الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




نهج البلاغة - خطب الامام علي عليه السلام ج 3

نهج البلاغة

خطب الامام علي عليه السلام ج 3


[ 1 ]

نهج البلاغة وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام شرح الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية سابقا الجزء الثالث الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ورسائله إلى أعدائه وأمراء بلاده، ويدخل في ذلك ما اختير من عهوده إلى عماله ووصاياه لاهله وأصحابه وإن كان كل كلامه رضي الله عنه مختارا 1 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة) من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الانصار (1). وسنام العرب أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه إن الناس طعنوا عليه، فكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه (2) وأقل عتابه، وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه


(1) شبههم بالجبهة من حيث الكرم، وبالسنام من حيث الرفعة (2) استعتابه: استرضاؤه. والوجيف: ضرب من سير الخيل والابل سريع. وجملة أهون سيرهما الوجيف خبر كان، =

[ 3 ]

الو جيف، وأرفق حدائهما العنيف، وكان من عائشة فيه فلتة غضب (1) فأتيح له قوم فقتلوه، وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيرين واعلموا أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها (2)، وجاشت جيش المرجل وقامت الفتنة على القطب، فأسرعوا إلى أميركم وبادروا جهاد عدوكم إن شاء الله 2 - (ومن كتاب له عليه السلام إليهم بعد فتح البصرة) وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم أحسن ما يجزي العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته، فقد سمعتم وأطعتم، ودعيتم فأجبتم


= أي أنهما سارعا لاثارة الفتنة عليه. والحداء زجر الابل وسوقها (1) قيل إن أم المؤمنين أخرجت نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقميصه من تحت ستارها وعثمان رضي الله عنه على المنبر وقالت هذان نعلا رسول الله وقميصه لم تبل، وقد بدلت من دينه وغيرت من سنته، وجرى بينهما كلام المخاشنة، فقالت اقتلوا نعثلا، تشبهه برجل معروف. فأتيح أي قدر له قوم فقتلوه (2) دار الهجرة المدينة. وقلع المكان بأهله نبذهم فلم يصلح لاستيطانهم. وجاشت غلت. والجيش الغليان. والمرجل كمنبر: القدر أي فعليكم أن تقتدوا بأهل دار الهجرة فقد خرجوا جميعا لقتال أهل الفتنة. والقطب هو نفس الامام قامت =

[ 4 ]

3 - (ومن كتاب له عليه السلام كتبه لشريح بن الحارث قاضيه) روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين عليه السلام اشترى على عهده دارا بثمانين دينارا فبلغه ذلك فاستدعاه وقال له: بلغني أنك ابتعت دارا بثمانين دينارا وكتبت كتابا وأشهدت فيه شهودا، فقال شريح: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين. قال فنظر إليه نظر مغضب ثم قال له: يا شريح أما إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك، ولا يسألك عن بينتك حتى يخرجك منها شاخصا (1)، ويسلمك إلى قبرك خالصا. فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك، أو نقدت الثمن من غير حلالك فإذا أنت قد خسرت دار الدنيا ودار الآخرة. أما إنك لو أتيتني عند شرائك ما اشتريت لكتبت لك كتابا على هذه النسخة فلم ترغب في شراء هذه الدار بدرهم فما فوق. والنسخة: " هذا ما اشترى عبد ذليل من عبد قد أزعج للرحيل، اشترى منه دارا من دار الغرور من جانب الفانين، وخطة الهالكين، ويجمع هذه الدار حدود أربعة: الحد الاول


= عليه فتنة أصحاب الجمل (1) ذاهبا مبعدا

[ 5 ]

ينتهي إلى دواعي الآفات، والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات، والحد الثالث ينتهي إلى الهوى المردي، والحد الرابع ينتهي إلى الشيطان المغوي، وفيه يشرع باب هذه الدار (1). اشترى هذا المغتر بالامل من هذا المزعج بالاجل هذه الدار بالخروج من عز القناعة والدخول في ذل الطلب والضراعة (2)، فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى من درك فعلى مبلبل أجسام الملوك، وسالب نفوس الجبابرة، ومزيل ملك الفراعنة، مثل كسرى وقيصر، وتبع وحمير، ومن جمع المال على المال فأكثر، وبنى وشيد وزخرف، ونجد وادخر، واعتقد ونظر بزعمه للولد إشخاصهم جميعا (3) إلى موقف العرض والحساب، وموضع الثواب والعقاب. إذا وقع الامر بفصل القضاء " وخسر هنالك المبطلون " شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدنيا "


(1) يشرع أي يفتح في الحد الرابع (2) الضراعة الذلة. والدرك بالتحريك: التبعة، والمراد منه ما يضر بملكية المشترى أو منفعته بما اشترى ويكون الضمان فيه على البائع. ومبلبل الاجسام مهيج داآتها المهلكة لها. ونجد بتشديد الجيم أي زين. واعتقد المال اقتناه (3) أشخاصهم مبتدأ مؤخر خبره على مبلبل الاجسام الخ أي إذا لحق المشتري ما يوجب الضمان فعلى مبلبل الاجسام إرساله هو والبائع إلى موقف الحساب الخ

[ 6 ]

4 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض أمراء جيشه) فإن عادوا إلى ظل الطاعة فذاك الذي نحب، وإن توافت الامور بالقوم إلى الشقاق والعصيان (1) فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك، واستغن بمن انقاد معك عمن تقاعس عنك فإن المتكاره (2) مغيبه خير من شهوده، وقعوده أغنى من نهوضه 5 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى الاشعث بن قيس) (عامل أذربيجان) وإن عملك ليس لك بطمعة (3) ولكنه في عنقك أمانة، وأنت مسترعى لمن فوقك. ليس لك أن تفتات في رعية (4) ولا تخاطر إلا بوثيقة، وفي يديك مال من مال الله عزوجل وأنت من خزانه حتى تسلمه إلي، ولعلي أن لا أكون شر ولاتك لك والسلام (5)


(1) توافي القوم وافى بعضهم بعضا حتى تم اجتماعهم، أي وإن اجتمعت أهواؤهم إلى الشقاق فانهد أي أنهض (2) المتكاره المتثاقل بكراهة الحرب وجوده في الجيش يضر أكثر مما ينفع (3) عملك أي ما وليت لتعمله في شؤون الامة. ومسترعى يرعاك من فوقك وهو الخليفة (4) تفتات أي تستبد، وهو افتعال من الفوت كأنه يفوت آمره فيسبقه إلى الفعل قبل أن يأمره. والخزان بضم فتشديد: جمع خازن (5) الولاة: جمع وال من ولى عليه إذا تسلط، يرجو أن لا يكون شر المتسلطين عليه ولا يحق الرجاء =

[ 7 ]

6 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية) إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا ان تتجنى (1) فتجن ما بدالك والسلام 7 - (ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا) أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة (2)، ورسالة محبرة نمقتها بضلالك، وأمضيتها بسوء رأيك، وكتاب امرئ ليس له بصر


= إلا إذا استقام (1) تجنى كتولي ادعى الجناية على من لم يفعلها. وتجن ما بدالك أي تستره وتخفيه (2) موصلة بصيغة المفعول ملفقة من كلام مختلف وصل بعضه ببعض على التباين، كالثوب المرقع، ومحبرة أي مزينة. ونمقتها حسنت كتابتها. وأمضيتها أنفذتها وبعثتها. وكتاب =

[ 8 ]

يهديه ولا قائد يرشده، قد دعاه الهوى فأجابه، وقاده الضلال فاتبعه فهجر لاغطا (1) وضل خابطا (منه) لانها بيعة واحدة لا يثنى فيها النظر (2) ولا يستأنف فيها الخيار. الخارج منها طاعن، والمروي فيها مداهن 8 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إلى معاوية) أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل (3)، وخذه بالامر الجزم، ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم مخزية، فإن اختار الحرب فانبذ إليه، وإن اختار السلم فخذ بيعته والسلام 9 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية) فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا (4)، وهموا بنا الهموم وفعلوا


= عطف على موعظة (1) هجر: هذى في كلامه ولغا. واللغط الجلبة بلا معنى (2) لا ينظر فيها ثانيا بعد النظر الاول، ولاخيار لاحد فيها يستأنفه بعد عقدها. والمروي هو المتفكر هل يقبلها أو ينبذها. والمداهن المنافق (3) الفصل الحكم القطعي. وحرب مجلية أي مخرجة له من وطنه. والسلم المخزية الصلح الدال على العجز. والخطل في الرأي الموجب للخزي. فانبذ إليه أي اطرح إليه عهد الامان وأعلنه بالحرب. والفعل من باب ضرب (4) يحكي معاملة قريش للنبي صلى الله عليه وسلم في أول البعثة. والاجتياح الاستئصال والاهلاك. وهموا الهموم: قصدوا نزولها. والافاعيل: جمع أفعولة: الفعلة الرديئة والعذب هنئ =

[ 9 ]

بنا الافاعيل، ومنعونا العذب، وأحلسونا الخوف، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا نار الحرب، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته (1)، والرمي من وراء حرمته. مؤمننا يبغي بذلك الاجر، وكافرنا يحامي عن الاصل. ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه، فهو من القتل بمكان أمن (2) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أحمر البأس (3) وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والاسنة. فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر (4)، وقتل حمزة يوم أحد، وقتل جعفر يوم مؤتة. وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة (5)، ولكن آجالهم عجلت ومنيته أجلت. فيا عجبا للدهر إذ


= العيش. وأحلسونا: ألزمونا. واضطرونا: الجأونا. والجبل الوعر الصعب الذي لا يرقى إليه كناية عن مضايقة قريش لشعب أبي طالب حيث جاهروهم بالعداوة وحلفوا لا يزوجونهم ولا يكلمونهم ولا يبايعونهم، وكتبوا على ذلك عهدهم عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم (1) عزم الله: أراد لنا أن نذب عن حوزته، والمراد من الحوزة هنا الشريعة الحقة. ورمى من وراء الحرمة: جعل نفسه وقاية لها يدافع السوء عنها فهو من ورائها أو هي من ورائه (2) كان المسلمون من غير آل البيت آمنين على أنفسهم إما بتحالفهم مع بعض القبائل أو بالاستناد إلى عشائرهم (3) احمرار البأس اشتداد القتال، والوصف لما يسيل فيه من الدماء. وحر الاسنة بفتح الحاء: شدة وقعها (4) عبيدة ابن عمه وحمزة عمه وجعفر أخو الامام. ومؤتة بضم الميم بلد في حدود الشام (5) من لو شئت يريد نفسه

[ 10 ]

صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي (1)، ولم تكن له كسابقتي التي لا يدلي أحد بمثلها إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه، ولا أظن الله يعرفه والحمد لله على كل حال وأما ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك فإني نظرت في هذا الامر فلم أره يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك، ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك (2) لتعرفنهم عن قليل يطلبونك، لا يكلفونك طلبهم في بر ولا بحر ولا جبل ولا سهل، إلا أنه طلب يسوءك وجدانه، وزور لا يسرك لقيانه (3) والسلام لاهله 1 0 - (ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا) وكيف أنت صانع إذا تكشفت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها (4) وخدعت بلذتها. دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها. وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن (5). فاقعس عن هذا الامر، وخذ أهبة الحساب، وشمر


(1) بقدم مثل قدمي جرت وثبتت في الدفاع عن الدين. والسابقة: فضله السابق في الجهاد. وأدلى إليه برحمه: توسل، وبمال دفعه إليه وكلا المعنيين صحيح (2) تنزع كتصرب أي تنته (3) الزور بفتح فسكون: الزائرون. وإفراد الضمير في لقيانه باعتبار اللفظ (4) الجلابيب جمع جلباب وهو الثوب فوق جميع الثياب كالملحفة. وتبهجت: تحسنت. والضمير فيه وفيما بعده للدنيا (5) المجن: الترس، أي يوشك أن يطلعك الله على مهلكة لك لا تتقي منها بترس. واقعس =

[ 11 ]

لما قد نزل بك، ولا تمكن الغواة من سمعك، وإلا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك (1)، فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه وبلغ فيك أمله، وجرى منك مجرى الروح والدم ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية (2) وولاة أمر الامة؟ بغير قدم سابق ولا شرف باسق، ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشقاء وأحذرك أن تكون متماديا في غرة الامنية (3) مختلف العلانية والسريرة وقد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانبا وأخرج إلي وأعف الفريقين من القتال ليعلم أينا المرين على قلبه (4) والمغطى على بصره. فأنا أبو حسن قاتل جدك (5) وخالك وأخيك شدخا يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب ألقى عدوي، ما استبدلت دينا، ولا


= تأخر. والاهبة كالعدة وزنا ومعنى. والغواة: قرناء السوء يزينون الباطل ويحملون على الفساد (1) أي أنبهك بصدمة القوة إلى ما لم تنتبه إليه من نفسك فتعرف الحق وتقلع عن الباطل. والمترف من أطغته النعمة (2) ساسة: جمع سائس. والباسق العالي الرفيع (3) الغرة بالكسر: الغرور. والامنية بضم الهمزة: ما يتمناه الانسان ويؤمل إدراكه (4) المرين بفتح فكسر: اسم مفعول من ران ذنبه على قلبه غلب عليه فغطى بصيرته (5) جد معاوية لامه عتبة بن أبي ربيعة، وخاله الوليد بن عتبة، وأخوه حنظلة بن أبي سفيان. وشدخا أي كسرا. قالوا هو الكسر في الرطب، وقيل في اليابس

[ 12 ]

استحدثت نبيا. وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين (1) ودخلتم فيه مكرهين وزعمت أنك جئت ثائرا بعثمان (2). ولقد علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك إن كنت طالبا، فكأني قد رأيتك تضج من الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالاثقال (3) وكأني بجماعتك تدعوني - جزعا من الضرب المتتابع والقضاء الواقع ومصارع بعد مصارع - إلى كتاب الله، وهي كافرة جاحدة، أو مبايعة حائدة 11 - (ومن وصية له عليه السلام وصى بها جيشا بعثه إلى العدو) فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبيل الاشراف (4) أو سفاح الجبال، أو أثناء الانهار كيما يكون لكم ردءا ودونكم مردا. ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين.


(1) المنهاج هو طريق الدين الحق لم يدخل فيه أبو سفيان ومعاوية رضي الله عنهما إلا بعد الفتح كرها (2) ثأر به طلب بدمه، ويشير بحيث وقع دم عثمان إلى طلحة والزبير (3) تفرس فيما سيكون من معاوية وجنده وكان الامر كما تفرس الامام. والحائدة: العادلة عن البيعة بعد الدخول فيها (4) قدام الجبال. والاشراف جمع شرف محركة العلو والعالي وسفاح الجبال أسافلها. والاثناء: منعطفات الانهار. والردء بكسر فسكون: العون. والمرد بتشديد =

[ 13 ]

واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال (1) ومناكب الهضاب لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن. وأعلموا أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون القدمة طلائعهم. وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعا، وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة (2)، ولا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة 12 - (ومن وصية له عليه السلام لمعقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له) اتق الله الذي لابد لك من لقائه ولا منتهى لك دونه. ولا تقاتلن إلا من قاتلك. وسر البردين (3). وغور بالناس. ورفه بالسير. ولا تسر أول الليل (4) فإن الله جعله سكنا وقدره مقاما لا ظعنا. فأرح فيه بدنك وروح ظهرك. فإذا وقفت حين ينبطح السحر (5) أو حين


= الدال -: مكان الرد والدفع. (1) صياصي: أعالي. والمناكب: المرتفعات. والهضاب: جمع هضبة بفتح فسكون: الجبل لا يرتفع عن الارض كثيرا مع انبساط في أعلاه (2) مثل كفة الميزان فانصبوها مستديرة حولكم محيطة بكم كأنها كفة الميزان. والغرار بكسر الغين: النوم الخفيف. والمضمضة أن ينام ثم يستيقظ ثم ينام تشبيها بمضمضة الماء في الفم يأخذه ثم يمجه (3) الغداة والعشي (4) وغور أي أنزل بهم في الغائرة وهي القائلة. ونصف النهار أي وقت شدة الحر. ورفه أي هون ولا تتعب نفسك ولا دابتك. والظعن السفر (3) ينبطح ينبسط. =

[ 14 ]

ينفجر الفجر فسر على بركة الله. فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك وسطا، ولا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد عنهم تباعد من يهاب البأس حتى يأتيك أمري، ولا يحملنكم شنآنهم (1) على قتالهم قبل دعائهم والاعذار إليهم 13 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى أميرين من أمراء جيشه) وقد أمرت عليكما وعلى من في حيزكما (2) مالك بن الحارث الاشتر فاسمعا له وأطيعا، واجعلاه درعا ومجنا (3)، فإنه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطي عنه أمثل 14 - (ومن وصية له عليه السلام لعسكره قبل لقاء العدو بصفين) لا تقاتلوهم حتى يبدأوكم فإنكم بحمد الله على حجة، وترككم إياهم حتى يبدأوكم حجة أخرى لكم عليهم. فإذا


= محاز عن استحكام الوقت بعد مضي مدة منه وبقاء مدة (1) الشنآن: البغضاء. والاعذار إليهم: تقديم ما يعذرون به في قتالهم (2) الحيز ما يتحيز فيه الجسم أي يتمكن، والمراد منه مقر سلطتهما (3) الدرع ما يلبس من مصنوع الحديد للوقاية من الضرب والطعن. والمجن الترس أي اجعلاه حاميا لكما. والوهن: الضعف. والسقطة: الغلطة وأحزم =

[ 15 ]

كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبرا، ولا تصببوا معورا (1)، ولا تجهزوا على جريح. ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى والانفس والعقول. إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات (2). وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر أو الهراوة (3) فيعير بها وعقبه من بعده 15 - (وكان عليه السلام يقول إذا لقي العدو محاربا) اللهم إليك أفضت القلوب (4). ومدت الاعناق. وشخصت الابصار، ونقلت الاقدام، وأنضيت الابدان. اللهم قد صرح مكتوم الشنآن (5). وجاشت مراجل الاضغان. اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا. وكثرة عدونا، وتشتت أهوائنا. " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين "


= أقرب للحرم. وأمثل أولى وأحسن (1) المعور كمجرم الذي أمكن من نفسه وعجز عن حمايتها. وأصله أعور أبدى عورته. وأجهز على الجريح: تمم أسباب موته (2) هذا حكم الشريعة الاسلامية لا ما يتوهمه جاهلوها من إباحتها التعرض لاعراض الاعداء نعوذ بالله (3) الفهر بالكسر الحجر على مقدار ما يدق به الحور أو يملا الكف. والهراوة بالكسر: العصا أو شبه الدبوس من الخشب وعقبه عطف على ضمير يعير (4) أفضت انتهت ووصلت. وأنضيت: أبليت بالهزال والضعف في طاعتك (5) صرح القوم بما كانوا يكتمون من البغضاء. وجاشت: غلت. والمراجل: القدور. والاضغان: جمع ضغن، هو الحقد

[ 16 ]

16 - (وكان يقول عليه السلام لاصحابه عند الحرب) لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة (1)، ولا جولة بعدها حملة وأعطوا السيوف حقوقها. ووطئوا للجنوب مصارعها (2) واذمروا أنفسكم على الطعن الدعسي (3) والضرب الطلحفى. وأميتوا الاصوات فإنه أطرد للفشل. فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر، فلما وجدوا أعوانا عليه أظهروه 17 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية) جوابا عن كتاب منه إليه فأما طلبك إلي الشام (4) فإني لم أكن لاعطيك اليوم ما منعتك أمس. وأما قولك إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس


(1) لا يشق عليكم الامر إذا انهزمتم متى عدتم للكرة، ولا تثقل عليكم الدورة من وجه العدو إذا كانت بعدها حملة وهجوم عليه (2) وطئوا مهدوا للجنوب: جمع جنب، مصارعها أماكن سقوطها، أي إذا ضربتم فأحكموا الضرب ليصيب فكأنكم مهدتم للمضروب مصرعه. واذمروا على وزن اكتبوا أي حرصوا (3) الدعسي اسم من الدعس أي الطعن الشديد. والطلحفى بفتحتين فسكون ففتح: أشد الضرب. وإماتة الاصوات: انقطاعها بالسكوت (4) كتب معاوية إلى علي يطلب منه أن يترك له الشام ويدعوه للشفقة على العرب الذين أكلتهم الحرب ولم يبق منهم إلا حشاشات أنفس: جمع حشاشة بالضم، يقية الروح ويخوفه باستواء العدد في رحال الفريقين ويفتخر بأنه من أمية =

[ 17 ]

بقيت ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة ومن أكله الباطل فإلى النار. وأما استواؤنا في الحرب والرجال فلست بأمضى على الشك مني على اليقين. وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن. ولكن ليس أمية كهاشم. ولا حرب كعبد المطلب. ولا أبو سفيان كأبي طالب. ولا المهاجر كالطليق (1)، ولا الصريح كاللصيق. ولا المحق كالمبطل ولا المؤمن كالمدغل. ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم وفي أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز ونعشنا بها الذليل (2). ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجا وأسلمت له هذه الامة طوعا وكرها كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة وإما رهبة على حين فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الاولون بفضلهم. فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا، ولا على نفسك سبيلا


= وهو وهاشم من شجرة واحدة فأجابه أمير المؤمنين بما ترى (1) الطليق الذي أسر فأطلق بالمن عليه أو الفدية، وأبو سفيان ومعاوية كانوا من الطلقاء يوم الفتح. والمهاجر من آمن في المخافة وهاجر تخلصا منها. والصريح صحيح النسب في ذوي الحسب. واللصيق من ينتمي إليهم وهو أجنبي عنهم. والصراحة والالتصاق بالنسبة إلى الدين. والمدغل المفسد (2) نعشنا: رفعنا

[ 18 ]

18 - (ومن كتاب له عليه السلام) (إلى عبد الله بن عباس وهو عامله على البصرة (1)) اعلم أن البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن، فحادث أهلها بالاحسان إليهم، واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم وقد بلغني تنمرك لبني تميم (2) وغلظتك عليهم، وإن بني تميم لم يغب لهم نجم إلا طلع لهم آخر (3)، وإنهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية ولا إسلام. وإن لهم بنا رحما ماسة وقرابة خاصة نحن مأجورون على صلتها ومأزورون على قطيعتها. فاربع (4) أبا العباس رحمك الله فيما جرى على لسانك ويدك من خير وشر فإنا شريكان في ذلك، وكن عند صالح ظني بك، ولا يفيلن رأيي فيك. والسلام 1 9 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله) أما بعد فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة (5)،


(1) كان عبد الله بن عباس قد اشتد على بني تميم لانهم كانوا مع طلحة والزبير يوم الجمل فأقصى كثيرا منهم فعظم على بعضهم من شيعة الامام فشكى له (2) تنمرك أي تنكر أخلاقك (3) غيبوبة النجم: كناية عن الضعف. وطلوعه كناية عن القوة والوغم بفتح فسكون: الحرب. والحقد أي لم يسبقهم أحد في البأس وكان بين بني تميم وهاشم مصاهرة وهي تستلزم القرابة بالنسل (4) اربع: أرفق وقف عند حد ما تعرف. وفال رأيه: ضعف (5) الدهاقين: الاكابر يأمرون من دونهم ولا يأتمرون

[ 19 ]

واحتقارا وجفوة، ونظرت فلم أرهم أهلا لان يدنوا لشركهم (1) ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة (2)، وداول لهم بين القسوة والرأفة، وامزج لهم بين التقريب والادناء، والابعاد والاقصاء إن شاء الله 20 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وهو خليفة عامله عبد الله بن عباس على البصرة. وعبد الله عامل أمير المؤمنين يومئذ عليها وعلى كور الاهواز وفارس وكرمان (3)) وإني أقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت من فئ المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا (4) لاشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر ثقيل الظهر ضئيل الامر. والسلام 21 - (ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا) فدع الاسراف مقتصدا، واذكر في اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك (5)


(1) لان يقربوا فإنهم مشركون ولا لان يبعدوا فإنهم معاهدون (2) تشوبه: تخلطه (3) كور: جمع كورة، وهي الناحية المضافة إلى أعمال بلد من البلدان. والاهواز: تسع كور بين البصرة وفارس (4) فيئهم: مالهم من غنيمة أو خراج. والوفر المال. والضئيل: الضعيف النحيف (5) ما يفضل من المال فقدمه ليوم =

[ 20 ]

أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين. وتطمع وأنت متمرغ في النعيم تمنعه الضعيف والارملة أن يوجب لك ثواب المتصدفين. وإنما المرء مجزي بما أسلف (1)، وقادم على ما قدم. والسلام 2 2 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس) وكان يقول ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله كانتفاعي بهذا الكلام أما بعد فإن المرء، قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه (2). فليكن سرورك بما نلت من آخرتك. وليكن أسفك على ما فاتك منها. وما نلت من دنياك فلا تكثر فيه فرحا. وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا. وليكن همك فيما بعد الموت


= الحاجة كالاعداد ليوم الحرب مثلا، أو قدم فضل الاستقامة للحاجة يوم القيامة (1) أسلف: قدم في سالف أيامه (2) قد يسر الانسان لشئ وقد حتم في قضاء الله أنه له، ويحزن بفوات شئ ومحتوم عليه أن يفوته. والمقطوع بحصوله لا يصح الفرح به كالمقطوع بفواته لا يصح الحزن له لعدم الفائدة في الثاني ونفي الغائلة في الاول. ولا تأس أي لا تحزن

[ 21 ]

2 3 - (ومن كلام له عليه السلام) قاله قبيل موته على سبيل الوصية لما ضربه ابن ملجم لعنه الله وصيتي لكم أن لا تشركوا بالله شيئا. ومحمد صلى الله عليه وآله (1) فلا تضيعوا سنته. أقيموا هذين العمودين وخلاكم ذم (2) أنا بالامس صاحبكم، واليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم. إن أبق فأنا ولي دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي. وإن أعف فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة، فاعفوا " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " والله ما فجئني من الموت وارد كرهته، ولا طالع أنكرته. وما كنت إلا كقارب ورد (3) وطالب وجد " وما عند الله خير للابرار " (أقول: وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب إلا أن فيه ههنا زيادة أوجبت تكريره


(1) ومحمد عطف على أن لا تشركوا مرفوع (2) عداكم الذم وجاوزكم اللوم بعد قيامكم بالوصية (3) القارب: طالب الماء ليلا كما قال الخليل ولا يقال لطالبه نهارا يريد أنه عليه السلام مستعد للموت راغب في لقاء الله وليس يكره ما يقبل عليه منه

[ 22 ]

24 - (ومن وصية له عليه السلام) بما يعمل في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين هذا ما أمر به عبد الله علي بن أبي طالب في ماله ابتغاء وجه الله ليولجه به الجنة (1) ويعطيه به الامنة (منها) وإنه يقوم بذلك الحسن بن علي يأكل منه بالمعروف وينفق في المعروف، فان حدث بحسن حدث (2) وحسين حي قام بالامر بعده وأصدره مصدره وإن لابني فاطمة من صدقة علي مثل الذي لبني علي، وإني إنما جعلت القيام بذلك إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه الله وقربة إلى رسول الله، وتكريما لحرمته وتشريفا لوصلته (3) ويشترط (4) على الذي يجعله إليه أن يترك المال على أصوله، وينفق من ثمره حيث أمر به وهدي له، وأن لا يبيع من أولاد نخل هذه القرى ودية (5) حتى تشكل أرضها غراسا


(1) يولجه: يدخله. والامنة بالتحريك: الامن (2) الحدث بالتحريك: الحادث أي الموت وأصدره أجراه كما كان يجري على يد الحسن (3) الوصلة بالضم: الصلة وهي هنا القرابة (4) ضمير الفعل إلى علي أو الحسن. والذي يجعله إليه هو من يتولى المال بعد علي أو الحسن بوصيته. وترك المال على أصوله أن لا يباع منه شئ ولا يقطع منه غرس (5) الودية كهدية: واحدة الودى أي صغار النخل وهو هنا الفسيل. والسر في النهي أن النخلة =

[ 23 ]

ومن كان من إمائي اللاتي أطوف عليهن لها ولد أو هي حامل فتمسك على ولدها وهي من حظه، فإن مات ولدها وهي حية فهي عتيقة قد أفرج عنها الرق وحررها العتق (قوله عليه السلام في هذه الوصية: أن لا يبيع من نخلها ودية. الودية الفسيلة وجمعها ودي. قوله عليه السلام حتى تشكل أرضها غراسا هو من أفصح الكلام. والمراد به أن الارض يكثر فيها غراس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها بها فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها) 25 - (ومن وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات وإنما ذكرنا هنا جملا ليعلم بها أنه كان يقيم عماد الحق ويشرع أمثلة العدل في صغير الامور وكبيرها ودقيقها وجليلها) انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له. ولا تروعن مسلما (1) ولا تجتازن عليه كارها، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا قدمت على الحي فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض


(1) روعه ترويعا خوفه. =

[ 24 ]

إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج بالتحية لهم (1) ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخد منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟ فإن قال قائل لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم (2) فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة. فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه، فإن أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه ولا ة عنيف به، ولا تنفرن بهيمة ولا تفزعنها ولا تسوءن صاحبها فيها، واصدع المال صدعين (3) ثم خيره، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره. ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره. فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله فاقبض حق الله منه. فإن استقالك فأقله (4) ثم اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله. ولا تأخذن عودا (5) ولا هرمة ولا


= والاجتياز: المرور، أي لا تمر عليه وهو كاره لك لغلظة فيك (1) أخدجت السحابة قل مطرها أي لا تبخل (2) قال لك نعم. أو تعسفه تأخذه بشدة. وترهقه تكلفه ما يصعب عليه (3) اقسمه قسمين ثم خير صاحب المال في أيهما (4) أي فان ظن في نفسه سوء الاختيار وأن ما أخذت منه الزكاة أكرم مما في يده وطلب الاعفاء من هذه القسمة فأعفه منها واخلظ وأعد القسمة (5) العود بفتح فسكون: السنة من الابل. والهرمة =

[ 25 ]

مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار، ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم، ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا، غير معنف ولا مجحف (1)، ولا ملغب ولا متعب، ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك (2) نصيره حيث أمر الله به. فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألا يحول بين ناقة وبين فصيلها (3) ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بوليدها، ولا يجهدنها ركوبا. وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها، وليرفه على اللاغب (4). وليستأن بالنقب والظالع. وليوردها ما تمر به من الغدر (5) ولا يعدل بها عن نبت الارض إلى جواد الطريق، وليروحها في الساعات وليمهلها عند النطاف (6) والاعشاب حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات (7)، لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه صلى


= أسن من العود. والمهلوسة: الضعيفة. هلسه المرض أضعفه. والعوار بفتح العين، وتضم: العيب (1) المجحف من يشتد في سوقها حتى تهزل. والملغب المعيى من التعب (2) حدر يحدر كينصر ويضرب أسرع، والمراد سق إلينا سريعا (3) فصيل الناقة: ولدها وهو رضيع. ومصر اللبن تمصيرا قلله، أي لا يبالغ في حلبها حتى يقل اللبن في ضرعها (4) أي ليرح ما لغب أي أعياه التعب، وليستأن أي يرفق من الاناة بمعنى الرفق. والنقب بفتح فكسر: ما نقب خفه كفرح، أي تخرق. وظلع البعير غمز في مشيته (5) جمع غدير ما غادره السيل من المياه (6) النطاف جمع نطفة: المياه القليلة، أي يجعل لها مهلة لتشرب وتأكل (7) البدن بضمتين: جمع بادنة أي سمينة. =

[ 26 ]

الله عليه وآله، فإن ذلك أعظم لاجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله 26 - (ومن كتاب له عليه السلام) إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة آمره بتقوى الله في سرائر أمره وخفيات عمله، حيث لا شهيد غيره ولا وكيل دونه. وآمره أن لا يعمل بشئ من طاعة الله فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسر (1)، ومن لم يختلف سره وعلانيته وفعله ومقالته فقد أدى الامانة وأخلص العبادة وآمره أن لا يجبههم (2) ولا يعضههم، ولا يرغب عنهم تفضلا بالامارة عليهم، فإنهم الاخوان في الدين والاعوان على استخراج الحقوق. وإن لك في هذه الصدقة نصيبا مفروضا وحقا معلوما، وشركاء أهل مسكنة وضعفاء ذوي فاقة، وإنا موفوك حقك فوفهم حقوقهم، وإلا تفعل فإنك من أكثر الناس خصوما يوم القيامة، وبؤسا لمن خصمه عند الله الفقراء والمساكين (3) والسائلون والمدفوعون والغارم


= والمنقيات اسم فاعل من أنقت الابل إذا سمنت، وأصله صارت ذات نقى بكسر فسكون أي مخ (1) فيخالف هو مصب النهي (2) جبهه كمنعه: ضرب جبهته. وعضه فلانا كفرح بهته. نهى عن المخاشنة والتقريع. ولا يرغب عنهم لا يتجافى (3) بئس كسمع بؤسا اشتدت حاجته، ومن كان خصمه الفقراء فلا بد أن يبأس لانهم لا يعفون =

[ 27 ]

وابن السبيل. ومن استهان بالامانة ورتع في الخيانة ولم ينزه نفسه ودينه عنها فقد أحل بنفسه في الدنيا الخزي (1) وهو في الآخرة أذل وأخزى. وإن أعظم الخيانة خيانة الامة، وأفظع الغش غش الائمة. والسلام. 27 - (ومن عهده عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر) فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك، وأبسط لهم وجهك، وآس (2) بينهم في اللحظة والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك بهم، فإن الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة، والظاهرة والمستورة، فإن يعذب فأنتم أظلم، وإن يعف فهو أكرم واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم. سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا


= ولا يتسامحون في حقهم لتقرح قلوبهم من المنع عند الحاجة (1) جمع خزية بفتح الخاء أي بلية، الجمع بضم ففتح كنونه ونوب (2) آس أمر من آسى بمد الهمزة أي سوى. يريد اجعل بعضهم أسوة بعض أي مستوين. وحيفك لهم أي ظلمك لانهم يطمعون =

[ 28 ]

من الدنيا بما حظي به المترفون (1)، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون. ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح. أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غدا في آخرتهم. لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من لذة. فاحذروا عباد الله الموت وقربه، وأعدوا له عدته، فإنه يأتي بأمر عظيم وخطب جليل، بخير لا يكون معه شر أبدا، أو شر لا يكون معه خير أبدا. فمن أقرب إلى الجنة من عاملها (2)؟ ومن أقرب إلى النار من عاملها؟. وأنتم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم. الموت معقود بنواصيكم (3) والدنيا تطوى من خلفكم. فاحذروا نارا قعرها بعيد، وحرها شديد، وعذابها جديد. دار ليس فيها رحمة، ولا تسمع فيها دعوة، ولا تفرج فيها كربة. وإن استطعتم أن يشتد خوفكم من الله وأن يحسن


= في ذلك إذا خصصتهم بشئ من الرعاية (1) المنعمون فإن المتقي يؤدي حق الله وحقوق العباد ويتلذذ بما آتاه الله من النعمة وينفق ماله فيما يرفع شأنه ويعلى كلمته فيعيش سعيدا مترفا كما عاش الجبابرة ثم ينقلب بالزاد وهو الاجر الذي يبلغه سعادة الآخرة جزاء على رعاية حق نفسه ومنفعتها الصحيحة فيما أوتي من الدنيا، وهو بهذا يكون زاهدا في الدنيا وهي مغدقة عليه (2) استفهام بمعنى النفي، أي لا أقرب إلى الجنة ممن يعمل لما الخ (3) النواصي جمع ناصية: مقدم شعر الراس

[ 29 ]

ظنكم به فأجمعوا بينهما، فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه من ربه (1)، وإن أحسن الناس ظنا بالله أشدهم خوفا لله واعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر، فأنت محقوق أن تخالف على نفسك (2)، وأن تنافح عن دينك ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدهر، ولا تسخط الله برضا أحد من خلقه فإن في الله خلفا من غيره (3) وليس من الله خلف في غيره صل الصلاة لوقتها الموقت لها، ولا تعجل وقتها لفراغ، ولا تؤخرها عن وقتها لاشتغال. واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك (ومنه) فإنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى، وولي النبي وعدو النبي. ولقد قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا. أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيقمعه الله بشركه (4)، ولكني أخاف عليكم كل منافق (5) الجنان عالم اللسان، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون


(1) فإن من خاف ربه عمل لطاعته وانتهى عن معصيته فرجا ثوابه بخلاف من لم يخفه فإن رجاءه يكون طمعا في غير مطمع نعوذ بالله منه (2) أي مطالب بحق بمخالفتك شهوة نفسك. والمنافحة: المدافعة (3) إذا فقدت مخلوقا ففي فضل الله عوض عنه، وليس في خلق الله عوض عن الله (4) يقمعه: يقهره لعلم الناس أنه مشرك فيحذرونه (5) منافق الجنان: من أسر النفاق في قلبه. وعالم اللسان: من يعرف أحكام الشريعة ويسهل عليه بيانها فيقول =

[ 30 ]

28 - (ومن كتاب له عليه السلام) إلى معاوية جوابا، وهو من محاسن الكتب أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمدا صلى الله عليه وآله لدينه وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا (1) إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في نبينا، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر (2) أو داعي مسدده إلى النضال. وزعمت أن أفضل الناس في الاسلام فلان وفلان، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله (3)، وإن نقص لم تلحقك ثلمته. وما أنت والفاضل والمفضول (4)، والسائس والمسوس؟ وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الاولين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم. هيهات لقد حن قدح ليس منها (5)، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم


= حقا يعرفه المؤمنون ويفعل منكرا ينكرونه (1) أخفى أمرا عجيبا ثم أظهره: وطفقت بفتح فكسر أخذت. وعطف النعمة على البلاء تفسير وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا (2) هجر مدينة بالبحرين كثيرة النخيل. والمسدد: معلم رمي السهام. والنضال: المراماة أي كمن يدعو أستاذه في فن الرمي إلى المناضلة. وهما مثلان لناقل الشئ إلى معدنه والمتعالم على معلميه (3) إن صح ما ادعيت من فضلهم لم يكن لك حظ منه فأنت عنه بمعزل. وثلمته: عيبه (4) يريد أي حقيقة تكون لك مع هؤلاء، أي ليست لك ماهية تذكر بينهم. والطلقاء الذين أسروا بالحرب ثم أطلقوا، وكان منهم أبو سفيان ومعاوية. والمهاجرون من نصروا الدين في ضعفه ولم يحاربوه (5) حن: صوت. =

[ 31 ]

لها. ألا تربع أيها الانسان على ظلعك (1) وتعرف قصور ذرعك؟ وتتأخر حيث أخرك القدر، فما عليك غلبة المغلوب ولا لك ظفر الظافر وإنك لذهاب في التيه (2) رواغ عن القصد. ألا ترى غير مخبر لك ولكن بنعمة الله أحدث أن قوما (3) استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا (4) قيل سيد الشهداء، وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه. أولا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم (5) قيل الطيار في الجنة وذو الجناحين، ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة (6) تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجها آذان السامعين


= والقدح بالكسر: السهم. وإذا كان سهم يخالف السهام كان له عند الرمي صو ت يخالف أصواتها، مثل يضرب لمن يفتخر بقوم ليس منهم. وأصل المثل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له عقبة بن أبي معيط أأقتل من بين قريش؟ فأجابه " حن قدح ليس منها " (1) يقال اربع على ظلعك أي قف عند حدك. والذرع بالفتح: بسط اليد ويقال للمقدار (2) ذهاب بتشديد الهاء: كثير الذهاب. والتيه: الضلال. والرواغ: الميال. والقصد: الاعتدال (3) مفعول لترى وقوله غير مخبر خبر لمبتدأ محذوف أي أنا والجملة اعتراضية (4) هو حمزة بن عبد المطلب استشهد في أحد والقائل رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) واحدنا هو جعفر بن أبي طالب أخو الامام (6) ذاكر هو الامام نفسه

[ 32 ]

فدع عنك من مالت به الرمية (1) فإنا صنائع ربنا (2) والناس بعد صنائع لنا. لم يمنعنا قديم عزنا (3) ولا عادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الاكفاء ولستم هناك. وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ومنكم المكذب (4)، ومنا أسد الله ومنكم أسد الاحلاف، ومنا سيد شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار، ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب في كثير مما لنا وعليكم (5) فإسلامنا قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع (6)، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا وهو قوله " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله


(1) الرمية: الصيد يرميه الصائد. ومالت به: خالفت قصده فاتبعها، مثل يضرب لمن أعوج غرضه فمال عن الاستقامة لطلبه (2) آل النبي أسراء إحسان الله عليهم والناس أسراء فضلهم بعد ذلك. وأصل الصنيع من تصنعه لنفسك بالاحسان حتى خصصته بك كأنه عمل يدك (3) قديم مفعول يمنع. والعادي: الاعتيادي المعروف. والطول بفتح فسكون: الفضل. وأن خلطناكم فاعل يمنع. والاكفاء: جمع كفؤ بالضم النظير في الشرف. (4) المكذب أبو جهل. وأسد الله حمزة. وأسد الاحلاف أبو سفيان لانه حزب الاحزاب وحالفهم على قتال النبي في غزوة الخندق. وسيد شباب أهل الجنة: الحسن والحسين بنص قول الرسول. وصبية النار قيل هم أولاد مروان بن الحكم أخبر النبي عنهم وهم صبيان بأنهم من أهل النار، ومرقوا عن الدين في كبرهم. وخير النساء فاطمة، وحمالة الحطب أم جميل بنت حرب عمة معاوية وزوجة أبي لهب (5) أي هذه الفضائل المعدودة لنا وأضدادها المسروردة لكم قليل في كثير مما لنا وعليكم (6) شرفنا في الجاهلية =

[ 33 ]

وقوله تعالى " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " فنحن مرة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة. ولما احتج المهاجرون على الانصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله فلجوا عليهم (1)، فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالانصار على دعواهم وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك، * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (2) * وقلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع (3) ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت. وما


= لا ينكره أحد (1) يوم السقيفة عندما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ليختاروا خليفة له وطلب الانصار أن يكون لهم نصيب في الخلافة، فاحتج المهاجرون عليهم بأنهم شجرة الرسول ففلجوا أي ظفروا بهم، فظفر المهاجرين بهذه الحجة ظفر لامير المؤمنين على معاوية، لان الامام من ثمرة شجرة الرسول، فإن لم تكن حجة المهاجرين بالنبي صحيحة فالانصار قائمون على دعواهم من حق الخلافة، فليس لمثل معاوية حق فيها لانه أجنبي منهم (2) شكاة بالفتح أي نقيصة وأصلها المرض. وظاهر من ظهر إذا صار ظهرا أي خلفا أي بعيد. والشطرة لابي ذؤيب. وأول البيت * وعيرها الواشون أني أحبها * (3) الخشاش كتاب ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب لينقاد. وخششت البعير: جعلت في أنفه الخشاش، طعن معاوية = = على الامام بأنه كان يجبر على مبايعة السابقين من الخلفاء

[ 34 ]

على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما (1) ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه. وهذه حجتي إلى غيرك قصدها (2)، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه (3) فأينا كان أعدى له (4) وأهدى إلى مقاتله. أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه (5)، أمن استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه (6) حتى أتى قدره عليه. كلا والله لقد علم الله المعوقين منكم (7) والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا وما كنت لاعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثا (8)، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له فرب ملوم لا ذنب له * وقد يستفيد الظنة المتنصح (9) * وما أردت إلا الاصلاح ما استطعت


(1) الغضاضة: النقص (2) يحتج الامام على حقه لغير معاوية لانه مظنة الاستحقاق، أما معاوية فهو منقطع عن جرثومة الامر فلا حاجة للاحتجاج عليه. وسنح أي ظهر وعرض (3) لقرابتك منه يصح الجدال معك فيه (4) أعدى: أشد عدوانا. والمقاتل: وجوه القتل (5) من بذل النصرة هو الامام واستقعده عثمان أي طلب قعوده ولم يقبل نصره (6) استنصر عثمان بعشيرته من بني أمية كمعاوية فخلوه وخلوا بينه وبين الموت فكأنما بثوا المنون أي أفضوا بها إليه (7) المعوقون: المانعون من النصرة (8) نقم عليه كضرب عاب عليه. والاحداث: جمع حدث، البدعة (9) الظنة بالكسر التهمة. والمتنصح =

[ 35 ]

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وذكرت أنه ليس لي ولاصحابي إلا السيف فلقد أضحكت بعد استعبار (1)، متى ألفيت بني عبد المطلب عن الاعداء ناكلين (2) وبالسيوف مخوفين * لبث قليلا يلحق الهيجا حمل (3) * فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقل نحوك (4) في جحفل من المهاجرين والانصار والتابعين لهم بإحسان شديد زحامهم (5)، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت (6) أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية (7) وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك (8) " وما هي من الظالمين ببعيد "


= المبالغ في النصح لمن لا ينتصح أي ربما تنشأ التهمة من إخلاص النصيحة عند من لا يقبلها. وصدر البيت * وكم سقت في آثاركم من نصيحة * (1) الاستعبار البكاء فقوله يبكي من جهة أنه إصرار على غير الحق وتفريق في الدين، ويضحك لتهديد من لا يهدد (2) ألفيت: وجدت. وناكلين: متأخرين (3) لبث بتشديد الباء فعل أمر من لبثه إذا استزاد لبثه. أي مكثه، يريد أمهل. والهيجاء: الحرب. وحمل بالتحريك هو ابن بدر رجل من قشير أغير على إبله في الجاهلية فاستنقذها وقال: - لبث قليلا يلحق الهيجا حمل * لا بأس بالموت إذا الموت نزل فصار مثلا يضرب للتهديد بالحرب (4) مرقل: مسرع. والجحفل: الجيش العظيم (5) صفة لجحفل. والساطع: المنتشر. والقتام بالفتح: الغبار (6) متسربلين: لابسين لباس الموت كأنهم في أكفانهم (7) من ذراري أهل بدر (8) أخوه حنظلة =

[ 36 ]

29 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة) وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا عنه (1) فعفوت عن مجرمكم، ورفعت السيف عن مدبركم، وقبلت من مقبلكم. فإن خطت بكم الامور المردية (2) وسفه الآراء الجائرة إلى منابذتي وخلافي فها أنا ذا قد قربت جيادي (3) ورحلت ركابي، ولئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لاوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق (4)، مع أني عارف لذي الطاعة منكم فضله ولذي النصيحة حقه، غير متجاوز متهما إلى برئ، ولا ناكثا إلى وفي (5) 30 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية) فاتق الله فيما لديك، وانظر في حقه عليك، وارجع إلى معرفة مالا تعذر بجهالته، فإن للطاعة أعلاما واضحة، وسبلا نيرة، ومحجة نهجة (6)


= وخاله الوليد بن عقبة وجده عتبة بن ربيعة (1) انتشار الحبل: تفرق طاقاته وانحلال فتله مجاز عن التفرق. وغبا عنه: جهله (2) خطت: تجاوزت. والمردية: المهلكة. وسفه الآراء: ضعفها. والجائرة: المائلة عن الحق. والمنابذة: المخالفة (3) قرب خيله أدناها منه ليركبها. ورحل ركابه: شد الرحال عليها. والركاب: الابل (4) في السهولة وسرعة الانتهاء. واللعقة اللحسة (5) الناكث: ناقض عهده (6) المحجة: الطريق = = الواضحة. والنهجة: الواضحة كذلك

[ 37 ]

وغاية مطلبوة يردها الاكياس (1) ويخالفها الانكاس. من نكب عنها جار عن الحق وخبط في التيه (2)، وغير الله نعمته، وأحل به نقمته. فنفسك نفسك فقد بين الله لك سبيلك. وحيث تناهت بك أمورك فقد أجريت إلى غاية خسر ومحلة كفر (3)، وإن نفسك قد أولجتك شرا، وأقحمتك غيا (4)، وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك (5) 31 - (ومن وصية له للحسن بن علي عليهما السلام) كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين (6) من الوالد الفان. المقر للزمان (7)، المدبر العمر، المستسلم للدهر. الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى. والظاعن عنها غدا. إلى المولود المؤمل مالا يدرك (8) السالك سبيل من قد هلك، غرض الاسقام ورهينة الايام. ورمية المصائب (9). وعبد الدنيا. وتاجر الغرور. وغريم المنايا. وأسير الموت. وحليف الهموم. وقرين


(1) الاكياس العقلاء: جمع كيس، كسيد والانكاس: جمع نكس: بكسر النون الدنئ الخسيس (2) نكب: عدل. وجار: مال. وخبط: مشى على غير هداية. والتيه: الضلال (3) أجريت مطيتك مسرعا إلى غاية خسران (4) أولجتك: أدخلتك. وأقحمتك: رمت بك في الغي ضد الرشاد (5) أوعرت: أخشنت وصعبت (6) حاضرين اسم بلدة في نواحي صفين (7) المعترف له بالشدة (8) يؤمل البقاء وهو مما لا يدركه أحد (9) هدفها ترمى إليه سهامها. والرهينة =

[ 38 ]

الاحزان. ونصب الآفات (1). وصريع الشهوات، وخليفة الاموات أما بعد فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي (2) وإقبال الآخرة إلى ما يزعني عن ذكر من سواى (3)، والاهتمام بما ورائي (4)، غير أني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي، فصدفني رأيي وصرفني عن هواي (5)، وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب. ووجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي فكتبت إليك (6) مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت فإني أوصيك بتقوى الله أي بني ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله. وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به؟ أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوه باليقين، ونوره


= المرهونة أي أنه في قبضتها وحكمها. والرمية ما أصابه السهم 1) من قولهم فلان نصب عيني بالضم أي لا يفارقني. والصريع: الطريح (2) جموح الدهر: استعصاؤه وتغلبه (3) ما مفعول تبينت (4) من أمر الآخرة (5) صدفه: صرفه، والضمير في صرفني للرأي. ومحض الامر: خالصه (6) مفعول كتب هو قوله فإني أوصيك الخ. وقوله =

[ 39 ]

بالحكمة، وذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء (1)، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والايام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الاولين، وسر في ديارهم وآثارهم فانظر فيما فعلوا وعما انتقلوا وأين حلوا ونزلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الاحبة، وحلوا ديار الغربة، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم. فاصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك. ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لم تكلف. وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الاهوال. وأمر بالمعروف تكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله بجهدك (2). وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم. وخض الغمرات للحق حيث كان (3)، وتفقه في الدين، وعود نفسك التصبر على المكروه ونعم الخلق التصبر. وألجئ نفسك في الامور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز (4)، ومانع عزيز. وأخلص في المسألة لربك فإن


= مستظهرا به أي مستعينا بما أكتب إليك على ميل قلبك وهوى نفسك (1) اطلب منه الاقرار بالفناء. وبصره أي اجعله بصيرا بالفجائع جمع فجيعة وهي المصيبة تفزع بحلولها (2) باين أي باعد وجانب الذي يفعل المنكر (3) الغمرات الشدائد (4) الكهف =

[ 40 ]

بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة (1) وتفهم وصيتى ولا تذهبن عنها صفحا (2) فإن خير القول ما نفع. واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه (3) أي بني إني لما رأيتني قد بلغت سنا (4)، ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إليك، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي (5)، وأن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي (6)، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا (7)، فتكون كالصعب النفور. وإنما قلب الحدث كالارض الخالية ما ألقي فيها من شئ قبلته. فبادرتك بالادب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته (8)، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب، وعوفيت من


= الملجأ. والحريز: الحافظ (1) الاستخارة إجالة الرأي في الامر قبل فعله لاختيار أفضل وجوهه (2) صفحا أي جانبا أي لا تعرض عنها (3) لا يحق بكسر الحاء وضمها أي لا يكون من الحق كالسخر ونحوه (4) أي وصلت النهاية من جهة السن. والوهن: الضعف (5) أفضى: ألقى إليك (6) وأن أنقص عطف على أن يعجل (7) أي يسبقني بالاستيلاء على قلبك غلبات الاهواء فلا تتمكن نصيحتي من النفوذ إلى فؤادك فتكون كالفرس الصعب غير المذلل. والنفور ضد الآنس (8) ليكون جد رأيك أي محققه وثابته مستعدا لقبول الحقائق التي وقف عليها أهل التجارب وكفوك طلبها. والبغية بالكسر: الطلب

[ 41 ]

علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك ما ربما أظلم علينا منه (1) أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم. بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله (2) وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك (3) أن يكون (4) ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية، وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله، وشرائع الاسلام وأحكامه، وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره (5). ثم أشفقت (6) أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم (7)، فكان


(1) استبان: ظهر إذا انضم رأيه إلى آراء أهل التجارب فربما يظهر له ما لم يكن ظهر لهم فان رأيه يأتي بأمر جديد لم يكونوا أتوا به (2) النخيل: المختار المصفى. وتوخيت أي تحريت (3) أجمعت: عزمت عطف على يعني الوالد (4) أن يكون مفعول رأيت (5) لا أتعدى بك كتاب الله إلى غيره بل أقف بك عنده (6) أشفقت أي خشيت وخفت (7) مثل صفة لمفعول مطلق محذوف أي التباسا مثل الذي كان لهم

[ 42 ]

إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة (1). ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك، وأن يهديك لقصدك، فعهدت إليك وصيتي هذه واعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والاخذ بما مضى عليه الاولون من آبائك، والصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدعوا أن نظروا لانفسهم كما أنت ناظر (2)، وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم آخر ذلك إلى الاخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا. فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم، لا بتورط الشبهات وعلو الخصومات. وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك والرغبة إليه في توفيقك وترك كل شائبة أولجتك في شبهة (3)، أو أسلمتك إلى ضلالة. فإذا أيقنت أن


(1) أي أنك وإن كنت تكره أن ينبهك أحد لما ذكرت لك فإني أعد إتقان التنبيه على كراهتك له أحب إلي من اسلامك أي إلقائك إلى أمر تخشى عليك به الهلكة (2) لم يتركوا النظر لانفسهم في أول أمرهم بعين لا ترى نقصا ولا تحذر خطرا ثم ردتهم آلام التجربة إلى الاخذ بما عرفوا حسن عاقبته وإمساك أنفسهم عن عمل لم يكلفهم الله إتيانه (3) الشائبة ما يشوب الفكر من شك وحيرة. وأولجتك: أدخلتك

[ 43 ]

قد صفا قلبك فخشع، وتم رأيك فاجتمع، وكان همك في ذلك هما واحدا فانظر فيما فسرت لك. وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من نفسك، وفراغ نظرك وفكرك فاعلم أنك إنما تخبط العشواء (1)، وتتورط الظلماء. وليس طالب الدين من خبط أو خلط، والامساك عن ذلك أمثل (2) فتفهم يا بني وصيتي، وأعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة، وأن الخالق هو المميت، وأن المفني هو المعيد، وأن المبتلي هو المعافي، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله عليه من النعماء (3)، والابتلاء، والجزاء في المعاد أو ما شاء مما لا نعلم، فإن أشكل عليك شئ من ذلك فاحمله على جهالتك به فإنك أول ما خلقت خلقت جاهلا ثم علمت. وما أكثر ما تجهل من الامر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك، ثم تبصره بعد ذلك. فاعتصم بالذي خلقك


(1) العشواء الضعيفة البصر أي تخبط خبط الناقة العشواء لا تأمن أن تسقط فيما لا خلاص منه. وتورط الامر: دخل فيه على صعوبة في التخلص منه (2) حبس النفس عن الخلط والخبط في الدين أحسن (3) لا تثبت الدنيا إلا على ما أودع الله في طبيعتها من التلون بالنعماء تارة والاختبار بالبلاء تارة وأعقابها للجزاء في المعاد يوم القيامة على الخير خيرا وعلى الشر شرا

[ 44 ]

ورزقك وسواك، وليكن له تعبدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك (1) واعلم يا بني أن أحدا لم ينبئ عن الله كما أنبأ عنه الرسول صلى الله عليه وآله، فارض به رائدا (2)، وإلى النجاة قائدا، فإني لم آلك نصيحة (3). وإنك لم تبلغ في النظر لنفسك وإن اجتهدت مبلغ نظري لك واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لاتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه. لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول أبدا. ولم يزل أول قبل الاشياء بلا أولية (4)، وآخر بعد الاشياء بلا نهاية. عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر. فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره (5)، وقلة مقدرته، وكثرة عجزه، وعظيم حاجته إلى ربه في طلب طاعتك، والرهبة من عقوبته، والشفقة من سخطه. فإنه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح


(1) شفقتك أي خوفك (2) الرائد من ترسله في طلب الكلا ليتعرف موقعه. والرسول قد عرف عن الله وأخبرنا فهو رائد سعادتنا (3) لم أقصر في نصيحتك (4) فهو أول بالنسبة إلى الاشياء لكونه قبلها إلا أنه لا أولية أي لا ابتداء له (5) خطره أي قدره

[ 45 ]

يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لاهلها فيها، وضربت لك فيهما الامثال لتعتبر بها وتحذو عليها. إنما مثل من خبر الدنيا (1) كمثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب فأموا منزلا خصيبا وجنابا مريعا، فاحتملوا وعثاء الطريق (2) وفراق الصديق، وخشونة السفر، وجشوبة المطعم ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما، ولا يرون نفقة مغرما، ولا شئ، أحب إليهم مما قربهم من منزلهم، وأدناهم من محلهم ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب، فليس شئ أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه (3) ويصيرون إليه يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك. واستقبح من نفسك


(1) خبر الدنيا: عرفها كما هي بامتحان أحوالها. والسفر بفتح فسكون: المسافرون. ونبا المنزل بأهله: لم يوافقهم المقام فيه لوخامته. والجديب: المقحط لا خير فيه. وأموا: قصدوا. والجناب: الناحية. والمريع بفتح فكسر: كثير العشب (2) وعثاء السفر: مشقته. والجشوبة بضم الجيم: الغلظ، أو كون الطعام بلا أدم (3) هجم عليه: انتهى إليه بغتة

[ 46 ]

ما تستقبح من غيرك، وأرض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك (1). ولا تقل مالا تعلم وإن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الالباب (2). فاسع في كدحك (3) ولا تكن خازنا لغيرك (4). وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك واعلم أن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة (5) ومشقة شديدة. وأنه لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد (6). قدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر. فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك وبالا عليك. وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمله إياه (7). وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده. واغتنم من استقرضك


(1) إذا عاملوك بمثل ما تعاملهم فارض بذلك ولا تطلب منهم أزيد مما تقدم لهم (2) الاعجاب: استحسان ما يصدر عن النفس مطلقا وهو خلق من أعظم الاخلاق مصيبة على صاحبه، ومن أشد الآفات ضررا لقلبه (3) الكدح: أشد السعي (4) لا تحرص على جمع المال ليأخذه الوارثون بعدك بل أنفق فيما يجلب رضاء الله عنك (5) هو طريق السعادة الابدية (6) الارتياد: الطلب. وحسنه: إتيانه من وجهه. والبلاغ بالفتح: الكفاية (7) الفاقة: الفقر، وإذا أسعفت الفقراء بالمال كان أجر الاسعاف وثوابه ذخيرة تنالها في القيامة، فكأنهم حملوا عنك زادا يبلغك موطن سعادتك يؤدونه إليك وقت الحاجة. وهذا الكلام من أفصح ما قيل في الحث =

[ 47 ]

في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك واعلم أن أمامك عقبة كؤودا (1)، المخف فيها أحسن حالا من المثقل، والمبطئ عليها أقبح حالا من المسرع، وأن مهبطك بها لا محالة على جنة أو على نار. فارتد لنفسك قبل نزولك (2) ووطئ المنزل قبل حلولك، فليس بعد الموت مستعتب (3)، ولا إلى الدنيا منصرف. واعلم أن الذي بيده خزائن السموات والارض قد أذن لك في الدعاء وتكفل لك بالاجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يعيرك بالانابة (4) ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى، ولم يشدد عليك في قبول الانابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة. بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة (5)، وحسب سيئتك واحدة، وحسب


= على الصدقة (1) صعبة المرتقى. والمخف بضم فكسر: الذي خفف حمله، والمثقل بعكسه، وهو من أثقل ظهره بالاوزار (2) ابعث رائدا من طيبات الاعمال توقفك الثقة به على جودة المنزل (3) المستعتب والمنصرف مصدران، والاستعتاب: الاسترضاء، ولا انصراف إلى الدنيا بعد الموت حتى يمكن استرضاء الله بعد إغضابه باستئناف العمل (4) الانابة: الرجوع إلى الله، والله لا يعير الراجع إليه برجوعه (5) نزوعك: رجوعك

[ 48 ]

حسنتك عشرا، وفتح لك باب المتاب. فإذا ناديته سمع نداءك، وإذا ناجيته علم نجواك (1) فأفضيت إليه بحاجتك (2)، وأبثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، وأستكشفته كروبك (3)، واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطاء غيره من زيادة الاعمار وصحة الابدان وسعة الارزاق. ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته (4). فلا يقنطنك إبطاء إجابته (5) فإن العطية على قدر النية. وربما أخرت عنك الاجابة ليكون ذلك أعظم لاجر السائل وأجزل لعطاء الآمل. وربما سألت الشئ فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك. فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته. فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله. فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له واعلم أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء،


(1) المناجاة: المكالمة سرا. والله يعلم السر كما يعلم العلن (2) أفضيت: ألقيت. وأبثثته: كاشفته. وذات النفس: حالتها (3) طلبت كشفها (4) الشؤبوب بالضم: الدفعة من المطر، وما أشبه رحمة الله بالمطر ينزل على الارض الموات فيحييها، وما أشبه نوباتها بدفعات المطر (5) القنوط: اليأس

[ 49 ]

وللموت لا للحياة، وأنك في منزل قلعة (1) ودار بلغة، وطريق إلى الآخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه، ولا بد أنه مدركه، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك (2)، وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك (3). وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها (4)، وتكالبهم عليها، فقد نبأك الله عنها، ونعت لك نفسها (5)، وتكشفت لك عن مساويها، فإنما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية، يهر ببعضها بعضا (6)، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر


(1) قلعة بضم القاف وسكون اللام، وبضمتين، وبضم ففتح، يقال منزل قلعة أي لا يملك لنازله، أو لا يدري متى ينتقل عنه. والبلغة: الكفاية أي دار تؤخذ منها الكفاية للآخرة (2) الحذر بالكسر الاحتراز والاحتراس. والازر بالفتح: القوة (3) بهر كمنع: غلب، أي يغلبك على أمرك (4) إخلاد أهل الدنيا: سكونهم إليها. والتكالب: التواثب (5) نعاه: أخبر بموته. والدنيا تخبر بحالها عن فنائها (6) ضارية: مولعة بالافتراس. يهر بكسر الهاء وضمها: أي يمقت ويكره بعضها بعضا

[ 50 ]

كبيرها صغيرها. نعم معقلة (1)، وأخرى مهملة قد أضلت عقولها (2) وركبت مجهولها، سروح عاهة (3) بواد وعث. ليس لها راع يقيمها، ولا مقيم يسيمها (4). سلكت بهم الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها، واتخذوها ربا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها رويدا يسفر الظلام (5). كأن قد وردت الاظعان (6). يوشك من أسرع أن يلحق. واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان واقفا، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا (7) واعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك، وأنك في سبيل من كان قبلك. فخفض في الطلب (8)، وأجمل في المكتسب فإنه


(1) عقل البعير بالتشديد: شد وظيفه إلى ذراعه. والنعم بالتحريك: الابل، أي إبل منعها عن الشر عقالها وهم الضعفاء، وأخرى مهملة تأتي من السوء ما تشاء وهم الاقوياء (2) أضلت: أضاعت عقولها وركبت طريقها المجهول لها (3) السروح بالضم: جمع سرح بفتح فسكون وهو المال السائم من إبل ونحوها. والعاهة: الآفة، أي أنهم يسرحون لرعي الآفات وادي المتاعب. والوعث: الرخو يصعب السير فيه (4) أسام الدابة: سرحها إلى المرعى (5) يسفر أي يكشف ظلام الجهل عما خفي من الحقيقة عند انجلاء الغفلة بحلول المنية (6) الاظعان جمع ظعينة: وهو الهودج تركب فيه المرأة، عبر به عن المسافرين في طريق الدنيا إلى الآخرة كأن حالهم أن وردوا على غاية سيرهم (7) الوادع: الساكن المستريح (8) خفض: أمر من خفض بالتشديد أي رفق. وأجمل في كسبه، أي سعى سعيا جميلا لا يحرص فيمنع الحق ولا يطمع فيتناول ما ليس بحق

[ 51 ]

رب طلب قد جر إلى حرب (1). فليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم. وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا (2)، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا. وما خير خير لا ينال إلا بشر (3)، ويسر لا ينال إلا بعسر (4) وإياك أن توجف بك مطايا الطمع (5) فتوردك مناهل الهلكة. وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل. فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك. وإن اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك (6)، وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. وحفظ ما في يديك أحب


(1) الحرب بالتحريك: سلب المال (2) إن رغائب المال إنما تطلب لصون النفس عن الابتذال، فلو بذل باذل نفسه لتحصيل المال فقد ضيع ما هو المقصود من المال فكان جمع المال عبثا ولا عوض لما ضيع (3) يريد أي خير في شئ سماه الناس خيرا وهو مما لا يناله الانسان إلا بالشر، فإن كان طريقه شرا فكيف يكون هو خيرا (4) إن العسر الذي يخشاه الانسان هو ما يضطره لرذيل الفعال فهو يسعى كل جهده ليتحامى الوقوع فيه فإن جعل الرذائل وسيلة لكسب اليسر أي السعة فقد وقع أول الامر فيما يهرب منه فما الفائدة في يسره وهو لا يحميه من النقيصة (5) توجف: تسرع. والمناهل ما ترده الابل ونحوها للشرب (6) التلافي: التدارك لاصلاح ما فسد أو كاد. =

[ 52 ]

إلى من طلب ما في يد غيرك (1). ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس. والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور. والمرء أحفظ لسره (2). ورب ساع فيما يضره (3). من أكثر أهجر (4). ومن تفكر أبصر. قارن أهل الخير تكن منهم. وباين أهل الشر تبن عنهم. بئس الطعام الحرام. وظلم الضعيف أفحش الظلم. إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا (5). ربما كان الدواء داء والداء دواء. وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح (6). وإياك واتكالك على المنى فإنها بضائع الموتى (7)، والعقل حفظ التجارب. وخير ما جريت


= وما فرط أي قصر عن إفادة الغرض أو إنالة الوطر. وإدراك ما فات هو اللحاق به لاجل استرجاعه، وفات أي سبق إلى غير صواب وسابق الكلام لا يدرك فيسترجع بخلاف مقصر السكوت فسهل تداركه، وإنما يحفظ الماء في القربة مثلا بشد وكائها أي رباطها، وإن لم يشد الوكاء صب ما في الوعاء ولم يمكن إرجاعه فكذلك اللسان (1) إرشاد للاقتصاد في المال (2) فالاولى عدم إباحته لشخص آخر وإلا فشا (3) قد يسعى الانسان بقصد فائدته فينقلب سعيه بالضرر عليه لجهله أو سوء قصده (4) أهجر إهجارا وهجرا بالضم: هذا في كلامه. وكثير الكلام لا يخلو من الاهجار (5) إذا كان المقام يلزمه العنف فيكون إبداله بالرفق عنفا ويكون العنف من الرفق، وذلك كمقام التأديب وإجراء الحدود مثلا. والخرق بالضم: العنف (6) المستنصح اسم مفعول: المطلوب منه النصح فيلزم التفكر والتروي في جميع الاحوال لئلا يروج غش أو تنبذ نصيحة (7) المنى: جمع منية بضم فسكون ما يتمناه الشخص لنفسه ويعلل نفسه باحتمال الوصول إليه، وهي بضائع الموتى لان المتجر بها يموت ولا يصل إلى شئ، فإن تمنيت فاعمل =

[ 53 ]

ما وعظك (1). بادر الفرصة قبل أن تكون غصة. ليس كطالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب. ومن الفساد إضاعة الزاد (2) ومفسدة المعاد. ولكل أمر عاقبة. سوف يأتيك ما قدر لك. التاجر مخاطر. ورب يسير أنمى من كثير. لا خير في معين مهين (3) ولا في صديق ظنين. ساهل الدهر ما ذل لك قعوده (4). ولا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه. وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج (5). أحمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة (6)، وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل (7)، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك. وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه أو أن تفعله بغير


= لامنيتك (1) أفضل التجربة ما زجرت عن سيئة وحملت على حسنة وذلك الموعظة (2) زاد الصالحات والتقوى، أو المراد إضاعة المال مع مفسدة المعاد بالاسراف في الشهوات وهو أظهر (3) مهين إما بفتح الميم بمعنى حقير فإن الحقير لا يصلح لان يكون معينا، أو بضمها بمعنى فاعل الاهانة فيعينك ويهينك فيفسد ما يصلح. والظنين بالظاء. المتهم: وبالضاد البخيل (4) القعود بالفتح من الابل ما يقتعده الراعي في كل حاجته، ويقال للبكر إلى أن يثنى وللفصيل، أي ساهل الدهر مادام منقادا وخذ حظك من قياده (5) اللجاج بالفتح: الخصومة أي أحذرك من أن تغلبك الخصومات فلا تملك نفسك من الوقوع في مضارها (6) صرمه: قطيعته، أي ألزم نفسك بصلة صديقك إذا قطعك الخ (7) جموده: بخله

[ 54 ]

أهله. لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك. وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة. وتجرع الغيظ فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة (1). ولن لمن غالظك (2) فإنه يوشك أن يلين لك. وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحلى الظفرين (3) وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية ترجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما (4). ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه (5). ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه. ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك. ولا ترغبن فيمن زهد فيك. ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته (6) ولا تكونن على الاساءة أقوى منك على الاحسان، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك. وليس جزاء من سرك أن تسوءه


(1) المغبة بفتحتين ثم باء مشددة: بمعنى العاقبة، وكظم الغيظ وإن صعب على النفس في وقته إلا أنها تجد لذته عند الافاقة من الغيظ، فللعفو لذة إن كان في محله، وللخلاص من الضرر المعقب لفعل الغضب لذة أخرى (2) لن أمر من اللين ضد الغلظ والخشونة (3) ظفر الانتقام وظفر التملك بالاحسان، والثاني أحلى وأربح فائدة (4) بقية من الصلة يسهل لك معها الرجوع إليه إذا ظهر له حسن العودة (5) صدقه بلزوم ما ظن بك من الخبر (6) مراده إذا أتى أخوك بأسباب القطيعة فقابلها بموجبات الصلة حتى تغلبه ولا يصح أن يكون أقدر على ما يوجب القطيعة منك على ما يوجب الصلة، وهذا أبلغ قول في لزوم حفظ الصداقة

[ 55 ]

واعلم يا بني أن الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك فإن أنت لم تأته أتاك. ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى؟ إن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك (1). وإن جزعت على ما تفلت من يديك (2) فاجزع على كل ما لم يصل إليك. استدل على ما لم يكن بما قد كان. فإن الامور أشباه. ولا تكونن ممن لا تنفعه العظة إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ بالآداب والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب. اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين. من ترك القصد جار (3) والصاحب مناسب (4) والصديق من صدق غيبه (5) والهوى شريك العناء (6) * رب قريب أبعد من بعيد، ورب بعيد أقرب من قريب. والغريب من لم يكن له حبيب. من تعدى الحق ضاق مذهبه. ومن اقتصر على قدره كان أبقى له. وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله. ومن لم يبالك فهو عدوك (7) قد يكون اليأس إدراكا إذا


(1) منزلتك من الكرامة في الدنيا والآخرة (2) تفلت بتشديد اللام أي تملص من اليد فلم تحفظه، فالذي يجزع على ما فاته كالذي يجزع على ما لم يصله، والثاني لا يحصر فينال فالجزع عليه غير لائق فكذا الاول (3) القصد: الاعتدال. وجار: مال عن الصواب (4) يراعى فيه ما يراعى في قرابة النسب (5) الغيب: صد الحضور أي من حفظ لك حقك وهو غائب عنك (6) الهوى شهوة غير منضبطة ولا مملوكة بسلطان الشرع والادب. والعناء الشقاء (7) لم يبالك أي لم يهتم بأمرك. باليته وباليت به أي راعيت واعتنيت به وفي نسخة: والهوى شريك العمى

[ 56 ]

كان الطمع هلاكا. ليس كل عورة تظهر ولا كل فرصة تصاب. وربما أخطأ البصير قصده وأصاب الاعمى رشده. أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته (1). وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. من أمن الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه (2). ليس كل من رمى أصاب. إذا تغير السلطان تغير الزمان. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار. إياك أن تذكر في الكلام ما يكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك. وإياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن (3). واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن فإن شدة الحجاب أبقى عليهن، وليس خروجهن بأشد من إدخالك من لا يوثق به عليهن (4)، وإن اسطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل. ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة (5) ولا تعد بكرامتها نفسها، ولا تطمعها في أن تشفع بغيرها. وإياك


(1) لان فرص الشر لا تنقضي لكثرة طرقه، وطريق الخير واحد وهو الحق (2) من هاب شيئا سلطه على نفسه (3) الافن بالتحريك: ضعف الرأي والوهن: الضعف (4) أي إذا أدخلت على النساء من لا يوثق بأمانته فكأنك أخرجتهن إلى مختلط العامة فأي فرق بينهما؟ (5) القهرمان الذي يحكم في الامور ويتصرف فيها بأمره. ولا تعد بفتح فسكون أي لا تجاوز بإكرامها نفسها فتكرم غيرها بشفاعتها. أين هذه الوصية من حال الذين يصرفون النساء في مصالح الامة، =

[ 57 ]

والتغاير في غير موضع غيرة (1) فإن ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم والبريئة إلى الريب. واجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك (2). وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول. أستودع الله دينك ودنياك. وأساله خير القضاء لك في العاجلة والآجلة والدنيا والآخرة. والسلام 32 - (ومن كلام له عليه السلام إلى معاوية) وأرديت جيلا (3) من الناس كثيرا خدعتهم بغيك (4)، وألقيتهم في موج بحرك، تغشاهم الظلمات وتتلاطم بهم الشبهات، فجازوا عن وجهتهم (5) ونكصوا على أعقابهم، وتولوا على أدبارهم، وعولوا على أحسابهم (6) إلا من فاء من أهل البصائر فإنهم فارقوك بعد معرفتك،


= بل ومن يختص بخدمتهن كرامة لهن (1) التغاير: إظهار الغيرة على المرأة بسوء الظن في حالها من غير موجب (2) يتواكلوا: يتكل بعضهم على بعض (3) أرديت: أهلكت جيلا أي قبيلا وصفا (4) الغي: الضلال ضد الرشاد (5) تعدوا عن وجهتهم بكسر الواو أي جهة قصدهم، كانوا يقصدون حقا فمالوا إلى باطل. ونكصوا: رجعوا (6) عولوا أي اعتمدوا على شرف قبائلهم فتعصبوا تعصب الجاهلية ونبذوا نصرة الحق إلا من فاء أي رجع إلى الحق

[ 58 ]

وهربوا إلى الله من موازرتك (1) إذ حملتهم على الصعب وعدلت بهم عن القصد. فاتق الله يا معاوية في نفسك وجاذب الشيطان قيادك (2)، فإن الدنيا منقطعة عنك والآخرة قريبة منك. والسلام 33 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة) أما بعد فإن عيني بالمغرب (3) كتب إلي يعلمني أنه وجه على الموسم أناس من أهل الشام (4) العمي القلوب، الصم الاسماع، الكمه الابصار (5)، الذين يلتمسون الحق بالباطل، ويطيعون المخلوق في معصية الخالق، ويحتلبون الدنيا درها بالدين (6)، ويشترون عاجلها بآجل الابرار والمتقين. ولن يفوز بالخير إلا عامله، ولا يجزى جزاء الشر إلا فاعله. فأقم على ما في يديك قيام الحازم الصليب (7) والناصح اللبيب، والتابع لسلطانه المطيع لامامه. وإياك وما يعتذر منه (8). ولا تكن عند النعماء بطرا (9) ولا عند البأساء فشلا. والسلام


(1) الموازرة: المعاضدة (2) القياد ما تقاد به الدابة، أي إذا جذبك الشيطان بهواك فجاذبه أي امنع نفسك من متابعته (3) عينى أي رقيبي في البلاد الغربية (4) وجه مبني للمجهول أي وجههم معاوية. والموسم: الحج (5) الكمه: جمع أكمه وهو من ولد أعمى (6) يحتلبون الدنيا: يستخلصون خيرها. والدر بالفتح: اللبن، ويجعلون الدين وسيلة لما ينالون من حطامها (7) الصليب: الشديد (8) احذر أن تفعل شيئا يحتاج إلى الاعتذار منه (9) البطر: شدة الفرح مع ثقة بدوام النعمة. والبأساء: الشدة، كما أن النعماء =

[ 59 ]

34 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجده من عزله (1) بالاشتر عن مصر، ثم توفى الاشتر في توجهه إلى مصر قبل وصوله إليها) أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريح الاشتر إلى عملك (2) وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهد ولا ازديادا في الجد (3). ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك. لوليتك ما هو أيسر عليك مؤونة وأعجب إليك ولاية إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر كان لنا رجلا ناصحا وعلى عدونا شديدا ناقما (4). فرحمه الله فلقد استكمل أيامه ولاقى حمامه (5) ونحن عنه راضون. أولاه الله رضوانه وضاعف الثواب له، فأصحر لعدوك، وامض على بصيرتك (6)، وشمر لحرب من حاربك، وادع إلى سبيل ربك، وأكثر الاستعانة بالله يكفك ما أهمك ويعنك على ما نزل بك إن شاء الله


= الرخاء والسعة (1) توجده: تكدره (2) موجدتك: أي غيظك. والتسريح: الارسال. والعمل: الولاية (3) أي ما رأيت منك تقصيرا فأردت أن أعاقبك بعزلك لتزداد جدا (4) ناقما أي كارها (5) الحمام - بالكسر -: الموت (6) أصحر له أي أبرز له، من أصحر إذا برز للصحراء

[ 60 ]

35 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس) بعد مقتل محمد بن أبي بكر أما بعد فإن مصر قد افتتحت ومحمد بن أبي بكر رحمه الله قد استشهد. فعند الله نحتسبه ولدا ناصحا (1) وعاملا كادحا وسيفا قاطعا وركنا دافعا. وقد كنت حثثت الناس على لحاقه وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدءا، فمنهم الآتي كارها، ومنهم المعتل كاذبا، ومنهم القاعد خاذلا، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجا عاجلا، فو الله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية لاحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ولا التقي بهم أبدا 36 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الاعداء، وهو جواب كتاب كتبه إليه عقيل) فسرحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين، فلما بلغه ذلك شمر


(1) أحتسبه عند الله: سأل الاجر على الرزية فيه. وسماه ولدا لانه كان ربيبا له، وأمه أسماء بنت عميس كانت مع جعفر بن أبي طالب وولدت له محمدا وعونا وعبد الله بالحبشة أيام هجرتها معه إليها. وبعد قتله تزوجها أبو بكر فولدت له محمدا =

[ 61 ]

هاربا ونكص نادما، فلحقوه ببعض الطريق وقد طفلت الشمس للاياب (1) فاقتتلوا شيئا كلا ولا (2)، فما كان إلا كموقف ساعة حتى نجا جريضا (3) بعد ما أخذ منه بالمخنق ولم يبق منه غير الرمق (4). فلايا بلاي ما نجا (5). فدع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق (6)، وجماحهم في التيه. فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي، فجزت قريشا عني الجوازي (7)، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي (8). وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال فإن رأيي في قتال المحلين حتى ألقى الله (9)


= هذا. وبعد وفاته تزوجها علي فولدت له يحيى. والكادح المبالغ في سعيه (1) طفلت تطفيلا أي دنت وقرنت. والاياب: الرجوع إلى مغربها (2) كناية عن السرعة التامة، فإن حرفين ثانيهما حرف لين سريعا الانقضاء عند السمع. قال أبو برهان المغربي: - وأسرع في العين من لحظة * وأقصر في السمع من لا ولا (3) الجريض بالجيم: المعموم، وبالحاء: الساقط لا يستطيع النهوض (4) المخنق بضم ففتح فنون مشددة: الحلق محل ما يوضع الخناق. والرمق بالتحريك: بقية النفس (5) لايا: مصدر محذوف العامل، ومعناه الشدة والعسر. وما بعده مصدرية، ونجا في معنى المصدر أي عسرت نجاته عسرا لعسر (6) التركاض: مبالغة في الركض، واستعاره لسرعة خواطرهم في الضلال. وكذلك التجوال من الجول والجولان. والشقاق: الخلاف: وجماحهم استعصاؤهم على سابق الحق. والتيه: الضلال والغواية (7) الجوازي: جمع جازية بمعنى المكافأة، دعاء عليهم بالجزاء على أعمالهم (8) يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين ربت رسول الله في حجرها فقال النبي في شأنها: فاطمة أمي بعد أمي (9) المحلون: الذين يحللون =

[ 62 ]

لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة. ولا تحسبن ابن أبيك ولو أسلمه الناس متضرعا متخشعا، ولا مقرا للضيم واهنا، ولا سلس الزمام للقائد (1)، ولا وطئ الظهر للراكب المتقعد، ولكنه كما قال أخو بني سليم - فإن تسأليني كيف أنت فإنني * صبور على ريب الزمان صليب (2) - يعز علي أن ترى بي كآبة (3) * فيشمت عاد أو يساء حبيب 37 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية) فسبحان الله ما أشد لزومك للاهواء المبتدعة والحيرة المتعبة، مع تضييع الحقائق واطراح الوثائق التي هي لله طلبة (4)، وعلى عباده حجة. فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته (5) فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك (6)، وخذلته حيث كان النصر له. والسلام


= القتال ويجوزونه (1) السلس بفتح فكسر: السهل. والوطئ: اللين. والمتقعد الذي يتخذ الظهر قعودا يستعمله للركوب في كل حاجاته (2) شديد (3) يعز علي: يشق علي. والكآبة ما يظهر على الوجه من أثر الحزن. وعاد أي عدو (4) طلبة بالكسر: مطلوبة (5) الحجاج بالكسر: الجدال (6) حيث كان للانتصار له فائدة لك تتخذه ذريعة لجمع الناس إلى غرضك. أما وهو حي وكان النصر =

[ 63 ]

38 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر لما ولي عليهم الاشتر رحمه الله) من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه وذهب بحقه، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر (1) والمقيم والظاعن، فلا معروف يستراح إليه (2)، ولا منكر يتناهى عنه أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء ساعات الروع (3). أشد على الفجار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج (4)، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق فإنه سيف من سيوف الله لا كليل الظبة (5) ولا نابي الضريبة (6)، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم ولا يؤخر ولا يقدم إلا عن أمري، وقد


= يفيده فقد خذلته وأبطأت عنه (1) السرادق بضم السين: الغطاء الذي يمد فوق صحن البيت، والغبار والدخان. والبر بفتح الباء: التقى. والظاعن: المسافر (2) يعمل به، وأصله استراح إليه بمعنى سكن واطمأن. والسكون إلى المعروف يستلزم العمل به (3) نكل عنه كضرب ونصر وعلم: نكص وجبن. والروع: الخوف (4) مذحج كمجلس: قبيلة مالك، وأصله اسم أكمة ولد عندها أبو القبيلتين طئ ومالك فسميت قبيلتاهما به (5) الظبة بضم ففتح مخفف: حد السيف والسنان ونحوهما. والكليل: الذي لا يقطع (6) الضريبة: المضروب بالسيف. ونبا عنها السيف: لم يؤثر فيها. وإنما دخلت التاء في ضريبة وهي بمعنى المفعول =

[ 64 ]

آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم (1) 39 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى عمرو بن العاص) فإنك جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه ويسفه الحليم بخلطته، فاتبعت أثره وطلبت فضله اتباع الكلب للضرغام (2) يلوذ إلى مخالبه وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته، فأذهبت دنياك وآخرتك، ولو بالحق أخذت أدركت ما طلبت. فإن يمكني الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما، وإن تعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما (3) 40 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله) أما بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك وعصيت إمامك وأخزيت أمانتك (4) بلغني أنك جردت الارض فأخذت ما تحت قدميك وأكلت


= لذهابها مذهب الاسماء كالنطيحة والذبيحة (1) خصصتكم به وأنا في حاجة إليه تقديما لنفعكم على نفعي. والشكيمة في اللجام: الحديدة المعترضة في فم الفرس التي فيها الفأس، ويعبر بشدتها عن قوة النفس وشدة اليأس (2) الضرغام: الاسد (3) وإن تعجزاني عن الايقاع بكما وتبقيا في الدنيا بعدي فأمامكما حساب الله على أعمالكما (4) ألصقت بأمانتك خزية بالفتح أي رزية أفسدتها. وكأن هذا العامل أخذ ما عنده من =

[ 65 ]

ما تحت يديك، فارفع إلي حسابك، واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس 41 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله (1)) أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي (2)، واداء الامانة إلي. فلما رايت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو قد حرب، وأمانة الناس قد خزيت (3)، وهذه الامة قد فنكت وشغرت (4) قلبت لابن عمك ظهر المجن (5) ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين. فلا ابن عمك آسيت (6)، ولا الامانة أديت. وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك. وكأنك لم تكن على بينة من ربك. وكأنك إنما كنت تكيد هذه الامة عن دنياهم (7) وتنوي غرتهم عن فيئهم. فلما أمكنتك الشدة


= مخزون بيت المال (1) هو العامل السابق بعينه (2) المواساة من آساه أناله من ماله عن كفاف لا عن فضل أو مطلقا. وقالوا ليست مصدرا لواساه فإنه غير فصيح وتقدم للامام استعماله وهو حجة. والموازرة: المناصرة (3) كلب كفرح: اشتد وخشن والكلبة بالضم: الشدة والضيق. وحرب كفرح: اشتد غضبه، أو كطلب بمعنى سلب مالنا وخزيت كرضيت: وقعت في بلية الفساد الفاضح (4) من فنكت الجارية إذا صارت ماجنة. ومجون الامة أخذها بغير الحزم في أمرها كأنها هازلة. وشغرت: لم يبق فيها من يحميها (5) المجن: الترس وهذا مثل يضرب لمن يخالف ما عهد فيه (6) ساعدت وشاركت في الملمات (7) كاده عن الامر خدعه حتى ناله منه =

[ 66 ]

في خيانة الامة أسرعت الكرة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لاراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الازل دامية المعزى الكسيرة (1)، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه (2) كأنك لا أبا لغيرك حدرت إلى أهلك تراثا من أبيك وأمك. فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف نقاش الحساب (3)؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الالباب (4) كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما؟ وتبتاع الاماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الاموال وأحرز بهم هذه البلاد. فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك (5)، ولاضربنك


= والغرة: الغفلة. والفئ: مال الغنيمة والخراج (1) الازل: السريع الجري أو الخفيف لحم الوركين. والدامية: المجروحة. والكسيرة: المكسورة. والمعزى: أخت الضأن اسم جنس كالمعز والمعيز (2) التأثم التحرز من الاثم بمعنى الذنب. ولا أبا لغيرك، تقال للتوبيخ مع التحامي من الدعاء عليه. وحدرت: أسرعت إليهم بتراث أي ميراث، أو هو من حدره بمعنى حطه من أعلى لاسفل (3) النقاش بالكسر: المناقشة بمعنى الاستقصاء في الحساب (4) كان ههنا زائدة لافادة معنى المضي فقط لا تامة ولا ناقصة. وسغت الشراب أسيغه كبعته أبيعه: بلعته بسهولة (5) لاعاقبنك عقابا يكون لي =

[ 67 ]

بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار. ووالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة (1) ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وأزيح الباطل من مظلمتهما. وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم حلال لي (2) أتركه ميراثا لمن بعدي. فضح رويدا فكأنك قد بلغت المدى (3) ودفنت تحت الثرى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، ويتمنى المضيع الرجعة ولات حين مناص (4). 42 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي وكان عامله على البحرين فعزله واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي مكانه) أما بعد فإني قد وليت النعمان بن عجلان الزرقي على البحرين، ونزعت يدك بلا ذم لك ولا تثريب عليك (5). فلقد أحسنت الولاية وأديت الامانة. فأقبل غير ظنين (6) ولا ملوم ولا متهم ولا مأثوم.


= عذرا عند الله في فعلتك هذه (1) الهوادة بالفتح: الصلح والاختصاص بالميل (2) أي لا تعتمد على قرابتك مني فإني لا أسر بأن يكون لي فضلا عن ذوي قرابتي (3) فضح من ضحيت الغنم إذا رعيتها في الضحى، أي فارع نفسك على مهل فإنما أنت على شرف الموت، وكأنك قد بلغت المدى بالفتح مفرد بمعنى الغاية أو بالضم جمع مدية بالضم أيضا بمعنى الغاية. والثرى: التراب (4) ليس الوقت وقت فرار (5) التثريب اللوم (6) الظنين: المتهم

[ 68 ]

فقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام (1) وأحببت أن تشهد معي فإنك ممن استظهر به على جهاد العدو (2) وإقامة عمود الدين إن شاء الله 43 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامله على أردشير خره (3)) بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وأغضبت إمامك: أنك تقسم (4) فئ المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم وأريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك من أعراب قومك (5). فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا، ولتخفن عندي ميزانا. فلا تستهن بحق ربك، ولا تصلح دنياك بمحق دينك فتكون من الاخسرين أعمالا ألا وإن حق من قبلك وقبلنا (6) من المسلمين في قسمة هذا الفئ سواء يردون عندي عليه ويصدرون عنه


(1) الظلمة بالتحريك: جمع ظالم (2) أستظهر به: أستعين (3) أردشير خره بضم الخاء وتشديد الراء: بلدة من بلاد العجم (4) أنك الخ بدل من أمر (5) اعتامك: اختارك، وأصله أخذ العيمة بالكسر وهي خيار المال (6) قبل بكسر ففتح: ظرف بمعنى عند

[ 69 ]

44 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه) وقد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزل لبك ويستفل غربك (1)، فاحذره فإنما هو الشيطان يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته (2) ويستلب غرته وقد كان من أبي سفيان في زمن عمر فلتة من حديث النفس (3) ونزغة من نزغات الشيطان لا يثبت بها نسب ولا يستحق بها إرث، والمتعلق بها كالواغل المدفع والنوط المذبذب (فلما قرأ زياد الكتاب قال شهد بها ورب الكعبة، ولم يزل في نفسه حتى ادعاه معاوية) قوله عليه السلام: الواغل، هو الذي يهجم على الشرب ليشرب معهم وليس منهم فلا يزال مدفعا محاجزا. والنوط المذبذب هو ما يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك، فهو أبدا يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره)


(1) يستزل أي يطلب به الزلل وهو الخطأ. واللب: القلب. ويستفل بالفاء أي يطلب فل غر بك أي ثلم حدك (2) يدخل غفلته بغتة فيأخذه فيها. وتشبيه الغفلة بالبيت يسكن فيه الغافل من أحسن أنواع التشبيه. والغرة بالكسر: خلو العقل عن مضارب الحيل، والمراد منها العقل الغر، أي يسلب العقل الساذج (3) فلتة أبي سفيان =

[ 70 ]

45 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الانصاري وهو عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها) أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة (1) فأسرعت إليها تستطاب لك الالوان (2) وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو (3). وغنيهم مدعو. فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم (4)، فما اشتبه عليك علمه فالفظه (5)، وما أيقنت بطيب وجوهه (6) فنل منه ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدى به ويستضئ بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (7)، ومن طعمه بقرصيه. ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعقة وسداد (8). فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا أدخرت من غنائمها


= قوله في شأن زياد إني أعلم من وضعه في رحم أمه يريد نفسه (1) المأدبة بفتح الدال وضمها: الطعام يصنع لدعوة أو عرس (2) تستطاب يطلب لك طيبها. والالوان: أصناف الطعام والجفان بكسر الجيم: جمع جفنة القصعة (3) سائلهم: محتاجهم، مجفو أي مطرود من الجفاء (4) قضم كسمع أكل بطرف أسنانه والمراد الاكل مطلقا، والمقضم كمقعد المأكل (5) اطرحه حيث اشتبه عليك حله من حرمته (6) بطيب وجوهه بالحل في طرق كسبه (7) الطمر بالكسر: الثوب الخلق (8) إن ورع الولاة وعفتهم يعين الخليفة على إصلاح شؤون =

[ 71 ]

وفرا (1)، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا (2). بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين. ونعم الحكم الله. وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث (3) تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لاضغطها الحجر والمدر (4)، وسد فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى (5) لتأتي آمنة يوم الخوف الاكبر، وتثبت على جوانب المزلق (6). ولو شئت لاهتديت الطريق (7) إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن


= الرعية (1) التبر بكسر فسكون: فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ. والوفر المال (2) أي ما كان يهئ لنفسه طمرا آخر بدلا عن الثوب الذي يبلى، بل كان ينتظر حتى يبلى ثم يعمل الطمر، والثوب هنا عبارة عن الطمرين فإن مجموع الرداء والازار يعد ثوبا واحدا فبهما يكسو البدن لا بأحدهما (3) فدك بالتحريك: قرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح أهلها على النصف من نخيلها بعد فتح خيبر، وإجماع الشيعة على أنه كان أعطاها فاطمة رضي الله عنها قبل وفاته إلا أن أبا بكر رضي الله عنه ردها لبيت المال قائلا إنها كانت مالا في يد النبي يحمل به الرجال وينفقه في سبيل الله وإنا إليه كما كان عليه. والقوم الآخرون الذين سخت نفوسهم عنها هم بنو هاشم. المظان: جمع مظنة وهو المكان الذي يظن فيه وجود الشئ. وموضع النفس الذي يظن وجودها فيه في غد جدث بالتحريك أي قبر (4) أضغطها جعلها من الضيق بحيث تضغط وتعصر الحال فيها (5) أروضها: أذللها (6) موضع ما تخشى الزلة وهو الصراط (7) كان كرم الله وجهه إماما عالي السلطان واسع الامكان فلو أراد =

[ 72 ]

يغلبني هواي ويقودني جشعي (1) إلى تخير الاطعمة. ولعل بالحجاز أو اليمامة (2) من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟ أو أكون كما قال القائل - وحسبك داء أن تبيت ببطنة (3) * وحولك أكباد تحن إلى القد أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش (4). فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها (5)، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها. أو أترك سدى أو أهمل عابثا، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة (6). وكأني بقائلكم يقول إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الاقران ومنازلة الشجعان. ألا وإن الشجرة البرية


= التمتع بأي اللذائذ شاء لم يمنعه مانع، وهو قوله لو شئت لاهتديت الخ. والقز: الحرير (1) الجشع: شدة الحرص (2) جملة ولعل الخ حالية عمل فيها تخير الاطعمة أي هيهات أن يتخير الاطعمة لنفسه والحال أنه قد يكون بالحجاز أو اليمامة من لا يجد القرص أي الرغيف ولا طمع له في وجوده لشدة الفقر ولا يعرف الشبع، وهيهات أن يبيت مبطانا أي ممتلئ البطن والحال أن حوله بطونا غرثى أي جائعة وأكبادا حرى مؤنث حران أي عطشان (3) البطنة بكسر الباء البطر والاشر والكظة. والقد بالكسر: سير من جلد غير مدبوغ أي أنها تطلب أكله ولا تجده (4) الجشوبة: الخشونة (5) التقاطها للقمامة أي الكناسة وتكترش أي تملا كرشها (6) اعتسف: ركب =

[ 73 ]

أصلب عودا، والروائع الخضرة أرق جلودا (1)، والنباتات البدوية أقوى وقودا (2) وأبطأ خمودا، وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو والذراع من العضد (3). والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها، وسأجهد في أن أطهر الارض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس (4) حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد (5) إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك (6)، قد انسللت من مخالبك، وأفلت من حبائلك، واجتنبت الذهاب في مداحضك. أين القرون الذين غررتهم بمداعبك (7) أين الامم الذين فتنتهم بزخارفك. هاهم


= الطريق على غير قصد. والمتاهة: موضع الحيرة (1) الروائع الخضرة: الاشجار والاعشاب الغضة الناعمة الحسنة (2) الوقود: اشتعال النار أي إذا وقدت بها النار تكون أقوى اشتعالا من النباتات غير البدوية وأبطأ منها خمودا (3) الصنوان: النخلتان يجمعهما أصل واحد فهو من جرثومة الرسول يكون في حاله كما كان شديد البأس وإن كان خشن المعيشة (4) جهد كمنع: جسد والمركوس من الركس وهو رد الشئ مقلوبا وقلب آخره على أوله، والمراد مقلوب الفكر (5) المدرة بالتحريك: قطعة الطين اليابس. وحب الحصيد: حب النبات المحصود كالقمح ونحوه، أي حتى يطهر المؤمنين من المخالفين (6) إليك عني: اذهبي عني. والغارب: الكاهل وما بين السنام والعنق. والجملة تمثيل لتسريحها تذهب حيث شاءت. وانسل من مخالبها: لم يعلق به شئ من شهواتها. والحبائل: جمع حبالة شبكة الصياد. وأفلت منها: خلص. والمداحض: المساقط (7) والمداعب: جمع مدعبة من الدعابة =

[ 74 ]

رهائن القبور ومضامين اللحود. والله لو كنت شخصا مرئيا وقالبا حسيا لاقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالاماني وأمم ألقيتهم في المهاوي، وملوك أسلمتهم إلى التلف وأوردتهم موارد البلاء إذ لا ورد ولا صدر (1). هيهات من وطئ دحضك زلق (2)، ومن ركب لججك غرق، ومن ازور عن حبائلك وفق (3). والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه (4). اعزبي عني (5). فوالله لا أذل لك فتستذليني، ولا أسلس لك فتقوديني. وأيم الله يمينا أستثني فيها بمشيئة الله لاروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص (6) إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما، ولادعن مقلتي كعين ماء نضب معينها (7) مستفرغة دموعها. أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض (8) ويأكل علي من زاده


= وهي المزاح. والتاآت والكافات كلها بالكسر خطابا للدنيا (1) الورد بكسر الواو: ورود الماء. والصدر بالتحريك: الصدور عنه بعد الشرب (2) مكان دحض بفتح فسكون: أي زلق لا تثبت فيه الارجل (3) ازور أي مال وتنكب (4) حان: حضر. وانسلاخه: زواله (5) عزب يعزب أي بعد. ولا أسلس أي لا أنقاد (6) تهش أي تنبسط إلى الرغيف وتفرح به من شدة ما حرمها، ومطعوما حال من القرص كما أن مأدوما حال من الملح أي مأدوما به الطعام (7) أي لا تركن مقلتي أي عيني وهي كعين ماء نضب أي غار معينها بفتح فكسر أي ماؤها الجاري، أي أبكي حتى لا يبقى دمع (8) الربيضة: الغنم مع رعاتها إذا كانت في مرابضها. والربوض للغنم =

[ 75 ]

فيهجع (1)؟. قرت إذا عينه (2) إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة (3) والسائمة المرعية طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها (4). وهجرت في الليل غمضها (5) حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم. وهمهمت بذكر ربهم شفاههم (6)، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم " أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون " فاتق الله يا ابن حنيف ولتكفك أقراصك ليكون من النار خلاصك 46 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله) أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين (7) وأقمع به نخوة


كالبروك للابل (1) يهجع أي يسكن كما سكنت الحيوانات بعد طعامها (2) دعاء على نفسه ببرود العين أي جمودها من فقد الحياة تعبير باللازم (3) الهاملة: المسترسلة. والهمل من الغنم: ترعى نهارا بلا راع (4) البؤس: الضر. وعركه بالجنب: الصبر عليه كأنه محرك فيسحقه بجنبه. ويقال فلان يعرك بجنبه الاذى إذا كان صابرا عليه (5) والغمض بالضم: النوم. والكرى بالفتح: كذلك (6) الهمهمة: الصوت يردد في الصدر وأراد منه الاعم. وتقشع الغمام: انجلى (7) أستظهر: أستعين =

[ 76 ]

الاثيم، وأسد به لهاة الثغر المخوف (1). فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة بضغث من اللين (2). وارفق ما كان الرفق أرفق. واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة. واخفض للرعية جناحك، وألن لهم جانبك. وآس بينهم في اللحظة والنظرة (3)، والاشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك. والسلام 47 - (ومن وصية له عليه السلام للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله) أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما (4)، ولا تأسفا على شئ منها زوي عنكما (5). وقولا بالحق. واعملا للاجر. وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت جدكما صلى الله عليه وآله يقول: " صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام "


= به وأقمع أي أكسر. والنخوة بالفتح: الكبر. والاثيم: فاعل الخطايا (1) الثغر: مظنة طروق الاعداء في حدود الممالك. واللهاة: قطعة لحم مدلاة في سقف الفم على باب الحلق، قرنها بالثغر تشبيها له بفم الانسان (2) بضغث: بخلط، أي شئ من اللين تخلط به الشدة (3) آس أي شارك وسو بينهم (4) لا تطلباها وإن طلبتكما (5) زوي =

[ 77 ]

والله الله في الايتام فلا تغبوا أفواههم (1) ولا يضيعوا بحضرتكم. والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم (2). والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم. والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم. والله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا (3). والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله. وعليكم بالتواصل والتباذل (4). وإياكم والتدابر والتقاطع. لا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم. يا بني عبد المطلب لا ألفينكم (5) تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثل بالرجل (6) فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:


= أي قبض ونحى عنكما (1) أغب القوم: جاءهم يوما وترك يوما، أي صلوا أفواههم بالاطعام ولا تقطعوه عنها (2) يجعل لهم حقا في الميراث (3) لم تناظروا مبني للمجهول أي لا ينظر إليكم بالكرامة لا من الله ولا من الناس لاهمالكم فرض دينكم (4) مداولة البذل أي العطاء (5) لا أجدنكم: نفي في معنى النهي، أي لا تخوضوا دماء المسلمين بالسفك انتقاما منهم بقتلي (6) أي لا تمثلوا به. والتمثيل التنكيل والتعذيب، أو هو =

[ 78 ]

" إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور " 48 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية) وإن البغي والزور يذيعان بالمرء في دينه ودنياه (1)، ويبديان خلله عند من يعيبه. وقد علمت أنك غير مدرك ما قضي فواته (2). وقد رام أقوام أمرا بغير الحق فتأولوا على الله فأكذبهم (3). فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله (4)، ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه. وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ولست من أهله. ولسنا إياك أجبنا، ولكنا أجبنا القرآن في حكمه. والسلام 49 - (ومن كتاب له عليه السلام إليه) أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، ولم يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا عليها ولهجا بها (5)، ولن يستغني صاحبها بما


= التشويه بعد القتل أو قبله بقطع الاطراف مثلا (1) يذيعان بالمرء: يشهرانه ويفضحانه (2) ما قضى فواته: هو دم عثمان والانتصار له. ومعاوية يعلم أنه لا يدركه لانقضاء الامر بموت عثمان رضي الله عنه (3) أولئك الذين فتحوا الفتنة بطلب دم عثمان يريد بهم أصحاب الجمل. وتأولوا على الله أي تطاولوا على أحكامه بالتأويل فأكذبهم حكم بكذبهم (4) يغتبط: يفرح من جعل عاقبة عمله محمودة بإحسان العمل أو من وجد العاقبة حميدة. وأمكن الشيطان، أي مكنه من زمامه ولم ينازعه (5) لهجا أي ولوعا وشدة حرص

[ 79 ]

نال فيها عما لم يبلغه منها. ومن وراء ذلك فراق ما جمع ونقض ما أبرم ولو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقي. والسلام 50 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى أمرائه على الجيوش) من عبد الله على أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح (1) أما بعد فإن حقا على الوالي أن لا يغيره على رعيته فضل ناله ولا طول خص به (2)، وأن يزيده ما قسم الله له من نعمه دنوا من عباده وعطفا على إخوانه. ألا وإن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرا إلا في حرب (3)، ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم (4). ولا أؤخر لكم حقا عن محله، ولا أقف به دون مقطعه (5)، وأن تكونوا عندي في الحق سواء، فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة ولي عليكم الطاعة، وأن لا تنكصوا عن دعوة (6)، ولا تفرطوا في صلاح،


(1) جمع مسلحة أي الثغور لانها مواضع السلاح. وأصل المسلحة قوم ذوو سلاح (2) الطول بفتح الطاء: عظيم الفضل، أي من الواجب على الوالي إذا خصه الله بفضل أن يزيده فضله قربا من العباد وعطفا على الاخوان، وليس من حقه أن يتغير (3) لا أكتم عنكم سرا إلا في الحرب فإنه خدعة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حربا ورى بغيرها (4) طواه عنه: لم يجعل له نصيبا فيه، أي لا أدع مشاورتكم في أمر إلا في حكم صرح به الشرع في حد من الحدود مثلا فحكم الله النافذ دون مشورتكم (5) دون الحد الذي قطع به أن يكون لكم (6) أن لا تتأخروا إذا دعوتكم

[ 80 ]

وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق (1). فإن أنتم لم تستقيموا على ذلك لم يكن أحد أهون علي ممن اعوج منكم، ثم أعظم له العقوبة، ولا يجد فيها عندي رخصة. فخذوا هذا من أمرائكم، وأعطوهم من أنفسكم ما يصلح الله به أمركم (2) 51 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى عماله على الخراج) من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج أما بعد فإن من لم يحذر ما هو صائر إليه (3) لم يقدم لنفسه ما يحرزها. وأعلموا أن ما كلفتم يسير وأن ثوابه كثير. ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يخاف لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه. فأنصفوا الناس من أنفسكم. واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية (4) ووكلاء الامة وسفراء الائمة. ولا تحسموا أحدا عن حاجته (5)، ولا تحبسوه عن طلبته،


(1) الغمرات: الشدائد (2) أي خذوا حقكم من أمرائكم، وأعطوهم من أنفسكم الحق الواجب عليكم وهو ما يصلح الله به أمركم (3) من لم يحذر العاقبة التي يصير إليها لم يعمل عملا لنفسه يحفظها من سوء المصير (4) الخزان بضم فزاي مشددة: جمع خازن. والولاة يخزنون أموال الرعية في بيت المال لتنفق في مصالحها (5) لا تحسموا: لا تقطعوا. والطلبة بالكسر: المطلوب

[ 81 ]

ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها (1) ولا عبدا، ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم، ولا تمسن مال أحد من الناس مصل ولا معاهد، إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به على أهل الاسلام فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الاسلام فيكون شوكة عليه. ولا تدخروا أنفسكم نصيحة (2)، ولا الجند حسن سيرة، ولا الرعية معونة، ولا دين الله قوة. وأبلوا في سبيل الله ما استوجب عليكم (3)، فإن الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا (4)، وأن ننصره بما بلغت قوتنا، ولا قوة إلا بالله


(1) أي لا تضطروا الناس لان يبيعوا لاجل أداء الخراج شيئا من كسوتهم ولا من الدواب اللازمة لاعمالهم في الزرع والحمل مثلا، ولا تضربوهم لاجل الدراهم، ولا تمسوا مال أحد من المصلين أي المسلمين أو المعاهدين بالمصادرة، إلا ما كان عدة للخارجين على الاسلام يصولون بها على أهله (2) ادخر الشئ: استبقاه لا يبذل منه لوقت الحاجة. وضمن ادخر ههنا معنى منع فعداه بنفسه لمفعولين، أي لا تمنعوا أنفسكم شيئا من النصيحة بدعوى تأخيره لوقت الحاجة، بل حاسبوا أنفسكم على أعمالها كل وقت. ومثل هذا يقال في المعطوفات (3) وأبلوا أي أدوا، يقال أبليته عذرا، أي أديته إليه (4) يقال اصطنعت عنده، أي طلبت منه أي (أن) يصنع لي شيئا، فالله سبحانه طلب منا أن نصنع له الشكر بطاعتنا له ورعاية حقوق عباده وفاء بحق ماله علينا من النعمة

[ 82 ]

52 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة) أما بعد فصلوا بالناس الظهر حتى تفئ الشمس من مربض العنز (1) وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء حية في عضو من النهار حين يسار فيها فرسخان (2). وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم ويدفع الحاج (3) وصلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق إلى ثلث الليل. وصلوا بهم الغداة والرجل يعرف وجه صاحبه. وصلوا بهم صلاة أضعفهم ولا تكونوا فتانين (4) 53 - (ومن عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب محمد بن أبي بكر وهو أطول عهد وأجمع كتبه للمحاسن) (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر


(1) تفئ، أي تصل في ميلها جهة الغرب إلى أن يكون لها فئ أي ظل من حائط المربض على قدر طوله، وذلك حيث يكون ظل كل شئ مثله (2) أي لا تزالوا تصلون بهم العصر من نهاية وقت الظهر ما دامت الشمس بيضاء حية لم تصفر، وذلك في جزء من النهار يسع السير فرسخين. والضمير في فيها للعضو باعتبار كونه مدة (3) يدفع الحاج، أي يفيض من عرفات (4) أي لا يكون الامام موجبا لفتنة المأمومين =

[ 83 ]

في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه: من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه، فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات (1)، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور. وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم. وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده. فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح. فأملك هواك، وشح بنفسك عما لا يحل لك (2)، فإن الشح بالنفس الانصاف


= ونفرتهم من الصلاة بالتطويل (1) ويزعها أي يكفها عن مطامعها إذا جمحت عليه فلم تنقد لقائد العقل الصحيح والشرع الصريح (2) شح: أبخل بنفسك عن الوقوع في غير الحل، فليس الحرص على النفس إيفاءها كل ما تحب، بل من الحرص عليها =

[ 84 ]

منها فيما أحبت أو كرهت. وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم. ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل (1)، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطإ (2) فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الامر عليك فوقك، والله فوق من ولاك. وقد استكفاك أمرهم (3) وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله (4) فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته. ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة (5)، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع (6) فإن ذلك إدغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرب من الغير. وإذا


= أن تحمل على ما تكره إن كان ذلك في الحق، فرب محبوب يعقب هلاكا ومكروه يحمد عاقبة (1) يفرط: يسبق. والزلل: الخطأ (2) يؤتى مبني للمجهول نائب فاعله على أيديهم. وأصله تأتي السئيات على أيديهم الخ (3) استكفاك: طلب منك كفاية أمرهم والقيام بتدبير مصالحهم (4) أراد بحرب الله مخالفة شريعته بالظلم والجور، ولا يدي لك بنقمته أي ليس لك يد أن تدفع نقمته، أي لا طاقة لك بها (5) بجح به: كفرح لفظا ومعنى. والبادرة: ما يبدر من الحدة عند الغضب في قول أو فعل. والمندوحة: المتسع أي المخلص (6) مؤمر: كمعظم أي مسلط. والادغال: إدخال الفساد. ومنهكة: مضعفة، نهكه: أضعفه. والغير بكسر ففتح: حادثات الدهر بتبدل =

[ 85 ]

أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة (1) فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك (2)، ويكف عنك من غربك، ويفئ إليك بما عزب عنك من عقلك إياك ومساماة الله في عظمته (3) والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك (4)، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته (5) وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد


= الدول. والاغترار بالسلطة تقرب منها أي تعرض للوقوع فيها (1) الابهة بضم الهمزه وتشديد الباء مفتوحة: العظمة والكبرياء. والمخيلة بفتح فكسر: الخيلاء والعجب (2) الطماح ككتاب: النشوز والجماح. ويطامن أي يخفض منه. والغرب بفتح فسكون: الحدة. ويفئ: يرجع إليك بما عزب أي غاب من عقلك (3) المساماة: المباراة في السمو أي العلو (4) من لك فيه هوى أي لك إليه ميل خاص (5) أدحض: أبطل. وحربا أي محاربا. وينزع كيضرب أي يقلع عن ظلمه

[ 86 ]

وليكن أحب الامور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة (1)، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للانصاف، وأسأل بالالحاف (2)، وأقل شكرا عند الاعطاء. وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة (3) وإنما عماد الدين وجماع المسلمين (4) والعدة للاعداء العامة من الامة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم وليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لمعائب الناس (5)، فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها (6). فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك. فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره


(1) يجحف أي يذهب برضى الخاصة فلا ينفع الثاني معه، أما لو سخط الخاصة ورضي العامة فلا أثر لسخط الخاصة فهو مغتفر (2) الالحاف: الالحاح والشدة في السؤال (3) من أهل الخاصة متعلق بأثقل وما بعده من أفعال التفضيل (4) جماع الشئ بالكسر: جمعه أي جماعة الاسلام. والعامة خبر عماد وما بعده (5) أشنؤهم: أبغضهم. والا طلب للمعائب: الاشد طلبا لها (6) ستر فعل ماض صلة من، أي أحق الساترين =

[ 87 ]

من رعيتك. أطلق عن الناس عقدة كل حقد (1). واقطع عنك سبب كل وتر. وتغاب عن كل ما لا يضح لك، ولا تعجلن إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل (2) ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الامور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى (3) يجمعها سوء الظن بالله. إن شر وزرائك من كان للاشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة (4) فإنهم أعوان الاثمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف (5) ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم (6) ممن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على إثمه. أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى


= لها بالستر (1) أي أحلل عقد الاحقاد من قلوب النا س بحسن السيرة معهم. واقطع عنك أسباب الاوتار أي العدوات بترك الاساءة إلى الرعية. والوتر بالكسر: العداوة. وتغاب أي تغافل. والساعي هو النمام بمعائب الناس (2) الفضل هنا الاحسان بالبذل. ويعدك: يخوفك من الفقر لو بذلت. والشره بالتحريك: أشد الحرص (3) غرائز: طبائع متفرفة تجتمع في سوء ظن بكرم الله وفضله (4) بطانة الرجل بالكسر: خاصته، وهو من بطانة الثوب خلاف ظهارته. والاثمة: جمع آثم، فاعل الاثم أي الذنب. والظلمة: جمع ظالم (5) منهم متعلق بالخلف أو متعلق بواجد، ومن مستعملة في المعنى الاسمي بمعنى بدل (6) الآصار: جمع إصر بالكسر وهو الذنب والاثم =

[ 88 ]

عليك عطفا، وأقل لغيرك إلفا (1) فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك (2)، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع (3)، والصق بأهل الورع والصدق، ثم رضهم على أن لا يطروك (4) ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الاطراء تحدث الزهو وتدني من العزة ولا يكون المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان، وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة. وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه (5). واعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم (6)، وتخفيفه


= وكذلك الاوزار (1) الالف بالكسر: الالفة والمحبة (2) ليكن أفضلهم لديك أكثرهم قولا بالحق المر. ومرارة الحق: صعوبته على نفس الوالي (3) واقعا حال مما كره الله، أي لا يساعدك على ما كره الله حال كونه نازلا من ميلك إليه أي منزلة، أي وإن كان من أشد مرغوباتك (4) رضهم، أي عودهم على أن لا يطروك أي يزيدوا في مدحك، ولا يبجحوك أي يفرحوك بنسبة عمل عظيم إليك ولم تكن فعلته. والزهو بالفتح: العجب وتدني. أي تقرب من العزة أي الكبر (5) فإن المسئ ألزم نفسه استحقاق العقاب، والمحسن ألزمها استحقاق الكرامة (6) إذا أحسن الوالي إلى رعيته وثق من قلوبهم بالطاعة له، فان الاحسان قياد الانسان فيحسن ظنه بهم، بخلاف ما لو أساء إليهم فإن الاساءة تحدث العداوة في نفوسهم فينتهزون الفرصة =

[ 89 ]

المؤونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس قبلهم (1) فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا (2)، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده. وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده (3) ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة، واجتمعت بها الالفة، وصلحت عليها الرعية. ولا تحدثن سنة تضر بشئ من ماضي تلك السنن فيكون الاجر لمن سنها. والوزر عليك بما نقضت منها وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكماء (4) في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها جنود الله. ومنها كتاب العامة والخاصة (5).


= لعصيانه فيسوء ظنه بهم (1) قبلهم بكسر ففتح أي عندهم (2) النصب بالتحريك: التعب (3) البلاء هنا: الصنع مطلقا حسنا أو سيئا، وتفسير العبارة واضح مما قدمنا (4) المنافثة: المحادثة (5) كتاب كرمان: جمع كاتب. والكتبة منهم عاملون للعامة كالمحاسبين والمحررين في المعتاد من شؤون العامة، كالخراج والمظالم، ومنهم مختصون بالحاكم يفضي إليهم بأسراره ويوليهم النظر فيما يكتب لاوليائه =

[ 90 ]

ومنها قضاة العدل. ومنها عمال الانصاف والرفق. ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس. ومنها التجار وأهل الصناعات. ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلا قد سمى الله سهمه (1)، ووضع على حده فريضته في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله عهدا منه عندنا محفوظا فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الامن، وليس تقوم الرعية إلا بهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم (2). ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد (3)، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الامور وعوامها. ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم (4)، ويقيمونه من أسواقهم،


= وأعدائه وما يقرر في شؤون حربه وسلمه مثلا (1) سهمه: نصيبه من الحق (2) أي يكون محيطا بجميع حاجاتهم دافعا لها (3) هو وما بعده نشر على ترتيب اللف. والمعاقد: العقود في البيع والشراء وما شابهها مما هو من شأن القضاة. وجمع المنافع من حفظ الامن وجباية الخراج وتصريف الناس في منافعهم العامة ذلك شأن العمال. والمؤتمنون هم الكتاب (4) الضمير للتجار وذوي الصناعات، أي أنهم قوام لمن قبلهم بسبب =

[ 91 ]

ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم. ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم (1). وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل. فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولامامك، وأنقاهم جيبا (2)، وأفضلهم حلما ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء وينبو على الاقوياء (3). وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف. ثم ألصق بذوي الاحساب (4) وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة. ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف. ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان


= المرافق أي المنافع التي يجتمعون لاجلها، ولها يقيمون الاسواق ويكفون سائر الطبقات من الترفق أي التكسب بأيديهم ما لا يبلغه كسب غيرهم من سائر الطبقات (1) رفدهم: مساعدتهم وصلتهم (2) جيب القميص: طوقه، ويقال نقى الجيب أي طاهر الصدر والقلب. والحلم: العقل (3) ينبو: يشتد ويعلو عليهم ليكف أيديهم عن ظلم الضعفاء (4) ثم ألصق الخ تبيين للقبيل الذي يؤخذ منه الجند ويكون منه رؤساؤه وشرح لاوصافهم. وجماع من الكرم: مجموع منه. وشعب بضم ففتح: جمع شعبة. =

[ 92 ]

من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به (1). ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به (2) وإن قل فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك. ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به. وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه وليكن آثر رؤوس جندك عندك (3) من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو. فإن عطفك عليهم (4) يعطف قلوبهم عليك. وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية. وإنه لا تظهر مودتهم إلا


= والعرف: المعروف (1) تفاقم الامر: عظم أي لاتعد شيئا قويتهم به غاية في العظم زائدا عما يستحقون، فكل شئ قويتهم به واجب عليك إتيانه وهم مستحقون لنيله (2) أي لاتعد شيئا من تلطفك معهم حقيرا فتتركه لحقارته، بل كل تلطف وإن قل فله موقع من قلوبهم (3) آثر أي أفضل وأعلى منزلة، فليكن أفضل رؤساء الجند من واسى الجند أي ساعدهم بمعونته لهم. وأفضل عليهم أي أفاض وجاد من جدته. والجدة بكسر ففتح: الغنى، والمراد ما بيده من أرزاق الجند وما سلم إليه من وظائف المجاهدين لا يقتر عليهم في الفرض ولا ينقصهم شيئا مما فرض لهم، بل يجعل العطاء شاملا لمن تركوهم في الديار. من خلوف الاهلين: جمع خلف بفتح فسكون من يبقى في الحي من النساء والعجزة بعد سفر الرجال (4) عليهم أي على =

[ 93 ]

بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم (1). وقلة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدتهم. فافسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم (2). فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله. ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره (3)، ولا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب (4) ويشتبه عليك من الامور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم


= الرؤساء (1) حيطة بكسر الحاء: من مصادر حاطه بمعنى حفظه وصانه، أي بمحافظتهم على ولاة أمورهم وحرصهم على بقائهم، وأن لا يستثقلوا دولتهم ولا يستبطئوا انقطاع مدتهم، بل يعدون زمنهم قصيرا يطلبون طوله (2) ما صنع أهل الاعمال العظيمة منهم، فتعديد ذلك يهز الشجاع أي يحركه للاقدام، ويحرض الناكل أي المتأخر القاعد (3) لاتنسبن عمل امرئ إلى غيره ولا تقصر به في الجزاء دون ما يبلغ منتهى عمله الجميل (4) ضلع فلانا كمنع: ضربه في ضلعه. والمراد ما يشكل عليك

[ 94 ]

في شئ فردوه إلى الله والرسول " فالرد إلى الله الاخذ بمحكم كتابه (1)، والرد إلى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة (2) ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك (3) في نفسك ممن لا تضيق به الامور، ولا تمحكه الخصوم (4)، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه (5)، ولا تشرف نفسه على طمع (6)، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه (7)، وأوقفهم في الشبهات (8)، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الامور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم. ممن لا يزدهيه إطراء (9) ولا يستميله إغراء. وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه (10)،


(1) محكم الكتاب: نصه الصريح (2) سنة الرسول كلها جامعة ولكن رويت عنه سنن افترقت بها الآراء، فإدا أخذت فخذ بما أجمع عليه مما لا يختلف في نسبته إليه (3) ثم اختر الخ انتقال من الكلام في الجند إلى الكلام في القضاة (4) أمحكه جعله محكان أي عسر الخلق، أو أغضبه أي لا تحمله مخاصمة الخصوم على اللجاج والاصرار على رأيه. والزلة بالفتح: السقطة في الخطأ (5) حصر كفرح: ضاق صدره، أي لا يضيق صدره من الرجوع إلى الحق (6) الاشراف على الشئ: الاطلاع عليه من فوق. فالطمع من سافلات الامور من نظر إليه وهو في أعلى منزلة النزاهة لحقته وصمة النقيصة فما ظنك بمن هبط إليه وتناوله (7) لا يكتفي في الحكم بما يبدو له بأول فهم وأقر به دون أن يأتي على أقصى الفهم بعد التأمل (8) هذا وما بعده أتباع لافضل رعيتك. والشبهات: مالا يتضح الحكم فيها بالنص، فينبغي الوقوف على القضاء حتى يرد الحادثة إلى أصل صحيح. والتبرم الملل والضجر. وأصرمهم: أقطعهم للخصومة (9) لا يزدهيه: لا يستخفه زيادة الثناء عليه (10) تعاهده: تتبعه بالاستكشاف والتعرف. =

[ 95 ]

وافسح له في البذل ما يزيل علته (1) وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك (2) ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك. فانظر في ذلك نظرا بليغا، فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الاشرار يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا (3)، ولا تولهم محاباة وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام (4) المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقا، وأصح أعراضا، وأقل في المطامع إشرافا، وأبلغ في عواقب الامور نظرا. ثم أسبغ عليهم الارزاق (5) فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول


= وضمير قضائه لافضل الرعية الموصوف بالاوصاف السابقة (1) البذل: العطاء أي أوسع له حتى يكون ما يأخذه كافيا لمعيشة مثله وحفظ منزلته (2) إذا رفعت منزلته عندك هابته الخاصة كما تهابه العامة فلا يجرؤ أحد على الوشاية به عندك خوفا منك وإجلالا لمن أجللته (3) ولهم الاعمال بالامتحان لا محاباة أي اختصاصا وميلا منك لمعاونتهم. وأثرة بالتحريك أي استبدادا بلا مشورة، فإنهما أي المحاباة والاثرة يجمعان الجور والخيانة (4) توخ اي أطلب وتحر أهل التجربة الخ. والقدم بالتحريك: واحدة الاقدام، أي الخطوة السابقة. وأهلها هم الاولون (5) أسبغ عليه الرزق: أكمله وأوسع له فيه

[ 96 ]

ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك (1). ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم (2)، فإن تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم (3) على استعمال الامانة والرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك (4) اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلا، فإن شكوا ثقلا (5) أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة


(1) نقصوا في أدائها أو خانوا (2) العيون: الرقباء (3) حدوة أي سوق لهم وحث (4) اجتمعت الخ أي اتفقت عليها أخبار الرقباء (5) إذا شكوا ثقل المضروب من مال الخراج أو نزول علة سماوية بزرعهم أضرت بثمراته، أو انقطاع شرب بالكسر أي ماء في بلاد تسقى بالانهار. أو انقطاع بالة أي ما يبل الارض من ندى =

[ 97 ]

أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم. ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم (1) معتمدا فضل قوتهم (2) بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم. فربما حدث من الامور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به (3)، فإن العمران محتمل ما حملته، وإنما يؤتى خراب الارض من إعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لاشراف أنفس الولاة على الجمع (4)، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر


= ومطر فيما يسقى بالمطر، أو إحالة أرض بكسر همزة إحالة، أي تحويلها البذر إلى فساد بالتعفن لما اغتمرها أي عمها من الغرق فصارت غمقة كفرحة أي غلب عليها الندى والرطوبة حتى صار البذر فيها غمقا ككتف أي له رائحة خمة وفساد، وونقصت لذلك غلاتهم. أو أجحف العطش أي ذهب بمادة الغذاء من الارض فلم تنبت، فعليك عند الشكوى أن تخفف عنهم (1) التبجح: السرور بما يرى من حسن عمله في العدل (2) أي متخذا زيادة قوتهم عمادا لك تستند إليه عند الحاجة، وأنهم يكونون سندا بما ذخرت عندهم من إجمامك أي إراحتك لهم. والثقة منصوب بالعطف على فضل (3) طيبة بكسر الطاء مصدر طاب وهو علة لاحتملوه أي لطيب أنفسهم باحتماله، فإن العمران مادام قائما وناميا فكل ما حملت أهله سهل عليهم أن يحتملوا، والاعواز الفقر والحاجة (4) لتطلع أنفسهم إلى جمع المال إدخارا لما بعد زمن الولاية =

[ 98 ]

ثم انظر في حال كتابك (1) فول على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الاخلاق (2)، ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملا، ولا تقصر به الغفلة (3) عن إيراد مكاتبات عمالك عليك، وإصدار جواباتها على الصواب عنك وفيما يأخذ لك ويعطي منك. ولا يضعف عقدا اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك (4)، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك استنامتك (5) وحسن الظن منك، فإن الرجال يتعرفون لفراسات


= إذا عزلوا (1) ثم انظر الخ انتقال من الكلام في أهل الخراج إلى الكلام في الكتاب جمع كاتب (2) بأجمعهم متعلق باخصص، أي ما يكون من رسائلك حاويا لشئ من المكائد للاعداء وما يشبه ذلك من أسرارك فاخصصه بمن فاق غيره في جميع الاخلاق الصالحة. ولا تبطره أي لا تطغيه الكرامة فيجرأ على مخالفتك في حضور ملاء وجماعة من الناس فيضر ذلك بمنزلتك منهم (3) لا تكون غفلته موجبة لتقصيره في اطلاعك على ما يرد من أعمالك، ولا في إصدار الاجوبة عنه على وجه الصواب، بل يكون من النباهة والحذق بحيث لا يفوته شئ من ذلك (4) أي يكون خبيرا بطرق المعاملات بحيث إذا عقد لك عقدا في أي نوع منها لا يكون ضعيفا، بل يكون محكما جزيل الفائدة لك، وإذا وقعت مع أحد في عقد كان ضرره عليك لا يعجز عن حل ذلك العقد (5) الفراسة بالكسر: قوة الظن وحسن النظر في الامور. والاستنامة: =

[ 99 ]

الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم (1)، وليس وراء ذلك من النصيحة والامانة شئ، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا، وأعرفهم بالامانة وجها، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره، واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم (2) لا يقهره كبيرها، ولا يتشتت عليه كثيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته (3) ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات (4) وأوص بهم خيرا: المقيم منهم، والمضطرب بماله (5)، والمترفق ببدنه، فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق، وجلابها من المباعد والمطارح، في برك وبحرك، وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها (6)، ولا يجترئون


= السكون والثقة، أي لا يكون انتخاب الكتاب تابعا لميلك الخاص (1) يتعرفون للفراسات أي يتوسلون إليها لتعرفهم (2) أي اجعل لرئاسة كل دائرة من دوائر الاعمال رئيسا من الكتاب مقتدرا على ضبطها، لا يقهره عظيم تلك الاعمال ولا يخرج عن ضبطه كثيرها (3) إذا تغابيت أي تغافلت عن عيب في كتابك كان ذلك العيب لاصقا بك (4) ثم استوص، انتقال من الكلام في الكتاب إلى الكلام في التجار والصناع (5) المتردد بأمواله بين البلدان. والمترفق: المكتسب. والمرافق تقدم تفسيرها بالمنافع. وحقيقتها وهي المراد هنا: ما به يتم الانتفاع كالآنية والادوات وما يشبه ذلك (6) أي ويجلبونها من أمكنة بحيث لا يمكن التئام الناس واجتماعهم في مواضع =

[ 100 ]

عليها. فإنهم سلم لا تخاف بائقته (1)، وصلح لا تخشى غائلته. وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك. واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا (2)، واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا، بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع (3). فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه (4) فنكل به، وعاقب في غير إسراف. ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى (5)، فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا (6). واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم،


= تلك المرافق من تلك الامكنة (1) فإنهم: علة لاستوص وأوص. والبائقة: الداهية. والتجار والصناع مسالمون لا تخشى منهم داهية العصيان (2) الضيق: عسر المعاملة. والشح: البخل. والاحتكار: حبس المطعوم ونحوه عن الناس لا يسمحون به إلا بأثمان فاحشة (3) المبتاع: المشتري (4) قارف أي خالط. والحكرة بالضم: الاحتكار، فمن أتى عمل الاحتكار بعد النهي عنه فنكل به، أي أوقع به النكال والعذاب عقوبة له لكن من غير إسراف في العقوبة، ولا تجاوز عن حد العدل فيها (5) البؤسى بضم أوله: شدة الفقر. والزمنى بفتح أوله: جمع زمن وهو المصاب بالزمانة بفتح الزاي أي العاهة، يريد أرباب العاهات المانعة لهم عن الاكتساب (6) القانع: السائل من قنع كمنع أي سأل وخضع وذل. وقد تبدل القاف كافا فيقال كنع. والمعتر بتشديد الراء: المتعرض للعطاء بلا سؤال. واستحفظك: طلب =

[ 101 ]

واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الاسلام في كل بلد (1)، فإن للاقصى منهم مثل الذي للادنى. وكل قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر (2)، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه (3) لاحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم (4)، ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون (5) وتحقره الرجال، ففرغ لاولئك ثقتك (6) من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله يوم تلقاه (7)، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم (8) وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل. وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم


= منك حفظه (1) صوافي الاسلام جمع صافية وهي أرض الغنيمة. وغلاتها: ثمراتها (2) طغيان بالنعمة (3) التافه: القليل لا تعذر بتضييعه إذا أحكمت وأتقنت الكثير المهم (4) لا تشخص أي لا تصرف همك أي اهتمامك عن ملاحظة شؤونهم. وصعر خده: أماله إعجابا وكبرا (5) تقتحمه العين: تكره أن تنظر إليه احتقارا (6) فرغ أي اجعل للبحث عنهم أشخاصا يتفرغون لمعرفة أحوالهم يكونون ممن تثق بهم، يخافون الله ويتواضعون لعظمته، لا يأنفون من تعرف حال الفقراء ليرفعوها إليك (7) بالاعذار إلى الله أي بما يقدم لك عذرا عنده (8) الايتام. وذوو الرقة في السن: =

[ 102 ]

واجعل لذوي الحاجات منك قسما (1) تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك (2) من أحراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع (3)، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غير موطن (4): " لن تقدس أمة (5) لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع ". ثم احتمل الخرق منهم والعي (6)، ونح عنك الضيق والانف (7) يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته. وأعط ما أعطيت هنيئا (8)، وامنع في إجمال وإعذار. ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها. منها إجابة عمالك بما يعيى عنه كتابك (9). ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك


= المتقدمون فيه (1) لذوي الحاجات أي المتظلمين تتفرغ لهم فيه بشخصك للنظر في مظالهم (2) تأمر بأن يقعد عنهم ولا يتعرض لهم جندك الخ. والاحراس: جمع حرس بالتحريك من يحرس الحاكم من وصول المكروه. والشرط بضم ففتح: طائفة من أعوان الحاكم، وهم المعروفون الآن بالضابطة، واحده شرطة بضم فسكون (3) التعتعة في الكلام: التردد فيه من عجز أو عي، والمراد غير خائف، تعبيرا باللازم (4) أي في مواطن كثيرة (5) التقديس: التطهير أي لا يطهر الله أمة الخ (6) الخرق بالضم: العنف ضد الرفق. والعي بالكسر: العجز عن النطق، أي لا تضجر من هذا ولا تغضب لذاك (7) الضيق: ضيق الصدر بسوء الخلق. والانف محركة: الاستنكاف والاستكبار. وأكناف الرحمة: أطرافها (8) سهلا لا تخشنه باستكثاره والمن به، وإذا منعت فامنع بلطف وتقديم عذر (9) يعيى: يعجز

[ 103 ]

مما تحرج به صدور أعوانك (1). وأمض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الاقسام (2) وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية وليكن في خاصة ما تخلص به لله دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص (3) بالغا من بدنك ما بلغ. وإذا أقمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا (4)، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة. وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم فقال: " صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما " وأما بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور. والاحتجاب منهم


(1) حرج يحرج من باب تعب: ضاق. والاعوان تضيق صدورهم بتعجيل الحاجات ويحبون المماطلة في قضائها استجلابا للمنفعة أو إظهارا للجبروت (2) أجزلها: أعظمها (3) غير مثلوم أي غير مخدوش بشئ من التقصير ولا مخروق بالرياء. وبالغا حال بعد الاحوال السابقة، أي وإن بلغ من إتعاب بدنك أي مبلغ (4) التنفير بالتطويل، والتضييع بالنقص في =

[ 104 ]

يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور، وليست على الحق سمات (1) تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك (2) من واجب حق تعطية، أو فعل كريم تسدية، أو مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك (3)، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك، من شكاة مظلمة (4)، أو طلب إنصاف في معاملة ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الاحوال (5). ولا تقطعن لاحد من حاشيتك وحامتك قطيعة (6). ولا يطمعن منك في


الاركان، والمطلوب التوسط (1) سمات: جمع سمة بكسر ففتح العلامة، أي ليس للحق علامات ظاهرة يتميز بها الصدق من الكذب، وإنما يعرف ذلك بالامتحان، ولا يكون إلا بالمحافظة (2) فلاي سبب تحتجب عن الناس في أداء حقهم أو في عمل تمنحه إياهم (3) البذل: العطاء، فإن قنط الناس من قضاء مطالبهم منك أسرعوا إلى البعد عنك فلا حاجة للاحتجاب (4) شكاة بالفتح: شكاية (5) فاحسم أي اقطع مادة شرورهم عن الناس بقطع أسباب تعديهم، وإنما يكون بالاخذ على أيديهم ومنعهم من التصرف في شؤون العامة (6) الاقطاع: المنحة من الارض. والقطيعة =

[ 105 ]

اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من النا س في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك (1)، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع. وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة (2) وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك (3)، ورفقا برعيتك، وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضى، فإن في الصلح


= الممنوح منها: والحامة كالطامة: الخاصة والقرابة. والاعتقاد: الامتلاك والعقدة بالضم: الضيعة. واعتقاد الضيعة: اقتناؤها. وإذا اقتنوا ضيعة فربما أضروا بمن يليها أي يقرب منها من الناس في شرب بالكسر وهو النصيب في الماء (1) مهنؤه: منفعته الهنيئة (2) المغبة كمحبة: العاقبة. وإلزام الحق لمن لزمهم وإن ثقل على الوالي وعليهم فهو محمود العاقبة بحفظ الدولة في الدنيا ونيل السعادة في الاخرة (3) وإن فعلت فعلا ظنت الرعية أن فيه حيفا أي ظلما فأصحر أي أبرز لهم وبين عذرك فيه. وعدل عنه كذا: نحاه عنه. والاصحار: الظهور، من أصحر إذا برز في الصحراء. ورياضة: تعويدا لنفسك على العدل. والاعذار: تقديم العذر أو أبداؤه

[ 106 ]

دعة لجنودك (1) وراحة من همومك وأمنا لبلادك. ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفل (2)، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن. وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة (3) فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالامانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت (4) فإنه ليس من فرائض الله شئ الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود (5). وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين (6) لما استوبلوا من عواقب الغدر (7). فلا تغدرن بذمتك، ولا تخيسن بعهدك (8)، ولا تختلن عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا


(1) الدعة محركة: الراحة (2) قارب أي تقرب منك بالصلح ليلقى عليك غفلة عنه فيغدرك فيها (3) أصل معنى الذمة وجدان مودع في جبلة الانسان ينبهه لرعاية حق ذوي الحقوق عليه، ويدفعه لاداء ما يجب عليه منها، ثم أطلقت على معنى العهد. وجعل العهد لباسا لمشابهته له في الوقاية من الضرر. وحاطه: حفظه (4) الجنة بالضم: الوقاية أي حافظ على ما أعطيت من العهد بروحك (5) الناس مبتدأ وأشد خبر والجملة خبر ليس، يعني أن الناس لم يجتمعوا على فريضة من فرائض الله أشد من اجتماعهم على تعظيم الوفاء بالعهود مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم، حتى أن المشركين التزموا الوفاء فيما بينهم فأولى أن يلتزمه المسلمون (6) أي حال كونهم دون المسلمين في الاخلاق والعقائد (7) لانهم وجدوا عواقب الغدر وبيلة أي مهلكة، وما والفعل بعدها في تأويل مصدر، أي استيبالهم (8) خاس بعهده: خان ونقضه. والختل: الخداع

[ 107 ]

جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته (1) وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره (2). فلا إدغال ولا مدالسة (3) ولا خداع فيه. ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل (4)، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك من الله فيه طلبة (5) فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء


(1) الامن: الامان. وأفضاه هنا بمعنى أفشاه، وأصله المزيد، من فضا فضوا من باب قعد أي اتسع، فالرباعي بمعنى وسعه، والسعة مجازية يراد بها الافشاء والانتشار. والحريم ما حرم عليك أن تمسه. والمنعة بالتحريك: ما تمتنع به من القوة (2) يستفيضون أي يفزعون إليه بسرعة (3) الادغال: الافساد. والمدالسة: الخيانة (4) العلل: جمع علة وهي في العقد والكلام بمعنى ما يصرفه عن وجهه ويحوله إلى غير المراد، وذلك يطرأ على الكلام عند إبهامه وعدم صراحته، ولحن القول ما يقبل التوجيه كالتورية والتعريض، فإذا تعلل بهذا المعاقد لك وطلب شيئا لا يوافق ما أكدته وأخذت عليه الميثاق فلا تعول عليه، وكذلك لو رأيت ثقلا من التزام العهد فلا تركن إلى لحن القول لتتملص منه، فخذ بأصرح الوجوه لك وعليك (5) وأن تحيط: عطف على تبعة، أي وتخاف أن تتوجه عليك من الله مطالبة بحقه في الوفاء الذي غدرته وياخذ الطلب بجميع أطرافك فلا يمكنك التخلص منه، ويصعب =

[ 108 ]

بغير حقها. والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة. فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لان فيه قود البدن (1). وإن ابتليت بخطإ وأفرط عليك سوطك (2) أو سيفك أو يدك بعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم وإياك والاعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء (3) فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين


= عليك أن تسأل الله أن يقيلك من هذه المطالبة بعفو عنك في دنيا أو أخرة بعد ما تجرأت على عهده بالنقض (1) القود بالتحريك: القصاص. وإضافته للبدن لانه يقع عليه (2) أفرط عليك: عجل بما لم تكن تريده. أردت تأديبا فأعقب قتلا. وقوله فإن في الوكزة تعليل لافرط. والوكزة بفتح فسكون: الضربة بجمع الكف بضم الجيم أي قبضته، وهي المعروفة باللكمة. وقوله فلا تطمحن أي لا يرتفعن بك كبرياء السلطان عن تأدية الدية إليهم في القتل الخطأ: جواب الشرط (3) الاطراء: المبالغة في الثناء. والفرصة بالضم: حادث يمكنك لو سعيت من الوصول لمقصدك. والعجب في الانسان من أشد الفرص لتمكين الشيطان من قصده، وهو محق الاحسان =

[ 109 ]

وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك (1) أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الاحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس (2)، قال الله تعالى " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " وإياك والعجلة بالامور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها (3)، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت (4)، أو الوهن عنها إذا استوضحت. فضع كل أمر موضعه، وأوقع كل عمل موقعه وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة (5) والتغابي عما يعنى به مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذ منك لغيرك. وعما قليل تنكشف عنك أغطية الامور وينتصف منك للمظلوم. أملك حمية أنفك (6)،


= بما يتبعه من الغرور والتعالي بالفعل على من وصل إليه أثره (1) التزيد كالتقيد: إظهار الزيادة في الاعمال عن الواقع منها في معرض الافتخار (2) المقت: البغض والسخط (3) التسقط: من قولهم تسقط في الخبر يتسقط إذا أخذه قليلا قليلا، يريد به هنا التهاون. وفي نسخة التساقط بمد السين من ساقط الفرس عدوه إذا جاء مسترخيا (4) تنكرت لم يعرف وجه الصواب فيها. واللجاجة: الاصرار على منازعة الامر ليتم على عسر فيه. والوهن: الضعف (5) احذر أن تخص نفسك بشئ تزيد به عن الناس وهو مما تجب فيه المساواة من الحقوق العامة. والتغابي: التغافل. وما يعنى به مبني للمجهول أي يهتم به (6) يقال فلان حي الانف إذا كان أبيا يأنف الضيم، أي أملك نفسك عند الغضب. والسورة بفتح السين وسكون الواو: الحدة. =

[ 110 ]

وسورة حدك، وسطوة يدك، وغرب لسانك. واحترس من كل ذلك بكف البادرة (1) وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا صلى الله عليه وآله، أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدته مما عملنا به فيها (2)، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها. وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة (3) أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الاقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه (4)، مع حسن الثناء في العباد وجميل الاثر في البلاد، وتمام


= والحد بالفتح: البأس. والغرب بفتح فسكون -: الحد، تشبيها له بحد السيف ونحوه (1) البادرة: ما يبدر من اللسان عند الغضب من سباب ونحوه. وإطلاق اللسان يزيد الغضب إتقادا والسكوت يطفئ من لهبه (2) ضمير فيها يعود إلى جميع ما تقدم، أي تذكر كل ذلك واعمل فيه مثل ما رأيتنا نعمل، واحذر التأويل حسب الهوى (3) على متعلقة بقدرة (4) يريد من العذر الواضح العدل، فإنه عذر لك عند من قضيت عليه، وعذر عند الله فيمن أجريت عليه عقوبة أو حرمته من منفعة

[ 111 ]

النعمة وتضعيف الكرامة (1)، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة وإنا إليه راغبون. والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا. والسلام 54 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى طلحة والزبير ذكره أبو جعفر الاسكافي في كتاب المقدمات في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام) أما بعد فقد علمتما - وإن كتمتما - أني لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى بايعوني، وإنكما ممن أرادني وبايعني، وإن العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر (2)، فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا وتوبا إلى الله من قريب، وإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل (3) بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية، ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان. وإن دفعكما هذا الامر من قبل إن تدخلا فيه (4) كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به


(1) أي زيادة الكرامة أضعافا (2) العرض بفتح فسكون، أو التحريك هو المتاع، وما سوى النقدين من المال، أي ولا لطمع في مال حاضر. وفي نسخة ولا لحرص حاضر (3) السبيل: الحجة (4) الامر هو خلافته

[ 112 ]

وقد زعمتما أني قتلت عثمان، فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل (1). فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار. والسلام (2) 55 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية) أما بعد فإن الله سبحانه قد جعل الدنيا لما بعدها (3)، وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا. ولسنا للدنيا خلقنا، ولا بالسعي فيها أمرنا، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها، وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي فجعل أحدنا حجة على الآخر، فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن (4) فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني، وعصبته أنت وأهل الشام بي (5) وألب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم. فاتق الله في نفسك.


(1) أي نرجع في الحكم لمن تقاعد عن نصري ونصركما من أهل المدينة، فإن حكموا قبلنا حكمهم، ثم ألزمت الشريعة كل واحد منا بقدر مداخلته في قتل عثمان (2) قوله من قبل أن يجتمع متعلق بفعل محذوف أي ارجعا من قبل الخ (3) وهو الآخرة (4) فعدوت أي وثبت. وتأويل القرآن: صرف قوله تعالى. " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص * ولكم في القصاص حياة " وتحويله إلى غير معناه حيث أقنع أهل الشام أن هذا النص يخول معاوية الحق في الطلب بدم عثمان من أمير المؤمنين (5) أي أنك وأهل الشام عصبتم أي ربطتم دم عثمان بي وألزمتموني ثأره. وألب بفتح الهمزة وتشديد اللام. أي حرض. قالوا يريد بالعالم أبا هريرة رضي الله عنه، وبالقائم عمرو بن العاص

[ 113 ]

ونازع الشيطان قيادك (1). واصرف إلى الآخرة وجهك فهي طريقنا وطريقك. واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمس الاصل (2) وتقطع الدابر، فإني أولى لك بالله ألية غير فاجرة (3) لئن جمعتني وإياك جوامع الاقدار لا أزال بباحتك " حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين " 56 - (ومن وصيته له عليه السلام وصى بها شريح بن هانئ لما جعله على مقدمته إلى الشام) اتق الله في كل صباح ومساء، وخف على نفسك الدنيا الغرور ولا تأمنها على حال. واعلم أنك إن لم تردع نفسك عن كثير مما تحب مخافة مكروهه سمت بك الاهواء إلى كثير من الضرر (4)، فكن لنفسك مانعا رادعا ولنزوتك عند الحفيظة واقما قامعا (5)


(1) القياد بالكسر: الزمام. ونازعه القياد إذا لم يسترسل معه (2) القارعة: البلية والمصيبة تمس الاصل أي تصيبه فتقلعه. والدابر هو الآخر، ويقال للاصل أيضا، أي لا تبقى لك أصلا ولا فرعا (3) أولى أي احلف بالله حلفة غير حانثة. والباحة: كالساحة وزنا ومعنى (4) سمت أي ارتفعت. والاهواء: جمع هوى وهو الميل مع الشهوة حيث مالت (5) النزوة من نزا ينزو نزوا أي وثب. والحفيظة: الغضب. =

[ 114 ]

57 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة) أما بعد فإني خرجت من حيي هذا (1) إما ظالما وإما مظلوما، وإما باغيا وإما مبغيا عليه، وإني أذكر الله من بلغه كتابي هذا (2) لما نفر إلي فإن كنت محسنا أعانني وإن كنت مسيئا استعتبني 58 - (ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى أهل الامصار يقتص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين) وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام. والظاهر أن ربنا واحد (3) ونبينا واحد، ودعوتنا في الاسلام واحدة. لا نستزيدهم في الايمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وآله ولا يستزيدوننا. الامر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء، فقلنا تعالوا نداو مالا


= ووقمه فهو واقم أي قهره. وقمعه: رده وكسره. (1) الحي: موطن القبيلة أو منزلها (2) من بلغه مفعول اذكر. وقوله لما نفر إلي إن كانت مشددة فلما بمعنى إلا، وإن كانت مخففة فهي زائدة، واللام للتأكيد. واستعتبني طلب مني العتبى أي الرضاء، أي طلب مني أن أرضيه بالخروج عن إساءتي (3) والظاهر الخ الواو للحال أي كان التقاؤنا في حال يظهر فيها أننا متحدون في العقيدة لا اختلاف بيننا إلا في دم عثمان. ولا نستزيدهم أي لا نطلب منهم زيادة في الايمان لانهم كانوا مؤمنين. وقوله الامر =

[ 115 ]

يدرك اليوم بإطفاء النائرة (1) وتسكين العامة، حتى يشتد الامر ويستجمع، فنقوى على وضع الحق مواضعه، فقالوا بل نداويه بالمكابرة، فأبوا حتى جنحت الحرب وركدت ووقدت نيرانها وحمست. فلما ضرستنا وإياهم (2)، ووضعت مخالبها فينا وفيهم، أجابوا عند ذلك إلى الذي دعوناهم إليه، فأجبناهم إلى ما دعوا، وسارعناهم إلى ما طلبوا حتى استبانت عليهم الحجة، وانقطعت منهم المعذرة. فمن تم على ذلك منهم فهو الذي أنقذه الله من الهلكة، ومن لج وتمادى فهو الراكس (3) الذي ران الله على قلبه، وصارت دائرة السوء على رأسه 59 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى الاسود بن قطيبة صاحب حلوان (4)) أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه (5) منعه ذلك كثيرا من


= واحد: جملة مستأنفة لبيان الاتحاد في كل شئ إلا دم عثمان (1) النائرة: اسم فاعل من نارت الفتنة تنور إذا انتشرت. والنائرة أيضا العداوة والشحناء. والمكابرة: المعاندة، أي دعاهم للصلح حتى يسكن الاضطراب ثم يوفيهم طلبهم فأبوا إلا الاصرار على دعواهم. وجنحت الحرب: مالت أي مال رجالها لايقادها. وركدت: استقرت. وثبتت. ووقدت كوعدت أي اتقدت والتهبت. وحمس كفرح: اشتد وصلب (2) ضرستنا: عضتنا بأضراسها (3) الراكس: الناكث الذي قلب عهده ونكثه. والراكس أيضا الثور الذي يكون في وسط البيدر حين يداس والثيران حواليه، وهو يرتكس أي يدور مكانه، وران على قلبه: غطى (4) ايالة من ايالات فارس (5) اختلاف الهوى: جريانه مع الاغراض النفسية حيث تذهب، ووحدة الهوى: =

[ 116 ]

العدل. فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور عوض من العدل. فاجتنب ما تنكر أمثاله (1)، وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك راجيا ثوابه ومتخوفا عقابه واعلم أن الدنيا دار بلية لم يفرغ صاحبها فيها قط ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة (2). وأنه لن يغنيك عن الحق شئ أبدا. ومن الحق عليك حفظ نفسك والاحتساب على الرعية بجهدك (3)، فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك. والسلام 60 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم (4)) من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من مر به الجيش من جباة الخراج وعمال البلاد أما بعد فإني قد سيرت جنودا هي مارة بكم إن شاء الله، وقد


= توجهه إلى أمر واحد وهو تنفيذ الشريعة العادلة على من يصيب حكمها (1) أي ما لا تستحسن مثله لو صدر من غيرك (2) الفراغ الذي يعقب حسرة يوم القيامة هو خلو الوقت من عمل يرجع بالنفع على الامة، فعلى الانسان أن يكون عاملا دائما فيما ينفع أمته ويصلح رعيته إن كان راعيا (3) الاحتساب على الرعية: مراقبة أعمالها وتقويم ما أعوج منها وإصلاح ما فسد، والاجر الذي يصل إليه العامل من الله والكرامة التي ينالها من الخليفة هما أفضل وأعظم من الصلاح الذي يصل إلى الرعية بسببه (4) أي يمر بأراضيهم

[ 117 ]

أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الاذى وصرف الشذى (1). وأنا أبرأ إليكم وإلى ذمتكم من معرة الجيش (2) إلا من جوعة المضطر لا يجد عنها مذهبا إلى شبعه. فنكلوا من تناول منهم شيئا ظلما عن ظلمهم (3). وكفوا أيدي سفهائكم عن مضادتهم والتعرض لهم فيما استثنيناه منهم (4). وأنا بين أظهر الجيش (5) فادفعوا إلي مظالمكم. وما عراكم مما يغلبكم من أمرهم ولا تطيقون دفعه إلا بالله وبي فأنا أغيره بمعونة الله إن شاء الله 61 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى كميل بن زياد النخعي وهو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طالبا الغارة) أما بعد فإن تضييع المرء ما ولي وتكلفه ما كفي (6) لعجز حاضر


(1) الشذى: الشر (2) معرة الجيش: أذاه. والامام يتبرأ منها لانها من غير رضاه. وجوعة - بفتح الجيم: الواحدة من مصدر جاع، يستثنى حالة الجوع المهلك فإن للجيش فيها حقا أن يتناول سد رمقه (3) نكلوا أي أوقعوا النكال والعقاب بمن تناول شيئا من أموال الناس غير مضطر. وافعلوا ذلك جزاء بظلم عن ظلمهم، وتسمية الجزاء ظلما نوع من المشاكلة (4) الذي استثناه هو حالة الاضطرار (5) أي أنني موجود فيه فما عجزتم عن دفعه فردوه إلي أكفكم ضره وشره (6) تضييع الانسان الشأن الذي تولى حفظه وتجشمه الامر الذي لم يطلب منه وكفاه الغير ثقله =

[ 118 ]

ورأي متبر. وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا (1) وتعطيلك مسالحك التي وليناك ليس بها من يمنعها ولا يرد الجيش عنها لرأي شعاع. فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك، غير شديد المنكب (2)، ولا مهيب الجانب، ولاساد ثغرة، ولا كاسر شوكة، ولا مغن عن أهل مصره (3)، ولامجز عن أميره 62 - (ومن كتاب له عليه السلام) إلى أهل مصر مع مالك الاشتر لما ولاه إمارتها أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله نذيرا للعالمين ومهيمنا على المرسلين (4)، فلما مضى عليه السلام تنازع المسلمون الامر من بعده، فوالله ماكان يلقى في روعي (5)


= عجر عن القيام بما تولاه، ورأى متبر كمعظم من تبره تتبيرا إذا أهلكه، أي هالك صاحبه (1) قرقيسيا بكسر القافين بينهما ساكن: بلد على الفرات. والمسالح جمع مسلحة -: مواضع الحامية على الحدود. ورأى شعاع كسحاب أي متفرق، اما الرأي المجتمع على صلاح فهو تقوية المسالح ومنع العدو من دخول البلاد (2) المنكب كمسجد: مجتمع الكتف والعضد. وشدته كناية عن القوة والمنعة. والثغرة: الفرجة يدخل منها العدو (3) أغنى عنه: ناب منابه، وقائد المسالح ينبغي أن ينوب عن أهل المصر في كفايتهم غارة عدوهم. وأجزى عنه: قام مقامه وكفى عنه (4) المهيمن: الشاهد، والنبي شاهد برسالة المرسلين الاولين (5) الروع بضم الراء: القلب أو موضع الروع منه بفتح الراء أي الفزع، أي ما كان =

[ 119 ]

ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الامر من بعده صلى الله عليه وآله عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان (1) يبايعونه، فأمسكت يدي (2) حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله، فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما (3) أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الاحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه


= يقذف في قلبي هذا الخاطر وهو أن العرب تزعج أي تنقل هذا الامر أي الخلافة عن آل بيت النبي عموما، ولا أنهم ينحونه أي يبعدونه عني خصوصا (1) راعني: أفزعني. وانثيال الناس: انصبابهم (2) كففتها عن العمل وتركت الناس وشأنهم حتى رايت الراجعين من الناس قد رجعوا عن دين محمد بارتكابهم خلاف ما أمر الله وإهمالهم حدوده وعدولهم عن شريعته، يريد بهم عمال عثمان وولاته على البلاد، ومحق الدين: محوه وإزالته (3) ثلما أي خرقا، ولو لم ينصر الاسلام بإزالة أولئك الولاة وكشف بدعهم لكانت المصيبة على أمير المؤمنين بالعقاب على التفريط أعظم من حرمانه الولاية في الامصار. فالولاية يتمتع بها أياما قلائل ثم تزول كما يزول السراب. فنهض الامام بين تلك البدع فبددها حتى زاح أي ذهب الباطل وزهق، أي خرجت روحه ومات، مجاز عن الزوال التام. ونهنهه عن الشئ: كفه، فتنهنه أي كف. وكان الدين منزعجا من تصرف هؤلاء نازعا إلى الزوال فكفه أمير المؤمنين ومنعه فاطمأن =

[ 120 ]

(ومنه) إني والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الارض كلها (1) ما باليت ولا استوحشت. وإني من ظلالهم الذي هم فيه، والهدى الذي أنا عليه، لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي. وإني إلى لقاء الله وحسن ثوابه لمنتظر راج. ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الامة سفهاؤها وفجارها (2)، فيتخذوا مال الله دولا، وعباده خولا، والصالحين حربا، والفاسقين حزبا، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام (3)، وجلد حدا في الاسلام وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الاسلام الرضائخ (4)، فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم (5) وتأنيبكم، وجمعكم وتحريضكم، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت (6)، وإلى أمصاركم قد


= وثبت (1) وهم طلاع الخ حال من مفعول لقيتهم، والطلاع ككتاب: ملء الشئ، أي لو كنت واحدا وهم يملاون الارض للقيتهم غير مبال بهم (2) آسى: مضارع أسيت عليه كرضيت أي حزنت، أي أنه يحزن لان يتولى أمر الامة سفهاؤها الخ. والدول بضم ففتح: جمع دولة بالضم أي شيئا يتداولونه بينهم يتصرفون فيه بغير حق الله. والخول محركة -: العبيد. وحربا أي محاربين (3) يريد الخمر، والشارب قالوا عتبة بن أبي سفيان حده خالد بن عبد الله في الطائف، وذكروا رجلا آخر لا أذكره (4) الرضائخ: العطايا. ورضخت له: أعطيت له. وقالوا إن عمرو بن العاص لم يسلم حتى طلب عطاء من النبي فلما أعطاه أسلم (5) تأليبكم: تحريضكم وتحويل قلوبكم عنهم. والتأنيب: اللوم. وونيتم أي أبطأتم عن إجابتي (6) أطراف البلاد جوانبها قد حصل فيها النقص باستيلاء العدو عليها. وتزوى مبني =

[ 121 ]

افتتحت، وإلى ممالككم تزوى، وإلى بلادكم تغزى. انفروا رحمكم الله إلى قتال عدوكم، ولا تثاقلوا إلى الارض فتقروا بالخسف وتبوءوا بالذل (1)، ويكون نصيبكم الاخس. وإن أخا الحرب الارق (2). ومن نام لم ينم عنه. والسلام 63 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى أبي موسى الاشعري وهو عامله على الكوفة، وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه (3) لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل) من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس أما بعد فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك، فإذا قدم رسولي عليك فارفع ذيلك (4)، واشدد مئزرك، واخرج من حجرك، واندب من معك، فإن حققت فانفذ، وإن تفشلت فابعد. وأيم الله لتؤتين حيث أنت، ولا تترك حتى يخلط زبدك بخاثرك (5)، وذائبك بجامدك،


= للمجهول من زواه إذا قبضه عنه (1) قر من باب منع أو ضرب سكن أي فتقيموا بالخسف أي الضيم وتبوءوا أي تعودوا بالذل (2) الارق بفتح فكسر أي الساهر، وصاحب الحرب لا ينام، والذي ينام لا ينام الناس عنه (3) التثبيط: الترغيب في القعود والتخلف (4) رفع الذيل وشد المئزر كناية عن التشمير للجهاد، وكنى بحجره عن مقره. واندب أي ادع من معك فإن حققت أي أخذت بالحق والعزيمة فانفذ أي امض إلينا، وإن تفشلت أي جبنت فابعد عنا (5) الخاثر: الغليظ. والكلام تمثيل لاختلاط =

[ 122 ]

وحتى تعجل عن قعدتك (1)، وتحذر من أمامك كحذرك من خلفك. وما هي بالهوينى التي ترجو (2)، ولكنها الداهية الكبرى، يركب جملها ويذل صعبها، ويسهل جبلها. فاعقل عقلك (3)، واملك أمرك وخذ نصيبك وحظك، فإن كرهت فتنح إلى غير رحب، ولا في نجاة، فبالحري لتكفين وأنت نائم (4) حتى لا يقال أين فلان. والله إنه لحق مع محق وما نبالي ما صنع الملحدون. والسلام 64 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا) أما بعد فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الالفة والجماعة، ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم، واليوم أنا استقمنا وفتنتم. وما أسلم مسلمكم إلا كرها (5)، وبعد أن كان أنف الاسلام كله لرسول الله صلى الله عليه وآله حزبا


(= الامر عليه من الحيرة وأصل المثل لا يدري أيخثر أم يذيب. قالوا إن المرأة تسلا السمن فيختلط خاثره برقيقه فتقع في حيرة أن أوقدت النار حتى يصفو احترق وإن تركته بقي كدرا (1) القعدة بالكسر: هيئة القعود. وأعجله عن الامر حال دون إدراكه أي يحال بينك وبين جلستك في الولاية ويحيط الخوف بك حتى تخشاه من أمام كما تخشاه من خلف (2) الهوينى: تصغير الهونى بالضم مؤنث أهون (3) قيده بالعزيمة ولا تدعه يذهب مذاهب التردد من الخوف (4) لتكفين بلام التأكيد ونونه أي أنا لنكفيك القتال ونظفر فيه وأنت نائم خامل لا اسم لم ولا يسأل عنك، نفعل ذلك بالوجه الحري أي الجدير بنا أن نفعله (5) فإن أبا سفيان إنما أسلم قبل فتح مكة =

[ 123 ]

وذكرت أني قتلت طلحة والزبير، وشردت بعائشة (1) ونزلت بين المصرين، وذلك أمر غبت عنه فلا عليك ولا العذر فيه إليك وذكرت أنك زائري في المهاجرين والانصار وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك (2)، فإن كان فيك عجل فاسترفه (3)، فإني إن أزرك فذلك جدير أن يكون الله إنما بعثني للنقمة منك، وإن تزرني فكما قال أخو بني أسد: - مستقبلين رياح الصيف تضربهم * بحاصب بين أغوار وجلمود (4) وعندي السيف الذي أعضضته بجدك (5) وخالك وأخيك في مقام واحد. وإنك والله ما علمت (6). لاغلف القلب المقارب العقل، والاولى أن يقال لك إنك رقيت سلما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك،


= بليلة خوف القتل وخشية من جيش النبي صلى الله عليه وسلم البالغ عشرة آلاف ونيفا. وأنف الاسلام: أشراف العرب الذين دخلوا فيه قبل الفتح (1) شرد به: سمع الناس بعيويه، أو طرده وفرق أمره. والمصران: كوفة والبصرة (2) أخوه عمرو بن أبى سفيان أسر يوم بدر (3) فاسترفه فعل أمر أي استرح ولا تستعجل (4) الجلمود بالضم: الصخر. والاغوار: جمع غور بالفتح وهو الغبار والحاصب ريح تحمل التراب والحصى (5) جده عتبة بن ربيعة، وخاله الوليد بن عتبة، وأخوه حنظلة قتلهم أمير المؤمنين يوم بدر. وأعضضته به: جعلته يعضه. والباء زائدة (6) ما خبر ان، أي انت الذى أعرفه. والاغلف خبر بعد خبر. وأغلف القلب الذي لا يدرك كأن قلبه في غلاف لا تنفذ إليه المعالي. ومقارب العقل ناقصه ضعيفه =

[ 124 ]

لانك نشدت غير ضالتك (1)، ورعيت غير سائمتك، وطلبت أمرا لست من أهله ولا في معدنه، فما أبعد قولك من فعلك. وقريب ما أشبهت (2) من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة وتمني الباطل على الجحود بمحمد صلى الله عليه وآله، فصرعوا مصارعهم حيث علمت، لم يدفعوا عظيما، ولم يمنعوا حريما بوقع سيوف ما خلا منها الوغى (3) ولم تماشها الهوينى وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس (4) ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله تعالى. وأما تلك التي تريد (5) فإنها خدعة الصبي عن اللبن في أول الفصال والسلام لاهله 65 - (ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا) أما بعد فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الامور (6)،


= كأنه يكاد أن يكون عاقلا وليس به (1) الضالة ما فقدته من مال ونحوه. ونشد الضالة طلبها ليردها مثل يضرب لطالب غير حقه. والسائمة الماشية من الحيوان (2) ما وما بعدها في معنى المصدر أي شبهك قريب من أعمامك وأخوالك. وصرعوا مصارعهم: سقطوا قتلى في مطارحهم حيث تعلم أي في بدر وحنين وغيرهما من المواطن (3) الوغى: الحرب، أي لم تزل تلك السيوف تلمع في الحروب ما خلت منها، ولم تصحبها الهوينى أي لم ترافقها المساهلة (4) وهو البيعة (5) من إبقائك واليا في الشام وتسليمك قتلة عثمان. والخدعة مثلثة الخاء ما تصرف به الصبي عن اللبن وطلبه أول فطامه. وما تصرف به عدوك عن قصدك به في الحروب ونحوها (6) يقال لارينك لمحا باصرا أي أمرا =

[ 125 ]

فقد سلكت مدارج أسلافك بادعائك الاباطيل، وإقحامك غرور المين والاكاذيب (1) وبانتحالك ما قد علا عنك (2)، وابتزازك لما اختزن دونك، فرارا من الحق وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك ودمك (3)، مما قد وعاه سمعك، وملئ به صدرك، فما ذا بعد الحق إلا الضلال المبين، وبعد البيان إلا اللبس (4). فاحذر الشبهة واشتمالها على لبستها، فإن الفتنة طالما أغدفت جلابيبها (5) وأعشت الابصار ظلمتها. وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين من القول (6) ضعفت قواها عن السلم وأساطير لم يحكها منك علم ولا حلم، أصبحت منها كالخائض


= واضحا، أي ظهر الحق فلك أن تنتفع بوضوحه من مشاهدة الامور (1) إقحامك: إدخالك في أذهان العامة غرور المين أي الكذب وعطف الاكاذيب للتأكيد (2) انتحالك: ادعاؤك لنفسك ما هو أرفع من مقامك. وابتزازك أي سلبك أمرا اختزن أي منع دون الوصول إليك وذلك أمر الطلب بدم عثمان والاستبداد بولاية الشام فإنهما من حقوق الامام لا من حقوق معاوية (3) الذي هو ألزم له من لحمه ودمه البيعة بالخلافة لامير المؤمنين (4) اللبس بالفتح: مصدر لبس عليه الامر يلبس كضرب يضرب خلطه. واللبسة بالضم الاشكال كاللبس بالضم (5) أغدفت المرأة قناعها: أرسلته على وجهها فسترته. وأغدف الليل: أرخى سدوله أي أغطيته من الظلام. والجلابيب: جمع جلباب وهو الثوب الاعلى يغطي ما تحته، أي طالما أسدلت الفتنة أغطية الباطل فأخفت الحقيقة. وأعشت الابصار: أضعفتها ومنعتها النفوذ إلى المرئيات الحقيقية (6) أفانين القول: ضروبه وطرائقه. والسلم ضد الحرب. والاساطير: جمع أسطورة بمعنى الخرافة لا يعرف لها منشأ. وحاكه =

[ 126 ]

في الدهاس (1) والخابط في الديماس وترقيت إلى مرقبة بعيدة المرام (2)، نازحة الاعلام تقصر دونها الانوق (3)، ويحاذى بها العيوق وحاش لله أن تلي للمسلمين بعدي صدرا أو وردا (4)، أو أجري لك على أحد منهم عقدا أو عهدا، فمن الآن فتدارك نفسك وانظر لها، فإنك إن فرطت حتى ينهد إليك عباد الله (5) أرتجت عليك الامور ومنعت أمرا هو منك اليوم مقبول. والسلام (6)


= يحوكه: نسجه ونسج الكلام: تأليفه. والحلم بالكسر: العقل (1) الدهاس كسحاب: أرض رخوة لا هي تراب ولا رمل ولكن منهما يعسر فيها السير والديماس بفتح فسكون: المكان المظلم. وخبط في سيره: لم يهتد (2) المرقبة بفتح فسكون: مكان الارتقاب وهو العلو والاشراف، أي رفعت نفسك إلى منزلة بعيد عنك مطلبها، ونازحة أي بعيدة. والاعلام: جمع علم ما ينصب ليهتدى به، أي خفية المسالك (3) الانوق كصبور: طير أصلع الرأس أصفر المنقار، يقال أعز من بيض الانوق، لانها تحرزه فلا تكاد تظفر به لان أوكارها في القلل الصعبة، ولهذا الطائر خصال عدها صاحب القاموس. والعيوق بفتح فضم مشدد -: نجم أحمر مضئ في طرف المجرة الايمن يتلو الثريا لا يتقدمها (4) الورد بالكسر: الاشراف على الماء، والصدر بالتحريك: الرجوع بعد الشرب، أي لا يتولاهم في جلب منفعة ولا ركون إلى راحة (5) ينهد: ينهض عباد الله لحربك. وأرتجت: أغلقت. أرتج الباب كرتجه أي أغلقه (6) ذلك الامر هو حقن دمه بإظهار الطاعة

[ 127 ]

66 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس) وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية أما بعد فإن المرء ليفرح بالشي الذي لم يكن ليفوته (1) ويحزن على الشئ الذي لم يكن ليصيبه. فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق. وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلفت، وهمك فيما بعد الموت 67 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة) أما بعد فأقم للناس الحج وذكرهم بأيام الله (2)، واجلس لهم العصرين فأفت المستفتي وعلم الجاهل وذاكر العالم. ولا يكن لك إلى الناس سفير إلا لسانك، ولا حاجب إلا وجهك. ولا تحجبن


(1) قد يفرح الانسان بنيل مقدور له لا يفوته، ويحزن لحرمانه ما قدر له الحرمان منه فلا يصيبه، فإذا وصل إليك شئ مما كتب لك في علم الله فلا تفرح به إن كان لذة أو شفاء غيظ بل عد ذلك في عداد الحرمان، وإنما تفرح بما كان إحياء حق وإبطال باطل، وعليك الاسف والحزن بما خلفت أي تركت من أعمال الخير والفرح بما قدمت منها لآخرتك (2) أيام الله: التي عاقب فيها الماضين على سوء أعمالهم. والعصران: الغداة والعشي تغليب

[ 128 ]

ذا حاجة عن لقائك بها، فإنها إن ذيدت عن أبوابك في أول وردها (1) لم تحمد فيما بعد على قضائها وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك (2) من ذوي العيال والمجاعة مصيبا به مواضع الفاقة والخلات، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا ومر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا فإن الله سبحانه يقول: " سواء العاكف فيه والباد " فالعاكف المقيم به والبادي الذي يحج إليه من غير أهله. وفقنا الله وإياكم لمحابه (3). والسلام 68 - (ومن كتاب له عليه السلام) إلى سلمان الفارسي رحمه الله قبل أيام خلافته أما بعد فإنما مثل الدنيا مثل الحية لين مسها، قاتل سمها، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها. وكن آنس ما تكون بها (4) أحذر ما تكون منها.


(1) فإنها أي الحاجة إن ذيدت أي دفعت ومنعت مبني للمجهول من ذاده يذوده إذا طرده ودفعه. ووردها بالكسر: ورودها وعدم الحمد على قضائها بعد الذود لان حسنة القضاء لا تذكر في جانب سيئة المنع (2) قبلك بكسر ففتح أي عندك. ومصيبا حال. والفاقة: الفقر الشديد. والخلة بالفتح: الحاجة (3) محابه بفتح الميم: مواضع محبته من الاعمال الصالحة (4) آنس حال من اسم كن أو من =

[ 129 ]

فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى مجذور (1) 69 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى الحارث الهمداني) وتمسك بحبل القرآن وانتصحه. وأحل حلاله وحرم حرامه، وصدق بما سلف من الحق. واعتبر بما مضى من الدنيا ما بقي منها (2) فإن بعضها يشبه بعضا، وآخرها لاحق بأولها، وكلها حائل مفارق (3) وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق (4)، وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت. ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق (5). واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكره لعامة المسلمين. واحذر كل عمل يعمل به في السر ويستحى منه في العلانية. واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه. ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القول، ولا تحدث الناس بكل ما سمعت فكفى بذلك كذبا، ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به فكفى بذلك جهلا. واكظم الغيظ وتجاوز عند المقدرة، واحلم عند الغضب، واصفح مع الدولة (6)


= الضمير في أحذر، وأحذر خبر، أي فليكن أشد حذرك منها في حال شدة أنسك بها (1) أشخصته أي أذهبته (2) ما بقي: مفعول اعتبر بمعنى قس، أي قس الباقي بالماضي (3) حائل أي زائل (4) لا تحلف به إلا على الحق تعظيما له وإجلالا لعظمته (5) أي لا تقدم الموت رغبه فيه إلا إذا علمت أن الغاية أشرف من بذل الروح. والمعنى لا تخاطر بنفسك فيما لا يفيد من سفاسف الامور (6) أي عندما تكون لك السلطة

[ 130 ]

تكن لك العاقبة. واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك. ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك، ولير عليك أثر ما أنعم الله به عليك واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه (1) وأهله وماله، فإنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره وما تؤخر يكن لغيرك خيره. واحذر صحابة من يفيل رأيه (2) وينكر عمله فإن الصاحب معتبر بصاحبه. اسكن الامصار العظام فإنها جماع المسلمين. واحذر منازل الغفلة والجفاء وقلة الاعوان على طاعة الله. واقصر رأيك على ما يعنيك، وإياك ومقاعد الاسواق فإنها محاضر الشيطان ومعاريض الفتن (3). وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليه (4). فإن ذلك من أبواب الشكر. ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا فاصلا في سبيل الله (5)، أو في أمر تعذر به. وأطع الله في جميع أمورك فإن طاعة الله فاضلة على ما سواها. وخادع نفسك في العبادة، وارفق بها ولا تقهرها. وخذ عفوها ونشاطها (6) إلا ما كان مكتوبا


(1) تقدمة كتجربة مصدر قدم بالتشديد أي بذلا وإنفاقا (2) فال الرأي يفيل أي ضعف (3) المعاريض: جمع معراض كمحراب سهم بلا ريش رقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده. والاسواق كذلك لكثرة ما يمر على النظر فيها من مثيرات اللذات والشهوات (4) أي إلى من دونك ممن فضلك الله عليه (5) فاصلا أي خارجا ذاهبا (6) خذ عفوها أي وقت فراغها وارتياحها إلى الطاعة. وأصله العفو =

[ 131 ]

عليك من الفريضة فإنه لابد من قضائها وتعاهدها عند محلها. وإياك إن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا (1). وإياك ومصاحبة الفساق فإن الشر بالشر ملحق. ووقر الله وأحبب أحباءه. واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس. والسلام (2) 70 - (ومن كتاب له عليه السلام) (إلى سهل بن حنيف الانصاري وهو عاملة على المدينة) (في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية) أما بعد فقد بلغني أن رجالا ممن قبلك (3) يتسللون إلى معاوية فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم. فكفى لهم غيا ولك منهم شافيا (4) فرارهم من الهدى والحق وإيضاعهم إلى العمى والجهل (5)، وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها ومهطعون إليها (6)،


= بمعنى ما لا أثر فيه لاحد يملك، عبر به عن الوقت الذي لا شاغل للنفس فيه (1) آبق أي هارب منه متحول عنه إلى طلب الدنيا (2) إن الغضب يوجب الاضطراب في ميزان العقل ويدفع النفس للانتقام أيا كان طريقه، وهذا أكبر عون للمضل على إضلاله (3) قبلك بكسر ففتح أي عندك ويتسللون: يذهبون واحدا بعد واحد (4) غيا: ضلالا. وفرارهم كاف في الدلالة على ضلالهم. والضالون مرض شديد في بنية الجماعة ربما يسري ضرره فيفسدها، ففرارهم كاف في شفاها من مرضهم. ورئيس الجماعة كأنه كلها لهذا نسب الشفاء إليه (5) الايضاع: الاسراع (6) مهطعون: مسرعون

[ 132 ]

قد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه، وعلموا أن الناس عنده في الحق أسوة فهربوا إلى الاثرة (1) فبعدا لهم وسحقا إنهم والله لم ينفروا من جور ولم يلحقوا بعدل. وإنا لنطمع في هذا الامر أن يذلل الله لنا صعبه ويسهل لنا حزنه (2) إن شاء الله. والسلام 71 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي) (وقد خان في بعض ما ولاه من أعماله) أما بعد فإن صلاح أبيك غرني منك، وظننت أنك تتبع هديه وتسلك سبيله (3)، فإذا أنت فيما رقي إلي عنك (4) لا تدع لهواك انقيادا، ولا تبقي لآخرتك عتادا (5)، تعمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك. ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك (6). ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسد به ثغر، أو ينفذ به أمر، أو يعلى له قدر أو يشرك في أمانة،


(1) الاثرة بالتحريك: اختصاص النفس بالمنفعة وتفضيلها على غيرها بالفائدة. والسحق بضم السين: البعد أيضا (2) حزنه بفتح فسكون أي خشنه (3) الهدى بفتح فسكون: الطريقة والسيرة (4) رقى إلي: رفع وانهى إلي (5) العتاد بالفتح: الذخيرة المعدة لوقت الحاجة (6) الجمل يضرب به المثل في الذلة والجهل. والشسع بالكسر: سير بين الاصبع الوسطى والتي تليها في النعل = = العربي كأنه زمام. ويسمى قبالا ككتاب

[ 133 ]

أو يؤمن على خيانة (1) فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله (والمنذر هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام: " إنه لنظار في عطفيه مختال في برديه (2) تفال في شراكيه ") 72 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس) أما بعد فإنك لست بسابق أجلك ولا مرزوق ما ليس لك. واعلم بأن الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، وأن الدنيا دار دول (3)، فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك 73 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية) أما بعد فإني على التردد في جوابك (4) والاستماع إلى كتابك لموهن رأيي ومخطئ فراستي. وإنك إذ تحاولني الامور (5) وتراجعني


(1) أي على دفع خيانة (2) العطف بالكسر: الجانب أي كثير النظر في جانبيه عجبا وخيلاء. والبردان: تنثية برد بضم الباء وهو ثوب مخطط. والمختال: المعجب. والشراكان: تثنية شراك ككتاب وهو سير النعل كله. وتفال: كثير التفل أي النفخ فيهما لينفضهما من التراب (3) جمع دولة بالضم ما يتداول من السعادة في الدنيا ينتقل من يد إلى يد (4) من قولك ترددت إلى فلان رجعت إليه مرة بعد أخرى، أي أني في ارتكابي للرجوع إلى مجاوبتك واستماع ما تكتبه موهن أي مضعف رأيي ومخطئ فراستي بالكسر أي صدق ظني، وكان الاجدر بي السكوت عن إجابتك (5) حاول الامر: طلبه ورامه أي تطالبني =

[ 134 ]

السطور كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه. أو المتحير القائم يبهظه مقامه. لا يدري أله ما يأتي أم عليه. ولست به، غير أنه بك شبيه. وأقسم بالله إنه لولا بعض الاستبقاء (1) لوصلت إليك مني قوارع تقرع العظم وتهلس اللحم. واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك (2) وتأذن لمقال نصيحتك 74 - (ومن حلف له عليه السلام كتبه بين ربيعة واليمن) (نقل من خط هشام بن الكلبي) هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن: حاضرها وباديها، وربيعة: حاضرها وباديها (3)، أنهم على كتاب الله يدعون إليه ويأمرون به ويجيبون من


= ببعض غاياتك كولاية الشام ونحوها، وتراجعني أي تطلب مني أن أرجع إلى جوابك بالسطور. يقول أنت في محاولتك كالنائم الثقيل نومه يحلم أنه نال شيئا فإذا انتبه وجد الرؤيا كذبته أي كذبت عليه، فأمانيك فيما تطلب شبيهة بالاحلام إن هي إلا خيالات باطلة. وأنت أيضا كالمتحير في أمره القائم في شكه لا يخطو إلى قصده. يبهظه أي يثقله ويشق عليه مقامه من الحيرة. وإنك لست بالمتحير لمعرفتك الحق معنا، ولكن المتحير شبيه بك فأنت أشد منه عناء وتعبا (1) الاستبقاء: الابقاء، أي لولا إبقائي لك وعدم إرادتي لاهلاكك لاوصلت إليك قوارع أي دواهي تقرع العظم تصدمه فتكسره، وتهلس اللحم أي تذيبه وتنهكه (2) ثبطك أي أقعدك عن مراجعة أحسن الامور لك وهو الطاعة لنا وعن أن تأذن أي تسمع لمقالنا في نصيحتك (3) الحاضر: ساكن المدينة، والبادي: المتردد في البادية

[ 135 ]

دعا إليه وأمر به. لا يشترون به ثمنا ولا يرضون به بدلا، وأنهم يد واحدة على من خالف ذلك وتركه. أنصار بعضهم لبعض، دعوتهم واحدة. لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب ولا لغضب غاضب (1)، ولا لاستذلال قوم قوما ولا لمسبة قوم قوما. على ذلك شاهدهم وغائبهم، وحليمهم وسفيههم وعالمهم، وجاهلهم. ثم إن عليهم بذلك عهد الله وميثاقه إن عهد الله كان مسئولا. وكتب علي بن أبي طالب 75 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية في أول) (ما بويع له، ذكره الواقدي في كتاب الجمل) من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فقد علمت إعذاري فيكم وإعراضي عنكم (2) حتى كان ما لابد منه ولا دفع له. والحديث طويل، والكلام كثير، وقد أدبر ما أدبر وأقبل ما أقبل، فبايع من قبلك (3) وأقبل إلي في وفد من أصحابك


(1) المعتبة كالمصطبة: الغيظ. والعاتب: المغتاظ، أي لا يعودون للتقاتل عند غضب بعضهم من بعض، أو استذلال بعضهم لبعض، أو سب بعضهم لبعض. وعلى المعتدي أن يؤدي الحق للمظلوم بلا قتال (2) إعذاري أي إقامتي على العذر في أمر عثمان صاحبكم، وإعراضي عنه بعدم التعرض له بسوء حتى كان قتله (3) ذهب ما ذهب من أمر عثمان وأقبل علينا من أمر الخلافة ما استقبلناه فبايع الذين قبلك أي عندك. والوفد بفتح فسكون: الجماعة =

[ 136 ]

76 - (ومن وصية له عليه السلام لعبد الله بن العباس) (عند استخلافه إياه على البصرة) سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك، وإياك والغضب فإنه طيرة من الشيطان (1). واعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار، وما باعدك من الله يقربك من النار 77 - (ومن وصية له عليه السلام لعبد الله بن العباس) (لما بعثه للاحتجاج على الخوارج) لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال (2) ذو وجوه تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة فإنهم لن يجدوا عنها محيصا (3) 78 - (ومن كتاب له عليه السلام إلى أبي موسى الاشعري) (جوابا في أمر الحكمين ذكره سعيد بن يحيى الاموي) (في كتاب المغازي) فإن الناس قد تغير كثير منهم عن كثير من حظهم (4) فمالوا


= الوافدون أي القادمون (1) الطيرة كعنبة وفجلة: الفأل الشؤم. والغضب يتفاءل به الشيطان في نيل مأربه من الغضبان (2) حمال أي يحمل معاني كثيرة إن أخذت بأحدها احتج الخصم بالآخر (3) محيصا أي مهربا (4) أي أن كثيرا من الناس =

[ 137 ]

مع الدنيا ونطقوا بالهوى، وإني نزلت من هذا الامر منزلا معجبا (1) اجتمع به أقوام أعجبتهم أنفسهم، فإني أداوي منهم قرحا أخاف أن يكون علقا (2)، وليس رجل - فاعلم - أحرص على جماعة أمة محمد صلى الله عليه وآله وألفتها مني (3) أبتغي بذلك حسن الثواب وكرم المآب (4) وسأوفي بالذي وأيت على نفسي (5) وإن تغيرت عن صالح ما فارقتني عليه (6) فإن الشقي من حرم نفع ما أوتي من العقل والتجربة، وإني لاعبد أن يقول قائل بباطل (7)، وأن أفسد أمرا قد أصلحه الله، فدع ما لا تعرف (8) فإن شرار الناس طائرون إليك بأقاويل السوء. والسلام


= قد انقلبوا عن حظوظهم الحقيقية وهي حظوظ السعادة الابدية بنصرة الحق (1) أي موجبا للتعجب. والامر هو الخلافة. ومنزله من الخلافة: بيعة الناس له ثم خروج طائفة منهم عليه (2) القرح: الجرح مجاز عن فساد بواطنهم. والعلق بالتحريك: الدم الغليظ الجامد، ومتى صار في الجرح الدم الغليظ الجامد صعبت مداواته وضرب فساده في البدن كله (3) أحرص: خبر ليس. وجملة فاعلم معترضة (4) المآب: المرجع إلى الله (5) سأوفي بما وأيت أي وعدت وأخذت على نفسي (6) تغيرت خطاب لابي موسى، يقول إذا انقلبت عن الرأي الصالح الذي تفارقنا عليه وهو الاخذ بالحذر والوقوف عند الحق الصريح فإنك تكون شقيا لان الشقي من حرمه الله نفع التجربة فأخذه الناس بالخديعة (7) عبد يعبد: كغضب يغضب عبدا كغضبا وزنا ومعنى، أن يغضبني قول الباطل وإفسادي لامر الخلافة الذي أصلحه الله بالبيعة، ونسبة الافساد لنفسه لان أبا موسى نائب عنه، وما يقع عن النائب كما يقع عن الاصيل (8) أي ما فيه =

[ 138 ]

79 - (ومن كتاب له عليه السلام لما استخلف إلى أمراء الاجناد) أما بعد فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه (1)، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه (2) (تم باب الكتب بحمد الله)


= الريبة والشبهة فاتركه (1) أي حجبوا عن الناس حقهم فاضطر الناس لشراء الحق منهم بالرشوة، فانقلبت الدولة عن أولئك المانعين فهلكوا، وأنهم منعوا فاعل أهلك لاعبد أن يقول قائل بباطل (7)، وأن أفسد أمرا قد أصلحه الله، فدع ما لا تعرف (8) فإن شرار الناس طائرون إليك بأقاويل السوء. والسلام

= قد انقلبوا عن حظوظهم الحقيقية وهي حظوظ السعادة الابدية بنصرة الحق (1) أي موجبا للتعجب. والامر هو الخلافة. ومنزله من الخلافة: بيعة الناس له ثم خروج طائفة منهم عليه (2) القرح: الجرح مجاز عن فساد بواطنهم. والعلق بالتحريك: الدم الغليظ الجامد، ومتى صار في الجرح الدم الغليظ الجامد صعبت مداواته وضرب فساده في البدن كله (3) أحرص: خبر ليس. وجملة فاعلم معترضة (4) المآب: المرجع إلى الله (5) سأوفي بما وأيت أي وعدت وأخذت على نفسي (6) تغيرت خطاب لابي موسى، يقول إذا انقلبت عن الرأي الصالح الذي تفارقنا عليه وهو الاخذ بالحذر والوقوف عند الحق الصريح فإنك تكون شقيا لان الشقي من حرمه الله نفع التجربة فأخذه الناس بالخديعة (7) عبد يعبد: كغضب يغضب عبدا كغضبا وزنا ومعنى، أن يغضبني قول الباطل وإفسادي لامر الخلافة الذي أصلحه الله بالبيعة، ونسبة الافساد لنفسه لان أبا موسى نائب عنه، وما يقع عن النائب كما يقع عن الاصيل (8) أي ما فيه =

[ 138 ]

79 - (ومن كتاب له عليه السلام لما استخلف إلى أمراء الاجناد) أما بعد فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه (1)، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه (2) (تم باب الكتب بحمد الله)


= الريبة والشبهة فاتركه (1) أي حجبوا عن الناس حقهم فاضطر الناس لشراء الحق منهم بالرشوة، فانقلبت الدولة عن أولئك المانعين فهلكوا، وأنهم منعوا فاعل أهلك (2) أي كلفوهم بإتيان الباطل فأتوه وصار قدوة يتبعها الابناء بعد الآباء

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية