كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الجليل الاقدم الصدوق أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمى المتوفى سنه 381 صححه وعلق عليه على اكبر الغفاري مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران)
[ 2 ]
الكتاب: كمال الدين وتمام النعمة المؤلف: الشيخ الجليل الاقدم الصدوق الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة - ايران المطبوع: 2000 نسخة التاريخ: محرم الحرام 1405 - الموافق ل: مهر 1363.
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم حمدا لك يامن خلق فرزق، وألهم فأنطلق، وابتدأ فشرع، وعلا فارتفع. وقدر فأتقن، وصور فأحسن، واحتج فأبلغ، و أنعم فأسبغ، وأعطى فأجزل، ومنح فأفضل. وصلاة على سيد رسلك وأفضل بريتك وعلى آله وعترته أئمة الدين والهداة إلى الصراط المستقيم، الحجج المعصومين الذين تكون معرفتهم كمال الدين وولايتهم تمام النعمة، وفي اتباعهم رضى الرب، ثم الفوز إلى الجنة.
[ 4 ]
كلمة المصحح اعلم أني من أول عهدي بالكتاب كنت مولعا بمطالعة كتب الحديث والتفسير محبا لها، حريصا على التنقيب عنها، لما أيقنت في نفسي عن مراس وتجربة أنها خير دليل يدل على مهيع الحق، ويدعو إلى جدد الصدق والعدل، ويحدو إلى المنهج القويم، ويقود إلى الصراط المستقيم. وفيها الحق والحقيقة، والشريعة والطريقة، والعلم والحكمة، والادب و الفضيلة، وبها ينال الانسان سعادته طيلة حياته، وجميل الاحدوثة بعد وفاته. وفي خلال مطالعتي ومراجعتي هذه الكتب رأيت أن أكثرها طبعت ونشرت على وجه لا تطمئن إليها النفس لما نالها من عبث الكتاب والوراق والمطابع فأحببت تخريجها وترصيفها وتصحيحها ونشرها على صورة مرضية بهية، وكان بي في ذلك ظمأ شديد وشغف زائد، وشوق لا يوصف. ولا شك أنه منزع بعيد الشقة متشعب الاطراف، ولا يوفي بهذا الغرض إلا الماهر بطرق المعارف السديدة، وليس في وسعي أن أقوم بهذا المهم، لان بضاعتي مزجاة، ومنتي قليلة، والعمل خطير، والامر فادح جليل. فقلت في نفسي: لا بأس، لان ما لا يدرك كله فلا يترك كله، وليس بجدير أن يرفض العاقل ما قوي عليه احتقارا له إذا لم يقدر على ما هو أكثر منه. فعزمت على ذلك، واستخرت الله تعالى شأنه، واستعنت به عز سلطانه، وأقبلت نحو المأمول، راجيا من المولى تحقيقه فهو خير مسؤل، فيسر سبحانه لي أهبته، وأتاح
لي فرصته، فاعتزلت عن مجالس الاحباب والصدور، وآثرت هذا المشروع على جميع
[ 5 ]
الامور، وشرعت في المقصود، ولم آل جهدا فيه ولا المجهود، فلم أزل مترقبا لاقتناء نسخ الاصول، متفحصا عنها من العلماء والفحول، تاركا نومي في تصحيحها، باذلا جهدي في تحقيقها، عاكفا ليلي ونهاري على ترصيفها وتنسيقها ومقابلتها، وكم بت عليها ليلا إلى السحر، وصافحت بالجبين صفحات الكتاب من السهر. وأنا ببذل عمري في سبيلها مشعوف مسرور، إذ حقق المولى سبحانه الامنية والمأمول، فخرج بتحقيقي إلى اليوم من تآليف العلماء والمحدثين ما جاوز عدد أجزائها التسعين. إذا كان هذا الدمع يجري صبابة * على غير سلمى فهو دمع مضيع وقد أرى كثيرا من أمثالي مع استظهارهم على العلوم قائمين في ظلهم لا يبرحون وراتبين على كعبهم لا يتزحزحون، فهم يرفلون في مطارف اللهو، ويرقلون في ميدان الزهو، يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه. والدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون. فلم يغرني حالهم، ولا تغيرني فعالهم، فما أبالي بعد أن كان الله عزوجل يقول: " فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ". على اكبر الغفاري 1390 ه.
[ 6 ]
المؤلف وموجز من حياته هو الشيخ الاجل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمى المشتهر بالصدوق. أحد أعلام الامامية الاثنى عشرية في القرن الرابع، عين أعيان الطائفة. منار الحق والدين، نادرة الدهر، إمام من تأخر عنه، الذي ضاق نطاق الوصف عن التبسط في شخصيته، وكل ألسنة الاقلام دون وصفه، قد أصفقت الامة المسلمة على تقدمه وعلو رتبته. ولد - رحمه الله - بدعاء الصاحب عجل الله تعالى فرجه وصدر فيه من ناحيته المقدسة بأنه " فقيه خير مبارك " (1) فما فاهت به الاشداق أو حبرته الاقلام بعد هذا التوقيع فهو دون شأنه وعظمته، عمت بركته الانام وانتفع بكتبه وتآليفه الخاص و العام، ضع يدك على كل مأثرة من مأثر العلم والعمل تجده شاهد صدق على سمو مقامه ومكانته، ومن سبر غور الكتب ومعاجم التراجم يجده إماما لمن تأخر عنه لفضله الكثار وعلمه الغزير. أما الفقه فهو حامل رايته، وأما الحديث فهو إمام روايته ودرايته، و أما الكلام فهو ابن بجدته. جمع - قدس سره - مع غزارة العلم، وكمال العقل، وجودة الفهم، وشدة الحفظ، وحسن الذكاء علو الهمة، فسافر من مسقط رأسه إلى بلاد الله العريضة لاخذ الحديث ومشافهة المشايخ، وزيارة قبور الائمة، وترويج المذهب. فرحل إلى الري واستراباد، وجرجان، ونيشابور، ومرو الروذ، وسمرقند، وفرغانة، وبلخ، وهمدان وبغداد، وفيد ومكة، والمدينة ثم اعلم أن للرحلات فوائد عظيمة وهي أقرب الطرق إلى تثقيف العقل والنبوغ في العلم، سوى ما فيها من ترويج العلم وتشييد المذهب ونشر الحقائق، ولولا رجال من الامة يرحلون، فيردون مناهل العلم ثم يصدرون لبقى كثير من الامم في بيئة الضلالة والجهل، وسذاجة الفكر و
(1) الفوائد الرجالية ج 3 ص 293. (*)
[ 7 ]
العقل. والراحل إذا كان نبيها مجدا عارفا أخذ من علماء الامصار زيادات لم يسمعها من علماء مصره، وكثيرا ما يجد عندهم ما لم يجده
عند شيوخه. وهكذا يأخذون عنه ما لم يكن عند علماء بلدهم، ويسمعون منه ما لم يسمعوا من مشايخهم، وكم من مناظرات تقع بين الراحل وعلماء الامصار فيظهر له ولهم الحق ويستبان لهم مذهب الصواب فيزدادوا بصيرة، إلى غيرها من الفوائد. وقد قال الحكيم عزوجل " فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ". فشيخنا المترجم من فرسان هذا الميدان، أحرز قصب السبق من جميع الاقران، وليس لاحد معشار ماله نصيب منها، مع أنه - قدس سره - يستصغر ما كابده وعاناه في أسفاره، واستهان التعب والنصب في رحله وترحاله، من قطع المفاوز والفيا في وجواز البلدان والبوادي، واقتحام السفوح الوعرة، والاقطار الشاسعة، مع صعبوبة المركب ومقاساة السفر، والمخاطر التي كانت للمسافر في تلك العصور. وإن أردت تفصيل رحلاته فاستمع لما يتلى: ولد - رحمه الله - بقم ونشأ بها، وتتلمذ على أساتذتها، وتخرج على مشايخها، ثم هاجر إلى الري بالتماس أهلها وأقام بها، ثم سافر إلى مشهد الرضا عليه السلام، ثم عاد إلى الري، ودخل نيشابور فغشاه الاكابر، وحفد إليه العلماء، فاقتبسوا من نوره و نهلوا من فيضه، وسمع جمعا من مشايخها منهم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي حدثه بداره فيها، وعبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيشابوري، وأبو منصور أحمد بن إبراهيم ابن بكر الخوري، وأبو سعيد المعلم محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المذكر النيشابوري وأبو الطيب الحسين بن أحمد بن محمد الرازي، وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب السجزي وأبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد. وفي خلال تلك الايام التي أقام بنيشابور اختلف الناس إليه فوجد أكثرهم حائرين في أمر الحجة عليه السلام مائلين عن المحجة فبذل مجهوده في ردهم إلى الصواب، وازالة
[ 8 ]
الشك عنهم والارتياب، فأفاد بأثارة من علمه وانموذج من فضله فبهر النواظر والاسماع وانعقد على تقدمه وشيخوخيته الاجماع، فلقب بشيخ مشايخ خراسان، فغادرها إلى مرو الروذ، وسمع جماعة، منهم: أبو الحسين محمد بن علي بن الشاه الفقيه، وأبو يوسف رافع بن عبد الله بن عبد الملك، ثم رحل إلى بغداد فتلقوه باكبار وتقدير، وسمع منه شيوخ الطائفة. وحدثه بها جماعة من المشايخ، منهم: الحسن بن يحيى العلوي الحسيني المعروف بابن أبي طاهر، وإبراهيم بن هارون الهيستي، وعلي بن ثابت الدواليبي، ومحمد بن عمر الحافظ. دخلها مرتين 352 و 355. وحدثه بفيد - بعد منصرفه من زيارة بيت الله الحرام - أبو علي أحمد بن أبي جعفر البيهقي، فورد الكوفة وسمع من مشايخها منهم: محمد بن بكران النقاش، وأحمد بن إبراهيم بن هارون القاضي الفامي في مسجد الكوفة، والحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي الكوفي، وأبو الحسن علي بن عيسى المجاور في المسجد أيضا، وأبو القاسم الحسن ابن محمد السكري المذكر، وأبو ذر يحيى بن زيد بن العباس البزاز، وأبو الحسن علي بن الحسين بن سفيان بن يعقوب الهمداني في منزله بالكوفة، فورد همدان وسمع فيها من القاسم بن محمد بن أحمد بن عبدويه السراج، والفضل بن الفضل بن العباس الكندي، ومحمد بن الفضل بن زيدويه الجلاب الهمداني. ورحل إلى بلخ وسمع من مشايخها، منهم: الحسين بن محمد الاشنائي الرازي العدل، والحسين بن أحمد الاسترابادي، والحسن بن علي بن محمد بن علي بن عمر العطار، والحاكم أبو حامد أحمد بن الحسين بن علي، وعبيد الله بن أحمد الفقيه، وطاهر بن محمد بن يونس بن حيوة الفقيه، وأبو الحسن محمد بن سعيد السمرقندي الفقيه. وقدم إيلاق وحدثه بها محمد بن عمرو بن علي بن عبد الله البصري، ومحمد بن الحسن بن إبراهيم الكرخي الكاتب، وأبا محمد بكر بن علي بن محمد بن الفضل الشاشي الحاكم، وأبو الحسن علي بن عبد الله ابن أحمد الاسواري. وورد عليه بتلك القصبة شريف الدين أبو عبد الله المعروف
بابن نعمة وسأله أن يصنف له كتابا في الفقه والحلال والحرام والشرايع والاحكام فأجاب ملتمسه فصنف له كتاب من لا يحضره الفقيه. ودخل سمرقند وسمع أبا محمد
[ 9 ]
عبدوس بن علي بن العباس الجرجاني، وأبو أسد عبد الصمد بن عبد الشهيد الانصاري ورحل إلى فرغانة، وحدثه بها تميم بن عبد الله القرشي، وأبو أحمد محمد بن جعفر البندار الشافعي الفرغاني، وإسماعيل بن منصور بن أحمد القصار، وأبو محمد محمد بن أبي عبد الله الشافعي (1). كل ذلك للتمسك بالكتاب والاخذ بحجزة أهل بيت الوحي، والذب عن حريمهم، والقيام بفروض الخدمة، وأداء واجب الحق، ونشر الوية المعارف، وترويج المذهب. فقد فتح - رضوان الله عليه - في تاريخ الاسلام لنفسه صحيفة بيضاء واسعة النطاق كنطاق الجوزاء، تشرق منها آثاره ومآثره التي طبق صيتها الافاق، ولا يعتريها في مرور الدهور محاق، كيف لا وهو البحر المتلاطم الزخار، شيخ مشايخ الحديث والاخبار، قد نور بتآليفه مناهج الاقطار، له مرجعية واسعة في الفتيا، يرسل إليه من أرجاء العالم الاسلامي والحواضر العلمية أسئلة مختلفة في موضوعات شتى، وتصدر من ناحيته أجوبتها، يوقفك على ذلك ما أثبته النجاشي في رجاله من جوابات المسائل. قال له: كتاب " جوابات المسائل الواردة من قزوين "، و " جوابات مسائل وردت من مصر " و " جوابات المسائل التي وردت من البصرة "، و " جوابات مسائل وردت من المدائن ". و " كتاب مسألة نيشابور "، و " كتاب رسالته إلى أبي محمد الفارسي "، و " الرسالة الثانية إلى بغداد " و " جواب رسالة وردت في شهر رمضان " (2) و " رسالة في الغيبة إلى الري والمقيمين بها وغيرهم " (3). كما أن له مباحثات ضافية وأجوبة شافية في مناصرة المذهب الحق ومناجزة الباطل منها ما وقع بحضرة الملك ركن الدولة البويهي الديلمي، وذلك بعد أن بلغ صيت فضله وشهرته الافاق، فأرسل الملك إليه واستدعى حضوره لديه، فحضر - قدس
(1) راجع مقدمة معاني الاخبار. (2) فهرست النجاشي ص 278 و 279. (3) معالم العلماء ص 100 وفهرست الطوسى ص 157. (*)
[ 10 ]
سره - مجلسه، فرحب به وأدناه من نفسه وبالغ في تعظيمه وتكريمه وتبجيله، و ألقى إليه مسائل غامضة في المذهب، وفأجاب عنها بأجوبة شافية، وأثبت حقية المذهب ببراهين واضحة بحيث استحسنه الملك والحاضرون، ولم يجد بدا من الاعتراف بصحتها المخالفون. وذكر النجاشي في جملة كتبه: " ذكر مجلس الذي جرى له بين يدي ركن الدولة "، " ذكر مجلس آخر "، " ذكر مجلس ثالث "، " ذكر مجلس رابع "، " ذكر مجلس خامس " (1). وعمدة الكلام في تلك المجالس إثبات مذهب الامامية ولا سيما مسألة الغيبة. وذلك لان الشيعة - الفرقة الاثنى عشرية - بعد ما فقدت راعيها تفرقت وارتابت ووقعت في الحيرة لخفاء الامر عليها. وكان أمر الصاحب عليه السلام منذ أيام السفراء المحمودين إلى أواسط القرن الرابع في ضمير الغيب، لا يكاد يسمع إلا همسا أو من وراء حجاب، لا يعلمه إلا الا وحديون، ولا يعرفه إلا خواص من الشيعة وهم لا يستطيعون الاصحار باسمه ولا وصفه، يعبرون عنه عليه السلام في نواديهم تارة بالصاحب، وأخرى بالغريم، وثالثة بالرجل أو القائم، ويرمزون إليه فيما بين أنفسهم ب " م ح م د) وأمر الامام في تلك الايام في غاية الاستتار. ومن جانب آخر كثرة الشبهات والتشكيكات التي ظهرت من المخالفين كالزيدية وهم العمدة والكيسانية والاسماعيلية والواقفة في موسى بن جعفر عليهما السلام.
فتشابكت هذه العوامل وتتابعت وتضافرت حتى آل الامر إلى تزلزل العقائد وتحير الناس في أمر الامام الغائب عليه السلام وأفضى إلى ارتداد الفئة الناشئة وصرفهم عما كانوا عليه هم وآباؤهم. وأحس المؤلف - رحمه الله - هذا الخطر الداهم فنهض جاهدا لحفظ الشيعة عن هذا الشر المستطير والانهيار المحقق والانهدام المتحتم، ولولا مجاهداته ومباحثاته في الري في مجالس عدة عند ركن الدولة البويهي مع المخالفين وفي نيشابور مع أكثر المختلفين
(1) مقدمة معاني الاخبار بقلم الاستاد المحقق الشيخ عبد الرحيم الربانى. (*)
[ 11 ]
إليه وفي بغداد مع غير واحد من المنكرين، لكاد أن ينفصم حبل الامامية والاعتقاد بالحجة، ويمحى أثرهم ويؤول أمرهم إلى التلاشي والخفوت والاضمحلال والسقوط و يفضي إلى الدمار والبوار. وهذه كتب الحديث والتاريخ تقص علينا ضخامة الاعمال التي نهض بأعبائها هذا المجاهد المناضل وزمرة كبيرة من رجال العلم، وقيام هؤلاء في تدعيم الحق وتنوير الافكار، ودرء شبهات المخالفين وسفاسفهم الممقوتة، ونجاة الفرقة المحقة عن خطر الزوال ومتعسة السقوط، فجزاهم الله عن الاسلام خير جزاء العلماء المجاهدين. تآليفه القيمة ألف - قدس سره - كتبا شتى في جميع فنون الاسلام وما يحتاج إليه الامة المسلمة، ولا يغادر شيئا. كلها بنسق بديع وسلك منضد (1)، تبلغ عددها - على ما ذكره الشيخ الطوسي رحمه الله - ثلاثمائة. غير أن جلها ضاعت واندرست أو دثرت و انطمست تحت أطباق البلى أو تركت في زوايا المكتبات الدارسة المطمورة نسجت عليها عناكب النسيان، فمحيت وما كان يلوح إلا رسمها. وبادت فلا يبقى منها إلا اسمها. نعم: بقي بعضها إلى القرون الاواخر لكن فقد كأنه صعد به إلى السماء أو اختطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، وما يبقى بأيدينا من هذه الثروة الضخمة إلا نزر يسير لم يبلغ عددها عشرين. وهذه البقية أيضا غار نجمها في ستار سخافة الطبع من كثرة الاغلاط والسقطات والتحريفات ونشرت على صورة مشوهة لا يرضى عنها العلم ولا العلماء، لانه طبع أكثرها بأيدي الذين لم يعرفوا قيمة العلم ولا قيمة الكتاب ولا خبرة لهم بالفن. فأمست كتب هذا المؤلف الفذ تراثا نهبا، وعلما ضايعا، بعد ما أصبحت علما ناجعا وبرهانا ساطعا، ونورا وهدى وضياء، ومفخرا للامة، وشاهدا على تقدمها
(1) بالقياس على الموجودة منها. (*)
[ 12 ]
ورقيها، ومقياسا لرشدها. فطواها الدهر طي السجل، ومحا آثارها التي تسمو وتجل، فقد طال على فقدها الامد، وتقضت على ضياعها المدد. وليس البلاء منحصرا بكتب الصدوق قط بل عم مؤلفات جم غفير من العظماء هذا ابن قولويه لم يبق من تآليفه إلا كامل الزيارات مع أنها تربو عدد أبواب الفقه. وهذا شيخنا المفيد له نحو من مائتي مصنف ضاعت واندرست فلم يبق منها إلا قليل. وهكذا كتب الشيخ الطوسي، وكتب العلامة الحلي - رحمهما الله - وقد نقل الطريحي في مجمعه عن بعض الافاضل أنه " وجد بخط العلامة الحلي خمسمائة مجلد من مصنفاته غير خط غيره من تصانيفه " فضاعت تسعة أعشارها وصارت عرضة للناهب، وفقدت فأصبحت كأمس ذاهب. وذلك من أجل ما نشب بين أجيال المسلمين خلال القرون الماضية حروب طاحنة وفتن غاشمة، ووقعت كثيرة من المكتبات معرض الاغارة والنهب، والتبار والبوار، فتعرضوا لها تارة بالغرق واخرى بالاحراق، والتى بقيت بعدها تيك الكوارث صارت عرضة للغارات في حادثة التاتار، فلم تزل هدفا للافات والحدثان حتى في الاونة الاخيرة إذ نحن في غفلة جاء أناس من أقصى البسيطة عرفوا قيمة الكتاب، قيمة التأليف
قيمة العلم فأغاروا على بقية ما بأيدينا من هذه الثروة العلمية الطائلة، وشروها منا بثمن بخس دراهم معدودة. وكنا فيها من الزاهدين. وإني لا أريد أن أزعجك بتطويل الكلام، وما هو بالمقصود والمرام، بل هو شئ أدى إليه مساق الكلام، وأود في هذا المقام أن يقف القارئ عند هذه الملاحظة حتى يرى بعيني الحقيقة ودقة النظر ما ينطوى عليه موقفنا من الخطر، إذ نحن تقاعسنا عن بذل كل مجهود في هذا السبيل. وليس بعيب لنا أن نواجه الحقائق أو نرى بعين الواقع. هذا مجمل القول فيما جرى على الكتب المخطوطة. وأما الكتب المطبوعة، فيالله منها إذ أكثرها طبعت ونشرت على صورة سخيفة مشوهة، وسوى ما فيها من نقص وتحريف أو خطأ وتصحيف لم يعرف فيها أصولها
[ 13 ]
ومن أين أخذت نسختها، ومن هو الذي صححها وقابلها، وبعد الاغماض عن كل ذلك فما ظنك بكتب تتداولها أيدي الكتاب المحترفين وتتعاورها المطابع بشر من ذلك. والباحث فيها مهما أرادفهم جملة أو كلمة أو سطر وقع في الوحل، فيقرؤها مرة ويعود ويضحي بنفسه ويجود، ينظر تارة في المتن واخرى في الحاشية، ثم رفع رأسه فيتنفس ويقول: يا ليتها كانت القاضية هلك عني سلطانيه. فإذا به قد أضاع عمرا و بذل مجهودا ضحية لعب من ناشر امي أو كاتب عامي. نعم: في غمار هذا اللجي ودياجير هذا الدامس تضئ قلة من الكتب صححها أعلام من العلماء وجماعة من الفضلاء آجرهم الله عن الاسلام وهي التي يعتمد عليها من المطبوعات فحسب. وأما الكتبيون فهم جماعة أكثرهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، يجترحون جرائم يسمونها كتبا، ينشرونها في الاسواق، تتناولها أيدي الناس باعظام وإكبار، يحسبونها صحيحا ويثقون بها ويطمئنون إليها ويخضعون لها، وما فيها صحيح إلا قليلا. وأي كتب تبتلى هذا البلاء كتب العلم، كتب الحديث، كتب التفسير، كتب الفقه، كتب الكلام. وجل ما يطبع بأيدي هؤلاء سبيلها كسبيل الوجادة في عدم الاعتبار ولا يعتمد عليها إلا المغفلون. ومجال الكلام فيها فسيح ولا يمكنني أن أبسط القول فيها في هذه العجالة و ليس المقام مقام التفصيل فلنضرب عنها صفحا، وقصارى الكلام أن الكتب المذهبية أمرها خطير فادح عب ؤه، تحتاج إلى جهد وافر واستعداد واسع النطاق ولا يوفي بهذا. الغرض إلا الماهرون بطرق المعارف الدينية، فيجب أن تقوم بمهمتها رجال العلم، رجال الدين، العارفون باللغة، الخبراء بفن التصحيح، الذين لهم عناية تامة بصحة الكتب ومقابلتها وعرضها على اصولها. وهذا هو المعمول في العالم في جميع الملل و النحل، حيث لا يفوضون أمر الكتب المذهبية إلى الكتبيين حتى يجعلونها مطية أهوائهم يتجرون بطبعها ويكتنزون كنوزا بنشرها، والناشرون المعتنون بصحة
[ 14 ]
منشوراتهم الدينية وجودهم كالكبريت الاحمر، والعالم العارف بقيمة ما ينشره قليل. وقد كان دأب بعض الافاضل أو المصححين التسامح في تحقيق بعض الالفاظ المصحفة في كتب الحديث فطفقوا يفسرونه بما يبدو لهم من قرائن الحال وما تسوق إليه أدلة الظن دون الرجوع في ذلك إلى الاصول واستثباته من نصوصها، وكان ذلك مدرجة للزلل في مقام الاخذ والاستشهاد، فضلا عما يقع في مثل هذا الشطط في تحمل الحديث وروايته. وكثيرا ما سقط حرف أو كلمة فيقلب المعنى وانعكس على ضد المراد، ويقع القارئ في وحلة لا يكاد يخرج منها. مثلا في النبوي المعروف المروي في التحف و الخصال: قال عليه السلام: " ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك زوجتك وخادمك والسفلة " فسقط
هنا " واو " والصواب - كما في التحف - " ثلاثة وإن لم تظلمهم ظلموك - الحديث ". وربما سقط سطر أو بيت فلا يستقيم المعنى فخبط الباحث في دياجير اللفظ و هام في تيه التعبير فأخذ بنى تقدير وتأويل وتخريج وتعليل مما يقضي بالعناء الثقيل إلى أن يفرغ منه وفي نفسه منه أشياء. مثال ذلك أن صاحب معادن الحكمة أورد في كتابه عن أمير المؤمنين كتابا إلى شيعته قال فيه في ذم الحكمين - أبي موسى الاشعري و عمرو بن العاصي - هكذا " فنبذا ما في الكتاب وخالفا ما في القرآن وكانا أهله " وتكلف المؤلف في توجيهه وقال: " يعني كانا أهل القرآن على زعمهما، أو على زعم الجاهلين بهما، أو يعني بذلك أنهما كانا أهلا لخلاف القرآن " مع أنه سقط هنا نحو سطر والصواب - كما في غيره من الكتب - هكذا " وخالفا ما في الكتاب واتبعا هواهما بغير هدى من الله فجنبهما الله السداد وأهوى بهما في غمرة الضلال وكانا أهل ذلك ". قال الجاحظ في كتاب الحيوان ج 1 ص 64 طبع بيروت " ربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ و شريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام. وقد قيل: " إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميا ". وهذا هو الحق المبين، والحق أبلج لا يحتاج إلى زيادة البراهين.
[ 15 ]
* (شيوخه وتلامذته) * روى - قدس سره - عن جم غفير من أعلام المحدثين تناهز عددهم 250، راجع مقدمة معاني الاخبار، تخبرك بأسمائهم وأخبارهم. ويروي عنه زرافات من رواد العلم والفضل يبلغ عدد من ذكر منهم العشرين، راجع مقدمة من لا يحضره الفقيه توقفك على من لم تعلم من أعيانهم. * (وفاته ومدفنه) * (1) توفي - قدس الله روحه - سنة 381، وكان بلغ عمره نيفا وسبعين سنة، و قبره بالري بالقرب من قبر عبد العظيم الحسني رضي الله عنه عند بستان طغرلية في بقعة رفيعة في روضة مونقة، وعليها قبة عالية، يزوره الناس ويتبركون به، وقد جدد عمارتها السلطان فتحعلى شاه قاجار سنة 1238 تقريبا بعد ما ظهرت كرامة شاع ذكرها في الناس وثبتت للسطان وأمرائه وأركان دولته، ذكر تفصيلها جمع من الاعاظم كالخوانساري في الروضات والتنكابني في قصص العلماء والمامقاني في تنقيح المقال والخراساني في منتخب التواريخ. والقمي في الفوائد الرضوية وغيرهم في غيرها، قال الخوانساري: ومن جملة كراماته التي قد ظهرت في هذه الاعصار، وبصرت بها عيون جم غفير من أولي الابصار وأهالي الامصار أنه قد ظهر في مرقده الشريف الواقع في رباع مدينة الري المخروبة ثلمة واشتقاق من طغيان المطر، فلما فتشوها وتتبعوها بقصد إصلاح ذلك الموضع بلغوا إلى سردابة فيها مدفنه الشريف، فلما دخلوها وجدوا جثته الشريفة هناك مسجاة عارية غير بادية العورة، جسيمة وسيمة، على أظفارها أثر الخضاب، وفي أطرافها أشباه الفتايل من أخياط كفنه البالية على وجه التراب
(1) منقول من مقدمة معاني الاخبار وهى بقلم استاذنا الشيخ عبد الرحيم الربانى دام ظله. (*)
[ 16 ]
فشاع هذا الخبر في مدينة طهران إلى أن وصل إلى سمع الخاقان المبرور السلطان فتحعلي شاه قاجار جد والد ملك زماننا هذا الناصر لدين الله خلد الله ملكه ودولته، وذلك في حدود ثمان وثلاثين بعد المائتين والالف من الهجرة المطهرة تقريبا، فحضر الخاقان المبرور هناك بنفسه المجللة لتشخيص هذه المرحلة، وأرسل جماعة من أعيان البلدة و علماءهم إلى داخل تلك السردابة، بعد ما لم يروا امناء دولته العلية مصلحة الدولة في دخول الحضرة السلطانية ثمة بنفسه إلى أن انتهى الامر عنده من كثرة من دخل وأخبر إلى مرحلة عين اليقين، فأمر بسد تلك الثلمة وتجديد عمارة تلك البقعة، و
تزيين الروضة المنورة بأحسن التزيين، وإني لا قيت بعض من حضر تلك الواقعة، و كان يحكيها الاعاظم أساتيدنا الاقدمين من أعاظم رؤساء الدنيا والدين (1) إ ه. وقد ذكر المامقاني تلك الواقعة عن العدل الثقة الامين السيد إبراهيم اللواساني الطهراني - قدس سره (2)
كمال الدين وتمام النعمة: كتاب بليغ في موضوعه، ممتاز في بابه، وما رؤي في هذا الموضوع كتاب أنبل منه ولا أعذب مشرعا ولا أطيب منزعا، ليس لاحد من المتقدمين ولا المتأخرين مثله على كثرة ما صنفوا في ذلك في حدة الفكرة ونفاذ الخاطر وما لمؤلفة من الذكاء والنباهة. تشرق آراؤه القيمة في تضاعيفه، وأومضت بروق علومه في صفحاته، تدل على تضلعه وبراعته حسن إيراده وإصداره. يبحث فيه بحثا تحليليا عن شخصية الامام الغائب عليه السلام ووجوده وغيبته وما يؤول إليه أمره عليه السلام. كل ذلك بالاخبار التي وردت عن المعصومين عليهم السلام، ويناضل ويبارز فيه مخالفيه ومنكريه وأجاب عن شبهاتهم ورد على تشكيكاتهم ببراهين ساطعة وحجج بالغة داحضة. وأطال البحث في رد المنكرين وأورد فيه أبحاثا ضافية في إثبات إمامته عليه السلام وغيبته، ويوطد دعواه المدعومة بالبرهان بآي من القرآن وصحاح من الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وعترته الاخيار مالا مزيد عليه. وجمع فيه ما روي في هذا الموضوع واشتهر بين الناس صحيحا كان أو ضعيفا، حسنا كان أو زيفا، لكن لم يحتج إلا بالصحاح أو بالمجمع عليه أو المتواتر منها. وقال في غير موضع منه كما في ص 529 و 638 بعد نقل أخبار: " ليس هذا الحديث وما شاكله من أخبار المعمرين وغيرهم مما أعتمده في أمر الغيبة ووقوعها لان الغيبة إنما صحت لي بما صح عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام من ذلك بالاخبار التي بمثلها صح الاسلام وشرايعه وأحكامه ". طبعاته: طبع مرتان بالطبع الحجري بايران، ومرة بالطبع الحروفي بالنجف، واخرى مترجما وكلها مملوءة من السقط والتحريف والخطأ ولا يعتمد عليها حتى على سطر منها.
[ 20 ]
الاصول المعول عليها في تصحيح الكتاب اعتمدنا في تصحيح الكتاب ومقابلتها على سبع نسخ مخطوطات وإليك وصفها: 1 - نسخة ثمينة مصححة بقلم أحمر مشحونة بالحواشي - وأكثرها رجالية - في 451 صفحة - 20 سطرا - 15 20 x سم - وهي جزءان في مجلد واحد. تاريخ فراغ الجزء الاول ليلة الخميس 12 شهر رمضان المبارك سنة 1079 والجزء الثاني تاريخه يوم الاحد تاسع رجب المرجب سنة 1081. كاتبها أبو طالب محمد بن هاشم بن عبد الله الحسيني الفتال. قد قوبلت بست نسخ - كما خط على ظهرها هكذا: وأرخ الكاتب مقابلته مع النسخ 1081 ه. 2 - نسخة نفيسة مصححة مختلفة الخط كتبت من نسخة وقوبلت بها، انتهى الفراغ من كتابتها ومقابلتها عصر يوم الخميس رابع شهر صفر المظفر سنة 960 في 687 صفحة 19 سطرا - 15 20 x سم -، وهي جزءان في مجلد واحد، كاتبها - كما على ظهر جزئيها - إبراهيم بن محمد الحسيني، سقطت ورقة من أولها. 3 - نسخة ثمينة من أواخر الجزء الاول إلى تمام الكتاب والجزء الثاني منها في 265 صفحة - 21 سطرا - 12 21 x سم. كاتبها فضل الله بن حسين النائيني تاريخها جمادي الاخرة من شهور سنة 1078 ه وهذه النسخ الثلاث كلها للمكتبة العامة التي أسسها سماحة الحجة آية الله السيد
شهاب الدين النجفي المرعشي دام ظله الوارف.
[ 21 ]
4 - نسخة نفيسة مشكولة مصححة موشحة بالحواشي جزءان في مجلد لمكتبة العالم الكامل صاحب الفضيلة الميرزا حسن المصطفوي التبريزي دام مجده نزيل طهران وكانت في 500 صفحة - 25 سطرا - 18 32 x سم - كاتبها ومصححها ومقابلها و محشيها: ابن صفي الدين محمد أحمد الحسيني القمي. تاريخ فراغها يوم الاحد، الرابع عشر من محرم الحرام سنة 1090 سقطت من أولها وأوسطها أوراق. 5 - نسخة عتيقة ثمينة جدا غير مؤرخة لخزانة كتب العالم البارع المحقق المتضلع الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي - دامت أيام إفاداته - نزيل قم المشرفة في مجلد بدون التاريخ وذكر الكاتب. في 716 صفحة - 13 سطرا - 5 26 x ر 19 سم - وسقطت من أولها ورقة ومن أوسطها أوراق. 6 - نسخة نفيسة بخط النستعليق وهي مع علل الشرايع في مجلد لمكتبة استاذنا الاجل الشريف السيد جلال الدين الارموي المشتهر بالمحدث دام ظله في 266 صفحة - 26 سطرا - 20 30 x سم - تاريخها شهر شعبان المعظم سنة 1069 ه. بدون ذكر الكاتب. 7 - نسخة مذهبة ثمينة جيدة متقنة بخط النستعليق معنونة بالحمرة لخزانة كتب الالمعى المفضال الحاج باقر ترقى لا زال مؤيدا مسددا. جزءان في مجلد في 532 صفحة - 18 سطرا. 15 24 x سم - كاتبها محمد كاظم بن محمد معصوم انجو الحسني الحسيني، الجزء الاول منها مؤرخة هكذا " يوم الاربعاء شهر رجب المرجب سنة أربع وخمسين وألف " 1054. والجزء الثاني يوم السبت ثامن عشر شهر رمضان المبارك 1054. ونسخة من المطبوعة لاستاذنا الرباني أيضا صححها بعد الطبع بعض العلماء جيدا وعلق عليها بقلمه وقابلها بنسخة مخطوطة لم يعرفها. والمظنون أنها قوبلت مع النسخة التي وصفناها تحت رقم 4.
[ 22 ]
1 - نسخة مكتبة آية الله المرعشي دامت بركاته
[ 23 ]
2 - نسخة مكتبة آية الله المرعشي دامت بركاته
[ 24 ]
3 - نسخة مكتبة آية الله المرعشي دامت بركاته
[ 25 ]
4 - نسخة خزانة كتب الاستاذ المصطفوى.
[ 26 ]
5 - نسخة مكتبة الحجة الشيخ عبد الرحيم الرباني مد ظله.
[ 27 ]
6 - نسخة مكتبة استادنا الشريف السيد جلال الدين (المحدث).
[ 28 ]
7 - نسخة خزانة كتب الحاج باقر ترقي زيد عزه العالي
[ 29 ]
أما عملي في التصحيح والتحقيق: فاعلم أني راجعت نصوصه أولا النسخة الاولى والرابعة والخامسة، ثم قابلته بالنسخة المطبوعة المذكوة أخيرا التي قوبلت بعد الطبع بسعي بعض الافاضل بنسخة مخطوطة. ثم راجعت موارد الاختلاف بقية النسخ. وكثيرا ما راجعت البحار الطبعة الحروفية الحديثة. واجتهدت في إخراجه صحيحا كاملا على ما في هذه الاصول. وأما النسخ المطبوعة سابقا - سواء كان طبعها حجريا أو حروفيا - مترجما أو
غير مترجم - ففي غاية الاندماج والتصحيف والتحريف وكثرة الاغلاط والسقطات فلا أعتمد على سطر منها. ثم اعلم أن مقدمة المؤلف - وهى قسم كبير من الكتاب - بما أنها مبحث كلامي بحت لكن على غير مصطلح المتكلمين والنسخ كثيرة الاختلاف، عاضدني وأعاني في تصحيح هذا القسم أستاذي الاجل الحجة السيد أبو الحسن المرتضوي الموسوي دام ظله العالي، فنشكر جميل معاضدته ومعاونته. ثم إنى وضعت في هذا القسم فقط لكل موضوع عنوانا ليعرف به القارئ الغرض الذي تضمنه، ويستطيع سبيلا إلى معرفة الموضوع، وذلك لئلا يضيع وقت الباحثين عما يعنيهم في موضوعات الكتاب وأغراضه. ثم إني كلما عثرت على خطأ في تلك النسخ في ضبط رجال الاسانيد صححته ونبهت عليه في الهامش تفاديا من أن يحكم على بعض من لاخبرة له بالرجال بالخطأ أو الغفلة، وأنا مصيب. وأما تحقيق الكتاب فهو شئ لا يحتاج إلى البيان، وهو معلوم بالشهود والعيان،
[ 30 ]
فلا تستصغر أيها القارئ الكريم مجهودي في تخريجه، علم الله سبحانه مقدار ما عانيت في ترصيفه، وما قاسيت في رد الاغلاط إلى صحيحها، فمهما عثرت على سهو فلا تسرع باللوم على المصحح، لانه بذل جهده في تنميقه، لكن السهوات المطبعية لا مخلص لاحد منها. ويكفيك أن تقارن صفحة واحدة من هذه الطبعة بالتي كانت قبلها حتى يلمسك الحقيقة ويشمك ما لقيت من العناء. وفي الختام أمد أكف الضراعة إلى الله سبحانه وأسأله القبول فانه خير معط وأجود مسئول. خادم العلم والدين على اكبر الغفاري
[ 1 ]
كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الجليل الاقدم الصدوق ابى جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمى المتوفى سنه 381 صححه وعلق عليه على اكبر الغفاري الناشر مؤسسه النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران) 1405 - ه ق جميع الحقوق محفوظة الناشر 1395 - ه ق 1354 - ه ش بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. الحمد الله الواحد الاحد الفرد الصمد الحي القادر العليم الحكيم، تقدس و تعالى عن صفة المخلوقين، ذي الجلال والاكرام، والافضال والانعام، والمشيئة النافذة والارادة الكاملة، ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير، لا تدركه الابصار، وهو يدرك الابصار، وهو اللطيف الخبير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق كل شئ، ومالك كل شئ وجاعل كل شئ، ومحدث كل شئ، ورب كل شئ، وأنه يقضي بالحق، ويعدل
في الحكم، ويحكم بالقسط، ويأمر بالعدل والاحسان، وأيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، ولا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يحملها فوق طاقتها، وله الحجة البالغة، ولو شاء لهدى الناس أجمعين، يدعو إلى دار السلام، ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. لا يعجل بالعقوبة ولا يعذب إلا بعد إيضاح الحجة وتقديم الايات والنذارة، لم يستعبد عباده بما لم يبينه لهم، ولم يأمرهم إطاعة من لم ينصبه لهم، ولم يكلهم إلى أنفسهم واختيارهم وآرائهم بطاعته واختراعهم في خلافته (1)، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وأمينه، وأنه بلغ عن ربه، ودعا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعمل بالكتاب وأمر باتباعه، وأوصى بالتمسك
(1) في بعض النسخ " في دينه ".
[ 2 ]
به وبعترته الائمة بعده (1) صلوات الله عليهم، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليه حوضه، وإن اعتصام المسلمين بهما على المحجة الواضحة (2)، والطريقة المستقيمة، والحنيفية البيضاء التي ليلها كنهارها، وباطنها كظاهرها، ولم يدع أمته في شبهة ولا عمى من أمره، ولم يدخر عنهم دلالة ولا نصيحة ولاهداية، ولم يدع برهانا ولا حجة إلا أوضح سبيلها وأقام لهم دليلها لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. وأشهد أنه ليس بمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، وأن الله يخلق من يشاء ويختار، وأنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضاه ويسلموا تسليما، وإن من حرم حلالا ومن حلل حراما، أو غير سنة، أو نقص فريضة، أو بدل شريعة، أو أحدث بدعة يريد أن يتبع عليها ويصرف وجوه الناس إليها فقد أقام نفسه لله شريكا، ومن أطاعه فقد ادعى مع الله ربا، وباء بغضب من الله ومأواه النار وبئس مثوى الظالمين، وحبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. قال الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي مصنف هذا الكتاب - أعانه الله على طاعته -: إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا: أنى لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه رجعت إلى نيسابور وأقمت بها، فوجدت أكثر المختلفين إلي (3) من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم عليه السلام الشبهة، وعدلوا عن طريق التسليم إلى الاراء والمقائيس، فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالاخبار الواردة في ذلك عن النبي والائمة صلوات الله عليهم، حتى ورد إلينا من بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم، طال ما تمنيت لقاءه و
(1) في نسخة " بعد وفاته " (2) في بعض النسخ " وانه يدل المسلمين بهما على المحجة الواضحة ". (3) الاختلاف بعمنى التردد أي الذهاب والمجيئ. (*)
[ 3 ]
اشتقت إلى مشاهدته لدينه وسديد رأيه واستقامة طريقته، وهو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن على بن الصلت القمي - أدام الله توفيقه - وكان أبى يروي عن جده محمد بن أحمد بن على بن الصلت - قدس الله روحه - ويصف علمه وعمله وزهده وفضله وعبادته، وكان أحمد بن محمد بن عيسى في فضله وجلالته يروي عن أبي طالب عبد الله ابن الصلت القمي - رضي الله عنه - وبقي (1) حتى لقيه محمد بن الحسن الصفار وروى عنه، فلما أظفرني الله تعالى ذكره بهذا الشيخ الذي هو من أهل هذا البيت الرفيع شكرت الله تعالى ذكره على ما يسر لي من لقائه وأكرمني به من إخائه وحباني به من وده وصفائه، فبينا هو يحدثنى ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار
الفلاسفة والمنطقيين كلاما في القائم عليه السلام قد حيره وشككه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكرت له فصولا في إثبات كونه عليه السلام ورويت له أخبارا في غيبته عن النبي و الائمة عليهم السلام سكنت إليها نفسه، وزال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشك والارتياب والشبهة، وتلقى ما سمعه من الاثار الصحيحة بالسمع والطاعة والقبول والتسليم، وسألني أن أصنف (له) في هذا المعنى كتابا، فأجبته إلى ملتمسه ووعدته جمع ما ابتغى إذا سهل الله لي العود إلى مستقري ووطني بالري. فبينا أنا ذات ليلة أفكر فيما خلفت ورائي من أهل وولد وإخوان ونعمة إذ غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام وأنا في الشوط السابع عند الحجر الاسود أستلمه وأقبله، وأقول: " أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة " فأرى مولانا القائم صاحب الزمان - صلوات الله عليه - واقفا بباب الكعبة، فأدنو منه على شغل قلب وتقسم فكر، فعلم عليه السلام ما في نفسي بتفرسه في وجهي، فسلمت عليه فرد علي السلام، ثم قال لي: لم لا تصنف كتابا في الغيبة حتى تكفي ما قد همك ؟ فقلت له: يا ابن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء، فقال عليه السلام: ليس على ذلك السبيل آمرك أن تصنف (ولكن صنف) (2) الان كتابا في الغيبة واذكر فيه غيبات الانبياء عليهم السلام.
(1) يعنى عبد الله بن الصلت. (2) كذا في النسخ. (*)
[ 4 ]
ثم مضى صلوات الله عليه، فانتبهت فزعا إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى إلى وقت طلوع الفجر، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلا لامر ولي الله وحجته، مستعينا بالله ومتوكلا عليه ومستغفرا من التقصير، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. الخليفة قبل الخليقة: (1) اما بعد فان الله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه: " وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة - الاية " (2) فبدأ عزوجل بالخليفة قبل الخليقة، فدل ذلك على أن الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليقة، فلذلك ابتدأ به لانه سبحانه حكيم، والحكيم من يبدء بالاهم دون الاعم، وذلك تصديق قول الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام حيث يقول: " الحجة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق " ولو خلق الله عزوجل الخليقة خلوا من الخليفة لكان قد عرضهم للتلف، ولم يردع السفيه عن سفهه بالنوع الذى توجب حكمته من اقامة الحدود وتقويم المفسد. و اللحظة الواحدة لا تسوغ الحكمة ضرب صفح عنها (3)، إن الحكمة تعم كما أن الطاعة تعم، ومن زعم أن الدنيا تخلو ساعة من إمام لزمه أن يصحح مذهب البراهمة في إبطالهم الرسالة، ولو لا أن القرآن نزل بأن محمدا صلى الله عليه وآله خاتم الانبياء لوجب كون رسول في كل وقت، فلما صح ذلك لارتفع معنى كون الرسول بعده وبقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل، وذلك أن الله تقدس ذكره لا يدعو إلى سبب إلا بعد أن يصور في العقول حقائقه، وإذا لم يصور ذلك لم تتسق الدعوة ولم تثبت الحجة، وذلك أن الاشياء تألف أشكالها، وتنبو عن أضدادها. فلو كان في العقل إنكار الرسل لما بعث الله عزوجل نبيا قط. مثال ذلك الطبيب يعالج المريض بما يوافق طباعه، ولو عالجه بدواء يخالف طباعه أدى ذلك ألى تلفه، فثبت أن الله أحكم الحاكمين لا يدعو إلى سبب إلا وله في
(1) العنوان هنا وما يأتي في المقدمة منا أضفناها تسهيلا للباحثين. (2) البقرة: 30. (3) يعنى عن اقامة الحدود. (*)
[ 5 ]
العقول صورة ثابتة، وبالخليفة يستدل على المستخلف كما جرت به العادة في العامة
والخاصة، وفي المتعارف متى استخلف ملك ظالما استدل بظلم خليفته على ظلم مستخلفه وإذا كان عادلا استدل بعدله على عدل مستخلفه، فثبت أن خلافة الله توجب العصمة ولا يكون الخليفة إلا معصوما. وجوب طاعة الخليفة: ولما استخلف الله عزوجل آدم في الارض أوجب على أهل السماوات الطاعة له فكيف الظن بأهل الارض، ولما أوجب الله عزوجل على الخلق الايمان بملائكة الله وأوجب على الملائكة السجود لخليفة الله، ثم لما امتنع ممتنع من الجن عن السجود له أحل به الذل والصغار والدمار، وأخزاه ولعنه إلى يوم القيامة، علمنا بذلك رتبة الامام وفضله، وان الله تبارك وتعالى لما أعلم الملائكة أنه جاعل في الارض خليفة أشهدهم على ذلك لان العلم شهادة فلزم من ادعى أن الخلق يختار الخليفة أن تشهد ملائكة الله كلهم عن آخرهم عليه، والشهادة العظيمة تدل على الخطب العظيم كما جرت به العادة في الشاهد فكيف وأنى ينجو صاحب الاختيار من عذاب الله وقد شهدت عليه ملائكة الله أولهم وآخرهم، وكيف وأنى يعذب صاحب النص وقد شهدت له ملائكة الله كلهم. وله وجه آخر وهو أن القضية في الخليفة باقية إلى يوم القيامة، ومن زعم أن الخليفة أراد به النبوة فقد أخطأ من وجه، وذلك أن الله عزوجل وعد آن يستخلف من هذه الامة (الفاضلة) خلفاء راشدين كما قال جل وتقدس: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا " (1) ولو كانت قضية الخلافة قضية النبوة أوجب حكم الاية أن يبعث الله عزوجل نبيا بعد محمد صلى الله عليه وآله وما صح قوله: " وخاتم النبيين " (2) فثبت * (هامش) (1) النور: 55. (2) الاحزاب: 40. (*)
[ 6 ]
أن الوعد من الله عزوجل ثابت من غير النبوة وثبت أن الخلافة تخالف النبوة بوجه وقد يكون الخليفة غير نبي ولا يكون النبي إلا خليفة. وآخر: هو أنه عزوجل أراد أن يظهر باستعباده الخلق بالسجود لادم عليه السلام نفاق المنافق وإخلاص المخلص كما كشفت الايام والخبر عن قناعيهما أعني ملائكة الله والشيطان، ولو وكل ذلك المعنى - من اختيار الامام - إلى من أضمر سوءا لما كشفت الايام عنه بالتعرض، وذلك أنه يختار المنافق من سمحت نفسه بطاعته والسجود له، فكيف وأنى يوصل إلى ما في الضمائر من النفاق والاخلاص والحسد والداء - الدفين. ووجه آخر: وهو أن الكلمة تتفاضل على أقدار المخاطب والمخاطب، فخطاب الرجل عبده يخالف خطاب سيده، والمخاطب كان الله عزوجل، والمخاطبون ملائكة الله أولهم وآخرهم، والكلمة العموم لها مصلحة عموم كما أن الكلمة الخصوص لها مصلحة خصوص، والمثوبة في العموم أجل من المثوبة في الخصوص كالتوحيد الذي هو عموم على عامة خلق الله يخالف الحج والزكاة وسائر أبواب الشرع الذي هو خصوص فقوله عزوجل: " وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة " دل على أن فيه معنى من معاني التوحيد لما أخرجه مخرج العموم، والكلمة إذا جاورت الكلمة في معنى لزمها ما لزم أختها إذا جمعهما معنى واحد، ووجه ذلك أن الله سبحانه علم أن من خلقه من يوحده ويأتمر لامره، وأن لهم أعداء يعيبونهم ويستبيحوا حريمهم، ولو أنه عزوجل قصر الايدي عنهم جبرا وقهرا لبطلت الحكمة وثبت الاجبار رأسا (1)، وبطل الثواب والعقاب والعبادات، ولما استحال ذلك وجب أن يدفع عن أوليائه بضرب من الضروب لا تبطل به ومعه العبادات والمثوبات فكان الوجه في ذلك إقامة الحدود
كالقطع والصلب والقتل والحبس وتحصيل الحقوق كما قيل: " ما يزع السلطان أكثر
(1) في بعض النسخ " لبطلت الحكمة وتنيه الاختيار ". وفى بعضها " وفائدة الاختيار " وفى بعضها " وتب الاختيار ". (*)
[ 7 ]
مما يزع القرآن " (1) وقد نطق بمثله قوله عزوجل: " لانتم أشد رهبة في صدورهم من الله " (2) فوجب أن ينصب عزوجل خليفة يقصر من أيدي أعدائه عن أوليائه ما تصح به ومعه الولاية لانه لاولاية مع من أغفل الحقوق وضيع الواجبات ووجب خلعه في العقول. جل الله تعالى عن ذلك، والخليفة اسم مشترك لانه لو أن رجلا بنى مسجدا ولم يؤذن فيه ونصب فيه مؤذنا كان مؤذنه، فأما إذا أذن فيه أياما ثم نصب فيه مؤذنا كان خليفته، وكذلك الصورة في العقول والمعارف متى قال البندار: (3) هذا خليفتي كان خليفته على البندرة لا على البريد والمظالم، فكذلك القول في صاحبي البريد والمظالم، فثبت أن الخليفة من الاسماء المشتركة، فكان من صفة الله تعالى ذكره الانتصاف لاوليائه من أعدائه، فوكل من ذلك معنى إلى خليفته فلهذا الشأن استحق معنى الخليفة دون معنى أن يتخذ شريكا معبودا مع الله سبحانه، ولهذا من الشأن قال الله تبارك وتعالى لابليس: " يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت " ثم قال: عزوجل " بيدي أستكبرت " (4) وذلك أنه يقطع العذر ولا يوهم أنه خليفة شارك الله في وحدته، فقال: بعد ما عرفت أنه خلق الله ما منعك أن تسجد، ثم قال: " بيدي أستكبرت " (5) واليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة وقد كان الله عزوجل عليه نعمتان حوتا نعما (6) كقوله عزوجل " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " (7) وهما نعمتان حوتا * (هامش) (1) أي ما يمنع الحاكم أكثر مما يمنع القرآن. (2) الحشر: 13. (3) البندار - بضم الميم -: من بيده ديوان الخراج، ويقال لمحمد بن بشار البصري: " بندار " لانه جمع حديث أهل بلده. (4) سورة ص: 75 وتمامها " أم كنت من العالين ". (5) يعنى الباء في قوله " بيدى " ليست متعلقة بخلقت حتى تكون اليد بمعنى القدرة، بل متعلقة بفعل متأخر هو قوله " استكبرت ". أقول: وفيه مالا يخفى لان الهمزة للاستفهام بقرينة " أم " وشأنها الصدر وعليه فلا يصح أن يكون ما قبلها معمولا لما بعدها كما حقق في محله، وفى حديث عن الرضا عليه السلام قال: يعنى بقدرتي وقوتى. (6) في بعض النسخ " جرتا نعما " وكذا ما يأتي. (7) لقمان: 20. (*)
[ 8 ]
نعما لا تحصى، ثم غلظ عليه القول بقوله عزوجل: " بيدي استكبرت " كقول القائل بسيفي تقاتلني وبرمحي تطاعنني، وهذا أبلغ في القبح وأشنع، فقوله عزوجل: " وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة " كانت كلمة متشابهة أحد وجوهها أنه يتصور عند الجاهل أن الله عزوجل يستشير خلقه في معنى التبس عليه ويتصور عند المستدل إذا استدل على الله عزوجل بأفعاله المحكمة وجلالته الجليلة أنه جل عن أن يلتبس عليه معنى أو يستعجم عليه حال فانه لا يعجزه شئ في السماوات والارض والسبيل في هذه الاية المتشابهة كالسبيل في أخواتها من الايات المتشابهات أنها ترد إلى المحكمات مما يقطع به ومعه العذر للمتطرق إلى السفه والالحاد. فقوله: " وإذ قال ربك للملئكة إنى جاعل في الارض خليفة " يدل على معنى هدايتهم لطاعة جليلة مقترنة بالتوحيد، نافية عن الله عزوجل الخلع والظلم وتضييع الحقوق وما تصح به ومعه الولاية، فتكمل معه الحجة، ولا يبقى لاحد عذر في إغفال حق واخرى أنه عز وجل إذا علم استقلال أحد من عباده لمعنى من معاني الطاعات
ندبه له حتى تحصل له به عبادة ويستحق معها مثوبة على قدرها ما لو أغفل ذلك جاز أن يغفل جميع معاني حقوق خلقه أولهم وآخرهم، جل الله عن ذلك. فللقو ام بحقوق الله وحقوق خلقه مثوبة جليلة متى فكر فيها مفكر عرف أجزاءها إذ لا وصول إلى كلها لجلالتها وعظم قدرها، وأحد معانيها وهو جزء من أجزائها أنه يسعد بالامام العادل النملة والبعوضة والحيوان أولهم وآخرهم بدلالة قوله تعالى: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " (1). ويدل على صحة ذلك قوله عزوجل في قصة نوح عليه السلام: " فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا - الاية " (2). ثم من المدرار ما ينتفع به الانسان وسائر الحيوان، وسبب ذلك الدعاة إلى دين الله والهداة إلى حق الله، فمثوبته على أقداره، وعقوبته على من عانده بحسابه. ولهذا نقول: إن * (هامش) (1) الانبياء: 107. (2) نوح: 10 - 12. (*)
[ 9 ]
الامام يحتاج إليه لبقاء العالم على صلاحه. وقد أخرجت الاخبار التى رويتها في هذا المعنى في هذا الكتاب في باب العلة التى يحتاج من أجلها إلى الامام. ليس لاحد أن يختار الخليفة الا الله عزوجل: وقول الله عزوجل: " وإذ قال ربك للملئكة إنى جاعل في الارض خليفة " " جاعل " منون (1) صفة الله التى وصف بها نفسه، وميزانه قوله: " إنى خالق بشرا من طين (2) فنونه ووصف به نفسه، فمن ادعى أنه يختار الامام وجب أن يخلق بشرا من طين، فلما بطل هذا المعنى بطل الاخر إذ هما في حيز واحد. ووجه آخر: وهو أن الملائكة في فضلهم وعصمتهم لو يصلحوا لاختيار الامام حتى تولى الله ذلك بنفسه دونهم واحتج به على عامة خلقه أنه لا سبيل لهم إلى اختياره لما لم يكن للملائكة سبيل إليه مع صفائهم ووفائهم وعصمتهم، ومدح الله إياهم في آيات كثيرة مثل قوله سبحانه: " بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " (3) وكقوله عزوجل: " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (4) ". ثم إن الانسان بما فيه من السفه والجهل كيف وأنى يستتب له (5) ذلك فهذا والاحكام دون الامامة مثل الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك لم يكل الله عز وجل شيئا من ذلك إلى خلقه، فكيف وكل إليهم الاهم الجامع للاحكام كلها و الحقائق بأسرها. وجوب وحدة الخليفة في كل عصر: وفي قوله عزوجل " خليفة " إشارة إلى خليفة واحدة ثبت به ومعه إبطال قول
(1) يعنى قوله تعالى " جاعل " بالتنوين يفيد الحصر. (2) ص: 71. (3) أنبياء: 26 و 27. (4) التحريم: 6. (5) أي يهيؤ ويستقيم له. وفى بعض النسخ " يستثبت له ". (*)
[ 10 ]
من زعم أنه يجوز أن تكون في وقت واحد أئمة كثيرة، وقد اقتصر الله عزوجل على الواحد، ولو كانت الحكمة ما قالوه وعبروا عنه لم يقتصر الله عزوجل على الواحد، ودعوانا محاذ لدعواهم، ثم إن القرآن يرجح قولنا دون قولهم، والكلمتان إذا تقابلتا ثم رجح إحداهما على الاخرى بالقرآن، كان الرجحان أولى. لزوم وجود الخليفة: ولقوله عزوجل: " وإذ قال ربك للملئكة - الاية " في الخطاب الذي خاطب الله عزوجل به نبيه صلى الله عليه وآله لما قال: " ربك " من أصح الدليل على أنه سبحانه يستعمل
هذا المعنى في أمته إلى يوم القيامة، فان الارض لا تخلو من حجة له عليهم، ولو لا ذلك لما كان لقوله: " ربك " حكمة وكان يجب أن يقول: " ربهم " وحكمة الله في السلف كحكمته في الخلف لا يختلف في مر الايام وكر الاعوام، وذلك أنه عزوجل عدل حكيم لا يجمعه وأحد من خلقه نسب، جل الله عن ذلك. وجوب عصمة الامام: ولقوله عزوجل: " وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة - الاية " معنى، وهو أنه عزوجل لا يستخلف إلا من له نقاء السريرة ليبعد عن الخيانة لانه لو اختار من لا نقاء له في السريرة كان قد خان خلقه لانه لو أن دلالا قدم حمالا خائنا إلى تاجر فحمل له حملا فخان فيه كان الدلال خائنا، فكيف تجوز الخيانة على الله عزوجل وهو يقول - وقوله الحق -: " إن الله لا يهدي كيد الخائنين " (1) وأدب محمدا صلى الله عليه وآله بقوله عزوجل: " ولا تكن للخائنين خصيما " (2) فكيف وأنى يجوز أن يأتي ما ينهى عنه، وقد عير اليهود بسمة النفاق، وقال: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون " (3). * (هامش) (1) يوسف: 52. (2) النساء: 105. (3) البقرة: 44. (*)
[ 11 ]
وفي قول الله عزوجل: " وإذ قال ربك للملئكة إنى جاعل في الارض خليفة " حجة قوية في غيبة الامام عليه السلام، وذلك أنه عزوجل لما قال: " إني جاعل في الارض خليفة " أوجب بهذا اللفظ معنى وهو أن يعتقدوا طاعته فاعتقد عدو الله إبليس بهذه الكلمة نفاقا وأضمره حتى صار به منافقا، وذلك أنه أضمر أنه يخالفه متى استعبد بالطاعة له، فكان نفاقه أنكر النفاق لانه نفاق بظهر الغيب، ولهذا من الشأن صار أخزى المنافقين كلهم، ولما عرف الله عزوجل ملائكته ذلك أضمروا الطاعة له واشتاقوا إليه فأضمروا نقيض ما أضمره الشيطان فصار لهم من الرتبة عشرة أضعاف ما استحق عدو الله من الخزي والخسار، فالطاعة والموالات بظهر الغيب أبلغ في الثواب والمدح لانه أبعد من الشبهة والمغالطة، ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من دعا لاخيه بظهر الغيب ناداه ملك من السماء ولك مثلاه ". وإن الله تبارك وتعالى أكد دينه بالايمان بالغيب فقال: " هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب - الاية " (1) فالايمان بالغيب أعظم مثوبة لصاحبه لانه خلو من كل عيب وريب لان بيعة الخليفة وقت المشاهدة قد يتوهم على المبايع أنه إنما يطيع رغبة في خير أو مال، أو رهبة من قتل أو غير ذلك مما هو عادات أبناء الدنيا في طاعة ملوكهم وإيمان الغيب مأمون من ذلك كله، ومحروس من معايبه بأصله، يدل على ذلك قول الله عزوجل: " فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " (2) ولما حصل للمتعبد ما حصل من الايمان بالغيب لم يحرم الله عزوجل ذلك ملائكته فقد جاء في الخبر إن الله سبحانه قال هذه المقالة للملائكة قبل خلق آدم بسبعمائة عام. وكان يحصل في هذه المدة الطاعة لملائكة الله على قدرها. ولو أنكر منكر هذا الخبر والوقت والا عوام لم يجد بدا من القول بالغيبة ولو ساعة واحدة، والساعة الواحدة لاتتعرى من حكمة ما، وما حصل من الحكمة في الساعة حصل في الساعتين حكمتان وفي الساعات حكم، وما زاد في الوقت إلا زاد في
(1) البقرة: 2. (2) المؤمن: 84. (*)
[ 12 ]
المثوبة وما زاد في المثوبة إلا كشف عن الرحمة، ودل على الجلالة، فصح الخبر أن فيه تأييد الحكمة وتبليغ الحجة.
وفى قول الله عزوجل: " وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة " حجة في غيبة الامام عليه السلام من أوجه كثيرة: أحدها أن الغيبة قبل الوجود أبلغ الغيبات كلها وذلك أن الملائكة ما شهدوا (1) قبل ذلك خليفة قط، وأما نحن فقد شاهدنا خلفاء كثيرين غير واحد قد نطق به القرآن وتواترت به الاخبار حتى صارت كالمشاهدة والملائكة لم يشهدوا (2) واحدا منهم، فكانت تلك الغيبة أبلغ. وآخر: أنها كانت غيبة من الله عزوجل، وهذه الغيبة التي للامام عليه السلام هي من قبل أعداء الله تعالى، فإذا كان في الغيبة التي هي من الله عزوجل عبادة لملائكته فما الظن بالغيبة التي هي من أعداء الله. وفي غيبة الامام عليه السلام عبادة مخلصة (3) لم تكن في تلك الغيبة، وذلك أن الامام الغائب عليه السلام مقموع مقهور مزاحم في حقه، قد غلب قهرا، و (جرى) على شيعته (قسرا) من أعداء الله ما جرى من سفك الدماء ونهب الاموال وإبطال الاحكام والجور على الايتام وتبديل الصدقات وغير ذلك مما لاخفاء به، ومن اعتقد موالاته شاركه في أجره وجهاده، وتبرأ من أعدائه، وكان له في براءة مواليه من أعدائه أجر، وفي ولاية أوليائه أجر يربو على أجر ملائكة الله عزوجل على الايمان بالامام المغيب في العدم، وإنما قص الله عزوجل نبأه قبل وجوده توقيرا وتعظيما له ليستعبد له الملائكة ويتشمروا لطاعته. وإنما مثال ذلك تقديم الملك فيما بيننا بكتاب أو رسول إلى أوليائه أنه قادم عليهم حتى يتهيؤوا لاستقباله وارتياد الهدايا له ما يقطع به ومعه عذرهم في تقصير إن قصروا في خدمته كذلك بدأ الله عزوجل بذكر نبائه إبانة عن جلالته ورتبته، وكذلك قضيته في السلف والخلف، فما قبض خليفة إلاعرف خلقه الخليفة الذي يتلوه، وتصديق
(1) في بعض النسخ " ما شاهدوا ". (2) في بعض النسخ " لم يعهدوا ". (3) في بعض النسخ " عبادة محصلة ". (*)
[ 13 ]
ذلك قوله عزوجل: " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه - الاية " (1) والذي على بينة من ربه محمد صلى الله عليه وآله، والشاهد الذي يتلوه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام. دلالته قوله عزوجل: " ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة " والكلمة - من كتاب موسى المحاذية لهذا المعنى حذوا النعل بالنعل والقذة بالقذة - قوله: " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لاخيه هرون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين " (2). السر في امره تعالى الملائكة بالسجود لادم عليه السلام: واستعبد الله عزوجل الملائكة بالسجود لادم تعظيما له لما غيبه عن أبصارهم وذلك أنه عزوجل إنما أمرهم بالسجود لآدم لما أودع صلبه من أرواح حجج الله تعالى ذكره فكان ذلك السجود لله عزوجل عبودية ولادم طاعة، ولما في صلبه تعظيما، فأبى إبليس أن يسجد لادم حسدا له إذ جعل صلبه مستودع أرواح حجج الله دون صلبه فكفر بحسده وتأبيه، وفسق عن أمر ربه، وطرد عن جواره، ولعن وسمي رجيما لاجل إنكاره للغيبة لانه احتج في امتناعه من السجود لادم بأن قال: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " (3) فجحد ما غيب عن بصره ولم يوقع التصديق به، واحتج بالظاهر الذي شاهده وهو جسد آدم عليه السلام، وأنكر أن يكون يعلم لما في صلبه وجودا، ولم يؤمن بأن آدم إنما جعل قبلة للملائكة وأمروا بالسجود له لتعظيم ما في صلبه، فمثل من آمن بالقائم عليه السلام في غيبته مثل الملائكة الذين أطاعوا الله عزوجل في السجود لادم، ومثل من أنكر القائم عليه السلام في غيبته مثل إبليس في امتناعه من السجود لادم، كذلك روي عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام. حدثنا بذلك محمد بن موسى بن المتوكل - رضي الله عنه - قال: حدثنا محمد بن - أبى عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن جعفر بن عبد الله الكوفي، عن * (هامش
(1) هود: 17. (2) الاعراف: 142. (3) الاعراف: 12. (*)
[ 14 ]
الحسن بن سعيد، عن محمد بن زياد، عن أيمن بن محرز، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أن الله تبارك وتعالى علم آدم عليه السلام أسماء حجج الله كلها ثم عرضهم - وهم أرواح - على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هولاء إن كنتم صادقين بأنكم أحق بالخلافة في الارض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم عليه السلام " قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " قال الله تبارك وتعالى: " يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنباءهم بأسمائهم " وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله تعالى ذكره فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته، ثم غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبتهم وقال لهم: " ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ". حدثنا بذلك أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا الحسين بن علي الكسري قال: حدثنا محمد بن زكريا الجوهري قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام. وهذا استعباد الله عزوجل للملائكة بالغيبة والاية أولها في قصة الخليفة وإذا كان آخرها مثلها كان للكلام نظم وفي النظم حجة، ومنه يؤخذ وجه الاجماع لامة محمد صلى الله عليه وآله أولهم وأخرهم، وذلك أنه سبحانه وتعالى إذا علم آدم الاسماء كلها على ما قاله المخالفون فلا محالة أن أسماء الائمة عليهم السلام داخلة في تلك الجملة، فصار ما قلناه في ذلك باجماع الامة، ومن أصح الدليل عليه أنه لا محالة لما دل الملائكة على السجود لادم فانه حصل لهم عبادة فلما حصل لهم عبادة أوجب باب الحكمة أن يحصل لهم ما هو في حيزه سواء كان في وقت أو في غير وقت فان الاوقات ما تغير الحكمة ولا تبدل الحجة، أولها كآخرها وآخرها كأولها، لا يجوز في حكمة الله أن يحرمهم معنى من معاني المثوبة ولا أن يبخل بفضل من فضائل الائمة لانهم كلهم شرع واحد، دليل ذلك أن الرسل متى آمن مؤمن بواحد منهم، أو بجماعة وأنكرو احدا منهم، لم يقبل منه إيمانه، كذلك القضية في الائمة عليهم السلام أولهم وآخرهم واحد، وقد قال الصادق عليه السلام: " المنكر لاخرنا كالمنكر لاولنا " وقال عليه السلام: " من أنكر واحدا من
[ 15 ]
الاحياء فقد أنكر الاموات ". وسأخرج ذلك في هذا الكتاب مسندا في موضعه إن شاء الله، فصح أن قوله عز وجل: " وعلم آدم الاسماء كلها " أراد به أسماء الائمة عليهم السلام، وللاسماء معان كثيرة وليس أحد معانيها بأولى من الاخر، وللاسماء أوصاف وليس أحد الاوصاف بأولى من الاخر، فمعنى الاسماء أنه سبحانه علم آدم عليه السلام أوصاف الائمة كلها أولها وآخرها، ومن أوصافهم العلم والحلم والتقوى والشجاعة والعصمة والسخاء والوفاء، وقد نطق بمثله كتاب الله عزوجل في أسماء الانبياء عليهم السلام كقوله عزوجل: " واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا " (1) " واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا * واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا " (2) و كقوله عزوجل: " واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * وناديناه من جانب الطور الايمن وقر بناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا " (3) فوصف الرسل عليهم السلام وحمدهم بما كان فيهم من الشيم المرضية والاخلاق الزكية، وكان ذلك أوصافهم وأسماءهم كذلك علم الله عزوجل آدم الاسماء كلها. والحكمة في ذلك أيضا أنه لا وصول إلى الاسماء ووجوه الاستعبادات إلا من طريق السماع، والعقل غير متوجه إلى ذلك، لانه لو أبصر عاقل شخصا من بعيد أو
قريب لما توصل إلى استخراج اسمه ولا سبيل إليه إلا من طريق السماع فجعل الله عز وجل العمدة في باب الخليفة السماع، ولما كان كذلك أبطل به باب الاختيار إذ الاختيار من طريق الاراء، وقضية الخليفة موضوعة على الاسماء والاسماء موضوعة على السماع، فصح به ومعه مذهبنا في الامام أنه يصح بالنص والاشارة، فأما باب الاشارة فمضمر في قوله عزوجل: " ثم عرضهم على الملئكة " فباب العرض مبني على الشخص والاشارة، وباب الاسم مبني على السمع، فصح معنى الاشارة والنص جميعا.
وللعرض الذي قال الله عزوجل: " ثم عرضهم على الملئكة " معنيان أحدهما عرض أشخاصهم وهيئاتهم كما رويناه في باب أخبار أخذ الميثاق والذر، والوجه الاخر أن يكون عزوجل عرضهم على الملائكة من طريق الصفة والنسبة كما يقوله قوم من مخالفينا، فمن كلا المعنيين يحصل استعباد الله عزوجل الملائكة بالايمان بالغيبة. وفى قوله عز وجل: " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " حكم كثيرة: أحدها أن الله عز وجل أهل آدم عليه السلام لتعليم الملائكة أسماء الائمة عن الله تعالى ذكره، وأهل الملائكة لتعلم أسمائهم عن آدم عليه السلام، فالله عزوجل علم آدم وآدم علم الملائكة، فكان آدم في حيز المعلم وكانوا في حيز المتعلمين، هذا ما نص عليه القرآن. وقول الملائكة: " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " فيه أصح دليل وأبين حجة لنا أنه لا يجوز لاحد أن يقول في أسماء الائمة وأوصافهم عليهم السلام إلا عن تعليم الله جل جلاله، ولو جاز لاحد ذلك كان للملائكة أجوز، ولما سبحوا الله دل تسبيحهم على أن الشرع فيه مما ينافي التوحيد، وذلك أن التسبيح تنزيه الله عزوجل وباب التنزيه لا يوجد في القرآن إلا عند قول جاحد أو ملحد أو متعرض لابطال التوحيد والقدح فيه، فلم يستنكفوا إذ لم يعلموا أن يقولوا: " لا علم لنا " فمن تكلف علم مالا يعلم احتج الله عليه بملائكته، وكانوا شهداء الله عليه في الدنيا والاخرة، وإنما أهل الله الملائكة لاعلامهم على لسان آدم عند اعترافهم بالعجز و أنهم لا يعلمون فقال عزوجل: " يا آدم أنبئهم بأسمائهم ". ولقد كلمني رجل بمدينة السلام (1) فقال لي: أن الغيبة قد طالت والحيرة قد اشتدت وقد رجع كثير عن القول بالامامة لطول الامد، فكيف هذا ؟. فقلت له: إن سنة الاولين في هذه الامة جارية حذو النعل بالنعل كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في غير خبر، وأن موسى عليه السلام ذهب إلى ميقات ربه على أن يرجع إلى قومه بعد ثلاثين ليلة فأتمها الله عزوجل بعشرة فتم ميقات ربه أربعين ليلة، و * (هامش) (1) يعنى بغداد. (*)
[ 17 ]
لتأخره عنهم فضل عشرة أيام على ما واعدهم استطالوا المدة القصيرة وقست قلوبهم وفسقوا عن أمر ربهم عزوجل وعن أمر موسى عليه السلام وعصوا خليفته هارون واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وعبدوا عجلا جسدا له خوار من دون الله عزوجل، وقال السامري لهم: " هذا إلهكم وإله موسى " وهارون يعظهم وينهاهم عن عبادة العجل ويقول: " يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسي " (1) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه " (2) والقصة في ذلك مشهورة فليس بعجيب أن يستطيل الجهال من هذه الامة مدة غيبة صاحب زماننا عليه السلام ويرجع كثير منهم عما كانوا دخلوا فيه بغير أصل
وبصيرة، ثم لا يعتبرون بقول الله تعالى ذكره حيث يقول: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون " (3). فقال (4): وما أنزل الله عزوجل في كتابه في هذا المعنى ؟ قلت: قوله عزوجل " الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب " يعنى بالقائم عليه السلام وغيبته. حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل - رحمه الله - قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن عمر بن عبد العزيز، عن غير واحد، عن داود ابن كثير الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب " قال: من أقر بقيام القائم عليه السلام أنه حق. حدثنا علي بن أحمد بن موسي - رحمه الله - قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن علي بن أبي حمزة
(1) طه: 93 و 94. (2) الاعراف: 149. (3) الحديد: 15. (4) يعنى الرجل الذى كلمه بمدينة السلام. (*)
[ 18 ]
عن يحيى بن أبي القاسم قال: سألت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام عن قول الله عزو جل " الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب " فقال: المتقون شيعة على عليه السلام والغيب فهو الحجة الغائب. وشاهد ذلك قول الله عزو جل: " ويقولون لولا انزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين " (1) فأخبر عزو جل أن الاية هي الغيب، والغيب هو الحجة، وتصديق ذلك قول الله عزو جل: " وجعلنا ابن مريم وأمه آية " (2) يعني حجة. حدثنا أبي - رحمه الله - قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: في قول الله عزو جل: " يو م يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " (3) فقال: الايات هم الائمة، والاية المنتظرة هو القائم عليه السلام، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وإن آمنت بمن تقدمه من آبائه عليهم السلام. وقد سمى الله عزو جل يوسف عليه السلام غيبا حين قص قصته على نبيه محمد صلى الله عليه وآله فقال عزو جل: " ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون " (4) فمسى يوسف عليه السلام غيبا لان الانباء التى قصها كانت أنباء يوسف فيما أخبر به من قصته وحاله وما آلت إليه أموره. ولقد كلمني بعض المخالفين في هذه الاية فقال: معنى قوله عزو جل: " الذين يؤمنون بالغيب " أي بالبعث والنشور وأحوال القيامة، فقلت له: لقد جهلت في تأويلك وضللت في قولك فإن اليهود والنصارى وكثيرا من فرق المشركين والمخالفين لدين الاسلام يؤمنون بالبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب فلم يكن الله تبارك وتعالى ليمدح المؤمنين بمدحة قد شركهم فيها فرق الكفر والجحود بل وصفهم الله
عزو جل ومدحهم بما هو لهم خاصة، لم يشركهم فيه أحد غيرهم (1). وجوب معرفة المهدى عجل الله تعالى فرجه:
ولا يكون الايمان صحيحا من مؤمن إلا من بعد علمه بحال من يؤمن به كما قال الله تبارك وتعالى: " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " (2) فلم يوجب لهم صحة ما يشهدون به إلا من بعد علمهم، ثم كذلك لن ينفع إيمان من آمن بالمهدي القائم عليه السلام حتى يكون عارفا بشأنه في حال غيبته وذلك أن الائمة عليهم السلام قد أخبروا بغيبتة عليه السلام ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نقل عنهم واستحفظ في الصحف ودون في الكتب المؤلفة من قبل أن تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقل أو أكثر، فليس أحد من أتباع الائمة عليهم السلام إلا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه ورواياته ودونه في مصنفاته وهي الكتب التى تعرف بالاصول مدونة مستحفظة عند شيعة آل محمد عليهم السلام من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين، وقد أخرجت ما حضرني من الاخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها، فلا يخلو حال هؤلاء الاتباع المؤلفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب بما وقع الان من الغيبة، فألفوا ذلك في كتبهم ودونوه في مصنفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللب والتحصيل، أو أن يكونوا (قد) أسسوا في كتبهم الكذب فاتفق الامر لهم كما ذكروا وتحقق كما وضعوا من كذبهم على بعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالهم، وهذا أيضا محال كسبيل الوجه الاول، فلم يبق في ذلك إلا أنهم حفظوا عن أئمتهم المستحفظين للوصية عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله من ذكر الغيبة وصفة كونها في مقام بعد مقام إلى آخر المقامات ما دونوه في كتبهم وألفوه في اصولهم، وبذلك وشبهه فلج الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا.
(1) هذا النكير من المؤلف - رحمه الله - في غير مورده ومخالف لما روى من طريق جابر عن الباقر عليه السلام في معنى الغيب في الاية " أنه البعث والنشور وقيام القائم والرجعة " وما روى عن الصادق عليه السلام أن المراد بالغيب هنا ثلاثة أشياء " قيام القائم والكرة ويوم القيامة ". (2) الزخرف: 86. (*)
[ 20 ]
وان خصومنا ومخالفينا من أهل الاهواء المضلة قصدوا (1) لدفع الحق وعناده بما وقع من غيبة صاحب زماننا القائم عليه السلام واحتجابه عن أبصار المشاهدين ليلبسوا بذلك على من لم تكن معرفته متقنة (2) ولا بصيرته مستحكمة. اثبات الغيبة والحكمة فيها: فأقول - وبالله التوفيق -: إن الغيبة التي وقعت لصاحب زماننا عليه السلام قد لزمت حكمتها وبان حقها وفلجت حجتها للذي شاهدناه وعرفناه من آثار حكمة الله عزوجل واستقامة تدبيره في حججه المتقدمة في الاعصار السالفة مع أئمة الضلال وتظاهر الطواغيت واستعلاء الفراعنة في الحقب الخالية وما نحن بسبيله في زماننا هذا من تظاهر أئمة الكفر بمعونة أهل الافك والعدوان والبهتان. وذلك أن خصومنا طالبونا بوجود صاحب زماننا عليه السلام كوجود من تقدمه من الائمة عليهم السلام فقالوا: إنه قد مضى على قولكم من عصر وفاة نبينا عليه السلام أحد عشر إماما كل منهم كان موجودا معروفا باسمه وشخصه بين الخاص والعام، فان لم يوجد كذلك فقد فسد عليكم أمر من تقدم من أئمتكم كفساد أمر صاحب زمانكم هذا في عدمه وتعذر وجوده. فأقول - وبالله التوفيق -: إن خصومنا قد جهلوا آثار حكمة الله تعالى وأغفلوا مواقع الحق ومناهج السبيل في مقامات حجج الله تعالى مع أئمة الضلال في دول الباطل في كل عصر وزمان إذ قد ثبت أن ظهور حجج الله تعالى في مقاماتهم في دول الباطل على سبيل الامكان والتدبير لاهل الزمان، فان كانت الحال ممكنة في استقامة تدبير الاولياء لوجود الحجة بين الخاص والعام كان ظهور الحجة كذلك وإن كانت الحال غير ممكنة من استقامة تدبير الاولياء لوجود الحجة بين الخاص والعام وكان استتاره مما توجبه الحكمة ويقتضيه التدبير حجبه الله وستره إلى وقت بلوغ الكتاب أجله،
(1) في بعض النسخ " تصدوا ".
(2) في بعض النسخ " مستقيمة ". (*)
[ 21 ]
كما قد وجدنا من ذلك في حجج الله المتقدمة من عصر وفاة آدم عليه السلام إلى حين زماننا هذا منهم المستخفون ومنهم المستعلنون، بذلك جاءت الاثار ونطق الكتاب. فمن ذلك ما: حدثنا به أبي - رحمه الله - قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن - محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن جرير، عن عبد الحميد ابن أبى الديلم قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: يا عبد الحميد إن لله رسلا مستعلنين ورسلا مستخفين فإذا سألته بحق المستعلنين فسله بحق المستخفين. وتصديق ذلك من الكتاب قوله تعالى: " ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما " (1) فكانت حجج الله تعالى كذلك من وقت وفاة آدم عليه السلام إلى وقت ظهور إبراهيم عليه السلام أوصياء مستعلنين ومستخفين، فلما كان وقت كون إبراهيم عليه السلام ستر الله شخصه وأخفى ولادته، لان الامكان في ظهور الحجة كان متعذرا في زمانه، وكان إبراهيم عليه السلام في سلطان نمرود مستترا لامره و كان غير مظهر نفسه، ونمرود يقتل أولاد رعيته وأهل مملكته في طلبه إلى أن دلهم إبراهيم عليه السلام على نفسه، وأظهر لهم أمره بعد أن بلغت الغيبة أمدها ووجب إظهار ما أظهره للذي أراده الله في إثبات حجته وإكمال دينه، فلما كان وقت وفاة إبراهيم عليه السلام كان له أوصياء حججا لله عزوجل في أرضه يتوارثون الوصية كذلك مستعلنين ومستخفين إلى وقت كون موسى عليه السلام فكان فرعون يقتل أولاد بنى إسرائيل في طلب موسى عليه السلام الذي قد شاع من ذكره وخبر كونه، فستر الله ولادته، ثم قذفت به أمه في اليم كما أخبر الله عزوجل في كتابه " فالتقطه آل فرعون " (2) وكان موسى عليه السلام في حجر فرعون يربيه وهو لا يعرفه، وفرعون يقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه، ثم كان من أمره بعد أن أظهر دعوته ودلهم على نفسه ما قد قصه الله عزوجل في كتابه، فلما كان وقت
(1) النساء: 164. (2) القصص: 7. (*)
[ 22 ]
وفاة موسى عليه السلام كان له أوصياء حججا لله كذلك مستعلنين ومستخفين إلى وقت ظهور عيسى عليه السلام. فظهر عيسى عليه السلام في ولادته، معلنا لدلائله، مظهرا لشخصه، شاهرا لبراهينه، غير مخف لنفسه لان زمانه كان زمان إمكان ظهور الحجة كذلك. ثم كان له من بعده أوصياء حججا لله عز وجل كذلك مستعلنين ومستخفين إلى وقت ظهور نبينا صلى الله عليه وآله فقال الله عزوجل له في الكتاب: " ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك " (1) ثم قال عزوجل: " سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا " (2) فكان مما قيل له ولزم من سنته على إيجاب سنن من تقدمه من الرسل إقامة الاوصياء له كاقامة من تقدمه لاوصيائهم، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله أوصياء كذلك وأخبر بكون المهدي خاتم الائمة عليهم السلام، وأنه يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، نقلت الامة ذلك بأجمعها عنه، وأن عيسى عليه السلام ينزل في وقت ظهوره فيصلي خلفه، فحفظت ولادات الاوصياء ومقاماتهم في مقام بعد مقام إلى وقت ولادة صاحب زماننا عليه السلام المنتظر للقسط والعدل، كما أوجبت الحكمة باستقامة التدبير غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدمة بالوجود. وذلك أن المعروف المتسالم بين الخاص والعام من أهل هذه الملة أن الحسن ابن على والد صاحب زماننا عليهما السلام قد كان وكل به طاغية زمانه إلى وقت وفاته، فلما توفي عليه السلام وكل بحاشيته وأهله وحبست جواريه وطلب مولوده هذا أشد الطلب و كان أحد المتوليين عليه عمه جعفر أخو (3) الحسن بن علي بما ادعاده لنفسه من الامامة ورجا أن يتم له ذلك بوجود ابن أخيه صاحب الزمان عليه السلام فجرت السنة في غيبته
بما جرى من سنن غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدمة، ولزم من حكمة غيبة عليه السلام ما لزم من حكمة غيبتهم.
(1) فصلت: 43. (2) الاسراء: 77. (3) كذا. (*)
[ 23 ]
رد اشكال: وكان من معارضة خصومنا أن قالوا: ولم أوجبتم في الائمة ما كان واجبا في الانبياء، فما أنكرتم أن ذلك كان جائزا في الانبياء وغير جائز في الائمة فإن الائمة ليسوا كالانبياء فغير جائز أن يشبه حال الائمة بحال الانبياء فأوجدونا دليلا مقنعا على أنه جائز في الائمة ما كان جائزا في الانبياء والرسل فيما شبهتم من حال الائمة الذين ليسوا بأشباه الانبياء والرسل، وإنما يقاس الشكل بالشكل والمثل بالمثل، فلن تثبت دعواكم في ذلك، ولن يستقيم لكم قياسكم في تشبيهكم حال الائمة بحال الانبياء عليهم السلام إلا بدليل مقنع. فأقول - وبالله أهتدي -: إن خصومنا قد جهلوا فيما عارضونا به من ذلك ولو أنهم كانوا من أهل التمييز والنظر والتفكر والتدبر باطراح العناد وإزالة العصبية لرؤسائهم ومن تقدم من إسلافهم لعلموا أن كل ما كان جائزا في الانبياء فهو واجب لازم في الائمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وذلك أن الانبياء هم أصول الائمة ومغيضهم (1) والائمة هم خلفاء الانبياء وأوصياؤهم والقائمون بحجة الله تعالى على من يكون بعدهم كيلا تبطل حجج الله وحدود (ه و) شرايعه مادام التكليف على العباد قائما والامر لهم لازما، ولو وجبت المعارضة لجاز لقائل أن يقول: إن الانبياء هم حجج الله فغير جائز أن يكون الائمة حجج الله إذ ليسوا بالانبياء ولا كالانبياء، وله أن يقول أيضا: فغير جائز أن يسموا أئمة لان الانبياء كانوا أئمة وهؤلاء ليسوا بأنبياء فيكونوا أئمة كالانبياء، وغير جائز أيضا أن يقوموا بما كان يقوم به الرسل من الجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك من أبواب الشريعة إذ ليسوا كالرسول ولا هم برسل. ثم يأتي بمثل هذا من المحال مما يكثر تعداده ويطول الكتاب بذكره، فلما فسد هذا كله كانت هذه المعارضة من خصومنا فاسدة كفساده.
(1) المغيض: مجتمع الماء ومدخله في الارض والمراد بالفارسية (انبياء نسخه أصل وسر چشمهء امامانند). وفى بعض النسخ " ومغيضهم " من الافاضة. (*)
[ 24 ]
ثم نحن نبين الان ونوضح بعد هذا كله أن التشاكل بين الانبياء والائمة بين واضح فيلزمهم أنهم حجج الله على الخلق كما كانت الانبياء حججه على العباد، وفرض طاعتهم لازم كلزوم فرض طاعة الانبياء، وذلك قول الله عزوجل: " أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " (1) وقوله تعالى: " ولو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " (2) فولاة الامرهم الاوصياء والائمة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وقد قرن الله طاعتهم بطاعة الرسول وأوجب على العباد من فرضهم ما أوجبه من فرض الرسول كما أوجب على العباد من طاعة الرسول ما أوجبه عليهم من طاعته عزوجل في قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " ثم قال: " من يطع الرسول فقد أطاع الله (3) " وإذا كانت الائمة عليهم السلام حجج الله على من لم يلحق بالرسول ولم يشاهده وعلى من خلفه من بعده كما كان الرسول حجة على من لم يشاهده في عصره لزم من طاعة الائمة ما لزم من طاعة الرسول محمد صلى الله عليه وآله فقد تشاكلوا واستقام القياس فيهم وإن كان الرسول أفضل من الائمة فقد تشاكلوا في الحجة والاسم والفعل (4) والفرض، إذ كان الله جل ثناؤه قد سمى الرسل أئمة بقوله لابراهيم: " إني جاعلك للناس إماما " (5) وقد أخبرنا الله تبارك وتعالى أنه قد فضل الانبياء والرسل بعضهم على بعض فقال تبارك وتعالى: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله
- الاية " (6) وقال: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض - الاية " (7) فتشاكل الانبياء في النبوة وإن كان بعضهم أفضل من بعض، وكذلك تشاكل الانبياء والاوصياء، فمن قاس حال الائمة بحال الانبياء واستشهد بفعل الانبياء على فعل الائمة فقد أصاب في قياسه واستقام له استشهاده بالذي وصفناه من تشاكل الانبياء والاوصياء عليهم السلام.
وجه آخر لاثبات المشاكلة: ووجه آخر من الدليل على حقيقة ما شرحنا من تشاكل الائمة والانبياء عليهم السلام أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " (1) وقال تعالى: " ما آتيكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا " (2) فأمرنا الله عزوجل أن نهتدي بهدى رسول الله صلى الله عليه وآله ونجري الامور (الجارية) على حد ما أجراها رسول الله صلى الله عليه وآله من قول أو فعل، فكان من قول رسول الله صلى الله عليه وآله المحقق لما ذكرنا من تشاكل الانبياء والائمة أن قال: " منزلة علي عليه السلام مني كمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي " فأعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن عليا ليس بنبي وقد شبهه بهارون وكان هارون نبيا ورسولا (و) كذلك شبهه بجماعة من الانبياء عليهم السلام. حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل - رحمه الله - قال: حدثنا على بن الحسين السعد آبادي قال: حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه محمد بن خالد قال: حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني، عن أبيه، عن جده (3) عن عبد الله ابن عباس قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في سلمه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في فطانته وإلى داود في زهده، فلينظر إلى هذا. قال: فنظرنا فإذا على بن أبي طالب قد أقبل كأنما ينحدر
(1) الاحزاب: 21. (2) الحشر: 7. (3) هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني عامى ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، مستقيم الحديث. وابنه عبد الملك عنونه النجاشي وقال: كوفى ثقة عين روى عن أصحابنا ورووا عنه، ولم يكن متحققا بأمرنا، له كتاب يرويه محمد بن خالد. وأما أبوه عنترة بن عبد الرحمن فعنونه العسقلاني في النقريب والتهذيب وقال: ذكره ابن حبان في الثقات وذكر ابن أبى حاتم عن أبى زرعة: أنه كوفى ثقة. (*)
[ 26 ]
من صبب (1) فإذا استقام أن يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله أحدا من الائمة علهيم السلام بالانبياء والرسل استقام لنا أن نشبه جميع الائمة بجميع الانبياء والرسل، وهذا دليل مقنع وقد ثبت شكل صاحب زماننا عليه السلام في غيبته بغيبة موسى عليه السلام وغيره ممن وقعت بهم الغيبة، وذلك أن غيبة صاحب زماننا وقعت من جهة الطواغيت لعلة التدبير من الذي قدمنا ذكره في الفصل الاول. ومما يفسد معارضة خصومنا في نفي تشاكل الائمة والانبياء أن الرسل الذين تقدموا قبل عصر نبينا صلى الله عليه وآله كان أوصياؤهم أنبياء، فكل وصي قام بوصية حجة تقدمه من وقت وفاة آدم عليه السلام إلى عصر نبينا صلى الله عليه وآله كان نبيا، وذلك مثل وصي آدم كان شببث ابنه، وهو هبة الله في علم آل محمد صلى الله عليه وآله وكان نبيا، ومثل وصي نوح عليه السلام كان سام ابنه وكان نبيا، ومثل إبراهيم عليه السلام كان وصيه إسماعيل (2) ابنه و كان نبيا، ومثل موسى عليه السلام كان وصيه يوشع بن نون وكان نبيا، ومثل عيسى عليه السلام كان وصيه شمعون الصفا وكان نبيا، ومثل داود عليه السلام كان وصيه سليمان عليه السلام ابنه
وكان نبيا. وأوصياء نبينا عليهم السلام لم يكونوا أنبياء، لان الله عزوجل جعل محمدا خاتما لهذه الامم (3) كرامة له وتفضيلا، فقد تشاكلت الائمة والانبياء بالوصية كما تشاكلوا فيما قدمنا ذكره من تشاكلهم فالنبي وصي والامام وصي، والوصي إمام والنبي إمام، والنبي حجة والامام حجة (4)، فليس في الاشكال أشبه من تشاكل الائمة والانبياء. وكذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بتشاكل أفعال الاوصياء فيمن تقدم وتأخر من قصة يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام مع صفراء بنت شعيب زوجة موسى وقصة
(1) أي يرفع رجليه رفعا بينا بقوة دون احتشام وتبختر. والصبب: ما انحدر من الارض أو الطريق. (2) في بعض النسخ " اسحاق ". (3) في بعض النسخ " لهذا الاسم " أي النبوة. (4) في بعض النسخ " والوصى حجة ". (*)
[ 27 ]
أمير المؤمنين عليه السلام وصى رسول الله صلى الله عليه وآله مع عائشة بنت أبى بكر، وإيجاب غسل الانبياء أوصيائهم بعد وفاتهم. حدثنا على بن أحمد الدقاق - رحمه الله - قال: حدثنا حمزة بن القاسم قال: حدثنا أبو الحسن علي بن الجنيد الرازي قال: حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا الحسن ابن علي (1)، عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبى عليه السلام: يا رسول الله من يغسلك إذا مت ؟ قال: يغسل كل نبي وصيه، قلت: فمن وصيك يارسول الله ؟ قال: على بن أبى طالب قلت: كم يعيش بعدك يا رسول الله ؟ قال: ثلاثين سنة، فان يوشع بن نون وصى موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى عليه السلام فقالت: أنا أحق منك بالامر فقاتلها فقتل مقاتليها وأسرها فأحسن أسرها، وأن ابنة أبى بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من امتى فتقاتلها فيقتل مقاتليها ويأسرها فيحسن أسرها، وفيها أنزل الله عزوجل: " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى " (2) يعنى صفراء بنت شعيب، فهذا الشكل قد ثبت بين الائمة والانبياء بالاسم والصفة والنعت والفعل، وكل ما كان جائزا في الانبياء فهو جائز يجري في الائمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، ولو جاز أن تجحد إمامة صاحب زماننا هذا لغيبته بعد وجود من تقدمه من الائمة عليهم السلام لوجب أن تدفع نبوة موسى بن عمران عليه السلام لغيبته إذ لم يكن كل الانبياء كذلك، فلما لم تسقط نبوة موسى لغيبتة وصحت * (هامش) (1) هو الحسن بن على الخلال أبو على - وقيل أبو محمد - الحلواني نزيل مكة ثقة ثبت يروى عن عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميرى مولاهم أبى بكر الصنعانى، قال أحمد ابن صالح المصرى: قلت لاحمد بن حنبل: رأيت أحدا أحسن حديثا من عبد الرزاق ؟ قال: لا. ويرموه القوم بالتشيع. يروى عن أبيه همام وهو ثقة يروى عن مينا بن أبى مينا الزهري الخزاز مولى عبد الرحمن بن عوف وهو شيعي جرحه العامة لتشيعه. وما في النسخ من الحسين بن على بن عبد الرزاق، فهو تصحيف. (2) الاحزاب: 32. (*)
[ 28 ]
نبوته مع الغيبة كما صحت نبوة الانبياء الذين لم تقع بهم الغيبة فكذلك صحت إمامة صاحب زماننا هذا مع غيبتة كما صحت إمامة من تقدمه من الائمة الذين لم تقع بهم الغيبة. وكما جاز أن يكون موسى عليه السلام في حجر فرعون يربيه وهو لا يعرفه و يقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه فكذلك جائز أن يكون صاحب زماننا موجودا بشخصه بين الناس، يدخل مجالسهم ويطأ بسطهم ويمشي في أسواقهم، وهم لا يعرفونه إلى أن
يبلغ الكتاب أجله. فقد روي عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: في القائم سنة من موسى، و سنة من يوسف، وسنة من عيسى، وسنة من محمد صلى الله عليه وآله: فأما سنة موسى فخائف يترقب، وأما سنة يوسف فان إخوته كانوا يبايعونه ويخاطبونه ولا يعرفونه، وأما سنة عيسى فالسياحة، وأما سنة محمد صلى الله عليه وآله فالسيف. رد اشكال: فكان من الزيادة لخصومنا أن قالوا: ما أنكرتم إذ قد ثبت لكم ما ادعيتم من الغيبة كغيبة موسى عليه السلام ومن حل محله من الائمة (1) الذين وقعت بهم الغيبة أن تكون حجة موسى لم تلزم أحدا إلا من بعد أن أظهر دعوته ودل على نفسه وكذلك لا تلزم حجة إمامكم هذا لخفاء مكانه وشخصه حتى يظهر دعوته ويدل على نفسه (كذلك) فحينئذ تلزم حجته وتجب طاعته، وما بقى في الغيبة فلا تلزم حجته، ولا تجب طاعته. فأقول - وبالله أستعين -: إن خصومنا غفلوا عما يلزم من حجة حجج الله في ظهورهم واستتارهم وقد ألزمهم الله تعالى الحجة البالغة في كتابه ولم يتركهم سدى في جهلهم وتخبطهم ولكنهم كما قال الله عزوجل: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (2) إن الله عزوجل قد أخبرنا في قصة موسى عليه السلام أنه كان له شيعة
(1) في بعض النسخ " من الانبياء ". (2) سوره محمد صلى الله عليه وآله: 24. (*)
[ 29 ]
وهم بأمره عارفون وبولايته متمسكون ولدعوته منتظرون قبل إظهار دعوته، ومن قبل دلالته على نفسه حيث يقول: " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه " (1) وقال عزوجل حكاية عن شيعة: " قالوا اوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا - الاية " (2) فأعلمنا الله عزوجل في كتابه أنه قد كان لموسى عليه السلام شيعة من قبل أن يظهر من نفسه نبوة، وقبل أن يظهر له دعوة يعرفونه ويعرفهم بموالاة موسى صاحب الدعوة ولم يكونوا يعرفون أن ذلك الشخص هو موسى بعينه، وذلك أن نبوة موسى إنما ظهرت من بعد رجوعه من عند شعيب حين سار بأهله من بعد السنين التي رعى فيها لشعيب حتى استوجب بها أهله فكان دخوله المدينة حين وجد فيها الرجلين قبل مسيره إلى شعيب، وكذلك وجدنا مثل نبيبا محمد صلى الله عليه وآله وقد عرف أقوام أمره قبل ولادته وبعد ولادته، وعرفوا مكان خروجه ودار هجرته من قبل أن يظهر من نفسه نبوة، ومن قبل ظهور دعوته وذلك مثل سلمان الفارسى - رحمه الله -، ومثل قس بن ساعدة الايادي، ومثل تبع الملك، ومثل عبد المطلب، وأبي طالب، ومثل سيف بن ذي - يزن، ومثل بحيرى الراهب، ومثل كبير الرهبان في طريق الشام، ومثل أبي مويهب الراهب، ومثل سطيح الكاهن، ومثل يوسف اليهودي، ومثل ابن حواش الحبر المقبل من الشام، ومثل زيد بن عمرو بن نفيل، ومثل هؤلاء كثير ممن قد عرف النبي صلى الله عليه وآله بصفته ونعته واسمه ونسبه قبل مولده وبعد مولده، والاخبار في ذلك موجودة عند الخاص والعام، وقد أخرجتها مسندة في هذا الكتاب في مواضعها، فليس من حجة الله عزوجل نبي ولا وصي إلا وقد حفظ المؤمنون وقت كونه وولادته وعرفوا أبويه ونسبه في كل عصر وزمان حتى لم يشتبه عليهم شئ من أمر حجج الله عزوجل في ظهورهم وحين استتارهم، وأغفل ذلك أهل الجحود والضلال والكنود فلم يكن عندهم (علم) شئ من أمرهم، وكذلك سبيل صاحب زماننا عليه السلام حفظ أولياؤه المؤمنون من أهل
(1) القصص: 15. (2) الاعراف: 129. (*)
[ 30 ]
المعرفة والعلم وقته وزمانه وعرفوا علاماته وشواهد أيامه (1) وكونه ووقت ولادته
ونسبه، فهم على يقين من أمره في حين غيبته ومشهده، وأغفل ذلك أهل الجحود و الانكار والعنود، وفي صاحب زماننا عليه السلام قال الله عزوجل: " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " (2) وسئل الصادق عليه السلام عن هذه الاية فقال: الايات هم الائمة، والاية المنتظرة هو القائم المهدي عليه السلام فإذا قام لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وإن آمنت بمن تقدم من آبائه عليهم السلام ". حدثنا بذلك أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني - رضي الله عنه - قال: حدثنا على بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، والحسن بن محبوب، عن على ابن رئاب وغيره، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام. وتصديق ذلك (أن الايات هم الحجج) من كتاب الله عزوجل قول الله تعالى: " وجعلنا ابن مريم وأمه آية " (3) يعني حجة، وقوله عزوجل لعزير (4) حين أحياه الله من بعد أن أماته مائة سنة " فانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس " (5) يعني حجة فجعله عزوجل حجة على الخلق وسماه آية. وإن الناس لما صح لهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الغيبة الواقعة بحجة الله تعالى ذكره على خلقه وضع كثير منهم الغيبة غير موضعها أولهم عمر بن الخطاب فانه قال لما قبض النبي صلى الله عليه وآله: والله ما مات محمد وإنما غاب كغيبة موسى عليه السلام عن قومه وإنه سيظهر لكم بعد غيبته. حدثنا أحمد بن محمد بن الصقر الصائغ العدل قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن العباس ابن بسام قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن يزداد قال: حدثنا نصر بن سيار بن داود
(1) في بعض النسخ " وشواهد آياته ". (2) الانعام: 158. (3) المؤمنون: 50. (4) في بعض النسخ " لارميا ". (5) البقرة: 259. (*)
[ 31 ]
الاشعري قال: حدثنا محمد بن عبد ربه (1)، وعبد الله بن خالد السلولي أنهما قالا: حدثنا أبو معشر نجيح المدني قال: حدثنا محمد بن قيس، ومحمد بن كعب القرظي، و عمارة بن غزية، وسعيد بن أبي سعيد المقبري (2)، وعبد الله بن أبي مليكة وغيرهم من مشيخة أهل المدينة قالوا: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل عمر بن الخطاب يقول: والله ما مات محمد وإنما غاب كغيبة موسى عن قومه وإنه سيظهر بعد غيبته فما زال يردد هذا القول ويكرره حتى ظن الناس أن عقله قد ذهب، فأتاه أبو بكر وقد اجتمع الناس عليه يتعجبون من قوله فقال: اربع على نفسك يا عمر (3) من يمينك التى تحلف بها، فقد أخبرنا الله عزوجل في كتابه فقال: يا محمد " إنك ميت وإنهم ميتون (4) " فقال عمر: وإن هذه الاية لفي كتاب الله يا أبا بكر ؟ فقال: نعم أشهد بالله لقد ذاق محمد
(1) محمد بن يزداد الرازي قال أبو النضر العياشي: لا بأس به. ونصر بن سيار لم أجد من ذكره وليس هو بنصر بن سيار والى خراسان من قبل هشام بن عبد الملك، و محمد بن عبد ربه الانصاري اجاز التلعكبرى جميع حديثه وكان يروى عن سعد بن عبد الله و عبد الله بن جعفر الحميرى ونظرائهما كما في منهج المقال. وأما عبد الله بن خالد فلم أعرفه. (2) أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي - بكسر المهملة وسكون النون - المدنى مولى بنى هاشم مشهور بكنيته وليس بقوى في الحديث، ومحمد بن قيس شيخه ضعيف كما في التقريب. وأما محمد بن كعب القرظى فثقة عالم ولد سنة أربعين على الصحيح ومات سنة 120 وقيل قبل ذلك. وأما عمارة بن غزية المدنى فوثقه أحمد وأبو زرعة وقال يحيى بن معين: صالح وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وكان صدوقا. وأما سعيد بن أبى سعيد فاسمه كيسان المقبرى أبو سعد المدنى، والمقبرى نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورا لها فهو ثقة صدوق كما في التهذيب. واما عبد الله بن أبى مليكة فهو عبد الله بن عبيد الله وأبو ملكية بالتصغير ثقة فقيه.
(3) أي ارفق بنفسك وكف عن هذا القول واليمين. (4) الزمر: 30. (*)
[ 32 ]
الموت، ولم يكن عمر جمع القرآن (1). الكيسانية: ثم غلطت الكيسانية بعد ذلك حتى ادعت هذه الغيبة لمحمد بن الحنفية - قدس الله روحه - حتى أن السيد بن محمد الحميري رضي الله عنه (2) اعتقد ذلك وقال فيه: ألا إن الائمة من قريش * ولاة الامر أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه * هم أسباطنا والاوصياء (3) فسبط سبط إيمان وبر * وسبط قد حوته كربلاء (4) وسبط لا يذوق الموت حتى * يقود الجيش يقدمه اللواء (5) يغيب فلا يرى عنا زمانا (6) * برضوى عنده عسل وماء وقال فيه السيد - رحمة الله عليه - أيضا: أيا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى * فحتى متى يخفى وأنت قريب فلو غاب عنا عمر نوح لا يقنت * منا النفوس بأنه سيؤوب (7)
(1) أي لم يقرء أو يحفظ جميع القرآن. (2) هو اسماعيل بن محمد الحميرى، سيد الشعراء. كان يقول أولا بامامة محمد بن الحنفية ثم رجع إلى الحق، وأمره في الجلالة والمجد ظاهر لمن تتبع كتب التراجم. قيل: توفى ببغداد سنة 179 فبعثت الاكابر والشرفاء من الشيعة سبعين كفنا له، فكنفه الرشيد من ماله ورد الاكفان إلى أهلها. (3) في " الفرق بين الفرق " لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفر ايينى " هم الاسباط ليس بهم خفاء " وكذا في الملل والنحل للشهرستاني. (4) في الفرق " وسبط غيبته كربلاء ". وكذا في اعلام الورى المنقول من كمال الدين. (5) في الفرق والملل " يقود الخيل يقدمها اللواء ". (6) في الفرق " تغيب لا يرى فيهم زمانا ". (7) هذا المصراع في بعض النسخ هكذا " نفوس البرايا أنه سيؤوب ". (*)
[ 33 ]
وقال فيه السيد أيضا: ألاحي المقيم بشعب رضوى * واهد له بمنزله السلاما وقل: يا ابن الوصي فدتك نفسي * أطلت بذلك الجبل المقاما فمر بمعشر والوك منا * وسموك الخليفة والاماما فماذاق ابن خولة طعم موت * ولاوارت له أرض عظاما فلم يزل السيد ضالا في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية حتى لقى الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ورأى منه علامات الامامة وشاهد فيه دلالات الوصية، فسأله عن الغيبة، فذكر له أنها حق ولكنها تقع في الثاني عشر من الائمة عليهم السلام وأخبره بموت محمد بن الحنفية وأن أباه شاهد دفنه، فرجع السيد عن مقالته واستغفر من اعتقاده ورجع إلى الحق عند اتضاحه له، ودان بالامامة. حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار النيسابوري - رضى الله عنه - قال: حدثنا علي بن محمد قتيبة النيسابوري، عن حمدان بن سليمان، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيان السراج قال: سمعت السيد بن محمد الحميري يقول: كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي - ابن الحنفية - قد ضللت في ذلك زمانا، فمن الله علي بالصادق جعفر بن - محمد عليهما السلام وأنقذني به من النار، وهداني إلى سواء الصراط، فسألته بعد ما صح عندي بالد لائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله علي وعلى جميع أهل زمانه وأنه الامام
الذي فرض الله طاعته وأوجب الاقتداء به، فقلت له،: يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع ؟ فقال عليه السلام: إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الائمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الارض و صاحب الزمان، والله لو بقى في غيبته ما بقى نوح في قومه (1) لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملا لاأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. قال السيد: فلما
(1) في بعض النسخ " في الارض ". (*)
[ 34 ]
سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه، وقلت قصيدتي التي أولها: فلما رأيت الناس في الدين قد غووا * تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا (1) وناديت باسم الله والله اكبر * وأيقنت أن يعفو ويغفر ودنت بدين الله ماكنت دينا (2) * به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت: فهبني قد تهودت برهة * وإلا فديني دين من يتنصر وإني إلى الرحمن من ذاك تائب * إني قد أسلمت والله أكبر فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت اخفي واظهر ولا قائل حي برضوى محمد * وإن عاب جهال مقالي وأكثروا ولكنه ممن مضى لسبيله * على أفضل الحالات يقفي ويخبر مع الطيبين الطاهرين الاولى لهم * من المصطفى فرع زكي وعنصر إلى آخر القصيدة، (وهي طويلة) وقلت بعد ذلك قصيدة اخرى: أيا راكبا نحو المدينة جسرة * عذافرة يطوى بها كل سبسب (3) إذا ما هداك الله عاينت جعفرا * فقل لولي الله وابن المهذب ألا يا أمين الله وابن أمينه * أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي إليك من الامر الذي كنت مطنبا (4) * أحارب فيه جاهدا كل معرب وما كان قولي في ابن خولة مطنبا * معاندة مني لنسل المطيب ولكن روينا عن وصي محمد * وما كان فيما قال بالمتكذب بأن ولي الامر يفقد لا يرى * ستيرا (5) كفعل الخائف المترقب
(1) في بعض النسخ " باسم الله والله اكبر ". (2) في بعض النسخ " ودنت بدين غير ما كنت دينا ". (3) الجسرة: البعير الذى أعيا وغلظ من السير. والعذافرة: العظمة الشديدة من الابل، والناقة الصلبة القوية. والسبب: المفازة، أو الارض المستوية البعيدة. (4) في بعض النسخ " كنت مبطنا ". (5) في بعض النسخ " سنين ". وفى بعضها " كمثل الخائف ". *
[ 35 ]
فتقسم أموال الفقيد كأنما * تغيبه بين الصفيح المنصب (1) فيمكث حينا ثم ينبع نبعة * كنبعة جدي من الافق كوكب (2) يسير بنصر الله من بيت ربه * على سودد منه وأمر مسبب (3) يسير إلى أعدائه بلوائه * فيقتلهم قتلا كحران مغضب (4) فلما روى أن ابن خولة غائب * صرفنا إليه قولنا لم نكذب وقلنا هو المهدي والقائم الذي * يعيش به من عدله كل مجدب فان قلت لا فالحق قولك والذي * أمرت (5) فحتم غير ما متعصب واشهد ربي أن قولك حجة * على الناس طرا من مطيع ومذنب بأن ولي الامر والقائم الذي * تطلع نفسي نحوه بتطرب له غيبة لابد من أن يغيبها * فصلى علهى الله من متغيب فيمكث حينا ثم يظهر حينه (6) * فيملك من في شرقها والمغرب (7)
بذاك أدين الله سرا وجهرة * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب (8) وكان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من الكيسانية، ومتى صح موت
(1) الصفيح: من أسماء السماء، ووجه كل شئ عريض. والمنصب المرتفع. ولعل المراد بالصفيح هنا موضع بين حنين وأنصاب الحرم. كما يظهر من بعض اللغات. (2) كذا وفى بعض نسخ الحديث: " فيمكث حينا ثم يشرق شخصه * مضيئا بنور العدل اشراق كوكب " وهكذا في اعلام الورى المنقول من كمال الدين. وليس هذا البيت في ارشاد المفيد ولا كشف الغمة للاربلي. (3) في بعض النسخ " وأمر مسيب ". (4) فرس حرون: الذى لا ينقاد والاسم الحران. (5) في الارشاد وكشف الغمة " تقول فحتم ". (6) في الارشاد " يظهر أمره " ولعله هو الصواب. (7) في اعلام الورى " فيملاء عدلا كل شرق ومغرب ". (8) " بمعتب " خبر ليست. يعنى عتابهم اياى ليس بموقع.
[ 36 ]
محمد بن علي ابن الحنفية بطل أن تكون الغيبة التي رويت في الاخبار واقعة به. فمما روى في وفاة محمد بن الحنفية رضى الله عنه (1) ما حدثنا به محمد بن عصام - رضى الله عنه - قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني قال: حدثنا القاسم بن العلاء قال: حدثني إسماعيل بن علي القزويني قال: حدثني على بن إسماعيل، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار (2) قال: دخل حيان السراج على الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فقال له: يا حيان ما يقول أصحابك في محمد بن الحنفية ؟ قال: يقولون: إنه حي يرزق، فقال الصادق عليه السلام: حدثني أبي عليه السلام أنه كان فيمن عاده في مرضه وفيمن غمضه وأدخله حفرته وزوج نسائه وقسم ميراثه، فقال: يا أبا عبد الله إنما مثل محمد بن الحنفية في هذه الامة كمثل عيسى بن مريم شبه أمره للناس، فقال الصادق عليه السلام: شبه أمره على أوليائه أو على أعدائه ؟ قال: بل على أعدائه فقال: أتزعم أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام عدو عمه محمد بن الحنفية ؟ فقال: لا، فقال الصادق عليه السلام: يا حيان إنكم صدفتم عن أيات الله، وقد قال الله تبار ك وتعالى: " سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون " (3). وقال الصادق عليه السلام: ما مات محمد بن الحنفية حتى أقر لعلي بن الحسين عليهما السلام. وكانت وفاة محمد بن الحنفية سنة أربع وثمانين من الهجرة. حدثنا أبي - رضي الله عنه - قال: حدثنا أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن - يحيى: عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد الصمد بن محمد، عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخلت على محمد بن الحنفية وقد اعتقل لسانه فأمرته بالوصية، فلم * (هامش) (1) هذا العنوان للمؤلف وموجود في جميع النسخ. (2) هو الحسين بن المختار القلانسى الكوفى ثقة واقفى من أصحاب الكاظم عليه السلام. وما في بعض النسخ من " جعفر بن مختار " فهو تصحيف، وعلى بن اسماعيل الظاهر هو على بن السندي الثقة. وأما حيان السراج فهو كيساني متعصب. (3) الانعام: 157. والصدف الرجوع عن الشئ. (*)
[ 37 ]
يجب، قال: فأمرت بطست فجعل فيه الرمل، فوضع فقلت له: خط بيدك، قال: فخط وصيته بيده في الرمل، ونسخت أنا في صحيفة. ابطال قول الناووسية والواقفة في الغيبة ثم غلطت الناووسية بعد ذلك في أمر الغيبة بعد ما صح وقوعها عندهم بحجة
الله على عباده فاعتقدوها جهلا منهم بموضعها في الصادق بن محمد عليهما السلام حتى أبطل الله قولهم بوفاته عليه السلام وبقيام كاظم الغيظ الاواه الحليم، الامام أبي إبراهيم موسى ابن جعفر عليهما السلام بالامر مقام الصادق عليه السلام. وكذلك ادعت الوافقية ذلك في موسى بن جعفر عليهما السلام فأبطل الله قولهم باظهار موته وموضع قبره، ثم بقيام الرضا علي بن موسى عليهما السلام بالامر بعده، وظهور علامات الامامة فيه مع ورود النصوص عليه من آبائه عليهم السلام. فمما روى في وفاة موسى بن جعفر عليهما السلام (1) ما حدثني به محمد بن إبراهيم بن إسحاق - رضي الله عنه - قال: حدثنا أحمد بن - محمد بن عمار، قال: حدثني الحسن بن محمد القطعي، عن الحسن بن علي النخاس العدل عن الحسن بن عبد الواحد الخزاز، عن علي بن جعفر، عن عمر بن واقد قال: أرسل إلي السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد فاستحضرني فخشيت أن يكون ذلك لسوء يريده بي، فأوصيت عيالي بما احتجت إليه وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ركبت إليه، فما رآني مقبلا قال: يا أبا حفص لعلنا أرعبناك وأفزعناك، قلت: نعم قال: فليس ههنا إلا خير، قلت: فرسول تبعثه إلى منزلي يخبرهم خبري ؟ فقال: نعم ثم قال: يا أبا حفص أتدري لم أرسلت إليك ؟ فقلت: لا فقال: أتعرف موسى بن جعفر ؟ فقلت: اي والله إني لاعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر، فقال: من ههنا ببغداد يعرفه ممن يقبل قوله ؟ فسميت له أقواما ووقع في نفسي أنه عليه السلام قد مات، قال: فبعث إليهم وجاء بهم كما جاء بي، فقال: هل تعرفون قوما يعرفون موسى بن -
(1) العنوان من المؤلف.
[ 38 ]
جعفر ؟ فسموا له قوما، فجاء بهم، فأصبحنا ونحن في الدار نيف وخمسون رجلا ممن يعرف موسى وقد صحبه، قال: ثم قام ودخل وصلينا، فخرج كاتبه ومعه طومار فكتب أسماءنا ومنازلنا وأعمالنا وخلانا، ثم دخل إلى السندي، قال: فخرج السندي فضرب يده إلي فقال: قم يا أبا حفص، فنهضت ونهض أصحابنا ودخلنا وقال لي: يا أبا حفص اكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر، فكشفته فرأيته ميتا فبكيت و استرجعت، ثم قال للقوم: انظروا إليه، فدنا واحد بعد واحد فنظروا إليه ثم قال: تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر بن محمد ؟ قالوا: نعم نشهد أنه موسى بن - جعفر بن محمد، ثم قال: يا غلام اطرح على عورته منديلا واكشفه، قال: ففعل، فقال: أترون به أثرا تنكرونه ؟ فقلنا: لا ما نرى به شيئا ولا نراه إلا ميتا، قال: لا تبرحوا حتى تغسلوه واكفنه وأدفنه، قال: فلم نبرح حتى غسل وكفن وحمل فصلى عليه السندي بن شاهك، ودفناه ورجعنا، فكان عمر بن - واقد يقول: ما أحد هو أعلم بموسى بن جعفر عليهما السلام مني، كيف تقولون: إنه حي وأنا دفنته. حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار - رحمه الله - قال: حدثنا علي بن محمد بن - قتيبة، عن حمدان بن سليمان النيسابوري، عن الحسن بن عبد الله الصيرفي، عن أبيه قال: توفي موسى بن جعفر عليهما السلام في يد السندي بن شاهك فحملم على نعش ونودي عليه هذا إمام الرافضة فاعرفوه، فلما اتي به مجلس الشرطة أقام أربعة نفر فنادوا الأمن أراد أن ينظر إلى الخبيث بن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج، فخرج سليمان بن - أبي جعفر (1) من قصره إلى الشط فسمع الصياح والضوضاء (2) فقال لولده وغلمانه: ما هذا ؟ قالوا: السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعش، فقال لولده وغلمانه: يوشك أن يفعل به هذا في الجانب الغربي، فإذا عبر به فأنزلوا مع غلمانكم
(1) هو عم الرشيد أحد أركان الدولة العباسية. (2) الضوضاء: وزنا - ومعنى - وأصوات الناس في الحرب.
[ 39 ]
فخذوه من أيديهم فان مانعوكم فاضربوهم واخرقوا ما عليهم من السواد، قال: فلما
عبروابه نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم وضربوهم وخرقوا عليهم سوادهم ووضعوه في مفرق أربع طرق (1) وأقام المنادين ينادون: الأمن أراد أن ينظر إلى الطيب بن الطيب موسى بن جعفر فليخرج، وحضر الخلق وغسله وحنطه بحنوط وكفنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفي وخمسمائة دينار، مكتوبا عليها القرآن كله، واحتفى (2) ومشى في جنازته، متسلبا مشقوق الجيب إلى مقابر قريش فدفنه عليه السلام هناك، وكتب بخبره إلى الرشيد، فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر: وصلت رحمك يا عم وأحسن الله جزاك، والله، ما فعل السندي بن شاهك - لعنه الله - ما فعله عن أمرنا. حدثنا أحمد بن زياد الهمداني - رضي الله عنه - قال: حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن صدقة العنبري قال: لما توفي أبو إبراهيم موسى ابن جعفر عليهما السلام جمع هارون الرشيد شيوخ الطالبية وبني العباس وسائر أهل المملكة والحكام وأحضر أبا إبراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام فقال: هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه (3) وما كان بيني وبينه ما استغفر الله منه في أمره يعني في قتله فانظروا إليه فدخل عليه سبعون رجلا من شيعته فنظروا إلى موسى بن جعفر عليهما السلام وليس به أثر جراحة ولاسم ولاخنق، وكان في رجله أثر الحناء فأخذه سليمان بن أبي جعفر وتولى غسله وتكفينه واحتفى وتحسر في جنازته (4). حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور - رحمه الله - قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عامر عن المعلى بن محمد البصري قال: حدثني علي بن رباط قال: قلت لعلي بن موسى الرضا عليهما السلام: إن عندنا رجلا يذكر أن أباك عليه السلام حي وأنك تعلم من ذلك ما تعلم ؟ فقال عليه السلام: سبحان الله مات رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يمت موسى بن جعفر ؟ ! بلى والله
(1) يعنى الموضع الذى يتشعب منه الطرق ويقال له بالفارسية (چهار راه). (2) أي مشى حافيا بلا نعل. وقوله: " متسلبا " أي بلا رداء ولازينة. (3) أي مات من غير قتل ولا ضرب، بل مات بأجله. (4) تحسر إى تلهف أو مشى بلا رداء وعمامة. (*)
[ 40 ]
لقد مات وقسمت أمواله ونكحت جواريه. ادعاء الواقفة الغيبة على العسكري (ع) ثم ادعت الواقفة على الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام أن الغيبة وقعت به لصحة أمر الغيبة عندهم وجهلهم بموضعها وأنه القائم المهدي، فلما صحت وفاته عليه السلام بطل قولهم فيه وثبت بالاخبار الصحيحة التي قد ذكرناها في هذا الكتاب أن الغيبة واقعة بابنه عليه السلام دونه. فمما روى في صحة وفاة الحسن بن على بن محمد العسكري (ع) (1) ما حدثنا به أبي، ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا من حضر موت الحسن بن علي بن محمد العسكري عليهم السلام ودفنه ممن لا يوقف على إحصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التواطؤ بالكذب. وبعد فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان وسبعين ومائتين وذلك بعد مضي أبي محمد الحسن ابن علي العسكري عليهما السلام بثمانية عشرة سنة أو أكثر مجلس أحمد بن عبيد الله بن يحيى ابن خاقان (2) وهو عامل السلطان يومئذ على الخراج والضياع بكورة قم، وكان من أنصب خلق الله وأشدهم عداوة لهم، فجرى ذكر المقيمين من آل أبي طالب بسر - من رأى ومذاهبهم وصلاحهم وأقدارهم عند السلطان، فقال أحمد بن عبيد الله: ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلا من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا عليهم السلام، ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان وجميع بني هاشم، وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر، وكذلك القواد والوزراء والكتاب وعوام الناس فاني كنت قائما ذات يوم على رأس ابي وهو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه حجابه فقالوا له: إن ابن الرضا على الباب، فقال بصوت عال: ائذنوا له (3) فدخل رجل أسمر أعين حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن
(1) العنوان من المؤلف. (2) في أعلام الورى " أحمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان ". (3) زاد في الكافي ج 1 ص 503 " فتعجبت مما سمعت منهم أنهم جسروا يكنون رجلا على أبى بحضرته ولم يكن عنده الا خليفة أو ولى عهد أو من أمر السلطان أن يكنى ". (*)
[ 41 ]
حدث السن، له جلالة وهيبة، فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هشام ولا بالقواد ولا بأولياء العهد، فلما دنامنه عانقه وقبل وجهه ومنكبيه وأخذ بيده فأجلسه على مصلاه الذي كان عليه، وجلس إلى جنبه، مقبلا عليه بوجهه، وجعل يكلمه ويكنيه، ويفديه بنفسه وبأبويه، وأنا متعجب مما أرى منه إذ دخل عليه الحجاب فقالوا: الموفق قد جاء (1)، وكان الموفق إذا جاء ودخل على أبي تقدم حجابه وخاصة قواده، فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين (2) إلى أن يدخل ويخرج، فلم يزل أبى مقبلا عليه (3) يحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذ: إذا شئت فقم جعلني الله فداك يا أبا محمد، ثم قال لغلمانه: خذوا به خلف السماطين كيلا يراه الامير - يعني الموفق - فقام وقام أبي فعانقه وقبل وجهه و مضى، فقلت لحجاب أبي وغلمانه: ويلكم من هذا الذي فعل به أبي هذا الذي فعل ؟ فقالوا: هذا رجل من العلوية يقال له: الحسن بن على يعرف با ابن الرضا، فازددت تعجبا، فلم أزل يومى ذلك قلقا متفكرا في أمره وأمر أبى وما رأيت منه حتى كان الليل وكانت عادته أن يصلى العتمة، ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان فلما صلى وجلس (4) جئت فجلست بين يديه فقال،: يا أحمد ألك حاجة ؟ فقلت: نعم يا أبة إن أذنت سألتك عنها ؟ فقال: قد أذنت لك يا بني فقل ما أحببت فقلت له: يا أبة من كان الرجل الذي أتاك بالغداة وفعلت به ما فعلت من الاجلال و الاكرام والتبجيل، وفديته بنفسك وبأبويك ؟ فقال: يا بني ذاك إمام الرافضة، ذاك ابن الرضا، فسكت ساعة فقال: يا بني لوزالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها
(1) الموفق هو أخو الخليفة المعتمد على الله أحمد بن المتوكل وكان صاحب جيشه. (2) السماط: الصف من الناس، يعنى رديفين منظمين، وفى الكافي " فقاموا بين مجلس أبى وبين باب الدار سماطين إلى أن. " (3) أي مقبلا على أبى محمد عليه السلام. (4) في بعض النسخ " فلما نظر وجلس ". (*)
[ 42 ]
أحد من بني هاشم غير هذا، فان هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه لرأيت رجلا جليلا نبيلا خيرا فاضلا، فازددت قلقا وتفكرا وغيظا على أبى مما سمعت منه فيه ولم يكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره، والبحث عن أمره، فما سألت عنه أحدا من بني هاشم ومن القواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلا وجدته عندهم في غاية الاجلال والاعظام والمحل الرفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته ومشايخه وغيرهم وكل يقول: هو إمام الرافضة، فعظم قدره عندي إذ لم أرله وليا ولاعدوا إلا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه. فقال له بعض أهل المجلس من الاشعريين: يا أبا بكر فما خبر أخيه جعفر ؟ فقال: ومن جعفر فيسأل عن خبره (1) أو يقرن به، إن جعفرا معلن بالفسق، ماجن (2)، شريب للخمور، وأقل من رأيته من الرجال وأهتكهم لستره، فدم خمار (3) قليل في نفسه، خفيف، والله لقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي عليهما السلام ما تعجبت منه وما ظننت أنه يكون وذلك أنه لما اعتل بعث إلى أبي أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته مبادرا إلى دار الخلافة، ثم رجع مستعجلا و معه خمسة نفر من خدام أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته فمنهم نحرير (4) وأمرهم بلزوم دار الحسن بن على عليهما السلام وتعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين
فأمرهم بالاختلاف إليه (5) وتعاهده صباحا ومساء، فلما كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنه قد ضعف فركب حتى بكر إليه ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث إلى قاضي
(1) المراد به جعفر الكذاب. (2) الماجن: من لم يبال بما قال وما صنع، والشريب - كسكين - المولع بالشراب. (3) الفدم: العيى عن الكلام في رخاوة وقلة فهم، والاحمق والمراد الثاني. (4) كان من خواص خدم الخليفة، وكان شقيا من الاشقياء. والنحرير: الحادق الفطن. (5) يعنى بالاختلاف: النردد للاطلاع على أحواله عليه السلام.
[ 43 ]
القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن عليه السلام وأمرهم بلزوم داره ليلا ونهارا فلم يزالوا هناك حتى توفي عليه السلام لايام مضت من شهر ربيع الاول من سنة ستين و مائتين، فصارت سر من رأى ضجة واحدة - مات ابن الرضا - وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاؤوا بنساء يعرفن بالحبل، فدخلن على جواريه فنظرن إليهن فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل (1) فأمر بها فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته، وعطلت الاسواق وركب أبى وبنو هاشم والقواد والكتاب وسائر الناس إلى جنازته عليه السلام فكانت سر من رأى يومئذ شبيها بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبى عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا أبو عيسى منها فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء والمعدلين، وقال: هذا الحسن ابن علي بن محمد، ابن الرضا مات حتف أنفه (2) على فراشه حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان، ومن المتطببين فلان وفلان، ومن القضاة فلان وفلان، ثم غطى وجهه وقام فصلى عليه وكبر عليه خمسا وأمر بحمله فحمل من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه عليه السلام. فلما دفن وتفرق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا على قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التى توهموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل فقسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر وادعت أمه وصيته، وثبت ذلك عند القاضي. والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده، فجاء جعفر بعد قسمة الميراث إلى أبي، وقال له: اجعل لي مرتبة
(1) في بعض النسخ " لها حبل " وفى بعضها " بها حبل ". (2) يعنى مات من غير قتل ولاضرب ولاخنق. (*)
[ 44 ]
أبي وأخي وأوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار مسلمة، فزبره (1) أبي وأسمعه وقال له: يا أحمق إن السلطان - أعزه الله - جرد سيفه وسوطه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليردهم عن ذلك فلم يقدر عليه ولم يتهيأ له صرفهم عن هذا القول فيهما، وجهد أن يزيل أباك وأخاك عن تلك المرتبة فلم يتهيأ له ذلك، فان كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماما فلا حاجة بك إلى السلطان يرتبك مراتبهم ولا غير السلطان وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا، واستقله (أبي) عند ذلك واستضعفه وأمر أن يحجب عنه، فلم يأذن له بالدخول عليه حتى مات أبي وخرجنا والامر على تلك الحال، والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن علي عليها السلام حتى اليوم. وكيف يصح الموت إلا هكذا وكيف يجوز رد العيان وتكذيبه، وإنما كان السلطان لا يفتر عن طلب الولد لانه قد كان وقع في مسامعه خبره وقد كان ولد عليه السلام قبل موت أبيه بسنين، وعرضه على أصحابه وقال لهم: " هذا إمامكم من بعدي و
خليفتي عليكم أطبعوه فلا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، أما إنكم لن تروه بعد يومكم هذا، فغيبه ولم يظهره، فلذلك لم يفتر السلطان عن طلبه. وقد روى أن صاحب هذا الامر هو الذي تخفى ولادته على الناس ويغيب عنهم شخصه لئلا يكون لاحد في عنقه بيعة إذا خرج وأنه هو الذي يقسم ميراثه وهو حي، وقد أخرجت ذلك مسندا في هذا الكتاب في موضعه، وقد كان مرادنا بايراد هذا الخبر تصحيحا لموت الحسن بن علي عليهما السلام، فلما بطل وقوع الغيبة لمن ادعيت له من محمد بن علي بن الحنفية، والصادق جعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، و الحسن بن على العسكري عليهم السلام بما صح من وفاتهم فصح وقوعها بمن نص عليه النبي والائمة الاحد عشر صلوات الله عليهم وهو الحجة بن الحسن بن علي بن محمد العسكري عليهم السلام وقد أخرجت الاخبار المسندة في ذلك الكتاب في أبواب النصوص عليه صلوات الله عليه.
(1) أي زجره. (*)
[ 45 ]
وكل من سألنا من المخالفين عن القائم عليه السلام لم يخل من أن يكون قائلا بامامة الائمة الاحد عشر من آبائه عليهم السلام أو غير قائل بامامتهم، فان كان قائلا بإمامتهم لزمه القول بامامة الامام الثاني عشر لنصوص آبائه الائمة عليهم السلام عليه باسمه ونسبه وإجماع شيعتهم على القول بامامته وأنه القائم الذي يظهر بعد غيبة طويلة فيملا الارض قسطا وعدلا كما مئلت جورا وظلما. وإن لم يكن السائل من القائلين بالائمة الاحد عشر عليهم السلام لم يكن له علينا جواب في القائم الثاني عشر من الائمة عليهم السلام وكان الكلام بيننا و بينه في إثبات إمامة آبائه الائمة الاحد عشر عليهم السلام، وهكذا لو سألنا يهودي فقال لنا: لم صارت الظهر أربعا والعصر أربعا والعتمة أربعا والغداة ركعتين والمغرب ثلاثا ؟ لم يكن له علينا في ذلك جواب، بل لنا أن نقول له: إنك منكر لنبوة النبي الذي أتى بهذه الصلوات وعدد ركعاتها، فكلمنا في نبوته وإثباتها فان بطلت بطلت هذه الصلوات وسقط السؤال عنها، وإن ثبتت نبوته صلى الله عليه وآله لزمك الاقرار بفرض هذه الصلوات على عدد ركعاتها لحصة مجيئها عنه واجتماع امته عليها، عرفت علتها أم لم تعرفها، وهكذا الجواب لمن سأل عن القائم عليه السلام حذو النعل بالنعل. جواب عن اعتراض: وقد يعترض معترض جاهل بآثار الحكمة، غافل عن مستقيم التدبير لاهل الملة بأن يقول: ما بال الغيبة وقعت بصاحب زمانكم هذا دون من تقدم من آبائه الائمة بزعمكم وقد نجد شيعة آل محمد عليهم السلام في زماننا هذا أحسن حالا وأرغد عيشا منهم في زمن بني امية إذ كانوا في ذلك الزمان مطالبين بالبراءة من أمير المؤمنين عليه السلام إلى غير ذلك من أحوال القتل والتشريد. وهم في هذا الحال وادعون سالمون، قد كثرت شيعتهم وتوافرت أنصارهم وظهرت كلمتهم بموالاة كبراء أهل الدولة لهم وذوى السلطان و النجدة منهم. فأقول - وبالله التوفيق -: إن الجهل غير معدوم من ذوي الغفلة وأهل التكذيب والحيرة وقد تقدم من قولنا أن ظهور حجج الله عليهم السلام واستتارهم جرى في وزن
[ 46 ]
الحكمة (1) حسب الامكان والتدبير لاهل الايمان، وإذا كان ذلك كذلك فليقل ذو والنظر والتمييز: إن الامر الان - وإن كان الحال كما وصفت - أصعب والمحنة أشد مما تقدم من أزمنة الائمة السالفة عليهم السلام وذلك أن الائمة الماضية أسروا في جميع مقاماتهم إلى شيعتهم والقائلين بولايتهم والمائلين من الناس إليهم حتى تظاهر ذلك بين أعدائهم أن صاحب السيف هو الثاني عشر من الائمة عليهم السلام وأنه عليه السلام لا يقوم حتى تجيئ صيحة من السماء باسمه واسم أبيه والانفس منيتة (2) على نشر ما سمعت وإذاعة ما أحست فكان ذلك منتشرا بين شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وعند مخالفيهم من الطواغيت وغيرهم وعرفوا منزلة أئمتهم من الصدق ومحلهم من العلم والفضل، وكانوا يتوقفون عن
التسرع إلى إتلافهم ويتحامون القصد لانزال المكروه بهم مع ما يلزم من حال التدبير في إيجاب ظهورهم كذلك ليصل كل امرء منهم إلى ما يستحقه من هداية أو ضلالة كما قال الله تعالى: " من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا " (3) وقال الله عزوجل: " وليزيدن كثيرا منهم ما انزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين " (4) وهذا الزمان قد استوفى أهله كل إشارة من نص وآثار فتناهت بهم الاخبار واتصلت بهم الاثار إلى أن صاحب هذا الزمان عليه السلام هو صاحب السيف والانفس منيتة (2) على (ما وصفنا من) نشر ما سمعت وذكر ما رأت وشاهدت، فلو كان صاحب هذا الزمان عليه السلام ظاهرا موجودا لنشر شيعته ذلك ولتعداهم إلى مخالفيهم بحسن ظن بعضهم بمن يدخل فيهم ويظهر الميل إليهم وفي أوقات الجدال بالدلالة على شخصه والاشارة إلى مكانه كفعل هشام بن الحكم مع الشامي وقد ناظره بحضرة الصادق عليه السلام
(1) كذا، يعنى في ميزان الحكمة. (2) في بعض النسخ " مبنية " والمنيتة أي المائلة كما في بعض اللغات. وفي بعض النسخ " منبعثة ". (3) الكهف: 17. (4) المائدة: 68. (*)
[ 47 ]
فقال الشامي لهشام: من هذا الذي تشير إليه وتصفه بهذه الصفات ؟ قال هشام: هو هذا وأشار بيده إلى الصادق عليه السلام فكان يكون ذلك منتشرا في مجالسهم كانتشاره بينهم مع إشارتهم إليه بوجود شخصه ونسبه ومكانه، ثم لم يكونوا حينئذ يمهلون ولا ينظرون كفعل فرعون في قتل أولاد بني إسرائيل للذي قد كان ذاع منهم وانتشر بينهم من كون موسى عليه السلام بينهم وهلاك فرعون ومملكته على يديه، وكذلك كان فعل نمرود قبله في قتل أولاد رعيته وأهل مملكته في طلب إبراهيم عليه السلام زمان انتشار الخبر بوقت ولادته وكون هلاك نمرود وأهل مملكته ودينه على يديه كذلك طاغية زمان وفاة الحسن بن - على عليهما السلام والد صاحب الزمان عليه السلام وطلب ولده والتوكيل بداره وحبس جواريه وانتظاره بهن وضع الحمل الذي كان بهن (1)، فلو لا أن إرادتهم كانت ما ذكر نا من حال إبراهيم وموسى عليهما السلام لما كان ذلك منهم، وقد خلف عليه السلام أهله وولده وقد علموا من مذهبه ودينه أن لا يرث مع الولد والابوين أحد إلا زوج أو زوجة، كلاما يتوهم غير هذا عاقل ولافهم غير هذا مع ما وجب من التدبير والحكمة المستقيمة ببلوغ غاية المدة في الظهور والاستتار فإذا كان ذلك كذلك وقعت الغيبة فاستتر عنهم شخصه وضلوا عن معرفة مكانه، ثم نشر ناشر من شيعته شيئا من أمره بما وصفناه وصاحبكم في حال الاستتار فوردت عادية من طاغوت الزمان أو صاحب فتنة من العوام تفحص عما ورد من الاستتار وذكر من الاخبار فلم يجد حقيقة يشار إليها ولا شبهة يتعلق بها انكسرت العادية و سكنت الفتنة وتراجعت الحمية، فلا يكون حينئذ على شيعته ولا على شئ من أشيائهم (2) لمخالفيهم متسلق ولا إلى اصطلامهم سبيل متعلق (3) وعند ذلك تخمد النائرة وترتدع العادية، فتظاهر أحوالهم عند الناظر في شأنهم، ويتضح للمتأمل أمرهم، و يتحقق المؤمن المفكر في مذهبهم، فيلحق بأولياء الحجة من كان في حيرة الجهل و
(1) في بعض النسخ " وضع حمل ان كان بهن ". (2) في بعض النسخ " من اسبابهم ". (3) تسلق الجدار: تسوره وصعد عليه، والمتسلق: آلة التسلق. والاصطلام: الاستيصال.
[ 48 ]
ينكشف عنهم ران الظلمة (1) عند مهلة التأمل (2) بيناته وشواهد علاماته كحال اتضاحه وانكشافه عند من يتأمل كتابنا هذا مريدا للنجاة، هاربا من سبل الضلالة، ملتحقا بمن سبقت لهم من الله الحسنى، فآثر على الضلالة الهدى. جواب عن اعتراض آخر
ومما سأل عنه جهال المعاندين للحق أن قالوا: أخبرونا عن الامام في هذا الوقت يدعى الامامة أم لا يدعيها ونحن نصير إليه فنسأله عن معالم الدين فان كان يجيبنا ويدعي الامامة علمنا أنه الامام، وإن كان لا يدعي الامامة ولا يجيبنا إذا صرنا إليه فهو ومن ليس بامام سواء. فقيل لهم: قد دل على إمام زماننا الصادق الذي قبله وليست به حاجة إلى أن يدعى هو أنه إمام إلا أن يقول ذلك على سبيل الاذكار والتأكيد، فأما على سبيل الدعوى التي نحتاج إلى برهان فلا، لان الصادق الذي قبله قد نص عليه وبين أمره وكفاه مؤونة الادعاء، والقول في ذلك نظير قولنا في علي بن أبي طالب عليه السلام في نص النبي صلى الله عليه وآله واستغنائه عن أن يدعي هو لنفسه أنه إمام، فأما إجابته أياكم عن معالم الدين فان جئتموه مسترشدين متعلمين، عارفين بموضعه، مقرين بامامته عرفكم و علمكم. وإن جئتموه أعداء له، مرصدين بالسعاية إلى أعدائه، منطوين على مكروهه عند أعداء الحق، متعرفين مستور امور الدين لتذيعوه لم يجبكم لانه يخاف على نفسه منكم، فمن لم يقنعه هذا الجواب قلبنا عليه السؤال في النبي صلى الله عليه وآله وهو في الغار أن لو أراد الناس أن يسألوه عن معالم الدين هل كانوا يلقونه ويصلون إليه أم لا، فان كانوا يصلون إليه فقد بطل أن يكون استتاره في الغار، وإن كانوا لا يصلون إليه فسواء وجوده في العالم وعدمه على علتكم، فان قلتم: إن النبي صلى الله عليه وآله كان متوقيا، قيل: وكذلك الامام عليه السلام في هذا الوقت متوق، فان قلتم: إن النبي صلى الله عليه وآله بعد ذلك قد ظهر ودعا إلى نفسه، قلنا: وما في ذلك من الفرق أليس قد كان نبيا قبل أن يخرج من الغار
(1) أي تغطية الظلمة. وفي بعض النسخ " درن الظلمة " والدرن: الوسخ. (2) في بعض النسخ " المتأمل للحق ". كمال الدين - 3 -
[ 49 ]
ويظهر وهو في الغار مستتر ولم ينقض ذلك نبوته، وكذلك الامام يكون إماما و إن كان يستتر بامامته ممن يخافه على نفسه، ويقال لهم: ما تقولون في أفاضل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ؟ والمتقدم في الصدق منهم لو لقيتهم كتيبة المشركين يطلبون نفس النبي صلى الله عليه وآله فلم يعرفوه فسألوهم عنه هل هو هذا ؟ وهو بين أيديهم أو كيف أخفى ؟ (1) وأين هو ؟ فقالوا: ليس نعرف موضعه أو ليس هو هذا ؟ هل كانوا في ذلك كاذبين مذمومين غير صادقين ولا محمودين أم لا ؟ فان قلتم: كاذبين خرجتم من دين الاسلام بتكذيبكم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وإن قلتم: لا يكون ذلك كذلك لانهم يكونون قد حرفوا كلامهم و أضمروا معنى أخرجهم من الكذب وإن كان ظاهره ظاهر كذب، فلا يكونون مذمومين بل محمودين لانهم دفعوا عن نفس النبي صلى الله عليه وآله القتل. قيل لهم: وكذلك الامام إذا قال: لست بامام ولم يجب أعداءه عما يسألونه عنه لا يزيل ذلك إمامته لانه خائف على نفسه، وإن أبطل جحده لاعدائه أنه إمام في حال الخوف إمامته أبطل على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أن يكونوا صادقين في إجابتهم المشركين بخلاف ما علموه عند الخوف، وإن لم يزل ذلك صدق الصحابة لم يزل أيضا ستر الامام نفسه إمامته، ولا فرق في ذلك، ولو أن رجلا مسلما وقع في أيدي الكفار وكانوا يقتلون المسلمين إذا ظفروا بهم فسألوه هل أنت مسلم ؟ فقال: لا، لم يكن ذلك بمخرج له من الاسلام، فكذلك الامام إذا جحد عند أعدائه ومن يخافه على نفسه أنه إمام لم يخرجه ذلك من الامامة. فان قالوا: إن المسلم لم يجعل في العالم ليعلم الناس ويقيم الحدود، فلذلك افترق حكماهما ووجب أن لا يستر الامام نفسه. قيل لهم: لم نقل إن الامام يستر نفسه (عن جميع الناس) (2) لان الله عزوجل قد نصبه وعرف الخلق مكانه بقول الصادق الذي قبله فيه ونصبه له، وإنما قلنا: إن الامام لا يقر عند أعدائه بذلك خوفا منهم أن يقتلوه فأما أن يكون مستورا عن
(1) أي كيف أخفى نفسه. وفى بعض النسخ " كيف أخذ ".
(2) هذه الزيادة بين القوسين كانت في بعض النسخ دون بعض. (*)
[ 50 ]
جميع الخلق فلا، لان الناس جميعا لو سألوا عن إمام الامامية من هو ؟ لقالوا: فلان بن فلان مشهور عند جميع الامة، وإنما تكلمنا في أنه هل يقر عند أعدائه أم لا يقر، وعارضناكم باستتار النبي صلى الله عليه وآله في الغار وهو مبعوث معه المعجزات وقد أتى بشرع مبتدع ونسخ كل شرع قبله وأريناكم أنه إذا خاف كان له أن يجحد عند أعدائه أنه إمام ولا يجيبهم إذا سألوه، ولا يخرجه ذلك من أن يكون إماما، ولا فرق في ذلك، فان قالوا: فإذا جوزتم للامام أن يجحد إمامته أعداءه عند الخوف فهل يجوز للنبي صلى الله عليه وآله أن يجحد نبوته عند الخوف من أعدائه ؟ قيل لهم: قد فرق قوم من أهل الحق بين النبي صلى الله عليه وآله وبين الامام بأن قالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله هو الداعي إلى رسالته والمبين للناس ذلك بنفسه فإذا جحد ذلك وأنكره للتقية بطلت الحجة، ولم يكن أحد يبين عنه، والامام قد قام له النبي صلى الله عليه وآله بحجته وأبان أمره فإذا سكت أو جحد كان النبي صلى الله عليه وآله قد كفاه ذلك. وليس هذا جوابنا، ولكنا نقول: إن حكم النبي صلى الله عليه وآله وحكم الامام سيان في التقية إذا كان قد صدع بأمر الله عزوجل وبلغ رسالته وأقام المعجزات، فأما قبل ذلك فلا وقد محى النبي صلى الله عليه وآله اسمه من الصحيفة في صلح الحديبية حين أنكر سهيل بن عمرو، وحفص بن الاحنف نبوته فقال لعلي عليه السلام: امحه واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فلم يضر ذلك نبوته إذا كانت الاعلام في البراهين قد قامت له بذلك من قبل، وقد قبل الله عزوجل عذر عمار حين حمله المشركون على سب رسول الله صلى الله عليه وآله وأرادوا قتله فسبه، فلما رجع إلى النبي صلى عليه وآله قال: قد أفلح الوجه يا عمار، قال: ما أفلح وقد سببتك يا رسول الله، فقال عليه السلام: أليس قلبك مطئمن بالايمان ؟ قال: بلى يا رسول الله، فأنزل الله تبارك وتعالى " إلا من اكره و قلبه مطمئن بالايمان " (1) والقول في ذلك ينافي الشريعة من إجازة ذلك في وقت و حظره في وقت آخر، وإذا جاز للامام أن يجحد إمامته ويستر أمره جاز أن يستر شخصه متى أوجبت الحكمة غيبته وإذا جاز أن يغيب يوما لعله موجبة جاز سنة، وإذا جاز
(1) النحل: 106. (*)
[ 51 ]
سنة، جاز مائة سنة، وإذا جاز مائة سنة جاز أكثر من ذلك إلى الوقت الذي توجب الحكمة ظهوره كما أوجبت غيبته، ولا قوة إلا بالله. ونحن نقول مع ذلك (1): إن الامام لا يأتي جميع ما يأتيه من اختفاء وظهور وغيرهما إلا بعهد معهود إليه من رسول الله صلى الله عليه وآله كما قد وردت به الاخبار عن أئمتنا عليهم السلام. حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل - رضى الله عنه - قال: حدثنا على بن - إبراهيم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق بشيرا ليغيبن القائم من ولدي بعهد معهود إليه مني حتى يقول أكثر الناس: ما لله في آل محمد حاجة، ويشك آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلا بشكه (2) فيزيله عن ملتي ويخرجه من ديني، فقد أخرج أبويكم من الجنة من قبل، وإن الله عزوجل جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون. اعتراضات لابن بشار: وقد تكلم علينا أبو الحسن على بن أحمد بن بشار في الغيبة وأجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي (3) وكان من كلام على بن أحمد بن بشار علينا في ذلك أن قال في كتابه أقول: إن كل المبطلين أغنياء عن تثبيت إنية من يدعون له، وبه يتمسكون، وعليه يعكفون، ويعطفون لوجود أعيانهم وثبات إنياتهم وهؤلاء
(1) في بعض النسخ " في ذلك ". (2) في بعض النسخ " يشككه ".
(3) محمد بن عبد الرحمن بن قبة - بالقاف المكسورة وفتح الباء الموحدة الرازي أبو جعفر متكلم عظيم القدر حسن العقيدة كان قديما من المعتزلة وتبصر وانتقل، وكان شيخ الامامية في زمانه كما في (جش وصه).
[ 52 ]
(يعني أصحابنا) فقراء إلى ما قد غني عنه كل مبطل سلف من تثبيت إنية من يدعون له وجوب الطاعة، فقد افتقروا إلى ما قد غني عنه سائر المبطلين واختلفوا بخاصة ازدادوا بها بطلانا وانحطوا بها عن سائر المبطلين، لان الزيادة من الباطل تحط والزيادة من الخير تعلو، والحمد لله رب العالمين. ثم قال: وأقول قولا تعلم فيه الزيادة على الانصاف منا وإن كان ذلك غير واجب علينا. أقول: إنه معلوم أنه ليس كل مدع ومدعى له بمحق، وإن كل سائل لمدع تصحيح دعواه بمنصف (1) وهؤلاء القوم ادعوا أن لهم من قد صح عندهم أمره ووجب له على الناس الانقياد والتسليم وقد قدمنا أنه ليس كل مدع ومدعى له بواجب له التسليم، ونحن نسلم لهؤلاء القوم الدعوى ونقر على أنفسنا بالابطال - وإن كان ذلك في غاية المحال - بعد أن يوجدونا إنية المدعى له ولا نسألهم تثبيت الدعوى، فان كان معلوما أن في هذا أكثر من الانصاف فقد وفينا بما قلنا، فان قدروا عليه فقد أبطلوا، و إن عجزوا عنه فقد وضح ما قلناه من زيادة عجزهم عن تثبيت ما يدعون على عجز كل مبطل عن تثبيت دعواه. وأنهم مختصون من كل نوع من الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا عن المبطلين أجمعين لقدرة كل مبطل سلف على تثبيت دعواه إنية من يدعون له وعجز هؤلاء عما قدر عليه كل مبطل إلا ما يرجعون إليه من قولهم " إنه لابد ممن تجب به حجة الله عزوجل " وأجل لابد من وجوده فضلا عن كونه، فأوجدونا الانية من دون إيجاد الدعوي. ولقد خبرت عن أبي جعفر بن أبى غانم (2) أنه قال لبعض من سأله فقال: بم تحاج الذين (3) كنت تقول ويقولون: إنه لابد من شخص قائم من أهل هذا البيت ؟ قال
(1) في بعض النسخ " ليس كل مدع ومدعى له فمحق وان كان (كل - خ ل) سائل للمدعى تصحيح دعواه فمنصف ". (2) هو غير على بن أبى غانم الذى عنونه منتجب الدين بل هو رجل آخر لم أعثر على عنوانه في كتب الرجال. (3) في بعض النسخ " الذى ". (*)
[ 53 ]
له (1): أقول لهم: هذا جعفر. فيا عجبا أيخصم الناس بمن ليس هو بمخصوم (2) وقد كان شيخ في هذه الناحية - رحمه الله - يقول: قد وسمت هؤلاء باللابدية أي أنه لا مرجع لهم ولا معتمد إلا إلى أنه لابد من أن يكون هذا الذي (ليس) في الكاينات، فوسمهم من أجل ذلك، و نحن نسميهم بها أي أنهم دون كل من له بد يعكف عليه إذ كان أهل الاصنام التى أحدها البد قد عكفوا على موجود وإن كان باطلا، وهم قد تعلقوا بعدم ليس وباطل محض وهم اللابدية حقا، أي لابد لهم يعكفون عليه (3) إذ كان كل مطاع معبود، وقد وضح ما قلنا من اختصاصهم من كل نوع الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا و الحمد لله. ثم قال: نختم الان هذا الكتاب بأن نقول: إنما نناظر ونخاطب من قد سبق منه الاجماع على أنه لابد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله ويسد به فقر الخلق وفاقتهم ومن لم يجتمع معنا على ذلك فقد خرج من النظر في كتابنا فضلا عن مطالبتنا به ونقول لكل من اجتمع معنا على هذا الاصل من الذي قدمنا في هذا الموضع: كنا وإياكم قد أجمعنا على أنه لا يخلو أحد من بيوت هذه الدار من سراج زاهر، فدخلنا الدار فلم نجد فيها إلا بيتا واحدا فقد وجب وصح أن في ذلك البيت سراجا. والحمد لله رب العالمين.
فأجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي بأن قال: إنا نقول: - وبالله التوفيق: - ليس الاسراف في الادعاء والتقول على الخصوم مما يثبت بهما حجة، ولو كان ذلك كذلك لارتفع الحجاج بين المختلفين واعتمد كل واحد على إضافة ما يخطر بباله من سوء القول إلى مخالفه وعلى ضد هذا بني الحجاج ووضع
(1) يعنى أبو جعفر قال للمعترض. 2) لما كان جواب أبى جعفر ابن أبى غانم للمعترض: " أقول انه جعفر ". تعجب منه ابن بشار لان جعفر ليس بقابل أن يخاصم فيه أولم يكن موردا لها. (3) كذا. (*)
[ 54 ]
النظر والانصاف أولى ما يعامل به أهل الدين وليس قول أبي الحسن ليس لنا ملجأ نرجع إليه ولا قيما نعطف عليه ولا سندا نتمسك بقوله حجة لان دعواه هذا مجرد من البرهان، والدعوى إذا انفردت عن البرهان كانت غير مقبول عند ذوي العقول والالباب ولسنا نعجز عن أن نقول: بلى لنا - والحمد لله - من نرجع إليه ونقف عند أمره ومن كان ثبتت حجته وظهرت أدلته، فان قلت: فأين ذلك ؟ دلونا عليه قلنا: كيف تحبون أن ندلكم عليه أتسألوننا أن نأمره أن يركب ويصير إليكم ويعرض نفسه عليكم أو تسألونا أن نبني له دارا ونحوله إليها ونعلم بذلك أهل الشرق والغرب فان رمتم ذلك فلسنا نقدر عليه ولا ذلك بواجب عليه، فان قلتم: من أي وجه تلزمنا حجته وتجب علينا طاعته ؟ قلنا: إنا نقر أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام تجب به حجة الله دللناكم على ذلك حتى نضطركم إليه إن أنصفتم من أنفسكم، وأول ما يجب علينا وعليكم أن لا نتجاوز ما قد رضي به أهل النظر واستعملوه ورأوا أن من حاد عن ذلك فقد ترك سبيل العلماء، وهو أنا لا نتكلم في فرع لم يثبت أصله وهذا الرجل الذي تجحدون وجوده فانما يثبت له الحق بعد أبيه وأنتم قوم لا تخالفونا في وجود أبيه فلا معنى لترك النظر في حق أبيه والاشتغال (1) بالنظر معكم في وجوده فانه إذا ثبت الحق لابيه، فهذا ثابت ضرورة عند ذلك باقراركم، وإن بطل أن يكون الحق لابيه فقد آل الامر إلى ما تقولون وقد أبطلنا، وهيهات لن يزداد الحق إلا قوة ولا الباطل إلا وهنا، وإن زخرفه المبطلون، والدليل على صحتة أمر أبيه أنا وإياكم مجمعون على أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن تثبت به حجة الله وينقطع به عذر الخلق وإن ذلك الرجل تلزم حجته من نأى عنه من أهل الاسلام كما تلزم من شاهده وعاينه ونحن وأكثر الخلق ممن قد لزمتنا الحجة من غير مشاهدة فننظر في الوجه الذي لزمتنا منه الحجة ما هي، ثم ننظر من أولى من الرجلين اللذين لا عقب لابي - الحسن غيرهما فأيهما كان أولى فهو الحجة والامام ولا حاجة بنا إلى التطويل، ثم
(1) في بعض النسخ " والانتقال ". (*)
[ 55 ]
نظرنا من أي وجه تلزم الحجة من نأى عن الرسل والائمة عليهم السلام فإذا ذلك بالاخبار التى توجب الحجة وتزول عن ناقليها تهمة التواطؤ عليها والاجماع على تخرصها ووضعها ثم فحصنا عن الحال فوجدنا فريقين ناقلين يزعم أحدهما أن الماضي نص على الحسن عليه السلام وأشار إليه ويروون مع الوصية وما له من خاصة الكبر أدلة يذكرونها وعلما يثبتونه، ووجدنا الفريق الاخر يروون مثل ذلك لجعفر لا يقول غير هذا فانه أولى بنا نظرنا فإذا الناقل لاخبار جعفر جماعة يسيرة والجماعة اليسيرة يجوز عليها التواطؤ والتلاقي والتراسل فوقع نقلهم موقع شبهة لا موقع حجة وحجج الله لا تثبت بالشبهات ونظرنا في نقل الفريق الاخر فوجدناهم جماعات متباعدي الديار والاقطار، مختلفي الهمم والاراء متغايرين، فالكذب لا يجوز عليهم لنأي بعضهم عن بعض ولا التواطؤ ولا التراسل والاجتماع على تخرص خبر ووضعه، فعلمنا أن النقل الصحيح هو نقلهم وأن المحق هؤلاء، ولانه إن بطل ما قد نقله هؤلاء على ما وصفنا من شأنهم لم يصح خبر في الارض وبطلت الاخبار كلها فتأمل - وفقك الله - في الفريقين فانك تجدهم كما وصفت، وفي بطلان الاخبار هدم الاسلام وفي تصحيحها تصحيح خبرنا، وفي ذلك دليل
على صحة أمرنا، والحمد لله رب العالمين. ثم رأيت الجعفرية (1) تختلف في إمامة جعفر من أي وجه تجب ؟ فقال قوم: بعد أخيه محمد، وقال قوم: بعد أخيه الحسن، وقال قوم: بعد أبيه. ورأيناهم لا يتجاوزون ذلك ورأينا أسلافهم وأسلافنا قدرووا قبل الحادث ما يدل على إمامة الحسن وهو ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا توالت ثلاثة أسماء: محمد وعلي والحسن فالرابع القائم " وغير ذلك من الروايات وهذه وحدها توجب الامامة للحسن، وليس إلا الحسن وجعفر. فإذا لم تثبت لجعفر حجة على من شاهده في أيام الحسن والامام ثابت الحجة على من رآه ومن لم يره فهو الحسن اضطرارا، وإذا ثبت الحسن عليه السلام وجعفر عندكم مبرء تبرأ منه والامام لا يتبرأ من الامام والحسن قد مضى ولا بد عندنا وعندكم من
(1) يعنى القائلين بامامة جعفر الكذاب. (*)
[ 56 ]
رجل من ولد الحسن عليه السلام تثبت به حجة الله، فقد وجب بالاضطرار للحسن ولد قائم عليه السلام. وقل يا أبا جعفر - أسعدك الله - لابي الحسن أعزه الله (1): يقول محمد بن عبد الرحمن قد أوجدناك إنية المدعى له فأين المهرب ؟ هل تقر على نفسك بالابطال كما ضمنت أو يمنعك الهوى من ذلك فتكون كما قال الله تعالى: " وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم " (2). فأما ما وسم به أهل الحق من اللابدية لقولهم: " لا بد ممن تجب به حجة الله " فيا عجبا فلا يقول أبو الحسن لا بد ممن تجب به حجة الله ؟ وكيف لا يقول وقد قال عند حكايته عنا وتعييره إيانا: " أجل لا بد من وجوده فضلا عن كونه " فان كان يقو ل ذلك فهو وأصحابه من اللابدية وإنما وسم نفسه وعاب إخوانه، وإن كان لا يقول ذلك فقد كفينا مؤونة تنظيره ومثله بالبيت والسراج، وكذا يكون حال من عاند أولياء الله يعيب نفسه من حيث يرى أنه يعيب خصمه، والحمد لله المؤيد للحق بأدلته. ونحن نسمي هؤلاء بالبدية إذ كانوا عبدة البد قد عكفوا على ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا. وهكذا هؤلاء، ونقول: يا أبا الحسن - هداك الله - هذا حجة الله على الجن والانس ومن لا تثبت حجته على الخلق إلا بعد الدعاء والبيان محمد صلى الله عليه وآله قد أخفى شخصه في الغار حتى لم يعلم بمكانه ممن احتج الله عليهم به إلا خمسة نفر (3).
(1) يعنى بأبي جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة، وبابى الحسن على بن أحمد ابن بشار. (2) الانعام: 119. (3) المراد بالخمسة: على بن أبي طالب، وأبو بكر، وعبد الله بن اريقط الليثى، واسماء بنت أبي بكر، وعامر بن فهيرة. والقصة كما في اعلام الورى هكذا: بقى رسول صلى الله عليه وآله في الغار ثلاثة أيام، ثم اذن الله له في الهجرة وقال: يا محمد اخرج عن مكة فليس لك بها ناصر بعد أبى طالب. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأقبل راع لبعض قريش يقال له ابن اريقط فدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا ابن اريقط أئتمنك على دمى ؟ قال إذا احرسك وأحفظك ولا (*)
[ 57 ]
فان قلت: إن تلك غيبة بعد ظهوره وبعد أن قام على فراشه من يقوم مقامه، قلت لك: لسنا نحتج عليك في حال ظهوره ولا استخلافه لمن يقوم مقامه من هذا في قبيل ولا دبير (1) وإنما نقول لك: أليس تثبت حجته في نفسه في حال غيبته على من لم يعلم بمكانه لعلة من العلل فلا بد من أن تقول: نعم، قلنا: ونثبت حجة الامام وإن كان غائبا لعلة اخرى وإلا فما الفرق ؟ ثم نقول: وهذا أيضا لم يغب حتى ملا آباؤه عليهم السلام آذان شيعتم بأن غيبته تكون وعرفوهم كيف يعلمون عند غيبته. فان قلت في ولادته، فهذا موسى عليه السلام مع شدة طلب فرعون إياه وما فعل بالنساء والاولاد لمكانه حتى أذن الله في ظهوره، وقد قال الرضا عليه السلام في وصفه: " بأبى و امي شبيهي وسمي جدي وشبيه موسى بن عمران.
وحجة اخرى نقول لك: يا أبا الحسن أتقر أن الشيعة قدروت في الغيبة أخبارا ؟ فان قال: لا، أوجدناه الاخبار، وإن قال: نعم، قلنا له: فكيف تكون حالة الناس إذا غاب إمامهم فكيف تلزمهم الحجة في وقت غيبته، فان قال: يقيم من يقوم مقامه، فليس يقوم عندنا وعندكم مقام الامام إلا الامام، وإذا كان إماما قائما (2)
أدل عليك فأين تريد يا محمد ؟ قال: يثرب، قال: والله لاسلكن بك مسلكا لا يهتدى إليه أحد، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ائت عليا وبشره بان الله قد أذن لى في الهجرة فيهيئ لى زادا وراحلة. وقال أبو بكر: ائت اسماء بنتى وقل لها: تهيا لى زادا وراحلتين، وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا - وكان من موالى أبى بكر وقد كان أسلم - قل له: ائتنا بالزاد والراحلتين، فجاء ابن اريقط إلى على وأخبره بذلك فبعث على بن أبي طالب عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بزاد و راحلة، وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين. وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الغار وأخذ به ابن اريقط على طريق نخلة بين الجبال فلم يرجعوا إلى الطريق الا بقديد. (1) القبيل ما اقبلت به إلى صدرك. والدبير ما أدبرت به عن صدرك، ويقال: فلان ما يعرف قبيلا ولا دبيرا. والمراد ما أقبلت به المرأة من غزلها وما أدبرت. وهذا الكلام تعريض لابن بشار يعنى أنه لا يدرى ما يقول ولسنا نحتج عليه في هذا الامر. (2) يعنى إذا كان من يقوم اماما قائما. (*)
[ 58 ]
فلاغيبة وإن احتج بشئ آخر في تلك الغيبة فهو بعينه حجتنا في وقتنا لا فرق فيه ولافصل ومن الدليل على فساد أمر جعفر موالاته وتزكيته فارس بن حاتم - لعنه الله (1) - وقد برئ منه أبوه، وشاع ذلك في الامصار حتى وقف عليه الاعداء فضلا عن الاولياء. ومن الدليل على فساد أمره استعانته بمن استعان في طلب الميراث من أم الحسن عليه السلام وقد أجمعت الشيعة أن آباءه عليهم السلام أجمعوا أن الاخ لا يرث مع الام. ومن الدليل على فساد أمره قوله: إنى إمام بعد أخي محمد، فليت شعري متى تثبت إمامة أخيه وقد مات قبل أبيه حتى تثبت إمامة خليفته، ويا عجبا إذا كان محمد يستخلف ويقيم إماما بعده وأبوه حي قائم وهو الحجة والامام فما يصنع أبوه، و متى جرت هذه السنة في الائمة وأولادهم حتى نقبلها منكم، فدلونا على ما يوجب إمامة محمد حتى إذا ثبتت قبلنا إمامة خليفته. والحمد لله الذي جعل الحق مؤيدا والباطل مهتوكا ضعيفا زاهقا. فأما ما حكى عن ابن أبى غانم - رحمه الله - فلم يرد الرجل بقوله عندنا يثبت إمامة جعفر، وإنما أراد أن يعلم السائل أن أهل هذه البيت لم يفنوا حتى لا يوجد منهم أحدا. وأما قوله: " وكل مطاع معبود " فهو خطأ عظيم لانا لا نعرف مبعودا إلا الله ونحن نطيع رسول الله صلى الله عليه وآله ولا نعبده. وأما قوله: نختم الان هذا الكتاب بأن نقول: إنما نناظر ونخاطب من قد سبق منه الاجماع بأنه لا بد من إمام قائم من أهل هذه البيت تجب به حجة الله - إلى قوله - وصح أن في ذلك البيت سراجا، ولا حاجة بنا إلى دخوله فنحن - وفقك الله - لا نخالفه وأنه لا بد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله وإنما
(1) هو فارس بن حاتم بن ماهويه القزويني نزيل العسكر من اصحاب الرضا عليه السلام غال ملعون أهدر أبو الحسن العسكري عليه السلام دمه وضمن لمن يقتله الجنة فقتله جنيد. راجع منهج المقال ص 257. (*)
[ 59 ]
نخالفه في كيفية قيامه وظهوره وغيبته. وأما ما مثل به من البيت والسراج فهو منى، وقد قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس، ولكنا نضرب مثلا على الحقيقة لا نميل فيه على حضم ولا نحيف فيه على ضد، بل نقصد فيه الصواب فنقول: كنا ومن خالفنا قد أجمعنا على أن فلانا مضى وله ولدان وله دار وأن الدار يستحقها منهما من قدر على أن يحمل باحدى
يديه ألف رطل وأن الدار لا تزال في يدي عقب الحامل (1) إلى يوم القيامة، ونعلم أن أحدهما يحمل والاخر يعجز، ثم احتجنا أن نعلم من الحامل منهما فقصدنا مكانهما لمعرفة ذلك فعاق عنهما عائق منع عن مشاهدتهما غير أنا رأينا جماعات كثيرة في بلدان نائية متباعدة بعضها عن بعض يشهدون أنهم رأوا أن الاكبر منهما قد حمل ذلك، و وجدنا جماعة يسيرة في موضع واحد يشهدون أن الاصغر منهما فعل ذلك، ولم نجد لهذه الجماعة خاصة يأتوا بها، فلم يجز في حكم النظر وحفيظة الانصاف وما جرت به العادة وصحت به التجربة رد شهادة تلك الجماعات وقبول شهادة هذه الجماعة و التهمة تلحق هؤلاء وتبعد عن أولئك. فان قال خصومنا: فما تقولون في شهادة سلمان وأبى ذر وعمار والمقداد لامير المؤمنين عليه السلام، وشهادة تلك الجماعات وأولئك الخلق لغيره أيهما كان أصوب ؟ قلنا لهم: لامير المؤمنين عليه السلام وأصحابه امور خص بها وخصوا بها دون من بازائهم، فان أوجدتمونا مثل ذلك أو ما يقاربه لكم فأنتم المحقون: أو لها أن أعداءه كانوا يقرون بفضله وطهارته وعلمه، وقد روينا ورووا له معنا أنه صلى الله عليه وآله خبر " أن الله يوالي من يواليه ويعادي من يعاديه " فوجب لهذا أن يتبع دون غيره، والثاني أن أعداءه لم يقولوا له: نحن نشهد أن النبي صلى الله عليه وآله أشار إلى فلان بالامامة ونصبه حجة للخلق وإنما نصبوه لهم على جهة الاختيار كما قد بلغك، والثالث أن أعداءه كانوا يشهدون على أحد أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أنه لا يكذب لقوله صلى الله عليه وآله: " ما
(1) يعنى اولاده وأحفاده. (*)
[ 60 ]
أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " فكانت شهادته وحده أفضل من شهادتهم، والرابع أن أعداءه قد نقلوا ما نقله أولياؤه مما تجب به الحجة وذهبوا عنه بفساد التأويل، والخامس أن أعداءه رووا في الحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة، ورووا أيضا أنه صلى الله عليه وآله قال: " من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " فلما شهد الا بيهما بذلك وصح أنهما من أهل الجنة بشهادة الرسول وجب تصديقهما لانهما لو كذبا في هذا لم يكونا من أهل الجنة وكانا من أهل النار وحاشا لهما الزكيين الطيبين الصادقين، فليوجدنا أصحاب جعفر خاصة هي لهم دون خصومهم حتى يقبل ذلك، وإلا فلا معنى لترك خبر متواتر لاتهمة في نقله ولا على ناقليه وقبول خبر لا يؤمن على ناقليه تهمة التواطؤ عليه، ولا خاصة معهم يثبتون بها ولن يفعل ذلك إلا تائه حيران. فتأمل - أسعدك الله - في النظر فيما كتبت به إليك مما ينظر به الناظر لدينه، المفكر في معاده المتأمل بعين الخيفة والحذار إلى عواقب الكفر والجحود موفقا إن شاء الله تعالى أطال الله بقاءك وأعزك وأيدك وثبتك و جعلك من أهل الحق وهداك له وأعاذك من أن تكون من الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ومن الذين يستزلهم الشيطان بخدعه و غروره وإملائه وتسويله وأجرى لك أجمل ما عودك. وكتب بعض الامامية إلى أبى جعفر بن قبة كتابا يسأله فيه عن مسائل، فورد في جوابها أما قولك - أيدك الله - حاكيا عن المعتزلة أنها زعمت أن الامامية تزعم أن النص على الامام واجب في العقل فهذا يحتمل أمرين إن كانوا يريدون أنه واجب في العقل قبل مجئ الرسل عليهم السلام وشرع الشرايع فهذا خطأ وإن أرادوا أن العقول دلت على أنه لابد من إمام بعد الانبياء عليهم السلام، فقد علموا ذلك بالادلة القطعية وعلموه أيضا بالخبر الذي ينقلونه عمن يقولون بامامته. وأما قول المعتزلة: إنا قد علمنا يقينا أن الحسن بن على عليهما السلام مضى ولم ينص فقد ادعوا دعوى يخالفون فيها وهم محتاجون إلى أن يدلوا على صحتها وبأي شئ ينفصلون ممن زعم من مخالفيهم أنهم قد علموا من ذلك ضد ما ادعوا أنهم علموه.
[ 61 ]
ومن الدليل على أن الحسن بن علي عليهما السلام قد نص ثبات إمامته، وصحة النص
من النبي صلى الله عليه وآله، وفساد الاختيار، ونقل الشيع عمن قد أوجبوا بالادلة تصديقه أن الامام لا يمضي أو ينص على إمام كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله إذ كان الناس محتاجين في كل عصر إلى من يكون خبره لا يختلف ولا يتكاذب كما اختلفت أخبار الامة عند مخالفينا هؤلاء وتكاذبت وأن يكون إذا أمر ائتمر بطاعته ولا يد فوق يده ولا يسهو ولا يغلط وأن يكون عالما ليعلم الناس ما جهلوا، وعادلا ليحكم بالحق، ومن هذا حكمه فلا بد من أن ينص عليه علام الغيوب على لسان من يؤدي ذلك عنه إذ كان ليس في ظاهر خلقته ما يدل على عصمته. فإن قالت المعتزلة: هذه دعاوي تحتاجون إلى أن تدلوا على صحتها، قلنا: أجل لابد من الدلائل على صحة ما ادعيناه من ذلك وأنتم، فإنما سألتم عن فرع والفرع لا يدل عليه دون أن يدل على صحة أصله، ودلائلنا في كتبنا موجودة على صحة هذه الاصول ونظير ذلك أن سائلا لو سألنا الدليل على صحة الشرايع لاحتجنا أن ندل على صحة الخبر وعلى صحة نبؤة النبي صلى الله عليه وآله وعلى أنه أمر بها، وقبل ذلك أن الله عزوجل واحد حكيم، وذلك بعد فراغنا من الدليل على أن العالم محدث، و هذا نظير ما سألونا عنه، وقد تأملت في هذه المسألة فوجدت غرضها ركيكا وهو أنهم قالوا: لو كان الحسن بن علي عليهما السلام قد نص على من تدعون إمامته لسقطت الغيبة. والجواب في ذلك أن الغيبة ليست هي العدم فقد يغيب الانسان إلى بلد يكون معروفا فيه ومشاهدا لاهله، ويكون غائبا عن بلد آخر، وكذلك قد يكون الانسان غائبا عن قوم دون قوم، وعن أعدائه لا عن أوليائه فيقال: إنه غائب وإنه مستتر، و إنما قيل غائب لغيبته عن أعدائه وعمن لا يوثق بكتمانه من أوليائه وأنه ليس مثل آبائه عليهم السلام ظاهرا للخاصة والعامة وأولياؤه مع هذا ينقلون وجوده وأمره ونهيه وهم عندنا ممن تجب بنقلهم الحجة إذا كانوا يقطعون العذر لكثرتهم واختلافهم في هممهم ووقوع الاضطرار مع خبرهم، ونقلوا ذلك كما نقلوا إمامة آبائه عليهم السلام وإن خالفهم مخالفوهم فيها وكما تجب بنقل المسلمين صحة آيات النبي صلى الله عليه وآله سوى القرآن وإن خالفهم
[ 62 ]
أعداؤهم من أهل الكتاب والمجوس والزنادقة والدهرية في كونها. ولبست هذه مسألة تشتبه على مثلك مع ما أعرفه من حسن تأملك. وأما قولهم (1) إذا ظهر فكيف يعلم أنه محمد بن الحسن بن علي عليهم السلام ؟. فالجواب في ذلك أنه قد يجوز بنقل من تجب بنقله الحجة من أوليائه كما صحت إمامته عندنا بنقلهم. وجواب آخر وهو أنه قد يجوز أن يظهر معجزا يدل على ذلك. وهذا الجواب الثاني هو الذي نعتمد عليه ونجيب الخصوم به وإن كان الاول صحيحا. وأما قول المعتزلة: فكيف لم يحتج عليهم علي بن أبي طالب بإقامة المعجز يوم الشورى ؟ فإنا نقول: إن الانبياء والحجج عليهم السلام إنما يظهرون من الدلالات والبراهين حسب ما يأمرهم الله عزوجل به مما يعلم الله أنه صالح للخلق فإذا ثبتت الحجة عليهم بقول النبي صلى الله عليه وآله فيه ونصه عليه فقد استغني بذلك عن إقامة المعجزات اللهم إلا أن يقول قائل: إن إقامة المعجزات كانت أصلح في ذلك الوقت، فنقول له: وما الدليل على صحة ذلك ؟ وما ينكر الخصم من أن تكون إقامته لها ليس بأصلح وأن يكون الله عزوجل لو أظهر معجزا على يديه في ذلك الوقت لكفروا أكثر من كفرهم ذلك الوقت ولادعوا عليه السحر والمخرقة وإذا كان هذا جائزا لم يعلم أن إقامة المعجز كانت أصلح. فإن قالت المعتزلة: فبأي شئ تعلمون أن إقامة (2) من تدعون إمامته المعجز على أنه ابن الحسن بن علي عليهما السلام إصلح ؟ قلنا لهم: لسنا نعلم أنه لا بد من إقامة المعجز في تلك الحال وإنما نجوز ذلك، اللهم إلا أن يكون لا دلالة غير المعجز فيكون لا بد منه لاثبات الحجة وإذا كان لا بد منه كان واجبا وما كان واجبا كان صلاحا لا فسادا، وقد علمنا أن الانبياء عليهم السلام قد أقاموا المعجزات في وقت دون وقت ولم يقيموها
في كل يوم ووقت ولحظة وطرفة وعند كل محتج عليهم ممن أراد الاسلام، بل في * (هامش) (1) أي قول المعتزلة. (2) في بعض النسخ " ان أقام ". (*)
[ 63 ]
وقت دون وقت على حسب ما يعلم الله عزوجل من الصلاح. وقد حكى الله عزوجل عن المشركين أنهم سألوا نبيه صلى الله عليه وآله أن يرقى في السماء وأن يسقط السماء عليهم كسفا أو ينزل عليهم كتابا يقرؤونه وغير ذلك مما في الاية، فما فعل ذلك بهم، وسألوه أن يحيى لهم قصي بن كلاب وأن ينقل عنهم جبال تهامة فما أجابهم إليه وإن كان عليه السلام قد أقام لهم غير ذلك من المعجزات، وكذا حكم ما سألت المعتزلة عنه، ويقال لهم كما قالوا لنا لم نترك أوضح الحجج وأبين الادلة من تكرر المعجزات والاستظهار بكثرة الدلالات. وأما قول المعتزلة: إنه احتج بما يحتمل التأويل، فيقال: فما احتج عندنا على أهل الشورى إلا بما عرفوا من نص النبي صلى الله عليه وآله لان أولئك الروساء لم يكونوا جهالا بالامر وليس حكمهم حكم غيرهم من الاتباع، ونقلب هذا الكلام على المعتزلة فيقال لهم لم لم يبعث الله عزوجل بأضعاف من بعث من الانبياء ؟ ولم لم يبعث في كل قرية نبيا وفي كل عصر ودهر نبيا أو أنبياء إلى أن تقوم الساعة ؟ ولم لم يبين معاني القرآن حتى لا يشك فيه شاك ولم تركه محتملا للتأويل ؟ وهذه المسائل تضطرهم إلى جوابنا. إلى ههنا كلام أبي جعفر بن قبة - رحمه الله -. كلام لاحد المشايخ في الرد على الزيدية: وقال غيره من متكلمي مشايخ الامامية: إن عامة مخالفينا قد سألونا في هذا الباب عن مسائل ويجب عليهم أن يعلموا أن القول بغيبة صاحب الزمان عليه السلام مبني على القول بإمامة آبائه عليهم السلام، والقول بأمامة آبائه عليهم السلام مبني على القول بتصديق محمد صلى الله عليه وآله وإمامته، وذلك أن هذا باب شرعي وليس بعقلي محض والكلام في الشرعيات مبني على الكتاب والسنة كما قال الله عزوجل: " فإن تنازعتم في شئ (يعني في الشرعيات) فردوه إلى الله وإلى الرسول " (1) فمتى شهد لنا الكتاب والسنة وحجة العقل فقولنا هو المجتبى، ونقول: إن جميع طبقات الزيدية و
(1) النساء: 59. (*)
[ 64 ]
الامامية قد اتفقوا على أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وهما الخليفتان من بعدي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " وتلقوا هذا الحديث بالقبول فوجب أن الكتاب لا يزال معه من العترة من يعرف التنزيل والتأويل علما يقينا يخبر عن مراد الله عزوجل كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخبر عن المراد ولا يكون معرفته بتأويل الكتاب استنباطا ولا استخراجا كما لم تكن معرفة الرسول صلى الله عليه وآله بذلك استخراجا ولا استنباطا ولا استدلالا ولا على ما تجوز عليه اللغة وتجري عليه المخاطبة، بل يخبر عن مراد الله ويبين عن الله بيانا تقوم بقوله الحجة على الناس، كذلك يجب أن يكون معرفة عترة الرسول صلى الله عليه وآله بالكتاب على يقين ومعرفة وبصيرة، قال الله عزوجل في صفة رسول الله صلى الله عليه وآله: " قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " (1) فأتباعه من أهله وذريته وعترته هم الذين يخبرون عن الله عزوجل مراده من كتابه على يقين ومعرفة وبصيرة، ومتى لم يكن المخبر عن الله عزوجل مراده ظاهرا مكشوفا فانه يجب علينا أن نعتقد أن الكتاب لا يخلو من مقرون به من عترة الرسول صلى الله عليه وآله يعرف التأويل والتنزيل إذ الحديث يوجب ذلك. وقال علماء الامامية: قال الله عزوجل: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض " (2) فوجب بعموم هذه الاية أن
لا يزال في آل إبراهيم مصطفى وذلك أن الله عزوجل جنس الناس في هذا الكتاب جنسين فاصطفى جنسا منهم وهم الانبياء والرسل والخلفاء عليهم السلام وجنسا امروا باتباعهم، فما دام في الارض من به حاجة إلى مدبر وسائس ومعلم ومقوم يجب أن يكون بازائهم مصطفى من آل إبراهيم ويجب أن يكون المصطفى من آل إبراهيم ذرية بعضها من بعض لقوله عزوجل " ذرية بعضها من بعض " وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم المصطفون من آل إبراهيم فوجب
(1) يوسف: 108. (2) آل عمران: 33. كمال الدين - 4 -
[ 65 ]
أن يكون المصطفى بعد الحسين عليه السلام منه لقوله عز وجل " ذرية بعضها من بعض " ومتى لم تكن الذرية منه لا تكون الذرية بعضها من بعض إلا أن تكون في بطن دون جميعهم وكانت الامامة قد انتقلت عن الحسن إلى أخيه الحسين عليهما السلام وجب أن يكون منه ومن صلبه من يقوم مقامه وذلك معنى قوله تعالى " ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم "، فدلت الاية على ما دلت السنة عليه. استدلال على وجود امام غائب من العترة يظهر ويملا الارض عدلا: وقال بعض علماء الامامية: كان الواجب علينا وعلى كل عاقل يؤمن بالله و برسوله وبالقرآن وبجميع الانبياء الذين تقدم كونهم كون نبينا محمد صلى الله عليه وآله أن يتأمل حال الامم الماضية والقرون الخالية فإذا تأملنا وجدنا حال الرسل والامم المتقدمة شبيهة بحال أمتنا وذلك أن قوة كل دين كانت في زمن أنبيائهم عليهم السلام إنما كانت متى قبلت الامم الرسل فكثر أتباع الرسول في عصره ودهره فلم تكن أمة كانت أطوع لرسولها بعد أن قوي أمر الرسول من هذه الامة لان الرسل الذين عليهم دارت الرحى قبل نبينا محمد صلى الله عليه وآله نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام هم الرسل الذين في يد الامم آثارهم وأخبارهم، ووجدنا حال تلك الامم اعترض في دينهم الوهن في المتمسكين به لتركهم كثيرا مما كان يجب عليهم محافظته في أيام رسلهم وبعد مضي رسلهم وكذلك ما قال الله عزو جل: " قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير " (1). وبذلك وصف الله عزوجل أمر تلك القرون فقال عزوجل: " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " (2) وقال الله عزو جل لهذه الامة: " ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم " (3).
وفي الاثر " أنه يأتي على الناس زمان لا يبقى فيهم من الاسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه " وقال النبي صلى الله عليه وآله: " إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء " فكان الله عزوجل يبعث في كل وقت رسولا يجدد لتلك الامم ما انمحى من رسوم الدين واجتمعت الامة إلا من لا يلتفت إلى اختلافه، ودلت الدلائل العقلية أن الله عزوجل قد ختم الانبياء بمحمد صلى الله عليه وآله فلا نبي بعده، ووجدنا أمر هذه الامة في استعلاء الباطل على الحق والضلال على الهدى بحال زعم كثير منهم أن الدار اليوم دار كفر وليست بدار الاسلام، ثم لم يجر على شئ من اصول شرايع الاسلام ما جرى في باب الامامة، لان هذه الامة يقولون: لم يقم (لهم) بالامامة منذ قتل الحسين عليه السلام إمام عادل لا من نبي امية ولا من ولد عباس الذين جارت أحكامهم
على أكثر الخلق، ونحن والزيدية وعامة المعتزلة وكثير من المسلمين يقولون: إن الامام لا يكون إلا من ظاهره ظاهر العدالة، فالامة في يد الجائرين يلعبون بهم و يحكمون في أموالهم وأبدانهم بغير حكم الله، وظهر أهل الفساد على أهل الحق و عدم اجتماع الكلمة، ثم وجدنا طبقات الامة كلهم يكفر بعضهم بعضا، ويبرأ بعضهم من بعض. ثم تأملنا أخبار الرسول صلى الله عليه وآله فوجدناها قد وردت بأن الارض تملا قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما برجل من عترته، فدلنا هذا الحديث على أن القيامة لا تقوم على هذه الامة إلا بعد ما ملئت الارض عدلا، فان هذا الدين الذي لا يجوز عليه النسخ ولا التبديل سيكون له ناصر يؤيده الله عزوجل كما أيد الانبياء و الرسل لما بعثهم لتجديد الشرايع وإزالة ما فعله الظالمون فوجب لذلك أن تكون الدلائل على من يقوم بما وصفناه موجودة غير معدومة، وقد علمنا عامة اختلاف الامة وسبرنا أحوال الفرق، فدلنا أن الحق مع القائلين بالائمة الاثنى عشر عليهم السلام دون من سواهم من فرق الامة، ودلنا ذلك على أن الامام اليوم هو الثاني عشر منهم وأنه الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله به ونص عليه. وسنورد في هذا الكتاب ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله في عدد الائمة عليهم السلام وأنهم اثنا عشر والنص على القائم الثاني عشر،
[ 67 ]
والاخبار بغيبته قبل ظهوره وقيامه بالسيف إن شاء الله تعالى. اعتراضات للزيدية: قال بعض الزيدية: إن الرواية التي دلت على أن الائمة اثنا عشر قول أحدثه الامامية قريبا وولدوا فيه أحاديث كاذبة. فنقول - وبالله التوفيق -: إن الاخبار في هذا الباب كثيرة والمفزع والملجأ إلى نقلة الحديث وقد نقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلا مستفيضا من حديث عبد الله ابن مسعود ما حدثنا به أحمد بن الحسن القطان المعروف بأبي علي بن عبد ربه الرازي وهو شيخ كبير لاصحاب الحديث قال: حدثنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خلف بن يزيد المروزي بالري في شهر ربيع الاول سنة اثنين وثلاثمائة، عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي في سنة ثمان وثلاثين ومائتين المعروف باسحاق بن راهويه، عن يحيى بن يحيى (1)، عن هشام، عن مجالد (2) عن الشعبي، عن مسروق قال: بينا نحن عند عبد الله بن مسعود نعرض مصاحفنا عليه إذ قال له فتى شاب: هل عهد إليكم نبيكم صلى الله عليه وآله كم يكون من بعده خليفة ؟ قال: إنك لحدث السن وإن هذا شئ ما سألني عنه أحد (من) قبلك، نعم
(1) هو يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي أبو زكريا النيسابوري ثقة. وأما اسحاق بن راهويه فهو أبو يعقوب الحنظلي المروزى المحدث الفقيه، قال ابن حنبل: اسحاق عندنا امام من أئمة المسلمين وما عبر جسر أفضل منه (راجع تهذيب التهذيب ج 11 ص 296 وج 1 ص 216). (2) في بعض النسخ " هشام بن خالد " وفى أكثرها " هشام بن مجالد " وفى مسند أحمد ج 1 ص 398 هذا الحديث بعينه " عن حماد بن زيد، عن المجالد، عن الشبعى " وعليه فالمراد هشام بن سنبر الدستوائى الذى يأتي، يروى عن مجالد بن سعيد بن عمير أبى عمرو هو كما قال ابن حجر ليس بالقوى. وفى كفاية الاثر أيضا " عن هشام الدستوائى، عن مجالد بن سعيد " وهذا هو الصواب لما في طريق الشيخ في كتاب الغيبة " عن عميس بن يونس عن مجالد بن سعيد " وقلنا المراد بهشام أبو بكر البصري واسم ابيه " سنبر " وهو ثقة ثبت. وفى الخصال " هيثم بن خالد " وهو تصحيف. وأما الشعبى فهو عامر بن شراحيل أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل كما في التقريب. وأما مسروق فهو مسروق بن الاجدع بن مالك الهمداني الوادعى ثقة فقيه عابد. (*)
[ 68 ]
عهد إلينا نبينا صلى الله عليه واله أنه يكون من بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني اسرائيل. وقد أخرجت بعض طرق هذا الحديث في هذا الكتاب وبعضها في كتاب النص على الائمة الاثنى عشر عليهم السلام. بالامامة. ونقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلا ظاهرا مستفيضا من حديث جابر بن سمرة ما حدثنا به أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري، و
كان من أصحاب الحديث قال: حدثني أبو بكر بن أبي داود (1)، عن إسحاق بن إبراهيم ابن شاذان، عن الوليد بن هشام، عن محمد بن ذكوان (2) قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن سيرين، عن جابر بن سمرة السوائي قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فقال: يلي هذه الامة اثنا عشر، قال: فصرخ الناس فلم أسمع ما قال: فقلت لابي - وكان أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مني: ما قال: رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: قال: كلهم من قريش وكلهم لا يرى مثله. وقد أخرجت طرق هذا الحديث أيضا، وبعضهم روى " اثنا عشر أميرا "، وبعضهم روى " اثنا عشر خليفة " فدل ذلك على أن الاخبار التي في يد الامامية، عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام بذكر الائمة الاثنى عشر أخبار صحيحة (3). قالت الزيدية: فان كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد عرف امته أسماء الائمة الاثنى عشر فلم ذهبوا عنه يمينا وشمالا وخبطوا هذا الخبط العظيم ؟ فقلنا لهم: إنكم تقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف عليا عليه السلام وجعله الامام بعده ونص عليه وأشار إليه وبين أمره وشهره، فما بال أكثر الامة ذهبت عنه و
(1) في الخصال " أبو بكر بن أبى زواد " ولم أظفر به. (2) في بعض النسخ من الخصال " مخول بن ذكوان " ولم أجده. (3) روى أحمد في مسنده هذا الحديث ونحوه من أربع وثلاثين طريقا عن جابر بن سمرة راجع المسند ج 5 ص 87 إلى ص 108. ورواه الخطيب أيضا في التاريخ ج 14 ص 353 من حديث جابر بن سمرة ونحوه في ج 6 ص 263 من حديث عبد الله بن عمرو وأخرجه مسلم في صحيحة كتاب الامارة بطرق عديدة من حديث جابر. (*)
[ 69 ]
تباعدت منه حتى خرج من المدينة إلى ينبع (1) وجرى عليه ما جرى، فان قلتم: إن عليا عليه السلام لم يستخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله فلم أودعتم كتبكم ذلك وتكلمتم عليه، فان الناس قد يذهبون عن الحق وإن كان واضحا، وعن البيان وإن كان مشروحا كما ذهبوا عن التوحيد إلى التلحيد، ومن قوله عزوجل: " ليس كمثله شئ " إلى التشبيه. اعتراض آخر للزيدية: قالت الزيدية: ومما تكذب به دعوى الامامية أنهم زعموا أن جعفر بن محمد عليهما السلام نص لهم على إسماعيل وأشار إليه في حياته، ثم إن إسماعيل مات في حياته فقال: " ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل ابني " فان كان الخبر الاثنا عشر صحيحا فكان لا أقل من أن يعرفه جعفر بن محمد عليهما السلام ويعرف خواص شيعته لئلا يغلط هو وهم هذا الغلط العظيم. فقلنا لهم: بم قلتم: إن جعفر بن محمد عليهما السلام نص على إسماعيل بالامة ؟ وما ذلك الخبر ؟ ومن رواه ؟ ومن تلقاه بالقبول ؟ فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا، وإنما هذه حكاية ولدها قوم قالوا بامامة إسماعيل، ليس لها أصل لان الخبر بذكر الائمة الاثنا عشر عليهم السلام قد رواه الخاص والعام، عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام، وقد أخرجت ما روي عنهم في ذلك في هذا الكتاب. فأما قوله: " ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل ابني " فانه يقول: ما ظهر لله أمر كما ظهر له في أسماعيل ابني إذا اخترمه في حياتي (2) ليعلم بذلك أنه ليس بامام بعدى. وعندنا من زعم أن الله عزوجل يبدو له اليوم في شئ لم يعلمه أمس فهو كافر والبراءة منه واجبة، كما روي عن الصادق عليه السلام. حدثنا أبي - رضي الله عنه - عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن - يحيى بن عمران الاشعري قال: حدثنا أبو عبد الله الرازي، عن الحسن بن الحسين
(1) في بعض النسخ " البقيع ". (2) اخترمة: أهلكه واستأصله. (*)
[ 70 ]
اللؤلؤي، عن محمد بن سنان، عن عمار، عن أبي بصير، وسماعة، عن أبي عبد الله الصادق
عليه السلام قال: من زعم أن الله يبدو له في شئ اليوم لم يعلمه أمس فابرؤوا منه. وإنما البداء الذي ينسب إلى الامامية القول به هو ظهور أمره. يقول العرب بدا لي شخص أي ظهر لي، لا بدا ندامة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وكيف ينص الصادق عليه السلام على إسماعيل بالامامة مع قوله فيه: إنه عاص لا يشبهني ولا يشبه أحدا من آبائي. حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل - رضي الله عنه - قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد ابن أبي عمير، عن الحسن بن راشد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إسماعيل فقال: عاص، لا يشبهني ولا يشبه أحدا من آبائي. حدثنا الحسن بن أحمد بن إدريس - رضي الله عنه - قال: حدثنا أبي، عن محمد ابن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، والبرقي، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد، عن عبيد بن زرارة قال: ذكرت إسماعيل عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: والله لا يشبهني ولا يشبه أحدا من آبائي. حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد - رضي الله عنه - قال: حدثنا سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن أبي نجران، عن الحسين بن المختار، عن الوليد بن - صبيح قال: جاءني رجل فقال لي: تعال حتى اريك ابن الرجل قال: فذهبت معه، قال: فجاء بي إلى قوم يشربون فيهم إسماعيل بن جعفر، قال: فخرجت مغموما فجئت إلى الحجر فإذا إسماعيل بن جعفر متعلق بالبيت يبكي قد بل أستار الكعبة بدموعه، قال: فخرجت أشتد فإذا إسماعيل جالس مع القوم، فرجعت فإذا هو آخذ بأستار الكعبة قد بلها بدموعه، قال: فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال: لقد ابتلى ابني بشيطان يتمثل في صورته. وقد روي أن الشيطان لا يتمثل في صورة نبي ولا في صورة وصي نبي، فكيف يجوز أن ينص عليه بالامامة مع صحة هذا القول منه فيه.
[ 71 ]
اعتراض آخر: قالت الزيدية: بأي شئ تدفعون إمامة إسماعيل وما حجتكم على الاسماعيلية القائلين بامامته ؟ قلنا لهم: ندفع إمامته بما ذكرنا من الاخبار وبالاخبار الواردة بالنص على الائمة الاثنى عشر عليهم السلام وبموته في حياة أبيه. فأما الاخبار الواردة بالنص على الائمة الاثنى عشر فقد ذكرناها في هذا الكتاب. وأما الاخبار الواردة بموته في حياة الصادق عليه السلام ما حدثنا به أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، والحسن بن علي بن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن سعيد بن - عبد الله الاعرج قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما مات إسماعيل أمرت به وهو مسجى أن يكشف عن وجهه فقبلت جبهته وذقنه ونحره، ثم أمرت به فغطي، ثم قلت: اكشفوا عنه فقبلت أيضا جبهته وذقنه ونحره، ثم أمرتهم فغطوه، ثم أمرت به فغسل ثم دخلت عليه وقد كفن فقلت: اكشفوا عن وجهه، فقبلت جبهته وذقنه ونحره و عوذته، ثم قلت: درجوه. فقلت: بأي شئ عوذته ؟ قال: بالقرآن. قال مصنف هذا الكتاب: في هذا الحديث فوائد أحدها الرخصة بتقبيل جبهة الميت وذقنه ونحره قبل الغسل وبعده إلا أنه من مس ميتا قبل الغسل بحرارته فلا غسل عليه، فان مسه بعدما يبرد فعليه الغسل، وإن مسه بعد الغسل فلا غسل عليه، فلو ورد في الخبر أن الصادق عليه السلام اغتسل بعد ذلك أو لم يغتسل لعلمنا بذلك أنه مسه قبل الغسل بحرارته أو بعدما برد. وللخبر فائدة أخرى وهي أنه قال: أمرت به فغسل ولم يقل غسلته وفي هذا الحديث أيضا ما يبطل إمامة إسماعيل لان الامام لا يغسله إلا إمام إذا حضره (1).
(1) فيه نظر لانه يمكن أن يقال الاخبار التى وردت بان الامام لا يغسله الا الامام مع ضعف سندها لا تدل على وجوب المباشرة انما دلالته على أن ولى الامام في النجهيز هو الامام الذى بعده (*)
[ 72 ]
حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد - رحمه الله - قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أيوب بن نوح، ويعقوب يزيد، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن شعيب، عن أبي كهمس قال: حضرت موت إسماعيل وأبو عبد الله عليه السلام جالس عنده فلما حضره الموت شد لحييه وغطاء بالملحفة ثم أمر بتهيئته، فلما فرغ من أمره دعا بكفنه وكتب في حاشية الكفن " إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله ". حدثنا أبي - رضي الله عنه - قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم ابن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن محمد بن أبي حمزة، عن مرة مولى محمد بن - خالد قال: لما مات إسماعيل فانتهى أبو عبد الله عليه السلام إلى القبر أرسل نفسه فقعد على جانب القبر لم ينزل في القبر، ثم قال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بابراهيم ولده. حدثنا محمد بن الحسن - رضي الله عنه - قال: حدثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن الحسين بن عمر، عن رجل من بني هاشم قال: لما مات إسماعيل خرج إلينا أبو عبد الله عليه السلام فتقدم السرير بلا حذاء ولارداء. حدثنا أبي - رحمه الله - قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن حماد بن عيسى، عن جرير، عن إسماعيل بن جابر و الارقط ابن عم أبي عبد الله - قال: كان أبو عبد الله عليه السلام عند إسماعيل حين قبض فلما رأي الارقط جزعه قال: يا أبا عبد الله قد مات رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فارتدع ثم قال: صدقت أنا لك اليوم أشكر. حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار - رحمه الله - قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عمرو بن عثمان الثقفى،
سواء باشر ذلك بنفسه أو أمر من يفعل باذنه أو برضاه ان غاب، وفى التهذيب ج 1 ص 86 و الاستبصار ج 1 ص 207. باب كيفية غسل الميت بطريق صحيح أعلائى عن معاوية بن عمار قال: " أمرنى أبو عبد الله عليه السلام أن أغمز بطنه، ثم أوضيه بالاشنان، ثم اغسل رأسه بالسدر و لحييه، ثم أفيض على جسده منه، ثم أدلك به جسده، ثم أفيض عليه ثلاثا، ثم أغسله بالماء القراح، ثم أفيض عليه الماء بالكافور وبالماء القراح وأطرح فيه سبع ورقات سدر ".
[ 73 ]
عن أبي كهمس قال: حضرت موت إسماعيل بن أبي عبد الله عليه السلام: فرأيت أبا عبد الله عليه السلام وقد سجد سجدة فأطال السجود، ثم رفع رأسه فنظر إليه قليلا ونظر إلى وجهه (قال:) ثم سجد سجدة اخرى أطول من الاولى، ثم رفع رأسه وقد حضره الموت فغمضه وربط لحييه وغطى عليه ملحفة، ثم قام وقد رأيت وجهه وقد دخله منه شئ الله أعلم به، قال: ثم قام فدخل منزله فمكث ساعة، ثم خرج علينا مدهنا مكتحلا عليه ثياب غير الثياب التي كانت عليه ووجهه غير الذي دخل به فأمر ونهى في أمره (1) حتى إذا فرغ منه دعا بكفنه فكتب في حاشية الكفن " إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله ". حدثنا أبي - رحمه الله - قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن - عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبى الحسن ظريف بن ناصح، عن الحسن ابن زيد قال: ماتت ابنة لابي عبد الله عليه السلام فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا فقطع النوح، قال: فقيل لابي عبد الله عليه السلام: أصلحك الله أيناح في دارك ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لما مات حمزة: ليبكين حمزة لا بواكي له (2). حدثنا محمد بن الحسن - رحمه الله - قال: حدثنا الحسن بن متيل الدقاق قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن محمد بن عبد الله الكوفي قال: لما حضرت إسماعيل بن أبي عبد الله الوفاة جزع أبو عبد الله عليه السلام جزعا شديدا قال:
فلما غمضه دعا بقميص غسيل أو جديد فلبسه ثم تسرح وخرج يأمر وينهى قال: فقال له بعض أصحابه: جعلت فداك لقد ظننا أن لا ينتفع بك زمانا لما رأينا من جزعك، قال: إنا أهل بيت نجزع ما لم تنزل المصيبة فإذا نزلت صبرنا. حدثنا علي بن أحمد بن محمد الدقاق - رحمه الله - قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكى قال: حدثنا الحسين بن الهيثم قال:
(1) يعنى في تجهيز اسماعيل. (2) في بعض النسخ " لكن حمزة لا بواكي له ". (*)
[ 74 ]
حدثنا عباد بن يعقوب الاسدي قال: حدثنا عنبسة بن بجاد العابد قال: لما مات إسماعيل بن جعفر بن محمد وفرغنا من جنازته جلس الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وجلسنا حوله وهو مطرق، ثم رفع رأسه فقال: أيها الناس إن هذه الدنيا دار فراق ودار التواء (1) لا دار استواء على أن فراق المألوف حرقة لا تدفع ولوعة لا ترد (2) وإنما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحة الفكر فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، ومن لم يقدم ولدا كان هو المقدم دون الولد، ثم تمثل عليه السلام بقول أبي خراش الهذلي يرثي أخاه. ولا تحسبي أني تناسيت عهده * ولكن صبري يا إمام جميل (3) اعتراض آخر: قالت الزيدية: لو كان خبر الائمة الاثنى عشر صحيحا لما كان الناس يشكون بعد الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام في الامامة حتى يقول طائفة من الشيعة بعبد الله وطائفة بإسماعيل وطائفة تتحير حتى أن الشيعة منهم من امتحن عبد الله بن الصادق عليه السلام فلما لم يجد عنده ما أراد خرج وهو يقول: إلى أين ؟ إلى المرجئة أم إلى القدرية ؟ أم إلي الحرورية وإن موسى بن جعفر سمعه يقول هذا فقال له: لا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى الحرورية ولكن إلى. فانظروا من كم وجه يبطل خبر الاثنى عشر أحدها جلوس عبد الله للامامة، والثاني إقبال الشيعة إليه، والثالث حيرتهم عند امتحانه، والرابع أنهم لم يعرفوا أن إمامهم موسى بن جعفر عليهما السلام حتى دعاهم موسى إلى نفسه وفي هذه المدة مات فقيههم زرارة بن أعين وهو يقول والمصحف على صدره: " اللهم إني أئتم بمن أثبت إمامته هذا المصحف ". فقلنا لهم: إن هذا كله غرور من القول وزخرف، وذلك أنا لم ندع أن
(1) التواء: الاعوجاج. (2) اللوعة: حرقة الحزن. (3) في بعض النسخ " يا أميم جميل " والاميم هو المضروب على أم رأسه. (*)
[ 75 ]
جميع الشيعة عرف في ذلك العصر الائمة الاثني عشر عليهم السلام بأسمائهم، وإنما قلنا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبر أن الائمة بعده الاثنا عشر، الذين هم خلفاؤه وأن علماء الشيعة قد رووا هذا الحديث بأسمائهم ولا ينكر أن يكون فيهم واحد أو اثنان أو أكثر لم يسمعوا بالحديث، فأما زرارة بن أعين فانه مات قبل انصراف من كان وفده ليعرف الخبر ولم يكن سمع بالنص على موسى بن جعفر عليهما السلام من حيث قطع الخبر عذره فوضع المصحف الذي هو القرآن على صدره، وقال: اللهم إني أئتم بمن يثبت هذا المصحف إمامته، وهل يفعل الفقيه المتدين عند اختلاف الامر عليه إلا ما فعله زرارة، على أنه قد قيل: إن زرارة قد كان عمل بأمر موسى بن جعفر عليهما السلام وبامامته وإنما بعث ابنه عبيدا ليتعرف من موسى بن جعفر عليهما السلام هل يجوز له إظهار ما يعلم من إمامته أو يستعمل التقية في كتمانه، وهذا أشبه بفضل زرارة بن أعين وأليق بمعرفته. حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني - رضي الله عنه - قال: حدثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن إبراهيم بن محمد الهمداني - رضي الله عنه - قال: قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله أخبرني عن زرارة هل كان يعرف حق أبيك عليه السلام ؟ فقال: نعم، فقلت له: فلم بعث ابنه عبيدا ليتعرف الخبر
إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ؟ فقال: إن زرارة كان يعرف أمر أبي عليه السلام ونص أبيه عليه وإنما بعث ابنه ليتعرف من أبي عليه السلام هل يجوز له أن يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه وأنه لما أبطأ عنه ابنه طولب باظهار قوله في أبي عليه السلام فلم يحب أن يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف وقال: اللهم إن إمامي من أثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد عليهما السلام. والخبر الذي احتجت به الزيدية ليس فيه أن زرارة لم يعرف إمامة موسى بن - جعفر عليهما السلام وإنما فيه أنه بعث ابنه عبيدا ليسأل عن الخبر. حدثنا أبي - رحمه الله - قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد ابن يحيى بن عمران الاشعري، عن أحمد بن هلال، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن أبيه قال: لما بعث زرارة عبيدا ابنه إلى المدينة ليسأل عن الخبر بعد مضي أبي عبد الله
[ 76 ]
عليه السلام فلما اشتد به الامر أخذ المصحف وقال: من أثبت إمامته هذا المصحف فهو إمامي. وهذا الخبر لا يوجب أنه لم يعرف، على أن راوي هذا الخبر أحمد بن هلال (1) وهو مجروح عند مشايخنا - رضى الله عنهم -. حدثنا شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد - رضي الله عنه - قال: سمعت سعد بن عبد الله يقول: ما رأينا ولا سمعنا بمتشيع رجع عن التشيع إلى النصب إلا أحمد بن هلال، وكانوا يقولون: إن ما تفرد بروايته أحمد بن هلال فلا يجوز استعماله، وقد علمنا أن النبي والائمة صلوات الله عليهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه. والشاك في الامام على غير دين الله، وقد ذكر موسى جعفر عليهما السلام أنه سيستوهبه من ربه يوم القيامة. حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد - رضى الله عنه - قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن أبي الصهبان، عن منصور بن العباس، عن مروك بن عبيد، عن درست ابن أبي منصور الواسطي، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: ذكر بين يديه زرارة بن أعين فقال: والله إني سأستوهبه من ربي يوم القيامة فيهبه لي، ويحك إن زرارة بن أعين أبغض عدونا في الله وأحب ولينا في الله. حدثنا أبي ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا أحمد بن إدريس، و محمد بن يحيى العطار جميعا، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي العباس الفضل بن عبد الملك، عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: أربعة أحب الناس إلي أحياء وأمواتا: بريد العجلي، وزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، والاحول (2) أحب الناس إلي أحياء وأمواتا. فالصادق عليه السلام لا يجوز أن يقول لزرارة: إنه من أحب الناس إليه وهو لا يعرف إمامة موسى بن جعفر عليهما السلام.
(1) هو أحمد بن هلال العبرتائى وردت فيه ذموم عن الامام العسكري عليه السلام كما في (كش). (2) يعنى محمد بن النعمان البجلى مؤمن الطاق. (*)
[ 77 ]
اعتراض آخر: قالت الزيدية لا يجوز أن يكون من قول الانبياء: إن الائمة اثنا عشر لان الحجة باقية على هذه الامة إلى يوم القيامة، والاثنا عشر بعد محمد صلى الله عليه وآله قد مضى منهم أحد عشر، وقد زعمت الامامية أن الارض لا تخلو من حجة. فيقال لهم: إن عدد الائمة عليهم السلام اثنا عشر والثاني عشر هو الذي يملا الارض قسطا وعدلا، ثم يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده أو قيام القيامة ولسنا مستعبدين في ذلك إلا بالاقرار باثني عشر إماما إعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر عليه السلام بعده. حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق - رضى الله عنه - قال: حدثنا عبد العزيز ابن يحيى قال: حدثنا إبراهيم بن فهد، عن محمد بن عقبة، عن حسين بن الحسن، عن
إسماعيل بن عمر، عن عمر بن موسى الوجيهي (1) عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن - الحارث قال: قلت لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين أخبرني بما يكون من الاحداث بعد قائمكم ؟ قال: يا ابن الحارث ذلك شئ ذكره موكول إليه، وإن رسول الله صلى الله عهد إلي أن لا اخبر به إلا الحسن والحسين عليهما السلام. حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق - رحمة الله عليه - قال: حدثنا عبد العزيز بن - يحيى الجلودي، عن الحسين بن معاذ، عن قيس بن حفص، عن يونس بن أرقم، عن أبي سنان الشيباني (2) عن الضحاك بن مزاحم، عن النزال بن سبرة، عن أمير المؤمنين عليه السلام في
(1) عمر بن موسى الوجيهى زيدي له كتاب قراءة زيد بن على عليه السلام وقال: سمعت زيد ابن على يقول: هذا قراءة أمير المؤمنين عليه السلام. (2) اما الحسين بن معاذ فالظاهر هو الحسين بن معاذ بن خليف البصري الذى ذكره ابن حبان في الثقات، وأما قيس بن حفص فالظاهر هو قيس بن حفص بن القعقاع التميمي الدارمي مولاهم أبو محمد البصري المتوفى 227 الذى ذكره ابن حبان في الثقات أيضا. وأما يونس بن أرقم فلم أجد من ذكره، وأما أبو سنان الشيباني المصحف في نسخ الكتاب بابى سيار فهو سعيد بن سنان البرجمى الشيباني الكوفى الذى ذكره ابن حبان في الثقات وقال كان عابدا فاضلا انتهى، يروى عن ضحاك بن مزاحم الهلالي أبى القاسم ويقال أبو محمد (*)
[ 78 ]
حديث يذكر فيه أمر الدجال ويقول في آخره: لا تسألوني عما يكون بعد هذا فانه عهد إلي حبيبي عليه السلام أن لا اخبر به غير عترتي. قال النزال بن سبرة: فقلت لصعصعة ابن صوحان: ماعنى أمير المؤمنين بهذا القول ؟ فقال صعصعة: يا ابن سبرة إن الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه هو الثاني عشر من العترة، التاسع من ولد الحسين بن علي عليهما السلام وهو الشمس الطالعة من مغربها، يظهر عند الركن والمقام، فيطهر الارض ويضع الميزان بالقسط فلا يظلم أحد أحدا، فأخبر أمير المؤمنين عليه السلام أن حبيبه رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إليه أن لا يخبر بما يكون بعد ذلك غير عترته الائمة. ويقال للزيدية: أفيكذب رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله " إن الائمة اثنا عشر ". فان قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقل هذا القول، قيل لهم: إن جاز لكم دفع هذا الخبر مع شهرته واستفاضته وتلقى طبقات الامامية إياه بالقبول فما أنكرتم ممن يقول: إن قول رسول الله صلى الله عليه وآله " من كنت مولاه " ليس من قول الرسول عليه السلام. اعتراض آخر: قالت الزيدية: اختلفت الامامية في الوقت الذي مضى فيه الحسن بن علي عليهما السلام فمنهم من زعم أن ابنه كان ابن سبع سنين، ومنهم من قال: إنه كان صبيا (1) أو رضيعا وكيف كان فانه في هذه الحال لا يصلح للامامة ورئاسة الامة وأن يكون خليفة الله في بلاده وقيمه في عباده، وفئة المسلمين إذا عضتهم الحروب، ومدبر جيوشهم، والمقاتل عنهم والذاب عن حوزتهم، والدافع عن حريمهم لان الصبى الرضيع والطفل لا يصلحان لمثل هذه الامور، ولم تجر العادة فيما سلف قديما وحديثا أن تلقى الاعداء بالصبيان ومن لا يحسن الركوب ولا يثبت على السرج، ولا يعرف كيف يصرف العنان، ولا ينهض
قال عبد الله بن أحمد: ثقة مأمون وقال ابن معين وكذا أبو زرعة: ثقة. وهو يروى عن النزال ابن سبرة - بفتح المهملة وسكون الموحدة الهلالي وهو كوفى تابعي من كبار التابعين ذكره ابن حيان في الثقات كما في التهذيب. (1) في بعض النسخ " جنينا ". (*)
[ 79 ]
بحمل الحمائل، ولا بتصريف القناة، ولا يمكنه الحمل على الاعداء في حومة الوغا، فان أحد أوصاف الامام أن يكون أشجع الناس. الجواب: يقال لمن خطب بهذه الخطبة: إنكم نسيتم كتاب الله عزوجل: ولولا ذلك
لم ترموا الامامية بأنهم لا يحفظون كتاب الله وقد نسيتم قصة عيسى عليه السلام وهو في المهد حين يقول: " إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت - الاية (1) أخبرونا لو آمن به بنو إسرائيل ثم حزبهم أمر من العدو (2) كيف كان يفعل المسيح عليه السلام وكذلك القول في يحيى عليه السلام، وقد أعطاه الله الحكم صبيا فان جحدوا ذلك فقد جحدوا كتاب الله، ومن لم يقدر على دفع خصمه إلا بعد أن يجحد كتاب الله فقد وضح بطلان قوله. ونقول في جواب هذا الفصل: إن الامر لو أفضى بأهل هذا العصر إلى ما وصفوا لنقض الله العادة فيه، وجعله رجلا بالغا كاملا فارسا شجاعا بطلا قادرا على مبارزة الاعداء والحفظ لبيضة الاسلام والدفع عن حوزتهم. وهذا جواب لبعض الامامية على أبي القاسم البلخي. اعتراض آخر: قالت الزيدية: قد شك الناس في صحة نسب هذا المولود إذ أكثر الناس يدفعون أن يكون للحسن بن علي عليهما السلام ولد. فيقال لهم: قد شك بنو إسرائيل في المسيح ورموا مريم بما قالوا " لقد جئت شيئا فريا " (3) فتكلم المسيح ببراءة أمه عليه السلام فقال: " إني عبد الله آتاني الكتاب
(1) مريم: 32. (2) حزبه أمر أي أصابه. (3) مريم: 28. وقوله " فريا " أي عظيما بديعا أو قبيحا منكرا، من الافتراء وهو الكذب. (*)
[ 80 ]
وجعلني نبيا " فعلم أهل العقول أن الله عزوجل لا يختار لاداء الرسالة مغمور النسب ولا غير كريم المنصب، كذلك الامام عليه السلام إذا ظهر كان معه من الايات الباهرات و الدلائل الظاهرات ما يعلم به أنه بعينه دون الناس هو خلف الحسن بن علي عليهما السلام. قال بعضهم: ما الدليل على أن الحسن بن علي عليه السلام توفي ؟ قيل له: الاخبار التي وردت في موته هي أوضح وأشهر وأكثر من الاخبار التى وردت في موت أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام لان أبا الحسن عليهما السلام مات في يد الاعداء ومات أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام في داره على فراشه، وجرى في أمره ما قد أوردت الخبربه مسندا في هذا الكتاب. فقال قائل منهم: فهلا دلكم تنازع أم الحسن وجعفر في ميراثه أنه لم يكن له ولد ؟ لانا بمثل هذا نعرف من يموت ولا عقب له ان لا يظهر ولده ويقسم ميراثه بين ورثته ؟ فقيل له: هذه العادة مستفيضة وذلك أن تدبير الله في أنبيائه ورسله وخلفائه ربما جرى على المعهود المعتاد وربما جرى بخلاف ذلك، فلا يحمل أمرهم في كل الاحوال على العادات كما لا يحمل أمر المسيح عليه السلام على العادات. قال: فان جاز له أن يشك (1) في هذا لم لا يجوز أن نشك في كل من يموت ولا عقب له ظاهر. قيل له: لا نشك في أن الحسن عليه السلام كان له خلف من عقبه بشهادة من أثبت له ولدا من فضلاء ولد الحسن والحسين عليهما السلام والشيعة الاخبار لان الشهادة التي يجب قبولها هي شهادة المثبت لا شهادة النافي وإن كان عدد النافين أكثر من عدد المثبتين، ووجدنا لهذا الباب فيما مضى مثالا وهو قصة موسى عليه السلام لان الله سبحانه لما أراد أن ينجي بني إسرائيل من العبودية ويصير دينه على يديه غضا طريا أوحى إلى أمه " فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " (2) فلو أن أباه عمران مات في ذلك الوقت لما كان الحكم في ميراثه إلا كالحكم في ميراث
(1) في بعض النسخ " فان جاز لنا أن نشك ". (2) القصص: 7. كمال الدين - 5 - (*)
[ 81 ]
الحسن عليه السلام، ولم يكن في ذلك دلالة على نفي الولد. وخفي على مخالفينا فقالوا: إن موسى في ذلك الوقت لم يكن بحجة والامام عندكم حجة، ونحن إنما شبهنا الولادة والغيبة بالولادة والغيبة، وغيبة يوسف عليه السلام أعجب من كل عجب لم يقف على خبره أبوه وكان بينهما من المسافة ما يجب أن لا ينقطع لولا تدبير الله عزوجل في خلقه أن ينقطع خبره عن أبيه وهؤلاء إخوته دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون. وشبهنا أمر حياته بقصة أصحاب الكهف فانهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، وهم أحياء. فان قال قائل: إن هذه أمور قد كانت ولا دليل معنا على صحة ما تقولون. قيل له: أخرجنا بهذه الامثلة أقوالنا من حد الاحالة إلى حد الجواز، وأقمنا الادلة على صحة قولنا بأن الكتاب لا يزال معه من عترة الرسول صلى الله عليه وآله من يعرف حلاله وحرامه ومحكمه ومتشابهه، وبما أسندناه في هذا الكتاب من الاخبار عن النبي والائمة صلوات الله عليهم. فان قال: فكيف التمسك به ؟ ولا نهتدي إلى مكانه ولا يقدر أحد علي إتيانه ؟ قيل له: نتمسك بالاقرار بكونه وبامامته وبالنجباء الاخيار والفضلاء الابرار القائلين بامامته، المثبتين لولادته وولايته، المصدقين للنبي والائمة عليهم السلام في النص عليه باسمه ونسبه من أبرار شيعته، العالمين بالكتاب والسنة، العارفين بوحدانية الله تعالى ذكره النافين عنه شبه المحدثين المحرمين للقياس، المسلمين لما يصح وروده عن النبي و الائمة عليهم السلام. فان قال قائل: فان جاز أن يكون نتمسك بهؤلاء الذين وصفتهم ويكون تمسكنا بهم تمسكا بالامام الغائب فلم لا يجوز أن يموت رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يخلف أحدا فيقتصر أمته على حجج العقول والكتاب والسنة ؟ قيل له: ليس الاقتراح على الله عز وجل علينا وإنما علينا فعل ما نؤمر به وقد دلت الدلائل على فرض طاعة هؤلاء الائمة الاحد عشر عليهم السلام الذين مضوا ووجب القعود معهم إذا قعدوا والنهوض معهم إذا نهضوا، و
[ 82 ]
الاسماع منهم إذا نطقوا. فعلينا أن نفعل في كل وقت ما دلت الدلائل على أن علينا أن نفعله. اعتراض آخر لبعضهم: قال بعض الزيدية فان للواقفه ولغيرهم أن يعارضوكم في ادعائكم أن موسى بن جعفر عليهما السلام مات وأنكم وقفتم على ذلك بالعرف والعادة والمشاهدة وذلك أن الله عزوجل قد أخبر في شأن المسيح عليه السلام فقال: " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم " وكان عند القوم في حكم المشاهدة والعادة الجارية أنهم قد رأوه مصلوبا مقتولا فليس بمنكر مثل ذلك في سائر الائمة الذين قال بغيبتهم طائفة من الناس. الجواب يقال لهم: ليس سبيل الائمة عليهم السلام في ذلك سبيل عيسى بن مريم عليه السلام وذلك أن عيسى بن مريم ادعت اليهود قتله فكذبهم الله تعالى ذكره بقوله " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم " (1) وأئمتنا عليهم السلام لم يرد في شأنهم الخبر عن الله أنهم شبهوا وإنما قال ذلك قوم من طوائف الغلاة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله بقتل أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: " إنه ستخضب هذه من هذا " يعني لحيته من دم رأسه، وأخبر من بعده من الائمة عليهم السلام بقتله، وكذلك الحسن والحسين عليهما السلام قد أخبر النبي صلى الله عليه وآله عن جبرئيل بأنهما سيقتلان، وأخبرا عن أنفسهما بأن ذلك سيجري عليهما، وأخبر من بعدهما من الائمة عليهما السلام بقتلهما، وكذلك سبيل كل إمام بعدهما من علي بن الحسين إلى الحسن بن - علي العسكري عليهما السلام قد أخبر الاول بما يجري على من بعده وأخبر من بعده بما جرى على من قبله، فالمخبرون بموت الائمة عليهما السلام هم النبي والائمة عليهم السلام واحد بعد واحد، والمخبرون بقتل عيسى عليه السلام كانت اليهود، فلذلك قلنا: إن ذلك جرى
عليهم على الحقيقة والصحة لا على الحسبان والحيلولة ولا على الشك والشبهة لان الكذب على المخبرين بموتهم غير جائز لانهم معصومون وهو على اليهود جائز.
(1) النساء: 156. (*)
[ 83 ]
شبهات من المخالفين ودفعها: قال مخالفونا: إن العادات والمشاهدات تدفع قولكم بالغيبة، فقلنا: إن البراهمة (1) تقدر أن تقول مثل ذلك في آيات النبي صلى الله عليه وآله وتقول للمسلمين إنكم بأجمعكم لم تشاهدوها فلعلكم قلدتم من لم يجب تقليده أو قبلتم خبرا لم يقطع العذر، ومن أجل هذه المعارضة قالت عامة المعتزلة - على ما يحكى عنهم -: إنه لم تكن للرسول صلى الله عليه وآله معجزة غير القرآن فأما من اعترف بصحة الايات التي هي غير القرآن احتاج إلى أن يطلق الكلام في جواز كونها بوصف الله - تعالى ذكره - بالقدرة عليها، ثم في صحة وجود كونها على أمور قد وقفنا عليها وهي غير كثيرة الرواة. فقالت الامامية: فارضوا منا بمثل ذلك وهو أن نصحح هذه الاخبار التى تفردنا بنقلها عن أئمتنا عليهم السلام بأن تدل على جواز كونها بوصف الله - تعالى ذكره - بالقدرة عليها وصحة كونها بالادلة العقلية والكتابية والاخبار المروية المقبولة عند نقلة العامة. قال الجدلي فنقول: إنه ليس بازائنا جماعة تروي عن نبينا صلى الله عليه وآله ضد ما نروي مما يبطله ويناقضه، أو يدعون أن أولنا ليس كآخرنا ؟ فيقال له: ما أنكرت من برهمي قال لك: إن العادات والمشهادات والطبيعيات تمنع أن يتكلم ذراع مسموم مشوي وتمنع من انشقاق القمر أنه لو انشق القمر و انفلق لبطل نظام العالم. وأما قوله: " ليس بازائهم من يدفع أن أولنا ليس كاخرنا " فانه يقال له: إنكم تدفعون عن ذلك أشد الدفع ولو شهد هذه الايات الخلق الكثير لكان حكمه حكم القرآن فقد بان أن الجدلي مستعمل للمغالطة، مستفرق فيما لم يستفرق. قال الجدلي: أو تدفعونا عن قولنا إنه كان لنبينا صلى الله عليه وآله من الاتياع في حياته وبعد وفاته جماعة لا يحصرهم العدد يروون آياته ويصححونها ؟ فيقال له: إن جماعة لم لم يحصرهم العدد قد عاينوا آيات رسول الله صلى الله عليه وآله التي هي تظليل الغمامة وكلام الذراع
(1) البراهمة قوم لا يجوزون على الله تعالى بعثة الرسل. (*)
[ 84 ]
المسمومة وحنين الجذع وما في بابه ولكن هذه عامة الامة تقول: إن هذه آيات رواها نفر يسير في الاصل فلم ادعيت أن أحدا لا يدفعك عن هذه الدعوى ؟. قال الجدلي: ولما كان هذا هكذا كانت أخبارنا عن آيات نبينا صلى الله عليه وآله كالاخبار عن آيات موسى والاخبار عن آيات المسيح التي ادعتها النصارى لها ومن أجلها ما ادعوا وكأخبار المجوس والبراهمة عن أيام آبائهم وأسلافهم. قلنا: قد عرفنا أن البراهمة تزعم أن لابائهم وأسلافهم أمثالا موجودة ونظائر مشاهدة فلذلك قبلوه على طريق الاقناع، وليس هذا مما تنكره، وإنما عرفناه للوجه الذي من أجله عورض بما عورض به، فليكن من وراء الفصل من حيث طولب (1). قال الجدلي: وبازاء هذه الفرقة من القطعية جماعات تفضلها وجماعات في مثل حالها تروي عمن يسندون إليه الخبر خبرهم في النص ضد ما يروون. فيقال له: ومن هذه الجماعات التي تفضلها ؟ وأين هم في ديار الله ؟ وأين يسكنون من بلاد الله ؟ أو ما وجب عليك أن تعلم أن كتابك يقرء ؟ ومن ليس من أهل الصناعة يعلم استعمالك للمغالطة. قال الجدلي: وما كنت أحسب أن امرءا مسلما تسمح نفسه بأن يجعل الاخبار عن آيات رسول الله صلى الله عليه وآله عروضا (2) للاخبار في غيبة ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي ابن موسى بن جعفر عليهم السلام ويدعى تكافؤ التواتر فيهما. والله المستعان. فيقال له: إنا قد بينا الوجه الذي من أجله ادعينا التساوي في هذا الباب و
عرفناك أن الذي نسميه الخبر المتواتر هو الذي يرويه ثلاثة أنفس فما فوقهم وأن الاخبار عن آيات رسول الله صلى الله عليه وآله في الاصل إنما يرويها العدد القليل، والمحنة (3) بيننا وبينك أن نرجع إلى أصحاب الحديث فنطلب منهم من روى انشقاق القمر وكلام الذراع المسمومة وما يجانس ذلك من آياته، فان أمكنه أن يروي كل آية من هذه الايات عن عشرة أنفس من أصحاب رسو ل الله صلى الله عليه وآله عاينوا أو شاهدوا فالقول قوله، وإلا فان الموافق
(1) في بعض النسخ " فليكن من ذكر الفضل - الخ ". (2) العروض من الكلام فحواه. يقال: " هذه المسألة عروض هذه " أي نظيره. (3) في بعض النسخ " والمجنة " وهى الترس. (*)
[ 85 ]
ادعى التكافؤ فيما هما مثلان ونظيران ومشبهان، والحمد لله. وأقول - وبالله التوفيق -: إنا قد استعبدنا بالاقرار بعصمة الامام كما استعبدنا بالقول به، والعصمة ليست في ظاهر الخليقة فترى وتشاهده ولو أقررنا بامامة إمام وأنكرنا أن يكون معصوما لم نكن أقررنا به، فإذا جاز أن نكون مستعبدين من كل إمام بالاقرار بشئ غائب عن أبصارنا فيه جاز أن نستعبد بالاقرار بامامة إمام غائب عن أبصارنا لضرب من ضروب الحكمة يعلمه الله تبارك وتعالى اهتدينا إلى وجهه أو لم نهتد ولافرق. وأقول أيضا: إن حال إمامنا عليه السلام اليوم في غيبته حال النبي صلى الله عليه وآله في ظهوره، وذلك أنه عليه السلام لما كان بمكة لم يكن بالمدينة، ولما كان بالمدينة لم يكن بمكة، ولما سافر لم يكن بالحضر، ولما حضر لم يكن في السفر، وكان عليه السلام في جميع أحواله حاضرا بمكان، غائبا عن غيره من الاماكن، ولم تسقط حجته صلى الله عليه وآله عن أهل الاماكن التي غاب عنها، فهكذا الامام عليه السلام لا تسقط حجته وإن كان غائبا عنا كما لم تسقط حجة النبي صلى الله عليه وآله عمن غاب عنه، وأكثر ما استعبد به الناس من شرائط الاسلام وشرائعه فهو مثل ما استعبدوا به من الاقرار بغيبة الامام، وذلك أن الله تبارك وتعالى مدح المؤمنين على إيمانهم بالغيب قبل مدحه لهم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة و الايمان بسائر ما أنزل الله عزوجل على نبيه وعلى من قبله من الانبياء صلوات الله عليهم أجمعين وبالاخرة فقال: " هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم يفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفحلون " (1) وإن النبي صلى الله عليه وآله كان يكون بين أصحابه فيغمى عليه وهو يتصاب عرقا فإذا أفاق قال: قال الله عزوجل كذا وكذا، أمركم بكذا، ونهاكم عن كذا. وأكثر مخالفينا يقولون: إن ذلك كان يكون عند نزول جبرئيل عليه السلام عليه، فسئل الصادق عليه السلام عن الغشية التي كانت تأخذ النبي صلى الله عليه وآله أكانت تكون عند هبوط جبرئيل عليه السلام فقال: لا إن جبرئيل كان إذ أتى النبي صلى الله عليه وآله لم يدخل عليه حتى يستأذنه وإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد وإنما ذلك عند
(1) البقرة: 3 و 4 و 5. (*)
[ 86 ]
مخاطبة الله عزوجل إياه بغير ترجمان وواسطة. حدثنا بذلك الحسن بن أحمد بن إدريس - رضي لله عنه - عن أبيه، عن جعفر ابن محمد بن مالك، عن محمد بن الحسين بن زيد (1)، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن - ثابت، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: فالناس لم يشاهدوا الله تبارك وتعالى يناجي رسول الله صلى الله عليه وآله ويخاطبه ولا شاهدوا الوحي ووجب عليهم الاقرار بالغيب الذي لم يشاهدوه وتصديق رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك وقد أخبرنا الله عزوجل في محكم كتابه أنه ليس منا أحد " يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (2) " وقال عزوجل " وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون " (3) ونحن لم نرهم ولم نشاهدهم ولو لم نوقع التصديق بذلك لكنا خارجين من الاسلام، رادين على الله تعالى ذكره قوله، وقد حذرنا الله تبارك وتعالى من فتنة الشيطان فقال: " يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان
كما أخرج أبويكم من الجنة " (4) ونحن لا نرى ويجب علينا الايمان بكونه والحذر منه، وقال النبي صلى الله عليه وآله في ذكر المسألة في القبر: " إنه إذا سئل الميت فلم يجب بالصواب ضربه منكر ونكير ضربة من عذاب الله، ما خلق الله من دابة إلا تذعر لها (5) ما خلا الثقلين " ونحن لا نرى شيئا من ذلك، ولا نشاهده ولا نسمعه، وأخبرنا عنه عليه السلام أنه عرج به إلى السماء. ونحن لم نر (شيئا من) ذلك (ولا نشاهده ولا نسمعه). وأخبرنا عليه السلام " من زار أخاه في الله عزوجل شيعه سبعون ألف ملك يقولون: ألا طبت وطابت لك الجنة " ونحن لا نراهم ولا نسمع كلامهم ولو لم نسلم الاخبار الواردة في مثل ذلك وفيما يشبهه من أمور الاسلام لكنا كافرين بها، خارجين من الاسلام.
(1) هو أبو جعفر الزيات. وفى بعض النسخ " محمد بن الحسين بن يزيد " لم أجده. (2) ق: 18. والاية هكذا " ما يلفظ من قول - الاية " (3) الانفطار: 11 - 13. (4) الاعراف: 27. (5) أي تفزع. وذعرته ذعرا: أفزعته، وقد ذعر فهو مذعور. (*)
[ 87 ]
مناظرة المؤلف مع ملحد عند ركن الدولة: ولقد كلمني بعض الملحدين في مجلس الامير السعيد ركن الدولة - رضي الله عنه - فقال لي: وجب على إمامكم أن يخرج فقد كاد أهل الروم يغلبون على المسلمين. فقلت له: إن أهل الكفر كانوا في أيام نبينا صلى الله عليه وآله أكثر عددا منهم اليوم وقد أسر عليه السلام أمره وكتمه أربعين سنة بأمر الله جل ذكره وبعد ذلك أظهره لمن وثق به وكتمه ثلاث سنين عمن لم يثق به، ثم آل الامر إلى أن تعاقدوا على هجرانه وهجران جميع بني هاشم والمحامين عليه لاجله، فخرجوا إلى الشعب وبقوا فيه ثلاث سنين فلو أن قائلا قال في تلك السنين: لم لا يخرج محمد صلى الله عليه وآله فانه واجب عليه الخروج لغلبة المشركين على المسلمين، ما كان يكون جوابنا له إلا أنه عليه السلام بأمر الله تعالى ذكره خرج إلى الشعب حين خرج وباذنه غاب (1) ومتى أمره بالظهور والخروج خرج وظهر، لان النبي صلى الله عليه وآله بقي في الشعب هذه المدة حتى أوحى الله عزوجل إليه أنه قد بعث أرضة على الصحيفة المكتوبة بين قريش في هجران النبي صلى الله عليه وآله وجميع بني هاشم، المختومة بأربعين خاتما، المعدلة (2) عند زمعة بن الاسود فأكلت ما كان فيها من قطيعة رحم وتركت ما كان فيها من اسم الله عزوجل، فقام أبو طالب فدخل مكة، فلما رأته قريش قدروا أنه قد جاء ليسلم إليهم النبي صلى الله عليه وآله حتى يقتلوه أو يرجعوه عن نبوته، فاستقبلوه وعظموه فلما جلس قال لهم: يا معشر قريش إن ابن أخي محمد لم أجرب عليه كذبا قط وإنه قد أخبرني أن ربه أوحى إليه أنه قد بعث على الصحيفة المكتوبة بينكم الارضة فأكلت ما كان فيها من قطيعة رحم وتركت ما كان فيها من أسماء الله عزوجل. فأخرجوا الصحيفة وفكوها فوجدوها كما قال، فآمن بعض وبقي بعض على كفره، ورجع النبي عليه السلام وبنو هاشم إلى مكة. هكذا الامام عليه السلام إذا أذن الله له في الخروج خرج. وشئ آخر وهو أن الله تعالى ذكره أقدر على أعدائه الكفار من الامام فلو أن قائلا قال: لم يمهل الله أعداءه ولا يبيدهم وهم يكفرون به ويشركون ؟ لكان جوابنا له
أن الله تعالى ذكره لا يخاف الفوت فيعاجلهم بالعقوبة، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولا يقال له: لم ولا كيف، وهكذا إظهار الامام إلى الله الذي غيبه فمتى أراده أذن فيه فظهر. فقال الملحد: لست اومن بامام لا أراه ولا تلزمني حجته ما لم أره، فقلت له: يجب أن تقول: إنه لا تلزمك حجة الله تعالى ذكره لانك لا تراه ولا تلزمك حجة
الرسول عليه السلام لانك لم تره. فقال للامير السعيد ركن الدولة - رضى الله عنه -: أيها الامير راع ما يقول هذا الشيخ فانه يقول: إن الامام إنما غاب ولا يرى لان الله عزوجل لا يرى، فقال له الامير - رحمه الله -: لقد وضعت كلامه غير موضعه وتقولت عليه وهذا انقطاع منك وإقرار بالعجز. وهذا سبيل جميع المجادلين لنا في أمر صاحب زماننا عليه السلام ما يلفظون في دفع ذلك وجحوده إلا بالهذيان والوساوس والخرافات المموهة. وذكر أبو سهل اسماعيل بن علي النوبختي (1) في آخر كتاب التنبيه: وكثيرا ما يقول خصومنا: لو كان ما تدعون من النص حقا لادعاه علي عليه السلام بعد مضي النبي صلى الله عليه وآله. فيقال لهم: كيف يدعيه فيقيم نفسه مقام مدع يحتاج إلى شهود على صحة دعواه وهم لم يقبلوا قول النبي عليه السلام فكيف يقبلون دعواه لنفسه، وتخلفه عن بيعة
(1) هو اسماعيل بن على بن اسحاق بن أبى سهل بن نوبخت، كان شيخ المتكلمين من أصحابنا الامامية ببغداد ووجههم، متقدم النوبختيين في زمانه، له جلالة في الدين و الدنيا، يجرى مجرى الوزارء، صنف كتبا كثيرة جملة منها في الرد على أرباب المقالات الفاسدة، وله كتاب الانوار في تواريخ الائمة الاطهار (ع). رأى مولانا الحجة عليه السلام عند وفاة أبيه الحسن بن على عليهما السلام، وله احتجاج على الحلاج صار ذلك سببا لفضيحة الحلاج و خذلانه. (الكنى والالقاب للمحدث القمى ره) (*)
[ 89 ]
أبي بكر ودفنه فاطمة عليهما السلام من غير أن يعرفهم جمعيا خبرها حتى دفنها سرا أدل دليل على أنه لم يرض بما فعلوه. فان قالوا: فلم قبلها بعد عثمان ؟ قيل لهم: اعطوه بعض ما وجب له فقبله، وكان في ذلك مثل النبي صلى الله عليه وآله حين قبل المنافقين والمؤلفة قلوبهم. وربما قال خصومنا - إذا عضهم الحجاج (1) ولزمتهم الحجة في أنه لا بد من إمام منصوص عليه، عالم بالكتاب والسنة، مأمون عليهما، لا ينساهما ولا يغلط فيها، ولا تجوز مخالفته، واجب الطاعة بنص الاول عليه - فمن هو هذا الامام سموه لنا ودلونا عليه ؟. فيقال لهم: هذا كلام في الاخبار وهو انتقال من الموضع الذي تكلمنا فيه لانا إنما تكلمنا فيما توجبه العقول إذا مضى النبي عليه السلام وهل يجوز أن لا يستخلف وينص على إمام بالصفة التي ذكرناها ؟ فإذا ثبت ذلك بالادلة فعلينا وعليهم التفتيش عن عين الامام في كل عصر من قبل الاخبار ونقل الشيع النص على علي عليه السلام وهم الان من الكثرة واختلاف الاوطان والهمم على ما هم عليه يوجب العلم والعمل لاسيما وليس بازائهم فرقة تدعي النص لرجل عبد النبي صلى الله عليه واله غير علي عليه السلام، فان عارضونا بما يدعيه أصحاب زرادشت (2) وغيرهم من المبطلين، قيل لهم: هذه المعارضة تلزمكم في آيات النبي صلى الله عليه وآله فإذا انفصلتم بشئ فهو فصلنا لان صورة الشيع في هذا الوقت كصورة المسلمين في الكثرة فانهم لا يتعارفون وإن أسلافهم يجب أن يكونوا كذلك (3) بل أخبار الشيع أوكد لانه ليس معهم دولة ولا سيف ولا رهبة ولا رغبة وإنما تنقل الاخبار الكاذبة لرغبة أو رهبة أو حمل عليها بالدول، وليس في أخبار الشيعة شئ من ذلك وإذا صح بنقل الشيعة النص من النبي صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام صح بمثل ذلك نقلها النص من علي على الحسن ومن الحسن على الحسين ثم على إمام إمام إلى الحسن بن علي، ثم
(1) عض الرجل بصاحبه يعض عضيضا أي لزمه (الصحاح). (2) كناية عن المخالفين للحق. وزرادشت رئيس مذهب المجوس. (3) في بعض النسخ " وان اسلامهم يجب أن يكون كذلك ". (*)
[ 90 ]
على الغائب الامام بعده عليهم السلام لان رجال أبيه الحسن عليه السلام الثقات كلهم قد شهدوا له
بالامامة، وغاب عليه السلام لان السلطان طلبه طلبا ظاهرا، ووكل بمنازله وحرمه سنتين. فلو قلت: إن غيبة الامام عليه السلام في هذا العصر من أدل الادلة على صحة الامامة قلت: صدقا لصدق الاخبار المتقدمة في ذلك وشهرتها. وقد ذكر بعض الشيعة ممن كان في خدمة الحسن بن علي عليهما السلام وأحد ثقاته أن السبب بينه وبين ابن الحسن بن علي عليهما السلام متصل وكان يخرج من كتبه وأمره ونهيه على يده إلى شيعته إلى أن توفي وأوصى إلى رجل من الشيعة مستور فقام مقامه في هذا الامر. وقد سألونا في هذه الغيبة (1) وقالوا: إذا جاز أن يغيب الامام ثلاثين سنة وما أشبهها فما تنكرون من رفع عينه عن العالم ؟ فيقال لهم: في ارتفاع عينه ارتفاع الحجة من الارض وسقوط الشرائع إذا لم يكن لها من يحفظها. وأما إذا استتر الامام للخوف على نفسه بأمر الله عزوجل وكان له سبب معروف متصل به وكانت الحجة قائمة إذ كانت عينه موجودة في العالم وبابه وسببه معروفان وإنما عدم إفتائه وأمره ونهيه ظاهرا وليس في ذلك بطلان للحجة، ولذلك نظائر قد أقام النبي صلى الله عليه وآله في الشعب مدة طويلة وكان يدعو الناس في أول أمره سرا إلى أن أمن وصارت له فئة وهو في كل ذلك نبي مبعوث مرسل فلم يبطل توقيه وتستره من بعض الناس بدعوته نبوته ولا أدحض ذلك حجته، ثم دخل عليه السلام الغار فأقام فيه فلا يعرف أحد موضعه ولم يبطل ذلك نبوته ولو ارتفعت عينه لبطلت نبوته وكذلك الامام يجوز أن يحبسه السلطان المدة الطويلة ويمنع من لقائه حتى لا يفتي ولا يعلم ولا يبين، والحجة قائمة ثابتة واجبة وإن لم يفت ولم يبين لانه موجود العين في العالم، ثابت الذات، ولو أن نبيا أو إماما لم يبين ويعلم ويفت (2) لم تبطل نبوته ولا إمامته ولا حجته، ولو ارتفعت ذاته لبطلت
(1) في بعض النسخ " وقد سألونا في ذلك ". (2) في بعض النسخ " ويقل ". (*)
[ 91 ]
الحجة، وكذلك يجوز أن يستتر الامام المدة الطويلة إذا خاف ولا تبطل حجة الله عزوجل. فان قالوا: فكيف يصنع من احتاج إلى أن يسأل عن مسالة ؟ قيل له: كما كان يصنع والنبي صلى الله عليه وآله في الغار من جاء إليه ليسلم وليتعلم منه، فان كان ذلك سائغا في الحكمة كان هذا مثله سائغا. ومن أوضح الادلة على الامامة أن الله عزوجل جعل آية النبي صلى الله عليه وآله أنه أتى بقصص الانبياء الماضين عليهم السلام وبكل عليم [ من ] توراة وإنجيل وزبور من غير أن يكون يعلم الكتابة ظاهرا، أو لقى نصرانيا أو يهوديا فكان ذلك أعظم آياته، وقتل الحسين بن علي عليهما السلام وخلف علي بن الحسين عليهما السلام متقارب السن كانت سنة أقل من عشرين سنة، ثم انقبض عن الناس فلم يلق أحدا ولا كان يلقاه إلا خواص أصحابه و كان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه من العلم إلا يسيرا لصعوبة الزمان وجور بني امية ثم ظهر ابنه محمد بن علي المسمى بالباقر عليه السلام لفتقه العلم (1) فأتى من علوم الدين و الكتاب والسنة والسير والمغازي بأمر عظيم، وأتى جعفر بن محمد عليهما السلام من بعده من ذلك بما كثر وظهر وانتشر، فلم يبق فن في فنون العلم إلا أتى فيه بأشياء كثيرة، و فسر القرآن والسنن، ورويت عنه المغزي وأخبار الانبياء من غير أن يرى هو وأبوه محمد بن علي أو علي بن الحسين عليهم السلام عند أحد من رواة العامة أو فقهائهم يتعلمون منهم شيئا، وفي ذلك أدل دليل على أنهم إنما أخذوا ذلك العلم عن النبي صلى الله عليه وآله، ثم عن علي عليه السلام، ثم عن واحد واحد من الائمة، وكذلك جماعة الائمة عليهم السلام هذه سنتهم في العلم (2) يسألون عن الحلال والحرام فيجيبون جوابات متفقة من غير أن يتعلموا ذلك من أحد من الناس، فأي دليل أدل من هذا على إمامتهم وأن النبي صلى الله عليه وآله نصبهم وعلمهم وأودعهم علمه وعلوم الانبياء عليهم السلام قبله، وهل رأينا في العادات
(1) في بعض النسخ " لبقره العلم ".
(2) في بعض النسخ " سبيلهم في العلم. " (*)
[ 92 ]
من ظهر عنه مثل ما ظهر عن محمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام من غير أن يتعلموا ذلك من أحد من الناس. فان قال قائل: لعلهم كانوا يتعلمون ذلك سرا، قيل لهم: قد قال مثل ذلك الدهرية في النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يتعلم الكتابة ويقرأ الكتاب سرا. وكيف يجوز أن يظن ذلك بمحمد بن علي وجعفر بن محمد بن علي عليهم السلام وأكثر ما أتوا به لا يعرف إلا منهم، ولا سمع من غيرهم. وقد سألونا فقالوا: ابن الحسن لم يظهر ظهورا تاما للخاصة والعامة فمن أين علمتم وجوده في العالم ؟ وهل رأيتموه أو أخبرتكم جماعة (قد) تواترت أخبارها أنها شاهدته وعاينته ؟ فيقال لهم: إن أمر الدين كله بالاستدلال يعلم، فنحن عرفنا الله عزوجل بالادلة ولم نشاهده، ولا أخبرنا عنه من شاهده، وعرفنا النبي صلى الله عليه وآله وكونه في العالم بالاخبار، وعرفنا نبوته وصدقه بالاستدلال، وعرفنا أنه استخلف علي بن - أبي طالب عليه السلام بالاستدلال، وعرفنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسائر الائمة عليهم السلام بعده عالمون بالكتاب والسنة ولا يجوز عليهم في شئ من ذلك الغلط ولا النسيان ولا تعمد الكذب بالاستدلال، وكذلك عرفنا أن الحسن بن علي عليهما السلام إمام مفترض الطاعة، وعلمنا بالاخبار المتواترة عن الائمة الصادقين عليهم السلام أن الامامة لا تكون بعد كونها في الحسن والحسين عليهما السلام إلا في ولد الامام ولا يكون في أخ ولا قرابة، فوجب من ذلك أن الامام لا يمضي إلا أن يخلف من ولده إماما (1) فلما صحت إمامة الحسن عليه السلام وصحت وفاته ثبت أنه قد خلف من ولده إماما، هذا وجه من الدلالة عليه. ووجه آخر: وهو أن الحسن عليه السلام خلف جماعة من ثقاته ممن يروي (2) عنه الحلال والحرام ويؤدي كتب شيعته وأموالهم ويخرجون الجوابات وكانوا بموضع من الستر (3) والعدالة بتعديله إياهم في حياته، فلما مضى أجمعوا جميعا على أنه قد خلف
(1) في بعض النسخ " من بعده اماما ". (2) في بعض النسخ " يؤدى عنه الحلال ". (3) في بعض النسخ " في الستر ". (*)
[ 93 ]
ولدا هو الامام وأمروا الناس أن لا يسألوا عن اسمه وأن يستروا ذلك من أعدائه، و طلبه السلطان أشد طلب ووكل بالدور والحبالى من جواري الحسن عليه السلام، ثم كانت كتب ابنه الخلف بعده تخرج إلى الشيعة بالامر والنهي على أيدي رجال أبيه الثقات أكثر من عشرين سنة، ثم انقطعت المكاتبة ومضى أكثر رجال الحسن عليه السلام الذين كانوا شهدوا بأمر الامام بعده وبقي منهم رجل واحد قد أجمعوا على عدالته وثقته فأمر الناس بالكتمان وأن لا يذيعوا شيئا من أمر الامام، وانقطعت المكاتبة فصح لنا ثبات عين الامام بما ذكرت من الدليل، وبما وصفت عن أصحاب الحسن عليه السلام ورجاله ونقلهم خبره، وصحة غيبته بالاخبار المشهورة في غيبة الامام عليه السلام وأن له غيبتين احديهما أشد من الاخرى. ومذهبنا في غيبة الامام في هذا الوقت لا يشبه مذهب الممطورة (1) في موسى بن جعفر لان موسى مات ظاهرا ورآه الناس ميتا ودفن دفنا مكشوفا ومضى لموته أكثر من مائة سنة وخمسين سنة لا يدعي أحد أنه يراه ولا يكاتبه ولا يراسله، ودعواهم أنه حي فيه إكذاب الحواس التي شاهدته ميتا وقد قام بعده عدة أئمة فأتوا من العلوم بمثل ما أتى به موسى عليه السلام. وليس في دعوانا هذه - غيبة الامام - إكذاب للحس ولا محال ولا دعوى تنكرها العقول ولا تخرج من العادات وله إلى هذا الوقت من يدعي من شيعته الثقات المستورين أنه باب إليه وسبب يؤدي عنه إلى شيعته أمره ونهيه ولم تطل
(1) المراد بالممطورة: الواقفية. كما في المجمع قال فيه: والممطر - كمنبر - ما
يلبس في المطر يتوقى به. والممطورة: الكلاب المبتلة بالمطر. وقال أبو محمد الحسن ابن موسى النوبختى في كتابه " فرق الشيعة " وقد لقب الواقفة بعض مخالفيها ممن قال بامامة على بن موسى " الممطورة " وغلب عليها هذا الاسم وشاع لها. وكان سبب ذلك أن على ابن اسماعيل الميثمى ويونس بن عبد الرحمن ناظرا بعضهم فقال له على بن اسماعيل - وقد اشتد الكلام بينهم -: ما أنتم الا كلاب ممطورة. أراد أنكم أنتن من جيف لان الكلاب إذا أصابها المطر فهى أنتن من الجيف. فلزمهم هذا اللقب فهم يعرفون به اليوم، لانه إذا قيل للرجل أنه ممطور فقد عرف أنه من الواقفة على موسى بن جعفر عليهما السلام خاصة لان كل من مضى منهم فله واقفة قد وقفت عليه وهذا اللقب لاصحاب موسى خاصة. انتهى. (*)
[ 94 ]
المدة في الغيبة طولا يخرج من عادات من غاب، فالتصديق بالاخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن عليه السلام على ما شرحت وأنه قد غاب كما جاءت الاخبار في الغيبة فانها جاءت مشهورة متواترة وكانت الشيعة تتوقعها وتترجاها (1) كما ترجون بعد هذا من قيام القائم عليه السلام بالحق وإظهار العدل. ونسأل الله عزوجل توفيقا وصبرا جميلا برحمته. وقال أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي في نقض كتاب الاشهاد لابي زيد العلوي، قال صاحب الكتاب بعد أشياء كثيرة ذكرها لا منازعة فيها: وقالت الزيدية والمؤتمة (2): الحجة من ولد فاطمة بقول الرسول المجمع عليه في حجة الوداع، ويوم خرج إلى الصلاة في مرضه الذي توفي فيه: " أيها الناس قد خلفت فيكم كتاب الله وعترتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ألا وإنكم لن تضلوا ما استمستكم بهما ". ثم أكد صاحب الكتاب هذا الخبر وقال فيه قولا لا مخالفة فيه، ثم قال بعد ذلك: إن المؤتمة خالفت الاجماع وادعت الامامة في بطن من العترة ولم توجبها لسائر العترة (3)، ثم لرجل من ذلك البطن في كل عصر. فأقول - وبالله الثقة: إن في قول النبي صلى الله عليه وآله على ما يقول الامامية دلالة واضحة وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي " دل على أن الحجة من بعده ليس من العجم ولا من سائر قبايل العرب بل من عترته أهل بيته، ثم قرن قوله بما دل (به) على مراده فقال: ألا وإنها لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " فأعلمنا أن الحجة من عترته لا تفارق الكتاب، و إنا متى تمسكنا بمن لا يفارق الكتاب لن نضل، ومن لا يفارق الكتاب ممن فرض على الامة أن يتمسكوا به، ويجب في العقول أن يكون عالما بالكتاب مأمونا عليه يعلم ناسخه من منسوخه، وخاصه من عامه، وحتمه من ندبه، ومحكمه من متشابهه
(1) في بعض النسخ " تتوخاها ". (2) يعنى الامامية - الاثنى عشرية -. (3) يريد أن لفظ العترة عام يشملهم جميعا فجميع العترة داخل. (*)
[ 95 ]
ليضع كل شئ من ذلك موضعه الذي وضعه الله عزوجل، لا يقدم مؤخرا، ولا يؤخر مقدما. ويجب أن يكون جامعا لعلم الدين كله ليمكن التمسك به والاخذ بقوله فيما اختلفت فيه الامة وتنازعته من تأويل الكتاب والسنة، ولانه إن بقي منه شئ لا يعلمه لم يمكن التمسك به ثم متى كان بهذا المحل أيضا لم يكن مأمونا على الكتاب، ولم يؤمن أن يغلط فيضع الناسخ منه مكان المنسوخ، والمحكم مكان المتشابه، والندب مكان الحتم، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده، وإذا كان (هذا) هكذا صار الحجة والمحجوج سواء، وإذا فسد هذا القول صح ما قالت الامامية من أن الحجة من العترة لا يكون إلا جامعا لعلم الدين معصوما مؤتمنا على الكتاب، فان وجدت الزيدية في أئمتها من هذه صفته فنحن أول من ينقاد له، وإن تكن الاخرى فالحق أولى ما اتبع. وقال شيخ من الامامية: إنا لم نقل: إن الحجة من ولد فاطمة عليهما السلام قولا مطلقا وقلناه بتقييد وشرائط، ولم نحتج لذلك بهذا الخبر فقط بل احتججنا به و
بغيره، فأول ذلك أنا وجدنا النبي صلى الله عليه وآله قد خص من عترته أهل بيته أمير المؤمنين و الحسن والحسين عليهم السلام بما خص به ودل على جلالة خطرهم وعظم شأنهم وعلو حالهم عند الله عزوجل بما فعله بهم في الموطن بعد الموطن والموقف بعد الموقف مما شهرته تغني عن ذكره بيننا وبين الزيدية، ودل الله تبارك وتعالى على ما وصفناه من علو شأنهم بقوله: " إنما يريد الله ليذهب عنك الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (1) و بسورة هل أتى وما يشاكل ذلك، فلما قدم عليه السلام هذه الامور وقرر عند امته أنه ليس في عترته من يتقدمهم في المنزلة والرفعة ولم يكن عليه السلام ممن ينسب إلى المحاباة ولا ممن يولي ويقدم إلا على الدين علمنا أنهم عليهم السلام نالوا ذلك منه استحقاقا بما خصهم به، فلما قال بعد ذلك كله: " قد خلفت فيكم كتاب الله وعترتي " علمنا أنه عنى هؤلاء دون غيرهم لانه لو كان هناك من عترته من له هذه المنزلة لخصه عليه السلام و
(1) الاحزاب: 33. (*)
[ 96 ]
نبه على مكانه، ودل على موضعه لئلا يكون فعله بأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام محاباة، وهذا واضح، والحمد لله، ثم دلنا على أن الامام بعد أمير المؤمنين الحسن باستخلاف أمير المؤمنين عليه السلام إياه واتباع أخيه له طوعا. وأما قوله: " إن المؤتمة خالفت الاجماع وادعت الامامة في بطن من العترة " فيقال له: ما هذا الاجماع السابق الذي خالفناه فانا لا نعرفه، اللهم إلا أن تجعل مخالفة الامامية للزيدية خروجا من الاجماع، فان كنت إلى هذا تومي فليس يتعذر على الامامية أن تنسبك إلى مثل ما نسبتها إليه وتدعي عليك من الاجماع مثل الذي ادعيته عليها، وبعد فأنت تقول: إن الامامة لا تجوز (1) إلا لولد الحسن والحسين عليهما السلام فبين لنا لم خصصت ولدهما دون سائر العترة لنبين لك بأحسن من حجتك ما قلناه، وسيأتي البرهان في موضعه إن شاء الله. ثم قال صاحب الكتاب: وقالت الزيدية: الامامة جائزة للعترة وفيهم لدلالة رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم عاما لم يخصص بها بعضا دون بعض، ولقول الله عزوجل لهم دون غيرهم باجماعهم: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا - الاية " (2). فأقول - وبالله التوفيق -: قد غلط صاحب الكتاب فيما حكى لان الزيدية إنما تجيز الامامة لولد الحسن والحسين عليهما السلام (3) خاصة، والعترة في اللغة العم و بنو العم، الاقرب فالاقرب، وما عرف أهل اللغة قط ولا حكى عنهم أحد أنهم قالوا: العترة لا تكون إلا ولد الا بنة من ابن العم، هذا شئ تمنته الزيدية وخدعت به أنفسنا وتفردت بادعائه بلا بيان ولا برهان، لان الذي تدعيه ليس في العقل و لا في الكتاب ولا في الخبر ولا في شئ من اللغات وهذه اللغة وهؤلاء أهلها فاسألوهم
(1) في بعض النسخ " لا تكون ". (2) فاطر: 32، وتمام الاية " فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير ". (3) في منقوله المترجم في كتاب المسمى بنامه دانشوران ج 4 ص 278 " الزيدية انما تجيز الامامة لولد الحسين عليه السلام ". كمال الدين - 6 - (*)
[ 97 ]
يبين لكم أن العترة في اللغة الاقرب فالاقرب من العم وبني العم. فان قال صاحب الكتاب: فلم زعمت أن الامامة لا تكون (1) لفلان وولده، وهم من العترة عندك ؟ قلنا له: نحن لم نقل هذا قياسا وإنما قلناه اتباعا لما فعله صلى الله عليه وآله بهؤلاء الثلاثة (2) دون غيرهم من العترة ولو فعل بفلان (3) ما فعله بهم لم يكن عندنا إلا السمع والطاعة. وأما قوله: إن الله تبارك وتعالى قال: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا - الاية ".
فيقال له: قد خالفك خصومك من المعتزلة وغيرهم في تأويل هذه الاية وخالفتك الامامية وأنت تعلم من السابق بالخيرات عند الامامية، وأقل ما كان يجب عليك - وقد ألفت كتابك هذا لتبين الحق وتدعو إليه - أن تؤيد الدعوى بحجة، فان لم تكن فاقناع، فان لم يكن فترك الاحتجاج (4) بما لم يمكنك أن تبين أنه حجة لك دون خصومك، فان تلاوة القرآن وادعاء تأويله بلا برهان أمر لا يعجز عنه أحد، وقد ادعى خصومنا وخصومك أن قول الله عزوجل: " كنتم خير أمة أخرجت للناس - الاية " (5) هم جميع علماء الامة وأن سبيل علماء العترة وسبيل علماء المرجئة سبيل واحد وأن الاجماع لا يتم والحجة لا تثبت بعلم العترة فهل بينك وبينها فصل ؟ وهل تقنع منها بما ادعت أو تسألها البرهان ؟ فان قال: بل أسألها البرهان، قيل له: فهات برهانك أولا على أن المعنى بهذه الاية التي تلوتها هم العترة، وأن العترة هم الذرية وأن الذرية هم ولد الحسن والحسين عليهما السلام دون غيرهم من ولد جعفر وغيره ممن
(1) في بعض النسخ " لا تجوز ". (2) يعنى امير المؤمنين والسبطين عليهم السلام. (3) أي لو فعل رسول الله صلى الله عليه وآله مثلا بعباس وولديه عبد الله والفضل ما فعل بهؤلاء الثلاثة لم يكن - الخ. (4) يعنى ان لم تكن حجة فبدليل اقناعي وان لم يكن دليل اقناعي فترك الاحتجاج بما ليس لك حجة بل يمكن أن يكون حجة لخصومك. (5) آل عمران: 110. (*)
[ 98 ]
امهاتهم فاطميات. ثم قال: ويقال للمؤتمة: ما دليلكم على إيجاب الامامة لواحد دون الجميع وحظرها على الجميع، فان اعتلوا بالوراثة والوصية، قيل لهم: هذه المغيرية (1) تدعي الامامة لولد الحسن ثم في بطن من ولد الحسن بن الحسن في كل عصر وزمان بالوراثة والوصية من أبيه وخالفوكم بعد فيما تدعون كما خالفتم غيركم فيما يدعي. فأقول - وبالله الثقة -: الدليل على أن الامامة لا تكون إلا لواحد أن الامام لا يكون إلا الافضل والافضل يكون على وجهين: إما أن يكون أفضل من الجميع أو أفضل من كل واحد من الجميع، فكيف كانت القصة فليس يكون الافضل إلا واحدا لانه من المحال أن يكون أفضل من جميع الامة أو من كل واحد من الامة وفي الامة من هو أفضل منه، فلما لم يجز هذا وصح بدليل تعترف الزيدية بصحته أن الامام لا يكون إلا الافضل صح أنها لا تكون إلا لواحد في كل عصر، والفصل فيما بيننا وبين المغيرية سهل واضح قريب والمنة لله، وهو أن النبي صلى الله عليه آله دل على الحسن والحسين عليهما السلام دلالة بينة وبان بهما من سائر العترة بما خصهما به مما ذكرناه ووصفناه، فلما
(1) المغيرية هم أصحاب المغيرة بن سعيد العجلى مولى بجيلة الذى خرج بظاهر الكوفة في امارة خالد بن عبد الله القسرى فظفر به وأحرقه وأحرق أصحابه سنة 119 كما في تاريخ الطبري وقد تظافرت الروايات بكونه كذابا وروى الكشى روايات كثيرة في ذمه. وهو وأصحابه أنكروا امامة أبى عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام وقالوا بامامة محمد ابن عبد الله بن الحسن فلما قتل صاروا لا امام لهم ولا وصى ولا يثبتون لاحد امامة بعد وفى بعض النسخ المصححة " المفترية " وفى هامشه " اعلم أن الفرق بين المفترية والزيدية أن المفترية لا يقولون بامامة الحسين بعد أخيه الحسن عليهما السلام بل يقولون: ان الامام بعد الحسن عليه السلام ابنه الحسن المثنى والزيدية قائلون بامامة على بن الحسين من بعد أبيه لكن لم يقولوا بامامة محمد بن على بن الحسين عليهم السلام بل قائلون بامامة زيد بن على بن - الحسين عليهما السلام بعد أبيه وأيضا قائلون بامامة ولد الحسن من كان منهم ادعى الامامة " انتهى. وفى بعض النسخ " المعترية ". (*)
[ 99 ]
مضى الحسن كان الحسين أحق وأولى بدلالة الحسن لدلالة الرسول صلى الله عليه وآله عليه واختصاصه
إياه وإشارته إليه، فلو كان الحسن أوصى بالامامة إلى ابنه لكان مخالفا للرسول صلى الله عليه وآله وحاشا له من ذلك، وبعد فلسنا نشك ولا نرتاب في أن الحسين عليه السلام أفضل من الحسن ابن الحسن بن علي والافضل هو الامام على الحقيقة عندنا وعند الزيدية، فقد تبين لنا بما وصفنا كذب المغيرية وانتقض الاصل الذي بنوا عليه مقالتهم، ونحن لم نخص علي بن الحسين بن علي عليهم السلام بما خصصناه به محاباة، ولا قلدنا في ذلك أحدا، ولكن الاخبار قرعت سمعنا فيه بما لم تقرع في الحسن بن الحسن. ودلنا على أنه أعلم منه ما نقل (1) من علم الحلال والحرام عنه، وعن الخلف من بعده، وعن أبي عبد الله عليه السلام، ولم نسمع للحسن بن الحسن بشئ يمكننا أن نقابل بينه وبين من سمعناه من علم علي بن الحسين عليهما السلام، والعالم بالدين أحق بالامامة ممن لا علم له، فان كنتم يا معشر الزيدية عرفتم للحسن بن الحسن علما بالحلال و الحرام فأظهروه وإن لم تعرفوا له ذلك فتفكروا في قول الله عزوجل " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " (2)، فلسنا ندفع الحسن بن الحسن عن فضل وتقدم وطهارة وزكاة وعدالة، والامامة لا يتم أمرها إلا بالعلم بالدين والمعرفة بأحكام رب العالمين وبتأويل كتابه، وما رأينا إلى يومنا هذا ولا سمعنا بأحد قالت الزيدية بامامته إلا وهو يقول في التأويل - أعني تأويل القرآن - على الاستخراج وفي الاحكام على الاجتهاد والقياس، وليس يمكن معرفة تأويل القرآن بالاستنباط (3)، لان ذلك كان ممكنا لو كان القرآن إنما أنزل بلغة واحدة وكان علماء أهل تلك اللغة يعرفون المراد، فأما القرآن قد نزل بلغات كثيرة، وفيه أشياء لا يعرف المراد منها إلا بتوقيف مثل الصلاة والزكاة والحج (4) وما في هذا الباب منه،
(1) في بعض النسخ " ما فضل ". (2) يونس: 35. (3) في بعض النسخ " بالاستخراج ". (4) يعنى لفظ " الصلاة " و " الزكاة " و " الحج ". (*)
[ 100 ]
وفيه أشياء لا يعرف المراد منها إلا بتوقيف مما نعلم وتعلمون أن المراد منه إنما عرف بالتوقيف دون غيره، فليس يجوز حمله على اللغة لانك تحتاج أولا أن تعلم أن الكلام الذي تريد أن تتأوله ليس فيه توقيف أصلا، لا في جمله ولا في تفصيله. فان قال منهم قائل: لم ينكر أن يكون ما كان سبيله أن يعرف بالتوقيف فقد وقف الله رسوله صلى الله عليه وآله، وما كان سبيله أن يستخرج فقد وكل إلى العلماء وجعل بعض القرآن دليلا على بعض فاستغنينا بذلك عما تدعون من التوقيف والموقف. قيل له: لا يجوز أن يكون ذلك على ما وصفتم لانا نجد للاية الواحدة تأويلين متضادين كل واحد منهما يجوز في اللغة ويحسن أن يتعبد الله به، وليس يجوز أن يكون للمتكلم الحكيم كلام يحتمل مرادين متضادين. فان قال: ما ينكر أن يكون في القرآن دلالة على أحد المرادين وأن يكون العلماء بالقرآن متى تدبروه علموا المراد بعينه دون غيره. فيقال للمعترض بذلك: أنكرنا هذا الذي وصفته لامر نخبرك به: ليس تخلو تلك الدلالة التى في القرآن على أحد المرادين من أن تكون محتملة للتأويل أو غير محتملة فان كانت محتملة للتأويل فالقول فيها كالقول في هذه الاية وإن كانت لا تحتمل التأويل فهي إذا توقيف ونص على المراد بعينه ويجب أن لا يشكل على أحد علم اللغة معرفة المراد، وهذا ما لا تنكره العقول، وهو من فعل الحكيم جائز حسن، ولكنا إذا تدبرنا آي القرآن لم نجد هكذا ووجدنا الاختلاف في تأويلها قائما بين أهل العلم بالدين و اللغة، ولو كان هناك آيات تفسر آيات تفسيرا لا يحتمل التأويل لكان فريق من المختلفين في تأويله من العلماء باللغة معاندين، ولامكن كشف أمرهم بأهون السعي، ولكان من تأول الاية خارجا من اللغة ومن لسان أهلها، لان الكلام إذا لم يحتمل
التأويل فحملته على ما لا يحتمله خرجت عن اللغة التي وقع الخطاب بها، فدلونا يا معشر الزيدية على آية واحدة اختلف أهل العلم في تأويلها في القرآن ما يدل نصا و توقيفا على تأويلها، وهذا أمر متعذر وفي تعذره دليل على أنه لا بد للقرآن من مترجم يعلم مراد الله تعالى فيخبر به، وهذا عندي واضح.
[ 101 ]
ثم قال صاحب الكتاب: وهذه الخطابية يدعي الامامة لجعفر بن محمد من أبيه عليهما السلام بالوراثة والوصية، ويقفون على رجعته، ويخالفون كل من قال بالامامة و يزعمون أنكم وافقتموهم في إمامة جعفر عليه السلام وخالفوكم فيمن سواه. فأقول - وبالله الثقة -: ليس تصح الامامة بموافقة موافق ولا مخالفة مخالف وإنما تصح بأدلة الحق وبراهينه وأحسب أن صاحب الكتاب غلط والخطابية قوم غلاة، وليس بين الغلو والامامة (1) نسبة، فان قال: فاني أردت الفرقة التي وقفت عليه (2) قيل له: فيقال لتلك الفرقة: نعلم أن الامام بعد جعفر موسى بمثل ما علمتم أنتم به أن الامام بعد محمد بن علي جعفر، ونعلم أن جعفرا مات كما نعلم أن أباه مات والفصل بيننا وبينكم هو الفصل بينكم وبين السبائية والواقفة على أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقولوا كيف شئتم (3). ويقال لصاحب الكتاب: وأنت فما الفصل بينك وبين من اختار الامامة لولد العباس وجعفر وعقيل أعني لاهل العلم والفضل منهم واحتج باللغة في أنهم من عترة الرسول، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وآله عم جميع العترة ولم يخص إلا ثلاثة (4) هم أمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم عرفناه وبين لنا. ثم قال صاحب الكتاب: وهذه الشمطية تدعي إمامة عبد الله بن جعفر بن محمد من أبيه (5) بالوراثة والوصية وهذه الفطحية تدعي إمامة إسماعيل بن جعفر (6) عن
(1) في بعض النسخ " والامامية ". (2) يعنى على جعفر بن محمد عليهما السلام. (3) يعنى كل ما قلتم في رد السبائية فنحن عارضناكم بمثله. (4) كذا. وفى هامش بعض النسخ: الظاهر " ولم يخص بالثلاثة ". أقول: ويمكن أن يكون " الا " في قوله " الا ثلاثة " زائدا من سهو النساخ.. (5) كذا. وفى فرق الشيعة للنوبختى " السمطية هم الذين جعلوا الامامة في محمد ابن جعفر وولده من بعده وهذه الفرقة تسمى " السمطية " نسبة إلى رئيس لهم يقال له يحيى ابن أبى السميط " انتهى. وفى المحكى عن المقريزى يحيى بن شميط الاحمسي ويذكر انه كان قائدا من قواد مختار بن أبى عبيدة الثقفى " والظاهر التعدد لتقدم المختار عن محمد بتسعين سنة. (6) كذا. وفى كتاب النوبختى الفطحية فرقة يقولون بامامة عبد الله بن جعفر وسموا (*)
[ 102 ]
أبيه بالوراثة والوصية، وقبل ذلك (إن) - ما قالوا بامامة عبد الله بن جعفر ويسمون اليوم إسماعيلية لانه لم يبق للقائلين بامامة عبد الله بن جعفر خلف ولا بقية، وفرقة من الفطحية يقال لهم: القرامطة (1) قالوا بامامه محمد بن إسماعيل بن جعفر بالوراثة والوصية. وهذه الواقفة على موسى بن جعفر تدعي الامامة لموسى وترتقب لرجعته. وأقول: الفرق بيننا وبين هؤلاء سهل واضح قريب: أما الفطحية فالحجة عليها أوضح من أن تخفى لان إسماعيل مات قبل أبي عبد الله عليه السلام، والميت لا يكون خليفة الحى، وإنما يكون الحي خليفة الميت، ولكن القوم عملوا على تقليد الرؤساء وأعرضوا عن الحجة وما في بابها. وهذا أمر لا يحتاج فيه على إكثار لانه ظاهر الفساد، بين الانتقاد. وأما القرامطة فقد نقضت الاسلام حرفا حرفا، لانها أبطلت أعمال الشريعة و جاءت بكل سوفسطائية، وإن الامام إنما يحتاج إليه للدين وإقامة حكم الشريعة فإذا جاءت القرامطة تدعي أن جعفر بن محمد أو وصيه استخلف رجلا دعا إلى نقض الاسلام والشريعة والخروج عما عليه طبايع الامة لم نحتج في معرفة كذبهم إلى أكثر
من دعواهم المتناقض الفاسد الركيك.
بذلك لان عبد الله كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين، وقال بعض الرواة: نسبوا إلى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له: عبد الله بن فطيح. (1) هم فرقة من المباركية وانما سموا بهذا برئيس لهم من أهل السواد من الانباط كان يلقب " قرمطويه " كانوا في الاصل على مقالة المباركية ثم خالفوهم فقالوا: لا يكون بعد محمد صلى الله عليه وآله الا سبعة أئمة على بن ابى طالب إلى جعفر بن محمد ثم محمد بن اسماعيل وهو الامام القائم المهدى وهو رسول. وزعموا أن النبي انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذى امر فيه بنصب على بن أبي طالب عليه السلام للناس في غدير خم، فصارت الرسالة في ذلك اليوم في على بن أبي طالب، واعتلوا في ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وآله " من كنت مولاه فهذا على مولاه " وأن هذا القول منه خروج من الرسالة والنبوة والتسليم منه في ذلك لعلى عليه السلام بامر الله عزو جل وأن النبي صلى الله عليه وآله بعد ذلك كان مأموما لعلى محجوجا به. (قال النوبختى) وفى تلبيس ابليس لابن الجوزى تحقيق لسبب تسمية القرامطة بهذا الاسم. (*)
[ 103 ]
وأما الفصل بيننا وبين سائر الفرق فهو أن لنا نقله أخبار وحملة آثار قد طبقوا البلدان كثرة، ونقلوا عن جعفر بن محمد عليهما السلام من علم الحلال والحرام ما يعلم بالعادة الجارية والتجربة الصحيحة أن ذلك كله لا يجوز أن يكون كذبا مولدا، وحكوا مع نقل ذلك عن أسلافهم أن أبا عبد الله عليه السلام أوصى بالامامة إلى موسى عليه السلام، ثم نقل إلينا من فضل موسى عليه السلام وعلمه ما هو معروف عند نقله الاخبار، ولم نسمع لهؤلاء بأكثر من الدعوى وليس سبيل التواتر وأهله سبيل الشذوذ وأهله، فتأملوا الاخبار الصادقة تعرفوا بها فصل ما بين موسى عليه السلام ومحمد وعبد الله بني جعفر، وتعالوا نمتحن هذا الامر بخمس مسائل من الحلال والحرام مما قد أجاب فيه موسى عليه السلام فان وجدنا لهذين فيه جوابا عند أحد من القائلين بامامتهما فالقول كما يقولون، وقد روت الامامية أن عبد الله بن جعفر سئل كم في مائتي درهم ؟ قال: خمسة دراهم، قيل له: وكم في مائة درهم ؟ فقال: درهمان ونصف (1). ولو أن معترضا اعترض على الاسلام وأهله فادعى أن ههنا من قد عارض القرآن (2) وسألنا أن نفصل بين تلك المعارضة والقرآن، لقلنا له: أما القرآن فظاهر، فأظهر تلك المعارضة حتى نفصل بينها وبين القرآن. وهكذا نقول لهذه الفرق، أما أخبارنا فهي مروية محفوظة عند أهل الامصار من علماء الامامية فأظهروا تلك الاخبار التي تدعونها حتى نفصل بينها وبين أخبارنا، فأما أن تدعوا خبرا لم يسمعه سامع ولاعرفه أحد ثم تسألونا الفصل بين (هذا) الخبر فهذا مالا يعجز عن دعوى مثله أحد، ولو أبطل مثل هذه الدعوى أخبار أهل الحق من الامامية لابطل مثل هذه الدعوى من البراهمة أخبار المسلمين، وهذه واضح ولله المنة. وقد ادعت الثنوية أن ماني أقام المعجزات وأن لهم خبرا يدل على صدقهم،
(1) يعنى لم يعلم عبد الله أن نصاب الدرهم في الزكاة مائتان، ولا زكاة فيما دون ذلك فأجاب في المسألة بالقياس وأخطأ. (2) يعنى ادعى أنه جاء رجل وأتى بمثل هذا القرآن. (*)
[ 104 ]
فقال لهم الموحدون: هذه دعوى لا يعجز عنها أحد فأظهروا الخبر لندلكم على أنه لا يقطع عذرا ولا يوجب حجة، وهذا شبيه بجوابنا لصاحب الكتاب. ويقال لصاحب الكتاب: قد ادعت البكرية والاباضية (1) أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أبي بكر وأنكرت أنت ذلك كما أنكرنا نحن أن أبا عبد الله عليه السلام أوصى إلى هذين، فبين لنا حجتك ودلنا على الفصل بينك وبين البكرية والاباضية لندلك بمثله على الفصل بيننا وبين من سميت. ويقال لصاحب الكتاب: أنت رجل تدعى أن جعفر بن محمد كان على مذهب الزيدية وأنه لم يدع الامامة من الجهة التي تذكرها الامامية وقد ادعى القائلون
بامامة محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد خلاف ما تدعيه أنت وأصحابك ويذكرون أن أسلافهم رووا ذلك عنه فعرفنا الفصل بينكم وبينهم لنأتيك بأحسن منه، وأنصف من نفسك فإنه أولى بك. وفرق آخر: وهو أن أصحاب محمد بن جعفر وعبد الله بن جعفر معترفون بأن الحسين نص على علي وأن عليا نص محمد وأن محمد انص على جعفر ودليلنا أن جعفرا نص على موسى عليهم السلام هو بعينه دون غيره دليل هؤلاء على أن الحسين نص على على، وبعد فان الامام إذا كان ظاهرا واختلف إليه (2) شيعته ظهر علمه وتبين معرفته بالدين، ووجدنا رواة الاخبار وحملة الاثار قد نقلوا عن موسى من علم الحلال والحرام ما هو مدون مشهور، وظهر من فضله في نفسه ما هو بين عند الخاصة و العامة وهذه هي أمارات الامامة فلما وجدناها لموسى دون غيره علمنا أنه الامام بعد أبيه دون أخيه. وشئ آخر: وهو أن عبد الله بن جعفر مات ولم يعقب ذكرا ولا نص على أحد فرجع القائلون بامامته عنها إلى القول بامامة موسى عليه السلام والفصل بعد ذلك بين أخبارنا وأخبارهم هو أن الاخبار لا توجب العلم حتى يكون في طرقه وواسطته قوم يقطعون
(1) الاباضية: فرفة من الخوارج أصحاب عبد الله بن اباض التميمي. (2) يعنى بالاختلاف الاياب والذهاب. (*)
[ 105 ]
العذر إذا أخبروا، ولسنا نشاح (1) هؤلاء في أسلافهم بل نقتصر على أن يوجدونا في دهرنا من حملة الاخبار ورواة الاثار ممن يذهب مذهبهم عددا يتواتر بهم الخبر كما نوجدهم نحن ذلك، فان قدروا على هذا فليظهروه، وإن عجزوا فقد وضح الفرق بيننا وبينهم في الطرف الذي يلينا ويليهم (2) وما بعد ذلك موهوب لهم وهذا واضح و الحمد لله. وأما الواقفة على موسى عليه السلام فسبيلهم سبيل الواقفة على أبي عبد الله عليه السلام، ونحن فلم نشاهد موت أحد من السلف وإنما صح موتهم عندنا بالخبر فان وقف واقف على بعضهم سألناه الفصل بينه وبين من وقف على سائرهم وهذا مالا حيلة لهم فيه. ثم قال صاحب الكتاب: ومنهم فرقة قطعت على موسى وائتموا بعده بابنه علي ابن موسى عليهما السلام دون سائر ولد موسى عليه السلام وزعموا أنه استحقها بالوراثة والوصية، ثم في ولده حتى انتهوا إلى الحسن بن علي عليهما السلام فادعوا له ولدا وسموه الخلف الصالح فمات قبل أبيه (3)، ثم إنهم رجعوا إلى أخيه الحسن وبطل في محمد ما كانوا توهموا - وقالوا: بدا لله من محمد إلى الحسن كما بدا له من إسماعيل بن جعفر إلى موسى و قد مات إسماعيل في حياة جعفر - إلى أن مات الحسن بن علي في سنة ثلاث وستين ومأتين فرجع بعض أصحابه إلى إمامة جعفر بن علي، كما رجع أصحاب محمد بن - علي بعد وفاة محمد إلى الحسن، وزعم بعضهم أن جعفر بن علي استحق الامامة من أبيه علي بن محمد بالوراثة والوصية دون أخيه الحسن، ثم نقلوها في ولد جعفر بالوراثة والوصية، وكل هذه الفرق يتشاحون على الامامة ويكفر بعضهم بعضا، ويكذب بعضهم بعضا، ويبرأ بعضهم من إمامة بعض، وتدعي كل فرقة الامامة لصاحبها بالوراثة والوصية وأشياء من علوم الغيب، الخرافات أحسن منها ولا دليل لكل فرقة فيما تدعي وتخالف الباقين غير الوراثة والوصية، دليلهم شهادتهم لانفسهم
(1) أي لا ننازع. (2) في بعض النسخ " بيننا وبينهم ". (3) في بعض النسخ بعد قوله: " وسموه الخلف الصالح " هكذا " ومنهم فرقة قالت بامامة محمد بن على فمات قبل أبيه ثم انهم رجعوا إلى أخيه الحسن - الخ ". (*)
[ 106 ]
دون غيرهم قولا بلا حقيقة ودعوى بلا دليل، فإن كان ههنا دليل فيما يدعي كل طائفة غير الوراثة والوصية وجب إقامته وإن لم يكن غير الدعوى للامامة بالوراثة والوصية فقد بطلت الامامة لكثرة من يدعيها بالوراثة والوصية ولا سبيل إلى قبول دعوى طائفة
دون الاخرى إن كانت الدعوى واحدة، ولا سيما وهم في إكذاب بعضهم بعضا مجتمعون، وفيما يدعى كل فرقة منهم منفردون. فأقول - والله الموفق للصواب -: لو كانت الامامة تبطل لكثرة من يدعيها لكان سبيل النبوة سبيلها، لانا نعلم أن خلقا قد ادعاها، وقد حكى صاحب الكتاب عن الامامية حكايات مضطربة وأوهم أن تلك مقالة الكل وأنه ليس فيهم إلا من يقول بالبداء. ومن قال: إن الله يبدو له من إحداث رأي وعلم مستفاد فهو كافر بالله. وما كان غير هذا فهو قول المغيرية، ومن ينحل للائمة علم الغيب. فهذا كفر بالله، وخروج عن الاسلام عندنا. وأقل ما كان يجب عليه أن يذكر مقالة أهل الحق، وأن لا يقتصر على أن القوم اختلفوا حتى يدل على أن القول بالامامة فاسد. وبعد فان الامام عندنا يعرف من وجوه سنذكرها ثم نعتبر ما يقول هؤلاء، فان لم نجد بيننا وبينهم فصلا حكمنا بفساد المذهب، ثم عدنا نسأل صاحب الكتاب عن أن أي قول هو الحق من بين الاقاويل: أما قوله: " إن منهم فرقة قطعت على موسى وائتموا بعده بابنه علي بن موسى " فهو قول رجل لا يعرف أخبار الامامية (1) لان كل الامامية - إلا شرذمة وقفت وشذوذ قالوا بامامة إسماعيل وعبد الله بن جعفر - قالوا بامامة علي بن موسى ورووا فيه ما هو مدون في الكتب، وما يذكر من حملة الاخبار ونقلة الاثار خمسة مالوا إلى هذه المذاهب في أول حدوث الحادث، وإنما كثر من كثر منهم بعد، فكيف استحسن صاحب
(1) في بعض النسخ " أخبار الناس ". (*)
[ 107 ]
الكتاب أن يقول: " ومنهم فرقة قطعت على موسى " ؟ وأعجب من هذا قوله " حتى انتهوا إلى الحسن فادعوا له ابنا " وقد كانوا في حياة علي بن محمد وسموا للامامة ابنه محمدا إلا طائفة من أصحاب فارس بن حاتم، وليس يحسن بالعاقل أن يشنع على خصمة بالباطل الذي لا أصل له. والذي يدل على فساد قول القائلين بامامة محمد هو بعينه ما وصفناه في باب إسماعيل ابن جعفر لان القصة واحدة وكل واحد منهما مات قبل أبيه، ومن المحال أن يستخلف الحي الميت ويوصي إليه بالامامة، وهذا أبين فسادا من أن يحتاج في كسره إلى كثرة القول. والفصل بيننا وبين القائلين بامامة جعفر أن حكاية القائلين بامامته عنه اختلفت وتضادت لان منهم ومنا من حكى عنه أنه قال: " إني إمام بعد أخي محمد " ومنهم من حكى عنه أنه قال: " إني إمام بعد أخي الحسن " ومنهم من قال: إنه قال: " إني إمام بعد أبي علي بن محمد ". وهذه أخبار كما ترى يكذب بعضها بعضا، وخبرنا في أبي الحسن بن علي خبر متواتر لا يتناقض وهذا فصل بين، ثم ظهر لنا من جعفر ما دلنا على أنه جاهل، بأحكام الله عزوجل وهو أنه جاء يطالب أم أبي محمد بالميراث وفي حكم آبائه " أن الاخ لا يرث مع الام " فإذا كان جعفر لا يحسن هذا المقدار من الفقه حتى تبين فيه نقصه وجهله، كيف يكون إماما ؟ وإنما تعبدنا الله بالظاهر من هذه الامور ولو شئنا أن نقول لقلنا وفيما ذكرناه كفاية ودلالة على أن جعفرا ليس بامام. وأما قوله: " إنهم ادعوا للحسن ولدا " فالقوم لم يدعوا ذلك إلا بعد أن نقل إليهم أسلافهم حاله وغيبته وصورة أمره واختلاف الناس فيه عند حدوث ما يحدث، وهذه كتبهم فمن شاء أن ينظر فيها فلينظر. وأما قوله: " إن كل هذه الفرق يتشاحون (1) ويكفر بعضهم بعضا " فقد صدق
(1) أي يتنازعون. وتشاح القوم أو الخصمان في الجدل: أراد كل أن يكون هو الغالب. (*)
[ 108 ]
في حكايته وحال المسلمين في تكفير بعضهم بعضا هذه الحال، فليقل كيف أحب، وليطعن كيف شاء، فان البراهمة تتعلق به فتطعن بمثله في الاسلام من سأل خصمه عن مسألة يريد بها نقض مذهبه إذا ردت عليه كان فيها من نقض مذهبه مثل الذي قدر أن يلزمه خصمه، فإنما هو رجل يسأل نفسه وينقض قوله، وهذه قصة صاحب الكتاب، و النبوة أصل والامامة فرع فإذا أقر صاحب الكتاب بالاصل لم يحسن به أن يطعن في الفرع بما رجع على الاصل والله المستعان. ثم قال: ولو جازت الامامة بالوراثة والوصية لمن يدعى له بلا دليل متفق عليه لكانت المغيرية أحق بها للاجماع الكل معها على إمامة الحسن بن علي الذي هو أصلها المستحق للامامة من أبيه بالوراثة والوصية وامتناعها بعد اجماع الكل معها على إمامة الحسن من إجازتها لغيره. هذا مع اختلاف المؤتمة في دينهم، منهم من يقول بالجسم، ومنهم من يقول بالتناسخ. ومنهم من تجرد التوحيد ومنهم من يقول بالعدل ويثبت الوعيد، ومنهم من يقول بالقدر ويبطل الوعيد. ومنهم من يقول بالرؤية، ومنهم من ينفيها مع القول بالبداء، وأشياء يطول الكتاب بشرحها، يكفر بها بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من دين بعض ولكل فرقة من هذه الفرق بزعمها رجال ثقات عند أنفسهم، أدوا إليهم عن أئمتهم ما هم متمسكون به. ثم قال صاحب الكتاب: وإذا جاز كذا جاز كذا، شئ لا يجوز عندنا ولم نأت بأكثر من الحكاية، فلا معنى لتطويل الكتاب بذكر ما ليس فيه حجة ولا فائدة. فأقول - وبالله الثقة لو كان الحق لا يثبت إلا بدليل متفق عليه ما صح حق أبدا ولكان أول مذهب يبطل مذهب الزيدية لان دليلها ليس بمتفق عليه، وأما ما حكاه عن المغيرية فهو شئ أخذته عن اليهود لانها تحتج أبدا باجماعنا وإياهم على نبوة موسى عليه السلام ومخالفتهم إينا في نبوة محمد صلى الله عليه وآله. وأما تعييره إيانا بالاختلاف في المذاهب وبأنه كل فرقة منا تروي ما تدين به عن أمامها، فهو مأخوذ من البراهمة لانها تطعن به - بعينه دون غيره - على الاسلام
[ 109 ]
ولولا الاشفاق من أن يتعلق بعض هؤلاء المجان (1) بما أحكيه عنهم لقلت كما يقولون. والامامة - أسعدكم الله - إنما تصح عندنا بالنص وظهور الفضل والعلم بالدين مع الاعراض عن القياس والاجتهاد في الفرائض السمعية وفي فروعها ومن هذا الوجه عرفنا إمامة الامام، وسنقول في اختلاف الشيعة قولا مقنعا. قال صاحب الكتاب: ثم لم يخل اختلافهم من أن يكون مولدا من أنفسهم أو من عند الناقلين إليهم أو من عند أئمتهم، فان كان اختلافهم من قبل أئمتهم فالامام من جمع الكلمة، لا من كان سببا للاختلاف بين الامة لاسيما وهم أولياؤه دون أعدائه، ومن لا تقية بينهم وبينه، وما الفرق بين المؤتمة والامة إذ كانوا (2) مع أئمتهم وحجج الله عليهم في أكثر ما عابوا على الامة التى لا إمام لها من المخالفة في الدين وإكفار بعضهم بعضا، وإن يكن اختلافهم من قبل الناقلين إليهم دينهم فما يؤمنهم من أن يكون هذا سبيلهم معهم فيما ألقوا إليه من الامامة، لا سيما إذا كان المدعى له الامامة معدوم العين غير مرئي الشخص، وهو حجة عليهم فيما يدعون لامامهم من علم الغيب إذا كان خيرته والتراجمة بينه وبين شيعته كذا بين يكذبون عليه، ولا علم له بهم، وإن يكن اختلاف المؤتمة في دينها من قبل أنفسها دون أئمتها فما حاجة المؤتمة إلى الائمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين وهو بين أظهرهم ولا ينهاهم وهو التراجمان لهم من الله والحجة عليهم ؟ هذا أيضا من أدل الدليل على عدمه وما يدعى من علم الغيب له، لانه لو كان موجودا لم يسعه ترك البيان لشيعته كما قال الله عزوجل: " وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه - الاية " (3) فكما بين الرسول صلى الله عليه وآله لامته وجب على الامام مثله لشيعته.
فأقول - وبالله الثقة -: إن اختلاف الامامية إنما هو من قبل كذا بين دلسوا هامش 01) مجن الشئ غلظ وصلب. مزح وقل حياء، كانه صلب وجهه فهو ما جن والجمع مجان، وفى بعض النسخ " الفجار " وفى بعضها " المخالفين ". والاشفاق: الخوف. (2) في بعض النسخ " بين المؤتمة والائمة إذا كانوا ". (3) النحل: 66.
[ 110 ]
أنفسهم فيهم في الوقت بعد الوقت، والزمان بعد الزمان، حتى عظم البلاء، وكان أسلافهم قوم يرجعون إلى ورع واجتهاد وسلامة ناحية، ولم يكونوا أصحاب نظر و تميز فكانوا إذا رأوا رجلا مستورا يروي خبرا أحسنوا به الظن وقبلوه، فلما كثر هذا وظهر شكوا إلى أئمتهم فأمرهم الائمة عليهم السلام بأن يأخذوا بما يجمع عليه فلم يفعلوا وجروا على عادتهم، فكانت الخيانة من قبلهم لامن قبل أئمتهم، والامام أيضا لم يقف على كل هذه التخاليط التي رويت لانه لا يعلم الغيب (1)، وإنما هو عبد صالح يعلم الكتاب والسنة، ويعلم من أخبار شيعته ما ينهى إليه. وأما قوله " فما يؤمنهم أن يكون هذا سبيلهم فيما ألقوا إليهم من أمر الامامة " فإن الفصل بين ذلك أن الامامة تنقل إليهم بالتواتر، والتواتر لا ينكشف عن كذب وهذه الاخبار فكل واحد منها إنما خبر واحد لا يوجب خبره العلم وخبر الواحد قد يصدق ويكذب وليس هذا سبيل التواتر. هذا جوابنا وكل ما أتى به سوى هذا فهو ساقط. ثم يقال له: أخبرنا عن اختلاف الامة هل تخلوا من الاقسام التي قسمتها ؟ فإذا قال: لا، قيل له: أفليس الرسول إنما بعث لجمع الكلمة ؟ فلابد من نعم، فيقال له: أو ليس قد قال الله عزوجل: " وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه " ؟ فلابد من نعم، فيقال له: فهل بين ؟ فلابد من نعم، فيقال له: فما سبب الاختلاف عرفناه واقنع منا بمثله. وأما قوله: " فما حاجة المؤتمة إلى الائمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين وهو بين أظهرهم لا ينهاهم - إلى آخر الفصل " فيقال له: أولى الاشياء بأهل الدين الانصاف أي قول قلناه ؟ وأومأنا به إلى أنا بأنفسنا مستغنين حتى يقرعنا به صاحب الكتاب و يحتج علينا أو أي حجة توجهت له علينا توجب ما أوجبه ؟ ومن لم يبال بأي شئ قابل خصومه كثرت مسائله وجواباته.
(1) أي لا يعلمه بذاته ومن عند نفسه بل يعلم الغيب من جانب الله تعالى متى أراد إذا أراد الله أن يعلمه. (*)
[ 111 ]
وأما قوله: " وهذا من أدل دليل على عدمه لانه لو كان موجودا لم يسعه ترك البيان لشيعته كما قال الله عزوجل: " وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه " فيقال لصاحب الكتاب: أخبرنا عن العترة الهادية يسعهم أن لا يبينوا للامة الحق كله ؟ فان قال: نعم حج نفسه وعاد كلامه وبالا عليه لان الامة قد اختلفت وتباينت وكفر بعضها بعضا، فان قال: لا، قيل: هذا من أدل دليل على عدم العترة وفساد ما تدعيه الزيدية لان العترة لو كانوا كما تصف الزيدية لبينوا للامة ولم يسعهم السكوت والامساك، كما قال الله عزوجل: " وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه " فان ادعى أن العترة قد بينوا الحق للامة غير أن الامة لم تقبل ومالت إلى الهوى، قيل له: هذا بعينه قول الامامية في الامام و شيعته. ونسأل الله التوفيق. ثم قال صاحب الكتاب: ويقال لهم (لم) استتر إمامكم عن مستر شده ؟ فان قالوا: تقية على نفسه، قيل لهم: فالمسترشد أيضا يجوز له أن يكون في تقية من طلبه لاسيما إذا كان المسترشد يخاف ويرجو ولا يعلم ما يكون قبل كونه فهو في تقية، وإذا جازت التقية للامام فهي للمأموم أجوز، وما بال الامام في تقية من أرشادهم وليس هو في
تقية من تناول أموالهم والله يقول: " اتبعوا من لا يسئلكم أجرا - الاية " (1) وقال: إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله " (2) فهذا مما يدل على أن أهل الباطل عرض الدنيا يطلبون، والذين يتمسكون بالكتاب لا يسألون الناس أجرا وهم مهتدون. ثم قال: وإن قالوا كذا قيل كذا فشئ لا يقوله إلا جاهل منقوص. والجواب عما سأل: أن الامام لم يستتر عن مسترشده إنما استتر خوفا على نفسه من الظالمين. فأما قوله: " فإذا جازت التقية للامام فهي للمأموم أجوز " فيقال له: إن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن يتقي من الظالم ويهرب عنه متى خاف على نفسه
(1) يس: 21. (2) التوبة: 34. (*)
[ 112 ]
كما جاز للامام فهذا لعمري جائز، وإن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن لا يعتقد إمامة الامام للتقية فذلك لا يجوز إذا قرعت الاخبار سمعه وقطعت عذره، لان الخبر الصحيح يقوم مقام العيان وليس على القلوب تقية، ولا يعلم ما فيها إلا الله. وأما قوله: " وما بال الامام في تقية من إرشادهم وليس في تقية من تناول أموالهم والله يقول: " اتبعوا من لا يسئلكم أجرا " فالجواب عن ذلك إلى آخر الفصل يقال له: إن الامام ليس في تقية من إرشاد من يريد الارشاد وكيف يكون في تقية و قد بين لهم الحق وحثهم عليه، ودعاهم إليه، وعلمهم الحلال والحرام حتى شهروا بذلك وعرفوا به، وليس يتناول أموالهم وإنما يسألهم الخمس الذي فرضه الله عز وجل ليضعه حيث أمر أن يضعه، والذي جاء بالخمس هو الرسول وقد نطق القرآن بذلك قال الله عزوجل: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه - الاية " (1) وقال: " خذ من أموالهم صدقة - الاية " (2) فان كان في أخذ المال عيب أو طعن فهو على من ابتدأ به. والله المستعان. ويقال لصاحب الكتاب: أخبرنا عن الامام منكم إذا خرج وغلب هل يأخذ الخمس وهل يجبى الخراج (3) وهل يأخذ الحق من الفئ والمغنم والمعادن وما أشبه ذلك ؟ فان قال: لا فقد خالف حكم الاسلام وإن قال: نعم، قيل له: فان احتج عليه رجل مثلك بقول الله عزوجل: " اتبعوا من لا يسئلكم أجرا " وبقوله: " إن. كثيرا من الاحبار والرهبان - الاية " بأي شئ تجيبه حتى تجيبك الامامية بمثله، و هذا وفقكم الله شئ كان الملحدون يطعنون به على المسلمين وما أدري من دلسه لهؤلاء. واعلم - علمك الله الخير وجعلك من أهله - إنما يعمل بالكتاب والسنة ولا يخالفهما، فان أمكن خصومنا أن يدلونا على أنه خالف في أخذ ما أخذ الكتاب والسنة فلعمري أن الحجة واضحة لهم، وإن لم يمكنهم ذلك فليعلموا أنه ليس في العمل
(1) الانفال: 41. (2) التوبة: 103. (3) من الجباية وهى أخذ الخراج أو الزكاة وجمعها. كمال الدين - 7 - (*)
[ 113 ]
بما يوافق الكتاب والسنة عيب، وهذا بين. ثم قال صاحب الكتاب: ويقال لهم: نحن لا نجيز الامامة لمن لا يعرف فهل توجدونا سبيلا إلى معرفة صاحبكم الذي تدعون حتى نجيز له الامامة كما نجوز للموجودين من سائر العترة وإلا فلا سبيل إلى تجويز الامامة للمعدومين، وكل من لم يكن موجودا فهو معدوم، وقد بطل تجويز الامامة لمن تدعون. فأقول - وبالله أستعين -: يقال لصاحب الكتاب: هل تشك في وجود علي بن - الحسين وولده عليهم السلام الذين نأتم بهم ؟ فإذا قال: لا، قيل له: فهل يجوز أن يكونوا أئمة ؟ فان قال: نعم، قيل له: فأنت لا تدري لعلنا على صواب في اعتقاد إمامتهم وأنت
على خطأ وكفى بهذا حجة عليك، وإن قال: لا، قيل له: فما ينفع من إقامة الدليل على وجود إمامنا ؟ وأنت لا تعترف بامامة مثل علي بن الحسين عليهما السلام مع محله من العلم والفضل عند المخالف والموافق، ثم يقال له: إنا إنما علمنا أن في العترة من يعلم التأويل ويعرف الاحكام بخبر النبي صلى الله عليه وآله الذي قدمناه، وبحاجتنا إلى من يعرفنا المراد من القرآن ومن يفصل بين أحكام الله وأحكام الشيطان، ثم علمنا أن الحق في هذه الطائفة من ولد الحسين عليهم السلام لما رأينا كل من خالفهم من العترة يعتمد في الحكم و التأويل على ما يعتمد عليه علماء العامة من الرأي والاجتهاد والقياس في الفرائض السمعية التي لا علة في التعبد بها إلا المصلحة فعلمنا بذلك أن المخالفين لهم مبطلون. ثم ظهر لنا من علم هذه الطائفة بالحلال والحرام والاحكام ما لم يظهر من غيرهم، ثم ما زالت الاخبار ترد بنص واحد على آخر حتى بلغ الحسن بن علي عليهما السلام فلما مات ولم يظهر النص والخلف بعده رجعنا إلى الكتب التي كان أسلافنا رووها قبل الغيبة فوجدنا فيها ما يدل على أمر الخلف من بعد الحسن عليه السلام وأنه يغيب عن الناس و يخفى شخصه، وأن الشيعة تختلف وأن الناس يقعون في حيرة من أمره، فعلمنا أن أسلافنا لم يعلموا الغيب وأن الائمة أعلموهم ذلك بخبر الرسول، فصح عندنا من هذا الوجه بهذه الدلالة كونه ووجوده وغيبته، فان كان ههنا حجة تدفع ما قلناه فلتظهرها الزيدية، فما بيننا وبين الحق معاندة، والشكر لله.
[ 114 ]
ثم رجع صاحب الكتاب إلى أن يعارضنا بما تدعيه الواقفة على موسى بن جعفر ونحن (1) فلم نقف على أحد ونسأل الفصل بين الواقفين، وقد بينا أنا علمنا أن موسى عليه السلام قد مات بمثل ما علمنا أن جعفرا مات وأن الشك في موت أحدهما يدعو إلى الشك في موت الاخر، وأنه قد وقف على جعفر عليه السلام قوم أنكرت الواقفة على موسى عليهم، و كذلك أنكرت قول الواقفة على (2) أمير المؤمنين عليه السلام. فقلنا لهم: يا هؤلاء حجتكم على أولئك هي حجتنا عليكم، فقولوا كيف شئتم تحجوا أنفسكم. ثم حكى (3) عنا أنا كنا نقول للواقفة: إن الامام لا يكون إلا ظاهرا موجودا. وهذه حكاية من لا يعرف أقاويل خصمه وما زالت الامامية تعتقد أن الامام لا يكون إلا ظاهرا مكشوفا أو باطنا مغمورا، وأخبارهم في ذلك أشهر وأظهر من أن تخفى، ووضع الاصول الفاسدة للخصوم أمر لا يعجز عنه أحد ولكنه قبيح بذي الدين والفضل والعلم، ولو لم يكن في هذا المعنى إلا خبر كميل بن زياد (4) لكفى. ثم قال: فان قالوا كذا، قيل لهم كذا - لشئ لا نقوله -. وحجتنا ما سمعتم وفيها كفاية والحمد لله. ثم قال: ليس الامر كما تتوهمون في بني هاشم لان النبي صلى الله عليه وآله دل أمته على عترته باجماعنا وإجماعكم التي هي خاصته التي لا يقرب أحد منه عليه السلام كقربهم، فهي لهم دون الطلقاء وأبناء الطلقاء ويستحقها واحد منهم في كل زمان إذ كان الامام لا يكون إلا واحدا بلزوم الكتاب والدعاء إلى إقامته بدلالة الرسول صلى الله عليه وآله عليهم " أنهم لا يفارقون الكتاب حتى يردوا علي الحوض " وهذا إجماع والذي اعتللتم به من بني هاشم ليس هم من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وإن كانت لهم ولادة، لان كل بني
(1) من كلام أبى جعفر ابن قبة في دفع المعارضة. (2) في هامش بعض النسخ الظاهر أن الصواب " الواقفة على محمد بن أمير المؤمنين ". (3) يعنى أبا زيد العلوى. (4) سيجيئ الخبر في باب ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام من وقوع الغيبة. (*)
[ 115 ]
ابنة ينتمون إلى عصبتهم (1) ما خلا ولد فاطمة، فان رسول الله صلى الله عليه وآله عصبتهم وأبوهم، والذرية هم الولد لقول الله عزوجل: " إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " (2).
فأقول - وبالله أعتصم -: إن هذا الامر لا يصح باجماعنا وإياكم عليه وإنما يصح بالدليل والبرهان فما دليلك على ما ادعيت، وعلى أن الاجماع بيننا إنما هو في ثلاثة أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وآله ذريته و إنما ذكر عترته، فملتم أنتم إلى بعض العترة دون بعض بلا حجة وبيان أكثر من الدعوى، واحتججنا نحن بما رواه أسلافنا عن جماعة حتى انتهى خبرهم إلى نص الحسين بن على عليهما السلام على علي ابنه ونص علي على محمد، ونص محمد على جعفر ثم استدللنا على صحة إمامة هؤلاء دون غيرهم ممن كان في عصرهم من العترة بما ظهر من علمهم بالدين وفضلهم في أنفسهم، وقد حمل العلم عنهم الاولياء والاعداء، وذلك مبثوث في الامصار، معروف عند نقلة الاخبار، وبالعلم تتبين الحجة من المحجوج، والامام من المأموم، والتابع من المتبوع، وأين دليلكم يا معشر الزيدية على ما تدعون. ثم قال صاحب الكتاب: ولو جازت الامامة لسائر بني هاشم مع الحسن والحسين عليهما السلام لجازت لبني عبد مناف مع بني هاشم ولو جازت لبني عبد مناف مع بني هاشم لجازت لسائر ولد قصي، ثم مد في هذا القول. فيقال له: أيها المحتج عن الزيدية إن هذا لشئ لا يستحق بالقرابة وإنما يستحق بالفضل والعلم، ويصح بالنص والتوقيف، فلو جازت الامامة لاقرب رجل
(1) أي ينتسبون. وعصبة الرجل - محركة -: بنوه وقرابته لابيه وانما سموا عصبة لانهم عصبوا به أي أحاطوا به، فالاب طرف والابن طرف والعم جانب والاخ جانب (الصحاح). والعصبة اسم جنس يطلق على الواحد والكثير. وقال الفيروز آبادى: العصبة: الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد ولا ولد، فأما في الفرائض فكل من لم يكن له فريضة مسماة فهو عصبة. (2) آل عمران: 36. (*)
[ 116 ]
من العترة لقرابته لجازت لا بعدهم فافصل بينك وبين من ادعى ذلك وأظهر حجتك وافصل الان بينك وبين من قال: ولو جازت لولد الحسن لجازت لولد جعفر، ولو جازت لهم لجازت لولد العباس، وهذا فصل لا تأتي به الزيدية أبدا إلا أن تفزع إلى فصلنا وحجتنا وهو النص من واحد على واحد وظهور العلم بالحلال والحرام. ثم قال صاحب الكتاب: وإن اعتلوا بعلي عليه السلام فقالوا: ما تقولون فيه أهو من العترة أم لا ؟ قيل لهم: ليس هو من العترة ولكنه بان من العترة ومن سائر القرابة بالنصوص عليه يوم الغدير باجماع. فأقول: - وبالله أستعين -: يقال لصاحب الكتاب: أما النصوص يوم الغدير فصحيح وأما إنكارك أن يكون أمير المؤمنين من العترة فعظيم، فدلنا على أي شئ تعول فيما تدعي ؟ فان أهل اللغة يشهدون أن العم وابن العم من العترة، ثم أقول: إن صاحب الكتاب نقض بكلامه هذا مذهبه لانه معتقد أن أمير المؤمنين ممن خلفه الرسول في أمته ويقول في ذلك إن النبي صلى الله عليه وآله خلف في أمته الكتاب والعترة و إن أمير المؤمنين صلوات عليه ليس من العترة وإذا لم يكن من العترة فليس ممن خلفه الرسول صلى الله عليه وآله، وهذا متناقض كما ترى، اللهم إلا أن يقول: إنه صلى الله عليه وآله خلف العترة فينا بعد أن قتل أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فنسأله أن يفصل بينه وبين من قال وخلف الكتاب فينا منذ ذلك الوقت لان الكتاب والعترة خلفا معا، والخبر ناطق بذلك شاهد به، ولله المنة. ثم أقبل صاحب الكتاب بما هو حجة عليه فقال: ونسأل من ادعى الامامة لبعض دون بعض إقامة الحجة، ونسي نفسه وتفرده بادعائها لولد الحسن والحسين عليهما السلام دون غيرهم، ثم قال: فان أحالوا على الاباطيل من علم الغيب وأشباه ذلك من الخرافات وما لا دليل لهم عليه دون الدعوى عورضوا بمثل ذلك لبعض، فجاز أن العترة من الظالمين لانفسهم إن كان الدعوى هو الدليل. فيقال لصاحب الكتاب: قد أكثرت في ذكر علم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله،
وما ادعاه لبشر إلا مشرك كافر، وقد قلنا لك ولاصحابك: دليلنا على ما ندعي الفهم
[ 117 ]
والعلم فان كان لكم مثله فأظهروه وإن لم يكن إلا التشنيع والتقول وتقريع الجميع بقول قوم غلاة فالامر سهل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ثم قال صاحب الكتاب: ثم رجعنا إلى إيضاح حجة الزيدية بقول الله تبارك و تعالى: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا - الاية ". فيقال له: نحن نسلم لك أن هذه الاية نزلت في العترة، فما برهانك على أن السابق بالخيرات هم ولد الحسن والحسين دون غيرهم من سائر العترة ؟ فانك لست تريد إلا التشنيع على خصومك وتدعي لنفسك. ثم قال: قال الله عزوجل وذكر الخاصة والعامة من أمة نبيه: " واعتصموا بحبل الله جميعا - الاية " ثم قال: انقضت مخاطبة العامة، ثم استأنف مخاطبة الخاصة فقال: " ولتكن منكم أمة يدعون ألى الخير - إلى قوله للخاصة - كنتم خير أمة أخرجت للناس " فقال: هم ذرية إبراهيم عليه السلام دون سائر الناس، ثم المسلمون دون من أشرك من ذرية إبراهيم عليه السلام قبل إسلامه وجعلهم شهداء على الناس فقال: " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا - إلى قوله - وتكونوا شهداء على الناس " (1) وهذا سبيل الخاصة من ذرية إبراهيم عليه السلام، ثم اعتل بآيات كثيرة تشبه هذه الايات من القرآن. فيقال له: أيها المحتج أنت تعلم أن المعتزلة وسائر فرق الامة تنازعك في تأويل هذه الايات أشد منازعة، وأنت فليس تأتي بأكثر من الدعوى، ونحن نسلم لك ما ادعيت ونسألك الحجة فيما تفردت به من أن هؤلاء هم ولد الحسن والحسين عليهما السلام دون غيرهم فإلى متى تأتي بالدعوي وتعرض عن الحجة ؟ وتهول علينا بقراءة القرآن وتوهم أن لك في قراءته حجة ليست لخصومك ؟ والله المستعان. ثم قال صاحب الكتاب: فليس من دعا إلى الخير من العترة - كمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وجاهد في الله حق جهاده - سواء وسائر العترة ممن لم يدع إلى الخير ولم يجاهد في الله حق جهاده، كما لم يجعل الله من هذا سبيله من أهل الكتاب سواء وسائر أهل الكتاب، وإن كان تارك ذلك فاضلا عابدا لان العبادة نافلة و
(1) الحج: 76. (*)
[ 118 ]
الجهاد فريضة لازمة كسائر الفرائض صاحبها يمشي بالسيف إلى السيف، ويؤثر على الدعة الخوف، ثم قرأ سورة الواقعة وذكر الايات التى ذكر الله عزوجل فيها الجهاد وأتبع الايات بالدعاوي ولم يحتج لشئ من ذلك بحجة فنطالبه بصحتها [ أ ] ونقابله بما نسأله فيه الفصل. فأقول - وبالله أستعين -: إن كان كثرة الجهاد هو الدليل على الفضل والعلم والامامة فالحسين عليه السلام أحق بالامامة من الحسن عليه السلام لان الحسن وادع معاوية و الحسين عليه السلام جاهد حتى قتل، وكيف يقول صاحب الكتاب ؟ وبأي شئ يدفع هذا ؟ وبعد فلسنا ننكر فرض الجهاد ولا فضله ولكنا رأينا الرسول صلى الله عليه وآله لم يحارب أحدا حتى وجد أعوانا وأنصارا وإخوانا فحينئذ حارب، ورأينا أمير المؤمنين عليه السلام فعل مثل ذلك بعينه، ورأينا الحسن عليه السلام قد هم بالجهاد فلما خذله أصحابه وادع ولزم منزله، فعلمنا أن الجهاد فرض في حال وجود الاعوان والانصار، والعالم - بإجماع العقول - أفضل من المجاهد الذي ليس بعالم، وليس كل من دعا إلى الجهاد يعلم كيف حكم الجهاد، ومتى يجب القتال، ومتى تحسن الموادعة، وبماذا يستقبل أمر هذه الرعية، وكيف يصنع في الدماء والاموال والفروج، وبعد فانا نرضى من إخواننا بشئ واحد وهو أن يدلونا على رجل من العترة ينفي التشبيه والجبر عن الله ولا يستعمل الاجتهاد والقياس في الاحكام السمعية ويكون مستقلا كافيا حتى نخرج معه فان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على قدر الطاقة وحسب الامكان، و العقول تشهد أن تكليف ما لا يطاق فاسد والتغرير بالنفس قبيح، ومن التغرير أن
تخرج جماعة قليلة لم تشاهد حربا ولا تدربت بدربة أهل (1) إلى قوم متدر بين بالحروب تمكنوا في البلاد وقتلوا العباد وتدربوا بالحروب، ولهم العدد والسلاح والكراع (2) ومن نصرهم من العامة - ويعتقدوا أن الخارج عليهم مباح الدم - مثل جيشهم أضعافا
(1) درب به - كفرح - دربا ودربة - بالضم -: ضرى، كتدرب. والدربة: - بالضم - عادة وجرأة على الامر والحرب. (2) الكراع - بالضم -: اسم لجمع الخيل. (*)
[ 119 ]
مضاعفة فكيف يسومنا (1) صاحب الكتاب أن نلقى بالاغمار (2) المتدر بين بالحروب. وكم عسى أن يحصل في يد داع إن دعا من هذا العدد ؟ (3) هيهات هيهات، هذا أمر لا يزيله إلا نصر الله العزيز العليم الحكيم. قال صاحب الكتاب بعد آيات من القرآن تلاها ينازع في تأويلها أشد منازعة ولم يؤيد تأويله بحجة عقل ولا سمع: فافهم - رحمك الله - من أحق أن يكون لله شهيدا من دعا إلى الخير كما امر، ونهى عن المنكر، وأمر بالمعروف، جاهد في الله حق جهاده حتى استشهد ؟ ! أم من لم يروجهه ولا عرف شخصه ؟ ! أم كيف يتخذه الله شهيدا ؟ على من لم يرهم ولا نهاهم ولا أمرهم فإن أطاعوه ادوا ما عليهم وإن قتلوه مضى إلى الله عزوجل شهيدا ؟ ! ولو أن رجلا استشهد قوما على حق يطالب به لم يروه ولا شهدوه هل كان شهيدا ؟ وهل يستحق بهم حقا إلا أن يشهدوا على ما لم يروه فيكونوا كذا بين وعند الله مبطلين ؟ ! وإذا لم يجز ذلك من العباد فهو غير جائز عند الحكم العدل الذي لا يجور، ولو أنه استشهد قوما قد عاينوا وسمعوا فشهدوا له، والمسألة على حالها أليس كان يكون محقا وهم صادقون وخصمه مبطل وتمضي الشهادة ويقع الحكم، و كذلك قال الله تعالى: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " (4) أولا ترى أن الشهادة لا تقع بالغيب دون العيان، وكذلك قول عيسى " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم - الاية " (5). فأقول - وبالله أعتصم -: يقال لصاحب الكتاب: ليس هذا الكلام لك بل هو للمعتزلة وغيرهم علينا وعليك، لانا نقول: إن العترة غير ظاهرة وإن من شاهدنا منها لا يصلح أن يكون إماما، وليس يجوز أن يأمرنا الله عزوجل بالتمسك بمن لا نعرف منهم ولا نشاهده ولا شاهده أسلافنا، وليس في عصرنا ممن شاهدناه منهم ممن
(1) سامه الامر: كلفه أباه. (2) الغمر - مثلثة الغين -: من لم يجرب الامور والجاهل، جمعه أغمار. (3) يعنى ان دعا الامام أو غيره مثلا المتدربين بالحروب كم يجتمع له منهم. (4) الزخرف: 86. (5) المائدة: 112. (*)
[ 120 ]
يصلح أن يكون إماما للمسلمين والذين غابوا لا حجة لهم علينا، وفي هذا أدل دليل على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي " ليس ما يسبق إلى قلوب الامامية والزيدية. وللنظام (1) وأصحابه أن يقولوا: وجدنا الذي لا يفارق الكتاب هو الخبر القاطع للعذر، فانه ظاهر كظهور الكتاب ينتفع به، ويمكن اتباعه والتمسك به. فأما العترة فلسنا نشاهد منهم عالما يمكن أن نقتدي به، وإن بلغنا عن واحد منهم مذهب بلغنا عن آخر أنه يخالفه، الاقتداء بالمختلفين فاسد، فكيف يقول صاحب الكتاب ؟. ثم اعلم أن النبي صلى الله عليه وآله لما أمرنا بالتمسك بالعترة كان بالعقل والتعارف و السيرة ما يدل على أنه أراد علماءهم دون جهالهم، والبررة الاتقياء دون غيرهم، فالذي يجب علينا ويلزمنا أن ننظر إلى من يجتمع له العلم بالدين مع العقل والفضل والحلم والزهد في الدنيا والاستقلال بالامر فنقتدي به ونتمسك بالكتاب وبه. وإن قال: فان اجتمع ذلك في رجلين وكان أحدهما ممن يذهب إلى مذهب
الزيدية والاخر إلى مذهب الامامية بمن يقتدى منهما ولمن يتبع ؟ قلنا له: هذا لا يتفق، فان اتفق فرق بينهما دلالة واضحة إما نص من إمام تقدمه وإما شئ يظهر في علمه كما ظهر في أمير المؤمنين يوم النهر حين قال: " والله ما عبروا النهر ولا يعبروا، والله ما يقتل منكم عشرة ولا ينجوا منهم عشرة " وإما أن يظهر من أحدهما مذهب يدل على أن الاقتداء به لا يجوز كما ظهر من علم الزيدية القول بالاجتهاد والقياس في الفرائض السمعية والاحكام فيعلم بهذا أنهم غير أئمة. ولست اريد بهذا القول زيد ابن علي وأشباهه لان اولئك لم يظهروا ما ينكر ولا ادعوا أنهم أئمة وإنما
(1) هو أبو إسحاق ابراهيم بن سيار بن هانئ البصري ابن اخت أبى هذيل العلاف شيخ المعتزلة. وكان النظام صاحب المعرفة بالكلام أحد رؤساء المعتزلة، استاد الجاحظ. ولقب بالنظام - كشداد - لانه كان ينظم الخرز في سوق البصرة ويبيعها. وقالت المعتزلة: انما سمى ذلك لحسن كلامه نثرا ونظما (الكنى والالقاب للمحدث القمى). (*)
[ 121 ]
دعوا إلى الكتاب والرضا من آل محمد وهذه دعوة حق. وأما قوله: " كيف يتخذه الله شهيدا على من لم يرهم ولا أمرهم ولا نهاهم " فيقال له: ليس معنى الشهيد عند خصومك ما تذهب إليه، ولكن إن عبت الامامية بأن من لم يروجهه ولا عرف شخصه لا يكون بالمحل الذي يدعونه له فأخبرنا عنك من الامام الشهيد من العترة في هذا الوقت، فان ذكر أنه لا يعرفه دخل فيما عاب و لزمه ما قدر أنه يلزم خصومه، فان قال: هو فلان، قلنا له: فنحن لم نروجهه ولا عرفنا شخصه فكيف يكون إماما لنا وشهيدا علينا ؟ ! فان قال: إنكم وإن لم تعرفوه فهو موجود الشخص معروف علمه من علمه وجهله من جهله، قلنا: سألناك بالله هل تظن أن المعتزلة والخوارج والمرجئة والامامية تعرف هذا الرجل أو سمعت به أو خطر ذكره ببالها ؟ فإن قال: هذا ما لا يضره ولا يضرنا لان السبب في ذلك إنما هو غلبة الظالمين على الدار وقلة الاعوان والانصار، قلت له: لقد دخلت فيما عبت و حججت نفسك من حيث قدرت أنك تحاج خصومك، وما أقرب هذه الغيبة من غيبة الامامية غير أنكم لا تنصفون. ثم يقال: قد أكثرت في ذكر الجهاد ووصف الامر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أوهمت أن من لم يخرج فليس بمحق، فما بال أئمتك والعلماء من أهل مذهبك لا يخرجون، وما لهم قد لزموا منازلهم واقتصروا على اعتقاد المذهب فقط ؟ فإن نطق بحرف فتقابله الامامية بمثله. ثم قيل له برفق ولين: هذا الذي عبته على الامامية وهتفت بهم من أجله وشنعت به على أئمتهم بسببه وتوصلت بذكره إلى ما ضمنته كتابك، قد دخلت فيه وملت إلى صحته، وعولت عند الاحتجاج عليه، والحمد لله الذي هدانا لدينه. ثم يقال له: أخبرنا هل في العترة اليوم من يصلح للامامة ؟ فلا بد من أن يقول: نعم فيقال له: أفليس إمامته لا تصح إلا بالنص على ما تقوله الامامية ولا معه دليل معجز يعلم به أنه إمام وليس سبيله عندكم سبيل من يجتمع أهل الحل والعقد من الامة فيتشاورون في أمره ثم يختارونه ويبايعونه ؟ فإذا قال: نعم، قيل له: فيكف السبيل إلى معرفته ؟
[ 122 ]
فإن قالوا: يعرف بإجماع العترة عليه، قلنا لهم: كيف تجتمع عليه فإن كان إماميا لم ترض به الزيدية وإن كان زيديا لم ترض به الامامية، فإن قال: لا يعتبر بالامامية في مثل هذا، قيل له: فالزيدية على قسمين قسم معتزلة وقسم مثبتة، فان قال: لا يعتبر بالمثبتة في مثل هذا، قيل له: فالمعتزلة قسمان قسم يجتهد في الاحكام بآرائها وقسم يعتقد أن الاجتهاد ضلال، فإن قال: لا يعتبر بمن نفي الاجتهاد، قيل له: فإن بقي - ممن يرى الاجتهاد - منهم أفضلهم، وبقي - ممن يبطل الاجتهاد - منهم أفضلهم، ويبرأ بعضهم من بعض بمن نتمسك وكيف نعلم المحق منهما، هو من تؤمي أنت وأصحابك إليه دون غيره ؟ فإن قال: بالنظر في الاصول، قلنا فإن طال الاختلاف واشتبه الامر كيف نصنع وبما نتفصي من قول النبي صلى الله عليه وآله: " إني تارك فيكم ما إن
تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي: أهل بيتى " والحجة من عترته لا يمكن أحدا (1) أن يعرفه إلا بعد النظر في الاصول والوقوف على أن مذاهبه كلها صواب، وعلى أن من خالفه فقد أخطأ، وإذا كان هكذا فسبيله وسبيل كل قائل من أهل العلم سبيل واحد فما تلك الخاصة التي هي للعترة دلنا عليها وبين لنا جميعها لنعلم أن بين العالم من العترة وبين العالم من غير العترة فرقا وفصلا. واخرى يقال لهم: أخبرونا عن إمامكم اليوم، أعنده الحلال والحرام ؟ فإذا قالوا: نعم، قلنا لهم: وأخبرونا عما عنده مما ليس في الخبر المتواتر هل هو مثل ما عند الشافعي وأبي حنيفة ومن جنسه أو هو خلاف ذلك، فإن قال: بل عنده الذي عندهما ومن جنسه، قيل لهم: وما حاجة الناس إلى علم إمامكم الذي لم يسمع به، وكتب الشافعي وأبي حنفية ظاهرة مبثوثة موجودة، وإن قال: بل عنده خلاف ما عندهما قلنا: فخلال ما عندهما هو النص المستخرج الذي تدعيه جماعة من مشايخ المعتزلة وإن الاشياء كلها على إطلاق العقول إلا ما كان في الخبر القاطع للعذر على مذهب النظام وأتباعه، أو مذهب الامامية أن الاحكام منصوصة، واعلموا أنا لا نقول منصوصة على الوجه الذي يسبق إلى القلوب ولكن المنصوص عليه بالجمل التي من فهمها فهم الاحكام من غير
(1) أي لاحد. (*)
[ 123 ]
قياس ولا اجتهاد، فإن قالوا: عنده ما يخالف هذا كله خرجوا من التعارف، وإن تعلقوا بمذاهب من المذاهب قيل لهم: فأين ذلك العلم ؟ هل نقله عن إمامكم أحد يوثق بدينه وأمانته ؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: قد عاشرناكم الدهر الاطول فما سمعنا بحرف واحد من هذا العلم، وأنتم قوم لا ترون التقية ولا يراها إمامكم، فأين علمه ؟ وكيف لم يظهر ولم ينتشر ؟ ولكن أخبرونا ما يؤمنا أن تكذبوا فقد كذبتم على إمامكم كما تدعون أن الامامية كذبت على جعفر بن محمد عليهما السلام وهذا ما لا فصل فيه. مسألة اخرى ويقال لهم: أليس جعفر بن محمد عندكم كان لا يذهب إلى ما تدعيه الامامية، وكان على مذهبكم ودينكم ؟ فلا بد من (أن يقولوا): نعم، اللهم إلا أن تبرؤوا منه، فيقال لهم: وقد كذبت الامامية فيما نقلته عنه، وهذه الكتب المؤلفة التي في أيديهم إنما هي من تأليف الكذابين ؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون إمامكم يذهب مذهب الامامية ويدين بدينها وإن يكون ما يحكي سلفكم ومشايخكم عنه مولدا موضوعا لا أصل له، فإن قالوا: ليس لنا في هذا الوقت إمام نعرفه بعينه نروي عنه علم الحلال والحرام ولكنا نعلم أن في العترة من هو موضع هذا الامر وأهل، قلنا لهم: دخلتم فيما عبتموه على الامامية بما معها من الاخبار من أئمتها بالنص على صاحبهم والاشارة إليه والبشارة به، وبطل جميع ما قصصتم به من ذكر الجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فصار إمامكم بحيث لا يرى ولا يعرف، فقولوا: كيف شئتم ونعوذ بالله من الخذلان. ثم قال صاحب الكتاب، وكما أمر الله العترة بالدعاء إلى الخير (1) وصف سبق السابقين منهم، وجعلهم شهداء، وأمرهم بالقسط فقال: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ". ثم أتبع ذلك بضرب من التأويل وقراءة آيات من القرآن ادعى أنها في العترة، ولم يحتج لشئ منها بحجة أكثر من أن يكون الدعوى، ثم قال: وقد أوجب الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله ترك الامر والنهي إلى أن هيأ له أنصارا فقال: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا - إلى قوله - لعلهم يتقون: فمن لم يكن من
(1) في قوله عزوجل: " ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ". (*)
[ 124 ]
السابقين بالخيرات، المجاهدين في الله ولا من المقتصدين الواعظين بالامر والنهي عند إعواز الاعوان (1) فهو من الظالمين لانفسهم، وهذا سبيل من كان قبلنا من ذراري الانبياء عليهم السلام، ثم تلا آيات من القران. فيقال له: ليس علينا، لمن (2) أراد بهذا الكلام ؟ ولكن أخبرنا عن الامام من
العترة عندك من أي قسم هو ؟ فإن قال: من المجاهدين، قيل له: فمن هو، ومن جاهد ويعلم من خرج ؟ وأين خليه ورجله ؟ فإن قال: هو ممن يعظ بالامر والنهي عند اعواز الاعوان، قيل له: فمن سمع أمره ونهيه ؟ فإن قال: أولياؤه وخاصته، قلنا: فإن اتبع هذا وسقط فرض ما سوى ذلك عنه لا عواز الاعوان وجاز أن لا يسمع أمره ونهيه إلا أولياؤه فأي شئ عبته على الامامية ؟ ولم ألفت كتابك هذا ؟ وبمن عرضت ؟ وليت شعري وبمن قرعت بآي القرآن وألزمته فرض الجهاد. ثم يقال له وللزيدية جميعا: أخبرونا لو خرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من الدنيا ولم ينص على أمير المؤمنين عليه السلام ولا دل عليه ولا أشار إليه أكان يكون ذلك من فعله صوابا وتدبيرا حسنا جائزا ؟ فإن قالوا: نعم، فقلنا لهم: ولو لم يدل على العترة أكان يكون ذلك جائزا فإن قالوا: نعم، قلنا: ولو لم يدل فأي شئ أنكرتم على المعتزلة والمرجئة والخوارج ؟ وقد كان يجوز أن لا يقع النص فيكون الامر شورى بين أهل الحل والعقد، وهذا ما لا حيلة فيه، فإن قالوا: لا ولا بد من النص على أمير المؤمنين صلوات الله عليه ومن الادلة على العترة، قيل لهم لم ؟ حتى إذا ذكروا الحجة الصحيحة فننقلها إلى الامام في كل زمان، لان النص إن وجب في زمن وجب في كل زمان، لان العلل الموجبة له موجودة أبدا، ونعوذ بالله من الخذلان.
(1) أعوز اعوزازا الرجل. افتقر وساءت حاله فهو معوز، واعوزه المطلوب: أعجزه وصعب عليه نيله. اعوز في الشئ: احتجت إليه، لم أقدر عليه. وفى بعض النسخ " اعوزاز الاعوان " واعوز اعوزازا احتال. اختلت حاله. (2) لعل اللام في قوله " لمن " مفتوحة والجملة تتضمن معنى الاستفهام، وقوله " ليس علينا " جملة مستقلة، أي ليس ما قلت علينا. وفى بعض النسخ " لمن المراد ". (*)
[ 125 ]
مسألة اخرى يقال لهم: إذا كان الخبر المتواتر حجة رواه العترة والامة، و كان الخبر الواحد من العترة كخبر الواحد من الامة يجوز على الواحد منهم من تعمد الباطل ومن السهو والزلل ما يجوز على الواحد من الامة وما ليس في الخبر المتواتر ولا خبر الواحد فسبيله عندكم الاستخراج، وكان يجوز على المتأول منكم ما يجوز على المتأول من الامة فمن أي وجه صارت العترة حجة ؟ فإن قال صاحب الكتاب: إذا أجمعوا فإجماعهم حجة، قيل له: فإذا أجمعت الامة فإجماعها حجة، وهذا يوجب أنه لا فرق بين العترة والامة وإن كان هكذا فليس في قوله " خلفت فيكم كتاب الله و عترتي " فائدة إلا أن يكون فيها من هو حجة في الدين، وهذا قول الامامية. واعلموا - أسعدكم الله - إن صاحب الكتاب أشغل نفسه بعد ذلك بقراءة القرآن وتأويله على من أحب ولم يقل في شئ من ذلك: " الدليل على صحة تأويلي كيت كيت " وهذا شئ لا يعجز عنه الصبيان وإنما أراد أن يعيب الامامية بأنها لا ترى الجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد غلط فإنها ترى ذلك على قدر الطاقة، و لا ترى أن تلقي بأيديها إلى التهلكة، ولا أن يخرج مع من لا يعرف الكتاب والسنة ولا يحسن أن يسير في الرعية بسيرة العدل والحق. وأعجب من هذا أن أصحابنا من الزيدية في منازلهم لا يأمرون بمعروف و لا ينهون عن منكر ولا يجاهدون، وهم يعيبوننا بذلك، وهذا نهاية من نهايات التحامل ودليل من أدلة العصبية، نعوذ بالله من اتباع الهوى، وهو حسبنا ونعم الوكيل. مسألة اخرى ويقال لصاحب الكتاب: هل تعرف في أئمة الحق أفضل من أمير المؤمنين صلوات الله عليه ؟ فمن قوله: لا، فيقال له: فهل تعرف من المنكر بعد الشرك والكفر شيئا أقبح وأعظم مما كان من أصحاب السقيفة ؟ فمن قوله: لا، فيقال له: فأنت أعلم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أو أمير المومنين عليه السلام ؟ فلا بد من أن يقول: أمير المؤمنين، فيقال له: فما باله لم يجاهدا القوم ؟ فان اعتذر بشئ قيل له: فاقبل مثل هذا العذر من الامامية، فإن الناس جميعا يعملون أن الباطل اليوم أقوى منه
يومئذ وأعوان الشيطان أكثر ولا تهول علينا بالجهاد وذكره، فإن الله تعالى إنما
[ 126 ]
فرضه لشرائط لو عرفتها لقل كلامك وقصر كتابك ونسأل الله التوفيق. مسألة اخرى يقال لصاحب الكتاب: أتصوبون الحسن بن علي عليهما السلام في موادعته معاوية أم تخطئونه ؟ فإذا قالوا: نصوبه، قيل لهم: أتصوبونه وقد ترك الجهاد و أعرض عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الذي تؤمون إليه، فإن قالوا: نصوبه لان الناس خذلوه، ولم يأمنهم على نفسه، ولم يكن معه من أهل البصائر من يمكنه أن يقاوم بهم معاوية وأصحابه فإذا عرفوا صحة ذلك، قيل لهم: فإذا كان الحسن عليه السلام مبسوط العذر ومعه جيش أبيه وقد خطب له الناس على المنابر وسل سيفه وسار إلى عدو الله وعدوه للجهاد لما وصفتم وذكرتم فلم لا تعذرون جعفر ابن محمد عليهما السلام في تركه الجهاد وقد كان أعداؤه في عصره أضعاف من كان مع معاوية ولم يكن معه من شيعته (مائة نفر) قد تدربوا بالحروب، وإنما كان قوم من أهل السر لم يشاهدوا حربا ولا عاينوا وقعة، فإن بسطوا عذره فقد أنصفوا، وإن امتنع منهم ممتنع فسئل الفصل، ولا فصل. وبعد فإن كان قياس الزيدية صحيحا فزيد بن علي لان الحسن وادع وزيد حارب حتى قتل وكفى بمذهب يؤدي إلى تفضيل زيد بن - علي على الحسن بن علي عليهما السلام قبحا. والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل (1). وإنما ذكرنا هذه الفصول في أول كتابنا هذا لانها غاية ما يتعلق بها الزيدية وما رد عليهم وهي أشد الفرق علينا، وقد ذكرنا الانبياء والحجج الذين وقعت بهم الغيبة صلوات الله عليهم وذكرنا في آخر الكتاب المعمرين ليخرج بذلك ما نقوله في الغيبة وطول العمر من حد الاحالة إلى حد الجواز، ثم صححنا النصوص على القائم الثاني عشر من الائمة عليه وعليهم السلام من الله تعالى ذكره ومن رسوله والائمة الاحد عشر صلوات الله عليهم مع إخبارهم بوقوع الغيبة، ثم ذكرنا مولده عليه السلام، و من شاهده وما صح من دلالاته وأعلامه، وما ورد من توقيعاته لتأكيد الحجة على المنكرين لولي الله والمغيب في ستر الله، والله الموفق للصواب وهو خير مستعان.
(1) هذا آخر ما نقله عن كتاب ابن قبة. (*)
[ 127 ]
1 (باب) (1) (في غيبة ادريس النبي عليه السلام) فأول الغيبات غيبة إدريس النبي عليه السلام المشهورة حتى آل الامر بشيعته إلى أن تعذر عليهم القوت وقتل الجبار من قتل منهم وأفقر وأخاف باقيتهم، ثم ظهر عليه السلام فوعد شيعته بالفرج وبقيام القائم من ولده، وهو نوح عليه السلام ثم رفع الله عز و جل إدريس عليه السلام إليه، فلم تزل الشيعة تتوقعون قيام نوح عليه السلام قرنا بعد قرن، و خلفا عن سلف، صابرين من الطواغيت على العذاب المهين حتى ظهرت نبوة نوح عليه السلام. 1 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، ومحمد بن موسى بن - المتوكل - رضى الله عنهم - قالوا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميرى، ومحمد بن يحيى العطار قالوا: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، وإبراهيم ابن هاشم جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال: كان بدء نبوة إدريس عليه السلام أنه كان في زمانه ملك جبار وأنه ركب ذات يوم في بعض نزهه، فمر بأرض خضرة نضرة لعبد مؤمن من الرافضة (2) فأعجبته فسأل وزراءه لمن هذه الارض ؟ قالوا: لعبد مؤمن من عبيد الملك فلان الرافضي، فدعا به فقال له: أمتعني بأرضك هذه (3) فقال: عيالي أحوج إليها
(1) النسخ مختلفة في عنوان الابواب وهنا في بعضها " الباب الاول " وفى بعضها
" الباب الثاني " وفى بعضها " باب " فقط، وفى بعضها " باب " مع الرقم الهندسي. (2) الرافضة هم الدين تركوا مذهب سلطانهم. والرفض في اللغة: الترك، والروافض جنود تركوا قائدهم وانصرفوا وذهبوا عنه. أو المراد الذين رفضوا الشرك والمعاصي أو مذهب الملك أو الدنيا ونعيمها، وفى اثبات الوصية " فقيل انها لرجل من الرافضة كان لا يتبعه على كفره ويرفضه يسمى رافضيا فدعى به الخ ". (3) أي اجعلها لى انتفع بها وألتذبها. (*)
[ 128 ]
منك، قال: فسمني بها (1) اثمن لك، قال: لا امتعك بها ولا أسومك دع عنك ذكرها، فغضب الملك عند ذلك وأسف وانصرف إلى أهله وهو مغموم متفكر في أمره وكانت له امرأة من الازارقة (2)، وكان بها معجبا يشاورها في الامر إذا نزل به، فلما استقر في مجلسه بعث إليها ليشاورها في أمر صاحب الارض، فخرجت إليه فرأت في وجهه الغضب فقالت: أيها الملك ما الذي دهاك (3) حتى بدا الغضب في وجهك قبل فعلك (4) ؟ فأخبرها بخبر الارض وما كان من قوله لصاحبها ومن قول صاحبها له، فقالت: أيها الملك إنما يهتم به (5) من لا يقدر على التغيير والانتقام، فإن كنت تكره أن تقتله بغير حجة فأنا أكفيك أمره واصير أرضه بيديك بحجة لك فيها العذر عند أهل مملكتك، قال: وما هي ؟ قالت: أبعث إليه أقواما من أصحابي الازارقة حتى يأتوك به فيشهدوا عليه عندك أنه قد برئ من دينك فيجوز لك قتله وأخذ أرضه، قال: فافعلي ذلك، قال: وكان لها أصحاب من الازارقة على دينها يرون قتل الروافض من المؤمنين، فبعثت إلى قوم من الازارقة (6) فأتوها فأمرتهم أن يشهدوا على فلان الرافضي عند الملك أنه قد برئ من دين الملك فشهدوا عليه أنه قد برئ من دين الملك فقتله واستخلص أرضه، فغضب الله تعالى للمؤمن عند ذلك فأوحى الله إلى إدريس أن ائت عبدي هذا الجبار فقل له: أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلما حتى استخلصت أرضه خالصة لك، فأحوجت عياله من بعده وأجعتهم، أما وعتزتي لانتقمن له منك في الاجل ولاسلبنك ملكك في العاجل، ولاخربن مدينتك ولاذلن عزك ولاطعمن الكلاب
(1) السوم طلب الشراء أي بعنى. و " أثمن لك " أي أعطيك الثمن. (2) المراد بهم أهل الروم أو الديلم لان زرقة العيون غالبة فيهم. والازارقة أيضا هم الذين يبيحون مال من على غير عقيدتهم ويستحلون دمه نظير عقيدة الخوارج في الاسلام، والمراد هنا المعنى الثاني. (3) دهى فلانا أي أصابه بداهية. (4) أي قبل اتيانك بما غضبت له. (5) في بعض النسخ " يغتم ويأسف ". (6) في بعض النسخ " إلى قوم منهم ". كمال الدين - 8 - (*)
[ 129 ]
لحم امرأتك، فقد غرك يا مبتلى حلمي عنك. فأتاه إدريس عليه السلام برسالة ربه وهو في مجلسه وحوله أصحابه، فقال: أيها الجبار إني رسول الله إليك وهو يقول لك: أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلما حتى استخلصت أرضه خالصة لك، وأحوجت عياله من بعده وأجعتهم، أما وعزتي لانتقمن له منك في الاجل، ولاسلبنك ملكك في العاجل، ولاخربن مدينتك، و لاذلن عزك، ولاطعمن الكلاب لحم امرأتك، فقال الجبار: اخرج عني يا إدريس فلن تسبقني بنفسك (1). ثم أرسل إلى امرأته فأخبرها بما جاء به إدريس، فقال: لا تهولنك رسالة إله إدريس أنا أكفيك أمر إدريس، ارسل إليه من يقتله فتبطل رسالة إلهه وكلما جاءك به، قال: فافعلي، وكان لادريس أصحاب من الرافضة مؤمنون يجتمعون إليه في مجلس له فيأنسون به ويأنس بهم، فأخبرهم إدريس بما كان من وحي الله عزوجل إليه ورسالته
إلى الجبار، وما كان من تبليغه رسالة الله عزوجل إلى الجبار، فأشفقوا على إدريس وأصحابه، وخافوا عليه القتل. وبعثت امرأة الجبار إلى إدريس أربعين رجلا من الازارقة ليقتلوه فأتوه في مجلسه الذي كان يجتمع إليه فيه أصحابه، فلم يجدوه، فانصرفوا وقد رآهم أصحاب إدريس فحسبوا أنهم أتوا إدريس ليقتلوه فتفرقوا في طلبه، فلقوه، فقالوا له: خذ حذرك يا إدريس فان الجبار قاتلك قد بعث اليوم أربعين رجلا من الازارقة ليقتلوك فاخرج من هذه القرية، فتنحى إدريس، عن القرية من يومه ذلك، ومعه نفر من أصحابه، فلما كان في السحر ناجى إدريس ربه فقال: يا رب بعثتني إلى جبار فبلغت رسالتك، وقد توعدني هذا الجبار بالقتل، بل هو قاتلي إن ظفر بي، فأوحى الله عزوجل: أن تنح عنه واخرج من قريته، وخلني وإياه فوعزتي لانفذن فيه أمري، ولاصدقن قولك فيه وما أرسلتك به إليه، فقال إدريس: يا رب إن لي حاجة، قال الله عزوجل: سل
(1) أي لا يمكنك الفرار بنفسك والتقدم بحيث لا يمكننى اللحوق بك لاهلاكها أو لا تغلبني في أمر نفسك بان تتخلصها منى. (*)
[ 130 ]
تعطها، قال: أسألك أن لا تمطر السماء على أهل هذه القرية وما حولها وما حوت عليه حتى أسألك ذلك، قال الله عزوجل: يا إدريس إذا تخرب القرية ويشتد جهد أهلها ويجوعون، قال إدريس: وإن خربت وجهدوا وجاعوا، قال الله عزوجل: فإني قد أعطيتك ما سألت ولن امطر السماء عليهم حتى تسألني ذلك، وأنا أحق من وفى بوعده. فأخبر إدريس أصحابه بما سأل الله من حبس المطر عنهم، وبما أوحى الله إليه ووعده أن لا يمطر السماء عليهم حتى يسأله ذلك. فاخرجوا أيها المؤمنون من هذه القرية إلى غيرها من القرى، فخرجوا منها، وعدتهم يومئذ عشرون رجلا، فتفرقوا في القرى، وشاع خبر إدريس في القرى بما سأل ربه تعالى، وتنحى إدريس إلى كهف في جبل شاهق، فلجأ إليه ووكل الله عزوجل به ملكا يأتيه بطعامه عند كل مساء، وكان يصوم النهار فيأتيه الملك بطعامه عند كل مساء، وسلب الله عزوجل عند ذلك ملك الجبار وقتله وأخرب مدينته وأطعم الكلاب لحم امرأته غضبا للمؤمن فظهر في المدينة جبار آخر عاص، فمكثوا بذلك بعد خروج إدريس من القرية عشرين سنة لم تمطر السماء عليهم قطرة من مائها عليهم، فجهد القوم اشتدت حالهم وصاروا يمتارون الاطعمة (1) من القرى من بعد، فلما جهدوا مشى بعضهم إلى بعض فقالوا: إن الذي نزل بنا مما ترون بسؤال إدريس ربه أن لا يمطر السماء علينا حتى يسأله هو، وقد خفي إدريس عنا ولا علم لنا بموضعة، والله أرحم بنا منه فأجمع أمرهم على أن يتوبوا إلى الله ويدعوه و يفزعوا إليه ويسألوه أن يمطر السماء عليهم وعلى ما حوت قريتهم، فقاموا على الرماد ولبسوا المسوح وحثوا على رؤوسهم التراب، وعجوا (2) إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار والبكاء والتضرع إليه، فأوحى الله عزوجل إلى إدريس يا إدريس إن أهل قريتك قد عجوا إلي بالتوبة والاستغفار والبكاء والتضرع، وأنا الله الرحمن الرحيم أقبل التوبة أعفو
(1) أي يجمعون الاطعمة من أطراف القرى. (2) المسح - بالكسر -: البلاس معرب پلاس. والحث: الصب. والعج: رفع الصوت. وفى نسخة " ورجعوا ". (*)
[ 131 ]
عن السيئة، وقد رحمتهم ولم يمنعني إجابتهم إلى ما سألوني من المطر إلا مناظرتك فيما سألتني أن لا امطر السماء عليهم حتى تسألني، فسلني يا إدريس حتى اغيثهم وامطر السماء عليهم ؟ قال إدريس: اللهم إني لا أسألك ذلك (1) قال الله عزوجل: ألم تسألني يا إدريس فأجبتك إلى ما سألت وأنا أسألك أن تسألني فلم لا تجب مسألتي ؟ قال: إدريس اللهم لا أسألك، فأوحي الله عزوجل إلى الملك - الذي أمره أن يأتي إدريس بطعامه كل مساء - أن احبس عن إدريس طعامه ولا تأته به، فلما أمسى إدريس في ليلة
ذلك اليوم فلم يؤت بطعامه حزن وجاع فصبر، فلما كان في (ليلة) اليوم الثاني فلم يؤت بطعامه اشتد حزنه وجوعه، فلما كانت الليلة من اليوم الثالث فلم يؤت بطعامه اشتد جهده وجوعه وحزنه وقل صبره فنادى ربه يا رب حبست عني رزقي من قبل أن تقبض روحي، فأوحى الله عزوجل إليه يا إدريس جزعت أن حبست عنك طعامك ثلاثة إيام ولياليها ولم تجزع ولم تذكر (2) جوع أهل قريتك وجهدهم منذ عشرين سنة، ثم سألتك عن جهدهم ورحمتي إياهم أن تسألني أن امطر السماء عليهم فلم تسألني وبخلت عليهم بمسألتك إياي فأدبتك بالجوع (3)، فقل عند ذلك صبرك وظهر جزعك، فاهبط من موضعك فاطلب المعاش لنفسك فقد وكلتك في طلبه إلى حيلتك. فهبط إدريس عليه السلام من موضعه إلى قرية يطلب اكلة من جوع فلما دخل القرية نظر إلى دخان في بعض منازلها فأقبل نحوه فهجم على عجوز كبيرة وهي ترقق قرصتين لها على مقلاة، فقال لها: أيتها المرأة أطعميني فاني مجهود من الجوع فقالت له: يا عبد الله ما تركت لنا دعوة إدريس فضلا نطعمه أحدا - وحلفت أنها ما تملك غيره شيئا - فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية، فقال لها: أطعميني ما امسك به روحي وتحملني به رجلي إلى أن أطلب، قالت: إنما هما قرصتان واحدة لي والاخرى لابني فان أطعمتك قوتي مت، وإن أطعمتك قوت ابني مات، وما ههنا فضل اطعمكه، فقال لها: إن
(1) أمره تعالى اياه بالدعاء على سبيل الندب أو التخيير، وعرض ادريس عليه السلام عن التأخير زجرهم عن الفساد وتنبيههم لئلا يخالفوا ربهم بعد دخوله فيهم. (2) في بعض النسخ " ولم تنكر ". (3) في البحار " مأذقتك الجوع ". (*)
[ 132 ]
ابنك صغير يجزيهه نصف قرصة فيحيى به ويجزيني النصف الاخر فاحيى به وفي ذلك بلغة لى وله، فأكلت المرأة قرصتها وكسرت الاخرى بين إدريس وبين ابنها، فلما رأى ابنها إدريس يأكل من قرصته اضطراب حتى مات، قالت امه: يا عبد الله قتلت علي ابني جزعا على قوته، قال (لها) إدريس: فأنا احييه بإذن الله تعالى فلا تجزعي، ثم أخذ إدريس بعضدي الصبي، ثم قال: أيتها الروح الخارجة عن بدن هذا الغلام بأمر الله ارجعي إلى بدنه بإذن الله، وأنا إدريس النبي. فرجعت روح الغلام إليه باذن الله، فلما سمعت المرأة كلام إدريس وقوله: " أنا إدريس " ونظرت على ابنها قد عاش بعد الموت قالت: أشهد أنك إدريس النبي وخرجت تنادي بأعلي صوتها في القرية أبشروا بالفرج فقد دخل إدريس قريتكم، ومضى إدريس حتى جلس على موضع مدينة الجبار الاول فوجدها وهي تل، فاجتمع إليه اناس من أهل قريته فقالوا له: يا إدريس أما رحمتنا في هذه العشرين سنة التي جهدنا فيها ومسنا الجوع والجهد فيها، فادع الله لنا أن يمطر السماء علينا قال: لا حتى يأتيني جباركم هذا وجميع أهل قريتكم مشاة حفاة فيسألوني ذلك، فبلغ الجبار قوله فبعث إليه أربعين رجلا يأتوه بإدريس فأتوه فقالوا له: إن الجبار بعثنا إليك لنذهب بك إليه، فدعا عليهم فماتوا، فبلغ الجبار ذلك، فبعث إليه خمسمائة رجل ليأتوه به فأتوه فقالوا له: يا إدريس إن الجبار بعثنا إليك لنذهب بك إليه، فقال لهم إدريس: انظروا إلى مصارع أصحابكم فقالوا له: يا إدريس قتلتنا بالجوع منذ عشرين سنة ثم تريد أن تدعو علينا بالموت أما لك رحمة ؟ فقال: ما أنا بذاهب إليه وما أنا بسائل الله أن يمطر السماء عليكم حتى يأتيني جباركم ماشيا حافيا وأهل قريتكم، فانطلقوا إلى الجبار فأخبروه بقول إدريس وسألوه أن يمضي معهم وجميع أهل قريتهم إلى إدريس مشاة حفاة، فأتوه حتى وقفوا بين يديه خاضعين له طالبين إليه أن يسأل الله عز وجل لهم أن يمطر السماء عليهم، فقال لهم إدريس: أما الان فنعم فسأل الله عز وجل إدريس عند ذلك أن يمطر السماء عليهم وعلى قريتهم ونواحيها، فأظلتم سحابة من السماء وأرعدت وأبرقت وهطلت عليهم (1) من
(1) هطلت السماء: نزلت عليهم متتابعا، وهطل المطر إذا تتابع. (*)
[ 133 ]
ساعتهم حتى ظنوا أنه الغرق، فما رجعوا إلى منازلهم حتى أهمتهم أنفسهم من الماء. 2.
(باب) * (في ذكر ظهور نوح عليه السلام بالنبوة بعد ذلك) * 2 - حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن همام قال: حدثنا حميد بن زياد الكوفي (1) قال: حدثنا الحسن بن محمد بن سماعة، عن أحمد ابن الحسن الميثمي، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام لما أظهر الله تبارك وتعالى نبوة نوح عليه السلام وأيقن الشيعة بالفرج اشتدت البلوى وعظمت الفرية إلى أن ال الامر إلى شدة شديدة نالت الشيعة والوثوب على نوح بالضرب المبرح (2) حتى مكث عليه السلام في بعض الاوقات مغشيا عليه ثلاثة أيام، يجري الدم من اذنه ثم أفاق، وذلك بعد ثلاثمائة سنة من مبعثه، وهو في خلال ذلك يدعوهم ليلا ونهارا فيهربون، ويدعوهم سرا فلا يجيبون، ويدعوهم علانية فيولون، فهم بعد ثلاثمائة سنة بالدعاء عليهم، وجلس بعد صلاة الفجر للدعاء، فهبط إليه وفد من السماء السابعة وهم ثلاثة أملاك فسلموا عليه، ثم قالوا له: يا نبي الله لنا حاجة، قال: وما هي ؟ قالوا: تؤخر الدعاء على قومك فانها أول سطوة لله عزوجل في الارض قال: قد أخرت الدعاء عليهم ثلاثمائة سنة اخرى، وعاد إليهم فصنع ما كان يصنع، ويفعلون ما كانوا يفعلون حتى إذا انقضت ثلاثمائة سنة اخرى ويئس من إيمانهم، جلس في وقت ضحى النهار للدعاء فهبط عليه وفد من السماء السادسة (وهم ثلاثة أملاك) فسلموا عليه، وقالوا: نحن وفد من السماء السادسة خرجنا بكرة وجئناك ضحوة، ثم سألوه مثل ما سأله وفد السماء السابعة، فأجابهم إلى مثل ما أجاب اولئك إليه، وعاد عليه السلام إلى قومه يدعوهم فلا يزيدهم دعاؤه إلا فرارا، حتى انقضت ثلاثمائة سنة تتمة تسعمائة سنة فصارت إليه الشيعة وشكوا ما ينالهم من العامة والطواغيت وسألوه الدعاء بالفرج،
(1) في بعض النسخ " محمد بن هشام قال: حدثنا أحمد بن زياد الكوفي ". (2) في النهاية: برح به: إذا شق عليه، ومنه الحديث " ضربا غير مبرح " أي غير شاق. (*)
[ 134 ]
فأجابهم إلى ذلك وصلى ودعا فهبط جبرئيل عليه السلام فقال له: إن الله تبارك وتعالى أجاب دعوتك فقل للشيعة: يأكلوا التمر ويغرسوا النوى ويراعوه حتى يثمر، فإذا أثمر فرجت عنهم، فحمد الله وأثنى عليه وعرفهم ذلك فاستبشروا به، فأكلوا التمر وغرسوا النوى وراعوه حتى أثمر، (1) ثم صاروا إلى نوح عليه السلام بالتمر وسألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل الله عزوجل في ذلك فأوحى الله إليه قل لهم: كلوا هذا التمر وأغرسوا النوى فإذا أثمر فرجت عنكم، فلما ظنوا أن الخلف قد وقع عليهم، ارتد منهم الثلث وثبت الثلثان، فأكلوا التمر وغرسوا النوى حتى إذا أثمر أتوا به نوحا عليه السلام فأخبروه وسألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل الله عزوجل في ذلك، فأوحى الله إليه قل لهم: كلوا هذا التمر، واغرسوا النوى، فارتد الثلث الاخر وبقي الثلث فأكلوا التمر وغرسوا النوى، فملا أثمر أتوا به نوحا عليه السلام ثم قالوا له: لم يبق منا إلا القليل ونحن نتخوف على أنفسنا بتأخير الفرج أن نهلك، فصلى نوح عليه السلام ثم قال: يا رب لم يبق من أصحابي إلا هذه العصابة وإني أخاف عليهم الهلاك إن تأخر عنهم الفرج، فأوحى الله عزوجل إليه قد أجبت دعاءك فاصنع الفلك وكان بين إجابة الدعاء وبين الطوفان خمسون سنة. 3 - حدثنا محمد بن علي ما جيلويه، ومحمد بن موسى بن المتوكل، وأحمد بن محمد ابن يحيى العطار رضي الله عنهم قالوا: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن الحسين بن - الحسن بن أبان، عن محمد بن اورمة، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، و عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: عاش نوح بعد النزول من السفينة خمسين سنة (2) ثم أتاه جبرئيل عليه السلام فقال له:
(1) في بعض النسخ " فرجت عنهم، فأخبرهم بما أوحى الله إليه ففعلوا ذلك وراعوه حتى أثمر ". (2) أورده المجلسي (ره) في البحار باب جمل أحوال نوح عليه السلام وقال: ذكره في " ص " - يعنى قصص الانبياء - بهذا الاسناد إلى قوله " كما أمرهم آدم عليه السلام " الا أن فيه " خمسمائة
سنة " بدل " خمسين سنة " وهو الصواب كما يدل عليه بعض الاخبار. ورواه الكليني (ره) في الكافي أيضا وفيه " خمسمائة سنة ". (*)
[ 135 ]
يا نوح قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فانظر الاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة التي معك فادفعها إلى ابنك سام فاني لا أترك الارض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي ويكون نجاة فيما بين قبض النبي ومبعث النبي الاخر، ولم أكن أترك الناس بغير حجة وداع إلى، وهاد إلى سبيلي، وعارف بأمري، فاني قد قضيت أن أجعل لكل قوم هاديا أهدي به السعداء ويكون حجة على الاشقياء، قال: فدفع نوح عليه السلام الاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة إلى ابنه سام، فأما حام ويافث فلم يكن عندهما علم ينتفعان به، قال: وبشرهم نوح بهود وأمرهم باتباعه، وأن يفتحوا الوصية كل عام فينظروا فيها ويكون عيدا لهم كما أمرهم آدم عليه السلام قال: فظهرت الجبرية في ولد حام ويافث فاستخفى ولد سام بما عندهم من العلم، وجرت على سام بعد نوح الدولة لحام ويافث وهو قول الله عزوجل: " وتركنا عليه في الاخرين " (1) يقول: تركت على نوح دولة الجبارين ويعز الله محمدا صلى الله عليه وآله بذلك، قال: وولد لحام السند والهند والحبش، وولد لسام العرب والعجم، وجرت عليهم الدولة وكانوا يتوارثون الوصية عالم بعد عالم حتى بعث الله عزوجل هودا عليه السلام. 4 - وحدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق - رضي الله عنه - قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين ابن يزيد النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: لما حضرت نوحا عليه السلام الوفاة دعا الشيعة فقال لهم: اعلموا أنه ستكون من بعدي غيبة تظهر فيها الطواغيت، وأن الله عزوجل يفرج عنكم بالقائم من ولدي، اسمه هود، له سمت وسكينة ووقار، يشبهني في خلقي وخلقي، وسيهلك الله أعداءكم عند ظهوره بالريح، فلم يزالوا يترقبون هودا عليه السلام وينتظرون ظهوره حتى طال عليهم الامد وقست قلوب أكثرهم، فأظهر الله تعالى ذكره نبيه هودا عليه السلام عند اليأس منهم وتناهى البلاء بهم واهلك الاعداء بالريح العقيم التي وصفها الله تعالى ذكره،
(1) الصافات: 78. (*)
[ 136 ]
فقال: " ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم " (1) ثم وقعت الغيبة (به) بعد ذلك إلى أن ظهر صالح عليه السلام. 5 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا سعد بن - عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، و كرام بن عمرو (*)، عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما بعث الله عزوجل هودا عليه السلام أسلم له العقب من ولد سام، وأما الاخرون فقالوا: من أشد منا قوة فاهلكوا بالريح العقيم، وأوصاهم هود وبشرهم بصالح عليه السلام. 3 (باب) * (ذكر غيبة صالح النبي عليه السلام) * 6 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد - رضي الله عنه - قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، وسعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري قالوا: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن علي بن أسباط، عن سيف بن عميرة، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن صالحا عليه السلام غاب عن قومه زمانا (2)، وكان يوم غاب عنهم كهلا مبدح البطن حسن الجسم، وافر اللحية، خميص البطن (3) خفيف العارضين مجتمعا، ربعة من الرجال (4) فلما رجع إلى قومه لم يعرفوه بصورته، فرجع إليهم وهم على ثلاث طبقات: طبقة جاحدة لا ترجع أبدا، واخرى شاكة فيه، و أخرى على يقين فبدأ عليه السلام حيث رجع بالطبقة الشاكة (5) فقال لهم: أنا صالح فكذبوه
(1) الذاريات: 42. (*) كذا. وهو لقب عبد الكريم بن عمرو. (2) غيبته عليه السلام كانت بعد هلاك قومه، ورجوعه كان إلى من آمن به ونجا من العذاب. (3) " مبدح البطن " لعل المراد به واسع البطن عظيمه، وأما خميص البطن أي ضامره والمراد به ما تحت البطن حيث يشد المنطقة فلا منافاة. (4) الربعة: المتوسط بين الطول والقصر. (5) في بعض النسخ " بطبقة الشكاك ". (*)
[ 137 ]
وشتموه وزجروه، وقالوا: برئ الله منك إن صالحا كان في غير صورتك، قال: فأتي الجحاد فلم يسمعوا منه القول ونفروا منه أشد النفور، ثم انطلق إلى الطبقة الثالثة، وهم أهل اليقين فقال لهم: أنا صالح، فقالوا: أخبرنا خبرا لا نشك فيك معه أنك صالح، فإنا لا نمتري أن الله تبارك وتعالى الخالق ينقل ويحول في أي صورة شاء، وقد اخبرنا وتدارسنا فيما بيننا بعلامات القائم إذا جاء، وإنما يصح عندنا إذا أتى الخبر من السماء، فقال لهم صالح: أنا صالح الذي أتيتكم بالناقة، فقالوا: صدقت و هي التي نتدارس فما علامتها ؟ فقال: لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، قالوا آمنا بالله وبما جئتنا به، فعند ذلك قال الله تبارك وتعالى: " ان صالحا مرسل من ربه (فقال: أهل اليقين:) إنا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا (وهم الشكاك و الجحاد:) إنا بالذي آمنتم به كافرون " (1) قلت: هل كان فيهم ذلك اليوم عالم به ؟ قال: الله أعدل من أن يترك الارض بلا عالم (2) يدل على الله عزوجل، ولقد مكث القوم بعد خروج صالح سبعة أيام على فترة لا يعرفون إماما، غير أنهم على ما في أيديهم من دين الله عزوجل، كلمتهم واحدة، فلما ظهر صالح عليه السلام اجتمعوا عليه. وإنما مثل القائم عليه السلام مثل صالح. 4 (باب) * (في غيبة ابراهيم عليه السلام) * وأما غيبة إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه فانها تشبه غيبة قائمنا صلوات الله عليه بل هي أعجب منها لان الله عزوجل غيب أثر إبراهيم عليه السلام وهو في بطن أمه حتى حوله عزوجل بقدرته من بطنها إلى ظهرها، ثم أخفى أمر ولادته إلى وقت بلوغ الكتاب أجله.
(1) الاعراف 76 و 77. وفيها " اتعلمون أن صالحا - الاية ". (2) في بعض النسخ " بغير عالم ". (*)
[ 138 ]
7 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا سعد بن - عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم (1)، عن أبي - بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبو إبراهيم عليه السلام منجما لنمرود بن كنعان، و كان نمرود لا يصدر إلا عن رأيه، فنظر في النجوم ليلة من الليالى فأصبح فقال: لقد رأيت في ليلتي هذه عجبا فقال له نمرود: وما هو ؟ فقال: رأيت مولودا يولد في أرضنا هذه فيكون هلاكنا على يديه، ولا يلبث إلا قليلا حتى يحمل به، فعجب من ذلك نمرود وقال له: هل حملت به النساء ؟ فقال: لا، وكان فيما أوتي به من العلم أنه سيحرق بالنار ولم يكن أوتى أن الله تعالى سينجيه، قال: فحجب النساء عن الرجال، فلم يترك امرأة إلا جعلت بالمدينة حتى لا يخلص إليهن الرجال (2) قال: ووقع (3) أبو إبراهيم على امرأته فحملت به وظن أنه صاحبه، فأرسل إلى نساء من القوابل لا يكون في البطن شئ إلا علمن به، فنظرن إلى أم إبراهيم، فألزم الله تعالى ذكره ما في الرحم الظهر، فقلن: ما نرى شيئا في بطنها، فلما وضعت أم إبراهيم (به) أراد أبوه أن يذهب به إلى نمرود، فقالت له امرأته: لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله، دعني أذهب به إلى بعض الغيران (4) أجعله فيه حتى يأتي عليه أجله ولا يكون أنت تقتل ابنك، فقال لها: فاذهبي به، فذهبت به إلي غار، ثم أرضعته، ثم جعلت على باب الغار
صخرة، ثم انصرفت عنه، فجعل الله عزوجل رزقه في إبهامه فجعل يمصها فيشرب لبنا (5) وجعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة، فمكث ما شاء الله أن يمكث،
(1) كأن فيه سقطا لما رواه الكليني في روضة الكافي باسناده عن ابن أبى عمير عن هشام عن أبى أيوب الخزاز عن أبى بصير. (2) أي لا يصل اليهن، وفى الصحاح: خلص إليه الشئ: وصل. (3) في بعض النسخ " وباشر " بدون " على ". (4) جمع الغار وهو الكهف في الجبل. (5) في روضة الكافي " فيشخب لبنها ". (*)
[ 139 ]
ثم إن أمه قالت لابيه: لو أذنت لي حتى أذهب إلى ذلك الصبي فأراه فعلت، قال: فافعلي، فأتت الغار فإذا هي بإبراهيم عليه السلام وإذا عيناه تزهران كأنهما سراجان، فأخذته وضمته إلى صدرها وأرضعته ثم انصرفت عنه، فسألها أبوه عن الصبي، فقالت له: قد واريته في التراب، فمكثت تعتل وتخرج في الحاجة وتذهب إلى إبراهيم عليه السلام فتضمه إليها وترضعه ثم تنصرف، فلما تحرك أتته أمه كما كانت تأتيه وصنعت كما كانت تصنع، فلما أرادت الانصراف أخذ بثوبها فقالت له: مالك ؟ فقال لها: اذهبي بي معك، فقالت له: حتى أستأمر أباك (1). فلم (2) يزل إبراهيم عليه السلام في الغيبة مخفيا لشخصه، كاتما لامره، حتى ظهر فصدع بأمر الله تعالى ذكره وأظهر الله قدرته فيه. ثم غاب عليه السلام الغيبة الثانية، وذلك حين نفاه الطاغوت عن مصر فقال: " وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا " قال الله عزوجل: " فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا * ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا " (3) يعني به علي بن أبي طالب عليه السلام لان إبراهيم قد كان دعا الله عزوجل أن يجعل له لسان صدق في الاخرين فجعل الله تبارك وتعالى له ولاسحاق ويعقوب لسان صدق عليا فأخبر على عليه السلام بأن القائم هو الحادي عشر (4) من ولده وأنه المهدي الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما مئلت جورا وظلما، وأنه تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، وأن هذا كائن كما أنه مخلوق. وأخبر عليه السلام في حديث كميل ابن زياد النخعي " أن الارض لا تخلو ا من قائم بحجة إما ظاهر مشهور أو خاف مغمور لئلا تبطل حجج الله وبيناته " وقد أخرجت هذين الخبرين في هذا الكتاب بإسنادهما في باب ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام من وقوع الغيبة وكررت ذكرهما للاحتياج إليه على أثر ما ذكرت من قصة إبراهيم عليه السلام. ولا براهيم عليه السلام غيبة اخرى سار فيها في البلاد وحده للاعتبار. (1) تتمة الحديث في الكافي ج 8 تحت رقم 558 فليراجع. (2) من هنا كلام المؤلف لابقية الحديث. (3) مريم: 49 - 51. (4) كذا ولعله وهم من الراوي والصوبا العاشر.
[ 140 ]
8 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن - رضى الله عنهما - قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خرج إبراهيم عليه السلام ذات يوم يسير في البلاد ليعتبر، فمر بفلاة من الارض فإذا هو برجل قائم يصلى قد قطع إلى السماء صوته (1) ولباسه شعر، فوقف عليه إبراهيم عليه السلام فعجب منه وجلس ينتظر فراغه فلما طال ذلك عليه حركه بيده وقال له: إن لى حاجة فخفف قال: فخفف الرجل وجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم عليه السلام لمن تصلي ؟ فقال: لاله إبراهيم فقال: من إله إبراهيم ؟ قال: الذي خلقك وخلقني، فقال له إبراهيم: لقد أعجبني نحوك (2) وأنا احب أن أو أخيك في الله عزوجل، فأين منزلك إذا أردت زيارتك ولقاءك ؟
فقال له الرجل: منزلي خلف هذه النطقة (3) - وأشار بيده إلى البحر - وأما مصلاي فهذا الموضع تصيبني فيه إذا أردتني إن شاء الله، ثم قال الرجل لابراهيم: لك حاجة ؟ فقال إبراهيم: نعم، فقال الرجل: وماهي ؟ قال له: تدعو الله وأؤمن أنا على دعاءك أو أدعو أنا وتؤمن أنت على دعائي ؟ فقال له الرجل: وفيم ندعوالله ؟ فقال له إبراهيم: للمذنبين المؤمنين، فقال الرجل: لا، فقال إبراهيم: ولم ؟ فقال: لانى دعوت الله منذ ثلاث سنين بدعوة لم أر إجابتها إلى الساعة وأنا أستحيى من الله عزوجل أن أدعوه بدعوة حتى أعلم أنه قد أجابني، فقال إبراهيم: وفيما دعوته ؟ فقال له الرجل: إنى لفى مصلاى هذا ذات يوم إذ مربي غلام أروع (4) النور يطلع من جبهته، له ذؤابة من خلفه، ومعه بقر يسوقها كأنما دهنت دهنا، وغنم يسوقها كأنما دخست دخسا (5) قال: فأعجبني ما رأيت منه فقلت: يا غلام لمن هذه البقر، والغنم ؟ فقال: لي (6) فقلت:
(1) كذا وفي الكافي " طوله ". والقطع كما في الوافي: العمود، ولعله تصحيف " رفع ". (2) أي طريقتك في العبادة، والنحو: الطريق. (3) النطفة: الماء الصافي قل أو كثر. (4) الاروع - كجعفر - من الرجال: الذي يعجبك حسنه. (5) الدخس - بالمعجمعة بين المهملتين -: الورم والسمن. (6) في الكافي ج 8 ص 392 تحت رقم 591 " فقال لابراهيم ". (*)
[ 141 ]
ومن أنت ! فقال: أنا إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن عزوجل، فدعوت الله عزوجل عند ذلك وسألته أن يريني خليله، فقال له إبراهيم عليه السلام: فأنا إبراهيم خليل الرحمن وذلك الغلام ابني، فقال له الرجل عند ذلك: الحمدالله رب العالمين الذي أجاب دعوتي قال: ثم قبل الرجل صفحتي وجه إبراهيم وعانقة، ثم قال: الان فنعم وداع (1) حتى اؤمن على دعائك، فدعا إبراهيم عليه السلام للمؤمنين والمؤمنات المذنبين من يومه ذلك إلى يوم القيامة بالمغفرة والرضا عنهم، قال: وأمن الرجل على دعائه، (قال) فقال أبو جعفر عليه السلام: فدعوة إبراهيم بالغة للمؤمنين المذنبين من شيعتنا إلى يوم القيامة. 5 (باب) * (في غيبة يوسف عليه السلام) * وأما غيبة يوسف عليه السلام فإنها كانت عشرين سنة لم يدهن فيها ولم يكتحل ولم يتطيب لم يمس النساء حتى جمع الله ليعقوب شمله وجمع بين يوسف وإخوته وأبيه وخالته، كان منها ثلاثة أيام في الجب، وفى السجن بضع سنين، وفي الملك باقي سنية. وكان هو بمصر ويعقوب بفلسطين، وكان بينهما مسيرة تسعة أيام فاختلفت عليه الاحوال في غيبته من إجماع إخوته على قتله ثم إلقائهم إياه في غيابت الجب، ثم بيعهم إياه بثمن بخس دراهم معدودة، ثم بلواه بفتنة امرأة العزيز، ثم بالسجن بضع سنين، ثم صار إليه بعد ذلك ملك مصر (2)، وجمع الله - تعالى ذكره - شمله وأراده تأويل رؤياه. 9 - حدثنا محمد بن على ماجيلويه - رضي الله عنه - قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمد بن اورمة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن الحسن الواسطي، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قدم أعرابي على يوسف ليشتري منه طعاما فباعه، فلما فرغ قال له يوسف: أين منزلك ؟
(1) في الكافي " فقم وادع " (2) الذي يظهر من القرآن وبعض الاخبار أنه صار عزيز مصر لا ملكه، والعزيز رئيس الدولة، والملك هو فرعون مصر. (*)
[ 142 ]
قال له: بموضع كذا وكذا: فقال له: فإذا مررت بوادي كذا وكذا فقف فناد: يا يعقوب ! يا يعقوب ! فإنه سيخرج إليك رجل عظيم جميل جسيم وسيم، فقل له: لقيت رجلا بمصر وهو يقرئك السلام ويقول لك: إن وديعتك عند الله عزوجل لن تضيع، قال: فمضى الاعرابي حتى انتهى إلى الموضع فقال لغمانة: احفظوا على الابل ثم نادي: يا يعقوب ! يا يعقوب ! فخرج إليه رجل أعمى طويل جسيم جميل يتقى الحائط
بيده حتى أقبل فقال له لارجل: أنت يعقوب ؟ قال: نعم فأبلغه ما قال له يوسف قال: فسقط مغشيا عليه، ثم أفاق فقال: يا أعرابي ألك حاجة إلى الله عزوجل ؟ فقال له: نعم إنى رجل كثير المال ولي ابنة عم ليس يولد لى منها واحب أن تدعو الله أن ير زقني ولدا، قال: فتوضأ يعقوب وصلى ركعتين ثم دعا الله عزوجل، فرزق أربعة أبطن أوقال ستة أبطن في كل بطن اثنان. فكان يعقوب عليه السلام يعلم أن يوسف عليه السلام حى لم يمت وأن الله - تعالى ذكره - سيظهره له بعد غيبته وكان يقول لبنيه: " إنى أعلم من الله ما لا تعلمون " (1) وكان أهله وأقرباؤه يفندونه على ذكره ليوسف حتى أنه لما وجد ريح يوسف قال: " إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون * قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم * فلما أن جاء البشير (وهو يهودا ابنه وألقى قميص يوسف) على وجهه فارتد بصيرا * قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون " (2). 10 - حدثنا محمد بن على ماجيلويه - رضى الله عنه - قال: حدثنا محمد بن - يحيى العطار قال: حدثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمد بن اورمة، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي إسماعيل السراج، عن بشر بن جعفر، عن المفضل - الجعفي أظنه - (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: أرتدي ماكان قميص يوسف عليه السلام ؟ قلت: لاقال: إن إبراهيم عليه السلام لما اوقدت له النار أتاه جبرئيل عليه السلام بثوب من ثياب الجنة وألبسه إياه فلم يضره معه حر ولابرد، فلما حضر إبراهيم
(1) يوسف: 98. (2) يوسف: 95 - 98. (3) في الكافي ج 1 ص 232 " عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام ". (*)
[ 143 ]
الموت جعله في تميمة (1) وعلقه إسحاق، وعلقه إسحاق على يعقوب، فلما ولد ليعقوب يوسف علقه عليه، وكان في عضده حتى كان من أمره ماكان، فلما أخرج يوسف القميص من التميمة، وجد يعقوب ريحه، وهو قوله: إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تنفدون " (2) فهو ذلك القميص الذي انزل من الجنة، قال: قلت: جعلت فداك فإلى من صار ذلك القميص ؟ قال: إلى أهله ثم قال: كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهي إلى (آل) محمد صلى الله عليه وآله. فروي " أن القائم عليه السلام إذا خرج يكون عليه قميص يوسف، ومعه عصا موسى، وخاتم سليمان عليهم السلام ". والدليل على أن يعقوب عليه السلام علم بحياة يوسف عليه السلام وأنه إنما غيب عنه لبلوي واختبار: أنه لما رجع إليه بنوه يبكون قال لهم: يا بني لم تبكون وتدعون بالويل ؟ ومالى ما أري فيكم حبيبي يوسف ؟ " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " (3) هذا قميصه قد أتيناك به، قال: ألقوه إلى، فألقوه إليه وألقاه على وجهه فخر مغشيا عليه، فما أفاق قال لهم: يا بنى ألستم تزعمون أن الذئب قد أكل حبيبي يوسف ؟ قالوا: نعم، قال: مالى لا أشم ريح لحمه ؟ ! ومالي أري قميصه صحيحا ؟ هبوا أن القميص (4) انكشف من أسفله أرأيتم ماكان في منكبيه وعنقه كيف خلص إليه الذئب من غير أن يخرقه، إن هذا الذئب لمكذوب عليه، وإن ابني لمظلوم " بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " وتولى عنهم ليلتهم تلك لا يكلمهم وأقبل يرثى يوسف ويقول: حبيبي يوسف الذى اوثره جميع أولادي فاختلس منى حبيبي يوسف
(1) التميمة: الخرزة التى تعلق على الانسان وغيره من الحيوانات، ويقال لكل عوذة تعلق عليه. (2) يوسف: 95 والتفنيد: النسبة إلى الفند وهو نقصان عقل يحدث من الهرم. (3) يوسف: 18 (4) أي احسبوا. تتقول: هب زيدا منطلقا بمعنى احسب، يتعدي إلى مفعولين ولا يستعمل منه ماض ولا مستقبل في هذا المعنى (الصحاح). (*)
[ 144 ]
الذي كنت أرجوه من بين أولادي فاختلس منى، حبيبي يوسف الذي اوسده يمينى وادثره بشمالي فاختلس منى، حبيبي يوسف الذي كنت أونس به وحدتي فاختلس منى، حبيبي يوسف ليت شعري في أي الجبال طرحوك، أم في أي البحار غرقوك، حبيبي يوسف ليتنى كنت معك فيصيبنى الذي أصابك. ومن الدليل على أن يعقوب عليه السلام علم بحياة يوسف عليه السلام وأنه في الغيبة قوله: " عسى الله أن يأتيني بهم جمعيا " (1) وقوله لبنيه " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " (2). وقال الصادق عليه السلام: إن يعقوب عليه السلام قال لملك الموت: أخبرني عن الارواح تقبضها مجتمعة أو متفرقة ؟ قال: بل متفرقة قال: فهل قبضت روح يوسف في جملة ما قبضت من الارواح ؟ قال: لا، فعند ذلك قال لبنيه: " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه " فحال العارفين في وقتنا هذا بصاحب زماننا الغائب عليه السلام حال يعقوب عليه السلام في معرفته بيوسف وغيبته وحال الجاهلين به وبغيبته والمعاندين في أمره حال أهله وأقربائه (3) الذين بلغ من جهلهم بأمر يوسف وغيبته حتى قالوا لابيهم يعقوب: " تالله إنك لفي ضلالك القديم ". وقول يعقوب - لما ألقى البشير قميص يوسف على وجهه فارتد بصيرا -: " ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون " دليل على أنه قد كان علم أن يوسف حي وأنه إنما غيب عنه للبلوي والامتحان. 11 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن فضالة بن أيوب، عن سدير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن في القائم سنة من يوسف، قلت كأنك تذكر خبره أو غيبته ؟ فقال لي: وما تنكر هذه الامة أشباه الخنازير أن إخوة يوسف كانوا أسباطا أولاد أنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وهم إخوته وهو أخو هم فلم يعرفوه حتى قال لهم: " أنا يوسف وهذا أخي " فما تنكر هذه الامة أن يكون الله عزوجل في وقت
(1) يوسف: 84. (2) يوسف: 88. (3) في بعض النسخ " حال اخوة يوسف ". (*)
[ 145 ]
من الاوقات يريد أن يستر حجته عنهم لقد كان يوسف يوما ملك مصر وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما (1) فلو أراد الله تبارك وتعالى أن يعرفه مكانه لقدر على ذلك والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة في تسعة إيام إلى مصر، فما تنكر هذه الامة أن يكون الله عزوجل يفعل بحجته ما فعل بيوسف أن يكون يسير فيما بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم وهم لا يعرفونه حتى يأذن الله عزوجل له أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف عليه السلام حين قال لهم: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * قالوا إنك لانت يوسف * قال أنا يوسف وهذا أخي (2) ". 6 (باب) * (في غيبة موسي عليه السلام) * 12 - وأما غيبة موسى النبي عليه السلام فإنه حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو سعيد سهل بن زياد الادمي الرازي قال: حدثنا محمد بن آدم النسائي (3)، عن أبيه آدم بن أبي إياس قال: حدثنا المبارك بن فضالة عن سعيد بن جبير، عن سيد العابدين على بن الحسين، عن أبيه سيد الشهداء السحين بن على، عن أبيه سيد الوصيين أمير المؤمنين على بن أبي طالب صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما حضرت يوسف عليه السلام الوفاة جمع شيعته وأهل بيته فحمد الله وأثنى عليه ثم حدثهم بشدة تنالهم، يقتل فيها الرجال وتشق بطون الحبالي وتذبح الاطفال حتى يظهر الله الحق في القائم من ولد لاوي بن يعقوب، وهو رجل أسمر طوال، ونعته لهم بنعته، فتمسكوا بذلك ووقعت الغيبة والشدة على بني إسرائيل
(1) قد مر ويأتي أنه مسيرة تسعة أيام ولعله مبنى على سرعة السير عند البشارة.
(2) يوسف: 90. (3) كذا والظاهر أنه عبيد بن آدم بن اياس العسقلاني فصحف وليس هو محمد بن آدم ابن سليمان الجهنى المصيصى الذى روى عن سعيد بن جبير. (*)
[ 146 ]
وهم منتظرون قيام القائم أربع مائة سنة حتى إذا بشروا بولادته ورأوا علامات ظهوره واشتدت عليهم البلوي، وحمل عليهم بالخشب والحجارة، وطلب الفقيه الذي كانوا يستريحون إلى أحاديثه فاستتر، وراسلوه فقالوا: كنا مع الشدة نستريح إلى حديثك، فخرج بهم إلى بعض الصحاري وجلس يحدثهم حديث القائم ونعته وقرب الامر، و كانت ليلة قمراء، فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم موسى عليه السلام وكان في ذلك الوقت حديث السن وقد خرج من دار فرعون يظهر النزهة فعدل عن موكبه وأقبل إليهم وتحته بغلة وعليه طيلسان خز، فلما رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام إليه وانكب على قدميه فقبلهما ثم قال: الحمدالله الذي لم يمتنى حتى أرانيك، فلما رأي الشيعة ذلك علموا أنه صاحبهم فأكبوا على الارض شكرا لله عزوجل، فلم يزدهم على أن قال: أرجو أن يعجل الله فرجكم (1)، ثم غاب بعد ذلك، وخرج إلى مدينة مدين فأقام عند شعيب ما أقام، فكانت الغيبة الثانية أشد عليهم من الاولى وكان نيفا وخمسين سنة واشتدت البلوي عليهم واستتر الفقيه فبعثوا إليه أنه لا صبر لنا على استتارك عنا، فخرج إلى بعض الصحاري واستدعا هم وطيب نفوسهم (2) وأعلمهم أن الله عزوجل أوحى إليه أنه مفرج عنهم بعد أربعين سنة، فقالوا بأجمعهم: الحمدالله، فأوحى لله عزوجل إليه (3) قل لهم: قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم " الحمدالله "، فقالوا: كل نعمة فمن الله، فأوحى الله إليه قل لهم: قد جعلتها عشرين سنة، فقالوا: لا يأتي بالخير إلا الله، فأوحى الله إليه قل لهم: قد جعلتها عشرا، فقالوا: لا يصرف السوء إلا الله، فأوحى الله إليه قل لهم: لا تبرحوا فقد أذنت لكم في فرجكم، فبينا هم كذلك إذ طلع موسى عليه السلام راكبا حمارا. فأراد الفقيه أن يعرف الشيعة ما يستبصرون به فيه، وجاء موسى حتى وقف عليهم فسلم عليهم فقال له الفقيه: ما اسمك ؟ فقال: موسى، قال: ابن من ؟ قال: ابن عمران، قال: ابن من ؟
(1) أي قال موسى عليه السلام: ارجو أن يعجل الله تعالى فرجكم، ولم يزد على هذا الدعاء ولم يتكلم بشئ آخر سوي ذلك ثم غاب عنهم. (2) في بعض النسخ " وطيب قلوبهم ". (3) أي الي الفقيه ولعله كان نبيا أو المراد الالهام كما كان لام موسى عليه السلام. (*)
[ 147 ]
قال: ابن قاهت (1) بن لاوي بن يعقوب، قال: بماذا جئت ؟ قال: جئت بالرسالة من عند الله عزوجل، فقام إليه فقبل يده، ثم جلس بينهم فطيب نفوسهم وأمرهم أمره ثم فرقهم، فكان بين ذلك الوقت وبين فرجهم بغرق فرعون أربعون سنة. 13 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن يحيى العطار، وأحمد ابن إدريس جميعا قالوا: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن يوسف ابن يعقوب صلوات الله عليهما حين حضرته الوفاة جمع آل يعقوب وهم ثمانون رجلا فقال: إن هؤلاء القبط سيظهرون عليكم ويسومونكم سوء العذاب وإنما ينجيكم الله من أيديهم برجل من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن عمران عليه السلام، غلام طوال جعد آدم. فجعل الرجل من بنى إسرائيل يسمى ابنه عمران ويسمي عمران ابنه موسى. فذكر أبان بن عثمان، عن أبى الحسين (2) عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما خرج موسى حتى خرج قبله خمسون كذابا من بني إسرائيل كلهم يدعي أنه موسى ابن عمران. فبلغ فرعون أنهم يرجفون به ويطلبون هذا الغلام (3) وقال له كهنته و سحرته: إن هلاك دينك وقومك على يدى هذا الغلام الذي يولد العام من بني إسرائيل.
فوضع القوابل على النساء وقال: لا يولد العام ولد إلا ذبح، ووضع على ام موسى قابلة فلما رأي ذلك بنو إسرائيل قالوا: إذا ذبح الغلمان واستحيي النساء هلكنا، فلم نبق، فتعالوا: لانقرب النساء، فقال عمران أبو موسى عليه السلام: بل باشروهن فان أمر الله واقع ولو كره المشركون، اللهم من حرمه فإنى الا احرمه، ومن تركه فإني لا أتركه،
(1) بالقاف فالهاء ثم الثاء المثلثة كما في المعارف لابي قتيبة. (2) في بعض النسخ " أبى الحصين ". (3) في بعض النسخ " يرجعون به ويظنون هذا الغلام ". وأرجف القوم بالاخبار إي خاضوا فيها وافتتنوا. (*)
[ 148 ]
ووقع على ام موسى (1) فحملت، فوضع على ام موسى قابلة تحرسها فإذا قامت قامت و إذا قعدت قعدت، فلما حملته امه وقعت عليها المحبة وكذلك حجج الله على خلقه، فقالت لها القابلة: مالك يا بنية تصفر ين وتذوبين ؟ قال: لا تلوميني فإنى إذا ولدت اخذ ولدي فذبح، قالت: لا تخزني فإنى سوف أكتم عليك، فلم تصدقها، فلما أن ولدت إلتفت إليها وهي مقبلة فقالت: ما شاء الله، فقالت لها: ألم أقل: إنى سوف أكتم عليك، ثم حلمته فأدخلته المخدع (2) وأصلحت أمره، ثم خرجت إلى الحرس فقالت: انصرفوا - و كانوا على الباب - فإنما خرج دم منقطع فانصرفوا، فأرضعته فلما خافت عليه الصوت أوحى الله إليه أن اعملي التابوت، ثم اجعليه فيه، ثم أخرجيه ليلا فاطر حيه في نيل مصر فوضعته في التابوت، ثم دفعته في اليم، فجعل يرجع إليها وجعلت تدفعه في الغمر، و إن الريح ضربته فانطلقت به، فلما رأته قد ذهب به الماء همت أن تصبح فربط الله على قلبها. قال: وكانت المرأة الصالحة امرأة فرعون وهي من بني إسرائيل، قالت لفرعون: إنها أيام الربيع فأخرجني واضرب لى قبة على شط النيل حتى أتنزه هذه الايام، فضربت لها قبة على شط النيل إذ أقبل التابوت يريدها، فقالت: هل ترون ما أري على الماء ؟ قالوا: إي والله يا سيدتنا إنا لنري شيئا، فلما دنا منها ثارت إلى الماء فتناولته بيدها وكاد الماء يغمرها حتى تصايحوا عليها فجذبته وأخرجته من الماء فأخذته فوضعته في حجرها، فإذ ا هو غلام أجمل الناس وأستر هم فوقعت عليها منه محبة، فوضعته في حجرها وقالت: هذا ابني، فقالوا: إي والله يا سيدتنا والله مالك ولد ولا للملك فاتخذي هذا ولدا، فقامت إلى فرعون وقالت: إني أصبت غلاما طيبا حلوا نتخذه ولدا فيكون قرة عين لي ولك فلا تقتله، قال: ومن أين هذا الغلام ؟ قالت: والله ما أدري إلا أن الماء جاء به، فلم تزل به حتى رضي، فلما سمع الناس أن الملك قد تبينى ابنا لم يبق أحد من رؤوس من كان مع فرعون إلا بعث إليه امرأته لتكون له ظئرا أو تحضنه
(1) في بعض النسخ " وباشرام موسى ". (2) المخدع والمخدع - بالكسر والضم -: الخزانة والبيت الداخل. (*)
[ 149 ]
فأبى أن يأخذ من امرأة منهن ثديا، قال امرأة فرعون: اطلبوا لابني ظئرا ولا تحقروا أحدا، فجعل لا يقبل من امرأة منهن، فقالت ام موسى لاخته،: قصيه (1) انظري أترين له أثرا، فانطلقت حتى أتت باب الملك فقالت: قد بلغني أنكم تطلبون ظئرا وههنا امرأة صالحة تأخذ ولدكم وتكفله لكم، فقالت: ادخلوها، فلما دخلت قالت لها امرأة فرعون: ممن أنت ؟ قالت: من بني إسرائيل قالت: اذهبي بابنية فليس لنافيك حاجة، فقلن لها النساء: انظري عافاك الله يقبل أولا يقبل، فقالت امرأة فرعون: أرأيتم لو قبل ها يرضى فرعون أن يكون الغلام من بني إسرائيل والمرأة من بني إسرائيل - يعنى الظئر - فلا يرضى قلن: فانظري يقبل أولا يقبل، قالت امرأة فرعون: فاذهبي فادعيها، فجاءت إلى امها وقالت: إن امرأة الملك تدعوك فدخلت عليها فدفع إليها موسى فوضعته في حجرها، ثم ألقمته ثديها فازدحم اللبن في حلقه، فلما رأت امرأة فرعون أن ابنها قد قبل قامت إلى فرعون فقالت: إنى قد أصبت لابنى ظئرا وقد قبل منها، فقال: ممن هي ؟ قالت: من بني
إسرائيل قال: فرعون هذا مما لا يكون أبدا، الغلام من بني إسرائيل والظئر من بني اسرائيل فلم تزل تكلمة فيه وتقول: ما تخاف من هذا الغلام ؟ إنما هو ابنك ينشؤ في حجرك حتى قلبته عن رأيته ورضي. فنشأ موسى عليه السلام في آل فرعون وكتمت امه خبره واخته والقابلة، حتى هلكت امه والقابلة التي قبلته، فنشأ عليه السلام لا يعلم به بنو إسرائيل قال: وكانت بنو - إسرائيل تطلبه وتسأل عنه فيعمى عليهم خبره، قال: فبلغ فرعون أنهم يطلبونه ويسألون عنه، فأرسل إليهم فزاد في العذاب عليهم، وفرق بينهم ونهاهم عن الاخبار به والسؤال عنه، قال: فخرجت بنو إسرائيل ذات ليلة مقمرة إلى شيخ لهم عنده عليم فقالوا: قد كنا نستريح إلى الاحاديث فحتى متى وإلى متى نحن في هذا البلاء ؟ قال: والله إنكم لا تزالون فيه حتى يجيئ الله تعالى ذكره بغلام من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن عمران غلام طوال جعد فبيناهم كذلك إذ أقبل موسى يسير على بغلة حتى وقف عليهم، فرفع الشيخ
(1) يعنى اتبعيه، يقال: قص الاثر واقتصه إذا تبعه. (*)
[ 150 ]
رأسه فعرفه بالصفة فقال له: ما اسمك يرحمك الله ؟ قال: موسى، قال: ابن من ؟ قال: ابن - عمران، قال: فوثب إليه الشيخ فأخذ بيده فقبلها وثاروا إلى رجله فقبلوها فعرفهم وعرفوه واتخذ شيعة. فمكث بعد ذلك ما شاء الله، ثم خرج فدخل مدينة لفرعون فيها رجل من شيعته يقاتل رجلا من ال فرعون من القبط، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه القبطي فوكزه موسى فقضي عليه، وكان موسى عليه السلام قد اعطى بسطة في الجسم وشدة في البطش، فذكره الناس وشاع أمره، وقالوا: إن موسى قتل رجلا من آل فرعون فأصبح في المدينة خائفا يترقب فلما أصبحوا من الغد إذا الرجل الذي استنصره بالامس يستصرخه على آخر، فقال له موسى: إنك لغوي مبين، بالامس رجل واليوم رجل " فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدولهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصليحن * وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنى لك من الناصحين * فخرج منها خائفا يترقب " (1) فخرج من مصر بغير ظهر (2) ولادابة ولا خادم، تخفضه أرض وترفعه اخرى حتى انتهى إلى أرض مدين، فانتهى إلى أصل شجرة فنزل فإذا تحتها بئر وإذا عندها امة من الناس يسقون، وإذا جاريتان ضعيفتان، وإذا معهما غنيمة لهما، قال: ما خطبكما قالتا: أبونا شيخ كبير ونحن جاريتان ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرجال فإذا سقى الناس سقينا، فرحمهما موسى عليه السلام فأخذ دلوهما وقال لهما: قد ما غنمكما فسقى لهما، ثم رجعتا بكرة قبل الناس، ثم تولى موسى إلى الشجرة فجلس تحتها، " فقال رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير " - فروي أنه قال ذلك وهو محتاج إلى شق تمرة - فلما رجعتا إلى أبيهما قال: ما أعجلكما في هذه الساعة ؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقي لنا، فقال لاحديهما إذهبي فادعيه لى فجاءته تمشي
(1) راجع سورة القصص 14 إلى 20. (2) أي بلا رفيق ومعين أو بغير زاد وراحلة. (*)
[ 151 ]
على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فروي أن موسى عليه السلام قال لها: وجهني إلى الطريق وامشي خلفي فإنا بنو يعقوب لاننظر في أعجاز النساء " فلما جاءه وقص عليه القصص قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين * قالت إحديهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين * قال إني اريد أن أنكحت إحدي ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك ". فروي أنه قضى أتمهما لان الانبياء عليهم السلام لا يأخذون إلا بالفضل والتمام. فلما قضي موسى الاجل وسار بأهله نحوبيت المقدس أخطأ عن الطريق ليلا فرأي نارا فقال لاهله: امكثوا إنى آنست نارا لعلى آتيكم منها بقبس أو بخبر من الطريق، فلما انتهى إلى النار إذا شجرة تضطرم (1) من
أسفلها إلى أعلاها، فلما دنا منها تأخرت عنه فرجع وأوجس في نفسه خيفة، ثم دنت منه الشجرة فنودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إنى أنا الله رب العالمين، وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبر اولم يعقب فإذا حية مثل الجذع لاسنانها (2) صرير يخرج منها مثل لهب النار، فولى موسى مدبرا فقال له ربه عزوجل: ارجع فرجع وهو يرتعد وركبتاه تصطكان، فقال: يا إلهى هذا الكلام الذي أسمع كلامك ؟ قال: نعم فلا تخف، فوقع عليه الامان فوضع رجله على ذنبها، ثم تناول لحييها فإذا يده في شعبة العصا قد عادت عصا، وقيل له: اخلع نعليك انك بالواد المقدس طوي. فروى أنه أمر بخلعهما لانهما كانتا من جلد حمار ميت. (وروي في قوله عزوجل " فاخلع نعليك " أي خوفيك: خوفك من ضياع أهلك وخوفك من فرعون). ثم أرسله الله عزوجل إلى فرعون وملائه بآيتين بيده والعصا. فروي عن الصادق عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه: كن لما لا ترجوا أرجى منك لما ترجو، فإن موسى
(1) الضرام: اشتعال النار واضطرمت النار إذا التهبت. (الصحاح). (2) في بعض النسخ " لانيابها ". والجذع من الدواب الشاب الفتى فمن الابل ما دخل في السنة الخامسة ومن البقر والمعز مافى الثانية ومن الضأن ما تمت له سنة. (*)
[ 152 ]
ابن عمران عليه السلام خرج ليقتبس لاهله نارا، فرجع إليهم وهو رسول نبى فأصلح الله تبارك وتعالى أمر عبده ونبيه موسى عليه السلام في ليلة، وهكذا يفعل الله تبارك وتعالى بالقائم الثاني عشر من الائمة عليهم السلام، يصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر نبيه موسى عليه السلام ويخرجه من الحيرة والغيبة إلى نور الفرج والظهور. 14 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا المعلى بن محمد البصري، عن محمد بن جمهور، وغيره، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: في القائم عليه السلام سنة من موسى بن عمران عليه السلام فقلت: وما سنته من موسى بن عمران ؟ قال: خفاء مولده، وغيبته عن قومه، فقلت: وكم غاب موسى عن أهله وقومه ؟ فقال: ثمانى وعشرين سنة. 15 - وحدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق المكتب رضي الله عنه قال: حدثنا الحسين بن إبراهيم بن عبد الله بن منصور قال: حدثنا محمد بن هارون الهاشمي قال: حدثنا أحمد بن عيسى قال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن سليمان الرهاوي (1) قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية، عن أبيه محمد، عن أبيه أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المهدي منا أهل البيت، يصلح الله له أمره في ليلة. وفي رواية اخري يصلحه الله في ليلة. 16 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا عبد الله ابن جعفر الحميري، عن محمد بن عيسى، عن سليمان بن داود (2)، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: في صاحب هذا الامر أربع سنن من أربعة أنبياء، سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلوات الله عليهم
(1) الظاهر ه أحمد بن سليمان بن عبد الملك بن أبي شيبة الجزري أبو الحسين الرهاوي الحافظ المعنون في تهذيب التهذيب فقيه صدوق. والرهاوي بضم الراء المهملة كما في الخلاصة. (2) يعنى المنقري. (*)
[ 153 ]
أجمعين، فأما من موسى فخائف يترقب، وأما من يوسف فالسجن، وأما من عيسى فيقال له: إنه مات ولم يمت، وأما من محمد صلى الله عليه وآله فالسيف. 7 (باب) * (ذكر مضى موسى عليه السلام ووقوع الغيبة بالاوصياء) * * (والحجج من بعده إلى أيام المسيح عليه اسلام) *
17 - حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا الحسن بن علي السكري قال: حدثنا محمد بن زكريا البصري قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه قال: قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: أخبرني بوفاة موسى بن عمران عليه السلام، فقال: إنه لما أتاه أجله واستوفي مدته وانقطع اكله أتاه ملك الموت عليه السلام فقال له: السلام عليك يا كليم الله، فقال موسى: وعليك السلام من أنت ؟ فقال: أنا ملك الموت، قال: ما الذي جاء بك ؟ قال: جئت لاقبض روحك، فقال له موسى عليه السلام: من أين تقبض روحي ؟ قال: من فمك، قال موسى عليه السلام: كيف وقد كلمت به ربي جل جلاله، قال: فمن يديك، قال: كيف وقد حملت بهما التوراة، قال: فمن رجليك، قال: كيف وقد وطأت بهما طورسيناء، قال: فمن عينك، قال: كيف ولم تزال إلى ربى بالرجاء ممدودة قال: فمن اذنيك، قال: يكف وقد سمعت بهما كلام ربى عزوجل، قال: فأوحي الله تبارك وتعالى إلى ملك الموت: لا تقبض روحه حتى يكون هو الذي يريد ذلك، وخرج ملك الموت، فمكث موسى عليه السلام ما شاء الله أن يمكث بعد ذلك، ودعا يوشع بن نون فأوصى إليه وأمره بكتمان أمره وبأن يوصى بعده إلي من يقوم بالامر، وغاب موسى عليه السلام عن قومه فمر في غيبته برجل وهو يحفر قبرا فقال له: إلا اعينك على حفر هذا القبر ؟ فقال له الرجل: بلى، فأعانه حتى حفر القبر وسوى اللحد، ثم اضطجع فيه موسى عليه السلام لينظر كيف هو فكشف الله له الغطاء فرأى مكانه في الجنة، فقال: يا رب اقبضني إليك، فقبض ملك الموت روحه مكانه ودفنه في القبر وسوى عليه التراب، وكان
[ 154 ]
الذي يحفر القبر ملك الموت (1) في صورة آدمي، وكان ذلك في التيه، فصاح صائح من السماء: مات موسى كليم الله، وأي نفس لا تموت، فحدثني أبي عن جدي عن أبيه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن قبر موسى أين هو ؟ فقال: هو عند الطريق الاعظم عند الكثيب الاحمر. ثم إن يوشع بن نون عليه السلام قام بالامر بعد موسى عليه السلام صابرا من الطواغيت على اللاواء (2) والضراء والجهد البلاء حتى مضى منهم ثلاث طواغيت، فقوي بعدهم أمره فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى عليه السلام بصفراء بنت شعيب امرأة موسى عليه السلام في مائة ألف رجل. فقاتلوا يوشع بن نون عليه السلام فقتلهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وهزم الباقين بإذن الله تعالى ذكره، وأسر صفراء بنت شعيب، وقال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن ألقى نبى الله موسى عليه السلام فأشكو إليه ما لقيت منك ومن قومك. فقالت صفراء: واويلاه، والله لو ابيحت لي الجنة لا ستحييت أن أرى فيها رسول الله وقد هتكت حجابه، وخرجت على وصيه بعده، فاستتر الائمة بعد يوشع بن نون إلى زمان داود عليه السلام أربعمائة سنة وكانوا أحد عشر وكان قوم كل واحد منهم يختلفون إليه في وقته ويأخذون عنه معالم دينهم حتى انتهى الامر إلى آخرهم، فغاب عنهم ثم ظهر (لهم) فبشرهم بداود عليه السلام وأخبرهم أن داود عليه السلام هو الذي يطهر الارض من جالوت وجنوده، ويكون فرجهم في ظهوره فكانوا ينتطرونه، فلما كان زمان داود عليه السلام كان له أربعة إخوة ولهم أب شيخ كبير، وكان داود عليه السلام من بينهم حامل الذكر وكان أصغر أخوته لا يعلمون أنه داود النبي المنتظر الذي يطهر الارض من جالوت وجنوده، وكانت الشيعة يعلمون أنه قد ولد وبلغ اشده وكانوا يرونه و يشاهدونه ولا يعلمون أنه هو. فخرج داود عليه السلام وإخوته وأبوهم لما فصل طالوت بالجنود و تخلف عنهم داود، وقال: مايصنع بى في هذا الوجه، فاستهان به إخوته وأبوه وأقام في
(1) لفظة " الموت " ليست في الامالى ولا في بعض النسخ الكتاب. (2) اللاواء: الشدة. (*)
[ 155 ]
غنم أبيه يرعاها فاشتد الحرب وأصاب الناس جهد، فرجع أبوه وقال لداود: احمل إلى إخوتك طعاما يتقوون به على العدو، وكان عليه السلام رجلا قصيرا قليل الشعر طاهر القلب، أخلاقه نقية، فخرج والقوم متقاربون بعضهم من بعض قد رجع كل واحد منهم إلى
مركزه، فمر داود عليه السلام على حجر فقال الحجر له بنداء رفيع: يا داود خذني فاقتل بي جالوت فإني إنما خلقت لقتله. فأخذه ووضعه في مخلاته التي كانت تكون فيها حجارته التي كان يرمي بها غنمه، فلما دخل العسكر سمعهم يعظموم أمر جالوت، فقال لهم: ما تعظمون من أمره فو الله لئن عاينته لاقتلنه، فتحدثوا بخبره حتى أدخل على طالوت فقال له: يا فتى ما عندك من القوة وما جربت من نفسك ؟ قال: قد كان الاسد يعدوا على الشاة من غنمي فادركه فآخذ برأسه وأفك لحييه عنها فاخذها من فيه، وكان الله تبارك وتعالى أوحى الله إلى طالوت أنه لا يقتل جالوت إلا من لبس درعك فملاها، فدعا بدرعه فلبسها داود عليه السلام فاستوت عليه فراع (1) ذلك طالوت ومن حضره من بني إسرائيل فقال: عسى الله أن يقتل به جالوت، فلما أصبحوا والتقى الناس قال داود عليه السلام: أروني جالوت فلما رآه أخذ الحجر فرماه به فصك به بين عينيه فدمغه (2) وتنكس عن دابته فقال الناس: قتل داود جالوت، وملكه الناس (3) حتى لم يكن يسمع لطالوت ذكر، واجتمعت عليه بنو إسرائيل وأنزل الله تبارك وتعالى عليه الزبور وعلمه صنعة الحديد فلينه له (4) وأمر الجبال والطير أن تسبح معه، وأعطاه صوتا لم يسمع بمثله حسنا، وأعطاه قوه في العبادة. وأقام في بني إسرائيل نبيا. وهكذا (4) يكون سبيل القائم عليه السلام له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه، وأنطقه الله عزوجل فناداه اخرج يا ولي الله فاقتل أعداء الله، وله سيف
(1) أي أعجب من راعه يروعه أي أفزعه وأعجبه. (2) دمغه أي شجه حتى بلغت الشجة الدماغ. (3) أي عدوه ملكا لهم، وفى بعض النسخ " وملكه الله عزوجل الناس ". (4) قالوا انما كشف ذوب الحديد قبل ميلاد المسيح بالف سنة وهو زمان داود عليه السلام. ويسمونه عصر الحديد وفى التنزيل: " وألنا له الحديد ". (4) كلام المؤلف. (*)
[ 156 ]
مغمد إذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده (1) وأنطقه الله عزوجل فناداه السيف اخرج يا ولي الله فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله، فيخرج عليه السلام ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم (2) ويقيم حدود الله ويحكم بحكم الله عزوجل. حدثني بذلك أبو الحسن أحمد بن ثابت الدواليني بمدينة السلام، عن محمد بن الفضل النحوي، عن محمد بن علي بن عبد الصمد الكوفي، عن علي بن عاصم، عن محمد بن علي ابن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله في آخر حديث طويل - قد أخرجته في هذا الكتاب في باب ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من النص على القائم عليه السلام وأنه الثاني عشر من الائمة عليهم السلام -. ثم (3) إن داود عليه السلام أراد أن يستخلف سليمان عليه السلام لان الله عزوجل أوحى إليه يأمره بذلك، فلما أخبر بني إسرائيل ضجوا من ذلك وقالوا: يستخلف علينا حدثا وفينا من هو أكبر منه، فدعا أسباط بني إسرائيل فقال لهم: قد بلغني مقالتكم فأروني عصيكم فأي عصا أثمرت فصاحبها ولي الامر من بعدي، فقالوا: رضينا، فقال: ليكتب كل واحد منكم اسمه على عصاه، فكتبوه ثم جاء سليمان عليه السلام بعصاه فكتب عليها اسمه، ثم أدخلت بيتا وأغلق الباب وحرسته رؤوس أسباط بني إسرائيل، فلما أصبح صلى بهم الغداة، ثم أقبل ففتح الباب فأخرج عصيهم وقد أورقت وعصا سليمان قد أثمرت، فسلموا ذلك لداود عليه السلام، فاختبره بحضرة بني إسرائيل فقال له: يا بني أي شئ أبرد ؟ قال: عفو الله عن الناس وعفوا الناس بعضهم عن بعض، قال: يا بني فأي شئ أحلى ؟ قال: المحبة وهو روح الله في عباده. فافتر داود ضاحكا (4) فسار به في بني إسرائيل، فقال: هذا خليفتي فيكم من بعدي، ثم أخفى سليمان بعد ذلك أمره وتزوج بامرأة واستتر من شيعته ما شاء الله أن يستتر، ثم إن
(1) الغمد بكسر المعجمة: غلاف السيف. (2) أي حيث وجدهم وصادفهم. (3) تتمة الخبر.
(4) افتر أي ضحك ضحكا حسنا. (*)
[ 157 ]
امرأته قالت له ذات يوم: بأبي أنت وأمي ما أكمل خصالك وأطيب ريحك ولا أعلم لك خصلة أكرهها إلا أنك في مؤونة أبي فلو دخلت السوق فتعرضت لرزق الله رجوت أن لا يخيبك، فقال لها سليمان عليه السلام: إني والله ما عملت عملا قط ولا أحسنه، فدخل السوق فجال يومه ذلك ثم رجع فلم يصب شيئا، فقال لها: ما أصبت شيئا، قالت: لا عليك إن لم يكن اليوم كان غدا، فلما كان من الغد خرج إلى السوق فجال يومه فلم يقدر على شئ، ورجع فأخبرها فقالت له: يكون غدا إن شاء الله، فلما كان من اليوم الثالث مضى حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا هو بصياد، فقال له: هل لك أن أعينك وتعطينا شيئا قال: نعم، فأعانه فلما فرغ أعطاه الصياد سمكتين فأخذهما وحمد الله عزوجل، ثم إنه شق بطن إحديهما فإذا هو بخاتم في بطنها فأخذه فصره في ثوبه (1) فحمد الله و أصلح السمكتين وجاء بهما إلى منزله ففرحت امرأته بذلك، وقالت له: إني أريد أن تدعو أبوي حتى يعلما أنك قد كسبت، فدعاهما فأكلا معه، فلما فرغوا قال لهم: هل تعرفوني ؟ قالوا: لا والله إلا أنا لم نر إلا خيرا منك، قال: فأخرج خاتمه فلبسه فحن عليه الطير والريح وغشيه الملك، وحمل الجارية وأبويها إلى بلاد اصطخر، واجتمعت إليه الشيعة واستبشروا به ففرج الله عنهم مما كانوا فيه من حيرة غيبته، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى آصف بن برخيا بأمر الله تعالى ذكره، فلم يزل بينهم تختلف إليه الشيعة ويأخذون عنه معالم دينهم، ثم غيب الله تبارك وتعالى آصف غيبة طال أمدها، ثم ظهر لهم فبقي بين قومه ما شاء الله، ثم إنه ودعهم فقالوا له: أين الملتقى ؟ قال: على الصراط، وغاب عنهم ما شاء الله فاشتدت البلوى على بني إسرائيل بغيبته وتسلط عليهم بختنصر فجعل يقتل من يظفر به منهم ويطلب من يهرب ويسبي ذراريهم، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم دانيال واصطفى من ولد هارون عزيرا وهم يومئذ صبية صغار فمكثوا في يده وبنو إسرائيل في العذاب المهين، والحجة دانيال عليه السلام أسير في يد بختنصر تسعين سنة، فلما عرف فضله وسمع أن بني إسرائيل ينتظرون خروجه
(1) أي ربطه في ثوبه. (*)
[ 158 ]
ويرجون الفرج في ظهوره وعلى يده أمر أن يجعل في جب عظيم واسع ويجعل معه الاسد ليأكله، فلم يقربه، وأمر أن لا يطعم فكان الله تبارك وتعالى يأتيه بطعامه وشرابه على يد نبي من أنبيائه فكان دانيال يصوم النهار ويفطر بالليل على ما يدلى إليه من الطعام فاشتدت البلوى على شيعته وقومه والمنتظرين له ولظهوره وشك أكثرهم في الدين لطول الامد. فلما تناهى البلاء بدانيال عليه السلام وبقومه رأى بختنصر في المنام كان ملائكة من السماء قد هبطت إلى الارض أفواجا إلى الجب الذي فيه دانيال مسلمين عليه يبشرونه بالفرج، فلما أصبح ندم على ما أتى إلى دانيال فأمر بأن تخرج من الجب فلما اخرج اعتذر إليه مما ارتكب منه من التعذيب، ثم فوض إليه النظر في أمور ممالكه والقضاء بين الناس، فظهر من كان مستترا من بني إسرائيل ورفعوا رؤوسهم و اجتمعوا إلى دانيال عليه السلام موقنين بالفرج فلم يلبث إلا القليل على تلك الحال حتى مات وأفضى الامر بعده إلى عزير عليه السلام فكانوا يجتمعون إليه ويأنسون به ويأخذون عنه معالم دينهم، فغيب الله عنهم شخصه مائة عام ثم بعثه وغابت الحجج بعده واشتدت البلوى على بني إسرائيل حتى ولد يحيى بن زكريا عليهما السلام وترعرع فظهر وله سبع سنين فقام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وذكرهم بأيام الله، وأخبرهم أن محن الصالحين إنما كانت لذنوب بني إسرائيل وأن العاقبة للمتقين ووعدهم الفرج بقيام المسيح عليه السلام بعد نيف وعشرين سنة من هذا القول، فلما ولد المسيح عليه السلام أخفى الله عزو جل ولادته وغيب شخصه، لان مريم عليها السلام لما حملته انبتذت به مكانا قصيا، ثم إن زكريا وخالتها أقبلا يقصان أثرها حتى هجما عليها وقد وضعت ما في بطنها وهي تقول:
" يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " فأطلق الله تعالى ذكره لسانه بعذرها وإظهار حجتها، فلما ظهرت اشتدت البلوى والطلب على بني إسرائيل وأكب الجبابرة و الطواغيت عليهم حتى كان من أمر المسيح ما قد أخبر الله عزوجل به واستتر شمعون بن حمون والشيعة حتى أفضى بهم الاستتار إلى جزيرة من جزائر البحر فأقاموا بها ففجر الله لهم العيون العذبة وأخرج لهم من كل الثمرات، وجعل لهم فيها الماشية
[ 159 ]
وبعث إليهم سمكة تدعى القمد لا لحم لها ولا عظم وإنما هي جلد ودم فخرجت من البحر فأوحى الله عزوجل إلى النحل أن تركبها، فركبتها فأتت النحل إلى تلك الجزيرة ونهض النحل وتعلق بالشجر فعرش وبنى وكثر العسل ولم يكونوا يفقدون شيئا من أخبار المسيح عليه السلام. 8. (باب) * (بشارة عيسى بن مريم عليه السلام بالنبي محمد المصطفى صلى الله عليه وآله) * 18 - حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه قال: حدثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي البصري بالبصرة قال: حدثنا محمد بن عطية الشامي قال: حدثنا عبد الله بن عمر وبن سعيد البصري قال: حدثنا هشام بن - جعفر، عن حماد بن عبد الله بن سليمان (1) وكان قارئا للكتب قال: قرأت في الانجيل: يا عيسى جد في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع، يا ابن الطاهرة الطهر البكر البتول أنت من غير فحل، أنا خلقتك آية للعالمين فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، خذ الكتاب بقوة، فسر لاهل سوريا بالسريانية، بلغ من بين يديك إني أنا الله الدائم الذي لا أزول، صدقوا النبي الامي صاحب الجمل والمدرعة والتاج - وهي العمامة - والنعلين والهراوة - وهي القضيب -، الانجل العينين، الصلت الجبين، الواضح الخدين، الاقنى الانف (2) مفلج الثنايا، كأن عنقه إبريق فضة، كأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من صدره إلى سرته، ليس على بطنه ولا على صدره شعر، أسمر اللون، دقيق المسربة (3)
(1) كذا والصواب " حدثنا هشام بن سنبر أبو عبد الله، عن حماد بن أبى سليمان ". (2) المدرعة - كمكنسة -: ثوب كالدراعة ولا تكون الا من صوف. والهراوة: العصا. وفى القاموس النجل - بالتحريك -: سعة العين فهو أنجل. والصلت الجبين أي واسعة وأقنى الانف: محدبه أي ارتفع وسط قصبة أنفه وضاق منخراه. (3) مفلج الثنايا أي منفرجها. وقوله " كأن الذهب يجرى في تراقيه " التراقي جمع الترقوه وهو العظم الذى بين ثغرة النحر والعاتق ولعله كناية عن حمرة ترقوته. والمسربة بضم الراء: ما دق من شعر الصدر سائلا إلى الجوف. (*)
[ 160 ]
شثن الكف والقدم (1) إذا التفت التفت جميعا، وإذا مشى فكأنما يتقلع من الصخر، وينحدر من صبب (2) وإذا جاء مع القوم بذهم (3)، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك تنفح منه، لم ير قبله مثله ولا بعده، طيب الريح، نكاح للنساء، ذو النسل القليل إنما نسله من مباركة (4) لها بيت في الجنة، لا ضحب فيه ولا نصب (5)، يكفلها في آخر الزمان كما كفل زكريا امك، لها فرخان مستشهدان، كلامه القرآن، ودينه الاسلام، وأنا السلام. فطوبى لمن أدرك زمانه، وشهد أيامه، وسمع كلامه. قال عيسى: يا رب وما طوبى ؟ قال: شجرة في الجنة أنا غرستها بيدي تظل الجنان، أصلها من رضوان، ماؤها من تسنيم (6) برده برد كافور، وطعمه طعم الزنجبيل من شرب من تلك العين شربة لا يظمأ بعدها أبدا. فقال عيسى عليه السلام: اللهم اسقني منها، قال: حرام يا عيسى على البشر أن تشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الامم أن يشربوا منها حتى تشرب منها أمة ذلك النبي، يا عيسى أرفعك إلي ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب ولتعينهم على اللعين الدجال أهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم، إنهم
أمة مرحومة. وكانت للمسيح عليه السلام (7) غيبات يسيح فيها في الارض، فلا يعرف قومه وشيعته خبره، ثم ظهر فأوصى إلى شمعون بن حمون عليه السلام فلما مضى شمعون غابت الحجج بعده
(1) شثن الكفين أي أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر. وقيل: هو الذى في أنامله غلظ بلا قصر يمدح في الرجال لانه أشد لقبضهم ويذم في النساء. (النهاية). (2) أي يرفع رجليه من الارض رفعا بينا بقوة دون احتشام، لا كمن يمشى اختيالا ويقارب خطاه لان ذلك من مشى النساء والصبب ما انحدر من الارض أو الطريق. (3) في النهاية في الحديث " بذ العالمين " أي سبقهم وغلبهم. (4) يعنى الزهراء سلام الله عليها. (5) الصخب - بالتحريك -: الضجة والصياح والجلبة. والنصب: التعب والداء. (6) اسم عين في الجنة ويقال: هو أرفع شراب أهلها. تسنمهم من فوقهم. (7) من كلام المصنف. كمال الدين - 10 - (*)
[ 161 ]
واشتدت الطلب، وعظمت البلوى، ودرس الدين، وضيعت الحقوق، وأميتت الفروض والسنن، وذهب الناس يمينا وشمالا لا يعرفون أيا من أي، فكانت الغيبة مائتين و خمسين سنة. 19 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد ابن الحسن الصفار، وسعد بن عبد الله جميعا، عن أيوب بن نوح، عن عبد الله بن المغيرة، عن سعد بن أبي خلف، عن معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: بقي الناس بعد عيسى بن مريم عليه السلام خمسين ومائتي سنة بلا حجة ظاهرة. 20 - حدثنا أبي رحمه الله قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن يعقوب ابن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان بين عيسى وبين محمد عليهما السلام خمسمائة عام منها مائتان وخمسون عاما ليس فيها نبي ولا عالم ظاهر، قلت: فما كانوا ؟ قال: كانوا متمسكين بدين عيسى عليه السلام، قلت: فما كانوا ؟ قال: كانوا مؤمنين، ثم قال عليه السلام: ولا يكون الارض إلا وفيها عالم. وكان ممن ضرب في الارض لطلب الحجة سلمان الفارسي - رضي الله عنه - فلم يزل ينتقل من عالم إلى عالم، ومن فقيه إلى فقيه، ويبحث عن الاسرار ويستدل بالاخبار منتظرا لقيام القائم سيد الاولين والآخرين محمد صلى الله عليه وآله أربعمائة سنة حتى بشر بولادته، فلما أيقن بالفرج خرج يريد تهامة فسبي. 9. (باب) * (خبر سلمان الفارسى - رحمه الله عليه - في ذلك) * 21 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، وأحمد ابن إدريس جميعا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن علي بن مهزيار، عن أبيه، عمن ذكره، عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: قلت: يا ابن رسول الله ألا تخبرنا كيف كان سبب إسلام سلمان الفارسي ؟ قال: حدثني أبي صلوات الله عليه أن أمير المؤمنين علي
[ 162 ]
ابن أبي طالب صلوات الله عليه وسلمان الفارسي وأبا ذر وجماعة من قريش كانوا مجتمعين عند قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال أمير المؤمنين عليه السلام لسلمان: يا أبا عبد الله إلا تخبرنا بمبدء أمرك ؟ فقال سلمان: والله يا أمير المؤمنين لو أن غيرك سألني ما أخبرته، أنا كنت رجلا من أهل شيراز من أبناء الدهاقين وكنت عزيزا على والدي فبينا أنا سائر مع أبي في عيد لهم إذا أنا بصومعة وإذا فيها رجل ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله، وأن محمدا حبيب الله، فرسخ وصف محمد (1) في لحمي ودمي فلم يهنئني طعام ولا شراب، فقالت لي أمي: يا بني مالك اليوم لم تسجد لمطلع الشمس ؟ قال: فكابرتها حتى سكتت، فلما
انصرفت إلى منزلي إذا أنا بكتاب معلق في السقف فقلت لامي: ما هذا الكتاب ؟ فقالت: يا روزبه إن هذا الكتاب لما رجعنا من عيدنا رأيناه معلقا، فلا تقرب ذلك المكان فانك إن قربته قتلك أبوك، قال: فجاهدتها حتى جن الليل فنام أبي وأمي فقمت وأخذت الكتاب وإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من الله إلى آدم أنه خالق من صلبه نبيا يقال له: محمد، يأمر بمكارم الاخلاق وينهى عن عبادة الاوثان، يا روزبه ائت وصي عيسى وآمن واترك المجوسية، قال: فصعقت صعقة وزادني شدة قال: فعلم بذلك أبي وأمي فأخذوني وجعلوني في بئر عميقة، وقالوا لي: إن رجعت وإلا قتلناك، فقلت لهم: افعلوا بي ما شئتم، حب محمد لا يذهب من صدري، قال سلمان: ما كنت أعرف العربية قبل قراءتي الكتاب، ولقد فهمني الله عزوجل العربية من ذلك اليوم قال: فبقيت في البئر فجعلوا ينزلون في البئر إلى أقراصا صغارا. قال: فلما طال أمري رفعت يدي إلى السماء فقلت: يا رب إنك حببت محمدا و وصيه إلى فبحق وسيلته عجل فرجي وأرحني مما أنا فيه، فأتاني آت عليه ثياب بيض فقال: قم يا روزبه، فأخذ بيدي وأتى بي إلى الصومعة فأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله، وأن محمدا حبيب الله، فأشرف علي الديراني فقال: أنت روزبه ؟ فقلت: نعم، فقال: اصعد فأصعدني إليه وخدمته حولين كاملين، فلما حضرته
(1) في بعض النسخ " فرصف حب محمد ". (*)
[ 163 ]
الوفاة قال: إني ميت فقلت له: فعلى من تخلفني ؟ فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي هذه إلا راهبا بأنطاكية، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام وادفع إليه هذا اللوح، وناولني لوحا، فلما مات غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح وسرت به إلى أنطاكية وأتيت الصومعة وأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فأشرف علي الديراني فقال: أنت روزبه، فقلت: نعم، فقال: اصعد فصعدت إليه فخدمته حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة قال لي: إني ميت، فقلت: على من تخلفني ؟ فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي هذه إلا راهبا بالاسكندرية فإذا أتيته فأقرئه مني السلام وادفع إليه هذا اللوح، فلما توفي غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح وأتيت الصومعة وأنشأت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فأشرف علي الديراني فقال: أنت روزبه ؟ فقلت: نعم، فقال: اصعد فصعدت إليه وخدمته حولين كاملين، فلما حضرته الوفاة قال لي: إني ميت فقلت: على من تخلفني ؟ فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي هذه في الدنيا وإن محمد بن عبد الله بن عبد الملك قد حانت ولادته فإذا أتيته فأقرئه مني السلام، وادفع إليه هذا اللوح، قال: فلما توفي غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح وخرجت، فصحبت قوما فقلت لهم: يا قوم اكفوني الطعام والشراب أكفكم الخدمة ؟ قالوا: نعم، قال: فلما أرادوا أن يأكلوا شدوا على شاة فقتلوها بالضرب، ثم جعلوا بعضها كبابا وبعضها شواء فامتنعت من الاكل، فقالوا: كل فقلت: إني غلام ديراني وإن الديرانيين لا يأكلون اللحم، فضربوني وكادوا يقتلونني فقال بعضهم: امسكوا عنه حتى يأتيكم شرابكم فانه لا يشرب، فلما أتوا بالشراب قالوا: اشرب ؟ فقلت: إنى غلام ديراني وإن الديرانيين لا يشربون الخمر، فشدوا علي وأرادوا قتلي، فقلت لهم: يا قوم لا تضربوني ولا تقتلوني فإني اقر لكم بالعبودية فأقررت لواحد منهم فأخرجني وباعني بثلاثمائة درهم من رجل يهودي قال: فسألني عن قصتي فأخبرته وقلت: له ليس لي ذنب إلا أني أحببت محمدا ووصيه، فقال اليهودي: وإنى لابغضك وابغض محمدا، ثم أخرجني إلى خارج داره وإذا رمل كثير على بابه، فقال: والله ياروزبه لئن أصحبت ولم تنقل هذا الرمل كله من هذا الموضع لاقتلنك،
[ 164 ]
قال: فجعلت أحمل طول ليلتي فلما أجهدني التعب رفعت يدي إلى السماء وقلت: يا رب إنك حببت محمدا ووصيه إلي فبحق وسيلته عجل فرجي وأرحني مما أنا فيه، فبعث الله عزوجل ريحا فقلعت ذلك الرمل من مكانه إلى المكان الذي قال اليهودي،
فلما أصبح نظر إلى الرمل قد نقل كله، فقال: يا روزبه أنت ساحر وأنا لا أعلم فلاجرجنك من هذه القرية لئلا تهلكها، قال: فأخرجني وباعني من امرأة سلمية فأحبتني حبا شديدا وكان لها حائط، فقالت: هذا الحائط لك كل منه وما شئت و هب وتصدق. قال: فبقيت في ذلك الحائط ما شاء الله فبينا أنا ذات يوم في الحائط إذا أنا بسبعة رهط قد أقبلوا تظلهم غمامة، فقلت في نفسي: والله ما هؤلاء كلهم أنبياء ولكن فيهم نبيا قال: فأقبلوا حتى دخلوا الحائط والغمامة تسير معهم، فلما دخلوا إذا فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وأبو ذر والمقداد وعقيل بن أبي طالب (1) وحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، فدخلوا الحائط فجعلوا يتناولون من حشف النخل ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول لهم: كلوا الحشف ولا تفسدوا على القوم شيئا، فدخلت على مولاتي فقلت لها: يا مولاتي هبي لي طبقا من رطب، فقالت: لك ستة أطباق، قال: فجئت فحملت طبقا من رطب، فقلت في نفسي: إن كان فيهم نبي فإنه لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية،
(1) فيه وهم كما لا يخفى لان اسلام عقيل على ما ذكروه قبل الحديبية وهو لم يشهد المواقف التى قبلها وقد أخرج مع المشركين كرها إلى بدر واسر وفداه عمه العباس بن عبد المطلب وكان حمزة - رضى الله عنه - استشهد يوم أحد، واسلام سلمان كان بقباء حين قدوم النبي صلى الله عليه وآله المدينة مهاجرا، وعده ابن عبد البر فيمن شهد بدرا، فان لم نقبل ذلك فلا أقل من حضوره في غزوة الاحزاب فان المسلمين حفروا الخندق بمشورته، فكيف يجمع بين حمزة وعقيل مع النبي صلى الله عليه وآله في حائط من حيطان المدينة قبل اسلام سلمان رضى الله عنه. ولا يقال: لعل عقيل تصحيف جعفر، لان جعفر حينذاك في الحبشة وقدم المدينة بعد فتح خيبر، ثم اعلم أن الامر في الخبر سهل لانه مرسل وهو كما ترى يشبه القصص والاساطير، والله العالم. (*)
[ 165 ]
فوضعته بين يديه، فقلت: هذه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلوا وأمسك رسول الله وأمير المؤمنين وعقيل بن أبى طالب وحمزة بن عبد المطلب، وقال لزيد: مد يدك وكل فقلت في نفسي هذه علامة، فدخلت إلى مولاتي فقلت لها: هبي لي طبقا آخر، فقالت: لك ستة أطباق قال: فجئت فحملت طبقا من رطب فوضعة بين يديه فقلت: هذه هدية، فمد يده وقال: بسم الله كلوا ومد القوم جميعا أيديهم فأكلوا، فقلت في نفسي هذه أيضا علامة، قال: فبينا أنا أدور خلفه إذ حانت من النبي صلى الله عليه وآله التفاته، فقال: يا روزبه تطلب خاتم النبوة، فقلت: نعم، فكشف عن كتفيه فإذا أنا بخاتم النبوة معجوم بين كتفيه عليه شعرات قال: فسقطت على قدم رسول الله صلى الله عليه وآله اقبلها، فقال لي: ياروزبه ادخل إلى هذه المرأة وقل لها يقول لك محمد بن عبد الله تبيعينا هذا الغلام ؟ فدخلت فقلت لها: يا مولاتي إن محمد بن عبد الله يقول لك: تبيعينا هذا الغلام ؟ فقالت قل له: لا أبيعك إلا بأربعمائة نخلة مائتي نخلة منها صفراء ومائتي نخلة منها حمراء، قال: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وآله: فأخبرته، فقال: وما أهون ما سألت، ثم قال: قم يا علي فاجمع هذا النوي كله فجمعه وأخذه فغرسه، ثم قال: إسقه فسقاه أمير المؤمنين فما بلغ آخره حتى خرج النخل ولحق بعضه بعضا فقال: لي ادخل إليها وقل لها يقول لك محمد بن عبد الله: خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا قال: فدخلت عليها وقلت ذلك لها، فخرجت ونظرت إلى النخل فقالت: والله لا أبيعكه إلا بأربعمائة نخلة كلها صفراء، قال: فهبط جبرئيل عليه السلام فمسح جناحيه على النخل فصار كله أصفر، قال: ثم قال لي: قل لها: إن محمدا يقول لك: خذي شيئك وادفعي إلينا شيئنا قال: فقلت لها ذلك فقالت: والله لنخلة من هذه أحب إلي من محمد ومنك، فقلت لها: والله ليوم واحد مع محمد أحب إلي منك ومن كل شئ أنت فيه، فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسماني سلمان. قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: كان اسم سلمان روزبه بن خشبوذان و ما سجد قط لمطلع الشمس وإنما كان يسجد لله عزوجل وكانت القبلة التي أمر بالصلاة إليها شرقية وكان أبواه يظنان أنه إنما يسجد لمطلع الشمس كهيئتهم، وكان سلمان
[ 166 ]
وصي وصي عيسى عليه السلام في أداء ما حمل إلى من انتهت إليه الوصية من المعصومين، و هو آبي عليه السلام (1) وقد ذكر قوم أن " أبي " (2) هو أبو طالب. وإنما اشتبه الامر به، لان أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن آخر أوصياء عيسى عليه السلام فقال: " آبي " فصحفه الناس وقالوا: " أبي " ويقال له: " بردة " أيضا. 10. (باب) * (في خبر قس بن ساعدة الايادي) * ومثل قس بن ساعدة الايادي في علمه وحكمته. كان يعرف النبي صلى الله عليه وآله وينتظر ظهوره ويقول: إن لله دينا خير من الدين الذي أنتم عليه. وكان النبي صلى الله عليه وآله يترحم عليه ويقول: يحشر يوم القيامة امة وحده (2). 22 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد ابن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم بفناء الكعبة يوم افتتح مكة إذ أقبل إليه وفد فسلموا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من القوم ؟ قالوا: وفد بكر بن وائل، قال: فهل عندكم علم من خبر قس بن ساعدة الايادي ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فما فعل ؟ قالوا: مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحمد لله رب الموت ورب الحياة، كل نفس ذائقة الموت، كأني أنظر إلى قس بن ساعدة الايادي وهو بسوق عكاظ على جمل له أحمر وهو يخطب الناس ويقول: اجتمعوا أيها الناس، فإذا اجتمعتم فأنصتوا
(1) آبى بمد الهمزة وامالة الياء من ألقاب علماء النصارى. وسيأتى في باب نوادر الكتاب اواخر الجزء الثاني أن آخر اوصياء عيسى عليه السلام رجل يقال له: بالط. وكأن اسم ذلك الرجل " آبي بالط ". (2) كذا ولعل النكتة في عدم النصب حفظ صورة الكلمة لئلا يشتبه بأبي. (3) المراد أنه على دين الحق والتوحيد وليس في زمانه من يدين بدين الحق غيره. (*)
[ 167 ]
فإذا أنصتم فاسمعوا، فإذا سمعتم فعوا، فإذا وعيتم فاحفظوا، فإذا حفظتم فاصدقوا، ألا إنه من عاش مات، ومن مات فات، ومن فات فليس بآت، إن في السماء خبرا وفي الارض عبرا، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، ونجوم تمور (1) وليل يدور، وبحار ماء (لا) تغور، يحلف قس ما هذا بلعب وإن من وراء هذا لعجبا، مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا فناموا ؟ يحلف قس يمينا غير كاذبة إن لله دينا هو خير من الدين الذي أنتم عليه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رحم الله قسا يحشر يوم القيامة امة وحده، قال: هل فيكم أحد يحسن من شعره شيئا ؟ فقال بعضهم: سمعته يقول: في الاولين الذاهبين * من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * تمضى الاكابر والاصاغر لا يرجع الماضي إلي * ولا من الباقين غابر (2) أيقنت أني لا محالة * حيث صار القوم صائر وبلغ من حكمة قس بن ساعدة ومعرفته أن النبي صلى الله عليه وآله كان يسأل من يقدم عليه من أياد من حكمه ويصغي إليه سمعه. 23 - حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو الحسن علي بن - الحسين بن إسماعيل قال: أخبرنا محمد بن زكريا قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك، عن هشام، عن أبيه (3) أن وفدا من أياد قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله فسألهم عن حكم قس ابن ساعدة فقالوا: قال قس:
(1) مار الشئ يمور مورا أي تحرك وجاء وذهب. (2) كذا وفى بعض نسخ الحديث هكذا: لا يرجع الماضي ولا * يبقى من الباقين غابر. (3) المراد بهشام هشام بن محمد بن السائب الكلبى. كما يظهر من كتاب مقتضب الاثر ص 37. (*)
[ 168 ]
يا ناعي الموت والاموات في جدث * عليهم من بقايا بزهم خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * كما ينبه من نوماته (1) الصعق منهم عراة ومنهم في ثيابهم * منها الجديد ومنها الاورق الخلق (2) حتى يعودوا بحال غير حالتهم * خلق جديد وخلق بعدهم خلقوا مطر ونبات، وآباء وامهات، وذاهب وآت، وآيات في أثر آيات، وأموات بعد أموات، ضوء وظلام، وليال وأيام، وفقير وغني، وسعيد وشقي، ومحسن ومسئ، نبأ لارباب الغفلة (3)، ليصلحن كل عامل عمله، كلا بل هو الله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدا، وإليه المآب غدا. وأما بعد يا معشر أياد أين ثمود وعاد ؟ وأين الاباء والاجداد ؟ أين الحسن الذي لم يشكر والقبيح الذي لم ينقم، كلا ورب الكعبة ليعودن ما بدا، ولئن ذهب يوم ليعودن يوم. وهو قس بن ساعدة بن حذاقة بن زهر بن أياد بن نزار، أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ على عصا (4) ويقال: إنه عاش ستمائة سنة وكان يعرف النبي صلى الله عليه وآله باسمه ونسبه ويبشر الناس بخروجه، وكان يستعمل التقية و يأمر بها في خلال ما يعظ به الناس. 24 - حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين ابن إسماعيل قال: أخبرنا محمد بن زكريا بن دينار قال: حدثني مهدي بن سابق، عن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: جمع قس بن ساعدة ولده فقال: إن المعاتكفيه البقلة
(1) في بعض نسخ الحديث " من رقداته ". (2) في بعض النسخ " ومنها الرث والخلق " والرث: البالى كالخلق. (3) في بعض النسخ " أين الارباب الغفلة " وفى بعضها " الفعلة ". (4) أي أول من توكأ على عصا من أهل الجاهلية، أو لضعف كثرة السن أو نحوها ذلك لئلا ينتقض بما حكاه الله سبحانه عن موسى عليه السلام " قال هي عصاي أتوكأ عليها - الاية ". (*)
[ 169 ]
وترويه المذقة (1) ومن عيرك شيئا ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه، متى عدلت على نفسك عدل عليك من فوقك، فإذا نهيت عن شئ فأبدء بنفسك، ولا تجمع ما لا تأكل ولا تأكل ما لا تحتاج إليه، وإذا ادخرت فلا يكونن كنزك إلا فعلك، وكن عف العيلة مشترك الغنى تسد قومك، ولا تشاورن مشغولا وإن كان حازما، ولا جائعا وإن كان فهما، ولا مذعورا وإن كان ناصحا، ولا تضعن في عنقك طوقا لا يمكنك نزعه إلا بشق نفسك، وإذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاقتصد، ولا تستودعن أحدا دينك وإن قربت قرابته، فإنك إذا فعلت ذلك لم تزل وجلا وكان المستودع بالخيار في الوفاء بالعهد، وكنت له عبدا ما بقيت، فإن جنى عليك كنت أولى بذلك، وإن وفى كان الممدوح دونك، عليك بالصدقة فإنها تكفر الخطيئة. فكان قس لا يستودع دينه أحدا وكان يتكلم بما يخفى معناه على العوام ولا يستدركه إلا الخواص. 11. (باب) * (في خبر تبع) * وكان تبع الملك أيضا ممن عرف النبي صلى الله عليه وآله وانتظر خروجه لانه قد وقع إليه خبره، فعرفه أنه سيخرج من مكة نبي يكون مهاجرته إلى يثرب.
25 - محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن عمر بن أبان، عن أبان رفعه أن تبع قال في مسيره: حتى أتاني من قريظة عالم * حبر لعمرك في اليهود مسود
(1) المذقة - بفتح الميم والقاف وسكون الدال -: الشربة من اللبن الممذوق. والمذق. المزج والخلط، يقال: مذقت اللبن فهو مذيق إذا خلطته بالماء. (*)
[ 170 ]
قال ازدجر عن قرية محجوبة * لنبي مكة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب (1) * وتركتهم لعقاب (2) يوم سرمد وتركتها لله أرجو عفوه * يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت له بها من قومنا * نفرا أولي حسب وممن يحمد نفرا يكون النصر في أعقابهم * أرجو بذاك ثواب رب محمد ما كنت أحسب أن بيتا ظاهرا * لله في بطحاء مكة يعبد قالوا بمكة بيت مال داثر (3) * وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد فأردت أمرا حال ربي دونه * والله يدفع عن خراب المسجد فتركت ما أملته فيه لهم * وتركتهم مثلا لاهل المشهد (4) قال أبو عبد الله عليه السلام: قد أخبر أنه (5) سيخرج من هذه - يعني مكة - نبي يكون مهاجرته إلى يثرب، فأخد قوما من اليمن فأنزلهم مع اليهود لينصروه إذا خرج وفي ذلك يقول: شهدت على أحمد أنه * رسول من الله بارئ النسم فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيرا له وابن عم وكنت عذابا على المشركين * أسقيهم كأس حتف وغم (6) 26 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن تبعا قال للاوس والخزرج: كونوا ههنا حتى يخرج هذا النبي، أما أنا فلو أدركته
(1) ثربه وثرب عليه: لامه، قبح عليه فعله وعيره بذنبه. (2) أي لخوف العقاب. (3) الدثر - بالفتح -: المال الكثير. (4) أي من كان ذا قلب حاضر. (5) في بعض النسخ " كان الخبر أنه ". (6) الحتف: الموت. (*)
[ 171 ]
لخدمته ولخرجت معه. 27 - حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين البزاز قال: حدثنا محمد بن يعقوب الاصم قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: حدثنا يونس بن بكير الشيباني (1) عن زكريا بن يحيى المدني قال: حدثني عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: لا يشتبهن عليكم أمر تبع فإنه كان مسلما. 12. (باب) * (في خبر عبد المطلب وأبى طالب) * وكان عبد المطلب وأبو طالب من أعرف العلماء وأعلمهم بشأن النبي صلى الله عليه وآله وكانا يكتمان ذلك عن الجهال وأهل الكفر والضلال. 28 - حدثنا علي بن أحمد بن موسى رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن يحيى ابن زكريا القطان قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبي قال: حدثني الهيثم بن عمرو المزني، عن إبراهيم بن عقيل الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد إلا هو
إجلالا له وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج عبد المطلب، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج وهو غلام فيمشي حتى يجلس على الفراش فيعظم ذلك على أعمامه (2) ويأخذونه ليؤخروه فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فو الله إن له لشأنا عظيما إني أرى أنه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم، إني أرى غرته غرة تسود الناس ثم يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله ويقول: ما رأيت قبلة أطيب منه ولا أطهر قط، ولا جسدا ألين منه ولا أطيب منه، ثم يلتفت إلى أبي طالب وذلك أن عبد الله وأبا طالب لام واحد،
(1) هو يونس بن بكير الشيباني المعنون في التهذيب تحت رقم 844 قال ابن معين صدوق. (2) في بعض النسخ " فيعظمان ذلك أعمامه ". (*)
[ 172 ]
فيقول: يا أبا طالب إن لهذا الغلام لشأنا عظيما فاحفظه واستمسك به فإنه فرد وحيد وكن له كالام، لا يصل إليه بشئ يكرهه، ثم يحمله على عنقه فيطوف به اسبوعا، فكان عبد المطلب قد علم أنه يكره اللات والعزى فلا يدخله عليهما، فلما تمت له ست سنين ماتت امه آمنة بالابواء بين مكة والمدينة وكانت قدمت به على أخواله من بني عدي فبقي رسول الله صلى الله عليه وآله يتيما لا أب له ولا ام فأزداد عبد المطلب له رقة وحفظا، وكانت هذه حاله حتى أدركت عبد المطلب الوفاة فبعث إلى أبي طالب ومحمد على صدره وهو في غمرات الموت وهو يبكى ويلتفت إلى أبي طالب ويقول: يا أبا طالب انظر أن تكون حافظا لهذا الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه ولا ذاق شفقة امه، انظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك فإني قد تركت بني كلهم واوصيتك به لانك من ام أبيه، يا أبا طالب إن أدركت أيامه فاعلم أني كنت من أبصر الناس و أعلم الناس به، فإن استطعت أن تتبعه فافعل وانصره بلسانك ويدك ومالك فإنه و الله سيسودكم ويملك ما لم يملك أحد من بني آبائي، يا أبا طالب ما أعلم أحدا من ابائك مات عنه أبوه على حال أبيه ولا امه على حال امه فاحفظه لوحدته، هل قبلت وصيتي فيه ؟ فقال: نعم قد قبلت، والله علي بذلك شهيد، فقال عبد المطلب: فمد يدك إلي، فمد يده إليه، فضرب يده على يده ثم قال عبد المطلب: الان خفف علي الموت، ثم لم يزل يقبله، ويقول: أشهد أني لم أقبل أحدا من ولدي أطيب ريحا منك ولا أحس وجها منك، ويتمنى أن يكون قد بقي حتى يدرك زمانه، فمات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولا نهار وكان ينام معه حتى لا يأتمن عليه أحدا. 29 - حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين البزاز قال: حدثنا محمد بن يعقوب الاصم قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد ابن إسحاق بن يسار المدني (1) قال: حدثنا العباس بن عبد الله بن سعيد، عن بعض
(1) هو محمد بن اسحاق بن يسار أبو بكر المطلبى مولاهم المدنى نزيل العراق، امام المغازى (التقريب) (*)
[ 173 ]
أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله فراش في ظل الكعبة فكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي حتى يجلس عليه فيذهب أعمامه ليؤخروه، فيقول جده عبد المطلب: دعوا ابني، فيمسح على ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأنا. فتوفي عبد المطلب والنبي صلى الله عليه واله ابن ثمان سنين بعد عام الفيل بثمان سنين. 30 - حدثنا علي بن أحمد رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن يحيى قال: حدثنا محمد ابن إسماعيل قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبي، عن خالد بن الياس، عن أبي بكر ابن عبد الله بن أبي جهم قال: حدثني أبي، عن جدي قال: سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال: بينا أنا نائم في الحجر (1) إذ رأيت رؤيا هالتني فأتيت كاهنة قريش وعلي مطرف خز، وجمتي (2) تضر ب منكبي فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغير
فاستوت وأنا يومئذ سيد قومي، فقالت: ما شأن سيد العرب متغير اللون هل رابه من حدثان الدهر ريب (3) فقلت لها: بلي إني رأيت الليلة وأنا قائم في الحجر كأن شجرة قد نبتت على ظهري قد نال رأسها السماء وضربت أغصانها الشرق والغرب ورأيت نورا يظهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا ورأيت العرب والعجم ساجدة لها وهي كل يوم تزداد عظما ونورا، ورأيت رهطا من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شاب من أحسن الناس وجها وأنظفهم ثيابا فيأخذهم ويكسر ظهورهم، ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لا تناول غصنا من أغصانها، فصاح بي الشاب وقال: مهلا ليس لك منها نصيب، فقلت: لمن النصيب والشجرة مني ؟ فقال النصيب لهؤلاء الذين قد تعلقوا بها وستعود (4)
(1) يعنى حجر اسماعيل عليه السلام. (2) المطرف - بضم الميم وكسرها وفتحها الثوب الذى في طرفيه علمان. والجمة - بالضم والشد -: مجتمع شعر الرأس وما سقط على المنكبين منها وهى أكثر من الوفرة، ويقال للرجل الطويل الجمة: الجمانى بالنون على غير قياس (الصحاح) (3) رابه أمر يريبه: رأى منه ما يكرهه ويزعجه، والريب نازلة الدهر. (4) في بعض النسخ " سيعود ". (*)
[ 174 ]
إليها فانتبهت مذعورا فزعا متغير اللون فرأيت لون الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب، ينبأ في الناس، فسرى عني غمي (1) فانظر يا أبا طالب لعلك تكون أنت، فكان أبو طالب يحدث الناس بهذا الحديث والنبي صلى الله عليه وآله قد خرج ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الامين، فقيل له: فلم لم تؤمن به ؟ فقال: للسبة والعار (2). قال أبو جعفر محمد بن علي مصنف هذا الكتاب - رضي الله عنه -: إن أبا طالب كان مؤمنا ولكنه يظهر الشرك ويستتر الايمان ليكون أشد تمكنا من نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله. 31 - حدثنا محمد بن الحسن رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أيوب بن نوح، عن العباس بن عامر، عن علي بن أبي سارة، عن محمد ابن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أبا طالب أظهر الكفر وأسر الايمان فلما حضرته الوفاة أوحى الله عزوجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أخرج منها فليس لك بها ناصر. فهاجر إلى المدينة. 32 - حدثنا أحمد بن محمد الصائغ قال: حدثنا محمد بن أيوب، عن صالح بن أسباط عن إسماعيل بن محمد، وعلي بن عبد الله، عن الربيع بن محمد المسلي، عن سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: والله ما عبد أبي
(1) سرى الغم: ذهب وزال. (2) السبة: العار، وقال العلامة المجلسي (ره): يحتمل أن يكون المراد بالذين تعلقوا بها الذين يريدون قلعها، ويكون قوله: " وستعود " بالتاء أي ستعود تلك الجماعة بعد منازعتهم ومحاربتهم إلى هذه الشجرة ويؤمنون بها فيكون لهم النصيب منها، أو بالياء فيكون المستتر راجعا إلى الرسول صلى الله عليه وآله والبارز في " منها " إلى الجماعة أي سيعود النبي إليهم بعد اخراجهم له إلى الشجرة أي سيرجع هذا الشاب إلى الشجرة في اليقظة كما تعلق بها في النوم، و احتمل احتمالين آخرين راجع البحار باب تاريخ ولادته صلى الله عليه وآله وما يتعلق بها. (*)
[ 175 ]
ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنما قط، قيل له: فما كانوا يعبدون ؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به. 33 - حدثنا علي بن أحمد رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبي، عن سعيد بن مسلم، عن قمار مولى لبني مخزوم، عن سعيد بن أبي صالح، عن أبيه (1)، عن ابن عباس قال: سمعت أبي العباس يحدث قال: ولد لابي عبد المطلب عبد الله فرأينا في وجهه
نورا يزهر كنور الشمس، فقال أبي: إن لهذا الغلام شأنا عظيما، قال: فرأيت في منامي أنه خرج من منخره طائر أبيض فطار فبلغ المشرق والمغرب ثم رجع راجعا حتى سقط على بيت الكعبة، فسجدت له قريش كلها، فبينما الناس يتأملونه إذا صار نورا بين السماء والارض وامتد حتى بلغ المشرق والمغرب، فلما انتبهت سألت كاهنة بني مخزوم فقالت لي: يا عباس لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب تبعا له، قال أبي: فهمني أمر عبد الله إلى أن تزوج بآمنة وكانت من أجمل نساء قريش وأتمها خلقا فلما مات عبد الله ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وآله أتيت فرأيت النور بين عينيه يزهر فحملته وتفرست في وجهه فوجدت منه ريح المسك، وصرت كأني قطعة مسك من شدة ريحي، فحدثتني آمنة وقالت لي: إنه لما أخذتي الطلق واشتد بي الامر سمعت جلبة (2) وكلاما لا يشبه كلام الادميين، فرأيت علما من سندس على قضيب من ياقوت قد ضرب بين السماء والارض، ورأيت نورا يسطع من رأسه حتى بلغ السماء، ورأيت قصور الشامات كلها شعلة نور (3)، ورأيت حولي من القطاة أمرا عظيما قد نشرت من أجنحتها حولي ورأيت تابع شعيرة الاسدية قد مرت وهي تقول: آمنة ما لقيت الكهان والاصنام من ولدك، ورأيت رجلا شابا من أتم الناس طولا وأشدهم بياضا
(1) أبو صالح الذى يروى عن ابن عباس اسمه ميزان بصرى وثقه ابن معين لكن لم أظفر على سعيد في كتب الرجال وكذا راويه قمار أو قصارو السند كما تري عامى مجهول مقطوع. (2) الجلبة: اختلاط الاصوات. (3) في بعض النسخ " شعلة نار ". (*)
[ 176 ]
وأحسنهم ثيابا ما ظننته إلا عبد المطلب قد دنامني فأخذ المولود فتفل في فيه ومعه طست من ذهب مضروب بالزمرد ومشط من ذهب فشق بطنه شقا ثم أخرج قلبه فشقه فأخرج منه نكتة سوداء فرمى به ثم أخرج صرة من حريرة خضراء ففتحها فإذا فيها كالذريرة البيضاء فحشاه، ثم رده إلى ما كان، ومسح على بطنه واستنطقه فنطق فلم أفهم ما قال إلا أنه قال: في أمان الله وحفظه وكلاءته، وقد حشوت قلبك إيمانا وعلما وحلما ويقينا وعقلا وحكما فأنت خير البشر، طوبى لمن اتبعك وويل لمن تخلف عنك، ثم أخرج صرة اخرى من حريرة بيضاء ففتحها فإذا فيها خاتم فضرب به على كتفيه، ثم قال: أمرني ربي أن أنفخ فيك من روح القدس، فنفخ فيه، وألبسه قميصا وقال: هذا أمانك من آفات الدنيا، فهذا ما رأيت يا عباس بعيني، فقال العباس: وأنا يومئذ أقرء فكشفت عن ثوبه فإذا خاتم النبوة بين كتفيه، فلم أزل أكتم شأنه ونسيت الحديث فلم أذكره إلى يوم إسلامي حتى ذكرني رسول الله صلى الله عليه وآله (1). 13 (باب) * (في خبر سيف بن ذى يزن) * وكان سيف بن ذي يزن عارفا بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وقد بشربه عبد المطلب لما وفد عليه. 32 - حدثنا محمد بن علي ماجيلويه رضي الله عنه قال: حدثني عمي محمد ابن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن علي بن حكيم، عن عمرو بن بكار العبسي، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وحدثنا محمد بن علي ابن محمد بن حاتم البوفكي قال: حدثنا أبو منصور محمد بن أحمد بن أزهر بهراة (2) قال:
(1) في بعض النسخ هنا حديث كعب الاخبار وهو موجود في الامالى ولا حاجة إلى ذكره بعد ما لم يكن في أكثر النسخ - (2) هو الازهرى اللغوى الشافعي المترجم في الوافى بالوفيات ج 2 ص 45 تحت رقم كمال الدين - 11 - (*)
[ 177 ]
حدثنا محمد بن إسحاق البصري قال: أخبرنا علي بن حرب قال: حدثني أحمد بن عثمان ابن حكيم قال: حدثنا عمرو بن بكر (1)، عن أحمد بن القاسم، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة وذلك بعد
مولد النبي صلى الله عليه وآله بسنتين أتاه وفد العرب وأشرافها وشعراؤها بالتهنئة وتمدحه و تذكر ما كان من بلائه وطلبه بثار قومه فأتاه وفد من قريش ومعهم عبد المطلب بن هاشم وامية بن عبد شمس وعبد الله بن جذعان وأسد بن خويلد بن عبد العزى ووهب ابن عبد مناف في اناس من وجوه قريش فقدموا عليه صنعاء فاستأذنوا فإذا هو في رأس قصر يقال له: غمدان، وهو الذي يقول فيه امية بن أبي الصلت: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا * في رأس غمدان دارا منك محلالا فدخل عليه الآذن فأخبره بمكانهم، فأذن لهم فلما دخلوا عليه دنا عبد المطلب منه فاستأذنه في الكلام فقال له،: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك، قال: فقال عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعذبت جرثومته (2) وثبت أصله وبسق فرعه (3) في أكرم موطن وأطيب (موضع وأحسن) معدن، وأنت أبيت اللعن (4) ملك العرب وربيعها الذي تخصب به. وأنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن
319، وأما راويه فلم أجده فيما عندي من كتب التراجم. وبوفك قرية من قرى نيسابور. و في بعض النسخ " محمد بن على بن حاتم البرمكى " وفى بعضها " النوفلي " ثم اعلم أن أكبر رجال السندين مجاهيل أو ضعفاء. (1) متروك كما في تقريب التهذيب. وفى بعض النسخ " بكير " وهو تصحيف. (2) الباذخ: الشامخ. والارومة: الاصل. والجرثومة بمعناها. (3) الباسق: المرتفع، وبسق النخل: طال. (4) قال الجوهرى: قولهم في تحية الملوك في الجاهلية: " أبيت اللعن " قال ابن السكيت: أي أبيت أن تأتي من الامور ما تلعن عليه. (*)
[ 178 ]
يخمل من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فدحنا (1) فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة (2). قال: وأيهم أنت أيها المتكلم ؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال: ابن اختنا ؟ قال: نعم، قال: ادن، فدنا منه، ثم أقبل على القوم وعليه فقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا وربحلا (3)، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل: وسيلتكم، فأنتم أهل الليل وأهل النهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم (4) قال: ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة (5) فأرسل إلى عبدا المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه، ثم قال له: يا عبد المطلب إني مفوض إليك (6) من سر علمي أمرا ما لو كان غيرك لم أبح له به ولكني رأيتك معدنه فاطلعك طلعة (7) فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فان الله بالغ أمره، إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لانفسنا واحتجنا دون غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة، للناس عامة، ولرهطك كافة
(1) البهج: السرور. و " فدحنا " أي أثقلنا وبهظنا. (2) المرزئة: المصيبة العظيمة. (3) في أكثر النسخ وكنز الفوائد للكراجكى بدون الواو. لكن في البحار " وربحلا " وقال في بيانه في النهاية: الربحل - بكسر الراء وفتح الباء الموحدة -: الكثير العطاء. وفى بعض النسخ " ونجلا " والنجل: النسل. (4) قوله: و " أنتم أهل الليل والنهار " أي نصحبكم ونأنس بكم فيهما. والحباء العطاء. والظعن: الارتحال. (5) أي ذكرهم مفاجأة. (6) في بعض النسخ " انى مفض اليك " وهو الاصوب. (7) في بعض النسخ " فأطلعك عليه ". (*)
[ 179 ]
ولك خاصة، فقال عبد المطلب: مثلك أيها الملك من سر وبر، فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر، فقال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة، كانت له الامامة ولكم به الدعامة (1) إلى يوم القيامة. فقال له عبد المطلب: أبيت اللعن لقد ابت بخبر ما آب بمثله وافد، ولو لا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته عن مساره إياي ما ازداد (2) به سرورا، فقال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد فيه، اسمه محمد، يموت أبوه وامه ويكلفه جده وعمه، وقد ولد سرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، ليعزبهم أولياؤه، ويذل بهم أعداءه، يضرب بهم الناس عن عرض (3)، ويستفتح بهم كرائم الارض، يكسر الاوثان، ويخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. فقال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك وعلا كعبك (4)، ودام ملكك، و طال عمرك فهل الملك ساري بافصاح فقد أوضح لي بعض الايضاح، فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب (5) إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب
(1) في بعض النسخ " الزعامة " أي الرئاسة. والدعامة: عماد البيت. (2) في البحار وبعض نسخ الكتاب " لسألته من أسراره ما أراد - الخ ". (3) العرض - بضم العين المهملة والضاد المعجمة بينهما راء مهملة - قال في القاموس: " يضربون الناس عن عرض " أي يبالون من ضربوا. (4) قال الجزرى في حديث قيلة " والله لا يزال كعبك عاليا " هو دعاء لها بالشرف والعلو، والاصل فيه كعب القناة، وكل شئ علا وارتفع فهو كعب. ومنه سميت الكعبة للبيت الحرام، وقيل: سميت لتكعيبها أي تربيعها. والمعنى: لا تزال كنت شريفا مرتفعا على من يعاديك. والجد: البخت والنصيب. (5) في بعض النسخ " على البيت " والنصب فسر بحجارة كانوا يذبحون عليها للاصنام ويمكن أن يكون المراد أنصاب الحرم. (*)
[ 180 ]
قال: فخز عبد المطلب ساجدا فقال له: ارفع رأسك ثلج صدرك (1) وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرته ؟ فقال: كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا فزوجته بكريمة من كرائم قومي اسمها آمنة بنت وهب فجاءت بغلام سميته محمدا، مات أبوه و امه وكفلته أنا وعمه، فقال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت لك، فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، و اطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة من أن تكون له الرئاسة، فيطلبون له الغوائل (2) وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون أو أبناؤهم، ولو لا علمي بأن الموت مجتاحي (3) قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى صرت بيثرب دار ملكه نصرة له، لكني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب دار ملكه، وبها استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره، ولو لا أني أخاف فيه الافات وأحذر عليه العاهات لاعلنت على حداثة سنه أمره في هذا الوقت ولا وطئن أسنان العرب عقبه (4) ولكني صارف إليك عن غير تقصير مني بمن معك. قال: ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد وعشر إماء وحلتين من البرود، ومائة من الابل، وخمسة أرطال ذهب وعشرة أرطال فضة وكرش مملوءة عنبرا. قال: وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فائتني، فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، قال: فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول: يا معشر قريش لا يغبطني
(1) في النهاية " ثلجت نفسي بالامر " إذا اطمأنت إليه وسكنت وثبتت فيها ووثقت به. ومنه حديث ابن ذى يزن " وثلج صدرك ". (2) المراد بالنفاسة: الحسد، وفى الاصل بمعنى البخل والاستبداد بالشئ و الرغبة فيه. والغوائل جمع الغائلة وهى الشر، والحبائل: المصائد. (3) الاجتياح: الاهلاك والاستيصال.
(4) كذا وفى النهاية: في حديث ابن ذى يزن " لاوطئن أسنان العرب كعبه " يريد ذوى أسنانهم وهم الاكابر والاشراف. وقال العلامة المجلسي بعد ذكره: أي لرفعته على أشرافهم وجعلتهم موضع قدمه. (*)
[ 181 ]
رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنه إلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لى ولعقبي من بعدي ذكره وفخره وشرفه. وإذا قيل متى ذلك ؟ قال: ستعلمن نبأ ما أقول ولو بعد حين. وفي ذلك يقول امية بن عبد شمس يذكر مسيرهم إلى ابن ذي يزن: جلبنا الضح تحمله المطايا * على أكوار أجمال ونوق (1) مغلغلة مغالقها تغالى (3) * إلى صنعاء من فج عميق يؤم بنا ابن ذي يزن ويهدي (3) * ذوات بطونها أم الطريق (4) وتزجي من مخائله بروقا * مواصلة الوميض إلى بروق (5) فلما وافقت صنعاء صارت * بدار الملك والحسب العريق (6) إلى ملك يدر لنا العطايا * بحسن بشاشة الوجه الطليق
(1) قال الجزرى: فيه " يكون رسول الله في الضح والريح " قال الهروي: أراد كثرة الخيل والجيش، يقال: جاء فلان بالضح والريح أي بما طلعت عليه الشمس. وهبت عليه الريح. يعنون المال الكثير. وقال: الاكوار جمع كور - بالضم - وهو رحل الناقة بأداته. (2) المغلغلة - بفتح الغينين المعجمتين - الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد. و - بكسر الثانية -: المسرعة من الغلغلة: سرعة السير. وقوله " تغالى " من الغلو وفى أكثر النسخ بالعين المهملة وفى البحار أيضا أي تتصاعد وتذهب. (3) في بعض النسخ وأكثر الروايات " وتفرى " أي تقطع. (4) أم الطريق: معظمه. (5) الازجاء: السوق والدفع. والمخائل جمع المخيلة وهى السحابة التي تحسبها ماطرة. والوميض: لمعان البرق. (6) أعرق الرجل أي صار عريقا وهو الذى له عرق في الكرم (الصحاح). (*)
[ 182 ]
14 - (باب) * (في خبر بحيرى الراهب) * وكان بحيرى الراهب (1) ممن قد عرف النبي صلى الله عليه وآله بصفته ونعته ونسبه واسمه قبل ظهوره بالنبوة، وكان من المنتظرين لخروجه. 33 - حدثنا أحمد بن الحسن القطان، وعلي بن أحمد بن محمد، ومحمد بن أحمد الشيباني (2) قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يحيى بن زكريا القطان قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبي، عن الهيثم (3)، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن - عبد المطلب، عن أبي طالب قال: خرجت إلي الشام تاجرا سنة ثمان من مولد النبي صلى الله عليه وآله، وكان في أشد ما يكون من الحر، فلما أجمعت على السير قال لي رجال من قومي: ما تريد أن تفعل بمحمد وعلى من تخلفه ؟ فقلت: لا أريد أن أخلفه على أحد من الناس أريد أن يكون معي، فقيل: غلام صغير في حر مثل هذا تخرجه معك ؟ فقلت: والله لا يفارقني حيثما توجهت أبدا فاني لاوطئ له الرحل، فذهبت فحشوت له حشية (كساء وكتانا (4)) وكنا ركبانا كثيرا فكان والله البعير الذي عليه محمد أمامي لا يفارقني
(1) بحيرى - بفتح الموحدة وكسر الحاء (كذا ضبطه الديار بكرى في تاريخ الخميس). (2) في بعض النسخ " الشامي " ولعله السنانى المكتب. (3) مجهول والظاهر الصواب " هشيم " لما ذكر هو فيمن يروى عن محمد بن السائب الكلبى كما في تهذيب التهذيب لكن تقدمت وتأتى رواية عبد الله بن محمد عن أبيه عن الهيثم بن عمرو. وأما عبد الله بن محمد فيحتمل أن يكون هو ابن محمد بن مروان السدى الاصغر المتهم
بالكذب، والعلم عند الله. (4) في بعض النسخ " ريشا وكنانا " ولعله هو الصوا ب.
[ 183 ]
وكان يسبق الركب كلهم، فكان إذا اشتد الحر جاءت سحابة بيضاء مثل قطعة ثلج فتسلم عليه فتقف على رأسه لا تفارقه، وكانت ربما أمطرت علينا السحابة بأنواع الفواكه وهي تسير معنا وضاق الماء بنا في طريقنا حتى كنا لا نصيب قربة إلا بدينارين، وكنا حيث ما نزلنا تمتلئ الحياض ويكثر الماء وتخضر الارض، فكنا في كل خصب وطيب من الخير، وكان معنا قوم قد وقفت جمالهم فمشى إليها رسول الله صلى الله عليه وآله ومسح يده عليها فسارت، فلما قربنا من بصرى الشام (1) إذا نحن بصومعة قد أقبلت تمشي كما تمشي الدابة السريعة حتى إذا قربت منا وقفت وإذا فيها راهب وكانت السحابة لا تفارق رسول الله صلى الله عليه وآله ساعة واحدة وكان الراهب لا يكلم الناس ولا يدري ما الركب ولا ما فيه من التجارة، فلما نظر إلى النبي صلى الله عليه وآله عرفه فسمعته يقول: إن كان أحد فأنت أنت قال: فنزلنا تحت شجرة عظيمة قريبة من الراهب قليلة الا غصان ليس لها حمل، وكانت الركبان ننزلون تحتها فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وآله اهتزت الشجرة وألقت أغصانها (2) على رسول الله صلى الله عليه وآله وحملت من ثلاثة أنواع من الفاكهة فاكهتان للصيف وفاكهة للشتاء، فتعجب جميع من معنا من ذلك، فلما رأى بحيرى الراهب ذلك ذهب فاتخذ لرسول الله صلى الله عليه وآله طعاما بقدر ما يكفيه. ثم جاء وقال: من يتولى أمر هذا الغلام ؟ فقلت: أنا، فقال: أي شئ تكون منه ؟ فقلت: أنا عمه فقال: يا هذا إن له أعمام فأي الاعمام أنت ؟ فقلت: أنا أخو أبيه من أم واحدة، فقال: أشهد أنه هو وإلا فلست بحيرى، ثم قال لي: يا هذا تأذن لي أن أقرب هذا الطعام منه ليأكله ؟ فقلت له: قربه إليه، ورأيته كارها لذلك، والتفت إلى
(1) بصرى - بضم الموحدة -: مدينة حوران، فتحت صلحا لخمس بقين من ربيع الاول سنة ثلاث عشرة وهى أول مدينة فتحت بالشام. وقد وردها رسول الله صلى الله عليه وآله مرتين كما في المواهب المدينة. (2) في بعض نسخ الحديث " وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وآله - الخ " وقال الجزرى: أصل الهصر أن تأخذ برأس العود فتثنيه اليك وتعطفه، ومنه الحديث " انه صلى الله عليه وآله كان مع أبى طالب فنزل تحت شجرة فهصرت أغصان الشجرة " أي تهدلت عليه.
[ 184 ]
النبي صلى الله عليه وآله فقلت: يا بني رجل أحب أن يكرمك فكل فقال: هو لي دون أصحابي ؟ فقال بحيرى: نعم هو لك خاصة فقال النبي صلى الله عليه وآله فإني لا آكل دون هؤلاء، فقال بحيرى: إنه لم يكن عندي أكثر من هذا ؟ فقال: أفتأذن يا بحيرى إلى أن يأكلوا معي ؟ فقال: بلى، فقال: كلوا بسم الله، فأكل وأكلنا معه فوالله لقد كنا مائة وسبعين رجلا وأكل كل واحد منا حتى شبع وتجشأ، وبحيري قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه ويتعجب من كثرة الرجال وقلة الطعام، وفي كل ساعة يقبل رأسه و يافوخه، ويقول: هو هو ورب المسيح، والناس لا يفقهون فقال له رجل من الركب: إن لك لشأنا قد كنا نمر بك قبل اليوم فلا تفعل بنا هذا البر ؟ فقال بحيرى: والله إن لي لشأنا وشأنا، وإني لارى ما لا ترون وأعلم ما لا تعلمون وإن تحت هذه الشجرة لغلاما لو أنتم تعلمون منه ما أعلم لحملتموه على أعناقكم حتى تردوه إلى وطنه، والله ما أكرمتكم إلا له، ولقد رأيت له - وقد أقبل - نورا أضاء له ما بين السماء والارض، ولقد رأيت رجالا في أيديهم مراوح الياقوت والزبر جدير وحونه، وآخرين ينثرون عليه أنواع الفواكه ثم هذه السحابة لا تفارقه، ثم صومعتي مشت إليه كما تمشي الدابة على رجلها، ثم هذه الشجرة لم تزل يابسة قليلة الاغصان ولقد كثرت أغصانها واهتزت وحملت ثلاثة أنواع من الفواكه، فاكهتان للصيف وفاكهة للشتاء، ثم هذه الحياض التي غارت و ذهبت ماؤها أيام تمرج بني إسرائيل (1) بعد الحواريين حين وردوا عليهم فوجدنا في كتاب شمعون الصفا أنه دعا عليهم فغارت وذهب ماؤها، ثم قال: متى ما رأيتم قد ظهر
في هذه الحياض الماء فاعلموا أنه لاجل نبي يخرج في أرض تهامة مهاجرا إلى المدينة اسمه في قومه الامين وفي السماء أحمد وهو من عترة إسماعيل بن إبراهيم لصلبه. فوالله إنه لهو. ثم قال بحيرى: يا غلام أسألك عن ثلاث خصال بحق اللات والعزى إلا (ما) أخبرتنيها، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذكر اللات والعزى وقال: لا تسألني بهما فوالله
(1) المرج - بالتحريك -: الفساد والغلق والاضطراب.
[ 185 ]
ما أبغضت شيئا كبغضهما، وإنما هما صنمان من حجارة لقومي، فقال بحيرى: هذه واحدة، ثم قال: فبالله إلا ما أخبرتني، فقال: سل عما بدا لك فإنك قد سألتني بإلهي وإلهك الذي ليس كمثله شئ، فقال: أسألك عن نومك ويقظتك، فأخبره عن نومه ويقظته وأموره وجميع شأنه، فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته التي عنده، فانكب عليه بحيرى، فقبل رجليه وقال: يا بني ما أطيبك وأطيب ريحك، يا أكثر النبيين أتباعا، يا من بهاء نور الدنيا من نوره، يا من بذكره تعمر المساجد، كأني بك قد قدت الاجناد والخيل وقد تبعك العرب والعجم طوعا وكرها وكأني باللات والعزى وقد كسرتهما وقد صار البيت العتيق لا يملكه غيرك تضع مفاتيحه حيث تريد، كم من بطل من قريش والعرب تصرعه، معك مفاتيح الجنان والنيران، معك الذبح الاكبر وهلاك الاصنام، أنت الذي لا تقوم الساعة حتى تدخل الملوك كلها في دينك صاغرة قميئة (1) فلم يزل يقبل يديه مرة ورجليه مرة ويقول: لئن أدركت زمانك لاضربن بين يديك بالسيف ضرب الزند بالزند (2) أنت سيد ولد آدم وسيد المرسلين وإمام المتقين و خاتم النبيين، والله لقد ضحكت الارض يوم ولدت فهي ضاحكة إلى يوم القيامة فرحا بك، والله لقد بكت البيع والاصنام والشياطين فهي باكية إلى يوم القيامة، أنت دعوة إبراهيم وبشرى عيسى، أنت المقدس المطهر من أنجاس الجاهلية، ثم التفت إلى أبي طالب وقال: ما يكون هذا الغلام منك ؟ فإني أراك لا تفارقه، فقال أبو طالب: هو ابني، فقال: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون والده الذي ولده حيا ولا أمه فقال: إنه ابن أخي وقد مات أبوه وأمه حاملة به، وماتت أمه وهو ابن ست سنين، فقال: صدقت هكذا هو، ولكن أرى لك أن ترده إلى بلده عن هذا الوجه فإنه ما بقي على ظهر الارض يهودي ولا نصراني ولا صاحب كتاب إلا وقد علم بولادة هذا الغلام، ولئن رأوه وعرفوا منه ما قد عرفت أنا منه ليبغينه شرا وأكثر ذلك هؤلاء اليهود، فقال
(1) أي ذليلة. (2) الزند: الذى يقدح به النار. (*)
[ 186 ]
أبو طالب: ولم ذلك ؟ قال: لانه كائن لابن أخيك هذه النبوة والرسالة ويأتيه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى، فقال أبو طالب: كلا إن شاء الله لم يكن الله ليضيعه. ثم خرجنا به إلى الشام فلما قربنا من الشام رأيت والله قصور الشامات كلها قد اهتزت وعلا منها نور أعظم من نور الشمس، فلما توسطنا الشام ما قدرنا أن نجوز سوق الشام من كثرة ما ازدحموا الناس وينظرون إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله، وذهب الخبر في جميع الشامات حتى ما بقي فيها حبر ولا راهب إلا اجتمع عليه، فجاء حبر عظيم كان اسمه نسطورا فجلس حذاه ينظر إليه ولا يكلمه بشئ حتى فعل ذلك ثلاثة أيام متوالية فلما كانت الليلة الثالثة لم يصبر حتى قام إليه فدار خلفه كأنه يلتمس منه شيئا فقلت له: يا راهب كأنك تريد منه شيئا ؟ فقال: أجل إني أريد منه شيئا ما اسمه ؟ قلت: محمد بن عبد الله فتغير والله لونه، ثم قال: فترى أن تأمره أن يكشف لي عن ظهره لانظر إليه، فكشف عن ظهره، فلما رأى الخاتم انكب عليه يقبله ويبكي، ثم قال: يا هذا اسرع برد هذا الغلام إلى موضعه الذي ولد فيه فإنك لو تدري كم عدو له في أرضنا لم تكن بالذي تقدمه معك، فلم يزل يتعاهده في كل يوم ويحمل إليه الطعام، فلما خرجنا
منها أتاه بقميص من عنده فقال لي: أترى أن يلبس هذا القميص ليذكرني به، فلم يقبله ورأيته كارها لذلك، فأخذت أنا القميص مخافة أن يغتم وقلت: أنا البسه وعجلت به حتى رددته إلى مكة، فوالله ما بقي بمكة يومئذ امرأة ولا كهل ولا شاب ولا صغير ولا كبير إلا استقبلوه شوقا إليه ما خلا أبو جهل - لعنه الله - فإنه كان فاتكا ماجنا (1) قد ثمل من السكر (2).
(1) الفاتك: الذى يرتكب ما دعت إليه النفس، والجرى الشجاع. والماجن: الذى لا يبالى قولا وفعلا. والثمل: السكر. يقال: ثمل - كفرح - والمراد هنا شدته، أو السكر - بالتحريك - وهو الخمر ونبيذ يتخذ من التمر. (2) اعلم أن هذه القصة مع ضعف سندها وانقطاعها واشتمالها على الغرائب التى كانت شأن الاساطير نقلها جمع من المؤرخين باختلافات في متنها وألفاظها راجع سيرة ابن هشام (*)
[ 187 ]
34 - وبهذا الاسناد، عن عبد الله بن محمد قال: حدثني أبي. وحدثني عبد الرحمن ابن محمد، عن (محمد بن) (1) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أن أبا طالب قال: لما فارقه بحيرى بكى بكاء شديدا وأخذ يقول: يا ابن آمنة كأني بك وقد رمتك العرب بوترها، وقد قطعك الاقارب ولو علموا لكنت لهم بمنزلة الاولاد ثم التفت إلى وقال: أما أنت يا عم فارع فيه قرابتك الموصولة واحتفظ فيه وصية أبيك فإن قريشا ستهجرك فيه فلا تبال، وإني أعلم أنك لا تؤمن به ظاهرا ولكن ستؤمن به باطنا، ولكن سيؤمن به ولد تلده وسينصره نصرا عزيزا اسمه في السماوات البطل الهاصر، و (في الارض) الشجاع الانزع (2) منه الفرخان المستشهدان وهو سيد العرب ورئيسها وذو قرنيها وهو في الكتب أعرف من أصحاب عيسى عليه السلام، فقال أبو طالب: والله قد رأيت كل الذي وصفه بحيرى وأكثر. 35 - حدثنا أبي رحمه الله قال: حدثنا على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان يرفعه قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أراد أبو طالب أن يخرج إلى الشام في عير قريش، فجاء رسو ل الله صلى الله عليه وآله وتشبث بالزمام وقال: يا عم على من تخلفني لا على ام ولا على أب، وقد كانت امه توفيت، فرق له أبو طالب ورحمه وأخرجه معه وكانوا إذا ساروا تسير إلى رأس رسول الله صلى الله عليه وآله غمامة تظله من الشمس
ج 1 ص 191، والمواهب اللدنية وشرحه، واعلام الورى، وتاريخ الطبري، وتاريخ الخميس وغيرها. (1) ما بين القوسين زائد من النساخ ولا يخفى على من له معرفة بالرجال، والمراد بعبد الرحمن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وبعبد الله عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصاري كما يظهر من تهذيب التهذيب ج 6 ص 264 وج 5 ص 164. (2) البطل: الشجاع. والهاصر: الاسد الشديد الذى يفترس ويكسر، و الانزع: الذى ينحسر شعر مقدم رأسه مما فوق الجبين، وفى بعض النسخ " الاقرع " و المراد: الاصلع. (*)
[ 188 ]
فمروا في طريقهم برجل يقال له: بحيرى فلما رأى الغمامة تسير معهم نزل من صومعته واتخذ لقريش طعاما وبعث إليهم يسألهم أن يأتوه، وقد كانوا نزلوا تحت شجرة فبعث إليهم يدعوهم إلى طعامه فقالوا له: يا بحيرى والله ما كنا نعهد هذا منك، قال قد أحببت أن تأتوني، فأتوه وخلفوا رسول الله صلى الله عليه وآله في الرحل، فنظر بحيرى إلى الغمامة قائمة، فقال لهم: هل بقي منكم أحد لم يأتني ؟ فقالوا: ما بقي منا إلا غلام حدث خلفناه في الرحل، فقال: لا ينبغي أن يتخلف عن طعامي أحد منكم، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما أقبل أقبلت الغمامة، فلما نظر إليه بحيرى قال: من هذا الغلام ؟ قالوا: ابن هذا وأشاروا إلى أبي طالب، فقال له بحيرى: هذا ابنك ؟ قال أبو طالب: هذا ابن أخي قال: ما فعل أبوه ؟ قال: توفي، وهو حمل، فقال بحيرى لابي طالب: رد هذا الغلام إلى
بلاده فإنه إن علمت به اليهود ما أعلم منه قتلوه، فإن لهذا شأنا من الشأن، هذا نبي هذه الامة، هذا نبي السيف. 15. (باب) * (ذكر ما حكاه خالد بن اسيد بن أبى العيص، وطليق بن سفيان بن امية عن) * * (كبير الرهبان في طريق الشام من معرفته بأمر النبي صلى الله عليه وآله) * 36 - حدثنا أحمد بن الحسن القطان، وعلي بن أحمد بن محمد، ومحمد بن أحمد الشيباني رضي الله عنهم قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطان قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثني أبي، قال: حدثني الهيثم بن عمرو المزني (1)، عن عمه، عن يعلى النسابة قال: خرج خالد بن أسيد بن أبي العيص، وطليق بن سفيان بن امية تجارا إلى الشام سنة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فيها فكانا معه، وكان يحكيان أنهما رأيا في مسيره وركوبه مما يصنع الوحش والطير، فلما توسطنا سوق بصرى إذا نحن بقوم من الرهبان قد جاؤوا متغير الالوان كأن على
(1) تقدم الكلام فيه ص 182. (*)
[ 189 ]
وجوههم الزعفران ترى منهم الرعدة فقالوا: نحب أن تأتوا كبيرنا فإنه ههنا قريب في الكنيسة العظمى، فقلنا: ما لنا ولكم ؟ فقالوا: ليس يضركم من هذا شئ ولعلنا نكرمكم، وظنوا أن واحد منا محمد فذهبنا معهم حتى دخلنا معهم الكنيسة العظيمة البينان فإذا كبيرهم قد توسطهم وحوله تلامذته، وقد نشر كتابا في يديه، فأخذ ينظر إلينا مرة وفي الكتاب مرة فقال لاصحابه: ما صنعتم شيئا لم تأتوني بالذي اريد، وهو الان ههنا. ثم قال لنا: من أنتم ؟ فقلنا: رهط من قريش، فقال: من أي قريش ؟ فقلنا من بني عبد شمس، فقال لنا: معكم غيركم ؟ فقلنا: نعم شاب من بني هاشم نسميه يتيم بني عبد المطلب، فو الله لقد نخر نخره (1) كاد أن يغشى عليه، ثم وثب فقال: أوه أوه هلكت النصرانية والمسيح، ثم قام واتكأ على صليب من صلبانه وهو مفكر وحوله ثمانون رجلا من البطارقة والتلامذة، فقال لنا: فيخف عليكم أن ترونيه ؟ فقلنا له: نعم فجاء معنا فإذا نحن بمحمد صلى الله عليه وآله قائم في سوق بصرى، والله لكأنا لم نر وجهه إلا يومئذ كأن هلالا يتلالا من وجهه، وقد ربح الكثير واشترى الكثير، فأردنا أن نقول للقس هو هذا ؟ فإذا هو قد سبقنا فقال: هو هو، قد عرفته والمسيح، فدنا منه وقبل رأسه وقال له: أنت المقدس، ثم أخذ يسأله عن أشياء من علاماته، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله يخبره فسمعناه يقول: لئن أدركت زمانك لاعطين السيف حقه، ثم قال لنا: أتعلمون ما معه ؟ معه الحياة والموت، من تعلق به حيى طويلا، ومن زاغ عنه مات موتا لا يحيى بعده أبدا، هو هذا الذي معه الذبح الاعظم (2)، ثم قبل رأسه ورجع راجعا.
(1) نخر الانسان: مد الصوت والنفس في خياشيمه. (2) في بعض النسخ " الربح الاعظم ". (*)
[ 190 ]
16. (باب) * (في خبر أبى المويهب الراهب) * وكان أبوالمويهب الراهب من العارفين بأمر النبي صلى الله عليه وآله وبصفته، وبوصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. 37 - حدثنا أحمد بن الحسن القطان، وعلي بن أحمد بن محمد، ومحمد بن أحمد الشيباني رضي الله عنهم قالوا: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد قال: حدثني أبي، وقيس بن سعد الديلمي (1)
عن عبد الله بحير الفقعسي (2)، عن بكر بن عبد الله الاشجعي، عن آبائه قالوا: خرج سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعبد مناة بن كنانة، نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن - يعمر بن نعمامة بن عدي تجارا إلى الشام فلقيهما أبوالمويهب الراهب فقال لهما: من أنتما ؟ قالا: نحن تجار من أهل الحرم من قريش، فقال لهما: من أي قريش ؟ فأخبراه، فقال لهما: هل قدم معكما من قريش غيركما ؟ قالا: نعم شاب من بني هاشم اسمه محمد، فقال أبوالمويهب، إياه والله أردت، فقالا: والله ما في قريش أخمل ذكرا منه إنما يسمونه يتيم قريش وهو أجير لامرأة منا يقال لها: خديجة، فما حاجتك إليه ؟ فأخذ يحرك رأسه ويقول: هو هو، فقال لهما: تدلاني عليه، فقالا: تركناه في سوق بصرى، فبينما هم في الكلام إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هو هذا، فخلا به ساعة يناجيه ويكلمه، ثم أخذ يقبل بين عينيه وأخرج شيئا من كمه لا ندري ما هو ورسول الله صلى الله عليه وآله يأبى أن يقبله، فلما فارقه قال لنا: تسمعان مني هذا والله نبي آخر الزمان، والله
(1) في بعض النسخ " قيس بن سعيد الديلمى " وفى بعضها " قيس بن سعد الديلى ". (2) في بعض النسخ " عبد الله بن يحيى الفقعسى ". وفى بعضها " عبد الله بن بحير الثقفي ". فقعس أبو قبيلة من بني أسد. (الصحاح). (*)
[ 191 ]
سيخرج قريب فيدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإذا رأيتم ذلك فاتبعوه، ثم قال: هل ولد لعمه أبي طالب ولد يقال له علي ؟ فقلنا: لا قال: إما أن يكون قد ولد أو يولد في سنته هو أول من يؤمن به، نعرفه، وإنا لنجد صفته عندنا بالوصية كما نجد صفة محمد بالنبوة، وإنه سيد العرب وربانيها وذو قرنيها، يعطى السيف حقه، اسمه في الملا الاعلى علي، هو أعلى الخلائق بعد الانبياء ذكرا، وتسميه الملائكة البطل الازهر المفلج، لا يتوجه إلى وجه إلا أفلج وظفر، والله لهو أعرف بين أصحابه في السماء من الشمس الطالعة. 17 (باب) * (خبر سطيح الكاهن (1)) * 38 - حدثنا أحمد بن محمد رزمة القزويني (2) قال: حدثنا الحسن بن علي بن - نصر بن منصور الطوسي قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي الطائي قال: حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران من ولد جرير بن عبد الله قال: حدثني مخزوم بن هانئ (3) المخزومي، عن أبيه وقد أتت له مائة وخمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد
(1) سطيح - كامير - الكاهن الذئبى من بنى ذئب كان يتكهن في الجاهلية، سمى بذلك لانه كان إذا غضب قعد منبسطا على الارض فيما زعموا. وقيل: سمى بذلك لانه لم يكن له بين مفاصله قصب تعمده، فكان أبدا منبسطا منسطحا على الارض لا يقدر على قيام ولا قعود، ويقال: كان لاعظم له فيه سوى رأسه (لسان العرب). (2) ترجمه الرافعى في التدوين كما في فهرسته تحت رقم 251 وقال: أحمد بن محمد ابن رزمة القزويني المعدل. (3) في لسان العرب في مادة " سطح " قال: روى الازهرى باسناده عن مخزوم بن - هانئ المخزومى عن أبيه. وساق كما في المتن إلى قوله " امارة عثمان " في آخر الخبر. (*)
[ 192 ]
فيها رسول الله صلى الله عليه وآله ارتجس أيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرافة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك ألف سنة (1)، ورأى الموبذان (2) إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت الدجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى هاله ما رأى فتصبر عليها تشجعا، ثم رأى أن لا يسر ذلك عن وزرائه، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم وأخبرهم بما رأى، فبينما هم كذلك، إذ ورد عليه الكتاب بخمود نار فارس، فازداد غما إلى غمه وقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة، ثم قص عليه رؤياه في الابل والخيل، فقال: أي شئ يكون هذا يا موبذان ؟ - وكان أعلمهم في أنفسهم - فقال: حادث يكون في ناحية العرب، فكتب عند
ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى نعمان بن المنذر: أما بعد فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة الغساني فلما قدم عليه قال: عندك علم ما أريد أن أسألك عنه ؟ قال: ليسألني الملك أو ليخبرني فان كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن بمشارف الشام (3) يقال له: سطيح، قال: فأته فاسأله وأخبرني بما يرد عليك، فخرج عبد المسيح حتى ورد على سطيح وقد أشرف على الموت فسلم عليه وحياه، فلم يرد عليه سطيح جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن * أم فاز فاز لم به شأو العنن (4)
(1) في اللسان " مائة عام ". (2) في القاموس الموبذان - بضم الميم وفتح الباء فقيه الفرس، وحاكم المجوس كالموبذ. والجمع الموابذة واللهاء فيها للعجمة. (3) المشارف: القرى التى تقرب من المدن، وقيل: القرى التى بين بلاد الريف و. جزيرة العرب. (4) الغطريف - بالكسر -: السيد. وقوله " فاز " أي مات. وفى بعض النسخ " فاد " بالدال وهو بمعناه و " ازلم " أي ذهب مسرعا. وأصله " ازلام " فحذفت الهمزة تخفيفا والشأو: السبق والغاية. والعنن: الاعتراض، وشأ والعنن: اعتراض الموت وسبقه. كمال الدين - 22 - (*)
[ 193 ]
يا فاصل الخطة أعيت من ومن * وكاشف الكربة في الوجه الغضن (1) أتاك شيخ الحي من آل سنن * وأمه من آل ذئب بن حجن (2) أروق ضخم الناب صرار الاذن * أبيض فضفاض الرداء والبدن (3) رسو ل قيل العجم كسرى للوسن * لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن (4) تجوب في الارض علنداة شجن * ترفعني طورا وتهوي بي وجن (5)
(1) الفاصل: المبين، الحاكم. والخطة - بضم الخاء وشد الطاء -: الخطب، والامر والحال، أي يامن يبين ويظهر امورا أعيت وأعجزت " من ومن " أي جماعة كثيرة. والوجه الغضن هو الوجه الذى فيه تكسر وتجعد من شدة الهم والكرب الذى نزل به. (النهاية) (2) السنن - محركة -: الابل تسنن في عدوها. وفى بعض النسخ " شتن - بالمعجمة والتاء المثناة الفوقانية - وفى القاموس الشتن: النسج والحياكة. وفى تاريخ اليعقوبي " آل يزن ". (3) أروق في بعض النسخ " أزرق " وهو صفة للبعير ولونه، وأروق أيضا بمعناه. وفى بعض الكتب " أصك " أي الذى يصطك قدماه. وقوله " ضخم الناب " كذا في جميع النسخ وفى النهاية: في حديث سطيح " أزرق مهم الناب صرار الاذن " أي حديد الناب، قال الازهرى: هكذا روى، وأظنه " مهو الناب " بالواو، يقال: سيف مهو أي حديد ماض وأورده الزمخشري " ممهى الناب " وقال: الممهى: المحدد، من أمهيت الحديدة إذا حددتها، شبه بعيره بالنمر لزرقة عينيه وسرعة سيره. وقال: صر اذنه وصررها: سواها ونصبها. والاصوب كون هذا المصرع بعد ذلك في سياق ذكر البعير كما في سائر الكتب فانه فيها بعد قوله: " والقطن ". والفضفاض: الواسع والبدن: الدرع. قال الجزرى: يريد به كثرة العطاء، وقال غيره: كناية عن سعة الصدر. (4) الفيل - بالفتح -: الملك. وقيل: الملك من ملوك حمير، وقيل: هو الرئيس دون الملك الاعلى. راجع " ق ول " من أقرب الموارد. وقوله " كسرى " في بعض الكتب " يسرى " أي يجرى. و " للوسن " أي لشأن الرؤيا النى رآها الموبذان أو الملك. و " الرعد " في بعض النسخ " الوعد ". وفى بعض الكتب " الدهر ". (5) تجوب أي تقطع. والعنلداة: الناقة القوية. والشجن - بالتحريك - الناقة (*)
[ 194 ]
حتى أتى عاري الجآجي والقطن * تلفه في الريح بوغاء الدمن (1)
كأنما حثحث من حضني ثكن (2) فلما سمع سطيح شعره فتح عينيه وقال: عبد المسيح على جمل يسيح إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح (3) بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الايوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، قد قطعت الدجلة، وانتشرت في بلادها، وغاضت بحيرة ساوة، فقال: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب
المتداخلة الخلق. وفى اللسان " علنداة شرن " أي تمشى من نشاطها على جانب. وفيه أيضا " ترفعني وجنا وتهوى بى وجن " والوجن: الارض الغليظة. والوجناء: الناقة الشديدة أي لم تزل الناقة التى هذه صفتها ترفعني مرة في الارض بهذه الصفة وتخففني اخرى. وفى أكثر نسخ الكتاب " تهوى بى دجن " - بالدال المهملة - والظاهر انه تصحيف. ودجن بالمكان دجنا أقام به واستأنس والدجنة: الظلمة. (1) الجآجى جمع الجؤجؤ وهو الصدر. والقطن - بالتحريك -: ما بين الوركين يعنى أن السير قد هزلها وذهب بلحمها. وفى بعض الكتب " عالى الجآجى " وهو قريب من العارى لان العظم إذا عرى عن اللحم يرى مرتفعا عاليا. والبوغاء: التراب الناعم. والدمن جمع دمنة - بكسر الدال وفتح الميم -: ما تدمن منه أي تجمع وتلبد. كذا في النهاية وقال: كأنه من المقلوب تقديره " تلفه الريح في بوغاء الدمن " وتشهد له الرواية الاخرى " تلفه الريح ببوغاء الدمن ". (2) حثحث: أسرع وحث. والحضن: الجانب. وثكن - بفتح أوله وثانيه -: جبل بالبادية. يعنى من كثرة التراب والغبار الذى أصابه في سرعة سيره كأنما أعجل من هذا الموضع الذى اجتمع فيه التراب الكثير. (3) " يسيح " كذا في النسخ وفى اللسان والعقد الفريد والنهاية " مشيح " والمشيح - بضم الميم وكسر المعجمة والحاء المهملة -: الجاد المسرع. " وقد أوفى " أي أشرف. والضريح: القبر أي قرب أن يدخل القبر. (*)
[ 195 ]
الهراوة (1)، وفاض وادي سماوة، وغاضت بحيرة ساوة فليس الشام لسطيح شاما، (2) يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكلما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه، فنهض عبد المسيح إلى رحله ويقول: شمر فانك ماضي العزم شمير * لا يفزعنك تفريق وتغيير (3) إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم * فان ذا الدهر أطوار دهارير (4) وربما كان قد أضحوا بمنزلة * تهاب صولهم الاسد المهاصير (5) منهم أخو الصرح بهرام وإخوته * والهرمزان وسابور وسابور (6) والناس أولاد علات فمن علموا * أن قد أقل فمحقور ومهجور (7) وهم بنو الام لما ان رأوا نشبا * فذاك بالغيب محفوظ ومنصور (8) والخير والشر مقرونان في قرن * فالخير متبع والشر محذور قال: فلما قدم على كسرى أخبره بما قال سطيح فقال: إلى أن يملك منا أربعة
(1) المراد بالتلاوة تلاوة القرآن. والهراوة: العصا، وصاحب الهراوة هو النبي الاكرم صلى الله عليه وآله لانه يأخذ العنزة بيده. (2) أي لم يبق سطيح، أو يتغير أحوال الشام. (3) الشمير: الشديد التشمير، وفى اللسان " شمر فانك ما عمرت شمير ". (4) أفرطهم " أي تركهم وزال عنهم. والاطوار: الحالات. والدهارير: الشديد جمع الدهر يعنى أن الدهر ذو تصاريف ونوائب. (5) المهاصير جمع المهصار وهو الشديد الذى يفترس. (6) الصرح: القصر. وفى بعض النسخ " وهرمزان " بدون اللام. (7) اولاد علات أي لامهات شتى، كناية عن عدم الالفة بينهم. وقوله: " أن قد أقل " أي افتقر وقل ما في يده. (8) " وهم بنو أم " أي يعطف بعضهم على بعض. والنشب - بالتحريك -: المال والعقار. (*)
[ 196 ]
عشر ملكا قد كانت أمور، قال: فملك منهم عشرة في أربع سنين وملك الباقون إلى إمارة عثمان. وكان سطيح ولد في سيل العرم فعاش إلى ملك ذي نواس وذلك أكثر من ثلاثين قرنا، وكان مسكنه بالبحرين فيزعم عبد القيس أنه منهم وتزعم الازد أنه منهم، وأكثر المحدثين قالوا: هو من الازد ولا يدرى ممن هو، غير أن عقبه يقولون: نحن من الازد. 18. (باب) * (خبر يوسف اليهودي بالنبي " ص " وبصفاته وعلاماته) * 39 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان رفعه بإسناده قال: لما بلغ عبد الله بن عبد المطلب زوجه عبد - المطلب آمنة بنت وهب الزهري فلما تزوج بها حملت برسول الله صلى الله عليه وآله فروي عنها أنها قالت: لما حملت به لم أشعر بالحمل ولم يصبني ما يصيب النساء من ثقل الحمل، فرأيت في نومي كان آت أتاني فقال لي: قد حملت بخير الانام، فلما حان وقت الولادة خف علي ذلك حتى وضعته، وهو يتقي الارض بيده وركبتيه، وسمعت قائلا يقول: وضعت خير البشر فعوذيه بالواحد الصمد من شر كل باغ وحاسد. " فولد رسول الله صلى الله عليه وآله عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة مضت (1) من ربيع الاول يوم الاثنين ". فقالت آمنة: لما سقط إلى الارض اتقى الارض بيديه وركبتيه ورفع رأسه إلى السماء، وخرج مني نور أضاء ما بين السماء والارض، ورميت الشياطين بالنجوم و حجبوا عن السماء، ورأت قريش الشهب والنجوم تسير في السماء، ففزعوا لذلك، و قالوا: هذا قيام الساعة، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة فأخبروه بذلك، وكان شيخا كبيرا مجربا، فقال: انظروا إلى هذه النجوم التى تهتدوا بها في البر والبحر، فإن
(1) كذا. ولعله يكون " بقيت " فصحف وهذا من كلام المصنف. (*)
[ 197 ]
كانت قد زالت فهو قيام الساعة وإن كانت هذه ثابته فهو لامر قد حدث. وأبصرت الشياطين ذلك فاجتمعوا إلى إبليس فأخبروه أنهم قد منعوا من السماء ورموا بالشهب، فقال: اطلبوا فإن أمرا قد حدث، فجالوا في الدنيا ورجعوا وقالوا: لم نر شيئا، فقال: أنا لهذا، فخرق ما بين المشرق والمغرب فلما انتهى إلى الحرم وجد الحرم محفوفا بالملائكة، فلما أراد أن يدخل صاح به جبرئيل عليه السلام فقال: اخسأ يا ملعون، فجاء من قبل حراء فصار مثل الصرد قال: يا جبرئيل ما هذا ؟ قال: هذا نبي قد ولد وهو خير الانبياء، قال: هل لي فيه نصيب ؟ قال: لا، قال: ففي أمته ؟ قال: بلى، قال: قد رضيت. قال: وكان بمكة يهودي يقال له: يوسف فلما رأى النجوم يقذف بها وتتحرك قال: هذا نبي قد ولد في هذه الليلة وهو الذي نجده في كتبنا أنه إذا ولد - وهو آخر الانبياء - رجمت الشياطين وحجبوا عن السماء، فلما أصبح جاء إلى نادي قريش فقال: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ قالوا: لا قال: أخطأتم والتوراة ولد إذا بفلسطين وهو آخر الانبياء وأفضلهم، فتفرق القوم فلما رجعوا إلى منازلهم أخبر كل رجل منهم أهله بما قال اليهودي فقالوا: لقد ولد لعبد الله بن عبد المطلب ابن في هذه الليلة، فأخبروا بذلك يوسف اليهودي فقال لهم: قبل أن أسألكم أو بعده ؟ قالوا: قبل ذلك، قال: فاعرضوه علي، فمشوا إلى باب آمنة فقالوا: اخرجي ابنك ينظر إليه هذا اليهودي، فأخرجته في قماطه فنظر في عينيه، وكشف عن كتفيه فرأى شامة سوداء بين كتفيه وعليها شعرات، فلما نظر إليه وقع على الارض مغشيا عليه، فتعجب منه قريش وضحكوا منه فقال: أتضحكون يا معشر قريش، هذا نبي السيف ليبيرنكم (1) وقد ذهبت النبوة من بني إسرائيل إلى آخر الابد، وتفرق الناس ويتحدثون بخبر اليهودي ونشأ رسول الله صلى الله عليه وآله في اليوم كما ينشأ غيره في الجمعة وينشأ في الجمعة كما ينشأ غيره
في الشهر.
(1) أي ليهلكنكم. وفى بعض النسخ " ليتبرنكم ". (*)
[ 198 ]
19 - (باب) * (خبر (دواس) ابن حواش المقبل من الشام) * 40 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي جميعا، عن أبان بن عثمان الاحمر، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بكعب بن أسد (1) ليضرب عنقه فاخرج وذلك في غزوة بني قريظة نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا كعب أما نفعك وصية ابن حواش الحبر الذي أقبل من الشام فقال: " تركت الخمر والخمير وجئت إلى الموس والتمور (2) لنبي يبعث، هذا أو ان خروجه يكون مخرجه بمكة وهذه دار هجرته وهو الضحوك القتال، يجتزي بالكسيرات والتمرات ويركب الحمار العاري، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه ولا يبالي بمن لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر " ؟ ! قال كعب: قد كان ذلك يا محمد، ولو لا أن اليهود تعيرني أني جبنت عند القتل لامنت بك وصدقتك ولكني على دين اليهودية عليه احيى وعليه أموت، فقال رسول الله صلى عليه وآله: فقد موه واضربوا عنقه، فقدم وضرب عنقه. 20. (باب) * (خبر زيد بن عمرو بن نفيل) * وكان زيد بن عمرو بن نفيل (3) يطلب الدين الحنيف ويعرف أمر النبي صلى الله عليه وآله و
(1) هو رئيس بنى قريظة. (2) كذا وفى بعض النسخ " جئت إلى البؤس والتمور ". (3) في المعارف لا بن قتيبة الدينورى: زيد بن عمرو بن نفيل هو أبو سعيد أحد العشرة (*)
[ 199 ]
41 - حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسين البزاز النيسابوري قال: حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني قال: كان زيد بن عمرو بن نفيل أجمع على الخروج من مكة يضرب في الارض ويطلب الحنيفية - دين إبراهيم عليه السلام - وكانت امرأته صفيه بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض إلى الخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل (2) فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الاول دين إبراهيم عليه السلام ويسأل عنه، فلم يزل في ذلك فيما يزعمون حتى أتى الموصل و الجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى الشام فجال فيها حتى أتى راهبا بميفعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام فقال له الراهب: إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد له الان من يحملك عليه اليوم، لقد درس علمه وذهب من كان يعرفه، ولكنه قد أظلك خروج نبي يبعث بأرضك التي خرجت منها بدين إبراهيم الحنيفية فعليك ببلادك فإنه مبعوث الان، هذا زمانه ولقد كان سئم اليهودية والنصرانية، فلم يرض شيئا منهما، فخرج مسرعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه. فقال ورقة بن نوفل - وقد كان اتبع مثل أثر زيد ولم يفعل في ذلك ما فعل - فبكاه ورقة وقال فيه: رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كماهيا (2) ينتظر خروجه وخرج في طلبه فقتل في الطريق.
المسمين للجنة، وكان رغب عن عبادة الاوثان وطلب الدين، فقتله النصارى بالشام. وقال النبي صلى الله عليه وآله: " يبعث أمة وحده ".
(1) وكان الخطاب بن نفيل عمه وأخاه لامه وكان يعاتبه على فراق دين قومه، وكان الخطاب قد وكل صفية به، وقال: إذا رأيته قدهم بأمر فآذنينى به. (قاله ابن هشام). (2) في المعارف " وتركك جنان الجبال كماهيا " وجنان - بكسر الجيم وشد النون - (*)
[ 200 ]
وقد تدرك الانسان رحمة ربه * ولو كان تحت الارض ستين واديا 42 - وبهذا الاسناد، عن أحمد بن محمد بن إسحاق بن يسار المدني قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير (4) ومحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الحصين التميمي: أن عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد قالا: يا رسول الله أنستغفر لزيد ؟ قال: نعم فاستغفروا له فإنه يبعث يوم القيامة امة وحده. 43 - حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين البزاز قال: حدثنا محمد بن يعقوب بن - يوسف قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن المسعودي، عن نفيل بن هشام، عن أبيه أن جده سعيد بن زيد سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن أبيه زيد بن عمرو، فقال: يا رسول الله إن أبي زيد بن عمرو كان كما رأيت وكما بلغك فلو أدركك كان آمن بك فأستغفر له ؟ قال: نعم فاستغفر له، وقال: إنه يجئ يوم القيامة امة وحده، وكان فيما ذكروا أنه يطلب الدين فمات وهو في طلبه. قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله: حال النبي صلى الله عليه وآله قبل النبوة حال قائمنا وصاحب زماننا عليه السلام في وقتنا هذا وذلك أنه لم يعرف خبر النبي صلى الله عليه واله في ذلك الوقت إلا الاحبار والرهبان والذين قد انتهى إليهم العلم به فكان الاسلام غريبا فيهم وكان الواحد منهم إذا سأل الله تبارك وتعالى بتعجيل فرج نبيه وإظهار أمره سخر منه أهل الجهل والضلال وقالوا له: متى يخرج هذا النبي الذي تزعمون أنه نبي السيف و أن دعوته تبلغ المشرق والمغرب وأنه ينقاد له ملوك الارض كما يقول الجهال لنا في وقتنا هذا: متى يخرج هذا المهدي الذي تزعمون أنه لا بد من خروجه وظهوره و ينكره قوم ويقربه آخرون، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الاسلام بدء غريبا وسيعود غريبا
جمع جان، ويريد بجنان الجبال: الذين يأمرون بالفساد من شياطين الانس. (1) محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الاسدي المدنى قال ابن سعد: كان عالما وقال الدار قطني ثقة مدنى (تهذيب التهذيب)، وفى بعض النسخ " محمد بن جعفر بن - الاثير " وهو تصحيف. (*)
[ 201 ]
(كما بدء) فطوبى للغرباء، فقد عاد الاسلام كما قال عليه السلام غريبا في هذا الزمان كما بدء و سيقوي بظهور ولي الله وحجته كما قوى بظهور نبي الله ورسوله وتقر بذلك أعين المنتظرين له والقائلين بإمامته كما قرت أعين المنتظرين لرسول الله والعارفين به بعد ظهوره، وإن الله عزوجل لينجز لاوليائه ما وعدهم ويعلي كلمته ويتم نوره ولو كره المشركون. 44 - حدثنا جعفر بن علي بن الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة الكوفي رضي الله عنه قال: حدثني جدي الحسن بن علي، عن جده عبد الله بن المغيرة، عن إسماعيل ابن مسلم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الاسلام بدء غريبا وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء. 45 - حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي العمري السمر قندي رضي الله عنه - قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه محمد بن مسعود، عن جعفر بن أحمد العمركي ابن علي البوفكي، عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الاسلام بدء غريبا وسيعود غريبا كما بدء، فطوبى للغرباء. 21 (باب) * (العلة التى من أجلها يحتاج إلى الامام عليه السلام) *
1 - حدثنا أبي، ومحمد الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أتبقي الارض بغير إمام ؟ قال: لو بقيت الارض بغير إمام ساعة لساخت. 2 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد -
[ 202 ]
ابن الحسن الصفار قال: حدثنا العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن محمد ابن الهيثم، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت له: أتبقى الارض بغير إمام، فقال: لا، قلت: فإنا نروى عن أبي عبد الله عليه السلام أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله على أهل الارض أو على العباد، فقال: لا تبقى إذا لساحت. 3 - حدثنا أبي، ومحمد الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد، عن أبي عبد الله زكريا بن محمد المؤمن، عن أبي - هراسة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: لو أن الامام رفع من الارض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله (1). 4 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن - محمد بن عيسى، وإبراهيم بن مهزيار، عن علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن أبي علي البجلي، عن أبان بن عثمان، عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث له في الحسين علي عليهما السلام أنه قال في آخره: ولو لا من على الارض من حجج الله لنفضت الارض ما فيها وألقت ما عليها، إن الارض لا تخلو ساعة من الحجة. 5 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أبي داود سليمان بن سفيان المسترق، عن أحمد بن عمر الحلال قال: قتل لابي الحسن الرضا عليه السلام: إنا روينا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن الارض لا تبقى بغير إمام، أو تبقى ولا إمام فيها ؟ فقال: معاذ الله لا تبقى ساعة إذا لساخت. 6 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا الحسن بن أحمد المالكي، عن أبيه عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قال الرضا عليه السلام: نحن حجج الله في خلقه، وخلفاؤه في عباده، وأمناؤه على سره، ونحن كلمة التقوى، والعروة الوثقى، ونحن شهداء الله وأعلامه في بريته، بنا يمسك الله السموات والارض أن تزولا، وبنا ينزل الغيث و ينشر الرحمة، ولا تخلو الارض من قائم منا ظاهر أو خاف، ولو خلت يوما بغير حجة
(1) ماج أي اضطرب. (*)
[ 203 ]
لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله. 7 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري قالا: حدثنا إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي بن مهزيار، عن محمد بن أبي عمير، عن سعد ابن أبي خلف، عن الحسن بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الارض لا تخلو من أن يكون فيها (حجة) عالم، إن الارض لا يصلحها إلا ذلك ولا يصلح الناس إلا ذلك. 8 - وبهذا الاسناد، عن علي بن مهزيار، عن الحسن بن علي الخزاز، عن أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام أتبقى الارض بغير إمام ؟ قال: فقال: لا، قلت: فإنا نروى أنها لا تبقى إلا أن يسخط الله على العباد ؟ فقال: لا تبقى إذا لساخت. 9 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله جعفر قالا: حدثنا محمد بن عيسى، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أبي عبد الله المؤمن، والحسن بن علي بن فضال، عن أبي هراسة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو أن الامام رفع من الارض لماجت الارض بأهلها كما يموج البحر بأهله. 10 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر قالا: حدثنا محمد بن عيسى، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب جميعا عن محمد بن سنان، عن حمزة الطيار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو لم يبق من أهل
الارض (1) إلا اثنان لكان أحدهما الحجة. - أو كان الثاني الحجة - الشك من محمد بن سنان. 11 - وبهذا الاسناد، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي - الصباح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لم يدع الارض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئا ردهم وإذا نقصوا شيئا أكمله لهم ولو لا ذلك لالتبست على المؤمنين أمورهم. 12 - وبهذا الاسناد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابن مسكان، عن أبي - بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله عزوجل لم يدع الارض بغير عالم ولو لا ذلك
203 (1) في بعض النسخ " لو لم يبق في الارض " وفى بعضها " من الدنيا ".
[ 204 ]
لما عرف الحق من الباطل. 13 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، و عبد الله بن جعفر قالا: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن أحمد بن هلال في حال استقامته (1) عن محمد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: يمضي الامام وليس له عقب ؟ قال: لا يكون ذلك قلت: فيكون ماذا ؟ قال: لا يكون ذلك إلا أن يغضب الله عزوجل على خلقه فيعاجهلم. 14 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا محمد بن أحمد، عن أبي سعيد العصفري (2)، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: لو بقيت الارض يوما بلا إمام منا لساخت بأهلها ولعذبهم الله بأشد عذابه، إن الله تبارك وتعالى جعلنا حجة في أرضه وأمانا في الارض لاهل الارض، لم يزالوا في أمان من أن تسيخ بهم الارض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يهلكهم ثم لا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثم يفعل الله ما شاء وأحب. 15 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن هلال، عن سعيد بن جناح، عن سليمان الجعفري قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام فقلت: أتخلو الارض من حجة ؟ فقال: لو خلت من حجة طرفة عين لساخت بأهلها. 16 - حدثنا محمد بن الحسن رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا، عن محمد بن عيسى، عن علي بن إسماعيل الميثمي، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد الاعلى بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: ما
(1) أحمد بن هلال العبرتائى من أصحاب الهادى عليه السلام كان غالبا متهما في دينه ويظهر من هذا الكلام استقامته في أول الامر ثم تحزبه إلى الضلال. (2) كذا وهو أبو سعيد العصفوري المعنون في جامع الرواة باب الكنى. (*)
[ 205 ]
ترك الله الارض بغير عالم ينقص ما زادوا ويزيد ما نقصوا، ولولا ذلك لا اختلطت على الناس امورهم. 17 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن داود، عن فضيل الرسان قال: كتب محمد بن إبراهيم إلى أبي عبد الله عليه السلام: أخبرنا ما فضلكم أهل البيت ؟ فكتب إليه أبو عبد الله عليه السلام: إن الكواكب جعلت في السماء أمانا لاهل السماء، فإذا ذهبت نجوم السماء جاء أهل السماء ما كانوا يوعدون، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " جعل أهل بيتي أمانا لامتي فإذا ذهب أهل بيتي جاء امتي ما كانوا يوعدون ". 18 - حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي (1) قال: حدثنا أحمد بن عبد العزيز ابن الجعد أبو بكر قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيده، عن أياس بن سلمة، عن أبيه يرفعه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: النجوم
أمان لاهل السماء وأهل بيتي أمان لامتي. 19 - حدثنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر محمد بن السري بن سهل قال: حدثنا عباس بن الحسين (2) قال: حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول صلى الله عليه وآله: النجوم أمان لاهل السماء فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وأهل بيتي أمان لاهل الارض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الارض. 20 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد ابن عيسى، عن العباس بن معروف، عن عبد الله بن عبد الرحمن البصري، عن أبي المغرا حميد
(1) هو محمد بن عمر بن محمد بن سالم أبو بكر التميمي يعرف بابن الجعابى. (2) يحتمل أن يكون هو عباس بن الحسين البلخى أبو الفضل الذى سكن بغداد و توفى سنة 258. والمراد بمحمد بن السرى بن سهل أما أبو المؤمل البغدادي أو أبو بكر القنطرى أو أبو بكر البزاز. والعلم عند الله. (*)
[ 206 ]
ابن المثنى العجلي، عن أبي بصير، عن خيثمة الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحن حوزته، ونحن مستودع مواريث الانبياء، ونحن امناء الله عزوجل، ونحن حجج الله، ونحن أركان الايمان، ونحن دعائم الاسلام، ونحن من رحمة الله على خلقه، ونحن من بنا يفتح وبنا يختم، ونحن أئمة الهدى، ونحن مصابيح الدجى، ونحن منار الهدى، ونحن السابقون، ونحن الاخرون، ونحن العلم المرفوع للخلق، من تمسك بنا لحق، ومن تأخر عنا غرق، ونحن قادة الغر المحجلين، ونحن خيرة الله، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله عزوجل، ونحن من نعمة الله عزوجل على خلقه، ونحن المنهاج، ونحن معدن النبوة، ونحن موضع الرسالة، ونحن الذين إلينا تختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء بنا، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الهداة إلى الجنة، ونحن عرى الاسلام، ونحن الجسور والقناطر (1)، من مضى عليها لم يسبق، ومن تخلف عنها محق، ونحن السنام الاعظم، ونحن الذين بنا ينزل الله عزوجل الرحمة، وبنا يسقون الغيث، ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب، فمن عرفنا وأبصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا. 21 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي الطفيل (2)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام: اكتب ما املي عليك، قال: يا نبي الله أتخاف علي النسيان ؟ فقال: لست أخاف عليك النسيان، وقد دعوت الله لك أن يحفظك ولا ينسيك، ولكن اكتب لشركائك، قال: قلت: ومن شركائي يا نبي الله ؟ قال: الائمة من ولدك، بهم تسقى أمتى الغيث وبهم يستجاب دعاؤهم، وبهم يصرف الله عنهم البلاء، وبهم تنزل الرحمة من السماء
(1) الجسور جمع الجسر، والقناطر جمع القنطرة: الجسر. (2) كذا ورواية أبى الطفيل عن أبى جعفر عليه السلام في غاية البعد بل مما لا يكون. و في بعض النسخ " عن أبى عبد الله الطفيل " ولم أجده. (*)
[ 207 ]
وهذا أولهم - وأومأ بيده إلى الحسن عليه السلام، ثم أومأ بيده إلى الحسين عليه السلام - ثم قال عليه السلام: الائمة من ولده. 22 - حدثنا محمد بن أحمد الشيباني رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن يحيى ابن زكريا القطان قال: حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب قال: حدثنا الفضل بن صقر العبدي (1) قال: حدثنا أبو معاوية، عن سليمان بن مهران الاعمش، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام قال: نحن أئمة
المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لاهل الارض كما أن النجوم أمان لاهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه، وبنا يمسك الارض أن تميد بأهلها (2) وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الارض، ولولا ما في الارض منا لساخت بأهلها، ثم قال: ولم تخل الارض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور (3)، ولا تخلوا إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله. قال: سليمان، فقلت للصادق عليه السلام: فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور ؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب. 23 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم ابن هاشم قال: حدثنا إسماعيل بن مرار قال: حدثني يونس بن عبد الرحمن قال: حدثني يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة من أصحابه فيهم حمران ابن أعين، ومؤمن الطاق، وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة من أصحابه، فيهم هشام بن الحكم وهو شاب فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام قال: لبيك يا ابن رسول الله قال: ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد ؟ وكيف سألته ؟ قال هشام: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني اجلك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله عليه السلام إذا أمرتكم بشئ فافعلوه، قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد
(1) لم أظفر به. (2) في بعض النسخ " أن تمور بأهلها ". (3) في بعض النسخ " خائف مغمور ". (*)
[ 208 ]
البصرة وعظم ذلك علي فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء من صوف مؤتزر بها، و شملة مرتد بها، والناس يسألونه فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي، ثم قلت: أيها العالم أنا رجل غريب تأذن لي فأسألك عن مسألة ؟ قال: فقال: نعم، قال: قلت له: ألك عين ؟ قال: يا بني أي شئ هذا من السؤال إذا ترى شيئا كيف تسأل عنه ؟ فقلت: هكذا مسألتي قال: يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء، قلت: أجبني فيها، قال: فقال لي: سل، قال: قلت: ألك عين ؟ قال: نعم، قال: قلت: فما تري بها ؟ قال: الالوان والاشخاص، قال: قلت: ألك أنف ؟ قال: نعم قال: قلت: فما تصنع به ؟ قال: أشم به الرائحة، قال: قلت: ألك لسان ؟ قال: نعم، قال: قلت: فما تصنع به ؟ قال: أتكلم به قال: قلت: ألك أذن ؟ قال: نعم قال: قلت: فما تصنع بها ؟ قال: أسمع بها الاصوات، قال: قلت: أفلك يدان ؟ قال: نعم قال: قلت: فما تصنع بهما ؟ قال: أبطش بهما وأعرف بهما اللين من الخشن، قال: قلت: ألك رجلان ؟ قال: نعم، قال: قلت: فما تصنع بهما ؟ قال: أنتقل بهما من مكان إلى مكان، قال: قلت: ألك فم ؟ قال: نعم، قال: قلت: فما تصنع به ؟ قال: أعرف به المطاعم على اختلافها، قال: قلت: أفلك قلب ؟ قال: نعم، قال: قلت: فما تصنع به ؟ قال: اميز به كلما ورد على هذه الجوارح (1)، قال: قلت: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب ؟ قال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة ؟ قال: يا بني إن الجوارح إذا شكت في شئ شمته أو رأته أو ذاقته ردته إلى القلب فليقر به اليقين ويبطل الشك، قال: قلت: فإنما أقام الله عزوجل القلب لشك الجوارح ؟ قال: نعم، قال: قلت: ولا بد من القلب وإلا لم يستيقن الجوارح ؟ قال: نعم، قال: قلت: يا أبا مروان إن الله لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح وينفي ما شكت فيه، ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم و اختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك يرد إليك شكك وحيرتك ؟ قال: فسكت، ولم يقل لي شيئا، قال: ثم التفت إلي فقال:
(1) في بعض النسخ " أميز به الامور الواردة على هذه الجوارح ". كمال الدين - 13 - (*)
[ 209 ]
أنت هشام ؟ فقلت: لا، قال: فقال لي: أجالسته ؟ فقلت: لا، قال: فمن أين أنت ؟ قلت: من أهل الكوفة قال: فأنت إذا هو، قال: ثم ضمني إليه فأقعدني في مجلسه، وما نطق حتى قمت، فضحك أبو عبد الله عليه السلام، ثم قال: يا هشام من علمك هذا ؟ قال: قلت: يا ابن رسول الله جرى على لساني، قال: يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى عليهم السلام. قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: وتصديق قولنا إن الامام يحتاج إليه لبقاء العالم على صلاحه أنه ما عذب الله عزوجل أمة إلا وأمر نبيها بالخروج من بين أظهرهم كما قال الله عزوجل في قصة نوح عليه السلام " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول (1) " منهم وأمره الله عزوجل أن يعتزل عنهم مع أهل الايمان به ولا يبقى مختلطا بهم وقال عزوجل: " ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (2) " وكذلك قال عزوجل في قصة لوط عليه السلام " فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك أنه مصيبها ما أصابهم (3) " فأمره الله عزوجل بالخروج من بين أظهرهم قبل أن أنزل العذاب بهم لانه لم يكن عزوجل لينزل عليهم ونبيه لوط عليه السلام بين أظهرهم وهكذا أمر الله عز وجل كل نبي أراد هلاك أمته أن يعتزلها كما قال إبراهيم عليه السلام مخوفا بذلك قومه " وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا * فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله (4) " أهلك الله عزوجل الذين كانوا آذوه وعنتوه وألقوه في الجحيم وجعلهم الاسفلين ونجاه ولوطا كما قال الله تعالى: " ونجيناه ولوطا إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين (5) " ووهب الله (جلت عظمته) لابراهيم إسحاق ويعقوب كما قال عزوجل: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (6) ".
(1) هود: 43. (2) هود: 40. (3) هود: 81. (4) مريم: 50 و 51. (5) و (6) الانبياء: 72.
[ 210 ]
وقال الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " (1). وروي في الاخبار الصحيحة عن أئمتنا عليهم السلام أن من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله أو واحدا من الائمة صلوات الله عليهم قد دخل مدينة أو قرية في منامه فإنه أمن لاهل تلك المدينة أو القرية مما يخافون ويحذرون وبلوغ لما يأملون ويرجون. وفي حديث هشام مع عمرو بن عبيد حجة في الانتفاع بالحجة الغائب عليه السلام وذلك أن القلب غائب عن سائر الجوارح لا يرى بالعين ولا يشم بالانف ولا يذاق بالفم ولا يلمس باليد وهو مدبر لهذه الجوارح مع غيبته عنها وبقاؤها على صلاحها ولو لم يكن القلب لانفسد تدبير الجوارح ولم تستقم أمورها فاحتيج إلى القلب لبقاء الجوارح على صلاحها كما احتيج إلى الامام لبقاء العالم على صلاحه ولا قوة إلا بالله. وكما يعلم مكان القلب من الجسد بالخبر فكذلك يعلم مكان الحجة الغائب عليه السلام بالخبر وهو ما ورد عن الائمة عليهم السلام من الاخبار في كونه بمكة وخروجه منها في وقت ظهوره، ولسنا نعني بالقلب المضغة التي من اللحم لان بها لا يقع الانتفاع للجوارح و إنما نعني بالقلب اللطيفة التي جعلها الله عزوجل في هذه المضغة لا تدرك بالبصر وإن كشف عن تلك المضغة، ولا تلمس ولا تذاق ولا توجد إلا بالعلم بها لحصول التمييز و استقامة التدبير من الجوارح والحجة بتلك اللطيفة على الجوارح (قائمة ما وجدت والتكليف لها لازم ما بقيت فإذا عدمت تلك اللطيفة انفسد تدبير الجوارح وسقط التكليف عنها فكما يجوز أن تحتج الله عزوجل بهذه اللطيفة الغائبة عن الحواس على الجوارح فكذلك جائز أن يحتج عزوجل على جميع الخلق بحجة غائب عنهم به يدفع عنهم وبه يرزقهم وبه ينزل عليهم الغيث ولا قوة إلا بالله).
(1) الانفال: 33. وتمام الاية " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " وفى بعض النسخ كانت هذه الزيادة في المتن. (*)
[ 211 ]
22. (باب) * (اتصال الوصية من لدن آدم عليه السلام وأن الارض لا تخلو) * * (من حجة لله عز وجل على خلقه إلى يوم القيامة) * 1 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن - الحسن الصفار، وسعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا قالوا: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والهيثم بن أبي مسروق النهدي وإبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن محبوب السراد، عن مقاتل بن سليمان بن دوال - دوز (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا سيد النبيين ووصيي
(1) مقاتل بن سليمان الازدي الخراساني أبو الحسن البلخى نزيل مرو، يقال له: ابن دوال دوز عامى بترى اختلفوا في شأنه فبعضهم رفعوه فوق مقامه وبجلوه وقالوا: " ما علم مقاتل بن سليمان في علم الناس الا كالبحر الاخضر في سائر البحور "، وبعضهم كذبوه وهجروه و رموه بالتجسيم ففى تهذيب التهذيب عن أحمد بن سيار المروزى قال: " مقاتل متهم متروك الحديث مهجور القول، سمعت اسحاق ابراهيم يقول: أخبرني حمزة بن عميرة أن خارجة مر بمقاتل وهو يحدث الناس فقال: حدثنا أبو النضر - يعنى الكلبى - قال: فمررت عليه مع الكلبى فقال الكلبى: والله ما حدثته قط بهذا، ثم دنا منه فقال له: يا أبا الحسن أنا أبو النضر وما حدثتك بهذا قط، فقال مقاتل: اسكت يا أبا النضر فان تزيين الحديث لنا انما هو بالرجال ". وفيه قال أبو اليمان: قام مقاتل بن سليمان فقال: سلونى عما دون العرش حتى أخبركم به، فقال له يوسف السمتى: من حلق رأس آدم اول ما حج ؟ قال: لا أدرى. وفيه أيضا عن العباس بن الوليد بن مزيد عن أبيه قال: سألت مقاتل عن أشياء فكان يحدثنى بأحاديث كل واحد ينقض الاخر، فقلت: بأيها آخذ ؟ قال: بأيها شئت، وقال ابن معين: انه (يعنى مقاتل) ليس بثقة وقال عمرو بن على: متروك الحديث كذاب. وقال ابن سعد: (*)
[ 212 ]
سيد الوصيين وأوصياؤه سادة الاوصياء إن آدم عليه السلام سأل الله عز وجل أن يجعل له وصيا صالحا فأوحى الله عزوجل إليه أني أكرمت الانبياء بالنبوة ثم اخترت خلفي فجعلت خيارهم الاوصياء، فقال آدم عليه السلام: يا رب فاجعل وصيي خير الاوصياء، فأوحى الله عزوجل إليه: يا آدم أوص إلى شيث وهو هبة الله بن آدم، فأوصى آدم إلى شيث وأوصى شيث إلى ابنه شبان وهو ابن نزلة الحوراء (1) التي أنزلها الله عزوجل على آدم من الجنة فزوجها شيثا، وأوصى شبان إلى ابنه مجلث، وأوصى مجلث إلى محوق، وأوصى محوق إلى غثميشا، وأوصى غثميشا إلى أخنوخ وهو إدريس النبي عليه السلام، وأوصى إدريس إلى ناخور ودفعها ناخور إلى نوح عليه السلام، وأوصى نوح إلى سام، وأوصى سام إلى عثامر وأوصى عثامر إلى برعيثاشا، وأوصى برعيثاشا إلى يافث، وأوصى يافث إلى برة، وأوصى برة إلى جفيسة (2) وأوصى جفيسة، إلى عمران، ودفعها عمران إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، وأوصى إبراهيم إلى ابنه إسماعيل، وأوصى إسماعيل إلى إسحاق، وأوصى إسحاق إلى يعقوب، وأوصى يعقوب إلى يوسف، وأوصى يوسف إلى بثرياء، وأوصى بثرياء إلى شعيب، وأوصى شعيب إلى موسى بن عمران، وأوصى موسى إلى يوشع بن نون وأوصى يوشع إلى داود (3) وأوصى داود إلى سليمان، وأوصى سليمان إلى آصف بن برخيا، وأوصى
أصحاب الحديث يتقون حديثه وينكرونه. وقال النسائي: كذاب. وفى موضع آخر، الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة وعد منهم مقاتل بن سليمان راجع تهذيب التهذيب ج 10 ص 279. وعنونه العلامة - قدس سره - في قسم الضعفاء وقال: مقاتل بن سليمان من أصحاب الباقر عليه السلام بترى قاله الشيخ الطوسى - رحمه الله - والكشى. وقال البرقى. انه عامى (1) في بعض النسخ " هو ابن له من الحوراء ".
(2) في بعض النسخ والفقيه " جفسية ". (3) مضطرب لان بين يوشع بن نون وداود عليهما السلام ازيد من ثلاثمائة عام فان خروج بنى إسرائيل من مصر في عام 1500 قبل الميلاد، وكان داود عليه السلام في 1000 قبل الميلاد فكيف يوصى يوشع إلى داود. والبلاء من مقاتل بن سليمان العامي البترى. (*)
[ 213 ]
آصف بن برخيا إلى زكريا، ودفعها زكريا إلى عيسى بن مريم عليه السلام وأوصى عيسى إلى شمعون ابن حمون الصفا، وأوصى شمعون إلى يحيى بن زكريا (1) وأوصى يحيى بن زكريا إلى منذر، وأوصى منذر إلى سليمة، وأوصى سليمة إلى بردة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ودفعها إلي بردة وأنا أدفعها إليك يا علي وأنت تدفعها إلى وصيك ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك، واحدا بعد واحد حتى تدفع إلى خير أهل الارض بعدك، ولتكفرن بك الامة ولتختلفن عليك اختلافا شديدا، الثابت عليك كالمقيم معي والشاذ عنك في النار، والنار مثوى للكافرين. 2 - حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن محمد الهمداني قال: حدثنا علي بن الحسن بن علي بن فضال: عن أبيه، عن محمد بن - الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال: إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم عليه السلام أن لا يقرب الشجرة، فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله تبارك وتعالى أن يأكل منها نسي فأكل منها، وهو قول الله تبارك وتعالى: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (2) " فلما أكل آدم من الشجرة أهبط إلى الارض فولد له هابيل وأخته توأما، وولد له قابيل وأخته توأما، ثم إن آدم أمر هابيل وقابيل أن يقربا قربانا، وكان هابيل صاحب غنم، وكان قابيل صاحب زرع فقرب هابيل كبشا وقرب قابيل من زرعه ما لم ينق، وكان كبش هابيل من أفضل غنمه وكان زرع قابيل غير منقى، فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، وهو قول الله عزوجل: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاخر - الاية " (3) وكان القربان إذا قبل تأكله النار فعمد قابيل إلى النار فبنى لها بيتا وهو أول من بنى للنار البيوت، وقال: لاعبدن هذه النار حتى يتقبل قرباني، ثم إن عدو الله إبليس قال لقابيل: إنه قد تقبل قربان هابيل
(1) وهذا أيضا خلاف ما وقع وانما قتل يحيى في أيام عيسى عليه السلام على التحقيق. (2) طه: 115 (3) المائدة: 27. (*)
[ 214 ]
ولم يتقبل قربانك فإن تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك، فقتله قابيل، فلما رجع إلى آدم عليه السلام قال له: يا قابيل أين هابيل ؟ فقال: ما أدري وما بعثتني له راعيا فانطلق آدم فوجد هابيل مقتولا فقال: لعنت من أرض كما قبلت دم هابيل، فبكى آدم على هابيل أربعين ليلة، ثم إن آدم عليه السلام سأل: ربه عزوجل أن يهب له ولدا فولد له غلام فسماه هبة الله لان الله عزوجل وهبه له فأحبه آدم حبا شديدا فلما انقضت نبوة آدم عليه السلام واستكملت أيامه أوحى الله تعالى إليه آن يا آدم إنه قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار النبوة في العقب من ذريتك عند ابنك هبة الله فإني لن أقطع العلم والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار النبوة في العقب من ذريتك إلى يوم القيامة ولن أدع الارض إلا وفيها عالم يعرف به ديني ويعرف به طاعتي ويكون نحاة لمن يولد فيما بينك وبين نوح، وذكر آدم عليه السلام نوحا عليه السلام وقال: إن الله تعالى باعث نبيا اسمه نوح وإنه يدعو إلى الله عزوجل فيكذ بوه فيقتلهم الله بالطوفان، وكان بين آدم وبين نوح عليهما السلام عشرة آباء كلهم أنبياء الله، وأوصى آدم إلى هبة الله: أن من أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه وليصدق به فإنه ينجو من الغرق. ثم إن آدم عليه السلام لما مرض المرضة التي قبض فيها أرسل إلى هبة الله فقال له: إن
لقيت جبرئيل أو من لقيت من الملا ئكة فأقرئه منى السلام وقل له: يا جبرئيل إن أبي يستهديك من ثمار الجنة، ففعل فقال له جبرئيل: يا هبة الله إن أباك قد قبض وما نزلت إلا للصلاة عليه فارجع فرجع فوجد أباه قد قبض، فأراه جبرئيل عليه السلام كيف يغسله، فغسله حتى إذا بلغ الصلاة عليه قال هبة الله: يا جبرئيل تقدم فصل على آدم فقال له جبرئيل عليه السلام: يا هبة الله إن الله أمرنا أن نسجد لابيك في الجنة فليس لنا أن نؤم أحدا من ولده، فتقدم هبة الله فصلى على آدم وجبرئيل خلفه وحزب من الملائكة وكبر عليه ثلاثين تكبيرة بأمر جبرئيل فرفع من ذلك خمسا وعشرون تكبيرة والسنة فينا اليوم خمس تكبيرات، وقد كان صلى الله عليه وآله يكبر على أهل بدر سبعا وتسعا. ثم أن هبة الله لما دفن آدم أباه أتاه قابيل فقال له: يا هبة الله إني قد رأيت آدم أبي
[ 215 ]
خصك من العلم بما لم أخص به وهو العلم الذي دعا به أخوك هابيل فتقبل قربانه وإنما قتلته لكيلا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي فيقولون: نحن أبناء الذي تقبل قربانه وأنتم أبناء الذي لم يتقبل قربانه فإنك إن أظهرت من العلم الذي اختصك به أبوك شيئا قتلتك كما قتلت أخاك هابيل. فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة حتى بعث نوح وظهرت وصية هبة الله حين نظروا في وصية آدم فوجدوا نوحا عليه السلام قد بشر به أبوهم آدم، فآمنوا به واتبعوه وصدقوه، وقد كان آدم وصى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة فيكون يوم عيد لهم، فيتعاهدون بعث نوح عليه السلام في زمانه الذي بعث فيه، وكذلك جرى في وصية كل نبي حتى بعث الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وآله. وإنما عرفوا نوحا بالعلم الذي عندهم وهو قول الله عزوجل " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه - الاية. وكان ما بين آدم ونوح من الانبياء مستخفين ومستعلنين ولذلك خفى ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمي من استعلن من الانبياء وهو قول الله عزوجل " ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك (2) " يعنى من لم يسمهم من المستخفين كما سمي المستعلنين من الانبياء، فمكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما لم يشاركه في نبوته أحد ولكنه قدم على قوم مكذبين للانبياء الذين كانوا بينه و بين آدم وذلك قوله تبارك وتعالى: " كذبت قوم نوح المرسلين " (3) يعني من كان بينه وبين آدم إلى آن ينتهي إلى قوله: " وإن ربك لهو العزيز الرحيم " ثم إن نوحا لما انقضت نبوته واستكملت أيامه أوحى الله عزوجل إليه يا نوح إنه قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار النبوة في العقب من ذريتك عند سام فإني لن أقطعها من بيوتات الانبياء الذين بينك وبين آدم ولن أدع الارض إلا وفيها عالم يعرف به ديني، وتعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيما بين
(2) النساء: 164. (3) الشعراء: 105. (*)
[ 216 ]
قبض النبي إلى خروج النبي الاخر، وليس بعد سام إلا هود، فكان ما بين نوح وهود من الانبياء مستخفين ومستعلنين، وقال نوح: إن الله تبارك وتعالى باعث نبيا يقال له: هود وإنه يدعو قومه إلى الله عزوجل فيكذبونه، وإن الله عزوجل مهلكهم بالريح فمن أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه فإن الله تبارك وتعالى ينجيه من عذاب الريح وأمر نوح ابنه سام أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة، ويكون يوم عيد لهم فيتعاهدون فيه بعث هود وزمانه الذي يخرج فيه، فلما بعث الله تبارك وتعالى هودا نظروا فيما عندهم من العلم والايمان وميراث العلم والاسم الاكبر وآثار علم النبوة فوجدوا هودا نبيا وقد بشرهم به أبوهم نوح فآمنوا به وصدقوه واتبعوه فنجوا من عذاب الريح، وهو قول الله عزوجل: " وإلى عاد أخاهم هودا " (1) وقوله " كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون " (2) وقال عزوجل: " ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " (3) وقوله:
" ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا (لنجعلها في أهل بيته) ونوحا هدينا من قبل " (4) لنجعلها في أهل بيته، فآمن العقب من ذرية الانبياء من كان من قبل إبراهيم لابراهيم عليه السلام، وكان بين هود وإبراهيم من الانبياء عشرة أنبياء وهو قوله عزوجل: " وما قوم لوط منكم ببعيد " (5) وقوله: " فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي (" (6) وقول إبراهيم " إني ذاهب إلى ربي) سيهدين " (7) وقوله عزوجل: " وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم " (8) فجرى بين كل نبي ونبي عشرة آباء وتسعة آباء وثمانية آباء كلهم أنبياء، وجرى لكل نبي ما جري لنوح وكما جري لادم وهود و صالح وشعيب وإبراهيم عليه السلام حتى انتهى إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، ثم صارت بعد يوسف في الاسباط إخوته حتى انتهت إلى موسى بن عمران و كان بين يوسف وموسى عليهما السلام عشرة من الانبياء فأرسل الله عزوجل موسى وهارون
إلى فرعون وهامان وقارون، ثم أرسل الله عزوجل الرسل تترى " كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلنا هم أحاديث " (1) وكانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم نبيين وثلاثة وأربعة حتى أنه كان يقتل في اليوم الواحد سبعون نبيا و يقوم سوق قتلهم في آخر النهار، فلما أنزلت التوراة على موسى بن عمران عليه السلام تبشر بمحمد صلى الله عليه وآله. وكان بين يوسف وموسى عليهما السلام من الانبياء عشرة، وكان وصي موسى بن عمران يوشع بن نون وهو فتاه الذي قال الله تبارك وتعالى في كتابه (2) فلم تزل الانبياء عليهم السلام تبشر بمحمد صلى الله عليه وآله وذلك قوله: " يجدونه " يعني اليهود والنصاري " مكتوبا " يعني صفة محمد واسمه " عندهم في التورية والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهيهم عن المنكر " (3) وهو قول الله عز وجل يحكي عن عيسى بن مريم " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " (4) فبشر موسى وعيسى عليهما السلام بمحمد صلى الله عليه وآله كما بشرت الانبياء بعضهم بعضا حتى بلغت محمدا صلى الله عليه وآله، فلما قضى محمد صلى الله عليه وآله نبوته واستكملت أيامه أوحي الله عزوجل إليه أن يا محمد قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي بن - أبي طالب عليه السلام فإني لن أقطع العلم والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة من العقب من ذريتك كما لم أقطعها من بيوتات الانبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم، وذلك قوله عزوجل: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " (5) فان الله تبارك وتعالى لم يجعل
(1) المؤمنون: 44. (2) في سورة الكهف: 60 " إذ قال موسى لفتيه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ". (3) الاعراف: 157. (4) الصف: 6. (5) آل عمران: 33. (*)
[ 218 ]
العلم جهلا، ولم يكل أمره إلى ملك مقرب ولابني مرسل ولكنه أرسل رسولا
من ملائكته إلى نبيه فقال له كذا وكذا، وأمره بما يحب، ونهاه عما ينكر، فقص عليه ما قبله وما خلفه بعلم، فعلم ذلك العلم أنبياءه وأصفياءه من الاباء والاخوان بالذرية التى بعضها من بعض، فذلك قوله عزوجل: " فقد آيتنا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " فأما الكتاب فالنبوة وأما الحكمة فهم الحكماء من الانبياء والاصفياء من الصفوة، وكل هؤلاء من الذرية التي بعضها من بعض الذين جعل الله عزوجل فيهم النبوة وفيهم العاقبة وحفظ الميثاق حتى تنقضي الدنيا، فهم العلماء وولاة الامر وأهل استنباط العلم والهداة فهذا بيان الفضل في الرسل والانبياء والحكماء وأئمة الهدى والخلفاء الذين هم ولاة أمر الله وأهل استنباط علم الله وأهل آثار علم الله عزوجل من الذرية التي بعضها من بعض من الصفوة بعد الانبياء من الال والاخوان والذرية من بيوتات الانبياء فمن عمل بعملهم وانتهى إلى أمرهم نجا بنصرهم، و من وضع ولاية الله وأهل استنباط علم الله في غير أهل الصفوة من بيوتات الانبياء فقد خالف أمر الله عزوجل وجعل الجهال ولاة أمر الله والمتكلفين بغير هدى، وزعموا أنهم أهل استنباط علم الله فكذبوا على الله (2) وزاغوا عن وصية الله وطاعته فلم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله تبارك وتعالى فضلوا وأضلوا أتباعهم فلا تكون (3) لهم يوم القيامة حجة إنما الحجة في آل إبراهيم لقول الله عزوجل: " فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " فالحجة الانبياء وأهل بيوتات الانبياء حتى تقوم الساعة لان كتاب الله ينطق بذلك ووصية الله جرت بذلك في العقب من البيوت التي رفعها الله تبارك وتعالى على الناس فقال: " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " (4) وهي بيوتات الانبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى، فهذا بيان عروة الايمان التي بها نجا من نجا قبلكم وبها ينجو من اتبع الائمة، وقد قال الله
(1) النساء: 54. (2) الزيغ: الميل عن الحق. وفى بعض النسخ " فقد كذبوا.. ". (3) " في بعض النسخ " ولم تكن ". (4) النور: 36 (*)
[ 219 ]
تبارك وتعالى في كتابه " ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمن وأيوب و يوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " (1) فإنه وكل بالفضل من أهل بيته من الاباء والاخوان و الذرية وهو قول الله عزوجل في كتابه: " فإن يكفر بها (أمتك) فقد ولكنا " أهل بيتك بالايمان الذي أرسلتك به فلا يكفرون بها أبدا ولا أضيع الايمان الذي أرسلتك به وجعلت أهل بيتك بعدك علما على أمتك (2) وولاة من بعدك وأهل استنباط علمي الذي ليس فيه كذ ب ولا إثم ولا وزر ولا بطر ولا رياء، فهذا تبيان ما بينه الله عزوجل من أمر هذه الامة بعد نبيها صلى الله عليه وآله، إن الله تعالى طهر أهل بيت نبيه وجعل لهم أجر المودة و أجرى لهم الولاية وجعلهم أوصياءه وأحباءه وأئمته بعده في أمته (3)، فاعتبروا أيها الناس فيما قلت وتفكروا حيث وضع الله عزوجل ولايته وطاعته ومودته واستنباط علمه وحجته، فإياه فتعلموا، وبه فاستمسكوا تنجوا، وتكون لكم به حجة يوم القيامة والفوز، فإنهم صلة ما بينكم وبين ربكم ولا تصل الولاية إلى الله عزوجل إلا بهم فمن فعل ذلك كان حقا على الله عزوجل أن يكرمه ولا يعذبه، ومن يأت الله بغير ما أمره كان حقا على الله أن يذله ويعذبه (4). وان الانبياء بعثوا خاصة وعامة، فأما نوح فإنه أرسل إلى من في الارض
(1) الانعام 84 إلى 90. (2) في بعض النسخ " بعدك علماء امتك " وفى بعضها " بعدك علماء عنك وولاة - الخ ".
(3) في بعض النسخ " وحججه ثابتة بعده في امته ". (4) هنا تمام الخبر كما في روضة الكافي تحت رقم 92، والظاهر أن الباقي من كلام المؤلف أخذه من الاخبار. (*)
[ 220 ]
بنبوة عامة ورسالة عامة، وأما هود فإنه أرسل إلى عاد بنبوة خاصة، وأما صالح فإنه أرسل إلى ثمود وهي قرية واحدة لا تكمل أربعين بيتا على ساحل البحر صغيرة (1) وأما شعيب فإنه أرسل إلى مدين وهي لا تكمل أربعين بيتا، وأما إبراهيم نبوته بكوثى ربا وهي قرية من قرى السواد فيها بدا أول أمره، ثم هاجر منها وليست بهجرة قتال، وذلك قوله عزوجل: " إني مهاجر إلى ربي سيهدين " (2) فكانت هجرة إبراهيم بغير قتال، وأما إسحاق فكانت نبوته بعد إبراهيم، وأما يعقوب فكانت نبوته بأرض كنعان ثم هبط إلى أرض مصر فتوفي بها، ثم حمل بعد ذلك جسده حتى دفن بأرض كنعان، و الرؤيا التي رأي يوسف الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين فكانت نبوته في أرض مصر بدؤها، ثم إن الله تبارك وتعالى أرسل الاسباط اثني عشر بعد يوسف، ثم موسى وهارون إلى فرعون وملائه إلى مصر وحدها، ثم إن الله تبارك وتعالى أرسل يوشع بن نون إلى بني إسرائيل من بعد موسى فنبوته بدؤها في البرية التي تاه فيها بنو إسرائيل، ثم كانت أنبياء كثيرون منهم من قصه الله عزوجل على محمد صلى الله عليه وآله ومنهم من لم يقصه على محمد، ثم إن الله عزوجل أرسل عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل خاصة فكانت نبوته ببيت المقدس وكان من بعده الحواريون اثنا عشر، فلم يزل الايمان يستسر في بقية أهله منذ رفع الله عزوجل عيسى عليه السلام وأرسل الله عزوجل محمدا صلى الله عليه وآله إلى الجن والانس عامة وكان خاتم الانبياء، وكان من بعده الاثنا عشر الاوصياء، منهم من أدركنا ومنهم من سبقنا، ومنهم من بقي، فهذا أمر النبوة و الرسالة، فكل نبي أرسل إلى بني إسرائيل خاص أو عام له وصي جرت به السنة وكان الاوصياء الذين بعد النبي صلى الله عليه وآله على سنة أوصياء عيسى عليه السلام، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه على سنة المسيح عليه السلام، فهذا تبيان السنة وأمثال الاوصياء بعد الانبياء عليهم السلام. 2 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله،
(1) أي بيوتا صغيرة. (2) سهو من المؤلف أو الراوى وفى المصحف " انى ذاهب " أو بدون " سيهدين ". (*)
[ 221 ]
عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الاول - يعني موسى بن جعفر عليهما السلام - قال: ما ترك الله عز وجل الارض بغير إمام قط منذ قبض آدم عليه السلام يهتدي به إلي الله عزوجل وهو الحجة على العباد من تركه ضل (1) ومن لزمه نجا حقا على الله عزوجل. 4 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن - عبد الله قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد المدائني عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته وهو يقول: لم تخل الارض منذ كانت من حجة عالم يحيى فيها ما يميتون من الحق، ثم تلى هذه الاية " يريدون ليطفئوا نور الله بأفهواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " (1). 5 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن محمد بن خالد البرقي، عن خلف بن حماد عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق. 6 - حدثنا أبي ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر الحيمري، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن سليم مولى طربال، عن إسحاق
ابن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الارض لم تخل إلا وفيها عالم كيما إن زاد المسلمون شيئا ردهم إلى الحق وإن نقصوا شيئا تممه لهم. 7 - حدثنا محمد بن الحسن رضي الله عنه قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثنا هارون بن مسلم، عن أبي الحسن الليثي قال: حدثني جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن في كل خلف من أمتي عدلا من أهل بيتي ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وإن أئمتكم قادتكم إلى الله عزوجل فانظروا بمن تقتدون في دينكم وصلاتكم.
(1) في بعض النسخ " هلك ". (*)
[ 222 ]
8 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن حماد بن عثمان عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " قال: الائمة من ولد علي وفاطمة عليهما السلام إلى أن تقوم الساعة. 9 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثنا أحمد بن إسحاق قال: دخلت على مولانا أبي محمد الحسن بن - علي العسكري عليهم السلام فقال: يا أحمد ما كان حالكم فيما كان فيه الناس من الشك و الارتياب ؟ فقلت له: يا سيدي لما ورد الكتاب لم يبق منا رجل ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلا قال بالحق، فقال: احمد الله على ذلك يا أحمد أما علمتم أن الارض لا تخلو من حجة وأنا ذلك الحجة - أو قال: أنا الحجة -. 10 - حدثنا محمد بن الحسن رضي الله عنه قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثنا أحمد بن إسحاق قال: خرج عن أبي محمد عليه السلام إلى بعض رجاله في عرض كلام له: مامني أحد من آبائي عليهم السلام بما منيت به من شك هذه العصابة في، فإن كان هذا الامر أمرا اعتقد تموه ودنتم به إلى وقت ثم ينقطع فللشك موضع، وإن كان متصلا ما اتصلت أمور الله عزوجل فما معنى هذا الشك ؟ !. 11 - حدثنا أبي، ومحمد بن االحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر جميعا، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن علي بن أسباط، عن عبد الله بن بكير، عن عمرو بن الاشعث قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أترون الامر إلينا نضعه حيث نشاء ؟ ! كلا والله إنه لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رجل فرجل حتى ينتهي إلى صاحبه. 12 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، وسعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا، عن إبراهيم بن مهزيار عن علي بن حديد، عن على بن النعمان، و (الحسن بن علي) الوشاء جميعا، عن الحسن بن
[ 223 ]
أبي حمزة الثمالي، عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام وهو يقول: لن تخلو الارض إلا وفيها رجل منا يعرف الحق فإذا زاد الناس فيه قال قد زادوا، وإذا نقصوا منه قال قد نقصوا، وإذا جاؤوا به صدقهم، ولو لم يكن ذلك كذلك لم يعرف الحق من الباطل. قال عبد الحميد بن عواض الطائي: بالله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من أبي جعفر عليه السلام، بالله الذي لاإله إلا هو لسمعته منه. 13 - حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري قالا: حدثنا إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه، عن النضر بن سويد، عن عاصم ابن حميد، وفضالة بن أيوب، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن عليا عليه السلام عالم هذه الامة والعلم يتوارث وليس يهلك منا أحد إلا ترك من أهل بيته من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله. 14 - وبهذا الاسناد، عن علي بن مهزيار، عن حماد بن عيسى، عن ربعي،
عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله وأبا جعفر عليهما السلام يقولان: إن العلم الذي (أ) هبط مع آدم لم يرفع، والعلم يتوارث وكل شئ من العلم وآثار الرسل والانبياء لم يكن من أهل هذا البيت فهو باطل، وإن عليا عليه السلام عالم هذه الامة وإنه لم يمت منا عالم إلا خلف من بعده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله. 15 - وبهذا الاسناد، عن علي بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب، عن أبان ابن عثمان، عن الحارث بن المغيرة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الارض لا تترك إلا بعالم يعلم الحلال والحرام وما يحتاج الناس إليه، ولا يحتاج إلى الناس، قلت: جعلت فداك علم ماذا ؟ قال: وراثة من رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام. 16 - وبهذا الاسناد، عن علي بن مهزيار، عن فضالة، عن أبان بن عثمان، عن الحسن بن زياد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: هل تكون الارض إلا وفيها إمام ؟ قال: لا تكون إلا وفيها إمام عالم بحلالهم وحرامهم وما يحتاجون إليه. 17 - وبهذا الاسناد، عن على بن مهزيار، عن فضالة، عن أبان بن عثمان، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: تكون
[ 224 ]
الارض بغير إمام قال: لا، قلت: أفيكون إمامان في وقت واحد ؟ قال: لا إلا وأحدهما صامت، قلت: فالامام يعرف الامام الذي من بعده ؟ قال: نعم، قال: قلت: القائم إمام قال: نعم إمام بن إمام قد أؤتم به قبل ذلك. 18 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا قالا: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن - عبد الرحمن، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: لم يترك الله عزوجل الارض بغير عالم يحتاج الناس إليه ولا يحتاج إليهم بعلم الحلال والحرام قلت: جعلت فداك بماذا يعلم ؟ قال: بوراثة من رسول الله، ومن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما. 19 - وبهذا الاسناد، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن العلم الذي أنزل مع آدم عليه السلام لم يرفع وما مات منا عالم إلا ورث علمه (من بعده) إن الارض لا تبقى بغير عالم. 20 - حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن محمد بن إسماعيل القرشي، عمن حدثه، عن إسماعيل بن أبي رافع عن أبيه أبى رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل عليه السلام نزل علي بكتاب فيه خبر الملوك - ملوك الارض - قبلي وخبر من بعث قبلي من الانبياء والرسل - وهو حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة إليه (1) - قال: لما ملك أشج بن أشجان (2) وكان يسمى