أي تذلل وضعف. (4) الوعيد يستعمل في الشر كما ان الوعد في الخير غالبا. (*)

[ 213 ]

ظل ممدود إلى أجل معدود. رحم الله عبدا سمع حكما فوعى ودعي إلى الرشاد فدنا وأخذ بحجزة ناج هاد فنجا (1)، قدم خالصا وعمل صالحا [ قدم ] مذخورا واجتنب محذورا، رمى غرضا (2) [ وأحرز عوضا ]، كابر هواه وكذب مناه، جعل الصبر مطية نجاته والتقوى عدة وفاته (3)، لزم الطريقة الغراء والمحجة البيضاء. واغتنم المهل وبادر الاجل وتزود من العمل. وقال عليه السلام لرجل: كيف أنتم ؟ فقال: نرجو ونخاف، فقال عليه السلام: من رجا شيئا طلبه ومن خالف شيئا هرب منه، ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما خاف منه وما أدري ما رجاء رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو. وقال عليه السلام لعباية بن ربعي (4) وقد سأله عن الاستطاعة التي نقوم ونقعد ونفعل: إنك سألت عن الاستطاعة فهل تملكها من دون الله، أو مع الله، فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن قلت: تملكها مع الله قتلتك وإن قلت: تملكها دون الله قتلتك، [ ف‍ ] قال عباية: فما أقول ؟ قال عليه السلام: تقول: إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك فإن ملكك إياها كان ذلك من عطائه وإن سلبكها كان ذلك من بلائه، فهو المالك لما ملكك والقادر على ما عليه أقدرك (5). قال الاصبغ بن نباتة (6): سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: احدثكم بحديث


(1) الحجزة - كغرفة -: مقعد الازار. واستعير لهدى الهادى ولزوم قصده والاقتداء به. (2) الغرض - بالتحريك -: الهدف الذى يرمى إليه. وكابر: عاند وغالب. (3) العدة - بالضم - الاستعداد وما أعددته. وفى الخبر " استعدوا للموت " أي اطلبوا العدة للموت وهى التقوى. والغراء: البيضاء. (4) هو عباية بن عمرو بن ربعى الاسدي من اصحاب امير المؤمنين والحسن عليهما السلام بل من خواصهما عليهما السلام ومعتمد عليه. (5) وفى بعض النسخ [ والقادر لما عليه قدرك ]. (6) اصبغ بن نباتة المجاشعى كان من خاصة امير المؤمنين عليه السلام وعمر بعده وروى عهده لمالك الاشتر الذى عهد إليه امير المؤمنين عليه السلام لما ولاه مصر وروى ايضا وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه محمد الحنفية وكان يوم صفين على شرطة الخميس وكان شيخا شريفا ناسكا عابدا وكان من ذخائر على عليه السلام ممن قد بايعه على الموت وهو من فرسان أهل العراق وكان عند سلمان رضى الله عنه وقت وفاته وبكائه على امير المؤمنين عليه السلام عند بابه لما ضربه ابن ملجم لعنه الله ودخوله عليه - وهو معصوب الرأس بعمامة صفراء وقد نزف الدم واصفر وجهه - مشهور. (*)

[ 214 ]

ينبغي لكل مسلم أن يعيه، ثم أقبل علينا، فقال عليه السلام: ما عاقب الله عبدا مؤمنا في هذه الدنيا إلا كان أجود وأمجد من أن يعود في عقابه يوم القيامة. ولا ستر الله على عبد مؤمن في هذه الدنيا وعفا عنه إلا كان أمجد وأجود وأكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة، ثم قال عليه السلام: وقد يبتلي الله المؤمن بالبلية في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله وتلا هذه الآية: " ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (1) " وضم يده ثلاث مرات و يقول: " ويعفو عن كثير ". وقال عليه السلام: أول القطيعة السجا. ولا تأس أحدا إذا كان ملولا (2) أقبح المكافأة المجازاة بالاساءة. وقال عليه السلام: أول إعجاب المرء بنفسه فساد عقله. من غلب لسانه أمنه. من لم يصلح خلائقه كثرت بوائقه (3). من ساء خلقه مله أهله. رب كلمة سلبت نعمة. الشكر عصمة من الفتنة. الصيانة رأس المروة. شفيع المذنب خضوعه. أصل الحزم الوقوف عند الشبهة. في سعة الاخلاق كنوز الارزاق. وقال عليه السلام: المصائب بالسوية مقسومة بين البرية. لا تيأس لذنبك وباب التوبة مفتوح. الرشد في خلاف الشهوة. تأريخ المنى الموت. النظر إلى البخيل يقسي القلب. النظر إلى الاحمق يسخن العين (4). السخاء فطنة. واللؤم تغافل. وقال عليه السلام: الفقر الموت الاكبر. وقلة العيال أحد اليسارين وهو نصف العيش والهم نصف الهرم. وما عال امرؤ اقتصد (5). وما عطب امرؤ استشار. والصنيعة لا تصلح إلا عند ذي حسب أو دين. والسعيد من وعظ بغيره. والمغبون لا محمود ولا مأجور. البر لا يبلى. والذنب لا ينسى.


(1) سورة الشورى آية 30. (2) السجا: الستر، سجا الليل يسجو: ستر بظلمته. وفى النهج [ ولا تأمنن ملولا ]. (3) الخلائق: جمع خليقة: الطبيعة. والبوائق جمع بائقة: الشر والغائلة والداهية. (4) سخنت عينه: نقيض قرت. (5) أي ما جار امرؤ إن أخذ بالاقتصاد. وفى النهج [ ما أعال ]. وما عطب أي ما هلك. (*)

[ 215 ]

وقال عليه السلام: اصطنعوا المعروف (1) تكسبوا الحمد. واستشعروا الحمد يؤنس بكم [ العقلاء ]. ودعوا الفضول يجانبكم السفهاء. وأكرموا الجليس تعمر ناديكم (2). وحاموا عن الخليط يرغب في جواركم. وأنصفوا الناس من انفسكم يوثق بكم. وعليكم بمكارم الاخلاق فإنها رفعة. وإياكم والاخلاق الدنية فإنها تضع الشريف وتهدم المجد. وقال عليه السلام: اقنع تعز. وقال عليه السلام: الصبر جنة من الفاقة. والحرص علامة الفقر. والتجمل اجتناب المسكنة. والموعظة كهف لمن لجأ إليها. وقال عليه السلام: من كساه العلم ثوبه اختفى عن الناس عيبه. وقال عليه السلام: لا عيش لحسود. ولا مودة لملول. ولا مروة لكذوب. وقال عليه السلام: تروح إلى بقاء عزك بالوحدة. وقال عليه السلام: كل عزيز داخل تحت القدرة فذليل. وقال عليه السلام: أهلك الناس اثنان: خوف الفقر وطلب الفخر. وقال عليه السلام: أيها الناس إياكم وحب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة وباب كل بلية وقران كل فتنة وداعي كل رزية (3). وقال عليه السلام: جمع الخير كله في ثلاث خصال: النظر والسكوت والكلام، فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو. وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة. وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبرة وسكوته فكرة وكلامه ذكرا وبكى على خطيئته وأمن الناس من شره (4). وقال عليه السلام: ما أعجب هذا الانسان مسرور بدرك ما لم يكن ليفوته، محزون على فوت ما لم يكن ليدركه ولو أنه فكر لابصر وعلم أنه مدبر وأن الرزق عليه مقدر ولاقتصر على ما تيسر ولم يتعرض لما تعسر (5).


(1) اصطنعوا: اعطوا واحسنوا واكرموا. (2) النادى: المجلس جمع أندية. (3) الرزية: المصيبة. (4) في معاني الاخبار باب 202 ج 2 [ وأمن الناس شره ]. (5) في بعض النسخ [ لاقتصر على ما يتيسر ولم يتعرض لما يتعسر ]. (*)

[ 216 ]

وقال عليه السلام إذا طاف في الاسواق ووعظهم قال: يا معشر التجار قدموا الاستخارة وتبركوا بالسهولة. واقتربوا من المبتاعين. (1) وتزينوا بالحلم. وتناهوا عن اليمين وجانبوا الكذب. وتجافوا عن الظلم. (2) وأنصفوا المظلومين ولا تقربوا الربا. وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين. وسئل أي شئ مما خلق الله أحسن ؟ فقال عليه السلام: الكلام. فقيل: أي شئ مما خلق الله أقبح ؟ قال: الكلام، ثم قال: بالكلام ابيضت الوجوه وبالكلام اسودت الوجوه. وقال عليه السلام: قولوا الخير تعرفوا [ به ] واعملوا به تكونوا من أهله. وقال عليه السلام: إذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم. وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم. واعلموا أن الهالك من هلك دينه. والحريب من سلب دينه (3). ألا وإنه لا فقر بعد الجنة ولا غنى بعد النار. وقال عليه السلام: لا يجد عبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده (4). وقال عليه السلام: ينبغي للرجل المسلم أن يجتنب مؤاخاة الكذاب، إنه يكذب حتى يجئ بالصدق فما يصدق. وقال عليه السلام: أعظم الخطايا اقتطاع مال امرئ مسلم بغير حق (5). وقال عليه السلام: من خاف القصاص كف عن ظلم الناس. وقال عليه السلام: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد. وقال عليه السلام: العامل بالظلم والمعين عليه والراضي به شركاء ثلاثة. وقال عليه السلام: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن [ جميل ] وأحسن من ذلك الصبر عند ما حرم الله عليك. والذكر ذكران: ذكر عند المصيبة حسن جميل وأفضل من ذلك ذكر الله عندما حرم [ الله ] عليك فيكون ذلك حاجزا.


(1) أي تقاربوا بالمشترى وامضوا المعاملة. (2) في بعض النسخ [ تخافوا ]. (3) الحريب: الذى سلب ماله وتركه بلا شئ. (4) الهزل في الكلام: ضد الجد أي المزح والهذى. (5) اقتطع مال فلان أي أخذه لنفسه. (*)

[ 217 ]

وقال عليه السلام: اللهم لا تجعل بي حاجة إلى أحد من شرار خلقك وما جعلت بي من حاجة فاجعلها إلى أحسنهم وجها وأسخاهم بها نفسا وأطلقهم بها لسانا وأقلهم علي بها منا. وقال عليه السلام: طوبى لمن يألف الناس ويألفونه على طاعة الله. وقال عليه السلام: إن من حقيقة الايمان أن يؤثر العبد الصدق حتى نفر عن الكذب حيث ينفع. ولا يعد المرء بمقالته علمه. وقال عليه السلام: أدوا الامانة ولو إلى قاتل ولد الانبياء (1). وقال عليه السلام: التقوى سنخ الايمان. وقال عليه السلام: ألا إن الذل في طاعة الله أقرب إلى العز من التعاون بمعصية الله. وقال عليه السلام: المال والبنون حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة وقد جمعهما الله لاقوام. وقال عليه السلام: مكتوب في التوراة في صحيفتين، إحديهما: من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء الله ساخطا. ومن أصبح من المؤمنين يشكو مصيبة نزلت به إلى من يخالفه على دينه فإنما يشكو ربه إلى عدوه. ومن تواضع لغني طلبا لما عنده ذهب ثلثا دينه (2). ومن قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو ممن يتخذ آيات الله هزوا. وقال عليه السلام: في الصحيفة الاخرى: من لم يستشر يندم ومن يستأثر من الاموال يهلك (3). والفقر الموت الاكبر. وقال عليه السلام: الانسان لبه لسانه. وعقله دينه. ومروته حيث يجعل نفسه. و الرزق مقسوم والايام دول. والناس إلى آدم شرع سواء (4). وقال عليه السلام: لكميل بن زياد: رويدك لا تشهر (5) وأخف شخصك لاتذكر.


(1) في كنز الفوائد [ إلى قاتل الانبياء ]. (2) لان الخضوع لغير الله أداء عمل لغيره واستعظام المال ضعف في اليقين فلم يبق الا الاقرار باللسان. (3) استاثر بالمال: اختص نفسه به واختاره. (4) " دول " أي لاثبات فيها ولا قرار. والشرع - بكسر فسكون وبفتحتين -: المثل. (5) رويدك - مصدر - أي امهل. (*)

[ 218 ]

تعلم تعلم. واصمت تسلم. لا عليك إذا عرفك دينه لا تعرف الناس ولا يعرفونك. وقال عليه السلام: ليس الحكيم من لم يدار من لا يجد بدا من مدارأته. وقال عليه السلام: أربع لو ضربتم فيهن أكباد الابل (1) لكان ذلك يسيرا: لا يرجون أحد إلا ربه. ولا يخافن إلا ذنبه. ولا يستحين أن يقول: لا أعلم إذا هو لم يعلم. ولا يستكبرن أن يتعلم إذا لم يعلم. وكتب إلى عبد الله بن العباس أما بعد فاطلب ما يعنيك واترك ما لا يعنيك فإن في ترك ما لا يعنيك درك ما يعنيك وإنما تقدم على ما أسلفت لا على ما خلفت. وابن ما تلقاه غدا على ما تلقاه والسلام. وقال عليه السلام إن أحسن ما يألف به الناس قلوب أودائهم ونفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم حسن البشر عند لقائهم والتفقد في غيبتهم والبشاشة بهم عند حضورهم. وقال عليه السلام: لا يجد عبد طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال عليه السلام: يا رب ما أشقى جد من لم يعظم في عينه وقلبه ما رأى من ملكك و سلطانك في جنب ما لم تر عينه وقلبه من ملكك وسلطانك. وأشقى منه من لم يصغر في عينه وقلبه ما رأى وما لم ير من ملكك وسلطانك في جنب عظمتك وجد لك، لا إله إلا أنت سبحان إني كنت من الظالمين. وقال عليه السلام: إنما الدنيا فناء وعناء وغير وعبر. فمن فنائها أنك ترى الدهر موترا قوسه مفوقا نبله (2) لا تخطئ سهامه ولا تشفى جراحه، يرمى الصحيح بالسقم والحي بالموت. ومن عنائها أن المرء يجمع مالا يأكل ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله لا مالا حمل ولا بناء نقل. ومن غيرها (3) أنك ترى المغبوط مرحوما والمرحوم مغبوطا ليس بينهم (4)


(1) ضرب أكباد الابل في طلب الشئ كناية من أن يرحل إليه. وفى النهج [ لو ضربتم إليها آباط الابل لكانت لذلك أهلا ]. (2) موترا قوسه: مشد وترها. " مفوقا نبله " أي موضع فوقته في الوتر ليرمى به. والفوق: مشق رأس السهم حيث يقع الوتر. (3) في امالي الشيخ [ عبرها ]. (4) في الامالى [ ليس بينهما ]. (*)

[ 219 ]

إلا نعيم زال وبؤس نزل (1) ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله فيتخطفه أجله (2) فلا أمل مدروك ولا مؤمل متروك. فسبحان [ الله ] ما أعز سرورها وأظمأ ريها وأضحى فيئها فكأن ما كان من الدنيا لم يكن، وكأن ما هو كائن قد كان. [ و ] أن الدار الآخرة هي دار المقام ودار القرار وجنة ونار. صار أولياء الله إلى الاجر بالصبر وإلى الامل بالعمل. وقال عليه السلام: من أحب السبل إلى الله جرعتان: جرعة غيظ تردها بحلم وجرعة حزن تردها بصبر. ومن أحب السبل إلى الله قطرتان: قطرة دموع في جوف الليل و قطرة دم في سبيل الله. ومن أحب السبل إلى الله خطوتان: خطوة امرء مسلم يشد بها صفا في سبيل الله وخطوة في صلة الرحم [ وهي ] أفضل من خطوة يشد (3) بها صفا في سبيل الله. وقال عليه السلام: لا يكون الصديق لاخيه صديقا حتى يحفظه في نكبته وغيبته و بعد وفاته. وقال عليه السلام: إن قلوب الجهال تستفزها الاطماع وترهنها المنى وتستعلقها الخدائع (4). وقال عليه السلام: من استحكمت فيه خصلة من خصال الخير اغتفرت ما سواها ولا أغتفر فقد عقل ولا دين، لان مفارقة الدين مفارقة الامن ولا حياة مع مخافة. وفقد العقل


(1) في الامالى [ نعيم زال ]. وفى الامالى [ ومن غيرها ]. (2) وفى بعض النسخ وفى الامالى [ فيختطفه ]. (3) في بعض النسخ [ يشهد ] في الموضعين. (4) " تستفزها " أي تستخفها وتخرجها من مقرها " وترهنها المنى " في الكافي [ ترتهنها ] وهى ارادة مالا يتوقع حصوله أو المراد بها ما يعرض للانسان من أحاديث النفس وتسويل الشيطان أي تأخذها وتجعلها مشغولة بها ولا تتركها الا بحصول ما تتمناه كما أن الرهن لا ينفك الا بأداء المال وقوله: " تستعلقها " بالعين المهملة ثم القاف أي تصيدها وتربطها بالحبال من قولهم: " علق الوحش بالحبالة " إذا تعوق وتشب فيها. وفى بعض النسخ بالقافين أي تجعلها الخدائع منزعجة منقلعة من مكانها وفى بعضها بالغين المعجمة ثم القاف من قولهم: " استغلقني في بيعه " أي لم يجعل لى خيارا في رده. (مرآة العقول كتاب العقل والجهل). (*)

[ 220 ]

فقد الحياة ولا يقاس [ إلا ] بالاموات (1). وقال عليه السلام: من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ومن كتم سره كانت الخيرة في يده (2). وقال عليه السلام: إن الله يعذب ستة بستة: العرب بالعصبية والدهاقين بالكبر والامراء بالجور والفقهاء بالحسد والتجار بالخيانة وأهل الرستاق بالجهل. وقال عليه السلام: أيها الناس اتقوا الله، فإن الصبر على التقوى أهون من الصبر على عذاب الله. وقال عليه السلام: الزهد في الدنيا قصر الامل، وشكر كل نعمة، والورع عن كل ما حرم الله. وقال عليه السلام: إن الاشياء لما ازدوجت ازدوج الكسل والعجز فنتج منهما الفقر (3). وقال عليه السلام: ألا إن الايام ثلاثة: يوم مضى لا ترجوه ويوم بقي لابد منه (4). ويوم يأتي لا تأمنه فالامس موعظة واليوم غنيمة، وغد لا تدري من أهله، أمس شاهد مقبول و. اليوم أمين مؤد. وغد يعجل بنفسك سريع الظعن (5)، طويل الغيبة، أتاك ولم تأته. أيها الناس إن البقاء بعد الفناء ولم تكن إلا وقد ورثنا من كان قبلنا ولنا وارثون بعدنا فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه. واسلكوا سبل الخير، ولا تستوحشوا فيها لقلة أهلها واذكروا حسن صحبة الله لكم فيها. ألا وإن العواري اليوم والهبات


(1) كذا. وفى الكافي ج 1 ص 27 [ عن امير المؤمنين عليه السلام من استحكمت لى فيه خصلة من خصال الخير احتملته عليها وغتفرت فقد ما سواها ولا أغتفر فقد عقل ولا دين، لان مفارقة الدين مفارقة الامن فلا يتهنأ بحياة مع مخافة وفقد العقل فقد الحياة ولا يقاس الا بالاموات ]. واستحكمت أي أثبتت وصارت ملكة راسخة. واحتملته أي قبلته ورحمته على تلك الخصله وقوله " لا يقاس إلا بالاموات " ذلك لعدم اطلاعه على وجوه مفاسده ومصالحه وعدم اهتدائه دفع مضاره وجلب منافعه. (2) الخيرة: الخيار وذلك لان من اسر عزيمة فله الخيار بخلاف من أفشاها. (3) في بعض النسخ [ بينهما الفقر ]. (4) في بعض النسخ [ لا تدمنه ] أي لا تدومه. (5) الظعن: الرحلة. (*)

[ 221 ]

غدا. وإنما نحن فروع لاصول قد مضت، فما بقاء الفروع بعد أصولها. أيها الناس إنكم إن آثرتم الدنيا على الآخرة أسرعتم إجابتها إلى العرض الادنى ورحلت مطايا آمالكم إلى الغاية القصوى، تورد مناهل عاقبتها الندم وتذيقكم ما فعلت بالامم الخالية والقرون الماضية من تغير الحالات وتكون المثلات. وقال عليه السلام: الصلاة قربان كل تقي، والحج جهاد كل ضعيف، ولكل شئ زكاة وزكاة البدن الصيام، وأفضل عمل المرء انتظاره فرج الله، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية، استنزلوا الرزق بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وما عال امرء اقتصد. والتقدير نصف العيش، والتودد نصف العقل. والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه عقهما، ومن ضرب بيده على فخذه عند المصيبة حبط أجره، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي حسب أو دين، والله ينزل الصبر على قدر المصيبة، فمن قدر رزقه الله ومن بذر حرمه الله، والامانة تجر الرزق، والخيانة تجر الفقر، ولو أراد الله بالنملة صلاحا ما أنبت [ لها ] جناحا. وقال عليه السلام: متاع الدنيا حطام وتراثها كباب، بلغتها أفضل من أثرتها. وقلعتها أركن من طمأنينتها (1)، حكم بالفاقة على مكثرها. واعين بالراحة من رغب عنها، من راقه رواؤها (2) أعقبت ناظريه كمها (3). ومن استشعر شغفها ملات قلبه أشجانا، لهن رقص على سويداء قلبه كرقيص الزبدة على أعراض المدرجة (4) هم يحزنه وهم


(1) الحطام - كغراب -: ما تكسر من يبيس النبات. والكباب - كغراب - الكثير من الابل والغنم والتراب والطين اللازب وامثالها. والبلغة: الكفاف. والاثرة - كقصبة -: الاختيار واختصاص المرء بالشئ دون غيره. والقلعة: الرحلة. (2) في بعض النسخ [ من راقه زبرجها ] وفى بعضها [ من فاقه رواها ]. وراقه الشى: أعجبه و الرواء - بضم الراء -: حسن المنظر، والزبرج: الزينة وكل شئ حسن والذهب. (3) الكمه محركه -: العمى. (4) في بعض النسخ [ من استشعف برواؤها ] والشعف - محركة -: الولوع وشدة التعلق و غلبة الحب. وفى بعض نسخ الحديث والنهج [ ومن استشعر الشعف بها ]. والاشجان: الاحزان: والرقص الغليان والاضطراب واستعار عليه السلام لفظ الرقص لتعاقب الاحزان والهموم واضطرابهما في قلبه. والزبدة ما يستخرج من اللبن بالمخض. ومختار هذا الكلام في النهج مع اختلاف. (*)

[ 222 ]

يشغله (1) كذلك حتى يؤخذ بكظمه ويقطع أبهراه ويلقى هاما للقضاء، طريحا هينا على الله مداه (2) وعلى الابرار ملقاه (3) وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار ويقتات منها ببطن الاضطرار ويسمع فيها النفث (4). وقال عليه السلام: تعلموا الحلم فإن الحلم خليل المؤمن ووزيره والعلم دليله والرفق أخوه والعقل رفيقه والصبر أمير جنوده. وقال عليه السلام لرجل تجاوز الحد في التقشف (5): يا هذا أما سمعت قول الله: " وأما بنعمة ربك فحدث (6) " فو الله لابتذالك نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالكها بالمقال. وقال لابنه الحسن عليهما السلام: اوصيك بتقوى الله وإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها. واوصيك بمغفرة الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عند الجاهل والتفقه في الدين والتثبت في الامر والتعهد للقرآن وحسن الجوار والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الفواحش كلها في كل ما عصي الله فيه. وقال عليه السلام: قوام الدنيا بأربعة: بعالم مستعمل لعلمه. وبغني باذل لمعروفه. وبجاهل لا يتكبر أن يتعلم. وبفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره. وإذا عطل العالم علمه وأمسك الغني معروفه وتكبر الجاهل أن يتعلم وباع الفقير آخرته بدنيا غيره فعليهم الثبور. وقال عليه السلام: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل


(1) في بعض النسخ [ هم يعمره وهم يسفره ]. (2) الكظم - بالضم والتحريك -: مخرج النفس. والابهران: العرقان اللذان يخرجان من القلب. والهامة: الجثة. والمدى: الغاية والمنتهى. وفى النهج [ هينا على الله فناؤه وعلى الاخوان القاؤه ] أي طرحه في قبره. (3) الملقى: الموضع. (4) " يقتات " في بعض النسخ [ بقيات ] وهو تصحيف من النساخ. وفى النهج [ ويسمع فيها باذن المقت والابغاض ]. ولعله هو الصحيح. (5) تقشف الرجل في لباسه إذا لم يتعاهد النظافة. (6) سورة الضحى آية 11. (*)

[ 223 ]

به مكروه أبدا، قيل: وما هن يا أمير المؤمنين ؟ قال: العجلة واللجاجة والعجب والتواني. وقال عليه السلام: اعلموا عباد الله أن التقوى حصن حصين والفجور حصن ذليل. لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطع حمة الخطايا (1) وبالصبر على طاعة الله ينال ثواب الله. وباليقين تدرك الغاية القصوى. عباد الله إن الله لم يحظر على أوليائه ما فيه نجاتهم (2) إذ دلهم عليه ولم يقنطهم من رحمته لعصيانهم إياه إن تابوا إليه. وقال الصمت حكم، والسكوت سلامة، والكتمان طرف من السعادة. وقال عليه السلام: تذل الامور للمقدور حتى تصير الآفة في التدبير (3). وقال عليه السلام: لا تتم مروة الرجل حتى يتفقه [ في دينه ] ويقتصد في معيشته ويصبر على النائبة إذا نزلت به ويستعذب مرارة إخوانه. وسئل عليه السلام ما المروة ؟ فقال: لا تفعل شيئا في السر تستحيي منه في العلانية. وقال عليه السلام: الاستغفار مع الاصرار ذنوب مجددة. وقال عليه السلام: سكنوا في أنفسكم معرفة ما تعبدون حتى ينفعكم ما تحركون من الجوارح بعبادة من تعرفون. وقال عليه السلام: المستأكل بدينه حظه من دينه ما يأكله. وقال عليه السلام: الايمان قول مقبول (4) وعمل معمول وعرفان بال‍ [ - م‍ ] - عقول. وقال عليه السلام: الايمان على أربعة أركان التوكل على الله والتفويض إلى الله والتسليم لامر الله والرضى بقضاء الله وأركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والغضب والشهوة (5). وقال عليه السلام: من زهد في الدنيا ولم يجزع من ذلها ولم ينافس في عزها (6)


(1) الحمه: السم. وحمة البرد: شدته. (2) لم يحظر: لم يمنع. وفى بعض النسخ [ ما فيه تجارتهم ] (3) وفى النهج [ تذل الامور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير ]. وأيضا في موضع آخر منه [ يغلب المقدار على التقدير حتى تكون الآفة في التدبير ]. والتقدير: القياس. (4) وفى بعض النسخ [ مقول ]. (5) في الكافي ج 2 ص 47، 289 بتقديم وتأخير. (6) نافس فلانا في الامر: فاخره وباراه فيه. (*)

[ 224 ]

هداه الله بغير هداية من مخلوق وعلمه بغير تعليم وأثبت الحكمة في صدره وأجراها على لسانه. وقال عليه السلام: إن لله عبادا عاملوه بخالص من سره، فشكر لهم بخالص من شكره، فأولئك تمر صحفهم يوم القيامة فرغا، فإذا وقفوا بين يديه ملاها لهم من سر ما أسروا إليه. وقال عليه السلام: ذللوا أخلاقكم بالمحاسن. وقودوها إلى المكارم. وعودوا أنفسكم الحلم واصبروا على الايثار على أنفسكم فيما تجمدون عنه ولا تداقوا الناس وزنا بوزن (2). وعظموا أقداركم بالتغافل عن الدني من الامور. وأمسكوا رمق الضعيف (3) بجاهكم وبالمعونة له إن عجزتم عما رجاه عندكم. ولا تكونوا باحثين عما غاب عنكم (4) فيكثر غائبكم (5). وتحفظوا من الكذب، فإنه من أدنى الاخلاق قدرا وهو نوع عن الفحش وضرب من الدناءة. وتكرموا بالتعامي عن الاستقصاء - وروي بالتعامس من الاستقصاء - (6). وقال عليه السلام: كفى بالاجل حرزا. إنه ليس أحد من الناس إلا ومعه حفظة من الله يحفظونه أن لا يتردى في بئر ولا يقع عليه حائط ولا يصيبه سبع، فإذا جاء أجله خلوا بينه وبين أجله.


(1) فرغا أي خاليا فارغا. (2) أي لا تحاسبهم بالدقة في الامور ولا تستقصهم فيها. (3) في بعض النسخ [ من الضعيف ]. والجاه: القدر والشرف. (4) في بعض النسخ [ بحانين ]. (5) في بعض النسخ [ فيكبر غائبكم ]. (6) تعامى فلان: اظهر من نفسه العمى والمراد التغافل عنه. والتعامس: التغافل. (*)

[ 225 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] وروى عن الامام السبط التقى أبى محمد الحسن بن على صلوات الله عليهما ورحمته وبركاته في طوال هذه المعاني في أجوبته عن مسائل سأله عنها امير المؤمنين عليه السلام أو غيره في معان مختلفة (1) قيل له عليه السلام: ما الزهد ؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا: قيل: فما الحلم ؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس. قيل: ما السداد ؟ قال: دفع المنكر بالمعروف قيل: فما الشرف ؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة. قيل: فما النجدة ؟ (2) قال: الذب عن الجار والصبر في المواطن والاقدام عند الكريهة. قيل: فما المجد ؟ قال: أن تعطي في الغرم (3) وأن تعفو عن الجرم. قيل: فما المروة ؟ قال: حفظ الدين وإعزاز النفس ولين الكنف (4) وتعهد الصنيعة وأداء الحقوق والتحبب إلى الناس. قيل: فما الكرم ؟ قال: الابتداء بالعطية قبل المسألة وإطعام الطعام في المحل (5) قيل: فما الدنيئة ؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير. قيل: فما اللؤم ؟ قال: قلة الندى وأن ينطق بالخنى (6). قيل: فما السماح ؟ قال: البذل في السراء والضراء. قيل: فما الشح ؟ قال: أن ترى ما في يديك شرفا وما أنفقته تلفا. قيل: فما الاخاء ؟ قال: الاخاء في الشدة والرخاء. قيل: فما الجبن ؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو. قيل: فما الغنى ؟ قال: رضى النفس بما قسم لها وإن قل. قيل: فما الفقر ؟ قال: شره النفس


(1) روى الصدوق (ره) شطرا منه في معاني الاخبار ص 113 وابو نعيم في الحلية ج 2 ص 36 ونقله ابن صباغ في الفصول المهمة ص 164 وابن كثير في تاريخه ج 8 ص 39 والبستاني في دائرة المعارف ج 7 ص 39. (2) اصطناع العشيرة: الاحسان إليهم. والجريرة: الذنب والجناية. والنجدة: الشجاعة والشدة والبأس. (3) الغرم - بتقديم المعجمة المضمومة: ما يلزم اداؤه. (4) الكنف - محركة -: الجانب والناحية. وكنف الانسان: حضنه والعضدان والصدر. وقوله: " وتعهد الصنيعة " أي اصلاحها وانماؤها. (5) المحل - بالفتح -: الشدة والجدب. يقال: زمان ما حل أي مجدب. (6) اللؤم - مصدر من لؤم الرجل لؤما وملامة - كان دنى الاصل شحيح النفس فهو لئيم. والندى كعمي -: الجود والفضل والخير. والخنى - مقصورا -: الفحش في الكلام. (*)

[ 226 ]

إلى كل شئ. قيل: فما الجود ؟ قال: بذل المجهود. قيل: فما الكرم ؟ قال: الحفاظ في الشدة والرخاء (1). قيل: فما الجرأة ؟ قال: مواقفة الاقران (2). قيل: فما المنعة ؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعزاء الناس (3). قيل: فما الذل ؟ قال: الفرق عند المصدوقة (4). قيل: فما الخرق ؟ قال: مناواتك أميرك ومن يقدر على ضرك (5). قيل: فما السناء ؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح (6). قيل: فما الحزم ؟ قال: طول الاناة والرفق بالولاة والاحتراس من جميع الناس (7). قيل فما الشرف ؟ قال: موافقة الاخوان وحفظ الجيران. قيل: فما الحرمان ؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك. قيل: فما السفه ؟ قال: اتباع الدناة ومصاحبة الغواة. قيل: فما العي (8) ؟ قال: العبث باللحية وكثرة التنحنح عند المنطق. قيل: فما الشجاعة ؟ قال: موافقة الاقران والصبر عند الطعان. قيل فما الكلفة ؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك. قيل: وما السفاه (9) ؟ قال: الاحمق في ماله المتهاون بعرضه. قيل: فما اللؤم ؟ قال: إحراز المرء نفسه وإسلامه عرسه (10).


(1) الحفاظ - ككتاب -: الذب عن المحارم والمنع لها والمحافظة على العهد والوفاء والتمسك بالود. (2) في بعض النسخ [ قيل: فما الجزاء ]. والمواقفة - بتقديم القاف -: المحاربة، يقال: واقفه في الحرب أو الخصومة أي وقف كل منهما مع الآخر. (3) المنعة: العز والقوة. ولعل المراد بالبأس والمنازعة: الجهاد في الله أو الهيبة في أعين الناس. وبأعز الناس أقواهم. وفى الحلية [ ومقارعة أشد الناس ]. (4) الفرق - محركة -: الخوف والفزع. والمصدوقة: الصدق. (5) المناواة: المعاداة. وفى تاريخ ابن كثير [ معاداتك امامك ورفعك عليه كلامك ] وفى معاني الاخبار عن أخيه الحسين عليهما السلام [ معاداتك أميرك ومن يقدر على ضرك ونفعك ]. (6) السناء - بالمهملة ممدودا -: الرفعة. (7) الاناة: الوقار والحلم. وفى بعض النسخ [ أناءة ]. (8) العى: العجز في الكلام. (9) السفاه - بالفتح - مصدر سفه. وفى التاريخ [ وما السيد ؟ قال: الاحمق في ماله المتهاون في عرضه ]. (10) العرس - بالكسر -: حليلة الرجل ورحلها. وفى الدائرة [ فما اللوم ؟ قال: احتراز المرء ماله وبذله عرسه ]. وفى التاريخ [ فما اللوم ؟ قال: احتراز المرء نفسه وبذله عرسه ]. (*)

[ 227 ]

* (ومن حكمه عليه السلام (1)) * أيها الناس إنه من نصح لله وأخذ قوله دليلا هدي للتي هي أقوم ووفقه الله للرشاد وسدده للحسنى فإن جار الله آمن محفوظ وعدوه خائف مخذول فاحترسوا من الله بكثرة الذكر. واخشوا الله بالتقوى وتقربوا إلى الله بالطاعة فإنه قريب مجيب، قال الله تبارك وتعالى: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (2) " فاستجيبوا لله وآمنوا به فإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعاظم، فإن رفعة الذين يعلمون عظمة الله أن يتواضعوا و [ عز ] الذين يعرفون ما جلال الله أن يتذللوا [ له ] وسلامة الذين يعلمون ما قدرة الله أن يستسلموا له ولا ينكروا أنفسهم بعد المعرفة ولا يضلوا بعد الهدى (3) واعلموا علما يقينا أنكم لن تعرفوا التقى حتى تعرفوا صفة الهدى (4) ولن تمسكوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نبذه ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه. فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف ورأيتم الفرية على الله والتحريف ورأيتم كيف يهوي من يهوي. ولا يجهلنكم الذين لا يعلمون. والتمسوا ذلك عند أهله، فإنهم خاصة نور يستضاء بهم وأئمة يقتدى بهم، بهم عيش العلم وموت الجهل وهم الذين أخبركم حلمهم عن جهلهم (5) وحكم منطقهم عن صمتهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الحق ولا


(1) مضمون هذا الخبر مروى في روضة الكافي عن امير المؤمنين عليه السلام في خطبته التى خطبها بذى قار ولا عجب أن يشتبه الكلامان لان مستقاهما من قليب ومفرغهما من ذنوب وهذا كلام الرضى رحمه الله في النهج عند قوله عليه السلام: " الحجر الغصيب في الدار رهن على خرابها " قال ويروى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وآله. ولا عجب الخ. (2) سورة البقرة الآية. 182 (3) في بعض النسخ [ ولا ينكرون أنفسهم بعد المعرفة ولا تضلن بعد الهدى ]. (4) في بعض النسخ [ حتى تعرفوا بصبغة الهدى ]. (5) كذا. ولعل الضمير في " جهلهم " راجع إلى المخالفين كما يظهر من السياق والمعنى أخبركم حلمهم عن جهل مخالفيهم. أو عن عدم جهلهم أو انه تصحيف جهدهم. وفى الروضة [ هم عيش العلم و موت الجهل، يخبركم حكمهم عن علمهم وظاهرهم عن باطنهم الخ ]. (*)

[ 228 ]

يختلفون فيه. وقد خلت لهم من الله سنة (1) ومضى فيهم من الله حكم إن في ذلك لذكرى للذاكرين. واعقلوه (2) إذا سمعتموه عقل رعاية ولا تعقلوه عقل رواية، فإن رواة الكتاب كثير ورعاته قليل والله المستعان. * (جوابه عليه السلام عن مسائل سئل عنها) * * (في خبر طويل كتبنا منه موضع الحاجة) * بعث معاوية رجلا متنكرا يسأل أمير المؤمنين عليه السلام عن مسائل سأله عنها ملك الروم فلما دخل الكوفة وخاطب أمير المؤمنين عليه السلام أنكره فقرره فاعترف له بالحال (3) فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قاتل الله ابن آكلة الاكباد ما أضله وأضل من معه، قاتله الله لقد أعتق جارية ما أحسن أن يتزوجها، حكم الله بيني وبين هذه الامة قطعوا رحمي وصغروا عظيم منزلتي وأضاعوا أيامي. علي بالحسن والحسين ومحمد، فدعوا، فقال عليه السلام: يا أخا أهل الشام هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا إبني فاسأل أيهم أحببت، فقال الشامي: أسأل هذا، يعني الحسن عليه السلام (4). ثم قال:


(1) في بعض النسخ [ سبقة ]. (2) في روضة الكافي [ اعقلوا الحق ]. (3) رواه الصدوق رحمه الله في الخصال مسندا عن أبى جعفر عليه السلام والطبرسي في الاحتجاج و فتال النيسابوري في الروضة عنه عليه السلام والراوندي في الخرائج قال: بينا امير المؤمنين (ع) في الرحبة والناس عليه متراكمون فمن بين مستفت ومن بين مستعد إذ قام إليه رجل فقال: السلام عليك يا امير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر إليه امير المؤمنين بعينيه هاتيك العظيمتين ثم قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من أنت ؟ فقال: أنا رجل من رعيتك وأهل بلادك. قال: ما أنت من رعيتي ولا من أهل بلادي ولو سلمت على يوما واحدا ما خفيت على. فقال: الامان يا امير المؤمنين. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هل أحدثت في مصرى هذا حدثا منذ دخلته ؟ قال: لا. قال: فلعلك من رجال الحرب قال: نعم قال: إذا وضعت الحرب أوزارها فلا بأس. قال: أنا رجل بعثنى اليك معاوية متغفلا لك أسألك عن شئ بعث فيه ابن الاصفر وقال له: أن كنت أحق بهذا الامر والخليفة بعد محمد صلى الله عليه وآله فأجبني عما أسألك فانك إذا فعلت ذلك لابتعثك وبعثت اليك بالجائزة فلم يكن عنده جواب وقد أقلقه ذلك فبعثني اليك لاسألك عنها. فقال امير المؤمنين عليه السلام: قاتل الله إبن أكلة الاكباد - إلى آخر الخبر مع اختلاف يسير. (4) في الخصال [ يعنى الحسن (ع) وكان صبيا فقال له الحسن عليه السلام: سلنى عما بدا لك ؟ فقال الشامي: كم بين الحق الخ ]. وقوله: " كان صبيا " فيه ما فيه لكونه عليه السلام جاوز الثلاثين حينذاك. (*)

[ 229 ]

كم بين الحق والباطل ؟ وكم بين السماء والارض ؟ وكم بين المشرق والمغرب ؟ و عن هذا المحو الذي في القمر. وعن قوس قزح. وعن هذه المجرة. وعن أول شئ انتضح على وجه الارض. وعن أول شئ اهتز عليها وعن العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين والمشركين (1). وعن المؤنث. وعن عشرة أشياء بعضها أشد من بعض ؟. فقال الحسن عليه السلام: يا أخا أهل الشام بين الحق والباطل أربع أصابع، ما رأيت بعينيك فهو الحق وقد تسمع باذنيك باطلا كثيرا. وبين السماء والارض دعوة المظلوم ومد البصر (2) فمن قال غير هذا فكذبه. وبين المشرق والمغرب يوم مطرد للشمس تنظر إلى الشمس حين تطلع وتنظر إليها حين تغرب من قال غير هذا فكذبه. وأما هذه المجرة فهي أشراج السماء، مهبط الماء المنهمر على نوح عليه السلام (3). وأما قوس قزح: فلا تقل: قزح فإن قزح شيطان ولكنها قوس الله وأمان من الغرق (4). وأما المحو الذي في القمر فإن ضوء القمر كان مثل ضوء الشمس فمحاه الله. وقال في كتابه: " فمحونا آية الليل و جعلنا آية النهار مبصرة (5) ". وأما أول شئ انتضح على وجه الارض فهو وادي دلس (6). وأما أول شئ اهتز على وجه الارض فهي النخلة. وأما العين التي تأوي إليها أرواح المؤمنين فهي عين يقال:


(1) أي وعن العين التى تأوى إليه أرواح المشركين. (2) فلا يمكن تحديدها. (3) المجرة: هي البياض المعترض في السماء والسواد من جانبيها، قوامها نجوم كثيرة لا تدرك بمجرد البصر وانما ينتشر ضوؤها فيرى كانه بقعة بيضاء والعامة يسميها درب التبانة ويقال لها بالفارسية: (كهكشان). والاشراج جمع الشرج - بالتحريك -: عرى العيبة والانشقاق في القوس. والهمر: صب الماء بشدة. والانهمار: الانصباب. ومهبط الماء المنهمر إشارة إلى قول الله عزوجل: " فكذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا - إلى قوله -: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر " سورة القمر آية 12. (4) قوس قزح: طرائق منقوشة بالوان من صفرة وخضرة وحمرة تبدوا في السماء. ولا يفصل قزح من قوس ولا تنصرف لانه اسم شيطان قاله ابن عباس رضى الله عنه. وهو يتكون من تكسر أشعة النور على قطرات الماء أو البخار ويظهر من الجهة المقابلة للشمس من الفلك. (5) سورة الاسراء آية 12. (6) انتضح أي ظهر وارتفع. والدلس - محركة -: الظلمة واختلاط الظلام. (*)

[ 230 ]

لها سلمى (1). وأما العين التي تأوي إليها أرواح الكافرين فهي عين يقال لها: برهوت (2). وأما المؤنث فإنسان لا يدرى امرأة هو أو رجل فينتظر به الحلم، فإن كانت امرأة بانت ثدياها وإن كان رجلا خرجت لحيته (3) وإلا قيل له يبول على الحائط فإن أصاب الحائط بوله فهو رجل وإن نكص كما ينكص بول البعير فهي امرأة. وأما عشرة أشياء بعضها أشد من بعض: فأشد شئ خلق الله الحجر وأشد من الحجر الحديد وأشد من الحديد النار وأشد من النار الماء وأشد من الماء السحاب وأشد من السحاب الريح وأشد من الريح الملك وأشد من الملك ملك الموت وأشد من ملك الموت وأشد من الموت أمر الله (4). قال الشامي: أشهد أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وأن عليا وصي محمد ثم كتب هذا الجواب ومضى به إلى معاوية وأنفذه معاوية إلى ابن الاصفر (5) فلما أتاه قال: أشهد أن هذا ليس من عند معاوية ولا هو إلا من معدن النبوة (6).


(1) بفتح السين وكسكران جبل وغربه واد يقال له: رك. به نخل وآبار مطوية بالصخر، طيبة الماء باعلاه برقه يقال لها: الراء وبينه وبين فيد أربعة أميال عن يمين الذاهب إلى مكة ويمتد إلى قرب الشام وقيل: سلمى موضع بنجد وأطم بالطائف (قاله الحموى). (2) برهوت - كجبروت -: واد باليمن أو بئر بحضرموت وقيل: هو اسم البلد الذى فيه البئر رائحتها منتنة فظيعة جدا. ولعل سلمى وبرهوت من المظاهر الجزئية للجنة والنار. راجع ما قاله الفيض رحمه الله في كتابه الموسوم به مرآة الاخرة. (3) في الخصال [ فانه ينتظر به فان كان ذكرا احتلم وان كانت انثى حاضت وبدا ثديها ]. (4) في الخصال [ الحجر وأشد من الحجر الحديد يقطع به الحجر وأشد من الحديد النار تذيب الحديد وأشد من النار الماء يطفئ النار وأشد من الماء السحاب يحمل الماء وأشد من السحاب الريح يحمل السحاب وأشد من الريح الملك الذى يرسلها وأشد من الملك ملك الموت الذى يميت الملك وأشد من ملك الموت الموت الذى يميت ملك الموت وأشد من الموت أمر الله الذى يميت الموت ]. وكذا في الاحتجاج والروضة والخرائج مع ادنى اختلاف. (5) ابن الاصفر ملك الروم وانما سمى الروم بنو الاصفر لان أباهم الاول كان أصفر اللون وهو روم بن عيص بن اسحاق بن ابراهيم. ذكره الجزرى. (6) في الخصال [ فكتب إليه ابن الاصفر يا معاوية لم تكلمني بغير كلامك وتجيبنى بغير جوابك أقسم بالمسيح ما هذا جوابك وما هو إلا من معدن النبوة وموضع الرسالة وأما أنت فلو سألتنى درهما ما اعطيتك ]. (*)

[ 231 ]

* (كلامه عليه السلام في الاستطاعة) * كتب الحسن بن أبي الحسن البصري (1) إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام أما بعد فإنكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة والاعلام النيرة الشاهرة أو كسفينة نوح عليه السلام التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون. كتبت إليك يا أبن رسول الله عند اختلافنا في القدر وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك عليهم السلام ؟ فإن من علم الله علمكم وأنتم شهداء على الناس والله الشاهد عليكم، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. فأجابه الحسن عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم وصل إلي كتابك ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذا ما أخبرتك، أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أن الله يعلمه فقد كفر. ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر، إن الله لم يطع مكرها ولم يعص مغلوبا ولم يهمل العباد سدى من المملكة بل هو المالك لما ملكهم والقادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييرا ونهاهم تحذيرا فإن أئتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صادا وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبرا ولا ألزموها كرها بل من عليهم بأن بصرهم وعرفهم وحذرهم وأمرهم ونهاهم لا جبلا لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة ولا جبرا لهم على ما نهاهم عنه ولله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين و السلام على من اتبع الهدى (2).


(1) هو الحسن بن يسار مولى زيد بن ثابت أخو سعيد وعمارة المعروف بالحسن البصري وهو من رؤساء القدرية والمحرفين عن أمير المؤمنين عليه السلام وقعد في منزله ولم ينصر الامام عليه السلام وكان من تلامذته ابن ابى العوجاء مات سنه 110 ه‍ وله تسع وثمانون سنة. (2) رواه المجلسي في البحار ج 4 ص 122 نقلا عن كتاب العدد القوية لدفع المخاوف اليومية تأليف الشيخ الفقيه رضى الدين على بن يوسف بن المطهر الحلى. وأيضا رواه الكراجكى في كنز الفوائد ص 117 الطبعة الاولى. بادنى اختلاف في اللفظ. (*)

[ 232 ]

* (موعظة) * إعلموا أن الله لم يخلقكم عبثا وليس بتارككم سدى، كتب آجالكم وقسم بينكم معائشكم ليعرف كل ذي لب منزلته وأن ما قدر له أصابه وما صرف عنه فلن يصيبه، قد كفاكم مؤونة الدنيا وفرغكم لعبادته وحثكم على الشكر وافترض عليكم الذكر وأوصاكم بالتقوى وجعل التقوى منتهى رضاه، والتقوى باب كل توبة ورأس كل حكمة وشرف كل عمل، بالتقوى فاز من فاز من المتقين. قال الله تبارك وتعالى: " إن للمتقين مفازا (1) ". وقال: " وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم، لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (2) ". فاتقوا الله عباد الله واعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن ويسدده في أمره ويهيئ له رشده ويفلجه بحجته ويبيض وجهه ويعطه رغبته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. * (خطبته عليه السلام) * * (حين قال له معاوية بعد الصلح: اذكر فضلنا) * حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي وآله (3)، ثم قال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن المصطفى بالرسالة، أنا ابن من صلت عليه الملائكة، أنا ابن من شرفت به الامة، أنا ابن من كان جبرئيل السفير من الله إليه، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين [ صلى الله عليه وآله أجمعين ]. فلم يقدر معاوية أن يكتم عداوته وحسده، فقال: يا حسن عليك بالرطب فانعته لنا. قال: نعم يا معاوية الريح تلقحه والشمس تنفخه والقمر يلونه والحر


(1) سورة النباء آية 32. (2) سورة الزمر آية 61. (3) رواه الراوندي في الخرائج والطبرسي في الاحتجاج مع اختلاف يسير. (*)

[ 233 ]

ينضجه والليل يبرده، ثم أقبل على منطقه فقال: أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن من كان من ربه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن من خضعت له قريش رغما، أنا ابن من سعد تابعه وشقي خاذله، أنا ابن من جعلت الارض له طهورا ومسجدا، أنا ابن من كانت أخبار السماء إليه تترى (1)، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقال معاوية أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة ؟ فقال: ويلك يا معاوية إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وعمل بطاعة الله ولعمري إنا لاعلام الهدى ومنار التقى ولكنك يا معاوية ممن أبار السنن وأحيا البدع واتخذ عباد الله خولا (2) ودين الله لعبا فكان قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيرا وبقيت عليك تبعاته. يا معاوية والله لقد خلق الله مدينتين إحديهما بالمشرق والاخرى بالمغرب أسماهما جابلقا وجابلسا، ما بعث الله إليهما أحدا غير جدي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال معاوية: يا أبا محمد أخبرنا عن ليلة القدر. قال: نعم عن مثل هذا فاسأل، إن الله خلق السماوات سبعا والارضين سبعا والجن من سبع والانس من سبع فتطلب من ليلة ثلاث وعشرين إلى ليلة سبع وعشرين. ثم نهض عليه السلام. * (وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني) * قال عليه السلام: ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم. وقال عليه السلام: اللؤم أن لا تشكر النعمة. وقال عليه السلام: لبعض ولده: يا بني لا تواخ أحدا حتى تعرف موارده ومصادره فإذا استنبطت الخبرة (3) ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة والمواساة في العسرة. وقال عليه السلام: لا تجاهد الطلب جهاد الغالب ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم


(1) تترى أي تتابعا وتواترا. (2) أبار أي أهلك. وفى بعض النسخ [ أباد ]. والخول - بالتحريك - العبيد والخدم والاماء. (3) الخبرة - مصدر -: الاختبار والعلم عن تجربة. والعشرة - بالكسر -: المخالطة والصحبة. (*)

[ 234 ]

فإن ابتغاء الفضل من السنة والاجمال في الطلب من العفة وليست العفة بدافعة رزقا ولا الحرص بجالب فضلا، فإن الرزق مقسوم واستعمال الحرص استعمال المأثم. وقال عليه السلام: القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه. والبعيد من باعدته المودة وإن قرب نسبه لا شئ أقرب من يد إلى جسد وإن اليد تفل فتقطع وتحسم (1). وقال عليه السلام: من اتكل على حسن الاختيار من الله له لم يتمن (2) أنه في غير الحال التي اختارها الله له. وقال عليه السلام: العار أهون من النار. وقال عليه السلام: الخير الذى لا شر فيه: الشكر مع النعمة والصبر على النازلة. وقال عليه السلام لرجل أبل من علة (3): إن الله قد ذكرك فاذكره وأقالك فاشكره. وقال عليه السلام عند صلحه لمعاوية: إنا والله ما ثنانا عن أهل الشام [ شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام ] بالسلامة والصبر، فسلبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم و دنياكم أمام دينكم (4). وقال عليه السلام: ما أعرف أحدا إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه. وقيل له: فيك عظمة، فقال عليه السلام: بل في عزة قال الله: " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (5) ". (وقال عليه السلام في وصف أخ كان له صالح (6)): كان من أعظم الناس في عيني. وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في


(1) تفل: تكسر وتثلم. و " تحسم " أصله القطع والمراد به تتابع بالمكواة حتى يبرد. (2) في بعض النسخ [ يتميز ]. (3) أبل من مرضه: برئ منه. (4) راجع لتمام الكلام اسد الغابة ج 2 ص 13 والملاحم لابن طاووس (ره) ص 142. (5) المنافقون 8. وفى نسخة [ فيكم ]. ورواه الساروى في المناقب وفيه: [ فيك عظمة ]. (6) رواه الكليني (ره) في الكافي عن الحسن بن على عليهما السلام بنحو أبسط وأورده الرضى (ره) في النهج عن أمير المؤمنين عليه السلام هكذا وقال (ره) كان لى فيما مضى اخ في الله. قال ابن ميثم: ذكر هذا الفصل ابن المقفع في أدبه ونسبه إلى الحسن بن على عليهما السلام والمشار إليه قيل: أبو ذر الغفاري وقيل: هو عثمان بن مظعون انتهى. ولا يبعد أن يكون المراد به أباه عليه السلام عبر هكذا لمصلحة. (*)

[ 235 ]

عينه (1) كان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يمد يدا إلا على ثقة لمنفعة، كان لا يشتكي ولا يتسخط ولا يتبرم، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذ القائلين (2) كان ضعيفا مستضعفا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا (3)، كان إذا جامع العلماء على أن يستمع أحرص منه على أن يقول، كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، كان لا يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول، كان إذا عرض له أمران لا يدري أيهما أقرب إلى ربه نظر أقربهما من هواه فخالفه، كان لا يلوم أحدا على ما قد يقع العذر في مثله. وقال عليه السلام من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: آية محكمة وأخا مستفادا وعلما مستطرفا ورحمة منتظرة وكلمة تدله على الهدى أو ترده عن ردى وترك الذنوب حياء أو خشية. ورزق غلاما فأتته قريش تهنيه فقالوا: يهنيك الفارس، فقال عليه السلام أي شئ هذا القول ؟ ولعله يكون راجلا، فقال له جابر: كيف نقول يا ابن رسول الله ؟ فقال: عليه السلام: إذا ولد لاحدكم غلام فأتيتموه فقولوا له: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، بلغ الله به أشده (4) ورزقك بره. وسئل عن المروة ؟ فقال عليه السلام: شح الرجل عليه دينه. وإصلاحه ماله. وقيامه بالحقوق. وقال عليه السلام: إن أبصر الابصار ما نفذ في الخير مذهبه، وأسمع الاسماع ما وعى التذكير وانتفع به. أسلم القلوب ما طهر من الشبهات.


(1) أي كان اعظم الصفات التى صارت أسبابا لعظمته في عينى. " صغر الدنيا في عينه " والصغر كعنب وقفل: خلاف الكبر وبمعنى الذل والهوان وهو خبر " كان " وفاعل " عظم " ضمير الاخ وضمير " به " عائد إلى الموصول والباء للسببية (2) لا يتبرم أي لا يتسأم ولا يتضجر ولا يغتم. وبذ القائلين. أي غلبهم وسبقهم فاقهم. (3) " كان ضعيفا مستضعفا " كناية عن توضعه ولين كلامه وسجاحة اخلاقه. " فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا " الليث: الاسد وهو كناية عن التصلب في ذات الله وترك المداهنة في امر الدين واظهار الحق وفى لفظ الجد بعد ذكر الضعف اشعار بذلك. ولعل المراد البسالة في الحرب والشجاعة. (4) وفى بعض النسخ [ رشده ]. ورواه الكليني في الكافي ج 2 ص 86 من الفروع. (*)

[ 236 ]

وسأله رجل أن يخيله (1) قال عليه السلام: إياك أن تمدحني فأنا أعلم بنفسي منك أو تكذبني فإنه لا رأي لمكذوب. أو تغتاب عندي أحدا، فقال له الرجل: ائذن لي في الانصراف، فقال عليه السلام: نعم إذا شئت. وقال عليه السلام: إن من طلب العبادة تزكى لها. إذا أضرت النوافل بالفريضة فارفضوها. اليقين معاذ للسلامة. من تذكر بعد السفر اعتد. ولا يغش العاقل من استنصحه. بينكم وبين الموعظة حجاب العزة. قطع العلم عذر المتعلمين (2). كل معاجل يسأل النظرة (3). وكل مؤجل يتعلل بالتسويف. وقال عليه السلام: اتقوا الله عباد الله وجدوا في الطلب وتجاه الهرب، وبادروا العمل قبل مقطعات النقمات (4) وهاذم اللذات فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجيعها ولا تتوقى مساويها، غرور حائل، وسناد مائل (5)، فاتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالاثر. وازدجروا بالنعيم. وانتفعوا بالمواعظ، فكفى بالله معتصما ونصيرا وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما (6) وكفى بالجنة ثوابا وكفى بالنار عقابا ووبالا. وقال عليه السلام: إذا لقي أحدكم أخاه فليقبل موضع النور من جبهته. ومر عليه السلام في يوم فطر بقوم يلعبون ويضحكون فوقف على رؤوسهم فقال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه (7) فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وقصر آخرون فخابوا. فالعجب كل العجب من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون وايم الله لو كشف الغطاء لعلموا أن المحسن مشغول بإحسانه والمسيئ مشغول بإساءته، ثم مضى.


(1) في بعض النسخ [ يعظه ] مكان " يخيله ". أي يغيره وهو أيضا كناية عن الموعظة. (2) كذا في النسخ ولكن في النهج [ قطع العلم عذر المعللين ]. (3) النظرة: الامهال والتاخير. (4) النقمات: جمع نقمة: اسم من الانتقام. (5) السناد - ككتاب -: الناقة الشديدة القوية. ومن الشئ عماده. (6) الحجيج: المغالب باظهار الحجة. (7) المضمار: المدة والايام التى تضمر فيها للسباق. وموضع السباق. (*)

[ 237 ]

[ بسم الله الرحمن الرحين ] وروى عن الامام التقى السبط الشهيد أبى عبد الله، الحسين بن على عليهما السلام في طوال هذه المعاني * (من كلامه عليه السلام) * * (في الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ويروى عن أمير المؤمنين عليه السلام) * اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الاحبار إذ يقول: " لولا ينهيهم الربانيون والاحبار عن قولهم الاثم (1) " وقال: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل - إلى قوله - لبئس ما كانوا يفعلون (2) " وإنما عاب الله ذلك عليهم لانهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم ورهبة مما يحذرون والله يقول: " فلا تخشوا الناس واخشون (3) " وقال: " المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (4) " فبدأ الله بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه بأنها إذا اديت وأقيمت استقامت الفرائض كلها هينها وصعبها وذلك أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الاسلام مع رد المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفيئ والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها، ثم أنتم أيتها العصابة عصابة بالعلم مشهورة وبالخير مذكورة وبالنصيحة معروفة وبالله في أنفس الناس مهابة. يهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف ويؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلابها وتمشون في الطريق بهيبة الملوك (5) وكرامة الاكابر، أليس كل ذلك إنما


(1) سورة المائدة آية 66. (2) سورة المائدة آية 81. (3) سورة المائدة آية 47. (4) سورة التوبة آية 72. (5) في بعض النسخ [ بهيئة الملوك ]. (*)

[ 238 ]

نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق الله وإن كنتم عن أكثر حقه تقصرون فاستخففتم بحق الائمة، فأما حق الضعفاء فضيعتم وأما حقكم بزعمكم فطلبتم. فلا مالا بذلتموه ولا نفسصا خاطرتم بها للذي خلقها ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله انتم تتمنون على الله جنته ومجاورة رسله وأمانا من عذابه. لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على الله أن تحل بكم نقمة من نقماته لانكم بلغتم من كرامة الله منزلة فضلتم بها ومن يعرف بالله لا تكرمون وأنتم بالله في عباده تكرمون وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون وذمة رسول الله صلى الله عليه وآله محقورة (1) والعمى والبكم والزمنى في المدائن مهملة لا ترحمون ولا في منزلتكم تعملون ولا من عمل فيها تعينون (2) وبالادهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون، كل ذلك مما أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون. وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون (2). ذلك بأن مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله (3) الامناء على حلاله وحرامه فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سلبتم ذلك إلا بتفرقكم عن الحق واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة. ولو صبرتم على الاذى وتحملتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم واستسلمتم امور الله في أيديهم، يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات، سلطهم على ذلك فراركم من الموت وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم فمن بين مستبعد مقهور وبين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلبون في الملك بآرائهم (4) ويستشعرون الخزي بأهوائهم إقتداء بالاشرار وجرأة على الجبار، في كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع (5)، فالارض لهم شاغرة وأيديهم فيها مبسوطة


(1) في بعض النسخ [ مخفورة ]. والزمنى - بالفتح -: جمع زمن - ككتف. (2) في بعض النسخ [ تعنون ]. (2) في بعض النسخ [ يسعون ]. (3) يعنى به المعصومين لقوله عليه السلام: " نحن العلماء ". (4) في بعض النسخ [ بآرائكم ]. (5) وفى بعض النسخ [ مسقع ]. يقال: خطيب مسقع ومصقع أي بليغ ويصقع ويسقع: يصاح و يرفع بصوته. وشغر الارض أي لم يبق فيها من يحميها ويضبطها فهى شاغرة. (*)

[ 239 ]

والناس لهم خول (1) لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد وذي سطوة على الضعفة شديد، مطاع لا يعرف المبدئ المعيد فيا عجبا ومالي [ لا ] أعجب والارض من غاش غشوم (2) ومتصدق ظلوم وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا. اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافسا في سلطان (3) ولا التماسا من فضول الحطام ولكن لنري المعالم من دينك ونظهر الاصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك، فإن لم تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم وعملوا في اطفاء نور نبيكم. وحسبنا الله وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير. * (موعظة) * اوصيكم بتقوى الله وأحذركم أيامه وأرفع لكم أعلامه فكأن المخوف قد أفد بمهول وروده ونكير حلوله وبشع مذاقه فاعتلق مهجكم (4) وحال بين العمل وبينكم، فبادروا بصحة الاجسام في مدة الاعمار كأنكم ببغتات طوارقه (5) فتنقلكم من ظهر الارض إلى بطنها ومن علوها إلى سفلها ومن أنسها إلى وحشتها ومن روحها وضوئها إلى ظلمتها ومن سعتها إلى ضيقها. حيث لا يزار حميم ولا يعاد سقيم ولا يجاب صريخ. أعاننا الله وإياكم على أهوال ذلك اليوم ونجانا وإياكم من عقابه وأوجب لنا ولكم


(1) الخول. العبيد والخدم والاماء (2) غش الرجل أظهر خلاف ما أضمره وزين غير المصلحة. والغشوم. الظالم. (3) التنافس في السلطنة: الرغبة فيها على وجه المفاخرة والمباراة (4) أفد - كفرح -: عجل ودنى وأزف. والمهول: ذو الهول وبشع: ضد حسن وطيب أي كريه الطعم والرائحة. والمهج - كغرف -: جمع مهجة كغرفة -: الدم أو دم القلب والمراد به الروح. (5) بغتات: جمع بغتة. والطوارق: جمع الطارقة: الداهية. (*)

[ 240 ]

الجزيل من ثوابه. عباد الله فلو كان ذلك قصر مرماكم ومدى مظعنكم (1) كان حسب العامل شغلا يستفرغ عليه أحزانه ويذهله عن دنياه ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه مستوقف على حسابه لا وزير له يمنعه ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون. اوصيكم بتقوى الله فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب ويرزقه من حيث لا يحتسب فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من ذنبه، فإن الله تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله. * (كتابه عليه السلام) * * (إلى أهل الكوفة لما سار ورأى خذلانهم إياه (2)) * أما بعد فتبا لكم أيتها الجماعة وترحا، حين استصرختمونا ولهين فاصرخناكم موجفين (3) سللتم علينا سيفا كان في أيماننا وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلبا لفا على أوليائكم ويدا لاعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم


(1) القصر: الجهد والغاية. والمرمى: مصدر ميمى أو مكان الرمى وزمانه. والمدى: الغاية والمنتهى. ويذهل: ينسى ويسلو - من الذهول -: الذهاب عن الامر بدهشة. أي لو كانت الدنيا آخر أمركم وليس وراءها شئ لجدير بأن الانسان يجد ويتعب ويسعى لطلب الخلاص من الموت وتبعاته ويشغل عن غيره. (2) ذكر المؤرخون وأهل السير: لما أحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة فخرج حتى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم: ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلى فتسمعوا قولى وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد فمن أطاعنى كان من المرشدين ومن عصاني كان من المهلكين وكلكم عاص لامرى غير مستمع قولى فقد ملئت بطونكم من الحرام وطبع على قلوبكم ويلكم ألا تنصتون، ألا تسمعون ! ! فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم وقالوا: أنصتوا له، فقام الحسين عليه السلام ثم قال: تبا لكم - الخ -. ورواه السيد ابن طاووس في اللهوف والطبرسي في الاحتجاج. (3) تبا أي هلاكا وخسرانا. والترح - بالتحريك -: ضد الفرح. والمستصرخ: المستغيث موجفين أي مسرعين. (*)

[ 241 ]

ولا لامل أصبح لكم فيهم وعن غير حدث كان منا ولا رأى تفيل عنا (1) فهلا - لكم الويلات - تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لم يستحصف ولكن استسرعتم إليها كتطائر الدبى وتداعيتم عنها كتداعي الفراش (2). فسحقا وبعدا لطواغيت الامة وشذاذ الاحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان ومحر في الكلام ومطفئ السنن وملحقي العهرة بالنسب (3)، المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين. والله إنه لخذل فيكم معروف، قد وشجت عليه عروقكم وتوارت عليه اصولكم (4) فكنتم أخبث ثمرة شجا للناطر، واكلة للغاصب (5) ألا فلعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الايمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله عليهم كفيلا. ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز منا بين اثنتين بين الملة والذلة وهيهات منا الدنيئة (6) يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وانوف حمية ونفوس أبية وأن (7) نؤثر طاعة اللئام على مصراع الكرام


(1) حششم النار أي أوقدتم. وقدح واقتدح بالزند: حاول إخراج النار منه والاقتداح بالفارسية (چقماق يا كبريت زدن است). والالب اجتماع القوم تجمعهم عداوة واحدة. واللف - مصدر - يقال: جاؤوا بلفهم وبلفتهم أي بجماعتهم وأخلاطهم. وتفيل رأيه أي أخطأ وضعف. (2) في بعض نسخ الحديث [ كرهتمونا وتركتمونا ]. وشام سيفه: دخله في غلافه. والجأش: رواغ القلب إذا اضطرب عند الفزع والطامن: الساكن. واستحصف أي استحكم. والدبا: الجراد. وفى بعض نسخ الحديث [ كطيرة الدبا ]. والتداعي: التساقط. والفراش - بالفتح - جمع الفراشة وهى حيوان ذو جناحين يطير ويتهافت على السراج فيحترق ويقال لها بالفارسية: (پروانه). (3) العهر من عهر المرأة إذا زنى. والعاهر: الفاجر الزانى. (4) عضين - جمع عضة وأصله عضوة فنقصت الواو وكذلك جمعت عضين والتعضبة -: الفريق أي جعلوه جزءا جزءا، أو لان المشركين فرقوا أقاويلهم فجعلوه كذبا وسحرا وكهانة وشعرا. وقيل: عضين في لغة قريش -: السحر. وشجت العروق: اشتبكت. وتوارت: استترت. (5) الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه. والاكلة - بضم الهمزة -: اللقمة وفى بعض نسخ الحديث [ شجا للناظر ]. والصواب " الناطر " أي حارس النخل والكرم والزرع والحديقة. (6) الدعى: الذى يدعى غير أبيه والمتهم في نسبه. وركز منا أي أقامنا بين الامرين. وفى بعض نسخ الحديث [ تركني بنى اثنتين ] وهو الاظهر. والملة الشريعة والطريقة وفى رواية الاحتجاج - للطبرسي - [ القلة ]. وفى رواية ابن طاووس [ السلة ] وهى بالفتح والكسر -: استلال السيوف. والمراد بالدعى ابن الدعى عبيد الله بن زياد بن أبيه. والدنيئة في بعض نسخ الحديث [ الذلة ]. (7) في بعض نسخ الحديث [ من أن نؤثر ]. (*)

[ 242 ]

وإني زاحف إليهم بهذه الاسرة (1) على كلب العدو وكثرة العدد وخذلة الناصر، ألا وما يلبثون إلا كريثما يركب الفرس حتى تدور رحا الحرب وتعلق النحور (2). عهد عهده إلي أبي عليه السلام. فاجمعوا أمركم ثم كيدون فلا تنظرون، إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. * (جوابه عليه السلام عن مسائل سأله عنها ملك الروم) * * (حين وفد إليه ويزيد بن معاوية في خبر طويل) * (اختصرنا منه موضع الحاجة) سأله عن المجرة وعن سبعة أشياء خلقها الله، لم تخلق في رحم ؟ فضحك الحسين عليه السلام فقال له: ما أضحكك ؟ قال عليه السلام: لانك سألتني عن أشياء ما هي من منتهى العلم إلا كالقذى في عرض البحر، أما المجرة فهي قوس الله. وسبعة أشياء لم تخلق في رحم فأولها آدم ثم حوا والغراب وكبش إبراهيم عليه السلام وناقة الله وعصا موسى عليه السلام والطير الذي خلقه عيسى ابن مريم عليه السلام. ثم سأله عن أرزاق العباد، فقال عليه السلام: أرزاق العباد في السماء الرابعة ينزلها الله بقدر ويبسطها بقدر. ثم سأله عن أرواح المؤمنين أين تجتمع ؟ قال: تجتمع تحت صخرة بيت المقدس ليلة الجمعة وهو عرش الله الادنى منها بسط الارض وإليها يطويها ومنها استوى إلى السماء وأما أرواح الكفار فتجتمع في دار الدنيا في حضرموت وراء مدينة اليمن (3)، ثم يبعث الله نارا من المشرق ونارا من المغرب بينهما ريحان فيحشران الناس إلى تلك الصخرة


(1) أبية: المترفعة عن الدنية. وقوله: " زاحف " أي ماش إليهم بالحرب أي اقاتلكم. والاسرة من الرجل: رهطه وعشيرته لانه يتقوى بهم. ويقال: رفعت عنك كلب فلان - بفتح اللام - أي أذاه وشره. (2) الريث: مقدار المهلة من الزمان. وفى اللهوف [ وتقلق بكم قلق المحور ]. (3) مر الكلام فيه ص 230. (*)

[ 243 ]

في بيت المقدس فتحبس في يمين الصخرة وتزلف الجنة للمتقين وجهنم في يسار الصخرة في تخوم الارضين وفيها الفلق والسجين (1) فتفرق الخلائق من عند الصخرة، فمن وجبت له الجنة دخلها من عند الصخرة ومن وجبت له النار دخلها من عند الصخرة. (2) * (وجوه الجهاد) * سئل عن الجهاد سنة أو فريضة ؟ فقال عليه السلام: الجهاد على أربعة أوجه: فجهادان فرض وجهاد سنة لا يقام إلا مع فرض وجهاد سنة، فأما أحد الفرضين فجهاد الرجل نفسه (3) عن معاصي الله وهو من أعظم الجهاد ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض. وأما الجهاد الذي هو سنة لا يقام إلا مع فرض فإن مجاهدة العدو فرض على جميع الامة لو تركوا الجهاد لاتاهم العذاب وهذا هو من عذاب الامة وهو سنة على الامام. وحده أن يأتي العدو مع الامة فيجاهدهم. وأما الجهاد الذي هو سنة فكل سنة أقامها الرجل وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها فالعمل والسعي فيها من أفضل الاعمال لانها إحياء سنة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا (4).


(1) في معاني الاخبار عن أبى عبد الله عليه السلام قال [ الفلق ]: صدع في النار فيه سبعون ألف دار: في كل دار سبعون ألف بيت في كل بيت سبعون ألف أسود في جوف كل أسود سبعون ألف جرة سم لابد لاهل النار أن يمروا عليها. وفى تفسير القمى: جب في جهنم يتعوذ أهل النار من شدة حره سأل الله أن يأذن له أن يتنفس فاذن له فتنفس فاحرق جهنم. والسجين: واد في جهنم. وفى بعض النسخ [ السجيل ] وهو أيضا واد فيها. أو حجارة طبخت بنارها أو طين طبخ بها. (2) نقله المجلسي (رحمه الله) في البحار ج 4 ص 123 وقال بعده: الظاهر أن هذا الخبر مختصر من الخبر السابق [ ص 228 ] وانما اشتبه اسم أحد السبطين صلوات الله عليهما بالاخر. (3) رواه الكليني في الكافي ج 1 ص 329 من الفروع. عن أبى عبد الله عليه السلام. وفى التهذيب أيضا ج ص 42 عنه عليه السلام وفيهما [ فاما أحد الفرضين. فمجاهدة الرجل نفسه ]. (4) الفريضة: ما أمر الله به في كتابه وشدد أمره وهو انما يكون واجبا والسنة ما سنه النبي صلى الله عليه وآله وليس بتلك المثابة من التشديد وهو قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا وجهاد النفس مذكور في القرآن " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 244 ]

* (توحيد) * أيها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبهون الله بأنفسهم، يضاهئون قول الذين كفروا من أهل الكتاب بل هو الله ليس كمثله شئ وهو السميع البصير لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير. استخلص الوحدانية والجبروت وأمضى المشيئة والارادة والقدرة والعلم بما هو كائن. لا منازع له في شئ من أمره ولا كفو له يعادله ولا ضد له ينازعه ولا سمي له يشابهة ولا مثل له يشاكله. لا تتداوله الامور ولا تجري عليه الاحوال ولا تنزل عليه الاحداث ولا يقدر الواصفون كنه عظمته ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته، لانه ليس له في الاشياء عديل ولا تدركه العلماء بألبابها (1) ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلا بالتحقيق (2) إيقانا بالغيب لانه لا يوصف بشئ من صفات المخلوقين وهو الواحد الصمد، ما تصور في الاوهام فهو خلافه. ليس برب من طرح تحت البلاغ، ومعبود من وجد في هواء أو غير هواء. هو في الاشياء كائن لا كينونة محظور بها عليه (3) ومن الاشياء بائن لا بينونة غائب عنها، ليس بقادر من قارنه ضد أو


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " في مواضع كثيرة، منها قوله سبحانه " وجاهدوا في الله حق جهاده " وقوله: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " إلى غير ذلك وكذا جهاد العدو القريب الذى يخاف ضرره قال الله سبحانه: " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " وكذا كل جهاد مع العدو وقال الله تعالى: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " إلى غير ذلك من الايات وهذا هو الفرض الذى لا يقام السنة إلا به. والجهاد الذى هو سنة على الامام هو أن يأتي العدو بعد تجهيز الجيش حيث كان يؤمن ضرر العدو ولم يتعين على الناس جهاده قبل أن يأمرهم الامام به فإذا أمرهم به صار فرضا عليهم وصار من جملة ما فرض الله عليهم فهذا هو السنة التى إنما يقام بالفرض. وأما الجهاد الرابع الذى هو السنة فهو مع الناس في إحياء كل سنة بعد اندراسها واجبة كانت أو مستحبة فإن السعي في ذلك جهاد مع من أنكرها. (قاله الفيض - رحمه الله - في بيان الحديث في الوافى). (1) كذا في النسخ. (2) التحيق: التصديق والاستثناء منقطع أي ولكن يدرك بالتصديق بما أخبر عنه الحجج إيمانا بالغيب. (3) في بعض النسخ [ لا كينونية محظور بها عليه ]. (*)

[ 245 ]

ساواه ند. ليس عن الدهر قدمة ولا بالناحية أممه (1)، احتجب عن العقول كما احتجب عن الابصار. وعمن في السماء احتجابه كمن في الارض، قربه كرامته وبعده إهانته، لا تحله في ولا توقته إذ ولا تؤامره إن. علوه من غير توقل (2) ومجيئه من غير تنقل، يوجد المفقود ويفقد الموجود ولا تجتمع لغيره الصفتان في وقت. يصيب الفكر منه الايمان به موجودا ووجود الايمان لا وجود صفة. به توصف الصفات لا بها يوصف وبه تعرف المعارف لا بها يعرف، فذلك الله لا سمي له، سبحانه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. * (وعنه عليه السلام في قصار هذه المعاني) * وقال عليه السلام في مسيره إلى كربلاء (3): إن هذه الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما. إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم (4) يحوطونه ما درت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء (5) قل الديانون. وقال عليه السلام لرجل اغتاب عنده رجلا: يا هذا كف عن الغيبة فإنها إدام كلاب النار. وقال عنده رجل: إن المعروف إذا اسدي إلى غير أهله ضاع (6) فقال الحسين عليه السلام:


(1) أي قدمه تعالى ليس قدما زمانيا يقارنه الزمان. والامم: القصد أي ليس قصده بأن يتوجه إلى جهة خاصة فيوجد بل أينما تولوا فثم وجه الله. (2) توقل في الجبل: صعد فيه. (3) ذلك في موضع يقال له: ذى حسم ونقل هذا الكلام الطبري في تاريخه " عن عقبة بن أبى العيزار قال: قام الحسين عليه السلام بذى حسم فحمد الله واثنى عليه ثم قال: أما بعد انه قد نزل من الامر ما قد ترون... إلخ " مع اختلاف يسير. وايضا نقل شطرا منه السيد ابن طاووس في اللهوف وعلى بن عيسى الاربلي في كشف الغمة أيضا. والصبابة - بالضم -: بقية الماء في الاناء. والمرعى: الكلاء. والوبيل: الوخيم. (4) في بعض النسخ [ لغو على ألسنتهم ]. (5) محص الرجل: اختبر. (6) اسدي إليه: أحسن إليه. والوابل: المطر الشديد. (*)

[ 246 ]

ليس كذلك ولكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البر والفاجر. وقال عليه السلام: ما أخذ الله طاقة أحد إلا وضع عنه طاعته. ولا أخذ قدرته إلا وضع عنه كلفته. وقال عليه السلام: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار. وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد. وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار وهي أفضل العبادة. وقال له رجل ابتداء: كيف أنت عافاك الله ؟ فقال عليه السلام له: السلام قبل الكلام عافاك الله، ثم قال عليه السلام: لا تأذنوا لاحد حتى يسلم. وقال عليه السلام: الاستدراج من الله سبحانه لعبده أن يسبغ عليه النعم ويسلبه الشكر. وكتب إلى عبد الله بن العباس حين سيره (1) عبد الله بن الزبير إلى اليمن: أما بعد بلغني أن ابن الزبير سيرك إلى الطائف فرفع الله لك بذلك ذكرا وحط به عنك وزرا وإنما يبتلى الصالحون. ولو لم توجر إلا فيما تحب لقل الاجر (2)، عزم الله لنا ولك بالصبر عند البلوى والشكر عند النعمى (3) ولا أشمت بنا ولا بك عدوا حاسدا أبدا والسلام. وأتاه رجل فسأله فقال عليه السلام: إن المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح أو فقر مدقع أو حمالة مفظعة (4)، فقال الرجل: ما جئت إلا في إحديهن، فأمر له بمائة دينار. وقال لابنه علي بن الحسين عليهما السلام: أي بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله جل وعز. وسأله رجل عن معنى قول الله: " وأما بنعمة ربك فحدث (5) " قال عليه السلام: أمره


(1) إنما وقع هذا التسيير بعد قتل المختار الناهض الوحيد لطلب ثار الامام السبط المفدى فالكتاب هذا لا يمكن أن يكون للحسين السبط عليه السلام ولعله لولده الطاهر على السجاد سلام الله عليه. (2) في بعض النسخ [ لقاء الاجر ]. (3) والنعمى: الدعه والراحة وخفض العيش. (4) الغرم: أداء شئ لازم، وما يلزم أداؤه، والضرر والمشقة. والفادح: الصعب المثقل. والمدقع: الملصق بالتراب. والحمالة: الدية والغرامة والكفالة. (5) سورة الضحى آية 11. (*)

[ 247 ]

أن يحدث بما أنعم الله به عليه في دينه. وجاءه رجل من الانصار يريد أن يسأله حاجة فقال عليه السلام: يا أخا الانصار صن وجهك عن بذلة المسألة (1) وارفع حاجتك في رقعة فإني آت فيها ما سارك إن شاء الله، فكتب: يا أبا عبد الله إن لفلان على خمسمائة دينار وقد ألح بي فكلمه ينظرني إلى ميسرة، فلما قرأ الحسين عليه السلام الرقعة دخل إلى منزله فأخرج صرة (2) فيها ألف دينار وقال عليه السلام له: أما خمسمائة فاقض بها دينك وأما خمسمائة فاستعن بها على دهرك ولا ترفع حاجتك إلا إلى أحد ثلاثة: إلى ذي دين، أو مروة، أو حسب، فأما ذو الدين فيصون دينه. وأما ذو المروة فإنه يستحيي لمروته. وأما ذو الحسب فيعلم أنك لم تكرم وجهك أن تبذله له في حاجتك فهو يصون وجهك أن يردك بغير قضاء حاجتك. وقال عليه السلام: الاخوان أربعة: فأخ لك وله. وأخ لك. وأخ عليك. وأخ لا لك ولا له، فسئل عن معنى ذلك ؟ فقال عليه السلام: الاخ الذي هو لك وله فهو الاخ الذي يطلب بإخائه بقاء الاخاء، ولا يطلب بإخائه موت الاخاء، فهذا لك وله لانه إذا تم الاخاء طابت حياتهما جميعا وإذا دخل الاخاء في حال التناقض بطل جميعا. والاخ الذي هو لك فهو الاخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع إلى حال الرغبة فلم يطمع في الدنيا إذا رغب في الاخاء فهذا موفر (3) عليك بكليته. والاخ الذي هو عليك فهو الاخ الذي يتربص بك الدوائر (4) ويغشي السرائر ويكذب عليك بين العشائر وينظر في وجهك نظر الحاسد فعليه لعنة الواحد. والاخ الذي لا لك ولا له فهو الذي قد ملاه الله حمقا فأبعده سحقا (5) فتراه يؤثر نفسه عليك ويطلب شحاما لديك. وقال عليه السلام: من دلائل علامات القبول: الجلوس إلى أهل العقول. ومن علامات


(1) البذلة: ترك الصون. (2) الصرة - بالضم فالتشديد -: ما يصر فيه الدراهم والدينار. (3) في بعض النسخ [ موفور عليك ]. (4) الدوائر: النوائب، يقال: دارت الدوائر أي نزلت الدواهي والنوائب. (5) أي فابعده الله عن رحمته بعدا. (*)

[ 248 ]

أسباب الجهل الممارأة لغير أهل الكفر (1). ومن دلائل العالم انتقاده لحديثه وعلمه بحقائق فنون النظر. وقال عليه السلام: إن المؤمن اتخذ الله عصمته. وقوله مرآته، فمرة ينظر في نعت المؤمنين وتارة ينظر في وصف المتجبرين، فهو منه في لطائف. ومن نفسه في تعارف. ومن فطنته في يقين. ومن قدسه على تمكين (2). وقال عليه السلام: إياك وما تعتذر منه، فإن المؤمن لا يسيئ ولا يعتذر. والمنافق كل يوم يسيئ ويعتذر. وقال عليه السلام: للسلام سبعون حسنة تسع وستون للمبتدئ وواحدة للراد. وقال عليه السلام: البخيل من بخل بالسلام. وقال عليه السلام: من حاول أمرا (3) بمعصية الله كان أفوت لما يرجو وأسرع لما يحذر (4).


(1) المماراة: المجادلة والمنازعة. وفى بعض النسخ [ لغير أهل الفكر ]. (2) أي ومن طهارة نفسه على قدرة وسلطنة. (3) في بعض النسخ [ من حاول أمرءا ]. (4) في بعض النسخ [ أسرع لمجيئ ما يحذر ]. (*)

[ 249 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] وروى عن الامام سيد العابدين على بن الحسين عليهما السلام في طوال هذه المعاني * (موعظته عليه السلام) * * (لسائر اصحابه وشيعته وتذكيره اياهم كل يوم جمعة (1)) * أيها الناس اتقوا الله واعلموا أنكم إليه راجعون، فتجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه (2) ويحك يا ابن آدم الغافل وليس مغفولا عنه، إن أجلك أسرع شئ إليك قد أقبل نحوك حثيثا (3)، يطلبك ويوشك أن يدركك فكان قد أوفيت أجلك وقد قبض الملك روحك وصيرت إلى قبرك وحيدا، فرد إليك روحك واقتحم عليك ملكاك منكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك. ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي ارسل إليك وعن دينك الذي كنت تدين به وعن كتابك الذي كنت تتلوه وعن إمامك الذى كنت تتولاه وعن عمرك فيما أفنيت وعن مالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته (4)، فخذ حذرك وانظر لنفسك وأعد الجواب قبل الامتحان والمسألة والاختبار، فإن تك مؤمنا عارفا (5) بدينك متبعا للصادقين مواليا لاولياء الله لقاك الله حجتك وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب وبشرت بالجنة والرضوان من الله (6) واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان. وإن لم تكن كذلك تلجلج (7)


(1) رواه الكليني في الروضة والصدوق في الامالى مع اختلاف في غير موضع منه وانما تعرضنا لبعضها تتميما للفائدة. (2) اشارة إلى قوله تعالى في سورة آل عمران آية 28. (3) الحثيث: السريع. (4) في الامالى [ فيما أتلفته ]. (5) في الامالى [ فان تك مؤمنا تقيا عارفا ]. (6) أضاف هنا في الامالى [ والخيرات الحسان ]. (7) تلجلج في الكلام: تردد فيه. ودحضت أي بطلت. وعييت أي عجزت عنه وكلت. (*)

[ 250 ]

لسانك ودحضت حجتك وعييت عن الجواب وبشرت بالنار واستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم (1). واعلم يا ابن آدم أن ما وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (2) يجمع الله فيه الاولين والآخرين يوم ينفخ في الصور ويبعثر فيه القبور (3) ذلك يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين (4) ذلك يوم لا تقال فيه عثرة (5) ولا تؤخذ من أحد فدية ولا تقبل من أحد معذرة ولا لاحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده. ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده. فاحذروا أيها الناس من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عنها (6) وحذركموها في الكتاب الصادق والبيان الناطق ولا تأمنوا مكر الله وتدميره (7) عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا، فإن الله يقول: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (8) " وأشعروا قلوبكم خوف الله وتذكروا ما [ قد ] وعدكم في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوفكم من شديد عقابه، فإنه من خاف شيئا حذره ومن حذر شيئا تركه (9)


(1) النزل ما هيئ للضيف قبل أن ينزل. والحميم الشراب المغلى في قدور جهنم. (2) اشارة إلى قوله عزوجل في سورة هود آية 105. (3) يوم بعثرت أي قلبت فاخرج ما فيها. (4) إشارة إلى قوله عزوجل في سورة المؤمن آية 18. والازفة القيامة وسميت بها لازافتها أي قربها. (5) " تقال " من الاقالة وهى فسخ البيع. (6) لفظة " من " بيان للموصول بعده يعنى " ما " أو الموصول بدل من الذنوب. (7) التدمير: الاهلاك. وفى الامالى [ ولا تأمنوا مكر اله وشدة أخذه وتدميره ] وفى الروضة [ ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره وتحديده ] بدون " تدميره ". (8) سورة الاعراف آية 200. (9) في بعض النسخ وفى الامالى [ نكله ]. (*)

[ 251 ]

ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الحياة الدنيا (1) الذين مكروا السيئات [ وقد قال الله تعالى: " أفأمن الذين مكروا السيئات ] أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف (2) " فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما توعد به القوم الظالمين في كتابه لقد وعظكم الله بغيركم. وإن السعيد من وعظ بغيره. ولقد أسمعكم الله في كتابه ما فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: (3) " وأنشأنا بعدها قوما آخرين " وقال: " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون " يعني يهربون. قال: " لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون " فلما أتاهم العذاب " قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (4) " فإن قلتم أيها الناس: إن الله إنما عنى بهذا أهل الشرك، فكيف ذاك وهو يقول: " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (5) ". اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين وإنما يحشرون إلى جهنم زمرا وإنما تنصب الموازن وتنشر الدواوين لاهل الاسلام، فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله تعالى لم يحب زهرة الدنيا لاحد من أوليائه ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها فإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملا لآخرته وأيم الله لقد ضربت لكم فيه الامثال وصرفت الآيات لقوم يعقلون، فكونوا أيها المؤمنون من


(1) في الامالى [ فتكونوا من الذين ]. (2) سورة النحل آية 47 إلى 49. (3) هنا سقط في النسخ وفي الروضة [ وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة - وإنما عنى بالقرية أهلها حيث يقول -: وانشأنا... الخ ]. وفى الامالى [ وكم أهلكنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا... الخ ] و ليست الآية على نسخة الامالى في المصاحف ولعله نقل بالمعنى لان قصمنا بمعنى أهلكنا. (4) الايات في سورة الانبياء من آيه 11 إلى 16 وهنا سقط أيضا وفى الروضة والامالي [ " فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " وايم الله إن هذه لعظة لكم وتخويف إن اتعظتم وخفتم، ثم رجع إلى القول في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب فقال: " ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين " ]. سورة الانبياء آية 48. (5) سورة الانبياء آية 49. (*)

[ 252 ]

القوم الذين يعقلون. ولا قوة إلا بالله. وازهدوا فما زهدكم الله فيه من عاجل الحياة الدنيا فإن الله يقول - وقوله الحق -: " إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتيها أمرنا ليلا أو نهار فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (1) " ولا تركنوا إلى الدنيا فإن الله قال لمحمد صلى الله عليه وآله (2). " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار (3) " ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، فإنها دار قلعة ومنزل بلغة ودار عمل، فتزودوا الاعمال الصالحة قبل تفرق أيامها وقبل الاذن من الله في خرابها، فكان قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها. وأسأل الله لنا ولكم العون على تزود التقوى والزهد في الدنيا جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل هذه الحياة الدنيا، الراغبين في آجل ثواب الآخرة فإنما نحن له وبه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. * (موعظة وزهد وحكمة (4)) * كفانا الله وإياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبارين أيها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا المائلون إليها، المفتونون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غدا (5). واحذروا ما حذركم


(1) سورة يونس آية 25. وهنا أيضا سقط وفى الروضة والامالي [ فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون ]. (2) زاد في الامالى [ ولاصحابه ]. (3) سورة هود آية 115. وفى الامالى والروضة [ إلى زهرة الحياة الدنيا ]. (4) رواه الكليني في الروضة باسناده عن الثمالى قال قرأت في صحيفة كان فيها كلام زهد من كلام على ابن الحسين عليهما السلام وكتبت ما فيها ثم أتيت على بن الحسين عليهما السلام فعرضت ما فيها عليه فعرفه وصححه وكان فيها: بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله إلى آخره. أورده المفيد في المجلس الثالث والعشرين من أماليه مسندا. (5) الهامد: البالى المسود المتغير واليابس من النبات والشجر. والهشيم: اليابس متكسر من كل شجر وكلاء أصله المكسور. والبائد: الهالك. (*)

[ 253 ]

الله منها وازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها. ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من أعدها دارا وقرارا. وبالله إن لكم مما فيها عليها دليلا (1) من زينتها وتصريف أيامها وتغيير انقلابها ومثلاتها وتلاعبها بأهلها، إنها لترفع الخميل (2) وتضع الشريف وتورد النار أقواما غدا، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمنتبه (3). وإن الامور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلمات الفتن (4) وحوادث البدع وسنن الجور وبوائق الزمان وهيبة السلطان ووسوسة الشيطان لتثبط القلوب عن نيتها (5) وتذهلها عن موجود الهدى (6) ومعرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله عزوجل فليس يعرف تصرف أيامها وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصم الله، ونهج سبيل الرشد وسلك طريق القصد. ثم استعان على ذلك بالزهد، فكرر الفكر واتعظ بالعبر وازدجر، فزهد في عاجل بهجة الدنيا وتجافى عن لذاتها ورغب في دائم نعيم الآخرة وسعى لها سعيها وراقب الموت وشنأ الحياة مع القوم الظالمين، فعند ذلك نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة النظر (7) وأبصر حوادث الفتن وضلال البدع وجور الملوك الظلمة، فقد لعمري استدبرتم من الامور الماضية في الايام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيها ما تستدلون به على تجنب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الارض بغير الحق. فاستعينوا بالله وارجعوا إلى طاعته وطاعة من هو أولى بالطاعة من طاعة من اتبع واطيع. فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة والقدوم على الله والوقوف بين يديه. وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء


(1) في الروضة والامالي [ ركون من اتخدها دار قرار ومنزل استيطان ] وفى الروضة [ والله لكم مما فيها عليها لدليلا وتنبيها من تصريف أيامها ]. (2) الخميل: الخامل وهو الساقط الذى لا نباهة له. (3) في بعض النسخ [ لمتنبه ]. (4) في بعض نسخ الروضة [ ملمات الفتن ] وفى الامالى [ مضلات الفتن ]. (5) في بعض النسخ [ لمثبطة القلوب ] وفى بعضها وفى الامالى [ ليذر القلوب عن تنبيهها ] وفى بعض النسخ [ لتدبير القلوب عن نيتها ] وفى الروضة [ لتثبط القلوب عن تنبيهها ]. (6) من إضافة الصفة إلى الموصوف. وفى الامالى [ عن وجود الهدى ]. (7) في بعض النسخ والروضة [ بعين قرة ]. (*)

[ 254 ]

منقلبهم وساء مصيرهم. وما العلم بالله والعمل بطاعته (1) إلا إلفان مؤتلفان، فمن عرف الله خافه فحثه الخوف على العمل بطاعة الله وإن أرباب العلم واتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه وقد قال الله " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (2) فلا تلتمسوا شيئا في هذه الدنيا بمعصية الله واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله واغتنموا أيامها واسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله، فإن ذلك أقل للتبعة وأدنى من العذر وأرجا للنجاة. فقدموا أمر الله وطاعته وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الامور كلها ولا تقدموا الامور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت وفتنة زهره الدنيا بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الامر منكم. واعلموا أنكم عبيد الله ونحن معكم، يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا وهو موقفكم ومسائلكم، فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسألة والعرض على رب العالمين، يومئذ لا تكلم نفس إلا بإذنه. واعلموا أن الله لا يصدق كاذبا. ولا يكذب صادقا. ولا يرد عذر مستحق. ولا يعذر غير معذور بل لله الحجة على خلقه بالرسل و الاوصياء بعد الرسل. فاتقوا الله واستقبلوا من إصلاح أنفسكم (3) وطاعة الله وطاعة من تولونه فيها، لعل نادما قد ندم على ما قد فرط بالامس في جنب الله وضيع من حق الله (4) واستغفروا الله وتوبوا إليه فإنه يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون وإياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين. احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم. واعلموا أنه من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله واستبد بأمره دون أمر ولي الله في نار تلتهب، تأكل أبدانا [ قد غابت عنها أرواحها ] غلبت عليها شقوتها [ فهم موتى لا يجدون حر النار (5) ] فاعتبروا يا اولي الابصار واحمدوا الله على ما هداكم.


(1) في بعض النسخ وفى مجالس المفيد [ وما العز بالله ]. (2) سورة فاطر آية 25. (3) في الروضة [ في اصلاح انفسكم ]. (4) في الروضة [ من حقوق الله ]. (5) ما بين القوسين في الموضعين كان في هامش بعض نسخ الكتاب. وفى الروضة [ فهم موتى لا يجدون حر النار ولو كانوا أحياء لوجدوا مضض حر النار ]. (*)

[ 255 ]

واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته. وسيرى الله عملكم ثم إليه تحشرون فانتفعوا بالعظة وتأدبوا بآداب الصالحين. * (رسالته عليه السلام المعروفة برسالة الحقوق (1)) * اعلم رحمك الله أن لله عليك حقوقا محيطة بك في كل حركة تحركتها، أو سكنة سكنتها أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها وآلة تصرفت بها، بعضها أكبر من بعض. وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو أصل الحقوق ومنه تفرع. ثم أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك، فجعل لبصرك عليك حقا ولسمعك عليك حقا وللسانك عليك حقا وليدك عليك حقا ولرجلك عليك حقا ولبطنك عليك حقا ولفرجك عليك حقا، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الافعال. ثم جعل عزوجل لافعالك عليك حقوقا، فجعل لصلاتك عليك حقا ولصومك عليك حقا ولصدقتك عليك حقا ولهديك عليك حقا ولافعالك عليك حقا ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق الواجبة عليك، وأوجبها عليك حقوق أئمتك ثم حقوق رعيتك ثم حقوق رحمك، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك حق سائسك بالسلطان ثم سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك وكل سائس


(1) رواها الصدوق في الخصال مع اختلاف وفى الفقيه أيضا عن أبى حمزة الثمالى قال: هذه رسالة على بن الحسين عليهما السلام إلى بعض أصحابه ونقله المحدث النوري رحمه الله في المستدرك ج 2 ص 274 عن التحف قائلا بعده: قلت: قال السيد على بن طاووس في فلاح السائل: وروينا باسنادنا في كتاب الرسائل عن محمد بن يعقوب الكينى باسناده إلى مولانا زين العابدين عليه السلام أنه قال: فاما حقوق الصلاة فأن تعلم أنها وفادة... وساق مثل ما مر عن تحف العقول ومنه يعلم أن هذا الخبر الشريف المعروف بحديث الحقوق مروى في رسائل الكليني على النحو المروى في التحف لا على النحو الموجود في الفقيه والخصال والظاهر لكل من له انس بالاحاديث أن المروى في الفقيه و الخصال مختصر مما في التحف واحتمال التعدد في غاية البعد ويؤيد الاتحاد أن النجاشي قال في ترجمة أبى حمزة: وله رسالة الحقوق عن على بن الحسين عليهما السلام أخبرنا أحمد بن على قال حدثنا الحسن بن حمزة قال: حدثنا على بن ابراهيم عن أبيه عن محمد بن الفضيل عن أبى حمزة عن على بن الحسين عليهما السلام وهذا السند أعلى وأصح من طريق الصدوق (ره) في الخصال إلى آخر ما قاله رحمه الله وقد أشرنا إلى بعض موارد الاختلاف في الهامش. (*)

[ 256 ]

إمام (1) وحقوق رعيتك ثلاثة أوجبها عليك حق رعيتك بالسلطان، ثم حق رعيتك بالعلم فإن الجاهل رعية العالم وحق رعيتك بالملك من الازواج وما ملكت من الايمان (2). وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة. فأوجبها عليك حق امك، ثم حق أبيك ثم حق ولدك، ثم حقد أخيك ثم الاقرب فالاقرب والاول فالاول، ثم حق مولاك المنعم عليك، ثم حق مولاك الجارية نعمتك عليه، ثم حق ذي المعروف لديك، ثم حث مؤذنك بالصلاة، ثم حق إمامك في صلاتك، ثم حق جليسك ثم حق جارك، ثم حق صاحبك، ثم حق شريكك، ثم حق مالك، ثم حق غريمك الذي تطالبه، ثم حق غريمك الذي يطالبك، ثم حق خليطك، ثم حق خصمك المدعي عليك ثم حق خصمك الذي تدعي عليه، ثم حق مستشيرك، ثم حق المشير عليك، ثم حق مستنصحك، ثم حق الناصح لك، ثم حق من هو أكبر منك، ثم حق من هو أصغر منك، ثم حق سائلك، ثم حق من سألته، ثم حق من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل أو مسرة بذلك بقول أو فعل عن تعمد منه أو غير تعمد منه، ثم حق أهل ملتك عامة، ثم حق أهل الذمة (3)، ثم الحقوق الجارية بقدر علل الاحوال وتصرف الاسباب، فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أوجب عليه من حقوقه ووفقه وسدده. 1 - فأما حق الله الاكبر فإنك تعبده لا تشرك به شيئا، فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب منها (4). 2 - وأما حق نفسك عليك فأن تستوفيها في طاعة الله، فتؤدي إلى لسانك حقه وإلى سمعك حقه وإلى بصرك حقه وإلى يدك حقها وإلى رجلك حقها وإلى بطنك حقه وإلى فرجك حقه وتستعين بالله على ذلك. 3 - وأما حق اللسان فإكرامه عن الخنى (5) وتعويده على الخير وحمله على الادب


(1) السائس: القائم بأمر والمدبر له. (2) في الخصال بدون " من ". (3) في الخصال والفقيه [ ثم حق أهل ملتك عليك، ثم حق أهل ذمتك ]. (4) كذا والظاهر " منهما ". (5) الخنى: الفحش من الكلام. (*)

[ 257 ]

وإجمامه (1) إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا وإعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائدتها. ويعد شاهد العقل والدليل عليه وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 4 - وأما حق السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقا إلى قلبك إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيرا أو تكسب خلقا كريما فإنه باب الكلام إلى القلب يؤدي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شر ولا قوة إلا بالله (2). 5 - وأما حق بصرك فغضه عما لا يحل لك وترك ابتذاله إلا لموضع عبرة تستقبل بها بصرا أو تستفيد بها علما، فإن البصر باب الاعتبار (3). 6 - وأما حق رجليك فأن لا تمشي بهما إلى ما لا يحل لك ولا تجعلهما مطيتك في الطريق المستخفة بأهلها فيها فإنها حاملتك وسالكة بك مسلك الدين والسبق لك ولا قوة إلا بالله (4). 7 - وأما حق يدك فأن لا تبسطها إلى ما لا يحل لك فتنال بما تبسطها إليه من الله العقوبة في الآجل، ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل (5) ولا تقبضها مما افترض الله عليها ولكن توقرها بقبضها عن كثير مما يحل لها وبسطها إلى كثير مما ليس عليها، فإذا هي قد عقلت وشرفت في العاجل وجب لها حسن الثواب في الآجل (6).


(1) في بعض النسخ [ اجماعه ]. وفى بعضها [ حله بالاداب واجمامه ]. وفى الخصال ومن لا يحضره الفقيه بعد قوله: " وتعويده الخير " هكذا [ وترك فضول التى لا فائدة فيها والبر بالناس وحسن القول فيهم ]. انتهى. (2) فيهما [ تنزيهه عن سماع الغيبة وسماع ما لا يحل سماعه ]. (3) في بعض النسخ [ تعتقد بها علما ]. وفيهما [ أن تغضه عما لا يحل لك وتعتبر بالنظرية ]. (4) فيهما [ ان لا تمشى بهما إلى ما لا يحل لك، فبهما تقف على الصراط فانظر أن لا تزل بك فتردى في النار ]. (5) أي عذاب الدنيا والاخرة أما الدنيا فلسان اللائمة من الناس وأما الاخرة فعقوبة الله. (6) فيهما [ أن لا تبسطها إلى ما لا يحل لك ]. (*)

[ 258 ]

8 - وأما حق بطنك فأن لا تجعله وعاء لقليل من الحرام ولا لكثير وأن تقتصد له في الحلال ولا تخرجه من حد التقوية إلى حد التهوين وذهاب المروة وضبطه إذا هم بالجوع والظمأ (1) فإن الشبع المنتهي بصاحبه إلى التخم مكسلة ومثبطة ومقطعة عن كل بر وكرم. وإن الري المنتهي بصاحبه إلى السكر مسخفة ومجهلة ومذهبة للمروة (2). 9 - وأما حق فرجك فحفظه مما لا يحل لك والاستعانة عليه بغض البصر، فإنه من أعون الاعوان، وكثرة ذكر الموت والتهدد لنفسك بالله والتخويف لها به. وبالله العصمة والتأييد ولا حول ولا قوة إلا به (3). * (ثم حقوق الافعال) * 10 - فأما حق الصلاة فأن تعلم أنها وفادة إلى الله وأنك قائم بها بين يدي الله فإذا علمت ذلك كنت خليقا أن تقوم فيها مقام الذليل الراغب الراهب الخائف، الراجي المسكين المتضرع المعظم من قام بين يديه بالسكون والاطراق (4) و خشوع الاطراف ولين الجناح وحسن المناجاة له في نفسه والطلب إليه في فكاك رقبتك التي أحاطت به خطيئتك واستهلكتها ذنوبك ولا قوة إلا بالله (5). 11 - وأما حق الصوم فأن تعلم أنه حجاب ضربه الله على لسانك وسمعك و بصرك وفرجك وبطنك ليسترك به من النار (6) وهكذا جاء في الحديث " الصوم جنة من النار "


(1) التهوين: الاستخفاف. يقال: هون الشئ: استخف به. (2) المجهلة ما يحملك على الجهل. وفيهما [ أن لا تجعله وعاء للحرام ولا تزيد على الشبع ]. (3) لعل المراد أن حفظ الفرج مما لا يحل يكون بكثرة ذكر الموت وتهديد النفس وتخويفها. وفيهما [ وحق فرجك أن تحصنه عن الزنا وتحفظه من أن ينظر إليه ]. (4) فيهما [ المعظم لمن كان بين يديه بالسكون والوقار وتقبل عليها بقلبك وتقيمها بحدودها وحقوقها ]. انتهى. وأطرق الرجل: أرخى عينيه فينظر إلى الارض. وفى بعض النسخ [ مع الاطراق ]. (5) ليس في الكتاب هنا ذكر حق الحج وفيهما [ وحق الحج أن تعلم أنه وفادة إلى ربك وفرار من ذنوبك وبه قبول توبتك وقضاء الفرض الذى أوجبه الله عليك ]. (6) فيهما بعد قوله: " من النار ": [ فان تركت الصوم خرقت ستر الله عليك ]. انتهى. (*)

[ 259 ]

فإن سكنت أطرافك في حجبتها (1) رجوت أن تكون محجوبا. وإن أنت تركتها تضطرب في حجابها وترفع جنبات الحجاب فتطلع إلى ما ليس لها بالنظرة الداعية للشهوة والقوة الخارجة عن حد التقية لله لم تأمن أن تخرق الحجاب وتخرج منه ولا قوة إلا بالله. 12 - وأما حق الصدقة فأن تعلم أنها ذخرك عند ربك ووديعتك التي لا تحتاج إلى الاشهاد (2) فإذا علمت ذلك كنت بما استودعته سرا أوثق بما استودعته علانية وكنت جديرا أن تكون أسررت إليه أمرا أعلنته، وكان الامر بينك وبينه فيها سرا على كل حال ولم تستظهر عليه فيما استودعته منها [ ب‍ ] إشهاد الاسماع والابصار عليه بها كأنها أوثق في نفسك لا كأنك (3) لا تثق به في تأدية وديعتك إليك. ثم لم تمتن بها على أحد لانها لك فإذا امتننت بها لم تأمن أن تكون بها مثل تهجين (4) حالك منها إلى من مننت بها عليه لان في ذلك دليلا على أنك لم ترد نفسك بها ولو أردت نفسك بها لم تمتن بها على أحد ولا قوة إلا بالله (5). 13 - وأما حق الهدي فأن تخلص بها الارادة إلى ربك والتعرض لرحمته وقبوله ولا تريد عيون الناظرين دونه، فإذا كنت كذلك لم تكن متكلفا ولا متصنعا وكنت إنما تقصد إلى الله. واعلم أن الله يراد باليسير ولا يراد بالعسير كما أراد بخلقه التيسير ولم يرد بهم التعسير وكذلك التذلل أولى بك من التدهقن (6) لان الكلفة والمؤونة في المتدهقنين. فأما التذلل والتمسكن فلا كلفة فيهما ولا مؤونة عليهما


(1) الحجبة - بالتحريك -: جمع حاجب. (2) لا يحتاج يوم القيامة إلى الاشهاد لما ورد في الخبر من " أن الصدقة أول ما تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد السائل ". (3) في بعض النسخ وكأنك. (4) التهجين: التقبيح والتحقير. (5) فيهما [ فأن تعلم أنها ذخرك عند ربك ووديعتك التى لا تحتاج إلى الاشهاد عليها وكنت لما تستودعه سرا أوثق منك بما استودعه علانية وتعلم أنها تدفع عنك البلايا والاسقام في الدنيا وتدفع عنك النار في الاخرة ]. (6) تدهقن أي صار دهقانا وهو رئيس القرية وزعيم الفلاحين والمراد به ضد التمسكن والتذلل وتمسكن بمعنى خضع وأخبت. (*)

[ 260 ]

لانهما الخلقة وهما موجودان في الطبيعة ولا قوة إلا بالله (1). * (ثم حقوق الائمة) * 14 - فأما حق سائسك بالسلطان فأن تعلم أنك جعلت له فتنة وأنه مبتلى فيك بما جعله الله له عليك من السلطان وأن تخلص له في النصيحة وأن لا تماحكه (2) وقد بسطت يده عليك فتكون سبب هلاك نفسك وهلاكه. وتذلل وتلطف لاعطائه من الرضى ما يكفه عنك ولا يضر بدينك وتستعين عليه في ذلك بالله. ولا تعازه (3) ولا تعانده، فإنك إن فعلت ذلك عققته وعققت نفسك (4) فعرضتها لمكروهه وعرضته للهلكة فيك وكنت خليقا أن تكون معينا له على نفسك وشريكا له فيما أتى إليك (5) ولا قوة إلا بالله (6). 15 - وأما حق سائسك بالعلم فالتعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والاقبال عليه والمعونة له على نفسك فيما لا غنى بك عنه من العلم بأن تفرغ له عقلك وتحضره فهمك وتزكي له [ قلبك ] وتجلي له بصرك بترك اللذات ونقص الشهوات وأن تعلم أنك فيما ألقى [ إليك ] رسوله إلى من لقيك من أهل الجهل فلزمك حسن التأدية عنه إليهم ولا تخنه في تأدية رسالته والقيام بها عنه إذا تقلدتها ولا حول ولا قوة إلا بالله (7).


(1) فيهما [ أن تريد به الله عزوجل ولا تريد به خلقه ولا تريد به الا التعرض لرحمة الله ونجاة روحك يوم تلقاه ]. (2) لا تماحكه: لا تخاصمه ولا تنازعه. (3) لا تعازه: لا تعارضه في العزة. (4) عققت: عصيت وآذيت. (5) في بعض النسخ [ فيما يأتي إليك من سوء ]. (6) فيهما [ وحق السلطان أن تعلم - إلى قوله -: من السلطان. وبعده: وأن عليك أن لا تعرض لسخطه فتلقى بيديك إلى التهلكة وتكون شريكا له فيما يأتي إليك من سوء ]. انتهى. (7) فيهما بعد قوله " والاقبال عليه ": [ وأن لا ترفع عليه صوتك ولا تجيب أحدا يسأله عن شئ حتى يكون هو الذى يجيب ولا تحدث في مجلسه أحدا ولا تغتاب عنده أحدا وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه ولا تجالس له عدوا ولا تعادى له وليا وإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بانك قصدته وتعلمت علمه لله جل اسمه لا للناس ]. (*)

[ 261 ]

16 - وأما حق سائسك بالملك فنحو من سائسك بالسلطان إلا أن هذا يملك ما لا يملكه ذاك تلزمك طاعته فما دق وجل منك إلا أن تخرجك من وجوب حق الله، ويحول بينك وبين حقه وحقوق الخلق، فإذا قضيته رجعت إلى حقه (1) فتشاغلت به ولا قوة إلا بالله (2). * (ثم حقوق الرعية) * 17 - فأما حقوق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنك إنما استرعيتهم بفضل قوتك عليهم فإنه إنما أحلهم محل الرعية لك ضعفهم وذلهم، فما أولى من كفاكه ضعفه وذله حتى صيره لك رعية وصير حكمك عليه نافذا، لا يمتنع منك بعزة ولا قوة ولا يستنصر فيما تعاظمه منك إلا [ بالله ] بالرحمة والحياطة والاناة (3) وما أولاك إذا عرفت ما أعطاك الله من فضل هذه العزة والقوة التي قهرت بها أن تكون لله شاكرا ومن شكر الله أعطاه فيما أنعم عليه ولا قوة إلا بالله (4). 18 - وأما حق رعيتك بالعلم، فأن تعلم أن الله قد جعلك لهم (5) فيما آتاك من العلم وولاك من خزانة الحكمة، فإن أحسنت فيما ولاك الله من ذلك وقمت به لهم مقام الخازن الشفيق الناصح لمولاه في عبيده، الصابر المحتسب الذي إذا رأى ذا حاجة أخرج له من الاموال التي في يديه كنت راشدا وكنت لذلك آملا معتقدا (6) وإلا كنت


(1) أي إذا قضيت حق الله فارجع إلى أداء حق مالكك. (2) فيهما [ فاما حق سائسك بالملك فان تطيعه ولا تعصيه إلا فيما يسخط الله عزوجل فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ]. (3) الحياطة: الحفاظة والحماية والصيانة. والاناة - كقناة -. الوقار والحلم وأصله الانتظار. (4) فيهما [ فان تعلم أنهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك فيجب أن تعدل فيهم وتكون لهم كالوالد الرحيم وتغفر لهم جهلهم ولا تعاجلهم بالعقوبة وتشكر الله عزوجل على ما أولاك وعلى ما آتاك من القوة عليهم ]. (5) أي جعلك لهم خازنا أو قيما ولعله سقط من قلم النساخ. (6) الامل: خادم الرجل وعونه الذي يأمله. (*)

[ 262 ]

له خائنا ولخلقه ظالما ولسلبه وعزه متعرضا (1). 19 - وأما حق رعيتك بملك النكاح، فأن تعلم أن الله جعلها سكنا ومستراحا وانسا وواقية وكذلك كل واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه ويعلم أن ذلك نعمة منه عليه. ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها وإن كان حقك عليها أغلظ وطاعتك بها ألزم فيما أحببت وكرهت ما لم تكن معصية، فإن لها حق الرحمة والمؤانسة. وموضع السكون إليها قضاء اللذة التي لابد من قضائها وذلك عظيم ولا قوة إلا بالله (2). 20 - وأما حق رعيتك بملك اليمين فأن تعلم أنه خلق ربك، ولحمك ودمك (3) وأنك تملكه لا أنت صنعته دون الله ولا خلقت له سمعا ولا بصرا ولا أجريت له رزقا ولكن الله كفاك ذلك. ثم سخره لك وائتمنك عليه واستودعك إياه لتحفظه فيه وتسير فيه. فتطعمه مما تأكل وتلبسه مما تلبس ولا تكلفه ما لا يطيق، فإن كرهت‍ [ - ه ] خرجت إلى الله منه واستبدلت به. ولم تعذب خلق الله ولا قوة إلا بالله (4).


(1) فيهما [ حق رعيتك بالعلم فان تعلم أن الله عزوجل انما جعلك قيما لهم فيما آتاك من العلم وفتح لك من خزائنه فان أحسنت في تعلم الناس ولم تخرق بهم ولم تضجر عليهم زادك الله من فضله وإن أنت منعت الناس علمك أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك كان حقا على الله عزوجل أن يسلبك العلم و بهاءه ويسقطت من القلوب محلك ]. (2) فيهما [ وحق الزوجة أن تعلم أن الله عزوجل جعلها لك سكنا وانسا وتعلم أن ذلك نعمة من الله تعالى عليك فتكرمها وترفق بها وإن كان حقك عليها أوجب فان لها عليك ان ترحمها لانها أسيرك وتطعمها وتكسوها فأذا جهلت عفوت عنا ]. (3) معطوفين على الخلق أي وتعلم أنه لحمك ودمك وفى بعض [ النسخ لم تملكه لانك صنعته ]. (4) فيهما [ وأما حق مملوكك فأن تعلم أنه خلق ربك وابن أبيك وامك ولحمك ودمك ولم تملكه لانك صنعته من دون الله ولا خلقت شيئا من جوارحه ولا أخرجت له رزقا ولكن الله عزوجل كفاك ذلك ثم سخره لك وائتمنك عليه واستودعك إياه ليحفظ لك ما تأتيه من خير إليه فأحسن إليه كما أحسن الله إليك وإن كرهته استبدلت به ولم تعذب خلق الله عزوجل ولا قوة إلا بالله ]. (*)

[ 263 ]

* (واما حق الرحم) * 21 - فحق امك فان تعلم أنها حملتك حيث لا يحمل أحد أحدا وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحدا أحدا. وأنها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة بذلك، فرحة، موابلة (1) محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمها حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الارض فرضيت أن تشبع وتجوع هي وتكسوك وتعرى وترويك وتظمأ وتظلك وتضحى و تنعمك ببؤسها وتلذذك بالنوم بأرقها وكان بطنها لك وعاء، وحجرها لك حواء (2) وثديها لك سقاء ونفسها لك وقاء، تباشر حر الدنيا وبردها لك ودونك، فتشكرها على قدر ذلك ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه (3). 22 - وأما حق أبيك فتعلم أنه أصلك وأنك فرعه وأنك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك (4) فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه واحمد الله واشكره على قدر ذلك [ ولا قوة إلا بالله ]. 23 - وأما حق ولدك فتعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره وأنك مسؤول عما وليته من حسن الادب والدلالة على ربه والمعونة له على طاعته فيك (5) وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والاخذ له منه ولا قوة إلا بالله. 24 - وأما حق أخيك فتعلم أنه يدك التي تبسطها وظهرك الذي تلتجئ إليه


(1) كذا. ووابله: واظبه. (2) الحواء: ما يحتوى به الشى من حوى الشئ إذا أحاط به من جهاته. (3) فيهما [ فأن تعلم أنها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحدا واعطتك من ثمرة قلبها مالا يعطى أحد أحدا ووقتك بجميع جوارحها ولم تبال أن تجوع وتطعمك وتعطش وتسقيك وتعرى وتكسوك وتضحى وتظلك وتهجر النوم لاجلك ووقتك الحر والبرد لتكون لها فانك لا تطيق شكرها إلا بعون الله وتوفيقه ]. (4) فيهما [ فمهما رأيت من نفسك ما يعجبك فاعلم... الخ ]. (5) فيهما [ على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الاحسان إليه معاقب على الاساءة إليه ]. انتهى. (*)

[ 264 ]

وعزك الذي تعتمد عليه وقوتك التي تصول بها فلا تتخذه سلاحا على معصية الله ولا عدة للظلم بحق الله (1) ولا تدع نصرته على نفسه ومعونته على عدوه والحول بينه وبين شياطينه وتأدية النصيحة إليه والاقبال عليه في الله، فإن انقاد لربه وأحسن الاجابة له وإلا فليكن الله آثر عندك وأكرم عليك منه (2). 25 - وأما حق المنعم عليك بالولاء (3) فأن تعلم أنه أنفق فيك ماله وأخرجك من ذل الرق ووحشته إلى عز الحرية وانسها وأطلقك من أسر الملكة وفك عنك حلق العبودية (4) وأوجدك رايحة العز وأخرجك من سجن القهر ودفع عنك العسر و بسط لك لسان الانصاف وأباحك الدنيا كلها فملكك نفسك وحل أسرك وفرغك لعبادة ربك واحتمل بذلك التقصير في ماله. فتعلم أنه أولى الخلق بك بعد أولي رحمك في حياتك وموتك وأحق الخلق بنصرك ومعونتك ومكانفتك في ذات الله (5)، فلا تؤثر عليه نفسك ما احتاج إليك (6). 26 - وأما حق مولاك الجارية عليه نعمتك فأن تعلم أن الله جعلك حامية عليه وواقية وناصرا ومعقلا وجعله لك وسيلة وسببا بينك وبينه فبالحري أن يحجبك عن النار فيكون في ذلك ثواب منه (7) في الآجل ويحكم لك بميراثه في العاجل إذا لم يكن له رحم مكافأة لما أنفقته من مالك عليه وقمت به من حقه بعد إنفاق مالك، فإن لم


(1) في بعض النسخ [ للظلم لخلق الله ]. (2) فيهما [ أن تعلم أنه يدك وعزك وقوتك فلا تتخذه سلاحا على معصية الله ولا عدة لظلم خلق الله ولا تدع نصرته على عدوه والنصيحة له فأن أطاع الله والا فليكن الله أكرم عليك منه ولا قوة إلا بالله ]. (3) الولاء - بالفتح -: النصرة والملك والمحبة والصداقة والقرابة. (4) الحلق - كقصع وبدر -: جمع حلقة - كقصعة وبدرة. ويجمع أيضا على حلق - بفتحتين - على غير قياس. وفيهما [ وفك عنك قيد العبودية وأخرجك من السجن وملكك نفسك وفرغك لعبادة ربك وتعلم أنه أولى الخلق في حياتك وموتك وأن نصرته عليك واجبة بنفسك وما احتاج إليه منك ولا قوة الا بالله ]. (5) المكانفة: المعاونة. (6) فلا تؤثر عليه أي فلا ترجح ولا تختر. وفى بعض النسخ [ ما احتاج إليك أحدا ]. (7) في بعض النسخ [ ثوابك منه ]. (*)

[ 265 ]

تقم بحقه خيف عليك أن لا يطيب لك ميراثه (1). ولا قوة إلا بالله. 27 - وأما حق ذي المعروف عليك فأن تشكره وتذكر معروفه وتنشر له المقالة الحسنة (2) وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله سبحانه، فإنك إذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرا وعلانية. ثم إن أمكن مكافأته بالفعل كافأته وإلا كنت مرصدا له موطنا نفسك عليها (3). 28 - وأما حق المؤذن فأن تعلم أنه مذكرك بربك وداعيك إلى حظك وأفضل أعوانك على قضاء الفريضة التي افترضها الله عليك فتشكره على ذلك شكرك للمحسن إليك. وإن كنت في بيتك مهتما لذلك لم تكن لله في أمره متهما وعلمت أنه نعمة من الله عليك لا شك فيها فأحسن صحبة نعمة الله بحمد الله عليها على كل حال ولا قوة إلا بالله (4). 29 - وأما حق إمامك في صلاتك فأن تعلم أنه قد تقلد السفارة فيما بينك وبين الله والوفادة إلى ربك وتكلم عنك ولم تتكلم عنه ودعا لك ولم تدع له (5) وطلب فيك ولم تطلب فيه وكفاك هم المقام بين يدي الله والمسألة له فيك. ولم تكفه ذلك فإن كان في شئ من ذلك تقصير كان به دونك وإن كان آثما لم تكن شريكه فيه ولم


(1) في بعض النسخ [ فان لم تخفه خيف عليك أن لا يطيب لك ميراثه ]. وفيهما [ وأما حق مولاك الذى انعمت عليه فان تعلم أن الله عزوجل جعل عتقك له وسيلة إليه وحجابا لك من النار وأن ثوابك في العاجل ميراثه إذا لم يكن له رحم مكافأة لما أنفقت من مالك وفى الاجل الجنة ]. (2) فيهما [ وتكسبه المقالة الحسنة وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله تعالى فإذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرا وعلانية ثم إن قدرت على مكافأته يوما كافأته ]. انتهى. (3) الضمير في عليها يرجع إلى المكافأة أي ترصد وتراقت وتهيئ نفسك على المكافأة في وقتها. (4) فيهما [ وحق المؤذن أن تعلم أنه مذكر لك ربك عزوجل وداع لك إلى حظك وعونك على قضاء فرض الله عليك فاشكره على ذلك شكر المحسن إليك ]. (5) فيهما بعد هذه الجملة هكذا [ وكفاك هول المقام بين يدى الله عزوجل فان كان نقص كان به دونك وإن كان تماما كنت شريكه ولم يكن له عليك فضل فوقى نفسك بنفسه وصلاتك بصلاته فتشكر له على قدر ذلك ]. انتهى. (*)

[ 266 ]

يكن له عليك فضل، فوقى نفسك بنفسه ووقى صلاتك بصلاته، فتشكر له على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله. 30 - وأما حق الجليس فأن تلين له كنفك (1) وتطيب له جانبك وتنصفه في مجاراة اللفظ (2) ولا تغرق في نزع اللحظ إذا لحظت وتقصد في اللفظ إلى إفهامه إذا لفظت وإن كنت الجليس إليه كنت في القيام عنه بالخيار وإن كان الجالس إليك كان بالخيار. ولا تقوم إلا بإذنه ولا قوة إلا بالله. 31 - وأما حق الجار فحفظه غائبا وكرامته شاهدا ونصرته ومعونته في الحالين جميعا (3)، لا تتبع له عورة ولا تبحث له عن سوء [ ة ] لتعرفها، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلف، كنت لما علمت حصنا حصينا وسترا ستيرا، لو بحثت الاسنة عنه ضميرا لم تتصل إليه لانطوائه عليه. لا تستمع (4) عليه من حيث لا يعلم. لا تسلمه عند شديدة ولا تحسده عند نعمة. تقيل عثرته وتغفر زلته. ولا تدخر حلمك عنه إذا جهل عليك ولا تخرج أن تكون سلما له. ترد عنه لسان الشتيمة وتبطل فيه كيد حامل النصيحة وتعاشره معاشرة كريمة ولا حول ولا قوة إلا بالله (5). 32 - وأما حق الصاحب فأن تصحبه بالفضل ما وجدت إليه سبيلا وإلا فلا أقل من الانصاف. وأن تكرمه كما يكرمك وتحفظه كما يحفظك ولا يسبقك فيما بينك وبينه إلى مكرمة، فإن سبقك كافأته. ولا تقصر به عما يستحق من المودة. تلزم نفسك


(1) الكنف: الجانب والظل. (2) يقال: تجاروا في الحديث: جرى كل واحد مع صاحبه ومنه مجاراة من لا عقل له أي الخوض معه في الكلام. " ولا تغرق " أي ولا تبالغ في أمره. وفيهما بعد هذا الكلام [ فلا تقوم من مجلسك إلا باذنه ومن يجلس إليك يجوز له القيام بغير إذنك. وتنسى زلاته. وتحفظ خيراته. ولا تسمعه إلا خيرا ]. انتهى. (3) المراد بالحالين: الشهود والغياب. (4) في بعض النسخ [ لا تسمع ]. (5) فيهما [ وأما حق جارك فحفظه غائبا وإكرامه شاهدا ونصرته إذا كان مظلوما ولا تتبع له عورة فان علمت عليه (خ ل فيه) سوءا سترته عليه وإن علمت أنه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه ولا تسلمه عند شديدة وتقيل عثرته وتغفر ذنبه وتعاشره معاشرة كريمة ولا قوة الا بالله ]. (*)

[ 267 ]

نصيحته وحياطته ومعاضدته عليه طاعة ربه ومعونته على نفسه فيما لا يهم به من معصية ربه، ثم تكون [ عليه ] رحمة ولا تكون عليه عذابا ولا قوة إلا بالله (1). 33 - وأما حق الشريك فإن غاب كفيته وإن حضر ساويته (2) ولا تعزم على حكمك دون حكمه ولا تعمل برأيك دون مناظرته وتحفظ عليه ماله وتنفي عنه خيانته فيما عز أو هان (3) فإنه بلغنا " أن يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا " ولا قوة إلا بالله. 34 - وأما حق المال فأن لا تأخذه إلا من حله ولا تنفقه إلا في حله ولا تحرفه عن مواضعه ولا تصرفه عن حقائقه ولا تجعله إذا كان من الله إلا إليه وسببا إلى الله. ولا تؤثر به على نفسك من لعله لا يحمدك وبالحري أن لا يحسن خلافته في تركتك (4) ولا يعمل فيه بطاعة ربك فتكون معينا له على ذلك أو بما أحدث في مالك أحسن نظرا لنفسه فيعمل بطاعة ربه فيذهب بالغنيمة وتبوء بالاثم والحسرة والندامة مع التبعة (5) ولا قوة إلا بالله (6). 35 - وأما حق الغريم الطالب لك (7) فإن كنت موسرا أوفيته وكفيته وأغنيته ولم تردده وتمطله (8) فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " مطل الغني ظلم " وإن كنت معسرا أرضيته بحسن القول وطلبت إليه طلبا جميلا ورددته عن نفسك ردا لطيفا ولم تجمع عليه


(1) فيهما [ أما حق الصاحب فان تصحبه بالتفضل والانصاف وتكرمه كما يكرمك ولا تدعه يسبق إلى مكرمة فان سبق كافأته وتوده كما يودك وتزجره عما يهم به من معصية وكن عليه رحمة ولا تكن عليه عذابا ولا قوة إلا بالله ]. (2) فيهما [ وأما حق الشريك فان غاب كفيته وإن حضر رعيته ولا تحكم دون حكمه ولا تعمل برأيك دون مناظرته وتحفظ عليه ماله ولا تخنه... إلخ ]. (3) في بعض النسخ [ تتقى خيانته فيما عز أو هان ]. (4) أي ميراثك والتركة - بفتح فكسر -: الشئ المتروك أي تركة الميت. (5) التبعة. ما يترتب على الفعل من الشر وقد يستعمل في الخير. (6) فيهما [ أما حق مالك فان لا تأخذه الا من حله ولا تنفقه إلا في وجهه ولا تؤثر على نفسك من لا يحمدك فاعمل فيه بطاعة ربك ولا تبخل به فتبوء بالحسرة والندامة مع السعة (خ ل مع التبعة) ولا قوة إلا بالله ]. وليس في النسخ ولا في الخصال حق الغريم الذى تطالبه، وسقط من الجميع. (7) الغريم: الدائن ويطلق أيضا على المديون. وفى بعض النسخ [ الغريم المطالب لك ]. (8) المطل: التسويف والتعلل في أداء الحق وتأخيره عن وقته. (*)

[ 268 ]

ذهاب ماله وسوء معاملته، فإن ذلك لؤم ولا قوة إلا بالله (1). 36 - وأما حق الخليط (2) فأن لا تغره ولا تغشه ولا تكذبه ولا تغفله ولا تخدعه ولا تعمل في انتقاضه عمل العدو الذي لا يبقى على صاحبه وإن اطمأن إليك استقصيت له على نفسك (3) وعلمت أن غبن المسترسل ربا (4) ولا قوة إلا بالله (5). 37 - وأما حق الخصم المدعي عليك فإن كان ما يدعي عليك حقا لم تنفسخ في حجته * ولم تعمل في إبطال دعوته وكنت خصم نفسك له والحاكم عليها والشاهد له بحقه دون شهادة الشهود، فإن ذلك حق الله عليك وإن كان ما يدعيه باطلا رفقت به وروعته و ناشدته بدينه (6) وكسرت حدته عنك بذكر الله وألقيت حشو الكلام ولغطه الذي لا يرد عنك عادية عدوك (7) بل تبوء بإثمه وبه يشحذ عليك سيف عداوته، لان لفظة السوء تبعث الشر. والخير مقمعة للشر ولا قوة إلا بالله (8). 38 - وأما حق الخصم المدعى عليه فإن كان ما تدعيه حقا أجملت في مقاولته بمخرج الدعوى (9)، فإن للدعوى غلظة في سمع المدعى عليه. وقصدت قصد حجتك بالرفق وأمهل المهلة وأبين البيان وألطف اللطف ولم تتشاغل عن حجتك بمنازعته بالقيل والقال فتذهب عنك حجتك ولا يكون لك في ذلك درك ولا قوة إلا بالله (10).


(1) فيهما [ واما حق غريمك الذى يطالبك فان كنت مؤسرا أعطيته وإن كنت معسرا أرضيته بحسن القول ورددته عن نفسك ردا لطيفا ]. (2) الخليط: المخالط كالنديم والشريك والجليس ونحوها. (3) استقصى في المسألة: بلغ الغاية. (4) وفى الحديث " غبن المسترسل سحت " و " غبن المسترسل ربا " والاسترسال: الاستيناس إلى الانسان والثقة به فيما يحدثه وأصله السكون والثبات. (5) فيهما بعد قوله: ولا تخدعه [ وتتقى الله تعالى في أمره ]. * كذا. (6) روعه: أفزعه. وناشدته بدينه: حلفته وطلبته به. (7) اللغط: كلام فيه جلبة واختلاط ولا يتبين. وعادية عدوك أي حدته وغضبه وعادية السم: ضرره. ويشحذ عليك أي يغضب واصله من شحذ السكين ونحوه: أحده. (8) فيهما [ وحق الخصم المدعى عليك فان كان ما يدعى عليك حقا كنت شاهده على نفسك ولم تظلمه وأوفيته حقه وإن كان ما يدعى باطلا رفقت به ولم تأت في أمره غير الرفق ولم تسخط ربك في أمره ولا قوة إلا بالله ]. (9) المقاولة: المجادلة والمباحثة. (10) فيهما [ وحق خصمك الذى تدعى عليه إن كنت محقا كنت في دعواك أجملت مقاولته ولم تجحد حقه وإن كنت مبطلا في دعواك اتقيت الله عزوجل وتبت إليه وتركت الدعوى ]. (*)

[ 269 ]

39 - وأما حق المستشير فإن حضرك له وجه رأي جهدت له في النصيحة وأشرت عليه بما تعلم أنك لو كنت مكانه عملت به وذلك ليكن منك في رحمة ولين، فإن اللين يؤنس الوحشة وإن الغلظ يوحش موضع الانس وإن لم يحضرك له رأي وعرفت له من تثق برأيه وترضى به لنفسك دللته عليه وأرشدته إليه، فكنت لم تأله خيرا (1) ولم تدخره نصحا ولا حول ولا قوة إلا بالله (2). 40 - وأما حق المشير عليك فلا تتهمه فيما لا يوافقك عليه من رأيه (3) إذا أشار عليك فإنما هي الآراء وتصرف الناس فيها واختلافهم. فكن عليه في رأيه بالخيار إذا اتهمت رأيه، فأما تهمته فلا تجوز لك إذا كان عندك ممن يستحق المشاورة ولا تدع شكره على ما بدا لك من إشخاص رأيه وحسن وجه مشورته، فإذا وافقك حمدت الله وقبلت ذلك من أخيك بالشكر والارصاد بالمكافأة في مثلها إن فزع إليك (4) ولا قوة إلا بالله. 41 - وأما حق المستنصح فإن حقه أن تؤدي إليه النصيحة على الحق الذي ترى له أنه يحمل وتخرج المخرج الذي يلين على مسامعه. وتكلمه من الكلام بما يطيقه عقله، فإن لكل عقل طبقة من الكلام يعرفه ويجتنبه وليكن مذهبك الرحمة ولا قوة إلا بالله (5). 42 - وأما حق الناصح فأن تلين له جناحك ثم تشرئب له قلبك (6) وتفتح له سمعك حتى تفهم عنه نصيحته، ثم تنظر فيها، فان كان وفق فيها للصواب حمدت الله على ذلك وقبلت منه وعرفت له نصيحته وإن لم يكن وفق لها فيها رحمته ولم تتهمه وعلمت أنه لم يألك نصحا إلا أنه أخطأ. (7) إلا أن يكون عندك مستحقا للتهمة


(1) لم تأله: لم تقصره من ألا يألو. (2) فيهما [ وحق المستشير إن علمت له رأيا حسنا أشرت عليه وإن لم تعلم له أرشدته إلى من يعلم ]. (3) فيهما بعد هذا الكلام [ وإن وافقك حمدت الله تعالى ] انتهى. (4) أي إذا استشار هو منك. (5) فيهما [ وحق المستنصح أن تؤدى إليه النصيحة وليكن مذهبك الرحمة له والرفق به ]. (6) إشرأب للشى: مد عنقه لينظره والمراد أن تسقى قلبك من نصحه. (7) فيهما [ وحق الناصح أن تلين له جناحك وتصغى إليه بسمعك فان أتى بالصواب حمدت الله تعالى وإن لم يوافق رحمته ولم تتهمه وعلمت أنه أخطا ولم تؤاخذه بذلك إلا أن يكون مستحقا للتهمة فلا تعبأ بشئ من امره على حال ولا قوة إلا بالله ]. (*)

[ 270 ]

فلا تعبأ بشئ من أمره (1) على كل حال ولا قوة إلا بالله. 43 - وأما حق الكبير فان حقه توقير سنه وإجلال إسلامه إذا كان من أهل الفضل في الاسلام بتقديمه فيه وترك مقابلته عند الخصام ولا تسبقه إلى طريق ولا تؤمه في طريق (2) ولا تستجهله وإن جهل عليك تحملت وأكرمته بحق إسلامه مع سنه فإنما حق السن بقدر الاسلام ولا قوة إلا بالله (3). 44 - وأما حق الصغير فرحمته وتثقيفه (4) وتعليمه والعفو عنه والستر عليه والرفق به والمعونة له والستر على جرائر حداثته فإنه سبب للتوبة. والمدارأة له. وترك مما حكته فإن ذلك أدنى لرشده (5). 45 - وأما حق السائل فإعطاؤه إذا تيقنت صدقه وقدرت على سد حاجته والدعاء له فيما نزل به والمعاونة له على طلبته، وإن شككت في صدقه وسبقت إليه التهمة له ولم تعزم على ذلك لم تأمن أن يكون من كيد الشيطان أراد أن يصدك عن حظك ويحول بينك وبين التقرب إلى ربك فتركته بستره ورددته ردا جميلا. وإن غلبت نفسك في أمره وأعطيته على ما عرض في نفسك منه. فإن ذلك من عزم الامور (6) 46 - وأما حق المسؤول فحقه إن أعطى قبل منه ما أعطى بالشكر له والمعرفة لفضله وطلب وجه العذر في منعه وأحسن به الظن. وأعلم أنه إن منع [ ف‍ ] ماله منع وأن ليس التثريب في ماله (7) وإن كان ظالما فإن إلانسان لظلوم كفار (8).


(1) فلا تعبأ: لا تثقل. (2) أي ولا تتقدمه. من أم يؤم كما في الخصال. (3) فيهما [ وحق الكبير توقيره لسنه وإجلالة لتقدمه في الاسلام قبلك وترك مقابلته عند الخصام ولا تسبقه إلى طريق ولا تتقدمه ولا تستجهله وإن جهل عليك احتملته وأكرمته لحق الاسلام وحرمته ]. (4) ثقف الولد: هذبه وعلمه. (5) فيهما [ حق الصغير رحمته في تعليمه والعفو عنه والستر عليه والرفق به والمعونة له ]. (6) فيهما [ حق السائل اعطاؤه على قدر حاجته ]. (7) التثريب: التوبيخ والملامة. (8) فيهما [ حق المسؤول إن أعطى فاقبل منه بالشكر والمعرفة بفضله وإن منع فاقبل عذره ]. (*)

[ 271 ]

47 - وأما حق من سرك الله به وعلى يديه، فإن كان تعمدها لك حمدت الله أولا ثم شكرته عى ذلك بقدره في موضع الجزاء وكافأته على فضل الابتداء وأرصدت له المكافأة، وإن لم يكن تعمدها حمدت الله وشكرته وعلمت أنه منه، توحدك بها و أحببت هذا إذ كان سببا من أسباب نعم الله عليك وترجو له بعد ذلك خيرا، فإن أسباب النعم بركة حيث ما كانت وإن كان لم يتعمد ولا قوة إلا بالله (1). 48 - وأما حق من ساءك القضاء على يديه بقول أو فعل فإن كان تعمدها كان العفو أولى بك لما فيه له من القمع وحسن الادب مع كثير أمثاله من الخلق. فإن الله يقول: " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل - إلى قوله -: من عزم الامور (2) " وقال عزوجل وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (3) " هذا في العمد فإن لم يكن عمدا لم تظلمه بتعمد الانتصار منه فتكون قد كافأته في تعمد على خطأ. ورفقت به ورددته بألطف ما تقدر عليه ولا قوة إلا بالله (4). 49 - وأما حق أهل ملتك عامة فإضمار السلامة ونشر جناح الرحمة والرفق بمسيئهم. وتألفهم واستصلاحهم وشكر محسنهم إلى نفسه وإليك فإن إحسانه إلى نفسه إحسانه إليك إذا كف عنك أذاه وكفاك مؤونته وحبس عنك نفسه فعمهم جميعا بدعوتك وانصرهم جميعا بنصرتك وانزلتهم جميعا منك منازلهم، كبيرهم بمنزلة الوالد وصغيرهم بمنزلة الولد وأوسطهم بمنزلة الاخ. فمن أتاك تعاهدته بلطف ورحمة. وصل أخاك بما يجب للاخ على أخيه (5). 50 - وأما حق أهل الذمة فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قبل الله وتفي (6) بما


(1) فيهما [ حق من سرك لله تعالى أن تحمد الله أولا ثم تشكره ]. (2) سورة الشورى آية 41. (3) سورة النحل آية 126. (4) فيهما [ وحق من أساءك أن تعفو عنه وإن علمت أن العفو يضر انتصرت قال الله تعالى: " ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل ]. (5) فيهما [ وحق أهل ملتك اضمار السلامة والرحمة لهم والرفق بمسيئهم وتألفهم واستصلاحهم وشكر محسنم وكف الاذى عنهم وتحب لهم ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وأن تكون شيوخهم بمنزلة ابيك وشبابهم بمنزلة اخوتك وعجائزهم بمنزلة امك والصغار بمنزلة اولادك ]. (6) في بعض النسخ [ وكفى ]. (*)

[ 272 ]

جعل الله لهم من ذمته وعهده وتكلهم إليه فميا طلبوا من أنفسهم وأجبروا عليه وتحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك فيما جرى بينك [ وبينهم ] من معاملة وليكن بينك وبين ظلمهم من رعاية ذمة الله والوفاء بعهده. وعهد رسول الله صلى الله عليه وآله حائل فانه بلغنا أنه قال: " من ظلم معاهدا كنت خصمه " فاتق الله ولا حول وقوة إلا بالله (1). فهذه خمسون حقا محيطا بك لا تخرج منها في حال من الاحوال يجب عليك رعايتها والعمل في تأديتها والاستعانة بالله جل ثناؤه على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين. * (ومن كلامه عليه السلام في الزهد) * إن علامة الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة تركهم كل خليط وخليل ورفضهم كل صاحب لا يريد ما يريدون. ألا وإن العامل لثواب الآخرة هو الزاهد في عاجل زهرة الدنيا، الآخذ للموت أهبته (2)، الحاث على العمل قبل فناء الاجل ونزول ما لابد من لقائه. وتقديم الحذر قبل الحين (3) فإن الله عزوجل يقول: " حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت (4) " فلينزلن أحدكم اليوم نفسه في هذه الدنيا كمنزلة المكرور إلى الدنيا، النادم على ما فرط فيها من العمل الصالح ليوم فاقته. واعلموا عباد اله ! أنه من خاف البيات تجافى عن الوساد. وامتنع من الرقاد (5). وأمسك عن بعض الطعام والشراب من خوف سلطان أهل الدنيا فكيف ويحك يا ابن آدم من خوف بيات سلطان رب العزة وأخذه الاليم وبياته لاهل المعاصي والذنوب مع طوارق المنايا (6) بالليل والنهار فذلك البيات الذي ليس


(1) فيهما [ وحق أهل الذمة أن تقبل منهم ما قبل الله تعالى منهم ولا تظلمهم ما وفوا الله عزوجل بعهده ]. (2) الاهبة: العدة. (3) الحين - بالفتح -: الهلاك. (4) المؤمنون آية 100. (5) البيات: الهجوم على عداء ليلا. وتجافى: تنحى. والوسادة - بالتثليث: المخدة والمتكاء. (6) المنايا: جمع المنية أي الموت. وطوارق المنية: دواهي الموت. (*)

[ 273 ]

منه منجى ولا دونه ملتجأ ولا منه مهرب. فخافوا الله أيها المؤمنون من البيات خوف أهل التقوى، فإن الله يقول: " ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (1) ". فاحذروا زهرة الحياة الدنيا وغرورها وشرورها وتذكروا ضرر عاقبة الميل إليها، فإن زينتها فتنه وحبها خطيئة. واعلم ويحك يا ابن آدم أن قسوة البطنة (2) وكظة الملاة وسكر الشبع وغرة الملك مما يثبط ويبطئ عن العمل وينسي الذكر ويلهي عن اقتراب الاجل حتى كأن المبتلى بحب الدنيا به خبل من سكر الشراب (3) وأن العاقل عن الله، الخائف منه، العامل له ليمرن نفسه ويعودها الجوع حتى ما تشتاق إلى الشبع وكذلك تضمر الخيل لسبق الرهان (4). فاتقوا الله عباد الله تقوى مؤمل ثوابه وخائف عقابه فقد لله أنتم أعذر وأندر وشوق وخوف فلا أنتم إلى ما شوقكم إليه من كريم ثوابه تشتاقون فتعملون ولا أنتم مما خوفكم به من شديد عقابه وأليم عذابه ترهبون فتنكلون (5) وقد نبأكم الله في كتابه أنه: " من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (6) ". ثم ضرب لكم الامثال في كتابه وصرف الآيات لتحذروا عاجل زهرة الحياة الدنيا فقال: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (7) " فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا، فاتقوا الله واتعظوا بمواعظ الله. وما أعلم إلا كثيرا منكم قد نهكته (8) عواقب المعاصي فما حذرها وأضرت بدينه فما مقتها. أما تسمعون النداء


(1) سورة ابراهيم آية 14. (2) البطنة - بالكسر -: الامتلاء الشديد من الاكل. وفى جل النسخ [ نشوة البطنة وفترة الميلة ] والميلة: الرغبة. والغرة يمكن أن تقرأ العزة. وكظة الملاة أي ما يعترى الانسان من الامتلاء. (3) الخبل - بالتحريك -: إصابة الجنون وفساد في العقل. (4) تضمير الفرس أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده عن القوت وذلك في اربعين يوما. (5) تنكلون: تنكصون وتخافون. (6) سورة الانبياء آية 94. (7) سورة التغابن آية 15. (8) نهكه: بالغ في عقوبته. ونهك العمى فلانا: هزلته وأضنته. وفى بعض النسخ [ لقد هلكته ]. (*)

[ 274 ]

من الله بعيبها وتصغيرها حيث قال: " اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله رضوان وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور * سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (1) " وقال: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنسيهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (2) ". فاتقوا الله عباد الله وتفكروا واعملوا لما خلقتم له فإن الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى، قد عرفكم نفسه وبعث إليكم رسوله وأنزل عليكم كتابه، فيه حلاله وحرامه وحججه وأمثاله فاتقوا الله فقد احتج عليكم ربكم فقال: " ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين (3) " فهذه حجة عليكم فاتقوا الله ما استطعتم فإنه لا قوة إلا بالله ولا تكلان إلا عليه وصلى الله على محمد [ نبيه ] وآله. * (كتابه عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري يعظه (4)) * كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها


(1) سورة الحديد آية 20 - 21. (2) سورة الحشر آية 18 - 19. (3) سورة البلد آية 8 - 10. (4) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري على ما يظهر من كتب التراجم من المنحرفين عن أمير المؤمنين وأبنائه عليهم السلام كان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير وجده عبيد الله مع المشركين يوم بدر وهو لم يزل عاملا لبنى مروان ويتقلب في دنياهم، جعله هشام بن عبد الملك معلم أولاده وأمره أن يملى على أولاده أحاديث فأملى عليهم أربعمائة حديث. وأنت خبير بأن الذى خدم بنى امية منذ خمسين سنة ما مبلغ علمه وماذا حديثه ومعلوم أن كل ما أملى من هذه الاحاديث هو ما يروق القوم ولا يكون فيه شئ من فضل على عليه السلام وولده ومن هنا أطراه علماؤهم ورفعوه فوق منزلته بحيث تعجب ابن حجر من كثرة ما نشره من العلم. روى ابن ابى الحديد في شرح النهج على ما " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 275 ]

أن يرحمك فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك وأطال من عمرك وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه وفقهك فيه من دينه وعرفك من سنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله، فرضي لك في كل نعمة أنعم بها عليك وفي كل حجة احتج بها عليك الفرض بما قضى. فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك وأبدى فيه فضله عليك (1) فقال " لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (2) ". فانظر أي رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها وعن حججه عليك كيف قضيتها ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: " لتبيننه للناس ولا تكتمونه) (3) " واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت وإجابتك له حين دعيت، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا ولم ترد باطلا حين أدناك. وأحببت من حاد الله (4) أو ليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم، داعيا إلى غيهم، سالكا سبيلهم، يدخلون بك الشك على


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " حكاه صاحب تنقيح المقال (ره) - عن جرير بن عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال: شهدت الزهري و عروة بن الزبير في مسجد النبي صلى الله عليه وآله جالسين يذكران عليا عليه السلام ونالا منه فبلغ ذلك على بن الحسين عليه السلام فجاء حتى وقف عليهما فقال: أما أنت يا عروة فان أبى حاكم أباك إلى الله فحكم لابي على أبيك وأما أنت يا زهرى فلو كنت بمكة لاريتك كرامتك. وفى رجال الشيخ الطوسى والعلامة وابن داود والتفرشى أنه عدو. وفى المحكى عن السيد بن الطاووس في التحرير الطاووسي أن سفيان بن سعيد والزهرى عدوان متهمان. وبالتأمل في رسالة الامام عليه السلام يعلم صدق ما قلناه. (1) في بعض النسخ [ فرض لك في كل نعمة أنعم بها عليك وفى كل حجة احتج بها عليك الفرض فما قضى الا ابتلى شكرك... الخ ]. (2) سورة إبراهيم آية 7. (3) سورة آل عمران آية 187. (4) في بعض النسخ [ وأجبت من حاد الله ]. (*)

[ 276 ]

العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم. فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك. وما أيسر ما عمروا لك، فكيف ما خربوا عليك. فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول. وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا. فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا (1) " إنك لست في دار مقام. أنت في دار قد آذنت برحيل، فما بقاء المرء بعد قرنائه. طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده. احذر فقد نبئت. بادر فقد اجلت. إنك تعامل من لا يجهل. وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل. تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد. ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك (2)، لكني أردت أن ينعش الله ما [ قد ] فات من رأيك ويرد إليك ما عزب من دينك (3) وذكرت قول الله تعالى في كتابه: " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (4) ". أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب (5). أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه، أم هل تراهم ذكرت خيرا أهملوه (6) وعلمت شيئا جهلوه، بل حظيت (7) بما حل من حالك في صدور العامة وكلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك. إن أحللت أحلوا وإن حرمت


(1) سورة الاعراف آية 168. (2) عنفه: لامه وعتب عليه ولم يرفق به. وينعش الله ما فات أي يجبر ويتدارك. (3) عزب - بالعين المهملة والزاى المعجمة -: بعد. (4) سورة الذاريات آية 55. (5) الاعضب: المكسور القرن. ولعل المراد: بقيت كاحد قرنى الاعضب. والعضباء: الشاة المكسورة القرن. (6) في بعض النسخ [ أم هل ترى ذكرت خيرا علموه وعملت شيئا جهلوه ]. وفى بعضها [ أم هل تراه ذكرا خيرا عملوه وعملت شيئا جهلوه ]. (7) من الحظوة: رجل حظى إذ كان ذا منزلة. (*)

[ 277 ]

حرموا وليس ذلك عندك ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك، ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة وما الناس فيه من البلاء والفتنة، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا، فتاقت نفوسهم (1) إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت، أو يدركوا به مثل الذي أدركت، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره. فالله لنا ولك وهو المستعان. أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسما لهم (2)، لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا. فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك، فكيف يسلم الحدث في سنه، الجاهل في علمه المأفون في رأيه (3)، المدخول في عقله. إنا لله وإنا إليه راجعون. على من المعول (4) ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى الله بثنا وما نرى فيك ونحتسب عند الله مصيبتنا بك. فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا، وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلا، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا. مالك لا تنتبه من نعستك وتستقيل من عثرتك فتقول. والله ما قمت لله مقاما واحد أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا، فهذا شكرك من استحملك (5). ما أخوفني أن تكون كمن قال الله تعالى في كتابه: " أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (6) " استحملك كتابه واستودعك علمه فأضعتها، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام.


(1) تاقت: اشتاقت. (2) الاسمال: جمع سمل - بالتحريك -: الثوب الخلق البالى. (3) المأفون: الذى ضعف رأيه. والمدخول في عقله: الذى دخل في عقله الفساد. (4) المعول: المعتمد والمستغاث. واستعتبه: استرضاه. والبث: الحال، الشتات، أشد الحزن. (5) استحملك: سألك أن يحمل. وفى بعض النسخ [ من استعملك ]. أي سألك أن يعمل. (6) سورة مريم آية 59. (*)

[ 278 ]

* (وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني) * قال عليه السلام: الرضى بمكروه والقضاء أرفع درجات اليقين. وقال عليه السلام: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا. وقيل له: من أعظم الناس خطرا (1) ؟ فقال عليه السلام: من لم ير الدنيا خطرا لنفسه. وقال بحضرته رجل: اللهم أغننى عن خلقك (2). فقال عليه السلام: ليس هكذا: إنما الناس بالناس ولكن قل: اللهم أغنني عن شرار خلقك. وقال عليه السلام: من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس (3). وقال عليه السلام: لا يقل عمل مع تقوى وكيف يقل ما يتقبل. وقال عليه السلام: اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير (4). وقال عليه السلام: كفى بنصر الله لك أن ترى عدوك يعمل بمعاصي الله فيك. وقال عليه السلام: الخير كله صيانة الانسان نفسه. وقال عليه السلام لبعض بنيه: يا بني إن الله رضيني لك ولم يرضك لي، فأوصاك بي ولم يوصني بك، عليك بالبر تحفة يسيرة. وقال له رجل: ما الزهد ؟ فقال عليه السلام: الزهد عشرة أجزاء (5): فأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضى. وإن الزهد في آية من كتاب الله: " لكى لا تأسوا على ما فاتكم


(1) الخطر - بالتحريك -: الخطير أي ذو قدر ومقام. (2) في بعض النسخ [ من خلقك ]. (3) في بعض النسخ [ كان ] موضع " فهو ". (3) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 338 وفيه بعد قوله: " على الكبير ": " أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا ". (5) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 129 باسناده عن هاشم بن بريد عن أبيه أن رجلا سأل على بن الحسين عليه السلام عن الزهد فقال: عشرة أشياء.. الحديث. وفى ص 62: عنه عليه السلام أيضا وفيه عشرة أجزاء وهكذا رواه الصدوق في الخصال. (*)

[ 279 ]

ولا تفرحوا بما آتيكم (1) ". وقال عليه السلام: طلب الحوائج إلى الناس مذلة للحياة ومذهبة للحياء واستخفاف بالوقار وهو الفقر الحاضر. وقلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر. وقال عليه السلام: إن أحبكم إلى الله أحسنكم عملا. وإن أعظمكم عند الله عملا أعظمكم فيما عند الله رغبة. وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله. وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقا. وإن أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله (2). وإن أكرمكم على الله أتقاكم لله. وقال عليه السلام لبعض بنيه: يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، فقال: يا أبة من هم (3) ؟ قال عليه السلام: إياك ومصاحبة الكذاب، فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب. وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه بايعك باكلة (4) أو أقل من ذلك وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه. وإياك ومصاحبة الاحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه. فإني وجدته ملعونا في كتاب الله (5). وقال عليه السلام: إن المعرفة وكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه وقلة مرائه وحلمه وصبره وحسن خلقه (6).


(1) سورة الحديد آية 23. (2) وكذا في الكافي والفقيه. وفى بعض النسخ [ أسعاكم على عياله ]. (3) في الكافي ج 2 ص 641 [ يا أبة من هم عرفنيهم ]. (4) الاكلة - بضم الهمزة - اللقمة. (5) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 641 وفيه [ فانى وجدته ملعونا في كتاب الله عزوجل في ثلاثة مواضع: قال الله عزوجل: " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فاصمهم وأعمى أبصارهم،. وقال عزوجل: " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ". وقال في البقرة: " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما امر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون " ]. (6) رواه الصدوق (ره) في الخصال والكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 240 وفيهما [ إن المعرفة بكمال دين المسلم ]. (*)

[ 280 ]

وقال عليه السلام: ابن آدم ! إنك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعارا، والحذر لك دثارا (1). ابن آدم ! إنك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله عزوجل، فأعد له جوابا (2). وقال عليه السلام: لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بتواضع. ولا كرم إلا بتقوى. ولا عمل إلا بنية. ولا عبادة إلا بالتفقه (3). ألا وإن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله. وقال عليه السلام: المؤمن من دعائه على ثلاث: إما أن يدخر له وإما أن يعجل له وإما أن يدفع عنه بلاء يريد أن يصيبه. وقال عليه السلام: إن المنافق ينهى ولا ينتهي ويأمر ولا يأتي، إذا قام إلى الصلاة اعترض (4) وإذا ركع ربض وإذا سجد نقر، يمسي وهمه العشاء ولم يصم (5) ويصبح وهمه النوم ولم يسهر والمؤمن خلط عمله بحلمه، يجلس ليعلم (6) وينصت ليسلم لا يحدث بالامانة الاصدقاء ولا يكتم الشهادة للبعداء ولا يعمل شيئا من الحق رئاء ولا يتركه حياء، إن زكي خاف مما يقولون ويستغفر الله لما لا يعلمون ولا يضره جهل من جهله. ورأى عليه السلام عليلا قد برئ فقال عليه السلام له: يهنؤك الطهور من الذنوب إن الله قد ذكرك فاذكره وأقالك فاشكره.


(1) رواه المفيد (ره) في أماليه وفيه [ والحزن دثارا ]. وهكذا في أمالى الشيخ. (2) في الامالى [ ابن آدم إنك ميت ومبعوث بين يدى الله. الخ ]. (3) رواه الصدوق (ره) في الخصال وفيه [ الا بتفقه ]. (4) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 396 عن ابى حمزة عنه عليه السلام وفيه [ يأمر بما لا يأتي وإذا قام إلى الصلاة اعترض، قلت: يا ابن رسول وما الاعتراض ؟ قال: الالتفات. وإذا ركع ربض الخ ]. والربوض استقرار الغنم وشبهه على الارض وكأن المراد انه يسقط نفسه على الارض من قبل أن يرفع رأسه من الركوع كاسقاط الغنم عند ربوضه، والنقر التقاط الطائر الحب بمنقاره. أي خفف السجود. ورواه الصدوق رحمه الله في الامالى مجلس 74 بتقديم وتأخير مع زيادة. (5) العشاء - بالفتح: الطعام الذى يتعشى به. (6) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 231 وفيه [ يصمت ليسلم ] وينطق ليغنم، لا يحدث أمانته الاصدقاء ولا يكتم شهادته من البعداء - إلى أن قال -: لا يغره قوله من جهله ويخاف احصاء ما عمله ]. (*)

[ 281 ]

وقال عليه السلام: خمس لو رحلتم فيهن لانضيتموهن (1) وما قدرتم على مثلهن: لا يخاف عبد إلا ذنبه. ولا يرجوا إلا ربه. ولا يستحيي الجاهل إذا سئل عما لا يعلم أن يتعلم. والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد. ولا إيمان لمن لا صبر له. وقال عليه السلام: يقول الله: يا ابن آدم ارض بما آتيتك تكن من أزهد الناس. ابن آدم ! إعمل بما افترضت عليك تكن من أعبد الناس. ابن آدم ! اجتنب [ م‍ ] ما حرمت عليك تكن من أورع الناس. وقال عليه السلام كم من مفتون بحسن القول فيه. وكم من مغرور بحسن الستر عليه. وكم من مستدرج بالاحسان إليه. وقال عليه السلام: يا سوأتاه لمن غلبت إحداته عشراته. - يريد أن السيئة بواحدة والحسنة بعشرة - وقال عليه السلام: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة. وإن الآخره قد ترحلت مقبلة و لكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، لان الزاهدين اتخذوا أرض الله بساطا والتراب فراشا والمدر وسادا والماء طيبا، وقرضوا المعاش من الدنيا تقريضا. اعلموا أنه من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الحسنات وسلا عن الشهوات (2). ومن اشفق من النار بادر بالتوبة إلى الله من ذنوبه وراجع عن المحارم. ومن زهد في الدنيا هانت عليه مصائبها ولم يكرهها. وإن لله عزوجل لعبادا قلوبهم معلقة بالآخرة وثوابها وهم كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين منعمين وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، فأولئك شرورهم وبوائقهم عن الناس مأمونة وذلك أن قلوبهم عن الناس مشغولة بخوف الله، فطرفهم عن الحرام مغضوض وحوائجهم إلى الناس خفيفة، قبلوا اليسير من الله في


(1) أنضت الدابة: هزلتها الاسفار. والظاهر أن الضمير راجع إلى المطية التى تفهم من فحوى الكلام وقد مضى هذا الكلام أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام وفى بعض النسخ [ لو دخلتم فيهن لابعتموهن ]. ورواه الصدوق في الخصال عن امير المؤمنين عليه السلام وليست فيه " لانضيتموهن ". (2) سلا عن الشئ: نسيه وهجره. واشفق: خاف وحذر. ورواه الكليني في الكافي ج 2 ص 132 بادنى تفاوت. (*)

[ 282 ]

المعاش وهو القوت، فصبروا أياما قصارا لطول الحسرة يوم القيامة. وقال له رجل: إني لاحبك في الله حبا شديدا. فنكس عليه السلام رأسه (1) ثم قال: اللهم إني أعوذ بك أن احب فيك وأنت لي مبغض. ثم قال له: احبك للذي تحبني فيه. وقال عليه السلام: إن الله ليبغض البخيل السائل الملحف. وقال عليه السلام: رب مغرور مفتون يصبح لاهيا ضاحكا، يأكل ويشرب وهو لا يدري لعله قد سبقت له من الله سخطة يصلى بها نار جهنم (2). وقال عليه السلام: إن من أخلاق المؤمن الانفاق على قدر الاقتار (3). والتوسع على قدر التوسع. وإنصاف الناس من نفسه وابتداءه إياهم بالسلام. وقال عليه السلام: ثلاث منجيات للمؤمن: كف لسانه عن الناس واغتيابهم. وإشغاله نفسه بما ينفعه لآخرته ودنياه وطول البكاء على خطيئته. وقال عليه السلام: نظر المؤمن في وجه أخيه المؤمن للمودة والمحبة له عبادة. وقال عليه السلام: ثلاث من كن فيه من المؤمنين كان في كنف الله (4) وأظله الله يوم القيامة في ظل عرشه وآمنه من فزع اليوم الاكبر: من أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم لنفسه. ورجل لم يقدم يدا ولا رجلا حتى يعلم أنه في طاعة الله قدمها أو في معصيته. ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يترك ذلك العيب من نفسه. وكفى بالمرء شغلا بعيبه لنفسه عن عيوب الناس. وقال عليه السلام: ما من شئ أحب إلى الله بعد معرفته من عفة بطن وفرج. وما [ من ] شئ أحب إلى الله من أن يسأل. وقال لابنه محمد عليهما السلام: افعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان أهله فقد أصبت موضعه وإن لم يكن بأهل كنت أنت أهله. وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحول إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل عذره (5).


(1) ونكس رأسه: طأطأه وخفضه. (2) في بعض النسخ [ يصله بها في نار جهنم ]. (3) الاقتار: القلة والتضييق في الرزق. (4) كنف الله - بالتحريك -: ظله وحضنه. (5) رواه الكليني في الروضة وفيه [ وإن لم يكن أهله كنت أنت أهله ]. (*)

[ 283 ]

وقال عليه السلام: مجالس الصالحين داعية إلى الصلاح (1). وآداب العلماء زيادة في العقل. وطاعة ولاة الامر تمام العز واستنماء المال تمام المروة (2). وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة وكف الاذى من كمال العقل وفيه راحة للبدن عاجلا وآجلا (3). وكان علي بن الحسين عليهما السلام إذا قرأ هذه الآية: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها (4) " يقول عليه السلام: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه، فشكر عزوجل معرفة العارفين بالتقصير عن معرفته وجعل معرفتهم بالتقصير شكرا، كما جعل علم العالمين أنهم لا يدركونه إيمانا، علما منه أنه قد [ ر ] وسع العباد فلا يجاوزن ذلك. وقال عليه السلام: سبحان من جعل الاعتراف بالنعمة له حمدا. سبحان من جعل الاعتراف بالعجز عن الشكر شكرا.


(1) في الكافي [ مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح ]. ويناسبها " إدآب العلماء " لا " آداب ". (2) في الكافي [ طاعة ولاة العدل تمام العز واستثمار المال تمام المروءة ]. (3) في كلامه عليه السلام ترغيب إلى المعاشرة مع الناس والمؤانسة بهم واستفادة كل فضيلة من أهلها وزجر عن الاعتزال والانقطاع اللذين هما منبت النفاق ومغرس الوسواس والحرمان عن المشرب الاتم المحمدى والمقام المحمود. والموجب لترك كثير من الفضائل والخيرات وفوت السنن الشرعية وآداب الجمعة والجماعات وانسداد أبواب مكارم الاخلاق. (الوافى). (4) سورة ابراهيم آية 37. أي لا تحصروها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلا من أفرادها فانها غير متناهية. (البيضاوى). (*)

[ 284 ]

[ بسم الله الرحمن الرحين ] (وروى عن الامام) * (الباقر عن علم الله وعلم رسوله أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام) * * (في طوال هذه المعاني) * * (وصيته عليه السلام لجابر بن يزيد الجعفي (1)) * روي عنه عليه السلام أنه قال له: يا جابر اغتنم من أهل زمانك خمسا: إن حضرت لم تعرف. وإن غبت لم تفتقد. وإن شهدت لم تشاور. وإن قلت لم يقبل قولك. وإن خطبت لم تزوج. واوصيك بخمس: إن ظلمت فلا تظلم، وإن خانوك فلا تخن. وإن كذبت فلا تغضب. وإن مدحت فلا تفرح. وإن ذممت فلا تجزع. وفكر فيما قيل فيك، فإن عرفت من نفسك ما قيل فيك فسقوطك من عين الله عزوجل عند عضبك من الحق أعظم عليك مصيبة مما خفت من سقوطك من أعين الناس. وإن كنت على خلاف ما قيل فيك، فثواب اكتسبته من غير أن يتعب بدنك. واعلم بأنك لا تكون لنا وليا حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا: إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنك رجل صالح لم يسرك ذلك ولكن اعرض نفسك على كتاب الله، فإن كنت سالكا سبيله زاهدا في تزهيده راغبا في ترغيبه خائفا من تخويفه فاثبت وأبشر، فإنه لا يضرك ما قيل فيك. وإن كنت مبائنا للقرآن فماذا الذي يغرك من نفسك. إن المؤمن معني بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها فمرة يقيم أودها (2) ويخالف هواها في محبة الله ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها فينعشه الله (3)


(1) الجعفي - زنة الكرسي -: نسبة إلى جعف بن سعد العشيرة بن مذحج أبى حى باليمن. وهو جابر بن يزيد بن الحرث بن عبد يغوت الجعفي من اصحاب الباقر والصادق عليهما السلام و خدم الامام أبا جعفر عليه السلام سنين متوالية مات رحمه الله في أيام الصادق عليه السلام سنة ثمان وعشرين ومائة. (2) الاود: العوج. وقد يأتي بمعنى القوة. (3) نعشه الله: رفعه وأقامه وتداركه من هلكة وسقطة. وينعش أي ينهض - وينشط. (*)

[ 285 ]

فينتعش ويقيل الله عثرته فيتذكر ويفزع إلى التوبة والمخافة فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف وذلك بأن الله يقول: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (1) " يا جابر استكثر لنفسك من الله قليل الرزق تخلصا إلى الشكر، واستقلل من نفسك كثير الطاعة لله إزراء على النفس (2) وتعرضا للعفو. وادفع عن نفسك حاضر الشر بحاضر العلم. واستعمل حاضر العلم بخالص العمل. وتحرز في خالص العمل من عظيم الغفلة بشدة التيقظ. واستجلب شدة التيقظ بصدق الخوف. واحذر خفي التزين بحاضر الحياة (3) وتوق مجازفة الهوى بدلالة العقل (4). وقف عند غلبة الهوى باسترشاد العلم. واستبق خالص الاعمال ليوم الجزاء. وانزل ساحة القناعة باتقاء الحرص (5). وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة. واستجلب حلاوة الزهادة بقصر الامل. واقطع أسباب الطمع ببرد اليأس. وسد سبيل العجب بمعرفة النفس. وتخلص إلى راحة النفس بصحة التفويض. واطلب راحة البدن بإجمام القلب (6). وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخطأ. وتعرض لرقة القلب بكثرة الذكر في الخلوات. و استجلب نور القلب بدوام الحزن. وتحرز من إبليس بالخوف الصادق. وإياك و والرجاء الكاذب، فإنه يوقعك في الخوف الصادق. وتزين لله عزوجل بالصدق في الاعمال. وتحبب إليه بتعجيل الانتقال. وإياك والتسويف فإنه بحر يغرق فيه الهلكى وإياك والغفلة [ ف‍ ] فيها تكون قساوة القلب. وإياك والتواني فيما لا عذر لك فيه، فإليه يلجأ النادمون. واسترجع سالف الذنوب بشدة الندم، وكثرة الاستغفار. وتعرض


(1) سورة الاعراف آية 200. (2) أزرى على النفس: عابها وعاتبها. ويحتمل أن يكون: ازدراء - من باب الافتعال - أي احتقارا واستخفافا. (3) وفى بعض النسخ [ خفى الرين ] أي الدنس. (4) جازف في كلامه: تكلم بدون تبصر وبلا روية. وجازف في البيع: بايعه بلا كيل ولا وزن ولا عدد وجازف بنفسه: خاطر بها. (5) في بعض النسخ [ وانزل ساعة القناعة بانفاء الحرص ]. (6) الجمام - بالفتح -: الراحة. واجم نفسه أي تركها. (*)

[ 286 ]

للرحمة وعفو الله بحسن المراجعة واستعن على حسن المراجعة بخالص الدعاء و المناجاة في الظلم. وتخلص إلى عظيم الشكر باستكثار قليل الرزق واستقلال كثير الطاعة. واستجلت زيادة النعم بعظيم الشكر والتوسل إلى عظيم الشكر بخوف زوال النعم. واطلب بقاء العز بإماتة الطمع. وادفع ذل الطمع بعز اليأس واستجلب عز اليأس ببعد الهمة. وتزود من الدنيا بقصر الامل. وبادر بإنتهاز البغية (1) عند إمكان الفرصة ولا إمكان كالايام الخالية مع صحة الابدان. وإياك والثقة بغير المأمون فإن للشر ضراوة كضراوة الغذاء. (2). واعلم أنه لا علم كطلب السلامة. ولا سلامة كسلامة القلب. ولا عقل كمخالفة الهوى. ولا خوف كخوف حاجز. ولا رجاء كرجاء معين ولا فقر كفقر القلب. ولا غنى كغنى النفس. ولا قوة كغلبة الهوى. ولا نور كنور اليقين. ولا يقين كاستصغارك الدنيا. ولا معرفة كمعرفتك بنفسك. ولا نعمة كالعافية. ولا عافية كمساعدة التوفيق. ولا شرف كبعد الهمة. ولا زهد كقصر الامل. ولا حرص كالمنافسة في الدرجات (3). ولا عدل كالانصاف. ولا تعدي كالجور. ولا جور كموافقة الهوى. ولا طاعة كأداء الفرائض. ولا خوف كالحزن ولا مصيبة كعدم العقل. ولا عدم عقل كقلة اليقين. ولا قلة يقين كفقد الخوف. ولا فقد خوف كقلة الحزن على فقد الخوف. ولا مصيبة كاستهانتك بالذنب ورضاك بالحالة التي أنت عليها. ولا فضيلة كالجهاد. ولا جهاد كمجاهدة الهوى. ولا قوة كرد الغضب. ولا معصية كحب البقاء (4). ولا ذل كذل الطمع. وإياك والتفريط عند إمكان الفرصة، فإنه ميدان يجري لاهله بالخسران. * (ومن كلامه عليه السلام لجابر أيضا) * خرج يوما وهو يقول (5): أصبحت والله يا جابر محزونا مشغول القلب، فقلت:


(1) البغية: مصدر بغى الشئ أي طلبه. وانتهاز البغية: اغتنامها والنهوض إليها مبادرا. (2) الضراوة: مصدر ضرى بالشئ أي لهج به وتعوده وأولع به. (3) المنافسة: المفاخرة والمباراة. (4) أي البقاء في هذه الدنيا الدنية. (5) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 133 عن ابى عبد الله المومن عن جابر " قال: دخلت على ابى جعفر عليه السلام فقال: يا جابر والله انى لمحزون وانى لمشغول القلب... الخ " ورواه على بن عيسى الاربلي في كشف الغمة أيضا مع اختلاف. (*)

[ 287 ]

جعلت فداك ما حزنك وشغل قلبك، كل هذا على الدنيا ؟ فقال عليه السلام: لا يا جابر ولكن حزن هم الآخره، يا جابر من دخل قلبه خالص حقيقة الايمان شغل عما في الدنيا من زينتها، إن زينة زهرة الدنيا إنما هو لعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان. يا جابر إن المؤمن لا ينبغي له أن يركن ويطمئن إلى زهرة الحياة الدنيا. واعلم أن أبناء الدنيا هم أهل غفلة وغرور وجهالة وأن أبناء الآخرة هم المؤمنون العاملون الزاهدون أهل العلم والفقه وأهل فكرة واعتبار واختيار لا يملون من ذكر الله. واعلم يا جابر أن أهل التقوى هم الاغنياء، أغناهم القليل من الدنيا فمؤونتهم يسيرة، إن نسيت الخير ذكروك. وإن عملت به أعانوك. أخروا شهواتهم ولذاتهم خلفهم وقدموا طاعة ربهم أمامهم. ونظروا إلى سبيل الخير وإلى ولاية أحباء الله فأحبوهم، وتولوهم واتبعوهم. فانزل نفسك من الدنيا كمثل منزلة نزلته ساعة ثم ارتحلت عنه، أو كمثل مال استفدته في منامك ففرحت به وسررت ثم انتبهت (1) من رقدتك وليس في يدك شئ. و إني إنما ضربت لك مثلا (2) لتعقل وتعمل به إن وفقك الله له. فاحفظ يا جابر ما أستودعك (3) من دين الله وحكمته. وانصح لنفسك وانظر ما الله عندك في حياتك، فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك. وانظر فإن تكن الدنيا عندك على [ غير ] ما وصفت لك فتحول عنها إلى دار المستعتب اليوم (4)، فلرب حريص على أمر من امور الدنيا قد ناله، فلما ناله كان عليه وبالا وشقي به ولرب كاره لامر من امور الآخرة قد ناله فسعد به.


(1) في بعض النسخ [ استنبهت ] وفى الكافي والكشف [ استيقظت ]. (2) في الكافي [ هذا مثلا ]. (3) في بعض النسخ [ ما استودعتك ]. وفى الكافي والكشف [ ما استرعاك ]. (4) أي ان تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعنى أن تكون في الدنيا ببدنك وفى الاخرة بروحك تسعى في فكاك رقبتك وتحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت. وليست في بعض النسخ لفظة " غير " وعلى هذا فلا حاجة إلى التكلف في معناه (الوافى). والاستعتاب الاسترضاء. (*)

[ 288 ]

* (ومن كلامه عليه السلام في أحكام السيوف) * سأله رجل من شيعته عن حروب أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال عليه السلام له: بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بخمسة أسياف (1): ثلاثة منها شاهرة لا تغمد (2) حتى تضع الحرب أوزارها ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلهم في ذلك اليوم " فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " (3). وسيف مكفوف (4). وسيف منها مغمود سله إلى غيرنا وحكمه إلينا. فأما السيوف الثلاثة الشاهرة: فسيف على مشركي العرب قال الله عزوجل: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد (5) ". " فإن تابوا - أي آمنوا - وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فإخوانكم في الدين (6) " هؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام وأموالهم فيئ وذراريهم سبي على ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه سبى وعفا وقبل الفداء.


(1) رواه الكليني في الكافي ج 1 ص 329 من الفروع باسناده عن المنقرى عن حفص بن غياث عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سأل رجل عن حروب امير المومنين وكان القائل من محبينا فقال: بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بخمسة أسياف... الخ. وشيخ الطائفة أيضا في التهذيب ص 46 من المجلد الثاني والصدوق (ره) في الخصال. والمنقري لا يحتج بحديثه، وحفص من قضاة العامة. (2) الشاهرة: المجردة من الغمد. وقوله: " حتى تضع الحرب أوزارها " أي ينقضى. والاوزار: الآلات والاثقال. ولعل طلوع الشمس من مغربها كناية عن أشراط الساعة وقيام القيامة. (قاله الفيض رحمه الله في الوافى). (3) قوله: " كسبت في ايمانها خيرا " أي لا ينفع يومئذ نفسا غير مقدمة ايمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في ايمانها خيرا. (الوافى) (4) في بعض النسخ [ وسيف ملفوف ] وكذا في تفسيره. والمغمود المستور في غلافه. وسله: إخراجه من غلافه. (5) سورة التوبة آية 5. (6) سورة التوبة آية 11. (*)

[ 289 ]

والسيف الثاني على أهل الذمة قال الله سبحانه: " وقولوا للناس حسنا (1) " نزلت هذه الآية في أهل الذمة ونسخها قوله: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (2) " فمن كان منهم في دار الاسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل وما لهم فيئ، وذراريهم سبي، فإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم وحرمت أموالهم وحلت لنا مناكحهم (3) ومن كان منهم في دار الحرب حل لنا سبيهم وأموالهم ولم تحل لنا مناكحتهم ولم يقبل منهم إلا دخول دار الاسلام (4) والجزية أو القتل. والسيف الثالث على مشركي العجم كالترك والديلم والخزر (5) قال الله عزوجل في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقص قصتهم ثم قال: " فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم (6) فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها (7) " فأما قوله: " فإما منا بعد " يعني بعد السبي منهم " وإما فداء " يعني المفاداة بينهم وبين أهل الاسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام ولا يحل لنا نكاحهم (8) ما داموا في دار الحرب. وأما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل قال الله: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما - صلحا - فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا


(1) سورة البقرة آية 83. (2) سورة التوبة آية 30. (3) في الكافي والتهذيب [ مناكحتهم ]. (4) فيهما [ الا الدخول في دار الاسلام ]. (5) فيهما [ يعنى الترك والديلم والخزر ]. والخزر - بالتحريك والخاء المعجمة والزاى ثم الراء -: جيل من الناس ضيقة العيون. (6) أي أكثرتم قتلهم واغلظتموهم. من الثخن. (7) سورة محمد آية 4. (8) فيهما [ مناكحتهم ]. (*)

[ 290 ]

التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله (1) " فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل فسئل النبي صلى الله عليه وآله من هو ؟ فقال: خاصف النعل - يعني أمير المؤمنين عليه السلام - وقال عمار بن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثا (2) وهذه الرابعة والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هجر (3) لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين عليه السلام مثل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة يوم فتحها فإنه لم يسب لهم ذرية وقال: من أغلق بابه فهو آمن. ومن ألقى سلاحه فهو آمن. وكذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة نادى فيهم لا تسبوا لهم ذرية ولا تدففوا على جريح (4) ولا تتبعوا مدبرا. ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن. والسيف المغمود فالسيف الذي يقام به القصاص قال الله عزوجل: " النفس بالنفس والعين بالعين (5) " فسله إلى أولياء المقتول وحكمه إلينا. فهذه السيوف التي بعث الله بها محمدا صلى الله عليه وآله فمن جحدها أو جحد واحدا منها أو شيئا من سيرها وأحكامها فقد كفر بما أنزل الله تبارك وتعالى على محمد نبيه صلى الله عليه وآله.


(1) سورة الحجرات آية 9 وهذه الاية أصل في قتال المسلمين ودليل على وجوب قتال أهل البغى وعليها بنى امير المومنين عليه السلام قتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وأياها عنى رسول الله صلى الله عليه وآله حين قال لعمار بن ياسر: " تقتلك الفئة الباغية ". (2) يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين. (3) السعف - بالتحريك -: جريدة النخل أو ورقه قيل ما دامت بالخوص فإذا زال عنها قيل: جريدة وأكثر ما يقال إذا يبست وأذا كانت رطبة فهى شطبة. والهجر - بالتحريك -: بلدة باليمن. واسم لجميع أرض البحرين. وانما خص هجر لبعد المسافة أو لكثرة النخل بها. (4) دفف على الجريح: أجهزه عليه وأتم قتله وفى بعض النسخ [ لا تذيعوا على جريح ] وفى الكافي والتهذيب [ لا تجهزوا على جريح ]. والاجهاز على الجريح: إتمام قتله والاسراع فيه. (5) سورة المائدة آية 47. (*)

[ 291 ]

موعظة وحضره ذات يوم جماعة من الشيعة فوعظهم وحذرهم وهم ساهون لاهون، فأغاظه ذلك، فأطرق مليا، ثم رفع رأسه إليهم فقال: إن كلامي لو وقع طرف منه في قلب أحدكم لصار ميتا. ألا يا أشباحا بلا أرواح وذبابا بلا مصباح كأنكم خشب مسندة (1) وأصنام مريدة. ألا تأخذون الذهب من الحجر، ألا تقتبسون الضياء من النور الازهر، ألا تأخذون اللؤلؤ من البحر. خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها وإن لم يعمل بها، فإن الله يقول: " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله (2) " ويحك يا مغرور ألا تحمد من تعطيه فانيا ويعطيك باقيا، درهم يفنى بعشرة تبقى إلى سبعمائة ضعف مضاعفة من جواد كريم، آتاك الله عند مكافأة (3) هو مطعمك وساقيك وكاسيك ومعافيك وكافيك وساترك ممن يراعيك. من حفظك في ليلك ونهارك وأجابك عند اضطرارك وعزم لك على الرشد في اختبارك. كأنك قد نسيت ليالي أوجاعك وخوفك دعوته فاستجاب لك، فاستوجب بجميل صنيعه الشكر، فنسيته فيمن ذكر. وخالفته فيما أمر. ويلك إنما أنت لص من لصوص الذنوب (4). كلما عرضت لك شهوة أو ارتكاب ذنب سارعت إليه وأقدمت بجهلك عليه، فارتكبته كأنك لست بعين الله. أو كأن الله ليس لك بالمرصاد. يا طالب الجنة ما أطول نومك وأكل مطيتك وأوهى همتك (5) فلله أنت من طالب ومطلوب ويا هاربا من النار ما أحث مطيتك إليها وما أكسبك


(1) شبههم عليه السلام في عدم الانتفاع بهم بالخشب المسندة إلى الحائط والاصنام المنحوتة من الخشب وإن كانت هياكلهم معجبة وألسنتهم ذليقة. وفى بعض النسخ [ واصنام مربذة ]. (2) سورة الزمر آية 18. (3) إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة آية 261: " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. (4) اللص - بالكسر -: فعل الشئ في ستر - ومنه قيل للسارق: لص. وجمعه لصوص. (5) أو هي فلانا: أضعفه وجعله واهيا. (*)

[ 292 ]

لما يوقعك فيها. انظروا إلى هذه القبور سطورا بأفناء الدور، تدانوا في خططهم (1) وقربوا في مزارهم وبعدوا في لقائهم. عمروا فخربوا. وآنسوا فأوحشوا. وسكنوا فأزعجوا. وقطنوا فرحلوا. فمن سمع بدان بعيد وشاحط قريب (2) وعامر مخروب. وآنس موحش وساكن مزعج. وقاطن مرحل (3) غير أهل القبور ؟. يا ابن الايام الثلاث: يومك الذي ولدت فيه ويومك الذي تنزل فيه قبرك ويومك الذي تخرج فيه إلى ربك، فياله من يوم عظيم يا ذوي الهيئة المعجبة والهيم المعطنة (4) مالي أرى أجسامكم عامرة وقلوبكم دامرة أما والله لو عاينتم ما أنتم ملاقوه وما أنتم إليه صائرون لقلتم: " يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (5) " قال جل من قائل: " بل بدا لهم ما كانوا يخفون - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (6) ". * (وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني) * قال عليه السلام: صانع المنافق بلسانك وأخلص مودتك للمؤمن. وإن جالسك يهودي فأحسن مجالسته. وقال عليه السلام ما شيب شئ بشئ أحسن من حلم بعلم (7). وقال عليه السلام: الكمال كل الكمال التفقه في الدين والصبر على النائبة وتقدير المعيشة. وقال عليه السلام: والله المتكبر ينازع الله رداءه.


(1) الخطط: جمع خطة - بالكسر -: ما يختطه الانسان من الارض ليعلم أنه قد احتازها ليبنيها دارا. والارض التى تنزلها ولم ينزلها نازل قبلك. و - بالضم -: الامر والخصلة. (2) الشاحط: البعيد. (3) القاطن: المقيم. (4) الهيم: الابل العطاش. العطن - بالتحرك -: وطن الابل ومبركها حول الماء. وأعطنت الابل: حبسها عند الماء فبركت بعد الورود. وعطنت الابل: رويت ثم بركت. (5) سورة أنعام آية 27. (6) سورة أنعام آية 28. (7) الشوب: الخلط. (*)

[ 293 ]

وقال عليه السلام يوما لمن حضره: ما المروة ؟ فتكلموا، فقال: صلى الله عليه وآله: المروة أن لا تطمع فتذل. وتسأل فتقل (1). ولا تبخل فتشتم. ولا تجهل فتخصم فقيل: ومن يقدر على ذلك ؟ فقال عليه السلام: من أحب أن يكون كالناظر في الحدقة (2) والمسك في الطيب وكالخليفة في يومكم هذا في القدر. وقال يوما رجل عنده: اللهم أغننا عن جميع خلقك. فقال أبو جعفر عليه السلام: لا تقل هكذا. ولكن قل: اللهم أغننا عن شرار خلقك، فإن المؤمن لا يستغني عن أخيه. وقال عليه السلام: قم بالحق واعتزل ما لا يعنيك. وتجنب عدوك واحذر صديقك من الاقوام إلا الامين من خشي الله. ولا تصحب الفاجر. ولا تطلعه على سرك. واستشر في أمرك الذين يخشون الله. وقال عليه السلام: صحبة عشرين سنة قرابة. وقال عليه السلام: إن استطعت أن لا تعامل أحدا إلا ولك الفضل عليه فافعل. وقال عليه السلام: ثلاثة من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمن ظلمك. وتصل من قطعك. وتحلم إذا جهل عليك. وقال عليه السلام: الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله. وظلم يغفره الله. وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك بالله. وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله. وأما الظلم الذي لا يدعه الله فالمداينة بين العباد (3). وقال عليه السلام: ما من عبد يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته قضيت أو لم تقض إلا ابتلي بالسعي في حاجة من يأثم عليه ولا يؤجر وما من عبد يبخل بنفقة ينفقها فيما يرضى الله إلا ابتلي بأن ينفق أضعافها فيما أسخط الله. وقال عليه السلام: في كل قضاء الله خير للمؤمن. وقال عليه السلام: إن الله كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة وأحب ذلك لنفسه. إن الله جل ذكره يحب أن يسأل ويطلب ما عنده.


(1) يقل الرجل: قل ماله. (2) الناظر: سواد الاصغر الذى فيه إنسان العين. والحدقة: سواد العين الاعظم. (3) المدائنة من الدين أي ظلم العباد عند المعاملة. (*)

[ 294 ]

وقال عليه السلام: من لم يجعل الله له من نفسه واعظا، فإن مواعظ الناس لن تغني عنه شيئا. وقال عليه السلام: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه. وقال عليه السلام: كم من رجل قد لقي رجلا فقال له: كب الله عدوك (1) وماله من عدو إلا الله. وقال عليه السلام: ثلاثة لا يسلمون: الماشي إلى الجمعة. والماشي خلف جنازة وفي بيت الحمام. وقال عليه السلام: عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد. وقال عليه السلام: لا يكون العبد عالما حتى لا يكون حاسدا لمن فوقه ولا محقرا لمن دونه. وقال عليه السلام: ما عرف الله من عصاه وأنشد: تعصي الاله وأنت تظهر حبه * هذا لعمرك في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لاطعته * إن المحب لمن أحب مطيع - وقال عليه السلام: إنما مثل الحاجة إلى من أصاب ماله حديثا كمثل الدرهم في فم الافعى أنت إليه محوج (2) وأنت منها على خطر. وقال عليه السلام: ثلاث خصال لا يموت صاحبهن أبدا حتى يرى وبالهن: البغي. وقطيعة الرحم. واليمين الكاذبة يبارز الله بها. وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم وإن القوم ليكونون فجارا فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون (3). وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم ليذران الديار بلاقع من أهلها (4). وقال عليه السلام: لا يقبل عمل إلا بمعرفة. ولا معرفة إلا بعمل. ومن عرف دلته معرفته على العمل. ومن لم يعرف فلا عمل له.


(1) كب فلانا: صرعه. وقلبه على رأسه. (2) أحوج إليه: إفتقر. وأحوجه: جعله محتاجا. (3) " يثرون " أي يكثرون مالا. يقال: ثرا الرجل: كثر ماله. (4) " ليذران " أي ليدعان ويتركان من وذره أي ودعه. " بلاقع " - جمع بلقع -: الارض القفر. (*)

[ 295 ]

وقال عليه السلام: إن الله جعل للمعروف أهلا من خلقه، حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله ووجه لطلاب المعروف الطلب إليهم ويسر لهم قضاءه كما يسر الغيث للارض المجدبة ليحييها ويحيي أهلها (1) وإن الله جعل للمعروف أعداء من خلقه بغض إليهم المعروف وبغض إليهم فعاله. وحظر على طلاب المعروف التوجه إليهم وحظر عليهم قضاءه كما يحظر الغيث عن الارض المجدبة ليهلكها ويهلك أهلها وما يعفو الله عنه أكثر. وقال عليه السلام: اعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك. وقال عليه السلام: الايمان حب وبغض (2). وقال عليه السلام: ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشع وأداء الامانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين وتعهد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة والغارمين والايتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الالسن عن الناس إلا من خير وكانوا امناء عشائرهم في الاشياء. وقال عليه السلام: أربع من كنوز البر: كتمان الحاجة. وكتمان الصدقة. وكتمان الوجع. وكتمان المصيبة. وقال عليه السلام: من صدق لسانه زكا عمله. ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن حسن بره بأهله زيد في عمره. وقال عليه السلام: إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شر، من كسل لم يؤد حقا ومن ضجر لم يصبر على حق. وقال عليه السلام: من استفاد أخا في الله على إيمان بالله ووفاء بإخائه طلبا لمرضات الله فقد استفاد شعاعا من نور الله وأمانا من عذاب الله وحجة يفلج بها يوم القيامة (3) وعزا باقيا وذكرا ناميا، لان المؤمن من الله عزوجل لا موصول ولا مفصول. قيل له عليه السلام: ما معنى لا مفصول ولا موصول ؟ قال: لا موصول به أنه هو ولا مفصول منه أنه من غيره.


(1) المجدبة: ذو جدب وهو ضد الخصب ويأتى أيضا بمعنى الماحل. (2) أي الحب في الله والبغض فيه كما جاء في الاحاديث. (3) يفلج أي يفوز ويظفر ويغلب بها. وفلج الحجة: أثبتها. وفلج الرجل: ظفر بما طلب. وعلى خصمه: غلبه. - وعلى القوم فاز. (*)

[ 296 ]

وقال عليه السلام كفى بالمرء غشا لنفسه أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه أو يعيب غيره (1) بما لا يستطيع تركه أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه. وقال عليه السلام: التواضع الرضا بالمجلس دون شرفه. وأن تسلم على من لقيت. وأن تترك المراء وإن كنت محقا. وقال عليه السلام: إن المؤمن أخ المؤمن لا يشتمه ولا يحرمه ولا يسيئ به الظن. وقال عليه السلام: لابنه: اصبر نفسك على الحق، فإنه من منع شيئا في حق أعطى في باطل مثليه. وقال عليه السلام: من قسم له الخرق حجب عنه الايمان (2). وقال عليه السلام: إن الله يبغض الفاحش المتفحش. وقال عليه السلام: إن لله عقوبات في القلوب والابدان: ضنك في المعيشة ووهن في العبادة. وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب. وقال عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الصابرون ؟ فيقوم فئام من الناس (3). ثم ينادي مناد: أين المتصبرون ؟ فيقوم فئام من الناس. قلت: جعلت فداك ما الصابرون والمتصبرون ؟ فقال عليه السلام الصابرون على أداء الفرائض والمتصبرون على ترك المحارم. وقال عليه السلام: يقول الله: ابن آدم ! اجتنب ما حرمت عليك تكن من أورع الناس. وقال عليه السلام: أفضل العبادة عفة البطن والفرج. وقال عليه السلام: البشر الحسن (4) وطلاقة الوجه مكسبة للمحبة وقربة من الله. وعبوس الوجه وسوء البشر مكسبة للمقت وبعد من الله. وقال عليه السلام: ما تذرع إلي (5) بذريعة ولا توسل بوسيلة هي أقرب له (6) إلى ما يحب


(1) في بعض النسخ [ أو يعير غيره ]. (2) الخرق: ضعف العقل والرأى، الجهل، الحمق، ضد الرفق. (3) الفئام - ككتاب -: الجماعة من الناس. وفسر في خطب أمير المؤمنين عليه السلام بمائة ألف. (4) البشر - بالكسر - طلاقة الوجه وبشاشته. والمقت: البغض. (5) أي عندي. (6) أي لله. (*)

[ 297 ]

من يد سالفة مني إليه أتبعتها أختها لتحسن حفظا وريها، لان منع الاواخر يقطع لسان شكر الاوائل (1). وما سمحت لي نفسي برد بكر الحوائج. وقال عليه السلام: الحياء والايمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه. وقال عليه السلام: إن هذه الدنيا تعاطاها البر والفاجر. وإن هذا الدين لا يعطيه الله إلا أهل خاصته (2). وقال عليه السلام: الايمان إقرار وعمل. والاسلام إقرار بلا عمل. وقال عليه السلام: الايمان ما كان في القلب. والاسلام ما عليه التناكح والتوارث وحقنت به الدماء. والايمان يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان. وقال عليه السلام: من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئا. ومن علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا. وقال عليه السلام: ليس من أخلاق المؤمن الملق والحسد إلا في طلب العلم (3). وقال عليه السلام: للعالم إذا سئل عن شئ وهو لا يعلمه أن يقول: الله أعلم. وليس لغير العالم أن يقول ذلك (4). - وفي خبر آخر يقول: لا أدري - لئلا يوقع في قلب السائل شكا. وقال عليه السلام: أول من شق لسانه بالعربية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة وكان لسانه على لسان أبيه وأخيه فهو أول من نطق بها وهو الذبيح.


(1) الظاهر أن المراد التتابع في الاحسان والعمل وفى حديث آخر عن الصادق عليه السلام " قال: ما من شئ أسر إلى من يد اتبعها الاخرى لان منع الاواخر يقطع لسان شكر الاوائل " ذكره الآبى. (2) التعاطى: التناول. وتناول ما لا يحق. والتنازع في الاخذ والقيام به. وفى بعض النسخ [ لا يعطيه الا أهل الله خاصة ]. (3) الملق - بالتحريك -: التملق وهو الود واللطف وأن يعطى في اللسان ما ليس في القلب. (4) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 1 ص 42 عن أبى عبد الله عليه السلام والبرقي في المحاسن ص 206 عن أحدهما والخبر الاخر أيضا في الكافي عن محمد بن مسلم عن أبى عبد الله وفى المحاسن عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل: لا أدرى. ولا يقل: الله أعلم فيوقع في قلب صاحبه شكا. و إذا قال المسؤول: لا أدرى فلا يتهمه السائل (*)

[ 298 ]

وقال عليه السلام: ألا أنبئكم بشئ إذا فعلتموه يبعد السلطان والشيطان منكم ؟ فقال أبو حمزة: بلى، أخبرنا به حتى نفعله. فقال عليه السلام: عليكم بالصدقة فبكروا بها، فإنها تسود وجه إبليس وتكسر شرة السلطان الظالم عنكم في يومكم ذلك (1). وعليكم بالحب في الله والتودد (2) والموازرة على العمل الصالح، فإنه يقطع دابرهما - يعني السلطان والشيطان - وألحوا في الاستغفار، فإنه ممحاة للذنوب. وقال عليه السلام: إن هذا اللسان مفتاح كل خير وشر فينبغي للمؤمن أن يختم على لسانه كما يختم على ذهبه وفضته (3)، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " رحم الله مؤمنا أمسك لسانه من كل شر فإن ذلك صدقة منه على نفسه (4) " ثم قال عليه السلام: لا يسلم أحد من الذنوب حتى يخزن لسانه. وقال عليه السلام: من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه، فأما الامر الظاهر منه مثل الحدة والعجلة فلا بأس أن تقوله. وإن البهتان أن تقول في أخيك ما ليس فيه (5). وقال عليه السلام: إن أشد الناس حسرة يوم القيامة عبد وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره (6).


(1) الشرة - بالكسر فالفتح مشددة -: الشر والغضب والحدة. (2) وفى بعض النسخ [ المودة ]. (3) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 114 باسناده عن أبى بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كان أبو ذر رحمه الله يقول: يا مبتغى العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك. ونقله سبط الطبرسي (ره) في مشكاة الانوار عن المحاسن عنه عليه السلام وأخرجه المحدث النوري (ره) في المستدرك عن كتاب عاصم بن حميد. (4) في الكافي ص 114 عن على بن إبراهيم باسناده عن الحلبي رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أمسك لسانك فانها صدقة تصدق بها على نفسك ثم قال: ولا يعرف عبد حقيقة الايمان حتى يخزن من لسانه ". أقول: قوله: " فانها " أي الامساك والتأنيث بتأويل الخصلة. (5) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 358 باسناده عن الصادق عليه السلام والصدوق في معاني الاخبار أيضا عنه عليه السلام. والحدة - بالكسر -: ما يعترى الانسان من الغضب والنزق. والعجلة - بالتحريك -: السرعة والمبادرة في الامور من غير تأمل. (6) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 300 باسناده عن الصادق عليه السلام. (*)

[ 299 ]

وقال عليه السلام: عليكم بالورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الامانة إلى من ائتمنكم عليها برا كان أو فاجرا، فلو أن قاتل علي بن أبي طالب عليه السلام ائتمنني على أمانة لاديتها إليه. وقال عليه السلام: صلة الارحام تزكي الاعمال وتنمي الاموال وتدفع البلوى وتيسر الحساب وتنسئ في الاجل (1). وقال عليه السلام: أيها الناس إنكم في هذه الدار أغراض تنتضل فيكم المنايا، لن يستقبل أحد منكم يوما جديدا من عمره إلا بانقضاء آخر من أجله، فأية اكلة ليس فيها غصص ؟ أم أي شربة ليس فيها شرق ؟ (2) استصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه (3)، فإن اليوم غنيمة وغدا لا تدري لمن هو. أهل الدنيا سفر (4) يحلون عقد رحالهم في غيرها. قد خلت منا اصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد أصله. أين الذين كانوا أطول أعمارا منكم وأبعد آمالا ؟ !. أتاك يا ابن آدم ما لا ترده. وذهب عنك ما لا يعود فلا تعدن عيشا منصرفا عيشا. ما لك منه إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك ؟ ! (5) وتقربك من أجلك ؟ ! فكأنك قد صرت الحبيب المفقود والسواد المخترم. فعليك بذات نفسك ودع ما سواها واستعن بالله يعنك (6). وقال عليه السلام: من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافأ. ومن أضعف كان شكورا ومن شكر كان كريما. ومن علم أنه ما صنع كان إلى نفسه لم يستبطئ الناس في شكرهم ولم يستزدهم في مودتهم، فلا تلتمس من غيرك شكر ما آتيته إلى نفسك ووقيت به عرضك


(1) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 150 و " تزكى الاعمال " أي تنميها في الثواب أو تطهرها أو تصيرها مقبولة. والنساء - بالفتح -: التأخير. (2) غص غصصا بالطعام: اعترض في حلق شئ منه فمنعه التنفس. وشرق بالماء أو بريقه: غص. (3) الظعن: الرحال والسير. (4) السفر - بالفتح فالسكون - جمع سافر، أي المسافرون. (5) الحمام - ككتاب -: قضاء الموت وقدره أي لقربك إلى موتك. واخترم: أهلك والسواد المخترم: الشخص الذى مات. (6) في بعض النسخ [ يغنك ]. (*)

[ 300 ]

واعلم أن طالب الحاجة لم يكرم وجهه عن مسألتك فأكرم وجهك عن رده. وقال عليه السلام: إن الله يتعهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعهد الغائب أهله بالهدية ويحميه عن الدنيا كما يحمي الطبيب المريض. وقال عليه السلام: إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي دينه إلا من يحب (1). وقال عليه السلام: إنما شيعة علي عليه السلام المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا المتزاورون لاحياء أمرنا الذين (2) إذا غضبوا لم يظلموا، وإذا رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، سلم لمن خالطوا. وقال عليه السلام: الكسل يضر بالدين والدنيا. وقال عليه السلام: لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا. ولو يعلم المسؤول ما في المنع ما منع أحد أحدا. وقال عليه السلام: إن لله عبادا ميامين مياسير يعيشون ويعيش الناس في أكنافهم وهم في عباده مثل القطر. ولله عباد ملاعين مناكيد، لا يعيشون ولا يعيش الناس في أكنافهم وهم في عباده مثل الجراد لا يقعون على شئ إلا أتوا عليه (3). وقال عليه السلام: قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين، الفاحش المتفحش، السائل الملحف ويحب الحيي الحليم العفيف المتعفف (4). وقال عليه السلام: إن الله يحب إفشاء السلام.


(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 215 باسناده عن مالك بن أعين قال: سمعت أبا جعفر يقول: يا مالك إن الله... الخ. (2) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 236 عن ابى جعفر عن امير المؤمنين عليهما السلام وفيه [ في إحياء أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا ]. (3) الميامين. جمع ميمون بمعنى ذو اليمن والبركة. والمياسير: جمع موسر بمعنى الغنى وذو اليسر. والمناكيد جمع نكد - بفتح الكاف وكسره وسكونه -: عسر، قليل الخير. (4) يقال: ألحف في المسألة إلحافا إذا ألح فيها ولزمها. وهو موجب لبغض الرب حيث أعرض عن الغنى الكريم وسأل الفقير اللئيم. وأنشد بعضهم: الله يبغض إن تركت سؤاله * وبنو آدم حين يسأل يغضب. (*)

[ 301 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] " وروى عن الامام الصادق أبى عبد الله جعفر بن محمد صلوات الله عليهما في طوال هذا المعاني " * (وصيته عليه السلام لعبد الله بن جندب (1)) * روي أنه عليه السلام قال: يا عبد الله لقد نصب إبليس حبائله في دار الغرور فما يقصد فيها إلا أولياءنا ولقد حلت الآخرة في أعينهم حتى ما يريدون بها بدلا. ثم قال: آه آه على قلوب حشيت نورا وإنما كانت الدنيا عندهم بمنزلة الشجاع الارقم (2) والعدو الاعجم، أنسوا بالله واستوحشوا مما به استأنس المترفون، أولئك أوليائي حقا وبهم تكشف كل فتنة وترفع كل بلية. يا ابن جندب حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها. وإن رأى سيئة استغفر منها لئلا يخزى يوم القيامة. طوبى لعبد لم يغبط الخاطئين على ما أوتوا من نعيم الدنيا وزهرتها طوبى لعبد طلب الآخرة وسعى لها، طوبى لمن لم تله الاماني الكاذبة. ثم قال عليه السلام: رحم الله قوما كانوا سراجا ومنارا، كانوا دعاة إلينا بأعمالهم ومجهود طاقتهم، ليس كمن يذيع أسرارنا. يا ابن جندب إنما المؤمنون الذين يخافون الله ويشفقون أن يسلبوا ما اعطوا من الهدى، فإذا ذكروا الله ونعماءه وجلوا وأشفقوا. وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا مما أظهره من نفاذ قدرتة. وعلى ربهم يتوكلون. يا ابن جندب قديما عمر الجهل وقوي أساسه وذلك لاتخاذهم دين الله لعبا حتى


(1) بضم الكاف وسكون النون وفتح الدال. هو عبد الله بن جندب البجلى الكوفى ثقة جليل القدر من اصحاب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام وانه من المخبتين وكان وكيلا لابي ابراهيم وأبى الحسن عليهما السلام. كان عابدا رفيع المنزلة لديهما على ما ورد في الاخبار. ولما مات رحمه الله قام مقامه على بن مهزيار. (2) حشيت أي ملات والشجاع - بالكسر والضن -: الحية العظيمة التى تواثب الفارس وربما قلعت رأس الفارس وتكون في الصحارى ويقوم على ذنبه. والارقم: الحية التى فيها سواد وبياض وهو اخبث الحيات ويحتمل أن يكون الشجاع الاقرع وهو حية قد تمعط شعر رأسها لكثرة سمها. (*)

[ 302 ]

لقد كان المتقرب منهم إلى الله بعلمه يريد سواه أولئك هم الظالمون. يا ابن جندب لو أن شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة ولاظلهم الغمام ولاشرقوا نهارا ولاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولما سألوا الله شيئا إلا أعطاهم. يا ابن جندب لا تقل في المذنبين من أهل دعوتكم إلا خيرا. واستكينوا إلى الله في توفيقهم وسلوا التوبة لهم. فكل من قصدنا ووالانا ولم يوال عدونا وقال ما يعلم وسكت عما لا يعلم أو أشكل عليه فهو في الجنة. يا ابن جندب يهلك المتكل على عمله. ولا ينجو المجترئ على الذنوب الواثق برحمة الله. قلت: فمن ينجو ؟ قال: الذين هم بين الرجاء والخوف، كأن قلوبهم في مخلب طائر شوقا إلى الثواب وخوفا من العذاب. يا ابن جندب من سره أن يزوجه الله الحور العين ويتوجه بالنور فليدخل على أخيه المؤمن السرور. يا ابن جندب أقل النوم بالليل، والكلام بالنهار. فما في الجسد شئ أقل شكرا من العين واللسان، فإن أم سليمان قالت لسليمان عليه السلام: يا بني إياك والنوم، فإنه يفقرك يوم يحتاج الناس إلى أعمالهم. يا ابن جندب إن للشيطان مصائد يصطاد بها فتحاموا شباكه (1) ومصائده. قلت: يا ابن رسول الله وما هي ؟ قال: أما مصائده فصد عن بر الاخوان. وأما شباكه فنوم عن قضاء الصلوات التي فرضها الله. أما إنه ما يعبد الله بمثل نقل الاقدام إلى بر الاخوان وزيارتهم. ويل للساهين عن الصلوات، النائمين في الخلوات، المستهزئين بالله وآياته في الفترات (2) " أولئك - الذين - لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله... يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (3) ". يا ابن جندب من أصبح مهموما لسوى فكاك رقبته فقد هون عليه (4) الجليل ورغب


(1) فتحاموا: اجتنبوها وتوقوها. الشباك - جمع شبكة - بالتحريك -: شركة الصياد يعنى حبائل الصيد. (2) الفترة: الضعف والانكساء والمراد بها زمان ضعف الدين. (3) آل عمران 77. (4) الضمير يعود إلى " من ". (*)

[ 303 ]

من ربه في الربح الحقير (1). ومن غش أخاه وحقره وناواه (2) جعل الله النار مأواه. ومن حسد مؤمنا انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء. يا ابن جندب الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة، وقاضي حاجته كالمتشحط بدمه في سبيل الله يوم بدر وأحد. وما عذب الله أمة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم. يا ابن جندب بلغ معاشر شيعتنا وقل لهم: لا تذهبن بكم المذاهب فو الله لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا ومواساة الاخوان في الله. وليس من شيعتنا من يظلم الناس. يا ابن جندب إنما شيعتنا يعرفون بخصال شتى: بالسخاء والبذل للاخوان وبأن يصلوا الخمسين ليلا ونهارا. شيعتنا لا يهرون هرير الكلب ولا يطمعون طمع الغراب ولا يجاورون لنا عدوا ولا يسألون لنا مبغضا ولو ماتوا جوعا. شيعتنا لا يأكلون الجري (3) ولا يمسحون على الخفين ويحافظون على الزوال ولا يشربون مسكرا. قلت: جعلت فداك فأين أطلبهم ؟ قال عليه السلام: على رؤوس الجبال وأطراف المدن. وإذا دخلت مدينة فسل (4) عمن لا يجاورهم ولا يجاورونه فذلك مؤمن كما قال الله: " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى (5) " والله لقد كان حبيب النجار وحده. يا ابن جندب كل الذنوب مغفورة سوى عقوق أهل دعوتك. وكل البر مقبول إلا ما كان رئاء. يا ابن جندب أحبب في الله واستمسك بالعروة الوثقى واعتصم بالهدى يقبل عملك فإن الله يقول: " إلا من آمن وعمل صالحا ثم اهتدى (6) " فلا يقبل إلا الايمان. ولا


(1) في الوافى [ (2) أي عاداه وأصله الهمزة من النوء. بمعنى النهوض والطلوع. (3) الجرى - كذمي -: سمك طويل أملس وليس عليه فصوص. قيل: ما رما هي. (4) الظاهر ان مراده عليه السلام في دولة الفسق وزمن الكفر. (5) سورة يس آية 19. (6) سورة طه آية 84 " وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ". (*)

[ 304 ]

إيمان إلا بعمل. ولا عمل إلا بيقين. ولا يقين إلا بالخشوع وملاكها كلها الهدى، فمن اهتدى يقبل عمله وصعد إلى الملكوت متقبلا " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (1) ". يا ابن جندب إن أحببت أن تجاور الجليل في داره وتسكن الفردوس في جواره فلتهن عليك الدنيا واجعل الموت نصب عينك. ولا تدخر شيئا لغد. واعلم أن لك ما قدمت وعليك ما أخرت. يا ابن جندب من حرم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره. ومن أطاع هواه فقد أطاع عدوه. من يثق بالله يكفه ما أهمه من أمر دنياه وآخرته ويحفظ له ما غاب عنه. وقد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا ولكل نعمة شكرا. ولكل عسر يسرا. صبر نفسك عند كل بلية في ولد أو مال أو رزية (2)، فإنما يقبض عاريته ويأخذ هبته ليبلو فيهما صبرك وشكرك. وارج الله رجاء لا يجريك على معصيته وخفه خوفا لا يؤيسك من رحمته. ولا تغتر بقول الجاهل ولا بمدحه فتكبر وتجبر وتعجب بعملك، فإن أفضل العمل العبادة والتواضع. فلا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ما خلفته وراء ظهرك. واقنع بما قسمه الله لك. ولا تنظر إلا إلى ما عندك. ولا تتمن ما لست تناله. فإن من قنع شبع ومن لم يقنع لم يشبع. وخذ حظك من آخرتك. ولا تكن بطرا في الغنى، ولا جزعا في الفقر. ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك ولا تكن واهنا يحقرك من عرفك. ولا تشار (3) من فوقك ولا تسخر بمن هو دونك. ولا تنازع الامر أهله. ولا تطع السفهاء. ولا تكن مهينا تحت كل أحد. ولا تتكلن على كفاية أحد. وقف عند كل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم. واجعل قلبك قريبا تشاركه (4). واجعل عملك والدا تتبعه. واجعل نفسك عدوا تجاهده وعارية تردها،


(1) سورة البقرة آية 109. (2) الرزية: المصيبة أصله من رزأ أي أصاب منه شيئا ونقص. وفى بعض النسخ [ أو ذرية ]. (3) ولا تشار أي ولا تخاصم. (4) في بعض النسخ [ تتنازله ]. (*)

[ 305 ]

فإنك قد جعلت طبيب نفسك وعرفت آية الصحة وبين لك الداء ودللت على الدواء. فانظر قيامك على نفسك. وإن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المن والذكر لها ولكن اتبعها بأفضل منها، فإن ذلك أجمل بك في أخلاقك وأوجب للثواب في آخرتك. وعليك بالصمت تعد حليما - جاهلا كنت أو عالما - فإن الصمت زين لك عند العلماء وستر لك عند الجهال. يا ابن جندب إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال لاصحابه: " أرأيتم لو أن أحدكم مر بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن بعض عورته أكان كاشفا عنها كلها أم يرد عليها ما انكشف منها ؟ قالوا: بل نرد عليها. قال: كلا، بل تكشفون عنها كلها - فعرفوا أنه مثل ضربه لهم - فقيل: يا روح الله وكيف ذلك ؟ قال: الرجل منكم يطلع على العورة من أخيه فلا يسترها. بحق أقول لكم إنكم لا تصيبون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون. ولا تنالون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون. إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة. طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في عينه. لا تنظروا في عيوب الناس كالارباب وانظروا في عيوبكم كهيئة العبيد. إنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى فارحموا المبتلى واحمدوا الله على العافية ". يا ابن جندب صل من قطعك. وأعط من حرمك. وأحسن إلى من أساء إليك. وسلم على من سبك. وأنصف من خاصمك. واعف عمن ظلمك، كما أنك تحب أن يعفى عنك، فاعتبر بعفو الله عنك، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الابرار والفجار. وأن مطره ينزل على الصالحين والخاطئين. يا ابن جندب لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك، فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع علينا شمالك، فإن الذي تتصدق له سرا يجزيك علانية على رؤوس الاشهاد في اليوم الذي لا يضرك أن لا يطلع الناس على صدقتك. واخفض الصوت، إن ربك الذي يعلم ما تسرون وما تعلنون، قد علم ما تريدون قبل أن تسألوه. وإذا صمت فلا تغتب أحدا. ولا تلبسوا صيامكم بظلم. ولا تكن كالذي يصوم رئاء الناس، مغبرة وجوههم، شعثة رؤوسهم،

[ 306 ]

يابسة أفواههم لكي يعلم الناس أنهم صيامي. يا ابن جندب أخير كله أمامك، وإن الشر كله أمامك. ولن ترى الخير و الشر إلا بعد الآخرة، لان الله جل وعز جعل الخير كله في الجنة والشر كله في النار، لانهما الباقيان. والواجب على من وهب الله له الهدى وأكرمه بالايمان و الهمه رشده وركب فيه عقلا يتعرف به نعمه وآتاه علما وحكما يدبر به أمر دينه و دنياه (1) أن يوجب على نفسه أن يشكر الله ولا يكفره وأن يذكر الله ولا ينساه وأن يطيع الله ولا يعصيه، للقديم الذي تفرد له بحسن النظر، وللحديث الذي أنعم عليه بعد إذ أنشأه مخلوقا، وللجزيل الذي وعده، والفضل الذي لم يكلفه من طاعته فوق طاقته و ما يعجز عن القيام به وضمن له العون على تيسير ما حمله من ذلك وندبه إلى الاستعانة على قليل ما كلفه وهو معرض (2) عما أمره وعاجز عنه قد لبس ثوب الاستهانة فيما بينه وبين ربه، متقلدا لهواه، ماضيا في شهواته، مؤثرا لدنياه على آخرته وهو في ذلك يتمني جنان الفردوس وما ينبغي لاحد أن يطمع أن ينزل بعمل الفجار منازل الابرار. أما إنه لو وقعت الواقعة وقامت القيامة وجاءت الطامة ونصب الجبار الموازين لفصل القضاء وبرز الخلائق ليوم الحساب أيقنت عند ذلك لمن تكون الرفعة والكرامة وبمن تحل الحسرة والندامة: فاعمل اليوم في الدنيا بما ترجو به الفوز في الآخرة. يا ابن جندب قال الله عزوجل في بعض ما أوحى: " إنما أقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمتي ويكف نفسه عن الشهوات من أجلي ويقطع نهاره بذكري ولا يتعظم على خلقي ويطعم الجائع ويكسو العاري ويرحم المصاب ويؤوي الغريب (3) فذلك يشرق نوره مثل الشمس، أجعل له في الظلمة نورا وفي الجهالة حلما أكلاه بعزتي (4) و أستحفظه ملائكتي، يدعوني فالبيه ويسألني فاعطيه، فمثل ذلك العبد عندي كمثل جنات الفردوس لا يسبق أثمارها ولا تتغير عن حالها ".


(1) " الواجب " مبتدأ وخبره جملة " أن يوجب على نفسه إلخ ". (2) الضمير يرجع إلى " من وهب الله ". (3) وفى بعض النسخ [ ويواسى الغريب ]. يقال: واسى الرجل أي آساه وعاونة. (4) كلا الله فلانا: حفظه وحرسه. (*)

[ 307 ]

يا ابن جندب الاسلام عريان فلباسه الحياء وزينته الوقار ومروءته العمل الصالح وعماده الورع، ولكل شئ أساس وأساس الاسلام جبنا أهل البيت. يا ابن جندب إن لله تبارك وتعالى سورا من نور، محفوفا بالزبرجد والحرير، منجدا بالسندس (1) والديباج، يضرب هذا السور بين أوليائنا وبين أعدائنا فإذا غلى الدماغ وبلغت القلوب الحناجر ونضجت الاكباد من طول الموقف ادخل في هذا السور أولياء الله، فكانوا في أمن الله وحرزه، لهم فيها ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين. وأعداء الله قد ألجمهم العرق وقطعهم الفرق وهم ينظرون إلى ما أعد الله لهم، فيقولون: " مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار (2) " فينظر إليهم أولياء الله فيضحكون منهم، فذلك قوله عزوجل: " اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار (3) ". وقوله: " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الارائك ينظرون (4) " فلا يبقى أحد ممن أعان مؤمنا من أوليائنا بكلمة إلا أدخله الله الجنة بغير حساب. * (وصيته عليه السلام) * * (لابي جعفر محمد بن النعمان الاحول (5)) * قال أبو جعفر: قال لي الصادق عليه السلام: إن الله عزوجل عير أقواما في القرآن بالاذاعة، فقلت له: جعلت فداك أين قال ؟ قال: قوله: " وإذا جاءهم أمر من الامن أو


(1) منجدا أي مزينا. (2) سورة ص آية 62. (3) سورة ص آية 63. (4) سورة المطففين آية 34، 35. (5) هو أبو جعفر محمد بن على بن النعمان الكوفى المعروف عندنا بصاحب الطاق ومؤمن الطاق والمخالفون يقلبونه شيطان الطاق، كان صيرفيا في طاق المحامل بالكوفة يرجع إليه في النقد فيخرج كما ينقد فيقال: شيطان الطاق وهو من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام كان رحمه الله ثقة، متكلما، حاذقا، كثير العلم، حسن الخاطر، حاضر الجواب حكى عن أبى خالد الكابلي أنه قال: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة ازاره وهو دائب " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 308 ]

الخوف أذاعوا به (1) " ثم قال: المذيع علينا سرنا كالشاهر بسيفه علينا، رحم الله عبدا سمع بمكنون علمنا فدفنه تحت قدميه. والله إني لاعلم بشراركم من البيطار بالدواب، شراركم الذين لا يقرؤون القرآن إلا هجرا ولا يأتون الصلاة إلا دبرا ولا يحفظون ألسنتهم (2). اعلم أن الحسن بن علي عليهما السلام لما طعن واختلف الناس عليه سلم الامر لمعاوية فسلمت عليه الشيعة عليك السلام يا مذل المؤمنين. فقال عليه السلام: " ما أنا بمذل المؤمنين ولكني معز المؤمنين. إني لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلمت الامر لابقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى لاصحابها وكذلك نفسي وأنتم لنبقى بينهم ". يا ابن النعمان إني لاحدث الرجل منكم بحديث فيتحدث به عني، فأستحل بذلك لعنته والبراءة منه. فإن أبي كان يقول: " وأي شئ أقر للعين من التقية، إن التقية جنة المؤمن (3) ولولا التقية ما عبد الله ". وقال الله عزوجل: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " يجيبهم ويسألونه فدنوت منه وقلت: إن أبا عبد الله عليه السلام نهانا عن الكلام. فقال: وأمرك أن تقول لى ؟ فقلت: لا والله ولكنه أمرنى أن لا اكلم أحدا قال: فاذهب وأطعه فيما أمرك. فدخلت على أبى عبد الله عليه السلام فأخبرته بقصة صاحب الطاق وما قلت له وقوله: اذهب وأطعه فيها أمرك فتبسم أبو عبد الله عليه السلام وقال: يا أبا خالد ان صاحب الطاق يكلم الناس فيطير وينقص وأنت إن قصوك لن تطير انتهى. وله مع أبى حنيفة حكايات نقلها المؤرخون وأهل السير فمنها أنه لما مات الصادق عليه السلام رأى أبو حنيفة مؤمن الطاق فقال له: مات إمامك، قال: نعم اما إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. وله كتب منها كتاب الامامة وكتاب المعرفة وكتاب الرد على المعتزلة في إمامة المفضول وكتاب في إثبات الوصية وغير ذلك. وما قيل: إن الطاق حصن بطبرستان وبه سكن محمد بن النعمان المعروف سهو ولعل أصله منها والا كان رحمه الله يسكن الكوفة كما يظهر من مباحثاته مع أبى حنيفة وامثاله. (1) سورة النساء آية 82. (2) الهجر - بالضم -: الهذيان والقبيح من الكلام. والدبر - بضم فسكون أو بضمتين - من كل شئ: مؤخره وعقبه. (3) لان بها يحفظ أساس الاسلام واصوله. ورواه الكليني في الكافي عن محمد بن عجلان. (*)

[ 309 ]

إلا أن تتقوا منهم تقاة (1) ". يا ابن النعمان إياك والمراء، فإنه يحبط عملك. وإياك والجدال، فإنه يوبقك. وإياك وكثرة الخصومات، فإنها تبعدك من الله. ثم قال: إن من كان قبلكم كانوا يتعلمون الصمت وأنتم تتعلمون الكلام، كان أحدهم إذا أراد التعبد يتعلم الصمت قبل ذلك بعشر سنين فإن كان يحسنه ويصبر عليه تعبد وإلا قال: ما أنا لما أروم بأهل (2)، إنما ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء وصبر في دولة الباطل على الاذى، أولئك النجباء الاصفياء الاولياء حقا وهم المؤمنون. إن أبغضكم إلي المتراسون (3). المشاؤون بالنمائم، الحسدة لاخوانهم ليسوا مني ولا أنا منهم. إنما أوليائي الذين سلموا لامرنا واتبعوا آثارنا واقتدوا بنا في كل امورنا. ثم قال: والله لو قدم أحدكم ملء الارض ذهبا على الله ثم حسد مؤمنا لكان ذلك الذهب مما يكوى به في النار. يا ابن النعمان إن المذيع ليس كقاتلنا بسيفه بل هو أعظم وزرا، بل هو أعظم وزرا، بل هو أعظم وزرا. يا ابن النعمان إنه من روى علينا حديثا (4) فهو ممن قتلنا عمدا ولم يقتلنا خطاء. يا ابن النعمان إذا كانت دولة الظلم فامش واستقبل من تتقيه بالتحية، فإن المتعرض للدولة قاتل نفسه (5) وموبقها، إن الله يقول: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (6) ". يا ابن النعمان إنا أهل بيت لا يزال الشيطان يدخل فينا من ليس منا ولا من


(1) سورة آل عمران آية 27. (2) رام الشئ يروم روما: أراده. (3) تراس القوم الخبر: تساروه. وارتس الخبر في الناس: فشا وانتشر. ويحتمل أن يكون كما في بعض نسخ الحديث [ المترأسون ] بالهمزة من ترأس أي صار رئيسا. (4) في بعض النسخ [ حديثنا ]. (5) كان ذلك إذا حفظ بها اصول الاسلام وأساس الدين وضرورياته وإلا فلا يجوز بل حرام فليس هذا بعمل التقية. (6) سورة البقرة آية 195. (*)

[ 310 ]

أهل ديننا، فإذا رفعه ونظر إليه الناس أمره الشيطان فيكذب علينا، وكلما ذهب واحد جاء آخر. يا ابن النعمان من سئل عن علم، فقال: لا أدري فقد ناصف العلم. والمؤمن يحقد ما دام في مجلسه، فإذا قام ذهب عنه الحقد. يا ابن النعمان إن العالم لا يقدر أن يخبرك بكل ما يعلم. لانه سر الله الذي أسره إلى جبرئيل عليه السلام وأسره جبرئيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وأسره محمد صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام وأسره علي عليه السلام إلى الحسن عليه السلام وأسره الحسن عليه السلام إلى الحسين عليه السلام وأسره الحسين عليه السلام إلى علي عليه السلام وأسره علي عليه السلام إلى محمد عليه السلام وأسره محمد عليه السلام إلى من أسره، فلا تعجلوا فو الله لقد قرب هذا الامر (1) ثلاث مرات فأذعتموه، فأخره الله. والله ما لكم سر إلا وعدوكم أعلم به منكم. يا ابن النعمان ابق على نفسك فقد عصيتني. لا تذع سري، فإن المغيرة بن سعيد (2) كذب على أبي وأذاع سره فأذاقه الله حر الحديد. وإن أبا الخطاب كذب


(1) نقل المجلسي قدس سره في البحار عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسى رحمه الله باسناده إلى ابى بصير قال. قلت له: ألهذا الامر أمد نريح إليه أبداننا وننتهى إليه ؟ قال: بلى ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه. وأيضا باسناده إلى أبى حمزة الثمالى قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن عليا عليه السلام كان يقول: " إلى السبعين بلاء " وكان يقول: " بعد البلاء رخاء " وقد مضت السبعون ولم نر رخاءا فقال أبو جعفر عليه السلام: يا ثابت إن الله تعالى كان وقت هذا الامر في السبعين فلما قتل الحسين عليه السلام اشتد غضب الله على أهل الارض فأخره إلى أربعين ومائة سنة فحدثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع الستر فأخر الله ولم يجعل بعد ذلك وقتا عندنا ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب. قال ابو حمزة: وقلت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال عليه السلام، كان ذاك. (2) كان هو من الكذابين الغالين كبنان والحارث الشامي وعبد الله بن عمر الحرث وأبو الخطاب وحمزة بن عمارة البربري وصائد النهدي ومحمد بن فرات وأمثالهم ممن اعيروا الايمان فانسلخ منهم وانهم يدسون الاحاديث في كتب الحديث حتى أنهم عليهم السلام قالوا: لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا. ولا تقبلوا علينا الا ما وافق الكتاب والسنة. وحكى عن قاضى مصر نعمان ابن محمد بن منصور المعروف بابى حنيفة المغربي المتوفى 363 عن دعائم الاسلام أنه ذكر قصة " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 311 ]

علي وأذاع سري فاذاقه الله حر الحديد. ومن كتم أمرنا زينه الله به في الدنيا والآخرة وأعطاه حظه ووقاه حر الحديد وضيق المحابس. إن بني إسرائيل قحطوا حتى هلكت المواشي والنسل فدعا الله موسى بن عمران عليه السلام فقال: يا موسى إنهم أظهروا الزنا والربا وعمروا الكنائس وأضاعوا الزكاة. فقال: إلهي تحنن برحمتك (1) عليهم، فإنهم


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " الغلاة في عصر أمير المؤمنين عليه السلام واحراقه إياهم بالنار ثم قال: وكان في أعصار الائمة من ولده عليهم السلام من قبل ذلك ما يطول الخبر بذكرهم كالمغيرة بن سعيد من أصحاب أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام ودعاته فاستزله الشيطان إلى أن قال: واستحل المغيرة وأصحابه المحارم كلها وأباحوها وعطلوا الشرائع وتركوها وانسلخوا من الاسلام جملة وبانوا من جميع شيعة الحق واتباع الائمة وأشهر أبو جعفر عليه السلام لعنهم والبراءة منهم الخ. وقد تظافرت الروايات بكونه كذابا كان يكذب على ابى جعفر عليه السلام وفى رواية عن أبى عبد الله عليه السلام أنه يقول: " كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبى ويأخذ كتب أصحابه فكان أصحابه المستترون بأصحاب أبى يأخذون الكتب من أصحاب أبى فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسدوها إلى أبى ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة فكل ما كان في كتب أصحاب أبى من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم ". وفى رواية قال أبو جعفر عليه السلام: هل تدرى ما مثل المغيرة ؟ قال - الراوى -: قلت: لا. قال عليه السلام: مثله مثل بلعم بن باعور. قلت: ومن بلعم ؟ قال عليه السلام: الذى قال الله عزوجل. " الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان وكان من الغاوين ". واما أبو الخطاب فهو محمد بن مقلاص أبى زينب الاسدي الكوفى البراد يكنى أبا ظبيان غال ملعون من أصحاب أبى عبد الله عليه السلام في أول أمره ثم أصابه ما أصاب المغيرة فانسلخ من الدين وكفر، وردت روايات كثيرة في ذمه ولعنه وحكى عن قاضى نعمان أنه ممن استحل المحارم كلها ورخص لاصحابه فيها وكانوا كلما ثقل عليهم اداء فرض أتوه فقالوا: يا أبا الخطاب خفف عنا، فيأمرهم بتركه حتى تركوا جميع الفرائض واستحلوا جميع المحارم وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور وقال: من عرف الامام حل له كل شئ كان حرم عليه، فبلغ أمره جعفر بن محمد عليهما السلام فلم يقدر عليه باكثر من أن يلعنه ويتبرأ منه وجمع أصحابه فعرفهم ذلك وكتب إلى البلدان بالبراءة منه وباللعنة عليه وعظم أمره على أبى عبد الله عليه السلام واستفظعه واستهاله انتهى ولعنه الصادق عليه السلام ودعا عليه باذاقة حر الحديد فاستجاب الله دعاءه فقتله عيسى بن موسى العباسي والى الكوفة. ولمزيد الاطلاع راجع الرجال لابي عمرو الكشى رحمه الله. (1) تحنن عليه: ترحم عليه. (*)

[ 312 ]

لا يعقلون. فأوحى الله إليه أني مرسل قطر السماء ومختبرهم بعد أربعين يوما. فأذاعوا ذلك وأفشوه. فحبس عنهم القطر أربعين سنة وأنتم قد قرب أمركم فأذعتموه في مجالسكم. يا أبا جعفر ما لكم وللناس كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى هذا الامر (1)، فو الله لو أن أهل السماوات [ والارض ] إجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا أن يضلوه. كفوا عن الناس ولا يقل أحدكم: أخي وعمي وجاري. فإن الله جل وعز إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه فلا يسمع معروفا إلا عرفه ولا منكرا إلا أنكره، ثم قذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره. يا ابن النعمان إن أردت أن يصفو لك ود أخيك فلا تمازحنه ولا تمارينه ولا تباهينه (2) ولا تشارنه ولا تطلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك. فإن الصديق قد يكون عدوك يوما. يا ابن النعمان لا يكون العبد مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث سنن: سنة من الله وسنة من رسوله وسنة من الامام، فأما السنة من الله جل وعز فهو أن يكون كتوما للاسرار يقول الله جل ذكره: " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (3) " وأما التي من رسول الله صلى الله عليه وآله فهو أن يداري الناس ويعاملهم بالاخلاق الحنيفية، وأما التي من الامام فالصبر في البأساء والضراء حتى يأتيه الله بالفرج. يا ابن النعمان ليست البلاغة بحدة اللسان ولا بكثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة (4).


(1) أي كفوا عن دعوتهم إلى دين الحق في زمن شدة التقية. قال عليه السلام: هذا في زمان العسرة والشدة على المؤمنين في دولة العباسية وحاصل الكلام أن من يريد الله هداه لن يستطيع أحد أن يضله وهكذا من لم يرد الله أن يهديه لن يستطيع أحد أن يهديه. ورواه الكليني في الكافي ج 2 ص 213 عن ثابت بن سعيد وفيه [ لا تدعو أحدا إلى أمركم فو الله لو أن أهل الارضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلالته ما استطاعوا على أن يهدوه ولو أن أهل السماوات وأهل الارضين اجتمعوا على أن يضلوا عبدا... الخ ]. (2) أي ولا تفاخرنه. و " لا تشارنه " أي ولا تخاصمنه. (3) سورة الجن آية 26. (4) كذا. (*)

[ 313 ]

يا ابن النعمان من قعد إلى ساب (1) أولياء الله فقد عصى الله. ومن كظم غيظا فينا لا يقدر على إمضائه كان معنا في السنام الاعلى (2). ومن استفتح نهاره بإذاعة سرنا سلط الله عليه حر الحديد وضيق المحابس. يا ابن النعمان لا تطلب العلم لثلاث: لترائي به. ولا لتباهي به. ولا لتماري ولا تدعه لثلاث: رغبة في الجهل. وزهادة في العلم. واستحياء من الناس. والعلم [ ال‍ ] مصون كالسراج المطبق عليه. يا ابن النعمان إن الله جل وعز إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء فجال القلب يطلب الحق. ثم هو إلى أمركم أسرع من الطير إلى وكره (3). يا ابن النعمان إن حبنا - أهل البيت - ينزله الله من السماء من خزائن تحت العرش كخزائن الذهب والفضة ولا ينزله إلا بقدر ولا يعطيه إلا خير الخلق وإن له غمامة كغمامة القطر، فإذا أراد الله أن يخص به من أحب من خلقه أذن لتلك الغمامة فتهطلت كما تهطلت السحاب (4). فتصيب الجنين في بطن امه. * (رسالته عليه السلام إلى جماعة شيعته وأصحابه (5)) * أما بعد فسلوا ربكم العافية. وعليكم بالدعة والوقار (6) والسكينة والحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون منكم. وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحملوا الضيم منهم. وإياكم ومماظتهم (7). دينوا فيما بينكم وبينهم - إذا أنتم جالستموهم


(1) في بعض النسخ [ سباب ]. (2) أي في الدرجة الرفيعة العالية. (3) الوكر: عش الطائر أي بيته وموضعه. (4) تهطل المطر: نزل متتابعا عظيم القطر. (5) هذه الرسالة مختارة من التى رواها الكليني (ره) في الروضة باسناده عن أبى عبد الله عليه السلام أنه كتبها إلى أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها وكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها. (6) الدعة: الخفض والطمأنينة. (7) المجاملة: المعاملة بالجميل والضيم: الظلم. والمماظة - بالمعجمة -: شدة المنازعة و المخاصمة مع طول اللزوم. (*)

[ 314 ]

وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام، فإنه لابد لكم من مجالستهم ومخالطتهم و منازعتهم - بالتقية (1) التي أمركم الله بها، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنهم سيؤذونكم ويعرفون في وجوهكم المنكر. ولولا أن الله يدفعهم عنكم لسطوا بكم (2). وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة وإن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل - أصل الخلق - مؤمنا لم يمت حتى يكره إليه الشر ويباعده منه. ومن كره الله إليه الشر وباعده منه عافاه الله من الكبر أن يدخله والجبرية، فلانت عريكته (3) وحسن خلقه وطلق وجهه وصار عليه وقار الاسلام وسكينته وتخشعه وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه. ورزقه الله مودة الناس ومجاملتهم وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ. وإن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل - أصل الخلق - كافرا لم يمت حتى يحبب إليه الشر ويقربه منه. فإذا حبب إليه الشر وقربه منه ابتلي بالكبر والجبرية، فقسا قلبه وساء خلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها وركب معاصي الله وأبغض طاعته وأهلها. فبعد ما بين حال المؤمن والكافر فسلوا الله العافية واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله. أكثروا من الدعاء، فإن الله يحب من عباده الذين يدعونه. وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة. وأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، فإن الله أمر بكثرة الذكر له، والله ذاكر من ذكره من المؤمنين، إن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير. وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (4)، كما


(1) " بالتقية " متعلق بدينوا وما بينهما معترض. (2) السطو: القهر. أي وثبوا عليكم وقهروكم وفى بعض النسخ [ لبطشوا بكم ]. (3) العريكة: الطبيعة والخلق والنفس. (4) قال الله تعالى في سورة البقرة آية 239. " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ". (*)

[ 315 ]

أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم. وعليكم بحب المساكين المسلمين، فإن من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر ماقت (1) وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله: " أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم ". واعلموا أن من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس (2) أشد مقتا فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين، فإن لهم عليكم حقا أن تحبوهم، فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله بحبهم، فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله و من عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات [ وهو ] من الغاوين. إياكم والعظمة والكبر، فإن الكبر رداء الله، فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذله يوم القيامة. إياكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنها ليست من خصال الصالحين فإنه من بغى صير الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه. ومن نصره الله غلب و أصاب الظفر من الله. إياكم أن يحسد بعضكم بعضا، فإن الكفر أصله الحسد (3). إياكم أن تعينوا على على مسلم مظلوم يدعو الله عليكم ويستجاب له فيكم، فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة ". إياكم أن تشره نفوسكم (4) إلى شئ مما حرم الله عليكم، فإنه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لاهل الجنة أبد الآبدين. * (ومن كلامه عليه السلام سماه بعض الشيعة نثر الدرر) * الاستقصاء فرقة. الانتقاد عداوة. قلة الصبر فضيحة. إفشاء السر سقوط. السخاء فطنة. اللوم تغافل.


(1) حقره: استصغره وهان قدره وصغر. ومقت فلانا: أبغضه. (2) المحقرة: الحقارة أي الذلة والهوان. (3) لان الشيطان أول من حسد فكفر وأخرجه الله من الجنة. (4) شره فلان - كفرح -: غلب حرصه واشتد ميله. (*)

[ 316 ]

ثلاثة من تمسك بهن نال من الدنيا والآخرة بغيته: من اعتصم بالله. ورضي بقضاء الله. وأحسن الظن بالله. ثلاثة من فرط فيهن كان محروما: استماحة جواد. ومصاحبة عالم. واستمالة سلطان. ثلاثة تورث المحبة: الدين. والتواضع. والبذل. من برئ من ثلاثة نال ثلاثة: من برئ من الشر نال العز. ومن برئ من الكبر نال الكرامة. ومن برئ من البخل نال الشرف. ثلاثة مكسبة للبغضاء: النفاق. والظلم. والعجب. ومن لم تكن فيه خصلة من ثلاثة لم يعد نبيلا (2): من لم يكن له عقل يزينه أو جدة تغنيه (3) أو عشيرة تعضده. ثلاثة تزري بالمرء (4): الحسد. والنميمة. والطيش. ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب. ولا الشجاع إلا عند الحرب. ولا أخر إلا عند الحاجة. ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى: من إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا ائتمن خان. إحذر من الناس ثلاثة: الخائن. والظلوم. والنمام، لان من خان لك خانك ومن ظلم لك سيظلمك. ومن نم إليك سينم عليك. لا يكون الامين أمينا حتى يؤتمن على ثلاثة فيؤديها: على الاموال والاسرار والفروج. وإن حفظ اثنين وضيع واحدة فليس بأمين. لا تشاور أحمق. ولا تستعن بكذاب. ولا تثق بمودة ملول، فان الكذاب يقرب


(1) البغية: ما يرغب فيه ويطلب أي المطلوب. (2) النبيل: ذو النجابة. (3) الجدة - مصدر وجد يجد، كعدة -: الغنى والقدرة. (4) ازرى به: عابه ووضعه من حقه. والطيش: النزق والخفة (*)

[ 317 ]

لك البعيد ويبعد لك القريب. والاحمق يجهد لك نفسه ولا يبلغ ما تريد. والملول أوثق ما كنت به خذلك وأوصل ما كنت له قطعك. أربعة لا تشبع من أربعة: أرض من مطر. وعين من نظر وأنثى من ذكر. و عالم من علم. أربعة تهرم قبل أوان الهرم: أكل القديد. والقعود على النداوة. والصعود في الدرج. ومجامعة العجوز (1). النساء ثلاث: فواحدة لك. وواحدة لك وعليك. وواحدة عليك لا لك، فأما التي هي لك فالمرأة العذراء. وأما التي هي لك وعليك فالثيب. وأما التي هي عليك لا لك فهي المتبع التي لها ولد من غيرك (3). ثلاث من كن فيه كان سيدا: كظم الغيظ. والعفو عن المسيئ. والصلة بالنفس والمال. ثلاثة لابد لهم من ثلاث: لابد للجواد من كبوة. وللسيف من نبوة، وللحليم من هفوة (2). ثلاثة فيهن البلاغة: التقرب من معنى البغية. والتبعد من حشو الكلام والدلالة بالقليل على الكثير. النجاة في ثلاث: تمسك عليك لسانك. ويسعك بيتك. وتندم على خطيئتك. الجهل في ثلاث: في تبدل الاخوان. والمنابذة بغير بيان (3). والتجسس عما لا يعني. ثلاث من كن فيه كن عليه: المكر. والنكث. والبغي. وذلك قول الله: " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله (4) ". " فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم


(1) القديد: اللحم المقدد، يقال: قدد اللحم أي جعله قطعا وجففه. (2) الكبوة: السقطة، المرة من كبا يكبو كبوا لوجهه: انكب على وجهه. ونبا ينبو نبوة السيف: كل ولم يقطع. والهفوة: الزلة والسقطة. (3) جارية أو بقرة متبع أي يتبعها ولدها. والمنابذة: المخالفة والمفارقة، يقال: نابذه أي خالفه وفارقه عن عداوة ولعل المراد: المخالفة بلا جهة وعلة. (4) سورة فاطر آية 41. (*)

[ 318 ]

أجمعين (1) " وقال جل وعز: " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه (2) ". وقال: " يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيوة الدنيا (3) ". ثلاث يحجزن المرء عن طلب المعالي قصر الهمة. وقلة الحيلة. وضعف الرأي. الحزم في ثلاثة (4): الاستخدام للسلطان. والطاعة للوالد. والخضوع للمولى. الانس في ثلاث: في الزوجة الموافقة. والولد البار. والصديق المصافي (5). من رزق ثلاثا نال ثلاثا وهو الغنى الاكبر: القناعة بما اعطي. واليأس مما في أيدي الناس. وترك الفضول. لا يكون الجواد جوادا إلا بثلاثة: يكون سخيا بماله على حال اليسر والعسر. وأن يبذله للمستحق. ويرى أن الذي أخذه من شكر الذي أسدى إليه (6) أكثر مما أعطاه. ثلاثة لا يعذر المرء فيها: مشاورة ناصح ومدارأة حاسد. والتحبب إلى الناس. لا يعد العاقل عاقلا حتى يستكمل ثلاثا: إعطاء الحق من نفسه على حال الرضا والغضب. وأن يرضى للناس ما يرضى لنفسه. واستعمال الحلم عند العثرة. لا تدوم النعم إلا بعد ثلاث (7): معرفة بما يلزم لله سبحانه فيها. وأداء شكرها. والتعب فيها. ثلاث من ابتلي بواحدة منهن تمنى الموت: فقر متتابع. وحرمة فاضحة. وعدو غالب.


(1) سورة النمل آية 52. (2) سورة الفتح آية 10. (3) سورة يونس آية 24. (4) الحزم: ضبط الرجل أمره والحذر من فواته والاخذ فيه بالثقة. (5) صافى فلانا: أخلص له الود. (6) في بعض النسخ [ يسدى إليه ]. (7) في بعض النسخ [ إلا بثلاث ]. (*)

[ 319 ]

من لم يرغب في ثلاث ابتلي بثلاث: من لم يرغب في السلامة ابتلي بالخذلان. ومن لم يرغب في المعروف ابتلي بالندامة. ومن لم يرغب في الاستكثار من الاخوان ابتلي بالخسران. ثلاث يجب على كل إنسان تجنبها: مقارنة الاشرار. ومحادثة النساء. ومجالسة أهل البدع. ثلاثة تدل على كرم المرء: حسن الخلق. وكظم الغيظ. وغض الطرف. من وثق بثلاثة كان مغرورا: من صدق بما لا يكون. وركن إلى من لا يثق به. وطمع في ما لا يملك. ثلاثة من استعملها أفسد دينه ودنياه: من [ أ ] ساء ظنه. وأمكن من سمعه. وأعطى قياده حليلته (1). أفضل الملوك من اعطي ثلاث خصال: الرأفة. والجود. والعدل. وليس يحب للملوك أن يفرطوا في ثلاث (2): في حفظ الثغور. وتفقد المظالم واختيار الصالحين لاعمالهم. ثلاث خلال تجب للملوك على أصحابهم ورعيتهم: الطاعة لهم. والنصيحة لهم في المغيب والمشهد والدعاء بالنصر والصلاح. ثلاثة تجب على السلطان للخاصة والعامة: مكافأة المحسن بالاحسان ليزدادوا رغبة فيه. وتغمد ذنوب المسيئ ليتوب ويرجع عن غيه (4). وتألفهم جميعا بالاحسان والانصاف. ثلاثة أشياء من احتقرها من الملوك وأهملها تفاقمت عليه: خامل قليل الفضل شذ عن الجماعة (5). وداعية إلى بدعة جعل جنته الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.


(1) الحليلة: الزوجة. (2) يفرطوا فيه: يقصروا وأظهروا العجز فيه. (3) الخلال - بالكسر -: جمع خلة. و - بالفتح -: الخصلة. (4) في بعض النسخ [ عن عتبه ]. (5) وتفاقم الامر: عظم ولم يجر على استواء. والخامل: الساقط الذى لا نباهة له. وشذ عنهم أي انفرد واعتزل. (*)

[ 320 ]

وأهل بلد جعلوا لانفسهم رئيسا يمنع السلطان من إقامة الحكم فيهم. العاقل لا يستخف بأحد. وأحق من لا يستخف به ثلاثة: العلماء. والسلطان والاخوان، لانه من استخف بالعلماء أفسد دينه. ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه. ومن استخف بالاخوان أفسد مروته. وجدنا بطانة السلطان ثلاث طبقات (1): طبقة موافقة للخير وهي بركة عليها وعلى السلطان وعلى الرعية. وطبقة غايتها المخاماة على ما في أيديها، فتلك لا محمودة ولا مذمومة بل هي إلى الذم أقرب. وطبقة موافقة للشر وهي مشؤومة، مذمومة عليها وعلى السلطان. ثلاثة أشياء يحتاج الناس طرا إليها: الامن. والعدل. والخصب (2). ثلاثة تكدر العيش: السلطان الجائر. والجار السوء. والمرأة البذية (3). لا تطيب السكنى إلا بثلاث: الهواء الطيب والماء الغزير العذب. والارض الخوارة (4). ثلاثة تعقب الندامة: المباهاة. والمفاخرة. والمعازة (5). ثلاثة مركبة في بني آدم: الحسد. والحرص. والشهوة. من كانت فيه خلة من ثلاثة انتظمت فيه ثلاثتها في تفخيمه وهيبته وجماله: من كان له ورع، أو سماحة، أو شجاعة. ثلاث خصال من رزقها كان كاملا: العقل. والجمال. والفصاحة. ثلاثة تقضى لهم بالسلامة إلى بلوغ غايتهم: المرأة إلى انقضاء حملها. والملك إلى أن ينفد عمره. والغائب إلى حين إيابه.


(1) البطانة: الخاصة، الوليجة. (2) الخصب - بالكسر -: كثرة العشب والخير. وفى بعض النسخ [ والحضب ]. أي سفح الجبل وجانبه. وصوت القوس والاول أظهر. (3) البذية: السفيه والتى أفحش في منطقها. (4) الغزير: الكثير. وأرض خواره: السهلة اللينة. (5) المعازة: المعارضة في العز. (*)

[ 321 ]

ثلاثة تورث الحرمان: الالحاح في المسألة. والغيبة. والهزء (1). ثلاثة تعقب مكروها: حملة البطل (2) في الحرب في غير فرصة وإن رزق الظفر. وشرب الدواء من غير علة وإن سلم منه. والتعرض للسلطان وإن ظفر الطالب بحاجته منه. ثلاث خلال يقول كل إنسان إنه على صواب منها: دينه الذي يعتقده. وهواه الذي يستعلي عليه. وتدبيره في اموره. الناس كلهم ثلاث طبقات: سادة مطاعون وأكفاء متكافون (3) واناس متعادون. قوام الدنيا بثلاثة أشياء: النار. والملح. والماء. من طلب ثلاثة بغير حق حرم ثلاثة بحق: من طلب الدنيا بغير حق حرم الآخرة بحق. ومن طلب الرئاسة بغير حق حرم الطاعة له بحق. ومن طلب المال بغير حق حرم بقاءه له بحق. ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم أن يتقدم عليها: شرب السم للتجربة وإن نجا منه. وإفشاء السر إلى القرابة الحاسد وإن نجا منه. وركوب البحر وإن كان الغنى فيه. لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفزع إليهم في أمر دنياهم وآخرتهم فإن عدموا ذلك كانوا همجا (4): فقيه عالم ورع. وأمير خير مطاع. وطبيب بصير ثقة. يمتحن الصديق بثلاث خصال، فإن كان مؤاتيا فيها (5) فهو الصديق المصافي وإلا كان صديق رخاء لا صديق شدة: تبتغي منه مالا، أو تأمنه على مال، أو تشاركه في مكروه. إن يسلم الناس من ثلاثة أشياء كانت سلامة شاملة: لسان السوء. ويد السوء. وفعل السوء.


(1) الهزء - بالفتح والضم -: الاستهزاء والاستخاف. (2) الحملة - بفتح فسكون -: الكرة في الحرب. (3) المتكافون والمتكافئون: المتساوون. (4) الهمج - بالتحريك -: السفلة والحمقى والرعاع من الناس، يقال: قوم همج أي لا خير فيهم. (5) آتاه مؤاتاة: وافقه. والمصافي: المخلص لك الود. الرخاء: سعة العيش. (*)

[ 322 ]

إذا لم تكن في المملوك خصلة من ثلاث فليس لمولاه في إمساكه راحة: دين يرشده. أو أدب يسوسه (1). أو خوف يردعه. إن المرء يحتاج في منزله وعياله إلى ثلاث خلال يتكلفها وإن لم يكن في طبعه ذلك: معاشرة جميلة. وسعة بتقدير. وغيرة بتحصن (2). كل ذي صناعة مضطر إلى ثلاث خلال يجتلب بها المكسب وهو: أن يكون حاذقا بعمله. مؤديا للامانة فيه. مستميلا لمن استعمله (3). ثلاث من ابتلي بواحدة منهن كان طائح العقل (4): نعمة مولية. وزوجة فاسدة (5). وفجيعة بحبيب. جبلت الشجاعة على ثلاث طبائع لكل واحدة منهن فضيلة ليست للاخرى: السخاء بالنفس والانفة من الذل (6) وطلب الذكر، فإن تكاملت في الشجاع كان البطل الذي لا يقام لسبيله والموسوم بالاقدام في عصره. وإن تفاضلت فيه بعضها على بعض كانت شجاعته في ذلك الذي تفاضلت فيه أكثر وأشد إقداما. ويجب للوالدين على الولد ثلاثة أشياء: شكرهما على كل حال. وطاعتهما فيما يأمرانه وينهيانه عنه في غير معصية الله. ونصيحتهما في السر والعلانية. وتجب للولد على والده ثلاث خصال: إختياره لوالدته. وتحسين اسمه. والمبالغة في تأديبه (7). تحتاج الاخوة فيما بينهم إلى ثلاثة أشياء، فإن استعملوها وإلا تباينوا وتباغضوا


(1) ساس يسوس سياسة الامر. قام به. - والقوم دبرهم وتولى أمرهم. - وفلان قد ساس: أدب. (2) في بعض النسخ [ بتحسن ] أي تزين به أو صار حسنا. (3) استماله: أماله واستعطفه. (4) طاح يطوح وطاح يطيح: تاه وأشرف على الهلاك. (5) في بعض النسخ [ مفسدة ]. (6) الانفة: اسم من أنف - كتعب -: كرهه وترفع وتنزه منه. (7) في بعض النسخ [ وتجب للولد على والدته ثلاث خصاص: اختياره لوالدته وتحسين امه والمبالغة في تأديبه ]. وفى بعضها [ على والده ]. (*)

[ 323 ]

وهي: التناصف. والتراحم. ونفي الحسد (1). إذا لم تجتمع القرابة على ثلاثة أشياء تعرضوا لدخول الوهن عليهم وشماتة الاعداء بهم وهي: ترك الحسد فيما بينهم، لئلا يتحزبوا فيتشتت أمرهم. والتواصل ليكون ذلك حاديا (2) لهم على الالفة. والتعاون لتشملهم العزة. لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته وهي الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبتها وهواها. وحسن خلقه معها. واستعماله استمالة قبلها بالهيئة الحسنة في عينها. وتوسعته عليها. ولا غنى بالزوجة فيما بينها وبين زوجها الموافق لها عن ثلاث خصال وهن: صيانة نفسها عن كل دنس حتى يطمئن قبله إلى الثقة بها في حال المحبوب والمكروه. وحياطته (3) ليكون ذلك عاطفا عليها عند زلة تكون منها. وإظهار العشق له بالخلابة (4) والهيئة الحسنة لها في عينه (5). لا يتم المعروف إلا بثلاث خلال: تعجيله. وتقليل كثيره. وترك الامتنان به. والسرور في ثلاث خلال: في الوفاء. ورعاية الحقوق. والنهوض في النوائب. ثلاثة يستدل بها على إصابة الرأي. حسن اللقاء. وحسن الاستماع. وحسن الجواب. الرجال ثلاثة: عاقل. وأحمق. وفاجر، فالعاقل إن كلم أجاب وإن نطق أصاب وإن سمع وعى. والاحمق إن تكلم عجل وإن حدث ذهل وإن حمل على القبيح فعل. والفاجر إن ائتمنته خانك وإن حدثته شأنك. الاخوان ثلاثة: فواحد كالغذاء الذي يحتاج إليه كل وقت فهو العاقل. والثاني في معنى الداء وهو الاحمق. والثالث في معنى الدواء فهو اللبيب. ثلاثة أشياء تدل على عقل فاعلها: الرسول على قدر من أرسله والهدية على قدر مهديها، والكتاب على قدر كاتبه.


(1) يقال: تناصفوا أي أنصف بعضهم بعضا. وتراحموا: رحم بعضهم بعضا. (2) أي يحدوهم ويسيرهم. ويحتمل أن يكون (هاديا). وقد يقرء في بعض النسخ [ حاويا ]. (3) حاطه حياطة: حفظه وتعهده. (4) الخلابة - بالكسر -: الخديعة باللسان أو بالقول اللطيف. (5) كذا. (*)

[ 324 ]

العلم ثلاثة: آية محكمة. وفريضة عادلة. وسنة قائمة. الناس ثلاثة: جاهل يأبى أن يتعلم. وعالم قد شفه علمه. وعاقل يعمل لدنياه وآخرته (1). ثلاثة ليس معهن غربة: حسن الادب. وكف الاذى. ومجانبة الريب. الايام ثلاثة: فيوم مضى لا يدرك. ويوم الناس فيه، فينبغي أن يغتنموه. وغدا إنما في أيديهم امله. من لم تكن فيه ثلاث خصال لم ينفعه الايمان: حلم يرد به جهل الجاهل. وورع يحجزه عن طلب المحارم. وخلق يداري به الناس. ثلاث من كن فيه استكمل الايمان، من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق. وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل. ومن إذا قدر عفا. ثلاث خصال يحتاج إليها صاحب الدنيا: الدعة من غير توان (2). والسعة مع قناعة. والشجاعة من غير كسل. ثلاثة أشياء لا ينبغي للعاقل أن ينساهن على كل حال: فناء الدنيا. وتصرف الاحوال. والآفات التي لا أمان لها. ثلاثة أشياء لا ترى كاملة في واحد قط: الايمان. والعقل. والاجتهاد. الاخوان ثلاثة: مواس بنفسه. وآخر مواس بماله وهما الصادقان في الاخاء. وآخر يأخذ منك البلغة (3) ويريدك لبعض اللذة، فلا تعده من أهل الثقة. لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى تكون فيه خصال ثلاث: الفقه في الدين. وحسن التقدير في المعيشة. والصبر على الرزايا. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


(1) في بعض النسخ [ للدنيا والاخرة ]. وشفه: هزله، رقه، أوهنه. (2) الدعة: خفض العيش والراحة. (3) أي ما يبلغه ويكفيه. (*)

[ 325 ]

* (كلامه عليه السلام في وصف المحبة) * " لاهل البيت والتوحيد والايمان والاسلام والكفر والفسق " دخل عليه رجلا فقال عليه السلام له: ممن الرجل ؟ فقال من محبيكم ومواليكم، فقال له جعفر عليه السلام: لا يحب الله عبد حتى يتولاه. ولا يتولاه حتى يوجب له الجنة. ثم قال له: من أي محبينا أنت ؟ فسكت الرجل فقال له سدير (1): وكم محبوكم يا ابن رسول الله ؟ فقال: على ثلاث طبقات: طبقة أحبونا في العلانية ولم يحبونا في السر. وطبقة يحبونا في السر ولم يحبونا في العلانية. وطبقة يحبونا في السر والعلانية، هم النمط الاعلى (2)، شربوا من العذب الفرات وعلموا تأويل الكتاب (3) وفصل الخطاب وسبب الاسباب، فهم النمط الاعلى، الفقر والفاقة وأنواع البلاء أسرع إليهم من ركض الخيل (4)، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا وفتنوا، فمن بين مجروح ومذبوح متفرقين في كل بلاد قاصية، بهم يشفي الله السقيم ويغني العديم (5) وبهم تنصرون وبهم تمطرون وبهم ترزقون وهم الاقلون عددا، الاعظمون عند الله قدرا وخطرا. والطبقة الثانية النمط الاسفل أحبونا في العلانية وساروا بسيرة الملوك، فألسنتهم معنا وسيوفهم علينا (6). والطبقة الثالثة النمط الاوسط أحبونا في السر ولم يحبونا في العلانية ولعمري


(1) سدير - كشريف - ابن حكيم بن صهيب الصيرفى من أصحاب السجاد والباقر والصادق عليهم السلام إمامى ممدوح محب لاهل البيت عليهم السلام: وقد دعا الصادق عليه السلام له ولعبد السلام بن عبد الرحمن وكانا في السجن فخلى سبيلهما وقال عليه السلام: إن سدير عصيدة بكل لون يعنى أنه لا يخاف عليه من المخالفين لانه يتلون معهم بلونهم تقية بحيث يخفى عليهم ولا يعرف بالتشيع وأنه ملتزم بالتقية الواجبة. وكان هو والد حنان بن سدير الصيرفى من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام. كذا في (صه) لكن الظاهر ان الذى دعا له عليه السلام هو شديد بن عبد الرحمن. (2) النمط - بالتحريك -: جماعة من الناس أمرهم واحد. (3) أي تفاسيره وتأويلاته وإشاراته وما المراد بها ومصاديق ما جاء فيه من الاوصاف. (4) ركض الفرس: استحثه للعدو. (5) العديم: الفقير يقال: أعدم الرجل: إفتقر فهو معدم وعديم. (6) النشر بالرتبة لا اللف. (*)

[ 326 ]

لئن كانوا أحبونا في السر دون العلانية (1) فهم الصوامون بالنهار القوامون بالليل ترى أثر الرهبانية في وجوههم، أهل سلم وانقياد. قال الرجل: فأنا من محبيكم في السر والعلانية. قال جعفر عليه السلام: إن لمحبينا في السر والعلانية علامات يعرفون بها. قال الرجل: وما تلك العلامات ؟ قال عليه السلام: تلك خلال أولها أنهم عرفوا التوحيد حق معرفته وأحكموا علم توحيده. والايمان بعد ذلك بما هو وما صفته، ثم علموا حدود الايمان وحقائقه وشروطه وتأويله. قال سدير: يا ابن رسول الله ما سمعتك تصف الايمان بهذه الصفة ؟ قال: نعم يا سدير ليس للسائل أن يسأل عن الايمان ما هو حتى يعلم الايمان بمن. قال سدير: يا ابن رسول الله إن رأيت أن تفسر ما قلت ؟ قال الصادق عليه السلام: من زعم أنه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك. ومن زعم أنه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقر بالطعن، لان الاسم محدث. ومن زعم أنه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكا. ومن زعم أنه يعبد [ المعنى ] بالصفة لا بالادراك فقد أحال على غايب. ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد لان الصفة غير الموصوف. ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر بالكبير وما قدروا الله حق قدره (2)


(1) كذا. (2) اعلم أن حقيقة كل واحد من الاشياء كائنة ما كانت هي عينها الموجود في الخارج فحقيقة زيد مثلا هي العين الانساني الموجود في الخارج وهو الذى يتميز بنفسه عن كل شئ ولا يختلط بغيره ولا يشتبه شئ من أمره هناك مع من سواه. ثم إنا ننتزع منه معاني ناقلين إياها إلى أذهاننا نتعرف بها حال الاشياء ونتفكر بها في امرهما كمعاني الانسان وطويل القامة والشاب وأبيض اللون وغير ذلك وهى معان كلية إذا اجتمعت وانضمت أفادت نوعا من التميز الذهنى نقنع به وهذه المعاني التى ننالها ونأخذها من العين الخارجية هي آثار الروابط التى بها ترتبط بنا تلك العين الخارجية نوعا من الارتباط والاتصال كما أن زيدا مثلا يرتبط ببصرنا بشكله ولونه ويرتبط بسمعنا بصوته وكلامه ويرتبط بأكفنا ببشرته فنعقل منه صفة طول القامة والتكلم ولين الجلد ونحو ذلك فلزيد مثلا أنواع من الظهور لنا تنتقل بنحو إلينا وهى المسماة بالصفات وأما عين زيد ووجود ذاته فلا تنتقل إلى أفهامنا بوجه ولا تتجافى عن مكانه ولا طريق إلى نيله إلا أن نشهد عينه الخارجية بعينها ولا نعقل منها في أذهاننا إلا الاوصاف الكلية فافهم ذلك وأجد التأمل فيه. " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 327 ]

قيل له: فكيف سبيل التوحيد ؟ قال عليه السلام. باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود إن معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه. قيل: وكيف نعرف


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " ومن هذا البيان يظهر أنا لو شاهدها عين زيد مثلا في الخارج ووجدناه بعينه بوجه مشهودا فهو المعروف الذى ميزناه حقيقة عن غيره من الاشياء ووحدناه واقعا من غير ان يشتبه بغيره ثم إذا عرفنا صفاته واحدة بعد أخرى استكملنا معرفته والعلم بأحواله. وأما إذا لم نجده شاهدا و توسلنا إلى معرفته بالصفات لم نعرف منه إلا أمورا كلية لا توجب له تميزا عن غيره ولا توحيد في نفسه كما لو لم نر مثلا زيدا بعينه وإنما عرفناه بأنه انسان أبيض اللون طويل القامة حسن المحاضرة بقى على الاشتراك حتى نجده بعينه ثم نطبق عليه ما نعرفه من صفاته وهذا معنى قوله عليه السلام: " إن معرفة عين الشاهد قبل صفته، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه ". ومن هنا يتبين أيضا أن توحيد الله سبحانه حق توحيده أن يعرف بعينه أولا ثم تعرف صفاته لتكميل الايمان به لا أن يعرف بصفاته وأفعاله فلا يستوفى حق توحيده. وهو تعالى هو الغنى عن كل شئ، القائم به كل شئ فصفاته قائمة به وجميع الاشياء من بركات صفاته من حياة وعلم وقدرة ومن خلق ورزق وإحياء وتقدير وهداية وتوفيق ونحو ذلك فالجميع قائم به مملوك له محتاج إليه من كل جهة. فالسبيل الحق في المعرفة أن يعرف هو أولا ثم تعرف صفاته ثم يعرف بها ما يعرف من خلقه لا بالعكس. ولو عرفناه بغيره لن نعرفه بالحقيقة ولو عرفنا شيئا من خلقه لا به بل بغيره فذلك المعروف الذى عندنا يكون منفصلا عنه تعالى غير مرتبط به فيكون غير محتاج إليه في هذا المقدار من الوجود فيجب أن يعرف الله سبحانه قبل كل شئ ثم يعرف كل شئ بماله من الحاجة إليه حتى يكون حق المعرفة وهذا معنى قوله عليه السلام: " تعرفه وتعلم علمه.. الخ " أي تعرف الله معرفة إدراك لا معرفة توصيف حتى لا تستوفى حق توحيده وتمييزه وتعرف نفسك بالله لانك أثر من آثاره لا تستغنى عنه في ذهن ولا خارج ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك حتى تثبت نفسك مستغنيا عنه فتثبت إلها آخر من دون الله من حيث لا تشعر، وتعلم أن ما في نفسك لله وبالله سبحانه لا غنى عنه في حال (ولعل تذكير الضمير الراجع إلى النفس من جهة كسب التذكير بالاضافة). وأما قوله: " وتعلم علمه " فمن الممكن أن يكون من القلب أي تعلمه علما. أو من قبيل المفعول المطلق النوعى، أو المراد العلم الذاتي أو مطلق صفة علمه تعالى. وأما قوله: " كما قالوا ليوسف الخ " فمثال لمعرفة الشاهد بنفسه لا بغيره من المعاني والصفات و نحوهما. وكذا قوله: " أما ترى الله يقول: ما كان لكم الخ " مثال آخر ضربه عليه السلام وأوله إلى مسألة نصب الامام وأن إيجاد عين هذه الشجرة الطيبة إلى الله سبحانه لا إلى غيره. " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 328 ]

عين الشاهد قبل صفته ؟ قال عليه السلام: تعرفه وتعلم علمه وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك. وتعلم أن ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف: " إنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي (1) " فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب أما ترى الله يقول: " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها (2) " يقول: ليس لكم أن تنصبوا إماما


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " والحديث مسوق لبيان أن الله سبحانه لا يعرف بغيره حق معرفته بل لو عرف فانما يعرف بنفسه ويعرف غيره به فهو في مساق ما رواه الصدوق في التوحيد بطريقين عن عبد الاعلى عن الصادق عليه السلام قال: ومن زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لان الحجاب والصورة والمثال غيره، وانما هو واحد موحد فكيف يوحد من زعم انه عرفه بغيره، انما عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه انما يعرف غيره - إلى ان قال -: لا يدرك مخلوق شيئا الا بالله، و لا تدرك معرفة الله الا بالله. الحديث. ومن جميع ما تقدم يظهر معنى قوله عليه السلام " ومن زعم - إلى قوله -: حق قدره " فقوله: " ومن زعم أنه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك " لانه يعبد مثالا أثبته في قلبه وليس بالله، وقوله: " ومن زعم أنه يعرف الله بالاسم الخ " لانه طعن فيه تعالى بالحدوث، وقوله: " ومن زعم انه يعبد الاسم " والمعنى الخ " فان الاسم غير المعنى. وقوله: " ومن زعم أنه يعبد بالصفة لا بالادراك فقد أحال على غائب " أي أثبت وعبد الها غائبا، وليس تعالى غائبا عن خلقه وقد قال: " أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد. ألا انهم في مرية من لقاء ربهم ألا أنه بكل شئ محيط حم السجدة - 54 وقد مر بيان ذلك، وقوله: " ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد " بناء على دعواه مغايرة الصفة الموصوف. وقوله: " ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر بالكبير الخ " بأن يزعم أنه يعرف الله سبحانه بما يجد له من الصفات كالخلق والاحياء والاماتة والرزق، وهذه الصفات لا محالة صفات الافعال فقد صغر بالكبير فان الله سبحانه أكبر واعظم من فعله المنسوب إليه وما قدروا الله حق قدره. والفرق بين معرفته باضافة الموصوف إلى الصفة ومعرفته بالصفة لا بالادراك أن الاول يدعى مشاهدته تعالى بمشاهدة صفته والثانى يدعى معرفته بالتوصيف الذى يصفه به فالمراد بالصفة في الفرض الاول صفاته الفعلية القائمة به نحو قيام، وفى الفرض الثاني البيان والوصف الذى يبينه الزاعم سواء كان من صفاته تعالى أم لا هذا، ولمغايرة الصفة الموصوف معنى آخر أدق مما مر يقتضى بسطا من الكلام لا يسعه المقام. (هذا ما أفاده الاستاذ: العلامة الحاج السيد محمد حسين الطباطبائى التبريزي مد ظله) (1) سورة يوسف آية 90. (2) سورة النمل آية 60. (*)

[ 329 ]

من قبل أنفسكم تسمونه محقا بهوى أنفسكم وإرادتكم. ثم قال الصادق عليه السلام: ثلاثة " لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " من أنبت شجرة لم ينبته الله يعني من نصب إماما لم ينصبه الله، أو جحد من نصبه الله. ومن زعم أن لهذين سهما في الاسلام. وقد قال الله: " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة (1) " * (صفة الايمان) * قال عليه السلام: معنى صفة الايمان. الاقرار والخضوع لله بذل الاقرار (2) والتقرب إليه به والاداء له بعلم كل مفروض من صغير أو كبير من حد التوحيد فما دونه إلى آخر باب من أبواب الطاعة أولا فأولا مقرون ذلك كله بعضه إلى بعض موصول بعضه ببعض، فإذا أدى العبد ما فرض عليه مما وصل إليه على صفة ما وصفناه فهو مؤمن مستحق لصفة الايمان، مستوجب للثواب وذلك أن معنى جملة الايمان الاقرار، ومعنى الاقرار التصديق بالطاعة، فلذلك ثبت أن الطاعة كلها صغيرها وكبيرها مقرونة بعضها إلى بعض، فلا يخرج المؤمن من صفة الايمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنا. وإنما استوجب واستحق اسم الايمان ومعناه بأداء كبار الفرائض موصولة وترك كبار المعاصي واجتنابها. وإن ترك صغار الطاعة وارتكب صغار المعاصي فليس بخارج من الايمان ولا تارك له ما لم يترك شيئا من كبار الطاعة ولم يرتكب شيئا من كبار المعاصي، فما لم يفعل ذلك فهو مؤمن لقول الله: " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (3) " يعني المغفرة ما دون الكبائر. فإن هو ارتكب كبيرة من كبائر المعاصي كان مأخوذا بجميع المعاصي صغارها وكبارها معاقبا عليها معذبا بها فهذه صفة الايمان وصفة المؤمن المستوجب للثواب. * (صفة الاسلام) * وأما معنى صفة الاسلام فهو الاقرار بجميع الطاعة الظاهر الحكم والاداء له. فإذا أقر المقر بجميع الطاعة في الظاهر من غير العقد عليه بالقلوب فقد استحق اسم


(1) سورة القصص 69. (2) في بعض النسخ [ بذلك الاقرار ]. (3) سورة النساء آية 31. (*)

[ 330 ]

الاسلام ومعناه واستوجب الولاية الظاهرة وإجازة شهادته والمواريث. وصار له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، فهذه صفة الاسلام. وفرق ما بين المسلم والمؤمن أن المسلم إنما يكون مؤمنا أن يكون مطيعا في الباطن مع ما هو عليه في الظاهر. فإذا فعل ذلك بالظاهر كان مسلما. وإذا فعل ذلك بالظاهر والباطن بخضوع وتقرب بعلم كان مؤمنا. فقد يكون العبد مسلما ولا يكون مؤمنا إلا وهو مسلم. * (صفة الخروج من الايمان) * وقد يخرج من الايمان بخمس جهات من الفعل كلها متشابهات معروفات: الكفر. والشرك. والضلال. والفسق. وركوب الكبائر. فمعنى الكفر كل معصية عصي الله بها بجهة الجحد والانكار والاستخفاف و التهاون في كل ما دق وجل. وفاعله كافر ومعناه معنى كفر، من أي ملة كان ومن أي فرقة كان بعد أن تكون منه معصية بهذه الصفات، فهو كافر. ومعنى الشرك كل معصية عصي الله بها بالتدين، فهو مشرك، صغيرة كانت المعصية أو كبيرة، ففاعلها مشرك (1). ومعنى الضلال الجهل بالمفروض وهو أن يترك كبيرة من كبائر الطاعة التي لا يستحق العبد الايمان إلا بها بعد ورود البيان فيها والاحتجاج بها، فيكون التارك لها تاركا بغير جهة الانكار والتدين بإنكارها وجحودها ولكن يكون تاركا على جهة التواني والاغفال والاشتغال بغيرها فهو ضال متنكب عن طريق الايمان، جاهل به خارج منه، مستوجب لاسم الضلالة ومعناها ما دام بالصفة التي وصفناه بها. فان كان هو الذي مال بهواه إلى وجه من وجوه المعصية بجهة الجحود والاستخفاف والتهاون كفر. وإن هو مال بهواه إلى التدين بجهة التأويل والتقليد والتسليم والرضا بقول الآباء والاسلاف فقد أشرك (2). وقل ما يلبث الانسان على ضلالة حتى يميل بهواه إلى بعض ما وصفناه من صفته.


(1) هذا نوع من الشرك لا بمعنى المصطلح المعروف. (2) وهذا أيضا نوع من الشرك. (*)

[ 331 ]

ومعنى الفسق فكل معصية من المعاصي الكبار فعلها فاعل، أو دخل فيها داخل بجهة اللذة والشهوة والشوق الغالب فهو فسق وفاعله فاسق خارج من الايمان بجهة الفسق فإن دام في ذلك حتى يدخل في حد التهاون والاستخفاف فقد وجب أن يكون بتهاونه واستخفافه كافرا. ومعنى راكب الكبائر التي بها يكون فساد إيمانه فهو أن يكون منهمكا على كبائر المعاصي بغير جحود ولا تدين ولا لذة ولا شهوة ولكن من جهة الحمية والغضب يكثر القذف والسب والقتل وأخذ الاموال وحبس الحقوق وغير ذلك من المعاصي الكبائر التي يأتيها صاحبها بغير جهة اللذة. ومن ذلك الايمان الكاذبة وأخذ الربا وغير ذلك التي يأتيها من أتاها بغير استلذاذ [ و ] الخمر والزنا واللهو ففاعل هذه الافعال كلها مفسد للايمان خارج منه من جهة ركوبه الكبيرة على هذه الجهة، غير مشرك ولا كافر ولا ضال، جاهل على ما وصفناه من جهة الجهالة. فإن هو مال بهواه إلى أنواع ما وصفناه من حد الفاعلين كان من صنفه. * (جوابه عليه السلام عن جهات معائش العباد ووجوه) * * (اخراج الاموال) * سأله سائل، فقال: كم جهات معائش العباد التي فيها الاكتساب [ أ ] والتعامل بينهم ووجوه النفقات ؟ فقال عليه السلام: جميع المعايش كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما يكون لهم فيه المكاسب أربع جهات من المعاملات. فقال له: أكل هؤلاء الاربعة الاجناس حلال، أو كلها حرام، أو بعضها حلال وبعضها حرام ؟ فقال عليه السلام: قد يكون في هؤلاء الاجناس الاربعة حلال من جهة، حرام من جهة. وهذه الاجناس مسميات معروفات الجهات فأول هذه الجهات الاربعة الولاية وتولية بعضهم على بعض فلاول ولاية الولاة وولاة الولاة إلى أدناهم بابا من أبواب الولاية على من هو وال عليه. ثم التجارة في جميع البيع والشراء بعضهم من بعض. ثم الصناعات في جميع صنوفها. ثم الاجارات في كل ما يحتاج إليه من الاجارات وكل هذه الصنوف تكون حلالا من جهة وحراما من

[ 332 ]

جهة. والفرض من الله على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال منها والعمل بذلك الحلال واجتناب جهات الحرام منها. * (تفسير معنى الولايات) * وهي جهتان، فإحدى الجهتين من الولاية ولاية ولاة العدل الذين أمر الله بولايتهم وتوليتهم على الناس وولاية ولاته وولاة ولاته إلى أدناهم بابا من أبواب الولاية على من هو وال عليه. والجهة الاخرى من الولاية ولاية ولاة الجور وولاة ولاته إلى أدناهم بابا من الابواب التي هو وال عليه. فوجه الحلال من الولاية ولاية الوالي العادل الذي أمر الله بمعرفته وولايته والعمل له في ولايته وولاية ولاته وولاة ولاته بجهة ما أمر الله به الوالي العادل بلا زيادة فيما أنزل الله به ولا نقصان منه ولا تحريف لو قوله ولا تعد لامره إلى غيره فإذا صار الوالي والي عدل بهذه الجهة فالولاية له والعمل معه ومعونته في ولايته وتقويته حلال محلل، وحلال الكسب معهم وذلك أن في ولاية والي العدل وولاته إحياء كل حق وكل عدل وإماتة كل ظلم وجور وفساد فلذلك كان الساعي في تقوية سلطانه والمعين له على ولايته ساعيا إلى طاعة الله مقويا لدينه. وأما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالي الجائر وولاية ولاته، الرئيس منهم وأتباع الوالي فمن دونه من ولاة الولاة إلى أدناهم بابا من أبواب الولاية على من هو وال عليه. والعمل لهم والكسب معهم بجهة الولاية لهم حرام ومحرم، معذب من فعل ذلك على قليل من فعله أو كثير، لان كل شئ من جهة المعونة معصية كبيرة من الكبائر وذلك أن في ولاية الوالي الجائر دوس الحق كله (1) وإحياء الباطل كله. وإظهار الظلم والجور والفساد وإبطال الكتب وقتل الانبياء والمؤمنين وهدم المساجد وتبديل سنة الله وشرائعه. فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة. * (واما تفسير التجارات) * في جميع البيوع ووجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع مما لا يجوز له. وكذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه مما لا يجوز له فكل


(1) داس الشئ: وطئه برجله. (*)

[ 333 ]

مأمور به مما هو غذاء للعباد وقوامهم به في امورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون من جهة ملكهم ويجوز لهم الاستعمال له من جميع جهات المنافع التي لا يقيمهم غيرها من كل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه وشراؤه و إمساكه واستعماله وهبته وعاريته. واما وجوه الحرام من البيع والشراء فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة أكله وشربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد نظير البيع بالربا، لما في ذلك من الفساد، أو البيع للميتة، أو الدم، أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش، أو الطير، أو جلودها، أو الخمر، أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام ومحرم، لان ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلب فيه بوجه من الوجوه لما فيه من الفساد، فجميع تقلبه في ذلك حرام وكذلك كل بيع ملهو به وكل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله، أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي، أو باب من الابواب يقوى به باب من أبواب الضلالة، أو باب من أبواب الباطل، أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرم، حرام بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلب فيه إلا في حال تدعو الضرورة فيه إلى ذلك. * (وأما تفسير الاجارات) * فإجارة الانسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره من قرابته أو دابته أو ثوبه بوجه الحلال من جهات الاجارات أن يوجر نفسه أو داره أو أرضه أو شيئا يملكه فيما ينتفع به من وجوه المنافع، أو العمل بنفسه وولده ومملوكه، أو أجيره من غير أن يكون وكيلا للوالي، أو واليا للوالي فلا بأس أن يكون أجيرا يؤجر نفسه أو ولده أو قرابته أو ملكه أو وكيله في إجارته، لانهم وكلاء الاجير من عنده ليس هم بولاة الوالي (1) نظير الحمال الذي يحمل شيئا بشئ معلوم إلى موضع معلوم، فيحمل ذلك الشئ


(1) في بعض النسخ [ بولاء الوالى ]. (*)

[ 334 ]

الذي يجوز له حمله بنفسه أو بملكه أو دابته أو يؤاجر (1) نفسه في عمل يعمل ذلك العمل بنفسه أو بمملوكه أو قرابته أو بأجير من قبله، فهذه وجوه من وجوه الاجارات حلال لمن كان من الناس ملكا أو سوقة (2) أو كافرا أو مؤمنا، فحلال إجارته وحلال كسبه من هذه الوجوه. فاما وجوه الحرام من وجوه الاجارة نظير أن يؤاجر نفسه على حمل ما يحرم عليه أكله أو شربه أو لبسه أو يؤاجر نفسه في صنعة ذلك الشئ أو حفظه أو لبسه أو يؤاجر نفسه في هدم المساجد ضرارا أو قتل النفس بغير حل أو حمل التصاوير والاصنام والمزامير والبرابط والخمر والخنازير والميتة والدم أو شئ من وجوه الفساد الذي كان محرما عليه من غير جهة الاجارة فيه وكل أمر منهي عنه من جهة من الجهات فمحرم على الانسان إجارة نفسه فيه أوله أو شئ منه أوله إلا لمنفعة من استأجرته كالذي يستأجر الاجير يحمل له الميتة ينجيها عن أذاه أو أذى غيره وما أشبه ذلك والفرق بين معنى الولاية والاجارة وإن كان كلاهما يعملان بأجر: أن معنى الولاية أن يلي الانسان لوالي الولاة أو لولاة الولاة فيلي أمر غيره في التولية عليه وتسليطه وجواز أمره ونهيه وقيامه مقام الولي إلى الرئيس، أو مقام وكلائه في أمره وتوكيده في معونته وتسديد ولايته وإن كان أدناهم ولاية، فهو وال على من هو وال عليه يجري مجرى الولاة الكبار الذين يلون ولاية الناس في قتلهم من قتلوا وإظهار الجور والفساد. وأما معنى الاجارة فعلى ما فسرنا من إجارة الانسان نفسه أو ما يملكه من قبل أن يؤاجر [ ا ] لشئ من غيره فهو يملك يمينه لانه لا يلي أمر نفسه وأمر ما يملك قبل أن يؤاجره ممن هو آجره. والوالي لا يملك من امور الناس شيئا إلا بعدما يلي امورهم ويملك توليتهم (3). وكل من آجر نفسه، أو آجر ما يملك نفسه، أو يلي أمره من كافر


(1) آجر الرجل مؤاجرة: اتخذه أجيرا. (2) السوقة بالضم: الرعية ومن دون الملك وهى للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. (3) والحاصل ان الفرق بين الاجارة والولاية ان متعلق الاجارة لابد وأن يكون مما يملكه الانسان ويسلط عليه قبل الاجارة بخلاف الولاية فان الانسان لا يسلط عليه قبل الولاية وإن كان العبارة قاصرة عنه ولعل فيها حذف وإسقاط. (*)

[ 335 ]

أو مؤمن أو ملك أو سوقة (1) على ما فسرنا مما تجوز إلاجارة فيه فحلال محلل فعله وكسبه. * (وأما تفسير الصناعات) * فكل ما يتعلم العباد أو يعلمون غيرهم من صنوف الصناعات مثل الكتابة والحساب والتجارة والصياغة (2) والسراجة والبناء والحياكة والقصارة والخياطة وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني وأنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد التي منها منافعهم وبها قوامهم وفيها بلغة جميع حوائجهم فحلال فعله وتعليمه والعمل به وفيه لنفسه أو لغيره وإن كانت تلك الصناعة وتلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد و وجوه المعاصي ويكون معونة على الحق والباطل، فلا بأس بصناعته وتعليمه نظير الكتابة التي هي على وجه من وجوه الفساد من تقوية معونة ولاة ولاة الجور (3). وكذلك السكين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من وجوه الآلة التي قد تصرف إلى جهات الصلاح وجهات الفساد وتكون آلة ومعونة عليهما، فلا بأس بتعليمه وتعلمه وأخذ الاجر عليه وفيه والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق ومحرم عليهم فيه تصريفه إلى جهات الفساد والمضار: فليس على العالم والمتعلم إثم ولا وزر لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم وقوامهم به وبقائهم. وإنما الاثم والوزر على المتصرف بها في وجوه الفساد والحرام وذلك إنما حرم الله الصناعة التي حرام هي كلها التي يجيئ منها الفساد محضا نظير البرابط (4) والمزامير والشطرنج وكل ملهو به والصلبان (5) والاصنام. وما أشبه ذلك من صناعات الاشربة الحرام وما يكون منه وفيه الفساد


(1) السوقة: الرعية من الناس. واوى. (2) الصياغة: حرفة الصائغ: وهو الذى كان حرفته معالجة الذهب والفضة ونحوهما ويصوغ الحلى. والسراجة: حرفة السراج. والحياكة: صناعة نسج الثوب. والقصارة: حرفة القصار أي مبيض الثوب ونحوه. (3) في بعض النسخ [ من وجوه الفساد تقوية ومعونة لولاة الجور ]. (4) البربط - كجعفر -: آلة من المعازف وهى العود والمزمر وقيل: شئ من ملاهي العجم يشبه صرد البط معرب بربط أي صدر البط. لان الصدر يقال له بالفارسية: برو الضارب يضعه على صدره والجمع برابط. والمزمار: آلة التى يزمر فيها أي ينفخ فيها بالتغنى. والجمع مزامير. (5) الصلبان: جمع صليب. (*)

[ 336 ]

محضا. ولا يكون فيه ولا منه شئ من وجوه الصلاح فحرام تعليمه وتعلمه والعمل به وأخذ الاجر عليه وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلها إلا إن تكون صناعة قد تنصرف إلى جهات الصنائع (1)، وإن كان قد يتصرف بها ويتناول بها وجه من وجوه المعاصي، فلعله لما فيه من الصلاح حل تعلمه وتعليمه والعمل به ويحرم على من صرفه إلى غير وجه الحق والصلاح. فهذا تفسير بيان وجه اكتساب معائش العباد وتعليمهم في جميع وجوه اكتسابهم. * (وجوه اخراج الاموال وانفاقها) * أما الوجوه التي فيها إخراج الاموال في جميع وجوه الحلال المفترض عليهم وجوه النوافل كلها، فأربعة وعشرون وجها، منها سبعة وجوه على خاصة نفسه، وخمسة وجوه على من تلزمه نفسه. وثلاثة وجوه مما تلزمه فيها من وجوه الدين. وخمسة وجوه مما تلزمه فيها من وجوه الصلات. وأربعة أوجه مما تلزمه فيها النفقة من وجوه اصطناع المعروف. فأما الوجوه التي تلزمه فيها: النفقة على خاصة نفسه فهي مطعمه ومشربه و ملبسه ومنكحه ومخدمه وعطاؤه فيما يحتاج إليه من الاجراء على مرمة متاعه أو حمله أو حفظه، وشئ يحتاج إليه من نحو منزله أو آلة من الآلات يستعين بها على حوائجه. وأما الوجوه الخمس التي تجب عليه النفقة لمن تلزمه نفسه فعلى ولده ووالديه وامرأته ومملوكه لازم له ذلك في حال العسر واليسر. وأما الوجوه الثلاثة المفروضة من وجوه الدين فالزكاة المفروضة الواجبة في كل عام والحج المفروض والجهاد في إبانه وزمانه (2). وأما الوجوه الخمس من وجوه الصلات النوافل فصلة من فوقه وصلة القرابة وصلة المؤمنين والتنفل في وجوه الصدقة والبر والعتق.


(1) أي الصانع المحللة. (2) الا بان - بكسر فتشديد -: الوقت والحين. (*)

[ 337 ]

وأما الوجوه الاربع فقضاء الدين والعارية والقرض وإقراء الضيف (1) واجبات في السنة. * (ما يحل للانسان أكله) * فأما ما يحل ويجوز للانسان أكله مما أخرجت الارض فثلاثة صنوف من الاغذية صنف منها جميع الحب كله من الحنطة والشعير والارز (2) والحمص وغير ذلك من صنوف الحب وصنوف السماسم (3) وغيرها. كل شئ من الحب مما يكون فيه غذاء الانسان في بدنه وقوته فحلال أكله وكل شئ تكون فيه المضرة على الانسان في بدنه فحرام أكله إلا في حال الضرورة. والصنف الثاني مما أخرجت الارض من جميع صنوف الثمار كلها مما يكون فيه غذاء الانسان ومنفعة له وقوته به فحلال أكله، وما كان فيه المضرة على الانسان في أكله فحرام أكله. والصنف الثالث جميع صنوف البقول والنبات وكل شئ تنبت الارض من البقول كلها مما فيه منافع الانسان وغذاء له فحلال أكله. وما كان من صنوف البقول مما فيه المضرة على الانسان في أكله نظير بقول السموم القاتلة ونظير الدفلى (4) وغير ذلك من صنوف السم القاتل فحرام أكله. * (وأما ما يحل أكله من لحوم الحيوان) * فلحوم البقر والغنم والابل وما يحل لحوم الوحش وكل ما ليس فيه ناب و لا له مخلب. وما يحل من أكل لحوم الطير كلها ما كانت له قانصة (5) فحلال أكله و ما لم يكن له قانصة فحرام أكله. ولا بأس بأكل صنوف الجراد.


(1) إقراء الضيف: إكرامه. (2) حب معروف يقال له بالفارسية: (برنج). (3) السمسم - بكسر المهملتين - نبات يستخرج من حبه السيرج. (4) الدفلى - بكسر الاول وفتح اللام - نبت زهره اعتياديا كالورد الاحمر وحمله كالخرنوب: يقال له بالفارسية. (خرزهره). (5) القانصة مر معناها ص 105. (*)

[ 338 ]

* (وأما ما يجوز أكله من البيض) * فكل ما اختلف طرفاه فحلال أكله وما استوى طرفاه فحرام أكله. * (وما يجوز أكله من صيد البحر) * من صنوف السمك ما كان له قشور فحلال أكله وما لم يكن له قشور فحرام أكله. * (وما يجوز من الاشربة) * من جميع صنوفها فما لا يغير العقل كثيره فلا بأس بشربه. وكل شئ منها يغير العقل كثيرة فالقليل منه حرام. * (وما يجوز من اللباس) * فكل ما أنبتت الارض فلا بأس بلبسه والصلاة فيه وكل شئ يحل لحمه فلا بأس بلبس جلده الذكي منه وصوفه وشعره ووبره وإن كان الصوف والشعر والريش والوبر من الميتة وغير الميتة ذكيا فلا بأس بلبس ذلك والصلاة فيه وكل شئ يكون غذاء الانسان في مطعمه ومشربه أو ملبسه فلا تجوز الصلاة عليه ولا السجود إلا ما كان من نبات الارض من غير ثمر قبل أن يصير مغزولا، فإذا صار غزلا فلا تجوز الصلاة عليه إلا في حال ضرورة. * (أما ما يجوز من المناكح) * فأربعة وجوه: نكاح بميراث. ونكاح بغير ميراث. ونكاح اليمين. ونكاح بتحليل من المحلل له من ملك من يملك (1). وأما ما يجوز من الملك والخدمة فستة وجوه: ملك الغنيمة. وملك الشراء وملك الميراث. وملك الهبة. وملك العارية. وملك الاجر. فهذه وجوه ما يحل وما يجوز للانسان إنفاق ماله وإخراجه بجهة الحلال في وجوهه وما يجوز فيه التصرف والتقلب من وجوه الفريضة والنافلة.


(1) اراد بالاول النكاح بعقد الدائم. وبالثانى بعقد الانقطاع. وبالثالث المملوكة بتملك عينها. والرابع المملوكة بتملك منفعتها. (*)

[ 339 ]

* (رسالته عليه السلام في الغنائم ووجوب الخمس) * فهمت ما ذكرت أنك اهتممت به من العلم بوجوه مواضع ما لله فيه رضى وكيف امسك سهم ذي القربى منه. وما سألتني من إعلامك ذلك كله فاسمع بقلبك وانظر بعقلك. ثم أعط في جنبك النصف من نفسك (1)، فإنه أسلم لك غدا عند ربك المتقدم أمره ونهيه إليك. وفقنا الله وإياك. اعلم أن الله ربي وربك ما غاب عن شئ " وما كان ربك نسيا " وما فرط في الكتاب من شئ. وكل شئ فصله تفصيلا. وأنه ليس ما وضح الله تبارك وتعالى من أخذ ماله بأوضح مما أوضح الله من قسمته إياه في سبله، لانه لم يفترض من ذلك شيئا في شئ من القرآن إلا وقد أتبعه بسبله إياه غير مفرق بينه وبينه. يوجبه لمن فرض له مالا يزول عنه من القسم كما يزول ما بقي سواه (2) عمن سمي له لانه يزول عن الشيخ بكبره والمسكين بغناه وابن السبيل بلحوقه ببلده. ومع توكيد الحج مع ذلك بالامر به تعليما وبالنهي عما ركب ممن منعه تحرجا (3). فقال الله عزوجل في الصدقات - وكانت أول ما افترض الله سبله -: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل (4) " فالله أعلم نبيه صلى الله عليه وآله موضع الصدقات وأنها ليست لغير هؤلاء، يضعها حيث يشاء منهم على ما يشاء. ويكف الله جل جلاله نبيه وأقرباءه عن صدقات الناس وأوساخهم، فهذا سبيل الصدقات. وأما المغانم (5)، فإنه لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قتل قتيلا فله كذا وكذا. ومن أسر أسيرا فله من غنائم القوم كذا وكذا. فإن الله قد وعدني أن


(1) النصف - بالكسر وقد تثلث -: الانصاف والعدل. (2) القسم - بالفتح -: مصدر قسم يقسم كضرب يضرب. وما بقى سواه أي سوى القسم. والمراد ان موارد القسمة كلى لا يزول وثابت دائما بخلاف غيره فانه جزئي يزول بزوال اسمه. (3) في الكلام حذف ولعل المراد المحرم المصدد والمحصور. والتحرج: تجنب الحرج أي الاثم. (4) سورة التوبة آية 60. (5) المغانم: جمع مغنم أي الغنيمة. (*)

[ 340 ]

يفتح علي وأنعمني عسكرهم. فلما هزم الله المشركين وجمعت غنائمهم قام رجل من الانصار فقال: يا رسول الله إنك أمرتنا بقتال المشركين وحثثتنا عليه وقلت: من أسر أسيرا فله كذا وكذا من غنائم القوم. ومن قتل قتيلا فله كذا وكذا. إني قتلت قتيلين - لي بذلك البينة - وأسرت أسيرا فأعطنا ما أوجبت على نفسك يا رسول الله، ثم جلس. فقام سعد بن عبادة (1) فقال: يا رسول الله ما منعنا أن نصيب مثل ما أصابوا جبن عن العدو ولا زهادة في الآخرة والمغنم (2). ولكنا تخوفنا أن بعد مكاننا منك فيميل إليك من جند المشركين، أو يصيبوا منك ضيعة (3) فيميلوا إليك فيصيبوك بمصيبة. وإنك إن تعط هؤلاء القوم ما طلبوا يرجع سائر المسلمين ليس لهم من الغنيمة شئ، ثم جلس. فقام الانصاري فقال مثل مقالته الاولى، ثم جلس. يقول ذلك كل واحد منهما ثلاث مرات: فصد النبي صلى الله عليه وآله بوجهه فأنزل الله عزوجل " يسألونك عن الانفال (4) ". والانفال اسم جامع لما أصابوا يومئذ مثل قوله: " ما أفاء الله على


(1) كان سعد بن عبادة أنصاريا خزرجيا من الصحابة، أحد النقباء في ليلة العقبة، صاحب راية الانصار يوم بدر وأمير المؤمنين عليه السلام صاحب لواء المهاجرين، وكان سعد سيدا وجيها جوادا له سيادة ورئاسة يعترف له قومه بها. وهو الذى تخلف عن بيعة أبي بكر وخرج من المدينة ولم يرجع إليها إلى أن قتل بحوران من أرض الشام في خلافة أبى بكر وقيل في خلافة عمر. وابنه قيس بن سعد كان من أصحاب أمير المؤمنين وابنه أبى محمد الحسن عليهما السلام. وأراد معاوية أن يخدعه ليخذل الحسن عليه السلام فلم يمكن له ويئس منه. (2) " جبن " فاعل لقوله: " منعنا " أي ما منعنا جبن عن العدو ولا زهادة. (3) الضيعة - بالكسر -: التلف والهلاك. وأيضا: الفقد. - وبالفتح -: المرة من ضاع. (4) سورة الانفال آية 1. والانفال: جمع نفل - بالتحريك -: الزيادة والغنيمة من نفل الرجل - كنصر -: أعطاه نافلة من المعروف مما لا يريد ثوابه منه. والانفال: ما زاده الله هذه الامة في الحلال. وأفاء الله: جعله فيئا: والفيئ: الغنيمة والظل. وأصله بمعنى الرجوع فكان في معنى الغنيمة والظل معنى الرجوع أيضا. وقيل: المال المأخوذ من الكفار ينقسم إلى ما يحصل من غير قتال وايجاف خيل ولا ركاب وإلى ما حصل بذلك ويسمى الاول فيئا والثانى غنيمة. (*)

[ 341 ]

رسوله (1) " ومثل قوله: " وما غنمتم من شئ (2) " ثم قال: " قل الانفال لله والرسول (3) " فاختلجها الله (4) من أيديهم فجعلها لله ولرسوله. ثم قال: " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (5) " فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة أنزل الله عليه: " واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان (6) ". فأما قوله: " لله " فكما يقول الانسان: هو لله ولك ولا يقسم لله منه شئ. فخمس رسول الله صلى الله عليه وآله الغنيمة التي قبض بخمسة أسهم. فقبض سهم الله لنفسه يحيي به ذكره ويورث بعده. وسهما لقرابته من بني عبد المطلب، فأنفذ سهما لايتام المسلمين وسهما لمساكينهم. وسهما لابن السبيل من المسلمين في غير تجارة، فهذا يوم بدر، وهذا سبيل الغنائم التي اخذت بالسيف. وأما ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب (7). فإن كان المهاجرون حين قدموا المدينة أعطتهم الانصار نصف دورهم ونصف أموالهم. والمهاجرون يومئذ نحو مائة رجل. فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله على بني قريظة والنضير (8) وقبض أموالهم قال النبي صلى الله عليه وآله


(1) سورة الحشر آية 6 و 7. (2) سورة الانفال آية 41. كذا " واعلموا أنما غنمتم من شئ... الاية " (3) اختلجه: انتزعه واجتذبه. (4) سورة الانفال آية 1. (5) سورة الانفال آية 1. (6) سورة الانفال آية 41. (7) الايجاف: السير الشديد. والخيل: جماعة الافراس وقيل: لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط والجمع خيول وتستعمل مجازا للفرسان. والركاب - ككتاب -: الابل التى تحمل القوم واحدتها راحلة فلا واحد لها من لفظها وجمعها ركب - ككتب -. (8) بنو قريظة - كجهينة -. وبنو النظير - كشرير -: بطنان من اليهود بالمدينة كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد وميثاق فنقضوا. أما بنى قريظة فنقضوا عهدهم وميثاقهم في غزوة الخندق السنة الخامسة من الهجرة فكانوا من الاحزاب التى اهتموا على المسلمين فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من هذه الغزوة مضى مع أصحابه إليهم وحاصرهم ليالى وأياما " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 342 ]

للانصار: إن شئتم أخرجتم المهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لهم هذه الاموال دونكم. وإن شئتم تركتم أموالكم ودوركم وقسمت لكم معهم. قالت الانصار: بل اقسم لهم دوننا واتركهم معنا في دورنا وأموالنا. فأنزل الله تبارك وتعالى: " ما أفاء الله على رسوله منهم - يعني يهود قريظة - فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب (1) " لانهم كانوا معهم بالمدينة أقرب من أن يوجف عليهم بخيل وركاب. ثم قال: " للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (2) ". فجعلها الله لمن هاجر من قريش مع النبي صلى الله عليه وآله وصدق. وأخرج أيضا عنهم المهاجرين مع رسول الله صلى الله عليه وآله من العرب


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " حتى نزلوا على حكم رجل من الاوس وهو سعد بن معاذ لان الاوس من حلفائهم. فحكم سعد فيهم بالقتل والسبي. وأنزل الله تعالى فيهم " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا * واورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديرا " سورة الاحزاب آية 26. وأما بنو النضير فان النبي صلى الله عليه وآله لما أتاهم يستعينهم في دية الرجلين اللذين من بنى عامر - وكان بنو عامر في جواره صلى الله عليه وآله - قتلهما عمرو بن امية الضمرى في منصرفه من بئر معونة هموا بطرح حجر عليه من فوق الحصن فعصمه الله واطلع منهم على خيانة فرجع النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة وبعث إليهم محمد بن مسلمة أن اخرجوا من ديارهم وارتحلوا منها فلم يقبلوا منه فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ليالى وأياما حتى قبلوا ذلك منه فصالحهم على الاجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الابل من بعض أموالهم وللنبى صلى الله عليه وآله ما بقى فاجلاهم النبي صلى الله عليه وآله عن ديارهم وولى إخراجهم محمد بن مسلمة فعبروا من سوق المدينة وتفرقوا في البلاد فانزل فيهم آيات في سورة الحشر فكان أموالهم وعقارهم فيئا لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة له، خصه الله تعالى بها ولم تكن تحصل بالقتال والغلبة ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم فالامر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ولا يقسمه قسمة التى قوتل عليها واخذت عنوة قهرا فقسمها بين المهاجرين ولم يعط الانصار إلا اثنين منهم - لفقرهما -: سهل بن حنيف وسماك بن أبى خراشة. قيل: وبقى منها صدقته التى في ايدى بنى فاطمة عليها السلام. وهذه الوقعة كانت في سنة الرابع من الهجرة النبوية. (1) سورة الحشر آية 6. (2) سورة الحشر آية 8. (*)

[ 343 ]

لقوله: " الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم " لان قريشا كانت تأخذ ديار من هاجر منها وأموالهم ولم تكن العرب تفعل ذلك بمن هاجر منها، ثم أثنى على المهاجرين الذين جعل لهم الخمس وبرأهم من النفاق بتصديقهم إياه حين قال: " فاولئك هم الصادقون " لا الكاذبون، ثم أثنى على الانصار وذكر ما صنعوا وحبهم للمهاجرين وإيثارهم إياهم وانهم لم يجدوا في أنفسهم حاجة - يقول: حزازة (1) - مما اوتوا. يعني المهاجرين دونهم فأحسن الثناء عليهم فقال: " والذين تبوء والدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (2) وقد كان رجال اتبعوا النبي صلى الله عليه وآله قد وترهم المسلمون (3) فيما أخذوا من أموالهم، فكانت قلوبهم قد امتلات عليهم، فلما حسن إسلامهم استغفروا لانفسهم مما كانوا عليه من الشرك. وسألوا الله أن يذهب بما في قلوبهم من الغل لمن سبقهم إلى الايمان. واستغفروا لهم حتى يحلل ما في قلوبهم وصاروا إخوانا لهم. فأثنى الله على الذين قالوا ذلك خاصة فقال: " والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم (4) "، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله المهاجرين عامة من قريش على قدر حاجتهم فيما يرى، لانها لم تخمس فتقسم بالسوية. ولم يعط أحدا منهم شيئا إلا المهاجرين من قريش غير رجلين من أنصار يقال لاحدهما: سهل بن حنيف (5)


(1) الحزازة - بالفتح: التعسف في الكلام. وأيضا: وجع في القلب من غيظ ونحوه. (2) سورة الحشر آية 9. والخصاصة: الفقر والحاجة. (3) وترهم: قطعهم - وأبعدهم. ووتر القوم: جعلهم شفعهم وترا أي أفردهم. (4) سورة الحشر آية 10. (5) هو سهل بن حنيف بن واهب الانصاري الاوسي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد بدرا والمشاهد كلها. وكان في بدء الاسلام عام الاول من الهجرة يكسر أصنام قومه ليلا فيحملها إلى امرأة مسلمة من الانصار لا زوج لها يقول لها: خذى فاحتطبي بهذا وكان أمير الؤمنين عليه السلام يذكر ذلك عنه بعد موته متعجبا وروى انه شهد العقبة وكان من النقباء الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وآله الاثنى عشر في ليلة العقبة. وكان هو ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 344 ]

وللاخر سمال بن خرشة - أبو دجانة (1) - فإنه أعطاهما لشدة حاجة كانت بهما من


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية يوم أحد لما انهزم الناس وبايعه على الموت وجعل ينضح يومئذ بالنبل مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نبلوا سهلا فانه سهل، وكان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الذين رجعوا إليه فصحبه حتى بويع له بالخلافة واستخلفه على المدينة لما خرج عليه السلام إلى البصرة وكان واليه. ثم ولاه على فارس فأخرجه اهل فارس فوجه عليه السلام زيادا فأرضوه وصالحوه وأدوا الخراج. ثم شهد سهل مع على عليه السلام صفين وكان هو وأخوه عثمان ابن حنيف من شرطة الخميس وتوفى بالكوفة بعد مرجعه معه من صفين وكان من أحب الناس إليه وجزع من موته فقال عليه السلام: " لو أحبنى جبل لتهافت " وكفنه في برد أحمر حبرى وصلى عليه خمس صلوات فكبر خمسا وعشرين تكبيرة: بأن صلى عليه وكبر خمس تكبيرات ثم مشى ثم وضعه فكبر خمس تكبيرات آخر يصنع ذلك إلى انتهى إلى قبره وقال عليه السلام: " لو كبرت عليه سبعين مره لكان أهلا ". (1) أبو دجانة - بالضم والتخفيف - سماك بن خرشة بن لوذان الانصاري الخزرجي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، شهد بدرا واحدا وجميع المشاهد وكان بطلا شجاعا وله عصابة حمراء يعلم بها في الحرب وقاتل يوم أحد حتى أمعن في الناس وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ سيفا بيده وقال صلى الله عليه وآله: من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه اناس فأمسكه عنهم فلم يعطهم إياه فقام إليه أبو دجانة فقال: ما حقه يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله: أن تضرب به في العدو حتى ينحنى (أو يثخن) فقال: أنا آخذ بحقه فأعطاه إياه ثم أهوى إلى ساق خفه فأخرج منها عصابة حمراء وعصب بها رأسه ويرتجز. وكان ابو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب وجعل يتبختر بين الصفين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين رآه يتبختر: " انها لمشية يبغضها الله الا في مثل هذا الموطن " وقاتل به فجعل لا يلقى احدا من المشركين الا قتله حتى حمل على مفرق راس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها فقال: رأيت إنسانا يحمش الناس حمشا شديدا فصمدت إليه فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وآله ان أضرب به امرأة وكان أبو دجانة رضى الله عنه من الشجعان المشهورين بالشجاعة وقد ظهر شجاعته أيضا في وقعة اليمامة في أواخر السنة الحادية عشر وذلك: ان مسيلمة بن حبيب الحنفي - المعروف بمسيلمة الكذاب - وقومه لما دخلوا الحديقة واغلقوا عليهم بابها وتحصنوا فيها قال أبو دجانة للمسلمين: اجعلوني في جنة ثم ارفعوني بالرماح وألقوني عليهم في الحديقة. فاحتملوه حتى اشرف على الجدار فوثب عليهم كالاسد فجعل يقاتلهم ثم احتملوا بعد ذلك البراء بن مالك فافتحها عليهم وقاتل على الباب وفتحه فدخلها المسلمون فاقتتلوا اشد القتال حتى قتل مسيلمة وشاك في قتله ابو دجانة ووحشى قاتل حمزة بن عبد المطلب. ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط واستشهد في هذه الوقعة كثير من مشاهير المهاجرين والانصار وفضلاء الصحابة. وقيل: قتل فيها أيضا ابو دجانة بعد ما ابلى فيها بلاء عظيما. وقيل: بل عاش بعد ذلك وشهد صفين مع امير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 345 ]

حقه. وأمسك النبي صلى الله عليه وآله من أموال بني قريظة والنضير ما لم يوجب عليه خيل ولا ركاب سبع حوائط لنفسه. لانه لم يوجب على فدك (1) خيل أيضا ولا ركاب. وأما خيبر (2) فإنها كانت مسيرة ثلاثة أيام من المدينة وهي أموال اليهود


(1) فدك - بالتحريك، منصر وغير منصرف -: قرية من قرى اليهود قرب خيبر بينهما دون مرحلة وهى مما أفاء الله على رسوله لان أهل فدك لما سمعوا ان المسلمين قد صنعوا ما صنعوا بأهل خيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يسألونه أن يسيرهم أيضا ويتركوا له الاموال ففعل وذلك في سنة السابع من الهجرة بعد فتح خيبر. فكانت لرسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن معها أحد فزال عنها حكم الفئ ولزمها حكم الانفال فلما نزلت " وآت ذا القربى حقه " اعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام وكانت في يدها إلى أن توفى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فاخذها أبو بكر من فاطمة عليها السلام فلم تزل كذلك حتى صارت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز فردها إلى محمد بن على عليهما السلام فلم تزل في أيدى اولاد فاطمة واستغنوا في تلك السنين وحسنت أحوالهم فلما مات عمر بن عبد العزيز انتزعها يزيد بن عبد الملك ثم دفعها السفاح إلى الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب عليهما السلام ثم أخذها المنصور ثم أعاد المهدى ثم قبضها الهادى ثم ردها المأمون وكانت في أيديهم في زمن المأمون والمعتصم والواثق ثم اخذها المتوكل. وردها المعتضد. وحازها المكتفى. وقيل: ان المقتدر رد إليهم. (2) خيبر: اسم موضع مشتملة على حصون ومزارع ونخل كثير على مشى ثلاثة أيام من المدينة إلى جهة الشام على يسار الماشي. وقيل: هي بلسان اليهود الحصن وسكانها اليهود وأشهر حصونها سبعة: ناعم. قموص - كصبور -. كتيبة - كسفينة -. نطاة - كقناة - شق. وطيح - كأمير -. سلالم - بالضم -. فتحها رسول الله صلى الله عليه وآله في سنة سبع بيد على بن أبى طالب عليه السلام واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الانصاري. وأمر أن لا يخرج إلا من رغب في الجهاد. وسار صلى الله عليه وآله حتى أتى خيبر واستقبل عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا: والله محمد والخميس معه فولوا هاربين إلى حصونهم. قيل: فأدخلوا أموالهم وعيالهم في حصن كتيبة. وأدخلوا ذخائرهم في حصن ناعم وجمع المقاتلة وأهل الحرب في حصن نطاة. فلما تيقن رسول الله صلى الله عليه وآله أن اليهود تحارب وعظ أصحابه ونصحهم وحرضهم على الجهاد ورغبهم في الثواب وبشرهم بأن من صبر فله الظفر والغنيمة وحاصرهم النبي صلى الله عليه وآله ليلالى وأياما. وكانت اليهود في حصونهم ترمى بالسهام إلى عسكر المسلمين وكان النبي صلى الله عليه وآله " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 346 ]

ولكنه أوجب عليها خيل وركاب وكانت فيها حرب. فقسمها عل قسمة بدر، فقال الله عزوجل: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (1) " فهذا سبيل ما أفاء الله على رسوله مما أوجف عليه خيل وركاب.


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " يعطى الراية كل يوم واحدا من أصحابه ويبعثه إلى المحاربة ولم يفتح الحصن فرجع من غير فتح. ثم قال النبي صلى الله عليه وآله ليلة: أما والله لاعطين الراية غدا رجلا كرارا غير فرار ويحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه. وبات الناس يحرصون ليلتهم ويتحدثون أيهم يعطاها غدا. فلما أصبحوا غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله واجتمعوا على بابه. ثم خرج النبي صلى الله عليه وآله من خيمته وقال: أين على بن أبى طالب ؟ فقيل: هو يشتكى عينيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرسلوا إليه من يأتي به. فذهب إليه مسلمة بن الاكوع وأخذ بيده يقوده حتى أتى به إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو أرمد وكان قد عصب عينيه بشقة برد قطرى. ووضع صلى الله عليه وآله رأسه في حجره وبصق في كفه ومسح عينه فبرئ منه فألبسه النبي صلى الله عليه وآله درعه الحديد وشد ذا الفقار سيفه في وسطه وأعطاه الراية ووجهه إلى الحصن وقال: امض حتى يفتح الله عليك فما رجع حتى فتح الله على يديه. وقتل يومئذ ثمانية من رؤساء اليهود منهم مرحب اليهودي الذى لم يكن في أهل خيبر أشجع منه وفر الباقون إلى الحصن. على حمى الاسلام من قتل مرحب * فداة اعتلاء بالحسام المضخم وقلع على عليه السلام باب خيبر بنفسه فتحرس به عن نفسه فجعله على الخندق جسرا حتى دخل المسلمون الحصن وحملوا عليهم فظفروا بالحصن وأغنم الله المسلمين مالا كثيرا منه كنز عند كنانة ابن ربيع ابن أبى الحقيق أحد رؤساء يهود خيبر مملوة من الذهب وعقود من الدر والجوهر وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بجمع الاموال وأصاب رسول الله صلى الله عليه وآله سبايا منهم صفية بنت حيى بن اخطب اليهودي زوجة كنانة بن ربيع ولما جرت المقاسم في أموال خيبر أشبع فيها المسلمون ووجدوا بها مرفقا لم يكونوا وجدوه قبل حتى قال عبد الله بن عمر: " ما شبعنا حتى فتحنا خيبر " ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله يهود خيبر في أموالهم يعملون فيها للمسلمين على النصف مما كان يخرج منها، فكان خيبر فيئا للمسلمين بخلاف فدك فانها خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله لانهم لم يجعلوا عليها بخيل ولا ركاب. (1) سورة الحشر آية 7. (*)

[ 347 ]

وقد قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: ما زلنا نقبض سهمنا بهذه الآية التي أولها تعليم وآخرها تحرج (1) حتى جاء خمس السوس وجندي سابور (2) إلى عمر وأنا والمسلمون والعباس عنده، فقال عمر لنا: إنه قد تتابعت لكم من الخمس أموال فقبضتموها حتى لا حاجة بكم اليوم وبالمسلمين حاجة وخلل (3)، فأسلفونا حقكم من هذا المال حتى يأتي الله بقضائه من أول شئ يأتي المسلمين. فكففت عنه لاني لم آمن حين جعله سلفا لو الححنا عليه فيه أن يقول في خمسنا مثل قوله في أعظم منه أعني ميراث نبينا صلى الله عليه وآله حين الححنا عليه فيه. فقال له العباس: لا تغمز (4) في الذي لنا يا عمر، فإن الله قد أثبته لنا بأثبت مما أثبت به المواريث بيننا. فقال عمر: وأنتم أحق من أرفق المسلمين. وشفعني، فقبضه عمر. ثم قال: لا والله ما آتيهم ما يقبضنا (5) حتى لحق بالله، ثم ما قدرنا عليه بعده. ثم قال علي عليه السلام: إن الله حرم على رسول الله صلى الله عليه وآله الصدقة فعوضه منها سهما من الخمس. وحرمها على أهل بيته خاصة دون قومهم.


(1) في بعض النسخ [ تخرج ]. (2) كانتا مدينتين في نواحى فارس فتحهما المسلمون في خلافة عمر سنة 17 وسببها: ان المسلمين لما فتح رامهرمز وتستر، وأسر الهرمزان ساروا مع قائدهم ابى سبرة بن أبى رهم في أثر المنهزمين إلى السوس وكان بها شهريار أخو الهرمزان فأحاط المسلمون بها وناوشوهم القتال مرات وحاصروهم ثم اقتحموا الباب فدخلوا عليهم فألقى المشركون بأيديهم ونادوا: الصلح الصلح. فأجابهم إلى ذلك المسلمون بعدما دخلوه عنوة واقتسموا ما أصابوا. ولما فرغ أبو سبرة من السوس خرج في جنده حتى نزل على جندي سابور. وزر بن عبد الله بن كليب فحاصرهم فاقاموا عليها يقاتلونهم فرمى رجل من عسكر المسلمين إليهم بالامان فلم يفجأ المسلمون إلا وقد فتحت أبوابها وأخرجوا أسواقهم فسألهم المسلمون عن ذلك. فقالوا: رميتم لنا بالامان فقبلناه وأقررنا الجزية. فقال المسلمون: ما فعلنا وسألوا بعضهم من فعل ذلك فإذا هو عبد يدعى مكثفا كان أصله منها فعل هذا فقال أهلها: قد رمى إلينا منكم بالامان ولا نعرف العبد من الحر وقد قبلنا وما بدلنا فكتبوا بذلك إلى عمر فأجاز أمانهم فأمنوهم وانصرفوا عنهم. (3) الخلل - بالتحريك -: الفساد والوهن. والاولى هنا ان يكون جمع خلة أي الحاجة. (4) في بعض النسخ [ لا يعتمر ]. (5) في بعض النسخ [ يقضينا ]. (*)

[ 348 ]

وأسهم لصغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم وفقيرهم وشاهدهم وغائبهم ولانهم إنما اعطوا سهمهم لانهم قرابة نبيهم والتي لا تزول عنهم. الحمد لله الذي جعله منا وجعلنا منه. فلم يعط رسول الله صلى الله عليه وآله أحدا من الخمس غيرنا وغير حلفائنا وموالينا، لانهم منا وأعطى من سهمه ناسا لحرم كانت بينه وبينهم معونة في الذي كان بينهم. فقد أعلمتك ما أوضح الله من سبيل هذه الانفال الاربعة وما وعد من أمره فيهم ونوره بشفاء من البيان وضياء من البرهان، جاء به الوحي المنزل وعمل به النبي المرسل صلى الله عليه وآله. فمن حرف كلام الله أوبد له بعدما سمعه وعقله فإنما إثمه عليه والله حجيجه فيه (1). والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. * (إحتجاجه عليه السلام على الصوفية لما دخلوا عليه فيما) * * (ينهون عنه من طلب الرزق) * دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله عليه السلام فرأى عليه ثيابا بيضا كأنها غرقئ البياض (2) فقال له: إن هذا ليس من لباسك. فقال عليه السلام له: اسمع مني وع ما أقول لك فإنه خير لك عاجلا وآجلا ان كنت أنت مت على السنة والحق ولم تمت على بدعة. اخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في زمان مقفر جشب (3) فإذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها. ومؤمنوها لا منافقوها. ومسلموها لا كفارها. فما أنكرت يا ثوري، فو الله - إني لمع ما ترى - ما أتى علي مذ عقلت صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعا إلا وضعته. فقال: ثم أتاه قوم ممن يظهر التزهد (4) ويدعون الناس أن يكونوا معهم على


(1) الحجيج: الغالب باظهار الحجه. (2) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 1 ص 345 من الفروع وفيه [ غرقئ البيض ] والغرقئ - كزبرج -: القشر الرقيقة الملتصقة ببياض البيض وفى بعض النسخ من الكتاب [ غرقى البياض ]. (3) القفر: خلو الارض من الماء والكلاء. والجشب - بفتح فسكون أو كسر - من الطعام: الغليظ الخشن. وفى الكافي [ مقفر جدب ] والجدب: انقطاع المطر ويبس الارض. (4) في الكافي [ يظهرون الزهد ]. (*)

[ 349 ]

مثل الذي هم عليه من التقشف (1) فقالوا: إن صاحبنا حصر عن كلامك (2) ولم تحضره حجة. فقال عليه السلام لهم: هاتوا حججكم فقالوا: إن حججنا من كتاب الله. قال عليه السلام لهم: فأدلوا بها (3) فإنها أحق ما اتبع وعمل به. فقالوا: يقول الله تبارك وتعالى مخبرا عن قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (4)، فمدح فعلهم. وقال في موضع آخر: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " (5) فنحن نكتفي بهذا. فقال رجل من الجلساء: إنا ما رأيناكم تزهدون في الاطعمة الطيبة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تتمتعوا أنتم بها. فقال أبو عبد الله عليه السلام: دعوا عنكم ما لا ينتفع به، أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه. ومحكمه من متشابهه، الذي في مثله ضل من ضل وهلك من هلك من هذه الامة ؟ فقالوا له: بعضه، فأما كله فلا. فقال عليه السلام لهم: من ههنا اوتيتم (6). وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وأما ما ذكرتم من إخبار الله إيانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم لحسن فعالهم فقد كان مباحا جائزا ولم يكونوا نهوا عنه وثوابهم منه على الله وذلك أن الله جل وتقدس أمر بخلاف ما عملوا به فصار أمره ناسخا لفعلهم. وكان نهى تبارك وتعالى رحمة لمؤمنين (7) ونظرا لكيلا يضروا بأنفسهم وعيالاتهم، منهم الضعفة الصغار والولدان والشيخ الفان والعجوز الكبيرة الذين لا يصبرون على الجوع، فإن تصدقت برغيفي ولا رغيف لي


(1) التقشف: ترك النظافة. والترفه، ضد التنعم. (2) أي ضاق صدره من كلامك واستحيا. والحصر: العى في المنطق والعجز عن الكلام. (3) الادلاء بالشئ: احضاره. (4) سورة الحشر آية 9. (5) سورة الانسان آية 8. (6) اشار إلى نفسه الشريف عليه السلام يعنى أن علمكم ببعض ما في القرآن من الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه إن صدقتهم اوتيتم أيضا من اهل بيت النبوة. وفى الكافي [ فمن هنا أتيتم ] وقال الفيض رحمه الله في بيان: " أتيتم " على البناء للمفعول أي دخل عليكم البلاء وأصابكم ما أصابكم. (7) في الكافي [ رحمة منه للمؤمنين ]. (*)

[ 350 ]

غيره ضاعوا وهلكوا جوعا فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير، أو دراهم يملكها الانسان وهو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الانسان على والديه. ثم الثانية على نفسه وعياله، ثم الثالثة على القرابة وإخوانه المؤمنين (1) ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أخسها أجرا. وقال النبي صلى الله عليه وآله للانصاري - حيث أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق (2) ولم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار -: " لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنونه مع المسلمين. ترك صبية صغارا (3) يتكففون الناس. ثم قال: حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إبدأ بمن تعول الادنى فالادنى. ثم هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم ونهيا عنه مفروض من الله العزيز الحكيم قال: " الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (4) " أفلا ترون أن الله تبارك وتعالى عير ما أراكم تدعون إليه والمسرفين (5) وفي غير آية من كتاب الله يقول: " إنه لا يحب المسرفين (6) فنهاهم عن الاسراف ونهاهم عن التقتير لكن أمر بين أمرين لا يعطي جميع ما عنده ثم يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له للحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله: " أن أصنافا من امتي لا يستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه. ورجل يدعو على غيرم (7) ذهب له بمال ولم يشهد عليه. ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله


(1) في الكافي [ على قرابته الفقراء ]. (2) الرقيق: المملوك للواحد والجمع وقد يجمع على أرقاء أيضا. (3) الصبية - بالتثليث -: جمع صبى. وتكفف الرجل: سأل كفا من الطعام أو ما يكف به الجوع: أو أخذ الشئ ببطن كفه. (4) سورة الفرقان آية 67. والقتر: القليل من العيش يقال: فلان قتر على عياله: ضيق عليهم في النفقة والمقتر: الفقير المقل. (5) في الكافي [ أفلا ترون ان الله غير ما اراكم تدعون الناس إليه من الاثرة على أنفسهم وسمى من فعل ما تدعون الناس إليه مسرفا ]. (6) سورة الانعام آية 141 والاعراف 31. (7) الغريم: المديون. وفى الكافي [ ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يشهد عليه ]. (*)

[ 351 ]

تخلية سبيلها بيده. ورجل يقعد في البيت ويقول: يا رب ارزقني ولا يخرج يطلب الرزق فيقول الله جل وعز: عبدي ! أو لم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الارض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمرى ولكيلا تكون كلا على أهلك فإن شئت رزقتك وإن شئت قترت عليك وأنت معذور عندي (1). ورجل رزقه الله مالا كثيرا فأنفقه ثم أقبل يدعو يا رب ارزقني، فيقول الله: ألم أرزقك رزقا واسعا، أفلا اقتصدت (2) فيه كما أمرتك ولم تسرف وقد نهيتك. ورجل يدعو في قطيعة رحم ". ثم علم الله نبيه صلى الله عليه وآله كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده صلى الله عليه وآله أوقية من ذهب (3) فكره أن تبيت عند شئ فتصدق وأصبح ليس عنده شئ. وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل واغتم هو صلى الله عليه وآله حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيما رفيقا فأدب الله نبيه صلى الله عليه وآله بأمره إياه فقال: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محصورا (4) " يقول: إن الناس قد يسألونك ولا يعذرونك، فإذا أعطيت جميع ما عندك كنت قد خسرت من المال. فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله يصدقها الكتاب والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين. وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوص فقال: اوصي بالخمس والخمس كثير فإن الله قد رضي بالخمس. فأوصى بالخمس وقد جعل الله عزوجل له الثلث عند موته ولو علم أن الثلث خير له أوصى به. ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر رضي الله عنهما فأما سلمان رضي الله عنه فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتى يحضره عطاؤه من قابل. فقيل له: يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وإنك لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا. فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء. أو ما علمتم


(1) في بعض نسخ الكافي [ وأنت غير معذور عندي ]. (2) في الكافي [ فهلا اقتصدت فيه ]. (3) الاوقية - بضم فسكون وفتح الياء المشددة -: جزء من أجزاء الرطل. (4) سورة الاسرى آية 31. (*)

[ 352 ]

يا جهلة أن النفس تلتاث على صاحبها (1) إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت. فأما أبو ذر رضي الله عنه فكانت له نويقات وشويهات يحلبها (2) ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور، أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم (3) فيقسمه بينهم ويأخذ كنصيب أحدهم لا يفضل عليهم. ومن أزهد من هؤلاء ؟ وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا ألبتة كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم. واعلموا أيها النفر أني سمعت أبي يروي عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوما: " ما عجبت من شئ كعجبي من المؤمن أنه إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له، وإن ملك ما بين مشارق الارض ومغاربها كان خيرا له، فكل ما يصنع الله عزوجل به فهو خير له " فليت شعري هل يحيق فيكم اليوم (4) ما قد شرحت لكم أم أزيدكم. أو ما علمتم أن الله جل اسمه قد فرض على المؤمنين في أول الامر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولي وجهه عنهم ومن ولاهم يومئذ دبره فقد تبوأ مقعده من النار ثم حولهم من حالهم رحمة منه فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من الله عزوجل عن المؤمنين (5)، فنسخ الرجلان العشرة. وأخبروني أيضا عن القضاة أجور منهم حيث يفرضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: أنا زاهد وإنه لا شئ لي ؟ فإن قلتم: جور ظلمتم أهل الاسلام وإن


(1) " تلتاث " أي تبطئ وتحتبس عن الطاعات وتسترخى وتستضعف. (2) النويقات: جمع نويقة تصغير الناقة والشويهة: جمع شويهة تصغير الشاة. (3) أهل الماء هم الذين يسقون له الماء. والجزور - كرسول -: البعير وما ينحر من الابل و الغنم والشاة في بعض النسخ [ الشاة ] والقرم - محركة -: شدة شهوة اللحم. (4) يحيق فيه: أثر فيه. - وبه: أحاط. - وبهم: نزل. وفى بعض نسخ الكافي [ يحتفى ] وفى بعضها [ يحق ]. (5) في الكافي [ للمؤمنين ]. (*)

[ 353 ]

قلتم: بل عدل خصمتم أنفسكم. وحيث تريدون صدقة (1) من تصدق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث ؟ أخبروني لو كان الناس كلهم كما تريدون زهادا لا حاجة لهم في متاع غيرهم، فعلى من كان يتصدق بكفارات الايمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من الابل والغنم والبقر وغير ذلك من الذهب والفضة والنخل والزبيب وسائر ما قد وجبت فيه الزكاة ؟ إذا كان الامر على ما تقولون لا ينبغي لاحد أن يحبس شيئا من عرض الدنيا إلا قدمه وإن كان به خصاصة. فبئس ما ذهبتم إليه (2) وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وأحاديثه التي يصدقها الكتاب المنزل، أوردكم إياها بجهالتكم وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ والمحكم والمتشابه والامر والنهي. وأخبروني أنتم عن سليمان بن داود عليه السلام حيث سأل الله ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فأعطاه الله جل اسمه ذلك، وكان عليه السلام يقول الحق ويعمل به ثم لم نجد الله عاب ذلك عليه ولا أحدا من المؤمنين. وداود عليه السلام قبله في ملكه وشدة سلطانه. ثم يوسف النبي عليه السلام حيث قال لملك مصر: " اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم (3) " فكان أمره الذي كان اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن فكانوا يمتارون الطعام (4) من عنده لمجاعة أصابتهم، وكان عليه السلام يقول الحق ويعمل به فلم نجد أحدا عاب ذلك عليه. ثم ذو القرنين عبد أحب الله فأحبه، طوى له الاسباب وملكه مشارق الارض و مغاربها وكان يقول بالحق ويعمل به ثم لم نجد أحدا عاب ذلك عليه فتأدبوا أيها النفر بآداب الله عزوجل للمؤمنين واقتصروا على أمر الله ونهيه ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به وردوا [ ال‍ ] - علم إلى أهله توجروا وتعذروا عند الله تبارك وتعالى و كونوا في طلب علم الناسخ من القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه وما أحل


(1) كذا وفى الكافي [ حيث يردون صدقة ]. (2) في الكافي [ ذهبتم فيه ]. (3) سورة يوسف آية 56. (4) يمتارون: يحملون الطعام يقال: فلان يمتار أهله: إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلدهم. والميرة: طعام يمتار الانسان أي يجبله من بلد إلى بلد. (*)

[ 354 ]

الله فيه مما حرم، فإنه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل. ودعوا الجهالة لاهلها، فإن أهل الجهل كثير وأهل العلم قليل وقد قال الله: " وفوق كل ذي علم عليم " (1) * (كلامه عليه السلام في خلق الانسان وتركيبه) * قال عليه السلام: عرفان المرء نفسه أن يعرفها بأربع طبائع وأربع دعائم وأربعة أركان فطبايعه: الدم والمرة والريح والبلغم (2) ودعائمه: العقل ومن العقل الفهم والحفظ. وأركانه النور والنار والروح والماء. وصورته طينته. فأبصر بالنور وأكل وشرب بالنار وجامع وتحرك بالروح. ووجد طعم الذوق والطعام بالماء فهذا تأسيس صورته. فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالما حافظا ذكيا فطنا فهما وعرف فيما هو ومن أين يأتيه ولاي شئ هو ههنا وإلى ما هو صائر، باخلاص الوحدانية والاقرار بالطاعة وقد تجري فيه النفس وهي حارة وتجري فيه وهي باردة، فإذا حلت به الحرارة أشر وبطر وارتاح (3) وقتل وسرق وبهج واستبشر وفجر وزنا وبذخ. وإذا كانت باردة اهتم وحزن واستكان وذبل (4) ونسي، فهي العوارض التي تكون منها الاسقام ولا يكون أول ذلك إلا بخطيئة عملها فيوافق ذلك من مأكل أو مشرب في حد ساعات لا تكون تلك الساعة موافقة لذلك المأكل والمشرب بحال الخطيئة فيستوجب الالم من ألوان الاسقام. ثم قال عليه السلام بعد ذلك بكلام آخر: إنما صار الانسان يأكل ويشرب ويعمل بالنار ويسمع ويشم بالريح ويجد لذة الطعام والشراب بالماء ويتحرك بالروح فلولا أن النار في معدته لما هضمت الطاعم والشراب في جوفه. ولولا الريح ما التهبت نار المعدة ولا


(1) سورة يوسف آية 76. (2) المرة - بكسر ففتح مشددة -: خلط من خلط البدن كالصفراء أو السوداء والجمع مرار. (3) أشر - كعلم -: مرح. وبطر - كعلم - طغى بالنعمة فصرفها في غير وجهها، واخذته دهشة عند هجوم النعمة. والبطر - بالتحريك كمنع - شدة النشاط. وارتاح إلى الشئ: أحبه ومال إليه. والارتياح السرور والنشاط. والبذخ - بالتحريك -: الفخر والتطاول. (4) ذبل النبات كضرب ونصر -: قل ماؤها وذهبت نضارتها. وذبلت بشرته: قل ماء جلدته و ذهبت نضارته. وذبل الفرص: ضمر. (*)

[ 355 ]

خرج الثفل من بطنه (1) ولو لا الروح لا جاء ولا ذهب. ولو لا برد الماء لاحرقته نار المعدة. ولو لا النور ما أبصر ولا عقل. والطين صورته. والعظم في جسده بمنزلة الشجر في الارض. والشعر في جسده بمنزلة الحشيش في الارض. والعصب في جسده بمنزلة اللحاء على الشجر (2). والدم في جسده بمنزلة الماء في الارض. ولا قوام للارض إلا بالماء ولا قوام لجسد الانسان إلا بالدم. والمخ دسم الدم وزبده. فهكذا الانسان خلق من شأن الدنيا وشأن الآخرة فإذا جمع الله بينهما صارت حياته في الارض، لانه نزل من شأن السماء إلى الدنيا، فإذا فرق الله بينهما صارت تلك الفرقة الموت يرد شأن الآخرة إلى السماء. فالحياة في الارض والموت في السماء وذلك أنه يفرق بين الروح والجسد، فردت الروح والنور إلى القدرة الاولى وترك الجسد لانه من شأن الدنيا. وإنما فسد الجسد في الدنيا لان الريح تنشف الماء (3) فيبس الطين فيصير رفاتا ويبلى ويرد كل إلى جوهره الاول وتحركت الروح بالنفس والنفس حركتها من الريح، فما كان من نفس المؤمن فهو نور مؤيد بالعقل. وما كان من نفس الكافر فهو نار مؤيد بالنكراء (4)، فهذا من صورة ناره وهذا من صورة نوره والموت رحمة من الله لعبده المؤمن ونقمة على الكافر. ولله عقوبتان إحداهما من الروح والاخرى تسليط الناس بعض على بعض، فما كان من قبل الروح فهو السقم والفقر. وما كان من تسليط فهو النقمة وذلك قول الله عزوجل: " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (5) " من الذنوب. فما كان من ذنب الروح فعقوبته بذلك السقم والفقر. وما كان من تسليط فهو النقمة. وكل ذلك


(1) الثفل - بالضم -: حثالة الشئ وهى ما يستقر في أسفل الشئ من كدرة والمراد هنا: النجاسة والعذرة. (2) اللحاء - بالكسر -: قشر العود أو الشجر. (3) نشف الماء: أخذه من مكانه وتنشف الثوب العرق: شربه. (4) النكراء: الدهاء والفطنة بالمنكر والشيطنة. (5) سورة الانعام آية 129. (*)

[ 356 ]

عقوبة للمؤمن في الدنيا وعذاب له فيها. وأما الكافر فنقمة عليه في الدنيا وسوء العذاب في الآخرة ولا يكون ذلك إلا بذنب والذنب من الشهوة وهي من المؤمن خطاء ونسيان وأن يكون مستكرها ومالا يطيق. وما كان من الكافر فعمد وجحود واعتداء وحسد وذلك قول الله عزوجل: " كفارا حسدا من عند أنفسهم (1) ". * (ومن حكمه عليه السلام) * لا يصلح من لا يعقل (2). ولا يعقل من لا يعلم. وسوف ينجب من يفهم. ويظفر من يحلم. والعلم جنة. والصدق عز. والجهل ذل. والفهم مجد (3). والجود نجح. وحسن الخلق مجلبة للمودة. والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس (4). والحزم مشكاة الظن (5) والله ولي من عرفه وعدو من تكلفه. والعاقل غفور والجاهل ختور (6). وإن شئت أن تكرم فلن. وإن شئت أن تهان فاخشن. ومن كرم أصله لان قلبه. ومن خشن عنصره غلظ كبده (7). ومن فرط تورط (8). ومن خاف العاقبة تثبت فيما لا يعلم. ومن هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه (9). ومن لم يعلم لم يفهم. ومن لم يفهم لم يسلم. ومن لم يسلم لم يكرم. ومن لم يكرم تهضم. ومن تهضم كان ألوم (10). ومن كان كذلك كان أحرى أن يندم. إن قدرت أن لا تعرف فافعل. وما عليك إذا لم يثن الناس


(1) سورة البقرة آية 103 (2) رواها الكليني في الكافي ج 1 ص 26 وفيه [ لا يفلح من لا يعقل ]. (3) المجد: العز والرفعة. والنجح: الفوز والظفر. (4) اللبس - بالفتح -. الشبهة، أي لا تدخل عليه الشبهات. (5) المشكاة: كوة غير نافذة وأيضا: ما يوضع فيها المصباح. وفى الكافي [ والحزم مساءة الظن ] والمساءة مصدر ميمى. (6) ختر - كضرب ونصر - ختورا: خبث وفسد. والختر: الغدر والخديعة. (7) العنصر: الاصل. " وغلظ كبده " أي قسا قلبه. (8) أي من قصر في طلب الحق وفعل الطاعات اوقع نفسه في ورطات المهالك. (9) أي ذل نفسه. (10) تهضم من باب التفعل. وفى بعض النسخ [ يهضم ] في الموضعين أي يظلم ويغصب. (*)

[ 357 ]

عليك. وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله محمودا، إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: " لا خير في الحياة إلا لاحد رجلين: رجل يزداد كل يوم فيها إحسانا ورجل يتدارك منيته بالتوبة (1) " إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل وإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنع ولا تداهن. صومعة المسلم بيته يحبس فيه نفسه وبصره ولسانه وفرجه. إن من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله قبل أن يظهر شكرها على لسانه. ثم قال عليه السلام: كم من مغرور بما أنعم الله عليه. وكم من مستدرج بستر الله عليه. وكم من مفتون بثناء الناس عليه. إني لارجو النجاة لمن عرف حقنا من هذه الامة إلا [ ل‍ ] أحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر. صاحب هوى. والفاسق المعلن. الحب أفضل من الخوف. والله ما أحب الله من أحب الدنيا ووالى غيرنا ومن عرف حقنا وأحبنا فقد أحب الله. كن ذنبا ولا تكن رأسا. قال رسول الله صلى الله عليه وآله من خاف كل لسانه. * (وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني) * قال صلوات الله عليه: من أنصف الناس من نفسه رضي به حكما لغيره. وقال عليه السلام: إذا كان الزمان زمان جور وأهله أهل غدر فالطمأنينة إلى كل أحد عجز (2). وقال عليه السلام: إذا اضيف البلاء إلى البلاء كان من البلاء عافية. وقال عليه السلام: إذا أردت أن تعلم صحة ما عند أخيك فأغضبه فإن ثبت لك على المودة فهو أخوك وإلا فلا. وقال عليه السلام: لا تعتد بمودة أحد حتى تغضبه ثلاث مرات. وقال عليه السلام: لا تثقن بأخيك كل الثقة، فإن صرعة الاسترسال لا تستقال (3).


(1) في بعض نسخ الكافي [ سيئته بالتوبة ]. (2) في بعض النسخ [ فلا طمأنينة إلى كل أحد ]. (3) الصرعة - بالفتح -: المرة من صرع. - وبالضم - المبالغ في الصرع أن من يصرعه الناس كثيرا. والاسترسال: الطمأنينة والاستيناس إلى الغير والثقة فيما يحدثه. وأصل الاسترسال: السكون والثبات. وقد مضى نظير هذا الكلام فيما تقدم. وفى بعض نسخ الحديث [ فان سرعة الاسترسال ]. (*)

[ 358 ]

وقال عليه السلام: الاسلام درجة. والايمان على الاسلام درجة. واليقين على الايمان درجة (1). وما أوتي الناس أقل من اليقين. وقال عليه السلام: إزالة الجبال أهون من إزالة قلب عن موضعه. وقال عليه السلام: الايمان في القلب واليقين خطرات. وقال عليه السلام: الرغبة في الدنيا تورث الغم والحزن (2). والزهد في الدنيا راحة القلب والبدن. وقال عليه السلام: من العيش دار يكرى وخبر يشرى. وقال عليه السلام لرجلين تخاصما بحضرته: أما إنه لم يظفر بخير من ظفر بالظلم. ومن يفعل السوء بالناس فلا ينكر السوء إذا فعل به. وقال عليه السلام: التواصل بين الاخوان في الحضر التزاور والتواصل في السفر المكاتبة. وقال عليه السلام: لا يصلح المؤمن إلا على ثلاث خصال: التفقه في الدين وحسن التقدير في المعيشة والصبر على النائبة. وقال عليه السلام: المؤمن لا يغلبه فرجه. ولا تفضحه بطنه. وقال عليه السلام: صحبة عشرين سنة قرابة. وقال عليه السلام: لا تصلح الصنيعة إلا عند ذي حسب أو دين. وما أقل من يشكر المعروف. وقال عليه السلام: إنما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ، أو جاهل فيتعلم. فأما صاحب سوط وسيف فلا (3). وقال عليه السلام: إنما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من كانت فيه ثلاث خصال: عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. عادل فيما يأمر، عادل فيما ينهى. رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى.


(1) كذا وفى الكافي [ والتقوى على الايمان درجة واليقين على التقوى درجة ] (2) في بعض النسخ [ تورث النقم والحزن ]. (3) لانه - كثيرا ما - لا يؤثر فيهم وكل صاحب قدرة وسلطنة مغرور الا من التزم الحق واتباعه. (*)

[ 359 ]

وقال عليه السلام: من تعرض لسلطان (1) جائر فأصابته منه بلية لم يؤجر عليها ولم يرزق الصبر عليها. وقال عليه السلام: إن الله أنعم على قوم بالمواهب فلم يشكروه فصارت عليهم وبالا. وابتلى قوما بالمصائب فصبروا فكانت عليهم نعمة. وقال عليه السلام: صلاح حال التعايش والتعاشر ملء مكيال (2) ثلثاه فطنة وثلثه تغافل. وقال عليه السلام: ما أقبح الانتقام بأهل الاقدار (3). وقيل له: ما المروة ؟ فقال عليه السلام: لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك من حيث أمرك. وقال عليه السلام: اشكر من أنعم عليك. وأنعم على من شكرك، فإنه لا إزالة للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت. والشكر زيادة في النعم وأمان من الفقر. وقال عليه السلام: فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها. وأشد من المصيبة سوء الخلق منها. وسأله رجل: أن يعلمه ما ينال به خير الدنيا والآخرة ولا يطول عليه (4) ؟ فقال عليه السلام: لا تكذب. وقيل له: ما البلاغة ؟ فقال عليه السلام: من عرف شيئا قل كلامه فيه. وإنما سمي البليغ لانه يبلغ حاجته بأهون سعيه. وقال عليه السلام: الدين غم بالليل وذل بالنهار. وقال عليه السلام: إذا صلح أمر دنياك فاتهم دينك. وقال عليه السلام: بروا آبائكم يبركم أبناؤكم. وعفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم.


(1) أي تصدى لطلب فضله وإحسانه. (2) في بعض النسخ [ على مكيال ]. تعايش القوم: عاشوا مجتمعين على الفة ومودة. وتعاشر القوم: تخالطوا وتصاحبوا. (3) الظاهر أن المراد من يقدر عليهم الرزق والمعيشة أي الضعفاء: والاقدار: جمع قدر. (4) " ولا يطول " بالتخفيف أي لا يجعله طويلا بل مختصرا وموجزا. (*)

[ 360 ]

وقال عليه السلام: من ائتمن خائنا على أمانة لم يكن له على الله ضمان (1). وقال عليه السلام لحمران بن أعين: يا حمران انظر من هو دونك في المقدرة (2) ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإن ذلك أقنع لك بما قسم الله لك وأحرى أن تستوجب الزيادة منه عزوجل. واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين. واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله والكف عن أذى المؤمنين واغتيابهم. ولا عيش أهنأ من حسن الخلق. ولا مال أنفع من القناعة باليسير المجزئ. ولا جهل أضر من العجب. وقال عليه السلام: الحياء على وجهين فمنه ضعف ومنه قوة وإسلام وإيمان. وقال عليه السلام: ترك الحقوق مذلة وإن الرجل يحتاج إلى أن يتعرض فيها للكذب. وقال عليه السلام: إذا سلم الرجل من الجماعة أجزأ عنهم. وإذا رد واحد من القوم أجزأ عنهم (3). وقال عليه السلام: السلام تطوع والرد فريضة (4). وقال عليه السلام: من بدأ بكلام قبل سلام فلا تجيبوه (5). وقال عليه السلام: إن تمام التحية (6) للمقيم المصافحة. وتمام التسليم على المسافر المعانقة. وقال عليه السلام: تصافحوا، فإنها تذهب بالسخيمة (7).


(1) الضمان - بالفتح -: ما يلتزم بالرد. (2) المقدرة - بتثليث الدال -: القوة والغنى. وحمران - كسبحان وقيل: كسكران - ابن أعين كاحمد - الشيباني الكوفى تابعي مشكور يكنى أبا الحسن وقيل: أبا حمزة من أصحاب الصادقين بل من حواريهما عليهما السلام ولقى على بن الحسين عليهما السلام وكان من أكابر مشايخ الشيعة المفضلين الذين لا يشك فيهم وكان أحد حملة القرآن وقرأ على أبى جعفر الباقر عليه السلام وقيل: ان حمزة أحد القراء السبعة قرأ عليه وكان عالما بالنحو واللغة. (3) في الكافي عن غياث بن ابراهيم عنه عليه السلام [ قال إذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم وإذا رد واحد أجزأ عنهم ]. (4) تطوع: تبرع والمراد أن السلام تطوع ابتداء. والكليني رواه عن ابى عبد الله عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " السلام تطوع والرد فريضة ". (5) في الكافي [ من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه ]. (6) في الكافي [ إن من تمام التحية... الخ ]. (7) السخيمة: الضغينة والحقد في النفس. (*)

[ 361 ]

وقال عليه السلام: اتق الله بعض التقى وإن قل. ودع بينك وبينه سترا وإن رق. وقال عليه السلام: من ملك نفسه إذا غضب وإذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى حرم الله جسده على النار. وقال عليه السلام العافية نعمة خفيفة (1) إذا وجدت نسيت وإذا عدمت ذكرت. وقال عليه السلام: لله في السراء نعمة التفضل وفي الضرات نعمة التطهر (2). وقال عليه السلام: كم من نعمة لله على عبده في غير أمله. وكم من مؤمل أملا الخيار في غيره. وكم من ساع إلى حتفه وهو مبطئ عن حظه. وقال عليه السلام: قد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا، ولكل نعمة شكرا، ولكل عسر يسرا. اصبر نفسك عند كل بلية ورزية في ولد. أو في مال، فإن الله إنما يقبض عاريته وهبته ليبلو شكرك وصبرك. وقال عليه السلام: ما من شئ إلا وله حد. قيل: فما حد اليقين ؟ قال عليه السلام: أن لا تخاف شيئا. وقال عليه السلام: ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز (3)، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الاعداء، ولا يتحمل الاصدقاء (4)، بدنه منه في تعب والناس منه في راحة. وقال عليه السلام: إن العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والصبر أمير جنوده والرفق أخوه واللين ولده. (1) ". وقال أبو عبيدة (5): ادع الله لي أن لا يجعل رزقي على أيدي العباد. فقال عليه السلام:


(1) وفى بعض النسخ [ خفية ]. (2) التفضل: النيل من الفضل. والتطهر: التنزه عن الادناس أي المعاصي. (3) الوقور - للمذكر والمؤنث -: ذو وقار. والهزاهز: الفتن التى يهز الناس. وتطلق على الشدائد والحروب. (4) " يتحمل " أي ولا يحمل على الاصدقاء ولا يتكلف عليهم. وفى الكافي ج 2 ص 232 [ لا يتحامل للاصدقاء ] ما يشق عليهم ويضر بحالهم. وفى بعض نسخ الحديث [ وأن لا يتعامل للاصدقاء ]. (5) الظاهر أنه أبو عبيدة الحذاء زياد بن عيسى الكوفى من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام ومات في زمان الصادق عليه السلام. (*)

[ 362 ]

أبى الله عليك ذلك إلا إن يجعل أرزاق العباد بعضهم من بعض. ولكن ادع الله أن يجعل رزقك على أيدي خيار خلقه. فإنه من السعادة ولا يجعله على أيدي شرار خلقه، فإنه من الشقاوة. وقال عليه السلام: العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق (1)، فلا تزيده سرعة السير إلا بعدا. وقال عليه السلام في قول الله عزوجل: " اتقوا الله حق تقاته (2) " قال: يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر. وقال عليه السلام: من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا (3). وقال عليه السلام: الخائف من لم تدع له الرهبة لسانا ينطق به. وقيل له عليه السلام: قوم يعملون بالمعاصي ويقولون: نرجو فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت. فقال عليه السلام: هؤلاء قوم يترجحون في الاماني كذبوا ليس يرجون (4) إن من رجا شيئا طلبه. ومن خاف من شئ هرب منه. وقال عليه السلام: إنا لنحب من كان عاقلا عالما فهما فقيها حليما مداريا صبورا صدوقا وفيا (5)، إن الله خص الانبياء عليهم السلام بمكارم الاخلاق، فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك ومن لم تكن فيه فليتضرع إلى الله وليسأله إياها قيل له: وما هي ؟ قال عليه السلام: الورع والقناعة والصبر والشكر والحلم والحياء والسخاء والشجاعة والغيرة وصدق الحديث والبر وأداء الامانة واليقين وحسن الخلق والمروة. وقال عليه السلام: من أوثق عرى الايمان أن تحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله.


(1) في الكافي [ على غير الطريق ]. (2) سورة آل عمران آيه 97. (3) سخيت نفسي عنه أي تركته ولم تنازعني إليه نفسي. (4) في الكافي [ كذبوا ليسوا براجين ]. (5) الوافى: الكثير الوفاء. وايضا الذى يعطى الحق ويأخذ الحق والجمع أوفياء كأصدقاء. (*)

[ 363 ]

وقال عليه السلام: لا يتبع الرجل بعد موته إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها الله له في حياته فهي تجري له بعد موته. وسنة هدى يعمل بها. وولد صالح يدعو له. وقال عليه السلام: إن الكذبة لتنقض الوضوء إذا توضأ الرجل للصلاة. وتفطر الصيام فقيل له: إنا نكذب. فقال عليه السلام: ليس هو باللغو ولكنه الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة صلوات الله عليهم ثم قال: إن الصيام ليس من الطعام ولا من الشراب وحده، إن مريم عليها السلام قالت: " إني نذرت للرحمن صوما (1) " أي صمتا، فاحفظوا ألستنكم وغضوا أبصاركم ولا تحاسدوا ولا تنازعوا، فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب. وقال عليه السلام: من أعلم الله ما لم يعلم اهتز له عرشه (2). وقال عليه السلام: إن الله علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلى الله مؤمنا بذنب أبدا. وقال عليه السلام: من ساء خلقه عذب نفسه. وقال عليه السلام: المعروف كاسمه وليس شئ أفضل من المعروف إلا ثوابه. والمعروف هدية من الله إلى عبده. وليس كل من يحب أن يصنع المعروف إلى الناس يصنعه. ولا كل من رغب فيه يقدر عليه. ولا كل من يقدر عليه يؤذن له فيه. فإذا من الله على العبد جمع له الرغبة في المعروف والقدرة والاذن فهناك تمت السعادة والكرامة للطالب والمطلوب إليه. وقال عليه السلام: لم يستزد في محبوب بمثل الشكر. ولم يستنقص من مكروه بمثل الصبر. وقال عليه السلام: ليس لابليس جند أشد من النساء والغضب. وقال عليه السلام: الدنيا سجن المؤمن والصبر حصنه. والجنة مأواه. والدنيا جنة الكافر. والقبر سجنه. والنار مأواه.


(1) سورة مريم آية 27. (2) في بعض النسخ [ من اعلم الله مالا يعلم اهتز عرشه ]. (*)

[ 364 ]

وقال عليه السلام: ولم يخلق الله يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت. وقال عليه السلام: إذا رأيتم العبد يتفقد الذنوب من الناس، ناسيا لذنبه فأعلموا أنه قد مكر به. وقال عليه السلام: الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم المحتسب. والمعافى الشاكر له مثل أجر المبتلى الصابر. وقال عليه السلام: لا ينبغي لمن لم يكن عالما أن يعد سعيدا. ولا لمن لم يكن ودودا أن يعد حميدا. ولا لمن لم يكن صبورا أن يعد كاملا. ولا لمن لا يتقي ملامة العلماء وذمهم أن يرجى له خير الدنيا والآخرة وينبغي للعاقل أن يكون صدوقا ليؤمن على حديثه وشكورا ليستوجب الزيادة. وقال عليه السلام: ليس لك أن تأتمن الخائن وقد جربته وليس لك أن تتهم من ائتمنت. وقيل له: من أكرم الخلق على الله ؟ فقال عليه السلام: أكثرهم ذكرا لله وأعملهم بطاعة الله. قلت: فمن أبغض الخلق إلى الله ؟ قال عليه السلام: من يتهم الله. قلت: أحد يتهم الله ؟ قال عليه السلام: نعم من استخار الله فجاءته الخير بما يكره فيسخط فذلك يتهم الله. قلت: ومن ؟ قال: يشكو الله ؟ قلت: وأحد يشكوه ؟ قال عليه السلام: نعم، من إذا ابتلي شكى بأكثر مما أصابه. قلت: ومن ؟ قال عليه السلام: إذا أعطي لم يشكر وإذا ابتلي لم يصبر. قلت: فمن أكرم الخلق على الله ؟ قال عليه السلام: من إذا اعطي شكر وإذا ابتلي صبر. وقال عليه السلام: ليس لملول (1) صديق. ولا لحسود غنى. وكثرة النظر في الحكمة تلقح العقل. وقال عليه السلام: كفى بخشية الله علما. وكفى بالاغترار به جهلا. وقال عليه السلام: أفضل العبادة العلم بالله والتواضع له. وقال عليه السلام: عالم أفضل من ألف عابد وألف زاهد وألف مجتهد (2). وقال عليه السلام: إن لكل شئ زكاة وزكاة العلم أن يعلمه أهله.


(1) الملول: ذو الملل، صفة بمعنى الفاعل. وفى الخصال [ للملك ] وفى أمالى الشيخ [ للملوك ]. (2) أي مجتهد في العبادة. (*)

[ 365 ]

وقال عليه السلام: القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار. ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار. ورجل قضى بحق وهو لا يعلم فهو في النار. ورجل قضى بحق وهو يعلم فهو في الجنة. وسئل: عن صفة العدل من الرجل ؟ فقال عليه السلام: إذا غض طرفه عن المحارم و لسانه عن المآثم وكفه عن المظالم. وقال عليه السلام: كل ما حجب الله عن العباد فموضوع عنهم حتى يعرفهموه. وقال عليه السلام لداود الرقي (1): تدخل يدك في فم التنين (2) إلى المرفق خير لك من طلب الحوائج إلى من لم يكن له وكان (3). وقال عليه السلام: قضاء الحوائج إلى الله وأسبابها - بعد الله - العباد تجري على أيديهم، فما قضى الله من ذلك فاقبلوا من الله بالشكر، وما زوى عنكم (4) منها فاقبلوه عن الله بالرضا والتسليم والصبر فعسى أن يكون ذلك خيرا لكم، فإن الله أعلم بما يصلحكم وأنتم لا تعلمون. وقال عليه السلام: مسألة ابن آدم لابن آدم فتنة، إن أعطاه حمد من لم يعطه. وإن رده ذم من لم يمنعه.


(1) الرقى - بفتح الراء وقيل: بكسرها وتشديد القاف - نسبة إلى الرقة اسم لمواضع بلدة بقوهستان وأخريان من بساتين بغداد صغرى وكبرى، وبلدة اخرى في غربي بغداد وقرية كبيرة أسفل منها بفرسخ على الفرات غربي الانبار وهيت، كانت مصيف آل المنذر ملوك العراق ومنتزه الرشيد العباسي. قال علماء الرجال: " وهى التى ينصرف إليها إطلاق لفظ الرقة منها داود الرقى " وهو داود بن كثير بن أبى خالد الرقى مولى بنى أسد من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام ثقة وله أصل وكتاب، عاش إلى زمان الرضا عليه السلام. (2) التنين - كسكيت -: الحوت، والحية العظيمة كنيته أبو مرداس. قيل: " إنه شر من الكوسج وفى فمه أنياب مثل أسنة الرماح وهو طويل كالنخلة السحوق، أحمر العينين مثل الدم، واسع الفم والجوف، براق العينين، يبلع كثيرا من حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لقوته الشديدة ". (3) وفى بعض النسخ [ فكان ]. (4) زواه - من باب رمى -: نحاه ومنعه. وعنه طواه وصرفه. والشى: جمعه وقبضه. (*)

[ 366 ]

وقال عليه السلام: إن الله قد جعل كل خير في التزجية (1). وقال عليه السلام: إياك ومخالطة السفلة، فإن مخالطة السفلة لا تؤدي إلى خير (2). وقال عليه السلام: الرجل يجزع من الذل الصغير فيدخله ذلك في الذل الكبير. وقال عليه السلام: أنفع الاشياء للمرء سبقه الناس إلى عيب نفسه. وأشد شئ مؤونة إخفاء الفاقة. وأقل الاشياء غناء النصيحة لمن لا يقبلها ومجاورة الحريص. وأروح الروح اليأس من الناس. لا تكن ضجرا ولا غلقا. وذلل نفسك باحتمال من خالفك ممن هو فوقك ومن له الفضل عليك، فإنما أقررت له بفضله (3) لئلا تخالفه. ومن لا يعرف لاحد الفضل فهو المعجب برأيه. واعلم أنه لا عز لمن لا يتذلل لله. ولا رفعة لمن لا يتواضع لله. وقال عليه السلام: إن من السنة لبس الخاتم (4). وقال عليه السلام: أحب إخواني إلي من أهدى إلي عيوبي. وقال عليه السلام: لا تكون الصداقة إلا بحدودها فمن كانت فيه هذه الحدود أو شئ منه. وإلا فلا تنسبه إلى شئ من الصداقة: فأولها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة. والثانية أن يرى زينك زينه وشينك شينه. والثالثة أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال. والرابعة لا يمنعك شيئا تناله مقدرته (5) والخامسة وهي تجمع هذه الخصال أن لا يسلمك عند النكبات. وقال عليه السلام: مجاملة الناس ثلث العقل. (6). وقال عليه السلام: ضحك المؤمن تبسم.


زجا يزجو زجوا وزجى تزجية وأزجى إزجاء وازدجى فلانا: ساقه، دفعه برفق، يقال: " زجى فلان حاجتى " أي سهل تحصيلها. وفى بعض النسخ [ في الترجية ]. (2) في بعض نسخ الحديث [ لا تؤول إلى خير ]. (3) أي ذلل نفسك فلعل من خالفك كان له الفضل عليك. (4) وفى بعض النسخ [ لباس الخاتم ]. (5) المقدرة - بتثليث الدال -: القوة والغنى. (6) المجاملة: حسن الصنيعة مع الناس والمعاملة بالجميل. (*)

[ 367 ]

وقال عليه السلام: ما ابالي إلى من ائتمنت خائنا أو مضيعا (1). وقال عليه السلام للمفضل (2): اوصيك بست خصال تبلغهن شيعتي. قلت: وما هن يا سيدي ؟ قال عليه السلام: أداء الامانة إلى من ائتمنك. وأن ترضى لاخيك ما ترضى لنفسك. واعلم أن للامور أواخر فاحذر العواقب. وأن للامور بغتات (3) فكن على حذر. وإياك ومرتقي جبل سهل إذا كان المنحدر وعرا (4). ولا تعدن أخاك وعدا ليس في يدك وفاؤه. وقال عليه السلام: ثلاث لم يجعل الله لاحد من الناس فيهن رخصة: بر الوالدين برين كانا أو فاجرين. ووفاء بالعهد للبر والفاجر. وأداء الامانة إلى البر والفاجر. وقال عليه السلام: إني لارحم ثلاثة وحق لهم أن يرحموا. عزيز أصابته مذلة بعد العز. وغني أصابته حاجة بعد الغنى. وعالم يستخف به أهله والجهلة (5). وقال عليه السلام: من تعلق قلبه بحب الدنيا تعلق من ضررها بثلاث خصال: هم لا يفنى وأمل لا يدرك ورجاء لا ينال. وقال عليه السلام: المؤمن لا يخلق على الكذب ولا على الخيانة. وخصلتان لا يجتمعان


(1) ان المراد ان الرجل الخائن والمضيع عندي سيان. (2) هو أبو عبد الله مفضل بن عمر الجعفي الكوفى من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام بل من شيوخ أصحاب الصادق عليه السلام وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين صاحب الرسالة المعروفة بتوحيد المفضل المروى عن الصادق عليه السلام. (3) البغتات - جمع بغتة - أي الفجأة. (4) المنحدر: مكان الانحدار أي الهبوط والنزول. والوعر: ضد السهل أي المكان الصلب و هو الذى مخيف الوحش. (5) قد مر هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وآله في قصار كلماته ونظمه بعض الشعراء وقال: گفت پيغمبر كه رحم آريد بر * حال من كان غنيا فافتقر - والذى كان غزيزا فاحتقر * أو صفيا عالما بين المضر أي مهان يعنى كه براين سه گروه * رحم آريد آرز سنگيد أر زكوه آنكه أو بعد از عزيزى خوار شد * وانكه بد با مال بى اموال شد وآن سوم آن عالمى كاندر جهان * مبتلا گشته ميان ابلهان (*)

[ 368 ]

في المنافق: سمت حسن (1) وفقه في سنة. وقال عليه السلام: الناس سواء كأسنان المشط. والمرء كثير بأخيه (2). ولا خير في صحبة من لم ير لك مثل الذي يرى لنفسه. وقال عليه السلام: من زين الايمان الفقه. ومن زين الفقه الحلم. ومن زين الحلم الرفق. ومن زين الرفق اللين. ومن زين اللين السهولة. وقال عليه السلام: من غضب عليك من إخوانك ثلاث مرات فلم يقل فيك مكروها فأعده لنفسك. وقال عليه السلام: يأتي على الناس زمان ليس فيه شئ أعز من أخ أنيس وكسب درهم حلال. وقال عليه السلام: من وقف نفسه موقف التهمة فلا يلومن من أساء به الظن. ومن كتم سره كانت الخيرة في يده (3). وكل حديث جاوز اثنين فاش (4). وضع أمر أخيك على أحسنه ولا تطلبن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا. وعليك بإخوان الصدق. فإنهم عدة عند الرخاء (5) وجنة عند البلاء. وشاور في حديثك الذين يخافون الله. وأحبب الاخوان على قدر التقوى. واتق شرار النساء وكن من خيارهن على حذر وإن أمرنكم بالمعروف فخالفوهن حتى لا يطمعن منكم في المنكر. وقال عليه السلام: المنافق إذا حدث عن الله وعن رسوله كذب. وإذا وعد الله ورسوله أخلف. وإذا ملك خان الله ورسوله في ماله. وذلك قوله الله عزوجل: " فأعبقهم نفاقا في قلوبهم


(1) السمت: الطريق والمحجة. وأيضا. هيئة أهل الخير وهو المراد ههنا أي السكينة والوقار و حسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة. يقال: فلان حسن السمت أي حسن المذهب في الامور كلها. (2) أي ليس هو وحده بل هو كثير. (3) الخيرة - بفتح فسكون أو بكسر ففتح -: الاختيار. (4) قال الشاعر: كل سر جاوز الاثنين شاع * كل علم ليس في القرطاس ضاع (5) العدة - بالضم -: الاستعداد وما أعددته أي هيأته للحوادث والنوائب و - بالفتح -: الجماعة. (*)

[ 369 ]

إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (1) " وقوله: " وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (2) ". وقال عليه السلام: كفى بالمرء خزيا أن يلبس ثوبا يشهره (3)، أو يركب دابة مشهورة قلت: وما الدابة المشهورة ؟ قال عليه السلام: البلقاء (4). وقال عليه السلام: لا يبلغ أحدكم حقيقة الايمان حتى يحب أبعد الخلق منه في الله ويبغض أقرب الخلق منه في الله. وقال عليه السلام: من أنعم الله عليه نعمة فعرفها بقلبه وعلم أن المنعم عليه الله فقد أدى شكرها وإن لم يحرك لسانه ومن علم أن المعاقب على الذنوب الله فقد استغفر وإن لم يحرك به لسانه. وقرأ: " إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه - الآية - " (5). وقال عليه السلام: خصلتين مهلكتين: تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم (6). وقال عليه السلام لابي بصير (7): يا أبا محمد لا تفتش الناس عن أديانهم فتبقى بلا صديق. وقال عليه السلام: الصفح الجميل أن لا تعاقب على الذنب. والصبر الجميل: الذي ليس فيه شكوى. وقال عليه السلام: أربع من كن فيه كان مؤمنا وإن كان من قرنه إلى قدمه ذنوب الصدق. والحياء. وحسن الخلق. والشكر. وقال عليه السلام: لا تكون مؤمنا حتى تكون خائفا راجيا. ولا تكون خائفا راجيا حتى تكون عاملا لما تخاف وترجو.


(1) سورة التوبة آية 78. (2) سورة الانفال آية 72. (3) في بعض النسخ [ بالشهرة ]. (4) البلقاء: مؤنث الابلق - كحمراء وأحمر -: الذى كان في لونه سواد وبياض. (5) سورة البقرة آية 284. (6) تقدير الكلام: اتق خصلتين. (7) هو يحيى بن أبى القاسم اسحاق الاسدي الكوفى المكنى بابى بصير وأبى محمد المتوفى سنة 150 إمامى ثقة عدل من أصحاب الاجماع ومن خواص أصحاب الباقرين عليهما السلام وقد افرد جماعة من العلماء رسالة في ترجمته وأطال الكلام فيه صاحب تنقيح المقال وقيل: هو خال شعيب العقرقوفى. (*)

[ 370 ]

وقال عليه السلام: ليس الايمان بالتحلي (1) ولا بالتمني ولكن الايمان ما خلص في القلوب وصدقته الاعمال. وقال عليه السلام: إذا زاد الرجل على الثلاثين فهو كهل. وإذا زاد على الاربعين فهو شيخ. وقال عليه السلام: الناس في التوحيد على ثلاثة أوجه: مثبت وناف ومشبه، فالنافي مبطل. والمثبت مؤمن. والمشبه مشرك. وقال عليه السلام: الايمان إقرار وعمل ونية. والاسلام إقرار وعمل (2). وقال عليه السلام: لا تذهب الحشمة (3) بينك وبين أخيك وأبق منها، فإن ذهاب الحشمة ذهاب الحياء وبقاء الحشمة بقاء المودة. وقال عليه السلام: من احتشم أخاه حرمت وصلته. ومن اغتمه سقطت حرمته. وقيل له: خلوت بالعقيق (4) وتعجبك الوحدة. فقال عليه السلام: لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت من نفسك. ثم قال عليه السلام: أقل ما يجد العبد في الوحدة أمن مداراة الناس (5). وقال عليه السلام: ما فتح الله على عبد بابا من الدنيا إلا فتح عليه من الحرص مثليه (6). وقال عليه السلام: المؤمن في الدنيا غريب، لا يجزع من ذلها ولا يتنافس أهلها في عزها. وقيل له: أين طريق الراحة ؟ فقال عليه السلام: في خلاف الهوى. قيل: فمتى يجد عبد الراحة ؟ فقال عليه السلام: عند أول يوم يصير في الجنة. وقال عليه السلام: لا يجمع الله لمنافق ولا فاسق حسن السمت والفقه وحسن الخلق أبدا. وقال عليه السلام: طعم الماء الحياة. وطعم الخبز القوة. وضعف البدن وقوته من شحم


(1) أي التزين به ظاهرا بدون يقين القلب. (2) المراد بالنية: الاخلاص والاقرار بالقلب. (3) الحشمة: الحياء. الانقباض. الغضب. واحتشم: غضب. انقبض: استحيا. (4) خلا به يخلو خلوة وخلوا وخلاءا: اجتمع معه على خلوة. وخلا الرجل بنفسه: انفرد. العقيق: خرز أحمر والواحدة العقيقة. واسم موضع ولعل المراد أنك تذهب إلى العقيق وحدك واعتزلت. وهى كناية عن الوحدة والانزواء. أي إنك مقيم في العقيق ولا تخرج إلى الناس. وفى نسخة [ العفيفة ]. (5) كذا. (6) حرصا لما ناله وحرصا لما لا يناله. (*)

[ 371 ]

الكليتين (1). وموضع العقل الدماغ. والقسوة والرقة في القلب. وقال عليه السلام: الحسد حسدان: حسد فتنة وحسد غفلة، فأما حسد الغفلة فكما قالت الملائكة حين قال الله: " إني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (2) " أي اجعل ذلك الخليفة منا ولم يقولوا، حسدا لآدم من جهة الفتنة والرد والجحود. والحسد الثاني الذي يصير به العبد إلى الكفر والشرك فهو حسد إبليس في رده على الله وإبائه عن السجود لآدم عليه السلام. وقال عليه السلام: الناس في القدرة على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الامر مفوض إليه فقد وهن الله في سلطانه فهو هالك. ورجل يزعم أن الله أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون، فقد ظلم الله في حكمه فهو هالك. ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقونه ولم يكلفهم ما لا يطيقونه، فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ. وقال عليه السلام: المشي المستعجل يذهب ببهاء المؤمن ويطفئ نوره. وقال عليه السلام: إن الله يبغض الغني الظلوم. وقال عليه السلام: الغضب ممحقة لقلب الحكيم. ومن لم يملك غضبه لم يملك عقله. وقال الفضيل بن عياض (3): قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أتدري من الشحيح ؟


(1) أي منوطة بها. وفي الحديث " لا يستلقين أحدكم في الحمام فانه يذيب شحم الكليتين ". وفي حديث آخر " إدمانه كل يوم يذيب شحم الكليتين ". مكارم الاخلاق. (2) سورة البقرة آية 28. (3) هو أبو على الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الفندينى الزاهد المشهور أحد رجال الطريقة ولد بأبيورد من بلاد خراسان وقيل: بسمرقند ونشأ بأبيورد من أصحاب الصادق عليه السلام ثقة عظيم المنزلة قيل: لكنه عامى. وكان في أول أمره شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينما هو يرتقى الجدران إليها سمع تاليا يتلو: " ألم يأن للذين آمنو أن تخشع قلوبهم لذكر الله ". فقال: ى ارب قد آن فرجع واوى الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة فقال بعضهم: نرتحل وقال بعضهم حتى نصبح فان فضيلا على الطريق يقطع علينا فتاب الفضيل وآمنهم فصار من كبار السادات قدم الكوفة وسمع الحديث بها. ثم انتقل إلى مكة وجاور بها إلى أن مات في المحرم سنة 187 وقبره بها. وله كلمات ومواعظ مشهورة وكان له ولدا يسمى بعلى بن الفضيل وهو افضل من أبيه في الزهد والعبادة فكان شابا سربا من كبار الصالحين وهو معدود من الذين قتلتهم محبة الله فلم يتمتع بحياته كثيرا وذلك انه كان يوما في المسجد الحرام واقعا بقرب ماء زمزم فسمع قارئا يقرأ: " وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد سرابيلهم من قطران و تغشى وجوههم النار " فصعق ومات. (*)

[ 372 ]

قلت: هو البخيل، فقال عليه السلام: الشح أشد من البخل، إن البخيل يبخل بما في يده والشحيح يشح على ما في أيدي الناس وعلى ما في يده حتى لا يرى في أيدي الناس شيئا إلا تمنى أن يكون له بالحل والحرام، لا يشبع ولا ينتفع بما رزقه الله. وقال عليه السلام: إن البخيل من كسب مالا من غير حله وأنفقه في غير حقه. وقال عليه السلام لبعض شيعته: ما بال أخيك يشكوك ؟ فقال: يشكوني أن استقصيت عليه حقي. فجلس عليه السلام مغضبا ثم قال: كأنك إذا استقصيت عليه حقك لم تسئ أرأيتك ما حكى الله عن قوم يخافون سوء الحساب، أخافوا أن يجور الله عليهم ؟ لا. ولكن خافوا الاستقصاء فسماه الله سوء الحساب، فمن استقصى فقد أساء. وقال عليه السلام: كثرة السحت يمحق الرزق (1). وقال عليه السلام: سوء الخلق نكد (2). وقال عليه السلام: إن الايمان فوق الاسلام بدرجة. والتقوى فوق الايمان بدرجة وبعضه من بعض (3)، فقد يكون المؤمن، في لسانه بعض الشئ الذي لم يعد الله عليه النار وقال الله: " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (4) " ويكون الآخر وهو الفهم لسانا (5) وهو أشد لقاء للذنوب وكلاهما مؤمن. واليقين فوق التقوى بدرجة. ولم يقسم (6) بين الناس شئ أشد من اليقين. إن بعض


(1) " السحت " - بالضم -: المال الحرام وكل ما لا يحل كسبه. في بعض النسخ [ الصخب ] وفي بعضها [ السخب ] والسخب والصخب - بالتحريك -: الصيحة واضطراب الاصوات. (2) نكد العيش - كعلم -: اشتد وعسر. - والرجل: ضاق خلقه وضد يسر وسهل فهو نكد - بسكون الكاف وفتحها وكسرها - أي شؤم عسر. - وبالضم -: قليل الخير والعطاء. (3) أي ان الايمان بعضه فوق بعض وبعضه اعلى درجة من بعض فالايمان ذو مراتب. (4) سورة النساء آية 35. (5) الفهم - ككتف -: السريع الفهم، ولعل المراد لممه فيكون الاخر أشد لما من غيره من جهة اللسان. (6) في بعض النسخ [ ولم يقم ]. وفي الكافي [ وما قسم في الناس شئ أقل من اليقين ]. (*)

[ 373 ]

الناس أشد يقينا من بعض وهم مؤمنون وبعضهم أصبر من بعض على المصيبة وعلى الفقر وعلى المرض وعلى الخوف وذلك من اليقين. وقال عليه السلام: إن الغنى والعز يجولان، فأذا ظفرا بموضع التوكل أوطناه (1). وقال عليه السلام: حسن الخلق من الدين وهو يزيد في الرزق. وقال عليه السلام: الخلق خلقان أحدهما نية والآخر سجية. قيل: فأيهما أفضل ؟ قال عليه السلام: النية، لان صاحب السجية مجبول على أمر لا يستطيع غيره، وصاحب النية يتصبر على الطاعة تصبرا فهذا أفضل. وقال عليه السلام: إن سرعة ائتلاف قلوب الابرار إذا التقوا وإن لم يظهروا التودد بألسنتهم كسرعة اختلاط ماء السماء بماء الانهار. وإن بعد ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا وإن أظهروا التودد بألسنتهم كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على مذود واحد (2). وقال عليه السلام: السخي الكريم الذي ينفق ماله في حق الله. وقال عليه السلام: يا أهل الايمان ومحل الكتمان تفكروا وتذكروا عند غفلة الساهين. قال المفضل بن عمر (3): سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحسب ؟ فقال عليه السلام: المال. قلت: فالكرم ؟ قال عليه السلام: التقوى. قلت: فالسؤدد (4) قال عليه السلام: السخاء ويحك أما رأيت حاتم طي (5) كيف ساد قومه وما كان بأجودهم موضعا (6).


(1) أوطناه أي اتخذاه وطنا وأقاما. (2) المذود - كمنبر -: معتلف الدواب. (3) هو المفضل بن عمر المعروف الذى تقدم ذكره. (4) السؤدد - إحدى مصادر ساد يسود -: الشرف والمجد. (5) هو حاتم بن عبد الله الطائى كان جوادا يضرب به المثل في الجود وكان شجاعا شاعرا. وأخبار حاتم مذكورة في الاغانى وعقد الفريد والمستطرف وغيرها. وابنه عدى بن حاتم كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وخواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وترجمة حالاته وكلامه في محضر معاوية بعد فوت على عليه السلام مشهورة ومذكورة في السير والتواريخ. (6) أي لا يكون موضعه جيدا من جهة الحسب والنسب. (*)

[ 374 ]

وقال عليه السلام: المروة مروتان مروة الحضر ومروة السفر فأما مروة الحضر فتلاوة القرآن، وحضور المساجد، وصحبة أهل الخير، والنظر في التفقه. وأما مروة السفر فبذل الزاد، والمزاح في غير ما يسخط الله، وقلة الخلاف على من صحبك، وترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم. وقال عليه السلام: اعلم أن ضارب علي عليه السلام بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني و استشارني ثم قبلت ذلك منه لاديت إليه الامانة. وقال سفيان: قلت لابي عبد الله عليه السلام: يجوز أن يزكي الرجل نفسه ؟ قال: نعم إذا اضطر إليه، أما سمعت قول يوسف: " اجعلني على على خزائن الارض إني حفيظ عليم (1) " وقول العبد الصالح: " أنا لكم ناصح أمين (2) ". وقال عليه السلام: أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود تريد واريد، فإن اكتفيت بما اريد مما تريد كفيتك ما تريد. وأن أبيت إلا ما تريد أتعبتك فيما تريد وكان ما اريد. قال محمد بن قيس (3) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفئتين يلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح ؟ فقال عليه السلام: بعهما ما يكنهما: الدرع والخفتان (4) والبيضة ونحو ذلك، وقال عليه السلام: أربع لا تجزي في أربع الخيانة والغلول والسرقة والربا لا تجزي في حج. ولا عمرة. ولا جهاد. ولا صدقة. وقال عليه السلام: إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي الايمان إلا أهل صفوته من خلقه.


(1) سورة يوسف آية 55. والظاهر أن سفيان هو سفيان الثوري المعروف الذى تقدم آنفا. (2) سورة الاعراف آية 66. (3) محمد بن قيس من اصحاب الصادق عليه السلام مشترك بين محمد بن قيس البجلى الثقة صاحب كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام ومحمد بن قيس الاسدي من فقهاء الصادقين عليهما السلام واعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والاحكام - وهم أصحاب الاصول المدونة و المصنفات المشهورة - ومحمد بن قيس أبى نصر الاسدي الكوفى وجه من وجوه العرب بالكوفة و كان خصيصا بعمر بن عبد العزيز ثم يزيد بن عبد الملك وكان أحدهما أنفذه إلى بلد الروم في فداء المسلمين وله أيضا كتاب. (4) الخفتان - بالفتح -: ضرب من الثياب. (*)

[ 375 ]

وقال عليه السلام: من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضال. قيل له: ما كان في وصية لقمان ؟ فقال عليه السلام: كان فيها الاعاجيب وكان من أعجب ما فيها أن قال لابنه: خف الله خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من مؤمن إلا وفي قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا. قال أبو بصير: (1) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الايمان ؟ فقال عليه السلام: الايمان بالله أن لا يعصى، قلت: فما الاسلام ؟ فقال عليه السلام: من نسك نسكنا وذبح ذبيحتا. وقال عليه السلام: لا يتكلم أحد بكلمة هدى فيؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها. ولا يتكلم بكلمة ضلالة فيؤخذ بها إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها. وقيل له: إن النصارى يقولون: إن ليلة الميلاد في أربعة وعشرين من كانون فقال عليه السلام: كذبوا، بل في النصف من حزيران ويستوي الليل والنهار في النصف من آذار. وقال عليه السلام: كان إسماعيل أكبر من إسحاق بخمس سنين. وكان الذبيح إسماعيل عليه السلام أما تسمع قول إبراهيم عليه السلام: " رب هب لي من الصالحين (2) " إنما سأل ربه أن يرزقه غلاما من الصالحين فقال في سورة الصافات (3): " فبشرناه بغلام حليم " يعني إسماعيل، ثم قال: " وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (4) " فمن زعم أن إسحاق أكبر من إسماعيل فقد كذب بما أنزل الله من القرآن. وقال عليه السلام: أربعة من أخلاق الانبياء عليهم السلام: البر والسخاء والصبر على النائبة والقيام بحق المؤمن. وقال عليه السلام: لا تعدن مصيبة اعطيت عليها الصبر واستوجبت عليها من الله ثوابا بمصيبة، إنما المصيبة أن يحرم صاحبها أجرها وثوابها إذا لم يصبر عند نزولها.


(1) هو يحيى بن أبى القاسم الذى مر ترجمته آنفا. (2) سورة الصافات آية 98. (3) السورة آية 99. (4) السورة آية 112. (*)

[ 376 ]

وقال عليه السلام: إن لله عبادا من خلقه في أرضه يفزع إليهم في حوائح الدنيا والآخرة اولئك هم المؤمنون حقا، آمنون يوم القيامة. ألا وإن أحب المؤمنين إلى الله من أعان المؤمن الفقير من الفقر في دنياه ومعاشه. ومن أعان ونفع ودفع المكروه عن المؤمنين. وقال عليه السلام: إن صلة الرحم والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا إخوانكم وبروا إخوانكم ولو بحسن السلام ورد الجواب. قال سفيان الثوري: دخلت على الصادق عليه السلام (1) فقلت له: أوصني بوصية أخفظها من بعدك ؟ قال عليه السلام: وتحفظ يا سفيان ؟ قلت: أجل يا ابن بنت رسول الله (2) قال عليه السلام: يا سفيان لا مروة لكذوب. ولا راحة لحسود. ولا إخاء لملوك. ولا خلة لمختال. ولا سؤدد لسيئ الخلق (3). ثم امسك عليه السلام فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني ؟ فقال عليه السلام: يا سفيان ثق بالله تكن عارفا. وارض بما قسمه لك تكن غنيا. صاحب بمثل ما يصاحبونك به تزدد إيمانا، ولا تصاحب الفاجر فيعلمك من فجوره. وشاور في أمرك الذين يخشون الله عزوجل. ثم أمسك عليه السلام فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني ؟ فقال عليه السلام: يا سفيان من أراد عزا بلا سلطان وكثرة بلا إخوان وهيبة بلا مال فلينتقل من ذل معاصي الله إلى عز طاعته (4). ثم أمسك عليه السلام فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني ؟ فقال عليه السلام: يا سفيان أدبني أبي عليه السلام بثلاث ونهاني عن ثلاث (5): فأما اللواتي أدبني بهن فانه قال لي: يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم. ومن لا يقيد ألفاظه يندم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم. قلت: يا ابن بنت رسول الله فما الثلاث اللواتي نهاك عنهن ؟ قال عليه السلام: نهاني أن اصاحب حاسد نعمة وشامتا بمصيبة أو حامل نميمة.


(1) رواه الصدوق في الخصال مع اختلاف في ألفاظه أشرنا إلى بعضه. (2) في الخصال [ يا ابن رسول الله ] ها هنا وما يأتي. (3) السودد والسؤدد: الشرف والمجد. (4) في الخصال [ من أراد عزا بلا عشيرة وغنى بلا مال وهيبة بلا سلطان فلينتقل من ذل معصية الله إلى عز طاعته ]. (5) في الخصال [ أمرنى والدى عليه السلام بثلاث ونهاني عن ثلاث... إلخ ]. (*)

[ 377 ]

وقال عليه السلام: ستة لا تكون في مؤمن: العسر. والنكد (1). والحسد. واللجاجة والكذب. والبغي. وقال عليه السلام: المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع الله فيه. وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلا خائفا ولا يمسي إلا خائفا ولا يصلحه إلا الخوف. وقال عليه السلام: من رضي بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل. ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤونته وزكت مكسبته وخرج من حد العجز. وقال سفيان الثوري: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: كيف أصبحت يا ابن رسول الله ؟ فقال عليه السلام: والله إني لمحزون وإني لمشتغل القلب فقلت له: وما أحزنك ؟ وما أشغل قلبك ؟ فقال عليه السلام لي: يا ثوري إنه من داخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه. يا ثوري ما الدنيا ؟ وما عسى أن تكون ؟ هل الدنيا إلا أكل أكلته، أو ثوب لبسته، أو مركب ركبته، إن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا ولم يأمنوا قدوم الآخرة، دار الدنيا دار زوال ودار الآخرة دار قرار، أهل الدنيا أهل غفلة. إن أهل التقوى أخف أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكروك وإن ذكروك أعلموك فأنزل الدنيا كمنزل نزلته فارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس في يدك شئ منه. فكم من حريص على أمر قد شقي به حين أتاه. وكم من تارك لامر قد سعد به حين أتاه (2). وقيل له: ما الدليل على الواحد ؟ فقال عليه السلام: ما بالخلق من الحاجة. وقال عليه السلام: لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة. وقال عليه السلام: المال أربعة آلاف واثنا عشر ألف درهم كنز. ولم يجتمع عشرون ألفا من حلال. وصاحب الثلاثين ألفا هالك. وليس من شيعتنا من يملك مائة ألف درهم. وقال عليه السلام: من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط الله. ولا يحمدهم


(1) عسر الرجل: ضاق خلقه وضد يسر وسهل. والنكد - بفتح وضم -: قليل الخير والعطاء. (2) روى الكليني مضمون هذا الخبر في الكافي ج 2 ص 133 عن جابر عن على بن الحسين عليه السلام. (*)

[ 378 ]

على ما رزق الله. ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فإن رزقه (1) لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كره كاره. ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه قبل موته كما يدركه الموت. وقال عليه السلام: من شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه ولا شحنه أذنه (2) ولا يمتدح بنا معلنا (3). ولا يواصل لنا مبغضا. ولا يخاصم لنا وليا ولا يجالس لنا عائبا. قال له مهزم (4): فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة ؟ (5) قال عليه السلام: فيهم التمحيص (6) وفيهم التمييز وفيهم التنزيل، تأتي عليهم سنون تفنيهم وطاعون يقتلهم. واختلاف يبددهم. شيعتنا من لا يهر هرير الكلب (7) ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل وإن مات جوعا. قلت: فأين أطلب هؤلاء ؟ قال عليه السلام: اطلبهم في أطراف الارض اولئك الخفيض عيشهم (8)، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا. وإن مرضوا لم يعادوا. وإن خطبوا لم يزوجوا. وإن رأوا منكرا أنكروا. وإن خاطبهم جاهل سلموا وإن لجأ إليهم ذو الحاجة منهم رحموا. وعند الموت هم لا يحزنون. لم تختلف قلوبهم وإن رأيتهم اختلفت بهم البلدان. وقال عليه السلام: من أراد أن يطول عمره فليقم أمره. ومن أراد أن يحط وزره فليرخ ستره (9). ومن أراد أن يرفع ذكره فليخمل أمره (10). وقال عليه السلام: ثلاث خصال هن أشد ما عمل به العبد: إنصاف المؤمن من نفسه ومواساة


(1) في الكافي ج 2 ص 57 وفيه [ فان الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهية كاره ]. (2) كذا. وفى الكافي [ ولا شحناؤه بدنه ]. (3) في بعض النسخ [ ولا يمتدح بمعاملنا ]. " ولا يواصل لنا مبغضا " أي لا يواصل عدونا. (4) هو مهزم بن أبى برزة الاسدي الكوفى من أصحاب الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام. (5) في بعض النسخ [ الشيعة ]. (6) التمحيص: الاختبار والامتحان. وفيهم التنزيل أي نزول البلية والعذاب. وفى الكافي [ وفيهم التبديل ]. والسنون: جمع سنة أي القحط والجدب. (7) الهرير: صوت الكلب دون نباحة من قلة صبره على البرد. (8) خفض العيش. دناءته. (9) أرخى الستر: أرسله وأسدله. والمراد بالستر الحياء والخوف. (10) وأخمله: جعله خاملا أي خفيا ومستورا. وفي بعض النسخ [ فليحمل ] وبعضها [ فليجمل ]. (*)

[ 379 ]

المرء لاخيه. وذكر الله على كل حال. قيل له: فما معنى ذكر الله على كل حال ؟ قال عليه السلام: يذكر الله عند كل معصية يهم بها فيحول بينه وبين المعصية. وقال عليه السلام: الهمز زيادة في القرآن (1). وقال عليه السلام: إياكم (2) والمزاح، فإنه يجر السخيمة ويورث الضغينة وهو السب الاصغر. وقال الحسن بن راشد (3) قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف ولكن اذكرها لبعض إخوانك، فإنك لن تعدم خصلة من أربع خصال: إما كفاية وإما معونة بجاه أو دعوة مستجابة أو مشورة برأي. وقال عليه السلام: لا تكونن دوارا في الاسواق ولا تكن شراء دقائق الاشياء بنفسك، فإنه يكره للمرء ذي الحسب والدين أن يلي دقائق الاشياء بنفسه (4) إلا في ثلاثة أشياء شراء العقار والرقيق والابل. وقال عليه السلام: لا تكلم بما لا يعنيك ودع كثيرا من الكلام فيما يعنيك حتى تجد له موضعا. فرب متكلم تكلم بالحق بما يعنيه في غير موضعه فتعب. ولا تمارين سفيها ولا حليما، فإن الحليم يغلبك والسفيه يرديك. واذكر أخاك إذا تغيب بأحسن ما تحب أن يذكرك به إذا تغيبت عنه، فإن هذا هو العمل. واعمل عمل من يعلم أنه مجزي بالاحسان مأخوذ بالاجرام. وقال له يونس (5): لولائي لكم وما عرفني الله من حقكم أحب إلي من الدنيا


(1) في بعض النسخ [ الهمزة زيادة في القرآن ]. يعنى نبرها. راجع رجال النجاشي ترجمة أبان ابن تغلب. (2) في بعض النسخ [ إياك ]. (3) هو الحسن بن راشد مولى بنى العباس بغدادي كوفى من اصحاب الصادق عليه السلام وادرك الكاظم عليه السلام وروى عنه أيضا. ويمكن أن يكون هو حسن بن راشد طفاوى من الصحاب الصادق عليه السلام له كتاب نوادر، حسن كثير العلم. (4) دقائق الاشياء: محقراتها. والعقار: الضيعة، المتاع، وكل ما له أصل وقرار. والعقار في الاحاديث كل ملك ثابت له أصل كالارض والضياع والنخل. والرقيق: المملوك للذكر والانثى. (5) الظاهر أنه ابو على يونس بن يعقوب بن قيس البجلى الكوفى من أصحاب الصادق والكاظم والرضا عليه السلام، ثقة، معتمد عليه من أصحاب الاصول المدونة ومن أعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والاحكام والفتيا وله كتاب وكان يتوكل لابي الحسن عليه السلام. - امه منية بنت عمار بن أبى معاوية الدهنى اخت معاوية بن عمار - مات رحمه الله في ايام الرضا عليه السلام بالمدينة وبعث إليه ابو الحسن الرضا عليه السلام بحنوطه وكفنه وجميع ما يحتاج إليه. (*)

[ 380 ]

بحذافيرها. قال يونس: فتبينت الغضب فيه. ثم قال عليه السلام: يا يونس قستنا بغير قياس ما الدنيا وما فيها هل هي إلا سد فورة، أو ستر عورة وأنت لك بمحبتنا الحياة الدائمة. وقال عليه السلام: يا شيعة آل محمد إنه ليس منا من لم يملك نفسه عند الغضب ولم يحسن صحبة من صحبه ومرافقة من رافقه ومصالحة من صالحه ومخالفة من خالفه. يا شيعة آل محمد اتقوا الله ما استطعتم. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال عبد الاعلى (1): كنت في حلقة بالمدينة فذكروا الجود، فأكثروا، فقال رجل منها يكنى أبا دلين: إن جعفر أو إنه لو لا أنه - ضم يده - فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: تجالس أهل المدينة ؟ قلت: نعم. قال عليه السلام: فما حدثت بلغني ؟ فقصصت عليه الحديث، فقال عليه السلام: ويح أبا دلين إنما مثله مثل الريشة تمر بها الريح فتطيرها (2). ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: كل معروف صدقة وأفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى (3). وابدأ بمن تعول. واليد العليا خير من السفلى. ولا يلوم الله على الكفاف، أتظنون أن الله بخيل وترون أن شيئا أجود من الله. إن الجواد السيد من وضع حق الله موضعه. وليس الجواد من يأخذ المال من غير حله ويضع في غير حقه أما والله إني لارجو أن ألقى الله ولم أتناول ما لا يحل بي وما ورد علي حق الله إلا أمضيته وما بت ليلة قط ولله في مالي حق لم اؤده.


(1) هو عبد الاعلى مولى آل سام من أصحاب الصادق عليه السلام وأنه اذن له في الكلام لانه يقع ويطير وقد تضمن عدة اخبار انه عليه السلام دعاه إلى الاكل معه من طعامه المعتاد ومن طعام اهدى له. ويمكن أن يكون الراوى هو عبد الاعلى بن اعين العجلى مولاهم الكوفى من اصحاب الصادق عليه السلام. وقيل باتحادهما. (2) الريشة: واحدة الريش وهو للطائر بمنزلة الشعر لغيره. ولعل المراد أنه في خفته كالريشة تتبع كل ناعق وتميل مع كل ريح وهو لم يستضئ بنور العلم ولم يلجأ إلى ركن وثيق. وأبو دلين في بعض النسخ [ أباد كين ]. بالتصغير. وقيل: هو ابن دكين وهو فضل بن دكين المكنى بأبى نعيم كان من أكابر محدثي قدماء الاسلام وروى عنه كلا الطائفتين ولد سنة 130 وقدم بغداد فنزل الرميلة وهى محلة بها فاجتمع إليه اصحاب الحديث ونصبوا له كرسيا صعد عليه وأخذ يعظ الناس ويذكرهم ويروى لهم الاحاديث وتوفى بالكوفة سنة 210. (3) قال الجزرى: وفيه خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى أي ما كان عفوا قد فضل عن غنى وقيل: أراد ما فضل عن العيال والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام وتمكينا، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوى من المال. انتهى. مثله " خير الصدقة ما ابقيت غنى " أي أبقيت بعدها لك ولعيالك غنى والمراد نفس الغنى لكنه اضيف للايضاح والبيان كما قيل: ظهر الغيب والمراد نفس الغيب فالاضافة بيانية طلبا للتأكيد كما في حق اليقين والدار الاخرة. والمراد باليد العليا: المعطية المتعففة. واليد السفلى: المانعة أو السائلة. (*)

[ 381 ]

وقال عليه السلام: لارضاع بعد فطام (1). ولا وصال في صيام ولا يتم بعد احتلام. ولا صمت يوم إلى الليل. ولا تعرب بعد الهجرة (2). ولا هجرة بعد الفتح. ولا طلاق قبل النكاح. ولا عتق قبل ملك. ولا يمين لولد مع والده (3). ولا للمملوك مع مولاه ولا للمرأة مع زوجها. ولا نذر في معصية. ولا يمين في قطيعة. وقال عليه السلام: ليس من أحد - وإن ساعدته الامور - بمستخلص غضارة عيش (4) إلا من خلال مكروه. ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء (5) سلبته الايام فرصته لان من شأن الايام السلب وسبيل الزمن الفوت. وقال عليه السلام: المعروف زكاة النعم. والشفاعة زكاة الجاه. والعلل زكاة الابدان. والعفو زكاة الظفر. وما اديت زكاته فهو مأمون السلب. وكان عليه السلام يقول عند المصيبة: " الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني والحمد لله الذي لو شاء أن تكون مصيبتي أعظم مما كان كانت، والحمد لله على الامر الذي شاء أن يكون وكان ".


(1) فالمراد أن من شرب اللبن بعد فطامه من امرأة اخرى لم يحرم ذلك الرضاع، لانه رضاع بعد فطام. " ولا وصال في صيام " أي يحرم ذلك الصوم فلا يجوز. " ولا يتم بعد احتلام " أي لا يطلق اليتيم على الصبى الذى فقد أباه إذا احتلم وبلغ. واليتم - بفتح وضم -: مصدر يتم ييتم فهو يتيم. " ولا صمت يوم إلى الليل " أي ليس صومه صوما ولا يكون مشروعا فلا فضيلة له وفي الحديث " صوم الصمت حرام ". (2) " لا تعرب بعد الهجرة " أي يحرم الالتحاق ببلاد الكفر والاقامة فيها من غير عذر وفي الخبر " من الكفر التعرب بعد الهجرة ". وروى أيضا " ان المتعرب بعد الهجرة التارك لهذا الامر بعد معرفته ". فلا يبعد أن يراد بالكلام معنى عاما يشمل كل مورد بحسب الزمان والمقام. ولذا قيل: " التعرب بعد الهجرة في زماننا هذا أن يشتغل الانسان بتحصيل العلم ثم يتركه ويصير منه غريبا ". ولعل المراد بالفتح فتح مكة أو مطلق الفتح فيراد به معنى عاما. (3) لعل المراد به نفى الصحة فلا ينعقد من الاصل كما يمكن أن يراد بها نفى اللزوم فينعقد الا أنه لا يلزم. (4) الغضارة - بالفتح -: طيب العيش يقال: إنهم لفى غضارة من العيش أي في خير وخصب - من غضر غضارة -: اخصب. طاب عيشه، كثر ماله. " من خلال مكروه " أي بينه. وخلال الديار: ما بين بيوتها أو ما حوالى حدودها. ولعل المراد ان النيل بغضارة العيش لكل أحد لا تحصل الا بعد التعب والمشقة. (5) لعل المراد أن من وجد الفرصة ولم يستفد منها وينتظر زمنا حتى يستوفى من المطلوب بنحو أتم ذهبت هذه الفرصة أيضا ولم ينل بشى من المطلوب أبدا. (*)

[ 382 ]

وقال عليه السلام: يقول الله: من استنقذ حيرانا من حيرته سميته حميدا، وأسكنته جنتي (1). وقال عليه السلام: إذا أقبلت دنيا قوم كسوا محاسن غيرهم وإذا أدبرت سلبوا محاسن أنفسهم (2). وقال عليه السلام: البنات حسنات والبنون نعم، فالحسنات تثاب عليهن والنعمة تسأل عنها.


(1) في بعض النسخ [ اسميه ]. " حميدا " كذا. وفي بعض النسخ: " جهيدا ". (2) قد مضى في كلمات مولانا أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام ما في معناه. (*)

[ 383 ]

وروى عن الامام الكاظم الامين أبى ابراهيم ويكنى أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام في طوال هذه المعاني (وصيته عليه السلام) * (لهشام وصفته للعقل) * إن الله تبارك وتعالى (1) بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: " فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم اولو الالباب (2) ".


(1) رواه الكليني في الباب 1 من الكافي مع اختلاف اشرنا إليه. وهشام هو ابو محمد وقيل: ابو الحكم هشام بن الحكم البغدادي الكندى مولى بنى شيبان ممن اتفق الاصحاب على وثاقته و عظم قدره ورفعة منزلته عند الائمة عليهم السلام وكانت له مباحث كثيرة مع المخالفين في الاصول وغيرها صحب أبا عبد الله وبعده أبا الحسن موسى عليهما السلام وكان من أجلة اصحاب أبى عبد الله عليه السلام وبلغ من مرتبة علوة عنده أنه دخل عليه بمنى وهو غلام أول ما اختط عارضاه وفي مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين وقيس الماصر ويونس بن يعقوب وأبى جعفر الاحول وغيرهم فرفعه على جماعتهم وليس فيهم الا من هو اكبر سنا منه فلما رأى أبو عبد الله عليه السلام أن ذلك الفعل كبر على أصحابه قال: هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده. وكان له أصل وله كتب كثيرة وإن الاصحاب كانوا يأخذون عنه. مولده بالكوفة ومنشاءه واسط وتجارته بغداد وكان بياع الكرابيس وينزل الكرخ من مدينة السلام بغداد في درب الجنب ثم انتقل إلى الكوفة في أواخر عمره ونزل قصر وضاح و توفى سنة 179 في أيام الرشيد مستترا وكان لاستتاره قصة مشهورة في المناظرات وترحم عليه الرضا عليه السلام. قال ابن النديم في الفهرست في شأنه: " إنه من متكلمي الشيعة وبطائنهم ومن دعا له الصادق عليه السلام فقال: اقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسان: لا تزل مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. وهو الذى فتق الكلام في الامامة وهذب المذهب وسهل طريق الحجاج فيه و كان حاذقا بصناعة الكلام، حاضر الجواب. وكان اولا من أصحاب الجهم بن صفوان ثم انتقل إلى القول بالامامة بالدلائل والنظر وكان منقطعا إلى البرامكة ملازما ليحيى بن خالد وكان القيم بمجالس كلامه ونظره ثم تبع الصادق عليه السلام فانقطع إليه وتوفى بعد نكبة البرامكة بمدة يسيرة وقيل: بل في خلافة المأمون. وان العامة طعنوا فيه وورد في الاخبار ذم له من جهة القول بالتجسم وان الاصحاب اخذوا في الذب عنه تنزيها لساحته عن ذلك ووردت روايات في مدحه ودل على جلالته هذه الرواية المذكورة في المتن الجامعة لابواب الخير والفلاح. (2) سورة الزمر آية 19. (*)

[ 384 ]

يا هشام بن الحكم إن الله عزوجل أكمل للناس (1) الحجج بالعقول وأفضى إليهم بالبيان ودلهم على ربوبيته بالادلاء، فقال: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (2) " إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار " - إلى قوله - لآيات لقوم يعقلون (3) ". يا هشام قد جعل الله عزوجل ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا، فقال: " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) ". وقال: " حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (5) " وقال: " ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي بعد الارض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (6) ". يا هشام ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال: " وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (7) ". وقال: " وما اوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خيرا وأبقى أفلا تعقلون (8) ". يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه فقال عزوجل: " ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون (9) ". يا هشام ثم بين أن العقل مع العلم فقال: " وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (10) ". يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (11) " وقال: " إن


(1) في بعض النسخ [ اكمل الناس ]. (7) سورة الانعام آية 32. (2) سورة البقرة آية 162. (8) سورة القصص آية 60. (3) سورة البقرة آية 163. (9) سورة الصافات آية 137، 138. (4) سوة النحل آية 12. (10) سورة العنكبوت آية 43. (5) سورة الزخرف آية 1، 2، 3. (11) سورة البقرة آية 165. (6) سورة الروم آيه 23. (*)

[ 385 ]

شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (1) ". وقال: " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (2) ". ثم ذم الكثرة فقال: " وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله (3) ". وقال: " ولكن أكثرهم لا يعلمون (4) ". وأكثرهم لا يشعرون (5) ". يا هشام ثم مدح القلة فقال: " وقليل من عبادي الشكور (6) ". وقال: " وقليل ما هم (7) " وقال: " وما آمن معه إلا قليل (8) ". يا هشام ثم ذكر أولي الالباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: " يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الالباب (9): يا هشام إن الله يقول: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب (10) ". يعني العقل. وقال: " ولقد آتينا لقمان الحكمة (11) " قال: الفهم والعقل.


(1) سورة الانفال آية 22. ومثلها قوله تعالى في سورة البقرة آية 41، 166. وسورة يونس آية 43 وسورة الفرقان آية 46. وسورة الحشر آية 14. (2) هذه الاية في سورة لقمان آية 24 وفيها " بل اكثرهم لا يعلمون " كما في بعض نسخ الكافي ولعله سهو وغفلة من الراوى أو اشتباه من النساخ. (3) سورة الانعام آية 116. (4) سورة الانعام آية 37. ونظيرها قوله تعالى: " بل اكثرهم لا يعلمون " سورة النحل آية 77 و آية 103. وسورة الانبياء آية 24. وسورة النمل آية 62. وسورة لقمان آية 24. وسورة الزمر آية 30. وكذا قوله تعالى: " بل اكثرهم لا يعقلون " سورة العنكبوت آية 63. وقوله تعالى: " واكثرهم لا يعقلون " سورة المائدة آية 102. (5) مضمون مأخوذ من آى القرآن. (6) سورة سبأ آية 13. (7) سورة ص آية 23. (8) سورة هود آية 42. (9) سورة البقرة آية 272. ونظيرها قوله في سورة آل عمران آية 187. وسورة الرعد آية 19 وسورة ص آية 28 وسورة الزمر آية 12. وسورة المؤمن آيه 56. (10) سورة ق آية 36. (11) سورة لقمان آية 11. إلى هنا في الكافي تقديم وتأخير. (*)

[ 386 ]

يا هشام إن لقمان قال لابنه: " تواضع للحق تكن أعقل الناس (1). يا بني إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الايمان (2) وشراعها التوكل وقيمها العقل. ودليلها العلم وسكانها الصبر ". يا هشام لكل شئ دليل. ودليل العاقل التفكر ودليل التفكر الصمت. ولكل شئ مطية ومطية العقل التواضع (3). وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه. يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس [ في يدك ] لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة. ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: إنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة. يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة لله. وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا. وأعقلهم (4) أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة. يا هشام ما من عبد إلا وملك آخذ بناصيته، فلا يتواضع إلا رفعه الله ولا يتعاظم إلا وضعه الله. يا هشام إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة. وأما الباطنة فالعقول. يا هشام إن العاقل، الذي لا يشغل الحلال شكره ولا يغلب الحرام صبره. يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان هواه عل هدم عقله. من أظلم نور فكره (5) بطول أمله. ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه. وأطفأ نور عبرته بشهوات


(1) وزد في الكافي [ وان الكيس لدى الحق يسير ]. (2) الحشو: ما حشى به الشئ أي ملاء به، والظاهر ان ضمير " فيها " يرجع إلى الدنيا وضمير حشوها وما بعده يرجع إلى السفينة. وفي بعض النسخ [ فلتكن سفينتك منها ]. و " حشوها " في بعض النسخ [ جسرها ]. وشراع السفينة - بالكسر -: ما يرفع فوقها من ثوب وغيره ليدخل فيه الريح فتجريها. (3) في الكافي مكان العاقل [ العقل ] في الموضعين. (4) في الكافي [ وأكملهم عقلا ]. (5) في الكافي [ من أظلم نور تفكره ]. (*)

[ 387 ]

نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله. ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه. يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك. يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند ربه [ وكان الله ] آنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة. وغناه في العيلة ومعزه في غير عشيرة (1). يا هشام نصب الخلق لطاعة الله (2). ولا نجاة إلا بالطاعة. والطاعة بالعلم. والعلم بالتعلم. والتعلم بالعقل يعتقد (3). ولا علم إلا من عالم رباني. ومعرفة العالم بالعقل. يا هشام قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف. وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود. يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة. ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم. يا هشام إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك. وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شئ من الدنيا يغنيك. يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب. وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض (4). يا هشام إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة. لانهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة (5)، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى


(1) العيلة: الفاقة. (2) نصب - من باب ضرب على صيغة المجهول - بمعنى وضع، أو من باب التفعيل من نصب الامير فلانا ولاه منصبا. وفي الكافي [ ونصب الحق لطاعة الله ]. (3) اعتقد الشئ: نقيض حله. وفي بعض النسخ [ يعتقل ] هو أيضا نقيض حل أي يمسك ويشد. (4) وزاد في الكافي [ يا هشام إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم انها لا تنال إلا بالمشقة ونظر إلى الاخرة فعلم انها لا تنال إلا. بالمشقة، فطلب بالمشقة أبقاهما ]. (5) في الكافي [ أن الدنيا طالبة مطلوبة وأن الآخرة طالبة ومطلوبة ]. (*)

[ 388 ]

يستوفي منها رزقه. ومن طلب الدنيا طلبته الآخره فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته. يا هشام من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله في مسألته بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا. يا هشام إن الله عزوجل حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (1) " حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها (2). إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه. ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا، لان الله لم يدل (3) على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه. يا هشام كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما من شئ عبد الله به (4) أفضل من العقل. وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى، الكفر والشر منه مأمونان (5). والرشد والخير منه مأمولان (6). وفضل ماله مبذول. وفضل قوله مكفوف. نصيبه من الدنيا القوت. ولا يشبع من العلم دهره. الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره. والتواضع أحب إليه من الشرف. يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثير المعروف من نفسه. ويرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه وهو تمام الامر (7). يا هشام من صدق لسانه زكى عمله. ومن حسنت نيته زيد في رزقه. ومن حسن بره بإخوانه وأهله مد في عمره.


(1) سورة آل عمران آية 7. (2) الردى: الهلاك. (3) في بعض النسخ [ لا يدل ]. (4) في الكافي [ ما عبد الله بشئ ]. (5) الكفر في الاعتقاد والشر في القول والعمل والكل ينشأ من الجهل. وفي بعض النسخ [ مأمون ]. (6) الرشد في الاعتقاد والخير في القول والكل ناش من العقل. وفي بعض النسخ [ مأمول ]. (7) أي ملاك الامر وتمامه في أن يكون الانسان كاملا تام العقل هو كونه متصفا بمجموعة هذه الخصال. (وافى). (*)

[ 389 ]

يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها (1)، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. يا هشام كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا (2). يا هشام لا دين لمن لا مروة له. ولا مروة لمن لا عقل له. وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا (3)، أما إن أبدانكم ليس له ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها (4). يا هشام إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول (5): " لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق ". وقال الحسن بن علي عليهما السلام: " إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها " قيل: يا ابن رسول الله ومن أهلها ؟ قال: " الذين قص الله في كتابه وذكرهم، فقال: " إنما يتذكر أولوا الالباب (6) " قال: هم أولوا العقول " وقال علي بن الحسين عليهما السلام: " مجالسة الصالحين داعية إلى


(1) لا تمنحوا الجهال أي لا تعطوهم ولا تعلموهم. والمنحة: العطاء. (2) في الكافي ههنا [ يا هشام ان العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه ]. (3) أي قدرا ورفعة. والخطر: الحظ والنصيب والقدر والمنزلة. (4) ههنا كلام نقله صاحب الوافى عن استاده - رحمهما الله - قال: وذلك لان الابدان في التناقص يوما فيوما لتوجه النفس منها إلى عالم آخر فان كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا و انقطاع حياته البدنية إلى الله سبحانه وإلى نعيم الجنة لكونه على منهج الهداية والاستقامة فكأنه باع بدنه بثمن الجنة معاملة مع الله تعالى ولهذا خلقه الله عزوجل وإن كان شقية كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشيطان وعذاب النيران لكونه على طريق الضلالة فكأنه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية واللذات الحيوانية التى ستصير نيرانات محرقة مؤلمة وهى اليوم كامنة مستورة عن حواس أهل الدنيا وستبرز يوم القيامة " وبرزت الجحيم لمن يرى " معاملة مع الشيطان و خسر هنالك المبطلون. (5) في الكافي [ إن من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل. وينطق إذا عجز القوم عن الكلام. ويشير بالرأى الذى يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شئ فهو أحمق. ان امير المؤمنين عليه السلام قال: لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن - الخ ]. (6) سورة الزمر آية 12. (*)

[ 390 ]

الصلاح. وأدب العلماء (1) زيادة في العقل. وطاعة ولاة العدل تمام العز. واستثمار المال (2) تمام المروة. وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة. وكف الاذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا ". يا هشام، إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه. ولا يسأل من يخاف منعه. ولا يعد ما لا يقدر عليه. ولا يرجو ما يعنف برجائه (3). ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه (4). وكان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي أصحابه يقول: " أوصيكم بالخشية من الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب. والاكتساب في الفقر والغنى. وأن تصلوا من قطعكم. وتعفوا عمن ظلمكم. وتعطفوا (5) على من حرمكم. وليكن نظركم عبرا. وصمتكم فكرا. وقولكم ذكرا وطبيعتكم السخاء (6)، فإنه لا يدخل الجنة بخيل ولا يدخل النار سخي ". يا هشام رحم الله من استحيا من الله حق الحياء، فحفظ الرأس وما حوى (7). والبطن وما وعى. وذكر الموت والبلى. وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره (8). والنار محفوفة بالشهوات.


(1) في الكافي [ وآداب العلماء ]. وقد مر شرح هذا الكلام في مواعظ الامام السجاد عليه السلام. (2) أي استنماؤه بالكسب والتجارة. (3) التعنيف: اللؤم والتوبيخ والتقريع. والمراد ان العاقل لا يرجو فوق ما يستحقه وما لم يستعده. (4) في الكافي [ ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه ]. أي لا يبادر إلى فعل قبل أوانه خوفا من ان يفوته بالعجز عنه في وقته. (5) في بعض النسخ [ وتعطوا ]. (6) في بعض النسخ [ واياكم والبخل وعليكم بالسخاء ]. (7) " وما حوى " أي ما حواه الرأس من الاوهام والافكار بأن يحفظها ولا يبديها ويمكن أن يكون المراد ما حواه الرأس من العين والاذن وسائر المشاعر بأن يحفظها عما يحرم عليه. وما وعى أي ما جمعه من الطعام والشراب بأن لا يكونا من حرام. والبلى - بالكسر -: الاندراس والاضمحلال. (8) هذا الكلام مشهور معروف بين الفريقين متواتر منقول عن النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم. والمحفوفة: المحيطة. والمكاره: جمع مكرهة - بفتح الراء وضمها -: ما يكرهه الانسان ويشق عليه. والمراد أن الجنة محفوفة بما يكره النفس من الاقوال والافعال فتعمل بها، فمن عمل بها دخل الجنة. والنار محفوفة بلذات النفس وشهواتها، فمن اعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار. (*)

[ 391 ]

يا هشام من كف نفسه عن أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة. ومن كف غضبه عن الناس كف الله عنه غضبه يوم القيامة. يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه. يا هشام وجد في ذؤابة (1) سيف رسول الله صلى الله عليه واله: إن أعتى الناس على الله من ضرب غير ضاربه وقتل غير قاتله. ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه واله. ومن أحدث حدثا (2)، أو آوى محدثا لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا. يا هشام أفضل ما يقترب به العبد إلى الله بعد المعرفة به الصلاة وبر الوالدين وترك الحسد والعجب والفخر. يا هشام أصلح أيامك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو وأعد له الجواب، فإنك موقوف ومسؤول. وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويلة قصيرة فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لتكون أطمع في ذلك. واعقل عن الله وانظر (3) في تصرف الدهر وأحواله، فإن ما هو آت من الدنيا، كما ولى منها، فاعتبر بها. وقال علي ابن الحسين عليهما السلام: " إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الارض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفيئ الظلال - ثم قال عليه السلام -: أو لا حر يدع [ هذه ] اللماظة لاهلها (4) - يعني الدنيا - فليس لانفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس ".


(1) الذؤابة من كل شئ: أعلاه. ومن السيف: علاقته. ومن السوط: طرفه. ومن الشعر: ناصيته. وعتا يعتو عتوا، وعتى يعتى عتيا بمعنى واحد أي استكبر وتجاوز الحد، والعتو: الطغيان والتجاوز عن الحدود والتجبر. وفي بعض النسخ [ واعنى الناس ] من عن عليه أي اعترض. وفي بعضها [ وأعق الناس ] من عقه: خالفه وعصاه. (2) الحدث: الامر الحادث الذى ليس بمعتاد ولا معروف في السنة. (3) في بعض النسخ [ فانظر ]. و " عقل عن الله ": عرف عنه وبلغ عقله إلى حد يأخذ العلم عن الله فكأنه أخذ العلم عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله. (4) اللماظة - بالضم -: بقية الطعام في الفم. وايضا بقية الشئ القليل. والمراد بها هنا الدنيا. (*)

[ 392 ]

يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها. وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها. يا هشام إن المسيح عليه السلام قال للحواريين: " يا عبيد السوء يهو لكم طول النخلة (1) وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها وتنسون طيب ثمرها ومرافقها (2). كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده (3) وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها. يا عبيد السوء نقوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الايمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه (4)، بحق أقول لكم: لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران (5) في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه. كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها. يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون، فلا تنظروا بالتوبة غدا، فإن دون غد يوما وليلة وقضاء الله فيهما (6) يغدوا ويروح بحق أقول لكم: إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هما ممن عليه الدين وإن أحسن القضاء وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هما ممن عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب. وإن صغار الذنوب ومحقراتها (7) من مكائد إبليس، يحقرها لكم ويصغرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم. بحق أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله. ورجل أتقنها بقوله وضيعها بسوء فعله،


(1) يهو لكم أي يفزعكم وعظم عليكم. (2) مؤونة المراقى: شدة الارتقاء. والمرافق: المنافع وهى جمع مرفق - بالفتح -: ما انتفع به. (3) الامد: الغاية ومنتهى الشئ، يقال: طال عليهم الامد أي الاجل. والنور - بالفتح -: الزهرة. (4) الغب - بالكسر -: العاقبة. وأيضا بمعنى البعد. (5) القطران - بفتح القاف وسكون الطاء وكسرها أو بكسر القاف وسكون الطاء -: سيال دهنى شبيه النفط، يتخذ من بعض الاشجار كالصنوبر والارز فيهنأ به الابل الجربى ويسرع فيه اشعال النار. وقوله: " نتنه " أي خبث رائحته. (6) كناية عن الموت فانه يأتي في الغداة والرواح. (7) في بعض النسخ [ ومحقرتها ]. (*)

[ 393 ]

فشتان بينهما، فطوبى للعلماء بالفعل وويل للعلماء بالقول. يا عبيد السوء اتخذوا مساجد ربكم سجونا لاجسادكم وجباهكم. واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى. ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات، إن أجزعكم عند البلاء لاشدكم حبا للدنيا. وإن أصبركم على البلاء لازهدكم في الدنيا. يا عبيد السوء لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة (1) ولا بالثعالب الخادعة ولا بالذئاب الغادرة ولا بالاسد العاتية كما تفعل بالفرائس (2). كذلك تفعلون بالناس، فريقا تخطفون وفريقا تخدعون وفريقا تغدرون بهم (3). بحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحا وباطنه فاسدا. كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم. وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة. لا تكونوا كالمنخل (4) يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة. كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم. يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيئ للناس ويحرق نفسه. يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوا على الركب (5)، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الارض الميتة بوابل المطر (6) ". يا هشام مكتوب في الانجيل " طوبى للمتراحمين، أولئك المرحومون يوم القيامة طوبى للمصلحين بين الناس، أولئك هم المقربون يوم القيامة. طوبى للمطهرة قلوبهم،


الحداء - بالكسر -: جمع حدأة - كعنبة -: طائر من الجوارح وهو نوع من الغراب يخطف الاشياء والخاطفة من خطف الشئ يخطف كعلم يعلم -: استلبه بسرعة. والغادرة: الخائنة. والعاتى: الجبار. (2) الفريسة: ما يفترسه الاسد ونحوه. وفى بعض النسخ [ بالفراش ]. (3) في بعض النسخ [ وفريقا تقدرون بهم ]. (4) المنخل - بضم الميم والخاء أو بفتح الخاء -: ما ينخل به. والنخالة - بالضم -: ما بقى في المنخل من القشر ونحوه. (5) جثا يجثو. وجثى يجثى: جلس على ركبتيه أو قام على أطراف الاصابع. وفي بعض النسخ [ حبوا ] أي زحفا على الركب من حبا يحبو وحبى يحبى: إذا مشى على أربع. (6) الوابل: المطر الشديد الضخم القطر. (*)

[ 394 ]

أولئك هم المتقون يوم القيامة. طوبى للمتواضعين في الدنيا، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة ". يا هشام قلة المنطق حكم عظيم، فعليكم بالصمت، فإنه دعة حسنة وقلة وزر وخفة من الذنوب. فحصنوا باب الحلم، فإن بابه الصبر. وإن الله عزوجل يبغض الضحاك من غير عجب والمشاء إلى غير أرب (1). ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم. فاستحيوا من الله في سرائركم، كما تستحيون من الناس في علانيتكم. واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم. يا هشام تعلم من العلم ما جهلت. وعلم الجاهل مما علمت. عظم العالم لعلمه، ودع منازعته. وصغر الجاهل لجهله ولا تطرده ولكن قربه وعلمه. يا هشام إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها. وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشيته فأسكتتهم عن المنطق (2) وإنهم لفصحاء عقلاء، يستبقون إلى الله بالاعمال الزكية، لا يستكثرون له الكثير ولا يرضون لهم من أنفسهم بالقليل. يرون في أنفسهم أنهم أشرار وأنهم لاكياس وأبرار (3) ". يا هشام الحياء من الايمان والايمان في الجنة والبذاء من الجفاء (4) والجفاء في النار. يا هشام المتكلمون ثلاثة: فرابح وسالم وشاجب (5)، فأما الرابح فالذاكر لله. وأما السالم فالساكت. وأما الشاجب فالذي يخوض في الباطل، إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه. وكان أبو ذر


(1) المشاء: الكثير المشى. وأيضا النمام والمراد ههنا الاول. والادب - بفتحتين -: الحاجة. وفي بعض النسخ [ إلى غير أدب ] (2) في بعض النسخ [ واستكتهم عن المنطق ]. (3) الاكياس: جمع كيس - كسيد -: الفطن، الظريف، الحسن الفهم والادب. (4) البذاء: الفحش. والبذى - على فعيل -: السفيه والذى أفحش في منطقه. (5) الشاجب: الهذاء المكثار أي كثير الهذيان وكثير الكلام. وأيضا الهالك. وهو الانسب. (*)

[ 395 ]

- رضي الله عنه - يقول: " يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك ". يا هشام بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه إذا شاهده (1) ويأكله إذا غاب عنه، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله. إن أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي. وإن شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه. وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم. ومن حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه. يا هشام لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا. ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو. يا هشام قال الله عزوجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوي في مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت الغنى في نفسه. وهمه في آخرته. وكففت عليه [ في ] ضيعته (2). وضمنت السماوات والارض رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر. يا هشام الغضب مفتاح الشر. وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا. وإن خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحدا منهم إلا من كانت يدك عليه العليا (3) فافعل. يا هشام عليك بالرفق، فإن الرفق يمن والخرق شوم، إن الرفق والبر وحسن الخلق يعمر الديار ويزيد في الرزق. يا هشام قول الله: " هل جزاء الاحسان إلا الاحسان (4) " جرت في المؤمن والكافر والبر والفاجر. من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به. وليست المكافأة أن تصنع كما صنع حتى ترى فضلك. فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء (5).


(1) أي يحسن الثناء وبالغ في مدحه إذا شاهده: ويعيبه بالسوء ويذمه إذا غاب. (2) الضيعة - بالفتح -: حرفة الرجل وصناعته وفي بعض النسخ [ صنعته ]. (3) اليد العليا: المعطية المتعففة. (4) سورة الرحمن آية 60. (5) أي له الفضيلة بسبب ابتدائه بالاحسان، فهو أفضل منك. (*)

[ 396 ]

يا هشام إن مثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل، يحذرها الرجال ذووا العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم. يا هشام اصبر على طاعة الله واصبر عن معاصي الله، فإنما الدنيا ساعة، فما مضى منها فليس تجد له سرورا ولا حزنا. وما لم يأت منها فليس تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اغتبطت (1). يا هشام مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله. يا هشام إياك والكبر، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. الكبر رداء الله، فمن نازعه رداءه أكبه الله في النار على وجهه. يا هشام ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنا استزاد منه. وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه. يا هشام تمثلت الدنيا للمسيح عليه السلام في صورة امرأة زرقاء فقال لها: كم تزوجت ؟ فقالت: كثيرا، قال: فكل طلقك ؟ قالت: لا بل كلا قتلت. قال المسيح عليه السلام: فويح لازواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين. يا هشام إن ضوء الجسد في عينه، فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله. وإن ضوء الروح العقل، فإذا كان العبد عاقلا كان عالما بربه وإذا كان عالما بربه أبصر دينه. وإن كان جاهلا بربه لم يقم له دين. وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحية، فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل. يا هشام إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا (2). فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، لان الله جعل التواضع آلة العقل وجعل التكبر من آلة الجهل، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف (3) برأسه


(1) اغتبظ: كان في مسرة وحسن حال. وفي بعض النسخ [ قد احتبطت ]. (2) الصفا: الحجر الصلد الضخم. (3) شمخ - من باب منع -: علا ورفع. (*)

[ 397 ]

شجه (1). ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنه. وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله. ومن تواضع لله رفعه. يا هشام ما أقبح الفقر بعد الغنى. وأقبح الخطيئة بعد النسك. وأقبح من ذلك العابد لله ثم يترك عبادته. يا هشام لا خير في العيش إلا لرجلين: لمستمع واع، وعالم ناطق. يا هشام ما قسم بين العباد أفضل من العقل. نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل وما بعث الله نبيا إلا عاقلا حتى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين. وما أدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه (2). يا هشام قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنوا منه، فإنه يلقى الحكمة. والمؤمن قليل الكلام كثير العمل والمنافق كثير الكلام قليل العمل. يا هشام أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قل لعبادي: لا يجعلوا بيني وبينهم عالما مفتونا بالدنيا فيصدهم عن ذكري وعن طريق محبتي ومناجاتي، أولئك قطاع الطريق من عبادي، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبتي (3) ومناجاتي من قلوبهم. يا هشام من تعظم في نفسه لعنته ملائكة السماء وملائكة الارض. ومن تكبر على إخوانه واستطال عليهم فقد ضاد الله (4) ومن ادعى ما ليس له فهو [ أ ] عني لغير رشده (5). يا هشام أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود حذر، وأنذر (6) أصحابك عن حب الشهوات، فإن المعلقة قلوبهم بشهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عني. يا هشام إياك والكبر على أوليائي والاستطاعة بعلمك فيمقتك الله، فلا تنفعك


(1) أي كسره وجرحه. (2) أي عرفه إلى حد التعقل. (3) في بعض النسخ [ عبادتي ]. (4) استطال عليهم: أي تفضل عليهم. (5) عنى - بصيغة المجهول أو المعلوم - بالامر كلف ما يشق عليه. وفي بعض النسخ [ أعنى لغيره ] أي يدخل غيره في العناء والتعب. هذا ويحتمل أن يكون الاصل [ فهو لغى لغير رشدة ] فصحف. (6) في بعض النسخ [ فانذر ]. وفي بعضها [ ونذر ]. (*)

[ 398 ]

بعد مقته دنياك ولا آخرتك. وكن في الدنيا كساكن دار ليست له، إنما ينتظر الرحيل. يا هشام مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة. ومشاورة العاقل الناصح يمن وبركة ورشد وتوفيق من الله، فإذا أشار (1) عليك العاقل الناصح فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب (2). يا هشام إياك ومخالطة الناس والانس بهم إلا أن تجد منهم عاقلا ومأمونا فآنس به واهرب من سايرهم كهربك من السباع الضارية (3). وينبغي للعاقل إذا عمل عملا أن يستحيي من الله. وإذا تفرد له بالنعم أن يشارك في عمله أحدا غيره (4). وإذا مر بك (5) أمران لا تدري أيهما خير وأصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه، فإن كثير الصواب في مخالفة هواك. وإياك أن تغلب الحكمة وتضعها في أهل الجهالة (6) قال هشام: فقلت له: فإن وجدت رجلا طالبا له غير أن عقله لا يتسع لضبط ما القي إليه ؟ قال عليه السلام: فتلطف له في النصيحة، فإن ضاق قلبه [ ف‍ ] - لا تعرضن نفسك للفتنة. واحذر رد المتكبرين، فإن العلم يدل على أن يملى على من لا يفيق (7). قلت: فإن لم أجد


(1) في بعض النسخ [ فإذا استشار ]. (2) العطب: الهلاك. (3) الضارى: الحيوان السبع، من ضرا الكلب بالصيد يضرو: تعوده وأولع به. وأيضا: تطعم بلحمه ودمه. (4) أي إذا اختص العاقل بنعمة ينبغى له أن يشارك غيره في هذه النعمة بأن يعطيه منها. وفي بعض النسخ [ إذ تفرد له ]. (5) في بعض النسخ [ وإذا خرجك أمران ] وخر به أمر أي نزل به وأهمه. (6) قال المجلسي - رحمه الله - كان فيه قهرا من لا يستحقها بأن يقرأ على صيغة المجهول أو على المعلوم أي تغلب على الحكمة فانها تأبى عمن لا يستحقها. ويحتمل أن يكون بالفاء والتاء من الافلات بمعنى الاطلاق فانهم يقولون: انفلت منى كلام أي صدر بغير رويه. وفي بعض النسخ المنقولة من الكتاب [ واياك أن تطلب الحكمة وتضعها في الجهال ]. (7) الافاقة: الرجوع عن الكسر والاغماء الغفلة إلى حال الاستقامة. وفي بعض النسخ [ فان العلم يذل على أن يحمل على من لا يفيق ] وفي بعضها [ يجلى ]. (*)

[ 399 ]

من يعقل السؤال عنها ؟ قال عليه السلام: فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنة القول وعظيم فتنة الرد. واعلم أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده. ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده. ولم يفرج المحزونين (1) بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته. فما ظنك بالرؤوف الرحيم الذي يتودد إل من يؤذيه بأوليائه، فكيف يمن يؤذى فيه. وما ظنك بالتواب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يترضاه (2) ويختار عداوة الخلق فيه. يا هشام من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قبله وما اوتي عبد علما فازداد للدنيا حبا إلا ازداد من الله بعدا وازداد الله عليه غضبا. يا هشام إن العاقل اللبيب من ترك ما لا طاقة له به. وأكثر الصواب في خلاف الهوى. ومن طال أمله ساء عمله. يا هشام لو رأيت مسير الاجل لالهاك عن الامل. يا هشام إياك والطمع. وعليك باليأس مما في أيدي الناس. وأمت الطمع من المخلوقين، فإن الطمع مفتاح للذل، (3) واختلاس العقل، واختلاق المروات (4)، وتدنيس العرض، والذهاب بالعلم، وعليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه. وجاهد نفسك لتردها عن هواها، فإنه وجب عليك كجهاد عدوك. قال هشام: فقلت له فأي الاعداء أوجبهم مجاهدة ؟ قال عليه السلام: أقربهم إليك وأعداهم لك وأضرهم بك و أعظمهم لك عداوة وأخفاهم لك شخصا مع دنوه منك، ومن يحرض (5) أعداءك عليك


(1) في بعض النسخ [ ولم يفرح المحزونين ]. (2) يترضاه: أي يطلب رضاه. (3) في بعض النسخ [ الذل ]. (4) الاختلاق: الافتراء. وفي بعض النسخ [ واخلاق ] والظاهر انه جمع خلق - بالتحريك - أي البالى. والعرض: النفس والخليقة المحمودة - وأيضا: ما يفتخر الانسان من حسب وشرف. (5) في بعض النسخ [ ومن يحرص ]. وفي بعضها [ ويحرص من ]. (*)

[ 400 ]

وهو (1) إبليس الموكل بوسواس [ من ] القلوب فله فلتشتد عداوتك (2). ولا يكونن أصبر على مجاهدته لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته، فإنه أضعف منك ركنا في قوته (3) وأقل منك ضررا في كثرة شره. إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مستقيم. يا هشام من أكرمه الله بثلاث فقد لطف له: عقل يكفيه مؤونة هواه. وعلم يكفيه مؤونة جهله وغنى يكفيه مخافة الفقر. يا هشام احذر هذه الدنيا واحذر أهلها، فإن الناس فيها على أربعة أصناف: رجل مترد معانق لهواه. ومتعلم مقرى (4) كلما ازداد علما ازداد كبرا، يستعلي (5) بقراءته وعلمه على من هو دونه. وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته يحب أن يعظم ويوقر. وذي بصيرة عالم عارف بطريق الحق يحب القيام به، فهو عاجز أو مغلوب ولا يقدر على القيام بما يعرف‍ [ ه ] فهو محزون، مغموم بذلك، فهو أمثل أهل زمانه (6) وأوجههم عقلا. يا هشام اعرف العقل وجنده، والجهل وجنده تكن من المهتدين، قال هشام: فقلت: جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا. فقال عليه السلام: يا هشام إن الله خلق العقل وهو أول خلق خلقه الله من الروحانيين (7)


(1) في بعض النسخ [ فهو ]. (2) في بعض النسخ [ فلتشد ]. (3) الركن: العز والمنعة. وأيضا: ما يقوى به. والامر العظيم. صبره في المجاهدة أقوى منك. فانك إذا كنت على الاستقامة في مخالفته يكون مع قوته أضعف منك ركنا وضررا. (4) في بعض النسخ [ متقرئ ]. (5) في بعض النسخ [ يستعلن ]. (6) الامثل: الافضل. (7) أي هو اول مخلوق من المنسوبين إلى الروح في مدينة بنية الانسان المتمركزين بأمر الرب والسلطان في مقر الحكومة العقلية. فهو أولها ورأسها ثم يوجد بعده وبسببه جندا فجندا إلى أن يكمل للانسان جودة العقل. (*)

[ 401 ]

عن يمين العرش من نوره (1) فقال له: أدبر، فأدبر. ثم قال له: أقبل فأقبل. فقال الله عزوجل: خلقتك خلقا [ عظيما ] وكرمتك على جميع خلقي. ثم خلق الجهل من البحر الاجاج الظلماني، فقال له: إدبر، فأدبر. ثم قال له: أقبل، فلم يقبل. فقال له: استكبرت فلعنه. ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا، فلما رأى الجهل ما كرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل: يا رب هذا خلق مثلي خلقته و كرمته وقويته وأنا ضده ولا قوة لي به أعطني من الجند مثل ما أعطيته ؟ فقال تبارك وتعالى، نعم، فإن عصيتني بعد ذلك أخرجتك وجندك من جواري ومن رحمتي، فقال: قد رضيت. فأعطاه الله خمسة وسبعين جندا فكان مما أعطى العقل من الخمسة و السبعين جندا: الخير وهو وزير العقل وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل. * (جنود العقل والجهل) * الايمان، الكفر. التصديق، التكذيب. الاخلاص، النفاق. الرجاء، القنوط. العدل، الجور. الرضى، السخط. الشكر، الكفران. اليأس، الطمع. التوكل، الحرص. الرأفة، الغلظة. العلم، الجهل. العفة، التهتك. الزهد، الرغبة. الرفق، الخرق. الرهبة، الجرأة. التواضع، الكبر. التؤدة (2) العجلة. الحلم، السفه. الصمت، الهذر (3). الاستسلام، الاستكبار. التسليم، التجبر. العفو، الحقد. الرحمة، القسوة. اليقين، الشك. الصبر، الجزع. الصفح، الانتقام. الغنى، الفقر. التفكر، السهو. الحفظ، النسيان. التواصل، القطيعة. القناعة، الشره (4) المؤاساة، المنع.


(1) عن يمين العرش أي أقوى جانبيه وأشرفهما. و " من نوره " أي من نور ذاته. " فقال له إلخ " مضى بيان ما فيه في أوائل الكتاب من كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله في حكمه ومواعظه فليطلبه هنا. قوله عليه السلام: " فلا يكون خلقا أعظم منه " إذ به يقوم كل شئ فيكون أكرم من كل مخلوق. والجهل يكون منبع الشرور فله قابلية لكل شر. (2) التؤدة - بالضم -: الرزانة والتأنى، يقال: توأد في الامر أي تأنى وتمهل. (3) الهذر - بالتحريك -: الهذيان والكلام الذى لا يعبأ به، يقال: هذر فلان في منطقه - من باب ضرب ونصر -: خلط وتكلم بما لا ينبغى. (4) الشره - بالتحرك -: مصدر باب فرح -: الحرص، يقال: شره إلى الطعام: إشتد ميله إليه. ويمكن أن يكون كما في بعض النسخ [ الشره ] بالكسر فالتشديد أي الحدة والحرص. (*)

[ 402 ]

المودة، العداوة. الوفاء، الغدر. الطاعة، المعصية. الخضوع، التطاول (1) السلامة، البلاء. الفهم، الغباوة (2) المعرفة، الانكار. المدارأة، المكاشفة. سلامة الغيب، المماكرة (3) الكتمان، الافشاء. البر، العقوق. الحقيقة، التسويف (4) المعروف، المنكر. التقية، الاذاعة. الانصاف، الظلم. التقى، الحسد (5) النظافة، القذر. الحياء القحة (6). القصد، الاسراف. الراحة، التعب. السهولة، الصعوبة. العافية، البلوى. القوام، المكاثرة (7) الحكمة، الهوى. الوقار، الخفة. السعادة، الشقاء. التوبة، الاصرار. المحافظة، التهاون (8) الدعاء، الاستنكاف. النشاط. الكسل. الفرح، الحزن. الالفة، الفرقة. السخاء، البخل. الخشوع، العجب. صون الحديث (9) النميمة. الاستغفار لا، الاغترار. الكياسة، الحمق (10). يا هشام لا تجمع (11) هذة الخصال إلا لنبي أو وصي أو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان. وأما ساير ذلك من المؤمنين فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود من أجناد العقل حتى يستكمل العقل ويتخلص من جنود الجهل. فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الانبياء والاوصياء عليه السلام وفقنا الله وإياكم لطاعته.


، (1) التطاول: التكبر والترفع. (2) الغباوة: الغفلة وقلة الفطنة. (3) المماكرة: المخادعة. (4) كذا. والتسويف: المطل والتأخير. وفي الكافي [ الرياء ]. (5) في بعض النسخ [ النفى، الحسد ] ولعله تصحيف. (6) القحة - بفتح القاف وكسرها وفتح الحاء مصدر - وهى بمعنى الوقاحة وقلة الحياء. وفى بعض النسخ [ القيحة ]. وفى الكافي والخصال [ الجلع ] أي الوقاحة. (7) القوام - بالفتح -: العدل والاعتدال. والمكاثرة: المفاخرة والمغالبة في الكثرة بالمال أو العدد. (8) في بعض النسخ [ المخالفة ]. (9) في بعض النسخ [ صدق الحديث ]. (10) لا يخفى أن عدد ما ذكر تفصيلا لا يبلغ ما ذكره اجمالا. (11) في بعض النسخ [ لا تجتمع ]. (*)

[ 403 ]

ومن حكمه عليه السلام روي عنه عليه السلام أنه قال: صلاة النوافل قربان إلى الله لكل مؤمن. والحج جهاد كل ضعيف. ولكل شئ زكاة وزكاة الجسد صيام النوافل. وأفضل العبادة بعد المعرفة إنتظار الفرج. ومن دعا قبل الثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه واله كان كمن رمى بسهم بلا وتر. ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية وما عال امرء اقتصد. والتدبير نصف العيش. والتودد إلى الناس نصف العقل. وكثرة الهم يورث الهرم. والعجلة هي الخرق. وقلة العيال أحد اليسارين. ومن أحزن والديه فقد عقهما. ومن ضرب بيده على فخذه، أو ضرب بيده الواحدة على الاخرى عند المصيبة فقد حبط أجره. والمصيبة لا تكون مصيبة يستوجب صاحبها أجرها إلا بالصبر والاسترجاع عند الصدمة. و الصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي دين أو حسب. والله ينزل المعونة على قدر المؤونة، و ينزل الصبر على قدر المصيبة. ومن اقتصر وقنع بقيت عليه النعمة. ومن بذر وأسرف زالت عنه النعمة. وأداء الامانة والصدق يجلبان الرزق. والخيانة والكذب يجلبان الفقر والنفاق. وإذا أراد الله بالذرة (1) شرا أنبت لها جناحين فطارت فأكلها الطير. و الصنيعة لا تتم صنيعة عند المؤمن لصاحبها إلا بثلاثة أشياء: تصغيرها وسترها وتعجيلها، فمن صغر الصنيعة عند المؤمن فقد عظم أخاة. ومن عظم الصنيعة عنده فقد صغر أخاه. ومن كتم ما أولاه (2) من صنيعه فقد كرم فعاله. ومن عجل ما وعد فقد هنئ (3) العطية


(1) في بعض النسخ [ بالنملة ]. (2) يقال: أولى معروفا أي صنعه إليه. (3) هنئ الطعام - من باب علم -: تهنأ به أي ساغ له الطعام ولذ. وفى بعض النسخ [ هنوء ] - من باب شرف -: صار هنيئا. (*)

[ 404 ]

* (ومن كلامه عليه السلام) * (مع الرشيد في خبر طويل ذكرنا موضع الحاجة إليه) دخل إليه وقد عمد على القبض عليه، لاشياء كذبت عليه عنده، فأعطاه طومارا طويلا فيه مذاهب شنعة (1) نسبها إلى شيعته [ فقرأه ] ثم قال له: يا أمير المؤمنين نحن أهل بيت منينا بالتقوى علينا (2)، وربنا غفور ستور، أبى أن يكشف أسرار عباده إلا في وقت محاسبته " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ". ثم قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن علي، عن النبي صلوات الله عليهم: الرحم إذا مست الرحم اضطربت ثم سكنت، فإن رأى أمير المؤمنين أن تمس رحمي رحمه ويصافحني فعل. فتحول عنذ ذلك عن سريره ومد يمينه إلى موسى عليه السلام فأخذ بيمينه، ثم ضمه إلى صدره، فاعتنقه وأقعده عن يمينه وقال: أشهد أنك صادق وأباك صادق وجدك صادق ورسول الله صلى الله عليه واله صادق. ولقد دخلت وأنا أشد الناس عليك حنقا (3) وغضبا لما رقي إلي (4) فيك فلما تكلمت بما تكلمت وصافحتني سري عني (5) وتحول غضبي عليك رضى. وسكت ساعة، ثم قال له: اريد أن أسألك عن العباس وعلي بم صار علي أولى بميراث رسول الله صلى الله عليه واله من العباس والعباس عم رسول الله صلى الله عليه واله وصنو أبيه (6) ؟ فقال له موسى عليه السلام: أعفني. قال: والله لا أعفيتك، فأجبني. قال: فان لم تعفني فآمني. قال: آمنتك. قال موسى عليه السلام. إن النبي صلى الله عليه وآله لم يورث من قدر على الهجرة فلم يهاجر، إن أباك العباسي آمن ولم يهاجر وإن عليا عليه السلام آمن وهاجر وقال


(1) الشنعة - كنتنة - الفضيعة والقبيحة. (2) منا يمنو منوا ومنى يمنى منيا الرجل بكذا: اختبره وامتحنه به. والتقول: الافتراء بالقول يقال: تقول عليه القول: ابتدعه كذبا. (3) الحنق - بالتحريك - شدة الاغتياظ. (4) أي كتب إلى. (5) سرى عنى أي ألقى وانكشف عنى. (6) الصنو: المثل والابن والعم والاخ الشقيق (*)

[ 405 ]

الله: " الذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا (1) " فالتمع لون هارون وتغير. وقال: ما لكم لا تنسبون إلى علي هو أبوكم وتنسبون إلى رسول الله صلى الله عليه واله وهو جدكم ؟ فقال موسى عليه السلام: إن الله نسب المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام إلى خليله إبراهيم عليه السلام بأمه مريم البكر البتول التي لم يمسها بشر في قوله: " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (2) " فنسبه بأمه وحدها إلى خليله إبراهيم عليه السلام، كما نسب داود وسليمان وأيوب وموسى وهارون عليهم السلام بآبائهم وأمهاتهم فضيلة لعيسى عليه السلام ومنزلة رفيعة بأمه وحدها. ودلك قوله في قصة مريم عليها السلام: " إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (3) " بالمسيح من غير بشر. وكذلك اصطفى ربنا فاطمة عليها السلام وطهرها وفضلها على نساء العالمين بالحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة. فقال هارون - وقد اضطرب وساءه ما سمع -: من أين قلتم الانسان يدخله الفساد (4) من قبل النساء ومن قبل الآباء لحال الخمس الذي لم يدفع إلى أهله ؟ فقال موسى عليه السلام: هذه مسألة ما سأل عنها أحد من السلاطين غيرك - يا أمير المؤمنين - ولا تيم ولا عدي ولا بنو امية ولا سئل عنها أحد من آبائي فلا تكشفني عنها. قال: فإن بلغني عنك كشف هذا رجعت عما آمنتك. فقال موسى عليه السلام: لك ذلك. قال: فإن الزندقة قد كثرت في الاسلام وهؤلاء الزنادقة الذين يرفعون إلينا في الاخبار، هم المنسوبون إليكم، فما الزنديق عندكم أهل البيت فقال عليه السلام: الزنديق هو الراد على الله وعلى رسوله وهم الذين يحادون الله ورسوله قال الله: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا


(1) سورة الانفال آية 73. وقوله: " فالتمع لون هارون " أي ذهب وتغير. (2) سورة الانعام آية 85، 86. (3) سورة آل عمران آية 40. (4) أي ان من لم يخمس ماله ولم يؤد خمس ماله إلى أهله يكون خلل في نطفته اما من قبل الاب أو الام. (*)

[ 406 ]

آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم إلى آخر الآية (1) ". وهم الملحدون، عدلوا عن التوحيد إلى الالحاد فقال هارون: أخبرني عن أول من ألحد وتزندق ؟ فقال موسى عليه السلام: أول من ألحد وتزندق في السماء إبليس اللعين، فاستكبر وافتخر على صفي الله ونجيه آدم عليه السلام، فقال اللعين: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (2) " فعتا عن أمر ربه وألحد فتوارث الالحاد ذريته إلى أن تقوم الساعة. فقال: ولابليس ذرية ؟ فقال عليه السلام: نعم ألم تسمع إلى قول الله: " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا * ما أشهدتهم خلق السموات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (3) " لانهم يضلون ذرية آدم بزخارفهم وكذبهم ويشهدون أن لا إله إلا الله كما وصفهم الله في قوله: " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (4) " أي إنهم لا يقولون ذلك إلا تلقينا وتأديبا وتسمية. ومن لم يعلم وإن شهد كان شاكا حاسدا معاندا. ولذلك قالت العرب: " من جهل أمرا عاداه ومن قصر عنه عابه وألحد فيه "، لانه جاهل غير عالم. - وكان له عليه السلام مع أبي يوسف القاضي كلام طويل ليس هنا موضعه (5). -


(1) سورة المجادلة آية 22. (2) سورة الاعراف آية 11. وسورة ص آية 77. (3) سورة الكهف آية 49، 50. (4) سورة لقمان آية 24. (5) هو يعقوب بن ابراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد الصحابي الانصاري الكوفى قاضى القضاة من علماء دولة الرشيد. صاحب أبى حنيفة ومن اتباعه ويروى عنه وكان الغالب عليه مذهبه و خالفه في مواضع كثيرة وقد عدوه من أصحاب الرأى والقياس. قيل: انه أول من لقب بقاضي القضاة وكان يقضى ببغداد سنة 166 في ايام خروج الهادى إلى جرجان وأقام على القضاء إلى أن توفى سنة 182 وكان مولده سنة 113 قيل: انه أول من جعل الامتياز بين لباس العلماء وسائر الناس وقد ذكر حكايات من أحواله في تاريخ ابن خلكان والخطيب البغدادي. وقبره في شرقي الصحن المطهر الكاظمي من أرض بغداد. (*)

[ 407 ]

ثم قال الرشيد: بحق آبائك لما اختصرت كلمات جامعة (1) لما تجاريناه. فقال عليه السلام: نعم. واتي بدواة وقرطاس فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم جميع أمور الاديان أربعة: أمر لا أختلاف فيه وهو إجماع الامة على الضرورة التي يضطرون إليها، والاخبار المجمع عليها وهي الغاية المعروض عليها كل شبهة والمستنبط منها كل حادثة وهو إجماع الامة. وأمر يحتمل الشك والانكار، فسبيله استيضاح أهله (2) لمنتحليه بحجة من كتاب الله مجمع على تأويلها، وسنة مجمع عليها لا اختلاف فيها، أو قياس تعرف العقول عدله ولا يسع خاصة الامة وعامتها الشك فيه والانكار له (3). وهذان الامران من أمر التوحيد فما دونه وأرش الخدش (4) فما فوقه. فهذا المعروض الذي يعرض عليه أمر الدين فما ثبت لك برهانه اصطفيته وما غمض عليك صوابه (5) نفيته. فمن أورد واحدة من هذه الثلاث (6) فهي الحجة البالغة التي بينها الله في قوله لنبيه: " قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين (7) " يبلغ الحجة البالغة الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمه العالم بعلمه، لان الله عدل لا يجور، يحتج على خلقه


(1) أي اقسمك بحق آبائك أن تبين لنا كلمات جامعة في نهاية الاختصار لامورنا الجارية. و " لما " حرف استثناء وكما تدخل على الجملة الاسمية تدخل على الماضي لفظا لا معنى أيضا نحو أنشدك الله لما فعلت أي ما أسألك الا فعلت. (2) في بعض النسخ [ استنصاح أهله ]. (3) ورواه المفيد رحمه الله في الاختصاص ونقله المجلسي - قده - في البحار هكذا " فكتب بسم الله الرحمن الرحيم أمور الاديان أمران: أمر لا اختلاف فيه وهو اجماع الامة على الضرورة التى يضطرون إليها والاخبار المجتمع عليها، المعروض عليها كل شبهة والمستنبط منها كل حادثة. وأمر يحتمل الشك والانكار وسبيل استيضاح أهله الحجة عليه. فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع على تأويله أو سنة عن النبي صلى الله عليه وآله لا اختلاف فيها أو قياس تعرف العقول عدله ضاق على من استوضح تلك الحجة ردها ووجب عليه قبولها والاقرار والديانة بها وما لم يثبت لمنتحليه به حجة من كتاب مستجمع على تأويله أو سنة عن النبي صلى الله عليه وآله لا اختلاف فيها أو قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة وعامها الشك فيه والانكار له كذلك هذان الامران... الخ " (4) في الاختصاص [ إلى ارش الخدش ]. (5) في الاختصاص [ وما غمض عنك ضوؤه ]. (6) والظاهر ان المراد بهذه الثلاث: الكتاب والسنة والقياس الذى تعرف العقول عدله. (7) سورة الانعام آية 150. (*)

[ 408 ]

بما يعلمون ويدعوهم إلى ما يعرفون لا إلى ما يجهلون وينكرون. فأجازه الرشيد ورده. والخبر طويل. (1) * (وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني) * قال عليه السلام: ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه (2) في رزقه ولا يتهمه في قضائه. وقال رجل: سألته عن اليقين ؟ فقال عليه السلام: يتوكل على الله، ويسلم لله، ويرضى بقضاء الله، ويفوض إلى الله. وقال عبد الله بن يحيى (3): كتبت إليه في دعاء " الحمد لله منتهى علمه " فكتب عليه السلام: لا تقولن منتهى علمه، فإنه ليس لعلمه منتهى. ولكن قل: منتهى رضاه. وسأله رجل عن الجواد ؟ فقال عليه السلام: إن لكلامك وجهين، فإن كنت تسأل عن المخلوقين، فإن الجواد، الذي يؤدي ما افترض الله عليه. والبخيل من بخل بما افترض الله. وإن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى وهو الجواد إن منع، لانه إن أعطاك أعطاك ما ليس لك وإن منعك منعك ما ليس لك. وقال لبعض شيعته: أي فلان ! إتق الله وقل الحق وإن كان فيه هلاكك فإن فيه نجاتك، أي فلان ! اتق الله ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك. فإن فيه هلاكك. وقال له وكيله: والله ما خنتك. فقال عليه السلام له: خيانتك وتضييعك علي مالي سواء والخيانة شرهما عليك. وقال عليه السلام: إياك أن تمنع في طاعة الله، فتنفق مثليه في معصية الله. وقال عليه السلام: المؤمن مثل كفتى الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه. وقال عليه السلام عند قبر حضره (4): إن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله. وإن شيئا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره.


(1) تمام الخبر في الاختصاص للمفيد - رحمه الله -. (2) أي لا يجده بطيئا. (3) رواه الصدوق - رحمه الله - في التوحيد باب العلم باسناده عن الكاهلى عن موسى بن جعفر عليه السلام. وعبد الله بن يحيى الكاهلى الاسدي الكوفى أخو اسحاق بن يحيى من وجوه اصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام وله كتاب. (4) وفى بعض النسخ [ حفره ]. (*)

[ 409 ]

وقال عليه السلام: من تكلم في الله هلك. ومن طلب الرئاسة هلك. ومن دخله العجب هلك. وقال عليه السلام: إشتدت مؤونة الدنيا والدين: فأما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه. وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليه. وقال عليه السلام: أربعة من الوسواس: أكل الطين وفت الطين. وتقليم الاظفار بالاسنان. وأكل اللحية. وثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة. والنطر إلى الماء الجاري. والنظر إلى الوجه الحسن. وقال عليه السلام: ليس حسن الجوار كف الاذى ولكن حسن الجوار الصبر على الاذى. وقال عليه السلام: لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك (1). وأبق منها، فإن ذهابها ذهاب الحياء. وقال عليه السلام لبعض ولده: يا بني إياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها. وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها. وعليك بالجد. ولا تخرجن نفسك من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله لا يعبد حق عبادته. وإياك والمزاح، فإنه يذهب بنور إيمانك ويستخف مروتك. وإياك والضجر والكسل، فإنهما يمنعان حظك من الدنيا والآخرة. وقال عليه السلام: إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لاحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه. وقال عليه السلام: ليس القبلة على الفم إلا للزوجة والولد الصغير. وقال عليه السلام: اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله. وساعة لامر المعاش. وساعة لمعاشرة الاخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم وبهذه الساعة


(1) الحشمة: الانقباض والاستحياء. (*)

[ 410 ]

تقدرون على الثلاث ساعات. لا تحدثوا أنفسكم بفقر ولا بطول عمر، فإنه من حدث نفسه بالفقر بخل. ومن حدثا بطول العمر يحرص. اجعلوا لانفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال وما لا يثلم المروة وما لا سرف فيه. واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنه روي " ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه ". وقال عليه السلام: تفقهوا في دين الله فإن الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا. وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب. ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا. وقال عليه السلام لعلي بن يقطين (1): كفارة عمل السلطان الاحسان إلى الاخوان. وقال عليه السلام: كلما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدون.


(1) هو على بن يقطين بن موسى مولى بنى أسد كوفى الاصل سكن بغداد من أصحاب الصادق و الكاظم عليهما السلام قال الشيخ في الفهرست: على بن يقطين - رحمه الله - ثقة جليل القدر له منزلة عظيمة عند أبى الحسن [ موسى بن جعفر عليهما السلام ] عظيم المكان في الطائفة. وكان يقطين من وجوه الدعاة. فطلبه مروان فهرب وابنه على بن يقطين هذا رحمه الله ولد بالكوفة سنة 124 و هربت به امه وبأخيه عبيد بن يقطين إلى المدينة فلما ظهرت الدولة الهاشمية ظهر يقطين وعادت ام على بعلى وعبيد فلم يزل يقطين بخدمة السفاح وابى جعفر المنصور ومع ذلك كان يتشيع ويقول بالامامة وكذلك ولده وكان رحمه الله يحمل الاموال إلى ابى عبد الله جعفر الصادق عليه السلام ونم خبره إلى المنصور والمهدى فصرف الله عنه كيدهما وتوفى على بن يقطين بمدينة السلام ببغداد سنة 182 وسنه يومئذ 57 سنة وصلى عليه ولى العهد محمد بن الرشيد وتوفى ابوه بعده سنة 185 ولعلى بن يقطين كتب منها كتاب ما سأل عن الصادق عليه السلام من الملاحم وكتاب مناظرة الشاك بحضرته - انتهى. وكان وفات على بن يقطين في أيام كان ابو الحسن عليه السلام محبوسا في سجن هارون ببغداد وبقى عليه السلام اربع سنين فيه بعد على بن يقطين. وله ايضا مسائل عن أبى الحسن عليه السلام واستأذنه في ترك عمل السلطان فلم يأذن له وقال عليه السلام: " لا تفعل فان لنا بك أنسا ولاخوانك لك عزا وعسى أن يجبر الله بك كسرا ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه. يا على كفارة أعمالكم الاحسان إلى إخوانكم ". وضمن على بن يقطين لابي الحسن عليه السلام ان لا يأتيه ولى له الا اكرمه. فضمن أبو الحسن عليه السلام له ثلاث خصال: لا يظله سقف سجن أبدا ولا يناله حد سيف أبدا ولا يدخل الفقر فيه أبدا. (*)

[ 411 ]

وقال عليه السلام: إذا كان الامام عادلا كان له الاجر وعليك الشكر. وإذا كان جائرا كان عليه الوزر وعليك الصبر. وقال أبو حنيفة (1) حججت في أيام أبي عبد الله الصادق عليه السلام فلما أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه إذ خرج صبي يدرج (2)، فقلت: يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم ؟ قال: على رسلك (3). ثم جلس مستندا إلى الحائط. ثم قال: توق شطوط الانهار ومساقط الثمار وأفنية المساجد وقارعة الطريق (4). وتوار خلف جدار وشل ثوبك (5). ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها. وضع حيث شئت. فأعجبني ما سمعت من الصبي، فقلت له: ما اسمك ؟ فقال: أنا موسى بن جعفر بن محمد بن


(1) هو نعمان بن ثابت بن زوطى أحد الائمة الاربعة كان جده من الفرس من موالى تيم الله ابن ثعلبة فمسه الرق فأعتق فكان أبو حنيفة من ابناء الفرس ولد سنة 80 بالكوفة وكان خزازا يبيع الخز صاحب الرأي والقياس والفتاوى المعروفة في الفقه. وإذا لم يجد نصا في الكتاب والسنة عمل بالقياس حتى قيل: إنه قاس في امور معاشة. وهو أول من قاس في الاسلام. واتهم باجازة وضع الحديث على وفق مذهبه وعدوه من المرجئة الذين يقولون لا تضر مع الايمان معصية، وقيل: رد على رسول الله صلى الله عليه وآله اربعمائة حديث أو أكثر فقال: لو أدركني رسول الله لاخذ بكثير من قولى. ونقل الخطيب في تاريخ بغداد بعضها ويعاب عليه أيضا بعدم علمه بقواعد العربية. مات سنة 150. واتفق انه في يوم وفاته ولد الشافعي ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد. مشهورة معروف عند العامة بالامام الاعظم وبنى شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفى مملكة السلطان ملكشاه السلجوقي على قبره مشهدا و قبة وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية وقيل: ان الذى أمر ببناء هذه العمارة هو البار أرسلان محمد والد السلطان ملكشاه وكان الامير أبو سعد نائبا عليها. وفي الاخيار: ان ابا حنيفة جاء يوما إلى الصادق عليه السلام ليسمع منه وخرج عليه السلام يتوكأ على عصا فقال له ابو حنيفة يا ابن رسول الله ما بلغت من السن ما يحتاج معه إلى العصا قال: هو كذلك ولكنها عصا رسول الله صلى الله عليه وآله اردت أتبرك بها فوثب أبو حنيفة إليها وقال له: اقبلها يا ابن رسول الله ؟ فحسر عليه السلام عن ذراعه وقال والله لقد علمت أن هذا بشر رسول الله صلى الله عليه وآله وان هذا من شعره فما قبلته وتقبل عصا. (2) درج الصبى: مشى قليلا في أول ما يمشى. (3) الرسل والرسلة: الرفق والتمهل. يقال: على رسلك يا رجل أي على مهلك. (4) قارعة الطريق: أعلاه ومعظمه وهى موضع قرع المارة. (5) أي ارفع ثوبك. - من شال يشول شولا الشئ - أي رفعه. (*)

[ 412 ]

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقلت له: يا غلام ممن المعصية ؟ فقال عليه السلام: إن السيئات لا تخلو من إحدى ثلاث: إما أن تكون من الله وليست منه فلا ينبغي للرب أن يعذب العبد على ما لا يرتكب. وإما أن تكون منه ومن العبد وليست كذلك، فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف. وإما أن تكون من العبد وهي منه، فإن عفا [ ف‍ ] بكرمه وجوده، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته. قال أبو حنيفة: فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله عليه السلام واستغنيت بما سمعت. وقال له أبو أحمد الخراساني: الكفر أقدم أم الشرك (1) ؟ فقال عليه السلام له: مالك ولهذا ما عهدي بك تكلم الناس. قلت: أمرني هشام بن الحكم (2) أن أسألك. [ ف‍ ] قال: قل له: الكفر أقدم، أول من كفر إبليس " أبى واستكبر وكان من الكافرين (3) " والكفر شئ واحد والشرك يثبت واحدا ويشرك معه وغيره. ورأى رجلين يتسابان فقال عليه السلام: البادي أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتد المظلوم. وقال عليه السلام: ينادي مناد يوم القيامة: ألا من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح فأجره على الله. وقال عليه السلام: السخي الحسن الخلق في كنف الله، لا يتخلى الله عنه حتى يدخله الجنة. وما بعث الله نبيا إلا سخيا. وما زال أبي يوصيني بالسخاء وحسن الخلق حتى مضى. وقال السندي بن شاهك - وكان الذي وكله الرشيد بحبس موسى عليه السلام - لما حضرته الوفاة: دعني أكفنك. فقال عليه السلام: إنا أهل بيت، حج صرورتنا (4) ومهور نسائنا وأكفاننا من طهور أموالنا.


(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 385 عن موسى بن بكر الواسطي والعياشي في تفسيره عنه قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الكفر والشرك أيهما أقدم - إلى آخر الاية -. (2) وكذا في تفسير العياشي ولكن في الكافي [ هشام بن سالم ]. (3) سورة البقرة آيه 32. (4) الصرور - بالصاد المهلة - الذي لم يتزوج أو لم يحج. (*)

[ 413 ]

وقال عليه السلام لفضل بن يونس: أبلغ خيرا وقل خيرا ولا تكن إمعة (1). قلت: وما الامعة ؟ قال: لا تقل: أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس. إن رسول الله صلى الله عليه واله قال: يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير (2) ". وروي أنه مر برجل من أهل السواد دميم المنظر (3)، فسلم عليه ونزل عنده وحادثه طويلا، ثم عرض عليه السلام عليه نفسه في القيام بحاجة إن عرضت له، فقيل له: يا ابن رسول الله أتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجك وهو إليك أحوج ؟ فقال عليه السلام: عبد من عبيدالله وأخ في كتاب الله وجار في بلاد الله، يجمعنا وإياه خير الآباء آدم عليه السلام وأفضل الاديان الاسلام ولعل الدهر يرد من حاجاتنا إليه، فيرانا - بعد الزهو عليه (4) - متواضعين بين يديه. ثم قال عليه السلام: نواصل من لا يستحق وصالنا * مخافة أن نبقى بغير صديق


(1) الا مع والامعة - بالكسر فالتشديد - قيل: أصله " انى معك ". وفضل بن يونس الكاتب البغدادي عدة الشيخ من أصحاب الكاظم وقال: أصله كوفى تحول إلى بغداد مولى واقفى. انتهى. ووثقه النجاشي وروى الكشى ما يدل على غاية إخلاصه للامام الكاظم قال: وجدت بخط محمد بن الحسن ابن بندار القمى في كتابه حدثنى على بن ابراهيم عن محمد بن سالم قال: لما حمل سيدى قد كتب لى هتك إلى الفضل بن يونس فتسأله أن يروح أمرى فركب إليه أبو الحسن فدخل عليه حاجبه وقال يا سيدى ! أبو الحسن موسى عليه السلام على الباب فقال: أن كنت صادقا فانت حر ولك كذا وكذا فخرج الفضل حافيا يعدو حتى وصل إليه فوقع على قدميه يقبلهما ثم سأله أن يدخل فقال له: اقض حاجة هشام ابن ابراهيم فقضاها ثم قال: يا سيدى قد حضر الغذاء فتكرمني ان تتغذى عندي فقال: هات فجاء بالمائدة وعليها البوارد فأجال أبو الحسن عليه السلام يده في البارد ثم قال: البارد تجال اليد فيه وجاؤوا بالحار فقال أبو الحسن عليه السلام: الحار حمى. (2) النجد: الطريق الواضح المرتفع. وقوله عليه السلام: " انما هما نجدان " فالظاهر إشارة إلى قوله تعالى في سورة البلد آية 10: " وهديناه النجدين ". (3) دميم المنظر أي قبيح المنظر من دم دمامة: كان حقيرا وقبح منظره. (4) الزهو: الفخر والكبر. قال الشاعر: لا تهين الفقير علك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه. (*)

[ 414 ]

وقال عليه السلام: لا تصلح المسألة إلا في ثلاثة: في دم منقطع (1) أو غرم مثقل أو حاجة مدقعة. وقال عليه السلام: عونك للضعيف من أفضل الصدقة. وقال عليه السلام: تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل. وقال عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان. وقال عليه السلام: يعرف شدة الجور من حكم به عليه.


(1) أي دم من ليس لقاتله مال حتى يؤدى ديته. والمدقعة: الشديدة يفضى صاحبه إلى الدقعاء أي التراب أو يفضى صاحبه إلى الدقع وهو سوء احتمال الفقر. والمدقع الملصق بالتراب والذى لا يكون عنده ما يتقى به التراب. (*)

[ 415 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] * (وروى عن الامام الهمام أبى الحسن على بن موسى الرضا عليه السلام في طوال هذه المعاني) * * (جوابه عليه السلام للمأمون) * " في جوامع الشريعة لما سأله جمع ذلك " روي أن المأمون بعث الفضل بن سهل ذا الرياستين (1) إلى الرضا عليه السلام فقال له: إني أحب أن تجمع لي من الحلال والحرام والفرائض والسنن، فإنك حجة الله على خلقه ومعدن العلم. فدعا الرضا عليه السلام بدواة وقرطاس، وقال عليه السلام للفضل: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم حسبنا شهادة أن لا إله إلا الله، أحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، قيوما،


(1) رواه الصدوق - رحمه الله - في العيون عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان. وعن حمزة بن محمد بن احمد عن ابى نصر قنبر بن على بن شاذان عن ابيه عن الفضل بن شاذان. وعن ابى محمد جعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمه عن الفضل بن شاذان. والفضل بن سهل هذا هو وزير المأمون ومدبر اموره لقب بذى الرياستين لانه قلد الوزارة والسيف جميعا كان مجوسيا فاسلم على يدى المأمون سنة 190، أو يدى يحيى بن خالد البرمكى وكان من صنائع آل برمك: كان عالما فاضلا ومن أخبر الناس بعلم النجوم وأكثرهم اصابة في احكامه قيل ومن اصاباته ما حكم به على نفسه. وكان يتشيع وهو الذى اشار على المأمون بولاية العهد لابي الحسن الرضا عليه السلام فلما ندم المأمون من ولاية العهد ثقل عليه امر الفضل واحتال عليه خرج من مرو منصرفا إلى العراق ودس عليه حتى قتله غالب السعودي الاسود مع جماعة في حمام سرخس مغافصة سنة 203، وروى الصدوق في العيون أخبارا في ذمه وأنه كان معاندا للرضا عليه السلام واخوه ابو محمد الحسن بن سهل هو الذى حاصر بغداد بمشاركة طاهر بن الحسين ذى اليمينين وقتل الامين محمد بن الزبيدة المخلوع أخا المأمون سنة 198 وكان من المنسوبين إلى مذهب الامامية وتولى الوزارة بعد أخيه وكان عالما بالنجوم قيل: وهو الذى أخبر أخاه بقتله بحساب النجوم توفى سنة 236 وبنته يوران هي التى تزوجها المأمون وبذل لها ما لم يبذل أحدا. وكان ذو الرياستين وأخوه من أهل سرخس من بلاد خراسان وهو الذى كتب أبو الحسن الرضا عليه السلام كتاب الجاء والشرط في شأنه وشأن اخيه. وسيأتى سؤاله عن الرضا عليه السلام من النجوم في خلق الليل والنهار. (*)

[ 416 ]

سميعا، بصيرا، قويا، قائما باقيا، نورا، عالما لا يجهل، قادرا لا يعجز، غنيا لا يحتاج عدلا لا يجور، خلق كل شئ، ليس كمثله شئ، لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا كفو. وأن محمدا عبده ورسوله وأمينه وصفوته من خلقه، سيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين، لا نبي بعده ولا تبديل لملته ولا تغيير. وأن جميع ما جاء به محمد صلى الله عليه واله أنه هو الحق المبين، نصدق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه وحججه. ونصدق بكتابه الصادق " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ". وأنه [ كتاب ] المهيمن على الكتب كلها. وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته. نؤمن بمحكمه ومتشابهه. وخاصه وعامه. ووعده ووعيده. وناسخه ومنسوخه وأخباره لا يقدر واحد من المخلوقين أن يأتي بمثله. وأن الدليل والحجة من بعده على المؤمنين و القائم بأمور المسلمين، والناطق عن القرآن والعالم بأحكامه، أخوه وخليفته ووصيه والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، علي بن أبي طالب عليه السلام أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، يعسوب المؤمنين وأفضل الوصيين بعد النبيين. وبعده الحسن والحسين عليهما السلام، واحدا بعد واحد إلى يومنا هذا، عترة الرسول وأعلمهم بالكتاب والسنة وأعدلهم بالقضية وأولاهم بالامامة في كل عصر وزمان وأنهم العروة الوثقى وأئمة الهدى والحجة على أهل الدنيا حتى يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين. وأن كل من خالفهم ضال مضل، تارك للحق والهدى. وأنهم المعبرون عن القرآن، الناطقون عن الرسول بالبيان، من مات لا يعرفهم ولا يتولاهم بأسمائهم وأسماء آبائهم مات ميتة جاهلية. وأن من دينهم الورع والعفة والصدق والصلاح والاجتهاد وأداء الامانة إلى البر والفاجر وطول السجود والقيام بالليل واجتناب المحارم وانتظار الفرج بالصبر وحسن الصحبة وحسن الجوار وبذل المعروف وكف الاذى وبسط الوجه والنصيحة والرحمة للمؤمنين. والوضوء كما أمر الله في كتابه غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين واحد فريضة واثنان إسباغ ومن زاد أثم ولم يوجر ولا ينقض الوضوء إلا الريح والبول والغائط والنوم والجنابة. ومن مسح

[ 417 ]

على الخفين فقد خالف الله ورسوله وكتابه ولم يجز عنه وضوءه وذلك أن عليا عليه السلام خالف القوم في المسح على الخفين. فقال له عمر: رأيت النبي صلى الله عليه واله يمسح. فقال علي عليه السلام: قبل نزول سورة المائدة أو بعدها ؟ قال لا أدري. قال علي عليه السلام: " لكني أدري أن رسول الله صلى الله عليه واله لم يمسح على خفيه مذ نزلت سورة المائدة ". والاغتسال من الجنابة والاحتلام والحيض، وغسل من غسل الميت فرض. والغسل يوم الجمعة. والعيدين ودخول مكة والمدينة. وغسل الزيارة. وغسل الاحرام. ويوم عرفة. و أول ليلة من شهر رمضان. وليلة تسع عشرة منه. وإحدى وعشرين. وثلاث وعشرين منه سنة. وصلاة الفريضة: الظهر أربع ركعات. والعصر أربع ركعات. والمغرب ثلاث ركعات. والعشاء الآخرة أربع ركعات. والفجر ركعتان، فذلك سبع عشرة ركعة والسنة أربع وثلاثون ركعة: منها ثمان قبل الظهر، وثمان بعدها، وأربع بعد المغرب، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة - تعد بواحدة - وثمان في السحر، والوتر ثلاث ركعات (1) وركعتان بعد الوتر. والصلاة في أول الاوقات (2). وفضل الجماعة على الفرد كل ركعة بألفي ركعة. ولا تصل خلف فاجر (3). ولا تقتدي إلا بأهل الولاية. ولا تصل في جلود الميتة. ولا جلود السابع. والتقصير في أربع فراسخ، بريد ذاهبا وبريد جائيا (4)، اثنا عشر ميلا. وإذا قصرت أفطرت. والقنوت في أربع صلوات، في الغداة والمغرب والعتمة (5) ويوم الجمعة وصلاة الظهر (6) وكل القنوت قبل الركوع و


(1) ركعتان وركعة، الاوليان بنية الشفع والاخرى بنية الوتر. واما الركعتان بعد الوتر فهما نافلة الصبح. (2) أي إتيانها في أول وقتها. وفي العيون [ والصلاة في اول وقتها أفضل ]. (3) في العيون [ وفضل الجماعة على الفرد أربع وعشرون. ولا صلاة خلف فاجر ]. (4) فالبريد اربعة فراسخ: وايضا اثنا عشر ميلا فيكون التقصير في ثمانية فراسخ: اربعة ذاهبا و أربعة جائيا ان كان في يوم واحد وإن لم يكن في يوم فيلزم ان يكون الذهاب فقط ثمانية فراسخ. (5) العتمة - بفتحتين -: الثلث الاول من الليل بعد غيبوبة الشفق - قيل: لان العرب يعتمون بالابل في المرعى فلا يأتون بها إلا بعد العشاء الاخرة فيسمون ذلك الوقت عتمة، فالمراد بها ههنا صلاة العشاء. (6) كذا، فاراد بصلاة الظهر معنى عاما تشمل الظهر والعصر. وفى بعض النسخ [ صلواة الظهر ]. (*)

[ 418 ]

بعد القراءة. والصلاة على الميت خمس تكبيرات وليس في صلاة الجنائز تسليم لان التسليم في الركوع والسجود وليس لصلاة الجنازة ركوع ولا سجود ويربع قبر الميت ولا يسنم (1) والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة مع فاتحة الكتاب. والزكاة المفروضة من كل مائتي درهم خمسة دراهم ولا تجب في ما دون ذلك وفيما زاد في كل أربعين درهما درهم ولا تجب فيما دون الاربعينات شئ (2) ولا تجب حتى يحول الحول. ولا تعطى إلا أهل الولاية والمعرفة. وفي كل عشرين دينارا نصف دينار. و الخمس من جميع المال مرة واحدة (3) والعشر من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وكل شئ يخرج من الارض من الحبوب إذا بلغت خمسة أو سق ففيه العشر إن كان يسقى سيحا (4). وإن كان يسقى بالدوالي ففيه نصف العشر للمعسر والموسر. وتخرج من الحبوب القبضة والقبضتان، لان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يكلف العبد فوق طاقته. والوسق ستون صاعا والصاع ستة أرطال وهو أربعة أمداد والمد رطلان وربع برطل العراقي وقال الصادق عليه السلام: هو (5) تسعة أرطال بالعراقي وستة أرطال بالمدني. وزكاة الفطر فريضة على رأس كل صغير أو كبير، حر أو عبد من الحنطة نصف صاع. ومن التمر والزبيب صاع (6). ولا يجوز أن تعطى غير أهل الولاية، لانها فريضة.


(1) سنم الشئ: علاه ورفعه. والقبر: رفعه عن الارض وهو خلاف التسطيح. وقبر مسنم أي مرتفع غير مسطح ومنه " ولا تسنم كسنام البعير ". (2) أي من الغلات الاربعة. (3) فاراد بالخمس معنى عاما يشمل جميع أقسامه وهو في اللغة: اسم لحق يجب في المال فيصرفه في موارد خاصة. وقوله: " والعشر من الحنطة الخ " بيان لقسم من أقسام زكاة المال. (4) ساح الماء: جرى على وجه الارض. والدوالى: جمع الدالية وهى الدلو الكبيرة يديرها البقرة غالبا. قال في مجمع البحرين: " والدالية: جذع طويل يركب تركيب مداق الارز وفي رأسه مغرفة كبيرة يستقى بها قاله في المغرب. وفي المصباح: الدالية: دلو ونحوها وخشبة تصنع كهيئة الصليب وتشد برأس الدلو ثم يؤخذ حبل يربط طرفه بذلك وطرفه الآخر بجذع قائمة على رأس البئر ويستقى بها فهى فاعلة بمعنى مفعولة وقال الجوهرى: المنجنون تديرها البقرة ". (5) أي الصاع. (6) في العيون [ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب صاع وهو اربعة امداد ]. (*)

[ 419 ]

وأكثر الحيض عشرة أيام وأقله ثلاثة أيام. والمستحاضة تغتسل وتصلي. و الحائض تترك الصلاة ولا تقضي، وتترك الصيام وتقضيه. ويصام شهر رمضان لرؤيته ويفطر لرؤيته. ولا يجوز التراويح في جماعة (1) و صوم ثلاثة أيام في كل شهر سنة من كل عشرة أيام يوم خميس من العشر الاول. والاربعاء من العشر الاوسط. والخميس من العشر الآخر. وصوم شعبان حسن وهو سنة وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " شعبان شهري وشهر رمضان شهر الله " وإن قضيت فائت شهر رمضان متفرقا أجزءك (2). وحج البيت من استطاع إليه سبيلا والسبيل زاد وراحلة (3). ولا يجوز الحج إلا متمتعا (4) ولا يجوز الافراد والقران الذي تعمله العامة. والاحرام دون الميقات لا يجوز. قال الله: " وأتموا الحج والعمرة لله (5) " ولا يجوز في النسك الخصي، لانه ناقص ويجوز الموجوء (6). والجهاد مع إمام عادل. ومن قاتل فقتل دون ماله ورحله ونفسه فهو شهيد ولا يحل


(1) التراويح: جمع ترويحة وهى في الاصل اسم للجلسة مطلقا ثم سميت بها الجلسة التى بعد أربع ركعات في ليالى شهر رمضان لاستراحة الناس بها وسميت أيضا نفس ركعاتها لان المصلى يستريح بعد كل أربع ركعات. والجماعة فيها بدعة فهى من المخترعات التى لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا في أيام أبى بكر ولا في صدر من أيام عمر فاحدث بعد ذلك عمر فاتبعه الناس كما جاء بها في الرواية. (2) وزاد في نسخة [ وصوم رجب هو شهر الله الاصم وفيه البركة ]. (3) في العيون [ والسبيل الزاد والراحلة مع الصحة ]. (4) الحج ثلاثة: مفرد - أي من العمرة - وقران - أي يقرن بسياق الهدى - وتمتع - أي يتمتع بينها - وفي اللغة لما يتحلل بين عمرته وحجه من التحلل الموجب لجواز الانتفاع والتلذذ بما كان قد حرمه الاحرام مع ارتباط عمرته بحجه حتى أنهما كالشئ الواحد شرعا فإذا حصل بينهما ذلك فكأنه حصل في الحج ". وهى أفضلها مطلقا كما جاء فيها الاحاديث والسنن. (5) سورة البقرة آية 194. (6) الخصى: الذى سلت خصيتاه ونزعتا - والمراد الحيوان الذى تذبح في الحج. والموجوء - من وجأ يوجأ وجأ -: الحيوان الذى رض عروق بيضتيه أو رض خصيتيه لكسر شهوته. (*)

[ 420 ]

قتل أحد من الكفار في دار التقية إلا قاتل أو باغ وذلك إذا لم تحذر على نفسك (1) ولا أكل أموال الناس من المخالفين وغيرهم. والتقية في دار التقية واجبة. ولا حنث على من حلف تقية يدفع بها ظلما عن نفسه. والطلاق بالسنة على ما ذكر الله جل وعز وسنة نبيه صلى الله عليه واله ولا يكون طلاق بغير سنة وكل طلاق يخالف الكتاب فليس بطلاق وكل نكاح يخالف السنة فليس بنكاح. ولا تجمع بين أكثر من أربع حرائر. وإذا طلقت المرأة ثلاث مرات للسنة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " اتقوا المطلقات ثلاثا فإنهن ذوات أزواج " (2). والصلاة على النبي صلى الله عليه واله في كل المواطن عند الرياح والعطاس وغير ذلك. وحب أولياء الله وأوليائهم وبغض أعدائه والبراءة منهم ومن أئمتهم (3). وبر الوالدين، وإن كانا مشركين فلا تطعهما (4) وصاحبهما في الدنيا معروفا لان الله يقول: " اشكر لي ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما (5) " قال أمير المؤمنين عليه السلام: " ما صاموا لهم ولا صلوا ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: من أطاع مخلوقا في غير طاعة الله جل وعز فقد كفر واتخذ إلها من دون الله ". وذكاة الجنين ذكاة امه. وذنوب الانبياء صغار موهوبة لهم بالنبوة. والفرائض على ما أمر الله لا عول فيها (6) ولا يرث مع الوالدين والولد أحد إلا الزوج


(1) في العيون [ وذلك إذا لم تخف على نفسك وعلى أصحابك ]. (2) في العيون [ اتقوا تزويج المطلقات ثلاثا ]. (3) في العيون [ وحب أولياء الله واجب وكذلك بغض اعداء الله والبراءة منهم ومن أئمتهم ]. (4) في العيون [ وبر الوالدين واجب وإن كانا مشركين فلا طاعة لهما في معصية الله ولا لغيرها فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الله ]. (5) سورة لقمان آية 14، 15. (6) العول: الجور والميل عن الحق لغة. واستعمل في سهم الارث والتناقص فيه. (*)

[ 421 ]

والمرأة. وذو السهم أحق ممن لا سهم له وليست العصبة من دين الله (1). والعقيقة عن المولود الذكر والانثى يوم السابع. ويحلق رأسه يوم السابع. ويسمى يوم السابع. ويتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة يوم السابع. وأن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير، لا خلق تكوين. ولا تقل بالجبر ولا بالتفويض، ولا يأخذ الله عزوجل البرئ بجرم السقيم، ولا يعذب الله الابناء والاطفال بذنوب الآباء وإنه قال: " ولا تزر وازرة وزر اخرى (2) ". " وأن ليس للانسان إلا ما سعى (3) " والله يغفر ولا يظلم. ولا يفرض الله على العباد طاعة من يعلم أنه يظلمهم و يغويهم. ولا يختار لرسالته ويصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر ويعبد الشيطان من دونه. وأن الاسلام غير الايمان. وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن. ولا يشرب الشارب حين يشرب الخمر وهو مؤمن ولا يقتل النفس التي حرم الله بغير الحق وهو مؤمن. وأصحاب الحدود لا بمؤمنين ولا بكافرين (4). وأن الله لا يدخل النار مؤمنا وقد وعده الجنة والخلود فيها ومن وجبت له النار بنفاق أو فسق أو كبيرة من الكبائر لم يبعث مع المؤمنين ولا منهم. ولا تحيط جهنم إلا بالكافرين. وكل إثم دخل صاحبه بلزومه النار فهو فاسق (5). ومن أشرك، أو كفر، أو نافق، أو أتى كبيرة من الكبائر. (6) والشفاعة جائزة للمستشفعين. والامر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان واجب.


(1) العصبة - بالتحريك -: اقرباء الرجل لانهم عصبوا به أي أحاطوا به فالاب طرف والابن طرف وكذلك الاخ والعم وغيرهم والمراد هنا الذين يرثون الرجل على تقدير زيادة السهام عن الورثة فالامامية قالوا ببطلانه لعموم آية " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض " واجماع اهل البيت فيرد فاضل الفريضة على البنت والبنات والاخت والاخوات. (2) سورة الانعام آية 164. وسورة الاسرى آية 16. وسورة الفاطر آية 16. وسورة الزمر آية 6. وسورة النجم آية 39 هكذا " ألا تزر وازرة وزرا اخرى ". (3) سورة النجم آية 40. (4) أي أنهم مسلمون. لا بمؤمنين ولا بكافرين كما في العيون. (5) كذا. والصحيح " فهو فسق " وهو من النساخ. (6) كذا. والظاهر ان خبر " من " محذوف. أو ساقط من قلم النساخ. (*)

[ 422 ]

والايمان أداء الفرائض واجتناب المحارم. والايمان هو معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالاركان. والتكبير في الاضحى خلف عشر صلوات يبتدأ من صلاة الظهر من يوم النحر وفي الفطر في خمس صلوات يبتدأ بصلاة المغرب من ليلة الفطر. والنفساء تقعد عشرين يوما لا أكثر منها (1) فإن طهرت قبل ذلك صلت وإلا فإلى عشرين يوما، ثم تغتسل وتصلي وتعمل عمل المستحاضة. ويؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير. والبعث بعد الموت. والحساب. والميزان والصراط. والبراءة من أئمة الضلال وأتباعهم. والموالات لاولياء الله (2) وتحريم الخمر قليلها وكثيرها. وكل مسكر خمر. وكل ما أسكر كثيره فقليله حرام. والمضطر لا يشرب الخمر فإنها تقتله. وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. وتحريم الطحال فإنه دم. والجري والطافي والمارماهي والزمير (3) وكل شئ لا يكون له قشور. ومن الطير ما لا تكون له قانصة (4) ومن البيض كل ما اختلف طرفاه فحلال أكله وما استوى طرفاه فحرام أكله. واجتناب الكبائر، وهي قتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر. وعقوق الوالدين. والفرار من الزحف. (5) وأكل مال اليتامى ظلما. وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما اهل به لغير الله من غير ضرورة به. وأكل الربا والسحت بعد البينة. والميسر. والبخس في الميزان والمكيال. وقذف المحصنات. والزنا. واللواط. والشهادات الزور. واليأس من روح الله. والامن من مكر الله.


(1) في العيون [ والنفساء لا تقعد عن الصلاة أكثر من ثمانية عشر يوما ]. (2) زاد هنا في العيون نحوا من ثلاث وثلاثين سطرا. (3) الجرى - كذمي -: سمك طويل املس ليس له عظم إلا عظم الرأس والسلسلة وليس عليه فصوص. والطافي: سمك يموت في الماء فيعلو ويظهر، من طفا يطفو: علا فوق الماء ولم يرسب والزمير - كسكيت -: سمك له شوك ناتئ على ظهره، قيل: أكثر ما يكون في المياه العذبة. وفي بعض النسخ [ الزمار ]. (4) مر معناها في ص 105. (5) الزحف: الجيش يزحفون إلى العدو. (*)

[ 423 ]

والقنوط من رحمة الله. ومعاونة الظالمين والركون إليهم. واليمين الغموس (1). وحبس الحقوق من غير عسر. والكبر. والكفر. والاسراف. والتبذير. والخيانة وكتمان الشهادة والملاهي التي تصد عن ذكر الله مثل الغناء وضرب الاوتار. والاصرار على الصغاير من الذنوب. فهذا اصول الدين. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه وآله وسلم تسليما. * (ومن كلامه عليه السلام في التوحيد) * سأله عمران الصابي في مجلس كبير جمع له المأمون فيه متكلمي الملل كلهم المخالفين للاسلام فخصم جميعهم (2) - والخبر طويل والمجلس مشهور. ذكرنا منه ما اقتضاه الكتاب - (3). قال له عمران الصابي: أخبرني نوحد الله بحقيقة أم نوحده بوصف (4) ؟ فقال له الرضا عليه السلام: إن النور البدئ (5) الواحد الكون الاول واحد لا شريك


(1) اليمين الغموس - بفتح الغين -: اليمين الكاذبة التى يتعمدها صاحبها لانها تغمس صاحبها في الاثم. (2) أي غلبهم في الخصومة. (3) روى الصدوق هذه الرواية بتمامها في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام وهى من مناظراته و احتجاجاته على ارباب الملل المختلفة وذوى الاراء التافهة كجاثليق من رؤساء النصارى، ورأس الجالوت من رؤساء اليهود وهريذ الاكبر من رؤساء المجوس وعمران الصابى من رؤساء الصابئين وهى مشتملة على اسئلة القوم وأجوبة الرضا عليه السلام وقد طال المجلس في احتجاجه على عمران حتى جاء وقت الصلاة فقام الرضا عليه السلام للصلاة فلما صلى عاد إلى مجلسه ودعا بعمران أن يسأله ما شاء فشرع عمران بالسؤال عن بقية شبهاته وأجاب الرضا عليه السلام كلها فأسلم عمران في آخر المجلس واستشهد الشهادتين وقد ذكر في هذا الكتاب بعض الشبهات وأجوبتها مختصرا وموجزا ونحن نوردها بتمامها مع شرحها لبعض اساتيدنا المحققين في اخر هذا الكتاب ومن شاء فليراجع هناك. (4) في العيون [ يوحد ] في الموضعين. وفي بعض نسخه [ يوجد ] بالجيم في الموضعين أيضا. (5) البدئ: كبديع لفظا ومعنى. وفي العيون [ ان الله المبدئ ]. (*)

[ 424 ]

له ولا شئ معه (1)، فرد لا ثاني معه. ولا معلوم - ولا مجهول - (2) ولا محكم ولا متشابه ولا مذكور ولا منسا (3) ولا شئ يقع عليه اسم شئ من الاشياء (4) كلها. فكان البدئ قائما بنفسه، نور غني مستغن عن غيره، لا من وقت كان ولا إلى وقت يكون. ولا على شئ قام ولا إلى شئ استتر (5). ولا في شئ استكن. ولا يدرك القائل مقالا إذا خطر بباله ضوء أو مثال أو شبح أو ظل. وذلك كله قبل الخلق في الحال التي لا شئ فيها غيره (6) والحال أيضا فيهذا الموضع، فإنما هي صفات محدثة وترجمة من متوهم ليفهم. أفهمت يا عمران ؟ قال: نعم. قال الرضا: عليه السلام: إعلم أن التوهم والمشيئة والارادة معناها واحد واسماؤها ثلاثة وكان أول توهمه وإرادته ومشيئته الحروف التي جعلها أصلا لكل شئ و فاصلا لكل مشكل ولم يجعل في توهمه معنى غير أنفسها متناهي ولا وجود لانها متوهمة بالتوهم، والله سابق التوهم، لانه ليس قبله شئ ولا كان معه شئ. والتوهم سابق للحروف فكانت الحروف محدثة بالتوهم وكان التوهم وليس قبل الله مذهب والتوهم من الله غير الله ولذلك صار فعل كل شئ غيره وحد كل شئ غيره وصفة كل شئ غير الموصوف وحد كل شئ غير المحدود. وذلك لان الحروف إنما هي مقطعة قائمة برؤوسها لا تدل غير نفوسها، فإذا ألفتها وجمعت منها أحرفا كانت تدل على غيرها من أسماء وصفات. واعلم أنه لا يكون صفة لغير موصوف ولا اسم لغير معنى ولا حد لغير محدود. والاسماء والصفات كلها تدل على الكمال والوجود ولا تدل على الاحاطة كما تدل


(1) في العيون [ الكائن الاول لم يزل واحدا لا شئ معه ]. (2) لا معلوم عندنا من جهة الذات فنعرف حيقته. ولا مجهول عندنا بحيث لا نعرف وجوده. (3) في العيون [ ولا منسيا ] (4) في العيون [ من الاشياء غيره ]. (5) في العيون [ ولا بشئ قام ولا إلى شئ يقوم ولا إلى شئ استند ]. (6) في العيون [ وذلك كله قبل الخلق إذ لا شئ غيره وما أوقعت عليه من الكل فهى صفات مستحدثة وترجمة يفهم بها من فهم ]. (*)

[ 425 ]

على الوجود الذي هو التربيع والتدوير والتثليث لان الله يدرك بالاسماء و الصفات ولا يدرك بالتحديد. فليس ينزل بالله شئ من ذلك حتى يعرفه خلقه معرفتهم لانفسهم، ولو كانت صفاته لا تدل عليه واسماؤه لا تدعو إليه لكانت العبادة من الخلق لاسمائه وصفاته دون معناه ولو كان كذلك لكان المعبود الواحد غير الله لان صفاته غيره. قال له عمران: أخبرني عن التوهم خلق هو (1) أم غير خلق ؟ قال الرضا عليه السلام: بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون وإنما صار خلقا، لانه شئ محدث، الله الذي أحدثه، فلما سمي شيئا صار خلقا. وإنما هو الله وخلقه لا ثالث غيرهما وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها وكل ما وقع عليه اسم شئ فهو خلق. * (ومن كلامه عليه السلام في الاصطفاء) * (2) لما حضر علي بن موسى عليهما السلام مجلس المأمون (3) وقد اجتمع فيه جماعة علماء أهل العراق وخراسان. فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا (4) - الآية - " ؟ فقالت العلماء: أراد الله الامة كلها. فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال الرضا عليه السلام: لا أقول كما قالوا ولكن أقول: أراد الله تبارك وتعالى بذلك العترة الطاهرة عليهم السلام. فقال المأمون: وكيف عنى العترة دون الامة ؟. فقال الرضا عليه السلام: لو أراد الامة لكانت بأجمعها في الجنة، لقول الله: فمنهم ظالم


(1) في العيون [ الا تخبرني عن الابداع خلق هو أم غير خلق ]. (2) رواه الصدوق في المجالس والعيون مع اختلاف أشرنا إلى بعضها. (3) في العيون [ بمرو ]. (4) سورة فاطر آية 29. (*)

[ 426 ]

لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (1) ". ثم جعلهم كلهم في الجنة (2) فقال عزوجل: " جنات عدن يدخلونها (3) " فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم. ثم قال الرضا عليه السلام (4) هم الذين وصفهم الله في كتابه فقال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (5) ". وهم الذين قال رسول الله صلى الله عليه واله: " إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي - أهل بيتي - لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". انظروا كيف تخلفوني فيهما، يا أيها الناس لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل أو غير الآل ؟ فقال الرضا عليه السلام: هم الآل. فقالت العلماء: فهذا رسول الله يؤثر عنه (6) أنه قال: " امتي آلي " وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفيض الذي لا يمكن دفعه: " آل محمد امته ". فقال الرضا عليه السلام: أخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد ؟. قالوا: نعم. قال عليه السلام: فتحرم على الامة ؟ قالوا: لا. قال عليه السلام: هذا فرق بين الآل وبين الامة. ويحكم أين يذهب بكم " أصرفتم عن الذكر صفحا أم أنتم قوم مسرفون " ؟ ! أما علمتم أنما وقعت الرواية في الظاهر (7) على المصطفين المهتدين دون سائرهم ؟ ! قالوا: من أين قلت يا أبا الحسن ؟ قال عليه السلام: من قول الله: " لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب


(1) سورة فاطر آية 29. (2) في العيون. [ ثم جمعهم كلهم في الجنة ]. (3) سورة فاطر آية 30. وزاد وفي العيون [ يحلون فيها من اساور من ذهب ]. (4) في العيون [ فقال المأمون: من العترة الطاهرة ؟ فقال الرضا عليه السلام: هم... الخ ]. (5) سورة الاحزاب آية 33. (6) أي ينقل عنه، يقال أثر الحديث من بابى - ضرب ونصر -: نقله. (7) العيون [ انما وقعت الوراثة والطهارة ]. (*)

[ 427 ]

فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (1) " فصارت وراثة النبوة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أن نوحا سأل ربه ؟ " فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق (2) " وذلك أن الله وعده أن ينجيه وأهله، فقال له ربه تبارك وتعالى: " إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (3) ". فقال المأمون: فهل فضل الله العترة على سائر الناس ؟ (4). فقال الرضا عليه السلام: إن الله العزيز الجبار فضل العترة (5) على سائر الناس في محكم كتابه. قال المأمون: أين ذلك من كتاب الله ؟ قال الرضا عليه السلام: في قوله تعالى: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض (6) وقال الله في موضع آخر: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (7) " ثم رد المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم (8) " يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة (9) وحسدوا عليهما بقوله: " أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين والملك ههنا الطاعة لهم.


(1) سورة الحديد آية 26. (2) سورة هود آية 45. وزاد في العيون بقية الاية: [ وأنت أحكم الحاكمين ]. (3) سورة هود آية 46. (4) في العيون [ في محكم كتابه ]. (5) في العيون [ إن الله عزوجل قد أبان فضل العترة ]. (6) سورة آل عمران آية 32. (7) النساء آية 57. (8) النساء آية 59. (9) في العيون [ يعنى الذين قرنهم بالكتاب والحكمة ]. (*)

[ 428 ]

قالت العلماء: هل فسر الله تعالى الاصطفاء في الكتاب ؟ فقال الرضا عليه السلام: فسر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعا. فأول ذلك قول الله: " وأنذر عشيرتك الاقربين " (1) - ورهطك المخلصين هكذا في قراءة ابي بن كعب (2) وهي ثابتة في مصحف عبد الله بن مسعود (3) فلما أمر عثمان


(1) سورة الشعراء آية 214. (2) هو أبى بن كعب بن قيس الانصاري الخزرجي المكنى بأبى المنذر ويكنى أيضا بأبى الطفيل من فضلاء الصحابة، سيد القراء وكان يكتب الوحى، شهد بدرا والعقبة مع السبعين وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وآخى بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وانه من الاثنى عشر الذين أنكروا على أبى بكر خلافته وارادوا تنزيله عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وانكر عليه تقدمه وجلوسه في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: يا أبا بكر لا تجحد حقا جعله الله لغيرك ولا تكن اول من عصى رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيته واول من صدف عن امره ورد الحق إلى أهله تسلم ولا تتمادى في غيك تستندم وبادر بالانابة يخف وزرك ولا تخصص بهذا الامر الذى لم يجعله الله لك نفسك فتلقى وبال عملك فعن قليل تفارق ما أنت فيه وتصير إلى ربك فيسألك عما جئت وما ربك بظلام للعبيد. ومات - رحمه الله - في زمن عمر، فقال عمر: مات اليوم سيد المسلمين. (3) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن عامل بن حبيب الهذلى جليل القدر كبير الشأن عظيم المنزلة كان من فقهاء الصحابة وأحد حفاظ القرآن، قرأ القرآن والسنة روى انه أخذ سبعين سورة من القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وآله وبقيته من أمير المؤمنين عليه السلام. كان مع النبي صلى الله عليه وآله ليلة الجن وانه صلى القبلتين وشهد بدرا واحدا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد يرموك بعد النبي صلى الله عليه وآله وبعثه عمر إلى الكوفة ليقرءهم القرآن ويعلمهم الشرائع والاحكام فكتب إلى أهلها: " إنى قد بعثت عمار بن ياسر أميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب رسول الله من أهل بدر فاقتدوا بهما وأطيعوا واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبدالله على نفسي " فبث عبد الله فيهم علما كثيرا وفقه منهم جما غفيرا. وكان من الذين شهدوا جنازة أبى ذر وباشروا تجهيزه. وهو من المعروفين بولاية أهل البيت وشهد الصلاة على فاطمة عليها السلام ودفنها. وكان من الذين أنكروا على أبى بكر خلافته. ونكيره على الثالث وما جرى عليه من الضرب والاهانة مسطور في السير والتواريخ. مات سنة 32 وصلى عليه الزبير بن العوام ودفن بالبقيع، وله أخ يقال له: عتبة بن مسعود كان قديم الاسلام ولكن لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله. ومات في خلافة عمر. (*)

[ 429 ]

زيد بن ثابت (1) أن يجمع القرآن خنس هذه الآية (2) وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآل فهذه واحدة. والآية الثانية في الاصطفاء قول الله: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وهذا الفضل الذي لا يجحده معاند لانه فضل بين (3). والآية الثالثة حين ميز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيه في آية الابتهال فقال: " قل - يا محمد - تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (4) " فأبرز النبي صلى الله عليه واله عليا والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام فقرن أنفسهم بنفسه. فهل تدرون ما معنى قوله: وأنفسنا وأنفسكم ؟ قالت العلماء: عنى به نفسه. قال أبو الحسن عليه السلام: غلطتم، إنما عنى به عليا عليه السلام. ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه واله حين قال: لينتهين بنو وليعة (5) أو لابعثن إليهم رجلا كنفسي يعني عليا عليه السلام (6). فهذه خصوصية لا يتقدمها أحد. وفضل لا يختلف فيه بشر. و شرف لا يسبقه إليه خلق (7)، إذ جعل نفس علي عليه السلام كنفسه فهذه الثالثة.


(1) هو أبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك الاشعري الانصاري كاتب النبي صلى الله عليه وآله أخو بريد بن ثاتب سمع النبي صلى الله عليه وآله وعمره حين قدم المدينة إحدى عشرة سنة وكان يوم بغاث إبن ست سنين وفيها قتل أبوه ثابت بن الضحاك. واستصغره رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر وشهد أحدا وقيل: لم يشهدها وانما شهد الخندق أول مشاهده. وكتب بعد النبي صلى الله عليه وآله لابي بكر وعمر ورمى يوم اليمامة بسهم فلم يضره وقيل: جمع القرآن بأمر أبى بكر بعد مقتل أهل اليمامة وكان على بيت المال لعثمان وكان عثمانيا ولم يشهد مع على عليه السلام شيئا من حروبه وان كان مقرا بفضله وتعظيمه وقد ورد أحاديث عنه في النص على الائمة الاثنى عشر. وهو الذى جمع عثمان الناس على قرائته. مات في خلافة معاوية وصلى عليه مروان. (2) خنس الشى - من بابى ضرب ونصر -: ستر. ومن قوله: " أمر عثمان - إلى قوله -: وخنسه " ليست في العيون. (3) في العيون [ لانه فضل بعد الطهارة تتنظر فهذه الثانية ]. (4) سورة آل عمران آية 58 وليس في القرآن كلمة " يا محمد " وهو تفسير وتوضيح منه عليه السلام. (5) بنو وليعة - كسفينة -: حى من كندة. (6) في العيون [ يعنى على بن أبى طالب عليه السلام وعنى بالابناء الحسن والحسين عليهما السلام وعنى بالنساء فاطمة عليها السلام ]. (7) في العيون [ لا يتقدمهم فيها أحد وفضل لا يلحقهم فيه بشر، وشرف لا يسبقهم إليه خلق ]. (*)

[ 430 ]

وأما الرابعة: فإخراجه الناس من مسجده ما خلا العترة حين تكلم الناس في ذلك، وتكلم العباس، فقال: يا رسول الله تركت عليا وأخرجتنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ما أنا تركته وأخرجتكم ولكن الله تركه وأخرجكم. وفي هذا بيان قوله لعلي عليه السلام: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى. قالت العلماء: فأين هذا من القرآن ؟ قال أبو الحسن عليه السلام: أوجدكم في ذلك قرآنا أقرؤه عليكم، قالوا: هات. قال عليه السلام: قول الله عزوجل: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة (1) " ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى وفيها أيضا منزلة علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله. ومع هذا دليل ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه واله حين قال: " إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض إلا لمحمد وآل محمد ". فقالت العلماء: هذا الشرح وهذا البيان لا يوجد إلا عندكم معشر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله ؟. قال أبو الحسن عليه السلام: ومن ينكر لنا ذلك ورسول الله صلى الله عليه واله يقول: " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد مدينة العلم (2) فليأتها من بابها ". ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا ينكره إلا معاند. ولله عزوجل الحمد على ذلك. فهذه الرابعة. وأما الخامسة: فقول الله عزوجل:: " وآت ذا القربى حقه (3) " خصوصية خصهم الله العزيز الجبار بها واصطفاهم على الامة. فلما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه واله قال: ادعوا لي فاطمة فدعوها له. فقال: يا فاطمة. قالت: لبيك يا رسول الله. فقال: إن فدك لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب (4) وهي لي خاصة دون المسلمين. وقد جعلتها لك لما أمرني الله به فخذيها لك ولولدك. فهذه الخامسة.


(1) سورة يونس آية 87. (2) في العيون [ ومن أراد المدينة ]. (3) سورة الاسرى آية 28. (4) في العيون [ فقال: يا فاطمة ! قالت: لبيك يا رسول الله. قال: هذه فدك وهى مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ]. (*)

[ 431 ]

وأما السادسة: فقول الله عزوجل: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (1) " فهذه خصوصية للنبي صلى الله عليه واله دون الانبياء وخصوصية للآل دون غيرهم. وذلك أن الله حكى عن الانبياء في ذكر نوح عليه السلام " يا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أريكم قوما تجهلون (2) " وحكى عن هود عليه السلام قال: "..... لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (3) ". وقال لنبيه صلى الله عليه واله " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ". ولم يفرض الله مودتهم إلا وقد علم أنهم لا يرتدون عن الدين أبدا ولا يرجعون إلى ضلالة أبدا. واخرى أن يكون الرجل وادا للرجل فيكون بعض أهل بيته عدوا له فلا يسلم قلب فأحب الله أن لا يكون في قلب رسول الله صلى الله عليه وآله على المؤمنين شئ. إذ فرض عليهم مودة ذي القربي، فمن أخذ بها وأحب رسول الله صلى الله عليه واله وأحب أهل بيته عليهم السلام لم يستطع رسول الله أن يبغضه. ومن تركها ولم يأخذ بها وأبغض أهل بيت نبيه صلى الله عليه واله فعلى رسول الله صلى الله عليه واله أن يبغضه، لانه قد ترك فريضة من فرائض الله. وأي فضيلة وأي شرف يتقدم هذا (4). ولما أنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه واله " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قام رسول الله صلى الله عليه واله في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: " أيها الناس إن الله قد فرض عليكم فرضا فهل أنتم مؤدوه " فلم يجبه أحد (5). فقام فيهم يوما ثانيا، فقال مثل ذلك. فلم يجبه أحد. فقام فيهم يوم الثالث، فقال: " أيها الناس إن الله قد فرض عليكم فرضا فهل أنتم مؤدوه " فلم يجبه أحد. فقال: " أيها الناس إنه ليس ذهبا ولا فضة ولا مأكولا ولا مشروبا ". قالوا:


(1) سورة الشورى آية 22. (2) سورة هود آية 31. (3) سورة هود آية 53. (4) في العيون [ يتقدم هذا أو يدانيه ]. (5) في العيون ههنا [ فلم يجبه أحد فقال: أيها الناس انه ليس ذهبا ولا فضة الخ ]. (*)

[ 432 ]

فهات إذا ؟ فتلا عليهم هذه الآية. فقالوا: أما هذا فنعم. فما وفى به أكثرهم (1). ثم قال أبو الحسن عليه السلام: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: " اجتمع المهاجرون والانصار إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقالوا: إن لك يا رسول الله مؤونة في نفقتك وفيمن يأتيك من الوفود وهذه أموالنا مع دمائنا فاحكم فيها بارا مأجورا، أعط ما شئت وأمسك ما شئت من غير حرج. فأنزل الله عزوجل عليه الروح الامين فقال: يا محمد " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " لا تؤذوا قرابتي من بعدي، فخرجوا. فقال اناس منهم (2): ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلا ليحثنا على قرابته من بعده إن هو إلا شئ افتراه في مجلسه وكان ذلك من قولهم عظيما. فأنزل الله هذه الآية " أم يقولون افتريه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (3) " فبعث إليهم النبي صلى الله عليه واله فقال: هل من حدث ؟ فقالوا: إي والله يا رسول الله، لقد تكلم بعضنا كلاما عظيما [ ف‍ ] كرهناه، فتلا عليهم رسول الله فبكوا واشتد بكاؤهم، فأنزل الله تعالى " وهو الذي يقبل التوبة عن


(1) وزاد في العيون [ وما بعث الله عزوجل نبيا الا أوحى إليه أن لا يسأل قومه أجرا لان الله عزوجل يوفيه أجر الانبياء. ومحمد صلى الله عليه وآله فرض الله عزوجل طاعته ومودة قرابته على امته وأمره أن يجعل أجره فيهم ليؤدوه في قرابته بمعرفة فضلهم الذى اوجب الله عزوجل لهم فان المودة انما تكون على قدر معرفة الفضل فلما أوجب الله عزوجل ذلك ثقل ذلك لثقل وجوب الطاعة فتمسك بها قوم قد أخذ الله تعالى ميثاقهم على الوفاء وعاند أهل الشقاق والنفاق وألحدوا في ذلك فصرفوه عن حده الذى حده الله عزوجل فقالوا: القرابة هم العرب كلها وأهل دعوته. فعلى أي الحالتين كان فقد علمنا أن المودة هي للقرابة. فاقربهم من النبي أولاهم بالمودة وكلما قربت القرابة كانت المودة للقرابة على قدرها وما انصفوا نبى الله صلى الله عليه وآله في حيطته ورأفته وما من الله به على امته مما تعجز الالسن عن وصف الشكر عليه ان لا يؤذوه في ذريته وأهل بيته وأن يجعلوهم فيهم بمنزلة العين من الرأس حفظا لرسول الله فيهم وحبا لهم، فكيف والقرآن ينطق به ويدعو إليه والاخبار ثابتة بانهم أهل المودة والذين فرض الله مودتهم ووعد الجزاء عليها فما وفى أحد بها فهذه المودة لا يأتي بها أحد مؤمنا مخلصا إلا استوجب الجنة لقول الله عز وجل في هذه الاية: " والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير، ذلك الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى " مفسرا ومبينا ]. (2) في العيون [ فقال المنافقون ]. (3) سورة الاحقاف آية 7. (*)

[ 433 ]

عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون (1) " فهذه السادسة. وأما السابعة فيقول الله: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (2) " وقد علم المعاندون [ منهم ] أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله، قد عرفنا التسليم [ عليك ] فكيف الصلاة عليك ؟ فقال: تقولون: " اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد " وهل بينكم معاشر الناس ! في هذا اختلاف ؟ قالوا: لا. فقال المأمون: هذا ما لا اختلاف فيه [ أصلا ] وعليه الاجماع فهل عندك في الآل شئ أوضح من هذا في القرآن ؟ قال أبو الحسن عليه السلام: أخبروني عن قول الله: " يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم " فمن عنى بقوله: يس ؟ قال العلماء: يس محمد ليس فيه شك قال أبو الحسن عليه السلام: أعطى الله محمدا وآل محمد من ذلك فضلا لم يبلغ أحد كنه وصفه لمن عقله وذلك أن الله لم يسلم على أحد إلا على الانبياء [ صلوات الله عليهم ] فقال تبارك وتعالى: " سلام على نوح في العالمين (3) " وقال: " سلام على إبراهيم (4) " وقال: " سلام على موسى وهارون (5) " ولم يقل: سلام على آل نوح ولم يقل: سلام على آل إبراهيم ولا قال: سلام على آل موسى وهارون، وقال عزوجل: " سلام على آل يس (6) " يعني آل محمد. فقال المأمون: لقد علمت أن في معدن النبوة شرح هذا وبيانه. فهذه السابعة. وأما الثامنة فقول الله عزوجل: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى (7) " فقرن سهم ذي القربى مع سهمه وسهم رسوله صلى الله عليه واله فهذا فصل بين الآل والامة، لان الله جعلهم في حيز وجعل الناس كلهم في حيز دون


(1) سورة الشورى آية 42. (2) سورة الاحزاب آية 56. (3) سورة الصافات آية 77. أي سلام ثابت أو مستمر أو مستقر على نوح في العالمين من الملائكة والجن والانس. (4) السورة آية 109. (5) السورة آية 120. (6) السورة آية 130. (7) سورة الانفال آية 42. (*)

[ 434 ]

ذلك ورضي لهم ما رضي لنفسه واصطفاهم فيه، وابتدأ بنفسه ثم ثنى برسوله ثم بذي القربى في كل من كان الفيئ والغنيمة وغير ذلك مما رضيه عزوجل لنفسه ورضيه لهم فقال - وقوله الحق -: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى " فهذا توكيد مؤكد وأمر دائم لهم إلى يوم القيامة (1) في كتاب الله الناطق الذي " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ". وأما قوله: " واليتامى والمساكين " فإن اليتيم إذا انقطع يتمه (2) خرج من المغانم ولم يكن له نصيب (3) وكذلك المسكين إذا انقطعت مسكنته لم يكن له نصيب في المغنم ولا يحل له أخذه وسهم ذي القربى إلى يوم القيامة قائم فيهم للغني والفقير، لانه لا أحد أغنى من الله ولا من رسوله صلى الله عليه واله فجعل لنفسه منها سهما ولرسوله صلى الله عليه واله سهما، فما رضي لنفسه ولرسوله رضيه لهم وكذلك الفيئ ما رضيه لنفسه ولنبيه صلى الله عليه واله رضيه لذي القربى كما جاز لهم في الغنيمة فبدأ بنفسه، ثم برسوله صلى الله عليه واله، ثم بهم وقرن سهمهم بسهم الله وسهم رسوله صلى الله عليه واله وكذلك في الطاعة قال عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم (4) " فبدأ بنفسه، ثم برسوله صلى الله عليه واله، ثم بأهل بيته وكذلك آيه الولاية " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا (5) " فجعل ولايتهم مع طاعة الرسول مقرونة بطاته كما جعل سهمه مع سهم الرسول مقرونا بأسهمهم في الغنيمة والفيئ (6) فتبارك الله ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت، فلما جاءت قصة الصدقة نزه نفسه عز ذكره ونزه رسوله صلى الله عليه واله ونزه أهل بيته عنها فقال: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل


(1) في العيون [ وأثر قائم لهم إلى يوم القيامة ]. (2) اليتم - بالضم مصدر يتم ييتم -: الانفراد. وأيضا حالة اليتيم. (3) في العيون [ خرج من الغنائم ولم يكن له نصيب فيها ]. (4) سورة النساء آية 62. (5) سورة المائدة آية 60. (6) في العيون [ فجعل طاعتهم مع طاعة الرسول مقرونة بطاعته وكذلك ولايتهم مع ولاية الرسول مقرونة بطاعته كما جعل سهمهم مع سهم الرسول مقرونا بسهمه من الغنيمة والفيئ ]. (*)

[ 435 ]

فريضة من الله (1) " فهل تجد في شئ من ذلك أنه جعل لنفسه سهما، أو لرسوله صلى الله عليه واله أو لذي القربى لانه لما نزههم عن الصدقة نزه نفسه ونزه رسوله ونزه أهل بيته لا بل حرم عليهم، لان الصدقة محرمة على محمد وأهل بيته وهي أوساخ الناس لا تحل لهم لانهم طهروا من كل دنس ووسخ، فلما طهرهم واصطفاهم رضي لهم ما رضي لنفسه وكره لهم ما كره لنفسه (2). وأما التاسعة فنحن أهل الذكر الذين قال الله في محكم كتابه: " فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (3) " فقال العلماء (4): إنما عنى بذلك اليهود والنصارى. قال أبو الحسن عليه السلام: وهل يجوز ذلك ؟ إذا يدعونا إلى دينهم ويقولون: إنهم أفضل من دين الاسلام. فقال المأمون: فهل عندك في ذلك شرح يخالف ما قالوا يا أبا الحسن ؟ قال: نعم الذكر رسول الله ونحن أهله وذلك بين في كتاب الله بقوله في سورة الطلاق: " فاتقوا الله يا اولي الالباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات " فالذكر رسول الله ونحن أهله. فهذه التاسعة. وأما العاشرة فقول الله عزوجل في آية التحريم: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم - إلى آخرها - (5) " أخبروني هل تصلح ابنتي أو ابنة أبني أو ما تناسل من صلبي لرسول الله أن يتزوجها لو كان حيا ؟ قالوا: لا. قال عليه السلام: فأخبروني هل كانت ابنة أحدكم تصلح له أن يتزوجها ؟ قالوا: بلى. قال: فقال عليه السلام: ففي هذا بيان أنا من آله ولستم من آله ولو كنتم من آله لحرمت عليه بناتكم كما حرمت عليه بناتي، لانا من آله وأنتم من امته، فهذا فرق بين الآل والامة، لان الآل منه والامة إذا لم تكن الآل فليست منه. فهذا العاشرة.


(1) سورة التوبة آية 60. (2) زاد في العيون [ فهذه الثامنة ]. (3) سورة النحل آية 45. والانبياء آية 7. (4) في العيون [ فنحن أهل الذكر فاسألونا إن كنتم لا تعلمون فقالت العلماء:... الخ ]. (5) سورة النساء آية 22. (*)

[ 436 ]

وأما الحادية عشر فقوله في سورة المؤمن حكاية عن قول رجل: " وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم - الآية - (1) " وكان ابن خال فرعون فنسبه إلى فرعون بنسبه ولم يضفه إليه بدينه. وكذلك خصصنا نحن إذ كنا من آل رسول الله صلى الله عليه وآله بولادتنا منه وعممنا الناس بدينه، فهذا فرق ما بين الآل والامة. فهذه الحادية عشر. وأما الثانية عشر فقوله: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها (2) " فخصنا بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع أمره، ثم خصنا دون الامة (3)، فكان رسول الله صلى الله عليه واله يجيئ إلى باب علي وفاطمة عليهما السلام بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر في كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرات فيقول: " الصلاة يرحمكم الله " وما أكرم الله أحدا من ذراري الانبياء بهذه الكرامة التي أكرمنا الله بها وخصنا من جميع أهل بيته (4) فهذا فرق ما بين الآل والامة (5) والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد نبيه. * (وصفه عليه السلام الامامة والامام ومنزلته) * قال عبد العزيز بن مسلم (6): كنا مع الرضا عليه السلام بمرو فاجتمعنا في المسجد الجامع بها، فأدار الناس بينهم أمر الامامة، فذكروا كثرة الاختلاف فيها. فدخلت على سيدي ومولاي الرضا عليه السلام فاعلمته بما خاض الناس فيه. فتبسم عليه السلام. ثم قال عليه السلام: يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إن الله عزوجل لم


(1) سورة المؤمن آية 28. (2) سورة طه آية 132. (3) في العيون [ إذ امرنا مع الامة باقامة الصلاة ثم خصصنا من دون الامة ]. (4) في العيون [ فخصنا من دون جميع أهل بيتهم ]. (5) زاد في العيون [ فقال المأمون والعلماء جزاكم الله أهل بيت نبيكم عن الامة خيرا فما نجد الشرح والبيان فيما اشتبه علينا إلا عندكم ]. (6) عده علماء الرجال من أصحاب الرضا عليه السلام وحسنوا حاله. والرواية رواها الكليني في الكافي ج 1 ص 201 والصدوق في كمال الدين وعيون أخبار الرضا والنعماني في كتاب الغيبة والطبرسي في الاحتجاج ونحن نشير إلى بعض موارد الاختلاف. (*)

[ 437 ]

يقبض نبيه صلى الله عليه واله حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ وبين فيه الحلال والحرام والحدود والاحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا، فقال: " ما فرطنا في الكتاب من شئ (1) ". وأنزل عليه في حجة الوداع وهي آخر عمره صلى الله عليه واله " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نمعتي ورضيت لكم الاسلام دينا (2) ". وأمر الامامة من كمال الدين. ولم يمض صلى الله عليه واله حتى بين لامته معالم دينه وأوضح لهم سبلهم وتركهم على قصد الحق، وأقام لهم عليا عليه السلام علما وإماما، وما ترك شيئا مما تحتاج إليه الامة إلا وقد بينه. فمن زعم أن الله لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله، ومن رد كتاب الله فقد كفر. هل يعرفون قدر الامامة ومحلها من الامة، فيجوز فيها اختيارهم (3). إن الامامة خص الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره (4)، فقال عزوجل: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما "، قال الخليل سرورا بها: " ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (5) ". فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة. ثم أكرمها الله بأن جعلها في ذرية أهل الصفوة والطهارة، فقال: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم ائمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (6) ". فلم تزل ترثها ذريته عليه السلام بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها النبي صلى الله عليه واله، فقال الله: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا (7) " فكانت لهم خاصة


(1) سورة الانعام آية 38. (2) سورة المائدة آية 5. (3) زاد في الكافي والعيون [ إن الامامة أجل قدرا واعظم شأنا وإعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوا بآرائهم أو يقيموا اماما باختيارهم ]. (4) الاشادة رفع الصوت بالشئ. (5) سورة البقرة آية 124. (6) سورة الانبياء آية 72. (7) سورة آل عمران آيه 67. (*)

[ 438 ]

فقلدها النبي صلى الله عليه واله عليا عليه السلام (1)، فصارت في ذريته الاصفياء الذين آتاهم الله العلم والايمان وذلك قوله: " وقال الذين اوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (2) " على رسم ما جرى وما فرضه الله في ولده إلى يوم القيامة (3). إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله فمن أين يختار هذه الجهال الامامة بآرائهم. إن الامامة منزلة الانبياء وإرث الاوصياء، إن الامامة خلافة الله وخلافة رسوله صلى الله عليه واله ومقام أمير المؤمنين عليه السلام وخلافة الحسن والحسين عليهما السلام. إن الامام (4) زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين. الامام (5) أس الاسلام النامي وفرعه السامي. بالامام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيئ والصدقات وإمضاء الحدود والاحكام ومنع الثغور والاطراف. الامام يحلل حلال الله ويحرم حرامه ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ويدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة. الامام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهو بالافق حيث لا تناله الابصار ولا الايدي. الامام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الطالع والنجم الهادي في غيابات الدجى (6) والدليل على الهدى والمنجي من الردى (7).


(1) وزاد في الكافي والعيون [ بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله ]. (2) سورة الروم آية 56. (3) في الكافي والعيون [ فهى في ولد على عليه السلام خاصة إلى يوم القيامة ]. (4)، (5) في الكافي والعيون [ ان الامامة ]. (6) الغيبة والغيابة من كل شئ: ما سترك منه. - ومن الوادي والجب: قعره. والغابة: الاجمة وهى موضع ذات الشجر المتكاثف لانها تغيب ما فيها. والدجى - بالضم -: جمع دجية - كغرفة - أي ظلمة. وفي الكافي والعيون [ في غياهب الدجى ] وهى جمع غيهب أي الظلمة. وزادا أيضا [ وجواز البلدان والقفاز ولجج البحار. الامام الماء العذب على الظماء ]. (7) الردى - بالفتح -: الهلاك. (*)

[ 439 ]

الامام النار على اليفاع (1)، الحار لمن اصطلى والدليل في المهالك، من فارقه فهالك. الامام السحاب الماطر والغيث الهاطل (2) والسماء الظليلة والارض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة (3). الامام الامين الرفيق، والولد الشفيق والاخ الشقيق وكالام البرة بالولد الصغير ومفزع العباد (4). الامام أمين الله في أرضه وخلقه، وحجته على عباده وخليفته في بلاده والداعي إلى الله والذاب عن حريم الله. الامام مطهر من الذنوب، مبرء من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم بالحلم، نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين. الامام واحد دهره، لا يدانيه أحد (5) ولا يعادله عالم ولا يوجد له بدل ولا له مثل ولا نظير. مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا يبلغ معرفة الامام أو كنه وصفه (6). هيهات هيهات، ضلت العقول وتاهت الحلوم وحارت الالباب (7) وحصرت الخطباء وكلت الشعراء (8) وعجزت الادباء وعييت البلغاء وفحمت العلماء (9) عن وصف


(1) اليفاع: التل المشرف. وكل ما ارتفع من الارض. والمراد ان الامام عليه السلام نور يضيئ للقريب والبعيد. " الحار لمن اصطلى " أي حار لمن أراد الانتفاع به. والمهالك: جمع مهلكة، والمراد هنا المفازة لانها موضع الهلاك. (2) الهاطل: المطر الشديد المتفرق العظيم القطر. وزاد هنا في الكافي [ والشمس المضيئة ]. (3) " الارض البسيطة " أي الواسعة. والغزيرة: الكثيرة الماء. والغدير: القطعة من النبات أو القطعة من الماء يتركها السيل وأيضا النهر. والروضة: أرض مخضرة من أنواع النبات. (4) زاد في الكافي والعيون [ في الداهية والنآد ]. أي الامر العظيم. (5) قد يقرء في بعض النسخ [ يداينه ] أي يعامله ويحاكمه. (6) في الكافي والعيون [ فمن ذا الذى يبلغ معرفة الامام أو يمكنه اختياره ]. (7) زاد فيهما [ وخسئت العيون وتصاغرت العظماء وتحيرت الحكماء وتقاصرت الحلماء ]. (8) " حصرت الخطباء " أي ضاق صدرهم. وكلت أي عييت وعجزت. (9) " فحمت العلماء " أي سكتت وعجزت ولم تستطع جوابا وليست هذه الجملة في الكافي والعيون. (*)

[ 440 ]

شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله، فأقرت بالعجز والتقصير فكيف يوصف بكليته، أو ينعت بكيفيته (1)، أو يوجد من يقوم مقامه، أو يغني غناه. وأنى وهو بحيث النجم عن أيدي المتناولين ووصف الواصفين (2)، أيظنون أنه يوجد ذلك في غير آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم، كذبتهم والله أنفسهم ومنتهم الاباطيل إذ ارتقوا مرتقى (3) صعبا ومنزلا دحضا زلت بها إلى الحضيض أقدامهم، إذ راموا إقامة إمام بآرائهم (4) وكيف لهم باختيار إمام. والامام عالم لا يجهل وراع لا يمكر (5)، معدن النبوة (6) لا يغمز فيه بنسب (7)


(1) في الكافي والعيون [ وكيف يوصف بكله أو ينعت بكنهه أو يفهم شئ من أمره ]. (2) " أنى " للاستفهام الانكارى والواو للحال والضمير يرجع إلى الامام عليه السلام والباء بمعنى في وحيث ظرف مكان والمراد أن الامام عليه السلام كان كالنجم في البعد وعلو المرتبة فلا يصل إليه الافكار ولا يمكن أن يوصف كما هو حقه. وفى الكافي والعيون [ لا وكيف وأنى وهو بحيث النجم عن يد المتناولين ووصف الواصفين ]. (3) " منتهم " أضعفتهم. أو ألقت في انفسم الامانى. ارتقى الجبل: صعد. والمرتقى: موضع الارتقاء. ودحضا أي زلقا. والحضيض: القرار من الارض عند أسفل الجبل. (4) زاد في الكافي والعيون [ راموا إقامة الامام بعقول حائرة، بائرة، ناقصة. وآراء مضلة فلم يزدادوا منه إلا بعدا قاتلهم الله أنى يؤفكون ولقد راموا صعبا وقالوا إفكا وضلو ضلالا بعيد ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الامام عن بصيرة وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين. رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله وأهل بيته إلى اختيارهم والقرآن يناديهم: " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون " وقال [ الله ] عزوجل: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيره من أمرهم - الاية " -. وقال: " ما لكم كيف تحكمون ؟ ! أم لكم كتاب فيه تدرسول ؟ ! ان لكم فيه لما تخيرون ؟ ! أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة ؟ ! ان لكم لما تحكمون ؟ ! سلهم أيهم بذلك زعيم. أم لهم شركاء ؟ ! فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين " وقال تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون " أم قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون " أم " قالوا سمعنا وعصينا " بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوا الفضل العظيم ]. وقوله: " راموا " أي أرادوا. (5) راع أي حافظ للامة. وفي الكافي والعيون [ لا ينكل ] أي لا يضعف ولا يجبن. (6) في الكافي والعيون [ معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة مخصوص بدعوة الرسول ونسل المطهرة البتول ]. (7) أغمز فيه: عابه وصغر من شأنه. (*)

[ 441 ]

ولا يدانيه ذو حسب، فالبيت من قريش والذروة من هاشم والعترة من الرسول صلى الله عليه واله (1)، شرف الاشراف والفرع عن عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالامر (2)، عالم بالسياسة، مستحق للرئاسة، مفترض الطاعة. قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله. إن الانبياء والاوصياء صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويسددهم ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمته ما لا يؤتيه غيرهم، يكون علمهم فوق علم أهل زمانهم، وقد قال الله جل وعز: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (3) ". وقال تعالى في قصة طالوت: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء (4) ". وقال في قصة داود عليه السلام: " وقتل دواد جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء (5) ". وقال لنبيه صلى الله عليه واله: " وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (6) ". وقال في الائمة من أهل بيته وعترته وذريته: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله - إلى قوله - سعيرا (7) ". وإن العبد إذا اختاره الله لامور عباده شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وأطلق على لسانه (8) فلم يعي بعده بجواب ولم تجد فيه غير صواب (9)، فهو موفق مسدد مؤيد، قد أمن من الخطأ والزلل. خصه بذلك ليكون ذلك حجة على خلقه شاهدا على عباده (10)، فهل يقدرون على مثل هذا


(1) الذروة - بالضم والكسر -: العلو. ومن كل شئ: أعلاه. وفي الكافي والعيون [ والعترة من آل الرسول والرضا من الله ]. (2) اضطلع بهذا الامر: قوى وقدر عليه فكأنه قوى عليه ضلوعه بحمله. (3) سورة يونس آية 35. وزاد في الكافي والعيون [ وقوله تعالى: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثير " ]. (4) سورة البقرة آية 247. وزادا بقية الاية [ والله واسع عليم ]. (5) سورة البقرة آية 255. ومن رقم (4) إلى (5) ليست فيهما (6) سورة النساء آية 113. وفيها " وأنزل الله عليك الكتاب.. الخ ". (7) سورة النساء آية 55، 57. (8) في الكافي والعيون [ وألهمه العلم إلهاما ]. (9) في الكافي والعيون [ ولا يحير فيه عن الصواب فهو معصوم، مؤيد، موفق ]. (10) زاد في الكافي والعيون [ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ]. (*)

[ 442 ]

فيختارونه فيكون مختارهم بهذه الصفة (1). * (وروي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني) * قال الرضا عليه السلام: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى تكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه وسنة من نبيه صلى الله عليه واله وسنة من وليه عليه السلام. فأما السنة من ربه فكتمان السر. وأما السنة من نبيه صلى الله عليه واله فمدارأة الناس. وأما السنة من وليه عليه السلام فالصبر في البأساء والضراء. وقال عليه السلام: صاحب النعمة يجب أن يوسع على عياله. وقال عليه السلام: ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة. وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله. وقال عليه السلام: من أخلاق الانبياء التنظف. وقال عليه السلام: ثلاث من سنن المرسلين: العطر وإحفاء الشعر وكثرة الطروقة (2). وقال عليه السلام: لم يخنك الامين ولكن ائتمنت الخائن. وقال عليه السلام: إذا أراد الله أمرا سلب العباد عقولهم، فأنفذ أمره وتمت إرادته. فإذا أنفذ أمره رد إلى كل ذي عقل عقله، فيقول: كيف ذا ومن أين ذا. وقال عليه السلام: الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت يكسب المحبة، إنه دليل على كل خير. وقال عليه السلام: ما من شئ من الفضول إلا وهو يحتاج إلى الفضول من الكلام. وقال عليه السلام: الاخ الاكبر بمنزلة الاب. وسئل عليه السلام عن السفلة فقال: من كان له شئ يلهيه عن الله.


(1) زاد في الكافي والعيون [ فيقدمون، تعدوا وبيت الله الحق ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون وفي كتاب الله الهدى والشفاء فنبذوه واتبعوا اهواءهم فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم فقال جل وتعالى: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ان الله لا يهدى القوم الظالمين " وقال: " فتعسا لهم وأضل اعمالهم " وقال: " كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " ]. (2) الاحفاء: القص. والطروقة: الجماع وفي بعض النسخ [ وإخفاء السر ]. (*)

[ 443 ]

وكان عليه السلام: يترب الكتاب (1) ويقول: لا بأس به. وكان إذا أراد أن يكتب تذكرات حوائجه كتب بسم الله الرحمن الرحيم أذكر إن شاء الله، ثم يكتب ما يريد. وقال عليه السلام: إذا ذكرت الرجل وهو حاضر فكنه، وإذا كان غائبا فسمه. وقال عليه السلام: صديق كل امرء عقله وعدوه جهله. وقال عليه السلام: التودد إلى الناس نصف العقل. وقال عليه السلام: إن الله يبغض القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال. وقال عليه السلام: لا يتم عقل امرء مسلم حتى تكون فيه عشر خصال: الخير منه مأمول. والشر منه مأمون، يستكثر قليل الخير من غيره. ويستقل كثير الخير من نفسه، لا يسأم من طلب الحوائج إليه. ولا يمل من طلب العلم طول دهره. الفقر في الله أحب إليه من الغنى. والذل في الله أحب إليه من العز في عدوه. والخمول أشهى إليه من الشهرة، ثم قال عليه السلام: العاشرة وما العاشرة. قيل له: ما هي ؟ قال عليه السلام لا يرى أحدا إلا قال: هو خير مني وأتقى. إنما الناس رجلان: رجل خير منه وأتقى ورجل شر منه وأدنى، فإذا لقي الذي شر منه وأدنى قال: لعل خير هذا باطن وهو خير له وخيري ظاهر وهو شر لي، وإذا رأى الذي هو خير منه وأتقى تواضع له ليلحق به. فإذا فعل ذلك فقد علا مجده وطاب خيره وحسن ذكره وساد أهل زمانه. وسأله رجل عن قول الله: " ومن يتوكل على الله فهو حسبه (2) " ؟ فقال عليه السلام: التوكل درجات: منها أن تثق به في أمرك كله فيما فعل بك، فما فعل بك كنت راضيا وتعلم أنه لم يألك خيرا ونظرا (3). وتعلم أن الحكم في ذلك له، فتتوكل عليه بتفويض ذلك إليه. ومن ذلك الايمان بغيوب الله التي لم يحط علمك بها فوكلت علمها إليه وإلى أمنائه عليها ووثقت به فيها وفي غيرها.


(1) أي يجعل عليه التراب ليجفه. ترب وأترب الشئ: جعل عليه التراب. (2) سورة الطلاق آية 3. (3) ألا في الامر: قصر وأبطأ وترك الجهد منه يقال: " لم يأل جهدا ". (*)

[ 444 ]

وسأله أحمد بن نجم (1) عن العجب الذي يفسد العمل ؟ فقال عليه السلام: العجب درجات: منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا. ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله (2) ولله المنة عليه فيه. قال الفضل (3) قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: يونس بن عبد الرحمن يزعم أن المعرفة إنما هي اكتساب. قال عليه السلام لا ما أصاب، إن الله يعطي من يشاء، فمنهم من يجعله مستقرا فيه ومنهم من يجعله مستودعا عنده، فأما المستقر، فالذي لا يسلب الله ذلك أبدا. وأما المستودع، فالذي يعطاه الرجل ثم يسلبه إياه. وقال صفوان بن يحيى (4) سألت الرضا عليه السلام عن المعرفة هل للعباد فيها صنع ؟


(1) رواه الكليني - رحمه الله - في الكافي ج 2 ص 313 والصدوق - رضوان الله عليه - في معاني الاخبار باسناده عن على بن سويد المدينى عن ابى الحسن موسى عليه السلام. وأحمد بن نجم لم نجد الايعاز إليه في معاجم الرجال. (2) وفي بعض النسخ [ فيمتن ]. (3) الظاهر أنه الفضل بن سنان ولعله ابن سهل ذو الرياستين وزير المأمون وقد مضى ترجمة حاله. ويونس بن عبد الرحمن هو أبو محمد مولى آل يقطين ثقة من أصحاب الكاظم والرضا عليهما اسلام، كان وجها في أصحابنا متقدما عظيم المنزلة قال ابن النديم: " يونس بن عبد الرحمن من أصحاب موسى بن جعفر عليهما السلام من موالى آل يقطين علامة زمانه كثير التصنيف والتأليف على مذاهب الشيعة " ثم عد كتبه وكان يونس من أصحاب الاجماع ولد في أيام هشام بن عبد الملك ورأى جعفر بن محمد عليهما السلام بين الصفا والمروة ولم يرو عنه وروى عن الكاظم والرضا عليهما السلام وكان الرضا عليه السلام يشير إليه في العلم والفتيا وكان ممن بذل على الوقف ما لا جزيلا مات رحمة الله سنة 280. (4) هو أبو محمد صفوان بن يحيى البجلى الكوفى، بياع السابرى من أصحاب الامام السابع والثامن والتاسع عليهم السلام وأقروا له بالفقه والعلم، ثقة من أصحاب الاجماع وكان وكيل الرضا عليه السلام وصنف كتبا كثيرة وكان من الورع والعبادة ما لم يكن احد في طبقته. ونقل عن الشيخ: " إنه اوثق اهل زمانه عند اصحاب الحديث واعبدهم كان يصلى كل يوم خمسين ومائة ركعة ويصوم في السنة ثلاثة اشهر ويخرج زكاة ماله كل سنة ثلاث مرات وذاك انه اشترك هو وعبد الله بن جندب وعلى بن النعمان في بيت الله الحرام فتعاقدوا جميعا ان مات واحد منهم يصلى من بقى بعده صلاته ويصوم عنه ويحج عنه ويزكى عنه ما دام حيا فمات صاحباه وبقى صفوان بعدها وكان يفى لهما بذلك وكان يصلى عنهما ويزكى عنها ويصوم عنهما ويحج عنهما وكل شى من البر والصلاح يفعل لنفسه كذلك يفعله عن صاحبيه - إلى ان قال -: ورى عن اربعين رجلا من اصحاب ابى عبد الله عليه السلام. وله كتب كثيرة مثل كتب الحسين بن سعيد وله مسائل عن ابى الحسن موسى عليه السلام ورويات ". مات - رحمه الله - بالمدينة وبعث إليه ابو جعفر بحنوطة وكفنه وامر اسماعيل بن موسى بالصلاة عليه. (*)

[ 445 ]

قال عليه السلام: لا. قلت: لهم فيها أجر ؟ قال عليه السلام: نعم تطول عليهم بالمعرفة وتطول عليهم بالصواب (1). وقال الفضيل بن يسار (2) سألت الرضا عليه السلام عن أفاعيل العباد مخلوقة هي أم غير مخلوقة ؟ قال عليه السلام: هي والله مخلوقة - أراد خلق تقدير لا خلق تكوين -. ثم قال عليه السلام: إن الايمان أفضل من الاسلام بدرجة والتقوى أفضل من الايمان بدرجة ولم يعط بنو آدم أفضل من اليقين. وسئل عن خيار العباد ؟ فقال عليه السلام: الذين إذا أحسنوا استبشروا. وإذا أساؤا استغفروا، وإذا اعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا عفوا. وسئل عليه السلام عن حد التوكل ؟ فقال عليه السلام: أن لا تخاف أحدا إلا الله. وقال عليه السلام: من السنة إطعام الطعام عند التزويج. وقال عليه السلام: الايمان أربعة أركان: التوكل على الله، والرضا بقضاء الله. والتسليم لامر الله. والتفويض إلى الله، قال العبد الصالح (3): " وأفوض أمري إلى الله فوقاه الله سيئات ما مكروا ". وقال عليه السلام: صل رحمك ولو بشربة من ماء. وأفضل ما توصل به الرحم كف الاذى عنها وقال في كتاب الله: " ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى (4) ". وقال عليه السلام: إن من علامات الفقه: الحلم والعلم، والصمت باب من أبواب الحكمة. إن الصمت يكسب المحبة، إنه دليل على كل خير. (5) وقال عليه السلام: إن الذي يطلب من فضل يكف به عياله أعظم أجرا من المجاهد في سبيل الله.


(1) كذا. وتطول عليه: امتن عليه. والصحيح " الثواب " والسهو من قلم النساخ. (2) كذا. وفضيل بن يسار من اصحاب الامام الصادق عليه السلام ومات في ايامه ولعله كان قاسم بن الفضيل أو محمد بن الفضيل لانهما من اصحاب الرضا عليه السلام. (3) اراد عليه السلام بالعبد الصالح مؤمن آل فرعون والاية في سورة غافر آيه 44. (4) سورة البقرة آية 266. (5) وفي بعض النسخ [ على كل حق ]. (*)

[ 446 ]

وقيل له: كيف أصبحت ؟ فقال عليه السلام: أصبحت بأجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل بنا. وقال عليه السلام: خمس من لم تكن فيه فلا ترجوه لشئ من الدنيا والآخرة: من لم تعرف الوثاقة في أرومته. والكرم في طباعه. والرصانة في خلقه (1). والنبل في نفسه والمخافة لربه. وقال عليه السلام: ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفوا. وقال عليه السلام: السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه، والبخيل لا يأكل من طعام الناس لئلا يأكلوا من طعامه. وقال عليه السلام: إنا أهل بيت نرى وعدنا علينا دينا كما صنع رسول الله صلى الله عليه واله (2). وقال عليه السلام: يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء: تسعة منها في اعتزال الناس وواحد في الصمت. وقال لهم معمر بن خلاد (3) عجل الله فرجك. فقال عليه السلام: يا معمر ذك فرجكم أنتم، فأما أنا فوالله ما هو إلا مزود فيه كف سويق مختوم بخاتم. وقال عليه السلام: عونك للضعيف من أفضل الصدقة. وقال عليه السلام: لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى تكون فيه خصال ثلاث: التفقه في الدين. وحسن التقدير في المعيشة. والصبر على الرزايا. وقال عليه السلام لابي هاشم داود بن القاسم الجعفري (4): يا داود إن لنا عليكم حقا


(1) الارومة: الاصل. رصن - كشرف - أي استحكم واشتد وثبت. والنبل - بالضم -: الفضل والنجابة. (2) أي وقع بنا ما وعده رسول الله صلى الله عليه وآله من الابتلاء والمحن كدين على رقابنا فلا يتخلف. (3) هو ابو خلاد معمر بن خلاد بن ابى خلاد بغدادي ثقة من اصحاب الرضا عليه السلام وله كتب. (4) هو ابو هاشم داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد الله بن جعفر بن ابى طالب ثقة جليل القدر عظيم المنزلة عند الائمة شريف القدر وقد شاهد جماعة منهم الامام الثامن إلى الامام الثاني عشر عليهم السلام وله موقع جليل عندهم وكان منقطعا إليهم وروى عنهم وله منهم اخبار ورسائل ورايات " بقية الحاشية في

[ 447 ]

برسول الله صلى الله عليه واله، وإن لكم علينا حقا. فمن عرف حقنا وجب حقه، ومن لم يعرف حقنا فلا حق له. وحضر عليه السلام يوما مجلس المأمون وذو الرياستين حاضر، فتذاكروا الليل والنهار وأيهما خلق قبل صاحبه. فسأل ذو الرياستين الرضا عليه السلام عن ذلك ؟ فقال عليه السلام له: تحب أن أعطيك الجواب من كتاب الله أم حسابك ؟ فقال: أريده أولا من الحساب، فقال عليه السلام: أليس تقولون: إن طالع الدنيا السرطان وإن الكواكب كانت في أشرافها ؟ قال: نعم. قال: فزحل في الميزان والمشتري في السرطان والمريخ في الجدي والزهرة في الحوت والقمر في الثور والشمس في وسط السماء في الحمل وهذا لا يكون إلا نهارا. قال: نعم. قال: فمن كتاب الله ؟ قال عليه السلام: قوله: " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار " أي إن النهار سبقه (1).


" بقية الحاشية من الصحفة الماضية " من دلائل ابى الحسن الهادى عليه السلام وقال: ما دخلت على ابى الحسن وابن محمد عليهما السلام إلا رأيت منها دلالة وبرهانا. وقال السيد ابن طاووس: إنه من وكلاء الناحية الذين لا تختلف الشيعة فيهم " كان ابو هاشم عالما عاملا اديبا ورعا زاهدا ناسكا ولم يكن في آل ابى طالب مثله في زمانه في علو النسب وكان مقدما عند السلطان توفى رحمه الله سنة 261. وكان ابوه القاسم بن اسحاق امير اليمن رجلا جليلا وهو ابن خالة مولانا الصادق عليه السلام لان ام حكيم بنت القاسم بن محمد بن ابى بكر اخت ام فروة ام مولانا الصادق عليه السلام. (1) رواه الطبرسي - رحمه الله - في المجمع عند بيان الاية عن تفسير العياشي عن الاشعث بن حاتم هكذا " قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا عليه السلام والفضل بن سهل والمأمون في ايوان الحبرى بمرو فوضعت المائدة فقال الرضا عليه السلام: إن رجلا من بنى اسرائيل سألني بالمدينة فقال: النهار خلق قبل ام الليل، فما عندكم ؟ قال: فأداروا الكلام فلم يكن عندهم في ذلك شئ، فقال الفضل للرضا عليه السلام أخبرنا بها - أصلحك الله - قال: نعم من القرآن أم من الحساب ؟ قال له الفضل: من جهة الحساب. فقال: قد علمت يا فضل أن طالع الدنيا السرطان والكواكب في مواضع شرفها ؟ فزحل في الميزان والمشترى في السرطان والشمس في الحمل والقمر في الثور فذلك يدل على كينونة الشمس في الحمل في العاشر في الطالع في وسط السماء فالنهار خلق قبل الليل. وفى قوله تعالى " لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار " أي قد سبقه النهار. انتهى. أقول: لما كان وجود الليل والنهار أمران منتزعان من الشمس وحركته فهما مولودان لدورتها. وتأخر الامر الانتزاعي على منشأ الانتزاع مما لا ريب فيه. وبعبارة اخرى لما كان وجود الليل والنهار فرع وجود الشمس فإذا كان الشمس كان النهار فإذا كان النهار كان الليل. فوجود الليل منتزع من النهار. فتأمل وفي قوله عليه السلام: " أم حسابك " اشارة إلى أن الجواب على وفق مذهب السائل. والآية في سورة يس آية 40. (*)

[ 448 ]

قال علي بن شعيب (1) دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فقال لي: يا علي من أحسن الناس معاشا ؟ قلت: أنت يا سيدي أعلم به مني. فقال عليه السلام: يا علي من حسن معاش غيره في معاشة. يا علي من أسوء الناس معاشا ؟ قلت: أنت أعلم، قال من لم يعش غيره في معاشه. يا علي أحسنوا جوار النعم فإنها وحشية ما نأت عن قوم فعادت إليهم (2). يا علي إن شر الناس من منع رفده وأكل وحده وجلد عبده. وقال له عليه السلام رجل في يوم الفطر: إني افطرت اليوم على تمر وطين القبر. فقال عليه السلام: جمعت السنة والبركة. وقال عليه السلام لابي هاشم الجعفري: يا أبا هاشم العقل حباء من الله، والادب كلفة، فمن تكلف الادب قدر عليه ومن تكلف العقل لم يزدد بذلك إلا جهلا (3). وقال أحمد بن عمر، والحسين بن يزيد (4): دخلنا على الرضا عليه السلام فقلنا: إنا كنا في سعة من الرزق وغضارة من العيش فتغيرت الحال بعض التغير فادع الله أن يرد ذلك إلينا ؟ فقال عليه السلام: أي شئ تريدون تكونون ملوكا ؟ أيسركم أن تكونوا مثل


(1) قال صاحب تنقيح المقال - ره -: لم اقف عليه بهذا العنوان في كتب الرجال وانما وقفنا فيها على على بن أبى شعيب المدائني وقال: له كتاب صغير والظاهر كونه إماميا. (2) الجوار - بالكسر - مصدر بمعنى المجاورة. ونأت عن قوم أي بعدت عنه. والمرد ان النعمة وحشية فيجب على من اصابها ونال منها إن اراد بقاءها وداوامها ان يعامل معها معاملة الحيوان الوحشى الذى إذا هرب لم يعد. (3) الحباء - بالكسر -: العطية. والمرد ان العقل غريزة موهبة من الله فكان في فطرة الانسان وجبلته فليس للكسب فيه أثر فمن لم يكن فيه عقل ليس له صلاحية اكتساب العقل بخلاف الادب فان الادب هو السيرة والطريقة الحسنة في المحاورات والمعاشرات فيمكن للانسان تحصيلة بان يتجشمه ويتكلفه. وأبو هاشم الجعفري هو داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب الذى تقدم شرح حاله في ص 446. (4) هو أحمد بن عمر بن أبى شعبة الحلبي ثقة من أصحاب الامام السابع والثامن عليهما السلام وله كتاب. وأما الحسين بن يزيد هو ابن عبد الملك النوفلي المتطبب من أصحاب الامام الثامن. كان أديبا شاعرا سكن الرى ومات بها - رحمه الله -. (*)

[ 449 ]

طاهر و. هرثمة (1) وإنكم على خلاف ما أنتم عليه ؟ فقلت: لا والله ما سرني أن لي الدنيا بما فيها ذهبا وفضة وإني على خلاف ما أنا عليه. فقال عليه السلام: إن الله يقول: " اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (2) ". أحسن الظن بالله، فإن من حسن ظنه بالله كان الله عند ظنه (3). ومن رضي بالقليل من الرزق قبل منه اليسير من العمل. ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤونته ونعم أهله وبصره الله داء الدنيا ودواءها و أخرجه منها سالما إلى دار السلام.


(1) الطاهر هو أبو الطيب أو أبو طلحة طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن ماهان الملقب بذى اليمينين والى خراسان كان من أكبر قواد المأمون والمجاهدين في تثبيت دولته كان جده زريق بن ماهان أو باذان مجوسيا فاسلم على يد طلحة الطلحات الخزاعى المشهور بالكرم والى سجستان وكان مولاه ولذلك اشتهر الطاهر بالخزاعى وكان هو الذى سيره المأمون من خراسان إلى محاربة أخيه الامين محمد بن زبيدة ببغداد لما خلع المأمون بيعته وسير الامين على بن عيسى بن ماهان لدفعه فالتقيا بالرى وقتل على بن عيسى وكسر جيش الامين وتقدم الطاهر إلى بغداد وأخذ ما في طريقه من البلاد وحاصر بغداد وقتل الامين سنة 198 وحمل برأسه إلى خراسان وعقد للمأمون على الخلافة فلما استقل المأمون بالملك كتب إليه وهو مقيم ببغداد وكان واليا عليها بأن يسلم إلى الحسن بن سهل جميع ما افتتحه من البلاد وهى العراق وبلاد الجبل وفارس وأهواز والحجاز واليمن وأن يتوجه هو إلى الرقة وولاء الموصل وبلاد الجزيرة والشام والمغرب فكان فيها إلى أن قدم المأمون بغداد فجاء إليه وكان المأمون يرعاه لمناصحته وخدمته ولقبه ذا اليمينين وذلك أنه ضرب شخصا بيساره فقده نصفين في وقعته مع على بن عيسى بن ماهان حتى قال بعض الشعراء: " كلتا يديك يمين حين تضربه " فبعثه إلى خراسان فكان واليا عليها إلى أن توفى سنة 207 بمرو وهو الذي أسس دولة آل طاهر في خراسان وما والاها من 205 إلى 259 وكان طاهر من أصحاب الرضا عليه السلام كان متشيعا وينسب التشيع أيضا إلى بنى طاهر كما في مروج الذهب وغيره. ولد طاهر سنة 159 في توشنج من بلاد خراسان وله عهد إلى ابنه وهو من أحسن الرسائل. وهرثمة هو هرثمة بن أعين كان أيضا من قواد المأمون وفى خدمته وكان مشهورا معروفا بالتشيع ومحبا لاهل البيت من أصحاب الرضا عليه السلام بل من خواصه وأصحاب سره ويأخذ نفسه انه من شيعته وكان قائما بمصالحه وكانت له محبة تامة وإخلاص كامل له. (2) سورة سبأ آية 12. (3) قيل: معناه أنه عزوجل عند ظن عبده في حسن عمله وسوء عمله لان من حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه. (*)

[ 450 ]

وقال له ابن السكيت (1): ما الحجة على الخلق اليوم ؟ فقال عليه السلام: العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه. فقال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب. وقال عليه السلام: لا يقبل الرجل يد الرجل، فإن قبلة يده كالصلاة له (2). وقال عليه السلام: قبلة الام على الفم. وقبلة الاخت على الخد. وقبلة الامام بين عينيه. وقال عليه السلام: ليس لبخيل راحة، ولا لحسود لذة، ولا لملول وفاء ولا لكذوب مروة.


(1) هو أبو يوسف يعقوب بن اسحاق الذروقى الاهوازي من رجال الفرس، المعروف بابن السكيت كان أحد أعلام اللغويين وجها بذة المتأدبين، حامل لواء علم العربية والادب والشعر واللغة ويتصرف في أنواع العلوم، ثقة جليل القدر عظيم المنزلة وكان من عظماء الشيعة ومن خواص أصحاب الامام التاسع والعاشر وكان المتوكل الخليفة العباسي قد ألزمه تأديب أولاده وكان في أول أمره يؤدب مع أبيه بمدينة السلام في درب القنطرة صبيان العامة حتى احتاج إلى الكسب فجعل يتعلم النحو. وكان أبوه رجلا صالحا وأديبا عالما وكان من أصحاب الكسائي حسن المعرفة بالعربية وحكى عنه أنه كان قد حج فطاف بالبيت وسعى وسأل الله تعالى أن يعلم ابنه العلم. كان لابن السكيت تصانيف جيدة مفيدة منها اصلاح المنطق في اللغة ونقل عن ابن خلكان انه قال بعد نقل كلام: " ولا شك أنه من الكتب النافعة الممتعة الجامع لكثير من اللغة ولا يعرف في حجمه مثله في بابه وقد عنى به جماعة واختصره الوزير ابو القاسم الحسين بن على المعروف بابن المغربي. وهذبه الخطيب أبو زكريا التبريزي - إلى أن قال -: ولم يكن بعد ابن الاعرابي اعلم باللغة من ابن السكيت إلخ ". كان مولده رحمه الله في حوالى سنة 186 وعاش نحو ثمان وخمسين سنة وقتله المتوكل العباسي وسببه ان المتوكل قال له يوما: ايما احب اليك ابناى هذان أي المعتز والمؤيد ام الحسن والحسين [ عليهما السلام ] ؟ فقال ابن السكيت: والله إن قنبر خادم على بن ابى طالب خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل للاتراك: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا فمات وقيل: اثنى على الحسن والحسين. ولم يذكرا بنيه. فامر المتوكل فداسوا بطنه فحمل إلى داره فمات بعد غد ذلك اليوم رحمة الله عليه -. (2) في الكافي ج 2 ص 185 باسناده عن رفاعة بن موسى عن أبى عبد الله عليه السلام قال: لا يقبل رأس احد ولا يده إلا [ يد ] رسول الله أو من اريد به رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 451 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] " وروى عن الامام الناصح الهادى ابى جعفر محمد بن على عليهما السلام في طوال هذه المعاني " (جوابه عليه السلام) * (في محرم قتل صيدا) * لما عزم المأمون على أن يزوج ابنته ام الفضل أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام (1) إجتمع إليه أهل بيته الادنون منه، فقالوا له: يا أمير المؤمنين ناشدناك أن تخرج عنا أمرا قد ملكناه. وتنزع عنا عزا قد لبسناه. وتعلم الامر الذي بيننا وبين آل علي قديما وحديثا. فقال المأمون: أمسكوا والله لا قبلت من واحد منكم في أمره. فقالوا: يا أمير المؤمنين أتزوج ابنتك وقرة عينك صبيا لم يتفقه في دين الله، ولا يعرف حلاله من حرامه، ولا فرضا من سنة - ولابي جعفر عليه السلام إذ ذاك تسع سنين (2) - فلو صبرت له حتى يتأدب ويقرأ القرآن ويعرف الحلال من الحرام. فقال المأمون: إنه لافقه منكم وأعلم بالله ورسوله وسنته وأحكامه، وأقرء لكتاب الله منكم وأعلم بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وظاهره وباطنه وخاصه وعامه وتنزيله وتأويله منكم. فاسألوه، فإن كان الامر كما وصفتم قبلت منكم، وإن كان الامر على ما وصفت علمت أن الرجل خلق منكم (3). فخرجوا من عنده وبعثوا إلى يحيى بن أكثم (4) وهو يومئذ


(1) رواه على بن ابراهيم - رحمه الله - في التفسير مع اختلاف. والمفيد - قدس سره - في الارشاد وابن شهر آشوب في المناقب والطبري في الدلائل. (2) في التفسير [ عشر سنين أو إحدى عشرة سنة ] وفي الارشاد [ سبع سنين ]. (3) أي قائم مقامكم وبدل منكم. الخلف - بالتحريك -: البدل والعوض (4) هو يحيى بن أكثم التميمي القاضى كان متكلما، عالما فقيها في عصره أحد وزراء المأمون قاضيا في العراقين من قضاة العامة وكان معروفا باللواط وانه حرم المتعة وتسبب تحريم المأمون إياها. ذكره ابن خلكان والمسعودي وغيرهما وبسط ابن خلكان الكلام في ترجمته فمن شاء فليطلبه هناك ولا يهمنا نقل ذلك. (*)

[ 452 ]

قاضي القضاة فجعلوا حاجتهم إليه وأطمعوه في هدايا على أن يحتال على أبي جعفر عليه السلام بمسألة في الفقه لا يدري ما الجواب فيها. فلما حضروا وحضر أبو جعفر عليه السلام قالوا يا أمير المؤمنين هذا القاضي إن أذنت له أن يسأل ؟ فقال المأمون: يا يحيى سل أبا جعفر عن مسألة في الفقه لتنظر كيف فقهه ؟ فقال يحيى: يا أبا جعفر أصلحك الله ما تقول في محرم قتل صيدا ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: قتله في حل أم حرم، عالما أو جاهلا، عمد أو خطأ، عبدا أو حرا، صغيرا أو كبيرا، مبدءا أو معيدا، من ذوات الطير أو غيره من صغار الطير أو كباره. مصرا أو نادما، بالليل في أوكارها أو بالنهار وعيانا، محرما للحج أو للعمرة ؟ قال: فانقطع يحيى انقطاعا لم يخف على أحد من أهل المجلس انقطاعه وتحير الناس عجبا من جواب أبي جعفر عليه السلام: فقال المأمون: أخطب أبا جعفر ؟ فقال عليه السلام: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: الحمد لله إقرارا بنعمته ولا إله إلا الله إجلالا لعظمته، وصلى الله على محمد وآله عند ذكره. أما بعد فقد كان من قضاء الله على الانام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال جل وعز: " فأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (1) ". ثم إن محمد بن علي خطب أم الفضل ابنة عبد الله، وقد بذل لها من الصداق خمس مائة درهم، فقد زوجته، فهل قبلت يا أبا جعفر ؟ فقال عليه السلام: قد قبلت هذا التزويج بهذا الصداق فأولم المأمون (2) وأجاز الناس على مراتبهم أهل الخاصة وأهل العامة والاشراف والعمال. وأوصل إلى كل طبقة برا على ما يستحقه. فلما تفرق أكثر الناس قال المأمون: يا أبا جعفر إن رأيت أن تعرفنا ما يجب على كل صنف من هذه الاصناف في قتل الصيد ؟ فقال عليه السلام: إن المحرم إذا قتل صيدا في الحل وكان الصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا. وإن قتل فرخا في الحل فعليه حمل قد فطم فليست عليه القيمة لانه ليس في الحرم. وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ (3) وإن كان من الوحش


(1) سوره النور آيه 32. (2) " أو لم " من الوليمة. (3) في التفسير [ فعليه الحمل وقيمته ]. (*)

[ 453 ]

فعليه في حمار الوحش بقرة وإن كان نعامة فعليه بدنة، (1) فإن لم يقدر فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يقدر فليصم ثمانية عشر يوما. وإن كان بقرة فعليه بقرة، فإن لم يقدر فليطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يقدر فليصم تسعة أيام. وإن كان ظبيا فعليه شاة، فإن لم يقدر فليطعم عشرة مساكين، فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام. وإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا " هديا بالغ الكعبة " حقا واجبا أن ينحره إن كان في حج بمنى حيث ينحر الناس. وإن كان في عمرة ينحره بمكة في فناء الكعبة ويتصدق بمثل ثمنه حتى يكون مضاعفا، وكذلك إذا أصاب أرنبا أو ثعلبا فعليه شاة ويتصدق بمثل ثمن شاة. وإن قتل حماما من حمام الحرم فعليه درهم يتصدق به. ودرهم (2) يشتري به علفا لحمام الحرم. وفي الفرخ نصف درهم. وفي البيضة ربع درهم وكل ما أتى به المحرم بجهالة أو خطأ فلا شئ عليه إلا الصيد. فإن عليه فيه الفداء بجهالة كان أم بعلم، بخطأ كان أم بعمد. وكل ما أتى به العبد فكفارته على صاحبه مثل ما يلزم صاحبه. وكل ما أتى به الصغير الذي ليس ببالغ فلا شئ عليه. فإن عاد فهو ممن ينتقم الله منه. وإن دل على الصيد وهو محرم وقتل الصيد فعليه فيه الفداء. والمصر عليه يلزمه بعد الفداء العقوبة في الآخرة. والنادم لا شئ عليه بعد الفداء في الآخرة. وإن أصابه ليلا أو كارها (3) خطأ فلا شئ عليه إلا أن يتصيد، فإن تصيد بليل أو نهار فعليه فيه الفداء. والمحرم للحج ينحر الفداء بمكة. قال: فأمر أن يكتب ذلك عن أبي جعفر عليه السلام. ثم التفت إلى أهل بيته الذين أنكروا تزويجه، فقال: هل فيكم من يجيب بهذا الجواب ؟ قالو: لا والله ولا القاضي، فقالوا: يا أمير المؤمنين كنت أعلم به منا. فقال: ويحكم أما علمتم أن أهل هذا البيت ليسوا خلقا من هذا الخلق، أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه واله بايع الحسن والحسين عليهما السلام وهما صبيان ولم يبايع غيرهما طفلين. أو لم تعلموا أن أباهم عليا عليه السلام آمن برسول الله صلى الله عليه واله وهو ابن تسع سنين، فقبل الله ورسوله إيمانه ولم يقبل من طفل غيره ولا دعا رسول الله صلى الله عليه واله طفلا غيره. أو لم تعلموا أنها ذرية بعضها من بعض يجري لآخرهم ما يجري لاولهم.


(1) في التفسير [ فعليه في الحمار الوحش بدنة وكذلك في النعامة ]. (2) في التفسير [ أو درهم ]. (3) في التفسير [ في وكرها ]. (*)

[ 454 ]

* (مسألة غريبة) * قال المأمون ليحيى بن أكثم (1): اطرح على أبي جعفر محمد بن الرضا عليهما السلام مسألة تقطعه فيها. فقال: يا أبا جعفر ما تقول في رجل نكح امرأة على زنا أيحل أن يتزوجها ؟ فقال عليه السلام: يدعها حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه. ثم يتزوج بها إن أراد، فإنما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراما ثم اشتراها فأكل منها حلالا. فانقطع يحيى. فقال له أبو جعفر عليه السلام: يا أبا محمد ما تقول في رجل حرمت عليه أمرأة بالغداة وحلت له ارتفاع النهار وحرمت عليه نصف النهار، ثم حلت له الظهر، ثم حرمت عليه العصر، ثم حلت له المغرب، ثم حرمت عليه نصف الليل، ثم حلت له الفجر، ثم حرمت عليه ارتفاع النهار، ثم حلت له نصف النهار ؟ فبقي يحيى والفقهاء بلسا خرسا (2) فقال المأمون: يا أبا جعفر أعزك الله بين لنا هذا ؟ قال عليه السلام: هذا رجل نظر إلى مملوكة لا تحل له، اشتراها فحلت له. ثم أعتقها فحرمت عليه، ثم تزوجها فحلت له. فظاهر منها فحرمت عليه. فكفر الظهار فحلت له، ثم طلقها تطليقة فحرمت عليه، ثم راجعها فحلت له، فارتد عن الاسلام فحرمت عليه. فتاب ورجع إلى الاسلام فحلت له بالنكاح الاول، كما أقر رسول الله صلى الله عليه واله نكاح زينب مع أبي العاص بن الربيع حيث أسلم على النكاح الاول (3).


(1) رواه المفيد - رحمه الله - في الارشاد وفتال النيسابوري في الروضة بادنى تغيير. (2) البلس - بالضم -: جمع أبلس: المتحير. والخرس - بالضم -: جمع أخرس: الذى انعقد لسانه عن الكلام. (3) هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف ابن اخت خديجة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله امه هالة بنت خويلد، كان اسم أبى العاص لقيط أو هشيم أو مهشم وهو من رجال مكة. المعدودين مالا وتجارة وأمانة، زوجه رسول الله زينب أكبر بناته. فلما أكرم الله نبيه بنبوته آمنت خديجة وبناته فصدقن وشهدن الاسلام وثبت أبو العاص على شركه ويحرضه قريش أن يفارق صاحبته على أن يزوجه أية امرأة شاء فلم يرض. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 455 ]

" وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني " قال له (1) رجل: أوصني ؟ قال عليه السلام: وتقبل ؟ قال: نعم. قال: توسد الصبر واعتنق الفقر. وارفض الشهوات. وخالف الهوى. واعلم أنك لن تخلو من عين الله فانظر كيف تكون. وقال عليه السلام: أوحى الله إلى بعض الانبياء: أما زهدك في الدنيا فتعجلك الراحة،


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الاسلام قد فرق بينهما الا انه صلى الله عليه وآله كان لا يقدر أن يفرق بينهما فأقامت على اسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله والخبر في حسن مصاهرته في ايام الشعب مشهور. فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم ابو العاص فاصيب في الاسارى فكان في المدينة عند رسول الله، فلما بعث أهل مكة في فداء اسرائهم بعثت زينب في فداء أبى العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة ادخلتها بها على ابن العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله رق لها رقة شديدة وقال لاصحابه: إن رأيتم ان تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليه الذى لها فافعلوا ؟ قالوا: نعم يا رسول الله فاطلقوه وردوا عليها مالها وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخذ أو شرط عليه أن يخلى سبيل زينب إليه فوعده أبو العاص بذلك فلما ذهب أبو العاص إلى مكة خلى سبيله وبعثها مع أخيه كنانة بن الربيع حتى لحقت برسول الله صلى الله عليه وآله في الطريق بعد أن أصابت من المشركين في الطريق أذى كثيرة ونالت منهم ما نالت وجاءت زينب إلى المدينة وأقامت عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأقام أبو العاص بمكة حتى إذا كان قبيل الفتح في سنة 8 من الهجرة خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا بمال له وأموال لرجال من قريش يضعوها معه، فما فرغ من تجارته وأقبل غافلا لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وآله فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله جاء ابو العاص في طلب ماله تحت الليل حتى أتى المدينة ودخل على زينب بنت رسول الله فاستجار بها فأجارته فلما أصبح اتت زينب إلى المسجد فاستجارت له من المسلمين فأجاروه فدخل رسول الله على بنته فقال: أي بنية اكرمي مثواه ولا يخلص اليك فانك لا تحلين له وبعث إلى السرية الذين اصابوا مال ابى العاص فردوه عليه بأسره ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله فاسلم ورجع إلى المدينة ورد رسول الله زينب على النكاح الاول لم يحدث شيئا بعد سنين توفى ابو العاص سنة 12 وتزوج على عليه السلام ابنته امامة بنت زينب بعد وفات فاطمه عليها السلام بوصية منها. (1) في بعض النسخ [ قال للجواد عليه السلام رجل ]. (*)

[ 456 ]

وأما انقطاعك إلي فيعززك بي. ولكن هل عاديت لي عدوا وواليت لي وليا. وروي أنه حمل له حمل بز (1) له قيمة كثيرة، فسل في الطريق، فكتب إليه الذي حمله يعرفه الخبر، فوقع بخطه إن أنفسنا وأموالنا من مواهب الله الهنيئة و عواريه المستودعة يمتع بما متع منها في سرور وغبطة ويأخذ ما أخد منها في أجر وحسبة (2). فمن غلب جزعه على صبره حبط أجره ونعوذ بالله من ذلك. وقال عليه السلام: من شهد أمرا فكرهه كان كمن غاب عنه. ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده. وقال عليه السلام: من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس. وقال داود بن القاسم (3): سألته عن الصمد ؟ فقال عليه السلام: الذي لا سرة له (4). قلت: فإنهم يقولون: إنه الذي لا جوف له ؟ فقال عليه السلام: كل ذي جوف له سرة. فقال له أبو هشام الجعفري في يوم تزوج ام الفضل ابنة المأمون: يا مولاي لقد عظمت علينا بركة هذا اليوم فقال عليه السلام: يا أبا هاشم عظمت بركات الله علينا فيه ؟ قلت: نعم يا مولاي، فما أقول في اليوم ؟ فقال: قل فيه خيرا، فإنه يصيبك. قلت: يا مولاي أفعل هذا ولا اخالفه. قال عليه السلام: إذا ترشد ولا ترى إلا خيرا. وكتب إلى بعض أوليائه: أما هذه الدنيا فإنا فيها مغترفون ولكن من كان هواه هوى صاحبه ودان بدينه فهو معه حيث كان (5). والآخرة هي دار القرار. وقال عليه السلام: تأخير التوبة اغترار. وطول التسويف حيرة. والاعتلال على الله هلكة (6) والاصرار على الذنب أمن لمكر الله " ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (7) ".


(1) الحمل - بالكسر - ما يحمل. والبز - بالفتح والتشديد -: الثياب من القطن أو الكتان. وأمتعة التاجر من الثياب. وأيضا: السلاح. وسل الشئ: سرقه خفية، والسال: السارق. (2) الحسبة - بالكسر -: الاجر. (3) مر ترجمته آنفا. (4) السرة - بالضم والتشديد -: التجويف الصغير المعهود في وسط البطن. (5) فإذا كان ميلك وهواك إلى وتحبنى كنت انت معى حيث كنت انا. (6) أي من تجنى على الله باثم فقد فسد روحه وخبث طينته فكان فيه هلاكه. (7) سورة الاعراف آيه 97. (*)

[ 457 ]

وروي أن جمالا حمله من المدينة إلى الكوفة (1) فكلمه في صلته وقد كان أبو جعفر عليه السلام وصله بأربع مائة دينار، فقال عليه السلام: سبحان الله، أما علمت أنه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العباد. وقال عليه السلام: كانت مبايعة رسول الله صلى الله عليه واله النساء أن يغمس يده في إناء فيه ماء ثم يخرجها وتغمس النساء بأيديهن في ذلك الاناء بالاقرار والايمان بالله والتصديق برسوله على ما أخذ عليهن. وقال عليه السلام: إظهار الشئ قبل أن يستحكم مفسدة له. وقال عليه السلام: المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله وواعظ من نفسه وقبول ممن ينصحه.


(1) كانت لابي جعفر عليه السلام رحلتان إلى العراق الاولى سنة إحدى عشرة ومائتين ووجه المأمون إلى المدينة من حملة وأنزله بالقرب من داره وعزم عل تزويجه ابنته وحملها معه بعد إلى المدينة وكان المأمون متوفرا على إكرامه وتعظيمه وتبجيله وإجلال قدره. فلم يزل بها إلى أن أشخصه المعتصم في أول سنة خمس وعشرين ومائتين إلى بغداد وهى الثانية فأقام بها حتى قتل مسموما في آخر ذى العقدة من تلك السنة فدفن في جنب جده أبى الحسن موسى عليه السلام. (*)

[ 458 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] وروى عن الامام الراشد الصابر أبى الحسن على بن محمد عليهما السلام في طوال هذه المعاني * (رسالته عليه السلام) * * (في الرد على أهل الجبر والتفويض واثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين) * من علي بن محمد، سلام عليكم وعلى من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته، فإنه ورد علي كتابكم (1) وفهمت ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم وخوضكم في القدر و مقالة من يقول منكم بالجبر ومن يقول بالتفويض وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه اعلموا رحمكم الله أنا نظرنا في الآثار وكثرة ما جاءت به الاخبار فوجدناها عند جميع من ينتحل الاسلام ممن يعقل عن الله جل وعز لا تخلو من معنيين: إما حق فيتبع وإما باطل فيجتنب. وقد اجتمعت الامة قاطبة لا اختلاف بينهم أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون، مهتدون وذلك بقول رسول الله صلى الله عليه واله: " لا تجتمع امتي على ضلالة " فأخبر أن جميع ما اجتمعت عليه الامة كلها حق، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضا. والقرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه: فإذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقة وأنكر الخبر طائفة من الامة لزمهم الاقرار به ضرورة حين اجتمعت في الاصل على تصديق الكتاب، فإن [ هي ] جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملة. فأول خبر يعرف تحقيقة من الكتاب وتصديقه والتماس شهادته عليه خبر ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله ووجد بموافقة الكتاب وتصديقه بحيث لا تخالفة أقاويلهم، حيث قال: " إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي - أهل بيتي - لن تضلوا ما تمسكتم


(1) رواها الطبرسي في الاحتجاج مجملا تحت عنوان رسالته عليه السلام إلى اهل الاهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض. (*)

[ 459 ]

بهما وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". فلما وجدنا شواهد هذا الحديث في كتاب الله نصا مثل قوله جل وعز: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنو فإن حزب الله هم الغالبون (1) ". وروت العامة في ذلك أخبارا لامير المؤمنين عليه السلام أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له وأنزل الآية فيه. فوجدنا رسول الله صلى الله عليه واله قد أتى بقوله: " من كنت مولاه فعلي مولاه " وبقوله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " ووجدناه يقول: " علي يقضي ديني وينجز موعدي وهو خليفتي عليكم من بعدي ". فالخبر الاول الذي استنبطت منه هذه الاخبار خبر صحيح مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم، وهو أيضا موافق للكتاب، فلما شهد الكتاب بتصديق الخبر و هذه الشواهد الاخر لزم على الامة الاقرار بها ضرورة إذ كانت هذه الاخبار شواهدها من القرآن ناطقة ووافقت القرآن والقرآن وافقها. ثم وردت حقائق الاخبار من رسول الله صلى الله عليه واله عن الصادقين عليهم السلام ونقلها قوم ثقات معروفون فصار الاقتداء بهذه الاخبار فرضا واجبا على كل مؤمن ومؤمنة لا يتعداه إلا أهل العناد. وذلك أن أقاويل آل رسول الله صلى الله عليه واله متصلة بقول الله وذلك مثل قوله في محكم كتابه: " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (2) " ووجدنا نظير هذه الآية قول رسول الله صلى الله عليه واله: " من آذى عليا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن ينتقم منه " وكذلك قوله صلى الله عليه واله: " من أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ". ومثل قوله صلى الله عليه واله في بني وليعة: " لابعثن إليهم رجلا كنفسي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قم يا علي فسر إليهم " (3). وقوله صلى الله عليه واله يوم خيبر: " لابعثن إليهم غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرارا لا يرجع


(1) سورة المائدة آية 60، 61. (2) سورة الاحزاب آية 57. (3) بنو وليعة - كسفينة -: حى من كندة. وقد مضى هذه القضية أيضا في احتجاجات الامام الرضا عليه السلام في الاصطفاء مع العلماء في مجلس المأمون. (*)

[ 460 ]

حتى يفتح الله عليه ". فقضى رسول الله صلى الله عليه واله بالفتح قبل التوجيه فاستشرف لكلامه أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فلما كان من الغد دعا عليا عليه السلام فبعثه إليهم فاصطفاه بهذه المنقبة (1) وسماه كرارا غير فرار، فسماه الله محبا لله ولرسوله، فأخبر أن الله و رسوله يحبانه. وإنما قدمنا هذا الشرح والبيان دليلا على ما أردنا وقوة لما نحن مبينوه من أمر الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين وبالله العون والقوة وعليه نتوكل في جميع امورنا. فإنا نبدأ من ذلك بقول الصادق عليه السلام: " لا جبر ولا تفويض ولكن منزلة بين المنزلتين وهي صحة الخلقة وتخلية السرب (2) والمهلة في الوقت والزاد مثل الراحلة والسبب المهيج للفاعل على فعله "، فهذه خمسة أشياء جمع به الصادق عليه السلام جوامع الفضل، فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطروحا بحسبه، فأخبر الصادق عليه السلام بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته ونطق الكتاب بتصديقه فشهد بذلك محكمات آيات رسوله، لان الرسول صلى الله عليه واله وآله عليهم السلام لا يعدون شيئا من قوله وأقاويلهم حدود القرآن، فإذا وردت حقائق الاخبار والتمست شواهدها من التنزيل فوجد لها موافقا وعليها دليلا كان الاقداء بها فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد كما ذكرنا في أول الكتاب. ولما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق عليه السلام من المنزلة بين المنزلتين وإنكاره الجبر والتفويض وجدنا الكتاب قد شهد له وصدق مقالته في هذا، وخبر عنه أيضا موافق لهذا، أن الصادق عليه السلام سئل هل أجبر الله العباد على المعاصي ؟ فقال الصادق عليه السلام: هو أعدل من ذلك. فقيل له: فهل فوض إليهم ؟ فقال عليه السلام: هو أعز وأقهر لهم من ذلك. وروي عنه أنه قال: الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الامر مفوض إليه فقدوهن الله في سلطانه فهو هالك. ورجل يزعم أن الله جل وعز أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطويقون فقد ظلم الله في حكمه فهو هالك. ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا


(1) في بعض النسخ [ بهذه الصفة ]. (2) السرب - بالفتح -: الطريق والصدر. - وبالكسر - أيضا: الطريق والقلب. - و بالتحريك -: الماء السائل. وسيأتى بيان هذه الخمسة عن الامام عليه السلام بعد شرح الجبر والتفويض وانهما خلاف العدل والعقل. (*)

[ 461 ]

يطيقون، فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ، فأخبر عليه السلام أن من تقلد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحق. فقد شرحت الجبر الذي من دان به يلزمه الخطأ، وأن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما. ثم قال عليه السلام: وأضرب لكل باب من هذه الابواب مثلا يقرب المعنى للطالب ويسهل له البحث عن شرحه، تشهد به محكمات آيات الكتاب وتحقق تصديقه عند ذوي الالباب وبالله التوفيق والعصمة. فأما الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ فهو قول من زعم أن الله جل وعز أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها. ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذبه ورد عليه قوله: " ولا يظلم ربك أحدا (1) ". وقوله: " ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (2) ". وقوله: " إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (3) ". مع آي كثيرة في ذكر هذا. فمن زعم أنه مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله و قد ظلمه في عقوبته. ومن ظلم الله فقد كذب كتابه. ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الامة. ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه ولا يملك عرضا من عرض الدنيا ويعلم مولاه ذلك منه فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به من حاجته وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور وأوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أنه سيمنعه، وعلم أن المملوك لا يملك ثمنها ولم يملكه ذلك، فلما صار العبد إلى السوق وجاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى لها وجد عليها مانعا يمنع منها إلا بشراء وليس يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه


(1) سورة الكهف آية 47. (2) سورة الحج آية 10. (3) سورة يونس آيه 45 (*)

[ 462 ]

خائبا بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه من ذلك وعاقبه عليه. أليس يجب في عدله و حكمه أن لا يعاقبه وهو يعلم أن عبده لا يملك عرضا من عروض الدنيا ولم يملكه ثمن حاجته ؟ فإن عاقبه عاقبه ظالما متعديا عليه مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته وإن لم يعاقبه كذب نفسه في وعيده إياه حين أوعده بالكذب والظلم اللذين ينفيان العدل والحكمة. تعالى عما يقولون علوا كبيرا، فمن دان بالجبر أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظلم الله ونسبه إلى الجور والعدوان، إذ أوجب على من أجبر [ ه ] العقوبة. ومن زعم أن الله أجبر العباد فقد أوجب على قياس قوله إن الله يدفع عنهم العقوبة. ومن زعم أن الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذب الله في وعيده حيث يقول: " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (1) ". وقوله: " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (2) ". وقوله: " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (3) "، مع آى كثيرة في هذا الفن ممن كذب وعيد الله ويلزمه في تكذيبه آية من كتاب الله الكفر وهو ممن قال الله: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون (4) " بل نقول: إن الله جل وعز جازى العباد على أعمالهم ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملكهم إياها، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثله وهم لا يظلمون (5) " وقال جل ذكره: " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا


(1) سورة البقرة آية 76. (2) سورة النساء آية 11. (3) سورة النساء آية 59. (4) سورة البقرة آية 79. (5) سورة الانفال آية 161. (*)

[ 463 ]

ويحذركم الله نفسه (1) ". وقال: " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم (2) ". فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان به. ومثلها في القرآن كثير، اختصرنا ذلك لئلا يطول الكتاب وبالله التوفيق. وأما التفويض الذي أبطله الصادق عليه السلام وأخطأ (3) من دان به وتقلده فهو قوله القائل: إن الله جل ذكره فوض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم. وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودقته. وإلى هذا ذهبت الائمة المهتدية من عترة الرسول صلى الله عليه واله، فانهم قالوا: لو فوض إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا منه الثواب (4) ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الاهمال واقعا. وتنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن، أو يكون عزوجل عجز عن تعبدهم بالامر والنهي على إرادته كرهوا أو أحبوا ففوض أمره ونهيه إليهم وأجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بإرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والايمان ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته ويقف عند أمره ونهيه، وادعى مالك العبد أنه قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده ونهاه ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه ولم يقف عند أمره ونهيه، فأي أمر أمره أو أي نهي نهاه عنه لم يأته على إرادة المولى بل كان العبد يتبع ارادة نفسه واتباع هواه ولا يطيق المولى أن يرده إلى اتباع أمره ونهيه والوقوف على إرادته، ففوض اختيار أمره ونهيه إليه ورضي منه بكل ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة المالك وبعثه في بعض حوائجه وسمى له الحاجة فخالف على مولاه وقصد لارادة نفسه واتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به فإذا هو خلاف ما أمره به، فقال له: لم أتيتني بخلاف ما أمرتك ؟ فقال العبد: أتكلت على تفويضك الامر إلي فاتبعت هواي وإرادتي، لان المفوض إليه غير محظور عليه فاستحال التفويض


(1) سورة آل عمران آية 28. (2) سورة المؤمن آية 17. (3) في بعض النسخ [ وخطأ ]. (4) في بعض النسخ [ به الثواب ]. (*)

[ 464 ]

أو ليس يجب على هذا السبب إما أن يكون المالك للعبد قادرا يأمر عبده باتباع أمره ونهيه على إرادته لا على إرادة العبد ويملكه من الطاقة بقدر ما يأمره به وينهاه عنه، فإذا أمره بأمر ونهاه عن نهي عرفه الثواب والعقاب عليهما. وحذره ورغبه بصفة ثوابه وعقابه ليعرف العبد قدرة مولاة بما ملكه من الطاقة (1) لامره ونهيه وترغيبه وترهيبه، فيكون عدله وإنصافه شاملا له وحجته واضحة عليه للاعذار والانذار. فإذا اتبع العبد أمر مولاه جازاه وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه أو يكون عاجزا غير قادر ففوض أمر إليه أحسن أم أساء أطاع أم عصى، عاجز عن عقوبته ورده إلى اتباع أمره. وفي إثبات العجز نفي القدرة والتأله وإبطال الامر والنهي والثواب والعقاب ومخالفة الكتاب إذ يقول: " ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم (2) " وقوله عزوجل: " اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (3) " وقوله: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (4) " وقوله: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا (5) " وقوله: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (6) ". فمن زعم أن الله تعالى فوض أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير وشر وأبطل أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، لعلة ما زعم أن الله فوضها إليه لان المفوض إليه يعمل بمشيئته، فإن شاء الكفر أو الايمان كان غير مردود عليه ولا محظور، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه وهو من أهل هذه الآية " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيامة يردون


(1) في بعض النسخ [ من الطاعة ]. (2) سوره الزمر آية 6. (3) سورة آل عمران آية 97. (4) سورة الذاريات آيه 56، 57. (5) سورة النساء آية 40. (6) مضمون مأخوذ من الاية الواردة في سورة الانفال آية 20 لا لفظها. (*)

[ 465 ]

إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (1) ": تعالى الله عما يدين به أهل التفويض علوا كبيرا. لكن نقول: إن الله عزوجل خلق الخلق بقدرته، وملكهم استطاعة تعبدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد (2) فقبل منهم اتباع أمره ورضي بذلك لهم. ونهاهم عن معصيته وذم من عصاه وعاقبه عليها ولله الخيرة في الامر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به وينهى عما يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التى ملكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه، لانه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة، بالغ الحجة بالاعذار والانذار وإليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده، اصطفى محمدا صلى الله عليه وآله وبعثه برسالاته إلى خلقه، فقال من قال من كفار قومه حسدا واستكبارا: " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (3) " يعني بذلك امية بن أبي الصلت وأبا مسعود الثقفي (4)، فأبطل الله اختيارهم ولم يجز لهم آراءهم حيث يقول:


(1) سورة البقرة آية 79. (2) في الاحتجاج [ وملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الامر والنهى ]. (3) سورة الزخرف آية 30. وقال الطبرسي في تفسيره: " يعنون بالقريتين مكة والطائف وتقدير الاية على رجل عظيم من القريتين أي من إحدى القريتين فحذف المضاف ". (4) وكذا في الاحتجاج ولكن الظاهر أن المراد بالرجل العظيم هو الذى كان من إحدى القريتين كالوليد بن المغيرة من مكة وأبى مسعود الثقفى من الطائف كما في التفسير فليس أمية بن أبى الصلت وأبو مسعود الثقفى من القريتين لانهما كانا من أهل الطائف فيكون كلاهما مثالا للرجل العظيم الذى كان من إحدى القريتين أي الطائف لا من القريتين يعنى مكة والطائف. فعلى أي نحو كان فالرجلان كانا عظيمى القدر عند قومهما وذوى الاموال الجسيمة فيهما فزعموا أن من كان كذلك اولى بالنبوة من غيره. وكان الوليد بن المغيرة عم أبى جهل كان شيخا كبيرا مجربا من دهاة العرب يتحاكمون إليه في الامور وينشدونه الاشعار فما اختاره من الشعر كان مختارا وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها وملك القنطار أي جلد ثور مملو ذهبا. كان الوليد أحد المستهزئين الخمس الذين كفى الله شرهم وهو الذى جاء قريش عنده فقالوا له: يا عبد شمس ما هذا الذى يقول محمدا سحر أم كهانة ام خطب ؟ فقال: دعوني أسمع كلامه فدنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وهو جالس في الحجر، فقال: يا محمد انشدني شعرك ؟ فقال: ما هو بشعر ولكنه كلام الله الذى به بعث أنبياءه ورسله، فقال: اتل، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. فلما سمع الرحمن استهزأ منه وقال: " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 466 ]

" أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " تدعو إلى رجل باليمامة يسمى الرحمن، قال: لا ولكني ادعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم، ثم افتتح حم السجدة فلما بلغ إلى قوله: " فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " وسمعه اقشعر جلده وقامت كل شعرة في بدنه وقام ومشى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش، فقيل: صبا عبد شمس إلى دين محمد فاغتمت قريش وغدا عليه أبو جهل فقال: فضحتنا يا عم، قال: يا ابن أخ ما ذاك وانى على دين قومي ولكن سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود، قال: أفشعر هو ؟ قال: ما هو بشعر. قال ؟ فخطب ؟ قال: لا، ان الخطب كلام متصل وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضا له طلاوة، قال: فكهانة هو ؟ قال: لا، قال: فما هو ؟ قال: دعني أفكر فيه، فلما كان من الغد، قالوا: يا عبد شمس ما تقول ؟ قال: قولوا: هو سحر فانه أخذ بقلوب الناس فانزل الله تعالى: " ذرنى ومن خلقت وحيدا - إلى قوله -: عليها تسعة عشر ". وجاء يوما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اقرأ على، فقال: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون "، فقال: أعد ؟ فأعاد، فقال: والله له الحلاوة والطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمعذق وما هذا بقول بشر. وأما امية بن أبى الصلت الثقفى كان من اهل الطائف وكان من أكبر شعراء الجاهلية وأغلب شعره متعلق بالاخرة وكان ينظر في الكتب المتقدمة ويقرؤها وحرم الخمر وشك في الاوثان ورغب عن عبادتها والتمس الدين وأخبر أن نبيا يخرج. قد أظل زمانه وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي فلما بعث النبي وبلغ خبره كفر به حسدا وقال: كنت أرجو أن اكونه. كان أبوه عبيد الله بن ربيعة المكنى بابى الصلت وأمه رقية بنت عبد الشمس. مات في الطائف ومما قال في مرض موته: كل عيش وإن تطاول دهرا * منتهى أمره إلى أن يزولا ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى * في رؤوس الجبال أرعى الوعولا وروى أنه استنشد رسول الله صلى الله عليه وآله اخته شعره من بعد موته فأنشدته: لك الحمد والنعماء والفضل ربنا * ولا شئ اعلى منك جدا وأمجدا وهى قصيدة طويلة حتى أتت على آخرها، ثم انشدته قصيدته التى فيها: وقف الناس للحساب جميعا * فشقي معذب وسعيد إلى غير ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: آمن شعره وكفر قلبه. وأنزل الله فيه " واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا - إلى قوله -: وانفسهم كانوا يظلمون ". وأبو مسعود هو عروة بن مسعود الثقفى كان من أهل الطائف وأحد السادة الاربعة في الاسلام: " بشر بن هلال العبدى، عدى بن حاتم الطائى، سراقة بن مالك المدلجى، عروة بن مسعود الثقفى ". " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " (*)

[ 467 ]

فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون (1) ". ولذلك اختار من الامور ما أحب ونهى عما كره، فمن أطاعه أثابه. ومن عصاه عاقبه ولو فوض اختيار أمره إلى عباده لاجاز لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمد صلى الله عليه وآله. فلما أدب الله المؤمنين بقوله: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم (2) "، فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم ولم يقبل منهم إلا اتباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه، فمن أطاعه رشد ومن عصاه ضل وغوى ولزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره واجتناب نهيه، فمن أجل ذلك حرمه ثوابه وأنزل به عقابه. وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض وبذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه عباية بن ربعي الاسدي (3) حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل،


" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " كان أبو مسعود عاقلا لبيبا وهو الذى أرسلته قريش يوم الحديبية فعقد معه الصلح وهو كافر ثم أسلم سنة تسع من الهجرة بعد رجوع النبي صلى الله عليه وآله من الطائف. واستأذن النبي صلى الله عليه وآله في الرجوع إلى قومه، فقال: انى أخاف أن يقتلوك، فقال: ان وجدوني نائما ما أيقظوني، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله، فرجع إلى الطائف ودعا قومه إلى الاسلام ونصح لهم فعصوه واسمعوه الاذى حتى إذا طلع الفجر قام في غرفة من داره فأذن وتشهد فرماه رجل بسهم فقتله ولما بلغ النبي صلى الله عليه وآله قتله قال: مثل عروة مثل صاحب يس دعا قومه إلى الله فقتلوه وهو جد أعلى لعلى بن الحسين عليهما السلام المقتول بكربلا من قبل امه، كان امه ليلى بنت أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفى. وهو الذى روى عنه تعظيم الصحابة للنبى حين رجع من عند النبي إلى أصحابه يوم الحديبية، فقال: يا قوم لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشى والله ان رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا صلى الله عليه وآله، إذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كانوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له.

(1) سورة الزخرف آية 31. (2) سورة الاحزاب آية 36. (3) قد مضى ترجمة عباية بن ربعى وحديثه ص 213. (*)

[ 468 ]

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سألت عن الاستطاعة تملكها من دون الله أو مع الله ؟ فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قل يا عباية، قال وما أقول ؟ قال عليه السلام: إن قلت: إنك تملكها مع الله قتلتك وإن قلت: تملكها دون الله قتلتك قال عباية: فما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال عليه السلام: تقول إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن يملكها إياك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملكك والقادر على ما عليه أقدرك، أم سمعت الناس يسألون الحول والقوة حين يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال عباية: وما تأويلها يا أمير المؤمنين ؟ قال عليه السلام: لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة الله ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، قال: فوثب عباية فقبل يديه ورجليه. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام حين أتاه نجدة يسأله عن معرفة الله، قال: يا أمير المؤمنين بماذا عرفت ربك ؟ قال عليه السلام: بالتمييز الذي خلوني والعقل الذي دلني، قال: أفمجبول أنت عليه ؟ قال: لو كنت مجبولا ما كنت محمودا على إحسان ولا مذموما على إساءة وكان المحسن أولى باللائمة من المسيئ فعلمت أن الله قائم باق وما دونه حدث حائل زائل، وليس القديم الباقي كالحدث الزائل، قال نجدة: أجدك أصبحت حكيما يا أمير المؤمنين، قال أصبحت مخيرا، فإن أتيت السيئة [ ب‍ ] مكان الحسنة فأنا المعاقب عليها. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لرجل سأله بعد انصرافه من الشام، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام بقضاء وقدر ؟ قال عليه السلام: نعم يا شيخ، ما علوتم تلعة (1) ولا هبطتم واديا إلا بقضاء وقدر من الله، فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام: مه يا شيخ، فإن الله قد عظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شئ من اموركم مكرهين ولا إليه مضطرين، لعلك ظننت أنه قضاء حتم وقدر لازم، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب ولسقط الوعد والوعيد ولما ألزمت الاشياء أهلها (2) على الحقائق، ذلك مقالة عبدة الاوثان وأولياء الشيطان، إن الله جل وعز أمر تخييرا ونهى تحذيرا ولم يطع مكرها ولم يعص مغلوبا ولم يخلق


(1) التلعة: ما علا من الارض. (2) في بعض النسخ [ الاسماء أهلها ]. (*)

[ 469 ]

السموات والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار فقام الشيخ فقبل رأس أمير المؤمنين عليه السلام وأنشأ يقول: أنت الامام الذي نرجو بطاعته * يوم النجاة من الرحمن غفرانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه رضوانا (1) فليس معذرة في فعل فاحشة * قد كنت راكبها ظلما وعصيانا (2) فقد دل أمير المؤمنين عليه السلام على موافقة الكتاب ونفي الجبر والتفويض اللذين يلزمان من دان بهما وتقلدهما الباطل والكفر وتكذيب الكتاب ونعوذ بالله من الضلالة والكفر، ولسنا ندين بجبر ولا تفويض لكنا نقول بمنزلة بين المنزلتين وهو الامتحان والاختبار بالاستطاعة التي ملكنا الله وتعبدنا بها على ما شهد به الكتاب ودان به الائمة الابرار من آل الرسول صلوات الله عليهم. ومثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبدا وملك مالا كثيرا أحب أن يختبر عبده على علم منه بما يؤل إليه، فملكه من ماله بعض ما أحب ووقفه (3) على امور عرفها العبد فأمره أن يصرف ذلك المال فيها ونهاه عن أسباب لم يحبها وتقدم إليه أن يجتنبها ولا ينفق من ماله فيها، والمال يتصرف في أي الوجهين، فصرف المال (4) أحدهما في اتباع أمر المولى ورضاه، والآخر صرفه في اتباع نهيه وسخطه. وأسكنه دار اختبار أعلمه أنه غير دائم له السكنى في الدار وأن له دارا غيرها وهو مخرجه إليها، فيها ثواب وعقاب دائمان، فإن أنفذ العبد المال الذي ملكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنه مخرجه إليها، وإن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود. وقد حد المولى في ذلك حدا معروفا وهو المسكن الذي أسكنه في الدار الاولى، فإذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال وبالعبد على أنه لم يزل مالكا للمال والعبد في الاوقات كلها إلا أنه وعد أن لا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الاولى إلى أن يستتم سكناه فيها


(1) رواه الكليني في الكافي ج 1 ص 156 وفيه [ جزاك ربك بالاحسان احسان ]. (2) في بعض النسخ [ عندي لراكبها ظلما وعصيانا ]. (3) في بعض النسخ [ ووافقه ]. (4) في بعض النسخ [ فصرف الان ]. (*)

[ 470 ]

فوفى له لان من صفات المولى العدل والوفاء والنصفة والحكمة، أو ليس يجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب وتفضل عليه بأن استعمله في دار فانية وأثابه على طاعته فيها نعيما دائما في دار باقية دائمة. وإن صرف العبد المال الذي ملكه مولاه أيام سكناه تلك الدار الاولى في الوجه المنهي عنه وخالف أمر مولاه كذلك تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذره إياها، غير ظالم له لما تقدم إليه وأعلمه وعرفه وأوجب له الوفاء بوعده ووعيده، بذلك يوصف القادر القاهر. وأما المولى فهو الله جل وعز، وأما العبد فهو ابن آدم المخلوق، والمال قدرة الله الواسعة، ومحنته (1) إظهار [ ه ] الحكمة والقدرة، والدار الفانية هي الدنيا، وبعض المال الذي ملكه مولاه هو الاستطاعة التي ملك ابن آدم، والامور التي أمر الله بصرف المال إليها هو الاستطاعة لاتباع الانبياء والاقرار بما أوردوه عن الله جل وعز، واجتناب الاسباب التي نهى عنها هي طرق إبليس. وأما وعده فالنعيم الدائم وهي الجنة، وأما الدار الفانية فهي الدنيا. وأما الدار الاخرى فهي الدار الباقية وهي الآخرة. والقول بين الجبر والتفويض هو الاختبار والامتحان والبلوى بالاستطاعة التي ملك العبد. وشرحها في الخمسة الامثال التي ذكرها الصادق عليه السلام (2) أنها جمعت جوامع الفضل وأنا مفسرها بشواهد من القرآن والبيان إن شاء الله. " تفسير صحة الخلقة ": أما قول الصادق عليه السلام فإن معناه كمال الخلق للانسان وكمال الحواس وثبات العقل والتمييز وإطلاق اللسان بالنطق، وذلك قول الله: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (3) ". فقد أخبر عزوجل عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم والسباع ودواب البحر والطير وكل ذي حركة تدركه حواس بني آدم بتمييز العقل والنطق، وذلك قوله: " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم (4) ". وقوله: " يا أيها الانسان ما غرك بربك


(1) أي اختباره وامتحانه. (2) أي صحة الخلقة. وتخلية السرب. والمهلة في الوقت. والزاد. والسبب المهيج. (3) سورة الاسراء آية 72. (4) سورة التين آية 4. (*)

[ 471 ]

الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك (1) ". وفي آيات كثيرة فأول نعمة الله على الانسان صحة عقله وتفضيله على كثير من خلقه بكمال العقل وتمييز البيان، وذلك أن كل ذي حركة على بسيط الارض هو قائم بنفسه بحواسه، مستكمل في ذاته، ففضل بني آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواس، فمن أجل النطق ملك الله ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمرا ناهيا وغيره مسخر له كما قال الله: " كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم (2) ". وقال: " وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها (3) ". وقال: " والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس (4) ". فمن أجل ذلك دعا الله الانسان إلى اتباع أمره وإلى طاعته بتفضيله إياه باستواء الخلق وكمال النطق والمعرفة بعد أن ملكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله: " فاتقوا الله ما استطتعم واسمعوا وأطيعوا (5) ". وقوله: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (6) ". وقوله: " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتيها (7) "، وفي آيات كثيرة. فإذا سلب من العبد حاسة من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله: " ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج (8) - الآية - " فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد وجميع الاعمال التي لا يقوم بها، وكذلك أوجب على ذي اليسار الحج والزكاة لما ملكه من استطاعة ذلك ولم يوجب على الفقير الزكاة والحج، قوله: " ولله على الناس حج البيت ما استطاع إليه سبيلا (9) ". وقوله


(1) سورة الانفطار آيات 6 و 7 و 8. (2) سورة الحج آية 38. (3) سورة النحل آية 14. وقوله: " لتأكلوا. اه‍. " أي لتصطادوا منه السمك وتأكلوا لحمه. وقوله: " حلية تلبسونها " أي اللؤلؤ والمرجان أنتم ونساؤكم تزينون بها. (4) سورة النحل آية 8. والدفء: السخانة وهى ما يستدفئ به من اللباس المعمول من الصوف والوبر فيقى البرد. وقوله: " ولكم فيها جمال " أي لكم فيها مع ما تقدم ذكره تجمل وتزين عند الناظرين إليها حين تريحون وحين تسرحون أي في هذين الوقتين وقت ردها من مراعيها ووقت تسريحها إليها فالرواح: رجوعها بالعشى من المراعى، والسراح: مسيرها إلى مراعيها بالغداة. (5) سورة التغابن آيه 16. (6) سورة البقرة آية 286. (7) سورة الطلاق آية 7. (8) سورة النور آية 60. وسورة الفتح آية 17. (9) سورة آل عمران آية 91. (*)

[ 472 ]

في الظهار: " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة - إلى قوله -: فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (1) ". كل ذلك دليل على أن الله تبارك وتعالى لم يكلف عباده إلا ما ملكهم استطاعته بقوة العمل به ونهاهم عن مثل ذلك. فهذه صحة الخلقة. وأما قوله: تخلية السرب (2). فهو الذي ليس عليه رقيب يحظر عليه ويمنعه العمل بما أمره الله به وذلك قوله فيمن استضعف وحظر عليه العمل فلم يجد حيلة ولا يهتدي سبيلا، كما قال الله تعالى: " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (3) " فأخبر أن المستضعف لم يخل سربه وليس عليه من القول شئ إذا كان مطمئن القلب بالايمان. وأما المهلة في الوقت فهو العمر الذي يمتع الانسان من حد ما تجب عليه المعرفة إلى أجل الوقت، وذلك من وقت تمييزه وبلوغ الحلم إلى أن يأتيه أجله. فمن مات على طلب الحق ولم يدرك كماله فهو على خير، وذلك قوله: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله - الآية - (4) " وإن كان لم يعمل بكمال شرايعه لعلة ما لم يمهله في الوقت إلى استتمام أمره. وقد حظر على البالغ ما لم يحظر على الطفل إذا لم يبلغ الحلم في قوله: " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن - الآية - (5) " فلم يجعل عليهن حرجا في إبداء الزينة للطفل وكذلك لا تجري عليه الاحكام. واما قوله: الزاد فمعناه الجدة (6) والبلغة التي يستعين بها العبد على ما أمره الله به، وذلك قوله: " ما على المحسنين من سبيل - الآية - (7) " ألا ترى أنه قبل عذر


(1) سورة المجادلة آية 4، 5. (2) السرب - بالفتح والسكون -: الطريق، يقال: " فلان مخلى السرب " أي غير مضيق عليه. (3) سورة النساء آية 100. (4) سورة النساء آية 100. (5) سورة النور آية 31. (6) الجدة - بالكسر -: الغنى والقدرة. (7) سورة التوبة آية 91. (*)

[ 473 ]

من لم يجد ما ينفق وألزم الحجة كل من أمكنته البلغة والراحلة للحج والجهاد وأشباه ذلك، وكذلك قبل عذر الفقراء وأوجب لهم حقا في مال الاغنياء بقوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله - الآية - (1) ". فأمر بإعفائهم ولم يكلفهم الاعداد لما لا يستطيعون ولا يملكون. وأما قوله في السبب المهيج، فهو النية التي هي داعية الانسان إلى جميع الافعال وحاستها القلب (2) فمن فعل فعلا وكان بدين لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل الله منه عملا إلا بصدق النية ولذلك أخبر عن المنافقين بقوله: " يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم يما يكتمون (3) ". ثم أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله توبيخا للمؤمنين " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون - الآية (4) - " فإذا قال الرجل قولا واعتقد في قوله دعته النية إلى تصديق القول بإظهار الفعل، وإذا لم يعتقد القول لم تتبين حقيقته، وقد أجاز الله صدق النية وإن كان الفعل غير موافق لها لعلة مانع يمنع إظهار الفعل في قوله: " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان (5) " وقوله: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم (6) ". فدل القرآن واخبار الرسول صلى الله عليه وآله أن القلب مالك لجميع الحواس يصحح أفعالها، ولا يبطل ما يصحح القلب شئ. فهذا شرح جميع الخمسة الامثال التي ذكرها الصادق عليه السلام أنها تجمع المنزلة بين المنزلتين وهما الجبر والتفويض. فإذا اجتمع في الانسان كمال هذه الخمسة الامثال وجب عليه العمل كملا لما أمر الله عزوجل به ورسوله، وإذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنها (7) مطروحا بحسب ذلك.


(1) سورة البقرة آية 273. (2) في بعض النسخ [ وحاسنه العقل ]. وحاسنه أي غالبه في الحسن. أو لاطفه وعامله بالحسنى. (3) سورة آل عمران آية 166. (4) سورة الصف آية 2. (5) سورة النحل آية 106. (6) سورة البقرة آية 225. (7) كذا. والظاهر [ عنه ]. (*)

[ 474 ]

فأما شواهد القرآن على الاختبار والبلوى بالاستطاعة التي تجمع القول بين القولين فكثيرة. ومن ذلك قوله: " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم (1) ". وقال: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (2) ". وقال: " آلم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (3) ". وقال في الفتن التي معناها الاختبار: " ولقد فتنا سليمان - الآية - (4) " وقال في قصة موسى عليه السلام: " فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (5) " وقول موسى: " إن هي إلا فتنتك (6) ". أي اختبارك. فهذه الآيات يقاس بعضها ببعض ويشهد بعضها لبعض. وأما آيات البلوى بمعنى الاختبار قوله: " ليبلوكم فيما آتاكم (7) "، وقوله: " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم (8) "، وقوله: " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة (9)، وقوله: " خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم أحسن عملا (10) "، وقوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات (11) "، وقوله: " ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض (12) ". وكل ما في القرآن من بلوى هذه الآيات التي شرح أولها فهي اختبار وأمثالها في القرآن كثيرة. فهي إثبات الاختبار والبلوى: إن الله جل وعزلم يخلق الخلق عبثا ولا أهملهم سدى ولا أظهر حكمته لعبا وبذلك أخبر في قوله: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا (13) ". فإن قال قائل: فلم يعلم الله ما يكون من العباد حتى


(1) سورة محمد آية 33 أي لنعاملكم معاملة المختبر، وذلك بأن نأمركم بالجهاد حتى نعلم من امتثل الامر بالجهاد والصبر على دينه ومشاق ما كلف به. وقوله: " ونبلو أخباركم " أي نظهرها ونكشفها امتحانا لكم ليظهر للناس من أطاع ما أمره الله به ومن عصى ومن لم يمتثل. (2) سورة الاعراف آية 181. والقلم آية 44. (3) سورة العنكبوت آية 1. (4) سورة ص آية 33. (5) سورة طه آية 87. (6) سورة الاعراف آية 154. (7) سورة المائدة آية 48. والانعام من 165. (8) سورة آل عمران آية 152. (9) سورة القلم آية 17. (10) سورة الملك آية 2. (11) سورة البقرة آية 123. (12) سورة محمد آية 5. وقوله: " لانتصر " أي لانتقم منهم باستيصال ولكن يريد أن يبلوكم أي ليمتحن بعضكم ببعض فيظهر المطيع من العاصى. (13) سورة المؤمنون آية 110. (*)

[ 475 ]

اختبرهم ؟ قلنا: بلى، قد علم ما يكون منهم قبل كونه وذلك قوله. " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه (1) " وإنما اختبرهم ليعلمهم عدله ولا يعذبهم إلا بحجة بعد الفعل، وقد أخبر بقوله: " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا (2) " وقوله: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (3) ". وقوله: " رسلا مبشرين ومنذرين (4) ". فالاختبار من الله بالاستطاعة التي ملكها عبده وهو القول بين الجبر والتفويض. وبهذا نطق القرآن وجرت الاخبار عن الائمة من آل الرسول صلى الله عليه وآله. فإن قالوا: ما الحجة في قول الله: " يهدي من يشاء ويضل من يشاء " وما أشبهها ؟ قيل: مجاز هذه الآيات كلها على معنيين: أما أحدهما فإخبار عن قدرته أي إنه قادر على هداية من يشاء وضلال من يشاء وإذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب ولا عليهم عقاب على نحو ما شرحنا في الكتاب، والمعنى الآخر أن الهداية منه تعريفه كقوله: " وأما ثمود فهديناهم " أي عرفناهم " فاستحبوا العمى على الهدى (5) " فلو أجبرهم على الهدى لم يقدروا أن يضلوا، وليس كلما وردت آية مشتبهة كانت الآية حجة على محكم الآيات اللواتي امرنا بالاخذ بها، من ذلك قوله: " منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم - الآية (6) - " وقال: " فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " أي أحكمه وأشرحه " اولئك الذين هداهم الله واولئك هم أولوا الالباب (7) ". وفقنا الله وإياكم إلى القول والعمل لما يحب ويرضى وجنبنا وإياكم معاصيه بمنه وفضله والحمد لله كثيرا كما هو أهله وصلى الله على محمد وآله الطيبين وحسبنا الله ونعم الوكيل.


(1) سورة الانعام آية 28. (2) سورة طه آية 134. (3) سورة الاسراء آية 16. (4) سورة النساء آية 163. (5) سورة فصلت آية 17. (6) سورة آل عمران آية 7. (7) سورة الزمر آية 19. (*)

[ 476 ]

* (أجوبته عليه السلام ليحيى بن أكثم عن مسائله (1)) * قال موسى بن محمد بن الرضا (2): لقيت يحيى بن أكثم في دار العامة، فسألني عن مسائل، فجئت إلى أخي علي بن محمد عليهما السلام فدار بيني وبينه من المواعظ ما حملني وبصرني طاعته، فقلت له: جعلت فداك إن ابن أكثم كتب يسألني عن مسائل لافتيه فيها، فضحك عليه السلام ثم قال: فهل أفتيته ؟ قلت: لا، لم أعرفها (3)، قال عليه السلام: وما هي ؟ قلت: كتب يسألني عن قول الله: " قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك (4) " نبي الله كان محتاجا إلى علم آصف (5) ؟. وعن قوله: " ورفع


(1) نقله المجلسي في المجلد الرابع من البحار ص 581 من الطبع الحجرى عن التحف وقال: وفى الاختصاص للشيخ المفيد عن محمد بن عيسى بن عبيد البغدادي عن محمد بن موسى مثله ورواه ايضا بأدنى تغيير في المجلد الثاني عشر عن المناقب لابن شهر آشوب. (2) هو أبو أحمد موسى المبرقع أخو أبى الحسن الهادى عليه السلام من طرفي الاب والام كان امهما ام ولد تسمى بسماتة المغربية وكان موسى جد سادات الرضوية، قدم قم سنة 256 وهو أول من انتقل من الكوفة إلى قم من السادات الرضوية وكان يسدل على وجهه برقعا دائما ولذلك يسمى بالمبرقع. فلم يعرفه القميون فانتقل عنهم إلى كاشان فأكرمه أحمد بن عبد العزيز بن دلف العجلى فرحب به وأكرمه وأهدى إليه خلاعا فاخرة وأفراسا جيادا ووظفه في كل سنة ألف مثقال من الذهب وفرسا مسرجا فلما عرفه القميون أرسلوا رؤساءهم إلى كاشان لطلبه وردوه إلى قم واعتذروا منه وأكرموه واشتروا من مالهم دارا ووهبوا له سهاما من القرى وأعطوه عشرين ألف درهم واشترى ضياعا كثيرة. فأتته أخواته زينب وام محمد وميمونة بنات محمد بن الرضا عليهما السلام ونزلن عنده، فلما متن دفن عند فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهما السلام واقام موسى بقم حتى مات سنة 266 ودفن في داره وقيل: في دار محمد بن الحسن بن أبى خالد الاشعري وهو المشهد المعروف اليوم. ويظهر من بعض الروايات أن المتوكل الخليفة العباسي يحتال في أن ينادمه. وقد أفرد المحدث النوري رحمه الله في أحواله رسالة سماها: " البدر المشعشع في أحوال موسى المبرقع ". (3) في بعض النسخ [ قلت: لا، قال ولم قلت لم أعرفها ]. (4) سورة النمل آية 40. (5) هو آصف بن برخيا. (*)

[ 477 ]

أبويه على العرش وخروا له سجدا (1) " سجد يعقوب وولده ليوسف وهم أنبياء. وعن قوله: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب (2) "، من المخاطب بالآية ؟ فإن كان المخاطب النبي صلى الله عليه وآله فقد شك، وإن كان المخاطب غيره فعلى من إذا أنزل الكتاب ؟. وعن قوله: " ولو أن ما في الاأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله (3) " ما هذه الابحر وأين هي ؟ وعن قوله: " وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين (4) " فاشتهت نفس آدم عليه السلام أكل البر فأكل وأطعم [ وفيها ما تشتهي الانفس ] فكيف عوقب ؟. وعن قوله: " أو يزوجهم ذكرانا وإناثا (5) " يزوج الله عباده الذكران وقد عاقب قوما فعلوا ذلك ؟ وعن شهادة المرأة جازت وحدها وقد قال الله: " وأشهدوا ذوي عدل منكم (6) " ؟ وعن الخنثى وقول علي عليه السلام: يورث من المبال، فمن ينظر إذا بال إليه ؟ مع أنه عسى أن يكون امرأة وقد نظر إليها الرجال، أو عسى أن يكون رجلا وقد نظرت إليه النساء وهذا مالا يحل. وشهادة الجار إلى نفسه لا تقبل ؟ وعن رجل أتى إلى قطيع غنم فرأى الراعي ينزو على شاة منها فلما بصر بصاحبها خلى سبيلها، فدخلت بين الغنم كيف تذبح وهل يجوز أكلها أم لا ؟. وعن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة وهي من صلاة النهار وإنما يجهر في صلاة الليل ؟. وعن قول علي عليه السلام لابن جرموز: بشر قاتل ابن صفية بالنار (7) فلم يقتله وهو إمام ؟ وأخبرني عن علي عليه السلام لم قتل أهل صفين وأمر بذلك مقبلين ومدبرين وأجاز على الجرحى (8)، وكان حكمه يوم الجمل أنه لم يقتل موليا ولم يجز على جريح ولم يأمر بذلك، وقال: من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، لم فعل ذلك ؟ فإن كان الحكم


(1) سورة يوسف آية 100. (2) سورة يونس آية 94. (3) سورة لقمان آية 26. (4) سورة الزخرف آية 71. (5) سورة الشورى آية 49. (6) سورة الطلاق آية 2. (7) ابن صفية هو الزبير بن العوام صحابي المعروف الذى قتله يوم الجمل ابن جرموز والقصة مشهورة مذكورة في التواريخ. (8) أجاز على الجريح: أجهز عليه أي شد عليه واتم قتله. (*)

[ 478 ]

الاول صوابا فالثاني خطأ. وأخبرني عن رجل أقر باللواط على نفسه أيحد، أم يدرأ عنه الحد ؟ قال عليه السلام: اكتب إليه، قلت: وما أكتب ؟ قال عليه السلام: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم وأنت فألهمك الله الرشد أتاني كتابك فامتحنتنا به من تعنتك لتجد إلى الطعن سبيلا إن قصرنا فيها، والله يكافيك على نيتك وقد شرحنا مسائلك فأصغ إليها سمعك وذلل لها فهمك واشغل بها قلبك، فقد لزمتك الحجة والسلام. سألت: عن قول الله جل وعز: " قال الذي عنده علم من الكتاب " فهو آصف بن برخيا ولم يعجز سليمان عليه السلام عن معرفة ما عرف آصف لكنه صلوات الله عليه أحب أن يعرف أمته من الجن والانس أنه الحجة من بعده، وذلك من علم سليمان عليه السلام أودعه عند آصف بأمر الله، ففهمه ذلك لئلا يختلف عليه في إمامته ودلالته كما فهم سليمان عليه السلام في حياة داود عليه السلام لتعرف نبوته وإمامته من بعده لتأكد الحجة على الخلق. وأما سجود يعقوب عليه السلام وولده فكان طاعة لله ومحبة ليوسف عليه السلام كما أن السجود من الملائكة لآدم عليه السلام لم يكن لآدم عليه السلام وإنما كان ذلك طاعة لله ومحبة منهم لآدم عليه السلام، فسجود يعقوب عليه السلام وولده ويوسف عليه السلام معهم كان شكرا لله باجتماع شملهم، ألم تره يقول في شكره ذلك الوقت: " رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث - إلى آخر الآية - " (1). وأما قوله: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب " فإن المخاطب به رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن في شك مما انزل إليه ولكن قالت الجهلة: كيف لم يبعث الله نبيا من الملائكة ؟ إذ لم يفرق بين نبيه وبيننا في الاستغناء عن المآكل والمشارب والمشي في الاسواق، فأوحى الله إلى نبيه " فاسأل الذين يقرؤون الكتاب " بمحضر الجهلة، هل بعث الله رسولا قبلك إلا وهو يأكل الطعام ويمشي في الاسواق ولك بهم اسوة. وإنما قال: " فإن كنت في شك " ولم يكن شك ولكن للنصفة كما قال: " تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل


(1) سورة يوسف آيه 102. (*)

[ 479 ]

فنجعل لعنة اللة على الكاذبين (1) " ولو قال: عليكم لم يجيبوا إلى المباهلة، وقد علم الله أن نبيه يؤدي عنه رسالاته وما هو من الكاذبين، فكذلك عرف النبي أنه صادق فيما يقول ولكن أحب أن ينصف من نفسه. وأما قوله: " ولو أن ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " فهو كذلك لو أن أشجار الدنيا أقلام والبحر يمده سبعة أبحر وانفجرت الارض عيونا لنفدت قبل أن تنفد كلمات الله وهي عين الكبريت وعين النمر (2) وعين [ ال‍ ] برهوت وعين طبرية وحمة ماسبذان (3) وحمة إفريقية يدعى لسنان (4) وعين بحرون (5)، ونحن كلمات الله التي لا تنفد ولا تدرك فضائلنا. وأما الجنة فإن فيها من المآكل والمشارب والملاهي ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين وأباح الله ذلك كله لآدم عليه السلام والشجرة التي نهى الله عنها آدم عليه السلام وزوجته أن يأكلا منها شجرة الحسد عهد إليهما أن لا ينظر إلى من فضل الله على خلائقه بعين الحسد فنسي ونظر بعين الحسد ولم يجد له عزما وأما قوله: " أو يزوجهم ذكرانا وإناثا " أي يولد له ذكور ويولد له إناث، يقال لكل اثنين مقرنين زوجان كل واحد منهما زوج، ومعاذ الله أن يكون عنى الجليل ما لبست به على نفسك تطلب الرخص لارتكاب المآثم " ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (6) " إن لم يتب. وأما شهادة المرأة وحدها التي جازت فهي القابلة جازت شهادتها مع الرضا، فإن لم يكن رضى فلا أقل من امرأتين تقوم المرأتان بدل الرجل للضرورة، لان الرجل


(1) سورة آل عمران آية 60. (2) وفى المناقب [ وعين اليمن ]. (3) في المناقب [ ما سيدان تدعى لسان ]. (4) في المناقب [ تدعى بسيلان ]. (4) والحمة - بالفتح فالتشديد: العين الحارة التى يستشفى بها الاعلاء والمرضى. وأراد بها وبالعين ههنا كل ماء له منبع ولا ينقص منه شئ كالبحار وليس منحصرا فيها فكان ذكرها على سبيل التمثيل ولانها معهود عند السائل. (5) في المناقب [ وعين باحوران ]. (6) سورة الفرقان اية 68 و 69. (*)

[ 480 ]

لا يمكنه أن يقوم مقامها، فإن كانت وحدها قبل قولها مع يمينها. وأما قول علي عليه السلام في الخنثى فهي كما قال (1): ينظر قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة وتقوم الخنثى خلفهم عريانة وينظرون في المرايا فيرون الشبح فيحكمون عليه. وأما الرجل الناظر إلى الراعي وقد نزا على شاة فإن عرفها ذبحها وأحرقها، وإن لم يعرفها قسم الغنم نصفين وساهم بينهما (2)، فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجا النصف الآخر، ثم يفرق النصف الآخر فلا يزال كذلك حتى تبقى شاتان فيقرع بينهما فأيتها وقع السهم بها ذبحت وأحرقت ونجا سائر الغنم (3). وأما صلاة الفجر فالجهر فيها بالقراءة، لان النبي صلى الله عليه وآله كان يغلس بها (4) فقراءتها من الليل. وأما قول علي عليه السلام: بشر قاتل ابن صفية بالنار فهو لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ممن خرج يوم النهروان فلم يقتله أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة، لانه علم أنه يقتل في فتنة النهروان. وأما قولك: إن عليا عليه السلام قتل أهل الصفين مقبلين ومدبرين وأجاز على جريحهم (5)، وإنه يوم الجمل لم يتبع موليا ولم يجز على جريح ومن ألقى سلاحه آمنه ومن دخل داره آمنه، فإن أهل الجمل قتل إمامهم ولم تكن لهم فئة يرجعون إليها وإنما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين ولا مخالفين ولا منابذين (6)، رضوا بالكف عنهم، فكان الحكم فيهم رفع السيف عنهم والكف عن أذاهم، إذ لم يطلبوا عليه أعوانا، وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة وإمام (7) يجمع لهم السلاح


(1) في المناقب [ فهو كما قال: يرث من المبال ]. (2) وساهم بينهما أي قارع بينهما. (3) زاد في المناقب [ وسهم الامام سهم الله لا يخيب ]. (4) يغلس بها أي يصلى بالغلس وهو بالتحريك: ظلمة آخر الليل. (5) أي أجهز عليهم. (6) في المناقب [ غير محاربين ولا محتالين ولا متجسسين ولا مبارزين ]. (7) في المناقب [ وامام منتصب ]. (*)

[ 481 ]

الدروع والرماح والسيوف ويسني لهم العطاء (1) يهيئ لهم الانزال ويعود مريضهم ويجبر كسيرهم (2) ويداوي جريحهم ويحمل راجلهم ويكسوا حاسرهم (3) ويردهم فيرجعون إلى محاربتهم وقتالهم (4)، فلم يساو بين الفريقين في الحكم لما عرف من الحكم في قتال أهل التوحيد (5) لكنه شرح ذلك لهم، فمن رغب عرض على السيف أو يتوب من ذلك. وأما الرجل الذي اعترف باللواط فإنه لم تقم عليه بينة وإنما تطوع بالاقرار من نفسه وإذا كان للامام الذي من الله أن يعاقب عن الله كان له أن يمن عن الله، أما سمعت قول الله: " هذا عطاؤنا - الآية - (6) " قد أنبأناك بجميع ما سألتنا عنه فاعلم ذلك. * (وروي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني) * قال عليه السلام لبعض مواليه: عاتب فلانا وقل له: إن الله إذا أراد بعبد خيرا إذا عوتب قبل. وكان المتوكل نذر أن يتصدق بمال كثير إن عافاه الله من علته، فلما عوفي سأل العلماء عن حد المال الكثير فاختلفوا ولم يصيبوا المعنى، فسأل أبا الحسن عليه السلام عن ذلك فقال عليه السلام: يتصدق بثمانين درهما، فسأل عن علة ذلك ؟ فقال: إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وآله: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة (7) " فعددنا مواطن رسول الله صلى الله عليه وآله فبلغت ثمانين


(1) أسنى له الجائزة: جعلها سنية. والانزال: جمع نزل - بالتحريك - أي العطاء والفضل وأنزل القوم: أرزاقهم. (2) الكسير بمعنى المكسور. ويجبر الكسير أي يصلحه. (3) الحاسر: العارى والمراد الذى كان بلا درع وثوب. (4) في المناقب [ فان الحكم في أهل البصرة الكف عنهم لما ألقوا أسلحتهم إذ لم تكن لهم فئة يرجعون إليها. والحكم في اهل صفين أن يتبع مدبرهم ويجهز على جريحهم ]. (5) في المناقب [ ولولا امير المؤمنين عليه السلام وحكمه في اهل صفين والجمل لما عرف الحكم في عصاة اهل التوحيد ]. (6) سورة ص آية 38. وبقية الاية " فامنن أو مسك بغير حساب ". (7) سورة التوبة آية 25. (*)

[ 482 ]

موطنا وسماها الله كثيرة فسر المتوكل بذلك وصدق بثمانين درهما. وقال عليه السلام: إن لله بقاعا يحب أن يدعى فيها فيستجيب لمن دعاه والحير منها (1). وقال عليه السلام: من اتقى الله يتقى. ومن أطاع الله يطاع. ومن أطاع الخالق لم يبال سخط المخلوقين. ومن أسخط الخالق فلييقن أن يحل به سخط المخلوقين. وقال عليه السلام: إن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه والاوهام أن تناله والخطرات أن تحده والابصار عن الاحاطة به. نأى في قربه وقرب في نأيه، كيف الكيف بغير أن يقال: كيف، وأين الاين بلا أن يقال: أين، هو منقطع الكيفية والاينية، الواحد الاحد، جل جلاله وتقدست أسماؤه. وقال الحسن بن مسعود (2): دخلت على أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام وقد نكبت إصبعي (3). وتلقاني راكب وصدم كتفي ودخلت في زحمة (4) فخرقوا على بعض ثيابي، فقلت: كفاني الله شرك من يوم فما أيشمك (5). فقال عليه السلام لي: يا حسن هذا وأنت تغشانا (6) ترمي بذنبك من لا ذنب له، قال الحسن: فأثاب إلى عقلي وتبينت خطائي، فقلت: يا مولاي استغفر الله، فقال: يا حسن ما ذنب الايام حتى صرتم تتشئمون بها إذا جوزيتم بأعمالكم فيها، قال الحسن: أنا أستغفر الله أبدا وهي توبتي يا ابن رسول الله ؟ قال عليه السلام: والله ما ينفعكم ولكن الله يعاقبكم بذمها على ما لاذم عليها فيه، أما


(1) الحير - بالفتح -: مخفف حائر والمراد ان الحائر الحسينى عليه السلام من هذه البقاع. (2) لم نظفر في احد من المعاجم بمن سمى بهذا الاسم من اصحاب ابى الحسن العسكري عليه السلام ولعله هو الحسن بن سعيد الاهوازي من اصحاب الرضا والجواد وابى الحسن العسكري عليهم السلام وهو الذى أوصل على بن مهزيار واسحاق بن ابراهيم الحضينى إلى الرضا عليه السلام حتى جرت الخدمة على ايديهما، كان ثقة هو وأخوه الحسين وله كتب، اصله كوفى وانتقل مع اخيه إلى الاهواز وكانا اوسع اهل زمانهما علما بالفقه والاثار والمناقب. (3) نكبت اصبعي: خدشت واصابته خدشة. (4) الزحمة: مصدر كالزحام من زحم - كمنع -: ضايقه ودافعه في محل ضيق. وخرق الثوب: مزقه. (5) كذا. والظاهر [ فما أشأمك ]. (6) غشا يغشو - فلانا -: اتاه. وغشى يغشى - المكان -: اتاه. (*)

[ 483 ]

علمت يا حسن أن الله هو المثيب والمعاقب والمجازي بالاعمال عاجلا وآجلا ؟ قلت: بلى يا مولاي، قال عليه السلام: لا تعد ولا تجعل للايام صنعا في حكم الله، قال الحسن: بلى، يا مولاي. وقال عليه السلام: من أمن مكر الله وأليم أخذه تكبر حتى يحل به قضاؤه ونافذ أمره. ومن كان على بينة من ربه هانت عليه مصائب الدنيا ولو قرض ونشر. وقال داود الصرمي (1): أمرني سيدي بحوائج كثيرة، فقال عليه السلام لي: قل: كيف تقول ؟ فلم أحفظ مثل ما قال لي، فمد الدواة وكتب بسم الله الرحمن الرحيم أذكره إن شاء الله والامر بيد الله، فتبسمت، فقال عليه السلام: مالك ؟ قلت: خير، فقال: أخبرني ؟ قلت: جعلت فداك ذكرت حديثا حدثني به رجل من أصحابنا عن جدك الرضا عليه السلام إذا أمر بحاجة كتب بسم الله الرحمن الرحيم أذكر إن شاء الله، فتبسمت، فقال عليه السلام لي: يا داود ولو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا. وقال عليه السلام يوما: إن أكل البطيخ يورث الجذام، فقيل له: أليس قد أمن المؤمن إذا أتى عليه أربعون سنة من الجنون والجذام والبرص ؟ قال عليه السلام: نعم، ولكن إذا خالف المؤمن ما امر به ممن آمنه لم يأمن أن تصيبه عقوبة الخلاف. وقال عليه السلام: الشاكر أسعد بالشكر منه بالنعمة التي أوجبت الشكر، لان النعم متاع. والشكر نعم وعقبى. وقال عليه السلام: إن الله جعل الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى وجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا. وقال عليه السلام: إن الظالم الحالم يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه. وإن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه. وقال عليه السلام: من جمع لك وده ورأيه فاجمع له طاعتك. وقال عليه السلام: من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره. وقال عليه السلام: الدنيا سوق، ربح فيها قوم وخسر آخرون.


(1) هو أبو إسماعيل داود الصرمى - بفتح الصاد وقيل: بكسرها - كان من أصحاب الهادى عليه السلام وهو شيعي إمامى حسن. (*)

[ 484 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] " وروى عن الامام الخالص الهادى أبى محمد الحسن بن على عليهما السلام في طوال هذه المعاني " " كتابه عليه السلام إلى اسحاق بن اسماعيل النيسابوري (1) " سترنا الله وإياك بستره وتولاك في جميع أمورك بصنعه، فهمت كتابك يرحمك الله ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نرق على أوليائنا ونسر بتتابع إحسان الله إليهم وفضله لديهم. ونعتد بكل نعمة ينعمها الله تبارك وتعالى عليهم، فأتم الله عليك يا إسحاق وعلى من كان مثلك - ممن قد رحمه الله وبصره بصيرتك - نعمته. وقدر تمام نعمته دخول الجنة. وليس من نعمة وإن جل أمرها وعظم خطرها إلا و " الحمد لله " تقدست أسماؤه عليها مؤد شكرها، وأنا أقول (2) الحمد لله أفضل ما حمده حامده إلى أبد الابد بما من الله عليك من رحمته ونجاك من الهلكة وسهل سبيلك على العقبة. وايم الله إنها (3) لعقبة كؤود، شديد أمرها، صعب مسلكها، عظيم بلاؤها، قديم في الزبر الاولى ذكرها. ولقد كانت منكم في أيام الماضي عليه السلام إلى أن مضى لسبيله وفي أيامي هذه امور كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي ولا مسددي التوفيق. فاعلم يقينا يا إسحاق أنه من خرج من هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا يا إسحاق (4) ليس تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وذلك قول الله في محكم كتابه حكاية عن الظالم إذ يقول: " رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (5) ". وأي آية أعظم


(1) هو ثقة من أصحاب أبى محمد العسكري عليه السلام وممن كانت ترد عليهم التوقيعات أيضا. وهذا التوقيع رواه الكشى في رجاله قال: حكى بعض الثقات بنيسابور أنه خرج لاسحاق بن اسماعيل من أبى محمد عليه السلام توقيع. فوقع عليه السلام: يا اسحاق بن اسماعيل سترنا الله وإياك - إلى آخر الخبر مع - تغييرات وزيادات ورواه المجلسي في المجلد الثاني عشر من البحار الطبع الحجرى. (2) في بعض النسخ [ فأنا أقول ]. (3) في بعض النسخ [ وإنها أيم الله ]. (4) في بعض النسخ [ يا ابن إسماعيل ]. (5) سورة طه آية 126. (*)

[ 485 ]

من حجة الله على خلقه وأمينه في بلاده وشهيده على عباده من بعد من سلف من آبائه الاولين النبيين وآبائه الآخرين الوصيين عليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته. فأين يتاه بكم (1) وأين تذهبون كالانعام على وجوهكم، عن الحق تصدفون وبالباطل تؤمنون وبنعمة الله تكفرون أو تكونون ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غيركم إلا خزي في الحيوة الدنيا وطول عذاب في الآخرة الباقية. وذلك والله الخزي العظيم. إن الله بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم بل برحمة منه - لا إله إلا هو - عليكم ليميز الخبيث من الطيب وليبتلي ما في صدروكم وليمحص ما في قلوبكم، لتسابقوا إلى رحمة الله ولتتفاضل منازلكم في جنته، ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والولاية وجعل لكم بابا تستفتحون به أبواب الفرائض ومفتاحا إلى سبيله، لولا محمد صلى الله عليه وآله والاوصياء من ولده لكنتم حيارى (2) كالبهائم لا تعرفون فرضا من الفرائض وهل تدخل مدينة (3) إلا من بابها، فلما من عليكم بإقامة الاولياء بعد نبيكم، قال الله في كتابه: " أليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا (4) " ففرض عليكم لاوليائه حقوقا أمركم بأدائها ليحل لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومآكلكم ومشاربكم، قال الله: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (5) " واعلموا أن من يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقراء، لا إله إلا هو. ولقد طالت المخاطبة فيما هو لكم وعليكم. ولو لا ما يحب الله من تمام النعمة من الله عليكم لما رأيتم لي خطا ولا سمعتم مني حرفا من بعد مضي الماضي عليه السلام وأنتم في غفلة مما إليه معادكم (6). ومن بعد إقامتى لكم إبراهيم بن عبدة (7) وكتابي الذي حمله إليكم محمد بن موسى النيسابوري والله


(1) تاه يتيه: ضل وذهب متحيرا. (2) الحيارى - بالفتح والضم -: جمع حيران. (3) في بعض النسخ [ قرية ]. (4) سورة المائدة آية 5. (5) سورة الشورى آية 23. (6) في بعض النسخ [ معاذكم ]. (7) إبراهيم بن عبدة ومحمد بن موسى النيسابوري كانا من أصحاب الهادى والعسكري عليهما السلام وروى الكشى (ره) بعض توقيعات في حقهما. (*)

[ 486 ]

المستعان على كل حال. وإياكم أن تفرطوا في جنب الله فتكونوا من الخاسرين. فبعدا وسحقا لمن رغب عن طاعة الله ولم يقبل مواعظ أوليائه. فقد أمركم الله بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الامر، رحم الله ضعفكم وغفلتكم وصبركم على أمركم فما أغر الانسان بربه الكريم ولو فهمت الصم الصلاب بعض ما هو في هذا الكتاب لتصدعت (1) قلقا وخوفا من خشية الله ورجوعا إلى طاعة الله، اعملوا ما شئتم " فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (2) " والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين. * (وروي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني) * قال عليه السلام: لا تمار فيذهب بهاؤك. ولا تمازح فيجترأ عليك. وقال عليه السلام: من رضي بدون الشرف من المجلس لم يزل الله وملائكته يصلون عليه حتى يقوم. وكتب عليه السلام إلى رجل سأله دليلا: من سأل آية أو برهانا فاعطي ما سأل، ثم رجع عمن طلب منه الآية عذب ضعف العذاب. ومن صبر اعطي التأييد من الله. والناس مجبولون على حيلة إيثار الكتب المنشرة. نسأل الله السداد، فإنما هو التسليم أو العطب (3) ولله عاقبة الامور. وكتب إليه بعض شيعته يعرفه اختلاف الشيعة، فكتب عليه السلام: إنما خاطب الله العاقل. والناس في على طبقات: المستبصر على سبيل نجاة، متمسك بالحق، متعلق بفرع الاصل، غير شاك ولا مرتاب، لا يجد عني ملجأ. وطبقة لم تأخذ الحق من أهله، فهم كراكب البحر يموج عند موجه ويسكن عند سكونه. وطبقة استحوذ عليهم الشيطان، شأنهم الرد على أهل الحق ودفع الحق بالباطل حسدا من عند أنفسهم. فدع من ذهب


(1) في بعض النسخ [ لصدعت ]. (2) اقتباس من الاية الواردة في سورة التوبة آية 106. (3) العطب: الهلاك. (*)

[ 487 ]

يمينا وشمالا، فإن الراعي إذا أراد أن يجمع غنمه جمعها بأهون سعي. وإياك والاذاعة وطلب الرئاسة، فإنهما يدعوان إلى الهلكة. وقال عليه السلام: من الذنوب التي لا تغفر: ليتني لا اؤاخذ إلا بهذا (1). ثم قال عليه السلام: الاشراك في الناس أخفى من دبيب النمل على المسح الاسود في الليلة المظلمة (2). وقال عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الاعظم من سواد العين إلى بياضها. وخرج في بعض توقيعاته عليه السلام عند اختلاف قوم من شيعته في أمره: ما مني أحد من آبائي بمثل ما منيت به من شك هذه العصابة في، فإن كان هذا الامر أمرا اعتقدتموه ودنتم به إلى وقت ثم ينقطع فللشك موضع. وإن كان متصلا ما اتصلت امور الله فما معنى هذا الشك ؟. وقال عليه السلام: حب الابرار للابرار ثواب للابرار. وحب الفجار للابرار فضيلة للابرار، وبغض الفجار للابرار زين للابرار. وبغض الابرار للفجار خزي على الفجار. وقال عليه السلام: من التواضع السلام على كل من تمر به، والجلوس دون شرف المجلس. وقال عليه السلام: من الجهل الضحك من غير عجب. وقال عليه السلام: من الفواقر التي تقصم الظهر (3) جار إن رأى حسنة أطفأها وإن رأى سيئة أفشاها. وقال عليه السلام لشيعته: أوصيكم بتقوى الله والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الامانة إلى من ائتمنكم من بر أو فاجر وطول السجود وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله صلوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم (4)، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه وأدى الامانة


(1) أي قول الرجل المذنب ذلك إذا قيل له: لا تعص. (2) المسح - بالكسر -: البلاس والتقييد بالاسود تأكيد في إخفائه وعدم رؤيته بخلاف ما إذا كان غير الاسود لانه ربما يمكن أن يراه إذا كان أبيضا. (3) الفواقر: جمع فاقرة أي الداعية العظيمة فكأنها تكسر فقر الظهر. (4) فالضمير يرجع إلى المخالفين أو مطلق الناس. (*)

[ 488 ]

وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك. اتقوا الله وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، جروا إلينا كل مودة وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك. لنا حق في كتاب الله وقرابة من رسول الله وتطهير من الله لا يدعيه أحد غيرنا إلا كذاب. أكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، فإن الصلاة على رسول الله عشر حسنات. احفظوا ما وصيتكم به واستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام. وقال عليه السلام: ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله. وقال عليه السلام: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهدا (1) ويأكله غائبا، إن اعطي حسده، وإن ابتلي خذله (2). وقال عليه السلام: الغضب مفتاح كل شر. وقال عليه السلام لشيعته في سنة ستين ومائتين: أمرناكم بالتختم في اليمين ونحن بين ظهرانيكم (3). والآن نأمركم بالتختم في الشمال لغيبتنا عنكم إلى أن يظهر الله أمرنا وأمركم، فإنه من أدل دليل عليكم في ولايتنا - أهل البيت -. فخلعوا خواتيمهم من أيمانهم بين يديه ولبسوها في شمائلهم (4). وقال عليه السلام لهم: حدثوا بهذا شيعتنا. وقال عليه السلام: أقل الناس راحة الحقود (5).


(1) أطرى فلانا: أحسن الثناء عليه وبالغ في مدحه. (2) في بعض النسخ [ خانه ]. (3) أي بينكم وفى جماعتكم. (4) لما خدع عمرو بن العاص في أمر الحكمين فخلع أبا موسى الاشعري عليا عليه السلام من الخلافة كخلعه خاتمه من يمينه كأنه صار لبس الخاتم باليمين وابقائه علامة على ابقاء الخلافة الحق في على عليه السلام وأهل بيته. فلعله أراد: أن التختم باليمين شاهد على الحق إذا كان الامام بين الناس شاهدا وحاضرا وأما إذا كان غائبا فليس شاهدا بل ليخلعوا الخواتيم من أيمانهم ولبسوها في شمائلهم حتى لا يظن أن من ادعى وأقام مقامه غصبا انه على الحق. (5) الحقود: الكثير الحقد. (*)

[ 489 ]

وقال عليه السلام: أورع الناس من وقف عند الشبهة، أعبد الناس من أقام على الفرائض، أزهد الناس من ترك الحرام، أشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب. وقال عليه السلام: إنكم في آجال منقوصة وأيام معدودة والموت يأتي بغتة، من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة، لكل زارع ما زرع. لا يسبق بطيئ بحظه. ولا يدرك حريص ما لم يقدر له. من اعطي خيرا فالله أعطاه. ومن وقي شرا فالله وقاه. وقال عليه السلام: المؤمن بركة على المؤمن وحجة على الكافر. وقال عليه السلام: قلب الاحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه. وقال عليه السلام: لا يشغلك رزق مضمون عن عمل مفروض. وقال عليه السلام: من تعدى في طهوره كان كناقضه. وقال عليه السلام: ما ترك الحق عزيز إلا ذل، ولا أخذ به ذليل إلا عز. وقال عليه السلام: صديق الجاهل تعب. وقال عليه السلام: خصلتان ليس فوقهما شئ: الايمان بالله، ونفع الاخوان. وقال عليه السلام: جرأة الولد على والده في صغره تدعو إلى العقوق في كبره. وقال عليه السلام: ليس من الادب إظهار الفرح عند المحزون. وقال عليه السلام: خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت الحياة وشر من الموت ما إذا نزل بك أحببت الموت. وقال عليه السلام: رياضة الجاهل ورد المعتاد عن عادته كالمعجز. وقال عليه السلام: التواضع نعمة لا يحسد عليها. وقال عليه السلام: لا تكرم الرجل بما يشق عليه. وقال عليه السلام: من وعظ أخاه سرا فقد زانه. ومن وعظه علانية فقد شانه. وقال عليه السلام: ما من بلية إلا ولله فيها نعمة تحيط بها. وقال عليه السلام: ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله. تم ما انتهى إلينا من أخبار النبي والائمة الطاهرين عليهم السلام في المعاني

[ 490 ]

التي ذكرناها والآثار التي اشترطناها. ولم نذكر شيئا من توقيعات صاحب زماننا والحجة في عصرنا على تواترها في الشيعة المستبصرين واستفاضتها فيهم، لانه لم يصل إلينا ما اقتضاه كتابنا وضاهاه تأليفنا والاعتقاد فيه مثله فيمن سلف من آبائه الماضين الائمة الراشدين عليهم السلام أجمعين وأتبعت ذلك بما جانسه وشاكله لتزاد الفوائد وتتضاعف المواعظ والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. " مناجاة الله عزوجل لموسى بن عمران عليه السلام (1) " يا موسى لا تطل في الدنيا أملك فيقسو قلبك (2) وقاسى القلب مني بعيد (3). أمت قلبك بالخشية. وكن خلق الثياب، جديد القلب، تخفى على أهل الارض وتعرف بين أهل السماء. وصح إلي من كثرة الذنوب صياح الهارب من عدوه. واستعن بي على ذلك، فإني نعم المستعان (4). يا موسى إني أنا فوق العباد والعباد دوني وكل لي داخرون، فاتهم نفسك على نفسك ولا تأتمن ولدك على دينك إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين. يا موسى اغسل واغتسل واقترب من عبادي الصالحين. يا موسى كن إمامهم في صلاتهم وفيما يتشاجرون واحكم بينهم بالحق بما أنزلت عليك، فقد أنزلته حكما بينا وبرهانا نيرا ونورا ينطق بما في الاولين وبما هو كائن في الآخرين. يا موسى اوصيك وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى ابن مريم صاحب الاتان (5) والبرنس والزيت والزيتون والمحراب. ومن بعده بصاحب الجمل الاحمر


(1) رواها الكليني - رحمه الله - في روضة الكافي مع اختلاف وزيادات أشرنا إليها - ورواها الصدوق في المجالس أيضا مع اختلاف. (2) في الروضة [ يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك ]. (3) زاد في الروضة [ كن كمسرتي فيك فان مسرتي أن اطاع فلا اعصى ]. (4) في الروضة [ فانى نعم العون والمستعان يا موسى انى أنا الله فوق العباد ]. (5) الاتان - بفتح الهمزة -: الحمار. والبرنس: قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الاسلام والمراد بالزيتون والزيت: الثمرة المعروفة لانه كان يأكلها أو نزلتا له في المائدة أو المراد بالزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام - قاله صاحب القاموس - يعنى اعطاه الله بلاد الشام والمراد بالزيت: الدهن الذى كان في بنى اسرائيل وكان غليانها من علامات النبوة. قاله المجلسي (ره). (*)

[ 491 ]

الطيب الطاهر المطهر فمثله في كتابك أنه مؤمن مهيمن على الكتب (1)، وأنه راكع ساجد راغب راهب، إخوانه المساكين وأنصاره قوم آخرون وسيكون في زمانه أزل وزلازل وقتل (2)، اسمه أحمد ومحمد الامين من الباقين الاولين (3)، يؤمن بالكتب كلها ويصدق جميع المرسلين، امته مرحومة مباركة، لهم ساعات موقتات يؤذنون فيها بالصلوات، فبه صدق، فإنه أخوك (4). يا موسى إنه أميني وهو عبد صدق مبارك له فيما وضع يده، نبارك عليه (5)، كذلك كان في علمي وكذلك خلقته، به أفتح الساعة وبأمته أختم مفاتيح الدنيا، فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه ولا يخذلوه وإنهم لفاعلون. وحبه لي حسنة وأنا معه وأنا من حزبه وهو من حزبي، وحزبي هم الغالبون (6). يا موسى أنت عبدي وأنا الهك، لا تستذل الحقير الفقير، ولا تغبط الغني، وكن عند ذكري خاشعا، وعند تلاوته برحمتي طامعا، فأسمعني لذاذة التوراة بصوت خاشع حزين، اطمئن عند ذكري واعبدني ولا تشرك بي (7)، إني أنا السيد الكبير، إني خلقتك من نطفة من ماء مهين من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة (8) فكانت


(1) في الروضة [ على الكتب كلها ]. (2) الازل - بالفتح -: مصدر ازل يأزل - كضرب يضرب -: وقع في ضيق وشدة و - بالكسر - الداهية. والزلازل: الشدائد والاهوال. وأيضا جمع زلزلة. وفى الروضة [ وقتل وقتال ]. (3) في الروضة [ اسمه أحمد محمد الامين من الباقين من ثلة الاولين الماضين ]. (4) في الروضة [ يؤدون فيها الصلوات اداء العبد إلى سيده نافلته فبه فصدق ومنهاجه فاتبع ]. (5) يقال: " هو رجل صدق " أي صادق في الرجولية والصداقة، لا يخون. وفى الروضة [ يا موسى انه امى وهو عبد صدق يبارك له فيما وضع يده عليه ويبارك عليه ]. (6) زاد في الروضة [ فتمت كلماتي لاظهرن دينه على الاديان كلها ولاعبدن بكل مكان و لانزلن عليه قرآنا فرقانا شفاء لما في الصدور من نفث الشيطان فصل عليه يا ابن عمران فانى اصلى عليه وملائكتي ]. (7) زاد في الروضة [ وذكر بى من يطمئن إلى واعبدني ولا تشرك بى شيئا وتحر مسرتي ]. (8) أي مختلطة من عناصر شتى. والامشاج الاخلاط. (*)

[ 492 ]

بشرا، فأنا صانعها خلقا، فتبارك وجهي وتقدس صنعي، ليس كمثلي شئ وأنا الحي الدائم لا أزول (1). يا موسى كن إذا دعوتني خائفا، مشفقا، وجلا (2)، وناجني حين تناجيني بخشية من قلب وجل، وأحي بتوراتي أيام الحياة، وعلم الجاهلين محامدي، وذكرهم آلائي ونعمي، وقل لهم: لا يتمادون في غي ما هم فيه، فإن أخذي لهم شديد. يا موسى إن انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري، فاعبدني وقم بين يدي مقام العبد الحقير. ذم نفسك وهي أولى بالذم. ولا تتطاول (3) على بني إسرائيل بكتابي فكفى بهذا واعظا لقلبك منيرا، وهو كلام رب العالمين جل وتعالى. يا موسى متى ما دعوتني وجدتني (4)، فإني سأغفر لك على ما كان منك، السماء تسبح لي وجلا، والملائكة من مخافتي مشفقون، والارض تسبح لي طمعا، وكل الخلق يسبحون لي داخرين. ثم عليك بالصلاة (5)، فإنها مني بمكان ولها عندي عهد وثيق والحق بها ما هو منها ذكاة القربان من طيب المال والطعام، فإني لا أقبل إلا الطيب، يراد به وجهي، اقرن مع ذلك صلة الارحام، فإني أنا الرحمن الرحيم والرحم أنا خلقتها فلا من رحمتي ليتعاطف بها العباد، ولها عندي سلطان في معاد الآخرة، وأنا قاطع من قطعها وواصل من وصلها وكذلك أفعل بمن ضيع أمري. يا موسى أكرم السائل إذا أتاك برد جميل أو إعطاء يسير، فإنه يأتيك من ليس بإنس ولا جان: ملائكة الرحمن يبلونك كيف أنت صانع فيما أوليتك وكيف مواساتك فيما خولتك، فاخشع لي بالتضرع واهتف بولولة الكتاب (6). واعلم أني أدعوك


(1) في الروضة [ وأنا الحى الدائم الذى لا أزول ]. (2) زاد في الروضة [ عفر وجهك لى في التراب واسجد بى بمكارم بدنك واقنت بين يدى في القيام ]. (3) التطاول: التكبر. (4) في الروضة [ متى دعوتني ورجوتني ]. (5) في الروضة [ بالصلاة والصلاة فانها ]. (6) الولولة: رفع الصوت بالبكاء والصياح. (*)

[ 493 ]

دعاء السيد مملوكه لتبلغ به شرف المنازل، وذلك من فضلي عليك وعلى آبائك الاولين. يا موسى لا تنسني على كل حال ولا تفرح بكثرة المال، فإن نسياني يقسي القلوب ومع كثرة المال كثرة الذنوب. الارض مطيعة [ والسماء مطيعة ] والبحار مطيعة، فمن عصاني شقي، فأنا الرحمن [ الرحيم ] رحمن كل زمان، آتي بالشدة بعد الرخاء، وبالرخاء بعد الشدة، وبالملوك بعد الملوك وملكي دائم، قائم لا يزول ولا يخفى علي شئ في الارض ولا في السماء وكيف يخفى علي ما مني مبتدؤه، وكيف لا يكون همك فيما عندي وإلي ترجع لا محالة. يا موسى اجعلني حرزك وضع عندي كنزك من الصاحات. وخفني ولا تخف غيري، إلي المصير (1). يا موسى عجل التوبة وأخر الذنب وتأن في المكث بين يدي في الصلاة، ولا ترج غيري، اتخذني جنة للشدائد وحصنا لملمات الامور (2). يا موسى نافس في الخير أهله، فإن الخير كاسمه. ودع الشر لكل مفتون. يا موسى اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم، وأكثر ذكري بالليل والنهار تغنم، ولا تتبع الخطايا فتندم، فإن الخطايا موعدها النار. يا موسى أطب الكلام لاهل الترك للذنوب وكن لهم جليسا واتخذهم لغيبك إخوانا وجد معهم يجدون معك (3). يا موسى ما اريد به وجهي فكثير قليله، وما اريد به غيري فقليل كثيره. وإن أصلح أيامك: الذي أمامك فانظر أي يوم هو فأعد له الجواب، فإنك


(1) زاد في الروضة [ يا موسى ارحم من هو اسفل منك في الخلق ولا تحسد من هو فوقك فان الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. يا موسى إن ابني آدم تواضعا في منزلة لينا لا بها من فضلى ورحمتي فقربا قربانا ولا أقبل إلا من المتقين فكان من شأنهما ما قد علمت فكيف تثق بالصاحب بعد الاخ والوزير. يا موسى ضع كبرك ودع الفخر واذكر انك ساكن القبر فليمنعك ذلك من الشهوات ]. (2) زاد في الروضة [ يا موسى كيف تخشع لى خليقة لا تعرف فضلى عليها وكيف تعرف فضلى عليها وهى لا تنظر فيه وكيف تنظر فيه وهى لا تؤمن به وكيف تؤمن به وهى لا ترجو ثوابا وكيف ترجو ثوابا وهى قد قنعت بالدنيا واتخذتها مأوى وركنت إليها ركون الظالمين ]. (3) زاد في الروضة [ يا موسى الموت يأتيك لا محالة فتزود زاد من هو على ما يتزود ]. (*)

[ 494 ]

موقوف ومسؤول. وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويله قصير وقصيره طويل وكل شئ فان. فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة، فإن ما بقي من الدنيا كما ولى منها. وكل عامل يعمل على بصيرة ومثال. فكن مرتادا لنفسك (1)، يا ابن عمران لعلك تفوز غدا يوم السؤال وهنالك يخسر المبطلون (2). يا موسى طب نفسا عن الدنيا وانطو عنها فإنها ليست لك ولست لها، مالك ولدار الظالمين إلا لعامل فيها بالخير، فإنها له نعم الدار (3). يا موسى الدنيا وأهلها فتن بعضها لبعض (4)، فكل مزين له ما هو فيه والمؤمن زينت له الآخرة فهو ينظر إليها ما يفتر (5) قد حالت شهوتها بينه وبين لذة العيش فأدلجته بالاسحار (6) كفعل الراكب السابق إلى غايته يظل كئيبا ويمسي حزينا فطوبى له، [ أما ] لو قد كشف الغطاء ماذا يعاين من السرور (7).


(1) إرتاد الشئ: طلبه. (2) زاد في الروضة [ يا موسى الق كفيك ذلا بين يدى كفعل العبد المستصرخ إلى سيده فانك إذا فعلت ذلك رحمت وأنا اكرم القادرين. يا موسى سلنى من فضلى ورحمتي فانهما بيدى لا يملكها أحد غيرى وانظر حين تسألني كيف رغبتك فيما عندي لكل عامل جزاء وقد يجزى الكفور بما سعى ]. (3) زاد في الروضة [ يا موسى ما امرك به فاسمع ومهما اراه فاصنع خذ حقائق التوراة إلى صدرك وتيقظ بها في ساعات الليل والنهار ولا تمكن ابناء الدنيا من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير ]. (4) في الروضة [ ابناء الدنيا وأهلها فتن بعضهم من بعض ]. (5) أي لا ينقطع ولا يقصر عنه وضمير شهوتها راجع إلى الاخرة. (6) الدلجة: سير الليل وأدلج القوم: ساروا الليل في آخره أو كله. والكئيب: الحزين أشد الحزن. (7) وزاد في الروضة [ يا موسى الدنيا نطفة ليست بثواب للمؤمن ولا نقمة من فاجر فالويل الدائم الطويل لمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق وبلعة لم تدم فكن كما أمرتك وكل امرى رشاد ]. والنطفة ما يبقى في الدلو أو القربة من الماء كنى بها عن قلتها والبلعة بالمهملة ما يبلع كما أن اللعقة ما يلعق. هذا ما ذكره الفيض - رحمه الله - عند بيان الحديث. (*)

[ 495 ]

يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين. ولا تكن جبارا ظلوما ولا تكن للظالمين قرينا. يا موسى ما عمر وإن طال يذم آخره، وما ضرك ما زوي عنك إذا حمدت مغبته (1). يا موسى صرح الكتاب صراحا (2) بما أنت إليه صائر، فكيف ترقد على هذا العيون، أم كيف يجد قوم لذة العيش لولا التمادي في الغفلة (3) والتتابع في الشهوات ومن دون هذا جزع الصديقون. يا موسى مر عبادي يدعوني على ما كانوا بعد أن يقروا بي أني أرحم الراحمين، اجيب المضطرين (4)، وأكشف السوء، وابدل الزمان، وآتي بالرخاء، وأشكر اليسير، وأثيب بالكثير، وأغني الفقير، وأنا الدائم العزيز القدير، فمن لجأ إليك وانضوى إليك من الخاطئين (5) فقل: أهلا وسهلا بأرحب الفناء نزلت بفناء رب العالمين واستغفر لهم وكن [ لهم ] كأحدهم ولا تستطل عليهم بما أنا أعطيتك فضله، وقل لهم فيسألوني من فضلي ورحمتي، فإنه لا يملكها أحد غيري وأنا ذو الفضل العظيم، كهف الخاطئين وجليس المضطرين (6) ومستغفر للمذنبين، إنك مني بالمكان الرضى، فادعني بالقلب النقي واللسان الصادق، وكن كما أمرتك، أطع أمري ولا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتدؤه. وتقرب إلي، فإني منك قريب، فإني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولا حمله. إنما سألتك أن تدعوني فاجيبك. وأن تسألني فاعطيك وأن تتقرب بما مني أخذت تأويله وعلى تمام تنزيله. يا موسى انظر إلى الارض فإنها عن قريب قبرك. وارفع عينيك إلى السماء فإن


(1) زوى: صرف. والمغبة - بالفتح وتشديد الباء -: العاقبة. (2) في الروضة [ يا موسى صرح الكتاب اليك صراحا ] وفى بعض نسخها بالخاء المعجمة. (3) زاد في الروضة [ والاتباع للشقوة ]. (4) في الروضة [ يجيب المضطرين ]. (5) انضوى إليه: انضم. (6) في الروضة [ طوبى لك يا موسى كهف الخاطئين وأخ المذنبين وجليس المضطرين ]. (*)

[ 496 ]

فوقك فيها ملكا عظيما وابك على نفسك ما كنت في الدنيا (1)، وتخوف العطب والمهالك، ولا تغرنك زينة الدنيا وزهرتها، ولا ترض بالظلم ولا تكن ظالما، فإني للظالم بمرصد حتى اديل منه المظلوم (2). يا موسى إن الحسنة عشرة أضعاف ومن السيئة الواحدة الهلاك، ولا تشرك بي، لا يحل لك أن تشرك بي، قارب وسدد، ادع دعاء الراغب فيما عندي، النادم على ما قدمت يداه (3) فإن سواد الليل يمحوه النهار، كذلك السيئة تمحوها الحسنة وعشوة الليل (4) تأتي على ضوء النهار فكذلك السيئة تأتي على الحسنة فتسودها. * (مناجاة الله جل ثناؤه) * " لعيسى ابن مريم صلوات الله عليهما (5) " يا عيسى أنا ربك ورب آبائك، اسمي واحد وأنا الاحد المتفرد بخلق كل شئ وكل شئ من صنعي وكل إلي راجعون. يا عيسى أنت المسيح بأمري، وأنت تخلق من الطين بإذني، وأنت تحيي الموتى بكلامي، فكن إلي راغبا ومني راهبا ولن تجد مني ملجأ إلا إلي. يا عيسى أوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة حتى حقت لك مني الولاية بتحريك (6) مني المسرة، فبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيث ما كنت، أشهد أنك عبدي من أمتي، تقرب إلي بالنوافل وتوكل علي أكفك، ولا تول غيري فأخذ لك.


(1) في الروضة [ ما دمت في الدنيا ]. (2) أدال الله زيدا من عمرو: نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد. واديل لنا على أعدائنا أي نصرنا عليهم. والادالة: النصرة والغلبة. (3) في الروضة [ وادع دعاء الطامع الراغب فيما عندي النادم على ما قدمت يداك ]. (4) عشوة الليل: ظلمتها. (5) رواها الكليني في الروضة من الكافي مع اختلاف وزيادات جازت ستين سطرا. (6) التحرى: القصد والاجتهاد في الطلب. وطلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن أو طلب احرى الامرين. (*)

[ 497 ]

يا عيسى اصبر على البلاء وارض بالقضاء وكن كمسرتي فيك، فإن مسرتي أن اطاع فلا اعصى. يا عيسى أحي ذكري بلسانك، وليكن ودي في قلبك. يا عيسى تيقظ في ساعات الغفلة. وأحكم لي لطيف الحكمة. يا عيسى كن راغبا راهبا، وأمت قلبك بالخشية. يا عيسى راع الليل لتحري مسرتي واظمأ نهارك ليوم حاجتك. يا عيسى إنك مسؤول فارحم الضعيف كرحمتي إياك ولا تقهر اليتيم. يا عيسى ابك على نفسك في الخلوات، وانقل قدميك إلى مواقيت الصلوات، وأسمعني لذاذة نطقك بذكري، فإن صنيعي إليك حسن. يا عيسى كم [ من ] امة قد أهلكتها بسالف ذنوب قد عصمتك منها. يا عيسى ارفق بالضعيف وارفع طرفك الكليل (1) إلى السماء وادعني، فإني منك قريب. ولا تذكرني إلا متضرعا إلي وهمك واحد، فإنك متى دعوتني كذلك اجبك. يا عيسى لا يغرك المتمرد [ علي ] بالعصيان يأكل رزقي ويعبد غيري، ثم يدعوني عند الكرب فاجيبه، ثم يرجع إلى ما كان عليه، فعلي يتمرد ؟ ام بسخطي يتعرض ؟ وبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منها منجا ولا دوني ملجأ، أين يهرب من سمائي وأرضي ؟ يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم والاصنام في بيوتكم (2)، فإني آليت أن أجيب من دعاني وأن أجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا. يا عيسى ما خير لذاذة لا تدوم وعيش عن صاحبه يزول ؟. يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لاوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك


(1) الكليل: الضعيف (2) الحضن: ما دون الابط إلى الكشح أو الصدر والعضدان وما بينهما وهو كناية عن ضبط مال الحرام وحفظه وعدم رده إلى أهله. ولعل المراد بالاصنام الدنانير والدراهم التى يهتمون الناس في اكتنازها. وقوله: " آليت " أي أقسمت. (*)

[ 498 ]

شوقا إليه، فليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبون وتدخل عليهم فيها الملائكة المقربون وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون، دار لا يتغير فيها النعيم ولا يزول عن أهلها. يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين، فإنها امنية المتمكنين، حسنة المنظر، طوبى لك. يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات ونعيم لا تبغي بها بدلا ولا تحويلا. كذلك أفعل بالمتقين. يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب ونار ذات أغلال وأنكال (1)، لا يدخلها روح ولا يخرج منها غم أبدا، قطع كقطع الليل المظلم، من ينج منها يفز، هي دار الجبارين والعتاة الظالمين وكل فظ غليظ. يا عيسى بئست الدار لمن ركن إليها وبئس القرار دار الظالمين إني احذرك نفسك فكن بي خبيرا. يا عيسى كن حيث ما كنت مراقبا لي واشهد علي أني خلقتك وأنك عبدي وأني صورتك وإلى الارض أهبطتك. يا عيسى افطم نفسك عن الشهوات والموبقات وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها. واعلم أنك مني بمكان الرسول الامين فكن مني على حذر. يا عيسى كنت خلقتك بكلامي، ولدتك مريم بأمري، المرسل إليها روحي جبرئيل الامين من ملائكتي حتى قمت على الارض حيا تمشي. وكل ذلك في سابق علمي. يا عيسى إن غضبت عليك لم ينفعك من رضي عنك. وإن رضيت عنك لم يضرك غضب المتغضبين عليك. يا عيسى اذكرني في نفسك واذكرني في ملاك أذكرك في ملاء خير من الآدميين. يا عيسى ادعني دعاء الغريق الذي ليس له مغيث. يا عيسى لا تحلف بي كاذبا فيهتز عرشي غضبا. الدنيا قصيرة العمر طويلة الامل. وعندي دار خير مما يجمعون.


(1) النكل - بالكسر -: القيد والجمع أنكال. (*)

[ 499 ]

يا عيسى كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسرائر قد كتمتموها وأعمال كنتم بها عاملين. يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم، أبي تغترون أم على تجترئون، تطيبون بالطيب لاهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة كأنكم أقوام ميتون. يا عيسى قل لهم: قلموا أظفاركم من كسب الحرام. وأصموا أسماعكم من ذكر الخناء. وأقبلوا علي بقلوبكم، فإني لست اريد صوركم. يا عيسى افرح بالحسنة، فإنها لي رضى وابك على السيئة فإنها شين. وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك. وإن لطم أحد خدك الايمن فإعطه الايسر. وتقرب إلي بالمودة جهدك، واعرض عن الجاهلين. يا عيسى دل لاهل الحسنة (1) وشاركهم فيها وكن عليهم شهيدا، وقل لظلمة بني إسرائيل: يا أخدان السوء إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير. يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: الحكمة تبكي فرقا مني وأنتم بالضحك تهجرون أتتكم براءتي ؟ أم لديكم أمان من عذابي ؟ أم تعرضون لعقوبتي، فبي حلفت لاتركنكم مثلا للغابرين. ثم اوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي أحمد صاحب الجمل الاحمر والوجه الازهر، المشرق بالنور، الطاهر القلب، الشديد البأس، الحيي (2) المتكرم، فإنه رحمة للعالمين وسيد ولد آدم يوم يلقاني، أكرم السابقين علي وأقرب المسلمين مني، العربي الامي، الديان بديني، الصابر في ذاتي، المجاهد للمشركين بذبه عن ديني وأن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدقوه وأن يؤمنوا به وأن يتبعوه وينصروه. قال: إلهي من هو حتى ارضيه ذلك الرضا ؟ قال: هو محمد رسول الله إلى الناس كافة وأقربهم مني منزلة وأحضرهم شفاعة، طوبى له من نبي وطوبى لامته،


(1) دل فلان إلى الشئ - من باب نصر -: أرشده وهداه إليه. (2) الحيى - كشريف -: المحتشم، من حيى حياء. (*)

[ 500 ]

إنهم لقوني على سبيله، يحمده أهل الارض ويستغفر له أهل السماء، أمين ميمون، طيب، خير الباقين عندي، يكون في آخر الزمان إذا خرج أرخت السماء عزاليها (1) وأخرجت الارض زهرتها حتى يروا البركة وابارك لهم فيما وضع يده عليه، كثير الازواج، قليل الاولاد. يا عيسى كل ما يقربك مني قد دللتك عليه، وكل ما يباعدك مني قد نهيتك عنه فارتد لنفسك. يا عيسى الدنيا حلوة وإنما استعملتك فيها فجانب منها ما حذرتك، وخذ منها ما أعطيتك عفوا. يا عيسى انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ، ولا تنظر في عمل غيرك، كن فيها زاهدا ولا ترهب فيها فتعطب. يا عيسى اعقل وتفكر وانظر في نواحي الارض كيف كان عاقبة الظالمين. يا عيسى كل وصفي لك نصيحة، وكل قولي لك حق وأنا الحق المبين، فحقا أقول لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك مالك من دوني ولي ولا نصير. يا عيسى أدب قلبك بالخشية. وانظر إلى من أسفل منك، ولا تنظر إلى من فوقك. واعلم أن رأس كل خطيئة وذنب هو حب الدنيا فلا تحبها، فإني لا احبها. يا عيسى أطب لي قلبك وأكثر ذكري في الخلوات. واعلم أن سروري أن تبصبص إلي (2)، كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا. يا عيسى لا تشرك بي وكن مني على حذر، ولا تغتر بالصحة، ولا تغبط نفسك، فإن الدنيا كفيئ زائل وما أقبل منها كما أدبر، فنافس في الصالحات جهدك. وكن مع الحق وإن قطعت واحرقت بالنار، فلا تكفر بي بعد المعرفة. ولا تكن مع الجاهلين فإن الشئ يكون مع الشئ.


(1) العزالى - بفتح اللام وكسرها -: جمع عزلاء - كحمراء -: مصب الماء من القربة ونحوها وهى اشارة إلى شدة وقع المطر. قال الطريحي (ره): أي أفواهها. والعزالى - بفتح اللام وكسرها -: جمع العزلاء مثل الحمراء وهو فم المزادة، فقوله: " أرسلت السماء عزاليها " يريد شدة وقع المطر على التشبيه بنزوله من افواه المزادة ومثله ان الدنيا بعد ذلك ارخت عزاليها. انتهى. (2) أي ان تقبل إلى بخوف وطمع. (*)

[ 501 ]

يا عيسى صب لي الدموع من عينيك. واخشع بقلبك. يا عيسى استغث لي في حال الشدة، فإني اغيث المكروبين واجيب المضطرين وأنا أرحم الراحمين. * (مواعظ المسيح عليه السلام في الاءنجيل وغيره) * " ومن حكمه " طوبى للمتراحمين اولئك هم المرحومون يوم القيامة. طوبى للمصلحين بين الناس أولئك هم المقربون يوم القيامة. طوبى للمطهرة قلوبهم اولئك يزورون الله يوم القيامة (1). طوبى للمتواضعين في الدنيا اولئك يرثون منابر الملك يوم القيامة. طوبى للمساكين ولهم ملكوت السماء. طوبى للمحزونين هم الذين يسرون. طوبى للذين يجوعون ويظمئون خشوعا هم الذين يسقون [ طوبى للذين يعملون الخير أصفياء الله يدعون ] طوبى للمسبوبين من أجل الطهارة، فإن لهم ملكوت السماء. طوبى لكم إذا حسدتم وشتمتم وقيل فيكم كل كلمة قبيحة كاذبة حينئذ فافرحوا وابتهجوا، فإن أجركم قد كثر في السماء. وقال: يا عبيد السوء تلومون الناس على الظن ولا تلومون أنفسكم على اليقين. [ يا عبيد الدنيا تحبون أن يقال فيكم ما ليس فيكم، وأن يشار إليكم بالاصابع ] يا عبيد الدنيا تحلقون رؤوسكم وتقصرون قمصكم (2) وتنكسون رؤوسكم ولا تنزعون الغل من قلوبكم. يا عبيد الدنيا مثلكم كمثل القبور المشيدة يعجب الناظر ظهرها وداخلها عظام الموتى مملوة خطايا. يا عبيد الدنيا إنما مثلكم كمثل السراج يضيئ للناس ويحرق نفسه. يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو حبوا على الركب (3)، فإن الله


(1) أي يلاقون نعيمه وما أعد لهم فيه. (2) كذا. (3) حبوا على الركب أي زحفا. عليه وفى بعض النسخ [ ولو جثوا على الركب ]. وجثا - كدعى ورمى -: جلس على ركبتيه أو قام على اطراف اصابعه. والمراد ولو كان على الركب. (*)

[ 502 ]

يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الارض الميتة بوابل المطر. يا بني إسرائيل قلة المنطق حكم عظيم فعليكم بالصمت، فإنه دعة حسنة وقلة وزر وخفة من الذنوب (1) فحصنوا باب العلم، فإن بابه الصبر. وإن الله يبغض الضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أدب، ويجب الوالي الذي يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته. فاستحيوا الله في سرائركم كما تستحيون الناس في علانيتكم. واعلموا أن كلمة الحكمة ضالة المؤمن فعليكم بها قبل أن ترفع، ورفعها أن تذهب رواتها. يا صاحب العلم عظم العلماء لعلمهم ودع منازعتهم (2)، وصغر الجهال لجهلهم ولا تطردهم ولكن قربهم وعلمهم. يا صاحب العلم اعلم أن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ عليها. يا صاحب العلم اعلم أن كل معصية عجزت عن توبتها بمنزلة تعاقب بها. يا صاحب العلم كرب (3) لا تدري متى تغشاك فاستعد لها قبل أن تفجأك. وقال عليه السلام لاصحابه: أرأيتم لو أن أحدا مر بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن عورته، أكان كاشفا عنها أم يرد على ما انكشف منها ؟ قالوا: بل يرد على ما انكشف منها، قال: كلا بل تكشفون عنها، فعرفوا أنه مثل ضربه لهم، فقالوا: يا روح الله وكيف ذاك ؟ قال: ذاك الرجل منكم يطلع على العورة من أخيه فلا يسترها. بحق أقول لكم: اعلمكم لتعلموا ولا اعلمكم لتعجبوا بأنفسكم. إنكم لن تنالوا ما تريدون إلا بترك ما تشتهون. ولن تظفروا بما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون. إياكم والنظرة، فإنها تزرع في القلوب الشهورة وكفى بها لصاحبها فتنة. طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل قلبه في نظر عينه (4). لا تنظروا في عيوب الناس كالارباب وانظروا في عيوبهم كهيئة عبيد الناس. إنما الناس رجلان مبتلى ومعافى، فارحموا المبتلى واحمدوا الله على العافية.


(1) في بعض النسخ [ وحطة من الذنوب ]. (2) في بعض النسخ [ ودع مناظرتهم ]. (3) الكرب - بالضم فالفتح -: جمع كربة - بالضم -: الحزن والمشقة. (4) في بعض النسخ [ بصره في نظر عينه ]. (*)

[ 503 ]

يا بني إسرائيل أما تستحيون من الله، إن أحدكم لا يسوغ له شرابه حتى يصفيه من القذى ولا يبالي أن يبلغ أمثال الفيلة من الحرام. ألم تسمعوا أنه قيل لكم في التورية: " صلوا أرحامكم وكافئوا أرحامكم " وأنا أقول لكم: صلوا من قطعكم وأعطوا من منعكم وأحسنوا إلى من أساء إليكم وسلموا على من سبكم وأنصفوا من خاصمكم واعفوا عمن ظلمكم كما أنكم تحبون أن يعفى عن إساءتكم، فاعتبروا بعفو الله عنكم، ألا ترون أن شمسه أشرقت على الابرار والفجار منكم وأن مطره ينزل على الصالحين والخاطئين منكم، فإن كنتم لا تحبون إلا من أحبكم ولا تحسنون إلا إلى من أحسن إليكم ولا تكافئون إلا من أعطاكم فما فضلكم إذا على غيركم وقد يصنع هذا السفهاء الذين ليست عندهم فضول (1) ولا لهم أحلام. ولكن إن أردتم أن تكونوا أحباء الله وأصفياء الله فأحسنوا إلى من أساء إليكم واعفوا عمن ظلمكم وسلموا على من أعرض عنكم، إسمعوا قولي واحفظوا وصيتي وارعوا عهدي كيما تكونوا علماء فقهاء. بحق أقول لكم: إن قلوبكم بحيث تكون كنوزكم (2) - ولذلك الناس يحبون أموالهم وتتوق إليها أنفسهم (3) - فضعوا كنوزكم في السماء حيث لا يأكلها السوس ولا ينالها اللصوص. بحق أقول لكم: إن العبد لا يقدر على أن يخدم ربين ولا محالة أنه يؤثر أحدهما على الآخر وإن جهد، كذلك لا يجتمع لكم حب الله وحب الدنيا. بحق أقول لكم: إن شر الناس لرجل عالم آثر دنياه على علمه فأحبها وطلبها وجهد عليها حتى لو استطاع أن يجعل الناس في حيرة لفعل، وماذا يغني عن الاعمى سعة نور الشمس وهو لا يبصرها، كذلك لا يغني عن العالم علمه إذ هو لم يعمل به. ما أكثر ثمار الشجر وليس كلها ينفع ويؤكل. وما أكثر العلماء وليس كلهم ينتفع بما علم. وما أوسع


(1) أي فضل علم وكمال. والاحلام: جمع الحلم أي العقل. (2) أي قلب كل احد يكون دائما متعلقا بكنزه الذى يدخره فان كان كنزكم الاعمال الصالحة التى تكنزونها في السماء تكون قلوبكم سماوية، والغرض ان تعلق القلب بكنوز الدنيا وزخارفها ولا يجتمع مع حبه تعالى. قاله المحدث النوري في كتابه معالم العبر عند بيان الحديث. (3) تاق إليها: اشتاق وأسرع. (*)

[ 504 ]

الارض وليس كلها تسكن. وما أكثر المتكلمين وليس كل كلامهم يصدق، فاحتفظوا من العلماء الكذبة الذين عليهم ثياب الصوف منكسي رؤوسهم إلى الارض يزورون (1) به الخطايا يرمقون من تحت حواجبهم (2) كما ترمق الذئاب وقولهم يخالف فعلهم، وهل يجتنى من العوسج العنب ومن الحنظل التين، وكذلك لا يؤثر قول العالم الكاذب إلا زورا وليس كل من يقول يصدق. بحق أقول لكم: إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا وكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، ألم تعلموا أنه من شمخ برأسه إلى السقف شجه، ومن خفض برأسه عنه استظل تحته وأكنه، وكذلك من لم يتواضع لله خفضه ومن تواضع لله رفعه. إنه ليس على كل حال يصلح العسل في الزقاق (3) وكذلك القلوب ليس على كل حال تعمر الحكمة فيها، إن الزق ما لم ينخرق أو يقحل أو يتفل فسوف يكون للعسل وعاء وكذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات ويدنسها الطمع ويقسها النعيم فسوف تكون أوعية للحكمة. بحق أقول لكم: إن الحريق ليقع في البيت الواحد فلا يزال ينتقل من بيت إلى بيت حتى تحترق بيوت كثيرة إلا أن يستدرك البيت الاول فيهدم من قواعده فلا تجد فيه النار معملا وكذلك الظالم الاول لو يؤخذ على يديه لم يوجد من بعده إمام ظالم فيأتمون به كما لو لم تجد النار في البيت الاول خشبا وألواحا لم تحرق شيئا. بحق أقول لكم: من نظر إلى الحية تؤم أخاه لتلدغه ولم يحذره حتى قتلته فلا يأمن أن يكون قد شرك في دمه وكذلك من نظر إلى أخيه يعمل الخطيئة ولم يحذره عاقبتها حتى أحاطت به فلا يأمن أن يكون قد شرك في إثمه. ومن قدر على أن يغير


(1) زور: زين الكذب. الزور: الكذب والباطل. (2) في بعض النسخ [ يطرفون من تحت حواجبهم ] أي ينظرون من تحتها. ورمقته ارمقه أي نظرت إليه. (3) الزقاق - بكسر الزاى وفتح القاف -: جمع زق - بالكسر فالتشديد -: السقاء أو جلد يجز ولا ينتف ويستعمل للزيت والسمن والعسل والماء وغيرها ويقال له بالفارسية " خيك ". ويقحل - بالقاف والحاء المهملة -: ييبس. وتفل - كعلم -: تغيرت رائحته. (*)

[ 505 ]

الظالم ثم لم يغيره فهو كفاعله (1)، وكيف يهاب الظالم وقد أمن بين أظهركم لا ينهى ولا يغير عليه ولا يؤخذ على يديه فمن أين يقصر الظالمون أم كيف لا يغترون، فحسب أن يقول أحدكم: لا أظلم ومن شاء فليظلم ويرى الظلم فلا يغيره. فلو كان الامر على ما تقولون لم تعاقبوا مع الظالمين الذين لم تعملوا بأعمالهم حين تنزل بهم العثرة في الدنيا. ويلكم يا عبيد السوء كيف ترجون أن يؤمنكم الله من فزع يوم القيامة وأنتم تخافون الناس في طاعة الله وتطيعونهم في معصيته وتفون لهم بالعهود الناقضة لعهده. بحق أقول لكم: لا يؤمن الله من فزع ذلك اليوم من اتخذ العباد أربابا من دونه. ويلكم يا عبيد السوء من أجل دنيا دنية وشهوة ردية تفرطون في ملك الجنة وتنسون هول يوم القيامة. ويلكم يا عبيد الدنيا من أجل نعمة زائلة وحياة منقطعة تفرون من الله وتكرهون لقاءه، فكيف يحب الله لقاءكم وأنتم تكرهون لقاءه، فإنما يحب الله لقاء من يحب لقاءه ويكره لقاء من يكره لقاءه. وكيف تزعمون أنكم أولياء الله من دون الناس وأنتم تفرون من الموت وتعتصمون بالدنيا. فماذا يغني عن الميت


(1) وقد كان لمولانا الحسين عليه السلام كلام في هذا المقام قبل واقعة الطف ذكره الطبري في تاريخه ونذكره هنا لمناسبة المقام ليعلم القارئ روح نهضته وقيامه واقدامه المنجر بالشهادة مع أصحابه نقل الطبري في تاريخه: عن أبى مخنف، عن عقبة بن أبى العيزار قال: إن الحسين عليه السلام خطب أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله " ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيئ، أحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غير، وقد أتتنى كتبكم وقدمت على رسلكم ببيعتكم انكم لا تسلموني ولا تخذلونى، فان تممتم على بيعتكم. تصيبوا رشدكم فانا الحسين بن على وابن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، نفسي مع أنفسكم وأهلي مع اهليكم فلكم في اسوة. وان لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتى من اعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبى واخى وابن عمى مسلم والمغرور من اغتر بكم، فحظكم اخطأتم ونصيبكم ضيعتم. ومن نكث فانما ينكث على نفسه وسيغنى الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ". (*)

[ 506 ]

طيب ريح حنوطه وبياض أكفانه وكل ذلك يكون في التراب، كذلك لا يغني عنكم بهجة دنياكم التي زينت لكم وكل ذلك إلى سلب وزوال. ماذا يغني عنكم نقاء أجسادكم وصفاء ألوانكم وإلى الموت تصيرون وفي التراب تنسون وفي ظلمة القبر تغمرون. ويلكم يا عبيد الدنيا تحملون السراج في ضوء الشمس وضوؤها كان يكفيكم وتدعون أن تستضيئوا بها في الظلم ومن أجل ذلك سخرت لكم، كذلك استضأتم بنور العلم لامر الدنيا وقد كفيتموه وتركتم أن تستضيئوا به لامر الآخرة ومن أجل ذلك أعطيتموه. تقولون: إن الآخرة حق وأنتم تمهدون الدنيا. وتقولون: إن الموت حق وأنتم تفرون منه. وتقولون: إن الله يسمع ويرى ولا تخافون إحصاءه عليكم وكيف يصدقكم من سمعكم فإن من كذب من غير علم أعذر ممن كذب على علم وإن كان لا عذر في شئ من الكذب. بحق أقول لكم: إن الدابة إذا لم ترتكب ولم تمتهن (1) وتستعمل لتصعب ويتغير خلقها وكذلك القلوب إذا لم ترفق بذكر الموت وتتعبها دؤوب العبادة (2) تقسو وتغلظ. ماذا يغني عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم، كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم وأجوافكم منه وحشة معطلة، فأسرعوا إلى بيوتكم المظلمة فأنيروا فيها، كذلك فأسرعوا إلى قلوبكم القاسية بالحكمة قبل أن ترين عليها الخطايا فتكون أقسى من الحجارة، كيف يطيق حمل الاثقال من لا يستعين على حملها ؟ أم كيف تحط أوزار من لا يستغفر الله منها، أم كيف تنقى ثياب من لا يغسلها ؟ وكيف يبرأ من الخطايا من لا يكفرها ؟ أم كيف ينجو من غرق البحر من يعبر بغير سفينة ؟ وكيف ينجو من فتن الدنيا من لم يداوها بالجد والاجتهاد ؟ وكيف يبلغ من يسافر بغير دليل، وكيف يصير إلى الجنة من لا يبصر معالم الدين وكيف ينال مرضات الله من لا يطيعه، وكيف يبصر عيب وجهه من لا ينظر في المرآة ؟ وكيف يستكمل


(1) ارتكب الفرس: ركبه أي جعله يركبها: وامتهن الشئ: احتقره. والفرس: استعمله للخدمة والركوب. (2) دأب في العمل دؤوبا أي جد وتعب واستمر عليه. (*)

[ 507 ]

حب خليله من لا يبذل له بعض ما عنده، وكيف يستكمل حب ربه من لا يقرضه بعض ما رزقه ؟ !. بحق أقول لكم: إنه كما لا ينقص البحر أن تغرق فيه السفينة ولا يضره ذلك شيئا كذلك لا تنقصون الله بمعاصيكم شيئا ولا تضرونه بل أنفسكم تضرون وإياها تنقصون، وكما لا تنقص نور الشمس كثرة من يتقلب فيها بل به يعيش ويحيى كذلك لا ينقص الله كثرة ما يعطيكم ويرزقكم بل برزقه تعيشون وبه تحيون، يزيد من شكره، إنه شاكر عليم. ويلكم يا اجراء السوء، الاجر تستوفون والرزق تأكلون والكسوة تلبسون والمنازل تبنون وعمل من استأجركم تفسدون، يوشك رب هذا العمل أن يطالبكم (1) فينظر في عمله الذي أفسدتم فينزل بكم ما يخزيكم، ويأمر برقابكم فتجذ من اصولها ويأمر بأيديكم فتقطع من مفاصلها، ثم يأمر بجثثكم فتجر على بطونها حتى توضع على قوارع الطريق حتى تكونوا عظة للمتقين ونكالا للظالمين. ويلكم يا علماء السوء لا تحدثوا أنفسكم أن آجالكم تستأخر من أجل أن الموت لم ينزل بكم فكأنه قد حل بكم فأظعنكم، فمن الآن فاجعلوا الدعوة في آذانكم، ومن الآن فنوحوا على أنفسكم، ومن الآن فابكوا على خطاياكم، ومن الآن فتجهزوا وخذوا أهبتكم وبادروا التوبة إلى ربكم. بحق أقول لكم: إنه كما ينظر المريض إلى طيب الطعام فلا يلتذه مع ما يجده من شدة الوجع، كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب المال. وكما يلتذ المريض نعت الطبيب العالم بما يرجو فيه من الشفاء، فإذا ذكر مرارة الدواء وطعمه كدر عليه الشفاء، كذلك أهل الدنيا يلتذون ببهجتها وأنواع ما فيها فإذا ذكروا فجأة الموت كدرها عليهم وأفسدها. بحق أقول لكم: إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها وكذلك تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي لها منكم إلا من عمل بها. ويلكم يا عبيد الدنيا نقوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه يهنئكم


(1) في بعض النسخ [ يطالعكم ]. (*)

[ 508 ]

أكله، كذلك فأخلصوا الايمان تجدوا حلاوته وينفعكم غبه. بحق أقول لكم: لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح قطرانه كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها. ويلكم يا عبيد الدنيا لا كحكماء تعقلون ولا كحلماء تفقهون ولا كعلماء تعلمون ولا كعبيد أتقياء ولا كأحرار كرام توشك الدنيا أن تقتلعكم من اصولكم فتقلبكم على وجوهكم ثم تكبكم على مناخركم ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم ويدفعكم العلم من خلفكم حتى يسلماكم إلى الملك الديان عراة فرادى فيجزيكم بسوء أعمالكم. ويلكم يا عبيد الدنيا أليس بالعلم اعطيتم السلطان على جميع الخلائق فنبذتموه فلم تعملوا به، وأقبلتم على الدنيا فبها تحكمون ولها تمهدون وإياها تؤثرون وتعمرون، فحتى متى أنتم للدنيا، ليس لله فيكم نصيب. بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون. فلا تنتظروا بالتوبة غدا، فإن دون غد يوما وليلة قضاء الله فيهما يغدو ويروح. بحق أقول لكم: إن صغار الخطايا ومحقراتها لمن مكايد إبليس: يحقرها لكم ويصغرها في أعينكم فتجتمع فتكثر وتحيط بكم. بحق أقول لكم: إن المدحة بالكذب والتزكية في الدين لمن رأس الشرور المعلومة وإن حب الدنيا لرأس كل خطيئة. بحق أقول لكم: ليس شئ أبلغ في شرف الآخرة وأعون على حوادث الدنيا من الصلاة الدائمة، وليس شئ أقرب إلى الرحمن منها فدوموا عليها واستكثروا منها، وكل عمل صالح يقرب إلى الله فالصلاة أقرب إليه وآثر عنده. بحق أقول لكم: إن كل عمل المظلوم الذي لم ينتصر بقول ولا فعل ولا حقد هو في ملكوت السماء عظيم. أيكم رأى نورا اسمه ظلمة أو ظلمة اسمها نور كذلك لا يجتمع للعبد أن يكون مؤمنا كافرا ولا مؤثرا للدنيا راغبا في الآخرة. وهل زارع شعير يحصد قمحا أو زارع قمح يحصد شعيرا، كذلك يحصد كل عبد في الآخرة ما زرع ويجزى بما عمل.

[ 509 ]

بحق أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجل أتقنها بقوله وضيعها بسوء فعله. ورجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله، وشتان بينهما، فطوبى للعلماء بالفعل وويل للعلماء بالقول. بحق أقول لكم: من لا ينقي من زرعه الحشيش يكثر فيه حتى يغمره فيفسده وكذلك من لا يخرج من قلبه حب الدنيا يغمره حتى لا يجد لحب الآخرة طعما. ويلكم يا عبيد الدنيا اتخذوا مساجد ربكم سجونا لاجسادكم واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات. بحق أقول لكم: إن أجزعكم على البلاء لاشدكم حبا للدنيا. وإن أصبركم على البلاء لازهدكم في الدنيا. ويلكم يا علماء السوء ألم تكونوا أمواتا فأحياكم فلما أحياكم متم. ويلكم ألم تكونوا اميين فعلمكم، فلما علمكم نسيتم. ويلكم ألم تكونوا جفاة ففقهكم الله، فلما فقهكم جهلتم. ويلكم ألم تكونوا ضلالا فهداكم، فلما هداكم ضللتم. ويلكم ألم تكونوا عميا فبصركم، فلما بصركم عميتم. ويلكم ألم تكونوا صما فأسمعكم فلما أسمعكم صممتم. ويلكم ألم تكونوا بكما فأنطقكم، فلما أنطقكم بكمتم. ويلكم ألم تستفتحوا، فلما فتح لكم نكصتم على أعقابكم. ويلكم ألم تكونوا أذلة فأعزكم، فلما عززتم قهرتم واعتديتم وعصيتم، ويلكم ألم تكونوا مستضعفين في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فنصركم وأيدكم، فلما نصركم استكبرتم وتجبرتم. فيا ويلكم من ذل يوم القيامة كيف يهينكم ويصغركم. ويا ويلكم يا علماء السوء إنكم لتعملون عمل الملحدين وتأملون أمل الوارثين (1) وتطمئنون بطمأنينة الآمنين، وليس أمر الله على ما تتمنون وتتخيرون بل للموت تتوالدون وللخراب تبنون وتعمرون وللوارثين تمهدون. بحق أقول لكم: إن موسى عليه السلام كان يأمركم أن لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين ولكن قولوا: لا ونعم، يا بني إسرائيل عليكم بالبقل البري وخبز الشعير، وإياكم


(1) أي الذين يرثون الفردوس. (*)

[ 510 ]

وخبز البر، فإني أخاف عليكم أن لا تقوموا بشكره. بحق أقول لكم: إن الناس معافى ومبتلى فاحمدوا الله على العافية وارحموا أهل البلاء. بحق أقول لكم: إن كل كلمة سيئة تقولون بها تعطون جوابها يوم القيامة. يا عبيد السوء إذا قرب أحدكم قربانه ليذبحه فذكر أن أخاه واجد عليه (1) فليترك قربانه وليذهب إلى أخيه فليرضه ثم ليرجع إلى قربانه فليذبحه. يا عبيد السوء إن اخذ (2) قميص أحدكم فليعط رداءه معه. ومن لطم خده منكم فليمكن من خده الآخر. ومن سخر منكم ميلا (3) فليذهب ميلا آخر معه. بحق أقول لكم: ماذا يغني عن الجسد إذا كان ظاهره صحيحا وباطنه فاسدا. وما تغني عنكم أجسادكم إذا أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة. بحق أقول لكم: لا تكونوا كالمنخل يخرج الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم. بحق أقول لكم: ابدؤوا بالشر فاتركوه ثم اطلبوا الخير ينفعكم، فإنكم إذا جمعتم الخير مع الشر لم ينفعكم الخير. بحق أقول لكم: إن الذي يخوض النهر لابد أن يصيب ثوبه الماء وإن جهد أن لا يصيبه كذلك من يحب الدنيا لا ينجو من الخطايا. بحق أقول لكم: طوبى للذين يتهجدون من الليل أولئك الذين يرثون النور الدائم من أجل أنهم قاموا في ظلمة الليل على أرجلهم في مساجدهم، يتضرعون إلى ربهم رجاء أن ينجيهم في الشدة غدا. بحق أقول لكم: إن الدنيا خلقت مزرعة تزرع فيها العباد الحلو والمر والشر


(1) وجد عليه - من بابى ضرب ونصر -: غضب. (2) في بعض النسخ [ إذا أخذ ]. (3) " ومن سخر " على بناء المجهول أي التسخير وهو التكليف والحمل على العمل بغير اجرة. قاله المحدث النوري في معالم العبر. (*)

[ 511 ]

والخير، والخير له مغبة نافعة يوم الحساب والشر له عناء وشقاء يوم الحصاد. بحق أقول لكم: إن الحكيم يعتبر بالجاهل، والجاهل يعتبر بهواه. اوصيكم أن تختموا على أفواهكم بالصمت حتى لا يخرج منها ما لا يحل لكم. بحق أقول لكم: إنكم لا تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تبتغون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون. بحق أقول لكم: يا عبيد الدنيا كيف يدرك الآخرة من لا تنقص شهوته من الدنيا ولا تنقطع منها رغبته. بحق أقول لكم: يا عبيد الدنيا ما الدنيا تحبون ولا الآخرة ترجون، لو كنتم تحبون الدنيا أكرمتم العمل الذي به أدركتموها ولو كنتم تريدون الآخرة عملتم عمل من يرجوها. بحق أقول لكم: يا عبيد الدنيا إن احدكم يبغض صاحبه على الظن ولا يبغض نفسه على اليقين. بحق أقول لكم: إن أحدكم ليغضب إذا ذكر له بعض عيوبه وهي حق، ويفرح إذا مدح بما ليس فيه. بحق أقول لكم: إن أرواح الشياطين ما عمرت في شئ ما عمرت في قلوبكم. فإنما أعطاكم الله الدنيا لتعملوا فيها للآخرة ولم يعطكموها لتشغلكم عن الآخرة وإنما بسطها لكم لتعلموا أنه أعانكم بها على العبادة ولم يعنكم بها على الخطايا. و إنما أمركم فيها بطاعته ولم يأمركم فيها بمعصيته، وإنما أعانكم بها على الحلال ولم يحل لكم بها الحرام، وإنما وسعها لكم لتواصلوا فيها ولم يوسعها لكم لتقاطعوا فيها. بحق أقول لكم: إن الاجر محروص عليه ولا يدركه إلا من عمل له. بحق أقول لكم: إن الشجرة لا تكمل إلا بثمرة طيبة، كذلك لا يكمل الدين إلا بالتحرج عن المحارم. (1)


(1) تحرج عن المحارم أي تجنب عنها. (*)

[ 512 ]

بحق أقول لكم: إن الزرع لا يصلح إلا بالماء والتراب، كذلك الايمان لا يصلح إلا بالعلم والعمل. بحق أقول لكم: إن الماء يطفئ النار، كذلك الحلم يطفئ الغضب. بحق أقول لكم: لا يجتمع الماء والنار في إناء واحد، كذلك لا يجتمع الفقه والعمى في قلب واحد. (1) بحق أقول لكم: إنه لا يكون مطر بغير سحاب، كذلك لا يكون عمل في مرضات الرب إلا بقلب نقي (2). بحق أقول لكم: إن الشمس (3) نور كل شئ وإن الحكمة نور كل قلب، والتقوى رأس كل حكمة، والحق باب كل خير، ورحمة الله باب كل حق، ومفاتيح ذلك الدعاء والتضرع والعمل، وكيف يفتح باب بغير مفتاح. بحق أقول لكم: إن الرجل الحكيم لا يغرس شجرة إلا شجرة يرضاها ولا يحمل على خيله إلا فرسا يرضاه، كذلك المؤمن العالم لا يعمل إلا عملا يرضاه ربه. بحق أقول لكم: إن الصقالة تصلح السيف وتجلوه، كذلك الحكمة للقلب تصقله وتجلوه، وهي في قلب الحكيم مثل الماء في الارض الميتة تحيي قلبه كما يحيي الماء الارض الميتة، وهي في قلب الحكيم مثل النور في الظلمة يمشي بها في الناس. بحق أقول لكم: إن نقل الحجارة من رؤوس الجبال أفضل من أن تحدث من لا يعقل عنك حديثك، كمثل الذي ينقع الحجارة لتلين (4) وكمثل الذي يصنع الطعام لاهل القبور. طوبى لمن حبس الفضل من قوله الذي يخاف عليه المقت من ربه ولا يحدث حديثا إلا يفهم (5) ولا يغبط امرءا في قوله حتى يستبين له فعله. طوبى لمن تعلم من العلماء ما جهل. وعلم الجاهل مما علم. طوبى لمن عظم العلماء لعلمهم و ترك منازعتهم وصغر الجهال لجهلهم ولا يطردهم ولكن يقربهم ويعلمهم.


(1) في بعض النسخ [ يجتمع الفقه والغى في قلب واحد ] وفى بعضها [ الفقه والعى ]. (2) في بعض النسخ [ تقى ]. (3) في بعض النسخ [ ان النفس ]. (4) لعل المراد تنظيفها من الغبار ونحوه. (5) في بعض النسخ [ لا يفهه ]. (*)

[ 513 ]

بحق أقول لكم: يا معشر الحواريين إنكم اليوم في الناس كالاحياء من الموتى. فلا تموتوا بموت الاحياء. وقال المسيح: يقول الله تبارك وتعالى يحزن عبدي المؤمن أن أصرف عنه الدنيا وذلك أحب ما يكون إلي وأقرب ما يكون مني، ويفرح أن أوسع عليه في الدنيا وذلك أبغض ما يكون إلي وأبعد ما يكون منى. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. " وصية المفضل بن عمر لجماعة الشيعة " اوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله. اتقوا الله وقولوا قولا معروفا. وابتغوا رضوان الله واخشوا سخطه. وحافظوا على سنة الله ولا تتعدوا حدود الله. وراقبوا الله في جميع اموركم. وارضوا بقضائه فيما لكم وعليكم. ألا وعليكم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ألا ومن أحسن إليكم فزيدوه إحسانا واعفوا عمن أساء إليكم. وافعلوا بالناس ما تحبون أن يفعلوه بكم. ألا وخالطوهم بأحسن ما تقدرون عليه وإنكم أحرى أن لا تجعلوا عليكم سبيلا. عليكم بالفقه في دين الله والورع عن محارمه وحسن الصحابة لمن صحبكم برا كان أو فاجرا. ألا وعليكم بالورع الشديد، فإن ملاك الدين الورع. صلوا الصلوات لمواقيتها وأدوا الفرائض على حدودها. ألا ولا تقصروا فيما فرض الله عليكم وبما يرضى عنكم، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " تفقهوا في دين الله ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". وعليكم بالقصد في الغنى والفقر. واستعينوا ببعض الدنيا على الآخرة، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " استعينوا ببعض هذه على هذه ولا تكونوا كلا على الناس ". عليكم بالبر بجميع من خالطتموه وحسن الصنيع إليه.

[ 514 ]

ألا وإياكم والبغي، فإن أبا عبد الله عليه السلام كان يقول: " إن أسرع الشر عقوبة البغي ". أدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والصوم وساير فرائض الله وأدوا الزكاة المفروضة إلى أهلها فإن أبا عبد الله عليه السلام قال: " يا مفضل قل لاصحابك: يضعون الزكاة في أهلها وإني ضامن لما ذهب لهم ". عليكم بولاية آل محمد صلى الله عليه وآله. أصلحوا ذات بينكم ولا يغتب بعضكم بعضا. تزاوروا وتحابوا وليحسن بعضكم إلى بعض. وتلاقوا وتحدثوا ولا يبطنن بعضكم عن بعض (1) وإياكم والتصارم وإياكم والهجران فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " والله لا يفترق رجلان من شيعتنا على الهجران إلا برئت من أحدهما ولعنته وأكثر ما أفعل ذلك بكليهما، فقال له معتب (2): جعلت فداك هذا الظالم فما بال المظلوم ؟ قال: لانه لا يدعو أخاه إلى صلته، سمعت أبي وهو يقول: " إذا تنازع اثنان من شيعتنا ففارق أحدهما الآخر فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول له: يا أخي أنا الظالم حتى ينقطع الهجران فيما بينهما، إن الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم " لا تحقروا ولا ولا تجفوا فقراء شيعة آل محمد عليهم السلام وألطفوهم وأعطوهم من الحق الذي جعله الله لهم في أموالكم وأحسنوا إليهم. لا تأكلوا الناس بآل محمد، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " افترق الناس فينا على ثلاث فرق: فرقة أحبونا انتظار قائمنا ليصيبوا من دنيانا، فقالوا وحفظوا كلامنا وقصروا عن فعلنا، فسيحشرهم الله إلى النار. وفرقة أحبونا وسمعوا كلامنا ولم يقصروا عن فعلنا، ليستأكلوا الناس بنا فيملا الله بطونهم نارا يسلط عليهم الجوع والعطش. وفرقة أحبونا وحفظوا قولنا وأطاعوا أمرنا ولم يخالفوا فعلنا فاولئك منا ونحن منهم " ولا تدعوا صلة آل محمد عليهم السلام من أموالكم: من كان غنيا فبقدر غناه ومن كان فقيرا فبقدر فقره، فمن أراد أن يقضي الله له أهم الحوائج إليه فليصل آل محمد وشيعتهم


(1) في بعض النسخ [ ولا يبطئن ] ولعل المراد ولا ينسا بعضكم بعضا، يقال: بطأ عليه وأبطأ أي أخره والتصارم: التقاطع. (2) معتب - بضم الميم وفتح العين وتشديد التاء المكسورة - هو مولى أبى عبد الله عليه السلام بل من خواص اصحابه وأيضا من اصحاب الامام السابع عليه السلام، ثقة وقد روى عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: موالى عشرة خيرهم معتب. (*)

[ 515 ]

بأحوج ما يكون إليه من ماله. لا تغضبوا من الحق إذا قيل لكم. ولا تبغضوا أهل الحق إذا صدعوكم به، فإن المؤمن لا يغضب من الحق إذا صدع به. وقال أبو عبد الله عليه السلام مرة وأنا معه: يا مفضل كم أصحابك ؟ فقلت: قليل، فلما انصرفت إلى الكوفة أقبلت علي الشيعة فمزقوني كل ممزق: يأكلون لحمي ويشتمون عرضي حتى إن بعضهم استقبلني فوثب في وجهي وبعضهم قعد لي في سكك الكوفة يريد ضربي، ورموني بكل بهتان حتى بلغ ذلك أبا عبد الله عليه السلام، فلما رجعت إليه في السنة الثانية كان أول ما استقبلني به بعد تسليمه علي أن قال: يا مفضل ما هذا الذي بلغني أن هؤلاء يقولون لك وفيك ؟ قلت: وما علي من قولهم، قال: " أجل بل ذلك عليهم، أيغضبون بؤسا لهم، إنك قلت: إن أصحابك قليل، لا والله ماهم لنا شيعة ولو كانوا لنا شيعة ما غضبوا من قولك وما اشمأزوا منه، لقد وصف الله شيعتنا بغير ما هم عليه، وما شيعة جعفر إلا من كف لسانه وعمل لخالقه ورجا سيده وخاف الله حق خيفته، ويحهم أفيهم من قد صار كالحنايا من كثرة الصلاة، أو قد صار كالتائه من شدة الخوف أو كالضرير من الخشوع، أو كالضني من الصيام، أو كالاخرس من طول الصمت والسكوت، أو هل فيهم من قد أدأب ليله من طول القيام وأدأب نهاره من الصيام، أو منع نفسه لذات الدنيا ونعيمها خوفا من الله وشوقا إلينا - أهل البيت - أنى يكونون لنا شيعة وانهم ليخاصمون عدونا فينا حتى يزيدوهم عداوة وانهم ليهرون هرير الكلب ويطمعون طمع الغراب، وأما إني لولا أنني أتخوف عليهم أن أغريهم بك لامرتك أن تدخل بيتك وتغلق بابك ثم لا تنظر إليهم ما بقيت ولكن ان جاؤوك فاقبل منهم، فإن الله قد جعلهم حجة على أنفسهم واحتج بهم على غيرهم ". لا تغرنكم الدنيا وما ترون فيها من نعيمها وزهرتها وبهجتها وملكها فإنها لا تصلح لكم، فو الله ما صلحت لاهلها. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين. تم الكتاب بعون الملك الوهاب والحمد لله الذي من علي فضلا منه بتصحيح هذا السفر القيم والتعليق عليه ووفقني لاتمامه، وذلك من فضله ومنه. على أكبر الغفاري 1376

[ 516 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله على محمد نبي الله وعلى آله آل الله لقد قامت مؤسسة الانتشارات التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم المشرفة بنشاطات واسعة في مجال نشر المعرفة واحياء التراث الاسلامي ونستطيع ان نسجل هنا ما يلى: ا: الكتب التى أنجز طبعها ونشرت وهي: الكتاب المؤلف الآداب الطبية للسيد جعفر مرتضى العاملي الاختصاص للشيخ المفيد الامالي للشيخ المفيد الآداب الطبية للسيد جعفر مرتضى العاملي الاختصاص للشيخ المفيد الامالي للشيخ المفيد التوحيد للشيخ الصدوق الحدائق الناضرة 9 - 15 للبحراني الحياة السياسية للامام الرضا (ع) للسيد جعفر مرتضى العاملي الخصال مع فهرس الاعلام للشيخ الصدوق الدليل إلى موضوعات الصحيفة السجادية الرسائل العشر للشيخ الطوسى شرح مئة كلمة لابن ميثم البحراني ولعبد الوهاب وللوطواط العدل الالهي للمفكر الاسلامي الكبير الشهيد مرتضى المطهري كتاب الخمس والانفال لسماحة آية الله المنتظري مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الاذهان 1 - 3 للمحقق المقدس الاردبيلى المحجة البيضاء ج 1 - 8 للفيض الكاشاني

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية