الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




القواعد الفقهية - الشيخ ناصر مكارم ج 1

القواعد الفقهية

الشيخ ناصر مكارم ج 1


[ 1 ]

سلسلة القواعد الفقهية يبحث فيها عن ثلثين قاعدة فقهيه القواعد الفقهية المجلد الاول آية الله ناصر مكارم الشيرازي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم يا من اسبغ علينا نعمه ظاهرة و باطنة، بعث فينا رسولا من انفسنا، يتلو علينا آياته، ويعلمنا الكتاب والحكمة بفضله، ليهدينا سبل السلام ويخرجنا من الظلمات إلى النور والصلوة عليه وعلى آله خزان علمه، الذين نور بهم الظلم واوضح بهم البهم، شهدائه على عباده، و امنائه على حلاله وحرامه، فبهم تمت الكلمة وعظمت النعمة وائتلفت الفرقة

[ 12 ]

مقدمه بعض مشاكلنا العلمية لم تزل ولا تزال تفتخر الشيعة الامامية بان مصادر علومه اهل بيت الوحى وورثة علم النبي صلى الله عليه وآله فعندهم من الاثر الصحيح ما لم يصل إلى غيرهم، حيث اخذوها ممن صاحبه طول الليالى والايام، وصاحب سره ومن ربى في حجره، أو ممن نشأ من بعده في بيته. لكن لا تفتخر بهذا فحسب، بل تفتخر ايضا بان ائمتهم (عليهم السلام) قد فتحوا عليهم باب الاجتهاد حينما اغلقه الاخرون على انفسهم، فأمروهم بالنظر و التفكير في الاصول التى وصلت إليهم واستنباط فروعها منها، وفى الفروع التى تحدث لهم وارجاعها إلى اصولها، ليتبين لهم بذلك كل ما يحتاجون إليه من الاحكام الشرعية في جميع الحوادث الواقعة لهم. وقد ندبهم ائمة اهل البيت عليهم السلام إلى ذلك تارة بقولهم (انتم اعرف الناس إذا عرفتم معاني كلامنا) (1) واخرى بان لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة فاما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة واما الباطنة فالعقول (2) وثالثة بتعليمهم طرق الجمع بين الاخبار المتعارضة، بالاخذ بالمجمع عليه وبعرضها على كتاب الله وغير ذلك من المرجحات.


1 - رواه في المجلد الثالث من الوسائل في الباب 9 من ابواب صفات القاضى. 2 - رواه في الكافي باب العقل والجهل من المجلد الاول عن هشام بن الحكم عن - الكاظم عليه السلام.

[ 13 ]

ورابعة بمثل قولهم (هذا باب ينفتح منه الف باب) بعد الاشارة إلى قاعدة (الغلبة) وهى ان ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر (1) وقولهم مشيرين إلى بعض مسائل الوضوء: (هذا واشباهه يعرف من كتاب الله وما جعل عليكم في الدين من حرج) (2) فحثوهم على الاستضائة بالكتاب العزيز والاصول التى وردت في السنة، اكثر مما يعرفه الناس. وسادسة بابطالهم التصويب واعلامهم بان (لله في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل) (3) فمن ادركه فقد اصاب والا فقد اخطأ، و (ان للمصيب اجرين وللمخطى اجرا واحدا) (4) حتى يبذل الناظر غاية مجهوده في البحث والفحص عن الادلة ليصيب الاحكام الواقعية، ولا يكتفى بما وقف عليه بادى نظره، بزعمه ان المجتهد مصيب في رأيه، وما انتهى إليه اجتهاده هو حكم الله الواقعي في حقه، إلى غير ذلك من القرائن الكثيرة يطول المقام بذكرها. وبهذه وبغيرها فتحوا علينا باب الاجتهاد، الذى هو رمز بقاء الدين وحافظ لنشاطه العلمي، وبه يوجه الخطى نحو الكمال وبتقدم العلم إلى الامام ويعلو الاسلام ولا يعلى عليه، اجل لا ينمو العلم ولا يربو - أي علم كان - الا تحت ضوء الاجتهاد. ولذلك نرى فقهاء اهل البيت من اصحابنا قد اتوا بما لم يأت به الاخرون، من كتب


1 - رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب القضاء من المجلد الثاني. 2 - رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب الوضوء من المجلد الاول. 3 - هذه الرواية متواترة بالمعنى كما اعترف به المحققون من الاصحاب في باب التخطئة والتصويب فانه تواترت الاخبار عن ائمة اهل البيت عليهم السلام بان (لله في كل واقعة حكما بينه لنبيه وبينه النبي صلى الله عليه وآله للاوصياء من بعده، فجميع الاحكام مخزونة عندهم حتى مثل ارش الخدش، ومضامينها وان كانت مختلفة الا انها مشتركة في افادة هذا المعنى. 4 - هذه الرواية من الروايات النبوية المشهورة، قال شيخنا الاجل في (الفصول) في باب التخطئة والتصويب: (ان الامة قد تلقت هذه الرواية بالقبول).

[ 14 ]

قيمة كثيرة في مختلف ابواب الفقه واصوله، وتلاحقت آرائهم العلمية ونظراتهم جيلا بعد جيل حتى انتهت إلى يومنا هذا، فاخذ علوم الدين ولا سيما الفقه عندهم يتسع نطاقها كل يوم، فها نحن قد ورثنا اليوم من اصحابنا الاقدمين وعلمائنا الاكابر المتأخرين مئات، لا بل آلاف من الكتب القيمة في الفقه واصوله والحديث ورجاله، بها تنكشف النقاب عن غوامض مسائلها، وتهدى رواد العلم إلى مكنون حقايقها، فشكر الله سعيهم واجزل اجرهم، وجزاهم عنا وعن الاسلام خير الجزاء. لكن مع الاسف! لكن مع الاسف لم يخل هذا النجاح العلمي العظيم عن نواقص لا يستهان بها، نشأت عن افراط في بعض الجوانب وتفريط في اخر، حيث انا نرى اليوم مسائل كثيرة، لا تترتب عليها اية فائدة يعبأ بها، قد اختلطت بالمسائل النافعة، لا سيما في اصول الفقه، بل الفقه نفسه لم يخل منها. ومن العجب ان هذه المسائل تتزايد كل يوم، تحت عنوان بسط العلم وتحقيق الحقيقة، بما ينذر عن مستقبل مظلم!. فنرى في (اصول الفقه) الذى هو من هم اركان الاجتهاد واستنباط الاحكام الفرعية عن مداركها، مباحث لا طائل تحتها اصلا أو قليل الفائدة جدا، لا تليق بتلك الابحاث الطويلة، كالبحث الطويل عن المعاني الحرفية، وبعض ابحاث المشتق، وبعض ابحاث مقدمة الواجب، وكثير من مباحث الانسداد، والبحث عما يرد على التعاريف من النقوض، من اعترافهم بانها تعاريف شرح اسمية لا حدود حقيقية. ونرى في الفقه البحث عن فروع نادرة جدا، لو لم يكن الابتلاء بها محالا عادة، ككثير من فروع العلم الاجمالي التى تذكر في الفقه تارة وفى الاصول اخرى، وكالبحث المشهور عن وجوب القسمة على النبي صلى الله عليه واله بين ازواجه وعن وظائف الامام عند ظهوره، وحكم دمه وغيره، وكالبحث عن خلق الساعة، أي من خلق بالغا دفعتا، هل يحتاج إلى الوضوء لصلوته ام لا، إلى غير ذلك مما يطلع عليه الخبير في كثير من ابواب الفقه.

[ 15 ]

ومن جانب آخر نريهم يعتنون بشأن الاقوال الشاذة، مهما كانت، ويتعبون انفسهم بايراد الاشكالات الكثيرة على كل واحد منها ولو كان ظاهر البطلان من غير حاجة إلى ابطاله، وبتوضيح موارد النظر في ذيل كلام المخالف وصدره، ومعناه ولفظه، واصله وفرعه ولو كان اجنبيا عن تحقيق حكم المسألة. ونراهم ايضا باحثين عن بعض مسائل اصول الفقه (أي ما يسمى اصولا ولعلها ليست باصول!) شهرا أو شهورا عديدة ثم يلتمسون ثمرة لها، من هنا وهناك، فقد لا يرى منها عين ولا اثر، فلما اعياهم الفحص يسكنون إلى النذر واشباهه ويرضون انفسهم بظهور ثمرتها في النذور، ويقولون لعل ناذرا يبدو له ويقترح نذرا يرتبط بتلك المسألة، غفلة عن ان هذا الناذر المسكين يمكن ارتباط نذره باية مسألة من مسائل العلوم، فهل يرضى اللبيب بطرح جميعها في الاصول معتذرا بمثل هذا العذر؟. واسوء من ذلك كله ما نراه من تغيير مجارى البحث في هذه العلوم وخلطها بغيرها فيستدل للمسائل الفقهية أو الاصولية باستدلالات لا يليق ايرادها الا في المباحث الفلسفية، مع ان من الواضح ان كل علم يليق بطور من البحث لا يليق به الاخر فالفلسفة تدور على التدقيق والتعمق في الحقايق الكونية الخارجية وتدور استدلالاتها عليها، واما الفقه واصوله يدوران على امور اعتبارية تشريعية وامور عرفية وضوابط جرت عليها سيرة العقلاء فيما بينهم، وكل من هذين يليق بطور من البحث لا يليق به الاخر، ولا شك ان تحريف كل منها عن موضعه لا يوجب الا بعدا وضلالا من الحقيقة. فصارت هذه الامور وامثالها تفنى برهة طويلة من احسن ايام شباب طلاب العلم وشيئا كثيرا من نشاطهم العلمي وقواهم الفكرية، وتمنعهم عما هو اهم وانفع. فاصبحت هذه المشكلة بلاء اللعلم واهله ولهذا - ولغيره - صارت ابحاثنا الفقهية اليوم تدور غالبا حول ابواب العبادات وشئ طفيف من المعاملات وبقيت ساير المباحث القيمة متروكة مهجورة الا عند الاوحدي من العلماء الاعلام نسأل الله تعالى ونبتهل إليه سبحانه ان يبعث اقواما ذوى عزائم راسخة يقومون باعباء هذا الامر ويهذبون علوم الدين وينفون عنها هذه الزوائد ويهدون طلاب العلم

[ 16 ]

إلى سواء السبيل، ولست انسى ان بعض اساتذة الكرام يرى ان التعرض لمثل هذه المسائل لا يخلو عن شبهات شرعية. ولعلها بملاحظة ما نرى من ان الاسلام اليوم في اشد الحاجة إلى العلماء الذابين عن حوزته بعلومهم النافعة، فصرف الوقت في غيرها يمنع عن هذه المهمة. ومن العجب ان كثيرا من الباحثين مع علمهم بجميع هذه الامور وقولهم في المجالس (كيت وكيت) إذ اشتغلوا بالبحث لا يملكون انفسهم عن متابعة الباقين فلعلهم يحسبون عدم التعدي عن طورهم في سرد جميع هذه المباحث، اقتداءا محمودا للسف الصالح رضوان الله عليهم فكأنهم نسوا طريقتهم في عدم الخضوع قبال اية مسألة من المسائل العلمية المنقولة عنهم الا بالدليل القطعي، لا ينظرون إلى القائل و لا يرون في هذا اية منافاة للاسوة الحسنة بهم واقتفاء آثارهم قدس الله اسرارهم فإذا كانوا يطالبوهم الدليل القاطع على آرائهم في تلك المسائل فكيف لا يطالبونهم الدليل على جعلها في عداد مسائل العلوم وفى كيفية البحث عنها. أو لعلهم يعتقدون بوجود (فوائد علميه) في هذه المباحث، وان خلت عن (نتائج علمية) لكنهم نسوا ان فائدة هذه العلوم لا تظهر الا في العمل، فما لا فائدة عملية فيه لا يستحق البحث، فان هذه العلوم ليس من العلوم التى تطلب لذاتها كالعلوم الباحثة عن توحيد الله تعالى وصفاته واسمائه. أو لعلهم يزعمون ان مخالفة علمائنا الاكابر رضوان الله عليهم في هذه الامور تمس كرامتهم وتضر بشأنهم، ولكن الحق ان الجمود على ما افادوه وترك السعي في تهذيبها وتنقيحها وتكميلها امس بكرامتهم واضر بشأنهم، لانه اضاعة لما راموه من اهداف العلم وتقدمه نحو الكمال. جزاهم الله عن الدين واهله خير الجزاء ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في صدورنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم

[ 17 ]

موقف القواعد الفقهية بين الفقه والاصول من اهم ما يجب على الفقيه تحقيقه والبحث عنه هي (القواعد الفقهية) التى تكون ذريعة للوصول إلى احكام كثيرة من اول الفقه إلى آخره، وتبتني عليها فروع هامة في شتى المباحث والابواب. لكن - رغما لهذا الموقف - لم يبحث عنها بما يليق بها، ولم يود حقها من البحث. لا في الفقه ولا في اصوله، الا شئ طفيف منها. كقاعدة لا ضرر وبعض القواعد الاخر كقاعدة التجاوز والفراغ التى وقع البحث عنها في بعض كتب المتأخرين من الاصوليين، بحثا تبعيا استطراديا، لا ذاتيا استقلاليا، فاصبحت هذه القواعد النفيسة كالمشردين لا تاوى دارا ولا تجد قرارا، لا نعد من الاصول ولا من الفقه، مع ان من حقها ان يفرد لها علم مستقل، كيف ونحن في حاجة شديدة منها في طيات كتب الفقه. وغير خفى انه لا يمكن تنقيحها في ضمن الابحاث الفقهية، لان كل مسألة منها يختص ببحث خاص كما ان كثيرا منها لا تمس المسائل الاصولية كى يبحث عنها في علم الاصول ولو استطرادا. نعم قد قام شر ذمة قليلون من متأخري الاصحاب بتأليف رسالات تحتوى على بعض تلك القواعد: منهم العالم الفاضل المولى محمد باقر اليزدى الحائري المتوفى قرب سنة الثلثماة بعد الالف، والمولى العلامه محمد جعفر الاسترابادي المتوفى سنة 1263 وسماه (مقاليد الجعفرية) ومنهم السيد الاجل السيد محمد مهدى القزويني المتوفى سنة 1300 (1) ولكن مع الاسف لم يصل شئ، من هذه الكتب الينا واما كتاب (القواعد) الذى صنفه شيخنا الاعظم الشهيد الاول قدس الله نفسه فليس متمحضا في سرد القواعد الفقهيه بل يحتوى على مسائل مختلفة فقهية من شتى الابواب،


(1) ذكرها العلامة الجليل محيى آثار الشيعة ومآثرها الشيخ آغا بزرگ الطهراني في كتابه القيم (الذريعة إلى تصانيف الشيعة).

[ 18 ]

واخرى اصولية، بينما يرى فيه بعض المسائل الكلامية بل اللغوية ايضا، فهو بكتاب فقهى اشبه منه بغيره. وكذا (تمهيد القواعد) للعلامة النحرير الشهيد الثاني فهو كما ذكر في مقدمته يحتوى على مأة قاعدة اصولية وما يتفرع عليها من الاحكام ومأة قاعدة ادبية مع ما يناسبها من الفروع الشرعية، واما كتاب (عوائد الايام) في بيان قواعد الاحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام، الذى الفه شيخنا المحقق النراقى قدس سره، فهو - كما يظهر من اسمه - وان اشتمل على بعض القواعد الفقهية الا انها لا يستوعبها كما انه لا يختص بها، بل يعمها وغيرها. فتحصل من ذلك كله انه لا يوجد في مؤلفاتنا تأليف يحتوى على تلك القواعد الهامة باجمعها ويبحث عنها بحثا يليق بها، ولذلك لم يبق لى شك في ان القيام بهذه المهمة بجمع تلك القواعد في موسوعة مستقلة والبحث عنها بما يليق بها خدمة للعلم واهله فقمت لها مع قلة البضاعة مستمدا من الله التوفيق والهداية، وابتهل إليه سبحانه ان يبلغني مناى في اتمامه وان يجعله ذخرا لى وتذكرة لغيري انه خير ناصر ومعين ثم اعلم ان تلك القواعد الفقهية التى يستند إليها في مختلف ابواب الفقه وان كانت كثيرة جدا الا انا نبحث في هذا الكتاب عن مهماتها وهى ثلثون قاعدة كما يلى: 1 - قاعدة لا ضرر 2 - قاعدة لا حرج 3 - قاعدة الصحة 4 - قاعدة القرعة 5 - قاعدة التجاوز والفراغ 6 - قاعدة اليد (دلالتها على الملك وصحة التصرفات وما يلحق بها من الاحكام) 7 - قاعدة الميسور (الميسور لا يسقط بالمعسور)

[ 19 ]

8 - قاعدة لا تعاد (لا تعاد الصلوة الا من خمس الخ) 9 - قاعدة الجب (الاسلام يجب عما قبله) 10 - قاعدة الالزام (الزام المخالفين بما الزموا به انفسهم) 11 - قاعد التقية 12 - قاعدة حجية قول ذى اليد 13 - قاعدة حجية قول العدل الواحد في الموضوعات 14 - قاعدة حجية البينة 15 - قاعدة الخراج بالضمان 16 - قاعدة الطهارة 17 - تبعية العقود للقصود 18 - قاعدة الحيازه (من حاز ملك) 19 - قاعدة السبق (من سبق إلى ما لم يسبق إليه احد فهو احق به) 20 - قاعدة التسلط (الناس مسلطون على اموالهم) 21 - قاعدة الغرور (المغرور يرجع إلى من غره 22 - قاعدة الاتلاف (من اتلف مال الغير فهو له ضامن) 23 - قاعدة ضمان اليد (على اليد ما اخذت حتى تؤدى) 24 - قاعدة الاقرار (من ملك شيئا ملك الاقرار به) 25 - قاعدة عدم ضمان الامين 26 - قاعدة ثبوت البينة على المدعى واليمين على من انكر 27 - قاعدة ما يضمن وما لا يضمن (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وبالعكس) 28 - قاعدة التلف في زمن الخيار (التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له) 29 - قاعدة التلف قبل القبض (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه) 30 - قاعدة اللزوم في المعاملات (كل معاملة لازمة الا ما خرج بالدليل) نبدأ بالاهم فالاهم ونجعلها في مجلدين انشاء الله تعالى ونراعى جانب

[ 20 ]

الاختصار في سرد المطالب ونقل الاقوال ولا نتعرض لها الا إذا مست الحاجة إليها عند البحث، ونصرح باساميهم واسامي كتبهم التى ننقل عنها ونجتنب عن التكنى عنهم وعن كتبهم بما تداول في هذه الايام، الا إذا ادعت إليه الضرورة، حفظا لحقوقهم العظيمة وحرصا على درك الحقيقة، فلعلل الناظر يراجع كلماتهم ويفهم منها غير ما فهمناه ويرى فيها رأيا اقرب إلى الحق والصواب. وقبل الشروع في البحث عن هذه القواعد لابد لنا من تحقيق مرادنا من (القاعدة الفقهية) وطريق تمييزها عن (المسائل الاصولية) و (المسائل الفقهية) ما هي القواعد الفقهية قد اصطلح جمع من متأخرى الاصوليين - كما يظهر من كلماتهم في مقامات مختلفة - على اطلاق هذا العنوان اعني (القاعدة الفقهية) على احكام عامة ترتبط بكثير من المسائل الفقهية، وبما ان المقصود هنا بيان مرادهم منها وجهة افتراقها عن المسائل الاصولية والفقهية وقبل ذلك لابد من الاشارة إلى تعريف المسائل الاصولية والفقهية اجمالا فنقول: اما المسائل الاصولية فقد ذكروا لها تعاريف مختلفة لا يهمنا التعرض لها ولما قيل أو يمكن ان يقال فيها كيلا نخرج عن طور البحث الذى اشرنا إليه في المقدمة، فلنذكر ما هو الحق عندنا في المقام وما يكون مقياسا لتشخيص المسائل الاصولية عن غيرها عند الشك في بعض مصاديقها، ولنقدم لذلك مقدمة وهى: ان علم (اصول الفقه) في عصرنا الحاضر يشتمل على انواع مختلفة من المسائل احدهما ما يبحث فيها عن كليات ترتبط بدلالة الالفاظ الواقعة في الكتاب والسنة ومعاقد الاجماعات، ويسمى (مباحث الالفاظ) ثانيها ما يبحث فيها عن حجية ادلة كثيرة وجواز الاستناد إليها في كشف الاحكام الشرعية ويسمى (باب الامارات والادلة الاجتهادية) ثالثها ما يبحث فيها عن وظيفة المكلف عند الشك في حكمه الواقعي مع عدم طريق إليه وهو بحث (الاصول العملية) رابعها ما يبحث فيها عن حكم تعارض الادلة الشرعية وطريق

[ 21 ]

علاجها وهو باب (التعادل والترجيح) وخامسها ابحاث تدور حول (الاجتهاد والتقليد) وحجية قول المجتهد للعامي وحدودها وشرائطها فهى قسم من بحث الحجج الشرعية الا انها مخصوصة بالمقلدين، كما ان ما قبلها اعني ابحاث التعادل والترجيح ترجع إليها ايضا لانها ترجع إلى تعيين ما هي الحجة من الادلة المتعارضة. ثم لا ريب ان علم الاصول لم يكن بادى الامر مشتملا على عامة تلك الابحاث كما يظهر بمراجعة كتب الاقدمين من الاصوليين، بل زيدت عليه تدريجا حتى بلغ ما نشاهده اليوم ولا شك في انا نرى نحوا من الارتباط بين هذه المسائل اجمالا بحيث لا يستنفر الطبع من جعلها علما واحدا منفردا بالتدوين، وهذا شئ يظهر للناظر في اول نظره، كما انا نرى بينهما اشتراكا في الاثر وهو انها تعطى الفقيه قدرة قريبة على كشف الاحكام الشرعية عن مداركها، واشتراك جميع مسائلها في هذا الاثر ايضا مما لا ينكر، اضف إلى ذلك انا نرى فرقا واضحا بين هذه المسائل وسائر العلوم التى يحتاج إليها في الفقه كعلمى الرجال والحديث واللغة وغيرها بحيث إذا عرض علينا بعض تلك المسائل لم نشك انها من الاصول أو ليست منها، كل ذلك معلوم بالوجدان. وهذه الامور، اعني الارتباط الذى يوجد بين تلك المسائل، واتحادها في الاثر الخاص، وتمايزها عن مسائل سائر العلوم، المعلوم بالوجدان اجمالا، كلها حاكية عن وجود نوع من الوحدة بين تلك المسائل يتجلى بانحاء مختلفة ومن الواضح ان جمع هذه المسائل المختلفة بهذا النحو وجعلها علما واحدا كما تصدى له جمع من المحققين وقرره الاخرون لم يكن صدفة واتفاقا بل لم يحملهم على ذلك الا الربط الواقعي بينها. فاذن لا يمكننا القول بخروج بعض هذه الابحاث من المسائل الاصلية وعدها بحثا استطراديا كما ارتكبه كثير منهم، حتى جعل المحقق القمى قدس سره جل تلك المباحث الا ما شذ منها خارجا عن مسائل الاصول داخلا في مباديها، نظرا إلى انها ليست ابحاثا عن عوارض الادلة الاربعة بل عن الادلة بما هي ادلة. وليت شعرى إذا كانت عامة مباحث الالفاظ وجميع ابحاث الادلة الاجتهادية وكذا الاصول العملية خارجة عن علم الاصول فاين هذا العلم الذى فرع الاسماع وملاء الكتب؟ وهل هو البحث عن احوال تعارض

[ 22 ]

الدليلين فقط؟ وما الداعي إلى اخراج هذه المسائل المهمة عن علم الاصول؟ ويتلوه في الضعف قول من يرى دخول مباحث الالفاظ طرا في مبادى هذا العلم، مع انها تقرب من نصف مسائل الاصول ولا يرى أي فرق بينها وبين غيرها من مسائلها فيما يرام من اهدافه فالحق ان تصحيح التعاريف التى ذكروها للاصول اهون من ارتكاب التفكيك بين تلك المسائل. والتعريف الجامع بين عامة تلك المسائل وما اشبهها، الحاكى عن الوحدة التى تتضمنها، هو ان يقال: (ان مسائل الاصول هي القواعد العامة الممهدة لحاجة الفقيه إليها في تشخيص الوظائف الكلية للمكلفين) فالمسائل الاصولية تمتاز عن غيرها من المسائل الفقهية والقواعد الفقهية وسائر العلوم بامور: اولها - انها ممهدة لحاجة الفقيه إليها في تشخيص وظائف المكلفين، ولهذا تمتاز عن العلوم الادبية وامثالها التى لا يستغنى عنها الفقيه، حيث لم تمهد لذلك كما انه يعلم منه ان البحث عن صيغة الامر ومادتها وكذا المشتق وامثاله ابحاث اصولية وان كانت تشبه الابحاث اللغوية والادبية، لانها مهدت لحاجة الفقيه إليها ثانيها - ان نتائجها احكام ووظائف كلية، فالبحث عن حجية الاستصحاب في الشبهات الموضوعية وكذا البرائة والاحتياط الجاريتان فيها وما شاكلها ليست ابحاثا اصولية لان نتائجها احكام ووظائف شخصية ثالثها - انها لا تختص بباب دون باب وبموضوع معين دون آخر، بل تشمل جميع الموضوعات في جميع ابواب الفقه، مهما وجد لها مصداق، فان البحث عن هيئة الامر ومادته وابحاث العموم والخصوص وكذلك ابحاث الادلة الاجتهادية والاصول العملية واحكام التعارض وغيرها لا يختص بموضوع دون اخر وبباب من ابواب الفقه دون باب وبهذا تمتاز عن القواعد الفقهية كما سيأتي شرحه انشاء الله ومما ذكرنا تعرف انه ليس من شرط المسألة الاصولية الوقوع في طريق استنباط الحكم، كما يظهر من غير واحد من الاعلام، وذلك لان البحث في كثير من مسائله بحث عن نفس الحكم الشرعي لا عما يقع في طريق استنباطه، كالبحث عن

[ 23 ]

البرائه الشرعية في الشبهات الحكمية المستفادة من قوله عليه السلام (كى شئ لك حلال) بناء اعلى شموله للشبهات الحكمية، فان هذا البحث بحث عن حكم شرعى عام، وهو الاباحة، غاية الامر انه لا يختص بباب دون باب وبموضوع دون آخر، بخلاف الاحكام المبحوث عنها في الفقه. وكذا الكلام في غير البرائة من الاصول العملية عقلية كانت أو شرعية، فان ما اشتمل منها على حكم ظاهري شرعى كان البحث منه بحثا عن نفس الحكم الشرعي واما في غيره فالبحث يدور مدار بيان وظيفة الشاك عند الحيرة والشك على نحو كلى عام من دون اختصاص بباب دون باب وبموضوع دون آخر، كما هو شأن المسائل الفرعية. واما المسائل الفقهية فهى (المسائل الباحثة عن الاحكام والوظائف العملية الشرعية وما يؤل إليها وعن موضوعاتها الشرعية) فالمسائل الباحثة عن الاحكام الخمسة المشهورة، وكذا ما يبحث عن الاحكام الوضعية، وما يبحث عن ماهية العبادات، وكذا البحث عن مثل الطهارة والنجاسة الثابتتين لموضوعات خاصة، مما يؤل إلى الاحكام تكليفية أو وضعية تتعلق بافعال المكلفين، كلها ابحاث فقهية داخلة فيما ذكرنا، كما ان البحث عن عبادات الصبى وسائر الاحكام التى تشمله ايضا كذلك، فموضوع المسألة الفقهية ليس خصوص الافعال، ولا افعال المكلفين، لاستلزامه القول بالاستطراد في كثير من مسائله، كالابحاث المتعلقة بعبادات الصبى وساير افعاله، وكالمسائل الباحثة عن احكام وضعية متعلقة باعيان خارجية كاحكام المياه والمطهرات والنجاسات، ولا داعى إلى اخراجها من الفقه مع كثرتها، كما انه لا وجه لصرفها عن ظاهرها أو ارجاعها إلى البحث عن افعال المكلفين بالتعسف والتكلف ومن هنا تعرف ان القواعد الفقهية (هي احكام عامة فقهية تجرى في ابواب مختلفة) وموضوعاتها وان كانت اخص من المسائل الاصولية الا انها اعم من المسائل الفقهية. فهى كالبرازخ بين الاصول والفقه، حيث انها اما تختص بعدة

[ 24 ]

من ابواب الفقه لا جميعها، كقاعدة الطهارة الجارية في ابواب الطهارة والنجاسة فقط، وقاعدة لا تعاد الجارية في ابواب الصلوة فحسب، وقاعدة ما يضمن وما لا يضمن الجارية في ابواب المعاملات بالمعنى الاخص دون غيرها. واما مختصة بموضوعات معينة خارجية وان عمت ابواب الفقه كلها، كقاعدتي لا ضرر ولا حرج فانهما وان كانتا تجريان في جل ابواب الفقه أو كلها، الا انهما تدوران حول موضوعات خاصة، وهى الموضوعات الضررية والحرجية. وهذا بخلاف المسائل الاصولية فانها اما لا تشتمل على حكم شرعى اصلا بل يكون واقعا في طريق استنباطه ككثير من مسائله، واما تتضمن حكما عاما كالبرائة الشرعية الجارية فيما لا نص فيه على ما عرفت من غير اختصاص بموضوع دون آخر بل تجرى في جميع الموضوعات إذا فقد فيها النص لا يقال: انها تختص ايضا بموضوع خاص وهو ما لا نص فيه، فانا نقول: ان هذه الخصوصية ليس خصوصية خارجية من قبل ذات الموضوع، وانما هي خصوصية ناشئة من ملاحظة حكم الشرع كما لا يخفى على الخبير. والغرض من جميع ما ذكرنا في تعريف المسألة الاصولية والفقهية والقاعدة الفقهية تشخيص حال بعض المسائل المتشابهة التى قد يقع البحث عنها، وانها من الاصول أو من القواعد الفقهية أو من الفقه نفسه. ومن المعلوم ان تشخيص؟؟ حال المسألة و اندراجها في كل واحد من العلوم له دخل تام في طور البحث عنها وكيفية استفادتها عن مباديها الخاصة، فان كل واحد من هذه العلوم يمتاز بنوع من البحث لا يجرى في غيره، كما اشرنا إليه في المقدمة فكن على بصيرة منها. فائدة - قد اشتهر في السنة جماعة من الاصوليين ان المسائل الاصولية تنفع المجتهد دون المقلد، بخلاف المسائل الفقهية فانها تنفع المجتهد والمقلد كليهما، وقد يجعل هذا طريقا لتمييز المسألة الاصولية عن الفقهية. ومن نتائج هذا البحث - كما صرحوا به - هو ان تطبيق كبريات المسائل

[ 25 ]

الفقهية على مصاديقها الجزئية ليس من شأن الفقيه، بل عليه بيان الاحكام الفرعية الكلية الدائرة على موضوعاتها العامة واما تشخيص مصاديقها وتطبيقها عليها عند الحاجة إليها فهو موكول إلى المقلد، ليس للفقيه فيه نصيب اصلا - اللهم الا في عمل نفسه. وعلى هذا لو كان تشخيص المقلد في بعض الموضوعات مخالفا لمجتهده فليس قوله حجة في حقه، بل كل يعمل على شاكلته. وفيه اشكال واضح، فانه مخالف لما استقر عليه ديدنهم في طيات كتب الفقه، فنراهم يكثرون البحث عن تشخيص المصاديق الخارجية وصدق العناوين العرفية الواردة في ادلة الاحكام الشرعية على مصاديق مشكوكة وعدم صدقها ثم الافتاء بما يستقر عليه انظارهم. فنراهم مثلا يبحثون عن (التغيير) الموجب لنجاسة الماء وانه صادق على التقديرى حتى يحكم بنجاسته إذا تغير تقديرا ام لا، وعن الماء الذى نقص عن الكر بمقدار يسير ان اطلاق (الكر) عليه هل هو من باب المجاز والمسامحة ام حقيقة بنظر العرف حتى يجرى عليه احكام الكر؟ وكذا ما اشبهه من التحديدات الواردة في الشريعة، وعن الاحجار المأخوذة من المعادن، هل يصدق عليها عنوان (الارض) الوارد في ابواب ما يصح السجود عليه حتى يصح السجود عليها ام لا؟ وانه هل يجوز السجود على قشور الفواكه مطلقا أو بعد انفصالها، نظرا إلى صدق عنوان (ما اكل) الوارد في اخبار الباب عليها ام لا؟ إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، فان جميع ذلك في الحقيقة راجعة إلى تشخيص الموضوعات العرفية الخارجية، فلولا ان هذه التطبيقات موكولة إلى نظر الفقيه لكان من الواجب الافتاء بالكليات فقط بان يقال: الماء إذا تغير بالنجاسة نجس، والكر طاهر مطهر، ويجب السجود على الارض وما خرج منها الا ما اكل ولبس، و يخلى بين المقلدين وبين مصاديق هذه الكبريات الكلية. والسر في جريان سيرتهم في الفقه على ذلك ان ملاك التقليد - وهو لزوم رجوع الجاهل إلى العالم - لا يختص بالاحكام الكلية، بل قد يحتاج تطبيق كثير من الموضوعات العرفية على مصاديقها إلى دقة في النظر وتعمق في الفكر، خارجة

[ 26 ]

عن قدرة العوام كالامثلة المذكورة، فعليهم الرجوع فيها إلى نظر المجتهد ورأيه، والمجتهد يرجع في تشخيصها إلى ارتكازاتهم المغفولة الموجودة في اعماق اذهانهم واذهان جميع اهل العرف - ومنهم مقلديه - فيستخرجها وبها يكشف صدق هذه العناوين على المصاديق المشكوكة وعدمه، فيفتى بمقتضاه. نعم في المفاهيم الواضحة التى لا فرق فيها بين المجتهد والعامي - كمفهوم الماء والدم وامثالهما - كل يرجع إلى تشخيصه وليس تشخيص واحد منهما حجة في حق غيره. ومنه يظهر وجه عدم جواز تفويض امر الاستصحاب وغيره من الاصول العملية في الشبهات الموضوعية إلى المقلدين مع انها ليست من المسائل الاصولية قطعا، و الوجه فيه ان تشخيص مجاريها ومعارضاتها والحاكم والمحكوم منها مما لا يقدر عليه العامي فهو جاهل بها ويجب عليه الرجوع إلى العالم بها وقد عرفت ان رجوع الجاهل إلى العالم لا يختص بالاحكام الكلية، بل يعمها والموضوعات المشكلة وما شاكلها لاتحاد ملاك الرجوع في الجميع. اقسام القواعد الفقهية تنقسم القواعد الفقهية إلى اقسام: الاول - ما لا يختص بباب من الفقه دون باب بل يجرى بحسب مدلوله في جل الابواب أو كلها الا ان يمنع منه مانع، مثل قاعدة لا ضرر وقاعدة لا حرج وقاعدتي القرعة والصحة على قول، ولنسمها (القواعد العامة). الثاني - ما يختص بابواب المعاملات بالمعنى الاخص ولا يجرى في غيرها، كقاعدة التلف في زمن الخيار، وقاعدة ما يضمن وما لا يضمن، وقاعدة عدم ضمان الامين وما شابهها. الثالث - ما يختص بابواب العبادات، كقاعدة لا تعاد، وقاعدة التجاوز والفراغ على المعروف، وما يضاهيهما. الرابع - ما يجرى في ابواب المعاملات بالمعنى الاعم كقاعدة الطهارة وغيرها.

[ 27 ]

الخامس ما يعمل لكشف الموضوعات الخارجية الواقعة تحت ادلة الاحكام مثل حجية البينة وحجية قول ذى اليد، وكفاية العدل الواحد في الموضوعات وعدمها فهى كالامارات التى يستند إليها في باب الاحكام والفرق بينها وبين هذا القسم من القواعد الفقهية انها تعمل لكشف الاحكام الكلية وهذه تعمل لكشف الموضوعات، إلى غير ذلك من الاقسام. والاولى ان نخص كل قسم من هذه الاقسام ببحث مستقل لما بين القواعد المندرجة تحت كل قسم من القرابة والمشاكلة الموجبة لتسهيل الامر في اثباتها و درك حقائقها وحل مشكلاتها. (والحمد لله اولا وآخرا)

[ 28 ]

القاعدة الاولى قاعدة لا ضرر هذه القاعدة من اشهر القواعد الفقهية، يستدل بها في جل ابواب الفقه من العبادات والمعاملات، بل هي المدرك الوحيد لكثير من المسائل، ولهذا افردوها بالبحث وصنف فيها غير واحد من اعاظم المتأخرين رسالات مستقلة بينوا فيها حال القاعدة من حيث مدركها ومعناها، وفروعها ونتائجها. منهم العلامة الاكبر شيخنا الاعظم الشيخ مرتضى الانصاري قده، صنف فيها رسالة طبعت في ملحقات مكاسبه بعد ان تعرض لها استطرادا في فرائده ذيل قاعدة الاشتغال، والعلامة المحقق شيخ الشريعة الاصفهانى قده، والعلامة النحرير النائيني قده، وجعلها العلامة النراقى قده، العائدة الرابعة من (عوائده). فبعضهم تقبلها بقبول حسن وجعلها مدركا لكثير من الفروع الفقهية، وبعضهم خرب بنيانها من القواعد واعتقد بعدم امكان الاعتماد عليها لاثبات شئ من الفروع التى لا يوجد لها مدرك سواها، وبعضهم رآها حكما قضائيا يعتمد عليها في ابواب القضاء لا غير، بما سنتلو عليك منها ذكرا فهذه القاعدة تليق بالبحث والتفتيح التام لكى يتضح حال تلك الفروع الكثيرة المتفرعة عليها في الابواب المختلفة من الفقه. فنقول - ومن الله جل ثنائه التوفيق والهداية - ان الكلام فيها يقع في مقامات: المقام الاول في مدركها لا ريب في ان نفى الضرر والضرار في الجملة من الامور التى يستقل بها العقل، و يشهد له في مقامات خاصة آيات من الكتاب العزيز:

[ 29 ]

قال الله تعالى: لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده (1) نهى سبحانه عن اضرار الام بولدها بترك ارضاعه غيظا على ابيه لبعض الجهات، كما انه نهى عن اضرار الاب بولده بمنع رزقهن وكسوتهن بالمعروف مدة الرضاع، فيمتنعن عن ارضاع الولد، فيتضرر منه الولد، وهذا اظهر الاحتمالات في معنى الاية الشريفة، ويشهد له صدرها ايضا حيث قال سبحانه: (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) فانه يشتمل على حكمين: حكم ارضاع الام حولين كاملين وحكم الانفاق عليهن مدة الرضاع، وذيل الاية متمم لهذين الحكمين فكأنه سبحانه قال: فان ابى احدهما عن القيام بما هو وظيفة له - الاب من الانفاق والام من الارضاع - فعلى الاخر ان لا تعامله بترك وظيفته فيضر بالولد من هذه الناحية، ويؤيده ايضا قوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) كما لا يخفى، وعلى هذا يكون قوله (لا يضار) مبنيا للفاعل والباء زائدة فان المضارة تتعدى بنفسها وقد يذكر في معنى الاية احتمالات اخر مبتنية على كون (لا تضار) منبيا للمفعول والباء للسببية مثل ما ذكره الفاضل المقداد في (كنز العرفان في فقه القرآن) حيث قال: (قيل ان المرادان لا يضار بالوالدة بان يترك جماعها خوفا من الحمل ولا هي تمتنع من الجماع خوفا من الحمل فتضر بالاب روى عن الباقر والصادق عليهما السلام) وعلى هذا المعنى، الاية تدل على نهى الاب عن الاضرار بالام وبالعكس بسبب خوف الولد، وعلى الاول تدل على نهيهما عن الاضرار بالولد، فهى على كل حال دالة على نفى الضرر والنهى عن الاضرار في الجملة وهو المطلوب واما تمام الكلام في فقه الاية فهو في محله وقال ايضا في حق النساء المطلقات: (ولا تضار وهن لتضيقوا عليهن) (2) نهى سبحانه عن الاضرار والتضييق على المطلقات في السكنى والنفقة في ايام عدتهن، كما اوصى بهن في موضع آخر بقوله: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا (3) نهى عن الرجوع إلى المطلقات الرجعية لا لرغبة فيهن بل لطلب الاضرار بهن كالتقصير في النفقة أو


(1) البقرة - 233 (2) الطلاق - 6 (3) البقرة - 231

[ 30 ]

لتطويل المدة حتى تلجأ إلى بذل مهرها - كما اشار إليه في كنز العرفان. وقال سبحانه ناهيا عن الاضرار بالوارث وتضييع حقوقهم: (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار) (1) نهى عن الاضرار بالوراث في الوصية بان يوصى ببعض الوصايا اجحافا عليهم ودفعا لهم عن حقهم أو يقر بدين ليس عليه دفعا للميراث عنهم ويشير إليه ايضا قوله تعالى: (فمن خاف من موص جنفا أو اثما فاصلح بينهم فلا اثم عليه) والجنف هو الميل إلى افراط أو تفريط والاضرار بالورثة. وقال ايضا ولا يضار كاتب ولا شهيد (2) نهى عن اضرار كاتب الدين والشاهد عليه أو على البيع، بان يكتب ما لم يمل أو يشهد بما لم يستشهد عليه، هذا إذا قدر الفعل اعني لا يضار مبنيا للفاعل، واما إذا قدر مبنيا للمفعول فالنهى انما هو عن الاضرار بالكتاب والشهداء إذ ادوا حق الكتابة والشهادة، على اختلاف الاقوال في تفسير الاية الشريفة. هذا ولكن العمدة في اثبات هذه القاعدة على وجه عام هي الروايات الكثيرة المدعى تواترها، المروية من طرق الفريقين، وان اختلفت من حيث العبارة بل المضمون حيث ان بعضها عام وبعضها خاص الا ان مجموعها كاف في اثبات هذه الكلية. وبما ان في استقساء هذه الروايات فوائد جمة لا تنال الا به فاللازم ذكر ما وقفنا على في كتب اعلام الفريقين مما ذكرها المحققون في رسالاتهم المعمولة في المسألة وما لم يذكروها ليتم الفائدة بذلك انشاء الله، وانى وان بذلت جهدي في جمعها واستقصائها واوردت ما اوردها الاصحاب في هذا الباب واضفت عليها ما ظفرت به مما لم يشيروا إليه، لكن لعل باحثا يقف على ما لم اقف عليه فان العلم غير محصور على قوم وكم ترك الاول للاخر. وكيف كان نبدء بذكر اخبار اصحابنا الاعلام، ثم نتبعها بذكر ما اورده الجمهور في اصولهم. فما يدل على هذه القاعدة بعمومها من طرق الاصحاب روايات: 1 - ما رواه الكليني رضوان الله عليه في الكافي عن ابن مسكان عن زرارة عن


1 - النساء - 16 و 17، 2 - البقرة - 284

[ 31 ]

ابى جعفر الباقر عليه السلام، قال: ان سمرة بن جندب (1) كان له عذق، وكان طريقه إليه في جوف منزل رجل من الانصار، فكان يجئ ويدخل إلى عذقه بغير اذن من الانصاري فقال الانصاري: يا سمرة: لا تزال تفجأنا على حال لا نحب ان تفجأنا عليه، فإذا دخلت فاستأذن. فقال: لا استأذن في طريق، وهو طريقي إلى عذقى. قال: فشكاه الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه واله فارسل إليه رسول الله صلى الله عليه واله فاتاه فقال: ان فلانا قد شكاك وزعم انك تمر عليه وعلى اهله بغير أذنه: فاستأذن عليه إذا اردت ان تدخل، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله استأذن في طريقي إلى


1 - (سمرة) بفتح الاول وضم الثاني وفتح الثالث، و (جندب) بضم الاول وسكون الثاني وفتح الثالث على وزن (لعبة) صحابي من بنى شمخ بن فزارة. والذى يظهر من تتبع كتب الرجال والسير، لا سيما ما نقله العلامة الممقانى وابن ابى الحديد، في ترجمة الرجل انه كان من اشد الناس قسوة وعداوة لاهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، وكان لا يبالى بقتل الابرياء وجعل الاكاذيب وتحريف الكلم عن مواضعه، واليك نبذ مما التقطناها من مخازيه: 1 - ان معاوية بذل لسمرة بن جندب مأة الف درهم على ان يروى عن النبي صلى الله عليه وآله ان هذه الاية نزلت في على عليه السلام: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو الد الخصام - إلى قوله تعالى - والله لا يحب الفساد) وان هذه نزلت في ابن ملجم (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد) فلم يقبل فزاده حتى بلغ اربعمأة الف فقبل! (نقله ابن ابى الحديد في شرحه على نهج البلاغة) 2 - استخلف زياد سمرة بن جندب على البصرة فاتى الكوفة وقد قتل ثمانية آلاف من الناس (وفى رواية من الشيعة!) فقال له زياد هل تخاف ان تكون قتلت احدا بريئا؟ قال لو قتلت مثلهم ما خشيت! (رواه أبو جعفر الطبري في احداث سنة خمسين من تاريخه). 3 - قال سمرة: والله لو اطعت الله كما اطعت معاوية لما عذبني ابدا: (نقله الطبري وابن الاثير). 4 - ان سمرة بن جندب عاش حتى حضر مقتل الحسين (ع) وكان من شرطة ابن زياد و كان في ايام مسير الحسين عليه السلام إلى العراق يحرض الناس على الخروج إلى قتاله (نقله ابن ابى الحديد في شرحه) ولكن الذى يوهن هذه الرواية ما نقله من جماعة منهم البخاري انه مات سنة 58 وفى نقل آخر 59 وفى نقل ثالث 60 مع ان وقعة الطف كانت سنة 61 فتدبر * *

[ 32 ]

عذقى؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله خل عنه ولك مكانه عذق في مكان كذا وكذا، فقال: لا، قال: فلك اثنان قال: لا اريد، فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق فاقل: لا، قال فلك عشرة في مكان كذا وكذا. فابى، فقال: خل عنه ولك مكانه عذق في الجنة قال: لا اريد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله انك رجل مضار ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن قال ثم امر بها رسول الله صلى الله عليه وآله فقلعت ورمى بها إليه وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله انطلق فاغرسها حيث شئت (نقله في الوسائل في الباب 12 من كتاب احياء الموات). 2 - ما رواه في الكافي ايضا عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار وكان منزل الانصاري بباب البستان، فكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن، فكلمه الانصاري ان يستأذن إذا جاء، فابى سمرة، فلما تابى جاء الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا إليه وخبره الخبر فارسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وخبره بقول الانصاري وما شكاه، قال: إذا اردت الدخول فاستأذن فابى، فلما ابى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله فابى ان يبيع، فقال لك بها عذق يمد لك في الجنة فابى ان يقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للانصاري: اذهب فاقلعها وارم بها إليه فانه لا ضرر ولا ضرار، (رواه في الوسائل في الباب 12 من كتاب احياء الموات ثم قال: ورواه الصدوق باسناده عن ابن بكير نحوه، ورواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد بن خالد مثله). ولا يخفى ان هذه الرواية وما قبلها رواية واحدة تحكى عن قضية واحدة نقلها


* * ولو لم يكن دليل على فسق الرجل ومعاداته للحق واوليائه الا هذه الرواية المنقولة في المتن عن الجوامع المعتبرة الحاكية عن اعتدائه على الانصاري، لكان كافيا، فانه صريح في طغيانه واجترائه على رسول الله صلى الله عليه وآله والتبارز بعصيانه قبال امره الموكد بانواع التأكيد وقد قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (النساء - 69) بل قد يلوح منها امارات كفره، فان من البعيد ان يكون الانسان مؤمنا بالمعاد ووعدة تعالى بالثواب والجزاء ثم لا يقبل ضمان رسوله صلى الله عليه وآله نعم الجنة له ضمانا صريحا بثمن بخس.

[ 33 ]

زرارة عن ابى جعفر الباقر عليه السلام وعمدة الفرق بين الطريقين هو ذكر قيد (على مومن) في قوله (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن) في الاول منهما دون الاخير، وسياتى ان له دخلا في فهم مغزى الحديث، 3 - ما رواه الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) باسناده عن الحسن الصيقل عن (ابى عبيدة الحذاء) قال أبو جعفر (ع) كان لسمرة بن جندب نخلة في حائط بنى فلان فكان إذا جاء الرجل إلى نخلته نظر إلى شيئى من اهل الرجل فكرهه الرجل فذهب الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشكاه فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله ان سمرة يدخل على بغير اذنى فلو ارسلت إليه فأمرته ان يستاذن حتى تأخذ اهلي خدرها منه، فارسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فدعاه فقال: يا سمرة! ما شأن فلان يشكوك ويقول تدخل بغير اذنى فترى من اهله ما يكره ذلك؟ يا سمرة! استأذن إذا انت دخلت، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وآله يسرك ان يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال: لا، قال: لك ثلثة قال: لا، قال: ما اراك يا سمرة الا مضارا اذهب يا فلان فاقلعها واضرب بها وجهه (رواه فيمن لا يحضره الفقيه في باب حكم الحريم) وهذه الرواية كما ترى خالية عن ذكر فقرة (لا ضرر ولا ضرار) ولكنها مشتملة على صغراها وهى قوله: ما اراك يا سمرة الا مضارا)، وكيف كان فلا ريب في ان هذه الروايات الثلاث حكاية عن قضية واحدة وان اختلفت عباراتها وبعض خصوصياتها، نقلها (زرارة) تارة و (أبو عبيدة الحذاء) اخرى، ويظهر منها انه كان لسمرة بن جندب حق العبور إلى نخلته من باب البستان الذى كان عنده دار الانصاري، ولكن اراد استيفاء حقه مع الاضرار بالانصارى ولم يرض بالجمع بين حقه وحق الانصاري بان يكون دخوله مع استيذان منه بل ولم يرض بالاستبدال عنها فدفع عنه رسول الله صلى الله عليه وآله شره وامر بقلع نخلته، لانحصار طريق استخلاص الانصاري الظالم المجحف فيه، وفى فقه الرواية ابحاث تأتى في محله عن قريب انشاء الله. 4 - ما رواه في الكافي عن عقبة بن خالد عن ابى عبد الله (ع): قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن وقال: لا ضرر ولا ضرار وقال إذا ارفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة (رواه في الوسائل عن الكافي في الباب 5 من ابواب

[ 34 ]

الشفعة، ثم اشار إلى رواية الشيخ والصدوق له بطرقهما الا ان في رواية الصدوق زيادة وهى: (ولا شفعة الا لشريك غير مقاسم)). ويظهر من هذا الحديث ان العلة أو الحكمة في جعل (حق الشفعة) للشريك هي لزوم الضرر والاضرار عند فقده فان الانسان لا يرضى باى شريك، ويدل ايضا على ان هذا الحق ثابت في المشاع وقبل القسمة، واما بعدها فلا شفعة وهو المراد من قوله: إذا ارفت الارف (أي اعلمت علامات القسمة) وحدت الحدود فلا شفعة، ويدل عليه ايضا الزيادة الواردة في طريق الصدوق وهو قوله (ع) ولا شفعة الا لشريك غير مقاسم (1). وفى هذا الحديث ايضا ابحاث تدور حول قوله (ع) لا ضرر ولا ضرار وانها رواية مستقلة ذكره الراوى مع حكم الشفعة من باب الجمع في الرواية والنقل، أو انها من تتمة رواية الشفعة، والكلام فيها ياتي عن قريب انشاء الله. ورواها في (مجمع البحرين) في مادة (ضرر) الي قوله لا ضرر ولا ضرار الا ان فيه التقييد بقوله (في الاسلام) بعد قوله ولا ضرار. وليكن هذا على ذكر منك. 5 - ما رواه في الكافي عن عقبة بن خالد عن ابى عبد الله (ع) قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بين اهل المدينة في مشارب النخل انه لا يمنع نفع الشيئ (2) وقضى بين اهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، فقال: لا ضرر ولا ضرار (رواه في الوسائل في الباب السابع من ابواب احياء الموات) قال العلامة المدقق شيخ الشريعة الاصفهانى قدس سره ان في النسخة المصححة من الكافي عنده: (وقال لا ضرر ولا ضرار) - لا - فقال الخ بان يكون هذه الفقرة معطوفة على ما قبلها بالواو بالفاء فليكن هذا ايضا على ذكر منك. اقول: وهنا شئ


1 - قال شيخ الطائفة قدس سره في الخلاف في كتاب الشفعة في المسألة الثالثة: و معنى ارف عليه اعلم عليه قال أبو عبيدة: يقال ارفتها تأريفا أي اعلمت لها علامات و هي لغة اهل الحجاز. انتهى كلامه. 2 - الاصح على ما في بعض النسخ (النقع) وهو فاضل الماء، يقال: (نقع البئر) أي فاضل مائها

[ 35 ]

يجب التنبيه عليه وهو انه قد وقع الخلاف بينهم في ان مالك البئر إذا قضى حاجته وحاجة مواشيه وزرعه من مائها وفضل بعد ذلك شئ فهل يجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه أو شرب ماشيته أو سقى زرعه، أو مع العوض، ام لا؟ والمعروف بينهم انه لا يجب، ولكن المحكى عن شيخ الطائفة في المبسوط وفى الخلاف وعن ابن الجنيد والسيد ابى المكارم بن زهرة انه يجب بذله لمن احتاج إليه لشربه وشرب ماشيته خاصة والمسألة معنونة في كتاب (احياء الموات) ولنا في تأييد مختار الشيخ قدس سره وتضعيف ما ذهب إليه المشهور كلام يأتي وفى معنى قوله: (لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء) احتمالات احدها ان صاحب البئر إذا منع فضل مائها عن اهل البادية، حتى منعوا عن سقى مواشيهم عند العطش الحاصل عادة بعد الرعى، لم يقدروا على رعى مواشيهم حول الآبار ومنعوا من الاستفادة عن كلائها، فمنع فضل الماء يمنع عن فضل الكلاء ثانيها ان صاحب البئر إذا منع فضل مائها عن اهل البادية قابله صاحب الكلاء بمنع فضل كلائه منه ثالثها ان صاحب البئر إذا منع فضل مائها فلعل اهل البادية يحتاجون إليه لزرعهم وكلائهم وذلك يضربهم ويمنعهم عن الزرع والكلاء فلهذا امر صاحب البئر بان لا يمنع فضل مائها حتى لا يمنع فضل الكلاء. ولعل اوجه الاحتمالات هو الاول فتدبر. 6 - ما ارسله الصدوق قدس سره: قال قال النبي صلى الله عليه وآله: الاسلام يزيد ولا ينقص، قال وقال لا ضرر ولا ضرار في الاسلام، فالاسلام يزيد المسلم خيرا ولا يزيده شرا قال وقال: الاسلام يعلو ولا يعلى عليه (اخرجه في الوسائل في الباب الاول من ابواب الارث في المجلد الثالث) والظاهر ان الصدوق قده جمع هنا بين روايات ثلث واردة بطرق مختلفة ليستدل بها على ان المسلم يرث عن غير المسلم: احدها - قوله: الاسلام يزيد ولا ينقص، ثانيها - لا ضرر ولا ضرار في الاسلام. ثالثها - الاسلام يعلو ولا يعلى عليه. اما قوله (فالاسلام يزيد المسلم خيرا ولا يزيده شرا) فالظاهر انه تفريع على الرواية الاولى، والذى يؤيد ذلك ما رواه في الوسائل في هذا الباب

[ 36 ]

بعينه عن (معاذ) انه ورث المسلم عن اخيه اليهودي - وكان عندئذ باليمن - وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الاسلام يزيد ولا ينقص فاستدل معاذ بهذه الرواية على ان المسلم يرث عن اخيه اليهودي فعلى هذا ليس مجموعها رواية واحدة واردة في باب الارث مشتملة على نفى الضرر والضرار كى تعد رواية مغايرة لغيرها من الروايات ويؤيده ايضا ما رواه (الحاكم) في المستدرك (1) عن النبي صلى الله عليه وآله الاسلام يزيد ولا ينقص، مجردا عن هذا الذيل اعني قوله لا ضرر ولا ضرار. 7 - ما رواه المحدث النوري في المستدرك (2) عن دعائم الاسلام عن ابى عبد الله (ع) انه سئل عن جدار الرجل وهو سترة بينه وبين جاره، سقط عنه، فامتنع من بنائه قال: ليس بجبر على ذلك الا ان يكون وجب ذلك لصاحب الدار الاخرى بحق أو بشرط في اصل الملك، ولكن يقال لصاحب المنزل اشتر على نفسك في حقك ان شئت، قيل له: فان كان الجدار لم يسقط ولكنه هدمه أو اراد هدمه اضرارا بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه: قال: لا يترك (3) وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا ضرر ولا ضرار، وان هدمه كلف ان يبنيه. ولكن لا يظهر من هذه الرواية ان هذه الفقرة كانت مذكورة في كلام النبي صلى الله عليه وآله مجردة عن غيرها فلعله (ع) اخذه من قول النبي صلى الله عليه وآله الوارد في قضية سمرة بن جندب بعنوان كبرى كلية يستدل بها على مورد السؤال، وهذا امر جائز للامام (ع) كما يجوز لغيره فلا يجوز الاستشهاد بهذه الرواية على كون هذه الفقرة قضية مستقلة من قضايا النبي صلى الله عليه وآله كما قد يتوهم. فكن على بصيرة منه، حتى احدث لك منه ذكرا. 8 - ما رواه في المستدرك ايضا عن دعائم الاسلام عن ابي عبد الله عن ابيه عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا ضرر ولا ضرار. وهذه ايضا - كالتى قبلها - لا تدل على كون الفقرة المذكورة كلاما مستقلا من كلمات النبي صلى الله عليه وآله وقضاءا غير ما ورد في ذيل رواية سمرة


(1) في المجلد الرابع ص 345 (2) في المجلد الثالث ص 150 (3) أي لا يترك حتى يفعل ذلك

[ 37 ]

9 - ما رواه الشيخ في التهذيب باسناده عن هارون بن حمزة الغنوى عن ابي عبد الله (ع): في رجل شهد بعيرا مريضا وهو يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم واشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس والجلد، فقضى ان البعير برئ فبلغ ثمنه دنانير قال وفقال: لصاحب الدرهم خمس ما بلغ، فان قال: اريد الرأس والجلد فليس له ذلك، هذا الضرار وقد اعطى حقه إذا اعطى الخمس (رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب بيع الحيوان من كتاب التجارة) ويمكن عد هذه الرواية من الروايات العامة نظرا إلى ظهور قوله (هذا الضرار) في كونه صغرى لكبري كلية مفهومة من العبارة، كما هو المعمول في حذف الكبريات في مقام التعليل والاكتفاء بذكر صغراها، فكأنه قيل: هذا الضرار ولا ضرار، اولا يجوز الضرار. واحتمال كون الكبرى المحذوفة مقيدة بقيود لم يكن المقام مقام ذكرها، لكونه من مصاديقها على كل حال، بعيد عن ظاهر العبارة كما لا يخفى على من لاحظ نظائرها، مضافا إلى ان ظاهره كون التعليل بامر ارتكازى عقلي ولا قيد في هذا الحكم بنظر العقل فتدبر، وكيف كان فهى دالة على نفى الضرار فقط فلو قلنا بالفرق بينه وبين عنوان الضرر كما هو الاقوى فلا تكون دالة على نفى الضرر. هذه هي الروايات الدالة على هذا الحكم عموما. واليك بعض ما ورد في الموارد الخاصة المؤيدة لما سبق من العمومات: 10 - ما رواه في الكافي عن محمد بن حفص عن رجل عن ابى عبد الله (ع) قال: سألته عن قوم كانت لهم عيون في ارض، قريبة بعضها من بعض، فاراد رجل ان يجعل عينه اسفل من موضعها الذى كانت عليه، وبعض العيون إذا فعل بها ذلك اضر بالبقية من العيون، وبعضها لا يضر من شدة الارض قال فقال: ما كان في مكان شديد فلا يضر وما كان في ارض رخوة بطحاء فانه يضر، وان عرض رجل على جاره ان يضع عينه كما وضعها وهو على مقدار واحد؟ قال: ان تراضيا فلا يضر، وقال يكون بين العينين الف ذراع (رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب كتاب احياء الموات).

[ 38 ]

ويظهر من هذه الرواية ان الاضرار بالغير غير جائز حتى إذا كان منشأه التصرف في امواله التى يتسلط على التصرف فيها كيف يشاء بمقتضى قاعدة تسلط الناس على اموالهم، فان صاحب العين انما اراد التصرف في عينه المملوكة بان يجعلها اسفل مما كانت فمنعه الامام (ع) من ذلك لما فيه من الاضرار بالعيون القريبة منها هذا ولكن لا عموم فيها يمكن التمسك به في غير موردها. نعم لا يبعد التعدي عنه إلى غير البئر من التصرفات والى سائر الجيران والاملاك المتقاربة. وقد عنون الفقهاء هذه المسألة في باب (حريم العين) من كتاب احياء الموات والمشهور بينهم ان حريم العين والقناة الف ذراع في الارض الرخوة وخمسمأة ذراع في الارض الصلبة، ولكن المحكى عن الاسكافي والمختلف والمسالك ان حده ان لا يضر الثاني بالاول. وكيف كان هذا الخلاف لا دخل له فيما نحن بصدده فانه لا شك في ان الحكمة أو العلة في التحديد بالالف وخمسمأة على القول به هو رفع الاضرار، ولا يبعد القول بكفاية احد الامرين اعني البعد بالمقدار المذكور والعلم بعدم تضرر الجار، وتمام الكلام في محله. ثم لا يخفى ان منصرف الرواية هو ما إذا كان ترك ذاك التصرف موجبا لفوات بعض المنافع الزائدة المترقبة لمالك العين لا ما إذا كان يتضرر بتركه حتى يؤل الامر إلى تعارض الضررين، وليكن هذا على ذكر منك حتى نبحث عنه في بحث تعارض الضررين من التنبيهات الاتية انشاء الله تعالى. 11 - ما رواه الكليني باسناده عن محمد بن الحسين قال: كتبت إلى ابى محمد (ع) رجل كانت له قناة في قرية فاراد رجل ان يحفر قناة اخرى إلى قرية له كم يكون بينهما في البعد حتى لا يضر احديهما بالاخرى في الارض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقع (ع)، على حسب ان لا تضر احديهما بالاخرى ان شاء الله (رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب احياء الموات). وهذه الرواية دالة على ان هذا الحكم، اعني عدم جواز الاضرار بالغير - حتى بان يتصرف

[ 39 ]

الانسان في ملكه أو ملك مباح فيلزم منه ضرر على غيره - كان مرتكزا في ذهن الراوى فلذا لم يسئل عن اصل الحكم وانما سئل عن صغراه بقوله: كم يكون بينهما في البعد حتى لا يضر احديهما بالاخرى، ومنشأ هذا الارتكاز اما التعارف الخارجي وما هو الدائر بين العقلاء في امثال هذه الموارد، واما عمومات لا ضرر، واما ما روى عن الائمة السابقين عليهم السلام من لزوم التباعد بين العينين بالف أو خمسمأة ذراع على اختلاف الاراضي، مثل ما روى عن الصادق (ع) في الرواية السابقة. وكيف كان فطريق الاستدلال بهذه الرواية هو عين ما مر بيانه في الرواية السابقة، الا ان مورد السؤال هناك هو خصوص التصرف في العيون المستحدثة من قبل، والسؤال هنا عن احداث عين جديدة في ارض قريبة من عين اخرى. 12 - ما رواه بذلك الاسناد قال: كتبت إلى ابى محمد (ع) رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فاراد صاحب القرية ان يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطل هذا لرحى، اله ذلك ام لا؟ فوقع عليه السلام: يتقى الله ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضر اخاه المؤمن (رواه في الوسائل في الباب 25 من ابواب احياء الموات). والظاهر ان صاحب الرحى كان له حق الانتفاع من ذاك النهر من قبل والا كان تصرفه فيه عدوانيا وجاز لصاحب القرية نهيه عن التصرف فيه بمثل هذا وتعطيل رحاه حتى إذا لم يرد سوق الماء في غير ذلك النهر، فان الناس مسلطون على اموالهم وعلى هذا سوق الماء في غير هذا النهر مزاحم لحقه ويكون تعديا عليه فالمنع منه استنادا إلى هذه الجهة لا دخل له بما نحن بصدده، ولكن الذى يستقرب دلالة الرواية على المطلوب ان الامام (ع) لم يسند الحكم إليه، بل اسنده إلى عنوان آخر وهو عنوان الاضرار فقال: لا يضر اخاه المؤمن، ويستفاد منه حكم عام بعدم جواز اضرار المؤمن باخاه في كل الموارد وهو وان كان حكما تكليفيا في بادى النظر الا انه يستفاد منه الحكم الوضعي ايضا عند التأمل فتأمل. 13 - ما رواه الكليني رضوان الله عليه عن عقبة بن خالد عن ابى عبد الله (ع) في

[ 40 ]

رجل اتى جبلا فشق فيه قناة فذهبت الاخر بماء قناة الاول قال فقال: يتقايسان (1) بحقايب البئر ليلة ليلة، فينظر ايتهما اضرت بصاحبتها، فان رايت الاخيرة اضرت بالاولى فلتعور ورواه الصدوق باسناده عن عقبة بن خالد، وزاد: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك وقال: ان كانت الاولى اخذت ماء الاخيرة لم يكن لصاحب الاخيرة على الاولى سبيل (رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب احياء الموات، وبمضمونه رواية اخرى عن الشيخ باسناده عن عقبة بن خالد عن ابى عبد الله عليه السلام) وفى مجمع البحرين (حقايب البئر) اعجازها، وهذه الرواية ايضا تدل على عدم جواز الاضرار بالغير وان كان بالاستفادة من ارض مباحة، حتى انه امر بالاختبار والمقايسة والنظر إلى ماء القناتين ليلة ليلة، فان ثبت ان القناة الاخيرة تضر بالاولى فلتعور والا فلا، واما عدم حكمه بعور الاولى لو اضرت بالثانية فوجهه واضح لعدم صدق الاضرار عليه بعد اقدامه بنفسه على حفر قناته قرب الاولى الذى يكون معرضا لذلك عادة ولا يخفى ان المستفاد من هذه الرواية الحكم الوضعي ايضا 14 - ما رواه في الكافي عن طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (ع) قال ان الجار كالنفس غير مضار ولا اثم (رواه في الوسائل في الباب 12 من كتاب احياء الموات). وهى تدل على عدم جواز الاضرار بالجار بما لا يضر الانسان بنفسه، وقوله: ولا اثم لعل معناه انه لا يجوز ارتكاب الاثم في حق الجار وان كل اضرار به اثم، أو انه كفى في اداء حق المجاورة ان لا يضر به فإذا لم يضر به فلا اثم، ورواه المحدث الكاشانى قدس سره في الوافى في باب (حسن المجاورة) ثم قال: لعل المراد بالحديث ان الرجل كما لا يضار نفسه ولا يوقعها في الاثم أو لا يعد عليها الامر اثما، كذلك ينبغى ان لا يضار اخاه ولا يوقعه في الاثم أو لا يعد الامر عليه اثما، يقال اثمه: اوقعه في الاثم، اثمه الله في كذا عده عليه اثما انتهى كلامه. 15 ما رواه الطبرسي في المجمع مرسلا في تفسير قوله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار) (2) من انه جاء في الحديث: ان الضرار في الوصية من


(1) وفى نسخة: (يتقاسمان) والاصح هو الاول وهو من المقايسة. (2) النساء - 12

[ 41 ]

الكبائر (ورواه في الوسائل عنه في الباب 8 من ابواب الوصية) والظاهر منها - بقرينة سائر الروايات في ذاك الباب - ان الضرار في الوصية هو الوصية بتمام المال أو باكثر من الثلث، ولا يخفى ان المستفاد منها عدم صحة هذه الوصية وعدم نفوذها، سيما بملاحظة الاية الشريفة فهى لا تدل على حكم تكليفي فحسب بل عليه وعلى الحكم الوضعي. 16 - ما رواه الصدوق في عقاب الاعمال باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث و من اضر بامرأة حتى تفتدي منه نفسها لم يرض الله له بعقوبة دون النار - إلى ان قال - و من ضار مسلما فليس منا ولسنا منه في الدنيا والاخرة. وغير خفى ان الفقرة الاخيرة مطلقة تدل على عدم جواز الاضرار بالمسلم مطلقا 17 - ما رواه الكليني باسناده عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) في حديث: انه نهى ان يضار بالصبى أو تضار امه في رضاعه (رواه في الوسائل في باب اقل مدة الرضاع و اكثرها من ابواب احكام الاولاد)، وفى ذيل هذا الباب رواية اخرى قريبة منها. 18 - ما رواه الكليني ايضا باسناده عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال سألته عن الشئ يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره فقال: كل شئ يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه (رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب موجبات الضمان من كتاب الديات). فحكم عليه السلام بان التصرف في الشارع المباح بما يوجب الاضرار بالغير موجب للضمان، وان كون الطريق عاما لا يمنع من هذا الحكم. 19 - ما رواه الشيخ باسناده عن ابى الصباح الكنانى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كل من اضر بشئ من طريق المسلمين فهو له ضامن (رواه في ذاك الباب بعينه) 20 - ما رواه الصدوق باسناده عن الحسن بن زياد عن ابى عبد الله (ع) قال: لا ينبغى للرجل ان يطلق امرأته ثم يراجعها وليس به فيها حاجة ثم يطلقها، فهذا الضرار الذى نهى الله عزوجل عنه، الا ان يطلق ثم يراجع وهو ينوى الامساك (رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب اقسام الطلاق من كتاب الطلاق).

[ 42 ]

وقوله فهذا الضرار الذى نهى الله عزوجل عنه اشارة إلى قوله تعالى: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا (1) وفى ذاك الباب بعينه روايات اخر في هذا المعنى فراجع. هذه ما وصل الينا من طرق الاصحاب عموما وخصوصا، وهنا روايات اخر خاصة واردة في ابواب مختلفة يعثر عليها المتتبع قد طوينا الكشح عنها، والعمدة هي العمومات المتقدمة واما ما ورد من طرق العامة فهى روايات: 1 - ما رواه احمد في مسنده (2) قال حدثنا عبد الله، قال حدثنا أبو كامل الجحدرى، قال حدثنا الفضيل بن سليمان، قال حدثنا موسى بن عقبة، عن اسحاق بن يحيى عن الوليد بن عبادة بن صامت عن عبادة قال: ان من قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله ان المعدن جبار، و البئر جبار، والعجماء جرحها جبار، والعجماء البهيمة من الانعام والجبار هو الهدر الذى لا يغرم، وقضى في الركاز الخمس، وقضى ان النخل لمن ابرها الا ان يشترط المبتاع، وقضى ان مال المملوك لمن باعه... إلى ان قال: وقضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما، وقضى ان من اعتق شركاء في مملوك فعليه جواز عتقه ان كان له مال، وقضى ان لا ضرر ولا ضرار وقضى انه ليس لعرق ظالم حق، وقضى بين اهل المدينة في النخل لا يمنع نفع بئر، وقضى بين اهل البادية (المدينة خ ل) انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء. قال في المجمع: الجبار بالضم والتخفيف (كغراب) الهدر يعنى لا غرم، والعجماء البهيمة سميت بذلك لانها لا تتكلم، والمعنى: ان البهيمة العجماء تنفلت فيتلف شيئا فذلك الشئ هدر وكذلك إذا انهار على احد فهو هدر (يعنى لا غرامة في التلف في شئ من هذه الموارد). اقول: لا شك في ان هذه الاقضية صدرت في وقايع مختلفة ولكن (عبادة) ذكر متون الاقضية وحذف مواردها وجمعها في حديث واحد، ومضمونها من اقوى الشواهد


1 - البقرة - 231 2 - المجلد الخامس ص 326 و 327

[ 43 ]

على ذلك، وعلى هذا فمن القريب جدا ان يكون قوله: (لا ضرر ولا ضرار) غير صادر عنه صلى الله عليه وآله مستقلا وبلا سابقة دعوى ولا منازعة، بل لعله كان ذلك قضاء في واقعة أو وقايع متعددة، نقله عبادة مجردا عنها، فيحتمل قريبا ان يكون بعينه ما ورد في قضية سمرة مع الانصاري، أو ما ورد فيها وفى حكمي الشفعة ومنع فضل الماء (بناء على القول بوروده في ذيلها ايضا على ما سيأتي شرحه) وحينئذ لا يجوز لنا الاخذ بما يظهر منه بادى النظر من وروده مستقلا والاستدلال به على انه كان قضاء مستقلا فليكن هذا ايضا على ذكر منك. 2 - ما ارسله ابن الاثير في النهاية انه صلى الله عليه وآله قال: لا ضرر ولا ضرار في الاسلام واحتمال التقطيع في كلام ابن الاثير عند النقل ايضا قريب فلا يصح عده قضاءا مستقلا 3 - وهنا عبارات مختلفة من محققى اصحابنا تدل على ان الحديث كان متفقا على بين العامة والخاصة: منها ما ذكره العلامة قدس الله سره في التذكرة في المسالة الاولى من خيار الغبن، قال الغبن سبب الخيار للمغبون عند علمائنا وبه قال مالك واحمد لقوله صلى الله عليه وآله لا ضرر و لا ضرار في الاسلام انتهى. ويظهر من عبارته ان مستند مالك واحمد ايضا في هذا الحكم هو حديث نفى الضرر، ولكن يحتمل ان يكون دليلا لمختاره ومختار الاصحاب فقط، وكيف كان فتمسك العلامة بهذا الحديث في هذا المقام شاهد على كونه معتمدا عليه عند العامة والخاصة ومنها ما افاده السيد أبو المكارم بن زهرة في الغنية في اواخر ابواب الخيار من كتاب البيع لاثبات حكم الارش من قوله: ويحتج على المخالف بقوله صلى الله عليه وآله: لا ضرر ولا ضرار. ومنها ما افاده شيخ الطائفة في المسألة 60 من كتاب البيع من الخلاف في باب حكم خيار الغبن: دليلنا ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: لا ضرر ولا ضرار انتهى وليعلم انه قدس سره لم يذكر هنا قيد (في الاسلام) مع ذكره في كتاب الشفعة من الخلاف بعينه حيث قال: في المسألة 14 منه ان قول النبي صلى الله عليه وآله لا ضرر ولا ضرار في الاسلام يدل على ذلك فاذن يشكل الاعتماد على ذكره هذا القيد هناك والاستدلال به

[ 44 ]

على وجوده في متن الرواية. والحاصل ان امثال هذه التعبيرات والاستدلالات في كتب العامة والخاصة تدل على كون هذه الرواية كالمجمع عليهم بينهم، حيث ارسلوها ارسال المسلمات. ومما ينبغى التنبيه عليه هنا ان صاحب الوسائل قدس سره روى هذه الفقرة اعني قوله (لا ضرر ولا ضرار) مجردة عن غيرها في ابواب مختلفة من الوسائل مثل الباب 17 من ابواب الخيار، وقد يوهم ذلك انها رواية أو روايات اخر حتى يستند إليها في اثبات صدور هذه الفقرة مستقلة، ولكن هذه الشبهة تزول بسرعة بعد ملاحظة اسناد هذه الاخبار، فان اسنادها بعينه اسناد رواية زرارة الواردة في قضية سمرة بن جندب، ورواية عقبة الواردة في قضاء رسول الله في منع فضل الماء فراجع، وديدن صاحب الوسائل في تقطيع الروايات معلوم لكل من له انس بكتابه. هذا ما وقفنا عليه من الروايات الدالة على هذه القاعدة عموما وخصوصا في كتب الفريقين، وقد تحصل منه ان هذه الفقرة (لا ضرر ولا ضرار) نقلها زرارة وابو عبيدة الحذاء عن الامام الباقر عليه السلام، وعقبة بن خالد عن الامام الصادق عليه السلام، ورواها الصدوق والقاضى نعمام المصرى مرسلا، وارسله الشيخ والعلامة وابن زهرة رضوان الله عليهم في كتبهم ارسال المسلمات ومن طرق العامة رواه احمد مسندا وابن الاثير مرسلا. وقد وردت روايات خاصة في مواضع شتى تؤيد مضمونها، فاذن لو لم ندع التواتر فيها - كما ادعاه فخر الدين في محكى الايضاح من باب الرهن، فلا اقل انها من المستفيضات التى لا ينبغى التأمل في جواز الاعتماد عليها حتى من القائلين بعدم حجية خبر الواحد هذا تمام الكلام في مدرك القاعدة

[ 45 ]

المقام الثاني في مفاد هذه القاعدة وقبل الشروع في بيان مفاد القاعدة ومغزاها لابد من تقديم امرين لهما دخل تام في فهم هذه الروايات. الاول - قد عرفت ان قوله (لا ضرر ولا ضرار) مذيل في غير واحد من طرق الرواية بقوله (في الاسلام) فهل هذا لقيد ثابت بطرق صحيحة يركن إليها، بحيث لو توقف استظهار بعض ما ذكر فمعناها عليه يحكم به ام لا؟. الذى يظهر بعد التأمل التام في اسانيد الروايات ومضامينها ان تذييل الحديث بهذا الذيل غير ثابت. لما عرفت عند بيان الاخبار من عدم وروده الا في مرسلة الصدوق (1) ومرسلة ابن الاثير (2) ومرسلة الطريحي في مجمع البحرين في مادة (ضرر) ذيل حديث الشفعة (3) لكن الظاهر انه سهو من قلمه الشريف لان حديث الشفعة مذكورة في جوامع اخبارنا بدون هذا القيد ولا شك انه اخذ الحديث منها، وفى كلام الشيخ في كتاب الشفعة في المسألة الرابعة عشرة (4) وقد عرفت انه نفسه نقله مجردا عن هذا القيد في (المسألة الستين) من كتاب البيع، وفى كلام العلامة في التذكرة في المسألة الاولى من خيار الغبن (5). والانصاف ان شيئا من هذه المرسلات بل ولا مجموعها مع ما عرفت من السهو و الاشتباه في غير واحد منها لم تبلغ حدا يمكن الركون عليها، فما يظهر من بعض كلمات


1 - ذكرناها تحت الرقم 6 2 - ذكرناها تحت الرقم 2 من احاديث العامة 3 - ذكرناها تحت الرقم 4. 4 و 5 - ذكرناهما تحت الرقم 3 من احاديث العامة.

[ 46 ]

شيخ الشريعة الاصفهانى قدس سره من عدم وجود هذا القيد الا في كلام ابن الاثير في النهاية وان كان مخالفا للواقع، لما عرفت من نقله في كلام الصدوق وكلام غير واحد من ائمة الفقه. الا ان هذا المقدار غير كاف في اثباته، كما ان ما نقله من بعض معاصريه من دعوى التواتر في هذا القيد واسناده إلى المحققين ايضا في غير محله، والحاصل ان اثبات هذه الزيادة بنقل من عرفت دونه خرط القتاد وعلى هذا لا تصل النوبة إلى ملاحظة التعارض بين طرق الرواية، وما ورد فيه هذه الزيادة وما لم يرد، حتى يقال بتقديم ما اشتمل على الزيادة، لما قرر في محله من تقديم اصالة عدم الزيادة على اصالة عدم النقيصة، نظرا إلى ان الزيادة سهوا من الراوى نادر الوقوع جدا بخلاف النقيصة. فيؤخذ بما اشتمل على الزيادة، حتى يجاب عنه بما افاده المحقق النائيني بان مبنى ذلك ليس الاسيرة العقلاء ولا يعلم بنائهم على تقديم اصالة عدم الزيادة في امثال هذه المقامات التى يحتمل قريبا كون الزيادة من الراوى عند النقل بالمعنى لمغروسيتها في ذهنه، بمناسبة الحكم والموضوع، وملاحظة اشباهه من قوله: لا رهبانية في الاسلام، لا اخصاء في الاسلام، وغير ذلك من امثالهما انتهى ما افاده ملخصا. هذا مع انا لم نجد اصلا لهذا الاصل وما اشبهه مما ينسب إلى بناء العقلاء فانه ليس عندهم اثر من هذه الاصول التى تنسب إليهم بل الذى وجدنا منهم ان مدارهم في هذه المقامات، إذا ادت حاجتهم إليها في عمل انفسهم، على الاطمينان من أي طريق حصل وعند الاحتجاج مع خصومهم على قرائن لفظية أو حالية أو مقامية توجب الاطمينان عادة لمن اطلع عليها، ولم نجد لهم تعبد خاص بتقديم اصالة عدم الزيادة على اصالة عدم النقيصة، وان شئت اختبر نفسك عند مطالعة الكتب التى ترد عليك كل يوم فهل تأخذ باصالة عدم الزيادة بعنوان اصل عقلائي ولو لم تفد الاطمينان، والانصاف ان العقلاء لا يعرفون كثيرا من هذه الاصول التى تنسب إليهم وان بنائهم في هذه الموارد على الاخذ بما تطمئن به انفسهم لا غير

[ 47 ]

واما التذييل بقوله (على مؤمن) فقد عرفت انه وارد في رواية ابن مسكان عن زرارة المروية في الكافي، ولكن عرفت ان ابن بكير روى هذه الرواية بعينها عن زرارة مجردة عن هذا القيد، وروى ايضا هذه القضية بعينها أبو عبيدة الحذاء عن الباقر عليه السلام مجردة عنه، فاحد الروايتين عن زرارة وابو عبيدة الحذاء نقلاه مجردا والراوي الاخر عنه نقله مقيدا فكيف يمكن الاعتماد على الاخير في اثباته، سيما مع ملاحظة انه ليس قيدا يهتم بشأنه في بادى النظر. ثم اعلم ان هذا البحث اعني زيادة (في الاسلام، أو على مؤمن) لو ثبت يترتب عليه بعض الفوائد الهامة، وليس كما افاده المحقق النائيني قده خاليا عن الفائدة، لظهور الفائدة في تنقيح مفاد الحديث وتأييد كون كلمة (لا) نافية، الذى استند إليه العلامة الانصاري في اثبات حكومة القاعدة على العمومات (لا ناهية حتى يكون مفادها حكما فرعيا بعدم اضرار الناس بعضهم ببعض. بيان ذلك: ان الجار والمجرور (اعني في الاسلام) هنا متعلق بفعل عام مقدور على اصطلاح النحاة الظرف هنا ظرف لغو، والتقدير لا ضرر موجود في الاسلام، ومعناه انه لا يوجد حكم ضرر في احكام الاسلام وهذا المعنى يوافق حكومة القاعدة على عمومات الاحكام، ولا يناسب كون لا ناهية بان يكون معناه لا تضروا في الاسلام، لان الاسلام ليس ظرفا لا ضرار الناس بعضهم ببعض الاعلى تكلف بعيد، والعجب من المحقق النائيني قدس الله نفسه حيث انكر ذلك واعتقد بجواز ارادة النهى مع هذا القيد ايضا وكان الشبهة نشأت عن الخلط بين اصطلاح النحاة في الظرف، وبين الظرف والمظروف بمعناهما العرفي فراجع وتأمل. وسيأتى تتمة لهذا الكلام عند تحقيق مفاد الحديث. الثاني - لا يخفى على الناظر في روايات الباب ورود قوله (لا ضرر ولا ضرار) ذيل قضية سمرة، وظاهر غير واحد منها وروده مستقلا ايضا، ولكن الانصاف انه ظهور بدوى يزول بالتأمل، فان احتمال التقطيع فيها قوى جدا وقد اشرنا إلى بعض ما علم التقطيع فيه، عند نقل الاخبار، هذا مضافا إلى عدم اعتبار الطرق المشتملة على ذكر هذه القضية

[ 48 ]

مجردة عن غيرها، فلا يمكن الركون إليها. ولكن ظاهر حديث الشفعة ومنع فضل الماء (1) المرويين عن عقبة بن خالد ورودها ذيل قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله في الشفعة ومنع فضل الماء، لكن قد وقع التشكيك من غير واحد من محققى الاصحاب في هذا الظهور واحتمل كونه من باب الجمع في الرواية، واول من فتح باب هذا التشكيك العلامة الجليل شيخ الشريعة الاصفهانى قده فانه اصر على عدم ورودها في هاتين القضيتين واتعب نفسه الزكية في جمع القرائن على ذلك، وتبعه المحقق النائيني وايده بقرائن اخر. وتظهر ثمرة هذا النزاع في تحقيق مفاد الحديث وانه نفى الاحكام الضررية الحاكم على عمومات ادلة الاحكام، أو ان مفاده النهى عن اضرار الناس بعضهم ببعض، فانه لو ثبت ورودها ذيل حديثى الشفعة ومنع فضل الماء كانت كالعلة لتشريع هذين الحكمين في الشريعة وهذا لا يناسب النهى بل يناسب النفى كما هو ظاهر. وكيف كان فعمدة ما استند إليه المحقق المذكور في اثبات هذا المدعى المخالف لظاهر الرواية مقايسة قضا يا رسول الله صلى الله عليه وآله المحكية عن طرق العامة المنتهية إلى (عبادة بن صامت)، وما ورد من طرق الخاصة المنتهية في كثير من مواردها إلى (عقبة بن خالد) فان توافقهما واتحادهما في كثير من عباراتهما مع خلو رواية (عبادة) من هذا الذيل مع انه نقل قضائه في الشفعة وفضل الماء بعينه، كما نقله (عقبة بن خالد) مما يضعف الاعتماد على هذا الظهور البدوى ويوجب قوة الظن بان الجمع بين هذه الفقرة وسائر فقرات الرواية كان من باب الجمع في الرواية من ناحية الراوى، لا انها صدرت في قضية واحدة عن النبي صلى الله عليه وآله، سيما مع كون عبادة ضابطا متقنا في نقل الاحاديث ومن خيار الشيعة على ما قيل. كما انه لا يمكن الاستشهاد بظهور لفظة (فاء) في قوله (فلا ضرر ولا ضرار) في ذيل حديث منع فضل الماء في كون ما بعده متفرعا على ما قبله ومتصلا به، لما عرفت سابقا من ان النسخ المصححة من الكافي خالية عنها بل المذكور فيها هو الواو بدل الفاء (فراجع الروايات السابقة وتأملها)


1 - ذكرناهما تحت الرقم 4 و 5.

[ 49 ]

هذا ملخص ما افاده العلامة الاصفهانى في كلام طويل له في رسالته المعمولة في المسألة، ولكن الانصاف ان رواية عقبة بن خالد اقوى ظهورا في اتصال هذه الفقرة بقضائه صلى الله عليه وآله في الشفعة ومنع فضل الماء من رواية عبادة في الانفصال، بيان ذلك: انه لا شك لمن تأمل رواية عبادة بن صامت انه لخص قضايا رسول الله صلى الله عليه وآله وارتكب التقطيع فيها ولم ينقلها مع مواردها بل نقلها مجردة عن ذكر المورد، لانا نعلم قطعا بعدم صدور هذه القضايا أو اكثرها عنه صلى الله عليه وآله بلا مقدمة، بل كل واحد منها كان واردا في مورد خاص، مثل قضية سمرة بن جندب وشبهها، ولكن عبادة لخصها وجمعها في عبارة واحدة، ومن هنا يحتمل قريبا ان يكون قد حذف قوله لا ضرر ولا ضرار عن ذيل قضائه في منع فضل الماء، حيث لا يتفاوت معه المعنى حتى يعد خارجا عن حدود النقل بالمعنى المتداول بين الروات، واكتفى بذكر هذه الفقرة اعني لا ضرر بعنوان قضاء مستقل لوروده في موارد مختلفة. ومما يقرب هذا الاحتمال انه لا شك في ورود (لا ضرر) في ذيل قضية سمرة ولكن عبادة لم ينقل موردها بل اكتفى بنقل قضائه بان لا ضرر ولا ضرار مجردا عن كل شئ، فيستكشف من ذلك عدم اعتنائه بنقل هذه الخصوصيات، فاكتفائه بذكر هذه الفقرة مستقلة، عن تذييل قضائه صلى الله عليه وآله في الشفعة ومنع فضل الماء بها، قريب جدا. هذا مع ان الكلام بعد في سند رواية عبادة بن صامت، فان مجرد توثيق عبادة لو ثبت لا يكفى في الاعتماد على الرواية، لاشتمال سندها على رجال آخرين لم يثبت لنا وثاقتهم لما عرفت من ان احمد نقلها في مسنده بست وسائط عن عبادة، هذا كله مضافا إلى ان الجمع بين الروايات في نقل واحد بهذا الوجه (بالحاق حكم يكون كالكبرى برواية خاصة تكون كالصغرى له) غير معهود من الروات، بل هو اشبه بالفتاوى والاجتهادات التى تداولت بعد عصر الروات كما لا يخفى، فالحاصل ان صرف النظر عن ظهور رواية عقبة في ورود جميع فقراتها في واقعة واحدة وارتباط بعضها ببعض بامثال هذه الاحتمالات مشكل جدا، ووجود (فاء التفريع) وان كان مؤيدا للاتصال ولكن عدمها لا يدل على عدمه، بل العطف بالواو ايضا ظاهر فيه وان كان

[ 50 ]

اضعف ظهورا من الفاء. وقد تبع هذا المحقق على هذا القول، المحقق النائيني قدس سرهما في رسالته المعروفة واستدل له مضافا إلى ما ذكره بوجوه اخرى: احدها - ان اقضية النبي صلى الله عليه وآله مضبوطة عند الامامية واهل السنة، وبعد اتفاق ما رواه العامة عنه صلى الله عليه وآله مع ما رواه اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام وبعد ورود (لا ضرر) مستقلا في طريقهم، يحدس الفقيه ان ما ورد في طريقنا ايضا كان قضاء مستقلا من دون ان يكون تتمة لحديثي الشفعة ومنع فضل الماء وانما الحقه بها عقبة بن خالد من باب الجمع في الرواية والثقل ثانيها - ان جملة (ولا ضرار) على ما سيجيئ من معناها لا تناسب حديث الشفعة ولا حديث منع فضل الماء فلا يحتمل تذييلهما بها في كلام النبي صلى الله عليه وآله ثالثها - ان بيع الشريك بغير رضا شريكه ليس مقتضيا للضرر فضلا عن ان يكون علة له فلا يصح تعليل فساده بحديث لا ضرر، وكذلك كراهة منع فضل الماء - على ما هو الاقوى من انه ليس وجه التحريم - لا يمكن تعليلها بلا ضرر، فيستكشف من هذا عدم كونه من تتمة الحديثين. ثم اورد على نفسه بامكان كونه من قبيل العلة في التشريع (يعنى به حكمة الحكم فأجاب عنه بان حكمة الاحكام لو لم تكن دائمية فلا اقل من لزوم كونها غالبية والحال انه ليس الضرر في موارد الشفعة ومنع فضل الماء غالبيا هذه خلاصة ما افاده. هذا ولكن يدفع الاول ما عرفت آنفا من ان القرائن شاهدة على عدم كون هذه الفقرة قضاءا مستقلا حتى يلزم خلو رواية عقبة عنها، بل الظاهر ان عبادة هو الذى حذف موردها أو مواردها وجعلها قضاءا مستقلا، وليس عليه حرج لعدم كونه بصدد نقل جميع الخصوصيات كما تنادى به روايته. ويشهد له ايضا ترك ذكر قضائه في حق سمرة بن جندب الذى وردت هذه الفقرة في ذيلها وكذلك عقبة بن خالد لم يذكر قضية سمرة وما حكمه النبي صلى الله عليه وآله هناك، فلعله أو كل امرها إلى شهرتها، أو لم يكن بصدد استقصاء جميع قضاياه صلى الله عليه وآله فانه لم يثبت لنا كونه بصدد ذلك، فلا (عقبة بن خالد) كان بصدد

[ 51 ]

استقصاء قضايا النبي صلى الله عليه وآله ولا (عبادة) كان بصدد بيان خصوصيات قضاياه. ويجاب عن الثاني بانه يمكن ان يكون ذكر (ولا ضرار) بعد قوله (لا ضرر) من قبيل الاستشهاد بثلث فقرات من حديث الرفع (رفع ما اكرهوا عليه وما لم يطيقوه وما اخطأوا) في رواية البزنطى وصفوان عن ابى الحسن عليه السلام الواردة في رجل اكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، فان مورد استشهاده عليه السلام لم يكن جميع الثلاثة، بل خصوص رفع الاكراه، وهذا امر شايع عند الاستشهاد بالقضايا التى تشتهر بعبارة مخصوصة وجيزة، فانها كثيرا ما تنقل بجميعها في مقام الاستشهاد وان كان مورد الاستشهاد خصوص بعض فقراتها، فذكر لا ضرار في كلام النبي صلى الله عليه وآله عقيب قوله لا ضرر عند قضائه في الشفعة أو منع فضل الماء، تتميما لهذه القضية التى اعتمد عليها في غير مقام لا ينافى عدم انطباقه على مورد الحديثين، وان هذا الامثل سؤال بعضنا عن بعض عن حكم النائم والجواب عنه بما ورد من رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ، مع ان مورد الاستشهاد احدى فقراتها فقط، هذا مضافا إلى ان منافاة قوله (ولا ضرار) لمورد الحديثين غير واضح كما سيأتي البحث عنه انشاء الله عند البحث عن معنى كلمتي الضرر والضرار فانتظر. ويدفع الثالث ان حمل النهى في مسألة منع فضل الماء على الكراهة غير معلوم، بيان ذلك: ان القدر المتيقن من مورد الرواية هو ما إذا كان الممنوع في حاجة شديدة، ويشق عليه تحصيل ماء آخر لسقيه أو سقى مواشيه بحيث لو منع من فضل ماء البئر وقع في مضرة شديدة وحرج وضيق في المعيشة، ولا اطلاق لها يشمل غير هذه الصورة، فانها واردة في حق اهل بوادي المدينة ومن ضاهاهم والظاهر ان الامر بالنسبة إليهم، وتلك الابار في ذاك العصر كان من هذا القبيل ولا اقل من الشك فلا يمكن التعدي عنها إلى غير هذه الموارد. ثم انه لا يبعد من مذاق الشارع المقدس ان يأمر مالك البئر ان لا يمنع فضل مائه في امثال المقام اما مجانا وبلا عوض أو في مقابل القيمة، على خلاف في ذلك بين القائلين بوجوب البذل كما عرفت شرحه عند نقل الاحاديث رعاية لمصالح جمع من ذوى الحاجة من المسلمين. وقاعدة تسلط الناس على اموالهم

[ 52 ]

وان كانت قاعدة مسلمة ثابتة عند الشرع والعقلاء، الا انه لا مانع من تحديدها من بعض النواحى من قبل الشارع المقدس، لمصالح هامة كما وقع التحديد من ناحية العقلاء في بعض الموارد، كيف وقد حددها الشارع في مواضع اخر، في مورد الاحتكار والاكل في المخمصة وامثالهما. ولا مانع من القول بوجوب بذل فضل الماء هنا كما صار إليه جمع من الفقهاء، هذا شيخ الطائفة قد اوجب على مالك البئر بذل فضل مائه مجانا حيث قال فيما حكى عن مبسوطه: (ان كل موضع قلنا فيه يملك البئر فانه احق بمائها بقدر حاجته لشربه و شرب ماشيته وسقي زرعه، فإذا فضل بعد ذلك شئ وجب بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه وشرب ماشيته - إلى ان قال - اما لسقى زرعه فلا يجب عليه، لكنه يستحب، وذكر في الخلاف نحوه، وفى المختلف حكايته عن ابن الجنيد وعن الغنية ايضا، فراجع. نعم ظاهر المشهور عدم وجوب البذل ولعل الوجه فيه ترددهم في صحة اسانيد الروايات الدالة على هذا الحكم - كما حكى عن المسالك - أو استنادهم فيه إلى عموم السلطنة وغيرها واستبعاد تخصيصها بامثال هذه الروايات، واستيفاء البحث عن هذا الحكم موكول إلى محله من كتاب (احياء الموات). والغرض من جميع ما ذكرنا ان القول بحرمة منع فضل الماء مما لا استبعاد فيه، كما ان انطباق عنوان الضرر على القدر المتيقن من مورد الرواية بالنظر الوسيع العرفي قريب جدا كانطباقه على مورد الاحتكار وشبهه، فاذن لا وجه للقول بان الذيل كان حديثا مستقلا وقع الجمع بينه وبين سائر فقرات الرواية من الراوى، فانطباق لا ضرر على مورد الرواية قريب بعد ملاحظة ما ذكرنا في توضيحه، والعجب ان المحقق النائيني قده لم يكتف بما ذكر حتى منع انطباق لا ضرر على مورد الرواية ولو بعنوان حكمة الحكم. مع ما عرفت من ان انطباقه على القدر المتقن من مورد الرواية بعنوان علة الحكم ايضا قريب فضلا عن حكمة الحكم. هذا كله مضافا إلى ان التعليل بما يشتمل على حكم الزامي لتأكيد الاوامر الاستحبابية أو النواهي

[ 53 ]

التنزيهية المؤكدة غير بعيد، فمجرد كون الحكم المعلل غير الزامي لا يكفى شاهدا للحكم بعدم تذييله بهذه العلة المشتلمة علي حكم الزامي فتدبر. واما حديث الشفعة فلا مانع من ورود لا ضرر فيه بعنوان حكمة الحكم والقول بان الحكمة لابد ان تكون امرا غالبيا، وليس الضرر الحاصل بترك الاخذ بالشفعة ولزوم بيع الشريك على شريكه كذلك ممنوع بعدم الدليل على لزوم امرا غالبيا بل يكفى كونها كثير الوقوع، وان لم يكن غالبيا بل لا يبعد كفاية عدم كونها نادرا، الا ترى انه قد ورد في غير مورد من المناهى انه يورث الجنون أو البرص أو امثال ذلك، مع ان هذه اللوازم ليست دائمية بل ولا غالبية. واضعف منه القول بان الضرر الناشئ من ترك الشفعة اتفاقى نادر الوقوع - كما يظهر من بعض كلمات المحقق النائيني في رسالته الميل إليه - فانه ممنوع جدا لما نشاهد من حال الناس وعدم رضائهم باى شريك بل الذين يرضونهم للشركة اقل بمراتب بالنسبة إلى من لا يرضونه. ولا شك لمن لاحظ حال الشركاء في المساكن والارضين وغيرها انه لو لاحكم الشفعة وجاز للشريك بيع حصته ممن شاء من دون رعاية نظر شريكه، لوقع بين الناس من التشاجر والتنازع والبغضاء وفساد الاموال والانفس ما لا يخفى. نعم هذا الضرر ليس دائميا حتى يصلح لان يكون علة لهذا الحكم ولكنه يصلح ان يكون حكمة له بلا اشكال. ولقائل ان يقول: كيف يجعل حكم واحد (مثل لا ضرر) علة في مقام مثل قضية سمرة، وحكمة في مقام آخر كما فيما نحن فيه؟ وقد اشار إلى هذا الاشكال المحقق النائيني في رسالته وارتضاه. لكن الانصاف انه ايضا في غير محله لعدم المانع من ذلك اصلا، وهل ترى مانعا من جعل حفظ النفوس حكمة في باب القصاص والديات، وعلة في باب وجوب بذل الطعام عند المخمصة لمن لا يجد إليه سبيلا بل قد يكون حكم واحد في قضية واحدة علة من جهة وحكمة من اخرى، كما نريهم يصرحون بان الاسكار علة لتحريم الخمر ولذا يجوز التعدي عن الخمر إلى سائر المسكرات، مع ما يرى منهم انه من قبيل الحكمة من جهة المقدار والكم، وان (ما سكر كثيره فقليله حرام)

[ 54 ]

كما ورد في عدة روايات، وحينئذ أي مانع من جعل قول الشارع (لانه مسكر) مثلا علة في بعض المقامات وحكمة في اخرى مع جوازه في مقام واحد من جهتين. ولا يتوهم ان ذلك يوجب اختلافا في معنى هذه الفقرة حتى يستبعد استعمالها في معنين مختلفين (ولو في مقامين مختلفين كما في محل البحث) فان المعنى في الجميع واحد لا اختلاف فيه اصلا، وانما الاختلاف في كيفية التعليل بها ونحو ارتباط هذه الكبرى مع صغراها، فانها قد تكون علة لتشريع حكم عام فتكون حكمة، و لا يجب دوران ذلك الحكم مدارها بل قد تتخلف عنها كما في حكم الشفعة، وفى بعض المقامات تكون ضابطة كلية تلقى إلى المكلفين يدور الحكم معها حيثما دارت، واما تشخيص كون العلة من قبيل الاول أو الثاني فانما هو من القرائن اللفظية والمقامية وكيف كان فلا يتوجه على الحديث ايراد من هذه الناحية ايضا. وقد تحصل مما ذكرنا ان الاستشكال في مناسبة لا ضرر لمورد الحديثين ضعيف جدا، ولو بنى على امثال هذه التشكيكات جرى الاشكال في كثير من الظواهر المرتبطة بعضها ببعض، والانصاف انا لو خلينا وانفسنا لا نجد أي فرق بين هذين الحديثين وسائر الروايات الواردة في وقايع مختلفة المشتملة على ذكر التعليلات والكبريات، بل لعله لو لم يفتح باب هذا التشكيك ما كان يبدو في اذهانهم قدس الله اسرارهم شئ من هذه الايرادات وانما حصلت ما حصلت بعد ابداء هذا الاحتمال. واذ قد عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان مفاد هذه الفقرة التى هي العمدة في مدرك هذه القاعدة، والبحث عنها تارة يكون حول مفردات الحديث اعني كلمتي (الضرر) و (الضرار) واخرى في معنى الجملة، فيقع البحث في مقامين: الاول في معنى الضرر والضرار قد اختلف عبارات اللغويين في معناهما فاما الضرر: فعن (الصحاح) انه خلاف النفع. وعن (القاموس): انه ضد النفع وانه سوء الحال. وعن (النهاية) و (مجمع البحرين): انه نقص في الحق.

[ 55 ]

وعن (المصباح) انه فعل المكروه باحد والنقص في الاعيان. وذكر الراغب في (مفرداته) انه سوء الحال، اما في النفس لقلة العلم والفضل واما في البدن لعدم جارحة ونقص، واما في الحال من قلة مال وجاه (1) والظاهر ان الاختلاف بين هذه التعبيرات من جهة وضوح معنى الكلمة لا لاختلاف في معناها، بل الرجوع إلى اقوال اهل اللغة - لو قلنا بحجية قول اللغوى - في امثال هذه المقامات التى يكون المعنى ظاهرا عند اهل العرف يعرفه كل من انس بهم ولو من غير اهل لسانهم، مشكل، لان الرجوع إليهم من باب رجوع الجاهل إلى العالم واهل الخبرة، وهنا ليس كذلك لان كل من يزاول هذه اللغة كمز اولتنا يكون من اهل الخبرة بالنسبة إلى امثال هذه اللغات الدارجة، بحيث يحصل له من تتبع موارد استعمالاتها الكثيرة نوع ارتكاز بالنسبة إلى معناها اللغوى يمكنه الرجوع إليه عند الشك في بعض مصاديقه، مضافا إلى انه ليس من دأب اللغويين التعرض لخصوصيات معنى هذه اللغات اتكالا على وضوحها، فاللازم علينا الرجوع إلى ما ارتكز في اذهاننا واذهان اهل العرف من معناها. والذى نجده من ارتكازنا الحاصل من تتبع موارد استعمالات هذه الكلمة ان معناها هو (فقد كل ما نجده وننتفع به من مواهب الحيات من نفس أو مال أو عرض أو غير ذلك) وما قد يقال بعدم صدقه في موارد فقد العرض كما ترى نعم استعماله في بعض موارد فقد العرض قليل، بل الظاهر صدقه في موارد اجتماع الاسباب وحصول المقتضى لبعض و تلك المنافع إذا منع منه مانع، كما ان الظاهر انه مقابل للنفع كما يشهد به كثير من آيات الذكر الحكيم مثل قوله تعالى: ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم وقوله: يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، وقوله: يدعو لمن ضره اقرب من نفعه، وقوله: عز من قائل: ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا: إلى غير ذلك. هذا والامر فيه سهل بعد امكان الرجوع إلى ما ارتكز في الذهن من تتبع موارد


1 - ذكره في معنى الضر بالضم والتشديد وهو والضر بالفتح والضرر بمعنى واحد كما وقع التصريح به في بعض كلمات اللغويين.

[ 56 ]

استعمالاته عند الشك في بعض مصاديقه فان الرجوع إلى هذا الارتكاز يغنى عن اتعاب النفس في تحصيل ضابطة كلية له. واما الضرار فهو مصدر باب المفاعلة من ضاره يضاره، وذكر في معناه امور: الاول - انه فعل الاثنين والضرر فعل الواحد. الثاني - انه المجازاة على الضرر. الثالث - انه الاضرار بالغير بما لا ينتفع به بخلاف الضرر فانه الاضرار بما ينتفع الرابع - انهما بمعنى واحد. ذكر هذه المعاني الاربعة في (النهاية) وظاهرها انه مشترك لفظي بين هذه المعاني. الخامس - انه بمعنى الضيق ذكره في القاموس. السادس - انه الاضرار العمدي والضرر اعم منه، مال إليه المحقق النائيني في آخر كلامه بعدان جعلهما بمعنى واحد في اول كلامه ولذا احتمل كونه للتأكيد في محل الكلام والتحقيق ان المعنى الاخير اقرب من الجميع فانه الذى يظهر بالتتبع في موارد استعماله في الكتاب العزيز والروايات قال الله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا (1) فان قوله لتعتدوا من اقوى الشواهد على ان الضرار هنا بمعنى التعمد في الضرر بقصد الاعتداء وقد مر في رواية العشرين من الروايات السابقة ما يؤيده ويؤكده وقوله تعالى: لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده (2) وقد مر ان المعروف في تفسيرها انه تعالى نهى عن اضرار الام بولدها بترك ارضاعه غيظا على ابيه وعن اضرار الاب بولده بانتزاعه عن امه طلبا للاضرار بها. وقوله تعالى: وما هم بضارين به من احد الا باذن الله (3) وكونه بمعنى الاضرار العمدي بالسحر واضح، وقوله عز من قائل: من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار (4) وقد مر ان المعروف في تفسيرها النهى عن الاضرار بالورثة باقراره بدين ليس عليه


1 - البقرة - 231 - 2 - البقرة 233 3 - البقرة - 4 102 - النساء - 12

[ 57 ]

دفعا لهم عن ميراثهم. وقوله تعالى: ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن (1) نهى عن الاضرار بالمطلقات والتضييق عليهم في النفقة والسكنى طلبا للاضرار بهن. وقد مضى في الحديث التاسع من الاحاديث السابقة المروية عن هارون بن حمزة الغنوى عن ابى عبد الله عليه السلام من ان البعير المريض إذا برء وطلب الشريك الرأس والجلد فهو الضرار، ولا يخفى انه إذا ازدادت القيمة بالبرء ومع ذلك طلب الرأس والجلد فليس الا لقصد الاضرار بصاحبه بل الظاهر ان قوله في رواية سمرة: انك رجل مضار ناظر إلى هذا المعنى فان القرائن تشهد على انه لم يقصد بعمله الا الاضرار بالانصارى فهذا المعنى اقرب معانيه. واما احتمال كونه فعل الاثنين فالظاهر انه بملاحظة كونه من باب المفاعلة، و لكنه قياس في غير محله لعدم استعماله في شئ من الموارد التى اشرنا إليها آنفا في هذا المعنى. واما كونه بمعنى المجازاة على الضرر، فلعله مأخوذ من سابقه وهو ايضا ضعيف لما عرفت. واما كونه بمعنى الاضرار بالغير بما لا ينتفع، فالظاهر انه من لوازم المعنى المختار في كثير من الموارد فهو من قبيل ذكر الملزوم وارادة اللازم. واما كونهما بمعنى واحد فهو في الجملة صحيح على ما ذكرنا لان الضرر اعم من العمدي وغيره فيتصادقان في العمدي ويفترقان في غيره. واما كونه بمعنى (الضيق) كما ذكره في القاموس بناء اعلى ان المراد منه الايقاع في الحرج والكلفة في مقابل الضرر الذى هو ايراد نقص في الاموال والانفس (كما قد يفسر بذلك) فهو ايضا مما لا يمكن المساعدة عليه، فانه لا يلائم موارد استعماله، فان قوله تعالى: أو دين غير مضار ناظر إلى الاضرار بالورثة ضررا ماليا بان يوصى بوصية أو يقر بدين ليس عليه، منعا لهم عن حقهم كما عرفت في اوائل الكتاب، ولو قيل ان هذا عين الالقاء في الضيق والكلفة قلنا بان جميع موارد ايراد النقص في الاموال والانفس


1 - الطلاق - 6.

[ 58 ]

من هذا القبيل. وقد مر في الرواية الخامسة عشرة ايضا: ان الضرار في الوصية من الكبائر، و هو ايضا مستعمل في هذا المعنى اعني ايراد النقص المالى على الغير، وقد مر في رواية هارون بن حمزة الغنوى (الرواية العاشرة) استعماله في مورد الضرر المالى، وايضا قوله تعالى: (وما هم بضارين به من احد) يشمل الضرر في الاموال والانفس بلا اشكال فانه من اوضح مصاديق السحر وقد استعمل الضرر ايضا في هذا المورد بعينه في قوله تعالى: (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم). وبالجملة القرائن الكثيرة المستفادة من موارد استعمال هذه الكلمة تؤكد كونها بمعنى التعمد في الضرر واما سائر المعاني المذكورة فهى اما ناشية من توهم كونه بين الاثنين لكونه مصدرا لباب المفاعلة واما تكون من لوازم المعنى المختار أو غير ذلك من الامور التى لا يسعنا الاعتماد عليه. هذا تمام الكلام في معنى كلمتي (الضرر) و (الضرار) الثاني - في معنى الحديث ومفاده اعلم ان في معنى الحديث الشريف احتمالات قال بكل منها قائل: الاول - ان معنى نفى الضرر نفى الاحكام الضررية، اما بان يكون مجازا من باب ذكر المسبب وارادة السبب كما يظهر من شيخنا الاعظم العلامة الانصاري فان لزوم البيع مع الغبن حكم يلزم منه ضرر على المغبون وكذا الحكم بجواز دخول سمرة دار الانصاري بغير اذنه موجب للضرر (وان كان له حق العبور في الجملة) فنفى الضرر هنا بمعنى نفى ذلك الحكم الوضعي أو التكليفى المستلزم له، وهكذا في سائر المقامات واما يكون اطلاق الضرر على الحكم الموجب له من باب الحقيقة الادعائية، كما هو الشأن في جميع المجازات على قول جمع من المحققين، واما من باب الاطلاق الحقيقي بلا احتياج إلى الادعاء كما اختاره المحقق النائيني قدس سره. الثاني - انه من قبيل نفى الحكم بلسان نفى الموضوع، بان يكون نفى الضرر كناية عن نفى احكام الضرر في الشريعة، اختاره المحقق الخراساني قدس سره في

[ 59 ]

الكفاية وفى حاشيته على الفرائد، ولكن الظاهر ان مختاره في الكتابين وان كان متقارب المضمون الا ان بينهما فرقا من حيث ان ظاهر كلامه في الاول ان نفى الضرر كناية عن نفى جميع احكامه، وظاهر الثاني انه كناية عن نفى الاضرار بالغير أو تحمل الضرر عنه خاصة، فراجعهما وتأمل. الثالث - ان يكون المراد من نفى الضرر نفى صفة من صفاته اعني (عدم التدارك) فقوله: لا ضرر أي: لا ضرر غير متدارك موجود في الشريعة، حكاه العلامة الانصاري في رسالته المطبوعة في ملحقات المكاسب من بعض الفحول ولم يسمه. وهذه الاحتمالات الثلثة تبتنى على ارادة النفى من لفظة (لا). الرابع - ان يكون المراد منه النهى عن اضرار الناس بعضهم ببعض بان يراد من لفظة (لا) النهى، اختاره جمع من اعلام المتأخرين وفى مقدمهم علامة عصره شيخ الشريعة الاصفهانى في رسالته التى صنفها في هذه القاعدة وهى رسالة نافعة مشتملة على فوائد جمة من اشباه التركيب ايضا بما سيأتي الاشارة إليه، ومن كلمات ائمة اللغة ايضا. فهذه اقوال اربعة في معنى الحديث، لو لم نجعل ما ذكره المحقق الخراساني في الحاشية والكفاية قولين مختلفين، ويختلف مفادها ونتائجها: فعلى الاخير يسقط الحديث عن الاستدلال به في الابواب المختلفة من الفقه بالكلية، لا يستفاد منه الا حكم فرعى تكليفي بعدم جواز اضرار الناس بعضهم ببعض، وعلى الثالث لا يستفاد منه الا لزوم الغرامة والتدارك في موارد الاضرار، واما على الاولين يكون مشتملا على قاعدة عامة حاكمة على عمومات الاحكام الاولية بما سنتلو ذكره انشاء الله، ولكن الحق انه لا تظهر ثمرة مهمة بين هذين كما ستعرف. المختار في معنى الحديث ولنذكر اولا ما قيل أو يمكن ان يقال في توجيه كل واحد من المعاني المذكورة حتى تكون على بصيرة من امرها، ثم لنبحث عما هو المختار سواء أكان بين هذه المعاني أو معنى آخر سواها فنقول ومن الله الهداية:

[ 60 ]

اما المعنى الرابع فغاية ما يمكن ان يقال في توجيهه ما ذكره شيخ الشريعة الاصفهانى في رسالته، فانه (قده) انتصر له باوفى البيان واتى بما لا مزيد عليه واليك نص عبارته: (ان حديث الضرر محتمل عند القوم لمعان: احدها ان يراد به النهى عن الضرر، فيكون نظير قوله تعالى: لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وقوله تعالى: فان لك ان تقول في الحياة لا مساس، أي لا يمس بعض بعضا فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس احدا ولا يمسه احد، عاقبه الله تعالى بذلك وكان إذا لقى احدا يقول: لا مساس أي لا تقربنى ولا تمسني، ومثل قوله صلى الله عليه وآله لا جلب ولا جنب ولا شغار في الاسلام، وقوله لا جلب ولا جنب ولا اعتراض، وقوله لا اخصاء في الاسلام ولا بنيان كنيسة وقوله لا حمى في الاسلام، وقوله ولا مناجشة، وقوله لا حمى في الاراك، وقوله لا حمى الا ما حمى الله ورسوله، وقوله لا سبق الا في خف أو حافر أو نصل، وقوله لا صمات يوم إلى الليل، وقوله لا صرورة في الاسلام، وقوله لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقوله لا هجر بين المسلمين فوق ثلثة ايام وقوله لا غش بين المسلمين. هذا كله مما في الكتاب والسنة النبوية، ولو ذهبنا لنستقصي ما وقع من نظائرها في الروايات واستعمالات الفصحاء نظما ونثرا لطال المقال وادى الملال، وفيما ذكرنا كفاية في اثبات شيوع هذا المعنى في هذا التركيب، اعني تركيب (لا) التى لنفى الجنس وفى رد من قال في ابطال احتمال النفى ان النفى بمعنى النهى وان كان ليس بعزيز الا انه لم يعهد من مثل هذا التركيب). ثم ذكر في تأييد هذا المعنى في كلام له في غير المقام ما نصه: ولنذكر بعض كلمات ائمة اللغة ومهرة اهل اللسان تراهم متفقين على ارادة النهى لا يرتابون فيه ولا يحتملون غيره، ففى (النهاية الاثيرية): قوله لا ضرر أي لا يضر الرجل اخاه فينقصه شيئا من حقه، والضرار فعال من الضرر أي لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه، وفى (لسان العرب) وهو كتاب جليل في اللغة في عشرين مجلدا معنى

[ 61 ]

قوله لا ضرر أي لا يضر الرجل اخاه وهو ضد النفع وقوله لا ضرار أي لا يضار كل منهما صاحبه، وفى (الدر المنثور) للسيوطي: لا ضرر أي لا يضر الرجل اخاه فينقصه شيئا من حقه، ولا ضرار أي لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه، وفى (تاج العروس) مثل هذا بعينه، وكذا (الطريحي في المجمع) انتهى موضع الحاجة من كلامه هذا ولكن الانصاف ان ما افاده هذا الشيخ الجليل العلامة المدقق غير كاف في اثبات مرامه، لان ارادة النهى من لفظة (لا) فيما نقله من التراكيب المشابهة لحديث الضرر غير معلوم، بل الظاهر - كما يظهر بالتأمل - ان (لا) في جميعها حتى في قوله تعالى: لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وقوله تعالى: (لا مساس) مستعملة في معنى النفى، فليس معنى قوله لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج، بل مفادها نفى وجود هذه الامور عن ناحية الحج وان كان لازمه النهى عنها ولكن بينه وبين ما افاده من استعمال (لا) في النهى فرق ظاهر ستطلع على آثاره عند بيان المعنى المختار، والشاهد عليه ان المتبادر من امثال هذه التراكيب عند العرف الساذج ليس الا النفى فهل يحتمل احدان قوله تعالى: لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، معناه المطابقى لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج؟ ولعل منشأ الشبهة هو ما ذكرنا من ان النفى في كثير من هذه التراكيب كناية عن النهى فاشتبه المعنى الكنائى بالمعنى المطابقى، وسيظهر لك ان بينهما فرقا كثيرا منحيث النتيجة. ثم لا يخفى عليك ما في هذا التعبير الكنائى من لطف البيان وافادة المراد بوجه آكد، وان هذا الا نظير قول الرجل لخادمه: ليس في بيتى الكذب والخيانة ليعرفه بابلغ البيان ان هذه الامور مما لا ينبغى له ارتكابه في بيته ابدا ومن ارتكبها كان خارجا عن اهل البيت ويظهر ذلك بالرجوع إلى الارتكاز الذى نعهده من مثل هذه التراكيب في العربية بل وفى غيرها من الالسنة، فانا لا نشك بعد التأمل في موارد استعمالها ان كلمة (لا) ومعادلها من سائر اللغات في هذه الموارد استعملت في النفى الذى هو معناها الاصلى إذا دخلت على الاسم. ومن اقوى الشواهد على ذلك انه يصح تبديلها بغيرها من حروف النفى، فيقال

[ 62 ]

بدل قوله: لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ليس في الحج رفث ولا فسوق ولا جدال فهل يمكن القول بان (ليس) ايضا استعملت في معنى النهى؟ - هذا مضافا إلى عدم امكان ارادة النهى من بعض هذه التراكيب بوجه من الوجوه وهو يمكن ان يقال ان معنى قوله (لا اخصاء في الاسلام) هو (لا تخصوا في الاسلام) وهل لنا انس بهذا التعبير وهل الاسلام يمكن ان يكون ظرفا للاخصاء؟. واما ما نقله (قدس سره) عن ائمة اللغة فلعل نظرهم إلى النتيجة والمغزى لا إلى المعنى المطابقى كما هو دأبهم في سائر المقامات لما قد عرفت من انا لا نضائق عن القول بارادة معنى النهى بالمآل عن هذا النفى بعنوان الكناية وانما الكلام هنا في مفاد كلمة (لا) هذا مضافا إلى ان حجية قولهم في امثال هذه التراكيب التى نعلم وضع مفرداتها بل و هيئاتها في الجملة من دون الحاجة إلى الرجوع إليهم مشكل ولو قلنا بحجية قول اللغوى. هذا كله مع ما عرفت في مقدمات البحث من قوة احتمال ورود هذه الفقرة ذيل رواية الشفعة التى لا تناسب النهى اصلا بل ظاهرها النفى لجعلها كبرى كلية للحكم الوضعي المذكور في صدر الرواية ولو قلنا بورود قيد (في الاسلام) بعد قوله لا ضرر ولا ضرار كان ارادة النفى هنا اوضح كما مر في المقدمات. واما المعنى الثالث فغاية ما يمكن ان يقال في توجيهه ان الضرر إذا كان متداركا لم يصدق عليه عنوان (الضرر) بنظر العرف وان صح اطلاقه عليه بالدقة العقلية فنفى الشارع للضرر على الاطلاق مع ما نرى من وجوده في الخارج دليل على ان جميع انواع الضرر الحاصلة من ناحية المكلفين متداركة بحكم الشرع، وان فاعلها مأمور بتداركها وجبرانها، والا لم يصح نفيها، فهذا القيد اعني (عدم التدارك) انما يستفاد من الخارج من باب دلالة الاقتضاء. واورد عليه العلامة الانصاري قدس سره بعد عده اردء الوجوه بان الضرر الخارجي لا ينزل منزلة العدم بمجرد حكم الشارع بلزوم تداركه وانما يصح ذلك إذا كان الضرر متداركا فعلا وخارجا، واستحسنه المحقق النائيني (قده) وقال: انه حرى بالتحقيق

[ 63 ]

خصوصا لو اريد من لزوم التدارك وجوبه التكليفى من دون اشتغال ذمة الضار بشئ، فان مجرد حكم الشارع بوجود تداركه لا يبرر عده كالعدم. هذا والانصاف ان شيئا مما ذكراه - اعلى الله مقامهما - غير وارد على هذا الوجه بل لقائله ان يقول: ان النفى هنا بلحاظ عالم التشريع والخارج كما التزم به المحقق النائيني في بيان مختاره على ما عرفت في الوجه الاول، فالشارع لا يرى الضرر الذى حكم بتداركه من قبل الضار ضررا في عالم التشريع، لانه متدارك فعلا بلحاظ حكمه، فلا يرى منه بهذا النظر عين ولا اثر فالتدارك فعلى بهذه الملاحظة لا شأني. ومنه تعرف انه لا فرق في ذلك بين الالزام تكليفا بتدارك الضرر أو اشتغال ذمة الضر بشئ لان وجهة نظر الشارع في مقام التشريع في الحقيقة إلى من يأتمر باوامره وينتهى بنواهيه، ولو لا ذلك لم يكن لاشتغال الذمة ايضا اثر في عده كالمعدوم إذا فرضنا المكلف عاصيا غير معتن بتشريعات الشارع المقدس واحكامه الوضعية والتكليفية. نعم يرد على هذا الوجه امران آخران يخربان بنيانه من القواعد: احدهما - انه لو كان مراده النفى بلحاظ عالم التشريع (وقد عرفت انه لا مناص منه) فلا داعى لتقييد الضرر المنفى بغير المتدارك بل يجوز نفى وجود الضرر بهذا اللحاظ مطلقا فيرجع إلى عدم جعل الاحكام الضررية كما هو مفاد الوجه الاول فلا تصل النوبة إلى هذا الوجه، والحاصل انه لا دليل على تقييد نفى الضرر بغير المتدارك على كل حال ثانيهما ان التدارك في عالم التشريع بل وفى الخارج ايضا لا يكفى في سلب عنوان الضرر حقيقتا عما هو مصداقه مع قطع النظر عن التدارك بل هو نوع من التسامح العرفي أو نحو من المجاز بلحاظ الاشتراك في الاثار، فان الضرر المتدارك في حكم العدم من جهة كثير من الاثار نعم لو كان التدارك من جميع الجهات والحيثيات بحيث لا يرى اهل العرف فرقا بين التالف والبدل في شئ من الخصوصيات حتى من جهة الزمان بان يكون التدارك بعد التلف بلا فصل امكن الحكم بسلب عنوان الضرر منه بالنظر العرفي وان كان ضررا بالدقة العقلية، ولكنه ايضا غير صاف عن شوب الاشكال واما الوجه الاول فغاية ما يمكن ان يقال في تقريبه هو ما ذكره المحقق النائيني

[ 64 ]

في كلام طويل له في المقام حاصله: (ان النفى في المقام واشباهه من حديث الرفع ولا صلوة الا بطهور وغير هما محمول على معناه الحقيقي بالنظر إلى عالم التشريع، فان الاحكام التكليفية وكذا الوضعية امرها بيد الشارع ان شاء رفعها وان شاء وضعها، فالنفي إذا تعلق بحكم شرعى يكون نفيا حقيقيا لارتفاعه واقعا في عالم التشريع، هذا بالنسبة إلى النفى، واما اطلاق (الضرر) على الاحكام المستلزمة له فهو ايضا حقيقي، لان اطلاق المسببات التوليدية كالاحراق على ايجاد اسبابها شايع ذايع، فمن القى شيئا في النار يقال انه احرقه، قولا حقيقيا. وحينئذ نقول: كما ان الشارع إذا حكم بحكم شرعى وضعي أو تكليفي يوجب الضرر على المكلفين يصدق انه اضربهم وليس هذا اطلاقا مجازيا، فكذا إذا نفاه يصدق عليه انه نفى الضرر عنه، نعم لو كانت الاحكام الشرعية من قبيل المعدات للضرر لا من قبيل الاسباب، أو كان من قبيل الاسباب غير التوليدية كان اسناد الضرر إلى من اوجدها اسنادا مجازيا، ولكن الاحكام الشرعية ليست، كذلك بل حكم الشارع بالنسبة إلى محيط التشريع كالسبب التوليدى لا غير، اما في الاحكام الوضعية فواضح، فان حكم الشارع بلزوم البيع الغبنى مثلا يوجب القاء المغبون في الضرر وكذا في اشباهه واما في الاحكام التكليفية فاسناد الاضرار فيها إلى الشارع انما هو بملاحظة داعى المكلف وارادته المنبعثة عن حكم الشرع، ففى الحقيقة الحكم التكليفى سبب لانبعاث اراده المكلف وهى سبب للفعل، فهو ايضا من سنخ الاسباب التوليدية) هذه خلاصة ما افاده وقد لخصناه لطوله ويرد عليه امور: اولها - ان النفى بلحاظ عالم التشريع دون الخارج بنفسه نوع من المجاز، لان الفاظ النفى والاثبات موضوعة للوجود والعدم الخارجيين، اما الوجود والعدم في وعاء الاعتبار والتشريع فليسا وجودا وعدما حقيقيا، بل هما نوع من الوجود العدم الادعائيين، فالحكم بالعدم على ما انعدم في ذاك العالم وبالوجود على ما وجد فيه، وكذا حمل

[ 65 ]

عنوان الضرر على الاحكام المجعولة فيها كلها تحتاج إلى نوع من العناية والمسامحة، بل اطلاق العالم على ذاك العالم الفرض الاعتباري ايضا من باب المجاز، غاية الامر انها من باب الحقيقة الادعائية (والمجازات كلها أو جلها من هذا القبيل على المختار) فالشارع المقدس إذا اعتبر شيئا نفيا أو اثباتا في عالم التشريع فقد جعله فردا ادعائيا للوجود والعدم الخارجيين واطلق الالفاظ عليه بهذه الملاحظة، والحاصل ان النفى في المقام واشباهه ليس محمولا على معناه الحقيقي. ثانيها - انه لو سلمنا ان النفى هنا حقيقي بلحاظ عالم التشريع - كما افاده - لم تبق حاجة في توجيه انطباق عنوان (الضرر) على الاحكام الضررية إلى بحث الاسباب التوليدية، فان جعل الاحكام الضررية، وضعية كانت أو تكليفية، بنفسه مصداق لعنوان الاضرار في وعاء التشريع لا سبب له، فان الجعل والاعتبار في عالم التشريع كالايجاد في عالم التكوين، فمن شرع قانونا ضرريا فقد اضر بمن يشمله بنفس هذا الجعل وبعبارة اخرى: الحكم بجواز اخذ مال الغير بغير حق، بالنسبة إلى عالم التشريع كالاخذ منه في عالم الخارج، فكما ان اخذ منه بنفسه مصداق للضرر فكذلك الحكم بالجواز في عالم التشريع مصداق له بهذا النظر فبنفس هذا الحكم ينتزع منه المال في عالم الاعتبار و يعطى غيره ولا فرق فيه بين الاحكام التكليفية والوضعية، نعم لو كان النفى بلحاظ عالم التكوين مست الحاجة إلى بحث الاسباب التوليدية في توجيه انطباق عنوان الضرر على الاحكام الضررية كما لا يخفى ثالثها - ان ما ذكره من كون الاحكام التكليفية من سنخ الاسباب التوليدية بتوسيط ارادة المكلفين المنبعثة من تلك الاحكام فهو ايضا في غير محله، فان افعال المكلفين وان استندت إلى ارادتهم الا ان ارادتهم مستندة إلى اختيارهم - على ما هو التحقيق من بطلان الجبر - فليست الاحكام الشرعية عللا توليدية للارادة بل العلة لها هو الاختيار والاحكام من قبيل المعدات والدواعي المؤكدة لاختيار احد الطرفين لا غير هذا مضافا إلى انه لو تم هذا البيان كان اللازم الحكم بصدق عنوان الضرر في عالم الخارج لا عالم التشريع لان انبعاث الارادة عن الاحكام التكليفية يوجب تحقق الفعل

[ 66 ]

في الخارج، فنفى التكليف الضررى يستلزم نفى وجود الضرر في هذا الوعاء ولو من طريق اعدام ارادة المكلفين المنبعثة عنه، فكأنه وقع الخلط في كلامه قدس سره بين ظرفي الخارج والتشريع. وهذه الايرادات واردة على التقريب الذى اختاره المحقق النائيني في بيان الوجه الاول، واما ما يرد على هذا الوجه على جميع تقريباته ويهدم بنيانه من القواعد فهو: انه مبنى علي ان الفاعل للضرر في قوله لا ضرر ولا ضرار هو الشارع المقدس بان يكون المنفى في الحقيقة اضرار الشارع بالمكلفين، ومآله إلى نفى الاحكام المستلزمة للضرر فحاصل معنى الرواية على هذا انه لا ضرر ولا ضرار من ناحية الشارع على المكلفين فانه لم يكتب عليهم احكاما وضعية أو تكليفية توجب الاضرار بهم كلزوم البيع الغبنى على المغبون ووجوب الوضوء والصوم الضرريين وغيرها من اشباهها، فنفى العبادات الضررية بهذه القاعدة تنادى باعلى صوته بان الفعال للضرر في هذه الفقرة عندهم هو الشارع لا غير. مع ان هناك قرائن كثيرة تشهد على ان الفاعل هو الناس بعضهم ببعض، فالمنفى في الحقيقة نفى جواز اضرار بعضهم ببعض (وضعا أو تكليفا) لا اقول ان النفى بمعنى النهى كما اختاره المحقق الاصفهانى، بل هو بمعناه الاصلى ولكن المنفى هو الضرر الناشئ من ناحية المكلفين، وسيأتى تحقيق هذا المعنى وبيان نتائجه عند بيان المذهب المختار انشاء الله، والذى يدل على ان الفاعل في هذه الفقرة هو الناس لا الشارع المقدس امور: منها - ان قوله صلى الله عليه وآله (انك رجل مضار) بمنزلة الصغرى لقوله (لا ضرر ولا ضرار) ولا شك ان الفاعل في هذه الجملة هو (سمرة بن جندب) فهو من اقوى الشواهد على ان الفاعل في الفقرة الثانية ايضا هم المكلفون لا غير. ومنها - ان كلمة (ضرار) بماله من المعنى وهو الضرر العمدي الناشئ عن الاغراض الفاسدة كما قويناه لا تناسب كون الفاعل هو الشارع المقدس قطعا، لان احتمال اضرار الشارع بالمكلفين بهذا الوجه منفى مطلقا عند كل احد من غير الحاجة إلى البيان

[ 67 ]

بل الذى يحتاج إليه هو نفى اضرار بعض المكلفين ببعض كذلك، مثل ما في قضية سمرة ومنها - قوله في ذيل رواية (منع فضل الماء) التى رواها عقبة بن خالد: (انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء وقال لا ضرر ولا ضرار) بناء على ان ورود هذه الفقرة ذيلها كما قويناه ظاهر في ان نفى الضرر والضرار بمنزلة التعليل للنهى عن منع فضل الماء، فكأنه قال لا يمنع صاحب البئر فضل مائه لما فيه من الاضرار بالممنوع، واضرار الناس بعضهم ببعض منفى في الشريعة، فظاهر هذه الرواية ايضا كون الفاعل، المكلفين واحتمال كونه هو الشارع يحتاج إلى تكليف بعيد. هذا مضافا إلى ظهور كلمات ائمة اللغة في ذلك حيث انهم فسروه بما يرجع إلى النهى عن الاضرار، ومن الواضح انه لا يتم الا على كون الفاعل هو الناس وقد عرفت عند التعرض لما اختاره المحقق الاصفهانى ونقده انه لا يستفاد من تفسيرهم ان لفظة (لا) استعملت في النهى وان كان كناية عنه فراجع، والحاصل ان هذه التفسيرات ايضا مؤيدة لما ذكرنا، وكذا ما يظهر من ائمة الفقه ومهرته من التمسك بهذه القاعدة في ابواب المعاملات وما يحذو حذوها مما يرجع إلى مناسبات بين الناس وليس التمسك بها في ابواب العبادات بهذه المثابة كما لا يخفى على من له انس بكلماتهم. ومما ذكرنا يظهر حال الوجه الثاني من الوجوه المذكورة في معنى الحديث، حيث انه يشترك مع الوجه الاول من جهات شتى وان كان قابلا للتطبيق على المذهب المختار كما سنشير إليه فيما يلى. فذلكة الكلام في معنى الحديث قد عرفت مما ذكرنا في توضيح الوجوه التى ذكرها الاعلام في تفسير الحديث وما يتوجه إليها من الايرادات امورا: الاول - ان كلمة (لا) هنا بمعنى النفى لا النهى الثاني - ان الفاعل للضرر في قوله (لا ضرر ولا ضرار) هو الناس لا الشارع المقدس الثالث - ان المنفى هو نفس الضرر والضرار لا الاحكام التى ينشأ منها الضرر و لكنه كناية عن عدم امضائهما في الشرع، ومن هذه الامور يستنتج المذهب المختار في

[ 68 ]

تفسير الحديث. بيان ذلك: ان ظاهر هذه الفقرة نفى وجود الضرر والضرار بين المكلفين، ولكن عدم صدق هذا المعنى في الخارج، مضافا إلى قرينة المقام، وهو كونه صلى الله عليه وآله بصدد بيان الحكم الشرعي والقضاء بين الانصاري وسمرة بن جندب، يكون شاهدا على انه كناية عن عدم امضاء هذا الفعل الضررى في الشريعة لا وضعا ولا تكليفا، فكأنه إذا لم يمضه لا يرى منه عين ولا اثر في محيط التشريع، وان هو الا نظير قول الرجل لخادمه لا يكون: في بيتى الخيانة والكذب وقول الزور، يعنى ان هذه الامور غير مجازة عندي فكانى لا ارى منها عينا ولا اثرا، فنفى هذه الامور كناية عن نفى امضائها وعدم ترخيصها بوجه من الوجوه وكذا الكلام في اشباهه مثل قوله: لا رهبانية في الاسلام ولا اخصاء في الاسلام حيث ان المنفى فيها ايضا نفس هذه الافعال ولكنه تفيد نفى الترخيص والامضاء بابلغ الوجوه كما هو الشأن في جميع الكنايات. ومن ذلك تعرف ان مفاد الحديث لا ينحصر في النهى التكليفى عن الاضرار بالغير بل يعمه والاحكام الوضعية، فكما ان دخول سمرة بن جندب على الانصاري بغير استيذان منه ضرر منهى عنه تكليفا فكذلك البيع الغبنى إذ وقع على وجه اللزوم بنفسه مصداق للضرر والاضرار فهو ايضا غير ممضى من ناحية الشرع وعدم امضائه يساوق عدم نفوذه وتأثيره. وهذا المعنى المختار وان وافق ما ذهب إليه الاكثر من حيث النتيجة في اكثر نواحيها الا انه يفارق عنه في ابواب العبادات الضررية من الوضوء والصوم الضرريين و ما ضاهاهما، فعلى مختاريهم يمكن نفى وجوبهما بهذه القاعدة ولكن على المختار لا يمكن لعدم اوله إلى الضرر والاضرار بين الناس وقد عرفت ان الفاعل للضرر المنفى هو الناس لا الشارع المقدس وهذا فرق ظاهر بين المذهبين من حيث النتيجة، فلا تغفل. لا يقال -: ان قوله لا ضرر ولا ضرار وان لم يكن ناظرا إلى غير الضرر الناشئ من افعال المكلفين، من المضار الناشئة من احكامة تعالى، الا انه يمكن استفادة حكمه منه بالاولوية القطعية فان الشارع إذا نهى عن اضرار الناس بعضهم ببعض ومن عليهم بهذا

[ 69 ]

الحكم كيف يرضى بالقائهم في الضرر من ناحية أو امره ونواهيه، فاذن لا يبقى شك في ان تكاليفه لا تشتمل على ضرر، وان وجد ما ظاهره ذلك من عموم أو اطلاق يشمل موارد الضرر فاللازم تخصيصه وتقييده. واما الاحكام المشتملة على الضرر دائما أو غالبا فضررها متدارك لا محالة بما فيها من المصالح الغالبة ويكشف عن ذلك حكمه بها مع هذا الحال فهى وان كانت ضررية بظاهرها، ولكن لا ريب في ان الشارع حكم بها لمصالح تفوق على ما فيها من المضار فالجهاد وان كان فيه تلف النفوس، ونقص من الاموال والانفس و الثمرات، الا ان فيه عز المسلمين وحفظ بيضة الاسلام وثغوره، واحكامه وحدوده وفيه من المنافع العاجلة والاجلة ما لا يحصى، ومن الواضح ان كون الشئ نافعا أو ضارا تابع لاقوى الجهات الموجودة فيه من المنافع والمضار، ولا يزال العقلاء يقدمون على امور فيها ضرر من بعض الجهات لمنافع اقوى تترتب عليها، ولا يسمونها ضررا وشرا بل يعدونها نفعا وخيرا، والحاصل انه لابد من تقييد اطلاقات الاحكام الواردة في غير هذه الموارد وحصرها على غير موارد الضرر. لانا نقول: إذا كان حكم الشارع في الموارد التى تستلزم الضرر دائما أو غالبا كاشفا عن مصالح تربو على المضار الظاهرة فيها ومعه لا يكون الحكم ضرريا فليكن اطلاق حكمه أو عمومه في مثل الصوم والوضوء الشامل للصوم والوضوء الضرريين ايضا كاشفا عن وجود مصالح في هذه الموارد ينتفى معها عنوان الضرر، فالتمسك بالاولوية القطعية في هذه الموارد والتعدى من دليل نفى الضرر إليها بهذه الاولوية ممنوع جدا بعد عدم احراز موضوع الضرر فيها بل واحراز عدمه. ومن اقوى المؤيدات على ما ذكرنا من عدم شمول دليل نفى الضرر للعبادات الضررية وامثالها من التكاليف التى ينشأ منها الضرر في بعض مصاديقها ان قدماء الاصحاب بل وكثير من متأخريهم (فيما حضرني من كلماتهم) مع استقامة انظارهم في فهم المفاهيم العرفية من الكتاب والسنة لم يفهموا من قاعدة نفى الضرر شمولها لمثل هذه الاحكام ولم يستندوا إليها في ابواب العبادات الضررية، وانما استدلوا بها في ابواب المعاملات مثل خيار الغبن وغيره مما يرجع إلى اضرار الناس بعضهم ببعض

[ 70 ]

فقط فهذا من المؤيدات القوية لما استظهرناه من ان دليل نفى الضرر لا يدل على نفى هذه الاحكام لا بمعناه المطابقى ولا بالاولوية القطعية، واليك بعض ما حضرني من كلماتهم عاجلا ولابد من التتبع والتأمل لكى يظهر حقيقة الحال. قال شيخ الطائفة في المسألة 110 من كتاب الطهارة في باب احكام الجبائر: (انه إذا خاف التلف من استعمال الماء أو الزيادة في العلة يمسح عليها، ثم قال: دليلنا قوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وايجاب نزع الجبائر فيه حرج، ثم استدل بالاجماع وببعض الاخبار ولم يستدل بقاعدة لا ضرر، ومثله استدلاله في غير واحد من مسائل التيمم فراجع. وقال المحقق في (المعتبر) في مسألة خوف زيادة المرض أو بطؤ برئه أو ظهور الشين في الاعضاء انه يجوز التيمم في هذه الحالات ثم استدل له بقوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج وغيره من الادلة ولم يستدل بهذه القاعدة. وكذا العلامة قد استدل في (التذكرة) بجواز التيمم عند خوف الشين في البدن باستعمال الماء بقوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج، ولم يستند إلى قاعدة نفى الضرر. وافتى صاحب المدارك في مسألة من وجد الماء بثمن يضر بالحال بجواز التيمم، وذكر في تأييد هذه الفتوى بعد الاستدلال بالروايات بقوله: ما جعل عليكم في الدين من حرج وقوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وهكذا في غير واحد من موارد الضرر في ابواب التيمم استدل بقاعدة نفى الحرج ولم يتعرض لقاعدة نفى الضرر اصلا. فهؤلاء الاعلام وغيرهم رضوان الله عليهم مع استنادهم غالبا في ابواب المعاملات مثل مسألة خيار الغبن وغيرها بقاعدة نفى الضرر لا يستندون إليها - فيما حضرنا من كلماتهم - في ابواب العبادات الضررية وغيرها من التكاليف التى تكون من حقوق الله ولا ترجع إلى معاملة الناس بعضهم ببعض، واظن ان الاستناد بهذه القاعدة في هذه الابواب نشأ بين المتأخرين أو متأخرى المتأخرين من الاصحاب، وقد عرفت ان القرائن

[ 71 ]

الكثيرة الموجودة في نفس روايات الباب تشرف الفقيه على القطع بعدم شمولها لها، و فتاوى الاصحاب ايضا شاهدة له، ولو تنزلنا منه وحكمنا باجمالها فاللازم ايضا الاخذ بالمتيقن منها فتبقى اطلاقات ادلة هذه التكاليف سليمة عن المعارض أو الحاكم. هذا ولكن الذى يسهل الخطب امكان الاستناد إلى قاعدة (نفى الحرج) في جل هذه الموارد فيستغنى بها عن غيرها ولكن مع ذلك تظهر الثمرة في موارد نادرة يصدق عليها عنوان الضرر دون الحرج فراجع وتامل. وهنا احتمال آخر في معنى الحديث يحكم عن بعض (اعاظم العصر) وهو ان مفاد هذه القاعدة حكم سلطاني بمنع اضرار الناس بعضهم ببعض، فان للنبى صلى الله عليه وآله مقامات ثلثة: مقام النبوة وتبليغ الرسالة وهو من هذه الجهة مبلغ عن الله وحاك لاحكامه الظاهرية والواقعية، كالمجتهد بالنسبة إلى الاحكام الشرعية المستفادة من الكتاب والسنة، و (مقام القضاء) وذاك عند تنازع الناس في حقوقهم واموالهم فللنبى القضاء وفصل الخصومة بينهم، و (مقام السلطنة) والرياسة من قبل الله، نافذ امره ونهيه فيما يراه مصلحة للامة كنصب امراء الجيوش والقضاة واشباهها. وظاهر ان حكمه صلى الله عليه وآله في قضية سمرة بنفى الضرر والضرار ليس من الاول ولا الثاني، لانه لم يكن للانصاري - ولا لسمرة - شك في حكم تكليفي أو وضعي في قضيتهما، أو تنازع في حق اختلفا فيه من جهة اشتباههما في المصاديق أو الحكم، وانما وقع ما وقع من الانصاري في مقام الشكوى والتظلم والاستنصار منه صلى الله عليه وآله بما انه سلطان على المسلمين وسائسهم مع وضوح الحكم والموضوع كليهما، فأمره صلى الله عليه وآله بقلع النخلة حسما لمادة الفساد ثم عقبه بقوله لا ضرر ولا ضرار، فهذا حكم سلطاني عام بعد حكمه الخاص، ومعناه انه لا يضر احد احدا في حمى سلطاني وحوزة رعيتي وعلى جميع الامة اطاعته في ذلك والانتهاء بنهيه، لا بما انه حكم من احكام الله بل بما انه حكم من قبل سلطان مفترض الطاعة ويشهد لهذا المعنى تصدير هذه الفقرة في رواية (عبادة بن صامت) المروية من طرق العامة بقوله: وقضى. الظاهر في هذا النوع من الحكم هذا ملخص ما يحكى

[ 72 ]

عنه دام علاه في كلام طويل له في المقام. ولكن لا يخفى على المتأمل انه لا يمكن عد هذا معنى آخر للحديث بل يؤل إلى المعنى الثالث من المعاني السابقة الذى اختاره شيخ الشريعة الاصفهانى قدس الله سره الشريف (من ارادة النهى من هذه الفقرة) غاية الامر ان ظاهر القائلين بهذا المعنى هو النهى التشريعي على وزان ساير الاحكام الشرعية ومفاد هذا البيان كونه سنخا آخر من النهى سماه نهيا سلطانيا، ومن المعلوم انه لا يظهر ثمرة بينهما بعد وجوب امتثال كل منهما على جميع الامة بلا تفاوت في ذلك، والظاهر انه دام علاه ايضا ليس بصدد ذلك بل بصدد بيان تقريب آخر في اثبات كون (لا) بمعنى النهى لا النفى خلافا للعلامة الانصاري قدس الله سره واتباعه، فلا يكون هذه القضية ناظرة إلى نفى الاحكام الضررية وحاكمة عليها ولا يجوز الاستدلال بها لنفى الاحكام الضررية مطلقا ومع ذلك يرد عليه اولا - ان كون (لا) هنا ناهية خلاف التحقيق كما مر بيانه مشروحا وثانيا - انه ان كان مراده من مقام سلطنة النبي صلى الله عليه وآله ان له تشريعا كتشريع الله في الاحكام الكلية على الموضوعات الكلية كالسلاطين في سابق الايام - وان كانت سلطنته حقة - اعطاه الله ذلك رعاية لمقامه السامى، فهذا كما ترى ولا يظن ان يكون هذا مراده. وان اراد ان له مقام ولاية الامر والحكومة الشرعية بمعنى ان (الامور الخاصة الجزئية) التى ترتبط بمصالح الامة، مما لا تندرج تحت ضابطة كلية، كنصب الولاة و امراء الجيوش وعمال الصدقات وغيرها من امثالها، كلها بيده وان تطبيق هذه الامور على ما يراها مصلحة للعباد وتشخيص مصاديقها موكول إلى نظره الشريف فهو وان كان من مقاماته قطعا، الا انه لا يشمل مثل (الضرر والضرار) وما اشبههما (من الموضوعات الكلية) التى لها في الشرع حكم كلى لا محالة وليست من سنخ تلك الامور الخاصة التى لا تنضبط تحت قاعدة كلية يرد فيها حكم كلى كما هو ظاهر. وبعبارة اخرى: ان مقام السلطنة والحكومة وان كانت من مقامات النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام، بل وحكام الشرع في الجملة بلا اشكال، الا انها تختص بامور شخصية جزئية ترتبط بمصالح الامة مما لا تندرج تحت ضابط كلى ولا يمكن تشريعها

[ 73 ]

في ضمن احكام كليه، كنصب امراء الجيوش والقضاة وجباة الصدقات وامثالها مما لا يحيط الاحكام الكلية بجزئياتها وتختلف بحسب الازمنة والظروف فهذه الامور وان كانت احكامها الكلية واردة في الشرع بنحو بسيط، مثل ما ورد في صفات القاضى و جابى الصدقة وغير ذلك، الا ان تشخيص مواردها وتطبيقها على مصاديقها موكولة إلى نظر السلطان وولى الامر. واما غير هذه الامور من الاحكام الكلية الواردة على موضوعاتها الكلية فليست بيد السلطان بل بيد الشارع المقدس، وليس للنبى تشريع في قبال تشريع الله حتى يكون هناك تشريعان في الاحكام الكلية. وان شئت قلت: ما من (موضوع كلى) الاوله حكم كلى في الشرع من قبل الله سبحانه وح لا يبقى مورد لتشريع النبي صلى الله عليه وآله احكاما كلية على موضوعاتها الكلية، وانما سلطانه صلى الله عليه وآله على تعيين مصاديقها، وتطبيق مصالح المسلمين على مواردها فيما يختلف باختلاف الظروف المختلفة، ومن المعلوم ان الضرر والضرار من الموضوعات الكلية التى تحتاج إلى حكم كلى فليستافى حيطة سلطنة ولى امر المسلمين بل في حيطة التشريع الالهى لا غير. نعم لو كان حكمه مقصورا على قلع شجرة سمرة امكن القول بانه من قبيل الاحكام السلطانية ولكن ليس كذلك. وثالثا - الظاهر ان حكمه صلى الله عليه وآله في قضية سمرة كان من باب القضاء وكان المقام من مقامات التنازع في الحقوق والاموال، غاية الامر انه قد يكون النزاع ناشيا من الجهل بالحكم واخرى من الجهل بمصاديقه. والشاهد على ذلك ان سمرة - كما يظهر من الرواية - كان يدعى ان وجوب الاستيذان من الانصاري تضييق في دائرة سلطنته فيما كان له من حق العبور إلى نخلته، فلذا قال: أستاذن في طريقي إلى عذقى؟ والانصاري يرى ان له الزامه بذلك فشكاه إلى النبي صلى الله عليه وآله فقضى له عليه، ثم ذكر حكما عاما شرعيا يستفاد منه احكام اشباهه ويشهد بذلك ما ورد في الرواية من التعبير بالقضاء وذكره في ضمن اقضية النبي صلى الله عليه وآله في روايات الفريقين وقد كان هذا العنوان (عنوان القضاء) مستعملا في هذا المعنى من لدن زمن النبي صلى الله عليه وآله إذا كان محفوظا بقرينة الدعوى والشكوى والمنازعة.

[ 74 ]

تنبيهات قد ذكر غير واحد من الاعلام هنا تنبيهات بينوا فيها حدود هذه القاعدة ومجراها، وفروعا تستنبط منها، ومغزاها ورفع ما يورد عليها من الايرادات، فنذكرها ونذكر ما عندنا فيها ثم نعقبها بما اهملوا ذكرها من الامور المهمة التى لها دخل في تحقيق حدود القاعدة وفروعها فنقول ومن الله سبحانه نستمد التوفيق: التنبيه الاول هل هذه القاعدة موهونة بكثرة التخصيصات ذهب غير واحد من المحققين تبعا لشيخنا العلامة الانصاري (قده) فيما افاده في الفرائد إلى ان هذه القاعدة وان كانت متينة سندا ودلالة الا انها موهونة بكثرة التخصيصات الواردة عليها، بحيث يكون الخارج منها اضعاف ما بقى تحتها، بل لو اريد العمل بها على عمومها حصل منها فقه جديد، ومن هنا يعلم بان لها معنى آخر غير ما يظهر لنا في بادى النظر لا يرد عليه تخصيص كثير، وعليه تكون القاعدة مجملة لنا، وعلينا الاقتصار في العمل بها على موارد عمل بها الاصحاب مما يعلم انحصار مدرك المسألة عندهم بهذه القاعدة، لا غير. وزعموا ان عملهم جابر لها، كانه وصلت إليهم قرائن بينت لهم مغزاها ومفادها مما لم تصل الينا، مع ان الناظر في كلماتهم يعلم علما قطعيا بعدم وصول شئ آخر إليهم هنا عدا هذه الروايات المعروفة المشهورة، عملوا بظواهرها وبنوا عليها احكاما كثيرة في مختلف ابواب الفقه، فراجع كلام شيخ الطائفة والعلامة وغيرهما من نظرائهما من القدماء والمتأخرين في ابواب بيع الغبن وشبهها مما استندوا فيها بهذه القاعدة تجدها شاهدة صدق على ما ادعينا، فكيف يكون عملهم - والحال هذه - جابرا لهذا الضعف ودافعا لهذا الاشكال وقد شاع اليوم هذا النحو من الاستدلال في موارد كثيرة لم يتسير لهم حل

[ 75 ]

بعض الاشكالات الواردة على بعض القواعد فاستراحوا إلى عمل الاصحاب، مع ان التدبر في كلماتهم يرشدنا إلى ان اصحابنا الاقدمين لم يزيدوا علينا في كثير من هذه المباحث شيئا الا صرافة الذهن وجودة النظر العرفي الموجبة لكشف مغزى كلماتهم عليهم السلام لهم. وكأن هذا المعنى قد الجأ شيخنا العلامة الانصاري في بعض كلماته إلى حل هذا الاشكال، تارة بمنع اكثرية الخارج منها وان سلم كثرته، واخرى بخروج ما خرج بعنوان واحد بناء على ما اختاره في ابواب العموم والخصوص من عدم استهجان كثرة التخصيص إذا كان بعنوان واحد. واورد عليه (المحقق الخراساني) في بعض حواشيه على الفرائد بان خروج افراد كثيرة بعنوان واحد انما يمنع من استهجان التخصيص إذا كانت افراد العام هي العناوين لا الاشخاص. اقول - الظاهر ان تسالمهم قدس الله ارواحهم على كثرة ما خرج من عموم قاعدة لا ضرر انما نشأ مما يترائى في بادى النظر من وجود احكام ضررية كثيرة في الشريعة كوجوب الاخماس والزكوات واداء الديات وتحمل الخسارات عند الاتلاف والضمانات وغير ذلك مما تتضمن ضررا ماليا، وكوجوب الجهاد والحج وغيرهما مما يحتاج إلى بذل الاموال والانفس، وكوجوب تحمل الحدود الشرعية والقصاص واشباهها مما تتضمن ضررا نفسيا أو عرضيا فان هذه الاحكام ثابتة في الشريعة ظاهرة عند اهلها، خواصهم وعوامهم. وفيه اولا - ان هذا الاشكال على فرض صحته (لكنه غير صحيح كما ياتي) انما يلزم القائلين بكون مفاد القاعدة نفى الاحكام الضررية في الشريعة، واما على المختار من ان مفادها نفى اضرار الناس بعضهم ببعض وان الشارع لم يمض الاضرار في عالمى الوضع والتكليف فلا مجال له قطعا. نعم قد عرفت ان هذه القاعدة تدل بالملازمة والاولوية على انه لا ضرر من ناحية احكام الشرع على احد، ومن المعلوم ان هذه الملازمة لا تنفى شيئا من الاحكام التى يترائى منها الضرر، بل اقصى ما يستفاد منها هو ان هذه الاحكام،

[ 76 ]

بعد ثبوتها وتحققها ولو بطرق ظاهرية، مشتملة على مصالح جمة تكون بلحاظها نافعا محبوبا لا ضارا مبغوضا، وما نراه من الضرر احيانا بادى الامر انما هو لعدم علمنا بمنافعها ومصالحها، والا فالعالم بفوائد الخمس والزكوة والديات يراها لازمة ببداهة عقله و حكومة فطرته لما فيها من المصالح. وثانيا - نمنع كون هذه الاحكام كلها أو جلها ضررية بنظر العرف والعقلاء، فان اشباهها أو ما يقرب منها متداولة معروفة بينهم، يحكمون بها ويرونها حقا نافعا لا ضارا باطلا، فانهم لا يزالون يحكمون بلزوم بذل الخراج أو العشور وان فيها صلاح المجتمع الذى يقوم صلاح الافراد بصلاحه ولا يحفظ منافعهم الا به، وقد استدل الامام امير المؤمنين عليه السلام بهذا الارتكاز العقلائي في عهده المعروف إلى (مالك) حيث قال: (فالجنود باذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز المسلمين وسبل الامن وليس تقوم الرعية الا بهم، ثم لا قوام للجنود الا بما يخرج الله لهم من الخراج الذى يقومون به على جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم). وكذلك عندهم حدود وديات، يرون اجرائها صلاح المجتمع الذى يرتبط به صلاح كل فرد فرد منهم وان كانت في الانظار البادية الساذجة ضررية والحاصل ان جل هذه الامور أو اشباهها موجودة عند العقلاء ولا يرون فيها ضررا بل يرونها نافعة، والقول بان العرف بالنظر البادى يحكم بكونها ضررية فيشملها قاعدة لا ضرر، ساقط جدا، لان العرف لو حكم بكونها مصاديق للضرر من باب المسامحة لا يلزمنا متابعته بعد ما يحكم بعدم كونها كذلك بعد تكرارا النظر، وبالجملة الصغرى في جل الامثلة المذكورة ممنوعة فان بقى هناك موارد يصدق عليها عنوان الضرر بالنظر الغير المسامحى العرفي فلا شك انها طفيفة لا يلزم منها تخصيص الاكثر. واما ما افاده العلامة الانصاري من كفاية الخروج بعنوان واحد في دفع محذور تخصيص الاكثر، وما ذكره (المحقق الخراساني) من ان ذلك انما يصح إذا كان ما تحت العام هي العناوين لا الافراد، فكلاهما ممنوعان، لما حققناه في محله من استهجان التخصيص ببعض مراتبه وان كان بعنوان واحد أو كان ما تحت العام هي العناوين لا الافراد،

[ 77 ]

كما يظهر بمراجعة امثلتها العرفية. التنبيه الثاني هل في هذا الحديث شئ يخالف القواعد؟ قال شيخنا العلامة الانصاري (رضوان الله عليه) بعد نقل قضية سمرة: (وفى هذه القصة اشكال من حيث حكم النبي صلى الله عليه وآله بقلع العذق مع ان القواعد لا تقتضيه ونفى الضرر لا يوجب ذلك - ثم قال - لكن لا يخل بالاستدلال) انتهى كلامه. وحاصل الاشكال عدم انطباق بعض ما ذكر في الرواية على هذه القاعدة ولا على سائر القواعد المعمولة، لان اقصى ما يستفاد من قاعدة نفى الضرر هو لزوم استيذان سمرة من الانصاري لما في تركه من الضرر عليه، واما قلع نخلته ورميها إليه عند ابائه عن الاستيذان فلا، مع ان ظاهر الرواية ان هذا الحكم معلل بالقاعدة المذكورة. اقول - ويمكن الذب عنه بان الظاهر ان حكمه صلى الله عليه وآله بذلك كان من باب حسم مادة الظلم والفساد واحقاق الحق، لان النخلة لو بقيت - والحال هذه - كان الانصاري دائما في عذاب وشدة، بل لعلها صارت منشأ لمفاسد اخر، فلم يكن هناك طريق لدفع شر (سمرة) وقطع ظلمه عن الانصاري، الواجب على ولى امر المسلمين، الا بقلع نخلته ورميها إليه وعليه يستقيم تعليل هذا الحكم بنفى الضرر لان ضرر دخول سمرة على الانصاري بلا اذن منه إذا كان منفيا في الشريعة وانحصر طريق دفعه في قلع النخلة صح تعليل الحكم بقلعه بانه لا ضرر ولا ضرار، فهو من قبيل التعليل بالعلة السابقة، فالتعليل في محله والاشكال مدفوع. وغير خفى ان هذا الحكم لا يختص بالنبي صلى الله عليه وآله بل لحكام الشرع ايضا ذلك إذا لم يجدوا بدا منه في قطع يد الظالم وحفظ حق المظلوم. فما افاده المحقق النائيني في المقام من ان القلع لعله كان من باب قطع الفساد لكونه صلى الله عليه وآله اولى بالمؤمنين من انفسهم، في غير محله.

[ 78 ]

وذكر هذا المحقق طريقا آخر في دفع هذا الاشكال حاصله: ان الضرر وان كان ينشأ من دخول سمرة على الانصاري بلا استيذان منه ولكن كان منشأ جواز دخوله هو استحقاقه لكون النخلة باقية في البستان، فالضرر وان نشأ عن الدخول الا انه كان معلولا لاستحقاق ابقاء النخلة، فرفع هذا الحكم انما كان برفع منشأه وهو استحقاق الابقاء كارتفاع وجوب المقدمة برفع وجوب ذيها، فالقاعدة رافعة لاستحقاق بقاء النخلة ولازمه جواز قلعه فيصح ح تعليل الحكم المزبور بالقاعدة (انتهى ملخصا) وانت خبير بما فيه، فانه مخالف للوجدان ولظاهر الرواية معا، لظهورها في ان سمرة لو كان يرضى بالاستيذان من الانصاري لم يكن عليه باس ولم يجز قلع نخلته ولكنه لما ابى واصر على الاضرار بالانصارى حكم بذلك في حقه، مع ان ما ذكره قدس - سره لو تم لاقتضى جواز قلع النخلة في هذا الحال ايضا، لما ذكره من ان استحقاقه لابقائها كان موجبا لجواز الدخول على الانصاري بغير اذن منه وهذا الجواز بنفسه حكم ضررى وان لم يعمل بمقتضاه ولم يدخل على الانصاري بغير اذن منه، هذا اولا واما ثانيا - ان بقاء العذق في البستان كان له آثار شرعية مختلفة، منها جواز الدخول بلا استيذان فإذا كان خصوص هذا الاثر ضرريا فاللازم نفى ترتبه لا نفى ذات المؤثر بجميع آثاره، والسر في هذا ان الحكم باستحقاق ابقاء النخلة كما انه من الاحكام الشرعية امره بيد الشارع رفعا ووضعا، فكذلك ماله من الاثار المختلفة المترتبة عليه شرعا، والجزء الاخير من العلة التامة للضرر هو ترتب بعض آثاره عليه فاللازم رفع ذلك الاثر خاصة لا ذات الموضوع بجميع آثاره، فاللازم ان يحكم بجواز ابقاء النخلة وترتب جميع آثاره عليه ما عدا الدخول عليه بغير اذنه. واما قياسه على باب المقدمة فهو كما ترى، للفرق الواضح بين المقامين فان الترتب هناك تكويني ليس امرها بيد الشارع، بما انه شارع، فليس له رفع وجوب المقدمة الا برفع وجوب ذيها، بخلاف المقام فكأنه قدس سره خلط بين الترتب الشرعي والتكوينى فتدبر جيدا.

[ 79 ]

التنبيه الثالث في وجه تقديم هذه القاعدة على ادلة الاحكام الاولية المعروف في وجه تقديم عموم هذه القاعدة على ادلة الاحكام الشرعية انه من باب حكومتها عليها فليستا من قبيل المتعارضين حتى تلاحظ النسبة بينهما أو يطلب الترجيح، وقد ذكر في وجه تقديمها عليها وجوه اخر. ولكن هذا البحث مبنى على مختاراتهم في معنى الحديث. فمن قال بان معناه نفى الحكم الضررى فهو قائل بالحكومة لا محالة، لانه بمدلوله اللفظى ناظر إلى ادلة الاحكام الاولية فيكون حاكما عليها، وكذلك الكلام على مذهب من يقول بان معناه نفى الحكم الضررى بلسان نفى موضوعه، واما بناء على ثالث الاقوال في معنى الحديث، وهو ان يكون النفى بمعنى النهى، فلا يبقى مورد للحكومة ولا ربط له بادلة الاحكام، بل هو كساير النواهي الشرعية الواردة في مواردها بلا تفاوت بينها وكذا الكلام على المعنى الرابع وهو ارادة نفى الصفة - اعني صفة عدم التدارك - عن نفى الضرر ليكون اشارة إلى لزوم تدارك الضرر، فانه ح حكم مستقل في قبال ساير الاحكام يختص بموارد الغرامات ويدل على اشتغال ذمة الضار بغرامة ضرره، فيقدم على العمومات الدالة على برائة الذمة منها، اما لكونه اخص منها، أو لعدم بقاء المورد له على فرض عدم التقدم، أو لقوته وابائه عن التخصيص، هذا كله على مختارات القوم. واما بناء على مختارنا في معنى الحديث من ان مفاده نفى امضاء اضرار الناس بعضهم ببعض في عالمى الوضع والتكليف فالظاهر ايضا عدم حكومته على ادلة الاحكام الاخر لعدم كونه ناظرا إليها فان الحكومة عبارة عن كون احد الدليلين بمدلوله اللفظى ناظرا إلى الاخر بحيث لولاه لكان لغوا باطلا. اما بان يتصرف في موضوعه كقول المولى لعبده: (ان الفاسق ليس بعالم) في قبال قوله اكرم العلماء.

[ 80 ]

أو بالتصرف في متعلقه كقوله (مجرد الاطعام ليس من الاكرام) أو بالتصرف في حكمه كقوله: (انما عنيت بذاك الامر غير الفاسق) أو بالتصرف في نسبة الحكم إلى موضوعه كقوله (اكرام الفاسق ليس اكراما للعالم). فاذن لا تنحصر الحكومة في الثلاثة الاولى كما افاده المحقق النائيني في بعض كلماته في المقام، ومن المعلوم ان شيئا من هذه الامور غير موجود في المقام. نعم هو مقدم على ادلة سائر الاحكام لوجهين آخرين: احدهما: قوة الدلالة لاشتماله على نفى وجود الضرر رأسا الظاهر في كمال التحاشي والتباعد عنه، لا سيما إذا اضيف إليه قيد (في الاسلام) لو ثبت هذا القيد بحسب الاخبار وقد عرفت الكلام فيه في مقدمة البحث، ثانيهما: ابائه عن التخصيص لكونه في مقام الامتنان وللمناسبات المغروسة في الاذهان بين هذا الحكم وموضوعه كما لا يخفى على المتأمل الخبير، و لذا يستنفر الطبع من تخصيص هذا الحكم ولو بالتخصيص المتصل بان يقال لا يجوز لاحد ان يضر باحد الا في كذا وكذا، ولو خرج منه بعض الموارد كما إذا كان الاضرار بحق فهو في الحقيقة خروج موضوعي، لانه احقاق حق لا اضرار فتأمل. التنبيه الرابع هل الحكم بنفى الضرر من باب الرخصة أو العزيمة؟ قد عرفت عند بيان المختار في مفاد القاعدة انها لا تدل على نفى التكاليف الضررية كالوضوء والصوم الضرريين، وان اللازم الرجوع في هذه الموارد إلى (قاعدة نفى الحرج) واما على مختار القوم من دلالتها على نفيها فهل هو من باب الرخصة أو العزيمة: لا اشكال في عدم وجوب الوضوء الضررى وشبهه إذا كان المكلف عالما بموضوع الضرر على مختارهم وانما الكلام في صحتها (ح) وان لم يكن واجبا. نقل المحقق النائيني القول بالصحة عن بعض الاعاظم ولم يسمه واستدل له بان (لا ضرر) انما

[ 81 ]

يرفع الوجوب فانه ضررى واما اصل الجواز والمشروعية فلا، لان الامتنان لا يقتضى ازيد مما ذكر، وببيان آخر ادلة وجوب هذه الامور دالة بالالتزام على وجود ملاكاتها حتى في موارد الضرر، وادلة نفى الضرر انما تعارضها في دلالتها المطابقية على الوجوب، ولا تعارضها في دلالتها الالتزامية على وجود ملاكاتها الموجب لمشروعيتها في هذه الموارد واستحسن هذا البيان (بعض اعاظم العصر) في مستمسكه. واورد المحقق النائيني على البيان الاول بامرين: احدهما ان هذه الاحكام امور بسيطة لا تركيب فيها حتى يرتفع بعض اجزائها ويبقى الاخر. ثانيهما انه يستلزم كون ما في طول الشئ في عرضه، فان التيمم متأخر عن الوضوء وإذا كان المكلف في موارد الضرر مرخصا شرعا في الطهارة المائية مع جواز الاكتفاء بالطهارة الترابية يلزم اتحادهما في الرتبة، وهو باطل، لان المكلف إذا كان قادرا على الطهارة المائية لم يدخل تحت قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) اقول: يمكن الجواب عنهما اما عن الاول فبان طريقه غير منحصر في تجزية الحكم البسيط بل يمكن ان يكون من باب تقييد اطلاقات نفى الضرر بعدم اقدام المكلف على التكليف الضررى بان يقال ان وجوب الوضوء الضررى منفى عند عدم الاقدام لا غير، ولازم ذلك مشروعيته وان لم يكن واجبا، والدليل عليه انصراف الاطلاقات إليه فتأمل فان دعوى الانصراف فيها عن هذه الصورة مشكلة جدا وعن الثاني بعدم قيام دليل على كون الطهارة الترابية في طول الطهارة المائية دائما حتى في امثال المقام ولو سلمنا شمول الاية الشريفة لها فهو اطلاق كساير اطلاقات ادلة الاحكام محكومة لقاعدة (لا ضرر) أو مخصصة بها، فتأمل، والاولى في دفع هذا الاشكال منع شمول الاية ودلالتها على المقام ولا اقل من اجمالها من هذه الجهة فتدبر. والتحقيق ان هذه المسألة مبنية على مسألة حرمة الاضرار بالنفس على الاطلاق فان قلنا بالحرمة فهذه الوضوء حرام لا يمكن التقرب به بلا اشكال لان حركات الوضوء متحدة مع عنوان الاضرار بالنفس، وعلى فرض كون الوضوء سببا له لا متحدا معه

[ 82 ]

لا يمكن ايضا التقرب به، لما حققناه في محله من سراية الحسن والقبح من المسببات إلى الاسباب التوليدية هذا ولكن الكلام في حرمة الاضرار بالنفس بهذا العموم، وتمام الكلام في محله وان كان الاقوى في النظر عاجلا عدم مشروعية هذا الوضوء على القول بشمول لا ضرر لامثال هذه التكاليف التنبيه الخامس هل الامر يدور مدار الضرر الواقعي اولا؟ إذا جهل بالضرر مع موجوده واقعا فقد يقال بالصحة لما يظهر اختياره من السيد السند المحقق اليزدى في باب الوضوء عند ذكر الشرط السابع من شرائطه حيث قال: (ولو كان جاهلا بالضرر صح وان كان متحققا في الواقع والاحوط الاعادة أو التيمم) وكانه عدل عنه في المسألة 34 من هذا الباب حيث قال: (لو كان اصل الاستعمال مضرا وتوضأ جهلا أو نسيانا فانه يمكن الحكم ببطلانه لانه مأمور واقعا بالتيمم) وكيف كان فقد افتى بالصحة غير واحد من أعلام محشيها قدس الله اسرارهم. وغاية ما يستدل به على الصحة امران: احدهما: ان القاعدة واردة مورد الامتنان ولا منة في نفى صحة مثل هذا الوضوء فانه لا يزيد المكلف الاعناء وشدة كما لا يخفى ثانيهما ان الضرر هنا مسبب عن جهل المكلف لا عن حكم الشارع فان غفلته عن الواقع هي التى اوقعته في الضرر، ومن المعلوم ان المنفى بهذه القاعدة هو الضرر الناشئ من قبل حكم الشارع لا غير. ولكن يرد على الاول منهما ان المنة انما هي بلحاظ نوع الحكم لا بلحاظ اشخاصه وافراده وكل واحد واحد من الوقايع الشخصية، فرفع وجوب الوضوء الضررى إذا كان بحسب نوعه منة على العباد كان داخلا تحت القاعدة على الاطلاق، وما يتوهم كثيرا من دورانه مدار الاشخاص ولزوم المنة في كل واحد من الاحكام الشخصية المرفوعة، وكثيرا ما يرتب عليه فروع مختلفة، باطل جدا لان المتيقن انصراف ادلة لا ضرر عن الموارد التى لا تكون بحسب نوعها منة على العباد لا غير.

[ 83 ]

ويشهد على ذلك ان حديث الرفع ايضا وارد مورد الامتنان؟؟ ولا يزالون يستدلون به على عدم نفوذ المعاملات التى وقعت عن اكراه - بل استدل به الامام عليه السلام على ذلك ايضا حتى فيما إذا كان في نفوذها مصلحة المكره (بالفتح) احيانا وان لم يعلم هو به، فلا يراعى فيه ملاك الامتنان في كل واحد من الموارد الشخصية، ولو كان مراعاة ذلك لازما كان الحكم ببطلان عقد المكره على الاطلاق بمقتضى حديث الرفع في غير محله والقول بان نفوذ تلك المعاملة بغير رضى المالك مشتمل على الضرر دائما وان كان فيها منافع جمة له واقعا، لما فيه من سلب اختيار المالك وقصر دائرة سلطنته، شطط من الكلام، وهكذا الكلام في نفى آثار غير الاكراه من التسعة كالجهل والنسيان فانه لا يكون فيه ملاك المنة في جميع الحالات مع اطلاقهم القول برفعها وليس ذلك الا من جهة كفاية ملاك المنة بحسب نوع الحكم ونوع مصاديقه فالصواب في وجه الحكم بصحة العبادة في المقام هو الوجه الثاني ويمكن تقريبه بوجه آخر اتم واقوى وهو: انه لا اشكال في ان الضرر في هذه الموارد من قبيل العناوين الثانوية التى تكون مانعة عن تأثير العنوان الاولى بملاكه، الذى يكون على نحو الاقتضاء لا العلية التامة، فالوضوء الضرر في حد ذاته واجد للملاك ولكن هذا العنوان الثانوي بملاكه يمنع عن تأثيره، ومن المعلوم ان الضرر إذا كان متوجها نحو المكلف على كل حال، لجهله بالواقع، كان الحكم بنفيه بلا ملاك، لعدم امكان استيفاء الشارع غرضه منه، فالحكم بنفيه (ح) حكم بلا ملاك ولغو محض، وان هو الا نظير الحكم ببطلان وضوء (المكره على استعمال الماء) مع كونه مضرا له، فهل يساعد وجدان احد على الحكم ببطلان وضوئه في هذا الحال إذا اتى به عن قصد؟ ومما ذكرناه يظهر ان المكلف غير مأمور بالتيمم في محل البحث، بل هو مأمور بالوضوء واقعا، فما ذكره في العروة من تعليل بطلان الوضوء بعدم الامر به واقعا في غير محله، اللهم الا ان يقال ان نظره في ذلك إلى اطلاق الاخبار الخاصة الواردة في باب التيمم فيما إذا كان استعمال الماء مضرا ولكن الانصاف ان شمولها لصورة وجود الضرر واقعا مع جهل المكلف به محل تأمل واشكال هذا كله إذا كان الضرر موجودا في الواقع

[ 84 ]

مع جهله، به اما عكس المسأله وهو: إذا كان استعمال الماء مضرا باعتقاده ومع ذلك توضأ واغتسل ثم بان عدم الضرر فيه، فظاهر غير واحد منهم الحكم بالبطلان فيه، كما يظهر من كلماتهم في ابواب مسوغات التيمم. والوجه فيه اما كونه مأمورا بالتيمم وعدم كونه مأمورا بالوضوء نظرا إلى صدق عدم التمكن من استعمال الماء في حقه لان المراد من (عدم الوجدان) في قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء افتيمموا صعيدا طيبا) عدم التمكن من استعماله، سواء كان لعدم وجوده أو لعدم القدرة على استعماله لمانع شرعى أو عقلي ويظهر اختيار هذا الوجه من المحقق النائيني. أو لعدم تمشى قصد القربة منه مع كونه باطلا وحراما باعتقاده، ولو فرض تمشيها منه فلا يكون الفعل مقربا، لا لانه حرام واقعا بل لان الفعل إذا وقع بعنوان التجرى فهو كالمعصية الحقيقية في كونه مبعدا للعبد من ساحة المولى ومانعا من التقرب إليه واعتمد على هذا الوجه في (المستمسك). والانصاف ان شيئا من الوجهين لا يكفى في اثبات البطلان، اما الاول فلان مجرد تخيل الضرر لا يجعله غير واجد للماء وغير متمكن من استعماله، بل هو متخيل لعدم التمكن لا انه غير متمكن واقعا وان هو الا نظير من يكون مستطيعا في الواقع وهو لا يعلم باستطاعته، أو يكون قادرا على الصلوة قائما وهو يزعم انه غير قادر، فهو مامور واقعا بالطهارة المائية وان كان معذورا مادام جهله واما قياس ذلك على ما ذكروه في باب صحة صلوة من يكون الماء في راحلته وهو لا يعلم به قياس مع الفارق، لان الجهل هناك مانع عقلي من استعمال الماء كما هو ظاهر بخلاف الجهل فيما نحن فيه فانه ليس مانعا عقلا ولا شرعا، كيف والمفروض ان المكلف اقدم على الوضوء فكيف يقاس به فتدبر. واما عدم تمشى قصد القربة فهو ليس دائميا كما يظهر من ملاحظة حال عوام الناس في امثال المقام وكون التجرى مبعدا ومانعا من التقرب ايضا محل للكلام.

[ 85 ]

فالعمدة في وجه البطلان هو استظهار الموضوعية من عنوان (الخوف) الوارد في ابواب التيمم، الصادق في المقام، لان المفروض كون المكلف خائفا من استعمال الماء بل عالما بالضرر، وان لم يكن كذلك في الواقع، ولكن في هذا الاستظهار ايضا كلام في محله من الفقه. التنبيه السادس هل القاعدة شاملة للعدميات ام لا؟ لا اشكال في شمول القاعدة للاحكام الوجودية وانما الكلام في شمولها للعدميات وحاصل القول فيه انه هل يجوز التمسك بالقاعدة لاثبات احكام وجودية في موارد يلزم من فقدها الضرر بان يكون عدم الحكم مشتملا على الضرر فيتمسك بالقاعدة لنفيه ويستنتج منه حكم وجودي، ام لا؟. ومثلوا له بضمان ما يفوت من عمل الحر بسبب حبسه، وبما لو فتح انسان قفص طائر فطار، فان عدم الضمان في المقامين امر ضررى واثباته رافع لذلك الضرر. هذا ولكن في التمثيل الثاني اشكال ظاهر، لانه مشمول لقاعدة الاتلاف، فان فتح قفص الطائر سبب لاتلافه وداخل تحت ادلة الاتلاف بلا كلام. اللهم الا ان يقال: ان النظر هنا إلى شمول قاعدة لا ضرر له وان كان حكمه معلوما من جهة قاعدة الاتلاف، ولكنه كما ترى، ولذلك اقتصروا في ذكر المثال الاول بعمل الحر مع انه لا فرق بين عمل العبد والحر من هذه الجهة، وانما الفرق بينهما من جهة صدق الاتلاف في عمل العبد لانه مال وعدم صدقه في عمل الحر لعدم صدق المال عليه. وكيف كان فهذا النزاع كما يتصور بين القائلين بدلالة الحديث على نفى الاحكام الشرعية الضررية مطلقا كذلك يتصور على المختار من عدم دلالتها الا على نفى امضاء اضرار الناس بعضهم ببعض في عالمى الوضع والتكليف، فما نذكرها من الوجوه الاتية لتعميم القاعدة جارية على المذهبين. واذ قد عرفت ذلك فاعلم ان الحق عدم الفرق بين الامور الوجودية والعدمية هنا

[ 86 ]

ويدل عليه امور: الاول - ان ما يطلق عليه الحكم العدمي في امثال المقام يكون في الحقيقة حكما وجوديا فعدم الضمان في المثالين عبارة اخرى عن الحكم ببرائة الذمة وهى حكم شرعى تحتاج إلى جعل الشارع كما يحتاج شغل الذمة إليه وان شئت قلت: برائة الذمة في باب الاحكام الوضعية نظير الاباحة في باب الاحكام التكليفية، فكما ان الاباحة والترخيص في مواردها من الامور الوجودية فكذلك حكم الشارع ببرائة ذمة الحابس للحر عن الغرامة حكم وضعي وجودي. وتوهم ان الاباحة التكليفية كالبرائة الوضعية من الامور العدمية المطابقة للاصل غير محتاجة إلى التشريع و الجعل، فاسد لان الاحكام الخمسة باجمعها امور وجودية غاية الامر ان بعضها محتاج إلى البيان وبعضها يستكشف من عدم البيان، والحاجة إلى البيان وعدمه غير الحاجة إلى الجعل وعدمه كما هو ظاهر، ولذا يترائى من الشارع المقدس انشاء الاباحة في موارد كثيرة كقوله كل شئ حلال الخ فان التحليل والترخيص والاباحة في هذه الموارد امور وجودية انشأها الشارع. الثاني الظاهر من قوله (لا ضرر ولا ضرار) انه لا ضرر من ناحية الشارع على احد (على قولهم) أو من ناحية المكلفين بعضهم إلى بعض (على المختار) فالمنفى الضرر المستند إلى الشارع أو إلى المكلفين، فلولزم من عدم الجعل في بعض الموارد استناد الضرر إليه كما في مثال الحر المحبوس وجب نفيه بالقاعدة، فليس في عنوان الدليل (الحكم الضررى) حتى يتكلم في صدقه على العدميات بل المدار على صدق نسبة الاضرار إلى الشارع أو إلى المكلفين، ودعوى ان استناد الضرر لا يصح الا في مورد الافعال الوجودية ممنوعة جدا، الا ترى انه لو صرح الشارع بان منافع الحر غير مضمونة لا يجب تداركها وان بلغ ضرره ما بلغ، صح لنا ان تقول ان الحر المحبوس لم يقع في هذه الخسارة العظيمة الا لقول الشارع كذا وكذا. والسر في ذلك ان محيط التشريع بجميع شئونه محيط حكومة الشارع والامر فيه في جميع حركات المكلفين وسكناتهم إليه، فما ينشأ من اهمال جعل بعض الاحكام من الضرر مستند إليه مثل ما ينشأ من احكامه المجعولة الا ترى ان الوالى إذا

[ 87 ]

اهمل في وضع النظامات اللازمة ونصب الحرس والشرط وتجنيد الجنود لحفظ الرعية ونظام عيشهم فحدث في امورهم احداث، تنسب كلها إلى سوء تدبير الوالى واهماله في الامور. والحاصل ان ترك الفعل في الموارد التى يترقب وجوده، يصحح استناد لوازمه إلى من يترقب منه، ولا يشترط في صحة الانتساب كون الفعل وجوديا دائما. ومن المعلوم ان المترقب من الشارع المقدس في محيط التشريع جعل الاحكام الحافظة لمصالح العباد ومنافعهم فلو اخل بها فقد القاهم في الضرر وهو منفى بمقتضى الحديث، هذا على مختار القائلين بان المنفى الضرر من ناحية الشرع، واما على المختار فالامر اوضح لان حبس الحر واتلاف منافعه مثلا اضرار من ناحية بعض المكلفين ببعض، فهو منفى في الشريعة بجميع آثاره التكليفية والوضعية، ولا ينتفى الا بثبوت الغرامة له عليه فتأمل. ولعله إليه يرجع ما افاده شيخنا الاعظم العلامة الانصاري قدس سره في رسالته المعمولة في المسألة في مقام توجيه القول بشمولها للعدميات حيث قال: (ان المنفى ليس خصوص المجعولات بل مطلق ما يتدين به وبعامل عليه في شريعة الاسلام، وجوديا كان أو عدميا، فكما انه يجب في حكمة الشارع نفى الاحكام الضررية كذلك يجب جعل الاحكام التى يلزم من عدمها الضرر) ولقد اجاد فيما افاد، قدس الله سره الشريف. الثالث - لو سلمنا عدم شمولها للعدميات بالدلالة اللفظية فلا اقل من دلالتها عليها بتنقيح المناط والغاء الخصوصية ومناسبة الحكم والموضوع، واى خصوصية للوجود والعدم في هذا الباب وفيما من الله به على عباده من نفى الضرر عنهم وغير خفى ان كلما يتصور في الحكم بنفى الضرر والضرار من المصالح والملاكات فهى موجودة في طرفي الوجود والعدم من دون أي تفاوت ومجرد كون شيئ من الامور الوجودية أو العدمية لا يكون مبدء للفرق في المقام وليت شعرى ماذا تصوره القائلون بالتفرقة بينهما. وقد يذكر للتعميم وجوه أخر غير صافية عن الاشكال: منها: ان الحكم العدمي يستلزم احكاما وجودية دائما لا لما ذكرناه في

[ 88 ]

الوجه الاول بل لان عدم ضمان ما اتلفه على الحر من المنافع مثلا يستلزم حرمة مطالبته بالغرامة ومقاصته والتعرض له وجواز دفعه. وفيه ان حرمة مزاحمة الناس في سلطنتهم على اموالهم وانفسهم، بغير حق ثابت عليهم، ليس حكما ضرريا اصلا وانما الضرر في المقام ينشأ من عدم ثبوت حق للحر على من اتلف منافعه فلو امكن اثبات حق له عليه بادلة نفى الضرر فهو والا فلا يجوز الاستناد إليها لنفى حرمة المذكورات ومنها انه يمكن استفادة العموم من نفس قضية (سمرة) حيث انه سلط الانصاري على قلع النخلة وعلله بنفس الضرر فان الضرر هناك في عدم سلطنته على القلع فنفاه واثبت سلطانه عليه. وفيه ما عرفت في التنبيه الثاني منان تسليطه عليه انما كان من باب دفع المنكر ومقدمة لحفظ الحق وحسما لمادة الفساد بعد ابائه الشديد عن القيام بما هو وظيفته قبال الانصاري، فالمرفوع اولا وبالذات هو تسلط سمرة على اتيان عذقه بغير اذن من الانصاري فان الضرر كان من ناحتيه، ومن الواضح انه امر وجودي. ومنها - ان استشهاده عليه السلام بها في حديث (الشفعة) لاثبات حق الشفعة للشريك مع ان الضرر انما هو في عدم هذا الحق، دليل على شمولها للعدميات وكذلك استشهاده بها لاثبات حق الانتفاع من فضل الماء في حديث (منع فضل الماء) وفيه ان المرفوع في حديث الشفعة هو لزوم البيع. وفى حديث منع فضل الماء هو جواز المنع و كلاهما امران وجوديان فتأمل. واما ما استدل به على عدم العموم فهو امور ذكرها المحقق النائيني قدس سره في رسالته نذكرها ثم نذكر ما عندنا في دفعها احدها: ان الامور العدمية لا يصح استنادها إلى الشارع. وقد عرفت الجواب عنه. ثانيهما: لو عمت القاعدة للامور العدمية لزم منه فقه جديد، فيلزم مثلا كون امر الطلاق بيد الزوجة لو كان بقائها على الزوجية مضرا بحالها كما إذا غاب عنها زوجها أو لم ينفق عليها لفقر أو عصيان بل يلزم الانفساخ بغير طلاق

[ 89 ]

ويلزم ايضا انعتاق العبيد إذا كانوا في الشدة ويلزم وجوب تدارك كل ضرر يتوجه إلى مسلم اما من بيت المال أو من مال غيره. ويدفعه ان ما يلزم منه ليس فقها جديدا وما يكون فقها جديدا لا يلزم منه، اما كون الطلاق بيد الزوجة إذا غاب عنها زوجها فهو مخالف للنصوص الخاصة الواردة في كتاب الطلاق، وللمسألة صور كثيرة مذكورة هناك، لانها اما تعلم بحيوة زوجها اولا، وعلى الاول يجب عليها ان تصبر كما ورد في النصوص، وعلى الثاني اما ينفق عليها ولى الزوج اولا، فان انفق فعليها ان تصبر ايضا، وعلى الثاني ترفع امرها إلى الحاكم يتفحص عن حالها اربع سنين، إلى غير ما ذكروه هنا مع مداركها ونصوصها، وتحقيق الحق في محله، وبالجملة عدم حكمهم بجواز طلاق الزوجة هنا انما هو لاتباع النصوص ولولاها لم نستبعد التمسك بقاعدة لا ضرر في هذا الباب كساير الابواب. هذا ولكن لا يلزم من التمسك بالقاعدة هنا كون امر الطلاق بيد الزوجة - كما توهمه المحقق المذكور - بل غاية ما يستفاد منها جواز حل عقدة النكاح، اما كونه ببدها فلا، فح اما نقول بكون امره بيد الحاكم أو بيد ولى الزوج فلو طلق فهو والا فيجبره الحاكم، فان هذا هو الذى تقتضيه قواعد المذهب والجمع بين النصوص كما سيأتي، وذهب جماعة إلى عدم الحاجة إلى الطلاق في بعض صور المسألة بل يامره الحاكم بالاعتداد فتعتد وتبين من زوجها. اما إذا كان الزوج حاضرا ولكن لا ينفق عليها لفقر أو عصيان، أو كان غائبا ولم يمكن استفسار حاله، لعدم بسط يد الحاكم أو لموانع أخر، وليس من ينفق عليها ولا ترضى بالصبر، فقد ذهب المحقق الطباطبائى اليزدى قدس سره فيما افاده في ملحقات العروة إلى امكان القول بجواز طلاقها للحاكم، لقاعدتي نفى الحرج والضرر خصوصا إذا انت شابة واستلزم صبرها طول عمرها وقوعها في مشقة شديدة، ولما يستفاد من اخبار كثيرة واردة في باب (وجوب نفقة الزوجة) من انه (إذا لم يكسها ما يوارى عورتها ولم يطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الامام ان يفرق بينهما) أو على الزوج ان يطلقها وفيها روايات صحاح.

[ 90 ]

ويؤيده ما افاده انهم استدلوا بهذه الروايات في باب وجوب نفقة الزوجة ولم يستشكلوا عليها بمخالفتها للقاعدة من هذه الجهة ولو كان لوجب التنبيه عليه عادة فراجع الجواهر والرياض في باب وجوب النفقة تجد صدق ما ذكرنا، وقد حكى في (المسالك) في باب (من غاب عنها زوجها) قولا بان للمرأة الخروج من النكاح بالاعسار بالنفقة وان لم يسم قائله، واستدل هو على جواز الطلاق في بعض صور المسألة اعني مسألة من غاب عنها زوجها بقاعدتى نفى الحرج والضرر مضافا إلى النصوص والحاصل ان مخالفة هذه الفتوى لفتوى الاصحاب غير معلومة مع ذهاب هؤلاء الاعلام أو ميلهم إليه. واما ما افاده المحقق النائيني فيما عرفت من كلامه من احتمال الحكم بانفساخه بلا حاجة إلى الطلاق فهو امر عجيب لان الذى يقتضيه الجمع بين احكام الشرع و اغراضه وملاكات احكامه ان يرفع الضرر بطريق يكون اقل محذورا، ومن المعلوم ان توقف حل عقدة النكاح على الطلاق (الا فيما استثنى) حكم ثابت في الشرع كما ان كون الطلاق بيد من اخد بالساق حكم آخر، فإذا امكن دفع الضرر بالغاء الثاني الذى في الواقع شرط من شرائط الطلاق واعطائه بيد ولى الامر الحافظ لنفوس المسلمين واموالهم وفروجهم، فما الوجه في اهمال حكم الطلاق وتوقف انفساخ الزوجية عليه من رأس، والحكم بانفساخها بنفس الضرر، والحاصل انه يقتصر في تخصيص عمومات الاحكام الاولية بعموم لا ضرر على مورد الضرورة لا غير. كما ان ما ذكره من مسألة تدارك الضرر الذى ليس من ناحية احكام الشرع ولا من ناحية المكلفين بعضهم ببعض من بيت المال فهو اعجب من سابقه، وليت شعرى ما الوجه في لزوم تدارك هذا الضرر مع عدم استناده إلى الشارع ولا إلى مكلف، وهل يمكن اسناد الضرر إلى الشارع واحكامه لو لم يحكم بوجوب تدارك هذا الضرر من بيت المال حتى يستدل بحديث نفى الضرر لاثبات وجوب التدارك، ولعمري انه اوضح من ان يخفى على مثل هذا المحقق النحرير.

[ 91 ]

التنبيه السابع هل المراد بالضرر هو الضرر الشخصي أو النوعى؟ لا ينبغى الاشكال في ظهور ادلة الباب في الضرر الشخصي اما على المختار فواضح، لان النهى عن الضرر كالنهي عن ساير الموضوعات تابع لوجود مصداقه الخارجي الذى هو عين التشخص، وكون الضرر من العناوين الثانوية لا يصادم هذا الظهور في شئ كما لا يخفى واما على القول بان مفاده نفى الاحكام الضررية مطلقا فهو ايضا كذلك فان الالفاظ باجمعها في هذه المقامات ظاهرة في مصاديقها الخارجية الشخصية اينما تحققت، فإذا كان الحكم بالنسبة إلى بعض افراد المكلفين ضرريا دون بعض اختص جريان القاعدة بمن يصدق في حقه الضرر دون غيره، ولا يتوقف هذا الظهور على القول بتقدم القاعدة على عمومات الاحكام الاولية من باب الحكومة - كما لعله يظهر من بعض كلمات المحقق النائيني في المقام - بل يجرى على جميع الوجوه التى ذكروها في وجه تقديمها عليها. نعم قد يتوهم ظهور كلمات الاصحاب في الضرر النوعى لانهم استدلوا بها على خيار الغبن مع ان المعاملة الغبنية لا تكون ضررية دائما بل قد تكون المصلحة في بيع المتاع ولو باقل من ثمن المثل، كما إذا كان في معرض الحرق والسرق أو كان المالك عاجزا عن حفظه وقدر غيره عليه، فإذا باعه، والحال هذا وهو لا يعلم، باقل من ثمن المثل لم يتضرر من هذه المعاملة وان كان مغبونا فيها، فهذه المعاملة الغبنية لا تشتمل على الضرر بالنسبة إلى هذا الشخص. ولكن يدفعه ان المعاملة المذكورة المشتملة على الغبن من جهة بيع المتاع باقل من ثمن مثله، ضررية من حيث كونها معاملة بلا اشكال وان كانت نافعة لملاحظات أخر خارجية، وان شئت قلت: ان هذا المعاملة كما انها غبنية من حيث كونها معاملة فكذلك تكون ضررية من هذه الجهة، وكون المتاع في معرض الحرق و السرق امر خارج من دائرة المعاملة، فلا يقال: انه انتفع بهذا البيع لان الانتفاع

[ 92 ]

بالبيع انما يكون فيما إذا باعه باكثر من ثمن مثله، بل يقال: انه وان تضرر في هذه المعاملة الا انه انتفع بامر خارج منها ولذا يقال في امثال المقام (ان الضرر اليسير منع من الضرر الكثير) وانه لو لم يبعه بالضرر تضرر باصله أو بازيد منه، فإذا لوحظ جميع الحيثيات الداخلية والخارجية بعد الكسر والانكسار لم يكن هذه المبادلة ضرريا في حقه، كما انه ليس مغبونا بهذه الملاحظة، ولكن هذه ملاحظات خارجة عن حقيقة المعاملة بما انها معاملة ولا يصح جعلها مقياسا لكون المعاملة ضرريا أو غير ضررى فالمعاملة الغبنية ضررية دائما والحاصل ان عنوان الضرر صادق على هذه المعاملة بلا اشكال. نعم الحكم بالفساد في خصوص هذه الواقعة لا يكون منة على المكلف ولكن قد عرفت آنفا ان الامتنان انما هو بلحاظ الحكم الكلى في هذه المقامات، لا بحسب مصاديقه الشخصية، ودوران (الضرر) مدار الاشخاص امر ودوران (الامتناع) مدار النوع امر اخر ولا منافاة بينهما اصلا. التنبيه الثامن هل يجوز الاضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس؟ قال شيخنا الاعظم العلامة الانصاري في رسالته المعمولة في المسألة في ملحقات مكاسبه، في (التنبيه الرابع) من التنبيهات التى اوردها هناك ما لفظه: (مقتضى القاعدة ان لا يجوز لاحد اضرار انسان لدفع الضرر المتوجه إليه، وانه لا يجب على احد دفع الضرر عن الغير باضرار نفسه لان الجواز في الاول والوجوب في الثاني حكمان ضرريان) ثم فرع على الاول ما ذكروه من عدم جواز اسناد الحائط المخوف وقوعه على جذع الجار، وعلى الثاني جواز اضرار الغير عند الاكراه والتقية بمعنى انه إذا امر الظالم باضرار احد واوعد على تركه جاز للمأمور اضراره لدفع الضرر المتوعد عن نفسه، ولا يجب عليه تحمل ذلك الضرر لدفع الضرر عن الغير. وذكر في (الفرائد) في هذا المقام ما لفظه: (انه قد يتعارض الضرر ان بالنسبة

[ 93 ]

إلى شخص واحد أو شخصين، فمع فقد المرجع يرجع إلى الاصول والقواعد الاخر كما انه إذا اكره على الولاية من قبل الجائر المستلزم للاضرار على الناس، فانه يرجع إلى (قاعدة نفى الحرج) لان الزام الشخص بتحمل الضرر لدفع الضرر عن غيره حرج، وقد ذكرنا توضيح ذلك في مسألة التولى من قبل الجائر من كتاب المكاسب) انتهى. وذكر هناك ما حاصله: (ان الضرر إذا توجه إلى شخص بمعنى حصول مقتضيه فلا يجوز دفعه عن نفسه باضرار غيره، كما إذا اجبره الظالم على دفع مال من امواله فانه لا يجوز له نهب مال غيره لدفع الضرر عن نفسه، اما إذا كان الضرر اولا وبالذات متوجها إلى الغير كما إذا اجبره على نهب مال الغير واوعده على ترك النهب باخذ مال نفسه فيجوز له ذلك ولا يجب عليه بذل مال من امواله وتحمل الضرر عن الغير، لان الضرر بحسب قصد المكره (بالكسر) وارادته الحتمية متوجه نحو الغير، والمكره (بالفتح) وان كان مباشرا للاضرار الا انه ضعيف لا ينسب إليه الاضرار حتى يقال: انه اضر بالغير لئلا يتضرر نفسه، نعم لو تحمل الضرر ولم يضر بالغير فقد صرف الضرر عنه إلى نفسه عرفا، ولكن الشارع لم يوجب عليه هذا المعنى والامتنان بهذا على الامة لا قبح فيه، هذا مع ان ادلة نفى الحرج كافية في الفرق بين المقامين، فانه لا حرج في عدم الرخصة في دفع الضرر عن النفس باضرار الغير بخلاف الزام تحمل الضرر عن الغير باضرار النفس فانه حرجى قطعا) انتهى ملخصا. اقول - اعلم ان هنا مسائل ثلث احديها عدم جواز الاضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس وهذا مستفاد من حديث لا ضرر بلا كلام ثانيتها - عدم وجوب تحمل الضرر عن الغير باضرار النفس، وهذا مستفاد من ادلة البرائة ولا يحتاج إلى قاعدة لا ضرر لانه ليس لنا دليل يقتضى بعمومه أو اطلاقه وجوب تحمل الضرر عن الغير حتى يحتاج في نفيه إلى ادلة نفى الضرر، بخلاف المسألة الاولى، لان اطلاقات البرائه هناك تدل على الجواز على عكس ما نحن فيه فيحتاج في نفيه إلى قاعدة لا ضرر.

[ 94 ]

ثالثتها - مسألة تعارض الضررين في حق شخصين أو شخص واحد وسيأتى حكمه في التنبيه الاتى انشاء الله، ولا دخل له بالمسألتين السابقتين، ومن العجب ان شيخنا العلامة الانصاري قدس سره قد جمع في الفرائد بين هذه المسائل الثلاث في عبارة واحدة كما عرفت، ولكنه (قده) فرق بينها في رسالته المطبوعة في ملحقات المكاسب فعقد للمسألتين الاوليين التنبيه الرابع ولتعارض الضررين التنبيه السادس من التنبيهات التى ذكرها. واعجب منه ما افاده (المحقق النائيني) في المقام حيث اورد على كلام الشيخ في رسالته المذكورة بانه لا وجه لعقد مسألة واحدة للجميع وان الصواب جعل عنوان مسألة تعارض الضررين عنوانا مستقلا ومسألة الاضرار بالغير كالولاية من قبل الجائر عنوانا آخر. اقول - كانه زاغ بصره الشريف عن الامر الرابع الذى ذكره الشيخ (قده) في تلك الرسالة فانه بعينه هو ما رامه. وعلى كل حال فلنرجع إلى البحث عن المسألتين الاوليين التين عقد لهما هذا التنبيه. ثم لنبحث عن الثالثة في التنبيه الاتى انشاء الله فنقول ومنه سبحانه نستمد التوفيق والعناية. اما الاضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس فهو امر غير جائز بلا اشكال فلا يجوز توجيه السيل إلى دار الغير دفعا له عن داره، ولا القاء الغير عند السبع لصرفه عن نفسه، ويدل عليه ادلة نفى الضرر لا سيما على المختار في معناها. لا يقال - ان ترك الاضرار بالغير في مفروض البحث ايضا يشتمل على الضرر فكما ان فعله مستلزم للضرر على الغير فكذلك تركه ايضا مستلزم للضرر على نفسه فهو داخل في مسألة تعارض الضررين ولعل هذا هو الوجه في جعل الجميع مسألة واحدة لانا نقول - ترك الاضرار بالغير في مفروض البحث ليس في حد ذاته ضرريا و انما هو ترك للمانع عن مقتضى الضرر، توضيحه: ان مقتضى الضرر في مفروض الكلام وهو توجه السيل أو السبع مثلا - موجود بحسب اسبابه الطبيعة لا بسبب فعل المكلف ولكن يمكن خارجا دفع اثره بتوجيهه نحو الغير وصرفه عن نفسه، فترك هذا انما هو

[ 95 ]

ترك للمانع لا ايجاد للمقتضى كما لا يخفى. ومن هنا تعرف ان ادلة لا ضرر لا تشمل هذا الترك رأسا لعدم موضوع له هنا فلا يحتاج إلى القول بانصرافها بقرينة ورودها مورد الامتنان كما يظهر من بعض كلماتهم، لان ذلك فرع وجود الموضوع والمقتضى لها وقد عرفت عدمه في المقام. هذا بالنسبة إلى المسألة الاولى. واما المسألة الثانية وهو تحمل الضرر بنفسه لدفعه عن غيره، كما إذا توجه السيل بحسب اسبابه الطبيعية نحو الغير فدفعه إلى داره حفظا لدار الغير عن الضرر، فقد عرفت انه لا دليل يقتضى وجوبه ولو بالاطلاق كى يحتاج إلى نفيه بقاعدة نفى الضرر أو قاعدة نفى الحرج، فالقاعدة اجنبية عنه، والمرجع فيه هو البرائة، نعم لو كان هناك عموم أو اطلاق يقتضى وجوبه امكن التمسك بالقاعدة على نفيه. بقى في المقام (مسألة الاضرار بالغير عند الاكراه)، كالتولي من قبل الجائر مكرها إذا استلزم اضرارا وظلما على بعض العباد، الذى صرح الشيخ (قده) بجوازه في مقامات مختلفة، مدعيا ان الضرر بحسب طبعه الاولى وارادة المكره (بالكسر) متوجه نحو الغير فلا يجب ترك الاضرار به وتحمله عنه فهو عنده من صغريات المسألة السابقة، وقد تبعه على هذا المعنى كثير من متأخريه. ولكن ما ذكره ممنوع جدا لانا نمنع من اندراجه تحت تلك المسألة، بيان ذلك: ان الضرر في هذه الموارد انما يتوجه نحو الغير من ناحية فعل المكره (بالفتح) فمع قطع النظر عن فعله لا يتوجه إليه شئ، وان شئت قلت: مسألة عدم وجوب تحمل الضرر عن الغير انما هو في المواطن التى يكون مقتضى الضرر بحسب اسبابه الطبيعية والخارجية مع قطع النظر عن فعل هذا المكلف موجودا ومتوجها نحو الغير، ولكن مكلفا آخر يقدر على ايجاد المانع عن تأثيره بتوجيه الضرر إلى نفسه، وفى باب الاكراه ليس الامر كذلك، فان الضرر بحسب اسبابه الطبيعية والخارجية لم يتوجه نحو الغير، وانما يتوجه إليه بسبب ارادة المكره (بالفتح).

[ 96 ]

واما ما افاده العلامة المذكور قدس سره في بعض كلماته من ان توجه الضرر نحو الغير في موارد الاكراه انما هو بسبب ارادة المكره (بالكسر) فهو ممنوع جدا، لان مجرد ارادة المكره (بالكسر) لا يوجب توجيه الضرر نحو الغير ما لم يكن المكره (بالفتح) كالالة، نعم لو كان المكره (بالفتح) مقهورا للمكره بحيث يعد مضطرا على العمل على وفق ارادته امكن القول بذلك، لان الضرر بحسب اسبابه الخارجية، ومنها ارادة المكره (بالكسر) توجه نحو الغير ولم يتوسط هناك ارادة المكره (بالفتح) واختياره، ولكن الامر في موارد الالجاء والاضطرار سهل لانه لا يبقى هناك مجال للبحث عن جواز الاضرار وعدمه لارتفاع التكليف فيها رأسا. اما إذا لم يكن المكلف ملجئا بل كان مكرها مع بقاء ارادته واختياره المقابل للاضطرار والالجاء فتوجه الضرر نحو الغير لا يكون الا بتوسيط ارادته، فارادته واختياره متوسط في البين وبدونه لا يكون الضرر متوجها نحو الغير. وما يظهر من كلماته قدس سره من ان الفعل لا يسند إلى المكره (بالفتح) وان كان مباشرا، لضعفه وقوة السبب وهو المكره (بالكسر)، ايضا ضعيف فان اسناد الفعل في المقام انما هو إلى المباشر قطعا بحسب انظار اهل العرف لمقام ارادته واختياره، وانما لا ينسب إليه إذا كان مضطرا وملجئا وكان كالالة لفعل المكره (بالكسر) أو ما يجرى مجراه ومن اشنع ما يلزم هذا القول ان مقتضاه جواز الاضرار بالغير في موارد الاكراه بما دون النفس مطلقا، ولو كان بالمضار المؤلمة المشجية في الاموال والانفس، وان بلغت ما بلغت، لدفع ضرر يسير عن نفس المكره (بالفتح) وماله وعرضه، فان الحكم في باب تحمل الضرر عن الغير ذلك، لعدم وجوب تحمل ضرر يسير على نفسه دفعا لضرر كثير عن غيره (الا في موارد مستثناة كالنفوس وشبهها) وقد عرفت ان باب الاكراه عند العلامة الانصاري قدس سره ومن تبعه من مصاديق مسألة تحمل الضرر المتوجه إلى الغير فتدبر تعرف. فتلخص من جميع ما ذكرنا ان مسألة الاكراه على الضرر كما في التولى من قبل الجائر واشباهه لا تكون من باب تحمل الضرر عن الغير بتضرر النفس، وانما تكون

[ 97 ]

من باب (تعارض الضررين) فيجرى عليها الاحكام الاتية في التنبيه الاتى انشاء الله فكن على بصيرة منه. التنبيه التاسع حكم تعارض الضررين إذا تعارض ضرران فان كان بالنسبة إلى شخص واحد كما إذا تضرر انسان من شرب دواء من بعض الجهات وانتقع به من جهات اخر، فالحكم فيه واضح فان الواجب عليه ترك الضرر الاقوى والاخذ بالاضعف، لو قلنا بان الاضرار بالنفس محرم مطلقا، وان كانا متساويين فالحكم فيه التخيير. الا ان الكلام بعد في حرمة الاضرار بالنفس مطلقا حتى في الموارد التى يكون هناك غرض عقلائي مع صدق عنوان الضرر ولم يكن هناك خوف هلاك النفس، والحكم بالتحريم مطلقا وان كان مشهورا الا انه قد وقع التأمل فيه من بعض المعاصرين من جهة عدم قيام دليل عليه والمسألة تحتاج إلى مزيد تتبع وتأمل، ولكن لا اشكال في عدم شمول اطلاقات ادلة نفى الضرر لها فانها ناظرة إلى الاضرار بالغير على ما هو التحقيق، فمسألة الاضرار بالنفس خارجة عن محل البحث وله موقف آخر. واما إذا دار الامر بين ضررين بالنسبة إلى شخصين، وهو المقصود بالبحث هنا فقد وقع الكلام في حكمه بين الاعلام، وقد مثلوا له بما إذا ادخلت الدابة رأسها في قدر مالك آخر بغير تفريط من المالكين ولم يمكن اخراج رأسه الا بكسر احدهما أو وقع دينار من شخص في محبرة غيره كذلك ومثلوا له ايضا بما إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره وتركه موجبا لتضرر نفسه، كما إذا احتاج إلى حفر بئر في داره بما يتضرر منه جاره اقول - مسألة تعارض ضرر المالك وغيره بالتصرف في مال نفسه، لها احكام خاصة لا تجرى في مطلق تعارض الضررين فلذا عقدنا لها بحثا آخر سيوافيك فاذن

[ 98 ]

لابد لنا من البحث في مقامين مختلفين، وقد عرفت آنفا ان مسألة التولى من قبل الجائر وسائر موارد الاكراه على اضرار الغير داخلة في باب تعارض الضررين وليست من باب تحمل الضرر المتوجه إلى الغير، فما نذكره من الاحكام هنا شاملة لها ايضا فنقول: المقام الاول فيما إذا تعارض ضرران ودار الامر بين الاضرار باحد الشخصين أو احد المالين لا على التعيين ولم يكن منشأه تصرف المالك في خصوص ملكه و حاصل القول فيه ان التأمل التام في ادلة نفى الضرر يرشدنا إلى انها لا تشمل صورة تعارض الضررين، اما لانها واردة مورد الامتنان فلا تشمل الا الموارد التى تكون قابلة له لا مثل المقام الذى لا يكون قابلا له على كل حال فتأمل. والا لانصرف اخبار الباب إلى ما لا يلزم منه الضرر الا في احد طرفيه دون ما يلزم منه ذلك في كلا طرفيه، والوجه فيه ان ظاهر الادلة ولو بملاحظة مناسبة الحكم والموضوع ان الشارع المقدس اراد بنفى الضرر في عالم التشريع اعدامه من صفحة الوجود بالنسبة إلى مناسبات المكلفين بعضهم ببعض، وهذه الغاية انما تنال إذا كان الضرر في احد طرفي الفعل والترك لا في كليهما فكما ان اخراج رأس الدابة عن القدر بكسر القدر مستلزم للضرر على صاحب القدر فكذلك ذبح الدابة وحفظ القدر يوجب الاضرار على صاحبها فلا يحصل غرض تشريع هذا الحكم من واحد منهما والحاصل ان مناسبة الحكم والموضوع هنا مع قطع النظر عن ورود القاعدة مورد الامتنان تقتضي انصرافها عن مورد التعارض. فاللازم التماس دليل آخر للحكم هنا، والذى يظهر لنا بعد الرجوع إلى (سيرة العقلاء) في امثال هذه المقامات وما يقتضيه (قاعدة الجمع بين الحقوق مهما امكن) هو لزوم تقديم جانبى الضرر الاقوى بان يكسر القدر أو المحبرة في المثالين السابقين إذا كانت قيمتهما اقل من قيمة الدابة - كما هو الغالب - ثم بجعل الخسارة على المالكين جميعا لاعلى واحد منهما فقط، والوجه في تضمين صاحب الدابة شقصا من الخسارة ان كسر القدر انما كان لحفظ ماله، وفى تضمين صاحب القدر شقصا آخر ان توجه هذا الضرر إلى المالين لم يكن بتفريط من صاحب الدابة حتى يكون ضامنا لجميع القيمة بل انما

[ 99 ]

وقع ما وقع لاسباب خارجية متساوية النسبة إلى كليهما فكلاهما متساويان في لزوم تحمل هذا الضرر بالنسبة والحاصل: ان الضرر الحاصل من ادخال الدابة راسها في القدر قد نشأ من ناحية امور خارجية من غير داخل لاحد المالكين فيها (كما هو مفروض البحث) وهذا الضرر كما انه متوجه إلى صاحب الدابة من جهة متوجه إلى صاحب القدر من جهة اخرى، فعلى كل منها قبول شقص من الخسارة الحاصلة من توجه اسباب الضرر، لئلا يلزم ترجيح بلا مرجح في تحمل الخسارة المتساوية النسبة اليهما، واهمية احد المالين بالنسبة إلى الاخر لا تؤثر في تضمين احدا لمالكين دون الاخر، بل يمكن ان يقال ان الخسارة عليهما تكون بنسبة مالهما فصاحب الدابة يضمن من الخسارة الحاصلة بنسبتها وصاحب القدر بنسبته، غاية الامر انه يراعى جانب الاهم في حفظ تشخص احد المالين، بافناء الاخر والانتقال إلى بدله فيكسر القدر ويخلص الدابة، ولو كانا متساويين من جهة المالية فلا يبعد الحكم بالقرعة كما لا يخفى. هذا كله إذا لم يكن توجه الضرر من تفريط من ناحية احد المالكين والا كانت الخسارة عليه فقط دون الاخر كما هو ظاهر ومن هنا يظهر النظر فيما ذكروه في (كتاب الغصب) من انه: (إذا حصلت دابة في دار لا تخرج الا بهدمها ولم يكن تفريط من احد المالكين يهدم وتخرج الدابة ويضمن صاحب الدار لمصلحته) قلت مجرد كون الهدم لمصلحة صاحب الدابة لا يوجب استقرار تمام الخسارة عليه بعد ما كانت الخسارة بسبب امور خارجية متوجهة اليهما ولم يكن تفريط من صاحب الدابة فاللازم هو الحكم باستقرارها عليهما، جمعا بين الحقين. المقام الثاني في تعارض ضرر المالك وغيره. إذا لزم من ترك تصرف المالك في ملكه ببعض انحاء التصرفات ضرر عليه ولزم من تصرفه ضرر على غيره، فهل هو من قبيل تعارض الضررين حتى يحكم عليه بما قدمناه في التنبية السابق، أو يجب ترجيح جانب المالك دائما، فله التصرف في ملكه بما يشاء،

[ 100 ]

كيف يشاء أو فيه تفصيل؟. التحقيق ان ههنا مسائل اربع: احدها ما إذا لزم من ترك تصرف المالك في ملكه ضرر عليه ثانيها ما إذا لزم منه فوت بعض منافعه من دون توجه ضرر عليه ثالثها ما إذا لم يلزم شئ منهما ولكن بدا له ذاك التصرف عبثا وتشهيا رابعها ما إذا كان قصده من ذلك التصرف الاضرار بالغير من دون ان ينتفع به اصلا، لا اشكال في عدم جواز الاخير بل الظاهر ان مورد رواية سمرة هو بعينه هذه الصورة. واما باقى الصور فظاهر المحكى عن المشهور الحكم بالجواز فيها مطلقا بل ادعى الاجماع على الجواز في الصورة الاولى، ولكن صريح بعضهم كالمحقق قدس سره، و ظاهر آخرين كالعلامة في التذكرة، والشهيد في الدروس رحمة الله عليهما، استثناء الصورة الاخيرة حيث قيد الاول منهما الجواز بصورة (دعاء الحاجة إليه) والاخيران بما (جرت به العادة) ومن المعلوم ان مفروض الكلام في الصورة الثالثة ما لم تدع الحاجة إليه ولا جرت به السيرة. بل الظاهر انصراف كلمات غير هؤلاء الاعلام ايضا عن هذه الصورة وعدم شمولها لغير الصورتين الاولتين. واذ قد عرفت ذلك فاعلم ان الذى اختاره شيخنا العلامة (قده) في فرائده هو الحكم بتقديم جانب المالك في هاتين الصورتين، بالرجوع إلى عموم قاعدة تسلط الناس على اموالهم وقاعدة لا حرج، بعد سقوط ادلة نفى الضرر بالنسبة اليهما للتعارض. واورد عليه المحقق النائيني (قده) بفساد الصغرى والكبرى، اما الصغرى يعنى عدم كون المقام من مصاديق الحرج بل ولا من مصاديق تعارض الضررين فملخص ما افاده في بيانه هو ان الحرج ليس مطلق المشقة بل هو المشقة الجوارحية، فالمشقة الطارية على الجوانح من منع المالك عن التصرف في ملكه غير منفى بادلة نفى الحرج، فليس المقام من مصاديق (الحرج) بل ولا من تعارض الضررين لان الضرر الحاصل للمالك من ترك تصرفه ليس في عرض الضرر الحاصل للجار عند التصرف حتى يتعارضان، بل احدهما في طول الاخر، وذلك لان المجعول في هذه الواقعة ليس الا حكما واحد، اما جواز تصرف المالك أو حرمته، فالاول ضررى للجار فقط. والثانى للمالك فقط، فليس هناك حكمان ينشأ

[ 101 ]

منهما الضرر عليهما حتى يتعارضان، نعم بعد شمول ادلة نفى الضرر لجواز تصرف المالك ينشأ منه حكم ضررى على المالك وهو عدم سلطنته على تصرفه في ماله بهذا النحو من التصرف، ولكن من المعلوم ان هذا الحكم انما نشأ من ناحية ادلة لا ضرر ولا يعقل ان يكون منفيا بها وفى عرضا، فليس المقام من باب تعارض الضررين. واما فساد الكبرى (يعنى عدم جواز الرجوع إلى قاعدة السلطنة وادلة نفى الحرج بعد تعارض الضررين) فقد ذكر في وجهه ما حاصله: ان الرجوع إلى العام عند تعارض المخصصات انما يصح في موارد تعارض المخصص مع ما في رتيته، واما إذا تولد من تخصيص العام بمخصص، فرد آخر من سنخ المخصص، ووقع التعارض بين هذين الفردين من افراد المخصص، فذلك لا يوجب الرجوع إلى العام، والمقام من هذا القبيل فان حكومة ادلة نفى الضرر على عموم تسلط الناس على اموالهم اوجب الحكم بعدم جواز تصرف المالك بذاك النحو من التصرف وهذا الحكم ضرر بالنسبة إلى المالك وان شئت قلت: التعارض هنا بين مصداقين لمخصص معلوم لا بين دليلين مختلفين احدهما مخصص للعام اجمالا. هذا كله بالنسبة إلى عدم جواز الرجوع إلى قاعدة السلطنة، واما عدم جواز الرجوع إلى دليل نفى الحرج فلان الرجوع إليه انما يصح إذا كان حاكما على دليل نفى الضرر وهو ممنوع. انتهى كلامه ملخصا. اقول - وما افاده قدس سره قابل للنقد من جهات شتى، ولنذكر اولا ما عندنا في حكم المسألة بجميع صورها، ثم لنشر إلى مواضع الاشكال فيما افاده تحقيقا للحق وتوضيحا للمختار اما الاول: لا ينبغى الاشكال في ان قاعدة السلطنة مع قطع النظر عن دليل لا ضرر قاصرة عن شمول بعض الانحاء التصرف في المال، فانها انما تدل على جواز تصرف المالك في ماله بما جرت عليه سيرة العقلاء من انحاء التصرفات، ولا دليل على جوازها فيما عداها، و منه يظهر حال كثير من الامثلة التى ذكروها في المقام فان التصرفات التى لا يكون في فعلها نفع للمالك ولا في تركها ضرر عليه عادة وانما يقصد بها مجرد الاضرار بغيره،

[ 102 ]

وكذلك ما يصدر منه عبثا مع العلم بتضرر غيره منه ضررا معتدا به، لا دليل على جوازها اصلا فانها خارجة عن حدود السلطنة العرفية العقلائية في باب الاموال كما لا يخفى على الخبير باحوال العقلاء واعتباراتهم وامثلتها. والوجه فيه ان سلطنة المالك على ماله كسائر الاعتبارات العقلائية لها حدود معلومة لا يتعدى منها، ومن يتعد حدودها فهو خارج عن حيطة اعتباراتهم، ولعل من ذلك ما ذكروه من مثال جعل حانوت حداد في صف العطارين مما يوجب تضررا فاحشا على جيرانه، أو جعل داره مدبغة عظيمة يتاذى منه جيرانه ويشتد عليهم الامر إلى حد بعيد لا يتحمل عادة، فهل ترى العقلاء من اهل العرف يجوزون ذلك وهل يرون دائرة سلطنة المالك على ماله تشمل هذه النواحى؟. وبذلك يظهر ان قاعدة السلطنة في حد ذاتها قاصرة عن شمول الصورة الرابعة من صور المسألة المتقدمة، بل الصورة الثالثة ايضا، حتى مع قطع النظر عن ورود ادلة لا ضرر. اما إذا كان تصرف المالك في ماله لغرض عقلائي في حدوده المتعارفة المعمولة فيما بينهم ولكن لزم منه ضرر على غيره ولزم من تركه ضرر عليه أو فات منه بعض المنافع، فهو ايضا على قسمين لانه تارة يكون صدق عنوان الاضرار بالغير ملازما لصدق عنوان التصرف في ماله ايضا، بان يكون تصرف المالك في ماله مستلزما لتصرف ضررى في مال غيره، ولو بعنوان التسبيب، كما إذا حفر بئرا في داره خرج منه نقيض؟ كثير اسقط جدار الجار أو اسقط بعض بيوته عن حيز الانتفاع، فانه لا اشكال في صدق التصرف في ملك الغير بحفر البئر ولو بعنوان التسبيب في هذا المثال واشباهه. واخرى لا يصدق عليه هذا العنوان وان لزم منه تضرره، كما إذا رفع جداره على جانب جدار جاره بما يتضرر به ويتنزل قيمة داره، ولعل منه ما ذكروه - وورد في الروايات ايضا من - نقص ماء قناة لحفر قناة اخرى في ارض قريبة منها، وكذا فساد ماء بئر جاره لحفر البالوعة في داره في مكان قريب منه في بعض الصور لا في جميعها كما لا يخفى. واذ قد عرفت ذلك فاعلم انه ان كان من قبيل القسم الاول فهو من باب تعارض الضررين والسلطنتين، فكما ان قاعدة السلطنة مع قطع النظر عن ادلة لا ضرر جارية في حق هذا

[ 103 ]

المالك فيجوز له التصرف في داره بحفر البئر فكذلك جارية في حق الاخر فيجوز منعه مما يوجب تصرفا في داره بمقتضى سلطنته بنفس تلك القاعدة، فالتعارض بين السلطنتين، كما ان ادلة لا ضرر متساوية النسبة إلى كليهما فكما ان تصرفه في داره بحفر البئر يكون ضرريا فكذلك ترك تصرفه فالحكم هنا هو الحكم في باب تعارض الضررين الذى فصلناه في المقام الاول وحاصله لزوم الجمع بين الحقين مهما امكن. واما ان كان من القسم الثاني فالحكم فيه هو الرجوع إلى قاعدة السلطنة بعد تعارض الضرر من الجانبين، بل قد عرفت امكان القول بعدم شمول ادلة لا ضرر لمورد التعارض رأسا، اما لعدم المقتضى للامتنان أو لانصرافها إلى غير هذه الصورة، وعلى كل تقدير لا اشكال في جواز الرجوع إلى قاعدة السلطنة هنا والحكم بجواز مثل هذه التصرفات، فللمالك التصرف في ملكه (بانحاء التصرفات المتعارفة) وان تضرر منه جاره ما لم يلزم منه تصرف في ملكه، سواء تضرر المالك من ترك هذا التصرف أو فاته بعض منافعه، بل ترك تصرفه في ملكه بما يترقب منه من المنافع ضرر عليه غالبا. هذا كله إذا لم يرد دليل خاص على المنع من بعض انواع التصرف كما ورد في باب حريم البئر، وقد مضى بعض رواياته واحكامه عند ذكر اخبار الباب ويطلب تفصيله من كتاب احياء الموات وغيره. واما ما افاده المحقق السابق الذكر ففيه مواقع للنظر: اما اولا فلان ما ذكره في نفى الصغرى من ان ضرر المالك ليس في عرض ضرر الجار لان المجعول في هذه الواقعة ليس الا حكما واحدا - إلى آخر ما افاده - ممنوع، لانه مبنى على كون حكم نفى الضرر من قبيل الرفع لا الاعم منه ومن الدفع، مع انه لا اشكال في كونه اعم، وح كما يمكن الاستدلال به على نفى جواز تصرف المالك في ملكه بهذا النوع من التصرف لكونه ضرريا، فكذلك يمكن نفى حرمته ايضا لانه ضررى، ولا نحتاج إلى ورود دليل دال على الحرمة والجواز كليهما بعمومه أو اطلاقه، حتى يرفع اليد عنه في مورد الضرر، فما افاده (قده) من (انه

[ 104 ]

لا يتصور هنا الاحكم واحد وان الحكم بحرمة التصرف انما نشأ من شمول لا ضرر بجواز التصرف الثابت بعموم دليل السلطنة) خال عن التحصيل. بل الضرر الناشئ من التصرف ومن تركه في حد سواء بالنسبة إلى ادلة نفى الضرر بعد كون النفى هنا اعم من الدفع والرفع. وثانيا - ان ما افاده من عدم شمول لا ضرر للضرر الناشئ من قبل هذا الحكم ايضا ممنوع، للقطع بعدم خصوصية لبعض انواع الضرر في هذا الحكم الامتنانى، و ان جميع الاحكام الضررية متساوية الاقدام فيما من الله به على عباده من رفعها عنهم في عالمى التكليف والوضع وجعلهم في فسحة منها، فلو كان لتنقيح الملاك مورد فهذا مورده، هذا كله لو لم نقل بشمول الدليل له بمقتضى الدلالة اللفظية لان الحكم ورد على عنوان عام وطبيعة سارية إلى جميع مصاديقها. وثالثا - ان ما افاده في منع الكبرى من عدم جواز الرجوع إلى عموم دليل السلطنة بعد تعارض الضررين لعدم كونهما في رتبة واحدة، ففيه مضافا إلى ما عرفت من ابتنائه على مبنى فاسد وهو كون نفى الضرر من قبيل الرفع لا الاعم منه و من الدفع، انه لا مناص هنا من الرجوع إلى العام الفوق بعد هذا التعارض، لان البحث في الكبرى انما هو بعد الفراغ عن الصغرى وقبول وقوع التعارض بين الضررين، ومعلوم انه لا ترجيح لاحدهما على الاخر حينئذ، فكيف لا يتساقطان ولم لا يرجع إلى عموم قاعدة السلطنة، وليت شعرى إذا فرضنا صغرى التعارض بين مصداقي الضرر في المقام ولم يجز الرجوع إلى قاعدة نفى الضرر فما الوجه في عدم جواز التمسك بدليل المحكوم اعني قاعدة السلطنة، وما المرجع في المقام لو لم تكن هي المرجع؟. ورابعا - ان ما افاده من نفى صغرى (الحرج) نظرا إلى انه عبارة عن مشاق الجوارح لا الجوانح فهو ايضا باطلاقه ممنوع، لان مشاق الجوانح ايضا كثيرا ما يصدق عليها عنوان الحرج، فالمصائب المؤلمة والحوادث المفجعة امور حرجية بلا اشكال مع انها من مشاق الجوانح، وقد قال الله تعالى: (كتاب انزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه) (1) وقال ايضا: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا


1 - الاعراف - 2

[ 105 ]

في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (1) نعم مطلق ضرر المالك ومنعه من التصرف في ملكه لا يكون مصداقا للجرح كما افاده العلامة الانصاري قدس الله سره، ولا يكون ذلك الا في بعض الموارد التى يصعب على المالك تحمله جدا ويكون في صدره حرج منه وضيق. التنبيه العاشر في انه لا فرق بين توجه ضرر (الحكم) إلى خصوص من كلف به أو غيره إذا لزم من تكليف بعض المكلفين ضرر على غيره، كما في المرضعة القليلة اللبن إذا اضر صيامها بولدها وكما في الحامل المقرب، فهل يصح نفى وجوبه منها بدليل نفى الضرر كما ينفى وجوب الوضوء والغسل الضرريين به (على القول به). الظاهر ذلك، لعموم الدليل فان المنفى على هذا القول هو الاحكام الضررية ومن المعلوم ان حكم الصوم هنا ضررى ولو باعتبار الولد، ولا دليل على لزوم توجه الضرر الناشئ من قبل الحكم الضررى إلى خصوص من كلف به، بل لا يبعد نفى وجوب مثل هذا الصوم على المختار من عدم جواز نفى وجوب الوضوء والصوم الضرريين بها فان صيامها - والحال هذا - اضرار بالولد وقد نفى الشارع (اضرار الناس بعضهم ببعض في عالمى الوضع والتكليف) فيشمله ادلة نفى الضرر، ويؤيده ايضا نهيه سبحانه عن اضرار الاب والام بالولد في قوله تعالى. (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) وقد مر الكلام في تفسير الاية في صدر الكتاب.


1 - النساء - 65

[ 106 ]

التنبيه الحادى عشر تأييد للمختار في معنى الحديث ذكر شيخنا العلامة الانصاري قدس سره في بعض كلماته في المقام اشكالا و جوابا عن بعض معاصريه لا بأس بنقله والبحث عنه لما فيه من تأييد المذهب المختار في معنى القاعدة حاصل الاشكال انه: كيف يجوز الاستدلال بقاعدة نفى الضرر لرفع التكاليف الضررية، مثل وجوب الحج والصوم والوشوء إذا لزم منها الضرر، مع ان الضرر ما لا يحصل نفع دنيوى أو اخروى في مقابله، ونحن نعلم من عموم اوامر هذه التكاليف لموارد الضرر ان لها عوضا دينيا أو دنيويا يربو على ضررها فلا تكون اذن ضررية وحاصل الجواب ان المعلوم كون العوض في قبال ماهية هذه الامور، المتحققة في حالتى الضرر وعدمه، لا في قبال الفرد الضررى منها، فالضرر غير منجبر بالعوض، نعم لو كان المأمور به متضمنا للضرر بنفسه كما في الحكم باداء الزكوة وسائر الواجبات المالية كان هذا البيان حقا، انتهى ملخصا. واورد هو قدس سره على كل من الايراد والجواب، اما على الاول فبان الضرر عبارة عن خصوص الضرر الدنيوي، واما المنافع الاخروية الحاصلة في قباله لا تخرجه عن كونه ضررا، وعلى الثاني بما لفظه: (انه لو سلم وجود النفع في ماهية الفعل أو في مقدماته كان تضرر بنفس الصوم أو بالحج أو بمقدماته يكون الامر بذلك الفعل نفسيا أو مقدمة امرا بالتضرر فلا يبقى فرق بين الامر بالزكوة والامر بالصوم المضر أو الحج المضر بنفسه أو بمقدماته) هكذا افاد. اقول - الانصاف ان ما ذكره هذا المعاصر للشيخ العلامة قدس سرهما بعنوان الاشكال تحقيق لا محيص عنه وقد عرفته سابقا عند بيان المختار في معنى القاعدة ببيان اوفى واتم، وحاصل ما ذكرناه هناك ان اطلاقات الاوامر الشرعية إذا شملت مورد الضرر كما هو المفروض دلت بالالتزام على وجود المصلحة في مورد الفعل على

[ 107 ]

مذهب اهل العدل (لا على مجرد نفع اخروى كما ذكره هذا المعاصر) ومعها يصدق عليه عنوان الضرر. واما ما افاده الشيخ العلامة من ان الاجر الاخروي لا يخرجه من تحت عنوان الضرر فهو غير متوجه إلى هذا البيان لان مصالح الافعال المأمور بها الموجودة في نفس الافعال غير الاجور الاخروية التى تكون بازاء اطاعتها، مع ان ما ذكره (قده) ايضا قابل للبحث. فهل يصح في لسان اهل العرف من المتشرعين اطلاق عنوان الضرر و الغرم بمالهما من المعنى الحقيقي على الانفاق في سبيل الله وقد قال الله تعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) إلى غير ذلك مما دل على عدم نفاد ما يعطى في سبيل الله وبقائه بحسب النتيجة والاثر وان فنى من جهة العين والظاهر والقول بان هذه الاطلاقات والتعبيرات لا تمنع من صدق عنوان (الضرر) بحسب انظار اهل العرف مع قطع النظر عن ايمانهم بالاخرة، مدفوع فان صدق عنوان الضرر لغة وعرفا تابع لتحقق نقص بلا منفعة واما تشخيص الانتفاع به وعدمه ليس بنظر العرف فلو رأى اهل العرف بحسب انظارهم البادية المبنية على الغفلة عن المصالح الموجودة في متعلقات احكام الشرع تحقق هذا العنوان في بعض الموارد ولكن لم نرها بعد الدقة والتامل فلا يلزمنا متابعتهم في اطلاق هذا اللفظ بعد ذلك والحكم بصدق العنوان المزبور في تلك الموارد. التنبيه الثاني عشر هل الاقدام مانع عن شمول لاضرر ام لا؟ الحق انه لا فرق في جريان هذه القاعدة بين تحقق موضوع الضرر باسباب خارجة عن اختيار المكلف وبين تحققه بسوء اختياره، كمن شرب دواءا يضر معه الصوم، أو اجنب نفسه متعمدا في حال يخاف من استعمال الماء، ففى جميع هذه المقامات يجوز نفى الوجوب بادلة لا ضرر (على القول بشمولها لامثال هذه التكاليف) وذلك لعموم الادلة، وحصول الموضوع بسوء اختيار المكلف غير مانع منه، ودعوى انصراف

[ 108 ]

الاطلاقات إلى غيره ممنوعة. نعم في الامور المالية، وكلما يكون من سنخها من الحقوق، إذا اقدم المكلف بنفسه على موضوع ضررى لا يجوز نفى صحته بادلة لا ضرر، لما اشرنا إليه سابقا من ان هذه الامور بمقتضى طبعها الاولى امرها بيد المكلف يصنع بها ما يشاء فإذا اقدم البالغ الرشيد على البيع بما دون ثمن المثل عن علم واختيار، كان بيعه صحيحا ولا يمكن نفى صحته بادلة نفى الضرر، لا لمجرد ورودها مورد الامتنان ونفى الصحة هنا مناف له، لما عرفت من ان ورودها في مقام الامتنان من قبيل الحكمة لا العلة بل لان باب الاموال والحقوق المشابهة له بحسب طبيعتها الاولية يقتضى ذلك ويكون المكلف سلطانا عليها ينفذ تصرفه فيها، ضرريا كان ام لا، فكما ان الهبة والصلح بدون العوض واشباهها امور ضررية لا يجوز نفى صحتها بادلة نفى الضرر فكذلك البيع بما دون ثمن المثل وشبهه ومن هنا تعرف النظر فيما افاده الشيخ الاعظم العلامة الانصاري قدس سره في المقام حيث قال: (لو اقدم على اصل التضرر كالاقدام على البيع بدون ثمن المثل عالما، فمثل هذا خارج عن القاعدة، لان الضرر حصل بفعل الشخص لا من حكم الشارع) انتهى اقول - بل حصل الضرر بحكم الشارع وان تحقق موضوعه بفعل المكلف لانه لو لم يمض هذا البيع لما كان مجرد اقدام المكلف على انشاء البيع امرا ضرريا وان هو من هذه الجهة الا كسائر الموضوعات الضررية التى اوجدها المكلف بسوء اختياره كمن اجنب متعمدا في حال يضر معه استعمال الماء. فالوجه في صحة هذه المعاملات ما قدمناه من ان نفوذ المعاملة من آثار السلطنة الثابتة للمالك على ماله يقلبه كيف يشاء ولولاه لما كان سلطانا عليه وهو مناف لطبيعة الملكية وسلطنة المالك على امواله كما هو ظاهر. فرع - قد افتى غير واحد من الاصحاب في (كتاب الغصب) بوجوب رد الخشبة المغصوبة المستدخلة في البناء، أو اللوح المغصوب المنصوب في السفينة، وان تضرر

[ 109 ]

منه الغاصب، وكذلك افتوا بوجوب قلع الشجر وطم الحفر وضمان كل نقص يحدث بسببه فيمن غرس يغير ارضه وان جرت عليه من الدواهي ما جرت. واستدل له بان الغاصب هو الذى ادخل الضرر على نفسه بسبب الغصب، وكأن المستدل بهذا ناظر إلى ما اشرنا إليه من ان الضرر المقدم عليه في باب الاموال غير منفى بادلة نفى الضرر، فلا يرد عليه ما ذكره الشيخ قدس سره في بعض كلماته في المقام من ان حصول موضوع الضرر بسوء الاختيار غير مانع من شمول ادلته. هذا ولكن يرد عليه ان المالك لا يجوز له تضييع المال بل له نقله إلى غيره باى وجه كان فاقد امه على امر يوجب التضييع والفساد لا يكون ممضى من قبل الشارع و كون الموضوع من قبيل الاموال لا يقتضى نفوذ مثل هذه الامور فتأمل. هذا ويمكن الاستدلال له بما دل على اخذ الغاصب باشق الاحوال وفى بعض موارد المسألة بما دل على انه (ليس لعرق ظالم حق) كما قيل، فان هذه قواعد عقلائية قبل ان تكون شرعية يستند إليها العقلاء في امورهم فهى المانع من شمول ادلة لا ضرر لمثل المقام، لا سيما مع ملاحظة ورودها مورد الامتنان الذى يكون الغاصب اجنبيا عنه، فورودها في هذا المقام وان لم يكن دليلا على المطلوب - كما عرفت - لكنه مؤيد له لا محالة. ويمكن الاستدلال له ايضا بانه داخل في المسألة التى مر ذكرها من عدم جواز الاضرار بالغير لدفع الضرر عن نفسه، فان الامر هنا وان كان دائرا بين اضرار مالك السفينة ومالك اللوح، الا ان الضرر بحسب اسبابه الشرعية التى تكون هنا كالاسباب الخارجية متوجه إلى الغاصب لانه الذى جعل مال الغير في محل يكون مامورا بنزعه بحكم الشرع فالضرر اولا وبالذات متوجه إليه لا إلى المالك فلا يجوز له دفع هذا الضرر عن نفسه باضرار الغير فتأمل. وقد ذكر المحقق النائيني هنا وجها آخر وهو ان الهيئة الحاصلة من نصب اللوح في السفينة ليس مملوكة للغاصب وإذا لم تكن مملوكة فرفعها ليس ضرارا عليه، لان الضرر عبارة عن نقص ما كان واجدا له.

[ 110 ]

وفيه - مضافا إلى انه تدقيق عقلي في امر عرفى كما لا يخفى - ان الكلام ليس في مجرد رفع الهيئة الحاصلة من نصب اللوح في السفينة أو الخشبة في الدار فقط بل فيما يحدث من الخلل في محمولات السفينة وساير اجزائه ايضا الحاصلة بسبب رفع هذه الهيئة الاتصالية، فرفعها وان كان رفعا لامر غير مملوك ومن هذه الجهة لا يكون ضرريا، الا انه منشأ لمضار كثيرة اخرى فيما يملكه الغاصب لصيرورة السفينة بسببه معرضا للغرق والفساد، وكذا الحال في الحائط المبنى على حشبة الغير فان اخراج الخشبة لا يوجب رفع الهيئة الاتصالية فقط، بل يوجب الفساد في ساير نواحى البنيان هذا اخر ما اردنا تحريره في بيان هذه القاعدة المهمة وفروعها ونتائجها والحمد لله اولا وآخرا وقد وقع الفراغ من تسويده ضحوة الجمعة 27 رمضان المبارك سنة 1379 ببلدة قم المشرفة

[ 111 ]

2 - قاعدة الصحة

[ 113 ]

وهذه القاعدة ايضا من اشهر القواعد الفقهية المتداولة بينهم، يتمسك بها في جل ابواب الفقه أو كلها وقد عنونها كثير منهم بعنوان (اصالة الصحة في فعل الغير) وظاهره عدم جواز تمسك المكلف بها لاثبات صحة افعال نفسه عند الشك فيها، بل صرح بعضهم - كالمحقق النائيني - باختصاصها بفعل الغير وان المتبع في افعال شخص المكلف هو (قاعدة الفراغ) لا غير، وستعرف في (المقام الثالث) انشاء الله عدم صحة هذه الدعوى ولزوم تعميم القاعدة لافعال المكلف نفسه، ولذا نجعل عنوان بحثنا (اصالة الصحة في الافعال الصادرة من الغير أو من النفس) وان كان بعض الادلة يختص بالقسم الاول منه كما ان تقييد عنوان البحث بقيد (افعال المسلم) كما يترائى من بعض بلا وجه ولذا اسقطناه منه. ثم اعلم ان هنا ابحاثا تقع في مقامات: المقام الاول في مدرك القاعدة واستدل لها بالادلة الاربعة ولكن عمدتها - كما ستعرف - هو الاجماع العملي والسيرة المستمرة المتداولة بين العقلاء والاستقراء، ولذا لم يتعرض غير واحد من الاعلام لما استدل له من الكتاب والسنة، لعدم دلالتهما عليها. ولكن لما كان في ذكرها بعض الفوائد نشير إليها على سبيل الاجمال والاختصار، وقبل البحث عنها لابد لنا من تقديم امر ينفعنا في تحقيق حال تلك الادلة وهو: ان حمل فعل الغير على الصحة يتصور له معان وثلث:

[ 114 ]

اولها - الاعتقاد الجميل في حقه وترك سوء الظن به بان لا يضمر المسلم لاخيه ما يزرى به ويشينه، ويعتقد انه لم يفعل سوءا عن علم وعمد وان صدر منه ذلك خطأ أو نسيانا. وما قد يقال من ان الاعتقاد من الامور الغير القابلة للخطاب التكليفى تحريما أو ايجابا لخروجه عن حيطة الاختيار، ممنوع جدا، لانه في كثير من موارده امر مقدور، وكثيرا ما يحصل لنا اعتقاد سوء في حق احد وبعد ذلك نتفكر في امره ونبدى لانفسنا احتمالات فيما شاهدناه أو سمعناه منه مما صار منشئا لهذا الاعتقاد، ونقول لعله كان كذا وكذا، من الاحتمالات التى كانت مغفولة بادى الامر بما يصرفنا عن ذاك الاعتقاد القطعي أو الظنى بالسوء، وهذا امر ممكن واقع كثيرا فهو قابل للخطاب الشرعي تحريما أو ايجابا. والحاصل ان كثيرا من الاعتقادات الحاصلة لنا حاصلة من الانظار البادية في افعال الغير وعدم التوجه بما يحتمله من الاحتمالات، فهى تزول بسرعة عند التوجه إلى الوجوه التى تحتملها. فح لا مانع من ان يامر الشارع الحكيم بتحصيل الاعتقاد الحسن في حق المسلمين ونفى اعتقاد السوء عنهم، لما فيه من المصالح التى لا تحصى، كجلب اعتماد المسلمين بعضهم ببعض، ودفع الضغائن عنهم، ودفعا لما في سوء الظن والاعتقاد من التفرقة والتباعد واختلال النظام واثارة الفتن بينهم، كما هو ظاهر لمن تدبر. ثانيها - ترتيب آثار الحسن الفاعلى عليها، إلى المعاملة مع فاعله معاملة من اتى بفعل حسن وعدم المعاملة معه معاملة من ركب امرا قبيحا، من حسن العشرة معه والركون إليه فيما يركن على من لم ير منه قبيح والفرق بينه وبين المعنى السابق ان الحمل على الصحة بهذا المعنى عمل خارجي بخلاف المعنى الاول فان الحمل عليها هناك بمعنى الاعتقاد الحسن و ترك اعتقاد السوء وهو وان كان مستلزما للثاني كثيرا الا ان الفرق بينهما ثابت في المعنى، وفى النتيجة احيانا وثالثها - ترتيب آثار الفعل الصحيح الواقعي على فعله، بمعنى فرض عمله صحيحا واقعا وفى نفس الامر، لا بحسب اعتقاده فقط كما في الوجه السابق، فيرتب عليه ما هو من آثاره الواقعية، فيفرض فعله تام الاجزاء والشرائط واقعا ويرتب عليه ما يرتب عليه، ويكون عمله منشئا للاثار الشرعية، وهذا هو الذى نحن بصدده في اثبات هذه

[ 115 ]

القاعدة لا المعنيين السابقين واذ قد عرفت ذلك فلنرجع إلى ذكر ادلتها الاربعة: الاول - الكتاب واستدل له من الكتاب العزيز بآيات منها قوله تعالى مخاطبا لبنى اسرائيل: لا تعبدون الا الله وبالوالدين احسانا وذى القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا واقيموا الصلوة وآتو الزكوة (1) والاستدلال به يتوقف على امرين: (احدهما) كون القول هنا بمعنى الاعتقاد و (الثاني) كون الاعتقاد كناية عن ترتيب آثاره، نظرا إلى ما قد قيل من انه ليس امرا مقدورا قابلا للخطاب الشرعي، فالامر بالقول الحسن في حق الناس يؤول إلى الامر بترتيب آثار الحسن على افعالهم. وكلاهما محل تأمل واشكال: اما الاول فلان حمل القول على هذا المعنى مضافا إلى انه لا شاهد له في المقام، مخالف لما يظهر من غير واحد من الاخبار الواردة في تفسير الاية: منها - ما عن تفسير العسكري عليه السلام ان معناه: (عاملوهم بخلق جميل) ويظهر من هذه الرواية ان القول الحسن كناية عن المعاشرة بالمعروف ومنها - ما عن جابر عن ابى جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل (وقولوا للناس حسنا) قال قولوا للناس احسن ما تحبون أن يقال لكم فان الله يبغض اللعان الساب، الحديث ومنها - ما عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول - إلى ان قال - وقولوا للناس حسنا قال عودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم وصلوا معهم في مساجدهم الحديث، وهذا الحديث ايضا اشارة إلى المعاشرة الحسنة. إلى غير ذلك من الروايات الدالة على هذا المعنى. واما الثاني فلان غاية ما يستفاد من الاية - بناء على تفسير القول بالاعتقاد - هو احد المعنيين الاولين ولا دلالة لها على المعنى الثالث اصلا. ويرد على الاستدلال بها اشكال آخر وهو ان هذا الامر وقع في سياق اوامر اخر بعضها وجوبي وبعضها استحبابى فان الاحسان إلى ذى القربى واليتامى والمساكين


1 البقرة - 83

[ 116 ]

(المقابل للزكوة) غير واجب فهذا السياق يضعف دلالتها على الوجوب فتدبر اما كون الخطاب إلى بنى اسرائيل فلا يوجب وهنا في دلالة الاية كما لا يخفى. هذا كله مضافا إلى ان الاعتقاد الحسن امر مقدور كما عرفت. ومنها قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا (1) تقريب الاستدلال بها كما ذكر في الفرائد وغيره انه سبحانه نهى عن بعض الظن والقدر المتيقن منه ظن السوء و معناه النهى عن ترتيب آثاره عليه لما مر آنفا، ولازمه الامر بترتيب آثار الحسن عليه لعدم الواسطة. ويعلم الجواب منها مما ذكرناه في الجواب عن الاستدلال بالاية الاولى. ومنها آيات وجوب الوفاء بالعقود والتجارة عن تراض وما اشبهها، استدل بها شيخنا العلامة الانصاري قدس سره في الفرائد. والاستدلال بها عجيب، لان هذه احكام كلية واردة على موضوعاتها الواقعية، والتمسك بعمومها عند الشك في تحقق مصداق التجارة عن تراض أو العقد العرفي المقيد بقيوده الثابتة شرعا، من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية كما هو ظاهر. الثاني - الاخبار واستدل له من الاخبار بما دل على لزوم حمل امر الاخ على احسنه وهو كثير: منها ما ورد مستفيضا من ان المؤمن لا يتهم اخاه، وانه إذا اتهم اخاه انماث الايمان في قلبه كانمياث الملح في الماء، وان من اتهم اخاه فهو ملعون ومنها ما عن امير المؤمنين عليه السلام: ضع امر اخيك على احسنه حتى ياتيك ما يقلبك عنه ولا تظنن بكلمة خرجت من اخيك سوءا وانت تجد لها في الخير سبيلا. ومنها ما ورد في وجوب تكذيب السمع والبصر عن الاخ المؤمن وانه ان شهد عند خمسون قسامة فكذبهم وصدقه... إلى غير ذلك مما هو كثير. وعدم دلالتها على المقصود ظاهر، فانها ناظرة إلى احد المعنيين الاولين من المعاني


(1) الحجرات 12

[ 117 ]

الثلثة المذكورة لحمل فعل الغير على الصحة لا المعنى الثالث الذى نحن بصدده و الغرض من جميع هذه التأكيدات تحكيم مباني الاخوة بين المؤمنين والزامهم بالمعاشرة بالمعروف وله شواهد كثير في نفس هذه الروايات لا تخفى. هذا مضافا إلى ان ذكر الاخ في كثيرة منها دليل على انه ليس حكما عموميا في حق كل احد وجميع الناس من المؤمنين وغيرهم (كما اشار إليه العلامة النراقى في عوائده) فلعله نظير كثير من الحقوق الواردة في باب حق المؤمن على اخيه التى لا تجرى في حق جميع المسلمين بل ولا جميع المؤمنين بل يختص بالذين استحكمت بينهم عرى المودة والاخاء كما حقق في باب حقوق المؤمن. الثالث - الاجماع اما الاجماع القولى فاثباته بوجه كلى بعنوان (وجوب حمل افعال المسلمين أو افعال الغير مطلقا على الصحة) دونه خرط القتاد، فان كلمات اكثرهم (كما اعترف به المحقق المولى محمد باقر الخراساني في كفايته وغيره فيما حكى عنهم، والعلامة النراقى في عوائده) خالية عنه وانما تعرض لهذه القاعدة بعنوان مستقل شر ذمة من متأخري الاصوليين، وان كان الظاهر من بعض العبائر انها من القواعد المقبولة على نحو كلى ولكن الاكتفاء بمجرد ذلك في اثبات هذه القاعدة على نحو عام مشكل جدا والحاصل ان دعوى الاجماع القولى عليها كما يترائى من بعضهم قابلة للذب والانكار، وعلى تقدير ثبوته - وهو غير ثابت - فالاعتماد على مثل هذه الاجماعات في امثال هذه المسائل التى لها مدارك كثيرة اخر كما ترى. نعم يمكن دعوى الاجماع في موارد خاصة كابواب الذبائح والمناكح وبعض ابواب المعاملات وغير ذلك ولكنه غير كاف في اثبات هذه الكلية هذا حال الاجماع القولى اما الاجماع العملي من العلماء بل من المسلمين جميعا، وهو الذى يعبر عنه بسيرة المسلمين فهو غير قابل للانكار في جل موارد هذه القاعدة أو كلها، لانهم لا يزالون يعاملون مع الافعال الصادرة عن غيرهم معاملة الصحة في ابواب العبادات كصلوة الامام،

[ 118 ]

واذان المؤذن واقامة المقيم للجماعة، وصلوة الميت وتغسيله وحج النائب، واشباهها وكذا في ابواب المعاملات كالمعاملات الصادرة من الوكلاء، وابواب الذبائح والجلود والثياب والاوانى التى يغسلها الغير، ونظاهرها، فانه لا شك لاحد في ان المسلمين في جميع الاعصار و الامصار يعاملون مع هذه الافعال إذا صدرت من غيرهم معاملة الصحة، ولا يتوقفون عن ترتيب آثارها عليها استنادا إلى انهم شاكون في صحتها، وكذلك جرى ديدنهم على حمل افعال اولياء الصغار والمجانين، اوصياء الاموات ومتولي الاوقاف وجباة الصدقات على الصحيح وهذا امر معلوم لكل من عاشرهم ولو اياما قلائل. وفى بعض هذه الموارد وان كانت قواعد وامارات اخر تقتضي صحتها، كقاعدة اليد، و سوق المسلمين ونحوهما، الا ان الناظر فيها بعين الانصاف يعلم علما قطعيا ان عملهم في هذه الموارد لا يكون مستندا إلى هذه القواعد بل المدرك فيها جميعا هو قاعدة الصحة وان كانت مؤيدة في بعض مواردها بقواعد وامارات أخرى، كما انه لا يحتمل استناد المجمعين في جميع هذه الموارد على اختلافها إلى نصوص خاصة وردت فيها والعجب من المحقق النراقى (قده) حيث انكر هذا الاجماع العملي في (عوائده) ولكن الظاهر - كما يظهر بمراجعة كلامه - ان عمدة اشكاله نشأت من تعميم البحث وعقد عنوانه للافعال والاقوال، ولكنك خبير بان للبحث في الاقوال الصادرة عن الغير مقاما آخر لا يرتبط بالمقام. بل التحقيق انه لا ينحصر هذا الاجماع العملي بالمسلمين بماهم مسلمون بل مدار امور العقلاء على اختلافهم في العقائد والمذاهب والاراء والعادات، في جميع الازمنة والعصور عليه، كما يظهر بادنى تأمل في معاملاتهم وسياساتهم وغيرها فما لم يثبت فساد عمل الغير لهم يحكمون بصحته ويطالبون مدعى الفساد في الافعال التى صدرت عن غيرهم من الوكلاء والاوصياء والخدام وارباب الحرف والصنائع وآحاد الناس الدليل على ما ادعاه، والا لا يتاملون في ترتيب آثار الصحة عليها. اللهم الا ان يكون هناك امارات الفساد وبعض قرائنه، أو يكون الفاعل متهما

[ 119 ]

فقد يتوقفون في هاتين الصورتين عن الحمل عليها حتى يتفحص عن حاله وسياتى انشاء الله امكان القول باستثنائهما عن قاعدة الصحة حتى في الامور الشرعية عند ذكر التنبيهات وحيث ان افعال العقلاء وسيرهم وما يستندون إليها في امورهم مبنية على اصول عقلائية غير تعبدية، لابد لنا من البحث في منشأ هذه السيرة وتحقيق حالها كى نكون على بصيرة من الفروع المشكوكة التى تترتب على هذا الاصل. فنقول ومن الله سبحانه نستمد التوفيق والهداية: ان منشأ هذه السيرة العامة العقلائية في حمل الافعال الصادرة عن الغير على الصحة لا يخلو عن احد امور ثلاثة: اولها (الغلبة) - بان يقال ان الافعال الصادرة من الغير لما كانت صحيحة غالبا فصارت هذه الغلبة مورثة للظن بصحة الفرد المشكوك، الحاقا له بالاعم الاغلب فهذا الظن الناشئ من الغلبة حجة عندهم في المقام، ولا يلازم القول بحجية هذا الظن هنا حجيته في جميع المقامات، لما فيه من دواع اخر، كشدة الحاجة وعموم الابتلاء وغير ذلك، انضمت إليه فاوجبت بنائهم على العمل به. ولكن هذا احتمال ضعيف، لما نشاهده من عدم اعتنائهم بشأن هذه الغلبة وبنائهم على هذا الاصل ولو في مقامات لا تكون الصحة غالبة فيها كبنائهم في غير هذه المقامات، مضافا إلى امكان منع دعوى الغلبة وانكار كون غالب الافعال الصادرة من الناس صحيحة لو لم يكن الغالب على افعالهم الفساد فتدبر. ثانيها - توقف حفظ النظام وصلاح المجتمع عليها، نظرا إلى انه لو لم يبن على الصحة في موارد الشك في الافعال الصادرة عن الغير لزم العسر الاكيد والحرج الشديد و اختل امر المعاش ونظام امور الناس، لانسداد باب العلم العادى الذى يمكن الوصول إليه بطرق متعارفة في هذه الموارد لغالب الناس فصار هذا منشئا لبنائهم واتفاقهم على حملها على الصحة فيما إذا لم يقم دليل خاص عليها، بل ومطالبة مدعى الفساد بالدليل ويقرب هذا المعنى إلى الذهن ويزيده وضوحا ما يلزم من عدم البناء على هذا الاصل من فساد الاموال

[ 120 ]

والانفس والتنازع والتشاجر ولو في يوم واحد. ثالثها - اقتضاء العمل بحسب طبيعته الاولية للصحة، بيان ذلك: لا ريب في ان الاثار المترقبة من الافعال انما تترتب عليها إذا صدرت صحيحة والافراد الفاسدة لا يترتب عليها اثر أو الاثر المترقب منه وحيث ان غرض العقلاء من كل فعل هو آثاره المطلوبة فالدواعي النفسية والبواعث الفكرية انما تدعوا إلى الافراد الصحيحة، فكل فاعل - لو خلى وطبعه - يقصد الافعال الصحيحة ويتحرك نحوها فانها التى تفيض عليه الاثار التى يطلبها والفوائد التى يرومها، فلا يطلب الفاعل بحسب طبعها الاولى الا الفرد الصحيح وما يصدر من الافعال الفاسدة من بعض الفاعلين اما تكون من غفلة واشتباه أو اغراض فاسدة غير طبيعية، وكل ذلك على خلاف الطبع. ويتضح ذلك عند ملاحظة حال العقلاء في جميع امورهم من الحروف والصنايع وبناء الابنية، ومن معاملاتهم وسياساتهم وغيرها. فكما ان الصحة في مقابل العيب هو الاصل في كل مبيع لانها مقتضى طبعها الاولى وسنة الله التى قد جرت في خلقه، فنيصرف البيع إليها من غير حاجة إلى التصريح بها، فيكون المعيب غير مقصود للمتبايعين لانه مخالف للطبيعة الاولية في الخلقة، فكذلك الامر في الافعال الصادرة من العقلاء فان الدواعى الحاصلة لهم الباعثة على العمل انما تدعوا إلى الفرد الصحيح الذى يكون منشئا للاثار، لا الفاسد الذى لا يترب عليه الاثر المرغوب فيه، فبذلك صار الاصل في الافعال الصادرة من الفاعلين - مسلمين كانوا أو غير مسلمين - هو الصحة، والفساد انما ينشأ من اغراض غير طبيعية أو من خطأ الفاعل وغفلته الذى هو ايضا على خلاف الاصل والطبع. هذا غاية ما يمكن ان يقال في منشأ هذا الاعتبار العقلائي والاقرب من هذه الوجوه هو الوجه الاخير ثم الثاني. وكيف كان - استقرار سيرة العقلاء على هذا الاصل مما لا يكاد ينكر، من من غير فرق بين ارباب الديانات وغيرهم، ومن غير فرق بين كون الفاعل مسلما أو غيره، وجميع ما ورد في الشرع في هذا الباب في الموارد الخاصة كلها امضاء لهذا البناء العقلائي لا تأسيس لاصل جديد.

[ 121 ]

الرابع - دليل العقل ودلالته عليه من وجهين: الاول - انه لو لم يبن على الصحة في الافعال الصادرة من الغير لاختل امر المعاد، والمعاش جميعا وبطلان التالى واضح عقلا وشرعا، فلا يمكن الاقتداء بامام الا بعد العلم بصحة صلوته من حيث القرائة والطهارة وغيرهما، ولا الركون إلى فعل النائب والاجير، والا الاعتماد على الافعال الواجبة كفاية الصادرة من الغير الا عند العلم بصحتها ولا يمكن الاعتماد على العقود والايقاعات الصادرة من الغير مما يكون محلا لابتلاء المكلف وكذا في تطهير الثياب وذبح الذبائح وغيرها مما لا تحصى وقد يخدش فيه من وجهين من ناحية الصغرى والكبرى اما الاول فلان اختلال النظام فيما إذا اقتصر على العمل بما تطمئن به النفس من افعال الغير، وما يوجد فيه امارات شرعية اخرى تدل على صحتها، من (اليد) و (السوق) وغيرهما مما قامت الادلة على اعتبارها، لا يخلو عن اشكال واما ما ذكره المحقق الآشتياني في بعض كلماته في المقام، من لزوم الاختلال في امر المعاد لو لم يلزم في المعاش لاستلزامه عدم جواز الصلوة الا خلف النبي ووصيه عليهم السلام فهو ممنوع لكفاية الاطمينان الحاصل في كثير من الموارد لكثير من الناس كما لا يخفى. واما الثاني فلعدم اثباته حجية هذا الاصل الا في الجملة ولا يكفى في اثبات هذه الكلية، فان اللازم الاقتصار على العمل بما يندفع منه محذور اختلال النظام واما غيره فلا هذا ولكن لا يخفى ان ملاحظة ما يلزم منه الاختلال وما لا يلزم منه ذلك والتفكيك بينهما ايضا قد يكون بنفسه حرجيا ومنشئا للاختلال، والايكال على وجدان المكلفين في تشخيص مواردها قد يؤدى إلى ذلك كما لا يخفى على الخبير. وقد يستند في اثبات الكبرى تبعا لشيخنا الاعظم العلامة الانصاري (قده) إلى فحوى ما ورد في باب اليد في رواية (حفص بن غياث) من انه (لولا ذلك لما قام للمسلمين سوق) بعد حكمه (عليه السلام) بترتيب آثار الملكية على ما في اليد، فيدل على ان كل ما لولاه لزم الاختلال فهو حق. ويمكن تأييده ايضا بما ورد في جواز شراء

[ 122 ]

الفراء من سوق المسلمين عند الشك في تذكيتها وعدم وجوب السؤال عنه معللا بقوله (عليه السلام) ان الدين اوسع من ذلك وذم الخوارج الذين ضيقوا على انفهسم (1) وغيره من اشباهه مما يدل على التوسعة في امور الدين. هذا ولكن الاستناد في اثبات الكبرى إلى الادلة النقلية يخرجه عن الاستدلال العقلي مضافا إلى ان امكان منع الاولوية بعد ملاحظة امكان الاعتماد إلى امارات اخرى في كثير من موارد الشك في الصحة، ولكن الانصاف ان الدليل مما يمكن الركون إليه ولا اقل من تأييد المدعى به مع قطع النظر عن كونه دليلا عقليا أو نقليا. الثاني - (الاستقراء) فان الناقد البصير إذا امعن النظر في الاحكام الواردة في الشرع، الثابتة عند اهله باجماع أو غيره، يرى ان الشارع المقدس لا يخرج في حكمه عما يطابق هذا الاصل في موارد، بحيث يورثه الاطمينان بثبوت هذه الكلية في الشرع فلاحظ ما ورد من الاحكام المختلفة في ابواب الطهارات والنجاسات مما يرتبط بفعل الغير وابواب الذبائح والجلود، وابواب الشهادات، والدعاوى والتنازع في صحة بعض العقود والايقاعات وفسادها وغيرها تجده شاهد صدق على ما ذكرنا، وكلما كررت النظر زادك وضوحا وظهورا. واورد عليه المحقق النراقى (قده) في (عوائده) بان هذا الاستقراء غير مفيد لان تامه لم يتحقق وناقصه لو سلمنا كونه مفيدا فانما يفيد لو لم يعارضه خلافه في موارد خاصة اخرى ازيد مما يوافقه ففى صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال سئل عن رجل جمال استكرى منه ابل وبعث معه زيت إلى ارض فزعم ان بعض الزقاق انخرق فاهراق ما فيه فقال عليه السلام: انه ان شاء اخذ الزيت وقال انه انخرق ولكنه لا يصدق الا ببينة عادلة، وهذا صريح في عدم حمل قول الجمال على الصحة وموثقة عمار ابن موسى عن ابى عبد الله عليه السلام انه سئل عن الرجل ياتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث فقال: ان كان مسلما ورعا مأمونا فلا باس ان يشرب، إلى غير ذلك مما ذكره. وفيه ان التحقيق كما ذكرنا في محله حجية كل ما يورث الظن الاطمينانى


(1) راجع الحديث 3 من ابواب 50 من ابواب النجاسات من كتاب الطهارة من الوسائل

[ 123 ]

وسكون النفس، لبناء العقلاء عليها كافة في جل امورهم (عدا موارد خاصة) و الاستقراء الغالبى وان لم يوجب العلم، فلذا لا يعتمد عليه في الامور التى تحتاج إلى ادلة قاطعة، الا انه كاف في اثبات الاحكام الفرعية إذا انضم إليه قرائن اخر وحصل منه الاطمينان. واما ما ذكره من المعارضات فهى اما واردة في مورد (اقوال الغير) لا افعاله، كالحديث الاول، أو في موارد الاتهام كالحديث الثاني فتأمل. هذا تمام الكلام فيما اردنا ذكره من ادلة هذه القاعدة، وتحصل من جميعها ان هذه القاعدة من القواعد التى استقرت عليها سيرة اهل الشرع بل العقلاء جميعا وان العمدة في اثباتها هو ذلك وان كان غيرها من الادلة ايضا لا يخلو عن تأييد لها أو دلالة عليها.

[ 124 ]

المقام الثاني تنبيهات اصالة الصحة الاول - هل المراد من (الصحة) هي الصحة الواقعية أو الصحة عند الفاعل؟ فيه خلاف مشهور، وقد يعبر عن الصحة الواقعية بالصحة عند (الحامل) نظرا إلى ان الصحيح الواقعي في نظره هو ما بنى على صحته اجتهادا أو تقليدا، فلا فرق بين هذين التعبيرين فيما يراد في المقام. وعلى كل حال المحكى عن المشهور هو البناء على الصحة الواقعية، ويحكى عن (صاحب المدارك) (قده) الاول، ولكن قد عرفت عند حكاية الاجماع على الحجية ان هذه القاعدة بكليتها غير معنونة في كلمات المشهور فاسناد القول الثاني إليهم هنا لعله لظهور كلماتهم فيه في مقامات خاصة، كفروع التنازع في ابواب المعاملات حيث اطلقوا القول بتقديم قول مدعى الصحة ولم يقيدوه بكونه عالما بالصحة والفساد الواقعيين، كى يكون الحمل على الصحة عند الفاعل مساوقا للحمل على الصحة الواقعية، ولو كان مرادهم من الصحة الصحة عند الفاعل لم يكن هناك بد من التقييد به ومن البعيد جدا ان يفرق بين الابواب المختلفة فيحمل على الصحة الواقعية في مقام والصحة الفاعلية في مقام آخر، فاسناد هذا القول إلى المشهور بهذا الاعتبار قريب. وتظهر الثمرة بين القولين فيما إذا كان معتقد الفاعل مخالفا لمعتقد الحامل كما إذا كان البايع ممن يرى جواز العقد بالفارسية أو بغير صيغة الماضي أو جواز تقديم القبول على الايجاب أو غير ذلك، على خلاف ما يعتقده الحامل، فإذا شك في صحة بيعه وفساده

[ 125 ]

لم يفده حمل فعل البايع على الصحة على القول الاول، ويفيده على الثاني، فاذن تنحصر فائدة هذه القاعدة على القول الاول بالموارد التى تطابق الصحة عند الفاعل الصحة عند الحامل، واما في غيرها فانما تفيد بالنسبة إلى الاثار التى يكون موضوعها الصحة الفاعلية كالايتمام على قول. ثم اعلم ان المدرك الوحيد في هذه المسألة هو ملاحظة الدليل الذى استندنا إليه في اثبات اصل القاعدة، وحيث ان عمدتها - كما عرفت - هي السيرة المستمرة بين العقلاء من جميع الامم وفى جميع الاعصار على اختلافهم في المذاهب والاراء فالحق هو الحمل على الصحة الواقعية لانه لم يعهد منهم ان يتسائلوا بينهم من معتقد الفاعلين في المسائل المختلفة عند حمل افعالهم على الصحة، ويزيدك وضوحا ملاحظة حال المسلمين في الاعصار المختلفة مع تشعبهم في المذهب واختلافهم في المسائل الفرعية فلم يعهد منهم السؤال عن معتقد الفاعل إذا كان وكيلا في البيع وغيره أو وصيا عن ميت أو وليا على صغير أو غير ذلك، بل تحمل افعالهم على الصحيح عند الشك من غير فحص عن حال فاعلها. ولعل قائلا يقول: ان منشأ هذه السيرة كما ذكرت احد امور ثلثة: اما الغلبة، أو اقتضاء طبيعة العمل، أو التعبد العقلائي دفعا للحرج وحفظا لنظام المجتمع ولا شك ان شيئا منها لا يقتضى ازيد من الصحة الفاعلية ضرورة ان الدواعى الباعثة على العمل انما تدعو إلى الصحيح في نظر الفاعل وبحسب معتقده، والغلبة انما تكون في موافقة عمله لما هو الصحيح عنده، والحرج والاختلال يندفعان بالحمل على الصحة الفاعلية، لتطابق الصحة عند الفاعل والحامل في كثير من الموارد وكفى بها في دفع محذور الحرج والاختلال. وفيه - انه انما ذكرنا هذه الامور بعنوان الحكمة والداعى لبناء العقلاء على هذا الاصل، لا العلة التى يدور الحكم مدارها وقد عرفت ان ما نشاهده من سيرتهم هذه لا تنحصر بالموارد التى تطابق الصحة الفاعلية والصحة عند الحامل بل تعمها وغيرها. وقد عرفت ان استمرار سيرة المسلمين على هذه القاعدة المتخذة من سيرة العقلاء يؤكد

[ 126 ]

هذا المعنى، لانها جرت على ترتيب آثار الصحة الواقعية على العقود والايقاعات الصادرة عن الغير وعباداتهم النيابية واداء الواجبات الكفائية وغيرها من غير تحقيق وتفحص عن حال فاعليها ومعتقدهم، مع ما يرى من الاختلاف الشديد بينهم في احكام العبادات والمعاملات، لا سيما مع ملاحظة ان هذه القاعدة تعم المخالفين ايضا وتدل على حمل افعالهم على الصحة وترتيب آثارها عليها فيما لا يشترط فيه الولاية، ومخالفتهم لنا في كثير من الفروع الفقهية واضح لكل احد، ولم يعهد السؤال عن مذهب الفاعل أو الفحص عنه بطريق آخر. نعم هيهنا صورتان قابلتان للبحث: الاولى - ما إذا علم تفصيلا اعتقاد الفاعل ومخالفته لمعتقد الحامل بالكلية بحيث لم يجمعهما جامع، كما إذا اعتقد الفاعل وجوب الجهر بالبسملة في الصلوات الاخفائية حينما يعتقد الحامل حرمته. فان حمل فعله على الصحة هنا - من باب احتمال مصادفته للواقع ولو سهوا منه - مشكل جدا، لعدم جريان شئ من الادلة السابقة فيه. وان هو الا الحمل على الفساد بالنظر إلى معتقد فاعله. الثانية - ما إذا علم جهل الفاعل بالحكم أو الموضوع أو كليهما علما تفصيليا كمن لا يعلم ترتيب اجزاء الوضوء أو الصلوة أو غيرهما وياتى بها من غير علم باحكامها ولكن يحتمل مطابقتها للواقع احيانا من باب الصدقة والاتفاق، والحمل على الصحة الواقعية هنا ايضا مشكل، وان كان اخف اشكالا من الصورة الاولى، ولذا اختار (المحقق الاصفهانى) قدس سره في تعليقاته على الكفاية الحمل عليها في هذه الصورة وادعى قيام السيرة عليها خصوصا بعد ملاحظة جهل غالب العوام بالاحكام. وفيه - انه لم يثبت استقرار السيرة في الموارد التى يعلم فيها علما تفصيليا بجهل فاعلها في خصوص مسائل معينة، نعم لا يبعد جريانها في موارد يعلم اجمالا بجهلهم ببعض المسائل أو بكثير منها، لان غالب العوام - لا سيما اهل البوادى ومن ضاهاهم - من هذا القبيل، مع انه لا اشكال في حمل افعالهم على الصحة الواقعية وترتيب آثارها عليها.

[ 127 ]

ويمكن استظهار المقصود - اعني لزوم الحمل على الصحة الواقعية لا الصحة بنظر الفاعل - من غير واحد من الروايات الواردة في موارد خاصة: مثل ما رواه الشيخ (رضوان الله عليه) في التهذيب والفقيه باسناده عن اسماعيل بن عيسى قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من اسواق الجبل، ايسئل عن ذكاته إذا كان البايع مسلما غير عارف؟ قال: (إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسئلوا عنه) (1) بناء على شموله لصورة العلم بكون معتقد الفاعل جواز الصلوة فيما دبغ من الجلود وان كانت غير مذكى لاشتهار فتاوى ابى حنيفة في العراق في ذاك العصر ومفروض سؤال الراوى ايضا هو الشراء من المخالفين، فالعمل بهذه الامارة - اعني الصلوة فيها - ليس الا من جهة حمل افعال المسلمين على الصحة الواقعية فبالصلوة فيها يستكشف كونها مذكى لاعتبار التذكية في لباس المصلى واقعا. اللهم الا ان يقال ان الرواية غير معمول بها لكفاية الاخذ من سوق المسلمين ومن يد المسلم من غير اعتبار الصلوة فيها، فيحمل هذا الحكم على الاستحباب وضرب من الاحتياط ولكن يمكن القول بكفاية الحكم المذكور في اثبات المدعى وان كان حكما استحبابيا فتأمل. نعم يظهر من بعض الروايات خلاف ذلك وان الحمل على الصحة انما يجوز فيما يوافق معتقد الفاعل لمعتقد الحامل كالروايات الكثيرة الواردة في باب (تحريم العصير إذا اخذ مطبوخا ممن يستحله) مثل ما رواه الكليني (رضوان الله عليه) باسناده عن عمر بن يزيد قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يهدى إليه البختج من غير اصحابنا؟ فقال: (ان كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه وان كان ممن لا يستحل فاشربه) ومثله غيره. فان حمل فعل المسلم على الصحيح الواقعي يقتضى الحكم بالحلية هنا وليس هذه الصورة من الصورتين اللتين اخترنا استثنائهما من هذه القاعدة لوجود الجامع بين العقيدتين لاستحلال الفريقين المطبوخ على الثلث. ويمكن الجواب عنه بان المورد من موارد التهمة وسيأتى الاشكال في جريان


1 - الحديث 7 من الباب 50 من ابواب النجاسات من كتاب الطهارة من الوسائل

[ 128 ]

القاعدة فيها، وذلك لان مستحل المسكر لا داعى له إلى طبخ العصير على الثلث غالبا فيسقط القاعدة في مورده، فيكون المرجع فيه هو الاستصحاب ولا شك في انه يقتضى الحرمة. التنبيه الثاني في وجوب احراز صورة العمل يعتبر في جريان هذه القاعدة احراز صورة العمل، وهو القدر المشترك بين صحيحه وفاسده، بحيث يصدق عليه عنوان ذاك العمل بالمعنى الاعم من الصحيح والفاسد، فإذا رأينا رجلا يأتي بحركات نشك في صدق عنوان الصلوة عليها ولو فاسدا، كما إذا انحنى ولا ندرى انه انحناء ركوع أو انحناء لاخذ شئ من الارض، لم يكن هناك مورد للحمل على الصحة كما هو ظاهر ومجرد كون الاتى بها قاصدا لعنوان الصلوة غير كاف في هذا المعنى ما لم يحرز صورة العمل خارجا، لوضوح عدم كفاية مجرد القصد في صدق عنوان على عمل خارجي حتى يؤتى بصورة الخاصة. نعم إذا كانت صورة خاصة مشتركة بين عملين فالمميز هناك هو القصد، فهذا الشرط غير ما سيأتي الاشارة إليه انشاء الله عن قريب من اشتراط احراز كون الفاعل بصدد العنوان الذى يراد حمل فعله على الصحيح منه. وعلى كل حال اعتبار هذا الشرط في جريان اصالة الصحة في جميع مواردها امر ظاهر لا سترة عليه، وكأن ما ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد من: (عدم جريان اصالة الصحة في العقود الا بعد استكمال اركانها ليتحقق وجود العقد واما قبله فلا وجود له) ايضا ناظر إلى هذا المعنى ولذا مثل له في بعض كلماته بما إذا اختلفا في كون المعقود عليه حرا أو عبدا أو اختلف الضامن والمضمون له فقال الضامن: ضمنت وانا صبى، وقال المضمون له: بل ضمنت وانت بالغ وكذا ما يحكى عن (العلامة) قدس سره من الاشكال في جريانها في هذا الفرض، فان الظاهر ان منشأ استشكالهما في جريان قاعدة الصحة هنا هو ما ذكرنا من عدم احراز عنوان العمل في هذه الامثلة. وعلى أي حال فان كان مراد المحقق الثاني قدس سره من

[ 129 ]

استكمال الاركان ما ذكر، - كما يظهر من امثلته - فهو مما لا ينبغى الريب فيه، وان كان مراده امرا ورائه فهو قابل للتامل والبحث، ولا نظن احدا يخالف ما ذكرنا عند العمل بقاعدة الصحة، وهل ترى احدا يحكم بالصحة فيما يشك في صدق عنوان البيع أو النكاح ولو فاسدا على الفعل الخارجي؟ وهل تظن احدا فيما إذا رأى احدا ينحنى لا يدرى اهو انحناء ركوع أو انحناء لاخذ شئ من الارض يحكم بحمل فعله على الركوع الصحيح؟. فكلما يكون الشك فيه مساوقا للشك في صدق عنوان العمل وصورته لا يكون مجرى للقاعدة، فإذا شك في مالية العوضين رأسا لم يصدق هناك عنوان البيع، لان البيع انما يصدق في محل قابل له ولو اجمالا، فإذا شك في ان المبيع حر أو عبد أو انه خمرا ومايع آخر مباح، بناءا على ان الشارع تصرف في موضوع الخمر واسقطها عن المالية رأسا، لم يصدق هناك عنوان البيع، وان هو الا كبيع الماء على الشاطئ واشباهه، مما لا مالية له بنظر العرف والعقلاء فانهم لا يرون بيعها الا سفها وهذلا، لا بيعا حقيقيا (ولو بيعا فاسدا) وكذلك إذا شك في بلوغ الضامن مثلا، بناء على سقوط ذمة غير البالغ وعدم الاعتبار بعهدته وكونه في الشرع كمن لا اعتبار بذمته وعهدته عند العقلاء كغير المميزين والمجانين، فانه لا يصدق هناك عنوان الضمان ولو فاسدا. وبعض هذه الامثلة وان كان قابلا للنقض والابرام الا انه لا اشكال في الكلية المذكورة وهو ان ما لا يصدق عليه عنوان العمل - ولو بالمعنى الاعم - خارج عن مسألة اصالة الصحة. ومن المعلوم ان انهدام الاركان أو الشك فيها يساوق الشك في تحقق العنوان غالبا أو دائما بل لعل المراد من الركن هنا هو ما يلزم من عدمه انتفاء العنوان فتأمل، فاذن يكون قول المحقق الثاني ومن وافقه من لزوم احراز اركان العقد في اجراء اصالة الصحة فيه قويا. ثم انه لا يختص هذا البحث بباب البيع بل هو عام لجميع موارد جريان اصالة الصحة لاتحاد الدليل ولانا لا نجد أي مخصص له بباب دون باب للزوم احراز عنوان العمل المشترك بين الصحيح والفاسد في الحكم عليه بالصحة عند الشك بمقتضى هذه

[ 130 ]

القاعدة، ففى باب الوضوء إذا رأينا رجلا من بعيد يغسل يديه ولا ندرى ان غسله غسل وضوء أو غيره فهل ترى احدا يقول بحمل فعله على الوضوا الصحيح؟. ولكن العجب من (المحقق النائيني) قدس سره حيث خص البحث هنا بباب العقود، بل لعل ظاهر بعض كلمات شيخنا الاعظم العلامة الانصاري (قده) ايضا ذلك، وقد عرفت مغزى البحث وما يؤول إليه كما عرفت انه لا وجه لتخصيصه بباب دون باب ثم اعلم ان في المسألة اقوالا أخر عدى ما ذكرنا وذكره المحقق الثاني: احدها - ما اختاره العلامة الانصاري (قده) من لزوم احراز جميع ما يعتبر احرازه في صدق عنوان العقد الصحيح عرفا واختصاص القاعدة بما إذا شك فيما عداها من الشرائط الشرعية، نظرا إلى انه ما لم يحرز العنوان الصحيح العرفي لا يكون هناك مجال لاجراء القاعدة. وفيه: ما عرفت من كفاية احراز القدر المشترك بين الصحيح والفاسد لان هذه القاعدة لا تختص بالمتشرعين، بل اهل العرف إذا احصل لهم الشك في صحة الاعمال الصادرة من غيرهم من العقود وغيرها يعتمدون على هذه القاعدة ويحكمون بصحتها ولا يتوقفون عن ذلك إذا احرزوا صورة العمل، وان الفاعل كان من قصده ايجاد العمل الصحيح خارجا، ولو كان مجرى القاعدة خصوص موارد الشك في الشرائط الشرعية لم يبق لها مجال عند اهل العرف والعقلاء فيما بايديهم من الاحكام. ثانيها - ما ذهب إليه المحقق النحرير (العلامة الاصفهانى) (قدس سره): من كفاية احراز مجرد الانشاء في العقود، وانه إذا احرز مجرد انشاء البيع أو النكاح أو غيرهما ثم شك فيما يعتبر فيها من الشرائط عند العقلاء أو عند الشرع يحكم بصحتها حتى انه (قده) لم يعتبر احراز كون الانشاء بقصد الجد، بل اكتفى بكون المنشى في مقام الجد وان لم يعلم قصده لذلك جدا، كل ذلك لعموم الادلة التى عمدتها السيرة العقلائية وفيه: انه ان كان مراده (قده) من الانشاء هو ما يصدق عليه عنوان المعاملة المشترك بين صحيحها وفاسدها، فلا ينبغى الشك في عدم كفاية مجرد الانشاء في احراز عنوانها، بل يعتبر فيه مضافا إليه، ساير اركانها من صلاحية العوضين والمتعاقدين ولو

[ 131 ]

اجمالا فلا وجه للاقتصار على الانشاء فقط، وان كان مراده كفاية مجرد الانشاء ولو لم يصدق عليه عنوان المعاملة فقد عرفت في بيان المختار انه بمعزل عن الحق. ثالثها - ما اختاره المحقق النائيني قدس سره، وهو من اغرب الاقوال في المسألة، وحاصله لزوم احراز جميع شرائط العوضين والمتعاقدين واختصاص القاعدة بموارد الشك في شرائط العقد فقط، ودليله على هذا التبعيض ان العمدة في اثبات هذه القاعدة هنا هو الاجماع ومعقده هو (الشك في صحة العقد) وظاهر هذا العنوان خصوص الشرائط المعتبرة في العقد نفسه دون غيره مما يعتبر في صحته من صفات المتعاقدين والعوضين. وفيه اولا - ما قد عرفت آنفا من ان حمل العقد الصادر من الغير على الصحة جزئي من جزئيات مسألة حمل فعل الغير على الصحة مطلقا، وانه لم يقم دليل خاص عليه في ابواب المعاملات، وقد عرفت ايضا ان دعوى الاجماع القولى في اصل المسألة مشكلة فضلا عن حصر الدليل فيه فتدبر. ثم ان لازم ما افاده وجوب التماس دليل آخر لحمل فعل الغير على الصحة في ابواب العبادات وشبهها فيكون هناك قاعدتان مستقلتان احداهما في ابواب المعاملات والاخرى في غيرها، وربما يلوح من بعض كلماته قدس سره في المقام التزامه بهذا اللازم، وهو عجيب، حيث انه لا شك في انها قاعدة واحدة مستندة إلى دليل أو ادلة معلومة جارية في جميع ابواب الفقه من غير فرق بين ابواب العقود وغيرها، ولم اقف على احتمال التفكيك بينهما في كلام غيره ثانيا - سلمنا انحصار مورد القاعدة ومعقد الاجماع في ابواب المعاملات بالشك في (صحة العقد) ولكن الانصاف ان المراد من صحة العقد - بظاهرها - هو صحته بمعنى ترتيب جميع آثاره الشرعية عليه من النقل والانتقال وغيرهما لاصحة العقد الانشائى فقط، ومن الواضح ان صحة العقد بهذا المعنى تتوقف على ضم سائر الشرائط المعتبرة في العوضين والمتعاقدين إلى شرائط الانشاء ولا يكفى فيها مجرد احراز شرائط الصيغة فاذن لا يبقى مجال لهذا التفصيل. ثالثها - انه لا يظن باحد الالتزام بهذا التفصيل عملا في الفقه في مختلف

[ 132 ]

ابواب المعاملات، حتى انه نفسه لا يمكنه الجرى على وفق ما افاده عند العمل، فان لازمه حصر مورد القاعدة بموارد الشك في صحة الانشاء من ناحية الماضوية والصراحة، والنتجيز وامثالها، بناءا على اعتبار هذه الامور فيها، واما إذا شك في معلومية العوضين أو زيادة احد العوضين على الاخر وعدمها مع كونهما جنسا واحدا وما اشبه ذلك فلا يمكن التمسك بها لاثبات صحة المعاملة المشكوكة من ناحيتها وهو كما ترى. وما قد يلوح من بعض كلماته في المقام من: (ان اعتبار معلومية العوضين أو عدم كون احدهما زائدا على الاخر انما هو مأخوذ في صحة العقد) لم نتحقق معناه، فانه ان اراد اعتبارها في صحة العقد بمعنى انشاء الصيغة فهو كما ترى، وان اراد اعتبارها في العقد المسببى وما يترتب عليه النقل والانتقال، فجميع الشرائط كذلك ولا يرى بينها من تفاوت. ولا بأس بالاشارة إلى بعض الموارد التى صرحوا بجريان قاعدة الصحة فيها مع كون الشك فيها من ناحية شرائط المتعاقدين أو العوضين وهو ما ذكروه في رواية (ابن اشيم) المشهورة الواردة في العبد المأذون الذى دفع إليه مال ليشترى به نسمة ويعتقها ويحج عن ابيه، فاشترى اباه واعتقه: ثم تنازع مولى المأذون ومولى الاب وورثة الدافع وادعى كل منهم انه اشتراه بماله، فقال أبو جعفر (ع): (يرد المملوك رقا لمولاه واى الفريقين اقاموا البينة بعد ذلك على انه اشتراه بماله كان رقا له). حيث استشكلوا على ظاهر الحديث بمخالفته للقواعد حيث ان الحكم بفساد العقد المذكور ومطالبة البينة من مدعى الصحة مخالف للقاعدة لان مدعى الصحة تكفيه اصالة الصحة مع يمينه. ومن الواضح ان منشأ الشك هنا ليس من ناحية صحة الانشاء وشرائطه بل من ناحية العوضين وان العبد المأذون اشترى اباه بمال مولى الاب حتى يكون البيع باطلا أو بمال مولاه أو ورثة الدافع حتى يكون صحيحا.

[ 133 ]

التنبيه الثالث في ان الصحة المستفادة منها في كل مورد بحسبه لا اشكال في انه لا تثبت بهذه القاعدة الا الآثار المترتبة على صحة موردها ومجراها ومن المعلوم ان صحة كل شئ بحسبه، فان كان موردها عبادة أو عقدا بجميع اجزائه وشرائطه فصحته صحة فعلية ويترتب عليه ما يترقب منه من الاثار فعلا. واما إذا كان موردها جزاء من اجزائهما فصحته صحة تأهلية بمعنى قابلية ذاك الجزء لانضمام سائر الاجزاء أو الشرائط إليه وصيرورتها عبادة أو معاملة تامة، وتترتب عليها آثار تلك العبادة أو المعاملة إذا لحقه سائر اجزائها وشرائطها. وهذا المعنى مما لا ينبغى التأمل فيه، الا ان الكلام في بعض ما فرعوا عليه. فقد فرع عليه شيخنا الاعظم قدس سره الشريف فروعا: منها - إذا شك في لحوق الاجازة لبيع الفضولي فاصالة الصحة في البيع الصادر منه لا تثبت لحوق اجازة المالك به، لان صحته صحة تاهلية لا تدل على ازيد من صحة الانشاء الصادر من الفضولي واشتماله على شرائط الصحة ومنها ما إذا شك في تحقيق القبض في الصرف والسلم، فان جريان اصالة الصحة في العقد لا يدل على تحقق القبض. ومنها ما لو ادعى بائع الوقف وجود المسوغ له في بيعه فان اصالة الصحة لا تثبت وجوده لا سيما مع بناء بيع الوقف على الفساد. ومنها ما لو ادعى الراهن اذن المرتهن في بيع العين المرهونة فان اصالة صحة البيع لا تثبت اذنه (هذا ملخص ما افاده). اقول - قد عرفت من التنبيه السابق ان القاعدة الكلية في مجرى هذه القاعدة انه مهما حصلت اركان العمل، باقل ما يصدق عليه عنوانه الاعم من الصحيح والفاسد، جرت فيه اصالة الصحة عند الشك فيما زاد عليها، مما يعتبر في صحته، وانت بعد الاحاطة بهذا تعرف حال هذه الفروع: فان من المعلوم ان مجرد الايجاب والقبول لا يجدى في تحقق عنوان البيع أو النكاح أو غيرهما ما لم ينضم إليه قابلية محله، وغيره مما به قوامه وعليه اساسه، فلا يكفى احراز مجرد الانشاء في اجراء القاعدة في البيع والنكاح

[ 134 ]

وشبههما، لا لان صحة كل شى بحسبه، بل لان عنوان البيع واشباهه لا يصدق بمجرد نفس الانشاء كما لا يخفى. ومن هنا يعلم حال البيع الصادر من الفضولي فانه بدون اجازة المالك ليس بيعا حقيقيا ولا يصدق عنوانه (لو بمعناه الاعم) ضرورة عدم اهلية الفضولي للعقد على مال غيره بل هو اشبه شئ بكتابه السند وتنظيمه للتوقيع عليه ممن بيده امره، فليس موقف الفضولي موقف البايع حقيقة ولا يصدق على انشائه عنوان البيع نعم إذا تحقق ايجاب البيع وقبوله في محل قابل له ولو في الجملة، ثم شك في حصول بعض ما يتوقف صحته عليه من الشرائط، كالقبض في الصرف والسلم فلا ينبغى الاشكال في جواز الاعتماد على هذا الاصل لاثباتها. فهل نجد من انفسنا الزاما على البحث والفحص عن حال بيع صرف أو سلم صدر من وكيلنا وانه هل اقبض المثمن أو قبض الثمن في مجلسه ام لا؟ فما افاده قدس سره من عدم جواز الركون إلى هذا الاصل لاثبات صحة البيع وحصول النقل الانتقال، عند الشك في تحقق القبض في الصرف والسلم بمعزل عن الحق وليت شعرى ما الفرق بين هذا الشرط وغيره من الشروط المقارنة المعتبرة في العقود؟. نعم إذا علمنا من الخارج ان المتبايعين اوقعا العقد مترددين في القبض والاقباض ثم شككنا في انه بدالهما فيهما فالامر كما ذكره (قده) اما إذا احرزنا انهما اوقعاه قاصدين للنقل والانتقال، عازمين على القبض والاقباص ثم شككنا في لحوقه فلا اشكال في جريان قاعدة الصحة فيه وبالجملة لا نجد أي فرق بين الشروط المقارنة للعقد و المتأخرة عنه بعد احراز عنوانه خارجا فلا وجه للفرق بينهما اصلا. واما مسألة الشك في مسوغات بيع الوقف فالظاهر انه لا ينبغى الاشكال فيها ايضا من الجهة المبحوث عنها لما عرفت في سابقه بل الظاهر انه ليس من فروع هذا البحث فان وجود المسوغات من الشرائط المقارنة المعتبرة في صحة العقد حين صدوره كالمالية والملكية واشباههما، ولو قلنا بان اركان البيع غير حاصلة مع الشك في وجود المسوغ سقطت اصالة الصحة فيه من هذه الجهة لا لان الصحة المستفادة منها صحة تاهلية كما هو محل

[ 135 ]

البحث نعم هنا اشكال آخر اشار إليه شيخنا الاعظم في ضمن كلامه في المقام وهو ان طبع هذه المعاملة وبنائها على الفساد وسيأتى الاشكال في جريان اصالة الصحة في امثال هذه المسألة. وقد ظهر مما ذكرنا حال الفرع الاخير وهو ما إذا شك في اجازة المرتهن في بيع العين المرهونة، والاقوى فيه ايضا جريان اصالة الصحة عنوان البيع معه، وعدم وجود أي فرق بين هذا الشرط وسائر شروطه، اللهم الا ان يقال ان بيع العين المرهونة ايضا مبنى على الفساد كبيع العين الموقوفة وسيأتى الاشكال في امثاله. التنبيه الرابع في لزوم احراز كون الفاعل بصدد الفعل الذى يراد ترتيب آثاره يعتبر في اجراء هذه القاعدة احراز عنوان الفعل وكون الفاعل بصدده إذا كان مما يصلح لانطباق عناوين مختلفة عليه ولا يمتاز بعضها من بعض الا بقصد فاعله، فغسل الثوب تارة يكون بعنوان التطهير الشرعي، واخرى بعنوان ازالة قذارته العرفية ففى الاول يراعى اطلاق الماء وطهارته شرعا دون الثاني، وكذاك حال قرائة الحمد بعنوان جزئيته للصلوة وقرائته بعنوان قرائة القرآن، ولا شك في ان الحمل على الصحة من ناحية عنوان خاص يحتاج إلى احراز كون الفاعل بصدده. والاصل في ذلك ما مر مرارا من لزوم صدق العنوان الاعم من الصحيح والفاسد في اجراء هذه القاعدة، فإذا كان العنوان من العناوين القصدية لا يكاد يصدق الا إذا كان فاعله قاصدا له. ولكن هنا امر يجب التنبيه عليه وهو ان القوم قد افرطوا في باب العناوين القصدية وقد حققنا في محله ان (القصد) في كثير من هذه الموارد التى يسمونها عناوين قصدية لا اثر له الا في كون الفعل بعنوانه الخاص (اختياريا) مستندا إلى فاعله لا في تحقق عنوان الفعل خارجا الا ترى ان عنوان التوهين - وهو من اظهر العناوين القصدية عندهم - كثيرا ما لا يتوقف وجوده خارجا على قصد فاعله كمن اقدم على تلويث بيت الله والكتب المقدسة - العياذ بالله - بأعين الناس ومرآهم وكان ذلك من غفلة أو نسيان

[ 136 ]

حيث انه لا يشك اهل العرف في ان عمله هذا يوجب وهنا لهذه المقدسات في انظار الناس، فيستنكرونها ويسرعون إلى تطهيرها وازالة النجاسة عنها، وان كان فاعلها عندهم معذورا غير مستحق للمؤاخذة واللوم من جهة فعلته ونسيانه إذا لم يكن مقصرا في مقدماته نعم لو كان العمل مشتركا بين عنوانين ولم يكن هناك ما يمتاز به خارجا من جهة من الجهات (لو وجد اعمال كذلك) ففى مثله يمكن القول بتوقف صدق احد العنوانين عليه على قصده. وبناءا على هذا المبنى يكون الدليل على اعتبار احراز قصد الفاعل لهذه العناوين عدم جريان القاعدة في غير الافعال الاختيارية لعدم بناء العقلاء عليه كما هو واضح و قد عرفت ان الفعل في هذه الموارد لا يكون اختياريا الا بقصد عنوانه. نعم لا يبعد ان يقال بانه لا يجب احرازه بطرق علمية بل يكفى الظن الحاصل من ظاهر الحال بان يكون ظاهر حال الفاعل انه بصدد العنوان الفلاني، فان هذا الظن مما استقر بناء العقلاء على العمل به في مورد الصفات الباطنية، كالقصد والعلم و العدالة مما لا طريق إليها غالبا الا ظواهر الحالات ويستندون إليها في كثير من احتجاجاتهم كما لا يخفى على من سبر احوالهم، نعم في غير هذه المقامات من الصفات الظاهرة التى يمكن اثباتها بطرق علمية غالبا لا اعتبار به عندهم. بل هذا الظهور معتبر عندهم وان لم يكن هناك شك في صحة العمل على فرض قصده فحجية ظهور حال الفاعل في هذه المقامات اجنبية عن قاعدة الصحة وان كان يظهر بعض ثمراتها في اجراء القاعدة كما عرفت ومن هنا يظهر وجه النظر في بعض ما افاده المحقق الاصفهانى (قدس سره) في المقام بما لا نطيل الكلام بذكره فراجعه وتامل. وانما عقدنا تنبيها خاصا لهذا البحث مع ان شيخنا العلامة الانصاري وغيره من المحققين ادرجوه في التنبيه الآتى، لما فيه من الاثار الخاصة التى تظهر في اجراء القاعدة في مقامات مختلفة.

[ 137 ]

التنبيه الخامس قد عرفت ان الصحة التى يحمل عليها فعل الغير هي الصحة عند الحامل وبعبارة اخرى الصحة الواقعية لا الصحة الفاعلية فيرتب عليه جميع ما يترتب على الفعل الصحيح الواقعي من آثاره من غير فرق بين تلك الاثار الا انه قد يظهر من بعض كلماتهم في بعض المقامات التفكيك بينها احيانا، مثل ما نسب إلى المشهور من عدم جواز الاكتفاء بعمل النائب عند الشك الا ان يكون عدلا وان كان مستحقا للاجرة، ومثل ما حكاه شيخنا الاعظم العلامة الانصاري قدس سره عن بعض من اشتراط العدالة فيمن يوضوء العاجز عن الوضوء، وارتضاه المحقق الهمداني قده في بعض تعليقاته على الفرائد. اقول - اما ذهاب المشهور إلى اعتبار العدالة في النائب فمحل تأمل واشكال قال في (المدارك) في بحث النيابة من كتاب (الحج) ما لفظه: (ولم يذكر المصنف من الشرائط عدالة الاجير وقد اعتبرها المتأخرون في الحج الواجب لا لان عبادة الفاسق تقع فاسدة بل لان الاتيان بالحج الصحيح انما يعلم بخبره والفاسق لا يقبل اخباره بذلك). ويظهر منه ان الشهرة لو ثبتت فانما هي حادثة بين المتأخرين، هذا مضافا إلى امكان حمل كلام من اعتبر العدالة على خصوص صورة الشك في اصل تحقق العمل لا في صحته مع العلم بصدوره. وعلى أي حال فقد استوجه الشيخ (قده) ما نسب إلى المشهور من عدم جريان اصالة الصحة في عمل النائب ووجهه بما حاصله: ان لفعل النائب عنوانين: احدهما: من حيث انه فعل من افعاله وبه يستحق الاجرة ويترتب عليه غيره من آثاره ثانيهما: من حيث انه عمل تسبيبى للمنوب عنه، حيث ان المنوب عنه بمنزلة الفاعل بالتسبيب وكأن فعل النائب صادر عنه وقائم به، ومن هذه الجهة الفعل فعل المنوب عنه، واصالة الصحة في فعل النائب انما تنفع في ترتيب آثاره عليه من الجهة الاولى دون الثانية، ففى موارد الشك لا محيص عن التفكيك بين العنوانين وترتيب خصوص آثاره التى تترتب عليه بعنوان انه فعل

[ 138 ]

النائب، لا ما يترتب عليه بعنوان انه فعل المنوب عنه، فمن هنا يحكم باستحقاقه الاجرة ولا يحكم ببرائة ذمة المنوب عنه. (انتهى محصل كلامه). واعترض عليه جمع ممن تأخر عنه، قائلين بشمول القاعدة لباب النيابة، و جواز الحكم ببرائة ذمة المنوب عنه وعدم لزوم الاستنابة عنه ثانيا، وذكروا في دفع استدلاله (قده) مقالات شتى تعلم من مراجعة كتبهم. ولكن الذى ظهر لى ان عمدة الاشكال في كلامه (قدس سره) انما نشأ من حسبانه فعل النائب فعلا تسبيبيا للمنوب عنه، مع انه لا ينبغى الريب في عدم جواز اسناده إليه الا مجازا، لان المفروض ان النائب فاعل مختار مستقل في فعله وان كان المنوب عنه محركا وداعيا له إلى العمل، ولا شك ان الفعل في هذه المقامات يستند إلى المباشر، فالفعل فعل النائب لا غير، ولا فرق في ذلك بين القول بان حقيقة النيابة عبارة عن تنزيل النائب نفسه منزلة المنوب عنه، والقول بان حقيقتها هي قصد تفريغ ذمة الغير بعمله وانه لا يعقل تنزيل نفسه منزلته أو تنزيل فعله منزلة فعله. فان الفعل حقيقة فعله وصادر عنه باختياره وارادته وان كان فائدته لغيره. نعم قد يسند الفعل إلى السبب وذلك فيما إذا كان اقوى من المباشر وكان المباشر مقهورا على العمل غير مستقل في ارادته، لا في مثل المقام المفروض استقلاله فيه. فح إذا جرت اصالة الصحة في حق النائب والاجير يحكم بصحة فعلهما وتترتب عليه جميع ما للعمل الصحيح من الاثار، فان كان عمله صلاة فهى صلوة صحيحة بحكم هذه القاعدة ويترتب عليها جميع ما للصلوة الصحيحة الصادرة منهما بهذا العنوان من الاثر، ومنها برائة ذمة المنوب عنه وعدم لزوم الاستنابة عنه ثانيا. ثم ان المحقق النائيني (قده) اورد في بعض كلماته في المقام على مقالة الشيخ (قده) ايرادا حاصله ان التفكيك المذكور في كلام الشيخ بين استحقاق الاجرة و بين برائة ذمة المنوب عنه من غرائب الكلام، إذ مع احراز قصد النيابة يحكم بمقتضى قاعدة الصحة بصحة الفعل النيابي ويترتب عليه استحقاق الاجرة وبرائة ذمة المنوب عنه، ومع عدم احرازه لا يحكم بشئ منهما، فان ما يترتب عليه استحقاق الاجرة ليس الا صدور الفعل الصحيح من النائب، وهو بعينه موضوع للاثر الاخر وهو فراغ

[ 139 ]

ذمة المنوب عنه. فيكف يمكن التفكيك بينهما (انتهى) ولكن يمكن ان يوجه هذا التفكيك بان الملازمة بين هذين الاثرين وان كانت ثابتة بحسب الحكم الواقعي، كما ان قاعدة الصحة لو كانت جارية اثبتتهما، الا انه بعد المنع من جريانها لبعض ما ذكر يمكن القول باستحقاق الاجير الاجرة على ذاك العمل الذى يدعى صحته، لا لقاعدة الصحة، بل لانه لما لم يكن هناك طريق عادة لاثبات صحة عمل الاجير الا قوله فلا محالة تنصرف الاجارة إليه، نعم للمستأجر ان يراقب الاجير أو يبعث معه من يراقبه في عمله، واما إذا لم يراقبه وخلاه ونفسه واوكل الامر إليه فعليه ان يقبل قوله، وهذا امر ظاهر لمن سبر حال العقلاء في استيجاراتهم فتأمل. ثم انه قد يفصل في المقام بين مسألة النيابة، ومسألة وضوء العاجز وشبهها، بجريان القاعدة في الاولى دون الثانية، اختاره المحقق الهمداني (قده) في بعض تعليقاته على الفرائد، واستدل على مختاره بما حاصله: ان تكليف العاجز هو ايجاد الفعل باعانة غيره فالواجب عليه هو الوضوء ولو كان باعانة الغير فاجراء اصالة الصحة في فعل غيره - وهو التوضية - لا يثبت صحة فعله وهو الوضوء هذا ملخص كلامه. وفيه - ان فعل المعين إذا كان محكوما بالصحة بمقتضى القاعدة يترتب عليه جميع آثارها حتى ما كان مترتبا على لوازمه العقلية لانها من الامارات المعتبرة لا من الاصول العملية ومن المعلوم ان صحة وضوئه من آثار صحة فعل الغير، بل هما امر واحد يتفاوتان من ناحية الاسناد إلى العاجز ومن يعينه، فما افاده قدس سره من عدم اثباته صحة الوضوء ممنوع، الا ان يرى القاعدة من الاصول العملية التى لا تثبت لوازمها العقلية، ويرى هذين العنوانين المنطبق على فعل واحد باعتبارين من قبيل اللوازم العقلية وكلاهما محل اشكال. نعم يمكن الايراد على جريان القاعدة في امثال المقام من ناحية اخرى، وهو: ان السيرة العقلائية التى يستند إليها في اثبات كلية القاعدة غير جارية في افعال الغير إذا كانت بمرئى ومسمع من المكلف ويكون منشأ شكه فيه عروض الغفلة له عن فعله احيانا، وانسداد باب العلم الذى هو الحكمة في حجية امثال هذه الطرق انما هو في غير

[ 140 ]

هذه الافعال التى تكون بمرئى من المكلف، نعم إذا كان الفاعل مع حضوره كالبعيد، كالحجام بالنسبة إلى غسل موضوع الحجامة في الظهر، فلا يبعد حينذاك اجراء اصالة الصحة في فعله، ولعله إليه يشير ما ورد من (ان الحجام مؤتمن) فتأمل. التنبيه السادس هل القاعدة من الامارات أو من الاصول العملية؟ وقع الكلام بين الاعلام في ان قاعدة الصحة هل هي من الامارات المعتبرة - كما يظهر من كل من استند في حجيتها إلى ظهور حال المسلم - أو من الاصول العملية - كما اختاره المحقق النائيني وبعض من تأخر عنه وقد يستظهر من عبارة الشيخ الاعظم ايضا، وان كان هذا الاستظهار محل تأمل واشكال. أو يفصل بين مواردها: فان كان منشأ الشك في الصحة احتمال تعمد الاخلال بما يعتبر في العمل من الاجزاء والشرائط أو احتمال عروض الغفلة والسهو مع علم الفاعل بالحكم فهى من الامارات نظرا إلى ان احتمال التعمد خلاف ظاهر حال الفاعل، كما ان احتمال عروض الغفلة والسهو مناف لما ورد في باب قاعدة الفراغ من التعليل بالاذكرية حين الفعل حيث ان وروده في ذاك الباب لا يوجب اختصاصه به بعد كونه امرا عاما يعم العامل والحامل (الاول في قاعدة الفراغ والثانى فيما نحن بصدده). واما ان كان منشأ الشك احتمال جهل الفاعل بالحكم، بناءا على شمول القاعدة له، فلا محالة يكون اصلا تعبديا، لعدم وجود ملاك الا مارية فيه اصلا، وقد اختار هذا المذهب المحقق الاصفهانى (قده) في تعليقاته على الكفاية وانتصر له بما ذكر. واورد عليه المحقق النائيني في بعض كلماته في المقام بما حاصله: ان غاية ما يستفاد من التعليل بالاذكرية (كذلك ظهور حال المسلم) هو حمل فعله على الصحة عند فاعله، لا الصحة الواقعية التى نحن بصددها، فاذن لا مجال لعد هذا الاصل من الامارات المعتبرة، بل لا يكون الا من سنخ الاصول العملية. اقول: لا طريق لنا إلى تحقيق حال هذه القاعدة من حيث كونها امارة أو

[ 141 ]

اصلا من الاصول العملية الا بمراجعة ادلة حجيتها وتنقيح مفادها، وحيث كان العمدة من بينها السيرة المستمرة بين العقلاء فلابد من تحقيق حال هذه السيرة ومبدئها، فنقول و منه عز شأنه التوفيق - ان كان منشئها الغلبة الخارجية فتكون القاعدة من الظنون المعتبرة والامارات العقلائية لا محالة، وان كان الوجه فيها اقتضاء طبع العمل لذلك وان الفاسد على خلاف طبعه، حيث ان الفاعل بحسب دواعيه الخارجية لا يتوجه الا نحو العمل الصحيح عادة فانه منبع الاثار واليه يرغب الراغبون كما عرفت بيانه وافيا عند ذكر الادلة، فهذا ايضا يقتضى كونها من الامارات، اللهم الا ان يقال ان مقتضاها هي الصحة الفاعلية لا الصحة الواقعية فان الذى يقتضيه طبع العمل بحسب دواعى العاملين هو الصحة عندهم لا الصحة الواقعية التى بنينا عليها الامر في هذه القاعدة، ومن هنا يسرى الاشكال إلى اساس هذا الوجه ويسقط بناء هذه السيرة على هذا الاساس. ولكن يمكن دفع الاشكال بان مخالفة اعتقاد الفاعل للحامل وان لم يكن نادرا الا ان الاغلب اتفاقهما في موارد الابتلاء كما هو ظاهر لمن تتبعها، فالوجه في استناد سيرة العقلاء إلى اقتضاء طبع العمل هو ملاحظة الغلبة بهذا النحو. ونظيره من بعض الجهات ما ورد في باب قاعدة الفراغ من التعليل بقوله (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) فان الفاعل إذا كان بحسب الغالب حال اشتغاله بالعمل اذكر فالظاهر حاله انه يجرى على وفق دواعيه إلى الفعل الصحيح لانه الذى يوصله إلى اغراضه، ومن البعيد اقدامه على فعل فاسد، فهو بحسب طبعه الاولى يتوجه نحو العمل الصحيح فالتعليل المذكور هناك يشبه ما اشرنا إليه هنا من اقتضاء طبع العمل للصحة، وان كان الوجه في استقرار السيرة عليه لزوم الحرج و اختلال النظام على تقدير عدم حمل فعل الغير على الصحة، فالظاهر كونها من الاصول العملية التعبدية لان المفروض عدم ملاك الا مارية فيها على هذا التقدير، بل لا يبنى عليها الا لبعض مصالح المجتمع. وحيث قد عرفت ان الاقوى من هذه الوجوه هو الوجه الثاني فالاقوى كونها من الامارات، كما انه ظهر بما ذكرنا اندفاع ما افاده (المحقق النائيني) في

[ 142 ]

توجيه عدم كونها من الامارات من ان ظاهر حال الفاعل جريه على العمل الصحيح باعتقاده لا الصحيح الواقعي الذى هو المقصود في المقام، وذلك لما اشرنا إليه من تطابق المعنيين في اغلب موارد الابتلاء وان كان اختلافهما ايضا غير نادر في نفسه فملاك الا مارية وهو الكشف الظنى عن الواقع موجود فيه. كما يظهر وجه اندفاع ما اختاره (المحقق الاصفهانى) من القول بالتفصيل بين ما كان منشأ الشك فيه احتمال التعمد أو عروض الغفلة والسهو مع العلم بالحكم فهو من الامارات، وبين ما إذا كان منشأه احتمال الجهل بالحكم، فهو من الاصول العملية. وذلك لكفاية ايراثه الظن النوعى وكونه كاشفا ظنيا بحسب اغلب موارده في كونه من الامارات وان لم يورث الظن الشخصي في بعض موارده لامور غرضية. وما ذكره قدس سره من دعوى غلبة جهل الفاعلين بصحيح الافعال وفاسدها ممنوعة. ثمرة هذا النزاع قد يقال بظهور ثمرة النزاع بين كون هذا الاصل من الامارات أو الاصول العملية في اثبات اللوازم العقلية والعادية - كما هو الشأن في غيره من موارد اختلاف الامارات والاصول - وقد مثل له بما لو شك في ان الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك، كالخمر والخنزير، أو بعين من اعيان ماله، فعلى القول بكونه من الاصول التعبدية يحكم بصحة الشراء وعدم انتقال شئ من تركة المشترى إلى البايع وعدم خروج تلك العين من تركته، لاصالة عدمه، واما على القول بكونه من الامارات فيحكم بمقتضى قاعدة الصحة بانتقال شئ من تركته إلى البايع (هكذا افاده الشيخ الاعظم قدس سره). وحكى (عن العلامة) قدس سره في (القواعد): فيما لو اختلف المؤجر والمستأجر، فقال المؤجر: (آجرتك كل شهر بدرهم) وقال المستأجر: بل سنة بدينار، ففى تقديم قول المستأجر نظر، فان قدمنا قول المالك فالاقوى صحة العقد في الشهر الاول، وكذا الاشكال في تقديم قول المستأجر لو ادعى اجرة مدة

[ 143 ]

معلومة أو عوضا معينا وانكر المالك التعيين فيهما، والاقوى التقديم فيما لم يتضمن دعوى) انتهى. ولا يخفى ان ما قواه اخيرا من تقديم قول المستأجر المدعى لصحة الاجارة في المقامين إذا لم يتضمن دعوى وعدم قبوله فيما يتضمن ذلك، ظاهر في عدم اثبات القاعدة لما يترتب على الصحة من اللوازم العقلية، فان الحكم بصحة الاجارة في الفرض الاول لا يقتضى شرعا كونها سنة بدينار بل هو من اللوازم العقلية لمفروض البحث. كما ان الصحة في الفرض الثاني لا تقتضي وقوعها على مدة معينة أو عوض معين وانما يلزمها لما علمناه من الخارج من كيفية مورد تنازعهما. والتحقيق - كما ذكرناه في محله ان ما هو المعروف من ان مجرد كون شئ من الامارات المعتبرة يوجب ترتب جميع الاثار الشرعية الثابتة لمورده عليه ولو كانت بوسائط عقلية أو عادية - اياما كان - مما لا اصل له، وان اشتهر بين الاصوليين في العصور الاخيرة. بل الحق انه تابع لدليل حجيتها بحسب اختلاف الغايات المقامات - والمقامات في ذلك مختلفة جدا - حتى ان (البينة) التى لا اشكال عندهم في كونها من الامارات الشرعية لا يمكن الحكم بترتب جميع لوازمها العقلية عليها وان صرح به غير واحد. اترى انه لو علمنا من الخارج بان هذا المايع المعلوم لو كان نجسا لكان خمرا ثم قامت البينة على نجاسته، فهل يحكم بكونه خمرا ويجرى عليه جميع ما للخمر من الاثار لا نظن احدا يلتزم به في عمله وان لهج به لسانه احيانا عند البحث، وليس ذلك الا لان اعتبار هذه اللوازم مقصورة على ما يفهم من اطلاق ادلة حجيتها فمفاد قاعدة (اليد) مثلا لو قلنا بحجيتها من باب الامارات ليس الا اثبات الملكية واحكامها ولوازمها واما الاحكام التى تثبت لموردها لا من جهة الملكية فلا يمكن الحكم بثبوتها، فلو علمنا اجمالا ان المايع الفلاني اما خمر أو ماء مطلق ثم دلت اليد على انه (ملك) فلا يمكن الحكم بكونه ماءا مطلقا بحيث

[ 144 ]

يجرى عليه احكامه من الطهارة الحدثية والخبثية. والحاصل ان مفاد قاعدة اليد ثبوت الملكية لصاحبها ويترتب على موردها ما للملك من الاثر، ولا يبعد اثبات بعض لوازمها من (الشهادة) التى نطق به بعض الاخبار، الدالة على جواز الشهادة على الملك بمجرد اليد، ولكن لا يترتب عليه جميع ماله من اللوازم والاثار العقلية والعادية وان كانت غير مرتبطة بعنوان الملكية. وكذلك قاعدة (الفراغ) ان قلنا بانها من الامارات، فان غاية ما يستفاد منها صحة العمل المفروغ عنه وترتب آثاره عليه من فراغ الذمة وما يترتب عليه من الاحكام لا كل ما يلازمه عقلا وعادة ولو من جهات اخر، مثل كون المصلى على وضوء فعلا لو كان منشأ الشك في صحة الصلوة الصادرة منه كونه على وضوء حالها، فلذا حكموا بوجوب تحصيل الطهارة عليه للاعمال المستقبلة. ومن هذا القبيل اصالة الصحة في فعل الغير فان مفادها، ولو على القول باماريتها، كون الفعل صحيحا ويترتب عليه جميع احكام الصحة ولو كانت بوسائط عقلية أو عادية واما ما يترتب على لوازمها وملزوماتها من الاحكام التى لم تؤخذ في موضوعها الصحة والفساد فلا يمكن اثباتها بهذه القاعدة. ففى الفرع الاول من الفرعين اللذين سبق ذكرهما صحة الشراء وان كان واقعا مستلزما لانتقال شئ من تركة المشترى إلى البايع الا ان ذلك ليس من احكام صحة الشراء بما هي هي فان اثرها هو انتقال الثمن إلى البايع اياما كان، واما ان هذا الثمن الشخصي كان عينا من الاعيان المملوكة وانها كانت في امواله التى تركها للورثة فهو شئ آخر علمناه من الخارج، لا انه من آثار الصحة ولو بالواسطة. هذا بالنسبة إلى جريان اصالة الصحة في هذا الفرع واما ما قد يقال من انا نعلم هنا اجمالا بان المشترى اما لم يملك المثمن واما انتقل شئ من تركته إلى البايع، فالحكم بملكيته للمثمن وانتقال جميع تركته إلى الوراث امر مقطوع البطلان، فهو حق ولكن لا دخل له بقاعدة الصحة واحكامها وان كان دخيلا في

[ 145 ]

استنباط حكم هذه المسألة. ومن هنا يظهر الحال في (الفرع الثاني) المحكى عن (القواعد) وهو ما إذا اختلف المالك والمستاجر في المدة أو العوض: فادعى المستاجر مدة معلومة أو عوضا معينا وانكره المالك، فان اصالة الصحة تقتضي تقديم قول المستاجر وعدم قبول قول المالك المدعى للفساد الا ببينة ويترتب على صحة الاجارة مالها من الاحكام ولو بوسائط عقلية أو عادية، واما ان مدة الاجارة وعوضها ماذا؟ فهذا امر لا يمكن اثباته بمجرد الحكم بالصحة، حتى إذا علمنا من الخارج بانها لو كانت صحيحة لكانت على هذا العوض المعلوم أو بهذه المدة المعلومة، فان صحة الاجارة من حيث هي لا تتوقف على مدة خاصة أو عوض كذلك بل هي اعم منه. ولقد اجاد العلامة قدس سره فيما افاده اخيرا (من تقديم قول المستأجر فيما لم يتضمن دعوى). واما حكم هذه المسألة من حيث صحة الاجارة في الشهر الاول - إذا اختلفا وقال المؤجر آجرتك كل شهر بدرهم وقال المستاجر بل سنة بدينار - أو عدم صحتها فله مقام آخر لا دخل له بما نحن بصدده من فروع اصالة الصحة وموعدنا فيه كتاب الاجارة. التنبيه السابع في تقدم قاعدة الصحة على اصالة الفساد والاصول الموضوعية لا اشكال في تقدم القاعدة على (اصالة الفساد) في المعاملات، و (اصالة الاشتغال) في العبادات، اما على المختار من حجيتها على نحو سائر الامارات المعتبرة فواضح، واما على القول بكونها اصلا عمليا فللزوم لغويتها رأسا على تقدير عدم تقدمها عليهما، فانه ما من مورد يجرى فيه قاعدة الصحة الا وهناك اصالة الفساد (ان كان معاملة) أو اصالة بقاء شغل الذمة (ان كان عبادة) كما هو ظاهر لا يخفى.

[ 146 ]

مضافا إلى ما قد يقال من: ان اصالة الصحة بالنسبة اليهما من قبيل الاصول السببية فان الشك في بقاء شغل الذمة في العبادات، أو حصول آثار المعاملات من النقل والانتقال وغيرها، مسبب عن صحة العمل العبادي أو العقد الصادر من عاقده، هذا حالها بالنسبة إلى (اصالة الفساد). واما بالنسبة إلى (الاصول الموضوعية) الجارية في موارد قاعدة الصحة فلا اشكال في تقدم القاعدة عليها ايضا، اما بناء على كونها من الامارات المعتبرة فظاهر، واما بناء على عدها من الاصول العملية فلما عرفت في اصالة الفساد من لزوم اللغوية، فانه قلما يوجد مورد يجرى فيه اصالة الصحة الا ويوجد هناك اصول موضوعية على خلافها، مثلا إذا شك في صحة العبادة من جهة الشك في الطهارة أو الاستقبال أو غيرهما فاصالة عدم هذه الامور تدل على فسادها كما انه إذا شك في صحة عقد من العقود، من جهة الشك في معلومية العوضين أو الانشاء الصحيح أو القدرة على التسليم أو غير ذلك، فاصالة عدم هذه الامور تقتضي فساده، لان علم المتعاقدين وقدرتهما وصدور الانشاء الصحيح منهما كلها امور حادثة، مسبوقة بالعدم، فاذن لا يبقى لاصالة الصحة الا موارد طفيفة. لا يقال: ان شرائط المتعاقدين أو العوضين ليست دائما من الامور الوجودية المسبوقة بالعدم، فان منشأ الشك قد يكون من ناحية زوال قدرة المتعاقدين أو علمهما بعد القطع بوجوده، ومثل هذا كثير جدا، فاذن لا يبقى مجال للقول بلزوم اللغوية على فرض تقديم الاصول الموضوعية عليها. لانا نقول: ان ما لا يكون مسبوقا بالعدم فالغالب معلومية سبق وجودها، كما إذا شك في بقاء المتعاقدين أو العوضين على ما كانا عليه من شرائط الصحة ومن الواضح ان اعتبار اصالة الصحة في هذه المقامات ايضا لغو للاستغناء عنها بالاصول الوجودية الجارية في مجراها فتدبر. واما الموارد التى لا يعلم حالها من الوجود والعدم فقليلة جدا، لا يمكن تنزيل القاعدة عليها.

[ 147 ]

التنبيه الثامن في مستثنيات هذه القاعدة يستثنى من عموم قاعدة الصحة صورتان: الاولى: ما إذا كان العمل بحسب طبيعته مبنيا على الفساد، بحيث يكون الصحة فيه امرا استثنائيا على خلاف طبعه، كبيع الوقف فانه بمقتضى طبعه فاسد، لانه لا يباع ولا يورث وانما يجوز بيعه لامور خاصة عارضة احيانا تقتضي الجرى على خلاف مقتضى طبيعته، كالخلف بين اربابه، وادائه إلى الخراب، على ما فصلوه في كتاب الوقف. وكذلك بيع العين المرهونة فان طبعه الاولى يقتضى الفساد وصحته انما يكون باذن من المرتهن، وامثلته في ابواب العبادات ايضا كثيرة كالصلوة في النجس المعلوم، فانها فاسدة الا في موارد الضرورة لبرد أو نحوه. ففى هذه المقامات وامثالها لو شك في صحة العقد أو العبادة الصادرة من الغير لا يجوز الحكم بصحتها بمقتضى هذه القاعدة بل لابد من اقامة دليل آخر عليها، وذلك لما عرفت غير مرة من ان عمدة ادلتها هي السيرة المستمرة بين العقلاء، وهى غير جارية في هذه المقامات كما لا يخفى على من تتبع مواردها. وللمحقق اليزدى (قده) في المجلد الاول من ملحقات العروة كلام لا يخلو ايراده عن الفائدة في المقام، واليك نص عبارته قال في المسألة (63) من كتاب الوقف: (إذا باع الموقوف عليه أو الناظر، العين الموقوفة ولم يعلم ان بيعه كان مع وجود المسوغ أو لا، فالظاهر عدم جريان (قاعدة الحمل على الصحة) فلو لم يثبت المسوغ يجوز للبطون اللاحقة الانتزاع من يدى المشترى، فهو كما

[ 148 ]

لو باع شخص مال غيره مع عدم كونه في يده ولم يعلم كونه وكيلا عن ذلك الغير، فانه لا يصح ترتيب اثر البيع عليه، ودعوى الموقوف عليه أو الناظر وجود المسوغ لا تكفى في الحكم بصحة الشراء ولا يجوز مع عدم العلم به الشراء منهما. ودعوى الكفاية من حيث كونهما من (ذى اليد) الذى قوله مسموع بالنسبة إلى ما في يده، ولذا إذا رأينا شيئا في يد الدلال المدعى للوكالة عن صاحبه في بيعه جاز لنا الشراء منه مدفوعة، بان يد مدعى الوكالة يد مستقلة وامارة على السلطنة على التصرف فيه، بخلاف يد الموقوف عليه مع اعترافه بان ما في يده وقف، فانها ليست يدا مستقلة لانها في الحقيقة يد الوقف، المفروض عدم جواز بيعه، فيد الموقوف عليه والناظر انما تنفع في كيفية التصرفات التى هي مقتضى الوقف لافى مثل البيع الذى هو مناف ومبطل له، فهى نظير يد الودعى التى لا تنفع الا في الحفظ لا في البيع، فإذا ادعى الوكالة بعد هذا في البيع احتاج إلى الاثبات، وان يد الامانة صارت يد وكالة والا فالاصل بقائها على ما كانت عليه) انتهى. اقول: اما ما افاده قدس الله سره من عدم جريان قاعدة الصحة هنا فهو صحيح متين ووجهه ما ذكرناه. واما عدم جواز الاعتماد على دعوى الموقوف عليه أو الناظر وجود المسوغ، من باب قبول دعوى صاحب اليد، ففيه ان المتصدي لبيع الوقف - على ما صرح به في كتاب البيع - هو البطن الموجود من الموقوف عليهم بضميمة الحاكم ولاية عن سائر البطون، أو خصوص الناظر عليه. قال شيخنا الاعظم في (المكاسب): (ان المتولي للبيع هو البطن الموجود بضميمة الحاكم القيم من قبل سائر البطون، ويحتمل ان يكون هذا إلى الناظر ان كان، لانه المنصوب لمعظم الامور الراجعة إلى الوقف، الا ان يقال بعدم انصراف وظيفته المجعولة من قبل الواقف إلى التصرف في نفس العين) انتهى. وكيف كان، المتولي لبيع الوقف اما هو الموقوف عليه مع الحاكم أو

[ 149 ]

الناظر، فيدهما قبل عروض المسوغات يد التصرف في منافع الوقف بصرفها في مصارفها، وفى عينه بالاصلاح والتدبير، واما بعد عروض المسوغ فيدهما يد البيع وابدال العين الموقوفة أو صرف قيمتها في مصارف خاصة، على تفصيل ذكروه في ابواب بيع الوقف. والحاصل ان الموقوف عليه والناظر تختلف يدهما باختلاف الظروف، ففى ظرف عدم وجود المسوغ يدهما ليست يدا مستقلة، واما في ظرف وجود المسوغ يد مستقلة يجوز لها البيع، وان شئت قلت: ان يدهما يد مستقلة في كل حال ولكن تصرفاتهما في العين الموقوفة ببيعها مشروطة بشرائط معينة، ونظيره في ذلك يد الولى فانها يد مستقلة في اموال المولى عليه ولكن تصرفاته فيها منوطة بوجود المصلحة فيها أو عدم المفسدة، على خلاف فيها. وحينئذ لا يبعد جواز الركون إلى دعوى الموقوف عليه أو الناظر وجود المسوغ في بيعها كما يجوز الاعتماد على دعوى الولى وجوده في بيع مال المولى عليه بلا اشكال. اللهم الا ان يقال ان وجود المسوغ في بيع الوقف امر نادر اتفاقى، بخلاف وجود المصلحة في بيع مال المولى عليه فانه شايع ذايع، وهذا هو الفارق بين المقامين، فالمتولى لبيع الوقف المدعى لوجود المسوغ متهم في دعواه وان كان ذا اليد بالنسبة إلى العين الموقوفة فلا يسمع دعواه بخلاف الولى، وهو قريب جدا. فهذا هو السر في عدم سماع دعوى الموقوف عليه أو الناظر وجود المسوغ في بيع العين الموقوفة لا ما ذكره (قده). اما ما افاده من عدم سماع قول الودعى إذا ادعى الوكالة في بيع الوديعة وانه محتاج إلى اثبات انقلاب يد الامانة إلى يد الوكالة، فهو عجيب، فانه لا ينبغى الشك في سماع دعواه ضرورة انه إذا رأينا مالا في يد زيد ثم رأيناها بعد ذلك في يد عمرو يدعى الوكالة عن زيد في بيعها فلا شك في قبول دعواه فيه، فهل يد الودعى هنا اسوء حالا من عدم اليد على المال بالمرة. وبالجملة انقلاب اليد امر شايع يقبل قول مدعيه إذا لم يكن متهما. مثلا إذا ادعى احد الوكالة عن غيره في بيع

[ 150 ]

ماله ثم ادعى بعد يوم انه اشتراه بنفسه عن مالكه أو وهبه اياه فلا شك في قبول قوله، وانقلاب يد الوكالة يد الملك، وكذا إذا رأينا احدا يسكن دارا يدعى انه استأجره، ثم رأيناه يدعى انه اشتراه من مالكه ولم يكن متهما، فلا ريب في قبول قوله وانقلاب يد الاستيجار يد الملك وامثلته كثيرة جدا. الثانية: إذا كان الفاعل متهما في فعله، فانه يشكل حمل فعله على الصحيح، والمراد من الاتهام وجود قرائن ظنية خارجية توجب الظن بالفساد عادة لمن اطلع عليها لا كل ظن شخصي، من أي واد حصل. وذلك كما إذا ادعى من كان وكيلا في شراء اموال كثيرة تحتاج إلى الكيل أو الوزن انه اشتراها مراعيا لجميع شروط الصحة فيها من الكيل والوزن اللازمين وغيرهما، في وقت لا يسعه عادة، فانه وان كانت مراعاة تلك الشروط ممكنة في حد ذاتها على خلاف العادة الا ان العادة تقضى بخلافها، وهذه قرينة ظنية توجب سوء الظن بدعواه واتهامه فيما يقول لغالب الناس. وكذا إذا ادعى الاجير في الصلوة وغيرها انه اتى بصلوات كثيرة مراعيا لجميع اجزائها وشرائطها من الطهارة والموالاة وغيرهما في وقت لا يسعها عادة، إلى غير ذلك من الامثلة. والركون إلى القاعدة في تصحيح هذه الافعال عند الشك في صحتها مشكل جدا. والوجه فيه ما عرفت نظيره في الصورة السابقة من قصور ادلة حجيتها - و عمدتها السيرة المستمرة بين العقلاء - عن شمول هذه الموارد كما هو ظاهر لمن تتبعها. ولا اقل من الشك وهو كاف في الحكم بعدمها في امثال المقام. هذا ويمكن القول برجوع الصورة الاولى إليها ايضا، فان بيع الوقف بدعوى وجود المسوغ وامثاله من مظان التهمة غالبا ويكون مدعيه متهما فيما يدعيه فتدبر.

[ 151 ]

التنبيه التاسع هل القاعدة تجرى في افعال المكلف نفسه؟ ظاهر كثير من عناوين كلمات القوم اختصاص قاعدة الصحة بافعال الغير، بل ظاهر بعضها اختصاصها بافعال المسلمين فحسب. لكن قد عرفت في صدر البحث انه لا فرق في هذا بين المسلم وغيره اصلا، بعد ما كان مدركه بناء العقلاء عليه وسيرتهم المستمرة في امورهم، لا يفرقون في ذلك بين اتباع المذاهب المختلفة والمليين وغيرهم وقد امضاها - على هذا الوجه الشارع المقدس ولم يردع عنها، ولا يزال المسلمون يعملون مع المعاملات الصادرة عن اهل الذمة معاملة الصحيح، مع ما فيها من احتمال الفساد ولو على مذهبهم، وليس هذا الا لعمومية القاعدة وعدم اختصاصها بالمسلمين. نعم في الموارد التى لا يتمشى الفعل الصحيح من غير المسلم أو يعلم علما تفصيليا باختلاف عقيدتهم مع ما عليه المسلمون من الاحكام ولا يكون بينهما جامع، لا يمكن حمل فعلهم على الصحيح، ولكنك عرفت في التنبيه الاول جريان هذا المعنى في حق المسلمين ايضا إذا اختلفوا في الاراء الفقهية ولم يجمعهم جامع، على ما فصلناه هناك فراجع، فليس هذا ايضا مقصورا على غير المسلمين. واما تخصيص القاعدة بافعال الغير فهو وان كان ظاهر عناوينهم وكلماتهم في مقامات مختلفة، بل وظاهر غير واحد من ادلتهم (كالايات والاخبار التى استدلوا بها هنا) بل وقع التصريح به في كلمات بعضهم كالمحقق النائيني (قده) حيث انه صرح في صدر كلامه في المسألة بانه: (لا ريب في اختصاصها بفعل الغير واما بالنسبة إلى فعل نفس الشخص فالمتبع فيه هو (قاعدة الفراغ) فليس هناك اصل آخر يسمى باصالة الصحة غير تلك القاعدة) انتهى. والحق انه لو قلنا بعموم (قاعدة الفراغ) وشمولها لجميع الافعال من العبادات

[ 152 ]

وغيرها من غير فرق بين الصلوة والصيام والبيع والشراء والنكاح والعتق وتطهير الثبات ودفن الموتى إلى غيرها من الافعال التى يتصور فيها الصحة والفساد، فلا يبقى مجال للنزاع في شمول هذه القاعدة لافعال نفس المكلف للاستغناء عنها بقاعدة الفراغ، واما إذا قلنا باختصاصها بالعبادات وما يرتبط بها، فالظاهر جواز الاستناد إلى قاعدة الصحة في موارد الشك في صحة افعال النفس من ناحية الاخلال ببعض اجزائها وشرائطها أو وجود بعض موانعها. والدليل على جريانها في المقام هو الدليل على جريانها في غير المقام - من افعال الغير - وقد عرفت ان عمدة الدليل عليها هناك هي السيرة المستمرة بين العقلاء، فانا إذا تتبعنا حالهم نجدهم عاملين بها في افعال انفسهم، فهل ترى احدا من العقلاء يتوقف عن الحكم بآثار ما صدرت منه من العقود والايقاعات في الازمنة السالفة إذا شك في صحتها من بعض الجهات ولم يجد عليها دليلا؟ كلا... بل لا يزالون يعاملون مع ما صدر منهم في الازمنة البعيدة والقريبة معاملة الصحة ويرتبون آثارها عليها ولا يمسكون عن ذلك بمجرد الشك ولا يمنعهم عن ذلك شئ الا إذا وجدوا على الفساد دليلا. والسر فيه ان العلة التى دعتهم إلى هذه السيرة هناك موجودة بعينها هنا، و كل ما كان ملاكا لها في افعال الغير موجود في افعال النفس، وذلك لما عرفت من ان العلة الباعثة إلى هذا البناء لا يخلو عن امور ثلاث: الغلبة الخارجية المورثة للظن واقتضاء طبع العمل للصحة من جهة جرى الفاعل بحسب دواعيه الخارجية نحو الفعل الصحيح، والعسر والحرج أو اختلال النظام الحاصلان من ترك مراعاة هذه القاعدة. ومن الواضح انها جارية بالنسبة إلى افعال النفس كجريها في ناحية افعال الغير، بل لعل جريانها هنا اسهل منه في افعال الغير فان الاشكال الحاصل من جهة اختلاف (الصحة عند الفاعل) مع (الصحة عند العامل) هناك، غير موجود هنا، لان الحامل هنا هو الفاعل بعينه.

[ 153 ]

التنبيه العاشر اصالة الصحة في الاقوال والاعتقادات هل القاعدة مختصة بالافعال الصادرة من الغير أو تشمل اقواله واعتقاداته ايضا؟ والحق انه ان كان المراد من الصحة في باب الاقوال مطابقة مداليلها للواقع فحملها على الصحة بهذا المعنى عبارة اخرى عن حجيتها، والمتكفل له مبحث حجية خبر الواحد، ومن المعلوم عدم حجية خبر كل مخبر بل هو مشروط بشرائط مذكورة في محلها، على اختلاف المذاهب في ذلك. وان كان المراد صحتها بما انها افعال صادرة عن المتكلمين بها وكان لها آثار شرعية بهذا الاعتبار كما إذا شك في صحة القرائة والاذكار الصلوتية الصادرة من الامام أو الاجير، فانها وان كانت من سنخ الاقوال ولها معان معلومة، الا انها باعتبار الفاظها الصادرة عن المكلف جزء للصلوة، فهى من هذه الجهة فعل من افعاله يترتب على صحيحها آثار خاصة، ولا شك في انها بهذا الاعتبار تشملها ادلة حجية القاعدة فتجرى فيها ويترتب عليها آثارها. هذا ملخص الكلام في (الاقوال). واما (الاعتقادات) فتارة يكون البحث فيها عن الاعتقادات المتعلقة بالموضوعات الخارجية، واخرى فيما يتعلق بالاحكام الفرعية، وثالثة فيما يتعلق باصول الدين. اما الاول فكما إذا اعتقد انسان ان هذا الماء الخاص بلغ قدر كر، وشككنا في صحة اعتقاده ذلك، لاحتمال خطائه عند تقديره بالاشبار أو الوزن، فان كان لاعتقاده ذلك آثار عملية خارجية كما إذا غسل ثوبا بذاك الماء المشكوك كريته عندنا، فلا ينبغى الاشكال في لزوم حمل اعتقاده على الصحة وترتيب آثار الطهارة على الثوب المغسول به، بل هو في الحقيقة من مصاديق حمل فعل الغير على الصحة وان كان منشأ الشك في صحته هو احتمال خطائه في اعتقاده، ففى المثال

[ 154 ]

المذكور فعل الغير وهو الغسل محمول على الغسل الصحيح وان كان منشأ الشك فيه الشك في صحة اعتقاده كون الماء المغسول به كرا. ومن المعلوم ان ادلة حمل افعال الغير على الصحيح مطلقة من جهة منشأ الشك، ولا فرق بين كونه من جهة احتمال غفلة الفاعل وسهوه أو تعمده في الجرى على خلاف معتقده، أو اعتقاد فاسد بنى عليه في عمله وهذا امر ظاهر لا سترة عليه. واما الثاني وهو الاعتقاد المتعلق بالاحكام الفرعية، فان كان المراد من حمله على الصحة الحكم بمطابقته للواقع، فيجوز اتباعه والجرى على وفقه، فهو راجع إلى حجية رأى الغير وجواز تقليده في الاحكام الفرعية، والمتبع فيه ادلة حجية قول المجتهد للعامي بماله من الشرائط والقيود، وان كان المراد منه ترتيب آثاره العملية عليه إذا عمل بما اعتقد من الاحكام كما إذا كان اماما وشك في صحة صلوته وكان منشأ الشك فيها احتمال خطائه في بعض احكامها ومخالفتها لما حصله اجتهادا أو تقليدا، فلا شك ان اللازم هنا ايضا هو حمل اعتقاده على الصحيح وتترتب عليه هذه الاثار، فيجوز الايتمام به كما يجوز استيجاره، ويكتفى باعماله في اداء الواجباب الكفائية. بل هو في الواقع من باب حمل فعل الغير على الصحة وان كان منشأ الشك فيها خطائه في اعتقاده. والوجه فيه ما عرفت من عدم الفرق في حجية هذه القاعدة بين كون منشأ الشك في صحة فعل الغير خطائه في تشخيص المصاديق الخارجية، أو خطائه في استنباط الاحكام من ادلتها الشرعية، أو غير ذلك مما لا يرجع إلى خطائه في الاعتقاد. واما الثالث اعني الاعتقاد المتعلق باصول الدين فان كان هناك اثر عملي يترتب على الاعتقاد الصحيح كما إذا كان هناك ذبيحة نشب في تذكيتها من جهة الشك في صحة عقائد ذابحها، فان كان مدعيا للاسلام اجمالا فاللازم حمل اعتقاده على الصحة،

[ 155 ]

وترتيب جميع آثار الاسلام عليه وان شك في صحة عقائده، ولا يجب الفحص عن تفاصيل معتقده في ناحية المبدء والمعاد وغيرهما، والدليل عليه هو ما مر في القسم السابق بعينه من اطلاق ادلة حجية هذه القاعدة وشمولها لجميع موارد الشك في صحة فعل الغير من أي واد حصل ومن أي منشأ نشأ، فإذا شك في صحة فعله من جهة الشك في صحة اعتقاد فاعله في الموارد التى يكون الاعتقاد الصحيح دخيلا في صحة العمل فاللازم حمله على الصحة بعد ان كان صاحبها متظاهرا بالايمان ومدعيا للاسلام اجمالا ولم يعلم خطائه. بل لا يبعد جواز الحكم باسلام كل من شك في اسلامه وان لم يدع الاسلام إذا كان في دار الايمان، والوجه فيه استقرار سيرة المسلمين على اجراء احكام الاسلام، في المناكح والذبائح والطهارة وغيرها، على كل من كان في بلاد الاسلام من دون فحص عن مذهبه، حتى يقوم دليل على فساده. هذا آخر ما اردنا تحريره من تنبيهات هذه القاعدة الشريفة، النافعة في جل ابواب الفقه أو كلها حينما اجملها كثير منهم، وبه نختم البحث عنها حامدا لله ومسلما ومصليا على نبيه وآله الخيرة الكرام. اللهم ما بنا من نعمة فمنك، فلا تسلبنا صالح ما انعمت به عليها وزدنا من فضلك ومواهبك. وقد وقع الفراغ من تسويده ليلة الاربعاء لست خلون من رجب المرجب من سنة 1382.

[ 157 ]

3 - قاعدة لا حرج

[ 159 ]

قد اشتهر بين الاصحاب - لا سيما المتأخرين منهم - الاستدلال بهذه القاعدة في كثير من الموارد، لنفى كثير من التكاليف التى تستلزم العسر والحرج، يترائى هذا منهم في غير واحد من ابواب العبادات، مثل ابواب الوضوء والغسل والتيمم و الصلوة والصيام وغيرها، ولم ار من تعرض لها مستقلا وافرد لها بحثا يختص بها، غير (العلامة النراقى) في عوائده حيث افرد لها (عائدة) وبحث عنها بحثا بين الاجمال والتفصيل. ولكن موقف القاعدة من الفقه وشدة ابتلاء الفقيه بها في كثير من ابوابه توجب البحث عنها وعن مداركها وفروعها في جميع جوانبها ونواحيها، بما يعطى الفقيه بصيرة ومعرفة بحال الفروع الكثيرة، المبنية عليها، وقد بلغ عدم الاعتناء بشأن هذه القاعدة المهمة وما يليق بها من البحث حدا اوجب الترديد في اصلها فضلا عن الفروع المتفرعة عليها، وقد رأيت من ينكر وجود مدرك صحيح للقاعدة فيما بايدينا من الادلة، مع ما ستعرف من وفور مداركها وكثرة ادلتها ولهذا ولغيره من المزايا التى تشتمل عليها هذه القاعدة - ولا سيما سعة دائرتها وشمولها لجل ابواب الفقه كما ستعرف - كان اللازم تقديم البحث عنها على غيرها من القواعد التى نبحث عنها فيما يلى انشاء الله، فنقول - ومنه سبحانه نستمد التوفيق و الهداية ان البحث عنها يقع في مقامات ثلثة: الاول - في مداركها التى ظفرنا بها. الثاني - في مفادها ومغزاها ونسبتها مع غيرها من الادلة.

[ 160 ]

الثالث - فيما يتعلق بها من التنبيهات. وقبل الشروع في هذه لابد لنا من ايضاح محل البحث وما نروم اثباته. الحرج على انواع ان العسر والحرج في الافعال يكون على اقسام، فتارة يبلغ حد لا يطيق المكلف تحمله. واخرى، يكون ما دون ذلك ولكن تحمله يوجب اختلال النظام. وثالثة، لا يبلغ ذا ولا ذاك، ولكن يستلزم الضرر في الاموال والانفس أو الاعراض ورابعة، لا يوجب شيئا من ذلك بل يكون فيه مجرد المشقة والضيق. اما الاول اعني التكاليف الحرجية البالغة حد ما لا يطاق فلا اشكال في خروجه عن محل البحث وقد عقدوا له بحثا آخر في الكتب الكلامية وبعض الكتب الاصولية، واختلفوا في جوازه واستحالته، بعد اتفاقهم على عدم وقوعه في الشريعة الغراء، ولكن الظاهر ان القول بجوازه وامكانه من الفروع الفاسدة المنشعبة عن شجرة خبيثة، و هي انكار الحسن والقبح العقليين المعروف بين قدماء الاشاعرة، وعلى كل حال فهو خارج عن نطاق البحث هنا. ومن هنا تعرف النظر في كثير من كلمات العلامة النراقى (قده) في عوائده حيث ذكر كثيرا من الادلة النقلية والعقلية الدالة على بطلان التكليف بما لا يطاق في عداد ادلة القاعدة، وان اعترف بانها تختص بقسم خاص من الحرجيات وانها خص من المدعى ولا تقوم باثبات جميعها. ولكن الانصاف انها خارجة رأسا عن حيطة القاعدة المعروفة المتداولة بين القوم. بل لا يعبرون بالحرج الا عن التكاليف الممكنة المشتملة على الضيق والشدة واما التكاليف غير المقدورة فيعبرون عنها بما لا يطاق ولا كلام لاحد من اصحابنا في بطلانها. واما الثاني فهو ايضا كسابقه خارج عن محل الكلام في هذه القاعدة المشهورة، لانصراف كلماتهم وعبائرهم عنه، لان قبح التكاليف الموجبة لاختلال النظام مما

[ 161 ]

لا يحتاج إلى مؤنة الاستدلال، بل هو امر واضح ظاهر، بداهة ان الشارع المقدس لم يرد بتشريع احكام الدين ونظاماته ابطال نظام المجتمع وتعطيل معيشتهم، بل المقصد الاقصى من اثبات كثير من تكاليفه ليس الاحفظ هذا النظام على الوجه الاحسن، و تحكيم قواعده على نهج صحيح يشتمل على منافع دينية ودنيوية للناس، كاحكام الديات والقصاص التى فيها حياة لاولى الالباب وكثير من احكام المعاملات وغيرها، فكيف يكلف الناس بامور توجب اختلالا في هذا النظام. واما الثالث فهو داخل في (قاعدة لا ضرر) خارجة عما يختص بهذه القاعدة، و ان امكن الاستدلال بكليهما في كثير من موارد الضرر لبعض ما يترتب على كل منهما من الخصوصية. فتحصل من جميع ذلك ان مركز البحث في (قاعدة لا حرج) هو القسم الرابع من الاقسام المتقدمة، وهو الافعال الحرجية غير البالغة حد ما لا يطاق وغير الموجبة لاختلال النظام ولا ما يتضمن ضررا في الاموال والانفس، ومنه يظهر حال الادلة التى يستند إليها في اثبات القاعدة وما يكون مرتبطا بمحل البحث وما هو خارج عن محل الكلام. وها نحن نشرع الان بذكر ما ظفرنا بها من الادلة:

[ 162 ]

مدارك قاعدة لا حرج واستدل لها بالادلة الاربعة، ولكن الانصاف انه لا مجال فيها للادلة العقلية ولا الاجماع، بعد ما عرفت من اختصاص محل البحث بالتكاليف الحرجية التى لا تبلغ حد ما لا يطاق، ولاحد اختلال النظام، ولا توجب ضررا على الاموال والانفس اما العقل فلانه لا مانع عقلا من تشريع الاحكام الحرجية والالزام بالامور العسرة الشديدة، والشاهد له وجود تكاليف حرجية في الشرعيات والعرفيات ثابتة بادلتها كما سيأتي الاشارة إليه في التنبيهات الاتية انشاء الله، والزام الموالى العرفية عبيدهم بل التزام كثير من الناس من قبل انفسهم بامور عسرة حرجية لما يرقبون فيها من المنافع الدنيوية امر شايع ذايع، وسياتى ان مثل هذه التكاليف كانت كثيرة في الامم الماضية وان صارت قليلة في هذه الامة المرحومة. واما الاجماع فلان دعواه على القاعدة بجميع نواحيها مشكل جدا بعد عدم تعرض الاكثر لها بعنوان كلى عام، وانما تعرض لها من تعرض في موارد خاصة، واما دعواه في خصوص بعض الموارد كالوضوء والغسل الحرجيين وان كان بمكان من الامكان الا انه لا ينفع في اثبات القاعدة، بل لا يتم على مباني القوم حتى في موارده الخاصة لاختصاص حجية الاجماع عندهم بمسائل لا دلالة عليها من الكتاب والسنة مما يصح استناد المجمعين إليها في اثبات المسألة، والمقام من هذا القبيل لما ستعرف من الادلة النقلية الكثيرة الدالة عليها، التى يعلم أو يظن استناد المجمعين إليها في اثبات القاعدة. فاذن العمدة من بين الادلة هنا هي الكتاب والسنة.

[ 163 ]

ما يدل عليها من الكتاب العزيز واستدل لها بآيات منه: منها - قوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم ابراهيم (1) وهى من اقوى الادلة الدالة عليها واليها استند في اخبار كثيرة لنفى تكاليف حرجية في الشريعة المقدسة، تارة بعنوان الحكمة لتشريع بعض الاحكام، واخرى بعنوان العلة لها بما سيأتي نقله، ومعها لا يبقى ريب في دلالتها على المطلوب، بل لا ينبغى الريب فيها مع عزل النظر عن هذه الاخبار الكثيرة ايضا لتمامية دلالتها في حد ذاتها. والمراد من (المجاهدة) فيها هي المجاهدة في امتثال الواجبات وترك المحرمات - كما اختاره اكثر المفسرين - وحق الجهاد اما هو الاخلاص في هذه المجاهدة العظيمة كما يحكى عن اكثر المفسرين، أو الاطاعة الخالية عن المعصية كما يحكى عن بعضهم ولعل الجميع يرجع إلى معنى واحد وهو المجاهدة البالغة حد الكمال الخالية عن شوائب النقصان. ومعنى الاية - والله اعلم - انه لا عذر لاحد في ترك المجاهدة في امتثال أو امر الله تعالى واجتناب نواهيه بعد ما كانت الشريعة سمحة سهلة وليس في احكام الدين امر حرجى يشكل امتثاله، فكأنه يقول: كيف لا تجاهدون في الله حق جهاده وقد اجتباكم من بين الامم ولم يجعل عليكم في الشريعة واحكامها امرا حرجيا؟. ومنها - قوله تعالى: وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (2)


(1) سورة الحج - الاية 78 (2) سورة المائدة - الاية 6

[ 164 ]

وفى دلالتها على المقصود تأمل، فان المستفاد من صدرها وذيلها ان الامر بالغسل والوضوء عند وجدان الماء، والتيمم عند فقدانه، انما هو لمصلحة تطهير النفوس، أو هي والابدان، من الاقذار الباطنة والظاهرة، فلا يريد الله تعالى بتشريع هذه التكاليف القاء الناس في مشقة وضيق بلا فائدة فيها، بل انما يريد تطهيرهم بها، فالمراد من (الحرج) هنا ليس مطلق المشقة بل المشاق الخالية عن الفائدة والمصالح العالية التى يرغب فيها لتحصيلها. والشاهد على ذلك كلمة (لكن) الاستدراكية في قوله: (ولكن ليطهركم) بعد قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) وان هو الا نظير قول القائل: (اشتر لى طعاما من ذاك المكان البعيد ما اريد لاجعلك بذلك في كلفة ومشقة وانما اريد تحصيل الطعام الطيب) فالمراد من الحرج هنا المشاق التى لا طائل تحتها، ولا فائدة مهمة فيها تجبر كلفتها، فلا يمكن التمسك بها لاثبات هذه القاعدة الكلية كما هو ظاهر. وان شئت قلت: المقصود اثبات قاعدة كلية دافعة للتكاليف الحرجية يمكن التمسك بها في قبال العمومات المثبتة للتكاليف حتى في موارد العسر والحرج، نظير اطلاقات وجوب الوضوء والغسل الشاملة لموارد الحرج. ومن الواضح ان اطلاقات الادلة الاولية كما تدل على ثبوت الحكم حتى في موارد العسر والحرج كذلك تدل على وجود مصالح في مواردها أو في نفس تلك الاحكام بالملازمة القطعية وح لا يمكن نفى هذه التكاليف في موارد الحرج بالاية الشريفة بناء على ما عرفت من ظهورها في نفى المشقة الخالية عن فائدة جابرة لها. ومنها - قوله تعالى: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر...) (1) وغاية ما يمكن ان يقال في تقريب دلالتها على المدعى هو ان الظاهر من قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) بعد نفى وجوب الصيام عن طائفتين، المسافرين والمرضى، انه بمنزلة التعليل لهذا الحكم، فيكون كساير الكبريات


(1) سورة البقرة - الاية - 185

[ 165 ]

الكلية التى يستدل بها لاثبات احكام خاصة ولكن مفادها عام شامل لمورد الاستدلال و غيره، فتدل هذه الفقرة على نفى جميع الاحكام العسرة والحرجية فتأمل. ومنها - قوله تعالى: (ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا...) (1) وجه الاستدلال بها ان نبينا الاعظم صلى الله عليه وآله سئل ربه ليلة المعراج امورا حكاها الله تعالى في هذه الاية الشريفة ومنها رفع (الاصر) عن امته. وكرامته صلى الله عليه وآله على ربه ومقامه عنده تعالى يقتضى اجابة هذه الدعوة واعطائه ذلك، ويشهد لهذه الاجابة نقلها في القرآن العظيم والاهتمام بامرها، فلولا اجابته له لم يناسب نقلها في كتابه في مقام الامتنان على هذه الامة المرحومة وهو ظاهر. وحيث ان (الاصر) في اللغة كما سيأتي عند تحقيق معنى العسر والحرج والاصر بمعنى الثقل، أو الحبس، أو الشدائد، كانت الاية دليلا على نفى التكاليف الحرجية عن هذه الامة. هذا كله مع قطع النظر عن الروايات الواردة في تفسيرها، واما بالنظر إليها فالامر اوضح جدا، فقد وقع التصريح في غير واحد منها بانه تعالى اجاب رسوله واعطاه ذلك ورفع عن امته صلى الله عليه وآله الاصار، وقد ذكر في بعض هذه الاخبار موارد كثيرة من هذه الاصار التى كانت في الامم الماضية ورفعها الله عن هذه الامة رحمة لها واكراما لنبيه الاعظم، وسياتى نقل نماذج من هذه الاخبار عند ذكر الروايات الدالة على القاعدة. فقد ظهر من جميع ما ذكرنا في بيان الايات التى يمكن التمسك بها في اثبات هذه القاعدة ان اظهرها دلالة على المطلوب هي الاية الاولى، المستدل بها في كثير من الاخبار الواردة في المسألة، التى يظهر من مجموعها ان للاية خصوصية في هذا الباب، وان كان غيرها ايضا لا تخلو عن دلالة أو تأييد للمدعى، ففى مجموعها غنى وكفاية و ان لم تبلغ في الظهور وقوة الدلالة مرتبة الروايات التالية.


(1) سورة البقرة - الاية - 286

[ 166 ]

ما يدل عليها من السنة واما ما يمكن الاستدلال به على هذه القاعدة من السنة فهى اخبار كثيرة بين صريح في المدعى، وظاهر فيه، وقابل للنقض والابرام واليك ما ظفرنا بها وما يمكن ان يقال في وجه دلالتها: 1 - ما رواه الشيخ باسناده عن ابى بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فيكون فيه العذرة ويبول في الصبى وتبول فيه الدابة وتروث؟ فقال: ان عرض في قلبك شئ فقل هكذا، يعنى: افرج الماء بيدك ثم توضأ، فان الدين ليس بمضيق، فان الله يقول: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (1). وظاهرها ان الحكمة في عدم انفعال الماء الكر (بناء على ان مثل هذا الغدير الذى وقع السؤال عنه في الرواية كر غالبا كما هو الظاهر) هي التوسعة على الامة و رفع الضيق والحرج عنها، ومنه يستفاد ان كلما يكون حرجيا وضيقا على الناس فهو مرفوع عنهم ويؤكد هذا التعميم استدلاله عليه السلام بقوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج. والاستناد إلى هذه القاعدة في اثبات حكم عدم انفعال الكر وان كان من قبيل حكمة الحكم لا العلة، كما هو كذلك في غير واحد من الروايات الاتية ايضا، الا ان مجرد ذلك غير ضائر، لانه لا مانع من كون قضية واحدة بعينها حكمة لحكم وعلة لحكم آخر، وقد حققنا ذلك في مبحث قاعدة لا ضرر واثبتنا ضعف ما قد يلوح من بعض كلمات المحقق النائيني (قدس الله سره) من عدم امكان كون قضية واحدة حكمة لحكم في مقام وعلة لحكم آخر في مقام آخر فراجع. 2 - ما رواه في الكافي عن الفضيل بن يسار عن ابى عبد الله عليه السلام في الرجل الجنب يغتسل فينتضح من الماء في الاناء؟ فقال: لا باس، ما جعل عليكم في الدين


(1) الحديث 14 من الباب 9 من ابواب الماء المطلق من الوسائل

[ 167 ]

من حرج (1). وسؤال الراوى فيها يحتمل وجهين: احدهما - ان يكون من جهة الاغتسال بغسالة الحدث الاكبر، فانه إذا اغتسل من الاناء وانتضح من غسالته فيه امتزج ماء الاناء به، وقد لا يكون ذلك بمقدار يستهلك فيه، فيكون باقى الغسل بغسالة الحدث الاكبر، فتكون الرواية دليلا على جواز الاغتسال به في مقام الضرورة، أو مطلقا، بناء على الغاء خصوصية المورد. ثانيهما - ان يكون من جهة انفعال الماء القليل، لان الجنب لا يخلو عن نجاسة بدنية غالبا، فتكون الرواية من الروايات الدالة على عدم انفعال الماء القليل، وتنسلك في سلكها، كما استدل به بعض القائلين بعدم الانفعال، على مذهبه. هذا ولكن اجمالها من هذه الناحية لا يضر بدلالتها على ما نحن بصدده، لان استناده عليه السلام في اثبات هذا الحكم بقاعدة رفع الحرج يدل على اعتبارها على نحو عام في جميع المقامات كما هو ظاهر. وفى كون استناده إليها في هذا المقام من قبيل الاستناد إلى الحكمة أو العلة احتمالان لان يظهر وجههما لمن تدبر. ومما يستفاد من الرواية ان الحرج المرفوع عن الامة امر وسيع يشمل مثل الاجتناب عن هذا الاناء، فان الاجتناب عن مثله في تلك الاوساط، مما كان المياه فيها قليلة، وان كان عسرا الا انه لم يكن في الاجتناب عنه مشقة عظيمة، وليكن هذا على ذكر منك. 3 - ما رواه شيخ الطائفة (قده) باسناده عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال سألته عن الجنب يحمل (يجعل) الركوة والتور (2) فيدخل اصبعه فيه؟ قال: ان كان يده قذرة فاهرقه (فليهرقه) وان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قال الله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج (3).


(1) الحديث 5 من الباب 9 من ابواب الماء المضاف. (2) (الركوة): ما يجعل تحت المعصرة فيجتمع فيه عصير العنب، و (التور): اناء صغير (3) الحديث 11 من الباب 9 من ابواب الماء المطلق.

[ 168 ]

ذكره العلامة المجلسي (قده) في باب ما يمكن ان يستنبط منه متفرقات اصول مسائل الفقه (1). اقول - لعل وجه استناده عليه السلام إلى قاعدة نفى الحرج لجواز الاغتسال عن الماء القليل الذى ادخل اصبعه فيه ولو لم يصبها قذر، هو نفى النجاسة المتوهمة في بدن الجنب اجمع بما انه جنب، ولو لم تصبها نجاسة عينية فانه لا شك في لزوم العسر والحرج منه لو كان الامر كذلك. ويمكن ان يكون ناظرا إلى نفى الحكم الاستحبابى بالاجتناب عن القذارات العرفية لا الشرعية، الموجودة في اليد غالبا، أو النجاسات الشرعية المشكوكة التى لا يجب الاجتناب عنها، ولذا ورد في كثير من الروايات الواردة في كيفية اغتسال الجنب الامر بغسل الكفين اولا قبل الشروع في الغسل (2). فالاستناد إلى آية نفى الحرج انما هو لنفى هذا الحكم الاستحبابى بالنسبة إلى مثل هذا الشخص فتدبر. هذا ولكن ابهام الرواية من هذه الناحية ايضا لا يقدح في الاستدلال بها على المقصود بعد استناده عليه السلام بالاية الشريفة لجواز الاغتسال من مثل هذا الاناء، ثم لا يخفى ان الرواية كسابقتها في احتمال كون الاستناد فيها إلى القاعدة من قبيل الاستناد إلى علة الحكم أو حكمته. 4 - ما رواه محمد بن يعقوب باسناده عن محمد بن ميسر قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل الجنب ينتهى إلى الماء القليل في الطريق ويريد ان يغتسل منه، وليس معه اناء يغرف به ويداه قذرتان؟ قال: يضع يده ثم يتوضا ثم يغتسل، هذا مما قال الله عزوجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (3)


(1) بحار الانوار المجلد الاول ص 152 (2) راجع الباب 26 من ابواب الجنابة. (3) الحديث 5 من الباب 8 من ابواب الماء المطلق.

[ 169 ]

القذارة هنا ان كانت بمعنى النجاسة كانت الرواية من ادلة عدم انفعال الماء القليل - كما استدل بها القائلون بهذا القول - وان كانت قذارة عرفيه كما هو المحتمل على القول بانفعال الماء القليل، كانت الرواية ناظرة إلى نفى حكم استحبابى وهو غسل اليدين خارج الاناء قبل الاغتراف منه في مورد الرواية واشباهه وهذا الحكم الاستحبابى اما يكون رعاية للتنزه عن القذارات العرفية أو اجتنابا عن القذارات الشرعية المحتملة التى لا يجب الاجتناب عنها في فرض الشك، كما عرفت آنفا، وعلى كل تقدير تكون الرواية من ادلة القاعدة فان ابهامها من حيث موردها لا يضر بالقاعدة المستدل بها فيها. 5 - ما رواه شيخ الطائفة المحقة باسناده إلى عبد الاعلى مولى آل سام قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: عثرث فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة، فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله عزوجل، قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج، امسح عليه (1) وهو من اظهر الروايات دلالة على المطلوب لصراحتها في ارجاع حكم المسألة إلى كتاب الله عزوجل وامره عليه السلام باستفادة اشباهها من قوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) فلو كان في الاحاديث السابقة شائبة الاشكال من جهة احتمال كون نفى الحرج فيها من قبيل الحكمة للحكم لا العلة - وقد عرفت ان الاشكال فيها من هذه الناحية ايضا لا وجه له - يرتفع بصراحة هذا الحديث في كون نفى الحرج علة للحكم بحيث يدور مدارها ويجوز التعدي من موردها إلى غيره. نعم يبقى فيها اشكالات من جهات اخر لابد من التعرض لها وبيان ما يمكن ان يقال في حلها: الاول - في كيفية استفادة وجوب المسح على المرارة من قوله تعالى: (ما جعل عليكم من حرج) فان نفى الحرج انما ينفى وجوب الوضوء عليه على نحو وضوء المختار، واما وجوب المسح على الجبيرة فلا. (1) الحديث 5 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 170 ]

ويمكن الجواب عنه بوجهين: احدهما ما افاده شيخنا العلامة الانصاري قدس سره الشريف وحاصله ان المسح الواجب في الوضوء يشتمل على امرين: امرار اليد على المحل، ومباشرتها للبشرة، والمتعسر في مفروض سؤال الراوى هو الثاني اعني مباشرة اليد للبشرة لا امرار اليد على المحل فسقوط الثاني بالحرج لا يوجب سقوط الوظيفة الاولى. (1) ويرد عليه ان ارجاع حكم المسح إلى هذين الحكمين وتحليله اليهما مما لا يساعد عليه فهم العرف في امثال المقام، فان الظاهر بنظر العرف ان امرار اليد على المحل انما هو مقدمة لحصول المسح على البشرة لا انه امر مطلوب في نفسه، فوجوبه من هذه الجهة من قبيل وجوب المقدمة ومن المعلوم سقوطه عند سقوط وجوب ذيها، و يشهد له ما ورد في باب حرمة المسح على الخفين وذم القائلين به من قوله عليه السلام: إذا كان يوم القيامة ورد الله كل شئ إلى شيئه ورد الجلد إلى الغنم فترى اصحاب المسح اين يذهب وضوئهم؟! (2) فان ظاهره ان المسح على الخفين كالعدم لا انه مشتمل لجزء من وظيفة المسح وفاقد لجزئها فتأمل. ثانيهما - ان يكون مراده عليه السلام من التمسك بالاية الشريفة نفى وجوب المسح الواجب على المختار، واما بدلية المسح على المرارة فهو امر آخر مستفاد من قاعدة الميسور المركوزة في الاذهان، لا سيما في ابواب الوضوء والصلوة كما لا يخفى على من راجع احكام الشرع فيها، هذا ولو بقى في الرواية ابهام من هذه الناحية لم يقدح في الاستدلال بها على المطلوب فتدبر. الثاني - في امره عليه السلام بالمسح على الجبيرة مع ان الظاهر عدم وقوع جميع اظفاره وكفاية المسح على غيره من الاظفار الباقية - بناءا على كفاية المسح ولو على اصبع واحد أو اقل منه - ويمكن الذب عنه بان الامر بالمسح عليها للعمل باستحباب


(1) ذكره في (الفرائد) في باب حجية ظواهر الكتاب (2) الحديث 4 من الباب 38 من ابواب الوضوء.

[ 171 ]

المسح بجميع الكف على ظهر القدم اجمع، أو ان الظفر الساقط لعله كان من اظفار يده لوقوعه على الارض بعد عثره وهو وان كان بعيدا عن مساق السؤال الا انه ليس فيها ما ينافيه صريحا كما لا يخفى على من راجعها وتأمل فيه حقه، ومن المعلوم ان الواجب في غسل اليد غسلها بتمامها. الثالث - في سنده لضعفه بعبد الاعلى مولى آل سام. فانه وان كان يظهر من بعض القرائن المذكورة في الكتب الرجالية كونه اماميا ممدوحا الا انه لم يثبت وثاقته ومجرد ذلك لا يكفى في الاعتماد على روايته. ويمكن دفعه بكفاية كون مثل (ابن محبوب) في سلسلة السند فانه رواه عن على ابن الحسن بن رباط، الذى قيل في حقه انه ثقة لا غمز فيه، عن عبد الاعلى عن الصادق عليه السلام وابن محبوب من اصحاب الاجماع ويجب تصحيح ما يصح عنه. ولكن لنا في هذا - اعني تصحيح ما يصح عن اصحاب الاجماع والاكتفاء بصحة السند إليهم وعدم ملاحظة من بعدهم - كلام واشكال وان كان من المشهورات، فرب مشهور لا اصل له وليس المقام مقام بسط الكلام فيه، ولعلنا نشير إليه في بعض المباحث الاتية لمناسبات تأتى انشاء الله. 6 - ما رواه الصدوق باسناده عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام في حديث في تفسير آية الوضوء قال: فلما ان وضع الوضوء عمن لم يجد الماء اثبت بعض الغسل مسحا لانه قال: (بوجوهكم) ثم وصل بها (وايديكم منه) أي من ذلك التيمم، لانه علم ان ذلك اجمع لم يجر على الوجه، لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها، ثم قال (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) والحرج الضيق (1) والانصاف انه لا يستفاد من الرواية امر زائد على ما يستفاد من نفس الاية الشريفة وقد عرفت عند ذكر آيات الكتاب المستدل بها على القاعدة ان لنا في دلالة هذه الاية عليها تأملا واشكالا، لان الظاهر من مقابلة نفى ارادة الحرج باثبات ارادة التطهير بقوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ليطهركم) ان المراد بالحرج


(1) الحديث 1 من الباب 13 من ابواب التيمم

[ 172 ]

هنا هو العمل الشاق الخالى عن فائدة مرغوبة، والا فمجرد ارادة التطهير من الوضوء و الغسل والتيمم الذى بدل عنهما لا يرفع مشقة الفعل لو كان شاقا وحرجيا في نفسها، فلا معنى لنفى ارادة الحرج واثبات ارادة التطهير، لان حالها من حيث العسر والضيق والمشقة لا تتفاوت بارادة غاية الطهارة منها وعدمها. 7 - ما رواه عبد الله بن جعفر الحميرى في قرب الاسناد عن مسعدة بن صدقة قال حدثنى جعفر، عن ابيه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: مما اعطى الله امتى وفضلهم على سائر الامم، اعطاهم ثلث خصال لم يعطها الا نبى (نبيا) وذلك ان الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبيا قال له: اجتهد في دينك ولا حرج عليك وان الله تبارك وتعالى اعطى ذلك امتى حيث يقول (ما جعل عليكم في الدين من حرج) يقول: من ضيق الحديث (1) وظاهر هذا الحديث ان رفع الحرج الذى من الله به على هذه الامة المرحومة كان في الامم الماضية خاصة بالانبياء وان الله اعطى هذه الامة ما لم يعطها الا الانبياء الماضين (صلوات الله عليهم) فلا ينافى ما دل على اختصاص رفع الحرج بهذه الامة فتأمل 8 - ما رواه العلامة المجلسي (قدس سره) من كتاب (عاصم بن حميد) عن محمد بن مسلم قال: سالت ابا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل: (يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج) فقال: في الصلوة والزكوة والصيام والخيران تفعلوه (2) ذكره العلامة المجلسي في باب (ما يمكن ان يستنبط من الايات والاخبار من متفرقات اصول مسائل الفقه) وقال في ذيله: الظاهر ان الغرض تعميم نفى الحرج (انتهى). والظاهر ان مراده ان نفى الحرج لا يختص بعبادة من العبادات بل يشمل جميعها وجميع الطاعات والخيرات التى يفعلها الانسان فلم يجعل الشارع فيها امرا حرجيا فلو كان اطلاقها يشمل موارد الحرج لابد من تخصيصها بغيره.


(1) ورواه في تفسير البرهان في ذيل الاية الشريفة عن كتاب عبد الله بن جعفر ايضا (2) بحار الانوار - المجلد الاول صفحة 155

[ 173 ]

9 - ما رواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشترى جبة فراء لا يدرى أذكية هي ام غير ذكية؟ ايصلى فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة ان ابا جعفر عليه السلام كان يقول: ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم ان الدين اوسع من ذلك (1) دل على ان الحكمة في حيلة ما يشترى من سوق المسلمين هي التوسعة على الامة ورفع الضيق عنها، وقوله: (ان الدين اوسع من ذلك) دليل على عدم اختصاص هذا الحكم بهذا المورد وان الدين وسيع في جميع نواحيه وليس فيه حكم حرجى و التضييق فيها انما ينشأ من الجهالة، كما نشأ للخوارج المتقشفين الضالين وهذه الرواية وان خلت عن عموم (نفى الحرج) بهذا العنوان الا انها مشتملة على معناه وهو نفى الضيق واثبات التوسعة في احكام الدين، كما سيأتي شرحه في باب معنى الحرج لغة وعرفا. 10 - ما رواه الصدوق مرسلا قال: سئل على عليه السلام أيتوضا من فضل وضوء جماعة المسلمين احب اليك أو يتوضأ من ركوا بيض مخمر؟ فقال: لا، بل من فضل وضوء جماعة المسلمين، فان احب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة (2) قال في المجمع: (الركوة المخمر أي المغطى) ويستفاد من جوابه عليه السلام تفضيله الوضوء من فضل وضوء جماعة المسلمين على الوضوء من الاناء المغطى، و استناده في هذا الحكم إلى سهولة الشريعة دليل على ان الاحكام الحرجية المعسورة ليست منها، ولا اقل من كونه مؤيدا لسائر اخبار الباب. 11 - ما رواه الطبرسي في الاحتجاج مرسلا عن موسى بن جعفر عن ابيه عن آبائه عن على عليه السلام في حديث طويل يذكر فيه مناقب رسول الله صلى الله عليه وآله وما سئل ربه ليلة المعراج، و فيه انه صلى الله عليه وآله قال: اللهم إذا اعطيتني ذلك (يعنى به رفع المؤاخذة على الخطاء والنسيان) فزدني، فقال الله تعالى: سل، قال: ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا


(1) الحديث 3 من الباب 50 من ابواب النجاسات من الوسائل (2) الحديث 3 من الباب 8 من ابواب الماء المضاف

[ 174 ]

يعنى بالاصر الشدائد التى كانت على من كان من قبلنا، فاجابه الله إلى ذلك فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن امتك الاصار التى كانت على الامم السابقة: كنت لا اقبل صلوتهم الا في بقاع من الارض معلومة، اخترتها لهم وان بعدت، وقد جعلت الارض كلها لامتك مسجدا وطهورا، فهذه من الاصار التى كانت على الامم قبلك فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا اصابهم اذى من نجاسة قرضوها من اجسادهم (1) وقد جعلت الماء لامتك طهورا، فهذه من الاصار التى كانت عليهم فرفعتها عن امتك - إلى ان قال - و كانت الامم السالفة صلوتها مفروضة عليها في ظلم الليل وانصاف النهار وهى من الشدائد التى كانت عليهم فرفعتها عن امتك وفرضت عليهم صلوتهم في اطراف الليل والنهار وفى اوقات نشاطهم... والحديث طويل. ورواه العلامة المجلسي (قده) في بحار الانوار في باب احتجاجات امير المؤمنين عليه السلام. ورواه ايضا المحدث النبيل السيد هاشم البحراني في تفسيره المسمى بالبرهان في ذيل قوله تعالى: آمن الرسول بما انزل إليه من ربه الاية. والحديث ضعيف بالارسال وفيه بعض الغرائب سيما في الفقرات التى لم نذكرها يظهر لمن راجعها ولكن يصلح مؤيدا لما سبقه. 12 - ما رواه على بن ابراهيم في تفسيره عن ابيه عن ابن ابى عمير عن هشام عن ابى عبد الله عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا الخ: ان هذه الاية مشافهة الله لنبيه صلى الله عليه وآله ليلة اسرى به إلى السماء قال النبي صلى الله عليه وآله لما انتهيت إلى محل سدرة المنتهى - إلى ان قال - فقلت: (ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو اخطأنا) و


1 - الظاهر ان الضمير في قوله (قرضوها) راجع إلى النجاسة يعنى قرضوا النجاسة وآثارها لا انهم كانوا يقرضون لحومهم، وقرض عين النجاسة وآثارها عن ابدانهم لعله كان مثل حلق الشعر عنها ويشتمل على مشقة كثيرة والا فوجوب قرض اللحوم عليهم امر بعيد جدا وما ورد في بعض الروايات من (ان بنى اسرائيل كانوا إذا اصابهم قطرة من بول قرضوا لحومهم بالمقاريض) لعله سهو من الراوى عند النقل بالمعنى، والمقروض كان عين النجاسة واثرها فتأمل.

[ 175 ]

قال الله: لا اؤاخذك، فقلت: (ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا) فقال الله: لا احملك، فقلت: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) فقال الله: قد اعطيتك ذلك لك و لامتك، فقال الصادق عليه السلام ما وفد إلى الله تعالى احد اكرم من رسول الله صلى الله عليه وآله حيث سئل لامته هذه الخصال. (1) وفى معناها أو ما يقرب منها روايات أخر واردة في تفسير الاية الشريفة من ارادها فليراجعها. 13 - ما رواه في (اصول الكافي) باسناده عن حمزة بن الطيار عن ابي عبد الله (ع) قال قال لى اكتب فاملى على: ان من قولنا ان الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم ثم ارسل إليهم رسولا وانزل عليهم الكتاب فامر فيه ونهى، وامر بالصلوة والصيام فنام رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصلوة، فقال: انا انيمك وانا اوقظك، فإذا قمت فصل ليعلموا إذا اصابهم ذلك كيف يصنعون، ليس كما يقولون: إذا نام عنها هلك، وكذلك الصيام انا امرضك وانا اصحك فإذا شفيتك فاقضه، ثم قال أبو عبد الله: وكذلك إذا نظرت في جميع الاشياء لم تجد احدا في ضيق - إلى ان قال - وقال: وما امروا الا بدون سعتهم وكل شئ امر الناس به فهم يسعون له وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم، ثم تلا عليه السلام (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) الحديث (2). وظاهر بعض فقرات ذيل الحديث وان كان نفى التكليف بما لا يطاق الا ان ملاحظة مجموعها لا سيما قوله، (لم تجدا حدا في ضيق) واستشهاده بالاية الاخيرة تشهد بانها ناظرة إلى نفى التكاليف الحرجية ايضا. 14 - الرواية المشهورة المعروفة المروية عنه صلى الله عليه وآله، بعثت بالحنيفية السمحة السهلة.


1 - ورواها المحدث البحراني (قده) ايضا في تفسيره في ذيل الاية الشريفة. 2 - اصول الكافي ج 1 ص 164 من الطبعة الاخيرة.

[ 176 ]

هذا ما ظفرنا عليه من الروايات الدالة على هذه القاعدة الكلية وفى دلالة بعضها كسند بعضها الاخر وان كان تأمل أو اشكال الا ان في مجموعها غنى وكفاية انشاء الله. ونحن وان بذلنا الجهد في الظفر بهذه الروايات وتتبع مظانها ومواردها الا ان المتتبع لعله يظفر بروايات أخر غيرها تؤكدها أو تؤيدها، وفى الروايات الواردة في الباب الاول من المجلد الاول من الوسائل (في مقدمة العبادات) ايضا روايات لا تخلو عن اشعار بها يظهر لمن راجعها، ولكن هناك بعض الروايات تبدو في اول النظر دلالتها على المطلوب ولكن عند التأمل يظهر انها ناظرة إلى نفى التكليف بما لا يطاق الذى هو خارج عن نطاق البحث فكن على بصيرة منها.

[ 177 ]

المقام الثاني في مفاد القاعدة المراد من العسر والحرج والاصر اما (الحرج) فالذي يظهر من تتبع كلمات ائمة اللغة وموارد استعمالاته وغير واحد من الروايات السابقة المفسرة لها انها في الاصل بمعنى (الضيق). قال في (القاموس): الحرج المكان الضيق، الكثير الشجر، الاثم. وقال في (الصحاح): مكان حرج أي ضيق، وفسره بالاثم ايضا. وقال في (النهاية. الحرج في الاصل الضيق، ويقع على الاثم والحرام وقيل الحرج اضيق الضيق. وقال في (المجمع: ما جعل عليكم في الدين من حرج) أي من ضيق - إلى ان قال - وفى كلام الشيخ على بن ابراهيم: الحرج الذى لا مدخل له والضيق ما يكون له مدخل، والحرج الاثم. وفى رواية زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (وهى الرواية السادسة مما ذكرنا) ورواية قرب الاسناد عن الصادق عليه السلام (وهى الرواية السابعة مما ذكرنا) تفسير الحرج صريحا بالضيق، وقوله (ع) في رواية ابى بصير (وهى الرواية الاولى مما ذكرنا): (ان الدين ليس بمضيق فان الله يقول: ما جعل عليكم في الدين من حرج ظاهرة في هذا المعنى ايضا فالمستفاد من هذه الروايات الثلث تفسير الحرج بالضيق. وقد استعمل (الحرج) في الكتاب العزيز في معان ثلثة: الاول - (الضيق) قال الله تعالى: فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا (1). وقال تعالى: كتاب انزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه (2)


1 - الانعام - 125، 2 - الاعراف - 2

[ 178 ]

وقوله تعالى: ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (1) فان ظاهر سياق هذه الايات يشهد بان المراد من الحرج فيها هو الضيق. الثاني - (لاثم) كقوله تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله (2) وقال تعالى: ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج (3) وقال تعالى: ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له (4) فان الحرج في هذه الموارد استعمل بمعنى الاثم الثالث (الكلفة) كقوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج (5) وقوله تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم (6) ولكن الانصاف ان جميع هذه المعاني راجعة إلى معناه الاصلى وهو (الضيق) واما الاثم والكلفة، وكذا كثرة الشجر كما في قول القاموس: مكان حرج أي الكثير الشجر فهى من مصاديق الضيق فان الاثم يوجب ضيقا على صاحبه في الاخرة بل وفى الدنيا، فقوله تعالى: ليس على الاعمى حرج الخ كانه بمعنى قولنا ليس على هذه الطوائف ضيق ومحدودية في الدنيا من جهة بعض افعالهم فهم مرخصون فيها، بل ولا ضيق في الاخرة من جهة العذاب وغيره. وهكذا كثرة الشجر توجب ضيقا في المكان وما ذكرنا هو الذى يساعد عليه النظر الدقيق بعد ملاحظة موارد استعمالات هذه الكلمة ولكن الذى يظهر مما حكاه ابن الاثير في كلامه بقوله: (وقيل انه اضيق الضيق) وكذا ما حكاه في المجمع عن على بن ابراهيم من ان (الحرج ما لا مدخل له والضيق ماله مدخل) ان الحرج ليس مطلق الضيق، بل هو ضيق خاص عبر عنه في النهاية باضيق الضيق يعنى به الضيق الشديد وفى كلام على بن ابراهيم بما لا مدخل له، كأن مراده


1 - النساء - 65، 2 - التوبه - 91 2 - النور - 61، 4 - الاحزاب - 38 5 - الحج - 78، 6 - المائدة - 6

[ 179 ]

ايضا هو الضيق الشديد الذى بلغ حدا لا مخلص منه ولا مندوحة له والتحقيق عدم اعتبار شئ من الخصوصيتين فيه لخلو كلمات أئمة اللغة منها، حتى ان ابن الاثير نفسه اسنده إلى قيل مشعرا بضعفه، والاحاديث المروية عن ائمة اهل البيت (عليهم السلام) المفسرة له ايضا خاليه عن القيدين، مضافا إلى عدم انطباقه بهذا المعنى على موارد كثير من الروايات السابقة، حيث استدل فيها بقوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج لامور لا يكون من اضيق الضيق، ولا مما لا مدخل له فراجع وتأمل واما ما حكاه في المجمع عن على بن ابراهيم فلا حجة فيه. واما العسر: ففى (النهاية) انه ضد اليسر وهو الضيق والشدة والصعوبة. وفى القاموس: العسر بالضم وبضمتين وبالتحريك ضد اليسر وتعسر على الامر وتعاسر واستعسر: اشتد والتوى، ويوم عسر وعسير واعسر: شديد أو شوم. وقريب منه ما ذكره غيرهما. واما الاصر: ففى (القاموس) الاصر بالكسر العهد والذنب والثقل. وعن (النهاية): الاصر الاثم والعقوبة واصله من الضيق والحبس، يقال اصره يأصره إذا حبسه وضيقه. وعن (الصحاح) اصره حبسه واصرت الشى اصرا كسرته.،. والاصر العهد و الاصر الذنب والثقل. ويقرب منه غيره وفى (مفردات الراغب): الاصر عقد الشئ وحبسه بقهره، والمأصر محبس السفينة، قال تعالى: ويضع عنهم اصرهم أي الامور التى تثبطهم وتقيدهم عن الخيرات والوصول إلى الثوابات، وعلى ذلك ولا تحمل علينا اصرا وقيل ثقلا و تحقيقه ما ذكرت، والاصر العهد المؤكد الذى يثبط ناقضه عن الثواب والخيرات، قال تعالى: ااقررتم واخذتم على ذلكم اصرى، الاصار: الاوتاد والطنب التى بها يعمد البيت (انتهى ملخصا). وفى (مجمع البحرين): اصل الاصر الضيق والحبس يقال اصره يأصره إذا ضيق عليه وحبسه ويقال للثقل اصرا لانه يأصر صاحبه من الحركة لثقله وقوله تعالى

[ 180 ]

يضع عنهم اصرهم هو مثل لثقل تكليفهم. والمتحصل من جميع ذلك ان (الاصر) في الاصل هو الحبس والضيق وانما يستعمل بمعنى العهد والاثم والثقل والعقوبة لمناسبات فيها مع هذا المعنى، وتفسيره في بعض - الاخبار السابقة بالشدائد (الحديث 11 مما ذكرنا) ايضا مأخوذ من هذا المعنى. فهو والحرج بمعنى واحد أو متقارب المعنى. تنبيه - قد ظهر مما ذكرنا في معنى (العسر) و (الحرج) انهما لا يفترقان فرقا جوهريا وهل هما بمعنى واحد، أو الاول اعم من الثاني؟ ذهب المحقق النراقى (قده) في عوائده إلى الاخير حيث قال: (العسر كما اشرنا إليه اعم مطلقا من الضيق، فان كل ضيق عسر ولا عكس، فان من حمل عبده على شرب دواء كريه في يوم مثلا يقال انه يعسر عليه ولا يقال انه في ضيق أو ضيق عليه مولاه، وكذا من يكون منتهى طاقته حمل مأة رطل، إذا امر بحمل تسعين مثلا ونقله إلى فرسخ يقال انه يعسر عليه ولكن لا يقال انه في الضيق، نعم لو امر بحمله ونقله كل يوم يقال انه ضيق عليه، وكذا يصح ان يقال ان التوضى بالماء البارد في يوم شديد البرد مما يعسر، ولكن لا يقال ان المكلف في ضيق من ذلك) انتهى موضع الحاجة من كلامه. ويظهر من كلامه هذا ان الحرج لا يدور مدار صعوبة العمل فحسب، - وان بلغ من الصعوبة ما بلغ - بل يعتبر فيه مضافا إلى ذلك نوع تضيق آخر على المكلف، فمثل الوضوء أو الغسل مرة واحدة بالماء البارد شديد البرودة في اشد ايام الشتاء وان كان صعبا جدا، لكن ليس حرجيا لانه ليس فيه ضيق على المكلف عنده، نعم لو كرر هذا العمل اياما كان ضيقا وحرجا. وانت خبير بان هذا المعنى مضافا إلى كونه مخالفا لفهم الاصحاب المستدلين بنفى الحرج في مقامات كثيرة لنفى ما فيه مجرد الصعوبة من التكاليف، من دون اعتبار امر زائد عليه، مثل الضيق الحاصل من تكرار العمل، مخالف لاستدلالات الائمة عليهم

[ 181 ]

السلام بالآية الشريفة في مقامات ليس فيها امر زائد على ما فيها من الصعوبة والمشقة والعسر، فراجع الاحاديث السابقة تجد فيها شواهد مختلفة لهذا المعنى. والحق ان (الحرج) في الاصل وان كان بمعنى الضيق الا ان الضيق المعتبر في الامور الحرجية ليس امرا وراء صعوبة العمل وشدته والمشقة الحاصلة منه، فان العمل إذا كان صعبا وعسرا كان المكلف منه في ضيق، بخلاف ما إذا كان سهلا ويسرا وما ذكره قدس سره من الامثلة شاهدا على ما ادعاه قابل للمنع والانكار، فان من حمل عبده على شرب دواء كريه غاية الكراهة ولو مرة واحدة يقال ان هذا العمل حرج عليه، وليس ذلك الا لانه يقع منه في ضيق وان كان هذا الضيق في آنات خاصة و كذلك الحال في ساير الامثلة، والحاصل ان المعتبر في معنى الحرج وجود نوع ضيق ومحدودية فيه، ولو كان هذا الضيق حاصلا من صعوبة العمل وتعسره، ولا يعتبر فيه مداومته في يوم أو ايام عديدة وتكراره، ويزيدك هذا وضوحا بملاحظة ما ذكرناه في معنى هذه الكلمة، وموارد استعمالها من الكتاب والسنة وغيرهما، فراجع وتأمل. نعم هنا اشكال وهو انه لو كان المراد من (الحرج) المنفى في هذه القاعدة مجرد الضيق والصعوبة في قبال السعة والسهولة، على ما هو الظاهر من معناه لغة وعرفا، يلزم نفى كل تكليف يشتمل على ادنى مراتب الصعوبة والمشقة وهذا يوجب رفع اليد عن كثير من التكاليف الشرعية كالصيام في ايام الصيف لكثير من الناس والوضوء في ليالى الشتاء بالمياه الباردة وغير ذلك من اشباهه، بل جل التكاليف يشتمل على نوع مشقة في كثير من الاوقات والحالات، وهذا مما لا يتفوه به فقيه، ولو بنى عليه حصل منه فقه جديد. وهذا يكشف عن ان معناه اللغوى والعرفي وان كان وسيعا في نفسه، الا ان المراد منه هنا مرتبة خاصة منه لا مطلق الصعوبة والمشقة والضيق، لكن أي مرتبة منه؟ و ما حدها؟ وما الدليل على تعيين حد خاص بعينه؟ هذه اسؤلة اشكلت اجوبتها على غير واحد من الاكابر على ما يظهر من كلماتهم في مقامات مختلفة

[ 182 ]

ولذا قال الشيخ الحر العاملي (قدس سره الشريف) في كتابه المسمى ب‍ (الفصول المهمة) بعد ذكر طائفة من الاخبار النافية للحرج (نفى الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق، والا لزم رفع جميع التكاليف) انتهى. وذهابه (قده) إلى اجمال ادلة نفى الحرج انما نشأ من قيام قرينه مقامية كما عرفت على ارادة مرتبة خاصة منه لعدم امكان ارادة جميع مراتبه ولكن اشكل عليه الامر في تعيين هذه المرتبة لعدم قيام دليل عليه عنده. لكن الحق كما يظهر بعد امعان النظر امكان تعيين هذه المرتبة وهى (ما يلزم منه مشقة شديدة لا يتحملها الناس عادة في مقاصدهم) فانها القدر المسلم من ادلة نفى الحرج، أو ان القدر المسلم خروجه منها هو ما دون هذه المرتبة كما يشهد به رواية عبد الاعلى مولى آل سام الواردة في حكم الجبيرة وكذا غيره من روايات الباب. والظاهر ان فقهاء لاصحاب (قدس سرهم) ايضا لم يفهموا من عمومات نفى الحرج الا ذاك، ولذا صرح غير واحد منهم في مسألة (جواز التيمم بخوف الشين في اعضاء الوضوء) بوجوب تقييدها بما لا يتحمل عادة أو بالشديد منه، أو بالفاحش، على اختلاف تعابيرهم قال الشيخ الاجل صاحب الجواهر (قده) عند التعرض لهذه المسألة ما حاصلة: (لا اعرف في جواز التيمم عند خوف الشين خلافا بين الاصحاب وظاهر اطلاق كثير منهم عدم الفرق بين شديده وضعيفه، وهو مشكل جدا إذ لم نعثر له على دليل سوى عمومات العسر والحرج، واحتمال دخوله في المرض أو في اطلاق ما دل على التيمم عند خوف البرد، ومن المعلوم عدم العسر في ضعيفه، بل لا يكاد ينفك عنه غالب الناس في اوقات البرد، وعدم صدق اسم المرض عليه، وظهور ادلة خوف البرد في غيره، ثم قال ولعله لذا قيده في موضع من المنتهى بالفاحش، واختاره جماعة ممن تأخر عنه منهم المحقق الثاني في جامعه والشهيد الثاني في روضه والفاضل الهندي في كشفه، واليه يرجع ما عن جماعة اخرى من التقييد بما لا يتحمل عادة، فالاقوى الاقتصار على الشديد منه الذى يعسر تحمله عادة) انتهى كلامه. وكانه قدس سره تفطن لما ذكرناه من وجود القرينة المقامية على صرف اطلاقات

[ 183 ]

ادلة نفى الحرج في هذا المقام، ولكن قد عرفت عدم اختصاصها به. والظاهر ان مراد غير هؤلاء المحققين الذين قيدوا الاطلاق بما عرفت من (الشديد) أو (الفاحش) ايضا ذلك فلا خلاف بينهم فيه كما ان الظاهر انحصار مدرك المسألة المذكورة في قاعدة لا حرج. وقد تعرض للمسألة كثير من اعاظم المتأخرين منهم المحقق اليزدى في (عروته) قال: (بل لو خاف من الشين الذى يكون تحمله شاقا تيمم) انتهى. وقرره عليه كثير من محققى المحشين وزاد بعضهم: (إذا كانت بحيث لا يتحمل عادة). ثم لا يخفى عليك ان عدم تحمل مشقة الفعل عادة يختلف باختلاف الافعال وما يرام منها من حيث الاهتمام بشأنها وباختلاف الحالات وغيرها فتدبر جيدا. فتحصل من جميع ذلك ان المعيار في قاعدة نفى الحرج ليس مطلق المشقة والعسر الموجودين في كثير من التكاليف الشرعية أو اكثرها بل المشقة الشديدة التى لا يتحمل عادة في مثل ذاك الفعل، وان الدليل عليه قيام قرينة مقامية على هذا التقييد كما عرفت، فليس قاعدة نفى الحرج مجملة مبهمة، كما انه لا يلزم منه تخصيص الاكثر أو المستوعب، وسيأتى تتمة لهذا الكلام في (التنبيه الاول) من التنبيهات الاتية انشاء الله.

[ 184 ]

مفاد القاعدة ووجه تقدمها على سائر العمومات لا يخفى ان العسر والحرج والاصر وامثال هذه العناوين اوصاف للافعال التى تتعلق بها الاحكام لا لنفس الاحكام، مثلا وضوء المختار لمن على يده جبيرة امر حرجى متعسر، فالمتصف بهذه الصفة نفس هذا العمل لا الوجوب المتعلق به، فلا يقال وجوب الوضوء على مثل هذا الشخص امر حرجى وفيه ضيق على المكلف الا من باب الوصف بحال المتعلق، فانه لو كان في الوجوب ضيق فانما هو من ناحية العمل المتعلق به. ويشهد له نفى الجعل عنه. في قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) فان الجعل على المكلفين كناية عن التكليف، والمجعول هو نفس العمل المكلف به وهو المتصف بالحرج هنا، فكأن (المكلف به) امر يضعه الشارع على عاتق المكلفين ويكون ثقله عليهم، كما انه قد يرفعه عنهم (ويضع عنهم اصرهم والاغلال التى كانت عليهم) فقوله: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) بمعنى: لم يكلفكم عملا حرجيا متعسرا واوضح من ذلك قوله صلى الله عليه وآله في رواية الاحتجاج السابقة (1): (يعنى بالاصر الشدائد التى كانت على الامم السابقة - إلى ان قال - كنت لا اقبل صلوتهم الا في بقاع من الارض معلومة اخترتها لهم وان بعدت وقد جعلت الارض كلها لامتك مسجدا و طهورا فهذه من الاصار التى كانت على الامم قبلك فرفعتها عن امتك)... إلى غير ذلك من فقراتها، فانها ظاهرة أو صريحة في ان نفس هذه الاعمال كانت من الاصار الثابتة في حق الامم الماضية المرفوعة عن هذه الامة المرحومة. فالمرفوع اولا وبالذات هي نفس الافعال الحرجية الا ان رفعها عن المكلفين أو عدم جعلها عليهم كناية عن عدم ايجابها كما ان وضعها عليهم كناية عن ايجابها فالوضع والرفع في عالم التشريع هو الايجاب ونفيه وهذا التعبير - كما عرفت - مأخوذ من


1 - نقلناها تحت الرقم (11).

[ 185 ]

مشابهة الالزام بشئ وايجابه لوضعه على عاتق المكلف فكأن الشارع المقدس إذا اوجبه على المكلفين وضعه عليهم في الخارج وإذا لم يوجبه عليهم رفعه عنهم. والحاصل ان العسر والحرج كمقابليهما من اوصاف افعال المكلفين وهى التى قد تكون شاقا ضيقا كما قد تكون سهلا يسيرا. واذ قد عرفت ذلك فاعلم انه لا اشكال في تقدم عمومات نفى الحرج على العمومات المثبتة للاحكام بعناوينها الاولية ووجوب تخصيصها بها، ويشهد له استشهاد الامام عليه السلام بها في قبال كثير من الادلة المثبتة للاحكام مضافا إلى فهم الفقهاء رضوان الله عليهم واستنادهم إليها في فروع فقهية كثيرة، ولكن ما وجه هذا التقدم؟ فهل هو من جهة حكومتها عليها أو امر آخر ورائها؟ التحقيق انه على ما ذكرنا من ان العسر والحرج واشباههما من اوصاف افعال المكلفين لا الاحكام المتعلقة بها لا يصح لنا ان نقول بان وجه تقدم عمومات هذه القاعدة على ادلة الاحكام هو حكومتها عليها، فانها عبارة عن كون احد الدليلين بمدلوله اللفظى ناظرا إلى الاخر بحيث لولاه لكان لغوا. اما بان يتصرف في موضوعه، أو في حكمه، أو في متعلقه، أو في انتساب المتعلق إلى موضوعه، وقد مر بيانه في القاعدة الاولى من هذه السلسلة وهى. (قاعدة لا ضرر) عند ذكر نسبتها مع سائر الادلة ومن المعلوم ان دليل نفى الحرج انما ينفى وجوده وجعله على المكلفين في عالم التشريع، من دون ان يكون ناظرا إلى غيره من ادلة احكام الشرع نظر التصرف فيها باحد الانحاء الاربعة المتقدمة، فمن هذه الجهة يكونان في عرض واحد فهما من قبيل المتعارضين، ففى الحقيقة ادلة نفى الحرج تكون من سنخ ما دل على انه (لم يجعل على النساء جمعة ولا جماعة ولا اذان ولا اقامة) فلو كان هناك ما يدل بعمومها على ان عليهن بعض هذه الامور كانتا من المتعارضين، لا ان الاول حاكم على الثاني، فلا يقدم عليه الا من باب التخصيص، ومجرد كون لسانه (نفى الجعل) لا يكفى في تقدمه على غيره كما ان من الواضح ان النسبة بينها وبين ادلة الاحكام هي العموم من وجه،

[ 186 ]

فكما انه يمكن تخصيصها بادلة نفى الحرج يمكن تخصيص ادلة نفى الحرج بها. الا ان كونها في مقام الامتنان على الامة يأبى من التخصيص جدا. فتخصيص الادلة المثبتة للاحكام بها لقوة دلالتها بالنسبة إليها، وهذا امر ظاهر لمن راجع العمومات السابقة. ومنه يظهر وجه استشهاد الامام عليه السلام بها في مقابل كثير من العمومات المثبتة للاحكام، وفهم الفقهاء واستشهادهم بها في ابواب شتى. نعم لو قلنا بان العسر والحرج من اوصاف نفس الاحكام الشرعية وانها هي التى قد تكون عسرة حرجية واخرى سهلة يسيرة وان قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) في قوة قولنا ان الاحكام المجعولة الثابتة بادلتها ليس فيها ما يكون حرجا وضيقا على المكلفين، فح يصح القول بحكومتها عليها لانها ناظرة إليها ومفسرة لها بما هو ملاك الحكومة، ولكن قد عرفت آنفا ضعف هذا المبنى وانها من صفات افعال المكلفين بل القول بالحكومة على هذا المبنى ايضا عندي غير صافية عن شوب الاشكال كما لا يخفى على من تدبر. هذا وقد بقى هنا امور هامة نذكرها في طى تنبيهات:

[ 187 ]

التنبيه الاول هل القاعدة موهونة بكثرة التخصيصات الواردة عليها؟ من الاشكالات القوية التى اوردت على هذه القاعدة، انه كيف يمكن الحكم بعمومها وارتفاع كل امر حرجى في الشريعة بها، مع ما يترائى من كثرة التكاليف الشاقة الحرجية في ابواب العبادات وغيرها، كالوضوء بالمياه الباردة في ليالى الشتاء والصوم في الايام الحارة من الصيف مع ما فيهما من المشقة الظاهرة، وكالجهاد بالاموال والانفس: ومقارعة السيف والسنان، ومقابلة الشجعان، وعدم الفرار من الزحف و تحمل لومة اللائمين في اجراء احكام الله، وتسليم النفس لاجراء الحدود والقصاص، و الهجرة عن الاوطان لتحصيل مسائل الدين، وبثها بين المسلمين الواجب كفاية، و اشد منها الجهاد الاكبر مع النفس وجنود الشياطين. فهذه التخصيصات الكثيرة توهنها وتمنع عن التمسك بعمومها، لان قبح تخصيص الاكثر دليل على ان المراد منها غير ما يفهم منها في بدء الامر فيكون معناها مجملة مبهمة غير قابلة للاستدلال، فان ما يظهر منها بادئ الامر غير مراد والمراد منها غير معلوم، فعمومها كعمومات (القرعة) وما اشبهها موهونة لا يجوز العمل بها الا في موارد عمل بها الاصحاب وكأنه إلى هذا المعنى اشار المحدث الجليل الحر العاملي قدس سره في كتابه المسمى ب‍ (الفصول المهمة) حيث قال بعد نقل طائفة من الاخبار النافية للحرج: (نفى الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا تكليف ما لا يطاق والا لزم رفع جميع التكاليف) انتهى. فالتزم بعد القول باجمالها وابهامها بسقوطها عن الحجية الا في القدر المتيقن منها وهو التكليف بما لا يطاق. اقول - قوله: (والا لزم رفع جميع التكاليف) ان كان مراده منه المبالغة في كثرة التخصيصات الواردة عليها بما عرفت آنفا، واشرنا إليه ايضا عند ذكر معنى

[ 188 ]

(العسر والحرج) فله وجه مع قطع النظر عما سيأتي، واما ان كان مراده منه ما يظهر منه في ابتداء النظر من نفى عامة التكاليف الشرعية، لما في جميعها من مرتبة من العسر و الحرج، فهو مبنى على ان يكون المراد من (الحرج) مطلق الكلفة الحاصلة ولو من الامور البسيطة العادية، وهو ممنوع جدا، كما عرفت عند تحقيق معنى هذه الكلمة. مضافا إلى ان غير واحد من التكاليف الشرعية لا يشتمل على ادنى مشقة وكلفة، لموافقتها لكثير من الطباع فالقول باستلزام عموم نفى الحرج لنفى عامة التكاليف ممنوع من هذه الجهة ايضا. اضف إلى ذلك ان ما ذكره هذا المحدث الجليل هدم لاساس هذه القاعدة رأسا، لان بطلان التكليف بما لا يطاق ظاهر لكل احد بل لا يبعد كونه من ضروريات الدين، فحصر مفادها في خصوص التكليف بما لا يطاق مساوق لسقوطها عن الحجية وهو مخالف لسيرة الفقهاء حيث يستدلون بها في كثير من ابواب الفقه لنفى التكاليف الحرجية غير البالغة حد ما لا يطاق، بل مخالف لما عرفت من استدلال الامام عليه السلام بها لكثير من المسائل وتعليمه عليه السلام لاستنباط الحكم من هذه القاعدة العامة. واما قصر العمل بها على خصوص الموارد التى عمل بها الاصحاب، مع انا نعلم أو نظن انه لم يكن عند اكثرهم أو جميعهم في هذا الباب الا هذه الايات والاخبار المأثورة عنهم عليهم السلام، فمما لا وجه له. واحتمال ان يكون قد وصل إليهم من المدارك ما لم يصل الينا، أو كان لهذه العمومات قرائن متصلة ترفع ابهامها وتوضح المراد منها، وصلت إليهم دوننا، ضعيف جدا، ومن اقوى الشواهد على بطلانه انهم يستندون في اثبات المسائل إلى نفس هذه الايات والروايات معتمدين في اثبات مقاصدهم عليها لا غير. ما ذكر في دفع هذا الاشكال وقد يذب عن الاشكال بوجوه لا تخلو عن ايرادات، نذكرها ونذكر ما فيها من

[ 189 ]

جهات الضعف، ثم نتبعها بما عندنا في حسم مادته. الاول - ما حكاه المحقق النراقى عن بعض سادة مشايخه - والظاهر انه السيد السند العلامة الطباطبائى قدس سرهما - قال: اما ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة كالحج والجهاد والزكوة بالنسبة إلى بعض الناس والدية على العاقلة ونحوها، فليس شئ منها من الحرج، فان العادة قاضية بوقوع مثلها، والناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف ومن دون عوض، كالمحارب للحمية، أو بعوض يسير. وبالجملة فما جرت العادة على الاتيان بمثله والمسامحة فيه وان كان عظيما في نفسه كبذل النفس والمال، فليس من الحرج في شئ، نعم تعذيب النفس وتحريم المباحات والمنع عن جميع المشتبهات أو نوع منها على الدوام حرج وضيق ومثله منفى في الشرع (انتهى). وهذا القول كما تراه على طرف الافراط، كما ان ما ذكره المحدث الحر العاملي على طرف التفريط، وكلاهما خارجان عن حد السواء، يوجبان سقوط القاعدة عن قابلية الاستدلال بها في الفقه رأسا اما الاول فقد عرفت حاله، واما الاخير فلان لازمه وجوب العمل بالتكاليف الواردة في الشرع من الواجبات والمحرمات وان بلغت من العسر والحرج ما بلغت من دون أي استثناء فينحصر مفاد القاعدة في خصوص تعذيب النفس و تحريم المباحات وامثالها وهو كما ترى. فانه يرد عليه جميع ما اوردناه على سابقه من مخالفته لاستدلال الائمة عليهم السلام بآية نفى الحرج في موارد عديدة ومخالفته لفهم الفقهاء واستنادهم إليها في ابواب شتى. اضف إلى ذلك مخالفته للوجدان فان مجرد ارتكاب الناس لبعض الامور الشاقة، لاجور يترقبونها أو لعلل اخرى لا يخرجها عن كونها امور أشاقه حرجية، اللهم الا ان يرجع هذا القول إلى بعض ما سنشير إليه في الوجه المختار. الثاني - ما حكاه قدس سره ايضا عن بعض فضلاء عصره وحاصله: ان الذى يقتضيه النظر بعد القطع بورود تكاليف شاقة ومضار كثيرة في الشريعة ان المراد بنفى

[ 190 ]

العسر والحرج والضرر، ما هو زائد على ما هو لازم لطبايع التكاليف الثابتة بالنسبة إلى طاقة اوساط الناس، المبرئين عن المرض والقدر الذى هو معيار التكاليف، بل هي منفية من الاصل الا ما ثبت وبقدر ما ثبت. والحاصل انا نقول: ان المراد ان الله سبحانه لا يريد بعباده العسر والحرج والضرر الا من جهة التكاليف الثابتة بحسب احوال متعارف الاوساط وهم الاغلبون، فالباقي منفى سواء لم يثبت اصله اصلا أو ثبت ولكن على نهج لا يستلزم هذه الزيادة. ثم قال: ان ذلك النفى اما من جهة تنصيص الشارع، كما في كثير من ابواب الفقه من العبادات وغيرها، كالقصر في السفر والخوف في الصلوة والافطار في الصوم ونحو ذلك، واما من جهة التعميم كجواز العمل بالاجتهاد لغير المقصر في الجزئيات كالوقت والقبلة، أو الكليات كالاحكام الشرعية (انتهى). اقول - عبارته المحكية عنه قدس سره وان كانت لا تخلوا عن اجمال وابهام الا ان الظاهر ان مراده ان الاصل الاولى في الاحكام عدم كونها حرجية ولا ضررية، وانما يخرج من هذا الاصل في موارد ثبت فيها تكليف حرجى أو ضررى اما بالعموم أو بالخصوص فيقتصر في هذه الموارد التى ثبت فيها تكاليف حرجية أو ضررية على ما ثبت وبقدر ما ثبت، واما الزائد عليها فهو منفى بهذه القاعدة. غاية الامر ان التكاليف الحرجية الثابتة بادلتها تنصرف إلى طاقة اوساط الناس المبرئين عن الامراض والاعذار، واما بالنسبة إلى غيرهم فحيث لا دليل على اثباتها فهى ايضا منفية بهذه القاعدة. واما ما ذكره في آخر كلامه فالظاهر انه ناظر إلى ان نفى الحرج والضرر قد يكونان بعمومات هذه القاعدة، واخرى بتنصيص الشارع عليه خصوصا، كما في صلوة القصر في السفر، والافطار في الصوم في السفر وللمريض والشيخ الكبير واشباههم، وثالثة بتنصيصه عليه عموما، كتجويزه العمل بالظن في الموضوعات كالوقت والقبلة لجميع آحاد الناس غير المقصر منهم، وفى الاحكام الشرعية الكلية للمجتهدين خاصة، هذا حاصل ما يستفاد من كلامه.

[ 191 ]

ولازمه اختصاص نفى الحرج والضرر بموارد لم يدل على خلافه دليل اصلا، لا عموما ولا خصوصا وفساد هذا القول ايضا ظاهر لمنافاته لما عرفت من تمسك الائمة عليهم السلام بعموم نفى الحرج لنفى كثير من الاحكام في موارد يستلزم العسر والحرج وتخصيص ادلتها به، ولسيرة كثير من الفقهاء رضوان الله عليهم، ولظاهر عمومات نفى الحرج والضرر الواردة في مقام الامتنان الابية عن مثل هذه التخصيصات الكثيرة. اضف إليه ان النسبة بينها وبين الادلة المثبتة للاحكام عموم من وجه. فلا وجه لتقديمها على عمومات نفى الحرج والضرر. واما ما احتمله المحقق النراقى (قده) من ان المستفاد من كلامه كون قاعدة نفى الحرج من باب اصل البرائة فيكون تقديم ما ثبت بادلة الاحكام من باب تقديم الادلة الاجتهادية على الاصول العملية مع انه بعيد عن مساق كلامه، ظاهر الفساد، لان الاصول العملية ناظرة إلى بيان وظيفة الشاك، وليس في ادلة نفى الحرج والضرر من الشك عين ولا اثر. الثالث - ان العسر والحرج يختلف باختلاف العوارض الخارجية فقد يكون شئ عسرا وحرجا ولكن يكون باعتبار امر خارجي سهلا ويسرا، ومن الامور الموجبة لسهولة كل عسر، وسعة كل ضيق، مقابلته بالعوض الكثير والاجر الجزيل، ولا شك ان كل ما كلف الله سبحانه به من التكاليف يقابله ما لا يحصى من الاجر، قال تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر امثالها، وعلى هذا لا يكون شئ من التكاليف عسرا وحرجا، فكل ما كلف الله به من الامور الشاقة ظاهرا فقد ارتفعت مشقتها بما وعدلها من الاجر الجميل والثواب الجزيل (انتهى). وفيه - ان لازمه ايضا سقوط ادلة نفى الحرج عن جواز الاستدلال بها رأسا لان كل ما ورد الامر به أو النهى عنه ففى امتثال امره ونهيه اجر الهى بالملازمة الثابتة من حكم العقل فلا يصح نفيه بادلة نفى الحرج، بل تكون هذه الادلة لغوا بالمرة ولا يبقى لقوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج معنى، الا ان يكون المراد نفى التكاليف المشتملة على المشقة الخالية عن الاجر والثواب ولكنه يرجع إلى توضيح امر واضح.

[ 192 ]

ويرد عليه ايضا ما اوردناه على ما تقدمه، من مخالفته للاخبار الحاكية لاستدلال المعصومين عليهم السلام بها لنفى الامور الحرجية، كما انه مخالف لهم فقهاء الاصحاب المستدلين بها في فروع كثيرة. هذا مضافا إلى عدم تماميته في نفسه لان مجرد ترتب الاجر الجميل والثواب الجزيل على شئ لا يمنع عن صدق العسر والحرج عليه، مثلا نقل الصخور العظيمة من قلل الجبال، أو تحمل منن اللئام، من الامور العسرة الحرجية وان كان في مقابلها اجور جزيلة. نعم ترتب الاجر والثواب عليها يكون داعيا على الاتيان بها ومصححا لارتكابها عند العقلاء لا انه مانع عن صدق عنوان العسر والحرج عليه. ويشهد على ذلك ظهور بعض الايات وصراحة بعض الاخبار الماضية في ثبوت تكاليف عسرة حرجية في حق الامم الماضية، مع انه لا ينبغى الشك في ترتب اجور جميلة على طاعاتهم وامتثالاتهم، فهذا دليل على انه لا منافاة بين صدق عنوان الحرج والعسر على شئ مع ترتب الاجر الجميل عليه. والحاصل ان العسر والحرج وان كان يختلف باختلاف بعض العوارض الخارجية - كغيرهما من العناوين - الا ان اختلافها بمجرد ترتب الاجر والثواب الاخروي أو الاجور الدنيوية عليهما ممنوع جدا. الرابع - ما اختاره المحقق النراقى وجعله الطريق الوحيد في حل الاشكال بحذافيره واليك نص عبارته: (انه لا حاجة إلى ارتكاب امثال هذه التأويلات والتوجيهات بل الامر في قاعدة نفى العسر والحرج كما في سائر العمومات المخصصة الواردة في الكتاب الكريم و الاخبار الواردة في الشرع القويم، فان ادلة نفى العسر والحرج تدل على انتفائهما كلية، لانهما لفظان مطلقان واقعان موقع النفى فيفيدان العموم، وقد ورد في الشرع التكليف ببعض الامور الشاقة والتكاليف الصعبة ايضا ولا يلزم منها ورود اشكال في المقام كما لا يرد بعد قوله سبحانه: (واحل لكم ما وراء ذلكم) اشكال في تحريم كثير مما ورائه، لا بعد قوله: (قل لا اجد فيما اوحى إلى محرما الخ) تحريم اشياء كثيرة،

[ 193 ]

بل يخصص بادلة تحريم غيره عموم ذلك فكذا ههنا. فان تخصيص العمومات بمخصصات كثيرة ليس بعزيز بل هو امر في ادلة الاحكام شايع وعليه استمرت طريقة الفقهاء، فغاية الامر كون ادلة نفى العسر والحرج عمومات يجب العمل بها فيما لم يظهر لها مخصص وبعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص) انتهى. ويرد عليه اولا - ان قبح تخصيص الاكثر أو التخصيص الكثير المستهجن امر ظاهر لا يجوز ارتكابه، ولا يصح الالتزام به في كلام الشارع الحكيم، كما ان لزوم مثل هذا التخصيص في المقام مما لا ينبغى الريب فيه بعد كثرة التكاليف الحرجية التى اشرنا إليها اجمالا عند تقريب اصل الاشكال، من الواجبات المالية الكثيرة، و الجهاد الاصغر والاكبر، والحج والصيام والقصاص والحدود والديات وغيرها وما استشهد به من الآيتين على ما ادعاه من جواز التخصيصات الكثيرة قابل للمنع فان الظاهر ان الحصر في قوله تعالى: (قل لا اجد فيما اوحى إلى محرما الخ) حصر اضافي في مقابل ما حرمه اهل الكتاب على انفسهم وبدعهم في باب الذبائح أو غيره فتدبر. كما ان قوله تعالى (واحل لكم ما وراء ذلكم) ايضا ظاهر في الحصر الاضافي أو محتمل له، وتمام الكلام فيه في محله. وثانيا - ان عمومات نفى الحرج واردة في مقام الامتنان على الامة المرحومة كما ان ظاهر روايات الباب أو صريحها انه من خصائص هذه الامة فكيف يجوز تخصيصها بمثل هذه المخصصات الكثيرة والحال هذه؟ وكيف يكون نفى الحرج من مختصات الامة مع اثبات احكام حرجية كثيرة فيها؟ فان ذلك جار في جميع الامم. اللهم الا ان يقال بان امتياز هذه الامة انما هو في قلة احكامها الحرجية بالنسبة إلى الماضين وان كانت في نفسها كثيرة. هذا ولكن اشكال اباء هذه العمومات الواردة في مقام الامتنان عن مثل هذه التخصيصات باق بحاله. وثالثا - ان القول بجواز تخصيص عمومات نفى الحرج بمخصصات كثيرة، يمنع عن التمسك بها رأسا لانك قد عرفت ان النسبة بينها وبين عمومات الادلة المثبتة للاحكام هي العموم من وجه كما عرفت، فلا وجه لتقديمها عليها عند التعارض الا بما ذكرنا من

[ 194 ]

ابائها عن التخصيص. المختار في حل الاشكال الخامس - وهو المختار في حسم مادة الاشكال، ان ما يدعى من التكاليف الحرجية الواردة في الشريعة على اقسام: منها - ما ليس حرجيا وان ادعى كونها كذلك، كحج بيت الله الحرام واداء الخمس والزكوة (لا سيما مع ما عرفت عند ذكر معنى (الحرج) من ان المراد منه هنا ليس مطلق المشقة والضيق، بل المشقة التى لا تتحمل عادة على ما بسطنا الكلام فيه) فان اخراج خمس ارباح المكاسب بعد وضع مؤنة السنة بجميع انحائها، وكذا اخراج خمس غيرها من المعادن والكنوز، الزكوات المقدرة في الشرع التى هي قليل من كثير ليست امورا شاقة لا تتحمل عادة لا سيما مع صرفها في مصارف يعود نفعها غالبا إلى المجتمع اجمع حتى المعطين، كصرفها في اصلاح حال الفقراء والمساكين وابناء السبيل، وعمارة الشوارع، وبناء القناطر، وحفظ ثغور الاسلام، وتقوية جيوش المسلمين، وامن السيل. فهذه في الحقيقة مثل سائر ما يصرفونها في محاويجهم الشخصية واصلاح امورهم الخاصة، مما لا يعدونه ضررا وحرجا، بل اصلاحا ونفعا. وهذا المعنى وان كان عند بعض الاذهان البادية من الاستحسانات الا انه اليوم ظاهر لكل خبير بوضع المجتمعات البشرية وما فيه نجاحها وفلاحها، ولذا ترى العقلاء من جميع الامم يسلكون هذا المسلك ويكلفون افرادها باداء واجبات مالية يصلحون بها حال الضعفاء وذوى الحاجات وساير الامور العامة التى يعود نفعها إلى مجتمعهم اجمع، ولا يعدونه ضررا ولا حرجا بل قد عرفت انها في الحقيقة من قبيل مصارفهم الشخصية. وان ابيت عن ذلك فقد عرفت ان الواجبات المالية في انفسها، ومع قطع النظر عن هذا، ليست امورا شاقة حرجية لا تتحمل عادة الذى هو الملاك في هذا الباب. اضف إلى ذلك ان اطلاق العسر والحرج على الامور المالية مطلقا لا يخلو عن اشكال - كما اشار إليه المحقق النائيني في آخر رسالته المعمولة في قاعدة لا ضرر - لظهور

[ 195 ]

عنوان الحرج في المشقة في الجوارج لا في الجوانح ومن المعلوم ان بذل الاموال ليس فيه مشقة بهذا المعنى ولو بلغ ما بلغ، اللهم الا فيما يسرى المشاق الروحية إلى البدن كمن لا ينام طول ليلته إذا بذل مالا كثيرا، على تأمل في ذلك ايضا. ومنها - ما يكون من ناحية فعل المكلف وسوء اختياره، كالقصاص والحدود وما شاكلهما، فان المكلف بسوء اختياره يقع في هذه الامور الحرجية، فلو لم يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض، أو لم يجن عليها بجناية اخرى توجب القصاص أو الحد أو لم يعتد على غيره بمال أو بعرض، لا يعتدى عليه بمثله ولا يعاقب به. ومن الواضح انصراف ادلة نفى العسر والحرج عما اقدم عليه بسوء اختياره لا سيما في هذه الموارد التى لا يكون نفيه منة على من ارتكبها الا بترك الامتنان بل الظلم الفاحش على غيره، فهذه الموارد لم تكن داخلة تحت عمومات نفى الحرج حتى يكون خروجها عنها بالتخصيص. ومنها - ما هو قابل للانكار، فمثل التوضى بالماء البارد في ليالى الشتاء أو الصيام في الايام الحارة من الصيف إذا بلغ مشقته حدا لا تتحمل عادة فلا يبعد القول بعدم وجوبه، ولكن بلوغه هذا الحد لغالب الناس في محل المنع. ومنها - ما يبقى من الموارد النادرة التى يمكن التزام تخصيص القاعدة بها إذا كان دليله اخص من ادلة نفى الحرج أو بمنزلة الاخص، كالجهاد الذى فيه من المشقة والحرج ما لا يخفى قال الله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم و قال تعالى: حاكيا عن وقعة الاحزاب، إذا جاؤكم من فوقكم ومن اسفل منكم وإذا زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر، وقد سمى في كتابه العزيز الساعات التى كانت قبل غزوة تبوك (ساعة العسرة) ففى هذا المورد وشبهه نلتزم بتخصيص عمومات لا حرج بها. لا يقال - كيف يجوز تخصيص عمومات نفى الحرج بهذه الموارد ولو كانت قليلة بالنسبة إلى ما يبقى تحتها مع اعترافك بورودها مورد الامتنان الابى عن التخصيص قلنا - عدم جواز تخصيص العمومات الواردة في مقام البيان انما هو في موارد

[ 196 ]

يكون تخصيصها منافيا للمنة. واما إذا كان موافقا لها فلا مانع منه، وما نحن فيه من هذا القبيل فان منافع الجهاد ومصالحه من ظهور المسلمين على الاعداء وحفظ ثغورهم وبقاء عزهم وجعل كلمة الله هي العليا وتفريق احزاب الكفر وجعل كلمتهم هي السفلى، لما كانت ظاهرة واضحة لكل احد صار هذا قرينة عرفية على جواز التخصيص ولم يناف ورود العام مورد الامتنان، بل كان ترك تشريع هذا الحكم الظاهر مصلحته منافيا له، وكل ما كان من هذا القبيل جاز تخصيص عمومها به من دون أي محذور. والحاصل ان حال العمومات الواردة في مقام البيان ليست حال سائر العمومات التى يجوز تخصيصها بكل مخصص، كما انه ليس حالها حال بعض العمومات المعللة بعلل عقلية عامة لا يجوز تخصيصها ابدا بأى مخصص كان، بل حكمها في جواز التخصيص وعدمه جوازه بما لا ينافى الامتنان وعدم جوازه فيما ينافيه. التنبيه الثاني هل العبرة بالحرج الشخصي أو النوعى؟ هذا البحث نظير ما اسلفناه في قاعدة (لا ضرر) والكلام فيه من جهات كثيرة كالكلام فيه وان كان بينهما اختلاف من بعض الجهات نشير إليها. وحاصل القول ان العبرة في ارتفاع الحكم بلزوم العسر والحرج هل هو بالحرج الشخصي بان يكون لزوم الحرج في مورد رافعا للتكليف في خصوص ذاك المورد، أو النوعى بحيث كان لزومه على نوع المكلفين رافعا للتكليف عن عامتهم؟. والحق هو الاول. لظهور جميع العناوين الواردة في لسان الادلة في مصاديقها الشخصية فعنوان الضرر انما يصدق في خصوص موارده واشخاصه وكذلك الحرج و غيرهما من العناوين الواردة في الادلة، وارادة الحرج أو الضرر النوعى تحتاج إلى قرينة مفقودة في المقام. نعم يظهر من احاديث الباب استدلال الامام عليه السلام في موارد مختلفة بعموم قوله

[ 197 ]

تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) لنفى الحكم عن جميع الافراد مع عدم كونه حرجيا الا في حق غالبهم، مثل رواية ابى بصير الدالة على عدم انفعال الماء الكر. مستندا إلى عموم هذه الاية، مع ان من المعلوم عدم لزوم العسر والحرج من عدم هذا الحكم على جميع المكلفين وكذلك غيره. وهذه الرواية وامثالها هي غاية ما يمكن ان يستشهد به للوجه الثاني. ولكن يمكن ان يجاب عنه بما ذكرناه عند ذكر روايات الباب من ان استنادهم عليهم السلام بهذه الفقرة من الاية الشريفة على وجهين: تارة يكون بعنوان العلة للحكم ويكون ضابطة كلية يعطى بيد المكلفين ويدور الحكم معه حيثما دار، كما في رواية عبد الاعلى مولى آل سام فيمن عثر وانقطع ظفره الخ ولا اشكال في ان الحرج في امثال هذه الموارد اخذ شخصيا. واخرى بعنوان حكمة الحكم اعني ما كان داعيا وباعثا على تشريعه وان كان هناك بواعث اخر غيرها فيكون كالمعدات أو العلل الناقصة ومن الواضح ان الحكم في هذه الموارد لا يدور مدار العلة، بل قد يتجاوز عنها إلى غيرها، وقد لا يشمل جميع مواردها، ولذا لا يجوز الاستناد إلى ما ورد في ادلة الاحكام من علل التشريع ولا يعامل معها معاملة المنصوص العلة، فلا يكون جامعا ولا مانعا. وما يتوهم ان الحرج قد اخذ فيه نوعيا في الحقيقة من قبيل القسم الاخير اعني ما يكون حكمة للحكم فالحرج فيه ايضا شخصي ولكن دائرة التعليل لا تنطبق على دائرة الحكم لا ان الحرج فيه نوعي فتدبر. والحاصل ان استدلالهم عليهم السلام في بعض الموارد التى يكون الحرج فيها نوعيا بآية نفى الحرج لا يكون دليلا على الوجه الثاني، ولا يجوز التعدي منه إلى غيره من الموارد التى يكون الحرج فيها نوعيا، بل يجب الاقتصار على خصوص مورده، لان سياقه سياق بيان حكمة التشريع لا علة الحكم. كما انا نعلم خارجا ان الحكمة في تشريع كثير من الاحكام هي التوسعة ورفع الحرج عن المكلفين (ولو لم يستند فيها إلى آية نفى الحرج وغيرها من اشباهها) كالقصر

[ 198 ]

في الصلوة والصيام، ورفع الصوم عن المرضى والشيوخ، والعدول من الوضوء والغسل إلى التيمم في كثير من الموارد، وكثير من احكام مستثنيات ابواب النجاسات. و لا يكون هذا دليلا على اخذ الحرج نوعيا في قاعدة نفى الحرج. هذا كله مضافا إلى عدم انضباط الحرج النوعى، فهل الملاك فيه هو نوع المكلفين في جيمع الازمنة والامكنة، أو اهل عصر واحد، أو اهل مكان واحد، أو صنف خاص منهم أو غير ذلك من الاحتمالات فتأمل، فتحصل من جميع ذلك ان المعيار في هذا الباب هو الحرج الشخصي لا غير. التنبيه الثالث حكم تعارض دليل نفى الحرج ونفى الضرر إذا تعارض الضرر والحرج في مورد - كما إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لاضرار جاره وترك تصرفه فيه حرجا عليه لان منع المالك عن تصرفه في ملكه كيف يشاء امر حرجى - فهل يقدم قاعدة نفى الحرج أو يؤخذ بقاعدة نفى الضرر أو يتساقطان و يرجع إلى ادلة اخر؟. قال شيخنا الاعظم قدس سره الشريف في بحث قاعدة (لا ضرر) من (الفرائد): (إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره وتركه موجبا لتضرر نفسه، فانه يرجع إلى (عموم الناس مسلطون على اموالهم)، ولو عد مطلق هجره عن التصرف في ملكه ضررا لم يعتبر في ترجيح المالك ضررا زائدا على ترك التصرف، فيرجع إلى عموم التسلط، ويمكن الرجوع إلى (قاعدة نفى الحرج) لان منع المالك لدفع ضرر الغير حرج وضيق عليه، اما لحكومته ابتداءا على نفى الضرر، واما لتعارضهما والرجوع إلى الاصل) انتهى. وقال المحقق النائيني (قده) في آخر رسالته المعمولة في قاعدة لا ضرر ما حاصله: (ان حكومة لا حرج على لا ضرر - كما احتمله الشيخ الاعظم - تتوقف على امرين:

[ 199 ]

الاول - كون لا حرج مثبتا للحكم ايضا أي كما انه حاكم على الاحكام الوجودية يكون حاكما على الاحكام العدمية ايضا، والا لا يعقل تعارضه مع لا ضرر واجتماعه معه في مورد واحد حتى يكون حاكما عليه. وان شئت قلت: ان هذا الشرط يرجع إلى منع الصغرى وحاصله عدم امكان تعارض لا ضرر مع لا حرج. الثاني - ان يكون لا حرج ناظرا إلى لا ضرر، ومعنى النظر ان يكون الحكم في طرف المحكوم مفروض التحقق حتى يكون الحاكم ناظرا إلى الحكم الثابت في المحكوم واما لو كان كل منهما في عرض الاخر ولا اولوية لفرض تحقق احدهما قبل الاخر فلا معنى للحكومة وبالجملة لا وجه لجعل لا حرج حاكما على لا ضرر فلا يمكن علاج التعارض بالحكومة. كما انه لا يمكن علاجه بتقديم لا ضرر على لا حرج مطلقا من باب ان مورد الضرر اقل من الحرج - لان كل ضررى حرجى ولا عكس - فان فيه اولا ان اقلية المورد انما توجب الترجيح إذا كان المتعارضان متضادين دائما لا مثل المقام الذى يتوافقان غالبا وثانيا - ان الحرج هو المشقة في الجوارح لا في الروح، فقد يكون الشيئ ضرريا كالنقص في المال ولا يكون حرجيا، فقولك كل ضررى حرجى ولا عكس غير صحيح (انتهى). اقول - ولقد اجاد فيما افاد بقوله ثانيا من ان ملاك الحكومة - وهو نظر احد الدليلين إلى الاخر والتصرف فيه باحد انحائه التى مضى شرحها - مفقود في المقام توضيحه: ان ادلة نفى الضرر ونفى الحرج متساوي الاقدام بالنسبة إلى موضوعاتهما وقد عرفت مما ذكرنا هنا وهناك (في قاعدة لا ضرر) ان لسانهما واحد فلا وجه لحكومة احداهما على الاخرى، بل قد عرفت انه لا حكومة لهما على الادلة المثبتة للاحكام رأسا وانما يقدمان على غيرهما لورودهما مورد الامتنان ولجهات أخر مضى شرحها فلا معنى لتقدم احداهما على غيرها وحكومتها عليها بل هما متعارضان متكافئان والنسبة بينهما عموم من وجه. واما القول بان النسبة بينهما عموم مطلق - لان كل امر ضررى حرجى ولا عكس -

[ 200 ]

كما حكاه المحقق المذكور، ساقط جدا لا لما ذكره فقط، بلى لان تصادق مورد الضرر والحرج لو ثبت فانما هو في مورد الاضرار على النفس لا في مورد الاضرار بالغير فمثل دخول (سمرة بن جندب) على الانصاري بلا اذن منه كان ضررا عليه مرفوعا بحكم قاعدة نفى الضرر، ولكن لم يكن هذا فعلا حرجيا لا لسمرة ولا للانصاري، اما الاول فواضح واما الثاني فلانه لم يكن دخول سمرة فعلا للانصاري، نعم دخوله بلا اذن كان ضيقا على الانصاري، ولكن من الواضح ان قاعدة لا حرج لا ينفى كل ضيق حاصل من أي ناحية بل الضيق والحرج المرفوع بها هو ما حصل من ناحية التكاليف الواردة في الشرع، فقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) أي ما جعل عليكم تكليفا يلزم منه الحرج والضيق، بقرينة قوله (عليكم) وان شئت قلت: عمومات نفى الحرج انما تنفى الحرج الحاصل من ناحية التكاليف الشرعية على نفى المكلفين بها، واما الحرج والضيق الحاصل من افعالهم على غيرهم فلا دلالة لها عليه، وانما المتكفل له قاعدة لا ضرر. ولا فرق في ذلك بين شمول قاعدة نفى الحرج للعدميات ايضا وبين اختصاصها بالوجوديات فقط واذ قد ثبت ان النسبة بينهما عموم من وجه فالحكم في موارد تعارضها هو تساقطهما في مورد الاجتماع والرجوع إلى غيرهما، الا ان يكون هناك مرجحات خاصة في بعض الموارد، كاهتمام الشارع ببعض المواضيع مثل حقوق الناس واشباهها فيعمل بها. واما ما ذكره قدس سره بقوله (اولا) وحاصله توقف حكومة ادلة لا حرج على ادلة نفى الضرر على شموله للعدميات، ففيه ان موارد التعارض لا تنحصر بمورد السؤال مما يكون الطرفان من قبيل النقيضين احدهما وجودي والاخر عدمي، بل قد يكون من قبيل الضدين وذلك كما إذا كان القيام في مكان موجبا للضرر على غيره والقيام في غير ذاك المكان حرجا عليه نفسه ودار امره بينهما، فالتعارض في هذا المثال واشباهه ثابت من دون توقف على شمول لا حرج للعدميات، نعم خصوص المثال الذى ذكره الشيخ الاعظم قده في كلامه يكون من قبيل المتناقضين، ولكن ما ادعاه المحقق النائيني ظاهر في انحصار مورد تعارضهما بالمتناقضين كما يظهر لمن تدبر في كلامه.

[ 201 ]

التنبيه الرابع هل القاعدة تشمل العدميات ام لا؟ الحق انه لا فرق في شمول ادلة نفى الحرج بين الاحكام الوجودية والعدمية، كما مر نظيره في (قاعدة نفى الضرر). ولكن بمعنى انه لو لزم من ترك بعض الافعال ضيق وحرج على المكلف - كترك شرب مايع نجس احيانا - فانه يجوز شربه ويرتفع حرمته بمقتضى قاعدة نفى الحرج، ومجرد كون موضوعه وهو ترك الشرب امرا عدميا لا اثر له اصلا، بعد كون الدليل الدال على نفى الحرج شاملا لجميع الموارد مثل قوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وقوله عليه السلام (ان الدين ليس بمضيق) وقوله (الدين اوسع من ذلك) فان مفادها جميعا نفى الاحكام الحرجية سواء تعلقت بموضوعات وجودية أو عدمية. هذا بناءا على المختار من ان الحرج والعسر من صفات فعل المكلف لا من صفات الاحكام، وبناءا عليه يلاحظ العدمي والوجودي في ناحية متعلق الحكم وهو فعل المكلف لا في ناحية الحكم نفسه واما بناء على كونه من اوصاف الحكم فظاهر ادلة نفى الحرج - اعني نفى الاحكام الحرجية بناء على هذا القول - وان كان خصوص الاحكام الوجودية، لان عدم الحكم ليس حكما ولا يصدق عليه انه مما جعله الشارع فلا يدخل في قوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج، الا انك قد عرفت سابقا في بحث قاعدة لا ضرر، ان العرف يحكم حكما قطعيا بالغاء هذه الخصوصية: فلا يرى أي فرق بين لزوم الحرج من جعل الوضوء على المكلف أو من ترك جعل تسلط الناس على اموالهم، ولا يرى وجها للامتنان بترك جعل الاول دون الثاني وقد مر هناك بعض ما ينفعك في المقام فراجع. التنبيه الخامس نفى الحرج هل هو رخصة أو عزيمة؟ إذا تحمل الحرج واتى بالعمل الذى فيه ضيق وشدة منفية - كالوضوء والغسل

[ 202 ]

الحرجيين - فهل يجزى عنه لكون المرفوع وجوبه لا اصل مشروعيته، أو لا يجزى لكونه باطلا لعدم الامر به رأسا فيكون تشريعا محرما؟ وهذه المسألة كاصل القاعدة غير معنونة في كلمات القوم مستقلا حتى ان المحقق النراقى الذى انفرد بذكر هذه القاعدة في عوائده لم يتعرض لها ولا لغير واحد من التنبيهات التى ذكرناها، الا ان الذى يظهر من غير واحد من اعاظم المتأخرين في الفروع الفقهية المتفرعة على هذه القاعدة كونها من باب الرخصة لا العزيمة، فلنذكر بعض ما وصل الينا من كلماتهم ثم نتبعها بما هو المختار. قال الفقيه المتتبع الماهر صاحب الجواهر قدس سره الشريف في ذيل مسألة سقوط الصيام عن الشيخ والشيخة وذى العطاش ما نص عبارته: (ثم لا يخفى عليك ان الحكم في المقام ونظائره من العزائم لا الرخص ضرورة كون المدرك فيه نفى الحرج ونحوه مما يقضى برفع التكليف - إلى ان قال: (مع عدم ظهور خلاف فيه من احد من اصحابنا عدا ما عساه يظهر من المحدث البحراني فجعل المرتفع التعين خاصة تمسكا بظاهر قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه طعام إلى قوله: وان تصوموا خير لكم) انتهى. وظاهر كلامه ان دلالة عمومات نفى الحرج على ارتفاع التكليف كلية وكونه من باب العزيمة امر مفروغ عنه، حتى ان ذهاب المحدث البحراني إلى الرخصة في هذا المورد الخاص انما هو لقيام دليل خاص عليه وهو قوله تعالى: وان تصوموا خير لكم. وقال المحقق الهمداني في مصباحه في بعض التنبيهات التى ذكرها في مسوغات التيمم ما حاصله: ان التيمم في الموارد التى ثبت جوازه بدليل نفى الحرج رخصة لا عزيمة، فلو تحمل المشقة الشديدة الرافعة للتكليف واتى بالطهارة المائية صحت طهارته، كما تقدمت الاشارة إليه في حكم الاغتسال لدى البرد الشديد، فان ادلة نفى الحرج لاجل ورودها في مقام الامتنان وبيان توسعة الدين لا تصلح دليلا الا لنفى الوجوب لا لرفع الجواز. ثم اورد على نفسه بقوله: فان قلت: إذا انتفى وجوب الطهارة في موارد الحرج

[ 203 ]

فلا يبقى جوازها حتى تصح عبادة، فان الجنس يذهب بذهاب فصله وبعبارة اخرى ادلة نفى الحرج حاكمة على العمومات المثبتة للتكاليف فتخصصها بغير موارد الحرج فاتيانها في تلك الموارد بقصد الامتثال تشريع محرم. ثم اجاب عنه بانه إذا كان منشأ التخصيص كون التكليف بالوضوء والغسل حرجيا من دون ان يترتب عليهما عدا المشقة الرافعة للتكليف مفسدة اخرى لا يجوز الاقدام عليها شرعا كالضرر ونحوه، فهو لا يقتضى الا رفع مطلوبية الفعل على سبيل الالزام لا رفع ما يقتضى الطلب ومحبوبية الفعل، وكيف كان فلا يفهم من ادلة نفى الحرج عرفا وعقلاا الا ما عرفت (انتهى) (1). وقال السيد السند المحقق الطباطبائى اليزدى في (العروة) في المسألة 18 من مسوغات التيمم: إذا تحمل الضرر وتوضأ واغتسل فان كان الضرر في المقدمات من تحصيل الماء ونحوه وجب الوضوء والغسل وصح وان كان في استعمال الماء في احدهما بطل، واما إذا لم يكن استعمال الماء مضرا بل كان موجبا للحرج والمشقة كتحمل الم البرد أو الشين مثلا فلا يبعد الصحة، وان كان يجوز معه التيمم، لان نفى الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، ولكن الاحوط ترك الاستعمال وعدم الاكتفاء به على فرضه فيتمم ايضا) انتهى. واستشكل عليه كثير من المحشين وصرحوا بوجوب التيمم أو بعدم ترك الاحتياط به اقول - قد ظهر لك مما ذكرنا سابقا ان ادلة نفى الحرج وان لم تكن حاكمة على عمومات الاحكام الا انها مقدمة عليها لقوة دلالتها بالنسبة إليها فيخصص العمومات المثبتة للاحكام بها، ومن الواضح انه لا دلالة لتلك العمومات عرفا على اثبات امرين: الالزام والمطلوبية، حتى يرتفع احدهما ويبقى الاخر، بل المستفاد منها حكم واحد اثباتا ونفيا، فاما ان يخصص فينتفى من اصله، واما ان يبقى بحاله، ولا دخل له بمسألة عدم جواز بقاء الجنس من دون فصله، فان ذلك مسألة عقلية والكلام هنا في دلالة لفظية بحسب متفاهم العرف. فالذي يقتضيه القاعدة الاولية هو نفى المشروعية رأسا


1 - كتاب الطهارة من المصباح ص 463

[ 204 ]

في موارد الحرج أو الضرر أو غيرهما مما يستلزم تخصيصا في ادلة الاحكام. وورودها في مقام الامتنان وان كان معلوما لا ريب فيه الا انه لا يقتضى ما ذكره من نفى خصوص الالزام، لما حققناة في بعض ابحاث قاعدة لا ضرر من ان الامتنان يجوز ان يكون في اصل الحكم فلا يجب وجود ملاكه في جزئيات موارده. مثلا رفع اثر الاكراه بحديث الرفع يوجب بطلان البيع الحاصل عن اكراه وان كان في هذا البيع منافع كثيرة للمكره في بعض موارد الاكراه، كما إذا كان الثمن اكثر من ثمن المثل باضعاف وكان لا يعلمه البايع المكره، فانه لا اشكال في ان حديث الرفع من اظهر مصاديق ما ورد مورد الامتنان ولكن الامتنان في رفع آثار الاكراه انما يكون بنحو كلى عام، لا في كل واحد واحد من مصاديقه وجزئياته. فلو انكشف بعد بيع المكره انه كان مشتملا على منافع كثيرة له لم يكشف ذلك عن صحة البيع المذكور من حيث ان رفع اثر هذا الاكراه مخالف للامتنان لما في مورده من المنافع الهامة، بل يتوقف على الاجازة اللاحقة بلا اشكال. فالمعيار هو كون الحكم الكلى، وهو رفع اثر الاكراه على نحو عام وبعنوان ضرب قانون كلى، امتنانا على المكلف وان كان بملاحظة بعض مصاديقه النادرة مخالفا له. وهكذا الكلام في باقى التسعة وكذا الحال في حجية كثير من الامارات الشرعية كسوق المسلمين وايديهم وغيرهما مما يستفاد من ادلتها أو من قرائن خارجية ان حجيتها انما هو من باب التوسعة على المكلفين وان الله قد من عليهم بذلك، فان ذلك لا ينافى ثبوت بعض التكاليف من ناحيتها عليهم احيانا بحيث لولاها لم يكن طريقا إلى اثباتها، والحاصل ان الامتنان بهذه الامور انما هو باعتبار مجموع الوقايع التى تشملها. فورود عمومات نفى الحرج مورد الامتنان لا يصلح قرينة على صرفها عن ظاهرها من نفى الاحكام الحرجية رأسا، وجوبا كان أو تحريما أو غيرهما، فلا وجه للقول بنفى خصوص الالزام في بعض مواردها مع بقاء اصل المحبوبية. واما ما افاده في جواب المستشكل فهو بمنزلة قرينة اخرى لصرف عمومات لا حرج عن نفى الجواز في موارد الاحكام الوجوبية الحرجية وانحصار مفادها في نفى

[ 205 ]

الوجوب وحاصله ببيان منا: انا نعلم خارجا ان الوضوء والغسل الحرجيين واشباههما لا يترتب عليها أي مفسدة موجبة لنقصان ملاك المحبوبية فيها، الا ان ايجابها لما كان موجبا للضيق والحرج على المكلفين رفعه الشارع منة عليهم مع وجود ملاكه فيها، فعدم وجوبها ليس من ناحية عدم المقتضى بل من جهة ابتلائه بالمانع وهو ما اراده الشارع المقدس من الامتنان على هذه الامة، ومن المعلوم ان هذا مانع عن الامر الالزامي دون غيره فوجود ملاك المطلوبية فيها مع عدم المانع عن الامر غير الالزامي بها يكشف عن تعلق امر بها كذلك، بل يكفى في صحتها وصحة قصد القربة بها مجرد وجود ملاك المحبوبية فيها ولو لم يكشف عن تعلق امر بها. ولكن يرد عليه ان دعوى العلم بعدم المفسدة فيها دعوى بلا بينة ولا برهان لاحتمال وجود بعض المفاسد فيها بعد كونها حرجية، ولا اقل من ان التكليف إذا كان حرجيا وثقيلا على المكلفين اوجب كثرة المخالفة والعصيان وهى مفسدة عظيمة ولهذا ذهب بعضهم إلى ان نفى الحرج لازم على الواجب الحكيم من باب وجوب اللطف فتأمل. اضف إلى ذلك ان تحمل الحرج وتكلف الفعل الحرجى، بعد ما من الله تعالى على عباده بنفيه، رفض لما تصدق وما من به عليهم ويمكن ان يكون في هذا مفسدة، كما ورد في باب عدم صحة التمام في مواطن القصر من التعليل بانه رد لتصدق الله على الامة مثل ما رواه ابن ابى عمير عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله عزوجل تصدق على مرضى امتى ومسافريها بالتقصير والافطار ايسر احدكم إذا تصدق بصدقة ان ترد عليه؟ وفى معناه رواية اخرى رواها الصدوق في الخصال عن السكوني (1) والغرض من ذلك كله ابداء احتمال وجود مفسدة في تحمل الحرج والاتيان بالتكاليف الحرجية، ومعه لا يصح دعوى القطع بعدم وجود مفسدة فيها وبقاء ملاك


1 - رواهما في الوسائل في الباب 22 من ابواب صلوة القصر من المجلد الاول

[ 206 ]

المحبوبية على حالها، ومن المعلوم ان مجرد الاحتمال كاف في المقام. واما مسألة جواز التيمم في الموارد التى ثبت بدليل نفى الحرج ففيها اشكال آخر مضافا إلى ما ذكرنا في الجميع، وهو ان المستفاد من ادلة تشريع التيمم والمركوز في اذهان المتشرعة كون التيمم بدلا طوليا عن الوضوء والغسل، لا عرضيا، فلا يجتمعان في مورد. ومن المعلوم ان القول بالرخصة يستلزم كونهما في عرض واحد في الموارد التى ثبت جواز التيمم فيها بادلة نفى الحرج، فيجوز في حال واحد التيمم والغسل أو هو والوضوء والالتزام به مشكل جدا فتحصل من جميع ما ذكرنا ان الاقوى بحسب ما يستفاد من ظاهر ادلة نفى الحرج كونه من باب العزيمة لا الرخصة، كما فهمه الشيخ الاجل صاحب الجواهر وجعله امرا مفروغا عنه، فح لا يجوز تحمل الحرج والاتيان بالفعل الحرجى، ولو فعله لا يجتزى به. التنبيه السادس لا يخفى ان العسر والحرج يختلف باختلاف الاشخاص، والحالات، والامكنة، والازمنة، والظروف المختلفة ووجود الاسباب وعدمها إلى غير ذلك فرب شئ يكون حرجيا بالنسبة إلى شخص دون آخر، كالضعيف دون القوى، ورب شئ يختلف باختلاف حالات شخص واحد من القوة والضعف والصحة والمرض، ورب شئ يكون عسرا وحرجيا في مكان دون آخر كتحصيل الماء في الصحارى القفار دون الشاطئ، أو في زمان دون آخر كالحج بالنسبة إلى بعض الناس في الازمنة السابقة دون زماننا هذا، إلى غير ذلك. وحيث قد عرفت في التنبيه الثاني من هذه التنبيهات ان المعيار في هذا الباب هو الحرج الشخصي لا النوعى فاللازم ملاحظة جميع هذه الامور في الحكم بنفى التكليف، و اما لو قلنا بان العبرة بالحرج النوعى فهل العبرة بنوع المكلفين في جميع الازمنة و

[ 207 ]

الامكنة على اختلافهم في الصنوف والحالات والظروف، أو ان العبرة بصنف منهم؟ وما الدليل على تعيين صنف خاص وما المعيار في سعة دائرة هذا الصنف؟ وقد عرفت سابقا ان عدم وجود الضابطة لتشخيص ذلك احد الموهنات لهذا القول. هذا آخر ما اردنا تحريره في هذه القاعدة المهمة المغفول ذكرها في كلمات الاصحاب، مع استنادهم إليها في مختلف ابواب الفقه وتفريع فروع كثيرة عليها، وقد بقى خبايا في زوايا يعثر عليها الخبير. وقد وقع الفراغ منه يوم الاحد التاسع عشر من شهر شوال من سنة 1382 وها نحن في فتنة عظيمة وحرج شديد من تحامل الحكومة على رجال العلم والدين الذابين عن حوزة الاسلام ولا سيما من تحاملهم على رواد العلم وطلابه بجامعة العلمية الدينية بقم المشرفة، وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد. اللهم اكشف عنها هذا البلاء، وادفع عنا الاعداء، اللهم اجعلنا من بعد العسر يسرا، ولا تحمل علينا اصرا، وصل على نبيك وآله الهادين

[ 209 ]

4 - قاعدة الفراغ والتجاوز

[ 211 ]

من القواعد الهامة التى اشتهرت في السنة المتأخرين اشتهارا تاما حتى صارت كالمسلمات، الدائرة بينهم هي قاعدة (التجاوز والفراغ) وان اختلفوا في انها هل ترجع إلى قاعدتين: (التجاوز) و (الفراغ) أو هي قاعدة واحدة يعبر عنها باسم تارة وبآخر اخرى، حسب اختلاف المقامات؟ كما يأتي البحث عنه بما يستحقه، وهى المدرك الوحيد لكثير من الفروع الفقهية في ابوابها، ولذا وضع غير واحد من المحققين رسالات خاصة لها ومع ذلك لم يؤد حقها من البحث، وقد بذلنا غاية المجهود في كشف الستر عن وجه هذه القاعدة ومداركها وما يتفرع عليها من الفروع، وغيرها مما يتعلق بها وسنبين انها لا تختص بباب معين من ابواب الفقه. والكلام فيها يقع في مقامات: 1 - البحث عن مدرك القاعدة 2 - في انها قاعدة واحدة لا قاعدتان 3 - في انها من الامارات أو من الاصول العملية 4 - في اعتبار الدخول في الغير فيها وعدمه 5 - في ان المراد من (الغير) ماذا؟ 6 - في ان المحل الذى يعتبر التجاوز عنه شرعى أو عقلي أو عادى؟

[ 212 ]

7 - في عموم القاعدة لجميع ابواب الفقه وعدم اختصاصها بباب دون باب 8 - في عمومها لاجزاء اجزاء العبادة وغيرها. 9 - في جريانها عند الشك في صحة العمل 10 - في جريانه‍ في (الشرائط) 11 - في انه لماذا لا تجرى القاعدة في اجزاء الطهارات الثلث. 12 - في عدم جريان القاعدة عند الغفلة عن كيفية العمل. 13 - في عدم جريانها في الشبهات الحكمية. 14 - في اختصاصها بالشك الحاصل بعد العمل، لا الشك الموجود من قبل، واذ قد عرفت ذلك نرجع إلى تفصيل هذه الابحاث وتوضيح هذه القاعدة من شتى الجهات فنقول ومن الله جل شأنه نستمد التوفيق والهداية. 1 - البحث عن مدرك القاعدة الذى يجب البحث والتنقيب عنه قبل كل شئ ان قاعدة الفراغ والتجاوز وان كانت ثابتة في النصوص الواردة من ائمة اهل البيت (عليهم السلام) كلنها لم تكن معروفة عند قدماء الاصحاب، كمعروفيتها عند المتأخرين، وان استند إليها بعضهم احيانا في بعض ابواب الطهارة أو الصلوة، بعنوان حكم جزئي لا قاعدة كلية سارية في ابواب كثيرة من الفقه أو كلها. ولا غرو في ذلك فان لها نظائر من القواعد الفقهية وادلة الاحكام، فهل كان الاستصحاب المتكى على اخبارها اليوم معروفة عند الاوائل؟ مع ان اول من استدل بها هو والد شيخنا البهائي على ما حكى عنه، إلى غير ذلك من اشباهه. ولكن من الواضح ان غفلتهم عنها، أو عدم استنادهم إليها في كثير من كتبهم، لا تؤثر في اعتبار القاعدة بعد تمامية دلالة الاخبار عليها كما هو ظاهر، فان ذلك لا يسقطها من الاعتبار من جهة اعراض الاصحاب عنها، لعدم ثبوت الاعراض في امثالها بعد ما كانت

[ 213 ]

استفادتها من الاخبار تحتاج إلى دقة خاصة في الاخبار لا تحصل الاعتلا؟ حق الافكار بعد برهة طويلة من الزمان. مضافا إلى ان عدم تعرضهم لها بهذه الصورة المعمولة في هذه الاعصار، لا يدل على عدم اعتبارها عندهم فانه لم يكن من دأبهم ايداع جميع القواعد والاصول التى يستند إليها في استنباط الاحكام في كتبهم بصورة خاصة مشروحة. وكيف كان يمكن الاستدلال على هذه القاعدة بامور. 1 - الاخبار العامة والخاصة اولها وهى العمدة، الاخبار المستفيضة الواردة في ابواب مختلفة: بعضها مختصة بالطهارة أو الصلوة، وبعضها عامة لا تقييد فيها بشئ وقسم ثالث منها وان كان واردا في مورد خاص و لكنه مشتمل على كبرى كلية يستفاد منها قاعدة كلية شاملة لسائر الابواب. فلابد لنا اولا ايراد جميع ما ظفرنا به من الروايات ثم البحث عن مقدار دلالتها وما يحصل لنا من ضمن بعضها ببعض والجمع بينها وهى روايات: 1 - ما رواه زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام رجل شك في الاذان والاقامة وقد كبر؟ قال يمضى قلت: رجل شك في التكبير وقد قرء؟ قال يمضى، قلت: شك في القرائة وقد ركع؟ قال: يمضى قلت شك في الركوع وقد سجد؟ قال: يمضى على صلوته ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ (رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب الخلل الواقع في الصلوة الحديث الاول -) وهذه الرواية بحسب ظاهرها شاملة للطهارة والصلوة وغيرهما من العبادات بل تشمل جميع المركبات التى لها اثر شرعى في ابواب العبادات والمعاملات وغيرهما - كما سيأتي الكلام فيه

[ 214 ]

مستوفى انشاء الله - لعموم لفظ (شى) لها. ولكن ظاهرها بقرينة قوله (خرجت من...) اختصاصه بالشك في صحته بعد الفراغ عن اصل وجوده فان الخروج عن الشئ - بحسب الظهور الاولى - هو الخروج عن نفسه لا عن محله. كما ان ظاهره، بادى الامر، هو اعتبار الدخول في الغير، الا ان يكون جاريا مجرى الغالب لان الانسان لا يخلو عن فعل ما غالبا، فكلما خرج من شئ دخل في غيره عادتا فيكون قوله (ودخلت في غيره) من باب التأكيد للخروج من الفعل الاول، فليكن هذا على ذكر منك وسياتى توضيحه في الامر الرابع انشاء الله. 2 - ما رواه اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وان شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شئ شك فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه. (رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب الركوع من كتاب التهذيب وهو الحديث الرابع من ذاك الباب). وصدرها وان كان مختصا بباب اجزاء الصلوة الا ان ذيلها قضية عامة كالرواية الاولى وظهورها بادى الامر في اعتبار الدخول في الغير مثلها. 3 - ما رواه محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) انه قال: كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب الخلل) (1) وهى ايضا ظاهرة في عدم اعتبار الدخول في الغير الا ان يقال بان اطلاقها منصرفة إلى ما هو الغالب من تلازم مضى الشئ للدخول في الآخر، على عكس ما قلناه في الرواية الاولى، ولكنها من حيث اختصاصها بالشك في الصحة دون اصل الوجود كالاولى وان كان القول بالتعميم هنا اقرب لان اطلاق مضى الشئ على مضى وقته أو محله كثير، يقال مضت الصلوة أي فات وقته ومحله وسياتى


1 - وسائل الشيعة المجلد 5 الصفحة 336

[ 215 ]

البحث عنه مستوفى. 4 - ما رواه ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (ع) إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ انما الشك إذا كنت في شى لم تجزه (رواه في الوسائل في الباب 42 من ابواب الوضوء من كتاب الطهارة). والضمير في قوله (غيره) يحتمل رجوعه إلى (شئ من الوضوء) وهو الذى يسبق إلى الذهن بادى الامر ولكنه مخالف لما يأتي من عدم جريان القاعدة في اجزاء الطهارات الثلث، ويحتمل رجوعه إلى (الوضوء) فينطبق على ما هو المشهور المعروف، المدعى عليه الاجماع، ولكن هذا الاحتمال لا يخلو عن مخالفة للظاهر كما عرفت. وهل هي عامة للشك في الصحة والوجود معا أو مختصة باحدهما؟ ظاهر صدرها التعميم فان الشك في شئ من الوضوء اعم من الشك في اصل وجوده أو صحته ولا تابى ذيلها عن الحمل عليه ايضا. وهل الرواية تعم جميع ابواب الفقه أو تختص بباب الوضوء؟ ظاهر قوله انما الشك الخ العموم، ولكن تخصيصها بباب الوضوء ليس ببعيد فان قوله (انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) يحتمل ان يكون ناظرا إلى قوله (شئ من الوضوء) فالمعنى (ح) ان الشك انما يعتبر (إذا كنت في شئ من الوضوء لم تجزه) ولكن هذا الاحتمال لا يخلو عن مخالفة للظاهر لا سيما بملاحظة كون التعليل كقاعدة ارتكازية عقلائية كما سيأتي انشاء الله. وهل يستفاد منه اعتبار الدخول في الغير اولا؟ ظاهر صدرها - كما افاده العلامة الانصاري - هو الاعتبار، بينما يكون ذيلها ظاهرة في خلافه. هذا ولو لم يحمل اطلاق الذيل على ما هو الغالب من الدخول في الغير بعد الفراغ عن الشئ، لم يبعد ترجيحه على الصدر بناء على ان ظهور التعليل يكون اقوى. 5 - (ما رواه بكير بن اعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟ قال هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك. (رواه في الوسائل في الباب 42 من ابواب الوضوء).

[ 216 ]

وهى وان كان واردة في خصوص الشك في الوضوء الا ان قوله (هو حين يتوضأ الخ) من قبيل ذكر العلة في مقام بيان المعلول، فذكر قوله (هو حين يتوضأ الخ) بدل قوله (لا يعيد الوضوء). وحيث ان التعليل بامر عقلي شامل لغير مورد السؤال، يجوز عد الرواية في سلسلة الروايات العامة الدالة على القاعدة. اللهم الا ان يقال انه ليس من قبيل العلة للحكم، بل من سنخ الحكمة له، ذكر استيناسا للحكم، لا يجوز التعدي عنه إلى ساير الموارد، ومثله كثير في مختلف ابواب الفقه فتأمل. 6 - ما رواه محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: إذا شك الرجل بعد ما صلى فلم يدرا ثلثا صلى ام اربعا وكان يقينه حين انصرف انه كان قد اتم، لم يعد الصلوة وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك (رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب الخلل في الصلوة - ج 5 - ص 343). وبيان دلالتها بعين التقريب الذى تقدم في سابقها الا ان الحكم وعلته كليهما مذكوران هنا. وقد يتوهم ان التعبير بقوله: (وكان يقينه حين انصرف انه كان اتم) دليل على انها ناظرة إلى بيان قاعدة اليقين والشك السارى ولكنه كما ترى، فان اليقين في تلك القاعدة لا يجب ان يكون في خصوص حال الانصراف كما ذكر في هذه الرواية، مضافا إلى ان لسانها في الذيل (وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك) من اقوى الشواهد على انها بصدد بيان قاعدة الفراغ وظاهر في انها من سنخ الامارات، وقاعدة اليقين على القول بها ليست كذلك فتدبر. ثم لا يخفى ان عد الرواية من الروايات العامة الدالة على القاعدة مبنى على التعليل الضمنى الارتكازي المستفاد من قوله: وكان حين انصراف الخ والا هي مختصة بباب الشك في ركعات الصلوة بعد الفراغ، ولو قلنا بانه لا يزيد على الاشعار بالعلة العامة سقطت عن الدلالة على المطلوب.

[ 217 ]

7 - ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب حريز بن عبد الله عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: (إذا جاء يقين بعد حائل قضاه ومضى على اليقين ويقضى الحائل والشك جميعا، فان شك في الظهر فيما بينه وبين ان يصلى العصر قضاها، وان دخله الشك بعد ان يصلى العصر فقد مضت، الا ان يستيقن، الا العصر حائل فيما بينه وبين الظهر فلا يدع الحائل لما كان من الشك الا بيقين) (رواه في الوسائل في الباب 60 من ابواب المواقيت - ج 3 ص 205) وحاصل مفادها ان وجود (الحائل) الذى هو عبارة اخرى عن (الغير) الوارد في سائر الروايات يوجب عدم الاعتناء بالشك فيما تجاوز عنه فلو شك في فعل الظهر بعد الاتيان بالعصر لا يعتنى بشكه لتحقق الحائل وهو العصر واما لو شك قبله فعليه اتيانها. نعم لو علم بترك الظهر ولو بعد تحقق الحائل وهو العصر فعليه ادائها، لوضوح ان القاعدة تختص بصورة الشك، واما قوله (ويقضى الحائل والشك جميعا) فلا يخلو عن تشويش واضطراب ولكن لا يمنع من الاستدلال بالذيل بعد وضوحها وظهورها في المقصود. وقد استدل بالرواية سيدنا الاستاذ في المستمسك على عدم وجوب الظهر على من صلى العصر ثم شك في فعل الظهر ثم صرح بانه لم يجد عاجلا من تعرض لذلك، ثم استدل لهذا الحكم بقاعدة التجاوز ايضا بناء على انه يثبت وجود المشكوك بلحاظ جميع آثاره (1) هذا ولكن الرواية بنفسها من ادلة القاعدة كما رأيت وسياتى له مزيد تحقيق ايضا، وعلى كل حال هو من الادلة العامة الدالة على عدم الاعتناء بالشك بعد تحقق الحائل لان الحكم المذكور في صدر الرواية كالعلة المذكورة في ذيلها حكم عام لا يختص بباب دون باب، ولكن ظاهرها اعتبار الدخول في الغير لو لم نقل بظهورها في اعتبار الفراغ عن الغير فتأمل. هذا ما عثرنا عليه من الروايات العامة التى لا تختص بباب دون باب وهناك روايات


(1) مستمسك العروة - ج 5 ص 267.

[ 218 ]

كثيرة خاصة وردت في ابواب مختلفة مثل ابواب الوضوء وغسل الجنابة والركوع وغيره من افعال الصلوة بل وفى ابواب الحج، ولا بأس بالاشارة إلى بعض ما ورد في تلك الابواب من الروايات الخاصة المؤيدة لما مر عليك من العمومات: 1 - ما ورد في باب الوضوء مثل ما رواه محمد بن مسلم قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: كلما مضى من صلوتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه ولا اعادة عليك (رواه في الوسائل في الباب 42 من ابواب الوضوء) (1) وهذه الرواية - كما ترى - مختصة بباب الوضوء والصلوة ولا تعم ساير الابواب بلسانها 2 - (ما ورد في ابواب الجنابة مثل ما رواه زرارة عن ابى جعفر (ع) في حديث قال قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة - إلى ان قال فان دخله الشك وقد دخل في صلوته ولا شئ عليه الحديث (رواه في الوسائل في الباب 41 من ابواب الجنابة) (2) وظاهرها اعتبار الدخول في الغير فتأمل. 3 - (ما ورد في باب الشك في الركوع مثل ما رواه حماد بن عثمان قال قلت لابي عبد الله (ع): اشك وانا ساجد فلا ادرى ركعت ام لا فقال قد ركعت، امضه) (رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب الركوع) (3) 4 - ما رواه في ذاك الباب بعينه عن فضيل بن يسار قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: استتم قائما فلا ادرى ركعت ام لا؟ قال: بلى قد ركعت فامض في صلوتك. 5 - وما رواه ايضا في ذاك الباب عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال قلت لابي عبد الله (ع) رجل اهوى إلى السجود فلم يدر اركع ام لم يركع قال: قد ركع. 6 - ما ورد في باب عدد الاشواط في الطواف من عدم الاعتناء بالشك فيه بعد خروجه 1 - المجلد الاول ص 331 2 - المجلد الاول ص 524 3 - المجلد الرابع ص 936

[ 219 ]

عن الطواف وفوت المحل مثل ما رواه محمد بن مسلم قال سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل طاف بالبيت فلم يدر استة طاف ام سبعة، طواف فريضة، قال: فليعد طوافه، قيل: انه قد خرج وفاته ذلك، قال ليس عليه شئ (رواه في الوسائل في ابواب الطواف) (1). 7 - وما رواه عن منصور بن حازم في ذاك الباب بعينه قال سالت ابا عبد الله (ع) عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أو سبعة قال فليعد طوافه، قلت ففاته، قال ما ارى عليه شيئا والاعادة احب إلى وافضل (2) واستدل في الجواهر بها وبما اشبهها للحكم بعدم العبرة بالشك في عدد اشواط الطواف بعد الفراغ عنه، بعد استظهار عدم الخلاف في حكم المسألة. ومن هنا تعرف ايضا ان الحكم بمقتضى قاعدة التجاوز والفراغ لا يختص بابواب الطهارة والصلوة بل يجرى في الحج وغيرها كما سيأتي البحث عنه مستوفى انشاء الله ولم نعثر في غير هذا الباب من ابواب الحج ما يدل عليه، لعل المتتبع الخبير يعثر على غيره ايضا. وهناك روايات اخرى خاصة في مختلف ابواب الصلوة والطهارة تتحد مضامينها مع ما ذكرنا لم نتعرض لبيانها وانما اخترنا هذه الروايات السبع من بينها لما فيها من الشواهد والاشارات واضواء تشرق على المباحث الاتية، يهتدى بحقائقها تحتها كما ستعرف انشاء الله. وهذه الروايات وان وردت في ابواب خاصة وليس فيها ما يدل على عموم الحكم كالروايات السابقة ولكنها تكون مؤيدة لها ويشرف الباحث على القطع بعدم اختصاص القاعدة بباب دون باب، وجريانها في جميع العبادات بل وغيرها من المركبات الشرعية إذا شك في بعض اجزائها وشرائطها أو في اصل وجودها بعد مضى محلها. ويمكن جعل هذه الاخبار وما يضاهيها دليلا مستقلا بنفسه، فان استقراء احكام الشرع في ابواب الوضوء والغسل، والاذان والاقامة والتكبير والقرائة والركوع والسجود


1 - الجلد التاسع من الوسائل ص 433 2 - الجلد التاسع من الوسائل ص 435

[ 220 ]

الطواف - مع قطع النظر عن العمومات - يوجب الاطمينان على عدم اختصاص الحكم بباب دون باب وجريان القاعدة في جميع الابواب، ولا سيما بعد ملاحظة التعبيرات الواردة فيها مما يشعر أو يدل على عدم اتكاء الحكم على خصوصية المورد بل على عنوان الشك الفراغ والتجاوز وامثالها فتأمل. 2 - السيرة العقلائية ويدل على المقصود ايضا استقرار سيرة العقلاء واهل العرف - في الجملة - على البناء على صحة العمل بعد مضيه، ولعله في الحقيقة راجع إلى عمومية اصالة الصحة لفعل النفس كما مر في المجلد الاول من كتابنا هذا عند ذكر (قاعدة الصحة) وانه لا فرق فيها بين فعل الغير وفعل النفس خلافا لما يستفاد من صريح كلمات بعضهم وظاهر آخرين من تخصيصها بفعل الغير فقط، ولذا ذكروا في عناوين كلماتهم هناك (اصالة الصحة في فعل الغير). وقد عرفت ان دقيق النظر يعطى عدم اختصاص بعض ادلتها به وشمولها لاصالة الصحة في فعل النفس ايضا. ولذا قال فخر المحققين (قدس سره الشريف) في (ايضاح القواعد) في مسألة الشك في بعض افعال الطهارة ان الاصل في فعل العاقل المكلف الذى يقصد برائة ذمته بفعل صحيح وهو يعلم الكمية والكيفية الصحة (انتهى). وهذا الكلام منه - كما ترى - اشارة إلى قاعدة عامة تجرى في فعل الانسان نفسه وغيره وهو مبنى على ظهور حال الفاعل الذى هو بصدد تفريغ ذمته بفعل صحيح مع علمه باجزاء الفعل وشرائطه، وهوى؟؟ قاعدة عقلائية عامة في جميع الافعال وجميع الابواب. ولذا لو فرضنا واحدا منا كتب كتابا أو حاسب حسابا أو اقدم على تركيب معجون هو عالم باجزائه وشرائطه ثم مضت عليه ايام أو شهور فشك في صحة الكتاب أو المحاسبة أو تركيب المعجون من جهة احتمال الاخلال ببعض شرائطه واجزائه غفلتا منه فهل تراه

[ 221 ]

يعتنى بهذا الشك ويكر النظر إليه مرة بعد مرة كلما شك في شئ مما يعتبر فيها؟ مع ان احتمال الفساد من ناحية الغفلة موجود في غالب افعال الانسان كيف وقد صار الغفلة والنسيان كالطبيعة الثانية له، وللغفلات تعرض للاريب. وكلما كان الفعل ادق وكان اجزائه وشرائطه اكثر كان هذا الاحتمال فيه اقوى، فإذا كتب كاتب كتابا ضخما كان احتمال الغلط فيه من ناحية الغفلة والاشتباه فيه قويا جدا ولكن إذا كان الكاتب ذو بصيرة في فعله ونية صادقة في كتابته غازما على بذل مجهوده في تصحيح الكتاب لا يعتنى باحتمال الفساد فيه إذا فرغ منه وجاوز عنه الا ان يكون هناك قرائن و امارات توجب الظن بوجود الخلل في بعض نواحيه. ولا فرق في ذلك بين ان يكون الكاتب غيره أو نفسه فشك في عمل نفسه. نعم إذا كان هو مشتغلا بعمله فشك في شئ منه في محله يكر النظر إليه حتى يكون على ثقة من صحته و ادائه كما هو حقه. ولعمر الحق ان هذا امر ظاهر لا سترة عليه لمن راجع افعال العقلاء وديدنهم في امورهم المختلفة في الجملة، وان كان باب المناقشة في جزئيات المسألة وحدودها سعة وضيقا واسعا ولكن اصل هذه القاعدة - على اجمالها - محفوظة عندهم. والظاهر ان الوجه في بنائهم هذا ان احتمال الغفلة حين الاشتغال بالعمل في حد ذاته امر مرجوح لا يعتنى به. اضف إليه ان العاقل الشاعر الذاكر حين الفعل لا ياتي بما هو مخالف لاغراضه واهدافه. وهذا هو بعينه ما اشار إليه الامام (عليه السلام) في عبارة وجيزة لطيفة في رواية (بكير بن اعين) الماضية (1) حيث قال: (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك). فانه كالصغرى لكبري محذوفة تعرف من سياق الكلام وهى ان الذاكر لفعله لا ياتي بما هو مخالف لمقصود وغرضه وإذا انضمت هذه الكبرى إلى صغرى مذكورة في كلامه (ع)


(1) - نقلناها تحت الرقم 5 في الروايات العامة.

[ 222 ]

وهو انه (حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) لان احتمال الغفلة امر مرجوع بالنسبة إلى المشتغل بالعمل حينه، كان قضيتها صحة العمل وعدم الاعتناء بالشك، فالصغرى تسد احتمال الغفلة، والكبرى تسد احتمال العمد في فعل ما هو مخل بغرضه. وكذلك قوله في رواية محمد بن مسلم: (وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك) (1) هذا كله مضافا إلى ما في هذا الاصل من رفع الحرج عن الناس الذى هو الملاك في كثير من الطرق والاصول العقلائية. وببالي ان صاحب الجواهر (قدس سره) تمسك بقاعدة الحرج ايضا في مسألة الشك في عدد اشواط الطواف التى مضى ذكرها آنفا، وكانه (قدس سره) ايضا ناظر إلى هذا المعنى، لان مسألة الشك في عدد اشواط الطواف لا خصوصية لها من هذه الجهة. وان قال قائل: كيف يكون الذكر هو الاصل في حال الفاعل مع انا كثيرا ما نغفل عن تفاصيل اعمالنا وهل يوجد بين الناس من يكون حاضر القلب، ذاكرا لجميع افعال صلوته وسائر عباداته دائما، اللهم الا الاوحدي منهم. فالغفلة عن تفاصيل الفعل واجزائه وشرائطه حين العمل لعلها الغالب، من غير فرق بين الصلوة والصيام والطهارات والحج. بل يظهر من غير واحد من الروايات الواردة في باب حضور القلب في الصلوة و ابواب الشكوك ان الامر كان على هذا الحال عند كثير من اصحاب الائمة وكانوا يشكون عندهم (ع) عن انصراف قلوبهم عن تفاصيل العمل (اوعن الله) في صلواتهم أو غيرها. قلنا - هذه الغفلات ليست غفلة محضا بل هي مشوبة بنوع من الذكر الاجمالي و ذلك لان الانسان إذا كان بصدد اتيان شئ من المركبات الخارجية، ولم يعهد به من قبل، كمن يصلى لاول مرة، فلا مناص له من الذكر الكامل والعلم التفصيلي عند الاتيان بكل جزء


(1) - نقلناها تحت الرقم 6 في الروايات العامة

[ 223 ]

جزء منه، بحيث كلما غفل عنه وقف عن العمل لعدم اعتياده به. ولكن بعد الاتيان به مرات عديدة - تتفاوت بتفاوت الاعمال والاشخاص - يحصل له ملكة خاصة ونوع من الارتكاز الاجمالي بالنسبة إلى تفاصيل العمل وخصوصياته و اجزائه، ويقوم ذلك مقام الذكر الكامل والعلم بتفاصيله. وحينئذ صورة العمل وخصوصياته وان محت عن صفحة ذهنه، عند غلبة الغفلة، لكنها بعد مرتكزة في اعمال ذهنه وباطن شعوره، ولذا ياتي بها غالبا على وجه الصحة حينئذ ولا يقف عنه عند انصراف ذهنه وغلبة الغفلة كالمتردد الحائر، كيف لا، والفعل فعل ارادي اختياري لابد من استناده إلى ارادة ما قطعا. والحاصل ان الفاعل في هذه المقامات ليس ساهيا غافلا بالمرة، بل هو ذاكر بنوع من الذكر، سمه (الذكر الاجمالي) أو ما شئت. بقى هنا امران. الاول - ان بناء العقلاء على هذه القاعدة في امورهم لا يلازم القول باتحاد سعة دائرتها عند الشرع مع ما هو عندهم، فلو دلت الاطلاقات السابقة على جريانها في موارد لم يثبت استقرار السيرة العقلائية عليها يبنى عليها، فكم من اصل أو قاعدة أو امارة ثبت في الشرع بنحو اوسع أو اضيق مما عند العرف والعقلاء، مع كون اصولها متخذة منهم. الثاني - الظاهر ان بناء العقلاء على هذه القاعدة في افعالهم انما هو في موارد لم يكن قرائن ظنية يعتنى بها على خلافها، فلو كان الفاعل ممن يكثر عليه السهو، أو نحو ذلك من القرائن والامارات الظنية الغالبة، اشكل الركون إليها عند الشك في العمل ولو بعد الفراغ والتجاوز منه.

[ 224 ]

2 - في انها قاعدة واحدة أو قاعدتان ذهب غير واحد من اعاظم المتأخرين والمعاصرين - وفى مقدمهم العلامة الانصاري (قدس سره الشريف) على ما يستفاد من ظاهر كلماته في الرسالة - إلى انها قاعدة واحدة عامة لموارد الفراغ عن العمل والتجاوز عن اجزائه، بينما ذهب آخرون كالمحقق الخراساني والفقيه النابه الهمداني (قدس سرهما) في محكى تعاليقهما على الرسالة إلى انهما قاعدتان مختلفتان واردتان على موضوعين مختلفين. واختار المحقق النائيني (قده) في بعض ما ذكره اخيرا في المسألة مذهبا ثالثا وهو انه ليس هناك الا قاعدة الفراغ الشاملة لجميع الابواب، وموضوعها الاعمال المستقلة التامة، لا اجزاء عمل واحد، ولكنه اضاف إلى ذلك ان الاخبار الواردة في خصوص الشك في اجزاء الصلوة تدل على ان الشارع المقدس نزل اجزاء الصلوة منزلة الاعمال المستقلة فاجرى فيها تلك القاعدة ايضا. فبمقتضى حكومة هذه الاخبار على ادلة القاعدة حصل لقاعدة الفراغ فرد ادعائي تنزيلي قبال افرادها الحقيقية. فاذن لا يبقى مجال للبحث عن تصوير الجامع بينهما، (فان المفروض كون دخول احد الفردين في الكبرى المجعولة في طول الفرد الاخر لا في عرضه)، لكى يبحث عن كيفية الجامع بينهما، فان ذلك انما هو في الافراد العرضية لا غير. هذا والبحث عن هذه المسألة تارة يقع في مقام الثبوت، وانه هل يوجد هناك ما بمفاده يكون جامعا بين حكم (الفراغ عن نفس العمل) و (التجاوز عن اجزائه) اولا يوجد هناك جامع اصلا؟ واخرى في مقام الاثبات وان مفاد اخبار الباب وادلة القاعدة هل هو جعل بقاعدة

[ 225 ]

واحدة تشمل بعمومها للشك في اجزاء العمل في اثنائه وللشك في صحته بعد الفراغ عنه، (بعد احراز امكانهما من جهة مقام الثبوت). وبعد ذلك كله نتكلم فيما افاده المحقق النائيني (قدس سره) وما اختاره من المذهب الثالث اما المقام الاول فحاصل الكلام فيه انه قد يتوهم عدم امكان الجمع بين القاعدتين في لسان واحد وجعل واحد ثبوتا. واستدل عليه بامور ذكرها المحقق النائيني (قده) في كلماته في المقام وان لم يرتض بها نفسه واجاب عنها بما سيأتي نقله ونقده. اولها - ان لازمه الجمع بين اللحاظين في متعلق الشك فان متعلقه في قاعدة التجاوز هو اصل وجود العمل بمفاد كان التامة، بينما يكون في قاعدة الفراغ صحته بمفاد كان الناقصة، والجمع بين هذين اللحاظين في انشاء واحد وخطاب واحد مجال. ويمكن الجواب عنه اولا بان استحالة الجمع بين اللحاظين في انشاء واحد، وكلام واحد، وكذا استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد وان دارت في السن المتأخرين واشتهرت بينهم، وبنوا عليه ما بنوا من مسائل مختلفة في طيات كتب الاصول الحديثة، من المشهورات التى لا اصل لها، وما بنوا عليها من المسائل الاصولية وغيرها - وما اكثره واوفره - كلها مخدوشة ممنوعة. وذلك لما حققناه في محله من وقوع ذلك فضلا عن امكانه. وحاصله ان اللحاظ في هذه الموارد لا يجب ان يكون تفصيليا وفى آن واحد حقيقي، مقارنا لآن صدور الكلام والانشاء، بل يجوز تصور هذه الامور المختلفة تفصيلا من قبل ولو اناما، ثم الاشار إليها اجمالا عند الاستعمال وفى آن الانشاء، وهذا امر ممكن جدا بل واقع كثيرا، وهذه الاشارة الاجمالية كافية في مقام الانشاء واستعمال اللفظ. والوجدان اقوى شاهد على ذلك فهل ترى من نفسك اشكالا أو حزازة واستحالة

[ 226 ]

في قول القائل عند انشاء هاتين القاعدتين: (إذا جاوزت عن محل شئ فشكك فيه ليس بشئ سواءا كان في اصل وجوده ام في صحته وسواءا كان في اجزاء عمل واحد ام في امور مستقلة. وهل ترى فرقا بين ان يضيف إلى كلامه قوله (سواء الخ) وبين ان يضمر ذلك في نفسه من غير تصريح به في الكلام؟ أو ليس قوله (سواء الخ) توضيحا للاطلاق المراد من كلامه السابق، وهل هو انشاء جديد مذكور في ذيل الكلام غير ما هو مذكور في صدره؟ كلا وهذا امر وجدانى لا يرفع اليد عنه ببعض السفسطات الباطلة، كيف وقد عرفت ان اللحاظ الاجمالي حين الانشاء، أو استعمال اللفظ، كاف قطعا ولا حاجة إلى اللحاظ التفصيلي كى يقع الكلام في عدم امكان المتعدد منه في استعمال واحد. هذا مضافا إلى ان آن استعمال اللفظ ليس آنا حقيقيا عقليا، وليس استعمال اللفظ في المعنى من قبيل فناء العنوان في المعنون والمرآت في المرئى كما توهم (فان هذه كلها استحسانات زائفة لا قيمة لها عند ابناء المحاورة إذا رجعنا إليهم، وكثير منها من قبيل خلط الحقائق بالاعتباريات، والامور العقلية بالامور العرفية، وتوضيح ذلك اكثر مما ذكر موكول إلى محله (1).


(1) - كما ان استعمال اللفظ الواحد في معان متعددة، بلا ملاحظة جامع بينها، امر شايع في السنة ابناء المحاورة من اهل الادب والشعر، وغيرهم، ومن الطف ما ذكر في المقام ما افاده العلامة الخبير والاديب الماهر الشيخ محمد رضا الاصفهانى (قده) في كتابه المسمى به (الوقاية) ناقلا له من بعض الادباء في وصف نبينا الاعظم صلى الله عليه وآله: المرتمي في الدجى والمبتلى بعمى * والمشتكى ظمآ والمبتغي دينا يأتون سدته من كل ناحية * ويستفيدون من نعمائه عينا يمدح هذا الشاعر، النبي الاعظم صلى الله عليه وآله بان كل ذى حاجة يأتي بابه ويستفيد من نعمائه: فمنهم من وقع في ظلماء يبتغى شمسا مضيئة ونورا يهتدى به، ومنهم من ابتلى بالعمى يطلب عينا يدله على الطريق: ومنهم من يشتكى من الظماء يروم عينا صافية يرتوى بها ويبرد كبده الحراء، ومنهم

[ 227 ]

وثانيا - ان وصف الصحة - على ما هو التحقيق - ليست من الاوصاف الحقيقية العارضة للعمل حقيقة، مثل عروض العلم والبياض للانسان والثلج، بل هو امر انتزاعي ينتزع من وجود الشئ جامعا لجميع اجزائه وشرائطه، ففقدانها انما هو بفقدان جزء من اجزائه أو شرط من شروطه، ومن المعلوم ان الجعل لا يتعلق بها الا باعتبار منشأ انتزاعها. فالشك في الصحة يرجع لا محالة إلى الشك في وجود جزء أو شرط بمفاد كان التامة، فاذن لا يبقى فرق بين متعلق الشك في مورد قاعدة الفراغ، والتجاوز، فان متعلقه في كل منهما هو الوجود بمفاد كان التامة فتدبر. وثالثا - انه لا يلزم الجمع بين اللحاظين لامكان ارجاع قاعدة الفراغ إلى ما هو مفاد كان التامة، بان يجعل متعلق الشك نفس صحة العمل، لا اتصاف العمل بالصحة، والفرق بينهما ظاهر، لرجوع الاول إلى مفاد كان التامة والثانية إلى مفاد كان الناقصة. ذكر هذا الوجه الاخير المحقق النائيني (قده) وارتضى به في آخر كلامه بعد ما اورد عليه في اوله بوجهين:


مديون يطلب بدينه يبتغى عين الذهب كل اولئك ياتون بابه وكل واحد منهم يستفيد منه بما يسد به خلته وبرفع حاجته. ومن الواضح ان لفظة (العين) في المصراع الاخير استعمل في اربع معان: العين بمعنى الشمس، والباصرة، والنابعة، وبمعنى الذهب، كل واحد لواحد من الطوائف الاربع. ولا يخفى على العارف باساليب الكلام ولطائفها ومن له نصيب من قريحة الشعر وذوق الادب، ان لطف هذا الشعر انما هو استعمال لفظ العين في معان اربع كل واحد مستقل عن الاخر. وارجاع جميع هذه المعاني إلى معنى جامع قريب أو بعيد مع انه يذهب بلطف الشعر وطراوته، مخالف للوجدان لعدم انسباقه إلى الذهن عند اطلاقه. ولو كان كذلك لا نسبق إليه بلا تأمل. كما ان تأويله إلى المسمى به (العين) يأباه الطبع السليم والقريحة الوقادة ولا ينسبق إلى الذهن ايضا من اللفظ بالوجدان. وقد اوضحنا جواز استعمال اللفظ الواحد في اكثر من معنى بدفع جميع ما ذكروا فيه من الاشكال فيما كتبناه في (الاصول اللفظية)

[ 228 ]

احدهما - انه مخالف لظاهر اخبار الباب، لظهورها في الحكم باتصاف العمل الموجود بالصحة، لا بنفس الصحة بعنوان كان التامة، فارجاع التعبد فيها إلى التعبد بوجود صحة العمل ربما يشبه بالاكل من القفا. ثانيهما - انه لو تم فانما يتم في باب الاحكام التكليفية، التى لا يعتبر فيها الا احراز وجود الصحيح خارجا، ولكن لا يتم في باب الاحكام الوضعية، لان الاثر يترتب على اتصاف العقد الموجود بالصحة ولا يترتب على مجرد وجود الصحيح في الخارج، فان من الواضح ان مجرد التعبد بهذا لا يترتب عليه أي اثر خارجي، بل الآثار انما تترتب على هذا الفرد الموجود إذا اتصف بالصحة. هذا ما افاده المحقق المذكور في هذا المقام ولكن في كلا الوجهين نظر: اما الاول فلانه خروج عن محل البحث لما عرفت من ان الكلام هنا في مقام الثبوت، وما ذكره من مخالفته لظاهر الرويات راجع إلى مقام الاثبات، والاستظهار من الادلة، وسياتى الكلام فيه (فتأمل). واما الثاني فلان الاثر في المعاملات يترتب على ما هو مفاد كان التامة ايضا ولكن مع حفط المورد والموضوع، مثلا إذا شككنا في تحقق عقد صحيح مستجمع لشرائطه على امرأة خاصة بمهر معين إلى اجل معلوم، وكان الشك في اصل وجود هذا العقد الخاص بعنوان كان التامة، ثم ثبت حكم الشارع بوجوده كذلك، رتبنا عليه الاثر، وكان لتلك المراة جميع ما للزوجة من الآثار الشرعية. وكانه (قدس سره) توهم ان وجود العقد بمفاد كان التامة دائما يلازم ابهامه واجماله وعدم تشخص مورده حتى يترتب عليه الاثر، مع ان ابهام متعلق العقد أو تعينه وتشخصه لا ربط له بكون الشك في وجوده بمفاد كان التامة أو غيرها، فان متعلق الشك قد يكون وجود عقد خاص معين من جميع الجهات مع كونه من قبيل مفاد كان التامة (تأمل فانه لا يخلو عن دقة).

[ 229 ]

(ثانيها) ان المركب حيث انه مؤلف من اجزاء، فلا محالة يكون لحاظ كل جزء بنفسه سابقا في الرتبة على لحاظ الكل، إذ في رتبة لحاظ المركب والكل يكون الجزء مند كافية، مثلا لحاظ كل حرف بنفسه مقدم على لحاظ الكلمة المؤلفة منها، كما ان لحاظ الكلمة في نفسها مقدم غلى لحاظ الاية، وهكذا بالنسبة إلى السورة والصلوة جميعا. و (ح) كيف يمكن ان يراد من لفظ (الشئ) في قوله (كل شئ شك فيه وقد جاوزه الخ) الكل والجزء معا وبلحاظ واحد، مع انهما مختلفان في مرتبة اللحاظ؟! والجواب عنه: اولا - ما مر من امكان الجمع بين اللحاظين في كلام واحد، فان هذا الوجه ايضا يرجع في الحقيقة إلى استحالة الجمع بين اللحاظ الاستقلالي للجزء - وهو لحاظه بنفسه - ولحاظه مندكا في الكل - وهو لحاظه التبعى - في مرتبة واحدة. وثانيا - ان ما ذكر انما يلزم إذا لوحظ الكل والجزء تفصيلا وبهذين العنوانين، و لكن لحاظهما بعنوان اجمالي شامل لهما، كعنوان (العمل) (لا بشرط) فلا مانع منه اصلا فقوله (كل شئ الخ) في معنى قوله (كل عمل الخ) فكما يندرج (مجموع العمل) تحت هذا العنوان، يندرج (جزئه) ايضا فيه على نحو اجمالي، والحاصل ان الاشكال انما هو في فرض ملاحظة هذين العنوانين بنفسهما، لا إذا لو خطا بعنوان عام شامل لهما. والعجب انه (قدس سره) مثل له باجزاء الكلمة وكلمات الاية، وآيات السورة، مع ان كثيرا من الاعلام صرحوا بشمول قاعدة التجاوز بنفسها للاجزاء واجزاء الاجزاء فإذا شك في قرائة السورة بعد مضى محلها جرت فيها القاعدة، كما انه إذا شك في قرائة آية منها بعد مضى محلها جرت فيها ايضا، فالسورة بنفسها مشمولة لها، كما ان آية من آياتها ايضا مشمولة، فراجع (العروة) وتعليقات الاعلام عليها في مسألة الشك بعد المحل في اجزاء الصلوة.

[ 230 ]

فلو كان لحاظ الكل واجزائه في خطاب واحد مستحيلا جرى ذلك في الجزء و اجزاء الجزء. ومما ذكرنا تعرف عدم الحاجة في حل الاشكال إلى تكلف القول بان الادلة الواردة في المسألة متكفلة لحكم قاعدة الفراغ عن العمل فقط، فالمجعول اولا وبالذات هو هذه القاعدة، الا ان الادلة الخاصة الواردة في باب اجزاء الصلوة تنزل اجزائها منزلة الكل، فحصل للقاعدة فردان: فرد حقيقي، وفرد تنزيلي، بعد حكومة ادلة قاعدة التجاوز (أي الروايات الواردة في باب الشك في اجزاء الصلوة) على ادلتها، فاذن لا يلزم الجمع بين اللحاظين في اطلاق واحد اصلا. ذكر ذلك المحقق النائيني في اواخر كلامه في المسألة وجعله طريقا لحل هذه العقدة، والاشكال الاتى في الوجه الثالث من لزوم التدافع بين القاعدتين، وبنى عليه ما بنى. ولكن فيه من التكلف والتعسف ما لا يخفى، وسيأتى توضيحه بنحو أو في ان شاء الله تعالى. (ثالثها) لزوم التدافع بين القاعدتين في موارد التجاوز عن محل الجزء المشكوك، فانه باعتبار لحاظ الجزء بنفسه، كما هو مورد قاعدة التجاوز يصدق انه تجاوز عن محله، فلا يعتنى بالشك فيه، وباعتبار لحاظ الكل يصدق انه لم يتجاوزه، فيجب الاعتناء به وتدار كه، وهذا هو التدافع بينهما. والجواب عنه ان هذا التدافع ساقط جدا لانه: اولا - لا تدافع بين نفس القاعدتين، وانما يكون التدافع - على فرض وجوده - بين اصل قاعدة التجاوز وعكس قاعدة الفراغ، وهذا انما يلزم لو كان عكسها كنفسها مجعولة. واما لو كان المجعول اصلها فقط وكان لزوم التدارك عند عدم الفراغ من باب قاعدة الاشتغال - كما هو الظاهر - فلا تدافع بينهما اصلا. فان مخالفتهما من قبيل مخالفة ما فيه

[ 231 ]

الاقتضاء وما لا اقتضاء فيه ومن الواضح عدم المنافاة بينهما. فلزوم تدارك الجزء المشكوك قبل الفراغ من باب عدم وجود ما يعذر به البعد وما يقتضى برائته، فإذا اقتضى قاعدة التجاوز عدم وجوب التدارك عليه كان عذرا له في تركه ومبرء للذمة. والحاصل ان التدافع بينهما ثابت لو كان (عكس) قاعدة الفراغ كاصلها مجعولة و كان كل واحد منهما من قبيل ما فيه الاقتضاء، فهذا يقتضى التدارك قبل الفراغ عن الكل بينما تكون قاعدة التجاوز مقتضية لعدم وجوبه عند التجاوز عن الجزء، (فح) يلزم الندافع بينهما، الا ان يخصص عكس القاعدة بموارد لا تجرى فيها قاعدة التجاوز، كالشرائط التى تعتبر في مجموع الصلوة، بناء على عدم جريان قاعدة التجاوز فيها بالنسبة إلى الاجزاء السابقة. هذا ولكن قد عرفت ان المجعول هو نفس القاعدة لا عكسها وان التدارك قبل الفراغ انما هو بمقتضى قاعدة الاشتغال والتكليف الاصلى. ومن هنا تعرف وجه النظر فيما افاده من الاشكال والجواب في المقام بقوله: (ان قلت) و (قلت) فراجع كلامه. (رابعها) ان المعتبر في قاعدة التجاوز هو التجاوز عن (محل المشكوك)، والمعتبر في قاعدة الفراغ هو التجاوز عن (نفس العمل)، فكيف يمكن ارادة التجاوز عن محل الشئ وعن نفسه معا من لفظ واحد؟ والجواب عن هذا الاشكال يظهر مما ذكرناه واوضحناه في الوجوه السابقة ولا سيما الوجه الاول، ونزيدك هنا ان الاختلاف بينهما ليس اختلافا في مفادهما وما يراد من لفظ (التجاوز) ومتعقله وانما هو في المصاديق لا غير. ففى موارد احراز نفس العمل مع الشك في صحته من جهة الشك في الاخلال ببعض

[ 232 ]

ما يعتبر فيه، يتحقق المضى عنه بالتجاوز عن نفسه، وفى موارد الشك في نفس الاجزاء يكون المضى عنه بالتجاوز عن محله، فالملاك هو صدق التجاوز عن الشئ والمضى عنه وهو مفهوم واحد وان كان ما يتحقق به مختلفة. هذا ولكن الانصاف ان صدق التجاوز عن الشئ بالتجاوز عن محله يحتاج إلى نوع من المسامحة لان التجاوز عن الشئ ظاهر في التجاوز عن نفسه لا عن محله ولكن هذا المقدار لا يوجب اشكالا في اندراج القاعدتين تحت عموم واحد، غاية الامر يكون للتجاوز فردان: فرد حقيقي وهو التجاوز عن نفس العمل، وفرد ادعائي وهو التجاوز عن محله ولا يذهب عليك ان هذا ليس من باب استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد ولو قلنا بامتناعه كما لا يخفى، كما ان هذا غير ما افاده المحقق المذكور من ارجاع احدى القاعدتين إلى الاخرى. هذا كله بحسب مقام الثبوت فتحصل منه انه لا مانع من اتحاد القاعدتين و انشائهما بلفظ واحد، كما انه لا مانع من انشائهما بانشائين مختلفين، لو كان هناك داع إليه، وقد عرفت ان جميع ما ذكروه من الموانع والاشكالات وجوه فاسدة لا يمكن الركون إليها، وانه لا يلزم أي محذور عقلي من هذه الناحية. واما بحسب مقام الاثبات وظهور ادلة المسألة، فالمستفاد من بناء العقلاء الذى قد عرفت ثبوته في المسألة وقد اشير إليه في روايات الباب الواردة من ائمة اهل البيت (عليهم السلام) ايضا بقولهم: (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) وقولهم (كان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك) هو اتحادهما وعدم الفرق بينهما لاتحاد الملاك في الموردين وان اختلفت مصاديقهما من بعض الجهات. فما دام الانسان مشتغلا بعمل يكون خبيرا بحاله، مقبلا إلى شأنه، عالما بكيفياته (ولو

[ 233 ]

بالعلم الاجمالي الارتكازي الذى عرفته آنفا) فيكون اذكروا بصر منه حين يشك (عند مضيه وانصرام اجله وانمحاء تفاصيله عن ذهنه). بلا تفاوت في ذلك بين الكل والجزء وبين الفراغ عن نفس الشئ أو التجاوز عن محله. اما الادلة النقلية التى هي العمدة في المسألة فالانصاف انه لا يستفاد منها - على اختلاف السنتها وتعابيرها شيئان مختلفان، بل الناظر فيها، إذا كان خالي النظر، غير مشوب الذهن بمادار بين الاعلام من النقض والابرام في اتحاد القاعدتين واختلافهما، لا يتبادر إلى ذهنه الا قاعدة واحدة عامة تجرى في اجزاء العمل وكلها بعد مضيها و انصرامها. ولا ينافى ذلك كونها مقيدة ببعض القيود في بعض مصاديقها، كاعتبار الدخول في الغير بالنسبة إلى جريانها في الاجزاء (لو قلنا به) كما سيأتي ان شاء الله. ويؤيد هذا المعنى تقارب التعبيرات، لو لم نقل باتحادها، في اخبار الباب الواردة في موارد الفراغ عن نفس العمل، والتجاوز عن الاجزاء، من التعبير بالمضي (كما في روايتي اسماعيل ومحمد بن مسلم) وان الشك ليس بشئ (كما في روايتي زرارة وابن ابى يعفور). حتى ان التعبير ب‍ (التجاوز) أو (الدخول في الغير) لا يختص بموارد قاعدة التجاوز (على ما اختاره القائلون بالتعدد) بل ورد ذلك بعينه في الاحاديث الواردة في مورد قاعدة الفراغ ايضا فرواية ابن ابى يعفور المروية عن الصادق (ع) (إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غبره فليس شكك بشئ انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) بناء على رجوع الضمير في قوله (قد دخلت في غيره) إلى الوضوء، واردة في باب قاعدة الفراغ مع ذكر اعتبار الدخول في الغير فيها وما وقع فيها من التعبير بالتجاوز. وفى غير هذه الرواية ايضا شواهد على المقصود فراجع وتدبر. فتحصل من ذلك كله ان الحق هو اتحاد القاعدتين وفاقا لما يظهر من شيخنا العلامة

[ 234 ]

الانصاري وغيره (رضوان الله عليهم). بقى هنا شئ وهو انه ما ثمرة هذا النزاع واى فرق بحسب النتيجة بين القول باتحاد القاعدتين وتعددهما؟ وسيظهر لك ذلك في البحوث الآتية لا سيما البحث عن اعتبار الدخول في الغير، وجريان قاعدة التجاوز في الاعمال المستقلة، ونحوهما.

[ 235 ]

3 - في انها من الامارات أو من الاصول العملية؟ قد وقع الخلاف في ان قاعدة التجاوز والفراغ - سواء قلنا باتحادهما كما هو التحقيق أو تعددهما كما عليه شر ذمة من المتأخرين والمعاصرين - هل هي من الاصول العملية أو مندرجة في سلك الامارات؟. وانت إذا احطت خبرا بما اسلفناه في بيان مدرك القاعدة لا تشك في اندراجها في سلك الامارات الظنية، لما عرفت من ان الحق ثبوتها عند العقلاء واهل العرف قبل ثبوتها في الشرع، وان ملاكها عندهم هو غلبة الذكر على الفاعل حين العمل (بما عرفت توضيحه). فهى مبتنية عندهم على (اصالة عدم الغفلة حين العمل) منضمة إلى عدم احتمال ارتكاب الفاعل العالم بالاجزاء وشرائط العمل ما هو خلاف مراده ومرامه. وقد عرفت ايضا ان الشارع المقدس امضاها بهذا الملاك عينا، والشاهد له روايتا (بكير بن اعين) و (محمد بن مسلم) (1) ففى الاولى علل الحكم بقوله: هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك، وفى الثانية بقوله، وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك، (الانصراف في الصلوة آخر ازمنة الاشتغال بالفعل). فمع ذلك لا يبقى مجال للتشكيك في حجية القاعدة على نحو سائر الامارات المعتبرة عقلا وشرعا. هذا ومن اوضح القرائن عليه انه ورد في غير مورد من الروايات الخاصة اشارات لطيفة إلى هذا المعنى لا يبقى معها شك في المسألة، واليك بيانها:


1 - ذكرناهما تحت الرقم 5 و 6 سابقا عند ذكر روايات القاعدة

[ 236 ]

ففى رواية عبد الرحمن عن ابى عبد الله (ع) الواردة فيمن اهوى إلى السجود فلم يدر أركع ام لم يركع؟ قال: قد ركع (1) وفى رواية اخرى عن فضيل بن يسار عن ابى عبد الله (ع) ايضا بعد سؤاله بقوله: استتم قائما فلا ادرى اركعت ام لا؟ قال (ع): بلى قد ركعت (2). وفى رواية ثالثة عن حماد بن عثمان عن ابى عبد الله (ع) ايضا بعد سؤاله بقوله: اشك وانا ساجد فلا ادرى اركعت ام لا؟ فقال: قد ركعت امضه (3) هذا ما ظفرنا به من الروايات الخاصة المشتملة على التصريح بوقوع الفعل المشكوك ووجوده بقوله: (قد ركع) أو: (بلى قد ركعت) أو: (قد ركعت امضه) وقد نقلناها سابقا تحت الرقم 3 و 4 و 5 من الروايات الخاصة الدالة على القاعدة. وهى شاهدة على كشف القاعدة عن الواقع وان اعتبارها انما هو من جهة كشفها عن ذلك، لا انها مجرد حكم لرفع الحيرة والشك عند العمل من دون ان تكون ناظرة إلى الواقع واحرازه، كما هو شأن الاصول العملية. نسبتها مع سائر الاصول - ومن هنا لا يبقى مجال للشك في تقديمها على الاستصحاب وسائر الاصول العملية الواردة في مواردها، لتقدم الامارات عليها جميعا. واما لو قلنا بانها مندرجة في سلك الاصول العملية اشكل تقديمها على غيرها كالاستصحاب وشبهه. نعم ذكر شيخنا العلامة الانصاري في صدر كلامه في المسألة ان هذه القاعدة مقدمة على خصوص الاستصحاب (وشبهه) وان كانت من الاصول العملية، لورودها في مورده ولكونها اخص منه مطلقا، فانه ما من مورد يجرى فيه القاعدة الا وهناك استصحاب يقتضى الفساد (انتهى ملخص كلامه). وهذا الكلام وان ارتضاه غير واحد ممن تأخر عنه وركنوا إليه في وجه تقديم القاعدة


1 و 2 و 3 - رواها في الوسائل في الباب 13 من ابواب الركوع

[ 237 ]

على الاستصحاب (على القول بانها منسلكة في سلك الاصول العملية) الا انه لا يخلو عن نقد واشكال. وذلك لان موارد جريان القاعدة لا تنحصر بموارد يجرى فيها استصحاب الفساد بل هي على انحاء ثلثة: قسم يجرى فيه استصحاب الفساد، وقسم يجرى فيه استصحاب الصحة، وقسم لا يجرى فيها استصحاب اصلا، لاذا ولا ذاك. اما الاول فامثلته كثيرة، واما الثاني فهو كالشك في صحة الصلوة بعد الفراغ عنها من جهة الشك في الطهارة أو الستر أو غيرهما من الشرائط مع القطع بسبق وجودها قبل الصلوة وعدم العلم بحصول خلافها. والثالث كالشك في الصحة من ناحية هذه الشرائط مع عدم العلم بالحالة السابقة من جهة تعاقب حالتين مختلفتين لا يدرى ايتهما كانت مقدمة على الاخرى. والموارد التى تكون من القسم الثاني والثالث ليست نادرة لا يعتنى بها حتى يكون حمل العمومات أو الاطلاقات عليها من قبيل الحمل على الفرد النادر، وتخصيصها بها من التخصيص المستهجن، بل هي كثيرة جدا ولا سيما القسم الثاني. اللهم الا ان يقال: انه لا شك في ندرة القسم الثالث كما انه لا شك في لغوية جعل القاعدة لخصوص الموارد التى تكون من القسم الثاني، لكفاية الاستصحاب الجارى فيها وفى غيرها، الموافق للقاعدة بحسب النتيجة. فاذن لا يمكن حصر موارد القاعدة فيها، بل لابد من جريانها في موارد القسم الاول ايضا وهى موارد استصحاب الفساد. واحسن من جميع ذلك ان يقال: ان الروايات الخاصة الواردة في بعض مصاديق القاعدة (التى مرت عليك عند بيان مدركها) بل وبعض العمومات الواردة في مورد الشك في الركوع والسجود ومثلهما دليل قاطع على تقديم القاعدة على اصالة الفساد واستصحاب

[ 238 ]

العدم، لوضوح ان هذه الموارد من موارد استصحاب العدم. فمثل قوله (ع) في رواية اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (ع) ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وان شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه، وهكذا مصححة زرارة وموثقة ابن ابى يعفور وغيرهما دليل واضح على جريانها في موارد اصالة الفساد فتدبر جيدا. بقى هنا شئ - وهو ان القول بامارية القاعدة - كما هو المختار - لا يوجب الحكم بثبوت جميع لوازمها وملازماتها، كما دار في السنة كثير من المتأخرين والمعاصرين في باب الامارات وانه تثبت بها جميع ذلك. مثلا إذا شك بعد الفراغ عن الظهر في صحتها من جهة الشك في الطهارة، فلا اشكال في الحكم بصحتها وصحة ما يترتب على فعلها من صلوة العصر، واما الحكم بتحقق الطهارة حتى لا يجب تحصيلها للصلوات الاتية فلا، بل يجب عليه تحصيلها الصلوة العصر وغيرها، فان مورد جريان القاعدة هو نفس صلوة الظهر وهى تدل على صحتها، كأنها امر معلوم بالوجدان من هذه الجهة (أي من حيث اشتمالها على الطهارة المعتبرة فيها) واما تحقق نفس الطهارة مع قطع النظر عن هذه الحيثية فلا (تأمل فانه لا يخلو عن دقة). نعم لو اجرى القاعدة في نفس الطهارة بان شك في صحتها بعد احراز اصل وجودها، كانت كأنها حصلت بالوجدان، فلا يجب تحصيلها للصلوات الاتية. والسر في جميع ذلك ما ذكرناه في محله من ان كون شئ امارة لا يلازم اثبات جميع (ملازماته) وما يقال من اثباتها جميع اللوازم والملازمات ولو بالف واسطة حديث ظاهري خال عن التحقيق، ولو بنى عليه لزم فقه جديد كما لا يخفى على الخبير، بل انما يترتب عليها من الاثار الواقعية ولوازمها في موردها بمقدار ما ينصرف إليه اطلاق ادلتها، ويختلف ذلك باختلاف المقامات.

[ 239 ]

مثلا لاشك في كون البينة من اوضح الامارات واتمها دليلا وسعة، ولكن هل يمكن الاخذ بجميع لوازمها وملازماتها والقول بحجية مثبتاتها كيف كانت؟ مثلا إذا شهد شاهدان أو اكثر بان زيدا كان جالسا في مكان فلاني، ثم جاء رجل ورمى إلى جانبه سهما لو كان جالسا في مكانه اصابه وقتله، فهل ترى بمجرد شهادة الشهود اجراء حكم القتل (عمدا أو خطئا) في حقه ولو لم يحصل القطع بوقوع القتل من الامارة المذكورة، استنادا إلى ان ذلك من آثارها الشرعية ولو بوسائط؟ أو انه إذا قامت البينة بان هذا اليوم اول يوم من شوال ويوم فطر وعلمنا ان زيدا يجئ من سفره ذاك اليوم بعينه فهل يمكن ترتيب آثار مجئ زيد بمجرد هذه الشهادة؟ (فتدبر فانه حقيق به).

[ 240 ]

4 - في اعتبار الدخول في الغير وعدمه اختلفوا في اعتبار الدخول في الغير وعدمه في جريان القاعدة على اقوال: الاول - ما يستفاد من كلمات شيخنا العلامة (قدس سره) في هذا المقام من اعتباره في جميع الموارد ولكن هذا (الغير) لا يجب ان يكون دائما فعلا وجوديا بل يجوز ان يكون حالة عدمية احيانا، مثلا بالنسبة إلى مجموع الصلوة هو الحالة الحاصلة بعدها ولو لم يدخل في فعل وجودي بعد، واليك نص عبارته: (الاقوى اعتبار الدخول في الغير وعدم كفاية مجرد الفراغ، الا انه قد يكون الفراغ عن الشئ ملازما للدخول في غيره، كما لو فرغ عن الصلوة والوضوء، فان حالة عدم الاشتغال بهما بعد مغايرة لحالهما وان لم يشتغل بفعل وجودي، فهو دخول في الغير بالنسبة اليهما). الثاني - اعتبار الدخول في فعل وجودي بعد العمل، يظهر ذلك من كلمات المحقق الخراساني (قده) في تعليقاته على (الرسائل) حيث انه بعد ما صرح باعتبار الدخول في الغير في مورد قاعدة التجاوز عند الشك في اجزاء فعل واحد، قال: واما قاعدة الفراغ فالظاهر منها ايضا اعتبار الدخول في الغير لظهور قوله (ع) في صحيحة زرارة في الوضوء: (وقد صرت إلى حال آخر) وصدر موثقة ابن ابى يعفور: (إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره) انتهى. وكلامه هذا مبنى على ارجاع ضمير (غيره) في الحديث إلى الوضوء، أي دخلت في غير الوضوء من الافعال الوجودية (لا في غير ذاك الجزء) واستدلاله بهاتين الروايتين دليل على عدم اكتفائه في ذلك بمجرد الفراغ عن العمل وعدم كفاية مجرد صدق عنوان

[ 241 ]

(المضى) أو (التجاوز) الواردتين في بعض احاديث الباب، عنده. الثالث - التفصيل بين موارد جريان قاعدة التجاوز والفراغ والقول باعتبار الدخول في الجزء المستقل المترتب عليه شرعا في جريان قاعدة التجاوز، واما الفراغ فلا يعتبر فيه شئ الا الدخول فيما يكون مباينا للعمل المشكوك فيه، حتى انه بالنسبة إلى جريان قاعدة التجاوز في الجزء الاخير من الصلوة اعتبر الدخول في التعقيب المترتب عليه شرعا والا لا يجرى فيه قاعدة التجاوز وان جرت فيه قاعدة الفراغ لعدم اعتبار شئ فيه عدا الدخول في حال مباين لها. ولا يبعد رجوع هذا القول إلى ما ذكره الشيخ العلامة الانصاري (قده) في المعنى وان كانا مختلفين في الصورة فتأمل. الرابع - التفصيل بين موارد جريان قاعدة الفراغ من الوضوء والصلوة بالتزام كفاية مجرد الفراغ من الوضوء ولو مع الشك في الجزء الاخير منه وعدم كفايته بالنسبة إلى الصلوة، حكاه شيخنا العلامة الانصاري (قده) عن بعض، ولم يسم قائله، ثم رد عليه باتحاد الدليل في البابين وهو كذلك. الخامس - عكس هذا التفصيل اعني اعتبار الدخول في الغير في باب الوضوء دون باب الصلوة، قال المحقق الاصفهانى في بعض كلماته في المقام: ويمكن ان يقال بناء على تعدد القاعدة، بالفرق بين الوضوء والصلوة في جريان قاعدة الفراغ فيهما بتقييدها في الاول بالدخول في الغير دون الثاني، وذلك لتقييد الفراغ عن الوضوء بذلك في رواية زرارة حيث قال: (فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه فقد صرت في حال اخرى من صلوة أو غيرها الخبر) وكذا في رواية ابن ابى يعفور: (إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره)... إلى ان قال: ولا استبعاد في اختصاص الوضوء بالدخول في الغير بعد اختصاصه بعدم جريان قاعدة التجاوز عن المحل فيه رأسا (انتهى محل الحاجة من كلامه قدس سره).

[ 242 ]

هذا ما عثرنا عليه من الاقوال في المسألة ولعل المتتبع يعثر على اقوال اخر في كلماتهم، ولكن المهم تحقيق الحال بينها. فنقول: التحقيق ان منشأ الخلاف في المسألة هو اختلاف السنة الروايات الواردة فيها: فبعضها مطلقة لم يذكر فيها سوى عنوان المصى والتجاوز عن الشئ، كرواية محمد بن مسلم (1) ورواية ابن ابى يعفور (2) وظاهر رواية بكير بن اعين (3) ورواية اخرى لمحمد ابن مسلم (4) المشتملة على تعليل الحكم وكذا ما قبلها، وبعض الروايات الخاصة الواردة في ابواب الوضوء والصلوة كقوله في رواية محمد بن مسلم كلما مضى من صلوتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه (5). وبعضها الاخر مقيد بالدخول في الغير مثل رواية زرارة (6) واسماعيل بن جابر (7) وصدر رواية ابن ابى يعفور ورواية اخرى لزرارة نقلناها عن مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب حريز (8) فحينئذ يقع البحث في ان وجه الجمع بين الطائفتين ماذا. هل هو بتقييد المطلقات بما قيد بالدخول في الغير، كما هو قضية المطلق والمقيد


1 - نقلناه تحت الرقم الثالث من الروايات العامة 2 - نقلناه تحت الرقم الرابع من الروايات العامة 3 - نقلناه تحت الرقم الخامس من الروايات العامة 4 - نقلناه تحت الرقم السادس من الروايات العامة 5 - نقلناه تحت الرقم الاول من الروايات الخاصة 6 - نقلناها تحت الرقم 1 من الروايات العامة 7 - نقلناها تحت الرقم 2 من الروايات العامة 8 - نقلناها تحت الرقم 7 من الروايات العامة

[ 243 ]

في غير المقام أو يقال ان القيد هنا من قبيل القيود الغالبية فلا يفيد احتراز عن غيره، لان الغالب في افعال الانسان - لا سيما مثل الصلوة التى هي مورد الروايات - انه إذا خرج منها دخل في فعل آخر. أو يقال ان التقييد بالدخول في الغير انما هو في موارد التجاوز عن اجزاء العمل، فكل جزء شك فيه لا يعتنى به إذا دخل في غيره، واما إذا كان الشك بعد الفراغ عن الكل فيكفى فيه مجرد الفراغ عنه. لان التقييد بذلك انما ورد في موارد التجاوز عن الاجزاء لا بالنسبة إلى الفراغ عن الكل. ولا يخفى ان الخلاف الواقع في اتحاد القاعدتين وتعددهما لا دخل له بهذا التفصيل، فانه لا ينافى وحدة القاعدتين ايضا لعدم المانع في تقييد احد فردي عام واحد بقيد لا يجرى في سائر افراده. هذا ولكن المحقق النائيني (قده) بنى هذه المسألة والتفصيل الذى اختار فيه على ما اختاره في اصل القاعدة من انه ليس هناك الا قاعدة واحدة وهى قاعدة الفراغ الجارية في الافعال المستقلة، لكن الشارع المقدس نزل خصوص اجزاء الصلوة منزلة الافعال المستقلة بمقتضى حكومة الادلة الواردة فيها عليها. فبعد هذا التنزيل تجرى القاعدة في اجزاء الصلوة فقط. ولكن حيث ان ادلة التنزيل مقيدة بخصوص موارد الدخول في الغير، ولا مانع من تنزيل شئ مقام شئ مع قيود خاصة ليست في المنزل عليه، كان اللازم اعتبار الدخول في الغير في موارد قاعدة التجاوز دون غيرها. هذا وقد عرفت سابقا ضعف ما اختاره من المبنى، وانه ليس في اخبار الباب من لسان التنزيل والحكومة عين ولا اثر وان جميع ما ورد في باب قاعدة التجاوز والفراغ تفرغ عن لسان واحد من دون ان يكون احدهما ناظرا إلى الآخر وتنزيل شئ منزلة آخر. مضافا إلى ان لفظ (الشئ) الوارد في اخبار قاعدة الفراغ عام يشمل الافعال المستقلة

[ 244 ]

واجزاء المركبات الشرعية مثل الركوع والسجود وغيرهما. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما يقتضيه الانصاف هو ان الدوران لو كان بين احتمال التقييد، وبين الاخذ بالاطلاق وحمل القيد على القيد الغالبى (مع تسليم كون القيد هنا قيدا غالبيا) لم يكن مجال للترديد في ترجيح جانب الاطلاق فان المفروض ان ادلة التقييد في نفسها قاصرة عن الدلالة عليه بعد كونها واردة مورد الغالب. الا ان الكلام بعد في ان حمل القيد على (الغالب) ليس باولى من حمل اطلاق المطلق عليه وانصرافه إلى الغالب. فاذن يكون المطلقات ايضا قاصرة في نفسها عن الدلالة على شمول الحكم وعمومه، ونتيجة ذلك وجوب الاخذ بها في القدر المتيقن منها اعني خصوص الموارد التى يكون القيد موجودا - وهو موارد الدخول في الغير - لا غير. غاية ما في الباب ان هذا ليس من جهة قيام الدليل على التقييد بل من ناحية قصور المطلقات عن اثبات ازيد منه. هذا ولكن الذى يسهل الخطب ويرفع الغائلة هو انه وان لم نعتبر الدخول في الغير في موارد قاعدة التجاوز، الا انه لازم لتحقق عنوان (المضى والتجاوز) فنفس هذا العنوان لا يتحقق الا بالدخول في الغير، مثلا إذا شككنا في تحقق جزء من اجزاء الصلوة ووجوده فانما يتحقق التجاوز عن محله إذا دخلنا في جزء آخر منها أو مقدمة له، وبدونه فالمحل باق لم يتجاوز عنه. وهذا بخلاف موارد الفراغ عن الكل فان عنوان (المضى أو غيره من اشباهه) تتحقق بوجود آخر جزء منه مثل التسليم في الصلوة، وان لم يدخل في غيرها (فح) يكون التقييد بالدخول في الغير في خصوص (الاجزاء) من باب عد تحقق عنوان التجاوز والمضى بدونه، فهذا القيد لا يكون في الواقع قيدا بل يكون من باب تحقق الموضوع (ولكن ليعلم ان هذا انما هو في مورد الشك في اصل وجود الجزء لا ما إذا شك في صحته بعد العلم بتحققه ووجوده).

[ 245 ]

فتحصل من جميع ما ذكرنا ان الاقوى عدم اعتبار الدخول في الغير في موارد القاعدتين - سواء قلنا باتحادهما أو تعددهما - الا ما يتحقق به موضوع المضى والتجاوز، نعم يستثنى من ذلك بعض مواردها لورود دليل خاص فيه كما سيأتي ان شاء الله، وبهذا البيان تنحل عقدة الاشكال وترتفع الغائلة. ويؤيد ما ذكرنا ظهور التعليل الوارد في روايتي (بكير بن اعين) و (محمد بن مسلم) بقوله (ع): هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) وقوله (ع): (وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك) لرفضه كل قيد سوى عنوان (البعدية) ومن الواضح ان ظهور التعليل مقدم على غيره عند التعارض مع ما عرفت فيها من ضعف الدلالة. وكذلك بناء العقلاء على العمل بالقاعدة ايضا ينفى اعتبار هذا القيد، لانه يدور مدار مضى العمل والفراغ عنه ولا دخل للدخول في الغير فيه كما هو ظاهر. نعم يبقى في المقام شئ وهو انه ما المراد من الغير بناء على القول باعتباره وهل هو كل فعل مغاير للمشكوك فيه أو يعتبر فيه قيود خاصة وسنبحث عنه في الامر الاتى ان شاء الله.

[ 246 ]

5 - المراد من (الغير) ماذا؟ قد وقع الكلام بين الاعلام ايضا في ان الذى يعتبر في تحقق التجاوز عن محل الشئ هل هو الدخول في مطلق الغير (بناء على اعتبار الدخول في الغير) ولو كان مقدمة للجزء الآتى، كالهوى للسجود والنهوض للقيام، اولا يكفى الا الدخول في الاجزاء الاصلية.؟ والمشهور عدم الاكتفاء بمطلق الغير وظاهر الروايات ايضا ذلك، لظهور قوله عليه السلام: (ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وان شك في السجود بعد ما قام فليمض) في مقام التوطئة لذكر الكبرى الكلية بقوله: (كل شئ شك فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه) في ان الغير لابد وان يكون من الاجزاء الاصلية وان لا غير اقرب إلى (الركوع) من (السجود) والى (السجود) من (القيام). اللهم الا ان يقال ان ذكر المثالين ليس من جهة اعتبار الدخول في الاجزاء الاصلية المستقبلة، بل من باب انهما مما يكثر الابتلاء بهما، وان الشك في حال الهوى أو النهوض نادر، فانه يحصل عادة بعد ما استقر في الغير وقبله لا تغيب صورة الفعل غالبا عن الذهن. ويؤيد ما عليه المشهور رواية عبد الرحمن (قال قلت لابي عبد الله (ع) رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوى جالسا فلم بدر أسجد ام لم يسجد؟ قال: يسجد، قلت: الرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوى قائما فلم يدر أسجد ام لم يسجد قال سجد) (1) فان المدار فيها الاجزاء الاصلية لا مقدماتها. ولكن تعارضها رواية اخرى له عن ابى عبد الله (ع) قال قلت له (ع): رجل اهوى إلى السجود فلم يدر اركع ام لم يركع قال قد ركع) (2) فان ظاهر قوله: اهوى إلى السجود عدم بلوغه حده. ورواية فضيل بن يسار قال قلت لابي عبد الله (ع): استتم قائما فلا ادرى ركعت ام لا؟ قال: بلى قد ركعت فامض في صلوتك فان ذلك من الشيطان (3). 1 - رواه في الوسائل في ابواب السجود الباب 15. 2 و 3 - رواه في الوسائل في ابواب الركوع الباب 13.

[ 247 ]

هذا ولكن الرواية الاخيرة لا تخلو عن شوب ابهام فان المراد من الاستتمام قائما يمكن ان يكون استتمامه بعد السجود الثاني، فلو شك في ركوع الركعة السابقة لا يعتنى به، كما احتمله شيخ الطائفة (قدس الله سره الشريف). واما احتمال ارادة الاستتمام قائما في نفس تلك الركعة فبعيد جدا لعدم تصوير وجه صحيح له، وما ذكره المحقق الاصفهانى (قدس سره) في نهاية الدراية في توجيهه من: ان المراد انحنائه للركوع ثم استتمامه القيام مع الشك في انه ركع ام لا فهو امر نادر بعيد الوقوع كما لا يخفى. هذا مضافا إلى ان القيام بعد الركوع بنفسه من الوجبات فهو من قبيل الدخول في جزء آخر من الافعال الاصلية لا من باب الدخول في مقدمة الاجزاء. ويحتمل ورودها في كثر الشك لقوله (ع): فانما ذلك من الشيطان - كما احتمله صاحب الوسائل بعد ذكر احتمال الشيخ. واما الرواية الاولى فظهورها وان كان في الهوى الذى من المقدمات الا ان حملها على آخر مراتب الهوى الذى يصل إلى حد السجود بقرينة غيرها من الروايات التى ذكرناها آنفا - لا سيما مع ذهاب المشهور إلى عدم الاعتناء بمقدمات الافعال، ليس ببعيد فتأمل. فتحصل من جميع ذلك ان الذى يقتضيه الجمع بين روايات الباب هو عدم الاعتناء بالدخول في مقدمات الافعال عند اجراء القاعدة وانه يجب الدخول في فعل آخر اصلى. وهذا لا ينافى ما ذكرنا آنفا من ظهور روايات القاعدة في كفاية مطلق الفراغ، وكذا التجاوز الحاصل بالدخول في فعل غيره اياما كان، لانه لا مانع من ان يكون هذه حكما تعبديا في خصوص مورده فقد اسقط الشارع هنا حكم مقدمات الافعال ولم يعتن بها، ولا ينافى ذلك بقاء الاطلاق على حاله بالنسبة إلى سائر موارد القاعدة، ولعل الحكمة في حكم الشارع بذلك ان صورة الجزء السابق لا تنمحي عن الذهن غالبا قبل الانتقال إلى جزء آخر

[ 248 ]

مباين له، فحالة الذكر الحاصلة حين الفعل باقية قبل الانتقال إلى الجزء الثاني فتأمل وان ابيت عن قبول هذه الحكمة فالحكم تعبد محض في مورده. واما التفصيل بين الوضوء والصلوة بعدم اعتبار الدخول في الغير في الاول دون الثاني أو بالعكس، فهو ضعيف جدا يدفعه اتحاد الدليل في البابين، كما ذكره شيخنا العلامة الانصاري (قده). واما قوله في رواية زرارة: (فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى، في الصلوة أو غيرها، فشككت في بعض ما سمى الله مما اوجب الله عليك فيه وضوئه لا شئ عليك فيه) (1) فالظاهر انه ليس قيدا شرعيا ولعل الوجه فيه هو جريان العادة بان صورة الفعل لا تذهب عن الذهن عادة قبل صيرورته إلى حال آخر، واشتغاله بفعل مباين له. ولذا جعله مقابلا لما ذكر في صدر الرواية بقوله: إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدرأ غسلت ذراعيك ام لا؟ فاعد عليهما، إلى ان قال: ما دمت في حال الوضوء. فلو كان القيد قيدا شرعيا كان هناك صورة ثالثة لم يذكرها الامام (ع) مع ان ظاهرها كون الامام (ع) بصدد بيان جميع صور المسألة بما ذكره من الشقين. ومنه يظهر الجواب عن الاستدلال بالحديث الثاني اعني صدر رواية ابن ابى يعفور (إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فشكك ليس بشئ، انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه). فانه لا مناص من حمل القيد على ما ذكرنا أو شبهه، كما يشهد به ذيل الرواية ايضا فانه خال عن هذا القيد مع انه من قبيل الكبرى له. هذا مضافا إلى احتمال رجوع الضمير في قوله (دخلت في غيره) إلى غير هذا الجزء فيكون حال اجزاء الوضوء حال اجزاء الصلوة، وهذا الحكم وان كان مخالفا للمشهور بل مخالفا لغيرها من الروايات كما سيأتي، الا ان هذا الاحتمال في نفسه اقرب إلى ظاهر الرواية، وكونها غير معمول بها على هذا التقدير لا يوجب حملها على غيره، ما لم يقم قرينة لفظية أو حالية عليه فتدبر.


1 - رواه في الوسائل في ابواب الوضوء الباب 42.

[ 249 ]

6 - المحل الذى يعتبر التجاوز عنه شرعى أو عقلي أو عادى؟ قد عرفت ان ظاهر اطلاقات اخبار الباب عدم الاعتناء بالشك في الشئ بعد مضيه، أو التجاوز عنه، أو الخروج منه، وان هذه العناوين (المضى والتجاوز والخروج) انما تصدق حقيقة في موارد يعلم بوجود اصل الشئ مع الشك في تحقق بعض ما يعتبر فيه من الاجزاء والشرائط، فهيم غير صادقة في الموارد التى يشك في اصل وجود الشئ حقيقة فلا تشمل مورد قاعدة التجاوز الذى يكون الشك فيه في اصل وجود الركوع أو السجود أو غير هما مثلا. الا ان تطبيق هذه الكبرى في غير واحد من الاخبار على هذه الموارد، يدل على ان المراد من التجاوز عن الشئ اعم من التجاوز عنه حقيقة وبالعناية (بالتجاوز عن محله) وهذا اطلاق شايع ذايع. (فح) يقع الكلام في ان المراد ب‍ (محل الشئ) ماذا؟ فانه يتصور على انحاء: 1 - المحل الشرعي - وهو المحل المقرر للشئ شرعا، ولا يخفى ان المراد منه هو المحل الذى يعتبر اتيانه فيه اولا وبالذات وبحسب حال الذكر والاختيار، فمحل السجود قبل الدخول في القيام بحسب جعله الاولى الشرعي وان كان يجوز الرجوع إليه و اتيانه بعد الدخول في القيام إذا تذكر قبل الركوع. فما يقال من ان محل السجود باق قبل الدخول في ركوع الركعة الآتية فاسد لانه محل له في حال السهو والنسيان ولذا لا يجوز تأخيره كذلك عمدا. 2 - المحل العقلي - وهو المحل المقرر له بحكم العقل وبحسب الطبع وقد مثل له شيخنا العلامة الاهرى بمحل (الراء) من تكبيرة الاحرام فانه لابد ان يؤتى بها بلا فصل والالزام الابتداء بالساكن المحال عقلا، ولا يخفى ان هذا القسم (مع غمض النظر عن المثال الذى ذكره (قده) فان الابتداء بالساكن ليس محالا عقلا بل هو كالتقاء الساكن بل ثلاث ساكنات

[ 250 ]

امر ممكن في لغتنا وان لم يقع فيها، حينما وقع في غيرها من لغات الاجانب) راجع إلى المحل الشرعي بالمآل، فان الامر انما يتعلق بالافراد الممكنة لا غير، (فتأمل). 3 - المحل العرفي - وهو المحل الذى قرر له بحكم الطريقة المألوفة، كمحل اجزاء الجملة وآيات السورة، فانه لابد ان يؤتى بها قبل فصل طويل يوجب انمحاء صورتها (كما مثل له). ولكن غير خفى ان هذا ايضا راجع إلى المحل الشرعي، فان المعتبر شرعا في القرائة اتيانها على الطريقة المألوفة، فلو اتى بها على غيرها كانت فاسدة غير مأمور بها شرعا، لعدم صدق اسم الكلام أو السورة أو القرائة عليها عرفا. 4 - المحل العادى - وهو المحل المقرر له بحسب العادة. والعادة اما (عادة نوعية) أو (شخصية) والاولى مثل الاتيان باجزاء الغسل متوالية، فان التوالى وان لم يكن معتبرا فيها شرعا ويجوز الفصل بينها بساعة أو يوم أو ايام، الا انه جرت عادة الناس باتيانها متوالية غالبا، والثانى كمن اعتاد اتيان الصلوة في اول وقتها، فان اول الوقت بالنسبة إليه محل عادى. لا اشكال ولا كلام في الاقسام الثلاثة الاولى، لما عرفت من رجوعها إلى المحل الشرعي، وانما الكلام في القسم الاخير بكلا شقيه، فقد نفاه كثير من اعلام المتأخرين كشيخنا العلامة الانصاري والمحقق الخراساني والمحقق الاصفهانى وغيرهم (قدس الله اسرارهم). الا انه قد يحكى عن غير واحد من الاعاظم ممن تقدم، كفخر المحققين وغيره، الميل إلى اجراء قاعدة الفراغ والتجاوز هنا، حتى انهم مثلوا له بمعتاد الموالاة في غسل الجنابة إذا شك في الجزء الاخير منه بل يحكى عن الفخر الاستدلال له بخبر (زرارة)، وبان خرق العادة على خلاف الاصل (انتهى). والذى ينبغى ان يقال: انه كما عرفت ليس في اخبار الباب من لفظ (المحل)

[ 251 ]

عين ولا اثر، حتى يتكلم في المراد منه، وانما المذكور فيها عنوان (الخروج) و (المضى) و (التجاوز) بمعناها الاعم من الحقيقي والمجازي كما عرفت، وفى صدق هذه العناوين على التجاوز عن المحل المعتاد اشكال. لان القدر المعلوم منها المستكشف من الامثلة المذكورة في الروايات هو المحل الشرعي، أو ما يرجع إليه، ولا اطلاق يعتمد عليه بالنسبة إلى غيره كما لا يخفى. هذا ولكن المكلف إذا كان من قصده الاتيان باجزاء الغسل (مثلا) متوالية كان داخلا تحت ملاك التعليل الوارد في الروايات بقوله: (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) وقوله في رواية محمد بن مسلم (كان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك) لما قد عرفت من انه كالصغرى لكبري محذوفة وهى ان الذاكر لا ياتي بما يخالف مقصده ومرامه. ومن الواضح ان المحل الشرعي أو العقلي أو العرفي بما هو لا دخل له في هذا المعنى وانما هو مقدمة لقصد الفاعل إليه، فان الفاعل إذا كان بصدد الاتيان بعمل وكان عالما بان اجزائه مترتبة شرعا على نحو خاص فلا محالة يقصده بهذا الترتيب، وإذا كان قاصدا له بهذا الترتيب - والعاقل لا ياتي بما هو مخالف لمرامه - كان فعله الخارجي منطبقا على قصده، الا ان يكون غافلا اثناء العمل وهو خلاف اصالة عدم الغفلة المأخوذة من ظهور حال الفاعل. والحاصل ان المحل الشرعي أو ما يشبهه لا دخل له في هذا التعليل اصلا، بل هو مبنى على قصد الفاعل ونيته فقط. فلو حصل هذا القصد بعلل اخرى غير الترتب الشرعي، كالعادة، كانت العلة جارية فيها. ومن هنا تعرف ان المحل العادى بما هو لا اثر لها في جريان القاعدة، الا ان تكون العادة كاشفة عن قصد الفاعل، فان الفاعل إذا كان معتادا بعادة نوعية أو شخصية باتيان عمل كالغسل (مثلا) موالية كشفت هذه العادة عن انه حين الفعل قصده بهذه النحو، فيجرى التعليل في حقه، ولو فرض عدم كشف العادة عنه في مقام، لم يعتد بها اصلا. فتدبر فانه حقيق به.

[ 252 ]

هذا ويمكن الاستدلال على اعتبار المحل العادى، بالمعنى الذى ذكرنا، بالسيرة العقلائية التى استدللنا بها لاصل القاعدة، فهل ترى من نفسك إذا كنت بصدد كتابة كتاب أو تركيب معاجين أو محاسبة امور عديدة، وكنت عالما باجزائها وشرائطها، وبعد ذلك شككت في انك اتيت بها صحيحة تامة؟ فهل ترجع إليها مرة بعد مرة وان كان محلها العقلي باقية بعد، أو تعتمد على ما كنت بصدده وتعامل مع ما فعلت معاملة الفعل الصحيح. وهل ترى من نفسك إذا اتيت بغسل الجنابة بقصد رفع الجنابة ثم مضى ايام أو شهور، ثم شككت في الاتيان بالجزء الاخير منه، تعود إليه مرة بعد مرة لان اجزاء غسل الجنابة في نفسها ليس لها محل شرعى يفوت بالفصل الطويل؟. فالانصاف ان الاعتماد على المحل العادى في اجراء القاعدة بالمعنى الذى ذكرنا قريب جدا. ولعل ما حكى عن الفخر وغيره من اعاظم اصحابنا ايضا ناظر إلى هذا المعنى. هذا ولكن الذى منع غير واحد من كبراء الاصحاب عن اختيار هذا القول وجعلهم في وحشة منه، ان فتح هذا الباب يوجب فقها جديدا، فان لازمه انه إذا كان من عادة الانسان الاتيان بالصلوة اول وقته، أو الوضوء بعد الحدث فورا، الحكم بعدم وجوب اتيان بها عليه لو شك آخر وقتها وكذا عدم وجوب تحصيل الطهارة لو شك بعد حدثه بفصل طويل. ولكنه توهم باطل فان ما ذكرنا من البيان يختص بما إذا احرز اقدام الفاعل على العمل قاصدا لاتيان تمام اجزائه وشرائطه ثم بعد ذلك شك في تماميتها، فان هذا الفعل محكوم بالصحة والتمامية، ولو كان المحل الشرعي لتدارك بعض اجزائه باقيا، فان العادة كافية هنا، واما إذا شك في اصل وجوده ولم يحرز اقدام المكلف على العمل قاصدا له كذلك فلا. ولعل ما حكى عن الفخر وغير واحد من الاعاظم الاصحاب ايضا ناظرة إلى هذا المعنى فانهم مثلوا بغسل الجنابة لمعتاد الموالاة إذا شك في الجزء الاخير منه ومن الواضح ان هذا لا يوجب فقها جديدا ولا ما يستوحش منه من الفتاوى (فافهم).

[ 253 ]

7 - عموم القاعدة لجميع ابواب الفقه لا يخفى ان مورد جريان قاعدة التجاوز، بالنسبة إلى الاجزاء عند الشك في اصل وجودها، وقاعدة الفراغ بالنسبة إلى مجموع العمل عند الشك في بعض ما يعتبر فيها، وان كان في غير واحد من اخبار الباب هو (الصلوة) و (الطهور) الا ان اطلاقات الاخبار لا تختص بهما، بل يشملها وغيرهما من ساير العبادات، بل المعاملات من العقود والايقاعات، وغيرها، وقد عرفت انها تشير إلى كبرى واحدة تحتوى على القاعدتين معا. فلو شك في صحة عقد أو ايقاع بعد الفراغ عنه ومضيه لم يعتد بالشك ويمضى عليه كما هو، وكذا لو شك في صحة غسل ميت وكفنه ودفنه فان العمومات والاطلاقات تقتضي صحتها بعد مضيها، ولا وجه لتخصيصها بباب الصلوة والطهارة، أو ابواب العبادات، والقول بانها القدر المتيقن في مقام التخاطب فلا تشمل العمومات غيرها، كما ترى، لما تحقق في محله من ان مجرد وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يضر باطلاق الدليل، والا اشكل الامر في جميع الاطلاقات الواردة في الاخبار، التى وقع السؤال فيها عن موارد خاصة، ولا يظن باحد الالتزام به في ابواب الفقه، هذا مضافا إلى ان بعض الاخبار العامة غير وارد في مورد خاص ودعوى القدر المتيقن فيه ايضا باطل جدا. ولكن في اجراء قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الكمات واجزاء عقد البيع ونحوه اشكال يظهر وجهه بما سيأتي في الفصل الاتى ان شاء الله. وقد عرفت سابقا ان الفقيه المتتبع الماهر صاحب الجواهر تمسك بهذه القاعدة في مسألة الشك في عدد اشواط الطواف، بعد الفراغ منه، مضافا إلى ما ورد فيها من الروايات الخاصة، ولعل المتتبع في كلماتهم يقف على غيره مما يتمسك فيها بهذه القاعدة. وصرح في الجواهر ايضا في باب الشك في افعال الوضوء: (ان هذه القاعدة محكمة في الصلوة وغيرها من الحج والعمرة وغيرهما) (1)


1 - المجلد الاول ص 355

[ 254 ]

8 - عمومها للاجزاء غير المستقلة هذا كله بالنسبة إلى عدم اختصاصها بابواب الطهارة والصلوة، وشمولها لجميع ابواب الفقه، واما بالنسبة إلى الاجزاء غير المستقلة (أي اجزاء كل جزء) مثل آيات الحمد و كلمات جملة واحدة، فقد استشكل بعضهم كالمحقق النائيني (قده) في جريان قاعدة التجاوز فيها حينما صرح آخرون في تعليقاتهم (على العروة الوثقى) بجريانها فيها وغاية ما يمكن ان يقال في وجه المنع امران: احدهما ان اطلاقات الادلة بطبعها الاولى لا دلالة لها الاعلى قاعدة الفراغ بالنسبة إلى مجموع العمل، ولكن الاخبار الخاصة وبعض الاخبار العامة المصدرة بالشك في اجزاء الصلوة، من الركوع والسجود، كدليل حاكم عليها توجب سعة دائرتها، ومن المعلوم ان القدر الثابت من الدليل الحاكم هنا هو الاجزاء المستقلة واما بالنسبة إلى اجزاء الجزء فلا. وانت خبير بان هذا يبتنى على ما اختاره المحقق المذكور (قدس سره) في اصل بناء القاعدتين، وقد اشرنا إلى فساده غير مرة، وانه بناء على تعددهما كل واحد مستقل بالجعل، وبناء على اتحادهما كلاهما متساوي الاقدام بالنسبة إلى اطلاقات ادلتهما. ثانيهما - ان قاعدة التجاوز تقتضي عدم الاعتداد بالشك في الجزء بعد ما جاوز (محله الشرعي)، ومن المعلوم ان الاجزاء غير المستقلة مثل (الله) و (اكبر) في تكبيرة الاحرام ليس لها محل شرعى تعبدي، وانما يكون هذا الترتيب الخاص من (مقومات التكبير) بحيث لو قال: (اكبر الله) كان آتيا بما هو مباين للمأمور به لا آتيا به في غير محله. وهذا المعنى بالنسبة إلى حروف كلمة واحدة اظهر، فاجراء القاعدة في مثل هذه الاجزاء محل تأمل واشكال.

[ 255 ]

وفيه: ان محل اجزاء الجزء ليس دائما من قبيل مقوماتها بحيث إذ حولت اجزائه عن محلها صار امرا مغايرا له، أو غلطا رأسا، كما في جزئي تكبيرة الاحرام، ففى مثل ذلك ربما نقول بعدم جريان قاعدة التجاوز فيه مطلقا، ولكن قد يكون من قبيل آيات السورة الواحدة، وتغييرها عن محلها يكون من قبيل تغير الاجزاء الاصلية للصلوة عن محالها كما لا يخفى، فكل من هذه الايات مأمور بها، ولها محل شرعى بحسب نزول الايات اوامر النبي صلى الله عليه وآله بقرائتها كذلك، على تفصيل في محله، فإذا شك في قرائه الاية السابقة يصدق انها (شئ) شك فيه وقد جاوز عنه ودخل في غيره. فعموم لفظ (الشئ) كعنوان (التجاوز) و (الدخول في الغير) (لو قلنا باعتباره) شامل لها، بل يمكن القول بشمولها لجزئي التكبير لما قد عرفت سابقا من ان عنوان (المحل) فضلا عن (المحل الشرعي) غير موجود في روايات الباب حتى يتكلم فيه، بل المذكور فيها عنوان الشئ والتجاوز وامثالهما، وهى صادقة بالنسبة إلى كلمة (الله) بعد الدخول في (اكبر) نعم في خصوص هذا المورد اشكال ناش من ان جريان القاعدة انما يكون بعد احراز عنوان الصلوة، ومع هذا الشك لم يحرز دخوله في الصلوة بعد فتأمل. وان سلمنا ورود الاشكال هنا فجريان القاعدة في غيرها سليمة عنه، نعم في اجراء القاعدة في اجزاء كلمه واحدة بل الكلمات المتقاربة كجزئي تكبيرة الاحرام وما شابهها اشكال آخر، وهو قوة انصراف الاطلاقات عنها، لا سيما بعد ملاحظة التعليلات الواردة فيها، فان صورة العمل لا يكاد يخفى عن الذهن عادة بمجرد ذلك الزمان القليل فلا يصدق في حقه انه في الحرف الاول اذكر منه في الثاني، بل هو بعد كانه في محل الفعل غير متجاوز عنه، فالاخذ بالاطلاق بالنسبة إليها مشكل جدا. نعم لو كان الشك في آيات السورة، أو فصول الاذان والاقامة، لا سيما في الايات والفصول المتباعدة لم يبعد الاخذ بها.

[ 256 ]

بقى هنا شئ: وهو انه هل تجرى قاعدة (التجاوز) في الاعمال المستقلة كما تجرى في اجزائها، فيحكم بتحققها بعد التجاوز عن محلها، أو الدخول في عمل مستقل بعدها، اولا؟ مثلا: إذا دخل في صلوة العصر فشك في انه صلى الظهر ام لا؟ فهل يحكم بتحقق صلوة الظهر بمقتضى القاعدة لا من ناحية شرطية ترتب العصر عليها (فان ذلك امر راجع إلى باب الاجزاء والشرائط) بل من ناحية نفس صلوة الظهر، بحيث لا يجب الاتيان بها ولو بعد صلوة العصر، أو يجب الاتيان بها؟. قد يقال: ان القاعدة كما تجرى في مثل (الاذان والاقامة) بعد الدخول في الصلوة لورود النص فيها كما مر، كذلك تجرى في مثل صلوة الظهر في المثال المذكور وشبهها، نعم بناء على تعدد القاعدتين وتوهم اختصاص دليل قاعدة التجاوز بخصوص اجزاء الصلوة وما هو كالشرط ولو لكمالها كالاذان والاقامة، لم تجر في غير الاجزاء وشبهها. هذا ولكن التحقيق عدم جريان القاعدة في مفروض المسألة، ولو قلنا باتحاد القاعدتين ودخولهما تحت عنوان واحد شامل لجميع الابواب (كما هو المختار) وذلك لان صلوة الظهر لها اعتباران: اعتبار من ناحية نفسها واعتبار من ناحية ترتب العصر عليها، وموضوع (التجاوز) في مفروض المسألة انما يصدق بالاعتبار الثاني، فان محل صلوة الظهر، من ناحية اشتراط ترتب العصر عليها، يمضى بالدخول في العصر، ولكن محلها بالاعتبار الاول وفى نفسها باقية إلى آخر وقتها الممتد إلى الغروب، ولذا أو نسيها وتذكر بعد صلوة العصر وجب الاتيان بها، وان شئت قلت الترتيب شرط لصحة صلوة العصر لا لصحة الظهر، فإذا لم يصدق عنوان التجاوز عليها بهذا الاعتبار كيف تجرى القاعدة فيها؟. نعم بعد مضى وقتها ودخول وقت آخر يحكم بتحققها بمقتضى عموم هذه القاعدة،

[ 257 ]

ولم لم يكن هناك دليل آخر يدل على عدم الاعتناء بالشك بعد الوقت. ثم لا يخفى عليك انه لا فرق في ذلك بين القول بكون القاعدة امارة وبين كونها اصلا، لما عرفت سابقا من ان الامارة انما تثبت آثار الواقع في خصوص موردها لا بالنسبة إلى غيره (فراجع ما ذكر هناك).

[ 258 ]

9 - جريان القاعدة عند الشك في صحة الاجزاء لا اشكال في جريان القاعدة عند الشك في صحة المركب، كالصلوة والوضوء، إذا شك فيه من جهة الاخلال ببعض ما يعتبر فيها من الاجزاء والشرائط. وهل تجرى في موارد الشك في صحة (الجزء) كما إذا شك في صحة القرائة أو الركوع من جهة الاخلال ببعض ما يعتبر فيها من الشرائط، فيحكم بصحتها بمقتضى القاعدة، أو تختص بالشك في اصل وجود الاجزاء، كما هو مورد احاديث الباب، ولا تجرى عند الشك في صحتها؟. الحق انه لو قلنا باتحاد القاعدتين كما هو المختار فلا اشكال في كون الحكم عاما للكل و اجزائه، وذلك لما عرفت من انه بناء على هذا يكون قوله (كل ما شككت فيه مما قد مضى) وشبهه من اخبار الباب عاما شاملا للشك في الشئ بعد الفراغ والتجاوز عنه، من غير فرق بين الكل والجزء، ولا بين التجاوز عن نفسه (بان يكون اصل وجوده محرزا) وبين المضى عن محله (بان يشك في اصل وجوده) غاية الامر ان صدق التجاوز والمضى في الاول حقيقي وفى الثاني بنوع من العناية والادعاء. اما إذا قلنا بتغاير القاعدتين، واختصاص قاعدة التجاوز بالاجزاء، كاختصاص قاعدة الفراغ بالكل، فقد يشكل الامر من جهة ظهور اخبار قاعدة التجاوز في الشك في اصل وجود الجزء، لا في صحة بعد الفراغ عن وجوده، كما قيل باختصاصها باجزاء الصلوة و عدم جريانها في غيرها، ولا دليل على التعميم هنا الا امور: احدها - ان الشك في صحة الجزء راجع إلى الشك في (وجود الشئ الصحيح) على نحو كان التامة، فعموم القاعدة يشملها. وفيه: انه خلاف ظاهر الاخبار على هذا المبنى، لانها ظاهرة في الشك في اصل

[ 259 ]

وجود الشئ من رأس، لا وجود الشئ بصفة الصحة. ثانيها - ان عمومها وان كان لا يشمله في بدء النظر الا انه شامل له بتنقيح المناط، لعدم خصوصية في هذا الفرد، اعني الفرد الذى يشك في اصل وجوده. بل يمكن دعوى الفحوى والاولوية القطعية، لان الشك في اصل وجود الجزء إذا كان داخلا تحتها كان الشك في صحته بعد احراز وجوده اولى واقرب - وهذا الوجه حسن جدا. ثالثها - ان يستند في هذا التعميم إلى ان اصالة الصحة في فعل المسلم اصل برأسه، ومدركها ظهور حال المسلم كما قال فخر الدين في الايضاح: (ان الاصل في فعل العاقل المكلف الذى يقصد برائة ذمته بفعل صحيح وهو يعلم الكيفية والكمية، الصحة) ذكر هذا الوجه شيخنا العلامة الانصاري ثم استشهد له بعموم التعليل في قوله (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) (انتهى). اقول - هذا راجع إلى ما اشرنا إليه غير مرة من ان اصالة الصحة كما تجرى في افعال الغير كذلك تجرى في فعل النفس، وانها مما جرت عليه سيرة العقلاء في افعالهم واحتجاجاتهم، وان التعليل الوارد في هذه الرواية ورواية محمد بن مسلم (هو حين انصرف اقرب إلى الحق منه حين يشك) اشارة إلى هذه السيرة العقلائية.

[ 260 ]

10 - جريان القاعدة في (الشرائط) قد عرفت انه لا اشكال في جريان القاعدة في الاجزاء عموما كما هو المختار، أو خصوص اجزاء الصلوة كما هو مذهب بعض، ولكن في جريانها في الشرائط كلام واشكال و اختار كل مذهبا: فمن قائل بعدم جريانها فيها مطلقا، ولزوم اعادة المشروط ولو شك بعد الفراغ عنه، فيجب اعادة الصلوة بعذ الفراغ عنها إذا شك في شئ من الطهارة وشبهها، نقله شيخنا العلامة الانصاري عن بعض اصحابنا ولم يسم قائله. وهو مذهب عجيب، لا وجه له اصلا لعدم قصور في النصوص الخاصة الدالة على عدم الاعتناء بالشك في الصلوة والطهور بعد مضيهما، ولا في الروايات المطلقة ولا من حيث الفتوى. ومن قائل بجريانها فيها مطلقا - حتى قال بعضهم بان جريانها فيها يوجب احراز وجود الشرط حتى بالنسبة إلى الاعمال الآتية، فلا يجب تحصيل الطهارة على من شك في صلوة بعد الفراغ عنها من ناحية الشك في الطهارة حتى بالنسبة إلى الصلوات الآتية. وهذا القول ايضا جائر عن فصد السبيل، قد عرفت فساده سابقا. ومن قائل بجريانها بالنسبة إلى نفس العمل المشروط، اما مطلقا، واما في خصوص ما إذا فرغ عن المشروط كله، واما إذا كان في الاثناء فلا تجرى فيه. والتحقيق ان الشرط دائما يكون من قبيل الكيفيات أو الحالات المقارنة للمشروط، خلافا لما ذكره غير واحد من المحققين في المقام من امكان كون الشرط عملا مستقلا يؤتى به قبل المشروط، كما في الوضوء بناء على ما يستفاد من ظاهر قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلوة الخ) فان هذا خلاف مفهوم الشرط فالشرط دائما من قبيل الحالات والاوصاف والكيفيات المقارنة، التى يكون تقييدها داخلا في المشروط دون ذواتها، وهذا هو الفارق بينه وبين الجزء.

[ 261 ]

واما الوضوء لو قلنا بكونه شرطا بعينه (لا الطهارة الحاصلة منه) فالشرط في مورده حقيقة هو تأخر الصلوة عنه، وهو صفة لاحقة للصلوة، والا فالعمل المستقل المأتى به قبلا أو بعدا إذا لم ينتزع منه عنوان (التعقب) أو (اللحوق) أو مثلهما الذى يكون من الاوصاف المقارنة للمشروط لا معنى لكونه شرطا. هذا ولكن الشرط من ناحية استقلال منشأ انتزاعه في الوجود، وعدم استقلاله، على اقسام: احدها - ما يستقل في الوجود ولا يمكن تحصيلها لمجموع المشروط الا قبله، كالطهارة، فان تحصيلها لمجموع الصلوة لا يكون الا قبلها. ثانيها - ما يستقل في وجوده، ولكن يمكن تحصيله في الاثناء لكل جزء، كالاستقبال والستر وغيرهما. ثالثها - ما لا يستقل في وجوده، كالموالاة فانها ام ينتزع من نسبة خاصة بين اجزاء الصلوة، وليست كالطهارة أو الاستقبال حتى يمكن تحصيلها ولو بدون الصلوة. ففى جميع هذه الاقسام إذا كان الشك بعد الفراغ عن المشروط بتمامه، كما إذا شك بعد التسليم في شئ منها فلا اشكال في جريان القاعدة فيها والحكم بصحتها، لشمول اطلاقات الادلة على جميع المباني، نعم يجب تحصيل الشرط المشكوك للاعمال الآتية لما اشرنا إليه في الامر الرابع فراجع. واما إذا كان الشك في اثنائها فقد يقال بانه لا اشكال ايضا في جريان القاعدة في القسم الاول، لان المفروض عدم امكان تحصيله الا قبل العمل، فهو امر قد تجاوز عنه ودخل في غيره. وهذا انما يتم إذا قلنا بشرطية نفس الوضوء مثلا، وقد عرفت ما فيه من الاشكال، و اما إذا قلنا بشرطية الطهارة الحاصلة منها فاجرائها فيه مشكل، والوجه فيه ان مجرد عدم امكان تحصيله الا قبل العمل لا دخل له فيما نحن بصدده، لان المأمور به هو الحالة الحاصلة منه، المقارنة للعمل، وما يؤتى به قبله فهو من قبيل المقدمة له، ومجرد ذلك لا يوجب

[ 262 ]

صدق المضى والتجاوز عنه الا بالمسامحة، فاجراء القاعدة في هذا القسم مشكل جدا. واما القسم الثاني فلا يبعد جريان القاعدة فيه بالنسبة إلى الاجزاء السابقة، مع وجوب تحصيله للاجزاء الآتية، فلو شك في اثناء صلوته في استقبال القبلة في بعض الركعات السابقة، وهو مستقبل القبلة لما فيه من الركعة، امكن الحكم بصحة صلوته ودخل في قوله: (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) وقد عرفت عدم الفرق بين المركب و اجزائه في ذلك. هذا ولكن قد يستشكل عليه تارة: بان شرطية الاستقبال وشبهه امر (وحداني) بالنسبة إلى مجموع الصلوة ومحله هو المجموع، فما دام المصلى مشتغلا بالصلوة محله باق ولم يتجاوز عنه. وفيه - ان مثل هذا الشرط وان كان امرا واحدا في مجموع الصلوة، الا انه ينحل بالنسبة إلى كل جزء من اجزاء الصلوة، وكان داخلا تحت عنوان (الشئ) الوارد في الاخبار. هذا مضافا إلى ان الاشكال انما يتوجه لو اريد اجراء القاعدة بالنسبة إلى نفس الشرط، وما إذا لوحظت بالنسبة إلى نفس الاجزاء المشروطة به، فلا وجه للاشكال فيها اصلا. واخرى بان الشرائط لا محل لها حتى يصدق التجاوز عنها، فانها من قبيل الكيفيات والحالات العارضة للاجزاء، فالتجاوز عنها انما يكون عرضيا بتبع التجاوز عن الاجزاء لا حقيقيا، فلا يمكن اجراء القاعدة فيها. وفيه مضافا إلى ان التجاوز عن الشرط، بتبع التجاوز عن محله من الاجزاء، كاف في صدق عنوان التجاوز عنه، فان هذا مصداق التجاوز حقيقتا لا مجازا ومسامحة، فالتستر أو الاستقبال المقارن للقرائة امر يتجاوز عنه حقيقتا بعد الدخول في الركوع، ان هذا الاشكال كالاشكال السابق انما يتوجه إذا جعل نفس الشرط موردا للقاعدة، واما إذا كانت الاجزاء موردا لها من جهة الشك في صحتها وتماميتها بعد الفراغ عنها أو التجاوز عن محلها فلا يبقى مورد له، وذلك لما مرت الاشارة إليه من ان الشك في صحة الجزء كالشك

[ 263 ]

في اصل وجوده مشمول لعمومات القاعدة. واما القسم الثالث من الشرائط فاجراء قاعدة التجاوز فيه وان كان مشكلا، فان الموالاة (مثلا) امر منتزع عن نسبة خاصة بين اجزاء الصلوة وليست شيئا يتجاوز عنه برأسه، فانصراف الاطلاقات عنها قوى جدا، فلا يقال ان الموالاة بين آيات الحمد امر تجاوز عنه ودخل في غيره، الا انه لا مانع من اجراء القاعدة بالنسبة إلى نفس الحمد و السورة أو غيرهما بعد التجاوز عنها والشك في صحتها من ناحية موالاتها. بقى هنا شئ - وهو انه قد يستشهد للقول بالتفصيل بين الشك في الوضوء بعد الفراغ عن الصلوة، والشك فيه في اثنائها، بما رواه على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام (قال سألته عن رجل يكون على وضوء، ويشك على وضوء هو ام لا؟ قال إذا ذكر وهو في صلوته انصرف فتوضأ واعادها، وان ذكر وقد فرغ من صلوته اجزأه ذلك) (1) بناء على ان مورد السؤال هو من يكون على وضوء باعتقاده ثم يشك في ذلك. ولكن فيه ان الاظهر في معنى الرواية هو ان يكون على وضوء في زمان، ثم يشك فيه في زمان بعده، فيكون مجرى للاستصحاب لا موردا لقاعدة الفراغ (وح) اما يحمل هذا الحكم على الاستحباب، كما فعله صاحب الوسائل واما ان يطرح لمعارضته لاخبار الاستصحاب.


(1) رواه في الوسائل في الباب 44 من ابواب الوضوء.

[ 264 ]

11 - لماذا لا تجرى القاعدة في افعال الطهارات الثلث؟ الظاهر انه لا خلاف بينهم في عدم جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء، إذا انتقل من جزء إلى جزء آخر، قبل الفراغ من تمامه. وقد ادعى غير واحد الاجماع عليه. بل لعل نقل الاجماع فيه مستفيض، هذا بالنسبة إلى الوضوء واما الحاق الغسل بالوضوء فهو المشهور كما حكى من طهارة شيخنا العلامة الانصاري، وعن جماعة من ائمة الفقه كالعلامة والشهيدين والمحقق الثاني والعلامة الطباطبائى (قدس اسرارهم) التصريح به، وعن بعضهم النص على الحاق التيمم بهما. هذا حال المسألة من ناحية الفتاوى، والظاهر ان الاصل فيها ما رواه زرارة عن ابى جعفر الباقر عليه السلام: قال إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر اغسلت ذراعيك ام لا فاعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه، مما سمى الله، ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه، وصرت في حال اخرى في - الصلوة أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمى الله مما اوجب الله عليك فيه وضوئه، لا شئ عليك فيه (الحديث) (1) وهذه الرواية صريحة في وجوب الاعتناء بالشك والاتيان بالمشكوك مادام مشتغلا بالوضوء، وان عدم الاعتناء به يختص بصورة الفراغ منه، بل الدخول في حال آخر. ولكن قد عرفت في الامر الخامس ان هذا ليس في الحقيقة من قبيل القيد.


1 - رواه المفيد والشيخ والكليني باسنادهم ورواه في الوسائل في الباب 44 من ابواب الوضوء

[ 265 ]

ويؤيده رواية بكير بن اعين قال قلت له الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك (1) فانها ظاهرة في انه حال الوضوء اذكر، فبمقتضى اذكريته يجب عليه الاعتناء بشكه مادام مشتغلا به ولكن في دلالتها تأمل. لانها غير ناظرة إلى صورة الشك في بعض اجزاء الوضوء بعد انتقاله إلى جزء آخر. واستدل له برواية ثالثة نقلناها سابقا وهى ما رواه ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (ع) قال: إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ، انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه (2) بناء على رجوع ضمير (غيره) إلى (الوضوء) فيكون دالا بمقتضى مفهومه على وجوب الاعتناء بالشك مادام مشتغلا بالوضوء. ولكنك قد عرفت فيما سبق ان رجوع ضمير (غيره) إلى الوضوء، مع قطع النظر عن سائر اخبار الباب والاجماع المدعى عليه في المسألة، غير معلوم، بل الظاهر رجوعه إلى الشئ المشكوك فيه، بقرينة الاطلاق الوارد في ذيلها، فانه دال على ان كل شئ (سواء فيه الكل والجزء) تجاوز عنه ودخل في غيره يمضى عليه، ولا يعتنى بالشك فيه. ويؤيد ما ذكرنا ورود هذا التعبير بعينه في باب اجزاء الصلوة في رواية (زرارة) و (اسماعيل بن جابر) وليس المراد منه هناك الا التجاوز عن الجزء المشكوك فيه والدخول في ساير الاجزاء، فالاستدلال بهذا الحديث في حد نفسه مشكل بل لعله في بدء النظر على خلاف المقصود ادل. ويمكن الاستدلال له ايضا برواية ابى يحيى الوالسطى عن بعض اصحابه عن ابى -


1 - رواه في الوسائل في الباب 44 من ابواب الوضوء 2 - رواه في الوسائل في الباب 44 من ابواب الوضوء

[ 266 ]

عبد الله (ع): قال قلت جعلت فداك اغسل وجهى ثم اغسل يدى، ويشككني الشيطان انى لم اغسل ذراعي ويدى قال: إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد (1) فانه لو كان مجرد التجاوز عن جزء من الوضوء كافيا في عدم الاعتناء بالشك فيه لم يحتج إلى تحصيل امارة قطعية أو ظنية على غسل الذراع (وهو وجدان برد الماء عليه) بل كان مجرد التجاوز عنه كافيا فيه. ولكن الظاهر منه كون الشك في حال الاشتغال بغسل اليد، وكأن منشأ شكه كان هو الوسوسة في افعال وضوئه وتعبير الراوى بقوله: يشككني الشيطان ايضا شاهد عليه، فهذه الرواية اجنبية عن المقصود. فتحصل من جميع ما ذكرنا ان ما يدل على هذا الحكم من السنة، دلالة ظاهرة، منحصر في رواية زرارة، والعجب من شيخنا الانصاري (قدس سره) حيث صرح في الرسالة بورود اخبار كثيرة هنا مخصصة للقاعدة المتقدمة. فاين هذه الاخبار الكثيرة؟!. ومع ذلك رواية زرارة المؤيدة بفتاوى الاصحاب كافى في اثبات هذا الحكم. هذا كله بالنسبة إلى الوضوء ويبعد كون التيمم الذى هو بدل عن الوضوء بحكمه لاقتضاء البدلية ذلك، ولكنه يختص بما إذا كان التيمم بدلا عن الوضوء. واما الغسل، والتيمم الذى هو بدل عنه، فلم نظفر على دليل يدل على استثنائهما، وخروجهما عن الاخبار العامة، الدالة على القاعدة، كاثبات الاجماع عليهما بنحو يكون حجة مشكل جدا. نعم قد يقال بدخولهما في ذيل رواية ابن ابى يعفور التى مرت عليك آنفا، اعني قوله (انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) ولكن قد عرفت انها اجنبية عما نحن بصدده. فاذن لو امكن اثبات الحكم فيهما ببعض الاعتبارات التى سنذكره فهو، والا فشمول الاطلاقات لهما غير بعيد، وطريق الاحتياط فيهما واسع (فتأمل).


1 - رواها في الوسائل في الباب 44 من ابواب الوضوء

[ 267 ]

فتلخص مما ذكرنا ان الطهارات الثلاث كلها أو بعضها خارجة عن تحت القاعدة ولكن يبقى الكلام في وجه خروجها مع انه لا يرى أي تفاوت بينها وبين ساير المركبات الشرعية، كالصلوة والحج وغيرهما في بدء النظر. فهل هو تعبد محض؟ أو يوجد هناك فارق بينها وبين غيرها؟ اختار كل منهم مذهبا: فقال المحقق النائيني (قده) ان خروجها انما هو بالتخصص لما مر غير مرة من ان العمومات على مختاره لا تدل الا على قاعدة الفراغ بالنسبة إلى مجموع العمل، وانه لا دلالة لها بالنسبة إلى الاجزاء، وان الاخبار الواردة في حكم التجاوز عن اجزاء الصلوة حاكمة عليها وتدل على تنزيل اجزاء الصلوة منزلة الاعمال المستقلة التامة، وحيث ان الدليل الحاكم مختص بباب اجزاء الصلوة يبقى غيرها خارجا بحكم الاصل. (انتهى). وقد عرفت فساد هذا المبنى وان ادلة القاعدة عامة، شاملة للاجزاء والكل، وان سياق اخبار التجاوز الواردة في اجزاء الصلوة سياق غيرها من المعمومات، فلا دلالة فيها على التنزيل والحكومة، بل الجميع يشير إلى معنى واحد، فلا يفهم العرف من بعضها شيئا وراء ما يفهم من غيره. وقال شيخنا العلامة الانصاري (قده) ان خروج اجزاء افعال الوضوء وشبهها من حكم قاعدة التجاوز انما هو من باب التخصيص فان الوضوء في نظر الشارع فعل واحد، باعتبار وحدة مسببه، فانه يطلب منه امر واحد غير قابل للتبعيض، وهو الطهارة، فلا يلاحظ كل فعل منه شيئا برأسه، قال وبذلك يرتفع التعارض بين رواية ابن ابى يعفور (وهى قوله: إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فشكك ليس بشئ انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) الدالة على الاعتناء بالشك في اثناء الوضوء، وبين الاخبار السابقة الدالة على عدم الاعتناء بمثل هذا الشك. وكذلك يرتفع التنافى المترائى بين صدر هذا الحديث وذيله، فإذا كان الوضوء

[ 268 ]

في نظر الشارع فعلا واحدا ارتفع الاشكالان ولم يكن حكم الوضوء مخالفا للقاعدة، وبه يوجه حكم المشهور بالحاق الغسل والتيمم بالوضوء، والا لا وجه له ظاهرا (انتهى كلامه). هذا وانت خبير بان مجرد وحدة المسبب (وهو الطهارة) لا توجب لحاظ السبب امرا واحد، والاجرى مثله في الصلوة وغيرها لامكان القول بان المطلوب منها ايضا امر واحد فتأمل، وبالجملة الالتزام بلوازم هذا التوجيه امر مشكل حدا لا يظن انه (قده) يلتزم بها، مضافا إلى ان الحاق الغسل بالوضوء غير معلوم كما مر. والاولى ان يقال بعد كون الحكم في الوضوء من باب التخصيص بدليل خاص وارد في المسألة ان الوجه فيه لعله كون اجزاء الوضوء يؤتى بها في زمان قصير لا يغفل عن حالها غالبا، ولا يكاد تخفى صورتها عادة بمضي هذا المقدار من الزمان، فملاك القاعدة المصرح به في روايات الباب، وهو الاذكرية في حال الفعل بالنسبة إلى حال الشك، مفقود فيها بحسب الغالب. بخلاف ما إذا فرغ من الوضوء وانتقل إلى حال آخر فان انمحاء صورتها عن الذهن ونسيان كيفية العمل فيه امر قريب. ولعل السيرة العقلائية الجارية على عدم الاعتناء بالشك بعد تمامه والتجاوز عنه (بما مر من البيان) ايضا غير جارية في امثال المقام. هذا غاية ما يمكن ان يقال في وجه خروج الوضوء وشبهه عن عموم القاعدة وان ابيت بعد ذلك كله الا عن بقاء لاشكال في تفسير هذا الاستثناء وتوجيه لم يكن قادحا في اصل الحكم بل لابد حمله على التعبد المحض وكم له من نظير في احكام الشرع. ومما ذكرنا يوجد طريق آخر لتعميم حكم الوضوء واجرائه في التيمم والغسل، فتأمل.

[ 269 ]

12 - عدم جريان القاعدة مع الغفلة ان الشك في العمل بعد الفراغ والتجاوز عنه يتصور على اقسام: تارة يكون مع العلم بانه كان ذاكرا له حين العمل، عالما بصحته، ولكن يحتمل انه كان مخطئا في اعتقاده، آتيا به على خلاف ما كان مأمورا به. واخرى مع الشك في كونه ذاكرا له أو غافلا عنه، فكما يحتمل الغفلة يحتمل الذكر. وثالثة مع العلم غافلا محضا ولكن يحتمل الاتيان بما كان مأمورا به من باب الصدفة والاتفاق، كمن يعلم بانه لم يحول خاتمه عن محله حين الوضوء ولكن يحتمل انغسال ما تحته اتفاقا. لا اشكال في جريان القاعدة في الصورتين الاوليين، وانما الكلام في شمول اطلاقات الادلة للثالثة، فقد يقال بعدم شمولها لها، نظرا إلى التعليل الوارد في قوله: (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) فان التعليل بذلك يدل على تخصيص الحكم بمورد احتمال الذكر، وان كان عنوان السؤال عاما، ويمكن ان يقال بشمولها لها وان التعليل من قبيل (الحكمة) للحكم لا (العلة) له، حتى يكون مخصصا. والتحقيق هو الاول لا لمجرد ظهور التعليل الوارد في الرواية، وفى رواية اخرى لمحمد بن مسلم: (وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك) في ذلك بل لان اطلاقات بانفسها قاصرة عن شمولها له، منصرفة عنه، لا سيما مع القول بكون القاعدة من الامارات، ومن باب غلبة الذكر، فان هذا الملاك انما هو في غير صورة العلم بعدم الذكر. هذا مضافا إلى ما عرفت من ان حكم الشارع بحجية القاعدة ليس تأسيسا، بل هو

[ 270 ]

امضاء لما عند العقلاء من الحكم بالصحة بعد الفراغ والتجاوز عن العمل (بل لعل الامر في جميع الامارات الشرعية كذلك، فليس فيها تأسيسا جديدا على خلاف ما استقر عليه نباء العقلاء) ومن الواضح عدم استقرار بناء العقلاء على الحكم بالصحة في صورة الغفلة المحضة. فلا محيص عن الحكم ببطلان العمل في هذه الصورة واعادته بمقتضى قاعدة الاشتغال الا ان يقوم دليل اخرى على الصحة. ويجب التنبيه هنا على امور: الاول - لا يخفى انه إذا كان هناك امارة شرعية كالبينة أو حجة عقلية كالقطع فاعتمد عليها المكلف حين الفعل ثم تبين خطائها بعده، كما صلى إلى جهة يعلم انها قبلة، أو قامت امارة شرعية عليها، ولكن تبين له بطلان منشأ قطعه وفساد الامارة بعد ما صلى ولكنه يحتمل كون الجهة التى صلى إليها قبلة من باب الاتفاق، فلا اشكال في انه محكوم بحكم الغفلة، لان الاحراز المذكور كان فاسدا، مع كون صورة العمل محفوظة عنده، لعلمه بالجهة التى صلى إليها، ولكن لا يعلم انها كنت هي القبلة، أو غيرها؟! فلو صادفت القبلة لم يكن من ناحية (الذكر حين العمل) لان المفروض علمه بعدم كونه اذكر حينه، بل انما هي من باب الصدفة والاتفاق. وليس هذا من قبيل الشك في انطباق (المأمور به) على (المأتى به) كما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) في الامر الخامس الذى ذكره في المسألة بل من قبيل انطباق (المأتى به) على (المأمور به) صدفة واتفاقا عند الغفلة. والعجب منه (قدس سره) انه جعله من ذاك الباب، وعقد له ولاشباهه بابا مستقلا، وكلامه في هذا المقام لا يخلو عن تشويش واضطراب فراجع. الثاني مما يجب التنبيه عليه هو ان المراد بالغفلة هنا هو الغفلة المحضة اعني الذهول عن العمل عند ادائه مطلقا اجمالا وتفصيلا، نظير مسألة الخاتم في الوضوء فان المفروض

[ 271 ]

ذهوله عن غسل ما تحته مطلقا، اجمالا وتفصيلا، فاحتمال الصحة انما يكون من باب الصدقة والاتفاق فقط. واما إذا ارتكز كيفية العمل في النفس اجمالا بسبب التكرار وحصول العادة له، كما في افعال الصلوة والوضوء وغيرهما من العبادات اليومية، بحيث يؤتى بها احيانا متواليا على وجهها الشرعي مع الغفلة عنها تفصيلا، فان ذلك لا يعد من الغفلة بل فيه نوع من الذكر كما اشرنا إليه سابقا، ولولا ذلك كان الذكر التفصيلي غير حاصل لكثير من الناس في اقوالهم وافعالهم وعباداتهم وغيرها فلا يصح التعليل بغلبة الذكر حين العمل بالنسبة إلى العموم. الثالث - ان شيخنا العلامة الانصاري (قده) ذكر في كلام له في المقام انه لا فرق بين ان يكون المحتمل ترك الجزء نسيانا أو تركه عمدا، والتعليل المذكور (هو حين يتوضا الخ) بضميمة الكبرى المتقدمة (هو ان القاصد لفعل لا يتركه عمدا) يدل على نفى الاحتمالين انتهى. وهو منه (قدس سره) عجيب فان العاقل القاصد لفعل شئ مع العلم بشرائطه واجزائه لا يحتمل في حقه ترك الجزء عمدا اصلا، وهذا هو المراد من الكبرى المتقدمة، لا انه يحتمل ذلك في حقه وينفى احتماله بهذه الكبرى تعبدا أو من باب الغلبة، كما في احتمال الترك نسيانا. والحاصل انه لو فرض احتمال ترك الجزء تعمدا لم يجر فيه القاعدة بلا اشكال لانه لا دافع لهذا الاحتمال، ولا يوجد مصحح للعمل معه، فقوله (قده): لا فرق بين ان يكون المحتمل ترك الجزء نسيانا أو تركه تعمدا لا وجه له اصلا.

[ 272 ]

13 - في عدم جريان القاعدة في الشبهات الحكمية لا اشكال في جريان القاعدة في الشبهات الموضوعية، بل هي القدر المعلوم من موردها، المصرح به في كثير من الروايات، فان ما اشتمل منها على ذكر صغرى لهذه الكلية فذلك الصغرى من قبيل الشبهات الموضوعية كما هو واضح، وما كان عاما فالقدر المتيقن منه ذلك. انما الاشكال في جريانها في الشبهات الحكمية، والحق عدم جريانها فيها، فان الشك من ناحية الحكم هنا يتصور على وجهين، لا تجرى القاعدة في شئ منهما. احدهما ان يكون صورة العمل محفوظة عنده ولم يكن في عمله مستندا إلى حجة شرعية من اجتهاد أو تقليد - كمن يعلم انه صلى بلا سورة وكان ذلك عن جهل بالحكم أو غفلة منه ثم بعد الفراغ منها يشك في صحة صلوته من جهة الشك في حكمها الشرعي، وان السورة جزء ام لا، وليس له طريق لاحرازها من اجتهاد أو تقليد، فان قيل بعدم جريان القاعدة فيها وجب الاحتياط باعادتها لاشتغال ذمته والا كان محكوما بالصحة ولم يجب عليه الاعادة. والحق عدم جواز التمسك بها لظهور اخبار الباب في كون الشك في كيفية الوجود الخارجي، فقوله رجل شك في الركوع أو السجود أو الوضوء ظاهر في شكه في كيفية الاتيان بها بعد احراز حكمها، لافى حكمها بعد احراز كيفية وقوعها، لعدم ملاك الا ذكرية فيه وهو واضح، هذا إذا كان صورة العمل محفوظة وكان عمله عن جهل بالحكم. ومنه تعرف انه لو لم يكن صورة العمل محفوظا عنده كما إذا شك الجاهل بالحكم بعد مضى برهة من الزمان في مطابقة اعماله لما كان مأمورا به في الواقع، من جهة عدم انحفاظ صورة عمله، كان خارجا عن محل البحث داخلا في الشبهات الموضوعية، وان كان جريان القاعدة فيها ايضا ممنوعة، نظرا إلى استناد عمله إلى الجهل والغفلة، خلافا

[ 273 ]

لما يترائى من المحقق النائيني من عده من اقسام الشبهة الحكمية. ثانيهما ان يكون صورة العمل محفوظة عنده - كمن يعلم انه صلى بلا سورة - ولكن كان عمله مستندا إلى حجة شرعية من اجتهاد أو تقليد، ثم شك بعد الفراغ عنه في صحته وفساده، من جهة زوال رأيه أو رأى مجتهده وتردده في حكم المسألة من دون العلم بفساده. وجريان القاعدة في هذه الصورة وان كان اقرب من سابقها الا ان الحق عدم جريانها فيها ايضا لما ذكر في الصورة السابقة فراجع وتدبر جيدا.

[ 274 ]

14 - مورد القاعدة خصوص الشك الحاصل بعد العمل لا ينبغى الريب في ان مورد قاعدة التجاوز والفراغ هو الشك الحاصل بعد العمل. فلو كان الشك موجودا من قبل، لكنه غفل عنه ودخل في العمل، ثم بعد الفراغ منه تذكر وتجدد له حالة الشك في صحة عمله وفساده، لم يجز له التمسك بها، ولو قلنا بجريان القاعدة في موارد الفغلة. وذلك كمن شك في الطهارة قبل الصلوة وكان حالته السابقة الحدث، ثم غفل و صلى، مع علمه بعدم تحصيل الطهارة بعد شكه، فإذا سلم توجه إلى ما كان فيه وشك في انه كان على طهارة ام لا، فعليه تحصيل الطهارة واعادة الصلوة. والوجه فيه ظاهر، اما بناء على المختار من عدم جريان القاعدة في موارد الغفلة فواضح، لان المفروض غفلته عن تحصيل شرائطه قبل الصلوة مع وجوب الطهارة عليه بظاهر الشرع بمقتضى الاستصحاب، فلم يكن داخلا تحت قوله (هو حين يتوضا اذكر) أو قوله (وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك) بل لو كان ذاكرا لم يقدم على هذا العمل. وان شئت قلت: مورد القاعدة هو ما كان احتمال الذكر منشأ لاحتمال صحة العمل وحصول شرائطه، وفى المقام لو كان ذاكرا كان عمله محكوما بالفساد في ظاهر الشرع بحكم الاستصحاب الجارى فيه بلا كلام. واما على القول بجريانها في موارد الغفلة، فالامر ايضا كذلك، لا لمجرد ظهور اخبار الباب مثل قوله (الرجل يشك بعد ما يتوضأ) أو قوله (شك في الركوع بعد ما سجد) واشباههما في ان الشك نشأ بعد الفراغ عن العمل أو التجاوز منه، بل لان مجرى القاعدة هو ما إذا كان العمل مبنيا على الصحة ولو في ظاهر الشرع، فلو كان من اول امره مبنيا

[ 275 ]

على الفساد ومحكوما بالبطلان في ظاهر الشرع لم يمكن تصحيحها بالقاعدة بعد الحكم بفساده، والمقام من هذا القبيل، فان الصلوة في مفروض الكلام كان محكوما بالفساد من اول آنات وجودها بحكم استصحاب الحدث، وان كان المصلى غافلا عن هذا الحكم حين الشروع لغفلته ونسيانه، فكيف يصح الحكم بصحتها بعد الفراغ عنها، وهل يرضى بذلك لبيب؟. هذا تمام الكلام في قاعدة التجاوز والفراغ. والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 277 ]

5 - قاعدة اليد

[ 279 ]

ومن القواعد المشهورة التى يتمسك بها في كثير من ابواب الفقه وتدو عليها احكام المعاملات كلها (قاعدة اليد) فبها تدور رحى المعاملات، وبها تنحل عقدها. ويزيد هذا وضوحا ما ستعرف ان شاء الله من ان مرادنا من (اليد) ليس خصوص (يد الملكية) بل نبحث عن (اليد والاستيلاء) بمفهومها العام الشامل ليد المالك، والمستاجر، ومتولي الاوقاف، والمستعير، والودعى، واشباههم، فان كيفية السلطة و الاستيلاء على الاموال المنافع مختلفة، تترتب عليها احكامها كذلك، فالبحث لا يدور على دلالة اليد على الملك فقط بل يعمها وغيرها، فليكن هذا على ذكر منك. واذ قد عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه القاعدة ايضا يقع في مقامات: المقام الاول - في مدرك القاعدة. المقام الثاني - في انها من الامارات أو الاصول العملية؟ المقام الثالث - في انه بما ذا تتحقق اليد؟ المقام الرابع - هل هي حجة حتى إذا كان متعلقها مما لا يجوز بيعه الا بمسوغ خاص، كالوقف؟. المقام - الخامس - هل هي حجة ولو حدثت اولا لا بعنوان الملك؟

[ 280 ]

المقام السادس - هل هي تستقر على المنافع والاعيان كليهما؟ المقام السابع - هل يجوز الشهادة بالملك بمجرد اليد؟ المقام الثامن - هلى هي حجة لصاحبها ايضا؟ المقام التاسع - في عدم حجية يد السارق وشبهه. المقام العاشر - في حجية اليد في الدعاوى الا ما يستثنى.

[ 281 ]

1 - في مدرك القاعدة وملاك حجيتها لا اشكال ولا كلام في حجية اليد ودلالتها على الملك في الجملة، وعليه اجماع علماء الفريقين بل المسلمين جميعا، بل كافة العقلاء من ارباب المذاهب وغيرهم. وهذا الحكم على اجماله من ضروريات الدين، ولكن مع ذلك لابد لنا من استقصاء الادلة الدالة عليه لكى نرجع إليها في ازالة الشكوك الواقعة في حدودها، ونستريح إليها فيما وقع الكلام فيه من فروع القاعدة وجزئياتها. فنقول ومن الله نستمد التوفيق والهداية، يدل على هذا الحكم اعني كون اليد حجة على الملك امور: اولها: اجماع علماء الفريقين عليه بل ضرورة الدين كما عرفت. هذا ولكن في الاستناد إلى الاجماع في هذه المسألة التى يكون فيها مدارك كثيرة اخرى، الاشكال المعروف، من عدم كشفها عن قول المعصوم، بناء على ما اختار المتأخرون من اصحابنا رضوان الله عليهم من حجية الاجماع من طريق الحدس والكشف عن قوله (ع). ثانيها - السيرة المستمرة من المسلمين في جميع الاعصار والامصار على معاملة المالكية مع من بيده عين من الاعيان، فلا يتصرف فيها الا باذنه، كما انه يكتفى باذنه في جواز

[ 282 ]

التصرف فيها، والاشتراء والاستيجار، وكذلك يمضى جميع تصرفاته فيها من الوصية والهبة وغيرها وتورث بمجرد ذلك، وهذا امر ظاهر لا سترة عليه. ولكن الظاهر ان هذه السيرة مأخوذة من بناء العقلاء، فتئول إلى ما سنذكره في الدليل الثالث. ومن هنا يعلم انه لابد في الاعتماد عليها من ضم عدم ردع الشارع منه، فيعتمد عليها في موارد لا يوجد فيها ردع عموما أو خصوصا، ولو كانت سيرة المسلمين بما هم مسلمون لم يحتج إليه وهو واضح. ثالثها - بناء العقلاء جميعا، من ارباب الاديان والملل وغيرهم، على ترتيب اثار الملك على اليد، وقد صار هذا الحكم مرتكزا في الاذهان، وراسخا في النفوس، بحيث يكون كالامور الغريزية، بل لعله يوجد شئ من آثار هذه الغريزة عند غير الانسان من الحيوانات كما لا يخفى على من سبر احوالها. وهذا الحكم انما ينشأ من المبادى الاولية في حصول الملك، فانه نشأ حينما نشأ من ناحية الحيازة والاستيلاء على الاشياء التى توجد في عالم الطبيعة، وتكون فيها منافع الانسان، ولا يمكن الحصول عليها في أي زمان ومكان بحيث يكون كثرتها رادعة له عن حيازتها. فاول ما نشأ الملك في العالم نشاء من ناحية الحيازة والاستيلاء على شئ، وهما يعتمدان على الجارحة المخصوصة اعني (اليد) فكانت اليد هي الواسطة الاصلية في الملك، والوسيلة الابتدائية له، ثم انه إذا ظفر الحائز عليه وجعلها تحت يده قد ينقلها من يده إلى غيره ويجعلها تحت يده باختيار منه، أو بارث أو نحو ذلك. ومن هنا كل من شاهد عينا بيد غيره، ورأه مستوليا عليها، رآه اولى بها. فلم يكن الملكية في اول امرها الا هذه الاولوية الطبيعية التكوينية والاختصاص

[ 283 ]

الخارجي الناشئ من الاستيلاء، فالمالك هو المستولي على شئ خارجا. ثم بعد ذلك جعلت الاولوية الاعتبارية التشريعية التى هي من الامور الاختيارية مكانها. وقد اطلق في آيات الكتاب العزيز عنوان (الكاسب) على (اليد) فقال تبارك و تعالى: (وبما كسبت ايديكم) (1) وفى موضع آخر (بما كسبت ايدى الناس) (2) ومن هنا تعرف نكتة التعبير عن هذه القاعدة بقاعدة (اليد) دون سائر الجوارح، فان الحيازة والاستيلاء، لا سيما بصورتها الابتدائية البسيطة، تكون باليد، فهى ممتازة عن سائر الجوارح في هذا الباب، فيحكم على (اليد) بالملك والضمان، والغصب، فيقال يد الملك، يد الضمان، ويد الغصب والاعتداء. ثم انه من الواضح ان ما يكون بيد الانسان حقيقتا لا يكون دائما بهذه الحالة، بل قد يدعه جانبا من يده، ولكنه يكون في مكان يقدر على اخذه كلما اراده، فيطلق (اليد) على هذا المعنى الذى في الحقيقة هو السلطة والاستيلاء فقط، فيقال انه تحت يده وهذا المعنى من (اليد) معنى اوسع من معناه الحقيقي اعني الجارحة المخصوصة. ولا يهمنا البحث عن ان هذا المعنى صار من كثرة الاستعمال معنى حقيقيا لها، بحيث يراد من هذه اللفظة بلا قرينة أو معنى كنائى أو مجازى لها بعد، فانه لو لم يكن من معانيها الحقيقية فلا اقل من كونه كناية واضحة أو مجازا مشهورا مقترنا بقرينة الشهرة وغيرها من القرائن الحالية، فلا ثمرة مهمة في هذا البحث، وقد صرح المحقق النحرير الشيخ محمد حسين الاصفهانى (قدس سره) في رسالته المعمولة في المسألة انها حقيقة في الاول وكناية في الثاني وذكر في وجه ما اختاره ما لا يخلو عن الاشكال فراجع. فتحصل من جميع ذلك ان كاشفية اليد عن الملكية امر يقتضيها طبعها الاولى، ولذا لا يرى في هذا الحكم خلاف بين العقلاء جميعا مع اختلاف آرائهم وتشتت مذاهبهم


1 - شورى - 30، 2 - روم - 41

[ 284 ]

في غيره، واما الغصب والاستيلاء العدواني على شئ فهو في الحقيقة انحراف عن هذه الطبيعة، وخروج عن مقتضى وضعها الاولى. وسيأتى ان شاء الله ان الغصب والسلطة العدوانية مهما كثرت وشاعت لا يقدح في كاشفية اليد عن الملك حتى إذا كانت الايدى العادية اكثر من الايدى الامينة، وان الكاشفية في الامارات - برغم ما ذكره غير واحد من المحققين - لا تدور مدار الغلبة دائما فتدبر. رابعها - ان اليد لو لم تكن دليلا على الملك لزم العسر الاكيد، والحرج الشديد، واختل النظام في امور الدنيا والدين، وبلغ الامر إلى ما لا يكاد يتحمله احد، ولم يستقر حجر على حجر، ولا يحتاج لزوم هذه الامور إلى مضى برهة طويلة من الدهر أو زمن كثير، بل يلزم ذلك من الغاء حجية اليد ولو ساعة واحدة!. والى هذا اشار الامام عليه السلام في رواية حفص بن غياث الواردة في جواز الشهادة بالملكية بمجرد اليد: (ولو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق) (1) ومن المعلوم انه إذا لم يقم لهم سوق لم يقم لهم بلد ولا دار، ولا شئ من امور دينهم و دنياهم، من معاشهم ومعادهم. هذا ولكن في الاستدلال بالعسر والحرج واختلال النظام الاشكال المعروف، وهو ان لازمه الاكتفاء بما يندفع معه العسر ويرتفع اختلال النظام، لا حجيتها مطلقا، فلا يكفى مجرد ذلك في اثبات دلالة اليد على الملكية في جميع مواردها. ولابد (ح) من حمل استشهاد الامام عليه السلام بهذه القضية على بيان (حكمة) الحكم لا (العلة) له، فاختلال النظام حكمة للحكم بحجية اليد على الاطلاق لا علة لها، و


1 - رواه في الوسائل في باب وجوب الحكم بملكية صاحب اليد، من ابواب كيفية الحكم، من كتاب القضاء.

[ 285 ]

الادارت مداره. اللهم الا ان يقال ان (التبعيض في ذلك بنفسه موجب للعسر واختلال النظام، لانه لا تفاوت بين الايدى المختلفة حتى تتبعض في الحجية، ولو كان هناك فرق وتفاوت فانما هو بامور لا يمكن جعلها فارقا في المقام، كما ان (التخيير) ايضا لا يرفع الغائلة، فلو قيل بان هذا اليد حجة دون اخرى كان اول النزاع والخلاف، واول المخاصمة واللجاج، و كان فيه من الهرج والمرج ما لا يخفى. فلا مناص من القول بحجيتها مطلقا، فاستدلال الامام عليه السلام يكون من قبيل (العلة) للحكم كما هو ظاهره ايضا. خامسها: السنة - وهى روايات كثيرة وردت في مختلف ابواب الفقه، بعضها يدل عليها بالعموم وبعضها بالخصوص. منها - رواية (حفص بن غياث): المعروف بين الفقهاء، عن ابى عبد الله عليه السلام قال قال له رجل إذا رأيت شيئا في يدى رجل ايجوز لى ان اشهد انه له قال عليه السلام نعم، قال الرجل اشهد انه في يده ولا اشهد انه له، فلعله لغيره، فقال أبو عبد الله افيحل الشراء منه؟ قال نعم، قال أبو عبد الله فلعله لغيره، فمن اين جاز لك ان تشتريه؟ ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لى وتحلف عليه، ولا يجوز ان تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لم لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق - والرواية وان كانت غير خالية عن ضعف في سندها، الا انها منجبرة بعمل الاصحاب واستنادهم إليها، واستفاضا مضمونها (فتأمل). وهى مشتملة على حجية اليد بابلغ بيان، بل جواز الشهادة بالملكية بمقتضاها وانه كما يجوز ان يحلف الانسان على كونه مالكا لما في يده، مع انه غالبا مسبوق بيد غيره المحتملة للغصب ونحوه، فكذلك يجوز له الشهادة على ملك غيره بمجرد استقرار يده عليه، وهذا هو منتهى المقصود في المسألة.

[ 286 ]

الا ان (الشهادة) و (الحلف) هنا ليستا على الملكية الواقعية، بل على الملكية الظاهرية كما هو ظاهر، وبهذا يندفع ما قد يقال بانه يعتبر في الشهادة العلم اليقيني المستند إلى اسباب حسية وليس في المقام كذلك. ومنها - ما رواه يونس بن يعقوب عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث: (من استولى على شئ منه فهو اولى) (1) الواردة في باب حكم اختلاف الزوج والزوجة أو ورثتهما فيما بايديهم من اثاث البيت، دلت على ان كلا من الرجل والمرأة احق واولى بمتاع البيت فيما استولى عليه. والعجب من المحقق النائيني (قدس سره) حيث اسقط كلمة (منه) من الرواية ورواها هكذا (من استولى على شئ فهو اولى) فصارت رواية عامة واعتمد عليها لاثبات هذه الكلية اعني حجية اليد مطلقا، مع انها مختصة بباب معين كما عرفت وقد نقلها المحقق الاصفهانى في رسالته مع لفظة (منه) ومع ذلك جعلها احسن ما في الباب وهو ايضا عجيب. اللهم الا ان يقال ان الحديث وان كان واردا في بعض مصاديق القاعدة الا ان الغاء خصوصية المورد منه قريب جدا، ولا سيما بملاحظة ارتكاز الحكم في الذهن ومناسبة التعبير بقوله (من استولى) لعمومية الحكم بملاك الاستيلاء، فانه من قبيل الوصف الذى علق عليه الحكم وهو دال أو مشعر بالعلية. ومنها - ما رواه عثمان بن عيسى وحماد بن عثمان جميعا عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث فدك ان امير المؤمنين عليه السلام قال لابي بكر: اتحكم فينا بخلاف حكم الله؟! قال: لا. قال: فان كان في يد المسلمين شئ يملكونه ادعيت انا فيه من تسأل البينة؟. قال: اياك كنت اسئل البينة على ما تدعيه على المسلمين.


1 - رواه في الوسائل في باب اختلاف الزوجين أو ورثتهما في متاع البيت، من ابواب ميراث الازواج.

[ 287 ]

قال (ع): فإذا كان في يدى شئ فادعى فيه المسلمون تسئلنى البينة على ما في يدى؟!... الحديث. (1) وهى ظاهرة بل صريحة في ان الوجه في عدم مطالبة البينة من ذى اليد هو كون اليد دليلا على ملكيته لا غير، وقوله (ع) في الفقرة الاولى: كان في يد المسلمين شئ يملكونه، ظاهره انهم يملكونه بمقتضى ظاهر اليد فليس قوله (يملكونه) زائدا على قوله (في يد المسلمين) بل هو نتيجة له، فهو شاهد آخر على دلالة اليد على الملكية. ومنه يظهر ان حجية اليد ودلالتها على الملكية كان امرا ظاهرا مرتكزا في اذهان المسلمين واهل العرف لا يقدر احد على انكاره، فاحتج الامير (ع) به على ابى بكر، واطلاق حكم الله عليه في صدر الرواية انما هو من ناحية امضاء الشارع لهذا الارتكاز، وعدم ردعه عنه، لا انه حكم اسسه الشارع المقدس. هذا ولكن الرواية دالة على حجية يد المسلم فقط، ساكتة عن غيرها، فلابد من تكميل دلالتها على المدعى بالغاء خصوصية المورد ونحوه. ومنها - ما ورد في جواز اشتراء المملوك عن صاحب اليد، وان ادعى انه حر، مثل رواية حمزة بن حمران ادخل السوق فاريد ان اشترى جارية تقول انى حرة فقال اشترها الا ان تكون لها بينة، ومثله غيره. (2) فان الحكم بجواز اشترائها مع ان الاصل يقتضى حريتها ليس الا بمقتضى اليد لعدم فرض امارة اخرى على ملكية بايعها. هذا ولكن التعدي عن موردها إلى سائر الموارد يحتاج إلى الغاء الخصوصية، والا فهى رواية خاصة وردت في مورد خاص. ومنها - ما رواه مسعدة بن صدقة عن... عليه السلام: كل شئ هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك ولعله سرقة، أو العبد


1 - رواه في الوسائل في باب وجوب الحكم بملكية صاحب اليد من ابواب كتاب القضاء 2 - رواه في الوسائل في باب جواز شراء الرقيق من الاسواق من ابواب بيع الحيوان

[ 288 ]

يكون عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر فبيع، أو امرأة تحتك وهى اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى تستبين لك غير هذا، أو تقوم به البينة (1) والوجه في دلالتها ان الحكم بالحلية في ما ذكره (ع) من المثالين الاولين لا يصح الا بظاهر اليد السابق على يده، والا يكون اصالة عدم الملك في مثال الثوب واصالة الحرية في مثال العبد قاضية بالحرمة بلا اشكال، فالحلية مستندة إلى يد البايع في المثالين. وفى دلالة الرواية على قاعدة الحلية المعروفة وتطبيقها على المثالين كلام مشهور في محله ذكره العلامة الانصاري في ذيل اصالة البرائة وتبعه فيه غيره من المحققين في تعليقاتهم عليه فراجع، وعلى كل حال فذاك الكلام والاشكال اجنبي عما نحن فيه. وكيف كان دلالتها على المقصود من ناحية المثالين، بالقرينة التى ذكرناها، ظاهر للمنصف، هذا وقد يقال في توجيه دلالتها على المدعى ان قوله: (لك) في قوله (كل شئ هو لك حلال) قيد للمبتدا، لا جزء للخبر، فالمعنى كل شئ يكون لك ويدك ثابتة عليه فهو حلال الخ، وعليه تكون الرواية دليلا على حجية يده لنفسه عند الشك في ملكيته لما تحت يده. وفيه من التكلف والتعسف ما لا يكاد يخفى. وقد تحصل من جميع ما ذكرنا ان العمدة في دليل حجية قاعدة اليد اولا هو ارتكاز اهل العرف وجميع العقلاء من ارباب الديانات وغيرهم، في جميع الاعصار والامصار عليها، مع امضاء الشارع لها، لا بمجرد عدم الردع عنها، بل بالتصريح بامضاء هذه السيرة والارتكاز العرفي في غير مورد وترتيب آثارها عليها، وفى التالى لزوم العسر والحرج بل اختلال نظام المعاش والمعاد ايضا، واما غير هذين الدليلين فهو في الحقيقة تأييد وامضاء لهما.


1 - رواه في الوسائل في الباب الرابع من ابواب ما يكتسب به

[ 289 ]

2 - في انها من الامارات أو الاصول العملية؟ قد وقع الكلام بينهم في ان (اليد) حجة كسائر (الامارات الشرعية والعقلائية) أو انها معتبرة كاصل عملي؟ ثم وقع الكلام في وجه تقديمها على الاستصحاب وسائر (الاصول العملية) على القول بكونها من الاصول. فذهب كثير من المحققين إلى انها امارة عقلائية امضاها الشارع المقدس، ولكن يظهر من صدر كلام شيخنا العلامة الانصاري الميل إلى كونها اصلا تعبديا معتبرا لحفظ النظام واقامة الامت والعوج، بينما يظهر من ذيله الميل إلى كونها من الامارات، نظرا إلى انه اعتبارها عند العقلاء انما هو لكشفها عن الملك غالبا والغلبة انما توجب الحاق المشكوك بالغالب، فالشارع اعتبرها بهذا الملاك ايضا. وقال المحقق النائيني بعد ما اختار كونها امارة: (انه لا ثمرة مهمة في هذا النزاع، لتقدمها على الاستصحاب مطلقا، امارة كانت أو اصلا عمليا). هذا والحق ان الذى يظهر مما ذكرنا آنفا عند بيان ادلة حجيتها ان العمدة في ملاك حجيتها انها كاشفة عن الملك لا لغلبة الايدى المالكية على العادية كما ذكر غير واحد منهم، لما سيمر عليك من الاشكال في امر هذه الغلبة، بل لان الملك مقتضى طبعها الاولى، فان الملكية اول ما نشأت كانت كالامور العينية الخارجية، لا الامور الاعتبارية والتشريعية التى وعائها الذهن وعالم الاعتبار. فحقيقة الملكية كانت هي الغلبة والسيطرة الخارجية على شئ، والاختصاص الحاصل منه في عالم الخارج، ومنشأ هذه السيطرة والاستيلاء كانت الحيازة التى تكون

[ 290 ]

باليد غالبا، فكل من اكتسب شيئا من المباحات بيده كان مسلطا عليه، مانعا لغيره من التصرف فيه بانواع التصرفات، فاخذ بيده دليل على كسبه، وسبب للوصول إلى جميع انحاء التصرف فيه، هذه هي المرحلة الاولى من مالكية الانسان للاشياء الخارجية. ثم انتقل الامر من اخذ الانسان العين الخارجي بيده إلى جعله في محل تصل يده إليه كلما شاء، ويمنع غيره عنه كلما قصده، وهذه هي المرحلة الثانية لها. وحيث ان ذلك اعني جعلها تحت يده وفى حيطة تصرفه الخارجي دائما كان امرا صعبا، لان الملكية ما زالت تكثر وتزداد وتتنوع، وكان المالك كثيرا ما يغيب عما يملكه ولا يمكنه نقل جميعها معه اينما ذهب، التجأوا إلى امر اسهل واوسع منه، وهو جعلها في شكل آخر اعتباري، لا خارجي تكويني، فجعلوا لها صورة قانونية تشريعية لا واقعية تكوينية، ومن هنا نشأت الملكية والسلطة الاعتبارية، المعبر عنها باليد، وكانت هذه هي المرحلة الاخيرة للملكية. فكانت اليد في شكلها الاعتباري القانوني دليلا على الملك كما كانت في شكلها التكويني الخارجي دليلا عليه بمقتضى طبيعتها الاولية. ومن هنا تعرف انه لا يتفاوت الحال في امر هذه الكاشفية بغلبة الايدى المالكة على غيرها، مع ما في هذه الغلبة من الاشكال، لا لما ذكره المحقق الاصفهانى فقط من ان المسلم انما هو غلبة (اليد غير العادية) (اعم من يد المالكية والوكالة والوصاية وغيرها) لا اليد المالكة. بل لان غلبة الايدى غير العادية على العادية ايضا امر غير معلوم، لا سيما في زماننا هذا، وكثير من الازمنة السابقة عليه، فمن سبر التاريخ وعلم احوال كثير من الملوك والخلفاء والامراء وفوضاكم في اموال الله واموال الناس وخضمهم اياها خضم الابل نبتة الربيع، واقتقاء تابعيهم - وهم الاكثرون ذلك اليوم - لاثارهم، ثم انتقال هذه الاموال، لا سيما الضياع والعقار، منهم إلى من بعدهم، جيلا بعد جيل، يعلم ان دعوى هذه الغلبة امر مشكل جدا.

[ 291 ]

وقد كان بعض سادة اساتذتنا يقول في بحثه في غير هذه المسألة ببعض المناسبات: (ان كل ما يكون تحت ايدينا من الارض والدار وشبههما قد جرت عليها من اول يوم احيائها ايدى اناس كثير لا يعلمهم الا الله، وهل يظن كون جميع الايدى الجارية على كل عين منها مالكة امينة غير عادية)؟ ومن الواضح ان واحدة منها في سلسلتها الطولية إذا كانت عادية لم تكن تلك العين مملوكة لمالكها الفعلى واقعا الآن، وان كانت ملكا له ظاهرا. واوضح من هذا كله حال اموال الناس واملاكهم في زماننا هذا، الذى غلب عليه وعلى اهله الجور والاعتداء، يتقلب كل على غيره ويتملك امواله له يوما بعنوان القهر والظلم، ويوما بعنوان بسط العدل والمساواة، ويوما تحت عنوان اجراء اصول الاشتراكية، ويوما بالربا، ويوما بالغش في المعاملة ويوما بالرشاء وباشكال كثيرة اخر. وان ابيت عن جميع ذلك وقلت بغلبة الايدى الامينة على العادية في جميع ما ذكرنا، فافرض نفسك في صقع من الاصقاع وبلد من البلاد تكون الايدى المالكة متساوية مع الايدى الخائنة، فهل ترى من نفسك اسقاط اليد عن دلالتها على الملكية مطلقا وتعامل مع جميع الاموال التى بايدى الناس هناك معاملة مجهول المالك، وهل يساعدك العقلاء واهل العرف على ذلك، لو قلت به؟! هذا ولا غرو ان يكون هناك امارة لا تدور مدار الغلبة، وان تعجب فعجب قولهم بحجية اصالة الحقيقة وتقديمها على احتمال المجاز، ولو كان الاستعمال المجازى بالنسبة إلى بعض الالفاظ اغلب من استعماله الحقيقي، فهل ترى فرقا بينه وبين ما نحن فيه، والسر فيه ايضا هو ان دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي انما هي بمقتضى طبعها الاولى، و شرحه في محله. وهكذا الحال في اصالة السلامة، الدائرة بين العقلاء، فانها ليست من استصحاب الثابت حجيته بمقتضى اخبار لا تنقض، بل هي حجة من باب الظن الحاصل من مقتضى طبع الانسان، فانه يقتضى الصحة والسلامة، ولا ينافى ذلك مساوات المرضى والسالمين احيانا.

[ 292 ]

بقى هنا امور: احدها - ان التعليل الوارد في رواية حفص بن غياث وهو لزوم اختلال السوق وانحلاله على فرض عدم حجية اليد لا ينافى ما ذكرنا من كونها امارة وطريقا إلى الملكية، وذلك لما عرفت من انه لا منافاة بين الملاكين وان تكون حجيتها مستندة في المرتبة الاولى إلى اقتضاء طبع اليد، وفى الثانية إلى لزوم حفظ النظام، والمنع عن الهرج والمرج، واى مانع من ان يكون في شئ واحد ملاكان للحجية؟. ثانيهما - ان تقديم البينة على اليد، في موارد قيامها، ايضا لا ينافي اماريتها، كما ان تقديم قرينة المجاز على اصالة الحقيقة، ودليل التخصيص على اصالة العموم، و اشباههما، لا ينافى كون هذه الامور حجة من باب الا مارية والطريقية إلى الواقع، لان الامارات ليست متساوية الاقدام في كشف الواقع، فرب امارة تكون اقوى من اخرى، فتقدم عليها، ولا شك ان البينة العادلة اقوى دلالة على الملكية من اليد، فاليد بطبعها الاولى و ان كانت تقتضي الملكية الا انه إذا كان هناك دليل اقوى يدل على انحرافها عن طبعها و استعمالها في غير محلها، فلابد من الركون إليه، وهذا نظير تقديم الاظهر على الظاهر في باب الفاظ. فاذن لا نحتاج إلى ما ذكره شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) من ان تقديم البينة عليها انما هو من جهة ان اليد تكون امارة على الملك عند الجهل بسببها، والبينة مبينة لسبب اليد، وبعبارة اخرى: مستند الكشف في اليد هي الغلبة، والغلبة انما توجب الحاق المشكوك بالاعم الاغلب، اما إذا كان في مورد الشك امارة معتبرة تزيل الشك تعبدا فلا يبقى مورد للالحاق (انتهى). وهذا البيان كما ترى راجع إلى توجيه حكومه البينة على اليد، بتصرفها في موضوعها بازالة الشك تعبدا، وفيه من الاشكال ما لا يخفى، لامكان معارضته بمثله، والقول بان حجية البينة انما هي عند الجهل بالملك، واليد تزيل هذا الشك (فتأمل).

[ 293 ]

ثالثها - ان اليد تقدم على الاستصحاب ولو قلنا بانها من الاصول العلمية، وان الاستصحاب حجة من باب الامارة، والوجه فيه ما ذكره غير واحد من المحققين من انها اعتبرت في موارد الاستصحاب، وانها اخص أو كالاخص بالنسبة إليه، لان ما لا يجرى فيه استصحاب عدم الملكية قليل جدا. فلو لم تكن معتبرة في موارد استصحاب عدم الملكية لزم الوقوع فيما فر منه، وهو عدم بقاء السوق وبطلان الحقوق، واختلال امر الدنيا والدين.

[ 294 ]

3 - بماذا تتحقق اليد قد عرفت ان حقيقة اليد هي الاستيلاء والسيطرة على الشئ بحيث يمكن لصاحبها التصرف فيه كيفما شاء، والتغلب فيه كيفما اراد، فهى لا تتكيف بكيفية خاصة، بل تختلف باختلاف الحالات والمقامات، فربما يكون نحو من الاستيلاء محققا لليد في مقام ولا يكون كذلك في مقام آخر، أو بالنسبة إلى شئ دون آخر، أو حالة دون اخرى، والمعيار في جميع ذلك هو العرف. فقد تتحقق اليد بكون الشئ في يد الانسان حقيقة، كالفلوس إذا كانت في كفه. واخرى تكون بالتعلق ببدن الانسان، كالقميص الذى لبسه، والحذاء في رجله و المنظرة على عينه، والفلوس في كيسه، والشئ على عاتقه. وثالثة تكون بركوبه، كركوب الدابة أو ركوبه في محل خاص كالسائق للسيارة، فان استقراره في محله سبب لاستقرار يده عليها، دون غيره من الركاب. ورابعة باخذ زمامه كما يأخذ المكارى زمام الناقة وامثالها، أو المشى في جانبه كما يمشى هو ايضا على جانب القافلة على الوضع الخاص لو كان. وخامسة بالسكون فيه كسكون الانسان في الدار وفى الدكان وشبهه. وسادسة بكون مفتاحه بيده، وان لم يكن ساكنا فيه كما في الدور والخانات والدكاكين وغيرها إذا كانت غير مسكونة. وسابعة بالعمل فيها بالمباشرة أو التسبيب كما في عمل الفلاحين في الاراضي الزراعية بالزرع والنحصاد وغيرهما، إذا لم يكن سبب آخر هناك تحقق سيطرتهم واستيلائهم عليها، إلى غير ذلك من الانحاء والاشكال التى يطلع عليها من سيبر موارد الملك بين العقلاء والعرف.

[ 295 ]

وغير خفى ان التصرف بنحو خاص في بعض الموارد كما في الدار محقق للسلطة والاستيلاء لا انه شرط زائد عليها، فما قد يتوهم من انه يعتبر في تحقق اليد التصرف بنوع خاص في جميع مواردها أو في بعضها مضافا إلى السلطة والاستيلاء، توهم فاسد لا دليل عليه اصلا. بل جميع ما ذكرنا من الادلة السابقة ولا سيما سيرة العقلاء واهل العرف دليل على نفى هذا الشرط، وكفاية حصول الاستيلاء على الشئ بنحو يمكنه التصرف فيه كيفما شاء، وان لم يتصرف فيه اصلا، واما كون التصرف في بعض مواردها ومصاديقها محققا لهذا المعنى في الخارج فهو امر آخر وراء اعتبار (التصرف) كامر زائد على (استيلاء) ثم انه قد يتعارض انحاء اليد بالنسبة إلى اشخاص مسيطرين على شئ واحد بانحاء مختلفة، كما إذا تعارض دعوى راكب الدابة والاخذ بزمامها، وكل يدعى كونه مالكا، أو تعارض دعوى المشترى وصاحب الدكان في متاع يكون بيد المشترى في في دكان غيره فالمشترى يدعى انها ملكه اشتراها من غيره، وصاحب الدكان يدعى انها من امتعته وهما في الدكان فلا يبعد ان يقال يكون كل منها ذات اليد عليه احدهما من جهة كونه بيده حقيقتا والاخر من جهة كونه في حيطة سلطانه واستيلائه، وهذا ناش من تنوع اليد باختلاف المقامات وقد يكون بعض هذه الا يدى اقوى من بعض وقد تكون متساويين فتتعارض ولحل هذه الدعاوى مقام آخر.

[ 296 ]

4 - هل اليد حجة فيما لا يملك الا بمسوغ خاص العين التى تستقر عليها اليد لا تخلو من انحاء ثلثة. احدها - ما يعلم بانها قابلة للنقل والانتقال، ولكن يشك في تحقق سببه بالنسبة إلى من في يده. ثانيها - ما يشك في كونها طلقا أو غير طلق. ثالثها - ما يعلم بانها لم تكن طلقا وقابلة للنقل والانتقال الا بمجوز خاص، كالعين الموقوفة التى لا يجوز بيعها ولا شرائها الا إذا طرء عليها الخراب أو خلف شديد بين اربابها (على المشهور). لا اشكال في حجية اليد في القسم الاول، المعلوم قابليتها لذلك، لانه القدر المتيقن منها، وكذا القسم الثاني لشمول اطلاقات الادلة وبناء العقلاء والاجماعات له، بل الغالب في موارد اليد هو هذا القسم ظاهرا واخراجه عن تحت القاعدة يوجب الهرج والمرج واختلال النظام، ولا يبقى معه للمسلمين سوق، مع انه لا خلاف في شئ من ذلك واما القسم الثالث فهو الذى وقع الخلاف فيه بين المحققين ممن قارب عصرنا، فاختار بعض عموم الحجية لها، واختار عدمه آخرون. فممن ذهب إلى الاول المحقق الاصفهانى في رسالته المعمولة في المسألة، وممن ذهب إلى الثاني المحقق النائيني في رسالته. وهو الاقوى. وعليه لو شوهد العين الموقوفة في يد واحد بعنوان الملك واحتمل في حقه اشترائه لطرو الخراب عليها أو خلف شديد بين اربابه، لم يجز الاعتماد على مجرد يده في اثبات ذلك، بل كانت اصالة الفساد هنا محكمة. وذلك لقصور ادلة حجيتها عن شمول مثله، فان عمدتها كما عرفت هي بناء العقلاء والسيرة المستمرة الدائرة بينهم، والاخبار والاجماعات الدالة على امضاء هذه السيرة من ناحية

[ 297 ]

الشارع المقدس، ولا يشمله شئ منها فان العقلاء من اهل العرف يقفون عن معاملة الملك مع عين موقوفة استولى عليها شخص أو اشخاص بعنوان المالكية، بمجرد احتمال وجود مسوغ في بيعها، بل يلزمون انفسهم على البحث والتحقيق عن ذاك المسوغ، ويظهر ذلك بادنى مراجعتهم. واما الاطلاقات الواردة في الشرع، مضافا إلى انها ناظرة إلى امضاء هذا البناء، بنفسها منصرفة عن مثله، لا اقل من الشك وهو كاف في اجراء اصالة الفساد. والسر في جميع ذلك ما عرفت من ان دلالة اليد على الملكية شئ يقتضيها طبعها الاولى وظاهر حال اليد، والمفروض ان هذا الطبع قد انقلب في موارد الاعيان الموقوفة وشبهها، لان طبيعة الوقف تقتضي ان تكون محبوسة تترك في ايدى اهلها، لا تباع ولا تورث، فجواز النقل والانتقال انما هو امر عارضي لها، مخصوص بصور معينة محدودة، وبعبارة اخرى جواز بيع الوقف انما هو في صورة الضرورة والاضطرار لا غير. ومن المعلوم ان اثبات ذلك الامر العارضى يحتاج إلى دليل خاص ومجرد اليد لا تكفى لاثباته كما عرفت. وما قد يقال من ان اليد من الامارات، وهى تثبت اسبابها ولوازمها، فهى تثبت ان محلها كانت قابلة للملكية، ممنوع جدا فان ذلك، لو قلنا به، انما هو في موارد يشملها دليل حجيتها، وقد عرفت قصورها، واثبات توسعة دليلها بذلك يوجب الدور الواضح. هذا كله فيما يعلم كونه وقفا، واما في موارد الشك فالحق - كما عرفت - حجية اليد فيها فان الاعيان الخارجية بطبعها الاولى قابلة للنقل والانتقال، واما حبسها وايقافها فهو امر عارضي لها يحتاج اثباته إلى دليل، ولكن هذا الامر العارضى إذا عرض في محل فصار من الاعيان الموقوفة كان عدم الانتقال كالطبيعة الثانية له، فلا يتعدى عنه الا بدليل. واذ عرفت ذلك فلنرجع إلى دليل المخالف والجواب عنه: قال المحقق الاصفهانى في رسالة المعمولة في قاعدة اليد بعد اختيار عموم دليل الحجية للمقام ما حاصله:

[ 298 ]

(ان ملاك الحجية وهى غلبة الايدى المالكية في م‍ قابل غيرها (على مختاره) محفوظ في المقام، وغلبة بقاء الاعيان الموقوفة على حالها، لندرة تحقق المسوغ، وان كانت ثابتة لا تنكر، ولكنها انما هي في اليد التى ثبتت على الوقف حدوثا إذا شك في بقائها على حالها أو انقلابها يد الملك، واما في مورد البحث المفروض انقطاع اليد السابقة على الوقف فيها وحدوث يد اخرى يشك في انها على الملك أو الوقف، فلا مجال لتوهم بقاء اليد على حالها، فان غلبة كون الايدى مالكية شاملة له ولا وجه للعدول عنها، واذ قد ثبت ملاك طريقة اليد هنا فلا وجه لمنع شمول الاطلاقات له، وليست الخدشة فيه الا كالخدشة في سائر المقامات). ثم قال: (بل يمكن ان يقال بناءا على كون اليد اصلا ان اليد تتكفل لاثبات اصل الملكية، وحيث انها عن سبب مشكوك الحال من حيث استجماعه لشرط التأثير وهو المسوغ لبيع الوقف فاصالة الصحة في السبب الواقع بين مستولى الوقف وذى اليد تقضى بصحته السبب كما بنينا عليه في اصالة الصحة، فانها مقدمة على الاصول الموضوعية الجارية في موردها، ومنها اصالة عدم المسوغ) انتهى ملخصا. اقول - فيه اولا ما عرفت سابقا من ان ملاك حجية اليد ليس غلبة الايدى المالكية، بل الملاك فيها ظهور حال اليد وهو متقضى طبعها الاولى، ونظيره في ذلك حجية اصالة الحقيقة، فانها ليست من باب غلبة الحقيقة على المجاز بل هي حجة - ولو كانت المجازات اكثر - وقد مر توضيحه بما لا مزيد عليه. وثانيا - ان هذه الغلبة قد انقلبت في الاعيان الموقوفة فان الغالب في الايدى الجارية عليها حدوثا أو بقاءا باى نحو كانت هو عدم المالكية، والفرق بين اليد السابقة والحادثة لا وجه له، فان جميعها تجرى على العين الموقوفة، ولحاظ الغلبة انما هو في المجموع من حيث المجموع فانها تشترك في جريانها على العين الموقوفة. وثالثا - ما ذكره من تتميم الاستدلال بها، بناءا على كونها من الاصول العملية، باصالة الصحة في البيع الواقع من متولى الوقف وذى اليد، ممنوع، لما اشرنا إليه في - المجلد الاول من هذا الكتاب في باب قاعدة الصحة من عدم جريانها في امثال المقام فراجع.

[ 299 ]

5 - هل اليد حجة ولو حدثت لا بعنوان الملك؟ لا اشكال في حجية اليد ودلالتها على الملك إذا كانت من اول امرها مشكوكة. كما انه لا اشكال في حجيتها إذا كانت مسبوقة بالملك ولكن شك في خروجها عنه بقاءا. اما إذا كانت اليد حادثة لا بعنوان الملك، كما إذا كانت يد اجارة أو عارية أو عدوان ثم شك في انقلابها ملكا، ففيه كلام بين الاعلام، والذى اختاره غير واحد من المحققين هو عدم الحجية، وغاية ما يقال في وجهه امران: الاول - ان ملاك حجيتها وهو الغلبة والكاشفية النوعية منتف هنا، فانها تختص بما إذا لم يعلم حدوثها على غير الملك، واما إذا حدثت على غير الملك فلا تكون لها هذه الكاشفية، بل الغالب في هذه الموارد بقائها على عنوانها الذى كانت عليه، من الاجارة وغيرها، فمع هذه الغلبة الطارية يزول الحكم السابق، ومنه يعلم انصراف الاطلاقات عنه ايضا. والشاهد على هذا جريان سيرة العقلاء على اخذ السجلات من المستأجرين و غيرهم بقبول الاجارة وغيرها، وليس ذلك الا لاجل اسقاط امارية اليد عن الدلالة على الملكية حتى يكون المستاجر محتاجا إلى اقامة الدليل ان ادعى ذلك. الثاني - انها انما تكون امارة بما انها مشكوكة الحال، ولكن استصحاب الحالة السابقة في المقام يخرجها عن كونها مشكوكة بحكم الشارع المقدس، ويدل على عدم كونها يد ملك، فلا تكون امارة. وبعبارة اخرى: اليد انما تكون امارة مع انحفاظ موضوعها، وهو كونه مشكوك الحال، ومع جريان الاستصحاب ينتفى موضوعها، و (ح) لا يبقى مجال للاشكال بانه كيف يقدم الاستصحاب وهو من الاصول العملية، على اليد وهى من الامارات؟، فان تقدم

[ 300 ]

الامارة على الاصل انما هو فيما إذا كانا جاريين في مورد واحد، اما إذا كان الاصل جاريا في موضوع الامارة ومنقحا له فلا اشكال في تقديمه عليها. اقول - هذا غاية ما يمكن ان يقال في وجه عدم حجية اليد هنا ولكن فيه: اولا - ان ما ذكر من بناء العقلاء مسلم إذا كان العين موردا للتشاح والتنازع، بان اعدى المالك الاصلى انه مالكها فعلا، وادعى المستاجر أو المستعير انتقاله إليه ببيع أو نحوه وان يده فعلا يد ملك، فان الاعتماد على يده في قبال المالك الاولى هنا غير معلوم، بل يطالبونه بالدليل على كون يده فعلا يد ملك بعد ما كانت غيره، وما ذكر من جريان سيرة العقلاء، على اخذ السجلات من المستأجرين وغيرهم ايضا ناظرا إلى هذه الصورة. واما لو لم يكن هناك منازعة وتشاح، بان رأينا المستاجر السابق مستوليا على العين استيلاء المالك على ملكه، يتصرف فيها كيفما شاء، يبيعه أو يهبه، فعدم الاعتماد على يده غير معلوم، كيف وليس حاله اسوء مما إذا شاهدنا عينا في يد واحد ثم شاهدناها في يد آخر يعمل فيها عمل المالك في ملكه، فانه لا ينبغى الشك في الاعتماد، على يده، كيف والغالب في الايدى سبقها بيد الغير قطعا، اما تفصيلا أو اجمالا، فهل يمكن القول بان سبق يد الاستيجار مثلا اسوء حالا من سبق يد الغير؟! نعم لو كان المدعى للملكية متهما في دعواه امكن الاشكال في الاعتماد على مجرد يده، ولكنه لا يختص بهذا المقام بل يجرى في جميع موارد التهمة كما مر نظيره في باب اصالة الصحة وسيجيئ في مورد قاعدة اليد ايضا ان حجيتها في الايدى المتهمة، بما سيذكر لها من المعنى، غير معلومة. ولا يتوهم ان ركون العقلاء على اليد فيما ذكر انما هو من باب اصالة الصحة في الافعال الصادرة عن الغير، فان ما ذكرنا ثابت ولو لم يكن هناك فعل يحمل على الصحة فتدبر. وثانيا - ان ما ذكر من جواز التمسك باستصحاب الحالة السابقة وانه رافع لموضوع اليد، ممنوع اشد المنع، لان الاستصحاب لا يرفع الشك عن حال اليد، والمفروض ان

[ 301 ]

ظاهر اليد اولا وبالذات هو اليد المالكة، وهذا الظهور من قبيل الامارات فكيف يمكن صرف النظر عنه بمجرد استصحاب بقاء اليد على وضعها السابق، والانصاف ان مثل هذا عن المحقق النائيني (قدس سره) عجيب. هذا ولكن لا يبعد تخصيص ما ذكرنا من جواز الاعتماد على اليد هنا بما إذا لم يكن مسبوقا بيد العدوان، فانها من الايدى المتهمة التى لا يمكن الركون إليها، وان ادعى صاحبها انقلابها إلى يد الملك كما اشرنا إليه آنفا وسيجيئ مزيد توضيح له عن قريب ان شاء الله.

[ 302 ]

6 - هل اليد تعم المنافع والاعيان؟ لا اشكال في تعلق اليد بالاعيان، ودلالتها على الملكية لها، انما الكلام في تعلقها بالمنافع، المحكى عن الفاضل المحقق النراقى قده اختصاصها بالاعيان وعدم تعلقها بالمنافع، واختار غير واحد من اكابر المتأخرين امكان تعلقها بالمنافع ايضا. ومحال النزاع الذى يترتب عليه الثمرة ما إذا تعلق اليد بها استقلالا لا تبعا للعين، بحيث تكون المنافع - مع قطع النظر عن العين - تحت اليد، أو إذا كانت تبعا للعين ولكن كان هناك دليل على عدم مالكية العين، فتظهر الثمرة في دلالة الاستيلاء التبعى للمنافع على ملكيتها وعدمها. ففى هاتين الصورتين يتصور الثمرة العملية لهذا النزاع. واذ قد عرفت ذلك فاعلم ان تعلق اليد بالمنافع مستقلا امر غير معقول وان مال إليه أو اختاره بعض المحققين كما حكى، لعدم امكان الاستيلاء الخارجي عليها، من غير طريق الاستيلاء على نفس الاعيان، فانها في نفسها من الامور العرضية، ولا استقلال لها في الوجود، فلا استقلال لها في وقوعها تحت اليد، وكيف يستولى عليها استقلالا مع انها في ذاتها مما لا يوجد مستقلا؟. وما يحكى من التمثيل لها بالمزارع الموقوفة التى تكون بايد المتولين، فتصرف منافعها حق الموقوف عليهم وتعطى ثمراتها بايدهم، فلهم اليد على منافعها دون اعيانها، واضح الفساد - كما افاده المحقق الاصفهانى (قدس سره) في رسالته - فان مثل هذه المنافع من الاعيان، خارجة على محل الكلام - والكلام في المنافع المقابلة للعين. وكذلك ما قد يقال بامكان تصويرها في الاستيلاء على حق الاختصاص بمكان من المسجد ونحوه من المدارس والخانات الموقوفة، ففى هذه الموارد لا تكون المسجد و غيره تحت اليد، بل الذى يكون تحتها هو نفس حق الاختصاص.

[ 303 ]

وفساد هذا ايضا بين، فان حق الاختصاص ليس من المنافع ولا يقع تحت اليد، بل هو امر اعتباري نظير الملكية ومرتبة نازلة من السلطنة على العين، فهو من آثار اليد على العين بنحو خاص، لا متعلقا لها واقعا تحتها، والحاصل ان الاستيلاء في هذه المقامات انما هو على نفس المسجد والمدرسة والخان وشبهها ولكنه بنحو يكون مؤثرا في وجود نوع خاص من الحق وكاشفا عنه، لا الملكية، لعدم قابلية المورد. والانصاف ان عدم امكان تعلق اليد بالمنافع مستقلا اوضح من ان يحتاج إلى اكثر من هذا البيان. فيبقى الكلام في امكان وقوعها تحت اليد بتبع الاعيان حقيقة، بان تكون اليد على العين من قبيل الواسطة في الثبوت، لا من قبيل الواسطة في العروض، حتى يكون من باب المجاز والمسامحة، ثم بعد امكان ذلك ثبوتا يقع الكلام في قيام الادلة عليه ودلالتها على حجية مثل هذا اليد اثباتا. وتنقيحه يحتاج إلى توضيح حقيقة المنفعة المقابلة للعين، فقد يتوهم انها نفس صرف الشئ، في الطرق المقصودة التى لها اثر في شأن من شئون الحياة، و بناء عليه هي من الامور التدريجية توجد شيئا فشيئا ولا تقع تحت اليد الا باستيفائها، واستيفائها مساوقة لاعدامها، فما لم تستوف لم تقع تحت اليد وإذا استوفيت انعدمت، فلا فائدة ولا اثر في البحث عن وقوعها تحت اليد تبعا. هذا ولكنه توهم فاسد لان ذلك هو (الانتفاع) وهو قائم بامرين: العين، ومن يستوفى منها، واما المنفعة التى هي مقابلة للعين، قائمة بالعين فقط، استوفيت ام لا، ويقع عليها المعاوضة في باب الاجارة وامثالها هي نفس قابلية العين لصرفها في مصارف خاصة، فان هذا هو الذى يمكن تمليكها في باب الاجارة ويمكن قبضها و اقباضها ولو بتبع العين. ومن الواضح ان هذا المعنى من المنفعة من الامور القارة الثابتة خارجا استوفيت

[ 304 ]

ام لا، وبناء عليه تقع تحت اليد ولو بتبع العين، فالاستيلاء على الشئ يمكن ان يكون استيلاءا على منافعه حقيقتا وبالذات، على نحو الواسطة في الثبوت لا مجازا وبالعرض على نحو الواسطة في العروض. واذ قد فرغنا عن تصوير ذلك ثبوتا فالحق انه لا مانع من شمول ادلة حجية اليد لها، لما قد عرفت من ان عمدتها بناء العقلاء، ومن الواضح ان ملاكه عندهم اعم من العين ومنافعها. (فح) تظهر الثمرة فيما إذا علم من الخارج ان استيلاء الشخص الفلاني على عين خاص ليس استيلاء مالكيا فتسقط يده عن الدلالة على الملك، ولكن تبقى يده على المنافع دليلا على ملكه لها. هذا ولكن يمكن ان يقال: بان استقرار اليد على عين له انحاء مختلفة: فقد يكون الاستيلاء عليها استيلاء ملك، وقد يكون استيلاء اجارة، وقد يكون استيلاء عارية، أو استيلاء تولية في الاوقاف، إلى غير ذلك. فاليد في جميع ذلك تعلقت بنفس العين لا غير، ولكنها ذات انحاء مختلفة، و واليد اولا وبالذات لولا قرينة على خلافها دليل على الملك فإذا سقطت عن الدلالة عليه بقرينة خارجية في مورد خاص لا مانع من دلالتها على انها بنحو آخر من انحاء الايادي الامينة وانها ليست بيد عدوان. ففى مورد البحث إذا سقطت اليد عن الحجية على الملك يبقى ظهورها في دلالتها على انها استيلاء اجارة أو نحوها فما يقتضى (ملك المنافع) محفوظة. ثم انه لو قامت قرينة خاصة على انها ليست كذلك ايضا يبقى ظهورها في دلالتها على انها استيلاء يقتضى (ملك الانتفاع) محفوظة. والحاصل ان المستند في جميع ذلك هو ظهور اليد المتعلقة بالعين وحجيتها، لا حجية اليد المتعلقة بالمنافع، فاذن لا حاجة إلى اثبات امكان تعلق اليد بالمنافع لا استقلالا ولا تبعا للعين ولا يبقى للنزاع هنا ثمرة عملية والله العالم.

[ 305 ]

7 - هل تجوز الشهادة بالملك بمجرد اليد؟ قد وقع الخلاف بينهم في كتاب الشهادات في جواز الشهادة على الملكية بمشاهدة اليد ولو لم توجب علما، بعد الاتفاق على كفايتها في الدلالة على الملك - و ذلك من جهة اعتبار العلم اليقيني الحسى في موضوع الشهادة، بمقتضى ما ورد في محله من عدم جوازها الا ان يراه مثل الشمس كما روى عن النبي (ص)، أو يعرف كما يعرف الكف كما روى عن الصادق (عليه السلام) إلى غير ذلك ومن المعلوم ان اليد بمجردها لا توجب علما. هذا ولكن المشهور، جواز ذلك، بل قد يدعى الاجماع عليه كما حكاه في الجواهر، واولى منه ما إذا انضم إلى اليد التصرفات الحاكية عن الملك، كالتصرف بالبناء والهدم والاجارة وغير ذلك مع عدم وجود منازع، فان الحكم بكفايتها، بل كفاية نفس هذه التصرفات في جواز الشهادة بالملك، اشهر. واولى منهما ما إذا انضم اليهما الاستفاضة (أي استفاضة استناد الملك إلى المتصرف الذى بيده المال) فقد وقع في جملة من عبارات القوم الاجماع على جواز الشهادة بالملك مع اجتماع (الثلثة) وانه اقصى الممكن في الشهادة عليه. والبحث هنا يكون من ناحيتين: من ناحية الادلة العامة الكلية، ومن ناحية الادلة الخاصة الواردة في خصوص محل البحث. اما الاول فحاصله انه هل يمكن الحكم بقيام الامارات - ومنها اليد وشبهها - مقام العلم المأخوذ في الموضوع بمجرد دليل اعتبارها ام لا؟ والانصاف عدم كفاية نفس ادلة حجيتها في ذلك، لا من جهة لزوم اجتماع اللحاظين واستحالته إذا كانت ادلة الحجية ناظرة إلى تنزيل مؤدى الامارة منزلة الواقع، وتنزيل نفسها منزلة العلم.

[ 306 ]

لما ذكرنا في محله من عدم استحالة ذلك اصلا. بل من جهة ظهور ادلتها في تنزيل المؤدى فقط وانصراف اطلاقاتها إليه وعدم النظر إلى تنزيل نفسها منزلة العلم. وما قد يقال من الفرق بين العلم المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتية، والمأخوذ فيه على وجه الطريقية، بجواز ذلك في الثاني دون الاول، كما قد يستظهر من عبارات شيخنا العلامة الانصاري في باب القطع من الرسائل (وان حكى عنه في بعض تحقيقاته فيما كتبه في القضاء عدم جواز ذلك من دون تفصيل) فهو مما لا محصل له ولا دليل على هذه التفرقة بل يرد عليه: اولا - ان اخذ العلم في الموضوع على نحو الصفتية مجرد فرض لا يظن وقوعه في شئ من الادلة الشرعية، فان النظر إلى العلم دائما تكون من ناحية ارائته للواقع، و لا ينظر إليه بما هو صفة من صفات صاحبه. وبعبارة اخرى انما يوخذ العلم في الموضوع بملاك انه نور لغيره (وكونه نورا لصاحبه مستند إلى ذلك) فكلما اخذ في الموضوع كان بهذا الملاك، وان كان فرض اخذه بما انه صفة خاصة لصاحبه غير مستحيل ولكنه كما عرفت مجرد فرض. وثانيا - ان اخذه في الموضوع على نحو الطريقية دليل على ان هذه المرتبة من ارائة الواقع يقوم بها الملاك ولذا لا يكتفى بما دونه من المراتب من الظن وغيره حتى الظن القوى الا ان يبلغ حد الاطمينان الذى يسمى علما عرفا. نعم لو قام دليل على اعتبار شئ من الظنون وتنزيله منزلة العلم من جهة الاثار المترتبة على نفس العلم والظن، كان حاكما على تلك الادلة الدالة على اخذ العلم في موضوع حكم، ولما كانت ادلة حجية الظنون ظاهرة في تنزيل نفس المؤدى فقط لم يجز الركون إليه في ذلك. وقد يقال: ان كثرة اطلاق العلم والمعرفة على الامارات الظنية سندا ودلالة،

[ 307 ]

دليل على انها منزل منزلة (العلم) عند الشارع المقدس، مثل ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة: من روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا الخ وقوله تعالى: (فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) (يعنى حتى تعلموا) مع ان مجرد الرجوع إلى اهل العلم لا يفيد بما هو الا الظن، إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع. وفيه ايضا: ان اطلاق العلم والمعرفة في هذه الايات أو الروايات على الظن غير معلوم، والحاقه به في بعض الموارد لعله من باب كشف الملاك والغاء الخصوصية عرفا. هذا مضافا إلى انه لو سلم ذلك في غير المقام ففى المقام ممنوع، لعدم مقاومته هذا الظهور الضعيف لمثل قوله عليه السلام حتى تعرفها كما تعرف كفك وقوله صلى الله عليه وآله هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد اودع! فتأمل. وقد يقال في تصحيح قيام الامارات فيما نحن فيه مقام العلم: بان الملكية ليست من الموضوعات الواقعية بل هو امر انتزاعي من جواز جميع التصرفات (كما اختاره شيخنا العلامة الانصاري قده) اوامر اعتباري عقلائي كما اختاره بعض آخر، وعلى أي حال يحصل العلم الوجداني بها بمجرد (اليد)، لان الاحكام التى تنزع منها الملكية حاصلة بسبب اليد، كما ان الاعتبار الشرعي أو العقلائي حاصل بمجردها، فبذلك تتحقق واقع الملكية فانها ليست الا هذه الامور وقد تحققت. وهذا القول ايضا ممنوع، وذلك لان الملكية سواء جعلناها من الامور الانتزاعية أو الاعتبارية، لها واقع وظاهر، فإذا كانت اسبابها الواقعية موجودة فالملك ملك واقعى والا كان ظاهريا فعليا، نظير سائر الاحكام الظاهرية، ومن الواضع ان ظاهر ادلة الشهادة اعتبار العلم الوجداني بالواقع، لا بمجرد الحكم الظاهرى، فالعلم الوجداني بالملكية الظاهرية بحكم اليد أو البينة وسائر الامارات غير كافية فيها. فتحصل من جميع ما ذكرنا عدم امكان تصحيح جواز الركون على اليد في الشهادة على الملك بمقتضى الادلة العامة.

[ 308 ]

واما الادلة الخاصة فعمدتها رواية حفص بن غياث السابقة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا رأيت شيئا في يدى رجل ايجوز لى ان اشهد انه له؟ قال نعم، قال الرجل: انه في يده ولا اشهد انه له، فلعله لغيره، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فيحل الشراء منه؟ قال نعم، قال أبو عبد الله (ع) فلعله لغيره، من اين جاز لك ان تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد ذلك الملك هولي وتحلف عليه ولا يجوز ان تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك؟ ثم قال الصادق عليه السلام: لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق. وهذه الرواية وان كانت ضعيفة السند الا ان الشهرة والاجماعات المنقولة جابرة لها كما عرفت، لان الظاهر ان مستند المشهور في هذه الفتوى هو هذه. واما المصحح المروى عن على بن ابراهيم في تفسيره في حديث فدك: (ان امير المؤمنين (ع) قال لابي بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين؟ قال لا. قال فان كان في يد المسلمين شئ يملكونه ادعيت انا فيه، من تسئل البينة؟ قال اياك اسئل البينة على ما تدعيه على المسلمين. قال: فإذا كان في يدى شئ فادعى فيه المسلمون تسئلنى البينة على ما في يدى وقد ملكته في حيات رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده، ولم تسئل المؤمنين البينة على ما ادعوه على كما سئلتنى البينة على ما ادعيته عليهم؟ (الحديث) فهو اجنبي عن المقصود لانه دليل على حجية (اليد)، وعدم حاجة صاحبه إلى البينة وكونه منكرا في مقام الدعوى، ومخالفه مدعيا، واما جواز الشهادة على الملك بمجردها فليس فيه منه عين ولا اثر. وكذلك الروايات الواردة في حكم تعارض البينات وتقديم بينة ذى اليد أو تقديم بينة الخارج على غيرها اجنبية عما نحن بصدده. فاذن يكون العمدة في هذا الفتوى ما عرفت من رواية حفص. هذا وقد قام بعض من خالف المشهور، أو توقف في المسألة بنقد الرواية والايراد

[ 309 ]

عليها عقلا، وتضعيفها سندا، وصرف فتاوى المشهور عنها، منهم الشيخ الاجل صاحب الجواهر (قدس سره) فقد بالغ فيه حتى جعل هذا الحكم غير قابل لمجيئ الخبر به عقلا لرجوعه إلى جواز التدليس والكذب في اخذ اموال الناس!. هذا ونحن بعون الله، نبدء بتفسير الرواية وكشف مغزاها اولا، ثم نرجع إلى ما اورده صاحب الجواهر وغيره وما يمكن ان يقال في دفعها انتصارا لمذهب المشهور ثانيا. اما الاول فحاصله انه عليه السلام استدل بجواز شراء ما في اليد على جواز الشهادة تملك ما في اليد لصاحبها، وهذا الاستدلال عند بادى النظر مما لا يمكن المساعدة عليه لوضوح الفرق بين المسئلتين، فان جواز الشهادة ليس من آثار الملكية، بل من آثار نفس العلم بها، ومن المعلوم ان اليد بمجردها لا تعطى علما فكيف يجوز حمل احدهما على الاخر؟ ولكن التأمل الصادق يشهد بانه عليه السلام لم يستدل بمجرد جواز الشراء بل استدل بجوازه مع ترتيب آثار الملك عليه، حتى في مقام الدعوى يدعى انه ملكه ويحلف على الملكية في مقابل خصمه، واى فرق بين بينة المدعى وحلف المنكر؟ فكما ان الشهادة على الملكية من آثار العلم كذلك الحلف عليها يكون من آثاره، فلو لم يجز احدهما لم يجز الاخر، ولنعم ما قال عليه السلام في هذا المعنى: (من اين جاز لك ان تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد ذلك: هو لى وتحلف عليه ولا يجوز ان تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك؟). ولو قيل انه لا يجوز للمالك إذا كان الحال هذا، الحلف على نفس الملك بل عليه ان يحلف على السبب وهو شرائه من ذى اليد المحكوم ظاهرا بالملك فلا يجوز الاستدلال بالحلف، على جواز الشهادة. قلنا الظاهر ان هذا هو الذى اجاب عنه عليه السلام في ذيل كلامه بقوله: لو لم يجز هذا ما قام للمسلمين سوق، وحاصله - والله ورسوله واوليائه اعلم - انه لو لم يجز الاعتماد على اليد في اثبات الملكية والحلف عليها لم يقم للمسلمين سوق فان الغالب في الاملاك كونها مسبوقة بيد الغير فغاية ما يمكن الحلف عليه هو الحلف على وقوع السبب مثل

[ 310 ]

البيع، ومن المعلوم ان مجرد وقوع البيع على ما بيد الغير لا يوجب علما بانتقال المال إليه قطعا بعد عدم العلم بكون البايع نفسه مالكا وعدم دليل عليه الا اليد التى لا تفيد علما. فالشهادة والحلف على الملك الواقعي القطعي غير ممكن الا في موارد شاذة، فلو قلنا بحصرهما على خصوص هذه الموارد ما قام للمسلمين سوق، وامكن ادعاء كل احد على غيره ولم يمكن له اثبات حقه لا من طريق اقامة البينة ولا من طريق الحلف (كل في مورده) ومقتضى ذلك اختلال النظام وعدم قيام السوق على اساسه ففى الحقيقة الشهادة والحلف لا تكونان الا على الملك الظاهرى القطعي الثابت بمقتضى اليد ولا يعتبر هنا ازيد من ذلك. ومن الواضح انه لا يلزم الكذب والتدليس وابطال الحقوق من الشهادة على الملك بمجرد اليد هنا، بعد قيام هذه القرينة العامة الظاهرة عليها فتدبر جيدا. فهذا الحديث الشريف اللائح منه آثار الصدق دليل على المطلوب مع برهان عقلي متين اورده الامام عليه السلام في خلاله. ولعله إلى ذلك يشير ما عن كاشف اللئام من (تشبيه الشهادة بمقتضى الطرق الشرعية بالشهادة على الاسباب الشرعية فانها ايضا محتملة للفساد كما يحتمل الطرق التخلف) و ان استغربه في الجواهر واورد عليه بالفرق بينهما، ولكن يندفع الاشكال عنه بما اشرنا إليه في تفسير (الحديث)، فكأنه (قدس سره) في هذا الاستدلال اقتبس من نوره، واقتفى اثره، فاورده منازل الصدق والحق. واذ قد عرفت ذلك تعرف ان جميع ما اورد على هذا الحكم من الايرادات كلها قابلة للذب وهى امور: منها: ما افاده المحقق (قدس سره) في الشرايع من ان اليد لو اوجبت الملك (واقعا) لم تسمع دعوى من يقول: الدار التى في يد هذا لى، كما لا تسمع لو قال ملك هذا لى) انتهى.

[ 311 ]

وفيه ان جواز الشهادة بالملك بمجرد اليد لا يلازم كون الملك في موردها ملكا واقعيا كما عرفت، فقول المدعى: (الدار التى في يد هذا لى) صحيح مسموع إذا امكنه اثباته بموازين شرعية، ترجح على اليد، فلا تناقض في دعواه، بخلاف قوله (ملك هذا لى) فانه تناقض ظاهر. ومنها: ان مراد حاكى الاجماع في المسألة هو الاجماع على دلالة اليد على - الملكية لا الاجماع على جواز الشهادة بمجردها، ومن المعلوم عدم كفايته في المسألة، بل إذا امكن حمل الشهرة الجابرة لها عليه ايضا كان من حسن الظن المأمور به، ضرورة ان المعنى المزبور (أي الاكتفاء باليد في الشهادة على الملك) غير قابل لمجيئ الرواية به لرجوعه إلى جواز التدليس والكذب في اخذ اموال الناس، إذ قد ذكر في محله ان بينة الملك تقدم على بينة التصرف أو اليد، لان الاولى بمنزلة النص والثانية بمنزلة الظاهر فلا يعارض النص، فلو فرض فيما نحن فيه ان للخصم بينة الملك وللاخر بينة التصرف أو اليد جاز لبينة الاخر ان تشهد بالملك والمفروض انه لا علم لها الا بالتصرف أو اليد فتسقط بينة الاول، وهو تدليس محض وكذب واضح، وتطرق لاخذ اموال الناس بغير الطرق الشرعية ومثله لا يقبل فيه خبر الواحد (هذا محصل ما يستفاد من كلام الجواهر بتوضيح منا). وفيه: انك قد عرفت ان الرواية لا تتضمن الا برهانا متينا عقليا يلوح منه آثار - الصدق والحق، وما ذكره من لزوم التدليس والكذب في اخذ اموال الناس ممنوع، لان بينة الملك ايضا مستندة إلى اليد في مباديها السابقة غالبا ولو فرض حصول العلم بالملك بحيث لا يحتاج إلى الاعتماد على اليد اصلا في موارد شاذة فعلى الشهود (ح) ذكر السبب وان الملك كان ملكا واقعيا كى لا يلزم اخذ اموال الناس بغير حق، كما ذكروا اشباهه في ابواب الشهادة. وليس لبينة الملك في بدء النظر ظهور في الملك الواقعي اليقيني حتى يلزم التدليس

[ 312 ]

وحمل كلام المشهور على مجرد حجية اليد بعيد جدا ليس من حسن الظن المأمور به بل لعل حمله عليه خلاف حسن الظن، لان بيان الحكم المزبور بهذه العبارة اشبه شئ بالتدليس. والحاصل ان الاعتماد على الرواية قوى جدا موافق للاعتبار، وكلمات الاصحاب، ولا يرد عليه شئ مما ذكروه ولعله لذلك كله ذكر صاحب الجواهر في آخر كلامه في المسألة: (انه إذا تحقق بمقتضى الاسباب والطرق الشرعية ما يتحقق بها النسبة العرفية أي كونه مالا له وملكا من املاكه عرفا جازت الشهادة واليمين بالملك) (انتهى ملخصا) وما افاده لا محصل له لو لم يرجع إلى ما ذكرنا اقتباسا من الرواية. هذا غاية ما يخطر بالبال في هذه المسألة عاجلا وتمام الكلام موكول إلى محله. ومنه تعرف عدم الحاجة إلى (الاستفاضة) أي استفاضة اسناد الملك إليه، وكذا (التصرف) في صحة الشهادة على الملك بعد حصول اليد.

[ 313 ]

8 - هل اليد حجة لصاحبها ايضا؟ قد عرفت ان يد الغير حجة ودليل على الملكية مطلقا (الا فيما نستثنيه) فهل هي حجة لصاحب اليد نفسه ايضا إذا شك في ملكية بعض ما في يده اولا؟ الظاهر هو ذلك، لعدم الفرق فيما هو ملاك حجيتها بين يد الغير ويد الانسان نفسه، سواءا قلنا بان ملاكها هو اقتضاء طبيعة الاستيلاء واليد ذلك - كما هو المختار بما مر له من البيان - ام قلنا بان ملاكها الغلبة - كما قيل - ام غير ذلك فان جميعها مشتركة بين يد الغير ويد الانسان نفسه. وقد جرت سيرة العقلاء ايضا عليه، فلو شك الانسان في بعض ما في يده، انه ملكه أو امانة للغير أو شبهها فلا شك في اجراء حكم الملك عليه عندهم ما لم تقم قرينة على كونه ملكا للغير. ولم يظهر ردع من الشارع المقدس بالنسبة إليه، لو لم نقل بشمول بعض الاطلاقات الواردة في امضاء حكم اليد له ايضا. بل يظهر من بعض الروايات الخاصة الواردة في باب اللقطة ايضا ذلك، مثل مصححة جميل بن صالح: قال قلت لابي عبد الله (ع) رجل وجد في منزله دينارا؟ قال يدخل منزله غيره؟ قلت نعم كثير. قال: هذه لقطة، قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا؟ قال يدخل احديده في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئا؟ قلت، لا قال فهو له (1) والظاهر ان المراد من قوله يدخل في منزله غيره ليس صرف وجود دخول الغير


1 - رواه في الوسائل في باب من وجد في منزله شيئا من ابواب كتاب اللقطة

[ 314 ]

بل كون داره معدا لدخول افراد مختلفة، ولولا ذلك لم يكن هناك مورد للسؤال لعلمه عادة بانه له. فحاصل الرواية ان يده على الاموال التى في حيطة سلطانه حجة له عند الشك، الا ان يكون هناك ما يسقطه عن الحجية، مثل كون داره معدا لورود اشخاص مختلفة فيجرى عليه حكم اللقطة لسقوط يده عن الحجية بذلك، فان ملاك حجيتها اياما كان مفقود هنا كما هو ظاهر. ولا يقصر ذيلها عن الصدر في الظهور فيما نحن بصدده فان ادخال غيره يده في صندوقه أو وضع شئ فيه دليل على استيلاء كل منهم على الصندوق فيكون من قبيل الايدى المشتركة على شئ واحد فلا يكون يد واحد منهم دليل على ملكيته بخصوصه، نعم لو كان الصندوق بيده فقط فيده حجة على ملكية ما في الصندوق وان احتمل ان يكون الدينار امانة أو عارية لغيره أو غير ذلك من الاحتمالات، اللهم الا ان يكون الصندوق معدا لوضع اموال الناس و اماناتهم مع اموال نفسه فان حجية يده حينئذ على ما فيه مشكل ايضا. ومما ذكرنا يظهر انه لا تهافت بين صدر الرواية وذيلها كما توهم وانهما يعطيان حقيقة واحدة، ومعنى واحدا، كما يظهر انه ليس فيهما حكما تعبديا على خلاف الموازين المعمولة بين العقلاء في الاموال التى تحت ايديهم. فهذا الحديث ايضا ناظر إلى امضاء ما عند العقلاء في امثال المقام. وقد يستدل له ايضا بقوله عليه السلام في ذيل رواية حفص بن غياث: (لولا ذلك ما قام للمسلمين سوق) نظرا إلى تطرق مثل هذا الاحتمال في الاموال التى بايدى الناس غالبا. وفيه انه ان كان المراد غلبة احتمال كون بعضها من اموال غيرهم وقع في ايديهم بعنوان الامانة أو العارية أو مثلهما مع نسيان اسبابها، فهو ممنوع لان احتماله ليس غالبيا في اموال الناس كما هو ظاهر، وان كان المراد غلبة نسيان سبب الملك تفصيلا وان كان اصله معلوما اجمالا فهو غير قادح في اجراء احكام الملك عليه.

[ 315 ]

9 - عدم حجية يد السارق وشبهه ومما ذكرنا في الامر الثامن يظهر لك عدم حجية ايدى السراق والايدى المتهمة التى تكون بمنزلتها، على الاموال التى بايديهم وان احتمل انتقالها إليهم بسبب صحيح مشروع، لان ملاك الحجية مفقود فيها ايضا لانقلاب طبع اليد بالنسبة إليهم، وكذلك الغلبة لو كانت هي الملاك في حجيتها مفقودة هناك. ولذا لا يرى من العقلاء الملتزمين بحفظ حقوق الناس وعدم الخيانة في اموالهم ترتيب آثار الملكية على ما بايدى هؤلاء ولا يعاملون معهم معاملة غيرهم ويلومون من عامل معهم كذلك، واما ما يرى من بعض من لا مبالاة له في امور الدين والدنيا من عدم التفرقة بين هوءلاء وغيرهم فهو غير قادح فيما نحن بصدده كما هو واضح. ويؤيده ما ورد في بعض ابواب كتاب اللقطة عن حفص بن غياث قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل من المسلمين اودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا واللص مسلم هل يرد عليه؟، فقال لا يرده فان امكنه ان يرده على اصحابه فعل، والا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرفها حولا فان اصاب صاحبها ردها عليه والا تصدق بها) الحديث (1) والاستدلال بها متوقف على كون السؤال عن الدارهم أو المتاع المشكوكة التى يحتمل كونها له كما ربما يشير إليه قوله: (واللص مسلم) فانه لو كان المال من اموال الناس قطعا لم يكن فرق بين اللص المسلم وغيره فافهم - و (ح) اجراء حكم اللقطة عليه دليل على سقوط اليد عن الحجية وكون المال بمنزلة الاموال التى توجد في الطريق. ولكن قد ينافيه قوله: (يرده على اصحابه) وقوله (فان اصاب صاحبها) الظاهر في معلومية كون المال لغيره قطعا فيخرج عن محل البحث فتأمل.


1 - رواه في الوسائل في باب ما يؤخذ من اللصوص من ابواب كتاب اللقطة

[ 316 ]

ويلحق بها (من هذه الجهة) ايدى الامناء الذين يرجع إليهم في حفظ الودايع والامانات، مثل القاضى وغيره، إذا غلب على اموالهم ذلك وانقلبت طبيعة ايديهم، فان ترتيب آثار الملك على ما بايديهم ايضا مشكل ما لم ينضم إليه قولهم، فان انضم إليه ذلك كان حجة لا من باب حجية اليد بل من باب حجية قول ذى اليد وتصديق قول الامين (كما سيأتي في القواعد الاتية ان شاء الله). وهذا بخلاف ايدى السراق فان ضم قولهم وشهادتهم ايضا غير كاف في اثبات الملك لهم كما هو ظاهر. والحاصل ان ملاك حجية اليد وبناء العقلاء مفقود في جميع هذه الموارد. ويلحق بها ايضا يد الدلال ومن اشبهه، وكذلك ايدى مراجع الحقوق الشرعية من الزكوات والاخماس والمظالم، وكذا الوكلاء، ومتولي الاوقاف إذا كان الغالب في ايديهم بحسب العادة من غير اموالهم بل إذا كان مقدارا كثيرا وان لم يكن غالبيا فان ملاك حجية اليد كبناء العقلاء مفقودة في جميع ذلك الا ان ينضم إليها قولهم وشهادتهم (فتأمل)

[ 317 ]

10 - حجية اليد في الدعاوى وما يستثنى منها لا اشكال في حجية اليد ولو علم كونها مسبوقة بغيرها، إذا احتمل انتقال المال بوجه صحيح شرعى، بل الغالب في الايدى ذلك، ولا فرق فيه بين ان يعلم ذلك من الخارج أو يقر صاحب اليد نفسه به، بان يقول ان هذا المتاع كان لزيد فاشتريته منه بكذا وكذا. هذا كله في غير مقام الدعوى وكذلك في مقام الدعوى، فالقول قول صاحب اليد، فلو اقر بكون المتاع سابقا لثالث لا يكون طرفا للدعوى، لم يضر بكونه صاحب اليد و كونه منكرا لا يحتاج إلى بينة، بل المحتاج إلى البينة خصمه لكونه مدعيا. واما ان اقر صاحب اليد الفعلى لخصمه في مقام الدعوى بذلك، بان قال: ان هذا المال كان لك سابقا فالمحكى عن المشهور انقلاب الدعوى وصيرورة صاحب اليد الفعلى مدعيا، لانه يدعى انتقاله إليه بسبب من الاسباب الشرعية، فعليه اثبات ذلك، فتسقط اليد هنا عن الحجية بسبب هذا الاقرار. وينبغى توضيح كلام المشهور وتفسيره بما يندفع عنه ما استشكل عليه أو يمكن ان يستشكل عليه فنقول: ان دعوى صاحب اليد الفعلى كونه مالكا بعد اعترافه بكون المال لخصمه سابقا لا معنى له الا اشترائه منه أو انتقاله إليه بناقل آخر شرعى، فقوله (هذا ملكى فعلا وقد كان ملك خصمى قبل ذلك) في قوة قوله (كان هذا ملكه فاشتريته منه أو انتقل إلى بناقل آخر). وليس هذا المعنى من اللوازم الخارجة عن مصب الدعوى حتى يقال بانه لا عبرة باللوازم إذا كانت خارجة عنه، بل هو في الواقع مآل كلامه، ومعناه العرفي المقصود منه من قبيل دلالة الاقتضاء، والحاصل انه لو انفك هذا اللازم عن ملزومه لم يكن للكلام مفهوم صحيح.

[ 318 ]

فالاعتراف بسبق يد المدعى يوجب انقلاب نفس الدعوى ويجعل صاحب اليد الفعلى مدعيا ومقابله منكرا، لا انه يوجب طرح دعوى آخر بين المتخاصمين غير ما هما فيه، كما توهم. فصاحب اليد هنا يكون مدعيا سواء قلنا بان المقياس في تشخيص المدعى عن المنكر في ابواب الدعاوى هو العرف - كما اختاره غير واحد من الاكابر - ام قلنا بان المدعى هو الذى يدعى امرا على خلاف الاصل كما اختاره آخرون منهم. اما الاول فلصدق المدعى غرفا على صاحب اليد الفعلى، الذى يدعى انتقاله إليه بناقل شرعى ولو يلازم كلامه الذى لا مفهوم له بدونه، وصدق المنكر على خصمه، الذى يدعى بقاء الملك على ما كان عليه وعدم بيعه فتدبر. واما الثاني فلان مقتضى الاستصحاب بقائه على ملك الخصم وعدم انتقاله إلى صاحب اليد فعلا، فصاحب اليد مدع، لمخالفة قوله للاصل ومقابله منكر. لا يقال - كيف يكون ذلك وهو معتمد على اليد، وقد مر انها حاكمة على - الاستصحابات التى في مواردها؟ فقوله (ح) موافق للاصل، بمعناه الاعم من الاصول العملية والظواهر المعتبرة، والقواعد الثابتة شرعا، كما هو المراد منه في المقام قطعا. لانا نقول - لعل الوجه فيه ان دعوى الانتقال إليه انما تتعلق بزمان لم يكن له عليه يد، لا في الوقت الحاضر، فالمدعى انتقاله إليه من يد خصمه في زمان لم يكن تحت يده، فالمرجع بالنسبة إلى ذاك الوقت ليس الاستصحاب (فتأمل) هذا غاية ما يمكن ان يقال في توجيه كلام المشهور وقد يتصور ان سقوط اليد عن الحجية هنا من جهة قصور ادلتها وعدم شمول اطلاقاتها للمقام، وفيه انه لا وجه له يعتد به. ومما ذكرنا تعرف وجه النظر فيما افاده المحقق الاصفهانى في رسالته المعمولة في

[ 319 ]

قاعدة اليد حيث قال: ان لازم دعوى الملكية الفعلية بمقتضى يده واقرار بان العين كانت للمدعى سابقا، هو الاخبار بالانتقال منه إليه بالالتزام، الا انه ليس كل دلالة التزامية يوجب طرح دعوى آخر على اللازم بل لابد من وقوعه في مصب الدعوى، فان الدعوى من الدعاء وطلب الشئ وما لم يطلب لا دعوى منه - إلى ان قال: ففيما نحن فيه يدعى ذو اليد انه ملكه، ساكتا عن دعوى الانتقال منه إليه وسببه، فهو مدع للملكية، الموافقة ليده، فيكون منكرا ولا يدعى الانتقال حتى يكون مدعيا وكون لازم مجموع الكلامين هو (الانتقال) غير كو لازمهما (دعوى الانتقال) (انتهى) ويرد عليه: اولا - انه ليس البحث في تشكيل دعوى آخر غير الدعوى الاصلى، بل البحث في انقلابها إلى دعوى آخر بعد هذا الاقرار. وثانيا - قد عرفت ان هذا اللازم ليس من اللوازم المغفول عنها من قبيل دلالة الاشارة، بل هو من قبيل دلالة الاقتضاء التى يتوقف صدق الكلام عليه، فالمفهوم عرفا من هذا الكلام ليس الا دعوى الانتقال منه إليه. وقال في كلام آخر له في المقام ما حاصله: (المعروف في اليد انها من الامارات، والامارة على المسبب امارة على سببه، فكما ان اليد حجة على الملكية لذى اليد حجة على سببه الناقل، فكما انه يكون منكرا في دعوى الملكية لموافقة دعواه للحجة، كذلك في دعوى الانتقال إليه بسبب شرعى لموافقته ايضا للحجة، وهى اليد، لان المفروض ان الحجة على المسبب حجة على السبب). وفيه - ما عرفت سابقا من ان حجية مثبتات الامارات على اطلاقها ممنوع جدا فراجع وتدبر. وقد ذكر المحقق النائيني (قدس سره) في بعض ابحاثه في المقام على ما في تقريرات بعض اعاظم تلامذته - ما نصه:

[ 320 ]

(تسقط امارية اليد على الملكية بالاقرار الملازم لدعوى الانتقال، فيكون قول مدعى بقاء الملكية السابقة بعد سقوط اليد على طبق الاصل) انتهى. وفيه انه لم يعلم وجه صحيح لسقوط امارية اليد بسبب الاقرار بملكية السابقة وانما تسقط اماريتها لو اقر بملكيته للخصم فعلا، والحق في توجيه مخالفة قول ذى اليد هنا للاصل ما عرفت آنفا. وبعد ذلك كله ففى النفس من كلام المشهور هنا شئ وتمام الكلام في محله. بقى شئ وهو ان ما ذكره المشهور من انقلاب الدعوى بالاقرار انما هو في فرض الاقرار لخصمه، واما لو اقر لثالث فلا اثر له في انقلاب الدعوى كما عرفت، وان كان الخصم ممن ينتفع بهذا الاقرار بان كان وصيا أو وارثا للثالث أو شبههما. ومنه يعلم ان هذا الفتوى لا ينافى ما في رواية الاحتجاج من اعتراض امير المؤمنين (ع) على ابى بكر عند غصب فدك لما طالب الصديقة سلام الله عليها البينة لاثبات دعواها بقوله: (تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟ قال لا. قال (ع) فان كان في يد - المسلمين شئ يملكونه ادعيت انا فيه من تسأل البينة على ما في يدى وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده، ولم تسأل المؤمنين على ما ادعوا على كما سألتنى البينة على ما ادعيت عليهم (الحديث). فان الاقرار هنا انما هو لثالث وهو رسول الله صلى الله عليه وآله نعم لو كان فدك باقيا على ملكه صلى الله عليه وآله انتفع بها المسلمون وانتقل إليهم بمقتضى الحديث المجعول (نحن معاشر الانبياء لا نورث) ولكن مجرد ذلك لا اثر له في انقلاب الدعوى. إلى هنا نختم الكلام في قاعدة اليد، وما يلحق بها من الاحكام، وقد بقى هنا امور اخر من قبيل حجية قول ذى اليد، وحكم يد المسلم على الذبيحة، أو اليد على الطفل، واشباه ذلك، تعرض بعضهم لها هنا ولكنا اعرضنا عنها لانا عقدنا لبعضها قاعدة خاصة (مثل حجية قول ذى اليد) وبعضها خارج عن القواعد الفقهية اصلا وتشترك الجميع في خروجها عن قاعدة اليد المعروفة الدالة على الملكية فالحاقها بها لا ملزم له.

[ 321 ]

6 - قاعدة القرعة

[ 323 ]

وهى من القواعد المعمول بها في كثير من ابواب الفقه عند اشتباه حال الموضوعات وعدم معرفتها على ما هي عليها، وهذه القاعدة - مثل كثير من القواعد الفقهية الاخر - برغم شدة ابتلاء الفقيه بها لم تنقح في كلماتهم حق التنقيح، ولم يبحث عنها بحثا وافيا يليق بها، ولذا يرى في العمل بها في مجاريها تشويشا واضطرابا ظاهرا، يعمل بها في موارد، وتترك في موارد اخرى مشابهة لها ظاهرا من دون ان يبينوا لهذه التفرقة دليلا يعتمد عليه. ومن هذه الناحية استشكل كثير منهم على عمومات هذه القاعدة، حتى قالوا بعدم جواز العمل بها الا في موارد عمل الاصحاب بها! فهل كانت عند اصحابنا الاقدمين قرائن آخر تشكف لهم النقاب عن وجه هذه القاعدة وحدودها لم يتعرضوا لذكرها في كتبهم على كثرتها وتنوعها واحتوائها على دقائق الفقه وعمدة مداركه؟ وهذا امر بعيد جدا عند التأمل الصادق. أو انهم فهموا من نفس هذه المدارك غير ما نفهم منها؟! فما هو ذاك المعنى الذى فهموا عنها؟ ولعل عمدة الاشكال نشأت فيما ذكرنا، من عدم اداء القاعدة حقها من البحث والتنقيب. فنحن - بعون الله وهدايته - ناخذ في البحث عن مهمات هذه القاعدة الشريفة بما يسع المجال، لعلنا نوفيها شيئا من واجب حقها ونوضح معضلاتها ان شاء الله ونجعل البحث في مقامات:

[ 324 ]

الاول: في بيان مدارك مشروعية القرعة على اجمالها. الثاني: في مفادها وما يستحصل من ملاحظة مجموعها على التفصيل الثالث: في شرائط جريانها من حيث المورد والمجرى. الرابع: في كيفية اجراء القرعة عند الحاجة إليها. الخامس: في ان اجرائها في مواردها امر جائز أو واجب وعلى تقدير الجواز فهل يجب العمل بها بعد اجرائها أو يجوز ذلك؟

[ 325 ]

الاول - في مدارك مشروعية القرعة ويدل عليها امور: اولها - آيات من الكتاب العزيز: منها - قوله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (1) وهى واردة في قصة ولادة مريم وما رامته امه، امرأة عمران، حيث انها بعد ما وضعتها انثى لفتها في خرقة واتت بها إلى الكنيسة ليتكفلها عباد بنى اسرائيل وقد مات ابوها من قبل، فقالت دونكم النذيرة فتنافس فيها الاحبار - لانها كانت بنت امامهم عمران، فوقع التشاح بينهم فيمن يكفل مريم حتى قد بلغ حد الخصومة - - كما قال تعالى: إذ يختصمون - فما وجدوا طريقا لرفع التنازع الا القرعة، فتقارعوا بينهم، فالقوا اقلامهم التى كانو يكتبون بها التوراة في الماء، وقيل قداحهم للاقتراع، جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم. فارتز قلم زكريا ثم ارتفع فوق الماء، ورسبت اقلامهم، وقيل ثبت قلم زكريا وقام طرفه فوق الماء كانه في الطين وجرت اقلامهم مع جريان الماء، فوقعت القرعة على زكريا - وقد كانوا تسعة وعشرون رجلا - فكفلها زكريا وكان خير كفيل لها وقد كان بينهما قرابة، لان خالة ام مريم كانت عنده.


1 - سورة آل عمران - الاية 40

[ 326 ]

هذا ولكن في الاية نفسها ابهام فان كون جملة (إذ يلقون اقلامهم) بمعنى الافتراع غير واضح، الا ان بعض القرائن الداخلية والخارجية رافعة للابهام عنها، منها قوله تعالى (ايهم يكفل مريم) وقوله (إذ يختصمون) وغير واحد من الروايات الواردة في تفسير الاية التى تأتى الاشارة إليها، وذهاب المفسرون إليه. ففى الاية دلالة على ان القرعة كانت مشروعة لرفع النزاع والخصومة في الامم السالفة ويمكن اثباتها في هذه الامة ايضا بضميمة استصحاب الشرايع السابقة، مضافا إلى ان نقله في القرآن من دون انكار دليل على ثبوتها في هذه الشريعة ايضا والا لوجب التنبيه على بطلانها في هذه الشريعة. هذا ولكن في كون المورد من قبيل التشاح في الحقوق ابهاما، لعدم ثبوت حق لعباد بنى اسرائيل على مريم، اللهم الا ان يقال ان نذرها لله ولبيته يوجب ثبوت حق لهم عليها في حضانتها، ولما لم يكن هناك طريق آخر إلى تعيين من هو احق بحضانتها انحصر الطريق في القرعة (فتأمل) ولا يخفى ان مورد القرعة في الاية ليس له واقع محفوظ، يراد استكشافه بها، فليكن هذا على ذكر منك. ومنها - قوله تعالى: وان يونس لمن المرسلين إذ ابق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين (1) والمساهمة هو الاقتراع، قال الراغب في مفرداته: (فساهم فكان من المدحضين) (استهموا اقترءوا) وقال ايضا: السهم ما يرمى به وما يضرب به من القداح ونحوه. وقال في القاموس: السهم الحظ... والقدح يقارع به. والظاهر ان كون المساهمة أو الاستهام بمعنى المقارعة والاقتراع من جهة كون الغالب في مقارعتهم ان تكون بسهام مخصوصة يكتب عليها ما يعين المقصود عند خروجها


1 - سورة الصافات الاية 139 - 141

[ 327 ]

ثم اطلق على المقارعة ولو بغير السهم (المساهمة). وادحضه أي اسقطه وازاله، فقوله كان من المدحضين اما بمعنى من (المقروعين) بسبب وقوع السهم عليه أو بمعنى (الملقين في البحر)، وقال بكل قائل ولكن الظاهر هو الاول. فمن هنا يستفاد من الاية ان يونس لما هرب من قومه وركب الفلك المشحون، أي المملوئة من الناس والاثقال، قارع فوقعت القرعة عليه، وهذا المعنى على اجماله المستفاد من الاية يدل على مشروعية القرعة في الامم السالفة اجمالا، ويمكن استفادة مشروعيتها في شرعنا ايضا بالبيان الذى ذكرناه آنفا. وتفصيل الحال في مورد الاية على ما يستفاد من بعض الاخبار والتواريخ وكلمات المفسرين ان يونس عليه السلام لما غضب على قومه دعا عليهم بالعذاب فاستجيب له، فوعده الله ان يعذبهم وعين له وقتا ففر يونس منهم مخافة ان يأخذه العذاب بغتة، وظن ان الله لا يقدر عليه - أي لا يضيق عليه حاله - ولكن الله اراد التضييق عليه لتركه ما كان اولى في حقه وهو عدم الدعاء عليهم، والصبر اكثر مما صبر. وفى بعض الروايات عن الصادق عليه السلام انه كان في قومه رجلان: عالم وعابد فكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم، وكان العالم ينهاه ويقول لا تدع عليهم، فان الله يستجيب لك ولا يحب هلاك عباده فقبل قول العابد ولم يقبل من العالم) (1) فلعل التضييق عليه كان من هذه الناحية. ثم انه لما اتى ساحل البحر فإذا بسفينة شحمت، وارادوا ان يدفعوها، فسألهم يونس ان يحملوه فحملوه، فلما توسط البحر بعث الله حوتا عظيما فحبس عليهم السفينة من قدامها، و قيل ان السفينة احتبست بنفسها، فقال الملاحون (ان هاهنا عبدا آبقا وان من عادة السفينة إذا كان فيها آبق لا تجرى) وقيل انهم اشرفوا على الغرق فراوا انهم ان طرحوا واحدا منهم


1 - روا العلامة المجلسي في البحار في المجلد 5 ص 360

[ 328 ]

في البحر لم يغرق الباقون. وعلى كل حال اقترعوا فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات، فعلموا انه المطلوب فالقوه في البحر، وفى رواية ان اهل السفينة لما رأوا الحوت قد فتح فاه قدام السفينة قالوا فينا عاص، فتساهموا فخرج سهم يونس فالقوه في البحر فالتقمه الحوت (1) ثم لا يخفى ان الفاعل في قوله تعالى (ساهم) هو يونس فهو دليل على تسليمه للقرعة واشتراكه في فعلها وعدم الانكار عليهم، فلو لم يكن في شرعه جائزا لما اقدم هو عليها. وفى تفسير العياشي عن الثمالى عن ابى جعفر (ع) ان يونس لما آذاه قومه دعا الله عليهم - إلى ان قال - فساهمهم فوقعت السهام عليه فجرت السنة بان السهام إذا كانت ثلث مرات انها لا تخطى الحديث (2) وهذا دليل واضح على امضاء هذا الحكم في شرعنا ايضا ولكن هنا امران: احدهما - ان القرعة في هذه الواقعة لو كانت لاستكشاف آبق أو عاص أو مطلوب بين اهل السفينة، كما في غير واحد من الروايات والتفاسير الواردة من طرق اهل البيت (ع)، فهو من الامور المشكلة التى لها واقع ثابت مجهول، اما لو كانت العلة فيها عدم وجود مرجح في القاء بعضهم لتخفيف السفينة بعد ان ثقلت عليهم واشرفوا على الغرق، فهو من الامور المشكلة التى لا واقع لها مجهول، ولكن الاطهر بحسب الروايات والتفاسير هو الاول. ثانيهما - ان ظاهر الاية جواز الاقدام على هلاك احد بالقرعة عند الضرورة أو شبهها، فهل هذا امر جائز يمكن الحكم بمقتضاه حتى في هذه الشريعة ولو اجتمع فيه جميع الشرائط التى اجتمعت في امر يونس (ع) اولا؟ والمسألة لا تخلوا عن اشكال و تحتاج بعد إلى تأمل. (1) رواه العلامة المجلسي في البحار في المجلد 5 ص 360 (2) رواه في البحار عن تفسير العياشي في المجلد 5 ص 364

[ 329 ]

الثاني - السنة وهى العمدة من بين ادلتها، وهى روايات كثيرة واردة في ابواب مختلفة، بين عام يشمل جميع موارد القرعة، وخاص ورد في قضايا خاصة، واحسن ما رأيت في هذا الباب ما افاده المحقق النراقى في (عوائده) فقد جمع من الروايات العامة والخاصة ما يربو على اربعين حديثا وان لم يستقص احاديث القرعة مع ذلك. وقد عقد صاحب الوسائل (قده) لهذه القاعدة بابا في كتاب القضاء واورد فيها روايات كثيرة، بينها وبين ما استقصاه المحقق النراقى عموم من وجه. وعلى أي حال نذكر هنا (جميع) ما ظفرنا بها من الروايات العامة و (نبدا) من الروايات الخاصة الواردة في القضايا الجزئية المبثوثة في الابواب المختلفة، مما له دخل في توضيح حال القاعدة ورفع ما فيها من الابهام والاجمال، وانما لم نستقص هذا القسم من الروايات لعدم فائدة مهمة في ذكر جميعها. اما الاول فهى روايات: 1 - ما رواه الصدوق باسناده عن عاصم بن حميد عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) قال بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا (ع) إلى اليمن فقال له حين قدم حدثنى باعجب ما ورد عليك فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله اتانى قوم قد تبايعوا جارية فوطأها جميعهم في طهر واحد، فولدت غلاما، فاحتجوا فيه كلهم يدعيه، فاسهمت بينهم فجعلته للذى خرج سهمه و ضمنته نصيبهم؟؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ليس من قوم تقارعوا ثم فوضوا امرهم إلى الله الا خرج سهم المحق (1) ورواه في التهذيب والاستبصار عن عاصم بن حميد عن بعض اصحابنا عن ابى - جعفر (ع) الا انه قال (ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا) (إلى آخر).


(1) رواه في الوسائل في باب القرعة من ابواب كتاب القضاء

[ 330 ]

ولعله الاصح فان (التفويض إلى الله) انما يكون بعد التنازع وقبل القرعة كما في هذه النسخة، لا بعد القرعة كما في نسخة (الفقيه). وعلى كل حال هذه الرواية عامة في جميع موارد التنازع والحكومة الشرعية و اما بالنسبة إلى غيرها فلا دلالة لها. فليكن هذا على ذكر منك. وموردها يكون من الامور المشكلة التى لها واقع مجهول يراد كشفه، وليكن هذا ايضا على ذكر منك. كما ان ظاهر الفقرة الواردة في ذيلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله كون القرعة - مع شرائطها و مع التفويض إلى الله - كاشفة عن ذاك الواقع المجهول، وعلى هذا تكون منسلكة في سلك الامارات لو كان خروج سهم المحق غالبيا ولو كان دائميا كانت القرعة اعلى من الامارات المعمولة، ثم انه هل يمكن المساعدة على هذا الظهور الابتدائي ام لابد من توجيهه وتفسيره بغير هذا المعنى - وسنتلو ان شاء الله عليك منه ذكرا. وهذه الرواية المصححة (المروية عن الكتب الاربعة) من احسن ما ورد في هذا الباب. 2 - ما رواه الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب عن محمد بن حكيم قال سألت ابا الحسن عليه السلام عن شئ؟ فقال لى (كل مجهول ففيه القرعة) قلت له: ان القرعة تخطئ وتصيب؟ قال: كلما حكم الله به فليس بمخطى!. ومضمون هذه اعم من سابقها، لعدم تخصيص الحكم هنا بالمنازعة بل عنوانه (كل مجهول). واما ايهام كلمة (شئ) واحتمال كون السؤال عن شئ خاص متنازع فيه فالحق انه لا يضر باطلاق قوله (كل مجهول ففيه القرعة). لان ورود السؤال في مورد خاص لا يضر

[ 331 ]

بعموم الحكم إذا كان اللفظ عاما فتأمل. (1) واما قوله (كلما حكم الله به فليس بمخطى) فقد ذكر فيه احتمالان: احدهما - ان يكون المراد خروج سهم المحق واقعا - كما هو ظاهر الرواية السابقة - فهو ردع لقول السائل ان القرعة تخطى وتصيب واثبات لعدم خطائها - وهذا المعنى بعيد عن ظاهر الرواية. ثانيهما - وهو الانسب بظاهرها ان يكون المراد عدم الخطا في الحكم بحجية القرعة، فانه لو لم يكن هناك مصلحة في العمل بالقرعة والحكم بحجيتها، لما حكم به الله، فالمعنى (ح) ان خطاء القرعة عن الواقع احيانا لا يمنع عن كون نفس الحكم بحجيتها صوابا ومشتملا على المصلحة، فحكم الله ليس بخطاء. والذى يؤيد هذا المعنى بل يدل عليه ان قوله (كلما حكم الله به) بمعنى نفس الحكم، فعدم الخطاء فيه لا في متعلقه الذى هو القرعة. هذا مضافا إلى ان العلم بوقوع الخطاء في كثير من الامارات الشرعية مع انها ايضا مما حكم الله بها يمنع عن حمل الحديث على هذا المعنى لو فرض ظهوره فيه بدء الامر. 3 - ما رواه الشيخ عن جميل قال قال الطيار لزرارة ما تقول في المساهمة، اليس حقا؟ فقال زرارة بل هي حق. فقال الطيار: اليس قد ورد انه يخرج سهم المحق؟ قال: بلى. قال: فتعال حتى ادعى انا وانت شيئا ثم نساهم عليه وننظر هكذا هو؟ فقال له زرارة: انما جاء الحديث بانه ليس من قوم فوضوا امرهم إلى الله ثم اقترعوا الا خرج سهم المحق، فاما على التجارب فلم يوضع على التجارب. فقال الطيار ارأيت ان كانا جميعا مدعيين ادعيا ما ليس لهما من اين يخرج سهم احدهما؟ فقال زرارة إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح، فان كانا ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح. (2)


(1) رواه في الوسائل في باب القرعة من كتاب القضاء. (2) رواه في الوسائل في كتاب القضاء في باب القرعة

[ 332 ]

وهذا الحديث الشريف يدلنا على امور هامة: منها - كون حجية القرعة امرا واضحا لا يمكن انكاره، وقد كان مشهورا بين بطانة اهل البيت (ع) حتى وقع المباحثة فيه بين زرارة والطيار، وقد كان زرارة من كبراء اصحاب الصادق عليه السلام ومن افقه فقهاء زمانه، والطيار - وهو محمد بن عبد الله أو ابنه حمزة بن محمد - فان كلا منهما يلقب بهذا اللقب وان كان الاشهر فيه هو الاب - من اجلاء صحابته وكان متكلما فاضلا يباهى به الصادق عليه السلام كما في بعض الروايات، وكان نظره في هذا البحث الاستفادة من غزارة علم صاحبه، ولقد اجاد في ما اجاب عنه زرارة في الفقرتين، فقد ذكر في الاولى ان اطلاق ما ورد في خروج سهم المحق ناظر إلى صورة ارادة كشف الواقع فهو منصرف عما إذا كان على التجارب. وفى الثانية انه لو احتمل كذب المتداعيين جميعا لم يكف القاء سهمين بل لابد من ثلثة اسهم: سهم لهذا وسهم لذاك، وسهم مبيح ليس لهما، فلا يكون هناك ما ينافى ما ورد في الحديث من خروج سهم المحق. ومنها - كون القرعة كاشفا عن الواقع كشفا دائميا لا يقع التخلف فيه، ولكن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وآله أو الامام عليه السلام بل هو ما استنبطه زرارة عن الحديث المشهور النبوى الوارد في هذا الباب ما من قوم فوضوا امرهم الخ ثم بنى عليه ما بنى. ولكن قد مر آنفا امكان حمله على الاصابة الغالبية وسيأتى مزيد بحث فيه ان شاء الله. ومنها - انه لابد من القاء سهم مبيح إذا احتمل كذب المتداعيين. 4 - ما رواه البرقى عن منصور بن حازم قال سأل بعض اصحابنا ابا عبد الله عليه السلام عن مسألة فقال هذه تخرج في القرعة ثم قال: فاى قضية اعدل من القرعة إذا فوضوا امرهم إلى الله عزوجل اليس الله يقول فساهم فكان من المدحضين. (1)


1 - رواه في الوسائل في ج 3 في كتاب القضاء في باب القرعة.

[ 333 ]

ويستشم من قوله عليه السلام (أي قضية اعدل من القرعة) ثم استشهاده بقضية يونس، انها عامة في امور المشكلة ولا تختص بالمورد الذى سأله الراوى؟، ولكن في شموله لغير موارد (التنازع) اشكال ظاهر. 5 - ما ارسله الشيخ (قدس سره) في (النهاية) قال: روى عن ابى الحسن موسى بن جعفر وعن غيره من آبائه وابنائه عليهم السلام: من قولهم كل مجهول ففيه القرعة، فقلت له ان القرعة تخطئ وتصيب، فقال كل ما حكم الله به فليس بمخطى. (1) وهذا وان كان متحدا مع ما مر من رواية محمد بن حكيم عن ابى الحسن عليه السلام، ولكن قول الشيخ (ره) دليل على ان هذا المضمون بعينه مروى عن غير ابى الحسن من ائمة اهل البيت من آبائه وابنائه عليهم السلام. والكلام فيه من حيث المعنى هو الكلام في حديث محمد بن حكيم. 6 - ما رواه الشيخ في التهذيب عن (سيابه) و (ابراهيم بن عمر) جميعا عن ابى عبد الله (ع) في رجل قال اول مملوك املكه فهو حر فورث ثلثة قال يقرع بينهم فمن اصابه القرعة اعتق قال والقرعة سنة (2) وهذا الحديث وان كان واردا في مورد خاص ولكن قوله (القرعة سنة) يدل اجمالا على عموم الحكم وعدم اختصاصه بالمقام، ولكن فيه ابهام ظاهر من حيث عنوان الحكم، لانه لى يبين فيه ان القرعة سنة في أي موضوع. وفى هذا الحديث دلالة واضحة على عدم اختصاص القرعة بماله واقع مجهول، فان موردها ليس من هذا القبيل قطعا. 7 - ما رواه العياشي في تفسيره عن ابى جعفر (ع) في حديث يونس قال: فساهمهم، فوقعت السهام عليه، فجرت السنة ان السهام إذا كانت ثلاث مرات انها لا تخطى (3)


1 - رواه في الوسائل في ج 3 في كتاب القضاء في باب القرعة 2 - رواه في الوسائل في ذاك الباب بعينه 3 - رواه في الوسائل في كتاب الميراث في ابواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم في الباب 4

[ 334 ]

وهو ايضا دليل على عموم الحكم في الامور المشكلة اجمالا، واصابة القرعة للواقع وكونه دليلا عليه، ولكن من غير تصريح بعنوان الموضوع وانها سنة في أي موضوع واى عنوان. 8 - ما رواه في التهذيب عن عباس بن هلال عن ابى الحسن الرضا (ع) قال ذكر (ابن ابى ليلى) و (ابن شبرمة) دخلا المسجد الحرام فاتيا محمد بن على (ع) فقال لهما: بما تقضيان؟ قالا بكتاب الله والسنة. قال: فما لم تجداه في الكتاب والسنة؟ قالا نجتهد رأينا. قال: رأيكما انتما؟ فما تقولان في امرأة وجاريتها كانتا ترضعان صبيين في بيت فسقط عليهما فماتتا وسلم الصبيان قالا: القافة. قال، القافة تلحقهما بهما. قالا: فاخبرنا. قال: لا. قال ابن داود مولى له جعلت فداك قد بلغني ان امير المؤمنين (ع) قال: ما من قوم فوضوا امرهم إلى الله عزوجل والقوا سهامهم الا خرج السهم الاصوب، فسكت. (1) وفيه ايضا دلالة على ان عموم القرعة كان امرا مشهورا بين صحابة اهل البيت (ع) عليهم السلام ومواليهم، وسكوت الباقر (ع) بعد ما رواه ابن داود مولى له، عن امير المؤمنين (ع) دليل آخر على ثبوت هذه القاعدة عندهم. فكلما كان الامر فيه مشكلا مثل مورد الرواية جاز الرجوع فيه إلى القرعة، اللهم الا ان يقال ان سكوته اعم من رضاه بذلك. 9 - ما رواه في التهذيب عن عبد الله بن مسكان قال: سئل أبو عبد الله (ع) وانا عنده عن مولود ليس بذكر ولا بانثى ليس له الا دبر كيف يورث؟ فقال يجلس الامام ويجلس عنده اناس من المسلمين، فيدعون الله ويجيل (ويجال) السهام عليه على أي ميراث يورثه، ثم قال: واى قضية اعدل من قضية يجال عليها بالسهام يقول الله تعالى فساهم: فكان من المدحضين (2). وفيه ايضا دليل على عموم الحكم وان لم يصرح فيه ايضا بعنوانه المأخوذ فيه. وصدره دليل آخر على اعتبار القرعة من حيث كشفها عن الواقع المجهول فان جلوس


1 - رواه في الوسائل في كتاب الميراث في ابواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم؟؟ في الباب 4 2 - رواه في الوسائل في كتاب الميراث في ابواب ميراث الخنثى

[ 335 ]

الامام واناس من المسلمين ودعائهم انما يكون لارائة الواقع المجهول، والا لم يكن وجه ظاهر للدعاء، ولكن ذيله كبعض آخر من الروايات دليل على ان اعتبار القرعة من جهة كونه اقرب إلى (العدالة) في موارد الحقوق المشكوكة وسيأتى مزيد توضيح له ان شاء الله 10 - ما رواه الشيخ (قده) ايضا في التهذيب، والكليني في الكافي، عن ثعلبة بن ميمون عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (ع) ثم ذكر مثل الحديث السابق ثم اضاف قوله: ما من امر يختلف فيه اثنان الا وله اصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه عقول الرجال (1) وهذا دليل على ان اصل القرعة - كحكم عام - مأخوذ من كتاب الله من قضية يونس فهو جار في جميع الموارد التى يشكل فيها الامر وان لم يصرح فيه ايضا بعنوان (المشكل) وشبهه. 11 - ما رواه ايضا في الكافي والتهذيب عن عبد الله بن مسكان عن اسحاق العرزمى (كما في محكى الكافي) أو اسحاق المرادى (كما في محكى التهذيب) عن ابى عبد الله (ع) ثم ذكر مثل الروايتين السابقتين، الا انه لم يذكر فيها التذييل الاخير. (2) 12 - ما ورد في (فقه الرضا) في باب الشهادات وكل ما لا يتهيأ فيه الاشهاد عليه قال: الحق فيه ان يستعمل فيه القرعة وقد روى عن ابى عبد الله (ع) انه قال: فاى قضية اعدل من القرعة. والظاهر ان المرسلة المروية فيها من قول الصادق (ع) هي بعينها ما نقلناها سابقا تحت الرقم الرابع، ولكن في نفس عبارة فقه الرضا - سواء كان حديثا أو فتوى لبعض كبراء اصحابنا الاقدمين، على خلاف فيه - دلالة على ان القرعة جارية في كل ما لا يتهيأ الاشهاد عليه، وان لم يدل على اختصاصها به.


1 - رواه في الوسائل في كتاب الميراث في ذاك الباب بعينه. 2 - رواه في الوسائل في ابواب ميراث الخنثى في نفس ذاك الباب

[ 336 ]

هذا ما ظفرنا به من الروايات العامة، وهناك روايات مرسلة عن الصدوق أو غيره متحدة مع تلك الروايات لم نذكرها بعنوان مستقل، لاتحادها معها. وغير خفى ان فيها غنى وكفاية في اثبات القاعدة بعمومها، ولا سيما مع كونها مروية في الكتب المعتبرة، وقد رواها جمع من اجلاء الاصحاب، وفيها دليل على كونها مشهورة منذ اعصار الائمة (عليهم السلام). الروايات الخاصة وهناك روايات خاصة مبثوثة في مختلف ابواب الفقه تؤيد عموم القاعدة وعدم اختصاصها بمورد معين وان لم يكن فيها تصريح بالعموم ولكن ورودها وانبثاثها في تلك الابواب المختلفة من المؤيدات القوية على المقصود واليك نبذا منها مما يشتمل على نكت خاصة تفيدنا في حل معضلات القاعدة وهى طوائف: الطائفة الاولى ما ورد في باب تعارض الشهود وانه إذا تساويا في العدد والعدالة يرجع إلى القرعة مثل ما يلى: 1 - ما رواه في الكافي والتهذيب عن داود بن ابى يزيد العطار عن بعض رجاله عن ابى عبد الله (ع) في رجل كانت له امرأة فجاء رجل بشهود ان هذه المرأة امرأة فلان وجائت آخران فشهدا انها امرأة فلان، فاعتدل الشهود، وعدلوا، فقال يقرع بينهم فمن خرج سهمه فهو المحق وهو اولى بها. 2 - ما رواه في الفقيه والتهذيب والاستبصار عن سماعة قال ان رجلين اختصما إلى على (ع) في دابة فزعم كل واحد منهما انها نتجت على مذوده واقام كل واحد

[ 337 ]

منهما بينة سواء في العدد فاقرع بينهما سهمين فعلم السهمين كل واحد منهما بعلامة، ثم قال: اللهم رب السموات السبع ورب الارضين السبع ورب العرش العظيم، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، ايهما كان صاحب الدابة وهو اولى بها فأسئلك ان يقرع ويخرج سهمه فخرج سهم احدهما فقضى له بها. 3 - ما رواه في الكافي والتهذيب والاستبصار والفقيه عن داود بن سرحان عن ابى عبد الله (ع) في الشاهدين شهدا على امر واحد، وجاء آخر ان فشهدا على غير الذى شهدا عليه واختلفوا قال يقرع بينهم فايهم قرع، فعليه اليمين وهو اولى بالقضاء. إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب التى جمعها صاحب الوسائل في كتاب القضاء من المجلد الثالث في باب عقده لحكم (تعارض البينتين وما ترجح به احدهما) وبعضها وان كانت مطلقة وبعضها مقيدة الا ان طريق الجمع بينهما بالتقييد واضح. وقد افتى بمضمونها مشهور المتأخرين وجمع من اكابر القدماء (رضوان اله عليهم) فقالوا: (إذا لم يكن العين في يد واحد من المتداعيين قضى بارجح البينتين عدالة، فان تساويا قضى لاكثرهما شهودا، ومع التساوى عددا وعدالة يقرع بينهما فمن خرج اسمه احلف و قضى له) واستنادهم في ذلك إلى هذه الروايات التى عرفت انموذجا منها، وان كان فيها بعض ما ينافيها وقد ذكروا له توجيهات فراجع وتمام الكلام في نفس هذه المسألة في محلها. الطائفة الثانية: ما ورد في باب عتق المملوك أو نذر عتقه وانه إذا اشتبه اخرج بالقرعة مثل ما يلى: 4 - ما رواه الكليني في الكافي والشيخ في التهذيب عن يونس قال في رجل كان له عدة مماليك فقال ايكم فقال ايكم علمني آية من كتاب الله فهو حر، فعلمه واحد منهم ثم مات المولى و لم يدر ايهم الذى علمه؟ قال: يستخرج بالقرعة، قال لا يستخرجه الا الامام لان له على

[ 338 ]

القرعة كلاما ودعاءا لا يعلمه غيره (1) ومورد الرواية من الامور المجهولة التى لها واقع ثابت في الخارج وان لم نعلمه، وقوله لا يستجرجه الا الامام سيأتي الكلام فيه ان شاء الله، وعدم وجوب الدعاء، معلوم، غاية ما فيه انه مستحب، والرواية مقطوعة لعدم استناده إلى الامام (ع) ولكن نقلها في الكتب الاربعة وغير ذلك من القرائن تؤيد رجوع الضمير في قوله: (قال يستجرج بالقرعة) إلى الامام (ع) فتأمل. 5 - ما رواه الشيخ عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) في رجل قال اول مملوك املكه فهو حر فورث سبعة جميعا، قال يقرع بينهم ويعتق الذى قرع (2) 6 - ما رواه الشيخ ايضا عن عبد الله بن سليمان قال سألته عن رجل قال أو مملوك املكه فهو حر فلم يلبث ان ملك ستة ايهم يعتق؟ قال يقرع بينهم ثم يعتق واحد (3) وهاتان الروايتان وان لم يصرح فيهما بمسألة النذر الا ان القرائن تشهد على حمله عليه ولذا اوردهما صاحب الوسائل ايضا في باب عقده تحت عنوان النذر في كتاب العتق. ومن الجدير بالذكر انه ليس في مورد الروايتين واقع مجهول يراد استكشافه بالقرعة وهذا دليل آخر على عدم اختصاصها بماله واقع ثابت في نفس الامر. هذا وفى نفس المسألة خلاف والمحكى عن الشيخ في النهاية والصدوق وجماعة بل نسب إلى الاكثر هو القول بالرجوع إلى القرعة، وقيل بعدم وجوب الرجوع إليها وانه يتخير في عتق واحد منها الا ان يموت الناذر فرجع إلى القرعة لخبر الحسن الصيقل قال: سألت ابا عبد الله عن رجل قال اول مملوك املكه فهو حر، فاصاب ستة، قال انما كانت نيته على واحد فليختر ايهما شاء فليعتقه (4)


1 - رواه في الوسائل في كتاب العتق في باب (من اعتق مملوكا ثم مات واشتبه) 2 و 3 و 4 رواهما في الوسائل في كتاب العتق من المجلد الثالث في باب (من نذر عتق اول مملوك يملكه).

[ 339 ]

وقد يجمع بينهما تارة بحمل الامر بالقرعة على الاستحباب، واخرى بان طريق اختيار واحد منهم هو القرعة، فكان الرواية الاخيرة ناظرة إلى نفى وجوب عتق ما عدا واحد واما طريق اختيار الواحد فهو مسكوت عنه فيها، فيرجع إلى الروايتين السابقتين فتأمل. * * * الطائفة الثالثة - ما ورد في باب الوصية بعتق بعض المماليك وانه يستجرج بالقرعة مثل ما يلى: 7 - ما رواه الصدوق في الفقيه عن محمد بن مهران عن " الشيخ " يعنى موسى بن جعفر (ع) عن ابيه (ع) قال: ان ابا جعفر (ع) مات وترك ستين مملوكا فاعتق ثلثهم فاقرعت بينهم واعتقت الثلث (1) ورواه الكليني والشيخ في كتابيهما ايضا. 8 - ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا جعفر (ع) عن الرجل يكون له المملوكون فيوصى بعتق ثلثهم قال كان على (ع) يسهم بينهم، ومورد الروايتين ايضا من الامور التى لا واقع لها في الخارج مجهول عندنا كما هو واضح - والظاهر اهران المراد من عتق الثلث في الرواية الاولى الوصية بعتقهم وان لم يصرح فيها بالوصية وهذا الحكم مما لا خلاف فيه كما ذكره في الجواهر في كتاب " العتق ". * * * الطائفة الرابعة ما ورد في باب اشتباه الحر بالمملوك وانه يستخرج بالقرعة مثل ما يلى 9 - ما رواه الشيخ في التهذيب عن حماد عن المختار قال دخل أبو حنيفة على ابى عبد الله (ع) فقال له أبو عبد الله (ع) ما تقول في بيت سقط على قوم فبقى منهم صبيان: احدهما حر والاخر مملوك لصاحبه، فلم يعرف الحر من العبد؟ فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا و نصف هذا، فقال أبو عبد الله (ع) ليس كذلك ولكنه يقرع بينهما فمن اصابته القرعة فهو


(1) رواه في الوسائل في اواخر المجلد الثاني في ابواب الوصية.

[ 340 ]

الحر ويعتق هذا فيحصل مولى له (1) 90 - ما رواه الشيخ ايضا عن حماد عن حريز عمن اخبره عن ابى عبد الله (ع) قال قضى امير المؤمنين (ع) باليمن في قوم انهدمت عليهم دارهم وبقى صبيان احدهما حر، والاخر مملوك فاسهم امير المؤمنين (ع) بينهما فخرج السهم على احدهما فجعل له المال واعتق الاخر. والمستفاد من هاتين الروايتين لزوم العمل بالقرعة في تشخيص " الحر " عن " العبد " فيرث التركة كلها ولكن يجب اعتاق الاخر، اما من جهة بناء العتق على التغليب ولزوم ترجيح جانب الحرية مهما دار الامر بينها وبين الرقية، واما من جهة الاحتياط فان محذور استرقاق الحر المحتمل هنا اشد من محذور المال. ومع كون القرعة حكما عاما لمثل هذه الموارد المشكوكة لا يبقى مجال لما ذكره أبو حنيفة من الرجوع إلى قاعدة " العدل والانصاف " والحكم بكون نصف كل منهما حرا، الذى فيه محذور المخالفة القطعية لما علم بالاجمال، بل قد يلزم منه مخالفة قطعية للعلم التفصيلي كما قد ذكر في محله فتدبر. * * * الطائفة الخامسة ما ورد في ميراث الخنثى المشكل الذى لا طريق إلى اثبات رجوليتها وانوثيتها، وان المرجع فيه هو القرعة، وقد عقد له في الوسائل بابا خاصا في كتاب الميراث تحت عنوان: " ان المولود إذا لم يكن له ما للرجال ولا ما للنساء حكم في ميراثه بالقرعة ". وقد مر عند ذكر عمومات القرعة غير واحد منها، مثل رواية " عبد الله بن مسكان " ومرسلة " ثعلبة بن ميمون " و " اسحاق المرادى " وهى تدل على هذا الحكم خصوصا وعلى


1 - رواه في الوسائل في المجلد الثالث في الباب 65 من كتاب العتق.

[ 341 ]

اعتبار القرعة عموما. وفى نفس الباب بعض الروايات الخاصة يدل على الحكم في خصوص المورد مثل: 11 - ما رواه في الكافي، والفقيه، والمحاسن، عن فضيل بن يسار قال سألت ابا عبد الله (ع) عن مولود ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء؟ قال يقرع الامام (ع) أو المقرع، يكتب على سهم عبد الله، وعلى سهم امة الله، ثم يقول الامام أو المقرع: اللهم انت الله لا اله الا انت عالم الغيب والشهادة تحكم بين عبادك يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، بين لنا امر هذا المولود كيف يورث ما فرضت له في الكتاب ثم تطرح السهام (السهمان) في سهام مبهمة ثم تجال السهام، على ما خرج ورث عليه (1) هذا ولكن في العمل بهذه الروايات خلاف بين الاصحاب مذكور في كتاب الميراث فقد ذهب الشيخ في الخلاف، وبعض آخر إلى انه إذا لم يكن هناك امارة على احد الامرين يعمل بالقرعة بل ادعى الشيخ (قدس سره) الاجماع عليه، ولكنه كما ترى. وذهب كثير من الاصحاب منهم المفيد والصدوقان والشيخ في النهاية وابن حمزة وابن زهرة والمحقق الطوسى والشهيدان والعلامة وولده وغيرهم على ما تحكى عنهم، بل هو المشهور، إلى انه يعطى نصف ميراث الرجل ونصف ميراث المرأة وقد حكى الاجماع عليه ايضا ويدل عليه غير واحد من الروايات. وذهب بعض آخر كالمفيد والمرتضى فيما حكى عنهما (قدس سرهما) إلى وجوب عد اضلاعه فان استوى جنباه فهى امرأة وان اختلفا فهو ذكر ولكن مستندهم في ذلك ضعيف. وكيف كان فالمسألة خلافية والمشهور عدم العمل بروايات القرعة هنا. * * * الطائفة السادسة ما ورد في اشتباه حال الولد وانه من أي واحد من واقعوا بالشبهة مثل:


1 - رواه في الوسائل في كتاب الميراث في الباب 4

[ 342 ]

12 - ما رواه في التهذيب والفقيه عن معاوية بن عمار عن ابن عبد الله (ع) قال إذا وطأ رجلان أو ثلثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوا جميعا اقرع الوالى بينهم فمن قرع كان الولد ولده ويرد قيمة الولد على صاحب الجارية الحديث (1) 13 - ما رواه الشيخ في التهذيب ايضا عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) قال إذا وقع الحر والعبد والمشرك (والمشترك) على امرأة في طهر واحد وادعوا الولد اقرع بينهم و كان الولد للذى يقرع (2) 14 - ما رواه الشيخ ايضا عن سليمان بن خالد عن ابى عبد الله (ع) قال قضى على (ع) في ثلثة وقعوا على امرأة في طهر واحد وذلك في الجاهلية قبل ان يظهر الاسلام فاقرع بينهم فجعل الولد للذى قرع وجعل عليه ثلثى الدية للاخرين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بدت نواجده قال: وما اعلم فيها شيئا الا ما قضى به على (ع) (3) 15 - ما ارسله المفيد في " الارشاد " قال بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا إلى اليمن فيرفع إليه رجلان بينهما جارية يملكان رقها على السواء، قد جهلا خطر (حظر) وطيها معا، فوطئاها معا في طهر واحد، فحملت ووضعت غلاما، فقرع على الغلام باسميهما فخرجت القرعة لاحدهما فالحق به الغلام والزمه نصف قيمته ان لو كان عبدا لشريكه، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله القضية فامضاها واقر الحكم بها في الاسلام (4) إلى غير ذلك من الروايات الدالة على هذا الحكم وقد مر في الروايات العامة ايضا بعض ما يدل عليه. ولا يخفى ان ما ورد فيه من اطلاق الحكم فيما إذا وقع رجال متعددون على امرأة في طهر واحد اما محمول على ما إذا كان ذلك لشبهة حصلت لهم، أو لعدم الاطلاع على الحكم كما كانت في الجاهلية أو لغير ذلك وفى نفس الروايات مضافا إلى القرائن الخارجية، ما يشهد


1 - رواه في الوسائل في كتاب القضاء في باب القرعة وفى الباب الآتى 2 و 3 و 4 - رواها في الوسائل في كتاب النكاح في ابواب نكاح العبيد والاماء في باب " ان الشركاء في الجارية إذا وقعوا عليها في طهر واحد حكم بالقرعة في الحاق الولد ".

[ 343 ]

لهذا المعنى. أو محمول على ما ذكروه في كتاب " النكاح " من ان الامة المشتركة إذا وطأها احد الشركاء اثم ووجب تعزيره، لكن لا يعد زانيا فلا ينفى عنه الولد، بل يكون عاصيا ويلحق به الولد وتكون الجارية ام ولد ويغرم حصة الشريك من الام والولد - ولعل الاقرب هو هذا المعنى فان لسان بعض هذه الروايات يأبى عن الحمل على الوطى بالشبهة. وعلى كل حال فالرجوع إلى القرعة في المقام مشهور بين الاصحاب بل لم نجد فيه مخالفا، الا ان هنا اشكالا في الزام من يلحق به الولد بالقرعة، بالغرامة للباقين، وهو انه كيف يلزم بذلك مع انهم مدعين للولد ولازم هذه الدعوى عدم استحقاقهم للقيمة اخذا بمقتضى اقرارهم فهم غير مستحقين للقيمة لقاعدة اقرار العقلاء على انفسهم. والظاهر ان هذا الاشكال الجأ بعضهم على حمل الغرامة في الروايات على غرامة الام لانها تصير ام ولد لمن لحق به الولد فعليه الغرامة للباقين. وهذا الحمل عجيب فانه مضافا إلى كونه منافيا لصريح بعض روايات الباب مثل رواية معاوية بن عمار (1) المصرح فيها " قيمة الولد " لا يدفع الاشكال لجريان نفس الاشكال في الام ايضا لان كل واحد منهم يدعى انه ام ولد له فكيف يحل له اخذ سهمه من قيمتها؟! هذا ولكن قد يجاب عن الاشكال بوجهين آخرين: احدهما - ان هذه الاقرارات مسموعة إذا لم يكن هناك امارة تدل على بطلانها فإذا دلت القرينة على الحاق الولد بواحد منهم ونفيه عن آخرين كان كما إذا علم بكون الولد ولدا له وامه ام ولد له (فح) يجب العمل بمقتضى الامارة وسقطت الاقرارات. ثانيهما - ان المراد من ادعاء الولد هنا ليس ادعاء العلم بانه من نطفته لعدم امكان حصوله عادة لاحد بعد مواقعة الجميع لها في طهر واحد، بل المراد ارادة كل واحد اخذ


1 - وقد نقلناها تحت الرقم 12 فيما مر.

[ 344 ]

الولد والحاقه بنفسه، لانه يحتمل انعقاده من نطفته، فان وقوع مثل هذه الدعوى - لا سيما بين عوام الناس - امر شايع في امثال المقام الذى يدور امر شئ بين عدة منهم مع تساوى الاحتمال بالنسبة إلى الجميع، فاذن لا يكون هناك اقرار من احد منهم بكون الولد ولدا له واقعا وامه ام ولد كذلك وهو الوجه اقوى من سابقه واوفق بمورد الروايات، وعلى كل حال العدول عما ذكره الاصحاب في المسألة لمثل هذا الاشكال مما لا وجه له. * * * الطائفة السابعة ما ورد في اشتباه الشاة الموطوئة وانها إذا اشتبهت استخرجت بالقرعة مثل ما يلي: 16 - ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن عيسى عن " الرجل " انه سئل عن رجل نظر إلى راع نزا على شاة؟ قال ان عرفها ذبحها واحرقها وان لم يعرفها قسمها نصفين ابدا حتى يقع السهم بها فتذبح وتحرق وقد نجت سائرها (1) 17 - ما رواه حسن بن على بن شعبة في " تحف العقول " عن ابى الحسن الثالث (ع) في جواب مسائل يحيى بن اكثم قال: واما الرجل الناظر إلى الراعى وقد نزا على شاة فان عرفها ذبحها واحرقها وان لم يعرفها قسم الغنم نصفين وساهم بينهما فإذا وقع على احد النصفين فقد نجا النصف الآخر ثم يفرق النصف الآخر فلا يزال كذلك حتى يبقى شاتان فتقرع بينهما فايهما وقع السهم بها ذبحت واحرقت ونجا سائر الغنم. (2) ولا يبعد ان يكون المراد بالرجل المروى عنه في الرواية الاولى ابا الحسن الثالث (ع) كما في الرواية الاخيرة ومضمون الحديثين كالفاظهما قريب جدا فمن هنا يظن قويا اتحاد الروايتين لاتحادهما في الراوى والمروى عنه والمضمون فتدبر. وعلى كل حال الحكم بالقرعة في هذه المسألة معروف بين الاصحاب رضوان الله عليه


1 و 2 - رواهما في الوسائل في كتاب الاطعمة والاشربة من المجلد الثالث في ابواب الاطعمة المحرمة في باب " تحريم البهيمة التى ينكحها الادمى "

[ 345 ]

بل قال في الجواهر: " بلا خلاف فيه، للخبرين المنجبرين بذلك ". وعلة الحاجة إلى الانجبار في حديث تحف العقول واضح من جهة ارساله. واما في رواية الشيخ في التهذيب فلكون محمد بن عيسى - الظاهر كونه هو محمد بن عيسى بن عبيد المعروف بالعبيدي - محلا للكلام بينهم، فقد وثقه بعضهم واثنى عليه كمال الثناء، و ضعفه بعض آخر وقال لا اثق بما يتفرد به - مضافا إلى عدم التصريح باسم المروى عنه فيه. وقد عثرت بعد ما ذكرت على كلام جامع حول سند الحديث للعلامة المجلسي (قدس سره) احبينا ايراده لما فيه من التأييد لما نحن بصدده قال: في اواخر المجلد الرابع عشر من بحار الانوار في باب الاسباب العارضة المقتضية لتحريم الحيوان بعد ذكر حديث محمد ابن عيسى ما هذا نصه: " الظاهر ان الرجل أبو الحسن (ع) وهذا مختصر من الحديث الذى رويناه اولا (اشار بذلك إلى مرسلة تحف العقول) ثم قال: وقال في المسالك: بمضمون الرواية عمل الاصحاب مع انها لا تخلو عن ضعف وارسال، لان راويها محمد بن عيسى عن الرجل، و محمد بن عيسى مشترك بين الاشعري الثقة واليقطيني وهو ضعيف، فان كان المراد بالرجل الكاظم (ع) كما هو الغالب فهى مع ضعفها بالاشتراك مرسلة لان كلا الرجلين لم يدرك الكاظم (ع) وان اريد به غيره كان مبهما كما هو مقتضى لفظه فهى مع ذلك مقطوعة (انتهى كلام المسالك). ثم قال المجلسي: واقول: يرد عليه ان الظاهر انه اليقطينى كما يظهر من الامارات والشواهد الرجالية لكن الظاهر ثقته (وثاقته) والقدح في غير ثابت، وجل الاصحاب يعدون حديثه صحيحا، وكون المراد بالرجل الكاظم (ع) غير معروف بل الغالب التعبير بالرجل والغريم وامثالهما عند شدة التقية بعد زمان الرضا (ع) وهنا بقرينة الراوى يحتمل الجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) لكن الظاهر هو الهادى

[ 346 ]

بقرينة الرواية الاولى فظهر ان الخبر صحيح مع انه لم يرده احد من الاصحاب " انتهى (1) وعلى كل حال قد عرفت ان اصل الحكم هنا مما لا غبار عليه لعدم نقل الخلاف عن احد منهم وانجبار الروايتين لو كانا ضعيفتين بعملهم. ثم انه لا يبعد ان يكون وجه اجراء القرعة فيها وجعل المورد من الامور المشكلة مع ان قاعدة الاحتياط في اطراف الشبهة المحصورة تقتضي الاجتناب عن الجميع، هو ان ذبح الجميع واحراقها اما ضرر أو حرج، فإذا انتفى الاحتياط لذلك ولم يمكن الرجوع إلى البرائة كما هو ظاهر فلم يبق هنا طريق إلى المجهول الا القرعة. ثم لا يخفى عليك ان مورد هذه المسألة المتفق فيها ليس من حقوق الناس ولا من الامور المتنازع فيها ولا يحتاج إلى اقامة الدعوى والقضاء الشرعي - فما قد يقال من ان روايات القرعة مخصوصة بباب القضاء والتنازع مما لا وجه له. * * * الطائفة الثامنة ما ورد في طريق اجراء القرعة وكيفيتها وشرائطها مما يدل على مشروعية القرعة في الجملة وهى روايات: 18 - ما رواه الشيخ في التهذيب عن حماد عمن ذكره عن احدهما (ع) قال: القرعة لا تكون الا للامام (2) وسياتى انشاء الله ان هذا الشرط ليس على نحو الوجوب. 19 - ما رواه ابن طاووس في كتاب " امان الاخطار " وفى الاستخارات نقلا عن كتاب عمرو بن ابى المقدام عن احدهما (ع) في المساهمة يكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم - اللهم فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة


1 - بحار الانوار المجلد 13 ص 794 2 - رواه في الوسائل في كتاب القضاء في باب " القرعة " من المجلد الثالث

[ 347 ]

الرحمن الرحيم انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اسئلك بحق محمد وآل محمد ان تصلى على محمد وآل محمد، وان تخرج لى خير السهمين في دينى ودنياى وآخرتي وعاقبة امرى في عاجل امرى آجله انك على كل شئ قدير، ما شاء الله لا قوة الا بالله صلى الله على محمد وآله " - ثم تكتب ما تريد في الرقعتين وتكون الثالثة عقلا، ثم تجيل السهام، فايما خرجت عملت عليه، ولا تخالف، فمن خالف لم يصنع له، وان خرج العقل رميت به (1) وسياتى الكلام ان شاء الله في استحباب هذا الدعاء - إلى غير ذلك. * * * الطائفة التاسعة ما يدل على وقوع القرعة أو مشروعيتها في الامم السالفة مما يستشم منها رائحة الرضا بها وامضائها مثل ما يلى: 20 - ما رواه الصدوق في " الفقيه " و " الخصال " عن حريز عن ابى جعفر عليه السلام قال اول من سوهم عليه مريم بنت عمران وهو قول الله عزوجل وما كن لديهم إذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم، والسهام ستة - ثم استهموا في يونس لما ركب مع القوم فوقفت السفينة في اللجة فاستهموا فوقع على يونس ثلث مرات قال فمضى يونس إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى نفسه - ثم كان عند عبد المطلب تسعة بنين فنذر في العاشر ان رزقه الله غلاما ان يذبحه فلما ولد عبد الله لم يكن يقدر ان يذبحه ورسول الله صلى الله عليه وآله في صلبه، فجاء بعشر من الابل فساهم عليها وعلى عبد الله فخرجت السهام على عبد الله، فزاد عشرا فلم تزل السهام تخرج على عبد الله ويزيد عشرا، فلما ان خرجت مأة خرجت السهام على الابل فقال عبد المطلب ما انصفت (ظ) ربى فاعاد السهام ثلثا، فخرجت على الابل، فقال الان علمت ان ربى قد رضى فنحرها (2)


1 و 2 - رواه في الوسائل في كتاب القضاء في باب " القرعة " من المجلد الثالث.

[ 348 ]

وفى الرواية جهات من البحث: الاولى - يظهر من سياق عبارة الامام عليه السلام اجمالا ارتضائه بما نذر جده عبد المطلب (ع) من ذبح ولده عبد الله فانه لو كان ذلك امرا منكرا كان من البعيد ذكره مع السكوت عليه، مع انا نعلم بان هذا النذر غير ماض قطعا، لا في هذه الشريعة ولا في الشرايع السابقة، لانكار العقل له، مضافا إلى ورود التصريح به عنهم عليهم السلام فقد روى الشيخ (قده) عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله قال سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل حلف ان ينحر ولده؟ قال ذلك من خطوات الشيطان (1) ومن المعلوم انه لا فرق في ذلك بين الحلف والنذر بل الامر في الحلف اوسع. ويمكن ان يقال بان نذر عبد المطلب ذبح ولده كان بمعناه الاعم من ذبحه أو اداء ديته في سبيل الله، ومن المعلوم ان المنذور إذا كان كليا له مصاديق محللة ومحرمة جاز النذر فتدبر. أو يقال بان هذا النذر وان لم يكن منعقدا من اصل ولكن مقتضى تعظيم اسم الله هو ان يفدى عنه بشئ اما ثمن ديته أو بشئ آخر ويشهد له ما رواه الشيخ ايضا عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام): انه اتاه رجل فقال انى نذرت ان انحر ولدى عند مقام ابراهيم عليه السلام ان فعلت كذا وكذا ففعلته فقال عليه السلام: اذبح كبشا سمينا تتصدق بلحمه على المساكين (2) الثانية - ان ظاهر الرواية كون مريم اول من سوهم عليه واقترع في حقه، و كون مساهمة يونس بعده، مع ان يونس بن متى (ع) - كما تشهد به التواريخ - كان قبل مريم بمئات من السنتين، ففى بعض التواريخ انه كان قبل ميلاد عيسى عليه السلام به 825 سنة وفى بعضها الاخر انه كان قبله باكثر من ذلك، كيف وهو من انبياء بنى اسرائيل الذين كانوا


1 و 2 - رواه في الوسائل في اواخر كتاب النذر والعهد في باب " من نذر ان ينحر ولده لم ينعقد، من المجلد الثالث.

[ 349 ]

قبل عيسى عليه السلام. وغاية ما يمكن ان يقال في حل هذا الاشكال ان المراد بالاولية، تقدم ذكرها في القرآن الكريم فان قضية مساهمة مريم واردة في سورة " آل عمران " ومساهمة يونس في سورة " الصافات " فتأمل. الثالثة - الظاهر من قضية نذر عبد المطلب شيخ الحجاز ان القرعة التى جعلها طريقا لحل مشكله ومجهوله كانت في الشبهات الحكمية، فانه لم يكن هناك موضوع خارجي مشتبه اراد كشفه بها، بل المجهول كان هو رضا الرب جل وعلى، ولا شك انه من سنخ الشبهات الحكمية، مع انه لا اشكال في عدم جواز الاتكال على القرعة في الاحكام الشرعية ولم يقل احد بها، بل الكلام في حدود جريانها في الموضوعات فقط. ويمكن الجواب عنه بان ذلك منه انما كان من جهة عدم امكان كشف مرضات ربه في تلك القضية الخاصة بغير هذا الطريق وهذا بخلاف ما بايدينا من الاحكام فان امرها من ناحية الادلة الخاصة أو العامة أو الاصول العملية الجارية فيها ظاهر واضح. والانصاف ان قضية نذر عبد المطلب كانت قضية خاصة واردة في واقعة خاصة مبهمة من جهات شتى ولكن لا يضرنا ابهامها، لا سيما مع عدم ظهور امضائها بتمامها في الاسلام، بل لعله اشارة إلى نقل تاريخي يدل على ان القرعة كانت قبل الاسلام في الامم السالفة، أو في العرب والامر في ذلك سهل. 21 - ما رواه المجلسي في البحار عن الامالى عن ابن عباس في قصة يوسف بعد مجئ اخوته إليه وهم له منكرون فقال لهم يوسف: " انى احبس منكم واحدا يكون عندي وارجعوا إلى ابيكم واقرأوه منى السلام وقولوا له يرسل إلى بابنه الذى زعمتم انه حسبه عنده ليخبرني عن حزنه ما الذى احزنه؟ وعن سرعة الشيب إليه قبل أوان مشيبه، وعن بكائه وذهاب بصره، فلما قال هذا اقترعوا بينهم فخرجت

[ 350 ]

القرعة على شمعون فامر به فحبس الحديث (1) وهذا الحديث وان لم يكن مرويا الا عن ابن عباس ولا يتصل سنده بالمعصوم الا ان الظاهر ان ابن عباس وهو حبر الامة اخذه من النبي صلى الله عليه وآله أو الوصي صلى الله عليه وآله وهو تلميذه أو من منبع آخر يعبابه من الكتب، وهو دليل على ان الاقتراع كان معمولا في ذاك العصر، لترجيح ما لا ترجيح فيه واقعا دفعا للفساد والنزاع، وكان ذلك بمرئى ومسمع من يوسف بعد ما اتاه الله علما وحكما. 22 - ما رواه هو (قدس سره) في استعلام موسى بن عمران (ع) النمام الذى كان في اصحابه بالقرعة بتعليم الله اياه، عن عثمان بن عيسى عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (ع) قال: " ان الله اوحى إلى موسى (ع) ان بعض اصحابك ينم عليك فاحضره، فقال: يا رب لا اعرفه " فاخبرني به حتى اعرفه، فقال يا موسى عبت عليك النميمة وتكلفني ان اكون نماما؟ قال: يا رب فكيف اصنع قال الله تعالى فرق اصحابك عشرة عشرة. ثم تقرع بينهم فان السهم يقع على العشرة التى هو فيهم، ثم تفرقهم وتقرع بينهم فان السهم يقع عليه قال فلما رأى الرجل ان السهام تقرع قام فقال يا رسول الله انا صاحبك، لا والله لا اعود ابدا " (2) لا شك ان هذه الرواية تشير إلى قضية وردت في واقعة خاصة كانت لها مساس ببعض نواحى حياة موسى عليه السلام ولم يكن موضوعا لحكم شرعى خاص، ولو كانت لم يكن الرجوع إلى القرعة من هذه الجهة، وهو دليل على كون القرعة طريقا قطعيا لكشف الواقع المجهول ومن الواضح انه لا يتعدى منها إلى غيرها. * * * الطائفة العاشرة ما ورد في عمل النبي الاعظم صلى الله عليه وآله بالقرعة في غير مورد من القضايا التى حدثت في حياته


1 - رواه في المجلد الخامس من بحار الانوار ص 180 2 - رواه في المجلد الخامس من البحار ص 308

[ 351 ]

مما كانت مظنة للتنازع ومثار للبغضاء والفساد مثل ما يلى: 23 - ما رواه في البحار في قصة افك عايشة عن الزهري عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وغير هما عن عايشة انها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اراد سفرا اقرع بين نسائه فايتهن خرج اسمها خرج بها الحديث (1) ودلالتها، مع قطع النظر عن سندها، واضحة على استمرار سيرته في غزواته و اسفاره باختيار بعض نسائه بالقرعة. 24 - ما رواه في البحار ايضا عن ارشاد المفيد (قدس سره) في باب غزوة ذات السلاسل من انه صلى الله عليه وآله اقرع بين اصحاب الصفة (بعد ما قام جماعة منهم وقالوا نحن نخرج إلى اعداء الله) فخرجت القرعة على ثمانين رجلا منهم ومن غير هم الحديث (2) 25 - ما رواه هو ايضا في باب غزوة حنين من انه صلى الله عليه وآله لما كلمته اخته الرضاعى " شيماء " بنت حليمة السعدية في الغنائم التى اخذها المسلمون قال: " اما نصيبي ونصيب بنى عبد المطلب فهو لك واما ما كان للمسلمين فاستشفعي بى عليهم، فلما صلوا الظهر قامت فتكلمت وتكلوا فوهب لها الناس اجمعون الا الاقرع بن حابس وعيينة بن حصين، فانهما ابيا ان يهبا وقالوا يا رسول الله ان هؤلاء قد اصابوا من نسائنا فنحن نصيب من نسائهم مثل ما اصابوا - فاقرع رسول الله بينهم إلى ان قال: فاصاب احدهما خادما لبنى عقيل و اصاب الاخر خادما لبنى نمير فلما رأيا ذلك وهبا ما منعا " الخ (3) وفى هذا الحديث دلالة على جواز الرجوع إلى القرعة عند قسمة الغنائم وشبهها. * * * هذا تمام الكلام في " الاحاديث العامة " الدالة على حكم القرعة بعمومها أو اطلاقها،


1 - رواه في مجلد السادس منه ص 551 2 - رواه في المجلد السادس ص 590 3 - رواه في المجلد السادس من البحار ص 615

[ 352 ]

و " الخاصة " الواردة في قضايا معينة معلومة، يستأنس منها لاثباتها اجمالا، وقد ذكرنا منها عشر طوائف وقد بلغ عدد الاحاديث التى ذكرناها سبعة وثلاثين حديثا بعد حذف المكررات منها، ولعل المتتبع يعثر على احاديث آخر في طى ابواب اخرى. وقد تحصل من جميعها ان اصل الحكم والعمل به في هذه الشريعة بل الشرايع السابقة مما لا شك فيه على اجماله وسنبحث في تفاصيله ان شاء الله تعالى.

[ 353 ]

الثالث - بناء العقلاء على القرعة في امورهم المشكلة قد جرت عادة العقلاء من جميع الاقوام من ارباب المذاهب وغير هم على الرجوع إلى القرعة عند التشاح والتنازع أو ما يكون مظنة له في الحقوق الدائرة بين افراد مختلفة، أو من الامور التى لابد لهم من فعلها ولها طرق متعددة يرغب كل شخص في نوع منها، ولا مرجح هناك، ويكون ابقاء الامر بحاله مثارا للتنازع والبغضاء. ففى ذلك كله يتوسلون إلى القرعة ويرونها طريقا وحيدا لحل هذه المشكلات لا محيص عنها. ونشير هنا إلى بعض ما تداول فيه القرعة بينهم توضحيا لهذا الكلام: منها - قسمة الاموال المشتركة بين شخصين أو اشخاص، سواء حصلت من ناحية التجارة أو الارث أو غير ذلك إذا لم يتراضوا بنحو خاص من القسمة وكان هناك اموال متشاكلة في القيمة مختلفة من حيث الرغبات، فانه لا شك في رجوعهم إلى القرعة في مثلها. وهكذا في تقسيم البيوت أو الدور أو قطعات من الارض المتشابهة بين اشخاص متعددة التى يكون ايكال الامر إلى اختيارهم فيها مظنة للتشاح ووقوع الخلف والنزاع. وكذلك تقسيم مياه الانهار المشتركة بين الفلاحين إذا لم يكن هناك مقياسا يرجح به بعضهم على بعض، ففى كل ذلك يرجع إلى القرعة.

[ 354 ]

ومنها - ما إذا كان وظيفة خاصة يكفى في القيام بها عدد محصورون وكان هناك جمع كثيرون صالحون له وكان تخصيص بعضهم بها دون بعض، تحميلا بغير دليل ومثارا للفتنة، (فح) يرجع إلى القرعة، وكذلك حال الموظفين من العسكريين وغيرهم بالنسبة إلى بعثهم إلى امكنة مختلفة وغيرها إذا لم يكن هناك معين أو مرجح. ومنها - إذا كان هناك امر يجب قيام كل واحد به، ولكن تدريجا وكان تقديم بعض وتاخير آخر بلا دليل ظلما واجحافا وجلبا للضغائن، ولم يكن هناك طريق آخر يرجع إليه فلا شك (ح) في رجوعهم إلى القرعة... إلى غير ذلك من اشباهه. وبالجملة لا شك في اعتبار القرعة بين العقلاء اجمالا ورجوعهم إليها وفصل النزاع أو ما يمكن ان يقع النزاع فيه بها. والظاهر ان هذا ليس امرا مستحدثا في عرفنا، بل كان متداولا بينهم من قديم الايام، والظاهر ان رجوع اهل السفينة إليها في تعيين من يلقى في البحر - في قضية يونس - وكذلك رجوع عباد بنى اسرائيل إليها، في امر مريم لم يكن استنادا إلى حكم شرعي، وضع في شرائعهم بل استنادا إلى حكم عقلائي كان متداولا بينهم من قديم الازمنة، وهكذا الكلام في رجوع شيخ البطحاء عبد المطلب إليها في تعيين فداء ولده عبد الله والظاهر انه ايضا من هذا الباب. كما انه لا شك في ان رجوعهم إليها ليس لكشفها عن الواقع، وارئتها شيئا مجهولا لهم، فانه لا كاشفية فيها عندهم اصلا، وانما يعتبرونها للفرار عن الترجيح بالميول والاهواء وما يكون مثارا للفتنة والبغضاء، لكونه ترجيحا بلا مرجح. * * *

[ 355 ]

الرابع - " الاجماع " ويمكن التمسك لاثباة حجية القرعة بالاجماع واتفاق العلماء عليها في ابواب كثيرة من الفقه يظهر لمن راجعها، وقد اشرنا إلى بعضها عند نقل احاديث الباب وعملهم بها. وناهيك في ذلك ما ذكره المحقق النراقى في المقام حيث قال: " اما الاجماع فثبوته في مشروعية القرعة وكونها مرجعا للتميز والمعرفة في الجملة مما لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه، كما يظهر لكل من تتبع كلمات المتقدمين والمتأخرين في كثير من ابواب الفقه فانه يراهم مجتمعين على العمل بها وبناء الامر عليها طرا ". (1) وقال المحقق الآشتيانى في كلام له في المقام: " اما اصل مشروعية القرعة فهو مما لا خلاف فيه بين المسلمين، بل اجماعهم عليه، بحيث لا يرتاب فيه ذو مسكة. ويكفى في القطع بتحقق الاجماع ملاحظة الاجماعات المتواترة المنقولة في ذلك من زمان الشيخين إلى زماننا هذا، كما هو واضح لمن راجع كلماتهم بل يمكن دعوى الضرورة الفقهائية عليه) (2) هذا ولكن يمكن الايراد على جعل الاجماع دليلا مستقلا في المسألة، بناء على ما هو المعروف بين المتأخرين من اعتبار الاجماع من جهة الكشف عن قوم المعصوم عليه السلام فان الظاهر ان مستند المجمعين كلهم أو جلهم هو الادلة الثلاثة السابقة ولا سيما الاخبار التى هي عمدة ادلة المسألة، ولا اقل من احتمال ذلك، ومعه لا يستفاد من الاجماع ازيد مما استفيد منها.


1 - العوائد ص 226 2 - بحر الفوائد ص 218 من الاستصحاب

[ 356 ]

* * * هذا تمام الكلام في الادلة التى اقاموها أو يمكن اقامتها لاثبات هذه القاعدة وقد عرفت ان مجموعها كافية في اثباتها وتحكيم اساسها، فلنزجع إلى بيان مفادها وما يستفاد منها عموما أو خصوصا، وحدودها وشرائطها.

[ 357 ]

الثاني - في مفاد القاعدة وحدودها لقد تحصل من جميع ما ذكرنا من الادلة ان مشروعية القرعة على اجمالها مما لا شك فيها، وانما الكلام في امور: 1 - هل هي عامة لكل امر مشكل - وما المراد من المشكل؟ أو يختص ببعض الابواب؟ وانها هل تختص بابواب المنازعات وتزاحم الحقوق أو تجرى في غيرها ايضا. 2 - انه هل يشترط في العمل بها في كل مورد عمل الاصحاب بها فيه كما قيل اولا؟ 3 - انها من الامارات، أو من الاصول العملية، أو فيها تفصيل؟ 4 - نسبتها مع غيرها من الامارات والاصول. فنقول - ومن الله سبحانه نستمد التوفيق والهداية - اما الاول فالحق انه ليس في عناوين الادلة من عنوان " المشكل " عين ولا اثر، وانما المذكور فيها عنوان " كل مجهول " كما في رواية محمد بن حكيم عن ابى الحسن موسى عليه السلام وكما في مرسلة الشيخ في " النهاية " عنه عليه السلام وعن غيره من آبائه وابنائه (عليهم السلام) - قال المحقق النراقى (قده) ان الرواية الاولى حكى الاجماع على ثبوتها وعلى روايتها. وقد ورد في مرسلة فقه الرضا - بناءا على كونها رواية عن المعصوم - " وكل ما لا يتهيأ فيه الاشهاد عليه ". والظاهر ان المراد بالمجهول هو المجهول المطلق، اعني ما لا طريق إلى معرفة حاله لا من الادلة القطعية ولا الظنية، ولا من الاصول العملية بان لا يكون مجراها أو كان ولكن كان في العمل بها فيه محذور، كما في مورد الغنم الموطوئة المشتبهة في قطيع غنم، فان الاصل العملي فيها وان كان هو الاحتياط بالاجتناب عن الجميع الا انه مستلزم

[ 358 ]

للعسر والحرج والضرر الكثير فالغاه الشارع، فصار مجهولا مطلقا، فامر الرجوع فيها إلى القرعة. وعلى هذا كل ما كان حاله معلوما باحد الطريق والموازين الشرعية، قطعية كانت أو ظنية، امارة كانت أو اصلا، لم يكن داخلا تحت عنوان " المجهول " الوارد في اخبار الباب. ويؤيد ذلك جدا ان مجرى القرعة عند العقلاء ايضا ما لا يمكن حله بشئ من - الطرق والاصول الدائرة بينهم، بحيث كان ترجيح بعض الاحتمالات على بعض من قبيل - الترجيح بلا مرجح، وقد عرفت ان الشارع المقدس امضى طريقتهم وان اضاف إليها بعض ما سيأتي الاشارة إليه ان شاء الله. ثم انه لا اشكال ولا كلام في اختصاص القاعدة بالشبهات الموضوعية وعدم جريانها عند الشك في الاحكام الكلية الشرعية، لاختصاصها عند العقلاء والعرف بها، كما انه ليس في شئ من الموارد الخاصة التى ورد في الشرع اجراء القرعة فيها غير الشبهات - الموضوعية كما عرفت، نعم الظاهر من قضية عبد المطلب واستكشاف مقدار فداء ولده بالقرعة جريانها في الشبهات الحكمية احيانا ولكن لابد من توجيهها، بما ذكرناه عند نقل روايات الباب عند ذكر هذا الحديث، أو بغيره. * * * ثم ان الظاهر انها لا تختص بابواب المنازعات وتنازع الحقوق وان كان اكثر مواردها من هذا القبيل، حتى ظن بعضهم انها من مدارك " القضاء الشرعي " لا غير، وانه لا يعتمد على القرعة في غيره، وذلك لما رآه من ورود جل رواياتها في هذا الباب. ولكن الانصاف ان هذا القول ضعيف جدا (ومثله في الضعف ما حكاه في القواعد عن بعض العامة ان مورد القرعة هو خصوص ما يجوز التراضي عليه) لانه يرد عليه: اولا - ان فيها ما لا ربط له بباب التنازع والقضاء، وذلك مثل ما نقلناها

[ 359 ]

في الطائفة السابعة من الاخبار الخاصة الواردة في اشتباه " الشاة الموطوئة " وانها إذا اشتبهت استخرجت بالقرعة. (1) وقد عرفت ان الاصحاب عملوا بها حتى قال في الجواهر: " انه لا خلاف في هذا الحكم، للخبرين المنجبرين ". ومن الواضح ان مسألة اشتباه الشاة الموطوئة بغيرها ليست من ابواب المنازعات المحتاجة إلى القضاء الشرعي بل هي من الامور المجهولة المطلقة، وقد عرفت ان اجراء القرعة فيها وجعلها من الامور المشكلة، (بتعبير القوم) مع ان الحكم في امثالها من الشبهات المحصورة هو الاحتياط ولا فرق ظاهرا بين المقام وبين غيرها من الشبهات المحصورة التى نحكم فيها بالاحتياط بمقتضى العقل والنقل، لعله من جهة ان الاحتياط بذبح جميع الشياة الواقعة في اطراف الشبهة ضرر أو حرج عظيم على صاحبها، وارتكاب الجميع وعدم الاحتياط في شئ منها مخالف للعلم الاجمالي. فإذا انتفى طريق " الاحتياط " و " البرائة " وكذا " الاستصحاب " (كما هو ظاهر) انحصر الطريق في التخيير، ولكن الشارع المقدس الغى التخيير هنا، لان القرعة وان لم تكن امارة على نحو سائر الامارات الشرعية والعقلائية، الا ان فيها نوعا من الكاشفية (كما يظهر من اخبارها وسيأتى شرحه ان شاء الله) وهى توجب ترجيح احد الطرفين على الاخر فتكون مانعا عن التخيير، مضافا إلى ما فيها من رفع الحيرة وسكون النفس مما ليس في الحكم بالتخيير كما لا يخفى. اما القول بجريانها في المقام تعبدا، واختصاصها بمسألة الشاة الموطوئة وعدم جريانها في غيرها من اشباهها من الامور المشكلة كما ترى، لعدم خصوصية فيه.


1 - راجع الصفحة 344.

[ 360 ]

ثانيا - ان الروايات الخاصة الواردة في غير واحد من الابواب، وان كانت واردة في موارد تزاحم الحقوق، الا انه ليس فيها من التنازع عين ولا اثر، مثل ما ورد فيمن قال اول مملوك املكه فهو حر، فورث سبعة، قال: يقرع بينهم ويعتق الذى قرع. (1) فان اطلاقها يشمل ما إذا لم يطلع العبيد على نذره ولم يقع التشاح بينهم ابدا بل لعلها ظاهرة في خصوص هذا الفرض، فاراد السائل استشكاف حكمه فيما بينه وبين الله. ومثلها غيرها. وكذا ما ورد في باب الوصية بعتق بعض المماليك وانه يستخرج بالقرعة (2) فان اطلاقها ايضا يشمل ما إذا لم يقع التنازع بينهم اصلا لو لم نقل بظهورها في ذلك فيكون السؤال لاستشكاف الحكم الشرعي للمسألة لا حكمه في مقام القضاء. فهذه الروايات وشبهها وان كانت واردة في ابواب تزاحم الحقوق المحتملة الا ان مجرد وقوع التزاحم في شئ لا يلازم التنازع والتشاح فيه، حتى يحتاج إلى القضاء، وليس دائما مظنة له، فهى ايضا دليل على عدم اختصاص القرعة بابواب القضاء. لا سيما ومورد هذه الطايفة من الروايات يكون مما لا واقع له مجهول، بل هناك حق متساوي النسبة إلى الجميع، ولا يمكن اعطائه الا واحدا منهم ولكن لما كان ايكال الامر إلى التخيير مظنة للاجحاف وترجيح بلا مرجح أو ترجيح بالميول والاهواء اوكل الامر فيها إلى القرعة التى لا يكون فيها شئ من ذلك. ثالثا - اطلاق بعض الاخبار العامة غير الواردة في ابواب التنازع ايضا دليل على


1 - راجع الصفحة 338 2 - راجع الصفحة 339

[ 361 ]

عدم اختصاص القرعة بباب القضاء مثل قوله: " كل مجهول ففيه القرعة " فان ظاهره يشمل المجهولات كلها وقع فيها التشاح ام لا، بل الروايات العامة التى وقعت عقيب السؤال عن بعض مسائل التنازع ايضا ظاهره في ذلك، فان المورد لا يكون مخصصا فتدبر. رابعا - الظاهر ان بناء العقلاء عليها ايضا لا يختص بابواب المنازعات بل يعتمدون عليها في مطلق تزاحم الحقوق وان لم يكن مظنة للتنازع فتأمل. بالجملة القول باختصاص هذه القاعدة بها مع انه مخالف لظواهر كلمات الاصحاب واطلاقات روايات الباب، بل صريح بعضها. لا دليل عليه يعتد به كما عرفت.

[ 362 ]

الثالث - في شرائط جريانها قد يقال ان عمومات القرعة لا يجوز العمل بها الا فيما عمل به الاصحاب، قال المحدث الخبير الشيخ الحر (قدس سره) في " الفصول المهمة " على ما حكى عنه، بعد نقل بعض روايات القرعة وعموماتها: " ومعلوم ان هذا العموم له مخصصات كثيرة " وزاد بعضهم انه لو لم يكن كذلك لجاز لنا ترجيح الحكم في المسائل الشرعية بالقرعة، وقال العلامة الانصاري (قدس سره): " ان ادلة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل - الاصحاب أو جماعة منهم ". وكان الوجه فيه انه لا يمكن العمل بظاهر عموماتها في كل مجهول، حتى مع وجود امارات أو اصول عملية، من البرائة والاستصحاب وغير هما، فانه لم يقل به احد. فلابد من تخصيصها باخراج جميع هذه الموارد منها. وان شئت قلت انها مخصصة بتخصيصات كثيرة بلغت حد تخصيص الاكثر، مع ان التخصيص كذلك امر مستهجن غير جائز، فهذا يكشف عن وجود قرينة أو مخصص متصل معها وصلت إلى اصحابنا الاقدمين ولم تصل الينا، ولما كان عنوان المخصص مبهما عندنا و القرينة مجهولة لنا لم يجز العمل بعموماتها لان ابهامها يسرى إليها (كما ذكر في محله) (فح) لا يجوز العمل بها الا فيما عمل الاصحاب به. هذا ويرد عليه: اولا - ان احتمال وجود قرائن عندهم غير ما بايدينا وغير ما اودعوه في كتبهم، مما يرشدهم إلى مغزى هذه العمومات، ضعيف جدا، ولو كان كذلك فلماذا اهملوا ذكرها في كتبهم المعدة للرواية؟ ولماذا لم يستندوا إليها في كتبهم الفقهية الاستدلالية بل استندوا إلى نفس هذه الروايات التى بايدينا؟ وهل هذا الا اغراء بالجهل في مورد يجب الاهتمام به

[ 363 ]

فحاشاهم ثم حاشاهم. ثانيا - قد عرفت سابقا ان المراد من " المجهول " الوارد في عمومات الباب، بقرينة شأن ورود رواياتها، وما ثبت عند العقلاء في امر القرعة، ليس كل مشكوك بل ما ليس طريق إلى اثباته، لا من الامارات الشرعية والعقلائية ولا من الاصول العملية العقلية والنقلية (فح) لا يرد عليها تخصيصات كثيرة كما هو ظاهر. وكان منشأ توهم كثرة التخصيص هو ما يظهر من عنواان " المجهول " بادى الامر، ولكن بعد ما عرفت هنا وفيما سبق في تحقيق المراد منه، لا يبقى وجه لهذا التوهم فراجع وتدبر. والحاصل ان موارد وجود الامارات، والاصول العملية خارجة عن تحت عمومات القرعة بالتخصص لا بالتخصيص فانها ليس من المجهول بما عرفت له من المعنى. * * * هل القرعة من الامارات أو الاصول العملية؟ ظاهر كثير من رواياتها انها من الامارات بل يظهر من بعضها انها امارة قطعية في مواردها لا تخطى عن الواقع المجهول ابدا، مثل ما روى عنه صلى الله عليه وآله: ليس من قوم تقارعوا ثم فوضوا امرهم إلى الله الا خرج سهم المحق (1) وما روى في مناظرة الطيار وزرارة الدال على ان القرعة على طبق رأى زرارة فقيه اهل البيت (ع) كانت كاشفة عن الواقع كشفا دائما لا يقع التخلف فيه، ولذا لو احتمل كذب المتداعيين جميعا لابد من القاء سهم لهذا وسهم لذاك وسهم مبيح (2) والظاهر ان تفويض الامر إلى الله والدعاء عندها ايضا لا يكون الا لكشف الواقع المجهول.


(1) راجع الصفحة 329. (2) راجع الصفحة 331.

[ 364 ]

ويؤيده ما ورد في قضية شيخ البطحاء عبد المطلب وقرعته لكشف مرضات ربه بالفداء عن عبد الله (1). وما ورد في تفسير العياشي في حديث يونس من قوله: " فجرت السنة ان السهام إذا كانت ثلث مرات لا تخطى " (2). وما روى عن امير المؤمنين عليه السلام ما من قوم فوضوا امرهم إلى الله عزوجل والقوا سهامهم الا خرج السهم الاصوب " (3). هذا ولكن يظهر من بعض اخبارها ان حجيتها ليست بملاك كشفها عن الواقع المجهول بل بملاك انها " اقرب إلى العدالة " وابعد من العمل بالميول والاهواء في موارد جريانها، مثل ما ورد في رواية ابن مسكان عن الصادق (ع): " واى قضية اعدل من قضية يجال عليها بالسهام يقول الله فساهم فكان من المدحضين " (4). ويؤيد هذا استشهاده بقضية يونس، بناءا على كفاية القاء واحد غير معين منهم عند الحوت لدفع شره فتأمل. ويؤيده ايضا ما ورد في غير واحد من اخبارها من قوله " كل ما حكم الله فليس بمخطئ " في مقام الجواب عن قول السائل: " ان القرعة تخطى وتصيب " بناءا على ان المراد منه عدم الخطاء في الحكم بحجية القرعة، وانه إذا حكم الله سبحانه بشئ ففيه مصلحة لا محالة، فخطاء القرعة عن الواقع احيانا لا يمنع عن صحة هذا الحكم واشتماله على المصلحة، واما لو قلنا ان المراد منه عدم خطاء القرعة عن الواقع المجهول كان دليلا آخر على كونها امارة قطعية. هذا ويمكن ان يقال انه لا منافاة بين الملاكين ولا مانع من كون حجيتها بكليهما:


(1) راجع الصفحة 347. (2) = = 333. (3) = = 334. (4) = = 334

[ 365 ]

ملاك الاصابة وملاك العدالة، واما احمل الاول على ما له واقع ثابت مجهول، والثانى على ما ليس كذلك فيدفعه الاستشهاد بملاك العدالة في ذيل مسألة خنثى المشكل وكيفية ميراثه (1) بناءا على عدم خروج الخنثى عن الجنسين في الواقع كما هو المشهور. والانصاف انه لا يمكن رفع اليد عن تلك الروايات الكثيرة الظاهرة في كونها امارة على الواقع اما دائما أو غالبا ولا مانع منه عقلا إذا انحصر الطريق فيها وفوض الامر إلى الله تبارك وتعالى، العالم بخفيات الامور اللطيف بعباده ولقد جربنا هذا الامر في باب الاستخارة، التى هي من القرعة على ما اختاره بعضهم وسيأتى الاشارة إليه ان شاء الله في آخر المسألة، وراينا منها عجائب جمة في اصابة الواقع وكشف المجهول إذا استعملت في محلها و فوض الامر إلى الله وقرنت بالاخلاص والابتهال. ثم اعلم ان كون القرعة امارة على الواقع وكاشفا عنه دائما أو غالبا لا يوجب تقدمها على اصول العملية ولا معارضتها لسائر الامارات، وذلك لما عرفت من ان اماريتها انما هي فرض خاص ومنحصر بالامور المجهولة المشكلة التى لا طريق إلى حلها لا من الامارات ولا من الاصول العملية. وبعبارة اخرى موضوعها مختص بموارد فقد الادلة والاصول الاخر، وعليه لا تعارض شيئا منها ولا يقدم عليها بل انما تجرى في موارد فقدها. ثم ان من المعلوم ان الكلام في اماريتها وعدمها انما هو في خصوص ماله واقع ثابت مجهول، واما ما لبس كذلك من موارد تزاحم الحقوق أو المنازعات التى يرجع فيها إلى القرعة كما في قضية زكريا وتشاح احبار بنى اسرائيل في كفالة مريم، وكما في قضية يونس على احتمال مضى ذكره، وكذلك فيمن نذر أو اوصى بعتق اول مملوك له فملك سبعة في زمان واحد، واشباهها، فلا موقع لهذا النزاع فيها كما هو ظاهر. فالرجوع إليها (ح) انما يكون بملاك اقر بيتها إلى العدالة وابعديتها عن الترجيح بلا مرجح


(1) راجع الصفحة 334.

[ 366 ]

الذى يكون منشأ للتشاح والبغضاء غالبا. * * * هل تختص القرعة بالامام أو نائبه؟ بقى هنا شئ وهو ان اجراء القرعة هل يجوز لكل احد، أو يختص بحكام الشرع أو خصوص الامام (ع)؟ اما الاخير فالظاهر انه لا يقول به احد، فان لازمه تعطيل القرعة بتا عند عدم حضوره (ع) وكلمات الاصحاب متفقة على خلافه، فهم يعتمدون عليها في كثير من المسائل الفقهية، و كتبهم مشحونة بذلك. واما الثاني فقد ذهب إليه بعضهك كالمحقق النراقى (قده) في عوائده، فقال باختصاصها به (ع) أو بنائبه الخاص والعام، لعموم ادلة النيابة عنه (ع) الا انه قال. ويستثنى منه ما خرج بالدليل كمسألة الشاة الموطوئة. وفصل المحدث الكاشانى (قدس سره) فيما حكى عنه من كتابه " الوافى " بين ما كان له واقع ثابت مجهول فيختص بالامام (ع) وما ليس كذلك فهو عام. وما افاده مع انه لا دليل عليه مخالف ايضا لكلمات الاصحاب وفتاواهم، لانا نراهم معتمدين عليها عند عدم حضوره (ع) فيما له واقع مجهول وما ليس له على حد سواء. هذا بحسب الاقوال. واما الروايات الواردة في القرعة فالسنتها مختلفة: يظهر من بعضها اختصاصها بالامام (ع) مثل رواية ثعلبة عن ابى عبد الله (ع) قال سئل عن مولود ليس بذكر ولا انثى ليس له الا دبر كيف يورث قال يجلس الامام ويجلس عنده ناس من المسلمين فيدعون الله و يجال السهام عليه أي ميراث يورثه أميراث الذكر أو ميراث الانثى؟ فاى ذلك خرج عليه ورثه (الحديث). وما في مرسلة حماد عن احدهما (ع): القرعة لا تكون الا للامام (1).


(1) راجع الصفحة 346

[ 367 ]

وما في رواية يونس قال: في رجل له عدة مماليك فقال ايكم علمني آية من كتاب الله فهو حر، فعلمه واحد منهم، ثم مات المولى ولم يدر ايهم الذى علمه؟ قال يستخرج بالقرعة؟ قال لا يستخرجه الا الامام لان له على القرعة كلاما ودعاء الا يعلمه غيره (1) وظاهر هذه الروايات لا سيما الاخيرتين اختصاصها بالامام (ع). ويظهر من بعضها الاخر كونها من وظائف الوالى، مثل ما في مصححة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال ان اوطأ رجلان أو ثلثة جارية في طهر واحد، فولدت، فادعوه جميعا، اقرع الوالى بينهم فمن قرع كان الولد ولده الحديث (2). ويظهر من طائفة ثالثة منها ان امرها بيد الامام أو المقرع (أي شخص كان) مثل ما رواه الفضيل قال سئلت ابا عبد الله (ع) عن مولود ليس له ما للرحال ولا له ما للنساء؟ قال يقرع الامام أو المقرع، يكتب على سهم عبد الله وعلى سهم امة الله ثم يقول الامام أو المقرع: اللهم... الحديث (3). وكثير منها مطلقة لا يختص بالامام أو غيره أو وقع التصريح فيها بعنوان " القوم "، كما يظهر لمن راجع الاحاديث السابقة. وظاهر روايات الشاة الموطوئة ان المقرع هو صاحب الشياة قال: " ان عرفها ذبحها و احرقها وان لم يعرفها قسمها نصفين " (الحديث) (4). والانصاف ان اختلاف هذه التعابير لا يدل على اختلاف في الحكم فان غالب موارد جريانها هو موارد التنازع المحتاجة إلى القضاء الشرعي ومن المعلوم ان امرها (ح) إلى الامام (ع) أو من هو منصوب من قبله عموما أو خصوصا من الوالى والقاضى، من العلماء العدول و


(1) راجع الصفحة 338. (2) راجع = 342. (3) راجع = 341. (4) راجع = 344.

[ 368 ]

روات احاديثهم، فالقرعة في هذه المقامات تكون كاقامة البينة والاحلاف لا يعتبر الا عند من بيده امر القضاء. واما في غير هذه المقامات فظاهر اطلاقات الادلة ان امرها بيد مالك البهيمة في مثل الشاة الموطوئة أو من هو منصوب من قبله، أو بيد الوصي فيما إذا كان الشك في اموال الموصى، أو كل مكلف لو لم يختص الامر بشخص خاص، ولكن لا يبعد ان يكون هذا القسم الاخير داخلا في الحسبة ويكون امرها ايضا بيد الحاكم لو كان والا فبيد عدول المؤمنين. هذا ما يقتضيه قواعد القوم. والظاهر انه لا يستفاد من روايات الباب ما ينافى ذلك فان قوله: القرعة لا تكون الا للامام في مرسلة حماد، مع ضعفها بالارسال، قابلة للحمل على موارد الدعاوى و التنازع التى يكون امرها بيد الامام أو من نصبه خصوصا أو عموما (فتأمل). واما رواية يونس الحاصرة لمستخرج القرعة بالامام، لان له كلاما ودعاء لا يعلمه غيره، فشاذ جدا، لعدم دليل يعتد به على لزوم الدعاء عندها واطلاق جل - الروايات خالية عنها، مع انه لم ينقل من الفقهاء قول بوجوب الدعاء، وقد صرح - المحقق النراقى في العوائد باستحباب الدعاء من دون نقل خلاف، فلابد من حمل الرواية على ضرب من الندب والفضيلة. هذا مع انه لم يعهد من رواياتها دعاء لا يعلمه غيره بل المذكور فيها دعاء مأثور في رواية " فضيل بن يسار " يقرئها الامام أو المقرع كما صرح به فيها. والحاصل ان رواية يونس مع مخالفتها لصريح أو اطلاق جميع روايات الباب لا يمكن الاعتماد على ظاهرها من وجوه شتى. واما ما دل على كونها من وظائف الوالى فموردها من الدعاوى التى امرها بيده، فلا يمكن رفع اليد عن مقتضى القواعد الاولية بها في غير هذا الموارد.

[ 369 ]

الامر الرابع - كيفية اجراء القرعة قد عرفت ان القرعة كانت متداولة بين العقلاء من قديم الزمان، ولم تكن مقيدة بكيفية خاصة عندهم. بل كان كيفيتها جعل علامات لكل واحد من اطراف الدعوى أو ذوى الحقوق المتزاحمة أو غيرها، مما كان طرفا للاحتمال، ثم الرجوع إلى ما يخرج صدفة من بينها، بحيث لا يحتمل فيه اعمال نظر خاص، بل كان استخراج واحد معين من بين اطراف - الاحتمال مستندا إلى مجرد الصدفة والاتفاق، كى يكون حاسما للنزاع والتشاح. ومن الواضح ان هذا المقصود يؤدى بكيفيات عديدة لا تحصى، فلا فرق فيها عندهم بين " الرقاع " و " السهام " و " الحصى " وغيرها، ولا خصوصية في شئ منها بعد اشتراكها جميعا في اداء ذاك المقصود. ومن هنا اختلفت عادة الاقوام في اقتراعاتهم، فكل يختار نوعا أو انواعا منها من غير ان يكون نافيا للطرق الاخر، ولكن الكتابة والرقاع اكثر تداولا اليوم، لسهولتها وامكان الوصول إليها في جل موارد الحاجة، مع بعدها عن احتمال اعمال الميول والاهواء الخاصة. وقد تستخرج الرقاع بيد صبى أو بسبب ماكينة مخصوصة ليكون ابعد من سوء الظن واقرب إلى العدالة في استخراجها. هذا ما عند العقلاء.

[ 370 ]

واما الروايات الواردة في هذه القاعدة فهى مختلفة: اكثرها مطلقة خالية عن تعيين كيفية خاصة للاقتراع وهى دليل على ايكال الامر إلى ما كان متداولا بين العقلاء وال العرف، وامضاء طريقتهم في ذلك. ولكن ورد في غير واحد منها طرق خاصة للقرعة من دون نص على حصرها فيه (على الظاهر). منها الاقتراع بالسهام كما في الرواية الحادية عشرة من الروايات الخاصة التى ذكرناها عند بيان مدركها من السنة، الواردة في باب ميراث الخنثى قال: يكتب على سهم عبد الله وعلى سهم امة الله، إلى ان قال ثم تطرح السهام (السهمان) في سهام مبهمة ثم تجال السهام، على ما خرج ورث عليه (1). وقد ورد في غيرها التعبير بالسهم ايضا، وكان هذا النحو كان اكثر تداولا في تلك الايام. ومنها - الاقتراع بالخواتيم كما ورد في ابواب قضايا امير المؤمنين (ع) في قضية شاب خرج ابوه مع جماعة في سفر فرجعوا ولم يرجع ابوه، وشهدوا جميعا بموته، ولم يقبل الشاب ذلك فشكى إلى امير المؤمنين (ع) فقضى بينهم بطريق بديع عجيب اثبت فيه كذبهم، فاعترفوا بقتلهم اياه، وفى ذيله ان الفتى والقوم اختلفوا في مال المقتول كم كان فاخذ امير - المؤمنين (ع) خاتمه وجميع خواتيم من عنده ثم قال: اجيلوا بهذه السهام فايكم اخرج خاتمي فهو صادق في دعواه لانه سهم الله وسهم الله لا يخيب. ويظهر منه اطلاق السهم على الخواتيم وكل ما يعين به حق احد طرفي الدعوى. هذا ولكن هل يمكن الاعتمال على الحكم المذكور فيها من حيث ان المدعى لزيادة المال مدع، والمدعى للنقصان منكر، فلابد من اجراء القواعد المعهودة في باب القضاء للمدعى والمنكر، أو لابد من العمل بهذا الحكم في خصوص مورده، أو ان مثل هذا النحو


(1) راجع الصفحة 341.

[ 371 ]

من القضاء يختص بالامام (ع)؟ وتمام الكلام فيه في محله. ومنها - الافتراع بالكتابة على الرقاع كما روى انه صلى الله عليه وآله اقرع بالكتابة على الرقاع (1). ومنها - الاقتراع بالبعرة والنوى كما روى انه صلى الله عليه وآله اقرع في بعض الغنائم بالبعرة وانه اقرع مرة اخرى بالنوى (2). ومنها - الاقتراع بالاقلام كما ورد في قضية زكريا وقد مر معناه. وليس في شئ من ذلك تصريح بانحصار الطريق فيه، فمن هنا يعلم ان الشارع امضى ما لدى العرف والعقلاء لعدم خصوصية في شئ مى طرقها. واما الدعاء بالمأثور الوارد في بعض احاديث الباب، أو مطلق الدعاء كما يظهر من بعضها الاخر، فقد عرفت انه لا دليل على وجوبه بعد خلو جل الروايات وكلمات - الاصحاب عنه. ولكن لا ينبغي الريب في رجحانه. هذا ولكن في رجحانه عند عدم ثبوت واقع مجهول في موارد القرعة، يراد استخراجه بها، تأملا واشكالا، نظرا إلى قوله: " اللهم رب السموات السبع ايهم كان الحق له فاده إليه " الوارد في رواية " البصري " في باب تعارض البينتين المتساويتين أو قوله: " اللهم انت الله لا اله الا انت عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فبين لنا امر هذا المولود " الوارد في رواية " الفضيل " في باب ميراث الخنثى، ظاهر في اختصاص الدعاء بما إذا كان له واقع مجهول فيسئل الله تعالى اخراج الحق بالقرعة اللهم الا ان يقال انه ليس دائما بقصد الانشاء بل بعنوان التأسي، ولكنه بعيد.


(1) و (2) رواه في العوائد ص 226.

[ 372 ]

الامر الخامس هل القرعة واجبة في واردها أو جائزة؟ قد وقع البحث في ان اجرائها في مواردها واجبة أو جائزة؟ وبعبارة اخرى هل هي رخصة أو عزيمة أو تختلف باختلاف المقامات؟ وعلى تقدير الجواز فهل يجب العمل بها بعد اجرائها اولا؟ فهنا مقامان: اما المقام الاول فلم اظفر على كلام صريح للقوم فيه عدا ما افاده العلامة النراقى (قدس سره) في " العوائد " فقد ذكر في كلام طويل له هناك تفصيلا حاصله: ان موارد القرعة مختلفة: فتارة تجب بمقتضى الامر الوارد في احاديثها كما في الشاة الموطوئة. واخرى تجب تعيينا لتوقف الواجب، وهو تعيين الحق، عليها، وذلك فيما إذا كان له واقع معين وجب الوصول إليه اما الرفع التنازع كما في الولد المتداعى فيه أو شبه ذلك، ولم يكن هناك طريق آخر للتعيين، أو فيما إذا لم يكن له واقع ثابت ولم يكن هناك دليل على التخيير، كما إذا اوصى بعتق اربع رقبات من عشرين رقبة مثلا ولم يكن هناك دليل على تخيير الموصى فانه ايضا يجب الرجوع فيه إلى القرعة. وثالثة يجب تخييرا بينها وبين الرجوع إلى التخيير، كالمسألة السابقة (اعني مسألة الوصية) إذا كان هناك اطلاق في كلام الموصى يدل على تخيير الوصي في ذلك، و كما في تعيين حق القسم للزوجات إذا لم يكن هناك مرجح.

[ 373 ]

ورابعة ما لا يجب لا تعيينا ولا تخييرا وذلك فيما لا يجب التعيين فيه كتقديم احد المتعلمين في علم مستحب أو تقديم احدى الزوجتين المتمتع بهما في الليلة (انتهى مخلصا). اقول: يرد عليه اولا: ان حمل الامر في القسم الاول (اعني مسألة الشاة الموطوئة) على الامر المولوي الوجوبي غير معلوم، بل الاظهر انه ارشادى للتخلص عن الشاة المحرمة وعن الاحتياط اللازم في اطراف الشبهة المحصورة، فلو كان هناك آثار لا تترتب على حلية لحمها واراد الانتفاع بها، فقط لم يبعد الحكم بعدم وجوب اجراء القرعة فيها وكذلك إذا اراد الانتفاع بلحمها بعد برهة طويلة من الزمان فان وجوب اجراء القرعة فيها فعلا غير معلوم (فتأمل). وثانيا: إذا لم ينحصر الطريق في القرعة، بل امكن الرجوع إلى " التخيير " كما في مثال الوصية المطلقة فلابد من الرجوع إليه فقط ولا دليل على مشروعية القرعة هناك، وكذا فيما إذا لم يكن هناك امر يجب تعيينه كما في مثال المتعة أو المتعلمين لغير الواجب، وذلك لعدم دلالة ادلتها على مشروعيتها في هذه الموارد. والحاصل ان المستفاد من ادلتها، مشروعيتها فيما إذا كان هناك امر لازم التعيين (سواء كان له واقع ثابت مجهول، ام لا) ولم يكن طريق آخر للتعيين، واما في غيره مما ليس هناك امر لازم التعيين فالقرعة كالعدم، بمعنى ان الاخذ بمقتضى القرعة فيها والعمل بها انما هو من باب انه احد الاطراف المخير فيها لا من باب انه استخرج بالقرعة. ان قلت: ان ظاهر اطلاق ادلة مشروعيتها في كل مجهول جواز الرجوع إليها حتى في موارد لا يجب التعيين فيها. قلنا: قد عرفت ان المجهول في اخبار الباب - كما تشهد به قرائن كثيرة - هو الامر المشكل الذى لا طريق إلى تعيينه مع لزوم تعيينه. * * *

[ 374 ]

المقام الثاني - في انه هل يجب العمل بها بعد اجرائها أو يجوز العدول عنها إلى غيرها، وحاصل القول فيه انه لا اشكال في وجوب العمل بما يستخرج بالقرعة في موارد يجب اجرائها فان وجوب اجرائها مقدمة لوجوب العمل بها من غير فرق بين ماله واقع ثابت أو غيره وان كان في الاول اظهر نظرا إلى ان ما يستخرج منها هو الحق كما ورد في روايات الباب فإذا اجريت في تعيين ميراث الخنثى مثلا فوقعت على سهم المذكر أو الانثى، أو اجريت في تعيين من يجب عتقه من بين العبيد الموصى بعتق بعضهم من دون تعيين، فعلى الحاكم أو الوصي العمل بها ولا يجوز له اهمالها والعدول إلى القرعة اخرى (والمفروض عدم طريق آخر هناك غير القرعة). نعم يجوز لصاحب الحق غمض النظر عن حقه بعد ما خرج السهم له، كما ان للمتقارعين التصالح على حقوقهم بعد خروج السهم لاحدهما اولهما في مثل تقسيم الاموال المشتركة، والتراضي على امر خاص. ولكن هذا يختص بما إذا كان من " الحقوق " مثل ما عرفت من تقسيم الشركاء اموالهم، أو تقسيم الغنائم وغيرها، واما إذا كان من سنخ " الاحكام " كما في مسألة الولد المتنازع فيه وشبهه فلا يجوز ذلك اصلا، لعدم جواز تغييره بالتراضى والتصالح وشبههما كما هو واضح. وكذلك مسألة الشاة الموطوئة فان خروج القرعة على واحدة من الشياة تجعلها بحكم الموطوئة. لو لم تكن موطوئة واقعا (فح) لا معنى لتغييرها وجعل غيرها في محلها بقرعة اخرى أو غيرها. هذا كله في موارد وجوب القرعة اما إذا قلنا بمشروعيتها في موارد لا يجب فيها اجرائها كما في مسألة المتعلمين لغير الواجب وسببها فكما ان اجرائها غير واجب في هذا الموارد، كذلك العمل بها بعد اجرائها ايضا غير واجب، فله العدول عما خرج بالقرعة إلى غير إذا لم يكن هناك محدور آخر (فتأمل). هذا تمام الكلام في قاعدة القرعة.

[ 375 ]

هل الاستخارة من انواع القرعة؟ الظاهر ان الاستخارة بالرقاع والحصى والبندقة والسبحة وما شاكلها، مما ورد في روايات مختلفة، نوع من القرعة، وانه إذا اشكل على الانسان امر يفوضه إلى الله تعالى، ثم يدعو ببعض الدعوات المأثورة ثم يستخرج السهم أو الواقعة أو البندقة أو غيرها مما كتب عليه فعل شئ أو تركه، أو علم عليه بعلامة، فيعمل على طبقه. الا انها يتفاوت مع القرعة المعروفة في ان القرعة تكون في موارد لا يعلم حكمها الشرعي الجزئي، لاشتباه موضوعها، وفى الغالب مما تزاحم فيه الحقوق، بينما تكون الاستخارة فيما يعلم حكمها الشرعي وموضوعه وتدور الامر بين امور مباحة ولكن يشك في صلاحها وفسادها للفاعل، في عاجله أو آجله، فإذا لم ينته امره إلى طريق بين، يتوسل إليها للكشف ما هو صلاحه ورفع تحيره. وقد عقد العلامة المجلسي (قدس الله سره) في اواخر المجلد الثامن عشر من " بحار الانوار " ابوابا اورد فيها كثير من الروايات الدالة على جواز الاستخارة بالدعاء ثم العمل بما يقع في قلبه، أو بالاستشارة بعد الدعاء ثم العمل بما جيرى على لسان من يستشيره، أو بالرقاع والبنادق والسبحة والحصى والقرآن الكريم. وقد وقع الكلام في مشروعية الاستخارة بغير الدعاء والاستشارة، والمحكى عن اكثر الاصحاب جوازه وعن ابن ادريس وبعض آخر انكاره أو التردد فيه. وذكر العلامة المجلسي (قده) في آخر ما اورده في هذا الباب كلاما احببنا ايراده هنا لما فيه من الفائدة ومزيد بصيرة فيما نحن بصدده، قال ما نصه: " ان الاصل في الاستخارة الذى يدل عليه الاكثر الاخبار المعتبرة هو ان لا يكون

[ 376 ]

الانسان مستبدا برأيه، معتمدا على نظره وعقله، بل يتوسل بربه تعالى ويتوكل عليه في جميع اموره، ويقر عنده بجهله بمصالحة، ويفوض جميع ذلك إليه، ويطلب منه ان يأتي بما هو خير له في اخراه واولاه، كما هو شأن العبد الجاهل العاجز مع مولاه العالم القادر، فيدعو باحد الوجوه المتقدمة مع الصلوة أو بدونها، بل بما يحضر بباله من الدعاء ان لم يحضره شئ من ذلك، للاخبار العامة، ثم يرضى بكل ما يترتب على فعله من نفع أو ضر. وبعد ذلك، الاستخارة من الله سبحانه ثم العمل بما يقع في قلبه، ويغلب على ظنه انه اصلح له. وبعده الاستخارة بالاستشارة بالمؤمنين. وبعد الاستخارة بالرقاع أو البنادق أو " القرعة بالسبحة " والحصا أو التفأل بالقرآن الكريم. والظاهر جواز جميع ذلك، كما اختاره اكثر اصحابنا واوردوها في كتبهم الفقهية والدعوات وغيرها، وقد اطلعت ها هنا على بعضها " ثم قال: " وانكر ابن ادريس الشقوق الاخيرة، وقال انها من اضعف اخبار الاحاد و شواذ الاخبار، لان رواتها فطحية ملعونون، مثل زرعة وسماعة، وغيرهما فلا يلتفت إلى ما اختصا بروايته، ولا يعرج عليه، قال: والمحصلون من اصحابنا ما يختارون في كتب الفقه الا ما اخترناه، ولا يذكرون " البنادق " و " الرقاع " و " القرعة " الا في كتب العبادات دون كتب الفقه، وذكر ان الشيخين وابن البراج لم يذكروها في كتبهم الفقهية. ووافقه المحقق (قده) فقال: اما الرقاع وما يتضمن افعل ولا تفعل ففى حيز - الشذوذ فلا عبرة بهما. واصل هذا الكلام من المفيد (ره) في المقنعة حيث اورد اولا اخبار الاستخارة بالدعاء، والاستشارة وغير هما مما ذكرنا اولا، ثم اورد استخارة ذات الرقاع وكيفيتها

[ 377 ]

ثم قال: قال الشيخ وهذه الرواية شاذة ليست كالذى تقدم لكنا اوردناها للرخصة دون تحقيق العمل بها ". ثم ذكر المجلسي (قده) بعد كلام له مما يدل على اختلاف نسخ المقنعة في ذلك ما نصه: " قال الشهيد (رفع الله درجته) في الذكرى: " وانكار ابن ادريس الاستخارة بالرقاع لا مأخذ له مع اشتهارها بين الاصحاب وعدم راد لها سواه ومن اخذ مأخذه كالشيخ نجم الدين، قال وكيف تكون شاذة وقد دونها المحدثون في كتبهم والمصنفون في مصنفاتهم... " (1) هذا ولكن الامر في جوازها سهل بعد كون موردها امورا مباحة يتردد بينها، ثم يتوكل على الله ويعمل بما يخرج من الرقاع وشبهها رجاء الوصول إلى المطلوب، ولعل عدم ذكر كثير منهم لها في الكتب الفقهية مستند إلى هذا المعنى. وعلى كل حال فمما يدل على ان الاستخارة بهذه الامور نوع من القرعة امور: منها - التعبير عنها في بعض رواياتها بالمساهمة - التى هي القرعة كما عرفت سابقا عند ذكر الايات الدالة عليها - مثل رواية عبد الرحمن بن سيابة قال. خرجت إلى مكة ومعى متاع كثير فكسد علينا فقال بعض اصحابنا ابعث به إلى اليمن فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال لى: ساهم بين مصر واليمن ثم فوض امرك إلى الله، فاى البلدين خرج اسمه في السهم فابعث إليه متاعك فقلت: كيف اساهم؟ قال: اكتب في رقعة بسم الله الرحمن الرحيم انه لا اله الا انت عالم الغيب والشهادة انت العالم وانا المتعلم فانظر في أي الامرين خيرا لى حتى اتوكل عليك فيه، فاعمل به، ثم اكتب مصرا ان شاء الله، ثم اكتب في رقعة اخرى مثل ذلك، ثم اكتب يحبس ان شاء الله ولا يبعث به إلى بلدة منهما، ثم اجمع الرقاع فادفعها إلى من يسترها عنك، ثم ادخل يدك فخذ رقعة


(1) بحار الانوار المجلد 18 طبعة امين الضرب ص 941 و 942.

[ 378 ]

من الثلث رقاع، فايها وقعت في يدك فتوكل على الله فاعمل بما فيها ان شاء الله ". وفيها من الدلالة على ان الاستخارة نوع من القرعة من وجوه شتى لا يخفى على - المتأمل. ومثله غيره. ومنها - اتحاد كيفية العمل والدعا فيهما، روى ابن طاووس في كتاب " امان - الاخطار " وفى " الاستخارات " نقلا عن كتاب عمرو بن ابى المقدام عن احدهما عليهما السلام في - المساهمة يكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم اللهم فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اسئلك بحق محمد وآل محمد ان تصلى على محمد وآل محمد، وان تخرج لى خير السهمين في دينى ودنياى وآخرتي، وعاقبة امرى، في عاجل امرى وآجله انك على كل شئ قدير، ما شاء الله لا قوة الا بالله، صلى الله على محمد وآله - ثم تكتب ما تريد في الرقعتين وتكون الثالثة غفلا (1) ثم تجيل السهام، فايما خرجت عملت عليه، ولا تخالف، فمن خالف لم يصنع له، وان خرج الغفل رميت به " (2) وهذه الرواية باطلاقها شاملة لموارد القرعة وهو ما يشك في حكمه الشرعي الجزئي ولا طريق إلى اثباته، وموارد الاستخارة وهو ما يشك في صلاحه وفساده للفاعل مع العلم بجوازه فعله وتركه، كما فهمه ابن طاووس (قده). وقد مر في كلام العلامة المجلسي قده قوله: " أو القرعة بالسبحة... " وهذا ايضا دليل على اطلاقها عليها. وببالي انه (قدس سره) تمسك على مشروعية الاستخارة بالرقاع وشبهها، باطلاقات -


(1) الغفل بالضم كما عن القاموس من لا يرجى خيره ولا يخشى شره، وما لا علامة فيه من القداح. (2) رواه في الوسائل في ابواب القرعة، من كتاب القضاء، من المجلد الثالث.

[ 379 ]

القرعة التى مضى ذكرها، وانها لكل امر مشكل، وان كان في الاستدلال بها ما لا يخفى فانها بقرينة فهم الاصحاب والموارد الخاصة التى وردت هذه العمومات فيها مختصة بما يشك في حكمه الشرعي الجزئي من جهة اشتباه موضوعه، ولا اقل من انها منصرفة إليها، وعلى كل حال، كونها من انواع القرعة مما لا ينبغى الشك فيها. هذا تمام الكلام فيما يلحق بقاعدة القرعة وبه يتم الجزء الثاني من كتابنا هذا، و سنوافيك الكلام في القواعد الباقية في الاجزاء الاتية بعون الله الملك العلام وكان الفراغ منه ليلة الخميس الثاني عشر من شوال المكرم سنة 1388 (والحمد لله اولا وآخرا)

[ 381 ]

7 - قاعدة التقية وموارد حرمتها ووجوبها

[ 383 ]

التقية وموارد حرمتها وجوازها معناها وموارد حرمتها ووجوبها وجوازها وما يترتب عليها من الاثار الوضعية والتكليفية وما يلحق بها من الاحكام والفروع التقية من اقدم ما يعرف اصحابنا بها، كما انها من اكثر ما يشنع عليهم، جهلا بمعناها وموارد حرمتها وجوازها، وغفلة عما يحكم به العقل والنقل. ويبتنى عليها فروع كثيرة في مختلف ابواب الفقه من العبادات وغيرها فلها صلتان بالمذهب: صلة من ناحية الفقه وقواعدها والفروع الكثيرة المبنية عليها. وصلة من ناحية العقائد والكلام، حيث ان القول بها صار عند الغافلين عن " مغزاها " و " مواردها " دليلا على ضعف المذهب القائل بها ومبانيه.

[ 384 ]

ونحن وان كنا نبحث عنها هنا كقاعدة فقهية، ولكن نواصل الجهد في طيات هذه الابحاث لتوضيحها من الناحية، لتبين قيم الايرادات التى تشبث بها المخالفون هنا، وان هذه المزعومة - كغالب المزعومات الاخر - ناشية من قلة اتصالهم بنا، وعدم اخذ عقائدنا منا، بل من الكتب المشوهة المملوئة بانواع التهم المنبعثة عن التعصبات القومية أو المذهبية، أو عن تدخل الاعداء الدين في شؤون المسلمين لتفريق كلمتهم واشاعة البغضاء بينهم ليتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم - كما قال الله تعالى -. وعلى كل حال لابد لنا ان نتكلم هنا في مقامات: الاول - في معناها اللغوى والاصطلاحي الثاني - في حكمها التكليفى من الحرمة والجواز، ومواردهما، وما يدل على كل واحد، من الادلة العقلية والنقلية، مضافا إلى اقسام التقية من " الخوفى " والتحبيبى " وان التاركين للتقية في الصدر الاول وفى الاعصار " الاموين " و " العباسيين "، الذين استشهدوا في هذا السبيل كرشيد الهجرى وميثم التمار واشباههما لماذا تركوا التقية وتجرعوا جرع الحمام؟ وهل كان هذا واجبا عليهم أو راجحا لهم، وهل يمكن لنا سلوك طريقتهم في امثال هذه الظروف ام لا؟ الثالث - في حكمها الوضعي من حيث ان العمل المأتى به تقية هل يوجب الاجزاء عن الاعادة والقضاء، في داخل الوقت وخارجه ام لا؟. الرابع - في امور هامة مختلفة لها صلة بالبحث مثل انه هل يعتبر

[ 385 ]

في التقية ان تكون من المخالف، أو يشمل الكافر، أو الموافق في المذهب احيانا. وانها هل تختص بالاحكام أو تشمل الموضوعات. وان المدار فيها على الخوف الشخصي أو النوعى وانه إذا خالف التقية فهل يفسد عمله؟ وان ترك تسمية القائم باسمه هل هو من باب التقية وغيرها وهل هو واجب في هذه الاعصار أو لا يجب اصلا؟ وغير ذلك مما يرتبط بهذه المسألة، نذكرها في طى عشر تنبيهات ونسئل الله التوفيق والهداية نحو الحق في جميع الامور، انه قريب مجيب

[ 386 ]

1 - معنى التقية لغة واصطلاحا الظاهر ان التقية لغة مصدر من اتقى يتقى، لا انها اسم مصدر كما ذكره شيخنا العلامة الانصاري قدس الله سره الشريف. قال المحقق الفيروز آبادى في " القاموس ": " اتقيت الشيى وتقيته اتقيه واتقيه، تقى وتقية وتقاء ككساء، حذرته، والاسم التقوى قلبوه للفرق بين الاسم والصفة " وظاهره ان اتقى وتقى بمعنى واحد - كما ذكره غيره ايضا - والمصدر منه هو التقية والتقى والتقاء، واسم المصدر هو التقوى - والامر فيه سهل. ومن الواضح ان معناه المصطلح في الفقه والاصول والكلام اخص من معناها اللغوى، كما في غيرها من الالفاظ المستعملة في معانيها المصطلحة غالبا. وقد ورثنا عن الاصحاب في معناها المصطلح عبائر تتقارب مضامينها

[ 387 ]

ولا يدل اختلافها اليسير عن اختلاف منهم في حقيقتها ومفادها، واليك نص بعض هذه التعاريف: 1 - قال المحقق البارع الشيخ الجليل " المفيد " في كتابه " تصحيح الاعتقاد " " التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين والدنيا " (1) 2 - وقال شيخنا الشهيد رحمة الله عليه في قواعده: " التقية مجاملة الناس بما يعرفون وترك ما ينكرون حذرا من غوائلهم ". 3 - وقال شيخنا العلامة الانصاري في رسالته المعمولة في المسألة: " المراد (منها) هنا التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق ". 4 - وقال العلامة الشهرستاني قدس سره فيما علقه على كتاب اوائل المقالات للشيخ المفيد اعلى الله مقامه: " التقية اخفاء امر دينى لخوف الضرر من اظهاره " (2) ولا يخفى ان هذه التعريفات بعضها اوسع من بعض، ولكن - الظاهر انهم لم يكونوا بصدد تعريف جامع لشتات افرادها مانع عن اغيارها، اعتمادا على وضوح معناها ولذا لم يعترض واحد منهم على - الاخر بنقص التعريف من ناحية جمعه أو طرده. والذى يهمنا ذكره في المقام ان التقية ديدن كل اقلية يسيطر عليهم


1 - تصحيح الاعتقاد ص 66 2 - اوائل المقالات ص 96

[ 388 ]

الاكثرون ولا يسمحون لهم باظهار عقائدهم أو العمل على وفقها فيخافون على انفسهم أو النفيس مما يتعلق بهم، من مخالفيهم المتعصبين، فهولاء بنداء الفطرة يلجئون إلى التقية فيما كان حفظ النفس أو ما يتعلق بها اهم عندهم من اظهار الحق، والى ترك التقية وخوض غمرات الموت وتحمل المضار إذا كان اظهاره اهم، حسب اختلاف المقامات وما يتحمل من - الضرر لاجل الاعمال المخالفة للتقية. كل ذلك مقتبس من حكم العقل بتقديم الاهم على المهم إذا دار الامر بينهما. فعندئذ لا تختص التقية بالشيعة الامامية ولا يختصون بها وان اشتهروا به، وتعم جميع الطوائف في العالم إذا ابتلوا ببعض ما ابتلى به الشيعة في بعض الظروف والاحيان. فليس ذلك الا لانهم كانوا في كثير من الاعصار والاقطار تحت سيطرة المخالفين المجحفين عليهم، وكل جماعة كانت كذلك ظهر في تاريخها التقية احيانا. وسيوافيك ان شاء الله الايات والاخبار الحاكية عن امر مؤمن آل فرعون وانه كان في تقية من قومه، وكذلك ما يحكى عن امر اصحاب الكهف وتقيتهم. بل ومن بعض الوجوه يعزى التقية إلى شيخ الانبياء ابراهيم (ع) في احتجاجاته مع عبدة الاصنام، والى يوسف (ع) في كلامه لاخوته، كما سيأتي بيان كل منها ان شاء الله.

[ 389 ]

2 - حكمها التكليفى المعروف بين الاصحاب ان التقية تنقسم بحسب حكمها التكليفى إلى اقسام خمسة: منها ما هو واجب، ومنها ما هو حرام، ومنها ما هو راجح ومنها ما هو مرجوح، ومنها ما يتساوى طرفاه جوازا. وهو موافق للتحقيق. فلنبدء بالقسم الجائز منه بالمعنى الاعم ثم نتبعه بما هو حرام، ثم نبين ما هو راجح ومرجوح. اما الاول فلا ينبغى الشك في جوازها اجمالا في بعض الموارد ويدل عليه مضافا إلى الاجماع آيات من الذكر الحكيم، واخبار متواترة جدا، ودليل العقل وقضاء الوجدان السليم. اما الايات: فمنها قوله تعالى في سورة آل عمران " لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شى الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير (1)


(1) آل عمران - 28

[ 390 ]

نهى سبحانه وتعالى عن اتخاذ الكافرين اولياء، والاستعانة بهم في الامور وبث المودة والاخاء بينهم، ثم اكده بان من فعل ذلك من - المؤمنين فليس من الله في شئ، فهو برئ منهم وليسوا في ولاية الله ورعايته ونظيره في ذلك قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جائكم من الحق (1) حيث نهى عن اتخاذ الاعداء اولياء، ثم عقبه بالقاء المودة إليهم الذى هو كالتفسير له. ومثله قوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله (2) ثم استثنى منه مقام التقية بقوله " الا ان تتقوا منهم تقاة " ففى هذا المقام القاء المودة إليهم واتخاذهم اولياء جائز بعد ان كان منهيا عنه بحسب حكمه الاول، ولا شك ان المراد من " تقاة " هنا التقية وهما بمعنى واحد بل قرء بعضهم كالحسن والمجاهد " تقية ". وقال امين الاسلام الطبرسي في المجمع عند ذكر الاية: " والمعنى الا ان يكون الكفار غالبين والمؤمنين مغلوبين، فيخافهم المؤمن ان لم يظهر موافقتهم ولم يحسن العشرة معهم، فعندئذ يجوز له اظهار مودتهم بلسانه ومداراتهم تقية منه ودفعا عن نفسه من غير ان يعتقد، وفى هذه الاية دلالة


1 - سورة الممتحنة - 1 2 - سورة المجادلة - 22

[ 391 ]

على ان التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقال اصحابنا انها جائزة في الاقوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح، وليس تجوز من الافعال في قتل المؤمن ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن انه استفساد في الدين (3) وقال شيخ الطائفة قدس سره في " التبيان " عند ذكر الاية: " والتقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس وقد روى رخصة في جواز الافصاح بالحق عندها. روى الحسن ان مسيلمة الكذاب اخذ رجلين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لاحدهما اتشهد ان محمدا رسول الله؟ قال: نعم قال: افتشهد انى رسول الله؟! قال نعم! ثم دعا بالاخر فقال: اتشهد ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال نعم؟ قال له اتشهد انى رسول الله قال: انى اصم! قالها ثلثا كل ذلك يجيبه بمثل الاول فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه، واخذ بفضله، فهنيئا له، واما الاخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه " فعلى هذا تكون التقية رخصة والافصاح بالحق فضيلة، وظاهر


3 - مجمع البيان ج 2 ص 430.

[ 392 ]

اخبارنا يدل على انها واجبة وخلافها خطأ " (1) هذا ولكن سيمر عليك ان شاء الله ان موارد وجوبها غير موارد جوازها، وموارد رجحان تركها والافصاح بالحق، وليس جميع الروايات واردة على مورد واحد ولا تعارض بينها كما يظهر من عبارة شيخ الطائفة (قدس سره الشريف). وبالجملة لا اشكال في دلالة الاية على جواز التقية اجمالا، بل في الاية تصريح بنفس عنوان التقية فان " التقية " و " التقاة " بمعنى، بل قد عرفت قرائة التقية في نفس الاية من غير واحد من القراء. ومنها قوله تعالى في سورة النحل: من كفر بالله من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (1) وقد ذكر المفسرون في شأن نزول الاية امورا تتقارب معناها وان اختلف اشخاصها وامكنتها. وفى بعضها انها نزلت في " عمار " و " ياسر ابوه " و " امه سمية " و " صهيب " و " بلال " و " ضباب، حيث اخذهم الكفار وعذبوهم واكرهوهم على كلمة الكفر والبرائة من الاسلام ورسول الله صلى الله عليه وآله فلم يعطهم أبو عمار وامه فقتلا وكانا اول شهيدين في الاسلام واعطاهم عمار بلسانه ما ارادوا منه، فاخبر سبحانه بذلك رسول الله فقال قوم كفر عمار، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله ان عمارا ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه واختلط -


(1) التبيان - المجلد 2 ص 435 1 - النمل - 106

[ 393 ]

الايمان بلحمه ودمه. ثم جاء عمار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكى. فقال: ما ورائك؟ فقال: شر، يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير!. فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول ان عادوا لك فعدلهم بما قلت. فنزلت الاية. وفى آخر انها نزلت في " عياش ابن ابى ربيعة " اخى ابى جهل من الرضاعة، و " ابى جندل " وغير هما من اهل مكة حيث اكرهم المشركون فاعطوهم بعض ما ارادوا ثم انهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا فنزلت الاية وفى ثالث انها نزلت في اناس من اهل مكة آمنوا ثم خرجوا نحو المدينة فادركهم قريش، واكرهوهم فتكلموا بكلمة الكفر كارهين، فنزلت الاية. والاشهر هو الاول. والاية دالة على جواز التقية باظهار كلمة الكفر من دون قصده، عند الضرورة، فان موردها وان كان عنوان الاكراه، ومورد التقية لا يعتبر فيها اكراه وتعديب بل يكفى فيها خوف الضرر على النفس أو ما يتعلق به وان لم يكن هناك مكره، الا ان الحق عدم الفرق بين العنوانين (الاكراه والتقية) من حيث الملاك والمغزى، فان ملاك الكل دفع الضرر الاهم بارتكاب ترك المهم. هذا من ناحية العنوان المأخوذ فيها.

[ 394 ]

ومن ناحية اخرى الاية وان اختصت مفادها بمسألة الكفر والايمان الا ان حكمها جار في غيرها بطريق اولى كما لا يخفى، فإذا جازت التقية في هذه المسألة المهمة جاز في غيرها قطعا مع تحقق شرايطها. قال المحقق البيضاوى في تفسيره عند ذكر الاية: " وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الاكراه وان كان الافضل ان يتجنب عنه اعزازا للدين كما فعله ابواه (عمار) ثم نقل رواية الحسن السابقة في رجلين اخذهما مسيلمة - إلى ان قال - اما الاول فقد اخذ رخصة - الله واما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له " ومنها قوله تعالى في سورة الغافر حاكيا عن مؤمن آل فرعون: وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ايمانه اتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وقد جائكم بالبينات من ربكم... (1) هذه الاية وما بعدها تحكى عن قصة مؤمن آل فرعون واحتجاجه على قومه نقلها القرآن بلسان القبول والرضا، حتى ان قول يكتم ايمانه ايضا بهذا اللسان، لسان القبول والرضا، فهى دالة على جواز كتمان الايمان عند الخوف على النفس ومثله. ولا شك ان كتمان الايمان لا يمكن عادة بمجرد عدم الاظهار عن مكنون القلب بل لا يخلو عن اظهار خلافه، لا سيما إذا كان ذلك مدة طويلة كما هو ظاهر حال مؤمن آل فرعون فكتمان ايمانه لا يتيسر الا بالاشتراك معهم في بعض اعمالم وترك بعض وظائف المؤمن الخاصة به، وبالجملة حمل كتمان ايمانه على مجرد


(1) 1 - الغافر - 28

[ 395 ]

عدم اظهار الحق، من دون اظهار خلافه قولا وفعلا شطط من الكلام، لا سيما مع ما حكى عن ابن عباس انه لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذى انذر موسى (ع) فاذن ينطبق على عمله عنوان التقية بلا اشكال وتكون الاية دليلا على جوازه اجمالا. وروى الطبرسي عن ابى عبد الله (ع) انه قال: التقية دينى ودين آبائى ولا دين لمن لا تقية له والتقية ترس الله في الارض، لان مؤمن آل فرعون لو اظهر الاسلام لقتل. (1) فتحصل من جميع ما ذكرنا ان ظاهر الايات الثلثة المذكورة أو صريحها جواز التقية عند الخوف اجمالا، ويظهر من غير واحد من الروايات التى سنوردها عليك ان شاء الله تفصيلا ان موارد التقية المشار إليها في القران لا تنحصر بذلك، بل تشمل فعل اصحاب الكهف، وما فعله شيخ الانبياء ابراهيم (ع) تجاه قومه عند كسر الاصنام، وما قاله يوسف لاخوته عند اخذ اخيه الصغير عنده وعدم ارساله مع سائر اخوته، انه ايضا كان من باب التقية. ولكنه مبنى على ما سنشير إليه من عدم حصر التقية في كتمان الحق واظهار خلافه خوفا على النفس وشبهه بل يشمل ما إذا كان هذا الكتمان لمصالح آخر، فليكن هذا على ذكر منك. هذا حكم كتاب الله وما يستفاد من آيات الذكر الحكيم في المسألة وهى بحمد الله جلية من هذه الناحية. * * *


1 - مجمع البيان ج 8 ص 521

[ 396 ]

3 - التقية في السنة لا شك في تواتر الاخبار الدالة على جواز التقية اجمالا في مظان - الخطر، وهى على طوائف مختلفة كل تشير إلى بعض خصوصيات البحث وفيها فوائد جمة، وحقايق لطيفة، تكشف عن علل التقية ونتائجها و كيفيتها وحدودها، واقسامها ومستثنياتها، وموارد حرمتها ووجوب الحذر عنها. وهى مبثوتة في ابواب كثيرة من ابواب كتاب الامر بالمعروف و النهى عن المنكر، اوردها في الوسائل في المجلد الحادى عشر وغيره ونحن نذكرها في خمس طوائف نجمع ما يشترك منها في معنى واحد في طائفة مستقلة * * * الطائفة الاولى - ما يدل على ان التقية ترس المؤمن وحرزه وجنته وقد ورد روايات عديدة في هذا المعنى: منها - ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن حمد؟؟ بن مروان

[ 397 ]

عن ابى عبد الله (ع) قال كان ابى يقول: واى شيئ اقر لعيني من التقية، ان التقية جنة المؤمن (1) 2 - ما رواه ايضا في الكافي عن عبد الله بن ابى عبد الله بن ابى يعفور قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: التقية ترس المؤمن والتقية حرز - المؤمن، الحديث (2) 3 - ما رواه ايضا في الكافي عن حريز عن ابى عبد الله (ع) قال: التقية ترس الله بينه وبين خلقه (3) 4 - ما رواه سعد بن عبد الله في بصائر الدرجات عن جميل بن صالح عن ابى عبد الله (ع) قال ان ابى كان يقول: أي شئ اقر للعين من التقية ان التقية جنة المؤمن (4) هذه الروايات باجمعها دالة على جواز التقية في موارد الخوف لحفظ النفس والاتقاء بها كما يتقى في الحرب عن ضربات العدو بالجنة والترس واشباههما. بل قد يستفاد منها الوجوب واللزوم بنحو من العناية فان الاستتار بالجنة وما اشبههما في موارده واجب فكذلك الاستتار بالتقية في مظانها فتأمل. ولو اشكل على دلالتها من هذه الناحية لم يكن هناك اشكال من


1 - الحديث 4 من الباب 24 من ابواب الامر بالمعروف من كتاب الوسائل 2 - = 6 = = 24 = = = 3 - = 12 = = 24 = = = 4 - = 24 = = 24 = = =

[ 398 ]

ناحية الدالة على الجواز بمعناه الاعم. * * * الطايفة الثانية - ما دل على انه لا دين لمن لا تقية له، ولا ايمان لمن لا تقية له وان تسعة اعشار الدين هي التقية إلى غير ذلك مما يدل على انها من الدين نفسه وبدونها يكون ناقصا وهى روايات: 5 - ما رواه الكليني في الكافي باسناده عن ابى عمر الاعجمي قال: قال لى أبو عبد الله (ع): يا ابا عمر! ان تسعة اعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له (الحديث) (1) 6 - ما رواه الصدوق عن علل الشرائع عن ابى بصير قال: قال أبو - عبد الله (ع) التقية دين الله عزوجل قلت من دين الله؟! قال فقال: أي والله من دين الله (الحديث) (2) 7 - ما رواه الصدوق ايضا في صفات الشيعة عن ابان بن عثمان عن الصادق (ع) انه قال: لا دين لمن لا تقية له ولا ايمان لمن لا ورع له (3) 8 - ما رواه الكليني عن ابن ابى يعفور عن الصادق (ع) في حديث: لا ايمان لمن لا تقية له (4). إلى غير ذلك من الروايات. وهذه الطايفة دليل على وجوبها اجمالا في مواردها وانه من اهم


1 - الحديث 2 من الباب 24 من كتاب الامر بالمعروف من الوسائل 2 - = 18 = 24 = = 3 - = 22 = 24 = = 4 - = 6 = 24 = =

[ 399 ]

مسائل الدين وعمدتها في هذه المقامات وسيأتى ان شاء الله علة هذا التأكيد الشديد وسره، وانه إذا اخذ بحده وشرائطه كان مما يحكم به صريح الوجدان. * * * الطائفة الثالثة - ما دل على انها من اعظم الفرائض وان اكرمكم عند الله اعملكم بالتقية، وان الايمان بدونها كجسد لا رأس معه وانه ما شئ احب إلى الله واوليائه من التقية في مواردها، وهى روايات: 9 - ما رواه في الكافي عن حبيب بن بشر قال قال أبو عبد الله عليه السلام (ع) سمعت ابى يقول: لا والله ما على وجه الارض شئ احب من التقية، يا حبيب! انه من كان له التقية رفعه الله، يا حبيب! من لم تكن له تقية وضعه الله، يا حبيب! ان الناس انما هم في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا (1). ولعل قوله " فلو قد كان ذلك كان هذا " اشارة إلى انه لو كان هناك تقية كان الهدنة مستمرة باقية، أو انه لو رفعت الهدنة وظهر القائم جاز ترك التقية وفى غيره وجبت التقية، ولو فرض ابهامه لم يضر بدلالة الحديث. 10 - ما روى في تفسير الامام الحسن بن على العسكري في قوله تعالى: " وعملوا الصالحات " قال قضوا الفرائض كلها بعد التوحيد و اعتقاد النبوة والامامة قال واعظمها فرضان: قضاء حقوق الاخوان في الله واستعمال التقية في اعداء الله (2)


1 - الحديث 8 من الباب 24 من ابواب الامر بالمعروف من كتاب الوسائل 2 - = 1 = 28 = =

[ 400 ]

ومما ينبغى ان يذكر انه روى في هذا الباب (الباب 28 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر من كتاب الوسائل) روايتان عن النبي ورواية عن كل واحد من الائمة عليهم السلام إلى الامام الحسن العسكري (ع) يكون المجموع ثلثة عشر رواية كلها عن تفسير الامام وبوساطته (ع) رتبه حسب ترتيب الائمة (ع) وكلها تشير إلى مطلب واحد وان كان بعبارات مختلفة وتعبيرات شتى، وهو ما مر في الحديث الاخير: ان من اعظم القربات واشرف اخلائق الائمة، التقية وقضاء حقوق الاخوة وان تركهما من - الذنوب التى لا تغفر، فراجعها وتأملها، وسنشير إلى كل واحد منهما في محله المناسب له، والى سر هذا التأكيد البليغ في الامرى. 11 - ما في تفسير الامام الحسن العسكري (ع) ايضا: قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا رأس له (1) 12 - وعنه (ع) ايضا عن امير المؤمنين (ع) التقية من افضل اعمال المؤمنين يصون بها نفسه واخوانه عن الفاجرين (2) وفى هذا الحديث دليل على انه لا تشرع لحفظ نفسه فقط بل تشرع لحفظ نفوس الاخوان ايضا، وهل هو فيما إذا كان هناك خوف على نفوس واشخاص معلومة أو يكفى الخوف على نوع المؤمنين في بعض الامكنة أو بعض الاحيان وان لم تعرف اشخاصهم، سيأتي الكلام فيه عند ذكر تنبيهات المسألة ان شاء الله فليكن على ذكر منك. 13 - وعنه (ع) ايضا عن جده على بن الحسين (ع) يغفر الله للمؤمن


1 - الحديث 2 من الباب 28 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل 2 - = 3 = = = = =

[ 401 ]

كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والاخرة ما خلا ذنبين: ترك التقية و تضييع حقوق الاخوان (1) 14 - وعنه (ع) ايضا: قيل: لمحمد بن علي (ع) ان فلانا اخذ بتهمة فضربوه مأة سوط، فقال: محمد بن علي (ع): انه ضيع حق اخ مؤمن وترك التقية، فوجه إليه فتاب (2). وهذه الرواية تدل على ان تركها في موارد وجوبها لا يورث عقاب الاخرة فحسب بل قد يورث عذابا دنيويا ايضا 15 - ما رواه على بن محمد الخزار في كتاب " كفاية الاثر " عن - الحسين بن خالد عن الرضا (ع) قال لا دين لمن لا ورع له، ولا ايمان لمن لا تقية له، اكرمكم عند الله اعملكم بالتقية. قيل يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى متى؟ قال: إلى قيام القائم فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا (الحديث) (3) * * * الطائفة الرابعة - روايات عديدة تحكى عن وقوع التقية في افعال انبياء السلف وانهم عملوا بالتقية في غير مورد وهى روايات: 16 - ما رواه الصدوق في العلل عن ابى بصير قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول: لا خير فيمن لا تقية له ولقد قال يوسف " ايتها العير انكم لسارقون "


1 - الحديث 6 من الباب 28 من ابواب الامر بالمعروف من المسائل 2 - = 11 = 28 = = 3 - = 25 = 24 = =

[ 402 ]

وما سرقوا (1) ولا يخفى ان نسبة التقية هنا إلى يوسف (ع) انما هو من جهة امره أو رضاه بقول المؤذن الذى اذن بين اخوة يوسف فقال " ايتها العير انكم لسارقون " وهم ما سرقوا شيئا ولو سرقوا انما سرقوا يوسف من قبل، فهو نوع من التورية وقد صدرت تقية واخفاء للحق لبعض المصالح التى اوجبت اخذ اخيه " بنيامين ". وغير خفى ان هذه التقية ليست من قسم ما يؤتى به خوفا على النفس، بل قسم آخر يؤتى به لمصالح اخر، وسيأتى الادارة إلى انها لا تنحصر بما يؤتى به خوفا. ثم لا يخفى ان هذه التقية واشباهها ليست في باب الاحكام وتبليغ الرسالة حتى يتوهم عدم جوازها في حق الانبياء والمرسلين، بل هو في غير باب التبليغ حفظا لبعض المصالح. 17 - ما رواه في العلل ايضا عن ابى بصير قال قال أبو عبد الله (ع) التقية دين الله عزوجل، قلت من دين الله؟ قال: فقال أي والله من دين الله لقد قال يوسف: " ايتها العير انكم لسارقون " والله ما كانوا سرقوا شيئا (2) والكلام فيه كما في سابقه 18 - ما رواه الكليني في الكافي عن ابى بصير ايضا قال: قال أبو - عبد الله (ع): التقية من دين الله. ثم روى نحو الرواية السابقة، ثم زاد قوله:


(1) الحديث 17 من الباب 24 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل 2 - = 18 = 24 = =

[ 403 ]

ولقد قال ابراهيم (ع) " انى سقيم " والله ما كان سقيما (1) واطلاق التقية على قول ابراهيم (ع) هنا انما هو بملاحظة انه اخفى حاله واظهر غيره لما لا يخفى من المصالح الدينية، كما اشرنا إليه في الروايات السابقة، كما انه ليس من باب التقية في الاحكام وانما هو في الموضوعات فلا ينافى دعوته ورسالته، بل كان ذلك لاداء رسالته وحطم الاصنام وكسرها. 19 - ما رواه في " معاني الاخبار " عن سفيان بن سعيد قال سمعت ابا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) يقول: عليك بالتقية فانها سنة ابراهيم الخليل (ع) - إلى ان قال - وان رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا اراد سفرا دارى بعيره وقال: امرني ربى بمداراة الناس كما امرني باقامة - الفرائض ولقد ادبه الله عزوجل بالتقية فقال ادفع بالتى هي احسن فإذا الذى بينك وبينه عدواة كانه ولى حميم وما يلقاها الا الذين صبروا (الاية). يا سفيان من استعمل التقية في دين الله فقد تسنم الذروة - العليا من القرآن وان عز المؤمن في حفظ لسانه ومن لم يملك لسانه ندم (الحديث) (2) وفى هذه الرواية دلالة على ان رسول الله صلى الله عليه وآله ايضا كان يتقى في بعض الموضوعات - لا الاحكام ولا في ارشاده وتبليغ رسالته - مداراة للناس، ودفعا للبغضاء والعداوة عن قلوب المومنين بالتورية وشبهها وفيها ايضا اشارة إلى تقية ابراهيم (ع) في امر الاصنام في قوله


1 - الحديث 4 من الباب 25 من ابواب الامر بالمعروف. 2 - الحديث 16 من الباب 24 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل

[ 404 ]

" انى سقيم " أو قوله " هذا ربى " أو قوله " بل فعله كبيرهم هذا الخ " وانها كانت من سنته، ومن المعلوم انها داخلة في مفهوم التقية بالمعنى الوسيع والاعم وهو اخفاء امر لبعض ما هو اهم. 20 - ما رواه الكليني عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله (ع) قال ان مثل ابى طالب مثل اصحاب الكهف اسروا الايمان واظهرو الشرك فآتاهم الله اجرهم مرتين (1) وهذه الرواية وان لم تكن من قسم تقية الانبياء الا انه ذكرناها الحاقا بها وقد اشير إلى قصة اصحاب الكهف في الكتاب العزيز ولكن لم يصرح فيها بلفظ التقية، ولكن يظهر من قرائن مختلفة مذكورة فيها انهم كانوا يتقون من اصحابهم، وانهم اختاروا الاعتزال عن قومهم و آووا إلى الكهف خوفا من ظهور امرهم وتعذيبهم بيد الملك واتباعه، فلو اظهروا الايمان اخذوا وقتلوا، فاسروا واظهروا بعض ما ارادوا إلى ان وفقهم الله إلى الهجرة، فهاجروا من قومهم ليجدوا فراغا يمكن فيه اظهار الايمان من غير حاجة إلى اظهار الشرك والموافقة لهم في اعمالكم. وقد ورد في الروايات والتواريخ ما يؤيد تقيتهم من قومهم، فعدم ذكر لفظ التقية فيها لا يضر بالاستدلال بعد وضوح المطلب. وفيها ايضا دلالة على تقية ابى طالب (ع) عم النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وحاميه وناصره بقلبه وبيده وبلسانه، ولا ينافى هذا اظهاره الايمان في غير مورد، طول حياته، كما ورد في الاخبار والسير، فان تقيته كانت غالبية لا -


1 - الحديث 1 من الباب 29 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل.

[ 405 ]

دائمية، وكانت من الاعداء، لا من المسلمين واصحاب سيرهم، وفيها ايضا جواب عن مقالة بعض اهل الخلاف وتهمة الشرك - معاذ الله - إلى ابى طالب (ع) وهذه الطائفة من الاخبار تدل على رجحان التقية أو وجوبها اجمالا في موارد يكون اخفاء الحق فيها واجبا أو راجحا لمصالح مختلفة. وهناك اخبار اخر كثيرة تدل على وجوبها أو رجحانها في هذه - الموارد سيأتي الاشارة إلى شيى كثير منها في الابحاث الاتية ان شاء الله، وهى بالغة حد التواتر، ومعها لا يبقى شك في اصل الحكم في المسألة اجمالا.

[ 406 ]

بقى هنا امور هامة يجب ذكرها الاول - علة هذا التأكيد البليغ في امر التقية لا شك ان الناضر في هذه الاخبار يجد في اول نظره إليها تأكيدا بليغا في التقية قلما يوجد في اشباهها وقد يستوحش منها أو يوجب سوء الظن بها أو ببعضها، كل ذلك جهلا باسرارها ومواردها ومغزاها ولكن التدبر فيا وفى الظروف التى صدرت لها، وفى القرائن الموجودة في كثير منها يرشدنا إلى سر هذه التأكيدات ويرفع النقاب عن وجهها ويفسرها تفسيرا تاما. والظاهر ان هذا الاهتمام كان لامرين مهمين. احدهما - ان كثيرا من عوام الشيعة، أو بعض خواصها، كانوا يقومون في وجه الحكومات والنظامات الفاسدة الامويه والعباسية بلا عدة وعدة ولا تخطيط صحيح ولا محجة واضحة، فيلقون بانفسهم إلى التهلكة كأنهم يرون اعلان عقيدة الحق ولو لم يكن نافعا واجبا، واخفائها ولو لم يجلب الا الوهن والضرر على المذهب ومقدساته حراما، وان كان حافظا

[ 407 ]

للنفوس والاعراض ومفيدا لحفظ المذهب وكيانه. أو كانوا يرون التقية كذبا ومجرد ذكر كلمة الشرك شركا وكفرا وان كان القلب مطمئنا بالايمان ولذا بكى عمار بعد اظهار كلمة الكفر تقية حتى ظن انه خرج عن الاسلام وهلك. فنهاهم ائمة اهل البيت (عليهم السلام) عن هذه الاعمال الكاسدة الضئيلة غير المفيدة وعن هذه الاراء الباطلة، ويشهد لذلك ما ورد من انها الجنة وترس المؤمن وامثالها. اضف إلى ذلك قول الصادق عليه السلام فيما رواه حذيفة عنه في تفسير قوله تعالى ولا تلقوا بايديكم إلى التهلكة، قال هذا في التقية (1) ولعل الروايات الحاكية عن تقية الانبياء وجمع من الاولياء ناظرة إلى انها ليس كذبا ممنوعا ولا موجبا للكفر والخروج عن الدين، إذا كانت في مواردها كما تشهد به الرواية التالية. وهى ما رواه الكليني عن درست الواسطي قال قال أبو عبد الله (ع) ما بلغت تقية واحد تقية اصحاب الكهف، ان كانوا ليشهدون الاعياد ويشدون الزنانير فاعطاهم الله اجرهم مرتين (2) ثانيهما - ان كثيرا من عوام الشيعة وبعض خواصهم كانوا يتركون العشرة مع غيرهم من المسلمين من اهل السنة لانهم ان اظهروا عقيدتهم الحق ربما وقعوا في الخطر والضرر وجلب البغضاء والعدواة، وان اخفوه


1 - الحديث 35 من الباب 24 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل 2 - الحديث 1 من الباب 26 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل

[ 408 ]

كانوا مقصرين في اداء ما عليهم من اظهار الحق، مرتكبين للاكاذيب، فيرون الارجح ترك العشرة معهم وعدم القاء انفسهم في احد المحذورين، غفلة عن المضار المترتبة على مثل هذا العمل من شق العصا واسنادهم إلى الخشونة وقلة الادبة والعواطف الانسانية، وتركهم لجماعة المسلمين وآدابهم. فندبهم الائمة (ع) بالعشرة معهم بالمعروف وحسن المصاحبة و الجوار، كيلا يعيروا بتركها ولا يكونوا شينا على ائمتهم، وان اضطروا في ذلك إلى التقية احيانا. ويشهد لذلك روايات عديدة، منها - ما رواه في الكافي عن هشام الكندى قال سمعت ابا - عبد الله (ع) يقول: اياكم ان تعملوا عملا نعير به فان ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا عليه شينا، صلوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنايزهم، ولا يسبقونكم إلى شئ من الخير، فانتم اولى به منهم، والله ما عبد الله بشئ احب إليه من الخبأ، قلت: وما الخبأ؟ قال: التقية (1) وهذه الرواية تنادى باعلى صوتها بعدم الاعتزال عن القوم ولزوم العشرة معهم بالمعروف والصلوة معهم، وعيادة مرضاهم، وشهادة جنايزهم وغير ذلك من اشباهه كيلا يعيروا بتركه الائمة (ع) ولا يجدوا طريقا للازراء بهم وباتباعهم، ويجوز حينئذ التقية معهم وهذا نوع من التقية التحبيبى. ومنها وما رواه في الكافي ايضا عن مدرك بن الهزهاز عن ابي عبد الله (ع)


1 - الحديث 2 من الباب 26 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل

[ 409 ]

قال: رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلى نفسه، فحدثهم بما يعرفون و ترك ما ينكرون (1) فان الحديث معهم بما يعرفون وترك ما ينكرون من مصاديق التقية وانما يؤتى بذلك تحبيبا. ومنها ما في تفسير الامام الحسن العسكري (ع) قال: وقال الحسن بن على (ع) (بن ابى طالب) ان التقية يصلح الله بها امة لصاحبها مثل ثواب اعمالهم، فان تركها اهلك امة، تاركها شريك من اهلكهم.. الحديث (2) ولعل ارداف التقية بحقوق الاخوان هنا وفى روايات اخر اشارة إلى اشتراكهما في حفظ الامة ووحدتها وحقوقها وكيانها، وان كان التأكيد في الاول لاخوانهم، الخاصة والثانى للعامة. وقد ورد في غير واحد من الروايات (مثل الرواية 32 من الباب 24 والرواية 33 من ذاك الباب بعينه) تفسير قوله تعالى في قصة ذى القرنين حاكيا عن القوم الذين وجدهم عند السدين: " اجعل بيننا وبينهم سدا " وقوله " فما اسطاعوا ان يظهروه وما استطاعوا له نقيا " ان هذا هو التقية فانها الحصن بينك وبين اعداء الله وإذا عملت بها لم يقدروا على حيلة ". وهذا وان كان ناظرا إلى تأويل الاية وبطنها والعدول عن ظاهرها ببعض المناسبات لكشف ما فيها من المعاني الاخر غير معانها الظاهر، الا


1 - الحديث 4 من الباب 26 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل 2 - الحديث 4 من الباب 28 من ابواب الامر بالمعروف...

[ 410 ]

انه على كل حال دليل على ان التقية يسد الابواب على العدو، لا باب المضرة فقط بل باب التعيير واللوم وغيرهما، فهو الحصن الحصين الذى لا يقدرون ظهورها ولا يستطيعون له نقبا. ويكون فيها ايضا نجاة وصيانة للائمة (ع) عن سفلة الرعية التى قد بدت البغضاء عن افواههم وما تخفى صدورهم اكبر، فمعها لا يجدون عذرا إلى نيل الاعراض وهتك الحرمة كما ورد في رواية " المجالس " عن الامام على بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال الصادق (ع) " ليس منا من لم يلزم التقية ويصوننا عن سفلة الرعية " (1) 2 - اقسام التقية وغاياتها وقد يتبين مما ذكر ان غاية التقية لا تنحصر في حفظ الانفس ودفع الخطر عنها أو عن ما يتعلق بها من الاعراض والاموال، بل قد يكون ذلك لحفظ وحدة المسلمين وجلب المحبة ودفع الضغاين فيما ليس هناك دواع مهمة إلى اظهار العقيدة والدفاع عنها. كما انه قد يكون لمصالح آخر، من تبليغ الرسالة بنحو احسن كما في قصة ابراهيم واحتجاجه على عبدة الاصنام، أو مصلحة اخرى كما في قصة يوسف مع اخوته. فهى - بمعناها الوسيع - تكون على اقسام: التقية الخوفى، و التقية التحبيبى، والتقية لمصالح اخر مختلفة.


1 - الحديث 27 من الباب 24 من ابواب الامر بالمعروف.

[ 411 ]

وغير خفى انها باجمعها تشترك في معنى واحد وملاك عام وهو اخفاء العقيدة أو اظهار خلافها لمصلحة اهم من الاظهار فالامر في جميعها دائر بين ترك الاهم والمهم، والعقل والنقل يحكمان بفعل الاول وترك - الثاني، من غير فرق بين ان تكون المصلحة التى هي اهم حفظ النفوس أو الاعراض والاموال، أو جلب المحبة ودفع عوامل الشقاق والبغضاء أو غير ذلك مما لا يحصى. 3 - موارد وجوبها قد ظهر مما ذكرنا ايضا انها تجب في مواضع كثيرة، بينما هي جائزة بالمعنى الاخص في موارد اخرى، وضابط الجميع ما عرفت وهى: ان المصلحة التى تنحفظ بفعل التقية ان كانت مما يجب حفظها ويحرم تضييعها، وجبت التقية، وان كانت مساوية لمصلحة ترك التقية جازت (الجواز بالمعنى الاخص) وان كان احد الطرفين راجحا فحكمها تابع له. ثم ان كشف موارد الوجوب عن غيرها يعلم بمراجعة مذاق الشرع واهمية بعض المصالح ورجحانها على بعض في نظره، كما يمكن كشف بعضها بمراجعة العقل ايضا كما في موارد حفظ النفوس إذا كانت التقية بمثل ترك المسح على الرجلين والاكتفاء بالمسح على الخفين مثلا، واشباهه.

[ 412 ]

فالروايات الدالة على ان التقية من الدين، وان تاركها يعاقب عليه، وان تركها مثل ترك الصلوة، وامثال هذه التعبيرات ناظرة إلى موارد - الوجوب، والمصالح المهمة التى لا يمكن تركها والاغماض عنها. وما يدل على انها داخلة في قوله تعالى ادفع بالتى هي احسن السيئة (مثل الرواية 2 من الباب 24 في ابواب الامر بالمعروف و 9 من ذاك الباب بعينه) وانه إذا عمل بالتقية " فإذا الذى بينك وبينه عداوة كانه ولى حميم " وامثال هذه التعبيرات يدل على موارد رجحانها و استحبابها. إلى غير ذلك مما يظهر للمتأمل في الابواب المشتملة على اخبار التقية فان السنتها مختلفة غاية الاختلاف كل يشير إلى مورد، فلا يجوز - الحكم على جميعها بشئ واحد كما هو اظهر من ان يخفى فمثل المداراة التى امر بها رسول الله صلى الله عليه وآله (الواردة في الرواية 16 من الباب 24) وما ورد فيها من انه ادبه الله بالتقية بقوله عزوجل " ادفع بالتى هي احسن... " داخل في قسم المستحب. وكذا ما ورد في ذيل هذا الحديث بعينه من قوله: " من استعمل التقية في دين الله فقد تسنم الذروة العليا من القرآن وان عز المؤمن في حفظ لسانه " لعله ايضا اشارة إلى هذه الموارد ولا اقل من انه اعم من موارد الوجوب والاستحباب. وسياتى موارد رجحان ترك التقية وجواز الاظهار ايضا. تنبيه ولعلك بالنظر الدقيق فيما عرفت لا تشك في ان وجوب التقية أو -

[ 413 ]

جوازها فيما مر من مواردها ليس امر تعبديا ورد في الاخبار المروية من طرق الخاصة وروايات ائمة اهل البيت (عليهم السلام)، بل يدل عليه الادلة الاربعة: كتاب الله عزوجل، وقد اوعزنا إلى موارد الدلالة من الكتاب العزيز، والاجماع القاطع، والاحاديث المتواترة، التى نقلنا شطرا منها واستغنينا بها عن غيرها اختصارا للكلام، وحكم العقل القاطع مع صريح الوجدان. بل لا يختص ذلك بقوم دون قوم، وملة دون اخرى، وان اختص هذا الاسم والعنوان ببعضهم، كما انها لا تختص بالمليين وارباب الديانات بل تعم غير هم ايضا. فهل ترى احدا من العقلاء يوجب اظهار العقيدة في موارد لا فايدة في اظهارها، أو يجد فيها نفعا قليلا مع المضمرة القاطعة الكثيرة الموجودة في اظهارها ضررا في النفوس أو الاعراض أو الاهداف المهمة التى يعيش بها، ولها. والانصاف ان ما يلهج به لسان قم من مخالفينا في المذهب من حرمة التقية بنحو مطلق من دون استثناء، لا يتجاوز عن آذانهم حتى انه لا يوجد في اعمالهم اثرا منه، وانما هو لعق على السنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم واغراضهم، واما عند العمل، هم وغير هم سواء في الاخذ بحكم - العقل وصريح الوجدان باخفاء العقيدة في ما لا نفع في اظهارها بل تكون فيها مضرة بالغة الخطورة، سموه تقية أو لم يسموه. ولكن سيأتي ان هناك موارد يحرم التقية فيها بل يجب فيها التضحية والتفدية وبذل الاموال والانفس والثمرات.

[ 414 ]

كما انه قد يرجح ذلك على الاخفاء وتكون التقية مرجوحة، و تركها راجحا وفضلا. كل ذلك منوط بالظروف الخاصة وما فيها من الشرايط والجهات، ومن هنا قد يجب الفقيه البارع المجاهد، العارف بزمانه، الخبير بمواضع احكام الله، ظرفا خاصا منطبقا لمورد الحرمة أو الكراهة فيحكم علانية بحرمة التقية والجهاد بالاموال والانفس ورفض المدارة فيها، ولا يريد رفضها مطلقا وانما يريد في تلك الظروف المعينة بما فيها من المصالح. فلا شك انه حكم خاص بذاك الظرف والزمان، وما اشبهه من الظروف والازمنة وليس حكما دائميا وفى جميع الشرائط والظروف كما هو اوضح من ان يخفى وان ينكر. * * *

[ 415 ]

في أي موقف تحرم التقية؟ قد مر في اول البحث عن هذه القاعدة ان التقية - كما اشار إليه غير واحد من اعاظم المحققين - تنقسم بالاحكام الخمسة، وقد اشرنا اخيرا إلى موارد وجوبها ورجحانها وجوازها اجمالا. كما انه اشرنا إلى الضابطة التى تكون مقياسا لكشف موارد حرمتها وهى كل مورد تكون المصلحة المرتبة على ترك التقية اعظم من فعلها، مما لا يرضى الشارع المقدس بتركها أو يستقل العقل في الحكم بحفظها. وقد اشير إلى غير واحد من هذه الموارد في روايات الباب وهى امور: 1 - لا يجوز التقية في فساد الدين إذا استلزم التقية فسادا في الدين وتزلزلا في اركان الاسلام، و محوا للشعائر، وتقوية للكفر، وكل ما يكون حفظه اهم في نظر الشارع من حفظ النفوس أو الاموال والاعراض، مما يشرع لها الجهاد ايضا، والدفاع عنها ولو بلغ ما بلغ.

[ 416 ]

ففى كل ذلك لا شك في حرمتها ولزوم رفضها ولكن تشخيص ذلك مما لا يمكن للمقلد غالبا بل يكون بايدى الفقهاء والمجتهدين لاحتياجه إلى مزيد تتبع في ادلة الشرع والاطلاع على مذاق الشارع و مغزى احكامه. ويشهد لهذا - مضافا إلى انه من الامور التى دليلها معه - ومبنى على قاعدة عقلية واضحة وهو ترجيح جانب الاهم إذا دار الامر بينه وبين - المهم، غير واحد من الاخبار: منها ما رواه في " الكافي " عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (ع) في حديث: ان المؤمن إذا اظهر الايمان ثم ظهر منه ما يدل على نقضه خرج مما وصف واظهر، وكان له ناقضا، الا ان يدعى انه انما عمل ذلك تقية، ومع ذلك ينظر فيه، فان كان ليس مما يمكن ان تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لان للتقية مواضع من ازالها عن مواضعها لم تستقم له، وتفسير ما يتقى مثل ان يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير الحكم الحق وفعله، فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان - التقية مما لا يؤدى إلى الفساد في الدين فانه جائز (1) فان قوله (ع) في ذيل تفسير موارد التقية، وما يجوز مما لا يجوز، " مما لا يؤدى إلى الفساد في الدين " يدل بمفهمومه على عدم جواز التقية إذا ادت إلى ذلك. ومنها - ما رواه " الكشى " في رجاله عن درست بن ابى منصور قال كنت عند ابى الحسن موسى (ع) وعنده " الكميت بن زيد " فقال


1 - الحديث 6 من الباب 25 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل.

[ 417 ]

للكميت انت الذى تقول: فالان صرت إلى امية - والامور لها إلى مصائر؟! قال: قلت ذلك وما رجعت عن ايمانى، وانى لكم لموال ولعدوكم لقال، ولكني قلته على التقية، قال اما لئن قلت ذلك ان التقية تجوز في شرب الخمر؟! وهذا يدل على اعتراض الامام عليه السلام على " كميت " في شعره الذى معناه " الان رجعت إلى امية وامورها الان إلى ترجع " فانه مدح بالغ لهم ودليل على رجوعه إليهم بعد ان كان معروفا بالموالاة لائمة اهل - البيت عليهم السلام. ولكن الكميت الناصر لاهل البيت (ع) بقلبه وبلسانه اعتذر بانه انما قالها بلسانه تقية وحفظا لظواهر الامور، واما الامام (ع) لم يقنع بعذره فاجابه بان باب التقية لو كان واسعا بهذه الوسعة لجاز في كل شئ تقية حتى في شرب الخمر، مع انه لا يجوز. فهو دليل على عدم جواز التقية بمثل هذا المدح البالغ لبنى امية الجائرة أو اظهار المحبة لهم، وهذا من مثل الكميت الشاعر البارع المشهور بحبه للائمة (ع) قد يوجب تقوية لدعائم الكفر والضلال وتأييدا لبقية احزاب الجاهلية واشياعهم، فلا يجوز له، ولو جاز انما جاز في شرايط و وظروف بالغة الخطورة لا في مثل ما قال الكميت فيه، فلذا واجهه (ع) بالعتاب. وإذا لم تجز التقية بمثل هذا البيت من الشعر لم تجز في اشباهه مما تقوى به كلمة الكفر واعلام الضلال ويخفى به الهدى ويشتبه به الحق بالباطل

[ 418 ]

على كثير من الناس، لا سيما من الذين يكون كلامهم وفعلهم مما يستند إليه الناس في اعمالهم، فالتقية في هذه الموارد حرام، ولكن تشخيص هذه الظروف من غيرها - كما اشرنا إليه آنفا - موكول إلى نظر الفقيه غالبا. ومنها - ما رواه الطبرسي في " الاحتجاج " عن ابى محمد الحسن بن على العسكري (ع) في حديث ان الرضا (ع) جفا جماعة من الشيعة وحجبهم فقالوا يابن رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد الحجاب الصعب؟ قال: لدعواكم انكم شيعة امير المؤمنين (ع) وانتم في اكثر اعمالكم مخالفون ومقصرون في كثير من الفرائض، وتتهاونون بعظيم حقوق اخوانكم في الله وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لابد من التقية (1) وهذه الرواية وان لم يصرح فيها باستثناء ما يلزم منه فساد الدين الا ان القدر المتيقن منه هو ذلك، إذا لا يوجد هناك امراهم منه يجوز لاجله ترك التقية، اللهم الا ان يقال ان المراد منه التزامهم التقية فيما ليس هناك خوف وتركهم لها فيما يكون هناك خوف فهى ناظرة إلى تخطئتهم في المصاديق لا في المستثنيات الحكمية فتأمل. منها - ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى حمزة الثمالى قال: قال أبو عبد الله (ع) - إلى ان قال: وايم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل انما نتقى! ولكانت التقية احب اليكم من آبائكم وأمهاتكم ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مسائلتكم عن ذلك ولا قام في كثير منكم حد النفاق! (2)


1 - الحديث 9 من الباب 25 من ابواب الامر بالمعروف 2 - = 2 = 31 = =

[ 419 ]

ودلالته على لزوم ترك التقية فيما وقع الدين في الخطر واستنصر الامام (ع) عن الناس غير خفية على احد وان من لزوم التقية في هذه الموارد إذا قام - القائم (ع) اقام فيه حد المنافق فاذن كانت التقية في هذه الموارد من اشد المحرمات وآكدها. وعلى كل حال لا ينبغى الريب في وجوب رفض التقية والتمسك بها إذا خيف على اساس الدين واحكامه ومحو آثاره التى جاهدت في تحكيم دعائمها المهاجرون الاولون والذين اتبعوهم باحسان (رضى الله عنهم و رضوا عنه) وافتدوا باموالهم وانفسهم في طريقها طلبا لمرضاة الله، فكيف يجوز التقية المستتبعة لهدمها والقضاء عليها، فهل يكون هذا الا تضادا ظاهرا وتحكما باتا؟! 2 - لا تجوز التقية في الدماء - إذا بلغت التقية الديم فالواجب رفضها وعدم الخوض فيها كما إذا امر الكافر أو الفاسق بقتل مؤمن ويعلم أو يظن انه لو تركه قتل نفسه فلا يجوز القتل تقية وحفظا للنفس، لان المؤمنين تتكافى دمائهم، وانما جعلت التقية لحقن الدماء وحفظ النفوس فإذا بلغت الدم فلا معنى لتشريعها، وكانت ناقضة للغرض، لان حفظ دم واحد لا يوجب جعل دم الاخر هدرا، ولا يجوز في حكمه الحكيم هذا. وقد صرح به في غير واحد من احاديث الباب: منها - ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في " الكافي " عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر الباقر (ع) قال انما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية (1).


1 - الحديث 1 من الباب 31 من ابواب الامر بالمعروف

[ 420 ]

ومنها - ما رواه الشيخ في " التهذيب " عن ابى حمزة الثمالى قال: قال أبو عبد الله (ع) لم تبق الارض الا وفيها عالم يعرف الحق من الباطل وقال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (1) * * * 3 - يحرم التقية في شرب الخمر، وشبهها - قد ورد في روايات مختلفة تحريم التقية في امور هامة منها شرب الخمر، والنبيذ، والمسح على الخفين ومتعة الحج فلنذكر ما ورد فيها ثم نبين وجهها. منها - ما رواه في " الكافي " عن ابى عمر الاعجمي عن ابى عبد الله - (ع) في حديث قال: والتقية في كل شئ الا في النبيذ والمسح على الخفين. (2) ومنها - ما رواه فيه ايضا عن زرارة قال: قلت له في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا اتقى فيهن احدا: شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج، قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن احدا. ولعل الوجه في حرمة التقية في هذه الامور ان موضوعات منتف فيها فانها شرعت لحفظ النفوس إذا كان هناك مظنة للخطر والضرر، ومن المعلوم انه لا يكون الا في الاعمال الخاصة التى لم يصرح به في كتاب الله أو السنة القطعية، فإذا كان هناك تصريح بها فهو عذر واضح لفاعلها وان خالف سيرة القوم وطريقتهم فيها.


1 - الحديث 2 من الباب 31 من ابواب الامر بالمعروف 2 - = 3 = = 25 = = 3 - = 5 = = 25 = =

[ 421 ]

فحرمة شرب المسكر، الخمر والنبيذ وشبههما مما صرح به كتاب الله، فلو خالفه احد واعتقد جواز شربها جهلا، أو تعنتا لا تجوز التقية منه فيها، لظهور الدليل ووضوح العذر وقيام الحجة فليس هناك مساغ للتقية ولا مجوز لها. وكذلك متعة الحج، فقد قال الله تبارك وتعالى " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى... ذلك لمن لم يكن اهله حاضرى المسجد الحرام " (1) وهو دليل على جواز التمتع أو وجوبها، وقد ورد في السنة النبوية ايضا الامر بها، وقد رواه الفريقان في كتبهم، بل ما نقل عن " عمر " في قوله متعتان كانتا محللتان على زمن النبي انا احرمهما، ايضا دليل على تشريع متعة الحج على لسان النبي صلى الله عليه وآله وفى عهده صلى الله عليه وآله. وهذا كاف في ترك التقى فيها لعدم الخوف بعد امكان الاستناد إلى القرآن والسنة الثابتة. وهكذا ترك المسح على الخفين والاقتصار على المسح على البشرة فانه ايضا موافق لظاهر كتاب الله أو صريحه فقد قال تعالى: وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين (2) ومن الواضح ان المسح بالرأس والرجل لا يكون الا بالمسح عليها نفسهما لا على القلنسوة أو الخف مثل، ومن عمل به انما عمل بكتاب الله ولا خوف له في ذلك في اجواء الاسلام وبين المسلمين، ولو خالف فيه من خالف


1 - البقره - 196 2 - المائدة - 6

[ 422 ]

وقد تحصل مما ذكرنا ان نفى التقية فيها انما هو من باب التخصص والخروج الموضوعي، لا من باب التخصيص والخروج الحكمى. واما احتمال كونها من باب التخصيص بان يكون المراد نفى جوازها، لو فرض هناك خوف وقوع النفس في الخطر وكان المقام بالغ الخطورة، نظرا إلى اهمية هذه الاحكام اعني حكم تحريم الخمر، ومشروعية متعة الحج، وعدم جواز المسح على الخفين، فهو ممنوع جدا. لان مثل المسح على البشرة أو متعة الحج ليس اهم من جميع الاحكام الاسلامية حتى ينفرد بهذا الاستثناء كما لا يخفى. بل الانصاف ان الروايات ناظرة إلى ما ذكرنا من عدم الحاجة و الضرورة غالبا إلى التقية في هذه الامور بعد وضوح مأخذها من كتاب الله والسنة القاطعة. فعلى هذا لو اغمضنا النظر عن هذه الغلبة وكان هناك ظروف خاصة لا يمكن فيها اظهار هذه الاحكام، لغلبة الجهل والعصبية على اهلها وكان المقام بالغ الخطورة، الخطر على النفوس أو الاموال والاعراض ذات الاهمية فلا ينبغى الشك في جواز التقية في هذه الامور ايضا. ارأيت لو كان هناك حاكم مخالف جائر يرى المسح على الخفين لازما أو يحرم متعة الحج ويقتل من لا يعتقد بذلك بلا تأمل، فهل يجوز ترك التقية فيها واستقبال الموت؟ كلا لا اظن ان يلتزم به احد، وكذلك المضار التى دون القتل مما يكون في مذاق الشارع اهم من رعاية هذه الاحكام في زمن محدود، لا يجب تحملها ورفض التقية فيها. ومما ذكرنا يظهر ان ما استنبطه " زرارة " في الرواية السابقة

[ 423 ]

من انه عليه السلام لم يقل الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن احدا بل قال لا اتقى فيهن احدا، وكانه حسب ذلك من مختصات الامام (ع) ممنوع ايضا. فان الحكم عام لكل احد بعد وضوح مأخذ هذه الاحكام في الكتاب والسنة، وعدم الاضطرار إلى التقية فيها، فاستنباط هذا في غير محله وان كان هو من فقهاء اهل البيت وامنائهم (ع) فان الجواد قد يكبو، والعصمة تخص بافراد معلومين عليهم آلاف الثناء والتحية. ويدل على ما ذكرنا ما رواه الصدوق في " الخصال " باسناده عن على (ع) في حديث الاربعمأة قال ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية. (1) فان ظاهره عدم جواز التقية فيها على احد، وكذلك ما مر سابقا من رواية ابى عمر الاعجمي عن الصادق (ع) والتقية في كل شئ الا في النبيذ والمسح على الخفين، فان ظاهره ايضا عموما الحكم لكل احد. ومما يؤيد ما ذكرنا من جواز التقية في هذه الامور ايضا إذا اضطر إليها ولو نادرا ما رواه الشيخ في " التهذيب " عن ابى الورد قال قلت لابي - جعفر (ع) ان ابا ظبيان حدثنى ان رأى عليا (ع) اراق الماء ثم مسح على الخفين فقال كذب أبو ظبيان اما بلغك قول على (ع) فيكم: سبق الكتاب الخفين فقلت هل فيهما رخصة؟ فقال لا الا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك. (2)


1 - الحديث 18 من الباب 38 من ابواب الوضوء من الجلد الاول من الوسائل. 2 - الحديث 5 من الباب 38 من ابواب الوضوء من المجلد الاول من الوسائل.

[ 424 ]

وفيها ايضا اشارة إلى ما ذكرنا من انه بعد ورود المسح على الرجلين في آية المائدة في الكتاب العزيز لم يجز لاحد المسح على الخفين. * * * 4 - لا تجوز التقية في غير الضرورة - قد صرح في غير واحد من الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام بانه لا تجوز التقية في غير الضرورة، ومعلوم ان ذلك ايضا ليس من قبيل الاستثناء من الحكم والتخصيص. بل من قبيل الخروج الموضوعي والاستثناء المنقطع، المسمى بالتخصص، فانه إذا لم يكن هناك ضرورة لم يكن هناك تقية. لاخذ الخوف في موضوعها كما عرفت في اول البحث عن هذه القاعدة. واليك بعض ما ورد في هذا الباب ايضا: منها - ما رواه الكليني عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: التقية في كل ضرورة وصاحبها اعلم بها حين نزل به. (1) منها - ما رواه الكليني ايضا في الكافي عن اسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى ومحمد بن مسلم وزرارة جميعا قالوا سمعنا ابا جعفر (ع) يقول: التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد احله الله له. (2) منها - ما رواه في " المحاسن " عن عمر بن يحيى عن ابى جعفر (ع) قال: التقية في كل ضرورة (3). والذى تجب الاشارة إليه هنا ان هذه الروايات الثلث المروية


1 - الحديث 1 من الباب 25 من ابواب الامر بمعروف 2 - = 2 = 25 = = 3 - = 8 = 25 = =

[ 425 ]

بطرق متعددة معتبرة كلها أو جلها، تدل على عموم التقية لجميع الضرورات ولكل ما يضطر إليه الانسان ويمكن الاعتماد عليها كما سيأتي الاستناد إليها في بعض الفروع الهامة المترتبة عليها، وان كنا في غنى عنها من بعض الجهات بالدليل العقلي وصريح الوجدان الدال على وجوب ترجيح الاهم على المهم عند الدوران، وبالعمومات الدالة على رفع ما اضطروا إليه، أو انه ما من شئ حرمه الله الا وقد احله لمن اضطر إليه. هذا ولكن سيأتي ان شاء الله انا لسنا في غنى منها من جميع الجهات لحل بعض المعضلات بها مما لا يمكن بغيرها (فتدبر)

[ 426 ]

حكم التقية في اظهار كلمة الكفر والبرائة التفق النص والفتوى على جواز التكلم بكلمة الكفر والبرائة باللسان مع حفظ الايمان بالقلب والجنان، عند الخطر على النفس والخوف، ولكن اختلفوا في ان الراجح ترك التقية هنا وتحمل الضرر ولو بلغ ما بلغ، أو ان الراجح فعل ما يندفع به الضرر والخطر. يظهر في ذلك اضطرابا في اخبار الباب والفتاوى في بدء النظر، ولكن سيأتي بعد ذكر الجميع والتكلم فيها ان الحق فيه التفصيل بحسب الازمان و الاشخاص والظروف، ولعله الطريق الوحيد للجمع بينها. ولنتكلم اولا في جواز ذلك (بالمعنى الاعم) ثم لنتكلم في الراجح منهما وفيما تمسك به اصحاب الائمة (ع) الاولون، المطيعون الصادرون بامرهم، الناصرون لهم بالايدي والالسن والقلوب الذين افتدوا بانفسهم في هذا السبيل ولم يظهروا كلمة البرائة والكفر ابدا. فنقول ومنه سبحانه نستمد التوفيق: يدل على الجواز اجمالا احاديث كثيرة:

[ 427 ]

1 - ما مر عند سرد الايات الدالة على جواز التقية في مظانها في تفسير قوله تعالى " الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " من فعل عمار، و ما روته العامة والخاصة في هذا المجال، من ان ابويه لم يظهرا كلمة الكفر فقتلا وان عمارا اظهر ونجى، ثم اتى رسول الله صلى الله عليه وآله باكيا فقال جمع من الصحابة: كفر عمار، ولكن جعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه ويقول له: ان عادوا لك فعدلهم بما قلت، فنزلت الاية " من كفر من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ". 2 - ما روته العامة والخاصة في كتبهم - وقد مر ذكره ايضا عند ذكر الايات ايضا - من حديث رجلين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله احدهما مسيلمة الكذاب فقال لاحدهما: اشهد انى رسول الله فشهد ونجا واما الاخر فقد ابى وقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله في حقهما: اما الاول فقد اخذ رخصة الله واما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له. وفى هذه الرواية وان لم يكن ذكر عن البرائة عن الرسول صلى الله عليه وآله ولكن الشهادة برسالة مسيلمة كانت من كلمة الكفر نفسه فيدل على الجواز في غيره بطريق اولى فتدبر. 3 - وفى معناهما ما رواه الكليني في " اصول الكافي " عن عبد الله بن عطا قال: قلت: لابي جعفر (ع) رجلان من اهل الكوفة اخذا فقيل لهما ابريا عن امير المؤمنين (ع) فبرى واحد منهما وابى الآخر فخلى سبيل الاول الذى برى وقتل الاخر فقال: اما الذى برى فرجل فقيه في دينه واما الذى لم يبرء فرجل تعجل إلى الجنة (1).


1 - الحديث 4 من الباب 29 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل.

[ 428 ]

وسنتكلم ان شاء الله في دلالتها على رجحان ترك التقية أو فعلها. 4 - ما رواه الكليني عن مسعدة بن صدقة قال: قلت لابي عبد الله (ع) ان الناس يروون ان عليا (ع) قال على منبر الكوفة ايها الناس انكم ستدعون إلى سبى فسبوني ثم تدعون إلى البرائة منى فلا تبروا منى. فقال ما اكثر ما يكذب الناس على على (ع) ثم قال: انما قال: انكم ستدعون إلى سبى فسبوني ثم تدعون إلى البرائة منى وانى لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله ولم يقل: ولا تبرأوا منى، فقال له السائل ارأيت ان اختار القتل دون البرائة، فقال: والله ما ذلك إليه، وماله الا ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث اكرهه اهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان منزل الله عزوجل " الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا عمار ان عادوا فعد، فقد انزل الله عذرك، وامرك ان تعود ان عادوا (1). وظاهر هذه الرواية في بدء النظر وجوب التقية هنا ايضا، ولكن بعد التأمل يظهر انها ناظرة إلى نفى الحرمة فقط - لا سيما بالنسبة إلى البرائة عن على (ع) والائمة من ولده عليهم السلام التى رووا حرمتها وان جاز السب، وسيأتى الكلام فيها عن قريب ان شاء الله. هذا مضافا إلى ان قوله (ع) " والله ما ذلك عليه " ونقله حديث عمار دليل على انه بصدد نفى الحرمة لا اثبات وجوب التقية هناك، ولذا كان فعل ابوى عمار ايضا جائزا كما يظهر من قصتهم. 5 - ما رواه محمد بن مسعود العياشي في تفسيره عن ابى بكر الحضرمي عن ابى عبد الله صلى الله عليه وآله في حديث انه قيل له: مد الرقاب احب اليكم ام البرائة


1 - الحديث 2 من الباب 29 من ابواب الامر بالمعروف..

[ 429 ]

من على (ع) فقال الرخصة احب إلى، اما سمعت قول الله عزوجل في عمار " الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " (1) وسيأتى ان دلالته على رجحان الرخصة معارض بغيره وطريق الجمع بينهما. 6 - ما رواه العياشي ايضا عن عبد الله بن عجلان عن ابى عبد الله (ع) قال سئلته وقلت له: ان الضحاك قد ظهر بالكوفة ويوشك ان ندعى إلى البرائة فكيف نصنع قال فابرء منه، قلت احب اليك؟ قال: ان تمضوا على ما مضى عليه عمار بن ياسر اخذ بمكة فقالوا له: ابرء من رسول الله صلى الله عليه وآله فبرء منه فانزل الله عزوجل عذره: " الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " (2) وظاهره ايضا وان كان الوجوب بادى الامر، الا ان الامر هنا في مورد توهم الخطر للروايات الدالة بظاهرها على المنع على البرائة، فلا يدل على الوجوب، ويؤيده استشهاده بقضية عمار الذى قتل ابواه ولم يظهرا كلمة الكفر ولم يقدح في امرهما رسول الله صلى الله عليه وآله فهو على كل حال دليل على مجرد الرخصة والجواز لا غير. 7 - ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن امير المؤمنين (ع) في احتجاجه على بعض اليونان (3) قال: " وآمرك ان تستعمل التقية في دينك فان الله عزوجل يقول: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله


1 - الحديث 12 من الباب 29 من ابواب الامر بالمعروف... 2 - = 13 = = 29 = = 3 - سيأتي معناه

[ 430 ]

في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة " وقد ادنت لكم في تفصيل اعدائنا ان الجأك الخوف إليه. وفى اظهار البرائة ان حملك الوجل عليه وفى ترك الصلوات المكتوبات ان خشيت على حشاشة نفسك الافات والعاهات، فان تفضيلك اعدائنا عند خوفك لا ينفعهم ولا بضرنا، وان اظهارك برائتك منا عند تقيتك لا يقدح فينا ولا ينقصنا، ولئن تبرء منا ساعة بلسانك وانت موال لنا بجنانك لتبقى على نفسك روحها التى بها قوامها ومالها الذى به قيامها، وجاهها الذى به تمسكها، وتصون من عرف بذلك اوليائنا واخواننا فان ذلك افضل من ان تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل في الدين، وصلاح اخوانك المؤمنين، واياك ثم اياك ان تترك التقية التى امرتك بها، فانك شائط بدمك ودماء اخوانك، معرض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذل لهم في ايدى اعداء دين الله، وقد امرك الله باعزازهم، فانك ان خالفت وصيتى كان ضررك على اخوانك ونفسك اشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا (1) قال الفيروز آبادى في القاموس " ويونان بالضم قرية ببعلبك، واخرى بين برذعة وييلقان ". ولعل هذا الحديث انما صدر منه (ع) ولم يخلص الشامات وضواحيها عن الشرك وسيطرة الروم بعد، فان التقية بترك الصلوة (المراد به ترك صلوة المختار، لا المضطر الذى يمكن اداها بمجرد الايماء والاشارة) لا يكون بين المسلمين بل يكون بين الكفار قطعا. ثم ان ظاهر قوله " فان ذلك افضل من ان تتعرض للهلاك الخ " وان كان ظاهرا في افضلية التقية من تركها في امثال المقام بادى الامر،


1 - الحديث 11 من الباب 29 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل

[ 431 ]

الا ان قوله بعد ذلك في ذيل الحديث " اياك ثم اياك الخ " وقوله " كان ضررك على اخوانك ونفسك اشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا " دليل واضح على وجوب التقية هنا وان " افعل التفضيل " هنا للتعين مثل واولى الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله، ومثل قوله في روايات يوم الشك " احب من ان يضرب عنقي ". فعلى هذا تتم دلالة الرواية على الوجوب، في موارد البرائة واظهار كلمة الكفر وغير هما، ولكن ارسالها يسقطها عن الحجية فان الطبرسي (رحمه الله) نقلها عن امير المؤمنين عليه السلام بدون ذكر السند، ونقلها في تفسير العسكري لا يجعلها حجة بعد الكلام المعروف حول التفسير المزبور (فتأمل). ولو تمت حجيتها سندا مع وضوحها دلالة اشكل العمل بها، بعد معارضتها بالروايات الكثيرة المستفيضة أو البالغة حد التواتر على جواز ترك التقية هنا، فلابد من حملها على التفصيل الاتى أو على بعض الظروف الخاصة. * * * هذا وقد يظهر من غير واحد من احاديث الباب التفصيل بين " السب " والبرائة بالجواز في الاول والمنع عن الثاني واليك بعض ما ورد في الباب. 1 - ما رواه الشيخ في " مجالسه " عن محمد بن ميمون عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عليهم السلام قال قال: امير المؤمنين (ع) ستدعون إلى سبى فسبوني وتدعوني إلى البرائة منى فمدوا الرقاب فانى على

[ 432 ]

الفطرة (1). وهذا صريح في التفصيل بين السب والبرائة بجواز التقية في الاول والمنع عن الثاني. 2 - ما رواه الشيخ عن على بن على اخى دعبل الخزاعى عن على بن موسى الرضا عن ابيه عن آبائه عن على بن ابى طالب عليهم السلام انه قال: انكم ستعرضون على سبى فان خفتم على انفسكم فسبوني، الا وانكم ستعرضون على البرائة منى فلا تفعلوا فانى على الفطرة (2). والحديث مثل سابقه في الدلالة على التفصيل وظاهره حرمة البرائة. 3 - ما رواه الرضى قدس سره في " نهج البلاغة " عن امير المؤمنين - (ع) انه قال: اما انه سيظهر عليكم بعدى رجل رحب البلعوم، مند حق البطن، يأكل ما يجدو يطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، الا وانه سيأمركم بسبي والبرائة منى فاما السب فسبوني فانه لى زكوة ولكم نجاة، واما البرائة فلا تبرأوا منى فانى ولدت على الفطرة، وسبقت بالايمان والهجرة (3). ويعارض هذه الروايات ما مر في رواية مسعدة بن صدقة (2 / 29)، ولكن الانصاف انه يمكن حمل هذه الروايات على ذاك الزمان العنود وفى تلك الافاق الكاسفة نورها الظاهرة غرورها، التى كان من الواجب كفاية - على الاقل - اظهار كلمة الحق والافتداء بالانفس لئلا تنمحي آثار


1 - الحديث 8 من الباب 29 من ابواب الامر بالمعروف من الوسائل 2 - = 9 = 29 = = 3 - = 10 = 29 = =

[ 433 ]

النبوة، لاجتماع اعداء اهل البيت على محو آثار الوصي (ع) بل النبي - صلى الله عليه وآله إذا قدروا عليه، فاجيز لهم بارتكاب الدرجات الخفيفه من المنكر تقية - وهى السب - ونهوا عن الشديدة وهى البرائة، ولو ابتلينا - لا سمح الله - بازمنة في مستقبل الايام وظروف تشبه زمن امير المؤمنين (ع) وما ارادوا من محو اثاره (ع) بعد شهادته كان القول بوجوب مد الاعناق (بعد ضرب اعناق الاعداء ونشر كلمة الحق وابطال الباطل) قويا فتدبر. فهذا طريق الجمع بين روايات الباب التى تدل اكثرها على الجواز وبعضها على الحرمة في خصوص البرائة، ولا يمكن تخصيصها في خصوص مورد البرائة، لصراحة بعضها في جوازها بالخصوص، أو جواز ما لا يتفاوت من البرائة فراجع. * * * واما الكلام في المقام الثاني اعني ترجيح احد الجانبين، ترك التقية في اظهار كلمة الكفر، وفعلها، فالذي ينبغى ان يقال فيه ان: الذى يظهر من رواية الحسن التى مرت سابقا الحاكية لفعل رجلين في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله الذى اخذهما مسيلمة الكذاب ان الراجح ترك التقية وان التارك لها صدع بالحق فهنيئا له، وان الاخذ بالتقية اخذ برخصة الله فحسب. وكذلك الروايات الثلث الناهية عن البرائة، الامرة بافتداء النفوس واستقبال المنية في هذا السبيل، فانها ايضا تدل على تقديم ترك التقية إذا جاوز الامر عن السب وانتهى إلى البرائة، وفى حكمها كلمات الكفر فتدبر.

[ 434 ]

هذا مضافا إلى عمل جمع من بطانة اهل البيت وخواص اصحاب على (ع) وغيره من الائمة الطاهرين (عليهم صلوات الله وسلامه)، مثل " حجر بن عدى " وستة أو عشرة اشخاص اخر من اصحاب على (ع) الذين قتلوا في " مرج عذراء " (1) ولم يتبرأوا ومثل " مثيم التمار " و " رشيد البحري " و " عبد الله بن عفيف الازدي، و عبد الله بن يقطر "، و " سعيد بن جبير "، وجمع ممن قتلوا دون الحسين عليه السلام. وترجمة كثير من هؤلاء نقلها الوافق والمخالف. فقد قال " الذهبي " في ترجمة " حجر " انه كان يكذب زياد بن ابيه على المنبر وحصبه (2) مرة فكتب فيه إلى معوية... فسيره زياد إلى معاوية وجاء الشهود شهدوا عند معاوية عليه وكان معه عشرون رجلا فهم معاوية بقتلهم واخرجوا إلى " عذراء " وقيل ان رسول معاوية جاء إليهم لما وصلوا إلى عذراء يعرض عليهم التوبة والبرائة من على (ع) فابى عن ذلك عشرة وتبرء عشرة... فقتلوا " (3) وفى محكى " اعلام الورى " قال: دخل معاوية على عايشة فقالت ما حملك على قتل اهل عذراء، حجر واصحابه، فقال يا ام المؤمنين انى رأيت قتلهم صلاحا للامة، وبقائهم فسادا للامة، فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) " عذراء " موضع قريب من الشام و " مرج " هو الارض الواسعة فيها نبت كثير ترعى فيها الدواب. (2) حصبه: رماه بالحصى (3) رواه العلامة المامقانى في المجلد الاول من رجاله في ترجمة حجر بن عدى.

[ 435 ]

قال سيقتل بعذراء اناس يغضب الله لهم واهل السماء! وقد ارخ قتلهم بسنة " 51 " أو (53) وقد تضمن " تاريخ ابن الاثير "، وكتاب " ابى الفرج الكبير " مالا مزيد عليه من ترجمته وكيفية قتله. (1) وعلى كل حال، هؤلاء أو كثير منهم كانوا من حملة علوم الائمة أو رسلا منهم إلى قومهم، فهم على كل حال من بطانة اهل البيت (ع) فهل كانوا جاهلين بمواقف احكام الشرع ووظائفهم تجاه الحوادث الواقعة فلو كان ترك التقية مرجوحا أو مساويا لفعلها كيف آثروها على غيرها. ويظهر من غير واحد من الاحاديث الواردة في ترجمة " ميثم التمار " و " عمرو بن الحمق الخزاعى " وامثالهما ان امير المؤمنين عليها (ع) اخبرهم بقتلهم في سبيله واثنى عليهم وبكى على بعضهم، وفى كل ذلك تحريض وتشويق لغيرهم على فعلهم، وهى ترك التقية ولو لم يكن راجحا لما صح ذلك. بل يظهر من غير واحد من الروايات ثناء سائر الائمة (ع) عليهم بما يظهر منه امضاء عملهم امضاء باتا. وقد ذكر في ترجمة عمرو بن الحمق الخزاعى ما قاله الحسين (ع) في كتابه إلى معاوية يجيبه عن كتابه إليه جوابا يظهر فيه سيئ افعاله وشرور اعماله باوضح البيان واشد الحجة، فقال في حق عمرو بن الحمق وحجر بن عدى واصحابه:


(1) رواه العلامة المامقانى في المجلد من رجاله في ترجمة حجر - بن عدى.

[ 436 ]

"... الست القاتل حجر بن عدى اخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ولا يخافون في الله لومة لائم ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت اعطيتهم الايمان المغلظة والمواثيق المؤكدة لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم... أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله العبد الصالح الذى ابلته العبادة فنحل جسمه واصفر لونه بعد ما آمنته واعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو اعطيته طائرا لنزل اليك من رأس الجبل ثم قتلته جرئة على ربك واستخفافا بذلك العهد. (1) بل يظهر مما روته عايشه في حق حجر واصحابه ان رسول الله صلى الله عليه وآله ايضا اسف عليهم وغضب لهم وعظمهم. كل ذلك دليل على رجحان فعلهم ورضا الرسول صلى الله عليه - وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام بعملهم، وكيف يصح ذلك مع كونه مرجوحا؟! ولكن قد عرفت ان الظاهر من غير واحد من روايات الباب رجحان الاخذ بالرخصة، والتقية في هذه الموارد مثل الرواية 4 من الباب 29 (2) الحاكية عن فعل الرجلين اخذا بالكوفة، ان الذى برى رجل فقيه في دينه، والرواية 2 من الباب 29 ورواية العياشي (12 من 29) ورواية اخرى عنه (13 من 29) ورواية الطبرسي في الاحتجاج (11 من 29) إلى غير ذلك مما قد يعثر عليه المتتبع. * * *


(1) ذاك المصدر بعينه. 2 - نقلناها في صفحة 425

[ 437 ]

طريق الجمع بين احاديث هذا الباب والانصاف ان اقرب طريق للجمع بينهما هو ما اشرنا إليه من التفصيل بحسب الازمان والاشخاص، فالذي هو علم للامة، ومقياس للدين، وبه يقتدى الناس ويعرف قربه من اهل البيت عليهم السلام، يرجح له استقبال الحتوف وتحمل المضار البالغة حد الشهادة في سبيل الله، بل قد يجب له إذا كان ترك ذلك ضررا على الدين ومفسدة للحق وتزلزلا في اركان الاسلام. ففى مثل عصر بنى امية، ولا سيما البرهة المظلمة التى كانت في زمن معاوية بعد شهادة امير المؤمنين عليه السلام وما شاكله، الذى اراد المشركون وبقية الاحزاب الجاهلية، واغصان الشجرة الخبيثة المعلونة في القرآن، ليطفؤا نور الله بافواههم ويابى الله الا ان يتم نوره، وجهدوا في اخفاء فضل اوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله لينقلب الناس على اعقابهم خاسرين. ففى مثل هذه الاعصار لم يكن بدا من رجال يقومون بالحق ويتركون التقية ويظهرون آيات الله وبيناته، ويصكون على جباه الباطل والظلم والطغيان. ولو لا مجاهدة هؤلاء باموالهم وانفسهم أو شك ان لا يبقى من الاسلام الا اسمه ولا من القرآن وصاحبه الذى لا يفارقه الا رسمه وذكره، فكانوا هم الحلقة الواسطة بين الجيل الماضي والجيل الاتى من المهاجرين والانصار و الذين اتبعوهم باحسان. ولولا جهاد امثال حجر، وميثم، وعمرو بن الحمق، و عبد الله بن غفيف

[ 438 ]

و عبد الله بن يقطر، وسعيد بن جبير، لاندرست آثار النبوة وآثار الائمة الطاهرين من اهل بيته (عليهم الاف السلام والتحية)، لغلبته الباطل على اجواء الحكومة الاسلامية وركوب رقاب الناس بالظلم والعدوان، وسيطرته على مراكز الدعوة - والناس على دين ملوكهم - قال المحقق شيخنا العلامة الانصاري ما لفظه: " والمكروه منها (من التقية) ما كان تركها وتحمل الضرر اولى من فعله كما ذكر ذلك بعضهم في اظهار كلمة الكفر وان الاولى تركها ممن يقتدى به الناس اعلاء لكلمة الاسلام " (انتهى). ولا يختص بتلك الاعصار بل كل زمان كان الامر فيه مثل عصر، الامويين واشباههم كان الحكم فيه هو الحكم فيه من دون أي تفاوت. واما في الاعصار المتأخرة كعصر الصادقين والرضا عليهم السلام وما ضاهاه الذى لم يكن الامر بتلك المثابة كان الاولى فيه ارتكاب التقية كما يظهر من كثير من احاديث الباب (الا في موارد تستثنى). فاذن لا يبقى تعارض بين الاحاديث المروية عن امير المؤمنين (ع) الامرة بترك التقية في العصر المتصل بزمانه الذى ظهر على الناس رجل رحب العلوم، إلى اخر ما ذكره من علائمه وآثاره كان الراجح أو الواجب ترك التقية، واليه يشير ما روى عنه (ع). اما في مثل اعصار الصادقين والاعصار المتأخرين عنها كانت الرخصة احب إليهم لعدم وجود حطر من هذه الناحية على الاسلام والمسلمين. ولكن لا ينافى عدم جواز ذلك في تلك الاعصار ايضا على بعض الاشخاص لخصوصيات فيهم. * * *

[ 439 ]

واما في زماننا هذا يتفاوت الحال بالنسبة إلى الاشخاص و الظروف والحالات وتجاه ما يحدث من الحوادث والهنات، فقد يجب أو يرجح ان يستن بسنة اصحاب امير المؤمنين وخواص بطانته (ع). واخرى يجب أو يرجح الاقتداء باصحاب الصادقين عليهما السلام ومن المأسوف عليه انى لم اجد اكابر المحققين من اصحابنا تعرضوا لهذه المسألة تعرضا واسعا، ولم يبينوها تبينا يؤدى حقها، بل مروا عليها عاجلا، راعيا جانب الاختصار، مع انها من الاهمية بمكان لا ينكر!. نسأل المولى سبحانه التوفيق لاداء ما هو الواجب علينا في زماننا هذا، وان يكشف لنا النقاب عن وجه معضلاتها، ويهدينا سبل الحق، وينتصف لنا من الاعداء ويظهرنا عليهم ويشفى صدور قوم مؤمنين (آمين يا رب العالمين). بعض ما تستحب فيها التقية وضابطتها بقى هنا شئ وهو انك قد عرفت انه من المظان التى يستحب فيها التقية، موارد العشرة مع العامة بالمعروف وقد عرفت دليله، وان كثيرا من الروايات الواردة في الباب 26، من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر من الجلد 11، من الوسائل لا سيما الرواية والرواية 2 و 4 من هذا الباب، والرواية 16 من 24، والروايات الكثيرة الواردة في ابواب الجماعة والدخول في جماعتهم تدل على ذلك. ولكن ذكر شيخنا العلامة الانصاري في كلام له: " واما المستحب من التقية فالظاهر وجوب الاقتصار فيه على مورد النص وقد ورد النص

[ 440 ]

بالحث على المعاشرة مع العامة وعيادة مرضاهم وتشييع جنايزهم والصلوة في مساجدهم والاذان لهم فلا يجوز التعدي عن ذلك إلى ما لم يرد النص من الافعال المخالفة للحق كذم بعض رؤساء الشيعة للتحبب إليهم " انتهى كلامه. ويرد عليه انه لا خصوصية في هذه الامور بعد التعليلات الواردة فيها لو ما يشبه التعليل، وبعد كونها داخلة في قاعدة " الاهم والمهم، والاخذ بالاهم من المصالح والمفاسد " كما لا يخفى. إلى هنا ينتهى كلامنا في حكم التقية بحسب التكليف فلنشرع في بيان حكمها الوضعي وصحة الاعمال المأتى بها تقية أو فسادها،

[ 441 ]

المقام الثاني حكم العبادات والاعمال الصادرة تقية هل يجوز الاكتفاء بالاعمال الصادرة على خلاف الواقع تقية ام لا؟ وقبل كل شئ لابد من بيان الاصل الاولى في المسألة كى يرجع إليه عند اعواز الدليل على احد الطرفين فنقول ومن الله التوفيق: الظاهر ان الاصل هنا هو الفساد إذا كان ادلة الجزئية والشرطية في الجزء أو الشرط الذى اخل به تقية مطلقة. توضيح ذلك: إذا عمل بالتقية في الاحكام كالصلوة متكتفا (أي قابضا لليد) أو الوضوء مع المسح على الخفين، أو في الموضوعات كالافطار في يوم الشك خوفا من سلطان جائر حكم بانه يوم عيد مع عدم ثبوته أو اليقين بانه من رمضان، فلا شك في انه اخل ببعض الاجزاء أو الشرائط أو بعض الموانع المعتبرة عدمها في صلوة المختار أو وضوئه أو صيامه. فلو كان دليل وجوب المسح على البشرة مثلا عاما شاملا لحالتي الاختيار والاضطرار، بحيث لم يختص وجوبه بالاول فقط، كان مقتضى الدليل الحكم بفساد مثل هذا الوضوء وكذا الصلوة التى تؤتى معه. فهو وان كان معذورا من جهة التقية من ترك الوضوء الواجب عليه الا ان معذوريته تكليفا لا تمنع عن فساد عمله، ولزوم الاعادة في الوقت أو القضاء خارجه، وضعا. الا ان يدل دليل على اجزاء هذا العمل وصحته، بحيث كان حاكما على

[ 442 ]

ادلة الجزئية والشرطية والمانعية. فالاصل الاولى في جميع هذه الاعمال هو الفساد ما لم يثبت خلافة. وهل يجوز التمسك بحديث الرفع لاثبات اصل ثانوى على الصحة لان المقام داخل في قوله صلى الله عليه وآله وما اكرهوا عليه وما اضطروا إليه " قد يقال انه كذلك وانه بناء على شمول الحديث للاحكام الوضعية ترتفع الجزئية وما شاكلها لصدق الاضطرار على موارد التقية بلا اشكال، بل صدق الاكراه عليها ايضا احيانا. ولكن الانصاف انه محل للايراد صغرى وكبرى: اما الصغرى فلان عنوان الاكراه غير صادق هنا مطلقا، لانه لابد فيه من توعيد وتخويف غير موجود في موارد التقية عادتا، لان المأخوذ في مفهومها هو الاختفاء، وهو لا يساعد الاكراه الذى يخالط العلم بالشئ. واما الاضطرار فهو مختص بالتقية الصادرة خوفا لا في امثال التقية التحبيبى، أو مثل تقية ابراهيم مقدمة لكسر الاصنام وايقاظ عبدتها عن نومتهم، بما هو مذكور في كتاب الله العزيز، وامثالها. فهذا الدليل لو تم لكان اخص من المدعى. واما الكبرى فهى متوقفة على شمول حديث الرفع للاثار الوضعية وعدم اختصاصه برفع المؤاخذة، مضافا إلى ان الجزئية والشرطية - كما ذكر في محله - ليستا من الاحكام الوضعية وكذا المانعية، بل هي انتزاعات عقلية عن الامر بالجزء والشرط وترك المانع فتدبر. والعجب من العلامة الانصاري قدس سره انه ذكر في رسالته هنا ان " الانصاف ظهور الرواية في رفع المؤاخذة " فاسقط دلالتها على المطلوب.

[ 443 ]

ولكن قال في " الفرائد " بعد ذكر الاحتمالات الثلث فيها، ان رفع المؤاخذة اظهر، نعم يظهر من بعض الاخبار الصحيحة عدم اختصاص الموضوع عن الامة بخصوص المؤاخذة ثم ذكر رواية المحاسن المعروفة، في الاكراه على الخلف بالاطلاق والعتاق وصدقة ما يملك فجعلها شاهدة على عدم اختصاص الحديث برفع خصوص المؤاخذة. اللهم الا ان يقال انه قد رجع عن عقيدته في الرسالة، والامر سهل. هذا ولكن ذكرنا في محله من اصل البرائة ان الرفع هنا مقابل الوضع وهو وضع الفعل على عاتق المكلف فكان الفعل الواجب أو ترك الحرام وضع على المكلف في عالم الاعتبار، وله ثقل، فالموضوع هو نفس الافعال أو التروك، لا التكليف من الوجوب أو الحرمة، بل التكليف هو نفس الوضع لا الموضوع، واما الموضوع عليه فهو المكلف (تدبر جيدا). فمتعلق الرفع ايضا الافعال الخارجية التى لها ثقل في عالم الاعتبار، فهو كناية عن نفى التكاليف كما ان الوضع كناية عن التكليف. والحاصل ان نائب الفاعل في رفع أو وضع عنه (لا وضع عليه الذى هو بمعنى التكليف) هو نفس الافعال، فرفعها كناية عن عدم التكليف بها، فعلى هذا يمكن ان يقال: ان المسح على البشرة إذا اضطر إلى تركه للتقية، بنفسها مرفوعة عن عاتق المكلف فليس مامورا به وكذا اشباهه فنفس الاجزاء والشرائط وترك الموانع داخله تحت حديث الرفع، ترتفع عن المكلف عند اضطراره إلى تركها، فلا مانع من شمول الحديث بنفسها لها ويكون حديث المحاسن

[ 444 ]

مويدا له. وتتمة الكلام في محله. ولكن قد عرفت ان حديث الرفع لو تم لم يشمل الا موراد الاضطرار من التقية لا جميع اقسامها على اختلافها. فتلخص مما ذكر ان شمول حديث الرفع لجميع موارد المسألة مشكل. هذا تمام الكلام في تأسيس الاصل في المسألة وقد تحصل منه ان الاصل الاولى هو الفساد الا ان يدل حديث الرفع أو دليل خاص من عمومات التقية وغيرها على الصحة. * * * هل هناك عموم أو اطلاق يدل على الاجزاء؟ لا ينبغى الشك في انه إذا امر الشارع المقدس باتيان عبادة على وفق التقية انه يوجب الاجزاء، كما إذا قال امسح على الخف عند التقية، أو صل متكتفا، أو شبه ذلك. وفى الحقيقة هذا داخل في المأمور به بالامر الاضطراري، نظير الصلوة مع الطهارة المائية، وقد حقق في محله ان الاوامر الاضطرارية تدل على الاجزاء بلا اشكال ولا يجب اعادتها بعدها. نعم، الكلام هنا فيما إذا كان التقية في بعض الوقت أو في تمام الوقت كالكلام هناك إذا كان الاضطرار (كفقدان الماء) في خصوص الوقت أو تمامه. فان كان هناك اطلاق يدل على جواز العمل بالتقية لو اضطر إليها،

[ 445 ]

ولو في بعض الوقت، اجزئه ولا تجب الاعادة في الوقت إذا ارتفع سبب التقية، واما لو لم يكن هناك عموم أو اطلاق كذلك، لم يجز الاكتفاء به بل لابد ان يكون العذر شاملا ومستوعبا لجميع الوقت، كما ذكر مثل ذلك كله في التميم وساير الابدال الاضطرارية. وعليه يبتنى جواز البدار في اول الوقت وعدمه، إذا كان مصاحبا للعذر في اوله مع رجاء زواله في آخره هذا كله إذا ورد الدليل على جواز العمل بالتقية في العبادة بعنوانها العام، أو في خصوص عبادة معينة كالصلوة مثلا، فانها - على كل حال - اخص من ادلة تلك العبادة أو كالاخص. واما إذا ورد الامر بها بعنوان غير عنوان العبادة بل بعنوان عام، كقوله: " التقية في كل ما يضطر إليه الانسان " فان ذلك لا يدل على الاجزاء، ولا يدخل تحت ادلة الاوامر الاضطرارية، فان غاية ما يستفاد من ذلك، جواز العمل على وفق التقية ولو استوجب ارتكاب ما هو محرم بالذات. فهو كالدليل الدال على " ان كل شى حرمه الله فقد احله لمن اضطر - إليه " فانه لا يدل على ازيد من الحكم التكليفى وجواز العمل عند الضرورة، ولا دلالة له على الحكم الوضعي من حيث الصحة والفساد. وللمحقق الاجل شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في المقام كلام لا يخلو عن نظر: قال في رسالته المعمولة في المسألة في ملحقات مكاسبه: " اللازم ملاحظة ادلة الاجزاء أو الشرائط المتعذرة لاجل التقية، فان اقتضت مدخليتها

[ 446 ]

مطلقا فاللازم الحكم بسقوط الامر عن المكلف حين تعذرها، ولو في تمام الوقت، كما لو تعذرت الصلوة في تمام الوقت الا مع الوضوء بالنبيذ - إلى ان قال - فهو كفاقد الطهورين. وان اقتضت مدخليتها في العبادة بشرط التمكن منها دخلت في مسألة اولى الاعذار في انه إذا استوعب العذر الوقت، لم يسقط الامر رأسا وان كان في جزء من الوقت، كان داخلا في مسألة جواز البدار لهم وعدمه ". (هذا محصل كلامه). والحق ان يقال: انه لابد من ملاحظة ادلة جواز التقية فان كانت ناظرة إلى العبادات كان حاكما عليها ولا يلاحظ النسبة بينهما كما عرفت، وكان كالاوامر الاضطرارية الواردة في اجزاء العبادات وشرائطها. وان لم تكن كذلك بل كانت دالة على جواز التقية مطلقا بعنوان الاضطرار فلا دلالة لها على الاجزاء، نعم لو كان في ادلة الاجزاء والشرائط قصورا بحيث كانت مختصة بحال الاختيار فقط كان العمل مجزيا لسقوط الجزء والشرط حينئذ واما لو كانت مطلقة - كما هو الغالب فيها - فلا وجه للاجزاء واذ قد تبين ذلك فلنرجع إلى اطلاقات ادلة التقية وملاحظة حالها وانها من أي القسمين، وكذلك الادلة الخاصة الواردة فيها وملاحظة حدودها وخصوصياتها. فنقول: يدل على الاجزاء روايات: 1 - ما رواه الكليني (قدس سره) في الكافي عن ابى عمر الاعجمي عن ابى عبد الله (ع) في حديث: والتقية في كل شئ الا في النبيذ والمسح

[ 447 ]

على الخفين (وقد نقلناه سابقا عن الوسائل الحديث 3 من الباب 25 من ابواب الامر بالمعروف). وهو دليل عام ناظر إلى العبادات ايضا بقرينة استثناء المسح على الخفين فانه اخراج ما لولاه لدخل، فهو شاهد على كون العام بعمومه ناظرا إلى الاعمال العبادية التى تصدر عن تقية ولكن في سند الحديث ضعف ظاهر لجهالة حال ابى عمر الاعجمي بل لم يعرف اسمه وكانهلا روايه للرجل الا في هذا الباب فقط. 2 ما رواه في الكافي ايضا بسند صحيح عن زرارة قال: قلت له في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا اتقى فيهن احدا شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج (الحديث 5 من الباب 25). فان مفهوما جواز التقية في غيرها من العبادات، وحيث ان اثنين منها من العبادات تدل على جريان التقية في غيرها مطلقا حتى العبادات فتكون ناظرة إليها ايضا فيثبت المقصود وهو تحصيل عموم يدل الامر بها حتى في العبادات يستكشف منه الاجزاء. وقد مر في باب التقية المحرمة معنى استثناء هذه الثلثة ومعنى استنباط زرارة من اختصاصه الثلثة به (ع) دون غيره، وانه في غير محله، ومخالف لغيره من الاحاديث فراجع هناك. 3 - ما عن الخصال باسناده عن على (ع) في حديث الاربعمأة قال: ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية (1).


(1) رواه في الوسائل في الجلد الاول الحديث 18 من الباب 38 من ابواب الوضوء.

[ 448 ]

ودلالته كسابقه من حيث المفهوم وغيره: 4 - ما روى في الجلد 8 من الوسائل من ابواب اقسام الحج عن درست الواسطي عن محمد بن فضل الهاشمي قال دخلت مع اخواني على ابى عبد الله (ع) فقلنا انا نريد الحج وبعضنا صرورة فقال: عليك بالتمتع ثم قال انا لا نتقى احدا بالتمتع بالعمرة إلى الحج واجتناب المسكر والمسح على الخفين معناه لا نمسح (1). وهو ايضا دليل أو مشعر بجواز التقية في غير هذه الثلث. 5 - ما رواه في الوسائل في المجلد 5 في الباب 56 من ابواب صلوة الجماعة عن سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلى فخرج الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلوة فريضة قال: ان كان اماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلها تطوعا وليدخل مع الامام في صلوته كما هو، وان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلى ركعة اخرى ويجلس قدر ما يقول اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله ثم ليتم صلوته معه على قدر ما استطاع فان التقية واسعة وليس شئ من التقية الا وصاحبها مأجور عليها ان شاء الله (2). وهذه من اقوى الروايات دلالة على جواز التقية في العبادات والا - كتفاء بها كما في الاوامر الاضطرارية مثل التيمم ونحوه. هذه الروايات الثلث يمكن استفادة حكم العبادات عنها بالخصوص واما ما يدل على عنوان عام يدخل العبادات تحته بعمومها واطلاقها فهو ايضا


1 الحديث 5 من الباب 3 من ابواب اقسام الحج 2 - = 2 = 56 = صلوة الجماعة

[ 449 ]

كثير منها: 6 - ما رواه ايضا في الكافي عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: التقية في كل ضرورة وصاحبها اعلم بها حين تنزل به (الحديث 1 من الباب 25). 7 - ما رواه ايضا في الكافي عن زرارة ومحمد بن مسلم وغير هما قالوا سمعنا ابا جعفر (ع) يقول: التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد احله الله له (الحديث 2 من الباب 25). 8 - ما رواه في المحاسن عن عمر بن يحيى بن سالم (أو معمر بن يحيى) عن ابى جعفر (ع) قال التقية في كل ضرورة (الحديث 8 من الباب 25). 9 - ما رواه عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (ع) في حديث قال: وكل شئ يعمله المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدى إلى الفساد في الدين فانه جائز (الحديث 6 من 25). دل هذه الروايات الاربع على ان التقية تجرى في كل ما يضطر إليه الانسان، وظاهرها وان كان الجواز من حيث الحكم التكليفى والجواز في مقابل الحرمة الموجودة في الشئ بعنوانه الاولى، الا ان عمومها يدل على جريانها في العبادات ايضا، لا سيما ان التقية فيها من اظهر مصاديقها ومن اشدها واكثرها ابتلاءا، والجواز التكليفى باتيان العبادة على وجه التقية لدفع ما يترتب على تركه من الضرر وان كان لا ينافى وجوب اعادتها في الوقت أو خارجه إذا ارتفع العذر، ولكن هذا امر يحتاج إلى البيان لغالب الناس والتوجيه إليه، وسكوت هذه العمومات وساير ادلة وجوب التقية

[ 450 ]

أو جوازها في مواردها، عن الاشارة إلى وجوب القضاء أو الاعادة مما يوجب الاطمينان بجواز الاكتفاء بما يؤتى تقية، ولو لم تكن العمومات السابقة. والحاصل ان هذه الروايات المطلقة والروايات السابقة - بعد معاضدة بعضها ببعض - تؤسس لنا اصلا عاما وهو جواز الاكتفاء بالعبادات التى يؤتى بها تقية في مواردها، كما في الاوامر الواقعية الاضطرارية. وهناك روايات اخر واردة في ابواب الصلوة أو غيرها تدل أو تشير إلى صحة العمل على وجه التقية في موردها بالخصوص. وفى مجموع هذه غنى وكفاية على ما نحن بصدده من صحة العبادات في حال التقية من غير حاجة إلى الاعادة والقضاء. وهناك مسألة مهمة تكون كالتتمة لهذه المسألة نفردها بالبحث لمزيد الاهتمام بها وهى حال الصلوة التى يؤتى بها تحبيبا وتوسلا إلى حفظ الوحدة مع المخالفين في المذهب وحكم الاكتفاء بها.

[ 451 ]

حكم الصلوة التى يؤتى خلف المخالف والمعاند في المذهب تحبيبا وحفظا للوحدة لا اشكال ولا كلام في جواز الصلوة خلف المخالف في المذهب عند الخوف وجواز الاعتداد بها، وهل يجب فيها ملاحظة عدم المندوحة وعدم امكان الصلوة في زمان أو مكان آخر، فيه كلام سيأتي ان شاء الله في تنبيهات التقية. انما الكلام في انه هل يجوز الصلوة خلفهم عند عدم الخوف ايضا بل من باب حسن العشرة معهم، والتحبب إليهم، كما هو كذلك في عصرنا هذا غالبا، لا سيما في مواسم الحج فان عدم الحضور في جماعتهم ليس مما يخاف منه على نفس أو مال أو عرض، ولكن الدخول معهم في صلوتهم اوفق بالاخوة الاسلامية واقرب إلى احسن العشرة. ظاهر طايفة كثيرة من الاخبار رجحان ذلك والندب إليه مؤكدا، بل لعلها متواترة في هذا المضمون. وهل ينوى الاقتداء بها أو ينوى منفردا ويقرء في نفسه مهما امكن

[ 452 ]

ويأتى بما يأتي به المنفرد ولكن ياتي بالافعال معهم للغايات المذكورة، ثم لو قلنا ينوى الاقتداء فهل يعتد بتلك الصلوة أو يصلى صلوة اخرى قبلها أو بعدها على وفق مذهبه. ولو قلنا انه لا ينوى الاقتداء بل يصلى صلوة المنفرد فهل يعتد بها إذا اخل ببعض الاجزاء أو الشرائط حفظا لظاهر الجماعة أو يختص الاعتداد بها بما كان حافظا لجميع الاجزاء والشرايط؟ لابد لنا قبل كل شئ من ذكر الاخبار الواردة في المسألة المتفرقة في ابواب الجماعة، ثم استكشاف الحق في جميع ذلك منها. وهى روايات: 1 - ما رواه الصدوق في الفقيه عن زيد الشحام عن الصادق (ع) قال يا زيد خالقوا الناس باخلاقهم صلوا في مساجدهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنايزهم وان استطعتم ان تكونوا الائمة والمؤذنين فافعلوا، فانكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفرا ما كان احسن ما يؤدب اصحابه وإذا تركتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية فعل الله بجعفر، ما كان اسوء ما يؤدب اصحابه (1). لا شك ان المراد بالصلوة في مساجدهم الصلوة معهم وبجماعتهم لا الصلوة منفردا في المساجد التى يجتمعون فيها، واما دلالتها على جواز الاعتداد بتلك الصلوة فليس الا بالاطلاق المقامى، ولكن يمكن عدم كونها بصدد البيان من هذه الجهة. 2 - ما رواه الصدوق ايضا عن حماد عن ابى عبد الله (ع) انه قال:


1 - الحديث من الباب 75 من ابواب الجماعة من الوسائل (ج 5).

[ 453 ]

من صلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله في الصف الاول (1). 3 - ما عن الكافي عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال من صلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله - عليه وآله (2). 4 - ما رواه الشيخ في التهذيب عن اسحاق بن عمار قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: يا اسحاق اتصلى معهم في المسجد؟ قلت: نعم قال: صل معهم فان المصلى معهم في الصف الاول كالشاهر سيفه في سبيل الله (3). وظاهر هذه الاحاديث الثلث المتقارب مضمونها رجحان الصلوة معهم مع نية الاقتداء بهم، كما ان ظاهرها جواز الاكتفاء بها وعدم وجوب اعادتها الا ان يدل عليه دليل من الخارج. والحاصل انا لو خلينا وهذه الروايات حكمنا بجواز الدخول معهم في صلوتهم ونية الاقتداء بهم والاعتداد بتلك الصلوة مهما كانت مخالفة لما عليه مذهبنا، وكان وجه التشبيه بالصلوة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله من حيث اثرها في عز المسلمين وشوكتهم وقص ظهور الاعداء ولذا شبه بمن يشهر سيفه في سبيل الله. الا انه قد يدعى مخالفة امثال هذه الظهورات لما عليه الطائفة كما


1 - الحديث 1 من الباب 5 من ابواب صلوة الجماعة من الوسائل 2 - = 4 = 5 = = = = 3 - = 7 = 5 = = = =

[ 454 ]

ستعرف دعواه فيما سيمر عليك ان شاء الله من كلام " الحدائق ". 5 - ما رواه في " المحاسن " عن عبد الله بن سنان قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: اوصيكم بتقوى الله عزوجل ولا تحملوا الناس على اكتافكم فتذلوا، ان الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: وقولوا للناس حسنا، ثم قال: عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلوا معهم في مساجدهم (1). 6 - ما رواه على بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر (ع) قال: صلى حسن وحسين خلف مروان ونحن نصلى معهم! (2) 7 - ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن سماعة قال: سألته عن مناكحتهم والصلوة خلفهم، فقال: هذا امر شديد لم تستطيعوا ذلك قد انكح رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى على (ع) وارئهم. وهذه الروايات الثلث ايضا ظاهرة في جواز الصلوة معهم تحبيبا وحفظا لوحدة الامة أو شبه ذلك (نعم يمكن ان يكون رواية على بن جعفر ناظرا إلى حال الخوف على النفس وشبهه) كما ان ظاهرها نية الاقتداء والاعتداد بتلك الصلوة وعطف الصلوة على النكاح دليل آخر على ان المراد الاتيان بالصلوة الواجبة الواقعية معهم والاكتفاء به. كما ان قوله (ع) هذا امر شديد لم تستطيعوا ذلك ايضا ناظر إلى هذا المعنى إذ لو كان المراد اتيان الصلوة منفردا في نفسه واظهار كونها جماعة مع عدم القصد إليها، أو الاتيان بها واعادتها بعد ذلك أو فعلها


1 - الحديث 8 من الباب 5 من ابواب صلوة الجماعة. 2 - = 8 = 5 = =

[ 455 ]

قبلها، لم يكن امر شديدا لا يستطيعون، بل هما من الامور السهلة التى يستطيع عليها كل واحد. 8 - ما رواه الصدوق مرسلا قال: قال الصادق (ع) إذا صليت معهم غفر لك بعدد من خالفك (1). ودلالتها على اصل الجواز كغيرها ظاهرة، الا ان اطلاقها من حيث الاكتفاء بها وكونها بصدد البيان من هذه الجهة قابل للتأمل والكلام. إلى غير ذلك مما يطلع عليه الخبير المتتبع. هذا ويظهر من غير واحد من الروايات الواردة في الباب 6 من ابواب الجماعة انه لا يحتسب بتلك الصلوة بل يصلى قبلها أو بعدها فتكون الصلوة الفريضة ما يصلى قبلها أو بعدها وتكون الصلوة معهم مستحبا أو واجبا للتقية تحبيبا أو خوفا واليك بعض هذه الروايات: (1) ما رواه الصدوق في " الفقيه " عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: ما منكم احد يصلى صلوة فريضة في وقتها ثم يصلى معهم صلوة تقية وهو متوضأ الا كتب الله له بها خمسا وعشرين درجة فارغبوا في ذلك (2). ولو كان الاقتداء بهم جائزا لم يكن وجه في الترغيب إلى الصلوة فرادى قبل ذلك في بيته، فهذا الترغيب دليل على عدم جواز الاعتداد بتلك الصلوة. اللهم الا ان يقال ان هذا النحو من الجمع مندوب إليه ولا دلالة في الحديث على وجوبه، فلا ينافى جواز الاقتداء بهم في صلوتهم


1 - الحديث 2 من الباب 5 من ابواب صلوة الجماعة 2 - = 1 = = 6 = =

[ 456 ]

ولو تحبيبا لهم، ولكن هذا الحمل لا يخلو عن بعد فتأمل. 2 - وما رواه ايضا عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) انه قال ما من عبد يصلى في الوقت ويفرغ ثم يأتيهم ويصلى معهم وهو على وضوء الا كتب الله لهم خمسا وعشرين درجة (1). 3 - وما رواه هو ايضا عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) انه قال ايضا ان على بابى مسجدا يكون فيه قوم مخالفون معاندون وهم يمسون في الصلوة فانا اصلى العصر ثم اخرج فاصلي معهم، فقال اما تحب ان تحسب لك باربع وعشرين صلوة (2). 4 - ما رواه الشيخ عن نشيط بن صالح عن ابى الحسن الاول (ع) قال: قلت له الرجل منا يصلى صلوته في جوف بيته مغلقا عليه بابه ثم يخرج فيصلى مع جيرته تكون صلوته تلك وحده في بيته جماعة؟ فقال الذى يصلى في بيته يضاعف الله له ضعفى اجر الجماعة، تكون له خمسين درجة، والذى يصلى مع جيرته يكتب له اجر من صلى خلف رسول الله - صلى الله عليه وآله ويدخل معهم في صلوتهم فيخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتهم (3). والذى يظهر بالتأمل فيها انه اراد بما اجابه امضاء فعل السائل بفعل الصلوتين وانه يوجر اجران على كل واحد، فلو كان الاعتداد بصلوة المخالف أو المعاند جائزا لم يحتج إلى مثل ذلك ولا سيما انه كان في شدة


1 - الحديث 2 من الباب 6 من ابواب الجماعة 2 - = 3 = 6 = = 3 - = 6 = 6 = =

[ 457 ]

حتى اغلق عليه بابه عند الصلوة وحده فتدبر. ويمكن ان يكون المراد جواز الاعتداد بكل من الصلوتين وان الاول له ضعف اجر الجماعة وان ثواب الثاني ثواب من صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله. إلى غير ذلك مما يدل على هذا المعنى. هذا مضافا إلى الروايات الكثيرة الدالة على عدم جواز الصلوة خلف المخالف والمعاند وغير هما الواردة في الباب 10 و 11 و 12 فلعل الجمع بين مجموع هذه الروايات والطائفة الاولى الدالة باطلاقها على جواز الاقتداء معهم والدخول في جماعتهم هو الحمل على ما إذا صلى صلوته قبله أو بعده إذا قدر عليه ولم يكن هناك خوف. وبالجملة القول بجواز الاكتفاء بتلك الصلوة إذا صلاها معهم تحبيبا ولم يكن هناك تقية من غير هذه الناحية مشكل، وان كان ظاهر اطلاق الطائفة الاولى من الروايات ذلك. هذا ولكن لا شك في جواز الدخول معهم في صلوتهم على ما يدل عليه الطائفة الاولى وغيرها فما يظهر من بعض احاديث الباب من عدم الاقتداء معهم وارائتهم كانه يصلى معهم ولا يصلى، لابد من حملها على ما لا ينافى ذلك فراجع وتدبر. ثم انه لا يخفى ان جميع ما ذكرنا انما هو في التقية بعنوان التحبيب أو حفظ الوحدة، اما التقية خوفا فلا اشكال في الاكتفاء بما يؤتى معهما، وهل يعتبر فيها عدم المندوحة يعنى عدم امكان الصلوة صحيحة تامة في غير ذاك الوقت أو غير ذاك المكان فيه كلام يأتي ان شاء الله في تنبيهات المسألة.

[ 459 ]

تنبيهات بقى هنا مسائل هامة ترتبط بالتقية أو تلحق بها نذكرها طى تنبيهات 1 - هل تختص التقية بما يكون عن المخالف في المذهب لا شك في ان اكثر روايات الباب ناظرة إلى حكم التقية عن المخالفين وقد يوجب هذا توهم اختصاص حكمها بهم فقط ولا تجرى في غيرهم. قال العلامة الانصاري في رسالته المعمولة في المسألة ما هذا نصه: " ويشترط في الاول (يعنى الادلة الدالة على اذن الشارع بالتقية) ان يكون التقية من مذهب المخالفين لانه المتيقن من الادلة الواردة في الاذن في العبادات على وجه التقية لان المتبادر من التقية التقية من مذهب المخالفين فلا يجرى في التقية عن الكفار أو ظلمة الشيعة. لكن في رواية مسعدة بن صدقة الاتية ما يظهر منه عموم الحكم لغير المخالفين مع كفاية عمومات التقية في ذلك ". واشار بقوله " في رواية مسعدة بن صدقة الاتية " إلى ما رواه عن ابى - عبد الله (ع) في تفسير ما يتقى فيه " ان يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم

[ 460 ]

على غير حكم الحق وفعله فكل شئ يعلمه المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدى إلى الفساد في الدين فهو جائز " (1). اقول - لا ينبغى الشك في عدم اختصاص التقية لغة ولا اصطلاحا ولا دليلا بخصوص ما كان في قبال المخالفين في المذهب من العامة، لما قد عرفت من انها هي اخفاء العقيدة أو عمل دينى لما في اظهاره من الضرر، وان ملاكها في الاصل قاعدة الاهم والمهم وترجيح المحذور الاخف لدفع محذور الاهم، وانها قاعدة عقلية تشهد به جميع العقلاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، ولو انكره بعض باللسان لبعض الدواعى فهو مؤمن به بالجنان ويظهر في اعماله واحواله عند اضطراره إليه. ومن الواضح انه ليس في شئ من ذلك اختصاص بالمخالفين، بل لا فرق في ذلك بينهم وبين الكافرين أو ظلمة الشيعة، بل ما يبتلى به كثير من الناس ولا سيما الضعفاء في قبال ظلمة الشيعة اكثر واهم مما يبتلى به تجاه غير هم، وان لم يكن ذلك في العبادات بل كان في غيرها. هذا مضافا إلى ورود كثير من روايات الباب بل بعض الايات من الذكر الحكيم في التقية من الكافرين واشباههم مثل ما ورد في ابراهيم عليه السلام وتقيته من قومه، وتقية مؤمن آل فرعون، وما ورد في تقية عمار ياسر من مشركي مكة وغير واحد من المسلمين الاولين منهم ايضا. وما ورد في حق رجلين اخذهما مسيلمة الكذاب واجبرهما على الشهادة بنبوته فاظهر واحد الكفر ونجى ولم يظهر الاخر فقبل فبلغ الخبر النبي صلى الله عليه وآله فاستصوب فعل كل واحد لما فيه من مصلحة خاصة.


1 - الحديث 6 من الباب 25 من ابواب الامر بالمعروف..

[ 461 ]

وقد مر جميع هذه الروايات والايات في اوائل البحث في القاعدة فراجع. بل لفظ التقية، أو التقاة المذكورة في كتاب الله في مورد واحد فقط انما هي في قبال المشركين فاذن لا يبقى شك في عموم الحكم ولا نحتاج إلى خصوص رواية مسعدة بن صدقه أو اطلاقات الباب وعموماتها. فاذن لا يبقى شك في عمومية الحكم للكفار وظلمة الشيعة بل قد مر انه قد يتقى منهم في عصرنا هذا بما لا يتقى من اهل السنة. ومنه يظهر ايضا انه لا فرق في ذلك بين ان يكون ذلك مذهبا منهم اولا، مثلا ترك حج التمتع ليس مذهبا لجميع فرق العامة وكذا التكليف في الصلوة وقد يجوز علمائهم تركهما، ولكن قد يكون هناك بعض العوام لا يرخصون ذلك ويرون فيه " رفضا "! في عقيدتهم، بل قد يكون هناك عادة خاصة دينية عندهم يراها العوام لازمة أو دليلا على العقيدة بمذهبهم، مما لا يمكن مراعاتها الا بترك بعض الواجبات أو تغيير فيها أو فعل بعض المحرمات فلا شك ان كل ذلك جائز عند الاضطرار إليها من باب التقية وطبقا لادلتها.

[ 462 ]

2 - هل التقية تجرى في الاحكام والموضوعات معا؟ لا اشكال في جريان احكام التقية في الاحكام، كالمسح على الخفين أو التكتف (القبض على إليه) في الصلوة أو غير ذلك مما لا يحصى. انما الكلام في جريانها في الموضوعات كالحكم بهلال شوال أو ذى الحجة بالنسبة إلى الصيام والحج، وكثيرا ما يتفق ذلك من ان حاكمهم يحكم بهلال شوال أو ذى الحجة فيفطرون الصيام ويحجون البيت، وهناك اناس من اصحابنا لو لم يتبعوهم في هذا الحكم يتحملون منهم اشد المشاق، فهل يجوز متابعتهم في تشخيص هذه الموضوعات والعمل معهم وان لم يثبت هذه الموضوعات عندنا بطرق صحيحة أو ثبت خلافها احيانا، وهل تجرى هناك ادلة التقية ام لا؟ لا شك ان موضوعات احكام الشرع التى نتكلم فيها على قسمين: قسم يكون من الموضوعات الشرعية التى يكون بيانها بيد الشارع

[ 463 ]

المقدس كوقت المغرب وانه استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية. وقسم يكون من الموضوعات الخارجية المحضة كالهلال ورؤيته. لا اشكال في القسم الاول لانه يعود بالاخرة إلى اختلاف في الحكم. واما القسم الثاني الذى هو محل الكلام فعلا فهو ايضا على اقسام: تارة نعلم خطائهم فيها، واخرى نشك، ومنشاء الخطاء قد يكون في كشف الواقع بطرقها الخارجية المعمولة، واخرى في اعمال طريق شرعى معتبر عندهم باطل عندنا كالركون إلى بعض الشهود من غير الفحص عن حالهم، لعدم وجوبه عندهم مع وجوبه عندنا. لا ينبغى الاشكال في القسم الاخير ايضا لانه ايضا راجع إلى التقية في الاحكام وجوازها لعله مما لا كلام فيه فتدبر. يبقى الكلام في الموضوعات الخارجية المحضة سواء علمنا بخطائهم فيها أو شككنا ولم يثبت عندنا. والكلام هنا ايضا تارة يكون من حيث الحكم التكليفى واخرى من حيث الحكم الوضعي: اما من ناحية الحكم التكليفى فلا اشكال في جواز العمل مثلهم عند الضرورة واجتماع شرايط التقية وسيأتى ان بعض الائمة عليهم السلام بانفسهم وقعوا في الضرورة من هذه الناحية احيانا وعملوا بالتقية كافطار الصادق (ع) صوم آخر يوم من رمضان (أو يوم شك) خوفا من منصور عند حكمه بشوال لما كان في مخالفة الجبار العنود من الخوف على النفس

[ 464 ]

النفيس المقدسة، كما ورد في بعض الروايات وسيأتى الاشارة إليه ان شاء الله عن قريب. ويجرى هنا جميع ما دل على جواز التقية عند الضرورة، ودليل العقل. انما الكلام في الناحية الثانية وهى صحة العمل إذا اتى به في غير محله تقية منهم، واجزائه عن الواقع الصحيح. فهل تشمله الاطلاقات السابقة الدالة على الاجتزاء بالعمل مثل قوله (ع) في رواية ابى عمر الاعجمي والتقية في كل شئ الا في النبيذ والمسح على الخفين (1). وظاهره صحة العبادات التى يؤتى بها على وفق التقية، الا في الموارد المستثناة التى مر الكلام فيها. وكذا قوله في رواية زرارة ثلثة لا اتقى فيهن احدا شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج (2). وهكذا الرواية 18 من الباب 38 من ابواب الوضوء. والرواية 5 من الباب 3 من اقسام الحج. نعم ظاهر قوله (ع) في حديثه مع منصور لان افطر يوما واقضيه احب إلى من ان يضرب عنقي دليل على عدم الاجزاء بذاك الصوم ولزوم قضائه ولكن سيأتي ان شاء الله في ذيل البحث وجهه، بحيث لا يبقى شك من هذه الناحية.


1 - الحديث 3 من الباب 25 من ابواب الامر بالمعروف 2 - الحديث 5 من الباب 25 من ابواب الامر بالمعروف

[ 465 ]

وعلى كل حال الانصاف ان الاطلاقات بانفسها، أو لا اقل بالغاء الخصوصية عن موارد الاحكام وتنقيح المناط فيها، يشمل ما نحن فيه فالعمل على طبق موازين التقية هنا مجز ورافع للتكليف، لا سيما بالنسبة إلى الحج وثبوت الهلال فيه الذى يمكن القول باستقرار السيرة فيها في جميع الاعصار. قال الفقيه المحقق النابه صاحب الجواهر في كلام في كتاب الحج ما نصه: " بقى هنا شئ مهم تشتد الحاجة إليه وكانه اولى من ذلك كله بالذكر وهو انه لو قامت البينة عند قاضى العامة وحكم بالهلال على وجه يكون التروية عندنا عرفة عندهم، فهل يصح للامامي الوقوف معهم ويجزى لانه من احكام التقية ويعسر التكليف بغيره، أو لا يجزى لعدم ثبوتها في الموضوع الذى محل الفرض منه، كما يؤمى إليه وجوب القضاء في حكمهم بالعيد في شهر رمضان الذى دلت على النصوص التى منها " لان افطر يوما ثم اقضيه احب إلى من ان يضرب عنقي ". لم اجد لهم كلاما في ذلك ولا يبعد القول بالاجزاء هنا الحاقا له بالحكم، للحرج، واحتمال مثله في القضاء وقد عثرت على الحكم بذلك منسوبا للعلامة الطباطبائى، ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغى تركه والله العالم " انتهى كلامه قدس سره الشريف (1). وكلامه وان كان متينا من حيث النتيجة ولكن فيه مواقع للنظر. منها - انه لا وجه لقياس مسألة القضاء عند حكمهم بالعيد في


(1) الجواهر ج 19 ص 32.

[ 466 ]

شهر رمضان ب‍ مسألة الوقوف أو سائر المناسك في الحج كما سنتلو عليك منه ذكرا. ومنها - ان مجرد الحرج لا يدل على الصحة وتمامية العمل بل غاية ما يدل عليه هنا هو الجواز التكليفى وعدم الحرمة كما لا يخفى. ومنها - ان قوله " احتمال مثله في القضاء " مدفوع بان مجرد احتمال تحقق الخلاف في ثبوت الهلال في السنين الاتية لا يوجب سقوط التكليف بالحج الذى هو في ذمته. والانصاف انه لا ينبغى الاشكال في اصل المسألة والمستند هو عمومات ادلة التقية الظاهرة في الاجزاء في العبادات وغيرها بالشرح الذى عرفته، ولا سيما في مثل الحج الذى استقر سيرة الاصحاب خلفا عن سلف على العمل بحكمهم بالهلال مهما كان من غير نكير، ولم يسمع منهم وجوب الاعادة أو تغيير الوقوفات، بل لم يتعرضوا في كتبهم الفقهية كما عرفت الاشارة إليه في كلام الجواهر. وما قد يترائى من بعض الاعلام واتباعهم من المعاصرين أو ممن قارب عصرنا بالاحتياط في بعض السنين الذى وقع الاختلاف فيها في رؤية الهلال، فالظاهر انه امر مستحدث لم يسمع به من قبل، ان هذا الا اختلاق! بقى هنا شئ وهو انهم ذكروا مسألة الاكراه في افطار الصيام وحكم الاكثرون فيها بالصحة وحكى عن الشيخ قدس سره الفساد، ومما ايد به القول

[ 467 ]

بالفساد ووجوب القضاء انه تجب القضاء في الافطار تقية وهى من مصاديق الاكراه. قال شيخنا الاجل في الجواهر عند ذكر الاكراه في افطار الصيام بعد ما عرفت من الاقوال وبعد التصريح بعدم الخلاف في الصحة في خصوص ما إذا وجر في حلق الصائم شئ ما نصه: الاولى الاستدلال (على الفساد ووجوب القضاء في الاكراه) بما دل على حكم اليوم الذى يفطر للتقية إذ هو في معنى الاكراه كمرسل رفاعة عن الصادق (ع) انه قال: دخلت على ابن العباس بالحيرة فقال: يا ابا - عبد الله (ع) ما تقول في الصيام اليوم فقلت ذلك إلى الامام ان صمت صمنا وان افطرت افطرنا فقال يا غلام على بالمائدة فاكلت معه وانا اعلم والله انه من شهر رمضان، فكان افطارى يوما وقضائه ايسر على من ان يضرب عنقي ولا ا عبد الله " وفى آخر " افطر يوما من شهر رمضان احب إلى من ان يضرب عنقي " حيث اطلق عليه اسم الافطار (1). وذكر في اواخر كلامه في المسألة امكان الفرق بين مسئلتي الاكراه والتقية وتضعيف خبر القضاء فيها بالارسال وتخصيص دليل القضاء بالاكراه، ثم رجع منه وذكر ان الاحوط سلك الجميع في مسلك واحد للشك في شمول اطلاقات ادلة التقية لمثل ذلك الذى مرجعه في الحقيقة إلى الموضوع مصداقا أو مفهوما لا إلى الحكم. والانصاف ان الروايات الواردة في هذا الباب التى رواها في الوسائل في الباب 57 من ابواب ما يمسك الصائم، منه ما لا يدل على شئ


(1) الجواهر ج 16 ص 258.

[ 468 ]

مثل ما رواه الصدوق قدس سره عن عيسى بن ابى منصور انه قال: كنت عند ابى عبد الله عليه السلام في اليوم الذى يشك فيه فقال: يا غلام اذهب فانظر اصام السلطان ام لا فذهب ثم عاد فقال لا فدعا بالغداء فتغدينا معه (1). فان غاية ما يدل عليه هو جواز الافطار واما القضاء فهو ساكت عنه بالمرة. وهكذا الرواية الثانية والثالثة والسادسة من هذا الباب. وما يدل على فساد الصوم وان جاز الافطار، ولازمه القضاء كما هو ظاهر، مثل رواية ابى العباس التى مر ذكرها في كلام الجواهر وهى الرواية الرابعة من هذا الباب وكذلك الخامسة منها وفى ذيلها فكان افطارى يوما وقضائه ايسر على من ان يضرب عنقي ولا يعبد الله. ولكنهما ضعيفا السند بالارسال. ويستشم ذلك من الرواية الثامنة فراجع. وقد يتوهم من بعضها صحة الصوم وهى الرواية السابعة منها التى رواها الشيخ عن ابى الجارود قال سألت ابا جعفر (ع) ان شككنا سنة في عام من تلك الاعوام في الاضحى فلما دخلت على ابى جعفر عليه السلام وكان بعض اصحابنا يضحى فقال الفطر يوم يفطر الناس والاضحى يوم يضحى الناس والصوم يوم يصوم الناس. بدعوى ان ظاهرها كون ذلك اليوم الذى يفطر فيه الناس يوم فطر حقيقة وإذا كان كذلك لم يجب قضائه قطعا، ولكن حملها على هذا المعنى بعيدا جدا والاظهر انها تدل على حكم ظاهري في المسألة الذى لا اشكال


1 - الحديث 1 من الباب 57.

[ 469 ]

فيه وهو جواز الافطار من باب التقية، واما اجزائه عن القضاء فهو ما ليس بصدد بيانه، ولو فرض له ظهر وفى ذلك فهو لا يقاوم ما مضى وما يأتي من سائر الادلة الدالة على الفساد. والذى لابد من ذكره في المقام ان اطلاقات الاجزاء في التقية و العبادات التى يؤتى على طبقها لا قصور لها في شمول الموضوعات، فكما تكون دليلا على صحتها في الاحكام كذلك تدل على صحتها في الموضوعات كما في مناسك الحج ووقوفاته. ولكن تختص مسألة الافطار في الصيام بخصوصية وهى ان البحث عن اجزاء الاعمال الصادرة عن تقية انما هو في الموارد التى يكون هناك عمل عبادي ولكن اتى به على وجه التقية وعلى وفق مذهب المخالفين، اما إذا ترك العمل، لاقتضاء مذهبهم تركه فلا وجه لسقوط القضاء عن المكلف. وان شئت قلت: الاعمال الصادرة عن تقية ابدال اضطرارية عن التكاليف الواقعية كالصلوة مع التيمم التى تكون بدلا عن الصلوة مع الوضوء، واقتضائها الاجزاء ليس الا من هذه الناحية، ومن الواضح ان ترك العمل كالافطار استنادا إلى عدم وجوبه لا يمكن ان يكون بدلا عن الواجب فلا يسقط الواجب به كما لا يخفى. ويشبه هذا من بعض الجهات ما ذكره في باب اصالة الصحة وانها لا تجرى الا فيما إذا صدر عن المكلف عمل شككنا في صحته وفساده فلو شككنا في اصل العمل لم تجرى القاعدة لعدم احراز عمل هناك حتى يحمل على الصحيح.

[ 470 ]

ان قلت ان التقية كما تقتضي في المقام ترك الاداء كذلك تقتضي ترك القضاء. قلت - إذا كان هناك شرايط التقية موجودة بالنسبة إلى القضاء قلنا به، كما إذا كان المكلف معاشرا معهم طول السنة وعلم من فعله انه قصد القضاء، وهو فرض نادر جدا بل لعله لا يوجد له مصداق، فإذا لم يكن تقية في القضاء وجب فعله.

[ 471 ]

3 - هل يعتبر فيها عدم المندوحة ام لا؟ قد وقع الكلام بينهم في اعتبار عدم المندوحة وما يكون به الفرار، في التقية، وآثارها التى منها صحة الاعمال المأتى على طبقها على اقوال: اولها - انه غير معتبر مطلقا، كما حكى عن الشهيدين والمحقق الثاني في البيان والروض وجامع المقاصد. ثانيها - انه معتبر مطلقا، كما حكى عن صاحب المدارك. ثالثها - التفصيل بين ما كان متعلق التقية مأذونا فيه بالخصوص وورد فيه دليل خاص مثل القبض في الصلوة (أي التكتف فيها) فهو صحيح مجز سواء كان هناك مندوحة ام لا، وبين ما كان الدليل عليه هو عمومات التقية الدالة على انها في كل ضرورة واضطرار، كالوضوء بالنبيذ أو الصلوة إلى غير القبلة واشباههما، فحينئذ لا يصح العمل الا عند عدم المندوحة، لعدم صدق الضرورة بدونه، وهذا القول ايضا محكى عن المحقق الثاني قدس سره.

[ 472 ]

وقد يقال برجوع هذا القول إلى قول صاحب المدارك حيث ان نفى اعتبار عدم المندوحة في الشق الاول انما هو باعتبار جميع الوقت، لا بالنسبة إلى خصوص الوقت الذى يؤدى الصلوة فيه مثلا، ومن المعلوم ان صاحب المدارك القائل باعتباره مطلقا لا يقول به في جميع الوقت لانه مما لم يقل به احد فيما نعلم... والامر سهل. وهناك قول رابع وهو التفصيل الذى اختاره شيخنا الاعظم العلامة الانصاري قدس سره وحاصله: ان هناك صور ثلث: الاول: ما إذا كان المتقى قادرا على الامتثال الواقعي من دون تعويض في الزمان والمكان كما إذا كان عمله في الظاهر على وفق مذهب المتقى منه، مع اتيانه بالعمل الصحيح الاختياري واقعا، كمن يقرء (مثلا) خلف امامهم سرا وهو يريهم انه لا يقرء، من دون أي محذور. فهذا مما لا يصح التقية فيه لوجود المندوحة بلا حاجة إلى تغيير زمانه أو مكانه الثاني: ما إذا في ضرورة بالنسبة إلى بعض الوقت دون تمامه، فلو اراد الصلوة مثلا في اول وقتها لم يمكنه الا بالتقية. فهذا صحيح مجز، ولا يعتبر عدم المندوحة في تمام وقتها. الثالث: ما إذا كان في ضرورة بالنسبة إلى مكان خاص دون جميع الامكنة، كمن لا يقدر على ترك التقية في مسجد النبي صلى الله عليه وآله أو المسجد الحرام مع قدرته على العمل الصحيح التام في غيرهما، وهذا ايضا مجز فلا يعتبر عدم المندوحة في كل مكان.

[ 473 ]

ولكن نحن نقول اولا: انه لا يخفى ان هذه الاقوال كلها تختص بالتقية الخوفية ولا تجرى في التقية المداراتية حيث لا يعتبر فيها تغيير الزمان أو المكان، بل الظاهر من اخبارها انها انما شرعت لجلب قلوبهم، واتفاق كلمة المسلمين، ومثل هذا لا يعتبر فيه عدم المندوحة بلا اشكال. فهل ترى ان قوله عودوا مرضاهم واشهدوا جنايزهم، أو قوله: من صلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله أو قوله: كمن اول داخل وآخر خارج... إلى غير ذلك مما قد مضى عند سرد الاخبار، محمول على ما إذا كان مضطرا إليه ولم يقدر على الفرار؟ فهذا مما لا ينبغى الكلام فيه. نعم لو قلنا باجزاء العمل في مثل هذا النوع من التقية امكن استثناء الصور الاولى من الصور الثلاث التى ذكرها العلامة الانصاري قده، وهو ما إذا قدر على العمل التام في مكانه وزمانه بعينه مع عدم أي محذور، لانصرافها إلى غيرها. ثانيا - في التقية الخوفية لا ينغبى الريب في عدم اعتبار نفى المندوحة في تمام الوقت لا للاجماع، لعدم اعتباره في هذه المسألة، ولا لعمومات التقية لظهورها في الاضطرار المطلق وهو لا يحصل الا في تمام الوقت كما في غيره من ذوى الاعذار، بل لخصوص الروايات الكثيرة الامرة بالصلوة معهم وغيرهم تقية، فانها مطلقة بلا اشكال، وحملها على خصوص المضطر في تمام الوقت حمل على فرد نادر جدا.

[ 474 ]

وكذا إذا كان قادرا على العمل الصحيح في غير ذلك المكان فانه ايضا لا يجب الاخذ فيها بالمندوحة وترك الصلوة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله مثلا والصلوة في ربعه وقافلته خارجا، يدل على ذلك وعلى ما قبله روايات كثيرة: منها: ما عن احمد بن ابى نصر البزنطى عن ابى الحسن (ع) قال قلت انى ادخل مع هؤلاء في صلوة المغرب فيعجلوني إلى ما ان اوذن واقيم ولا اقرء الا الحمد، حتى يركع ايجزينى ذلك؟ قال: نعم يجزيك الحمد وحدها (1). وحملهما على صورة الاضطرار بترك السورة في تمام الوقت كما ترى ومنها ما عن بكير بن اعين قال سألت ابا عبد الله: عن الناصب يؤمنا ما تقول في الصلوة معه؟ فقال اما إذا جهر فانصت للقرائة واسمع ثم اركع واسجد انت لنفسك (2). ومنها ما عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال: لا بأس بان تصلى خلف الناصب ولا تقرء خلفه فيها يجهر فيها فان قرائته يجزيك إذا سمعتها (3). ولا ينبغى في لزوم حملهما على التقية كما ان الظاهر وجود المندوحة في غالب هذه الموارد بان يصلى بعده أو قبله في داره.


(1) 1 - الرواية 6 من الباب 33 من ابواب صلوة الجماعة. 2 - = 3 = 34 = = = 3 - = 5 = 34 = = =

[ 475 ]

ومنها ما عن ابى بصير ليث المرادى قال قلت لابي جعفر عليه - السلام: من لا اقتدى الصلوة؟ قال افرغ قبل ان يفرغ فانك في حصار فان فرغ قبلك فاقطع القرائة واركع معه (1). وظاهرها الاجزاء والاكتفاء بتلك الصلوة مطلقا ولو قدر على ادائها في ذاك الموضع كما هو الغالب، وقوله " افرغ.... " يعنى من القرائة. ومنها ما ورد في ابواب صلوة " الجمعة " عن حمران عن ابى - عبد الله عليه السلام في حديث قال في كتاب على عليه السلام إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلى ركعتين اخريين، قلت: فاكون قد صليت اربعا لنفسي لم اقتد به؟ فقال نعم (2). ودلالتها على الاجزاء كاطلاقها من حيث وجود المندوحة في مكان آخر وعدمه مما لا اشكال فيه. ومنها ما رواه حمران بن اعين ايضا قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك انا نصلى مع هؤلاء يوم الجمعة وهم يصلون في الوقت كيف نصنع؟ فقال: صلوا معهم. فخرج حمران إلى زرارة فقال له: امرنا ان نصلى معهم بصلوتهم فقال زرارة: هذا ما يكون الا بتأويل. فقال له حمران: قم حتى نسمع منه، قال: فدخلنا عليه فقال له زرارة: ان حمران اخبرنا عنك انك امرتنا ان نصلى معهم فانكرت ذلك فقال لنا:


(1) الحديث 1 من الباب 34 من ابواب صلوة الجماعة 2 - الرواية 1 من الباب 29 من ابواب الجمعة

[ 476 ]

كان الحسين بن على (ع) يصلى معهم الركعتين فإذا فرغوا قام فاضاف إليها ركعتين (1). واطلاق صدرها بجواز الصلوة معهم الدال على عدم وجوب اضافة الركعتين مقيد بما في ذيلها أو يحمل الثاني على خصوص ما إذا قدر على اضافة ركعتين اخريين فان ذلك من قبيل ما يكون فيه المندوحة من دون حاجة إلى تغيير المكان والزمان وان كان التقية موجودا بالنسبة إلى القرائة في الاوليين. فتلخص من جميع ذلك، ولو بالغاء الخصوصية عن مورد الروايات عدم اعتبار نفى المندوحة من ناحية تغيير المكان أو الزمان في التقية سواء كانت في الاجزاء كمورد الروايات أو الكل. وان كان اطلاقات التقية المقيدة بالضرورة كدليل العقل غير دالة عليه.


(1) الرواية 5 من الباب 29 من ابواب الجمعة

[ 477 ]

4 - هل المدار على الخوف الشخصي أو النوعى؟ إذا كانت التقية من القسم الخوفى فهل المدار فيها على الخوف الشخصي أو النوعى بعد الفراغ عن كون المناط في الخوف وجود احتمال الضرر، احتمالا معتدا به حتى وان لم يظن به، بل وان شك أو كان احتماله مرجوحا مع كونه مما يعتنى به العقلاء فان عنوان الخوف عرفا صادق في جميع ذلك، وان كان قد يتفاوت بتفاوت المحتملات شدة وضعفا. والحق في المقام ان يقال: ان المتقى تارة يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله، أو على شئ من ذلك يتعلق بمن له علقة، أو على فرد معين اخر لا علقة له به. واخرى على فرد أو جماعة غير معينة من اهل الحق قد يحصرون في ايدى اعدائهم فيعاقبون من جراء العمل الذى ترك فيه التقية غيرهم. اما الاول فلا اشكال في جريان احكام التقية فيه، بل هو من اظهر

[ 478 ]

مصاديق التقية ويؤيده الروايات المعبرة فيها بانها جنة أو ترس أو شبه ذلك. وقد وقع التصريح به ايضا في عدة روايات: منها: ما رواه اعمش عن جعفر بن محمد عليه السلام في حديث شرايع الدين قال: ولا يحل قتل احد من الكفار والنصاب في التقية الا قاتل أو ساع في فساد وذلك إذا لم تخف على نفسك ولا على اصحابك، واستعمال التقية في دار التقية واجب الحديث (1). والقدر المتقين منه هو الخوف الشخصي على الاصحاب فتدبر. ومنها - رواية المنصوري عن عم ابيه عن الامام على بن محمد عن ابائه عليهم السلام قال: قال الصادق عليه السلام: ليس منا من لم يلزم التقية ويصوننا عن سفلة الرعية (2). ومنها - قول امير المؤمنين عليه السلام الذى ورد في تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام قال: التقية من افضل اعمال المؤمن يصون بها نفسه واخوانه عن الفاجرين وقضاء حقوق الاخوان اشرف اعمال المتقين الحديث (3). ويدل عليه ايضا الروايات الكثيرة الواردة في الباب 28 من ابواب الامر بالمعروف التى قرنت فيهما التقية بقضاء حقوق الاخوان، ومن المحتمل ان يكون مراعاة التقية شطرا من حقوق الاخوان فتكون المقارنة بينهما من هذه الناحية لوجوب حفظهم بها، وبعبارة اخرى تجب التقية لحفظ حقوق اخيه


1 - الحديث 21 من الباب 24 من ابواب الامر بالمعروف 2 - = 27 = من ابواب = 3 - = 3 = 28 = =

[ 479 ]

كما تجب لحفظ نفسه وحقوقه، وان سبق منا أحتمال اخر في بيان هذه المقارنة وان الاول ناظر إلى مناسبة الانسان مع اعدائه والثانى إلى مناسبته مع احبائه. وكذلك ما دل على ان ترك التقية من مصاديق القاء النفس في التهلكة، وهو كثير. فكما ان القائه بنفسه في التهلكة حرام كذلك القاء اخيه المؤمن بالهلاك أو باطلاق " انفسكم " وشموله للغير ايضا. واما القسم الثاني وهو الخوف على النوع بان يكون ترك التقية مستلزما للضرر في زمان آخر على اقوام اخرين احتمالا معتدا به، كما إذا تركها في بلاده عند بعض اهل الخلاف، وخاف منه الضرر على بعض اخوانه إذا رجعوا إلى بلادهم، سواء كان ذلك بالنسبة إلى فرد أو افراد. والظاهر جواز ذلك ايضا اما اولا فلما عرفت مرارا من ملاك التقية وانه من باب مراعاة الاهم وتقديمه على المهم. واما ثانيا فلصدق الضرورة عليه فيشمله عمومات التقية الدالة على جوازها في كل ضرورة. واما ثالثا فلدلالة غير واحد من اخبار ابواب التقية عليه بل على ما هو اوسع منه: " منها ": ما روى في تفسير الامام الحسن العسكري (ع) عن الحسن بن على (ع) قال: ان التقية يصلح الله بها امة لصاحبها مثل ثواب اعمالهم فان تركها اهلك امة، تاركها شريك من اهلكهم الحديث. (1) " ومنها ": ما رواه الشيخ في مجالسه بسنده عن المنصوري عن عم


1 - الحديث 4 من الباب 28 من ابواب الامر بالمعروف.

[ 480 ]

ابيه عن الامام على بن محمد (ع) عن آبائه (ع) قال: قال سيدنا الصادق (ع) عليكم بالتقية فانه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجية مع من يحذره. (1) بل مفاده اوسع مما نحن بصدده لدلالته على وجوب رعايتها عند شدة التقية مع من يأمنه إذا كان مقدمة لان يعتادها مع من يحذره ويكون تركها سببا لاضاعتها في موارد لزومها ووجوبها فتأمل. ولا يعارضه ما عن على بن موسى الرضا (ع) في حديث حيث جفى جماعة من الشيعة وحجبهم لتقيتهم حيث لا تجب التقية (2) كما هو واضح.


1 - الحديث 28 من الباب 24 من ابواب الامر بالمعروف. 2 - = 9 = 25 = = =

[ 481 ]

5 - إذا خالف التقية في موارد وجوبها إذا خالف التقية في موارد وجوبها فهل يكون العمل المخالف له صحيحا وان كان عاصيا، كما إذا صلى منفردا فيما إذا اقتضت التقية الجماعة مع من لا يراه صالحا لها، أو يفسد مطلقا، أو يفصل بين مواردها. اختار شيخنا العلامة الانصاري التفصيل بين ما إذا كان العمل المخالف له امرا متحدا مع العبادة كالسجدة على التربة الحسينية مع اقتضائها تركه (ومثله الوقوف بعرفات وصوم يوم الشك إذا خالف اعتقاده لاعتقاد مخالفه في تعيين يوم عرفة ويوم العيد). وبين ما إذا كان خارجا عنه كترك القبض على اليد في الصلوة إذا اقتضت التقية فعلها. فاختار الفساد في الاول والصحة في الثاني. والظاهر ان الوجه فيه دخول المسألة في مسألة اجتماع الامر والنهى ففى الاول يكون السجدة أو نفس الوقوف والصيام محرما منهيا عنه لا يصلح للتقرب المعتبر في صحة العبادة، بخلاف الثاني فان الحرام

[ 482 ]

امر خارج عن عبادته مثل النظر إلى الاجنبية حال الصلوة. هذا والمسألة مبنية على ان اوامر التقية هل هي كاوامر الابدال الاضطرارية تدل على جزئية ما يؤتى تقية وشرطيته وبدليته عن المأمور به الواقعي، أو انها ليست كذلك بل تدل على امر واجب في نفسه. فعلى الاول كان العمل المخالف لها فاسدا مطلقا لعدم الاتيان بالمأمور به في ذاك الحال والرجوع إلى غير ما هو مأمور به، وعلى الثاني لم يكن فاسدا، الا إذا دخل في مسألة اجتماع الامر والنهى وقلنا ببطلان العبادة مع الاتحاد بالحرام. وحيث ان شيخنا العلامة قدس الله سره اختار الثاني ذهب إلى التفصيل هنا. ويرد عليه اولا: انه إذا قلنا بان ايجاب الشئ للتقية لا يجعله معتبرا في العبادة فلو تركه لم يكن عمله فاسدا فعلى هذا لو ترك المسح على الخفين في حال التقية (ولم يكن في تركه محور آخر) لم يكن وضوئه باطلا. وقد اجاب هو نفسه عن هذا الاشكال بما حاصله: ان المسح على البشره ينحل إلى امرين احدهما نفس المسح والاخر مباشرته للبشرة، فإذا تعذر الثاني لم يسقط الاول ففى الحقيقة هذا ميسوره بعد ترك المباشرة، للتقية، ثم ايد ذلك بما ورد في رواية عبد الاعلى مولى آل سام الواردة في حكم الجبيرة قال قلت: لابي عبد الله عليه السلام عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله عزوجل قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من

[ 483 ]

حرج، امسح عليه. (1) فان المستفاد منها ان سقوط المباشرة لليد لا يوجب سقوط المسح على المرارة، وانه يستفاد من ضم قاعدة نفى الحرج بحكم وجوب الوضوء، حكم الجبيرة. وفيه: ان ما افاده قدس سره لا يكفي في حل الاشكال فان المسح على الخف ليس ميسورا للمسح على الرجل قطعا بل هو امر مباين له عرفا كالمسح على شئ آخر خارجي ويشهد لذلك ما ورد في ذم الماسحين على الخف عن الصادق عليه السلام إذا كان يوم القيامة ورد الله كل شئ إلى شيئه ورد الجلد إلى الغنم فترى اصحاب المسح اين يذهب وضوئهم؟! (2) فانها تنادى باعلى صوته ان المسح على الخف كالمسح على ظهر الغنم في الحقيقة ولا يرتبط بالانسان ابدا. واما رواية عبد الاعلى فلابد من توجيهه بما لا ينافى ما ذكر من عدم فهم الميسور عرفا في باب المسح وانه ليس المسح على الجبيرة الا كالمسح على امر خارجي فتدبر. واوضح اشكالا منه مسألة الحج والوقوفين في ايام يراه المخالف ايامهما وليس بذلك في الواقع أو في ظاهر الشرع، فانه لا يمكن ان يقال فيه: ان اصل الوقوف مطلوب ووقوعه في يوم عرفة أو ليلة العاشر مطلوب آخر فإذا تعذر واحد وجب الاخر اخذا بالميسور، ولازم ذلك صحة عمل


1 - رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب الوضوء الحديث 5. 2 - رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب الوضوء الحديث 4.

[ 484 ]

من ترك الوقوف حينئذ واتى بسائر الواجبات اللهم الا ان يقال بعدم صدق ميسور الحج عليه حتى عند التقية مضافا إلى ركنيتهما فتأمل. وثانيا: انه لا وجه للتفصيل الذى ذكره بين موارده، مثل السجدة على التربة الحسينية وترك القبض على اليد إذا اقتضت التقية خلافهما، وذلك لان نفس التقية واجبة واما تركها الخاص والاشتغال بضدها ليس محرما فان ضد الواجب ليس بحرام، هذا محصل ما اورده بعضهم عليه. ولكن يمكن الذب عنه بان ترك التقية بنفسه حرام كما يظهر من الرواية 26 من الباب 24 والرواية 9 من الباب 25 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر: ففى الاول منهما عن الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام لا ايمان لمن لا تقية له.... فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا، وفى الثاني عن الرضا عليه السلام ايضا انه جفى جماعة من الشيعة وحجبهم فقالوا يابن رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد الحجاب الصعب؟ قال - إلى ان قال: وتتركون التقية حيث لابد من التقية - اللهم الا ان يقال ان المذمة فيهما لترك الواجب لا الفعل الحرام، وهذا مضافا إلى ان الفعل الذى يؤتى به على وجه مخالف للتقية بنفسه مصداق لالقاء النفس في التهلكة وهو حرام وقد مر في غير واحد من روايات التقية ان النهى عن تركها بملاك انه مصداق لقوله تعالى ولا تلقوا بايديكم إلى التهلكة. إذا عرفت ذلك فلنعد إلى اصل المسألة ونرى ان الحق فيها ماذا؟ فنقول: ظاهر اطلاقات الباب صحة العمل إذا اتى به على وجه التقية والادلة الخاصة اعني الاخبار الواردة في موارد خاصة منها ايضا

[ 485 ]

كالصريح في صحة الاعمال المؤداة على وجهها ولكن القدر المتقين بل ظاهرها ان ذلك انما يكون إذا عمل على وفقها لا ما إذا ترك العملين فترك المسح على البشرة والخف معا. ومن الواضح انه لا دليل لنا على صحة الاعمال المذكورة غير هذه فإذا قصرت عن اثبات صحتها بدونه فلابد من الحكم بالفساد، فكان نتيجة ذلك امرا يشبه البدلية. وان شئت قلت: انه وان لم يكن في اخبار الباب ما يدل على بدلية العمل تقية عن العمل الواقعي كالابدال الاضطرارية وليس فيها دلالة على ان المسح على الخف بدل عن المسح على البشرة، بدلية التيمم عن الوضوء، ولكن إذا لم يكن هناك دليل على اجزاء العمل الا في هذه الصورة كان اثره اثر البدلية ونتيجتها. ومن المعلوم ان ذلك انما يتصور إذا كانت التقية بترك شئ من اجزاء الواجبات أو شرايطها واما إذا كانت باضافة شئ عليها كالقبض على اليد، وتركه، فالادلة الدالة على المأمور به الواقعي بلاطلاقها تشمله ويصح العمل اللهم الا ان يكون نفس العمل على هذا الوجه مصداقا لالقاء النفس في التهلكة فكان حراما لا يصلح للتقرب به فيبطل من هذه الجهة.

[ 486 ]

6 - في حكم الاعمال التى لها بقاء من حيث الاثر بعد ما زالت التقية إذا توضأ (مثلا) تقية فلاشك في جواز الصلوة معه مادامت اسبابها باقية، واما إذا زالت وانقضى مورد التقية فهل تجوز الاعمال المشروطة بالوضوء؟ وان شئت قلت: ان الوضوء تقية هل هو مبيح مادامت عواملها، أو رافع للحدث بحيث لا يحتاج إلى اعادة الوضوء الا إذا تجدد شئ من الاحداث ولا فرق في ذلك بين العمل الذى توضأ له وغيره بعد فرض الكلام في ارتفاع اسباب التقية بقاء. وكذلك الكلام فيما إذا اتى ببعض العقود أو الايقاعات على وجه التقية فهل يجوز ترتيب الاثر عليها بعد زوالها ام لا؟ والفرق بين ما نحن فيه وبين العبادات التى يؤتى بها تقية التى

[ 487 ]

قد عرفت اجزائها عن المأمور به الواقعي مما لا يخفى، فان هذه اسباب شرعية لها دوام بحسب الاثار التى تترتب عليها، بخلاف مثل الصوم والصلوة وسائر العبادات. واذ قد عرفت ذلك فاعلم ان مقتضى القاعدة الاولية هو الفساد وعدم ترتب الاثر في جميع موارد التقية الا ما خرج بالدليل وقد مرت الاشارة إليها في المباحث السابقة. فهل هناك دليل على الصحة ام لا؟ قد يقال: نعم، ويستدل له تارة بالاوامر الخاصة واخرى بالاوامر العامة. توضيح ذلك: اما الاوامر الخاصة الواردة في موارد التقية كالامر بالوضوء ربما يستفاد منها الصحة وعدم وجوب اعادته مطلقا وذلك لان رفع الحدث من آثار امتثال الامر بالوضوء من غير مزيد وهو هنا موجود، ولذا كل مورد ورد فيه الامر به كان رافعا له فهل تجد موردا وحدا امر فيه بالوضوء ولا يكون رافعا؟ وما يترآى من كون الوضوء مبيحا في دائم الحدث لا رافعا، مع ورود الامر به، فانما هو من جهة دوام الحدث وتجددها لا من حيث قصور الوضوء في رفعه. فتحصل من ذلك ان كل مورد ورد فيه امر خاص ببعض الاسباب الشرعية عند التقية، سواء كان من العبادات كالوضوء والغسل، أو من العقود كالنكاح، أو من الايقاعات كالطلاق فامتثال هذا الامر دليل على

[ 488 ]

وجود المؤثر واقعا فيترتب عليه جميع آثارها ولو بعد زوال اسباب التقية. واما الاخبار العامة الدالة على ان التقية جائزة في كل ضرورة وان التقية في كل شئ الا في النبيذ والمسح على الخفين، وقد مرت في محلها فهى تدل على جوازها مطلقا، وجواز كل شئ بحسبه: فجواز الوضوء رفعه للحدث وجواز البيع صحته وترتب الملك عليه وجواز الطلاق تأثيره في البينونة وكذا غيرها. هذا ولكن يمكن الخدشة في الجميع اما الاخير فلان ظاهر الادلة العامة هو الجواز التكليفى ونفى الحرمة، لا الجواز الوضعي فالاستدلال بها على آثارها الوضعي مشكل جدا. واما الاوامر الخاصة فالقول بانصرافها عن ما نحن فيه قوى جدا وان هي الا كالاوامر الاضطرارية إذا زالت الاعذار المتيمم بعد ما وجد الماء. هذا مضافا إلى ما قد عرفت من ان التقية امر عقلائي قبل ان تكون شرعية، ولا شك ان العقلاء لا يعاملون معاملة الصحة مع هذه الاسباب الا عند بقاء عوامل التقية واما بعد ارتفاعها فيرجعون إلى اسبابها الواقعية الاختيارية. والحاصل ان الحكم ببقاء الاثار بعد زوال التقية مشكل جدا.

[ 489 ]

7 - هل هي واجب نفسي أو غيرى هل التقية في موارد وجوبها واجب نفسي يترتب على تركه العقاب وغيره من آثاره أو واجب غيرى مقدمى بما له من الاثار المختلفة. الذى يستفاد بادى الامر من ادلتها هو الثاني فانها شرعت لحقن الدماء وحفظا عن الضرر الدينى أو الدنيوي من غير علة، والدليل العقلي الدال عليه ايضا لا يقتضى ازيد من المقدمية، وكذا ما دل على ان تركها داخل في القاء النفس في التهلكة فتجب مقدمة لحفظ النفس عنها. هذا ولكن الانصاف انها واجب نفسي بماله من الاثر وذلك لامرين: اولا ان الظاهر من اطلاقات الادلة وجوبها النفسي عند خوف الضرر سواء ترتب على تركها ضرر ام لا، وما ذكر فيها من حقن الدماء وغير ذلك فانما هو من قبيل الحكمة لا العلة ولذا ورد فيها الوعيد بالعذاب لمن تركها، مثل ما ورد في تفسير الامام الحسن العسكري (ع) في حديث: (..... فاعظم فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا ومعاداة اجدائكم استعمال التقية على انفسكم واموالكم ومعارفكم وقضاء حقوق اعوانكم وان الله يغفر كل ذنب بعد ذلك ولا يستقصى، واما هذان فقل من ينجو منهما الا

[ 490 ]

بعد مس عذاب شديد) (1). وكذا ما دل على انه مثل تضييع حقوق الاخوان مثل ما ورد في ذلك المصدر بعينه من قول على بن الحسين عليه السلام يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والاخرة ما خلا ذنبين: ترك التقية وتضييع حقوق الاخوان. وما رواه ابن ادريس في آخر السرائر عن مولانا على بن محمد (ع) قال: لداود الصرمى: لو قلت ان تارك التقية كتارك الصلوة لكنت صادقا (2) إلى غير ذلك مما يطلع عليه المتتبع. فان ذلك كله ظاهر في وجوبها النفسي. وثانيا: ان ترك التقية - وهو ضد فعلها - بنفسه القاء النفس في التهلكة، لا انه مقدمة لها ومن المعلوم ان ذلك بنفسه حرام فترك التقية بنفسها حرام يترتب عليها العقاب ويوجب الفسق، وان شئت قلت: فعلها عين مصداق حفظ النفس وتركها عين مصداق اضاعتها والقائها في الهلاكة وليس هنا من المقدمية عين ولا اثر فتدبر.


1 - الحديث 12 من الباب 28 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر من الجلد 11 من الوسائل 1 - الحديث 26 من الباب 24 من ابواب الامر بالمعروف

[ 491 ]

8 - هل هناك قسم ثالث للتقية؟ قد عرفت في المباحث السابقة ان التقية على ضربين: خوفى و تحبيبى، والاول ما يكون الغرض منها حفظ النفوس والاعراض والدين بخلاف الثاني فان الغاية فيه هو جلب المودة وجمع الكلمة وائتلاف الفرقة وتوحيد صف المسلمين على اختلاف مذاهبهم في مقابل اعداء الاسلام، اعداء الحق، وقد عرفت ان لكل مقاما يختص به. وقد يقال ان هنا قسما ثالثا لها وهو ما يقابل الاشاعة واذاعة السر وانه حكم سياسي شرع لحفظ المذهب ولو لم يكن هناك خوف على احد، أو مجال لجلب المودة وتوحيد الكلمة. وقد عقد له في الوسائل بابا يخصه واورد فيه اخبارا تدل على المقصود: منها ما رواه محمد الخزار عن ابى عبد الله (ع) قال من اذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقنا (1).


1 - الحديث 11 من الباب 34 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر

[ 492 ]

ومنها ما رواه ابن ابى يعفور قال: قال أبو عبد الله (ع) من اذاع علينا حديثنا سلبه الله الايمان. (1) إلى غير ذلك مما ورد في هذا الموضوع، ومفادها وجوب كتمان عقيدة الحق أو اظهار غيره في الموارد التى تكون من الاسرار التى يجب كتمانها عن غير اهلها لما في اذاعتها عند غير اهله من الضرر فهذا نوع من التقية وينطبق عليه تعريفها ومع ذلك ليس داخلا في القسمين السابقين. ولكن الانصاف انه مما لا يمكن المساعدة عليه بل هو في الحقيقة راجع إلى القسم الاول وهو التقية في موارد الخوف، فان اطلاق السر ليس الا في الموارد التى يكون في اظهار الحق أو بعض العقائد الدينية ضررا وخوفا على النفس أو العرض أو الدين نفسه والا ما لا يكون فيه ضررا لا يكون سرا ولا يدخل تحت عنوان كتمان السر واذاعته، وعلى هذا يؤول هذا القسم إلى القسم الخوفى. ويشهد لما ذكر غير واحد من روايات ذاك الباب بعينه واليك جملة منها: 1 - ما رواه يونس بن يعقوب عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (ع) ما قتلنا من اذاع حديثنا قتل خطأ ولكن قتل قتل عمد (2) وفيه دلالة على ان اذاعة الحديث في موارد كتمانه يترتب عليه الاضرار العظيمة ربما بلغ القتل، وحيث ان فاعله عالم بهذا الاثر فهو في الواقع قاتل عمد، وهل هو الا مصداق لترك التقية الخوفى وقد عرفت ان


1 - الحديث 12 من الباب 34 من ابواب الامر بالمعروف 2 - الحديث 13 من الباب 34 من ابواب الامر بالمعروف

[ 493 ]

الخوف كما انه قد يكون على النفس يمكن ان يكون على الغير. 2 - ما رواه محمد بن مسلم قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول: يحشر العبد يوم القيامة وماندا دما (1) فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك فيقال له: هذا سهمك من دم فلان فيقول يا رب انك تعلم انك قبضتني وما سفكت دما، فيقول: بلى ولكنك سمعت من فلان رواية كذا وكذا فرديتها عليه حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها وهذا سهمك من دمه (2). فهل هذا الا ترك التقية الموجب لالقاء الغير في التهلكة؟ 3 - ما رواه اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (ع) وتلى هذه الاية: (ذلك بانهم كانوا يكفرون بايات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) قال والله ما قتلوهم بايديهم ولا ضربوهم باسيافهم ولكنهم سمعوا احاديثهم فاذاعوها فاخذوا عليها فقتلوا فصار قتلا واعتداء ومعصية (3). إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى، وجميعها تدل على ان اذاعة السر انما هو في العقايد التى لو اظهرت اورثت ضررا على صاحبها، فنقل ما يشتمل عليها على صاحبها مناف للتقية التى امر بها عند الخوف على النفس أو على الغير، فليس هذا قسما ثالثا غير القسمين السابقين والامر واضح.


(1) ما ندا دما الظاهر انه بمعنى ما اصاب دما. (2) الحديث 14 من الباب 34. 3 - الحديث 15 من الباب 34

[ 494 ]

9 - هل يحرم تسمية المهدى (ع) باسمه الشريف؟ المشهور بين جمع من المحدثين حرمة تسميته ارواحنا الفداء باسمه الخاص، دون القابه المعروفة، فهل هذا حكم يختص بزمان غيبته الصغرى دون الكبرى كما نقله العلامة المجلسي في المجلد 13 من بحار - الانوار عن بعض؟ أو انه عام لكل زمان ومكان إلى ان يظهر ويملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا؟ أو ان حرمتها دائرة مدار التقية والخوف، فعند عدم الخوف جائز وعند وجوده حرام، بل لا يختص ذلك به ارواحنا فداه ويجرى في غيره من الائمة (عليهم السلام) اختار ذلك شيخنا الشيخ الحر العاملي في الوسائل في مفتتح هذا الباب وصرح به ايضا في ختامه. ولنذكر اولا الاخبار الواردة في هذا الباب ثم نتبعها بذكر المختار

[ 495 ]

وهى على طوائف: الطائفة الاولى: ما دل على حرمة التسمية باسمه الشريف مطلقا من دون أي تقية من ناحية الزمان والمكان ولم يعلل بتعليل خاص واليك جملة منها: 1 - ما رواه الكليني عن على بن رئاب عن ابى عبد الله (ع) قال: صاحب هذا الامر لا يسميه باسمه الا كافر (1). 2 - ما رواه ايضا عن الريان بن الصلت قال سئلت ابا الحسن الرضا (ع) وسئل عن القائم قال: لا يرى جسمه ولا يسمى اسمه. (2) 3 - ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب اكمال الدين عن صفوان بن مهران عن الصادق (ع) انه قيل له من المهدى من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته (3). 4 - وما رواه ايضا في ذاك المصدر عن محمد بن عثمان العمرى قال خرج توقيع بخط اعرفه: من سمانى في مجمع من الناس فعليه لعنة الله. (4) بناءا على عدم اختصاصه بذاك الزمان كما هو ظاهر الاطلاق. 5 - ما رواه الصدوق ايضا في اكمال الدين عن عبد العظيم الحسنى عن محمد بن على بن موسى عليه السلام في ذكر القائم (ع) قال يخفى


1 - الحديث 4 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر 2 - الحديث 5 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر 3 - الحديث 11 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر 4 - الحديث 13 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر

[ 496 ]

على الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه وتحرم عليهم تسميته وهو سمى رسول الله وكنيه الحديث. (1) إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى. الطائفة الثانية: ما ورد فيه التصريح بترك تسمية إلى ان يقوم ويملا الارض عدلا كما ملئت ظلما وجورا، واليك بعض ما ورد في هذا المعنى: 1 - ما رواه العلامة المجلسي في بحار الانوار عن محمد بن زياد الازدي عن موسى بن جعفر (ع) انه قال: عند ذكر القائم يخفى على الناس ولادته ولا يحل لهم تسميته حتى يظهره عزوجل فيملا به الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. (2) 2 - ما رواه ايضا عن عبد العظيم الحسنى عن ابى الحسن الثالث (ع) انه قال (ع) في القائم لا يحل ذكره باسم حتى يخرج فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا الحديث (3) 3 - ما رواه الكليني بسنده عن ابى هاشم داود بن القاسم الجعفري عن ابى جعفر (ع) في حديث انه قال: واشهد على رجل من ولد الحسن لا يسمى ولا يكنى حتى يظهر امره فيملاها عدلا كما ملئت جورا، انه القائم


1 - الحديث 14 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف 2 - المجلد 13 من البحار صفحة 8 من طبع امين الضرب. 3 - المجلد 13 من البحار صفحة 8

[ 497 ]

بامر الحسن بن على (ع) (1). 4 - ما رواه الصدوق ايضا في كتاب اكمال الدين بسنده عن عبد العظيم الحسنى عن سيدنا على بن محمد (ع) انه عرض عليه اعتقاده واقراره بالائمة - إلى ان قال - ثم انت يا مولاى، فقال له (عليه السلام) ومن بعدى ابني الحسن، فكيف للناس بالخلف من بعده؟ قلت فكيف ذلك؟ قال: لانه لا يرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملا الارض قسطا وعدلا - إلى ان قال - هذا دينى ودين آبائى (2). إلى غير ذلك مما يدل عليه. الطائفة الثالثة ما دل على عدم جواز تسمية (ع) معللا بالخوف، واليه بعض ما ورد في هذا المعنى 1 - ما رواه الكليني بسنده عن على بن محمد عن ابى عبد الله الصالحي قال: سألني اصحابنا بعد مضى ابى محمد (ع) ان اسأل عن الاسم والمكان فخرج الجواب: ان دللتم على الاسم اذاعوه وان عرفوا


1 - الحديث 3 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف من المجلد 11 من الوسائل. 2 - الحديث 9 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف من المجلد 11 من الوسائل.

[ 498 ]

المكان دلوا عليه (1). قال المحدث الشيخ الحر العاملي قدس سره بعد نقل هذا الحديث: هذا دال على اختصاص النهى بالخوف وترتب المفسدة. 2 - ما رواه ايضا عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن محمد بن عثمان العمرى (في حديث) انه قال له: انت رأيت الخلف؟ قال: أي والله - إلى ان قال - فالاسم؟ قال محرم عليكم ان تسألوا عن ذلك ولا اقول ذلك من عندي فليس لى ان احلل ولا احرم، ولكن عنه (ع) فان الامر عند السلطان ان ابا محمد مضى ولم يخلف ولدا - إلى ان قال - وإذا وقع الاسم وقع الطلب فاتقوا الله وامسكوا عن ذلك (2): وهذا كالصريح في ان النهى لمكان الخوف عليه (ع) وانه إذا وقع الاسم طلبوه: فنهى عن التسمية بل ابهمت التسمية كى لا يطلع عليه من لا يعلمه وحرم على من يعلمه. 3 - ما رواه الصدوق في اكمال الدين عن على بن عاصم الكوفى يقول: خرج في توقيعات صاحب الزمان ملعون ملعون من سمانى في محفل من الناس (3). والتقييد بقوله (في محفل من الناس) دليل على جوازه في غير محافلهم بناء على دلالة القيد على المفهوم في هذه المقامات - وان النهى


1 - الحديث 7 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف من المجلد 11 من الوسائل. 2 - الحديث 8 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر 3 - الحديث 12 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر

[ 499 ]

انما هو من جهة التقية عنهم. 4 - ما رواه ايضا عن محمد بن همام عن محمد بن عثمان العمرى قال خرج توقيع بخط اعرفه: من سمانى في مجمع من الناس فعليه لعنة الله (1). ودلالته كسابقه. 5 - ما رواه في البحار عن ابى خالد الكابلي قال: لما مضى على بن الحسين (ع) دخلت على محمد بن على الباقر (ع) فقلت جعلت فداك قد عرفت انفطاعى إلى ابيك وانسى به ووحشتي من الناس. قال: صدقت يا ابا خالد تريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك قد وصف لى ابوك صاحب هذا الامر بصفة لو رأيته في بعض الطرق لاخذت بيده: قال: فتريد ماذا يا ابا خالد؟ قال: اريد ان تسميه لى حتى اعرفه باسمه. فقال: سألتنى والله يا ابا خالد عن سؤال مجهد ولقد سألتنى بامر ما كنت محدثا به احدا لحدثتك ولقد سألتنى عن امر لو ان بنى فاطمة عرفوه حرصوا على ان يقطعوه بضعة (2) بناء على ان قوله (لو ان بنى فاطمة إلى اخر) تدل على قصد بعضهم الاضرار به فضلا عن غيرهم فلذلك لم يسمه (ع) باسمه حتى يكون مكتوما فلا يعرف ولا تصل ايدى المخالفين إليه خوفا من الاضرار به. والمستفاد من جميع ذلك ان اخفاء اسمه ليس لامر تعبدي خاص


1 - الحديث 13 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر 2 - بحار الانوار المجلد 13 صفحه 8

[ 500 ]

بل بملاك التقية بمالها من الشروط لا غير. الطائفة الرابعة ما يدل على وقوع التسمية منهم (عليهم السلام) أو من اصحابهم في موارد عديدة بلا نهى منهم، واليك بعض ما ورد في هذا المعنى: 1 - ما رواه الصدوق في اكمال الدين بسنده عن محمد بن ابراهيم الكوفى ان ابا محمد الحسن بن على العسكري (ع) بعث إلى بعض من سماه شاة مذبوحة وقال: هذه من عقيقة بنى محمد (1). وهذا تصريح بالاسم منهم صريحا، واجازة بالتصريح من غيرهم تلويحا. 2 - ما رواه ايضا عن ابى غانم الخادم قال: ولد لابي محمد (ع) مولود فسماه محمدا وعرضه على اصحابه يوم الثالث وقال هذا صاحبكم من بعدى وخليفتي عليكم وهو القائم (2). وهذا الحديث وان لم يكن دالا على التسمية منهم، الا ان ذلك لو كان ممنوعا لم يتسرع إليه ابو غانم الخادم، بل هو دليل على ان الامام العسكري (ع) صرح باسمه له ولامثاله. 3 - وما رواه ايضا عن الكليني عن علان الرازي عن بعض اصحابنا انه لما حملت جارية ابى محمد (ع) قال: ستحملين ولدا واسمه محمد


1 - الحديث 15 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف. 2 - الحديث 16 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف

[ 501 ]

وهو القائم من بعدى (1). ونقل الروات له واحدا بعد واحد شاهد على جواز التسمية في الجملة. 4 - وما رواه ايضا عن ابى نصرة عن ابى جعفر (ع) عن جابر بن عبد الله عن فاطمة (عليها السلام) انه وجد معها صحيفة من درة فيها اسماء الائمة من ولدها فقرأه - إلى ان قال - ابو القاسم محمد بن الحسن حجة الله على خلقه القائم، امه جارية اسمها نرجس (2). ونقل جميع روات السند مضافا إلى نقل جابر دليل على عدم المنع من التسمية في جميع الحالات والظروف. 5 - وما رواه ايضا عن ابى الجارود عن ابى جعفر (ع) عن آبائه عليهم السلام قال: قال امير المؤمنين (ع) على المنبر: يخرج رجل من ولدى في آخر الزمان - وذكر صفة القائم واحواله - إلى ان قال - له اسمان: اسم يخفى فاحمد واما الذى يعلن فمحمد - الحديث (3). وهو دليل على ان التصريح باسمه بمحمد حتى من فوق المنبر جايز. 6 - ما رواه باسانيده الكثيرة عن الحسن بن محبوب عن ابى الجارود عن ابى جعفر (ع) عن جابر قال دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه اسماء الاوصياء من ولدها فعددت اثنى عشر آخرهم


1 - الحديث 17 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف. 2 - الحديث 18 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف 3 - الحديث 19 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف

[ 502 ]

القائم، ثلثة منهم محمد واربعة منهم على (1). 7 - ما رواه ايضا عن المفضل بن عمر قال: دخلت على الصادق (ع) فقلت: لو عهدت الينا في الخلف من بعدك فقال الامام بعدى ابني موسى والخلف المأمول المنتظر محمد بن الحسن بن على بن محمد بن على بن موسى (2). 8 - ما رواه الطبرسي في الاعم الورى عن محمد بن عثمان العمرى عن ابيه، عن ابى محمد الحسن بن على عليه السلام في الخبر الذى روى عن آبائه (عليهم السلام) ان الارض لا تخلو من حجة الله على خلقه وان من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية فقال ان هذا حق كما ان النهار حق فقيل يابن رسول الله فمن الحجة والامام بعدك؟ فقال ابني (محمد) هو الامام والحجة بعدى فمن مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية (3): إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. ولقد اجاد صاحب الوسائل في آخر الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر حيث قال: (والاحاديث في التصريح باسم المهدى محمد بن الحسن (ع) وفى الامر بتسميته عموما وخصوصا تصريحا وتلويحا، فعلا وتقريرا في النصوص والزيارات والدعوات والتعقيبات والتلقين وغير ذلك كثيرة جدا) ثم اضاف إليه في حاشية منه على آخر


1 - الحديث 20 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف. 2 - الحديث 22 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف 3 - الحديث 23 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف

[ 503 ]

احاديث هذا الباب انه: (قد صرح باسمه (ع) جماعة من علمائنا في كتب الحديث والاصول والكلام وغيرها منهم العلامة والمحقق والمقداد والمرتضى وابن طاووس وغير هم، والمنع نادر وقد حققناه في رسالة مفردة) (انتهى). هذا هو ما ورد في هذا الباب من طوايف الاخبار وكلمات الاصحاب، ولا ينبغى الشك في ان القول بمنع التسمية تعبدا كلام خال عن التحقيق وان صرح به بعض الاكابر بل الظاهر ان المنع منه يدور مدار وجود ملاك التقية، وفى غيره كامثال زماننا هذا لا يمنع على التحقيق. وما افاده العلامة المجلسي قدس سره بعد ذكر بعض ما دل على النهى عن التسمية إلى ان يظهر القائم (ع): (ان هذا التحديدات مصرحة في نفى قول من خص ذلك بزمان الغيبة الصغرى تعويلا على بعض العلل المستنبطة والاستبعادات الوهمية) ممنوع جدا، لما قد عرفت من ان هذا ليس علة مستنبطة واستبعادا وهميا بل صريح به في روايات عديدة ليست باقل من غيرها، هذا مضافا إلى ما دل على جواز التسمية والتصريح به وقد عرفتها في الطايفة الرابعة وهى اكثر عددا واقوى دلالة من غيرها. والحاصل ان المنع يدور مدار الخوف عليه (ع) أو علينا بالموازين المعتبرة في التقية وذلك لامور: اولا ان هذا هو الطريق الوحيد في الجمع بين الاخبار وحمل مطلقها على مقيدها، فالمطلقات وهى الطايفة الاولى بل الثانية ايضا - فانها مطلقة من ناحية الخوف وعدمه وان كانت مغياة بظهوره فانه لا ينافى تقييدها بما ذكرنا - تقيد بالطائفة الثالثة الدالة على دوران الحكم مدار التقية، ولولا

[ 504 ]

ذلك تعارضت وتساقطت لو قلنا بان كل طايفة منها قطعية أو كالقطعية لتظافرها، أو يقال بالتخيير بناء على كون اسنادها ظنية وعندئذ يمكن الحكم بالجواز. ومن اقوى القرائن على الجمع الذى ذكرنا هو الطائفة الرابعة المصرحة بجواز التسمية في الجملة - وليت شعرى ماذا يقول القائل بحرمة التسمية مطلقا في هذه الطائفة المتظافرة جدا؟ فهل يمكن طرح جميعها مع كثرتها وفتوى كثير من الاصحاب على طبقها؟ أو يمكن ترجيح غيرها عليها؟ كلا لا طريق إلى حلها الا بما ذكرنا. ثانيا - قد ورد احاديث كثيرة من طرق اهل البيت والسنة صرح فيها بان اسم المهدى اسم النبي وكنيته (ع) كنيته صلى الله عليه وآله. ومن المعلوم ان هذا في قوة التسمية فان الظاهر من بعض الاخبار الدالة على عدم ذكر الاسم هو عدم الدلالة عليه بحيث لا يعلم المخاطب من الناس ما يكون اسمه الشريف، لا مجرد التلفظ به، اللهم الا ان يقال ان ذلك وان كان مفاد بعض اخبار الباب ولكن ينافيه بعضها الاخر الدال على حرمة التلفظ به لا الدلالة عليه ولو بنحو من الكناية فراجع وتدبر. ثالثا - ان القول بحرمة التلفظ باسمه الشريف من دون التقية ومحذور آخر، مع جواز الدلالة عليه بالكناية أو بمثل م ح م د يحتاج إلى تعبد شديد، فاى حزازة في ذكر اسمه الشريف في اللفظ مع جواز ذكرها كناية، كالقول بان اسمه اسم جده رسول الله أو بالحروف المقطعة، مع فرض عدم أي محذور ظاهر بتاتا؟

[ 505 ]

واى شبيه لمثل هذا الحكم في الاحكام الشرعية؟ ومثل هذا الاستبعاد وان لم يكن بنفسه دليلا في الاحكام الفقهية الا انه يمكن جعله تأييدا لما ذكرنا. ويؤيده ايضا بعض ما ورد في عدم جواز التصريح باسم غيره (ع) من الائمة عليهم السلام عند التقية، فلا يختص الحكم باسمه الشريف مثل ما رواه الكليني باسناده إلى عنبسه عن ابى عبد الله (ع) قال: اياكم وذكر على وفاطمة (عليهما السلام) فان الناس ليس شئ ابغض إليهم من ذكر على وفاطمة (1). ومن العجب ما حكى عن الصدوق قدس سره انه بعد الاعتراف بالتصريح باسمه في رواية اللوح قال جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائم والذى اذهب إليه النهى عن التسمية انتهى. وقد عرفت انه لا ينحصر التصريح باسمه الشريف برواية اللوح ولا ينحصر الدليل بروايات الطائفة الرابعة المصرحة بالاسم، ومع ذلك لم لم يختر - القول بالجواز عند عدم التقية كما اختاره صاحب الوسائل ويظهر من كثير من الاصحاب؟ فلعله رآه موافقا للاحتياط، وهو وان كان كذلك الا ان الاحتياط في عمل النفس شئ والفتوى بالاحتياط شئ آخر، وبالجملة هذا الاحتياط ضعيف جدا لا يجب مراعاته. فتلخص عن جميع، ما ذكر جواز التسمية باسمه الشريف - وهو (محمد)


1 - الحديث 2 من الباب 33 من ابواب الامر بالمعروف.

[ 506 ]

بن الحسن العسكري) عجل الله تعالى له الفرج - في امثال زماننا هذا مما لا تقية فيه من هذه الناحية. إلى هنا ينتهى الكلام في احكام التقية وفروعها. وقد وقع الفراغ منه في الجمادى الاخرى من سنة 1392 (والحمد لله)

[ 507 ]

8 - قاعدة لا تعاد * مدركها * اسناده ودلالته * جواب ما فيها من الاشكالات * ما يتفرع عليها من الفروع * معارضها والجواب عنه

[ 509 ]

من القواعد الفقهية قاعدة لا تعاد وهى قاعدة عامة تجرى في جميع ابواب اجزاء الصلوة وشرايطها وموانعها (على القول بحجيتها) وبهذا دخلت في سلك القواعد الفقهية لما قد عرفت من ان ضابطها اشتمالها على احكام عامة لا يختص بباب خاص. وباشتمالها على الحكم تمتاز عن المسائل الاصولية فانها لا تشتمل على حكم شرعى بل تكون قواعد تقع في طريق استنباط الاحكام. وبعدم اختصاصها بباب خاص وموضوع معين تمتاز عن المسائل الفقهية المختصة بمواضيع معينة. وعلى هذا لا يمنع اختصاص هذه القاعدة بابواب الصلوة من انسلاكها في سلك القواعد الفقهية فان هذه الابواب تحتوى مواضيع مختلفة غاية الاختلاف. اصل القاعدة لا شك في ان الحكم الاولى في المركبات الشرعية وغيرها الفساد ذا اخل بشئ من اجزائها وشرايطها أو اتى بشئ من موانعها، إذ مع

[ 510 ]

الاخلال بشئ من هذه لا توجد المركب على الفرض، سواء كان ذلك عمدا أو سهوا أو جهلا إذا كانت الجزئية والشرطية والمانعية مطلقة. فالحكم بالبطلان وعدم الاجتزاء ولزوم الاعادة هو الاصل الاولى في جميع هذه الموارد. ولا فرق في ذلك بين ان يكون الدليل على الجزئية أو الشرطية أو المانعية بلسان نفى الماهية مثل قوله (لا صلوة الا بطهور) وقوله (لا صلوة الا بفاتحة الكتاب)، أو بلسان الامر مثل قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا بروسكم وارجلكم إلى الكعبين وان كنتم جنبا فاطهروا (1). أو بلسان وجوب الاعادة عند الاخلال بها كما ورد في غير واحد من ابواب الاجزاء والشرايط والموانع مثل قوله (ع) في حديث زرارة بعد السؤال عن اصابة شئ من الدم أو المنى بثوب المصلى ونسيانه والصلوة معه والذكر بعد الفراغ منها (تعيد الصلوة وتغسله). لعدم الفرق بين جميع هذه الصور، واطلاقها دليل على عدم اختصاص الجزئية وشبهها بحال خاص. وما قد يتوهم من انه إذا كان الدليل عليها بلسان الامر - والامر لا يشمل الناسي وشبهه - كان مختصا بالعالم العامد الذاكر، وغيره خارج عن نطاق اطلاق دليل الجزئية والشرطية والمانعية، ومع عدم ثبوت هذه الامور في حقهم لا مناص عن الحكم بالصحة عند تركها غفلة ونسيانا وشبههما، فاسد جدا، فان مثل هذه الاوامر أو امر ارشادية، ترشد إلى الجزئية تارة والشرطية


(1) سورة المائدة - 6

[ 511 ]

أو المانعية اخرى، وليست على وزان الاوامر المولوية المختصة بالذاكر العامد. هذا مضافا إلى ان الاوامر المولوية الواردة في ابواب الاحكام التكليفية ايضا عامة شاملة للجاهل والناسى ايضا، وان سقطت عن الفعلية في حقهم ما دامت هذه الاعذار، فإذا ارتفعت وامكن التدارك بالاعادة أو القضاء وجب. وبالجملة لا ينبغى الريب في ان قضية الاصل الاولى هو الفساد عند الاخلال بشئ من هذه الامور. نعم يستثنى منه ما إذا كان الحكم بالجزئية أو الشرطية منتزعا عن حكم تكليفي فعلى مثل ما افتى به المشهور من بطلان الصلوة في الارض المغصوبة أو اللباس المغصوب فانه لا دليل على شرطية الاباحة أو مانعية الغصب الا من ناحية حكم العقل بعدم جواز اجتماع الامر والنهى أو عدم امكان التقرب إلى الله تعالى بفعل يتحد مع عنوان محرم. ومن الواضح ان الفساد هنا مشروط بفعلية حكم الغصب بحيث لا يمكن التقرب معه بالصلوة فلو نسى أو غفل أو جهل به، بحيث لم تكن الحرمة فعلية لم يكن هناك مانع عن صحة الصلوة. وهذا هو الفارق بينه وبين غيره من الموانع والشرايط. فالغافل والجاهل والناسى لحكم الغصب وموضوعه تصح صلوتهم لعدم المانع في حقهم. إذا تبين ذلك فاعلم: ان فقهائنا رضوان الله عليهم استثنوا من اصالة الفساد الجارية في

[ 512 ]

المركبات عند الاخلال بشئ من اجزائها وشرايطها وموانعها، ابواب الصلوة وافتوا بصحتها عندئذ الا في خمسة اشياء الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود (ثلثة من الشرايط واثنان من الاجزاء) وسماه جمع من المتأخرين والمعاصرين ب‍ (قاعدة لا تعاد) اخذا مما ورد في الحديث الاتى.

[ 513 ]

1 - مدرك القاعدة المدرك الوحيد لهذه القاعدة هو صحيحة زرارة عن ابى جعفر الباقر (ع) قال: لا تعاد الصلوة الا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود - ثم قال - القرائة سنة والتشهد سنة والتكبير سنة ولا تنقض السنة بالفريضة. رواها في الوسائل في المجلد الثالث في ابواب القبلة الباب 9، الحديث 1. وكذا في المجلد الاول في ابواب الوضوء الباب 3، الحديث 8. وكذا في المجلد الرابع في ابواب افعال الصلوة الباب الاول الحديث 14. وهذا الحديث صحيح سندا ودلالة. اما السند فقد رواه الصدوق (رحمه الله) في الخصال عن ابيه، عن سعد (بن عبد الله القمى) عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن حريز

[ 514 ]

بن عبد الله (السجستاني) عن زرارة عن ابى جعفر (ع). ورواه ايضا في (الفقيه) باسناده إلى زرارة عنه (ع). وذكر في جامع الرواة وغيره ان اسناد الصدوق إلى زرارة صحيح. وسنده إليه - كما ذكره في آخر كتابه - هو هكذا (عن ابيه عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن محمد بن عيسى بن عبيد والحسن بن طريف وعلى بن اسماعيل بن عيسى كلهم عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة بن اعين. ورواه في التهذيب باسناده إلى زرارة. وعلى كل حال الحديث صحيح من حيث السند قابل للاعتماد عليه، فلا غبار إليه من هذه الناحية. واما الدلالة لا كلام في دلالة الحديث بل صراحته في عدم وجوب اعادة الصلوة عن الاخلال بما عدا الخمسة في الجملة انما الكلام في مقدار دلالتها واطلاقها من جهات مختلفة. فان الاخلال بما عدا الخمسة يتصور على وجوه: اولها: ان يكون الاخلال ناشيا من ناحية النسيان، اما نسيان الحكم نسيان الموضوع. ثانيها: ان يكون مستندا إلى الجهل وعدم العلم، اما بالحكم أو موضوع

[ 515 ]

ثالثها: ان يكون مع العلم والعمد. لا اشكال في شمول اطلاقها للصورة الاولى وعدم وجوب الاعادة منه سواء كان النسيان في جانب الموضوع أو الحكم، بل القدر المتيقن منها هو هذه الصورة. واما الصورة الاخيرة فلا ينبغى الشك في خروجها عنها وانصرافها منها وبقائها على حالها من وجوب الاعادة عند الاخلال بشئ من الشرائط والاجزاء. وما اجود ما قاله سيدنا الاستاذ العلامة المحقق البروجردي قدس الله سره في هذا المقام من (ان القاعدة انما هو بصدد بيان حكم المريد للامتثال المخل ببعض الجوانب ومن الواضح ان من كان بهذا الصدد لا يتصور في حقه الاخلال العمدي، واما من ليس بصدد الامتثال من اول امره فهو خارج عن نطاق بحثها قطعا). ويمكن ان يقال ايضا انه لا يجوز على المولى الحكيم الحكم بعدم وجوب الاعادة في هذه الصورة - صورة الاخلال ببعض ما يعتبر في الواجب عمدا - فانه دليل على عدم وجوب ما اخل به من اصل - وهو خلاف الفرض، فإذا كان واجبا فكيف يرخص في تركه وهل هذا الا نقض الغرض؟ فشمولها لصورة العمد والعلم تعود إلى امر محال. وما قد يقال: ان هذا ليس بدعا من الامر ولا مانع من امر المولى بشئ مركب ذات اجزاء وشرايط على نحو الوجوب ثم الحكم بصحته عند الاخلال

[ 516 ]

ببعضها، وقد وقع ذلك في باب القصر والاتمام، والجهر والاخفات، فان القصر أو الجهر والاخفات مع كونها واجبة في محلها فقد حكموا بصحة العمل مع الاخلال بها جهلا ولو كان عن تقصير الذى في حكم العمد. فكما ان الجاهل المقصر في هذين البابين يكون آثما ولكن يحكم بصحة اعماله مع اخلاله ببعض ما يعتبر في الصلوة من الشرائط، فكذا الكلام فيمن اخل بشئ عامدا يحكم بصحة صلوته بمقتضى هذه القاعدة وان كان آثما في الجملة. ويجرى هنا ما ذكروه في توجيه الصحة وتفسيرها هناك من ان لامر المولى قد يكون مراتب، فإذا اخل ببعض مراتبها بترك بعض الاجزاء أو الشرايط فقد نال بمرتبة اخرى منه واحرز شيئا من الملاك والمطلوبية وان اضاع بعضه، والمفروض انه بعد احرازه بهذا المقدار لا يبقى موضوع لاحراز الباقي فيسقط الامر ويصح العمل ويكون اثما من حيث الاخلال ايضا. ممنوع، بان هذا الوجه انما يصح إذا كان الامر ذا مراتب وكان من قبل تعدد المطلوب، وكان الشرايط والاجزاء الخمسة مطلوبة في حد ذاتها وغيرها من الاجزاء والشرايط مطلوبات آخر - كما ذكروا ذلك في باب الجهر والاخفات والقصر والاتمام. ولكنك خبير بان هذا فرض غير واقع في ما عدا الخمسة وقد قام الاجماع على ان الصلوة بجميع اجزائها وشرائطها مطلوب واحد لا تعدد فيه الا في مسئلتي الجهر والاخفات والقصر والاتمام - فقد ذكروا فيه ما ذكروه وانما هو في فرض الجهل لا فرض العمد. والحاصل ان هذا التوجيه انما يصح في فرض امكان تعدد الطلب

[ 517 ]

واما في غيره - وما نحن فيه منه - فيستحيل ذلك، فما ذكرنا من ان هذا امر غير ممكن - في المقام - يكون تاما صحيحا مع حفظ الفرض. يبقى الكلام في الصورة الثانية - وهى صورة الجهل موضوعا أو حكما فنقول: الجاهل اما يكون جهله بسيطا ويكون ملتفتا إلى جهله شاكا في الحكم أو موضوعه (الملازم للجهل البسيط) فالانصاف انه بحكم العامد الذى قد عرفت انصراف القاعدة عنه بل استحالة شمولها له، فانه في الواقع نوع من العمد وكيف يتصور كون الانسان بصدد امتثال امر مولاه وهو شاك في حصول المأمور به باجزاء وشرايط خاصة وهو لا يعتنى بهذا الشك وبما لا يعلمه من الاجزاء والشرايط بل يشكل تمشى قصد القربة منه في كثير من الاحيان. ولو قلنا بشمول القاعدة لمثله كانت باعثة للمكلفين إلى الجهل وداعية لهم إلى ترك الجدو الاجتهاد في تحصيل العلم باجزاء الصلوة وشرايطها، فان اعلانها بصحة صلوة الجاهل المقصر داع إلى هذا لا محالة، وهو كما ترى. واما الجاهل بالجهل المركب، الغافل عن جهله، العالم بخلافه، كمن يعتقد عدم جزئية السورة مع انها في الواقع كذلك فلا يبعد شمول اطلاق الدليل له لعدم المانع منه ولا وجه للانصراف وشبهه.

[ 518 ]

2 - اشكال على القاعدة ودفعه وههنا اشكال ينشأ من ان القاعدة لا شك انها بصدد الصحة الواقعية فإذا قلنا بشمولها للجاهل المركب لزم الحكم بصحة صلوة مثل هذا الجاهل التارك لبعض اجزائها أو شرائطها (ما عدا الخمسة) واقعا وهو نوع من التصويب الباطل، إذا للازم كون الحكم واقعا في حق العالم اشتمال صلوته على عشرة اجزاء وفى حق الجاهل خمسة اجزاء فقط، وهذا هو التفرقة بين العالم والجاهل في الاحكام الواقعية وهو التصويب الباطل. ويمكن ان يجاب عنه بان هناك فرقا واضحا بين العالم والجاهل وهو ان العالم يستوفى بعلمه تمام مصلحة العمل، ولكن الجاهل لا يستوفى منه الا مقدارا منه مع عدم امكان استيفاء الباقي بعد استيفاء هذا المقدار. وان هو الا نظير العبد التارك لامر المولى القائل اسقنى ماء باردا

[ 519 ]

فاتاه بماء غير بارد وشرب المولى منه، لم يحتج بعد ذلك إلى الماء البارد، والحاصل انه لما اتى بالناقص لم يبق مجال للاتيان بالكامل. وان شئت قلت: هذا من قبيل الاتيان بغير المأمور به الرافع لموضوع المأمور به كما في المثال السابق وهذا امر واقع في العرف والشرع. فالمأمور به الواقعي هو المشتمل على عشرة اجزاء لا غير، واما المشتمل على خمسة اجزاء فهو حاو لشئ من المصلحة من دون ان يكون مأمورا به فلا يلزم محذور التصويب. ومثل هذا البيان وان كان ممكنا في حق العالم العامد التارك لبعض الاجزاء الا انه خلاف ما ثبت بالدليل والاجماع فتأمل. ويمكن الجواب عنه ايضا - كما ذكره بعض اجلة العصر - ان الحكم الواقعي الانشائى في حق الجميع - الجاهل والعالم - سواء وهو عشرة اجزاء مثلا، وانما الفرق بين الجاهل والعالم في الحكم الفعلى فالعالم حكمه الفعلى يدور على عشرة ايضا والجاهل يدور حكمه الفعلى على خمسة اجزاء فاذن لا يلزم التصويب فانه انما يلزم إذا كان الحكم بجميع مراتبه مختلفا بين العالم والجاهل لا ما إذا اتحدا في مرحلة الانشاء وهذا الجواب مثل ما ذكروه في الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي مع الاعتذار عن محذور التصويب باشتراك الحكم الانشائى بين الجميع مع اختلاف العالم والجاهل في الفعلية، نعم كلامهم هناك انما هو في الحكم التكليفى وهنا في الحكم الوضعي والظاهر ان هذا المقدار من التفاوت لا يوجب محذورا في المقام.

[ 520 ]

3 - هل تكون للقاعدة مدارك اخر غير ما ذكر؟ قد ذكر العلامة الانصاري قدس الله سره الشريف في بعض كلماته مدارك اخرى للقاعدة: منها رواية منصور بن حازم المروية في ابواب القرائة قال: قلت لابي عبد الله (ع): ان صليت المكتوبة فنسيت ان اقرء في صلوتى كلها؟ فقال اليس قد اتممت الركوع والسجود؟ قلت: بلى، قال تمت صلوتك إذا كان نسيانا. (رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب القرائة الحديث 2)، ومفاد الرواية ان من اتم ركوعه وسجوده تمت صلوته ولا يضره الاخلال بغيرهما من الاجزاء الاخر. ومنها - ما رواه ابن ابى عمير عن بعض اصحابنا عن سفيان بن السمط عن ابى عبد الله (ع) (تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل

[ 521 ]

عليك أو نقصان. (رواه في الوسائل في المجلد 5 في ابواب الخلل في الصلوة في الباب 32، الحديث 3). وهذه الرواية لو تمت كانت اوسع من حديث لا تعاد بناء على ما عرفت من التشكيك في شموله للزيادة، ولكن هذه تدل على ان الزيادة والنقيصة السهويتين لا تضران بالصلوة بل يمكن علاجهما بسجدة السهو فانها جابرة لهما فلا تجب الاعادة لا محالة. والذى يوهن الاستدلال بالاولى منهما ما ورد في ذاك الباب بعينه من اجزاء تسبيح الركوع والسجود عن القرائة، فعن ابى بصير عن ابى - عبد الله (ع) قال ان نسى ان يقرء في الاولى والثانية اجزاه تسبيح الركوع والسجود (الحديث). (الحديث 3 من الباب 29 من ابواب القرائة). وهذا دليل على بدلية التسبيح عن القرائة لا جواز تركه مطلقا مع اتمام الركوع والسجود، وبالجملة لا يتجاوز دلالة الحديث - لو قلنا به - عن حد الاشعار على كفاية الركوع والسجود عن غيرهما عند النسيان فلا يمكن الاستدلال به، لا سيما مع عدم عموم فيه يشمل غير القرائة من الاجزاء. ويوهن الثاني - مضافا إلى وهنه بالارسال (ومع الغض عنه لكون المرسل ابن ابى عمير) ضعيف بوجود سفيان بن السمط الذى من المجاهيل بان الرواية ليست في مقام بيان قاعدة كلية حاكمة بعدم فساد الصلوة بالزيادة والنقيصة في اجزائها بل هي ناظرة إلى بيان تدارك ما عرضه من

[ 522 ]

النقيصة والزيادة بعد الفراغ عن صحتها معه. والحاصل ان الحكم بصحة الصلوة في كل زيادة ونقيصة سهوية شئ والحكم بلزوم تداركها بعد الفراغ عن صحتها بسجدة السهو شيئ، آخر والظاهر ان الرواية بصدد بيان الثاني لا الاول. فإذا ثبت صحة الصلوة مع الاخلال ببعض ما يعتبر فيها نقيصة وزيادة وجب تداركه بسجدة السهو، وهذا لا ربط له بما نحن فيه.

[ 523 ]

4 - هل تجرى القاعدة في موانع الصلوة؟ لا شك في شمول القاعدة للاجزاء والشرايط انما الكلام في شمولها للموانع، مثلا إذا كان المصلى ناسيا لمانعية لبس الذهب للرجال أو لموضوعه وصلى وفى يده خاتم من ذهب، فهل يمكن الفتوى بصحة صلوته نظرا إلى انه اتى بالخمسة كملا من دون الاخلال بشئ منها فيشمله اطلاق الحديث؟ الظاهر في بدء النظر هو ذلك، لعدم المانع من شمول الاطلاق له، ولكن عند التأمل الصادق يظهر عدم شموله لها أو الشك فيه وذلك لامرين، اولهما - ان الظاهر من الاستثناء كون المستثنى منه من جنس المستثنى فانه في الحقيقة اخراج ما لولاه لدخل، واما انقطاع الاستثناء فهو امر مخالف لظاهر الجملة الاستثنائية لا يصار إليه الا بدليل. وحيث ان المستثنى في محل البحث هو من الاجزاء والشرائط فقط يعلم ان المستثنى منه ايضا ليس الا منها، واحتمال اندراج الموانع

[ 524 ]

كلها في المستثنى منه وان كان غير بعيد، الا ان اختصاص المستثنى بهما قد يكون قرينة على اختصاص المستثنى منه ايضا، ولا اقل من كونه من قبيل المحفوف بما يحتمل القرينية وهو مانع عن الاطلاق والعموم كما ذكر من محله فتأمل. ثانيهما - ما ورد في ذيل الحديث من قوله (ان القرائة سنة والتشهد سنة والسنة لا تنقض الفريضة كالتعليل لما ذكر في صدره، وهو ايضا قرينة على ان محط البحث هو الاجزاء والشرايط فقط وان ما كان منها سنة (غير ركن) لا يوجب نقض الفريضة (اعني الواجبات الركنية) فتأمل. وعلى كل حال لا تطمئن النفس باطلاق القاعدة ويقوى فيها انصرافها إلى خصوص الاجزاء والشرايط فكان الموانع مسكوت عنها، ولا اقل من الشك في الشمول اللازم معه الرجوع إلى مقتضى القاعدة الاولية وهو الفساد بالاخلال بشئ مما يعتبر في المركب وجودا أو عدما.

[ 525 ]

5 - هل تشمل القاعدة زيادة الاجزاء ايضا؟ لا ريب في شمولها النقص شئ من الاجزاء والشرايط، وانما البحث في شمولها لزيادة ما يمكن الزيادة فيها. واعلم ان هناك اقوالا ثلثة: اولها - انها مختصة بالنقيصة ولا تشمل الزيادة ابدا. ثانيها - انها تعم النقيصة والزيادة معا، ولا تختص بزيادة غير الخمسة، بل تشمل زيادة الخمسة ايضا (فيما يتصور فيه الزيادة) فالخمسة انما استثنيت من حيث النقيصة فقط ولم تستثن من ناحية الزيادة، فزيادتها ايضا لا توجب الفساد. ثالثها - انها تعم الامرين ولكن زيادة الخمسة كنقيصتها توجب البطلان فهى مستثناه من الجانبين فالمعنى انه لا تعاد الصلوة من نقيصه أو زيادة شئ ما عدا نقيصة أو زيادة الخمسة.

[ 526 ]

واذ قد عرفت ذلك نرجع إلى دليل كل من هذه الاقوال: اما القول الاول فيدل عليه ان نفس ادلة اعتبار الشرائط والاجزاء لا تدل على المنع عن الزيادة لولا ادلة المانعية، وان شئت قلت: ادلة الجزئية والشرطية انما تدل على اختلال الماهية المركبة عند فقدانها واما إذا وجدت - سواء وجدت مرة أو مرارا - فلا تدل على اختلالها به كما هو ظاهر. نعم ادلة الموانع قد تدل على المنع من زيادة بعض الاجزاء أو جميعها وهذا امر لا دخل له بادلة اعتبار الاجزاء والشرايط. وبعد ما عرفت آنفا من عدم شمول اطلاق القاعدة ودليلها لغير الاجزاء والشرائط وانها لا دلالة لها على حكم الموانع ينتج عدم شمولها للزيادة مطلقا فانها امر تعود إلى المانعية غير الداخلة في القاعدة. ويدل على القول الثاني ان الحكم ببطلان الصلوة بزيادة بعض اجزائها أو جميعها في الحقيقة ترجع إلى اشتراط عدمها فيها، فالشرط تارة يكون وجوديا كالطهارة وغيرها، واخرى عدميا كعدم الزيادة، فإذا قلنا بعموم القاعدة للشرايط كلها - ومنها عدم الزيادة - فتشمله ايضا فالحديث دال على ان الاخلال باى شئ من الشرائط الوجودية والعدمية غير مضر ما عدا الاخلال بخصوص الخمسة الظاهر في نقيصتها فقط، فيبقى زيادة الاجزاء مطلقا تحت المستثنى منه، ويدل على القول الثالث ان ارجاع مانعية الزيادة إلى شرطية عدمها امر خارج عن متفاهم العرف وانما هو دقة عقلية لا يعتنى بها في هذه الابواب، بل الذى يفهمه اهل العرف ان اصل الزيادة كالنقيصة مفسدة،

[ 527 ]

لا ان عدم الزيادة شرط. فالمستفاد من حديث لا تعاد - على اطلاقه - انه لا يضر الاخلال بالنقيصة والزيادة من ناحية غير الخمسة، وانما يضر الاخلال بهما من الخمسة مطلقا. هذا غاية ما يمكن ان يقال في توجيه كل من المذاهب الثلاث ولكن الحق هو القول الاول فتختص بالنقيصة دون الزيادة. والدليل على ما اخترناه يبتنى على مقدمة وهى: ان ما يقال من ان ادلة اعتبار الاجزاء والشرائط ناظرة إلى اعتبارها في مقابل انعدامها لا في مقابل الزيادة كيفما كان، كلام شعرى لا حقيقة تحته، لان المركبات الشرعية كالمركبات الخارجية كلها محدودة من الجانبين، من جانب الزيادة والنقيصة فانا لا نجد مركبا عرفيا أو شرعيا يكتفى فيه بمجرد وجود الاجزاء باى كمية ومقدار كان، فكما ان اصل وجود الجزء لازم لاخذ النتيجة المرغوبة من المركب فكذا مقدارها ايضا معتبر قطعا. فالناظر إلى تحديد الاجزاء من الجانبين هو نفس ادلة الجزئية لا انه دليل آخر يدل على مانعية الزيادة، وهذا امر ظاهر لمن سبر مواردها في العرف والشرع. وحديث لا تعاد كالاستثناء من ادلة الاجزاء والشرائط فلابد ان يكون عاما شاملا للنقيصة والزيادة كما ان نفس تلك الادلة كذلك. ولكن الذى يوهن اطلاقه هو ذيل الحديث الذى يكون كالعلة لما في صدره، وهو قوله التشهد سنة والقرائة سنة والفريضة لا تنقض

[ 528 ]

بالسنة، ومن المعلوم ان هذا التعليل انما هو في ناحية الفقدان والنقيصة لانه يقول: ان الفرائض وهى الاجزاء الركنية إذا وجدت لا تضرها فقد الاجزاء غير الركنية وهى السنة في اصطلاح الحديث. هذا مضافا إلى عدم تصور الزيادة في ثلثة من الخمسة وهى الوقت والقبلة والطهور وانما يتصور في اثنين منها، وهذا وان لم يكن مانعا عن عموم الحديث للزيادة ايضا الا انه يوهنه في الجملة فتدبر. فالحكم بعموم القاعدة لزيادة الاجزاء لا يخلو عن اشكال.

[ 529 ]

6 - هل تختص القاعدة بمن فقد الشرط والجزء في تمام الصلوة؟ لا ينبغى الكلام في عمومها لمن فقد شيئا من اجزائها وشرائطها في تمام الصلوة ولكن إذا فقد شيئا منها في بعض صلوته كمن صلى ركعة بلا ستر شرعى ثم التفت واستتر، أو صلى في النجاسة ركعة ثم التفت والقى الثوب النجس عن عاتقه مع وجود غيره الطاهر. قد يتوهم ان لفظ (الاعادة) ظاهر فيمن اتى بصلوته تماما ثم رجع واتى به ثانيا وان من قطع صلوته وبنى عليها بعدا لا يصدق في حقه الاعادة وقد يكون هذا مانعا عن الاخذ بالعموم. ولكنه توهم فاسد لاطلاق لفظ الاعادة على القطع في الاثناء والبناء على العمل، ولا يختض بما بعده، وقد عبر عنه بالاعادة في كثير من الموارد من دون أي حزازة مثل قوله (ع) في حديث زرارة الواردة في ابواب الاستصحاب (قلت ان رأيته في ثوبي وانا في الصلوة قال تنقض الصلوة وتعيد...) وان ابيت عن عدم شمول الحديث له فلا شك في شمولها بالاولوية القطعية فإذا صحت الصلوة مع ترك الستر نسيانا في مجموعها فكيف لا تصح إذا تركه في ركعة منها مثلا؟

[ 530 ]

7 - حكم ساير الاركان ماذا؟ قد ثبت لما من سائر الادلة ان اركان الصلوة لا تختص بالاثنين من الخمسة اللذين من الاجزاء وهما الركوع والسجود، بل تكبيرة الاحرام والقيام المتصل بالركوع والقيام عند تكبيرة الاحرام ايضا منها وأنه لو أخل بها ولو سهوا بطلت صلوته، مع عدم ذكرها في عداد الخمسة المذكورة في المستثنى. ويمكن ان يجاب عنه: اولا - بان الرواية عام كساير العمومات قابل للتخصيص، فتخصص بساير الاركان كغيرها من العمومات. اللهم الا ان يقال ان العمومات المشتملة على العدد في المخصص يشكل تخصيصها بمخصص آخر فانه اشبه شئ بالمعارض لا المخصص، فإذا قال المولى اكرم العلماء الا اثنين منهم، ثم ورد في دليل آخر نفى الا - كرام من واحد آخر كان كالمعارض له، ولا سيما فيما إذا كان الاستثناء من النفى فانه اقوى مفادا، وكيف يمكن جعل الاثنين ثلثا أو الثلث اربعا وما

[ 531 ]

الداعي على ذكر خصوص الاثنين. اللهم الا ان يكون هناك داع إلى التخصيص بالذكر مستفادا من قرائن المقام أو الكلام، اما في مثل ما نحن فيه لا نجد وجها في تخصيص الخمس من بين الاركان بالذكر واى فرق بينها وبين غيرها. وثانيا - اشيئا من هذه الامور الثلثة لا يوجب تخصيصا زائدا فيه وان كان في بدء النظر كذلك. اما القيام المتصل بالركوع - والمراد منه ان يكون ركوعه عن قيام، لا عن جلوس بان يرجع من القعود إلى حد القيام منحنيا - فلانه محقق لعنوان الركوع وبدونه لا يصدق عنوانه فالاخلال بهذه القيام، وألاكتفاء بادائه من قعود، اخلال بنفس الركوع واقعا فليس هذا ركنا مستقلا في قبال ساير الاركان بل هو محقق لو احد من الخمسة المذكورة في الرواية. واما تكبيرة الاحرام فانها محققة لعنوان الصلوة وافتتاحها، وبدونها لا تفتتح الصلوة ولا يحرم عليه شئ مما يحرم على المصلى، فلا تتحقق الصلوة بدونها، ومن الواضح ان قاعدة لا تعاد موضوعها الصلوة فإذا لم يصدق عنوانها لم يكن لها موضوع، ويستفاد ذلك من روايات متعددة وردت في بابها. فعدم ذكرها في الحديث انما هو من جهة انها مذكورة في الواقع بعد اخذ عنوان الصلوة في موضوع القاعدة، فليست هي تخصيصا زائدا في القاعدة. واما القيام عند التكبير فهو شرط في صحتها شرعا وبدونه لا تتحقق

[ 532 ]

تكبيرة الاحرام التى هي محققة لعنوان الصلوة وافتتاح لها، فليس واجبا مستقلا ركنيا حتى نحتاج إلى تخصيص زائد في القاعدة. فتلخص من جميع ما ذكر ان المستثنى من القاعدة في الحقيقة ليست الا الخمسة المذكورة فيها واما غيرها مما عدوه من اركان الصلوة فاما يعود إليها بنحو من الاعتبار أو محقق لموضوع القاعدة وهى الصلوة فتدبر.

[ 533 ]

8 - في تعارض القاعدة مع غيرها مما ورد في حكم الزيادة قد يتوهم ان هناك تعارضا بين القاعدة وبين ما ورد في ابواب الخلل من بطلان الصلوة بمطلق الزيادة فيها، فقد روى ابو بصير عن ابى عبد الله (ع) انه قال: (من زاد في صلوته فعليه الاعادة). (رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب الخلل، الحديث 2) فإذا قلنا بان القاعدة تختص بباب النقيصة ولا دلالة لها على حكم الزيادة كما قويناه آنفا فلا كلام، اما لو قلنا بما اختاره بعض من اطلاقها وشمولها للزيادة والنقيصة معا - كما في القولين الاخرين - فيقع التعارض بينهما، ولا مناص من علاجه بنحو من انحاء المذكورة في بابه. ولكن قبل كل شئ لابد من ملاحظة النسبة بين الدليلين: فقد يقال بوجوب ملاحظة النسبة بين كل واحد من المستثنى والمستثنى منه مع حديث ابى بصير. وفيه ما لا يخفى من الضعف فان العام المخصص بالمتصل دليل

[ 534 ]

واحد ولذا لا ينعقد له ظهور من الاول في العموم بعذ ذكر الخاص متصلا به، فلا معنى للتفكيك بينهما، فهذا الاحتمال ساقط جدا. فلابد من ملاحظة النسبة بين حديث زرارة المشتمل على القاعدة كملا، وحديث ابى بصير، ومعلوم ان النسبة بينهما عموم من وجه. لان القاعدة تشمل الزيادة والنقيصة معا على الفرض فهى اعم من حديث ابى بصير المختص بالزيادة، ولكنها اخص منه من جهة، لاستثناء الخمس منها دون حديث ابى بصير، فهى اعم واخص من وجه. ومورد التنازع بينهما هو الزيادة في غير الخمس، فان القاعدة تدل على صحة الصلوة معها وحديث ابى بصير يدل على وجوب الاعادة عليه. هذا ويمكن القول بوجوب تقديم القاعدة عليه لوجهين. الاول: انها اظهر من غيره لاشتمالها على التعليل بقوله: القرائة سنة والتشهد سنة.... ولا تنقض السنة بالفريضة، بينما لا يكون في حديث ابى بصير تعليل. الثاني - ان القاعدة ليست في مرتبة حديث الزيادة بل هي مقدمة عليه بالحكومة. لا يقال دليل الحاكم لابد ان يكون ناظرا إلى دليل المحكوم - كما حققناه في محله - خلافا لمن لم يعتبر ذلك، ومن المعلوم انه لا نظر لواحد من هذين الدليلين إلى الاخر حتى يكون احدهما حاكما على الاخر، بل واحد منهما مثبت لوجوب الاعادة في الزيادة والاخر ناف له، وبينهما مضادة لا حكومة. فانا نقول: ان القاعدة بمقتضى دليلها ناظرة إلى تحديد دائرة

[ 535 ]

مدلول حديث ابى بصير إذ لو لم يكن هناك دليل على مانعية الزيادة (بمقتضى حديث ابى بصير الذى هو مكمل لادلة اعتبار جزئية اجزاء الصلوة) لم يكن موقع للقاعدة بالنسبة إلى حكم الزيادة. وبعبارة اخرى مفروض الكلام في القاعدة فساد الصلوة من ناحية النقيصة والزيادة بحسب طبعها الاولى ولكن القاعدة يجعل لها حدا وان الاعادة المفروضية منفية في غير الخمس، فهى ناظرة إلى تحديد حكمها وهو كاف في باب الحكومة. والحاصل ان قوله (لا تعاد الخ) انما هو بعد فرض وجوب الاعادة بنحو الاطلاق بمقتضى دليل آخر، مثل حديث ابى بصير الدال على ان من زاد في صلوته فعليه الاعادة وبدونه ليس لها معنى محصل فتدبر. هذا ولكن قد عرفت ان الزيادة لا تتصور في غير الاثنين من الخمس وهما الركوع والسجود فيلزم تخصيص حكم من زاد في صلوته فعليه الاعادة - بالمآل - بهذين، وعندئذ يمكن ان يقال باستهجان هذا التخصيص وان اخراج ما عدا الركوع والسجود وابقائهما تحته امر بشيع، وهل يحتمل ان يكون المراد من قوله من زاد في صلوته فعليه الاعادة، من زاد في ركوعه وسجوده فعليه الاعادة ولو كان كذلك فلم عدل عن التعبير به إليه. ولعل هذا من المؤيدات لما اخترناه سابقا من عدم شمول القاعدة للزيادة اصلا وعليه لا يلزم شئ من هذا المحذور فتدبر. وقد يقال ان استهجان التخصيص انما يكون في فرض اختصاص حديث ابى بصير بالزيادة السهوية، واما لو قلنا بانه يعم السهوية والعمدية والزيادة العمدية دائما موجبة للفساد خارجة عن تحت قاعدة لا تعاد، فما

[ 536 ]

يبقى تحت حديث ابى بصير شئ كثير. ولكنه مدفوع بان الحديث منصرف عن الزيادة العمدية قطعا لانه بصدد بيان حكم من يريد الامتثال ومن الواضح ان مثله لا يزيد في صلوته عمدا، وهو نظير ما ذكرناه في خروج النقيصة العمدية عن تحت قاعدة لا تعاد. هذا ولكن ما ذكر انما يصح إذا كان هناك دليل على البطلان بالزيادة من قبل، وعندئذ يصح ان يقال ان المريد للامتثال لا يخالفه عمدا، واما إذا كان دليل البطلان هو هذا الحديث وشبهه فلم يكن هناك مانع عن شمولها للزيادة العمدية. والحاصل ان الدليل على شرطية عدم الزيادة هو هذا الحديث (حديث ابى بصير) وشبهه المكمل لادلة الاجزاء والشرايط وهو شامل للزيادة العمدية والسهوية معا فلا موجب لاستهجان التخصيص هنا. وهنا احتمال آخر في معنى الحديث يبتنى على اختصاصه بالزيادة في الركعات فقط إذ زيادة بعض الاجزاء لا تعد زيادة في الصلوة وليس مجرد الجزء صلوة، وانما الزيادة فيها تكون بركعة فانها اقل ما يصدق عليه عنوان الصلوة وعلى هذا لا دخل بالحديث لما نحن بصدده اصلا ولا يبقى محل للمعارضة بينه وبين القاعدة وتمام الكلام في معنى الحديث من هذه الناحية موكول إلى محله من كتاب الصلوة باب الخلل.

[ 537 ]

9 - قاعدة الميسور

[ 539 ]

معنى قاعدة الميسور وموردها إذا تعذر بعض اجزاء المركبات الشرعية كالصلو والحج والوضوء وغيرها (كمن لا يقدر على السورة لضيق الوقت) أو بعض شرايطها، (كمن لا يقدر على الستر أو مراعاة القبلة) أو اضطر إلى ارتكاب بعض الموانع (كما إذا اضطر المصلى إلى الصلوة في الثوب النجس أو اجزاء غير المأكول) فان قام هناك دليل خاص على وجوب الاتيان بالباقي، أو وجوب ترك الكل لعدم الامر بالباقي فلا كلام. اما ان لم يكن هناك دليل على شئ من الطرفين فهل هناك قاعدة تقتضي وجوب الباقي الا ما خرج بالدليل ام لا؟ المعروف في كثير من كلمات القوم نعم، وهو المسمى بقاعدة الميسور، مأخوذة من الحديث المشهور الاتى (الميسور لا يسقط بالمعسور) يعنى تعسرا البعض لا يكون موجبا لسقوط الباقي إذا كان التعسر موجبا لسقوط التكليف بالمعسور. ثم انه لا اشكال في ان قضية اطلاقات ادلة الجزئية والشرطية هي سقوط الباقي بتعذر بعض الاجزاء أو الشرايط، االاضطرار إلى ارتكاب بعض الموانع، وذلك لان اطلاقها دليل على اعتبارها في المأمور به

[ 540 ]

مطلقا حتى في ظرف التعذر ولازمه عدم الفايدة في فعل الباقي وهو واضح. مدركها واسنادها استدل للقاعدة بامور مختلفة ولكن العمدة من بينها الروايات الثلث، المرسلات، المشهورات، وسيأتى الاشارة إلى امور اخر استدل بها لها ايضا ان شاء الله. الاولى، ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: إذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم. الثانية ما روى عن على (ع) الميسور لا يسقط بالمعسور. الثالثة ما روى عنه (ع) ايضا: ما لا يدرك كله لا يترك كله ولكن رواهما في الكفاية عن النبي صلى الله عليه وآله ايضا بينما صرح غير واحد بنقلهما عن على (ع) وقد نقل المحقق الاشتيانى في تعليقاته عن غوالى اللئالى روايتهما عن على (ع). والظاهر انهما كذلك مرويان عنه (عليه السلام). وقد روى الحديث الاول مسندا عن طرق العامة فقد رواه البهيقى في سننه عن احمد بن حنبل عن يزيد بن هارون عن الربيع بن مسلم القرشى عن محمد بن زياد عن ابى هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ايها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل اكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال

[ 541 ]

ذروني ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم إلى انبيائهم وإذا امرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه، ثم قال البيهقى: رواه مسلم في الصحيح عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون - (1). وقد يقال ان ضعف اسناد الاحاديث منجبرة بالشهرة المحققة وقد قيل انها بلغت حد الاشتهار حتى يعرفها العوام النسوان وقال العلامة الانصاري في كلام له في القاعدة في ابواب اصالة الاشتغال: (وضعف اسنادها مجبور باشتهار التمسك بها بين الاصحاب في ابواب العبادات كما لا يخفى على المتتبع. الكلام في دلالتها لو سلمنا انجبار اسناد بما عرفت من الشهرة بقى الكلام في دلالتها فانها قابلة للبحث والتنقيب من شتى الجهات. اما الحديث الاولى فالاستدلال به يتوقف على كشف معنى (من) و (ما) فيه. اما (من) في قوله صلى الله عليه وآله (منه) فتحمل ثلاث معان. 1 - ان تكون تبعيضية، فالمعنى فأتوا البعض الذى تستطيعون واتركوا مالا تستطيعون. 2 - ان تكون بمعنى (الباء) فتكون للتعدية فان الاتيان يتعدى بالباء.


1 - السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 326.

[ 542 ]

3 - ان تكون بيانية وهذا الاحتمال ضعيف لعدم كون الضمير الواقع بعدها بيانا لشئ، فيبقى الاحتمالان الاولان، وحمل الحديث على كل منهما جائز وان كان الاول اظهر لان الغالب في معنى (من) هو التبعيض ولا اقل من انها اشهر واعرف من كونها بمعنى الباء. ولكن يبقى الكلام في ان المراد التبعيض بحسب الافراد والاجزاء، يعنى فأتوا من افراده ومصاديقه ما استطعتم، أو من اجزائه ما استطعتم، ومن الواضح ان دلالته على المطلوب انما تتم لو كان التبعيض بحسب الاجزاء لا الافراد. ولكن الذى يبعد هذا الاحتمال شأن ورود الحديث وما عرفت من مسألة الحج المروية في كتبهم بعبارات مختلفة كلها ترمى إلى شئ واحد وهو انه صلى الله عليه وآله قالها عند السؤال عن تكرار الحج أو الاتيان به مرة واحدة مدة العمر وهو صريح في ان المراد منه التبعيض بحسب الافراد لا الاجزاء. فالاستدلال بالحديث على دلالة الامر على التكرار في قبال القول بدلالته على المرة أو عدم الدلالة على شئ اولى من الاستدلال به على قاعدة الميسور - كما ذكره في الفصول - وان كان فيه ايضا ما لا يخفى كما سيأتي. هذا مضافا إلى ان الاتيان بالحج مكررا بمقدار الاستطاعة ليس واجبا باجماع الامة بلا خلاف من احد، فالامر في الحديث محمول على الاستحباب، وهذا اشكال آخر عليه. والحاصل ان التمسك به ممنوع من وجهين، من جهة ظهوره بقرينة المورد في التبعيض الافرادى - وهو خلاف المطلوب - ومن جهة ظهوره

[ 543 ]

في الاستحباب بقرينة المورد ايضا. واما كلمة (ما) في قوله استطعتم فتحتمل ايضا وجهين: الموصولة والمصدرية المادامية. فعلى الاول يراد بها كل شئ استطعتم من افراده، وعلى الثاني يكون المراد الاتيان به مادامت القدرة على تكراره باقية. والاول اظهر وان كان متحدا مع الثاني في النتيجة. بقى هنا كلام وهو انه قد يتكلف لتصحيح الاستدلال بالحديث بامكان استعمال لفظ الشئ في قوله إذا امرتكم بشئ في الاعم من المركب ذات اجزاء والطبيعة ذات افراد فيكون المراد من قوله (ما استطعتم) الاعم من الاجزاء الميسورة وافرادها كذلك، عند عدم القدرة على الجميع، فيشمل القاعدة ومورد الحديث جميعا من دون أي محذور. وما قد يقال من لزوم محذور الجمع بين اللحاظيين المتنافيين فان لحاظ الكل في مقابل الاجزاء ينافى لحاظ الكلى في مقابل الافراد. مدفوع بان استعماله في كليهما وان كان كذلك الا ان استعماله في الجامع بين الامرين بمكان من الامكان واى جامع اوسع واشمل من كلمة (شئ) الدال على مطلق الموجود. فاذن لا مانع من الاخذ بالحديث في المقام. ولكن مع ذلك كله لا يمكن المساعدة عليه فان استعمال الشئ في الجامع بل في كل واحد منهما بعينه وان كان جائزا - كما ذكرنا في

[ 544 ]

محله من جواز استعمال لفظ واحد في اكثر من معنيين وان تعدد اللحاظين بل وتنافيهما امر شعرى لا حقيقة له، فان الاستعمال ليس من قبيل فناء اللفظ في المعنى الذى هو آنى الوجود - الا ان هذا النحو من الاستعمال مخالف للظاهر لا يصار إليه الا بدليل، كما ان استعماله في الجامع هنا ايضا مخالف لظاهر سوق الحديث، بل الظاهر منه هو خصوص الافراد لا غير كما يظهر بادنى تأمل في معنى الحديث عند متفاهم العرف. هذا مضافا إلى لزوم استعمال الامر في الجامع بين الوجوب والاستحباب لما قد عرفت من عدم وجوب التكرار في الحج قطعا وهذا ايضا يحتاج إلى قرينة بعد القطع بلزوم صرفه عن الوجوب الظاهر فيه بمقتضى طبيعته. وبالجملة الاستدلال بها للقاعدة مشكل جدا. الحديث الثاني وهو المروى عن على (ع): الميسور لا يسقط بالمعسور، وقد يقال ان دلالته اظهر من الاول لعدم وجود مورد خاص له يخرجه عن ظهوره في الاجزاء. ولكن مع ذلك فيه ابحاث من جهات شتى: اولها - هل المراد منه الميسور من الافراد، أو من الاجزاء أو الاعم منهما؟ فان المتعلق فيه محذوف ويحتمل امورا مختلفة. ومن الواضح انه لا يصح الاستدلال به الاعلى الاولين، فهذا مانع عن التمسك به.

[ 545 ]

ولكن لا يبعد دعوى الاطلاق فيه، فالميسور من كل شئ - سواء كان من افراده كما إذا لم يتمكن من صوم كل يوم من شهر رمضان، أو من اجزائه كما إذا لم يتمكن من السورة في صلوته - لا يترك بمعسوره. ثانيها هل الامر فيه المستفاد من قوله (لا يسقط) للوجوب أو اعم منه والاستحباب؟ قد يقال ان مقتضى اطلاقه وشموله للمستحبات - لعدم الدليل على خروجها منه - كون الامر بالباقي مستعملا في الاعم، فقوله لا يسقط لا ظهور له في التحريم مطلقا، وحينئذ يسقط الاستدلال بها حتى في مورد الواجبات. والحاصل انه لو قلنا بخروج المستحبات عنه كان تخصيصا بلا مخصص، وان قلنا بشموله لها سقط ظهور الامر فيها عن الوجوب. هذا ولكن الانصاف ان اطلاقه لا يمنع عن الاخذ به في المقام لظهوره في اتحاد حكم الميسور من العمل مع الكل، فان كان واجبا فهو واجب وان كان مستحبا فهو مستحب. وهذا مما لا ينبغى الشك فيه. ثالثها ان اجزاء المركب ليس ميسورا للكل ابدا، وذلك لان وجوب الجزء في ضمن وجوب الكل وجوب ضمنى غير استقلالي ومن الواضح ارتفاعه بارتفاع وجوب الكل فلو ثبت هناك وجوب على الاجزاء الباقية كان وجوبا اخر غير ضمنى بل كان استقلاليا فهذا ليس ميسورا له بل شئ مباين له. وان شئت قلت إذا ارتفع وجوب الكل لتعذر بعض اجزائه كان وجوب الباقي، بالوجوب السابق، من قبيل الانتفاء بانتفاء الموضوع. فاذن لابد من تخصيصه بافراد الكلى وانه لا تسقط الافراد الممكنة بالافراد المعسورة.

[ 546 ]

هذا وفيه اشكال واضح لان الميسور والمعسور صفتان للاجزاء والكل لا للوجوب العارض لهما فلو فرض اختلاف الوجوبين لم يختلف الموضوعين فالمعنى ان الحمد والركوع والسجود التى تكون ميسورة لا تترك بتعذر الاتيان بالسورة وان شئت قلت هذان عنوانان مشيران إلى ذوات الاجزاء الخارجية المعتبرة في المركبات لا إليها بصفة الجزئية للكل حتى تنتفى بانتفاء الكل. رابعها ان الحكم بعدم السقوط محمول على الميسور، أي (الميسور من العمل) فلابد من احراز هذا العنوان قبلا حتى يصح الحكم بعدم سقوطه، ومن المعلوم ان كون الشئ ميسورا من العمل معناه كونه مما يصدق عليه عنوانه في الجملة ويقوم به الملاك والمصلحة كذلك. وان شئت قلت: الميسور من الشئ هو ما لا يصح سلب اسمه منه فإذا كان المتعذر من الاجزاء ما يوجب سلب الاسم عنه كان الباقي خارجا عن محط القاعدة فإذا امر المولى عبده بطبيخ يترك من عدة اجزاء من الارز وبعض الحبوب والبقل والملح والماء، ولم يقدر العبد الا على الملح والماء لم تجر القاعدة في حقه ولا تعد هذان ميسورا للطبيخ كما هو واضح. وإذا كان الامر كذلك اشكل الامر في المركبات الشرعية لان صدق الاسم وعدمه موكول إلى تشخيص الشارع وامره، فشمول القاعدة لها موكول إلى امره والمفروض ان الامر بالباقي لا يستكشف الا من القاعدة. والانصاف ان هذا الاشكال ايضا قابل للدفع لان صدق العناوين الشرعية مثل الصلوة واشباهها لا يتوقف على ورود الامر بها شرعا بل المقياس

[ 547 ]

فيه نظر المتشرعة المتبع في الحقايق الشرعية المقتبس من مذاق الشارع المقدس. فلو تعسر جميع اركان الحج ولم يقدر الا على مجرد صلوة الطواف أو هي والطواف نفسها لم يصدق عليها عنوان الحج قطعا بخلاف ما لو قدر على الوقوفين وغير هما ما عدا رمى الجمرات مثلا. وكذا الكلام في الصلوة وغيرها. فتلخص من جميع ما ذكرنا امكان دفع جميع الاشكالات عن الرواية فلو ثبت اعتبار اسنادها بالشهرة لم يبق غبار على الاستدلال بها. هذا ولكن ستعرف ان شاء الله بعد نقل الحديث الثالث ان هنا اشكالا هاما عليهما لا يمكن دفعه ومعه يشكل الاعتماد عليهما في اثبات القاعدة. اما الحديث الثالث وهو ما روى عن امير المؤمنين (ع) ما لا يدرك كله لا يترك كله فالكلام فيه من بعض الجهات كالكلام في سابقه فان كلمة (كل) كما يحتمل الكل بحسب الافراد يحتمل الكل بحسب الاجزاء وكذلك يحتمل الاعم منهما. لا يبعد دعوى الاطلاق فيه ايضا فان لفظة كل جامع بينهما فمعنى الحديث إذا لم يدرك جميع الافراد الواجب فعلها لا يترك جميعها، كما انه إذا يتمكن من تمام اجزاء المركب لا يترك جمع اجزائه.

[ 548 ]

وان ابيت عن ذلك لم يبعد القول بان ظهور الكل في الجمع من ناحية الاجزاء اقوى من ظهوره في جمع الافراد فتدبر. وعلى كل حال لو تم الحديث من ناحية السند لم يبعد تماميته من ناحية الدلالة. ولكن هنا اشكال ذات اهمية يرد على الحديثين وهو: لا شك في ان قاعدة الميسور عقلائية قبل ان تكون شرعية وقد اشتهرت بين العقلاء بعبارات شتى واستعارات وتشبيهات مختلفة وقد ذكره الشعراء في اشعارهم بما يطول بذكرها المقام. فإذا لم يقدروا على الوفاء بجميع ما وعدوه، أو فعل جميع ما التزموه، أو اداء جميع ما يجب عليهم بنحو من الانحاء، أو كسب جميع ماله دخل في مقاصدهم تنزلوا إلى ما يمكن ادراكه. وهكذا الامر في جميع اعمالهم وحاجاتهم فلا يوجب عدم القدرة على جميع الافراد أو جميع الاجزاء ترك جميعها والاعراض عن تحصيل ما يمكن تحصيله من الافراد والاجزاء. وهذا من الوضوح بمكان لا يخفى على احد. ولكن ليس ذلك عندهم الا في العمومات الافرادية التى يكون كل فرد مشتملا على مصلحة مستقلة، أو المركبات التى تكون ذات مراتب من ناحية المصالح كما هو كذلك غالبا، وبعبارة اخرى تتعلق بكل مرتبة منه طلب وتتعدد فيها المطلوب وان كان لا يجوز الاقتصار على المرتبة الدانية عند التمكن من المرتبة العالية. فالمعجون المركب من عشرة اجزاء التى تقوم بمصالح مختلفة إذا لم

[ 549 ]

تكن جميعها ميسورة وكان في الخمسة أو الستة أو الاقل منها بعض المصلحة عمدوا إليها تعويلا على تلك القاعدة العقلائية. وعندئذ لابد من احراز تعدد المطلوب قبلا حتى يجوز الاخذ بهذه القاعدة فلو قلنا ان قوله (ع) ما لا يدرك كله لا يترك كله، أو قوله (ع) الميسور لا يسقط بالمعسور ايضا اشارة إلى هذه القاعدة وامضاء لها لا تأسيس لقاعدة اخرى، بل ولا فيها تطبيق خاص على المركبات الشرعية حتى تكون منقحا لمصاديقها الشرعية ودليلا على ان مركباته دائما ذات مراتب من المصلحة (الا ما خرج بالدليل) فيجوز الاكتفاء بالبعض عند عدم القدرة على الجميع، وحينئذ لم يجز الاخذ بهما وان تمت اسنادهما ودلالتهما. والانصاف ان القول بدلالتهما على ازيد مما ذكرنا مما هو ثابت بين العقلاء مشكل جدا، بل الظاهر انها ارشاد إلى ما عندهم لا غير فليس فيها تعبد بتعدد المراتب والمطلوبات في المركبات الشرعية مصداقا ولا تأسيس قاعدة جديدة مفهوما. بل لابد من احراز تعدد المطلوب أو قيام بعض الملاك بالناقص بعد تعذر الكامل حتى يتمسك بها ومن المعلوم عدم الحاجة إلى تعبد خاص حينئذ. وعندئذ نقول: إذا ثبت من الخارج ان المركب الفلاني ليس قابلا للتبعيض من ناحية الاجزاء والشرايط والموانع - كالصوم - فلا تجرى فيه القاعدة اصلا. فلا يجوز الاكتفاء بصيام بعض اليوم عند عدم القدرة على الجميع أو الاكتفاء باجتناب بعض المفطرات عند عدم القدرة على ترك جميعها،

[ 550 ]

اللهم الا في مثل مرض الاستسقاء على اشكال قوى. وإذا ثبت من مذاق الشارع وموارد احكامه ان المركب الفلاني يقبل التبعيض كذلك نقول بجريان القاعدة فيه وذلك مثل الصلوة حيث قد ثبت عدم جواز تركها بمجرد تعذر بعض اجزائها أو شرايطها أو عدم القدرة على ترك جميع موانعها. ولكن مع ذلك لابد من ان يكون الباقي مما يصدق عليه عنوان الصلوة ولو على الاعم. وإذا لم يثبت شئ من الامرين لم يجز التمسك بها لعدم احراز موضوعها كما هو ظاهر. ولعل تمسك القوم بها انما هو فيما كان من قبيل القسم الثاني فاستشهادهم بالروايات بعنوان قاعدة في كلماتهم لا يكون دليلا على كونها قاعدة تعبدية ثبتت من الشرع، بل هي كما عرفت قاعدة عقلائية مركوزة في جميع الاذهان عند احراز موضوعها. ولا اقل من الشك في ذلك ومعه لا يجوز الاستدلال بها كقاعدة تعبدية خاصة. ومما يجب ذكره في المقام ما قد يقال انه قلما يكون موردا تمسك الاصحاب بهذه القاعدة فيها الا وقد ورد فيه نص خاص. فكأنهم ذكروها تأييدا للنصوص الواردة فيها فتأمل.

[ 551 ]

جريان القاعدة في المستحبات ومما ذكرنا تعرف ان التمسك بالقاعدة في المستحبات اظهر واوضح لما قد ثبت في محله من ان القيود الواردة في المستحبات ليست غالبا من قبيل التقييد بل من قبيل تعدد المطلوب وح يجرى فيها هذه القاعدة الارتكازية العقلائية، فإذا تعذر بعض تلك القيود استحب فعل الباقي، وهذا ايضا ليس تعبدا خاص بعد ثبوت ذاك الموضوع.

[ 552 ]

تنبيه قد ذكر صاحب الجواهر قدس الله سره الشريف في بعض كلماته في ابواب الجبائر في الوضوء ما حاصله: (ان الاستدلال بقاعدة الميسور موقوف على الانجبار بفهم الاصحاب والا لو اخذ بظاهره في ساير التكاليف لاثبت فقها جديدا لا يقول به احد من اصحابنا) (1). ومحصل كلامه ان هذه القاعدة - ولو سلم الاستدلال بها وثبت حجيتها كانت كقاعدة لا ضرر بناء على ما ذكر غير واحد منهم من ان عمومها موهونة بكثرة التخصيصات فلا يجوز العمل بظاهرها فكأنهم فهموا منها غير ما نفهم من ظاهرها ولعلها كانت عندهم مقرونة بقرائن خاصة تدلهم على معنى آخر غير ما يستفاد من ظاهرها وحيث لا نعلم ذاك المعنى لابد لنا من الاخذ بما عملوا به وترك ما تركوه. وبناء عليه يكون مصير قاعدة الميسور مصير قاعدة لا ضرر في سقوط عمومها عن الحجية وقلة الجدوى فيها الا فيما عمل به الاصحاب. وكانه نظر في ذلك إلى عدم جريان الميسور في مثل الصيام فانه لا يجوز التبعيض فيه لا من ناحية الزمان، بحيث إذا لم يقدر على الصوم في تمام الوقت اكتفى ببعض اليوم، ولا من ناحية المفطرات التى تجب تركها - الا ما قد يقال في ما إذا خاف الصائم التلف على نفسه من جواز الشرب له بقدر ما يمسك الرمق، ولكنه ايضا غير مسلم والروايات الواردة في هذا المعنى لا تدل على ازيد من جواز شرب ما يمسك به الرمق وعدم


1 - الجواهر ج 2 ص 303.

[ 553 ]

جواز الشرب حتى يرتوى ولا دلالة لها على صحة صيامه بل لعل معناه جواز الافطار بشرب شئ من الماء ثم قضاء ذاك اليوم، ولكن مع ذلك عليه ان يمسك عن الزائد حفظا لحرمة شهر رمضان كغيره ممن يفطر. وكذلك في ابواب الاغسال لا يجوز لمن لا يجد الماء لتمام الغسل ولا يقدر الا على غسل بعض بدنه ان يكتفى به بمقتضى هذه القاعدة. وكذلك في الوضوء لا يجوز لمن لا يجد الماء الا لغسل وجهه، أو وجهه واحدى يديه، الاكتفاء به بمقتضاها. وهكذا في ابواب الحج لا يجوز لمن لا يقدر الا على بعض الوقوفات أو بعض الطواف من بين اعمال الحج اكتفائه به، استنادا إليها. ومثله من لا يقدر الا على بعض ركعات الصلوة مثلا فلا يجوز له الاكتفاء به وهكذا غيرها. فلو اكتفينا بجميع ذلك وما شابهها حصل منها فقه جديد لا نعهده. هذا ولكن الانصاف ان الظاهر ان اصحابنا الاقدمين رضوان الله عليهم لم يكن عندهم قرائن خاصة محفوفة بمثل خبر الميسور وشبهه تدلهم على معنى خاص فيها كما ذكرنا مثل ذلك في باب قاعدة لا ضرر، وان هو الا من قبيل احالة ما لا نفهمه على امر مجهول. بل الظاهر ان ما كانت بايديهم هنا هو الذى تكون بايدينا ولكنهم بصرافة اذهانهم وعدم شوبها بشوائب الاحتمالات المختلفة الحاصلة عندنا فهموا منها انها ناظرة إلى امضاء القاعدة الموجودة عند العقلاء فيما ثبت فيه تعدد المطلوب وتكثر الملاكات. فإذا ثبت من الخارج ان العمل الفلاني تشتمل على ملاكات مختلفة

[ 554 ]

أو ان كامله مشتمل على ملاك كامل وناقصه على بعض المصلحة، تمسكوا أو بعض الطواف من بين اعمال الحج اكتفائه به، استنادا إليها. ومثله من لا يقدر الا على بعض ركعات الصلوة مثلا فلا يجوز له الاكتفاء به وهكذا غيرها. فلو اكتفينا بجميع ذلك وما شابهها حصل منها فقه جديد لا نعهده. هذا ولكن الانصاف ان الظاهر ان اصحابنا الاقدمين رضوان الله عليهم لم يكن عندهم قرائن خاصة محفوفة بمثل خبر الميسور وشبهه تدلهم على معنى خاص فيها كما ذكرنا مثل ذلك في باب قاعدة لا ضرر، وان هو الا من قبيل احالة ما لا نفهمه على امر مجهول. بل الظاهر ان ما كانت بايديهم هنا هو الذى تكون بايدينا ولكنهم بصرافة اذهانهم وعدم شوبها بشوائب الاحتمالات المختلفة الحاصلة عندنا فهموا منها انها ناظرة إلى امضاء القاعدة الموجودة عند العقلاء فيما ثبت فيه تعدد المطلوب وتكثر الملاكات. فإذا ثبت من الخارج ان العمل الفلاني تشتمل على ملاكات مختلفة

[ 554 ]

أو ان كامله مشتمل على ملاك كامل وناقصه على بعض المصلحة، تمسكوا بهذه القاعدة عند تعذر شئ منها. وهذا مؤيد آخر ما اخترناه في معنى القاعدة آنفا ومع ما ذكرنا لا يرد على عمومها تخصيص، ولا يلزم من العمل بها فقه جديد، ولا يتوقف العمل بها على ثبوت فهم الاصحاب وعملهم بها في الموارد الخاصة. إلى هنا تم الكلام في قاعدة الميسور والحمد لله وقع الفراغ منه يوم السبت 28 من شوال سنة 1392 من الهجرة النبوية على هاجرها الصلوة والسلام.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية