الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




القواعد الفقهية - الشيخ ناصر مكارم ج 2

القواعد الفقهية

الشيخ ناصر مكارم ج 2


[ 1 ]

سلسلة القواعد الفقهية يبحث فيها عن ثلثين قاعدة فقهية القواعد الفقهية المجلد الثاني آية الله ناصر مكارم الشيرازي

[ 2 ]

المجلد الثاني يبحث فيه عن 1 قاعدة فقهية * * * وفى المجلد الاول تسع قواعد اخرى الكتاب: القواعد الفقهية المجلد: الثاني المؤلف: سماحة آية الله ناصر مكار م الشيرازي (دام ظله) الناشر: مدرسة الامام أمير المؤمنين (ع) الطبعة: الثالثة (رمضان المبارك 1411 ه‍ - ق) الكمية 2000 رقم الصفحات: 416 - وزيري المطبعة: مدرسة الامام أمير المؤمنين (ع)

[ 3 ]

فهرس المجلد الثاني من القواعد الفقهية الموضوع الصفحة امور هامة يجب التنبيه عليها 1 - لابد من تدوين علم مستقل لشأن القواعد الفقهية 10 2 - تعريف القواعد الفقهية 11 3 - عدم تدوين كتاب خاص بهذا الموضوع 12 4 - محتوى الكتاب 13 1 - قاعدة التسلط (الناس مسلطون على أموالهم) مدرك القاعدة من كتاب الله 19 مدركها من السنة 21 مدركها من الاجماع 23 دليل العقل وبناء العقلاء 29 انحاء الملكية فيي الاسلام 32 حدود قاعدة التسلط 34 هل القاعدة مختصة بالاموال أو تشمل الحقوق وغيرها ايضا؟ 36 نسبة القاعدة مع غيرها 37 نسبة قاعدة التسلط مع الواجبات المالية 41 2 - قاعدة حجية البينة تعريفها ومعناها لغة وشرعا 46 ادلة حجية البينة 51 شرائطها والقيود المعتبرة فيها 64

[ 4 ]

الموضوع الصفحة الموارد المستثناة من هذه القاعدة 66 اعبتار كون البينة في الامور المحسوسة 69 كون حجية البينة عاما لكل احد وبالنسبة إلى جميع الاثار 72 نسبة البينة مع غيرها 73 تعارض البينتين 75 3 - قاعدة حجية خبر الواحد في الموضوعات اقوال العلماء في المسألة 81 مدرك القاعدة من الكتاب العزيز 83 مدركها من السنة 85 مدركها من بناء العقلاء 90 سيرة الاصحاب في المسألة 90 اقوى ما يرد على حجية خبر الواحد في الموضوعات وجوابه 93 ملاك حجية الخبر ومعيارها 97 4 - قاعدة حجية قول ذى اليد ما المراد بذى اليد؟ 103 اقوال الفقهاء في القاعدة 104 دليل القاعدة من السنة 108 بناء العقلاء في المسألة 113 هل القاعدة من الامارات أو من الاصول؟ 113 هل يعتبر فيها العدالة أو الوثاقة؟ 114 تعارض الامارات مع قول ذي اليد 116 5 - قاعدة الحيازة سببية الحيازة للملك 121 مدرك القاعدة من بناء العقلاء 122 مدركها من السنة 124 بماذا تحقق الحيازة؟ 129 هل يعتبر في الحيازة القصد ام لا؟ 131 هل يجوز التوكيل والاستيجار في الحيازة ام لا؟ 133 هل للحيازة حد؟ 135

[ 5 ]

الموضوع الصفحة 6 - قاعدة السبق مدركها من السنة 139 مدركها من السيرة المستمرة 142 الفرق بين قاعدة السبق والحيازة والاحياء 143 من شرائط السبق قصد الانتفاع 144 حدود الاولوية 144 هل الاولوية هنا حكم وضعي أو تكليفي؟ 145 تعارض شخصين في السبق إلى شئ 147 موارد جريان القاعدة 147 حكم السبق إلى المساجد 148 حكم الطرق والشوارع 150 حكم المدارس والخانات والربط 154 7 - قاعدة الالزام مدرك القاعدة من الاجماع والحديث 159 مفاد القاعدة وشمولها لخصوص المخالفين أو غير المسلمين ايضا 164 موارد شمول القاعدة من ابواب الفقه 166 8 - قاعدة الجب مدركها من الكتاب العزيز 171 مدركها من السنة وسيرة النبي صلى الله عليه وآله 173 ما المراد بالجب؟ ومن أي شئ يجب الاسلام؟ 178 المستثنياة من هذه القاعدة 182 بناء العقلاء في هذه المسألة 188 9 - قاعدة الاتلاف معنى القاعدة 193 مدركها من كتاب الله 194 مدركها من السنة وفيها عشر طوائف من الاحاديث 195 بناء العقلاء هنا 202 استقرار اجماع العلماء عليه 203 الاتلاف بالمباشرة والتسبيب 205

[ 6 ]

الموضوع الصفحة مسألة تعدد الاسباب 207 لا فرق بين العلم والجهل في الاتلاف 208 الفرق بين الغصب والاتلاف 209 10 - قاعدة ما يضمن ومالا يضمن جمع ممن تعرض للقاعدة 213 مفاد القاعدة ومغزاها 215 مدركها من الاجماع وسيرة العقلاء وقاعدة اليد ولاضرر وقاعدة الاقدام 217 العمدة فيها قاعدة احترام الاموال 218 موارد شمولها 222 ما المراد بالضمان هنا 223 هل العموم باعتبار انواع العقود أو اصنافها أو اشخاصها؟ 224 شمول القاعدة للمنافع والاعمال 227 11 - قاعدة ضمان اليد مدركها من السنة 231 مدركها من قاعدة احترام الاموال 234 مفاد القاعدة 236 لافرق في الضمان بين صورتي العلم والجهل 237 لافرق بين ضمان العين والمنافع 240 حكم " المثلى " و " القيمى " 242 ملاك الفرق بين " المثلى " و " القيمى " 242 12 - قاعدة عدم ضمان الامين ادلة القاعدة من الاجماع 251 الطائف السبع من الروايات الدالة عليها 251 الروايات المعارضة وعلاجها 261 بناء العقلاء في المسألة 267 ما المراد بالامانة هنا 268 هل يجوز اشتراط ضمان الامين؟ 274 ما المراد من التعدي والتفريط هنا؟ 277 ضمان وصف الصحة 279

[ 7 ]

الموضوع الصفحة 13 - قاعدة الغرور مدرك القاعدة من الروايات 284 مدركها من بناء العقلاء 289 معنى الغرور 291 معنى التسبيب 296 عمومية القاعدة لجميع ابواب الفقه وشطر من كلمات الاصحاب 298 14 - قاعدة الخراج بالضمان المراد من القاعدة 305 مداركها من الروايات من طرق الاصحاب وغيرهم 308 معنى " الخراج " ومعنى " الضمان " ونقد ما ذكروه في هذا الباب 312 15 - قاعدة اللزوم في المعاملات محل الكلام فيها 319 مداركها من كتاب الله 321 مداركها من السنة 324 الاستدلال بالاستصحاب ونقده 330 بناع العقلاء هنا 332 16 - قاعدة البينة واليمين مدارك القاعدة من عموم السنة وخصوصها 335 طريق معرفة " المدعى " من " المنكر " 341 ما استثنى من القاعدة في مسألة الدماء 344 شرائط سماع الدعوى من المدعى 346 عدم اشتراط الخلطة 348 هل المدار في معرفة المدعى والمنكر على مصب الدعوى أو نتيجتها 349 17 - قاعدة تلف المبيع قبل قبضه مستند القاعدة من الاجماع والاحاديث وبناء العقلاء 354 حم النماآت الحاصلة بعد العقد وقبل التلف 360 إذا حصل التلف بفعل البايع أو المشترى 362 الحاق تلف الثمن بتلف المبيع وعدمه 362 هل القاعدة تختص بباب البيع أو تجرى في جميع المعاوضات؟ 365

[ 8 ]

الموضوع الصفحة 18 - قاعدة تبيعة العقود للقصود محتوى القاعدة 369 ما ذكر في مدركها مما لا يعتمد عليه 371 العمدة في مستند القاعدة 373 القصد انما يعتبر في موضوع العقد لافى حكمه 374 التبعية انما هي في الحدوث لافى البقاء 374 التبعية انما هي في مقام الثبوت لا الاثبات 375 النقوض التى اوردت على القاعدة والجواب عن جميعها 376 19 - قاعدة التلف في زمن الخيار ما استدل به للقاعدة من السنة وعدم تماميتها 391 الاستدلال لها بحكم العقل واقتضاء الاصل وعدم تماميتها 393 في عمومية القاعدة لجميع الخيارات وعدمها 394 هل الحكم في المبيع خاصة ام يشمل الثمن ايضا؟ 396 هل الضمان هو الضمان المعاملى أو الواقعي؟ 398 20 - قاعدة " الاقرار " و " من ملك " مدارك قاعدة الاقرار من الروايات العامة والخاصة 403 لابد ان يكون الاقرار على النفس 405 الموارد التى يشك فيها انها على النفس أو على غيرها 406 هل الاقرار امارة مطلقا؟ 407 اشتراط عدم المعارضة باقرار مخالف 407 قاعدة من ملك ومحتواها 408 الادلة الستة التى استدل بها للقاعدة واحسنها 412 21 - قاعدة الطهارة مدرك القاعدة من السنة 417 جريانها في الشبهات الموضوعية والحكمية 420 الطهارة والنجاسة حكمان واقعيان لا علميان 422 محاكمة مع صاحب الحدائق (رضوان الله عليه) في المسألة 423

[ 9 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على خير خلقه واشرف بريته محمد صلى الله عليه وآله وآله الطاهرين المعصومين والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين

[ 10 ]

امور هامة يجب التنبيه عليها وقبل ان نتناول ما تبقى من القواعد الفقهية بالبحث ينبغي الاشارة إلى امور: 1 - لابد من تدوين علم مستقل بشأن القواعد الفقهية القواعد الفقهية هي من أهم الامور التي يجب على الفقيه معرفتها، ومعرفة مواردها، وشرائطها، وما يستثنى منها، وذلك لاستيفاء كثير من المسائل الفقهية عليها، بحيث لا يمكن الجزم بالحكم الفقهي كثيرا بدون ذلك. وكيف يتسنى للفقيه البحث عن كثير من مسائل الفقه في ابواب العبادات والمعاملات مع عدم احاطته بموارد جريان قاعدة لا حرج، والصحة، وضمان اليد ولاضرر، وعدم ضمان الامين، وقاعدة السبق والالزام وغيرها، والفرق بين مواردها وموقفها من سائر الادلة من الامارات والاصول ولكن رغم هذه الاهمية لم يبحث عنها الا نادرا وتباعا مع انها تحتاج إلى ابحاث مستقلة ومستوفاة. والسبب في ذلك انها تندرج في الحقيقة لا في مسائل اصول الفقه ولا في مسائل الفقه نفسه، إذ ليس لها في مسائل هذين العلمين مجال الا بتبع بعض مسائلهما أو ما يكون بحثا استطراديا غير جامع ولا كافل بجميع ما يراد منها. وما يترآى من بحث بعضها اخيرا في بعض الكتب الاصولية أو الفقهية مستوفى

[ 11 ]

مثل قاعدة لا ضرر أو قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وقواعد طفيفة أخرى لا يوجب اداء حقها جميعا مع ما فيها ايضا من نقائص ظاهرة. وكم من مسألة اشتبه حكمها على بعض الاكابر من جراء عدم تنقيح هذه القواعد وسيمر عليك كثير منها في طيات هذا الكتاب. إذا فالواجب علينا الاهتمام بشأنها واداء حقها وتدوين علم مستقل لها وان أهملها المتقدمون رضوان الله تعالى عليهم، وكم ترك الاول للاخر. * * * 2 - تعريف القواعد الفقهية القاعدة الفقهية، على ما يستفاد من استقراء كلمات الاصحاب قدس الله اسرارهم هي ما اشتملت على حكم فقهي عام لا يختص بباب معين من الفقه، بل يشمل ابواب الفقه كلها، أو كثيرا من مسائلها المبحوثة في " كتب متعددة فقهية "، أو مسائل كثيرة من " كتاب واحد ". فالاول كقاعدة حجية البينة، أو خبر الواحد في الموضوعات، فانها تعم جميع ابواب الفقه لعموم موضوعها فهي تجري في جميع ابواب العبادات والمعاملات. فالحجية هنا ليست كالحجية في الادلة الاربعة مما تقع في طريق الاستنباط بل الحجية بنفسها حكم فقهي، لانها تتعلق بموضوع كذلك، فإذا اخبرت البينة عن طهارة شئ أو رؤية الهلال أو غير ذلك معناها جواز استعمالها في الصلوة أو وجوب الصوم أو الافطار فهي مشتملة على حكم عام متعلق باثبات الموضوعات في جميع كتب الفقه. والثاني مثل قاعدة اصالة اللزوم في المعاملات أو قاعدة ضمان اليد، فانها تجري في ابواب المعاملات فقط.

[ 12 ]

والثالث كقاعدة لا تعاد، أو قاعدة الطهارة أو قاعدة البينة على المدعي واليمين على من انكر الجارية في ابواب الصلوة، أو الطهارة أو القضاء لكنها مع ذلك لا تختص بباب خاص من هذه الكتب الثلاث. فحينئذ تفترق القاعدة الفقهية عن المسائل الاصولية بان الثاني لا يشمل على حكم شرعي فرعي تكليفي أو وضعي بل يقع في طريق استنباط الاحكام حينما تشتمل القواعد الفقهية على احكام كلية عامة اثباتا، أو نفيا (كما في لا حرج ولا ضرر على المشهور). كما انها تفترق عن المسائل الفقهية في اشتمالها على احكام جزئية كطهارة ماء البئر، ونجاسة الدم، وجواز عقد المعاطاة، وحرمة الخمر، وغيرها من اشباهها. ولهذه الخصوصية لا يمكن اعطاء نتيجة القواعد الفقهية بايدي المقلدين فانها تفيد الفقيه فقط حينما تكون المسائل الفقهية قابلة لذلك. وبالجملة القواعد الفقهية تشتمل على امرين: 1 - اثبات حكم شرعي فرعي تكليفي أو وضعي عام (أو نفيه). 2 - اطرادها في جميع ابواب الفقه أو ابواب متعددة من كتب مختلفة فقهية أو كتاب واحد مثل القضاء أو الصلوة أو غيرهما. ومن هنا يظهر الوجه فيما ذكرنا من كونها ممتازة عن المسائل الاصولية والفقهية وانها موضوع علم مستقل. * * * 3 - عدم تدوين كتاب خاص بهذا الموضوع هناك كتب كثيرة قيمة مسماة باسم القواعد مثل " القواعد " للعلامة و " قواعد " الشهيد وغيرهما ولكن من الواضح ان شيئا منها لا يبحث عن القواعد بالمعنى الذي

[ 13 ]

عرفت كما يظهر ذلك لمن راجعها في بادئ النظر، بل هي كتب فقهية جيدة كسائر الكتب المتداولة، سميت باسم القواعد، ولكن لا تبحث عنها بل تبحث عن مسائل الفقه الجزئية. نعم هناك بعض المؤلفات لاصحابنا مثل " العوائد " للنراقي قدس سره و " العناوين " للمحق البارع السيد عبد الفتاح الحسيني المراغي من تلاميذ الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء قدس سره تبحث عن غير واحد من القواعد الفقهية ولكنها ايضا غير متمحضة لهذا الامر. ولذا لا عجب ان قلنا اول كتاب مؤلف لسرد قواعد الفقه بمعناها المصطلح كتابنا هذا نشر اول مرة في سنة 1382 هجرية قمرية، ثم نشر كتاب آخر بهذا الاسم من بعض اعيان المعاصرين شكر الله سعيه وجزاه عن الاسلام خير الجزاء، وان كان يتفاوت في كثير من ابحاثه لما في هذا الكتاب، وقد بحث عن امور كان الاولى تركها، وترك بعض ما كان الواجب ذكره. وعلى كل حال هذا العلم مما ينبغي ان يكون محطا لانظار العلماء ومضمارا لاهل التحقيق حتى تخرج عن هذه الغربة المؤسفة ويتسع نطاقه ويتضح جميع جوانبه ونواحيه. * * * 4 - محتوى الكتاب كتابنا هذا يشمل على ثلاثين قاعدة فقهية هي اهم القواعد التي يحتاج إليها في الابحاث الفقهية، لا أقول تنحصر القواعد فيها، بل اقول هي أهمها واوسعها واشملها. وقد ذكرنا تسعا منها في " المجلد الاول " وهي:

[ 14 ]

قاعدة " لا ضرر "، وقاعدة " الصحة "، وقاعدة " لا حرج ". قاعدة " التجاوز والفراغ "، قاعدة " اليد " (دلالة اليد على الملك) وقاعدة " القرعة ". قاعدة " التقية " وموارد حرمتها ووجوبها، وقاعدة " لا تعاد " وقاعدة " الميسور " * * * وواحدة وعشرين في " الجزء الثاني " (وهو هذا المجلد) وهي: 1 - قاعدة التسلط (الناس مسلطون على اموالهم) 2 - قاعدة حجية البينة 3 - قاعدة حجية خبر الواحد في الموضوعات 4 - قاعدة حجية قول ذى اليد 5 - قاعدة الحيازة 6 - قاعدة السبق 7 - قاعدة الالزام 8 - قاعدة الجب 9 - قاعدة الاتلاف 10 - قاعدة ما يضمن ومالا يضمن 11 - قاعدة اليد (على اليد ما اخذت) 12 - قاعدة عدم ضمان الامين 13 - قاعدة الغرور

[ 15 ]

14 - قاعدة الخراج 15 - قاعدة اللزوم في المعاملات 16 - قاعدة البينة واليمين 17 - قاعدة تلف المبيع قبل قبضه 18 - قاعدة تبعية العقود للقصود 19 - قاعدة التلف في زمن الخيار 20 - قاعدة الاقرار و " من ملك " 21 - قاعدة الطهارة وبها تتم ثلاثون قاعدة * * * وختاما نحمد الله تعالى على توفيقه الذي لا يتم امر الا به، ونسأله ان يجعله ذخرا ليوم المعاد بمنه وكرمه، يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم. كما ان من الواجب علي ان اشكر عدة من الافاضل الذين وازروني في هذا الامر وبذلوا جهدهم في المراجعة إلى المنابع الفقهية والحديث وغيرهما وجمع مدارك هذه القواعد فانها متفرقة غاية التفرق في كتب الفقه والحديث وغيرهما. وهم الفضلاء الكرام: * السيد أبو محمد المرتضوى * والسيد مهدى شمس الدين * والسيد على الموسوي * والشيخ محمد علي الحيدري * والشيخ رضا بلاغت شكر الله سعيهم وجزاهم عن الاسلام خير الجزاء.

[ 16 ]

ربنا تقبل منا انك انت السميع العليم ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من امرنا رشدا (والحمد لله) قم - الحوزة العلمية ناصر مكارم الشيرازي

[ 17 ]

1 - قاعدة التسلط (الناس مسلطون على اموالهم) * مدرك القاعدة من كتاب الله * مدركها من السنة * مدركها من الاجماع * دليل العقل وبناء العقلاء * انحاء الملكية في الاسلام * حدود قاعدة التسلط * هل القاعدة مختصة بالاموال أو تشمل " الحقوق " وغيرها أيضا * نسبة هذه القاعدة مع غيرها * نسبة قاعدة التسلط مع الواجبات المالية

[ 19 ]

بسم الله الرحمن الرحيم من القواعد المشهورة بين الفقهاء، قاعدة تسلط الناس على اموالهم، ولا يزالون يستدلون بها في مختلف ابواب المعاملات بالمعنى الخاص، والعام، بل لعله هو المدرك الوحيد في بعض مسائلها، وبيان " محتواها " و " مداركها " و " ما يتفرع عليها " و " ما يستثنى منها " يتم في مقامات. * * * الاول: في مدرك القاعدة يمكن الاستدلال عليها بالادلة الاربعة: 1 - كتاب الله اما من كتاب الله العزيز فبآيات مختلفة، وردت في موارد خاصة، يستفاد من مجموعها ان كل انسان له سلطة على امواله الخاصة، لا يجوز لاحد مزاحمته الا من طرق معينة وردت في الشرع، فمما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: " يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم

[ 20 ]

ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما " (1). دل على عدم جواز اكل اموال الناس الا من طرق خاصة مشروعة، تبتنى على رضا الطرفين، وجعل حرمته كحرمة قتل الانفس، وكأنه إلى هذا ينظر الحديث المعروف " حرمة مال المسلم كحرمة دمه " (2). ومثله قوله تعالى: وآتوا اليتامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم انه كان حوبا كبيرا " (3). وهو دليل على ان الانسان لو لم يكن قادرا على حفظ امواله لابد ان تحفظ من طريق من يقدر على ذلك، وان الولي يجب عليه كمال الاحتياط فيه، والا ارتكب اثما عظيما. ومن الجدير بالذكر ان التعبير باموالكم واموالهم دليل واضح على الملكية الخاصة في هذه الاموال لا ملكية المجتمع كما قد يتوهمه من لا خبرة له بشئ من الاثار الاسلامية والمتون الدينية. وايضا قوله تعالى: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " (4). دلت على انه لا يجوز التصرف في شئ من اموالهم الحاصلة من طريق الصداق، الا باذنهن ورضاهن، وايضا قوله تعالى: " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم وانتم تعلمون " (5).


(1) السناء - 29. (2) مسند احمد ج 1 ص 446. (3) النساء - 2. (4) النساء - 4. (5) البقرة - 188.

[ 21 ]

إلى غير ذلك من الايات الكثيرة الواردة في ابواب الارث والصداق والوصية وسائر العقود، وما دل على مطلوبية الانفاق في سبيل الله، حتى مادل حرمة الربا وانه " ان تبتم فلكم رؤس اموالكم " (1). وبالجملة لا يبقى شك لاحد بعد ملاحظة هذه الايات ان كل انسان مسلط على امواله التي اكتسبها من طرق مشروعة، وانه لا يجوز مزاحمته فيها، ولا التصرف الا باذنه ورضاه، ولو جمعنا هذه الايات مع تفسيرها كان كتابا ضخما. * * * 2 - السنة واما من السنة فهى روايات كثيرة عامة وخاصة: 1 - الرواية المعروفة المشهورة في ألسن الفقهاء، المرسلة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: ان الناس مسلطون على اموالهم رواها العلامة المجلسي قدس سره في الجلد الثاني من البحار عن غوالي اللئالى (2) وهي وان كانت مرسلة لكنها مجبورة بعمل الاصحاب قديما وحديثا، واستنادهم إليها في مختلف ابواب الفقه، وسيأتي الاشارة إلى بعضها. قال في الرياض في مسألة تضرر الجار بتصرف المالك في ملكه ان حديث نفي الضرر المستفيض معارض بمثله من الحديث الدال على ثبوت السلطنة على الاطلاق لرب الاموال وهو ايضا معمول به بين الفريقين (3) وهناك روايات اخر لا تشتمل على هذا العنوان ولكنه تحتوى معناها ومغزاها.


(1) البقرة - 279. (2) بحار الانوار ج 2 ص 273 (من الطبعة الجديدة). (3) الرياض - كتاب " احياء الموات " ج 3 ص 377.

[ 22 ]

2 - ما رواها سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون له الولد ايسعه ان يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع به ما شاء إلى ان يأتيه الموت (1) 3 - رواية اخرى عن سماعة عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام مثله، وزاد: ان لصاحب المال ان يعمل بماله ما شاء، مادام حيا ان شاء وهبه، وان شاء تصدق به، وان شاء تركه إلى ان يأتيه الموت (2). ومن الواضح ان ذكر الهبة والصدقة من باب المثال لما وقع التصريح فيها بان له ان يصنع بماله ما شاء، وليست السلطة على المال غير هذا. 4 - مرسلة ابراهيم ابن ابي سماك عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الميت اولى بماله مادامت فيه الروح (3). 5 - وبمعناه رواية اخرى عن " عمار بن موسى " انه سمع ابا عبد الله عليه السلام يقول صاحب المال احق بماله مادام فيه شئ من الروح يضعه حيث شاء (4). 6 - وروى عثمان بن سعيد عن ابى المحامد عن ابي عبد الله عليه السلام قال الانسان احق بماله مادام الروح في بدنه (5). وهناك روايات اخرى واردة في نفس هذا الباب، ومن الواضح ان اطلاق قوله " اولى " و " احق " يشمل انواع التصرفات الناقلة وغير النافلة. وتقيد روايات الوصية بالثلث كتخصيص هذه الاطلاقات بغير مرض الموت، بناء على كون منجزات المريض من الثلث لا من الاصل، لا يضر بالمقصود، فان الاطلاق


(1) الوسائل ج 13 ابواب احكام الوصايا - الباب 17 - الحديث 1. (2) الوسائل ج 13 ابواب احكام الوصايا - الباب 17 - الحديث 2. (3) الوسائل ج 13 ابواب احكام الوصايا - الباب 17 - الحديث 3. (4) الوسائل ج 13 ابواب احكام الوصايا - الباب 17 - الحديث 4. (5) الوسائل ج 13 ابواب احكام الوصايا - الباب 17 - الحديث 8.

[ 23 ]

السلطنة على المال كسائر الاطلاقات يقبل التقييد مهما ورد دليل عليه. اما الروايات الخاصة فهي كثيرة جدا لا يمكن استقصاء جميعها، بل ولا نحتاج إلى الاستقصاء بعدما عرفت. * * * 3 - الاجماع واما الاجماع فهو ظاهر كلمات القوم حيث ارسلوها ارسال المسلمات، واستدلوا بقاعدة التسلط في ابواب مختلفة نشير إلى جملة منها. 1 - قال في " الخلاف " في كتاب البيوع في مسألة 290 في بحث اقراض الجواري: " دليلنا ان الاصل الاباحة والحظر يحتاج إلى دليل... وايضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: الناس مسلطون على اموالهم، وقال لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه " (1). ومنه يظهر ان حديث عدم جواز التصرف في مال كل انسان الا بطيب نفسه يتحد معنا مع حديث التسلط. 2 - قال في " السرائر في باب حريم البئر: وان أراد الانسان ان يحفر في ملكه أو داره بئرا، واراد جاره ان يحفر لنفسه بئرا بقرب تلك البئر لم يمنع منه بلا خلاف في جمع ذلك وان كان ينقص بذلك ماء البئر الاولى لان الناس مسلطون على املاكهم (2). وقال في " جامع المقاصد " في ابواب الاحتكار في شرح قول العلامة (قدس سره): " ويجبر على البيع لا التسعير " مانصه: " أي هذا اصح لان الناس مسلطون على اموالهم الا ان يجحف في طلب الثمن أو يمتنع من تعيينه " (3).


(1) الخلاف ج 2 ص 278. (2) " السرائر " كتاب المتاجر باب بيع الماء وحريم الحقوق 249. (3) جامع المقاصد ج 1 ص 207.

[ 24 ]

وقال في " جامع المقاصد " ايضا: في جواز التفريق بين الطفل وامه في المملوكة ما نصه: " يجوز التفريق بعد سنتين في الذكر، وبعد سبع في الانثى (في الحرة) على المشهور بين المتأخرين فليجز ذلك في الامة لان حقه لا يزيد على الحرة، ولان الناس مسلطون على اموالهم (1). وقال هو ايضا في مسألة وطي الامة من جانب المشتري، في مدة الخيار المشترك أو المختص بالبايع، انه ليس له ذلك على اشكال، ثم ذكر ان منشأ الاشكال من عموم " الناس مسلطون على اموالهم " ومن " انه ربما افضى إلى الاستيلاد الموجب لسقوط خيار البايع ". وقال في مفتاح الكرامة، في ابواب الاحتكار بعد نقل كلام القواعد في نفي التسعير: " اجماعا واخبارا متواترة كما في السرائر وبلا خلاف كما في المبسوط وعندنا كما في التذكرة، للاصل وعموم السلطنة " (2). وقال في جامع المقاصد ايضا في شرح مسألة تأجيج النار وارسال الماء في ملكه " انه لما كان الناس مسلطين على اموالهم كان للانسان الانتفاع بملكه كيف شاء " (3). وهذا صاحب الجواهر الفقيه المتضلع استدل بهذة القاعدة وأرسله ارسال المسلمات في ابواب البيع، والرهن، والصلح، والشركة، والمزارعة، والمساقاة، والوديعة، والعارية، وكتاب السبق، والوصايا، والغصب، والاطعمة والاشربة، واحياء الموات، إلى غير ذلك مالو نقلنا كلها لطال بنا البحث ولكن نذكر شطرا منها: 1 - قال في كتاب البيع في جواز الولاية من قبل الجائر إذا كان مكرها مانصه:


(1) جامع المقاصد ج 1 ص 224. (2) مفتاح الكرامة ج 4 ص 111. (3) حكاه الشيخ الاعظم في رسالة نفى الضرر في ملحقات المكاسب ص 375.

[ 25 ]

" لا بأس بجواز تحمل الضرر المالي في رفع الاكراه، ولعموم تسليط الناس على اموالهم " (1). 2 - وقال في مبحث الاحتكار: " المسألة الثانية الاحتكار مكروه، وقيل حرام، والاول اشبه باصول المذهب وقواعده التي منها الاصول وقاعدة تسلط الناس على اموالهم " (2). وكلامه شاهد على ان القاعدة من القواعد المسلمة في مذهبنا. 3 - وقال: في حكم التفرقة بين الاطفال وامهاتهم قبل استغنائهم منهن بعد نقل كلام الشرايع انه محرمة وقيل مكروهة، وهو الاظهر مانصه: جمعا بين مادل على الجواز من الاصل وعموم تسلط الناس على اموالهم (3). وقال في الشرايع في كتاب الرهن لو غصبه ثم رهنه صح ولم يزل الضمان.. ولو اسقط عنه الضمان صح وزاد في الجواهر ودعوى عدم صحة اسقاط مثل ذلك يدفعها عموم تسلط الناس على حقوقهم واموالهم (4). واضافة الحقوق في كلامه هنا من باب الغاء الخصوصية عن الاموال والا فالظاهر انه لم يرد هذا العنوان في النصوص. واستدل به ايضا في ابواب الصلح في مسألة صلح الشريكين عند ارادة الفسخ على ان يأخذ احدهما رأس ماله والاخر الباقي، ربح أو توى، جاز.. ولعل عموم تسلط الناس على اموالهم يقتضيه (5). واستدل به ايضا في جواز الاعتماد على القرعة في القسمة في كتاب الشركة


(1) الجواهر ج 22 ص 168. (2) الجواهر ج 22 ص 478. (3) الجواهر ج 24 ص 220. (4) الجواهر ج 25 ص 228. (5) الجواهر ج 26 ص 221.

[ 26 ]

وقال: انما الكلام في اعتبارها في القسمة كما عن ظاهر كثير أو الجميع نعم عن الاردبيلي الاكتفاء بالرضاء من الشركاء... لعموم الناس مسلطون على اموالهم (1). واعتمد عليه في ابواب المزارعة والمساقاة قال: في المسألة الرابعة في جواز شركة غير المزارع (بالفتح) معه وعدم توقفه على اذن المالك بعد التمسك بعدم الخلاف بانتقال المنفعة إليه بعقد المزارعة والناس مسلطون على اموالهم (2). واستند إليه في كتاب السبق ايضا (3). واستدل به ايضا في كتاب الوصية إذا اوصى بالثلث (4). وقال: في كتاب الغصب بعد قول الشرايع " ولو ارسل في ملكه ماء فاغرق مال غيره أو اجج نارا فيه فاحرق لم يضمن ما لم يتجاوز قدر حاجته اختيارا ".. بلا خلاف أجده فيه... للاصل بعد عدم التفريط وعموم تسلط الناس على اموالهم (5). واستدلاله هنا بقاعدة التسلط دليل على عمومها عنده، حتى إذا اوجب الضرر على غيره، ما لم يتجاوز عن حده وعن قدر حاجته. وقال في كتاب الاطعمة والاشربة في مسألة الاضطرار إلى اكل الميتة وان كان هناك من له مال حلال ولكن لا يبذله ما لفظه: " نعم يتجه ذلك (جواز أكل الميتة) إذا لم يبذل، لعموم الناس مسلطون على اموالهم، من غير فرق بين كونه قويا أو ضعيفا (6). وهذا دليل ان عموم السلطة على المال يشمل حتى فرض الاضطرار من بعض الجهات وهو دليل على قوة العموم فيها عندهم.


(1) الجواهر ج 26 ص 310. (2) الجواهر ج 27 ص 141. (3) الجواهر ج 28 ص 237. (4) الجواهر ج 28 ص 314. (5) الجواهر ج 37 ص 59. (6) الجواهر ج 36 ص 439.

[ 27 ]

واستدل به في كتاب احياء الموات ايضا (1). وقال في ذلك الكتاب ايضا: فيما إذا تصرف الانسان في داره بما يوجب تضرر الجار تضررا فاحشا بعد الحكم بمنعه استنادا إلى حديث نفي الضرر والضرار المعمول به بين الخاصة والعامة المستفيض بينهم مانصه: " وقد يناقش بان حديث نفي الضرر المستفيض معارض بمثله من الحديث الدال على ثبوت السلطنة على الاطلاق لرب المال، وهو ايضا معمول به بين الفريقين والتعارض بينهما تعارض العموم من وجه والترجيح للثاني بعمل الاصحاب " (2). اقول: كلامه هنا دليل واضح ان هذا الحديث المرسل بلغ من ناحية عمل الاصحاب بحد من القوة بحيث يعارض " حديث لا ضرر " المستفيض المروى من طرق الفريقين باسناد شتى. * * * وهذا شيخنا الاعظم العلامة الانصاري استدل به في كثير من المسائل الفقهية في مكاسبه وارسله ارسال المسلمات بحيث لا يشوبه شائبة واليك نماذج منها. منها في مسألة: 1 - قال في بحث قبول الولاية من قبل الجاير مع وجود الضرر المالى في تركه مما لا يضر بالحال ان تركه رخصة لا عزيمة فيجوز تحمل الضرر لان الناس مسلطون على اموالهم (3). 2 - وقال في مبحث المعاطاة ردا لمن استدل بقاعدة الناس مسلطون على اموالهم على ان المعاطاة توجب الملك: " اما قوله الناس مسلطون على اموالهم فلا


(1) الجواهر ج 38 ص 123. (2) الجواهر ج 38 ص 50. (3) المكاسب المحرمة ص 59.

[ 28 ]

دلالة فيه على المدعى لان عمومه باعتبار انواع السلطنة، فهو انما يجدى فيما إذا شك في ان هذا النوع من السلطنة ثابتة للمالك وماضية شرعا في حقه ام لا " (1). وظاهر كلامه هذا مفروغية القاعدة بين الجميع، وبحيث لا يتطرق إليه اشكال، ولو كان هناك ايراد، فانما هو تطبيقها على بعض الموارد التى يشك فيها. 3 - وقال ان الاستدلال على اصالة اللزوم في كل عقد شك في لزومه: " ويدل على اللزوم مضافا إلى ما ذكر عموم قولهم الناس مسلطون على اموالهم " (2). 4 - وقال في رسالته في قاعدة نفى الضرر المطبوعة في ملحقات مكاسبه وينبغي التنبيه على امور: الاول ان دليل هذه القاعدة حاكم على عموم ادلة اثبات الاحكام الشامل لصورة التضرر بموافقتها - إلى ان قال: خلافا لما يظهر من بعض من عدهما من المتعارضين حيث انه ذكر في مسألة تصرف الانسان في ملكه مع تضرر جاره ان عموم نفي الضرر معارض بعموم الناس مسلطون على اموالهم. ثم اورد عليه بحكومة قاعدة نفى الضرر على قاعدة التسلط، واستدل على الحكومة بجريان سيرة الفقهاء في مقامات مختلفة عليه منها استدلالهم على ثبوت خيار الغبن وبعض الخيارات الاخر بقاعدة نفى الضرر مع وجود عموم الناس مسلطون على اموالهم (3). ويظهر من كلامه هذا تسالم القوم على هذه القاعدة في محلها وان قدموا قاعدة نفى الضرر عليها لحكومتها. 5 - واستدل ايضا بها في طيات مكاسبه في ابواب " ضمان المثلى والقيمي " و " مسقطات خيار المجلس " و " احكام الخيار " وغيرها مما يطول المقام بذكرها


(1) المكاسب - البيع ص 83. (2) المكاسب - البيع ص 85. (3) ملحقات المكاسب ص 373.

[ 29 ]

جميعا. فتحصل من جميع ما ذكرنا انه لا ينبغى التأمل في كون القاعدة مجمعا عليها بين فقهاء الفريقين، لاستنادهم إليها في كثير من المباحث المتخلفة، ارسالا له ارسال المسلمات من غير رد ولا انكار، وما اوردناه هنا من اقوالهم شطر من كلماتهم المشتملة على الحديث بعنوانه، والا فما ذكروه بغير هذا العنوان مما يعطى معناه اكثر واظهر. * * * 4 - دليل العقل وبناء العقلاء هذه القاعدة قاعدة عقلائية قبل ان تكون شرعية، ولم يزل بناء العقلاء عليها من قديم الزمان إلى عصرنا هذا، ولا فرق فيها بين ارباب الملل الالهية وغيرهم، حتى ان من انكرها بلفظه لا ينكرها في عمله، وان الذين ادعوا الغائها بالمرة في كتبهم وفي مدارسهم لم يوفقوا له في العمل، وكلهم يرون ان للانسان التصرف في ملكه بما يراه، الا ما منعه الشرع أو نهى عنه القوانين المعتبرة عندهم، ولا يشك في هذا احد منهم، ومن انكره فانما ينكره باللسان وقلبه مطمئن بالايمان. بل يمكن ان يقال انها من القواعد الفطرية قبل ان تكون عقلائية فان ما عند العقلاء من القوانين لها اصولا وجذورا في اعماق فطرياتهم ما لم ينحرف عنها بامور قسرية. كما ان احكام الشرع ايضا تنطبق على الفطريات، فيطابق " التشريع " " التكوين "، ولابد ان يتطابق، لان كل واحد منهما من صنع الله، ولا يضار صنعه صنعه، وما ترى في خلق الرحمن من تفاوت.

[ 30 ]

وان شئت اختر حال من لم تشب فطرته باي شائبة، أو تقاليد اجتماعية، من الصبيان غير العارفين بما عند آبائهم وامهاتهم من الاحكام والقوانين، فان كلا منهم إذا ظفر بشئ، ورآه ماله، احتفظ به، ورد كل من يزاحمه في ما كسبه، ويرى لنفسه التسلط عليه بجميع انواع التسلط، الا ان يمنعه مانع من فطرته أو من الخارج. بل قد يقال ان هذه الفطرة والسائقة النفسية لا تنحصر بالانسان، بل تشترك فيها انواع الحيوان، فهي تعتبر المالكية لانفسها فيما كسبت، وتسيطر عليها، ولا يرى لغيره حقا في المزاحمة، تدافع عن وكرها، وعشها، وطعمتها، وغيرها مما يتعلق بها كما يدافع الانسان عن امواله، بل قد يكون عندها ما يشبه الملكية التعاونية عندنا كما في النمل والنحل وغيرهما من اشباههما فهي تدافع جميعا عما تتعلق بشركائها ضد الاجانب، وترى لنفسها السلطة على ما تزودها. فإذا يكون حكم الشرع في هذه القاعدة من قبل امضاء ما عند العقلاء، لا تأسيس قاعدة حديثة جديدة، مما ليس عندهم، كما هو كذلك في اكثر ما عند الشرع في ابواب المعاملات أو في جميعها، وان ورد فيها شرائط خاصة، وقيود مختلفة لهذا الامضاء، دفعا لهم عن مفاسد كثيرة لا يعلمونها، ولا يهتدى إليها عقولهم، أو ما يعلمونه ولا يعتنون به اتباعا لاهوائهم وغفلة عما فيه صلاحهم وفسادهم. فادا لا يبقى شك في عموم هذه القاعدة لجميع الاموال، وجميع الناس، وان كان هذا العموم مشروطا بشرائط وقيود كثيرة واستثنائات مختلفه، ولا ينافى ذلك وجود المالكية العامة في الشرع بالنسبة إلى اموال اخر. ولا بأس بالاشارة هنا إلى نبذ مما يدل على مالكية كل انسان لما كسبه، من طرق مشروعة، ونفوذ تصرفاته فيه، وعدم جواز مزاحمته بغير اذنه، التي تدل بالدلالة الالتزامية البينة على ثبوت قاعدة التسلط ومضيها. ومما يجب ذكره قبلا انه قلما يوجد في لسان ادلة الشرع تعرض صريح لاصل

[ 31 ]

هذا الموضوع - أي جواز المالكية الفردية - بل ذكر فيها احكامها بعد الفراغ عن ثبوتها، ولولا وسوسة بعض من لا خبرة له باحكام الشرع والعقل، ممن خدعتهم الافكار المادية الالحادية لكنا في غنى عن مثل هذه الامور، مما هو من الوضوح بمكان لا يرتاب فيه ذو فضل. * * * واما الروايات الدالة على هذا المعنى فهي أكثر من أن تحصى نشير إلى بعض ما هو اوضح واظهر: 1 - ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله ان حرمة مال المسلم كحرمة دمه (1). 2 - وانه لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه (2). بلغ احترام اموال المسلمين إلى حد يعادل دمائهم، ومن الواضح انه لا يعادل في الشريعة الاسلامية دم المسلم شئ، الا ما يكون مهما جدا. 3 - وقال الصادق عليه السلام: من أكل مال اخيه ظلما، ولم يرد عليه، اكل جذوة من النار يوم القيامة (3). 4 - وفي غير واحد من الروايات ان الدفاع لحفظ الاموال جائز وان بلغ ما بلغ، وانه يجوز دفع المهاجم، وان دمه هدر، وان من قتل دون ماله فهو شهيد. قال رسول الله صلى الله عليه وآله من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد (4). وعنه صلى الله عليه وآله في حديث آخر من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد (5). وقال الباقر عليه السلام لمن سأله ان اللص يدخل على بيتي يريد على نفسي ومالي:


(1) مستدرك الوسائل ج 3 ص 145. (2) مستدرك الوسائل ج 3 ص 146. (3) الوسائل ج 11 ص 342 ابواب جهاد النفس الباب 78. (4) النسائي ج 7 ص 115. (5) الوسائل ج 11 ص 93.

[ 32 ]

اقتله فاشهد الله ومن سمع ان دمه في عنقي! (1) وقال أمير المؤمنين عليه السلام إذا دخل عليك اللص المحارب فاقتله فما اصابك فدمه في عنقي (2). 5 - وهناك روايات كثيرة دالة على كون اليد دليلا لملكية الانسان على ما في يده، بل يجوز الشهادة على الملكية بمجرد كون شئ في يد الانسان. فقد قال الصادق عليه السلام فيما رواه حفص بن غياث عنه: قال قال له رجل إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي ان اشهد انه له؟ قال نعم، قال الرجل: اشهد انه في يده، ولا اشهد انه له، فلعله لغيره. فقال أبو عبد الله عليه السلام افيحل الشراء منه؟ قال نعم، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فلعله لغيره، فمن اين جاز لك ان تشتريه ويصير ملكا لك، ثم تقول بعد الملك هو لي، وتحلف عليه، ولا يجوز ان تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك؟ ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق (3). هذا قليل من كثير مما ورد في هذا الباب، وما يدل عليه بالالتزام هو أكثر وأوفر، وقد ضمت ابواب التجارات والاوقاف والهبات والمهور والنفقات والارث والضمانات والديات والقضاء والاجارات وغيرها ما لا يحصى في هذا المعنى. * * * انحاء الملكية في الاسلام: ومما ينبغي ان يذكر انه لا تنحصر الملكية في التشريع الاسلامي بالملكية الفردية، بل المعروف انها على انحاء ثلاثة: 1 - الملكية الفردية.


(1 و 2) الوسائل ج 11 ص 92 (ابواب جهاد العدو الباب 46). (3) الوسائل ج 18 ابواب كيفية الحكم ص 215.

[ 33 ]

2 - الملكية للمسلمين جميعا. 3 - ملك الحكومة الاسلامية. ولكن في الواقع لها شقوق اخر تنقسم هذه الاقسام إليها ربما تبلغ ستة أنحاء. فان الملكية الشخصية قد تكون على نحو المشاع، وهو اشتراك جماعة في ملك على سهام متساوية، أو مختلفة، ولهذا النوع من الملكية أحكام خاصة مذكورة في ابواب البيع، والاجارة، والشركة، والمضاربة، والمزارعة، وغيرها. اضف إلى ذلك الوقف الخاص، فانه أيضا قسم آخر من الملكية المشتركة، ولكن ليس كالمشاع وله أيضا أحكام خاصة مذكورة في ابواب الوقف. وهنا نوع آخر من الملكية في الموقوفات العامة كالمساجد والقناطر الموقوفة والخانات وشبهها، فعلى القول بانها من قبيل فك الملك، وانها خارجة عن ملك كل احد حتى المسلمين جميعا فهي خارجة عن المقسم في هذا البحث. ولكن ذكرنا في محله ان هذا القول وان اشتهر في ألسنة المعاصرين ولكنها لا تساعده الادلة فانه لا شك انه إذا خربت بعض ابنية المسجد وبقى منها اخشاب وابواب واحجار، لا تنفع في تعميره وتجديد بنائه، وليس هنا مسجد آخر يستفاد منها فيه، انه يجوز بيعها وصرف ثمنها في تعميره وتجديد بنائه، ولو كان من قبيل فك الملك لم يصح هذا فانه لا بيع الا في ملك. والفرق بين ارض المسجد وبناؤها بعيد عن الصواب لعدم الدليل عليه. فلا مناص عن قبول كونه ملكا اما لجميع المسلمين، ولكن لا كالاراضي المفتوح عنوة، فان لها احكاما خاصة لا ترتبط الا بها. أو يقال ان المساجد واشباهها ملك تشريعي لله وان كان هو مالك الملوك وله ملك السموات والارض، لكنها مالكية تكوينية ناشية عن خلقها وتدبيرها وفقرها إليه تعالى، فله جل شأنه ملك تشريعي وان كان هو مالك تشريعا أيضا لجميع الاملاك لكنها ملك طولي فوق ملك العباد.

[ 34 ]

ولهذا البحث صلة يذكر في مقامه ان شاء الله، والمقصود من جميع ذلك تشعب انواع الملكية واختلاف أحكامها. ولكن قاعدة التسلط لا تختص بالملكية الشخصية الفردية، بل الظاهر انها تشمل كل ملك طلق، فإذا كان هناك ملك مشاع فلاربابه جميعا السلطة عليها بمالا يزاحم حق كل واحد منهم للاخر. وهذا المعنى اما داخل في عموم هذه القاعدة بعينها أو لا اقل من دخوله في ملاكها ومناطها للعلم بعدم الخصوصية. " تنبيهات " وهنا امور ينبغي التنبيه عليها: 1 - حدود قاعدة التسلط قد ثبت من جميع ما ذكرنا ان لكل انسان سلطة على امواله، يفعل فيها ما يشاء ويقلبها كيف يريد، ولكن هذا المعنى لا ينافي تحديدها بحدود خاصة وقيود مختلفة بل لا ينافي استثنائات كثيرة واردة عليها من طريق بناء العقلاء، وطبقا لاحكام الشرع. نعم حددها الكتاب والسنة من حيث متعلقها تارة، ومن ناحية طرق كسبها اخرى، وكيفية مصرفها ثالثة، والحقوق التي تتعلق بها رابعة، وغير ذلك. اما من ناحية المتعلق فقد حرم الشرع كل ما فيه وجه من وجوه الفساد، مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ولحوم السباع والخمر وكل شئ من وجوه النجس، وكل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله عزوجل، كالاصنام وكل بيع ملهو به كالات القمار وآلات اللهو وكل ما يقوي به الكفر والشرك مثل كتب الضلال وما اشبه ذلك، إلى غير ذلك مما ورد في رواية تحف العقول المشهورة.

[ 35 ]

فان شيئا من هذه لا يدخل في ملك احد، ولا يصح بيعه ولا شرائه. كما انه لا يجوز تحصيل ما يباح ملكه من طريق معاونة الظلمة، واخذ الرشوة والغش والخيانة، والسحر والشعبدة، والقمار، وتعليم ما يحرم تعليمه، والفحشاء واللعب بالات اللهو وغير ذلك مما يحرم فعله فان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. اما من ناحية طرق اكتسابها، فلاشك انها مقيدة بقيود شتى كأن يكون تجارة عن تراض من دون اكراه ولا اجبار، وصدور العقد عن البالغ العاقل المتمكن شرعا من التصرف في امواله، وكون البيع غير غرري ولا ربوي، وغير ذلك من شروط البيع والشراء والهبة والمزارعة وغيرها، بل وكذا بالنسبة إلى الحيازة والاحياء وامثالهما مما ورد من طيات ابواب الفقه. وكذا عدم كون التسلط على المال موجبا للضرر على المسلمين كما سيأتي الاشارة إليه عن قريب ان شاء الله. واما من ناحية المصرف فهو ايضا ليس مطلقا، بل لابد ان لا يكون فيه اسراف ولا تبذير ولا ان يصرف في وجوه المعاصي وطرق الفساد، ولا الاضرار بالغير، ولا بالنفس اجمالا. والحاصل ان كون الانسان مسلطا على امواله يتقلب فيه كيف يشاء لا ينافي تقييده بقيود مختلفة من شتى الجهات، بل احكام ابواب المعاملات على سعتها انما شرعت لبيان تلك القيود. كما ان هذا العموم لا ينافي تعلق حقوق الفقراء وغيرهم بها على حسب ما ورد في ابواب الزكاة والخمس وغيرهما، ولكن مع ذلك كله هي قاعدة عامة تؤخذ بها ما لم يرد دليل على تخصيصه وتقييده، وهي حجة في جميع ابواب المعاملات فيما لا يوجد هناك دليل خاص يخالفه. * * *

[ 36 ]

2 - هل القاعدة مختصة بالاموال أو تشمل " الحقوق " وغيرها قد عرفت ان ما ورد في الاخبار هو عنوان " الاموال " فقط، وان الناس مسلطون على اموالهم، ولكن قد يضاف إليه " وعلى حقوقهم " ولكن لم نجد به رواية عدا ما اشار إليه في الجواهر في كتاب الرهن عند الاستدلال على جواز اسقاط الضمان في الرهن بقوله " ودعوى عدم صحة اسقاط مثل ذلك يدفعها عموم تسلط الناس على حقوقهم واموالهم " (1) وقد عرفت انه لم ينقل هذا العنوان في ساير ابواب الفقه، وكأنه اخذه من بناء العقلاء وقبولهم سلطنة كل ذيحق على حقوقه، بعد عدم ردع الشارع عنه. أو انه تمسك في ذلك بقياس الاولوية، فان الانسان إذا كان مسلطا على امواله كان مسلطا على حقوقه بطريق اولى. واما تسلط الناس " على انفسهم " فلم يرد في نصوص الباب. ولا كلمات الاصحاب، في شئ من ابواب الفقه فيما تصفحناه. فان كان المراد تسلط الانسان على نفسه في ابواب الاجارات، فيجوز له ان تكون اجيرا على كل امر مشروع باى أجرة ارادها وامثال ذلك، فلاشك في ثبوت هذه السلطنة له، بل يمكن ان يقال انه من قبيل الاموال لان افعال الانسان الحر وان لم يكن اموالا بالفعل ولكنها اموال بالقوة، فتأمل. وان ابيت عن ذلك فعمدة ما يدل على تسلط الانسان على امواله من بناء العقلاء يدل على تسلطه على نفسه من هذه الناحية. وكذلك بالنسبة إلى عقد النكاح واشباهه فانه مسلط على نفسه من هذه الناحية في كل امر مشروع وجميع ما يدل على اشتراط الاختيار وعدم الاكراه والاجبار


(1) الجواهر ج 25 كتاب الرهن ص 228.

[ 37 ]

في ابواب النكاح وشبهها تدل على عموم هذه السلطنة. فتسلط الناس على انفسهم من هذه الجهات مما لا يرتاب فيه. وكذلك بالنسبة إلى ارادته في طريق طاعة الله وفعل ما يجوز له فعله بحسب حكم الشرع بل قد يعبر عن هذه السلطة بالملكية كما ورد في قوله تعالى حكاية عن موسى عند عصيان بني اسرائيل وخروجهم عن امره " قال رب انى لا املك الا نفسي واخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " (1). وان كان المراد تسلط الانسان على نفسه بان يقتل نفسه من دون اي مبرر أو القاؤها في التهلكة في غير ما هو اهم منه بل ايراد نقص على اعضائه وضرر عظيم على جسمه أو عقله فان شيئا من ذلك غير جائز وهذا النوع من التسلط لم يثبت لاحد على نفسه. ولكن قد عرفت انه لم يثبت مثل هذا في باب الاموال ايضا فلا يجوز لاحد اتلاف ماله بغير مبرر ولا احراقه ولا افساده فلو كان هناك دليل على عموم التسلط على الانفس كان قابلا للتخصيص بمثل هذه الامور كما هو كذلك في باب الاموال والحقوق. والحاصل ان تسلط الناس على انفسهم - بهذا العنوان - لم يرد في آية ولا رواية ولكن مفادها ومغزاها ثابتة بحسب بناء العقلاء فيما عرفت توضيحه. 3 - نسبة هذه القاعدة مع غيرها وأول ما نتكلم فيه هنا نسبتها مع قاعدة لاضرر والا فقد عرفت ان عموم قاعدة التسلط مخصصة بكل ما ورد في ابواب المعاملات من الشرائط والقيود وكذلك كل ما ورد في ابواب المحرمات من تحريم بعض التصرفات في الاموال من الاسراف والتبذير وانفاقها في طرق الحرام والفساد.


(1) مائدة: 25.

[ 38 ]

وفي نسبته مع قاعدة لا ضرر خلاف بينهم فيظهر من بعض المحققين كونهما من قبيل متعارضين. قال المحقق السبزواري قدس سره صاحب الكفاية في مسألة جواز تصرف المالك في ملكه وان تضرر الجار، بعد الاعتراف بانه معروف بين الاصحاب، ما هذا نصه: ويشكل جواز ذلك في ما إذا تضرر الجار تضررا فاحشا كما إذا حفر في ملكه بالوعة فعد بها بئر الغير أو جعل حانوته في صف العطارين حانوت حداد، أو جعل داره مدبغة أو مطبخة (انتهى). وان اعترض عليه في الرياض بما حاصله انه لا معنى للتأمل بعد اطباق الاصحاب عليه نقلا وتحصيلا، والخبر المعمول عليه بل المتواتر من " ان الناس مسلطون على اموالهم "، واخبار الاضرار على ضعف بعضها وعدم تكافؤها تلك الادلة محمولة على ما إذا لم يكن غرض الا الاضرار، بل فيها كخبر سمرة ايماء إلى ذلك، سلمنا لكن التعارض بين الخبرين بالعموم من وجه، والترجيح للمشهور، للاصل والاجماع (1). وظاهر كلام الرياض وغيره معلومية تقديم قاعدة التسلط على قاعدة لاضرر، اما من جهة حكومتها عليها، أو من جهة كونهما متعارضين بالعموم من وجه وتقديمها عليها بحكم الاصحاب. والانصاف انه ليس قاعدة التسلط حاكما على لاضرر، بل ولا مقدما عليه عند التعارض، بل ولا من قبيل المتعارضين بل الحق هنا قولا ثالث وهو القول بالتفصيل في المسألة. توضيحه: ان الضرر الحاصل من عموم تسلط الناس على اموالهم على انحاء: 1 - إذا لزم من ترك التصرف المالك في ملكه ضرر عليه يعتد به. 2 - إذا لم يلزم من تركه التصرف ضرر ولكن يفوت بعض منافعه.


(1) الرياض كتاب احياء الموات ج 2 ص 377.

[ 39 ]

3 - إذا لم يلزم شئ منهما ولكن بدا له التصرف عبثا، أو لبعض المنافع الجزئية التي لا يعتد بها. 4 - إذا كان قصده من ذلك التصرف الاضرار بالغير فقط من دون ان ينتفع به. لا ينبغي الاشكال في عدم جواز الاخير فانه القدر المتيقن من عموم لاضرر، بل الظاهر ان مورد رواية سمرة هو بعينه هذه الصورة كما اشرنا إليه في بيان قاعدة لا ضرر. وما الصور الثلاثة الاخرى فظاهر المحكى عن المشهور الحكم بالجواز فيها مطلقا، بل ادعى الاجماع عليه في الصورة الاولى. ولكن صريح بعضهم كالمحقق، وظاهر اخرين كالعلامة في التذكرة والشهيد في الدروس (رضوان الله عليهم) استثناء الصورة الاخيرة حيث قيد الاول منهم الجواز بصورة دعاء الحاجة إليه، والباقي بما جرت به العادة، ومن المعلوم انه لم تكن هناك حاجة في الصورة الاخيرة، ولا جرت به العادة، ولعل كلمات غير هؤلاء الاعلام ايضا منصرفه عن هذه الصورة، فيبقى الكلام في الصورتين الاولتين. وشيخنا العلامة الانصاري (ره) حكم بتقديم جانب المالك فيهما، نظرا إلى عموم قاعدة تسلط الناس على اموالهم، وقاعدة نفى الحرج، بعد سقوط لاضرر من الجانبين. والانصاف ان قاعدة التسلط حيث انها متخذة من بناء العقلاء بامضاء من الشرع، في حد ذاتها قاصرة عن شمول كل تصرف. فاي عاقل يجوز للمالك التصرف في ماله بما يوجب ضررا على جاره من دون عود منفعة إليه أو دفع ضرر منه، بل عبثا وتشهيا؟! بل اي عاقل يرخص للمالك ان يجعل داره مدبغة بين دور المسلمين، وحانوته حداد في صف العطارين بما يوجب فساد امتعتهم وبضاعتهم، وعدم قدرتهم

[ 40 ]

على المكث هنا؟ ومن هنا يظهر ان قاعدة التسلط بذاتها قاصرة عن شمول الصورة الرابعة من صور المسألة. حتى مع قطع النظر عن ورود ادلة لاضرر، فدليل لاضرر هنا تأكيد اخر على هذا الحكم. والوجه في جميع ذلك ان تسلط المالك على ماله ليس الا كسائر الاعتبارات العقلائية، لها حدود وشرائط معلومة، لا يتعدى منها، فانتفاع المالك بماله لابد ان يكون في هذا المجال فقط. إذا عرفت هذا يبقى الكلام فيما إذا تعارض ضرر المالك والجار، فيما لا يخرج تصرف المالك في ملكه عن الحدود العقلائية. وكذلك إذا لزم من ترك تصرفه فوت منفعة منه، من دون ورود ضرر عليه. فالاول مثل ما إذا رفع جداره على جانب جدار جاره بما يتضرر منه كما إذا اوجب انخفاض قيمة داره، مع انه إذا لم يرفع المالك جداره تضرر من ناحيته، أو فات بعض منافعه. ففي الصورة الاولى الذي هو من باب تعارض الضررين تتساقط قاعدة لاضرر من الجانبين، لانه من باب المنة على العباد، ولا منة في اضرار بعض المؤمنين بنفي الضرر عن بعض آخر، وحينئذ يرجع إلى قاعدة التسلط. واما في الصورة الثانية فتتعارض قاعدة لا ضرر مع قاعدة التسلط، ولكن المرتكز في الاذهان، بل قد عرفت دعوى الشهرة أو الاجماع من الاصحاب، على تقديم قاعدة التسلط والظاهر انه ليس من باب التعبد ووصول روايات خاصة إليهم لم تصل الينا، بل من ناحية ان منع المالك عن التصرف في ماله إذا ينتفع به منفعة معتدا بها خلاف المنة، فلا يدخل تحت قاعدة لاضرر، وإذا سقطت تلك القاعدة لم يبق الا قاعدة تسلط الناس على اموالهم.

[ 41 ]

هذا كله إذا لم نقل بان منع المالك عن ترك الانتفاع بماله يكون دائما من قبيل الضرر، فان كل ما معد للانتفاع وإذا منع منه كان ضررا فتأمل. 4 - نسبة قاعدة التسلط مع الواجبات المالية يبقى الكلام في النسبة بين هذه القاعدة وما دل على وجوب الزكاة والخمس في اموال الناس وما دل على ان للميت حق في ثلث ماله إذا اوصى به، وكذا ما دل على حجر المفلس بحكم الحاكم وغير ذلك من اشباهها. لا ينبغي الشك في ورود بعض ما ذكر على قاعدة التسلط، فان ما يدل على تشريك الله ورسوله وذوى الحقوق الاخر في اموال الناس ينفي ملكية المالك بالنسبة إلى هذا المقدار، وإذا انتفت الملكية انتفت السلطنة، وقال الله تعالى: واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (1). وقال وفى اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم (2) بناءا على كونه ناظرا إلى الحقوق الواجبة. وكذا ما دل على ان الله عزوجل فرض للفقراء في اموال الاغنياء ما يسعهم، ولو علم ان ذلك لا يسعهم لزادهم.. " و " لو ان الناس ادوا حقوقهم لكانوا عايشين بخير " (3). فان ظاهره ان الزكاة ليست واجبا تلكيفيا فقط، بل هو حكم وضعي وحق للفقراء في اموال الاغنياء فقوله تعالى " خذ من اموالهم.. " وان كان ظاهرا في ان المال لهم ولكن كونهم مالكين انما هو بحسب الظاهر وقبل فرض الزكوة، لا اقول


(1) الانفال: 41. (2) الذاريات: 19. (3) الوسائل ابواب الزكاة الباب 1 الحديث 2.

[ 42 ]

انهم شركاء على نحو الاشاعة، بل اقول ان لارباب الزكوة حقا وضعيا فيها، وقد اوضحنا حال هذا الحق وآثاره في ابواب الزكاة، وانه حق لا كسائر الحقوق له احكام خاصة واخترنا هذا القول من بين الاقوال الثمانية الموجودة في المسألة في كيفية تعلق حق الفقراء باموال الاغنياء. اما إذا لم يكن من هذا القبيل فلاشك ان ادله تعلق هذه الواجبات المالية حاكمة على قاعدة التسلط لانها ناظرة إليه، فلا يبقى شك في تخصيصها بها ولو لم تكن النسبة بينهما عموما وخصوصا مطلقا. إلى هنا تم الكلام في " قاعدة التسلط " ويتلوه الكلام ان شاء الله في قاعدة " حجية البينة ". 9 جمادى الاولى 1404

[ 43 ]

2 - قاعدة حجية البينة * تعريفها ومعناها لغة وشرعا * ادلة حجية البينة * شرائطها والقيود المعتبرة فيها * الموارد المستثناة من هذه القاعدة * اعتبار كون البينة في الامور المحسوسة * كون حجية البينة عاما لكل أحد وبالنسبة إلى جميع الاثار * نسبة البينة مع غيرها * تعارض البينتين

[ 45 ]

حجية البينة والمراد منها هنا شهادة عدلين، أو ما يقوم مقامها من شهادة المرأة، في جميع الموضوعات، مما يترتب على حكم من احكام الشرع، فلا يدور الكلام مدار لفظ " البينة " فلا يهمنا البحث في ان تسمية شهادة العدلين باسم البينة هل هي حقيقة شرعية ثابتة من لدن زمن النبي صلى الله عليه وآله أو بعد ذلك في زمن المعصومين عليهم السلام أو في لسان الفقهاء؟ والحاصل ان المقصود هنا اثبات قاعدة كلية تقوم على حجية شهادة عدلين في جميع ابواب الفقه، سواء في باب القضاء أو غيره من الابواب والموضوعات. وعدها من القواعد الفقهية - لا من المسائل الاصولية ولا المسائل الفقهية - انما هو من هذه الجهة، فانه لا يبحث هنا عن ما يقع في طريق الاستنباط حتى يكون مسألة اصولية، بل يبحث عن ما يقع في طريق اثبات الموضوعات. كما انه ليست من المسائل الخاصة في الفقه، لانه يجرى في جميع الابواب من الطهارة إلى الديات، وعلى كل حال نتكلم في هذه القاعدة في مقامات: 1 - المقام الاول: في تعريف البينة ومعناها لغة وشرعا. 2 - المقام الثاني: في ادلة حجيتها بعنوان عام من الكتاب والسنة والاجماع وبناء العقلاء.

[ 46 ]

3 - المقام الثالث: شرائطها والقيود المعتبرة فهيا. 4 - المقام الرابع: الموارد المستثناة من هذه القاعدة التي يلزم فيها أربع شهود وما يقوم شهادة المرأة مقام شهادة الرجل. 5 - المقام الخامس: في اعتبار كون البينة في الامور المحسوسة. 6 - المقام السادس: في كون حجية البينة عاما لكل أحد وبالنسبة إلى جميع الاثار. 7 - المقام السابع: في نسبة البينة مع غيرها. 8 - المقام الثامن: في تعارض البينتين. المقام الاول في تعريفها ومعناها لغة وشرعا " البينة " مأخوذة من " بان، يبين، بيانا وتبيانا " وهي كما قال " الراغب " في " المفردات " الدلالة الواضحة، عقلية كانت أو محسوسة، وسمي الشاهدان بينة لقوله صلى الله عليه وآله " البينة على المدعى واليمين على من انكر " (1). وقد استعمل في هذا المعنى (الدلالة الواضحة) في عشرات من الايات في القرآن الحكيم. وقد استعمل بصورة المفرد في تسعة وعشرين موضعا من كتاب الله منها قوله تعالى " قد جائتكم بينة من ربكم " (2). وقوله تعالى " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة " (3).


(1) المفردات: مادة " بين ". (2) الاعراف: 73، 85. (3) الانفال: 42.

[ 47 ]

وبصورة الجمع " البينات " في اثنين وخمسين موضعا، منها قوله تعالى " لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " (1) وقوله تعالى " ولقد انزلنا اليك آيات بينات وما يكفر بها الا الفاسقون " (2). والمراد منها في جميع هذه الايات على كثرتها هو معناها اللغوي أي الامر البين الواضح، سواء كان من المعجزات الباهرات، أو من الايات القرآنية، والكلمات الالهية. التي نزلت على الانبياء والرسل. واستعمل أيضا ساير مشتقاتها من " المبينة " و " المبينات " و " المبين " و " المستبين " وغيرها في آيات كثيرة في هذا المعنى. ومن الجدير بالذكر انه لم يستعمل في شئ من آيات الكتاب على كثرتها هذه الكلمة في معناها المصطلح في الفقه، بل استعمل - كما سيأتي - شهادة العدلين أو الرجلين أو شبه ذلك. ومن هنا وقع الكلام بينهم في ان لها حقيقة شرعية في شهادة العدلين من لدن زمن النبي صلى الله عليه وآله أو لم تثبت له ذلك، وانما ثبت كونها حقيقة في هذا المعنى في زمن الصادقين عليهما السلام ومن بعدهم من الائمة عليهم السلام، أو لم يثبت شئ من ذلك؟ الظاهر من كلمات القوم ان البينة كانت حقيقة في هذا المعنى من لدن عصره صلى الله عليه وآله ولذا استدلوا بالحديث المشهور منه صلى الله عليه وآله " انما اقضي بينكم بالبينات والايمان " على حجية قول العدلين. قال بعض المحققين: " تبادر هذا المعنى منها في لسان الشرع يرجع إلى انصراف المفهوم الكلي إلى بعض مصاديقه، ولذلك لم يحتمل احد من الفقهاء من


(1) الحديد: 25. (2) البقرة: 99.

[ 48 ]

قوله صلى الله عليه وآله " البينة على المدعي واليمين على من انكر " (1) أو قوله صلى الله عليه وآله " انما اقضي بينكم بالبينات والايمان " (2) ان يكون مراده صلى الله عليه وآله غير هذا المعنى. ولكن يمكن الخدشة فيه بان فهم الفقهاء (رضوان الله عليهم) وتبادر هذا المعنى في اذهانهم، يمكن ان يكون مستندا إلى ما حدث في الازمنة المتأخرة، فلا يكون دليلا على كونها حقيقة في هذا المعنى في عصر النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده. وقال في " تحقيق الدلائل " بان اختصاص عنوان البينة في الشريعة عند الاطلاق على ما فوق الواحد، من الواضحات بادنى رجوع إلى كلماتهم والاخبار، فبسببه بعد اشتهار قوله صلى الله عليه وآله " البينة على المدعى.. " جعلت شهادة خزيمة ثابت شهادتين وسمى به حتى اشتهر بذى الشهادتين وبه اتفقت الاخبار الحاكية لقاضاياهم على شهادة اثنين (انتهى موضع الحاجة) (3). فان كان مراده من ذلك كونه حقيقة في هذا المعنى من لدن زمانه صلى الله عليه وآله فما ذكره لا يثبت شيئا من ذلك، وجعل شهادة خزيمة شهادتين من قبيل بيان المصداق ولا يدل على انحصار المفهوم فيه. وقال النراقي في العوائد ان معناها المصطلح في الاخبار هو الشاهد المتعدد، ويدل عليه توصيفها في رواية منصور عن الصادق عليه السلام بالجمع حيث قال " واقام البينة العدول " (4). ولذا قال في التنقيح: " والذى يمكن ان يقال ان لفظ البينة لم تثبت لها حقيقة شرعية ولا متشرعة، وانما استعملت في الكتاب والاخبار بمعناها اللغوي، وهو ما


(1) المستدرك كتاب القضاء الباب 3 من ابواب احكام الدعوى. (2) الوسائل كتاب القضاء الباب 2 من ابواب كيفية الحكم الحديث 1. (3) تحقيق الدلائل ص 259. (4) العوائد ص 277.

[ 49 ]

به البيان وما به يثبت الشئ، ومنه قوله تعالى " بالبينات والزبر " وقوله تعالى " حتى تأتيهم البينة " وقوله تعالى " ان كنت على بينة من ربي " وغيرها من الموارد، ومن الظاهر انها ليست في تلك الموارد الا بمعنى الحجة وما به البيان، وكذا في ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله " انما اقضي بينكم بالبينات والايمان " اي بالايمان والحجج، وما به يبين الشئ، ولم يثبت في شئ من هذه الموارد ان البينة بمعنى شهادة عدلين وعرضه صلى الله عليه وآله من قوله " انما اقضي.. " على ما نطقت به جملة من الاخبار بيان ان النبي صلى الله عليه وآله وساير الائمة عليهم السلام سوى خاتم الاوصياء المهدي (عج) لا يعتمدون في المخاصمات والمرافعات على علمهم الوجداني المستند إلى النبوة والامامة " (1). اقول: ولكن مع ذلك كله فهناك قرائن مختلفة واردة في اخبار الباب يمكن ان يستفاد من مجموعها ان البينة كانت حقيقة في هذا المعنى في عصر الائمة عليهم السلام وانتقلت من معناها اللغوي العام الشامل لكل دليل، إلى خصوص شهادة العدلين، واليك نماذج منها: 1 - ما ورد في ذيل رواية سعدة بن صدقة الاتية، من قوله " والاشياء كلها على هذا حتى تستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة " (2) فان جعل الاستنابة في مقابل قيام البينة دليل على ان البينة ليست مطلق الاستنابة والدليل الظاهر الواضح، بل خصوص شهادة العدلين. 2 - ويدل عليه ايضا، في رواية منصور قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: " رجل في يده شاة فجاء رجل فادعاها فاقام البينة العدول انها ولدت عنده.. وجاء الذي في يده بالبينة مثلهم عدول أنها ولدت عنده.. ". فان توصيف البينة بالعدول مرتين في الرواية دليل على ان المراد منها الشهود


(1) التنقيح ج 1 ص 258. (2) الوسائل ج 12 ابواب ما يكتسب به الباب 4 الحديث 4.

[ 50 ]

العدول عند اطلاقها، ولذا أطلق عنوان البينة على هذا المعنى من غير تغيير بالعدول في نفس هذه الرواية مرارا، حيث قال الصادق عليه السلام في جوابه: " حقها للمدعي ولا اقبل من الذي في يده بينة، لان الله عزوجل انما امر ان تطلب البينة من المدعي فان كانت له بينة والا فيمن الذي هو في يده، هكذا امر الله عزوجل " (1). 3 - ما ورد في رواية محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (ارواحنا فداه) وفيها قوله في السؤال " اقام به البينة العادلة.. وله بذلك كله بينة عادلة " (2). فان توصيف البينة بالعادلة قرينة على ان المراد منها خصوص الشهود لا غير. 4 - ما ورد في رواية ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام " قال سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي القوم فيدعى دارا في ايديهم ويقيم البينة، ويقيم الذي في يده الدار البينة انه ورثها عن ابيه، ولا يدري كيف كان امرها؟ قال: اكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه " (3). فان تقييد البينة بالاكثرية دليل على ان المراد منها خصوص الشهود فتدبر. 5 - ما ورد في رواية " عبد الله بن سنان " قال سمعت " ابا عبد الله " عليه السلام يقول أن رجلين اختصما في دابة إلى علي عليه السلام فزعم كل واحد منهما انها نتجت عنده على مزوده، واقام كل واحد منهما البينة سواء في العدد.. " (4). فان توصيف البينة بقوله سواء في العدد دليل على ان المراد منها الشهود. 6 - ما ورد في تفسير الامام الحسن بن علي العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين


(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء الباب 12 من ابواب كيفية الحكم الحديث 14. (2) الوسائل ج 18 كتاب القضاء الباب 16 من ابواب كيفية الحكم الحديث 1. (3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 12 الحديث 1. (4) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 12 الحديث 15.

[ 51 ]

عليه السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا تخاصم إليه رجلان قال للمدعى ألك حجة؟ فان اقام بينة يرضاها ويعرفها انفذ الحكم على المدعى عليه، وان لم يكن له بينة حلف المدعى عليه بالله ما لهذا قبله ذلك الذي ادعاه، ولا شئ منه، وإذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير ولا شر قال للشهود اين قبائلكما فيصفان.. " الحديث (1). فان توصيف البينة بكونها معروفة عنده صلى الله عليه وآله ويرضاها، دليل على ان المراد منها الشهود، ولذا ذكر في مقابله بعد تلك العبارة قوله " وإذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير ولا شر " فبدل البينة بالشهود فهذا دليل على ان المراد بهما واحد، فإذا عرف الشهود ورضيها حكم به وان لم يعرفهم بعث إلى قبائلهما واستخبر حالهما. ويتحصل من جميع ذلك ان كونها حقيقة في هذا المعنى في زمن الائمة عليهم السلام بحيث يفهم منها عند اطلاقها لا ينبغي انكاره، واما كونها كذلك في زمن النبي صلى الله عليه وآله فهو قابل للتأمل، وان كان بعض ما مر مشعرا بكونه كذلك حتى في عصره صلى الله عليه وآله والله العالم. المقام الثاني في ادلة حجية البينة ويدل عليها امور: الاول " كتاب الله العزيز " وفيه آيات كثيرة تدل على حجية قول العدلين من غير التصريح بعنوان البينة. منها ما ورد في سورة المائدة في احكام الوصية: " يا ايها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر احدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " (2)


(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 6 الحديث 1. (2) المائدة: 105.

[ 52 ]

ودلالتها على حجية قول العدلين واضحة، وان لم يكن موردها خصوص الشهادة بل يحتمل كونهما مع ذلك وصيين عن الميت، فإذا قبلت قولهما في الشهادة والوصاية فقبوله في الشهادة المجردة عن الوصاية بطريق اولى. واما قوله تعالى: " أو آخران من غيركم " فالمراد منه على الظاهر شاهدان آخران ثقتان من غير المسلمين إذا لم يوجد من المسلمين، ولاشك انه مختص بحال الضرورة، والا فالايمان شرط بلا اشكال. واحتمل بعضهم ان يكون المراد من قوله " منكم " من اقاربكم و " غيركم " اي من الاجانب (1). وقد يقال ان قوله " أو آخران من غيركم " منسوخ ولكن المشهور بين الاصحاب بقائه وعدم نسخه، وتخصيصه بشهادة اهل الذمة مع تعذر شهادة المسلمين في الوصية. واما القيود الاخر الواردة في هذه الاية من قوله " تحسبونهما من بعد الصلاة.. " سواء كانت واجبة أو مستحبة فهي مختصة بموردها، وما يلحق بها، ولا ينافي ما نحن بصدده. ومنها قوله تعالى في حكم كفارة قتل الصيد في حال الاحرام: " يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم " (2). دل على وجوب كون الكفارة مماثلا للحيوان الذي اصطاده، وحيث ان المماثلة قد تخفى وتكون موردا للشك وجب ان تكون بحكم ذوى عدل، اي خبرتين عدلين.


(1) حكاه في " كنز العرفان " عن بعض من لم يسمه (ج 2 ص 97 كتاب الوصية). (2) المائدة: 95.

[ 53 ]

وهل المراد المماثلة في الكبر والصغر والنوع، أو المماثلة في القيمة؟ الظاهر هو الاول واليه ذهب اصحابنا في ما يوجد له مماثل. وتقييده بقوله " منكم " بعد ذكر العدالة اما من باب التأكيد لان العدالة لا ينفك عن الايمان والاسلام، واما من جهة ان العدالة هنا بمعنى الوثاقة التى قد تجتمع مع الايمان وعدمه، فذكر هذا القيد لاشتراط الايمان. نعم يرد عليه ان الاية ناظرة إلى حجية قول اهل الخبرة، مع ان كلامنا في حجية قول الشاهدين في المحسوسات، ولكن يمكن الجواب عنه بان حجية قول العدلين في الحدسيات دليل على حجيته في الحسيات بطريق اولى (فتأمل). ومنها قوله تعالى في احكام الطلاق: " فإذا بلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف واشهدوا ذوى عدل منكم " (1) اي إذا بلغت النساء عدتهن، والمراد ببلوغ العدة، كما قيل، مقاربتها أو مشارفة تمامها بحيث يبقى للزوج مجال الرجوع، فاما ان يرجع إليها ويحسن معاشرتها فيكون من قبيل الامساك بالمعروف، أو يتركها حتى يخرج عدتها فيكون من المفارقة بالمعروف. وهل الاشهاد بالنسبة إلى الرجوع كما قالت الشافعية، أو راجع إلى الطلاق كما ذهب إليه اصحابنا، وهو المروي عن ائمتنا عليهم السلام لكون الكلام في الطلاق، لا يتفاوت فيما نحن بصدده، فانه دليل على حجية قول العدلين اما في الطلاق أو الرجوع وهو المطلوب. ومنها قوله تعالى في حكم الدين: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء.. واشهدوا إذا تبايعتم " (2)


(1) الطلاق: 2. (2) البقرة: 282.

[ 54 ]

دلت الاية على الوجوب أو استحباب كتابة الديون واشهاد رجلين مسلمين (بقرينة قوله تعالى: من رجالكم) " وان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ". وقوله " ممن ترضون من الشهداء.. " اشارة إلى العدالة أو الوثاقة. وقوله بعد ذلك " واشهدوا إذا تبايعتم " ظاهر في اشهاد عدلين، الذي سبق ذكره، فالاية دالة على حجية قول العدلين في الديون وكذا في ابواب البيوع. وكون هذا الحكم بعنوان الوجوب أو الاستحباب لا يهمنا بعد ما عرفت وقال في كنز العرفان: " الامر هنا عند مالك للوجوب والاصح انه اما للندب أو الارشاد إلى المصلحة " (1). ولو لم يكن المقام مقام الارشاد امكن القول بوجوبه لظهور الامر في الوجوب. وتحصل مما ذكرنا حجية شهادة العدلين في الطلاق، والوصية، والدين، والبيع، واحكام الكفارات، وهل يمكن استفادة العموم من هذه الموارد الخاصة، أو لابد من الاقتصار على مواردها، وعدم التعدي منها إلى غيرها؟ الانصاف ان بحسب الفهم العرفي يصطاد منها العموم بلا اشكال، لاسيما مع مناسبة الحكم والموضوع، وقوله تعالى في احكام الدين " ممن ترضون من الشهداء ان تضل احديهما فتذكر احديهما الاخرى " (2) الذي هو من قبيل التعليل وهو دليل على العموم ولا اقل من الاشعار. وبالجملة لو لم يكن في المقام دليل آخر على العموم كفانا ما ورد في الكتاب العزيز، ولكن ستعرف ان هناك ادلة كثيرة اخرى ايضا. وقد يستدل هنا بالايات الواردة في حكم وجوب الشهادة مثل قوله تعالى " ولا


(1) كنز العرفان كتاب الدين ج 2 ص 47. (2) البقرة: 282.

[ 55 ]

تكتموا الشهادة " (1) وقوله تعالى " واقيموا الشهادة لله " (2) وغير ذلك. ولكن الانصاف انها بانفسها غير دالة على المقصود الا ان ينضم إلى الاجماع أو غيرها، بل يأتي فيها ما ذكر في الاصول في ابواب حجية خبر الواحد، من ان وجوب الاظهار على العالم، والانذار على الفقيه، واشباههما لا تدل على حجية قولهم تعبدا، نعم غاية ما يمكن ان يقال في المقام انها لو لم تكن حجة لكانت لغوا ولكن يكفي في دفع اللغوية حصول العلم منها كثيرا كما يحصل بقول العالم والفقيه. الثاني: السنة اما الروايات العامة فهى كثيرة واردة في باب القضاء منها: 1 - ما وراه يونس عمن رواه، قال: استخراج الحقوق باربعة وجوه، بشهادة رجلين عدلين، فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، فان لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدعي، فان لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه (3). ولكنها مرسلة مضافا إلى الاضمار وعدم التصريح باسم الامام المروي عنه فيه. 2 - ما وراه صفوان الجمال في حديث قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لقد حضر الغدير اثنا عشر الف رجل يشهدون لعلي بن ابي طالب عليه السلام فما قدر على اخذ حقه، وان احدكم يكون له المال ويكون له شاهدان فيأخذ حقه (4). 3 - ما رواه محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام في ما كتب إليه في جواز مسائله: " والعلة في شهادة اربعة في الزنا واثنتين في سائر الحقوق، لشدة حد المحصن،


(1) البقرة: 283. (2) الطلاق: 2. (3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 15 الحديث 2. (4) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 5 الحديث 3.

[ 56 ]

لان فيه القتل " (1). إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى. 4 - منها ما دل على " ان البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " بنحو عام، كالخبر المعروف المروي عن النبي صلى الله عليه وآله قال " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " (2) وهو مروي ايضا عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله " البينة على من ادعى واليمين على من ادعي عليه " (3) 5 - ما رواه سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال في كتاب علي عليه السلام ان نبيا من الانبياء شكى إلى ربه فقال يا رب! كيف اقضي فيما لم ار ولم اشهد؟ قال فأوحى الله إليه: أحكم بينهم بكتابي واضفهم إلى اسمي، فحلفهم به وقال هذا لمن لم تقم له بينة (4). والروايات في هذا المعنى كثيرة جدا (رواها في الوسائل في الباب الاول والثاني والثالث من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء). ولكن كل ذلك مبينة على ان المراد بالبينة شاهدى عدل، وقد مر كلامنا في هذا المعنى فراجع. ثم ان هذه الروايات وان كانت عامة في ابواب القضاء متضافرة، أو متواترة، ولكن لا تشمل الموضوعات المختلفة في ابواب الفقه إذا لم تكن محلا للدعوى، اللهم الا ان يتمسك بالاولوية، ويقال: إذا كان الشاهدان حجة في ابواب الحكم والقضاء، وما فيه النزاع والدعوى، ففي ما ليس كذلك يكون حجة بطريق اولى،


(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 5 الحديث 2. (2) التاج ج 3 ص 61 كتاب الامارة والقضاء باب البينة على المدعى واليمين على من انكر. (3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 1. (4) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 1 الحديث 1.

[ 57 ]

وليس ببعيد. واما الروايات العامة التي تشمل الابواب كلها سواءا ابواب القضاء وغيرها فلم نجد منها غير رواية " مسعدة بن صدقة " المروية عن " أبي عبد الله عليه السلام " قال سمعته يقول: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو السرقة، والمملوك لك لعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " (1). واورد عليها تارة بضعف السند للاشكال المعروف في وثاقة " مسعدة " فان النجاشي والعلامة في الخلاصة والشيخ في الفهرست والكشي وغيرهم ذكروه من غير توثيق، مضافا إلى انه عامي تبري ولكن اجيب عنه بان عمل الاصحاب يوجب انجبارها. هذا ولكن وجود روايات كثيرة وآيات متعددة على حجية شهادة العدلين يمنع عن العلم أو الظن بكون استناد الاصحاب في اثبات حجيتها إلى رواية مسعدة. واورد عليها من حيث الدلالة ايضا اولا بان المراد من البينة معناها اللغوي، وهو الدليل الواضح الظاهر، ولا اقل من الشك فالرواية مجملة. ولكن قد عرفت انها وان كانت بهذا المعنى في اللغة، والاستعمالات القرآنية ولكن نقلت إلى المعنى الشرعي، لاسيما في زمن الصادقين عليهما السلام. وهنا قرينة واضحة في نفس الرواية على هذا المعنى أيضا فانه جعلت البينة في مقابل الاستنابة العلمية، فقال " حتى تستبين أو تقوم به البينة " وهذا يدل على ان المراد بالبينة غير ما هو معناها اللغوي، والا لم يحتج إليه بعد ذكر الاستنابة. وثانيا ان البينة في الرواية جعلت غاية للحلية، فغاية ما يستفاد منها ان الحلية


(1) الوسائل كتاب التجارة ابواب ما يكتسب به الباب 4 الحديث 4.

[ 58 ]

المستندة إلى اصالة الحل تنتهي بقيام البينة، واما ان البينة حجة في نفسها فلا دليل عليه. والانصاف سقوط هذا الاشكال جدا، فان ظاهرها - لاسيما بقرينة عطف البينة على الاستنابة - انه إذا قام البينة، أو الدليل العلمي على الحرمة، يؤخذ بها، لانها حجة، فإذا لا يبقى مجال بلا اشكال على الرواية من حيث الدلالة. وهيهنا اشكال آخر لا من هذه الناحية، بل من جهة ان الحلية في الامثلة المذكورة في الرواية ليست مستندة إلى اصالة الحل، بل في مسألة الثوب، والعبد مستندة إلى حجية اليد، وفي مسألة الرضاع مستندة إلى استصحاب عدمه، فشئ من الامثلة غير منطبق على قاعدة الحل. ولكن يمكن ان يجاب عنه اولا بان المراد من الاستناد إلى قاعدة الحل انه مع قطع النظر عن اليد والاستصحاب الحكم هو الاباحة فتأمل، أو ان ذكر الامثلة من باب التقريب إلى الذهن. وثانيا وجود الاشكال فيها من حيث الامثلة وعدم العلم بمحتواها ومغزاها من هذه الناحية، لا يمنع عن الاخذ بالكبرى الواردة فيها فتدبر. * * * هذا وقد ورد روايات خاصة كثيرة في مختلف ابواب الفقه لا يمكن احصاء جميعها في هذا المختصر، ولكن يمكن اصطياد العموم من مجموعها، واستظهار الاطلاق من ناحيتها، بحيث لا يبقى شك للناظر فيها في حجية البينة مطلقا واليك نماذج من هذه الروايات نلقيها عليك من ابواب مختلفة من كل باب نموذجا. منها ما ورد في ابواب النكاح، عن يونس: " قال سئلته عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان فسألها لك زوج؟ فقالت لا، فتزوجها، ثم ان رجلا أتاه فقال هي امرأتي فانكرت المرأة ذلك، ما يلزم على الزوج؟ فقال هي امرأته الا ان

[ 59 ]

يقيم البينة " (1). ومن طرق العامة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: لا نكاح الا بولي وشاهدي عدل (2). وفي رواية أخرى المروي عن طرقنا عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال لابي يوسف: " ان الله امر في كتابه بالطلاق، وأكد فيه بشاهدين، ولم يرض بهما الا عدلين، وأمر في كتابه بالتزويج، فاهمله بلا شهود، فاثبتم شاهدين فيما اهمل، وابطلتم الشاهدين فيما أكد " (3)! وفي غير واحد منها انه انما جعلت البينة في النكاح من اجل المواريث. وهناك روايات أخر واردة في ابواب 22 و 23 وغيرهما من كتاب النكاح في الوسائل مما يدل على هذا المعنى. * * * ومنها ما ورد في ابواب الطلاق من اشتراط صحة الطلاق بوجود شاهدين عدلين، فان هذا ليس تعبدا محضا، بل الظاهر ان اعتبار الشهود من جهة عدم خفاء طلاق المرأة، وامكان اثباته في المستقبل، سواءا عند القضاة أو غيرهم، فلا يرجع هذا الحكم إلى حجية البينة في ابواب القضاء فقط. فعن بكير بن أعين وغيره عن أبي جعفر عليه السلام: " وان طلقها للعدة بغير شاهدي عدل فليس طلاقه بطلاق " (4). * * *


(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب عقد النكاح الباب 23 الحديث 3. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 148 والتاج ج 2 ص 293 كتاب النكاح. (3) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب مقدماته الباب 43 الحديث 5. (4) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب مقدماته الباب 10 الحديث 2 وفى معناها الحديث 3 و 4 و 7 و 8 و 12 و 13.

[ 60 ]

ومنها ما ورد في ابواب رؤية الهلال من كتاب الصوم، مثل ما عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: " ان عليا عليه السلام كان يقول: لا اجيز في الهلال الا شهادة رجلين عدلين " (1). وما رواه حماد بن عثمان عنه عليه السلام أيضا قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: " لا يجوز شهادة النساء في الهلال ولا يجوز الا شهادة رجلين عدلين " (2). وما رواه منصور بن حازم عنه عليه السلام أيضا: انه قال: " صم لرؤية الهلال وافطر لرؤيته، وان شهد عندك شاهدان مرضيان بانهما رأياه فاقضه " (3). ومثله روايات كثيرة أخرى اوردها في الوسائل في ابواب الصيام. وهذا المعنى مروي من طرق أهل السنة أيضا مثل ما رواه ابن عمر وابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يجيز على شهادة الافطار الا شهادة رجلين (4). ولكن ورد من طرقهم كفاية شهادة الرجل الواحد أيضا. * * * ومنها ما ورد في ابواب الاطعمة في باب الجبن عن أبي عبد الله عليه السلام حيث شك بعض اصحابه في حليته لما وصل إليهم من وضع انفحة الميتة، فيها قال عليه السلام: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان ان فيه ميتة " (5). وقد ذكرنا في محله ان انفحة الميتة وان كانت طاهرة وحلالا عند الاصحاب ولكن يمكن نجاسة ظاهرها بالملاقاة مع الرطوبة بالميتة. * * *


(1 و 2) الوسائل ج 7 كتاب الصوم ابواب احكام شهر رمضان الباب 11 الحديث 1 و 3 (3) الوسائل ج 7 كتاب الصوم ابواب احكام شهر رمضان الباب 3 الحديث 8. (4) سنن البيهقي ج 4 ص 212 (باب الشهادة على رؤية هلال رمضان). (5) الوسائل ج 17 كتاب الاطعمة والاشربة ابواب الاطعمة المباحة الباب 16 الحديث 2.

[ 61 ]

ومنها ما ورد في كتاب الحدود في حكم الساحر انه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الساحر، فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا بذلك فقد حل دمه (1). * * * ومنها ما ورد في باب الشهادة على الشهادة عن الصادق عليه السلام " ان شهد رجلان عدلان على شهادة رجل فقد ثبت شهادة رجل واحد " (2). * * * ومنها ما ورد في ابواب الوقوف والصدقات عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر عليه السلام: الا أحدثك بوصية فاطمة عليها السلام - إلى أن قال - فان مضى علي فالى الحسن فان مضى الحسن فالى الحسين، فان مضى الحسين فالى الاكبر من ولدي، تشهد الله على ذلك والمقداد بن الاسود والزبير بن العوام وكتب علي بن أبي طالب عليه السلام (3). * * * ومنها ما ورد في أحكام الوصايا عن علي عليه السلام قال: " من اقر لاخيه فهو شريك في المال ولا يثبت نسبه، فان اقر اثنان فكذلك، الا ان يكونا عدلين فيثبت نسبه، ويضرب في الميراث معهم " (4). هذا قليل من كثير مما ورد في هذه الابواب مما يتجاوز حد التواتر وهي وان كانت واردة في موضوعات خاصة، الا ان الناظر فيها يستدل بها على العموم في اول نظرة، بحيث لا يبقى له شك في ان قبول قول الشاهدين في هذه الابواب لا ينشأ من خصوصيات فيها، بل هو ناش عن حجية قول العدلين على الاطلاق وفي جميع


(1) الوسائل ج 18 كتاب الحدود ابواب بقية الحدود الباب 3 الحديث 1. (2) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 40 رقم الحديث 132. (3) الوسائل ج 13 كتاب الوقوف والصدقات احكام الوقوف الباب 10 الحديث 1. (4) الوسائل ج 13 كتاب الوصيا ابواب احكام الوصيا الباب 26 الحديث 6.

[ 62 ]

الابواب. * * * الثالث: الاجماع لا يخفى على الناظر في ابواب الفقه، من الطهارات إلى الديات، ان فقهائنا (رضوان الله عليهم) يعتمدون على البينة في كل باب بحيث يعلم الناظر منها حجية البينة عندهم بصورة عامة. نعم قد يحكى عن شرذمة قليلة عدم الاعتماد عليها في بعض الابواب، مثل ما نسب إلى القاضي ابن براج من انكار حجية البينة العادلة في اثبات النجاسة، وما حكى عن ظاهر السيد (قدس سره) في الذريعة، والمحقق في المعارج، وبعض آخر من ان الاجتهاد لا تثبت بشهادة عدلين لعدم الدليل عليه. لكنها شاذة لا يمكن الاعتماد عليها في قبال ما عرفت. نعم الاجماع وان كان ثابتا الا انه لا يمكن الاستدلال بها كدليل مستقل هنا، لما حقق في محله من انه لا يمكن استكشاف قول المعصوم منه مع وجود ادلة اخرى في المسألة، مع ان معيار حجيتها هو استشكاف قول المعصوم منه، وما نحن فيه من هذا القبيل، لما عرفت من الادلة الظاهرة الواضحة المتكاثرة من هذا الباب. ولا بأس بالاشارة إلى انموذج من كلمات الاصحاب في الابواب المختلفة مما يشهد بمعلومية حجية البينة عندهم كدليل عام، وكفاك في ذلك ما اورده شيخ الطائفة (قدس الله نفسه الزكية) في مختلف ابواب الفقه فانه اعتمد عليها، بل ادعى الاجماع على اعتبارها، في ابواب " الصيام " و " الطلاق " و " الحدود " و " النكاح " وغيرها. قال في " الخلاف " في كتاب الصيام في المسألة (8): " لا يقبل في رؤية هلال رمضان الا شهادة شاهادين.. دليلنا اجماع الطائفة

[ 63 ]

والاخبار " (1). وقال في المسألة (61) منه: " لا يثبت هلال شعبان (شوال) ولا شئ من الشهور الا بشهادة نفسين عدلين، وبه قال الشافعي.. دليلنا اجماع الفرقة، وايضا قبول شاهدين في ذلك مجمع عليه " (2). وقال في المسألة (5) من كتاب الطلاق: " كل طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان وان تكاملت سائر الشروط فانه لا يقع.. دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم (3). ومن الواضح ان حضور الشاهدين دليل على قبول شهادتهما في هذا الموضوع فيما يمكن ان يقع الخلاف فيه بعد ذلك. وقال في كتاب اللعان في المسألة (18): إذا قذف زوجته بان رجلا اصابها في دبرها حراما لزمه الحد بذلك... وله اسقاطه بالبينة (4). وقال في كتاب القضاء في المسألة (9) في حكم الترجمة: " الترجمة: لا تثبت الا بشهادة شاهدين لانها شهادة " وبه قال الشافعي (5). وقال في كتاب الشهادات في المسألة (4): لا يثبت النكاح والخلع والطلاق والرجعة والقذف والقتل الموجب للقود والوكالة والوصية إليه والوديعة عنده والعتق والنسب والكفالة ونحو ذلك ما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال، الا بشهادة رجلين... دليلنا ان ما اعتبرناه مجمع على ثبوت هذه الاحكام به (6).


(1) الخلاف ج 1 ص 341. (2) الخلاف ج 1 ص 355. (3) الخلاف ج 2 ص 442. (4) الخلاف ج 3 ص 36. (5) الخلاف ج 3 ص 312. (6) الخلاف ج 3 ص 326.

[ 64 ]

وعموم كلامه وشموله واضح لا يخفى على احد. وهكذا كلمات غيره من اكابر المتقدمين والمتأخرين في هذا المعنى لا نطيل المقام بذكرها بعد وضوحها. * * * الرابع: بناء العقلاء لاشك ان بنائهم على قبول الثقة في اثبات الموضوعات في مقام القضاء وغيره، وان اختلفت آرائهم في شرائطه وحدوده وقيوده وعدده، ومن الواضح ان الشارع لم يردع عنه بل امضاه ولكن مع شرط " العدالة " و " العدد " كما عرفت وسيأتي ان شاء الله ايضا في طي المباحث الاتية. المقام الثالث شرائطها والقيود المعتبرة فيها ولا نحتاج في هذا المقام إلى مزيد كلام بعدما عرفت من الايات من الذكر الحكيم، التي ورد فيها اعتبار الرجلين والعدالة، فقد نص على ذلك في سورة المائدة في حكم الوصية، وفي سورة الطلاق في حكم الطلاق، وفي سورة البقرة في احكام الدين، وفي سورة المائدة في حكم اهل الخبرة بمساواة الكفارة والصيد. كل ذلك دليل على اعتبار الامور الثلاثة في البينة: " الذكورية " و " العدد " و " العدالة ". وقد صرح بذلك أيضا في طيات اخبار الباب التي عرفت الاشارة إلى طوائف منها، فقد ورد فيها التصريح بالتعدد والعدالة والذكورية. فمما ورد التصريح فيه بجميع ذلك مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام في باب

[ 65 ]

الشهادة على الشهادة (1). وما رواه حماد بن عثمان عن الصادق عليه السلام في ابواب رؤية الهلال (2). وما رواه الحلبي عنه ايضا عن امير المؤمنين في هذا الباب (3). وما رواه زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حكم الساحر (4). إلى غير ذلك مما يظهر للمتتبع. ومما يدل على اعتبار " شاهدين عدلين " ما ورد ايضا عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام في باب الشهادة على الهلال (5). وما رواه بكير بن أعين وغيره عن أبي جعفر عليه السلام في باب الشهود على الطلاق (6). وما رواه في " البحار " عن " فقه الرضا " في باب الطلاق ايضا، وانه لا يجوز الا شهادة عدلين (7) إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى. ومن الواضح ظهور عنوان شاهدين عدلين في الشرائط الثلاثة " التعدد " و " الذكورة " و " العدالة ". وقد ورد في بعض اخبار الباب اعتبار كونهما رجلين عدلين مرضيين وهو يثبت المقصود مع تأكيد، وهو ما رواه " مسمع بن عبد الملك " عن أبي عبد الله عليه السلام في باب الشهادة على الزندقة (8).


(1) الوسائل ج 18 كتاب الشهادات ابواب الشهادات الباب 44 الحديث 5. (2 و 3) الوسائل ج 7 كتاب الصوم ابواب احكام شهر رمضان الباب 11 الحديث 3 و 1 (4) الوسائل ج 18 كتاب الحدود ابواب بقية الحدود الباب 2 الحديث 1. (5) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 14 الحديث 1. (6) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب مقدماته الباب 10 الحديث 2. (7) البحار ج 104 ص 141 باب الطلاق واحكامه الحديث 21. (8) الوسائل ج 18 كتاب الشهادات ابواب الشهادات الباب 51 الحديث 1.

[ 66 ]

نعم لم يرد في بعض الروايات الا توصيف الشهادة بالعادلة، مثل ما رواه ضمرة ابن أبي ضمرة، عن ابيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليه السلام: " ان احكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية، من ائمة الهدى " (1). وفى بعضها ورد عنوان الرجولية والتعدد، من غير ذكر اشتراط العدالة مثل ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام في باب الشهادة على السرقة، من ان أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل شهد على رجلان بانه سرق، فقطع يده (2). وما ورد فيه عنوان " البينة " من غير ذكر العدد والعدالة والذكورة، وهي ورايات كثيرة مبثوثة في ابواب الفقه. ومن الواضح ان مقتضى القاعدة الجمع بين جميع هذه الطوائف وارجاع مطلقاتها إلى مقيداتها، باعتبار الشروط الثلاثة، فلا يكفي غير رجلين عدلين الا ما خرج بالدليل وسيأتي الاشارة إليه ان شاء الله. المقام الرابع الموارد المستثناة من هذه القاعدة قد عرفت ان الاصل في البينة ان يكون رجلين عدلين فشهادة النساء، واخبارهم لا تقبل الا في موارد ورد الدليل الخاص فيها وسيأتي الكلام فيها في المقام الاتي، وكذلك لا يعتبر اكثر من الرجلين الا في موارد خاصة، وقع التصريح بها في الادلة، واما انه هل يمكن الاكتفاء بقول عدل واحد مطلقا في جميع الموضوعات، أو مع اليمين في ابواب الشهادات، فهو بحث آخر سيأتي في محله ان شاء الله. والذي قام الدليل على اعتبار الزائد من الرجلين فيها هو " الزنا " مطلقا، المحصن


(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 1 الحديث 6. (2) الوسائل ج 18 كتاب الشهادات ابواب الشهادات الباب 14 الحديث 1.

[ 67 ]

وغير المحصن، واللواط، والسحق، فان المعتبر فيها اربع رجال، حتى ان قتل النفوس المؤمنة مع كثرة اهميتها وشدة اهتمام الشارع بها لا يعتبر في اثباتها غير الشاهدين فكأن الشارع المقدس اراد ستر الناس في هذين البابين مهما امكن والاحتفاظ بامرهم. والذي يدل على لزوم الاربع في الزنا هو صريح الكتاب العزيز فقد قال (عز من قائل) في كتابه العزيز: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " (1) دل على ان حكم القذف لا يثبت الا باربعة شهداء. والتعبير باربعة وكذلك " الشهداء " دليل على كونهم من الذكور. ويدل عليه ايضا قوله تعالى: " واللاتي يأتين بفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم " (2). وقد قام الاجماع بقسميه على هذا المعنى وشهد بها السنة المعتبرة المستفيضة، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لا يجلد رجل ولا امرأة حتى يشهد عليهما اربعة شهود على الايلاج والاخراج " (3). وقال عليه السلام ايضا: " لا يرجم رجل ولا امرأة حتى يشهد عليهما اربعة شهود على الايلاج والاخراج " (4). إلى غير ذلك مما جمعه في الوسائل في الباب " 12 " من ابواب حد الزنا، وغيرها. وورد التصريح فيها بانه إذا كانت الشهود اقل من اربعة يجلدون حد القذف!.


(1) النور: 4. (2) النساء: 15. (3) الوسائل ج 18 كتاب الحدود ابواب حد الزنا الباب 12 الحديث 11. (4) الوسائل ج 18 كتاب الحدود ابواب حد الزنا الباب 12 الحديث 2.

[ 68 ]

وهكذا الحكم بالنسبة إلى اللواط فانه أيضا مجمع عليه بين الاصحاب، وان لم يرد فيه رواية صريحة، ولكن استدل الاصحاب هنا بما ورد في صحيحة " مالك بن عطيه " عن ابن عبد الله عليه السلام من اعتبار اقرارات اربع وعدم كفاية اقرار واحد بل ولا ثلاثة (1). فان المترائى من أحاديث الاقرار في ابواب الزنا ان كل اقرار يقوم مقام شهادة فإذا اعتبر الاقرار اربع مرة فلابد من اعتبار اربع شهود، لاسيما مع كون الاقرار اولى من الشهادة في هذه الابواب كما لا يخفى، ولذا يكفي في ابواب الحقوق الاقرار مرة واحدة، مع ان الشهادة فيها لا تكون الا باثنين، فإذا لم يثبت اللواط باقل من اربع اقرارات لا يثبت باقل من اربع شهود بطريق اولى. والحاصل ان الحكم في هذا الباب مما لا يقبل الانكار ولا كلام فيه عندهم. وهكذا الكلام في المساحقة، فان المعروف فيها ايضا عدم اعتبار الاقل من اربعة شهود، بل ادعي الاجماع عليه في كشف اللثام، وذكر في الجواهر ان المسألة مفروغ عنها، وان حكي عن المحقق الاردبيلي في مجمع البرهان من كفاية الاقرار مرتين وشهادة العدلين ولكنه ضعيف. لما ورد في الروايات انه هو الزناء الاكبر الذي احدثه بنت ابليس كما احدث ابوها اللواط (2) بل وفيها ما دل على انه كاللواط في الرجال (3). وما دل على ان حدها حد الزاني (في غير المحصن مائة جلدة وفي المحصن الرجم) (4).


(1) الوسائل ج 18 ابواب حد السرقة الباب 19 الحديث 6. (2) الوسائل ج 18 ابواب النكاح المحرم الباب 24 الحديث 5. (3) الوسائل ج 18 كتاب الحدود ابواب حد السحق الحديث 2. (4) الوسائل ج 18 ابواب حد السحق الباب 1 الحديث 1.

[ 69 ]

ويظهر من جميعها ان طريق ثبوتها كطريق ثبوت الزنا واللواط، فلا يكتفي فيه باقل من اربعة وتمام الكلام فيه في محله. واما عدم قبول شهادة النساء في الموضوعات فهو ظاهر مما عرفت من الادلة والاخبار الكثيرة التي صرح فيها باعتبار رجلين عدلين، أو شاهدين مرضيين، أو غير ذلك مما يفيد هذا المعنى، فالاصل في ابواب الشهادات عدم قبول شهادتهن في غير ما ورد فيه الدليل. فما ذكره بعض الاعلام من ان عنوان البينة عام يشمل الرجال والنساء كما ترى لما عرفت من ان اطلاق البينة - لو سلمنا صدقها على شهادتهن - مقيدة بما عرفت مما يدل على اعتبار الذكروية فيها، من الروايات الواردة في الابواب المختلفة. نعم قد ورد في ابواب الشهادات كفاية شهادتهن في بعض الموضوعات، كما ورد كفاية شهادتهن منضمات إلى الرجال في ابواب الحدود، وتفصيل الكلام فيها موكول إلى محلها من كتابي " الشهادة " و " الحدود ". المقام الخامس في اعتبار كون البينة في الامور المحسوسة لا ينبغي الشك في ان المعتبر في حجية البينة ان يكون في المحسوسات، واما غيرها مما لا يحيط به الحس فهو غير داخل في احكام البينة، وان قلنا بحجية الشهادة فيها ايضا، فانه داخل في عنوان الرجوع إلى اهل الخبرة، وله احكام اخر سيأتي الاشارة إليها ان شاء الله. ويدل على ما ذكرنا امور: 1 - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في هذا المعنى.

[ 70 ]

2 - اخذ عنوان الشهادة في هذا الباب دليل عليه، فانها من الشهود الظاهر في كون المشهود فيه امرا محسوسا. 3 - الاخبار العامة والخاصة الواردة في البينة التي اشرنا إليها سابقا كلها أو جلها ظاهرة في ما كان المخبر به امرا حسيا، فلا يستفاد منها عموم يشمل غير المحسوسات. 4 - الروايات الخاصة الدالة على لزوم كون الشهادة عن حس دليل واضح على المقصود مثل ما رواه علي بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك " (1). وما رواه المحقق (ره) في الشرايع عن النبي صلى الله عليه وآله وقد سئل عن الشهادة، قال: " هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع " (2). ولا اقل من الشك في شموله لما علم من غير طريق الحس، والاصل عدم القبول - والامر في هذا سهل - لاسيما مع بناء العقلاء ايضا في شهاداتهم على ذلك فلا يكتفون بشهادة من علم بشئ من قرائن حدسية. انما الكلام في المراد من الحس هنا، فانه لو كان المقصود كون مورد الشهادة دائما محسوسا باحد الحواس الخمسة (أو اكثر من الخمسة) فهذا غير صحيح قطعا، فان من يشهد بان زيدا ابن عمرو، أو اخوه، أو عمه، أو خاله، فهل يمكن ان يكون هذا محسوسا له، وهل شاهد تولده منه، أو تولدهما من ام واحد؟ كلا بل رآه في بيتة يعامل معه معاملة ابنه، يربيه ويكفله واشتهر بذلك كل الشهرة، فمن هذه الامور يقطع بانه ابنه فيشهد به. وهكذا الكلام في الشهادة على العدالة فانها ليست من الامور الحسية، بل مستفادة من قرائن كثيرة حسية. ومثلهما الشهادة على الاجتهاد والاسلام والايمان وغير ذلك، فان هذه كلها


(1 و 2) الوسائل ج 18 كتاب الشهادات الباب 20 الحديث 1 و 3.

[ 71 ]

امور غير محسوسة تعرف من آثارها ولكنها تعد في نظر العرف امورا حسية. فالحس المعتبر في هذا الباب له معنى عام، يشمل ما كان محسوسا بنفسه، أو بآثاره التي يكون معها كالمحسوس. وهكذا الكلام في المسببات التوليدية التي لا ترى الا اسبابها، وآثارها، فقتل النفس وهو زهاق الروح ليس امرا حسيا، بل المحسوس ضرب العنق بالسيف مثلا أو الالقاء من شاهق، أو الاغراق في الماء، أو الاحراق بالنار، ثم بعد ذلك لا يرى الحس والحركة في البدن ولا يرى آثار الحيوة فيقال كان زهاق الروح مسببا منه لا محالة. ومن هذا القبيل الشهادة بالسخاوة والشجاعة واباء النفس أو البخل والدنائة والجبن وغير ذلك من الصفات النفسية، فان جميعها تعرف من آثارها. وبالجملة المحسوس هنا اعم مما يحس بنفسه، أو باسبابه، أو بآثاره التي تكون معها كالمحسوس بنفسه، نعم لا يمكن التعدي منها إلى غيرها. فعلى هذا إذا علمنا من قرائن مختلفة ان زيدا قاتل عمرو. من تلجلج لسانه عند الجواب. ومن تغير حاله عند مشاهدة آثار هذه الجناية. ومن اجوبته المتناقضة عند السؤال عن القتل. ومن كونه شديد العداوة مع المقتول، وسماع الحوار بينهما في ساعة وقوع القتل، وغير هذه الامور مما يوجب اليقين بكونه قاتلا، فشئ من ذلك لا يجوز الشهادة معها على القتل، ولا تكون داخلا في عنوان البينة، وان كان القاضي قد يعمل بها لو حصلت عنده بناءا على حجية علم القاضي، وجواز الحكم معه مطلقا، أو فيما كان قريبا من الحس، مثل ماروي في قضايا أمير المؤمنين علي عليه السلام في رجل توفي على عهده وخلف ابنا وعبدا، فادعى كل واحد منهما انه الابن، وان الاخر عبد له! فأتيا أمير المؤمنين عليه السلام فتحاكما إليه، فامر ان يثقب في حائط المسجد ثقبين

[ 72 ]

ثم امر كل واحد منهما ان يدخل رأسه في ثقب، ففعلا، ثم قال يا قنبر جرد السيف واشار إليه لا تفعل ما آمرك به، ثم قال اضرب عنق العبد فنحى العبد رأسه! فاخذه أمير المؤمنين عليه السلام وقال للاخر انت الابن (1). وليس في هذا الحديث اشارة إلى اعتراف واحد منهما بعد ذلك وان ورد في قضية اخرى مشابهة لها ولكن الظاهر انهما قضيتان (2). ومثله ما حكاه المفيد في الارشاد، وقال روت العامة والخاصة ان امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادعته كل واحدة منهما ولدا لها بغير بينة - وفي ذليها - ان عليا عليه السلام قال ايتوني بمنشار! فقالت المرأتان فما تصنع به؟ فقال اقده نصفين، لكل واحد منهما نصفه! فسكتت احديهما، وقالت الاخرى الله الله يا أبا الحسن! ان كان لابد من ذلك فقد تتمحت به لها، فقال عليه السلام الله اكبر هذا ابنك دونها! (الحديث) (3). إلى غير ذلك مما يظفر بها المتتبع في طيات كتاب القضاء وغيره، فهذا كله مما يجوز للقاضي الحكم به لعلمه الحاصل من هذه المقدمات القريبة من الحس، ولكن لا يجوز للشاهد الاعتماد في شهادته على هذه الامور واشباهها. المقام السادس في كون حجية البينة عاما لكل احد، وبالنسبة إلى جميع الاثار لا ينبغي الشك في ان مقتضى الادلة السابقة حجية البينة بالنسبة إلى جميع الاثار والى كل احد، كسائر الامارات القائمة على الموضوعات، وانه لا اختصاص لحجيتها بمن قامت عنده البينة، بل الملاك العلم بقيامها وشهادتهما، سواء كانت عنده، أو عند


(1 و 2) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 21 الحديث 9 و 4. (3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 21 الحديث 11.

[ 73 ]

غيره، ولا يحتمل بعد ملاحظة الادلة المذكورة ان يكون لقيام البينة عند شخص موضوعية، حتى لا تكون حجة لغيره كما هو كذلك في سائر الامارات. بل لولا وسوسة بعض الاصحاب في ذلك، وتعرضهم للمسألة مسألة وجعلها ذات قولين، لم نحتج إلى هذا المقدار من البحث ايضا، واي خصوصية للبينة من بين الامارات؟ واي اثر لقيامها عندي أو عندك؟ بل المدار على تحققها في الخارج عند اي شخص. نعم في ابواب القضاء والاحكام الصادرة من القضاة يمكن ان يقال ان لقيام البينة عند القاضي خصوصية، ولكنه ايضا قابل الكلام، وعلى كل حال لا دخل له بحجية البينة كامارة من الامارات القائمة على الموضوعات الخارجية، والكلام هنا فيها فقط. ويؤيد ما ذكرنا بل ويدل عليه ما ورد في جواز الشهادة على الشهادة، وانه حجة مطلقا، أو إذا كان شاهد الاصل لا يمكنه الحضور، ولا ينافي ما دل على انه لا تجوز شهادة على شهادة على شهادة كما لا يخفى، فراجع الباب (44) من ابواب الشهادات من الوسائل. المقام السابع في نسبة البينة مع غيرها إذا تعارضت البينة مع الاصول العلمية المخالفة لها فالامر واضح، واما إذا تعارضت مع غيرها من الامارات كاليد واصالة الصحة والقرعة، بناء على كونها امارة والاقرار، وغير ذلك، مما يستند إليه في اثبات الموضوعات الخارجية، ففيه تفصيل. وحاصله انها تقدم على قاعدة اليد واصالة الصحة بغير كلام، والا لم يصح الحكم به في ابواب القضاء، فان جميع موارد البينة أو جلها في المسائل المالية تكون

[ 74 ]

في مقابل اليد، أو اصالة الصحة في فعل المسلم، فقوله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعي واليمين على من انكر " دليل قاطع على ما ذكرنا. اضف إلى ذلك ورودها في خصوص مورد اليد في بعض ما مر من الاخبار، مثل رواية مسعدة بن صدقة، فان الامثلة المذكورة فيها بعضها من موارد اصالة الصحة وبعضها من مصاديق قاعدة اليد مع انه عليه السلام حكم بان الاشياء على هذه حتى تستبين أو تقوم به البينة. وبالجملة لا ينبغي الشك في تقدمها عليهما، والا لم تبق لابواب القضاء قائمة. واما إذا تعارض مع قاعدة " الفراغ "، بان شك مثلا بعد الفراغ عن الصلاة انه توضأ لها ام لا، ثم قامت بينة على انه كان محدثا حالها بان قام من النوم واقبل على الصلوة، والظاهر انها ايضا مقدمة على قاعدة الفراغ ايضا، سواء قلنا انها من الاصول أو من الامارات، لقوتها عليها، لاسيما مع تقديمها على قاعدتي اليد والصحة اللتان لا تقلان عن قاعدة الفراغ. واما إذا تعارضت مع " الاقرار " كما إذا قامت البينة على ان هذا المال لزيد ولكنه اقر نفسه بانه ليس له، فالظاهر تقديم الاقرار عليه، لانه اقوى حجة عند العقلاء والظاهر ان حكم الشارع بحجيتهما انما هو من باب امضاء بناء العقلاء بجميع شؤنهما حتى من هذه الجهة الا ما خرج بالدليل. والحاصل انه لا يشك احد انه لو قامت البينة على ملكية شئ لانسان، ولكنه اقر نفسه بعدمها، ان بناء العرف والعقلاء على تقديم اقراره وتخطئة البينة، ولم يرد في الشرع ما يدل على خلافه. نعم يظهر من بعض الروايات المعتبرة الواردة في ابواب القتل، انه إذا شهدت الشهود على شخص انه قاتل، ثم اقر آخر انه هو القاتل، وان المشهود عليه برئ من قتله، ان اولياء المقتول مخيرون بين امور.

[ 75 ]

الاول: ان يقتل الذي اقر على نفسه، وحينئذ لا سبيل لهم على الاخر كما لا سبيل لورثة الذي اقر على نفسه على المشهود عليه. الثاني: ان يقتل الذي شهدت الشهود عليه ولا سبيل لهم على الذي اقر، ثم يؤدي الذي اقر على نفسه إلى اولياء الذي شهد عليه نصف الدية. الثالث: ان يقتلوهما جميعا ولكن يجب على اولياء المقتول ان يدفعوا إلى اولياء المشهود عليه نصف الدية خاصة دون صاحبه. الرابع: ان يأخذوا الدية منهما نصفين (1). وهذه الرواية وان عمل بها جمع من الاصحاب الا ان العمل بها مع مخالفتها للقواعد والاصول التي بايدينا من جهات شتى مشكل جدا، لاسيما في ابواب الدماء فالاحتياط مما لا ينبغي تركه، ولو قلنا به في موردها فلا يمكن التعدي إلى غير موردها بل الواجب العمل بالاقرار، إذا كان جامعا لشرائطه وترك البينة لما عرفت من انه اقوى منها. المقام الثامن في تعارض البينتين هذه المسألة مذكورة في كتب القضاء، وقد ذكروا فيها ابحاثا كثيرة هناك، الا ان الذي يهمنا هنا هو الاشارة إليها بعنوان كلي، وايكال جزئياتها إلى مباحث القضاء وحاصله ان دليل حجية البينة كسائر الامارات الشرعية لا تشمل المتعارضين، لان حجية كليهما - والمفروض انهما متعارضتان - محال، لاشتمالها على الجمع بين النقيضين أو الضدين، كما ان شمولها لواحد معين منهما ترجيح بلا مرجح، لا يمكن المصير إليه.


(1) الوسائل ج 19 كتاب القصاص ابواب دعوى القتل الباب 5 الحديث 1.

[ 76 ]

والقول بالاخذ باحدهما مخيرا أيضا بلا دليل، لان دليل الحجية قامت على حجية كل واحد منهما تعيينا واما حجية واحد منهما على التخيير فلم يدل عليه دليل. كما ان حجية احدهما لا بعينه مما لا ينبغي التفوه به، لما ذكرنا في محله من ان الواحد لا بعينه لا وجود له في الخارج، فما في الخارج معين دائما، وانما يوجد هذا المفهوم في الذهن فقط، اللهم الا ان يرجع إلى القول بالتخيير وقد عرفت حاله. وحينئذ لا يبقى بحال الا للقول بتساقطهما بعد التعارض، والرجوع إلى ادلة اخرى. هذا هو مقتضى القاعدة في هذا الباب ولكن هناك روايات كثيرة، تدل بعضها على وجوب القرعة بين البينات، ايها وقعت القرعة عليها، فعلى صاحبها اليمين، وهو اولى بالحق (1). وفي بعضها ان الحق لمن حلف مع بينته، وانهما ان حلفا جميعا جعل المال بينهما نصفين، وان كان في يد احدهما واقاما جميعا البينة كان للحالف الذي هو في يده (2). وفي بعضها العمل على طبق اليد من دون يمين، وانه لو لم يكن في يده جعل المال بينهما نصفين (3) إلى غير ذلك. وذكر شيخ الطائفة في الخلاف انه إذا تعارضت البينتان على وجه لا ترجيح لاحدهما على الاخر اقرع بينهما فمن خرج اسمه حلف، واعطي الحق، هذا هو المعول عليه عند اصحابنا، وقد روي انه يقسم بينهما نصفين. ثم نقل عن الشافعي فيه اربعة اقوال: الاول وهو اصحها انهما تتساقطان وبه قال مالك.


(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 12 الحديث 5 و 6. (2 و 3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 12 الحديث 2 و 3.

[ 77 ]

الثاني يقرع بينهما كما قلناه، وهل يحلف ام لا؟ قولان. الثالث يوقف ابدا. الرابع يقسم بينهما نصفين، وبه قال ابن عباس والثوري وابو حنيفة واصحابه. ثم قال دليلنا اجماع الفرقة على ان القرعة تستعمل في كل امر مجهول مشتبه وهذا داخل فيه والاخبار في المسألة كثيرة اوردناها في كتب الاخبار.. (1). هذا ولتحقيق الحق من بين هذه الاقوال محل آخر قد عرفته.


(1) الخلاف ج 3 كتاب الدعاوى والبينات المسألة 10 ص 356.

[ 79 ]

3 - قاعدة حجية خبر الواحد في الموضوعات * اقوال العلماء في المسألة * مدرك القاعدة من الكتاب العزيز * مدركها من السنة * مدركها من بناء العقلاء * سيرة الاصحاب في المسألة * اقوى ما يرد على حجية خبر الواحد في الموضوعات وجوابه * ملاك حجية الخبر ومعيارها

[ 81 ]

المقام الاول في اقوال العلماء في المسألة المشهور بين الاصحاب حجية خبر الواحد في الاحكام، بل قد ادعى الاجماع عليه وهو الحق، ويدل عليه الكتاب والسنة وبناء العقلاء وسيرة الاصحاب عليه، كما اوضحناه في محله في الاصول. ولكن الكلام هنا في حجيته في الموضوعات، فانها ترتبط ببحث القواعد الفقهية، لما قد عرفت من ان مفاد القاعدة الفقهية دائما حكم شرعي كلي، يجري في مختلف ابواب الفقه، بخلاف المسائل الاصولية فانها تقع في طريق استنباط الاحكام فحجية خبر الواحد في الاحكام تقع في طريق اثبات الحكم الشرعي، فتكون مسألة اصولية واما حجيته في الموضوعات فهي حكم فقهي يستفاد منه حال موضوعات الاحكام، ولكن لما كان كليا دخل في ابواب القواعد الفقهية. والمعروف ان خبر الواحد لا يكون حجة في الموضوعات، ولكن ذهب جماعة من الاصحاب، ولاسيما المتأخرون منهم إلى حجيته فيها، حكي هذا عن ظاهر التذكرة وقواه في الحدائق (1) والمحقق الهمداني في مصباحه وغيرهم.


(1) حكاه في المستمسك في المجلد الاول في شرح المسألة 6 من مسائل ماء البئر، ولكن الذى ذكره في التذكرة في المسألة الثامنة من كتاب الطهارة من فروع الماء القليل هو انه: لو اخبره العبد بنجاسة الماء لم يجب القبول وهو ينافيه.

[ 82 ]

هذا ولكنهم انما تعرضوا للمسألة في موارد خاصة، وقد لا يمكن استفادة العموم منها نعم يظهر العموم من بعض متأخري الاصحاب حيث ذكر هذا الحكم على الاطلاق واستدل عليه بدلائل يأتي الاشارة إليها ان شاء الله. ويظهر من بعض علماء العامة ان القول بحجية خبر الواحد في الموضوعات شايع بينهم. وان ذكروه في موارد خاصة، قال " ابن قدامة ": في " المغنى " في باب اوقات الصلاة: " ومن اخبره ثقة عن علم به، لانه خبر ديني، فقبل فيه قول الواحد كالرواية " (1). وتعليله دليل على عموم حجيته عنده. وقال في ابواب القبلة: " وان لم يعلم عدالته وفسقه (اي المخبر بالقبلة) قبل خبر لان حال المسلم يبنى على العدالة ما لم يظهر خلافها ويقبل خبر سائر الناس من المسلمين البالغين العقلاء، سواء كانوا رجالا أو نساءا، ولانه خبر من اخبار الدين فأشبه الرواية، ويقبل من الواحد كذلك " (2). وقال ايضا في ابواب المياه: " وان ورد ماءا فأخبره بنجاسته صبي أو كافر أو فاسق لم يلزمه قبول خبره... وان كان المخبر بالغا عاقلا مسلما غير معلوم فسقه، وعين سبب النجاسة لزم قبول خبره، سواء كان رجلا أو امرأة، حرا أو عبدا، معلوم العدالة أو مستور الحال، لانه خبر ديني، فاشبه الخبر بدخول وقت الصلاة، وان لم يعين سببها قال القاضي: لا يلزم قبول خبره، لاحتمال اعتقاد نجاسة الماء بسبب لا يعتقده المخبر " (3). والظاهر ان اعتماده على قول مستور الحال من جهة ان الاصل عندهم على


(1) المغنى ج 1 ص 342. (2) المغنى ج 1 ص 398. (3) المغنى ج 1 ص 75.

[ 83 ]

عدالة المسلم كما اشار إليه سابقا، كما ان عدم قبول القاضي لقول من لا يخبر بالسبب فانما هو بسبب اختلاف الفتاوى عندهم، فالمتحصل منها حجية خبر العدل عنده على الاطلاق. فلنرجع إلى بيان مدرك القاعدة وما قيل أو يمكن ان يقال فيه ونقل الادلة عليه: المقام الثاني في مدرك القاعدة يدل عليها الكتاب العزيز والسنة المستفيضة، وبناء العقلاء. الاول: كتاب الله اقوى ما يدل عليه هو آية النبأ، قال الله تعالى: " ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (1). وقد ذكرنا في مباحث خبر الواحد من الاصول انه يمكن الاعتماد على دلالة الاية باعتبار مفهوم الوصف في امثال المقام، مما يكون ظاهره الاحتراز بالوصف عن غيره، ولذا إذا عرضنا الاية على اهل العرف وقلنا ان الفاسق لا يقبل خبره يفهمون منه ان خبر العدل مقبول. وما قد يقال ان ذكر عنوان " الفاسق " هنا انما هو لبيان فسق الوليد وكفى بذلك فائدة في ذكر الوصف، فاسد جدا، مخالف لما يفهم منه عرفا. اضف إلى ذلك ان الاية لا تقصد بيان قضية خاصة بل مفادها حكم عام وقانون كلي بالنسبة إلى المؤمنين كلهم في جميع الموارد، ولذا يقول " يا ايها الذين آمنوا ان جاءكم... "


(1) الحجرات: 5.

[ 84 ]

كما ان ذكر العلة وهي قوله تعالى " ان تصيبوا قوما بجالهة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " لا يدل على اعتبار العلم في العمل بالاخبار، بل الجهالة هنا بمعنى السفاهة، وما لا يكون عقلائيا، وحيث ان الاعتماد على خبر الثقة امر عقلائي ليس فيه سفاهة ولا ندامة ولو تبين كونه خلاف الحق، فهو من قبيل العلم الذي هو جهل مركب لا ندامة في العمل به من حيث الاعتماد على امر غير عقلائي، بل من حيث الخطأ وهو محتمل في جميع الامارات الشرعية والعرفية وفي حق غير المعصومين. ومما ينبغي أن يذكر ان مورد الاية وشأن نزولها من الموضوعات لا من الاحكام وهو الخبر بارتداد قبيلة بني المصطلق، والعجب من جماعة من الاصوليين حيث استدلوا بها على حجية خبر العدل في الاحكام، اخذا باطلاق الاية، ولم يستدلوا بها على حجيته في الموضوعات الذي هو موردها، فهل يمكن تخصيص العموم وتقييد الاطلاق باخراج المورد وشأن نزولها؟ كلا. وقد يستدل هنا بآيات الشهادة (1) ولزوم اظهارها، وحرمة كتمانها، مثل قوله تعالى " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه " (2) وقوله تعالى: " واقيموا الشهادة لله " (3) وقوله تعالى: " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " (4) وقوله عز من قائل: " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " (5) إلى غير ذلك. وكأنهم استندوا في ذلك إلى دليل اللغوية، وان الاظهار لو كان واجبا لوجب القبول، والا كان لغوا، ولكن هذا غير تام، كما ذكر في اشباهه من وجوب اظهار العالم علمه وغيره، فان دليل اللغوية يدل على ان في الاظهار فائدة، ولكن هذه الفائدة


(1) استدل به في العناوين. (2 و 5) البقرة: 283. (3) الطلاق: 2. (4) النساء: 135.

[ 85 ]

هل هي القبول مطلقا، أو إذا انضم إليه شاهد آخر، ولا اطلاق لها من هذه الجهة، فانها ليست بصدد بيان القبول، بل بصدد بيان وجوب الاظهار، واما القبول فانما يستفاد من ناحية اخرى، ومن الواضح انه يكفي في عدم كونه لغوا قبولها في الجملة ولو عند وجود شاهد آخر. * * * الثاني: السنة هنا روايات كثيرة وردت في مختلف ابواب الفقه يمكن استنباط حجية خبر الواحد في الموضوعات من مجموعها. 1 - ما ورد في ابواب رؤية الهلال عن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " إذا رأيتم الهلال فافطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين " (1). دلت على كفاية شهادة العدل الواحد في ثبوت رؤية الهلال، ولكن نسخ الرواية مختلفة ففي بعضها " واشهدوا عليه عدولا من المسلمين " وفي بعضها الاخر " أو يشهد عليه بينة عدول من المسلمين " ومن هنا يشكل الاعتماد عليها بالخصوص. ويؤيده ما روي عن طرق العامة عن ابن عباس قال جاء اعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال اني رأيت الهلال يعني هلال رمضان فقال اتشهد ان لا اله الا الله قال نعم قال اتشهد ان محمدا رسول الله؟ قال نعم قال يا بلال أذن في الناس ان يصوموا غدا (2). 2 - منها مارودت في ابواب النكاح من رواية سماعة قال سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها، فحدته رجل ثقة أو غير ثقة وقال ان هذه امرأتي وليست


(1) الوسائل ج 7 كتاب الصوم ابواب احكام شهر رمضان الباب 8 الحديث 1. (2) رواه البيهقي في سننه ج 4 ص 211 (كتاب الصيام) باب الشهادة على رؤية الهلال وبهذا المضمون روايات عديدة اخرى في نفس الكتاب.

[ 86 ]

لي بينة، وقال ان كان ثقة فلا يقربها وان كان غير ثقة فلا يقبل منه (1). والحديث ظاهر الدلالة على المقصود. 3 - ونظيرها من بعض الجهات ما عن فقه الرضا قال: " ان كان البايع (أي البايع للامة) ثقة وذكر انه استبرأها جاز نكاحها من وقته، وان لم يكن ثقة استبرأها المشتري بحيضة " (2). والاصل وان كان يقتضي عدم الوطي فلا يحتاج إلى الاستبراء، ولكن لما كان ذلك غالبا في الاماء كان ظاهر حالهن كونهن موطوئة، فلزم الاستبراء، الا ان يكون البايع ثقة، بل الظاهر من الرواية ان الوطي امر مفروغ فيها. هذا ولكن في سند الحديث (فقه الرضا) اشكال معروف. 4 - ما ورد في " ابواب الاذان " من جواز الاعتماد على اذان المؤذن العارف الثقة، مثل ما رواه عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال: " المؤذن مؤتمن والامام ضامن " (3). إلى غير ذلك مما دل على اعتبار اذان المؤذن مطلقا المحمول على العارف بالوقت الثقة وان كان من المخالفين. هذا ولكن الاعتماد على اذان العارف يمكن ان يكون من باب جواز التعويل في دخول الوقت على الظن المطلق، وهو من اسباب الظن، فلا يدل على جواز الاعتماد عليه في موارد يعتبر العلم، أو ما يكون بمنزلته. واستدل " ابن قدامة " في " المغنى " في باب اوقات الصلوة بما روي عن طرقهم عن النبي صلى الله عليه وآله: المؤذن مؤتمن، على حجية اذان الثقة العالم بالوقت (4).


(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب عقد النكاح الباب 23 الحديث 2. (2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 486. (3) الوسائل ج 4 ابواب الاذان والاقامة الباب 3 الحديث 2. (4) المغنى ج 1 ص 342.

[ 87 ]

5 - ما ورد في ابواب الوكالة عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل وكل آخر على وكالة في امر من الامور واشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لامضاء الامر، فقال اشهدوا اني قد عزلت الفلان عن الوكالة... قال نعم ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض ابدا والوكاله ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة (1). دل على بقاء الوكالة على حكمها ونفوذ امر الوكيل الا ان يثبت له العزل، ومن طرق ثبوت العزل خبر الثقة. 6 - ما ورد في ابواب الوصية عن اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل كانت له عندي دنانير، وكان مريضا، فقال لي: ان حدث لي حدث فاعط فلانا عشرين دينارا، واعط اخي بقية الدنانير، فمات ولم اشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي انه امرني ان اقول لك انظر الدنانير التي امرتك ان تدفعها إلى اخي فتصدق منها بعشرة دنانير، اقسمها في المسلمين، ولم يعلم اخوه ان عندي شيئا فقال ارى ان تصدق منها بعشرة دنانير (2). ولكن يمكن الايراد على الاستدلال بها من جهة ان في كلام المخبر هنا بعض القرائن الخفية التي كانت بين الموصي والوصي، ولعله يوجب العلم فيشكل الاستدلال بها على حجية خبر الثقة إذا خلا من امثال هذه القرائن. هذا ويمكن الجواب عنه مضافا إلى ان مجرد هذه القرينة لا توجب القطع بالصدق، فلعله سمع الوصية السابقة من الموصي أو غيره واضاف الباقي من قبل نفسه، ان تعويل السائل على عنوان الرجل المسلم الصادق دليل على ان المرتكز في ذهنه كفاية قول المسلم الثقة في اثبات الموضوعات، فلو كان هذا باطلا لوجب


(1) الوسائل ج 13 كتاب الوكالة الباب 2 الحديث 1. (2) الوسائل ج 13 كتاب الوصايا الباب 97 الحديث 1.

[ 88 ]

نفيه من قبل الامام عليه السلام فتدبر. 7 - ماروي ايضا في ابواب نكاح الاماء عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يشتري الامة من رجل فيقول اني لم اطأها فقال ان وثق به فلا بأس ان يأتيها (1). نعم يرد عليه انه من قبيل اخبار ذي اليد وحجية خبر ذي اليد لا تدل على حجية خبر الثقة مطلقا. هذا ولكن من المشكل الاعتماد على اليد في امثال المقام مما غلب عليها الحرمة وعدم الجواز، لما قد عرفت من ان الاصل في الاماء كونها موطوئة الا من شذ منهن، والا لوجب الاعتماد على قول ذي اليد إذا لم يكن متهما، ولا يحتاج إلى اعتبار الوثاقة كما في غيرها من موارد حجية قول ذي اليد، فان عدم الاتمام كاف فيها ولا يعتبر الوثاقة بالخصوص. فاعتبار الوثاقة هنا انما هو من باب حجية خبر الثقة في الموضوعات ولادخل له بقول ذي اليد. وقد يستدل هنا بروايات اخرى لا دلالة فيها. منها ما ورد في ابواب النجاسات عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال اغتسل أبي من الجنابة فقيل له قد ابقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء فقال له ما عليك لو سكت؟ ثم مسح تلك اللمعة بيده (2). وفيه انه قضية في واقعة، ولعله كان يحصل العلم من قول المخبر وليس في الرواية عنوان عام، يدل على التعويل على خبر الثقة حتى يستدل باطلاقه على المقصود هذا مضافا إلى اشتمال الحديث على بعض المسائل المنكرة، اعني غفلة الامام عن


(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب نكاح العبيد والاماء الباب 6 الحديث 1. (2) الوسائل ج 2 كتاب الطهارة ابواب النجاسات الباب 47 الحديث 2.

[ 89 ]

غسله، وبقائه على حاله بلا غسل واتيان اعماله على تلك الحال لو لم يخبره المخبر فتأمل. ومنها ما ورد في ابواب " ما يكتسب به " عن معاوية بن وهب وغيره عن ابي عبد الله عليه السلام في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك فقال بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به (1). وفيه مضافا إلى انه من باب حجية قول ذي اليد ولذا لم يقيد بكونه ثقة، انه من قبيل الاخبار المحفوفة بالقرائن. لان البايع لا يخبر بنجاسة زيته مهما امكن، فإذا اخبر يعلم انه كان مقطوعا، لعدم الداعي على هذه الاكذوبة عادة، لاحد من البايعين لما فيه من تقليل قيمة المبيع. ومنها ما ورد في قصة اسماعيل ولد الصادق عليه السلام وانه دفع دنانير إلى رجل شارب الخمر بضاعة، ليعامل بها، فاتلف النقود فوبخه الصادق عليه السلام فاعتذر بانه لم يره يشرب الخمر فقال عليه السلام: إذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم (2). نظرا إلى ان الجمع المحلى باللام هنا ليس بمعنى العام المجموعي، لندرة اتفاق جميع المؤمنين على الشهادة على شئ، فيحمل على العام الافرادي. وفيه انه يمكن حملها على الجمع لا بعنوان الاستغراق، وحمله على ذلك هنا قريب، لاسيما بقرينة قول اسماعيل لابيه في مقام الاعتذار سمعت الناس يقولون، فان اطلاق الناس على الواحد قليل جدا، وبالجملة الاستدلال بها على حجية خبر الواحد الثقة مشكل. هذا ما ظفرنا به من الاخبار في هذه المسألة في طيات كتب الحديث وقد عرفت الاشكال في بعضها ولكن في الباقي لاسيما مع تظافرها وضم بعضها ببعض غنى


(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب ما يكتسب به الباب 6 الحديث 4. (2) الوسائل ج 13 كتاب الوديعة الباب 6 الحديث 1.

[ 90 ]

وكفاية، لانها وان وردت في موارد خاصة الا انه يمكن الغاء الخصوصية عنها بعد ورودها في ابواب متفرقة. اضف إلى ذلك ان حجية خبر الثقة في الموضوعات كان مشهورا عند العقلاء كما سيأتي ان شاء الله. وظاهر هذه الروايات امضاؤها، فلو كانت مختصة بموارد خاصة وجب على الامام التنبيه عليها، لاسيما مع ذكر هذا العنوان في كلام الراوي في بعض تلك الروايات الذي يدل على انه كان امرا مركوزا في اذهان الرواة ولم يردع عنهم الائمة عليهم السلام. * * * الثالث: بناء العقلاء ويدل عليه ايضا بناء العقلاء الذي استدلوا بها على حجية خبر الواحد في الاحكام، بل جعلوه اهم الدلائل واقواها وعمدتها، بل ارجعوا سائر الادلة إليه. وحاصله انهم لا يزالون يعتمدون على اخبار الثقة، في ما يرجع إلى معاشهم، وحيث لم يردع عنه الشارع في ما يرجع إلى معادهم فيكون حجة، من دون اي فرق بين اخبار الثقة في الموضوعات، أو في الاحكام. فما ورد في القرآن الكريم، أو الروايات الكثيرة التي قد عرفت جملة منها، مما يدل على حجية خبر الواحد في الموضوعات، امضاء لهذا البناء. وقد عرفت عند ذكر الاخبار الدالة على المقصود ان هذا المعنى كان مركوزا في اذهان الرواة كما يدل عليه اسئلتهم، وهذا ايضا شاهد على المطلوب. * * * الرابع: بناء الاصحاب ويظهر من كلمات الاصحاب وعملهم انهم يستندون إلى اخبار الاحاد في الموضوعات كاستنادهم به في الاحكام ويدل على ذلك امور:

[ 91 ]

1 - اكتفاء كثير منهم في علم الرجال بتوثيق رجل واحد وان اعتبر بعضهم قيام البينة وتوثيق رجلين، ولكن هذا شاذ، فلو كان خبر الواحد في الموضوعات يحتاج إلى التعدد لم يجز الاعتماد على واحد في توثيق الرجال وهو من الموضوعات. قال المحقق المامقاني في تنقيح المقال ما نصه: " انه قد صدر من الاصحاب الافراط والتفريط في هذا الباب فمن الاول ما عليه جماعة منهم الشهيد الثاني من قصر الحجية على الصحيح الا على، المعدل كل من رجاله بعدلين، نظرا إلى ادراج ذلك في البينة الشرعية، التي لا تختص حجيتها بالمرافعات على الاقوى، لما نطق بذلك الاخبار الصحيحة... إلى أن قال - ووجه كون هذا المسلك افراطا ان طريق الاطاعة موكول إلى العقل والعقلاء ونريهم يعتمدون في امور معاشهم ومعادهم على كل خبر يثقون به من أي طريق حصل لهم الوثوق والاطمينان ". هذا ولكن يرد عليه بان الاعتماد عيى قول علماء الرجال وشهادة الرواة في تشخيص الثقات من غيرهم انما هو في حصول ما هو الملاك في حجية خبر الواحد في الاحكام اعني الوثوق بالرواية فإذا حصل هذا المعنى من أي طريق دخل في عنوان الادلة. وبعبارة أخرى: إذا اخبر ثقة بان محمد بن مسلم ثقة مثلا لا فائدة في هذا الخبر الا قبول اخباره، ومن المعلوم انه يكفي في قبول اخباره حصول الوثوق بروايته ولو من طريق اخبار ثقة بوثاقته (فتأمل جيدا). نعم لو كان الملاك في حجية خبر الواحد على خصوص آية الحجرات وكان موضوعها العدالة تعبدا كان عمل العلماء بقول واحد في تشخيص العدالة والفسق دليلا على المطلوب، ولكن انى لنا باثبات ذلك وقد ثبت في محله ان جميع ادلة حجية خبر الواحد ترجع إلى بناء العقلاء الذي هو الاصل في المسألة، وبنائهم على

[ 92 ]

الوثوق بالرواية من أي واد حصل. 2 - انهم لا يفرقون في مسألة قبول اخبار الاحاد بين ما كان مضمونه الحكم الشرعي فقط، أو مع الموضوع الخارجي، فإذا اخبر محمد بن مسلم - مثلا - بانه دخلنا على الصادق عليه السلام في يوم الجمعة فقال هذا يوم عيد، يعملون به ويفتون بان يوم الجمعة يوم عيد مع ان الامام لم يخبر بهذا، بل اخبر بان هذا اليوم يوم عيد، ولكن محمد بن مسلم اضاف إليه بان اليوم كان يوم الجمعة، فنقبل اخباره في الموضوع كما نقبل اخباره في الحكم الشرعي. هذا ولكن قد اورد عليه في " حقايق الاصول " لا في هذا المبحث، بل بمناسبة أخرى في مبحث حجية قول اللغوي بما نصه: " ان اقوى ما يستدل به على حجية قول اللغوي هو مادل على حجية خبر الثقة في الاحكام ودعوى ان خبر اللغوي ليس متعرضا للحكم لانه من الخبر عن الموضوع فاسدة لان المراد من الخبر في الاحكام كل خبر ينتهي إلى خبر عن الحكم ولو بالالتزام " (1). ولكن هذا الاعتذار يشكل الاعتماد عليه، وليس هذا باولى من ان يقال حجية خبر الواحد لا يختص بالاحكام، بل تجري في الموضوعات أيضا. بل قد ذكرنا في مبحث حجية قول اللغوي انها مما دارت عليه كلماتهم، ولا يزالون يستدلون باقوالهم لتحقيق مفاهيم الكلمات المرتبطة بامور معاشهم ومعادهم وفي اسناد الوصايا، والاوقاف، وغيرها، حتى ان من ينكره باللسان لا يتجافى عنه في العمل، وهذا دليل على عموم الحجية في الموضوعات والاحكام. ومما قد يستدل به على العموم قياس الاولوية، قال في الجواهر في ذيل كلام له في حجية خبر الواحد في الموضوعات ماهذا نصه: " بل ثبوت الاحكام الشرعية


(1) حقايق الاصول ج 2 ص 98.

[ 93 ]

به اكبر شاهد على ذلك " وان ذكر في آخر كلامه " ان الانصاف بقاء المسألة في حيز الاشكال، لامكان التأمل والنظر في سائر ما تقدم من المقال بمنع بعضه، وعدم ثبوت المطلوب بالاخر " (1). وحاصل الكلام ان الاحكام مع كثرة اهميتها، وكليتها، إذا ثبتت بخبر الواحد فكيف لا يمكن اثبات الموضوع الجزئي به؟! اللهم الا ان يقال ان طرق ثبوت الاحكام محدودة، فلذا اكتفى فيه بخبر الواحد ولكن طرق اثبات الموضوعات كثيرة متعددة، قل ما يحتاج فيها إلى خبر الواحد، بحيث لو نفى حجيته فيها لم يحصل الاشكال، بخلاف الاحكام فان نفي حجية خبر الواحد فيها يوجب سد باب اثباتها غالبا. ولا يتوهم ان هذا رجوع إلى انسداد باب العلم، لان المقصود امكان كون الانسداد من قبيل الحكمة لهذا الحكم، لا العلة، بخلاف الموضوعات كما ذكر في محله من الاصول. وبالجملة لا يمكن الركون إلى هذا الدليل مجردا عن غيره، غاية الامر يصلح جعله مؤيدا لما مر. واما ما اشار إليه صاحب الجواهر (قدس سره الشريف) فيما عرفت من كلامه فيظهر عدم تماميته من تفاصيل ما تلونا عليك في هذه المسألة. وان الدليل على الحجية من الكتاب والسنة ثابت لا يمكن انكاره عند التحقيق. " اقوى ما يرد على المختار " اقوى ما يرد على ما ذكرنا من حجية خبر الواحد في الموضوعات امران: الاول - ما اشار إليه بعض اعاظم المعاصرين بقوله " وقد يتوهم، كما عن


(1) الجواهر ج 6 كتاب الطهارة ص 172.

[ 94 ]

غير واحد منهم، ان السيرة على حجية خبر الواحد في الموضوعات مردوعة، بما ورد في ذيل رواية " مسعدة بن صدقة " من قوله " والاشياء كلها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البينة " (1). حيث حصر ما يثبت به الموضوعات، في " الاستبانة " (أي العلم) و " قيام البينة عليه " ولو كان خبر الواحد كالبينة معتبرا شرعا لبينه عليه السلام لا محالة ". ثم اجاب عنه: " اولا بان الرواية ليست بصدد الحصر، لوضوح ان النجاسة وغيرها كما تثبت بهما كذلك تثبت بالاستصحاب وباخبار ذي اليد. ثانيا: ان الرواية غير صالحة للرادعية لضعفها. ثالثا: ان عدم ذكر اخبار العادل في قبال البينة والعلم انما هو لاجل خصوصية في مورد الرواية، وهي ان الحلية في مفروض الرواية كانت مستندة إلى قاعدة اليد في مسألة الثوب، ومن المعلوم انه لا اعتبار لاخبار العادل مع اليد. ورابعا: البينة في الرواية كما تقدم بمعنى الحجة وما به البيان، وهو الذي دلت الرواية على اعتباره في قبال العلم الوجداني " (2). وبعض ما ذكره وان كان لا يخلو عن اشكال مثل ما افاده اخيرا، لما مر عليك من ان البينة في مصطلح الاخبار بمعنى شاهدي عدل، وقد اثبتنا ذلك بدليل قاطع، ولكن في بعضها الاخر كفاية، مثل عدم اعتبار سند رواية " مسعدة " وعدم كونها في مقام الحصر، وسيأتي ان شاء الله في الجواب عن الاشكال الثاني ما ينفعك في المقام أيضا. * * * الثاني - ان خبر الواحد لو كان حجة في الموضوعات لم يبق حاجة إلى البينة


(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب ما يكتسب به الباب 4 الحديث 4. (2) التنقيح ج 1 ص 319.

[ 95 ]

فيها وكان حجيتها نافية لحجيته. وان شئت قلت: حجية البينة لا يختص بابواب القضاء، بل قد عرفت انها عامة في جميع الموضوعات وان لم يكن فيها خصومة تستدعي القضاء، وحينئذ يبقى الكلام في أنه لم اعتبر فيها العدد مع كفاية خبر الواحد فيها؟ وبعبارة ثالثة: مفهوم العدد لاسيما في امثال هذه المقامات ينفي جواز الركون إلى خبر الواحد في الموضوعات. والانصاف انه اهم اشكال يرد على حجيته، بل الظاهر ان عدم اعتراف كثير من الاصحاب بحجية خبر الواحد فيها، أو ترديدهم في هذا الامر، أو قبولهم للحجية تارة ونفيها اخرى، انما نشأ من هذا الاشكال. ولكنه مع ذلك انه قابل للدفع، وانه يمكن الجمع بين حجيتهما بحيث لا يكون تمانع وتنافر. توضيحه: ان اخبار حجية البينة - كما لا يخفى على من راجعها وتدبر فيها - ناظرة في الغالب إلى المسائل المالية والحقوقية الاخرى، والظاهر ان ذكر البينة فيها انه وان لم تكن موردا للدعوى بالفعل ولكن قد يؤدي إلى المخاصمة، فلابد من التمسك بحجة ينفع في محكمة القضاء ايضا في المستقبل. مثلا ورد في كتاب الله العزيز حجية شهادة العدلين في الوصية (1) والطلاق (2) والدين (3) والبيع (4) ومن الواضح ان هذه كلها امور مالية أو حقوقية قد تكون فيها المخاصمة في المستقبل، فلابد من اخذ شاهدين فيها حتى إذا انتهى الامر إلى المحكمة يكون دليلا يمكن الاستناد إليه في اثبات في المدعى.


(1) المائدة: 105. (2) الطلاق: 2. (3 و 4) البقرة: 282.

[ 96 ]

نعم ورد في بعض ما عرفت من الايات لزوم الاعتماد على قول العدلين في كفارة الاحرام، وانه لابد ان يكون مماثلا للحيوان الذي اصطاده يحكم به ذوا عدل منكم (1). ولكن لا يبعد ان يكون الوجه فيه التعدد حتى يكون بعيدا عن الخطأ. وان شئت فانظر إلى مادل على حجية البينة من السنة مثل خبر " مسعدة " التي ورد في الثوب والعبد والمرأة، وكذا مادل من رواية يونس على ان استخراج الحقوق بوجوه اربعة، منها شهادة رجلين عدلين (2). وما ورد في رواية صفوان الجمال فيمن يكون له المال ويكون له شاهدان فيأخذ حقه (3). وما ورد في ابواب النكاح والطلاق وابواب الوقوف والصدقات إلى غير ذلك مما قد يكون محلا للتنازع والتشاجر، فان اعتبار العدلين في جميع ذلك انما هو من باب التهيأ لاثبات المدعى عند التنازع. نعم ورد اعتبار العدلين في ابواب رؤية الهلال، ولكن الظاهر مما دل على هذا المعنى انها انما تعتبر إذا اراد الحاكم ان يحكم بهما في حق جميع الناس، فراجع ابواب احكام شهر رمضان وما يثبت به الهلال. وبالجملة لو لم ندع اليقين على هذا المعنى فلا اقل من الاعتماد عليه عند ملاحظة مجموع مادل على حجية خبر الواحد في الموضوعات مع مادل على اعتبار البينة فيها (فراجع وتدبر). * * *


(1) المائدة: 95. (2) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 15 الحديث 2. (3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 5 الحديث 3.

[ 97 ]

" ملاك حجية خبر الواحد " بقى هنا شئ: وهو انه بناءا على حجية خبر الواحد في الموضوعات هل يعتبر فيها " العدالة " أو يكفي " الوثوق " فقط؟ كما هو المختار عندنا وعند جل المعاصرين، أو كلهم، في حجية خبر الواحد في الاحكام. الظاهر انه يتفاوت الحال بتفاوت الادلة في المسألة، فان كان الدليل هو آية النبأ فظاهرها اعتبار العدالة لانه المقابل للفسق. وان كان الدليل هو الاخبار الخاصة الواردة في الابواب المختلفة فمقتضاها متفاوت، ففي بعضها اعتبار العدالة مثل ما ورد عن امير المؤمنين عليه السلام إذا رأيتم الهلال فافطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين (1). ولكن وقع التصريح بالوثاقة في كثير من رواياتها كما يظهر بالدقة فيما مر عليك من ادلة المسألة، والجمع بينهما ممكن بحمل العدالة على الوثاقة. وهكذا ما ورد من التعبير بالصداقة في قوله " فأتاني رجل مسلم صادق " فيما ورد في ابواب الوصية فانه راجع إلى الوثاقة، والمتحصل من جميعها اعتبار الوثوق، وحينئذ يمكن الجمع بينها وبين مفهوم آية النبأ بحمل العدالة فيهما ايضا على الوثاقة ويؤيده ما ورد من التعليل في الاية بقوله تعالى: " ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " فان الاصابة بالجهالة، أو حصول الندامة انما هو من آثار عدم الوثوق، لا الفسق فيما لا يرتبط بالاخبار، فإذا كان انسان متحرزا عن الكذب يمكن الوثوق بقوله، دخل في مفهوم الاية، ولا يكون العمل بقوله معرضا للندامة. واظهر من الجميع إذا كان الدليل بناء العقلاء انه لاشك ان بنائهم على الاعتماد بخبر الثقة، من دون ملاحظة العدالة فيما لا يرتبط بالاخبار، فإذا لا يبقى شك في كفاية


(1) الوسائل ج 7 كتاب الصوم ابواب احكام شهر رمضان الباب 8 الحديث 1.

[ 98 ]

الوثوق، وعدم اشتراط العدالة تعبدا. وقد صرح بما ذكرنا بعض المتأخرين والمعاصرين قال في مصباح الفقيه: الاظهر عدم اشتراط العدالة المصطلحة، وكفاية كون المخبر ثقة مأمونا محترزا عن الكذب لاستقرار سيرة العقلاء على الاعتماد على اخبار الثقات في الحسيات التي لا يتطرق فيها احتمال الخطأ، احتمالا يعتد به، لديهم مما يتعلق بمعاشهم ومعادهم، وليست حجية خبر الثقة لدى العقلاء الا كحجية ظواهر الالفاظ (1). وقال في التنقيح: لا تعتبر العدالة ايضا في حجية الخبر، لان العقلاء لا يخصصون اعتباره بما إذا كان المخبر متجنبا عن المعاصي، وغير تارك للواجبات، إذ المدار عندهم على كون المخبر موثوقا به، وان كان فاسقا أو خارجا عن المذهب (2). وقال " المحقق المامقاني " في كلام له عند بيان الحاجة إلى علم الرجال مانصه: ان الحق الحقيق بالقبول.. ان العمل بالاخبار انما هو من باب الوثوق والاطمينان العقلائي، ومن البين الذي لا مرية فيه لذي مسكة في مدخلية احوال الرجال في حصول الوثوق وعدمه وزواله، فالاخذ بالخبر من دون رجوع إلى احوال رجاله تقصير في الاجتهاد، وهو غير جائز، كما لا يجوز الفتوى قبل بذل تمام الوسع (3). * * * بقى هنا امران: احدهما: انه هل يعتبر الوثوق الفعلي (الشخصي) أو يكفي الوثوق النوعي؟ المصرح به من غير واحد منهم في باب حجية خبر الواحد في الاحكام، ومن


(1) مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 92. (2) التنقيح في شرح العروة ج 2 ص 288 (باب اثبات النجاسة بقول خبر الثقة). (3) تنقيح المقال ج 1 ص 174.

[ 99 ]

بعضهم في الموضوعات، كفاية الوثوق النوعي، وعدم الحاجة إلى الوثوق الفعلي الشخصي. والظاهر ان الدليل عليه هو بناء العقلاء واحتجاجهم بخبر الثقات فيما إذا اخبروا بموضوع أو حكم، فانهم يرونها حجة على العبيد، ومن شابههم، ولا يصغون إلى اعتذارهم بعدم حصول الوثوق الفعلي، اللهم الا ان يكون هناك قرائن خاصة توجب اتهام المخبر في خبره، وحينئذ لا يبعد رده، قبول العذر بوجودها. ثانيهما: هل يكفي مجرد الوثوق بالرواية، وان لم يوثق بالراوي، بان كان الراوي فاسقا كذابا، أو مجهول الحال، ولكن حصل من القرائن الخارجية وثوق بنفس الرواية، فهل تكون حجة؟ وهل يحتج به أم لا؟ الظاهر انه كذلك لجريان سيرة العقلاء ايضا عليه، فانهم يعتمدون على اخبار تدل القرائن على صحة مضمونها، بحيث يحصل الوثوق بها، وان لم يبلغ حد العلم، ويحتجون بمثل هذه الاخبار. ومن هذا الباب ما هو المعروف من المتأخرين والمعاصرين من حجية خبر الضعيف أو المجهول إذا عمل به المشهور، فينجبر ضعفه بعملهم، وليس هذا الا من جهة الوثوق بنفس الرواية، وان كان الراوي غير موثوق به. وكذلك ما قال به بعضهم من الاعتماد على الاخبار المروية في كتب المعتبرة المعروفة، وان كان هذه القرينة محلا للكلام بينهم من حيث الصغرى، وانها توجب الوثوق أم لا؟ ومن هذا الباب أيضا ما يرويه وكالة الانباء في عصرنا من الاخبار المختلفة المرتبطة بموضوعات شتى في العالم فكثيرا ما يعتمدون على اخبارهم في نقل بعض الامور، وان كانوا فاسقين وكذا بين، وليس ذلك الا من جهة الوثوق الحاصل بنفس

[ 100 ]

الخبر بالقرائن المختلفة في قرائن خاصة. هذا تمام الكلام في حجية خبر الواحد في الموضوعات وما يرتبط بها، (والحمد لله).

[ 101 ]

4 - قاعدة حجية قول ذى اليد * ما المراد بذى اليد؟ * اقوال الفقهاء في المسألة * دليل القاعدة من السنة * بناء العقلاء في المسألة * هل القاعدة من الامارات أو من الاصول؟ * هل يعتبر فيها العدالة أو الوثاقة؟ * تعارض الامارات مع قول ذى اليد

[ 103 ]

حجية قول ذى اليد ما المراد بذى اليد؟ المراد من ذي اليد في هذا الباب هو من كان له سلطنة على شئ، اما من جهة الملك، أو الامانة أو الاجارة، أو العارية، أو غير ذلك، بل ولو كان التسلط من ناحية التربية كسلطة الاب والام على الطفل، بالنسبة إلى اخبارهم عن طهارته ونجاسته وغير ذلك مما يمس به، وكذلك سلطة الامام والفقيه ومن يكون منصوبا من قبله بالنسبة إلى ما يقع تحت حكومتهم. وبالجملة لهذا العنوان هنا معنى وسيع، ومنه يظهر ان دائرة هذه القاعدة اوسع بمراتب من قاعدة اليد، وانها تكون حجة على الملكية فقط، ويستفاد من هذه القاعدة ما لا يستفاد من قاعدة اليد. وهنا فرق آخر بين القاعدتين وهو ان اليد في قاعدة اليد بنفسها دليل على الملكية، ولو لم يخبر بها صاحب اليد، واما ذو اليد في هذه القاعدة انما يعتبر اخباره بشرائطه، ومجرد كونه ذا اليد لا يكفي في اثبات شئ. إذا عرفت هذا فلنرجع إلى الاقوال في المسألة: * * *

[ 104 ]

" اقوال الفقهاء في مسألة حجية قول ذى اليد " هذه القاعدة كغيره من القواعد الفقهية لما لم يبحث عنه في كلماتهم مستقلا، وانما تكلموا فيها تبعا واستطرادا في طي المسائل الفقهية بعنوان الاستدلال على كثير من المسائل، وقد ذكرنا في في اول الكتاب ان المشكلة المهمة في القواعد الفقهية هي هذا المعنى، حيث لا يرى بحث مستقل عنها لا في الفقه ولا في الاصول ولم ينعقد لها باب الا في موارد قليلة، فحالها اشبه شئ بحال المشردين الذين لا يأوون دارا ولا يستقرون قرارا. وعلى كل حال، الناظر في ابواب الفقه يرى استدلالهم بهذه القاعدة في موارد كثيرة بحيث يظهر له منها ان الحكم لا يختص بباب دون باب، بل هي عندهم قاعدة عامة تشمل الابواب كلها الا ما خرج بالدليل. واليك نماذج من كلماتهم (ره). قال الشيخ قدس سره في الخلاف في كتاب " الزكاة ": إذا قال رب المال، المال عندي وديعة أو لم يحل عليه الحول قبل منه قوله، ولا يطالب باليمين، سواء كان خلافا للظاهر أو لم يكن، وقال الشافعي إذا اختلفا فالقول قول رب المال فيما لا يخالف الظاهر وعليه اليمين استحبابا (1). وقال ايضا في كتاب العارية: إذا اختلف صاحب الدابة والراكب وقال الراكب اعرتنيها، وقال صاحب الدابة اكريتكها، فان القول قول الراكب مع يمينه (2). وقال أيضا: إذا اختلف الزارع وصاحب الارض، وقال الزارع اعرتنيها، وقال صاحبها اكريتكها كان القول قول الزارع مع يمينه (3).


(1) الخلاف ج 1 كتاب الزكاة مسألة 27. (2) الخلاف ج 2 كتاب العارية مسألة 3. (3) الخلاف ج 2 كتاب العارية مسألة 4.

[ 105 ]

وقال ايضا: إذا اختلفا وقال صاحب الدابة غصبتها، وقال الراكب بل اعرتنيها فالقول قول الراكب (1). والزام ذي اليد باليمين في موارد التنازع لا ينافي حجية اخباره، كما ان حجية اليد ودلالتها على الملكية لا تنافي اليمين عند التداعي، فان اليمين حق المدعي على المنكر في باب القضاء، واما في غيره فهو حجة مجردا عن اليمين. واما عدم ذكر اليمين في المسألة الاخيرة في تنازع صاحب الدابة والراكب فالظاهر انه من باب الايكال على وضوحه والا فاليمين لازم في جميع هذه الابواب. وقال العلامة في " القواعد " في كتاب الطهارة: " ولو اخبر الفاسق بنجاسة مائه أو طهارته قبل " (2). وقال في باب الزكاة: " ويصدق المالك في الاخراج من غير بينة ولا يمين " (3). كما انه قال في ابواب القضاء: " وإذا كان في يده صغيرة فادعى رقيتها حكم له بذلك " (4). وجميع ذلك دليل على قبول قول ذي اليد بالنسبة إلى ما في يده، وان وردت في موارد خاصة. وقال في التذكرة في كتاب الزكاة: " إذا بعث الامام الساعي لم يتسلط على ارباب المال، بل يطلب منهم الحق ان كان عليهم، فان قال المالك اخرجت الزكاة أو لم يحل على مالي الحول أو ابدلته


(1) الخلاف ج 2 كتاب العارية مسألة 5. (2) القواعد كتاب الطهارة ص 7. (3) القواعد كتاب الزكاة ص 59. (4) القواعد كتاب القضاء ص 235.

[ 106 ]

صدقه " (1). وعدم حلول الحول وكذا عدم تعلق الزكاة وان كان موافقا للاصل الا ان اداء الزكاة لا يوافق الاصل فالمرجع فيه قبول قول ذي اليد. وقال صاحب الجواهر في كتاب الطهارة: " وكالبينة في القبول عندنا اخبار صاحب اليد المالك بنجاسة ما في يده، وان كان فاسقا، كما في المنتهى والقواعد والموجز وكشف الالتباس وظاهر كشف اللثام، بل عن الذخيرة انه المشهور بين المتأخرين، كما في الحدائق ان ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه... ثم استدل على ذلك بالسيرة المستمرة القاطعة واستقراء موارد قبول اخبار ذي اليد بما هو اعظم من ذلك من الحل والحرمة (2). وقال في الشرايع في كتاب الوكالة: إذا ادعى الوكيل التصرف وانكر الموكل مثل ان يقول بعت أو قبضت، قيل القول قول الوكيل، لانه اقر بما له ان يفعله، ولو قيل القول قول الموكل امكن ولكن الاول اشبه. واضاف في الجواهر: " باصول المذهب وقواعده " (3). ويمكن ان يكون المراد من اصول المذهب وقواعده قاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به كما صرح به في بعض كلماته، وقاعدة حجية قول ذي اليد. وقال في كتاب القضاء: " الصغير المجهول النسب إذا كان في يد واحد ادعى رقيته قضى بذلك ظاهرا وكذا لو كان في يد اثنين، بلا خلاف اجده فيه، وان كان الاصل فيه الحرية، الا ان


(1) تذكرة الفقهاء ج 1 كتاب الزكاة ص 241. (2) الجواهر ج 6 ص 176. (3) الجواهر ج 27 ص 434.

[ 107 ]

رقيته امر ممكن وقد ادعاه ذو اليد، ولا منازع له، فيحكم به، بل في التحرير والمسالك لا يلتفت إلى انكاره بعد البلوغ لسبق الحكم برقيته " (1). إلى غير ذلك مما هو كثير في كلماتهم في مختلف ابواب الفقه. وصرح المحقق اليزدي بحجية قول ذي اليد في الطهارة والنجاسة، سواء كان يملك أو اجارة أو اعارة أو امانة، بل أو غصب، وحجية قول الزوجة أو الخادمة إذا اخبرتا بنجاسة ما في ايديهم من ثياب الزوج أو ظروف البيت، وغير ذلك كما يظهر لمن راجعها. كما صرح المحقق الهمداني " رحمه الله " في طهارته بحجية اخبار صاحب اليد في النجاسة على المشهور، كما ادعاه بعض بل يظهر من غير واحد على ما حكى عنهم عدم الخلاف فيه، وعمدة المستند في اعتبار قول ذي اليد هي السيرة القطعية واستقرار طريقة العقلاء على استكشافها للاشياء، وتمييز موضوعاتها بالرجوع إلى من كان متوليا عليها متصرفا فيها (2). أدلة القاعدة عمدة ما يدل على حجية قول ذي اليد امران: الاخبار الخاصة الواردة في مختلف ابواب الفقه، بحيث يمكن ان يصطاد منها العموم. و " بناء العقلاء " على ذلك في جميع امورهم الا ما خرج بالدليل، وقد امضاه الشرع. ولنرجع إلى بيان كل منهما. * * *


(1) الجواهر ج 40 ص 476. (2) مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 610.

[ 108 ]

1 - الاخبار وهي كثيرة " منها " روايات عديدة وردت في ابواب الطهارة والنجاسة مثل ما يلي: 1 - ما رواه احمد بن محمد بن أبي نصر (البزنطي) قال سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يعلم أذكية ام غير ذكية؟ أيصلى فيها؟ فقال نعم ليس عليكم المسألة (الحديث) (1). وظاهره انه إذا سأل واخبره صاحب اليد بانه غير ذكية، يجب قبول قوله ولا يصلى فيه. اللهم الا ان يقال ان ذا اليد إذا اخبر بعدم التذكية يحصل الاطمينان بقوله لانه بصدد اصلاح امره، وتحسين متاعه، فهو لا يخبر بوجود العيب فيه الا إذا كان قطعيا. نعم بناءا على وجود جمع ممن يرى طهارة الميتة بالدباغة في السوق في تلك الايام يمكن دفع هذا الاشكال. واما اخباره بالتذكية فليس قبوله من باب قبول قول ذي اليد، بل من باب حجية سوق المسلمين المصرح به في صدر الرواية، اعني ان اخباره وعدم اخباره بالتزكية سيان إذا اشتراه من سوق المسلمين. 2 - ما رواه عبد الرحمن بن حجاج قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: اني ادخل سوق المسلمين، اعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام، فاشتري منهم الفراء للتجارة فاقول لصاحبها أليس هي ذكية؟ فيقول بلى، فهل يصلح لي ان ابيعها على انها ذكية؟ فقال: لا، ولكن لا بأس ان تبيعها وتقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه انها ذكية، قلت وما افسد ذلك؟ قال استحلال أهل العراق للميتة وزعموا ان دباغ جلد الميتة


(1) الوسائل ج 2 كتاب الطهارة ابواب النجاسات الباب 50 الحديث 3.

[ 109 ]

ذكاته (الحديث) (1). وهذا الحديث اظهر من سابقه، واسلم من بعض الاشكالات الذي مر فيه، لان الاعتماد فيه على اخبار ذي اليد لا على سوق المسلمين مضافا إلى عدم كون المورد مما يحصل اليقين فيه بالاخبار. 3 - ما رواه عبد الله بن بكير قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه، قال لا يعلمه، قال قلت فان اعلمه؟ قال يعيد (2). وذيل الحديث وان كان معارضا بما دل على عدم وجوب الاعادة لو اخبره، وهو رواية عيسى بن قاسم عن أبي عبد الله عليه السلام (3) ولكن هذا لا ينافي العمل بصدره حيث دل على قبول اخبار صاحب اليد، بناءا على قبول التفكيك في الاخبار من حيث العمل، أو يحمل بالاعادة على الاستحباب. ومنها ما ورد في ابواب الصيد والذبائح: مثل ما رواه محمد بن مسلم وغيره انهم سألوا أبا جعفر عليه السلام عن شراء اللحوم من الاسواق ولا يدري ما صنع القصابون، فقال كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه (4). فان النهي عن السؤال دليل على انه إذا سئل واخبر ذو اليد فقوله حجة، والا كان السؤال وعدمه سيان، وهو خلاف ظاهر الرواية. ومنها ما ورد في ابواب الاطعمة والاشربة: 1 - ما رواه بكر بن حبيب قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الجبن وانه توضح


(1) الوسائل ج 2 كتاب الطهارة ابواب النجاسات الباب 61 الحديث 4. (2) الوسائل ج 2 كتاب الطهارة ابواب النجاسات الباب 47 الحديث 3. (3) الوسائل ج 2 كتاب الطهارة ابواب النجاسات الباب 47 الحديث 4. (4) الوسائل ج 16 كتاب الصيد والذبائح ابواب الذبائح الباب 29 الحديث 1.

[ 110 ]

فيه الانفحة من الميتة، قال لا تصلح، ثم ارسل بدرهم فقال اشتر من رجل مسلم ولا تسأله عن شئ " (1) ودلالته على المطلوب بعين ما مر في سابقه. 2 - ما رواه حماد بن عيسى قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول كان أبي يبعث بالدراهم إلى السوق، فيشتري بها جبنا ويسمي ويأكل ولا يسأل عنه (2). ومنها ما ورد في ابواب الزكاة من تصديق قول رب المال في عدم تعلق الزكاة بماله، أو ادائه بعد تعلقه. مثل ما رواه غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه عليه السلام قال: " كان علي عليه السلام إذا بعث مصدقة قال له إذا اتيت على رب المال فقل تصدق رحمك الله مما اعطاك الله، فان ولى عنك تراجعه " (3) فان التولي هنا بمنزلة جوابه بنفي تعلق الزكاة بماله أو ادائه بعد تعلقه. وما رواه بريد بن معاوية قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " بعث أمير المؤمنين عليه السلام مصدقا من الكوفة إلى باديتها فقال له:.. - إلى ان قال - فان قال لك قائل لا، فلا تراجعه.. والحديث طويل اخذنا منه موضع الحاجة (4). ورواه السيد السند الرضي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام بعبارات اخرى (5). ومنها ماروي في ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة في باب بيع الدهن


(1) الوسائل ج 17 كتاب الاطعمة والاشربة ابواب الاطعمة المباحة الباب 61 الحديث 4. (2) الوسائل ج 17 كتاب الاطعمة والاشربة ابواب الاطعمة المباحة الباب 61 الحديث 8. (3) الوسائل ج 6 كتاب الزكاة ابواب المستحقين للزكاة الباب 55 الحديث 1. (4) الوسائل ج 6 كتاب الزكاة ابواب زكاة الانعام الباب 14 الحديث 1. (5) نهج البلاغة ابواب رسائله الرسالة 25.

[ 111 ]

المتجنس. مثل ما عن معاوية بن وهب وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام: " في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك فقال بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به " (1). وما عن اسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد الله عليه السلام - إلى ان قال - اما الزيت فلاتبعه الا لمن تبين له فيبتاع للسراج " (2). فانهما ظاهرتان في ان تبيين البايع واخباره حجة للمشتري، نعم يرد عليهما ما اشرنا إليه سابقا من ان اخبار ذي اليد إذا كان فيما فيه ضرره فهو يوجب القطع أو الاطمينان غالبا. ومنها ما ورد في ابواب نكاح العبيد والاماء وقبول قول البايع في انها غير موطوئة. مثل ما رواه زرارة قال اشتريت جارية بالبصرة من امرأة فخبرتني انه لم يطأها احد، فوقعت عليها ولم استبرئها فسألت عن ذلك أبا جعفر عليه السلام قال: هو ذا، قد فعلت ذلك وما اريد ان اعود (3). وظهور ذيله في الكراهة لعله من جهة غلبة كون الاماء موطوئة ذاك اليوم. ولا ينافي ذلك ما ورد في هذا الباب من تقييد قبول خبر البايع بكونه صادقا، أو مامونا، لامكان استناده إلى ما عرفت من الغلبة وظهور الحال في الاماء، فراجع الباب " 6 " من ابواب نكاح العبيد والاماء ترى فيها ما يدل على ان هذا القيد انما هو لرفع الكراهة فتأمل. ومنها ما ورد ايضا في ابواب التجارة، في باب جواز الشراء على تصديق البايع في الكيل من دون اعادته:


(1 و 2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب ما يكتسب به الباب 6 الحديث 4 و 5 (3) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب نكاح العبيد والاماء الباب 7 الحديث 2.

[ 112 ]

مثل ما رواه محمد بن حمران قال قلت لابي عبد الله عليه السلام اشترينا طعاما فزعم صاحبه انه كاله، فصدقناه واخذناه بكيله، فقال: لا بأس. فقلت ايجوز ان ابيعه كما اشتريته بكيل؟ قال لا، اما انت فلا تبعه حتى تكيله (1) حيث دل على جواز الاعتماد على اخبار صاحب اليد بانه قد كاله، وأما عدم جواز بيعه بعد ذلك بغير كيل فلعله من جهة ان ظاهر حال البايع انه قد كاله بنفسه أو محمول على الاستحباب. وما رواه سماعة قال سألته عن شراء الطعام وما يكال ويوزن، هل يصلح شرائه بغير كيل ولا وزن، فقال اما ان تأتي رجلا في طعام قد كيل ووزن تشتري منه مرابحة فلا بأس ان اشتريته منه ولم تكله ولم تزنه، إذا كان المشتري الاول قد اخذه بكيل أو وزن وقلت له عند البيع اني اربحك كذا وكذا وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس (2). والكيل والوزن هنا وان كان مفروض الوجود في الرواية، ولكن العلم على مقداره لا يكون الا من ناحية اخبار ذي اليد والاعتماد عليه. وما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الطعام، اشتريه منه بكيله واصدقه؟ فقال لا بأس، ولكن لا تبعه حتى تكيله (3). إلى غير ذلك مما يدل على هذا المعنى. ومنها ما ورد في ابواب الزكاة ايضا في كفاية الاعتماد على قول المالك في ابواب المضاربة بانهم ادوا زكاته: مثل ما رواه سماعة قال سألته عن الرجل يكون معه المال مضاربة هل عليه في ذلك المال زكاة إذا كان يتجر به؟ فقال ينبغي له ان يقول لاصحاب المال زكوه، فان قالوا انا نزكيه، فليس عليه غير ذلك وان هم امروا بان يزكيه فليفعل (4).


(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب عقد البيع وشروطه الباب 5 الحديث 4. (2 و 3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب عقد البيع وشروطه الباب 5 الحديث 7 و 8 (4) الوسائل ج 6 كتاب الزكاة ابواب ما تجب فيه الزكاة الباب 15 الحديث 1.

[ 113 ]

نعم يمكن الايراد عليه بان اخبار ذي اليد هنا محفوف بفعل المسلم وتصرفاته ولو بالواسطة ومقتضى حمل فعل المسلم على الصحة كون هذه التصرفات مباحة اخبر أو لم يخبر. فهذه ستة عشر رواية والاخبار في ذلك كثيرة جدا وهي وان وردت في موارد خاصة الا انه يمكن استفادة العموم منها بعد الغاء الخصوصية عنها قطعا. * * * 2 - بناء العقلاء وهذه القاعدة مثل جل القواعد الفقهية أو كلها عقلائية قبل ان تكون شرعية، وفي الحقيقة الشارع امضاها لا انه اسسها. ويظهر ذلك بالرجوع إلى أهل العرف والعقلاء، فانهم يعتمدون على اخبار ذي اليد، سواء كان مالكا أو وكيلا أو اجيرا أو وليا، أو غير ذلك من انحاء التسلط على مال، أو انسان صغير، أو شبه ذلك، ويحتجون بذلك في المخاصمات ما لم يكن ذو اليد متهما في قوله، ولا يشترطون في ذلك العدالة أو الوثاقة المعتبرة في حجية خبر الواحد على نحو العموم، وهذا امر ظاهر لمن راجعهم واختبر احوالهم. وحيث ان الشارع لم يمنع منه بل امضاه - كما عرفته - في موارد كثيرة، يمكن الاعتماد عليه كقاعدة شرعية ويظهر ذلك ايضا من كلمات الفقهاء التي مر عليك ذكرها عنه نقل الاقوال في هذه المسألة. * * * " بقى هنا امور " الاول: حجية قول ذى اليد هل هي من الامارات أو من الاصول؟ قد عرفت آنفا ان هذه القاعدة من القواعد العقلائية، والشارع امضاها، ومن

[ 114 ]

الواضح ان اعتماد العقلاء عليها ليس من باب التعبد المحض، لانقول ان التعبد في امور العقلاء غير معقول - كما ذكره بعض محققي المتأخرين - بل نقول ان التعبد في ما بينهم وان كان معقولا مثل تعبدهم بالقرعة، فانها لا كاشفية لها عن الواقع عندهم بل قد لا يكون في موردها واقعا مجهولا، تكشف عنه القرعة كما في موارد قسمة الاموال بين الشركاء، ولكن ما نحن فيه ليس من التعبد بل الظاهر انهم يعتمدون على قول ذي اليد بما انه كاشف عن الواقع وامارة عليه، لانه اعلم واعرف بما في يده من غيره. والحاصل ان جميع الخصوصيات الموجوة في الامارات موجودة هنا، فان ذا اليد غالبا ابصر بما في يده من غيره، فيكون اخباره عنه كاشفا عن الواقع المجهول. الثاني: هل يعتبر فيه العدالة أو الوثاقة؟ لا يخفى على الناظر في اخبار الباب ان اطلاقها ينفي اعتبار العدالة والوثاقة، وظاهرها قبول قول ذي اليد سواء كان عادلا أو ثقة اولا، وهكذا فتاوى الاصحاب مطلقة من هذه الجهة، حتى ان بعضهم تردد في اعتبار الاسلام فيه، واحتمل قبول قوله وان كان كافرا، بل افتى بعضهم باعتباره مطلقا. قال المحقق اليزدي في العروة: " لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين ان يكون فاسقا أو عادلا بل مسلما أو كافرا " (1) وقرره على ذلك كثير من المحشين وان تأمل فيه بعضهم. ويؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه عدم اعتبار شئ من هذه القيود في بناء العقلاء عليه، الذي قد عرفت انه الاصل في هذه المسألة. نعم يستثنى من ذلك ما إذا كان ذو اليد متهما في مقالته، أو يكون هناك قرائن


(1) العروة الوثقى طريق ثبوت النجاسة المسألة 12.

[ 115 ]

ظنية تدل على كذبه، وان لم تبلغ حد الحجية، أو يكون ظاهر حاله مكذبا لقوله، فان بناء العقلاء على حجية امثالها بعيد جدا، واخبار الباب ايضا منصرفة عنها. مثل ما إذا كان المخبر ممن لا يبالي في اخباره، أو كان الخبر بالطهارة مثلا في موارد استصحاب النجاسة يجلب له نفعا كثيرا، وقد علمنا كذبه في مثل هذا الخبر في غير مورد، فان الاعتماد على اخباره مشكل جدا بل ممنوع. ويدل عليه ما ورد في ابواب احكام العصير عن معاوية بن عمار قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من اهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج، ويقول قد طبخ على الثلت، وانا اعرف انه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال لا تشربه، قلت فرجل من غير اهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث، ولا يستحله على النصف، يخبرنا ان عندنا بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقى ثلثه يشرب منه؟ قال نعم (1). وحاصل الحديث ان البختج - وهو العصير المطبوخ - إذا أتى به من يشربه بغير الثلثان بل بالنصف ولكن اخبر بانه ذهب ثلثاه لا يقبل قوله، وان كان مؤمنا عارفا بالامامة، لان فعله يكذب قوله، واما إذا أتى به من يشربه على الثلث واخبر بذلك يقبل قوله، وان كان من غير اهل الايمان، لعدم تكذيب قوله فعله، فيستفاد منه عدم الاتهام اولا وعدم اعتبار الايمان ثانيا. وتخصيص بعضهم هذا الحديث بمورده، وعدم التعدي عنه إلى كل متهم في اخباره، أو حمله على خصوص من يكون سبب اتهامه تكذيب فعله قوله بعيد جدا، بعد ما عرفت في ادلة المسألة، بل الظاهر ان مورد الحديث فرع من فروع اتهام المخبر ومصداق من مصاديقه الكثيرة. ومن هنا يظهر ان ما ورد في غير واحد من الاخبار من اعتبار الاسلام والمعرفة


(1) الوسائل ج 17 كتاب الاطعمة والاشربة ابواب الاشربة المحرمة الباب 7 الحديث 4

[ 116 ]

أو الايمان والورع في من يخبر عن العصير المطبوخ على الثلث - كما في قوله فيما رواه علي بن جعفر عن أخيه قال سألته عن الرجل يصلي إلى القبلة لا يوثق به أتى بشراب يزعم انه على الثلث، قال لا يصدق الا ان يكون مسلما عارفا (1) - انما هو ناظر إلى موارد التهمة، فان امر العصير كان عندهم مشوشا جدا، اختلفت آراء الفقهاء فيه، كما اختلف اعمال الناس فيه، ففي مثل هذه الموارد لا يمكن الركون الا إلى المؤمن الورع، لان غيره مظنة الاتهام. ويدل على ما ذكرنا ايضا ما رواه اسماعيل بن عيسى عن أبي الحسن عليه السلام في جواب سؤاله عن جلود الفراء يشتريها الرجل من اسواق المسلمين يسأل عن ذكاته إذا كان البايع غير عارف؟ قال: عليكم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه (2). فان ظاهره كفاية اخبار المشركين عن ذكاة الجلود، والاعتماد على اخبارهم (ما لم يكونوا متهمين). الثالث: تعارض الامارة واخبار ذي اليد: إذا تعارض اخبار ذي يد البينة، فهل تتساقطان، أو تقدم البينة على قول ذي اليد؟ الظاهر تقديمها عليه لا لقصور ادلة حجية قول ذي اليد كما قيل (3) بل من جهة كون البينة اقوى منه، ولذا تقدم البينة على نفس اليد في ابواب القضاء والدعاوي، بل لو لم تقدم البينة على اليد لم يبق لمدعي الملكية في مقابل الغاصب دليل غالبا فتقديمه على اخبار صاحب اليد بطريق اولى، وعليه جرت سيرة العقلاء فيما بينهم


(1) الوسائل ج 17 كتاب الاطعمة والاشربة ابواب الاشربة المحرمة الباب 7 الحديث 7. (2) الوسائل ج 2 كتاب الطهارة ابواب النجاسات الباب 50 الحديث 7. (3) قاله في المستمسك ج 1 في شرح المسألة 7 من ماء الحمام.

[ 117 ]

من حجية قول ذي اليد. لكن هذا إذا كانت البينة مستندة إلى العلم فلو كانت مستندة إلى الاصل فلا تكون اقوى، فيقدم قول ذي اليد عليها إذا كان قوله مستندا إلى علمه فتدبر. وإذا تعارض قول ذي اليد مع ذي اليد الاخر كما في الشريكين المسلطين على شئ واحد، يخبر هذا بانه نجس والاخر بانه طاهر، أو تعارض قول صاحب اليد الموجودة لقول صاحب اليد الذي كان سابقا، كما إذا اخبر اخبر من بيده الدهن اليوم بانه طاهر، واخبر من كان بيده امس انه نجس. اما الاول فلا شك في تساقطهما بعد التعارض وعدم الترجيح. واما إذا تعارض اخبار ذي اليد القديمة مع ذي اليد الجديدة الحالية فهل يقدم قول الاول أو الثاني؟ الظاهر تقديم قول الثاني لانه ذو اليد فعلا، نعم لو اخبر بان العين كانت نجسة في الامس مثلا حينما كان تحت يده، وكان صاحب اليد فعلا مخبرا بطهارته بناء على عدم علمه بالنجاسة من باب اصالة الطهارة، فتقديم قول السابق غير بعيد، كما انه لو اخبر صاحب اليد الجديدة بانه طهره لاشك في تقديم قوله على صاحب اليد القديمة لعدم المنافاة بينهما. وهذه المسألة من بعض الجهات تشبه ما ذكروه في كتاب القضاء في تداعي شخصين على عين واحدة، احدهما صاحب اليد فعلا، وقامت البينة بكون الاخر صاحب اليد امس، وان كان تخالفه من بعض الجهات (1).


(1) راجع جامع الشتات ج 2 ص 652 والجواهر ج 40 ص 452.

[ 119 ]

5 - قاعدة الحيازة (من حاز ملك) * سببية الحيازة للملك * مدرك القاعدة من بناء العقلاء * مدركها من السنة * بماذا تحقق الحيازة؟ * هل يعتبر في الحيازة القصد أو لا؟ * هل يجوز التوكيل والاستيجار في الحيازة أو لا؟ * هل للحيازة حد؟

[ 121 ]

قاعدة الحيازة سببية الحيازة للملك المعروف بين العلماء ان من حاز شيئا ملكه، حتى جعلوها قاعدة مستقلة برأسها واستدلوا بها على الملكية في موارد مختلفة، تحت عنوان " من حاز ملك " وستعرف ان شاء الله انه لم يرد بهذا العنوان نص خاص، بل اصطادوها من نصوص مختلفة، واردة في ابواب الفقه، ولكن لم نر من تعرض لهذه القاعدة مستقلا، بل وقعت الاشارة منهم إليها في طيات المسائل المختلفة. قال المحقق (قدس سره) في " كتاب الشركة " من " الشرايع ": " والاشبه في الحيازة اختصاص كل واحد بما حازه " (1). وقال في آخر " كتاب الشركة ": " التاسعة: إذا استأجر للاحتطاب أو الاحتشاش أو الاصطياد مدة معينه صحت الاجارة ويملك المستأجر ما يحصل من ذلك في تلك المدة " (2). ولكن عد الالتقاط والاحتطاب والاحتشاش في كتاب الوكالة، مما لا تصح النيابة فيه. ولا يخفى التهافت بين كلاميه في كتابي الوكالة والاجارة.


(1) الشرايع كتاب الشركة ص 374 (طبع دار الهدى). (2) الشرايع كتاب الشركة ص 380 (طبع دار الهدى).

[ 122 ]

وقال في " المسالك " في " كتاب الشركة ": " والاشبه في الحيازة اختصاص كل واحد بما حازه من الحيازة " (1). وسيأتي الكلام ان شاء الله مستقصى في معنى الحيازة، وانها هل هي مجرد السلطة على شئ من دون الحاجة إلى النية، أو انها امر قصدي مضافا إلى السلطة لا يصح الا للمباشر، أو هي سلطة مع النية ولكن تقبل الوكالة والنيابة، وتصح من المباشر وغير المباشر، أو انها تابعة لملك المنافع فمن ملك منفعة انسان بالاجارة أو غيرها تملك ما حازه، قصد ام لا لم يقصد. ولكن يتم هذا البحث بعد بيان مدارك القاعدة وتحقيق مؤداها فنقول ومن الله نستمد التوفيق: * * * " مدرك القاعدة " الاول: بناء العقلاء وهذه القاعدة كغيرها من القواعد الفقهية متخذة من بناء العقلاء، امضاها الشارع مع قيود، أو بغير قيد، فلنرجع اولا إلى بناء العقلاء في ذلك ونقول: ان الله خلق الانسان واودع فيه ودايع قيمة ليعبده ويتقرب إليه، وبما انه مركب من الجسم والروح خلق له في الارض ما يتقوى به جسمه، فقال تعالى: " هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا " (2) فرخص له الانتفاع بمواهبها والتمتع من نعمها، وإذا راجعنا إلى ابتداء خلق الانسان في الارض نرى انه لم يكن مالكا لشئ ثم اختص باشياء ولم يكن ذلك الا من طريق الحيازة.


(1) السمالك ج 1 كتاب الشركة ص 274. (2) البقرة: 29.

[ 123 ]

فكل من يسيطر على شئ ويحوزه، من منابع الارض ومواهبها يرى لنفسه اختصاصا بها ولها اختصاصا به ومن هنا نشأت عنوان الملكية. وقد كان كثير من الاشياء الموجودة على الارض لا يمكن الانتفاع بها قبل اصلاحها واعمال عليها فكان يعمل فيها بما يصلحها ويعدها لحوائجه، فكان العمل سببا آخر للملكية. ومن هنا يعلم ان جميع الاملاك الموجودة للانسان ترجع إلى احد هذين السببين: " الحيازة " و " العمل " فلولا الحيازة أو العمل لم يكن ملك، وهذا اوضح دليل على ان الحيازة من اسباب الملك، لان جميعها بالمآل يرجع إليه. ثم بعث الله الرسل وانزل الكتب السماوية لهداية الانسان إلى غاية خلقه، وايصاله إلى كمال مطلوبه، واصلاح امور معاشه ومعاده. وهم قرروا لامم على كثير من امورهم العقلائية، ومنها الحيازة، فلم ينكر احد منهم سببية الحيازة للملك، وكذا سببية العمل له. نعم ذكروا لها شروطا وقيودا اجتنابا من مفاسدها، وتكميلا لمصالحا. إلى ان جاء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وانزل عليه القرآن، فهو ايضا قرر امته على ذلك ولم يمنع منه بل أثار في نفوسهم الشوق إلى احياء الارض، وحيازة منابعها، ومواهبها وصرفها في المعروف وما يكون فيه رضا الرب. وهذه السيرة العقلائية من اقوى السير، ومن اقدمها، فهي احرى بالحجية من غيرها. كما ان امضاء الشرع لها اظهر من الجميع، فقد كان حيازة المباحات طول الليل والنهار، وفي جميع ايام السنة، بمرئى من الشارع وبمسمعه، ولم ينكر على احد في ذلك بل أكده وجرى عمله وعمل اصحابه عليه، فإذا لا يبقى اي شك في كون الحيازة - على اجمالها - سببا للملك.

[ 124 ]

2 - السنة الحق كما صرح به بعضهم ان تعبير ب‍ " من حاز ملك " لم يوجد في شئ من روايات العامة ولا الخاصة، وان كان يظهر من بعض كلمات الفقيه الماهر صاحب الجواهر (قدس سره) ان هذه العبارة من اقوال المعصومين (1) ولكن يمكن حملها - بقرينة ما عرفت - على كون هذه القاعدة الكلية مصطادة من رواياتهم الخاصة فتأمل. واذ قد عرفت هذا فاعلم ان هناك روايات كثيرة واردة في ابواب الحيازة و احياء الموات، مما يدل عموما أو خصوصا على هذا الحكم الكلي. 1 - منها ما عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا قال رسول الله صلى الله عليه وآله " من احيى ارضا مواتا فهى له " (2). إلى غير ذلك مما ورد في " باب احياء الاراضي الموات " وقد جمعها صاحب الوسائل في الباب الاول من كتاب احياء الموات. والتعبير فيها وان كان بالاحياء، الا انه من باب ان الحيازة في الاراضي لا تكون الا بالاحياء، أو ان الشارع اضاف الاحياء إلى الحيازة فيها، وعلى كل حال فهي تدل على ان الحيازة مطلقا بناءا على انها لا تكون في الاراضي الا بالاحياء، أو مقيدا بالاحياء بناءا على كون الاحياء اخص منه، سبب للملكية. وما قد يقال من ان الاحياء في الاراضي لا يوجب الملك، بل يوجب حق الاولوية نظرا إلى ما ورد في بعض روايات الباب من التعبير بقوله: " فهم احق بها " مما لا يصغى إليه لان الجمع بينهما يقتضي حمل الحق على الملك هنا، وتمام الكلام في هذا المعنى في محله.


(1) راجع الجواهر ج 26 ص 291 (كتاب الشركة). (2) الوسائل ج 17 كتاب احياء الموات الباب 1 الحديث 5 و 6.

[ 125 ]

2 - منها ما ورد في " ابواب اللقطة " مثل ما عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال من اصاب مالا أو بعيرا في فلات من الارض قد كلت وقامت وسيبها صاحبها مما لم يتبعه، فاخذها غيره فاقام عليها، وانفق نفقته، حتى احياها من الكلال، ومن الموت، فهي له، ولا سبيل له عليها، وانما هي مثل الشئ المباح (1). وقوله عليه السلام في ذيل الحديث: " انما هي مثل الشئ المباح " دليل على عدم اختصاص الحكم بالدابة المرسلة في الفلوات التي اعرض عنا صاحبها فاخذها غيرها وانفق عليها حتى احياها من الموت، بل يشمل هذا الحكم كل مباح قد حازه انسان وان الحيازة توجب الملكية مطلقا. 3 - مثله رواية اخرى عن مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال ان أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول في الدابة إذا سرحها اهلها، أو عجزوا عن علفها أو نفقتها، فهي للذي احياها (2). ولكن لم يرد في ذيلها الكبرى الكلية التي ورد في ما قبلها. بل يظهر مما ورد في ذيل هذه الرواية وهو قوله " ان كان تركها في كلاء وماء وأمن فهي له يأخذها متى شاء، وان كان تركها في غير كلاء ولا ماء فهي لمن احياها " انه يكفي في مقام الاثبات عند التنازع والتعارض ترك الدابة في غير ماء ولا كلاء، فهو دليل الاعراض في الظاهر، فيصير من قبيل المباحات الاصلية فهو لمن احياه، وعلى كل حال لا ينبغي الريب في الغاء الخصوصية من مورد الرواية. 4 - ومثله ما رواه السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام ان أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل ترك دابته من جهد، فقال ان تركها في كلاء وماء وأمن فهي له يأخذها حيث اصابها، وان تركها في خوف وعلى غير ماء ولا كلاء فهي لمن اصابها (3).


(1) الوسائل ج 17 كتاب اللقطة الباب 13 الحديث 2. (2) الوسائل ج 17 كتاب اللقطة الباب 13 الحديث 3. (3) الوسائل ج 17 كتاب اللقطة الباب 13 الحديث 4.

[ 126 ]

5 - ومنها ما ورد في ابواب اللقطة ايضا في باب حكم صيد الطير المستوي الجناح وغيره، مثل ما عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام انه سأله عن رجل ابصر طير فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل آخر فأخذه قال: للعين ما رأت ولليد ما أخذت! (1). والمعنى - والله العالم - ان مجرد الابصار لا يكون مصداقا للحيازة، فحظ العين هو الرؤية فقط، والحيازة انما هي بالاخذ فمن اخذها فهو له، لان الحيازة حاصلة به فهو لاخذه. وهذا حديث عام دال على ملكية المباحات بأخذها، والسلطة عليها وحيازتها. 6 - ومثله في خصوص الطير ما عن احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل يصيد الطير الذي يسوى دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين، وهو يعرف صاحبه أيحل له امساكه؟ فقال إذا عرف صاحبه رده عليه، وان لم يكن يعرفه وملك جناحه فهو له، وان جاءك طالب لا تتهمه رده إليه (2). دل على ان الطير الذي يصيده الانسان حيا على اقسام: تارة لا يستوي جناحاه، والظاهر انه بمعنى قطع شئ من جناحيه، بالمقراض حتى لا يقدر على الفرار، وهو امارة الملكية لغيره، فلا يجوز أخذه بعنوان الملكية، ويجب على آخذه رده إلى صاحبه مهما وجده. واخرى يستوى جناحاه، وليس عليه امارة الملك، فيأخذه ولكن ان عرف صاحبه فعليه ايضا رده إليه. وثالثة يستوي جناحاه ولكن يجئ طالب يطلبه ممن لا يكون متهما في قوله فاللازم رده إليه.


(1) الوسائل ج 17 كتاب اللقطة الباب 15 الحديث 2. (2) الوسائل ج 17 كتاب اللقطة الباب 15 الحديث 1.

[ 127 ]

ورابعة لا يعرف له صاحبا وهو مالك لجناحيه ليس عليه امارة الملك فيأخذه وهو له. وعلى كل حال هذه الرواية تدل دلالة صريحة على ان الطير لو كان في الواقع من المباحات الاصلية يملكه آخذه. 7 - وفي معناه روايات أخر عمل بها الاصحاب، وافتوا بها، مثل ما عن زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام قال إذا ملك الطائر جناحه فهو لمن أخذه (1). 8 - وما عن اسماعيل بن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: الطائر يقع على الدار فيؤخذ، أحلال هو أم حرام لمن اخذه؟ قال: يا اسماعيل! عاف أم غير عاف؟ قلت: وما العافي؟ قال المستوي جناحاه، المالك جناحيه يذهب حيث شاء، قال هو لمن أخذه حلال (2). 9 - وفي معناه رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام (3). 10 - ورواية أخرى لزرارة عنه عليه السلام (4). 11 - وما رواه البزنطي عن اسحاق بن عمار عنه عليه السلام أيضا (5). وقال صاحب الجواهر في مسألة الثامنة من مسائل أحكام الصيد لم أجد خلافا بين الاصحاب في ان الطير إذا صيد مقصوصا لم يملكه الصائد، ومفهومه حصول الملك بالحيازة إذا لم يكن على الطائر اثر يدل على كونه ملكا لاخر كما صرح بذلك فيما بعده (6). وهناك طائفة أخرى من الروايات وردت في ابواب اللقطة فيمن وجد جوهرة


(1) الوسائل ج 16 كتاب الصيد والذبائح ابواب الصيد الباب 37 الحديث 1. (2) الوسائل ج 16 كتاب الصيد والذبائح ابواب الصيد الباب 37 الحديث 2. (3 و 4 و 5) الوسائل ج 16 كتاب الصيد والذبائح ابواب الصيد الباب 37 الحديث 3 و 5 و 6. (6) الجواهر ج 36 ص 226.

[ 128 ]

في جوف سمكة أو حيوان آخر وانها لمن وجدها. 12 - مثل ما عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: ان رجلا عابدا من بني اسرائيل كان محارفا فأخذ غزلا فاشترى به سمكة فوجد في بطنها لؤلؤة فباعها بعشرين الف درهم، فجاء سائل فدق الباب، فقال له الرجل ادخل فقال له خذ أحد الكيسين، فأخذ أحدهما وانطلق، فلم يكن باسرع من ان دق السائل الباب، فقال له الرجل ادخل فدخل فوضع الكيس في مكانه، ثم قال كل هنيئا مريئا أنا ملك من ملائكة ربك، انما أراد ربك ان يبلوك فوجدك شاكرا، ثم ذهب (1). 13 و 14 و 15 - وفي معناه ما رواه حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام والزهري عن علي بن الحسين عليه السلام وما روي مرسلا في تفسير الامام الحسن العسكري (2). 16 - وما عن عبد الله بن جعفر الحميري قال سألته عليه السلام في كتاب، عن رجل اشترى جزورا أو بقرة أو شاة أو غيرها للاضاحي أو غيرها فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جواهر أو غير ذلك من المنافع لمن يكون ذلك؟ وكيف يعمل به؟ فوقع عليه السلام عرفها البايع فان لم يعرفها فالشئ لك، رزقك الله اياه (3). وقد افتى به الاصحاب بل ادعى الاجماع عليه في الجملة، ولكن انما يكون داخلا فيما نحن فيه بالنسبة إلى الجوهرة إذا لم يجر عليها يد انسان، وبقيت على اباحتها الاصلية، أو شك في ذلك، واما بالنسبة إلى الدراهم والدنانير وكذا الجوهرة التي جرت عليها يد انسان فهو داخل في احكام اللقطة لا حيازة المباحات، وتمام الكلام في ذلك في كتاب اللقطة، ولكنها كافية لاثبات ما نحن بصدده. والمتحصل من جميع ذلك عدم الشك في كون الحيازة من اسباب الملك إذا


(1) الوسائل ج 17 ابواب اللقطة الباب 10 الحديث 1. (2) الوسائل ج 17 ابواب اللقطة الباب 10 الحديث 2 و 4 و 5. (3) الوسائل ج 17 ابواب اللقطة الباب 9 الحديث 3.

[ 129 ]

تعلقت بالمباحات الاصلية، أو ما في حكم المباح، كالملك الذي اعرض عنه صاحبه وجعله كالمباح الاصلي، وفتاوى الاصحاب في ابواب الصيد والذباحة، وكذا ابواب اللقطة في موارد مختلفة شاهدة على كون الحكم مجمعا عليه بينهم. * * * بقى هنا امور الاول: بماذا تتحقق الحيازة قد عرفت ان الحيازة امر عقلائي قبل ان تكون شرعيا، وقد امضاها الشارع المقدس، فلابد من اخذ معيارها من بناء العرف والعقلاء، وهذا يختلف باختلاف الموارد، ففي مثل الارض الزراعي حيازتها، احياها للزراعة، بالتقاط احجارها، واجراء مائها، وحفر المسناة وغير ذلك مما هو لازم في الزراعة. وأما بالنسبة إلى ارض الدار فحيازته بناء حيطانه، وهل يعتبر فيها بناء السقف ونصب الابواب؟ فيه كلام معروف عندهم في كتاب احياء الموات، ليس هنا موضع ذكره. واما ان كان للحظيرة فالمعروف بل ادعي عدم الخلاف فيه انه يقتصر على الحائط من دون السقف، وليس تعليق الباب شرطا له بل ادعي الاجماع عليه. ولكن الظاهر انه ليس شئ من هذا من الامور التوقيفية تطلب من الاجماع وامثاله، بل الظاهر انهم اعتمدوا في هذه الامور على صدق الحيازة والاستيلاء عليها عرفا. وأما بالنسبة إلى الحيوان فحيازتها أخذها أو صيدها بحيث لا يقدر على الفرار ولو لم يأخذها بعد، فلو ان صيادا رمى طائرا أو حيوانا من حيوانات البر فجرحه بحيث لم يقدر على الفرار كان في حيازته، ولا يجوز لمن وجده اخذه، بل عليه

[ 130 ]

تسليمه للصياد لو اخذه، وقد عرفت ما ورد في بعض الروايات من ان " للعين ما رأت ولليد ما اخذت ". وأما بالنسبة إلى السمك ونحوه من صيد البحر فيكفي وقوعه في الشبكة، لصدق الحيازة عليها عرفا، وان لم يرد هذا العنوان في روايات الباب، ولكن قد عرفت انه مصطاد من مجموعها، فما دام السمك في الشبكة لا يجوز اخذه، نعم لو فر منها عاد إلى المباحات الاصلية ويجوز لكل احد صيده. وبالنسبة إلى اللؤلؤة يكفي اخذها بعد الغوص، أو ربطها بشئ في قعر البحر لاخراجها منه، أو جعلها في محفظة متصلة بحبل معد لاخراجها وان لم تخرج بعد. وفي الماء اخذه من النهر أو البحر أو اخراجه منه بالمكينات إلى المخازن، أو الانهار، فان ذلك كاف عند اهل العرف والعقلاء في الحيازة، وفي الطاقة الكهربائية المأخوذة من الماء يكفي نصب المكينات عند الانهار التي تنزل من فوق، ولا يجوز لغيره مزاحمته فيه بعد سيطرته على المحل والموقف. وبالجملة الحيازة في كل مورد بحسبه، ورب شئ يكون مصداقا لها في مورد ولا يكون مصداقا لها في مورد آخر، ولها تفاصيل مذكورة في كتاب احياء الموات وكتاب اللقطة والصيد، وهي ان لم يكن بهذا العنوان لكن يستفاد منها ما يتعلق بالمقام والغرض هنا الاشارة إلى القواعد الكلية واما خصوصياتها فيطلب من مظانها. قال في الجواهر: " ان الاصطياد يتحقق بامرين: احدهما ازهاقه بالالة... والثاني اثباته كما إذا صيده الرامي غير ممتنع، بان يجرحه جراحة مزهقة، أو يرميه بما يثخنه أو يزمنه، أو يكسر جناحه، بحيث يعجز عن الطيران والعدو جميعا، أو بان يقع في شبكته المنصوبة له ولو بان طرده طارد حتى اوقعه فيها، أو يرسل عليه كلبا أو غيره مما له يد عليه فيثبته بعقر أو غيره، أو بان يلجأ إلى مضيق لا يقدر على الافلات منه، كما لو ادخله إلى بيت ونحوه، وغير ذلك مما يحصل به الاستيلاء،

[ 131 ]

على وجه يصدق عليه انه في حوزته وقبضته وتحت يده، فمتى كان كذلك ملكه وان لم يقبضه القبض الحسي، وحينئذ فلو اخذه غيره لم يملكه.. ووجب دفعه إلى الاول الذي هو مالكه بالسبب الذي عرفت " (1). ونظير ذلك من بعض الجهات ما ذكره الشهيد الثاني في المسالك في كتاب الصيد (2). * * * الثاني: هل يعتبر في الحيازة القصد أو لا؟ لا ينبغي الشك في اعتبار القصد فيها في الجملة، ومجرد الاخذ بدونه غير كاف، ومما يدل على ذلك بوضوح - مع انه موافق لبناء العقلاء في ذلك - ما مر من روايات وجدان اللؤلؤة في جوف السمكة وانه لمن وجده وان جرت عليه يد الصياد قبل ذلك، ولكن لما لم يعلمه ولم يقصد حيازته لم يدخل في ملكه. وهكذا الكلام في وجدان الكنوز فانها وان لم تكن من المباحات الاصلية الا انه تشبهها من بعض الجهات، فان من الواضح انه لا يملكها كل من جرت يده عليها بلا علم منه، وان المالك للكنز هو من وجده في داره وقصد تملكه وان جرت على الدار ايدي ملاك قبله. ولذلك أيضا قد ادعي عدم الخلاف في عدم حصول الملك بتوحل الصيد في الارض المتعلقة بانسان، ولا بتعشيشه في داره، ولا بوثوب السمكة إلى سفينته، ولا بنحو ذلك مما لم يقصد به الاصطياد، لعدم صدق الاخذ وعدم القصد إلى الحيازة فيبقى على اباحته الاصلية. وليس ذلك من جهة عدم كون الوحل والسفينة من آلات الصيد المعتادة، لعدم


(1) الجواهر ج 36 كتاب الصيد والذباحة ص 78 - 79. (2) المسالك ج 2 ص 232.

[ 132 ]

اعتبار الالة المعتادة في ذلك، بل لعدم القصد إليه، فلو اخذه غيره وقصد الحيازة ملكه. هذا ولكن قد يقال ان لصاحب الملك حق الاختصاص بالنسبة إلى امثال ذلك وكذا الثلج وماء المطر النازلان في ارضه وداره، فلو اراد تملكها قدم على غيره، وليس ذلك ببعيد وان كان لا يخلو عن الاشكال. نعم يكفي القصد عند نصب الالة وان لم يقصد عند وقوع الصيد فيها كما هو متعارف في نصب الشبكات لصيد السمك في البحر، والرجوع إليها بعد يوم أو ايام واخذ ما فيها حيا. ويدل على ذلك مضافا إلى انه موافق لبناء العقلاء الممضى من ناحية الشرع غير واحد من الروايات الواردة في ابواب الذبائح. مثل ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في رجل نصب شبكة في الماء ثم رجع إلى بيته وتركها منصوبة، فأتاها بعد ذلك وقد وقع فيها سمك فيموتن، فقال ما عملت يده فلا بأس باكل ما وقع فيها (1). وما ورد في ذيله تعليل عام يشمل جميع المقامات، وهي وان كانت بصدد بيان حلية السمكة وكفاية هذا المقدار في الصيد الحلال الا انها تدل على المطلوب بالملازمة فتأمل. وهكذا ما وراه الحلبي قال سألته عن الحظيرة من القصب تجعل في الماء للحيطان، فيدخل فيها الحيطان فيموت بعضها فيها، فقال: لا بأس به ان تلك الحظيرة انما جعلت ليصاد بها (2). وفي معناه روايات أخر تدل على ان مجرد نصب الشبكة كاف في تملك الصيد (3)


(1) الوسائل ج 16 كتاب الصيد والذبائح ابواب الذبائح الباب 35 الحديث 2. (2) الوسائل ج 16 كتاب الصيد والذبائح الباب 35 الحديث 3. (3) راجع الباب 35 من الذبائح تجد فيها روايات عديدة في هذا المعنى.

[ 133 ]

ودلالتها على حلية السمك الميت في الشبكة لا يضر بالمقصود لامكان الفتوى بها بعد صحة اسناد بعض هذه الروايات وتوفرها واستفاضتها فالحرام ما مات خارج الشبكة. ثم اعلم ان أخذ كل شئ بحسبه ولا يعتبر الاخذ باليد كما هو ظاهر فلو اغلق عليه بابا ولا مخرج له، أو جعله في مضيق لا يمكنه الفرار منه ملكه، والقول باعتبار القبض باليد أو الالة ضعيف جدا. والعمدة في ذلك ما عرفت من ان الحكم مأخوذ من بناء العقلاء وقد امضاه الشرع ولا يعتبر عندهم الاخذ باليد بلا اشكال ولكن يعتبر النية عندهم خصوصا أو عموما. الثالث: هل يجوز التوكيل والاستيجار في الحيازة أم لا؟ قال المحقق (قدس سره) في الشرايع في آخر ابواب الشركة يجوز الاستيجار للحيازة ولكن صرح في كتاب الوكالة بملكية المحيز وان نواها للغير، وقال في التذكرة انه مبني على جواز التوكيل في هذه الامور وان المسألتين متلازمتان. وتبعه في جامع القاصد، واما الفقهاء المعاصرون فكل منهم اختار مذهبا. والمسألة مبنية على مختارهم في حقيقة الحيازة والمتصور هنا - كما عرفت الاشارة إليه - امور: 1 - الحيازة من الامور الخارجية لا القصدية، فلا اثر للقصد فيها فكل من حاز شيئا ملكه، وعلى هذا لا يجوز فيها النيابة ولا الاجارة. 2 - هي من الامور القصدية لمباشرها فقط، فالمالك هو الذي يقصده المباشر وعليه تجوز فيها النيابة والاجارة. 3 - الحيازة من الامور القصدية ولكن لا تختص بالمباشر، بل تجوز تسبيبا ايضا فإذا قصد المسبب باخذ الاجير الحيازة كفاه.

[ 134 ]

4 - هي من توابع ملك الفعل فمن ملك فعلا ملك ما يحاز به، ولازمه انه إذا ملك منافع الاجير بالاجارة ملك ما يحوزه، حتى ان قصد الخلاف منه غير مفيد. ولازم كل من هذه الوجود معلوم. فلنرجع إلى مدرك المسألة فنقول، ومنه سبحانه نستمد التوفيق، قد عرفت ان قاعدة " من حاز ملك " بهذا العنوان لم تثبت كونها رواية ولكن مستفادة من مجموع ما ورد في ابواب الصيد والاحياء واشراء السمكة التي في جوفها اللؤلؤة وغيرها، بل وقيل ذلك كله هي من الامور العقلائية التي امضاها الشارع المقدس. فان رجعنا إلى مبنى العقلاء فهم يرون الحيازة بالمباشرة والتسبيب جائزة ولازمه قبول الوجه الرابع فهم لا يزالون يستخرجون المعادن واللؤلؤ من قعر البحار ويصطادون الاسماك بغير مباشرة، وكيف يمكن استخراج كمية كبيرة من ذلك بدون التسبيب؟ فما ورد في حديث أبي سيار انه ولي الغوص ببحرين فاصاب اربعمائة الف درهم (1) فأتى بخمسه للامام عليه السلام كيف يكون كلها بالمباشرة مع ان الغالب خلافه ولم يسأل الامام عليه السلام عنه إلى غير ذلك. والروايات السابقة وان كان بعضها مقصورة على صورة المباشرة ولكن الظاهر ان بعضها الاخر عام يشمل المباشرة والتسبيب فاذن لا اشكال في جوازها بالاجارة. نعم إذا نوى الاجير نفسه في الواقع ملكه، وضمن اجرة مثل ما فوت على المستأجر من الاعمال وإذا لم ينو شيئا ولكن نوى المستأجر الحيازة تسببا كفى لما عرفت فالحق ان الحيازة تجوز بالاجارة أو الوكالة ويملكها المستأجر والموكل الا إذا قصد الاجير والوكيل خلافه، سواء قصد لنفسه أو لثالث (والله اعلم بالصواب) * * *


(1) الوسائل ج 6 الباب 6 من الانفال الحديث 12.

[ 135 ]

الرابع: هل للحيازة حد؟ يظهر من بعض الاعلام الاحتياط في كونها محدودا بما لا يوجب الضيق والضرر حيث قال في بحث حيازة المعادن الظاهرة ما لفظه: " ليس له على الاحوط ان يحوز مقدارا يوجب الضيق والمضارة على الناس ". والانصاف انه كذلك بل هو الاقوى، لعدم عموم في الادلة الدالة على حصول الملك بالحيازة بعد كونها منصرفة إلى ما هو المتداول بين الناس، بل إذا كان هناك اناس كثيرون محتاجين إلى شئ وكان الموجود منه قليلا في صقع كالحطب والحشيش المحتاج اليهما لايقاد النار، فإذا ذهب واحد وأخذ جميعها مما لا يحتاج إليه فعلا وادخرها لنفسه للسنين المستقبلة أو لا يحتاج إليها في المستقبل أيضا وادخرها لامور أخر، مع حاجة الناس إليها عد ظالما معتديا، وغاصبا لحقوق غيره، ومنع من هذا العمل اشد المنع وقد خلق الله ما في الارض لحاجة العباد كلهم. وهكذا بالنسبة إلى المياه والصيد والمعادن والارضون الموات وغيرها. لا اقول ان كل انسان يأخذ حاجته فقط، فان ذلك مخالف اطلاق الفتاوى والنصوص والسيرة المستمرة في جميع الاعصار، بل اقول يأخذ ما هو المتعارف أخذه لحاجته وللتوسعة أو الاكتساب، اما ما زاد على ذلك مما لا يتداول من العقلاء مما لا يجوز حيازته. هذا كله مع قطع النظر عن الحكومة الشرعية الثابتة للامام عليه السلام أو من يقوم مقامه، واما بالنظر إليها فقد يجوز له تعيين مقدار ما يحوزه كل انسان أو زمانها أو مكانها أو غير ذلك مما يراه مصلحة للمسلمين وقواما لامورهم وحافظا لنظامهم، بحيث يختل بدونه نظم امورهم ولكن ليس له الاستبداد في ذلك بغير مراعاة المصالح وحفظ النظام.

[ 137 ]

6 - قاعدة السبق (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه أحد فهو أحق به) * مدركها من السنة * مدركها من السيرة المستمرة * الفرق بين قاعدة السبق، والحيازة والاحياء * من شرائط السبق قصد الانتفاع * حدود الاولوية * هل الاولوية هنا حكم وضعي أو تكليفي * تعارض شخصين في السبق إلى شئ * موارد جريان القاعدة: * المساجد * الطرق والشوارع * المدارس والخانات والربط

[ 139 ]

قاعدة السبق ومن القواعد المشهورة في ألسنة الفقهاء قاعدة السبق، استدلوا بها في ابواب مختلفة، في ابواب حيازة المباحات، وأحكام المساجد، وآداب التجارة، وفي كتاب احياء الموات، وما يلحق بها من التحجير وغير ذلك. وهذه القاعدة كاغلب القواعد الفقهية من القواعد المعروفة بين العقلاء التي تدور عليها نظام معاشهم، وامضاها الشارع المقدس بما قرر لها من الشرائط. وحاصل القاعدة ان من سبق إلى شئ من المباحات الاصلية - لا يقصد التملك حتى يكون ملكا له - أو سبق إلى شئ من المنافع المشتركة، كالطرق والمساجد والوقوف العامة، والمساكن كذلك، أو غيرها من اشباهها، فهو احق به من غيره اجمالا، ولا يجوز مزاحمته في ذلك الا إذا اعرض عنه، أو حصلت فترة تزيل حقه بما سنشير إليه ان شاء الله. * * * دلائل اثباتها ويدل عليها مضافا إلى الاجماع المدعى في كلمات الاصحاب، الروايات العامة، والخاصة، واستقراء سيرة العقلاء واهل الشرع عليها. * * *

[ 140 ]

الاول: السنة منها روايات عامة ومنها خاصة فمن الاولى: 1 - ما عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق إلى مكان فهو احق به إلى الليل، وكان لا يأخذ على بيوت السوق كراءا (1). واطلاق قوله: " فمن سبق إلى مكان فهو احق به إلى الليل " يجعلها من الاحاديث العامة الدالة على المطلوب في ابواب الامكنة مطلقا، اللهم الا ان يقال كون صدرها في بيان حكم المسجد يجعلها خاصة بهما. وعلى كل حال، الحديث ناظر إلى ماكان متعارفا في تلك الاعصار من عدم اختصاص امكنة السوق ودكاكينها بالاشخاص، وعدم دخولها في ملك، بل كانت الاسواق كالمساجد وسائر الامكنة العامة ملكا لجميع المسلمين، ومباحا لهم، وكان المتعارف عرض المتاع من البايعين كل يوم إلى الليل، ثم كانوا يجمعون امتعتهم وينشرونها غدا، فكان كل احد من البياعين احق بمكانه إلى تلك الليلة. 2 - ما عن محمد بن اسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: نكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفصل، فربما خرج الرجل يتوضأ فيجئ آخر فيصير مكانه، فقال عليه السلام: من سبق إلى موضع فهو احق به يومه وليلته (2). والكلام فيه هو الكلام في سابقه من حيث العموم والخصوص فيها وان كان العموم اقوى. 3 - ومن طرق الجمهور ما رواه اسمر بن مضرس، قال أتيت النبي صلى الله عليه وآله


(1) الوسائل ج 3 كتاب الصلاة ابواب أحكام المساجد الباب 56 الحديث 2. (2) الوسائل ج 3 كتاب الصلاة ابواب أحكام المساجد الباب 56 الحديث 1.

[ 141 ]

فبايعته فقال: من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له (1). وهذه الرواية اوسع نطاقا من الجميع، وهي التي استند إليها الاصحاب في مختلف الابواب، فهل هو كاف لجبر سندها، أو لم تبلغ هذا المبلغ؟ لا يخلو عن اشكال. هذا ولكن لا يبعد الغاء الخصوصية مما سبق من روايات الاصحاب وما ورد في منابع حديثنا. وهناك روايات اخرى واردة في موارد خاصة لا يبعد اصطياد العموم منها والغاء الخصوصية عنا مثل ما يلي: 4 - ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال سوق المسلمين كمسجدهم يعني إذا سبق إلى السوق كان له، مثل المسجد (2). وقوله (يعني الخ) الظاهر انه من كلام الراوي، فلا يمكن الاستناد إليه كرواية. 5 - ومن طرق العامة في هذا المعنى ما عن اصبغ بن نباتة، قال ان عليا عليه السلام خرج إلى السوق فإذا دكاكين قد بنيت بالسوق، فأمر بها فخرجت فسويت، قال ومر بدور بني البكاء، فقال هذه من سوق المسلمين، قال فامرهم ان يتحولوا وهدمها قال وقال علي عليه السلام من سبق إلى مكان في السوق فهو احق به، قال فلقد رأيتنا (رأينا) يبايع الرجل اليوم هاهنا، وغدا من ناحية اخرى (3). وذيل الرواية يؤكد ما ذكرنا في امر السوق في تلك الاعصار. 6 - وما رواه أبو صالح عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله إذا قام الرجل من مجلسه ثم عاد إليه فهو احق به، فقام رجل من مجلسه فجلست فيه ثم عاد فأقامني أبو صالح عنه (4) 7 - وما رواه نافع عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يقيم الرجل


(1) السنن للبيهقي ج 6 ص 142 (باب من احيا ارضا ميتة ليست لاحد). (2) الوسائل ج 12 ابواب آداب التجارة الباب 17 الحديث 2. (3 و 4) السنن للبيهقي ج 6 ص 151.

[ 142 ]

الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه (1). وليس ذلك الا لسبقه إلى ذاك المكان. ويؤيد ما ذكرنا ما ورد في ابواب احياء الموات، والتحجير، وغير ذلك مما يكون من قبيل السبق إلى ما لم يسبق إليه أحد، فانها وان لم يدل على المطلوب فان الكلام في قاعدة السبق انما هو من جهة ايجاد الحق، بمجرد السبق من دون حاجة إلى التحجير والاحياء، واخراج المعدن وحفر البئر وغير ذلك من اشباهه، الا انها مؤكدة له. * * * الثاني: هو السيرة المستمرة من اهل الشرع بل من العقلاء اجمع، فانه لا يشك أحد في بنائهم على كون السابق إلى شئ من المباحات أحق من غيره سواء كان من المباحات الاصلية، أو من المنافع العامة، كالانتفاع بالمساجد والبراري والمفاوض والجبال والمياه، إذا لم يقصد ملكيتها، بل اراد الانتفاع بها، فلا يشك أحد في كون السابق أحق، وإذا زاحمه غيره يعد ظلما وتعديا قبيحا. بل المعلوم استقرار سيرتهم على هذا حتى قبل ورود الشرع. ومما يؤيد كونها قاعدة عقلائية قبل أن تكون شرعية انها مشهورة معروفة بين من لا يعتقد بشئ من المذاهب، ولم يقبل أي قانون ديني الهي، فهو أيضا يرى السبق إلى شئ من المباحات أو المنافع العامة، من الطرق والقناطر والخانات وغيرها، موجبا لاستحاق صاحبه، وعدم جواز مزاحمته، ولكن لها حدود وقيود عندهم سيأتي الاشارة إليها ان شاء الله.


(1) السنن للبيهقي ج 6 ص 150.

[ 143 ]

ومن هنا يظهر ان " اجماع الفقهاء على ذلك قديما وحديثا " لا يكشف عن تعبد خاص في المسألة، وصل إليهم ولم يصل الينا، بل هو اما مستند إلى ما عرفت من روايات الباب، العامة والخاصة، أو إلى بناء العقلاء الذي امضاه الشرع، فانه لم يزل بمرأه ومنظره، بل قد عرفت ان هذا البناء منهم كان قبل ورود الشرع أيضا. * * * " بقى هنا امور " الاول: الفرق بين قاعدة " السبق "، و " الحيازة " و " الاحياء " قد يختلط الامر بين قاعدة السبق، وقاعدتي الحيازة والاحياء على بعض، مع ان مواردها مختلفة لا ربط لواحد منها بالاخر فنقول: اما قاعدة الحيازة تختص بالمباحات، وتوجب ملكها بمجرد الحيازة مع قصده، ولا يحتاج إلى الاحياء والتحجير وغيرها، وان كان قد تطلق الحيازة على الاعم مما يشمل قاعدة الاحياء أيضا كما عرفت سابقا. واما الاحياء فهو أيضا يوجب الملك لكن لا بمجرد القصد، بل بعد الاحياء وتختص بالارض وما اشبهها. واما قاعدة السبق فهي لا توجب الملك، بل مفادها هو الاولوية، وموردها اعم من المباحات الاصلية أو المنافع العامة كالمدارس والخانات والمساجد والشوارع وغيرها. فتحصل من جميع ذلك ان قاعدتي الحيازة والاحياء لا تغنيان عن قاعدة السبق شيئا لان مفادها متباينة، وبين مواردها ومصاديقها العموم والخصوص من وجه أو المطلق. ففي مثل المساجد والشوارع والقناطر لا تجري قاعدتا الحيازة والاحياء، ولكن

[ 144 ]

تجري قاعدة السبق فقط، وفي مثل المباحات الاصلية كالاراضي الخارجة عن حريم البلاد يتصور فيها الاحياء والسبق فمن احياها ملك، واما من سبق إليها كما إذا نصب فسطاطا وخياما لتوقف ساعة أو ايام من غير قصد الحيازة والاحياء فلا يجوز مزاحتمته لقاعدة السبق فقط، وفي غير الاراضي كالسمك والطير والوحش والحطب وغيرها من المباحات الاصلية فان قصد الملكية بالحيازة كان مصداقا لهذه القاعدة، وان نوى مجرد الانتفاع منها من غير قصد تملكها دخل في قاعدة السبق فقط فتدبر تعرف. * * * الثاني: من شرائطه قصد الانتفاع قد عرفت مما ذكرنا ان " السبق " يوجب الاولوية لمن سبق بشرط قصد الانتفاع فلو لم ينوى الانتفاع بما سبق إليه لا دليل على اولويته وكونه احق به من غيره، ولو شك في ذلك يؤخذ بظاهر الحال ولو ادعي نية الانتفاع يقبل قوله لانه مما لا يعلم الا من قبله. * * * الثالث: حدود الولوية قد عرفت ان هذه القاعدة مأخوذة من سيرة اهل الشرع والسنة وبناء العقلاء والاولوية الحاصلة منها تختلف باختلاف الموارد حسب اختلاف بنائهم، ففي مثل المساجد يكون اولوية السابق بمقدار يأتي الاشارة إليه ان شاء الله تفصيلا، وفي مثل المدارس بمقدار آخر، ويختلف السبق إلى الخانان معهما، والى الشوارع والاراضي الموات بمقدار يختص به، سيأتي تفاصيلها ان شاء الله، كل ذلك لتفاوت التعارف في ذلك واختلاف قضاء الحاجة في هذه المقامات جسدا فلا يمكن تعيين ضابطة كلية لجيمع ما ذكر، بل لكل منها ضابطة خاصة به. والدليل على ذلك كله ما عرفت من بناء اهل العرف وامضاء الشرع له مع

[ 145 ]

اشارات نافعة إليها في روايات الباب. * * * الرابع: هل الاولوية هنا حكم وضعي أو تكليفي؟ في ان السبق هل يوجب مجرد الاولوية تكليفا بحيث لو زاحمه غيره عصى، ولكن يصح تصرفه في المسبوق إليه شرعا، أو انه يوجب حقا ويكون من قبيل الاحكام الوضعية؟ ومما يتفرع على ذلك ما ذكره الفقهاء في باب المسجد بانه لو سبق انسان إلى موضع منه، ثم دفعه آخر قهرا وعدوانا، فلا شك في عصيانه وحرمة عمله، انما الكلام في انه بعد الدفع هل يصح صلاته في مكانه، أو يكون كالمكان الغصوب يحرم الصلاة فيه على المشهور وتكون باطلة؟! فيه كلام بينهم. ظاهر " التذكرة " هو الاول، حيث قال: لو دفعه عن مكانه أثم، وحل له مكثه فيه، وصار احق من غيره به. ولكن المحكى عن المشهور هو الثاني وانه يكون كالمغصوب. وذكر في الجواهر في باب بطلان الصلاة في مكان المغصوب: اما حق السبق في المشتركات كالمسجد ونحوه ففي بطلان الصلاة بغصبه وعدمه وجهان، بل قولان اقويهما الثاني وفاقا للعلامة الطباطبائي في منظومته. لاصالة عدم تعلق السبق للسابق على وجه يمنع الغير بعد فرض دفعه عنه، سواء كان هو الدافع أو غيره، وان أثم بالدفع المزبور، لاولويته، إذا هي أعم من ذلك قطعا. وربما يؤيده عدم جواز نقله بعقد من عقود المعاوضة. مضافا إلى مادل على الاشتراك الذي لم يثبت ارتفاعه بالسبق المزبور، إذ

[ 146 ]

عدم جواز المزاحمة اعم من ذلك فتأمل (انتهى) (1). ولكن التحقيق هو ما ذكره المشهور، وذلك لارتكاز أهل العرف الذي هو الاصل في هذه المسألة، بعد عدم ردع الشرع عنه، فانهم يرون للسابق حقا في المكان قطعا بحيث يجوز له الدفاع عن حقه والعود إليه بعد دفعه منه، ولا يرون له أي اثم في هذا، بل يعد الدافع غاصبا بل لا ينبغي الشك فيه. وأما ما افاده في الجواهر من الادلة الثلاث فهي ممنوعة جدا. أما الاصل فهو ممنوع بعد ما عرفت. وأما عدم جواز نقله بعقد من العقود فهو أول الكلام، وعلى تقدير القول به فعدم النقل لا يدل على عدم وجود حق، فرب حق لا يجوز نقله وان كان يجوز اسقاطه. وأما الدليل الثالث الراجع إلى الاستصحاب فهو أيضا ممنوع بعد وجود الدليل. ويؤيد ما ذكرنا أيضا مرسل محمد بن اسماعيل عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له نكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة، أو المواضع التي يرجى فيها الفضل، وربما خرج الرجل يتوضأ فيجئ آخر فيصير مكانه، قال من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليلته (2). والتعبير بكونه احق له دلالة واضحة على ما ذكرنا، بل قد يتصدى لدفع ضعف السنة بنقل احمد بن محمد الذي هو ابن عيسى الثقة المشهور الذي لا يروي من الضعفاء، وغير ذلك من القرائن فتأمل. والايراد على الحديث بان التحديد باليوم والليلة غير ثابت لا يمنع عن الاستدلال به بعد كون التفكيك في مفاد الاحاديث دارجا بينهم فتأمل. * * *


(1) جواهر الكلام ج 8 ص 286. (2) الوسائل ج 3 كتاب الصلاة ابواب احكام المساجد الباب 56 الحديث 1.

[ 147 ]

الخامس: تعارض شخصين في السبق إلى شئ إذا تعارض اثنان وردا على شئ من المنافع المشتركة في زمان واحد وتوافيا إليه على حد سواء، فان امكن اجتماعهما فيه كدكة في سوق عام يحتملهما، فحق السبق ثابت لهما. وان لم يحتملهما كمكان واحد لمصل واحد ورد اثنان عليه، فهل يبطل حقهما ويجوز لثالث الورود عليه، أو تجرى فيه القرعة؟ الظاهر انه لا مجال لابطال حقهما لشمول العمومات لكل واحد منهما مع قطع النظر عن مزاحمه، وحيث ان ملاك السبق في كليهما موجود يكون من قبيل تزاحم الحقين لا تعارض الدليلين وحيث ان المفروض عدم امكان الجمع بينهما لابد من القرعة لانها لكل امر مشتبه، ولاخفاء في شمول ادلتها للمقام. وقد ذكرنا في مباحث القرعة من هذا الكتاب، ان موارد القرعة مختلفة، فقد يكون فيها واقع مجهول لا طريق لكشفه الا القرعة، كما في الغنم الموطوء، وقد لا يكون فيه واقع مجهول، بل وقع التزاحم بين مقتضيين، ولا طريق إلى التخلص الا بالقرعة، كما في موارد افراز الاموال المشاعة، وتقسيمها، وكلاهما داخلان تحت ادلة القرعة والمقام من هذا القبيل. * * * السادس: موارد جريان القاعدة واذ قد عرفت ما ذكرنا فلنرجع إلى جزئيات موارد السبق واحكامها الخاصة فنقول ومن الله التوفيق: ان السبق قد يكون إلى المسجد، واخرى إلى الطريق أو إلى السوق، أو المدارس، والقناطر، والمعادن، واماكن النزهة، والميادين لتوقف السيارات وغيرها أو غير ذلك.

[ 148 ]

أما المساجد: فلاشك ان من سبق إلى مكان منه فهو أحق به ما دام باقيا فيه. ويدل عليه الروايات العامة والخاصة مضافا إلى الاجماع والسيرة وعدم الخلاف فيه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون للصلاة أو قرائة القرآن والدعاء وغيرها من الاذكار، وتحصيل العلم وغير ذلك مما هو مطلوب في المسجد، بل ومن المباح المتعارف كالجلوس لرفع التعب ومثل ذلك. انما الكلام في امور: 1 - لو قام عن محله مفارقا هل يبطل حقه مطلقا، أو إذا لم ينو العود، أو إذا وضع رحله ناويا خاصة؟ فيه كلام بينهم. اختار الاخير المحقق في الشرايع والعلامة والشهيدان، والمحقق الكركي، بل عن جامع المقاصد انه المشهور، وعن المبسوط نفي الخلاف فيه، بل ادعى فيه ان في المسألة نص عن الائمة. هذا ولكن لا دليل عليه يعتد به مما وصل الينا الا سيرة العقلاء واهل الشرع وغيره يعود إليه. والانصاف ان سيرة أهل الشرع وبناء العقلاء مع بقاء الرحل ثابت الا إذا خرج عن المتعارف، كمن القى رحله في المسجد طول الاسبوع أو الشهر أو السنة، فان الاعتبار ببقاء رحله في كونه أحق مشكل جدا، فيجوز أخذ الرحل حينئذ والجلوس مكانه، نعم بالنسبة إلى اوقات قريبة جرت السيرة عليه هو أحق به. أما لو قام لتجديد طهارة أو ازالة نجاسة وما اشبه ولم يكن هناك رحل فيشكل بقاء حقه، الا إذا اوصى إلى انسان ليحتفظ بمكانه في غيبته، فمجرد النية غير كافية كما ان مجرد وضع الرحل بلا نية غير كاف. هذا، وقد عرفت التصريح في غير واحد من روايات الباب لبقاء حقه إلى الليل

[ 149 ]

ففي رواية محمد بن اسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام الواردة في حكم مكة والمدينة والمواضع التي يرجى فيها الفضل، ان من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليلته. وفي رواية طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عن أمير المؤمنين عليه السلام سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل، وقد مر في ذكر الادلة. ولكن الاول ضعيف بالارسال ورواية أحمد بن محمد الذي هو ابن عيسى كرواية محمد بن اسماعيل الذي هو ابن بزيع غير كاف في جبران ضعفها وان كان مؤيدا وكذا رواية " طلحة بن زيد " لا تخلو عن اشكال في سندها، لعدم توثيق أكثر الاصحاب من علماء الرجال له، نعم ذكر في الفهرست ان كتابه معتمد والاكتفاء به في توثيق الرجل أو روايته لا يخلو عن اشكال. هذا، ويمكن حمله على موارد يكون المتعارف فهيا البقاء في المسجد أو السوق إلى الليل كحال الزوار في مكة أو المدينة في سابق الايام، واما في الازمنة أو الامكنة التي ليس المتعارف فيها البقاء في المسجد إلى الليل فالعمل بعموم الروايتين في غيرها مشكل جدا. ولذا اعرض الاصحاب عن العمل بهما في هذا التحديد، وان كان الظاهر انهم لا ينكرون بقاء الحق إلى هذه المدة في اماكن يتعارف فيها ذلك. وبالجملة ليس لنا اوثق واتم من الاخذ بالسيرة المذكورة فانها المعيار الوحيد في المسألة. 2 - إذا زاحم حق المصلين مع غيرهم فهل يقدم الصلاة على غيرها، ولاسيما الجماعة، أو هل تقدم الجماعة على الفرادى، أو تقدم الصلاة على غيرها، إذا لم تكن راجحا كالجلوس لا للعبادة وتحصيل علم شرعي، أو لامر مرجوح كالنوم؟ لم يدل على شئ من هذه الامور دليل خاص، وان كان قد يتمسك بظاهر

[ 150 ]

ما دل على اقامة صفوف الجماعة وسد فرجها على تقديمها على غيرها من الفرادى، وما اشبهها، ولكن الانصاف ان روايات اقامة الصفوف وسد الفرج غير ناظرة إلى هذا المعنى، ولا تكون في مقام البيان من هذه الجهة، واللازم الرجوع إلى ما جرت عليه سيرة أهل الشرع واستقر عليه بناء العقلاء، والظاهر ان الصلاة، لاسيما الجماعة مقدمة على غيرها إذا وقع التزاحم بين الامرين، لان المسجد اولا وبالذات للصلاة فلا يزاحمها شئ. نعم إذا وقع التزاحم بين غيرها فيشكل تقديم بعضها على بعض، كما إذا وقع التزاحم بين تحصيل العلم وقرائة القرآن واشباهها، فيشكل دفع الجالس عن مكانه وقيام غيره مقامه. اما إذا زاحم العبادة مع شئ مباح كما إذا لم يجد مكانا لقرائة القرآن وتحصيل العلم الواجب وكان المسجد مشغولا بالجالسين لمجرد رفع التعب أو للاكل والشرب أو بالنائمين، فلا يبعد جواز دفعهم لما ذكر من الامور، فهم أحق به من غيرهم والدليل عليه ما عرفت. الطرق والشوارع العامة: وهي من كثير من الجهات كالمساجد وان كانت تختلف معها من بعض الجهات. وحيث لم يرد دليل خاص في هذه المسألة فمقتضى العمل بالعمومات وسيرة العقلاء وأهل الشرع منهم يقتضي هنا امورا: 1 - الاصل في الطرق هو الانتفاع بها على وجه الاستطراق، فكل ما زاحم هذا المقصد فهو منفي بما ذكر، ويحرم بحكم الشرع، وعلى آحاد المسلمين النهي من هذا المنكر، وللحكومة الاسلامية الاخذ بالعنف في هذا المقام إذا لم يفد غيره فإذا كان البيع والشراء والجلوس وايقاف السيارات، ووضع الاحجار وغيرها من

[ 151 ]

ادوات البناء، مانعا عن المرور بالكلية، أو موجبا للضرر والزحمة لضيق الطريق منع منه قطعا، والدليل عليه جميع ما عرفت آنفا. 2 - يجوز الانتفاع بالطرق العامة والشوارع بغير الاستطراق، كالجلوس لرفع التعب ووضع الاحمال، أو الجلوس لمجرد النزهة إذا لم يكن مانعا عن الاستطراق فانه من المنافع المشتركة، والاصل فيها الجواز ما لم يمنع منه مانع، وقد جرت السيرة على ما ذكرنا، نعم إذا كان مانعا عن الغرض الاصلي فهو حرام ويجوز دفع المانع عنها. 3 - هل يجوز الجلوس فيها لعمل الحرفة والبيع والشراء؟ فيه خلاف منعه بعضهم مطلقا، لانه انتفاع بالبقعة في غير ما اعدت له، فكان كالانتفاع بالمسجد ونحوه من الموقوفات الخاصة في غير ما عين له من الجهة. وذكر ثاني الشهيدين في المسالك بعد ما ذكرنا: ان الاشهر التفصيل، وهو المنع من ذلك في الطريق المسلوك الذي لا يؤمن تأذي المارة به غالبا، وجوازه في الرحبات المتسعة في خلاله بحيث يؤمن تأذي المارة، نظرا إلى اطراد العادة بذلك في الاعصار، وذلك هو المسوغ لغيره من وجوه الانتفاع. (انتهى) ولقد اجاد فيما افاد ولكن لا يختص ما ذكره بالرحبات، بل بما جرت عليه السيرة كما نراها في بعض الطرق غير المتسعة التي يستفاد منها لبيع بعض الاشياء مما لا يشغل مكانا واسعا. وبالجملة المعيار الوحيد هو عدم الاضرار بالمارة، وعدم الايذاء بهم والمنع من استطراقهم. ومع الاسف ان كثيرا من المسلمين لا يبالون بهذه الامور، ويرتكبون من هذه الجهة ما قد يوجب اشتغال ذمتهم بخسارات مالية مضافة إلى الاحكام التكليفية، ومن الواجب على المؤمنين نهيهم، وعلى الحكومة الاسلامية منعهم وزجرهم. ومما ذكرنا يظهر حال نشر البساط أو اخذ العربات أو التسقيف للبيع في

[ 152 ]

الشوارع والطرق، وانها محرمة قطعا إذا منع الاستطراق أو صار سببا للزحمة، أو ضيقا في الطريق، أو ضررا على المستطرق. نعم إذا لم يكن فيه شئ من ذلك فهو جائز ولكن الغالب من قبيل الاول. 4 - في الموارد التي يجوز البيع والشراء أو الجلوس وغيرها فهل يبقى هذا الحق مادام هو جالس في المكان، ويبطل إذا ذهب ولو كان ناويا للرجوع، أو فيه تفصيل بين بقاء رحله وعدمه، أو له حق إلى الليل، أو إلى أن يبع مناعة ويراجع من يشتريه ولا يفوته؟ الظاهر انه يختلف ذلك باختلاف المتعارف في الاعصار والامصار، فقد يكون في بعض الامكنة، أو بعض الاعصار البقاء إلى الليل بحسب العادة، وقد يكون أقل وأكثر من ذلك، فيؤخذ بمقتضاه في جميع ذلك، نعم الغالب انه يجوز له العود مادام رحله باقيا وإذا قام بينة العود من دون وضع رحل فيها يبطل حقه. والانصاف ان السبق في الطريق أيضا مما يوجب الحق لا الاولوية المجردة فلو دفعه انسان عما سبق إليه لا يزول حقه، ويجوز عوده ودفع المانع والمزاحم، وقد مر دليله آنفا في أحكام المسجد. 5 - هل يجوز جعل الرواشن في الطريق أم لا؟ قد عرفت ان الاصل في الطريق هو الاستطراق، وأما المنافع الاخر فهو تابعة له، وتجوز بحسب ما جرت به العادة والسيرة التي هي منصرف عمومات السبق في المقام، والانصاف ان العادة هنا أيضا تختلف بحسب الازمنة والامكنة، ففي سابق الزمان كان المتعارف الاستفادة من الطرق بجميع انحائها، حتى ببناء الساباط والرواشن، فلو كان طرفا الطريق العام ملكا لواحد، كان يبني على الطريق ما يريد، مما لا يزاحم المارة، بل قد كان هذا الامر مصلحة للعابرين، واما الان فهو امر منكر في كثير من البلاد، ولا يقبله العرف والعادة ويعد من المزاحمة وحينئذ لاشك في

[ 153 ]

عدم جوازه لا لتبدل الحكم، بل لتغير الموضوع. وأما الرواشن فإذا لم تتعد إلى فضاء الطرق كثيرا فهو امر رائج حتى في زماننا هذا، واما إذا تعدت كثيرا بحيث بلغت إلى الجدار المقابل أو نحو ذلك فهذا أيضا غير متعارف في هذه الازمنة ويعد من الامور المزاحمة غالبا، وبالجملة المدار على ما عرفت ولا يجوز التعدي عنه. أما حكم السوق: فالتحقيق ان السوق على قسمين: سوق عام، الذي هو وقف على جميع المسلمين، لانواع التجارات والحرف، أو لنوع خاص منها، وكذا ما بني من بيت المال أو الزكاة فيكون كالوقف أيضا وسوق خاص الذي هو ملك لفرد أو افراد معلومين. أما الاول فهو من المشتركات، ومن سبق إليه كان أحق به ولكن لابد من رعاية شرائط الوقف، أو ما اشبهه، ولا يجوز التعدي عن طورها، ولو لم يكن هناك شرائط خاصة فاللازم الاخذ بما هو المتعارف في العرف والعادة. والظاهر ان السوق في سابق الايام كان من القسم الاول ولم يكن هناك دكاكين والحجرات، بل كان المتداول نشر البساط صباحا، وجمعه مساءا، فما ورد في روايات السوق من ان سبق إليه كان أحق به إلى الليل، ناظر إلى هذا المعنى (1) كما ان ما ورد ان أمير المؤمنين عليه السلام هدم دورا بنيت في مكان الاسواق (2) أيضا ناظر إليه فلا تشمل الاسواق التي هي ملك خاص لفرد أو أفراد لان العادة تغيرت في عصرنا وقل ما يوجد سوق يكون بتلك المكانة، ولذا تباع دكاكين السوق وتشترى، وتستأجر، وتوهب، وتورث، ولا مانع من شئ من ذلك، ولا ينافي ما مر من


(1) نقلناه تحت الرقم 1 من احاديث القاعدة. (2) نقلناه تحت الرقم 5 من احاديث القاعدة.

[ 154 ]

الروايات الناظرة إلى غيرها كما عرفت. وما حكاه العلامة في التذكرة عن الجويني من العامة فيمن جلس للبيع أو الشراء في الطريق في المواضع المتسعة كالرحاب، يجرى في الاسواق العامة، فقد حكى منه: انه ان مضى زمان ينقطع فيه الذين ألفوا المعاملة معه، ويستفتحون المعاملة مع غيره، بطل حقه، وان كان دونه لم يبطل، لان الغرض من تعيين الموضع ان يعرف فيعامل - انتهى موضع الحاجة -. وما ذكره هو مبنى استقرار العرف والعادة الذي هو موضوع حكم الشرع هنا فليس مبنيا على الاستحسان ونحوه كما توهمه في الجواهر. وهناك اسواق اسبوعية، أو شهرية، أو سنوية، تقام في اماكن معلومة، واسواق خاصة تقام في الموسم في مكة والمدينة، وفي جميع ذلك إذا كانت من الاسواق العامة فحق السبق فيها ثابت، وفي مقدار بقاء هذا الحق من حيث الزمان يتبع عرف الزمان والمكان. والحاصل انه لا يمكن الحكم على جميع انواع السوق بحكم واحد، ولا تجري في جميعها أحكام السبق، بل المدار على التفصيل الذي ذكرناه، والمعيار في الجميع هو الاخذ بعمومات السبق مع قيود قد عرفتها. اما المدارس والخانات والربط: فهي ايضا على قسمين: وقف عام، ووقف خاص (أو ما يشبه الوقف مما بنيت من الزكاة من سهم سبيل الله أو من سائر وجوه بيت المال) وقلما يوجد فيها ملك خاص لفرد أو افراد معلومين. وحينئذ اللازم قبل كل شئ ملاحظة شرائط الواقف، فان كان هناك شرط فيتبع، والا فلاشك في ان الحق لمن سبق إذا كان تحت عنوان الموقوف عليهم.

[ 155 ]

أما مقدار المكث فيها فهو تابع للحاجة والعادة، أو اشتراط الواقف وهو مقدم على الجميع. فلو شرط الواقف عدم المكث لطالب العلم في المدرسة أكثر من سنة فلابد من رعايته وان لم تتم حاجته، واما ان لم يشترط فما دام يحتاج إليه يستحق البقاء الا إذا خرج عن حد المعروف والمعتاد. وإذا انقضت حاجته فلابد من ازعاجه من المدرسة ولا يجوز له المكث فيها أو اغلاق باب حجرتها أو غير دلك مما يزاحم المستحقين لها. وكذا من سكن الخان أو الرباط يجوز له البقاء فيه، بمقدار ما يتخذه المسافر مكانا فلا يجوز له جعله مسكنا دائميا أو رباطا كذلك. وإذا قام من المدرسة أو انجلا من الخان والرباط سقط حقه، ولو نوى العود إليها، الا أن يكون هناك اشتراط من ناحية الواقف، أو بقى رحله فيه ولكن لابد له من الرجوع إليها في زمان جرت العادة عليه، فلو مضى ذاك الزمان سقط حقه، ويجوز جمع رحله واخلاء المكان عنه. وهناك كلام لجامع المقاصد وحاصله: " انه لو ادى طول المكث في هذه الموقوفات إلى التباس الحال بحيث امكن دعوى الملكية لمن سكنها يحتمل جواز ازعاجه لانه مضر بالوقف " وما ذكره حسن لو وجد له موضوع. * * * وقد تعرض بعض الاصحاب هنا لامور يشبه مصاديق قاعدة السبق، ولكن ليس منها في الواقع، كاحكام امام الراتب في المسجد، أو السابق في الكلام عند القاضي، أو السبق في الخف والحافر والنصل، أو السبق أو السبق إلى معاملة أو سوم، أو السبق إلى التقاط شئ من اللقطة، ومجهول المالك، وغير ذلك. وحيث ان لها احكام خاصة مبنية على مبان أخر غير قاعدة السبق مذكورة في

[ 156 ]

محالها فالاحسن ايكال امرها إلى مظانها في الفقه، إلى هنا تم الكلام في قاعدة السبق والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا. صبيحة يوم الاربعاء من العاشر من شهر شوال سنة 1404.

[ 157 ]

7 - قاعدة الالزام (الزموهم بما الزموا به انفسهم) * مدرك القاعدة من الاجماع والحديث * مفاد القاعدة وشمولها لخصوص المخالفين أو غير المسلمين أيضا * موارد شمول القاعدة من ابواب الفقه

[ 159 ]

قاعدة الالزام هذه القاعدة مما اشتهر في كلماتهم التمسك بها في ابواب مختلفة، مثل النكاح والطلاق وابواب الميراث وغيرها ولكن لم تنقح حق التنقيح كساير القواعد الفقهية. والكلام فيها يقع في مقامات: 1 - مدرك القاعدة. 2 - مفادها وحدودها. 3 - موارد الاستدلال بها في الفقه. * * * 1 - مدرك قاعدة الالزام قد يستدل لها باجماع الاصحاب المنقول في كلمات بعضهم، المؤيد بشهرة الاستدلال بها في موارد مختلفة، لكنه على فرض ثبوته لا ينفع في مثل هذه المسألة مما يكون لها أدلة اخرى يحتمل استناد المجمعين إليها، فلا يكشف آرائهم وفتاويهم عن وصول شئ إليهم من ناحية المعصومين عليهم السلام مما لم يصل الينا. وعلى كل حال العمدة هنا الروايات المتضافرة الواردة في ابواب النكاح والطلاق والارث وشبهها فهي المدرك الوحيد للقاعدة، فلابد من سردها وتحقيق اسنادها ثم البحث عن مفادها.

[ 160 ]

وهي على قسمين: " روايات عامة " و " روايات خاصة " وردت في موارد معينة لا عموم فيها. نذكر من كل واحد ما عثرنا عليه: 1 - ما رواه غير واحد عن علي بن أبي حمزة انه سأل عن أبي الحسن عليه السلام عن المطلقة على غير السنة، أيتزوجها الرجل؟ فقال الزموهم من ذلك ما الزموه انفسهم، وتزجوهن، فلا بأس بذلك (1). والمقصود منها ان المخالفين كانوا يطلقون في مجلس واحد ثلاث طلقات، أو غير ذلك مما هو باطل عندنا، ثم كان بعض أصحابنا يبتلى بنكاح مثل هذه النساء اللاتي كانت خلية وفق مذهبها، ومزوجة وفق مذهبنا، فكان يسئلون الائمة عليهم السلام من ذلك، وكانوا يجيبونهم بصحة طلاقهن، وجواز نكاحهن، أخذا بمقتضى مذهبن والزاما لهن بما الزمن به انفسهن. هذا ولكن قد يستشكل في عموم الرواية بان قوله " من ذلك " يوجب تقييدها بخصوص موارد الطلاق، اللهم الا أن يقال ان الاستناد إلى الالزام دليل على ان المعيار هو هذه القاعدة من غير خصوصية للمقام، فالغاء الخصوصية من هذه الجهة عن مورد الرواية قريب جدا. ولكن سند الرواية ضعيف بعلي بن أبي حمزة البطائني، وسيأتي ان ذلك لا يوجب اشكالا في البحث فان الروايات متكاثرة متضافرة. 2 - ما رواه في ذاك الباب بعينه جعفر بن سماعة (وفي نسخة التهذيب الحسن ابن سماعة) انه سأل عن أمرأة طلقت على غير السنة ألي أن أتزوجها؟ فقال: نعم، فقلت له ألست تعلم ان علي بن حنظلة روى اياكم والمطلقات ثلاثا على غير السنة فانهن ذوات ازواج؟! فقال: يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس،


(1) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب مقدماته وشرائطه الباب 30 الحديث 5.

[ 161 ]

روي عن أبي الحسن عليه السلام انه قال: الزموهم من ذلك ما الزموه انفسهم، وتزجوهن فلا بأس بذلك (1). والظاهر ان السائل هو " الحسن بن محمد " والمسئول عنه هو " جعفر بن سماعة " وليس فيه نقل لكلام المعصوم، نعم استدل هو في ذيل كلامه إلى ما مر من رواية علي بن أبي حمزة، فلا يكون حديثا آخرا غير ما مر سابقا. 3 - ما رواه جعفر بن محمد بن عبد الله العلوي عن أبيه قال سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن تزويج المطلقات ثلاثا؟ فقال لي: ان طلاقكم الثلاث لا يحل لغيركم وطلاقهم يحل لكم لانكم لا ترون الثلاث شيئا وهم يوجبونها (2). وظاهرها ان للقاعدة معنى وسيعا يشمل الحكم المخالف والموافق، فلو ان المخالف عمل بمذهب أهل الحق مع اعتقاده ببطلانه لم يجز له، ولابد من نهيه عن ذلك. ولكن عمل الاصحاب بذلك غير معلوم، وعلى كل حال التعليل فيها دليل على عدم اختصاصها بباب النكاح. 4 - ما رواه عبد الله بن طاوس قال قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام ان لي ابن اخ زوجته ابنتي وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق، فقال ان كان من اخوانك فلا شئ عليه وان كان من هؤلاء فابنها منه، فانه عنى الفراق، قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال اياكم والمطلقات ثلاثا في مجلس؟ فانهن ذوات الازواج؟ فقال ذلك من اخوانكم لا من هؤلاء، انه من دان بدين قوم لزمته احكامهم (3).


(1) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب مقدماته وشرائطه الباب 30 الحديث 6. (2) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب مقدماته وشرائطه الباب 30 الحديث 9. (3) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب مقدماته وشرائطه الباب 30 الحديث 11.

[ 162 ]

وعموم الحديث نظرا إلى ذيله ظاهر. 5 - ما رواه علي بن محمد قال سألته عليه السلام هل نأخذ في احكام المخالفين ما يأخذون منا في أحكامهم؟ فكتب عليه السلام يجوز لكم ذلك ان شاء الله، إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم والمداراة لهم (1). ولكن من الواضح ان الاستدلال به للقاعدة في غير مورد التقية غير جائز، بل قد يكون معارضا لما يدل على العموم كما سيأتي الاشارة إليه ان شاء الله. 6 - ما رواه عبد الله بن محرز عن ابي عبد الله عليه السلام قال قلت له رجل ترك ابنته واخته لابيه وامه، قال المال كله لابنته، وليس للاخت من الاب والام شئ فقلت انا قد احتجنا إلى هذا والرجل الميت من هؤلاء الناس، واخته مؤمنة عارفة، قال فخذ لها النصف، خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنتهم وقضائهم واحكامهم قال فذكرت ذلك لزرارة، فقال ان على ما جاء به " ابن محرز " لنورا، خذهم بحقك في احكامهم وسنتهم كما يأخذون منكم فيه (2). هذا والحديث وان كان عاما في ناحية الحقوق المالي، ولكن لا دلالة له على غير هذه الموارد، مثل ابواب التزويج والنكاح وما اشبهها. وهناك روايات اخرى لم يصرح فيها بهذه القاعدة ولكن يمكن تطبيقها عليها منها ما يلي: 7 - ما رواه عبد الرحمن البصري عن ابي عبد الله عليه السلام قال قلت له أمرأة طلقت على غير السنة فقال تتزوج هذه المرأة لا تترك بغير الزوج (3). فانه لا يمكن حملها على المعتقد بالبطلان فهي محمولة على من يطلق على غير


(1) التهذيب ج 6 كتاب القضاء الحديث 27. (2) التهذيب ج 9 ابواب ميراث الاخوة والاخوات الباب 29 الحديث 9. (3) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب مقدمات الطلاق الباب 30 الحديث 3.

[ 163 ]

السنة معتقدا صحتها، فيلزم الزوج بما التزم به من دينه، وتكون المرأة خلية فتأمل، 8 - ومثله ما رواه عبد الله بن سنان قال سألته عن رجل طلق امرأته لغير عدة، ثم امسك عنها حتى انقضت عدتها، هل يصلح لي ان اتزوجها؟ قال نعم، لا تترك المرأة بغير زوج (1). والرواية محمولة على ما كانت الطلاق على غير السنة، ولعل قوله لغير عدة خطأ، والصحيح لغير السنة كما في رواية عبد الرحمن البصري، ويمكن حمله على نفي العدة الرجعية، نظرا إلى كونه طلاقا بائنا عندهم. 9 - ومثله ما رواه عبد الرحمن ابن أبي عبد الله قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة طلقت على غير السنة ما تقول في تزوجيها؟ قال تزوج ولا تترك (2). والكلام فيه هو الكلام في ما سبقه. 10 - ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال سألته عن الاحكام؟ قال تجوز على كل ذوي دين ما يستحلون (3). 11 - ما رواه محمد بن اسماعيل بن بزيع قال سئلت الرضا عليه السلام عن ميت ترك امه واخوة واخوات فقسم هؤلاء ميراثه فاعطوا الام السدس، واعطوا الاخوة والاخوات ما بقي، فمات الاخوات فأصابني من ميراثه فاحببت ان اسألك هل يجوز لي ان آخذ ما اصاب لي من ميراثها على هذه القسمة ام لا؟ فقال بلى، فقلت ان ام الميت فيما بلغني قد دخلت في هذا الامر اعني الدين فسكت قليلا ثم قال: خذه (4). فان اخذ الاخوة والاخوات الميراث مع انهم من الطبقة الثانية مع وجود الام


(1) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب مقدمات الطلاق الباب 30 الحديث 4. (2) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب مقدمات الطلاق الباب 31 الحديث 3. (3) الوسائل ج 17 كتاب الميراث ابواب ميراث الاخوة الباب 4 الحديث 3. (4) الوسائل ج 17 كتاب الميراث ابواب ميراث الاخوة الباب 4 الحديث 6.

[ 164 ]

وهي من الطبقة الاولى، لا يصح على مذهب الحق، وانما يصح على مذهبهم، وكون الام امائيا غير كاف، فان المدار على الميت وميراثه، اللهم الا ان يقال: ان هذا ضرر على الام مع انه غير معتقد به ولكن الاخوة والاخوات اخذوا المال على مذهبهم فوصل إلى الراوي من ناحيتهم لا من ناحية الام. * * * 2 - مفاد قاعدة الالزام لاشك انه قد تختلف الاحكام الفرعية بين المذاهب، والقاعدة ناظرة إلى هذا الاختلاف، فقد يكون شخص بمقتضى مذهبه ملزما باداء مال أو شئ آخر، ولكن لا يلزم به على مذهبنا، فيأتي الكلام هنا في جواز اخذه منه ام لا؟ والمستفاد من مجموع الاحاديث المتقدمة انه يجوز الزام المخالفين بمذهبهم واحكامهم. هذا ولكن هناك صور مختلفة: الاولى: اختلاف مذهبنا مع المخالفين. الثانية: اختلافنا مع غير المسلمين. الثالثة: اختلاف مذاهب المخالفين بعضهم ببعض، كالحنفي بالنسبة إلى المالكي، إذا وقع ذلك محل ابتلائنا. الرابعة: اختلاف مذهب الكفار بعضهم ببعض كاليهودي والنصراني. الخامسة: اختلاف المقلدين في مذهب الحق بعضهم ببعض وكذلك اختلاف فقهائهم. والقدر المسلم المعلوم من القاعدة هو الصورة الاولى فقط، ولكن في الروايات السابقة اطلاقات يمكن استفادة العموم منها، مثل ما مر في رواية محمد بن مسلم من قوله: " تجوز على كل ذوي دين ما يستحلون ". وقوله في رواية عبد الله بن طاووس: " انه

[ 165 ]

من دان بدين قوم لزمته احكامهم ". وبعض التعليلات الدالة أو المشعرة بالعموم، مثل قوله عليه السلام في رواية جعفر بن محمد ابن عبد الله العلوي: لانكم لا ترون الثلاث شيئا وهم يوجبونها، وكذلك قوله عليه السلام: في رواية عبد الرحمن البصري " تتزوج هذه المرأة لا تترك بغير الزوج " فان جميع هذه التعابير دالة على العموم. فالقول بشمول القاعدة لغير المسلمين ايضا ليس ببعيد، ولكن الضمير في قوله " الزموهم " وما اشبهه، الوارد في ما سبق من الاحاديث راجع إلى المخالفين قطعا كما لا يخفى على من له انس بروايات الامامية، مضافا إلى ورود التصريح به في غير واحد من روايات الباب، التي مر ذكرها آنفا. وأما شمولها لارباب الاديان المختلفة غير الاسلامية، فيمكن القول به أيضا لما مر من عموم رواية " محمد بن مسلم " و " ابن طاووس " وما سبق من التعليلات أو ما يقوم مقام التعليل. ومنه يظهر الحال فيمن يقتدي بمذاهب المخالفين، إذا اختلف بعضهم لبعض ولكنه لا يخلو من اشكال لاحتمال انصراف اطلاقات الادلة من هذه الصورة. وأما اختلاف الاراء في مذهب الحق بين المجتهدين ومقلديهم فلا ينبغي الاشكال في عدم شمول القاعدة له، لانه قوله " من دان بدين قوم لزمته أحكامهم " أو غير ذلك مما مر من التعبيرات غير شامل له، ولذا ذكر المحقق في الشرايع ان المسلم لا يرث بالسبب الفاسد، فلو تزوج محرمة لم يتوارثا سواء كان تحريمها متفقا عليه كالام من الرضاع أو مختلفا فيه كام المزني بها، وذكر في الجواهر في شرح هذا الكلام انه لو ترافع مقلدة مجتهد مثلا يرى الصحة، عند مجتهد يرى البطلان، حكم عليهم بمقتضى مذهبه، وليس له الزامهم بما وقع منهم من التقليد قبل المرافعة (1).


(1) الجواهر ج 39 ص 325.

[ 166 ]

3 - في موارد شمول القاعدة قد عرفت مما مر ان جل احاديث الباب وردت في " الارث " و " النكاح " و " الطلاق ". ولكن هل يختص الحكم بهذه الابواب الثلاثة، أو يشمل ابواب الوصية والوقف والهبة واحياء الموات والحيازة، وما اشبه ذلك، من الاحكام والحقوق. لا نرى مانعا من شمولها لها بعد عموم الادلة، وشمول الاطلاقات وعدم الدليل على تخصيصها. فلو ان أحدا من المخالفين اوصى بوصية صحيحة عنده، باطلة عندنا، تشمل هذه الوصية اصنافا منا، فأي مانع من الاخذ بمقتضى وصيته، والانتفاع بها، بعد عموم قوله " الزموهم بما الزموا به أنفسهم ". وقوله " يجوز على كل ذوي دين ما يستحله " وقوله " من دان بدين قوم لزمته أحكامهم " وقد مر ذكرها جميعا في طي روايات الباب. وكذلك إذا وهب مالا هبة صحيحة عنده، باطلة عندنا، يجوز التصرف فيه بعنوان الهبة. وهكذا في ابواب المضاربة والاجارة والمزارعة والمساقاة يجوز أخذهم بمقتضى ما يلتزمون به من أحكامهم، كما يأخذون منا بمقتضاها عند قدرتهم. وكذلك الامر في ابواب الحيازة واحياء الموات، فلو ان أحدا منهم عمل ما يوافق قواعد الحيازة والاحياء عندنا، ولكنه لا يراها صحيحة بحسب احكامهم فيتركه من هذه الجهة لا من باب الاعراض الذي يوجب الخروج من الملك مهما كان، فلم لا يجوز الاخذ بمقتضى مذهبهم فيما يكون عليهم، كما يأخذون منا فيما يكون لهم؟

[ 167 ]

ولكن الاصحاب لم يتعرضوا لهذه الفروع في كلماتهم، ولعله لعدم الابتلاء به كثيرا في غير ابواب النكاح والطلاق والارث، ولكن عدم التعرض لها لا يكون دليلا على عدم قبولهم لها مع عموم الادلة، واطلاق الفتاوى احيانا. ثم ان ظاهر قاعدة الالزام بمقتضى مفهوم هذه الكلمة الواردة في الروايات وبمقتضى ذكر " على " في قوله " يجوز على كل ذوي دين ". ان موردها كل ما يكون من الاحكام أو الحقوق بضرر الانسان، فهو ملزم بادائه بمقتضى مذهبه، واما إذا كان مذهبه سببا لنفع جاز منعه منه لمن لا يرى هذا الحق له، وكذا إذا كان حكما فاسدا سببا للتوسعة له. هذا، ولكن الاستدلال بهذه القاعدة في ابواب الطلاق بالنسبة إلى المرأة المؤمنة التي كانت عند مخالف فطلقها على مذهبه، وانه يجوز للمرأة التزويج، وانه لا تترك بلا زوج، ظاهر في عموم مفاد القاعدة، فان نكاح المرأة ليس مخالفا لمنافع زوجها دائما، بل قد يكون موافقا لمنافعه، اللهم الا ان يقال ان المرأة ترى نفسها في قيد زوجية زوجها، وانها متعلقة به، فهذا حق على كل حال فيجوز لها الزام زوجها بمذهبه، والاقدام على النكاح الموجب لتفويت حق الزوج، ومثل هذا أيضا يعود إلى الزامه بمذهبه فيما يكون بضرره من الاحكام والحقوق. إلى هنا ينتهي الكلام في قاعدة الالزام ومالها من الاثار والاحكام.

[ 169 ]

8 - قاعدة الجب (الاسلام يجب عما قبله) * مدركها من الكتاب العزيز * مدركها من السنة وسيرة النبي صلى الله عليه وآله * ما المراد بالجب؟ ومن أي شئ يجب الاسلام؟ * المستثنياة من هذه القاعدة * بناء العقلاء في هذه المسألة

[ 171 ]

قاعدة الجب من القواعد المعروفة بين الاصحاب قاعدة الجب، وموردها ما إذا اسلم انسان فكان عليه ذنوب أو حقوق من قبل، فالاسلام يجب عما قبله اجمالا، وليس مؤاخذا بها، ولكن الكلام في شرايط القاعدة وفروعها، وسعة دائرتها وشمولها لجميع الاحكام أو اختصاصها بدائرة خاصة. ونتكلم فيها: اولا في مدرك القاعدة، وثانيا في مفادها، وثالثا في شرايطها وخصوصياتها وما يتفرع عليها من الفروع فنقول ومن الله التوفيق. * * * 1 - مدرك قاعدة الجب يمكن الاستدلال عليها ببعض آيات الكتاب العزيز وما ورد في السنة، وما علم من سيرة النبي صلى الله عليه وآله والائمة من بعده. الاول: من الكتاب العزيز: قوله تعالى: قل للذين كفروا ان يتنهوا يغفر لهم ما قد سلف وان يعودوا فقد مضت سنة الاولين (1). فانها ظاهرة في ان الانتهاء من الكفر يوجب غفران ما سلف، وعمومية " ما "


(1) سورة الانفال: الاية 38.

[ 172 ]

الموصولية دليل على غفران جميع ما سلف في حال الكفر. واستدل به في " كنز العرفان " في كتاب الصلاة عند البحث عن وجوب القضاء على المرتد، انها تنفي وجوب القضاء عن الكافر الاصلي، للعموم المستفاد من قوله " ما قد سلف " ولكن استشكل في شمولها للمرتد، لعدم دخوله تحت عنوان " الذين كفروا " الظاهر في الكافر الاصلي، ثم نقل استدلال بعض بعموم " الاسلام يجب ما قبله " واورد عليه ما اورد بما هو خارج عن مهمتنا (1). وقال في " الجواهر " في كتاب الصوم: " (والكافر) الاصلي (وان وجب عليه) الصوم لانه ملكف بالفروع (لكن لا يجب) عليه (القضاء) اجماعا بقسيمه (الا ما ادرك فجره مسلما) لان الاسلام يجب ما قبله، بناء على منافاة القضاء وان كان بفرض جديد لجب السابق باعتبار كون المراد منه قطع ما تقدم، وتنزيله منزلة ما لم يقع، كالمراد من قوله تعالى (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) " (2). واستدل أيضا في كتاب الزكاة في باب سقوط الزكاة بالاسلام وان كان النصاب موجودا، ان الاسلام يجب ما قبله، ثم قال المنجبر سندا ودلالة بعمل الاصحاب، الموافق لقوله تعالى " قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " (3). وبالجملة دلالة الاية ظاهرة على المقصود، انما الكلام في مقدار عمومها وظاهرها شمولها جميع حقوق الله الذى تحتاج إلى غفرانه، اعم من المعاصي والواجبات التي تحتاج إلى القضاء أو شبه ذلك. اللهم الا ان يقال: الاية ناظرة إلى المعاصي، والمخالفة العملية والاعتقادية للفروع والاصول، واما ما يتعلق بالقضاء والتدارك وغيرها فهي منصرفة عنها، ولعله


(1) كنز العرفان ج 1 ص 166. (2) الجواهر ج 17 ص 210. (3) الجواهر ج 15 ص 62.

[ 173 ]

لذلك لم يستدل كثير منهم بالاية لقاعدة الجب، ولكن لا ينبغي الشك في شمولها للحودود الالهية الجارية على من ارتكب الزنا وشرب الخمر وغيرهما من اشباههما، فانها مشمولة للغفران. وممن استدل بالاية من المفسرين، لقاعدة الجب، بعض مفسري المتأخرين من العامة حيث ذكر في تفسير الاية رواية " مسلم " من حديث " عمرو بن العاص " قال: فلما جعل الله الاسلام في قلبي اتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت ابسط يدك ابايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، قال مالك؟ قلت اردت ان اشترط، قال تشترط بماذا؟ قلت ان يغفر لي، قال اما علمت يا عمرو ان الاسلام يهدم ما قبله، وان الهجرة تهدم ما قبلها، وان الحج يهدم ما قبله؟! (1) وفي تفسير العياشي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام انه استدل بهذه الاية في جواب علي بن دراج الاسدي حيث قال: اني كنت عاملا لبني امية فاصبت مالا كثيرا فظننت ان ذلك لا يحل لي، قال عليه السلام: فسألت عن ذلك غيري؟ قال قلت قد سألت، فقيل لي ان اهلك ومالك وكل شي حرام، قال: ليس كما قالوا لك، قلت: جعلت فداك فلي توبة قال نعم، توبتك في كتاب الله " قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " (2) ولكن فيها كلام لعله سيمر عليك. * * * الثاني: السنة: 1 - منها الرواية المعروفة التي نقلها العامة والخاصة بعبارات مختلفة في كتب الحديث والفقه والتفسير واللغة. فممن نقله القمي في تفسير قوله تعالى " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر


(1) المنار ج 9 ص 664 (ذيل آية 38 من الانفال). (2) نور الثقلين ج 2 ص 154.

[ 174 ]

من الارض ينبوعا " الاية، ان ام سلمة شفع لاخيها عند النبي صلى الله عليه وآله في قبول اسلامه وقالت له: الم تقل ان الاسلام يجب عما قبله؟ قال صلى الله عليه وآله نعم، ثم قبل اسلامه (1) ورواها الطريحي في مجمع البحرين هكذا: " الاسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها، من الكفر والمعاصي والذنوب " (2). واستدلال فقهائنا في كتب الفقه من كتاب الزكاة، والصلاة، والحج، وغيرها، معروف بينهم، وقد استدلوا بالرواية وادعوا انجبار ضعف سندها من جهة الارسال بالشهرة. وممن نقله من العامة المحدث المعروف مسلم ابن الحجاج في باب كون الاسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة، والحج، عن عمرو بن العاص انه قال بعد كلام طويل: لما جعل الله الاسلام في قلبي اتيت النبي صلى الله عليه وآله وقلت ابسط يمينك لابايعك فبسط يمينه، قال فقبضت يدي، قال مالك يا عمرو؟ قال قلت: اردت ان اشترط، قال تشترط بماذا؟ قلت: ان يغفر لي، قال اما علمت ان الاسلام يهدم ما قبله وان الهجرة تهدم ما قبلها، وان الحج يهدم ماكان قبله (3). وفي السيرة الحلبية: ان " عثمان " شفع في اخيه " ابن أبي سرح " قال صلى الله عليه وآله اما بايعته وآمنته، قال بلى، ولكن يذكر ما جرى منه معك من القبيح، ويستحي قال صلى الله عليه وآله: " الاسلام يجب ما قبله " (4). وفي تاريخ " الخميس " و " السيرة الحلبية " و " الاصابة " لابن حجر في اسلام " هبار " قال: يا هبار! الاسلام يجب ماكان قبله، ونحوه في الجامع الصغير للسيوطي


(1) تفسير القمي ذيل الاية 90 من سورة بنى اسرائيل. (2) مجمع البحرين مادة " جب ". (3) صحيح المسلم ج 1 ص 192 (طبعة دار احياء التراث العربي). (4) السيرة الحلبية ج 3 ص 105.

[ 175 ]

في حرف الالف. وقد رواه جمع آخرون في كتبهم مما يطول البحث بذكرها اجمع. وروى العلامة المجلسي (قدس سره) في " بحار الانوار " عند ذكر قضايا امير المؤمنين عليه السلام عن ابي عثمان النهدي جاء رجل إلى عمر فقال اني طلقت امرأتي في الشرك تطليقة، وفي الاسلام تطليقتين، فما ترى؟ فسكت عمر، فقال له الرجل ما تقول؟ قال كما انت حتى يجئ علي بن ابي طالب فجاء علي عليه السلام فقال قص عليه قصتك فقص عليه القصة فقال علي عليه السلام: هدم الاسلام ماكان قبله، هي عندك على واحدة (1). وروي من طرق العامة أيضا في حكاية اسلام " مغيرة بن شعبة " انه وفد مع جماعة من " بني مالك " على " مقوقيس " ملك مصر فلما رجعوا قتلهما المغيرة في الطريق وفر إلى المدينة مسلما، وعرض خمس اموالهم على النبي صلى الله عليه وآله فلم يقبله، وقال لا خير في غدر، فخاف المغيرة على نفسه، وصار يحتمل ما قرب وما بعد، فقال صلى الله عليه وآله: الاسلام يجب ما قبله. ونقله ابن سعد أيضا في طبقاته. والعمدة انها حديث مشهور في كتب الفريقين واعتمد عليها فقهائهم في المباحث المختلفة، وكفى بذلك في جبر ضعف سندها، ولذا قال المحقق الهمداني (رضوان الله عليه) في مصباح الفقيه في كتاب الزكاة بعد ذكر الحديث ونقل تضعيفه من صاحب المدارك، مانصه: المناقشة في سند هذه الرواية المتسالم على العمل بها بين الاصحاب فمما لا ينبغي الالتفات إليها وكذا في دلالتها (3). * * *


(1) بحار الانوار ج 40 ص 230 (نقلا من مناقب آل أبي طالب). (2) المصباح الفقيه كتاب الزكاة ص 17.

[ 176 ]

2 - مفاد الحديث الفعل الصادر من الكافر حال كفره أو الترك كذلك لا يخلو من وجوه: 1 - ما كان معصية لله كنفس الكفر، والظلم، والفساد في الارض، وقطع الرحم. 2 - ما كان له قضاء كالعبادات المتروكة مثل الصلاة والصيام. 3 - ما ليس له قضاء بل وجوبه دائم ولكنه زالت شرائطه كالحج إذا صار فقيرا بعد الاستطاعة ثم اسلم. 4 - ما تعلق به حق شرعي، ثم انعدم موضوعه، ثم اسلم، كالاموال الزكوية التي لم يؤد حقها. 5 - ما تعلق به حق شرعي وموضوعه باق كالنصاب الموجود من الزكاة بعد حلول الحول، ولكن اسلم بعد زمان تعلق الوجوب. 6 - ماله حد شرعي كشرب الخمور والزنا وحد المحارب. 7 - ماله قصاص في الشرع وليس له فيما بين العرف والعقلاء قصاص. 8 - ماله قصاص في كل دين وطريقة كقتل النفوس الابرياء. 9 - ماله اثر وضعي في الشرع كالتطليقات الثلاث. 10 - ماله اثر وضعي باق موضوعه كالجنابة والرضاع. 11 - الاموال المحرمة شرعا التي اكتسبها حال الكفر من طرق فاسدة في الشرع. 12 - عقوده وايقاعاته المتداولة. 13 - ما اوجبه على نفسه بالنذر وغيره مما هو صحيح في اعتقاده، وفي الشرع. 14 - ديونه التي على عهدته، ومهر زوجته، وبدل اتلافه.

[ 177 ]

لاشك في ان قاعدة الجب لا تشمل جميع ذلك فلا ترتفع عقوده السابقة وكذا ولا ترتفع ديونه بالاسلام، ولا مهر زوجته ولا غير ذلك من اشباهه بل يجب عليه الوفاء بجميعها. وكأنه توهم بعضهم منه العموم لجميع هذه الاصناف فتوهم ورود تخصيصات كثيرة على القاعدة أو انه من قبيل تخصيص الاكثر، فزعم وهن عموم الحديث وعموم القاعدة كما توهم مثل ذلك في قاعدتي " لاضرر " و " القرعة " فاعتقدوا شمول لا ضرر للخمس والزكاة وجميع الواجبات المالية، والحج والنذر والديات والضمانات وقالوا ان الاخذ بعمومها مشكل لورود تخصيص الاكثر عليه بهذه الامور الضررية واشباهها. وكذلك بالنسبة إلى " القرعة " فزعموا شمولها لجميع ما يشك فيه مما يكون مجرى للاصول الاربعة أو الامارات أيضا. وقد ذكرنا في محله ان هذه كلها توهمات وتصورات غير صحيحة ناشئة عن عدم الوصول إلى مغزى القاعدتين، ومن هنا ظهر الاشكال، واما لو وضعناهما موضعهما، لا يرد عليهما تخصيص ابدا، أو يكون التخصيص قليلا جدا، فراجع قاعدتي القرعة ولاضرر في هذا الكتاب. واما بالنسبة إلى حديث " الجب " فالدقة في فحواه ومحتواه تدل على عدم ورود تخصيص عليه أيضا ولورود عليه تخصيص لم يكن الا قليلا. فنقول: الظاهر اللائح من الحديث لاسيما بحكم كونه في مقام الامتنان على جميع من يدخل في الاسلام، وكونه في مقام اعطاء الامن لمن يخاف لاجل اعماله السابقة بعد دخوله في الاسلام، ان الاعمال والتروك التي ارتكبها حال كفره لو كان له في الاسلام مجازاة أو كفارة أو عذاب الهي أو شبه ذلك بعد ما اسلم يرتفع عنه جميع ذلك، والاسلام يجب عما قبله من هذه الامور. وهذا حكم الهي سياسي حضاري يوجب شوقا للنفوس إلى قبول الاسلام، وعدم

[ 178 ]

التنفر عنه، وكذا إذا ارتكب ذنبا في مقابل النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين. توضيحه ان كثيرا من الكفار كانوا ينتبهون من نومتهم وتميل نفوسهم إلى الاسلام بعدما ارتكبوا جرائم كثيرة، ولكن قد يمنعهم خوف المجازاة من قبول الاسلام، وكان هذا سبب ترديدهم في قبول هذا الدين، ولكن الشارع المقدس الاسلامي وسع عليهم بالحكمة الالهية، وقال الاسلام يهدم ما قبله، أو يجب ما قبله (1). اضف إلى ذلك انه لو كان كل انسان إذا اسلم اخذ منه زكاة امواله طول عمره، والزم بقضاء صلواته وصيامه كذلك، واخذ بالحدود الشرعية وانواع التعزيرات لتنفر الطباع عن قبول هذا الدين ولم يكن الاسلام دينا سمحا سهلا. هذا هو معنى الحديث، وحينئذ لا يبقى مجال لتوهم شمولها لعقوده وايقاعاته أو ديونه أو بدل اتلافاته، أو القصاص الذى ثبت عليه بحكم العقلاء، أو غير ذلك من اشباهه، فان هذه امور لا ترتبط بالاسلام والكفر، حتى يجب الاسلام عنها، وليس في الجب عنها امتنان، ولو كان منة على واحد كان خلاف المنة على آخرين ومع ذلك لا يبقى مجال لتوهم ورود تخصيصات كثيرة عليها. هذا خلاصة الكلام في معنى الحديث فلنرجع إلى تفاصيله. فنقول: اما بالنسبة إلى " العقاب الاخروي والدنيوي " فهو مما لاشك في شمول الجب له، بل هذا هو القدر المتيقن من الحديث، والاية، فإذا اسلم الكافر رفع عنه العقاب من ناحية اعماله في حال كفره، وكذا الحدود والتعزيرات كلها، بل الظاهر


(1) ويوافقه معنى " الجب " في اللغة، فانه بمعنى القطع، ولذا يطلق المجبوب على الخصى، فكان الاسلام يقطع ما بعده من عمر الانسان مما قبله، فلا يبقى عليه التبعات وهو موافق لمعنى الهدم، الوارد في رواية أخرى.

[ 179 ]

ان الاية 38 من سورة الانفال: " قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " مختصة به، وكذلك قياسه على التوبة والحج والهجرة في بعض الروايات، أيضا من هذا الباب، ولكن سيأتي ان للقاعدة معنى اوسع من التوبة واشباهها الموجبة للغفران فقط. فعلى هذا يرتفع آثار الفسق عن الكافر بعد ايمانه، ولا يضرب حدا ولا تعزيرا. وأما بالنسبة إلى العبادات التي لها " قضاء " كالصلوة والصوم فهذه وان لم تكن عقوبة بل تداركا لما فات، ولكن الانصاف ان عموم حديث الجب يشملها أيضا، ولذا صرح غير واحد من الاصحاب بارتفاع القضاء عنه بعد الاسلام استنادا إلى حديث الجب. قال في الجواهر بعد كلام المحقق في الشرايع " انه لا يجب على الكافر القضاء الا ما أدرك فجره مسلما " مانصه: لان الاسلام يجب ما قبله، بناء على منافاة القضاء وان كان بفرض جديد لجب السابق، باعتبار كون المراد منه قطع ما تقدم وتنزيله منزلة ما لم يقع (1). وذكر في موضع آخر منه: ويسقط القضاء بالكفر الاصلي بلا خلاف اجده فيه، بل في المنتهى وغيره الاجماع، بل في المفاتيح نسبته إلى ضروري الدين للنبوي " الاسلام يجب ما قبله " وبذلك يخص عموم من فاتته (2). وفي " العناوين ": الظاهر ان الاسلام يجبها (اي حقوق الله المختصة به) مطلقا للخبر، ولظاهر الاجماع فلا يجب عليه قضاء العبادات البدنية. ومما يدل عليه دلالة ظاهرة السيرة المستمرة من لدن زمن النبي صلى الله عليه وآله إلى زماننا هذا انه لا يلزم من اسلم بقضاء عباداته بالنسبة إلى السنين السابقة، ولو كان لبان


(1) الجواهر ج 17 ص 10. (2) الجواهر ج 13 ص 56.

[ 180 ]

وظهر اشد الظهور. واما بالنسبة إلى الحقوق المالية الالهية كالخمس والزكاة فالظاهر انها ايضا كذلك لعمومها، وعدم المانع عنها كما صرح به الاصحاب في فتاويهم، واستندوا إلى الحديث في بعض كلماتهم، ولذا قال في الجواهر " ومنه يستفاد ما صرح به جماعة من سقوطها بالاسلام وان كان النصاب موجودا، لان " الاسلام يجب ما قبله " المنجبر سندا ودلالة بعمل الاصحاب.. بل يمكن القطع به بملاحظة معلومية عدم امر النبي صلى الله عليه وآله لاحد ممن تجدد اسلامة من اهل البادية وغيرهم بزكاة ابلهم في السنين الماضية بل ربما كان ذلك منفرا لهم عن الاسلام، كما انه لو كان شئ منه لصاع وشاع، كيف والشايع عند الخواص فضلا عن العوام خلافه، - ثم قال - فمن الغريب ما في المدارك من التوقف في هذا الحكم لضعف الخبر المزبور سندا ومتنا وللصحاح المتضمنة لحكم المخالف إذا استبصر " (1). ويظهر من كلامه، ومما ذكرناه آنفا، ان السيرة المستمرة بين المسلمين من لدن زمن النبي صلى الله عليه وآله على عدم اخذ الزكوات والاخماس عمن دخل في الاسلام من اقوى الادلة على ذلك. واما ما ذكره في المدارك فلا يخفى ضعفه مما ذكرنا، فان الحديث لا ضعف له من ناحية المتن، ولا يرد عليه تخصيصات كثيرة، كما بيناه آنفا، واما سنده مجبور بعمل الفريقين وشهرته بينهم. وقياس الكافر على المستبصر قياس مع الفارق. ومن هنا ظهر انه لا فرق بين السنين الماضية وبين سنته إذا اسلم بعد زمن تعلق الزكاة لعين ما مر من الادلة. وقال بعض الفضلاء في محاضراته: قد استدل على سقوط الجانب الوضعي عن الزكاة عن الكافر باسلامه بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله " الاسلام يجب ما قبله " فكما


(1) الجواهر ج 15 كتاب الزكاة ص 62.

[ 181 ]

ان الكافر الذي أسلم لا يكلف بقضاء الصلوة والصيام الفائتين منه حال كفره كذلك لا يكلف باعطاء الزكاة عن السنين الماضية حال كفره. هذا ما عليه المشهور بل لم ينقل عن أحد غير صاحبي المدارك والذخيرة التوقف فيه، حيث طعنا في الاستدلال بالحديث بضعفه. والحق انه كذلك لانه لا سند لهذا الحديث عندنا كما انه يمكن المناقشة في الدلالة بان الجب هو القطع، على ما ذكره الطريحي في مجمع البحرين ومعنى الحديث على ما ذكره: ان التوبة تجب ما قبلها من الكفر والمعاصي والذنوب والاسلام يجب ما قبله. والمستفاد من ذلك انه كما تلغى التوبة كل تبعة كانت على العاصي والمذنب كذلك الاسلام يلغي كل تبعة على الكافر أيام كفره، فلا يعاقب على ذلك وهذا لاربط له بالتكليف، ثم ان الحديث لو تم سنده فانه يتضمن الامتنان نظير الامتنان في حديث الرفع أو نفي العسر والحرج أو نفي الضرر، وهو انما يتم إذا لم يعارض بالامتنان في مورد آخر وفي المقام يكون الامتنان على الكافر باسقاط الزكوة عنه معارضا لحق الاصناف الثمانية في الزكاة!. هذا مضافا إلى اشكال عقلي وهو ان البعث سبب إلى العمل المبعوث إليه، فإذا كان العمل المبعوث إليه مقيدا بالاسلام وكان الاسلام مسقطا للتكليف يلزم من علية الشئ لعدم نفسه وهو مستحيل! هذا والانصاف ان شيئا مما ذكره لا يمكن المساعدة عليه ويرد عليه: اولا - ان سند الحديث منجبر بعمل الاصحاب بل علماء الاسلام من الاصحاب وغيرهم. ثانيا - ان عطفه على التوبة لا يوجب تضييق مفهومها بعد اطلاقها. ثالثا - ان الامتنان على من تجدد اسلامه اقوى بمراتب من الامتنان على مستحقي الزكاة، بل لا دليل على انحصارها بموارد الامتنان.

[ 182 ]

ورابعا - اعجب من الكل الاستدلال بعدم جواز علية الشئ لعدمه فان مقتضى الحديث ان الاسلام يكون علة لاثبات التكاليف عليه في المستقبل فقط لا بالنسبة إلى الماضي. واما بالنسبة إلى الواجبات البدنية التي انعدم شرائطها فعلا كالحج بعد زوال الاستطاعة، والظاهر انها أيضا مشمولة لحديث الجب، ويوافقه السيرة المستمرة، فمن كان مستطيعا في الازمنة البعيدة ثم اسلم بعد سنين حال كونه غير مستطيع لا يلزم بالحج. هذا كله مما لا ينبغي الاشكال في دخولها تحت القاعدة. وكذا لا ينبغي الاشكال في خروج بعض ما ثبت فيه القصاص الشرعي، أو الديات الثابتة في الشرع مما لم تكن ثابتة عند العقلاء والاديان السابقة فالظاهر انها أيضا مرفوعة بحكم القاعدة لما عرفت عند تفصيلها. واما قصاص النفس وشبهه مما اشترك فيه الاسلام والكفر وجميع الاديان الالهية وغيرها، فالانصاف انها خارجة عن القاعدة ولا وجه لرفعها بالاسلام، فانها ليست احكاما اسلامية فقط حتى ترتفع عمن لم يؤمن بها، وان هو الا كالديون المالية الثابتة في جميع الشرايع بل وعند من لا يؤمن بأي دين. فلو قتل انسان انسانا آخر ثم اسلم، فالقصاص ثابت وكذا الدية عند اجتماع شرائطها. نعم المعروف من سيرة النبي صلى الله عليه وآله انه لم يعتن بدماء الجاهلية، ولم يؤاخذ احدا بها، وقد اشتهرت منه صلى الله عليه وآله هذا الحديث " الا وان كل شئ من امر الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين ودماء الجاهلية موضوعة " (1).


(1) رواه ابن ماجة في السنن في المجلد الثاني ص 1023 الباب 84 من كتاب المناسك (باب حجة رسول الله " ص ") ورواه أيضا غيره من المحدثين وارباب السير.

[ 183 ]

ولكن الظاهر ان الغاء دماء الجاهلية كان بدليل خاص، وناشيا من علة اخرى وهو انه صلى الله عليه وآله لو اراد الاخذ بدماء الجاهلية والقصاص عنها لظهر فساد كبير ولم يستقر حجر على حجر لابتلاء كثير منهم بدماء الجاهلية فكان مأمورا من عند الله بترك التعرض لها. وكذا الكلام بالنسبة إلى الدماء التي اراقوها في الغزوات الاسلامية عند محاربة الاسلام مع الكفر، فلو ان كافرا حضر في بدر واحد، وقتل من المسلمين ما قتل، ثم اسلم فلم يكن يقتص منه، ولم نسمع ان رسول الله صلى الله عليه وآله اقتص من احد منهم، بل المعروف من قصة وحشي وانه عفا عنه بعد اسلامه، ان الظاهر ان قاعدة الجب يشمل جميع هذه. اما لو لم يكن القتل جاهليا ولا دينيا بل كان قضية خاصة بين كافر وغيره ثم اسلم فحينئذ يشكل اسقاط القصاص أو الدية منه بالاسلام إذا كان هذا ثابتا في مذهبه السابق. وأظهر من هذا الاحكام المتعلقة بالعقود والايقاعات والعقود والنذور والديون المالية، والاتلافات، بل وجميع الضمانات، فلا ترتفع بالاسلام قطعا، فلو ان كافرا غصب مال أحد ثم اسلم، أو عقد على امرأة ثم اسلم، أو ابتاع شيئا من غيره ثم اسلم، أو استدان دينا كذلك، فلا اشكال في بقاء هذه الامور على حالها، والاسلام لا يجبه ولا يقطعه مما سبق بالنسبة إلى هذه الامور. قال بعض المحققين: " ان الحقوق المالية القابلة للتأمل أو المنع عن كونها مشمولة للنص انما هي الحقوق الثابتة عليه لا بشرع الاسلام، كرد الامانات والديون المستقرة في ذمته، والا فقد اشرنا ان الخمس والزكاة والكفارات ونظائرها من الحقوق المالية الناشئة من التكاليف المقررة في دين الاسلام، من أظهر موارد

[ 184 ]

الحديث " (1). بل لا نجد وجها بينا لتأمله (قدس سره) في ثبوت الحقوق المالية والديون وانها ثابتة لا ترتفع. أما بالنسبة إلى مثل حدث الجنابة والحدث الاصغر وشبههما فأحكامها باقية بعد الاسلام، ويجب على الكافر بعد اسلامه الطهارة عنها لصلواته، ولكن هل كان ذلك معمولا في صدر الاسلام في زمن النبي صلى الله عليه وآله وانه كان يدعو من يدخل في الاسلام إلى الطهارة من الجنابة التي كانت به وكذا الحدث الاصغر. الظاهر نعم بالنسبة إلى الحدث الاصغر، فان جديد الاسلام كان يتوضأ كما يتوضأ السملون لصلاتهم واما الاغتسال عن الجنابة السابقة ولو كان قبل سنين فقد يقال انه أيضا لازم وليس ببعيد وان كان لا يخلو عن اشكال. قال في مفتاح الكرامة في كتاب الصلاة عند الكلام في سقوط قضائها عن الكافر: " واستثنى المحقق الثاني في حاشيته حكم الحدث كالجنابة وحقوق الادميين قال والمعلوم ان الذي يسقط ما خرج وقته، وكذلك الشهيد الثاني وفي الذخيرة ان ذلك محل وفاق وكذا مجمع البرهان قال ان حقوق الادميين مستثنى بالاجماع " (2). بل يظهر من بعضهم في بحث مطهرية الاسلام لبدن الكافر ورطوباته المتصلة به من بصاقه وعرقه ونخامته والوسخ الكائن على بدنه، من الاستدلال بحديث الجب له، واورد عليه في المستمسك بانه " يختص بالاثار المستندة إلى السبب السابق على الاسلام وبقاء النجاسة ونحوها ليس مستندا إلى ذلك " (3). ولكن هل كان ذلك معهودا في صدر الاسلام والازمنة المتأخرة عنه؟ وهل


(1) مصباح الفقيه للمحقق الهمداني كتاب الزكاة ص 17. (2) مفتاح الكرامة ج 3 ص 381. (3) المستمسك في الثامن من المطهرات.

[ 185 ]

امروا الكفار بتطهير ابدانهم وثيابهم والاغتسال من الجنابة، مع ان الكافر إذا دخل الاسلام يبقى على حالته السابقة بالنسبة إلى هذه الامور الا ان يؤمر بخلافه؟ لا يخلو عن اشكال. وقال الشهيد الثاني في المسالك في باب غسل الجنابة انه يمكن أن يقال على هذا يحكم عند الاسلام بسقوط وجوب الغسل عنه ان كان في غير عبادة مشروطة به، لان الوجوب من باب خطاب وضع الشرع، ثم إذا دخل وقتها أو كان حاصلا وقت الاسلام حكم عليه بوجوب الغسل اعمالا للسبب المتقدم كما لو اجنب الصبي بالجماع فانه يجب عليه الغسل بعد البلوغ في وقت العبادة (1). ويظهر من الخلاف أيضا وجوب الغسل عليه بعد اسلامه، قال في المسألة " 70 " من كتاب الطهارة ما لفظه: " الكافر إذا تطهر أو اغتسل على جنابة ثم اسلم لم يعتد بهما، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة انه يعتد بهما، دليلنا ما بيناه من ان هاتين الطهارتين تحتاجان إلى نية القربة والكافر لا يصح منه نية القربة في حال كفره لانه غير عارف بالله تعالى فوجب ان لا يجزيه (2). وكلامه وان كان ناظرا إلى غير المقام ولكن يستفاد منه المقصود بطريق أولى. وقال الفقيه الماهر قدس سره في الجواهر في كتاب الطهارة: فإذا أسلم وجب عليه الغسل عندنا بلا خلاف أجده، ويصح منه لموافقته للشرائط جميعها، إذا الظاهر ان المراد بكونه يجب ما قبله انما هو بالنسبة إلى الخطابات التكليفية البحتة، لا فيما كان الخطاب فيه وضعيا كما فيما نحن فيه، فان كونه جنبا يحصل باسبابه فيلحقه الوصف وان اسلم (3).


(1) المسالك ج 1 ص 8. (2) الخلاف ج 1 ص 25 (الطبعة الجديدة). (3) الجواهر ج 3 ص 40.

[ 186 ]

وقال المحقق الهمداني في مصباحه: " لا ينبغي الاحتياط في وجوب الغسل عليه بعد ان أسلم وان لم نقل بكونه مكلفا به حال كفره، إذ غايته أن يكون كالنائم والمغمى عليه وغيرهما، ممن لا يكون مكلفا حين حدوث سبب الجنابة، ولكنه يندرج في موضوع الخطاب بعد استماع شرائط التكليف فيعمه قوله تعالى " وان كنتم جنبا فاطهروا " وقوله عليه السلام: " إذا دخل الوقت وجب الصلاة والطهور " ولا ينافي ذلك ما ورد من ان الاسلام يجب ما قبله لان وجوب الغسل لصلاته بعد ان أسلم من الامور اللاحقة فلا يجبه الاسلام، وحدوث سببه قبله لا يجدي لان الاسلام يجعل الافعال والتروك الصادرة منه في زمان كفره في معصية الله تعالى كأن لم تكن، لا ان الاشياء الصادرة منه حال كفره يرتفع آثارها الوضعية خصوصا إذا لم يكن صدورها على وجه غير محرم، كما لو بال أو احتلم فانه كما لا ترتفع نجاسة ثوبه وبدنه المتلوث بهما بسبب الاسلام كذلك لا ترتفع الحالة المانعة من الصلاة الحادثة بسببهما وكيف كان فلا مجال لتوهم ارتفاع الحدث بالاسلام كما لا يتوهم ذلك بالنسبة إلى التوبة التي روي فيها أيضا انها تجب ما قبلها (1). ولكن العمدة ما عرفت من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وانه هل كان يأمر من دخل الاسلام بالاغتسال عن الجنابة (2) مع ان كلهم أو جلهم كانوا مبتلين باسبابها، لم نر ما يدل على ذلك، الا روايات رواها البيهقي في سننه تدل على امر النبي صلى الله عليه وآله لمن اسلم أو اراد الاسلام بالاغتسال في بعض الروايات، وبالاغتسال بالماء والسدر كما في روايات اخرى، من غير تصريح فيها بعنوان غسل الجنابة، فان قلنا بكفاية ذلك عن جميع ما كان عليه من الاغسال، حتى غسل الحيض والنفاس بالنسبة إلى النساء اللاتي دخلن في الاسلام، وتم اسناد هذه الاحاديث كان الامر واضحا، والا بقى الاشكال، وعلى


(1) المصباح للهمداني كتاب الطهارة مبحث الغسل. (2) السنن الكبرى للبيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 171 (باب الكافر يسلم فيغتسل).

[ 187 ]

كل حال لاشك انه لا ينبغي ترك الاحتياط بالاغتسال لعدم ظهور شمول قاعدة الجب له وعدم الاطمينان بوجود السيرة على خلافه. اما الاحكام الوضعية كالرضاع والمحرمات السببية كدمومة الزوجة التي حصلت بينها وبين غيرها قبل اسلامها فلا ينبغي الشك في اجراء احكامها عليها لانه يصدق عليه بعد الاسلام الاخ الرضاعي، أو صهر البنت، أو ام الزوجة أو غير ذلك من هذه العناوين، فلا مساس للقاعدة بهذه الامور التي موضوعاتها باقية وليست من العقوبات وشبهها، لما عرفت في معنى الحديث. أما مثل " التطليقات الثلاث " التي تحقق جميعها أو بعضها قبل الاسلام ثم أسلم فالظاهر انه كذلك، لانه الفراق اثر وضعي اعتباري للتطليقات، ولا دخل للاسلام والكفر فيه، وليس من العقوبات وشبهها حتى يجب الاسلام عنه، اللهم الا أن يقال ان مثل هذا الحكم لم يثبت من قبل، بل هو حكم اسلامي في هذا الدين، فالاسلام يرفعه، وعليه يحمل ما رواه في البحار عن أبي عثمان النهدي قال: جاء رجل إلى عمر فقال اني طلقت امرأتي في الشرك تطليقة وفي الاسلام تطليقتين فما ترى؟ فسكت عمر، فقال له الرجل ما تقول؟ قال كما انت حتى يجئ علي بن ابي طالب عليه السلام فجاء علي عليه السلام فقال قص عليه قصتك، فقص عليه القصة فقال علي عليه السلام هدم الاسلام ماكان قبله، هي عندك على واحدة (1). وقد عرفت روايته من طرق أهل السنة أيضا. ولازمه سقوط ما وقع من الطلاق في حال الكفر فيقتصر على ما وقع في حال الاسلام فيعتبر من تطليقاته الثلاث تطليقتان وتتوقف الحرمة على تطليقة واحدة أخرى والظاهر ان هذا هو معنى قوله " هي عندك على واحدة ". ولكن سند الرواية ضعيف، والعمل على وفقها لاسيما مع عموم الدليل وهو


(1) بحار الانوار ج 40 ص 230.

[ 188 ]

قوله " هدم الاسلام ما كان قبله " يوجب العمل بهذا في سائر الاسباب والشرائط الشرعية ولا تظن احدا يلتزم به، فالاولى أن يقال ان العمومات تقتضي القول باعتبار طلاقه قبل الاسلام، وحصول التطليقات الثلاث في مفروض المسألة فتحرم عليه المرأة، وأما الحديث لا جابر له فاللازم ايكال أمرها إلى أهلها. ويؤيد ما ذكرنا ما ورد في عدة النصرانية إذا أسلم، فقد روى زرارة في رواية صحيحة عن أبي جعفر عليه السلام قال سألته عن نصرانية - إلى أن قال - إذا أسلمت بعد ما طلقها، فان عدتها عدة المسلمة (الحديث) (1). فانها صريحة في صحة طلاقها من زوجها، ويبقى عليها العدة، وحيث انها أسلمت يجب عليها الاعتداد بعدة المسلمة. هذا تمام الكلام في مفهوم الروايات ومحتواها، وسعة دائرتها، ومقدار شمولها وبيان ما هو خارج عنها أو داخل فيها وتحصل من جميع ذلك أن القاعدة لا ترد عليه تخصيصات كثيرة ولو ثبت تخصيص في بعض الموارد فاللازم الاخذ به ويبقى الباقي تحتها. * * * 3 - بناء العقلاء هنا ومما يدل على قاعدة الجب أو يؤكدها تأكيدا تاما ما اسلفناه عند الكلام في السنة وانها بشكل آخر دارجة بين العقلاء وأهل العرف، ولعل الشارع امضاها، وهو ان القوانين عندهم لا تعطف على ما سبق، ومرادهم من ذلك ان القوانين المجعولة عندهم لا تشمل المصاديق التي كانت سابقة على جعلها، لاسيما إذا كان من العقوبات والداخل في دين جديد في الواقع يكون كمن سبق قانونا فلا يشمله ذلك. وحكمه هذا الاصل بينهم ان شمول القوانين لما سبق من المصاديق كثيرا ما


(1) الوسائل ج 15 كتاب الطلاق ابواب العدد الباب 45 الحديث 1:

[ 189 ]

يوجب الهرج والمرج واختلال النظام، ومفاسد أخرى لا تخفى على أحد. وهذا لو لم يعد دليلا على القاعدة ولكن يمكن أن يكون سببا لانصراف العمومات والاطلاقات الواردة في العقوبات وشبهها مما صدر في حال الكفر. اضف إلى ذلك لزوم العسر والحرج الشديد من عدم جب الاسلام عما قبله وهذا وان لم يكن دليلا عاما شاملا لجميع مصاديقه، ولكن يشمل كثيرا منها وكيف لا يجب الاسلام عما قبله وقد قال الله تعالى " هو اجتبيكم وما جعل عليكم في الدين من حرج " (1). وقوله صلى الله عليه وآله: " بعثت إلى الشريعة السمحة السهلة " (2) وأي حرج أعظم من ان يؤخذ بعد اسلامه بما فعله في حال الكفر؟ وأي سهولة وسماحة في دين يؤاخذ من دخل فيه بما صدر منه قبل ذلك ولو بسنين كثيرة؟ نعم هذا الدليل كما قلنا لا يجري في جميع موارد قاعدة الجب ولكن كثير من مصاديقها داخلة فيه فهو مؤيد لما سبق أيضا. إلى هنا تم الكلام في قاعدة الجب بعون الله تعالى في يوم الاثنين 28 ذي الحجة سنة 1404.


(1) سورة الحج: الاية 78. (2) رواه في صحيح البخاري في المجلد الاول ص 16 باب الدين يسر، عنه صلى الله عليه وآله ولكن متن الحديث هكذا: احب الدين إلى الله الحنفية السمحة وعن مسند احمد ج 6 ص 116.

[ 191 ]

9 - قاعدة الاتلاف (من اتلف مال الغير فهو له ضامن) * معنى القاعدة * مدركها من كتاب الله * مدركها من السنة، وفيها عشر طوائف من الاحاديث * بناء العقلاء هنا * استقرار اجماع العلماء عليه * الاتلاف بالمباشرة والتسبيب * مسألة تعدد الاسباب * لا فرق بين العلم والجهل في المسألة * الفرق بين الغصب والاتلاف

[ 193 ]

قاعدة الاتلاف والكلام في هذه القاعدة يقع في مقامات: 1 - معنى القاعدة اجمالا. 2 - مداركها. 3 مفادها تفصيلا. 4 - ما يتفرع عليها من الفروع. * * * 1 - معنى القاعدة معنى القاعدة على اجمالها ظاهر لا غبار عليه، وهو ان من اتلف مالا أو المنافع المترتبة على مال بسبب من الاسباب، عالما أو جاهلا، مما يتعلق بالغير فهو مكلف باداء مثلها أو قيمتها. وذلك إذا لم يكن باذن صاحبها بل غصبا عليه أو بغير رضى منه، وهذه القاعدة سارية في كثير من ابواب الفقه، يستند إليها الفقهاء من العامة والخاصة، بل هي قاعدة عقلائية قبل أن تكون شرعيه كما سنتكلم فيه ان شاء الله. والمقصود هنا بيان القاعدة على نحو كلي كما يقتضيه كيفية البحث في القواعد الفقهية، وأما جزئياته وخصوصياته، وما قد يرد عليه من الاستثناء فهي من وظائف

[ 194 ]

الكتب الفقهية، لا ما يبحث عن قواعدها. وهذه القاعدة - كما سيأتي ان شاء الله - من شؤن سلطنة المالك على ماله فان تلك السلطنة تقتضي جواز أخذ المتلف بما يكون عوضا للمال، أو المنفعة. * * * 2 - مدرك قاعدة الاتلاف المعروف في كلمات من تعرض للقاعدة هو هذا العنوان " من اتلف مال الغير فهو له ضامن " ولكن هذه العبارة لم توجد في رواية مما ورد في كتب الفريقين، كما اعترف به غير واحد، ومن المحتمل قويا انه قاعدة مصطادة من الروايات الكثيرة الواردة في موارد خاصة، بحيث يعلم بالغاء الخصوصية عنها، ومن بناء العقلاء وغيره كما سيأتي ان شاء الله. وعلى كل حال فما يمكن ان يستدل به للقاعدة أمور: الاول: من كتاب الله ويمكن الاستدلال لها بالايات التالية: 1 - " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) فان اطلاقها يشمل الاعتداء في الانفس والاموال، ومن الواضح ان ما يعطى به قصاصا أو تقاصا وشبهه ليس من الاعتداء ولكن اطلق عليه هذا العنوان في الاية تغليبا، كما ان من الواضح انه ليس معنى الاعتداء بالمثل أن يكسر اناء في مقابل كسر اناء، بل ان يؤخذ قيمة اناء في مقابل كسر اناء، فهذا هو الاعتداء بالمثل في هذه الموارد عرفا وكذلك من احرق بيت انسان ليس له الاعتداء بمثل احراق بيته، بل يأخذ قيمته وما يعاد له. واما ان الاية هل تدل على ضمان المثل، أو الاعم منها؟ فهو بحث آخر لسنا بصدده فعلا، انما الكلام في دلالتها على المقصود اجمالا.


(1) سورة البقرة: الاية 114.

[ 195 ]

2 - قوله تعالى " وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " (1). بناء على ان المعاقبة تشمل الاموال والانفس فانها في اللغة بمعنى المجازاة والاخذ بالذنب والاقتصاص، ولكن شمولها للاموال لا يخلو عن اشكال. قال الراغب في المفردات: " والعقوبة والمعاقبة والعقاب يختص بالعذاب كما ان العقب والعقبى يختصان بالثواب " ويستفاد من كلامه ان اطلاق العقوبة والعقبى على الثواب والعقاب من جهة كونهما في عقب المعصية والطاعة. 3 - قوله تعالى " وجزاء سيئة مثلها فمن عفا واصلح فاجره على الله انه لا يحب الظالمين " (2). بناء على اطلاق السيئة وعمومها لاتلاف الاموال والمنافع، وحينئذ جزاوء سيئة سيئة مثلها لكن لا بمعنى اتلاف مال أو منفعة في مقابله، بل بمعنى اخذه فان القصاص بماله من المعنى الخاص مخصوص بالانفس لعله لا تخفى، واما في الاموال فيحث ان اتلافها حرام لا يكون التقاص الا باخذ مال مثله أو بقدر قيمته. هذا ما يمكن الاستدلال به من آيات الذكر الحكيم، ولكن العمدة في هذا المقام لسيت هذه الايات لاجمالها بل الروايات التالية. * * * الثاني: السنة يمكن الاستدلال لها بروايات كثيرة وردت في ابواب مختلفة، وهي وان كانت مختصة بمواردها، ولكن ملاحظة المجموع توجب القطع بعدم اختصاصها بباب دون باب وهي طوائف: الطائفة الاولى: ما ورد في ابواب الضمان.


(1) سورة النحل: الاية 126. (2) سورة الشورى: الاية 40.

[ 196 ]

منها ما رواه العلاء ابن فضيل عن أبي عبد الله عليه السلام انه سئل عن رجل يسير على طريق من طرق المسلمين على دابته فتصيب برجلها، قال: ليس عليه ما اصابت برجلها، وعليه ما اصابت بيدها، وإذا وقف فعليه ما اصابت بيدها ورجلها، وان كان يسوقها فعليه ما اصابت بيدها ورجلها أيضا (1). وهذه الرواية واشباهها اقوى شاهد على ان اصل ايجاب الاتلاف للضمان كان امرا مفروغا عنه عندهم، وانما كان السؤال والجواب يدوران حول بيان مصداق الاتلاف، ولذا بين الامام عليه السلام ان السائر على الطريق لابد ان يراعي يدى دابته حتى لا تصيب بيديها، فلو اتلف بيديها شيئا فعلى راكبها، لانه المتلف بالتسبيب واما لو اصاب برجليها فالعهدة على من لم يلاحظ ذلك، ولكن إذا كانت الدابة متوقفة، أو إذا كان صاحبها خلفها يسوقها فعليه ما اصابت بيدها ورجلها، لصدق التسبيب عليه في ذلك، فلو لم يكن اصل الضمان بالاتلاف امرا مفروغا عنه لم يقع السؤال عن خصوصيات اسبابه ومصاديقه. وفي هذه الرواية أيضا دلالة على عدم الفرق بين العمد والخطأ وبين المباشرة والتسبيب. ومنها: ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام انه سئل عن الرجل يمر على طريق من طرق المسلمين فتصيب دابته انسانا برجلها فقال ليس عليه، ما اصابت برجلها ولكن عليه ما اصابت بيدها، لان رجليها خلفه ان ركب، فان كان قاد بها فانه يملك باذن الله يدها يضعها حيث يشاء (2). وفي هذه الرواية من التعليل ما يبين المقصود، وأيضا ذيلها الوارد في مورد القيادة التي يكون صاحب الدابة فيها مقدما عليها شاهد على المقصود.


(1) الوسائل ج 19 كتاب الديات ابواب موجبات الضمان الباب 13 الحديث 2. (2) الوسائل ج 19 كتاب الديات ابواب موجبات الضمان الباب 13 الحديث 3.

[ 197 ]

وفي معناهما روايات اخر وردت في نفس هذا الباب، وان كان بعضها تدل على الضمان بما اصاب باليد والرجل من الدابة، ولكنها لو كانت معارضة من هذه الناحية - وليست متعارضة كما ذكرناه في محله - لم يضر بما نحن بصدده من الضمان بالاتلاف لان تعارضها في تشخيص المصداق. منها: ما ورد في باب ان صاحب البهيمة لا يضمن ما افسدت نهارا ويضمن ما افسدت ليلا. مثل ما رواه السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام قال كان علي عليه السلام لا يضمن ما افسدت بالبهائم نهارا ويقول على صاحب الزرع حفظ زرعه وكان ما يضمن ما افسدت البهائم ليلا (1). وفي معنى هذه الرواية روايات اخر كلها بهذا المضمون، وهي أيضا شاهدة على ما ذكرنا شهادة قوية، حيث ان اصل الضمان بالاتلاف جعل امرا مفروغا عنه ووقع الكلام في مصاديق الاتلاف، ففي الاماكن التي تكون المتعارف حفظ الزرع على صاحبه طول اليوم لا يكون صاحب الدابة ضامنا عند ارسالها نهارا، واما في الليل فعليها ان يوثق دابتها، فلو ارسلها كان ضامنا لما تتلفه. ومن الواضح لو كان هناك أماكن يكون المتعارف فيها حفظ الدابة فيها ليلا ونهارا فلو أرسلها صاحبها كان ضامنا لما تتلفه. الطائفة الثانية: ما ورد في ابواب الحدود المشتمل على تعليل يمكن استفادة العموم منه. مثل ما رواه سدير عن ابي جعفر عليه السلام في الرجل يأتي البهيمة قال يجلد دون الحد ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها لانه افسدها عليه (الحديث) (2).


(1) الوسائل ج 19 كتاب الديات ابواب موجبات الضمان الباب 40 الحديث 1. (2) الوسائل ج 18 كتاب الحدود والتعزيرات ابواب نكاح البهائم الباب 1 الحديث 4.

[ 198 ]

وقوله " لانه افسدها عليه " في معنى من افسد أو اتلف مال الغير فعليه غرامته، فالرواية وان وردت في مورد خاص ولكن يمكن استفادة العموم منها بحسب تعليله. وفي معناه رواية أخرى وردت في نفس الباب ولكنها خالية عن التعليل. الطائفة الثالثة: ما وردت في ابواب الديات وهي كثيرة: مثل ما رواه الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال سئلته عن الشئ يوضع على الطريق فتمر الدابة فتفر بصاحبها فتعقره فقال: كل شئ يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه (1). وصدرها وان كان ناظرا إلى حكم دية الانسان وهو خارج عن ما نحن فيه، ولكن عموم التعليل يشمل الخسارة الواردة على الحيوان أو غيره مما هو داخل في المقصود. منها ما رواه داود بن سرحان عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل حمل متاعا على رأسه فاصاب انسانا فمات أو انكسر منه فقال هو ضامن (2). وما رواه السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من اخرج ميزابا أو كنيفا أو اوتد وتدا أو اوثق دابة أو حفر شيئا في طريق المسلمين فاصاب شيئا فعطب فهو له ضامن (3). فان قوله اصاب شيئا يشمل الانسان والحيوان وغيرهما ولعل الاظهر في مثل هذا التعبير غير الانسان. الطائفة الرابعة: ما ورد في ضمان الاجير بالنسبة إلى ما يفسده وهي كثيرة جدا: منها ما رواه الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال سئل عن القصار يفسد، فقال كل اجير


(1) الوسائل ج 19 كتاب الديات ابواب موجبات الضمان الباب 9 الحديث 1. (2) الوسائل ج 19 كتاب الديات ابواب موجبات الضمان الباب 10 الحديث 1. (3) الوسائل ج 19 كتاب الديات ابواب موجبات الضمان الباب 11 الحديث 1.

[ 199 ]

يعطى الاجرة على ان يصلح فيفسد فهو ضامن (1). وفي معناه روايات أخر عن الحلبي واسمعيل ابن ابي الصباح والسكوني وغيرهم (راجع الباب 29 و 30 من ابواب احكام الاجارة من المجلد الثالث عشر من الوسائل). والتقييد الوارد في غير واحد منها بقوله يعطى الاجرة على ان يصلح لا يخل بالمقصود وهو في مقابل من لا يعطى الاجرة ويكون اخذه للمتاع بعنوان الوديعة أو مثلها، وعلى كل حال فهي وان لم تكن عامة ولكن بالانضمام إلى غيرها كاف في اثبات المقصود. الطائفة الخامسة: ما ورد في باب شاهد الزور مما يدل على ضمانه لما اتلفه وافسده مثل ما رواه جميل عن ابي عبد الله عليه السلام في شاهد الزور قال ان كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه وان لم يكن قائما ضمن بقدر ما اتلف من مال الرجل (2). والتعبير الوارد في ذيله بقوله بقدر ما اتلف لا يخلو عن اشعار بالعموم. ومثله رواية اخرى عنه وعن محمد بن مسلم ورد في ذاك الباب بعينه. الطائفة السادسة: ما ورد في ابواب العتق في باب عتق احد الشركاء نصيبه: مثل ما رواه سليمان بن خالد عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن المملوك يكون بين شركاء فيعتق احدهم نصيبه قال ان ذلك فساد على اصحابه فلا يستطيعون بيعه ولا مواجرته، قال يقوم قيمة فيجعل على الذي اعتقه وانما جعل ذلك لما افسده (3). وما رواه سماعة قال سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق احدهم نصيبه فقال هذا فساد على اصحابه يقوم قيمة ويضمن الثمن الذي اعتقه، لانه افسده على اصحابه (4).


(1) الوسائل ج 13 كتاب الاجارة ابواب احكام الاجارة الباب 29 الحديث 1. (2) الوسائل ج 18 كتاب الشهادات ابواب الشهادات الباب 11 الحديث 2. (3) الوسائل ج 16 ابواب العتق الباب 18 الحديث 9. (4) الوسائل ج 16 ابواب العتق الباب 18 الحديث 5.

[ 200 ]

وما ورد في ذيلهما من التعليل بالافساد مما يمكن استفادة العموم منه. الطائفة السابعة: ما ورد في ابواب الرهن. مثل ما رواه اسحق بن عمار قال سألت ابا ابراهيم عن الرجل يرهن الرهن بمائة درهم وهو يساوي ثلاث مائة درهم فيهلك اعلى الرجل ان يرد على صاحبه مأتي درهم؟ قال نعم لانه اخذ رهنا فيه فضل وضيعه (1). والتعليل الوارد في ذيله مما يدل على العموم وان كل من ضيع شيئا فعليه ضمانه. فلا يقدح في الاستدلال به ظهور مورده في التلف لا في الاتلاف لان التعليل صريح في العموم. وفي معناه روايات اخر وردت في ذاك الباب بعينه. الطائفة الثامنة: ما ورد في احكام الوصية، وانه إذا وضعها في غير موضعها فهو ضامن لها. مثل ما رواه محمد بن وارد قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اوصى إلى رجل وامره ان يعتق عنه نسمة بستة مائة درهم من ثلثه، فانطلق الوصي فاعطى الثمانمائة درهم رجلا يحج بها عنه، فقال له أبو عبد الله عليه السلام أرى ان يغرم الوصي ستمائة درهم من ماله ويجعلها فيما اوصى الميت في نسمة (2) وفي معناه روايات اخر واردة في ذاك الباب بعينه كلها تدل على ان الوصي ضامن لما اتلف ووضعه في غير موضعه، وعليه ان يغرم من ماله ويأتي بالوصية على وجهها. الطائفة التاسعة: ما ورد في ابواب العارية وانها إذا هلكت وكان صاحبها مأمونا لا غرم عليه، والذي يدل بمفهومه على انه لو لم يكن مأمونا واحتمل في حقه التفريط


(1) الوسائل ج 13 ابواب احكام الرهن الباب 7 الحديث 2. (2) الوسائل ج 13 ابواب احكام الوصايا الباب 37 الحديث 1.

[ 201 ]

أو الاتلاف تعمدا فعليه الضمان. مثل ما رواه محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل اعار جارية فهلكت من عنده ولم يبغها غائلة، فقضى ان لا يغرمها المعار، ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة (1). فان في قوله ما لم يكرهها أو يبغها غائلة دلالة ظاهرة على انه لو اتفلها كان عليه الضمان. وما رواه عبد الله بن سنان عن ابا عبد الله عليه السلام قال سألته عن العارية فقال لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأمونا (2). وفي معناه روايات اخر واردة في ذاك الباب بعينه. الطائفة العاشرة: ما ورد في ابواب الزكاة وان من بعث بزكاته إلى اخيه ليقسمها ففسدت أو تغيرت فهو ضامن لها إذا وجد لها اهلا. مثل ما رواه زرارة قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل بعث إليه اخ له زكاته، ليقسمها فضاعت، فقال ليس على الرسول ولا على المؤدي ضمان قلت فانه لم يجد لها اهلا ففسدت وتغيرت ايضمنها؟ قال لا، ولكن إذا عرف لها اهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها (3). فان ابقاء الشئ الذي يقبل الفساد مع وجود المصرف له من مصاديق الاتلاف والافساد فيدخل في قاعدة من اتلف. فهذه طوائف عشر كلها تدل على المطلوب، مضافا إلى غير ذلك مما يجده المتتبع في مختلف ابواب الفقه وكتبه مما يدل بوضوح على ان " ضمان من اتلف


(1) الوسائل ج 13 ابواب احكام العارية الباب 1 الحديث 9. (2) الوسائل ج 13 ابواب أحكام العارية الباب 1 الحديث 2. (3) الوسائل ج 6 كتاب الزكاة ابواب المستحقين للزكاة الباب 39 الحديث 2.

[ 202 ]

مال غيره " كان من المسائل الواضحة عند جميع الناس، ولذا لم يقع السؤال عن اصل المسألة، بل عن مصاديقها المشكوكة، وقد عرفت ان غير واحد منها يدل على العموم بمقتضى التعليلات الواردة فيها، وما لا يدل على العموم يمكن الغاء الخصوصية عنه، بعد ما عرفت من وروده في ابواب كثيره غاية الكثرة، حيث لا يحتمل احد اختصاص الاحكام الواردة فيها بمواردها، ولعمري ان المسألة من الوضوح بمكان لا يرتاب فيها احد. * * * 3 - بناء العقلاء هذه القاعدة كما ذكرنا قاعدة عقلائية مضافا إلى كونها شرعية كما في كثير من القواعد الفقهية بل جلها أو كلها، ولا يزال العقلاء واهل العرف يستندون إليها في امورهم، ويرون من اتلف مال الغير بدون حق ضامنا لما اتلفه من اي جنس ومن اي نوع من المنافع ولا ينكر ذلك احد على احد بل يعدون كبرى القاعدة من المسلمات التي لا كلام لهم فيها ويلتمسون صغراها ومصاديقها، فلو تمت الصغرى عندهم وثبت موضوع الاتلاف بالنسبة إلى عين أو منفعة، كان الضمان مفروغا عنه عندهم. ولا فرق في ذلك بين ارباب المذاهب وغيرهم، وكثيرا ما يوسعون دائرتها اكثر مما ورد في الشرع فيحكمون بضمان منافع الحر عند اتلافها ويقولون بوجوب التدارك المالي عند هتك الاعراض وشبهها، وبالجملة كون القاعدة عندهم من المسلمات مما لا ينبغي الشك فيه، وحيث لم يردع عنها الشارع بل امضاها في كثير من كلماته فهي ثابتة في الشرع ايضا، ولعمري ان هذا من اقوى الادلة على المسألة نعم لها استثنائات عندهم كما هو كذلك في الشرع ولكن هذا قادحا في عمومها فيما لم يثبت الاستثناء بدليل. وان شئت اختبر حالهم في اصطدام السيارات فانهم يرون السبب الاصلي

[ 203 ]

ضامنا ولكن لا يزالون يبحثون ويفتشون عنه، حتى انه قد يخفى امره ويسئل اهل الخبرة في ذلك، واما إذا ثبت ان السبب في الاتلاف من هو، فلا يشك احد منهم في وجوب اداء الخسارة عليه ويتعجبون غاية العجب ممن يقر بانه السبب في الخسارة والاتلاف ولكن لا يعترف بوجوب جبرانها وتداركها * * * 4 - الاجماع ويدل على حجية القاعدة اجماع العلماء واهل الشرع ايضا، والاجماع وان لم يكن حجة في مثل هذه الموارد، مما يمكن فيه ادلة اخرى يمكن استناد المجمعين إليها، ولكن يؤيد المقصود ويسدد الادلة الاخرى. قال شيخ الطائفة في المبسوط: الماشية إذا افسدت زرعا لقوم فان كانت يد صاحبها علهيا فعليه ضمان ما اتلف لان جنايتها كجنايته، وفعلها كفعله (1). وقال ايضا إذا كان لرجل كلب عقور فلم يحفظه فاتلف شيئا كان عليه ضمانه لانه مفرط في حفظه (2). ومن الجدير بالذكر انه ارسل الحكم بالنسبة إلى ضمان المتلف ارسال المسلمات، ولم يتعرض له بل انما تعرض لبعض مصاديقه الذي قد يخفى على الناظر فاكتفى بمساواة جناية الماشية أو الكلب العقور لجناية صاحبها في اثبات الضمان، فلو لم يكن ضمان المتلف من الواضحات لم يقنع بذلك حتى انه لم يستدل بالاجماع لاثبات الكبرى هنا لكونها أوضح من أن يحتاج إليه. وقال العلامة في التذكرة: المباشرة للاتلاف ضامن بلا خلاف (3). وقال في الجواهر: الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه ان كان قاصرا... بلا خلاف


(1 و 2) المبسوط ج 8 ص 72 كتاب الدفع عن النفس. (3) التذكرة ج 2 ص 374.

[ 204 ]

أجده في شئ من ذلك... وفي الرياض: هذا الحكم مما لم نجد خلافا فيه، في صورة كان الطبيب قاصرا (1). وقال ايضا في شرح قول المحقق " وهنا اسباب أخرى يجب معها الضمان.. الاول مباشرة الاتلاف " مانصه: بلا خلاف فيه بين المسلمين فضلا عن المؤمنين بل الاجماع بقسميه عليه ان لم يكن ضروريا (2). والانصاف ان هذا الحكم ضروري عند المسلمين كما اشار إليه. وقال أيضا في مسألة " لو أرسل في ملكه ماءا فاغرق مال غيره أو اجج فيه فاحرق لم يضمن ما لم يتجاوز قدر حاجته اختيارا " بلا خلاف أجده فيه، ثم قال الا ان الانصاف عدم خلو ذلك عن النظر ضرورة المفروغية من قاعدة من اتلف التي لهجت بها ألسنة الفقهاء في كل مقام (3). وقال العلامة الانصاري قدس سره في مكاسبه: إذا اتلف المبيع فان كان مثليا وجب مثله بلا خلاف (4). وقال السيد الرشتي في كتابه المعروف (الغصب) عند ذكر اسباب الضمان غير اليد وهو كثيرة الا أن مرجعها إلى شئ واحد وهو الاتلاف فنقول انه ينقسم إلى قسمين أحدهما ماكان على وجه المباشرة وثانيهما ماكان على وجه التسبيب. أما الاول فلا اشكال ولا كلام في موضوعه ولا في حكمه لان مباشرة الاتلاف امر متضح كما ان ايجابه الضمان من الواضحات المجمع عليها (5). إلى غير ذلك مما طفحت به آثارهم وكلماتهم في مصنفاتهم في الفقه وغيره،


(1) الجواهر ج 43 كتاب الديات ص 44. (2) الجواهر ج 37 كتاب الغصب ص 46. (3) الجواهر ج 37 كتاب الغصب ص 59. (4) المكاسب ص 105. (5) كتاب الغصب ص 29.

[ 205 ]

ما لو حاولنا نقله لكان كتابا ضخما، وفيما ذكرنا غنى وكفاية، فلنرجع إلى بيان ما بقى في المسألة في القاعدة من الخصوصيات بذكر تنبيهات: تنبيهات الاول: - الاتلاف اما بالمباشرة أو بالتسبيب ذكر الفقهاء رضوان الله عليهم في كلماتهم تقسيم الاتلاف على قسمين: الاتلاف بالمباشرة وبالتسبيب وقد يقال في تعريف الاول ان ضابط المباشرة صدق نسبة الاتلاف إليه، وفي تعريف الثاني ان ضابط السبب ما لولاه لما حصل التلف، لكن علة التلف غيره، كحفر البئر ونصب السكين والقاء الحجر (يعني في الطريق) فان التلف عنده بسبب العثار (1). وقد يقال المراد بالمباشر اعم من ان يصدر منه الفعل بلا آلة كخنقة بيده، أو ضربه بها، أو برجله، فقتل به، أو بآلة كرميه بسهم ونحوه، أو ذبحه، أو كان القتل منسوبا إليه بلا تأول عرفا، كالقائه في النار أو غرقه في البحر، أو القائه من شاهق، إلى غير ذلك من الوسائط التي معها تصدق نسبة القتل إليه. وقال العلامة في كتاب الديات من القواعد عند تعريف السبب، ان السبب هو كل ما يحصل التلف عنده بعلة غيره، الا انه لولاه لما حصل من العلة تأثير كالحفر مع التردي. وقال ولده قدس سرهما في الايضاح لو حبس الشاة أو حبس المالك عن حراسة ماشيته فاتفق تلفها، أو غصب دابة فتبعها ولدها يصدق في الاول من انه مات بسببه لصحة اسناده إليه عرفا، ولان السبب هو فعل ما يحصل الهلاك عنده لعلة سواه وهذا تفسير بعض الفقهاء، وزاد آخرون ولولاه لما اثرت العلة، وهذا التفسير اولى.


(1) ذكره في الجواهر في شرح كلام المحقق ج 43 ص 43 و 95.

[ 206 ]

والانصاف ان كثيرا من هذه التعاريف غير نقية عن الاشكال، فان اسناد التلف في جميع ذلك ثابت عرفا، فمن القى حجرا في طريق مظلم فمر به انسان فعثر وهلك أو وقع به خسارة اخرى يسند القتل والجرح إليه، وكذلك من حفر بئرا في الطريق واخفاه فعبر عنه عابر فوقع فيه وهلك يسند القتل إلى الحافر، فليس الفرق بين المباشرة والتسبيب بالاسناد في الاول، وعدمه في الاخير، بل الاسناد فيهما ثابت من دون فرق. قال في مفتاح الكرامة في كتاب الديات ما حاصله ان الموجب للقتل امور: " العلة " وهي ما يسند إليه الموت، و " السبب " وهو ماله اثر في الموت ولكن لا بالمباشرة، بل يولده ولو بوسائط وقد يتخلف الموت عنه ولا يتخلف عن العلة كما في شهادة الزور وتقديم الطعام المسموم إلى غيره، والاكراه على شرب السم و " الشرط " ما يقف عليه تأثير المؤثر ولا مدخل له في الفعل كحفر البئر في الطريق إذ الوقوع فيه مستند إلى التخطي. ثم قال كان السبب هنا اعم من فعل السبب بالمعنى المذكور هناك وفعل الشرط انتهى ملخصا (1). اقول: وقد اضطربت كلماتهم في هذا المقام في تعريف السبب وغيره حين ما لم يتعرض كثير منهم لمعنى السبب هنا بل اكتفى بذكر الامثلة الواردة في الروايات كحفر البئر والاضرار بطريق المسلمين. لكن المهم انه لم يرد في نصوص الباب شئ من هذه العناوين الثلاثة (المباشرة والتسبيب وايجاد الشرط) بل المدار على صدق عنوان الاتلاف عمدا أو خطأ، والظاهر ان النصوص الخاصة الواردة في المقام لا تتعدى عما يصدق عليه هذا العنوان عرفا.


(1) مفتاح الكرامة كتاب الديات ص 277.

[ 207 ]

ولكن يظهر من كلمات غير واحد منهم ان الحكم في مثل البئر وغيره على خلاف القاعدة يقتصر على ما ورد في النص، أو يفهم منه بالغاء الخصوصية. قال في الجواهر: يترتب الضمان على ما ثبت من الشرع به الضمان من هذه المسماة بالشرائط عندهم، أو الاسباب، وليس في النصوص استقصاء لها ولكن ذكر جملة منها ومنه يظهر وجه الحاق ما ماثلها (1). والحق كما عرفت ان السبب أو الشرط أو اي شئ سميته داخل في اطلاقات الاتلاف وليس فيه شئ مخالف للقواعد حتى انه لو لم تكن عندنا النصوص الخاصة لقلنا بضمان حافر البئر، وناصب السكين، وغير ذلك من اشباهه بالنسبة إلى النفوس والاموال، واحاديث الباب مؤكدة لما ذكرنا (راجع الابواب 8 - 9 - 11 - 32 من ابواب موجبات الضمان من المجلد 19 من الوسائل). وان شئت ان تفرق بينهما (بين المباشرة والتسبيب) فقل " المباشرة " ما يكون من قبيل العلة و " التسبيب " ما يكون من قبيل الشرائط والمعدات، فالسبب هنا غير السبب بمعناه المعروف في الفلسفة أو الاصول بل هو هنا اشبه شئ بالمعدات والشرائط المصطلحة هناك ولكن على كل حال قد عرفت ان الاحكام الفقهية لا تدور مدارها والمعيار في كل حال على الاسناد عرفا سواء كان من قبيل السبب أو المباشرة أو غيرهما. * * * الثاني: في تعدد الاسباب إذا اجتمع سببان للاتلاف على شئ واحد فقد يكون كل واحد علة مستقلة في الاتلاف كما إذا حفر رجل بئرا ونصب آخر فيه سكينا، فعثر انسان فسقط فيه إذا كان السقوط بنفسه علة للتلف وكان السكين أيضا علة مستقلة له.


(1) الجواهر ج 43 ص 97.

[ 208 ]

وأخرى لا يكون كل واحد بنفسه علة مستقلة كما إذا كان البئر قصيرا أو السكين غير حديد، ولم يكن كل منهما مستقلا سببا للتلف بل هما معا مؤثران في ذلك. أما في الاخير فلاشك في اشتراك الاسباب في الضمان وأما في الاول ففيه أقوال فعن جماعة كون الضمان على السابق، وقد يقال انه أشهر (كما في مفتاح الكرامة) وقد يقال بالاشتراك في الضمان مطلقا، تقارنا أو تقدم أحدهما على الاخر، وهناك احتمال ثالث وهو ان السبب الاقوى هو منشأ الضمان ففي مثال حفر البئر ونصب السكين الضمان على ناصب السكين إذا كان قاطعا موجبا للهلاك (ذكره في مفتاح الكرامة احتمالا ولم يذكر قائله ولكن مال هو إليه). والمسألة غير منصوصة في روايات الباب والظاهر ان الضمان عليهما إذا كان الاستناد اليهما كما هو كذلك إذا كان كل واحد عدوانا، من دون فرق بين المتقدم والمتأخر، أو المتقارنين، والعمدة فيه ما عرفت من صحة الاستناد اليهما جميعا، نعم إذا كان أحدهما عامدا والاخر غير عامد لا يبعد كون الضمان على العامد والعلة فيه ما عرفت فتدبر. * * * التنبيه الثالث: لا فرق بين العلم والجهل في الاتلاف المعروف ان الاتلاف موجب للضمان سواء صدر عن علم وعمد، أو عن جهل وغفلة، حتى في حال النوم، لاطلاق بعض الادلة السابقة وان كان بعضها مختصا بحال الاختيار، وما ذكره بعض أعاظم العصر من عدم ضمان النائم إذا انقلب واتلف نفسا أو طرفا منها لا في ماله ولا على عاقلته (1) قول تفرد به في مقابل القائلين بالضمان على النحو الاول أو الثاني، فكأنه ناش عن عدم شمول ادلة القتل والعمد والخطأ


(1) راجع مباني تكلمة المنهاج ج 2 ص 222.

[ 209 ]

له ولما قصر الدليلان حكم بالبرائة. وهذا الكلام لو سلمناه في باب النفوس لا يجري في باب الاموال، فان بعض ادلة ضمان المال عند الاتلاف عام شامل لجميع أقسامه بدون فرق، هذا مع ان ما افاده غير تام في مورد النفوس أيضا، فان النفوس والاطراف لا يمكن ذهابها بغير شئ إذا حصل بسبب انسان. هذا هو الذي يستفاد من مجموع ادلة ابواب الديات، ولذا ورد النص من باب الظئر انها ضامنة على كل حال لو اتلفت طفلا وهي نائمة، ولكن ان كانت انما ظايرت طلب العز والفخر فالدية من مالها خاصة، وان كانت انما ظايرت من الفقر فان الدية على عاقلتها (1). وليت شعري أي فرق بين النائم والغافل فكما ان الغافل إذا قتل انسانا أو افسد مالا وجب تداركه فكذلك النائم. والعمدة ان استنثاء التلف في جميع هذه الموارد إلى سببه ثابت عرفا بلا ريب ومع الاستناد، الضمان ثابت، غاية الامر ان الحكم في ابواب الديات يختلف بين العمد وغيره، ولكن في ابواب ضمان المال والمنافع والحقوق لا فرق بينهما اصلا. * * * التبيه الرابع: الفرق بين الغصب والاتلاف النسبة بين الغصب والاتلاف ماذا؟ قد يقال - كما عن بعض - انها عموم من وجه، ولكن الانصاف ان الغصب والاتلاف مفهومان مختلفان لا يصدق واحد على الاخر، بأي معنى عرف الغصب سواء ما عن أهل اللغة في تفسيره، مثل ما عن الصحاح انه أخذ الشئ ظلما، وما


(1) الوسائل ج 19 الباب 29 من ابواب موجبات الضمان الحديث 21.

[ 210 ]

عن النهاية انه أخذ مال الغير ظلما وعدوانا، وما عن بعض الشافعية زيادة جهارا، لتخرج السرقة ونحوهما، وفي الشرايع والقواعد وغيرهما انه الاستقلال باثبات اليد على مال الغير عدوانا (ذكروه في كتاب الغصب). وقريب منه ما عن بعض آخر انه الاستيلاء على مال الغير بغير حق. ومن المعلوم ان جميع ذلك مباين للاتلاف فان أخذ الشئ عدوانا، أو جهارا أو الاستقلال باثبات اليد على مال الغير، أو شبه ذلك، قد يكون من مقدمات الاتلاف وقد لا يكون، وكيف كان ليس باتلاف، فرب شئ يستولي الانسان عليه عدوانا ولا يتلفه، وبالعكس رب شئ يتلفه الانسان ولا يستولي عليه، كما في من القى حجرا من خارج الدار فكسر بعض ما فيه. نعم الغصب ملازم في الغالب لاتلاف المنافع، فان من استولى على شئ واستوفى منافعه، أو تلف المنافع تحت يده بغير استيفاء، فغصبه ملازم لاتلاف بعض المنافع، ولكن مع ذلك قد ينفك منه، كما إذا أخذ بزمام الدابة أو استولى على السيارة، وكان سائقها ولكن استوفى منافعه في تلك الحالة مالكها بالركوب عليها. وبالجملة لا تلازم بين " الغصب " و " الاتلاف " بل لكل منها مفهوم مستقل. ولكن العمدة انه ليس عنوان الغصب مأخوذا في لسان أدلة الاحكام، الا نادرا مثل " الغاصب يؤخذ باشق الاحوال " مع ما فيه أيضا من الكلام، كما ان الاتلاف أيضا كذلك، لما عرفت من ان قاعدة " من اتلف مال الغير فهو له ضامن " مصطادة مما ورد في موارد مختلفة لا بهذا اللفظ، بل بما يكون من مصاديقه أو يوافقه معنى، فلا يهمنا البحث لا عن لفظة " الغصب "، ولا عن لفظة " الاتلاف " بعد عدم الاعتماد عليهما في لسان أدلة الشرع.

[ 211 ]

10 - قاعدة ما يضمن ومالا يضمن (كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وكل عقد لا يضمن) (بصحيحه لا يضمن بفاسده) * جمع ممن تعرض للقاعدة * مفاد القاعدة ومغزاها * مدركها من الاجماع وسيرة العقلاء، وقاعدة اليد، ولا ضرر، وقاعدة الاقدام * العمدة فيها قاعدة احترام الاموال * موارد شمولها * ما المراد بالضمان هنا؟ * هل العموم باعتبار انواع العقود أو اصنافها واشخاصها * شمول القاعدة للمنافع والاعمال

[ 213 ]

قاعدة ما يضمن والكلام فيه يقع في مقامات: المقام الاول: في من تعرض لها من القواعد المعروفة في لسان المتأخرين قاعدة " ما يضمن " اثباتا ونفيا، وهي انه كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وكل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. وهذه القاعدة بهذه العبارة وان لم توجد في كلمات قدماء الاصحاب، ولا وقعت في مقعد اجماع منهم ولا في شئ من النصوص، الا ان القول بمفادها محكى عن الشيخ قدس سره في المبسوط، وشاع الاستدلال بها بين المتأخرين والمعاصرين، في مختلف ابواب الفقه. فهذا هو المحقق البارع صاحب الجواهر استدل بها في كتاب " التجارة " و " الاجارة " و " العارية " و " الوكالة " و " الشركة " و " الرهن " وغيرها. قال في كتاب " التجارة " عند قول المحقق: " لو قبض المشتري ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه وكان مضمونا عليه " مانصه: " ومن ذلك كله ظهر لك الوجه فيما ذكروه هنا في الاستدلال على الحكم المزبور من قاعدة كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، التي قد يظهر من بعضهم الاجماع عليها..

[ 214 ]

نعم قد يتوقف فيما صرحوا به من مفهومها على وجه القاعدة أيضا، وهو ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، كالمال في الهبة والعارية، ونحوهما إذ لا وجه له سواء انهما قد اقدما على المجانية فلا ضمان لكنه كما ترى " (1). وقال في كتاب " العارية ": وكذا لو تلف العين في يد المستعير ولم تكن مضمونة عليه (أي لا يرجع إليه).. اللهم الا أن يقال ان قاعدة مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده تقتضي ذلك، ولعلها المدرك للمصنف وغيره في الحكم بعدم الضمان (2). وقال في كتاب " الاجارة " في شرح قول المصنف: " لو شرط سقوط الاجرة ان لم يوصله فيه لم يجز وكان له اجرة المثل " مانصه: " لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " (3). وقال في ذاك الكتاب بعينه في شرح قول المصنف: " كل موضع يبطل فيه عقد الاجارة يجب فيه اجرة المثل مع استيفاء المنفعة.. " مانصه: " بلا خلاف أجده فيه في شئ من ذلك، بل يظهر من ارسالهم ذلك ارسال المسلمات انه من القطعيات، مضافا إلى مثل ذلك بالنسبة إلى قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده الشاملة للمقام " (4). وقال في كتاب " الشركة ": " بقى الكلام فيما ذكره المصنف وغيره، من قسمة الربح على المالين، بناء على البطلان - إلى أن قال - وأما الاجرة لكل منهما عوض عمله في المال، بنقل ونحوه، فالوجه فيه احترام عمل المسلم، واقدام المتبرع


(1) الجواهر ج 22 ص 258 - 259. (2) الجواهر ج 27 ص 166. (3) الجواهر ج 27 ص 233. (4) الجواهر ج 27 ص 246.

[ 215 ]

منهما بزعم صحة العقد. فمع فرض بطلانها لم يكن منه تبرع، لكن قد يقال بمنع الاجرة مع ذلك لاصالة البرائة، نعم هو كذلك بالنسبة إلى من شرطت الزيادة له باعتبار صيرورته كالقراض الفاسد، فان العامل يستحق الاجرة فيه لان ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فكذا هنا " (1). وقال في كتاب " السبق " في شرح قول المصنف " إذا فسد عقد السبق لم يجب بالعمل اجرة المثل " مانصه: " لكن في القواعد وجامع المقاصد ومحكي التذكرة ان له اجرة المثل... لقاعدة ما يضمن بصحيحه " (2). إلى غير ذلك مما هو كثير في ابواب الفقه ولا يختص بباب دون باب. والمقصود من ذلك كله انهم اعتمدوا على القاعدة، وارسلوه ارسال المسلمات بل يظهر مما عرفت من كلام بعضهم انه مجمع عليه عندهم، وان كان الاجماع في أمثال هذه المسائل مما لا يمكن الاعتماد عليه، بعد وجود مدارك أخرى في المسألة. * * * المقام الثاني: في مفاد القاعدة وقد تصدى بعض اساطين الفن كالعلامة الانصاري (رضوان الله عليه) لتحقيق معنى القاعدة ومفادها وان المراد من العقد في قولنا كل عقد يضمن بصحيحه ماذا وهل يشمل العقود الجائزة واللازمة كليهما أو ما فيه شائبة الايقاع أيضا، مثل الجعالة والخلع. وان المراد بالعقد هل هو انواعه أو اصنافه أو اشخاصه؟ وان المراد بالضمان هل هو ضمان المثل أو المسمى أو القدر الجامع بينهما؟ وان المراد بالباء في قولنا يضمن بصحيحه ويضمن بفاسده هل هو معنى السببية


(1) الجواهر ج 26 ص 303. (2) الجواهر ج 28 ص 238.

[ 216 ]

أو الظرفية؟ إلى غير ذلك. ولكن من المعلوم كما ذكره جمع من اعاظم المعاصرين أو ممن قارب عصرنا انه لم يرد هذه القاعدة بهذه العبارة في شئ من النصوص، ولا في معاقد الاجماعات، حتى يتكلم في جزئيات مفاد الفاظها، بل اللازم في مثل ذلك الرجوع إلى مداركها الاصلية، ثم البحث عن مقدار دلالتها وما يستفاد منها. وبالجملة لا نحتاج إلى البحث عما تحتوي عليه هذه العبارة، كما اتعب العلامة الا نصاري نفسه الزكية في ذلك، فلو دل الدليل على ما يخالف هذه العبارة نأخذ به، ولو دلت العبارة على شئ لا ترشد إليه الادلة فلا يسعنا القول به، فلا وجه للمعاملة مع هذه العبارة كآية، أو حديث، أو معقد اجماع، بعد عدم ذكر لها في شئ من النصوص فاللازم إلى ما ذكروه من الادلة هنا. ولكن الذي يراد من هذه القاعدة اجمالا في عباراتهم حتى نتكلم في خصوصياتها بعد ذكر الادلة، ان العقود التي يبذل فيها المال بازاء مال ولا يكون مجانيا عند صحتها لا يكون مجانيا في صورة الفساد، ولا يسع المشتري أو المستأجر أو غيرهما ان يرى نفسه برئيا من الضمان استنادا إلى فساد العقد، فان العقد الفاسد في هذه الموارد أيضا موجب للضمان كصحيحه. وهكذا في عكس القاعدة اي إذا كان عقد بنائه على المجانية، فلا يمكن القول بالضمان في فرض فساده، استنادا إلى قاعدة اليد. هذه خلاصة مضمون القاعدتين وتفاصيلها تأتي بعد ذكر ادلتها. * * * المقام الثالث: فيما يدل على صحة القاعدة لابد لنا هنا اولا التفكيك بين القاعدة اصلا وعكسا والتكلم في كل واحد

[ 217 ]

منهما مستقلا فنقول ومن الله التوفيق والهداية: استدلوا لاصل القاعدة بامور كثيرة متفرقة في كلماتهم وحاصلها ما يلي: 1 - " الاجماع " المدعى في كلمات غير واحد منهم. 2 - " سيرة العقلاء " وبناء طريقهم على الضمان في العقود الفاسدة، إذا كان صحيحا موجبا للضمان، كالبيع والاجارة الفاسدتين، وكذا عقد النكاح والمضاربة، بل الجعالة أيضا، فمن انكر الضمان في هذه المقامات ينكرون عليه، وحيث ان الظاهر ان هذه السيرة تستمر إلى زمن الشارع، بل وما قبله، ولم يردع عنه فهي حجة معتبرة. 3 - " قاعدة على اليد " فان المقبوض بالعقد الفاسد إذا تلف في يد القابض فهو ضامن له بمقتضى هذه القاعدة، المستفادة من النصوص الكثيرة العامة والخاصة الواردة في ابواب مختلفة، والقول بعدم شمولها للمنافع فلا يشمل الاجارة الفاسدة فهو ممنوع، لان المنافع - مثل منافع الدار وغيرها - تجري عليها اليد بتبع جريانها على العين، فمن استولى على الدار استولى على منافعه، فلو تلف المنافع وهي في يده تكون قاعدة على اليد حجة عليه، ولذا يكون قبض المنافع في باب الاجارة بقبض العين، نعم قاعدة على اليد لا تشمل اعمال المسلم، فانها ليست عينا ولا منفعة على المشهور، فلو كان الدليل على القاعدة، قاعدة اليد لم يمكن الاستناد إليها في ابواب المضاربة الفاسدة والمزارعة والمساقاة وشبهها. 4 - " قاعدة لاضرر " فان عدم ضمان المشتري بالعقد الفاسد لتلف العين يعد ضررا عظيما فيندرج تحت قاعدة لاضرر، الا انه يأتي فيه الاشكال المعروف بان قاعدة لاضرر لا يثبت حكما بل ينفي الاحكام الضررية، وحيث ان المراد هنا الاستدلال بها لاثبات حكم الضمان يشكل الاخذ بها، ولكن قد ذكرنا في محله نفي الجد عن كون قاعدة لاضرر مثبتا للاحكام التي لولاها يلزم منها الضرر، وتفصيل القول فيه

[ 218 ]

موكول إلى محله. 5 - " قاعدة الاقدام " الذي استند إليها جمع كثير منهم الشيخ في المبسوط فيما حكي عنه وتبعه غيره في هذا الاستدلال. 6 - " قاعدة احترام مال المسلم " والمنافع المتعلقة به واعماله، بل وغير المسلم ممن يكون امواله محترمة. إذا عرفت هذا فاعلم ان العمدة من هذه الادلة على المختار هو الاخير. توضحيه: ان الاصل فيي الاموال والمنافع والاعمال المتعلقة بانسان بنحو مشروع ان لا تخرج من يده بغير اذنه، وان لا يتصرف فيها بغير رضاه، وهذا مما استقر عليه بناء جميع العقلاء من ارباب الملل وغيرها، وممن تدين بدين أو لم يتدين، وما ورد في الشرع من ان حرمة مال المسلم كحرمة دمه، أو انه لا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيره بغير اذنه، أو غير ذلك من الروايات، مما يحتوي على مضمونها، فهي كلها امضاء لبناء العقلاء واستقرار ديدنهم على احترام الاموال والمنافع والاعمال، وليست احكاما تأسيسية كما هو كذلك جل ابواب المعاملات. والظاهر ان هذا المعنى اعني احترام الاموال متسفاد من حقيقة الملك وتسلط الانسان على امواله، بل وعلى منافعه، فان السلطة التي تسمى ملكا للعين أو المنافع أو تسلطه على اعماله تقتضي ذلك، فانها تفيد عدم جواز مزاحمة غيره له بغير اذنه، وانه إذا زاحمه واتلفها لابد له من تدارك الخسارات. فتلخص من جميع ما ذكرنا ان القاعدة نشأت من عمق معنى الملكية وحقيقة السلطة الموجودة فيها، فإذا كانت السلطة المسماة بلا ملكية مشروعة ممضاة عند العقلاء والشرع فلا يحل لاحد ازالتها الا برضا مالكها، ولو ازالها لزم عليه جبرانها وتداركها. واما سائر الادلة التي اقاموها على القاعدة فهي اما منظور فيها، أو ترجع

[ 219 ]

بالمآل إلى ما ذكرنا. اما الاجماع فعدم جواز الاعتماد عليه في امثال المقام ظاهر. واما " قاعدة لاضرر " فهي تعود إلى ما عرفت فان الضرر ينشأ من اخذ مال المالك وقطع سلطته بغير اذن منه. وكذا " على اليد " فان الضمان الحاصل عن تلف مال انسان في يد آخر انما هو من ناحية احترام ماله ومقتضى ملكيته. واما " الاقدام " فلا دليل على انه بمجرده يوجب الضمان ما لم يكن مزاحما لسلطنة الانسان على ماله، فان الاقدام يرجع إلى الدخول في امر بقصد شئ، ومن المعلوم ان مجرد قصد شئ لا يوجب الالتزام به، ما لم يندرج تحت عقد أو ايقاع معتبر، فلو أقدم انسان على اخذ بعض المباحات الاصلية بقصد ان يكون مكلفا باداء مثله أو قيمته إلى شخص آخر، فمن الواضح انه لا يوجب عليه شيئا، كما انه لو كانت المسألة على عكس ذلك بان وضع يده على مال غيره لا بقصد الضمان، بل بأن يكون له مجانا، فان هذا القصد لا يؤثر شيئا بعد ان كان المال مال شخص آخر وكان وضع يده عليه بغير اذنه. وبالجملة الاقدام بنفسها لا يوجب الضمان لا وجودا ولا عدما بل لابد ان ينضم إليه ازالة سلطة انسان عن ماله بغير رضاه، وإذا انضم إليه هذا المعنى لم يحتج إلى الاقدام على الضمان. * * * هذا كله بالنسبة إلى اصل القاعدة واما " عكسها " وهو ان " كل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده " فغاية ما يمكن ان يستدل عليه امور: اولها " الاجماع " وقد عرفت الكلام فيه. هذا لو تم دعوى الاجماع هنا، وفيها تأمل.

[ 220 ]

ثانيها " الاولوية " التي استدل بها الشيخ في المبسوط كما حكي عنه بالنسبة إلى الرهن، وحاصلها ان العقد الصحيح مثل الاجارة والعارية والهبة إذا لم يقتض الضمان مع ان الشارع امضاها، فالفاسد الذي بمنزلة العدم لا يؤثر في الضمان، لان الضمان اما من ناحية الاقدام عليه، والمفروض عدمه، واما من ناحية حكم الشارع بالضمان، بواسطة المعاملة الفاسدة، والمفروض انها لا تؤثر شيئا، ولو كان العقد صحيحا امكن ان يقال ان الضمان من مقتضيات الصحيح، ولكن في الفاسد الذي بمنزلة اللغو فلا معنى للقول به. ولكن يرد عليه ان الامر بالعكس فانه يمكن ان يقال ان الصحيح لا يوجب الضمان لان الشارع امضاه، وامضى ما يتضمن عليه من التسليط الاماتي، وبه يخرج عن قاعدة احترام مال المسلم وضمان اليد، واما إذا لم يمضها الشارع فيبقى قاعدة الاحترام وضمان اليد بحالها، ولا مخرج عن الضمان، فلا يمكن الاعتماد على الاولوية في اثبات عكس المسألة. وثالثها " قاعدة الامانة " وحاصله ان من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن وهذه قاعدة مستفادة من بناء العقلاء والنصوص الكثيرة الواردة في ابواب الضمانات والاجارات، وغيرها. وهذه القاعدة كما تقتضي عدم الضمان في صورة صحة العقد كذلك يقتضي عدمه في صورة الفساد. اللهم الا ان يقال استيمان المالك كان على فرض صحة العقد، واما على فرض فساده فلا استيمان، وبعبارة اخرى انما سلط المالك غيره على ماله، وجعله امانة في يده مثل اجارة الدار، واشبهاهه، بناءا على صحة العقد وكون ذلك من حقوق المستأجر، اما لاجل الجهل بفساد العقد، أو مع العلم به وعدم الاعتناء بحكم الشرع والبناء على حكم العقلاء فقط، ومن المعلوم ان هذا الاستيمان المبني على هذا البناء

[ 221 ]

لا يقتضي كون المال امانة في يد القابض. وبعبارة اخرى لم تجد دليلا عاما على ما ذكره الشيخ وهو ان " من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن " بل الذي يستفاد من ابواب الاجارات والامانات انه إذا كان امانة صحيحة من قبل المالك في يد القابض فهو ليس بضامن، واما إذا حكم بفساد هذه الامانة أو كانت من توابع عقد فاسد كالاجارة فكيف يمكن القول بعدم الضمان، بمجرد تسليط المالك المبني على صحة العقد، وكيف يخرج عن قاعدة احترام مال المسلم وضمان اليد بمجرد هذا. فالانصاف ان هذا ايضا لا يتم دليلا على عكس القاعدة. نعم يمكن ان يقال ان ملاك الضمان في التلف هو اليد العادية، وليس المقام من مصاديقها، فان المالك هو الذي سلط غيره على ماله، سواء علم بفساد العقد في الشرع ام لم يعلم، إذا كان غير مكترث بحكم الشرع وكان عمله على وفق حكم العقلاء أو كان غير معتن بحكم العقلاء ايضا، وكان عمله على وفق ما يعتقده صحيحا في نفسه وان كان فاسدا عند الكل. ففي كل ذلك لم يتسلط غير المالك على الملك عدوانا بل تلقاه من مالكه، ومن المعلوم ان هذا اليد لا تعد يدا عادية، فلا توجب الضمان. نعم إذا كان المالك يعتقد الصحة شرعا، بحيث لو علم بفساده لما سلط الغير على ماله، وعلم الغير ذلك ايضا مع علمه بفساد المعاملة، فحينئذ لا يجوز له أخذ المال وتحسب يده عادية، وتدخل تحت ادلة الضمان. فتحصل من جميع ذلك ان ضمان اليد منتف في جيمع الصور ما عدا الصورة الاخيرة، ولعل كلام الاصحاب ايضا غير ناظر إليها، ولكن هذا كله انما يتم بالنسبة إلى التلف وهل يمكن اجراء هذا الحكم بالنسبة إلى الاتلاف أو يختص بالتلف؟ لا يبعد العموم فانه إذا فرض رضى المالك بالاتلاف في مثل الهبة الفاسدة، لعدم اعتنائه بحكم

[ 222 ]

الشرع واكتفائه بحكم العقلاء، أو ما يراه صحيحا بنفسه فهل يكون هذا المقدار من الرضا كافيا في عدم الضمان بالاتلاف، ولو كان مبنيا على صحة العقد؟ لا يبعد ذلك. نعم الاستثناء الذي مر في حكم الاتلاف جار هنا، وهو ما إذا رضى المالك لعلمه بصحة المعاملة بحيث لو علم بالفساد لما رضى به، وكان الموهوب له مثلا عالما بهذا المعنى فان عدم ضمانه في هذه الصورة مشكل جدا. هنا تنبيهات الاول - في مقدار شمول قاعدة ما يضمن هل القاعدة اصلا وعكسا تشمل جميع العقود، أو ما يشبه الايقاع، بل الايقاعات ايضا، أو يختص ببعضها؟ قد يقال ان مفاد القاعدة لو كان " كل عقد " يضمن بصحيحه الخ لا يشمل ما لا يصدق عليه عنوان العقد، وان كان ما يضمن بصحيحه - الخ - يشمل غير العقود ايضا. ولكنك قد عرفت ان هذه العبارة لم ترد في نص، ولا في معقد اجماع، وانه لا تدور الاحكام مدارها، فشمول هذه العبارة أو قصورها لا يدل على عموم الحكم وعدمه، بل المدار على الدليل الذي استندنا إليه في اثبات القاعدة اصلا وعكسا. ولما كانت العمدة في اثبات " اصل القاعدة " هو " قاعدة احترام مال المسلم، والمنافع المتعلقة بامواله، بل واعماله " فالحكم يدور مدار هذا العنوان، فكل من استولى على اموال الغير ومنافعه باي عنوان كان، كان ضامنا له إذا تلف في يده، أو اتلفه، الا ان يكون المالك هو الذي سلطه على ماله بغير عوض، سواء علم بفساد العقد، أو لم يعلم ولكن كان غير مبال باحكام الشرع من جهة الصحة والفساد، نعم إذا سلطه جاهلا بفساده حتى انه لو علم به لما سلطه وكان الاخذ عالما بذلك فتسليطه

[ 223 ]

عليه لا يكون رافعا للضمان. وبناء على ما ذكر لا تختص القاعدة بباب دون باب، وتجري في جميع الموارد حتى في الايقاعات، كمن اعتق عبده بعتق فاسد في الشرع وخلى سبيل العبد، وكان غير مبال بالصحة والفساد في الشرع، فإذا عمل العبد اعمالا استوفى منافعا من منافع نفسه فالظاهر انه غير ضامن، لانه انما اتلف المنافع برضا مولاه، وان كان بانيا على صحة العتق، لان المفروض انه غير مبال لحكم الشرع ورضاه لا يدور مداره. * * * الثاني: المراد بالضمان هنا ما المراد بالضمان هنا؟ فهل المراد معناه المعروف، اي كون تدارك شئ إذا تلف على عهدة انسان؟ فان كان هذا هو المراد بالضمان فليس في الصحيح ضمان بهذا المعنى، لان البيع الصحيح مثلا يتضمن مبادلة مال بمال، ولا ينتقل إلى الذمة الا إذا كان البيع كليا أو من قبيل النسبة، واما في البيع الشخصي الحاضر فينتقل الثمن إلى ملك البايع كما ينتقل المثمن إلى ملك المشتري، ولا مجال فيه للانتقال إلى الذمة. نعم بالنسبة إلى الفاسد لاشك ان الضمان فيه بمعناه المعروف اي إذا تلف يكون تداركه في ذمته اما بمثله أو بقيمته. فليس للضمان في الصحيح وجه لو كان المراد منه معناه المعروف، نعم لو كان المراد منه تحقق الخسارة في مال الشخص سواء انتقل إلى ذمته أو لم ينتقل، كان هذا معقولا في الصحيح والفاسد كليهما، ولعل مراد شيخنا العلامة الانصاري من قوله: " والمراد بالضمان في الجملتين هو كون درك المضمون عليه بمعنى كون خسارته ودركه في ماله الاصلي " هو ما ذكرنا. ولكن التعبير بالدرك والتدارك لا يوافق ما اشرنا إليه، فان البيع إذا كان صحيحا

[ 224 ]

انتقل المثمن إلى ملك المشتري ولو تلف تلف من ماله، ولا معنى للتدارك هنا، بل قد ينافي ما ذكرنا بعض كلماته بعد التفسير السابق، لانه قال: " ثم تداركه من ماله تارة يكون باداء عوضه الجعلي الذي تراضى هو والمالك على كونه عوضا، وامضاه الشارع، كما في المضمون بسبب العقد الصحيح، واخرى باداء عوضه الواقعي وهو المثل أو القيمة وان لم يتراضيا عليه... " فان من الواضح ان اداء المسمى في البيع الصحيح لا يتوقف على تلف المثمن بل هو مقتضى المبادلة سواء تلف واحد منهما بعدد ذلك أو لم يتلف. واما ما هو المعروف من ان الضمان في الفاسد يكون بالمثل أو القيمة دائما ايضا قابل للنقض والابرام، فإذا كان المسمى اقل من قيمة المثل فكيف يمكن القول بكون المشتري مثلا ضامنا للمثل، مع ان البايع سلطه على ماله ورخص له اتلافه في مقابل شئ اقل منه، لاسيما إذا كان عالما بالفساد شرعا، فكما ان الاخذ غير ضامن في مثل الهبة بدليل تسليط المالك له عليه مجانا، فكذلك هنا سلطه على ماله بعوض اقل من عوضه الواقعي، فكأنه رخص له في الاتلاف بهذا المقدار مجانا، ولعله إليه يرجع ما حكى عن بعض من وجوب اداء اقل الامرين، من العوض الواقعي والجعلي في بعض المقامات، مثل تلف الموهوب بشرط التعويض قبل دفع العوض. * * * الثالث: هل العموم باعتبار انواع العقود أو اصنافه أو اشخاصه؟ اختلفوا في ان عموم قاعدة ما يضمن اصلا وعكسا هل هو باعتبار انواع العقود أو اصنافه، أو اشخاصه، فلو كان عقد كالبيع بحسب نوعه موجبا للضمان (لوجود العوض فيها) لصحيحه لضمن لفاسده، ولو كان شخص البيع لا يوجب ضمانا كالبيع بلا ثمن.

[ 225 ]

وكذلك العارية فانها بنوعها لا يوجب الضمان، ولكن صنف منها وهي العارية المضمونة أي المشروطة بالضمان، أو عارية الذهب والفضة فانها موجبة للضمان على المشهور، فهل يكفي وجود الضمان أو عدمه في نوع البيع ونوع العارية، أو الامر يدور مدار الصنف أو اشخاص المعاملات؟ قال شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره): " ان العموم في العقود ليس باعتبار خصوص الانواع ليكون افراده مثل البيع والصلح والاجارة لجواز كون نوع لا يقتضي بنوعه الضمان، وانما المقتضى له بعض اصنافه فالفرد الفاسد من ذلك الصنف يضمن به دون الفرد الفاسد من غير ذلك الصنف، مثلا الصلح بنفسه لا يوجب الضمان لانه قد لا يفيد الا فائدة الهبة غير المعوضة، أو الابراء، فالموجب للضمان هو المشتمل على المعاوضة، فالفرد الفاسد من هذا القسم موجب للضمان أيضا (انتهى محل الحاجة). ولكنه قده لم يذكر دليلا على هذا المدعى، ولذا خالفه بعض من تأخر عنه، وقال بان المعيار اشخاص العقود وهذا هو الاقوى. بيانه: انا ابناء الدليل نحذو حذوه ونقتفي اثره، وقد عرفت ان العمدة في اصل القاعدة هو احترام الاموال والمنافع وعدم جواز السلطة عليها بغير اذن صاحبها. وحينئذ لا محيص لنا الا من ملاحظة شخص العقد فلو باع رجل داره بلا ثمن وعلم ان البيع بلا ثمن فاسد شرعا، ولكنه اعطى الدار للمشتري بانيا على صحة هذه المعاملة بحكم العرف وغير مبال بحكم الشرع فالمشتري غير ضامن لا لاصل الدار، ولا لمنافعه، لان صاحبه هو الذي سلطه على ماله بلا ثمن، نعم لو كان الاقباض بتوهم صحة البيع شرعا، ولم يرتض بتسليط الغير على ماله لولا الصحة، وكان جاهلا بالحال كان الاخذ ضامنا.

[ 226 ]

وكذلك إذا اقبض غيره العارية، وشرط فيها العوض بتوهم الصحة، فان الاخذ يضمنها وان كانت العارية بذاتها لا توجب الضمان، ولم تكن العارية معوضة. وبالجملة المدار في اصل القاعدة على " احترام مال المسلم "، وفي عكسها على " التسليط المجاني " وهما يدوران مدار اشخاص العقود وافراده، لا انواعه واصنافه. * * * الرابع: هل هنا فرق بين علم الدافع والقابض وجهلهما أم لا؟ قد يقال بعدم الفرق لاطلاق النص والفتوى. والمراد بالنص هو " عموم من اتلف " وبالفتوى اطلاق كلمات القوم في ابواب المختلفة من العقود أو عند ذكر القاعدة مطلقة. هذا ولكنك بعد ما عرفت من الدليل الذي بنينا عليه في هذا الباب تعلم الفرق الواضح بين صورتي العلم والجهل، فانه إذا كان الدافع عالما بان الهبة الفلانية مثلا غير صحيح شرعا، ومع ذلك لم يعتن بحكم الشرع، واقبض الموهوب له بانيا على صحتها عند نفسه، فمن الواضح انه لا ضمان للقابض هنا، لان المالك هو الذي دفع المال إليه عالما عامدا، وسلطه عليه مجانا، وكذلك الامر إذا باعه بغير ثمن عالما بفساده، وسلط المشتري عليه. كما ان الامر في عكسه كذلك، فلو اعطاه المشتري عارية معوضة بتوهم صحة العارية المعوضة وكان المشتري عالما بالفساد فانه لا يصح له أخذها، ولو أخذها كان ضامنا، لقاعدة احترام مال المسلم، وعدم جواز أخذه واتلافه بغير اذن صاحبه، والاذن هنا مبني على مبنى فاسد وهو توهم الصحة خلاف مالو كان عالما بالفساد غير مكترث بحكم الشرع، بل بانيا على الصحة من قبل نفسه، وبالجملة المسألة

[ 227 ]

واضحة بعد ما عرفت من مبانيها. * * * الخامس: هل يعتبر القبض في الضمان؟ هلا اللازم في الضمان القبض أو يكتفى بمجرد الصيغة؟ فلو ان عقدا اوجب الضمان بصحيحه بلا حاجة إلى القبض والاقباض كما هو كذلك في أكثر العقود الصحيحة فانه ينتقل الثمن إلى ملك البايع كما ينتقل المثمن إلى ملك المشتري بمجرد العقد، وان كان درك المبيع على البايع قبل الاقباض وكذلك الثمن بالنسبة إلى المشتري فهل الضمان في فاسده كذلك؟ لا ينبغي الشك في ان الضمان في الفاسد يتوقف على القبض لان الادلة السابقة كلها تدور مدار القبض والاقباض، ولاسيما ما اخترناه من قاعدة احترام مال المسلم وكذا الكلام في عكس القاعدة، فان التسليط المجاني لا يحصل الا بالقبض. * * * السادس: في شمول القاعدة للمنافع والاعمال قد يقال ان هذه القاعدة مبنية على قاعدة اليد، وهي وان كانت صحيحة بحسب الدلاله ومنجبرة سندا بعمل الاصحاب، لكنها لا تشمل المنافع، ولا الاعمال، فالمأخوذ بالاجارة الفاسدة خارجة عن عنوان القاعدة، سواء في اجارة الاعيان، أو اجارة الانفس. ولكن بعد ما عرفت من ان عمدة الدليل عليها هو قاعدة احترام مال المسلم تعلم بانه لا فرق فيها بين الاعيان والمنافع والاعمال. اما بالنسبة إلى المنافع فلان المنافع المتعلقة بالاعيان مملوكة لمالكها ومحترمة كاحترامها، لا يجوز اخذها ولا اتلافها الا برضا مالكها، ومقتضى هذا الاحترام ثبوت

[ 228 ]

الضمان على من اتلفها بغير اذنه، وبدون رضاه، مضافا إلى صدق الاخذ في المنافع يتبع العين، فمن اخذ العين فقد اخذ منافعها. واما في الاعمال - اعمال الحر - التي لا تكون مملوكة ولا يصدق عليها المال قبل وجودها، فالقاعدة أيضا تشملها، فان اعمال الحر أيضا محترمة، ولذا لو امر شخص رجلا بعمل ولم يكن هناك قرينة على التبرع فلا شك انه ضامن لاجرته، كما هو المتعارف بالنسبة إلى كثير من ارباب الحرف، يؤمرون بامور ولا يتكلم عن مقدار الاجرة فإذا تمت الاعمال اخذوا اجرة مثل اعمالهم، ولا يتصور ان يكون فقيه قائلا بعدم لزوم اجرة المثل على الامر في امثال المقام. نعم لو كان هناك قرائن على التبرع كمن يطلب معاونا على اخذ شئ سقط من يده أو شبه ذلك مما هو مبني على المجانية فلا شك انه حينئذ ليس ضامنا لاجرة المثل. ولو لم يكن هناك قرينة لا على التبرع، ولا على الاجارة، كان أيضا ضامنا لان الاصل في الاعمال هو احترام حال صاحبها فالتبرع يحتاج إلى دليل (وقد وقع الفراغ منه في 4 صفر المظفر 1405).

[ 229 ]

11 - قاعدة اليد (على اليد ما اخذت حتى تؤديه) * مدركها من السنة * مدركها من قاعدة احترام الاموال * مفاد القاعدة * لا فرق في الضمان بين صورتي العلم والجهل * لا فرق بين ضمان العين والمنافع * حكم " المثلى " و " القيمى " * ملاك الفرق بين " المثلى " و " القيمى "

[ 231 ]

اعلم ان هناك قاعدتان " قاعدة ضمان اليد " و " قاعدة حجية اليد ". والمراد من الثاني ان اليد دليل على الملك الا ان يثبت خلافه، وقد مر الكلام فيها مستوفيا في المجلد الثاني من هذا الكتاب، وهي القاعدة الخامسة من القواعد التي تكلمنا فيها. واما قاعدة ضمان اليد الذي نبحث الان عنها فهي عبارة عن كون اليد الغاصبة سببا لضمان صاحبها وان وقع التلف لمتلف سماوي أو ورد على المال نقص أو عيب وهكذا اليد الامينة إذا خرجت عن الامانة بالتعدي أو بالتفريط، فهي ايضا ضامنة. والكلام فيها تارة عن ما يدل على ثبوتها واخرى عن محتواها، وثالثة عما يتفرع عليها. * * * المقام الاول: في مدرك القاعدة ويدل عليها امور: 1 - من السنة الرواية العامة المعروفة المستدل بها في كلمات علماء الفريقين وجميع الكتب الفقهية، التي يبحث فيها عن مسائل الضمان، وهي قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما اخذت حتى تؤديه ". ولكن لا توجد هذه الرواية في منابع الحديث وكتب الفقه من اصحابنا الا مرسلا.

[ 232 ]

وممن رواه كذلك المحدث النوري في المستدرك في كتاب الغصب عن أبي الفتوح الرازي في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: " على اليد ما اخذت حتى تؤديه " (1). وروي عن غوالي اللئالي مثلها (2). ولكن الجمهور رووها مسندا في غير واحد من كتبهم عن " سمرة ". فقد روى ابن ماجة، في سننه في كتاب الصدقات في باب العارية، عن ابراهيم ابن المستمر ومحمد بن عبد الله ويحيى بن حكيم وابن أبي عدي جميعا عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال " على اليد ما اخذت حتى تؤديه " (3). ورواه احمد في مسنده بسنده عن قتاده، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " على اليد ما اخذت حتى تؤديه " (4). ورواه أيضا في موضع آخر من كتابه عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله ثم ذكر مثله، فقال ثم نسى الحسن قال لا يضمن (5)!. وراه البيهقي أيضا في السنن الكبرى بسنده عن قتاده عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " على اليد ما اخذت حتى تؤديه " ثم ان الحسن نسى حديثه فقال هو امينك لا ضمان عليه (6). ورواه غيره أيضا من محدثيهم. وهل المراد من نسيان الحسن الحديث هو نسيانه واقعا، أو رغبته عنه لضعفه؟


(1) مستدرك ج 3 كتاب الغصب ص 145. (2) مستدرك ج 3 كتاب الغصب ص 146. (3) سنن ابن ماجة ج 2 ص 802. (4) مسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 8. (5) مسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 13. (6) السنن للبيهقي ج 6 ص 90.

[ 233 ]

لهم كلام ذكره ابن تركماني في الجوهر النقي الذي طبع بهامش السنن الكبرى (1). وكان الحسن توهم شمول الحديث لموارد الامانة من العارية وغيرها (وقد رواه غير واحد منهم في باب العارية) ولكنه توهم فاسد كاسد كما سيأتي انشاء الله تعالى. وضعف اسنادهم غالبا عندنا، وخصوص هذا الحديث لرواية سمرة بن جندب الذي هو من افسق الناس وروايته مشهورة في مخالفة النبي صلى الله عليه وآله مذكورة في بحث لاضرر، وموقفه من معاوية وجعل الاحاديث، وحضوره مع قتلة الحسين عليه السلام في كربلاء وشبه ذلك معروف. ولكن شهرتها تغني عن البحث عن سندها، والاستدلال بها في كتب الفريقين وارسال الفقهاء له ارسال المسلمات وموافقته للسيرة العقلائية وغير ذلك مؤيدة لها. فقد استدل " شيخ الطائفة " قدس سره به في كتاب الغصب في المسألة 22 من الخلاف في من غصب ساجة فبنى عليها، ثم ذكر حديث سمرة، ثم قال وهذه يد قد اخذت ساجة فعليها ان تؤديها والاستدلال بها في الكتب الفقهية والاستدلالية كثيرة مشهورة؟ وفي معناه ماروي عن طرقهم أيضا مسندا عن عبد الله بن سائب ابن يزيد عن ابيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله قال لا يأخذ احدكم متاع اخيه لاعبا ولا جادا، فإذا اخذ احدكم عصا اخيه فليردها إليه (2). دل على ان اخذ مال الغير سواء كان عن لعب اوجد يوجب رده إلى صاحبه. * * * 2 - ويدل عليه أيضا الروايات الخاصة الواردة في ابواب العارية والاجارة والمضاربة والرهن وغير ذلك، مما يدل على ان المستعير أو المستاجر أو العامل أو المرتهن


(1) السنن للبيهقي ج 6 ص 90. (2) السنن للبيهقي ج 6 ص 100.

[ 234 ]

إذا حصل منه التعدي أو التفريط فهو ضامن لتلف العين وليس ذلك الا لان يده تنقلب إلى يد غير امينة، فلا يشمله حكم برائة الامين عن الضمان، فينطبق على ما نحن فيه وهو كون الضمان على صاحب اليد الا ان يؤديه إلى مالكه. وهذه الروايات كثيرة جدا وحيث نبسط القول فيها عند الكلام في القاعدة الاتية ونذكر ان هناك طوائف كثيرة من الروايات ونذكر نموذجا من كل طائفة وهي قاعدة عدم ضمان الامين فنصرف النظر عن ذكرها الان ونوكل امرها إلى تلك القاعدة. وهذه الروايات وان وردت في موارد خاصة الا انه يمكن استفادة العموم منها بلا اشكال بعد الغاء الخصوصية منها قطعا. اضف إلى ذلك ان فيها تعليلات أو ما يشبه التعليل الذي يستفاد منها ان حكم الضمان وعدم الضمان يدور مدار الامانة والغصب فإذا كانت الايدي غير امينة كانت ضامنة حتى تؤديه. والحاصل ان جميع ما سيأتي انشاء الله في القاعدة التالية من عدم ضمان الامين يدل بمفهومها على ان غير الامين ضامن. فإذا لا يختص الدليل على قاعدة على اليد بخصوص الرواية المرسلة المشهورة النبوية، بل الدليل عليه كثير وما اكثره، ولكنها متفرقة في مختلف ابواب الفقه لو جمعت كان كتابا مستقلا. * * * 3 - مما يدل قويا على قاعدة " احترام مال المسلم " بما عرفت له من المعنى في مبحث قاعدة " ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " فان الاصل فيها وفي قاعدة اليد وغيرهما من اشباههما هو ان مقتضى السلطنة على المال عدم جواز تصرف غيره فيه من دون اذنه، فلو تصرف فيه وتسلط عليه فتلف كان ضامنا، والا

[ 235 ]

انتهكت الحرمة للمال. وبالجملة حرمة مال المسلم بل وغير المسلم الملحق به، كحرمة دمه، ولا يكون هذا مجرد حرمة تكليفية كما ذكره بعض الاكابر، بل حرمة وضعية أيضا، وكيف يكون المال محترما ولا يجب تداركه عند التلف في غير يد مالكه بغير اذنه، وبالجملة التدارك للفائت من شؤون احترام المال وبدونه لا يعد محترما قطعا وتمام الكلام في هذا ذكرناه في مبحث قاعدة ما يضمن فراجع. * * * 4 - ويدل عليه أيضا بناء العقلاء فانهم لا يزالون يحكمون بضمان من استولى على شئ بغير حق ثم تلف عنده ولو لم يكن عن تعد أو تفريط، فإذا غصب غاصب حيوانا فهلك، أو دراهم أو دنانير فسرق، أو البسة فخرقت، أو غنما فاكله الذئب، فان الحكم بالضمان في جميع ذلك مفروغ عنه عندهم، وحيث ان الشارع لم يردع عنه بل امضاه عملا وقولا فهو ثابت في الشرع أيضا. نعم هنا بعض انواع التلف مما يكون بعلة عامة، يخفى الضمان فيها عند العقلاء مثل ما إذا غصب غاصب دارا فوقعت الزلزلة في كل البلد فانهدمت جميع دوره أو كثير منها وانهدم هذا الدار المغصوب في ضمنها، لاسيما إذا كان الدار قبل ذلك في يد المتصرف فيه باذن منه كالاجارة والعارية ثم مضى وقته وقصر في رده إلى صاحبه فوقعت الزلزلة، أو اصابه مطر شديد وجرت السيول فانهدم بها أو ما اشبه ذلك مما لا يختص بهذا الدار ولا تفاوت فيه بين ان يكون بيد المالك أو غيره. واوضح منه ما إذا لم يكن التصرف حراما عليه بسبب الجهل كمن اخذ مال غيره جاهلا فتلف في يده بسبب عام من غير تعد ولا تفريط، فان الحكم بالضمان في جميع ذلك عند العقلاء غير ثابت وان كان بعض هذه المصاديق اوضح من بعض. ولم نجد إلى الان تصريحا بهذا في كلماتهم، وهل اطلاق فتاواهم واطلاقات

[ 236 ]

ادلة الضمان تشمل مثل هذا أو لا يشمل؟ بل هي منصرفة عنه، لاسيما إذا لم يكن التصرف فيه محرما عليه لجهله أو نسيانه أو غير ذلك؟ لا يخلو عن تأمل. ولعله قد يتوهم دلالة ما رواه السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال كان امير المؤمنين عليه السلام يضمن الصباغ والقصار والصائغ احتياطا على أمتعة الناس، وكان لا يضمن من الغرق والحرق والشئ الغالب (1) على المطلوب. ولكنه اجنبي عما نحن فيه فان هذه الاجراء امناء، ولكن إذا شك في مقام الاثبات ولم يعلم صدق دعواهم في التلف بغير تفريط لابد من قيام قرينة عليه فان كانوا ثقات فهو قرينة على ذلك، وكذا إذا اقاموا بينة عادلة، وان وقع غرق أو حرق أو شئ غالب واخذ العين المستأجرة في خلال اموالهم واموال غيرهم فهو أيضا قرينة على المطلوب، وسيأتي الكلام فيه مستوفى انشاء الله في القاعدة التالية وهي قاعدة عدم ضمان الامين، فلا يمكن الاستدلال به على ما هو كل الكلام فتأمل. * * * المقام الثاني: مفاد القاعدة وقبل كل شئ لابد من تحليل الرواية المرسلة المشهورة: " على اليد ما اخذت حتى تؤديه " لما عرفت من انجبار ضعف سندها بعمل المشهور من الفريقين فنقول ومنه سبحانه التوفيق: الموصل في قوله " ما اخذت " عام يشمل كل شئ كما ان اليد عامة تشمل اليد الامينة والخائنة، ولكن سيأتي استثناء اليد الامينة منها إذا لم يحصل منها تعد أو تفريط. ومن الواضح ان اليد هنا كناية عن السلطة على شئ لا الجارحة المعروفة،


(1) الوسائل ج 13 ابواب احكام الاجارة الباب 29 الحديث 6.

[ 237 ]

فانها لما كانت سببا للسلطة على الاشياء غالبا صارت كناية عن هذا المعنى فلو حصلت السلطة بغير اليد فلا شك انه داخل في القاعدة. كما ان " الاخذ " ليس المراد به الاخذ الخارجي باليد أو غيرها، بل التسلط على شئ ولو لم يكن باخذه. ومن هنا يعلم ان كلمة " على اليد " خبر مقدم و " ما اخذت " مبتدأ موخر، وان الجار والمجرور متعلقان بفعل مقدر وهو " يستقر " أو ما يشبهه وهو ظرف مستقر. واما لفظة " على " فهي للاستعلاء كما هو الاصل فيها، فكأن الاشياء المأخوذة تستقر على يد آخذها، ويكون ثقلها عليها ما لم تؤدها إلى صاحبها، فهذا الثقل باق عليه الا ان يردها، ومعنى كون ثقلها عليها هو ضمانها فهو كناية لطيف عن الضمان. كما قد يقال: " ان هذا على عنقي، أو على عاتقي فكأنه حمل حمله على عنقه أو على عاتقه، وثقله عليه. حتى يخرج من ضمانها، حتى انه إذا تلف لا يرتفع ثقلها عنه بل يبقى في عالم الاعتبار حتى يؤدي مثلها أو قيمتها، فانه ايضا نوع اداء للعين عند تلفه، لقيام المثل أو القيمة مقامه. وقد يقال انه " في ذمتي، أو على ذمتي " فتارة تفرض الذمة كوعاء ويستقر العين فيه، وربما تتصور كمحمول يحمل عليه العين وعلى كل تقدير كل هذه كنايات عن الضمان. * * * بقى هنا امور الاول: لا فرق في مسألة الضمان هنا بين العلم والجهل فلو لم يكن مأذونا من قبل المالك وتلف في يده كان ضامنا، وذلك لاطلاق قوله صلى الله عليه وآله " على اليد ما اخذت... " لعدم وجود قيد فيه من هذه الجهة، هذا " اولا ".

[ 238 ]

و " ثانيا " اطلاق سائر الادلة والروايات الواردة في المسألة ايضا دليل على المقصود. و " ثالثا " قاعدة احترام المال ايضا تقتضي ذلك من دون اي فرق. و " رابعا " لا فرق في السيرة العقلائية بين الصورتين. اضف إلى ذلك كله ما ورد في بعض الروايات الخاصة التي يلوح منها عدم الفرق بين الجاهل والعالم، مثل ما رواه علي بن مزيد (علي بن فرقد) صاحب السابري قال اوصى الي رجل بتركته فأمرني ان احج بها عنه فنظرت في ذلك فإذا هي شئ يسير لا يكفي للحج، فسالت أبا حنيفة وفقهاء اهل الكوفة فقالوا تصدق بها عنه - إلى ان قال - فلقيت جعفر بن محمد عليه السلام في الحجر فقلت له رجل مات واوصى الي بتركته ان احج بها عنه فنظرت في ذلك فلم يكف للحج، فسالت من عندنا من الفقهاء فقالوا تصدق بها، فقال ما صنعت قلت تصدقت بها، قال: ضمنت! الا ان لا يكون يبلغ ما يحج به من مكة فان كان لا يبلغ ما يحج به من مكة فليس عليك ضمان وان كان يبلغ ما يحج به من مكة فانت ضامن (1). وفي معناه روايات اخرى وردت في نفس ذاك الباب. وهي وان كانت واردة في مورد الاتلاف، الا ان الظاهر عدم الفرق بينه وبين التلف من هذه الجهة، فلو كان تصرفه فيه بغير اذن مالكه جهلا منه بذلك سواء كان عن تقصير أو قصور، فتلف عنده فهو له ضامن (فتأمل). * * * الثاني: لاشك في الضمان إذا كان التلف مستندا إلى كونه في يده واستيلائه عليه، بحيث لو كان عند مالكه بما اصابه هذه المصيبة والتلف السماوي، فهو وان لم يكن متلفا له ولكن كان يده عليه من معداته، وكذا إذا لم يعلم كون التلف مستندا


(1) الوسائل ج 13 ابواب احكام الوصايا الباب 37 الحديث 2.

[ 239 ]

إلى هذا أو إلى سبب عام لا تفاوت فيه بين استيلاء المالك عليه واستيلاء الغاصب. اما لو كان السبب من الاسباب العامة الظاهرة على كل احد كوقوع زلزلة أو اصابة صاعقة، أو غرق أو حرق عام، لا يتفاوت فيه الحال بين ابناء البلد، فذهب باموال المالك واموال الغاصب كليهما ومن جملتهما هذا المال الموجود في يد الغاصب بحيث لا يكون استيلاء الغاصب اية مدخلية في التلف ولاسيما إذا لم يصدق عليه عنوان الغاصب، وان كان غير مأذون كالجاهل فظاهر اطلاقات كلماتهم وفتاواهم هنا شمول على اليد له ايضا لانا لم نجد من فرق بينهما وان لم نجد من صرح بالاطلاق ايضا. وقد مر الكلام فيه وانه لم نجد لهم كلاما فيه. نعم يظهر التفصيل من بعض كلمات لا بالنسبة إلى نفس العين ولا منافعه المستوفاة، بل بالنسبة إلى المنافع غير المستوفاة فانه قال: نعم هذه القاعدة (قاعدة التفويت) لا تجري بالنسبة إلى جميع اقسام المنافع غير المستوفاة وتكون مخصوصة بما إذا كان عدم الاستيفاء مستندا إلى تفريطه، لا إلى آفة سماوية، فلو غصب بستانا مثلا أو دابة كذلك، وكان عدم استيفاء الغاصب لمنفعة ذلك البستان، أو تلك الدابة لوصول آفة سماوية اليهما، لا لحبس الغاصب لما على مالكهما، فلا تجري هذه القاعدة ولا يمكن القول بالضمان لاجل قاعدة التفويت انتهى (1). وكلامه وان كان في قاعدة التفويت (اي تفويت منافع الملك) ولكن الظاهر انه لو تم كلامه فيها فلابد من القول به في العين ايضا وفي قاعدة على اليد لعدم الفرق بينهما في هذه الجهة والدليل فيها هو الدليل في المنافع. والظاهر ان بناء العقلاء الذي هو الاصل في هذه القواعد على ذلك ايضا أعني الفرق بين الصورتين، فإذا يمكن التفصيل في المسألة بين الافات العامة وغيرها.


(1) العلامة البجنوردي في قواعده ج 4 ص 56.

[ 240 ]

ولكن الجرأة على هذا الحكم مع اطلاق الرويات والفتاوى، وعدم تعرض احد من الاصحاب فيما رأينا للتفصيل مشكل جدا وان كان الحكم بالاطلاق ايضا لا يخلو عن اشكال، والمسألة تحتاج إلى مزيد تأمل وتحقيق والله الهادي إلى سواء الطريق. * * * الثالث: لا فرق بين ضمان العين والمنافع سواء كان مستوفاة أو غير مستوفاة. اما المنافع المستوفاة فالمعروف بينهم ضمانها ولا ينبغي الشك فيها، فلو غصب دارا وسكنها فعليه اجرة مثل منافعه التي استوفاها أو غصب دابة فركبها. ويدل على ذلك جميع مادل على ضمان نفس العين، بل المنافع داخلة في قوله " على اليد ما اخذت " فان الاخذ صادق بالنسبة إلى المنافع ايضا ولو بتبع اخذ العين، كما ان التسليم للمنافع في باب الاجارة انما هو بتسليم العين المستأجرة، وتوهم ان قوله " حتى تؤديه " لا يشملها باطل لان اداء المنافع انما هو باداء العين. وكذلك قاعدة احترام مال المسلم شاملة لها لان المنافع المستوفاة ايضا من الاموال. وهكذا لا فرق في السيرة العقلائية بين العين والمنفعة. اضف إلى ذلك كله وقوع التصريح به في بعض نصوص الباب كما في صحيحة أبي ولاد عن الصادق عليه السلام فانه ذكر في جواب ابي ولاد الحناط الذي اكترى بغلا ثم جاوز به عن الشرط، فذهب به من الكوفة إلى النيل، ومن النيل إلى بغداد، ومن بغداد إلى الكوفة، فقال: " ارى له عليك مثل كراء بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل ومثل كراء بغل راكبا من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة، توفيه اياه " (1). ومثله ما ورد عنه عليه السلام بطرق عديدة في نفس ذاك الباب (2).


(1) الوسائل ج 13 ابواب احكام الاجارة الباب 17 الحديث 1. (2) راجع كتاب الاجارة الباب 17 الحديث 2 و 4.

[ 241 ]

فهذا كله دليل على ضمان المنافع المستوفاة بلا ريب. واما المنافع غير المستوفاة فالمحكى عن المشهور ايضا الضمان فيها، وهو الموافق لقاعدة احترام مال المسلم، فمن غصب دارا من غيره ولم يسكنه فقد اتلف منافعه على مالكه، وحرمة هذه المنافع تقتضي تداركها باجرة مثلها، وكذلك من غصب مركبا أو لباسا أو غير ذلك. ويدل عليه أيضا سيرة العقلاء، فانهم لا يشكون في وجوب اجرة المثل على الغاصب للدار وان لم يسكنه، وكذا غيره من اشباهه، وحيث لم يمنع منها الشارع فهو اجازة لهذا البناء المستمر. بل يمكن القول بدلالة قوله صلى الله عليه وآله " على اليد ما اخذت حتى تؤديه " عليه، فان المنافع ولو كانت بالقوة يكون اخذها بتبع اخذ العين، وإذا مضى وقتها ولم يستوفها يصدق انه اتلفها فتأمل. وبالجملة لا ينبغي الشك في ضمان المنافع بكلا قسميها. انما الكلام في انه إذا كان للعين منافع مختلفة تتفاوت بحسب القيمة، مثل السيارة أو المراكب الاخرى، تاره تحمل عليها الاثقال والاحمال، واخرى يركبها الانسان وقد يكون كرائها في الثاني اكثر من الاول أو بالعكس، فإذا كان هناك سيارة قابلة لكلتا المنفعتين فغصبها غاصب ولم يستوف منافعها، فهل هو ضامن لاكثر الامرين؟ أو لاقلهما؟ أو يكون المالك بالخيار؟ الظاهر هو الاول لان جميع ما عرفت من الادلة الدالة على ضمان المنافع غير المستوفاة تدل على اكثر الامرين، لصدق تفويت الاكثر عليه، ولكون الاكثر ماخوذا بتبع العين، ولقاعدة احترام مال المسلم، ومن امواله منافعه، المفروض ان العين هنا قابل للمنفعة التي هي اكثر. * * *

[ 242 ]

الرابع: لو تلف المال وكان مثليا وجب مثله كما انه لو كان قيميا وجب قيمتة. وهذا الحكم هو المشهور بين فقهائنا حتى ادعي الاجماع عليه. والعمدة فيه ان الواجب على الغاصب اداء العين، فإذا لم يمكن اداء العين فالواجب عليه الاقرب فالاقرب، ومن الواضح ان المثل في المثلى اقرب إلى العين من كل شئ، لاشتماله على مالية العين مع كثير من اوصافه، فمهما امكن التدارك بالمثل كان واجبا، وهذا هو المستفاد من قوله " على اليد ما اخذت حتى تؤديه ". وكذلك هذا هو مقتضى قاعدة احترام مال المسلم - إلى غير ذلك من الادلة التي مرت عليك -. نعم إذا لم يوجد له مثل أو كان متعسرا لم يجب عليه الا اداء ماليته، لانه الاقرب إليه من كل شئ، والظاهر ان هذا هو الذي جرت عليه سيرة العقلاء الممضاة من قبل الشارع المقدس. هذا ولكن المهم تعيين ضابطة الفرق بين المثلي والقيمي، ولهم هنا تعاريف كثيرة لا يهمنا بيان جميعها والبحث عما يرد عليها. والحق ان يقال: انه لم يرد هذان العنوانان في لسان دليل شرعي، عداما يتوهم من دلالة قوله تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) ولكن الظاهر ان الاية اجنبية عن المقام، بل هي ناظرة إلى مسألة القتال في الاشهر الحرم، والى قصاص النفس، ولذا عبر فيها بالتعدي في الجانبين، ومن الواضح ان مسألة الضمان بالتلف ليس من هذا القبيل، ويظهر ما ذكرنا لمن راجعها ولاحظ ما قبلها وما بعدها من الايات. وكذا لم يرد في معقد اجماع وان ادعاه شيخنا العلامة الانصاري في مكاسبه، ولو سلمنا الاجماع على ذلك فالظاهر انه ليس اجماعا تعبديا بل هو مأخوذ من بناء العقلاء


(1) سورة البقرة: الاية 194.

[ 243 ]

في ابواب الضمانات كما مر وسيأتي الا شارة إليه ايضا. نعم ورد التعبير بالمثل في صحيحة ابي ولاد المشهورة، حيث قال الصادق عليه السلام " ارى له عليك مثل كراء بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغل راكبا من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه اياه " (1). ولكن من الواضح انها أيضا اجنبية عن المقام بل هي ناظرة إلى اجرة المثل كما هو واضح. وحينئذ لا يبقى مجال للبحث عن تعريف المثلي تارة بانه " ما تماثلت اجزاؤه وتقاربت صفاته " (كما عن التحرير) أو انه " ما تتساوى اجزائه في الحقيقة النوعية " (كما عن غاية المراد) أو انه " المتساوي الاجزاء والمنفعة المتقارب الصفات " (كما عن الدروس) أو " ما يجوز بيعه سلما " (كما عن بعض العامة) أو " ما قدر بالكيل والوزن " (كما عن بعض آخر منه) إلى غير ذلك، ثم البحث عن ما يرد عليها نقضا وعكسا وكذا الكلام بالنسبة إلى القيمي الذي هو مقابله. وذلك لما عرفت من انه فرع ورود هذا العنوان في لسان دليل شرعي أو معقد اجماع معتبر. ومن الجدير بالذكر ان شيخنا العلامة الانصاري قدس سره لما لم يجد لشئ من هذه التعاريف ملاكا واضحا التجأ إلى الاخذ بالقدر المتيقن بعد ما اعتقد بورود العنوانين في معتقد اجماع معتبر فقال: " كلما ثبت كونه مثليا بالاجماع كان مضمونا بالمثل، وكلما كان قيميا كذلك كان مضمونا بالقيمة " ثم تكلم في موارد الشك مثل الذهب والفضة المسكوكين والحديد وما اشبهه من الفلزات، والعنب والرطب وغيرها، وان مقتضى الاصل


(1) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 17 الحديث 1.

[ 244 ]

كونها قيميا أو مثليا أو تخيير الضامن أو تخيير المالك. ولكن الانصاف انه ليس لنا هنا معيار اوضح من الرجوع إلى بناء العقلاء في امثال المقام، ويظهر من الرجوع إليهم ان كلما يوجد له مثل متقارب الصفات بسهولة ولا يكون من الشواذ التي لا تصل الايدي إليه نادرا فحينئذ يحكمون بوجوب تحصيل المثل على الضامن الا ان لا يكون المطلوب فيها الا المالية كالنقود الرائجة ولم ينكر الشرع هذا البناء. والحاصل ان الاعيان على ثلاثة اقسام: قسم لا يطلب منها الا المالية، كالاوراق التي تستعمل بعنوان النقد الرائج في زماننا فلو تلف شئ منها عند الضامن أو اتلفه فليس عليه الا اداء ما يعادله بحسب المالية فيجوز اعطاء عشرة في مقابل واحد إذا كان مجموعها يعادله، كعشرة دنانير في مقابل ورقة تعادل عشرة. وقسم منها يطلب منها المالية والصفات أيضا وهو على قسمين: ما يوجد له مثل غالبا يشتمل على اكثر صفاته، وبنائهم فيه على اداء المثل. وقسم منها قل ما يوجد له مثل يشتمل على اغلب صفاته ففيه يكون الضامن مكلفا باداء القيمة فقط. ومن هنا يظهر بسهولة انهما يختلفان باختلاف الامكنة والازمنة فرب شئ يكون مثليا في مكان وقيميا في مكان آخر، أو مثليا في زمان وقيميا في زمان آخر. والظاهر انه ليس المدار على الاشخاص، بل المدار على نوع المكلفين ونوع الاجناس، فلو وجد للقيمي مثل احيانا اشكل الزام الضامن بادائه، كما انه لو اختار الضامن المثل حينئذ يشكل الزام المالك بقبوله، فان هذه الاحكام لا تدور مدار الافراد. ولكن مع ذلك كله لا ينبغي الشك انه قد تقع الشبهة في تشخيص مصاديقهما

[ 245 ]

ويكون لها مصاديق مشكوكة كما هو الحال في جميع المفاهيم العرفية والشرعية فان هناك مصاديق معلومة الدخول، ومصاديق معلومة الخروج، ومصاديق مشكوكة في كل عنوان. ولا يبعد تخيير المالك في جميع ذلك، لان الاصل اشتغال الذمة ولا تحصل البرائة الا به، ولكن هنا اقوال أو احتمالات أخر تعرضوا لها في الكتب الفقهية والاولى ايكال البحث عنها إلى محلها. وكذلك بالنسبة إلى صورة تعذر المثل في المثلي، أو إذا لم يوجد المثل الا باكثر من ثمن المثل، أو غير ذلك من احكام " بدل الحيلولة " وغيرها لانها محررة في كتاب البيع من الفقه. وهكذا الكلام بالنسبة إلى القيمة في القيمي وان المدار فيه على قيمة يوم الضمان أو يوم التلف، أو يوم الاداء، أو اعلى القيم، أو يوم اعواز المثل، فيما إذا كان المثل موجودا من قبل ثم اعوز أو غير ذلك. تم الكلام في قاعدة ضمان اليد يوم الثلاثاء 3 / الربيع الاول من سنة 1405

[ 247 ]

12 - قاعدة عدم ضمان الامين (ليس على الامين الا اليمن) * ادلة القاعدة من الاجماع * الطوائف السبع من الروايات الدالة عليها * الرويات المعارضة، وعلاجها * بناء العقلاء في المسألة * ما المراد بالامانة هنا؟ * هل يجوز اشتراط ضمان الامين؟ * ما المراد من التعدي والتفريط؟ * ضمان وصف الصحة

[ 249 ]

قاعدة عدم ضمان الامين هذه القاعدة مما استند إليه الفقهاء في ابواب مختلفة، وهي من اشهر القواعد الفقهية واوسعها دليلا، وأكثرها فرعا، وحاصلها ان من أخذ مال غيره بعنوان الامانة سواء كان في عقد اجارة، أو عارية، أو مضاربة، أو مزارعة، أو مساقاة، أو وديعة، أو وكالة، أو رهن، أو ولاية على الصغار، أو جعالة، أو وصاية، أو غير ذلك من اشباهه، فهو غير ضامن لها إذا تلف من غير تعد ولا تفريط في حفظها، ولم يخالف فيها على اجمالها أحد ممن نعلم، وان وقع البحث والكلام في خصوصياتها. * * * ولكن قبل الشروع في ذكر ادلتها على كثرتها لابد من التنبيه على امرين: 1 - ان الكلام في هذه القاعدة قد يكون من جهة مقام الثبوت بان يعلم ان الامانة الفلانية لم يقع فيها تعد ولا تفريط، وهلك بغير ذلك، ثم نتكلم في عدم ضمانه. وأخرى يقع الكلام في مقام الاثبات، وهو ما إذا علم بالتلف ولكن شك في استناده إلى التعدي والتفريط، فهل يحكم بضمان من تلف في يده أم لا؟ وقد وقع الخلط في كلمات بعض الاعلام بين المقامين، وحصل منه اشتباه في أحكام المسألة.

[ 250 ]

وليعلم ان الروايات الواردة في هذه القاعدة أيضا مختلفة، بعضها ناظرة إلى المقام الاول، وهو مقام الثبوت، وبعضها ناظرة إلى المقام الثاني، وهو مقام الاثبات ولابد من اعطاء كل حقه كي لا يختلط الاحكام في فروع القاعدة، وما يستنتج منها. * * * 2 - الامانة في هذه الابواب يطلق على معنيين: الاول ما يكون في مقابل الغصب فالامين هو الذي ليس بغاصب، وعلى هذا المعنى المستأجر والوكيل والعامل في المضاربة والمستعير ونظائرهم امناء، وان لم يكونوا ثقاة لان المفروض انهم اخذوا المال من مالكها برضاه فليسوا بغاصبين. الثاني: ما يكون في مقابل الخيانة، وبعبارة أخرى يكون فيها معنى الوثاقة، فالامين هو الذي يثق الانسان بقوله واخباره، فلو شهد مثلا ان المال تلف بغير تفريط منه يعتمد على كلامه. وروايات الباب بعضها ناظرة إلى المعنى الاول، وبعضها إلى المعنى الثاني، ولابد في كل مقام من التمسك بالقرائن الحالية أو المقالية. وقد يشتبه الحال ولا يعلم ان الامانة في الرواية بالمعنى الاول أو الثاني؟ فمن الاول ما عن غياث بن ابراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام ان أمير المؤمنين عليه السلام أتى بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمنه، وقال انما هو أمين (1). ومن الثاني ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال كان امير المؤمنين عليه السلام يضمن القصار والصائغ احتياطا للناس، وكان أبي يتطوع عليه إذا كان مأمونا (2). فان القصار والصائغ مأمونان بالمعنى الاول فقوله إذا كان مأمونا فهو للمعنى الثاني، وكم لهما من نظير في ابواب الضمانات.


(1) الوسائل ج 13 كتاب الاجارة الباب 28 الحديث 1. (2) الوسائل ج 13 كتاب الاجارة الباب 29 الحديث 4.

[ 251 ]

ومن الجدير بالذكر ان الامانة بالمعنى الاول يناسب مقام الثبوت، وبالمعنى الثاني يناسب البحث عن مقام الاثبات، وكن من هذا على بصيرة فانه ينفعنا في جيمع ابحاث المسألة. * * * واذ قد عرفت ذلك فلنرجع إلى البحث عن مدارك القاعدة " اولا " وعن محتواها " ثانيا "، وعما يتفرع عليها " ثالثا ". 1 - في ادلة القاعدة يمكن الاستدلال عليها بعد الاجماع اللائح من كلمات القوم، وعدم ظهور المخالف فيها، بالكتاب والسنة وبناء العقلاء. اما من كتاب الله فقد استدل بقوله تعالى " ما على المحسنين من سبيل " (1) وكون الامين محسنا واضح. كما ان الضمان سبيل فينفي عنه بمقتضى الاية. والاية وان وردت في مورد الجهاد واستثناء المرضى والضعفاء واشباههم عن حكمه إذا نصحوا لله ورسوله، ولكن التعليل فيها عام يشمل المورد وغيره. هذا والاستدلال به لا يخلو عن اشكال فان صدق المحسن بالنسبة إلى الودعى ومن يتبرع بحفظ متاع كاخذ اللقطة ليجد صاحبها، وشبه ذلك ظاهر ولكن صدقه بالنسبة إلى الاجير والمستعير والعامل في المضاربة ونظائرهم ممن يأخذ المال من مالكه لمنفعة نفسه مشكل جدا، فإذا لا تندرج تحت الاية الا موارد يسيرة من القاعدة ويخرج منها أكثرها. وأما من السنة: فهي طوائف كثيرة من الاخبار:


(1) سورة التوبة: الاية 91.

[ 252 ]

الطائفة الاولى: ما يدل على هذه القاعدة عموما وهي روايات: منها ما رواه في دعائم الاسلام عن علي عليه السلام " ليس على المؤتمن ضمان " (1). ان كان المراد بالمؤتمن هنا الودعى كان خاصا بباب الوديعة ولكن ان كان بمعناه العام يشمل كل امين، وكذا لو قلنا بان تعليق الحكم على الوصف دليل على العلية كان بمنزلة العموم. ومنها ما روي عن طرق الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله قال " على اليد ما اخذت حتى تؤدي " ثم ان الحسن نسى حديثه فقال " هو امينك لا ضمان عليه " (2). وكان ظاهره انه إذا تلف المال من غير تفريط وعلم فلا ضمان عليه. * * * الطائفة الثانية: ما علل فيه عدم الضمان بكون صاحبه امينا الذي هو من قبيل القياس منصوص العلة، فيستفاد منها عدم الضمان في سائر موارد الامانة ايضا، وهي روايات كثيرة: 1 - منها ما عن غياث بن ابراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام اتى بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمنه وقال انما هو امين (3). فقوله " انما هو امين " بيان للصغرى، ودليل على ان عدم ضمان الامين كان أمرا مفروغا عنه، لا يحتاج إلى البيان. نعم في غير واحد من الروايات تعليل عدم ضمان صاحب الحمام بانه انما يأخذ الاجر على الحمام ولا يأخذ اجرا على الثياب (4) ولكن لا منافاة بين التعليلين


(1) المستدرك ج 2 ص 506 كتاب الوديعة. (2) السنن الكبرى للبيهقي ج 6 كتاب العارية ص 90. (3) الوسائل ج 13 كتاب الاجارة الباب 28 الحديث 1. (4) الوسائل ج 13 كتاب الاجارة الباب 28 الحديث 2 و 3.

[ 253 ]

كما سيأتي ان شاء الله، فان كل واحد منهما جزء من العلة الواقعية. 2 - ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس على مستعير عارية ضمان وصاحب العارية والوديعة مؤتمن (1). فان قوله عليه السلام " صاحب العارية والوديعة مؤتمن " في مقام التعليل. 3 - ما رواه في دعائم الاسلام عن امير المؤمنين عليه السلام صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان (2). 4 - ما عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل استأجر ظئرا فغابت بولده سنين، ثم انها جائت به فانكرته امه، وزعم اهلها انهم لا يعرفونه، قال عليه السلام ليس عليها شئ الظئر مأمونة (3). فان اطلاق الحكم بان الظئر مأمونة دليل على ان المراد منه الامانة في مقابل الغصب، وعدم ذكر الكبرى فيها دليل على كونها قطعية. 5 - وما رواه ابان بن عثمان عمن حدثه عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: وسألته الذي يستبضع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان؟ فقال ليس عليه غرم بعد ان يكون الرجل امينا (4). فان قوله " بعد ان يكون الرجل امينا " فان قوله " بعد ان يكون الرجل امينا " في مقام التعليل، فيستفاد منه العموم اما لو كان من قبيل الشرط والتقييد دخل في الاحاديث الناطقة عن الحكم في مقام الاثبات، ولكنه خلاف الظاهر. 6 - وما رواه حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال في رجل استأجر اجيرا


(1) الوسائل ج 13 كتاب العارية الباب 1 الحديث 6. (2) المستدرك ج 2 كتاب الوديعة ص 506. (3) الوسائل ج 19 كتاب الديات ابواب موجبات الضمان الباب 29 الحديث 2. (4) الوسائل ج 13 كتاب الوديعة الباب 4 الحديث 5.

[ 254 ]

فاقعده على متاعه فسرقه قال: هو مؤتمن (1). والظاهر ان قوله فسرقه اي فسرقه سارق فلم يضمنه لكونه مؤتمنا. 7 - ومن طريق الجمهور ما رواه " الدارمي " في كتاب الوصايا عن النبي صلى الله عليه وآله " الوصي امين فيما اوصى إليه به " (2). إلى غير ذلك مما يطلع عليه المتتبع. * * * الطائفة الثالثة " مادل على عدم ضمان الامين في موارد خاصة " بحيث يمكن اصطياد العموم من ملاحظة مجموعها بحيث لا يبقى شك في انه حكم عام في جميع الابواب. 1 - منها ما ورد في باب الوديعة مثل ما ارسله في المقنع سئل الصادق عليه السلام عن المودع إذا كان غير ثقة هل يقبل قوله؟ قال: نعم ولا يمين عليه (3). وهو وان كان ناظرا إلى مقام الاثبات، الا ان عدم اعتبار الوثاقة فيه، يدل على عدم الضمان في مقام الثبوت على كل حال. 2 - منها ما ورد في ابواب العارية، مثل ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه، الا ان يكون اشترط عليه " (4) ومنها ما رواه العامة والخاصة في القضية المعروفة ان رسول الله صلى الله عليه وآله جاء إلى صفوان بن امية فسأله سلاحا، ثمانين درعا، فقال له صفوان: عارية مضمونة أو غصبا؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: بل عارية مضمونة (5).


(1) الوسائل ج 13 كتاب الوديعة الباب 4 الحديث 2. (2) الدارمي كتاب الوصايا ص 9 (نقله في المعجم المفهرس في مادة امن). (3) الوسائل ج 13 كتاب الوديعة الباب 4 الحديث 7. (4) الوسائل ج 13 كتاب العارية الباب 1 الحديث 1. (5) الوسائل ج 13 كتاب العارية الباب 1 الحديث 5 وروى أبو داود هذه الرواية بطرق مختلفة وعبارات شتى في سننه ج 3 الباب 54.

[ 255 ]

دل على ان العارية بطبيعتها لا توجب الضمان الا ان يشترط. وفي رواية اخرى قال في ذيلها: فجرت السنة في العارية إذا شرط فيها ان تكون مؤداة (1). 3 - منها ما ورد في كتاب الرهن مثل ما رواه ابان بن عثمان عمن اخبره عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: في الرهن إذا ضاع من عند المرتهن من غير ان يستهلكه، رجع في حقه على الرهن فاخذه، فان استهلكه ترادا الفضل بينهما (2). دل على انه إذا تلف الرهن عند المرتهن من دون تقصير ليس بضامن، وإذا اتلفه كان ضامنا، ولذا لا يأخذ مما اعطاه الا الفضل. وما رواه سليمان بن خالد في الرهن ايضا عن أبي عبد الله عليه السلام إذا رهنت عبدا أو دابة فمات فلا شئ عليك، وان هلكت الدابة أو ابق الغلام فانت له ضامن (3). والفرق بين الصورتين ان في الاولى تلف بغير تفريط، وفي الثانية تفريط منه، يشهد له قرينة المقابلة. إلى غير ذلك مما ورد في ابواب الرهن، وهو كثير. 4 - ومنها ما ورد في ابواب المضاربة مثل ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال قال امير المؤمنين عليه السلام: من اتجر مالا واشترط الربح ليس عليه ضمان (4). إلى غير ذلك مما ورد في " ابواب المضاربة ". 5 - ومنها ما ورد في ابواب الاجارة مثل ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال قال امير المؤمنين (في حديث) ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم


(1) الوسائل ج 13 كتاب العارية الباب 2 الحديث 1. (2) الوسائل ج 13 كتاب الرهن الباب 5 الحديث 7. (3) الوسائل ج 13 كتاب الرهن الباب 5 الحديث 8. (4) الوسائل ج 13 كتاب المضاربة الباب 3 الحديث 2.

[ 256 ]

يكرهها أو يبغها غائلة (1). دل على عدم الضمان ما لم يتعد أو يفرط - هذا في اجارة العين واما اجارة النفس: مثل ما رواه علي بن محمد القاساني قال كتبت إليه يعني ابا الحسن عليه السلام: رجل امر رجلا يشتري له متاعا أو غير ذلك، فاشتراه فسرق منه، أو قطع عليه الطريق من مال من ذهب المتاع؟ من مال الامر أو من مال المأمور؟ فكتب عليه السلام من مال الامر (2). وهو صريح في عدم ضمان الاجير عند عدم التعدي، فانه القدر المتيقن منه. إلى غير ذلك مما ورد في هذا الباب. نعم هناك روايات تدل على تضمين الصائغ والقصار والحائك وغيرهم، ومن يكون اجيرا مشتركا على الاطلاق، وروايات دالة على خلافها، سيأتي الكلام فيها ان شاء الله وانها من قبيل الاستثناء من حكم عدم ضمان الاجير أو لها محامل اخر. 6 - ومنها ورد في ابواب الوصية مثل ما رواه محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل بعث بزكاة ماله لتقسم، فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن، إلى ان قال - وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي امر بدفعه إليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان (3). وهو يدل على المقصود من جهتين: من جهة عدم كون الامين في حفظ الزكاة ضامنا، وكذا من جهة الوصي. * * *


(1) الوسائل ج 13 كتاب الاجارة الباب 32 الحديث 1. (2) الوسائل ج 13 كتاب الاجارة الباب 30 الحديث 15. (3) الوسائل ج 13 كتاب الوصايا الباب 36 الحديث 1.

[ 257 ]

وهناك روايات اخر مروية من طرق الجمهور تدل على المقصود. منها ما رواه عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من اودع وديعة فلا ضمان عليه (1). وروى البيهقي عن شعيب مثله عنه صلى الله عليه وآله الا انه قال من استودع وديعة فلا ضمان عليه (2). ومنها ما رواه مصعب بن ثابت قال سمعت عطا يحدث ان رجلا رهن فرسا فنفق في يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للمرتهن: ذهب حقه (3). والظاهر ان الضمير عائد إلى الراهن وذهاب حقه بمعنى عدم ضمان المرتهن للعين المرهونة، وهذا مما ورد في ابواب الرهن. ومنها ما رواه سعيد بن المسيب ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا يغلق الرهن من صاحبه، له غنمه وعليه غرمه (4). هذا ايضا مما ورد في ابواب الرهن. وقد مر آنفا ان هناك روايات تدل الضمان في بعض ابواب الاجارة، والوديعة، رويت في كتب الفريقين، وسيأتي الكلام فيها ان شاء الله وانها لا تعارض القاعدة المسلمة، وهي عدم ضمان الامين. * * * الطائفة الرابعة: ما يدل على ان الضمان مشروط باشتراطه، الذي يدل بمفهومه على انه لولا


(1) سنن ابن ماجة ج 2 باب الوديعة ص 802 الحديث 2401. (2) السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 289. (3) السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 41. (4) السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 39.

[ 258 ]

الاشتراط، لما كان هناك ضمان، أو ان الضمان ثابت إذا خالف الشرط الذي اشترط عليه صاحبه في ماله. منها ما ورد في ابواب المضاربة مثل ما رواه محمد بن عيسى في نوادره عن ابيه قال قال أبو عبد الله عليه السلام كان للعباس مال المضاربة، فكان يشترط ان لا يركب بحرا، ولا ينزل واديا فان فعلتم فانتم له ضامنون، فابلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فاجاز شرطه عليهم (1). إلى غير ذلك مما ورد في هذا الباب. ومنها ما ورد في ابواب الاجارة مثل ما رواه الحلبي قال سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل (خ - ما تقول في رجل) تكارى دابة إلى مكان معلوم، فنفقت الدابة قال ان كان جاز الشرط فهو ضامن (2). ومنها ما رواه الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال في الرجل يعطى المال، فيقول له ايت ارض كذا وكذا ولا تجاوزها واشتر منها، قال فان جاوزها وهلك المال فهو ضامن (3) إلى غير ذلك مما ورد في هذا الباب. * * * الطائفة الخامسة: ما يدل على ان الضمان متوقف على التعدي والتفريط الذي يدل بمفهومه على عدم الضمان عند عدمهما. منها ما ورد في ابواب المضاربة من ان العامل إذا خالف الشرط كان ضامنا ومن الواضح ان مخالفة الشرط من مصاديق التعدي، مثل ما رواه محمد بن مسلم


(1) الوسائل ج 13 ابواب المضاربة الباب 1 الحديث 12. (2) الوسائل ج 13 ابواب الاجارة الباب 17 الحديث 3. (3) الوسائل ج 13 ابواب المضاربة الباب 1 الحديث 2.

[ 259 ]

عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يعطى المال مضاربة وينهى ان يخرج به، فخرج، قال يضمن المال والربح بينهما (1). وفي معناه روايات كثيرة اخرى وردت في نفس الباب (2). ومنها ما ورد في ابواب الاجارة وانه لو خالف المستأجر الشرط كان ضامنا. مثل الرواية المعتبرة المعروفة لابي ولاد الخياط التي لا يزال يستدل بها القوم في ابواب الضمانات، والرواية طويلة حاصلها انه اكترى بغلا لطلب غريم له، ولما لم يجده خالف شرط الاجارة، وذهب به إلى امكنة اخرى فسئل ابا عبد الله عليه السلام عن حكمه بعدما اتى صاحب البغل عند ابي حنيفة وقال في جملة كلام له: " قلت له (اي للصادق عليه السلام) ارايت لو عطب البغل ونفق اليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته " (2). والرويات في هذا الباب ايضا كثيرة رواها في الوسائل في نفس ذاك الباب (4). ومنها ما ورد في ابواب الاجارة ايضا من ان المستاجر إذا فرط في حفظ الدابة فعيبت أو هلكت فعليه ضمانها، مثل ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى ابن جعفر عليه السلام قال سألته عن رجل استاجر دابة فوقعت في بئر، فانكسرت ما عليه؟ قال: هو ضامن، ان كان لم يستوثق منها، الحديث (5). وفي معناها روايات اخرى في نفس الباب (6). إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى.


(1) الوسائل ج 13 احكام المضاربة الباب 1 ح 1. (2) روى جميعها في الوسائل في الباب الاول من ابواب احكام المضاربة. (3) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 17 ح 1. (4) رواها في الوسائل في الباب 17 من ابواب احكام الاجارة وفى الباب 16 ايضا (5) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 32 الحديث 4. (6) رواها في الوسائل في الباب 32 من ابواب احكام الاجارة.

[ 260 ]

الطائفة السادسة: مادل على ان عدم الضمان مشروط بالامانة والوثاقة. وهذه الطائفة وان وردت في مقام الاثبات ولكنها دليل على انه لو لم يتعد ولم يفرط في مقام الثبوت فليس بضامن، والروايات في هذا المعنى كثيرة واليك نموذج منها. منها ما رواه عبد الله بن سنان قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن العارية، فقال لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأمونا (1). ومنها ما رواه ابان عن ابي جعفر عليه السلام قال وسألته عن الذي يستبضع المال فيهلك أو يسرق، اعلى صاحبه ضمان؟ فقال ليس عليه غرم بعد ان يكون الرجل امينا (2) بناءا على ان يكون قوله " بعد ان يكون الرجل امينا " بمنزلة الشرط لا في مقام التعليل. والاحاديث في هذا المعنى كثيرة في مختلف ابواب المعاملات. * * * الطائفة السابعة: مادل على ان صاحب اليد ان اقام بينة على عدم التعدي والتفريط لم يكن ضامنا، والا فهو ضامن، وهذه الطائفة وان وردت في مقام الاثبات ايضا لكنها دليل على انه إذا لم يتعد ولم يفرط الامين واقعا فليس بضامن وهي أيضا كثيرة اليك بعضها: منها ما رواه الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام في حمال يحمل معه الزيت فيقول: قد ذهب، أو اهرق، أو قطع عليه الطريق، فان جاء ببينة عادلة انه قطع عليه، أو ذهب، فليس عليه شئ والا ضمن (3).


(1) الوسائل ج 13 احكام العارية الباب 1 ح 3. (2) الوسائل ج 13 احكام العارية الباب 1 ح 7. (3) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 30 ح 16.

[ 261 ]

والاحاديث في هذا الباب ايضا كثيرة رواه في الوسائل في ذاك الباب أو ابواب اخر. وقد تحصل من جميع ما ذكرنا على ان هناك عشرات أو مئات من الروايات تبلغ حد التواتر تدل بعمومها أو خصوصها على ان الامين غير ضامن اجمالا، وان كان فيها شرائط أو خصوصيات اخر سيأتي الكلام فيها ان شاء الله في التنبيهات. وبالجملة هذه المسألة من ناحية الادلة النقلية من الوضوح بمكان لا يرتاب فيها من كان له ادنى احاطة بكتب الاخبار، وروايات النبي صلى الله عليه وآله وآله الاطهار عليهم السلام. * * * الروايات المعارضة: ولكن مع ذلك هناك روايات يبدو منها في ابتداء النظر انها معارضة لما مر، ويظهر منها ضمان الامين، لابد من التعرض لها وبيان طريق الجمع فيها. وهى ايضا طوائف: 1 - ما ورد بطرق المختلفة ان امير المؤمنين عليه السلام كان يضمن الصباغ والقصار والصائغ احتياطا على امتعة الناس، وكان لا يضمن من الغرق والحرق والشئ الغالب (1). ولكن لا يبعد ان يكون هذا من قبيل الاحكام السلطانية التي امرها بيد حاكم الشرع، فقد يرى المصلحة في حفظ نظام المجتمع على ان يضمن ارباب الحرف بالنسبة إلى اموال الناس، بعد ماراى منهم قلة المبالاة في حفظ امتعة الناس، ووقوع الفوضى من هذه الناحية. ولذا ورد في روايات اخرى على ان الرضا عليه السلام وكذا ابي جعفر الباقر عليه السلام


(1) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 ح 4 و 6 و 12 و 22.

[ 262 ]

لم يضمناهم، (اما تطولا عليهم، واما لملاحظة احتياطهم في اموال الناس في عصرهما). * * * 2 - مادل على ان كل اجير يعطى الاجرة على اصلاح شئ فيفسده فهو ضامن له، مثل ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن القصار يفسد فقال: كل اجير يعطى الاجرة على ان يصلح فيفسد فهو ضامن (1). وما رواه اسماعيل بن أبي الصباح عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الثوب ادفعه إلى القصار فيخرقه، قال: اغرمه، فانك انما دفعته إليه ليصلحه ولم تدفع إليه ليفسده (2). ومثله بهذه العبارة أو ما يقرب منه عن الحلبي فيمن يعطي الثوب للصباغ (3). وكذا مرسلة الصدوق في المقنع، قال: كان امير المؤمنين عليه السلام يضمن القصار والصائغ وكل من اخذ شيئا ليصلحه فافسده (4). ويمكن الجواب عن هذه الطائفة من طرق عديده: الاول - انه من شؤون قاعدة " من له الغنم فعليه الغرم " قال هذه القاعدة بعمومها وان لم تثبت عندنا، ولكنها ممضاة في بعض الموارد، ويمكن ان يكون المورد منها، فحينئذ تكون هذه القاعدة حاكمة على قاعدة عدم ضمان الامين أو مخصصة لها. الثاني - يمكن ان يكون من باب ولاية الحاكم وتضمينه لارباب الحرف احتياطا على اموال الناس فيما إذا رأى منهم قلة المبالاة فيها كما مر في سابقه.


(1) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 ح 1. (2) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 ح 8. (3) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 الحديث 19. (4) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 الحديث 23.

[ 263 ]

الثالث - هذه الروايات ناظرة إلى باب الاتلاف، وهو اجنبي عما نحن فيه، فان الكلام في عدم الضمان الامين انما هو في التلف فقط، ومن الواضح ان كل من اتلف مال الغير فهو له ضامن ولا معنى للتعدي وعدمه فيه ولا للعلم والجهل، ولكن قوله: كل اجير يعطى الاجرة ينافي هذا المعنى فان هذا القيد في مقام الاحتراز، ومفهومه عدم الضمان بالاتلاف لو لم يعطى الاجرة. ولكن يمكن حل هذه العويصة بانه إذا دخل الانسان في عمل تبرعا باذن صاحبه ولم يتعد ولم يفرط لا يبعد عدم كونه ضامنا لما يتلفه إذا كان الاتلاف من اللوازم القهرية لعمله، ولو بعض الموارد، ولكن هذا المعنى لا يجري في حق من يأخذ الاجر على اصلاح شئ فيفسده، ولو لم يكن عن تعد ولا تفريط فتأمل. الرابع - مع قطع النظر عن جميع ذلك تكون النسبة بين هذه الروايات وعموم عدم ضمان الامين نسبة الخصوص والعموم المطلق فيختص بها في خصوص هذا المورد، وتبقى القاعدة سليمة عن المعارض في غير هذا الباب. وبالجملة روايات تضمين ارباب الحرف الذين يأخذون الاجر على اعمالهم فيفسدون اموال الناس احيانا، مع انها معارضة بما ورد من عدم ضمانهم بالخصوص كما يظهر على من راجع ابواب الاجارة (1) اخص مما نحن بصدده، ولها محامل اخر غير التخصيص كما عرفت فلا تنافي قاعدة عدم ضمان الامين. * * * 3 - مادل على الاجير المشارك والظاهر انه هو الذي يكون له حرفة يراجعه الناس، فهو بعلمه مشارك لهم، ولا يختص بواحد منهم، مثل ما رواه مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال امير المؤمنين عليه السلام الاجير المشارك هو ضامن


(1) لاسيما الباب 29 و 30 من احكام الاجارة.

[ 264 ]

الا من سبع أو من غرق أو حرق أو لص مكابر (1). وهي وان كانت اعم من سابقها لعدم تقييدها بالاتلاف، بل تشمل بعمومها للتلف والاتلاف معا، ولكن الجواب منها هو الجواب عن الطائفة السابقة، من امكان حملها على قاعدة " من له الغنم " أو على " ولاية الحاكم " وان ابيت عن جميع ذلك فهي تخصيص في قاعدة عدم ضمان الامين لا مضاد لها بعمومها. * * * 4 - الروايات الكثيرة الدالة على ضمان عارية الدرهم والذهب والفضة مثل ما رواه عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله عليه السلام لا تضمن العارية، الا ان يكون قد اشترط فيها ضمان، الا الدنانير، فانها مضمونة وان لم يشترط فيها ضمانا (2). وفي معناها روايات اخر في نفس ذاك الباب صرح في بعضها بعنوان الدراهم أو الدنانير وبعضها الاخر بعنوان الذهب والفضة. ولكن الامر فيها أيضا سهل، لان تخصيص قاعدة " عدم ضمان الامين " في بعض مواردها ادله خاصة لا ينافي عمومها في غير تلك الموارد، فقد تكون مصلحة في التخصيص في مثل الذهب والفضة مما يحتاج إلى التحفظ الشديد، بحيث لو لم يكن المستعير ضامنا لا يتحفظ عليه كل التحفظ، فالشارع رأى المصلحة في تضمينه في خصوص هذا المورد، ولا يمكن التعدي إلى غيره. هذا كله إذا لم نقل بان اطلاق الذهب والفضة في هذه الروايات محمول على الدرهم والدينار، وعاريتهما كناية عن الاقتراض، لعدم كون العارية في الدرهم والدينار معمولا بين الناس، وحينئذ يخرج هذا العنوان عن محل الكلام بالتخصص لا بالتخصيص، وتمام الكلام فيه في محله.


(1) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 30 الحديث 4. (2) الوسائل ج 13 احكام العارية الباب 3 الحديث 1.

[ 265 ]

5 - ما ورد في باب المضاربة بمال اليتيم وان العامل ضامن على كل حال، مع انه امين مثل ما رواه بكر بن حبيب قال قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل دفع إليه مال اليتيم بمضاربة قال فان كان ربح فلليتيم، وان كان وضيعة فالذي اعطى ضامن (1). ومثله ما ورد في ابواب الوصية عن اسماعيل بن سعد الاشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال سألته عن مال اليتيم هل للوصي ان يعينه أو يتجر فيه قال ان فعل فهو ضامن (2). إلى غير ذلك مما ورد في هذه الابواب، ولاسيما في ابواب الزكاة، وانه من اتجر بمال التيتم فالربح لليتيم وان وضع فعلى الذي يتجر به (3). ولكن يمكن الجواب عن جميع ذلك بان الضمان في هذه الموارد من جهة التصرف فيما لا يجوز له التصرف فيه، وهو موجب للضمان، واما كون الربح لليتيم فانه كالفضولي الذي اجازه مالكه، أو من بيده ولاية الامر، فالشارع أذن التجارة الرابحة في مال اليتيم، غبطة له، فالربح يكون في ماله، واما التجارة الخاسرة وضمانها على تاجرها بغير اذن من الشارع. * * * 6 - مادل على ضمان الوصي للزكاة أو لمال الغرماء والذي في يده، فانه ضامن مع انه امين مثل ما رواه سليمان بن عبد الله الهاشمي عن ابيه قال سألت ابا جعفر عليه السلام عن رجل اوصى إلى رجل فاعطاه ألف درهم زكاة ماله، فذهبت من الوصي، قال هو ضامن، ولا يرجع على الورثة، وما رواه ابان عن رجل قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اوصى إلى رجل ان عليه دينا فقال: يقضي الرجل ما عليه من دينه،


(1) الوسائل ج 13 احكام المضاربة الباب 10 الحديث 1. (2) الوسائل ج 13 احكام الوصايا الباب 36 الحديث 5. (3) الوسائل ج 6 ابواب من تجب عليه الزكاة الباب 2 الحديث 2.

[ 266 ]

ويقسم ما بقى بين الورثة، قلت: فسرق ما اوصى به من الدين، ممن يؤخذ الدين؟ امن الورثة، أو من الوصي؟ قال لا يؤخذ من الورثة ولكن الوصي ضامن لها (1). إلى غير ذلك مما في معناه. ويمكن الجواب عن الجميع بحملها على ما إذا وجد مستحق الزكاة، أو صاحب الدين وتوانى في دفعها إليه، كما يشهد له صحيحة محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن - إلى ان قال - وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي امر بدفعه إليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان (2). وبالجملة لا تنثلم قاعدة " عدم ضمان الامين " بشئ من هذه، غاية الامر يكون تخصيصا لها في بعض مصاديقها وقد عرفت ان لها محامل اخر غير التخصيص فتدبر جيدا. * * * 7 - ما وردت في ابواب اللقطة وانه إذا تلفت فالواجد ضامن له، مثل ما رواه عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد بسنده عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: وسألته عن الرجل يصيب اللقطة دراهم أو ثوبا أو دابة كيف يصنع؟ قال يعرفها سنة فان لم يعرف صاحبها حفظها في عرض ماله، حتى يجئ طالبها، فيعطيها اياه، وان مات اوصى بها فان اصابها شئ فهو ضامن (3). ولكن يمكن حملها على صورة التعدي أو التفريط في حفظها أو على من نوى


(1) الوسائل ج 13 احكام الوصايا الباب 36 الحديث 3 و 4. (2) الوسائل ج 13 احكام الوصايا الباب 36 الحديث 1. (3) الوسائل ج 17 كتاب اللقطة الباب 2 الحديث 13.

[ 267 ]

اخذ الجعل لوجدانها بقرينة ما رواه عن حسين بن زيد عن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال كان امير المؤمنين عليه السلام يقول في الضالة يجدها الرجل فينوي ان يأخذ لها جعلا فتنفق (1) قال عليه السلام هو ضامن فان لم ينو ان يأخذ لها جعلا ونفقت فلا ضمان عليه (2). والرواية وان كان غير نقي الاسناد ولكن يصلح قرينة وتأييدا للجمع، ولو اغمضنا عن جميع ذلك فهو تخصيص في مورد خاص ولا ينافي اصل قاعدة نفي الضمان على الامين. * * * الثالث بناء العقلاء: ومما يدل على هذه القاعدة بعمومها بناء العقلاء من ارباب الملل وغيرهم حتى من لا ينتمي إلى دين، فانهم لا يزالون يحكمون بعدم ضمان من أئتمنوه على شئ إذا علم عدم تعديه وتفريطه، فهل ترى احدا منهم يحكم بضمان الاجير إذا حفظ العين المستأجرة كاحد امواله ولكن تلفت بمتلف سماوي لا دخل له فيه. وكذا المتسعير إذا حفظ العين المستعارة فتلفت لقضاء اجلها أو بوقوع غرق أو صاعقة عليها مما لا دخل للمستعير فيه، لاسيما إذا لم يتفاوت الامر فيه بين ما إذا كان في يد المستعير أو المالك، الا إذا كان هناك شرط أو قرينة تقوم مقام الشرط. واوضح من ذلك الودعى فإذا حفظ الوديعة كاحد امواله من دون اي تفريط، ولكن سرقها سارق من بيته في جملة امواله، فلاشك انه لا يعد ضامنا عند العقلاء واهل العرف. نعم إذا وقع الاشتباه في مقام الاثبات ولم يعلم انه خان في الامانة أو لم يخن تعدى في العين المستعارة أو لم يتعد، فرط في العين المستأجرة أو لم يفرط، فهل


(1) أي تهلك. (2) الوسائل ج 17 كتاب اللقطة الباب 19 الحديث 19.

[ 268 ]

يقبل قوله في مقام الاثبات أو يحتاج إلى دليل، ولا اقل من كونه مأمونا ثقة؟ فهذا امر آخر اجنبي عما نحن بصدده، وسنتكلم فيه انشاء الله في اول تنبيهات المسألة. ولو شك في بعض مصاديق القاعدة فلا اقل من انه على اجمالها مما لا كلام فيه عندهم، ولاسيما في الاعذار العامة كخرابه بوقوع الزلزلة، أو الغرق أو الحرق، أو الافات السماوية أو الارضية وحيث ان هذا البناء منهم كان مستمرا حتى قبل ورود الشرع وكان بمرئى من الشارع المقدس وسمعه ولم يردع عنه فيعلم انه رضى به. والظاهر ان الروايات الكثيرة السابقة الدالة على عدم ضمان الامين ايضا امضاء لهذا البناء، ولكن لا يبعد ان يكون هذه القاعدة اوسع نطاقا في الشرع مما عند العقلاء فان عمومها في الشرع واضحة حينما ليس كذلك عند العقلاء، فقد يقع الخلاف بينهم في بعض مصاديقه، وكل يتبع مالديه من العرف والعادة أو القوانين المجعولة عندهم فالشارع المقدس في الاسلام شيد بنيان هذه القاعدة، وبناها على مستوى عال، ودائرة واسعة، لا يعتريها شك ولا يشوبها ريب. * * * كما أن الظأهر ان اجماع الفقهاء رضوان الله عليهم ايضا يرجع إلى ما عرفت من الروايات العامة، والخاصة، وبناء العقلاء، فيرسلونها ارسال المسلمات ويستندون إليها في مختلف ابواب الفقه. تنبيهات الاول: في معنى الامانة في المقام قد مر في صدر البحث ان الامانة تستعمل هنا في معنيين: الامانة في مقابل الغصب، والامانة بمعنى الوثاقة. كما عرفت ان الكلام في القاعدة اولا وبالذات في المعنى الاول، ولكن قد

[ 269 ]

وقع الخلط في كثير من كلماتهم من المعنيين، نظرا إلى وقوع هذا التعبير بعينه في روايات القاعدة تارة في المعنى الاول، واخرى في المعنى الثاني، وقد ذكرنا ان المعنى الاول راجع إلى " مقام الثبوت " والثاني إلى " مقام الاثبات "، وحيث ان البحث تم متسوفى في المقام الاول فنتكلم الان في المقام الثاني. وحاصله: انه لاشك ان الامانة بمعنى عدم الغصب كافية في نفي الضمان، فلو كان التسلط على مال أو منفعة باذن من المالك، أو باجازة من الشارع، ولم يحصل من الانسان تعد وتفريط في حفظه لم يكن ضامنا، سواء كان ثقة مأمونا أو فاسقا كذابا. ولكن إذا حصل الشك في انه خان في الامانة أو لم يخن، وتعدى فيها أو لم يتعد، وفرط أو لم يفرط فهل يقبل قوله مطلقا؟ أو إذا كان له بينة؟ أو يكفي اخباره إذا كان ثقة، وهذا امر آخر يرجع إلى الشك في المصداق، وانه داخل في عموم القاعدة أو خارج عنها، وبعبارة اخرى هذا من قبيل الشبهة المصداقية للمخصص. واللازم ان يتكلم فيه اولا بحسب القواعد وثانيا نبحث عن النصوص الواردة في هذا المعنى في الابواب المختلفة فنقول ومن الله التوفيق والهداية. انه قد يتوهم الرجوع إلى اصالة البرائة عن الضمان هنا بعد عدم جواز التمسك بعموم العام بالشبهات المصداقية للمخصص. كما انه قد يتوهم ان مقتصى الاستصحاب، واصالة عدم التعدي والتفريط عدم الضمان، لكن يشكل الاول بان المقام ليس مقام البرائة، بل الاصل في الاموال كما عرفت كونها محترمة الا باذن مالكها أو الشارع الذي هو مالك الملوك، وحيث لا نعلم ان التلف كان بتعد وتفريط أو لم يكن، فعلى الاخذ اثبات كونه مأذونا غير متعد ولا مفرط. ولذا لا نجد احدا من العقلاء يكتفي بقول الاجير ان متاعك الذي كان عندي ضاع، أو سرق من غير اقامة دليل عليه، ولو امكن ذلك كان لكل اجير ومضارب

[ 270 ]

ومستعير ووكيل دعوى حصول التلف ولزم منه الهرج والمرج والفوضى بين الناس ولم يستقر حجر على حجر، وانفتح باب الخيانة امام الناس ولم يعتمد احد على احد. والحاصل ان احترام الاموال يوجب الضمان في موارد الشك الا ان يأتي الاخذ بدليل، أو كان ثقة مأمونا، فلذا لا يجوز الرجوع إلى اصالة البرائة. ومن هنا تعرف الكلام في الاستصحاب وانه على فرض اجرائه محكوم بقاعدة احترام الاموال مضافا إلى ان الاستصحاب قد يدل على الضمان كما إذا استصحب عدم الحفظ لها وعدم العناية باحتفاظها فتأمل، والحاصل انه ليس المقام مما يرجع فيه إلى الاصول العملية بعد وجود الدليل الخاص. * * * واما الروايات فهناك طوائف تدل على الضمان عند الشك. الطائفة الاولى مادل على ضمانهم الا ان يقيموا البينة: 1 - منها - ما رواه أبو بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن قصار دفعت إليه الثوب، فزعم انه سرق من بين متاعه قال فعليه ان يقيم البينة انه سرق من بين متاعه، وليس عليه شئ، فان سرق متاعه كله فليس عليه شئ (1). 2 - ما رواه الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام في حمال يحمل معه الزيت فيقول قد ذهب أو احرق أو قطع عليه الطريق، فان جاء ببينة عادلة انه قطع عليه، أو ذهب فليس عليه شئ، والا ضمن (2). 3 - وما رواه علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال سألته عن رجل استأجر دابة فوقعت في بئر فانكسرت، ما عليه؟ قال: هو ضامن ان كان لم يستوثق منها فان اقام البينة انه ربطها فاستوثق منها فليس عليه شئ (3).


(1) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 الحديث 5. (2) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 30 الحديث 19. (3) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 32 الحديث 4.

[ 271 ]

4 - وما رواه الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال سئل عن رجل حمال استكرى منه ابلا (ابل) وبعث معه بزيت إلى ارض وزعم ان بعض زقاق الزيت انخرق فاهراق ما فيه فقال: انه ان شاء اخذ الزيت، وقال انه انخرق ولكنه لا يصدق الا ببينة عادلة (1). ومن بين هذه الروايات روايات صحاح معتمد عليها، بحسب السند، ويستفاد من مجموعها ان دعوى الحمال ومثله التلف لا تقبل بدون البينة والاصل كونه ضامنا. * * * الطائفة الثانية: مادل على عدم ضمانهم إذا كانوا ثقاة وهي روايات كثيرة نكتفي بذكر شطر منها: مثل ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في الحمال يكسر الذي يحمل أو يهريقه؟ قال: ان كان مأمونا فليس عليه شئ، وان كان غير مأمون فهو له ضامن (2). ومن الواضح انه ليس المراد منه صورة العلم باتلافه، لعدم دخالة الامانة والوثاقة في مسألة الاتلاف وانما المراد منها بقرينة ذيلها صورة الشك في صحة دعواه. وما سأله خالد بن الحجاج، أبا عبد الله عليه السلام عن الملاح احمله الطعام ثم اقبضه منه، فينقصه، قال ان كان مأمونا فلا تضمنه (3). وما رواه حذيفة بن منصور قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحمل المتاع بالاجر فيضيع المتاع، فتطيب نفسه أن يغرمه لاهله، ايأخذونه؟ قال فقال لي امين هو؟ قلت نعم، قال: فلا يأخذ منه شيئا (4). وما رواه الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام ايما رجل تكارى دابة فاخذته الذئبة


(1) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 30 الحديث 1. (2) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 30 الحديث 7. (3) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 30 الحديث 3. (4) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 30 الحديث 12.

[ 272 ]

فشقت كرشها فنفقت فهو ضامن الا ان يكون مسلما عدلا (1). وكيفية الاستدلال بها كالرواية الاولى، فان المفروض الشك في صدق دعوى الاجير والا لو علم بصدقه في دعواه لم يكن وجه لضمانه. وما ورد في ابواب العارية عن عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العارية فقال لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأمونا (2). وما ورد في ابواب الوديعة ارسله الكليني في الكافي قال في حديث آخر إذا كان مسلما عدلا فليس عليه ضمان (3). إلى غير ذلك مما ورد في ابواب مختلفة. * * * الطائفة الثالثة: مادل على جواز استخدامه إذا كان متهما، وان لم يكن متهما فليس عليه شئ، مثل ما رواه بكر بن حبيب قال قلت لابي عبد الله عليه السلام اعطيت جبة إلى القصار فذهبت بزعمه قال ان اتهمته فاستحلفه وان لم تتهمه فليس عليه شئ ء (4). وما رواه جعفر بن عثمان قال حمل ابي متاعا إلى الشام مع جمال فذكر ان حملا منه ضاع فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال اتتهمه؟ قلت لا، قال فلا تضمنه (5). * * * إذا عرفت هذا فاعلم انه وقع الكلام بين فقهائنا في ابواب الاجارة في ان الاجير مثل الصانع أو الملاح أو المكاري إذا ادعى هلاك المتاع من غير تعد ولا تفريط وانكر المالك هل يقبل قوله بغير البينة أم لا؟ حكى عن المشهور كما عن


(1) الوسائل ج 13 احكام االاجارة الباب 32 الحديث 3. (2) الوسائل ج 13 ابواب العارية الباب 1 الحديث 3. (3) الوسائل ج 13 احكام الوديعة الباب 4 الحديث 3. (4) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 الحديث 16. (5) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 30 الحديث 6.

[ 273 ]

المسالك ضمانه بغير البينة، بل ادعي الاجماع عليه، ولكن اختار جماعة قبول قولهم مع اليمين، لانهم امناء بل ادعى المحقق في الشرايع انه اشهر الروايتين، وحكى هذا القول عن الشيخ في غير واحد من كتبه والمراسم والكافي والسرائر والتذكرة والقواعد وايضاحها، وايضاح النافع وجامع المقاصد والرياض وغيرها. واستدل عليه بما قد عرفت من رواية بكر بن حبيب في الطائفة الثالثة، وبما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الصباغ والقصار فقال ليس يضمنان (1). وما رواه أبو بصير المرادي عن الصادق عليه السلام أيضا قال: لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك الا أن يكونوا متهمين فيخوف بالبينة، ويستحلف ولعله يستخرج منه شيئا (2). ولكن من المعلوم ان الدقة في الطوائف الثلث من الروايات التي مرت عليك تدل دلالة واضحة على القول الاول وان ارباب الحرف وغيرهم ضامنون لما يعطون إذا شك في صدق دعواهم في التلف والحرق أو الغرق، وان الذي ينفي ضمانهم احد امرين: اقامة البينة على صدق دعواهم، وكونهم امناء، والمراد بالامين هنا ليس الامين في مقابل الغاصب بل الامين بمعنى الثقة ومن لا يكون متهما في قوله كما صرح به الروايات السابقة. وبالجملة لا يبقى أي شك لمن راجعها وفسر بعضها ببعض، وقيد اطلاق بعضها ببعض آخر ان المراد من الجميع شئ ء واحد، وهو نفي الضمان إذا لم يكن هناك قرائن التهمة، بل لو لم يكن هناك بينة ولا وثوق ولكن قامت امارات من الخارج على عدم اتهامهم مثل ما إذا سرق جميع امواله، أو وقع حريق وذهب امواله اجمع


(1) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 الحديث 14. (2) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 الحديث 11.

[ 274 ]

ومن بينها اموال الناس، وحينئذ لا يضمن كما وقع التصريح به بعنوان الشئ الغالب (كالغرق والحرق) في رواية أمير المؤمنين عليه السلام (1) ومثله ما ورد في حديث أبي بصير انه ان سرق متاعه كله فليس عليه شئ (2). وقد عرفت ان مدار العمل بين العقلاء ايضا على ذلك، فلا تقبل دعوى التلف من المستعير والاجير والودعى وغيرهم، ولو قبل ذلك لم يستقر حجر على حجر، نعم إذا كانوا غير متهمين أو كان هناك قرائن خارجية على عدم الاتهام يقبل قولهم. والحاصل ان المسألة اوضح من ان يحتاج إلى بحث كثير، ولعل وقوع الخلط بين الامانة بالمعين في كلماتهم صار منشأ لكثير من الاقوال المخالفة (والله العالم). ومما ذكرنا يعلم انه لا يمكن الاعتماد على ما رواه في المقنع من عدم الضمان ولو كان غير ثقة مع ضعف الحديث بالارسال (3). نعم يظهر من بعض روايات الباب انه يستحب التطول عليهم بعدم أخذ المال منهم عند الشك في صدق كلامهم إذا لم يكونوا امناء (4) ولا بأس بالعمل به. * * * التنبيه الثاني: هل يجوز اشتراط ضمان الامين؟ قد عرفت ان الامين غير ضامن بطبيعة الحال، ولكن الكلام في انه هل يجوز تضمينه بمقتضى الشرط؟ بان يشترط المؤجر ضمان العين المستأجرة ولو لم يتعد ولم يفرط، وكذلك بالنسبة إلى العامل في المضاربة، إلى غير ذلك من اشباهه.


(1) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 الحديث 6. (2) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 الحديث 5. (3) الوسائل ج 13 كتاب الوديعة الباب 4 الحديث 7. (4) راجع رواية 20 من الباب 29 من ابواب الاجارة.

[ 275 ]

لاشك في جواز ذلك في بعض مواردها لورود التصريح بالجواز في نصوصها كما في العارية، فان النص ناطق بجواز الاشتراط فيها، وافتى الاصحاب به أيضا بل حكى الاجماع عليه (راجع الباب الاول من احكام العارية من المجلد 13 من الوسائل الرواية الاولى والرابعة والخامسة). ولكن وقع النزاع في موارد أخر، مثل الاجارة، فان جماعة من القدماء والمتأخرين افتوا بعدم جواز شرط الضمان فيها ولكن الاقوى جوازه. والعمدة فيها وفيما لم يرد فيه نص على الجواز والمنع اطلاقات ادلة الشروط نعم قد يتوهم ان هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد فان طبيعته عدم الضمان كما عرفت أو لمقتضى حكم الشرع فانه حكم بعدم الضمان ولكنه توهم فاسد، لان العقد لا يقتضي الضمان عند الاطلاق، واما عند الاشتراط فلم يدل دليل على منعه، وبعبارة أخرى الضمان مخالف لاطلاق العقد، لا العقد مطلقا ولو مع الشرط. كما انه قد يتوهم انه غير جائز لانه من قبيل شرط النتيجة ولكن يمكن الجواب عنه بامكان جعله من قبيل شرط الفعل مضافا إلى ان الاقوى صحة شرط النتيجة فيما لا يتوقف على الانشاء بصيغة خاصة كما حرر في محله. ومن اقوى الدليل على صحته ورود جواز اشتراط الضمان في باب العارية وغيرها، مما يشترك مع ما هو من محل الكلام بحسب الملاك. مثل ما رواه يعقوب بن شعيب قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع للقوم بالاجر، وعليه ضمان مالهم قال انما كره ذلك من اجل اني اخشى ان يغرموه أكثر مما يصيب عليهم، فإذا طابت نفسه فلا بأس (1). نعم هناك موارد خاصة لا يجوز هذا الشرط فيها، اما لمنافاته لمقتضى العقد أو للنصوص الخاصة.


(1) الوسائل ج 13 احكام الاجارة الباب 29 الحديث 15.

[ 276 ]

اما الاول: مثل المضاربة فان اشتراط الضمان فيها يوجب انقلابها قرضا كما صرح به الاصحاب فان رأس المال إذا اعطى لغير المالك ليتجر به على ان يكون الربح بينهما فهي مضاربة، وان اعطى على أن يكون جميع الخسارة عليه فهو قرض، فالربح له ايضا بتمامه، وان اعطى على أن يكون تمام الربح للمالك وهي المسماة باسم البضاعة عندهم. والعمدة في ذلك مضافا إلى ما ذكر صحيحة محمد بن قيس فقد روى ان من ضمن تاجرا فليس له الا رأس ماله وليس له من الربح شئ (1). وما قد يقال من انه مخالف للقواعد، لان ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد فانه لم يقصد عنوان القرض، ولكن يجاب عنه بان القرض ليس الا اعطاء مال وتضمين الخسارة، وبعبارة أخرى التمليك مع الضمان وهو هنا حاصل. وكذلك الحال في الوديعة فقد ذكر الشيخ (ره) في الخلاف: إذا شرط في الوديعة ان تكون مضمونة كان الشرط باطلا، ولا تكون مضمونة بالشرط، وبه قال جميع الفقهاء الا عبيد الله بن الحسن العنبري فانه قال تكون مضمونة، دليلنا اجماع الفرقة، بل اجماع الامة، لان خلاف العنبري قد انقرض، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وآله قال: ليس على المستودع ضمان - ولم يفصل (2). ويظهر من ذيل كلامه قدس سره ان اسناده هذا القول إلى الاصحاب لعله كان من باب اطلاق كلامه لعدم الضمان، لا التصريح بفساد الشرط، ومن هنا يشكل دعوى الاجماع في المسألة، ولقائل ان يقول ان عدم الضمان في الوديعة هو مقتضى اطلاق العقد، ولا ينافي الضمان بالاشتراط، كيف وقد روى زرارة في الصحيح قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وديعة الذهب والفضة قال: فقال كل ماكان من وديعة ولم


(1) الوسائل ج 13 احكام المضاربة الباب 4 الحديث 1. (2) الخلاف كتاب الوديعة ج 2 ص 324.

[ 277 ]

تكن مضمونة لا تلزم (1). ومن هنا يعرف الاشكال فيما يمكن أن يقال ان حقيقة الوديعة هي استنابة في الحفظ، ومن المعلوم ان عمل النائب هو عمل المنوب عنه، فكما لا يجوز للانسان ان يضمن نفسه، فلا يجوز تضمين الودعي أيضا. ولكنه توهم فاسد، لان تشبيه الودعي بالمالك ليس من جميع الجهات، بل انما هو من بعض الجهات، فلذا لو تعدى المالك في حفظ مال نفسه لم يكن معنى لضمانه، مع ان الودعي إذا تعدى أو فرط كان ضامنا بلا اشكال. ومنه يظهر الحال في الوكالة، فقد يقال ببطلان اشتراط الضمان فيها ايضا، اما لمخالفته لمقتضى العقد فان الوكيل نائب عن المالك، وكما لا معنى لتضمين المالك نفسه فكذا لا معنى لتضمين وكيله. وقد عرفت الجواب عنه، وان كونه بمنزلة المالك انما هو من بعض الجهات لا من جميع جهاته، ولذا لو تعدى أو فرط كان ضامنا بلا كلام. فقد تلخص من جميع ما ذكرنا ان العقود التي مقتضاها الامانة، تنقسم إلى ثلاثة اقسام من حيث صحة اشتراط الضمان فيها وعدمها. قسم منها يصح الاشتراط فيها وهو اكثر العقود، وقسم لا يصح كالمضاربة وقسم يكون محلا للكلام كالوديعة والوكالة وان لم نجد دليلا قاطعا على الفساد فيهما أيضا. * * * الثالث: ما المراد من التعدي والتفريط؟ قد عرفت ان الامين ليس بضامن الا إذا تعدى أو فرط فحينئذ يأتي الكلام


(1) الوسائل ج 13 احكام الوديعة الباب 4 الحديث 4.

[ 278 ]

في معنى التعدي والتفريط، وفسره في المسالك بان التعدي فعل ما لا يجوز فعله، واما التفريط فامر عدمي وهو ترك ما يجب فعله من الحفظ. وقد مثل للاول المحقق في الشرايع بامور مثل ان يلبس الثوب الذي عنده بعنوان الوديعة، أو يركب الدابة أو يخرجها من حرزها لينتفع بها. ومثل للثاني بما إذا جعلها في ما ليس بحرز، أو ترك سقي الدابة أو علفها، أو نشر الثوب الذي يفتقر إلى النشر أو يودعها من غير ضرورة، ولا اذن صاحبه أو يسافر بها كذلك مع خوف الطريق، بل ومع امنه ولكن مع ذلك لم يفسرهما بما يكون جامعا في هذا الباب، وانما اكتفى غالبا بذكر الامثلة. هذا والضمان معهما قطعي مجمع عليه، ولكن من الجدير بالذكر انهما بهذين العنوانين لم يردا في نصوص هذه الابواب، وانما ورد فيها عناوين أخر من الاستهلاك والضياع، أو خالف الشرط وضاع، أو دفعه إلى غيره، وما ورد في صحيحة أبي ولاد المعروفة من عنوان المخالفة، وعنوان التجاوز عن الشرط الوارد في غير واحد من روايات ابواب الاجارة، أو التجاوز عن الموضع الذي تكارى إليه، إلى غير ذلك الذي يمكن استفادة العنوانين واصطيادهما منها. اضف إلى ذلك ما قد عرفت من ان هذه القاعدة من القواعد العقلائية قبل ان تكون شرعية، ومن الواضح انها مخصصة عند العقلاء بالتعدي والتفريط وقد امضاها الشرع بما عندهم، غير انه زاد عليه اشياء أو نقص، وليس هذا منها. ومن هنا تعرف انه لا يهمنا البحث عن هذين العنوانين بخصوصها ومقدار شمول لفظهما وان الاول يختص بالامور الوجودية وفعل ما لا ينبغي فعله، والثاني بالامور العدمية، وهي ترك ما ينبغي فعله وايجاده. نعم كلما يوجب خروج الامين عن الامانة ويجعله غاصبا غير مأذون في التصرف فهو موجب للضمان بمقتضى قاعدة احترام مال المسلم، فكل تصرف خارج عن

[ 279 ]

اجازة المالك فهو داخل في عنوان التعدي موجب للضمان ودليله صيرورة الامين خائنا والمأذون غاصبا. وكذلك كلما يجب على الامين فعله من الحفظ من جهة الحرز والنشر والسقي والعلف وغير ذلك إذا قصر فيها، فانه وان لم يصدق عليه عنوان الغاصب ولكنه مستثنى عن حكم عدم الضمان قطعا فهو ضامن. وبعبارة اخرى التعدي يوجب خروجه عن الاذن وصيرورته غاصبا، ولكن التفريط لا يوجب خروجه عن هذا العنوان ولكن يوجب خروجه عن حكم البرائة، فان عدم الضمان مشروط بشرط وهو قيامه بوظائف الحفظ فإذا لم يقم بها كان ضامنا لا لصدق الغاصب عليه أو الخيانة بل لعدم وجود شرط البرائة فيه فتدبر جيدا. * * * التنبيه الرابع: في حكم مالو لم يتلف العين ولكن تعيب إذا لم يهلك المتاع ولكن نقص منه شئ أو وصف، أو تعيب بعيب، والظاهر ان حكمه حكم التلف في عدم الضمان إذا لم يكن خائنا وفي ضمانه إذا كان كذلك أو لم يقم بوظائف الامانة. ويدل عليه قياس الاولوية في بعض شقوق المسألة، اعني عدم الضمان إذا كان امينا، فان التلف إذا لم يكن مضمونا لم يكن النقص والعيب مضمونين بطريق اولى. اضف إلى ذلك جريان السيرة العقلائية عليه، وعدم ردع الشارع عنه. مضافا إلى كون الحكم اجماعيا على الظاهر. وأوضح من جميع ذلك ورود التصريح به في بعض روايات الضمان كصحيحة أبي ولاد (1) المصرحة بانه لو اصاب البغل كسر أو دبر أو غمز فعلى المستأجر قيمة


(1) الوسائل ج 13 ابواب الاجارة الباب 17 الحديث 1.

[ 280 ]

مابين الصحة والعيب. وما دل على ضمان القصار والصباغ والصائغ فانه مطلق يشمل التلف والعيب كليهما (1). وما ورد في ضمان الملاح نقص الطعام إذا لم يكن مأمونا (2). بناءا على ان النقص مفهوم عام فتأمل. وكذلك مادل على ان من استعار عبدا مملوكا لقوم فعيب فهو ضامن (3). إلى غير ذلك من اشباهه. إلى هنا تم الكلام في قاعدة عدم ضمان الامين وما يتفرع عليه من الفروع الكلية والحمد لله / 27 صفر المظفر 1405


(1) راجع الباب 29 من ابواب الاجارة من المجلد 13 الوسائل. (2) راجع الباب 30 من ابواب الاجارة من المجلد 13 الوسائل. (3) الوسائل ج 12 احكام العارية الباب 1 الحديث 11.

[ 281 ]

13 - قاعدة الغرور (المغرور يرجع إلى من غره) * مدرك القاعدة من الروايات * مدركها من بناء العقلاء * معنى الغرور * معنى التسبيب * عمومية القاعدة لجميع ابواب الفقه وشطر من كلمات الاصحاب

[ 283 ]

قاعدة الغرور من القواعد المعروفة الفقهية قاعدة الغرور التي استند إليها الفقهاء في مختلف ابواب الفقه. والمستفاد من ادلتها كما سيأتي ان شاء الله انها وردت في موارد اغتر انسان بقول أو فعل من ناحية انسان آخر، فخسر وتضرر به، فحينئذ يرجع إلى من غره، ويأخذ خسارته أو ما ضمنه لغيره منه. وقد اشتهر بينهم في عنوان هذه القاعدة " ان المغرور يرجع إلى من غره " ولكن هذه العبارة، كما ذكره غير واحد، لم ترد في آية ولا نص حديث، وان كان يظهر من بعض كلمات الفقيه الماهر صاحب الجواهر قدس الله سره في باب الغصب انه قول معصوم، حيث قال في بحث " من اطعم طعاما مغصوبا لغيره مع عدم علمه ": " ان الاصح ان المباشر ضامن، ولكن يرجع إلى الغاصب وينجبر غروره برجوعه على الغار، بل لعل قوله عليه السلام [ المغرور يرجع إلى من غره ] ظاهر في ذلك " (1). لكن صرح بعضهم في هامش الجواهر بانها لم نعثر على هذا النص من أحد المعصومين عليهم السلام وان حكى عن المحقق الثاني رحمه الله في حاشية الارشاد انه نسب ذلك إلى النبي الاكرم صلى الله عليه وآله والظاهر انه قاعدة فقهية مستفادة من عدة روايات ورد بعضها في التدليس (2).


(1) الجواهر ج 37 كتاب الغصب ص 145. (2) نفس المصدر.

[ 284 ]

وعلى كل حال لابد من الكلام: اولا في مدرك القاعدة، ثم فيما يتفرع عليها من الاحكام، فنقول ومنه جل شانه التوفيق والهداية: * * * 1 - مدرك القاعدة من السنة العمدة فيها الروايات الخاصة الواردة في مختلف الابواب اولا وبناء العقلاء الممضى من ناحية الشرع ثانيا وقد عرفت ان هذه العبارة " المغرور يرجع إلى من غره " (أو على من غره) لم ترد في شئ من منابع الحديث سواء العامة والخاصة، كما صرح به كثير منهم وان كان فيما عرفت من عبارة الجواهر اسناده إلى المعصوم وكذلك ما مرت الاشارة إليه من كلام المحقق الثاني في حاشية الارشاد. ولكن من الظاهر ان هذا المقدار لا يكفي في عده حديثا مرسلا، حتى يقال بانجباره بعمل الاصحاب. وكيف يحتمل عثور صاحب الجواهر أو المحقق الثاني على حديث لم نعثر نحن ولا غيرنا عليه مع قرب العهد، نعم لو كان ذلك في كلام بعض الاقدمين من اصحاب الفقه والحديث امكن هذا الاحتمال في حقهم. وعلى هذا لا يهمنا البحث عن مفاد هذه العبارة بعد عدم ثبوت كونه حديثا مسندا بل ولا مرسلا، فاللازم الرجوع إلى الروايات الخاصة، فنقول ومن الله سبحانه نستمد التوفيق والهداية هناك روايات كثيرة دالة على هذا المعنى بثبوته في ابواب مختلفة: منها ما ورد في " كتاب النكاح " في " ابواب العيوب والتدليس " وهي عدة روايات: 1 - ما رواه أبو عبيدة عن ابي جعفر عليه السلام قال في رجل تزوج امرأة من وليها فوجد بها عيبا بعد ما دخل بها، قال فقال: إذا دلست العفلاء واليرصاء والمجنونة.

[ 285 ]

والمفضاة ومن كان بها زمانة ظاهرة فانها ترد على اهلها من غير طلاق ويأخذ الزوج المهر من وليها الذي كان دلسها (1). وقوله " الذى كان دلسها " وصف مشعر بالعلية ولعله يستفاد منه العموم. 2 - ما رواه " رفاعة بن موسى " قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن البرصاء فقال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة زوجها وليها وهي برصاء، ان لها المهر بما استحل من فرجها، وان المهر على الذي زوجها وانما صار عليه المهر لانه دلسها (2). ودلالته اظهر من سابقه لان قوله " لانه دلسها " من قبيل منصوص العلة فيتعدى منه إلى غيرها ولكن سنده لا يخلو من ضعف، لوجود سهل بن زياد فيها، ولكن رواه ابن ادريس في آخر السرائر من كتاب نوادر البزنطي عن الحلبي وهذا طريق يمكن الاعتماد عليه. 3 - وما رواه في دعائم الاسلام عن علي عليه السلام انه قال: ترد المرأة من القرن والجذام والجنون والبرص وان كان دخل بها فعليه المهر، وان شاء امسك وان شاء فارق، ويرجع بالمهر على من غره بها، وان كانت هي التي غرته رجع به عليها، وترك لها ادنى شئ مما يستحل به الفرج (3). وقوله " يرجع بالمهر على من غره " ايضا من قبيل التعليق على الوصف الذي يشعر أو يدل في امثال هذه المقامات بالعلية والعموم. 4 - ما رواه الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام في حديث قال انما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل، قلت ارأيت ان كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: المهر لها بما استحل من فرجها ويغرم وليها الذي انكحها مثل ما ساق إليها (4).


(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب العيوب والتدليس الباب 2 الحديث 1. (2) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب العيوب والتدليس الباب 2 الحديث 2. (3) مستدرك الوسائل كتاب النكاح ابواب العيوب الباب 1 الحديث 6. (4) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب العيوب والتدليس الباب 2 الحديث 5.

[ 286 ]

5 - وفي معناه ما رواه محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال: في كتاب علي عليه السلام: من زوج امرأة فيها عيب دلسه ولم يبين ذلك لزوجها فانه يكون لها الصداق بما استحل من فرجها ويكون الذي ساق الرجل إليها على الذي زوجها ولم يبين (1). وقوله " يكون الذى ساق الرجل إليها على الذى زوجها ولم يبين " ايضا من قبيل التعليق على الوصف، فان عدم التبيين من مصاديق الغرور فيستفاد منه اجمالا ان المغرور يرجع إلى من غره. إلى غير ذلك مما في هذا المعنى وردت في ابواب التدليس. 6 - ومما ورد في هذا المعنى من طرق الجمهور مارووه عن علي عليه السلام في اخوين تزوجا اختين فاهديت كل واحدة منهما إلى اخي زوجها فأصابها فقضى علي عليه السلام على كل واحد منهما بصداق وجعله يرجع به على الذي غره (2). والتعليق على الوصف هنا اوضح. 7 - وما رواه الشافعي في القديم عن علي عليه السلام ايضا في المغرور يرجع بالمهر على من غره (3). ودلالته كسابقه. وقد يستدل هنا بما رواه اسماعيل بن جابر في هذا الباب قال سالت عن ابا عبد الله عليه السلام عن رجل نظر إلى امرأة فاعجبته فسأل عنها فقيل هي ابنة فلان فاتى اباها فقال زوجني ابنتك فزوجه غيرها، فولدت منه فعلم بها بعد انها غير ابنته، وانها امة قال: ترد الوليدة على مواليها، والولد للرجل، وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يؤتيه موالى الوليدة كما غر الرجل وخدعه (4).


(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب العيوب والتدليس الباب 2 الحديث 7. (2 و 3) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 219 (باب من قال يرجع المغرور بالمهر على الذي غره). (4) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب العيوب والتدليس الباب 7 الحديث 1.

[ 287 ]

وقوله " كما غر الرجل وخدعه " وان كان في مقام التعليل ولكن الاشكال انه ليس في هذه الرواية من ضمان المغرور عين ولا اثر بل ظاهره رجوع الموالى إلى الغار بلا واسطة، وهو غير ما نحن بصدده، وغير ما هو المعروف من فقهنا، فلابد من توجيهه، وعلى كل حال لا يمكن الاستدلال به في المقام. * * * ومنها ما ورد في ابواب نكاح الامة مثل ما يلي: 8 - ما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجئ مستحق الجارية قال يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي اخذت منه (1). وهي وان لم تشتمل على تعليل أو وصف مشعر بالعلية لكنها من مصاديق القاعدة. 9 - ما رواه وليد بن صبيح عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها امة قد دلست نفسها له، قال: ان كان الذي زوجها اياه من غير مواليها فالنكاح فاسدة، قلت فكيف يصنع بالمهر الذي اخذت منه، قال ان وجد مما اعطاها شيئا فليأخذه وان لم يجد شيئا فلا شئ له وان كان زوجها اياه ولي لها ارتجع إلى وليها بما اخذت منه (2). * * * ومنها ما ورد في ابواب الشهادات في " شهادة الزور " مثل ما يلي: 10 - ما رواه محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام في شاهد الزور ما توبته؟


(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب نكاح الاماء الباب 88 الحديث 5. (2) الوسائل ج 14 كتاب النكاح ابواب نكاح الاماء الباب 67 الحديث 1.

[ 288 ]

قال يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله، ان كان النصف أو الثلث ان كان شهد هذا وآخر معه (1). 11 - وماراه جميل عن أبى عبد الله عليه السلام في شاهد الزور قال ان كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه، وان لم يكن قائما ضمن بقدر ما اتلف من مال الرجل (2). 12 - وما رواه ايضا جميل عن أبي عبد الله عليه السلام في شهادة الزور ان كان قائما والا ضمن بقدر ما اتلف من مال الرجل (3). 13 - وما رواه ابن محبوب عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام في اربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ثم رجع احدهم بعد ما قتل الرجل، قال ان قال الرابع (الراجع) اوهمت، ضرب الحد واغرم الدية، وان قال تعمدت قتل (4). إلى غير ذلك مما ورد في ابواب شاهد الزور في مورد الزنا والسرقة. ولكن يرد على الجميع انه غير داخل في موضوع الغرور بل هي كلها من قبيل الاتلاف فان القاضي أو من اجرى حكمه وان كان مباشرا للقطع أو القتل أو اخذ المال، ولكن من الواضح ان السبب وهو شاهد الزور هنا اقوى فاسناد الفعل إليه، فيدخل في باب الاتلاف، حتى فيما إذا كان الشاهد مشتبها في امره غير عالم بكذبه فيما يقول، فانه ايضا هو السبب في تلف الاموال والنفوس، وهذا العنوان صادق عليه. نعم لو كان القاضي أو من اجرى حكمه ضامنا أو لا ثم يرجع إلى شاهد الزور كانت المسألة من مصاديق قاعدة الغرور، ولكن الظاهر انه لم يقل احد بضمانهما، وظاهر روايات الباب ايضا الرجوع بلا واسطة إلى شاهد الزور، وحينئذ تخرج جميع هذه الروايات عن محل الكلام وتدخل في قاعدة السبب والمباشر ومسائل الاتلاف. * * *


(1 و 2 و 3) الوسائل ج 18 كتاب الشهادات الباب 11 الحديث 1 و 2 و 3. (4) الوسائل ج 18 كتاب الشهادات الباب 12 الحديث 1.

[ 289 ]

ومنها ما ورد في باب شاهد الزور ايضا بالنسبة إلى " الطلاق والنكاح " مثل ما يلي: 14 - ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في امرأة شهد عندها شاهدان بان زوجها مات فتزوجت ثم جاء زوجها الاول، قال لها المهر بما استحل من فرجها الاخير، ويضرب الشاهدان الحد ويضمنان المهر بما غرا لها الرجل ثم تعتد وترجع إلى زوجها الاول (1). 15 - وما رواه ابراهيم بن عبد الحميد في شاهدين شهدا على امرأة بان زوجها طلقها، فتزوجت ثم جاء زوجها فانكر الطلاق، قال يضربان الحد، ويضمنان الصداق للزوج ثم تعتد ثم ترجع إلى زوجها الاول (2). والاستدلال بهما وما في معناهما متوقف على وجوب المهر للمرأة على الرجل ثم يرجع الرجل فيأخذه عن شاهدي الزور بما غراه كما هو ظاهر الحديث الثاني بل الاول ايضا. وما ورد في رواية أبي بصير من ضرب الحد للشاهدين فهو محمول على التعزير لعدم وجوب الحد على شاهد الزور، واطلاق الحد على التعزير غير نادر. * * * 2 - الاستدلال لها ببناء العقلاء هذه القاعدة ايضا مما جرت عليه سيرة العقلاء في جميع الاعصار والامصار فهم يرون الغار ضامنا للخسارة الواردة على المغرور في امواله وغيرها، فمن وهب ملك غيره لشخص ثالث وهو جاهل بالحال، أو اهدى إليه هدية من مال غيره، أو


(1) الوسائل ج 18 كتاب الشهادات الباب 13 الحديث 2. (2) الكافي ج 7 كتاب الشهادات (باب من شهد ثم رجع عن شهادته) الحديث 7 ص 384.

[ 290 ]

اضافه بضيافة وانفق عليه من اموال غيره، أو دلس عليه تدليسا ذهب ماله بسببه، أو غير ذلك، فالمباشر وان كان ضامنا الا انه لا يشك احد في رجوعه إلى الغار. وحيث ان الشارع لم يمنع عن هذه السيرة العقلائية فهو دليل على رضاه بذلك وامضاؤه له، بل الروايات الخاصة التي مرت عليك يمكن ان تكون امضاءا لهذه السيرة العقلائية. ولكن في بعض الموارد لعلهم لا يرون المباشر ضامنا بل يراجعون السبب. ويرونه ضامنا بالاصالة ومن دون أي واسطة، ولكن الظاهر انه ليس كقاعدة عامة في جميع ابواب الغرور. * * * ويدل على هذه القاعدة مضافا إلى ما ذكر اجماع العلماء عليها، وارسالها ارسال المسلمات، واستنادهم إليها في مختلف الابواب كما سيأتي الاشارة إلى بعضها. ولكن الانصاف ان الاجماع في هذه المقامات - كما مر مرارا - لا يعد دليلا مستقلا، لامكان استناد المجمعين إلى ما عرفت، من الروايات الخاصة التي يستفاد منها العموم، بل النص على العلة في بعضها ولجريان بناء العقلاء وسيرتهم على ذلك. قال العلامة في القواعد: " ومهما اتلف الاخذ من الغاصب فقرار الضمان عليه الا مع الغرور كما لو اضافه به ". وقال في مفتاح الكرامة في شرح هذه العبارة: " فالضمان على الغاصب بلا خلاف منا فيما اجد، فيما إذا قال كله فهذا ملكي وطعامي، أو قدمه إليه ضيافة حتى اكله، ولم يقل انه مالي وطعامي، أو لم يذكر شيئا، وفي التذكرة انه الذي يقتضيه مذهبنا. ثم قال: قلت: لمكان الاعتماد على اليد الدالة على الملك والامارة الدالة على الاباحة..

[ 291 ]

وظاهر جماعة وصريح آخرين ان المالك يتخير في تضمين كل واحد من الاكل والغاصب، ويستقر الضمان على الغاصب، ونقل في الشرايع قولا بانه يضمن الغاصب من اول الامر من غير ان يشاركه الاكل، لضعف المباشرة بالغرور فاختص السبب لقوته.. ثم قال: لم نجد القول الثاني لاحد من اصحابنا بعد التتبع، وانما هو قول الشافعي في القديم وبعض كتب الجديد، قال انه ليس للمالك الرجوع على الاكل لانه غره حيث قدم إليه الطعام واوهمه ان لا تبعة فيه عليه، والمشهور عند الشافعي الاول " (1). وظاهر هذه العبارة اتفاق الكل على كون الغاصب والاكل كليهما ضامنين، ولكن يستقر الضمان على الغاصب لغروره صاحبه، وان القول بالرجوع إلى الغاصب فقط دون المغرور ليس قولا لاصحابنا، بل المشهور بين اهل الخلاف ايضا لعله القول بالرجوع إلى اي واحد منهما شاء. وسيأتي الكلام ان شاء الله في تنبيهات المسألة. * * * " بقى هنا امور " الاول في معنى الغرور: قد عرفت ان ما هو المعروف بين الفقهاء واهل العلم " ان المغرور يرجع إلى من غره " وان لم يرد في متن حديث، ولكن قد عرفت ان عنوان الغرور ورد بشكل آخر في بعض احاديث الخاصة والعامة، فقد روى الجمهور عن علي عليه السلام


(1) مفتاح الكرامة ج 6 ص 230.

[ 292 ]

" ان المغرور يرجع بالمهر على من غره " (1) الذي يختص بباب الغرور في المهر فقط كما ورد عنوان " التدليس " في رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام في ابواب العيوب والتدليس (2) وما رواه رفاعة بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام في هذا المعنى (3) وما رواه في دعائم الاسلام عن علي عليه السلام في المغرور في ابواب المهور وانه يرجع على من غره (4) فاللازم كشف معنى " الغرور " و " التدليس " اولا ثم الاخذ بما في غير هذه الاحاديث من العناوين الاخر. فنقول ومن الله التوفيق والهداية: اما " الغرور " فقد قال الراغب في المفردات: يقال: غررت فلانا، اصبت غرته ونلت منه ما اريد، والغرة غفلة في اليقظة، واصل ذلك من الغر، وهو الاصل الظاهر من الشئ، ومنه غرة الفرس والغرور (بفتح الغين) كل مايغر الانسان من مال وجاه وشهوة وشيطان والغرر الخطر. وقال في الصحاح: " الغرة " (بالضم) بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، والغرة (بالكسر) الغفلة والغرور (بالضم) ما اغتر به من متاع الدنيا وغره يغره غرورا خدعه. وقال ابن الاثير في النهاية: الغرة الغفلة، وفي الحديث انه نهى عن بيع الغرر، ماكان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. وقال الطريحي في مجمع البحرين: قوله تعالى ما غرك بربك الكريم. أي: أي شئ غرك بخالقك وخدعك وسول لك الباطل حتى عصيته وخالفته.. والغرور بالفتح الشيطان سمي الشيطان غرورا لانه يحمل الانسان على محابه، ووراء ذلك ما يسوئه. ثم نقل عن ابن السكيت الغرور أيضا ما رأيت له ظاهرا تحبه، وفيه باطن


(1) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 219. (2 و 3 و 4) نقلناه تحت ارقام 1 - 2 - 3 في طى الاحاديث السابقة.

[ 293 ]

مكروه ومجهول. ويظهر من جميع ذلك، ومن غيرها من كلماتهم، ومن موارد استعمال هذه اللفظة انها بمعنى الخدعة بماله ظاهر يخالف باطنه، فالمغرور هو المخدوع والذي حمله على شئ له ظاهر وليس باطنه كذلك هو الغار. واما " التدليس " فهو كما قال في الصحاح: التدليس في البيع كتمان عيب السلعة على المشتري. وقال في مجمع البحرين كذلك (التدليس كتمان عيب السلعة على المشتري) والدلسة (على وزن اللقمة) الخديعة. وقال ابن منظور في " لسان العرب " الدلس بالتحريك الظلمة، وفلان لا يدالس ولا يوالس، أي لا يخادع ولا يغدر، والمدالسة المخادعة، وفلان لا يدالسك ولا يخادعك، ولا يخفى عليك الشئ، فكأنه يأتيك به في الظلام، ثم ذكر ان التدليس في البيع كتمان عيب السلعة عن المشتري. ويظهر من جميع ذلك وموارد استعمال هذه الكلمة انها والخدعة والغرور قريب المعنى إذا عرفت ذلك فهل يعتبر في عنوان الغرور علم الغار وجهل المغرور أو يكفي جهل المغرور وان كان الغار أيضا جاهلا ولكن تضرر بقوله، الظاهر الاول ولا اقل من الشك في شمول الثاني. قال في العناوين: كل غرامة وردت على جاهل بالواقع منشأها شخص آخر بحيث كان تدليسه سببا لذلك وهو ضامن لها، وان لم يكن الغار اثبت يده على ذلك المال ونحوه، ولم يصدق عليه عنوان كونه متلفا، ومن هنا علم ان المغرور يعتبر فيه الجهل بالواقع حتى يكون مغرورا واما الغار لو كان عالما بالواقع وقصد التدليس والتغرير وحصل غرور المغرور بواسطته بحيث كان ذلك علة في اعتقاده واقدامه فلا بحث في كونه

[ 294 ]

غارا، واما لو كان عامدا ولكن لم يؤثر ذلك في علم المغرور واعتقاده بان كان معتقدا ذلك المعنى سواء غره ذلك أم لا كمن دفع مال غيره إلى ثالث بعنوان انه مال الدافع وكان الاخذ معتقدا ذلك من خارج بحيث لم يؤثر فيه تدليس الغار ففي كون ذلك غارا وجهان (انتهى محل الحاجة) (1). وظاهره المفروغية عن اعتبار علم الغار. ثم اعلم ان هنا صور لابد من بيان احكامها: 1 - ان يكون الغار عالما والمغرور جاهلا، وكان فعل الغار تسبيبا لفعل المغرور، ومثاله من قدم طعاما إلى غيره فاكله وكان المقدم عالما بكونه غصبا والمقدم إليه جاهلا. 2 - ما إذا كان الغار عالما والمغرور جاهلا ولم يكن هناك عنوان التسبيب كمن اقدم على ترغيب رجل بنكاح امرأة وعرفها له حتى اقدم هو بنفسه على نكاحها ولم تكن المرأة كما ذكره بان كانت معيوبة أو مجنونة، أو عرفها امرأة وانكحها غيرها، ففي جميع ذلك يتضرر الزوج بمهر المرأة ولكن لا يصدق على الغار عنوان السبب بماله من المعنى المعروف في ابواب الضمانات والديات بل هو داخل تحت عنوان الغرور والتدليس فقط. 3 - ما إذا كان الغار عالما والمغرور جاهلا ولكن لم يكن لفعل الغار اثر والمغرور كان يعلم بذلك من قبل كمن اعتقد ان المال الفلاني لزيد ولم يكن الامر كما اعتقده ثم قدمه زيد له فتقديم زيد ليس سببا لغروره بل كان مغرورا ومخدوعا من قبل، فهل يجرى أحكام الغرر هنا. 4 - ما إذا كان الغار والمغرور كلاهما جاهلين. اما إذا كان كلاهما عالمين، أو الاول جاهلا والثاني عالما فلا دخل لهما


(1) العناوين ص 323 و 324.

[ 295 ]

بالمسألة بل هما خارجان عن عنوان الغرور وان ذكرهما بعض عند ذكر الاقسام هنا إذا عرفت هذا فاعلم: اما الصورة الاولى فلا شك في دخولها في القاعدة، بل وفي قاعدة التسبيب فالغار فيها ضامن لما تضرر المغرور به، لصدق عنوان عليه أولا، واسناد الاتلاف إليه ثانيا. ولكن هل المالك يرجع إلى الغار بلا واسطة، أو يرجع إلى المغرور ثم المغرور يرجع إلى من غره؟ فلو قلنا بالاول فالمسألة في الواقع خارجة عن باب الغرور لعدم وجود الضمان بالنسبة إلى غير الغار، وسيأتي الكلام فيه ان شاء الله. واما الصورة الثانية فهي القدر المتيقن من قاعدة الغرور، بل هي المصداق المصرح به في روايات الباب لا سيما التدليس في النكاح، فكلما كان الغار سببا لتضرر المغرور وكان الاول عالما والثاني جاهلا فللمغرور ان يرجع إلى من غره وياخذ ما تضرر منه. واما الصورة الثالثة ففيه وجهان: من جهة ان فعله لم يكن سببا لغروره بل كان مغرورا من قبل، ومن انه من قبيل توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد يمكن استناد المعلول إلى كل منهما، والثاني لو لم يكن اقوى، لا اقل من انه احوط. واما الصورة الرابعة فالظاهر عدم صدق عنوان الغرور بما عرفت له من المعنى اللغوي والعرفي. وبما يظهر من موارد استعماله، عليه، ولكن لا يبعد شموله له ملاكا وان لم يشمله عنوانا. هذا كله إذا لم يكن مصداقا للتسبيب كمن قدم طعاما جاهلا بغصبيته إلى غيره فأكله لصدق عنوان الاتلاف عليه هنا وان لم يصدق عليه عنوان الغرور. * * *

[ 296 ]

الامر الثاني: معنى التسبيب قد صرح بعض الاصحاب في بحث موجبات الضمان على نحو التسبيب بان الضابط في السبب ما لولاه لما حصل التلف لكن علة التلف غيره. ذكره المحقق في الشرايع في كتاب الديات. ولكن قال في كتاب الغصب: التسبيب هو كل فعل يحصل التلف بسببه. وهذان التعريفان وان لم يخلو من بعض الاشكالات - ولسنا هنا بصدده - ولكن يستفاد منهما ان التسبيب من اسباب الضمان. بل قد صرحوا تلو ذلك بانه إذا اجتمع السبب والمباشر قدم المباشر الا ان يكون السبب اقوى. فالاول كمن حفر بئرا في ملك غيره عدوانا فدفع غيره فيها انسانا، فضمان ما يجنيه على الدافع وللثاني إذا اكره انسان غيره على اتلاف مال فالمكره (بالفتح) لا يضمن وان باشر الاتلاف والضمان على من اكرهه لان المباشر ضعيف مع الاكراه فكان ذوا السبب هنا اقوى. ولو ناقشنا في مثال الاكراه ولكن لا مناقشة في اصل المسألة، وهو ما إذا كان السبب اقوى من المباشر فان ظاهرهم ضمان السبب دون ضمان المباشر، لا ان المباشر ضامن ولكنه يرجع إلى السبب. وحينئذ يأتي الكلام في المسألة المعروفة في باب الغصب في غاصب قدم طعاما مغصوبا إلى غيره فاكله جاهلا فان المشهور بينهم ان المالك يغرم ايهما شاء، لكن ان اغرم الغاصب لم يرجع على الاكل الذي هو مغرور له، وان اغرم الاكل رجع الاكل على الغاصب لغروره الذي صار به مباشرته ضعيفة بالنسبة للسبب، فيكون قرار الضمان عليه.

[ 297 ]

هكذا ذكره صاحب الجواهر في شرح قول المحقق في كتاب الغصب (1). ثم اضاف: " وقيل - وان كنا لم نتحقق قائله منا - بل يضمن الغاصب من رأس، ولا ضمان على الاكل اصلا لان فعل المباشر ضعيف عن التضمين بمظانة الاغترار فكان السبب اقوى ". ثم رد عليه في ذيل كلامه بقوله " ان ضعف المباشر لا يبلغ حدا ينتفي به الرجوع عليه مع كونه متصرفا في مال الغير ومتلفا له على وجه يندرج في قاعدة من اتلف مال غيره فهو له ضامن، ولكن ينجبر غروره برجوعه على الغار، بل لعل قوله عليه السلام " المغرور يرجع على من غره " ظاهر في ذلك (2). ولازم هذا الكلام ان ضمان المباشر هنا لكونه متلفا، والغاصب لكونه غارا فإذا انتفى كونه غارا بان يكونا جاهلين فلابد من كون المباشر ضامنا فقط، مع ان الذوق الفقهي لا يقتضي ضمانه دون السبب. وبعبارة اخرى ملاك الضمان اما التسبيب واما الغرور. فلو كان الملاك التسبيب صح في صورة العلم والجهل ولكن لازمه عدم الرجوع إلى المباشر مطلقا، لان الفعل مستند إلى السبب. وان كان الملاك هو الغرور فلا يشمل صورة الجهل الدافع. وعلى كل حال لا يبعد كون السبب هنا اقوى وكون الضمان متوجها إليه فقط دون المباشر، فحينئذ تختص قاعدة الغرور بما إذا لم يكن تسبيب كما في مسألة المهر التي مرت عليك سابقا، فتأمل جيدا فانا لم نجد لهم كلاما صريحا منقحا في هذا الباب وما يوضح حال السبب والغرور والنسبة بينهما في المقام والمسألة بعد محتاجة إلى مزيد تأمل، وان كان ما ذكرنا من توجه الضمان إلى السبب هنا فقط هو الارجح في النظر.


(1 و 2) الجواهر ج 37 ص 145.

[ 298 ]

الامر الثالث: في عمومية القاعدة الظاهر ان هذه القاعدة بما عرفت لها من الادلة لا تنحصر موردها بباب من ابواب الفقه دون باب، بل تجري في مختلف الابواب: في ابواب المتاجر لاسيما البيع الفضولي. وكذا ابواب الهبات والعارية ونحوها. وابواب النكاح والمهور وغيرها. ولذا استدل بها الاصحاب في كثير من هذه الابواب من دون حصرها بها. واليك شطر ممن استندوا إليه من هذه الابواب بهذه القاعدة مما يدل على عدم اختصاصها بمورد خاص: 1 - استدل بها كثير منهم في " ابواب الغصب " بل هي العمدة في هذه القاعدة بعد ابواب المهور: قال في القواعد: " ومهما اتلف الاخذ من الغاصب فقرار الضمان عليه الا مع الغرور، كما لو اضافه به، ولو كان الغرور للمالك فالضمان على الغار، وكذا لو أودعه المالك أو آجره اياه، ولو وهبه الغاصب من آخر فرجع المالك عليه احتمل رجوعه على الغاصب لغروره وعدمه لان الهبة لا تستعقب الضمان ". وذكر في مفتاح الكرامة في شرح ما استدل به في ذيل كلامه " على عدم الضمان " بما نصه: اي لان الهبة لا تقتضي ضمان الواهب العين للمتهب، لانه اخذها على انها إذا تلفت يكون تلفها منه وهو اصح القولين عند الشافعية (1). ثم اجاب عنه بقوله: " وفيه انه وان كان اخذها على ان تلفها منه لكنه لم يأخذها على انها عليه فكان الغرور باقيا فيعمل بمقتضاه " (2).


(1 و 2) مفتاح الكرامة ج 6 ص 230 و 231.

[ 299 ]

وفيه ايضا - مضافا إلى ما ذكر - ان عدم اقتضاء ضمان الواهب العين انما هو فيما إذا كان الهبة صحيحة والمفروض انها باطلة، وليت شعري ما الفرق بين تقديم الغاصب طعاما إلى غيره فاكله، أو هبته له طعاما فذهب إلى بيته فاكله؟ والانصاف انه لا يرى ادنى تفاوت بين الصورتين ومن قال بالفرق فعليه الدليل، وادلة الغرور عامة، والعجب ممن فرق بينهما. وذكر الشهيد الثاني في المسالك هذا المعنى في كتاب الغصب بصورة واضحة قال: " اما على تقدير الاتلاف (اتلاف المغصوب) فالقرار على المتلف مطلقا، لان الاتلاف اقوى من اثبات اليد العادية عليه، الا إذا كان مغرورا كما إذا قدمه ضيافة فاكله فان ضمانه على الغاصب، لانه غره حيث قدم الطعام إليه، واوهمه لا تبعة فيه " (1). وقال " المحقق الثاني " في " جامع المقاصد " مثل هذا المعنى، واضاف إليه الهبة حيث قال: " ومهما اتلف الاخذ من الغاصب فقرار الضمان عليه الا مع الغرور كما لو اضافه به، ولو كان الغرور للمالك (يعنى قدم طعاما مغصوبا إلى مالكه فاكله لا بعنوان انه ملكه) فالضمان على الغار وكذا لو اودعه المالك أو آجره اياه، ولو وهبه الغاصب من آخر فرجع المالك عليه، احتمل رجوعه على الغاصب لغروره وعدمه " (2). لكن يرد على ما ذكره اخيرا من احتمال عدم الرجوع الايرادان المتقدمان. 2 - استدلالهم بها في " ابواب الضمان ": قال في الجواهر في شرح قول المحقق " الثاني (من اسباب الضمان) التسبيب وهو كل فعل يحصل التلف بسببه، كحفر البئر في غير الملك، وطرح المعاثر في المسالك " بلا خلاف اجده في اصل الضمان به، ثم استدل على ما ذكره بنصوص كثيرة، ثم قال: ومنها مادل على رجوع المغرور (3).


(1) المسالك ج 2 ص 255. (2) جامع المقاصد ج 2 كتاب الغصب ص 79. (3) الجواهر ج 37 ص 46 - 47.

[ 300 ]

3 - واستدل بها ايضا في " ابواب التدليس في النكاح ": قال المحقق في الشرايع: " ولو دلست نفسها كان عوض البضع لمولاها ورجع الزوج به عليها إذا اعتقت " واستدل له في الجواهر عقيب ذلك بقوله: لقاعدة الغرور (1). وذكر المحقق في موضع آخر مانصه: " نعم لو فسخ بعده (اي بعد الدخول) كان لها المهر، ويرجع به على المدلس (اي يرجع الزوج عليه) ابا كان أو غيره " واستدل له في الجواهر ايضا بقوله: لقاعدة الغرور (2). 4 - واستدل به ايضا في " ابواب المتاجر " فيما إذا باع الغاصب شيئا وكان المشتري جاهلا، فان للمالك الرجوع إليه بالنسبة إلى العين، وكذا بالنسبة إلى منافعه، اما العين فلو تلف أو اتلفه فلابد عليه من اداء قيمته، واما المنافع المستوفاة فانه يغرم قيمتها ولكن له الرجوع إلى الغاصب. قال في الشرايع: " ولو اولدها المشتري كان حرا، وغرم قيمة الولد، ويرجع بها على البايع، وقيل في هذه، له مطالبة ايهما شاء لكن لو طالب المشتري (اضاف إليه في الجواهر: المغرور) رجع بها على البايع (اضاف إليها في الجواهر: الغاصب الغار). ثم قال: اما ما حصل للمشتري في مقابله نفع كسكنى الدار، وثمرة الشجرة، والصوف، واللبن، فقد قيل يضمنه الغاصب لا غير لانه سبب الاتلاف، ومباشرة المشتري مع الغرور ضعيفة فيكون السبب اقوى كما لو غصب طعاما واطعمه المالك " (3). وهذا الكلام منه يؤيد ما قويناه سابقا من كون الضمان في هذه الموارد على


(1) الجواهر ج 30 ص 370. (2) الجواهر ج 30 ص 374. (3) الجواهر ج 37 ص 181 - 182.

[ 301 ]

السبب وان قاعدة الغرور ناظرة إلى غير هذا المقام. وقال شيخنا العلامة الانصاري في مكاسبه: واما الثاني وهو ما غرمه (اي ما غرمه المشتري للمالك فيما إذا اشترى شيئا مغصوبا جاهلا) في مقابل النفع الواصل إليه من المنافع والنماء، ففي الرجوع بها خلاف، اقويها الرجوع وفاقا للمحكي عن المبسوط، والمحقق، والعلامة في التجارة، والشهيدين، والمحقق الثاني، وغيرهم، وعن التنقيح ان عليه الفتوى، لقاعدة الغرور المتفق عليها ظاهرا فيمن قدم مال الغير إلى غيره الجاهل فاكله ويؤيده قاعدة نفي الضرر (1). وما استدل به قدس سره على محل كلامه بقاعدة لاضرر دليل عام يشمل جميع موارد قاعدة الغرور الا ان فيه اشكالا يتبنى على ما هو المعروف في قاعدة لاضرر من انها لا تثبت حكما بل تنفي الاحكام الضررية، ولكن على القول بعمومها وشمولها لنفي الاحكام واثباتها في موارد الضرر، كما هو المختار، فهو استدلال جيد يجري في جميع موارد قاعدة الغرور. ولو قيل ان ضرر المغرور معارض بضرر الغار، اجيب عنه بان الغار اقدم على ضرر نفسه فلا تشمله قاعدة نفي الضرر.


(1) المكاسب كتاب البيع ص 174.

[ 303 ]

14 - قاعدة الخراج (الخراج بالضمان) * المراد من القاعدة * مداركها من الروايات من طرق الاصحاب وغيرهم * معنى " الخراج " ومعنى " الضمان " ونقد ما ذكروه في هذا الباب

[ 305 ]

قاعدة الخراج هذه القاعدة (قاعدة الخراج بالضمان) من القواعد المعروفة عند العامة، ولم يعتمد عليها من الخاصة، الا قليل منهم في موارد معينة، ولكن على كل حال لابد من تحقيق مدركها عندهم، وعندنا لو كان، ثم الكلام عن محتواها وما يتفرع عليها من الفروع. والمراد منها - على سبيل الاجمال ان نبحث عن تفاصيله - انه إذا ضمن الانسان شيئا بحكم الشرع، بحيث لو تلف، تلف من ماله، ثم انتفع منه بمنافع، ثم اراد رد المال إلى صاحبها فيرد الاصل دون منافعه، لانه كان ضامنا للمال فالمنافع والخراج له في مقابل ضمانه، فكما ان الغرم عليه الغنم له. مثال ذلك ما لو اشترى شيئا وانتفع من ثمرته أو منافعه الاخرى ثم وجد بها عيبا فاراد فسخ البيع ورد العين، فهل يرد المنافع الحاصلة منها ايضا اولا؟ قد يستند إلى هذه القاعدة لكونها له فانه لو تلف قبل ذلك كان من ملكه على كلام فيه. والذي يظهر من بعض كلمات فقهاء الجمهور انها لا تختص بباب البيوع عندهم، بل تجري في غيره ايضا، كالفتوى المعروف عن أبي حنيفة الذي ورد في رواية أبي ولاد فيمن اكترى حيوانا ثم جاوز به عن الشرط، وبعد ما اراد رده إلى صاحبه، طلب منه الكراء بالنسبة إلى ما انتفع منه زائدا على الشرط، فاختلفا ورضيا

[ 306 ]

بأبي حنيفة وافتى بانه لا يرى عليه شيئا لان ضمانه في هذه المدة كان على المستأجر فخراجه ومنافعه له! (1). استنادا إلى مارووه من طرقهم من ان النبي صلى الله عليه وآله قضى في بعض قضاياه بان " الخراج بالضمان ". لكن الذي يترائى من كلمات بعض الاصحاب في الاستناد بهذه القاعدة انهم يقتصرون فيها بابواب البيوع وما اشبهها واليك شطر من كلماتهم: * * * 1 - قال شيخ الطائفة في " الخلاف ": إذا حصل من البيع فائدة من نتاج أو ثمرة قبل القبض ثم ظهر به عيب كان ذلك قبل العقد كان ذلك للمشتري، وبه قال الشافعي، وقال المالك: الولد يرده مع الام ولا يرد الثمر مع الاصول، وقال أبو حنيفة: يسقط رد الاصل بالعيب. ثم قال: دليلنا اجماع الفرقة وروت عايشة ان النبي صلى الله عليه وآله قضى ان الخراج بالضمان، ولم يفرق بين الكسب والولد والثمرة فهو على عمومه (2). اقول: اما قول ابي حنيفة بسقوط رد الاصل بالعيب لا ينافي ما حكى عنه من قوله بعموم الخراج بالضمان كما لا يخفى. وقال في المسألة 176: إذا اشترى جارية حاملا فولدت في ملك المشتري عبدا مملوكا ثم وجد بالام عيبا فانه يرد الام دون الولد، وللشافعي فيه قولان احدهما مثل ما قلناه، والثاني: له ان يردهما معا لانه لا يجوز ان يفرق بين الام وولدها فيما دون سبع سنين والاول اصح عندهم، دليلنا عموم قوله " الخراج بالضمان " (3).


(1) راجع الحديث 1 من باب 17 من ابواب الاجارة من المجلد 13 من الوسائل. (2) كتاب الخلاف البيوع المسألة 174 ج 2 ص 47. (3) كتاب الخلاف البيوع المسألة 176 ج 2 ص 47.

[ 307 ]

وقال في " المبسوط ": فصل في ان الخراج بالضمان، ثم ذكر تحت هذا العنوان ما يلي: إذا كان لرجل مال فيه عيب فاراد بيعه وجب عليه ان يبين للمشتري عيبه ولا يكتمه أو يتبرء إليه من العيوب، والاول احوط فان لم يبينه واشتراه انسان فوجد به عيبا كان المشتري بالخيار، ان شاء رضى به، وان شاء رد بالعيب، واسترجع الثمن فان اختار فسخ البيع ورد المبيع نظر فان لم يكن حصل من جهة المبيع نماء رده، واسترجع ثمنه وان كان حصل نماء وفائدة فلا يخلو من ان يكون كسبا من جهته أو نتاجا وثمرة، فان كان كسبا مثل ان يكتسب بعلمه أو تجارته أو يوهب له شئ، أو يصطاد شيئا أو يحتطب أو يحتش فانه يرد المبيع، ولا يرد الكسب بلا خلاف، لقوله صلى الله عليه وآله: " الخراج بالضمان " فالخراج اسم للغلة والفائدة التي يحصل من جهة المبيع، ويقال للعبد الذي ضرب عليه مقدار من الكسب في كل يوم أو في كل شهر " عبد مخارج " وقوله: " الخراج بالضمان " معناه ان الخراج لمن يكون المال يتلف من ملكه. (انتهى موضع الحاجة من كلامه) (1). ووافق شيخ الطائفة في هذا المعنى " ابن حمزة " في الوسيلة قال فيما حكى عنه في فصل عقده للبيع الفاسد ما هذا نصه: " فإذا باع احد بيعا فاسدا وانتفع به المبتاع ولم يعلما بفاسده، ثم عرفا واسترد البايع المبيع، لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به أو استرداد الولد ان حملت الام عنده وولدت، لانه لو تلف لكان من ماله و " الخراج بالضمان " (انتهى محل الحاجة). وقد تعرض للقاعدة غير واحد من المعاصرين، وردوا الاستدلال بها، ولكن اكثر الاصحاب اهملوا ذكرها ولم يعتمدوا عليها في كتبهم. ولعل بعض من استند إلى هذه القاعدة رآها موافقة لادلة أخرى كما في ابواب


(1) المبسوط ج 2 كتاب البيوع ص 126.

[ 308 ]

العيب على ما سيأتي الاشارة إليه ان شاء الله، ولكن لما ارادوا المشي على مذهب المخالفين استندوا إلى ما هو المقبول عندهم من رواية " الخراج بالضمان " وهذا المعنى يجري فيما نقلناه عن شيخ الطائفة في ابواب العيوب، وان كان لا يجري فيما حكى عن ابن حمزة في الوسيلة فانه استند إليها في البيع الفاسد. وعلى كل حال ليست هذه القاعدة مما اشتهرت بين اصحابنا وسيأتي انها ليست مما اشتهر بين العقلاء واهل العرف أيضا الا في موارد خاصة بملاكات أخرى ستأتي الاشارة إليها. * * * مدارك القاعدة عمدة ما استدل به لقاعدة " الخراج بالضمان " هي ما ورد من طرق " العامة " وهي عدة روايات رووها عن عايشة كما يلي: 1 - ما رواه عروة بن زبير عن عايشة ان رسول الله صلى الله عليه وآله قضى ان خراج العبد بضمانه (1). 2 - وهناك رواية أخرى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عايشة ان رجلا اشترى عبدا فاستغله ثم وجد به عيبا فرده فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله انه قد استغل غلامي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله الخراج بالضمان (2). والظاهر انهما حكاية عن واقعة واحدة حكيت ملخصة تارة ومفصلة أخرى، والمراد من استغلال العبد انتفاعه بخدمته. 3 - ما رواه أيضا عروة عن عايشة ان النبي صلى الله عليه وآله قال الخراج بالضمان (3). وهذا الحديث عام لا يختص بالعبد ولا بخيار العيب.


(1 و 2) السنن لابن ماجة ج 2 كتاب التجارات الباب 43 ح 2243 و 2242 ص 754. (3) مسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 49.

[ 309 ]

ورواه بعينه في محل آخر من كتابه (1). ورواه بعينه عن عروة عن عايشة النسائي في سننه (2). 4 - ما رواه " مخلد بن خفاف " قال اتبعت غلاما فاستغللته ثم ظهرت منه علي عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فاتيت " عروة " فاخبرته، فقال اروح إليه العشية فاخبره ان عايشة اخبرتني ان رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في مثل هذا ان الخراج بالضمان فعجلت إلى عمر فاخبرته ما اخبرني عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عمر فما ايسر علي من قضاء قضيته الله يعلم اني لم أرد فيه الا الحق فبلغتني فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله فارد قضاء عمر، وانفد سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فراح إليه عروة فقضى لي ان آخذ الخراج من الذي قضى به علي له (3). ورواه البيهقي في سننه بطرق أخرى كلها تنتهي إلى عايشة وفي طريقها عروة وفي بعضها ثم رواه عن شريح غير مستند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه العبارة " ولك الغلة بالضمان " (4). والظاهر انها باجمعها حكاية لقضية واحدة، ويستفاد من ضم بعضها إلى بعض انها وردت في خصوص ابواب البيع، ولكن بعض الرواة نقلوها تارة بدون ذكر المورد، فيتوهم منه العموم، وأخرى بذكر المورد. ومن هنا يعلم ان الاستناد إليها في غير ابواب العيوب مشكل جدا. لا يقال كون المورد خاصا لا ينافي كون القاعدة عامة على ما يلوح من قوله " الخراج بالضمان ".


(1) مسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 237 من طبعة دار الصادر. (2) سنن النسائي ج 7 ص 254 وعقد له بابا بهذا العنوان (الخراج بالضمان). (3) السنن للبيهقي ج 5 ص 321. (4) السنن للبيهقي ج 5 ص 322 و 321.

[ 310 ]

لانا نقول هذا إذا كان الالف واللام في قوله " الخراج " و " الضمان " للجنس واما ان كان للعهد، يعني خراج الغلام المعيوب في مقابل ضمانه، لا يمكن التعدي منه إلى غير ابواب العيوب، واختصاص المورد بالعبد غير ضائر بعد ان كان الغاء الخصوصية منه وشموله لجميع موارد بيع المعيوب. هذا كله مع قطع النظر عن اسنادها والا فهي ضعيفة على مختار الاصحاب، فلا يصح الاستناد إليها لاثبات هذه القاعدة كما هو ظاهر. * * * واما من طرق الاصحاب فلم يرد هذا المعنى الا في رواية مرسلة رواها ابن أبي جمهور في " غوالي اللئالي " قال: وروى عنه صلى الله عليه وآله انه قضى بان الخراج بالضمان (1). وهي ايضا كما ترى. ولكن ورد بهذا المعنى روايات في موارد خاصة غير مشتملة على هذا العنوان ولكن يوافقه بحسب المعنى واليك ما عثرنا عليه: 1 - ما رواه اسحاق بن عمار قال حدثني من سمع أبا عبد الله عليه السلام وسأله رجل وانا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى اخيه فقال ابيعك داري هذه وتكون لك احب الي من ان تكون لغيرك على ان تشترط لي ان انا جئتك بثمنها إلى سنة ان ترد علي فقال: لا باس بهذا ان جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه، قلت فانها كانت فيها غلة كثيرة فاخذ الغلة لمن تكون الغلة؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا ترى انه لو احترقت لكانت من ماله (2). 2 - ما رواه معاوية بن ميسرة قال سمعت أبا الجارود يسال أبا عبد الله عليه السلام عن


(1) المستدرك ج 2 ابواب الخيار الباب 7 ص 473. (2) الوسائل ج 12 ابواب الخيار الباب 8 الحديث 1.

[ 311 ]

رجل باع دارا له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى منه الدار حاضر فشرط انك ان اتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فاتى بماله، قال: له شرطه، قال أبو الجارود: فان ذلك الرجل قد اصاب في ذلك المال في ثلاث سنين قال: هو ماله وقال أبو عبد الله عليه السلام: ارايت لو ان الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشتري (1). 3 - ما رواه في دعائم الاسلام عن أبي عبد الله عليه السلام انه سئل عن رجل باع داره على شرط انه ان جاء بثمنها إلى سنة ان يرد عليه، قال: لا باس بهذا وهو على شرطه قيل فغلتها لمن تكون؟ قال: للمشتري، لانها لو احترقت لكانت من ماله (2). * * * ويستفاد من جميع ما ذكرنا انه لا دليل على اعتبار هذه القاعدة بعنوان عام، حتى يجوز الاستدلال بها في الابواب المختلفة من الفقه، لضعف ماروي من طرق المخالفين سندا، بل قصور دلالتها واختصاصها بمورد خيار العيب، وما ورد مطلقا في هذا الباب ايضا ناظر إلى هذا المورد كما لا يخفى على من تأمله. ولو استفيد من اطلاقه العموم فالظاهر ان العموم في خصوص موارد يشابه مورد خيار العيب، بان يكون ضمن شيئا بعقد صحيح ضمانا اختياريا، وانتفع بالمعقود عليه منفعة مستوفاة، فحينئذ يكون خراجه في مقابل ضمانه. واما الروايات الخاصة التي عرفتها آنفا فهي ناظرة إلى مسألة بيع الشرط أو الرهن وسيأتي الكلام ان شاء الله فيها وانه موافق لقواعد اخر، ولا دخل لها بقاعدة " الخراج بالضمان ". واما بناء العقلاء فقد عرفت عدم استقراره على هذه القاعدة، بل بناؤهم


(1) الوسائل ج 12 ابواب الخيار الباب 8 الحديث 3. (2) المستدرك ج 2 كتاب التجارة ابواب الخيار الباب 6 و 7 ص 473.

[ 312 ]

مستقر على خلافها في ابواب الغصب، فمن غصب دارا أو حيوانا أو شيئا آخر وانتفع بها يكون ضامنا لهذه المنافع اجمع عندهم بلا ريب. إذا عرفت ذلك فلنعد إلى تفسير القاعدة. * * * معنى " الخراج " ومعنى " الضمان ": قد وقع الكلام بينهم في المراد من هذين اللفظين الواردين في متن القاعدة (على القول بثبوتها) وذكر فيه احتمالات أو اقوال، اهما ما يلي: 1 - ان المراد من " الخراج " ما هو المعروف في باب الخراج والاراضي الخراجية، والمراد من " الضمان " هو ضمان هذه الاراضي بسبب الاجارة والتقبل! وقد جعله بعضهم اقرب الاحتمالات في الحديث وعليه لامصاص له بما نحن بصدده (1). 2 - وقرب منه ما قيل انه يحتمل ان يكون المراد من الخراج هو الخراج المضروب على الاراضي أو الرؤس ومن الضمان ضمان والي المسلمين تدبير امورهم وسد حاجاتهم، وجميع ما على الوالي في صلاح دوله الاسلام وحال المسلمين، فالمراد ان الخراج المعهود من الاراضي وغيرها بازاء ما على الوالي من الوظائف على ادارة الامور (2). فالخراج في كلا الاحتمالين بمعنى واحد ولكن الضمان في الاول بمعنى اجارة الارض وتقبلها، وفي الثاني بمعنى ولاية امور المسلمين وتعهد امورهم. هذا ولكن قلما يستعمل الضمان في هذا المعنى كما سيأتي ان شاء الله.


(1) مصباح الفقاهة ج 3 ص 133. (2) كتاب البيع ج 1 ص 318.

[ 313 ]

3 - ان المراد من الخراج مطلق المنافع، والمراد بالضمان مطلق العهدة، سواء كان امرا اختياريا مترتبا على العقود الصحيحة أو الفاسدة، أو كان امرا غير اخياري مترتبا على الغصب. وهذا ينطبق على ماروي عن أبي حنيفة من عدم تضمين الغاصب بالمنافع المستوفاة نظرا إلى ضمانه، وماعن " ابن حمزة " من قدماء فقهاء اصحابنا، وان كان في السنبة إليه كلام. 4 - ان يكون المراد من الخراج خصوص المنافع المستوفاة، والمراد بالضمان ما يكون في خصوص العقود الصحيحة، فحينئذ يكون المنافع المستوفاة في العقود الصحيحة في مقابل ضمان العين بالضمان الاختياري الناشئ عن عقد صحيح. 5 - المراد من الخراج خصوص المنافع المستوفاة كما في سابقه، ولكن المراد بالضمان هو الضمان الاختياري، الاعم مما يحصل من العقود الصحيحة أو الفاسدة، من دون شمول مثل الغصب الذي حكمه الضمان قهرا. * * * إذا عرفت ذلك فاعلم ان اللازم الرجوع إلى معنى اللفظتين في اللغة والعرف اولا ثم ملاحظة مورد الاحاديث ثانيا. والانصاف ان شيئا من هذه المعاني لا يناسب مورد الرواية ومصدرها ما عدا القول الرابع. توضيح ذلك: ان الرواية كما عرفت لم ترد من طرق اهل البيت وانما وردت في طرق الجمهور ومنابعهم المعروفة، واشتهر بينهم اشتهارا تاما، ولكنها اجمع تنتهي إلى عروة بن الزبير وهو يرويها عن عايشة تارة مصدرة بمسألة استغلال العبد المعيب الذي اشتراه بظن السلامة ثم وجد به عيبا، وقد ذكرت مع هذا المتن في كثير من كتبهم وقد اشرنا إليها سابقا، واخرى من دون ذكر موردها من بيع المعيب.

[ 314 ]

والظاهر لكل ناظر فيها قضية واحدة ومن البعيد ان يكون الراوي سمعها تارة مع صدرها، واخرى مطلقة، لانها وردت عقيب سؤال واحد، سلمنا ولكن احتمال ذلك كاف في عدم امكان الاستدلال بكل واحد كراوية مستقلة الا ان يكون ظاهر كلام الراوي صدورها مستقلة عن النبي صلى الله عليه وآله ومع ما عرفت ممن كيفية نقل الرواية لا ظهور فيها من هذه الناحية، وبالجملة لم يثبت لنا تعدد الرواية ولا ظهور لها فيه حسب متفاهم العرف. وعندئذ يكون موردها قرينة على تفسير لفظتي " الضمان " و " الخراج " فالخراج هو المنافع المستوفاة كاستغلال العبد، والانتفاع بغلته، والمراد بالضمان هو الضمان بالعقد الصحيح، لا العقد الفاسد، ولا الضمان القهري كالغصب. واعجب من ذلك كله احتمال كون الخراج بمعناه المعروف في باب الاراضي الخراجية، فانه وان كان كذلك في تلك الابواب ولكن ليس كذلك في محل الكلام قطعا. واعجب منه جعل الضمان بمعنى ضمان الحكومة لرعاية الرعية والذب عنهم وتدبير امورهم! فان اطلاق الضمان على هذا المعنى بعيد جدا وقلما يستعمل هذه اللفظة في هذا المعنى في كلمات العرب. بل المراد ان الضمان هنا هو ضمان العين الحاصل في العقود الصحيحة المعاوضية، فانها إذا تلفت تلفت من ملك من انتقل إليه بذاك العقد في مقابل الثمن الذي اداه إلى المالك. فكأنه صلى الله عليه وآله يقول ارايت لو تلفت العين المعيبة تلفت من ملك المشتري؟ فكذلك إذا كان له منافع مستوفاة فهي له، بل هذا نتيجة انتقال العين إليه كما لا يخفى. نعم لازم ذلك كون فسخ البيع فيما إذا كان معيبا من حينه، لا من اصله، كما ان لازمه عدم سقوط خيار العيب بمثل هذه التصرفات.

[ 315 ]

وورود مسألة الرد في كلام السائل كما في الرواية الثانية لا ينافي ما ذكرناه بعد امضاء النبي صلى الله عليه وآله له على فرض صدور هذه الرواية. نعم لا يبعد التعدي من مورد الروايات إلى مطلق الخيار، فإذا جاز الرد بالخيار فانتفع منه منافع، وقلنا بعدم منع الانتفاع من الرد بالخيار، فمقتضى الرواية عدم ضمان هذه المنافع؟ وكون خراجه بضمانه، بناءا على كون الضمان على المشتري والمنتقل إليه المال في امثال المقام فتأمل. هذا بحسب مورد الرواية واما بحسب معناهما في اللغة، فقد قال الجوهري في الصحاح: الخرج والخراج والاتاوة (1) والخرج ايضا ضد الدخل، وقال في معنى الضمان: ضمن الشئ بالكسر كفل به، فهو ضامن وضمين، وضمنه الشئ تضمينا وتضمينه عنه مثل غرمه. وقال الراغب في المفردات: والخراج يختص في الغالب بالضريبة على الارض وقيل العبد يؤدي خرجه إلى غلته... وقيل الخراج بالضمان اي ما يخرج من مال البايع فهو ما سقط بازائه عنه من ضمان المبيع. وقال الطريحي في مجمع البحرين " الخراج " بفتح المعجمة ما يحصل من غلة الارض، وقيل يقع اسم الخراج على الضريبة والفئ والجزية والغلة. وقال: ضمنت المال التزمته ويتعدى بالتضعيف فيقال ضمنته المال، اي التزمته اياه، وما عن بعض الاعلام: " الضمان " مأخوذ من الفم، غلط من جهة الاشتقاق لان نونه اصلية، والفم لا نون فيه إلى غير ذلك مما ورد في كتب اهل اللغة. والمناسب من بين هذه المعاني بحسب مورد الرواية هو ما عرفت لا غير، اعني كون الضمان هو ضمان الحاصل من العقود الصحيحة بالثمن المعلوم والخراج هو المنافع المستوفاة.


(1) الاتاوة من " اتو " بمعنى " الخراج ".

[ 316 ]

وعندئذ ينطبق مفاد الرواية المعروفة على ما ورد في طرقنا بغير لفظ الضمان والخراج مثل ما مر من روايات عديدة وردت في مورد بيع الشرط، وانه إذا باع رجل داره، مثلا وشرط على المشتري انه لو جاء بثمنه إلى سنة فالدار له، وله فسخ البيع، وانه لو كان للدار غلة كثيرة كان للمشتري في مقابل انه لو تلفت العين في اثناء هذه المدة في يده كان من ملكه. وان شئت قلت ما ورد من طرق العامة تحت عنوان الخراج بالضمان ينطبق على ما ورد من طرقنا في ابواب بيع الشرط ولا يستفاد من شئ منهما قاعدة كلية. نعم هي اوسع نطاقا مما ورد في رواياتنا لانه يشمل جميع المنافع المستوفاة في موارد يجوز رد العين، ولو بعد الانتفاع، من دون اختصاص بباب العيب أو خيار الشرط أو غيره، ولكن ما ورد من طريق الاصحاب خاص لمورد خيار الشرط، اللهم الا ان يؤخذ بعموم التعليل الوارد في كلام الامام عليه السلام بانه كلما كان تلف المبيع من المشتري فالمنافع المستوفاة له أيضا فيتطابقان ولايكون فيها شئ جديد ما عدا ما هو مقتضى البيع الصحيح فان لازم صحة البيع كون المنافع للمشتري كما ان تلف العين عليه. * * * ثم انه هل تختص القاعدة بضمان المثمن ومنافعها، أو تعم ضمان الثمن ومنافعها ايضا؟ فبناء على صدور هذه الجملة مستقلا عنه صلى الله عليه وآله لاشك في كونها عامة لجميع موارد الضمان والخراج، ولكن لما عرفت انها على فرض صحة الاسناد واردة ذيل بيع المعيب وضمانه ومنافعه المستوفاة يشكل الاخذ بعمومها، نعم الغاء الخصوصية عن المثمن وشمولها بالنسبة إلى الثمن غير بعيد. ومن هنا يظهر ان ما اورد عليها من النقض بمسألة العارية المضومنة فان ضمانها على المستعير من دون ان يكون منافعها ملكا له، بل هي من قبيل اباحة المنافع دون التمليك، غير وارد بعد ما عرفت وكذلك غيرها من اشباهها، وحيث ان اصل القاعدة غير ثابتة فلا يهمنا البحث عن هذه الفروع.

[ 317 ]

15 - قاعدة اللزوم (الاصل في المعاملات اللزوم) * محل الكلام فيها * مداركها من كتاب الله * مداركها من السنة * الاستدلال بالاستصحاب ونقده * بناء العقلاء هنا

[ 319 ]

قاعدة اللزوم من القواعد المعروفة المستدل بها في ابواب المعاملات بالمعنى الاعم من البيع والاجارة والنكاح وغيرها، قاعدة اللزوم في العقود إذا شك في لزوم عقد وجوازه. وليعلم ان البحث تارة يكون في الشبهات الحكمية كما إذا شككنا في ان عقد المعاطاة جائزة أو لازمة، أو ان الهبة في بعض مصاديقها جائزة أو لازمة. واخرى يكون من قبيل الشبهات الموضوعية بان نعلم ان البيع بالصيغة لازم وبيع المعاطاة تكون جائزة مثلا، ثم شككنا في ان العقد الواقع في الخارج كان من قبيل البيع بالصيغة أو المعاطاة. ثم ان الشك قد يكون في ابتداء العقد بان شك في ان عقد المعاطاة من اول امرها لازمة أو جائزة، واخرى يكون بعد عرض الجواز له كما إذا قلنا بان خيار العين انما يكون بعد ظهوره، وقبله يكون البيع لازما، وكذلك بالنسبة إلى خيار الرؤية، وخيار الشرط، إذا جعل الخيار في زمان منفصل عن العقد وقلنا بجواز ذلك، وحينئذ ينقلب العقد اللازم جائزا، ثم لو شككنا بعد ذلك في صيرورته لازما أو بقائه على الجواز سواء من ناحية الشبهة الحكمية أو الموضوعية فهل الاصل هنا ايضا اللزوم أو الجواز؟

[ 320 ]

ولابد من البحث عن القاعدة اولا بعنوان كلي، ثم نتكلم في فروعها وخصوصياتها فنقول، ومن الله سبحانه التوفيق والهداية: ان المعروف بين من تعرض لهذه القاعدة ثبوت اللزوم في جيمع العقود الا ما خرج بالدليل، ولكن لم يتعرض لها بعنوان كلي كثير من الاصحاب، وان تعرضوا لها بعنوان جزئي في بعض العقود كعقد الاجارة والمساقاة وغيرهما. واليك بعض كلماتهم في المقامين: اما المقام الاول: قال العلامة الانصاري في مكاسبه: لا اشكال في اصالة اللزوم في كل عقد شك في لزومه شرعا، وكذا لو شك في ان الواقع في الخارج هو العقد اللازم أو الجائز، كالصلح من دون عوض والهبة (1). وقال الشهيد (ره) في القواعد: " الاصل في البيع اللزوم، وكذا في سائر العقود ويخرج عن الاصل في مواضع لعلل خارجة " (2). وقال الشهيد الثاني في " المسالك ": في شرح قول المحقق " والاجارة عقد لازم " مانصه: " لزوم عقد الاجارة موضع وفاق وعموم الامر بالوفاء بالعقود يتناوله...، واما الاسباب المقتضية في الفسخ فستأتي مفصلة ان شاء الله (3). وذكر الشيخ في " الخلاف " في باب الاجارة: انها من العقود اللازمة، متى حصل لم يكن لاحدهما فسخ الاجارة، دليلنا ان العقد قد ثبت... وايضا قوله تعالى: اوفوا بالعقود، فامر بالوفاء بالعقود والاجارة عقد، فوجب الوفاء به (4).


(1) المكاسب ص 85. (2) القواعد والفوائد ج 2 ص 242. (3) المسالك ج 1 ص 320. (4) الخلاف ج 2 كتاب الاجارة مسألة 2 ص 206.

[ 321 ]

وقال في " مفتاح الكرامة " في كتاب " المزارعة " بعد قول الماتن " وهو عقد لازم من الطرفين " مانصه: " اجماعا كما في جامع المقاصد والمسالك ومجمع البرهان... وكانه اجماع، لان الاصل في العقود اللزوم، الا ما اخرجه الدليل، للامر بالوفاء بالعقود في قوله تعالى " اوفوا بالعقود " (1). وبالجملة لا يخفى على الناظر في كلمات الاصحاب في العقود المختلفة ان الاصل عندهم في كل عقد اللزوم، الا ما خرج بالدليل، ومن الواضح ان الاجماع في امثال هذه المسائل وان كان مؤيدا للمطلوب ومرجحا له، لكنه ليس شيئا يركن إليه ودليلا مستقلا بنفسه بعد امكان استناد المجمعين إلى الادلة الاخرى التي ستمر عليك ان شاء الله. * * * مدارك قاعدة اللزوم 1 - استدل له من كتاب الله بمامر ذكره من قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود " (2). وتقريب الاستدلال بها ظاهر، لان جميع المعاملات بالمعنى الاعم داخلة في عنوان العقود، وهو جمع محلى باللام يفيد العموم، مضافا إلى كونها في مقام الاطلاق مع عدم ورد قيد عليه، والعقد بأي معنى فسر شامل لها، والامر بالوفاء دليل على وجوب العمل على طبق العقد، لازمه عدم تأثير الفسخ، فان الامر وان كان دليلا على الوجوب التكليفي الا انه يدل على الحكم الوضعي في ابواب المعاملات واجزاء العبادات وشرائطها إذا تعلق الامر أو النهي بعنوان المعاملة، أو اجزاء العبادة لا بعنوان آخر ينطبق عليه كما حقق في محله وان شئت قلت، الامر بالوفاء بالعقد


(1) مفتاح الكرامة ج 7 ص 300. (2) سورة المائدة: الاية 1.

[ 322 ]

دليل على تأثيره، فالوفاء من آثاره، لا انه واجب مستقل تكليفي، وحينئذ يدل على الحكم الوضعي دلالة واضحة. وما قد يتوهم ان لازمه تخصيص الاكثر لخروج العقود الجائزة كلها والعقود اللازمة بانواع الخيارات، مدفوع، بأن كون المعاملات الجائزة من العقود حقيقة لا يخلو عن تأمل، لانها تدور غالبا مدار الاذن الحاصل من المالك وشبهه، وهذا امر وراء العقد، وان شئت قلت " العقد " عبارة عن التزام في مقابل التزام، وليس في غالب العقود الجائزة الا التزام من طرف واحد، وبعبارة اوضح هي اجازة ورضى من طرف واحد كما ذكر في محله. واما الخيارات فليست مستوعبة لاكثر العقود بحسب ازمانها بل استثنائات جزئيه من هذه الجهة والا فأكثرها في اكثر الازمنة لازمة باقية، وحينئذ لا يلزم التخصيص المستهجن ابدا. وقوله تعالى: لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم (1). دل على حرمة اكل المال بالباطل، ومن الواضح انه إذا انتقل عين إلى ملك آخر فصار المال ماله لا يجوز اخراجه عن يده بغير رضاه، فلو فسخ البيع أو شبهه بدون اذنه واخذ المال فقد اكله بالباطل. هذا وقد يورد عليه بان الاية ناظرة إلى الاسباب لا شرائط العوضين، وبعبارة أخرى: ناظرة إلى ماكان من قبيل رضى المتعاملين في مقابل القهر والغصب والرشوة والغش وغيرها من طرق السيطرة على مال الغير بالباطل. ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم وانتم تعلمون " (2).


(1) سورة النساء: الاية 29. (2) سورة البقرة: الاية 188.

[ 323 ]

فان الادلاء بها إلى الحكام لاكل اموال الناس انما هو من باب الاسباب، ويؤيده أيضا " الباء " في قوله " بالباطل "، فالاستدلال بالاية لغير ذلك غير جائز. وفيه اولا ان كون هذه الامور من الباطل مما لا ريب فيه، ولكن لا دليل لنا على حصر الاية في خصوص الاسباب، وآية البقرة لا تنفي ما q>

[ 323 ]

فان الادلاء بها إلى الحكام لاكل اموال الناس انما هو من باب الاسباب، ويؤيده أيضا " الباء " في قوله " بالباطل "، فالاستدلال بالاية لغير ذلك غير جائز. وفيه اولا ان كون هذه الامور من الباطل مما لا ريب فيه، ولكن لا دليل لنا على حصر الاية في خصوص الاسباب، وآية البقرة لا تنفي ما سواها، وكون الباء للسببية أيضا غير مانع، فمن اكل مال الغير في مقابل الخمر وآلات القمار مثلا فقد اكله بسبب باطل، وكذلك في مقابل الحشرات والاشياء التي لا مالية لها عند العقلاء واهل الشرع. سلمنا ذلك ولكن ما نحن فيه أي الفسخ من جانب المشتري أو البايع من دون موافقة الطرف الاخر من الاسباب الباطلة وعلى كل حال شمول الاية لما نحن بصدده مما لا ينبغي الريب فيه. ومن الايات قوله تعالى: " احل الله البيع " (1). وجه الاستدلال به على اصالة اللزوم ما ذكره الشيخ الاعظم: ان حلية البيع التي لا يراد منها الا حلية جميع التصرفات المترتبة عليه، التي منها ما يقع بعد فسخ احد المتبايعين بغير رضى الاخر مستلزمة لعدم تأثير ذلك الفسخ، وكونه لغوا غير مؤثر (انتهى). وحاصله ان اطلاق الحلية الدالة على تأثير البيع يشمل ما بعد زمان الفسخ من الجانب الاخر، ولازمه عدم تأثير الفسخ اصلا. وفيه انه انما ورد في جواب الكفار والمخالفين لتحريم الربا، وقولهم " انما البيع مثل الربا " فقد قال الله تعالى في جوابهم: ليس البيع مثل الربا، الربا حرام والبيع حلال، فلا يجوز قياس احدهما على الاخر، ومن البعيد ان يكون مثل هذا الكلام ناظرا إلى حكم الفسخ، وفي مقام البيان من هذه الجهة، بل المقصود


(1) سورة البقرة: الاية 275.

[ 324 ]

منه بيان حرمة الربا من اصله، وبيان حلية البيع كذلك، من دون النظر إلى جميع خصوصياته. هذا، مضافا إلى امكان القول بان التمسك باطلاقه بعد الفسخ من قبيل التمسك بعموم العام في الشبهات المصداقية، فان بقاء البيع وآثاره مشكوك بعد الفسخ، على ما هو المفروض، والتمسك بالاستصحاب هنا رجوع إليه لا إلى عموم قوله: احل الله البيع. كما ان القول بان حلية البيع توجب الملكية، ومن آثاره عدم جواز سلطة الغير عليه بدون رضا صاحبه أيضا رجوع إلى الادلة الاتية مثل قوله: " الناس مسلطون على اموالهم "، و " لا يحل مال امرء الا من طيب نفسه ". ولنعم ما قال المحقق اليزدي في حواشيه على المكاسب حيث قال: الانصاف ان هذه الاية لا دلالة لها الا على مجرد حلية البيع بمعنى التمليك والتملك، ولا تعرض فيها لحلية التصرفات بعد البيع، حتى تشمل باطلاقها ماكان بعد الفسخ (1). وقد عرفت ان هذا احد الايرادات الواردة على الاستدلال بالاية الشريفة. 2 - يدل على اصالة اللزوم من السنة عدة روايات: (1) المؤمنون عند شروطهم وهذه الرواية رواها جمع من العامة والخاصة في كتبهم واستدلوا بها في موارد مختلفة، ومنها استدلال غير واحد منهم بها على لزوم العقود. فقد رواها في " دعائم الاسلام " عن النبي صلى الله عليه وآله بهذه العبارة، انه قال: " المسلمون عند شروطهم، الاكل شرط خالف كتاب الله " (2) وتارة عن علي عليه السلام بهذه العبارة قال: " المسلمون عند شروطهم الا شرطا في معصية " (3).


(1) تعليقات السيد على المكاسب ابواب الخيارات ص 4. (2 و 3) المستدرك ج 2 كتاب التجارة ابواب الخيار ح 1 و 3 الباب 4 ص 473.

[ 325 ]

ورواها في الوسائل عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المسلمون عند شروطهم الاكل شرط خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز (1). وما رواه ايضا عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما ووافق كتاب الله عزوجل (2). ورواها ايضا عن اسحق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليه السلام ان علي بن أبيطالب عليه السلام كان يقول من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فان المسلمين عند شروطهم الا شرطا حرم حلالا أو احل حراما (3). ومن طرق الجمهور ما رواه البخاري في صحيحه بعنوان " المسلمون عند شروطهم " عن النبي صلى الله عليه وآله (4). ورواه الترمذي أيضا في صحيحه في ابواب الاحكام بهذه العبارة: " والسملون على شروطهم الا شرطا حرم حلالا " (5). وقد رواه الاصحاب في ابواب المكاتبة أيضا. مثل ما عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في مكاتب شرط عليه ان عجز أن يرد في الرق قال: " المسلمون عند شروطهم " (6). وفي معناه ما عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (7) في ذاك الباب بعينه. وما رواه سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل كان له


(1 و 2) الوسائل ج 12 ابواب الخيار الباب 6 الحديث 2. (3) الوسائل ج 12 ابواب الخيار الباب 6 الحديث 5. (4) صحيح البخاري ج 3 ص 119 كتاب التجارة الباب 14 باب اجرة الثمرة. (5) رواه المعجم المفهرس لالفاظ الحديث النبوي ج 3 ص 99. (6) الوسائل ج 16 ابواب المكاتبة الباب 4 الحديث 3. (7) الوسائل ج 16 ابواب المكاتبة الباب 4 الحديث 5.

[ 326 ]

اب مملوك وكانت لابيه امرأة مكاتبة قد ادت بعض ما عليها، فقال لها العبد: هل لك ان اعينك في مكاتبك حتى تؤدي ما عليك بشرط ان لا يكون لك الخيار على ابي إذا انت ملكت نفسك؟ قالت: نعم فأتاها في مكاتبتها على ان لا يكون لها الخيار بعد ذلك، قال: لا يكون لها الخيار " المسلمون عند شروطهم " (1). فعلى ذلك، الرواية مشهورة بين الفريقين ورويت من طرقنا بطرق كثيرة بعضها صحيحة وان كان بعضها غير صحيحة فإذا لا مجال للاشكال من جهة السنة. واما من ناحية الدلالة فهو مبني على شمول الشرط لكل عقد، ومن الواضح ان وقوف المؤمن أو المسلم عند شرطه بمعنى عدم مفارقته عنه وهو كناية عن الالتزام والوفاء به. ولكن اورد عليه " تارة " من ناحية الصغرى بان الشرط يطلق على التزام كان مرتبطا بغيره فلا يشمل الالتزام الابتدائي، ولا اقل من الشك في ذلك، وفي القاموس الشرط الزام الشئ والتزامه في البيع ونحوه. واخرى من ناحية الكبرى بانها لا تدل على ازيد من الرجحان لتعليقه على الايمان وان هو الا نظير قوله " المؤمن إذا وعد وفى ". ولكن كل ذلك ممنوع اما الاول فلانا لو سلمنا اختصاص الشرط بالالتزام الذي هو في ضمن التزام آخر ومرتبط به، فلا اقل من الاخذ بالفحوى، فإذا وجب العمل بالشرط الذي هو تابع لعقد فيجب العمل بنفس العقد بطريق اولى، فانه الاصل وهذا هو الفرع. واما الثانية: فلان ظاهر الرواية الوجوب، وقد علق في غير واحد من طرقه من العامة والخاصة على الاسلام، لا على الايمان، ومما يدل على الوجوب دلالة واضحة انه استدل في الروايات بهذه الفقرة على وجوب بما في مواردها من الشروط.


(1) الوسائل ج 16 ابواب المكاتبة الباب 11 الحديث 1.

[ 327 ]

وبالجملة الاشكال في هذه الرواية ضعيف جدا. * * * (2) قوله: لا يحل مال امرء مسلم الا من طيب نفسه رواها سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كانت عنده امانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرء مسلم، ولا ماله الا بطيب نفس منه (1). ورواها في الكافي بطريق آخر عن أبي عبد الله عليه السلام ايضا. ورواها ايضا في تحف العقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال في خطبة الوداع: " أيها الناس، انما المؤمنون اخوة، ولا يحل لمؤمن مال اخيه الا عن طيب نفس منه " (2). ورواها الصدوق في اكمال الدين فيما ورد على الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس سره في جواب مسائل محمد بن جعفر الاسدي إلى صاحب الدار - إلى أن قال - فلا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيره بغير اذنه (3). ومن طرق الجمهور ما رواه أبو هريرة الرقاشي عن عمه ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفس منه (4). ورواه احمد بن حنبل في مسنده (5). وفي معناها روايات أخر مروية من طرق الاصحاب والمخالفين تدل على


(1) الوسائل ج 3 كتاب الصلاة ابواب مكان المصلى الباب 3 الحديث 1. (2) الوسائل ج 3 كتاب الصلاة ابواب مكان المصلى الباب 3 الحديث 3. (3) الوسائل ج 6 كتاب الخمس الباب 3 من ابواب الانفال الحديث 6. (4) السنن للبيهقي ج 6 كتاب الغصب ص 100. (5) مسند احمد بن حنبل ج 5 ص 72.

[ 328 ]

احترام اموال المسلمين كدمائهم. وبالجملة الحديث متظافرة مشهورة بين الاصحاب وهذا كاف في اثبات صحتها من حيث السنة. واما تقريب دلالتها فلان المال إذا انتقل إلى شخص بأي سبب كان من العقود وغيرها كان المال ماله فلا يجوز اخذه منه بدون رضاه، بمجرد الفسخ وغيره، فهذا دليل على عدم تأثير الفسخ. وتوهم كون التمسك بعمومها بعد اجراء صيغة الفسخ من قبيل التمسك بعموم العام في الشبهات المصداقية، فاسد جدا، لان عمومها دليل على عدم تأثير الفسخ، فلا يكون شبهة في المصداق. وبعبارة أخرى شمول الرواية لكل ملك مانع عن تأثير الفسخ فما كان ملكا في الرتبة المتقدمة لا يمكن اخراجها عن يد مالكها بغير رضى منه في الرتبة المتأخرة. فهذه الرواية دليل على اللزوم في جميع العقود والايقاعات المستلزمة لخروج الملك عن يد صاحبها وصيرورتها ملكا لاخر. * * * (3) قوله صلى الله عليه وآله: الناس مسلطون على اموالهم وهذه الرواية أيضا مشهورة في ألسنة الفقهاء وهي وان كانت مرسلة لكنها مجبورة بعمل الاصحاب قديما وحديثا لاستنادهم إليها في مختلف ابواب الفقه. وهناك روايات أخرى لا تشتمل على هذا العنوان ولكن تحتوي معناها ومغزاها وقد اشرنا إليها مشروحة في قاعدة التسلط من هذه القواعد (فراجع القاعدة الاولى من هذا المجلد). فهي ايضا معتبرة من حيث السند.

[ 329 ]

واما من ناحية الدلالة فمقتضى السلطة على المال هو عدم جواز اخراجه من يد مالكه بغير رضاه، فمجرد الفسخ من المالك السابق لو اثر في اخراجه عن ملكه كان منافيا لحقيقة السلطنة على المال. وتوهم كونه من الشبهة المصداقية للملك بعد اجراء صيغة الفسخ، توهم فاسد قد عرفت جوابه آنفا، وحاصله ان الملكية الحاصلة قبل اجراء الفسخ يمنع عن تأثيره فهي مسقطة له عن التأثير قطعا. * * * 4 - قوله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار ما لم يفترقا وقد رواه عدة من اصحابنا منهم محمد بن مسلم وزرارة عن الصادق عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله (1). وأخرى عن الصادق عليه السلام نفسه مثل ما رواه فضيل والحلبي عنه عليه السلام (2). وثالثة عن أبي الحسن الرضا عليه السلام مثل ما رواه علي بن اسباط عنه عليه السلام (3). ورابعة عن علي عليه السلام مثل ما رواه غياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمد عليه السلام عن أبيه عن علي عليه السلام (4). وهي وان وردت بعبارات شتى الا ان مفاد الجميع واحد، وهو ان البايع والمشتري بالخيار ماداما في مجلس البيع، فإذا حصل الافتراق وجب البيع من جميع جهاته، فلا يؤثر الفسخ الا ان يدل عليه دليل خاص فيؤخذ بمفاده في مورده. وهذه الروايات كثيرة مستفيضة، وفيها صحيح الاسناد، وقد ذكر شيخنا العلامة


(1) الوسائل ج 12 احكام الخيار الباب 1 ح 1 و 2. (2) الوسائل ج 12 احكام الخيار الباب 1 ح 3 و 4. (3) الوسائل ج 12 احكام الخيار الباب 1 ح 5. (4) الوسائل ج 12 احكام الخيار الباب 1 ح 7.

[ 330 ]

الانصاري في بعض كلماته انها مستفيضة وفي بعضها الاخر انها متواترة (1). والتواتر المصطلح وان لم يكن موجودا هنا الا ان الاستفاضة مما لاريب فيه. وقد رواها العامة أيضا في كتبهم بطرق متعددة في صحاحهم المعتبرة عندهم، وقد عقد له ابن ماجة في سننه له بابا روى فيه عدة روايات ولا يبعد دعوى التواتر بعد ذلك (2). وما قد يتوهم انها ناظرة إلى خيار المجلس فقط نفيا واثباتا، ولا دلالة فيها على لزوم البيع بعد الافتراق من ناحية سائر اساب الخيار، كما حكي عن المحقق الخراساني في حواشيه على المكاسب، فهو مما لا يمكن المساعدة عليه، بل اطلاق قوله فإذا افترقا وجب البيع يدل على اللزوم بعد الافتراق من جميع الجهات، فادلة خيار العيب والعين والحيوان والشرط وغير ذلك مخصصة لها، ولا مانع من ورود هذه التخصيصات عليه بعد كون ما يبقى تحته اكثر واوفر. هذا ولكن الاشكال العمدة في الاستدلال بهذه الرواية انها اخص من المدعى فانها مختصة بابواب البيع مع ان المقصود اثبات اللزوم في جميع المعاملات بالمعنى الاعم بيعا كان أو غيره. * * * 3 - الاستدلال بالاستصحاب ومما استدل به على اصالة اللزوم في المعاملات بالمعنى الاعم الاستصحاب فانه إذا شك بعد اجراء الفسخ في تأثيره في انفساخ المعاملة يستصحب بقاء آثارها، من الملكية للعين، أو المنافع، أو غيرهما من الاثار كعقد الزوجية وشبهها. ولكن يورد عليه امور:


(1) المكاسب ص 216. (2) السنن لابن ماجة ج 2 ص 736.

[ 331 ]

الاول: عدم حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية على ما هو المختار. نعم هذا الاشكال مندفع عند من يلتزم بحجية الاستصحاب مطلقا، في الشبهات الحكمية والموضوعية. اضف إلى ذلك ان الشك في لزوم المعاملة وان كان ينشأ غالبا من الشك في حكم الشارع ولكن قد يكون منشأ الشك الامور الخارجية فيكون من قبيل الشبهات المصداقية كما إذا شك ان الموهوب له ذو رحم أو غيره، أو ان الهبة كانت معوضة أو غير معوضة، فحينئذ يشك في لزوم المعاملة لا من ناحية حكم الشرع، بل من ناحية الموضوع الخارجي، فيتمسك فيه باستصحاب بقاء آثاره بعد اجراء الفسخ فتأمل. الثاني: قد يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب بقاء علقة المالك على ملكه، ومن المعلوم ان استصحاب بقاء هذه العلقة حاكم على استصحاب بقاء الاثار عند الشك فان الثاني مسبب عن الاول. ولكن يمكن الجواب عنه بان معنى جواز العقد بالذات أو الخيارات العارضة عليه ليس بقاء علقة المالك على ملكه، بل الجواز أو الخيار حكم مستقل شرعي، أو حق حادث بعد العقد، وحينئذ لا معنى لاستصحاب بقاء علقة المالك على ملكه. وان شئت قلت: ليس الملك اللازم والجائز نوعان أو صنفان من الملكية، بل الملكية امر واحد، وانما التفاوت في احكامها فالملك الجائز هو الذي يجوز الفسخ فيه، والملك اللازم هو الذي لا يؤثر فيه الفسخ، هذا مضافا إلى ما قد يقال من ان التسبب هنا ليس شرعيا فالحكومة باطلة فتأمل. الثالث: وقد يعارض هذا الاستصحاب في خصوص البيع باستصحاب بقاء الجواز الحاصل من خيار المجلس فيقال: نعلم بان الملك كان جائزا قابلا للفسخ عند كونهما في المجلس، وبعد افتراقهما ليشك في بقاء هذه الحالة فيستصحب بقاء الجواز. وفيه اولا ان خيار المجلس يرتفع بصريح روايات الباب بعد افتراقهما،

[ 332 ]

وثانيا: عند الافتراق ينقلب الموضوع إلى موضوع آخر، والاستصحاب مع عدم بقاء الموضوع باطل قطعا. وان اريد الاستصحاب بنحو استصحاب الكلي من القسم الثالث بان يقال ان خيار المجلس قد ارتفع قطعا ولكن يحتمل حدوث حكم آخر بالجواز عند ارتفاع أو مقارنا له، ولكن المحقق في محله عدم حجية استصحاب الكلي من القسم الثالث. هذا كله مضافا إلى ان خيار المجلس ينحصر بالبيع، ولا يجري في سائر العقود مع ان اصالة اللزوم عام في جميعها بل وقد يكون البيع خاليا عن خيار المجلس لاشتراط سقوطه من اول الامر، أو غير ذلك. فهذا الدليل لو فرض صحته لكان اخص من المدعى. * * * 4 - بناء العقلاء على اللزوم ومما يمكن الاستدلال به على اصالة اللزوم في المعاملات هو بناء العقلاء الذي امضاه الشارع بسكوته وتقريره، لا بل بامضاه بما عرفت من الايات والروايات. فان بنائهم قد استقر على الحكم ببقاء آثار كل عقد الا ان يثبت حق الفسخ لاحد الطرفين، فلا يجوز عندهم فسخ البيع ولا النكاح ولا الاجارة ولا غيرها ما لم يثبت حق لاحد الطرفين على الفسخ، وبعبارة اخرى بقاء آثار المعاملات عندهم لا يحتاج إلى دليل، بل هو مقتضى طبيعتها، والذي يحتاج إلى الدليل هو نفي آثارها والغائها وما لم يكن هناك دليل، بقيت الاثار على حالها.

[ 333 ]

16 - قاعدة البينة واليمين (البينة على المدعى واليمين على من انكر) * مدارك القاعدة من عموم السنة وخصوصها * معيار معرفة " المدعى " من " المنكر " * ما استثنى من القاعدة من مسألة الدماء * شرائط سماع الدعوى من المدعى * عدم اشتراط الخلطة * هل المدار في معرفة المدعى والمنكر على مصب الدعوى أو نتيجتها؟

[ 335 ]

قاعدة البينة واليمين ومن القواعد المشهورة بين جميع علماء الاسلام قديما وحديثا قاعدة " البينة على المدعى واليمين على من انكر " التي استدلوا بها في ابواب القضاء كلها بل هي الاصل الوحيد قبل كل شئ في القضاء الشرعي الاسلامي، وهي التي استقر عليه عمل رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته والائمة المعصومين عليهم السلام بعد وفاته صلى الله عليه وآله وقضاة الشرع في اجواء العالم الاسلامي طي القرون والاعصار في كل مكان. وهذه العبارة (البينة على المدعي واليمين على من انكر) وان ترد بعينها في لسان الادلة الا قليلا ولكن معناها ورد في روايات كثيرة نبوية، وغيرها، والعمدة بهذه العبارة " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه ". واللازم التكلم هنا في مقامات: 1 - في مدرك هذه القاعدة. 2 - في معنى المدعي والمنكر وملاكهما. 3 - في ما يتفرع عليها ويستثنى منها احيانا. الاول: في مدرك هذه القاعدة هذه القاعدة وان كان مجمعا عيله بين الخاصة والعامة بل هي كالضروريات في الفقه الاسلامي، ولكن العمدة في مدركها هي الروايات العامة التي تدل بعمومها

[ 336 ]

على هذه القاعدة، والاحاديث الخاصة الواردة في ابواب معينة التي يمكن اصطياد العموم من ملاحظة مجموعها. اما الاول فهي عدة روايات وردت من طرقنا وطرق المخالفين. ومما وردت من طرقنا هي عدة روايات: 1 - ما رواه جميل وهشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " البينة على من ادعى واليمين على من ادعى عليه " (1). 2 - ما رواه بريد بن معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن القسامة فقال: " الحقوق كلها البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه الا في الدم خاصة " (2). وسيأتي الكلام ان شاء الله في استثناء حكم الدماء عن هذه القاعدة وشرائطه. 3 - ما ارسله الصدوق قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. والصلح جائز بين المسلمين الا صلحا احل حراما أو حرم حلالا " (3) 4 - ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان الله حكم في دمائكم بغير ما حكم فيه في اموالكم، حكم في اموالكم ان البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وحكم في دمائكم ان البينة على من ادعى عليه واليمين على من ادعى لئلا يبطل دم امرئ مسلم " (4). 5 - ما رواه منصور عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث تعارض البينتين في شاة في يد رجل، قال قال أبو عبد الله عليه السلام: " حقها للمدعي ولا اقبل من الذي في يده بينة، لان الله عزوجل انما امر ان تطلب البينة من المدعي فان كانت له بينة، والا


(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 1. (2) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 2. (3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفيه الحكم الباب 3 الحديث 5. (4) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 3.

[ 337 ]

فيمن الذي هو في يده هكذا امر الله عزوجل " (1). 6 - وما رواه محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام فيما كتب إليه من جواب مسائله في العلل: " والعلة في ان البينة في جميع الحقوق على المدعي واليمين على المدعى عليه ما خلا الدم، لان المدعى عليه جاحد ولا يمكنه اقامة البينة على الجحود لانه مجهول (الحديث) (2). 7 - ويشهد له مادل على ان النبي صلى الله عليه وآله كان يطلب البينة من المدعي في اول الامر، فان لم يكن له بينة طلب اليمين من المدعى عليه، مثل ما رواه علي بن عدي عن أبيه قال اختصم امرئ القيس، ورجل من حضرموت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في ارض فقال ألك بينة؟ قال لا، قال: فيمنه، قال اذن والله ذهب بارضي قال ان ذهب بيمينة كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيمة، ولا يزكيه، وله عذاب اليم، قال ففزع الرجل وردها إليه (3). 8 - ما رواه عثمان بن عيسى، وحماد بن عثمان، جميعا عن ابي عبد الله عليه السلام في حديث فدك ان امير المؤمنين عليه السلام قال لابي بكر: " اتحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟ قال: لا، قال فان كان في يد المسلمين شئ يملكونه ادعيت انا فيه، من تسئل البينة؟! قال اياك كنت اسئل البينة، على ما تدعيه على المسلمين، قال فإذا كان في يدي شئ فادعى فيه المسلمون تسئلني البينة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده؟ ولم تسئل المؤمنين البينة على ما ادعوا علي كما سئلتني البينة على ما أدعيت عليهم؟ - إلى أن قال - وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البينة على من ادعى واليمين على من انكر " (4).


(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 4. (2) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 6. (3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 7. (4) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 25 الحديث 3.

[ 338 ]

9 - ماروه في دعائم الاسلام عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن امير المؤمنين عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " البينة في الاموال على المدعي واليمين على المدعى عليه " قال امير المؤمنين عليه السلام: " والبينة في الدماء على من انكر برائة مما ادعى عليه واليمين على من ادعى " (1). وهي وان كانت مختصة بالاموال ولكن الظاهر ان المراد منها مطلق الحقوق ما عدا الدم الذي له حكم خاص في مسألة القضاء سيأتي الاشارة إليه ان شاء الله عن قريب. 10 - وما رواه في الغوالي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: البينة على المدعي واليمين على من انكر (2). إلى غير ذلك مما يعثر عليه المتتبع. * * * واما من طرق العامة فهى ايضا عدة روايات: 1 - ما رواه احمد في مسنده عن ابن عباس ان رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وآله فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله المدعي البينة، فلم يكن له بينة فاستحلف المطلوب (الحديث) (3). 2 - ما رواه ابن ماجة في سننه عن الاشعث بن قيس قال كان بيني وبين رجل من اليهود ارض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله هل لك بينة؟ قلت: لا، قال لليهودي: احلف (الحديث) (4).


(1) مستدرك الوسائل ج 3 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 1. (2) مستدرك الوسائل ج 3 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 4. (3) مسند احمد ج 2 ص 70 (طبعة دار صادر). (4) السنن لابن ماجة ج 2 ص 778 (باب البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه).

[ 339 ]

3 - ما رواه البخاري في صحيحه عن الاشعث بن قيس قال لفي والله انزلت " قوله تعالى: ان الذين يشترون بعهد الله ايمانهم ثمنا قليلا... " كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: شاهدك أو يمنه - الحديث - (1). دل على ان المعتبر في القضاء، الشاهد ولو لم يكن فيمين المدعى عليه. 4 - ما رواه البخاري مرسلا في باب " اليمين على المدعى عليه في الاموال والحدود " قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: شاهداك أو يمينه (2). 5 - ما رواه في التاج عن الترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (3). 6 - ما رواه البيهقي عن ابن عباس قال ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال واموالهم، ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب (4). 7 - ما رواه البيهقي عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال اموال قوم ودمائهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من انكر (5). وفي معناه رواية اخرى عنه في نفس الباب. 8 - وما رواه احمد ايضا عن وائل بن حجر قال كنت عند رسوال الله صلى الله عليه وآله فاتاه رجلان يختصمان في ارض فقال احدهما ان هذا انتزى على ارضي يا رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) صحيح البخاري ج 3 ص 188 (باب في اختلاف الراهن والمرتهن). (2) صحيح البخاري ج 3 ص 232. (3) التاج الجامع للاصول ج 3 ص 61. (4 و 5) السنن للبيهقي ج 10 ص 252 كتاب الدعوى والبينات.

[ 340 ]

في الجاهلية، وهو امرؤ القيس ابن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن عبدان، فقال له: بينتك؟ قال: ليس لي بينة، قال: يمينه (1). إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع. اضف إلى ذلك كله الروايات الخاصة الكثيرة الواردة في موارد معينة يمكن اصطياد العموم من مجموعها: مثل ما ورد في ابواب الرهن عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام - إلى أن قال - البينة على الذي عنده الرهن انه بكذا وكذا، فان لم تكن له بينة، فعلى الذي له الرهن اليمين (2). وفي معناه روايات كثيرة اخرى مروية في ذاك الباب بعينه أو ما يليه من الباب (17) و (20). ويؤيد جميع ذلك ماروي بالطرق المتعددة عن ابي عبد الله عن كتاب علي عليه السلام ان نبيا من الانبياء شكى إلى ربه فقال يا رب كيف اقضي فيما لم ار ولم اشهد؟ قال فأوحى الله إليه: احكم بينهم بكتابي واضفهم إلى اسمي فحلفهم به، وقال هذا لمن لم تقم له بينة (3). وفي معناه غيره، بل الظاهر ان قوله " هذا لمن لم تقم له بينة " من كلام أمير المؤمنين علي أو الصادق عليهما السلام فيكون دليلا على المطلوب. والانصاف ان هذه الروايات المروية باسانيد مختلفة في اصول الشيعة والسنة ربما تكون متواترة ويثبت بها المطلوب بدون اي شك.


(1) مسند احمد ج 4 ص 317 (في احاديث وائل بن حجر). (2) الوسائل ج 13 كتاب الرهن الباب 16 الحديث 1. (3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم الباب 1 الحديث 1.

[ 341 ]

(2) من المدعى ومن المنكر؟ قد عرفت ان هذه القاعدة حاكمة على جميع ابواب المنازعات لا تختص بباب دون باب ولكن الكلام بعد في المراد من " المدعي " و " المنكر " (كما في قليل من النصوص) أو " المدعي " و " المدعى عليه " (كما في اكثرها) وهو المهم في هذا الباب ويتفرع عليه فروع كثيرة. واختلف الاصحاب في تفسيرهما وقد ذكروا في تعريف المدعي، الذي يستفاد منه مقابله، امورا: 1 - ما هو المحكي عن المشهور ان المدعي هو الذي يترك لو ترك الخصومة - ذكره المحقق في الشرايع والعلامة في القواعد وغيرهما. 2 - " المدعي " هو الذي يدعي خلاف الظاهر، فمن ادعى ان المال الذي في يد الاخر ماله لابد عليه من اقامة البينة، لان قوله مخالف لظاهر اليد، وكذلك من يدعي ارادة المجاز من لفظ عقد أو وصية أو غيرهما، ويطلب بذلك شيئا، فعليه اقامة البينة. ذكر هذا التعريف في القواعد، وظاهر كلامه انه موافق للتعريف الاول في المعنى والنتيجة. 3 - المدعي من يكون قوله مخالفا للاصل، كمن يدعي اشتغال ذمة شخص بشئ، مع ان الاصل برائته - ذكره ذلك ايضا في القواعد والشرايع. 4 - المدعي هو الذي يدعي امرا خفيا وهذا اخص من كثير من التعاريف السابقة - ذكر هذا التعريف ايضا في الشرايع - أو امرا خفيا يخالف الظاهر - كما هو المحكى عن الجمهور. 5 - وعن الدروس المدعي هو الذي يخلى وسكوته، أو يخالف الاصل، أو الظاهر.

[ 342 ]

والظاهر كما ذكره جمع من المحققين انه ليس لهذا اللفظ حقيقة شرعية، بل ليس فيه مظنة ذلك، فاللازم ان يحمل على معناه اللغوي والعرفي، وايكال امره إلى العرف، ولعل التعاريف السابقة ايضا ناظرة إلى تنقيح معناه العرفي، ولذا قد يرى في بعض كلماتهم الجمع بين تعريفين أو تعاريف متعددة كما في الشرايع والقواعد مع ان بينهما فرقا ربما تتفاوت سعة وضيقا. نعم ظاهر كلام المحقق في تعريفه ان المدعي هو الذي يترك لو ترك الخصومة وقيل هو الذي يدعي خلاف الاصل أو امرا خفيا، اختلاف الاقوال في المسألة، وقد يقال ان المنشأ في اختلاف القولين اختلاف قول الشافعي كما حكى عن الروضة للرافعي: " في معرفة المدعي والمدعى عليه قولان مستنبطان من اختلاف قول الشافعي في مسألة اسلام الزوجين، أظهرهما عند الجمهور ان المدعي من يدعي امرا خفيا يخالف الظاهر والثاني من لو سكت خلي وسكوته ولم يطالب بشئ... إلى ان قال: ولا يختلف موجبهما غالبا، وقد يختلف كما إذا اسلم زوجان قبل الدخول، فقال الزوج اسلمنا معا فالنكاح باق، وقالت بل على التعاقب ولا نكاح، فان قلنا ان المدعي من لو سكت ترك فالمرأة مدعية فيحلف ويستمر النكاح (اي يحلف الرجل) وان قلنا بالاظهر فالزوج مدع لان ما يزعمه خلاف الظاهر (اي تقارن الاسلامين) وهي مدعى عليها فتحلف (المرأة) ويرتفع النكاح - انتهى - " (1). ولكن مع ذلك نرى الجمع بين التعاريف الثلاث في بعض كلمات العلامة حيث قال: المدعي هو الذي يترك لو ترك الخصومة، أو الذي يدعي خلاف الظاهر، أو خلاف الاصل (2). وظاهر هذه العبارة عدم الاختلاف بين مفاد هذه التعاريف.


(1) الجواهر 40 ص 374. (2) مفتاح الكرامة كتاب القضاء ص 61.

[ 343 ]

والانصاف رجوع الجميع إلى معنى واحد في الغالب كما ذكره السبزواري في الكفاية (1) والمحقق القمي في جامع الشتات (2). انما الكلام في موارد تظهر النتيجة بين هذه الاقوال كما ذكروه في مسألة اسلام الزوجين قبل الدخول ودعوى الزوج التقارن في الاسلام يبقي الزوجية، والزوجة التعاقب لينفسخ، فالتقارن موافق للاصل، والتعاقب مخالف له، لان اصالة تأخر الحادث تقتضي ذلك ولكن التعاقب هو الظاهر لندرة وقوع التقارن فيختلف مورد التعريفين. والانصاف انه لا يهمنا وجود القولين في المسألة كما يظهر من بعضهم أو ثلاثة اقوال كما يظهر من بعض آخر أو رجوع الاقوال إلى واحد كما عرفت من بعضهم بعد عدم ورود دليل تعبدي في المسألة، ولزوم حمل الروايات المتضافرة أو المتواترة الواردة في لزوم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، على ما يستفاد من معنى هاتين اللفظتين عرفا. والحاصل ان المدعى هو الذي يدعى شيئا من الاخر ويطلب منه، ويلزمه اقامة حجة على مدعاه، بحيث إذا لم يقم حجة لا يقبل قوله، فهذا هو الذي يستفاد من محتوى هذا اللفظ في العرف واللغة، ولعل التفاوت بين التعاريف كان اول الامر من قبيل اختلاف التعبير، ثم حسبوا لزوم الجمود على هذه التعابير ومن هنا نشأ القولان أو ثلاثة اقوال أو اكثر. ولكن الامر بحمد الله ظاهر لا سترة عليه. وعلى كل حال المنكر أو المدعى عليه هو مقابل هذا وهو الذي لا يطلب منه حجة ولا يؤخذ منه شئ بدون اقامة البينة، نعم اليمين حق المدعى عليه إذا لم يكن بينة.


(1) كفاية الاحكام للسبزواري ص 274. (2) جامع الشتات ج 2 ص 683 كتاب القضاء.

[ 344 ]

تبيهات الاول - ما استثنى عن هذه القاعدة: هناك موارد مستثناة من " قاعدة البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " لا يطالب فيها البينة من المدعي بل قد تطلب من المنكر، ويكفي اليمين من المدعي وعمدته مسألة الدماء فان المشهور بين الاصحاب، بل حكى الاجماع عليه، انه إذا كان هناك لوث في الدم (اي قرائن توجب الظن بارتكاب القتل من ناحية شخص أو اشخاص وفي هذا المقام تطلب من المدعى عليه اقامة البينة على عدم القتل فان لم يقمها فعلى المدعي الاتيان بقسامة خمسين رجلا لاثبات مقصوده، وان لم يفعل ذلك طولب المدعى عليه القسامة كذلك، فان اتى بها سقطت الدعوى عنه، والا لزمه الدم. وهذه المسألة على اجمالها مقبولة عند الاصحاب، وان كان في بعض خصوصياتها اختلاف وكلام والعمدة في ذلك الروايات المتضافرة الدالة على ان الحكم في الدماء على خلاف الحكم في الاموال احتياطا على دماء الناس. 1 - مثل ما رواه بريد بن معاوية، عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن القسامة فقال الحقوق كلها البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، الا في الدم خاصة، فان رسول الله صلى الله عليه وآله بينما هو يخبر إذ فقدت الانصار رجلا منهم وجدوه قتيلا فقالت الانصار ان فلان اليهودي قتل صاحبنا. إلى ان قال - قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذا رأى الفاجر فرصة حجزه مخافة القسامة ان يقتل به، فكف عن قتله والا حلف المدعى عليه قسامة خمسين رجلا ما قتلنا، ولا علمنا قاتلا (الحديث) (1). 2 - ما رواه أبو بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ان الله حكم في دمائكم بغير


(1) الوسائل ج 19 كتاب القصاص ابواب دعوى القتل الباب 9 الحديث 3.

[ 345 ]

ما حكم به في اموالكم، حكم في أموالكم ان البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، وحكم في دمائكم " ان البينة على المدعى عليه واليمين على من ادعى " لئلا يبطل دم امرئ مسلم (1). 3 - ما رواه زرارة انما جعلت القسامة احتياطا للناس، لكيما إذا اراد الفاسق ان يقتل رجلا أو يغتال رجلا حيث لا يراه احد، خاف ذلك فامتنع من القتل (2). إلى غير ذلك مما ورد في هذا الباب، وهو مستفيض، فيها روايات معتبرة معمول بها بين الاصحاب كما عرفت. والظاهر ان هذا الحكم ليس معمولا بين العقلاء من اهل العرف، فلا يحكمون للمدعي بمجرد القسامة وشبهها، وانما المدار عندهم على البينات والشهود، والطرق القطعية أو الظنية المعتبرة عندهم، والسر في ذلك ان الشارع المقدس له عناية خاصة بحفظ دماء المسلمين، وليس عنده امر اهم - بعد الاسلام - من حفظ النفوس والدماء - وقد مر عليك انه لو لزمت البينة حتى في الدماء ولم تقبل قسامة تبطل دماء كثيرة، ولا يبقى مجال للقصاص عمن قتل غيلة، فيكثر القتل اغتيالا، لانه ليس هناك مشاهد وبينة تدل على جناية القاتل، فيجترئ الفساق دماء الابرياء، كما يرى مصاديقه في العصر الحاضر. ومن هنا حكم الشارع المقدس بان المتهم بالقتل إذا كان هناك لوث أي امارات على اتهمامه مثل مااذا كان القتيل على باب داره وكان بينهما خصومة، وشهد صبي مثلا على ارتكابه ذلك، أو ما اشبهه من امارات التهمة، فعليه اقامة البينة على برائته، وان لم يكن له بينة تقبل القسامة خمسون رجلا يقسمون على وقوع القتل منه، ومن المعلوم ان قيام القسامة على القتل ايضا مشكل، ولكن بابه مفتوح وكفى بذلك تحذيرا للفاسق الفاجر عن قتل الابرياء غيلة.


(1 و 2) الوسائل ج 19 كتاب القصاص ابواب دعوى القتل الباب 9 الحديث 4 و 11.

[ 346 ]

هذا وللحكم بما ذكرنا شرائط كثيرة مذكورة في ابواب القصاص من الفقه فيما يثبت به القتل، وعلى كل حال هذا تعبدي يقتصر على القدر المتيقن من مورده ولا يتجاوز منه على غيره. * * * نعم هناك اشكال جدير بالذكر وهو انه ان كانت القسامة خمسون رجلا يقسمون على امر معلوم عندهم، فهذا يعود إلى الشهادة، وفي الشهادة يكفي اثنان من دون حاجة إلى اكثر منهما، فهل يفرض الكلام فيما إذا كانوا جميعا من الفساق؟ وهذا امر بعيد جدا لاسيما مع ملاحظة روايات الباب، وانه ليس من هذا فيها عين ولا اثر، وقع ما يترآى من كون العدالة امرا سهلا في احكام الشرع تثبت بحسن الظاهر. والذي اخترناه لحل هذه المشكلة في " مباحث اللوث والقسامة " ان الحلف فيها وان كان اللازم ان يكون عن علم، ولا يكفي مجرد الظن، الا ان منشأ القطع فيه يمكن ان يكون مبادئ حدسية التي لا تكفي في الشهادة فلذا اوجب الشارع فيها خمسين نفرا. والدقة في اخبار القسامة ايضا يؤيد هذا النظر، وانها في مورد لم يكن هناك شهود برأى العين وكان القتل غيلة، وشبهها، فعلى هذا تنحل العويصة ولا تضاد أحكام القسامة احكام الشهادة. هذا مجمل الكلام في المسألة وتمامه في محله. * * * 2 - شرائط سماع الدعوى عن المدعى. قد ذكروا السماع الدعوى عن المدعي شرائط كثيرة، انحاها بعضهم إلى

[ 347 ]

عشرة أو أكثر: منها كونه واجدا لشرائط التكليف مثل البلوغ والعقل. ومنها اعتبار الرشد فيه على اشكال. ومنها ان يكون ما يدعيه خصمه لنفسه أو لموكله أو لمن له الولاية عليه باحد انواع الولاية أو يكون حاكما في الحسبيات. ومنها ان يكون ما يدعيه امرا ممكنا عقلا وعادة وجائزا شرعا. ومنها ان يكون مورد الدعوى غير مجهول ولا مبهم بل معلوما بالنوع والوصف والقدر. ومنها ان تكون الدعوى صريحة في استحاق المدعي شيئا. ومنها ان يكون في مقابلة خصم ينكر ما يدعيه. ومنها ان يكون دعواه عن بت وجزم. ومنها انه لابد من تعيين المدعى عليه بشخصه... إلى غير ذلك مما ذكروه. ولكن الانصاف ان جل هذه الامور ليست من قبيل الشرائط الزائدة على ماهية الدعوى وصيرورة المدعي مدعيا، بل امور مستفادة من هذا المفهوم وتحليل مغزاه بعينه، فمثل صراحة الدعوى (أو ظهوره) وكذلك كونه عن بت وجزم، لا عن احتمال وظن، معتبر في مفهوم الدعوى، فانها بدونه لا يعد دعوى، وكذلك إذا كان ما يدعيه امرا غير ممكن عقلا فلا يعد عند العقلاء دعوى وكذا إذا لم يكن في مقابله خصم. وهكذا إذا لم يكن الدعوى لنفسه أو لمن إليه امره، بل كان غير مرتبط به فان هذا ايضا لا يعد دعوى عند العقلاء، وهكذا غيره من اشباهه. فإذا ادعى رجل حق رجل مظلوم واقام الدعوى له يقال له هذا امر لا يعنيك حتى تدعي، واعانة المظلوم وان كان حقا ولكن في مسألة اقامة الدعوى لابد ان يكون من ناحية صاحبه أو وكيله أو الولي الفقيه أو القاضي المنصوب عموما أو خصوصا من قبله، نعم إذا

[ 348 ]

لم يكن هناك الحاكم الشرعي فيتصدى لذلك عدول المؤمنين. هذا ولكن بعضها يمكن اعتبارها شرطا كالبلوغ، فيقال ان غير البالغ لا تجوز له اقامة الدعوى بل المتصدي له وليه، وكذا الرشد في الامور المالية إذا كان مورد الدعوى امرا ماليا على القول باعتباره بعض الشرائط الاخر مما يكون امره ظاهرا ودليله واضحا لا يحتاج إلى مزيد تفصيل. * * * 3 - هل تشترط الخلطة ام لا؟ قد عرفت ان مدلول الادلة لزوم البينة على المدعي اي شخص كان، واليمين على من ادعى عليه كذلك، ولم يرد في شئ من الادلة اعتبار وجود الخلطة بينهما حتى تحتاج في اقامة الدعوى إلى استفسار حالهما وانه هل يكون بينهما خلطة ام لا؟ وخالف في ذلك بعض فقهاء المالكية، وهو شاذ ضعيف، يرده اجماع اهل العلم وتضافر الروايات على عدم هذا القيد بحكم الاطلاق فيها. ولنعلم ما قال الشهيد (قدس الله سره) في القواعد والفوائد حيث قال: " كل من ادعي على غيره سمعت دعواه وطولب باليمين مع عدم البينة، سواء علم بينهما خلطة ام لا، لعموم قوله صلى الله عليه وآله " البينة على المدعي واليمين على من انكر " وقوله عليه السلام " شاهداك أو يمينه " ولامكان ثبوت الحقوق بدون الخلطة، فاشتراطها يرد إلى ضياعها، لانها واقعة تعم بها البلوى فلو كانت الخلطة شرطا لعلمت ونقلت (انتهى) (1). واحتج مشترط الخلطة (2) بادلة ضعيفة جدا. منها ايراد الحديث المعروف هكذا " البينة على المدعي واليمين على من


(1) القواعد والفوائد ج 2 ص 194 (القاعدة 218). (2) وهو " سحنون عبد السلام بن سعيد " الفقيه المالكى وغيره.

[ 349 ]

انكر إذا كان بينهما خلطة "! وفيه ان هذا حديث شاذ، مخالف لما رواه المحدثون من الخاصة والعامة في كتبهم، وقد عرفت ايراد الحديث بطرق متواترة أو كالمتواتر ليس في شئ منها هذا القيد، ولو كان لبان، وظهر ظهورا تاما لكثرة الابتلاء به. واستدلوا ايضا بانه لولا هذا الشرط لاجترأ السفهاء على ذوي المروات فادعوا عليهم بدعاوي فاضحات فان اجابوا افتضحوا، وان صالحوا على مال ذهب مالهم. وهذا اضعف من سابقه فانه معارض بانه لو اشترط الخلطة لضاعت حقوق كثيرة لانه كثيرا ما تكون الحقوق في غير ذوى لخلطة. هذا، مضافا إلى ما نرى في الخارج من العمل بالروايات المعروفة مع عدم وجود ما ذكره من المحذور، ولو فرض وقوع ذلك نادرا لا يكون مانعا عن الاخذ بالقواعد الكلية، فكم من قاعدة كلية يرد عليها في مثل هذه النقوض في موارد جزئية. وبالجملة هذا الشرط ضعيف في الغاية، ولذا التجأ بعضهم بالاستثناء من اعتبار الخلطة مواضع مثل الصانع والمتهم بالسرقة، والوديعة، والعارية، وغير ذلك. * * * 4 - هل المدار في المدعي والمنكر مصب الدعوى أو نتيجتها وغايتها؟ وقلما وقع البحث عنه في كلماتهم مع انه من الامور المبتلى بها في القضاء، وله امثلة كثيرة منها ما إذا تنازعا في ان العقد الواقع منهما كان بيعا أو هبة، فالمالك للمثمن يدعي كونه هبة، وغرضه امكان الرجوع فيه، لان الهبة جائزة، والاخذ يدعي كونه بيعا حتى يكون لازما. فان كان الملاك هو مصب الدعوى فلا شك انه من قبيل التداعي لان كل واحد منهما يدعي امرا مخالفا للاصل فكل منها مدع لامر ومنكر لما يدعيه الاخر

[ 350 ]

فرجع الامر إلى التحالف وشبهه، من احكام التداعي، واما ان كان بالنظر إلى النتيجة والغرض، فالمدعي للزوم العقد قوله موافق للاصل لان الاصل في العقود اللزوم، فيكون في الواقع منكرا، واما المدعي لكونه هبة فهو مدع لان قوله مخالف للاصل. هذا إذا لم يكن نزاع في العوض، واما لو كان المدعي للهبة ناظرا إلى نفي الثمن عن ذمته فقوله موافق لاصالة برائة ذمته فيكون منكرا واما مدعي البيع فهو يدعي شيئا في ذمة الطرف فهو مدع. إلى غير ذلك من الامثلة. والحق ان يقال ان المدار على مصب الدعوى لما عرفت من ان المعيار صدق عنوان المدعي والمنكر، أو المدعي والمدعى عليه، ومن المعلوم انه في المثال كل واحد منهما مدع، ولا يعتنى إلى مآل هذه الدعوى ونتيجتها، أو غرض طرفي الدعوى فليس على القاضي الا ملاحظة الصدق العرفي بما عرفت من معنى المدعي والمنكر بحسب ظاهر اللفظ وظاهر الحال وما يفهمه العرف من لفظهما، واما الاغراض فهي امور خارجة لا دخل لهما بهذا الامر (والله العالم بحقايق الامور).

[ 351 ]

17 - قاعدة تلف المبيع قبل قبضه (إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بايعه) * مستند القاعدة من الاجماع والاحاديث وبناء العقلاء * حكم النماآت الحاصلة بعد العقد وقبل التلف * إذا حصل التلف بفعل البايع أو المشتري * الحاق تلف الثمن بتلف المبيع وعدمه * هل القاعدة تختص بباب البيع أو تجرى في جميع المعاوضات

[ 353 ]

قاعدة تلف المبيع قبل قبضه من القواعد المشهورة في ابواب المعاملات قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه ومعناه كما سيأتي انشاء الله انفساخ البيع عند تلف المبيع قبل اقباض البايع للمشتري ووجوب رد الثمن إليه والكلام فيها في مقامات. * * * 1 - مستند القاعدة ويدل عليها امور الاول اتفاق اصحابنا عليه كما ادعاه العلامة في التذكرة حيث قال: " ولا خلاف عندنا في الضمان على البايع قبل القبض مطلقا، فلو تلف حينئذ انفسخ العقد وسقط الثمن، وبه قال الشافعي، واحمد في رواية وهو محكي عن الشعبي وربيعة، ولانه قبض مستحق بالعقد، فإذا تعذر انفسخ البيع، كما لو تفرقا قبل القبض في الصرف، وقال أبو حنيفة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من ضمان البايع الا العقار، وقال مالك إذا هلك المبيع قبل القبض لا يبطل البيع، ويكون من ضمان المشتري، الا ان يطالبه به، فلا يسلمه فيجب عليه قيمته للمشتري، وبه قال احمد واسحق لقوله عليه السلام " الخراج بالضمان " ونمائه للمشتري فضمانه عليه " (1).


(1) تذكرة الفقهاء المجلد الاول ص 473.

[ 354 ]

وقال شيخ الطائفة في الخلاف في المسألة 243 من كتاب البيوع: " إذا تلف المبيع قبل القبض للسلعة بطل العقد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك لا يبطل، دليلنا: انه إذا باع فانه يستحق الثمن إذا قبض المبيع، فإذا تلف تعذر عليه التسليم فلا يستحق العوض " (1). ولا تهافت بين الكلامين، فيما نقل عن ابي حنيفة من استثناء العقار في احدهما دون الاخر، لان هذه من فروع المسألة. وادعاه جماعة آخرون حتى ادعي في " الرياض " تواتر نقل الاجماع على المسألة حيث قال: فان تلف المبيع بعد ثبوته بانقضاء الثلاثة كان من مال البايع اجماعا تواترا نقله جدا (2). وقال في " مفتاح الكرامة " وإذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بايعه اجماعا، كما عن السرائر وكشف الرموز وجامع المقاصد والروضة ويتناوله اجماع الغنية (3). وحكى الاجماع أو دعوى عدم الخلاف في موضع آخر عن جماعة آخرين. وبالجملة المسألة غير خلافية عندنا، وان خالف فيه بعض فقهاء العامة كما عرفت، وان كان مجرد الاجماع في امثال هذه المسائل التي توجد فيها دلائل أخر غير كاف في اثبات المطلوب، ولكن مثل هذه الاجماعات يؤكد المقصود تأكيدا تاما. نعم قد يظهر من بعض ما حكى من المحقق الاردبيلي نوع ترديد في المسألة لولا الاجماع، حيث قال بعد كلام له في المسألة مماشاة للجماعة مانصه: " فتأمل


(1) الخلاف ج 2 ص 68. (2) الرياض ج 1 ص 526. (3) مفتاح الكرامة ج 4 ص 596.

[ 355 ]

فان الامر مشكل لكون الملك للمشتري مثلا قبل القبض في زمن الخيار على ما مر، وبعده، والبايع غير مقصر والقاعدة تقتضي كونه من ماله " (1). ولكن مثل هذا لا يعد خلافا في المسألة كما هو ظاهر. * * * 2 - السنة العمدة في دليل المسألة هي عدة روايات مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وأئمة اهل البيت عليهم السلام. 1 - منها: الرواية المعروفة عنه صلى الله عليه وآله " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه ". وهذه الرواية وان كانت مرسلة، ولم توجد في اكثر كتب الحديث منا ومن غيرنا، ولكنها مشهورة معروفة. نعم اخرجها في المستدرك عن غوالي اللئالي (2) ومن هنا قال في مفتاح الكرامة وضعف السند منجبر بعمل الكل، فقد طفحت عباراتهم بذلك في المقام وفي خيار التاخير (3). وقال الفقيه الماهر صاحب الجواهر (قدس سره) في المقام: للنبوي المنجبر بعمل الاصحاب كافة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " (4). ومن هنا يظهر ما في كلام صاحب الحدائق (قدس سره) في بعض حواشيه على كتاب الحدائق في المسألة حيث قال بعد نقل الرواية عن العلامة في التذكرة مانصه:


(1) حكى في الحدائق عنه في ج 19 ص 77. (2) المستدرك ج 2 ص 473 (ابواب الخيار الباب 9). (3) مفتاح الكرامة ج 4 ص 596. (4) الجواهر ج 23 ص 83.

[ 356 ]

" وهذا الخبر لم نقف عليه فيما وصل الينا من كتب الاخبار، ووجه الايهام فيه قوله " من مال بايعه "، فانه دال على خروج ذلك عن ملكه بالبيع، فليس معنى قوله " من ماله " الا باعتبار ضمانه مثله أو قيمته (1). وسيأتي الكلام فيما اشار إليه من وجه الايهام في الحديث. 2 - منها: ما رواه عقبة بن خالد عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل اشترى متاعا من رجل واوجبه غير انه ترك المتاع عنده ولم يقبضه قال آتيك غدا ان شاء الله، فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال من صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع، ويخرجه من بيته، فإذا اخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه (2). والرواية وان كانت ضعيفة لجهالة " عقبة بن خالد " وكذا الراوي عنه " محمد ابن عبد الله بن هلال " ولكن الذي يسهل الخطب عمل المشهور بها، بل قد عرفت ان مضمونها مما قد ادعى تواتر الاجماع عليه، ولذا قال في الرياض مشيرا إليه والى الرواية السابقة: " وقصورهما سندا منجبر بعمل الكل جدا، فهما بعد الاجماع مخرجان للحكم هنا عن مقتضى القاعدة المتقدمة القائلة بحصول الملكية بمجرد العقد المستلزم لكون التلف من المشتري " (3). وقال في مفتاح الكرامة مشيرا اليهما وضعف السند فيهما منجبر بعمل الكل فقد طفحت عباراتهم بذلك في المقام ومبحث خيار التاخير (4). 3 - ومنها ما رواه علي بن يقطين انه سأل ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يبيع البيع


(1) الحدائق ج 19 ص 76. (2) الوسائل ج 12 ابواب الخيار الباب 10 ح 1 ص 358. (3) الرياض ج 1 ص 528. (4) مفتاح الكرامة ج 4 ص 596.

[ 357 ]

ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن، قال فان الاجل بينهما ثلاثة ايام، فان قبض بيعه، والا فلا بيع بينهما (1). واستدل به السبزواري في الكفاية في كتاب البيع حيث قال: ولو تلف المبيع كان من مال البايع بعد الثلاثة بلا خلاف اعرفه، وقبل الثلاثة على الاشهر الاقرب لظاهر " صحيحة علي بن يقطين "، مؤيدا برواية عقبة بن خالد، وذهب المفيد والمرتضى وسلار ومن تبعهم إلى ان تلفه من المشتري نظرا إلى ثبوت الناقل من غير خيار (2). هذا والرواية وان كانت قوي السند ولكن الظاهر انه لا دلالة لها على ما نحن بصدده، فانه لا نرى فيها ما يدل على حكم التلف في ثلاثة ايام، بل السؤال والجواب عن حكم البيع عند عدم القبض والاقباض، من دون تعرض لحكم التلف، فإذا لا يبقى من الروايات الا الاوليات اللتان اشرنا اليهما آنفا. * * * بقى هنا شئ وهو ان ظاهر الخبرين الذين هما الاصل في المسألة: النبوي، ورواية عقبة بن خالد، ان التلف يتحقق في مال البايع، مع ان المالك ملك المشتري بحسب البيع الصحيح السابق، فمعنى هذا الكلام انه ينفسخ العقد آنا ما قبل التلف وينتقل المبيع إلى ملك البايع، والثمن إلى ملك المشتري، فيكون تلف المبيع من مال بايعه، واما ان الفسخ هل هو من حينه، أو من الاصل الذي تظهر ثمرته في النمائات المتخللة فهو امر آخر، سيأتي الكلام فيه، ولا دخل له بما نحن بصدده فعلا، وان كان يظهر من كلمات بعضهم انه وقع الخلط بينهما عنده. قال في مفتاح الكرامة: ومعنى كونه من مال بايعه انه ينفسخ العقد بتلفه من


(1) الوسائل ج 12 ابواب الخيار الباب 9 ح 3 ص 357. (2) كفاية الاحكام ص 92.

[ 358 ]

حينه، ويرجع الثمن إلى ملك المشتري، كما قد تشعر به رواية عقبة، وبه صرح في المبسوط وما تأخر عنه مما تعرض له فيه، فلو كان قد تجدد له نماء بعد العقد وقبل التلف فهو للمشتري - إلى ان قال - وحينئذ فيقدر دخوله في ملك البايع قبل التلف آنا ما ويكون التلف كاشفا عنه (1). وقال في " التذكرة ": إذا انفسخ العقد كان المبيع تالفا على ملك البايع فلو كان عبدا كان مؤنة تجهيزه عليه، وبه قال الشافعي، وهل يقدر انه ينتقل الملك إليه قبيل التلف، أو يبطل العقد من اصله؟ فيه احتمالان، واصح وجهي الشافعية الاول (2). وقد عرفت ان كون الفسخ من اصله أو من حينه لا ربط له بما نحن بصدده، والمقصود هنا انه يقع الفسخ على كل حال قبل التلف آنا ما، اما من اصله أو من حينه فينتقل المال إلى البايع فيكون التلف في ملكه، وهل يترتب عليه سائر آثار الملك مثل ما ذكره العلامة في عبارته السابقة عن التذكرة من كون مؤنة تجهيز العبد التالف على مالكه أو يكون ثمرة انتقال المال إلى البايع كون تلفه من ماله لا غير، فيه وجهان والقدر المتيقن الثاني وظاهر اطلاق الحديث الاول فتأمل. إلى غير ذلك مما ورد في كلماتهم في هذا المجال، ونختم هذا البحث بما ذكره الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: " المراد انه ينفسخ العقد بتلفه من حينه ويرجع الثمن إلى ملك المشتري، فلو كان قد تجدد له نماء بعد العقد وقبل التلف فهو للمشتري، وليس للمشتري مطالبة البايع بالمثل أو القيمة، وان كان الحكم بكونه من مال البايع يوهم ذلك، وانما عبروا بذلك تبعا للنص، والمراد منه ما ذكرناه وحينئذ يقدر دخوله في ملك البايع قبل التلف آنا ما، فيكون التلف كاشفا عنه " (3).


(1) مفتاح الكرامة ج 4 ص 596. (2) التذكرة ج 1 ص 474. (3) المسالك ج 1 ص 181.

[ 359 ]

وكلامه جيد بالنسبة إلى ما هو المقصود، اعني معنى كون التلف من مال البايع ولكن يرد عليه اولا ان مسألة كون الفسخ من حينه أو من اصله لا دخل له بما نحن فيه والخلط بين المسئلتين غير جايز، وثانيا قوله ان النص يوهم جواز مطالبة البايع بالمثل أو القيمة غير صحيح، بل ظاهر هذا التعبير هو انفساخ البيع فتدبر. * * * 3 - بناء العقلاء في القاعدة قد يدعى ان هذه القاعدة مقبولة عند العقلاء، وان بنائهم على انفساخ العقد لو وقع التلف قبل القبض، وانه يرجع الثمن إلى المشتري، وان الوجه فيه ان قوام المعاملة عندهم بالقبض والاقباض، وان كان انشاء العقد والمبادلة بين المالين قبل ذلك كثيرا، فإذا سقط المثمن عن قابلية القبض والاقباض وكونه بدلا عن الثمن، فتنفسخ المعاملة قهرا، فيذهب من كيس صاحبه قبل المعاوضة. هذا ولكن كون بنائهم عليه غير ثابت، والاستدلال الذي ذكر غير كاف في اثبات المقصود، وان شئت اختبر المسألة فيما إذا ادى المشتري الثمن ولم يقبض المتاع بتأخير من البايع، (مع كون البيع شخصيا) لبعض الموانع، ثم ارتفع قيمة المتاع بعد ذلك فتلف عنده من دون ان يكون العين امانة عنده، فكون البايع ضامنا للثمن فقط دون المتاع الذي ارتفعت قيمته اول الكلام. وبالجملة لو ثبت بناؤهم على ذلك في بعض الموارد فهو غير ثابت في الجميع بل يمكن ان يكون بناؤهم في بعض الموارد من باب عدم تفاوت قيمة المتاع عن الثمن الذي اعطاه. فالعمدة في المسألة ما عرفت من روايات الباب المؤيدة باجماع الاصحاب.

[ 360 ]

تنبيهات القاعدة الاول: في حكم النماءات الحاصلة بعد العقد وقبل التلف قال في الجواهر: " كيف كان فالنماء بعد العقد قبل التلف للمشتري، كما في المسالك وغيرها، بل قيل انه يظهر منه دعوى الوفاق عليه، لانه نماء ملكه فالقاعدة واستصحاب الحالة السابقة يقضيان بان الفسخ من حينه، فاحتمال كون الفسخ من الاصل كما عن التذكرة ضعيف، لكن في الرياض انه ينافي الفسخ من حينه ظاهر النص وفتوى الجماعة فيحتاج إلى تقدير دخوله في ملك البايع آنا ما ويكون التلف كاشفا ". ثم قال: " قلت: قد لا يحتاج إلى هذا التقدير ويكون المراد من النص والفتوى ان حكم هذا التالف حكم مالو كان مالا للبايع أي لا يستحق بالعقد ثمنا على المشتري " (1). وقال في مفتاح الكرامة: " ومعنى كونه من مال بايعه انه ينفسخ بتلفه من حينه ويرجع الثمن إلى ملك المشتري كما قد تشعر به رواية عقبة، وبه صرح في المبسوط، وما تأخر عنه، مما تعرض له فيه، فلو كان قد تجدد له نماء بعد العقد وقبل التلف فهو للمشتري، كما هو مقتضى القاعدة واستصحاب الحالة السابقة، وظاهرهم انه لا خلاف فيه وان كان ظاهر النص والفتوى قد ينافيه لكنهم تأولوهما بما تسمعه (2). والمسألة مبنية على ما عرفت من كون الفسخ من حين التلف أو من اصله، فلو كان من حين التلف فلا شك في ان النماءات ملك للمشتري، لان المفروض بقاء المتاع على ملكه إلى حين التلف والا كان للمالك.


(1) الجواهر ج 23 ص 84. (2) مفتاح الكرامة ج 4 ص 596.

[ 361 ]

ويقرب منه ما ذكره في الرياض: " هل النماء بعد العقد قبل التلف بالافة للمشتري أو البايع وجهان مبنيان على ان التلف هل هو امارة الفسخ للعقد من حينه أو من اصله؟ ظاهر المسالك وغيره الاول مشعرا بدعوى الوفاق عليه، وهو مقتضى القاعدة واستصحاب الحالة السابقة، لكن ينافيه ظاهر النص والعبارة كعبارات الجماعة فحيتاج إلى تقدير دخوله في ملك البايع آنا ما ويكون التلف كاشفا عنه (1). وقال السبزواري في الكفاية: " إذا حصل للمبيع النماء كالنتاج وثمرة النخل كان ذلك للمشتري، قالوا فان تلف الاصل سقط الثمن عن المشتري، وله النماء، وهذا مبني على ان التلف انما يبطل البيع من حينه " (2). وحيث قد عرفت انه لا طريق لنا إلى الحكم في المسألة الا من طريق روايات الباب، فاللازم ملاحظة مفادها، نعم لو وصل الامر إلى الشك فالقاعدة تقتضي كونها للمشتري لان الملك كان ملكه، بمقتضى العقد فالنماءات له، فما لم يقم دليل على خلافه فاللازم الحاق المنافع به. فنقول: اما قوله صلى الله عليه وآله " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " فلا دلالة فيه على شئ من الامرين، وكونه من مال البايع لا دلالة على ان الفسخ من اصله، بل لعله بمعنى انه بحكم مال البايع، أو انه يقع الفسخ قبل التلف آنا ما، فيعود الملك إلى البايع ويكون التلف من ملكه، فلا دلالة لها على شئ. وكذلك قول الصادق عليه السلام في رواية عقبة بن خالد بعد السؤال من ان المتاع إذا سرق من مال من يكون؟ قال: " من صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ". وبالجملة لا يظهر من روايات المسألة بالنسبة إلى النماءات شئ وقد عرفت


(1) الرياض ج 1 ص 528. (2) الكفاية ص 96.

[ 362 ]

ان القاعدة تقتضي كونها للمشتري. نعم لو دلت رواية " علي بن يقطين " على القاعدة كان قوله " والا فلا بيع بينهما " ظاهرا في الفسخ من اصله ولكن قد عرفت عدم دلالتها على المطلوب. * * * الثاني: إذا حصل التلف بفعل البايع أو المشتري ظاهر كلام غير واحد منهم في عنوان المسألة من تقييده بتلف سماوي ان هذا الحكم لا يجري إذا حصل الاتلاف من البايع أو المشتري أو اجنبي، وهو كذلك لقصور النص عن شمول مسألة الاتلاف، لان العنوان فيه هو التلف، فاللازم الرجوع إلى مقتضى القاعدة، ومن الواضح ان مقتضاها كون المتلف ضامنا للمثل أو القيمة، إذا كان المتلف البايع أو الاجنبي، لان المبيع دخل في ملك المشتري بمجرد انشاء البيع، ولا يكون القبض والاقباض شرطا هنا. واما لو كان الاتلاف من المشتري فالظاهر انه بحكم قبض المتاع، لانه هو الذي اخرجه من قابلية القبض والاقباض، وقد ادعى عدم الخلاف في ذلك لانه قد ضمن ماله باتلافه. * * * الثالث: الحاق تلف الثمن قبل قبضه بتلف المبيع وقع الكلام بينهم في اختصاص هذه القاعدة بالمبيع أو لشمولها للثمن أيضا. ظاهر كلام غير واحد منهم العموم، بل قد يدعى عدم الخلاف فيه، بل قد يشعر بعض كلماتهم بالاجماع. قال في مفتاح الكرامة: " ثم ان ظاهر العبارات في البابين ومقتضى الاصل وظاهر النبوي ان تلف

[ 363 ]

ثمن المعين قبل قبضه يكون من مال البايع، لانه صار ماله بالعقد على عينه، لكن ظاهر مجمع البرهان انه كالمبيع وانه لا خلاف فيه، قلت: قد صرحوا بذلك في باب الشفعة، بل ظاهرهم هناك الاتفاق على ذلك من دون تأمل ولا اشكال، وقال في مجمع البرهان ان في خبر عقبة ايماء إلى التعميم في البايع والمشتري ويمكن ارادة المشتري من البايع في النبوي فانه لغة يطلق عليهما ولا يضر عدم صحة السند لعدم الخلاف في العمل والقبول على الظاهر " انتهى (1). وقال في الرياض: " ان مقتضى الاصل واختصاص ظاهر الفتاوى والنص بالبيع كون الحكم في تلف الثمن تلفه من مال البايع لانه صار بالعقد ماله، فيجب ان يكون التلف منه، الا ان ظاهر بعض الاصحاب الحاقه بالاول، مشعرا بدعوى الوفاق عليه، وعلى ارادته من المبيع، وارادة المشتري من البايع، التفاقا إلى صدقهما عليهما لغة " (2). هذا ولكن لا ينبغي الاشكال في ان مقتضى انتقال الثمن بمجرد العقد إلى ملك البايع انه إذا تلف تلف من ملكه، ومن يدعي كونه من ملك المشتري لابد له من اقامة الدليل على انفساخ العقد آنا ما من حينه أو من اصله، وبدون اقامة الدليل لا يمكن المصير إليه. وغاية ما يستدل به للعموم، فيما عرفت من كلماتهم وغيرها امور: 1 - شمول النبوي " كل بيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " للبايع والمشتري والثمن والمثمن بناءا على صدق هذا العنوان على كليهما كما اشار إليه غير واحد منهم. ولكن الانصاف انه مخالف للظاهر جدا، لا يمكن المصير إليه من دون قرينة.


(1) مفتاح الكرامة ج 4 ص 597. (2) الرياض ج 1 ص 528.

[ 364 ]

2 - شمول رواية " عقبة بن خالد " له فان قوله عليه السلام في ذيل الرواية " فإذا اخرجه من بيته (اي اقبض البايع المتاع) فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه " ان المشتري ضامن للثمن بعد قبض المثمن. واورد عليه بامور: احدهما - ان الرواية " عقبة " انما تدل بعد القبض. ثانيها - انه يمكن حملها على كون الثمن كليا كما هو الغالب، والضمان اعم من الانفساخ الحاصل بتلف المبيع. ثالثها - انه لا جابر لهذه الرواية الضعيفة بالنسبة إلى ذلك (وان تمت دلالتها بالنسبة إلى المبيع لانجبارها كما عرفت) " انتهى " (1). هذا ولكن العمدة من اشكالاته هو الاشكال الاول لان كون الثمن كليا خلاف ظاهر الحديث جدا، لانه لا معنى حينئذ لضمان المشتري لحق البايع حتى يرد ماله إليه، فان هذا كالصريح في كون الثمن شخصيا، بل لا يتصور التلف في الثمن الكلي، وكذا التفكيك في العمل بين الفقرتين مشكل بل قد يظهر منهم العمل بهما كما عرفت. ولكن هنا " اشكال آخر " يرد على الاستدلال بالرواية وهو ان كون المشتري ضامنا لحق البايع حتى يرد ماله إليه لا يدل على كون تلف الثمن من ماله، ليكون ملازما للفسخ من حينه أو من الاصل، بل لعل الضمان هنا انما هو بالمثل أو القيمة، والوجه فيه عدم العذر للمشتري بعد قبض المتاع في تأخير اداء الثمن. فالاستدلال بهذه الرواية ايضا ضعيف. 3 - " الغاء الخصوصية " عن حكم المثمن وتنقيح المناط فيه، بان يقال: ان العلة لانفساخ البيع انما هو عدم استحكامه قبل القبض، وهذا امر مشترك بين الثمن والمثمن، والانصاف ان هذا ايضا تخرص على الغيب، وقول بلا دليل.


(1) جواهر الكلام ج 23 ص 85.

[ 365 ]

نعم قد يقال ان المسألة عقلائية ولا فرق عندهم بين الثمن والمثمن في ذلك ولكن قد عرفت عدم ثبوت هذه الدعوى، فإذا لا يسعنا الحاق الثمن بالمثمن، فيبقى الحكم على الاصل، وهو كون تلفه من مال البايع إذا لم يكن من ناحية المشتري تقصير، والا فهو ضامن له بمثله أو قيمته (والله العالم). * * * 4 - هل القاعدة تختص بباب البيع أو تشمل ساير المعاوضات ايضا؟ لم نر في كلماتهم ذكرا له الا نادرا وادلة المسألة ايضا خاصة بالبيع من دون فرق بين النبوي المشهور وما رواه عقبة بن خالد، والاجماع. نعم ذكر شيخنا الاعظم في مكاسبه: انهم ذكروا في الاجارة والصداق وعوض الخلع ضمانها لو تلف قبل القبض، لكن ثبوت الحكم عموما مسكوت في كلماتهم، الا انه يظهر من بعض مواضع التذكرة عموم الحكم لجميع المعاوضات. وعلى كل حال لا دليل على التعميم وما قد يقال ان مدرك المسألة هو بناء العقلاء وهو عام قد عرفت ما فيه. نعم بالنسبة إلى العقود القائمة بالمنافع (مثل الاجارة) إذا تلف العين المستأجرة فلا شك في بطلان الاجارة وكذا إذا كانت العين باقية، ولكن تلف المنافع قبل قبضها لمانع حصل من القبض، كوقوع العين في معركة القتال، أو في وسط السيل، أو غير ذلك، فلا يبعد الحكم بالانفساخ لبناء العقلاء عليه في خصوص هذه الموارد، ولكن مع ذلك لا يمكن استفادة الحكم منها كليا فتأمل.

[ 367 ]

18 - قاعدة تبعية العقود للقصود (العقود تابعة للقصود) * محتوى القاعدة * ما ذكر في مدركها مما لا يعتمد عليه * العمدة في مستند القاعدة * القصد انما يعتبر في موضوع العقد لا في حكمه * التبعية انما هي في الحدوث لا في البقاء * التبعية انما هي في مقام الثبوت لا الاثبات * النقوض التي اوردت على القاعدة والجواب عن جميعها

[ 369 ]

من القواعد المعروفة المتداولة بين اصحابنا رضوان الله عليهم هو قاعدة تبعية العقود للقصود. وهذه القاعدة على اجمالها مجمع عليها بين الاصحاب، بل بين علماء الاسلام جميعا، بل وغيرهم من العقلاء في كل عرف وزمان، فهم باجمعهم قائلون بتبعية العقود، بل الايقاعات ايضا، لما يقصده العاقدون، فلا اشكال في شئ من ذلك، وانما الكلام في بعض خصوصيات المسألة وما يتصور انه كالاستثناء بالنسبة إليها فهو العمدة والمقصود في هذا الباب. * * * والكلام هنا يقع في مقامات: الاول في محتوى القاعدة ذكر " في العناوين ": " ان هذه القاعدة محتملة لامرين ليس بينهما منع جمع: احدهما: ان العقد تابع للقصد، بمعنى انه لا يتحقق الا بالقصد، كما ذكره الفقهاء في شرائط العقود، مع الشرائط الاخر، بمعنى انه لا عبرة بعقد الغافل والنائم والناسي والغالط والهازل والسكران، فيكون معنى التبعية عدم تحققه بدونه إذ لا وجود للتابع بدون متبوعه.

[ 370 ]

ثانيهما: ان العقد تابع للقصد بمعنى ان العقد يحتاج إلى موجب وقابل، وعوض ومعوض، وبعد حصول هذه الاركان لكل عقد اثر خاص " (انتهى). ولكن الظاهر ان المراد من هذه القاعدة معنى ثالث، وحاصله انه بعد الفراغ عن لزوم القصد في العقود بما ذكر في محله من الدليل، ان ما يتحقق في الخارج من حيث نوع العقد وكمه، وكيفه، وشرائطه، وغير ذلك من خصوصياته، تابع للقصد فلو قصد النكاح وقع نكاحا، ولو قصد العارية وقعت عارية، ولو قصد هبة كانت هبة، كما انه لو قصد على امرأة معينة بصداق معين واجل وشروط وغير ذلك كل هذه الامور تابعة لقصد الموجب والقابل، فهذا هو المراد بتبعية العقود للقصود واما مسألة اعتبار القصد في مقابل الهازل والغالط وغيرهما فهو امر آخر. وبعبارة اخرى حاجة العقد في تحققه إلى القصد امر وتبعيته في اصوله وفروعه للقصد امر آخر، كما يعرف بمراجعة كلام الاصحاب عند الاستدلال بهذه القاعدة وتنبه له صاحب العناوين وغيره ايضا في سائر كلماتهم في المقام. ومن هنا يعلم انه لا يتفاوت فيه بين البيع والنكاح والعقود اللازمة والجائرة، بل الايقاعات ايضا كذلك، فلو طلق امرأة خاصة أو وقف شيئا (بناء على كون الوقف من الايقاعات) كان تابعا لقصد الموقع من جهة خصوصياتها. بل الظاهر ان هذه القاعدة لها مفهوم ومنطوق فكل ما قصده يقع، وكل ما لم يقصده فهو غير واقع، ومن هنا اشتهر بينهم في موارد الحكم بابطال عقد لم يتحقق مضمونه، بل تحقق غيره بدعوى الخصم، " ان ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، فهذه القضية صحيحة من الجانبين، فمقتضى القاعدة ان ما يقصده المتعاقدان يقع في الخارج كما ان مقتضى القاعدة انه لا يقع ما لم يقصداه فلو ادعى مدع خلافهما كان محجوجا بالقاعدة. * * *

[ 371 ]

الثاني - مدرك قاعدة تبعية العقود للقصود قد يتمسك لها بالاجماع، وبأن الاصل في العقود الفساد، الا ما خرج بالدليل ويظهر الاستناد إلى هذين من المحقق النراقي في عوائده، وصاحب العناوين في عناوينه، وبعض من تأخر عنهما، وان استدلوا ايضا ببعض ما سنتكلم فيه ان شاء الله. ولكن الانصاف ان شيئا منهما غير تام لان دعوى الاجماع في هذه المسائل التي فيه مدارك اخر معتبرة يمكن استناد المجمعين إليها غير مفيد كما عرفت مرارا. بل هذه القاعدة لا زالت معروفة حتى قبل الاسلام، ولما جاء الاسلام امضاها فليست قضية تعبدية متخذة من النبي صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين عليهم السلام. بل لا حاجة إلى الاصل هنا، لانه في مورد الشك، ومن المعلوم انه لا شك في تبعية العقد للقصد، فإذا كان في المسألة دليلا عمليا قطعيا لا معنى للرجوع إلى الاصول. كما ان الاستدلال عليها بان " الاعمال بالنيات " و " لا عمل الا بالنية " كما عن بعضهم ايضا فاسد. قال في العناوين: " ويمكن ان يتمسك في هذه المقام بمثل قول لا عمل الا بالنية وانما الاعمال بالنيات، فان ظاهر الروايتين ان ماهية العمل من دون نية غير متحققة فاما ان يحمل على معناه الحقيقي الظاهر، وتكون الاعمال التي تتحقق بغير قصد خارجة عن العموم، واما ان يحمل على نفي الصحة، لانه اقرب المجازات، فيكون المراد عدم الصحة الا بالنية، ولا ريب ان عموم الاعمال يشمل العقود والايقاعات ايضا، فيدل على انها لا تصح بدون القصد (انتهى موضع الحاجة). ويرد عليه ان الاعمال في هذه الاحاديث عام لا تختص بالامور القصدية، بل تشمل العبادات بالمعنى الاخص والاعم، وكما تشمل الصلوة والزكاة كذلك الجهاد وسائر الواجبات والمستحبات، بل سيأتي ان بعض هذه الاحاديث ورد في مورد

[ 372 ]

الجهاد وان كان مفهومه عاما. وحينئذ الظاهر ان المراد منها هو تبعية ثواب العمل بنية القربة والاخلاص، فلو اخلص نيته كان عمله لابتغاء وجه ربه كان له اجره، ولو عمل لا لابتغاء وجه الله كان العمل تابعا لنيته لا يترتب عليه اي اجر الهي. ويشهد لذلك مارووه عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث قال: " انما الاعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن غزى ابتغاء ما عند الله فقد وقع اجره على الله عزوجل، ومن غزى يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له الا ما نوى " (1)! وروى في المجالس صدر هذا الحديث هكذا: ان رسول الله صلى الله عليه وآله اغزى عليا عليه السلام في سرية فقال علي عليه السلام لعلنا نصيب خادما أو دابة أو شيئا يتبلغ به فبلغ النبي صلى الله عليه وآله قوله فقال: انما الاعمال بالنيات (2).. ويشهد له ايضا ما رواه أبو عثمان العبدي عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام: " قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا قول الا بعمل ونية، ولا قول وعمل الا بنية (3). وكذا ما رواه انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يقبل قول الا بالعمل، ولا يقبل قول وعمل الا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية الا باصابة السنة (4). فان التعبير بعدم القبول ظاهر فيما ذكرنا من عدم الاجر. وبالجملة احاديث النية التي مرت الاشارة إليها انما هي ناظرة إلى القبول الالهي، وترتب الثواب، ومسألة الاخلاص ولا دخل لها بتبعية المعاملات للقصود. وتلخص ان شيئا من ذلك لا دخل له بهذه القاعدة، بل العمدة فيها بعد بناء العقلاء باجمعهم عليه امر آخر وهى:


(1 و 2) الوسائل ج 1 ابواب مقدمات العبادات الباب 5 الحديث 10. (3) الوسائل ج 1 ابواب مقدمات العبادات الباب 5 الحديث 4. (4) المستدرك ج 1 ابواب مقدمة العبادات الباب 5 الحديث 3.

[ 373 ]

ان العقود والايقاعات امور قصدية، بل القصد قوامها، وداخل في هويتها، وبعبارة اوضح حقيقة العقود والايقاعات امور اعتبارية انشائية، ومن الواضح ان الانشاء والاعتبار قائم بقصد المعتبر، وهو كالايجاد في عالم التكوين، فكما ان الخالق تعالى شأنه يوجد الاشياء بارادته، وإذا اراد شيئا فانما يقول له كن فيكون فكذلك المعتبر في عالم الاعتبار، فهو بحول الله وقوته يعتبر الامور الاعتبارية وينشأها فلولا القصد لم يكن منها عين ولا اثر. اضف إلى ذلك ان العقد، هو " الالزام " و " الالتزام " وماهية الالتزام هو قبول شئ وجعله في عهدته وهل يمكن قبول شئ بلا قصد؟ فقد ظهر مما ذكرنا انا لا نحتاج في هذه المسألة إلى التمسك بالاصل، لان الاصل انما يحتاج إليه في موارد الشك وليس هناك شك لانه لا يتصور وجود العقد بدون القصد، وكذلك كيفيتها واركانها وشرائطها تتبع القصود، لان شيئا يكون قوامه بالقصد جميع خصوصياته ايضا تنشأ منه لا محالة، فتمسك بعض الاعيان باصالة الفساد هنا لم يظهر له وجه. كما قد ظهر ايضا انه لا يمكن التمسك في هذه المسألة بالاجماع، لانه ليست قضية متخذة من الائمة الطاهرين عليهم السلام بل هو مبني على بناء العقلاء بل مقتضى حكم العقل الممضاة من قبل الشارع المقدس. كما ان الاستدلال عليه بان الاعمال بالنيات أيضا اجنبي عن موضوع البحث لما اشرنا إليه آنفا. وبالجملة هذه المسألة اوضح من ان تحتاج إلى مزيد بحث بعد وضوح قيام العقود في وجودها وهويتها وذاتها بالقصد.

[ 374 ]

تنبيهات: الاول: الحاجة إلى القصد انما هو في موضوع العقد لا في حكمه قد ظهر مما ذكرنا ان العقود تتبع القصود في تحقق موضوعها، لا في اصل العقد فقط، بل في جميع اركانها وشرائطها وخصوصياتها، فالبيع يتبع القصد في اصله، وفي المتعاقدين، والثمن والمثمن، وما يتبعها من الشروط، وكما ان وقوع عقد بعنوان البيع أو الهبة يتبع القصد فكذلك وقوعها لزيد أو لعمرو، وعلى هذا العين أو ذاك العين، ومع هذا الشرط أو غيره، من الشرائط كلها تتبع القصود لعين ما مر من الدليل. ولكن إذا تحقق الموضوع تترتب احكامه عليه سواءا قصدها، ام لم يقصدها مثلا حكم الشرع بخيار المجلس والعيب والحيوان وغيرها، وكذلك حكمه بلزوم الارش في بعض الموارد، وكون ضمان المثمن على البايع قبل اقباضه وغير ذلك من الاحكام لا تترتب على قصد المتبايعين لها، بل لو كانوا جاهلين بهذه الاحكام أو عالمين بخلافها تترتب عليها بلا ريب. وكذلك إذا لم يعلم الزوج احكام النفقة، والزوجة مثلا بعدم جواز خروجها عن بيتها من دون اذن زوجها وكذا احكام الارث وغيرها لزمهما هذه الاحكام من دون حاجة إلى قصدها. والسر في جميع ذلك ان الحاجة إلى القصد انما هو في قوام العقد وتحققه، واما الاحكام فهي امور اخر ترتبط بالشارع وارادته، ولا دخل لقصد العاقد فيها ابدا والامر واضح. * * * 2 - العقود انما تتبع القصود حدوثا لا بقاءا قد عرفت ان العمدة في قاعدة تبعية العقود للقصود انما هو من ناحية تقومها

[ 375 ]

بالاعتبار والانشاء والقصد، ومن الواضح ان قوامها بها انما هو في حدوثها، فإذا تحقق الانشاء والاعتبار، وجد العقد بخصوصياته في عالم الاعتبار، فكان له وجود اعتباري في هذا الوعاء، كوجود الاشياء الخارجية بعد تحققها. ولكن بينهما فرق ظاهر فان الاشياء في عالم التكوين كما تحتاج إلى خالقها وباريها حدوثا، تحتاج إليها بقاءا، على ما هو التحقيق في محله من حاجة الممكن إلى الواجب في جميع شراشر وجوده، وفي جميع عمره، لانها بذاتها وجودات ربطية ومتدليات بذاته تعالى، فلو انقطع فيض الوجود فيها آنا ما انعدمت باجمعها، ولكن الامور الاعتبارية إذا حدثت من ناحية المتعاقدين غير محتاجة اليهما في بقائها، بل لو قصدا الخلاف بقاءا لم يؤثر شيئا الا في موارد لهما حق الفسخ والخيار. وان شئت قلت حدوثها بيد المتعاقدين وبقائها انما هو باعتبار العقلاء، وفانهم يعتبرون بقائها وان قصدا المتعاقدان خلافه. وهذا ايضا مما لا يحتاج إلى مزيد بحث. * * * الثالث - تبعية العقود للقصود انما هو في مقام الثبوت لا الاثبات مقتضى ما عرفت من الدليل في هذا الباب ان التبعية انما هي تبعية ثبوتية، لان تقوم العقد بالقصد والاعتبار انما هو بحسب نفس الامر والواقع، واما لو ادعى البايع أو المشتري أو غيرهما انه قصد كذا وكذا لا يقبل منهما الا ما وافق ظاهر اللفظ، فلو كان ظاهر اللفظ أو صريحه، أو مقتضى اطلاقه بمقدمات الحكمة، أو ما ينصرف إليه شيئا، وادعى احدهما غيره، لا يقبل منه، لان طريق الوصول إلى القصود في مقام الاثبات انما هو ظواهر الالفاظ المعتبرة عند اهل العرف والعقلاء، التي امضاها الشرع، فمن ادعى خلافها فعليه الاثبات واقامة الدليل، ولو لم يأت بشئ يؤخذ بظاهر لفظه، ويكون حجة عليه شرعا، فالطريق الوحيد للوصول إلى المقاصد عند وقوع

[ 376 ]

الخلاف فيها انما هو هذه الظواهر لا غير. نعم إذا كان المعنى مما لا يعلم الا من قبل القاصد له فلا محيص عن قبول قوله كما إذا كان وكيلا عن شخصين في بيع أو شراء أو نكاح أو اجارة أو غيرها، ثم انشأ العقد على شئ فادعى انه قصد هذا الموكل أو ذاك، فلا شك في قبول قوله، لانه من قبيل ما لا يعلم الا من قبله فلا يعتنى بدعوى احد الوكلين بانه كان مقصودا بالمعاملة أو كان غيره مقصودا، بل المدار على قول الوكيل. * * * الرابع - النقوض التى اوردت على هذه القاعدة: وقد يورد على القاعدة نقوض كثيرة لابد من التأمل فيها وانها استثنائات من القاعدة - فان باب الاستثناء والتخصيص واسع، ولا يمتنع في الشرع أو العقل الزام انسان بشئ لم يقصده لمصالح خاصة - أو انها بظاهرها استثنائات ولكنها في الواقع من قبيل التخصص والخروج موضوعا أو اصل النقض باطل والقاعدة باقية على عموما؟ وهي امور: 1 - بيع الغاصب لنفسه - فان المشهور كما حكى عنهم صحته ووقوع المعاملة للمالك بعد اجازته مع انه قصد البيع لنفسه، فما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد. قال في " العناوين " قد ذكر بعض الفقهاء منهم المحقق، انه لو دفع المشتري عين مال لغيره ثمنا عن مبيع وقصد الشراء لنفسه، أو دفع البايع عين مبيع لغيره وقصد البيع وتملك الثمن لنفسه... فانه يصير المعاوضة على مالكي العوضين، دون ذلك الغير المقصود. ثم قال: وعلله المحقق الثاني بان قاعدة المعاوضة انتقال كل من العوضين إلى مالك عوض الاخر، لا إلى غيره، والا فخرج عن كونه معاوضة.

[ 377 ]

ثم اجاب هو نفسه عن هذا الاشكال بوجوه خمسة جلها أو كلها مما لا يروى الغليل (1). والعمدة في الجواب ان يقال: لا شك ان حقيقة المعاوضة دخول كل من العوضين في ملك مالك الاخر، والغاصب انما يقصد ملك العوض لنفسه بعد دعوى كونه مالكا للمعوض، فبالملكية الادعائية الحاصلة من سلطته على العين غصبا يرى نفسه مالكا، ثم يقصد المبيع لنفسه، ففي الحقيقة انه يقصد وقوع البيع لمالك العين، ولكن حيث يرى نفسه مصداقا للمالك، يقصد البيع لنفسه فهو من بعض الجهات يشبه الخطأ في التطبيق. ومن هنا يظهر انه ليس هذا نقضا على القاعدة ولا استثنائا منها. ولمسألة بيع الغاصب الفضولي جهات اخر من البحث ليس هنا موضع ذكرها * * * 2 - وقد نوقضت ايضا بعقد المكره بعد لحوق الرضا فان المشهور بين المتأخرين انه لو رضى المكره بما فعله صح العقد، بل عن الرياض تبعا للحدائق ان عليه اتفاقهم، مع ان المكره غير قاصد لمضمون العقد والرضا اللاحق ليس عقدا جديدا، فما وقع لم يقصده. وبعبارة اخرى المكره كالهازل قاصد للفظ دون المعنى، فكيف يصح عقده بلحوق الرضا، مع انه لا يصح عقد الهازل وان رضي بعد ذلك واجاز. والعمدة في الجواب عنه كما ذكره غير واحد من المحققين: ان عقد المكره لا يخلو عن القصد، بل هو قاصد للفظ والمعنى كليهما، وان كان عقده خاليا عن الرضا، وبالجملة يعتبر في صحة العقد امران: الانشاء الجدي، والرضا بمفاده، وهما ما ذكره تعالى في قوله " تجارة عن تراض " والركن الاول موجود في عقد المكره،


(1) العناوين ص 196.

[ 378 ]

وانما المفقود هو الثاني فإذا تحقق تم الامران، وحيث لا يعتبر التقارن بين الانشاء والرضا يكفي لحوق الرضا لعقد المكره، ولكن عقد الهازل ليس كذلك بل المفقود فيه كلا الركنين، وبالرضا اللاحق يتم احدهما ولكن انشاء العقد لم يحصل بعد. * * * 3 - وقد اورد عليها ايضا بالمعاطاة على القول بالاباحة أيضا لان المتعاطين قصدا الملك، فما قصداه لم يقع وما وقع لم يقصداه. قال شيخنا الاعظم: ذكر بعض الاساطين في شرحه على القواعد في مقام الاستبعاد ان القول بالاباحة المجردة مع قصد المتعاطين التمليك والبيع مستلزم لتأسيس قواعد جديدة، منها ان العقود وما قام مقامها لا تتبع القصود (انتهى) (1). واجاب الشيخ قدس سره بما حاصله: ان حكاية تبعية العقود وما قام مقامها للقصود ففيها ان المعاطاة ليست عند القائل بالاباحة من العقود ولا من القائم مقامها شرعا، فان تبعية العقد للقصد وعدم انفكاكه عنه انما هو لاجل دليل صحة ذلك العقد بمعنى ترتب الاثر المقصود عليه، فلا يعقل حينئذ الحكم بالصحة مع عدم ترتب الاثر المقصود عليه، اما المعاملات الفعلية التي لم يدل على صحتها دليل فلا يحكم بترتب الاثر المقصود عليها، نعم إذا دل الدليل على ترتب الاثر عليه حكم به وان لم يكن مقصودا (2). وحاصل ما ذكره ان المعاطاة على هذا القول ليس عقدا والاباحة ليست اباحة مالكية بل اباحة شرعية بدليل خاص. هذا ولكن ما ذكره لا يخلو عن بعد، وكيف يمكن القول بان المالكين لم يقصدا اباحة، ولكن الشارع الزمهما بها رغما لانفسهما؟! ولم لا يقال على هذا القول: بان المالك يقصد في المعاطاة امرين: التمليك


(1 و 2) المكاسب ص 84.

[ 379 ]

والاباحة، فإذا لم يتحقق التمليك لمنع شرعي تتحقق الاباحة، والاباحة وان كانت متفرعة على الملك، ولكن السيرة اقتضت باستقلالها هنا ولو خلت عن التمليك، فان الغرض في المعاطاة نهائيا تسلط كل واحد من المالكين على ملك الاخر والانتفاع به. هذا غاية ما يمكن ان يقال في تصحيح هذا القول ولكن الامر سهل بعد فساد هذا القول من اصله (اعني القول بكون المعاطاة موجبة للاباحة) بل الحق في المعاطاة الملكية بل اللزوم ايضا!. * * * 4 - واورد عليها ايضا بالنقض بقاعدة ضمان تلف المبيع قبل قبضه، فانه على بايعه بمعنى ان المعاملة قبل تلف المبيع آنا ما تنفسخ من حينه أو من الاصل ويعود كل من الثمن والمثمن إلى ملك صاحبه، فيكون تلف المبيع من ملك البايع وهذا امر لم يقصداه. وفيه اشكال واضح وهو انك قد عرفت ان القصد انما يعتبر في اركان المعاملة وشرائطها، وما فيها من القيود، واما الاحكام فلا تأثير للقصد وعدمه فيها، وكون تلف المبيع قبل قبضه من مال بايعه وكذا مسألة الفسخ آنا ما قبل التلف كلها احكام شرعية لا دخل للقصد فيها ابدا، وقد عرفت انه لو لم يعلما ببعض احكام المعاملة مثل خيار المجلس والحيوان وغيرهما بل وان علم بخلافها فانه تترتب عليها من دون اشكال، ولا يكون امثال هذه نقضا على القاعدة بل هي اجنبية عنها. * * * 5 - واورد عليها ايضا بصحة العقد مع فساد الشرط، بناءا على ان فساد الشرط لا يوجب فساد العقد كما عليه اكثر القدماء فيما حكي عنهم، فان المتعاقدين قصدا المعاملة مع الشرط، فوقوعها بدون الشرط امر لم يقصداه، فما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع.

[ 380 ]

وقد يجاب عنه بان هذا من قبيل الاحكام وقد عرفت ان الحكم لا يتبع قصد المتعاملين. وفيه ان الشرط من خصوصيات المعاملة، بل قد يكون له قسط من الثمن في المعنى، وان لم يقابل به في الظاهر، وقد يرضى انسان بالعقد مع شرط خاص ولا يرضى بدونه ابدا، فهذا داخل في موضوع المعاملة فكيف يصح الحكم بتبعية العقود للقصود مع الانفكاك بين الشرط والمشروط؟ وبالجملة وقع الخلط في هذا الجواب بين الموضوع والحكم. والحق في الجواب ان يقال: ان قضية الشروط ليست كقضية الثمن والمثمن، أو الزوج والزوجة في النكاح، بل هي امور تعتبر في المعاملة بعنوان تعدد المطلوب، فتخلفها لا يوجب فسادا في العقد، وانما هو تخلف في بعض المطلوب منه فيوجب الخيار فقط. وان شئت قلت للعقد اركان وتوابع، فإذا تخلف اركانها فسدت، واما عند تخلف التوابع لا يفسد، بل يكون فيه الخيار، نظير تخلف الوصف أو وجود عيب في المتاع، فانه لا يوجب فسادا في العقد قطعا، مع ان وصف الصحة ربما يكون قيدا قي قصد المتبايعين بلا اشكال فلماذا لا يوجب تخلفه فساده، والوجه ظاهر وهو ان اصل المعاملة مطلوب، ووصف الصحة مطلوب آخر، وهذا بخلاف ما إذا باع الفرس فبان حمارا، أو باع الحديد فبان نحاسا، فانه تخلف في اركان المعاملة. وبالجملة الفرق بين المقدمات والتوابع، وكون الاول من قبيل الركن، والثاني من قبيل تعدد المطلوب اصل مهم يتبنى عليه حل كثير من المشكلات في ابواب المعاملات فلا تغفل. ان قلت: قد يكون تمام مقصود المتبايعين ذاك الوصف أو الشرط، وحيث لا يرضى واحد منهما بدونه بل لا يكون عندهما فرق بين الركن والتابع، بل التابع قد يكون ركنا عندهما.

[ 381 ]

قلنا: ليس المدار في المعاملات على الدواعي الشخصية، بل الملاك على الدواعي النوعية، فبحسب النوع، الشرط تابع، واصل المتاع مقوم، وهذا هو معيار تعدد المطلوب عند العقلاء، ولذا لا يفرقون في مباحث خيار العيب بين من يكون وصف الصحة مقوما عنده شخصيا، ومن لا يكون كذلك. والحاصل ان قواعد الشرط وبناء العقلاء لا تدور مدار الدواعي الخاصة لا في مقامنا هذا ولا في غيره وانما تدور مدارها نوعيا. ومن هنا يظهران ما افاده " المحقق النراقي " في " عوائده " ما لفظه: " لا يخفى ان ما ذكروه ان العقود تابعة للقصود فانما هو على سبيل الاصل والقاعدة على ما عرفت، ويمكن ان يتخلف في بعض المواضع، لدليل خارجي، كان يحكم الشارع بصحة عقد مع فساد شرطه، فيقال ان ذلك خارج عن القاعدة بالدليل " (1). منظور فيه، لما عرفت من ان هذا ليس تخصيصا في القاعدة، ولا يكون خارجا عنها بدليل. ومنه يظهر الحال في تخلف وصف الصحة ومسألة خيار العيب فلا نحتاج إلى مزيد بحث فيه. هذا كله بناء على كون الشرط الفاسد غير مفسد واما بناءا على الافساد فلا كلام. * * * 6 - وقد يورد عليها أيضا بما إذا باع ما يملك على ما لا يملك (مبنيا على المعلوم) أو باع ما يملك على مالا يملك (مبنيا على المجهول) فان المتعاقدين قصدا المعاملة في مجموع المبيع والثمن، واما المبادلة بين بعض الثمن والمثمن


(1) العوائد ص 54.

[ 382 ]

فشئ لم يقصداه، فلو صحت بالنسبة إلى ما يملك، وبطل فيما لا يملك، عد جزء من الثمن، " فما قصداه لم يقع، وما وقع لم يقصداه " ولذا قال العلامة الانصاري (قدس سره الشريف) بخروجه عن تلك القاعدة بالنص والاجماع (1). والانصاف انه يمكن تطبيقه أيضا على القواعد، بحيث لا يكون استثنائا في قاعدة التبعية بما عرفته من البيان في الشرط الفاسد، من ان العقد فيه " اركان " و " توابع " وتخلف الاركان يوجب الفساد قطعا، واما تخلف التوابع لا يوجبه، بل قد يوجب الخيار، وما نحن فيه من هذا القبيل. فان نوع المتاع وان كان ركنا في المعاملة كالفرس والحمار والحديد والنحاس، ولكن مقداره وكميته ليس ركنا في الغالب عند العقلاء، بل من قبيل تعدد المطلوب فمن اشترى عشرين منا من الحنطة بعشرين درهما، ثم ظهر نصفه مما لا يملكه، فالمعاملة تتجزى فيي هذه الاجزاء وتصح في العشرة في مقابل العشرة، لما عرفت من ان المقدار من قبيل تعدد المطلوب، ولكن وقوع هذا التخلف يوجب خيار تبعض الصفقة. وقد عرفت ان المدار في هذه المقامات على الدواعي النوعية لا الشخصية. نعم إذا كان الربط بين ما يملك ومالا يملك بحيث لا تتعلق بواحد منهما الدواعي النوعية كما في النعلين ومصراعي الباب فلا يبعد الحكم بالفساد حينئذ فتدبر. * * * 7 - ومما اورد على عمومية القاعدة ايضا مسألة المتعة إذا لم يذكر فيها الاجل فانها تنقلب دائما عند المشهور كما ذكره في المسالك، حتى عند قصدهما الاجل، قال ما لفظه: " ولو قصدا المتعة واخلا بذكر الاجل، فالمشهور بين الاصحاب انه ينعقد


(1) راجع المكاسب كتاب البيع (بيع ما يملك وما لا يملك) ص 151.

[ 383 ]

دائما " ثم المستدل عليه بان لفظ الايجاب صالح لهما، وانما يتمحض للمتعة بذكر الاجل، وللدوام بعدمه، فإذا انتفى الاول ثبت الثاني. ولان الاصل في العقد الصحة، والفساد على خلاف الاصل. ولموثقة عبد الله بن بكير عن الصادق عليه السلام قال ان سمي الاجل فهو متعة، وان لم يسم الاجل فهو نكاح ثابت. ثم اورد على الجميع بقوله: " وفيه نظر لان المقصود انما هو المتعة، إذ هو الغرض، والاجل شرط فيها وفوات الشرط يستلزم فوات المشروط، وصلاحية العبارة غير كافية، مع كون المقصود خلاف ما يصلح له اللفظ، والمعتبر اتفاق اللفظ والقصد على معنى واحد، وهو غير حاصل هنا - إلى ان قال: والخبر مع قطع النظر عن سنده ليس فيه دلالة على ان من قصد المتعة ولم يذكر الاجل يكون دائما بل انما دل على ان الدوام لا يذكر فيه الاجل، وهو كذلك لكنه غير المدعى. ثم استنتج من جميع ذلك ان القول بالبطلان اقوى (1). وقال السبزواري في " الكفاية " في كتاب النكاح: " لو لم يذكر الاجل وقصد المتعة قيل ينعقد دائما، وقيل يبطل مطلقا، وقيل ان كان الايجاب بلفظ التزويج والنكاح انقلب دائما وان كان بلفظ التمتع بطل العقد، وقيل ان الاخلال بالاجل ان وقع على وجه النسيان والجهل بطل، وان وقع عمدا انقلب دائما والقول الاول مذهب الاكثر - ثم استدل له بمثل ما ذكره الشهيد الثاني، واورد عليه بما يشبهه - ثم قال - والمسألة محل اشكال (2). هذا ولكن ذهاب المشهور إلى هذا الحكم غير ثابت، بل يمكن ان يكون


(1) المسالك ج 1 ص 503. (2) كفاية الاحكام ص 170.

[ 384 ]

من قبيل ما ذكره الشيخ (قدس سره) في " الخلاف " حيث قال: النكاح المتعة عندنا مباح جائز، وصورته ان يعقد عليها مدة معلومة بمهر معلوم فان لم يذكر المدة كان النكاح دائما " (1). والظاهر ان مراده من هذه العبارة ما إذا لم ينو الاجل بل نوى معنى اللفظ على اطلاقه، ولا اقل من الاجمال. ويشهد له ما استدل لمذهب المشهور - كما في الرياض - بصلاحية العقد لكل منهما، وانما يتمحض للمتعة بذكر الاجل وللدوام بعدمه، فمع انتفاء الاول يثبت الثاني لان الاصل في العقد الصحة (2). فان من المعلوم ان مجرد صلاحية اللفظ عند قصد خلاف معناه غير كاف في صحة العقد، بل الصلاحية انما تنفع مع القصد. وعلى كل حال لا دليل على اصل هذه المسألة، لا من القواعد العامة والعمومات ولا من الروايات الخاصة، فحينئذ لا يكون نقضا على عموم هذه القاعدة، أي قاعدة تبعية العقود للقصود. وقد تخلص من جميع ما ذكرنا ان شيئا مما اورد على هذه القاعدة بعنوان النقض لا يكون نقضا عليها بل هو بين ما لم يثبت وما يكون ثابتا وليس نقضا. ومن هنا يظهر النظر فيما ذكره العلامة الانصاري (قده) في بعض كلماته في مبحث المعاطاة وانه لو قلنا بان نتيجتها الاباحة يلزم انثلام قاعدة تبعية العقود، وما قام مقامها، للقصود، بقوله: " ان تخلف العقد عن مقصود المتبايعين كثير - ثم ذكر تأثير العقد الفاسد في الضمان (ضمان المثل أو القيمة) ثم قال: - وكذا الشرط الفاسد لم يقصد المعاملة الا مقرونة به غير مفسد عند اكثر القدماء، وبيع


(1) الخلاف ج 2 ص 394 (كتاب النكاح مسألة 119). (2) رياض الاحكام ج 2 ص 115.

[ 385 ]

ما يملك ومالا يملك صحيح عند الكل، وبيع الغاصب لنفسه يقع للمالك مع اجازته على قول كثير، وترك ذكر الاجل في العقد المقصود به الانقطاع يجعله دائما على قول نسبه في المسالك وكشف اللثام إلى المشهور " (2). وقد عرفت ان شيئا مما افاده (قده) لا يكون نقضا على القاعدة.


(1) المكاسب ص 84.

[ 387 ]

19 - قاعدة التلف في زمن الخيار (التلف في زمن الخيار ممن لاخيار له) * ما استدل به للقاعدة من السنة وعدم تماميتها * الاستدلال لها بحكم العقل واقتضاء الاصل وعدم تماميتها * في عمومية القاعدة لجميع الخيارات وعدمها * هل الحكم في المبيع خاصة ام يشمل الثمن أيضا؟ * هل الضمان هو الضمان المعاملى أو الواقعي؟

[ 389 ]

قاعدة تلف في زمن الخيار ومما اشتهر بين الاصحاب حتى ادعى عيلها الاجماع ان التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له. قال في " مفتاح الكرامة ": " انه حكم العلامة في القواعد وفي التذكرة والمحقق الثاني والفاضل الميسى انه يكون التلف من المشتري ان كان الخيار للبايع، أو لهما أو لاجنبي، وانه ان كان للمشتري خاصة فمن البايع، وهو فيما عدا الاجنبي وما عدا ما إذا كان الخيار لهما على ما ستعرف الحال فيه موافق لما في السرائر، وجامع الشرايع والارشاد، وشرحه، ومجمع البرهان، من ان التلف ان كان في مدة الخيار فهو ممن لا خيار له. ثم قال: وهو معنى ما في الشرايع والتحرير والتذكرة والمسالك والمفاتيح من انه ان كان الخيار للبايع فالتلف من المشتري، وان كان للمشتري فالتلف من البايع. ثم قال ولا اجد في شئ من ذلك خلاف " (1). ويظهر من هذا الكلام ان اصل المسألة مما لا خلاف فيه بينهم وان وقع الكلام في جزئياته وخصوصياته.


(1) مفتاح الكرامة ج 4 كتاب المتاجر ص 598.

[ 390 ]

ثم انه لا ينبغي الشك في ان مقتضى الاصل كون تلف كل مال من مال مالكه، فإذا تم البيع وانتقل المبيع إلى ملك المشتري والثمن إلى ملك البايع فتلف كل واحد منهما من مال مالكه الفعلي، ما لم يقع تعد أو تفريط أو اتلاف من ناحية الاخر، ولا اثر لوجود الخيار وعدمه في هذا الاصل. ويظهر من ذلك ان الحكم بكون التلف ممن لا خيار له مخالف للقاعدة، خرج منها بدليل، وليس وجود الخيار مانعا عن تأثير البيع وانتقال كل من العوضين إلى الاخر، بل الخيار مجوز لفسخ البيع فقط. نعم لا يبعد ان يكون الحكم في خيار الحيوان على القاعدة فان حكمه هذا الخيار بل علته انما هو جهالة حال الحيوان من حيث استقرار حياته وعدمه، وصحته عن المرض وعدمها، فانه قد يكون حيوان في معرض التلف وصاحبه يعلم ذلك وليست هذه الحالة ظاهرة في الحيوان فقد يبيعه حتى يكون التلف في ملك المشتري، ويأخذ ثمنه، ففي مثل ذلك حكم الشرع بوجود الخيار بل وصرح بانه لو تلف في زمن الخيار فهو من البايع. والظاهر ان الحكم عند العقلاء ايضا كذلك، وان كان تعيين الخيار في ثلثة ايام غير معروف عندهم. وكذلك إذا كان البايع في شك من هذا المبيع وشرط الخيار لنفسه وانه لو تلف المبيع في مدة كذا كان من ماله، فهو مأخوذ بمقضى هذا الشرط. والحاصل ان القاعدة في غير الحيوان وخيار الشرط (المراد اشتراط كون التلف على من لا خيار له في مدة معينة) مخالف للاصل لابد في اثباتها من دليل تعبدي. إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان مدركها فنقول ومن الله سبحانه التوفيق والهداية:

[ 391 ]

مدرك هذه القاعدة والعمدة في المقام " هي روايات كثيرة " وردت في ابواب خيار الحيوان وغيرها: 1 - منها ما رواه عبد الرحمان ابن ابي عبد الله قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوما أو يومين فماتت عنده، وقد قطع الثمن، على من يكون الضمان؟ فقال ليس على الذي اشترى ضمان حتى يمضى شرطه (1). ولعل المراد بقطع الثمن هو قطعه عن المشتري واعطائه للبايع، ويحتمل بعيدا ان يكون القطع هنا بمعنى المنع. وعلى كل حال، الظاهر من اشتراط الخيار هنا - بقرينة كونه امة - اشتراط خيار الفسخ واشتراط كون التلف على البايع ايضا ولو بعنوان الداعي لخيار الشرط فالحكم فيها على وفق القاعدة كما لا يخفى. 2 - ما رواه عبد الله بن سنان قال سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين فيموت العبد والدابة أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟ فقال: على البايع حتى ينقضي الشرط ثلاثة ايام ويصير المبيع للمشتري (2). وروى مثل هذا الحديث الحسن بن محبوب عن ابن سنان الا انه قال ويصير المبيع للمشتري، شرط البايع أو لم يشترطه. 3 - ما رواه عبد الله بن الحسين عن ابيه عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في رجل اشترى عبدا بشرط ثلاثة ايام فمات العبد في الشرط قال يستحلف بالله ما رضيه، ثم هو برئ من الضمان (3).


(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب الخيار الباب 5 الحديث 1. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب الخيار الباب 5 الحديث 2. (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب الخيار الباب 5 الحديث 4.

[ 392 ]

والظاهر ان المراد استحلافه بانه لم يسقط خيار الحيوان وما رضى استقرار البيع ولزومه. 4 - ما رواه حسن بن علي بن رباط عمن رواه عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان حدث بالحيوان قبل ثلاثة ايام فهو من مال البايع (1). والعمدة في الاستدلال على هذه القاعدة ما عرفت من الروايات الاربع أو الخمس. وقد يستدل لها ايضا بما ورد في حكم التلف في خيار الشرط. مثل ما رواه اسحاق بن عمار قال حدثني عن مسمع ابا عبد الله عليه السلام وسأله رجل وانا عنده فقال رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى اخيه فقال ابيعك داري هذه وتكون لك احب الي من ان تكون لغيرك على أن تشترط لي ان انا جئتك بثمنها إلى سنة ان ترد علي، فقال لا بأس بهذا، ان جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه، قلت فانها كانت فيها غلة كثيرة فاخذ الغلة لمن تكون الغلة؟ فقال: للمشتري، ألا ترى انه لو احترقت لكانت من ماله (2). وما رواه معاوية بن ميسرة قال سمعت ابا الجارود يسأل ابا عبد الله عليه السلام عن رجل باع دارا له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر فشرط انك ان اتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك فأتاه بماله قال له شرطه، قال أبو الجارود: فان ذلك الرجل قد اصاب في ذلك المال في ثلاث سنين، قال هو ماله، وقال أبو عبد الله عليه السلام ارأيت لو ان الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشتري (3).


(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب الخيار الباب 5 الحديث 5. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب الخيار الباب 8 الحديث 1. (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة ابواب الخيار الباب 8 الحديث 2.

[ 393 ]

والعجب من استدلال جماعة من اعاظم الاصحاب بهاتين الروايتين كما يظهر من " مفتاح الكرامة " و " جامع الشتات " للمحقق القمي و " غيرهما " مع ان الظاهر انه لامساس لهما بما نحن بصدده، لعدم ورود هذا التعبير " ان التلف ممن لا خيار له " أو ما يشبهه في متن الروايتين بل الحكم فيهما في ضمان المشتري للدار انما هو من باب القاعدة فان الملك ملكه فكما ان الغلة له، التلف ايضا عليه، سواء كان للبايع خيار ام لا، ولحن الحديثين دليل على ما ذكرناه، فانه استدل على ملكية المشتري للغلة، بكون تلف العين ايضا من ملكه ومآلهما إلى شئ واحد وهو كون المتاع ملكا للمشتري بعد البيع من غير تأثير لوجود خيار البايع بعده. ولو استدل بهما على قاعدة الخراج بالضمان كان اولى من الاستدلال بهما لما نحن بصدده وان كان قد عرفت عدم دلالتها عليها ايضا. وبالجملة ليس فيهما ما يستشم منه كون ضمان المشتري باعتبار وجود الخيار للبايع، ومن الواضح ان مجرد وجود هذه الخصوصية في المورد لا يمكن ان يكون دليلا على الطلوب، وقد مر بعض الكلام في ذلك في قاعدة الخراج بالضمان. * * * الاستدلال عليها بحكم العقل واقتضاء الاصل وقد يستدل على القاعدة بحكم العقل وموافقتها للاصل بما حاصله: ان من له الخيار يقدر على الفسخ في كل زمان، ومع الفسخ تنتقل العين إلى ملك مالكه الاول، فيكون التلف من ملكه قهرا، فبهذا الاعتبار لابد ان يحسب تلف العين على المالك الاول وهو من لا خيار له، فيكون التلف من ملكه. ولكنه ضعيف جدا لا ينبغي التفوه به، لانه مبني على حكم فرضي، وهو انه لو فرض اقدام صاحب الخيار على الفسخ لكان التلف من ملك المالك الاول، ولكن من المعلوم انه فرض غير واقع، فانه لم يفسخ، ولم يرد العين إلى مالكه الاول، بل

[ 394 ]

هو موجود بعد في ملك صاحب الخيار، فكيف يكون التلف من غيره؟! وبالجملة: هذا الحكم مخالف للقواعد والاصول كما عرفت سابقا لا ينبغي المسير إليه الا بدليل تعبدي. وقد عرفت ان الاستدلال بالروايات الخاصة التي هي المدرك الوحيد في المسألة مشكل جدا، الا في مورد خيار الحيوان، والشرط الناظر إلى حكم التلف، وهما ايضا موافقان للاصل للبيان الذي مر آنفا، فلا يجوز تسرية الحكم إلى غيرهما. وقد يتوهم ان كون هذه القاعدة على خلاف مقتضى الاصول انما هو على القول غير المشهور في باب الخيار، من ان العين لا ينتقل إلى الطرف الا بعد مضي زمان خيارها، وقبل مضي زمانه تكون العين باقية على ملك مالكها ومقتضى ذلك كون تلفها منه. هذا ولكنه ايضا ضعيف حتى على مبنى غير المشهور، فان عدم انتقال العين على هذا المبنى غير مختص بما فيه الخيار، بل يشمله وما يقابله، والا يلزم منه الجمع بين العوض والمعوض، فمن ليس له الخيار لا يملك شيئا من العوضين فان الثمن انتقل من ملكه مثلا، والمثمن لم ينتقل إلى ملكه، واما من له الخيار فهو مالك لهما جميعا، وهذا مما لا يظن الالتزام به وان حكى عن الشيخ في بعض كلماته الا انه غير ثابت، ولابد من تأويله على فرض ثبوته. وبالجملة: لو قلنا بان الملك لا ينتقل في زمن الخيار فلازمه كون تلف كل من الثمن والمثمن من مال مالكه الاصلي، سواء كان الخيار لهما أو لاحدهما، وسواء كان ذو الخيار هو البايع أو المشتري. تنبيهات الاول: في عمومية هذه القاعدة وعدمها اختلف آرائهم في هذه المسألة وفيه وجوه أو اقوال:

[ 395 ]

1 - اختصاص هذا الحكم بخيار الحيوان والشرط إذا كان مورد الشرط بيع الحيوان. 2 - اختصاصه بخيار الحيوان، والشرط مطلقا سواء كان مورده حيوانا أو دارا أو غيرهما. 3 - جريان القاعدة فيهما وفي خيار المجلس بملاك ان جميعها مشتمل على الزمان. 4 - جريانها في الخيارات الزمانية وغيرها من دون اي تفاوت، الا إذا حدث الخيار بعد العقد. يظهر الاول من بعض الاعاظم في كتاب البيع. والثاني من صاحب الجواهر. والثالث فيما يظهر من كلمات شيخنا الاعظم الانصاري. والرابع هو مختار السيد المحقق اليزدي في حاشيته على المكاسب. هذا والمختار هو القول الاول لما عرفت سابقا من ان القاعدة على خلاف مقتضى الاصول، ولم يدل عليها الا اخبار خاصة واردة في خيار الحيوان، وخيار الشرط إذا كان المبيع حيوانا، واما ما ورد في خيار الشرط مما ليس موردها حيوانا فقد عرفت انه اجنبي عما نحن بصدده. بل قد عرفت ان جريان هذه القاعدة في مورد الحيوان (سواء كان خيار الحيوان أو الشرط) من قبيل شرط ضمني، فان جعل الخيار في هذين الموردين انما هو لاستكشاف حال الحيوان فقد يكون مشرفا على الموت ويبيعه المالك مع حفظ ظاهره فلو كان تلفه من ملك المشتري كان ضررا عظيما. وان شئت قلت: إذا تلف في الثلاثة يستكشف ان الحيوان لم يكن مستقر الحياة غالبا وانه لم يكن مالا يبذل بازائه المال، فيبطل البيع ويعود الثمن إلى ملك

[ 396 ]

المشتري. واستدل المحقق اليزدي على مختاره من التعميم بقوله: " ويصير البيع للمشتري " الوارد في صحيحة ابن سنان التي مر ذكرها آنفا. هذا ولكن الانصاف انه لا يكون فوق حد الاشعار وليس داخلا تحت عنوان القياس المنصوص العلة كما يظهر لمن تأملها. * * * الثاني: هل الحكم مختص بالمبيع أو يشمل الثمن ايضا قد يقال ان الحكم عام للثمن والمثمن فيكون تلف الثمن في مدة خيار البايع المختص به من مال المشتري، ولكن قال في مفتاح الكرامة: " اما إذا تلف الثمن بعد قبضه والخيار للبايع فهذا محل اشكال، لان الاصل بمعنى القاعدة يقتضي بان التلف من البايع لا من المشتري ولم يتعرض احد لحال هذا الاصل، والمقدس الاردبيلي انما تعرض لحال الثمن قبل القبض، والاخبار انما وردت في المبيع، وخبر " عقبة " وان كان يشم منه التعميم، الا انه صريح فيما قبل القبض، الا ان نقول اطلاق ان التلف ممن لا خيار له ونحوه يتناوله " (1). وقال السيد المحقق اليزدي في حاشيته للمكاسب: " الحق عدم شمول الحكم لتلف الثمن لعدم الدليل، وكون الحكم على خلاف القاعدة " (2). واختار العلامة الانصاري (ره) العموم نظرا إلى المناط، مضافا إلى ضمان المشتري له الثابت قبل القبض (3).


(1) مفتاح الكرامة ج 4 ص 600. (2) تعليقة السيد على المكاسب ص 169. (3) المكاسب ص 301.

[ 397 ]

هذا جملة من كلمات من تعرض للمسألة وغاية ما يستفاد منهم أو من غيرهم ان الدليل على التعميم امور: الاول: استصحاب بقاء الضمان أي ضمان الثمن قبل القبض من ناحية المشتري. ويرد عليه مضافا إلى عدم حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية عندنا، ان الموضوع قد تغير قطعا وملاك الضمان قبل القبض قد انتفى، مضافا إلى ان الاستصحاب لا يقاوم القاعدة المسلمة من كون تلف كل ملك من مال مالكه إذا لم يكون هناك دليل على ضمان غيره. الثاني: شمول عنوان القاعدة الذي هو معقد الاجماع له، فان قولهم " التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له " عام شامل للثمن والمثمن. وفيه مضافا إلى عدم ثبوت الاجماع على هذا العنوان، انه لو ثبت لم يكن حجة بعد وجود ادلة أخرى في المسألة. الثالث: ما يستفاد من العلة للحكم من صحيحة " ابن سنان " فان قوله " الضمان على البايع حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع للمشتري " بمنزلة قوله انه ما لم ينقض مدة الخيار لا يرتفع الضمان. وفيه اشكال ظاهر: فان اشعاره بالمقصود قابل للمناقشة فكيف بالدلالة، بعد ورود الحديث في خيار الحيوان لخصوص المشتري. ولقد اجاز صاحب الجواهر قدس سره حيث انه بعد ما ذكر كلام بعض الاعلام في عمومية القاعدة للثمن والمثمن، وما استدل به، " انه من غرائب الكلام، ضرورة كون النص والفتوى في خصوص المبيع دون الثمن، فمن العجيب دعوى ان النص والفتوى على كون الثمن من المشتري إذا كان الخيار للبايع خاصة " (1). هذا كله إذا قلنا بعمومية القاعدة للخيارات في جانب المشتري، وقد عرفت


(1) الجواهر ج 23 ص 88.

[ 398 ]

ان الحكم فيه ايضا محل اشكال، وان هذه القاعدة من اصلها مما لا دليل عليها ما عدا الصور التي يستفاد من دليل الخيار كون مشروعيته لاجل وضوح حال الحيوان من السلامة وبقاء الحياة وعدمه. * * * الثالث: في المراد من الضمان في القاعدة هل المراد من الضمان هو الضمان المعاملي، بمعنى انه لو تلف العين في زمن الخيار بعد قبضه ينفسخ البيع وينتقل كل من الثمن والمثمن إلى ملك مالكه آنا ما قبل الفسخ ثم ينفسخ ثم يكون التلف من ملك مالكه، الذي لا خيار له، مثلا إذا كان الخيار خيار الحيوان فتلف في الثلاثة ينتقل الحيوان إلى البايع آنا ما قبل التلف ثم يتلف من ملكه، وان كان الحيوان في يد المشتري وحينئذ فعلى البايع رد الثمن إلى المشتري من غير ان يأخذ منه شئ. أو ان الضمان هو الضمان الواقعي يعني ان البيع لا ينفسخ بمجرد التلف، بل يبقى بحاله ولكن على البايع في مثال الفوق ان يؤدي إلى المشتري قيمة الحيوان الذي تلف في زمن الخيار. لا شك ان ظاهر الضمان هو الضمان الواقعي، ولكن هنا قرائن تصرفه عن ظاهره، ويكون بمعنى الضمان المعاملي، وهو الضمان بالمسمى. منها - ظاهر الروايات الواردة في هذه القاعدة، مثل ما ورد في ذيل صحيحة عبد الله بن سنان، في جواب السؤال عن دابة تلفت في زمان الشرط على من ضمان ذلك؟ فقال: على البايع ينقضي الشرط ثلاثة ايام، ويصير المبيع للمشتري (1). فان قوله حتى ينقضي الشرط ظاهر في ادامة الخيار الذي ثابت قبل القبض،


(1) الوسائل ج 12 ابواب الخيار الباب 2 الحديث 5.

[ 399 ]

ويؤكده قوله ويصير المبيع للمشتري فان ظاهره عدم استقرار المبيع ما لم ينقض ثلاثة ايام، ولازمه الانفساخ بالتلف، فيعود المشتري إلى ثمنه، وبعبارة اخرى: ليس في كلام الامام عليه السلام اثر من ضمان المبيع ببدله، بل ظاهر كلامه كون المبيع متزلزلا في زمن الخيار، والاستناد إلى ذلك لازمه انفساخ هذا البيع المتزلزل بتلف المبيع. ومنها - ما هو اوضح من ذلك وهو قوله في مرسلة " ابن رباط " عن أبي عبد الله عليه السلام: ان حدث بالحيوان قبل ثلاثة ايام فهو من مال البايع (1). فان التعبير بكونه من مال البايع لا يستقيم الا بانفساخه آنا ما قبل التلف، حتى يعود كل منهما إلى ملك مالكه، فيكون تلف المبيع من ملك البايع. ومنها - وحدة التعبير في هذه القاعدة، وقاعدة " تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بايعه " بعد كون المراد من الضمان في تلك القاعدة هو الضمان بالمسمى قطعا فيكون المراد منه في محل الكلام هذا المعنى أيضا فتأمل. واوضح من ذلك كله ما عرفت في بيان مفاد هذه القاعدة ومدركها، بعد اختصاصها بالحيوان وشبهه، من انه قد يكون حياة الحيوان متزلزلا وحينئذ لامالية له واقعا، وان كان في نظر من لا يعلم ذلك بل يظن استقرار حياته مالا، وان الشارع المقدس جعل هذا الخيار ليتبين الحال، فلو تلف كانت المعاملة واقعة على شئ لا مالية له في الواقع، فلا بد من رجوع الثمن إلى المشتري فراجع وتأمل ما تلوناه عليك سابقا تجده وافيا باثبات المطلوب. ومن هنا تعرف النظر في كلام العلامة في التذكرة حيث قال: " مسألة ": لو تلف المبيع بآفة سماوية في زمن الخيار فان كان قبل القبض انفسخ البيع قطعا، وان كان بعده لم يبطل خيار المشتري ولا البايع، وتجب القيمة


(1) الوسائل ج 12 ابواب الخيار الباب 5 الحديث 5.

[ 400 ]

على ما تقدم، وقال الشافعي ان تلف بعد القبض، وقلنا الملك للبايع انفسخ البيع، لانا نحكم بالانفساخ عند بقاء يده، فعند بقاء ملكه اولى، فيسترد الثمن، ويغرم البايع القيمة، وان قلنا الملك للمشتري أو موقوف فوجهان، أو قولان: احدهما انه ينفسخ ايضا لوصول الهلاك قبل استقرار العبد، واصحهما انه لا ينفسخ لدخوله في ضمان المشتري بالقبض (1). والعمدة ان الذى يظهر من الاصحاب ان هذا الضمان كبقاء الضمان الموجود قبل القبض فيكون من جنسه. قال العلامة الانصاري في مكاسبه: " ان ظاهر كلام الاصحاب وصريح جماعة منهم كالمحقق والشهيدين الثانيين، ان المراد بضمان من لا خيار له لما انتقل إلى غيره هو بقاء الضمان الثابت قبل قبضه، وانفساخ العقد آنا ما قبل التلف، وهو الظاهر أيضا من قول الشهيد في الدروس وبالقبض ينتقل الضمان إلى القابض ما لم يكن له خيار حيث ان مفهومه انه مع خيار القابض لا ينتقل الضمان إليه بل يبقى على حاله الثابت قبل القبض (انتهى). فهذا الضمان ضمان معاملي لا غير.


(1) تذكرة الفقهاء ج 1 احكام الخيارات ص 535.

[ 401 ]

20 - قاعدة " الاقرار " و " من ملك " (اقرار العقلاء على انفسهم جائز) (ومن ملك شيئا ملك الاقرار به) * مدارك قاعدة الاقرار من الروايات العامة والخاصة * لابد ان يكون الاقرار على النفس * الموارد التي يشك فيها انها على النفس أو على غيرها * هل الاقرار امارة مطلقا؟ * اشتراط عدم المعارضة باقرار مخالف * قاعدة من ملك ومحتواها * الادلة الستة التى استدل بها للقاعدة واحسنها

[ 403 ]

قاعدة الاقرار هنا قاعدتان ترتبطان بمسألة الاقرار قاعدة " اقرار العقلاء على انفسهم جائز " وقاعدة " من ملك شيئا ملك الاقرار به " فذكرهما معا لما بينهما من الصلة، وان كان كل منهما يشير إلى معنى مستقل. اما مفاد الاولى ظاهر، وهو انه إذا اعترف الانسان بشئ يضاد منافعه، وينافي مصالحه، يؤخذ باقراره سواء كان الاقرار بمال، أو دين، أو حق، أو نسب أو جناية عمد، أو خطأ، أو غير ذلك، مما يلزمه بحق أو مجازاة، فهو مأخوذ بجميع ذلك بمقتضى اقراره. وهذه القاعدة من القواعد المسلمة الجمع عليها من علماء الاسلام. قال " العلامة النراقي " في " عوائده " (اجمعت الخاصة والعامة على نفوذ اقرار كل عاقل على نفسه، بل هو ضروري جميع الاديان والملل). ويدل عليه مضافا إلى ذلك، والى استقرار سيرة العقلاء في كل زمان ومكان على قبول اقرار كل احد على نفسه، الروايات العامة والخاصة الواردة فيها. فمن الروايات العامة ما رواه جماعة من علمائنا في كتبهم الاستدلالية عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " اقرار العقلاء على انفسهم جائز " (1).


(1) الوسائل ج 16 كتاب الاقرار الباب 3 الحديث 2.

[ 404 ]

ولكن لم نر احدا من العامة والخاصة رواها في كتب الحديث، ما عدا ابن أبي جهمور في درر اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال " اقرار العقلاء على انفسهم جائز " (1). حتى ان صاحب الوسائل لم ينقله من أي منبع روائي، بل اكتفى فيه براوية جماعة من العلماء في كتب الاستدلال. ومنها ما رواه الجراح المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: لا اقبل شهادة الفاسق الا على نفسه (2). ومنها مرسلة محمد بن الحسن العطار عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المؤمن اصدق على نفسه من سبعين مؤمنا عليه (3). ولكن دلالته كسنده لا يخلو عن اشكال، لانه يمكن ان يكون من قبيل كذب سمعك وبصرك عن اخيك، فان شهد عندك خمسون قسامة، قال لك قولا فصدقه وكذبهم، الوارد في رواية محمد بن فضيل عن أبي الحسن موسى عليه السلام (4). * * * هذا ما عثرنا عليه من روايات العامة الشاملة لجميع الابواب، واما الروايات الخاصة الواردة في ابواب الوصايا والديون والحدود والديات وغير ذلك، وهي كثيرة غاية الكثرة كما لا يخفى على من راجعها ويصطاد من جميعها عموم الحكم وعدم اختصاصه بباب دون باب، وحيث ان المسألة من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى نقلها اغمضنا عن ذكرها على نحو مبسوط.


(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 485 ابواب بيع الحيوان الباب 3 الحديث 3. (2) الوسائل ج 16 كتاب الاقرار الباب 6 الحديث 1. (3) الوسائل ج 16 كتاب الاقرار الباب 3 الحديث 1. (4) الوسائل ج 8 كتاب الحج احكام العشرة الباب 157 الحديث 4.

[ 405 ]

والعمدة ان هذه القاعدة قاعدة عقلائية في جميع الاعصار والامصار من ارباب الاديان وغيرهم وقد امضاها الشارع المقدس. والوجه فيه عند العقلاء ان كل انسان اعرف بنفسه من غيره، ولا يعرف بما ينافي منافعه، الا إذا كان واضحا عنده غاية الوضوح، وعالما به علما بينا، نعم يمكن ان يكون اقراره في بعض الموارد الشاذة خطأ أو كذبا بعنوان التوطئة للوصول إلى امر غير مشهور، اما هذه كله نادر جدا لا يعتنى به. نعم لا يبعد استثناء موارد اتهام المقر وعدم قبول اقراره عند العقلاء والشرع كما إذا وقع قتل وكان المعروف بين الناس ان القاتل فلان ولكن اراد جمع من اصدقائه حمايته من بعض الجهات فاقروا جميعا عند الحاكم باشتراكهم في القتل، وكان هناك قرائن تدل على هذه التوطئة، فقبول اقرار هؤلاء المتهمين في اقرارهم لا يخلو عن اشكال، وان كان ثبوت الحكم على الشخص المظنون يحتاج إلى بينة عادلة على كل حال، وحينئذ يكون موارد النقض على القاعدة قليلا جدا. وبالجملة وضوح هذه القاعدة بمكان تغنينا عن البحث في بيان مدركها ازيد من هذا، كما ان البحث في مفاد القاعدة، وان معنى الاقرار ماذا؟ ومعنى كونه على نفس، أو كونه جائزا ماذا؟ غير مهم بعد وضوح معناها عرفا ولغة كوضوح ما يرتبط بها. * * * والذي يهمنا ان نبحث عن امور: الاول: وهو العمدة: ان الاقرار انما يقبل إذا كان على النفس لا له فان كان ذلك امرا بينا فلا كلام، مثل ان يقر انسان بدين عليه لغيره، أو يقر بالجناية أو القتل أو شبه ذلك، فهذا اقرار على النفس بلا كلام. بل وكذلك إذا اقر بامر مشترك بينه وبين غيره مما يمكن التفكيك فيه، مثل

[ 406 ]

ان يعترف بانه وشريكه وهبا دارهما المشترك لزيد، فانه لا اشكال في قبول اقراره بالنسبة إلى سهمه من الدار، واما بالنسبة إلى سهم شريكه فلا يقبل، ولا مانع من التفكيك بين المسألتين كما هو ظاهر ولكن هنا بعض الموارد مما فيه خفاء ستأتي الاشارة إليها ان شاء الله. * * * الثاني: إذا اقر بما يدور بين اثنين، ويقوم بهما من الامور الوحدانية ذات الاضافة إلى طرفين، كاقراره بان فلانا ولد له، أو ان فلانة زوجته، فان الزوجية، أو الابوة، والبنوة، امر قائم بشخصين فهل يقبل قوله فيما يكون عليه، مع ان الطرف الاخر لا يعترف بهذا؟ وكيف يمكن ان يكون هذا زوجا مع ان الطرف المقابل ليست زوجة ولو بحسب الظاهر أو يكون هو ابا ولا يكون في مقابله ابنا أي لا يحكم ظاهرا ببنوته. * * * الثالث: إذا كان هناك امر واحد ذا جهتين: جهة الضرر وجهة النفع كأن يقول هذا عبدي، فهل يجب عليه نفقته مع عدم استحقاقه لخدمته، وكيف يمكن التفكيك بين الامرين؟ * * * الرابع: إذا كان المقر به عقدا فيه جهة النفع والضرر كما إذا قال لزيد علي الف درهم قيمة فرس اشتريته منه، فهل يقبل اقراره بالنسبة إلى اصل اشتغال ذمته بالف درهم ولا يقبل مالكيته للفرس، فكيف يمكن التفرقة بين الامرين؟ المعروف المحكى عن الفقهاء الاخذ بالاقرار مهما امكن والتجزئة في مفاده فيؤخذ بما يكون عليه ويطرح ما يكون له مع انه في الواقع الخارجي هذا التفرقة امر غير ممكن.

[ 407 ]

وقد تصدى المحقق النراقي في عوائده للجواب عن هذا الاشكال بمقدمات كثيرة طويلة والانصاف ان حل امثال هذه الشبهات بعد حل مشكلة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي في اصولنا الحديث بسيط جدا نعم في الازمنة السابقة التي لم تنقح اصول الفقه فيها بمثل ما نقح في اعصارنا ببركة جهد علمائنا الراسخين رضوان الله تعالى عليهم كان حل هذه المشكلات صعبا ولكن الان سهل جدا. وحاصل الكلام فيها ان ملازمة حكمين شرعيين في الواقع لا يكون دليلا على التلازم بينهما في الحكم الظاهري بل يجوز التفرقة بينهما في هذا المجال وأي مانع من حكم الشرع في الظاهر بوجوب نفقة من اقر بعبوديته له عليه مع عدم جواز استخدامه وكذا بالنسبة إلى من اعترف بزوجيتها اللهم الا ان يكون داخلا تحت عنوان النشوز وهذا امر آخر وبالجملة الملازمة في الحكم الواقعي لا تكون دليلا على الملازمة في الحكم الظاهري وكم له نظير في الفقه. مثلا إذا غسل الثوب النجس بماء كر يشك في انه مضاف أو مطلق وليس له حالة سابقة فاللازم الحكم ببقاء نجاسة الثوب وطهارة الماء مع انه في الواقع غير ممكن لان الماء ان كان مضافا فقد تنجس وان كان مطلقا فقد طهر الثوب فكيف يمكن الجمع بين الحكم بنجاسة الثوب وطهارة الماء إلى غير ذلك من اشباهه. وقد فرغنا عن هذا البحث في محله من الاصول. * * * الخامس: هل الاقرار امارة لاثبات المقر به أو مخصوص بما إذا كان في مقابل من يدعى ما اقر به الظاهر انه امارة مطلقا لاطلاق الادلة ولما عرفت في الوجه في حجيته عند العقلاء. * * * السادس: يشترط في نفوذ اقرار العاقل على نفسه ان لا يكون معارضا باقرار

[ 408 ]

مخالف له فإذا قال لزيد علي كذا ولكن زيدا انكر الطلب منه فانه لا يقبل والوجه فيه ظاهر فانه يتساقط الاقراران عن الاعتبار ولا يكون شئ منهما حجة. قاعدة من ملك واما القاعدة الثانية اعني قاعدة " من ملك شيئا ملك الاقرار به "، وهي العمدة في المقام، وقلما يبحث عنها في كلماتهم، مسلطا على عقد أو ايقاع، أو غير ذلك من الافعال، وكان ذلك جائزا له، ممضى في حقه لو فعله، فإذا اقر بانه فعله يقبل اقراره منه، من دون اي فرق، بين ان يكون له أو عليه، أو لم يكن لا له ولا عليه، كما إذا اقر الوكيل ببيع أو شراء لموكله مع شرط كذا وثمن كذا. وفي الحقيقة نسبة بين مفاد القاعدتين هي التباين، والنسبة بين مواردهما هي العموم من وجه، ومادة الاجتماع هو ما إذا كان مالكا لامر يكون نتيجته عليه كملك الانسان للوصية بماله، أو الوقف أو الهبة، فإذا اقر بانه وهب ماله لفلان فهذا يدخل في القاعدتين: قاعدة اقرار العقلاء على انفسهم وقاعدة من ملك، اما الاول فواضح واما الثاني فلانه مالك ومسلط على هبة امواله فيقبل اقراره إذا اقر. واما مادة الافتراق من ناحية قاعدة اقرار العقلاء فكما إذا اقر بقتل شخص، أو ضربه، عمدا أو خطأ، وهو داخل في القاعدة الاولى، لا في الثانية فانه ليس هنا مالكا ومسلطا على هذا الفعل. ومادة الافتراق من ناحية الثانية ما إذا اقر الوكيل عن شخص بتجارة له أو عليه فانه لا يدخل في قاعدة اقرار العقلاء على انفسهم ولكنه داخل في قاعدة من ملك. ومن هنا يعلم من ان ما توهمه غير واحد من جواز الاستدلال على الثانية بادلة الاولى بل ربما توهموهما قاعدة واحدة بعضها من بعض ليس في محله. بل مثل ذلك شاهد على عدم الدقة اللازمة في محتوى قاعدة من ملك.

[ 409 ]

إذا عرفت هذا فنعود إلى بيان، محتوى هذه القاعدة وادلتها فنقول ومن الله التوفيق والهداية: * * * محتوى قاعدة من ملك اما محتواها على التفصيل لا يظهر الا بعد المراجعة إلى كلمات الاصحاب في ابواب الفقه، وما استدلوا له بهذه القاعدة أو يستشم منهم ذلك. هذا وقد عرفت انهم قلما وقع البحث عن هذه القاعدة في كلماتهم نعم يظهر منهم الاستدلال بها في موارد كثيرة في طيات الفقه بل ربما ارسلوها ارسال المسلمات لا باس بالاشارة إلى بعضها كي يعلم المراد منها ومحتواها: 1 - منها ما ذكروه في باب الاقرار من نفوذ اقرار غير المهجور في كل ما يقدر على انشائه كما قال العلامة في القواعد. المطلق (اي غير المهجور) ينفذ اقراره بكل ما يقدر على انشائه وقال في مفتاح الكرامة في شرح هذه العبارة مانصه: هذا معنى قولهم كل من ملك شيئا ملك الاقرار به، وهي قاعدة مسلمة لا كلام فيها، وقد طفحت بها عباراتهم (1). وصرح العلامة في القواعد بعد قليل بنفس القاعدة وقال: " كل من ملك شيئا ملك الاقرار به " وارسله ارسال المسلمات (2). 2 - ما ذكروه في باب العبد المأذون في التجارة (في كتاب الاقرار) قال في الشرايع: لو كان - اي العبد - مأذونا في التجارة فاقر بما يتعلق بها قبل، لانه يملك


(1) مفتاح الكرامة ج 9 كتاب الاقرار ص 225. (2) مفتاح الكرامة ج 9 ص 226.

[ 410 ]

التصرف، فيملك الاقرار. وقال في الجواهر، في شرح هذه العبارة، بعد قوله على المشهور: " نقلا ان لم يكن تحصيلا " لما عرفت من انه من ملك شيئا ملك الاقرار به لكن في التذكرة استشكله (1). وقال السبزواري في الكفاية: انه لو كان مأذونا في التجارة فاقر بما يتعلق بها فالمشهور انه ينفذ فيما في يده واستشكله العلامة في التذكرة والاقرب النفوذ فيما هو من لوازم التجارة طرفا إذ دل الاذن في التجارة على الاذن فيما يتعلق به تضمنا أو التزاما قال بعض الاصحاب لو قلنا انه مطلقا أو على بعض الوجوه نفذ اقراره بما حكم له به وهو حسن (2). وقال الشهيد الثاني في نفس هذه المسألة: انه انما قبل اقرار المأذون في التجارة لان تصرفه نافذ فيما اذن له فيه منها، فينفذ اقراره بما يتعلق بها، لان " ملك شيئا ملك الاقرار به " ولانه لولاه لزم الاضرار واونصراف الناس عن ملاينة العبيد، فيختل نظام التجارة، وفي التذكرة استشكل هذا القول وعذره، واضح لعموم الهجر على المملوك (3). 3 - منها ما ذكروه في باب الاقرار بالوصية انه لو اقر بماله ان يفعله كالوصية صح. قال في الجواهر في كتاب الاقرار (على ما صرح به غير واحد " لقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به " التي طفحت بها عباراتهم بل صريح بعضهم انه لا خلاف فيها عندهم).


(1) الجواهر ج 35 كتاب الاقرار كتاب الاقرار ص 110. (2) كفاية الاحكام ص 231. (3) المسالك ج 2 ص 174.

[ 411 ]

ثم اضاف إليه: " وان كان لنا فيها اشكال فيما زاد على مقتضى قوله صلى الله عليه وآله: اقرار العقلاء على انفسهم جائز ونحوه، مما سمعته في محله، ومنه ما نحن فيه، ضرورة عدم التلازم بين جواز وصيته بذلك وجواز اقرار به، ولعله لذا قال الكركي في حاشيته لا يصح " (1). اقول: قد وقع الخلط في كلامه قدس سره بين القاعدتين وقد عرفت انهما قاعدتان مختلفتان وناظرتان إلى معنيين مختلفين لا ينبغي خلط احداهما بالاخرى، وهذا الخلط في كلامه وكلام غيره من مهرة الفن عجيب. 4 - ما ذكروه في باب الجهاد كما عن " العلامة " في " التذكرة " من ان المسلم يسمع دعواه في انه أمن الحربي في زمان يملك امانه مدعيا عليه الاجماع، ونحوه المحقق في الشرايع، تبعا للمبسوط، من دون دعوى الاجماع (2). قال المحقق في الشرايع انه لو اقر المسلم انه أذمه (اي امن واعطي الذمام) فان كان في وقت يصح منه انشاء الامان قبل. وقال في الجواهر في شرح هذه العبارة: اجماعا كما في المنتهى لقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به، والا فلا بان كان اقراره بعد الاسر لم يصح، لانه لا يملكه حينئذ، حتى يملك الاقرار به (3). 5 - ما ذكروه في باب الاقرار بالرجوع فيمن يصح له الرجوع في الزوجية وان اشكل فيه بعض، قال بعضهم يقبل وقال بعضهم لا يقبل (4). هذه جملة مما استدل فيها بالقاعدة أو يستشم ان يكون هي الدليل فيها.


(1) جواهر الكلام ج 35 كتاب الاقرار ص 104. (2 و 4) نقله الشيخ الاعظم الانصاري في رسالته الشريفة المعمولة في القاعدة في ملحقات مكاسبه ص 368. (3) جواهر الكلام ج 21 كتاب الجهاد ص 100.

[ 412 ]

إذا عرفت هذه تعلم ان المراد من القاعدة عندهم انه إذا كان الانسان بحكم الشرع قادرا على انشاء عقد أو ايقاع أو شبه ذلك قبل اقراره في فعل ذلك ويحكم بوقوع ذاك العقد أو الايقاع أو شبهه لمكان هذه القاعدة. مدرك القاعدة من ملك اعلم انه لم يرد فيها اية رواية من معصوم عليه السلام بل ولم يدعه احد. وما استدل أو يمكن الاستدلال به عليها بعد عدم ورود رواية خاصة فيها امور: الاول - الاجماع الذي صرح به غير واحد منهم فيما مر عليك من كلماتهم ويؤيده ارسال غيرهم للقاعدة ارسال المسلمات. ولكن يرد عليه اولا انه لا يمكن الاستدلال بمثله في مثل هذه المسألة التي فيها مدارك اخر يمكن استناد المجمعين إليها، مضافا إلى ما قد عرفت من الاشكال فيه في بعض الموارد من التذكرة وصاحب الجواهر (قدس سره). نعم قد يستدل بالقدر المتيقن منها مما لا خلاف فيه بينهم، ولكنه وان سلم من الاشكال الاخير لكنه لا يسلم من الاشكال الاول وعلى كل حال الانصاف ان دعوى الاجماع وظهور التسالم مؤيد قوي للادلة الاتية وان لم يكن بنفسه دليلا، * * * الثاني - سيرة اهل الشرع قال العلامة الانصاري (قدس سره) في رسالته المعمولة في المسألة، ويؤيده (اي الاجماع) استقرار السيرة على معاملة الاولياء بل مطلق الوكلاء معاملة الاصل في اقرارهم كتصرفاتهم (انتهى) (1). والحق ان السيرة بنفسها دليل على المطلوب، لا انها مؤيدة للاجماع، ولكن


(1) ملحقات المكاسب ص 371.

[ 413 ]

سيأتي ان شاء الله ان منشأ السيرة امر آخر وهو العمدة في المسالة. * * * الثالث: وقد يستدل لها بقاعدة " اقرار العقلاء على انفسهم جائز " الثابتة بالاجماع وسيرة العقلاء والروايات الخاصة المعتبرة كما عرفت فيما مر. هذا ولكن مر آنفا انهما قاعدتان مستقلتان لا دخل لاحدهما بالاخر، وانما وقع الخلط بينهما من غير واحد من فقهائنا (رضوان الله عليهم) وهو بمعزل عن التحقيق بل المهم في قاعدة من ملك موارد افتراقها عن قاعدة الاقرار فلو كان الدليل عليها هو قاعدة الاقرار لا نحصر بمواردها. * * * الرابع - وقد يتمسك لها بادلة قاعدة الامانة وان من ائتمنه المالك على ملكه أو اذن له الشارع بامر لا يجوز اتهامه. وهو وان كان جيدا في الجملة ولكن لا يشمل جميع موارد قاعدة من ملك، لانه قد لا يدخل في عنوان الاذن من المالك أو الشارع بالتصرف في شئ، وبعبارة اخرى قاعدة الايتمان تختص بموارد الامانات مع ان قاعدة من ملك تجري في غيرها ايضا كما في مسألة اعطاء الامان للكافر، ومسألة الرجوع في الطلاق الرجعي. * * * الخامس - قد يتوهم ان القاعدة مستندة إلى قاعدة قبول قول من لا يعلم الامر الا من قبله ولكن يرده ان بعض مواردها وان كان من هذا القبيل ولكنه اخص من المدعى كما لا يخفى على الخبير. * * * السادس - وهو العمدة: استقرار بناء العقلاء عليه، والظاهر انه من باب الدلالة الالتزامية الحاصلة من التسلط على امر. توضيح ذلك: إذا ملك الانسان امرا وكان مسلطا عليه بحيث يجوز له التصرف

[ 414 ]

في اي زمان اراد فلازم ذلك ان يقبل قوله في اعمال هذه السلطنة، وكيف لا يقبل، وكيف يطلب منه البينة على اعمال سلطنته مع انه قادر عليه في كل زمان، وامره بيده فهل يمكن ان يقال للزوج باي دليل رجعت إلى زوجتك المطلقة في عدتها؟ أو ليس يقول ان امر الرجوع بيدي وتحت اختياري وانا قادر عليه في كل زمان من غير حاجة إلى شئ آخر. وبالجملة لازم هذه السلطة قبول قوله في اعماله، والملازمة بينهما وان لم يكن عقليا الا انها ملازمة عرفية ظاهرة لكل احد. ولذا لا يشك احد في قبول قول الوكيل المأذون في البيع والشراء، أو النكاح والطلاق، فيما فعله، وليس ذلك الا من جهة كون السلطة على هذه الامور ملازمة لقبول قوله عرفا. وما وقع من بعضهم من الاشكال في قبول اقرار عبد المأذون (كما عرفته سابقا عند نقل الاقوال) فالظاهر انه من جهة كون محل كلامهم العبد، واما لو كان المأذون حرا فالظاهر قبول قوله فيما يملك امره، كما ان الظاهر ان استقرار سيرة اهل الشرع على هذا المعنى ناش من هنا لا من دليل تعبدي وصل إليهم لم يصل الينا. وبالجملة لا ينبغي الريب في عموم القاعدة وشمولها لجميع موارد السلطنة، الا ان يدل دليل خاص على خروج بعض هذه الموارد. وقد ظهر من جميع ما ذكرنا ان المراد بالملك هنا ليس " ملكية الاموال " بل هو عبارة عن السلطة على شئ سواء كانت في الاموال والنفوس والحقوق، وغيرها، وهذا امر ظاهر لا يحتاج إلى مزيد بيان بعدما عرفت. كما ان الظاهر مما عرفت اشتراط كونها فعليا فلو كان السلطة بالقوة على امره لم ينفذ اقراره فيه. هذا تمام الكلام فيما اردنا شرحه من قاعدة من ملك وقد وقع الفراغ منه في 6 رجب سنة 1405 والحمد لله رب العالمين.

[ 415 ]

21 - قاعدة الطهارة (كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر) * مدارك القاعدة من السنة * جريانها في الشبهات الموضوعية والحكمية * الطهارة والنجاسة حكمان واقعيان لا علميان * محاكمة مع صحاب الحدائق (رضوان الله عليه)

[ 417 ]

قاعدة الطهارة من القواعد المشهورة ايضا قاعدة الطهارة التي يتمسك بها الاصحاب في ابواب الطهارات كلها، وحاصلها الحكم بطهارة كل شئ ما لم يثبت نجاسته. وهذا الحكم على اجماله مجمع عليه بين الاصحاب كما قال صاحب الحدائق في مقدمات حدائقه في المقدمة الحادية عشرة: " ان اصل الحكم المذكور مما لا خلاف فيه ولا شبهة تعتريه " (1). وان وقع الخلاف فيها في مواضع تأتي الاشارة إليها ان شاء الله. فلنذكر اولا ما عثرنا عليه من الروايات الدالة على هذا الحكم، ثم لنتكلم في موارد الخلاف فيها، وهي عدة روايات: 1 - موثقة عمار بن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " (2). 2 - وماروه حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال: " ما ابالي ابول اصابني أو ماء إذا لم اعلم "؟! (3) 3 - ما ارسله الصدوق في المقنع: " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " (4).


(1) الحدائق ج 1 ص 134. (2 و 3) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات الباب 37 الحديث 4 و 5. (4) المستدرك ج 1 ص 164 ح 1 من الباب 29 من ابواب النجاسات.

[ 418 ]

والظاهر انها متحدة مع ما سبق ولا دليل على كونها رواية اخرى. ويستفاد عموم هذا الحكم من عدة روايات في خصوص ابواب المياه ايضا. منها ما رواه حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر " (1). وما ارسله المحقق في المعتبر قال قال عليه السلام: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ، الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (2). وما رواه داود بن فرقد من أبي عبد الله عليه السلام قال:... " وجعل لكم الماء طهورا " (اقتفاءا لما يظهر من آيات الذكر الحكيم من كون الماء طهورا) (3). إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى. ولكن العمدة من ذلك هو " موثقة عمار " لان غيرها وردت في موارد خاصة لا يمكن الاستناد إليه في هذه القاعدة الكلية، ولكن كفى بها دليلا على المطلوب بعد العمل بها، من ناحية الاصحاب رضوان الله عليهم مع اعتبار سندها في نفسه. إذا عرفت ذلك فاعلم: انه قد يشك في كون شئ طاهرا أو نجسا من ناحية الشبهة الموضوعية، كما إذا شك في غليان العصير بناء على نجاسته بالغليان، أو في صيرورة العنب خمرا بناءا على ما هو المشهور من نجاسة الخمر، أو في كون انسان كافرا أو مسلما إذا لم يكن له حالة سابقة، بناء على ما هو المعروف من نجاسة الكفار وكذا إذا شك في تغير الماء باحد اوصافه الثلاثة، أو اصابة الثوب واللباس شئ من النجاسات. أو في البلل المشتبه بالبول والمني فشك انه بلل طاهر أو نجس، أو غير ذلك مما لا يحصى.


(1) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق الحديث 5. (2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق الحديث 9. (3) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق الحديث 4.

[ 419 ]

ففي كل هذه الموارد إذا علم بالحالة السابقة فلا يشك في انه يؤخذ بها بمقتضى الاستصحاب، وان لم يكن له حالة سابقة فيحكم بطهارتها بمقتضى هذه القاعدة، اعني قاعدة الطهارة، فيجوز استعمالها في كل ما يشترط فيه الطهارة. هذا كله مما لاريب فيه ولم ينقل خلاف فيها من أحد من الاصحاب. نعم لا اشكال في رحجان الاحتياط في جميع هذه المقالات بالادلة العامة الواردة في استحباب الاحتياط في امور الدين. هذا ولكن الاولى الاقتصار في الاحتياط فيها بما يكون الشبهة فيه قوية كشرب سؤر من لا يبالي في الدين، أو يكون متهما جدا، واما الاحيتاط في كل ما يؤخذ من سوق المسلمين، وايدي اهل الدين، بمجرد احتمال النجاسة، الموجودة في جميع الاشياء، فلم يثبت في الشرع رجحانه وان كان قد يترآى العمل به من بعض اهل العلم والتقوى، بل الظاهر انه مخالف للاحتياط، لترتب مفاسد كثيرة عليها، من ايذاء المؤمنين، واتلاف الوقت والمال، وكونه مظنة للوسواس المرغوب عنها أو مثل ذلك. بل الظاهر انه مخالف لسيرة النبي صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين عليهم السلام واصحابهم لانهم كانوا يزاولون الناس، وياكلون ويشربون معهم، ويدخلون الحمامات، ويشترون الالبسة والاطعمة من سوق المسلمين، ويلبسونها، أو يأكلون منها من غير غسلها، مع ما كانت الاسواق والحمامات لاسيما في تلك الازمنة مشكوكة من حيث الطهارة والنجاسة لدخول غير المسلمين فيها، واعتقاد بعض فرق المسلمين بطهارة المتيتة بالدباغة، أو طهارة العصير العنبي المغلي، أو حكمهم بطهارة النبيذ، أو طهارة الاشياء النجسة بزوال عين النجاسة، إلى غير ذلك، مما يستفاد من الاخبار وفتاواهم في ابواب مختلفة، من ابواب الطهارات والنجاسات. فلو كان الاحيتاط امرا مرغوبا فيه في باب الطهارة والنجاسة بمجرد الاحتمال

[ 420 ]

لما خالفه المعصومون المطهرون (عليهم آلاف الصلوة والتحية) فالاولى ترك هذه الاحتياطات الا في موارد الاتهام الشديد، وترجيح الاخذ بسيرة المسلمين وأئمة الطاهرين عليهم السلام والحكم بطهارة الاشياء مما لم يعلم نجاستها. * * * واخرى يكون من جهة " الشبهة الحكمية " كما إذا تولد حيوان من طاهر ونجس، ولم يصدق عليه شئ من عناوين الحيوانات الموجودة، وشك في طهارته ونجاسته، وكذا إذا شك في بعض اجزاء الحيوان كبول الطائر الذي لا يؤكل لحمه وغير ذلك مما ليس له حالة سابقة، حتى يتمسك فيه بالاستصحاب ففيه قولان: المحكى عن جملة من المتأخرين الحكم بالطهارة بمقتضى هذه القاعدة، وعن المحدث الامين الاسترآبادي في كتاب العوائد المدنية، هو العدم، حكاهما صاحب الحدائق في حدائقه (1). وقد يقال بان القدر المتيقن من الاخبار السابقة، وعمدتها موثقة عمار، هو ما وقع الاتفاق عليه من الشبهات الموضوعية، لان المراد من هذا الخبر وامثاله انما هو دفع الوساوس الشيطانية، والشكوك النفسانية، بالنسبة إلى حالة الجهل بملاقاة النجاسة، وبيان سعة الحنيفية السمحة السهلة، بالنسبة إلى اشتباه بعض الافراد غير المحصورة ببعض، فيحكم بطهارة الجميع حتى يعلم الفرد النجس بعينه، واما اجراء ذلك الجهل بالحكم الشرعي فلا يخلو من الاشكال، المانع من الجرئة على الحكم به في هذا المجال (2). ويمكن الاستدلال على ما ذكره من اختصاص الخبر بالشبهات الموضوعية هو تقييده بقوله " حتى تعلم "، لان هذا التعبير انما هو في الاحكام الظاهرية المناسبة للشبهات الموضوعية، واما الاحكام الواقعية فهي غير مغياة بالعلم والجهل.


(1 و 2) الحدائق ج 1 ص 135.

[ 421 ]

اللهم الا ان يقال: ان الرواية ناظرة إلى الحكم الظاهري في الشبهات الموضوعية والحكمية معا، أو ان صدرها عام بالنسبة إلى الحكم الواقعي والظاهري، وان كان ذيلها خاصا في الحكم الظاهري. ولكن كل ذلك بعيد، ولا اقل من الشك فالحكم بالعموم مشكل. وهنا بيان آخر لاثبات هذه القاعدة في الشبهات الحكمية شبيه ما ذكروه في بحث البرائة، بالنسبة إلى الاحكام التكليفية، وحاصله ان النجاسات امور محدودة معدودة، والاصل الاولى في الاشياء هو الطهارة، فلو كان شئ قذرا شرعا مما لا يستقذره العرف، فعليه البيان، فلو لم ينبه عليه يعامل معها معاملة الطهارة، فكما ان الحرام هو الذي يحتاج إلى البيان وكذا الواجب، واما المباح فغير محتاج إليه في عرف العقلاء وفي عرف الشرع، فكذلك بالنسبة إلى الاحكام الوضعية مثل النجاسة وشبهها وهكذا الكلام بالنسبة إلى النساء المحرمات، فانهن اللواتي لابد من بيان حرمتهن فلو لم يبين الشارع حرمة اخت الزوجة جاز نكاحها، لا بعنوان الحكم التكليفي والبرائة بل بعنوان الحكم الوضعي لان جواز النكاح وضعا لا يحتاج إلى البيان بل الحرمة تحتاج إليه. ولعله لذا حكم غير واحد من الاصحاب بطهارة المتولد من الكلب والخنزير إذا لم يتبعهما في الاسم ولم يماثله حيوان، أو ان المتولد من احدهما وغيره طاهر كذلك. وان شئت قلت: ان النجاسة وان كانت حكما وضعيا على الاقوى، ولكن تنشأ منها احكام تكليفية التزامية، ويمكن التمسك بالبرائة بالنسبة إلى آثارها التكليفية، كالاكل والشرب وتلويث المسجد به، وغير دلك، ولكن هذا لا ينفع في مثل الوضوء بما لا دليل على طهارته ونجاسته بحسب الحكم الشرعي، لان استصحاب الحدث باق فتأمل.

[ 422 ]

فالعمدة ما عرفت من القاعدة العقلائية في امثال المقام، وان الحرمة والنجاسة الوضعيين، وشبههما تحتاج إلى البيان فلو لم يبين الشارع يحكم بالحلية والطهارة. ومما ذكرنا ظهر الاشكال فيما افاده في " التنقيح في شرح العروة الوثقى " فيما ذكره بقوله: طهارة ما يشك في طهارته ونجاسته من الوضوح بمكان، ولم يقع فيها خلاف، لا في الشبهات الموضوعية، ولا في الشبهات الحكمية، ومن جملة ادلتها قوله في موثقة عمار " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر الخ... " (1). وقد عرفت المخالفة في الحكم من صاحب الحدائق والمحدث الاستر آبادي في " الفوائد المدنية " وسكوت جمع من الاصحاب منه، كما انك عرفت قوة اختصاص الموثقة بالشبهات الموضوعية، وان طريق اثبات الحكم في الشبهات الحكمية طريق آخر غير الحديث. * * * تنبيه هل الطهارة والنجاسة حكمان واقعيان أو علميان ظاهر جميع الاصحاب هو الاول ولكن صاحب الحدائق اختار الثاني. قال في مقدمات حدائقه: " ظاهر الخبر المذكور (موثقة عمار) انه لا تثبت النجاسة للاشياء ولا تتصف بها الا بالنظر إلى علم المكلف، لقوله عليه السلام " فإذا علمت فقد قذر " بمعنى انه ليس التنجيس عبارة عما لاقته عين النجاسة واقعا خاصة، بل ما كان كذلك وعلم به المكلف، وكذلك ثبوت النجاسة لشئ انما هو عبارة عن حكم الشارع بانه نجس وعلم المكلف بذلك، وهو خلاف ما عليه جمهور اصحابنا (ره) فانهم حكموا بان


(1) التنقيح ج 3 ص 158.

[ 423 ]

النجس انما هو عبارة عما لاقته النجاسة واقعا، وان لم يعلم به المكلف، وفرعوا عليه بطلان صلاة المصلي في النجاسة جاهلا، وان سقط الخطاب عنه ظاهرا... وانت خبير بما فيه من العسر والحرج، ومخالفة ظواهر الاخبار الواردة عن العترة الابرار ". ثم استدل على ما اختاره باستلزام قول المشهور التكليف بما لا يطاق، وما دل على ان من رأى في ثوب اخيه دما وهو يصلي لا يؤذنه حتى ينصرف (1) وغير ذلك. واستدل أيضا بما حكاه عن الشهيد الثاني: " ان ذلك يكاد يوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة لكثرة النجاسات في نفس الامر، وان لم يحكم الشارع ظاهرا بفسادها، فعلى هذا لا يستحق عليها ثواب الصلاة، وان استحق اجر الذاكر المطيع بحركاته وسكناته، ان لم يتفضل الله تعالى بجوده " (2). * * * ولكن ما ذكره قدس سره الشريف من اعجب ما يمكن ان يتفوه به، فانه يرد عليه امور: الاول: ان النجاسة هي القذارة، والطهارة عدمها، وهما امران عرفيان قبل ان يكونا شرعيين، فالطهارة والنجاسة ليستا من اختراعات الشرع، بل كان من اول زمن وجود الانسان، بل وقبل وجوده، فلذا يجتنب اهل العرف عن كثير من الاشياء لانها قذارات، ويطلب اشياء اخر لانها طاهرات. نعم الشارع المقدس زاد على ما عند العرف ونقص في بعض الاحيان واشترط فيهما شرائط وبين لها احكاما ولكنها اشبه شئ بما ورد عنه في ابواب العقود والايقاعات والمعاملات.


(1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات الباب 40 الحديث 1. (2) الحدائق ج 1 ص 136.

[ 424 ]

وبالجملة لا ينبغي الريب في كونها امرين واقعيين عند العرف وقد امضاهما الشرع مع قيود وشرائط، بل هما امران تكوينيان لا اعتباريان كما توهمه بعض وان كان هذا المعنى لا يؤثر فيما نحن بصدده، فإذا كانتا عند العرف بعنوان امرين واقعيين وامضاهما الشرع كذلك تكونا امرين واقعيين. * * * الثاني: ارتكاز المتشرعة، فانه لاشك عندهم في كون النجس كالطاهر امرا واقعيا، علمنا به أو لم نعلم، وهم قد اخذوا ذلك من لسان الشرع، ومن البعيد جدا رميهم بالغفلة عن محتوى كلام الشارع ومغزاها في هذا الباب وجهلهم جميعا، مع كثرة الاحاديث الواردة في ابواب الطهارة والنجاسة. * * * الثالث: ما ذكره مخالف لظاهر جميع ما ورد في ابواب الاعيان النجسة والطاهرة فان قوله عليه السلام في الكلب " انه نجس " (1) وكذا الحكم بالنجاسة وما يفيد معناه بالنسبة إلى العناوين الاخر وكذا " حكمه بطهارة الماء " وغيره فهذه كلها ظاهرة في تعلق الحكم بعناوينها الواقعية، مع قطع النظر عن العلم والجهل، فان الكلب، أو الدم، أو المني، أو الماء، عناوين خارجية، علمناها أو لم نعلم بها. * * * الرابع: لازم ما ذكره ان تكون النجاسة امرا نسبيا فثوب واحد نجس بالنسبة إلى من يعلم وطاهر بالنسبة إلى من لا يعلم وهذا امر عجيب لا يقبله ذوق الفقه وارتكاز اهل الشرع واحاديث الباب. * * * الخامس: لازم ما ذكره كون الطهارة أيضا امرا عمليا فإذا لم نعلم بطهارة


(1) الوسائل ج 2 ابواب النجاسات الباب 12 الحديث 6.

[ 425 ]

شئ لا يكون طاهرا، ومن البعيد ان يلتزم به، وحينئذ يلزم التفكيك بين الطهارة والنجاسة مع انهما امران متقابلان. وبالجملة اي داع على ارتكاب هذه التكلفات مع وضوح الادلة وظهورها في كونهما امرين واقعيين، فمثل قوله عليه السلام في السؤال عن أبي حنيفة: " ايما انجس البول أو الجنابة فقال البول؟... " (1) وقوله في حديث أبي بصير " إذا دخلت يدك في الاناء قبل ان تغسلها فلا بأس الا ان يكون اصابها قذر بول أو جنابة " (2) وغير ذلك مما يعثر عليه المتتبع وهو كثير كلها دليل على ما ذكرنا، ولا داعي على حملها على خلاف ظاهرها. واما ما تشبث به (قده) في هذا المجال فليس مما يركن إليه: اما استدلاله بقوله " فإذا علمت فقد قذر " الظاهر في حصول القذارة بمجرد العلم يدفعها، ما ورد في صدر الحديث من قوله عليه السلام " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " فانه ظاهر أو صريح في ان القذارة امر واقعي حاصل قبل العلم، وان العلم يحصل بعدها، وهو قرينة على تفسير الذيل، وانه إذا علم بالقذارة يتنجز الحكم في الظاهر والواقع، وما لم يعلم فهي حكم واقعي غير منجز كما هو مشروح في باب الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي في الاصول. وان شئت قلت العلم هنا طريقي كما هو الاصل فيه لا موضوعي. واما بعض الاخبار الدالة على عدم اخبار الغير بكون الدم في ثوبه في حال الصلاة فقد فرغنا عنه بما ذكر في محله من ان الشرط على قسمين الشرائط الواقعية والشرائط العملية، فالنجاسة وان كانت امرا واقعيا ولكن اشتراط الصلاة بعدمها شرط علمي يختص بظرف العلم، ومن فرغ عن هذا البحث اعني تقسيم الشرائط


(1) الوسائل ج 18 ابواب صفات القاضى الباب 6 الحديث 27. (2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق الباب 8 الحديث 4.

[ 426 ]

إلى الشرائط العلمية والواقعية فليس يصعب عليه هذه الرواية ومثلها ابدا. ومن هنا يعلم الجواب أيضا عما نقله عن الشهيد الثاني فان كثرة النجاسات في نفس الامر لا تمنع عن صحة الصلاة بعد كون اشتراط الصلاة بعدمها من الشروط العلمية لا الواقعية. نعم يبقى الكلام في مثل ماء الوضوء والغسل بما يظهر منهم كونها شرطا واما بعض الاخبار الدالة على عدم اخبار الغير بكون الدم في ثوبه في حال الصلاة فقد فرغنا عنه بما ذكر في محله من ان الشرط على قسمين الشرائط الواقعية والشرائط العملية، فالنجاسة وان كانت امرا واقعيا ولكن اشتراط الصلاة بعدمها شرط علمي يختص بظرف العلم، ومن فرغ عن هذا البحث اعني تقسيم الشرائط


(1) الوسائل ج 18 ابواب صفات القاضى الباب 6 الحديث 27. (2) الوسائل ج 1 ابواب الماء المطلق الباب 8 الحديث 4.

[ 426 ]

إلى الشرائط العلمية والواقعية فليس يصعب عليه هذه الرواية ومثلها ابدا. ومن هنا يعلم الجواب أيضا عما نقله عن الشهيد الثاني فان كثرة النجاسات في نفس الامر لا تمنع عن صحة الصلاة بعد كون اشتراط الصلاة بعدمها من الشروط العلمية لا الواقعية. نعم يبقى الكلام في مثل ماء الوضوء والغسل بما يظهر منهم كونها شرطا واقعيا في موردها ولكن الالتزام بكونها شرطا علميا فيهما أيضا غير بعيد ووجوب الاعادة بعد الاطلاق على نجاسة الماء يمكن ان يكون من باب الشرط المتأخر فتأمل جيدا. إلى هنا تم الكلام على قاعدة الطهارة وقع الفراغ منه يوم الخميس 30 / ج 1 / 1405 والحمد لله رب العالمين وللمؤلف تعليقات استدلالية باسلوب جديد على العروة الوثقى في مجلدين، المجلد الاول من اول كتاب الطهارة إلى اخر الخمس، والمجلد الثاني من كتاب الحج إلى آخر الوصية

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية