الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




نهج البلاغة - خطب الامام علي عليه السلام ج 2

نهج البلاغة

خطب الامام علي عليه السلام ج 2


[ 1 ]

نهج البلاغة وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام سيدنا امير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام شرح الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية سابقا الجزء الثاني الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم 123 - ومن كلام له عليه السلام قاله لاصحابه في ساحة الحرب وأي امرئ منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء (1)، ورأى من أحد من إخوانه فشلا فليذب عن أخيه (2) بفضل نجدته التي فضل بها عليه كما يذب عن نفسه. فلو شاء الله لجعله مثله. إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب. إن أكرم الموت القتل (3). والذى نفس ابن أبي طالب بيده لالف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش (منه) وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب (4). لا تأخذون حقا ولا تمنعون ضيما. قد خليتم والطريق (5). فالنجاة للمقتحم والهلكة للمتلوم 124 - (منه) فقدموا


(1) رباطة الجأش: قوة القلب عند لقاء الاعداء (2) الفشل: الضعف وقوله فليذب أي فليدفع والنجدة بالفتح: الشجاعة (3) في سبيل الحماية عن الحق ورد كيد الباطل عنه (4) كشيش الضباب صوت احتكاك جلودها عند ازدحامها، والمراد حكاية حالهم عند الهزيمة (5) قد خلى بينكم وبين طريق الآخرة. فمن اقتحم أخطار القتال ورمى =

[ 3 ]

الدارع (1) وأخروا الحاسر، وعضوا على الاضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام (2). والتووا في أطراف الرماح (3) فإنه أمور للاسنة. وغضوا الابصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب. وأميتوا الاصوات فإنه أطرد للفشل. ورأيتكم فلا تميلوها ولا تخلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم (4)، فإن الصابرين على نزول الحقائق (5) هم الذين يحفون براياتهم، ويكتنفون حفافيها: وراءها وأمامها. ولا يتأخرون عنها فيسلموها، ولا يتقدمون عليها فيفردوها. أجزأ امرؤ قرنه (6)، وآسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه. وأيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة. وأنتم لهاميم العرب (7)


= بنفسه إليها فقد نجا، ومن تلوم أي توقف وتباطأ فقد هلك (1) الدارع لابس الدرع، والحاسر من لا درع له (2) أنبى: من نبا السيف إذا دفعته الصلابة من موقعه فلم يقطع (3) إذا وصلت إليكم أطراف الرماح فانعطفوا وأميلوا جانبكم فتزلق ولاتنفذ فيكم أسنتها، وأمور أي أشد فعلا للمور وهو الاضطراب الموجب للانزلاق وعدم النفوذ (4) الذمار بالكسر ما يلزم الرجل حفظه وحمايته من ماله وعرضه (5) جمع حاقة وهي النازلة الثابتة، ويحفون بالرايات أي يستديرون حولها، ويكتنفونها: يحيطون بها، وحفافيها: جانبيها (6) أجزأ وما بعده أفعال ماضية في معنى الامر أي فليكف كل منكم قرنه أي كفؤه وخصمه فيقتله وليواس أخاه. آساه يؤاسيه: قواه، رباعي ثلاثيه أسى البناء إذا قوي، ومنه الاسية للمحكم من البناء والدعامة ولا يترك خصمه إلى أخيه فيجتمع على أخيه خصمان فيغلبانه ثم ينقلبان عليه فيهلكانه (7) لهاميم جمع لهميم بالكسر: الجواد السابق من الانسان والخيل

[ 4 ]

والسنام الاعظم. إن في الفرار موجدة الله (1)، والذل اللازم والعار الباقي. وإن الفار لغير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه. الرائح إلى الله كالظمآن يرد الماء. الجنة تحت أطراف العوالي (2). اليوم تبلى الاخبار (3). والله لانا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم. اللهم فإن ردوا الحق فافضض جماعتهم، وشتت كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم (4). إنهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك (5). يخرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام، ويطيح العظام، ويندر السواعد والاقدام (6). وحتى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر (7)، ويرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب (8)، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس، وحتى تدعق الخيول في نواحر أرضهم (9)، وبأعنان مساربهم ومسارحهم (10)


(1) موجدته: غضبه (2) الرماح (3) تبلى: تمتحن أخبار كل امرئ عما في قلبه من دعوى الشجاعة والصدق في الايمان فيتبين الصادق من الكاذب (4) أبسله: أسلمه للهلكة (5) دراك ككتاب متتابع متوال يفتح في أبدانهم أبوابا يمر منها النسيم (6) يندرها كيهلكها أي يسقطها (7) المناسر جمع منسر كمجلس القطعة من الجيش تكون أمام الجيش الاعظم (8) الكتائب جمع كتيبة من المائة إلى الالف: والحلائب جمع حلبة على ما في القاموس الجماعة من الخيل تجتمع من كل صوب للنصرة، والخميس الجيش العظيم وقيل من أربعة آلاف إلى إثنى عشر ألفا (9) دعق الطريق كمنع وطئه وطئا شديدا. ودعق الغارة بثها (10) أعنان الشئ أطرافه، والمسارب المذاهب للرعي في نسخة: من رائح.

[ 5 ]

(أقول: الدعق: الدق، أي تدق الخيول بحوافرها أرضهم. ونواحر أرضهم متقابلاتهما. يقال: منازل بني فلان تتناحر، أي تتقابل) 125 - ومن كلام له عليه السلام في التحكيم إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن. وهذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين (1) لا ينطق بلسان، ولابد له من ترجمان. وإنما ينطق عنه الرجال. ولما دعانا القوم إلى أن نحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله تعالى. وقد قال الله سبحانه " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ". فرده إلى الله أن نحكم بكتابه، ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته، فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق الناس به، وإن حكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فنحن أولاهم به. وأما قولكم لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم، فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل ويتثبت العالم. ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الامة، ولا تؤخذ بأكظامها (2) فتعجل عن تبين الحق


(1) الدفتان صفحتان من جلد تحويان ورق المصحف (2) الاكظام جمع كظم محركة =

[ 6 ]

وتنقاد لاول الغي. إن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه - وإن نقصه وكرثه (1) - من الباطل وإن جر إليه فائدة وزاده. فأين يتاه بكم!. ومن أين أتيتم!. استعدوا للمسير إلى قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه، وموزعين بالجور (2) لا يعدلون به. جفاة عن الكتاب. نكب عن الطريق (3). ما أنتم بوثيقة يعلق بها (4)، ولا زوافر عز يعتصم إليها (5). لبئس حشاش نار الحرب أنتم (6). أف لكم لقد لقيت منكم برحا (7)، يوما أناديكم ويوما أناجيكم، فلا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاء (8) 126 - ومن كلام له عليه السلام لما عوتب على التسوية في العطاء أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله


= مخرج النفس. والاخذ بالاكظام المضايقة والاشتداد بسلب المهلة (1) كرثه كنصره وضربه اشتد عليه الغم بحكم الحق فإن الحزن بالحق مسرة لديه. والمسرة بالباطل زهرة ثمرتها الغم الدائم، وقوله من الباطل متعلق بأحب (2) موزعين من أوزعه أي أغراه وقوله لا يعدلون به أي لا يستبدلونه بالعدل (3) نكب جمع ناكب الحائد عن الطريق (4) أي بعروة وثيقة يستمسك بها (5) زافرة الرجل أنصاره وأعوانه (6) الحشاش جمع حاش من حش النار أي أوقدها، أي لبئس الموقدون لنار الحرب أنتم (7) برحا بالفتح شر أو شدة (8) النجاء الافضاء بالسر والتكلم مع شخص بحيث لا يسمع الآخر

[ 7 ]

ما أطور به ما سمر سمير (1)، وما أم نجم في السماء نجما (2). لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال الله. ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله. ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه ولا عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم، وكان لغيره ودهم. فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى معونتهم فشر خدين (3)، وألام خليل 127 - ومن كلام له عليه السلام للخوارج أيضا فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت، فلم تضللون عامة أمة محمد صلى الله عليه وآله بضلالي، وتأخذونهم بخطإي، وتكفرونهم بذنوبي. سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب. وقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله رجم الزاني المحصن ثم صلى عليه ثم ورثه أهله. وقتل القاتل وورث ميراثه أهله. وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن.


(1) ما أطور به من طار يطور: حام حول الشئ، أي ما أمر به ولا أقار به مبالغة في الابتعاد عن العمل بما يقولون. وما سمر سمير أي مدى الدهر (2) أي ما قصد نجم نجما (3) صديق

[ 8 ]

ثم قسم عليهما من الفئ ونكحا المسلمات، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله بذنوبهم، وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الاسلام، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله (1). ثم أنتم شرار الناس، ومن رمى به الشيطان مراميه، وضرب به تيهه (2). وسيهلك في صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس في حالا النمط الاوسط، فالزموه والزموا السواد الاعظم فإن يد الله على الجماعة. وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب ألا من دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه (3) وإنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن. وإحياؤه الاجتماع عليه، وإماتته الافتراق عنه. فإن جرنا القرآن إليهم اتبعناهم، وإن جرهم إلينا اتبعونا. فلم آت - لا أبالكم - بجرا (4)، ولا ختلتكم عن أمركم (5)


(1) كان من زعم الخوارج أن من أخطأ وأذنب فقد كفر، فأراد الامام أن يقيم الحجة على بطلان زعمهم بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم (2) سلك به في بادية ضلاله (3) الشعار علامة القوم في الحرب والسفر، وهو ما يتنادون به ليعرف بعضهم بعضا. قيل كان شعار الخوارج " لاحكم إلا لله " وقيل المراد بهذا الشعار هو ما امتازوا به من الخروج عن الجماعة، فيريد الامام أن كل خارج عن رأي الجماعة مستبد برأيه عامل على التصرف بهواه فهو واجب القتل وإلا كان أمره فتنة وتفريقا بين المؤمنين (4) البجر بالضم الشر والامر العظيم (5) ختلتكم: خدعتكم. =

[ 9 ]

ولا لبسته عليكم، إنما اجتمع رأي ملاكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما أن لا يتعديا القرآن فتاها عنه، وتركا الحق وهما يبصرانه، وكان الجور هواهما فمضيا عليه. وقد سبق استثناؤنا عليهما - في الحكومة بالعدل والصمد للحق - سوء رأيهما (1) وجور حكمهما 128 - ومن كلام له عليه السلام فيما يخبر به من الملاحم بالبصرة (2) يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب (3)، ولا قعقعة لجم، ولا حمحمة خيل (4). يثيرون الارض بأقدامهم كأنها أقدام النعام (يومي بذلك إلى صاحب الزنج. ثم قال عليه السلام): ويل لسكككم العامرة (5)، والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور (6)، وخراطيم كخراطيم الفيلة، من أولئك الذين لا يندب


= والتلبيس خلط الامر وتشبيهه حتى لا يعرف وجه الحق فيه (1) الصمد: القصد. وسوء مفعول لاستثناؤنا (2) الملاحم جمع ملحمة وهي الواقعة العظيمة (3) اللجب الصياح. واللجم جمع لجام. وقعقعتها ما يسمع من صوت اضطرابها بين أسنان الخيل (4) الحمحمة صوت البرذون عند الشعير وعر الفرس (أي صوته) عند ما يقصر في الصهيل ويستعين بنفسه (5) جمع سكة: الطريق المستوي وهو إخبار عما يصيب تلك الطرق من تخريب ما حواليها من البنيان على يد صاحب الزنج، وقد تقدم خبره في قيامه وسقوطه فراجعه (6) أجنحة الدور رواشنها. وقيل إن الجناح والروشن يشتركان في إخراج =

[ 10 ]

قتلهم (1)، ولا يفتقد غائبهم. أنا كاب الدنيا لوجهها، وقادرها بقدرها، وناظرها بعينها (منه، ويومي به إلى وصف الاتراك) كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة (2)، يلبسون السرق والديباج (3)، ويعتقبون الخيل العتاق (4). ويكون هناك استحرار قتل حتى (5) يمشي المجروح على المقتول، ويكون المفلت أقل من المأسور (فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك عليه السلام، وقال للرجل وكان كلبيا): يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم. وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدد الله سبحانه بقوله " إن الله عنده علم الساعة " الآية، فيعلم سبحانه ما في الارحام من ذكر


(= الخشب من حائط الدار إلى الطريق بحيث لا يصل إلى جدار آخر يقابله وألا فهو الساباط، ويختلفان في أن الجناح توضع له أعمدة من الطريق بخلاف الروشن، وخراطيمها ما يعمل من الاخشاب والبواري بارزة عن السقوف لوقاية الغرف عن الامطار وشعاع الشمس. أو الخراطيم هي الميازيب تطلى بالقار على طول نحو خمسة أذرع أو أزيد (1) اولئك أصحاب الزنجي لانهم عبيد (2) في القاموس أي التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة أي المخصوفة، وهو عجز عن التعبير، والاحسن أن يقال أي التي ألزق بها الطراق ككتاب - وهو جلد يقور على مقدار الترس ثم يلزق به (3) السرق بالتحريك شقق الحرير الابيض أو هو الحرير عامة (4) يعتقبون: يحتبسون كرائم الخيل ويمنعونها غيرهم (5) استحرار القتل: اشتداده

[ 11 ]

أو أنثى، وقبيح أو جميل، وسخي أو بخيل، وشقي أو سعيد، ومن يكون في النار حطبا، أو في الجنان للنبيين مرافقا. فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتضطم عليه جوانحي (1) 129 - ومن خطبة له عليه السلام في ذكر المكاييل والموازين عباد الله، إنكم - وما تأملون من هذه الدنيا أثوياء. مؤجلون (2) ومدينون مقتضون. أجل منقوص وعمل محفوظ. فرب دائب مضيع (3)، ورب كادح خاسر. وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا، ولا الشر إلا إقبالا، ولا الشيطان في هلاك الناس إلا طمعا. فهذا أوان قويت عدته (4)، وعمت مكيدته، وأمكنت فريسته (5). اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيرا


(1) تضطم: هو افتعال من الضم، أي وتنضم عليه جوانحي. والجوانح الاضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر. وانضمامها عليه اشتمالها على قلب يعيها (2) أثوياء جمع ثوي كغني وهو الضيف (3) الدائب المداوم في العمل. والكادح الساعي لنفسه بجهد ومشقة، والمراد من يقصر سعيه على جمع حطام الدنيا (4) الضمير للشيطان (5) امكنت الفريسة: أي سهلت وتيسرت

[ 12 ]

يكابد فقرا، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرا. أين خياركم وصلحاؤكم وأين أحراركم وسمحاؤكم وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم. أليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدنيا الدنية والعاجلة المنغصة. وهل خلقتم إلا في حثالة (1) لا تلتقي بذمهم الشفتان، استصغارا لقدرهم، وذهابا عن ذكرهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ظهر الفساد فلا منكر مغير، ولا زاجر مزدجر. أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه، وتكونوا أعز أوليائه عنده؟ هيهات لا يخدع الله عن جنته، ولا تنال مرضاته إلا بطاعته. لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به 130 - ومن كلام له عليه السلام لابي ذر رحمه الله لما خرج إلى الربذة (2) يا أبا ذر، إنك غضبت لله فارج من غضبت له. إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه،


(1) الحثالة بالضم الردئ من كل شئ. والمراد قزم الناس وصغراء النفوس (2) محركة: موضع على قرب من المدينة المنورة فيه قبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه والذي أخرجه إليه الخليفه الثالث رضي الله عنه

[ 13 ]

واهرب منهم بما خفتهم عليه. فما أحوجهم إلى ما منعتهم وما أغناك عما منعوك. وستعلم من الرابح غدا، والاكثر حسدا. ولو أن السماوات والارضين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا، ولا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل. فلو قبلت دنياهم لاحبوك، ولو قرضت منها لامنوك (1). 131 - ومن كلام له عليه السلام أيتها النفوس المختلفة والقلوب المتشتتة. الشاهدة أبدانهم، والغائبة عنهم عقولهم، أظأركم على الحق (2) وأنتم تنفرونه عنه نفور المعزى من وعوعة الاسد، هيهات أن أطلع بكم سرار العدل (3)، أو أقيم اعوجاج الحق. اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك. فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللهم إني أول من أناب وسمع


(1) لو قرضت منها: لو قطعت منها جزءا واختصصت به نفسك أي لو رضيت أن تنال منها (2) أظأركم: أعطفكم (3) السرار كسحاب في الاصل: آخر ليلة من الشهر، والمراد الظلمة أي أن أطلع بكم شارفا يكشف عما عرض على العدل من الظلمة، كما يدل على هذا قوله: أو أقيم اعواج الحق، فإن الحق لا اعوجاج فيه، ولكن قوما خلطوه بالباطل، فهذا ما أصابه =

[ 14 ]

وأجاب، لم يسبقني إلا رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلاة وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم نهمته (1)، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول (2) فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع (3)، ولا المعطل للسنة فيهلك الامة 132 - ومن خطبة له عليه السلام نحمده على ما أخذ وأعطى، وعلى ما أبلى وابتلى (4). الباطن لكل خفية. الحاضر لكل سريرة. العالم بما تكن الصدور وما تخون العيون. ونشهد أن لا إله غيره، وأن محمدا نجيبه وبعيثه (5) شهادة يوافق فيها السر الاعلان والقلب اللسان (منها) فإنه والله الجد لا


= من اعوجاج (1) النهمة بالفتح إفراط الشهوة والمبالغة في الحرص (2) الحائف من الحيف أي الجور والظلم. والدول: جمع دولة بالضم هي المال لانه يتداول أي ينتقل من يد ليد. والمراد من يحيف في قسم الاموال فيفضل قوما في العطاء على قوم بلا موجب للتفضيل (3) المقاطع: الحدود التي عينها الله لها (4) الابلاء: الاحسان. والانعام. والابتلاء الامتحان (5) مصطفاه ومبعوثه

[ 15 ]

اللعب، والحق لا الكذب. وما هو إلا الموت أسمع داعيه (1) وأعجل حاديه. فلا يغرنك سواد الناس من نفسك (2)، فقد رأيت من كان قبلك ممن جمع المال. وحذر الاقلال وأمن العواقب، طول أمل (3) واستبعاد أجل، كيف نزل به الموت فأزعجه عن وطنه، وأخذه من مأمنه، محمولا على أعواد المنايا، يتعاطى به الرجال الرجال، حملا على المناكب وإمساكا بالانامل. أما رأيتم الذين يأملون بعيدا ويبنون مشيدا ويجمعون كثيرا، أصبحت بيوتهم قبورا، وما جمعوا بورا. وصارت أموالهم للوارثين، وأزواجهم لقوم آخرين، لا في حسنة يزيدون، ولا من سيئة يستعتبون. فمن أشعر التقوى قلبه برز مهله (4) وفاز عمله. فاهتبلوا هبلها، واعملوا للجنة عملها (5). فإن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام، بل خلقت لكم مجازا لتزودوا منها الاعمال إلى دار القرار. فكونوا منها على أوفاز (6). وقربوا الظهور للزيال


(1) أي أن الداعي إلى الموت قد أسمع بصوته كل حي، فلا حي إلا وهو يعلم أنه يموت. وأعجل حاديه أي أن الحادي لسير المنايا إلى منازل الاجسام لاخلائها من سكنة الارواح قد اعجل المدبرين عن تدبيرهم وأخذهم قبل الاستعداد لرحيلهم (2) لا تغتر بكثرة الاحياء فكلما رايت حيا زعمت أنك باق مثله (3) طول مفعول لاجله، أي كان منه ذلك لطول الامل الخ (4) برز الرجل على أقرانه أي فاقهم. والمهل: التقدم في الخير، أي فاق تقدمه إلى الخير على تقدم غيره (5) اهتبل الصيد: طلبه، وكلمة الحكمة: اغتنمها، والضمير في هبلها للتقوى لا للدنيا، أي اغنموا خير التقوى (6) الوفز ويحرك: العجلة، وجمعه أوفاز، أي كونوا =

[ 16 ]

133 - ومن خطبة له عليه السلام وانقادت له الدنيا والآخرة بأزمتها، وقذفت إليه السماوات والارضون مقاليدها (1)، وسجدت له بالغدو والآصال الاشجار الناضرة. وقدحت له من قضبانها النيران المضيئة (2)، وآتت أكلها بكلماته الثمار اليانعة (منها) وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيى لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعز لا تهزم أعوانه (منها) أرسله على حين فترة من الرسل وتنازع من الالسن، فقفي به الرسل، وختم به الوحي، فجاهد في الله المدبرين عنه والعادلين به (منها) وإنما الدنيا منتهى بصر الاعمى (3)، لا يبصر مما وراءها شيئا، والبصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار وراءها. فالبصير منها شاخص، والاعمى إليها شاخص. والبصير منها متزود، والاعمى لها متزود. (منها) واعلموا أنه ليس من شئ إلا ويكاد صاحبه يشبع منه ويمله إلا الحياة فإنه لا يجد له في الموت راحة (4). وإنما ذلك بمنزلة الحكمة التى هي حياة للقلب الميت،


= منها على استعجال، والظهور: ظهور المطايا، أي أحضروها للزيال أي فراق الدنيا (1) مقاليدها جمع مقلاد وهو المفتاح (2) أي أن الاشجار أشعلت النيران المضيئة من قضبانها أي أغصانها. وقوله بكلماته أي بأوامره التكوينية، والضمائر لله سبحانه (3) يشير إلى أن من يقصر نظره على الدنيا فكأنه لم يبصر شيئا فهو بمنزلة الاعمى (4) لا يجد =

[ 17 ]

وبصر للعين العمياء، وسمع للاذن الصماء وري للظمآن وفيها الغنى كله والسلامة. كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض. لا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله. قد اصطلحتم على الغل فيما بينكم (1)، ونبت المرعى على دمنكم. وتصافيتم على حب الآمال، وتعاديتم في كسب الاموال. لقد استهان بكم الخبيث (2)، وتاه بكم الغرور، والله المستعان على نفسي وأنفسكم


= في الموت راحة حيث لم يهيئ من العمل الصالح الباقي ما يكسبه السعادة بعد الموت. قال وإنما ذلك أي شعور الانسان بخيفة ما بعد الموت بمنزلة حكمة واعظة تنبهه من غفلة الغرور وتبعثه إلى خير العمل، ثم بعد بيانه لما يجده الانسان في نفسه من خيفة ما وراء الموت ولما يرشد إليه ذلك الوجدان أخذ يبين الوسيلة الموصلة إلى منجاة مما يخشاه القلب وتتوجس منه النفس، وأنها التمسك بكتاب الله الذى بين أوصافه، وبهذا التفسير التأم الكلام واندفعت حيرة الشارحين في هذا المقام. وقوله كتاب الله جملة مستأنفة أي هذا كتاب الله فيه ما تحتاجون إليه مما هدتكم الفطرة إلى طلبه (1) الغل: الحقد. والاصطلاح عليه: الاتفاق على تمكينه في النفوس. وقوله نبت المرعى على دمنكم تأكيد وتوضيح للجملة قبلها. والدمن بكسر ففتح: جمع دمنة بالكسر وهي الحقد القديم. ونبت المرعى عليه استتاره بظواهر النفاق وزينة الخداع، وأصل الدمن السرقين وما يكون من أرواث الماشية وأبوالها، وسميت بها الاحقاد لانها أشبه شئ بها، قد تنبت عليها الخضر وهي على ما فيها من قذر. وهذا كلام ينعى به حالهم مع وجود كتاب الله ومرشد الالهام (2) استهام أصله من هام على وجهه إذا خرج لا يدري أين يذهب أي أخرجكم الشيطان من نور الفطرة وضياء =

[ 18 ]

134 - ومن كلام له عليه السلام وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم بنفسه وقد توكل الله لاهل هذا الدين بإعزاز الحوزة (1)، وستر العورة. والذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون: حي لا يموت إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم (2). ليس بعدك مرجع يرجعون إليه. فابعث إليهم رجلا محربا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة (3)، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الاخرى كنت ردءا للناس (4) ومثابة للمسلمين. 135 - ومن كلام له عليه السلام (5) وقد وقعت مشاجرة بينه وبين عثمان فقال المغيرة بن الاخنس لعثمان أنا أكفيكه فقال علي كرم الله وجهه للمغيرة: يابن اللعين الابتر، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع، أنت


= الشريعة إلى ظلمات الضلال والحيرة (1) الحوزة: ما يحوزه المالك ويتولى حفظه. وإعزاز حوزة الدين: حمايتها من تغلب أعدائه (2) كانفة: عاصمة يلجأون إليها، من كنفه إذا صانه وستره (3) احفز من حفزته كضربته إذا دفعته وسقته سوقا شديدا وأهل البلاء: أهل المهارة في الحرب مع الصدق في القصد والجراءة في الاقدام. والبلاء: هو الاجادة في العمل وإحسانه (4) الردء - بالكسر الملجأ. والمثابة: المرجع (5) قالوا =

[ 19 ]

تكفيني؟ والله ما أعز الله من أنت ناصره، ولا قام من أنت منهضه. اخرج عنا أبعد الله نواك (1)، ثم أبلغ جهدك فلا أبقى الله عليك إن أبقيت 136 - ومن كلام له عليه السلام لم تكن بيعتكم إياي فلتة، وليس أمري وأمركم واحدا. إني أريدكم لله وأنتم تريدونني لانفسكم. أيها الناس، أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لانصفن المظلوم من ظالمه، ولاقودن الظالم بخزامته (2)، حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها 137 - ومن كلام له عليه السلام في معنى طلحة والزبير والله ما أنكروا علي منكرا، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا (3). وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه، ودما هم سفكوه. فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه، وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة


= كان نزاع بين أمير المؤمنين وبين عثمان، فقال المغيرة بن الاخنس بن شريق لعثمان أنا أكفيكه، فقال علي يابن اللعين الخ. وإنما قال ذلك لان أباه كان من رؤوس المنافقين، ووصفه بالابتر وهو من لا عقب له لان ولده هذا كلا ولد (1) النوى ههنا بمعنى الدار (2) الخزامة بالكسر حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير ليشد فيها الزمام ويسهل قياده (3) النصف محركة إسم من الانصاف

[ 20 ]

إلا قبلهم (1). وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم. إن معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس علي. وإنها للفئة الباغية فيها الحما والحمة (2)، والشبهة المغدفة (3). وإن الامر لواضح. وقد زاح الباطل عن نصابه (4)، وانقطع لسانه عن شغبه (5) وأيم الله لافرطن لهم حوضا (6) أنا ماتحه لا يصدرون عنه بري، ولا يعبون بعده في حسي (7) (منه) فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها (8)، تقولون البيعة البيعة. قبضت كفي فبسطتموها، ونازعتكم يدي فحاذبتموها


(1) الطلبة بالكسر ما يطالب به من الثأر (2) المراد بالحما هنا مطلق القريب والنسيب وهو كناية عن الزبير فإنه من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمته. قالوا وكان النبي أخبر عليا أنه ستبغي عليه فئة فيها بعض أحمائه وإحدى زوجاته. والحمة بضم ففتح كناية عنها. وأصلها الحية أو إبرة اللاسعة من الهوام. والله أعلم (3) أغدفت المرأة قناعها: أرسلته على وجهها. وأغدف الليل: أرخى سدوله. يعني أن شبهة الطلب بدم عثمان شبهة ساترة للحق (4) زاح يزيح زيحا وزيحانا: بعد وذهب، كانزاح. والنصاب الاصل. أي قد انقلع الباطل عن مغرسه (5) الشغب بالفتح تهيج الشر (6) أفرط الحوض: ملاءه حتى فاض. والمراد حوض المنية. وماتحه: أي نازع مائه لاسقيهم (7) عب: شرب بلا تنفس. والحسى بفتح الحاء ويكسر سهل من الارض يستنقع فيه الماء أو يكون غليظ من الارض فوقه رمل يجمع ماء المطر فتحفر فيه حفرة لتنزح منها ماء وكلما نزحت دلوا جمعت أخرى، فتلك الحفرة حسى، يريد أنه يسقيهم كأسا لا يتجرعون سواها (8) العوذ بالضم جمع عائذة وهي الحديثة النتاج من الظباء والابل، أو كل أنثى. والمطافيل: جمع مطفل بضم الميم وكسر الفاء ذات الطفل من الانس والوحش

[ 21 ]

اللهم إنهما قطعاني وظلماني، ونكثا بيعتي، وألبا الناس علي (1). فاحلل ما عقدا، ولا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما أملا وعملا. ولقد استثبتهما قبل القتال (2)، واستأنيت بهما أمام الوقاع، فغمطا النعمة وردا العافية (3) 138 - ومن خطبة له عليه السلام يومي فيها إلى ذكر الملاحم يعطف الهوى على الهدى (4) إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي (منها) حتى تقوم الحرب بكم على ساق باديا نواجذها (5)، مملوءة أخلافها، حلوا رضاعها، علقما عاقبتها. ألا وفي غد - وسيأتي غد بما لا تعرفون - يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوي أعمالها (6)


(1) التأليب: الافساد (2) استثبتهما من ثاب بالثاء إذا رجع، أي استرجعتهما (3) أمام الوقاع ككتاب قبل المواقعة بالحرب. وغمط النعمة: جحدها (4) يعطف الخ خبر عن قائم ينادي بالقرآن ويطالب الناس باتباعه ورد كل رأي إليه (5) النواجذ: أقصى الاضراس أو الانياب. والاخلاف: جمع خلف بالكسر وهو الضرع. وبدو النواجذ كناية عن شدة الاحتدام، فإنما تبدو من الاسد إذا اشتد غضبه، وامتلاء الاخلاف غزارة ما فيها من الشر. وحلاوة الرضاع استطابة أهل النجدة واستعذابهم لما ينالهم منها. ومرارة العاقبة بما يصير إليه الظالمون وبئس المصير (6) إذا انتهت =

[ 22 ]

وتخرج له الارض أفاليذ (1) كبدها، وتلقي إليه سلما مقاليدها. فيريكم كيف عدل السيرة. ويحيي ميت الكتاب والسنة. (منها) كأني به قد نعق بالشام وفحص براياته في ضواحي كوفان، فعطف عليها عطف الضروس (2)، وفرش الارض بالرءوس. قد فغرت فاغرته، وثقلت في الارض وطأته. بعيد الجولة، عظيم الصولة. والله ليشردنكم في أطراف الارض (3) حتى لا يبقى منكم إلا قليل كالكحل في العين، فلا تزالون كذلك حتى تؤوب إلى العرب عوازب أحلامها (4). فالزموا السنن القائمة والآثار البينة والعهد القريب الذي عليه باقي النبوة. واعلموا أن الشيطان إنما يسني لكم طرقه لتتبعوا عقبه (5). 139 - ومن كلام له عليه السلام في وقت الشورى لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق، وصلة رحم، وعائدة كرم


= الحرب حاسب الوالي القائم كل عامل من عمال السوء على مساوي أعمالهم، وإنما كان الوالي من غيرها لانه برئ من جرمها (1) أفاليذ: جمع أفلاذ، جمع فلذة: وهي القطعة من الذهب والفضة (2) انتقال إلى الكلام في قائم الفتنة. وفحص: بحث. وكوفان: الكوفة. والضروس: الناقة السيئة الخلق تعض حالبها (3) ليشردنكم، أي ليفرقنكم (4) عوازب أحلامها: غائبات عقولها (5) يسنى: يسهل

[ 23 ]

فاسمعوا قولي، وعوا منطقي. عسى أن تروا (1) هذا الامر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى يكون بعضكم أئمة لاهل الضلالة، وشيعة لاهل الجهالة. 140 - ومن كلام له عليه السلام في النهي عن عيب الناس وإنما ينبغي لاهل العصمة والمصنوع إليهم في السلامة (2) أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية، ويكون الشكر هو الغالب عليهم والحاجز لهم عنهم، فكيف بالعائب الذي عاب أخا وعيره ببلواه. أما ذكر موضع ستر الله عليه من ذنوبه مما هو أعظم (3) من الذنب الذي عابه به. وكيف يذمه بذنب قد ركب مثله، فإن لم يكن ركب ذلك الذنب بعينه فقد عصى الله فيما سواه مما هو أعظم منه. وأيم الله لئن لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير لجرأته على عيب الناس أكبر يا عبد الله، لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعله مغفور له، ولا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلك معذب عليه. فليكفف من


(1) قوله عسى أن تروا الخ. ابتداء كلام ينذرهم به من عاقبة الامر. وتنتضى: تسل (2) الذين أنعم الله عليهم وأحسن صنعه إليهم بالسلامة من الآثام (3) مما هو أعظم الخ. بيان للذنوب التي سترها الله عليه.

[ 24 ]

علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه، وليكن الشكر شاغلا له على معافاته مما ابتلى به غيره 141 - ومن كلام له عليه السلام أيها الناس، من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال. أما إنه قد يرمى الرامي وتخطئ السهام ويحيل الكلام (1)، وباطل ذلك يبور والله سميع وشهيد. أما إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع (فسئل عليه السلام عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال): الباطل أن تقول سمعت والحق أن تقول رأيت 142 - ومن كلام له عليه السلام وليس لواضع المعروف في غير حقه وعند غير أهله من الحظ فيما أتى إلا محمدة اللئام، وثناء الاشرار، ومقالة الجهال، مادام منعما عليهم. ما أجود يده وهو عن ذات الله بخيل!. فمن آتاه الله مالا فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الاسير والعاني، وليعط منه الفقير


(1) يحيل كيميل يتغير عن وجه الحق. وفي نسخة يحيك بالكاف من حاك القول في القلب أخذ، والسيف: أثر

[ 25 ]

والغارم، وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب ابتغاء الثواب، فإن فوزا بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة إن شاء الله 143 - ومن خطبة له عليه السلام في الاستسقاء ألا وإن الارض التي تحملكم والسماء التي تظلكم مطيعتان لربكم، وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجعا لكم ولا زلفة إليكم ولا لخير ترجوانه منكم، ولكن أمرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود مصالحكم فقامتا إن الله يبتلي عباده عند الاعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر. وقد جعل الله سبحانه الاستغفار سببا لدرور الرزق ورحمة الخلق فقال: " استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمدد كم بأموال وبنين " فرحم الله امرأ استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر منيته

[ 26 ]

اللهم إنا خرجنا إليك من تحت الاستار والاكنان، وبعد عجيج البهائم والولدان، راغبين في رحمتك، وراجين فضل نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك. اللهم فاسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين (1)، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا يا أرحم الراحمين. اللهم إنا خرجنا إليك نشكو إليك مالا يخفى عليك حين ألجأتنا المضايق الوعرة، وأجاءتنا المقاحط المجدبة (2)، وأعيتنا المطالب المتعسرة، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة. اللهم إنا نسألك أن لا تردنا خائبين، ولا تقلبنا واجمين (3). ولا تخاطبنا بذنوبنا (4)، ولا تقايسنا بأعمالنا. اللهم انشر علينا غيثك، وبركتك، ورزقك ورحمتك. واسقنا سقيا نافعة مروية معشبة تنبت بها ما قد فات، وتحيي بها ما قد مات. نافعة الحيا (5)، كثيرة المجتنى، تروي بها القيعان (6)، وتسيل البطنان (7). وتستورق الاشجار، وترخص الاسعار إنك على ما تشاء قدير


(1) جمع سنة محركة - بمعنى الجدب والقحط (2) أجاءته إليه: ألجأته (3) واجمين: كاسفين حزنين (4) لا تخاطبنا، أي لا تدعنا باسم المذنبين ولا تجعل فعلك بنا مناسبا لاعمالنا (5) الحيا: الخصب والمطر (6) جمع قاع: الارض السهلة المطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام (7) جمع بطن: بمعنى ما انخفض من الارض في ضيق

[ 27 ]

144 - ومن خطبة له عليه السلام بعث الله رسله بما خصهم به من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقه، لئلا تجب الحجة لهم بترك الاعذار إليهم. فدعاهم بلسان الصدق إلى سبيل الحق. ألا إن الله قد كشف الخلق كشفة (1)، لا أنه جهل ما أخفوه من مصون أسرارهم ومكنون ضمائرهم، ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فيكون الثواب جزاء والعقاب بواء (2). أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذبا وبغيا علينا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم. بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى. إن الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم. لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم (منها) آثروا عاجلا وأخروا آجلا، وتركوا صافبا وشربوا آجنا (3). كأني أنظر إلى فاسقهم وقد صحب المنكر فألفه، وبسئ به ووافقه (4)، حتى شابت عليه مفارقه، وصبغت به خلائقه (5). ثم أقبل مزبدا كالتيار


(1) كشف الخلق: علم حالهم في جميع أطوارهم (2) بواء مصدر باء فلان بفلان أي قتل به، والعقاب قصاص (3) الآجن: الماء المتغير اللون والطعم (4) بسئ به كفرح استأنس به (5) ملكاته الراسخة في نفسه

[ 28 ]

لا يبالي ما غرق. أو كوقع النار في الهشيم لا يحفل ما حرق (1). أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى، والابصار اللامحة إلى منار التقوى. أين القلوب التي وهبت لله وعوقدت على طاعة الله. ازدحموا على الحطام وتشاحوا على الحرام. ورفع لهم علم الجنة والنار فصرفوا عن الجنة وجوههم، وأقبلوا إلى النار بأعمالهم. دعاهم ربهم فنفروا وولوا. ودعاهم الشيطان فاستجابوا وأقبلوا 145 - ومن كلام له عليه السلام أيها الناس، إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا (2)، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص. لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله. ولا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه. ولا يحيى له أثر إلا مات له أثر. ولا يتجدد له جديد إلا بعد أن يخلق له جديد (3). ولا تقوم له نابتة إلا وتسقط منه محصودة. وقد مضت أصول نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله (منها) وما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنة. فاتقوا البدع والزموا المهيع (4). إن


(1) لا يحفل كيضرب لا يبالي (2) تنتضل فيه: تترامى إليه المنايا (3) يخلق كيسمع وينصر ويكرم يبلي (4) المهيع كالمقعد الطريق الواضح

[ 29 ]

عوازم الامور أفضلها (1). وإن محدثاتها شرارها 146 - ومن كلام له عليه السلام (وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه) إن هذا الامر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة. وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع. ونحن على موعود من الله. والله منجز وعده وناصر جنده. ومكان القيم بالامر (2) مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه. فإن انقطع النظام تفرق وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالاسلام وعزيزون بالاجتماع. فكن قطبا، واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت (3) من هذه الارض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك


(1) عوازم الامور: ما تقادم منها وكانت عليه ناشئة الدين، من قولهم ناقة عوزم كجعفر أي عجوز فيها بقية شباب (2) القائم به يريد الخليفة. والنظام: السلك ينظم فيه الخرز (3) شخصت: خرجت

[ 30 ]

إن الاعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره. وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة 147 - ومن خطبة له عليه السلام فبعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق ليخرج عباده من عبادة الاوثان إلى عبادته، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته، بقرآن قد بينه وأحكمه، ليعلم العباد ربهم إذ جهلوه، وليقروا به إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذ أنكروه. فتجلى سبحانه لهم في كتابه من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته، وخوفهم من سطوته. وكيف محق من محق بالمثلات (1)، واحتصد من احتصد بالنقمات. وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شئ أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله. وليس عند أهل


(1) المثلات - بفتح فضم العقوبات

[ 31 ]

ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه (1) إذا حرف عن مواضعه. ولا في البلاد شئ أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر. فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته. فالكتاب يومئذ وأهله منفيان طريدان (2)، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤو. فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم، لان الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا. فاجتمع القوم على الفرقة. وافترقوا عن الجماعة. كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم. فلم يبق عندهم منه إلا اسمه، ولا يعرفون إلا خطه وزبره (3). ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة (4)، وسموا صدقهم على الله فرية (5)، وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم وتغيب آجالهم، حتى نزل بهم الموعود (6) الذي ترد عنه المعذرة، وترفع عنه التوبة، وتحل معه القارعة والنقمة (7)


(1) أنفق منه: أروج منه (2) يطردهما وينفيهما أهل الباطل وأعداء الكتاب (3) الزبر بالفتح الكتب مصدر كتب (4) ما مثلوا: أي شنعوا، وما مصدرية (5) فرية بالكسر أي كذبا (6) الموت الذي لا يقبل فيه عذر ولا تفيد بعده توبة (7) القارعة: الداهية المهلكة

[ 32 ]

أيها الناس إنه من استنصح الله وفق، ومن اتخذ قوله دليلا هدي للتي هي أقوم فإن جار الله آمن، وعدوه خائف. وإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له، وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له. فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الاجرب، والباري من ذي السقم (1). واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه. فالتمسوا ذلك من عند أهله فإنهم عيش العلم وموت الجهل. هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم. لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق 148 - (ومن خطبة له عليه السلام في ذكر أهل البصرة) كل واحد منهما يرجوا الامر له ويعطفه عليه دون صاحبه، لا يمتان إلى الله بحبل، ولا يمدان إليه بسبب (2). كل واحد منهما حامل ضب


(1) الباري: المعافى من المرض (2) الضمير لطلحة والزبير. وقوله لا يمتان: أي لا يمدان، والسبب الحبل أيضا

[ 33 ]

لصاحبه (1). وعما قليل يكشف قناعه به. والله لئن أصابوا الذي يريدون لينتزعن هذا نفس هذا، وليأتين هذا على هذا. قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون (2). فقد سنت لهم السنن وقدم لهم الخبر. ولكل ضلة علة، ولكل ناكث شبهة. والله لا أكون كمستمع اللدم (3) يسمع الناعي ويحضر الباكي ثم لا يعتبر 149 - ومن كلام له عليه السلام قبل موته أيها الناس كل امرئ لاق ما يفر منه في فراره. والاجل مساق النفس (4). والهرب منه موافاته. كم اطردت الايام أبحثها عن مكنون هذا الامر فأبى الله إلا إخفاءه. هيهات. علم مخزون. أما وصيتي: فالله لا تشركوا به شيئا. ومحمد صلى الله عليه وآله فلا تضيعوا سنته. أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين. وخلا كم ذم ما لم تشردوا (5). حمل كل امرئ منكم مجهوده (6). وخفف عن الجهلة.


(1) الضب بالفتح ويكسر الحقد (2) الذين يجاهدون حسبة لله (3) اللدم: الضرب على الصدر والوجه عند النياحة (4) مساق النفس تسوقها إليه أطوار الحياة حتى توافيه (5) برئتم من الذم ما لم تشردوا كتنصروا أي تنفروا وتميلوا عن الحق (6) حمل كل =

[ 34 ]

رب رحيم، ودين قويم، وإمام عليم. أنا بالامس صاحبكم. وأنا اليوم عبرة لكم. وغدا مفارقكم. غفر الله لي ولكم إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك. وإن تدحض القدم (1) فإنما كنا في أفياء أغصان، ومهب رياح. وتحت ظل غمام اضمحل في الجو متلفقها (2)، وعفا في الارض مخطها. وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما، وستعقبون مني جثة خلاء (3): ساكنة بعد حراك، وصامتة بعد نطق. ليعظكم هدوي، وخفوت أطرافي (4)، وسكون أطرافي، فإنه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع. وداعيكم وداع امرئ مرصد للتلاقي (5)، غدا ترون أيامي ويكشف لكم عن سرائري، وتعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي


= امرء الخ. هذا وما بعده ماض قصد به الامر (1) قوله إن تثبت، يريد بثبات الوطأة معافاته من جراحه. والمزلة: محل الزلل. ودحضت القدم: زلت وزلقت (2) الافياء: جمع فئ، وهو الظل ينسخ ضوء الشمس عن بعض الامكنة. والمتلفق: المنضم بعضه على بعض. وعفا: اندرس وذهب. ومخطها: مكان ما خطت في الارض. وضمير متلفقها للغمام. وضمير مخطها للرياح. يريد أنه كان في حال شأنها الزوال فزالت وما هو بالعجيب (3) خالية من الروح (4) الخفوت: السكون، وأطرافه في الاول عيناه وفي الثاني يداه ورأسه ورجلاه (5) وداعيكم أي وداعي لكم، ومرصد أي منتظر

[ 35 ]

150 - ومن خطبة له عليه السلام يومي فيها إلى ذكر الملاحم وأخذوا يمينا وشمالا طعنا في مسالك الغي، وتركا لمذاهب الرشد. فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد. ولا تستبطئوا ما يجئ به الغد. فكم من مستعجل بما إن أدركه ود أنه لم يدركه. وما أقرب اليوم من تباشير غد (1). يا قوم هذا إبان ورود كل موعود (2). ودنو من طلعة ما لا تعرفون. ألا ومن أدركها منا يسري فيها بسراج منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين ليحل فيها ربقا (3)، ويعتق رقا، ويصدع شعبا، ويشعب صدعا (4)، في سترة عن الناس لا يبصر القائف أثره (5) ولو تابع نظره. ثم ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل (6). تجلى بالتنزيل أبصارهم (7). ويرمى بالتفسير في مسامعهم


(1) تباشيره: أوائله (2) إبان بكسر فتشديد وقت. والدنو: القرب (3) الربق بكسر فسكون حبل فيه عدة عرى كل عروة ربقة بفتح الراء تشد فيه البهم (4) يفرق جمع ضلال ويجمع متفرق الحق (5) القائف الذي يعرف الآثار فيتبعها (6) يشحذن، من شحذ السكين: أي حددها. والقين: الحداد والنصل: حديدة السيف والسكين ونحوها (7) تجلى بالتنزيل يعودون إلى القرآن وتدبره فينكشف الغطاء عن أبصارهم =

[ 36 ]

ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح (1). (منها) وطال الامد بهم (2) ليستكملوا الخزي، ويستوجبوا الغير (3)، حتى إذا اخلولق الاجل (4)، واستراح قوم إلى الفتن، وأشالوا عن لقاح حربهم (5). ولم يمنوا على الله بالصبر (6). ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق. حتى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدة البلاء حملوا بصائرهم على أسيافهم (7)، ودانوا لربهم بأمر واعظهم. حتى إذا قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله رجع قوم على الاعقاب. وغالتهم السبل، واتكلوا على الولائج (8) ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص أساسه، فبنوه في غير موضعه. معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة (9).


= فينهضون إلى الحق كما نهض أهل القرآن عند نزوله (1) يغبقون مبني للمجهول يسقون كأس الحكمة بالمساء بعد ما شربوه بالصباح. والصبوح ما يشرب وقت الصباح. والمراد أنها تفاض عليهم الحكم الالهية في حركاتهم وسكونهم وسرهم وإعلانهم (2) قوله وطال الخ انتقال لحكاية أهل الجاهلية. وطول الامد فيها ليزيد الله لهم في العقوبة (3) الغير بكسر ففتح أحداث الدهر ونوائبه (4) من قولهم اخلولق السحاب إذا استوى وصار خليقا أن يمطر: أي يشرف الاجل على الانقضاء (5) أشالت الناقة ذنبها: رفعته، أي رفعوا أيديهم بسيوفهم ليلقحوا حروبهم على غيرهم، أي يسعروها عليهم (6) الضمير فيه للمؤمنين المفهومين من سياق الخطاب والجملة جواب إذا (7) من ألطف أنواع التمثيل، يريد أشهروا عقيدتهم داعين إليها غيرهم (8) دخائل المكر والخديعة (9) الغمرة: الشدة. والمزدحم، يريد مزدحم الفتن

[ 37 ]

قد ماروا في الحيرة (1)، وذهلوا في السكرة على سنة من آل فرعون: من منقطع إلى الدنيا راكن، أو مفارق للدين مباين 151 - ومن خطبة له عليه السلام وأحمد الله وأستعينه على مداحر الشيطان ومزاجره (2)، والاعتصام من حبائله ومخاتله. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونجيبه وصفوته. لا يوازى فضله، ولا يجبر فقده. أضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة، والجهالة الغالبة، والجفوة الجافية. والناس يستحلون الحريم، ويستذلون الحكيم. يحيون على فترة (3)، ويموتون على كفرة. ثم إنكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت. فاتقوا سكرات النعمة، واحذروا بوائق النقمة (4) وتثبتوا في قتام العشوة (5)، واعوجاج الفتنة عند طلوع جنينها، وظهور كمينها، وانتصاب قطبها ومدار رحاها. تبدأ في مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية. شبابها كشباب الغلام (6)


(1) ماروا تحركوا واضطربوا (2) الدحر بالفتح الطرد. والمداحر والمزاجر ما بها يدحر ويزجر: وهي الاعمال الفاضلة. ومخاتل الشيطان: مكائده (3) خلو من الشرائع الالهية لا يعرفون منها شيئا لعدم الرسول المبلغ ثم يغيرون ويبدلون ويتخذون الاصنام آلهة والاهواء شريعة فيموتون كفارا (4) البوائق جمع بائقة وهي الداهية (5) القتام كسحاب الغبار. والعشوة بالضم ويكسر ويفتح ركوب الامر على غير بيان (6) شباب =

[ 38 ]

وآثارها كآثار السلام. تتوارثها الظلمة بالعهود. أولهم قائد لآخرهم وآخرهم مقتد بأولهم. يتنافسون في دنيا دنية. ويتكالبون على جيفة مريحة (1) عن قليل يتبرأ التابع من المتبوع، والقائد من المقود. فيتزايلون بالبغضاء (2)، ويتلاعنون عند اللقاء. ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف (3)، والقاصمة الزحوف. فتزيغ قلوب بعد استقامة، وتضل رجال بعد سلامة. وتختلف الاهواء عند هجومها، وتلتبس الآراء عند نجومها (4). من أشرف لها قصمته ومن سعى فيها حطمته. يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة (5). قد اضطرب معقود الحبل، وعمي وجه الامر. تغيض فيها الحكمة (6)، وتنطق فيها الظلمة. وتدق أهل البدو بمسحلها (7)، وترضهم بكلكلها. يضيع في غبارها الوحدان (8)، ويهلك في طريقها (هامش) * = كل شئ أوله أي بداياتها في عنفوان وشدة كشباب الغلام وفتوته. والسلام بكسر السين الحجارة. وآثارها في الابدان الرض والحطم (1) أراح اللحم: أنتن (2) يتزايلون: يتفارقون (3) شديدة الرجفان والاضطراب، أو شديد إرجافها وزلزالها للناس. والقاصمة: الكاسرة. والزحوف: الشديدة الزحف (4) ظهورها (5) يتكادمون يعض بعضهم بعضا كما تكون الحمر في العانة أي الجماعة منها وهي خاصة بحمر الوحش (6) تغيض بالغين المعجمة تنقص وتغور (7) المسحل كمنبر المبرد أو المنحت. والمراد بالدق التفتيت، والرض التهشيم. والكلكل الصدر (8) جمع واحد =

[ 39 ]

الركبان. ترد بمر القضاء. وتحلب عبيط الدماء (1). وتثلم منار الدين (2)، (وتنقض عقد اليقين. تهرب منها الاكياس (3)، وتدبرها الارجاس (4). مرعاد مبراق، كاشفة عن ساق. تقطع فيها الارحام، ويفارق عليها الاسلام. بريها سقيم وظاعنها مقيم (منها) بين قتيل مطلول (5) وخائف مستجير. يختلون بعقد الايمان بغرور الايمان (6). فلا تكونوا أنصاب الفتن (7) وأعلام البدع. والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطاعة. واقدموا على الله مظلومين ولا تقدموا عليه ظالمين. واتقوا مدارج الشيطان ومهابط العدوان. ولا تدخلوا بطونكم لعق الحرام (8) فإنكم بعين من حرم عليكم المعصية (9)، وسهل لكم سبيل الطاعة 152 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله الدال على وجوده بخلقه. وبمحدث خلقه على أزليته.


= أي المتفردون (1) عبيط الدماء: الطري الخالص منها (2) ثلم الاناء والسيف أو نحوه كسر حرفه (3) جمع كيس: الحاذق العاقل (4) جمع رجس وهو القذر والنجس، والمراد الاشرار (5) طللت دمه: هدرته (6) يختلون أي يخدعهم الظالمون بحلف الايمان، ويغرونهم بظاهر الايمان وأنهم مؤمنون مثلهم (7) الانصاب كل ما ينصب ليقصد (8) اللعق جمع لعقة بضم اللام وهي ما تأخذه في الملعقة (9) إنكم بعين الخ =

[ 40 ]

وباشتباههم على أن لا شبه له. لا تستلمه المشاعر (1)، ولا تحجبه السواتر، لافتراق الصانع والمصنوع، والحاد والمحدود، والرب والمربوب. الاحد لا بتأويل عدد، والخالق لا بمعنى حركة ونصب (2)، والسميع لا بأداة (3)، والبصير لا بتفريق آلة (4)، والشاهد لا بمماسة والبائن لا بتراخي مسافة (5)، والظاهر لا برؤية، والباطن لا بلطافة. بان من الاشياء بالقهر لها والقدرة عليها. وبانت الاشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه. من وصفه فقد حده (6) ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله، ومن قال كيف فقد استوصفه، ومن قال أين فقد حيزه. وعالم إذ لا معلوم. ورب إذ لا مربوب. وقادر إذ لا مقدور (منها) قد طلع طالع ولمع لامع، ولاح لائح (7) واعتدل مائل. واستبدل الله بقوم قوما، وبيوم يوما. وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر (8). وإنما الائمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من


= أي أنه يراكم (1) لا تستلمه المشاعر أي لا تصل إليه الحواس (2) النصب محركة التعب (3) الاداة: الآلة (4) تفريق الآلة: تفريق الاجفان وفتح بعضها عن بعض (5) البائن: المنفصل عن خلقه (6) من وصفه أي من كيفه بكيفات المحدثين (7) لاح: بدا. قالوا هذه خطبة خطبها بعد قتل عثمان (8) الغير بكسر ففتح صروف =

[ 41 ]

أنكرهم وأنكروه. إن الله تعالى خصكم بالاسلام واستخصكم له، وذلك لانه إسم سلامة وجماع كرامة (1). اصطفى الله تعالى منهجه وبين حججه من ظاهر علم وباطن حكم. لا تفنى غرائبه، ولا تنقضي عجائبه. فيه مرابيع النعم (2)، ومصابيح الظلم. لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه. قد أحمى حماه (3) وأرعى مرعاه. فيه شفاء المشتفى، وكفاية المكتفى 153 - ومن خطبة له عليه السلام وهو في مهلة من الله يهوي مع الغافلين (4)، ويغدو مع المذنبين. بلا سبيل قاصد، ولا إمام قائد (منها) حتى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم. واستخرجهم من جلابيب غفلتهم، استقبلوا مدبرا، واستدبروا مقبلا. فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم، ولا بما قضوا من وطرهم. إني أحذركم ونفسي هذه المنزلة. فينتفع امرؤ بنفسه، فإنما البصير من سمع فتفكر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر ثم سلك جددا واضحا يتجنب


= الحوادث وتقلباتها: انتظرها لعلما يقوم حق وينتكس باطل (1) جماع الشئ مجمعه (2) مرابيع جمع مرباع بكسر الميم المكان ينبت نبته في أول الربيع، أو هو المطر أول الربيع (3) أحمى المكان: جعله حمى لا يقرب، أي أعز الله الاسلام ومنعه من الاعداء، ومن دخل فيه وصار من أهله متعه الله بخيراته واباحه رعي ما تنبته أرضه الطيبة من الفوائد (4) قوله وهو في مهلة، كلام في ضال غير معين

[ 42 ]

فيه الصرعة في المهاوي، والضلال في المغاوي (1). ولا يعين على نفسه الغواة بتعسف في حق، أو تحريف في نطق، أو تخوف من صدق. فأفق أيها السامع من سكرتك، واستيقظ من غفلتك واختصر من عجلتك، وأنعم الفكر فيما جاءك على لسان النبي الامي صلى الله عليه وآله مما لا بد منه ولا محيص عنه، وخالف من خالف ذلك إلى غيره، ودعه وما رضي لنفسه. وضع فخرك واحطط كبرك، واذكر قبرك فإن عليه ممرك، وكما تدين تدان. وكما تزرع تحصد. وما قدمت اليوم تقدم عليه غدا، فامهد لقدمك (2) وقدم ليومك. فالحذر الحذر أيها المستمع. والجد الجد أيها الغافل " ولا ينبئك مثل خبير " إن من عزائم الله في الذكر الحكيم التى عليها يثيب ويعاقب ولها يرضى ويسخط، أنه لا ينفع عبدا - وإن أجهد نفسه وأخلص فعله - أن يخرج من الدنيا لاقيا ربه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها: أن يشرك بالله فيما افترض عليه من عبادته، أو يشفي غيظه


(1) جمع مغواة، وهي الشبهة يذهب معها الانسان إلى ما يخالف الحق (2) مهد كمنع بسط

[ 43 ]

بهلاك نفس، أو يقر بأمر فعله غيره، أو يستنجح حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه (1)، أو يلقى الناس بوجهين، أو يمشي فيهم بلسانين. اعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه إن البهائم همها بطونها. وإن السباع همها العدوان على غيرها. وإن النساء همهن زينة الحياة الدنيا والفساد فيها. إن المؤمنين مستكينون (2). إن المؤمنين مشفقون. إن المؤمنين خائفون 154 - ومن خطبة له عليه السلام وناظر قلب اللبيب به يبصر أمده (3)، ويعرف غوره ونجده. داع دعا، وراع رعى، فاستجيبوا للداعي واتبعوا الراعي قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن. وأرز المؤمنون (4). ونطق الضالون المكذبون. نحن الشعار (5) والاصحاب


(1) يستنجح أي يطلب نجاح حاجته من الناس بالابتداع في الدين (2) خاضعون لله عزوجل (3) ناظر القلب، استعاره من ناظر العين: وهو النقطة السوداء منها، والمراد بصيرة القلب بها يدرك اللبيب أمده أي غايته ومنتهاه. والغور ما انخفض من الارض. والنجد ما ارتفع منها، أي يدرك باطن أمره وظاهره (4) أرز يأرز بكسر الراء في المضارع أي انقبض وثبت. وأرزت الحية لاذت بجحرها ورجعت إليه (5) ما يلي البدن من الثياب والمراد بطانة النبي صلى الله عليه وسلم

[ 44 ]

والخزنة والابواب. لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا (منها) فيهم كرائم القرآن (1)، وهم كنوز الرحمن. إن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا (2). فليصدق رائد أهله، وليحضر عقله، وليكن من أبناء الآخرة، فإنه منها قدم وإليها ينقلب. فالناظر بالقلب العامل بالبصر يكون مبتدأ عمله أن يعلم أعمله عليه أم له. فإن كان له مضى فيه، وإن كان عليه وقف عنه. فإن العامل بغير علم كالسائر على غير طريق. فلا يزيده بعده عن الطريق إلا بعدا من حاجته. والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع. واعلم أن لكل ظاهر باطنا على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه. وما خبث ظاهره خبث باطنه. وقد قال الرسول الصادق صلى الله عليه وآله " إن الله يحب العبد (3)، ويبغض عمله، ويحب العمل ويبغض بدنه " واعلم أن لكل


(1) الضمير لآل النبي. والكرائم: جمع كريمة، والمراد أنزلت في مدحهم آيات كريمات. والقرآن كريم كله وهذه كرائم من كرائم (2) لم يسبقهم أحد إلى الكلام وهم سكوت أي يهاب سكوتهم فلم يجرؤ أحد على الكلام فيما سكتوا عنه (3) إن الله يحب الخ أي يحب من المؤمن إيمانه ويبغض ما يأتيه من سيئات الاعمال ولا يفيده ذلك الحب مع هذا =

[ 45 ]

عمل نباتا. وكل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة. فما طاب سقيه طاب غرسه وحلت ثمرته، وما خبث سقيه خبث غرسه وأمرت ثمرته 155 - ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها بديع خلقة الخفاش الحمد لله الذي انحسرت الاوصاف عن كنه معرفته (1) وردعت عظمته العقول فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته. هو الله الحق المبين أحق وأبين مما ترى العيون، لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها. ولم تقع عليه الاوهام بتقدير فيكون ممثلا، خلق الخلق على غير تمثيل ولا مشورة مشير، ولا معونة معين. فتم خلقه بأمره، وأذعن لطاعته، فأجاب ولم يدافع، وانقاد ولم ينازع. ومن لطائف صنعته وعجائب خلقته ما أرانا من غوامض


= البغض إلا عذابا يتطهر به من خبث أعماله. ويحب من الكافر عمله إن كان حسنا، ويبغض ذاته لا لتياثها بدنس الكفر، ولا ينتفع بالعمل المحبوب إلا نفعا موقتا في الدنيا وله في الآخرة عذاب عظيم، فلا يكمل للانسان حظه من السعادة إلا إذا كان مؤمنا طيب العمل يوجد بهامش الاصل: (المؤمن إذا صدرت منه صغيرة فالله يحبه ويبغض عمله، والكافر إذا أحسن فالله يحب عمله ولا يحبه) (1) انحسرت: انقطعت

[ 46 ]

الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شئ. ويبسطها الظلام القابض لكل حي. وكيف عشيت أعينها (1) عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها، وتتصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها. وردعها بتلالؤ ضيائها عن المضي في سبحات إشراقها (2) وأكنها في مكامنها عن الذهاب في بلج ائتلاقها (3)، فهي مسدلة الجفون بالنهار على أحداقها. وجاعلة الليل سراجا تستدل به في التماس أرزاقها. فلا يرد أبصارها إسداف ظلمته (4). ولا تمتنع من المضي فيه لغسق دجنته. فإذا ألقت الشمس قناعها، وبدت أوضاح نهارها (5)، ودخل من إشراق نورها على الضباب في وجارها (6) أطبقت الاجفان على مآقيها (7) وتبلغت بما اكتسبت من فئ ظلم لياليها (8). فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا. والنهار سكنا وقرارا. وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران


(1) العشا مقصورا سوء البصر وضعفه (2) سبحات النور: درجاته وأطواره (3) الائتلاق: اللمعان. والبلج بالتحريك الضوء ووضوحه (4) أسدف الليل: أظلم. والدجنة الظلمة، وغسق الدجنة شدتها (5) أوضاح جمع وضح بالتحريك وهو هنا بياض الصبح (6) الضباب ككتاب جمع ضب الحيوان المعروف. والوجار ككتاب الجحر (7) جمع ماق، وهو طرف العين مما يلي الانف (8) تبلغت: اكتفت أو اقتاتت

[ 47 ]

كأنها شظايا الآذان (1)، غير ذوات ريش ولا قصب (2). إلا أنك ترى مواضع العروق بينة أعلاما (3). لها جناحان لما يرقا فينشقا (4). ولم يغلظا فيثقلا. تطير وولدها لاصق بها لاجئ إليها يقع إذا وقعت. ويرتفع إذا ارتفعت. لا يفارقها حتى تشتد أركانه. ويحمله للنهوض جناحه. ويعرف مذاهب عيشه ومصالح نفسه. فسبحان الباري لكل شئ على غير مثال خلا من غيره (5). 156 - ومن كلام له عليه السلام خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم فمن استطاع عند ذلك أن يعتقل نفسه على الله عزوجل فليفعل. فإن أطعتموني فإني حاملكم إن شاء الله على سبيل الجنة، وإن كان ذا مشقة شديدة ومذاقة مريرة


(1) شظايا: جمع شظية - كعطية وهي الفلقة من الشئ، أي كأنها مؤلفة من شقق الآذان (2) القصبة: عمود الريشة أو أسفلها المتصل بالجناح، وقد يكون مجردا عن الزغب في بعض الحيوانات مما ليس بطائر كبعض أنواع القنفد أو الفيران له قصب محدد الاطراف يرمي به صائده كما يرمي النابل، ويعرف بالفأر الامريكي (3) أي رسوما ظاهرة (4) لما يرقا، عبر بلما إشارة إلى أنهما مارقا في الماضي ولاهما رقيقان، فهو نفي مستمر إلى وقت الكلام في أي زمن كان (5) خلا تقدمه من سواه فحاذاه

[ 48 ]

وأما فلانة فأدركها رأي النساء، وضغن غلا في صدرها كمرجل القين (1)، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل، ولها بعد حرمتها الاولى والحساب على الله تعالى (منه) سبيل أبلج المنهاج أنور السراج. فبالايمان يستدل على الصالحات. وبالصالحات يستدل على الايمان. وبالايمان يعمر العلم. وبالعلم يرهب الموت وبالموت تختم الدنيا. وبالدنيا تحرز الآخرة (2). وإن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة (3). مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى (منه) قد شخصوا من مستقر الاجداث (4)، وصاروا إلى مصائر الغايات. لكل دار أهلها، لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها. وإن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله سبحانه.


(1) المرجل: القدر. والقين بالفتح الحداد، أي أن ضغينتها وحقدها كانا دائمي الغليان كقدر الحداد فإنه يغلي مادام يصنع. ولو دعاها أحد لتصيب من غيري غرضا من الاساءة والعدوان مثل ما أنت إلي أي فعلت بي لم تفعل، لان حقدها كان علي خاصة (2) وبالدنيا الخ: أي أنه إذا رهب الموت وهو ختام الدنيا كانت الرهبة سببا في حرص الانسان على الفائدة من حياته فلا يضيع عمره بالباطل، وبهذا يحرز الآخرة (3) المقصر كمقعد المحبس، أي لا مستقر لهم دون القيامة فهم ذاهبون إليها مرقلين أي مسرعين في ميدان هي غايته ومنتهاه (4) شخصوا: ذهبوا =

[ 49 ]

وإنهما لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق. وعليكم بكتاب الله فإنه الحبل المتين والنور المبين. والشفاء النافع، والري الناقع (1) والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق. لا يعوج فيقام ولا يزيغ فيستعتب (2). ولا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع (3). من قال به صدق ومن عمل به سبق. (وقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الفتنة وهل سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عنها فقال عليه السلام) لما أنزل الله سبحانه قوله (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى الله عليه وآله بين أظهرنا. فقلت يارسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله تعالى بها (4) فقال: " يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي " فقلت يا رسول الله: أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين


= والاجداث القبور والمصائر الغايات جمع مصير - ما يصير إليه الانسان من شقاء وسعادة. والكلام في القيامة (1) نقع العطش إذا أزاله (2) يستعتب من أعتب، إذا انصرف. والسين والتاء للطلب أو زائدتان، أي لا يميل عن الحق فيصرف، أو يطلب منه الانصراف عنه (3) أخلقه: ألبسه ثوبا خلقا أي باليا، وكثرة الرد: كثرة ترديده على الالسنة بالقراءة، أي أن القرآن دائما في أثوابه الجدد رائق لنظر العقل وإن كثرت تلاوته لانطباقه على الاحوال المختلفة في الازمنة المتعددة وليس كسائر الكلام كلما تكرر ابتذل وملته النفس (4) فقلت يارسول الله الخ أشكل على الشارحين العطف بالفاء مع كون الآية مكية والسؤال كان بعد أحد، ووقعته كانت بعد الهجرة، =

[ 50 ]

وحيزت عني الشهادة (1) فشق ذلك علي فقلت لي: " أبشر فإن الشهادة من ورائك " فقال لي: " إن ذلك لكذلك فكيف صبرك إذا (2) " فقلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر (3). فقال: " يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربهم، ويتمنون رحمته، ويأمنون سطوته. ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والاهواء الساهية. فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية. والربا بالبيع " قلت يا رسول الله: بأي المنازل أنزلهم عند ذلك؟ أبمنزلة ردة أم بمنزلة فتنة؟ فقال: " بمنزلة فتنة "


= وصعب عليهم التوفيق بين كلام الامام وبين ما أجمع عليه المفسرون من كون العنكبوت مكية بجميع آياتها، والذي أراه أن علمه بكون الفتنة لا تنزل والنبي بين أظهرهم كان عند نزول الآية في مكة، ثم شغله عن استخبار الغيب اشتداد المشركين على الموحدين واهتمام هؤلاء برد كيد أولئك، ثم بعد ما خفت الوطأة وصفا الوقت لاستكمال العلم سأل هذا السؤال فالفاء لترتيب السؤال على العلم، والعلم كان ممتدا إلى يوم السؤال فهي لتعقيب قوله لعلمه، والتعقيب يصدق بأن يكون ما بعد الفاء غير منقطع عما قبلها وإن امتد زمن ما قبلها سنين، تقول تزوج فولد له وحملت فولدت (1) حيزت حازها الله عني فلم أنلها (2) على أية حالة يكون صبرك إذا هيئت لك الشهادة (3) قوله من مواطن البشرى، هذا شأن أهل الحق يستبشرون بالموت في سبيل الحق فإنه الحياة الابدية

[ 51 ]

157 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره. وسببا للمزيد من فضله ودليلا على آلائه وعظمته. عباد الله إن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين. لا يعود ما قد ولى منه، ولا يبقى سرمدا ما فيه. آخر فعاله كأوله. متسابقة أموره (1)، متظاهرة أعلامه. فكأنكم بالساعة تحدوكم حدو الزاجر بشوله. فمن شغل نفسه بغير نفسه تحير في الظلمات، وارتبك في الهلكات. ومدت به شياطينه في طغيانه، وزينت له سيئ أعماله. فالجنة غاية السابقين. والنار غاية المفرطين اعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز. والفجور دار حصن ذليل لايمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه (2). ألا وبالتقوى تقطع حمة الخطايا (3). وباليقين تدرك الغاية القصوى


(1) تتسابق أمور الدهر، أي مصائبه كأن كلا منها يطلب النزول قبل الآخر فالسابق منها مهلك. والمتأخر لاحق له في مثل أثره. والاعلام هي الرايات كنى بها عن الجيوش وتظاهرها: تعاونها. والساعة: القيامة. وحدوها: سوقها وحثها لاهل الدنيا على المسير للوصول إليها. وزاجر الابل: سائقها. والشول بالفتح جمع شائلة، وهي من الابل ما مضى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر (2) لا يحرز، أي لا يحفظ (3) الحمة بضم ففتح في الاصل إبرة الزنبور والعقرب ونحوها تلسع =

[ 52 ]

عباد الله، الله الله في أعز الانفس عليكم، وأحبها إليكم. فإن الله قد أوضح لكم سبيل الحق وأنار طرقه. فشقوة لازمة أو سعادة دائمة. فتزودوا في أيام الفناء (1) لايام البقاء. فقد دللتم على الزاد وأمرتم بالظعن (2). وحثثتم على المسير. فإنما أنتم كركب وقوف لا يدرون متى يؤمرون بالمسير. ألا فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة وما يصنع بالمال من عما قليل يسلبه، وتبقى عليه تبعته وحسابه (3) عباد الله، إنه ليس لما وعد الله من الخير مترك، ولا فيما نهى عنه من الشر مرغب. عباد الله، احذروا يوما تفحص فيه الاعمال. ويكثر فيه الزلزال. وتشيب فيه الاطفال اعلموا عباد الله أن عليكم رصدا من أنفسكم (4)، وعيونا من


= بها. والمراد هنا سطوة الخطايا على النفس (1) يريد أيام الدنيا (2) المراد بالظعن المأمور به ههنا السير إلى السعادة بالاعمال الصالحة، وهذا ما حثنا الله عليه. والمراد بالمسير الذي لا ندري متى نؤمر به هو مفارقة الدنيا. والامر في الاول خطابي شرعي وفي الثاني فعلي تكويني (3) تبعته ما يتعلق به من حق الغير فيه (4) الرصد: يريد به رقيب الذمة وواعظ السر الروحي الذي لا يغفل عن التنبيه ولا يخطئ في الانذار والتحذير حتى لا تكون من مخطئ خطيئة ألا ويناديه من سره مناد يعنفه على ما ارتكب، ويعيبه على ما اقترف، ويبين له وجه الحق فيما فعل. ولا تعارضه علل =

[ 53 ]

جوارحكم، وحفاظ صدق يحفظون أعمالكم. وعدد أنفاسكم. لا تستركم منهم ظلمة ليل داج، ولا يكنكم منهم باب ذو رتاج (1) وإن غدا من اليوم قريب يذهب اليوم بما فيه، ويجئ الغد لاحقا به، فكأن كل امرئ منكم قد بلغ من الارض منزل وحدته (2)، ومخط حفرته. فيا له من بيت وحدة، ومنزل وحشة، ومفرد غربة. وكأن الصيحة قد أتتكم، والساعة قد غشيتكم، وبرزتم لفصل القضاء. قد زاحت عنكم الاباطيل (3). واضمحلت عنكم العلل. واستحقت بكم الحقائق. وصدرت بكم الامور مصادرها. فاتعظوا بالعبر، واعتبروا بالغير، وانتفعوا بالنذر 158 - ومن خطبة له عليه السلام أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الامم (4)،


= الهوى ولا يخفف مرارة نصحه تلاعب الاوهام. وأي حجاب يحجب الانسان عن سره (1) الرتاج ككتاب الباب العظيم إذا كان محكم الغلق (2) منزل وحدته هو القبر (3) زاحت: بعدت وانكشفت (4) الهجعة: المرة من الهجوع وهو النوم ليلا، نوم الغفلة في ظلمات الجهالة وانتقاض الاحكام الالهية التي أبرمت على ألسنة =

[ 54 ]

وانتقاض من المبرم. فجاءهم بتصديق الذي بين يديه، والنور المقتدى به. ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه. ألا إن فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم (منها) فعند ذلك لا يبقى بيت مدر ولا وبر (1) إلا وأدخله الظلمة ترحة، وأولجوا فيه نقمة. فيومئذ لا يبقى لكم في السماء ولا في الارض ناصر. أصفيتم بالامر غير أهله (2)، وأوردتموه غير مورده. وسينتقم الله ممن ظلم مأكلا بمأكل ومشربا بمشرب، من مطاعم العلقم ومشارب الصبر والمقر (3). ولباس شعار الخوف ودثار السيف (4). وإنما هم مطايا الخطيئات وزوامل الآثام (5). فأقسم ثم أقسم، لتنخمنها أمية من بعدي كما تلفظ النخامة (6) ثم


= الانبياء السابقين نقضها الناس بمخالفتها (1) الاشارة بذلك لحالة الاختلاف ومخالفة القرآن بالتأويل. والترحة ضد الفرحة (2) أصفيته بالشئ، آثرته به واختصصته (3) الصبر - ككتف عصارة شجر مر. والمقر على وزانه السم (4) الدثار ككتاب من اللباس أعلاه فوق الملابس. والسيف يكون أشبه بالدثار إذا عمت إباحة الدم بأحكام الهوى فلا يكون لبدن ولا لعضو منه انفلات عنه (5) الزوامل: جمع زاملة، وهي ما يحمل عليها الطعام من الابل ونحوها (6) نخم كفرح أخرج النخامة من صدره فألقاها. والنخامة بالضم ما يدفعه الصدر أو الدماغ من المواد =

[ 55 ]

لا تذوقها ولا تتطعم بطعمها أبدا ما كر الجديدان 159 - ومن خطبة له عليه السلام ولقد أحسنت جواركم، وأحطت بجهدي من وارئكم. وأعتقتكم من ربق الذل. وحلق الضيم (1) شكرا مني للبر القليل، وإطراقا عما أدركه البصر وشهده البدن من المنكر الكثير 160 - ومن خطبة له عليه السلام أمره قضاء وحكمة، ورضاه أمان ورحمة. يقضي بعلم، ويعفو بحلم. اللهم لك الحمد على ما تأخذ وتعطي، وعلى ما تعافي وتبتلي: حمدا يكون أرضى الحمد لك، وأحب الحمد إليك، وأفضل الحمد عندك. حمدا يملا ما خلقت، ويبلغ ما أردت. حمدا لا يحجب عنك ولا يقصر دونك. حمدا لا ينقطع عدده، ولا يفنى مدده. فلسنا نعلم كنه عظمتك، إلا أنا نعلم أنك حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم. لم ينته إليك نظر، ولم يدركك بصر. أدركت الابصار، وأحصيت الاعمال، وأخذت بالنواصي والاقدام. وما الذي نرى


= المخاطية (1) حلق محركة جمع حلقة

[ 56 ]

من خلقك ونعجب له من قدرتك ونصقه من عظيم سلطانك، وما تغيب عنا منه، وقصرت أبصارنا عنه، وانتهت عقولنا دونه، وحالت سواتر الغيوب بيننا وبينه أعظم. فمن فرغ قلبه وأعمل فكره ليعلم كيف أقمت عرشك، وكيف ذرأت خلقك (1)، وكيف علقت في الهواء سمواتك، وكيف مددت على مور الماء أرضك (2) رجع طرفه حسيرا، وعقله مبهورا، وسمعه والها، وفكره حائرا (3) (منها) يدعي بزعمه أنه يرجو الله. كذب والعظيم، ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله؟ فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله. وكل رجاء إلا رجاء الله تعالى فإنه مدخول (4) وكل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول


(1) ذرأت: خلقت (2) المور - بالفتح - الموج (3) كليلا. والمبهور المغلوب والمنقطع نفسه من الاعياء. والواله من الوله وهو ذهاب الشعور (4) المدخول: المغشوش غير الخالص أو هو المعيب الناقص لا يترتب عليه عمل. والخوف المحقق هو الثابت الذي يبعث على البعد عن المخوف والهرب منه وهو في جانب الله ما يمنع عن إتيان نواهيه ويحمل على إتيان أوامره هربا من عقابه وخشية من جلاله. والخوف المعلول هو ما لم يثبت في النفس ولم يخالط القلب، وإنما هو عارض في الخيال يزيله أدنى الشواغل ويغلب عليه أقل الرغائب، فهو يرد على الوهم ثم يفارقه ثم يعود إليه، شان الاوهام التي لا قرار لها، فهو معلول: من عله يعله إذا شربه مرة بعد أخرى، ومراد الامام أن الراجي لعبد من العبيد يظهر رجاؤه في سعيه واهتمامه بشأن من رجاه وموافقته على أهوائه، وكذلك الخائف من أمير أو سلطان يرى أثر خوفه في تهيبه والامتناع من كل ما يحرك غضبه، بل ما يتوهم فيه أنه غير حسن عنده، =

[ 57 ]

يرجو الله في الكبير، ويرجو العباد في الصغير، فيعطي العبد مالا يعطي الرب. فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده؟ أتخاف أن تكون في رجائك له كاذبا؟ أو تكون لا تراه للرجاء موضعا؟ وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه، فجعل خوفه من العباد نقدا، وخوفه من خالقهم ضمارا ووعدا (1). وكذلك من عظمت الدنيا في عينه، وكبر موقعها في قبله آثرها على الله تعالى فانقطع إليها وصار عبدا لها. ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وآله كاف لك في الاسوة (2). ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطئت لغيره أكنافها (3)، وفطم عن رضاعها، وزوي عن زخارفها. وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " والله ما سأله إلا خبزا يأكله لانه كان يأكل بقلة الارض. ولقد كانت خضرة البقل


= لكنهم في رجاء الله وخوفه يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، مع أنهم يرجون الله في سعادة الدارين ويخافونه في شقاء الابد، فيعطون للعبيد ما لا يعطون لله (1) الضمار ككتاب من الوعود ما كان مسوفا به (2) الاسوة: القدوة (3) الاكناف: الجوانب. =

[ 58 ]

ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه (1). وإن شئت ثلثت بداود صلى الله عليه صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده (2)، ويقول لجلسائه أيكم يكفيني بيعها. ويأكل قرص الشعير من ثمنها. وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السلام، فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب. وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر. وظلاله في الشتاء مشارق الارض ومغاربها (3)، وفاكهته وريحانه ما تنبت الارض للبهائم. ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله. دابته رجلاه، وخادمه يداه. فتأس (4) بنبيك الاطيب الاطهر صلى الله عليه وآله، فإن فيه أسوة لمن تأسى، وعزاء لمن تعزى وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتص لاثره. قضم الدنيا قضما (5)، ولم يعرها طرفا. أهضم أهل الدنيا


= وزوي أي قبض (1) الصفاق ككتاب هو الجلد الاسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو هو ما بين الجلد والمصران أو جلد البطن كله. والتشذب: التفرق. وانهضام اللحم: تحلل الاجزاء وتفرقها (2) السفائف جمع سفيفة وصف، من سف الخوص إذا نسجه، أي منسوجات الخوص (3) ظلاله جمع ظل بمعنى السكن والمأوى ومن كان كنه المشرق والمغرب فلا كن له (4) تأس: أي اقتد (5) القضم: الاكل بأطراف الاسنان، كأنه لم يتناول منها إلا على أطراف أسنانه ولم يملاء منها فمه، أو بمعنى =

[ 59 ]

كشحا (1)، وأخمصهم من الدنيا بطنا. عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها. وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه، وحقر شيئا فحقره، وصغر شيئا فصغره. ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله ورسوله وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله لكفى به شقاقا لله ومحادة عن أمر الله (2). ولقد كان صلى الله عليه وآله يأكل على الارض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله (3)، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري ويردف خلفه. ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التصاوير فيقول يا فلانة - لاحدى أزواجه - غيبيه عني فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها (4). فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتخذ منها رياشا (5)، ولا يعتقدها قرارا ولا يرجو فيها مقاما، فأخرجها


= أكل اليابس (1) أهضم من الهضم: وهو خمص البطن أي خلوها وانطباقها من الجوع. والكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف. وأخمصهم: أخلاهم (2) المحادة المخالفة في عناد (3) خصف النعل: خرزها. والحمار العاري ما ليس عليه برذعة ولا إكاف. وأردف خلفه: أركب معه شخصا آخر على حمار واحد أو جمل أو فرس أو نحوها وجعله خلفه (4) في هذا دليل على أن الرسم على الورق والاثواب ونحوها لا يمنع استعماله، وإنما يتجافى عنه بالنظر تزهدا وتورعا (5) الرياش: اللباس الفاخر

[ 60 ]

من النفس، وأشخصها عن القلب (1)، وغيبها عن البصر. وكذا من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وآله ما يدلك على مساوي الدنيا وعيوبها. إذ جاع فيها مع خاصته (2)، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته. فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمدا بذلك أم أهانه؟ فإن قال أهانه فقد كذب والعظيم، وإن قال أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه. فتأسى متأس بنبيه (3)، واقتص أثره، وولج مولجه، وإلا فلا يأمن الهلكة فإن الله جعل محمدا صلى الله عليه وآله علما للساعة (4)، ومبشرا بالجنة، ومنذرا بالعقوبة. خرج من الدنيا خميصا (5)، وورد الآخرة سليما. لم يضع حجرا على حجر حتى مضى لسبيله، وأجاب داعي ربه. فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتبعه، وقائدا نطأ عقبه (6). والله لقد رقعت


(1) أشخصها: أبعدها (2) خاصته إسم فاعل في معنى المصدر أي مع خصوصيته وتفضله عند ربه. وعظيم الزلفة: منزلته العليا من القرب إلى الله. وزوى الدنيا عنه قبضها وأبعدها (3) فتأسى خبر يريد به الطلب أي فليقتد مقتد بنبيه (4) العلم بالتحريك العلامة أي أن بعثته دليل على قرب الساعة حيث لانبي بعده (5) خميصا: أي خالي البطن كناية عن عدم التمتع بالدنيا (6) العقب بفتح فكسر مؤخر القدم. =

[ 61 ]

مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها (1). ولقد قال لي قائل ألا تنبذها؟ فقلت اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى (2) 161 - ومن خطبة له عليه السلام بعثه بالنور المضئ والبرهان الجلي، والمنهاج البادى (3) والكتاب الهادي. أسرته خير أسرة (4)، وشجرته خير شجرة. أغصانها معتدلة وثمارها متهدلة (5). مولده بمكة وهجرته بطيبة (6). علا بها ذكره وامتد بها صوته. أرسله بحجة كافية، وموعظة شافية، ودعوة متلافية (7). أظهر به الشرائع المجهولة، وقمع به البدع المدخولة، وبين به الاحكام المفصولة (8. فمن يتبع غير الاسلام دينا تتحقق


= ووطوء العقب مبالغة في الاتباع والسلوك على طريقه نقفوه خطوة خطوة حتى كأننا نطأ مؤخر قدمه (1) المدرعة بالكسر ثوب من صوف (2) اغرب عني: اذهب وابعد. والمثل معناه إذا أصبح النائمون وقد رأو السارين واصلين إلى مقاصدهم حمدوا سراهم وندموا على نوم أنفسهم، أو إذا أصبح السارون وقد وصلوا إلى ما ساروا إليه حمدوا سراهم وإن كان شاقا حيث أبلغهم إلى ما قصدوا. والسرى بضم ففتح السير ليلا (3) أي الظاهر (4) الاسرة كغرفة - رهط الرجل الادنون (5) متدلية: دانية للاقتطاف (6) المدينة المنورة (7) من تلافاء: تداركه بالاصلاح قبل أن يهلكه الفساد، فدعوة النبي تلافت أمور الناس قبل هلاكهم (8) المفصولة التي فصلها الله =

[ 62 ]

شقوته، وتنفصم عروته، وتعظم كبوته (1). ويكون مآبه إلى الحزن الطويل والعذاب الوبيل. وأتوكل على الله توكل الانابة إليه. وأسترشده السبيل المؤدي إلى جنته، القاصدة إلى محل رغبته. أوصيكم عباد الله بتقوى الله وطاعته فإنها النجاة غدا والمنجاة أبدا. رهب فأبلغ، ورغب فأسبغ (2). ووصف لكم الدنيا وانقطاعها، وزوالها وانتقالها. فأعرضوا عما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها. أقرب دار من سخط الله، وأبعدها من رضوان الله. فغضوا عنكم - عباد الله - غمومها وأشغالها لما قد أيقنتم به من فراقها وتصرف حالاتها. فاحذروها حذر الشفيق الناصح (3) والمجد الكادح. واعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون قبلكم. قد تزايلت أوصالهم (4)، وزالت أبصارهم وأسماعهم، وذهب شرفهم وعزهم، وانقطع سرورهم ونعيمهم. فبدلوا بقرب الاولاد فقدها، وبصحبة الازواج مفارقتها. لا يتفاخرون، ولا يتناسلون، ولا


= أي قضى بها على عباده (1) الكبوة: السقطة (2) أسبغ أي أحاط بجميع وجوه الترغيب (3) الشفيق: الخائف. والناصح: الخالص. والمجد: المجتهد. والكادح: المبالغ في سعيه (4) تزايلت: تفرقت. والاوصال: المفاصل أو مجتمع العظام وتفرقها =

[ 63 ]

يتزاورون، ولا يتجاورون. فاحذروا عباد الله حذر الغالب لنفسه، المانع لشهوته، الناظر بعقله. فإن الامر واضح، والعلم قائم، والطريق جدد، والسبيل قصد (1) 162 - ومن خطبة له عليه السلام لبعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال: يا أخا بنى أسد أنك لقلق الوضين (2) ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصهر وحق المسألة، وقد استعلمت فاعلم. أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الاعلون نسبا، والاشدون برسول الله صلى الله عليه وآله نوطا (3)، فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس


= كناية عن تبددهم وفنائهم من أول الخطبة إلى هنا زيادة في بعض النسخ (1) الجدد بالتحريك المستوي المسلوك والقصد القويم (2) الوضين: بطان يشد به الرحل على البعير كالحزام للسرج، فإذا قلق واضطرب الرحل فكثر تململ الجمل وقل ثباته في سيره. والارسال: الاطلاق والاهمال. والسدد محركا الاستقامة، أي تطلق لسانك بالكلام في غير موضعه كحركة الجمل المضطرب في مشيته. والذمامة: الحماية والكفاية. والصهر: الصلة بين أقارب الزوجة وأقارب الزوج، وإنما كان للاسدي حماية الصهر لان زينب بنت جحش زوجة رسول الله كانت أسدية (3) النوط بالفتح التعلق. والاثرة: الاختصاص بالشئ دون مستحقه. =

[ 64 ]

قوم، وسخت عنها نفوس آخرين. والحكم، الله والمعود إليه القيامة ودع عنك نهبا صيح في حجراته (1) وهلم الخطب في ابن أبي سفيان (2)، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه. ولا غرو والله فيا له خطبا. يستفرغ العجب، ويكثر الاود. حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه، وسد فواره من ينبوعه (3)، وجدحوا بيني وبينهم شربا وبيئا (4). فإن ترتفع عنا وعنهم محن البلوى أحملهم من الحق على محضه (5)، وإن تكن الاخرى (6) " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون "


= والمراد بمن سخت نفوسهم عن الامر أهل البيت (1) البيت لامرئ القيس. وتتمته: وهات حديثا ما حديث الرواحل قاله عند ما كان جارا لخالد بن سدوس فاغار عليه بنو جديلة فذهبوا بأهله فشكا لمجيره خالد فقال له أعطني رواحلك الحق بها القوم فأرد إبلك وأهلك، فأعطاه، وأدرك خالد القوم فقال لهم ردوا ما أخذتم من جاري، فقالوا ما هو لك بجار، فقال والله إنه جاري وهذه رواحله، فقالوا رواحله؟ فقال نعم. فرجعوا إليه وأنزلوه عنهن وذهبوا بهن. والنهب بالفتح الغنيمة. وصيح أي صاحوا للغارة. في حجراته جمع حجرة بفتح الحاء الناحية. ووجه التمثيل ظاهر (2) هلم: أذكر. والخطب عظيم الامر وعجيبه الذي أدى لقيام من ذكره لمنازعته في الخلافة. والاود الاعوجاج (3) الفوار والفوارة من الينبوع: الثقب الذى يفور الماء منه بشدة (4) جدحوا: خلطوا. والشرب بالكسر النصيب من الماء. والوبئ: ما يوجب شربه الوباء، يريد به الفتنة التي يردونها نزاعا له في حقه كأنها ماء خلط بالمواد السامة القاتلة (5) محض الحق: خالصه (6) وإن لا يزالوا =

[ 65 ]

163 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله خالق العباد، وساطح المهاد، ومسيل الوهاد، ومخصب النجاد (1). ليس لاوليته ابتداء، ولا لازليته انقضاء. هو الاول لم يزل، والباقي بلا أجل. خرت له الجباه، ووحدته الشفاه. حد الاشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها (2). لا تقدره الاوهام بالحدود والحركات، ولا بالجوارح والادوات. لا يقال له متى، ولا يضرب له أمد بحتى. الظاهر لا يقال مما (3)، والباطن لا يقال فيما. لا شبح فيتقضى (4)، ولا محجوب فيحوى. لم يقرب من الاشياء بالتصاق، ولم يبعد عنها بافتراق. لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة (5)، ولا كرور لفظة، ولا ازدلاف ربوة (6)، ولا انبساط خطوة في ليل


= مفتونين فلا تمت نفسك غما عليهم (1) المهاد: الارض. والوهاد - جمع وهدة - ما انخفض من الارض. والنجاد - جمع نجد - ما ارتفع منها، وتسييل الوهاد بمياه الامطار، وتخصيب النجاد بأنواع النبات (2) الابانة ههنا التمييز والفصل، والضمير في له يرجع إليه سبحانه أي تمييزا لذاته تعالى عن شبهها أي مشابهتها. وإبانة مفعول لاجله يتعلق بحد، أي حد الاشياء تنزيها لذاته عن مماثلتها (3) ظاهر بآثار قدرته ولا يقال من أي شئ ظهر (4) ليس بجسم فيفنى بالانحلال (5) شخوص لحظة: امتداد بصر (6) ازدلاف الربوة: تقربها من النظر وظهورها له لانه يقع عليها قبل المنخفضات

[ 66 ]

داج (1)، ولا غسق ساج، يتفيأ عليه القمر المنير (2)، وتعقبه الشمس ذات النور في الافول والكرور (3)، وتقلب الازمنة والدهور. من إقبال ليل مقبل وإدبار نهار مدبر. قبل كل غاية ومدة (4)، وكل إحصاء وعدة. تعالى عما ينحله (5) المحددون من صفات الاقدار، ونهايات الاقطار. وتأثل المساكن (6)، وتمكن الاماكن. فالحد لخلقه مضروب، وإلى غيره منسوب. لم يخلق الاشياء من أصول أزلية، ولا أوائل أبدية، بل خلق ما خلق فأقام حده، وصور ما صور فأحسن صورته (7) ليس لشئ منه امتناع (8)، ولا له بطاعة


(1) الداجي: المظلم. والغسق: الليل. وساج أي ساكن لا حركة فيه (2) أصل التفيؤ للظل نسخ نور الشمس. ولما كان الظلام بالليل عاما كالضياء بالنهار عبر عن نسخ نور القمر له بالتفيؤ تشبيها له بنسخ الظل لضياء الشمس، وهو من لطيف التشبيه ودقيقه (3) الافول: المغيب. والكرور: الرجوع بالشروق (4) قوله قبل كل غاية متعلق بيخفى على معنى السلب، أي لا يخفى عليه شئ من ذلك قبل كل غاية، أي يعلمه قبل الخ. ويصح أن يكون خبرا عن ضمير الذات العلية، أي هو موجود قبل كل غاية الخ (5) نحله القول - كمنعه - نسبه إليه أي عما ينسبه المحددون لذاته تعالى والمعرفون لها. من صفات الاقدار جمع قدر - بسكون الدال - وهو حال الشئ من الطول والعرض والعمق ومن الصغر والكبر. ونهايات الاقطار هي نهايات الابعاد الثلاثة المتقدمة (6) التأثل: التأصل (7) لم تكن مواد متساوية في القدم والازلية وكان له فيها أثر التصوير والتشكيل فقط، بل خلق المادة بجوهرها، وأقام لها حدها، أي ما به امتازت عن سائر الموجودات وصور منها ما صور من أنواع النباتات والحيوانات وغيرها (8) أي لا يمتنع عليه =

[ 67 ]

شئ انتفاع. علمه بالاموات الماضين كعلمه بالاحياء الباقين، وعلمه بما في السماوات العلى كعلمه بما في الارضين السفلى (منها) أيها المخلوق السوى (1)، والمنشأ المرعى في ظلمات الارحام، ومضاعفات الاستار. بدئت من سلالة من طين (2)، ووضعت في قرار مكين، إلى قدر معلوم، وأجل مقسوم. تمور في بطن أمك جنينا لا تحير دعاء ولا تسمع نداء. ثم أخرجت من مقرك إلى دار لم تشهدها، ولم تعرف سبل منافعها. فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدى أمك، وعرفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك. هيهات، إن من يعجز عن صفات ذى الهيئة والادوات فهو عن صفات خالقه أعجز. ومن تناوله بحدود المخلوقين أبعد


= ممكن إذا قال للشئ كن فيكون (1) مستوى الخلقة لا نقص فيه. والمنشأ المبتدع. والمرعى المحفوظ (2) السلالة من الشئ: ما انسل منه. والنطفة: مزيج ينسل من البدن المؤلف من عناصر الارض المخلوطة بالمواد السائلة، فالمزاج البدني أشبه بالمزاج الطينى بل هو (منه) بنوع اتقان واحكام. والقرار المكين: محل الجنين من الرحم. والقدر المعلوم: مبلغ المدة المحددة للحمل. وتمور: تتحرك. ولا تحير، من قولهم ما أحار جوابا مارد أي لا تستطيع دعاء

[ 68 ]

164 - ومن كلام له عليه السلام لما اجتمع الناس عليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته عنهم واستعتابه لهم، فدخل عليه فقال إن الناس ورائي وقد استسفروني بينك وبينهم (1) ووالله ما أدري ما أقول لك؟ ما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، ولا خلونا بشئ فنبلغكه. وقد رأيت كما رأينا، وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وآله كما صحبنا. وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشيجة رحم منهما (2). وقد نلت من صهره ما لم ينالا. فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل، وإن الطرق


(1) استسفروني: جعلوني سفيرا (2) الوشيجة: اشتباك القرابة، وإنما كان عثمان أقرب وشيجه لرسول الله لانه من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف رابع أجداد النبي صلى الله عليه وآله، أما أبو بكر فهو من بني تيم بن مرة سابع أجداد النبي، وعمر من بني عدي بن كعب ثامن أجداده صلى الله عليه وآله وسلم. وأما أفضليته عليهما في الصهر فلانه تزوج ببنتي رسول الله رقية وأم كلثوم، توفيت الاولى فزوجه النبي بالثانية ولذا سمي ذا النورين. وغاية ما نال الخليفتان أن النبي تزوج =

[ 69 ]

لواضحة، وإن أعلام الدين لقائمة. فاعلم أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى، فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة مجهولة. وإن السنن لنيرة لها أعلام، وإن البدع لظاهرة لها أعلام. وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضل به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيى بدعة متروكة. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول " يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى ثم يرتبط في قعرها (1) " وإني أنشدك الله أن لا تكون إمام هذه الامة المقتول، فإنه كان يقال: يقتل في هذه الامة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها، ويبث الفتن عليها، فلا يبصرون الحق من الباطل. يموجون فيها موجا، ويمرجون فيها مرجا (2). فلا تكونن لمروان سيقة (3) يسوقك حيث شاء بعد جلال السن وتقضي العمر. فقال له عثمان رضي الله عنه: " كلم الناس في أن يؤجلوني حتى أخرج إليهم من مظالمهم " فقال عليه السلام: ما كان بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه


= من بناتهما (1) ربطه فارتبط، أي شده وحبسه (2) المرج: الخلط (3) السيقة - ككيسة - ما استاقه العدو من الدواب، وكان مروان كاتبا ومشيرا لعثمان.

[ 70 ]

165 - ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس ابتدعهم خلقا عجيبا من حيوان وموات، وساكن وذي حركات. فأقام من شواهد البينات على لطيف صنعته وعظيم قدرته ما انقادت له العقول معترفة به ومسلمة له. ونعقت في أسماعنا دلائله على وحدانيته (1)، وما ذرأ من مختلف صور الاطيار (2) التي أسكنها أخاديد الارض وخروق فجاجها، ورواسي أعلامها. من ذات أجنحة مختلفة، وهيئات متباينة، مصرفة في زمان التسخير (3) ومرفرفة بأجنحتها في مخارق الجو المنفسح، والفضاء المنفرج. كونها بعد أن لم تكن في عجائب صور ظاهرة، وركبها في حقاق مفاصل محتجبة (4). ومنع


(1) نعقت من نعق بغنمه - كمنع - صاح (2) ذرأ: خلق. والاخاديد - جمع أخدود الشق في الارض والخروق جمع خرق -: الارض الواسعة تتخرق فيها الرياح. والفجاج - جمع فج - الطريق الواسع وقد يستعمل في متسع الفلا. والاعلام جمع علم بالتحريك، وهو الجبل (3) يصرفها الله في أطوار مختلفة تنتقل فيها بزمام تسخيره واستخدامه لها فيما خلقها لاجله. ومرفرفة من رفرف الطائر بسط جناحيه. والمخارق - جمع مخرق - الفلاة. وشبه الجو بالفلاة للسعة فيهما (4) الحقاق - ككتاب -: جمع حق بالضم - مجتمع المفصلين واحتجاب المفاصل: استتارها باللحم والجلد والعبالة: الضخامة. ويسمو يرتفع وخفوفا سرعة وخفة. ودفيف الطائر: مروره فويق الارض، أو أن يحرك جناحيه ورجلاه =

[ 71 ]

بعضها بعبالة خلقة أن يسمو في السماء خفوفا، وجعله يدف دفيفا. ونسقها على اختلافها في الاصابيغ (1) بلطيف قدرته ودقيق صنعته. فمنها مغموس في قالب (2) لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه. ومنها مغموس في لون صبغ قد طوق بخلاف ما صبغ به ومن أعجبها خلقا الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل، ونضد ألوانه في أحسن تنضيد (3)، بجناح أشرج قصبه، وذنب أطال مسحبه. إذا درج إلى الانثى نشره من طيه، وسما به مطلا على رأسه (4) كأنه قلع داري عنجه نوتيه. يختال بألوانه، ويميس بزيفانه. يفضي كإفضاء الديكة، ويؤر بملاقحة أر الفحول المغتلمة (5) في الضراب. أحيلك من ذلك


= في الارض. ويدف بضم الدال (1) نسقها: رتبها. والاصابيغ: جمع أصباغ - بفتح الهمزة - جمع صبغ بالكسر وهو اللون أو ما يصبغ به (2) القالب مثال تفرغ فيه الجواهر لتأتى على قدره. والطائر ذو اللون الواحد كأنما أفرغ في قالب من اللون. وقوله قد طوق أي جميع بدنه بلون واحد إلا لون عنقه فأنه يخالف سائر بدنه كأنه طوق صيغ لحليته (3) التنضيد: النظم والترتيب. وقوله أشرج قصبه: أي داخل بين آحاده ونظمها على اختلافها في الطول والقصر وإذا مشى إلى أنثاه ليسافدها نشر ذلك الذنب بعد طيه (4) سما به أي ارتفع به، أي رفعه مطلا على رأسه، أي مشرفا عليه كأنه يظلله. والقلع - بكسر فسكون - شراع السفينة. وعنجه: جذبه فرفعه، من عنجت البعير إذا جذبته بخطامه فرددته على رجليه. ويختال: يعجب. ويميس: يتبختر بزيفان ذنبه. وأصل الزيفان التبختر أيضا ويريد به هنا حركة ذنب الطاووس يمينا وشمالا (5) يفضي: أي يسافد أنثاه كما تسافد الديكة جمع ديك. ويؤر - كيشد - أي يأتي =

[ 72 ]

على معاينة (1)، لا كمن يحيل على ضعيف إسناده. ولو كان كزعم من يزعم أنه يلقح بدمعة تسفحها مدامعه (2)، فتقف في ضفتي جفونه وأن أنثاه تطعم ذلك، ثم تبيض لا من لقاح فحل سوى الدمع المنبجس لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب (3). تخال قصبه مداري من فضة وما أنبت عليها من عجيب داراته وشموسه خالص العقيان وفلذ الزبرجد (4) فإن شبهته بما أنبتت الارض قلت


= أنثاه. بملاقحة أي مسافدة يفرز فيها مادة تناسلية من عضو التناسل يدفعها في رحم قابل. والمغتلمة. على صيغة اسم الفاعل. من اغتلم إذا غلب للشهوة. والضراب: لقاح الفحل لانثاه في المنجد بكسر الدال (1) أي إن لم يكفك الخبر فإني أحولك عنه إلى المعاينة فاذهب وعاين تجد صدق ما أقول (2) تسفحها أي ترسلها أوعية الدمع. وضفة الجفن: استعارة من ضفتي النهر بمعنى جانبيه. وتطعم ذلك - كتعلم - أي تذوقه كأنها تترشقه. ولقاح الفحل - كسحاب - ماء التناسل يلقح به الانثى. والمنبجس النابع من العين (3) لما كان ذلك بأعجب أي لو صح ذلك الزعم في الطاووس لكان له نظير فيما زعموا في مطاعمة الغراب وتلقيحه لانثاه حيث قالوا إن مطاعمة الغراب بانتقال جزء من الماء المستقر في قانصة الذكر إلى الانثى تتناوله من منقاره. والمماثلة بين الزعمين في عدم الصحة. ومنشأ الزعم في الغراب إخفاؤه لسفاده حتى ضرب المثل بقولهم: أخفى من سفاد الغراب (4) القصب - جمع قصبة - هي عمود الريش. والمداري - جمع مدرى بكسر الميم - قال ابن الاثير المدرى والمدراة مصنوع من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان المشط وأطول منه يسرح به الشعر المتلبد ويستعمله من لا مشط له. والدارات: هالات القمر. والعقيان: الذهب الخالص أو ما ينمو منه في معدنه. وفلذ - كعنب - جمع فلذة بمعنى القطعة. وما أنبت معطوف على قصبه. والتشبيه في بياض القصب والصفرة =

[ 73 ]

جني جني من زهرة كل ربيع (1). وإن ضاهيته بالملابس فهو كموشي الحلل (2)، أو مونق عصب اليمن. وإن شاكلته بالحلي فهو كفصوص ذات ألوان قد نطقت باللجين المكلل (3). يمشي مشي المرح المختال (4) ويتصفح ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله وأصابيغ وشاحه (5) فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا معولا بصوت يكاد يبين عن استغاثته، ويشهد بصادق توجعه، لان قوائمه حمش كقوائم الديكة الخلاسية (6) وقد نجمت من ظنبوب ساقه صيصية خفية (7). وله في موضع العرف قنزعة خضراء موشاة (8). ومخرج عنقه كالابريق. ومغرزها إلى حيث


= والخضرة في الريش (1) جنى أي مجتنى جمع كل زهر لانه جمع كل لون (2) الموشى: المنقوش المنمنم على صيغة اسم الفاعل. والعصب - بالفتح - ضرب من البرود منقوش (3) جعل اللجين - وهو الفضة - منطقة لها. والمكلل: المزين بالجواهر. فكما تمنطقت الفصوص باللجين كذلك زين اللجين بها (4) المرح - ككتف - المعجب والمختال الزاهي بحسنه (5) السربال: اللباس مطلقا أو هو الدرع خاصة والوشاح نظامان من لؤلؤ وجوهر يخالف بينهما ويعطف أحدهما على الآخر بعد عقد طرفه به حتى يكونا كدائرتين إحداهما داخل الاخرى كل جزء من الواحدة يقابل جزءا من قرينتها ثم تلبسه المرأة على هيئة حمالة السيف، وأديم عريض مرصع بالجواهر يلبس كذلك ما بين العاتق والكشح (6) زقا يزقو: صاح، وأعول فهو معول رفع صوته بالبكاء يكاد يبين أي يفصح عن استغاثته من كراهة قوائمه أي ساقيه. حمش - جمع أحمش - أي دقيق. والديك الخلاسى - بكسر الخاء - هو المتولد بين دجاجتين هندية وفارسية (7) وقد نجمت أي نبتت من ظنبوب ساقه أي من حرف عظمه الاسفل صيصية وهي شوكة تكون في رجل الديك. والظنبوب - بالضم - كعرقوب عظم حرف الساق (8) القنزعة - بضم =

[ 74 ]

بطنه كصبغ الوسمة اليمانية (1)، أو كحريرة ملبسة مرءاة ذات صقال (2) وكأنه متلفع بمعجر أسحم (3). إلا أنه يخيل لكثرة مائه وشدة بريقه أن الخضرة الناضرة ممتزجة به. ومع فتق سمعه خط كمستدق القلم في لون الاقحوان (4) أبيض يقق. فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق (5). وقل صبغ إلا وقد أخذ منه بقسط (6)، وعلاه بكثرة صقاله وبريقه وبصيص ديباجه ورونقه (7). فهو كالازاهير المبثوثة (8) لم تربها أمطار ربيع (9) ولا شموس قيظ. وقد يتحسر من ريشه (10)، ويعرى من لباسه، فبسقط تترى، وينبت تباعا، فينحت من قصبه انحتات أوراق


= القاف والزاي - بينهما سكون - الخصلة من الشعر تترك على رأس الصبي وموشاة: منقوشة (1) مغرزها: الموضع الذي غرز فيه العنق منتهيا إلى مكان البطن لونه كلون الوسمة وهي نبات يخضب به، أو هي نبات النيل الذي منه صبغ النيلج المعروف بالنيلة (2) الصقال: الجلاء (3) المعجر - كمنبر -: ثوب تعتجر به المراة فتضع طرفه على رأسها ثم تمر الطرف الآخر من تحت ذقنها حتى ترده إلى الطرف الاول فيغطى رأسها وعنقها وعاتقها وبعض صدرها وهو معنى التلفع ههنا. والاسجم الاسود (4) الاقحوان: البابونج. واليقق - محركا - شديد البياض (5) يلمع (6) نصيب (7) علاه أي فاق اللون الذي أخذه نصيبا منه بكثرة جلائه. والبصيص: اللمعان. والرونق: الحسن (8) الازاهير: جمع أزهار جمع زهر (9) لم تربها، فعل من التربية. والقيظ: الحر (10) يتحسر هو من حسرة أي كشفه، أي وقد يكشف من ريشه. =

[ 75 ]

الاغصان (1)، ثم يتلاحق ناميا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه. لا يخالف سالف ألوانه، ولا يقع لون في غير مكانه. وإذا تصفحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة وردية، وتارة خضرة زبرجدية، وأحيانا صفرة عسجدية (2). فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن (3)، أو تبلغه قرائح العقول، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين. وأقل أجزائه قد أعجز الاوهام أن تدركه، والالسنة أن تصفه. فسبحان الذي بهر العقول (4) عن وصف خلق جلاه للعيون فأدركته محدودا مكونا، ومؤلفا ملونا. وأعجز الالسن عن تلخيص صفته، وقعد بها عن تأدية نعته. وسبحان من أدمج قوائم الذرة (5) والهمجة إلى ما فوقهما من خلق الحيتان والافيلة. ووأى على نفسه أن لا يضطرب شبح مما أولج فيه الروح إلا وجعل الحمام موعده، والفناء غايته (6) (منها في صفة الجنة) فلو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك منها لعزفت نفسك (7) عن بدائع ما أخرج إلى الدنيا من شهواتها


= وتترى أي شيئا بعد شئ (1) ينحت: يسقط وينقشر (2) ذهبية (3) عمائق جمع عميقة (4) بهر العقول: قهرها فردها. وجلاه - كحلاه - كشفه (5) الذرة: واحدة الذر: صغار النمل. والهمجة - محركة - واحدة الهمج: ذباب صغير يسقط على وجوه الغنم. وقوائمها: أرجلها. وأدمجها: أودعها فيها (6) وأى: وعد. والحمام: الموت (7) عزفت الابل - كفرح - اشتكت بطونها من أكل العزف: وهو الثمان، أي لكرهت بدائع =

[ 76 ]

ولذاتها وزخارف مناظرها، ولذهلت بالفكر في اصطفاق أشجار (1) غيبت عروقها في كثبان المسك على سواحل أنهارها، وفي تعليق كبائس اللؤلؤ الرطب في عساليجها وأفنانها (2)، وطلوع تلك الثمار مختلفة في غلف أكمامها (3). تحنى من غير تكلف (4) فتأتي على منية مجتنيها، ويطاف على نزالها في أفنية قصورها بالاعسال المصفقة (5)، والخمور المروقة. قوم لم تزل الكرامة تتمادى بهم حتى حلوا دار القرار (6)، وأمنوا نقلة الاسفار. فلو شغلت قبلك أيها المستمع بالوصول إلى ما يهجم عليك من تلك المناظر المونقة (7) لزهقت نفسك شوقا إليها، ولتحملت من مجلسي هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالا بها. جعلنا الله وإياكم ممن سعى بقلبه إلى منازل الابرار برحمته. (تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب قوله عليه السلام ويؤر بملاقحة الار كناية عن النكاح، يقال أر المرأة


= الدنيا كما تكره الابل الثمام أو لتألمت نفسك من النظر والتناول لما تراه من بدائع الدنيا كما تألم بطون الابل من أكل الثمام (1) اصطفاق الاشجار: تضارب أوراقها بالنسيم بحيث يسمع لها صوت. والكثبان - جمع كثيب - وهو التل (2) جمع فنن - بالتحريك - وهو الغصن (3) غلف بضمتين - جمع غلاف - والاكمام جمع كم بكسر الكاف - وهو وعاء الطلع وغطاء النوار (4) تحنى من حناه حنوا عطفه (5) المصفاة (6) قوله قوم الخ أي هم قوم أي نزال الجنة قوم شأنهم ما ذكره (7) المونقة: المعجبة هذا التفسير غير موجود في بعض النسخ

[ 77 ]

يؤرها أي نكحها، وقوله كأنه قلع داري عنجه نوتيه: القلع شراع السفينة، وداري: منسوب إلى دارين، وهي بلدة على البحر يجلب منها الطيب. وعنجه أي عطفه. يقال عنجت الناقة - كنصرت - أعنجها عنجا إذا عطفتها. والنوتى الملاح. وقوله ضفتى جفونه، أراد جانبي جفونه. والضفتان الجانبان. وقوله وفلذ الزبرجد، الفلذ: جمع فلذة، وهى القطعة. وقوله كبائس اللؤلؤ الرطب، الكباسة: العذق (1). والعساليج الغصون، واحدها عسلوج). 166 - ومن خطبة له عليه السلام ليتأس صغيركم بكبيركم (2)، وليرأف كبيركم بصغيركم. ولا تكونوا كجفاة الجاهلية لا في الدين يتفقهون، ولا عن الله يعقلون. كقيض بيض في أداح (3) يكون كسرها وزرا. ويخرج حضانها شرا


(1) العذق للنخلة كالعنقود للعنب مجموع الشماريخ وما قامت عليه من العرجون (2) ليتأس: أي ليقتد (3) القيض: القشرة العليا اليابسة على البيضة. والاداحي - جمع أدحى - كلجى وهو مبيض النعام في الرمل تدحوه برجلها لتبيض فيه فإذا مر مار بالاداحي فرأى فيها بيضا أرقط ظن أنه بيض القطا لكثرته وإلفه للافاحيص مطلقا يبيض فيها، فلا يسوغ للمار أن يكسر البيض، وربما كان في الحقيقة بيض ثعبان فينتج حضان الطير له شرا. وكذلك الانسان الجاهل الجافي صورته الانسانية تمنع =

[ 78 ]

(منها) افترقوا بعد ألفتهم، وتشتتوا عن أصلهم. فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه. على أن الله تعالى سيجمعهم لشر يوم لبني أمية كما تجتمع قزع الخريف (1) يؤلف الله بينهم، ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب. ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين، حيث لم تسلم عليه قارة، ولم تثبت عليه أكمة، ولم يرد سننه رص طود، ولا حداب أرض. يزعزعهم الله في بطون أوديته (2)، ثم يسلكهم ينابيع في الارض يأخذ بهم من قوم حقوق قوم، ويمكن لقوم في ديار قوم. وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد


= من إتلافه ولا ينتج الابقاء عليه إلا شرا، فإنه بجهله يكون أشد ضررا على الناس من الثعبان بسمه (1) القزع - محركا -: القطع المتفرقة من السحاب واحدته قزعة بالتحريك والركام: السحاب المتراكم. والمستثار: موضع انبعاثهم ثائرين. وسيل الجنتين هو الذي سماه الله سيل العرم الذي عاقب الله به سبأ على ما بطروا نعمته فدمر جناتهم وحول نعيمهم شقاء. والقارة - كالقرارة - ما اطمأن من الارض. والاكمة - محركة - غليظ من الارض يرتفع عما حواليه. والسنن يريد به الجرى. والطود: الجبل العظيم والمقصود الجمع. والرص يراد به الارتصاص أي الانضمام والتلاصق، أي لم يمنع جريته تلاصق الجبال. والحداب - جمع حدب بالتحريك - ما غلظ من الارض في ارتفاع (2) يزعزعهم: يفرقهم. وبطون الاودية كناية عن مسالك الاختفاء، ثم يسلكهم ينابيع في الارض أي أنهم يسرون دعوتهم وينفثونها في الصدر حتى تثور ثائرتها في القلوب كما تفور الينابيع من عيونها. وقد كان ذلك في قيام الهاشميين على الامويين =

[ 79 ]

العلو والتمكين (1) كما تذوب الالية على النار أيها الناس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحق، ولم تهنوا عن توهين الباطل. لم يطمع فيكم من ليس مثلكم، ولم يقو من قوي عليكم. لكنكم تهتم متاه بنى إسرائيل. ولعمري ليضعفن لكم التيه من بعدي أضعافا (2) بما خلفتم الحق وراء ظهوركم، وقطعتم الادنى ووصلتم الابعد. واعلموا أنكم إن اتبعتم الداعي لكم سلك بكم منهاج الرسول، وكفيتم مؤونة الاعتساف، ونبذتم الثقل الفادح عن الاعناق (3) 167 - ومن خطبة له عليه السلام في أول خلافته إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر. فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا (4). الفرائض الفرائض، أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة. إن الله حرم حراما غير مجهول، وأحل حلالا غير مدخول (5)، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد


= في زمن مروان الحمار (1) الضمير في أيديهم لبني أمية. والالية الشحمة (2) ليضعفن لكم التيه: لتزدان لكم الحيرة أضعاف ماهي لكم الآن (3) الفادح - من فدحه الدين إذا أثقله (4) صدف: أعرض. والسمت: الجهة. وتقصدوا تستقيموا (5) معيب

[ 80 ]

بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها (1). فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق. ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب. بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم وهو الموت (2) فإن الناس أمامكم، وإن الساعة تحدوكم من خلفكم. تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأولكم آخركم. اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه 168 - ومن كلام له عليه السلام بعد ما بويع بالخلافة، وقد قال له قوم من الصحابة لو عاقبت قوما ممن أجلب على عثمان؟ فقال عليه السلام: يا إخوتاه إنى لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف لى بقوة والقوم المجلبون على حد شوكتهم، يملكوننا ولا نملكهم.


(1) أي جعل الحقوق مرتبطة بالاخلاص والتوحيد لا تنفك عنه. ومعاقد الحقوق: مواضعها من الذمم (2) بادره: عاجله، أي عاجلوا أمر العامة بالاصلاح لئلا يغلبكم الفساد فتهلكوا، فإذا انقضى عملكم في شؤون العامة فبادروا الموت بالعمل الصالح كيلا يأخذكم على غفلة فلا تكونوا منه على أهبة. وفي تقديم الامام أمر العامة على أمر الخاصة دليل على أن الاول أهم ولا يتم الثاني إلا به. وهذا ما تضافرت عليه الادلة الشرعية =

[ 81 ]

وهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، والتفت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم (1) (يسومونكم ما شاؤا. وهل ترون موضعا لقدرة على شئ تريدونه. إن هذا الامر أمر جاهلية. وإن لهؤلاء القوم مادة (2). إن الناس من هذا الامر - إذا حرك - على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك، فاصبروا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق مسمحة (3) فاهدأوا عنى، وانظروا ماذا يأنيكم به أمرى. ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة، وتسقط منة، وتورث وهنا وذلة (4). وسأمسك الامر ما استمسك. وإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكي (5) 169 - ومن خطبة له عليه السلام عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة إن الله بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق وأمر قائم، لا يهلك عنه إلا هالك (6). وإن المبتدعات المشبهات هن المهلكات (7) إلا ما حفظ


= وإن غفل عنه الناس في أزماننا هذه (1) خلالكم: فيما بينكم (2) مادة أي عونا ومددا (3) مسمحة: اسم فاعل، من أسمح إذا جاد وكرم، كأنها لتيسرها عند القدرة تجود عليه بنفسها فيأخذها (4) ضعضعه: هدمه حتى الارض. والمنة - بالضم - القدرة. والوهن: الضعف (5) الكي كناية عن القتل (6) الامن كان في طبعه عوج جبلى فحتم عليه الشقاء الابدي (7) البدع الملبسة ثوب الدين المشبهة به هي المهلكة إلا أن يحفظ =

[ 82 ]

الله منها. وإن في سلطان الله عصمة لامركم. فأعطوه طاعتكم غير ملومة ولا مستكره بها (1). والله لتفعلن أو لينقلن الله عنكم سلطان الاسلام، ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأرز الامر إلى غيركم (2) إن هؤلاء قد تمالاوا على سخطة إمارتى (3) وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم. فإنهم إن تمموا على فيالة هذا الرأي (4) انقطع نظام المسلمين، وإنما طلبوا هذه الدنيا حسدا لمن أفاءها الله عليه، فأرادوا رد الامور على أدبارها. ولكم علينا العمل بكتاب الله تعالى وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله والقيام بحقه والنعش لسنته (5) 170 - ومن كلام له عليه السلام كلم به بعض العرب وقد أرسله قوم من أهل البصرة لما قرب عليه السلام منها ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم فبين له عليه السلام من أمره معهم ما علم به أنه على الحق، ثم قال له بايع، فقال إنى رسول قوم ولا أحدث حدثا


= الله منها بالتوبة (1) ملومة - من لومه - مبالغة في لامه أي غير ملوم عليها بالنفاق (2) يأرز: يرجع (3) تمالاوا اتفقوا وتعاونوا. والسخطة - بالفتح - الكراهة وعدم الرضاء. والمراد من هؤلاء من انتقض عليه من طلحة والزبير رضي الله عنهما والمنضمين إليهما (4) فيالة الرأي - بالفتح - ضعفه. وأفاءها عليه: أرجعها إليه (5) النعش مصدر =

[ 83 ]

حتى أرجع إليهم. فقال عليه السلام: أرأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلا والماء فخالفوا إلى المعاطش والمجادب ما كنت صانعا؟ قال كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلا والماء. فقال عليه السلام فامدد إذا يدك. فقال الرجل فو الله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة علي، فبايعته عليه السلام. والرجل يعرف بكليب الجرمي 171 - ومن كلام له عليه السلام لما عزم على لقاء القوم بصفين اللهم رب السققف المرفوع، والجو المكفوف (1)، الذي جعلته مغيضا لليل والنهار، ومجرى للشمس والقمر، ومختلفا للنجوم السيارة. وجعلت سكانه سبطا من ملائكتك لا يسأمون من عبادتك. ورب هذه الارض التي جعلتها قرارا للانام ومدرجا للهوام والانعام، وما


= نعشه إذا رفعه (1) الجو: ما بين الارض والاجرام العالية. وفيه من مصنوعات الله ما لا يحصى نوعه ولا يعد جنسه. وهو بحر تسبح فيه الكائنات الجوية ولكنها مكفوفة عن الارض لا تسقط عليها حتى يريد الله إحداث أمر فيها. وجعلته مغيضا من غاض الماء إذا نقص، كأن هذا الجو منبع الضياء والظلام وهو مغيضها كما يغيض الماء في البئر =

[ 84 ]

لا يحصى مما يرى ومما لا يرى. ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للارض أوتادا، وللخلق اعتمادا (1)، إن أظهرتنا على عدونا فجنبا البغي وسددنا للحق. وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة واعصمنا من الفتنة. أين المانع للذمار (2) والغائر عند نزول الحقائق من أهل الحفاظ. العار وراءكم والجنة أمامكم 172 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله الذي لا تواري عنه سماء سماء (3) ولا أرض أرضا (منها) وقال قائل: إنك على هذا الامر يا ابن أبي طالب لحريص، فقلت بل أنتم والله لاحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما طلبت حقا لى وأنتم تحولون بينى وبينه، وتضربون وجهى دونه (4). فلما


= والكلام الآتي صريح في أن الكواكب السيارة كالشمس والقمر تختلف أي يختلف بعضها بعضا في الجو فهو مجال سيرها وميدان حركاتها. والسبط - بالكسر - الامة (1) اعتمادا أي معتمدا أي ملجأ يعتصمون بها إذا طردتهم الغارات من السهول، وكما هي كذلك للانسان هي أيضا كذلك للحيوانات تعتصم بها (2) الذمار - ككتاب - ما يلزم الرجل حفظه من أهله وعشيرته. والغائر: من غار على امرأته أو قريبته أن يمسها أجنبي. والحقائق: وصف لا اسم، يريد النوازل الثابتة التي لا تدفع بل لا تقلع إلا بعازمات الهمم ومن أهل الحفاظ بيان للمانع والغائر، والحفاظ: الوفاء ورعاية الذمم (3) لا تواري: لا تحجب (4) ضرب الوجه كناية عن الرد والمنع. وقرعته بالحجة من قرعه بالعصا ضربه بها. وهب، من هبيب التيس أي صياحه، أي كان يتكلم بالمهمل مع سرعة = = حمل عليها الغضب كأنه مخبول لا يدري ما يقول

[ 85 ]

قرعته بالحجة في الملا الحاضرين هب لا يدري ما يجيبني به اللهم إني أستعينك على قريش ومن أعانهم (1)، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي. ثم قالوا إلا أن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تتركه (2) (منها في ذكر أصحاب الجمل) فخرجوا يجرون حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله كما تجر الامة عند شرائها، متوجهين بها إلى البصرة، فحبسا نساءهما في بيوتهما، وأبرزا حبيس رسول الله صلى الله عليه وآله لهما ولغيرهما (3) في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعا غير مكره فقدموا على عاملي بها وخزان بيت مال المسلمين (4) وغيرهم من أهلها. فقتلوا طائفة صبرا (5)، وطائفة غدرا. فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلا واحدا معتمدين لقتله (6) بلا جرم جره، لحل لي قتل ذلك الجيش كله


(1) أستعينك: أستنصرك وأطلب منك المعونة (2) ثم قالوا الخ أي أنهم اعترفوا بفضله وأنه أجدرهم بالقيام به، ففي الحق أن يأخذه ثم لما اختار المقدم في الشورى غيره عقدوا له الامر وقالوا للامام في الحق أن تتركه فتناقض حكمهم بالحقية في القضيتين، ولا يكون الحق في الاخذ إلا لمن توفرت فيه شروطه (3) حبيس فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وأم المؤمنين كانت محبوسة لرسول الله لا يجوز لاحد أن يمسها بعده كأنها في حياته (4) خزان جمع خازن (5) القتل صبرا أن تحبس الشخص ثم ترميه حتى يموت (6) معتمدين: قاصدين

[ 86 ]

إذ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا يد. دع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم (1) 173 - ومن خطبة له عليه السلام أمين وحيه، وخاتم رسله، وبشير رحمته، ونذير نقمته أيها الناس إن أحق الناس بهذا الامر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه. فإن شغب شاغب استعتب (2) فإن أبى قوتل. ولعمري لئن كانت الامامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار ألا وإني أقاتل رجلين: رجلا ادعى ما ليس له، وآخر منع الذي عليه. أوصيكم بتقوى الله فإنها خير ما تواصى العباد به، وخير عواقب الامور عند الله. وقد فتح باب الحرب بينكم وبين


(1) قوله دع ما أنهم أي يحل لي قتلهم بقتل مسلم واحد عمدا فدع من أعمالهم ما زاد على ذلك وهو أنهم قتلوا من المسلمين عدد جيشهم فذلك مما يستحقون عليه عقابا فوق حل دمائهم، وما في قوله ما أنهم مثل لو في قولهم يعجبني لو أن فلانا يتكلم، ومثلها في قوله تعالى " إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " فهي زائدة أو مساعدة على سبك الجملة بالمصدر (2) الشغب: تهييج الفساد. واستعتب: طلب منه الرضاء بالحق

[ 87 ]

أهل القبلة (1)، ولا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر والصبر (2) والعلم بمواضع الحق. فامضوا لما تؤمرون به، وقفوا عندما تنهون عنه. ولا تعجلوا في أمر حتى تتبينوا، فإن لنا مع كل أمر تنكرونه غيرا (3) ألا وإن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها، وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم، ولا منزلكم الذي خلقتم له ولا الذي دعيتم إليه. ألا وإنها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها. وهي وإن غرتكم منها فقد حذرتكم شرها. فدعوا غرورها لتحذيرها، وإطماعها لتخويفها. وسابقوا فيها إلى الدار التي دعيتم إليها وانصرفوا بقلوبكم عنها. ولا يخنن أحدكم خنين الامة على ما زوي عنه منها (4). واستتموا نعمة الله عليكم بالصبر على طاعة الله والمحافظة على ما استحفظكم من كتابه. ألا وإنه لا يضركم تضييع شئ من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم. ألا وإنه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شئ حافظتم عليه من أمر دنياكم. أخذ الله


(1) أهل القبلة من يعتقد بالله وصدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ويصلي معنا إلى قبلة واحدة (2) أي لا يحمل علم الحرب ورايتها لقتال أهل القبلة إلا أهل العقل والمعرفة بالشرع وهم الامام ومن معه، أي ليس حملنا لهذا العلم عن جهل أو غفلة عن أحكام الله (3) أي إذا اتفق أهل الحل والعقد من المسلمين على إنكار شئ عدلنا إلى حكمهم وغيرنا حكمنا متى كان اتفاقهم لا يخالف نصا شرعيا. فالغير بكسر ففتح اسم للتغيير أو التغير (4) الخنين - =

[ 88 ]

بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق. وألهمنا وإياكم الصبر 174 - ومن كلام له عليه السلام في معنى طلحة بن عبيد الله قد كنت وما أهدد بالحرب، ولا أرهب بالضرب. وأنا على ما قد وعدني ربي من النصر. والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان (1) إلا خوفا من أن يطالب بدمه لانه مظنته، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه (2)، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلبس الامر (3) ويقع الشك. ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم - لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه (4) أو ينابذ ناصريه. ولئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه (5)، والمعذرين فيه (6). ولئن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانبا (7) ويدع


= بالخاء المعجمة - ضرب من البكاء يردد به الصوت في الانف. وزوى: أي قبض (1) متجردا كأنه سيف تجرد من غمده (2) أحرص عليه أي على دم عثمان بمعنى سفكه (3) يلبس رباعي من قولهم أمر ملبس أي مشتبه (4) يوازر: ينصر ويعين. والمنابذة المراماة والمراد المعارضة والمدافعة (5) نهنهه عن الامر: كفه وزجره عن إتيانه (6) المعذرين فيه: المعتذرين عنه فيما نقم منه (7) ويركد جانبا يسكن في جانب =

[ 89 ]

الناس معه، فما فعل واحدة من الثلاث، وجاء بأمر لم يعرف بابه، ولم تسلم معاذيره 175 - ومن خطبة له عليه السلام أيها الغافلون غير المغفول عنهم، والتاركون المأخوذ منهم (1). ما لي أراكم عن الله ذاهبين، وإلى غيره راغبين. كأنكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبي ومشرب دوي (2). إنما هي كالمعلوفة للمدى لا تعرف ماذا يراد بها، إذا أحسن إليها تحسب يومها دهرها (3)، وشبعها أمرها. والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت (4)، ولكن أخاف أن تكفروا في برسول الله صلى الله عليه وآله. ألا وإني مفضيه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه (5).


= عن القاتلين والناصرين (1) التاركون الخ أي أن التاركين لما أمروا به المأخوذة منهم أعمارهم تطويها عنهم يد القدرة ساعة بعد ساعة. فالمأخوذ منهم صفة للتاركين (2) النعم - محركة - الابل أو هي والغنم. وأراح بها ذهب بها. وأصل الاراحة الانطلاق في الريح فاستعمله في مطلق الانطلاق، والسائق: الراعي. والوبى: الردى يجلب الوباء. والدوى: الوبيل يفسد الصحة، أصله من الدوا بالقصر أي المرض. والمدى - جمع مدية - السكين أي معلوفة للذبح (3) تحسب يومها دهرها أي لا تنظر إلى عواقب أمورها فلا تعد شيئا لما بعد يومها، ومتى شبعت ظنت أنه لا شأن لها بعد هذا الشبع. هذا كلام كأنه ثوب فصل على أقدار أهل هذا الزمان (4) بمخرجه الخ أي من أين يخرج. وأين يلج أي يدخل (5) مفضيه أصله من أفضى إليه خلا به وإلى الارض مسها. والمراد أني موصله =

[ 90 ]

والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطق إلا صادقا. وقد عهد إلي بذلك كله، وبمهلك من يهلك ومنجى من ينجو، ومآل هذا الامر. وما أبقى شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني وأفضى به إلي. أيها الناس إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها 176 - ومن خطبة له عليه السلام انتفعوا ببيان الله، واتعظوا بمواعظ الله، واقبلوا نصيحة الله. فإن الله قد أعذر إليكم بالجلية (1). واتخذ عليكم الحجة. وبين لكم محابه من الاعمال ومكارهه منها لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول " إن الجنة حفت بالمكاره وإن النار حفت بالشهوات " وأعلموا أنه ما من طاعة الله شئ إلا يأتي في كره (2). وما من معصية الله شئ إلا يأتي في شهوة. فرحم الله رجلا نزع عن شهوته (3). وقمع هوى نفسه، فإن هذه النفس أبعد شئ


= إلى أهل اليقين ممن لا تخشى عليهم الفتنة (1) أعذر إليكم بالجلية أي بالاعذار الجلية. والعذر هنا مجاز عن سبب العقاب في المؤاخذة عند مخالفة الاوامر الالهية (2) أي لا شئ من طاعة الله إلا وفيه مخالفة لهوى النفس البهيمية فتكره إتيانه، ولا شئ من معصية الله إلا وهو موافق لميل حيواني فتشتهي النفوس إتيانه (3) نزع عنه: انتهى وأقلع، =

[ 91 ]

منزعا. وإنها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى. واعلموا عباد الله أن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده (1)، فلا يزال زاريا عليها ومستزيدا لها. فكونوا كالسابقين قبلكم والماضين أمامكم قوضوا من الدنيا تقويض الراحل (2) وطووها طي المنازل. واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب. وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان في عمى. واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة (3)، ولا لاحد قبل القرآن من غنى فاستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لاوائكم (4)، فإن فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال. فاسألوا الله به (5)،


= فإن عدي بإلى كان بمعنى اشتاق، وأبعد منزعا أي نزوعا بمعنى الانتهاء والكف عن المعاصي (1) ظنون - كصبور - الضعيف والقليل الحيلة، فيريد أن المؤمن يظن في نفسه النقص والتقصير في الطاعة أو هو من البئر الظنون التي لا يدري أفيها ماء أم لا فتكون هنا بمعنى متهمة فهو لا يثق بنفسه إذا وسوست له بأنها أدت حق ما فرض عليها. وزاريا عليها: أي عائبا. ومستزيدا طالبا لها الزيادة من طيبات الاعمال (2) التقويض نزع أعمدة الخيمة وأطنابها والمراد أنهم ذهبوا بمساكنهم وطووا مدة الحياة كما يطوي المسافر منازل سفره أي مراحله ومسافاته (3) أي فقر وحاجة إلى هاد سواه يرشد إلى مكارم الاخلاق وفضائل الاعمال، وسائق إلى شرف المنازل وغايات المجد والرفعة (4) اللاواء: الشدة (5) فاطلبوا من الله ما تحبون من سعادة الدنيا والآخرة =

[ 92 ]

وتوجهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به خلقه إنه ما توجه العباد إلى الله بمثله. واعلموا أنه شافع مشفع، وقائل مصدق. وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه (1)، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه، فإنه ينادي مناد يوم القيامة: " ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله غير حرثة القرآن " فكونوا من حرثته وأتباعه واستدلوه على ربكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم (2)، واستغشوا فيه أهواءكم. العمل العمل، ثم النهاية النهاية. والاستقامة الاستقامة، ثم الصبر الصبر، والورع الورع. إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. وإن لكم علما فاهتدوا بعلمكم (3). وإن للاسلام غاية فانتهوا إلى غايته. واخرجوا إلى الله بما افترض عليكم من حقه (4)، وبين لكم من وظائفه. أنا شاهد لكم


= باتباعه وأقبلوا على الله بالرغبة في اقتفاء هديه وهو المراد من حبه، ولا تجعلوه آلة لنيل الرغبات من الخلق لانه ما تقرب العباد إلى الله بمثل احترامه والاخذ به كما أنزل الله (1) شفاعة القرآن: نطق آياته بانطباقها على عمل العامل. ومحل به مثلث الحاء كاده بتبيين سيئاته عند السلطان، كناية عن مباينة أحكامه لما أتاه العبد من أعماله (2) إذا خالفت آراؤكم القرآن فاتهموها بالخطأ واستغشوا أهواءكم أي ظنوا فيها الغش وارجعوا إلى القرآن (3) العلم محركا يريد به القرآن (4) خرج إلى فلان من حقه أداه فكأنه كان حبيسا في مؤاخذته فانطلق، إلا أن من حقه في العبارة بيان لما افترض ومعمول اخرجوا مقدر مثله. والوظائف ما قدر الله لنا من الاعمال المخصصة بالاوقات =

[ 93 ]

وحجيج يوم القيامة عنكم (1) ألا وإن القدر السابق قد وقع، والقضاء الماضي قد تورد (2). وإني متكلم بعدة الله وحجته، قال الله تعالى: " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تخزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون " وقد قلتم ربنا الله فاستقيموا على كتابه، وعلى منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته. ثم لا تمرقوا منها ولا تبتدعوا فيها ولا تخالفوا عنها. فإن أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة. ثم إياكم وتهزيع الاخلاق وتصريفها (3). واجعلوا اللسان واحدا. وليخزن الرجل لسانه (4). فإن هذا اللسان جموح بصاحبه. والله ما أرى عبدا يتقي


= والاحوال كالصوم والصلاة والزكاة (1) حجيج - من حج - إذا أقنع بحجته. والامام كرم الله وجهه بعلو منزلته من الله يشهد للمحسنين ويقوم بالحجة عن المخلصين: (2) تورد: هو تفعل كتنزل، أي ورد شيئا بعد شئ. والمراد من القضاء الماضي ما قدر حدوثه من حادثة الخليفة الثالث وما تبعها من الحوادث. وعدة الله بكسر ففتح مخفف هي وعده، أي لا تخرجوا منها (3) تهزيع الشئ: تكسيره، والصادق إذا كذب فقد انكسر صدقه والكريم إذا لؤم فقد انثلم كرمه، فهو نهى عن حطم الكمال بمعول النقص. وتصريف الاخلاق من صرفته إذا قلبته، نهى عن النفاق والتلون في الاخلاق وهو معنى الامر بجعل اللسان واحدا (4) ليخزن - كينصر - أي ليحفظ لسانه. والجموح: من جمح الفرس إذا غلب فارسه فيوشك أن يطرح به في مهلكة فيرديه

[ 94 ]

تقوى تنفعه حتى يختزن لسانه. وإن لسان المؤمن من وراء قلبه (1). وإن قلب المنافق من وراء لسانه. لان المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه، فإن كان خيرا أبداه، وإن كان شرا واراه. وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وما ذا عليه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه. ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه " فمن استطاع منكم أن يلقى الله تعالى وهو نقي الراحة من دماء المسلمين وأموالهم، سليم اللسان من أعراضهم فليفعل. واعلموا عباد الله أن المؤمن يستحل العام ما استحل عاما أول، ويحرم العام ما حرم عاما أول. وإن ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم (2)، ولكن الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله. فقد جربتم الامور وضرستموها (3)، ووعظتم بمن كان قبلكم وضربت الامثال لكم ودعيتم إلى الامر الواضح. فلا يصم عن ذلك إلا أصم، ولا يعمى عن ذلك إلا أعمى ومن لم ينفعه الله بالبلاء والتجارب لم ينتفع بشئ من العظة.


(1) لسان المؤمن تابع لاعتقاده لا يقول إلا ما يعتقد، والمنافق يقول ما ينال به غايته الخبيثة، فإذا قال شيئا أخطره على قلبه حتى لا ينساه فيناقضه مرة أخرى فيكون قلبه تابعا للسانه (2) البدع التي أحدثها الناس لا تغير شيئا من حكم الله (3) ضرسته الحرب: =

[ 95 ]

وأتاه التقصير من أمامه (1) حتى يعرف ما أنكر، وينكر ما عرف. وإنما الناس رجلان: متبع شرعة، ومبتدع بدعة ليس معه من الله سبحانه برهان سنة ولا ضياء حجة. وإن الله سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن، فإنه حبل الله المتين وسببه الامين، وفيه ربيع القلب وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره، مع أنه قد ذهب المتذكرون وبقي الناسون والمتناسون. فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه، وإذا رأيتم شرا فاذهبوا عنه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: " يا ابن آدم اعمل الخير ودع الشر فإذا أنت جواد قاصد (2) " ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب. فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قال الله تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به " وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات (3). وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا. القصاص هناك شديد، ليس هو جرحا بالمدى (4) ولا


= جربته أي جربتموها (1) الاتيان من الامام كناية عن الظهور، كأن التقصير عدو قوي يأتي مجاهرة لا يخدع ولا يفر فيأخذه أخذ العزيز المقتدر، عند ذلك يعرف من الحق ما كان أنكر وينكر من الباطل ما كان عرف (2) مستقيم أو قريب من الله والسعادة (3) بفتح الهاء جمع هنة محركة: الشئ اليسير والعمل الحقير. والمراد به صغائر الذنوب (4) جمع =

[ 96 ]

ضربا بالسياط، ولكنه ما يستصغر ذلك معه (1). فإياكم والتلون في دين الله، فإن جماعة فيما تكرهون من الحق خير من فرقة فيما تحبون من الباطل (2). وإن الله سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا ممن مضى ولا ممن بقي يا أيها الناس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعة ربه، وبكى على خطيئته (3)، فكان من نفسه في شغل، والناس منه في راحة 177 - ومن كلام له عليه السلام في معنى الحكمين فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن


= مدية: وهي السكين. والسياط جمع سوط (1) ولكنه العذاب الذي يعد الجرح والضرب صغيرا بالنسبة إليه (2) من يحافظ على نظام الالفة والاجتماع وإن ثقل عليه أداء بعض حقوق الجماعة وشق عليه ما تكلفه به من الحق فذلك الجدير بالسعادة دون من يسعى للشقاق وهدم نظام الجماعة وإن نال بذلك حقا باطلا وشهوة وقتية، فقد يكون في حظه الوقتي شقاؤه الابدي. ومتى كانت الفرقة عم الشقاق وأحاطت العداوات وأصبح كل واحد عرضة لشرور سواه، فمحيت الراحة وفسدت حال المعيشة (3) قوله لمن لزم بيته: ترغيب في العزلة عن إثارة الفتن واجتناب الفساد، وليس ترغيبا في الكسالة وترك العامة وشأنهم، فقد حث أمير المؤمنين في غير هذا الموضع على مقاومة المفاسد والامر بالمعروف =

[ 97 ]

يجعجعا عند القرآن (1)، ولا يجاوزاه، وتكون ألسنتهما معه وقلوبهما تبعه. فتاها عنه وتركا الحق وهما يبصرانه. وكان الجور هواهما، والاعوجاج دأبهما. وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل والعمل بالحق سوء رأيهما (2) وجور حكمهما، والثقة في أيدينا لانفسنا (3) حين خالفا سبيل الحق، وأتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم 178 - ومن خطبة له عليه السلام لا يشغله شأن. ولا يغيره زمان، ولا يحويه مكان. ولا يصفه لسان. ولا يعزب عنه عدد قطر الماء (4)، ولا نجوم السماء، ولا سوافي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصفا، ولا مقيل الذر


= والنهي عن المنكر (1) يجعجعا: من جعجع البعير إذا برك ولزم الجعجاع أي الارض. أي أن يقيما عند القرآن. والتبع - محركا - التابع للواحد والجمع. وتاها أي ضلا (2) سوء مفعول سبق، أي أن استثناءنا وقت التحكيم حيث قلنا لا تحكموا إلا بالعدل كان سابقا على سوء الراي وجور الحكم فهما المخالفان لما شرط عليهما لا نحن. ويصح أن يكون مفعول استثناؤنا، والمعنى أننا استثنينا عليهم فيما سبق أن لا يسيئا رأيا ولا يجورا حكما، فيقبل حكمهما إلا أن يجورا ويسيئا (3) عبر بالثقة عن الحجة القوية والسبب المتين في رفض حكمهما (4) لا يعزب: لا يخفى. وسوافي الريح جميع سافية من سفت الريح التراب والورق أي حملته. والصفا مقصورا - جمع صفاة - الحجر الاملس الضخم. ودبيب النمل أي حركته عليه في غاية الخفاء لا يسمع لها حس. والذر: صغار =

[ 98 ]

في الليلة الظلماء. يعلم مساقط الاوراق وخفي طرف الاحداق (1). وأشهد أن لا إله إلا الله غير معدول به (2)، ولا مشكوك فيه، ولا مكفور دينه ولا مجحود تكوينه (3). شهادة من صدقت نيته وصفت دخلته (4)، وخلص يقينه، وثقلت موازينه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المجتبى من خلائقه، والمعتام لشرح حقائقه (5) والمختص بعقائل كراماته. والمصطفى لكرائم رسالاته. والموضحة به أشراط الهدى (6). والمجلو به غربيب العمى أيها الناس إن الدنيا تغر المؤمل لها والمخلد إليها (7)، ولا تنفس بمن نافس فيها، وتغلب من غلب عليها. وأيم الله ما كان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها (8)، لان الله ليس بظلام للعبيد. ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم


= النمل. ومقيلها محل استراحتها ومبيتها (1) طرف الحدقة: تحريك جفنيها. والحدقة هنا العين (2) عدل بالله: جعل له مثلا وعديلا (3) خلقه للخلق جميعا (4) دخلته بالكسر: باطنه (5) المجتبى: المصطفى. والعيمة - بكسر العين - المختار من المال. واعتام: أخذها فالمعتام المختار لبيان حقائق توحيده وتنزيهه. والعقائل الكرائم والكرامات ما أكرم الله به نبيه من معجزات ومنازل في النفوس عاليات (6) أشراط الهدى علاماته ودلائله. وغربيب الشئ - كعفريت - أشده سوادا فغربيب العمى أشد الضلال ظلمة (7) المخلد: الراكن المائل ونفس - كفرح - ضن، أي لا تضن الدنيا بمن يباري غيره في اقتنائها وعدها من نفائسه ولا تحرص عليه بل تهلكه (8) الغض الناضر. واجترح الذنب =

[ 99 ]

فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم لرد عليهم كل شارد، وأصلح لهم كل فاسد. وإني لاخشى عليكم أن تكونوا في فترة (1). وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندي غير محمودين، ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء. وما على إلا الجهد، ولو أشاء أن أقول لقلت. عفا الله عما سلف. 179 - ومن كلام له عليه السلام وقد سأله ذعلب اليماني، فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان. قريب من الاشياء غير ملامس (2). بعيد منها غير مباين. متكلم لا بروية، مريد لا بهمة. صانع لا بجارحة. لطيف


= اكتسبه وارتكبه (1) كنى بالفترة عن جهالة الغرور، أو أراد في فترة من عذاب ينتظر بكم عقابا على انحطاط هممكم وتباطئكم عن جهاد عدوكم (2) الملامسة والمباينة على معنى البعد المكاني من خواص المواد. وذات الله مبرأة من المادة وخواصها. فنسبة الاشياء إليها سواء وهي في تعاليها، فهي مع كل شئ وهي أعلى من كل شئ، فالبعد بعد المكانة من التنزيه. والروية التفكر. والهمة الاهتمام بالامر بحيث لو لم يفعل لجر نقصا وأوجب =

[ 100 ]

لا يوصف بالخفاء. كبير لا يوصف بالجفاء (1) بصير لا يوصف بالحاسة. رحيم لا يوصف بالرقة. تعنو الوجوه لعظمته (2)، وتجب القلوب من مخافته 180 - (ومن خطبة له عليه السلام في ذم أصحابه) أحمد الله على ما قضى من أمر وقدر من فعل، وعلى ابتلائي بكم أيها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع، وإذا دعوت لم تجب. إن أمهلتم خضتم (3)، وإن حوربتم خرتم. وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم. وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم. لا أبا لغيركم (4). ما تنتظرون نصركم والجهاد على حقكم؟. الموت أو الذل لكم. فو الله لئن جاء يومي - وليأتيني - ليفرقن بيني وبينكم وأنا لصحبتكم قال (5)، وبكم غير كثير. لله أنتم. أما دين يجمعكم؟ ولا حمية


= هما وحزنا. والجارحة العضو البدني (1) الجفاء: الغلظ والخشونة (2) تعنو: تذل. ووجب القلب يجب وجيبا ووجبانا: خفق واضطرب (3) أي في الكلام الباطل. وخرتم أي ضعفتم وجبنتم. والمشاقة المراد بها الحرب ونكصتم رجعتم القهقهرى (4) المعروف في التقريع لا أبالكم، ولا أبالك. وهو دعاء بفقد الاب أو تعيير بجهله، فتلطف الامام بتوجيه الدعاء أو الذم لغيرهم (5) قال أي كاره. وغير كثير بكم، أي أني أفارق الدنيا وأنا في قلة من الاعوان =

[ 101 ]

تشحذكم (1)؟ أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه (2) على غير معونة ولا عطاء. وأنا أدعوكم - وأنتم تريكة الاسلام (3) وبقية الناس - إلى المعونة وطائفة من العطاء فتفرقون عني وتختلفون علي. إنه لا يخرج إليكم من أمري رضى فترضونه (4)، ولا سخط فتجتمعون عليه وإن أحب ما أنا لاق إلى الموت. قد دارستكم الكتاب (5)، وفاتحتكم الحجاج، وعرفتكم ما أنكرتم، وسوغتكم ما مجعتم، لو كان الاعمى يلحط (6)، أو النائم يستيقظ. وأقرب بقوم من الجهل بالله قائدهم معاوية، ومؤدبهم ابن النابغة (7)


= وإن كنتم حولي كثيرين ويدل عليه قوله فيما بعد لله أنتم (1) من شحذ السكين كمنع أي حددها (2) الجفاة - جمع جاف - أي غليظ. والطغام بالفتح أرذال الناس. والمعونة: ما يعطى للجند لاصلاح السلاح وعلف الدواب زائدا على العطاء المفروض والارزاق المعينة لكل منهم (3) التريكة - كسفينة - بيضة النعامة بعد أن يخرج منها الفرخ تتركها في مجثمها والمراد أنتم خلف الاسلام وعوض السلف (4) يريد أنه لا يوافقكم مني شئ لا ما يرضى ولا ما يسخط (5) أي قرأت عليكم القرآن تعليما وتفهيما. وفاتحتكم، مجرده فتح بمعنى قضى، فهو بمعنى قاضيتكم أي حاكمتكم. والحجاج: المحاجة أي قاضيتكم عند الحجة حتى قضت عليكم بالعجز عن الخصام وعرفتكم الحق الذي كنتم تجهلونه وسوغت لاذواقكم من مشرب الصدق ما كنتم تمجونه وتطرحونه (6) لو للتمني كأنه يقول ليت الاعمى الخ (7) أقرب بهم. ما أقربهم من الجهل: وابن النابغة عمرو بن العاص

[ 102 ]

181 - ومن كلام له عليه السلام وقد أرسل رجلا من أصحابه يعلم له علم أحوال قوم من جند الكوفة قد هموا باللحاق بالخوارج وكانوا على خوف منه عليه السلام، فلما عاد إليه الرجل قال له: " أأمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا؟ " (1). فقال الرجل: بل ظعنوا يا أمير المؤمنين. فقال عليه السلام: بعدا لهم كما بعدت ثمود. أما لو أشرعت الاسنة إليهم (2)، وصبت السيوف على هاماتهم. لقد ندموا على ما كان منهم. إن الشيطان اليوم قد استفلهم (3)، وهو غدا متبرئ منهم ومتخل عنهم. فحسبهم بخروجهم من الهدى (4)، وارتكاسهم في الضلال والعمى، وصدهم عن الحق، وجماحهم في التيه (5)


(1) أمنوا: اطمأنوا. وقطنوا أقاموا، وظعنوا رحلوا (2) أشرعت: سددت وصوبت نحوهم. والهامات الرموس (3) استفلهم: دعاهم للتفلل وهو الانهزام عن الجماعة (4) حسبهم: كافيهم من الشر خروجهم الخ. والباء زائدة وإن جعل حسب اسم فعل بمعنى اكتف كانت الباء في موضعها أي فليكتفوا من الشر والخطيئة بذلك فهو كفيل لهم بكل شقاء. والارتكاس: الانقلاب والانتكاس (5) صدهم: إعراضهم. والجماح: الجموح وهو أن يغلب الفرس راكبه. والمراد تعاصيهم في التيه أي الضلال

[ 103 ]

182 - ومن خطبة له عليه السلام روي عن نوف البكالي (1) قال خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أمير المؤمنين عليه السلام وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مدرعة من صوف (2) وحمائل سيفه ليف، وفي رجليه نعلان من ليف، وكأن جبينه ثفنة بعير (3). فقال عليه السلام الحمد الله الذي إليه مصائر الخلق، وعواقب الامر. نحمده على عظيم إحسانه ونير برهانه، ونوامي فضله وامتنانه (4)، حمدا يكون لحقه قضاء ولشكره أداء، وإلى ثوابه مقربا ولحسن مزيده موجبا. ونستعين به استعانة راج لفضله، مؤمل لنفعه، واثق بدفعه، معترف


(1) هو نوف بن فضالة التابعي البكالي نسبة إلى بني بكال - ككتاب - بطن من حمير ضبطه بعضهم بتشديد الكاف كشداد. وجعدة بن هبيرة هو ابن أخت أمير المؤمنين وأمه أم هانئ بنت أبي طالب كان فارسا مقداما فقيها (2) المدرعة: ثوب يعرف عند بعض العامة بالدراعية قميص ضيق الاكمام، قال في القاموس ولا يكون إلا من صوف (3) الثفنة بكسر بعد فتح - ما يمس الارض من البعير عند البروك ويكون فيه غلظ من ملاطمة الارض، وكذلك كان في جبين أمير المؤمنين من كثرة السجود (4) النوامي جمع نام بمعنى زائد

[ 104 ]

له بالطول (1)، مذعن له بالعمل والقول. ونؤمن به إيمان من رجاه موقنا، وأناب إليه مؤمنا، وخنع له مذعنا (2)، وأخلص له موحدا، وعظمه ممجدا، ولاذ به راغبا مجتهدا. لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا (3). ولم يلد فيكون موروثا هالكا. ولم يتقدمه وقت ولا زمان. ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان (4) بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم. فمن شواهد خلقه خلق السموات موطدات بلا عمد (5)، قائمات بلا سند. دعاهن فأجبن طائعات مذعنات، غير متلكئات ولا مبطئات (6). ولولا إقرارهن له بالربوبية وإذعانهن بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه، ولا مسكنا لملائكته، ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه. جعل نجومها أعلاما يستدل بها الحيران في مختلف فجاج الاقطار. لم يمنع ضوء نورها ادلهمام سجف الليل المظلم (7). ولا استطاعت


(1) الطول - بالفتح - الفضل (2) خنع: ذل وخضع (3) لان أباه يكون شريكه في العز بل أعز منه لانه علة وجوده. وسر الولادة حفظ النوع فلو صح لله أن يلد لكان فانيا يبقى نوعه في أشخاص أولاده فيكون موروثا هالكا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (4) يتعاوره: يتداوله ويتبادل عليه (5) موطدات: مثبتات في مداراتها على ثقل أجرامها (6) التلكؤ: التوقف والتباطؤ (7) ادلهمام الظلمة: كثافتها وشدتها. والسجف - بالكسر والفتح - وككتاب الستر. والجلابيب - جمع جلباب - ثوب واسع تلبسه المرأة فوق ثيابها كأنه ملحفة. ووجه الاستعارة فيها ظاهر. =

[ 105 ]

جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السموات من تلالؤ نور القمر. فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج ولا ليل ساج (1) في بقاع الارضين المتطأطئات، ولا في يفاع السفع المتجاورات. وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء، وما تلاشت عنه بروق الغمام، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الانواء وانهطال السماء (2) ويعلم مسقط القطرة ومقرها، ومسحب الذرة ومجرها، وما يكفي البعوضة من قواتها، وما تحمل الانثى في بطنها. الحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش، أو سماء أو أرض أو جان أو إنس لا يدرك بوهم. ولا يقدر بفهم. ولا يشغله سائل، ولا ينقصه نائل (3)


= والحنادس: جمع حندس - بكسر الحاء - الليل المظلم (1) الساجي: الساكن. ووصف الليل بالسكون وصف له بصفة المشمولين به فإن الحيوانات تسكن بالليل وتطلب أرزاقها بالنهار. والمتطأطئات: المنخفضات. واليفاع: التل أو المرتفع مطلقا من الارض. والسفع - جمع سفعاء - السوداء يضرب إلى الحمرة، والمراد منها الجبال عبر عنها بلونها فيما يظهر للنظر على بعد. وما يجلجل به الرعد: صوته. والجلجلة: صوت الرعد. وتلاشت: اضمحلت وأصله من لشئ بمعنى خس بعد رفعة. وما يضمحل عنه البرق هو الاشياء التى ترى عند لمعانه. والعواصف: الرياح الشديدة وإضافتها للانواء من إضافة الشئ لمصاحبه عادة. والانواء - جمع نوء - أحد منازل القمر يعدها العرب ثمانية وعشرين يغيب منها عن الافق في كل ثلاث عشرة ليلة منزلة ويظهر عليه أخرى. والمغيب والظهور عند طلوع الفجر وكانوا ينسبون المطر لهذه الانواء فيقولون مطرنا بنوء كذا لمصادفة هبوب الرياح وهطول الامطار في أوقات ظهور بعضها حتى جاء الاسلام فأبطل الاعتقاد بتأثير الكواكب في الحوادث الارضية تأثيرا روحانيا (2) السماء هنا: المطر (3) النائل: =

[ 106 ]

ولا يبصر بعين. ولا يحد بأين. ولا يوصف بالازواج، ولا يخلق بعلاج. ولا يدرك بالحواس. ولا يقاس بالناس. الذي كلم موسى تكليما، وأراه من آياته عظيما. بلا جوارح ولا أدوات، ولا نطق ولا لهوات (1). بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك (2) فصف جبرائيل وميكائيل وجنود الملائكة المقربين في حجرات القدس مرجحنين (3)، متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين. فإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والادوات، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء، فلا إله إلا هو أضاء بنوره كل ظلام، وأظلم بظلمته كل نور أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش (4) وأسبغ عليكم المعاش. ولو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما، أو إلى دفع الموت


= العطاء. والاين: المكان. والازواج: القرناء والامثال، أي لا يقال ذو قرناء ولا هو قرين لشئ. والعلاج لا يكون إلا بين شيئين أحدهما يقاوم الآخر فيتغلب الآخر عليه، والله لا يعالج شيئا بل يقول له كن فيكون (1) اللهوات - جمع لهاة - اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم (2) المتكلف: هو شديد التعرض لما لا يعنيه، أي إن كنت أيها المتعرض لما لا يعنيك من وصف ربك صادقا في دعوى القدرة على وصفه فصف أحد مخلوقاته فإذا عجزت فأنت عن وصف الخالق أشد عجزا (3) الحجرات: جمع حجرة - بضم الحاء الغرفة. والمرجحن - كالمقشعر - المائل لثقله والمتحرك يمينا وشمالا كناية عن انحنائهم لعظمة الله واهتزازهم لهيبته. ومتولهة: أي حائرة أو متخوفة (4) الرياش: اللباس الفاخر

[ 107 ]

سبيلا، لكان ذلك سليمان بن داود عليه السلام الذي سخر له ملك الجن والانس مع النبوة وعظيم الزلفة. فلما استوفى طعمته (1)، واستكمل مدته، رمته قسي الفناء بنبال الموت. وأصبحت الديار منه خالية، والمساكين معطلة، وورثها قوم آخرون، وإن لكم في القرون السالفة لعبرة. أين العمالقة وأبناء العمالقة. أين الفراعنة وأبناء الفراعنة. أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفأوا سنن المرسلين. وأحيوا سنن الجبارين (2). وأين الذين ساروا بالجيوش وهزموا الالوف. وعسكروا العساكر ومدنوا المدائن


(1) الطعمة - بالضم - المأكلة أي ما يؤكل. والمراد رزقه المقسوم (2) سئل أمير المؤمنين عن أصحاب مدائن الرس فيما رواه الرضي عن آبائه إلى جده الحسين فقال. إنهم كانوا يسكنون في مدائن لهم على نهر يسمى الرس من بلاد المشرق (هو نهر أرس في بلاد أذربيجان) وكانوا يعبدون شجرة صنوبر مغروسة على شفير عين تسمى دوشاب (يقال غرسها يافث بن نوح) وكان اسم الصنوبرة شاه درخت وعدة مدائنهم اثنتا عشرة مدينة اسم الاولى أبان، والثانية آذر، والثالثة دي، والرابعة بهمن، والخامسة اسفندارمز، والسادسة فروردين، والسابعة أردي بهشت، والثامنة خرداد، والتاسعة مرداد، والعاشرة تير، والحادية عشرة مهر، والثانية عشرة شهريور، فبعث الله لهم نبيا ينهاهم عن عبادة الشجرة ويأمرهم بعبادة الله فبغوا عليه وقتلوه أشنع قتل حيث أقاموا في العين أنابيب من رصاص بعضها فوق بعض كالبرابخ ثم نزعوا منها الماء واحتفروا حفرة في قعرها وألقوا نبيهم فيها حيا واجتمعوا يسمعون أنينه وشكواه حتى مات فعاقبهم الله بإرسال ريح عاصفة ملتهبة سلقت أبدانهم وقذفت عليهم الارض مواد كبريتية متقدة فذابت =

[ 108 ]

(منها) قد لبس للحكمة جنتها (1). وأخذها بجميع أدبها من الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها. وهي عند نفسه ضالته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها. فهو مغترب إذا اغترب الاسلام (2)، وضرب بعسيب ذنبه، وألصق الارض بجرانه. بقية من بقايا حجته (3)، خليفة من خلائف أنبيائه (ثم قال عليه السلام): أيها الناس إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الانبياء بها أممهم. وأديت إليكم ما أدت الاوصياء إلى من بعدهم. وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا. وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا (4). لله أنتم! أتتوقعون إماما غيرى يطأ بكم الطريق، ويرشدكم السبيل؟ ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا، وأقبل منها ما كان مدبرا، وأزمع الترحال عباد الله الاخيار، وباعوا قليلا من الدنيا


= أجسادهم وهلكو وانقلبت مدائنهم (1) جنة الحكمة: ما يحفظها على صاحبها من الزهد والورع. والكلام في العارف مطلقا (2) هو مع الاسلام فإذا صار الاسلام غريبا اغترب معه لا يضل عنه. وعسيب الذنب: أصله. والضمير في ضرب للاسلام. وهذا كناية عن التعب والاعياء، يريد ضعف. والجران - ككتاب - مقدم عنق البعير من المذبح إلى المنحر، والبعير أقل ما يكون نفعه عند بروكه. وإلصاق جرانه بالارض كناية عن الضعف كسابقه (3) بقية: تابع لمغترب: وضمير حجته وأنبيائه لله المعلوم من الكلام (4) استوسقت الابل: اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض

[ 109 ]

لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى. ما ضر إخواننا الذين سفكت دماؤهم وهم بصفين أن لا يكونوا اليوم أحياء؟ يسيغون الغصص ويشربون الرنق (1). قد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم، وأحلهم دار الامن بعد خوفهم. أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار (2)؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة. (قال ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء، ثم قال عليه السلام): أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه (3)، وتدبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة وأماتوا البدعة. دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه (ثم نادى بأعلى صوته): الجهاد الجهاد عباد الله. ألا وإني معسكر في يومي هذا فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج


(1) الرنق - بكسر النون وفتحها وسكونها - الكدر (2) عمار بن ياسر من السابقين الاولين. وأبو الهيثم مالك بن التيهان بتشديد الياء وكسرها من أكابر الصحابة. وذو الشهادتين خزيمة بن ثابت قبل النبي شهادته بشهادة رجلين في قصة مشهورة كلهم قتلوا في صفين. وأبرد برؤوسهم أي أرسلت مع البريد بعد قتلهم إلى البغاة للتشفي منهم رضي الله عنهم (3) أوه بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الهاء - كلمة توجع

[ 110 ]

قال نوف: وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف، ولقيس ابن سعد رحمه الله في عشرة آلاف، ولابي أيوب الانصاري في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر وهو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله، فتراجعت العساكر فكنا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان 18 3 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد الله المعروف من غير رؤية، والخالق من غير منصبة (1). خلق الخلائق بقدرته، واستعبد الارباب بعزته، وساد العظماء بجوده. وهو الذي أسكن الدنيا خلقه، وبعث إلى الجن والانس رسله ليكشفوا لهم عن غطائها، وليحذروهم من ضرائها، وليضربوا لهم أمثالها، وليبصروهم عيوبها، وليهجموا عليهم بمعتبر من تصرف مصاحها وأسقامها (2)، وحلالها وحرامها. وما أعد الله للمطيعين منهم


(1) المنصبة - كمصطبة - التعب (2) هجم عليه - كنصر - دخل غفلة. والمعتبر مصدر ميمي الاعتبار والاتعاظ بمعنى. والتصرف: التبدل. والمصاح - جمع مصحة بكسر الصاد وفتحها - بمعنى الصحة والعافية، كأن الناس في غفلة عن سر تعاقب الصحة والمرض على بدن الانسان حتى نبهتهم رسل الله إلى أن هذا ابتلاء منه سبحانه ليعرف الانسان عجزه وأن أمره بيد خالقه

[ 111 ]

والعصاة من جنة ونار وكرامة وهوان. أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه (1) جعل لكل شئ قدرا، ولكل قدر أجلا، ولكل أجل كتابا. (منها) فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق. حجة الله على خلقه. أخذ عليهم ميثاقه. وارتهن عليه أنفسهم (2). أتم نوره، وأكمل به دينه، وقبض نبيه صلى الله عليه وآله وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به. فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه. فإنه لم يخف عنكم شيئا من دينه. ولم يترك شيئا رضيه أو كرهه إلا وجعل له علما باديا وآية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه. فرضاه فيما بقي واحد، وسخطه فيما بقي واحد. واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشئ سخطه على من كان قبلكم، ولن يسخط عليكم بشئ رضيه ممن كان قبلكم، وإنما تسيرون في أثر بين، وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم. قد كفاكم مؤونة دنياكم، وحثكم على الشكر، وافترض من ألسنتكم الذكر. وأوصاكم بالتقوى


(1) أي كما طلب من خلقه أن يحمدوه (2) حبس نفوسهم في ضنك المؤاخذة حتى يؤدوا حق القرآن من العمل به فإن لم يفعلوا لم يخلصوا بل يهلكوا

[ 112 ]

وجعلها منتهى رضاه وحاجته من خلقه. فاتقوا الله الذي أنتم بعينه (1) ونواصيكم بيده، وتقلبكم في قبضته. وإن أسررتم علمه، وإن أعلنتم كتبه. قد وكل بذلك حفظة كراما لا يسقطون حقا، ولا يثبتون باطلا. واعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن ونورا من الظلم، ويخلده فيما اشتهت نفسه، وينزله منزل الكرامة عنده. في دار اصطنعها لنفسه. ظلها عرشه. ونورها بهجته. وزوارها ملائكته. ورفقاؤها رسله. فبادروا المعاد. وسابقوا الآجال. فإن الناس يوشك أن ينقطع بهم الامل، ويرهقهم الاجل (2)، ويسد عنهم باب التوبة. فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان قبلكم (3). وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم، وقد أوذنتم منها بالارتحال، وأمرتم فيها بالزاد. واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار، فارحموا نفوسكم فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا. أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه،


(1) يقال فلان بعين فلان إذا كان بحيث لا يخفى عليه منه شئ (2) أي يغشاهم بالمنية (3) أي أنكم في حالة يمكنكم فيها العمل لآخرتكم وهي الحالة التي ندم المهملون على فواتها وسألوا الرجعة إليها كما حكى الله عنهم إذ يقول الواحد منهم " رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت "

[ 113 ]

والعثرة تدميه، والرمضاة تحرقه؟ فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيع حجر وقرين شيطان. أعلمتم أن مالكا إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبه (1)، وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعا من زجرته أيها اليفن الكبير (2) الذي قد لهزه القتير، كيف أنت إذا التحمت أطواق النار بعظام الاعناق! ونشبت الجوامع (3) حتى أكلت لحوم السواعد. فالله الله معشر العباد وأنتم سالمون في الصحة قبل السقم. وفي الفسحة قبل الضيق، فاسعوا في فكاك رقابكم من قبل أن تغلق رهائنها (4). أسهروا عيونكم، وأضمروا بطونكم واستعملوا أقدامكم، وأنفقوا أموالكم، وخذوا من أجسادكم وجودوا بها على أنفسكم، ولا تبخلوا بها عنها فقد قال الله سبحانه " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " وقال تعالى " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم " فلم يستنصركم من ذل، ولم يستقرضكم من قل، استنصركم وله


(1) مالك هو الموكل بالجحيم (2) اليفن - بالتحريك - الشيخ المسن. ولهزه: أي خالطه. والقتير: الشيب (3) نشبت - كفرحت - علقت. والجوامع - جمع جامعة - الغل لانها تجمع اليدين إلى العنق (4) غلق الرهن - كفرح - استحقه صاحب الحق =

[ 114 ]

جنود السموات والارض وهو العزيز الحكيم. واستقرضكم وله خزائن السموات والارض وهو الغني الحميد. أراد أن يبلوكم (1) أيكم أحسن عملا. فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران الله في داره. رافق بهم رسله، وأزارهم ملائكته، وأكرم أسماعهم أن تسمع حسيس نار أبدا (2)، وصان أجسادهم أن تلقى لغوبا ونصبا (3) " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " أقول ما تسمعون والله المستعان على نفسي وأنفسكم، وهو حسبي ونعم الوكيل. 184 - ومن كلام له عليه السلام قاله للبرج بن مسهر الطائي (4)، وقد قال له بحيث يسمعه: لا حكم إلا لله، وكان من الخوارج أسكت قبحك الله يا أثرم (5)، فو الله لقد ظهر الحق فكنت فيه ضئيلا شخصك، خفيا صوتك، حتى إذا نعر الباطل نجمت


= وذلك إذا لم يمكن فكاكه في الوقت المشروط (1) يختبركم (2) الحسيس: الصوت الخفي (3) لغب - كسمع ومنع وكرم - لغبا ولغوبا أعيى أشد الاعياء. والنصب: التعب أيضا (4) أحد شعراء الخوارج (5) الثرم: محركا سقوط الثنية من الاسنان. والضئيل: النحيف المهزول، كناية عن الضعف. ونعر: أي صاح. ونجمت: ظهرت =

[ 115 ]

نجوم قرن الماعز 185 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد الله الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده، وباشتباههم على أن لا شبه له. الذي صدق في ميعاده، وارتفع عن ظلم عباده. وقام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه. مستشهد بحدوث الاشياء على أزليته، وبما وسمها به من العجز على قدرته، وبما اصطرها إليه من الفناء على دوامه. واحد لا بعدد، ودائم لا بأمد (1) وقائم لا بعمد. تتلقاه الاذهان لا بمشاعرة (2). وتشهد له المرائي لا بمحاضرة. لم تحط به الاوهام، بل تجلى لها بها، وبها امتنع منها، وإليها حاكمها (3) ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما، ولا بذي عظم


= وبرزت والتشبيه بقرن الماعز في الظهور على غير شور (1) الامد: الغاية (2) المشاعرة: انفعال إحدى الحواس بما تحسه من جهة عروض شئ منه عليها. والمرائي - جمع مرآة بالفتح - وهي المنظر أي تشهد له مناظر الاشياء لا بحضوره فيها شاخصا للابصار (3) أي أنه بعد ما تجلى للاوهام بآثاره فعرفته امتنع عليها بكنه ذاته وحاكمها إلى نفسها حيث رجعت بعد البحث خاسئة حسيرة معترفة بالعجز عن الوصول إليه

[ 116 ]

تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا. بل كبر شأنا، وعظم سلطانا. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصفي، وأمينه الرضي، صلى الله عليه وآله. أرسله بوجوب الحجج (1)، وظهور الفلج وإيضاح المنهج، فبلغ الرسالة صادعا بها، وحمل على المحجة دالا عليها. وأقام أعلام الاهتداء ومنار الضياء. وجعل أمراس الاسلام متينة (2) وعرى الايمان وثيقة (منها في صفة خلق أصناف من الحيوان): ولو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة. ألا تنظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر (3). انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وصبت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقرها. تجمع في حرها لبردها، وفي ورودها لصدرها (4)،


(1) أي ليلزم العباد بالحجج البينة على ما دعاهم إليه من الحق. والفلج: الظفر وظهوره: علو كلمة الدين (2) الامراس جمع مرس بالتحريك وهو جمع مرسة بالتحريك وهو الحبل (3) جمع بشرة وهي ظاهر الجلد الانساني (4) الصدر - محركا - الرجوع بعد =

[ 117 ]

مكفولة برزقها مرزوقة بوفقها. لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس (1) ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها (2) وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجبا، ولقيت من وصفها تعبا. فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه في خلقها قادر. ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته، ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة، لدقيق تفصيل كل شئ (3)، وغامض اختلاف كل حي، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلا سواء، وكذلك السماء والهواء والرياح والماء. فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر واختلاف هذا الليل والنهار، وتفجر هذه البحار، وكثرة هذه الجبال، وطول هذه القلال (4) وتفرق هذه اللغات، والالسن المختلفات. فالويل لمن


= الورود. وقوله بوفقها بكسر الواو أي بما يوافقها من الرزق ويلائم طبعها (1) الجامس الجامد (2) الشراسيف: مقاط الاضلاع وهي أطرافها التي تشرف على البطن (3) أي أن دقة التفصيل في النملة على صغرها والنخلة على طولها تدلك على أن الصانع واحد (4) القلال - جمع قلة بالضم - وهي رأس الجبل

[ 118 ]

جحد المقدر وأنكر المدبر. زعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع، ولا لاختلاف صورهم صانع. ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا (1)، ولا تحقيق لما أوعوا. وهل يكون بناء من غير بان، أو جناية من غير جان. وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين. وأسرج لها حدقتين قمراوين (2). وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي، ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض (3) يرهبها الزراع في زرعهم، ولا يستطيعون ذبها (4). ولو أجلبوا بجمعهم، حتى ترد الحرث في نزواتها (5)، وتقضي منه شهواتها. وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة فتبارك الله الذي يسجد له من في السموات والارض طوعا وكرها، ويعنو له خدا ووجها، ويلقي إليه بالطاعة سلما وضعفا، ويعطي له القياد رهبة وخوفا. فالطير مسخرة لامره. أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائمها على الندى واليبس (6). وقدر أقواتها، وأحصى


(1) لم يلجاؤا: لم يستندوا. وأوعاه - كوعاه - بمعنى حفظه (2) أي مضيئتين كأن كلا منهما ليلة قمراء أضاءها القمر (3) المنجل - كمنبر - آلة من حديد معروفة يقضب بها الزرع. قالوا أراد بهما هنا رجليها لاعوجاجهما وخشونتهما (4) دفعها (5) وثباتها، نزا عليه: وثب (6) المراد من الندى هنا مقابل اليبس بالتحريك فيعم الماء، كأنه يريد أن =

[ 119 ]

أجناسها. فهذا غراب وهذا عقاب. وهذا حمام وهذا نعام. دعا كل طائر باسمه، وكفل له برزقه. وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها (1) وعدد قسمها، فبل الارض بعد جفوفها، وأخرج نبتها بعد جدوبها. 186 - ومن خطبة له عليه السلام في التوحيد وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله. ولا إياه عنى من شبهه. ولا صمده من أشار إليه وتوهمه (2). كل معروف بنفسه مصنوع (3). وكل قائم في سواه معلول. فاعل لا باضطراب آلة. مقدر لا بجول فكرة. غني لا باستفادة. لا تصحبه الاوقات، ولا


= الله جعل من الطير ما تثبت أرجله في الماء. ومنه ما لا يمشي إلا في الارض اليابسة (1) الهطل - بالفتح - تتابع المطر والدمع. والديم - كالهمم - جمع ديمة: مطر يدوم في سكون بلا رعد ولا برق. وتعديد القسم إحصاء ما قدر منها لكل بقعة. وجدوب الارض: يبسها لاحتجاب المطر عنها (2) صمده: قصده (3) أي كل معروف الذات بالكنه مصنوع لان معرفة الكنه إنما تكون بمعرفة أجزاء الحقيقة فمعروف الكنه مركب والمركب مفتقر في الوجود لغيره فهو مصنوع

[ 120 ]

ترفده الادوات (1) سبق الاوقات كونه. والعدم وجوده والابتداء أزله. بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له (2). وبمضادته بين الامور عرف أن لا ضد له. وبمقارنته بين الاشياء عرف أن لا قرين له. ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة والجمود بالبلل، والحرور بالصرد (3). مؤلف بين متعادياتها (4). مقارن بين متبايناتها مقرب بين متباعداتها. مفرق بين متدانياتها (5) لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الادوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها. منعتها منذ القدمية، وحمتها قد الازلية. وجنبتها لولا التكملة (6).


(1) ترفده - كتنصره - أي تعينه (2) المشعر - كمقعد - محل الشعور أي الاحساس فهو الحاسة. وتشعيرها: إعدادها للانفعال المخصوص الذي يعرض لها من المواد وهو ما يسمى بالاحساس، فالمشعر من حيث هو مشعر منفعل دائما ولو كان لله مشعر لكان منفعلا، والمنفعل لا يكون فاعلا، وقد قلنا إنه هو الفاعل بتشعير المشاعر. وهذا بمنزلة أن يقال إن الله فاعل في خلقه فلا يكون منفعلا عنهم كما يأتي التصريح به. وإنما خص باب الشعور بالذكر ردا على من زعم أن لله مشاعر. وعقده التضاد بين الاشياء دليل على استواء نسبتها إليه فلا ضد له إذ لو كانت له طبيعة تضاد شيئا لاختص إيجاده بما يلائمها لا ما يضادها فلم تكن أضداد، والمقارنة بين الاشياء في نظام الخلقة دليل أن صانعها واحد إذ لو كان له، شريك لخالفه في النظام الايجادي فلم تكن مقارنة. والمقارنة هنا: المشابهة (3) الصرد - محركا - البرد أصلها فارسية (4) متعاديانها كالعناصر (5) كالجزئين من عنصر واحد في جسمين مختلفي المزاج (6) منذ، وقد، ولولا، فواعل للافعال قبلها. ومنذ لابتداء الزمان، وقد لتقريبه ولا يكون الابتداء والتقريب =

[ 121 ]

بها تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون. لا يجري عليه السكون والحركة. وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه. إذا لتفاوتت ذاته (1)، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الازل معناه. ولكان له وراء إذ وجد له أمام. ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان. وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه. وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره (2) الذي لا يحول ولا يزول، ولا يجوز عليه الافول (3). ولم يلد فيكون مولودا (4)، ولم يولد فيصير محدودا (5).


= إلا في الزمان المتناهي. وكل مخلوق يقال فيه قد وجد ووجد منذ كذا، وهذا مانع للقدم والازلية، وكل مخلوق يقال فيه لولا خالقه ما وجد فهو ناقص لذاته محتاج للتكملة بغيره، والادوات أي آلات الادراك التي هي حادثة ناقصة كيف يمكن لها أن تحد الازلي المتعالي عن النهاية في الكمال. وقوله بها أي بتلك الادوات أي بواسطة ما أدركته من شؤون الحوادث عرف الصانع فتجلى للعقول، وبها أي بمقتضى طبيعة تلك الادوات من أنها لا تدرك إلا ماديا محدودا امتنع سبحانه عن إدراك العيون التي هي نوع من تلك الادوات (1) أي لاختلفت ذاته باختلاف الاعراض عليها ولتجزأت حقيقته، فإن الحركة والسكون من خواص الجسم وهو منقسم، ولصار حادثا فإن الجسم بتركبه مفتقر لغيره (2) وخرج عطف على قوله لا يجري عليه السكون. وسلطان الامتناع هو سلطان العزة الازلية (3) من أفل النجم إذا غاب (4) المراد بالمولود المتولد عن غيره سواء كان بطريق التناسل المعروف أو كان بطريق النشوء كتولد النبات عن العناصر ومن ولد له كان متولدا بإحدى الطريقتين (5) تكون بداية وجوده =

[ 122 ]

جل عن اتخاذ الابناء، وطهر عن ملامسة النساء. لا تناله الاوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره. ولا تدركه الحواس فتحسه ولا تلمسه الايدي فتمسه. لا يتغير بحال، ولا يتبدل بالاحوال. ولا تبليه الليالي والايام، ولا يغيره الضياء والظلام. ولا يوصف بشئ من الاجزاء (1)، ولا بالجوارح والاعضاء. ولا بعرض من الاعراض، ولا بالغيرية والابعاض. ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية. ولا أن الاشياء تحويه، فتقله أو تهويه (2)، أو أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله. ليس في الاشياء بوالج (3)، ولا عنها بخارج. يخبر لا بلسان ولهوات (4)، ويسمع لا بخروق وأدوات. يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ (5)، ويريد ولا يضمر. يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة. يقول لمن أراد كونه كن فيكون. لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع. وإنما كلامه سبحانه فعل منه (6)


= يوم ولادته (1) أي لا يقال ذو جزء كذا ولا ذو عضو كذا (2) تقله: أي ترفعه. وتهويه: أي تحطه وتسقطه (3) أي داخل (4) جمع لهاة اللحمة في سقف أقصى الفم (5) أي لا يتكلف الحفظ " ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم " (6) كلامه أي الالفاظ والحروف التي يطلق عليها كلام الله باعتبار ما دلت عليه وهي حادثة عند عموم الفرق ما خلا جماعة من الحنابلة. أو المراد بالكلام هنا ما أريد في قوله تعالى " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد " الآية، وهو على ما قال بعض المفسرين أعيان الموجودات

[ 123 ]

أنشأه. ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا. لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل (1)، ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدئ والبديع. خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه. وأنشأ الارض فأمسكها من غير اشتغال. وأرساها على غير قرار. وأقامها بغير قوائم. ورفعها بغير دعائم. وحصنها من الاود والاعوجاج (2). ومنعها من التهافت والانفراج (3). أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها وخد أوديتها (4). فلم يهن ما بناه (5)، ولا ضعف ما قواه. هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي عل كل شئ منها بجلاله وعزته. لا يعجزه شئ منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه. خضعت الاشياء له، وذلت مستكينة لعظمته،


(1) ولا يكون عطف على تجري (2) عطف تفسير على الاود (3) التهافت: التساقط قطعة قطعة. والانفراج: الانشقاق (4) الاوتاد: جمع وتد. والاسداد: جمع سد والمراد بها الجبال. وخد أي شق (5) يهن - من الوهن - بمعنى الضعف.

[ 124 ]

لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره، ولا كفؤ له فيكافئه، ولا نظير له فيساويه. هو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها. وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها. وكيف لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها، وما كان من مراحها وسائمها (1)، وأصناف أسناخها وأجناسها (2)، ومتبلدة أممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها. ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة (3) عارفة بأنها مقهورة مقرة بالعجز عن إنشائها. مذعنة بالضعف عن إفنائها. وإن الله سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه. كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها. بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان. عدمت عند ذلك الآجال والاوقات، وزالت السنون


(1) مراحها - بضم الميم - اسم مفعول من أراح الابل ردها إلى المراح بالضم أي المأوى. والسائم: الراعي يريد ما كان في مأواه وما كان في مرعاه (2) الاسناخ: الاصول. والمراد منها الانواع أي الاصناف الداخلة في أنواعها. والمتبلدة أي الغبية. والاكياس: جمع كيس - بالتشديد - العاقل الحاذق (3) الخاسئ: الذليل. والحسبر: الكال المعيى

[ 125 ]

والساعات. فلا شئ إلا الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الامور. بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها. ولو قدرت على الامتناع دام بقاؤها. لم يتكاءده صنع شئ منها إذ صنعه (1)، ولم يؤده منها خلق ما خلقه وبرأه. ولم يكونها لتشديد سلطان. ولا خوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر (2)، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور. ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه. ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها. ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه. ولا لثقل شئ منها عليه. لم يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها. لكنه سبحانه دبرها بلطفه، وأمسكها بأمره، وأتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشئ منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل وعمى إلى حال علم والتماس. ولا من فقر وحاجة


(1) لم يتكاءده: لم يشق عليه. ولم يؤده: لم يثقله. وبرأه مرادف لخلقه (2) الند - بالكسر - المثل. والمكاثرة: المغالبة بالكثرة يقال كاثره فكثره أي غلبه. والمثاور =

[ 126 ]

إلى غنى وكثرة. ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة 187 - ومن خطبة له عليه السلام ألا بأبي وأمي هم من عدة أسماؤهم في السماء معروفة، وفي الارض مجهولة (1)، ألا فتوقعوا ما يكون من إدبار أموركم، وانقطاع وصلكم، واستعمال صغاركم. ذاك حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من الدرهم من حله (2). ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطي (3). ذاك حيث تسكرون من غير شراب، بل من النعمة والنعيم، وتحلفون من غير اضطرار، وتكذبون من غير إحراج (4). ذلك إذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير (5). ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء


= المواثب المهاجم (1) يريد أهل الحق الذين سترتهم ظلمة الباطل في الارض فجهلهم أهلها وأشرقت بواطنهم فأضاءت بها السموات العلى فعرفهم سكانها (2) لفساد المكاسب واختلاط الحرام بالحلال (3) أي حيث يكون الخير في الفقراء ويعم الشر جميع الاغنياء فيعطى الغني سرفا وتبذيرا، وينفق الفقير ما يأخذ من مال الغني في وجهه الشرعي (4) الاحراج: التضييق (5) القتب: محركا - الاكاف. والغارب: ما بين العنق والسنام

[ 127 ]

أيها الناس ألقوا هذه الازمة التي تحمل ظهورها الاثقال من أيديكم (1)، ولا تصدعوا على سلطانكم فتذموا غب فعالكم. ولا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة (2). وأميطوا عن سننها (3)، وخلوا قصد السبيل لها. فقد لعمري يهلك في لهبها المؤمن ويسلم فيها غير المسلم. إنما مثلي بينكم مثل السراج في الظلمة يستضئ به من ولجها. فاسمعوا أيها الناس وعوا، وأحضروا آذان قلوبكم تفهموا 188 - ومن خطبة له عليه السلام أوصيكم أيها الناس بتقوى الله وكثرة حمده على آلائه إليكم، ونعمائه عليكم، وبلائه لديكم (4). فكم خصكم بنعمة، وتدارككم برحمة: أعورتم له فستركم (5)، وتعرضتم لاخذه


(1) الازمة - كأئمة - جمع زمام. والمراد بظهورها ظهور المزمومات بها. والكلام تجوز عن ترك الآراء الفاسدة التي يقاد بها قوم يحملون أثقالا من الاوزار. ولا تصدعوا أي لا تفرقوا ولا تختلفوا على إمامكم فتقبح عاقبتكم فتذموها (2) فور النار: ارتفاع لهبها، أي لا ترموا بأنفسكم في الفتنة التي تقبلون عليها (3) أميطوا أي تنحوا عن طريقها وميلوا عن وجهة سيرها وخلو لها سبيلها التي استقامت عليه (4) البلاء: الاحسان (5) أعورتم له أي ظهرت له عوراتكم وعيوبكم. ولاخذه، أي أن يأخذكم =

[ 128 ]

فأمهلكم. وأوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه. وكيف غفلتكم عما ليس يغفلكم (1)، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم. فكفى واعظا بموتى عاينتموهم. حملوا إلى قبورهم غير راكبين (2)، وأنزلوا فيها غير نازلين. فكأنهم لم يكونوا للدنيا عمارا، وكأن الآخرة لم تزل لهم دارا. أوحشوا ما كانوا يوطنون (3)، وأوطنوا ما كانوا يوحشون. واشتغلوا بما فارقوا، وأضاعوا ما إليه انتقلوا. لا عن قبيح يستطيعون انتقالا، ولا في حسن يستطيعون ازديادا. أنسوا بالدنيا فغرتهم، ووثقوا بها فصرعتهم. فسابقوا - رحمكم الله - إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها، والتي رغبتم فيها ودعيتم إليها. واستتموا نعم الله عليكم بالصبر على طاعته، والمجانبة لمعصيته فإن غدا من اليوم قريب. ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الايام في الشهر، وأسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر 189 - ومن كلام له عليه السلام فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب. ومنه ما يكون


= بالعقاب (1) أغفله: سها عنه وتركه (2) إنما يقال ركب ونزل حقيقة لمن فعل بإرادته (3) أوطن المكان: اتخذه وطنا. وأوحشه: هجره حتى لا أنيس منه به. وقوله واشتغلوا. =

[ 129 ]

عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم (1). فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت (2)، فعند ذلك يقع حد البراءة. والهجرة قائمة على حدها الاول (3). ما كان لله في أهل الارض حاجة من مستسر الامة ومعلنها (4). لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الارض. فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر. ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه إن أمرنا صعب مستصعب، لا يحمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، ولا يعى حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة (5)


= أي وكانوا اشتغلوا بالدنيا التي فارقوها وأضاعوا العاقبة التي انتقلوا إليها (1) عواري الخ. كناية عن كونه زعما بغير فهم (2) إذا ارتبتم في أحد وأردتم البراءة فلا تسارعوا لذلك وانتظروا به الموت عسى أن تدركه التوبة (3) أي لم يزل حكمها الوجوب على من بلغته دعوة الاسلام ورضي الاسلام دينا وهو المراد بمعرفة الحجة الآتي في الكلام. فلا يجوز لمسلم أن يقيم في بلاد حرب على المسلمين ولا أن يقبل سلطان غير المسلم بل تجب عليه الهجرة إلا إذا تعذر عليه ذلك لمرض أو عدم نفقة فيكون من المستضعفين المعفو عنهم. وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " محمول على الهجرة من مكة (4) استسر الامر: كتمه. والامة - بكسر الهمزة - الحالة، وبضمها الطاعة. أي أن الهجرة فرضت على المكلفين لمصلحتهم وإلا فالله لا حاجة به إلى مضمر إيمانه في بلاد الكفر، ولا إلى معلنه في ديار الاسلام (5) أحلام: عقول

[ 130 ]

أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني، فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق الارض، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها (1)، وتذهب بأحلام قومها 190 - ومن خطبة له عليه السلام أحمده شكرا لانعامه، وأستعينه على وظائف حقوقه. عزيز الجند عظيم المجد. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله دعا إلى طاعته، وقاهر أعداءه جهادا على دينه. لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه والتماس لاطفاء نوره. فاعتصموا بتقوى الله فإن لها حبلا وثيقا عروته، ومعقلا منيعا ذروته (2). وبادروا الموت في غمراته. وامهدوا له قبل حلوله، وأعدوا له قبل نزوله. فإن الغاية القيامة. وكفى بذلك واعظا لمن عقل، ومعتبرا لمن جهل. وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الارماس (3)، وشدة الابلاس.


(1) شغر برجله: رفعها. ثم الجملة كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها. من قولهم بلدة شاغرة برجلها أي معرضة للغارة لا تمتنع عنها. وتطأ في خطامها أي تتعثر فيه، كناية عن إرسالها وطيشها وعدم قائد لها. أما قوله عليه السلام فلانا بطرق السماء أعلم الخ، فالقصد به أنه في العلوم الملكوتية والمعارف الالهية أوسع إحاطة منه بالعلوم الصناعية. وفي تلك تظهر مزية العقول العالية والنفوس الرفيعة. وبها ينال الرشد ويستضئ الفكر (2) المعقل - كمسجد - الملجأ. وذروة كل شئ: أعلاه. ومبادرة الموت: سبقه بالاعمال الصالحة، وفي غمراته حال من الموت. والغمرات: الشدائد. ومهد - كمنع - معناه هنا عمل (3) الارماس: القبور - القبور جمع رمس وأصله اسم للتراب والابلاس حزن في خذلان ويأس.

[ 131 ]

وهول المطلع، وروعات الفزع. واختلاف الاضلاع واستكاك الاسماع. وظلمة اللحد، وخيفة الوعد. وغم الضريح، وردم الصفيح فالله الله عباد الله فإن الدنيا ماضية بكم على سنن، وأنتم والساعة في فرن (1). وكأنها قد جاءت بأشراطها، وأزقت بأفراطها، ووقفت بكم على صراطها. وكأنها قد أشرفت بزلازلها، وأناخت بكلاكلها (2). وانصرمت الدنيا بأهلها، وأخرجتهم من حضنها. فكانت كيوم مضى أو شهر انقضى. وصار جديدها رثا (3) وسمينها غثا. في موقف ضنك المقام، وأمور مشتبهة عظام. ونار شديد كلبها (4)، عال لجبها ساطع لهبها، متغيظ زفيرها، متأجج سعيرها، بعيد خمودها، ذاك


والمطلع بضم فتشديد مع فتح: المنزلة التي منها يشرف الانسان على أمور الآخرة وهي منزلة البرزخ. وأصل المطلع موضع الاطلاع من ارتفاع إلى انحدار. واختلاف الاضلاع دخول بعضها في موضع الآخر من شدة الضغط. واستكاك الاسماع: صممها من التراب أو الاصوات الهائلة. والضريح: اللحد. والردم: السد. والصفيح: الحجر العريض. والمراد ما يسد به القبر (1) طريق معروف تفعل بكم فعلها بمن سبقكم. والقرن - محركا - الحبل يقرن به البعيران، كناية عن القرب وأن لا بد منها. والاشراط: العلامات. وأزفت: قربت. والافراط - جمع فرط - بسكون الراء وهو العلم المستقيم يهتدى به أي بدلائلها (2) الكلاكل: الصدور كناية عن الاثقال (3) الرث: البالي. والغث: المهزول (4) الكلب - محركا - أكل بلا شبع. واللجب: الصياح أو الاضطراب. والتغيظ: =

[ 132 ]

وقودها، مخيف وعيدها، غم قرارها (1) مظلمة أقطارها. حامية قدورها، فظيعة أمورها " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا " قد أمن العذاب، وانقطع العتاب. وزحزحوا عن النار، واطمأنت بهم الدار، ورضوا المثوى والقرار. الذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية، وأعينهم باكية. وكان ليلهم في دنياهم نهارا، تخشعا واستغفارا. وكان نهارهم ليلا توحشا وانقطاعا (2). فجعل الله لهم الجنة مآبا، والجزاء ثوابا. وكانوا أحق بها وأهلها. في ملك دائم، ونعيم قائم فارعوا عباد الله ما برعايته يفوز فائزكم. وبإضاعته يخسر مبطلكم. وبادروا آجالكم بأعمالكم. فإنكم مرتهنون بما أسلفتم، ومدينون بما قدمتم. وكأن قد نزل بكم المخوف. فلا رجعة تنالون، ولا عثرة تقالون، إستعملنا الله وإياكم بطاعته وطاعة رسوله، وعفا عنا وعنكم بفضل رحمته الزموا الارض (3)، واصبروا على البلاء. ولا تحركوا بأيديكم


= الهيجان. والزفير صوت توقد النار. وذكت النار: اشتد لهيبها (1) غم: صفة من غمه إذا غطاه، أي مستور قرارها المستقر فيه أهلها (2) لا يريد من التوحش النفرة من الناس والجفوة في معاملتهم بل يريد عدم الاستئناس بشؤون الدنيا والركون إليها (3) لزوم الارض كناية عن السكون، ينصحهم به عند عدم توفر أسباب المغالبة، وينهاهم =

[ 133 ]

وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم. فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيدا ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله. وقامت النية مقام إصلاته لسيفه. وإن لكل شئ مدة وأجلا 191 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد الله الفاشى حمده، والغالب جنده، والمتعالي جده (1). أحمده على نعمه التؤام (2)، وآلائه العظام. الذي عظم حلمه فعفا، وعدل في كل ما قضى، وعلم ما يمضي وما مضى. مبتدع الخلائق بعلمه. ومنشئهم بحكمه، بلا اقتداء ولا تعليم، ولا احتذاء لمثال صانع حكيم. ولا إصابة خطإ ولا حضرة ملا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ابتعثه والناس يضربون في غمرة (3)، ويموجون في حيرة. قد قادتهم أزمة الحين، واستغلقت على أفئدتهم أقفال الرين.


= عن التعجل بحمل السلاح تثبيتا لقول يقوله أحدهم في غير وقته، ويأمرهم بالحكمة في العمل لا يأتونه إلا عند رجحان نجحه. واصلات السيف: سله (1) الفاشي: المنتشر. والجد - بالفتح - العظمة (2) جمع تؤام - كجعفر - وهو المولود مع غيره في بطن، وهو مجاز عن الكثير أو المتواصل (3) ضرب في الماء: سبح. وضرب في الارض: سار بسرعة =

[ 134 ]

أوصيكم عباد اله بتقوى الله فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم (1). وأن تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله. فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة، وفي غد الطريق إلى الجنة. مسلكها واضح، وسالكها رابح، ومستودعها حافظ (2). لم تبرح عارضة نفسها على الامم الماضين والغابرين لحاجتهم إليها غدا إذا أعاد الله ما أبدى، وأخذ ما أعطى، وسأل ما أسدى (3). فما أقل من قبلها وحملها حق حملها. أولئك الاقلون عددا. وهم أهل صفة الله سبحانه إذ يقول: " وقليل من عبادي الشكور ". فأهطعوا بأسماعكم إليها (4)، وكظوا بجدكم عليها. واعتاضوها من كل سلف خلفا، ومن كل مخالف موافقا. أيقظوا بها نومكم،


= وأبعد. والغمرة: الماء الكثير والشدة. والمراد هنا إما شدة الفتن وبلاياها أو شدة الجهل ورزاياه. والازمة - جمع زمام - ما تقاد به الدابة. والحين بفتح الحاء - الهلاك. والرين - بفتح الراء - التغطية والحجاب وهو هنا حجاب الضلال سببا لاستحقاق ثوابه ومعينة على رضائه. والجنة بضم الجيم - الوقاية وبفتحها دار الثواب (2) مستودع التقوى هو الذي تكون التقوى وديعة عنده وهو الله (3) أسدى: منح وأعطى (4) الاهطاع: الاسراع، أهطع البعير: مد عنقه وصوب رأسه. =

[ 135 ]

واقطعوا بها يومكم، وأشعروها قلوبكم، وارحضوا بها ذنوبكم (1)، وداووا بها الاسقام، وبادروا بها الحمام. واعتبروا بمن أضاعها، ولا يعتبرن بكم من أطاعها (2). ألا فصونوها وتصونوا بها (3)، وكونوا عن الدنيا نزاها، وإلى الآخرة ولاها. ولا تضعوا من رفعته التقوى، ولا ترفعوا من رفعته الدنيا. ولا تشيموا بارقها (4) ولا تستمعوا ناطقها، ولا تجيبوا ناعقها. ولا تستضيئوا بإشراقها، ولا تفتنوا بأعلاقها، فإن برقها خالب (5) ونطقها كاذب. وأموالها محروبة، وأعلاقها مسلوبة. ألا وهي المتصدية العنون (6)، والجامحة الحرون


= والكظاظ - ككتاب - الممارسة وطول الملازمة، وفعله ككتب (1) رحض - كمنع - غسل. والحمام - ككتاب - الموت (2) أي لا تكونوا عبرة يتعظ بسوء مصيركم من أطاع التقوى وأدى حقوقها (3) تصونوا: تحفظوا. والنزاه - جمع نازه - العفيف النفس. والولاه - جمع واله - الحزين على الشئ حتى يناله أي المشتاق (4) شام البرق: نظر إليه أين يمطر. والبارق: السحاب، أي لا تنظروا لما يغركم من مطامعها. والاعلاق - جمع علق - بالكسر بمعنى النفيس (5) خالب: خادع. والمحروبة: المنهوبة (6) المتصدية: المرأة تتعرض للرجال تميلهم إليها، ومن الدواب ما تمشي معترضة خابطة. - والعنون - بفتح فضم - مبالغة من عن إذا ظهر، ومن الدواب المتقدمة في السير، شبه الدنيا بالمرأة المتبرجة المستميلة، أو بالدابة تسبق الدواب وإن لم يدم تقدمها، أو الخابطة على غير طريق. والجامحة: الصعبة على راكبها. والحرون التي إذا طلب بها السير وقفت والمائنة: الكاذبة. والخؤون: مبالغة في الخائنة. والكنود - من كند - كنصر: كفر النعمة. وجحد الحق: أنكره وهو به عالم. والعنود: شديدة العناد. والصدود: كثيرة الصد والهجر. والحيود مبالغة في الحيد: بمعنى الميل. والميود - من ماد - إذا اضطرب يريد بهذه الاوصاف أن الدنيا في طبيعتها لؤم فمن سالمها حاربته، ومن = = حاربها سالمته

[ 136 ]

والمائنة الخؤون. والجحود الكنود، والعنود الصدود، والحيود الميود. حالها انتقال، ووطأتها زلزال، وعزها ذل، وجدها هزل، وعلوها سفل. دار حرب وسلب (1)، ونهب وعطب. أهلها على ساق وسياق، ولحاق وفراق (2). قد تحيرت مذاهبها، وأعجزت مهاربها (3)، وخابت مطالبها. فأسلمتهم المعاقل، ولفظتهم المنازل، وأعيتهم المحاول (4). فمن ناج معقور (5)، ولحم مجزور، وشلو مذبوح، ودم مسفوح. وعاض على يديه، وصافق بكفيه، ومرتفق بخديه (6)، وزار على رأيه، وراجع عن هرمه. وقد أدبرت


= حاربها سالمته (1) الحرب - بالتحريك - سلب المال. والعطب: الهلاك (2) أي قائمون على ساق استعدادا لما ينتظرون من آجالهم. والسياق مصدر ساق فلانا إذا أصاب ساقه، أي ولا يلبثون أن يضربوا على سوقهم فينكبوا للموت على وجوههم، أو هو السياق بمعنى الشروع في نزع الروح من ساق المريض سياقا. واللحاق للماضين، والفراق عن الباقين (3) تحير المذاهب: حيرة الناس فيها. والمهارب أعجزت الناس عن الهروب لانها ليست كما يرونها مهارب بل هي مهالك (4) المحاول - جمع محال بفتح الميم - أو محالة بمعنى الحذق وجودة النظر، أي لم يفدهم ذلك خلاصا (5) أي فمنهم ناج من الموت معقور أي مجروح، أو هو من عقر الشاة والبعير إذا ضرب ساقه بالسيف وهو قائم، والمجزور: المسلوخ أخذ عنه جلده. والشلو - بالكسر - هنا البدن كله. والمسفوح المسفوك (6) المرتفق بخديه: واضع خديه على مرفقيه ومرفقيه على ركبتيه منصوبتين وهو جالس على أليتيه. وهذه الاوصاف كناية عن الندم على التفريط والافراط. والزاري =

[ 137 ]

الحيلة وأقبلت الغيلة (1)، ولات حين مناص. وهيهات هيهات قد فات ما فات وذهب ما ذهب، ومضت الدنيا لحال بالها (2) " فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين " 192 - ومن خطبة له عليه السلام تسمى القاصعة (3) وهي تتضمن ذم إبليس على استكباره وتركه السجود لآدم عليه السلام، وأنه أول من أظهر العصبية (4) وتبع الحمية وتحذير الناس من سلوك طريقته الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء وأختارهما لنفسه دون خلقه، وجعلهما حمى وحرما على غيره (5)، واصطفاهما لجلاله، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده. ثم اختبر بذلك ملائكته


= على رأيه المقبح له اللائم لنفسه عليه (1) الغيلة: الشر الذي أضمرته الدنيا في خداعها. ولات حين مناص أي ليس الوقت وقت التملص والفرار (2) البال: القلب والخاطر. والمراد ذهبت على ما تهواه لا على ما يريد أهلها (3) من قصع فلان فلانا: أي حقره لانه عليه السلام حقر فيها حال المتكبرين، أو من قصع الماء عطشه إذا أزاله، لان سامعها لو كان متكبرا ذهب تأثيرها بكبره كما يذهب الماء بالعطش (4) الاعتزاز بالعصبة وهي قوم الرجل الذين يدافعون عنه، واستعمال قوتهم في الباطل والفساد فهي هنا عصبية الجهل، كما أن الحمية حمية الجاهلية. أما التناصر في الحق والحمية عليه فهو أمر محمود في جميع أحواله، والكبر على الباطل تواضع للحق (5) الحمى: ما حميته عن وصول الغير إليه =

[ 138 ]

المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب، ومحجوبات الغيوب: " إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس " اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لاصله. فعدو الله إمام المتعصبين، وسلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبية، ونازع الله رداء الجبرية. وادرع لباس التعزز، وخلع قناع التذلل ألا ترون كيف صغره الله بتكبره، ووضعه بترفعه. فجعله في الدنيا مدحورا، وأعد له في الآخرة سعيرا ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الابصار ضياؤه، ويبهر العقول رواؤه (1)، وطيب يأخذ الانفاس عرفه لفعل. ولو فعل لظلت له الاعناق خاضعة، ولخفت البلوى فيه على الملائكة. ولكن الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ونفيا للاستكبار عنهم، وإبعادا للخيلاء منهم فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذا أحبط عمله الطويل


= والتصرف فيه (1) الرواء - بضم ففتح - حسن المنظر. والعرف - بالفتح - الرائحة

[ 139 ]

وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سنى الدنيا أم سنى الآخرة عن كبر ساعة واحدة (1). فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصية (2)؟ كلا، ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا إن حكمه في أهل السماء وأهل الارض لواحد. وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين (3) فاحذروا عباد الله أن يعديكم بدائه (4)، وأن يستفزكم بندائه، وأن يجلب عليكم بخيله ورجله. فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد، وأغرق لكم بالنزع الشديد (5)، ورماكم من مكان قريب (6). وقال: " رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين " قذفا بغيب بعيد، ورجما بظن مصيب. صدقه به أبناء الحمية (7)،


(1) عن متعلق بأحبط، أي أضاع عمله بسبب كبر ساعة (2) أي يسلم من عقابه، وكأنه استعمل سلم بمعنى ذهب أو فات فأتى بعلى (3) الهوادة - بالفتح - اللين والرخصة (4) أن يصيبكم بشئ من دائه بالمخالطة كما يعدي الاجرب السليم، والضمير لابليس ويستفزكم: يستنهضكم لما يريد فإن تباطأتم عليه أجلب عليكم بخيله أي ركبانه، ورجله أي مشاته. والمراد أعوان السوء (5) النزع في القوس: مدها. وأغرق النازع إذا استوفى مد قوسه (6) لانه يجري من ابن آدم مجرى الدم (7) صدق ابليس =

[ 140 ]

وإخوان العصبية، وفرسان الكبر والجاهلية. حتى إذا انقادت له الجامحة منكم (1)، واستحكمت الطماعية منه فيكم، فنجمت الحال من السر الخفي إلى الامر الجلي. استفحل سلطانه عليكم، ودلف بجنوده نحوكم. فأقحموكم ولجات الذل، وأحلوكم ورطات القتل، وأوطأوكم إثخان الجراحة طعنا في عيونكم، وحزا في حلوقكم، ودقا لمناخركم، وقصد لمقاتلكم، وسوقا بخزائم القهر إلى النار المعدة. فأصبح أعظم في دينكم جرحا (2)، وأورى في دنياكم قدحا من الذين أصبحتم لهم مناصبين وعليهم متألبين. فاجعلوا عليه حدكم (3)، وله جدكم، فلعمر الله لقد فخر على أصلكم، ووقع


= في توعد بني آدم بالاغواء أولئك الغشماء أبناء الحمية الجاهلية (1) أي استعان ببعضكم على من لم يطعه منكم وهو المراد بالجامحة. والطماعية: الطمع. وقوله فنجمت الخ أي بعد أن كانت وسوسة في الصدور وهمسا في القول ظهرت إلى المجاهرة بالنداء ورفع الايدي بالسلاح. ودلفت الكتيبة في الحرب: تقدمت. وأقحموكم: أدخلوكم بغتة. والولجات - جمع ولجة - بالتحريك. كهف يستتر فيه المارة من مطر ونحوه. أوطأه: أركبه. وإثخان الجراحة المبالغة فيها، أي أركبوكم الجراحات البالغة كناية عن أشعال الفتنة بينهم حتى يتقاتلوا. والخزائم - جمع خزامة ككتابة - وهي حلقة توضع في وترة أنف البعير فيشد فيها الزمام (2) فأصبح أي ابليس. وقوله وأورى الخ أي أشد قدحا للنار في دنياكم لاتلافها، وبالجملة فهو أضر عليكم بوساوسه من إخوانكم في الانسانية الذين أصبحتم لهم مناصبين أي مجاهرين لهم بالعداوة ومتألبين أي مجتمعين (3) أي غضبكم وحدتكم. وله جدكم بفتح الجيم أي قطعكم، يريد قطع الوصلة بينكم وبينه

[ 141 ]

في حسبكم، ودفع في نسبكم، وأجلب بخيله عليكم، وقصد برجله سبيلكم. يقتنصونكم بكل مكان، ويضربون منكم كل بنان (1). لا تمتنعون بحيلة، ولا تدفعون بعزيمة. في حومة ذل. وحلقة ضيق. وعرصة موت. وجولة بلاء. فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية وأحقاد الجاهلية، فإنما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته، ونزغاته ونفثاته (2). واعتمدوا وضع التذلل على رءوسكم، وإلقاء التعزز تحت أقدامكم، وخلع التكبر من أعناقكم. واتخذوا التواضع مسلحة (3) بينكم وبين عدوكم إبليس وجنوده، فإن له من كل أمة جنودا وأعوانا، ورجلا وفرسانا. ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير ما فضل جعله الله فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد، وقدحت الحمية في قلبه من نار الغضب، ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي أعقبه الله به الندامة، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة


(1) البنان: الاصابع (2) النخوة: التكبر والتعاظم. والنزغة: المرة من النزغ بمعنى الافساد. والنفثة: النفخة (3) المسلحة: الثغر يدافع العدو عنده والقوم ذوو السلاح

[ 142 ]

ألا وقد أمعنتم في البغي (1)، وأفسدتم في الارض مصارحة لله بالمناصبة، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة. فالله الله في كبر الحمية وفخر الجاهلية. فإنه ملاقح الشنآن (2) ومنافخ الشيطان التي خدع بها الامم الماضية، والقرون الخالية. حتى أعنقوا في حنادس جهالته (3)، ومهاوي ضلالته، ذللا على سياقه، سلسا في قياده. أمرا تشابهت القلوب فيه، وتتابعت القرون عليه. وكبرا تضايقت الصدور به ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبروا عن حسبهم، وترفعوا فوق نسبهم، وألقو الهجينة على ربهم (4)، وجاحدوا الله ما صنع بهم. مكابرة لقضائه، ومغالبة لآلائه (5). فإنهم قواعد أساس العصبية. ودعائم أركان الفتنة، وسيوف اعتزاء الجاهلية (6). فاتقوا الله ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا، ولا لفضله


(1) أمعنتم: بالغتم. والمصارحة: التظاهر (2) الملاقح - جمع ملقح كمكرم - الفحول التي تلقح الاناث وتستولد الاولاد. والشنآن البغض (3) أعنقوا: من أعنقت الثريا غابت، أي غابوا واختفوا. والحنادس - جمع حندس - بكسر الحاء الظلام الشديد. والمهاوي - جمع مهواة - الهوة التي يتردى فيها الصيد. والذلل - جمع ذلول - من الذل بالضم ضد الصعوبة. والسياق هنا السوق. والسلس - بضمتين - جمع سلس - ككتف - السهل. والقياد من أمام كالسوق من خلف (4) الهجينة: الفعلة القبيحة. والتهجين: التقبيح أي أنهم باحتقار غيرهم من الناس قبحوا خلق الله لهم (5) الآلاء: النعم (6) اعتزاء الجاهلية: تفاخرهم بأنسابهم كل منهم يعتزى أي ينتسب إلى أبيه وما فوقه =

[ 143 ]

عندكم حسادا. ولا تطيعوا الادعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم، وخلطتم بصحتكم مرضهم (1)، وأدخلتم في حقكم باطلهم، وهم أساس الفسوق وأحلاس العقوق. اتخذهم إبليس مطايا ضلال. وجندا بهم يصول على الناس. وتراجمة ينطق على ألسنتهم. إستراقا لعقولكم ودخولا في عيونكم، ونفثا في أسماعكم. فجعلكم مرمى نبله (2)، وموطئ قدمه، ومأخذ يده. فاعتبروا بما أصاب الامم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته، ووقائعه ومثلاته (3)، واتعظوا بمثاوي خدودهم (4)، ومصارع جنوبهم، واستعيذوا بالله من لواقح الكبر (5) كما تستعيذونه من طوارق الدهر. فلو رخص الله في الكبر لاحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه. ولكنه سبحانه


= من أجداده، وكثيرا ما يجر التفاخر إلى الحرب، وإنما تكون بدعوة الرؤساء فهم سيوفها (1) الادعياء - جمع دعى - وهو من ينتسب إلى غير أبيه، والمراد منهم الاخساء المنتسبون إلى الاشراف والاشرار المنتسبون إلى الاخيار. وشربتم بصفوكم كدرهم أي خلطوا صافي إخلاصكم بكدر نفاقهم. وبسلامة أخلاقكم مرض أخلاقهم. والاحلاس - جمع حلس بالكسر - كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازما له فقيل لكل ملازم لشئ هو حلسه. والعقوق: العصيان (2) النبل - بالفتح -: السهام (3) المثلات - بفتح فضم - العقوبات (4) مثاوى - جمع مثوى - بمعنى المنزل. ومنازل الخدود: مواضعها من الارض بعد الموت. ومصارع الجنوب: مطارحها على التراب (5) لواقح الكبر: محدثاته في النفوس.

[ 144 ]

كره إليهم التكابر ورضي لهم التواضع. فألصقوا بالارض خدودهم، وعفروا في التراب وجوههم. وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين، وكانوا أقواما مستضعفين. وقد أختبرهم الله بالمخمصة (1)، وابتلاهم بالمجهدة. وامتحنهم بالمخاوف، ومخضهم بالمكاره. فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال والولد (2) جهلا بمواقع الفتنة والاختبار في مواضع الغنى والاقتدار، وقد قال سبحانه وتعالى: " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " فإن الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون عليهما السلام على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصى فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عزه فقال: " ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما


(1) المخمصة: الجوع. والمجهدة: المشقة. ومخض اللبن: تحريكه ليخرج زبده. والمكاره تستخلص إيمان الصادقين وتظهر مزاياهم العقلية والنفسية (2) لا تجعلوا كثرة الاولاد ووفرة الاموال دليلا على رضاء الله، والنقص فيهما دليلا على سخطه، فقد يكون الاول فتنة واستدراجا، والثاني نعمة وابتلاء

[ 145 ]

بما ترون من حال الفقر والذل، فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب " إعظاما للذهب وجمعه، واحتقارا للصوف ولبسه. ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان (1)، ومعادن العقيان، ومغارس الجنان، وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الارض لفعل، ولو فعل لسقط البلاء (2)، وبطل الجزاء، واضمحلت الانباء، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين، ولا لزمت الاسماء معانيها (3). ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الاعين من حالاتهم، مع قناعة تملا القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملا الابصار والاسماع أذى (4) ولو كانت الانبياء أهل قوة لا ترام وعزة لا تضام، وملك تمتد نحوه أعناق الرجال، وتشد إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق


(1) الذهبان - بضم الذال -: جمع ذهب. والعقيان: نوع من الذهب ينمو في معدنه (2) لو كان الانبياء بهذه السلطة لخضع لهم الناس كافة بحكم الاضطرار فسقط البلاء أي ما به يتميز الخبيث من الطيب، ولم يبق محل للجزاء على خير أو شر، فإن الفعل اضطراري وبذلك تضمحل أخبار السماء بالوعد والوعيد لعدم الحاجة، ثم لا يكون للقابلين دعوة الانبياء أجور المبتلين أي الممتحنين بالشدائد الصابرين على المكاره لاستهوائهم مع من قبل بالسطوة (3) فإن الخضوع بالرهبة يسمى إذا ذاك إيمانا مع أن الايمان في الحقيقة هو الاذعان والتصديق، فلا يكون معنى الاسم لازما له (4) خصاصة: فقر وحاجة

[ 146 ]

في الاعتبار (1) وأبعد لهم في الاستكبار، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم، فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة. ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لامره والاستسلام لطاعته أمورا له خاصة لا تشوبها من غيرها شائبة. وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل ألا ترون أن الله سبحانه أختبر الاولين من لدن آدم صلوات الله عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع (2)، ولا تبصر ولا تسمع. فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما. ثم وضعه بأوعر بقاع الارض حجرا، وأقل نتائق الارض مدرا. وأضيق بطون الاودية قطرا. بين جبال خشنة، ورمال دمثة (3)، وعيون وشلة، وقرى منقطعة. لا يزكو بها خف، ولا حافر ولا ظلف (4). ثم أمر


(1) أي أضعف تأثيرا في القلوب من جهة اعتبارها واتعاظها. وأبعد للناس أي أشد توغلا بهم في الاستكبار لان الانبياء يكونون قدوة في العظمة والكبرياء حينئذ. وقوله فكانت النيات مشتركة، أي لان الايمان لم يكن خالصا لله بل أعظم الباعث عليه الرغبة والرهبة (2) الاحجار هي الكعبة. والنتائق - جمع نتيقة -: البقاع المرتفعة. ومكة مرتفعة بالنسبة لما انحط عنها من البلدان. والمدر قطع الطين اليابس أو العلك الذي لا رمل فيه. وأقل الارض مدرا لا ينبت إلا قليلا (3) لينة يصعب السير فيها والاستنبات منها. والوشلة - كفرجة - قليلة الماء (4) لا يزكو: لا ينمو. والخف =

[ 147 ]

آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه (1)، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقى رحالهم. تهوي إليه ثمار الافئدة (2) من مفاوز قفار سحيقة ومهاوي فجاج عميقة، وجزائر بحار منقطعة، حتى يهزوا مناكبهم ذللا يهلون لله حوله (3). ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له. قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم (4)، وشوهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم، إبتلاء عظيما وامتحانا شديدا واختبارا مبينا. وتمحيصا بليغا جعله الله سببا لرحمته، ووصلة إلى جنته. ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنات وأنهار، وسهل وقرار (5)، جم الاشجار، داني الثمار، ملتف البنا، متصل القرى، بين برة سمراء (6)، وروضة


= عبارة عن الجمال. والحافر عبارة عن الخيل وما شاكلها. والظلف عبارة عن البقر والغنم، تعبير عن الحيوان بما ركبت عليه قوائمه (1) ثنى عطفه إليه: مال وتوجه إليه. ومنتجع الاسفار: محل الفائدة منها ومكة صارت بفريضة الحج دارا للمنافع التجارية كما هي دار لكسب المنفعة الاخروية. وملقى مصدر ميمي من ألقى أي نهاية حصر حالهم عن ظهور إبلهم (2) تهوى. تسرع سيرا إليه والثمار - جمع ثمرة - والمراد هنا الارواح. والمفاوز - جمع مفازة - الفلاة لا ماء بها. والسحيقة: البعيدة. والمهاوي - كالهوات - منخفضات الاراضي. والفجاج: الطرق الواسعة بين الجبال (3) يهزوا أي يحركوا مناكبهم أي رؤس أكتفاهم لله يرفعون أصواتهم بالتلبية وذلك في السعي والطواف. والرمل ضرب من السير فوق المشي ودون الجري. والاشعث المنتشر: الشعر مع تلبد فيه. والاغبر: من علا بدنه الغبار (4) السرابيل: الثياب. وإعفاء الشعور: تركها بلا حلق ولا قص (5) القرار المطمئن من الارض. وجم الاشجار كثيرها والبنى - جمع بنية بضم الباء وكسرها - ما ابتنيته. وملتف البنى كثير العمران (6) البرة: الحنطة. والسمراء: =

[ 148 ]

خضراء، وأرياف محدقة، وعراص مغدقة، ورياض ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء. ولو كان الاساس المحمول عليها (1)، والاحجار المرفوع بها بين زمردة خضراء، وياقوتة حمراء، ونور وضياء لخفف ذلك مسارعة الشك في الصدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفى معتلج الريب من الناس (2)، ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره إخراجا للتكبر من قلوبهم، وإسكانا للتذلل في نفوسهم. وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله (3)، وأسبابا ذللا لعفوه فالله الله في عاجل البغي، وآجل وخامة الظلم، وسوء عاقبة الكبر فإنها مصيدة إبليس العظمى، ومكيدته الكبرى التي تساور قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة (4). فما تكدي أبدا (5)، ولا تشوي


= أجودها. والارياف: الارضي الخصبة والعراص - جمع عرصة - الساحة ليس بها بناء والمحدقة: من أحدقت الروضة صارت ذات شجر. والمغدقة: من أغدق المطر كثر ماؤه (1) الاساس - بكسر الهمزة جمع اس - مثلثها أو أساس (2) الاعتلاج: الالتطام. اعتلجت الامواج التطمت، أي زال تلاطم الريب والشك من صدور الناس (3) فتحا بضمتين أي مفتوحة واسعة (4) تساور القلوب أي تواثبها وتقاتلها (5) أكدى الحافر =

[ 149 ]

أحدا، لا عالما لعلمه، ولا مقلا في طمره (1). وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين (2) بالصلوات والزكوات، ومجاهدة الصيام في الايام المفروضات تسكينا لاطرافهم (3)، وتخشيعا لابصارهم، وتذليلا لنفوسهم، وتخفيضا لقلوبهم، وإذهابا للخيلاء عنهم لما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعا (4)، والتصاق كرائم الجوارح بالارض تصاغرا، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذللا. مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الارض وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر (5) انظروا إلى ما في هذه الافعال من قمع نواجم الفخر (6)، وقدع طوالع الكبر. ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصب لشئ من الاشياء إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء، أو حجة تليط بعقول السفهاء غيركم (7). فإنكم تتعصبون لامر لا يعرف له سبب


= إذا عجز عن التأثير في الارض. وأشوت الضربة أخطأت المقتل (1) الطمر - بالكسر - الثوب الخلق أو الكساء البالي من غير الصوف، أي أن البغي والظلم والكبر هي آلات إبليس وأسلحته المهلكة لا ينجو منها العالم فضلا عن الجاهل ولا الفقير فضلا عن الغني (2) ما حرس أي حراسة الله للمؤمنين بالصلوات الخ ناشئة عن ذلك، فهذه الفرائض لتلخيص النفوس من تلك الرذائل (3) الاطراف: الايدي والارجل (4) عتاق الوجوه: كرامها وهو جمع عتيق من عتق إذا رقت بشرته. والمتون الظهور (5) هذا نوع من تحكيم الفقراء في أموال الاغنياء وتسليط لهم عليهم، وفيه إضعاف لكبر الاغنياء (6) القمع: القهر. والنواجم من نجم إذا طلع وظهر. والقدع الكف والمنع (7) تليط وتلوط أي تلصق: وقوله غيركم أي لا أنتم فإنكم تتعصبون لا عن حجة =

[ 150 ]

ولا علة. أما إبليس فتعصب على آدم لاصله. وطعن عله في خلقته فقال: أنا ناري وأنت طيني وأما الاغنياء من مترفة الامم (1) فتعصبوا لآثار مواقع النعم. فقالوا: " نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين " فإن كان لا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الافعال، ومحاسن الامور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل (2) بالاخلاق الرغيبة، والاحلام العظيمة، والاخطار الجليلة، والآثار المحمودة. فتعصبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار (3)، والوفاء بالذمام، والطاعة للبر، والمعصية للكبر، والاخذ بالفضل، والكف عن البغي، والاعظام للقتل، والانصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الارض. واحذروا ما نزل بالامم قبلكم من المثلات (4) بسوء


= يقبلها السفيه ولا عن علة تحتمل التمويه (1) المترف - على صيغة اسم المفعول - الموسع له في النعم يتمتع بما شاء من اللذات. وآثار مواقع النعم ما ينشأ عنها من التعالي والتكبر. وعلة إبليس والامم المترفة وإن كانت فاسدة إلا أنها شئ في جانب ما تتعلل به القبائل في مقاتلة بعضها بعضا (2) اليعاسيب - جمع يعسوب - وهو أمير النحل، ويستعمل مجازا في رئيس القوم كما هنا. والاخلاق الرغيبة: المرضية المرغوبة. والاحلام: العقول (3) الجوار - بالكسر - المجاورة بمعنى الاحتماء بالغير من الظلم. والذمام: العهد (4) العقوبات

[ 151 ]

الافعال وذميم الاعمال. فتذكروا في الخير والشر أحوالهم. وأحذروا أن تكونوا أمثالهم. فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم (1) فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم (2)، وزاحت الاعداء له عنهم، ومدت العافية فيه عليهم، وانقادت النعمة له معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة (3)، واللزوم للالفة، والتحاض عليها والتواصي بها، واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم (4)، وأوهن منتهم. من تضاغن القلو ب، وتشاحن الصدور، وتدابر النفوس، وتخاذل الايدي، وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء (5). ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء، وأجهد العباد بلاء، وأضيق أهل الدنيا حالا. اتخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب، وجرعوهم المرار (6) فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة. لا يجدون حيلة


(1) من سعادة وشقاء (2) لزمت العزة به شأنهم أي كان سببا في عزتهم وما يتبعها من الاحوال الآتية. ومدت أي انبسطت (3) من الاجتناب بيان لاسباب العزة وبعد الاعداء وانبساط العافية وانقياد النعمة والصلة بحبل الكرامة (4) الفقرة - بالكسر والفتح - كالفقارة بالفتح - ما انتظم من عظم الصلب من الكاهل إلى عجب الذنب. وأوهن أي أضعف. والمنة - بضم الميم - القوة (5) التمحيص: الابتلاء والاختبار (6) المرار - بضم ففتح - شجر شديد المرارة تتقلص منه شفاه الابل إذا أكلته، =

[ 152 ]

في امتناع، ولا سبيلا إلى دفاع. حتى إذا رأى الله جد الصبر منهم على الاذى في محبته، والاحتمال للمكروه من خوفه جعل لهم من مضايق البلاء فرجا، فأبدلهم العز مكان الذل، والامن مكان الخوف فصاروا ملوكا حكاما. وأئمة أعلاما، وبلغت الكرامة من الله لهم ما لم تبلغ الآمال إليه بهم فانظروا كيف كانوا حيث كانت الاملاء مجتمعة (1)، والاهواء متفقة، والقلوب معتدلة، والايدي مترادفة، والسيوف متناصرة، والبصائر نافذة، والعزائم واحدة. ألم يكونوا أربابا في أقطار الارضين (2)، وملوكا على رقاب العالمين. فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة، وتشتتت الالفة واختلفت الكلمة والافئدة، وتشعبوا مختلفين، وتفرقوا متحازبين قد خلع الله عنهم لباس كرامته، وسلبهم غضارة نعمته (3). وبقي قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل


= أي جرعوهم عصارته (1) الاملاء - جمع ملا - بمعنى الجماعة والقوم. والايدي المترادفة المتعاونة (2) أربابا: سادات (3) غضارة النعمة: سعتها. وقصص الاخبار: حكايتها =

[ 153 ]

عليهم السلام. فما أشد اعتدال الاحوال (1)، وأقرب اشتباه الامثال. تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الاكاسرة والقياصرة أربابا لهم، يحتازونهم عن ريف الآفاق (2)، وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح، ومهافي الريح (3)، ونكد المعاش. فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر (4)، أذل الامم دارا، وأجدبهم قرارا. لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها (5)، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها. فالاحوال مضطربة، والايدي مختلفة، والكثرة متفرقة. في بلاء أزل (6)، وإطباق جهل! من بنات موءودة (7)، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولا (8)،


= وروايتها (1) الاعتدال هنا التناسب. والاشتباه التشابه (2) يحتازونهم: يقبضونهم عن الاراضي الخصبة (3) المهافي: المواضع التي تهفو فيها الرياح أي تهب. والنكد - بالتحريك - أي الشدة والعسر (4) الدبر - بالتحريك - القرحة في ظهر الدابة. والوبر: شعر الجمال. والمراد أنهم رعاة (5) لا يأوون: لم يكن فيهم داع إلى الحق فيأوون إليه ويعتصمون بمناصرة دعوته (6) بلاء أزل: على الاضافة. والازل - بالفتح - الشدة (7) من وأد بنته - كوعد - أي دفنها وهي حية. وكان بنو إسماعيل من العرب يفعلون ذلك ببناتهم. وشن الغارة عليهم: صبها من كل وجه (8) هو نبينا أي بفتح الهمزة مع سكون الزاى =

[ 154 ]

فعقد بملته طاعتهم، وجمع على دعوته ألفتهم. كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها، وأسالت لهم جداول نعيمها، والتفت الملة بهم في عوائد بركتها (1). فأصبحوا في نعمتها غرقين، وعن خضرة عيشها فكهين (2). قد تربعت الامور بهم (3)، في ظل سلطان قاهر وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب. وتعطفت الامور عليهم في ذرى ملك ثابت. فهم حكام على العالمين، وملوك في أطراف الارضين. يملكون الامور على من كان يملكها عليهم. ويمضون الاحكام فيمن كان يمضيها فيهم. لا تغمز لهم قناة (4)، ولا تقرع لهم صفاة ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة. وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية (5). فإن الله سبحانه قد امتن على جماعة هذه الامة فيما عقد بينهم من حبل هذه الالفة


= صلى الله عليه وسلم (1) يقال التف الحبل بالحطب إذا جمعه، فملة محمد صلى الله عليه وسلم جمعتهم بعد تفرقهم، وجعلتهم جميعا في بركاتها العائدة إليهم (2) راضين طيبة نفوسهم (3) تربعت: أقامت (4) هذا وما بعده كناية عن القوة والامتناع من الضيم. والقناة الرمح. وغمزها: جسها باليد لينظر هل هي محتاجة للتقويم والتعديل فيفعل بها ذلك. والصفاة الحجر الصلد. وقرعها: صدمها لتكسر (5) ثلمتم: خرقتم. وقوله بأحكام =

[ 155 ]

التي ينتقلون في ظلها، ويأوون إلى كنفها، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة لانها أرجح من كل ثمن وأجل من كل خطر واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا (1)، وبعد الموالاة أحزابا. ما تتعلقون من الاسلام إلا باسمه. ولا تعرفون من الايمان إلا رسمه تقولون النار ولا العار، كأنكم تريدون أن تكفئوا الاسلام على وجهه، انتهاكا لحريمه، ونقضا لميثاقه (2) الذي وضعه الله لكم حرما في أرضه وأمنا بين خلقه. وإنم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر، ثم لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم إلا المقارعة بالسيف حتى يحكم الله بينكم وإن عندكم الامثال من بأس الله وقوارعه، وأيامه ووقائعه. فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأحده، وتهاونا ببطشه، ويأسا من


= الجاهلية متعلق بثلمتم (1) أي صرتم من أعراب البادية الذين يكتفى في إسلامهم بذكر الشهادتين وإن لم يخالط الايمان قلوبهم، بعد أن كنتم من المهاجرين الصادقين. والموالاة: المحبة. والاحزاب: المتفرقون المتقاطعون (2) هو ميثاق الاخوة الدينية

[ 156 ]

بأسه. فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي، والحلماء لترك التناهي ألا وقد قطعتم قيد الاسلام وعطلتم حدوده وأمتم أحكامه ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث (1) والفساد في الارض فأما الناكثون فقد قاتلت، وأما القاسطون فقد جاهدت (2). وأما المارقة فقد دوخت. وأما شيطان الردهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ورجة صدره (3). وبقيت بقية من أهل البغي. ولئن أذن الله في الكرة عليهم لاديلن منهم (4) إلا ما يتشذر في أطراف البلاد تشذرا أنا وضعت في الصغر بكلا كل العرب (5)، وكسرت نواجم


(1) نقض العهد (2) القاسطون: الجائرون عن الحق. والمارقة الذين مرقوا من الدين أي خرجوا منه. ودوخهم أي أضعفهم وأذلهم (3) الردهة - بالفتح - النقرة في الجبل قد يجتمع فيها الماء. وشيطانها ذو الثدية من رؤساء الخوارج وجد مقتولا في ردهة. والصعقة: الغشية تصيب الانسان من الهول. ووجبة القلب اضطرابه وخفقانه. ورجة الصدر اهتزازه وارتعاده (4) لاديلن منهم: لامحقنهم. ثم أجعل الدولة لغيرهم. وما يتشذر أي يتفرق، أي لا يفلت مني إلا من يتفرق في أطراف البلاد (5) الكلاكل: الصدور عبر بها عن الاكابر. والنواجم من القرون: الظاهرة الرفيعة، يريد بها =

[ 157 ]

قرون ربيعة ومضر. وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه، ويمسني جسده ويشمني عرفه (1). وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه. وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل (2). ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره. ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه (3) يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء (4) فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه


= أشراف القبائل. قرون مضاف وربيعة مضاف إليه (1) عرفه - بالفتح - رائحته الذكية (2) الخطلة: واحدة الخطل، كالفرحة واحدة الفرح. والخطل: الخطأ ينشأ عن عدم الروية (3) الفصيل ولد الناقة (4) حراء بكسر الحاء جبل على القرب من مكة

[ 158 ]

وآله، فقلت يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال هذا الشيطان أيس من عبادته. إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي. ولكنك وزير وإنك لعلى خير. ولقد كنت معه صلى الله عليه وآله لما أتاه الملا من قريش، فقالوا له: يا محمد إنك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول، وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب. فقال صلى الله عليه وآله: وما تسألون؟ قالوا تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك، فقال صلى الله عليه وآله: إن الله على كل شئ قدير، فإن فعل الله لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحق؟ قالوا نعم، قال فإني سأريكم ما تطلبون، وإني لاعلم أنكم لا تفيئون إلى خير (1)، وإن فيكم من يطرح في القليب (2)، ومن يحزب الاحزاب. ثم قال صلى الله عليه وآله: يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله. فو الذي بعثه


(1) لا تفيئون: لا ترجعون (2) القليب - كأمير - البئر. والمراد منه قليب بدر طرح فيه نيف وعشرون من أكابر قريش، والاحزاب متفرقة من القبائل اجتمعوا على حربه =

[ 159 ]

بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة الطير (1) حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله مرفرفة، وألقت بغصنها الاعلى على رسول الله صلى الله عليه وآله، وببعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينه صلى الله عليه وآله فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا - علوا واستكبارا -: فمرها فليأتك نصفها ويبقي نصفها فأمرها بذلك، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشده دويا، فكادت تلتف برسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا - كفرا وعتوا - فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان فأمره صلى الله عليه وآله فرجع. فقلت أنا: لا إله إلا الله فإني أول مؤمن بك يا رسول الله، وأول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصديقا بنبوتك وإجلالا لكلمتك. فقال القوم كلهم: بل ساحر كذاب، عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا (يعنوني) وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم سيماهم سيما الصديقين، وكلامهم كلام الابرار. عمار الليل ومنار النهار (2). متمسكون بحبل القرآن. يحيون سنن الله وسنن رسوله.


= صلى الله عليه وسلم في وقعة الخندق (1) القصف. الصوت الشديد (2) عمار - جمع عامر - =

[ 160 ]

لا يستكبرون ولا يعلون، ولا يغلون (1) ولا يفسدون. قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل 193 - ومن خطبة له عليه السلام روي أن صاحبا لامير المؤمنين عليه السلام يقال له همام كان رجلا عابدا، فقال يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم. فتثاقل عليه السلام عن جوابه ثم قال: يا همام اتق الله وأحسن فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لانه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه. فقسم بينهم معيشتهم، ووضعهم من الدنيا مواضعهم. فالمتقون فيها هم أهل الفضائل. منطقهم الصواب،


= أي يعمرونه بالسهر للفكر والعبادة (1) يغلون: يخونون

[ 161 ]

وملبسهم الاقتصاد (1) ومشيهم التواضع. غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم. نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء (2). ولولا الاجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها (3) فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون. قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة. وأجسادهم نحيفة (4)، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة. صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة. تجارة مربحة (5) يسرها لهم ربهم. أرادتهم الدنيا فلم يريدوها. وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالين لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا. يحزنون به أنفسهم


(1) ملبسهم الخ، أي أنهم لا يأتون من شهواتهم إلا بقدر حاجاتهم في تقويم حياتهم، فكان الانفاق كثوب لهم على قدر أبدانهم لكنهم يتوسعون في الخيرات (2) نزلت الخ، أي أنهم إذا كانوا في بلاء كانوا بالامل في الله كأنهم كانوا في رخاء لا يجزعون ولا يهنون، وإذا كانوا في رخاء كانوا من خوف الله وحذر النقمة كأنهم في بلاء لا يبطرون ولا يتجبرون (3) أي هم على يقين من الجنة والنار كيقين من رآهما، فكأنهم في نعيم الاولى وعذاب الثانية رجاء وخوفا (4) نحافة أجسادهم من الفكر في صلاح دينهم والقيام بما يجب عليهم له (5) يقال أربحت التجارة إذا أفادت ربحا

[ 162 ]

ويستثيرون به دواء دائهم (1). فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم. وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم (2) فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجبابهم، وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء، أبرار أتقياء. قد براهم الخوف بري القداح (3) ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ويقول قد خولطوا (4) ولقد خالطهم أمر عظيم. لا يرضون من أعمالهم القليل. ولا يستكثرون الكثير. فهم لانفسهم متهمون. ومن أعمالهم مشفقون (5) إذا زكي أحدهم (6) خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم


(1) استثار الساكن هيجه، وقارئ القرآن يستثير به الفكر الماحي للجهل فهو دواؤه (2) زفير النار: صوت توقدها. وشهيقها الشديد من زفيرها كأنه تردد البكاء أو نهيق الحمار، أي أنهم من كمال يقينهم بالنار يتخيلون صوتها تحت جدران آذانهم فهم من شدة الخوف قد حنوا ظهورهم وسلطوا الانحناء على أوساطهم. وفكاك الرقاب خلاصها (3) القداح - جمع قدح بالكسر - وهو السهم قبل أن يراش. وبراه: نحته، أي رقق الخوف أجسامهم كما ترقق السهام بالنحت (4) خولط في عقله أي مازجه خلل فيه، والامر العظيم الذي خالط عقولهم هو الخوف الشديد من الله (5) مشفقون: خائفون من التقصير فيها (6) زكى مدحه =

[ 163 ]

بنفسي من غيري، وربي أعلم بي من نفسي. اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين. وحرصا في علم، وعلما في حلم. وقصدا في غنى (1) وخشوعا في عبادة. وتجملا في فاقة. وصبرا في شدة. وطلبا في حلال ونشاطا في هدى. وتحرجا عن طمع (2). يعمل الاعمال الصالحة وهو على وجل. يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر. يبيت حذرا ويصبح فرحا. حذرا لما حذر من الغفلة. وفرجا بما أصاب من الفضل والرحمة. إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره (3) لم يعطها سؤلها فيما تحب. قرة عينه فيما لا يزول. وزهادته فيما لا يبقى (4). يمزج الحلم بالعلم. والقول بالعمل. تراه قريبا أمله. قليلا زلله. خاشعا قلبه. قانعة نفسه. منزورا أكله. سهلا أمره. حريزا دينه (5) ميتة شهوته. مكظوما غيظه. الخير منه مأمول، والشر منه مأمون.


= أحد (1) قصدا أي اقتصادا. والتجمل: التظاهر باليسر عند الفاقة أي الفقر (2) التحرج عد الشئ حرجا أي إثما أي تباعدا عن طمع (3) إن استصعبت أي إذا لم تطاوعه نفسه فيما يشق عليها من الطاعة عاقبها بعدم إعطائها ما ترغبه من الشهوة (4) ما لا يزول هو الآخرة وما لا يبقى هو الدنيا (5) منزورا: قليلا. وحريزا أي حصينا

[ 164 ]

إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين. وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين (1). يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه. بعيدا فحشه (2). لينا قوله. غائبا منكره. حاضرا معروفه. مقبلا خيره مدبرا شره. في الزلازل وقور (3)، وفي المكاره صبور. وفي الرخاء شكور. لا يحيف على من يبغض. ولا يأثم فيمن يحب (4). يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه. لا يضيع ما استحفظ. ولا ينسى ما ذكر. ولا ينابز بالالقاب (5). ولا يضار بالجار ولا يشمت بالمصائب. ولا يدخل في الباطل. ولا يخرج من الحق. إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته. وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له. نفسه منه في عناء. والناس منه في راحة. أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه. بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة. ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة. ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة


(1) أي إن كان بين الساكتين عن ذكر الله فهو ذاكر له بقلبه وإن كان بين الذاكرين بلسانهم لم يكن مقتصرا على تحريك اللسان مع غفلة القلب (2) الفحش: القبيح من القول (3) في الزلازل أي الشدائد المرعدة. والوقور الذي لا يضطرب (4) لا يأثم الخ أي لا تحمله المحبة على أن يرتكب إثما لارضاء حبيبه (5) أي لا يدعو غيره باللقب = = الذي يكره ويشمئز منه

[ 165 ]

(قال) فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها (1). فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما والله لقد كنت أخافها عليه. ثم قال: أهكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها. فقال له قائل فما بالك يا أمير المؤمنين (2)؟ فقال: ويحك إن لكل أجل وقتا لا يعدوه وسببا لا يتحاوزه. فمهلا لا تعد لمثلها فإنما نفث الشيطان على لسانك 194 - ومن خطبة له عليه السلام يصف فيها المنافقين نحمده على ما وفق له من الطاعة، وذاد عنه من المعصية (3). ونسأله لمنته تماما وبحبله اعتصاما. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله خاض إلى رضوان الله كل غمرة (4)، وتجرع فيه كل غصة. وقد تلون له الادنون (5)، وتألب عليه الاقصون. وخلعت إليه العرب أعنتها،


(1) صعق: غشى عليه (2) فما بالك لا تموت مع انطواء سرك على هذه المواعظ البالغة، وهذا سؤال الوقح البارد (3) ذاد عنه: حمى عنه (4) الغمرة: الشدة (5) تلون أي تقلب له الادنون أي الاقربون فلم يثبتوا معه. وتألب أي اجتمع على عداوته الاقصون أي الابعدون. وخلعت العرب أعنتها - جمع عنان - وهو حبل اللجام أي خرجت عن طاعته فلم تنقد له بزمام أو المراد أنها خلعت الاعنة سرعة إلى حربه فإن ما لا يمسكه عنان يكون أسرع جريا. والرواحل - جمع راحلة - وهي =

[ 166 ]

وضربت لمحاربته بطون رواحلها، حتى أنزلت بساحته عداوتها من أبعد الدار وأسحق المزار (1) أوصيكم عباد الله بتقوى الله. وأحذركم أهل النفاق فإنهم الضالون المضلون، والزالون المزلون (2). يتلونون ألوانا، ويفتنون أفتنانا (3)، ويعمدونكم بكل عماد، ويرصدونكم بكل مرصاد. قلوبهم دوية (4). وصفاحهم نقية. يمشون الخفاء (5)، ويدبون الضراء وصفهم دواء، وقولهم شفاء، وفعلهم الداء العياء (6). حسدة الرخاء (7)، ومؤكدوا البلاء، ومقنطوا الرجاء. لهم بكل طريق صريع (8) وإلى


= الناقة أي ساقوا ركائبهم إسراعا لمحاربته (1) أسحق: أقصى (2) الزالون من زل أي أخطأ. والمزلون من أزله إذا أوقعه في الخطأ (3) يفتنون أي يأخذون في فنون من القول لا يذهبون مذهبا واحدا. ويعمدونكم أي يقيمونكم بكل عماد. والعماد ما يقام عليه البناء أي إذا ملتم عن أهوائهم أقاموكم عليها بأعمدة من الخديعة حتى توافقوهم. والمرصاد: محل الارتقاب ويرصدونكم يقعدون لكم بكل طريق ليحولوكم عن الاستقامة (4) دوية أي مريضة من الدوى بالقصر وهو المرض. والصفاح: جمع صفحة، والمراد منها صفاح وجوههم ونقاوتها صفاؤها من علامات العداوة وقلوبهم ملتهبة بنارها (5) يمشون مشى التستر ويدبون أي يمشون على هينة دبيب الضراء أي يسرون سريان المرض في الجسم أو سريان النقص في الاموال والانفس والثمرات (6) الداء: العياء بالفتح - الذي أعيى الاطباء ولا يمكن منه الشفاء (7) حسدة: جمع حاسد، أي يحسدون على السعة وإذا نزل بلاء بأحد أكدوه وزادوه وإذا رجى أحد شيئا أوقعوه في القنوط واليأس (8) الصريع: المطروح على الارض، أي أنهم كثيرا ما خدعوا أشخاصا حتى أوقعوهم في الهلكة

[ 167 ]

كل قلب شفيع، ولكل شجو دموع (1). يتقارضون الثناء (2)، ويتراقبون الجزاء. إن سألوا ألحفوا (3)، وإن عدلوا كشفوا، وإن حكموا أسرفوا. قد أعدوا لكل حق باطلا، ولكل قائم مائلا، ولكل حي قاتلا، ولكل باب مفتاحا، ولكل ليل مصباحا. يتوصلون إلى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم، وينفقوا به أعلاقهم (4). يقولون فيشبهون (5)، ويصفون فيموهون. قد هونوا الطريق (6)، وأضلعوا المضيق. فهم لمة الشيطان (7) وحمة النيران " أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون " 195 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله الذي أظهر من آثار سلطانه وجلال كبريائه ما حير


(1) الشجو: الحزن أي يبكون تصنعا متى أرادوا (2) يتقارضون كل واحد منهم يثني على الآخر ليثني الآخر عليه كأن كلا منهم يسلف الآخر دينا ليؤديه إليه وكل يعمل للآخر عملا يرتقب جزاءه عليه (3) بالغوا في السؤال وألحوا. وإن عذلوا أي لاموا كشفوا أي فضحوا من يلومونه (4) ينفقون أي يروجون من النفاق بالفتح - ضد الكساد. والاعلاق: جمع علق، الشئ النفيس، والمراد ما يزينونه من خدائعهم (5) أي يشبهون الحق بالباطل (6) يهونون على الناس طرق السير معهم على أهوائهم الفاسدة ثم بعد أن ينقادوا لهم يضلعون عليهم المضائق أي يجعلونها معوجة يصعب تجاوزها فيهلكون (7) اللمة - بضم ففتح - الجماعة من الثلاثة إلى العشرة والمراد هنا مطلق الجماعة. والحمة بالتخفيف الابرة تلسع بها العقرب ونحوها. والمراد لهيب النيران

[ 168 ]

مقل العيون من عجائب قدرته (1)، وردع خطرات هماهم النفوس عن عرفان كنه صفته (2). وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة إيمان وإيقان، وإخلاص وإذعان. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله وأعلام الهدى دارسة، ومناهج الدين طامسة (3). فصدع بالحق، ونصح للخلق. وهدى إلى الرشد، وأمر بالقصد. صلى الله عليه وآله واعلموا عباد الله أنه لم يخلقكم عبثا. ولم يرسلكم هملا. علم مبلغ نعمه عليكم، وأحصى إحسانه إليكم. فاستفتحوه واستنجحوه (4)، واطلبوا إليه واستمنحوه. فما قطعكم عنه حجاب، ولا أغلق عنكم دونه باب. وإنه لبكل مكان، وفي كل حين وأوان، ومع كل إنس وجان. لا يثلمه العطاء (5)، ولا ينقصه الحباء


(1) المقل بضم ففتح جمع مقلة وهي شحمة العين التي تجمع البياض والسواد (2) هماهم النفوس: همومها في طلب العلم (3) من طمس بفتحات أي انمحى واندرس. وصدع أي شق بناء الباطل بصدمة الحق. والقصد الاعتدال في كل شئ (4) استفتحوه اسألوه الفتح على أعدائكم واستنجحوه اسألوه النجاح في أعمالكم. واستمنحوه التمسوا منه العطاء (5) ثلم السيف كسر جانبه مجاز عن عدم انتقاص خزائنه بالعطاء والحباء - ككتاب - العطية لا مكافاة. واستنفده جعله نافد المال لا شئ عنده. واستقصاه أتى على آخر ما عنده. والله سبحانه لا نهاية لما لديه من المواهب. ولا يلويه أي لا يميله. وتولهه تذهله. ويجنه كيظنه يستره. وكأنه يريد رضى الله عنه أن صور الموجودات حجاب بين الوهم وسبحات وجهه وعلو ذاته مانع للعقل عن اكتناهه فهو بهذا باطل =

[ 169 ]

ولا يستنفده سائل، ولا يستقصيه نائل. ولا يلويه شخص عن شخص، ولا يلهيه صوت عن صوت. ولا تحجزه هبة عن سلب. ولا يشغله غضب عن رحمة. ولا تولهه رحمة عن عقاب. ولا يجنه البطون عن الظهور. ولا يقطعه الظهور عن البطون. قرب فنأى، وعلا فدنا. وظهر فبطن، وبطن فعلن. ودان ولم يدن (1). لم يذرإ الخلق باحتيال (2)، ولا استعان بهم لكلال أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها الزمام والقوام (3). فتمسكوا بوثائقها، واعتصموا بحقائقها تؤل بكم إلى أكنان الدعة (4)، وأوطان السعة، ومعاقل الحرز ومنازل العز في يوم تشخص فيه الابصار، وتظلم له الاقطار. ويعطل فيه صروم العشار (5). وينفخ في الصور.


= ومع ذلك فالاشياء بذاتها لا وجود لها وإنما وجودها نسبتها إليه فالوجود الحقيقي البرئ من شوائب العدم وجوده فالوجودات أشعة ضياء الوجود الحق فهو الظاهر على كل شئ وبهذا تتبين الاوصاف الآتية (1) دان: جازى وحاسب ولم يحاسبه أحد (2) ذرأ أي خلق، والاحتيال: التفكر في العمل وطلب التمكن من إبرازه ولا يكون إلا من العجز. والكلال الملل من التعب (3) التقوى زمام يقود للسعادة. وقوام بالفتح أي عيش يحيا به الابرار (4) الاكنان جمع كن بالكسر ما يستكن به. والدعة خفض العيش وسعته. والمعاقل: الحصون. والحرز: الحفظ (5) الصروم جمع صرمة بالكسر وهي قطعة من الابل فوق العشرة إلى تسعة عشر أو فوق العشرين إلى الثلاثين أو الاربعين أو الخمسين. والعشار - جمع عشراء - بضم ففتح - كنفساء - وهي الناقة مضى لحملها عشرة أشهر. وتعطيل جماعات الابل إهمالها من الرعي. والمراد أن يوم =

[ 170 ]

فتزهق كل مهجة، وتبكم كل لهجة. وتدك الشم الشوامخ (1)، والصم الرواسخ. فيصير صلدها سرابا رقرقا (2)، ومعهدها قاعا سملقا. فلا شفيع يشفع ولا حميم يدفع، ولا معذرة تنفع 196 - ومن خطبة له عليه السلام بعثه حين لا علم قائم (3). ولا منار ساطع. ولا منهج واضح. أوصيكم عباد الله بتقوى الله. وأحذركم الدنيا فإنها دار شخوص (4)، ومحلة تنغيص. ساكنها ظاعن. وقاطنها بائن (5). تميد بأهلها ميدان السفينة تقصفها العواصف في لجج البحار (6). فمنهم الغرق الوبق (7).


= القيامة تهمل فيه نفائس الاموال لاشتغال كل شخص بنجاة نفسه (1) الشم - جمع أشم - أي رفيع. والشامخ: المتسامي في الارتفاع. والصم - جمع أصم - وهو الصلب المصمت أي الذي لا تجويف فيه. والراسخ: الثابت (2) الصلد: الصلب الاملس. والسراب: ما يخيله ضوء الشمس كالماء خصوصا في الاراضي السبخة وليس بماء. والرقرق - كجعفر - المضطرب ومعهدها المحل الذي كان يعهد وجودها فيه. والقاع: ما اطمأن من الارض. والسملق - كجعفر - المستوي أن تنسف تلك الجبال ويصير مكانها قاعا صفصفا أي مستويا (3) الضمير في بعثه للنبي صلى الله عليه وسلم (4) الشخوص الذهاب والانتقال إلى بعيد (5) بائن: مبتعد منفصل (6) تميد أي تضطرب اضطراب السفينة. تقصفها أي تكسرها الرياح الشديدة (7) الوبق - بكسر الباء - الهالك أي منهم من هلك عند تكسر السفينة ومنهم من بقيت فيه الحياة فخلص محمولا على بطون الامواج كأن الامواج في انتفاخها كالحيوان المنقلب على ظهره وبطنه =

[ 171 ]

ومنهم الناجي على بطون الامواج تحفزه الرياح بأذيالها، وتحمله على أهوالها. فما غرق منها فليس بمستدرك، وما نجا منها فإلى مهلك عباد الله الآن فاعلموا والالسن مطلقة، والابدان صحيحة، والاعضاء لدنة (1)، والمنقلب فسيح، والمجال عريض، قبل إرهاق الفوت (2)، وحلول الموت. فحققوا عليكم نزوله، ولا تنتظروا قدومه. 197 - ومن كلام له عليه السلام ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله (3) أني لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط. ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الابطال (4)، وتتأخر فيها الاقدام


= لاعلى: وتحفزه أي تدفعه. ومصير هذا الناجي أيضا إلى الهلاك بعد طول العناء (1) اللدن - بالفتح - اللين أي والاعضاء في لين الحياة يمكن استعمالها في العمل. والمنقلب - بفتح اللام - مكان الانقلاب من الضلال إلى الهدى في هذه الحياة (2) أرهقه الشئ: أعجله فلم يتمكن من فعله. والفوت ذهاب الفرصة بحلول الاجل (3) المستحفظون - بفتح الفاء - اسم مفعول أي الذين أودعهم النبي صلى الله عليه وسلم أمانة سره وطالبهم بحفظها. ولم يرد على الله ورسوله: لم يعارضهما في أحكامهما (4) المواساة بالشئ الاشراك فيه فقد أشرك النبي في نفسه ولا تكون بالمال إلا أن يكون كفافا فان أعطيت عن فضل فليس بمواساة قالوا والفصيح في الفعل آسيته ولكن نطق الامام حجة

[ 172 ]

نجدة أكرمني الله بها (1) ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري. ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي (2). ولقد وليت غسله صلى الله عليه وآله والملائكة أعواني، فضجت الدار والافنية (3) ملا يهبط وملا يعرج وما فارقت سمعي هينمة منهم (4). يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه. فمن ذا أحق به مني حيا وميتا؟ فانفذوا على بصائركم (5)، ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم. فوالذي لاإله إلا هو إني لعلى جادة الحق وإنهم لعلى مزلة الباطل (6). أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم 198 - ومن خطبة له عليه السلام يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، ومعاصي العباد في الخلوات، واختلاف النينان في البحار الغامرات (7)، وتلاطم الماء بالرياح العاصفات


(1) النجدة بالفتح - الشجاعة. ونصبها هنا على المصدرية لفعل محذوف (2) نفسه دمه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء في مرضه فتلقى قيأه أمير المؤمنين في يده ومسح به وجهه (3) ضجيج الدار كان بالملائكة النازلين والعارجين. والافنية جمع فناء - بكسر الفاء - ما اتسع أمام الدار (4) الهينمة الصوت الخفي (5) البصيرة: ضياء العقل كأنه يقول فاذهبوا إلى عدوكم محمولين على اليقين الذي لا ريبة فيه (6) المزلة: مكان الزلل الموجب للسقوط في الهلكة (7) النينان - جمع نون - وهو الحوت

[ 173 ]

وأشهد أن محمدا نجيب الله (1) وسفير وحيه ورسول رحمته أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأ خلقكم، وإليه يكون معادكم، وبه نجاح طلبتكم، وإليه منتهى رغبتكم، ونحوه قصد سبيلكم، وإليه مرامي مفزعكم (2). فإن تقوى الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء عشا أبصاركم وأمن فزع جأشكم (3)، وضياء سواد ظلمتكم. فاجعلوا طاعة الله شعارا دون دثاركم (4)، ودخيلا دون شعاركم، ولطيفا بين أضلاعكم وأميرا فوق أموركم، ومنهلا لحين ورودكم (5)، وشفيعا لدرك طلبتكم وجنة ليوم فزعكم، ومصابيح لبطون قبوركم، وسكنا لطول وحشتكم، ونفسا لكرب مواطنكم. فإن طاعة الله حرز من متالف مكتنفة، ومخاوف متوقعة، وأوار نيران موقدة (6). فمن


(1) النجيب المختار المصطفى (2) مرمى المفزع ما يدفع إليه الخوف وهو الملجأ أي وإليه ملاجئ خوفكم (3) الجأش: ما يضطرب في القلب عند الفزع أو التهيب أو توقع المكروه (4) الشعار: ما يلي البدن من الثياب. والدثار: ما فوقه (5) المنهل ما ترده الشاربة من الماء للشرب. والدرك - بالتحريك - اللحاق. والطلبة - بالكسر - المطلوب. والجنة - بالضم - الوقاية (6) الاوار - بالضم - حرارة النار ولهيبها

[ 174 ]

أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها (1)، وأحلولت له الامور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الامواج بعد تراكمها، وأسهلت له الصعاب بعد إنصابها (2)، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها، وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها (3)، وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها، ووبلت عليه البركة بعد إرذاذها فاتقوا الله الذي نفعكم بموعظته، ووعظكم برسالته، وامتن عليكم بنعمته. فعبدوا أنفسكم لعبادته (4)، وأخرجوا إليه من حق طاعته. ثم إن هذا الاسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه، واصطنعه على عينه، وأصفاه (5) خيرة خلقه، وأقام دعائمه على محبته أذل الاديان بعزته، ووضع الملل برفعه، وأهان أعداءه بكرامته، وخذل


(1) عزبت بالزاي غابت وبعدت (2) الانصاب مصدر بمعنى الاتعاب (3) تحدب عليه: عطف. ونضب الماء نضوبا غار وذهب في الارض. ونضوب النعمة: قلتها أو زوالها. ووبلت السماء: أمطرت مطرا شديدا. وأرذت - بتشديد الذال - إرذإذا مطرت مطرا ضعيفا في سكون كأنه الغبار المتطاير (4) فعبدوا أي فذللوا (5) اصطناع الشئ على العين: الامر بصنعته تحت النظر خوف المخالفة في المطلوب من صنعته، والمراد هنا تشريع الدين وتكميله على حسب علم الله الاعلى وتحت عنايته بحفظه. ووجه التجوز ظاهر، وأصفاه العطاء وبه أخلص له وآثره به، وخيرة - بفتح الياء - أفضل ما يضاف =

[ 175 ]

محاديه بنصره (1)، وهدم أركان الضلالة بركنه. وسقى من عطش من حياضه، وأتأق الحياض بمواتحه (2). ثم جعله لا انفصام لعروته، ولا فك لحلقته، ولا انهدام لاساسه، ولا زوال لدعائمه، ولا انقلاع لشجرته، ولا انقطاع لمدته، ولا عفاء لشرائعه (3)، ولا جذ لفروعه، ولا ضنك لطرقه، ولا وعوثة لسهولته، ولا سواد لوضحه، ولا عوج لانتصابه، ولا عصل في عوده، ولا وعث لفجه، ولا انطفاء لمصباحه، ولا مرارة لحلاوته، فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها (4)، وثبت لها أساسها وينابيع غزرت عيونها، ومصابيح شبت نيرانها، ومنار اقتدى بها سفارها (5)، وأعلام قصد بها فجاجها، ومناهل روي بها ورادها. جعل فيه منتهى رضوانه، وذروة دعائمه، وسنام طاعته.


= إليه أي وآثر هذا الدين بأفضل الخلق ليبلغه للناس (1) محاديه - جمع محاد - الشديد المخالفة. والركن: العز والمنعة (2) تئق الحوض - كفرح - امتلا. وأتأقه ملاه. والمواتح - جمع ماتح - نازع الماء من الحوض (3) العفاء - كسحاب - الدروس والاضمحلال. والجذ: القطع. والضنك: الضيق. والوعوثة: رخاوة في السهل تغوص بها الاقدام عند السير فيعسر المشي فيه. والوضح: محركة بياض الصبح. والعصل - بفتح الصاد - الاعوجاج يصعب تقويمه. ووعث الطريق: تعسر المشي فيه. والفج: الطريق الواسع بين جبلين (4) أساخ: أثبت. وأصل ساخ غاص في لين وخاض فيه. والاسناخ: الاصول. وغزرت: كثرت. وشبت النار: ارتفعت من الايقاد (5) المنار: ما ارتفع لتوضع عليه نار يهتدى إليها. والسفار - بضم فتشديد - ذوو السفر أي يهتدى =

[ 176 ]

فهو عند الله وثيق الاركان، رفيع البنيان، منير البرهان، مضئ النيران، عزيز السلطان، مشرف المنار (1) معوز المثار. فشرفوه واتبعوه، وأدوا إليه حقه، وضعوه مواضعه. ثم إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق حين دنا من الدنيا الانقطاع، وأقبل من الآخرة الاطلاع (2). وأظلمت بهجتها بعد إشراق (3)، وقامت بأهلها على ساق. وخشن منها مهاد، وأزف منها قياد. في انقطاع من مدتها، واقتراب من أشراطها (4)، وتصرم من أهلها، وانفصام من حلقتها، وانتشار من سببها، وعفاء من أعلامها، وتكشف من عوراتها، وقصر من طولها. جعله الله بلاغا لرسالته، وكرامة لامته، وربيعا لاهل زمانه، ورفعة لاعوانه، وشرفا لانصاره


= إليه المسافرون في طريق الحق. والاعلام. ما يوضع على أوليات الطرق أو أوساطها ليدل عليها فهو هدايات بسببها قصد السالكون طرقها (1) مشرف المنار: مرتفعه وأعوزه الشئ: احتاج إليه فلم ينله. والمثار مصدر من ثار الغبار إذا هاج أي لو طلب أحد إثارة هذا الدين لما استطاع لثباته (2) الاطلاع: الاتيان اطلع فلان علينا أي أتانا (3) الضمير في بهجتها للدنيا. وقامت بأهلها على ساق أي أفزعتهم. وخشونة المهاد: كناية عن شدة آلامها. وأزف - كفرح - أي قرب، والمراد من القياد انقيادها للزوال (4) الاشراط جمع شرط - كسبب - أي علامات انقضائها. والتصرم: التقطع. والانفصام: الانقطاع. وإذا انفصمت الحلقة انقطعت الرابطة. وانتشار الاسباب تبددها = = حتى لا تضبط. وعفاء الاعلام اندراسها

[ 177 ]

ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه، وسراجا لا يخبو توقده (1)، وبحرا لا يدرك قعره، ومنهاجا لا يضل نهجه (2)، وشعاعا لا يظلم ضوءه، وفرقانا لا يخمد برهانه، وتبيانا لا تهدم أركانه وشفاء لا تخشى أسقامه، وعزا لا تهزم أنصاره، وحقا لا تخذل أعوانه. فهو معدن الايمان وبحبوحته (3)، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه (4)، وأثافي الاسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه (5). وبحر لا ينزفه المستنزفون (6)، وعيون لا ينضبها الماتحون ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون وآكام لا يجوز عنها (7) القاصدون.


(1) خبت النار: طفئت (2) المنهاج: الطريق الواسع. والنهج هنا السلوك. ويضل رباعي أي لا يكون من سلوكه إضلال (3) بحبوحة المكان: وسطه (4) الرياض جمع روضة وهي مستنقع الماء في رمل أو عشب. والغدران جمع غدير وهو القطعة من الماء يغادرها السيل، والمراد أن الكتاب مجمع العدالة تلتقي فيه متفرقاتها. والاثافي جمع أثفية الحجر يوضع عليه القدر أي عليه قام الاسلام (5) غيطان الحق - جمع غاط أو غوط - وهو المطمئن من الارض أي أن هذا الكتاب منابت طيبة يزكو بها الحق وينمو (6) لا ينزفه أي لا يفنى ماؤه ولا يستفرغه المغترفون ولا ينضبها - كيكرمها - أي ينقصها. والماتحون - جمع ماتح نازع الماء من الحوض. والمناهل: مواضع الشرب من النهر. ولا يغيضها من أغاض الماء نقصه (7) آكام - جمع أكمة - وهو الموضع يكون أشد ارتفاعا مما حوله وهو دون الجبل في غلظ لا يبلغ أن يكون حجرا. فطرق الحق تنتهي إلى أعالي هذا الكتاب =

[ 178 ]

جعله الله ريا لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء، ومحاج لطرق الصلحاء، ودواء ليس بعده داء، ونورا ليس معه ظلمة وحبلا وثيقا عروته، ومعقلا منيعا ذروته، وعزا لمن تولاه، وسلما لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وعذرا لمن انتحله، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهدا لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به (1)، وحاملا لمن حمله، ومطية لمن أعمله، وآية لمن توسم، وجنة لمن استلام (2). وعلما لمن وعى، وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى 199 - ومن كلام له عليه السلام يوصي به أصحابه تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقربوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا: " ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين " وإنها لتحت الذنوب حت الورق (3)، وتطلقها إطلاق الربق (4)


= وعندها ينقطع سير السائرين إليه لا يتجاوزنها والمتجاوز هالك. والمحاج - جمع محجة - وهي الجادة من الطريق (1) الفلج - بالفتح - الظفر والفوز (2) الجنة - بالضم - ما به يتقى الضرر. واستلام أي لبس اللامة وهي الدرع أو جميع أدوات الحرب أي أن من جعل القرآن لامة حربه لمدافعة الشبه والتوقي من الضلالة كان القرآن وقاية له (3) حت الورق عن الشجرة: قشره (4) الربق - بالكسر - حبل فيه عدة أي بفتح الفاء مع سكون اللام =

[ 179 ]

وشبهها رسول الله صلى الله عليه وآله بالحمة (1) تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات فما عسى أن يبقى عليه من الدرن. وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ولا قرة عين من ولد ولا مال. يقول الله سبحانه " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نصبا بالصلاة (2) بعد التبشير له بالجنة لقول الله سبحانه " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " فكان يأمر أهله ويصبر عليها نفسه ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لاهل الاسلام فمن أعطاها طيب النفس بها فإنها تجعل له كفارة، ومن النار حجازا ووقاية. فلا يتبعنها أحد نفسه (3)، ولا يكثرن عليها لهفه. فإن من أعطاها غير طيب النفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسنة مغبون الاجر. ضال العمل. طويل الندم


= عرى كل منها ربقة أي اطلاق الحبل ممن ربط به فكأن الذنوب ربق في الاعناق والصلاة تفكها منه (1) الحمة - بالفتح - كل عين تنبع بالماء الحار يستشفى بها من العلل. والدرن: الوسخ. روي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيسر أحدكم أن يكون على بابه حمة يغتسل منها كل يوم خمس مرات فلا يبقى من درنه شئ؟ قالوا نعم، قال إنها الصلوات الخمس (2) نصبا - بفتح فكسر - أي تعبا (3) أي من =

[ 180 ]

ثم أداء الامانة، فقد خاب من ليس من أهلها. إنها عرضت على السموات المبنية، والارضين المدحوة (1)، والجبال ذات الطول المنصوبة، فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها. ولو امتنع شئ بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن، ولكن أشفقن من العقوبة، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الانسان " إنه كان ظلوما جهولا " إن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم ونهارهم (2). لطف به خبرا، وأحاط به علما، أعضاؤكم شهود، وجوارحكم جنود، وضمائركم عيونه، وخلواتكم عيانه 200 - ومن كلام له عليه السلام والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة. ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة. والله ما أستغفل


= أعطى الزكاة فلا تذهب نفسه مع ما أعطى تعلقا به ولهفا عليه. ومغبون الاجر: منقوصه (1) المدحوة: المبسوطة (2) مقترفون أي مكتسبون. والخبر بضم الخاء العلم والله لطيف العلم بما يكسبه الناس أي دقيقه كأنه ينفذ في سرائرهم كما ينفذ لطيف الجواهر في مسام =

[ 181 ]

بالمكيدة، ولا أستغمز بالشديدة (1) 201 - ومن كلام له عليه السلام أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير (2)، وجوعها طويل أيها الناس إنما يجمع الناس الرضاء والسخط (3). وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا فقال سبحانه: " فعقروها فأصبحوا نادمين " فما كان إلا أن خارت أرضهم بالخسفة (4) خوار السكة المحماة في الارض الخوارة أيها الناس من سلك الطريق الواضح ورد الماء، ومن خالف وقع في التية


= الاجسام بل هو أعظم من ذلك. والعيان - بكسر العين - المعاينة والمشاهدة (1) لا أستغمز مبني للمجهول أي لا أستضعف بالقوة الشديدة. والمعنى لا يستضعفني شديد القوة. والغمز: محركة - الرجل الضعيف (2) المائدة هي مائدة الدنيا فلا تغرنكم رغباتها فتنضم بكم مع الضالين في محبتها فذلك متاع قليل (3) أي يجمعهم في استحقاق العقاب فإن الراضي بالمنكر كفاعله ومن لم ينه عنه فهو به راض (4) خارت: صوتت كخوار الثور. والسكة المحماة حديدة المحراث إذا أحميت في النار فهي أسرع غورا في الارض الخوارة أي السهلة اللينة، وقد يكون لها صوت شديد إذا كان في الارض شئ من جذور =

[ 182 ]

202 - ومن كلام له عليه السلام عند دفن سيدة النساء فاطمة عليها السلام السلام عليك يارسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك. قل يارسول الله عن صفيتك صبرى، ورق عنها تجلدي. إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك (1)، وفادح مصيبتك موضع تعز. فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك. إنا لله وإنا إليه راجعون. فلقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة. أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد (2) إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم. وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها (3) فأحفها السؤال واستخبرها الحال. هذا ولم يطل العهد. ولم يخل منك الذكر. والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم (4). فإن أنصرف فلا عن ملالة. وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين


= النبات، يشتد الصوت كلما اشتدت السرعة (1) يريد بالتأسي الاعتبار بالمثال المتقدم. والفادح: المثقل. والتعزي: التصبر. وملحودة القبر: الجهة المشقوفة منه (2) ينقضي بالسهاد وهو السهر (3) هضمها: ظلمها. وإحفاء السؤال: الاستقصاء فيه (4) القالي: =

[ 183 ]

203 - ومن كلام له عليه السلام أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز (1) والآخرة دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم. ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم. وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم. ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقتم. إن المرء إذا هلك قال الناس ما ترك وقالت الملائكة ما قدم. لله آباؤكم فقدموا بعضا يكن لكم قرضا ولا تخلفوا كلا فيكون عليكم 204 - ومن كلام له عليه السلام كان كثيرا ما ينادي به أصحابه تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل. وأقلوا العرجة على الدنيا (2). وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فإن أمامكم عقبة كؤودا، ومنازل مخوفة مهولة لابد من الورود عليها والوقوف عندها. واعلموا أن ملاحظ المنية نحوكم دانية (3). وكأنكم


= المبغض. والسئم من السآمة (1) أي ممر إلى الآخرة (2) العرجة - بالضم - اسم من التعريج بمعنى حبس المطية على المنزل أي اجعلوا ركونكم إليها قليلا. والكؤود: الصعبة المرتقى (3) ملاحظ المنية: منبعث نظرها. ودانية: قريبة. ونشبت: علقت بكم.

[ 184 ]

بمخالبها وقد نشبت فيكم، وقد دهمتكم فيها مفظعات الامور ومعضلات المحذور. فقطعوا علائق الدنيا، واستظهروا بزاد التقوى (1) (وقد مضى شئ من هذا الكلام فيما تقدم بخلاف هذه الرواية) 205 - ومن كلام له عليه السلام كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا من ترك مشورتهما والاستعانة في الامور بهما لقد نقمتما يسيرا (2) وأرجأتما كثيرا. ألا تخبراني أي شئ لكما فيه حق دفعتكما عنه، وأي قسم استأثرت عليكما به، أم أي حق رفعه إلى أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته، أم أخطأت بابه والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة (3). ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها. فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته، وما استسن النبي صلى الله عليه وآله فاقتديته. فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركما


(1) استظهروا: استعينوا (2) نقمتما أي غصبتما ليسير، وأخرتما مما يرضيكما كثيرا لم تنظرا إليه (3) الاربة - بكسر - الغرض والطلبة

[ 185 ]

وإخواني المسلمين، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما. وأما ما ذكرتما من أمر الاسوة (1) فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى مني. بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله قد فرغ منه، فلم أحتج إليكما فيما فرغ الله من قسمه وأمضى فيه حكمه. فليس لكما والله عندي ولا لغير كما في هذا عتبى. أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق، وألهمنا وإياكم الصبر (ثم قال عليه السلام) رحم الله امرأ رأى حقا فأعان عليه، أو رأى جورا فرده وكان عونا بالحق على صاحبه 206 - ومن كلام له عليه السلام وقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم. اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح


(1) الاسوة ههنا التسوية بين المسلمين في قسمة الاموال، وكان ذلك قد أغضبهما على ما روي

[ 186 ]

ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به (1) 207 - وقال عليه السلام في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن عليه السلام يتشرع إلى الحرب املكوا عني هذا الغلام لا يهدني (2)، فإنني أنفس بهذين (يعني الحسن والحسين عليهما السلام) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله (وقوله عليه السلام املكوا عني هذا الغلام من أعلى الكلام وأفصحه) 208 - ومن كلام له عليه السلام قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة أيها الناس إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب حتى نهكتكم الحرب (3)، وقد والله أخذت منكم وتركت، وهي لعدوكم أنهك.


(1) الارعواء: النزوع عن الغي والرجوع عن وجه الخطأ. ولهج به أي أولع به (2) املكوا عني أي خذوه بالشدة وأمسكوه لئلا يهدني أي يهدمني ويقوض أركان قوتي بموته في الحرب. ونفس به - كفرح - أي ضن به، أي أبخل بالحسن والحسين على الموت (3) نهكته الحمى: أضعفته وأضنته، أي كنتم مطيعين حتى أضعفتكم الحرب فجبنتم مع أنها في غيركم أشد تأثيرا. وقد ألزمه قومه بقبول التحكيم فالتزم بإجابتهم فكأنهم أمروه ونهوه فامتثل لهم.

[ 187 ]

لقد كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا. وكنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم منهيا. وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون 209 - ومن كلام له عليه السلام بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده فلما رأى سعة داره قال ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا. أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها (1)، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة فقال له العلاء يا أمير المؤمنين أشكوا إليك أخي عاصم بن زياد، قال وماله؟ قال لبس العباءة وتخلى عن الدنيا. قال علي به. فلما جاء قال: يا عدي نفسه (2) لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك.


(1) أطلع الحق مطلعه: أظهره حيث يجب أن يظهر (2) عدي - تصغير عدو - وفي هذا الكلام بيان أن لذائذ الدنيا لاتبعد العبد عن الله لطبيعتها ولكن لسوء القصد فيها

[ 188 ]

أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك. قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك. قال: ويحك إني لست كأنت، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره (1) 21 0 - ومن كلام له عليه السلام وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر (2)، فقال عليه السلام إن في أيدي الناس حقا وباطلا. وصدقا وكذبا. وناسخا ومنسوخا وعاما وخاصا. ومحكما ومتشابها. وحفظا ووهما. ولقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال:


(1) يقدروا أنفسهم أي يقيسوا أنفسهم بالضعفاء ليكونوا قدوة للغنى في الاقتصاد وصرف الاموال في وجوه الخير ومنافع العامة وتسلية للفقير على فقره حتى لا يتبيغ أي يهيج به ألم الفقر فيهلكه. وقد روي المعنى بتمامه بل بأكثر تفصيلا عنه كرم الله وجهه في عبارة أخرى (2) الخبر الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 189 ]

" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس: رجل منافق مظهر للايمان، متصنع بالاسلام لا يتأثم ولا يتحرج (1)، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا، فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله رأى وسمع منه ولقف عنه (2) فيأخذون بقوله، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده عليه وآله السلام فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الاعمال وجعلوهم حكاما على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا. وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله فهو أحد الاربعة (3) ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه (4) ولم يتعمد كذبا فهو في يديه ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم


(1) لا يتأثم أي لا يخاف الاثم، ولا يتحرج لا يخشى الوقوع في الحرج وهو الجرم (2) تناول وأخذ عنه (3) فهو أي من عصم الله أحد الاربعة وهو خيرهم الرابع (4) وهم: غلط وأخطأ في نسخة: فهذا أحد الاربعة

[ 190 ]

يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله ولم يهم (1)، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه، فحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه (2)، وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه (3). وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان: فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به ولا ما عنى رسول الله صلى الله عليه وآله، فيحمله السامع


(1) لم يهم أي لم يخطئ ولم يظن خلاف الواقع (2) جنب أي تجنب (3) أي عرف المتشابه من الكلام وهو ما لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم. ومحكم الكلام =

[ 191 ]

ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله. وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يسأله ويستفهمه حتى أن كانوا ليحبون أن يجئ الاعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا. وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألت عنه وحفظته. فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم 211 - ومن خطبة له عليه السلام وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا (1). ثم فطر منه أطباقا (2) ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها فاستمسك بأمره، وقامت على حده. وأرسى أرضا يحملها الاخضر المثعنجر والقمقام المسخر (3).


= أي صريحه الذي لم ينسخ (1) زخر البحر - كمنع - وزخورا، وتزخر: طمى وامتلا. والمتقاصف: المتزاحم كان أمواجه في تزاحمها يقصف بعضها بعضا أي يكسره. واليبس - بالتحريك - اليابس (2) فطر منه أي من اليبس. والاطباق طبقات مختلفة في تركيبها إلا أنها كانت رتقا يتصل بعضها ببعض ففتقها سبعا وهي السموات وقف كل منها حيث مكنه الله على حسب ما أودع فيه من السر الحافظ له فاستمسكت بأمر الله التكويني، وقامت على حده أي حد الامر الالهي، وليس المراد من البحر هذا الذي نعرفه ولكن مادة الاجرام قبل تكاثفها فإنما كانت مائرة مائجة أشبه بالبحر بل هي البحر الاعظم (3) المراد من الاخضر الحامل للارض هو البحر. =

[ 192 ]

قد ذل لامره، وأذعن لهيبته، ووقف الجاري منه لخشيته. وجبل جلاميدها (1) ونشوز متونها وأطوادها. فأرساها في مراسيها. وألزمها قرارتها فمضت رؤوسها في الهواء، ورست أصولها في الماء. فأنهد جبالها عن سهولها (2)، وأساخ قواعدها في متون أقطارها ومواضع أنصابها. فأشهق قلالها (3)، وأطال أنشازها (4). وجعلها للارض عمادا، وأرزها فيها أوتادا فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها (5) أو


= والمثعنجر بفتح الجيم - معظم البحر وأكثر مواضعه ماء، وبكسر الجيم هو السائل مطلقا. من ماء أو دمع. والقمقام - بفتح القاف وتضم - البحر أيضا، وهو مسخر لقدرة الله تعالى. وحمله للارض إحاطته بها كأنها قارة فيه (1) جبل: خلق. والجلاميد الصخور الصلبة. والنشوز: جمع نشز - بسكون الشين وفتحها وفتح النون - ما ارتفع من الارض. والمتون: جمع متن: ما صلب منها وارتفع. والاطواد عطف على المتون وهي عظام الناتئات. وقرارتها ما استقرت فيه. كمراسيها ما رست أي رسخت فيه (2) قوله فانهد الخ كأن النشوز والمتون والاطواد كانت في بداية أمرها على ضخامتها غير ظاهرة الامتياز ولا شامخة الارتفاع عن السهول حتى إذا ارتجت الارض بما أحدثت يد القدرة الالهية في بطونها نهدت الجبال عن السهول فانفصلت كل الانفصال وامتازت بقواعد سائخة أي غائصة في المتون من أقطار الارض. ومواضع الانصاب: جمع نصب - بضمتين - وهو ما جعل علما يشهد فيقصد، فإن الجبال إنما تشامخت من مرتفع الارض وصلبها (3) قلة الجبل أعلاه. وأشهقها جعلها شاهقة أي بعيدة الارتفاع (4) أطال أنشازها أي مد متونها المرتفعة في جوانب الارض. وأرزها - بالتشديد: ثبتها (5) أي أن الارض على حركتها المخصوصة بها سكنت عن أن تميد أي تضطرب بأهلها وتتزلزل بهم إلا ما يشاء الله في بعض مواضعها لبعض الاسباب. وتسيخ - كتسوخ - أي تغوص =

[ 193 ]

تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها. فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها. فجعلها لخلقه مهادا (1)، وبسطها لهم فراشا فوق بحر لجي راكد لا يجري (2)، وقائم لا يسري. تكر كره الرياح العواصف (3). وتمخضه الغمام الذوارف " إن في ذلك لعبرة لمن يخشى " 212 - ومن خطبة له عليه السلام اللهم أيما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غير الجائرة، والمصلحة في الدين والدنيا غير المفسدة فأبى بعد سمعه لها إلا النكوص عن نصرتك، والابطاء عن إعزاز دينك، فإنا نستشهدك عليه بأكبر الشاهدين شهادة (4). ونستشهد عليه جميع من أسكنته أرضك وسمواتك، ثم أنت بعد المغني عن نصره والآخذ له بذنبه


= في الهواء فتنخسف. وزوالها عن مواضعها: تحولها عن مركزها المعين لها (1) المهاد الفراش وما تهيئه لنوم الصبي (2) لا يسيل في الهواء (3) تكركره: تذهب به وتعود. وشبه اشتمال السحاب على خلاصة ماء البحر وهو بخاره بمخضها له كأنه لبن تخرج زبده. والذوارف: جمع ذارفة، من ذرف الدمع إذا سال (4) أكبر الشاهدين هو النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن

[ 194 ]

213 - ومن خطبة له عليه السلام الحمد لله العلي عن شبه المخلوقين (1)، الغالب لمقال الواصفين. الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين، الباطن بجلال عزته عن فكر المتوهمين. العالم بلا اكتساب ولا ازدياد ولا علم مستفاد، المقدر لجميع الامور بلا روية ولا ضمير. الذي لا تغشاه الظلم ولا يستضئ بالانوار، ولا يرهقه ليل (2) ولا يجري عليه نهار. ليس إدراكه بالابصار ولا علمه بالاخبار (منها في ذكر النبي صلى الله عليه وآله): أرسله بالضياء وقدمه في الاصطفاء فرتق به المفاتق (3)، وساور به المغالب. وذلل به الصعوبة، وسهل به الحزونة حتى سرح الضلال عن يمين وشمال.


(1) شبه - بالتحريك - أي مشابهة (2) رهقه - كفرح - غشيه (3) الرتق: سد الفتق، والمفاتق مواضع الفتق وهي ما كان بين الناس من فساد وفي مصالحهم من اختلال. وساور به المغالب أي واثب بالنبي صلى الله عليه وسلم كل من يغالب الحق. والحزونة غلظ في الارض. والمراد سهل به خشونة الاخلاق الرديئة والعقائد الفاسدة بتهذيب الطباع وتنوير العقول حتى سرح به الضلال أي أبعده عن يمين السالكين نهج الاعتدال وشمالهم، وكأنه يريد جانبي الافراط والتفريط. والابعاد تجنبهما. ولزوم العدل الوسط

[ 195 ]

214 - ومن كلام له عليه السلام وأشهد أنه عدل عدل وحكم فصل. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وسيد عباده كلما نسخ الله الخلق فرقتين (1) جعله في خيرهما. لم يسهم فيه عاهر (2) ولا ضرب فيه فاجر ألا وإن الله جعل للخير أهلا وللحق دعائم، وللطاعة عصما (3) وإن لكم عند كل طاعة عونا من الله يقول على الالسنة ويثبت الافئدة. فيه كفاء لمكتف (4) وشفاء لمشتف واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه (5) يصونون مصونه، ويفجرون عيونه. يتواصلون بالولاية (6). ويتلاقون بالمحبة. ويتساقون بكأس روية (7). ويصدرون برية. لا تشوبهم الريبة (8)


(1) نسخ الخلق نقلهم بالتناسل عن أصولهم فجعلهم بعد الوحدة في الاصول فرقا (2) أي لم يكن لعاهر سهم في أصوله. والعاهر من يأتي غير حله كالفاجر. وضرب في الشئ صار له نصيب منه (3) العصم - بكسر ففتح -: جمع عصمة وهي ما يعتصم به. وعصم الطاعات الاخلاص لله وحده (4) الكفاء - بالفتح -: الكافي أو الكفاية (5) المستحفظين بصيغة اسم المفعول الذين أودعوا العلم ليحفظوه (6) الولاية: الموالاة والمصافاة (7) الروية فعيلة بمعنى فاعلة أي يروى شرابها من ظمإ التباعد والنفرة. ورية - بكسر الراء وتشديد الياء - الواحدة من الري: زوال العطش (8) لا يخالطهم الريب والشك في عقائدهم ولا تسرع الغيبة فيهم بالافساد لامتناعهم عن الاغتياب =

[ 196 ]

ولا تسرع فيهم الغيبة. على ذلك عقد خلقهم وأخلاقهم (1). فعليه يتحابون وبه يتواصلون. فكانوا كتفاضل البذر ينتقى (2)، فيؤخذ منه ويلقى. قد ميزه التخليص، وهذبه التمحيص (3). فليقبل امرو كرامة بقبولها (4). وليحذر قارعة قبل حلولها. ولينظر امرو في قصير أيامه، وقليل مقامه في منزل حتى يستبدل به منزلا (5). فليصنع لمتحوله ومعارف منتقله (6). فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه، وتجنب من يرديه، وأصاب سبيل السلامة ببصر من بصره (7) وطاعة هاد أمره. وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه وتقطع أسبابه. واستفتح التوبة وأماط الحوبة فقد أقيم على الطريق وهدى نهج السبيل


= وعدم إصغائهم إليه (1) عقد خلقهم أي أنه وصل خلقهم الجسماني وأخلاقهم النفسية بهذه الصفات وأحكم صلتهما بها حتى كأنهما معقودان بها (2) أي كانوا إذا نسبتهم إلى سائر الناس رأيتهم يفضلونهم ويمتازون عليهم كتفاضل البذر فإن البذر يعتني بتنقيته ليخلص النبات من الزوان ويكون النوع صافيا لا يخالطه غيره، وبعد التنقية يؤخذ منه ويلقى في الارض فالبذر يكون أفضل الحبوب وأخلصها (3) التهذيب: التنقية. والتمحيص الاختبار (4) الكرامة هنا النصيحة أي اقبلوا نصيحة لا أبتغي عليها أجرا إلا قبولها. والقارعة: داعية الموت أو القيامة تأتي بغتة (5) حتى غاية للقصر والقلة فقصير الايام وما بعده ينتهي باستبدال المنزل بمنزل آخر (6) المتحول - بفتح الواو مشددة - ما يتحول إليه. ومعارف المنتقل المواضع التي يعرف الانتقال إليها (7) أي باستنارته بإرشاد من أرشده وطاعة الهادي الذي أمره قبل أن تغلق أبواب الهدى =

[ 197 ]

215 - ومن دعاء كان يدعو به عليه السلام كثيرا الحمد الله الذي لم يصبح بي ميتا ولا سقيما (1)، ولا مضروبا على عروقي بسوء، ولا مأخوذا بأسوإ عملي، ولا مقطوعا دابري، ولا مرتدا عن ديني، ولا منكرا لربي، ولا مستوحشا من إيماني، ولا ملتبسا عقلي، ولا معذبا بعذاب الامم من قبلي. أصبحت عبدا مملوكا ظالما لنفسي، لك الحجة علي ولا حجة لي. لا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، ولا أتقي إلا ما وقيتني اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أضام في سلطانك، أو أضطهد والامر لك اللهم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي، وأول وديعة ترتجعها من ودائع نعمك عندي اللهم إنا نعوذ بك أن نذهب عن قولك، أو نفتتن عن دينك. أو تتابع بنا أهواؤنا (2) دون الهدى الذي جاء من عندك


= بالموت. والحوبة - بفتح الحاء - الاثم وإماطتها تنحيتها (1) ميتا حال من المجرور وأصبح تامة (2) التتابع: ركوب الامر على خلاف الناس والاسراع إلى الشر واللجاجة يستعيذ من لجاجة الهوى به فيما دون الهدى

[ 198 ]

216 - ومن خطبة له عليه السلام بصفين أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم، ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم. فالحق أوسع الاشياء في التواصف (1)، وأضيقها في التناصف. لا يجري لاحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لاحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه. ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله. ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها ويوجب بعضها بعضا. ولا يستوجب بعضها إلا ببعض (2). وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي. فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاما لالفتهم وعزا لدينهم. فليست تصلح الرعية إلا


(1) يتسع القول في وصفه حتى إذا وجب على الانسان الواصف له فر من أدائه ولم ينتصف من نفسه كما ينتصف لها (2) فحقوق العباد التي يكافئ بعضها بعضا ولا يستحق أحد منها شيئا إلا بأدائه مكافأة ما يستحقه هي من حقوقه تعالى أيضا.

[ 199 ]

بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية. فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت، مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن (1) فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الاعداء. وإذا غلبت الرعية واليها، وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة. وظهرت معالم الجور. وكثر الادغال في الدين (2) وتركت محاج السنن. فعمل بالهوى. وعطلت الاحكام. وكثرت علل النفوس. فلا يستوحش لعظيم حق عطل (3). ولا لعظيم باطل فعل. فهنالك تذل الابرار وتعز الاشرار، وتعظم تبعات الله عند العباد. فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه، فليس أحد وإن اشتد على رضاء الله حرصه وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة له. ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم، والتعاون على إقامة الحق بينهم. وليس


(1) ذل الطريق - بكسر الذال - محجته وجرت أمور الله أذلالها وعلى أذلالها أي وجوهها. والسنن: جمع سنة. وطمع مبني للمجهول (2) الادغال في الامر: إدخال ما يفسده فيه. ومحاج السنن: أوساط طرقها (3) أي إذا عطل الحق لا تأخذ النفوس وحشة أو استغراب لتعودها على تعطيل الحقوق وأفعال =

[ 200 ]

امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته، وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يعاون على ما حمله الله من حقه (1)، ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون (2) بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه (فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له) فقال عليه السلام: إن من حق من عظم جلال الله في نفسه، وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه (3). وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه (4) ولطف إحسانه إليه. فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظما، وإن من أسخف حالات الولات عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر (5)، ويوضع أمرهم على الكبر. وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الاطراء واستماع الثناء (6). ولست بحمد الله كذلك. ولو كنت أحب


= الباطل (1) بفوق أن يعاون الخ أي بأعلى من أن يحتاج إلى الاعانة أن يستغني عن المساعدة (2) اقتحمته: احتقرته. بدون أن يعين أي بأعجز أن يساعد غيره (3) كل فاعل يصغر، أي يصغر عنده كل ما سوى الله لعظم ذلك الجلال الالهي (4) وأحق المعظمين لله بتصغير ما سواه هو الذي عظمت نعمة الله عليه (5) أصل السخف: رقة العقل وغيره أي ضعفه، والمراد أدنى حالة للولاة أن يظن بهم الصالحون أنهم يحبون الفخر ويبنون أمورهم على أساس الكبر (6) كره الامام أن يخطر ببال قومه كونه يجب =

[ 201 ]

أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء. وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء (1). فلا تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي إلى الله وإليكم من التقية في حقوق لم أفرغ من أدائها (2)، وفرائض لابد من إمضائها، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة (3)، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة. ولا تخالطوني بالمصانعة. ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي. فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني (4). فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره.


= الاطراء أي المبالغة في الثناء عليه فإن حق الثناء لله وحده فهو رب العظمة والكبرياء (1) البلاء: إجهاد النفس في إحسان العمل (2) لاخراجي متعلق بتثنوا. والتقية: الخوف والمراد لازمه وهو العقاب ومن متعلق بإخراجي أي إذا أخرجت نفسي من عقاب الله في حق من الحقوق أو قضاء فريضة من الفرائض فلا تثنوا علي لذلك فانما وقيت نفسي وعملت لسعادتي على أني ما أديت الواجب على في ذلك، وما أجزل هذا القول وأجمعه (3) ينهاهم عن مخاطبتهم له بألقاب العظمة كما يلقبون الجبابرة وعن التحفظ منه بالتزام الذلة والموافقة على الرأي صوابا أو خطأ كما يفعل مع أهل البادرة أي الغضب. وصانعه إذا أتى ما يرضيه وإن كان غير راض عنه. والمصانعة المداراة (4) يقول لا آمن =. والله ما أستغفل

= الخطأ في أفعالي إلا إذا كان يسر الله لنفسي فعلا هو أشد ملكا له مني فقد كفانى الله ذلك الفعل فأكون على أمن من الخطإ فيه. (1) المدحوة: المبسوطة (2) مقترفون أي مكتسبون. والخبر بضم الخاء العلم والله لطيف العلم بما يكسبه الناس أي دقيقه كأنه ينفذ في

[ 202 ]

يملك منا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى 217 - ومن كلام له عليه السلام اللهم إني أستعديك على قريش (1) فإنهم قد قطعوا رحمي، وأكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه، فاصبر مغموما أو مت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد (2) إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حز الشفار (3) (وقد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة إلا أني كررته ههنا لاختلاف الروايتين) 218 - (ومنه في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه عليه السلام)


(1) أستعديك: أستعينك. وإكفاء الاناء أي قلبه مجاز عن تضييعهم لحقه (2) الرافد: المعين. والذاب: المدافع. وضننت أي بخلت. والقذى: ما يقع في العين. والشجى: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه يريد به غصة الحزن (3) الشفار: جمع شفرة: حد السيف ونحوه

[ 203 ]

فقدموا على عمالي وخزان بيت مال المسلمين الذي في يدي، وعلى أهل مصر كلهم في طاعتي وعلى بيعتي، فشتتوا كلمتهم، وأفسدوا علي جماعتهم. ووثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا، وطائفة عضوا على أسيافهم (1) فضاربوا بها حتى لقوا الله صادقين 219 - ومن كلام له عليه السلام لما مر بطلحة وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل لقد أصبح أبو محمد بهذا المكان غريبا. أما والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب. أدركت وتري من بني عبد مناف (2) وأفلتتني أعيان بني جمح، لقد أتلعوا أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله (3) فوقصوا دونه


(1) العض على السيوف مجاز عن ملازمة العمل بها (2) الوتر: الثأر، وطلحة كان من بني عبد مناف كالزبير وقاتله مروان بن الحكم وهما في عسكر واحد في حرب الجمل رماه بسهم على غرة انتقاما لعثمان رضي الله عنه. وأفلته الشئ خلص منه فجأة. وجمح قبيلة عربية كان من أعيانها أي عظمائها جماعة مع أم المؤمنين في واقعة الجمل ولم يصبهم ما أصاب غيرهم. ومن هذه القبيلة صفوان ابن أمية بن خلف واسمه عبد الله، وعبد الرحمن بن صفوان (3) أتلعوا أي رفعوا أعناقهم ومدوها لتناول أمر وهو مناوأة أمير المؤمنين على الخلافة =

[ 204 ]

220 - ومن كلام له عليه السلام قد أحيى عقله (1) وأمات نفسه، حتى دق جليله ولطف غليظه، وبرق له لامع كثير البرق فأبان له الطريق وسلك به السبيل، وتدافعته الابواب إلى باب السلامة ودار الاقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الامن والراحة بما استعمل قلبه وأرضى ربه 221 - ومن كلام له عليه السلام بعد تلاوته " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر " (2) يا له مراما ما أبعده (3)، وزورا ما أغفله، وخطرا ما أفظعه. لقد استخلوا منهم أي مدكر (4)، وتناوشوهم من مكان بعيد أفبمصارع


= فوقصوا أي كسرت أعناقهم دون الوصول إليه (1) حكاية عن صاحب التقوى. وإحياء العقل بالعلم والفكر والنفوذ في الاسرار الالهية. وإماتة النفس بكفها عن شهواتها. والجليل العظيم. ودق أي صغر حتى خفي أو كاد. وبروق اللامع من نور المقام الالهي يوضح طريق السعادة فلا يزال السالك يتنقل من مقام عرفان وفضل إلى مقام آخر من مقامات الكمال، وهذا هو التدافع من باب إلى باب حتى يصل إلى أعلى ما يمكن له وهناك سعادته ومقر نعيمه الابدي (2) ألهاه عن الشئ: صرفه عنه باللهو أي صرفكم عن الله اللهو بمكاثرة بعضكم لبعض وتعديد كل منكم مزايا أسلافه حتى بعد زيارتكم المقابر (3) المرام الطلب بمعنى المطلوب. والزور بالفتح الزائرون وهم يرومون نيل الشرف بمن تقدمهم وتلك غفلة، فإنما ينالون الشرف بما يكون من موجباته في ذواتهم فما أبعد ما يرومون بغفلتهم (4) استخلوهم أي وجدوهم خالين. والمدكر: الادكار بمعنى =

[ 205 ]

آبائهم يفخرون؟ أم بعديد الهلكى يتكاثرون؟ يرتجعون منهم أجسادا خوت (1)، وحركات سكنت. ولان يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، ولان يهبطوا بهم جناب ذلة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة (2). لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة (3). وضربوا منهم في غمرة جهالة. ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية (4) والربوع الخالية لقالت ذهبوا في الارض ضلالا، وذهبتم في أعقابهم جهالا. تطأون في هامهم (5)، وتستثبتون في أجسادهم، وترتعون فيما لفظوا، وتسكنون فيما خربوا، وإنما الايام بينكم وبينهم بواك وتوائح عليكم (6)


= الاعتبار أي أخلوا أسلافهم من الاعتبار ثم قلب المعنى في عبارة الامام فكان أخلوا الادكار من آبائهم مبالغة في تقريعهم حيث أخلوهم منه وهو محيط بهم، وأي صفة لمحذوف تقديره مدكرا. وتناوشوهم تناولوهم بالمفاخرة من مكان بعيد عنها (1) خوت: سقط بناؤها وخلت من أرواحها (2) أحجى: أقرب للحجى أي العقل فإن موت الآباء دليل الفناء، ومن عاقبته فناء كيف يفتخر؟ (3) العشوة: ضعف البصر (4) الخاوية: المنهدمة. والربوع: المساكن والضلال - كعشاق - جمع ضال (5) جمع هامة أعلى الرأس. وتستثبتون أي تحاولون إثبات ما تثبتون من الاعمدة والاوتاد والجدران في أجسادهم لذهابها ترابا وامتزاجها بالارض التي تقيمون فيها ما تقيمون. ترتعون: تأكلون وتتلذذون بما لفظوه أي طرحوه وتركوه (6) بواك: جمع باكية. ونوائح: جمع نائحة. وبكاء الايام على السابقين واللاحقين حفظها لما يكون من مصابهم

[ 206 ]

أولئكم سلف غايتكم (1)، وفراط مناهلكم الذين كانت لهم مقاوم العز وحلبات الفخر ملوكا وسوقا. سلكوا في بطون البرزخ سبيلا (2) سلطت الارض عليهم فيه، فأكلت من لحومهم وشربت من دمائهم. فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون، وضمارا لا يوجدون. لا يفزعهم ورود الاهوال، ولا يحزنهم تنكر الاحوال، ولا يحفلون بالرواجف، ولا يأذنون للقواصف. غيبا لا ينتظرون، وشهودا لا يحضرون. وإنما كانوا جميعا فتشتتوا، وآلافا فافترقوا (3). وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم عميت أخبارهم وصمت ديارهم (4)، ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا،


(1) سلف الغاية: السابق إليها، وغايتهم حد ما ينتهون إليه وهو الموت. والفراط: جمع فارط، وهو كالفرط - بالتحريك - متقدم القوم إلى الماء ليهئ لهم موضع الشرب. والمناهل مواضع ما تشرب الشاربة من النهر مثلا. ومقاوم: جمع مقام. والحلبات: جمع حلبة - بالفتح - وهي الدفعة من الخيل في الرهان أو هي الخيل تجتمع للنصرة من كل أوب. والسوق: بضم ففتح - جمع سوقة بالضم - بمعنى الرعية (2) البرزخ: القبر. والفجوات: جمع فجوة، وهي الفرجة والمراد منها شق القبر. ولا ينمون من النمو وهو الزيادة من الغذاء. والضمار - ككتاب - المال لا يرجى رجوعه وخلاف العيان. ولا يحفلون - بكسر الفاء - لا يبالون. والرواجف: جمع راجفة: الزلزلة توجب الاضطراب. والقواصف من قصف الرعد اشتدت هدهدته. وأذن له: استمع (3) آلافا: جمع أليف، أي مؤتلف مع غيره (4) صم بصم - بالفتح فيهما - خرس عن الكلام. وخرس الديار عدم صعود الصوت من سكانها.

[ 207 ]

وبالسمع صمما، وبالحركات سكونا. فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات (1). جيران لا يتأنسون، وأحباء لا يتزاورون. بليت بينهم عرى التعارف (2) وانقطعت منهم أسباب الاخاء. فكلهم وحيد وهم جميع. وبجانب الهجر وهم أخلاء. لا يتعارفون لليل صباحا ولا لنهار مساء. أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا (3). شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا، ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا. فكلتا الغايتين مدت لهم إلى مباءة (4) فاتت مبالغ الخوف والرجاء. فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا (5) ولئن عميت آثارهم وانقطعت أخبارهم لقد رجعت فيهم أبصار العبر (6)، وسمعت عنهم آذان العقول، وتكلموا من غير جهات النطق. فقالوا كلحت الوجوه النواضر (7)


(1) ارتجال الصفة وصف الحال بلا تأمل، فالواصف لهم بأول النظر يظنهم صرعوا من السبات بالضم أي النوم (2) العرى: جمع عروة، وهي مقبض الدلو والكوز مثلا، وبليت رثت وفنيت. والمراد زوال نسبة التعارف بينهم (3) الجديدان: الليل والنهار فإن ذهبوا في نهار فلا يعرفون له ليلا أو في ليل فلا يعرفون له نهارا (4) الغايتان: الجنة والنار. والمباءة: مكان التبوء والاستقرار والمراد منها ما يرجعون إليه في الآخرة وقد مدت الغاية أي أخرت عنه في الدنيا إلى مرجع يفوق في سعادته أو شقائه كل غاية سما إليها الخوف والرجاء (5) عيوا: عجزوا (6) رجعت فيهم أبصار العبر نظرت إليهم بعد الموت نظرة ثانية. والعبر جمع عبرة (7) كلح: كمنع - كلوحا - تكشر في عبوس =

[ 208 ]

وخوت الاجساد النواعم. ولبسنا أهدام البلى (1). وتكاءدنا ضيق المضجع. وتوارثنا الوحشة. وتهكمت علينا الربوع الصموت فانمحت محاسن أجسادنا، وتنكرت معارف صورنا، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا. ولم نجد من كرب فرجا، ولا من ضيق متسعا. فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت (2)، واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت، وتقطعت الالسنة في أفواههم بعد ذلاقتها، وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها. وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها (3)، وسهل طرق الآفة إليها، مستسلمات فلا أيد تدفع، ولا قلوب تجزع لرأيت أشجان قلوب (4)، وأقذاء عيون. لهم في كل


= والنواظر الحسنة البواسم. وخوت: تهدمت بنيتها وتفرقت أعضاؤها. (1) الاهدام: جمع هدم - بكسر الهاء - الثوب البالي أو المرقع. وتكاءد الامر أي شق عليه. وتهكمت: تهدمت. والربوع: أماكن الاقامة. والصموت التي لا تنطق والمراد بها القبور (2) ارتسخ مبالغة في رسخ، ورسخ الغدير: نش ماؤه أي أخذ في النقصان ونضب، أي نضب مستودع قوة السماع وذهبت مادته بامتصاص الهوام وهي الديدان هنا. واستكت الاذن صمت. وخسف عين فلان فقأها. وذلاقة الالسن حدتها في النطق (3) عاث: أفسد. والبلى: التحلل والفناء. وسمج الصورة تسميجا قبحها أي أفسد الفناء في كل عضو منهم فقبحه (4) لرأيت جواب لو مثلتهم. وأشجان القلوب: همومها. وإقذاء العيون =

[ 209 ]

فظاعة صفة حال لا تنتقل، وغمرة لا تنجلي (1). وكم أكلت الارض من عزيز جسد وأنيق لون كان في الدنيا غذي ترف (2) وربيب شرف. يتعلل بالسرور في ساعة حزنه (3)، ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به ضنا بغضارة عيشه وشحاحة بلهوه ولعبه. فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه في ظل عيش غفول (4) إذ وطئ الدهر به حسكه، ونقضت الايام قواه، ونظرت إليه الحتوف من كثب (5). فخالطه بث لا يعرفه، ونجي هم ما كان يجده. وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته (6). ففزع إلى ما كان عوده الاطباء من تسكين الحار بالقار (7)، وتحريك البارد بالحار، فلم يطفئ ببارد إلا ثور حرارة، ولا حرك بحار إلا هيج برودة، ولا اعتدل بممازج


= ما يسقط فيها فيؤلمها (1) الغمرة: الشدة (2) الانيق: رائق الحسن. والغذى اسم بمعنى المفعول أي مغذي بالنعيم، والربيب بمعنى المربي، ربه يربه أي رباه (3) يتشاغل بأسباب السرور ليتلهى بها عن حزنه. والسلوة: انصراف النفس عن الالم بتخيل اللذة. ضنا أي بخلا. وغضارة العيش: طيبه (4) وصف العيش بالغفلة لانه إذا كان هنيئا يوجبها. والحسك: نبات تعلق قشرته بصوف الغنم ورقه كورق الرجلة أو أدق، وعند ورقه شوك ملزز صلب ذو ثلاث شعب تمثيل لمس الآلام (5) الحتوف: المهلكات. وأصل الحتف الموت. من كثب - بالتحريك - أي قرب، أي توجهت إليه المهلكات على قرب منه. والبث: الحزن. والنجي: المناجي: وخالطه الحزن: مازج خواطره (6) آنس حال من ضمير فيه. والفترات: جمع فترة: انحطاط القوة أي تولد فيه الضعف بسبب العلل حال كونه أشد أنسا بصحته من جميع الاوقات السابقة (7) القار هنا البارد

[ 210 ]

لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء (1) حتى فتر معلله (2)، وذهل ممرضه. وتعايا أهله بصفة دائه (3)، وخرسوا عن جواب السائلين عنه. وتنازعوا دونه شجي خبر يكتمونه، فقائل يقول هو لما به (4)، وممن لهم إياب عافيته، ومصبر لهم على فقده، يذكرهم أسى الماضين من قبله (5). فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا وترك الاحبة، إذ عرض له عارض من غصصه فتحيرت نوافذ فطنته (6)، ويبست رطوبة لسانه. فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده (7)، ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه من كبير كان يعظمه أو صغير كان يرحمه. وإن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على قلوب أهل الدنيا (8)


(1) أي ما طلب تعديل مزاجه بدواء يمازج ما فيه من الطبائع ليعدلها إلا وساعد كل طبيعة على تولد الداء (2) معلل المريض من يسليه عن مرضه بترجية الشفاء كما أن ممرضه من يتولى خدمته في مرضه لمرضه (3) تعايا أهله أي اشتركوا في العجز عن وصف دائه. واختلف الحاضرون بين يدي المريض في الخبر المحزن يكتمونه عنه (4) هو لما به أي هو مملوك لعلته فهو هالك. والممنى مخيل الامنية. والاياب الرجوع (5) أسى جمع أسوة (6) نوافذ الفطنة ما كان من أفكار نافذة أي مصيبة للحقيقة (7) عي عجز لضعف القوة المحركة للسان (8) تعتدل أي تستقيم عليها بالقبول والادراك، أي لغفلتهم عنها =

[ 211 ]

222 - (ومن كلام له عليه السلام) قاله عند تلاوته " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " إن الله سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب (1) تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة. وما برح لله - عزت آلاؤه - في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات (2) عباد ناجاهم في فكرهم، وكلمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الاسماع والابصار والافئدة (3). يذكرون بأيام الله، ويخوفون مقامه بمنزلة الادلة في الفلوات (4). من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه (5) وبشروه بالنجاة. ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق، وحذروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات وإن للذكر لاهلا أخذوه من الدنيا بدلا فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيام الحياة ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع


= لا تتناسب عند عقولهم فيدركوها (1) الذكر: استحضار الصفات الالهية. والوقرة ثقل في السمع. والعشوة ضعف البصر (2) الفترة بين العملين زمان بينهما يخلو منهما، والمراد أزمنة الخلو من الانبياء مطلقا. وناجاهم أي خاطبهم بالالهام (3) استصبح: أضاء مصباحه أي أضاء مصباح الهدى لهم بنور اليقظة في أبصارهم الخ (4) الفلوات: المفازات والقفار (5) أخذ القصد أي ركب الاعتدال في سلوكه

[ 212 ]

الغافلين (1). ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه. فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الاقامة فيه (2)، وحققت القيامة عليهم عداتها. فكشفوا غطاء ذلك لاهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون. فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة (3)، ومجالسهم المشهودة وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم عن كل صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصروا عنها، أو نهوا عنها ففرطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم (4) فضعفوا عن الاستقلال بها فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا. يعجون إلى ربهم من مقاوم ندم واعتراف لرأيت


(1) هتف به - كضرب - صاح ودعا. وهتفت الحمامة صاتت (2) في طول الاقامة حال من أهل البرزخ. والعدات: جمع عدة - بكسر ففتح مخفف - أي كأنما القيامة كشفت لهم عن الوعود التي وعد بها الاخيار والاشرار (3) مقاوم: جمع مقام، مقاماتهم في خطاب الوعظ. والدواوين: جمع ديوان - وهو مجتمع الصحف. والدفتر ما يكتب فيه أسماء الجيش وأهل الاعطيات (4) أي نسبوا ما صدر عنهم إلى تقصير هممهم عن أداء الواجب عليهم ولم يحولوه على ربهم فجعلوا الاوزار حملا على ظهورهم فأحسوا بالضعف عن الاستقلال بها أي القيام بحملها. ونشج الباكي ينشج - كضرب يضرب - نشيجا غص بالبكاء في حلقه. والنحيب أشد البكاء. وتجاوبوا به أجاب بعضهم بعضا يتناحبون. وعج يعج - كضرب ومل - صاح ورفع صوته فهم يصيحون من مواقف الندم والاعتراف بالخطأ

[ 213 ]

أعلام هدى، ومصابيح دجى. قد حفت بهم الملائكة، وتنزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء وأعدت لهم مقاعد الكرامات في مقام أطلع الله عليهم فيه فرضي سعيهم وحمد مقامهم يتنسمون بدعائه روح التجاوز (1). رهائن فاقة إلى فضله، وأسارى ذلة لعظمته. جرح طول الاسى قلوبهم (2)، وطول البكاء عيونهم. لكل باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة يسألون من لا تضيق لديه المنادح (3) ولا يخيب عليه الراغبون. فحاسب نفسك لنفسك فإن غيرها من الانفس لها حسيب غيرك 223 - ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته " يأيها الانسان ما غرك بربك الكريم " أدحض مسئول حجة (4)، وأقطع مغتر معذرة. لقد أبرح جهالة بنفسه يأيها الانسان ما جرأك على ذنبك، وما غرك بربك، وما آنسك


(1) تنسم النسيم: تشممه. والروح - بالفتح - النسيم أي يتوقعون التجاوز بدعائهم له (2) الاسى: الحزن (3) المنادح: جمع مندوحة، وهي كالندحة بالضم والفتح. والمنتدح - بفتح الدال - المتسع من الارض (4) أدحض خبر عن محذوف هو الانسان ودحضت الحجة - كمنع - =

[ 214 ]

بهلكة نفسك. أما من دائك بلول (1). أم ليس من نومتك يقظة. أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك. فربما ترى الضاحي لحر الشمس فتظله (2)، أو ترى المبتلي بألم يمض جسده (3) فتبكي رحمة له، فما صبرك على دائك، وجلدك على مصابك، وعزاك عن البكاء على نفسك. وهي أعز الانفس عليك. وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة (4) وقد تورطت بمعاصيه مدارج سطواته. فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة، ومن كرى الغفلة في ناظرك بيقظة (5). وكن لله مطيعا، وبذكره آنسا. وتمثل في حال توليك عنه إقباله عليك (6). يدعوك إلى عفوه ويتغمدك بفضله وأنت متول عنه إلى غيره. فتعالى من قوي ما أكرمه (7)، وتواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته وأنت في كنف ستره مقيم، وفي سعة فضله متقلب. فلم يمنعك فضله


= بطلت. وأبرح بنفسه أي أعجبته نفسه بجهالتها (1) بل مرضه يبل كقل يقل بلولا حسنت حاله بعد هزال (2) ضحا ضحوا وضحوا: برز في الشمس (3) يمض جسده يبالغ في نهكه (4) أي خوف أن تبيت بنقمة من الله ورزية تذهب بنعيمك وقد وقعت بمعاصيه في طرق سطواته وتعرضت لانتقامه (5) الكرى - بالفتح والقصر - النوم (6) تمثل تصور واذكر عند إعراضك عن الله إلى لهوك أنه مقبل عليك بنعمه ويتغمدك أي يغمرك (7) الضمير في تعالى لله

[ 215 ]

ولم يهتك عنك ستره، بل لم تخل من لطفه مطرف عين، في نعمة يحدثها لك (1)، أو سيئة يسترها عليك، أو بلية يصرفها عنك. فما ظنك به لو أطعته؟ وأيم الله لو أن هذه الصفة كانت في متفقين في القوة، متوازيين في القدرة لكنت أول حاكم على نفسك بذميم الاخلاق ومساوي الاعمال. وحقا أقول ما الدنيا غرتك (2) ولكن بها اغتررت. ولقد كاشفتك العظات وآذنتك على سواء. ولهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك والنقص في قوتك أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرك. ولرب ناصح لها عندك متهم (3)، وصادق من خبرها مكذب. ولئن تعرفتها في الديار الخاوية (4) والربوع الخالية لتجدنها من حسن تذكيرك وبلاغ موعظتك بمحلة الشفيق عليك والشحيح بك (5). ولنعم دار من لم يرض بها دارا، ومحل من لم يوطنها محلا (6). وإن السعداء بالدنيا غدا هم الهاربون منها اليوم


(1) طرف عينه - كضرب - أطبق جفنيها والمراد من المطرف اللحظة يتحرك فيها الجفن في نعمة يتعلق بلطفه (2) إن الدنيا ما خبأت عن بصرك شيئا من تقلباتها المفزعة ولكن غفلت عما ترى ولقد كاشفتك وأظهرت لك العظات أي المواعظ، وآذنتك أعلمتك على عدل (3) رب حادث من حوادثها يلقى اليك النصيحة بالعبرة فتتهمه وهو مخلص (4) تعرفتها طلبت معرفتها وعاقبة الركون إليها (5) البخيل بك على الشقاء والهلكة (6) وطنه - بالتشديد - اتخذه وطنا

[ 216 ]

إذا رجفت الراجفة (1). وحقت بجلائلها القيامة. ولحق بكل منسك أهله، وبكل معبود عبدته، وبكل مطاع أهل طاعته، فلم يجز في عدله وقسطه يومئذ خرق بصر في الهواء (2)، ولا همس قدم في الارض إلا بحقه. فكم حجة يوم ذاك داحضة، وعلائق عذر منقطعة. فتحر من أمرك ما يقوم به عذرك (3)، وتثبت به حجتك. وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له (4). وتيسر لسفرك. وشم برق النجاة. وارحل مطايا التشمير 224 - ومن كلام له عليه السلام والله لان أبيت على حسك السعدان مسهدا (5)، وأجر في الاغلال مصفدا، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض


(1) الراجفة النفخة الاولى حين تهب ريح الفناء فتنسف الارض نسفا. وحقت القيامة وقعت وثبتت بعظائمها. والمنسك - بفتح الميم والسين - العبادة أو مكانها (2) يجز - من الجزاء - مبني للمجهول ونائب فاعله خرق بصر وهمس قدم، أي لا تجازى لمحة البصر تنفذ في الهواء ولا همسة القدم في الارض إلا بحق وذلك بعدل الله (3) تحر من التحري أي اطلب ما هو أحرى وأليق لان يقوم به عذرك (4) ما يبقى لك هو العمل الصالح فخذه من الدنيا التي لا تبقى لها. وتيسر: تأهب. وشام البرق: لمحه. ورحل المطية: وضع عليها رحلها للسفر (5) كأنه يريد من الحسك الشوك. والسعدان نبت ترعاه الابل له شوك تشبه به حلمة الثدى. والمسهد - من سهده - إذا أسهره. والمصفد: المقيد

[ 217 ]

العباد، وغاصبا لشئ من الحطام. وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها (1)، ويطول في الثرى حلولها والله لقد رأيت عقيلا (2)، وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الالوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا (3) وكرر علي القول مرددا فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده (4) مفارقا طريقي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمها (5)، وكاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل (6)، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه. أتئن من الاذى ولا أئن من


(1) يريد من النفس نفسه كرم الله وجهه أي كيف أظلم لاجل منفعة نفس يسرع إلى الفناء رجوعها. والثرى التراب (2) عقيل أخوه. وأملق: افتقر أشد الفقر. واستماحني: استعطاني. والبر القمح (3) شعث جمع أشعث - وهو من الشعر المتلبد بالوسخ. والغبر - بضم الغين -: جمع أغبر متغير اللون شاحبه. والعظلم - كزبرج - سواد يصبغ به قيل هو النيلج أي النيلة (4) القياد: ما يقاد به كالزمام (5) الدنف - بالتحريك - المرض. والميسم - بكسر الميم وفتح السين - المكواة (6) ثكل - كفرح - أصاب ثكلا بالضم وهو فقدان الحبيب أو خاص بالولد. والثواكل النساء، دعاء عليه بالموت لتألمه من نار ضعيفة الحرارة وطلبه عملا وهو تناول شئ من بيت المال زيادة عن المفروض له يوجب الوقوع في نار سجرها أي أضرمها الجبار وهو الله للانتقام ممن عصاه. =

[ 218 ]

لظى. وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها (1)، ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت أصلة أم زكاة أم صدقة فذلك محرم علينا أهل البيت. فقال لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية. فقلت هبلتك الهبول (2)، أعن دين الله أتيتني لتخدعني، أمختبط أنت أم ذو جنة أم تهجر (3). والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة (4) ما فعلت وإن دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها (5) ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى. نعوذ بالله من سبات العقل (6) وقبح الزلل وبه نستعين 225 - (ومن دعاء له عليه السلام) اللهم صن وجهي باليسار (7)، ولا تبذل جاهي بالاقتار فأسترزق


ولظى اسم جهنم (1) الملفوفة نوع من الحلواء أهداها إليه الاشعث بن قيس. وشنئتها أي كرهتها. والصلة العطية (2) هبلتك - بكسر الباء - ثكلتك والهبول - بفتح الهاء - المرأة لا يعيش لها ولد. عن دين الله متعلق بتخدعني (3) أمختبط في رأسك فاختل نظام إدراكك، أم أصابك جنون، أم تهجر أي تهذو بما لا معنى له (4) جلب الشعيرة بكسر الجيم - قشرتها. وأصل الجلب غطاء الرحل فتجوز في إطلاقه على غطاء الحبة (5) قضمت الدابة الشعير - من باب علم -: كسرته بأطراف أسنانها (6) سبات العقل نومه. والزلل: السقوط في الخطإ (7) صيانة الوجه حفظه من التعرض للسؤال. وبذل الجاه. إسقاط المنزلة من القلوب. واليسار: الغنى. والاقتار: الفقر. وقوله فأسترزق ترتيب على البذل =

[ 219 ]

طالبي رزقك، وأستعطف شرار خلقك، وابتلى بحمد من أعطاني، وأفتتن بذم من منعني، وأنت من وراء ذلك كله ولي الاعطاء والمنع " إنك على كل شئ قدير " 226 - ومن خطبة له عليه السلام دار بالبلاء محفوفة، وبالغدر معروفة. لا تدوم أحوالها، ولا تسلم نزالها (1) أحوال مختلفة، وتارات متصرفة. العيش فيها مذموم والامان فيها معدوم. وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها (2) وأعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم (3) ممن كان أطول منكم أعمارا، وأعمر ديارا، وأبعد آثارا. أصبحت أصواتهم هامدة، ورياحهم راكدة (4)، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية وآثارهم عافية. فاستبدلوا بالقصور


= بالاقتار فإنه لو افتقر لطلب الرزق من طلاب رزق الله وهم الناس (1) النزال بالضم وتشديد الزاي جمع نازل (2) الحمام - بالكسر - الموت (3) أنتم وما تتمتعون به قيام على سبيل الماضين تنتهون إلى نهايته وهو الفناء. وبعد الآثار طول بقائها بعد ذويها (4) راكدة: ساكنة. وركود الريح كناية عن انقطاع العمل وبطلان الحركة. آثارهم عافية أي مندرسة

[ 220 ]

المشيدة والنمارق الممهدة (1) الصخور والاحجار المسندة، والقبور اللاطئة الملحدة (2). التي قد بني بالخراب فناؤها (3)، وشيد بالتراب بناؤها. فمحلها مقترب، وساكنها مغترب. بين أهل محلة موحشين وأهل فراغ متشاغلين (4) لا يستأنسون بالاوطان، ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار. وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بكلكله البلى (5)، وأكلتهم الجنادل والثرى. وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه (6)، وارتهنكم ذلك المضجع، وصمكم ذلك المستودع. فكيف بكم لو تناهت بكم الامور (7)، وبعثرت القبور " هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت (8)، وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون "


(1) النمارق - جمع نمرقة -: تطلق على الوسادة الصغيرة وعلى الطنفسة أي البساط ولعله المراد هنا. والممهدة المفروشة والصخور مفعول استبدلوا (2) لطأ بالارض - كمنع وفرح -: لصق. الملحدة من ألحد القبر جعل له لحدا أي شقا في وسطه أو جانبه (3) فناء الدار - بالكسر -: ساحتها وما اتسع أمامها. وبناء الفناء بالخراب تمثيل لما يتخيله الفكر في ديار الموتى من الفناء الدائم إلى نهاية العالم (4) متشاغلين بما شاهدوا من عقبى أعمالهم (5) الكلكل هو صدر البعير كأن البلى بكسر الباء أي الفناء جمل ترك عليهم فطحنهم. والجنادل: الحجارة. والثرى: التراب (6) ولقرب آجالكم كأنكم قد صرتم إلى مصيرهم وحبستم في ذلك المضجع كما يحبس الرهن في يد المرتهن (7) تناهى به الامر: وصل إلى غايته. والمراد انتهاء مدة البرزخ. وبعثرت القبور قلب ثراها وأخرج موتاها (8) تبلوه أي تخبره فتقف على خيره وشره

[ 221 ]

227 - (ومن دعائه عليه السلام) اللهم إنك آنس الآنسين لاوليائك (1). وأحضرهم بالكفاية للمتوكلين عليك. تشاهدهم في سرائرهم، وتطلع عليهم في ضمائرهم وتعلم مبلغ بصائرهم. فأسرارهم لك مكشوفة، وقلوبهم إليك ملهوفة (2). إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك، وإن صبت عليهم المصائب لجأوا إلى الاستجارة بك، علما بأن أزمة الامور بيدك، ومصادرها عن قضائك اللهم إن فههت عن مسألتي (3) أو عميت عن طلبتي فدلني على مصالحي، وخذ بقلبي إلى مراشدي، فليس ذلك بنكر من هداياتك (4) ولا ببدع من كفاياتك اللهم احملني على عفوك (5) ولا تحملني على عدلك


(1) آنس أشد أنسا، فقلوب الاولياء أشد أنسا بالله من كل أليف فالله آنس الموجودات عندها وهو أشد النصراء حضورا بما يكفي المعتمدين عليه (2) الملهوف: المضطر يستغيث ويتحسر (3) فهه - كفرح - عيى فلم يستطع البيان. والطلبة - بكسر الطاء - المطلوب. والمراشد: مواضع الرشد (4) النكر - بالضم -: المنكر. والبدع بالكسر -: الامر يكون أولا، أي الغريب غير المعهود (5) اعتراف منه بالتقصير فلو عامله الله بالعدل لاشتد عليه الهول فالتجأ إلى العفو

[ 222 ]

228 - ومن كلام له عليه السلام لله بلاء فلان (1) فقد قوم الاود وداوى العمد. خلف الفتنة وأقام السنة. ذهب نقي الثوب، قليل العيب. أصاب خيرها وسبق شرها. أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه. رحل وتركهم في طرق متشعبة (2) لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي 229 - ومن كلام له عليه السلام في وصف بيعته بالخلافة وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم علي (3) تداك الابل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل وسقطت الرداء ووطئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير وهدج إليها الكبير (4) وتحامل نحوها العليل، وحسرت إليها الكعاب


(1) هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقوم الاود عدل الاعوجاج. والعمد - بالتحريك -: العلة. وخلف الفتنة تركها خلفا لا هو أدركها ولا هي أدركته (2) عبارة عن الاختلاف (3) التداك: الازدحام كأن كل واحد يدك الآخر أي يدقه. والهيم أي العطاش جمع هيماء، كعيناء وعين (4) هدج: مشى مشية الضعيف، وهدج الظليم إذا مشى في ارتعاش والكعاب - كسحاب -: الجارية حين يبدو ثديها للنهود وهي الكاعبة. وحسرت =

[ 223 ]

230 - ومن خطبة له عليه السلام فإن تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد. وعتق من كل ملكة (1)، ونجاة من كل هلكة. بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرغائب. فاعملوا والعمل يرفع (2)، والتوبة تنفع، والدعاء يسمع. والحال هادئة، والاقلام جارية: وبادروا بالاعمال عمرا ناكسا، ومرضا حابسا أو موتا خالسا. فإن الموت هادم لذاتكم، ومكدر شهواتكم، ومباعد طياتكم (3). زائر غير محبوب، وقرن غير مغلوب، وواتر غير مطلوب. قد أعلقتكم حبائله وتكنفتكم غوائله، وأقصدتكم معابله. وعظمت فيكم سطوته


= أي كشفت عن وجهها متوجهة إلى البيعة لتعقدها بلا استحياء لشدة الرغبة والحرص على إتمام الامر لامير المؤمنين. والغرض من الكلام الاحتجاج على المخالفين بأن الامة بايعته مختارة (1) الملكة - بالتحريك - الرق أي عتق من رق الشهوات والاهواء. والهلكة - بالتحريك -: الهلاك (2) والعمل الخ الواو واو الحال. وبادروا أي اسبقوا بأعمالكم حلول آجالكم التي تنكسكم أي تقلبكم من الحياة إلى الموت. والحابس المانع من العمل. والخالس: الخاطف (3) طياتكم جمع طية - بالكسر -: القصد أي يحول بينكم وبين مقاصدكم فيبعدها والقرن - بالكسر -: الكفؤ في الشجاعة. والتسمية تبكيت لمن يظن مغالبة الموت فلا يستعد له بالصالحات كأنه يقول إذا كنتم أقوياء فالموت كفؤ لكم غير مغلوب، والواتر: الجاني والموت لا يطالب بالقصاص على جنايته. أعلقتكم الحبائل أوقعتكم فيها فاقتنصتكم وهي جمع حبالة: المصيدة من الحبال. وتكنفتكم =

[ 224 ]

وتتابعت عليكم عدوته (1)، وقلت عنكم نبوته. فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله، واحتدام علله. وحنادس غمراته، وغواشي سكراته، وأليم إزهاقه، ودجو إطباقه، وجشوبة مذاقه. فكأن قد أتاكم بغتة فأسكت نجيكم (2)، وفرق نديكم، وعفى آثاركم، وعطل دياركم، وبعث وراثكم يقتسمون تراثكم بين حميم خاص لم ينفع، وقريب محزون لم يمنع، وآخر شامت لم يجزع. فعليكم بالجد والاجتهاد، والتأهب والاستعداد، والتزود في منزل الزاد. ولا تغرنكم الدنيا كما غرت من كان قبلكم من الامم الماضية والقرون الخالية الذين احتلبوا درتها (3)، وأصابوا غرتها، وأفنوا عدتها، وأخلقوا جدتها. أصبحت مساكنهم أجداثا (4)، وأموالهم


= إحاطتكم. أقصده: رماه بسهم فأصاب مقتله والمعابل - جمع معبلة كمكنسة بكسر الميم - وهي النصل الطويل العريض (1) العدوة - بالفتح - العدوان. والنبوة - بالفتح - أن يخطئ في الضربة فلا يصيب. والدواجي - جمع داجية - أي مظلمة. والظلل - جمع الظلة - أي السحابة. والاحتدام: الاشتداد. والحنادس: جمع حندس - بكسر الحاء والدال - الظلمة الشديدة. والغمرات: الشدائد. والدجو: الاظلام. والجشوبة: الخشونة (2) النجى القوم يتناجون. والندى: الجماعة يجتمعون للمشاورة. وعفى الآثار محاها. والتراث: الميراث. والحميم: الصديق (3) الدرة - بالكسر -: اللبن. والغرة - بالكسر -: الغفلة أي أصابوا منها غفلة فتمتعوا بلذاتها وأفنوا العدد الكثير من أيامها وجعلوا جديدها خلقا قديما بطول أعمارهم (4) الاجداث: القبور

[ 225 ]

ميراثا. لا يعرفون من أتاهم، ولا يحفلون من بكاهم (1)، ولا يجيبون من دعاهم فاحذروا الدنيا فإنها غدارة، غرارة خدوع، معطية منوع، ملبسة نزوع (2). ولا يدوم رخاؤها، ولا ينقضي عناؤها، ولا يركد بلاؤها (منها في صفة الزهاد) كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها فكانوا فيها كمن ليس منها. عملوا فيها بما يبصرون، وبادروا فيها ما يحذرون (3). تقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة (4)، يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم وهم أشد إعظاما لموت قلوب أحيائهم 231 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها بذي قار وهو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدي في كتاب الجمل فصدع بما أمر به (5)، وبلغ رسالات ربه فلم الله به الصدع. ورتق


(1) يحفلون: يبالون (2) ما ألبست إلا نزعت لباسها عمن ألبسته. ولا يركد أي لا يسكن (3) بادر المحذور: سبقه فلم يصبه (4) تقلب أبدانهم أي تتقلب، أي أن أبدانهم وهي في الدنيا تتقلب بين أظهر أهل الآخرة وهو بين ظهرانيهم أي بينهم حاضرا ظاهرا (5) الضمير في صدع للنبي صلى الله عليه وسلم. ولم الصدع لحم المنشق فأعاده إلى القيام بعد الاشراف على الانهدام. والفتق نقض خياطة الثوب فينفصل بعض أجزائه عن بعض. والرتق خياطتها =

[ 226 ]

به الفتق. وألف به ذوي الارحام بعد العداوة الواغرة في الصدور، والضغائن القادحة في القلوب 232 - ومن كلام له عليه السلام كلم به عبد الله بن زمعة وهو من شيعته وذلك أنه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا فقال عليه السلام: إن هذا المال ليس لي ولا لك وإنما هو فئ للمسلمين (1) وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم، وإلا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم 233 - ومن كلام له عليه السلام ألا إن اللسان لضعة من الانسان (2) فلا يسعده القول إذا امتنع ولا يمهله النطق إذا اتسع. وإنا لامراء الكلام، وفينا تنشبت عروقه وعلينا تهدلت غصونه


= ليعود ثوبا. أي جمع الله به متفرق القلوب ومتشتت الاحوال. والواغرة: الداخلة. والقادحة المشتعلة (1) الفئ الخراج والغنيمة. وشركه - كعلمه -: شاركه. والجناة بفتح الجيم -: ما يجنى من الشجر أي يقطف (2) أي أن اللسان آلة تحركها سلطة النفس فلا يسعد بالنطق ناطق امتنع عليه ذهنه من المعاني فلم يستحضرها ولا يمهله النطق إذا هو اتسع في فكره بل تنحدر المعاني إلى الالفاظ جارية على اللسان قهرا عنه، فسعة الكلام تابعة لسعة العلم وتنشبت الاصول علقت وثبتت. والمراد من العروق الافكار العالية والعلوم السامية. =

[ 227 ]

واعلموا رحمكم الله أنكم في زمان القاتل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل (1)، واللازم للحق ذليل. أهله معتكفون على العصيان. مصطلحون على الادهان فتاهم عارم (2)، وشائبهم آثم، وعالمهم منافق، وقارئهم مماذق. لا يعظم صغيرهم كبيرهم، ولا يعول غنيهم فقيرهم 234 - ومن كلام له عليه السلام (روى اليماني عن أحمد بن قتيبة عن عبد الله بن يزيد عن مالك بن دحية قال: كنا عند أمير المؤمنين عليه السلام وقد ذكر عنده اختلاف الناس فقال): إنما فرق بينهم مبادئ طينهم (3) وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها، وحزن تربة وسهلها. فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون. فتام الرواء (4) ناقص العقل، وماد القامة قصير الهمة، وزاكي العمل قبيح المنظر،


= والغصون: وجوه القول في فصاحته وصفاته الفاعلة في النفوس. وتهدلت أي تدلت علينا فأظلتنا (1) كل لسانه نبا عن الغرض، وإذا مرنت الاسماع على سماع الكذب نبا عنها لسان الصدق فلم يصب منها حظا (2) شرس: سئ الخلق. والمماذق من يمزج وده بالغش وهو من صنف المنافقين (3) جمع طينة يريد عناصر تركيبهم. والفلقة - بكسر الفاء -: القطعة من الشئ. وسبخ الارض: مالحها. والحزن - بفتح الحاء -: الخشن ضد السهل فتقارب الناس حسب تقارب العناصر المؤلفة لبناهم وكذلك تباعدهم بتباعدها (4) الرواء - بالضم والمد -: حسن المنظر. وماد القامة طويلها. والقعر يريد به قعر البدن أي أنه قصير =

[ 228 ]

وقريب القعر بعيد السبر، ومعروف الضريبة منكر الجليبة، وتائه القلب متفرق اللب، وطليق اللسان حديد الجنان 235 - ومن كلام له عليه السلام قاله وهو يلي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وتجهيزه بأبي أنت وأمي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والانباء وأخبار السماء. خصصت (1) حتى صرت مسليا عمن سواك وعممت حتى صار الناس فيك سواء. ولولا أنك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لانفدنا عليك ماء الشئون (2)، ولكان الداء مماطلا والكمد محالفا وقلا لك (3)، ولكنه ما لا يملك رده (4) ولا يستطاع دفعه. بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك


= الجسم لكنه داهي الفؤاد. والضريبة الطبيعة. والجليبة ما يتصنعه الانسان على خلاف طبعه (1) النبي صلى الله عليه وسلم خص أقاربه وأهل بيته حتى كان فيه الغنى والسلوة لهم عن جميع من سواه. وهو برسالته عام للخلق فالناس في النسبة إلى دينه سواء (2) لانفدنا أي لافنينا على فراقك ماء عيوننا الجاري من شؤونه وهي منابع الدمع من الرأس (3) مماطلا بالشفاء. والكمد: الحزن. ومحالفته ملازمته. وقلا فعل ماض متصل بألف التثنية، أي مماطلة الداء ومحالفة الكمد قليلتان لك (4) ما خبر لكن أي لكنه الموت الذي لا يملك رده الخ. وما حتم وقعه فلا يفيد الاسف عليه لان الاسف وضع في النفوس =

[ 229 ]

236 - ومن كلام له عليه السلام اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله ثم لحاقه به فجعلت أتبع مأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله فأطأ ذكره حتى انتهيت إلى العرج (1) (في كلام طويل) (قوله عليه السلام: فأطأ ذكره. من الكلام الذي رمى به إلى غايتي الايجاز والفصاحة، أراد أني كنت أعطى خبره (2) صلى الله عليه وآله من بدء خروجي إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع فكنى عن ذلك بهذه الكناية العجيبة) 237 - ومن خطبة له عليه السلام فاعملوا وأنتم في نفس البقاء (3) والصحف منشورة، والتوبة مبسوطة. والمدبر يدعى، والمسئ يرجى. قبل أن يخمد العمل، وينقطع المهل، وينقضي الاجل، ويسد باب التوبة وتصعد الملائكة (4)


= لمداركة الفائت والحذر من الآتي (1) العرج - بالتحريك - موضع بين مكة والمدينة (2) أعطى بالبناء للمجهول (3) نفس - بالتحريك - أي سعة البقاع. وصحف الاعمال منشورة لكتابة الصحالحات والسيئات. وبسط التوبة: قبولها. والمدبر أي المعرض عن الطاعة يدعى إليها. والمسئ يرجى إحسانه ورجوعه عن إساءته. وخمود العمل: انقطاعه بحلول الموت (4) صعود الملائكة لعرض أعمال العبد إذا انتهى =

[ 230 ]

فأخذ امرؤ من نفسه لنفسه (1). وأخذ من حي لميت، ومن فان لباق، ومن ذاهب لدائم. امرؤ خاف الله (2) وهو معمر إلى أجله، ومنظور إلى عمله، أمرؤ ألجم نفسه بلجامها وزمها بزمامها (3)، فأمسكها بلجامها عن معاصي الله وقادها بزمامها إلى طاعة الله 238 - ومن كلام له عليه السلام في شأن الحكمين وذم أهل الشام جفاة طغام (4)، وعبيد أقزام. جمعوا من كل أوب، وتلقطوا من كل شوب ممن ينبغي أن يفقه ويؤدب (5)، ويعلم ويدرب، ويولى


= أجله ليس بعده توبة (1) أخذ أمر بصيغة الماضي أي فليأخذ، أو هو على حقيقته مرتب على قوله فاعملوا، أي لو عملتم لاخذ امرؤ، وأخذه من نفسه تعاطي الاعمال الجليلة لنفسه أي لتسعد بها نفسه. والحي والميت هو المرء نفسه ولكنه في حياته قادر على العمل فإذا مات فليس له إلا ما أخذه من حياته. ومن فان أي حياة فانية وهي الدنيا لباق وهو الآخرة، وهكذا الذاهب والدائم (2) امرؤ خاف الخ أي الناجي هو امرؤ خاف الله فأدى الواجب عليه له وللناس وهو في مهلة الحياة تمتد به إلى أجله. ومنظور أي ممهل من الله لا يأخذه بالعقاب إلى أن يعمل فيعفو عن تقصيره ويثيبه على عمله (3) زمها أي قادها بقيادها (4) الجفاة - بضم الجيم -: جمع جاف، أي غليظ فظ. والطغام - كسحاب -: أوغاد الناس. والعبيد كناية عن رديئي الاخلاق. والاقزام: جمع قزم - بالتحريك - أرذال الناس جمعوا من كل أوب أي ناحية. والشوب الخلط كناية عن كونهم أخلاطا ليسوا من صراحة النسب في شئ (5) ممن ينبغي أي أنهم على جهل فينبغي أن يفقهوا ويؤدبوا ويعلموا فرائضهم ويمرنوا على العمل بها، وهم سفهاء الاحلام فينبغي أن يولى عليهم أي يقام =

[ 231 ]

عليه ويؤخذ على يديه. ليسوا من المهاجرين والانصار، ولا من الذين تبوأوا الدار ألا وإن القوم اختاروا لانفسهم أقرب القوم مما تكرهون (1)، وإنما عهدكم بعبد الله بن قيس بالامس يقول: " إنها فتنة فقطعوا أوتاركم وشيموا سيوفكم " فإن كان صادقا (2) فقد أخطأ بمسيره غير مستكره، وإن كان كاذبا فقد لزمته التهمة. فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله ابن العباس، وخذوا مهل الايام وحوطوا قواصي الاسلام. ألا ترون إلى بلادكم تغزى، وإلى صفاتكم ترمى


= لهم الاولياء ليلزموهم بمصالحهم ويعملوا لهم ويأخذوا على أيديهم فلا يبيحون لهم التصرف من أنفسهم وإلا جرتهم إلى الضرر بالجهل والسفه. تبوأوا الدار أي نزلوا المدينة المنورة، كناية عن الانصار الاولين (1) أقرب القوم يريد به أبا موسى الاشعري وهو عبد الله ابن قيس، وهو لعدم وقوفه على وجوه الحيل يؤخذ بالخديعة فيكون أقرب إلى موافقة الاعداء على أغراضهم وهو ما يكرهه، أصحاب أمير المؤمنين خصوصا وقد عهدوه بالامس - أي عند إعداد الجيش للحرب - يقول: ان الحادثة فتنة فقطعوا أوتار القسى وشيموا أي أغمدوا السيوف ولا تقاتلوا. يثبط بذلك أصحاب علي عن الحرب (2) إن صح قول أبي موسى أنها فتنة ولم يكرهه أحد على الدخول فيها فقد أخطأ بمسيره إليها وكان عمله خلاف عقيدته، ومن كان شأنه ذلك فلا يصلح للحكم، وإن كان كاذبا فيما يقول فقد كان عارفا بالحق ونطق بالباطل فهو منهم ويخشى أن يكون منه مثل ذلك في الحكم. وقوله فادفعوا الخ أي اختاروا ابن عباس حكما فإنه كفؤ لعمرو بن العاص. وخذوا مهل الايام في فسحتها فاستعدوا فيها بجمع قواكم وتوفير عددكم وتجنيد جيوشكم. وحوطوا =

[ 232 ]

239 - ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها آل محمد صلى الله عليه وآله هم عيش العلم وموت الجهل. يخبركم حلمهم عن علمهم. وصمتهم عن حكم منطقهم. لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه. هم دعائم الاسلام وولائج الاعتصام (1) بهم عاد الحق في نصابه (2)، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته. عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية (3)، لا عقل سماع ورواية. فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل 240 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعبد الله بن عباس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصور * = قواصي الاسلام أي احفظوها من غارة أهل الفتنة عليها، واجعلوا كل قاصية لكم لا عليكم. وقواصي الاسلام أطرافه. ورمى الصفاة - بفتح الصاد - كناية عن طمع العدو فيما باليد. وأصل الصفاة الحجر الصلد يراد منها القوة وما يحميه الانسان (هامش) * (1) ولائج: جمع وليجة، وهي ما يدخل فيه السائر اعتصاما من مطر أو برد أو توقيا من مفترس (2) نصاب الحق: أصله، والاصل في معنى النصاب مقبض السكين، فكأن الحق نصل ينفصل عن مقبضه ويعود إليه. وانزاح زال. وانقطاع لسان الباطل عن منبته - بكسر الباء - أي عن أصله مجاز عن بطلان حجته وانخذاله عند هجوم جيش الحق عليه (3) عقل الوعاية حفظ في فهم. والرعاية ملاحظة أحكام الدين وتطبيق الاعمال عليها وهذا هو العلم بالدين حقيقة. أما السماع =

[ 233 ]

يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس باسمه للخلافة (1) بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل، فقال عليه السلام: يا ابن عباس ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملا ناضحا بالغرب (2) أقبل وأدبر، بعث إلي أن أخرج، ثم بعث إلي أن أقدم، ثم هو الآن يبعث إلي أن أخرج. والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثما 241 - ومن خطبة له عليه السلام (ومن كلام له عليه السلام يحث فيه أصحابه على الجهاد) والله مستأديكم شكره (3) ومورثكم أمره، وممهلكم في مضمار محدود (4)


= والرواية مجردين عن الفهم والرعاية فمنزلتهما لا تخالف منزلة الجهل إلا في الاسم (1) كان الناس يهتفون باسم أمير المؤمنين للخلافة أي ينادون به وعثمان رضي الله عنه محصور، فأرسل إليه عثمان يأمره أن يخرج إلى ينبع وكان فيها رزق لامير المؤمنين فخرج ثم استدعاه لينصره فحضر، ثم عاود الامر بالخروج مرة ثانية (2) نضح الجمل الماء حمله من بئر أو نهر ليسقى به الزرع فهو ناضح. والغرب - بفتح فسكون: - الدلو العظيمة، والكلام تمثيل للتسخير (3) مستأديكم: طالب منكم أداء شكره. وأمره: سلطانه في الارض يورثه الصالحين المحافظين على رعاية أوامره ونواهيه (4) ممهلكم أي معطيكم مهلة في مضمار الحياة المحدود بالاجل. وأصل المضمار المكان تضمر فيه الخيل أي تحضر للسباق لتتنازعوا أي تتنافسوا في سبقه. والسبق - بالتحريك -: الخطر يوضع بين المتسابقين =

[ 234 ]

لتتنازعوا سبقه. فشدوا عقد المآزر (1)، واطووا فضول الخواصر، ولا تجتمع عزيمة ووليمة (2). ما أنقض النوم لعزائم اليوم (3)، وأمحى الظلم لتذاكير الهمم


= والرواية مجردين عن الفهم والرعاية فمنزلتهما لا تخالف منزلة الجهل إلا في الاسم (1) كان الناس يهتفون باسم أمير المؤمنين للخلافة أي ينادون به وعثمان رضي الله عنه محصور، فأرسل إليه عثمان يأمره أن يخرج إلى ينبع وكان فيها رزق لامير المؤمنين فخرج ثم استدعاه لينصره فحضر، ثم عاود الامر بالخروج مرة ثانية (2) نضح الجمل الماء حمله من بئر أو نهر ليسقى به الزرع فهو ناضح. والغرب - بفتح فسكون: - الدلو العظيمة، والكلام تمثيل للتسخير (3) مستأديكم: طالب منكم أداء شكره. وأمره: سلطانه في الارض يورثه الصالحين المحافظين على رعاية أوامره ونواهيه (4) ممهلكم أي معطيكم مهلة في مضمار الحياة المحدود بالاجل. وأصل المضمار المكان تضمر فيه الخيل أي تحضر للسباق لتتنازعوا أي تتنافسوا في سبقه. والسبق - بالتحريك -: الخطر يوضع بين المتسابقين =

[ 234 ]

لتتنازعوا سبقه. فشدوا عقد المآزر (1)، واطووا فضول الخواصر، ولا تجتمع عزيمة ووليمة (2). ما أنقض النوم لعزائم اليوم (3)، وأمحى الظلم لتذاكير الهمم وصلى الله على سيدنا محمد النبي الامي وعلى آله مصابيح الدجى والعروة الوثقى وسلم تسليما كثيرا


= يأخذه السابق منهم وهو هنا الجنة (1) العقد: جمع عقدة. والمازر: جمع مئزر. وشد عقد المآزر كناية عن الجد والتشمير فإن من شد العقدة أمن من انحلالها فيمضي في عمله غير خائف. واطووا فضول الخواصر أي ما فضل من مآزركم يلتف على أقدامكم فاطووه حتى تخفوا في العمل ولا يعوقكم شئ عن الاسراع في عملكم (2) أي لا يجتمع طلب المعالي مع الركون إلى اللذائذ (3) ما: تعجبية أي ما أشد النوم نقضا لعزيمة النهار بعزم السائر على قطع جزء من الليل في السير، فإذا جاء الليل غلبه النوم فنقض عزيمته. والظلم: جمع ظلمة، متى دخلت محت تذكار الهمة التي كانت في النهار. والله أعلم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية