الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مئة قاعدة فقهية- السيد المصطفوي

مئة قاعدة فقهية

السيد المصطفوي


[ 1 ]

القواعد مائة قاعدة فقهية معنى ومدركا وموردا تأليف السيد محمد كاظم المصطفوي مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

الحمد لله واهب الكمال، والصلاة والسلام على أبي القاسم المصطفى وآله أشرف الال، واللعن الدائم على أعدائهم الى يوم المآل. وبعد، فإن خاتمية الشريعة الاسلامية وانسداد باب التشريع لقرون خلت من جهة، والتوسع الهائل في طريقة العيش واستحداث الكثير من المسائل التي تعترض حياة الانسان الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ونظائرها من جهة ثانية، تبرز أهمية وضع قواعد واسس في الشريعة الاسلامية يمكن على ضوئها إرجاع الفروع المتفرعة والمسائل المستجدة الى اصولها لمعرفة وجهة نظر الشريعة الغراء فيها. ولذا نجد أن المشرع اهتم بهذا الجانب اهتماما بالغا، فرسم الخطوط العامة وقنن القواعد الشاملة التي يمكن لاهل الخبرة والفن من الفقهاء والمحققين أعز الله شأنهم الاستناد إليها لمعرفة أحكام الله الاولية والثانوية والافتاء على ضوئها، محافظين بذلك على طراوة الشريعة واستمرارية أحكامها على رغم التبدل والتغير الهائل في الموضوعات التي يكثر الابتلاء بها. والكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القارئ - جمع فيه مؤلفه حجة الاسلام والمسلمين الفاضل السيد محمد كاظم المصطفوي حفظه الله مجموعة عامة من تلكم القواعد الفقهية المستقاة من كلام معدن العلم وينابيع الحكمة محمد وأهل

[ 4 ]

بيته صلوات الله عليهم أجمعين، منقحا لادلتها ومبينا لمداركها باسلوب متين ومنهج رصين، شكر الله سعيه وأجزل ثوابه وجعله ذخرا له في الدارين. وتمتاز هذه الطبعة - وهي الطبعة الثالثة - بالتصحيح والاستدراك لما فات من الاخطاء المطبعية والفنية، سائلين الله أن ينفع بها طلبة الحوزات العلمية، وأن يذكرونا بخالص دعواتهم في مظان الاجابة لبذل المزيد في خدمة علوم أهل البيت وإحياء أمرهم عليهم السلام إنه نعم المولى ونعم المجيب. مؤسسة النشر الاسلامي التاتعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأفضل الصلاة والسلام على أفضل النبيين سيدنا ونبينا محمد وآله الأطهرين الأطيبين، بهم نتولى ومن أعدائهم نتبرأ في الدنيا والاخرة. لا شبهة في أن الفقه الأسلامي من أشرف العلوم وأجلها مرتبة وقيمة كما أنه أهم العلوم وأوسعها عملا ونطاقا، والفقه (الأحكام الشرعية) يستنبط من الحجج والأمارات الشرعية (الكتاب والسنة والأجماع والعقل) وأكثر ما يستنبط منه الحكم الشرعي هي السنة (النصوص) وتنبثق من هذه الأدلة الأصلية جملة من الضوابط والاصول (الكبريات) فتسمى (بالقواعد الفقهية) وتكون مدركا لاستنباط الأحكام الشرعية، وهذه القواعد منتشرة في مختلف الأبواب وشتى المسائل، ولم يقم بتدوينها من الفقهاء إلا عدد قليل، وعليه يكون تدوين القواعد ذا أهمية كبيرة، فعلى هذا الأساس بذلت جهدي في سبيل التدوين والفحص خلال عشر سنوات تقريبا إلى أن وفقني الله الكريم بلطفه العميم ومنه العظيم أن ادون

[ 6 ]

جملة من القواعد التي لها صلة بالأحكام الشرعية وسميتها ب‍ (القواعد) ورتبتها على ترتيب حروف الهجاء - من الألف إلى الياء -. وكل قاعدة تبدأ بذكر المعنى، ويليه ذكر المدارك، ثم نختم الكلام بذكر الفروع. نهجنا في المدارك: العمدة في الاستناد للقواعد وبيان المدرك لها هي الروايات التي فحصنا عن صحة سندها وتمامية دلالتها، وقد تمت فيها الاصول الثلاثة: 1 - أصالة الصدور. 2 - أصالة الظهور. 3 - أصالة جهة الصدور. فذكرتها دليلا لاعتبار القاعدة ولم نتعرض للروايات الضعيفة إلا قليلا على نحو التأييد، وأما المدارك الاخر فقليلة جدا، وأما الأجماع فالاستناد إليه كالاستناد للنصوص كثير وذلك للسبب الاتي ذكره. لا شك في أن الأجماع من الأدلة الأربعة في الفقه فلا كلام ولا خلاف بين المسلمين في أصل الأجماع، وإنما الكلام كله في كيفيته بأنه هل هو توافق النظر الفقهي بين جميع العلماء أو يتحقق بتوافق معظم الفقهاء؟ فنقول: إن ما يستفاد من الاصوليين المتأخرين (من عصر الشيخ الأنصاري رحمه الله إلى عصر سيدنا الاستاذ) هو أن الأجماع لا بد أن يتحقق بتوحيد الكلمة بين جميع العلماء، ويشترط فيه أن لا يكون معلوم المدرك أو محتمل المدرك، بأن لا يكون دليل آخر من الاية والرواية موافقا لمدلول الأجماع حتى يعلم أو يحتمل كونه مدركا للأجماع. ولا بد في كون الأجماع التعبدي أن يحرز وجود المعصوم فيه، وإلا فلا اعتبار له. وأما ما يستفاد من الفقهاء من الشيخ الطوسي رحمه الله إلى صاحب

[ 7 ]

الجواهر قدس سره كان على العكس من ذلك، فالاجماع - على ما في كتبهم - يطلق على توافق معظم الفقهاء بالنسبة إلى حكم شرعي ولا يشترط في الأجماع عندهم نفي المدرك، وذلك لاستدلالهم بالأجماع مقارنا مع النص في سبيل استنباط الحكم الواحد، كما قال الشيخ في وجوب نفقة المملوك: يجب نفقته لاجماع الفرقة على ذلك، وكقوله عليه السلام: (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف) (1). وقال في جواز أخذ الجزية: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الجزية من مجوس هجر، وعلى جواز أخذ الجزية إجماع الامة (2). فذكر رحمه الله الأجماع منضما للمدرك وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في تحديد النصاب في الغلات: (وأما) النظر في (الشروط) فلا إشكال ولا خلاف في اعتبار بلوغ (النصاب) في الوجوب بل الأجماع بقسميه عليه، كما أن النصوص متواترة فيه (3). وقال أيضا في بيان أصناف المستحقين للزكاة: (الأول: أصناف المستحقين للزكاة) ثمانية بالنص أ والأجماع (4). فإن ذكر النص منضما للأجماع يرشدنا إلى عدم اشتراط الأجماع بنفي المدرك. والذي يؤيد نظر الفقهاء على الاشتراط هو أن الأجماع أحد الأدلة الأربعة في الفقه ومن المسلمات القطعية عند الجميع، فإذا فرضت حجيته مشروطة بعدم كونه معلوم المدرك أو محتمل المدرك لا يتحقق المجال له إلا في فروض نادرة جدا كما مثل الاصوليون للأجماع التعبدي وجوب وضع الميت في قبره مستقبلا، وحرمان ولد الزنا من الأرث فقالوا: إن الأجماع في هذين الموردين تعبدي بمعنى الكلمة، لعدم وجود المدرك له قطعا. والتحقيق: أنه توجد رواية ضعيفة في المورد الأول والثاني يحتمل كونها


(1) المبسوط: ج 6 ص 44. (2) المبسوط: ج 2 ص 36. (3) الجواهر: 15 ص 207. (4) الجواهر: ج 15 ص 296.

[ 8 ]

مدركا للأجماع، فعليه لا يبقى المجال للأجماع في الفقه أصلا، لأنه ما من إجماع إلا وفي قباله رواية موافقة لمدلوله - على ما فحصناه - وعليه قد تعرضنا للأجماع في مقام الاستدلال تبعا لسيرة الفقهاء وإن لم يكن دليلا مستقلا لعدم تحقق الأجماع التعبدي، فلا أقل من أن يكون مؤيدا للحكم، وعبرنا عن هذا الأجماع (بالتسالم) جمعا بين النظرين، والله هو العالم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين محمد كاظم المصطفوي شهر رمضان / 1411 ه‍

[ 9 ]

ما هي القاعدة؟ القاعدة بحسب الأصطلاح الفقهي عبارة عن الأصل الكلي الذي ثبت من أدلته الشرعية وينطبق بنفسه على مصاديقه إنطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه، كقاعدة الطهارة مثلا فإن هذه القاعدة تنطبق على كل مورد شك في طهارته (المصاديق) وبما أن التطبيق على المصداق (الشك في طهارة شئ خاص) يكون جزئيا كانت نتيجة القاعدة الفقهية جزئية بخلاف المسائل الاصولية فانها تقع واسطة لأستنباط الأحكام الكلية الفرعية، كاستنباط الوجوب للصلاة بواسطة دلالة الأمر (أقيموا) على الوجوب. والذي يهمنا هنا هو بيان الفرق بين القواعد الفقهية والاصول اللفظية والعملية ومن الجدير بالذكر ما أفاده سيدنا الاستاذ حول الفرق بين المسألتين وهو على ما يلي: الركيزة الاولى: (في المسألة الاصولية) أن تكون استفادة الأحكام الشرعية الألهية من المسألة من باب الاستنباط والتوسيط لا من باب التطبيق (أي تطبيق مضامينها بنفسها على مصاديقها) كتطبيق الطبيعي على افراده. والنكتة في إعتبار ذلك في تعريف علم الاصول ما هي الاحتراز عن القواعد الفقهية فانها قواعد تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الألهية، ولا يكون

[ 10 ]

ذلك من باب الاستنباط والتوسيط بل من باب التطبيق، وبذلك خرجت عن التعريف. ولكن ربما يورد عليه بان اعتبار ذلك يستلزم خروج عدة من المباحث الاصولية المهمة عن علم الاصول، كمباحث الاصول العملية الشرعية والعقلية، والظن الانسدادي بناء على الحكومة، فان الأولى منها لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي، لأن إعمالها في مواردها إنما هو من باب تطبيق مضامينها على مصاديقها لا من باب استنباط الأحكام الشرعية منها وتوسيطها لأثباتها. والأخيرتين منها لا تنتهيان إلى حكم شرعي أصلا لا واقعا ولا ظاهرا. وبتعبير آخر: أن الأمر في المقام يدور بين المحذورين: فان هذا الشرط على تقدير اعتباره في التعريف، يستلزم خروج هذه المسائل عن مسائل هذا العلم، فلا يكون جامعا، وعلى تقدير عدم اعتباره فيه يستلزم دخول القواعد الفقهية فيها فلا يكون مانعا. فإذا لا بد من أن نلتزم بأحد هذين المحذورين: فإما أن نلتزم اعتبار هذا الشرط لتكون نتيجته خروج هذه المسائل عن كونها اصولية، أو نلتزم بعدم اعتباره لتكون نتيجته دخول القواعد الفقهية في التعريف، ولا مناص من أحدهما. والتحقيق في الجواب عنه هو: أن هذا الأشكال مبتن على أن يكون المراد بالاستنباط المأخوذ ركنا في التعريف الاثبات الحقيقي بعلم أو علمي، إذ على هذا لا يمكن التفصي عن هذا الأشكال أصلا، ولكنه ليس بمراد منه، بل المراد به معنى جامع بينه وبين غيره، وهو الاثبات الجامع بين أن يكون وجدانيا أو شرعيا أو تنجيزيا أو تعذيريا، وعليه فالمسائل المذكورة تقع في طريق الاستنباط، لأنها تثبت التنجيز مرة والتعذير مرة اخرى، فيصدق عليها حينئذ التعريف لتوفر هذا الشرط فيها، ولا يلزم - إذا - محذور دخول القواعد الفقهية فيه. نعم، يرد هذا الأشكال على التعريف المشهور وهو: (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية) فإن ظاهرهم أنهم أرادوا بالاستنباط،

[ 11 ]

الاثبات الحقيقي، وعليه فالأشكال وارد، ولا مجال للتفصي عنه، كما عرفت. ولو كان مرادهم المعنى الجامع الذي ذكرناه، فلا واقع له أصلا كما مر. وعلى ضوء هذا البيان، ظهر الفرق بين المسائل الاصولية والقواعد الفقهية، فإن الأحكام المستفادة من القواعد الفقهية، سواء كانت مختصة بالشبهات الموضوعية كقاعدة الفراغ واليد والحلية ونحوها، أم كانت تعم الشبهات الحكمية أيضا كقاعدتي لا ضرر ولا حرج بناء على جريانهما في موارد الضرر أو الحرج النوعي، وقاعدتي ما يضمن وما لا يضمن وغيرها، إنما هي من باب تطبيق مضامينها بانفسها على مصاديقها، لا من باب الاستنباط والتوسيط، مع أن نتيجتها في الشبهات الموضوعية نتيجة شخصية، هذا والصحيح أنه لا شئ من القواعد الفقهية تجري في الشبهات الحكمية، فإن قاعدتي نفي الضرر والحرج لا تجريان في موارد الضرر أو الحرج النوعي، وقاعدة ما يضمن أساسها ثبوت الضمان باليد مع عدم إلغاء المالك لاحترام ماله، فالقواعد الفقهية نتائجها أحكام شخصية لا محالة، وعلى كل حال فالنتيجة هي أن القواعد الفقهية من حيث عدم توفر هذا الشرط فيها غير داخلة في المسائل الاصولية. وعلى هذا الأساس ينبغي لك أن تميز كل مسألة ترد عليك أنها مسألة اصولية أو قاعدة فقهية (1). قال المحقق النائيني بيانا للفرق بين المسألتين، بأن المسألة الاصولية تختص للمجتهد وأما: المسألة الفقهية لا بد وأن تكون بحيث يلقى نتيجتها بنفسها الى المكلفين ويوكل التطبيق الى نظرهم (2). هناك شبهة حول الفرق بين القاعدة وبين البراءة والاحتياط الشرعيين كما قال سيدنا الاستاذ:


(1) محاضرات: ج 1 ص 13. (2) أجود التقريرات: ج 2 ص 211.

[ 12 ]

أما الشبهة: فهي توهم أن مسألتي البراءة والاحتياط الشرعيين، خارجتان عن تعريف علم الاصول، لعدم توفر الشرط المتقدم فيهما، إذ الحكم المستفاد منهما في مواردهما إنما هو من باب التطبيق لا من باب الاستنباط. وأما الدفع: لو سلمنا عملية التطبيق فيهما فلا نسلم أنهما خارجتان من مسائل هذا العلم وذلك لأنهما واجدتان لخصوصية بها إمتازتا عن القواعد الفقهية، وهي كونهما بما ينتهي إليه أمر المجتهد في مقام الأفتاء بعد اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي كإطلاق أو عموم، وهذا بخلاف تلك القواعد فانها ليست واجدة لها، بل هي في الحقيقة أحكام كلية إلهية استنبطت من أدلتها لمتعلقاتها وموضوعاتها، تنطبق على مواردها بلا أخذ خصوصية فيها أصلا كاليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي ونحوه، فهما بتلك الخصوصية امتازتا عن القواعد الفقهية، ولأجلها دونتا في علم الاصول وعدتا من مسائله (1). وبذلك تبين لنا بكل وضوح الفرق بين القاعدة والعقليين منهما. أضف الى ذلك عدم تحقق الحكم هناك من الأساس كما قال سيدنا الاستاذ اما الاصول العقلية فلا تنتهي: الى حكم شرعي اصلا لا واقعا ولا ظاهرا (2). واما الفرق بين القاعدة والاستصحاب فالتحقيق أنها قد تنطبق على الاستصحاب وقد تختلف كما قال سيدنا الاستاذ في أن البحث عن الاستصحاب هل يكون بحثا عن مسألة اصولية أو فقهية؟ فيقول: أما على القول باختصاص حجية الاستصحاب بالشبهات الموضوعية وعدم حجيته في الأحكام الكلية الألهية كما هو المختار، فالبحث عنه يرجع إلى البحث عن قاعدة فقهية مستفادة من الأخبار فيكون الاستصحاب من القواعد الفقهية كقاعدة الطهارة وقاعدة التجاوز، ويعتبر فيه حينئذ اليقين السابق والشك اللاحق من المقلد، ولا يكفي


(1) محاضرات: ج 1 ص 13. (2) نفس المصدر، وعليه فلا يتحقق المجال لبيان الفرق.

[ 13 ]

تحققهما من المجتهد بالنسبة إلى تكليف المقلد، فلو كان المقلد متيقنا بالطهارة من الحدث وشك في الحدث فرجع إلى المجتهد، فلا بد له من الأفتاء بابقاء الطهارة عملا وإن كان المجتهد متيقنا بكونه محدثا. نعم، اليقين والشك من المجتهد إنما يعتبران في جريان الاستصحاب بالنسبة إلى تكليف نفسه لا بالنسبة إلى المقلد، وكذا جميع القواعد الفقهية كقاعدة الفراغ من الصلاة في ما إذا شك في نقصان ركن من أركان صلاته، فيفتي له المجتهد بالصحة لأجل الفراغ وإن كان هو عالما بنقصان ركن من أركان صلاته، ولا يقبل قوله بنقصان الركن إلا من باب الشهادة إذا اعتبرنا شهادة العدل الواحد في أمثال هذه المقامات، وأما على القول بحجيته في الأحكام الكلية أيضا بأن يقال الشك المأخوذ في الاستصحاب شامل لما كان منشأه عدم وصول البيان من قبل الشارع، أو الأمر الخارجية، ويشمل الصورتين دليل واحد، كما مر نظيره في شمول حديث الرفع للشبهات الحكمية والموضوعية، لكون المراد منه كل حكم مجهول سواء كان منشأ الجهل عدم تمامية البيان من قبل الشارع كإجمال النص، أو الامور الخارجي. ولا يلزم استعمال اللفظ في المعنيين فيكون الاستصحاب حينئذ ذا جهتين: فمن جهة كونه حجة في الأحكام الكلية يكون البحث عنه بحثا عن مسألة اصولية، لما ذكرناه في أول هذه الدورة من أن الميزان في المسألة الاصولية إمكان وقوع النتيجة في طريق استنباط الأحكام الشرعية بلا إحتياج إلى مسألة اخرى: أي أن المسألة الاصولية ما يمكن أن تقع نتيجتها في كبرى القياس الذي ينتج نفس الحكم بلا احتياج إلى شئ آخر، وحينئذ يعتبر فيه اليقين السابق والشك اللاحق من المجتهد كما في سائر القواعد الاصولية، فبعد تحقق اليقين السابق والشك اللاحق من المجتهد بالنسبة إلى حكم شرعي كلي كنجاسة الماء المتمم كرا وحرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، يستصحب هذا الحكم الكلي

[ 14 ]

ويفتي بنجاسة الماء وحرمة وطء الحائض. ويجب على المقلد اتباعه من باب رجوع الجاهل إلى العالم. ومن جهة كونه حجة في الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية يكون البحث عنه بحثا عن مسألة فقهية، كما ذكرناه سابقا، ولا مانع من إجتماع الجهتين فيه، فإنه يثبت كونه قاعدة اصولية وقاعدة فقهية بدليل واحد وهو قوله عليه السلام: (لا تنقض اليقين بالشك) فإن اطلاقه شامل لليقين والشك المتعلقين بالأحكام الكلية، واليقين والشك المتعلقين بالأحكام الجزئية أو الموضوعات الخارجية كما مر نظيره في بحث حجية الخبر الواحد بناء على حجية الخبر في الموضوعات أيضا. فإن إطلاق دليل الحجية يشمل ما لو تعلق الخبر بالأحكام وما لو تعلق بالموضوعات، فبدليل واحد يثبت كونها قاعدة اصولية وقاعدة فقهية، ولا مانع منه أصلا (1). والمتحصل مما أسلفناه هو أن الفرق بين القاعدة الفقهية والمسائل الاصولية (الحجج والأمارات) يتواجد في مراحل ثلاث: 1 - المرحلة النظرية: إن الاصول العلمية التي تعبر عنها باصول الاستنباط تكون محورة الأنظار للمجتهدين فحسب، ولاحظ لغير المجتهد منها. واما القواعد الفقهية تكون في معرض إستفادة العوام المقلدين أيضا كما مر بنا ما أفاده المحقق النائيني. 2 - المرحلة العملية: إن الدور العملي للاصول هو التوسيط في إستنباط الاحكام الشرعية. ودور القاعدة هو تطبيق القانون الكلي في الموارد الجزئية كما مثلنا لهما في بداية البحث. 3 - مرحلة الأستنتاج: فان نتيجة الاصول تكون أحكاما كلية، ونتيجة القواعد تكون أحكاما جزئية.


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 8.

[ 15 ]

إلى هنا تم الفرق بين القاعدة الفقهية والاصول الاستنباطية وأما الفرق بينها وبين الاصول العملية فقد مر بنا بيان الفرق بين القاعدة والاستصحاب على ما افاده سيدنا الاستاذ، ولا مبرر للتكرار. وكذلك تبين مما اسلفناه تواجد الميز بين القاعدة وبين البراءة والاحتياط بأن الافتراق هناك انما يكون بحسب مكانتهما العلمية. ويمكننا أن نحاول في نهاية المطاف فرقا مبدئيا بين القاعدة والاصول العملية الشرعية (البراءة والاحتياط) وهو: أن مؤدى القواعد يكون أحكاما واقعية، وأدلة اعتبارها تكون الأدلة الاجتهادية. بينما يكون مؤدى الاصول العملية الشرعية احكاما ظاهرية، وادلتها تكون الأدلة الفقاهتية. وقد يشكل بأن مؤدى قسم من القواعد كقاعدة: لا تعاد، وما شاكلها يكون حكما واقعيا وأما القسم الاخر منها كقاعدة الطهارة وما شاكلها مجعولة عند تواجد الشك والتردد بالنسبة الى الحكم الواقعي، فيكون مؤداها حكما ظاهريا. ويرد هذا الاشكال بأن مؤدى قاعدة الطهارة وما يماثلها يكون حكما واقعيا تنزيليا. كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: والتحقيق: أن ماكان منه (الامر الظاهري) يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف، وتحقيق متعلقه، وكان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره، كقاعدة الطهارة أو الحلية بالنسبة الى كلما اشترط بالطهارة أو الحلية يجزي، فان دليله يكون حاكما على دليل الأشتراط، ومبينا لدائرة الشرط، وأنه أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية (1) فعلى ضوء ذلك البيان كان مؤدى قاعدة الطهارة توسعة دائرة الشرطية الى أن تشمل الطهارة الواقعية والتنزيلية. وعليه لا يكون مؤداها حكما ظاهريا مجعولا عند الحيرة العملية. (1) كفاية الاصول: ج 1 ص 133.

[ 17 ]

قاعدة الائتمان المعنى: معنى القاعدة هو عدم كون الأمين ضامنا عند تلف الأمانة، فإذا تلفت الأمانة، في يد الأمين ليس لصاحب المال أن يطلب من الأمين قيمة التالف أو مثله، لأن الأمين لا يكون ضامنا بالنسبة الى مال الأمانة. ومن المعلوم أن المراد من الأمين هو من قبض المال بنحو الأمانة لا على نحو التعدي. والمراد من الضمان هو الضمان الواقعي أي القيمة في القيميات، والمثل في المثليات. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الابواب منها العلوي المعروف قال أمير المؤمنين عليه السلام: (ليس على المؤتمن ضمان) (1). دل على مدلول القاعدة دلالة تامة كاملة. ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في الوديعة قال: (صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان) (2). دلت على أن يد المستودع أمانية فلا ضمان عليه


(1) المستدرك: كتاب الوديعة ج 13 ص 237 باب 4.

[ 18 ]

الا مع التفريط. 2 - انتفاء السبب: من المعلوم أن الضمان يستتبع السبب وفي المقام لم يتحقق السبب للضمان فإن أسباب الضمان كلها منتفية هنا (في الأمانة)، وذلك لأن يد الأمين لا تكون عادية ولا غير مأذونة، وليس التلف عن تفريط - (حتى الأتلاف) - فعليه لا ضمان في تلف الأمانة. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة (عدم ضمان الأمين)، فلا خلاف ولا إشكال فيه عندهم والأمر متسالم عليه عندهم. قال المحقق صاحب الجواهر: (... وإذا استودع) وقبل ذلك (وجب عليه الحفظ) إلى أن قال: (فلا يلزمه) أي المستودع (دركها لو تلفت من غير) تعد فيها ولا (تفريط أو اخذت منه قهرا) بلا خلاف أجده فيه بل الأجماع بقسميه عليه مضافا إلى الأصل وقاعدة الائتمان المعلوم من الكتاب والسنة والأجماع والعقل عدم استتباعها الضمان (1) والأمر كما أفاده رحمه الله. والمقصود من التعدي هنا الاعتداء العملي أي الاستفادة من الأمانة بدون إجازة المودع. والمقصود من التفريط هو عدم الاهتمام في حفظ الأمانة بحسب العادة. وكيف كان فالفقهاء ارسلوا القاعدة إرسال المسلمات. كما قال شيخ الطائفة: الوديعة أمانة لا ضمان على المودع ما لم يفرط (2) والأمر كما أفاده رحمه الله. فرعان الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة فلا يضمن تلفها أو تعيبها إلا بالتعدي أو التفريط. وقال سيدنا الاستاذ في الهامش أن هذا الفرع كذلك: بلا خلاف فيه عند الفقهاء - إلى أن قال: - وتدل عليه أيضا


(1) جواهر الكلام: ج 27 ص 102. (2) المبسوط: ج 4 ص 132.

[ 19 ]

الروايات الكثيرة الناطقة بعدم ضمان الأمين الواردة في الحمال والجمال والقصار وصاحب السفينة التي تحمل الأموال ونحو ذلك مما يستفاد منه أن المؤتمن على الشئ لا يضمن ومنه العين المستأجرة (1). والأمر كما أفاده. الثاني: قال الشيخ الصدوق رحمه الله في حد السرقة: ليس على الضيف ولا على الاجير قطع، لأنهما مؤتمنان (2) وبذلك يتبين أنه للأئتمان دور ايجابي في شتى المجالات.


(1) مستند العروة: كتاب الاجارة، ص 222. (2) المقنع: ص 37.

[ 20 ]

قاعدة الأتلاف المعنى: المراد من الأتلاف هنا هو إستهلاك مال مسلم بدون الأذن والرضا أعم من أن يكون عن عمد أو عن خطأ، ويكون مفادها هو الضمان على من يتلف مال الغير، كما اشتهر في ألسن المتقدمين والمتأخرين قولهم: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)، فإذا تحقق إتلاف مال الغير بدون إذنه ورضاه وبدون قصد الأحسان إليه يكون المتلف هو الضامن حتى يؤدي ما أتلفه إلى مالكه قيمة أو مثلا. ولا يخفى أنه قد يعبر عن هذه القاعدة (الأتلاف) بقاعدة من أتلف. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الايات: منها قوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها (1). فيستفاد من اطلاق هذه الاية أن جزاء التعدي والأتلاف هو المؤاخذة والضمان ولكن لا يخفى أن المنصرف من السيئة خصوص فرض العمد فيصبح الدليل اخص من المدعى. ومنها قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (2). (1) الشورى: 40. (2) البقرة: 194.

[ 21 ]

قال شيخ الطائفة رحمه الله: إذا غصب غاصب من هذا (ماله المثل) شيئا، فان كان قائما رده وإن كان تالفا (قد أتلفه الغاصب) فعليه مثله، لقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فإذا ثبت أنه يضمن بالمثل (بحسب ظهور الاية) فان كان المثل موجودا طالبه به وإستوفاه، وإن أعوذ المثل طالبه بقيمته (1). والتحقيق أن يقال استدلالا على اعتبار القاعدة بهذه الاية: أن إتلاف مال الغير نحو من الاعتداء فإذا تحقق ذلك (إخراج المال عن يد المالك) يتحقق المجال للاعتداء المتقابل فيكون حق التدارك لمن اعتدى عليه وهذا الحق فرع الضمان على المعتدي وإلا فلا معنى للاستدراك. ولكن لا يخفى أن الاعتداء هو الاتلاف عمدا ولا يشمل فرض الخطأ والنسيان فالدليل أخص من المدعى. 2 - الروايات: منها صحيحة أبي ولاد في اكترائه البغل من الكوفة إلى قصر أبي هبيرة وتخلفه عنه فذهب من الكوفة إلى النيل وبغداد ذهابا وايابا، قال: فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام فقال: (أرى له عليك مثل كراء البغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء البغل من النيل إلى بغداد، ومثل كراء البغل من بغداد إلى الكوفة وتوفيه أياه) (2). دلت على أنه من أتلف مال الغير (المال أو المنفعة) يكون ضامنا، ويجب عليه الوفاء بالمثل أو القيمة. ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الشئ يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره، فقال: (كل شئ يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه (1). فيستفاد من عموم هذه الصحيحة أن كل من يوجب تلف مال المسلم، يكون ضامنا لما يتلفه. (1) المبسوط: ج 3 ص 60. (2) الوسائل: ج 17 ص 313 باب 7 كتاب الغصب ح 1. 0 (3) الوسائل: ج 19 ص 181 باب 9 من أبواب موجبات الضمان ج 1

[ 22 ]

ومنها صحيحة زرارة (1). ومنها موثقة سماعة (2) ومدلولهما نفس مدلول الصحيح المتقدم. قال العلامة الاصفهاني رحمه الله: الظاهر أنه (إتلاف) مأخوذ من الموارد الخاصة المحكوم عليها بالضمان، كما في الرهن والمضاربة والوديعة والعارية والأجارة، فإنه حكم فيها بالضمان مع التعدي والتفريط، وكذا في غيرها كقوله: من أضر... الخ. والظاهر بل المقطوع أنه لا (يكون) لخصوصية لتلك الموارد على كثرتها وتشتتها، ولذا جعلوا الأتلاف سببا للضمان كلية (3). والأمر كما أفاده. 3 - التسالم: قد اتفق الفقهاء على مدلول القاعدة، ويقال أن الأمر متسالم عليه عند الفريقين، كما قال السيد الحكيم رحمه الله: استفاض نقل الأجماع صريحا وظاهرا عليه (مدلول القاعدة) في محكي جماعة (4). وقيل: إن القاعدة من ضروريات الفقه، وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال في مدلول القاعدة. بقي أمران الأول: ما هو المدار في الضمان؟ قال السيد اليزدي: المدار في الضمان على قيمة يوم الأداء في القيميات لا يوم التلف ولا أعلى القيم على الأقوى (5) وما ذكره مطابق للقواعد ولكن المستفاد من صحيحة أبي ولاد هو: أن العبرة بيوم الضمان، كما قال سيدنا الاستاذ: فإن صحيحة أبي ولاد لا قصور في دلالتها على أن العبرة بقيمة يوم الضمان المعبر عنه فيها بيوم المخالفة (1). الثاني: هل يشترط في تحقق الأتلاف مباشرة المتلف أم لا؟ من المعلوم أن الأتلاف بالمباشرة كأكل ما يؤكل وشرب ما يشرب من مال الغير مما لا شك في


(1) الوسائل: ج 19 ص 179 باب 8 من أبواب موجبات الضمان ح 1 (2) الوسائل: ج 19 ص 180 باب 8 من أبواب موجبات الضمان ح 3. (3) حاشية المكاسب: ص 87. (4) مستمسك العروة: ج 11 ص 70. (5) العروة الوثقى: ص 507. (6) مستند العروة: كتاب الاجارة ص 242.

[ 23 ]

كونه موجبا للضمان، وأما إذا كان العمل سببا لتلف مال الغير كحفر البئر في الطريق الموجب لعقر الدابة فهل يوجب الضمان أيضا أم لا؟ التحقيق: أن السبب إذا كان على نهج يستند التلف إليه عرفا بدون واسطة فاعل عاقل في البين موجب للضمان قطعا، وذلك - مضافا إلى تسالم الفقهاء كما إدعى صاحب الجواهر نفي الخلاف في المسألة - لأن الحكم منصوص في الروايات منها صحيحة الحلبي المتقدمة. فرعان الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا عثر الحمال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره مثلا ضمن، لقاعدة الأتلاف (1). الثاني: قال: إذا أفسد الأجير للخياطة أو القصارة أو لتفصيل الثوب ضمن، وكذا الحجام إذا جنى في حجامته، أو الختان في ختانه، وكذا الكحال والبيطار وكل من آجر نفسه لعمل في مال المستأجر إذا أفسده يكون ضامنا إذا تجاوز عن الحد المأذون فيه، وان كان بغير قصده، لعموم من أتلف، وللصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يعطي الثوب ليصبغه (فيفسده)، فقال عليه السلام: (كل عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن) (2). وقال سيدنا الاستاذ حول هذا الفرع: يدلنا على ما ذكره قدس سره من الكبرى الكلية أعني ضمان الأجير في كل مورد أفسد مع تجاوزه عن الحد المأذون فيه ما أشار قدس سره إليه من قاعدة الأتلاف أولا حيث أن الأفساد مصداق بارز لأتلاف المال كلا أو بعضا ولو بورود النقص عليه وصحيحة الحلبي (المتقدمة)، ثانيا - إلى أن قال -: فالرواية صحيحة على كل تقدير كما أنها ظاهرة الدلالة على الكبرى الكلية وإن كان السؤال عن مورد خاص فالحكم ثابت بلا إشكال (3).


(1) و (2) العروة الوثقى. (3) مستند العروة: كتاب الاجازة ص 246.

[ 24 ]

قاعدة احترام مال المسلم وعمله المعنى: أن المقصود من إحترام مال المسلم هنا هو المصونية عن التصرف المجاني فيه والتعدي عليه، بمعنى أن مال المسلم محترم لا يجوز الأعتداء والتجاوز عليه، وكذلك كان عمل العامل المسلم محترما ومأجورا فليؤد اجرته. قال الشيخ الانصاري رحمه الله في مقام بيان أن المنافع مضمونة في الأجارة الفاسدة: فكل عمل وقع من عامل لأحد بحيث يقع بأمره وتحصيلا لغرضه فلا بد من إداء عوضه لقاعدتي الأحترام والضرر (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: إن الروايات الواردة في مختلف الأبواب بالنسبة إلى عدم جواز التصرف في مال المسلم وأنه لا يحل مال إمرئ مسلم إلا بطيبة نفسه كثيرة جدا ويستفاد من إطلاقها الأعتبار للقاعدة ونستعرضها خلال المناسبات إن شاء الله، ونكتفي هاهنا بذكر رواية واحدة تكون صريحة الدلالة على القاعدة، وهي موثقة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الرسول صلى الله عليه وآله: (سباب المؤمن فسوق (1) المكاسب: البيع، ص 103.

[ 25 ]

- إلى أن قال -: وحرمة ماله كحرمة دمه) (1). فهذه الصحيحة دلت على أن مال المسلم محترم، وبالتشبية بينه وبين دم المسلم ترشدنا إلى غاية الأهتمام بذلك، إذ الدماء من الامور الهامة في الفقه. وأشار إلى ذلك العلامة الاصفهاني رحمه الله بقوله: قاعدة الأحترام مأخوذة من قوله وحرمة ماله كحرمة دمه (2). وقال في موضع آخر في مقام تقريب القاعدة: أما قاعدة الاحترام فتارة يستند فيها إلى قوله عليه السلام: لا يحل مال إمرئ مسلم إلا عن طيب نفسه. واخرى يستند إلى قوله عليه السلام: (وحرمة ماله كحرمة دمه)، إما بدعوى أن إحترام المال بعدم مزاحمة مالكه حدوثا وبقاء، وعدم تداركه بعد تلفه مزاحمة بقاء كما عن بعض أجلة العصر، وإما بتقريب أن للمال حيثيتين: حيثية إضافته إلى مالكه المسلم: وهذه الحيثية تقتضي رعاية مالكه بعدم التصرف في المضاف إليه بدون إذنه. وحيثية نفسه: وهذه الحيثية تقتضي أن لا يذهب المال هدرا فعدم تداركه وجعله كالعدم مناف لاحترامه (3). 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة (حرمة مال المسلم) ولا خلاف بينهم بالنسبة إليه. 3 - سيرة المتشرعة: قد استقرت السيرة عند المتشرعة على إحترام مال المسلم وعدم التعدي والتصرف فيه بدون إذن مالكه، وإذا تحقق التعدي يصبح المتصرف المتعدي مذموما عندهم. ولا يخفى أن هذه القاعدة تمتاز عن قاعدة الأتلاف بوجهين: الأول: أن قاعدة الأحترام تتكفل بيان حرمة مال المسلم في حد ذاته وتكون نتيجتها أداء العوض فتفيد الحرمة بالاصالة وتفيد تدارك العوض بالتبع بخلاف


(1) اصول الكافي: ج 2 ص 268 باب سباب المؤمن حديث 2. (2) حاشية المكاسب: ج 1 ص 87. (3) حاشية المكاسب: ج 1 ص 188.

[ 26 ]

قاعدة الأتلاف فإنها لا تفيد إلا الضمان بالقيمة أو المثل. الثاني: أن قاعدة الأحترام تفيد عدم جواز التصرف في مال الغير تكليفا، وأما قاعدة الأتلاف تفيد الحكم الوضعي (الضمان) فقط، كما قال سيدنا الاستاذ: أن المراد من كلمة الحرمة في قوله: حرمة ماله كحرمة دمه، هو مقابل الحل فيكون راجعا إلى الحكم التكليفي (1). وبعبارة اخرى يكون مفاد قاعدة الأحترام: بيان الوظيفة قبل التصرف. ومفاد قاعدة الأتلاف: بيان الوظيفة بعد التصرف في مال الغير، كما قال العلامة الاصفهاني رحمه الله: أن الظاهر أن إحترام المال ليس لحيثية ماليته القائمة بذات المال المقتضية لتداركه وعدم ذهابه هدرا بل لحيثية إضافته باضافة الملكية إلى المسلم نظرا إلى أن الحكم المترتب على المتحيث بحيثية ظاهره كون الحيثية تقييدية لا تعليلية، فيكون الأحترام بلحاظ رعاية مالكية المسلم وسلطانه على ذات المال، ورعاية مالكيته وسلطانه لا يقتضي إلا عدم التصرف فيه بدون رضاه لا تدارك ماليته فإنه راجع الى حيثية ماليته لا حيثية ملكيته للمسلم، ولذا لا يكون التسليط على المال مجانا هتكا لحرمة المال (2). أضف إلى ذلك أن قاعدة الأحترام تكون أوسع نطاقا بالنسبة الى قاعدة الأتلاف، وذلك لأن مدى قاعدة الأحترام هو المال والعمل. بينما نطاق قاعدة الأتلاف هو المال فحسب. فروع الأول: إذا أمر أحد لعامل باتيان عمل ذي اجرة فعمله بدون قصد المجانية كان الامر ضامنا للاجرة وذلك لقاعدة الأحترام، كما قال سيدنا الاستاذ: وقد استدل له (الفرع المذكور) بقاعدة الأحترام وأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه فلا يذهب هدرا - إلى أن قال: - فإن معنى الأحترام عدم كون مال المسلم بمثابة


(1) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 91. (2) حاشية المكاسب: ج 1 ص 80.

[ 27 ]

المباحات الأصلية بحيث لا حرمة لها ويسوغ لأي أحد أن يستولي عليها ويستوفيها عن قهر وجبر، وأنه لو أجبره على عمل استحق المجبور بدله ولزمه الخروج عن عهدته (1). الثاني: قال المحقق صاحب الجواهر في استئجار الحج: لو فرض وقوع المقدمات خاصة (ولم يتم المناسك) فقد يتجه استحقاق اجرة المثل فيها، لأصالة احترام عمل المسلم الذي لم يقصد التبرع (2). الثالث: إذا بطلت المضاربة يستحق العامل اجرة عمله إلا أن يثبت التبرع، وقال السيد اليزدي رحمه الله: ومع الشك فيه (التبرع) وفي إرادة الاجرة يستحق الاجرة أيضا لقاعدة إحترام عمل المسلم (3).


) (1) مستند العروة: كتاب الأجارة ص 391. (2) الجواهر: ج 17 ص 370. (3) العروة الوثقى: ص 527.

[ 28 ]

قاعدة الأحسان المعنى: المراد من الأحسان هنا هو العمل بقصد المساعدة للمسلم، ولو لم ينته الى جلب المنفعة أو دفع المفسدة في الواقع كما إذا أراد شخص إطفاء النار من دار مسلم فهدم حائط داره للمساعدة سواء تحقق الأطفاء أو لم يتحقق كانت تلك المساعدة من الأحسان المقصود من القاعدة، ويكون مفادها عدم الضمان والمؤاخذة على المحسنين الذين يسعون للأحسان إلى الاخرين. وكيف كان إذا اتفق في مقام الأحسان إتلاف مال الغير فلا بأس به، كما إذا أراد أحد حفظ نفس الحيوان الجائع في غياب صاحبه وعلفه فصار سببا لتلفه من باب الاتفاق، فلا ضمان على هذا المحسن. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الاية: قوله تعالى ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل (1). فهذه الاية وإن نزلت في مورد الضعفاء والعجزة عن الجهاد، إلا أن


(1) التوبة: 91.

[ 29 ]

المورد لا يصلح أن يكون مخصصا وعموم الذيل (ما على المحسنين من سبيل) يدل على نفي السبيل عن كل من أحسن إلى غيره، فيستفاد من إطلاق الاية عدم المؤاخذة والضمان على العمل الصادر إحسانا. وقوله تعالى: هل جزاء الأحسان إلا الأحسان (1). فتدل هذه الاية على نفي التعدي والأساءة تجاه العون والأحسان، وبالأولوية تدل على نفي الضمان. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة بين الفقهاء، ولم نجد أحدا يخالف مفادها فالأمر متسالم عليه. ولا يخفى أن قدر المتيقن والمستفاد من موارد القاعدة إنما هو عدم الضمان على التالف (مقدمة للأحسان) الذي لم يكن أهما من التالف له (ذي المقدمة) وإلا لا يعد إحسانا. 3 - بناء العقلاء: قد استقر بناء العقلاء على أن الأحسان لا يناسب الأساءة (المؤاخذة والضمان وغيرها)، ولا ريب في توافق العقلاء على قبح مؤاخذة من هو بصدد الأحسان، وبما أن ذلك البناء العقلائي لم يرد عنه الردع من الشريعة المقدسة يصلح أن يكون مدركا متينا للقاعدة، فعلى ضوء هذه الأدلة أصبحت القاعدة مسلمة عند الفقهاء، ويكون مدلول القاعدة مستند الحكم عندهم، كما قال الشهيد رحمه الله تعليلا على عدم ضمان الوكيل عند الأختلاف مع الموكل في رد المال وتلفه: فلأنه أمين وقد قبض المال لمصلحة المالك وكان محسنا محضا كالودعي (2). فروع الأول: قال العلامة الاصفهاني رحمه الله: فإن إمساك مال (الغير) لحفظه إلى أن


(1) الرحمن: 60. (2) اللمعة الدمشقية: ج 4 كتاب الوكالة ص 386.

[ 30 ]

يطلبه صاحبه إحسان إليه وما على المحسنين من سبيل (1). فلا يكون على الممسك ضمان ولا يجب عليه رد المال إلى مالكه فورا. الثاني: قال المحقق الحلي رحمه الله: ولو حفر في الطريق المسلوك لمصلحة المسلمين، قيل: لا يضمن، لأن الحفر لذلك سائغ وهو حسن (2). وقال المحقق صاحب الجواهر وذلك: لقاعدة الاحسان (3). الثالث: إذا إتجر البالغ العاقل في مال الاطفال وتحقق الخسران، لا يكون على المتجر، وذلك على أساس القاعدة، وتوهم الخسران على المتجر لهم بلا مبرر كما قال المحقق صاحب الجواهر: أنه لا مجال للقول به والخروج عن قاعدة الاحسان (4). الرابع: قال المحقق الحلي: من به سلعة (الغدة)، إذا أمر بقطعها فمات، فلا دية له على القاطع (5). قال المحقق صاحب الجواهر وذلك: للأصل وللأحسان (6). تتمة: قد تبين مما أسلفنا أن موضوع الحكم في القاعدة هو العمل الذي صدر بقصد الاحسان، وعليه إذا تواجد الاحسان نتيجة للاعتداء كان خارجا عن موضوع القاعدة، كما إذا تحقق إطفاء الحريق من الدار بواسطة هدم الجدار عدوانا. فلا يكون عندئذ إحسان موضوعا وحكما.


(1) حاشية المكاسب: ج 1 ص 86. (2) شرائع الأسلام: ج 4 ص 254. (3) جواهر الكلام: ج 43 ص 102. (4) جواهر الكلام: ج 41 ص 670. (5) شرائع الاسلام: ج 4 ص 192. (6) جواهر الكلام: ج 15 ص 18.

[ 31 ]

قاعدة الأذن في الشئ إذن في لوازمه المعنى: معنى القاعدة هو أنه إذا تحقق الأذن في شئ ذو لوازم كان ذلك الأذن إذنا في لوازمه أيضا، والمراد من اللوازم هي الامور التي لا تنفك عنه (الشئ المأذون) عادة، كما إذا أذن شخص للاخر السكنى في بيته فإن هذا الأذن بالتصرف في البيت يكون إذنا بالنسبة إلى التصرف في الماء والكهرباء وغيرهما من لوازم البيت، وكذا لو اشترى شخص بيتا من الاخر يستحق الطريق إلى البيت أيضا. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - السيرة العقلائية: قد استقر بناء العقلاء في جميع أرجاء العالم على أن اللوازم للشئ تتبعه تمام المتابعة حكما، وهذا مما لا شك فيه ولا غبار عليه كما اصطلح عليه العقلاء بقولهم: (من التزم بشئ التزم بلوازمه). ومن الجدير بالذكر أن مدى السيرة هنا انما هو اللوازم التي تمسها الحاجة قطعا، وأما الأشياء التي شككنا في كونها من تلك اللوازم تصبح خارجة عن نطاق السيرة، وذلك لأن السيرة دليل لبي لا إطلاق لها حتى تشمل اللوازم المشكوكة فيكتفي هناك بالقدر المتيقن والمقدار المعلوم.

[ 32 ]

2 - الروايات: منها ما نقله الشيخ رحمه الله بالأسناد عن الحسن الصفار أنه كتب الى أبي محمد عليه السلام سألته عن تملك لوازم الأرض التي اشتريها من رجل فوقع: إذا ابتاع الأرض بحدودها وما اغلق عليه بابها فله جميع ما فيها إن شاء الله (1). دلت على أن اللوازم والملحقات تابعة لذيها حكما. ومنها معتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قضى النبي صلى الله عليه وآله في رجل باع نخلا واستثنى غلة نخلات فقضى له رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدخل إليها والمخرج منها ومدى جرائدها (2). دلت على استحقاق المشتري لوازم البستان الذي اشتراه وهذا هو معنى القاعدة، ويؤكد ما أوردناه حول القاعدة إستناد الفقهاء عليها لدى الاستنباط، كما قال الشهيد رحمه الله في جواز الأجارة بعد الأجارة: وللمستأجر أن يؤجر العين التي استأجرها ثم ذكر مستندا لهذا الحكم فقال: والأذن في الشئ إذن في لوازمه (3). فروع الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: لا بد أن يقتصر الوكيل في التصرف في الموكل فيه على ما شمله عقد الوكالة صريحا أو ظاهرا ولو بمعونة قرائن حالية أو مقالية ولو كانت هي (القرينة) العادة الجارية على أن التوكيل في أمر لازمه التوكيل في أمر آخر (والأذن في الشئ إذن في لوازمه) كما لو سلم إليه المبيع ووكله في بيعه أو سلم إليه الثمن ووكله في الشراء (4). الثاني: إذا تحقق الوكالة في البيع، فهل يكون للوكيل تملك الثمن في ضوء


(1) الوسائل: ج 12 ص 405 باب 29 من أبواب أحكام العقود ح 1. (2) الوسائل: ج 12 ص 406 باب 30 من أبواب أحكام العقود ح 2. (3) اللمعة الدمشقية: ج 4 كتاب الاجارة ص 340. (4) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 190.

[ 33 ]

تلك الوكالة أو لا؟ قال العلامة: أصحهما عند قوم أنه يملكه، لأنه من توابع البيع ومقتضياته، فالأذن في البيع إذن فيه وإن لم يصرح به (1). الثالث: قال السيد صاحب العناوين: الضابط، أن الاذن في موضوع إذن من الشرع في لوازمه من الجهة المأذون فيها كما أن الاذن في إجارة العين المستأجرة إذن في قبضها، إذ التسليط على المنفعة يلزمه التسليط على العين ولا ينفك عنه (2). الرابع: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا كان (الاذن) بعد الزرع وكان البذر من العامل يمكن دعوى لزوم إبقائه الى حصول الحاصل، لأن الاذن بالشئ إذن في لوازمه (3).


(1) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 122. (2) العناوين: ج 1 ص 104. (3) العروة الوثقى: ص 552.

[ 34 ]

قاعدة الأرشاد المعنى: المراد من الأرشاد هنا هو بيان الأحكام للجاهل، فيجب على العالم إرشاد الجاهل وتعليمه المسائل الدينية، وعليه قد يعبر عنها (القاعدة) بوجوب إعلام الجاهل على العالم. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الاية: وهي قوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (1). دلت على وجوب تعلم الأحكام لغاية الأنذار والأرشاد بالنسبة إلى القوم الذين لا يعلمون، فيجب إرشاد الجاهل على العالم بحكم الاية الكريمة. ومن المعلوم، أن الاية تكون في مقام بيان غائية العمل، أي الأنذار غاية للتفقه فتفيد وجوب الارشاد قطعا كما قال سيدنا الاستاذ: أما الأحكام الكلية الألهية فلا ريب في وجوب إعلام الجاهل بها، لوجوب تبليغ الأحكام الشرعية على الناس جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة، وقد دلت عليه آية النفر، والروايات الواردة في بذل العلم وتعليمه وتعلمه (2).


(1) التوبة: 122. 2 - مصباح الفقاهة: ج 1 ص 122.

[ 35 ]

2 - التسالم: قال المحقق آقا ضياء العراقي: وجوب ارشاد الجاهل في الأحكام الكلية ظاهر من آيتي السؤال والنفر وغيرهما، وربما يدعى الاجماع عليه (1). 3 - أدلة التبليغ: لا ريب في وجوب تبليغ الأحكام الشرعية على حد الكفاية، لأبقاء الشريعة المقدسة، وهو من الضروريات. قال الشيخ الأنصاري: وجب ذلك (أي إعلام الجاهل) فيما إذا كان الجهل بالحكم، لكنه من حيث وجوب تبليغ التكاليف، ليستمر التكليف إلى آخر الأبد بتبليغ الشاهد الغائب، فالعالم في الحقيقة مبلغ عن الله، ليتم الحجة على الجاهل ويتحقق فيه قابلية الأطاعة والمعصية (2). 4 - الروايات الواردة في الباب: منها صحيحة عيس بن منصور عن أبي عبد الله عليه السلام: قال (يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه). ومنها صحيحة أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر عليه السلام قال: (يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة). ومنها صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له) (3). فهذه الصحاح دلت على وجوب النصيحة والأرشاد على المؤمن العالم بالأحكام للمؤمن الجاهل بها والنصيحة هو الأرشاد، كما قال في هامش الكافي: فالمراد من نصيحة المؤمن للمؤمن إرشاده إلى مصالح دينه ودنياه وعونه عليها وتعليمه إذا كان جاهلا (4). وتوهم كون الوجوب بمعنى الثبوت خلاف الظاهر.


(1) العروة الوثقى: ج 1 ص 48 الهامش. (2) المكاسب المحرمة: ص 10. (3) الوسائل: ج 11 ص 594 باب 35 من أبواب فعل المعروف ح 1 و 2 و 3. (4) اصول الكافي: ج 2 ص 166 الهامش.

[ 36 ]

ولا يخفى أن موضوع الأرشاد هو الجهل بالحكم وبه يمتاز عن باب الأمر بالمعروف والنهى من المنكر، فالموضوع في هذا الباب هو العمل الواقع على خلاف الشرع عمدا حتى يكون العمل معصية ومنكرا. كما قال سيدنا الاستاذ: أن أدلة وجوب النهي عن المنكر مختصة بما إذا صدر الفعل من الفاعل منكرا وفي المقام (الجهل بالحكم) ليس كذلك (منكرا)، لأنا قد فرضنا جهل الفاعل بالواقع (1). فرعان الأول: هل يجب الأرشاد في مورد الجهل بالموضوع أم لا؟ التحقيق هو ما يقال في المقام بأن مقتضى دليل الأرشاد وجوبه في مورد الجهل بالحكم فقط، فالمستفاد من الدليل والمتيقن هو الأختصاص بالأحكام إلا أن يكون الموضوع من الامور المهمة جدا كالدماء والفروج. قال سيدنا الاستاذ: إذا اعتقد الجاهل أن زيدا مهدور الدم شرعا فتصدى لقتله وهو محترم الدم في الواقع، أو اعتقد أن امرأة يجوز له نكاحها فأراد التزويج بها، وكانت في الواقع محرمة عليه أو غير ذلك من الموارد فإنه يجب على الملتفت إعلام الجاهل في أمثال ذلك، لكي لا يقع في المحذور بل تجب مدافعته لو شرع في العمل وإن كان فعله من غير شعور والتفات، وأما في غير تلك الموارد فلا دليل عليه بل ربما لا يحسن، لكونه ايذاء للمؤمن (2). الثاني: قال المحقق آقا ضياء العراقي إذا تغير نظر المجتهد بعد نقل الفتوى: يجب عليه (الناقل) إعلامه ثانيا بتبدل رأيه، من باب وجوب ارشاد الجاهل في الاحكام الكلية (3).


(1) مصباح الفقاهة: ج 1 ص 118. (2) مصباح الفقاهة: ج 1 ص 120. (3) العرو الوثقى: ج 1 ص 48 الهامش.

[ 37 ]

قاعدة إسقاط الحق المعنى: معنى القاعدة هو أن كل صاحب الحق يتمكن أن يسقط حقه ويمضه. كما قال الشيخ الانصاري رحمه الله في إسقاط حق الخيار، تتواجد: القاعدة المسلمة: من أن لكل ذي حق إسقاط حقه (1). فالحقوق، كحق الخيار وحق الاولوية وحق الاختصاص وما شاكلها تسقط بالاسقاط. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: والكاظمين الغيض والعافين عن الناس (2). يستفاد من هذه الاية أن من الصفات الحسنة للمتقين هو العفو تجاه الاساءة والتعدي وبالتالي إسقاط الجزاء (الحق) عن المسيئين. فترشدنا الى مدلول القاعدة. وقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله (3) هذه الاية تبين مشروعية حق الجزاء تجاه السيئة، ثم تبين مطلوبية العفو منضما إلى الصلح، وهو اسقاط الحق. كما قال شيخ الطائفة: الصلح اسقاط الحق (4). فتم مشروعية الاسقاط.


(1) المكاسب: قسم الخيارات ص 221. (2) آل عمران: 134. (3) الشورى: 42. (4) المسوط: ج 2 ص 308.

[ 38 ]

2 - الروايات الواردة في مختلف الأبواب. منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن قول الله عزوجل: (فمن تصدق به فهو كفارة له) فقال: يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفا، وسألته عن قول الله عزوجل فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان قال: ينبغي للذي له الحق أن لا يعسر أخاه، إذا كان قد صالحه على دية، وينبغي للذي عليه الحق أن لا يمطل أخاه إذا قدر على ما يعطيه، ويؤدي إليه باحسان (1). دلت على مشروعية إسقاط الحق ومطلوبيته دلالة تامة كاملة. وبما أن الرواية تامة سندا ودلالة فلا حاجة الى نقل الروايات الاخرى. أضف الى ذلك اعتماد القاعدة على قاعدة السلطنة المشهورة عند الفقهاء. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف ولا إشكال فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم كما قال سيدنا الاستاذ: القاعدة المسلمة بين الفقهاء: أن لكل ذي حق إسقاط حقه (2). والأمر كما أفاده. وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في إسقاط حق التاجيل: إن الشرط المزبور (التأجيل) حق للمشتري خاصة، فيسقط باسقاطه كغيره من الشرائط التي له على البائع، فالعمدة حينئذ الاجماع (3). فروع الأول: قال شيخ الطائفة رحمه الله: إذا إدعى عليه (رجل) مالا مجهولا فأقر له به، وصالحه منه على شئ معلوم صح الصلح من المجهول على المعلوم، لأن الصلح إسقاط حق واسقاط الحق يصح في المجهول والمعلوم (4).


(1) الوسائل: ج 19 ص 88 باب 57 من قصاص النفس ح 1. (2) مصباح الفقاهة: ج 6 ص 139. (3) جواهر الكلام: ج 23 ص 115. (4) المبسوط: ج 2 ص 308.

[ 39 ]

الثاني: قال المحقق الحلي رحمه الله: إذا قطع اصبعه فعفا المجني عليه قبل الاندمال، فإن إندملت فلا قصاص ولا دية، لأنه إسقاط لحق ثابت عند الابراء (1). الثالث: قال سيدنا الاستاذ: كلما شككنا في مورد أنه يسقط باسقاط من له ذلك (الحق) أو لا؟ فالأصل بقاؤه وعدم سقوطه بالاسقاط تمسكا بدليله (2). وقد أطبق كلمات الفقهاء على أن الحكم الشرعي لا يكون قابلا للاسقاط، لأن الحكم وضعه ورفعه بيد الحاكم، وأن الحق قابل للأسقاط، لأن صاحب الحق مسلط على حقه وضعا ورفعا، على أساس تفويض الشرع. والمشكوك (بين الحق والحكم) لا يكون قابلا للأسقاط، لاصالة بقائه، على ما أفاده سيدنا الاستاذ. الرابع: قال سيدنا الاستاذ: لا يحتاج إسقاط الحق الى القبول، وأما المصالحة عليه فتحتاج الى القبول (3).


(1) شرائع الأسلام: ج 4 ص 241. (2) مصباح الفقاهة: ج 6 ص 140. (3) منهاج الصالحين: ج 2 ص 194.

[ 40 ]

قاعدة الأسلام يجب ما قبله المعنى: معنى القاعدة هو جب الأسلام خطايا من ارتكبها قبله، أي أن الأسلام يسقط عن الناس ما ارتكبوه قبل تشرفهم بالأسلام امتنانا لهم، فالكافر إذا ترك الواجبات وفعل المحرمات حال كفره ثم أسلم لم يكلف بقضاء الواجبات ولم يؤاخذ بالمحرمات، وعليه لم يجر على الكافر بعد إسلامه حد السرقة والزنا وشرب الخمر وغيرها، لأن الأسلام يجب ما قبله. وأما صحة المعاملات وثبوت الضمانات وبقاء الديون فلا توجب إشكالا في مدلول القاعدة، لأن إبطال تلك الامور يكون على خلاف الامتنان بل يكون امضاؤها مطابقا للامتنان وموافقا لجب الأسلام، كما لا يخفى. وبعبارة اخرى كان نطاق الجب هو حق الله لا حق العبد. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بامور على ما يلي: 1 - الايات: منها قوله تعالى: قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (1). دلت بظاهرها على أن الكفار إن تركوا الكفر (انتهوا) واسلموا يغفر الله لهم ما قد سلف منهم من الخطايا والمعاصي حال الكفر.


(1) الأنفال: 38.

[ 41 ]

ومنها قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آبائكم من النساء إلا ما قد سلف (1). قد ورد الحكم من الشرع على عدم جواز المناكحة مع منكوحة الاباء، ولازمه المؤاخذة على تلك المناكحة، فالاستثناء بقوله: إلا ما قد سلف، يفيد رفع المؤاخذة عن ذلك العمل امتنانا إذا كان (في السلف) قبل الأسلام، وهذا هو معنى القاعدة. ومنها قوله تعالى: عفى الله عما سلف (2). دلت - بعد القاء الخصوصية عن المورد - على أن الأسلام يغفر به ما سلف عن الكفار من المعاصي حال كفرهم. 2 - النبوي المشهور بين الفريقين: ولفظه نفس القاعدة: (الاسلام يجب ما قبله) وقد ذكر هذا النبوي في عدة كتب وموارد شتى مثل: مجمع البحرين وسيرة ابن هشام والسيرة الحلبية والطبقات الكبرى والبحار - في ذكر قضايا أمير المؤمنين - وغيرها ولكن الحديث مرسل. ولا يرفع الأشكال الوارد من ناحية الأرسال بواسطة الشهرة كما هو واضح. قال المحقق صاحب الجواهر: أن (الاسلام يجب ما قبله) المنجبر سندا ودلالة بعمل الأصحاب، الموافق لقوله تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (3) والذي يسهل الخطب أن مضمون الحديث موافق للكتاب، فلم نواجه الأشكال من ناحية السند. 3 - السيرة النبوية: من المعلوم أن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله قد جرت على هذا الاسلوب (العفو عما سلف) ولم يكلف النبي صلى الله عليه وآله أحدا من أصحابه على قضاء ما فات منه من العبادات، حال الكفر، وما أمر صلى الله عليه وآله باقامة الحد على عمل ارتكبه الاصحاب قبل الأسلام، ولا خلاف ولا اشكال في المسألة.


(1) النساء: 22. (2) المائدة: 95. (3) الجواهر: ج 15 ص 62.

[ 42 ]

فرعان الأول: إن الزكاة هي سهم الفقراء فتكون من حقوق الناس، وعليه كانت الزكاة خارجة من نطاق القاعدة، وذلك لما قلنا أن مورد القاعدة هو حق الله فقط ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من المسلمين بايتاء الزكاة التي تركها حال الكفر، فإذا يصبح الأمر مشكلا. التحقيق: أن المراد من حقوق الناس (حسب المتعارف) هي الحقوق التي أسسها العقلاء وامضاها الشارع كالضمانات والديون، فهذه الحقوق لا تكون متعلق العفو ومورد القاعدة، وأما حقوق الناس التي أسسها الشارع كالزكاة فكما يكون وضعها بيد الشارع كذلك يكون رفعها بيد الشارع، وعليه تكون الزكاة داخلة في نطاق القاعدة. كما قال المحقق صاحب الجواهر أن المستفاد من أقوال الفقهاء هو: سقوطها (الزكاة) بالاسلام وإن كان النصاب موجودا، لأن الأسلام يجب ما قبله... بل يمكن القطع به، بملاحظة معلومية عدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأحد ممن تجدد إسلامه من أهل البادية وغيرهم بزكاة إبلهم في السنين الماضية (1). الثاني: قال المحقق الحلي رحمه الله: الكافر وإن وجب عليه (الصوم) لكن لا يجب القضاء، إلا ما أدرك فجره مسلما. ولو أسلم في أثناء اليوم أمسك إستحبابا (2). قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله أن الأمر يكون كذلك: لأن الاسلام يجب ما قبله، بناء على منافاة القضاء - وإن كان بفرض جديد - لجب السابق، باعتبار كون المراد منه قطع ما تقدم، وتنزيله منزلة ما لم يقع (3).


(1) الجواهر: ج 15 ص 62. (2) شرائع الاسلام: ج 1 ص 202. (3) الجواهر: ج 15 ص 62.

[ 43 ]

قاعدة الاشتراك المعنى: المقصود من الاشتراك هنا مشاركة المسلمين في الأحكام الشرعية، فيكون معنى القاعدة اشتراك جميع المكلفين في التكليف، وتفيد أن الأحكام لا تختص بجماعة دون جماعة بل تعم الحاضرين والغائبين والعالمين والجاهلين أجمعين. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بامور على ما يلي: 1 - الروايات: منها الخبر المشهور: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة). دل على أن الحكم الشرعي لا يختص بفرد خاص بل يشمل الجميع فيشترك كل المكلفين في الحكم. ومنها صحيحة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة (1). دلت على أن الحكم (الحلال والحرام) لا يختص بقوم في عصر خاص بل يشمل جميع الطبقات، في مختلف الأعصار. 2 - الأدلة الأولية: إن الأدلة التي تبين الحكم تكون على قسمين:


(1) اصول الكافي: ج 1 ص 58 كتاب فضل العلم حديث 19.

[ 44 ]

(الأول) الأنشاء العام بنحو القضية الحقيقية: كقوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (1). هذا القسم بظهوره يشمل الجميع، لأن مفاده تحقق الحكم في فرض تحقق الموضوع بلا فرق بين الحاضر والغائب. (الثاني): الخطابات الشفاهية: مثل قوله تعالى: اقيموا الصلاة وغيره، هذا القسم بالاسلوب الأولى منصرف إلى الحاضرين ولكن قرر في الاصول عدم اختصاصه بالحضور، كما قال المحقق صاحب الكفاية: ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل (يا أيها الناس اتقوا، ويا أيها المؤمنون) بمن حضر مجلس الخطاب بلا شبهة ولا ارتياب، ويشهد لما ذكرنا صحة النداء بالأدوات مع إرادة العموم من العام الواقع تلوها بلا عناية (2). ولا يخفى أن الأشكال إنما هو على القول بأن الخطاب يتوجه إلى المكلفين الحاضرين، وأما إذا قلنا بان الخطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وآله فلا مجال للاشكال، كما قال: وأما إذا قيل بأنه (النبي صلى الله عليه وآله) المخاطب والموجه إليه الكلام حقيقة وحيا أو إلهاما فلا محيص إلا عن كون الأداة في مثله (أيها الناس) للخطاب الأيقاعي ولو مجازا، وعليه لا مجال لتوهم اختصاص الحكم المتكفل له الخطاب بالحاضرين بل يعم المعدومين فضلا عن الغائبين (3). 3 - الأصل: وهو الاستصحاب بمعنى أن الأحكام الثابتة لجماعة من المسلمين في صدر الأسلام يستصحب بقاؤها في الأزمنة المتأخرة للجميع ويتم أركان الاستصحاب، كما قال المحقق صاحب الكفاية: لا فرق بين أن يكون المتيقن من أحكام هذه الشريعة أو الشريعة السابقة إذا شك في بقائه وارتفاعه بنسخه في هذه الشريعة، لعموم أدلة الاستصحاب (1). ومن المعلوم أن الاستصحاب إذا كان تاما في أحكام الشريعة السابقة يكون تاما - بالأولوية - في


(1) آل عمران. (2) كفاية الاصول: ج 1 ص 358. (3) كفاية الاصول: ج 1 ص 359. (4) كفاية الاصول: ج 2 ص 323.

[ 45 ]

الشريعة المقدسة الأسلامية، لاحتمال تعدد الموضوع في تلك الشريعة وعدمه في شريعتنا. 4 - الضرورة: إن ذكر الدليل على إعتبار قاعدة الأشتراك كان من باب العمل بسيرة المحققين وإلا هذه القاعدة لا تحتاج إلى الأستدلال، لأنها من ضروريات الفقه ولا يكون فيها أية شبهة وأدنى ريب عند المسلمين، كما قال سيدنا الاستاذ في تقريراته: الايات والروايات الكثيرة (دالة) على اشتراك الأحكام الواقعية بين العالم والجاهل وإن شئت فعبر (عنها) بقاعدة الاشتراك فإنها من ضروريات المذهب (1). فرعان الأول: يجب القضاء على من فاتته الصلاة عمدا أو جهلا، وذلك على أساس القاعدة. كما قال سيدنا الاستاذ: يجب قضاء الصلاة اليومية التي فاتت في وقتها عمدا أو سهوا أو جهلا لأجل النوم المستوعب للوقت، أو لغير ذلك وكذا إذا أتى بها فاسدة لفقد جزء أو شرط يوجب فقده البطلان (2). الثاني: هل يجب على الولي (الولد الاكبر) قضاء صوم المرأة متناسقا لقضاء صوم الرجل أم لا؟ قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله الأقوى هو ثبوت القضاء: وفاقا لظاهر المعظم، بل نسب الى الأصحاب، لقاعدة الاشتراك (3).


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 257. (2) منهاج الصالحين: ج 1 ص 199. (3) الجواهر: ج 17 ص 45.

[ 46 ]

قاعدة إصالة الفساد في المعاملات المعنى: معنى القاعدة عبارة عن أن الأصل عند الشك في صحة المعاملة - من جهة الشك في تحقق الشرط مثلا - هو عدم ترتب الاثر (الفساد) كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: لو شك في اعتبار شئ فيها (المعاملات) عرفا، فلا مجال للتمسك باطلاقها في عدم اعتباره، بل لا بد من إعتباره، لاصالة عدم الأثر بدونه (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض (2) يمكننا إستفادة المطلوب من هذه الاية، وذلك لأن هذه الاية تتركب من جزءين: أ - النهي (لا تأكلوا) بشكل عام عن مختلف المبادلات المالية. ب - التجويز الخاص (تجارة عن تراض) على نهج الاستثناء من القانون العام، فعلى اساس المنهج المقرر في العام والخاص، كلما تواجد الخاص بتمامه وكماله كان هو المستثنى من نطاق العام. وأما إذا شك في تحققه كان الحاكم طبعا هو


(1) كفاية الاصول: ج 1 ص 50. (2) النساء: 29.

[ 47 ]

عموم العام، وفي ضوء هذا البيان يستبين لنا أن القانون الكلي هناك (في الاية) هو بطلان المبادلات، وها هي إصالة الفساد، وأما المستثنى من ذلك الكلي (القاعدة) إنما هو التجارة الواجدة للشرائط الشرعية والعرفية، منضمة الى الرضا فإذا شك في تحقق شرط من الشرائط (كما إذا تحقق الرضا بعد تحقق التجارة) إذا كان الحاكم عموم البطلان أي إصالة الفساد. ولا مجال هناك - عند الشك في الشرطية - للتمسك بعموم: أوفوا بالعقود (1)، وذلك لأن هذه الاية تدل على وجوب الوفاء بمقتضى العقود، وبالتالي تفيد اللزوم ولا تكون في جهة بيان الصحة حتى يتمسك بها عند الشك. وأما التمسك بعموم أحل الله البيع (2). فلا بأس به، لأن هذه الاية تفيد الصحة بالنسبة الى جميع أفراد البيع فكلما شك في شرطية شئ في البيع شرعا يتمسك بعموم الحلية ويحكم بالصحة، إلا أن نطاقها إنما هو الشك في شرطية شئ شرعا، وأما الشك في شرطية شئ عرفا فلا مجال للتمسك بعموم الحلية عندئذ، وذلك لأن للشرائط العرفية دور مبدئي في الموضوع، فالشك فيها شك في تحقق الموضوع (الشبهة الموضوعية)، والعام لا يحقق موضوعه، والتمسك به حينئذ تمسك بالعام في الشبهة المصداقية. كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: يتمسكون بالاطلاق (في نفي الشرط المشكوك) في أبواب المعاملات مع ذهابهم الى كون الفاظها موضوعة للصحيح، نعم لو شك في اعتبار شئ فيها عرفا فلا مجال للتمسك باطلاقها في عدم اعتباره بل لا بد من اعتباره، لاصالة عدم الأثر بدونه (3). ويؤكد ما ذكرناه إفادة سيدنا الاستاذ في محاولة هذا البحث قال: إن المعاملات بعناوينها الخاصة، كالبيع والاجارة والنكاح والصلح وما شاكل ذلك قد


(1) المائدة: 1. (2) البقرة: 275. (3) كفاية الاصول: ج 1 ص 50.

[ 48 ]

أخذت مفروضة الوجود في لسان أدلة الامضاء... فبطبيعة الحال تتوقف فعلية الامضاء الشرعي على فعلية هذه المعاملات، وتحققها في الخارج فمرجع قوله تعالى: أحل الله البيع مثلا إلى قولنا: إذا وجد شئ في الخارج وصدق عليه أنه بيع فهو ممضاء شرعا (1). 2 - إصالة عدم ترتب الأثر: قال المحقق النائيني رحمه الله: الأصل في جميع موارد الشك في صحة المعاملة يقتضي الفساد، لأصالة عدم ترتب الأثر على المعاملة الخارجية وبقاء متعلقها على ما كان عليه قبل تحققها (2). والأمر كما أفاده. وقال سيدنا الاستاذ في أن الأصل في المعاملات هو الفساد وفقا للشيخ الأنصاري رحمه الله: والوجه في ذلك، أن نتائج العقود والايقاعات - من الملكية والزوجية والعتاق والفراق - امور حادثة، ومسبوقة بالعدم، كما أن نفس العقود والايقاعات كذلك، فإذا شككنا في تحققها في الخارج من ناحية بعض ما يعتبر فيها من الشروط كان الأصل عدمه وحينئذ فيحكم بفسادها (3). والأمر كما أفاده. وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: فيكون كل من الجائز والمحرم مشروطا بشرط، فمع فرض الشك يتجه الفساد، لأصالة عدم ترتب الأثر. وعدم النقل والانتقال (4). وفي نهاية المطاف نتعرض التلخيص الذي أفاده الفاضل النراقي رحمه الله، فقال: وملخص القاعدة، أن الأصل عدم ترتب الأثر إلا على ما علم ترتبه عليه شرعا، ولا يعلم ذلك إلا بجعل الشارع، ولا يحصل جعله إلا بنحو قوله البيع كذا... وأن علم معناه وعلم شرطا له أيضا كما أنه علم لزوم التنجيز، ولا يصح التعليق فيحكم بتحقق هذه المعاملة بتحقق هذا مع ذلك الشرط، وإن لم يعلم له معنى فيحكم بعدم ترتب الأثر كما هو مقتضى الأصل، إلا فيما علم تحقق المعاملة


(1) محاضرات: ج 5 ص 34. (2) أجود التقريرات: ج 1 ص 393 و 394. (3) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 7. (4) جواهر الكلام: ج 23 ص 340.

[ 49 ]

يقينا وهو محل الأجماع (1). 3 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء الأصوليين على أصالة عدم ترتب الأثر عند الشك، كما تعرضنا لعدة آراء من الاعاظم، وتبين لنا أن المدرك الوحيد للقاعدة عندهم هو اصالة عدم ترتب الأثر. فرعان الأول: قال الفاضل النراقي: من لم يظهر ذلك الأجماع له (التسالم على إشتراط البيع بالصيغة الخاصة) ولم يعثر على دليل آخر ايضا على الاشتراط يوسع في تحقق البيع بما يتحقق به لغة أو عرفا، وإلى هذا ينظر من اكتفى بمطلق اللفظ أو بالمعاطاة أيضا، وهكذا غيره من العقود، وبما ذكرنا يحصل المناط والقاعدة الكلية لاستنباط الحق، وإستخراج الحكم في مقام الاختلاف (2). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا لم يبق البائع على الشرائط حين قبول المشتري حكم بفساد العقد، إذ يرتفع التزام البائع بانتفاء شرائط الانشاء عنه، ولا يتصل التزامه بالتزام المشتري، إلا في مثل النوم والغفلة، فانهما لا ينافيان بقاء إلتزام البائع للسيرة (3).


(1) عوائد الايام: ص 152. (2) عوائد الايام: ص 153. (3) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 76.

[ 50 ]

قاعدة الاعراض عن الملك المعنى: معنى القاعدة هو أن مالك المال يتمكن أن يعرض عن ملكه ويتركها فينقطع العلاقة بين المالك والملك نتيجة لمتاركة المالك. ودور الأعراض بالنسبة الى الملك يكون كدور الاسقاط بالنسبة الى الحقوق. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات الواردة في باب اللقطة. منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من اصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الأرض قد كلت وقامت وسيبها صاحبها مما لم يتبعه، فأخذها غيره فأقام عليها وأنفق نفقته حتى أحياها من الكلال ومن الموت، فهي له ولا سبيل له (لصاحب المال) عليها وإنما هي مثل الشئ المباح (1). دلت على أن المال - كاللباس والفراش وما شاكلهما - والبعير - الحيوان - إذا تركها (سيبها) صاحبها وأعرض عنها ينقطع العلاقة الملكية فيصبح المتروك المعرض عنه مثل الشئ المباح. فمن تسيطر عليه يملكه. وها هو مدلول القاعدة والدلالة تامة كما أن السند صحيح تام.


(1) الوسائل: ج 17 ص 364 باب 13 من أبواب اللقطة ح 2.

[ 51 ]

ومنها خبر السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل ترك دابته من جهد، فقال إن تركها في خوف وعلى غير ماء ولا كلاء فهي لمن أصابها (1). دلت على أن الأعراض يوجب انقطاع الملكية فالدلالة تامة ولكن السند ضعيف وعليه فلا يستفاد منه إلا التأييد. 2 - عموم السلطنة: بما أن المالك مسلط على ملكه مطلقا، وله أن يتصرف في ملكه كيف يشاء فعلا وتركا، وبالتالي يتمكن المالك أن يعرض عن ملكه ويتركه على أساس سلطنته العامة. وبكلمة واحدة يقال أن قاعدة الأعراض تعتمد على قاعدة السلطنة. أضف الى ذلك أن قاعدة الاقدام أيضا تساعدها، فيتأكد الاعتبار للقاعدة. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء بالنسبة إلى مدلول القاعدة فالأمر متسالم عليه عندهم في الجملة. كما قال الشهيد الأول رحمه الله: ولو ترك (الحيوان) من جهد لا في كلاء وماء أبيح وقال الشهيد الثاني رحمه الله شرحا للحكم: (أبيح) أخذه وملكه الاخذ (2). على أساس الأعراض عن الملكية، مستفادا من صحيحة المتقدمة، وغيرها. وقال العلامة: ولو تركه (الحيوان) من جهد في غير كلاء ولا ماء جاز أخذه ويملكه الواجد ولا ضمان (3). لعدم الملكية نتيجة للأعراض. قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله حكاية عن السرائر: من ترك بعيره من جهد في غير كلاء ولا ماء، فهو لمن أخذه، لأنه خلاه آيسا منه (أعرض عنه) ورفع يده، فصار مباحا، وليس هذا قياسا، وإنما هذا (البعير) على جهة المثال، والمرجع فيه الى الأجماع وتواتر النصوص، دون القياس والاجتهاد. قلت: لعل ذلك هو العمدة في تملك المعرض عنه، مضافا إلى


(1) الوسائل: ج 17 ص 364. (2) اللمعة الدمشقية: ج 7 ص 84. (3) ايضاح الفوائد: ج 2 ص 148.

[ 52 ]

السيرة في عطب (الكسورات المتروكة من) المسافر ونحوه - الى أن قال -: فالأولى ان يقال: ما علم إنشاء إباحة من المالك لكل من يريد أن يتملكه، كنثار العرس ونحوه، يملكه الأخذ بالقبض، أو بالتصرف الناقل، أو المتلف أو مطلق التصرف، على الوجوه أو الأقوال المذكورة في المعاطاة بناء على أنها إباحة، وكذا ما جرت السيرة والطريقة على تملكه مما قام شاهد الحال بالاعراض عنه، كحطب (عطب) المسافر ونحوه، أو ما كان كالمباحات الأصلية، باندراس (الملك) كأحجار القرى الدراسة (1). والحكم مفتى به كما قال سيدنا الاستاذ في الفتوى: إذا ترك الحيوان صاحبه في الطريق فإن كان قد أعرض عنه جاز لكل أحد تملكه كالمباحات الاصلية (2). فروع الأول: قال المحقق الحلي رحمه الله: لو إنكسرت سفينة في البحر، فما أخرجه البحر فهو لاهله، وما أخرجه بالغوص فهو لمخرجه (3). وكان الحكم على أساس خبر ضعيف عن الشعيري قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن سفينة إنكسرت في البحر فاخرج بعضها بالغوص وأخرج البحر بعض ما غرق فيها، فقال: أما ما أخرجه البحر فهو لاهله، الله أخرجه، وأما ما أخرج بالغوص فهو لهم وهم أحق به (4). وهناك (في الباب) رواية اخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام (الحديث الأول) بنفس المضمون ولا باس باعتبار سنده على أساس توثيق عام، فيمكننا أن نستند الحكم الى تلك الرواية. الثاني: الاعراض كما يتحقق بالنسبة الى الملك، كذلك يتحقق بالنسبة الى


(1) جواهر الكلام: ج 40 ص 400 و 401. (2) منهاج الصالحين: ج 2 ص 138. (3) شرائع الاسلام: ج 4 ص 109. (4) الوسائل: ج 17 ص 362 باب 11 كتاب اللقطة ح 2.

[ 53 ]

الحق، كما قال سيدنا الاستاذ: إذا قام الجالس من المسجد وفارق المكان، فان أعرض عنه بطل حقه، ولو عاد إليه وقد أخذه غيره، فليس له منعه وازعاجه (1). الثالث: قال سيدنا الاستاذ في قسم اراضي الموت: القسم الثالث (ما يكون له مالك معلوم) فان أعرض عنه صاحبه جاز لكل أحد إحياؤه (2).


(1) منهاج الصالحين: ج 2 ص 163. (2) منهاج الصالحين: ج 2 ص 151.

[ 54 ]

قاعدة اقامة الحدود الى من إليه الحكم المعنى: معنى القاعدة هو أن تطبيق الحدود كالقتل وقطع اليد وضرب الجلد يكون في زمان الغيبة بيد الحاكم الشرعي. قال سيدنا الاستاذ: يجوز للحاكم الجامع للشرائط إقامة الحدود على الاظهر (1). وهنا دعويان: (الاولى): جواز إقامة الحدود - الحكومة - في المجتمع لغير الأمام. (الثانية): إختصاص الأقامة للفقيه - الحاكم الشرعي -. أما الاولى: قال سيدنا الاستاذ: هذا (الجواز) هو المعروف والمشهور بين الأصحاب، بل لم ينقل فيه خلاف إلا ما حكي عن ظاهري ابني زهرة وإدريس من إختصاص ذلك بالأمام أو بمن نصبه لذلك وهو لم يثبت، ويظهر من المحقق في الشرائع والعلامة في بعض كتبه التوقف. ويدل على ما ذكرناه أمران: (الأول) أن إقامة الحدود إنما شرعت للمصلحة العامة، ودفعا للفساد وانتشار الفجور والطغيان بين الناس، وهذا ينافي إختصاصه بزمان دون زمان، وليس


(1) تكملة المنهاج: ج 1 ص 224.

[ 55 ]

لحضور الأمام عليه السلام دخل في ذلك قطعا، فالحكمة المقتضية لتشريع الحدود تقتضي باقامتها في زمان الغيبة، كما تقتضي بها زمان الحضور. (الثاني): أن أدلة الحدود كتابا وسنة مطلقة وغير مقيدة بزمان دون زمان، لقوله سبحانه الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة (1). وقوله تعالى السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (2). وهذه الأدلة تدل على أنه لا بد من إقامة الحدود (3). والأمر كما أفاده. وأما الثانية: أي اختصاص إقامة الحدود للحاكم الشرعي (الفقيه المجتهد) فهذا هو مدلول القاعدة التي نحن بصدد إثباتها. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي. 1 - انتفاء الموضوع: إن موضوع الحاكمية هو (القدرة الفقهية) التي تنبثق من التفقه والاجتهاد، وعند إنتفائها ينتفي الحكم بانتفاء موضوعه، ومن المعلوم أن تطبيق الحدود على مواردها وفهم مسائلها أمر خطير لا يتمكن منه غير الفقيه والحاكم الشرعي، فليست إقامة الحدود مقدورة لغير من إليه الحكم. 2 - نقض الغرض: إذا لم يكن الحد بيد الأهل ربما تحصل المفسدة بدلا عن المصلحة التي من أجلها شرعت الحدود، وذلك لعدم إقامة الحدود في محلها فيلزم نقض الغرض. 3 - إختلال النظام: قال سيدنا الاستاذ: ومن الضروري أن ذلك الحدود لم تشرع لكل فرد من أفراد المسلمين فانه يوجب إختلال النظام، وأن لا يثبت حجر على حجر، بل يستفاد من عدة روايات أنه لا يجوز إقامة الحد لكل أحد، منها صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حد


(1) النور: 2. (2) المائدة: 38. (3) تكملة المنهاج: ج 1 ص 225.

[ 56 ]

الزنا: إن الله جعل لكل شئ حدا، وجعل لمن تعدى ذلك الحد حدا (1) فإذا لا بد من الأخذ بالقدر المتيقن، والمتيقن هو من إليه الأمر وهو الحاكم الشرعي، ويؤيد ذلك عدة روايات، منها رواية إسحاق بن يعقوب (التوقيع المبارك)، ومنها رواية حفص بن غياث، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام من يقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي؟ فقال: (إقامة الحدود إلى من إليه الحكم) (2). فإنها بضميمة ما دل على أن من إليه الحكم في زمان الغيبة هم الفقهاء تدل على أن إقامة الحدود إليهم ووظيفتهم (3). وبهذه الأدلة يثبت إعتبار القاعدة. بتمامه وكماله. فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: يحرم القضاء بين الناس ولو في الأشياء الحقيرة إذا لم يكن من أهله، فلو لم ير نفسه مجتهدا عادلا جامعا لشرائط الفتيا والحكم حرم عليه تصديه، وإن اعتقد الناس أهليته، ويجب كفاية على أهله (4). الثاني: هل يجوز تصدي القضاء بين المسلمين للمجتهد المتجزئ أم لا؟ قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: ظاهر خبر أبي خديجة الأكتفاء بتجزي الاجتهاد في الحكومة، لصدق معرفة شئ من قضائهم (5).


(1) الوسائل: ج 18 ص 310 باب 2 من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (2) الوسائل: ج 18 ص 338 باب 28 من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (3) تكملة المنهاج: ج 1 ص 226. (4) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 536. (5) الجواهر: ج 40 ص 34.

[ 57 ]

قاعدة الأقدام المعنى: المقصود من الأقدام هنا هو الأقدام على الضرر والضمان بمعنى إختيار الشخص البالغ العاقل، بنفسه الخسارة المالية على نفسه، كأن يشتري شيئا بأكثر من الثمن المتعارف، ومثلوا له بأن يأمر صاحب المال لشخص عامل بالقاء ماله في البحر لداع في نفسه، فإذا عمل به لا يكون على العامل ضمان، لأقدام صاحب المال. وكذلك إختيار الضمان في ضمان الأموال، وضمان الأنفس. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: أدلة مشروعية الضمان: إن مشروعية الضمان من الضروريات الفقهية، كما قال شيخ الطائفة رحمه الله: الضمان جائز للكتاب والسنة والأجماع (1). وبما أن الضمان يتحقق بواسطة الأقدام كان أدلة الضمان مدركا إنيا لأعتبار الأقدام ومشروعيته، وها هو أقوى الدليل على اعتبار القاعدة. وبعبارة واضحة: إذا نتساءل عن مسؤولية الضامن بالنسبة الى المال، وعن مسؤولية الكفيل بالنسبة الى النفس، بانه كيف تحقق تلك المسؤولية؟ يقال في الجواب - بلاأية شبهة ولا ارتياب - بأن المسؤولية


(1) المبسوط: ج 2 ص 322.

[ 58 ]

هناك إنما تحققت على اساس إقدام الضامن والكفيل ومبادرتهما بتلك المسؤولية إختيارا. فمن ضوء هذا البيان تبين لنا بأن للأقدام دور مبدأي في تحقق الضمان والكفالة، وعليه تكشف صحة الضمان والكفالة ومشروعيتهما، عن صحة الأقدام ومشروعيته كشفا قطعيا. 3 - الروايات الواردة في أبواب مختلفة: منها موثقة ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ضمن عن رجل ضمانا ثم صالح على بعض ما صالح عليه، قال: (ليس له إلا الذي صالح عليه) (1). دلت على أن الضمان يتقرر على البعض الذي تعين بالمصالحة (إقداما للضمان) وأما البعض الباقي فلا يكون فيه الضمان بعد إقدام مضمون له على ذلك، (إقداما على الضرر) فيستفاد من هذه الرواية صحة الأقدام على الضمان وعلى الضرر. وهذا هو معنى القاعدة بتمامه وكماله. 4 - بناء العقلاء: إن الأقدام بمعنى الألتزام النفساني قائم بين الناس في مختلف الأفعال والأعمال، ولم يرد الردع عنه من الشرع فيصلح أن يكون مدركا للقاعدة. أضف إلى ذلك أن اختيار الأنسان بالنسبة الى مختلف التعهدات - الا ما خرج بالدليل الخاص - يقتضي صحة الأقدام الذي هو التعهد. توضيح: قد يتواجد الأقدام في ضمن المعاملة، فيسمى بالاقدام المعاملي، ويكون نفوذه عندئد منضما بنفوذ المعاملة كما قال العلامة الاصفهاني رحمه الله: أما قاعدة الأقدام فحيث أن المفروض هو الأقدام المعاملي البيعي فهو إقدام معاوضي واقتضائه للضمان مبني على تضمن الأقدام على التمليك بالعوض المسمى - إلى أن قال: - الأقدام على التعويض بالمسمى نافذ بدليل البيع (2). والتحقيق: أن قاعدة الأقدام - في الأقدام المعاملي - ليست سببا مستقلا للضمان بل يكون جزء السبب، كما قال سيدنا الاستاذ دام ظله: أن الأقدام في


(1) الوسائل: ج 13 ص 153 باب 6 من أحكام الضمان ح 1. (2) حاشية المكاسب: ج 1 ص 188.

[ 59 ]

نفسه ليس علة تامة للضمان لكي يدور الضمان مدار الأقدام وجودا وعدما، وإنما هو متمم سبب الضمان الذي هو الاستيلاء على مال الغير بلا تسليط من المالك مجانا (1). وما أفاد أن الأقدام متمم لسبب الضمان هناك متين جدا. فروع الأول: إذا تعارض الأقدام مع نفي الضرر مثل أن يبيع أحد بيته بنصف قيمته السوقية فهل يكون نفي الضرر هنا مانعا عن صحة الأقدام أم لا؟ التحقيق: هو نفوذ الأقدام، وذلك لكونه حاكما على قاعدة نفي الضرر كما قال سيدنا الاستاذ في الضرر الوارد من جهة إسقاط خيار الغبن: فيكون الأقدام (قاعدة الأقدام) من المغبون مع علمه إسقاطا للشرط. (عدم الضرر وتساوي المالين) (2). الثاني: قال الشيخ الأنصاري رحمه الله شارحا لأستدلال شيخ الطائفة رحمه الله على هذه القاعدة في ثبوت الضمان بالنسبة إلى البيع والأجارة الفاسدين: ثم إنه لا يبعد أن يكون مراد الشيخ ومن تبعه من الاستدلال على الضمان بالأقدام والدخول عليه بيان أن العين والمنفعة اللذين تسلمهما الشخص لم يتسلمهما مجانا وتبرعا حتى لا يقتضي إحترامهما بتداركهما بالعوض (3). الثالث: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: إذا لم يسمع العامل إلا إحدى الجعالتين... مع فرض إقتضاء الثانية فسخ الأولى - وقلنا بعدم إعتبار العلم - يتجه الرجوع إلى أجرة المثل. وربما أشكل بأنه أقدم على المسمى فيستحقه دون أجرة المثل. وفيه أن الأقدام على المسمى بعد فرض إنفساخ العقد المقتضي لأستحقاقه (المسمى) لا يقتضي (الأقدام) إستحقاقه (العامل) إياه (المسمى)، ولا غرور بعد أن أقدم على عقد جائز للمالك فسخه في كل وقت (4).


(1) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 96. (2) مصباح الاصول: ج 2 ص 544. (3) المكاسب: البيع ص 103. (4) الجواهر: ج 35 ص 202.

[ 60 ]

قاعدة الأقرار المعنى: الأقرار لغة وعرفا عبارة عن جعل الشئ ذا قرار وثبات، ويكون المراد من الأقرار هنا (في الفقه) هو اعتراف المقر بما في ذمته من الدين والحق والضمان وغيرها. والأقرار هو أقوى الطرق لأثبات الحكم على المكلف، ومقدم على الطرق الاخر، ولا شك في نفوذ الأقرار وترتب الأثر عليه، وعليه فإذا إعترف المكلف بشئ على نفسه يثبت ما اعترف به قطعا، كما إذا أقر شخص بكونه مديونا لشخص آخر كان ذلك الاقرار حجة قطعية ويثبت عليه الدين بواسطة الأقرار. ومن المعلوم أن مورد الأقرار إنما هو الامور التي تكون ضررية وكلفة بالنسبة إلى المقر، فعليه لا يكون الأعتراف بالأمر الذي ينتفع به المقر نفعا دنيويا حجة له، بل لا يطلق الأقرار على ذلك الاعتراف بحسب الاصطلاح. المدرك: الأقرار أصلا ودليلا من ضروريات الفقه ومن مرتكزات المتشرعة، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: والأصل في شرعيته (الأقرار) بعد الأجماع من المسلمين أو الضرورة، السنة المقطوع بها (1). من طرق العامة والخاصة التي


(1) الوسائل: ج 16 كتاب الأقرار. وسنن البيهقي ج 6 ص 83.

[ 61 ]

تسمع بعضها، بل في الكتاب العزيز ما يدل على إعتباره في الجملة نحو قوله تعالى: أأقررتم واخذتم على ذلكم أصري قالوا أقررنا وقوله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم... مضافا إلى النبوي المستفيض أو المتواتر: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز (1). ويستدل على حجيته بالأدلة الأربعة: 1 - الايات: منها قوله تعالى: أأقررتم واخذتم على ذلكم أصري قالوا أقررنا (2). ومنها قوله تعالى: ثم اقررتم وانتم تشهدون (3) ومنها قوله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم (4) يقال: إن هذه الايات تدل على حجية الأقرار. والتحقيق: أنه لا دلالة لتلك الايات على المطلوب، وذلك لأن المراد من الأقرار في الاية الاولى والثانية هو قبول العهد والميثاق، والمراد من الاعتراف في الاية الثالثة هو التوبة فالمعترفون هم التائبون، فلا علاقة لها بنفوذ إقرار العقل على نفسه. 2 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب وتبلغ درجة التواتر. منها صحيحة عبد الله بن مغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الاخر: هما بيني وبينك قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: (أما الذي قال هما بيني وبينك فقد اقر بان أحد الدرهمين يس له فيه شئ، وأنه لصاحبه ويقسم الثاني بينهما نصفين) (5). دلت على نفوذ الأقرار ومؤاخذة المقر على ما أقر به. ومنها النبوي المشهور بين الفريقين وهو قوله صلى الله عليه وآله: (إقرار العقلاء على


(1) جواهر الكلام: ج 35 ص 3. (2) آل عمران: 81. (3) البقرة: 84. (4) التوبة: 102. (5) الوسائل: ج 13 ص 169 باب 9 كتاب الصلح ح 1.

[ 62 ]

أنفسهم جائز) (1). ومنها صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله عن علي عليهما السلام (الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية) (2). دلت - بعد القاء الخصوصية عن المورد - على كون الأقرار طريقا لاثبات متعلق الأقرار على المقر. 3 - السيرة: قد استقرت السيرة العقلائية منذ بداية التاريخ لحد الان على نفوذ الأقرار، فإن معظم المعاملات عند العقلاء يبتني على أساس الأقرار، ويترتب عليه الأثر عندهم في مختلف الامور. 4 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء بالنسبة إلى نفوذ الأقرار ولا إشكال فيه ولا خلاف، فالأمر متسالم عليه عندهم. فرعان الأول: لا ريب في صحة إقرار العاقل البالغ وأما إقرار الصبي فهل يترتب عليه الأثر أم لا؟ التحقيق أن أدلة الأقرار لا تشمل إقرار الصبي قطعا ولا أقل من أنها منصرفة من الصبيان فلا شك في أن المراد من قولهم (إقرار العقلاء) هم البالغون. كما قال الشيخ الأنصاري: يكفي في ذلك المقام (مقام الاستدلال على إثبات القاعدة) ما أجمع عليه نصا وفتوى من نفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم، لكن لا ينفع ذلك في إقرار الصبي فيما له أن يفعله (3). وذلك للفرق الواضح بين المقامين. الثاني: قال المحقق الحلي: ويقبل الأقرار المجهول (4). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله بأن الأقرار هنا يثبت الحق للمقر له: وإن كان مورده مجهولا لعموم إقرار العقلاء وحينئذ فيلزم بتفسيره الرافع للجهالة (5).


(1) الوسائل: ج 16 ص 111 باب 3 كتاب الاقرار ح 1. (2) الوسائل ج 16 ص 33 باب 29 كتاب العتق ح 1. (3) المكاسب: الخيار ص 368. (4) شرائع الأسلام: ج 4 ص 82. (5) الجواهر: ج 40 ص 150.

[ 63 ]

قاعدة الاقرب يمنع الابعد المعنى: معنى القاعدة هو أن الأقرب نسبا إلى الميت يمنع الأبعد في النسب من الأرث، ومورد القاعدة - بناء على الأخذ بالقدر المتيقن - هو الميراث، كما قال شيخ الطائفة رحمه الله عند توضيح الدرجات في الميراث: وعلى هذا التدريج، الأقرب يمنع الأبعد بالغا ما بلغوا... إلا مسألة واحدة وهي: إبن عم للأب والام مع عم الأب، فإن المال لابن العم للأب والام، دون العم للأب، ولا يحمل عليها غيرها، لأن الطائفة أجمعت على هذه، وما عداها فعلى الأصل الذي قررناه (1). فالأستثناء هناك كان مما تسالم به الفقهاء. كما قال الشهيد الأول رحمه الله: لا يرث الأبعد مع الأقرب في الأعمام والاخوال، إلا في مسألة ابن العم والعم. وقال الشهيد الثاني رحمه الله: فإنها خارجة من القاعدة بالأجماع (2). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الايات: منها قوله تعالى: واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض (3).


(1) المبسوط: ج 4 ص 77 و 78. (2) شرح اللمعة: ج 8 ص 167. (3) الأنفال: 75.

[ 64 ]

فهذه الاية دلت على أن بعض الأرحام (الأقرب) أولى (الأول والمتعين)، من البعض الاخر (الأبعد)، وعليه فيمنع البعض الذي هو الأقرب إلى الميت البعض الذي هو الأبعد إليه من الأرث. ومنها قوله تعالى ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون (1). دلت بأن الأرث (ما ترك الميت) إنما هو للوارث الأقرب إلى الميت فقط. 2 - الروايات: منها موثقة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير الاية (لكل جعلنا موالي) قال (إنما عنى بذلك أولو الأرحام في المواريث ولم يعن أولياء النعمة). إلى هنا تم تفسير الاية. وذكر في الذيل بنحو التفريع ما هو المدرك للقاعدة قال: (فأولاهم بالميت اقربهم إليه من الرحم التي يجره إليها) (2). دلت على أن الأقرب إلى الميت يمنع الأبعد من الأرث، كما عنون صاحب الوسائل باب الرواية بباب أن الميراث يثبت بالنسب والسبب وأن الأقرب يمنع الأبعد ومنها صحيحة أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن في كتاب علي عليه السلام أن كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجر به إلا أن يكون وارث أقرب إلى الميت منه فيحجبه) (3). دلت على أن كل ذي رحم يورث ولكن الأقرب إلى الميت يمنع (يحجب) غيره من الأرث. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف فيه ولا إشكال فالأمر متسالم عليه عندهم. إلى هنا كان البحث حول المقدار المتيقن من نطاق القاعدة (الميراث)، ولكن يتواجد - في أبواب شتى - موارد جزئية تنطبق مع تلك القاعدة، وهي الفروع التالية:


(1) النساء 33. (2) الوسائل: ج 17 ص 414 من أبواب موجبات الارث ح 1. (3) الوسائل: ج 17 ص 418 باب 2 من أبواب موجبات الارث ح 1.

[ 65 ]

فروع الأول: في إعطاء النفقة كما قال سيدنا الاستاذ: نفقة النفس مقدمة على نفقة الزوجة، وهي مقدمة على نفقة الأقارب، والأقرب منهم مقدم على الأبعد فالولد مقدم على ولد الولد (1) وها هو المنطبق للقاعدة المتلوة. الثاني: في دية المقتول قال سيدنا الاستاذ: وإذا وجد (القتيل) بين قريتين ضمنت الأقرب منهما (2). على أساس القاعدة. الثالث: أفتى الفقهاء على أن فقراء البلد أولى بأخذ الزكاة (من الأموال الزكوية) بالنسبة إلى فقراء غير البلد، وهذا الحكم ينطبق مع قاعدة: الأقرب يمنع الابعد الرابع: موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلا متعمدا ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه، قال: إن كان له مال أخذت الدية من ماله، وإلا فمن الأقرب فالأقرب (3). والحكم مفتى به.


(1) منهاج الصالحين: ج 2 ص 288. (2) منهاج الصالحين: ج 2 القضاء ص 81. (3) الوسائل: ج 19 ص 303 باب 4 من أبواب العاقلة ح 1.

[ 66 ]

قاعدة الألزام المعنى: المراد من الألزام هنا هو إجراء الحكم على المسلم المخالف بما جاء به في مذهبه، وبما أن أحكام المذهب لا تقبل الرد والأنكار فمن تلقى حكما من تلك الأحكام بالقبول على المخالف لا بد أن يلتزم به المخالف، فهو إلزام عليه وعلى هذا يسمى العمل المطابق للمذهب المخالف إلزام المخالفين بما التزموا به في شريعتهم، فإذا يكون الألزام هو التجويز لا الأجبار، ومن المعلوم أن مورد إلزام المخالفين هو العمل الذي يترتب عليه منفعة وسعة لنا، كبعض مسائل الأرث والطلاق وغيرهما لا جميع الأعمال، كما هو واضح فالمخالف يؤخذ بما جاء في شريعته ومذهبه وإن لم يكن الحكم موافقا لما هو في مذهبنا، وعليه إصطلح الفقهاء بعبارتهم: (ألزموهم بما الزموا انفسهم)، وهذه العبارة ذكرت في رواية علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن عليه السلام قال: (ألزموهم بما الزموا أنفسهم) (1). لدلالة تامة ولكن السند ضعيف، لأن علي بن أبي حمزة البطائني من الضعاف المشهورين. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي:


(1) الوسائل: ج 17 ص 485 باب 4 من أبواب ميراث الاخوة والاجداد ح 5.

[ 67 ]

1 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة، فلا خلاف فيه عندهم، وعليه قالوا: إن الحكم يكون مما انعقد عليه إجماع الأمامية، ولكن بما أن الأجماع معلوم المدرك ولا أقل من أنه محتمل المدرك فلا يطلق عليه الأجماع الأصطلاحي الذي هو المستند في الأحكام، فالصحيح أن يعبر عنه بالتسالم لا الأجماع. 2 - الروايات: منها صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام قال سألته عن الأحكام قال: (يجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلون) (1). قالوا: إن هذه الصحيحة تدل على قاعدة الالزام. والتحقيق: أن ظاهر البيان (يجوز على أهل كل ذوي دين) هو أهل الكتاب فلا يشمل المخالف، مضافا إلى اختلاف النسخة (في بعض النسخ ذكر ما يستحلفون) الذي يضعف الدلالة، وكيف كان فلا تكون الدلالة تامة. ومنها رواية عبد الله بن محرز عن أبي عبد الله عليه السلام في ميراث الرجل الذي مات وهو من المخالفين وكان بعض وراثه عارفا وكان له حظ على مذهبهم خلافا لمذهبنا قال: (خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنتهم وقضاياهم) (2). دلت على أن الوظيفة هي المؤاخذة منهم لما ورد في شريعتهم، والدلالة تامة. وأما السند ففيه الثقات الأجلة إلا أن (عبد الله بن محرز) مجهول، ومع ذلك يؤخذ بهذه الرواية، وذلك لما ورد من الشهادة في ذيلها على صحة المدلول وهي: قال ابن اذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال: إن ما جاء به ابن محرز لنورا (3). فبما أن ابن اذينة (الراوي عن ابن محرز) قال: فذكرت ذلك. يفيد الذكر بانه اعتمد على مدلول الرواية واعتقد بصدورها، وبعد ما سمع زرارة، فقال: إن ما جاء به ابن محرز لنورا.


(1) الوسائل: ج 17 ص 484 باب 4 من أبواب ميراث الاخوة والاجداد ح 4. (2) الوسائل: ج 17 ص 484 باب 4 من أبواب ميراث الاخوة والاجداد ح 1. (3) نفس المصدر السابق: ح 1.

[ 68 ]

تلقى المدلول صادرا عن المعصوم، فالذيل يوجب الوثوق بالصدور ويتحقق الموضوع لحجية الخبر ويتم المطلوب. فروع الأول: قال سيدنا الاستاذ: يعتبر الأشهاد في صحة النكاح عند العامة، ولا يعتبر عند الأمامية وعليه فلو عقد رجل من العامة على امرأة بدون إشهاد بطل عقده، وعندئذ يجوز للشيعي أن يتزوجها بقاعدة الألزام. الثاني: يثبت خيار الرؤية على مذهب الشافعي لمن اشترى شيئا بالوصف ثم رآه، وإن كان المبيع حاويا للوصف المذكور، وعلى هذا فلو اشترى شيعي من شافعي شيئا بالوصف ثم رآه ثبت له الخيار بقاعدة الألزام، وإن كان المبيع مشتملا على الوصف المذكور. الثالث: لو ترك الميت بنتا سنية وأخا، وافترضنا أن الأخ كان شيعيا أو تشيع بعد موته، جاز له أخذ ما فضل من التركة بقاعدة الألزام (1).


(1) منهاج الصالحين: ج 1 ص 423 و 424 و 425.

[ 69 ]

قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الأختيار المعنى: معنى القاعدة هو أن المكلف إذا ألقى نفسه في المحذور (الفعل المحرم) يتحقق الامتناع بمعنى عدم إمكان الامتثال في ذاك الحال، ولكن ذلك (الألقاء في المحذور بسوء الاختيار) لا يوجب نفي التكليف والعقاب، لأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار الذي يشترط في التكليف والعقاب. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - حكم العقل: الدليل الوحيد الذي يصلح أن يكون مدركا للقاعدة هو حكم العقل، فإن القاعدة بالمعنى الذي أوضحناه آنفا من الامور العقلية التي لا شبهة فيها عند العقلاء، فإن تعجيز النفس عن الامتثال عمدا لا يوجب سقوط التكليف عند العقلاء، بل يكون ذلك من التسبيب في المخالفة. 2 - إرشاد الاية: قال الله تعالى: إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (1) صرحت هذه الاية بأن الظلم على الناس لا يكون من جانب الباري تعالى، فالظلم المتحقق من الشرع بالنسبة إلى الناس إنما يكون بواسطة عملهم السيئ، وعليه كان الظلم الواقع على المسيئين مستندا إلى أنفسهم، لا الى الباري تعالى.


(1) يونس: 44

[ 70 ]

وبالنتيجة فالظلم بمعنى التعذيب والضغط والمشقة إذا كان بسوء اختيار المكلف ومستندا إليه كان عملا سائغا لا مانع منه، ومن ضوء هذا البيان الشامل يستفاد صحة القاعدة: الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. وبما أن مدلول القاعدة ثابت بالحكم العقلي القطعي كان دلالة الاية عليها (القاعدة) إرشادية. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الاصوليين على مدلول القاعدة، فلا خلاف فيه عندهم والأمر متسالم عليه عندهم. وتمسكوا بهذه القاعدة (الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار) في مسألة إجتماع الأمر والنهي كالدخول في الدار المغصوبة بسوء الاختيار، والأمر من المسلمات المرسلة عندهم. وكيف كان فلا كلام ولا خلاف في أصل المسألة وإنما الكلام كله في نطاق القاعدة سعة وضيقا بأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا وخطابا أو عقابا فقط. التحقيق: هو الثاني (عدم المنافاة عقابا فقط)، وذلك لعدم توجه الخطاب الفعلي إلى العاجز ولصحة العقاب على الفعل (التصرف في المغصوب) الذي ينتهي إلى سوء الاختيار. قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: والحق أنه (الخروج) منهي عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار إليه وعصيان منه بسوء الاختيار، ولا يكاد يكون مأمور به (1). ووافق سيدنا الاستاذ مع هذه النظرية وأفاد نفس الرأي مع شرح جميل فقال: الصحيح هو ما أفاده صاحب الكفاية رحمه الله: من أن الخروج أو ما شاكله ليس محكوما بشئ من الأحكام الشرعية فعلا، ولكن يجري عليه حكم النهي السابق


(1) كفاية الاصول: ج 1 ص 263.

[ 71 ]

الساقط بالاضطرار من جهة انتهائه إلى سوء الاختيار، ومعه لا محالة يبقى على مبغوضيته ويستحق العقاب على ارتكابه، وإن كان العقل يرشد إلى اختياره ويلزمه بارتكابه فرارا عن المحذور الأهم، ولكن عرفت أن ذلك لا ينافي العقاب عليه إذا كان منتهيا إلى سوء اختياره كما هو مفروض المقام (1). والأمر كما أفاده. ولا يخفى أن الضابط للقاعدة هو كون المحذور منتهيا إلى الاختيار، وعليه لا فرق بين التكليف الوجوبي والتحريمي، ولا فرق بين سببية الفعل للمحذور وسببية الترك للمحذور، كما قال سيدنا الاستاذ: أن الملاك في جريان القاعدة في مورد هو أن ما كان امتناع امتثال التكليف فيه منتهيا إلى اختيار المكلف وإرادته فلا فرق بين أن يكون ذلك التكليف تكليفا وجوبيا أو تحريميا وبلا فرق بين أن يكون امتناع امتثاله من ناحية ترك ما يفضي إلى ذلك كترك المسير إلى الحج، أو من ناحية فعل ما يفضى إليه كالدخول في الأرض المغصوبة، فكما أنه على الأول يقال: إن امتناع فعل الحج يوم عرفة بما أنه منته إلى الاختيار فلا يسقط العقاب عنه، فان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فكذلك على الثاني يقال: إن إمتناع ترك الغصب بما أنه منته إلى الاختيار فلا يسقط العقاب، لأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فلا فرق بينهما في الدخول في موضوع القاعدة أصلا (2). وكذلك لا فرق بين الامتناع التكويني والتشريعي، كما قال سيدنا الاستاذ: ولا فرق في جريان هذه القاعدة بين أن يكون امتناع الفعل تكوينيا أو تشريعيا فكما أنها تجري على الأول فكذلك تجري على الثاني (3). وذلك لأن الممنوع الشرعي كالممنوع العقلي. فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: من أحدث سبب الجنابة في وقت لا يسع


(1) محاضرات: ج 4 ص 397. (2) محاضرات: ج 4 ص 382. (3) نفس المصدر السابق: ص 384.

[ 72 ]

الغسل ولا التيمم مع علمه بذلك فهو كمتعمد البقاء عليها (1). فيتوجه إليه (المجنب) الخطاب على أساس أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. الثاني: قال المحقق النائيني رحمه الله: إن ما يكون داخلا في موضوع كبرى تلك القاعدة لا بد أن يكون قد عرضه الامتناع بحيث يكون خارجا عن القدرة، وكان مستندا إلى اختيار المكلف، كالحج يوم عرفة ممن ترك المسير إليه باختياره، وكحفظ النفس ممن ألقى نفسه من شاهق. ومن الواضح أن الخروج من الدار المغصوبة ليس كذلك، فانه على ما هو عليه من كونه مقدورا للمكلف بعد دخوله فيها ولم يطرأ عليه ما يوجب امتناعه (2).


(1) تحرير الوسيلة: ج 1 ص 267. (2) أجود التقريرات: ج 1 ص 376.

[ 73 ]

قاعدة الأمكان المعنى: المراد من الامكان هنا هو الأمكان بالنسبة إلى دم الحيض، فإذا إنطبق الدم الخارج من النساء على الحيض ولم يلزم محذور من التطبيق عليه كان ذلك موردا لقاعدة الأمكان. كما قال العلامة رحمه الله: كل دم يمكن أن يكون حيضا فهو حيض (1). وعلى هذا الأساس إذا رأت المرأة دما لا تعلم أنه أي نوع من الدماء، فإذا لم يكن مانع من حمل ذلك الدم على الحيض (بأن لا يكون أكثر من عشرة أيام وأقل من ثلاثة أيام مثلا) يحمل على الدم الحيض. ونتيجة هذه القاعدة هي أن المرجع عند الشك في خصوصية الدماء الثلاثة هي إصالة الحيض. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - التسالم: قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: (ما تراه) المرأة من الدم (من الثلاثة إلى العشرة مما يمكن أن يكون حيضا فهو حيض)


(1) ايضاح الفوائد: ج 1 ص 51.

[ 74 ]

إجماعا، كما في المعتبر والمنتهى مع التعليل فيهما - بعد الاجماع - بأنه زمان يمكن أن يكون حيضا فيكون حيضا ويستفاد منه قاعدة وهي: أن كل دم تراه المرأة وكان يمكن أن يكون حيضا فهو حيض... بل قد يظهر من بعضهم دعوى الاجماع عليها كما هو عند المعاصرين من القطعيات التي لا تقبل الشك والتشكيك (1). قال السيد صاحب العناوين رحمه الله في إعداد المدارك: الأجماع المحصل، فإنه لا يخفى على من راجع كلام الأصحاب في الفقه، أنهم يستندون في المشكوكات الى هذا الأصل من دون نكير (2). 2 - الأصل: قد يستدل على اعتبار القاعدة بالأصل المعروف، وهي عبارة عن أصالة السلامة. بمعنى أن مقتضى السلامة الطبيعية كون الدم من الحيض، ويكون غير الحيض على خلاف السلامة الجسمية. قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: أصالة الحيض في دم النساء بمعنى الغالب إذ هو الدم الطبيعي المخلوق فيهن لتغذية الولد وتربيته بخلاف الاستحاضة وغيرها فإنه لافة (3). والتحقيق: أنه لا أساس لهذا الأصل. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: فبعد تسليمه وتسليم اعتباره شرعا مداره حصول الظن بذلك للغلبة، وتحققه في جميع صور هذه القاعدة ممنوع، كما في المبتدأة إذا رأت الدم بصفات الأستحاضة، وكذلك المعتادة إذا رأته متقدما على عادتها بكثير (4). 3 - الروايات: العمدة في إرائة المدرك هي الروايات المستفيضة في الباب. منها صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، فقال عليه السلام: (لا تصلي حتى تنقضي أيامها) (5). فهذه الصحيحة


(1) جواهر الكلام: ج 3 ص 164. (2) العناوين: ج 1 ص 491. (3) و (4) جواهر الكلام: ج 3 ص 169. (5) الوسائل: ج 2 ص 540 باب 4 من أبواب الحيض ح 1.

[ 75 ]

دلت على حمل الدم الذي يشك في كونه من الحيض على الحيض وهذا هو مدلول القاعدة. فالمرجع عند الشك في نوعية الدم الخارج من النساء هي أصالة الحيض. فروع الأول: إذا كانت المرأة مستدامة الدم لا مجال للتمسك بقاعدة الأمكان وذلك للروايات الخاصة التي تبين الوظيفة للمستدامة. الثاني: قال السيد الحكيم رحمه الله: يكفي في احراز الأمكان الأصل الجاري لاثبات الشرط أو عدم المانع كما إذا شكت في اليأس ورأت الدم، فأن أصالة عدم اليأس كافية في إحراز الأمكان بلحاظ شرطية عدم اليأس فتجري قاعدة الأمكان في الدم المرئي حينئذ (1). الثالث: قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله أن ترك الصلاة في أيام الاستظهار لا يكون تغليبا لجانب الحرمة: لأن حرمة الصلاة فيها (الأيام) إنما تكون، لقاعدة الأمكان والاستصحاب المثبتين لكون الدم حيضا (2). الرابع: قال السيد صاحب العناوين رحمه الله: بعد القطع بعدم الحيضية إذا شك في كون الدم استحاضة، أو غيره من دم القرحة وغيرها فالظاهر البناء على أنه استحاضة، وهذا أيضا كقاعدة الامكان وارد على أصل الطهارة (3).


(1) مستمسك العروة: ج 3 ص 242. (2) كفاية الاصول: ج 1 ص 281. (3) العناوين: ج 1 ص 522.

[ 76 ]

قاعدة البناء على الاكثر المعنى: معنى القاعدة عبارة عن أن الوظيفة الشرعية عند الشك بالنسبة إلى عدد الركعات في الصلوات الرباعية هو تغليب الطرف الأكثر (البناء على الأكثر)، فعليه إذا تحقق الشك بين الركعة الثالثة والرابعة أو بين الثانية والثالثة - في الصلوات الرباعية - فإنه حينئذ يبني على الجانب الأكثر، فيؤخذ بما هو أكثر عددا. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في نفس الباب: منها موثقة عمار الاولى في الباب عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال له: (يا عمار أجمع لك السهو كله في كلمتين (الاولى) متى ما شككت فخذ بالاكثر، (الثانية) فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت) (1). فالكلمة الاولى من هذه الموثقة تدل على أن الضابط في الشك بالنسبة الى عدد الركعات هو البناء على الأكثر وأما الكلمة الثانية فتكون في صدد بيان حكم آخر. ومنها موثقة عمار الرابعة في الباب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كلما دخل


(1) الوسائل: ج 5 ص 318 باب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1.

[ 77 ]

عليك من الشك في صلاتك فأعمل على الأكثر (و) قال.. فإذا انصرفت فأتم ما ظننت أنك نقصت) (1). تدل على أن الوظيفة في الشك الواقع في عدد الركعات هو البناء على الأكثر. ومنها رواية عمار الثالثة في الباب عن أبي عبد الله عليه السلام في الشك: (إذا سهوت فابن على الأكثر) (2). دلت على مدلول القاعدة دلالة تامه كاملة، ولكن بما أن السند في هذه الرواية لا يخلو من الأشكال كان الاستناد إليها غير مسموح، وأما التأييد فلا بأس به. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء بالنسبة إلى مدلول القاعدة، ولا خلاف فيه عندهم فالأمر متسالم عليه والحكم مفتى به. فرعان الأول: قال سيدنا الاستاذ من الشكوك: الشك بين الأربع والخمس بعد ذكر السجدة الأخيرة، فيبنى على الأربع ويتم صلاته ثم يسجد سجدتي السهو (3). لثبوت الحكم هناك على خلاف القاعدة وذلك للنص الخاص في المورد، كالنصوص الواردة في جميع الشكوك، ولأن البناء على الأكثر إنما يسوغ في صورة الانطباق على الفرض الصحيح لا على الفرض الباطل. الثاني: قال سيدنا الأستاذ من الشكوك: الشك بين الثلاث والاربع والخمس حال القيام، فانه يهدم وحكمه حكم الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع - يبنى على الأربع - فيتم صلاته (4). وبالهدم هناك يحقق المجال للبناء على الأكثر، وفقا للقاعدة.


(1) الوسائل: ج 5 ص 318 باب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 4. (2) نفس المصدر السابق: ح 3. (2) و (4) منهاج الصالحين: ج 1 ص 232.

[ 78 ]

قاعدة البينة على المدعي واليمين على من أنكر المعنى: المراد من القاعدة هو إعطاء الضابط الأساسي للمحاكمة بين المتخاصمين، وسميت بهذا الاسم، لأن الطرفين عند التخاصم على الأغلب عبارة عن المدعي (من يدعي شيئا على الاخر) والمنكر (من أنكر ادعاء الطرف)، فإذا تحقق الترافع بينهما فللحاكم الشرعي أن يطالب من المدعي إثبات ما ادعاه بواسطة إحضار الشهود (البينة)، وللحاكم أيضا أن يطالب من المنكر الحلف بعد عدم اثبات الدعوى من قبل المدعي، ومحصلها: إقامة البينة على من إدعى شيئا من الأموال والحقوق على الاخر عند المحاكمة، والحلف على من أنكر إدعاء المدعي. ولا يخفى أن المراد من المدعي والمنكر هو المعنى اللغوي وليس لهما معنى شرعي خاص بنحو الحقيقة الشرعية. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي النصوص الواردة في باب القضاء وعدتها كثيرة جدا. منها: النبوي المشهور بين الفريقين (البينة على المدعي واليمين على من

[ 79 ]

أنكر) (1). فهذه العبارة هي القاعدة نفسها. ومنها صحيحة هشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البينة على من إدعى واليمين على من ادعي عليه) (2). وهي تدل على أن البينة تكون على المدعي واليمين على المنكر في مقام المحاكمة. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة ولا خلاف فيه بين الفريقين فالأمر متسالم عليه عند الجميع. قد يقال بورود التخصيص بالنسبة إلى مدلول القاعدة في موارد متعددة مثل سماع قول المدعي بلا معارض، وقول ذي اليد، وإدعاء الأمين تلف الأمانة، وغيرها. والتحقيق: أن هذه الموارد جميعها من باب التخصص لا التخصيص، لأن في بعض هذه الموارد ليس الحكم من باب المحاكمة، وفي بعض الاخر كان الأمر مقرونا بالحجة، كما قال المحقق العراقي رحمه الله: أن ظاهر كلماتهم سماع الدعوى في كثير من المقامات بيمينه والظاهر أن ذلك ليس من جهة سماع اليمين من المدعي كي يستلزم تخصيص أدلة الوظائف بل عمدة الوجه أن سماع قول المدعي في هذه المقامات بعد ما كان في نفسه حجة، فصارت دعواه مقرونة بالحجة نظير دعوى ذي اليد (3). ولا يخفى أن الأمر على هذا النمط في غير مسألة الدماء. فروع الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: ليس للحاكم إحلاف المنكر إلا بالتماس المدعي وليس للمنكر التبرع بالحلف قبل إلتماسه فلو تبرع هو أو لم يأذن الحاكم


(1) المستدرك: كتاب القضاء. (2) الوسائل: ج 18 ص 170 باب 3 من أبواب كيفية الحكم ح 1. (3) كتاب القضاء: ص 86.

[ 80 ]

لم يعتد بتلك اليمين، ولا بد من الاعادة بعد السؤال وكذا ليس للمدعي إحلافه بدون إذن الحاكم، فلو أحلفه لم يعتد به. الثاني: قال الأمام الخميني رحمه الله: لو لم يكن للمدعي بينة واستحلف المنكر فحلف سقطت دعوى المدعي في ظاهر الشرع فليس له بعد الحلف مطالبة حقه، ولا مقاصة، ولا رفع الدعوى إلى الحاكم، ولا تسمع دعواه (1). الثالث: قال سيدنا الاستاذ: لا تثبت الدعوى في الحدود إلا بالبينة أو الاقرار، ولا يتوجه اليمين فيها على المنكر (2).


(1) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 549. (2) تكملة المنهاج: ص 10.

[ 81 ]

قاعدة تبعية النماء للأصل المعنى: معنى القاعدة هو أن النماء (الزيادة والنتاج) الحاصل من الأموال (الحيوان والبستان وما شاكلهما) تابع للأصل (ذات المال) في زمن الخيار وفي المقبوض بالعقد الفاسد وما شاكلهما، بالنسبة الى الملكية. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - المرابطة كافية: إن الرابطة بين النماء والأصل تكون واقعية ذاتية، فالنماء (الثمرة مثلا) بحسب الحقيقة جزء من الاصل (الشجرة المثمرة)، وهو امتداد وجود الاصل، فيكون تابعا له في الملكية طبعا، فالمرابطة بينهما كافية في تحقق التبعية. كما قال شيخ الطائفة: فإذا غصب أرضا فزرعها بحب نفسه، كان الزرع له دون رب الأرض، لأنه عين ماله، زاد ونما (1). وعليه كلما شككنا في ملكية الفرع - كالشك في ملكية النماء في زمن الخيار - نلحقه بملكية الاصل، وهذا من الضروري الذي يكفي تصوره في تصديقه. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في لزوم رد اللبن مع الشاة: فهو على


(1) المبسوط: ج 3 ص 99.

[ 82 ]

مقتضى الضوابط، لكونه (اللبن) بعض المبيع (الشاة) ولذا نفي الخلافه عنه (1). 2 - الروايات: هي الواردة في مختلف الأبواب. قال المحدث الجليل الحر العاملي في باب - 8 - من ابواب الخيار: أن المبيع إذا حصل له نماء في مدة الخيار فللمشتري، وإن تلف فيها (المدة) فمن ماله (المشتري) إن كان الخيار للبائع (2). وذلك لأن المبيع أصبح ملكا للمشتري لزوما فالنماء تابع للأصل في الملكية طبعا. ونقل هذا المحدث هناك روايات متعددة، منها موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله رجل وأنا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج الى بيع داره فجاء إلى أخيه، فقال: أبيعك داري هذه، وتكون لك أحب إلي من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي، إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي، فقال: لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه، قلت: فانها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة، لمن تكون الغلة؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا ترى أنه لو إحترقت لكانت من ماله (3). دلت على أن النماء الحاصل للمبيع مدة الخيار المختص للبائع يكون للمشتري، وها هو معنى: تبعية النماء للأصل. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه ولا اشكال، والأمر متسالم عليه عندهم، بل يتبين من بيانات الفقهاء، أن قاعدة التبعية، تكون من المسلمات المرسلة بينهم. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: لم أجد ما يقتضي مخالفة قاعدة: كون النماء للمالك، التي قد عرفت عدم الكلام فيها في سائر مباحث الخيار وغيره (4). والحكم مفتى به عند فقهاء التاريخ المعاصر، كما قال سيدنا الاستاذ في الفتوى: نماء المبيع من زمان العقد الى زمان الفسخ للمشتري، كما أن نماء الثمن للبائع (5) فبما أن ملكية المبيع للمشتري،


(1) جواهر الكلام: ج 23 ص 264. (2) الوسائل: ج 12 ص 355. (3) الوسائل: ج 12 ص 355. (4) جواهر الكلام: ج 23 ص 266. (5) منهاج الصالحين: ج 2 ص 31.

[ 83 ]

وملكية الثمن للبائع تتواجدا بواسطة العقد فالنماء المتواجد لهما تابع لهما في الملكية، على أساس قاعدة التبعية. فروع الأول: قال المحقق الحلي رحمه الله: لو اختلفا (المالك والعامل في المضاربة) في نصيب العامل، فالقول قول المالك مع يمينه (1). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في أن الحكم يكون كذلك: عند علمائنا كما في التذكرة (2) لأنه منكر للزائد، ولأن الاصل تبعية النماء للمال، فلا يخرج عنه الا ما أقر المالك بخروجه عنه (3). على اساس القاعدة. الثاني: قال الشهيد الأول رحمه الله: يدخل النماء المتجدد في الرهن على الأقرب. وقال الشهيد الثاني رحمه الله: بل قيل أنه اجماع، ولأن من شأن النماء تبعية الاصل (4). للقاعدة. الثالث: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا قال المالك للعامل: خذ هذا المال قراضا والربح بيننا صح، ولكل منهما النصف، وإذا قال: ونصف الربح لك فكذلك، بل وكذا لو قال: ونصف الربح لي، فإن الظاهر أن النصف الاخر للعامل، ولكن فرق بعضهم بين العبارتين، وحكم بالصحة في الاولى، لانه صرح فيها بكون النصف للعامل، وأن النصف الاخر يبقى له على قاعدة التبعية. بخلاف العبارة الثانية، فان كون النصف للمالك لا ينافي كون الاخر له أيضا. على قاعدة التبعية، فلا دلالة فيها على كون النصف الاخر للعامل، وأنت خبير بان المفهوم من العبارة عرفا كون النصف الاخر للعامل (5).


(1) شرائع الاسلام: ج 2 ص 141. (2) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 245. (3) جواهر الكلام: ج 26 ص 371. (4) اللمعة الدمشقية: ج 4 ص 88. (5) العروة الوثقى: ص 527.

[ 84 ]

قاعدة التجاوز المعنى: معنى القاعدة هو أنه إذا شك المكلف في تحقق جزء من العبادات بعد تجاوز المحل فلا يعتنى بشكه ولا يترتب على الشك أي أثر، كما قال سيدنا الاستاذ: ملاك قاعدة التجاوز هو الشك في وجود الشئ (لا في صحة الشئ مع إحراز وجوده كما في قاعدة الفراغ والصحة) بعد التجاوز عن محله (1). وهذا هو المستفاد من الأدلة، وعليه لا مجال لما قال المحقق النائيني رحمه الله: أن موضوع قاعدة التجاوز هو الشك في جزء المركب بعد التجاوز عن محله والدخول في الجزء الاخر وموضوع قاعدة الفراغ هو الشك في صحة المركب بعد الفراغ عنه فقال: تتعرض إحداهما لحال العمل بعد الفراغ عنه والاخرى لحاله في الأثناء (2). والتحقيق: أنه لا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا بل الفرق إنما هو من ناحية الصحة والوجود، ففي قاعدة الفراغ يكون متعلق الشك هو صحة العمل بعد إحراز أصل العمل، وفي قاعدة التجاوز يكون متعلق الشك أصل العمل فيكون الشك في التحقق، أعم من أن يكون المشكوك هو جزء المركب أو نفس المركب.


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 279. (2) أجود التقريرات: ج 2 ص 465.

[ 85 ]

المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب الصلاة، منها صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الأذان وقد دخل في الأقامة وقد كبر، قال عليه السلام: (يمضي) قلت: رجل شك في الأذان والأقامة وقد كبر، قال عليه السلام (يمضي) قلت: رجل شك في التكبير وقد قرأ، قال: عليه السلام: (يمضي) قلت: شك في القراءة وقد ركع، قال عليه السلام: (يمضي) قلت: شك في الركوع وقد سجد، قال: (يمضي على صلاته)، ثم قال: (يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ) (1). إن الأمام عليه السلام بعد تعرضه للصغريات في هذه الصحيحة المباركة ذكر في ذيلها الكبرى (إذا خرجت... الخ) التي هي نفس مدلول القاعدة فيكون الدلالة تامة. ومنها موثقة إسماعيل بن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه) (2). دلت على عدم اعتبار الشك بعد التجاوز عن المحل. قال سيدنا الاستاذ: ومن المعلوم أن المراد من الخروج من الشئ المشكوك فيه، المذكور في الصحيحة (المتقدمة) هو الخروج عن محله، إذ لا يصدق الخروج عن الركوع مثلا مع فرض الشك في وجوده، فالمراد هو الشك في وجوده مع الخروج عن محله، وكذا المراد من التجاوز عن الشئ المشكوك فيه، المذكور في الموثقة هو التجاوز عن محله، فيكون مفادهما قاعدة التجاوز بمعنى عدم الاعتناء بالشك في شئ بعد التجاوز عن محله (3).


(1) الوسائل: ج 5 ص 336 باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1. (2) الوسائل: ج 4 ص 937 باب 13 من أبواب الركوع ح 4. (3) مصباح الاصول: ج 3 ص 379.

[ 86 ]

2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء، على أنه لا اعتبار بالشك الذي يقع في جزء من العبادات بعد التجاوز عن محل ذلك الجزء المشكوك وجوده فالأمر متسالم عليه والحكم مفتى به عندهم. وهناك خصوصية اخرى لقاعدة التجاوز المستفاد من النص وهي بما يلي: قال سيدنا الاستاذ: ثم إنه يعتبر في قاعدة التجاوز الدخول في الغير، لكونه مأخوذا فيها في صحيحة زرارة وموثقة اسماعيل بن جابر المتقدمتين - إلى أن قال: - فاعتبار الدخول في الغير في قاعدة التجاوز مما لا ينبغي الارتياب (1). فروع الأول: إذا شك في الجزء الأخير كالشك في التشهد والتسليم بعد إتمام الصلاة مثلا فعندئذ، إذا كان الشك مع عدم الاشتغال بشئ آخر أو سكوت طويل أو كان مع الاشتغال بأمر غير مرتب على الجزء الأخير وغير مانع من تداركه فلا شك في عدم جريان القاعدتين، لعدم حصول التجاوز عن المحل والفراغ عن العمل، وكذا إذا كان الشك بعد الاشتغال بأمر مرتب على الجزء الأخير غير مانع من التدارك، كالشك في التسليم مع الاشتغال بالتعقيب، فلا تجري قاعدة التجاوز، لعدم صدقها إلا إذا كان ترتب المحل على حسب الجعل الشرعي، ولا يكون التسليم مقدما على التعقيب بحسب الجعل الشرعي، وكذا لا تجري قاعدة الفراغ، لعدم إحراز الفراغ مع الشك في الجزء الأخير، وأما إذا شك في صحة الجزء الأخير بعد الاتيان بالمنافي، كالشك في التسليم بعد الاستدبار فلا تجري قاعدة التجاوز، لعدم ترتب المحل على حسب الجعل الشرعي، وأما قاعدة الفراغ فلا بأس بها، كما قال سيدنا الاستاذ بعد نفي المجال عن قاعدة التجاوز في المقام: نعم تجري قاعدة الفراغ فإن الصلاة قد مضت حقيقة وشك في صحتها وفسادها فيحكم


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 282.

[ 87 ]

بصحتها، لقاعدة الفراغ (1). والأمر كما أفاده. الثاني: قال سيدنا الاستاذ: أن قاعدة التجاوز ليست مختصة بباب الصلاة، بل تجري في كل مركب شك في أحد أجزائه بعد الدخول في الجزء الاخر، إلا الوضوء للنص الخاص (2). الثالث: قال المحقق النائيني: ثم إن مقتضى ما ذكرناه (جريان القاعدة عند الشك في تحقق جزء بعد الدخول في غيره من الأجزاء) جريان القاعدة فيما إذا شك في الحمد وهو مشتغل بالسورة، فان الحمد والسورة جزآن مستقلان في الاعتبار، لكن الظاهر من رواية زرارة المتقدمة هو اعتبار الدخول في الركوع، في عدم الاعتناء بالشك في القراءة. ولا ريب أن المعتبر حينئذ في عدم الاعتناء هو الدخول في الركوع، وفرض الشك في خصوص الحمد خارج عن مفروض السؤال، فيبقى داخلا في عموم قوله عليه السلام (إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ) وهذا هو الأقوى (3).


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 296. (2) مصباح الاصول: ج 3 ص 296. (3) أجود التقريرات: ج 2 ص 475.

[ 88 ]

قاعدة التحجير المعنى: معنى القاعدة بحسب اللغة عبارة عن تجميع الأحجار من الأراضي تجاه الزرع، واما بحسب الاصطلاح الفقهي عبارة عن العمل الذي يتحقق في سبيل الوصول الى النتيجة، وبكلمة واحدة: الأستهداف العملي، كتسوية الأراضي لاجل الاحياء، وحفر الابار والمعادن والركائز، لاستخراج الماء والجواهر المعدنية وما شاكلها. كما قال شيخ الطائفة رحمه الله: والتحجير أن يؤثر فيها أثرا لم يبلغ به حد الاحياء، مثل أن ينصب فيها المروز أو يحوط عليها حائطا وما أشبه ذلك من آثار الاحياء، فانه يكون أحق بها من غيره (1). وقال الفقيه صاحب الوسيلة رحمه الله: والتحجير تأثير في الموات دون الاحياء، وهو على ثلاثة أوجه: تحجير لاحياء الأرض، أو لاستخراج المعدن، أو لاستنباط العيون والقنى، أو لاجراء الماء من النهر الكبير الى الصغير فإن أتم فهو إحياء، وإن أثر أثرا فهو تحجير، والمؤثر لولاية (يوجب حق الاولوية) فإن إستولى عليه غيره لم تملك وإن احيا (1). فالتحجير قاعدة فقهية كقاعدة الحيازة وقاعدة الأحياء، وتوجب حق الأولية للمحجر.


(1) المبسوط: ج 3 ص 273. (2) الجوامع الفقهية: الوسيلة، ص 682.

[ 89 ]

المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات الواردة في باب إحياء الأراضي. منها صحاح ثلاثة، من محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: أيما قوم أحيوا شيئا أو عملوه (أو عمروها) فهم أحق بها وهي لهم (1). دلت هذه الروايات على مشروعية الأحياء كما نتمسك بها هناك. ولكن يمكننا استفادة المشروعية للتحجير من تلك الروايات أيضا وذلك، لأن الروايات صرحت بطرح الموضوعين، 1 - الأحياء، (أحيوا)، 2 - العمل والتعمير (عملوه في الصحيحة الاولى، وعمروها في الاخيرتين)، والعطف بكلمة (أو عملوه) يفيد الاستقلال في الموضوعية، وبما أن العمل في مقابل الاحياء لا يكون أزيد من الاحياء فلاجرم من أن يكون العمل هناك أقل من الاحياء وهو التحجير. وفي ضوء هذا البيان يمكننا أن نقول بان الروايات بعد ما صرحت بطرح الموضوعين افادت حكمهما: 1 - تواجد الحق (فهو أحق بها) نتيجة للتحجير 2 - الملكية (وهي لهم) نتيجة للأحياء. وها هو أجود الأستنباطات وأوسعها من تلك الروايات. وقد يستدل على اعتبار القاعدة بالنبوي المشهور: من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به (2). فإن دلالته على المطلوب تامة، ولكن بما أن الحديث مرسل، لا يستفاد منه إلا تأييدا للمطلوب. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم. كما قال العلامة رحمه الله: التحجير يفيد الأولوية (3). وقال المحقق الحلي رحمه الله: التحجير يفيد الأولوية (4). وقال المحقق صاحب الجواهر في أن الحكم يكون ذلك: بلا خلاف، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه.


(1) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 1 و 3 و 4 باب 1 من ابواب إحياء الموات. (2) مستدرك الوسائل: ج 3 ص 149 ح 4. (3) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 411. (4) شرائع الأسلام: ج 3 ص 274.

[ 90 ]

وقال بعد النقض والابرام: فالانصاف أن العمدة الأجماع المزبور (1). أضف الى ذلك ما يقول به العلامة رحمه الله: والمشهور أنه (التحجير) يفيد الأولوية، لأن الاحياء إذا أفاد الملك، وجب أن يفيد الشروع فيه الاحقية (2). ويؤيده (التوجيه) ما ورد في خبر زرارة بالنسبة الى صحة الاحياء عن أهل الذمة، قال قال عليه السلام: لا بأس بأن يشترى أرض أهل الذمة، إذا عملوها وأحيوها فهي لهم (3). صرحت الرواية أن العمل تجاه الأحياء (التحجير) ثم إحياء الأرض يوجبان الملكية لأهل الذمة. فرعان الأول: قال المحقق الحلي رحمه الله: ولو إقتصر على التحجير وأهمل العمارة، أجبر الامام على أحد الأمرين، إما الأحياء وإما التخلية، بينها وبين غيره، ولو امتنع أخرجها (الحاكم) من يده، لئلا يعطلها (4). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: يعتبر في كون التحجير مانعا، تمكن المحجر من القيام بعمارته وإحيائه، فإن لم يتمكن من إحياء ما حجره لمانع من الموانع كالفقر أو العجز عن تهيئة الاسباب المتوقف عليها الاحياء جاز لغيره إحياؤه (5).


(1) جواهر الكلام: ج 38 ص 56 و 57. (2) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 410. (3) الوسائل: ج 12 ص 274 باب 21 من أبواب عقد البيع ح 2. (4) شرائع الأسلام: ج 3 ص 275. (5) منهاج الصالحين: ج 2 ص 164.

[ 91 ]

قاعدة التساقط المعنى: معنى القاعدة هو سقوط الدليلين المتعارضين، فإذا تعارض الخبران مثلا ولم يكن مرجح بينهما ينتهي الأمر بالنتيجة إلى سقوط الطرفين من الحجية، وعليه فالتساقط فرع التعارض، والمراد به تنافي الدليلين فيما إذا لم يكن أي مرجح في البين، كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الأثبات على وجه التناقض والتضاد حقيقة أو عرضا بأن علم بكذب أحدهما إجمالا (1). وعليه أفتى الفقهاء بأنه: إذا تعارضت البينتان في مقام القضاء تسقط كلتاهما عن الاعتبار، فلا يعتمد على بينة معارضة بمثلها في المحاكمة. المدرك: الدليل الذي هو الحجر الأساس للقاعدة كان عدم تمامية الحجة عند التعارض، وذلك لأن كل واحد من الطرفين قد تم له المقتضي للحجية سندا ودلالة، ولكن عند المعارضة يحصل المانع الذي يمنع عن الفعلية وهو تكذيب كل واحد للاخر، فلا يشمل دليل الحجة للمتضادين، ولا مجال لاختيار أحد الطرفين، لعدم الترجيح والتعيين، كما قال المحقق صاحب الكفاية: التعارض وان كان لا يوجب


(1) كفاية الاصول: ج 2 ص 376.

[ 92 ]

إلا سقوط أحد (الطرفين) المتعارضين عن الحجية رأسا حيث لا يوجب إلا العلم بكذب أحدهما فلا يكون هناك مانع عن حجية الاخر إلا أنه حيث كان بلا معين ولا عنوان واقعا فإنه لا يعلم كذبه إلا كذلك (بلا تعيين)، واحتمال كون كل منهما كاذبا لم يكن واحد منهما بحجة في خصوص مؤداه، لعدم التعيين في الحجة أصلا (1). وكيف كان فالقاعدة منقحة في الاصول واعتمد عليها الفقهاء الكبار، وعليه اشتهر في ألسن الاصوليين بأنه: إذا تعارض الدليلان تساقطا عن الحجية، كما قال سيدنا الاستاذ: الأصل في المتعارضين التساقط وعدم الحجية، أما إذا كان التعارض بين الدليلين ثبتت حجيتهما ببناء العقلاء كما في تعارض ظاهر الايتين أو ظاهر الخبرين المتواترين فواضح، إذ لم يتحقق بناء من العقلاء على العمل بظاهر كلام يعارضه ظاهر كلام آخر. وأما إن كان دليل حجية المتعارضين دليلا لفظيا كما في البينة، قال إن الاحتمالات ثلاثة: فإما أن يشمل الدليل لكلا المتعارضين أو لا يشمل شيئا منهما أو يشمل أحدهما بعينه دون الاخر، لا يمكن المصير إلى الاحتمال الأول، لعدم إمكان التعبد بالمتعارضين فان التعبد بهما يرجع الى التعبد بالمتناقضين وهو غير معقول، وكذا لأحتمال الأخير، لبطلان الترجيح بلا مرجح، فالمتعين هو احتمال الثاني (2). فرعان الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا تعارض البينتان فالأقوى سقوطهما. وقال السيد الحكيم: إن الأمر يكون كذلك، لأصالة التساقط في الأمارات المتعارضة (3) (1) كفاية الاصول: ج 2 ص 385. (2) مصباح الاصول: ج 3 ص 366. (3) مستمسك العروة: ج 8 ص 18.

[ 93 ]

الثاني: قال سيدنا الاستاد: مقتضى القاعدة في التعارض هو التساقط والرجوع الى عام فوقهما، ومع عدمه يرجع إلى الأصل العملي، ولا ينحصر التعارض بخصوص الخبرين، بل يمكن وقوعه بين ظاهري الكتاب، ويرجع فيه بعد التساقط الى الأصل العملي بلا كلام ولا إشكال، بل وكذا الحال إن وقع التعارض بين الخبرين بالعموم من وجه، وكان العموم في كل منهما ناشئا من الاطلاق، فيسقط كلا الاطلاقين، لعدم جريان مقدمات الحكمة، ويرجع إلى الأصل العملي، بل وكذا الحال لو كان التعارض بين الخبرين بالتباين أو بالعموم من وجه، مع كون العموم في كل منهما بالوضع مع عدم رجحان أحدهما على الاخر بموافقة الكتاب ولا بمخالفة العامة، فان الخبرين يسقطان عن الحجية، ويرجع إلى الأصل العملي (1).


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 253.

[ 94 ]

قاعدة التسامح في أدلة السنن المعنى: معنى القاعدة هو إعمال المسامحة والمساهلة بالنسبة إلى سند الروايات الدالة على الحكم الاستحبابي، فكل رواية أفادت حكما مستحبا إذا كان في سندها خلل لا تترك تلك الرواية ولا تسقط عن الأعتبار، وذلك لا لأجل كونها حجة معتبرة بل على أساس التسامح في أدلة السنن الثابت بالدليل الخاص. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب مقدمة العبادات، منها صحيحة صفوان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من بلغه شئ من الثواب على شئ من الخير فعمل به كان له أجر ذلك، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله) (1). دلت على أنه إذا ورد في الخبر حكم ذو ثواب (المستحب) فعمل به إطاعة وانقيادا يترتب على ذلك العمل الأجر والثواب، ولو لم يكن الخبر صادرا من أهله بحسب الواقع. ومنها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه) (2). دلت على أن من بلغ (1) الوسائل: ج 1 ص 59 باب 18 من أبواب مقدمة العبادات ح 1. (2) الوسائل: ج 1 ص 60 باب 18 من أبواب مقدمة العبادت ح 6.

[ 95 ]

إليه عمل ذو ثواب (المستحب) فعمل به كان للعامل الأجر والثواب وإن لم يكن ذلك العمل ذا أجر بحسب الواقع. ومنها: ما روي عن الصدوق عن محمد بن يعقوب، بطرقه إلى الأئمة عليهم السلام (أ كما نقل إليه) (1). فهذه الروايات سميت بأخبار (من بلغ) فإن مفادها هو بيان الحكم بالنسبة إلى العمل المستحب الذي يعمل به بمقتضى الأخبار الضعيفة إطاعة ولا يكون مفاد هذه الأخبار حجية الخبر الضعيف سندا حتى يشكل عليه، بل يكون الخبر الضعيف موضوعا لأخبار من بلغ. ولا يخفى أن قاعدة التسامح مشهورة بين الفقهاء ولكن لا تخلو من الخلاف. كما قال سيدنا الاستاذ: إن قاعدة التسامح في أدلة السنن مما لا أساس لها (2). وذلك، لعدم دلالة الأخبار عليها، بل تدل على تفضل الباري وترحمه على العباد. 2 - رجاء المطلوبية: من المعلوم أن كل أمر يرجى له الثواب إذا اتى به لا بقصد أنه وارد من قبل المعصوم عليه السلام بل برجاء المطلوبية والمحبوبية لا إشكال فيه قطعا، وعليه يمكن أن يقال: إن العمل المستحب المستفاد من الخبر الضعيف إذا وقع رجاء لا مانع منه، إلا أن يقال: إن رجاء المطلوبية لا يثبت الاستحباب الشرعي، ولكن يمكن أن يقال: إن العمل المستفاد من الخبر الضعيف يكون موضوعا للرجاء فلا مجال لرجاء الواقع ابتداء بدون الخبر الضعيف في البين كما هو واضح. والتحقيق: أن غاية ما يستفاد من الأخبار هو أن مدلول الخبر الضعيف عمل صالح يرجى له الثواب وهو أعم من العمل المستحب الشرعي. وتظهر الثمرة في النذر فإذا تعلق النذر بإتيان المستحب الشرعي لا تحصل البراءة بالعمل على ما هو مدلول الخبر الضعيف، لعدم كونه مستحبا شرعيا.


(1) الوسائل: ج 1 ص 61 باب 18 من أبواب مقدمة العبادات ح 8 (2) مصباح الاصول: ج 2 ص 320.

[ 96 ]

فرعان الأول: هل تدل هذه الأخبار على كراهة ما دل الخبر الضعيف على كراهته أم لا؟ الظاهر عدم دلالتها، لأن ظاهر هذه الأخبار ترتب الأجر والثواب على العمل بمدلول الخبر الضعيف رجاء للثواب، والعمل ظاهر في الأمر الوجودي الذي ينطبق مع العمل المستحب. والتحقيق: أن مقتضى الأخبار هو السعي في سبيل إطاعة المولى، لحصول الانقياد وذلك لا يختص بالعمل (المستحب المحتمل) بل يشمل الترك (الكراهة المحتملة) أيضا بنفس المناط. وها هو الموافق لما يقول به الفقهاء الكبار كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله بالنسبة الى كراهة البول في الماء الجاري على أساس دليل لم يتم حجيته: ولولا التسامح في دليل الكراهة كان للنظر في إثباتها - هناك - مجال (1) وهذا هو المشهور بين الأصحاب. كما قال السيد صاحب العناوين رحمه الله: إشتهر في كلمة الأصحاب - سيما المتأخرين منهم - التسامح في دليل المستحبات والمكروهات، ويتفرع على هذه القاعدة كثير من الاحكام الشرعية، في أبواب الفقه، إذا غلب المندوبات والمكروهات ليس له دليل قوي، مع أن الفقهاء يفتون به (2). الثاني: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله بالنسبة الى كتابة أسماء الأئمة عليهم السلام على الكفن: لامانع من فعله، بل ربما قيل أنه راجح ومستحب عارضا للقطع العقلي برجحانية ما يفعله العبد، لاحتمال حصول رضا سيده وطلبه لذلك، وعليه بني التسامح في أدلة السنن (3).


(1) جواهر الكلام: ج 3 ص 100. (2) العناوين: ج 1 ص 420. (3) جواهر الكلام: ج 4 ص 224.

[ 97 ]

قاعدة تصديق الأمين فيما ائتمن عليه المعنى: معنى القاعدة هو تصديق صاحب المال أمينه بالنسبة إلى المال الذي كان عنده بنحو الوديعة، وعليه إذا اخبر المستودع عن تلف الوديعة أو حدوث العيب فيها (بدون الأفراط والتفريط) تكون وظيفة صاحب المال أن يصدق المستودع. ولا يخفى أن المقام (تصديق الأمين) يمتاز عن قاعدة حمل قول المسلم على الصدق (قاعدة الصحة) بقيد (الأدعاء) فالتصديق هنا يكون تصديق الأدعاء المتعلق بأحوال مال الغير (الوديعة) وهناك يكون التصديق بدون الأدعاء ولا يتعلق بمال الغير. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - السيرة القطعية: قد جرت السيرة عند المتشرعة على تصديق الأمين بالنسبة الى أحوال الوديعة. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة (تصديق الأمين) ولا خلاف فيه بينهم فالأمر متسالم عليه عندهم. 3 - الروايات: وهي الواردة في باب الوديعة منها موثقة مسعدة بن زياد عن

[ 98 ]

جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس لك أن تتهم من قد ائتمنته) (1). دلت باطلاقها على أن الأمين إذا اخبر عن أحوال الأمانة تكون الوظيفة الشرعية تجاهه هو التصديق، ولا يجوز لأحد إتهام الأمين وتكذيبه. لا يخفى أن مورد تصديق الأمين هي الصور التي لم يكن فيها الضمان على الأمين، وأما في فرض ثبوت الضمان على الأمين، كما إذا قال الأمين: أنه أتلف الأمانة أو تصرف فيها منافيا للحد المأذون كان ذلك خارجا عن مورد قاعدة تصديق الأمين ودخل في مورد قاعدة الأتلاف. وبكلمة واحدة: كان تصديق الأمين مشروطا بعدم المعارض، كما قال السيد الحكيم رحمه الله: قاعدة سماع قول الأمين (ليست بحجة مطلقا) فانه (السماع) يختص بما إذا لم يكن ظاهر حجة على خلافه (2). فرعان الأول: قال المحقق الحلي رحمه الله: إذا أنكر الوديعة، أو إعترف، أو إدعى التلف، أو إدعى الرد ولا بينة فالقول قوله (3) وذلك لأن المستودع أمين يجب تصديقه. الثاني: لو إدعى العامل في جنس إشتراه أنه إشتراه لنفسه، وإدعى المالك أنه إشتراه للمضاربة، قدم قول العامل. وكذا لو إدعى أنه إشتراه للمضاربة، وإدعى المالك أنه إشتراه لنفسه، لأنه أعرف بنيته ولأنه أمين فيقبل قوله (4).


(1) الوسائل: ج 13 ص 229 باب 4 كتاب الوديعة ح 10. (2) مستمسك العروة: ج 13 ص 176. (3) شرائع الاسلام: ج 2 ص 167. (4) العروة الوثقى: ص 541.

[ 99 ]

قاعدة التعيين المعنى: معنى القاعدة هو أنه إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في الوظيفة كان الأصل هو التعيين فيؤخذ بالمتعين، وها هو موجز المعنى، وأما التفصيل فهو بما يلي: قال سيدنا الاستاذ: أن مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مقام جعل الحجية وانشائها في مرحلة التشريع والاعتبار، كما لو شككنا في أن حجية فتوى الأعلم هل هي تعيينية أو أن المكلف مخير بين الأخذ به والأخذ بفتوى غير الأعلم. الثاني: ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال والفعلية من جهة التزاحم. الثالث: ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الجعل والتشريع فلا يعلم أن التكليف مجعول للجامع بلا أخذ خصوصية فيه أو مجعول لحصة خاصة منه كما لو شككنا في أن وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة هل هو تعييني أو تخييري (1). * (هامش) (1) محاضرات: ج 3 ص 275.

[ 100 ]

المدرك: قال المحقق النائيني رحمه الله: أن الأصل في جميع الأقسام هو التعيين. واليك نص البيان: إذا علم وجوب شئ في الجملة ودار الأمر بين تعيينيته وتخييريته كما هو محل الكلام فلا مناص فيه عن الرجوع إلى قاعدة الاشتغال والحكم بالتعيينية عملا، إذ الواجب التعييني غير محتاج في عالم الثبوت إلا إلى قيد عدمي بأن لا يكون له عدل في مرحلة الطلب، كما أنه في عالم الأثبات كذلك بل إثبات التعيينية في عالم الأثبات بعدم التقييد بمثل العطف بكلمة أو إنما هو لكشفه عن العدم في عالم الثبوت، فإذا كان أصل الوجوب معلوما وشك في تخييريته من جهة إحتمال تقييده بوجود العدل له فلا محالة يحكم بالتعيينية بمقتضى ضم الوجدان إلى الأصل، لعدم ثبوت التقييد مع حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف الثابت يقينا (1). والتحقيق: أن الأصل في القسمين الأولين هو التعيين وفي القسم الثالث يرجع إلى البراءة عن التعيين كما قال سيدنا الاستاذ: فهاهنا دعويان: الاولى: عدم جريان أصالة البراءة في القسمين الأولين. الثانية: جريان البراءة في القسم الأخير. أما الدعوى الاولى: فقد ذكرنا غير مرة أن الشك في حجية شئ في مقام الجعل والتشريع مساوق للقطع بعدم حجيته فعلا، ضرورة أنه مع هذا الشك لا يمكن ترتيب آثار الحجة عليه وهي إسناد مؤداه إلى الشارع والاستناد إليه في مقام الجعل، للقطع بعدم جواز ذلك لأنه تشريع محرم. (كحجية فتوى الأعلم لعدم الشك فيها فعلا إما تعيينا أو تخييرا بخلاف فتوى غير الأعلم) وكذا الحال في مقام الأمتثال فانه إذا دار الأمر بين إمتثال شئ تعيينا أو تخييرا فلا مناص من التعيين والأخذ بالطرف المحتمل تعيينه، ضرورة أن الاتيان به يوجب القطع بالأمن من العقاب واليقين بالبراءة (2). وذلك لأن محتمل التعيين هو الوظيفة قطعا إما تعيينا أو


(1) أجود التقريرات: ج 2 ص 215. (2) محاضرات: ج 3 ص 276.

[ 101 ]

تخييرا بخلاف العدل فهو لا يوجب القطع بالامتثال، لاحتمال عدم كونه وظيفة في الواقع فالأصل هو التعيين في مقام الامتثال على أساس أن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية. وأما القسم الثالث (مقام الجعل) فيجري البراءة عن التقييد بالتعيين ونتيجته التخيير. وأما الدعوى الثانية: (وهي جريان البراءة في القسم الأخير) فلأن الشك فيه يرجع إلى الشك في كيفية جعل التكليف وأنه تعلق بالجامع أو بخصوص فرد خاص كما لو شككنا في أن وجوب كفارة الأفطار العمدي في شهر رمضان متعلق بالجامع بين صوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا أو متعلق بخصوص صوم شهرين، وحيث أن مرجع ذلك إلى الشك في إطلاق التكليف وعدم أخذ خصوصية في متعلقه وتقييده بأخذ خصوصية فيه... (ف‍) - التقييد بما أن فيه كلفة زائدة فهي مدفوعة بأصالة البراءة عقلا ونقلا، وهذا بخلاف الأطلاق حيث إنه ليس فيه أية كلفة لتدفع بأصالة البراءة (1). والأمر كما أفاده. فرعان الأول: لو كان رجلان عارفين بالمسائل الشرعية تقليدا، وكان أحدهما أعرف من الاخر، فهل يكون للجاهل بالمسألة التخيير بالرجوع إلى إيهما شاء أو لا، بل المتعين هو الرجوع إلى الأعرف؟ التحقيق: هو التعيين على أساس القاعدة، فالأحوط الرجوع إلى الأعلم منهما إذا كانت المسألة من المسائل الهامة. الثاني: إذا كان الأمامان لصلاة الجماعة متساويين فقها وعدلا، ولكن كان أحدهما هاشميا، فإذا هل يكون وظيفة المأموم الأئتمام بايهما شاء على نحو التخيير، أو تكون الوظيفة هو الأقتداء بالهاشمي تعيينا؟ قال المحقق الحلي رحمه لله: الهاشمي أولى من غيره إذا كان بشرائط الأمة (2).


(1) محاضرات: ج 3 ص 278. (2) شرائع الاسلام: ج 1 ص 125.

[ 102 ]

قاعدة التقية المعنى: التقية اسم المصدر من إتقى يتقي فلا فرق بينها وبين الأتقاء من حيث المعنى إلا بمقدار يختلف المصدر واسم المصدر، ويكون المراد من التقية هنا هو إظهار الموافقة مع الغير المعاند قولا أو عملا، لأجل الأحتراز من الضرر. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الايات: منها قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (1). ومنها قوله تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان (2). ومنها قوله تعالى: اولئك يدرؤون بالحسنة السيئة ولقد فسرت في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام: (الحسنة بالتقية والسيئة بالاذاعة) (3).


(1) آل عمران: 28. (2) النحل: 106. (3) الوسائل: ج 11 ص 460 باب 24 من أبواب الامر والنهيي وما يناسبهما ح 1.

[ 103 ]

جندب عن أبي الحسن عليه السلام في تفسيرها أنه قال: (أشدكم تقية) (1). ومنها قوله تعالى مفسرا في خبر جابر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اجعل بيننا وبينهم سدا فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا هو التقية (2). ومنها: قوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة، لقد ورد في تفسيرها عن حذيفة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (هذا في التقية) (3). فهذه الايات تكفي مدركا بالنسبة إلى مشروعية التقية. 2 - الروايات: قد نقل في الوسائل - كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من ص 459 الى ص 483 خامس وستين رواية ذكر فيها كلمة التقية ونقل مضمون التقية أيضا في روايات كثيرة، وعليه يقال: الروايات في الباب قد بلغت حد التواتر ولا أقل من الاستفاضة قطعا. منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له) (4). دلت على أن الوظيفة عند الاضطرار هي التقية، والدلالة تامة. 3 - العقل لا شك في أنه إذا دار الأمر بين الأهم (الخطير) والمهم يحكم العقل بأخذ الأهم وترك المهم، وهذا من المستقلات العقلية، وهو معنى التقية إذ من المعلوم أن التقية بحسب الحقيقة هي أخذ الأهم وترك المهم كحفظ النفس بواسطة ترك الصدق في فرض المزاحمة، وتكون قاعدة التقية عبارة عن دوران الأمر بين الأهم والمهم. ولكن لا يخفى أن المراد من الأهم الذي يجب أخذه بحكم العقل لا بد أن يكون من الامور الخطيرة كحفظ النفس وما دونه لا كل ما كان أهما بالنسبة إلى مقابله، وعليه قد قسم الشيخ الأنصاري التقية على خمسة أقسام فقال: إن التقية


(1) الوسائل: ج 11 ص 466 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح 30. (2) نفس المصدر السابق: ص 467 ح 32. (3) نفس المصدر السابق: ح 35. (1) نفس المصدر السابق: ص 468 باب 25 ح 2.

[ 104 ]

تنقسم إلى الأحكام الخمسة - إلى أن قال: - ثم الواجب منها يبيح كل محظور من فعل الحرام وترك الواجب، والأصل في ذلك أدلة نفي الضرر، وحديث: رفع عن امتي تسعة أشياء ومنها ما اضطروا إليه، مضافا إلى عمومات التقية مثل قوله في الخبر أن التقية واسعة ليس شئ من التقية إلا وصاحبها مأجور وغير ذلك من الأخبار المتفرقة في خصوص الموارد، وجميع هذه الأدلة حاكمة على أدلة الواجبات والمحرمات، فلا يعارض بها شئ منها حتى يلتمس الترجيح ويرجع إلى الاصول بعد فقده كما زعمه بعض في بعض موارد هذه المسألة. وأما المستحب من التقية فالظاهر وجوب الأقتصار فيه على مورد النص وقد ورد النص بالحث على المعاشرة مع العامة وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم والصلاة في مساجدهم والأذان لهم فلا يجوز التعدي عن ذلك إلى ما لم يرد النص من الأفعال المخالفة للحق كذم بعض رؤساء الشيعة للتحبب إليهم وكذلك المحرم والمباح والمكروه فإن هذه الأحكام على خلاف عمومات التقية يحتاج إلى الدليل الخاص (1). 4 - التسالم: قد تحقق التسالم على مشروعية التقية بين الفقهاء ولا خلاف فيها بينهم فالأمر متسالم عليه عندهم. فرعان الأول: قال سيدنا الاستاذ: يعتبر عدم المندوحة في مكان التقية على الأقوى، فلو أمكنه ترك التقية وإراءة المخالفة عدم المخالفة لم تشرع التقية (2). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إن تعلق الأمر الأضطراري بالفعل الناقص وجواز البدار إليه واقعا، مع فرض تمكن المكلف من الأتيان بالفعل الأختياري بعد إرتفاع الأضطرار في أثناء الوقت يحتاج إلى دليل. وقد قام الدليل على ذلك في خصوص موارد التقية، وأن البدار فيها جائز (3).


(1) المكاسب: رسالة التقية ص 320. (2) منهاج الصالحين: ج 1 ص 29. (3) محاضرات: ج 2 ص 248.

[ 105 ]

قاعدة التلازم بين الصلاة والصوم المعنى: معنى القاعدة هو الملازمة بين قصر الصلاة والصوم في السفر الشرعي المحدد. كما قال المحقق الحلي رحمه الله: وكل سفر يجب قصر الصلاة فيه يجب قصر الصوم وبالعكس (1). وقال الشهيد الأول رحمه الله: وكلما قصرت الصلاة قصر الصوم (2). وقال السيد اليزدي رحمه الله: فكل سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم وبالعكس (3). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: الروايات: وهي الواردة في نفس الباب، منها صحيحة معاوية بن وهب، عن الصادق عليه السلام في حديث قال: (هذا واحد إذا قصرت أفطرت وإذا أفطرت قصرت) (4). دلت على التلازم بين الصلاة والصوم في حكم القصر والأفطار. ومنها موثقة سماعة عن الصادق عليه السلام قال في حديث: (وليس يفترق التقصير


(1) شرائع الأسلام: ج 1 ص 210. (2) اللمعة الدمشقية: ج 2 ص 127. (3) العروة الوثقى: كتاب الصوم ص 342. (4) الوسائل: ج 7 ص 130 باب 4 من أبواب ما يصح منه الصوم ح 1.

[ 106 ]

والأفطار فمن قصر فليفطر) (1). دلت على الملازمة دلالة تامة. ويستفاد من الروايات أن موضوع الأفطار في الصوم هو السفر الموجب لقصر الصلاة، كما قال سيدنا الاستاذ: فإن موضوع الأفطار هو السفر الموجب للتقصير، للملازمة بين الأمرين، كما دل عليها قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب: (إذا قصرت أفطرت وإذا أفطرت قصرت) (2). 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء بالنسبة إلى مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم، فالأمر متسالم عليه عندهم، كما قال المحقق صاحب الجواهر نقلا عن الأنتصار والغنية: لا خلاف بين الامة في أن كل سفر أسقط فرض الصيام ورخص في الأفطار فهو بعينه موجب لقصر الصلاة (3) والأمر كما أفاده. هنا تخصيصات: قد تعرضها الفقهاء تبيانا لموارد الاستثناء، كما قال السيد اليزدي رحمه الله أن الصوم تابع للصلاة - قصرا - في السفر إلا في ثلاثة مواضع أحدها: صوم ثلاثة أيام بدل هدي التمتع. الثاني: صوم بدل البدنة ممن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا وهو ثمانية عشر يوما. الثالث: صوم النذر المشترط فيه سفرا خاصة أو سفرا وحضرا دون النذر المطلق (4). وقال: قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة والصوم وقصرها والأفطار لكن يستثنى من ذلك موارد أحدها: الأماكن الأربعة فان المسافر يتخير فيها بين القصر والتمام في الصلاة، وفي الصوم يتعين الأفطار. الثاني: ما مر من الخارج إلى السفر بعد الزوال، فإنه يتعين عليه البقاء على الصوم مع أنه يقصر في الصلاة. الثالث: ما مر من الراجع من سفره فإنه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الأتمام، مع أنه يتعين عليه الأفطار (5). وقال السيد الحكيم رحمه الله أن هذه المواضع تكون: موارد الاستثناء


(1) الوسائل: ج 7 ص 130 ح 2. (2) مستند العروة: كتاب الصوم ص 433. (3) جواهر الكلام: ج 17 ص 140. (4) العروة الوثقى: كتاب الصوم ص 341. (5) نفس المصدر السابق ص 343.

[ 107 ]

من قاعدة التلازم بين إتمام الصلاة والصوم (1). فكل مورد ثبت الاستثناء بالدليل الخاص فهو، وإلا فالمتبع التلازم. كما قال المحقق صاحب الجواهر: أنها (القاعدة) قاعدة كلية يجب الخروج عنها بالدليل (2). فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: لو صلى المسافر بعد تحقق شرائط القصر تماما، فإن كان عالما بالحكم والموضوع بطلت صلاته وأعادها في الوقت وقضاها خارجه، وإن كان جاهلا بأصل الحكم وأن حكم المسافر التقصير لم يجب عليه الاعادة فضلا عن القضاء - إلى أن قال: - يلحق الصوم بالصلاة فيما ذكر على الأقوى فيبطل مع العلم والعمد ويصح مع الجهل (3). الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: أما المسافر الجاهل بالحكم لو صام فيصح صومه، ويجزيه - حسبما عرفته في جاهل حكم الصلاة -، إذ الافطار كالقصر، والصيام كالتمام في الصلاة، لكن يشترط أن يبقى على جهله إلى آخر النهار، وأما لو علم بالحكم في الأثناء فلا يصح صومه، وأما الناسي فلا يلحق بالجاهل في الصحة (4).


(1) مستمسك العروة: ج 8 ص 381. (2) الجواهر: ج 14 ص 267. (3) تحرير الوسيلة: ج 1 ص 248. (4) العروة الوثقى: ص 341.

[ 108 ]

قاعدة التلف في زمان الخيار من مال البائع المعنى: معنى القاعدة واضح وهو أن التلف في زمان الخيار يكون على البائع، وعليه كل مبيع ثبت فيه الخيار إذا تلف في ظرف الخيار لا يكون الضمان على المشتري، لأن التلف حال الخيار بواسطة آفة سماوية يتعلق بمال البائع. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في الباب، منها صحيحة ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط الى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث على من ضمان ذلك؟ فقال عليه السلام: (على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة، ويصير المبيع للمشتري) (1). فهذه الصحيحة دلت على أن المبيع إذا تلف في زمان الخيار لا يكون على المشتري ضمان بل يكون الضمان على البائع (بالنسبة إلى الثمن) وهذا هو مدلول القاعدة. 2 - الأصل: وهو استصحاب بقاء الملكية للبائع بمعنى أنه إذا شك في كون المبيع حال الخيار بأنه ملك للبائع أو المشتري يستصحب ملكية البائع ويترتب عليها آثارها الشرعية من الضمان وغيره.


(1) الوسائل: 12 ص 352 باب 5 من أبواب الخيار ح 2.

[ 109 ]

قال الشيخ الأنصاري رحمه الله بعد نفي الخلاف عن ثبوت الحكم في خياري الحيوان والشرط وبعد الاستناد بصحيحة ابن سنان: ظاهر قوله عليه السلام: (ويصير الملك للمشتري) أن المناط في رفع ضمان البائع صيرورة المبيع للمشتري واختصاصه به بحيث لا يقدر على سلبه عن نفسه. فقال: إنه يمكن بناء على فهم هذا المناط طرد الحكم في كل خيار، فتثبت القاعدة المعروفة من أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له (البائع) من غير فرق بين أقسام الخيار ولا بين الثمن والمثمن كما يظهر من كلمات غير واحد من الأصحاب بل نسبه جماعة إلى إطلاق الأصحاب - إلى أن قال: - ولكن الانصاف أنه لم يعلم من حال أحد من معتبري الأصحاب الجزم بهذا التعميم، فضلا عن اتفاقهم عليه فإن ظاهر قولهم: التلف في زمان الخيار هو الخيار الزماني وهو الخيار الذي ذهب جماعة إلى توقف الملك على انقضائه، لا مطلق الخيار، ليشمل خيار الغبن والرؤية والعيب ونحوها (1). والتحقيق: أن مورد القاعدة هو خياري الحيوان والشرط فقط ولا يثبت التعميم بتنقيح المناط الظني، ولأن الأصحاب أفتوا في غير الموردين على خلاف القاعدة المتلوة. ولا يخفى أن خيار الحيوان والشرط يختصان للمشتري، وعليه ينطبق الحكم (التلف على البائع) على القاعدة المجمع عليها (التلف في زمن الخيار من مال من لا خيار له) فتكون القاعدة على القاعدة. كما قال صاحب الجواهر رحمه الله: وقول الأصحاب أن تلف المبيع في زمان الخيار ممن لا خيار له بعد تنزيله على خيار الشرط والحيوان لا ينافي شيئا، والدليل عليه واضح، إذ مع فرض أن الخيار للمشتري خاصة كان تلفه من البائع للنصوص (2) الدالة بصريحها على ذلك


(1) المكاسب: الخيارات ص 301. (2) الوسائل: ج 12 باب 5 من أبواب الخيار.

[ 110 ]

والمراد به كما صرح به في جامع المقاصد إنفساخ العقد به كالتلف قبل القبض (1). والأمر كما ذكره. فرعان الأول: المتيقن من مورد القاعدة هو ما إذا كان التلف في يد المشتري وكان الخيار له فقط وأما إذا فرض كون الخيار للبائع فلا ضمان على البائع، وذلك لأن مال المشتري قد تلف في يده ولا وجه لأن يكون في ضمان شخص آخر. كما قال المحقق الحلي رحمه الله: إن كان - التلف - في زمن الخيار من غير تفريط، وكان الخيار للبائع فالتلف من المشتري (2). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا تلف المبيع في زمان الخيار في بيع الحيوان فهو من مال البائع، وكذا إذا تلف قبل إنتهاء مدة الخيار في خيار الشرط إذا كان الخيار للمشتري، أما إذا كان للبائع أو تلف في زمان خيار المجلس بعد القبض فالأظهر أنه من مال المشتري (3).


(1) جواهر الكلام: ج 23 ص 87. (2) شرائع الاسلام: ج 2 ص 24. (3) منهاج الصالحين: ج 2 ص 44.

[ 111 ]

قاعدة تلف المبيع قبل القبض من مال البائع المعنى: معنى القاعدة هو أن المبيع إذا تلف بعد الاشتراء وقبل استيلاء المشتري كان على البائع ولو مضى زمان الخيار. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في الباب، منها النبوي المعروف - الذي هو نفس المطلوب بتمامه وكماله -: تلف المبيع قبل القبض من مال البائع (1). ومنها رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل إشترى متاعا من رجل واوجبه غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، وقال: آتيك غدا إن شاء الله، فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال: (من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته) (2). دلت على أن المبيع إذا كان باقيا عند البائع ولم يقبض المشتري، فتلف ذلك المبيع يكون التالف من مال البائع، فالدلالة تامة. وأما السند وإن لم يكن فيه رجال موثقون بالخصوص كمحمد بن عبد الله بن


(1) مستدرك الوسائل: ج 13 ص 303. (2) الوسائل: ج 12 ص 358 باب 10 من أبواب الخيار حديث 1.

[ 112 ]

هلال وعقبة بن خالد، ولكنهما ذكرا في سند كامل الزيارة، والذكر في ذلك السند توثيق عام، فهو - الذكر - مع عدم التضعيف يكفي إعتبارا لهما، هذا مضافا إلى أن الحكم مفتى به ولا يكون في المسألة إلا رواية واحدة، وهي هذه الرواية. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله أن الحكم يكون كذلك (تلف المبيع قبل القبض على البائع): إجماعا بقسميه إذا لم يكن بامتناع من المشتري أو برضا منه بالبقاء في يد البائع بعد تمكينه منه وعرضه عليه، للنبوي المنجبر بعمل الأصحاب كافة (كل مبيع... الخ) المعتضد مع ذلك بخبر عقبة بن خالد (1). ومن المعلوم أن الأجماع مع الأستناد الى المدرك لا يكون الأجماع بمعنى الكلمة بل يكون التسالم المتحقق عندهم. وقال الشيخ الأنصاري رحمه الله: لو تلف المبيع (قبل القبض) بعد الثلاثة كان من البائع إجماعا مستفيضا بل متواترا كما في الرياض، ويدل عليه النبوي المشهور وإن كان في كتب روايات أصحابنا غير مسطور: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، واطلاقه كمعاقد الأجماعات يعم ما لو تلف في حال الخيار، أم تلف بعد بطلانه كما لو قلنا بكونه على الفور فبطل بالتأخير، أو بذل المشتري الثمن فتلف العين في هذا الحال (2). فالتسالم ثابت. قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: بأن هذه القاعدة (التلف قبل القبض على البائع) تعارض القاعدة المتقدمة (التلف في زمان الخيار على البائع) التي تفيد نفي الضمان بعد انقضاء زمان الخيار ولو لم يتحقق القبض، وأجاب رحمه الله بقوله: إلا أن يقال أن ذلك بعد القبض (3). والتحقيق: أنه لا اصل لتوهم المعارضة، وذلك لأن القاعدة المتقدمة مختصة بخياري الحيوان والشرط، بخلاف المقام فلا معارضة بين العام والخاص كما قال


(1) جواهر الكلام: ج 23 ص 83. (2) المكاسب: الخيارات ص 247. (3) نهاية المقال: ص 94.

[ 113 ]

الشيخ الأنصاري رحمه الله: وقد يعارض النبوي (تلف المبيع قبل القبض) بقاعدة الملازمة بين النماء والدرك المستفادة من النص والاستقراء والقاعدة المجمع عليها من: أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له، لكن النبوي أخص من القاعدة الاولى فلا معارضة والقاعدة الثانية لا عموم فيها يشمل جميع أفراد الخيار ولا جميع أحوال البيع حتى قبل القبض (1). وما أفاده في دفع المعارضة متين جدا. فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: لو تلف المبيع قبل تسليمه إلى المشتري كان من مال البائع فانفسخ البيع وعاد الثمن إلى المشتري، ولو حصل للمبيع نماء قبل القبض كالنتاج والثمرة كان للمشتري ولو تعيب قبل القبض كان المشتري بالخيار بين الفسخ والامضاء (2). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا تلف المبيع بآفة سماوية أو أرضية قبل قبض المشتري انفسخ البيع، وكان تلفه من مال البائع، ورجع الثمن إلى المشتري، وكذا - ينفسخ البيع - إذا تلف الثمن قبل قبض البائع (3).


(1) المكاسب: الخيارات ص 248. (2) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 42. (3) منهاج الصالحين: ج 2 ص 46.

[ 114 ]

قاعدة حجية الظن في الصلاة المعنى: معنى القاعدة هو العمل بمقتضى الظن في عدد الركعات، ومورد القاعدة عدم العلم بالنسبة إلى عدد الركعات بأن لا يعلم المصلي أن الركعة التي هو فيها هل هي الثالثة أو الرابعة مثلا. وعندئذ إذا تواجد الظن بتحقق احداهما خاصة كان ذلك حجة للمصلي، فيعمل بمقتضاه ويكفى الظن هناك طريقا وحجة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: إن النصوص الواردة في الباب تبلغ حد الأستفاضة وفيها روايات صحاح متعددة. منها صحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال: (إن كنت لا تدري كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة) (1). فإن المفهوم من هذه الصحيحة هو عدم الأعادة فيما إذا تحقق الوهم (الظن) على عدد من الأعداد وهو معنى حجية الظن في الركعات. ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (إن كنت لا تدري ثلاثا صليت أم أربعا ولم يذهب، وهمك إلى شئ فسلم ثم صل ركعتين


(1) الوسائل: ج 5 ص 327 باب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1

[ 115 ]

وأنت جالس) (1). دلت بمفهومها على حجية الظن بالنسبة إلى عدد الركعات. ومنها صحيحة الحلبي - الثانية في الباب - الواردة في مقام الشك بين الثانية والرابعة، ومدلولها نفس مدلول الاولى، فهذه الصحاح تكفي في المقام مدركا تاما. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على أن الظن في عدد الركعات حجة ولا اشكال في الحكم بينهم. ولا يخفى أنه لا فرق في حجية الظن بين الصلوات والركعات ولا يختص الحكم بالركعة الثالثة والرابعة. قد يقال: إنه لا بد من الحفظ واليقين في الأولتين وذلك للنص الخاص، كما في صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي ولا يدري واحدة صلى أم إثنتين قال: (يستقبل حتى يستيقن أنه قد أتم) (2). دلت على لزوم تحصيل اليقين في الأولتين وعليه فلا يعتمد بالظن فيهما. والتحقيق: أن يقال إن النص الدال على لزوم اليقين في الأولتين لا يوجب تخصيصا في حجية الظن وذلك لأن أخذ اليقين في لسان تلك الأدلة إنما يكون موضوعا للحكم على نحو الطريقية، ولا مانع من قيام الأمارة مقام القطع الطريقي وعليه تكون أمارية الظن هنا في طول ما دل عليه النص لا في عرضه فلا مجال للتخصيص قطعا. فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: الظن في عدد الركعات مطلقا حتى فيما يتعلق بالركعتين الاولتين من الرباعية أو بالثنائية والثلاثية كاليقين، فضلا عما تعلق بالأخيرتين من الرباعية، فيجب العمل بمقتضاه ولو كان مسبوقا بالشك، فلو شك


(1) الوسائل: ج 5 ص 321 باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 5. (1) الوسائل: ج 5 ص 304 باب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 2.

[ 116 ]

أولا ثم ظن بعد ذلك فيما كان شاكا فيه كان العمل على الأخير (1). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: الظن بالركعات كاليقين، أما الظن بالافعال فالظاهر أن حكمه حكم الشك، فإذا ظن بفعل الجزء في المحل لزمه الاتيان به، وإذا ظن بعدم الفعل بعد تجاوز المحل مضى، وليس له أن يرجع ويتداركه (2).


(1) تحرير الوسيلة: ج 1 ص 204. (2) منهاج الصالحين: ج 1 ص 233.

[ 117 ]

قاعدة الحدود تدرأ بالشبهات المعنى: معنى القاعدة هو عدم إقامة الحد على العمل الجنائي الذي يقع إشتباها، فالمراد من الشبهة هنا هو تحقق العمل الذي عليه الحد مع الجهل بالموضوع أو الحكم، كما هو الحال في القتل عن شبهة وغير ذلك من الشبهات، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: ضرورة سقوط كل حد بها (الشبهة) (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: منها النبوي المشهور وهو قوله صلى الله عليه وآله: (ادرأوا الحدود بالشبهات) (2). فهذا النبوي نفس مدلول القاعدة بتمامه. فلا كلام ولا إشكال في الدلالة، وإنما الأشكال كله في السند، لأن النبوي مرسل فلا يعتمد عليه. قد يقال: إن النبوي ذكر في غير واحد من كتب الأحاديث ومدلوله مفتى به عند الفقهاء فيمكن الاعتماد عليه. ويقال: ان ذلك كله لا يرفع إشكال السند ولا ينجبر الأرسال على ما هو التحقيق.


(1) جواهر الكلام: ج 41 ص 482. (2) الوسائل: ج 18 ص 336 باب 24 من أبواب مقدمات الحدود ح 4 وص 399 باب 27 من أبواب حد الزنا ح 11.

[ 118 ]

ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في امرأة تزوجت ولها زوج فقال: (ترجم المرأة) (1). دلت على أن الرجم على المرأة فقط. وليس على الزوج حد، وذلك لجهله بالموضوع بحسب المفروض في السؤال. 2 - انتفاء الموضوع: أن موضوع الحد هو وقوع العمل من الفاعل عمدا فإذا لم يكن الأمر كذلك وصدر العمل من الفاعل إشتباها لا يتحقق الموضوع للحد فتكون القضية (أي إقامة الحد) من باب السالبة بانتفاء الموضوع. 3 - المساهلة: على أساس النبوي المعروف: بعثت بالحنيفية السهلة السمحة (2). كان السعي في التسهيلات للعباد بالنسبة الى مختلف المجالات، خاصة في إجراء الحدود، فيسعى أن تدرأ الحدود بأدنى شبهة، للبناء على المسامحة. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله لا يثبت الحد بشهادة النساء بابتناء الحدود على التخفيف، ودرئها بالشبهات (3). ولا يخفى أن الشبهة بذاتها لا تكون موجبة لسقوط الحد بل لا بد أن تكون الشبهة (الجهل بالواقع) مقرونة باعتقاد جواز العمل وبعد ذلك يدرأ الحد بها، كما قال سيدنا الاستاذ: المراد بالشبهة الموجبة لسقوط الحد - في الوطء بالشبهة - هو الجهل عن قصور أو تقصير في المقدمات مع اعتقاد الحلية حال الوطء، (وذلك لأطلاق الأدلة الدالة على نفي الحد عن الجاهل) وأما من كان جاهلا بالحكم عن تقصير وملتفتا إلى جهله حال العمل حكم عليه بالزنا وثبوت الحد (4). والأمر كما ذكره. 4 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف فيه


(1) الوسائل: ج 18 ص 398 باب 27 من أبواب حد الزنا ح 9. (2) أمالي الطوسي: ج 2 ص 141. (3) جواهر الكلام: ج 41 ص 157. (4) تكملة المنهاج: ج 1 ص 169.

[ 119 ]

عندهم، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في حد السرقة: لا خلاف ولا إشكال في درئه (حد السرقة) بالشبهة، كغيره من الحدود (1). فالأمر متسالم عليه. فرعان الأول: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في السرقة: (فلو توهم الملك فبان غير مالك لم يقطع) للشبهة (2). والأمر كما أفاده. الثاني: ويسقط الحد بادعاء الزوجية، ولا يكلف المدعى بينة ولا يمينا. وكذا - يسقط الحد - بدعوى ما يصلح شبهة بالنظر إلى المدعي (3).


(1) و (2) جواهر الكلام: ج 41 ص 481. (3) شرائع الاسلام: ج 4 ص 151.

[ 120 ]

قاعدة الحق لمن سبق المعنى: معنى القاعدة هو ثبوت الحق بواسطة السبق في التسيطر بالنسبة الى الأمكنة العامة. كالمساجد والأسواق والساحات التي تكون في معرض إستفادة المجتمع. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في الباب. منها رواية طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عن أمير المؤمنين عليهما السلام قال: (سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق إلى مكان من السوق فهو أحق به إلى الليل) (1). دلت على أن السبق إلى المكان في السوق توجب الحق لمن سبق إليه، وهو المطلوب. ومنها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سوق المسلمين كمسجدهم) (2). دلت على أن الحق لمن سبق. ومنها النبوي المشهور - الذي هو المستند في غير واحد من الكتب الفقهية -:


(1) الوسائل: ج 12 ص 300 باب 17 من أبواب آداب التجارة ح 1. (2) نفس المصدر السابق: ح 2.

[ 121 ]

من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به (1). دل على أن كل مسلم سبق إلى الشئ الذي لم يكن ملكا خاصا لمالك مسلم (من الأمكنة والأموال) هو الأحق بالتصرف في ذلك الشئ. قد تبين أن دلالة الروايات في المقصود تامة لا إشكال فيها، وإنما الأشكال كله في السند، وهو أن رواية ابن أبي عمير مرسلة والنبوي أيضا مرسل، لا يكون لهما سند أصلا، وأما رواية طلحة وإن كان لها سند ولكن بما أن طلحة بن زيد لم يوثق فلا يمكن المساعدة على نقله، ودعوى الانجبار بالعمل غير مسموعة، لما حقق أن العمل لا يكون مصحح السند إلا أن يصل حد الاجماع، والوصول إلى ذلك الحد غير متحقق قطعا. 2 - السيرة العقلائية: قد استقرت السيرة عند العقلاء على أن من سبق إلى المكان الذي لم يكن ملكا لمالك خاص هو أولى وأحق بالتصرف فيه، فيكون الحق لمن سبق، وبما أنه لم يرد الردع من الشرع لهذه السيرة فتصلح أن تكون مدركا للقاعدة. كما قال شيخ الطائفة رحمه الله: إذا سبق (أحد) إلى موضع من تلك المواضع (العامة) كان أحق بها من غيره، لأن ذلك جرت به عادة اهل الأعصار يفعلون ذلك، ولا ينكره أحد (2). فرعان الأول: استدل الشيخ الأنصاري رحمه الله بالنبوي المتقدم (من سبق... الخ) على كون الأحياء سببا لتملك الأراضي، وعليه يكون أحياء الاراضي في الموات من مدلول القاعدة (3). والتحقيق: أن مدلول القاعدة هو ثبوت الحق، لا ثبوت الملك كما هو المصرح


(1) مستدرك الوسائل: ج 3 ص 149. (2) المبسوط: ج 3 ص 276. (3) المكاسب: البيع ص 161.

[ 122 ]

به، فيختص بالمساجد والأسواق والساحات، وأما الاحياء فهو سبب الملكية الثابت بالنصوص الصحاح. الثاني: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في القضاء: (إذا ورد خصوم مترتبين بدأ بالأول فالأول) من غير فرق بين الذكر والأنثى والشريف والوضيع، لأحقية السابق من غيره في جميع الحقوق المشتركة (1).


(1) جواهر الكلام: ج 40 ص 146.

[ 123 ]

قاعدة الحل المعنى: معنى القاعدة هو أن كل شئ (من الموضوعات الخارجية) كان مشتبها بين الحلال والحرام يحمل على الحلال، وعليه إذا شك في شئ من الأطعمة والأشربة والألبسة بأنه محلل أو محرم يبنى على الحلية بمقتضى القاعدة، وتختص القاعدة بالشبهات الموضوعية فيكون موردها هو الشك في الموضوع فقط، كما قال سيدنا الاستاذ: بأن قوله عليه السلام (فيه حلال وحرام) ظاهر في الانقسام الفعلي بمعنى أن يكون قسم منه حلالا وقسم منه حراما، ولم يعلم أن المشكوك فيه من القسم الحلال أو من القسم الحرام، كالمائع المشكوك في كونه خلا أو خمرا، وذلك لا يتصور إلا في الشبهات الموضوعية كما مثلنا، إذ لا تكون القسمة الفعلية في الشبهات الحكمية (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب، منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا،


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 276.

[ 124 ]

حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه) (1). دلت على أن كل شئ كان مشتبها بين الحلية والحرمة يحمل على الحلية فالدلالة تامة. ومنها مقبولة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (كل شئ هو لك حلال، حتى تعلم أنه حرام بعينه - إلى أن قال: - والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة) (2). دلت على مدلول القاعدة دلالة صريحة. قال سيدنا الاستاذ: فيكون المراد أن الأشياء الخارجية كلها على الأباحة، حتى تظهر حرمتها بالعلم الوجداني أو تقوم بها البينة (3). والمراد من البينة هو ما يتبين به الشئ وهو مطلق دليل يتبين به المشكوك فيه، فالوظيفة عند الشك في الحلية والحرمة هو الحمل على الحلية ما دام لم يتعين الموضوع بالعلم الوجداني أو بالدليل الذي يظهر به حال الموضوع. ومنها خبر عبد الله بن سليمان، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن فقال: بعد حديث طويل - سأخبرك عن الجبن وغيره، كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه (4). ومنها مرسلة معاوية بن عمار عن أبي جعفر عليه السلام في الجبن قال: (كل شئ فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه) (5). وبما أن سند الخبرين الأخيرين غير تام فلا يستفاد منهما إلا التأييد. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف ولا اشكال فيه بينهم فالأمر متسالم عليه عندهم. ولا يخفى أنه قد يعبر عن قاعدة الحل بأصالة الأباحة ولا مشاحة في الاصطلاح.


(1) الوسائل: ج 12 ص 59 باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 1. (2) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4. (3) مصباح الاصول: ج 2 ص 274 (4) و (5) الوسائل: ج 17 ص 90 و 91 و 92 باب 61 من أبواب الاطعمة المباحة ح 1 و 7.

[ 125 ]

ينبغي ذكر ما أفاده صاحب الجواهر رحمه الله في المقام فقال: ومن المعلوم المقر في الاصول أن العقل والشرع تطابقا على أصالة الأباحة والحل في تناول كل ما لم يعلم حرمته من الشرع (1). وما ذكره يؤكد التسالم. فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: لا فرق في إباحة ما يؤخذ من يد المسلم بين كونه مؤمنا أو مخالفا يعتقد طهارة جلد الميتة بالدبغ ويستحل ذبائح أهل الكتاب ولا يراعى الشروط التي اعتبرناها في التذكية، وكذا لا فرق بين كون الاخذ موافقا مع المأخوذ منه في شرائط التذكية إجتهادا أو تقليدا أو مخالفا (2). الثاني: من شرائط إجراء القاعدة عدم وجود الأصل الموضوعي - كاستصحاب الحرمة وعدم التذكية - والا فهو حاكم على قاعدة الحل، فلا يتحقق المجال لجريان القاعدة مع وجود الأصل الموضوعي، كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: لا يجري إصالة الأباحة (قاعدة الحل) في حيوان شك في حليته مع الشك في قبوله التذكية، فأصالة عدم التذكية تدرجها فيما لم يذك وهو حرام إجماعا (3).


(1) جواهر الكلام: ج 36 ص 237. (2) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 295. (3) كفاية الاصول: ج 2 ص 190.

[ 126 ]

قاعدة الحيلولة المعنى: الحيلولة متخذة من تحقق الحائل بين زمان الشك وزمان المشكوك، كالشك في صلاة الظهر بعد حلول وقت المغرب، وعندئذ لا يترتب الأثر على هذا الشك فالقاعدة تقتضي عدم الاعتناء بالشك بعد خروج الوقت. قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا شك في أنه هل صلى أم لا؟ فإن كان بعد مضي الوقت لم يلتفت وبنى على أنه صلى (1). وقال سيدنا الاستاذ: قاعدة الحيلولة مفادها عدم الاعتناء بالشك بعد خروج الوقت (2). والقاعدة حاكمة على الاستصحاب وتختص بباب الصلاة موردا ومدركا. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: الروايات: وهي الواردة في باب المواقيت. منها صحيحة زرارة وفضيل عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال: (متى إستيقنت أو شككت في وقت فريضة أنك لم تصلها، أو في وقت فوتها أنك لم


(1) العروة الوثقى: ص 272. (2) مصباح الاصول: ج 3 ص 284.

[ 127 ]

تصلها صليتها، وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شك، حتى تستيقن فإن استيقنت فعليك أن تصليها في أي حال كنت) (1). دلت على ثلاثة أحكام: الأول: وجوب الاعادة عند الشك في إتيان الصلاة قبل خروج الوقت. الثاني: عدم الاعادة (القضاء بحسب الاصطلاح) عند الشك في إتيان الصلاة بعد خروج الوقت وهو المطلوب. الثالث: وجوب الاعادة عند اليقين بعدم الأتيان مطلقا. وهذه الصحيحة تكفي مدركا للقاعدة. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف ولا اشكال فيه بينهم كما قال سيدنا الاستاذ: وكلا الحكمين (الاعتناء بالشك في الوقت، وعدم الاعتناء بالشك خارج الوقت) مضافا الى التسالم عليهما كما يظهر من غير واحد، مطابق للقاعدة... مضافا الى ورود النص الصحيح المتكفل لكلا الحكمين (2). وعدها السيد الحكيم رحمه الله من المسلمات وقال: ويظهر من كلام جماعة من الأعاظم في مسألة ما لو ترددت الفائتة بين الأقل والأكثر كونه (مدلول القاعدة) من المسلمات، منهم شيخنا في الجواهر وشيخنا الأعظم في مبحث الشبهة الوجوبية الموضوعية من رسالة البراءة لمصحح زرارة وفضيل (المتقدمة) (3). ولا يخفى أنه قد تتعارض قاعدة الحيلولة مع قاعدة الفراغ فتتساقطان بالمعارضة كما قال سيدنا الاستاذ: إذا علم إجمالا بنقصان ركعة من صلاة المغرب أو عدم الأتيان بصلاة العصر فان قاعدة الفراغ في صلاة المغرب وقاعدة الحيلولة في صلاة العصر تتساقطان للمعارضة، ويرجع إلى استصحاب عدم الأتيان بالركعة


(1) الوسائل: ج 3 ص 205 باب 60 من أبواب المواقيت ح 1. (2) مستند العروة الوثقى: ج 6 ص 109. (3) مستمسك العروة: ج 7 ص 423.

[ 128 ]

المشكوك فيها في صلاة المغرب فيحكم ببطلانها ووجوب اعادتها وإلى أصالة البراءة من وجوب قضاء صلاة العصر (1). والأمر كما أفاده. ولا يخفى أن مورد القاعدة هو الشك في أصل العمل لا في كيفية العمل كما قال سيدنا الاستاذ: قاعدة الحيلولة - موردها الشك في أصل وجود العمل في الخارج وتحققه لا فيما إذا كان الشك في صحته وفساده بعد الفراغ عن أصل وجوده (2). فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: لو شك في أثناء صلاة العصر في أنه صلى الظهر أم لا؟ فإن كان في وقت الاختصاص بالعصر بنى على الأتيان بالظهر (3). وذلك على أساس قاعدة الحيلولة. الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: لو علم - المصلي في وقت المشترك - أنه صلى العصر ولم يدر أنه صلى الظهر أم لا؟ فيحتمل جواز البناء على أنه صلاها، لكن الأحوط الأتيان بها، بل لا يخلو - الأتيان - عن قوة (4). وقال سيدنا الاستاذ: لا بد - عندئذ - من الاعتناء والأتيان بالسابقة من الظهر أو المغرب، للاستصحاب أو لا أقل من قاعدة الاشتغال (5).


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 360. (2) محاضرات: ج 4 ص 69. (3) تحرير الوسيلة: ج 1 ص 195. (4) العروة الوثقى: ص 272. (5) مستند العروة الوثقى: ص 112.

[ 129 ]

قاعدة دم المسلم لا يذهب هدرا المعنى: معنى القاعدة هو بيان أهمية الدماء من ناحية الحكم الوضعي، بأنه لا تسقط الدية في القتل الذي لم يتعين له القاتل، كما قال سيدنا الاستاذ: إذا لم تكن بينة للمدعي ولا للمدعى عليه ولم يحلف المدعي وحلف المدعى عليه سقطت الدعوى، ولا شئ على المدعى عليه، وتعطى الدية لورثة المقتول من بيت المال (1). المدرك: الدليل الوحيد على اعتبار القاعدة هو النصوص الواردة في باب دعوى القتل، منها صحيحة محمد بن مسلم وعبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: في رجل كان جالسا مع قوم فمات وهو معهم، أو رجل وجد في قبيلة وعلى باب دار قوم فادعي عليهم، قال: (ليس عليهم شئ ولا يبطل دمه) (2). دلت على أن دم المسلم لا يصبح باطلا وهدرا، فإن لم يكن طريق إلى تشخيص القاتل فالدية باقية. ومنها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: قضى أمير


(1) تكملة المنهاج: ج 2 ص 112. (2) الوسائل: ج 19 ص 111 باب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ح 1.

[ 130 ]

المؤمنين عليه السلام في رجل وجد مقتولا لا يدرى من قتله قال: (إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته اعطوا ديته من بيت مال المسلمين ولا يبطل دم امرئ مسلم) (1). دلت على أن دم المسلم لا يذهب هدرا والدلالة تامة، قال سيدنا الاستاذ: أن الدية لا تسقط عند عدم تشخيص القاتل على المشهور شهرة عظيمة، وتدل على ذلك صحيحة بريد بن معاوية بتقريب أن غرامة المدعى عليه الدية في تلك الصحيحة علقت على عدم الحلف فلا تثبت الغرامة مع الحلف وبضميمة ما في غير واحد من الروايات من أن دم المسلم لا يذهب هدرا تثبت الدية في بيت مال المسلمين (2). والامر كما أفاده. التسالم: قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم فالأمر متسالم عليه عندهم، قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله أن المدلول يكون كذلك: بلا خلاف أجده في شئ من ذلك (نطاق القاعدة) بل عن الغنية الاجماع عليه (3). فروع الأول: إذا لم يكن في مفروض المقام للمقتول ولي دم حتى يطلب الدية ماذا يحكم عندئذ هل تؤخذ الدية فتبقى أمانة أو لا تؤخذ؟ التحقيق أن هذا الفرض خارج عن مورد القاعدة فليرجع في مثل هذا إلى دليل ولاية الحاكم وغيره. الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا وجد قتيل في زحام الناس، أو على قنطرة أو بئر أو جسر أو مصنع أو في شارع عام أو جامع أو فلاة أو ما شاكل ذلك، والضابط أن لا يكون مما يستند القتل فيه إلى شخص خاص أو جماعة معينة أو قرية معلومة فديته من بيت مال المسلمين (4).


(1) الوسائل: ج 19 ص 109 باب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ح 1. (2) تكملة المنهاج: ج 2 ص 112. (3) جواهر الكلام: ج 42 ص 236. (1) تكملة المنهاج: ج 2 ص 116.

[ 131 ]

الثالث: لو قتل المسلم بظن أنه الكافر لا دية على القاتل. كما قال المحقق الحلي رحمه الله: ولو ظنه كافرا فلا دية، وعليه الكفارة (1) وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: الأنصاف عدم خلو الحكم عن إشكال، إن لم يكن إجماع، ضرورة معلومية أحكام قاعدة عدم بطلان دم المسلم (2).


(1) شرائع الاسلام: ج 4 ص 287. (2) جواهر الكلام: ج 43 ص 410.

[ 132 ]

قاعدة ذكاة الجنين ذكاة امه المعنى: معنى القاعدة أن الجنين في بطن الحيوان إذا كمل ونبت فيه الشعر يتذكى بواسطة تذكية امه، ولا يحتاج إلى تذكية مستقلة. المدرك: الدليل الوحيد على اعتبار القاعدة هو النصوص الواردة في باب الصيد والذبائح، منها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما عليهما السلام عن قول الله عزوجل احلت لكم بهيمة الأنعام قال: (الجنين في بطن امه إذا أشعر وأوبر فذكاته ذكاة امه) (1). دلت على أن تذكية الجنين تتبع تذكية امه. ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا ذبحت الذبيحة فوجدت في بطنها ولدا تاما فكل) (2). دلت على أن تذكية الجنين تتبع ذكاة امه والدلالة كاملة. وقد وردت في الباب روايات كثيرة بلغت إلى مستوى التواتر أو الأستفاضة، ولكن بما أن في الاستناد بالصحيحتين غنى وكفاية لا حاجة لذكر تلك الروايات. لا يخفى أنه يشترط في مدلول القاعدة (ذكاة الجنين) أن تكون خلقة الجنين تامة كاملة فإذا لم يتم الخلقة له لا يتذكى، هذا مما لا كلام فيه، وقد يعبر عن


(1) الوسائل: ج 16 ص 270 باب 18 كتاب الصيد والذبائح، ح 3. (2) نفس المصدر السابق: ح 4.

[ 133 ]

اشتراط الخلقة التامة باشتراط ولوج الروح، ولا مشاحة في الاصطلاح. قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: أن المتبع هناك إنما هو النصوص الواردة في الباب: خصوصا موثق عمار (1). عن أبي عبد الله عليه السلام في الشاة تذبح فيموت ولدها في بطنها، قال: (كله، فإنه حلال، لأن ذكاته ذكاة امه، فإن هو خرج وهو حي فاذبحه وكل، فان مات قبل أن تذبحه فلا تأكله، وكذلك البقر والأبل) فإن الموت في البطن ظاهر في ولوج الروح (2). والأمر كما أفاده، فتبين أنه يشترط في مدلول القاعدة ولوج الروح. كما قال السيد الحكيم رحمه الله: وقوله عليه السلام ذكاة لجنين ذكاة امه لا اطلاق له في موضوع الذكاة، لوروده في مقام بيان الاكتفاء بذكاة الام في تحقق ذكاة الجنين، فيمكن اختصاصه بما ولجته الروح (3). فالمتحصل أن الجنين إذا تمت خلقته ومات في بطن امه يتذكى بتذكية امه. فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: لو كان الجنين حيا حال إيقاع الذبح أو النحر على امه ومات بعده قبل أن يشق بطنها ويستخرج منها حل على الأقوى لو بادر على شق بطنها ولم يدرك حياته (4). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: ذكاة الجنين ذكاة امه، فإذا ماتت امه بدون تذكية، فإن مات هو في جوفها حرم أكله، وكذا إذا أخرج منها حيا فمات بلا تذكية، واما إذا أخرج حيا فذكى حل أكله، وإذا ذكيت امه فمات في جوفها حل أكله، وإذا أخرج حيا فإن ذكى حل أكله، وإن لم يذك حرم (5).


(1) الوسائل: ج 16 ص 271 باب 18 كتاب الصيد والذبائح، ح 8. (2) جواهر الكلام: ج 36 ص 183. (3) مستمسك العروة: ج 1 ص 333. (4) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 293. (5) منهاج الصالحين: ج 2 ص 341.

[ 134 ]

قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم المعنى: معنى القاعدة هو تعلم الجاهل أحكامه الشرعية من العالم بها، وقد يعبر عنه بالرجوع إلى أهل الخبرة، فان كل فرد لا يعرف ما يحتاج إليه فعليه أن يتعلم ممن كان عالما به ويكون متخصصا فيه، وهذا أمر واضح كرجوع المريض إلى الطبيب، ورجوع العامي إلى المجتهد، في المسائل الطبية والدينية. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (1). فهذه الاية تدل باطلاقها على مدلول القاعدة، وورودها في المورد الخاص لا يضر باطلاقها، كما قال سيدنا الاستاذ في هذا المقام: وما ورد من تفسير أهل الذكر بالأئمة عليهم السلام لا يضر الاستدلال بالاية الشريفة للمقام لما ذكرناه في بحث حجية الخبر وفي مقدمات التفسير: من أن نزول الاية في مورد خاص لا يوجب اختصاصها به (2). 2 - العقل: قد استقر بناء العقلاء في العالم على أن وظيفة الجاهل لغرض التعلم ورفع الجهل هو الرجوع إلى العالم، بل يكون الأمر من الضروريات العقلية التي يكفي تصورها في تصديقها، بل لا يبعد أن يكون من الفطريات، كما قال سيدنا الاستاذ: فإنها (السيرة) قد جرت على رجوع الجاهل إلى العالم في امورهم الراجعة


(1) الأنبياء: 7. (2) مصباح الاصول: ج 3 ص 449.

[ 135 ]

إلى معادهم ومعاشهم، بل هو أمر فطري يجده كل من راجع نفسه وارتكازه (1). 3 - الروايات: وهي الواردة في نفس الباب، منها صحيحة محمد بن مسلم وزرارة وبريد العجلي قالوا: قال أبو عبد الله عليه السلام لحمران بن أعين في شئ سأله: إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون) (2). دلت على أن وقوع الجهال (من المسلمين) في التهلكة مستند إلى عدم سؤالهم (عما لا يعلمون من الأحكام) عن العلماء فيكون سبيل النجاة هو السؤال والرجوع إلى العالم في المسائل والأحكام. وقال سيدنا الاستاذ بعد ذكر الروايات العديدة في المقام، ومنها قول الرضا عليه السلام (نعم) في جواب عبد العزيز المهتدي حيث سأله عليه السلام وقال: إن شقتي بعيدة فلست أصل اليك في كل وقت، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين؟ (والدلالة تامة) ونحوها غيرها مما يدل على جواز رجوع الجاهل إلى العالم نعم منع الأئمة عليهم السلام الى الرجوع الى من كان بأبه - في إستنباط الاحكام الشرعية - إستعمال الاستحسانات والأقيسة وغيرهما، من الظنون غير المعتبرة (3). والأمر كما أفاده، ولا يخفى أن مورد القاعدة في الفقه هو التقليد من المجتهد في الأحكام الشرعية. فرعان الأول: قال سيدنا الاستاذ: إذا علم إختلاف المجتهدين وأعلمية أحدهما إجمالا، وجب الفحص عن الأعلم وتقليده، لما تقدم من إختصاص الحجية بفتواه عند مخالفته لفتوى غير الأعلم (4). الثاني: قال المحقق العراقي رحمه الله: لا فرق في وجوب رجوع الجاهل الى العالم بين المسألة الفرعية أو الاصولية، بحسب الوجدان والارتكاز (5).


(2) مصباح الاصول: ج 3 ص 448. (2) اصول الكافي: ج 1 باب سؤال العالم ص 31 ح 2. (3) مصباح الاصول: ج 3 ص 455. (4) نفس المصدر السابق: ص 455. (5) العروة الوثقى: ج 1 ص 48 - الهامش.

[ 136 ]

قاعدة السلطنة المعنى: المراد من السلطنة هنا هو تسلط المالك على ماله بنحو كامل شامل، فله أن يتصرف كيف يشاء، وليس له أي مانع بالنسبة إلى انحاء التصرفات المحللة، فكلما شك في جواز التصرف والتسلط يتمسك بالقاعدة ويثبت الجواز. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: قاعدة سلطان المالك - وتسلط الناس على أموالهم - أصل لا يخرج عنه في محل الشك (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - النبوي المعروف: (الناس مسلطون على أموالهم) (2). فهذا النبوي هو مدلول القاعدة بتمامه وكماله والقاعدة متخذة منه، فلا كلام ولا اشكال في تمامية الدلالة وعموميتها، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: وأما قوله عليه السلام: (الناس مسلطون على أموالهم). (كان) عمومه باعتبار أنواع السلطنة، فهو إنما يجدي فيما إذا شك في أن هذا النوع من السلطنة ثابتة للمالك وماضية شرعا في حقه أم لا؟ (3)


(1) جواهر الكلام: ج 27 ص 138. (2) بحار الانوار: ج 2 ص 272 طبع الحديث. (3) المكاسب: البيع ص 83.

[ 137 ]

والاشكال إنما هو في السند، لأن النبوي مرسل، أضف إلى ذلك أنه لم يذكر في الكتب الأربعة، فعليه لا يصلح أن يكون هذا النبوي بعنوانه دليلا في المقام، ولكن الذي يسهل الخطب أن مدلوله يستفاد من الروايات الواردة في أبواب المعاملات. منها ما رواه الحسن بن علي بن شعبة عن الصادق عليه السلام، سؤالا عن معائش الناس، في حديث طويل الذيل: وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله وهبته. - الى أن قال عند بيان وجوه الحلال -: ما يجوز للأنسان إنفاق ماله وإخراجه بجهة الحلال في وجوهه، وما يجوز فيه التصرف والتقلب من وجوه الفريضة والنافلة (1) يدل هذا الحديث على قاعدة سلطنة المالك بالنسبة الى ماله، دلالة تامة كاملة. ولكنه بما أن الحديث مرسل لا يمكن المساعدة عليه تجاه الاستدلال، فلا يستفاد منه هناك إلا تأييدا (دورا جانبيا) للمطلوب. ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: سأله رجل من أهل النيل عن أرض اشتراها بفم النيل، وأهل الأرض يقولون: هي أرضهم، وأهل الاسنان يقولون: هي من أرضنا، فقال: (لا تشترها إلا برضا أهلها) (2). دلت على عدم جواز الاشتراء بدون إرتضاء المالك، وهذا هو معنى سلطنة المالك على ماله، وكيف كان فالروايات الدالة على مدلول القاعدة كثيرة جدا، ولا يسعنا المجال لذكرها. 2 - السيرة: قد استقرت السيرة عند العقلاء بأن صاحب المال مسلط على ماله تمام التسلط ولا تحديد ولا ردع إلا في مورد الضرر والحرمة وعليه أفتى الفقهاء بأن التمليك بدون إذن المالك باطل كما قال السيد الحكيم رحمه الله: وبالجملة تملك العين بلا إذن من المالك بأي سبب كان التملك، خلاف قاعدة السلطنة (3).


(1) الوسائل: ج 12 ص 55 و 57 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1. (2) الوسائل: ج 12 ص 249 باب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 3. (3) نهج الفقاهة: ص 46.

[ 138 ]

3 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف ولا اشكال فيه بينهم، وعليه أفتى الفقهاء بأخذ الغرامة من الغاصب بدلا عن السلطنة الفائتة خلال الغصب كما قال سيدنا الاستاذ: في المأخوذ من الضامن بعنوان الغرامة: إن كان المأخوذ بدلا عن السلطنة الفائتة كما تقتضيه قاعدة السلطنة ضمن الغاصب جميع شؤون العين، سواء كانت تلك الشؤون فائتة أم لا (1). فروع الأول: إذا شك في أصل التملك فهل يتمسك بالقاعدة لا ثباته أم لا؟ التحقيق: عدم جواز التمسك، لأن التسلط فرع التملك فلا يمكن اثباته به، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: إذا قطعنا بأن سلطنة خاصة كتمليك ماله للغير نافذة في حقه ماضية شرعا، لكن شك في أن هذا التمليك الخاص هل يحصل بمجرد التعاطي مع القصد أم لا بد من القول الدال عليه؟ فلا يجوز الاستدلال على سببية المعاطاة في الشريعة للتمليك، بعموم تسلط الناس على أموالهم (2). الثاني: قد تكون قاعدة السلطنة من مسقطات الضمان كما قال العلامة الاصفهاني رحمه الله عند بيان المسقطات للضمان: أحدها قاعدة السلطنة، بتقريب أن التسليط على ماله بحيث لا يكون عليه عوض وخسارة نحو من التسليط، ونفوذه من المالك يقتضي عدم فعلية الخسارة عليه (3). الثالث: قال المحقق الحلي رحمه الله: يستحق الأجير الاجرة بنفس العمل، سواء كان في ملكه أو في ملك المستأجر، ولا يتوقف تسليم أحدهما على الاخر (4).


(1) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 222. (2) المكاسب: البيع ص 83. (3) حاشية المكاسب: ج 1 ص 189. (4) شرائع الاسلام: ج 2 ص 181.

[ 139 ]

وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: وذلك لاطلاق الأمر بالوفاء، وقاعدة التسلط (1). الرابع: قال السيد الحكيم رحمه الله في إشتراط عبادة الصبي باذن الولي: إعتبار إذن الأبوين أو خصوص الأب خلاف قاعدة السلطنة على النفس، المستفاد من دليل قاعدة السلطنة على المال بالفحوى (2).


(1) جواهر الكلام: ج 27 ص 239. (2) مستمسك العروة الوثقى: ج 10 ص 17.

[ 140 ]

قاعدة سماع قول ذي اليد المعنى: معنى القاعدة واضح وهو حجية خبر صاحب اليد واعتباره، فإذا أخبر ذو اليد عن شؤون ما بيده (الأموال) من الطهارة والنجاسة وغيرهما يعتمد على خبره، من أن يكون ثقة أو ضعيفا. والقاعدة من الأمارات التي تتقدم على الاستصحاب، وعليه إذا كان شئ معلوم النجاسة بالاستصحاب فأخبر صاحب اليد بطهارته يعتمد على خبره ويكون خبره حاكما على الاستصحاب، وذلك للسيرة القائمة في المقام. كما قال سيدنا الاستاذ: أن خبر صاحب اليد مقدم على الاستصحاب: لقيام السيرة القطعية على المعاملة مع الأشياء المعلومة نجاستها السابقة معاملة الأشياء الطاهرة لدى الشك إذا أخبر ذو اليد عن طهارتها (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب. منها صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفارة تقع في السمن


(1) التنقيح: ج 4 ص 283.

[ 141 ]

أو في الزيت فتموت فيه فقال: (إن كان جامدا فتطرحها وما حولها ويؤكل ما بقي، وان كان ذائبا فأسرج به وأعلمهم إذا بعته) (1). دلت على وجوب الأعلام (أعلمهم) الملازم لأعتبار قول صاحب اليد، والدلالة تامة. ومنها: ما ورد فيمن أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلى فيه، قال: لا يعلمه، قال: قلت: فإن أعلمه، قال: يعيد (2). ظاهر قوله وهو لا يصلى فيه أنه لا يصلى فيه لنجاسته وان احتمل أن يكون له وجه آخر وعليه فالرواية تدل على اعتبار إخبار المعير عن نجاسة الثوب المستعار بحيث لو اخبر بها وجب على المستعير ان يعيد صلاته (3). 2 - السيرة: قد استقرت السيرة عند العقلاء منذ القدم على الاعتماد على خبر صاحب اليد مطلقا عادلا كان أو فاسقا، وهذه السيرة ممضاة في الشريعة المقدسة، كما قال سيدنا الاستاذ: لا اشكال في اعتبار إخباره (صاحب اليد) عما بيده سواء كان مالكا لعينه أو لمنفعته أو للانتفاع أو لم يكن مالكا له أصلا، كما إذا غصبه، وهذا للسيرة العقلائية حيث جرت من لدن آدم الى زماننا. هذا على أن من أخبر عما هو تحت سلطانه أو عن شؤونه وكيفياته يعتمد على إخباره ويعامل معه معاملة العلم بالحال (4). فما أفاده (دام ظله) بالنسبة الى أصل تحقق السيرة متين جدا وأما دعوى تحققها من لدن آدم لحد الان، أمر لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم. لا يخفى أن اعتبار قول ذي اليد ثابت إلا في الأخبار عن كيفية العصير العنبي وذلك للنصوص الواردة في الباب بأن الأخبار عن ذهاب الثلثين في العصير العنبي معتبر إذا كان المخبر (صاحب اليد) من الصلحاء، كما قال سيدنا الاستاذ:


(1) الوسائل: ج 12 ص 66 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 2. (2) الوسائل: ج 2 ص 1069 باب 47 من أبواب النجاسات ح 3. (3) التنقيح: ج 3 ص 168. (4) نفس المصدر السابق: ص 169.

[ 142 ]

ويستفاد من بعض النصوص الواردة في العصير العنبي أن إخبار من بيده العصير عن ذهاب الثلثين إنما يعتبر فيما إذا ظهر صدقه من القرائن والأمارات الخارجية، كما إذا كان ممن يشربه على الثلث، ولا يستحل شربه على النصف، أو كان العصير حلوا يخضب الاناء لغلضته، على ما تدل عليه موثقة معاوية بن عمار (1). وصحيحة معاوية بن وهب (2). ومقتضى هذه النصوص عدم جواز الاعتماد على قول صاحب اليد في خصوص العصير، تخصيصا للسيرة في مورد النصوص (3). والتخصيص للقاعدة بالدليل الخاص. فرعان الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة، بين أن يكون فاسقا أو عادلا، بل مسلما أو كافرا. وفي اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبيا إشكال، وإن كان لا يبعد إذا كان مراهقا (4). الثاني: لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال - كما قد يقال - فلو توضأ شخص بماء مثلا، وبعده أخبر ذو اليد بنجاسته، يحكم ببطلان وضوئه، وكذا لا يعتبر أن يكون ذلك حين كونه في يده، فلو أخبر بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده، يحكم عليه بالنجاسة في ذلك الزمان، ومع الشك في زوالها تستصحب (5).


(1) الوسائل: ج 17 ص 234 باب 7 من أبواب الاشربة المحرمة ح 3. (2) نفس المصدر السابق: ح 4. (3) التنقيح: ج 3 ص 170. (4) و (5) العروة الوثقى: ص 21.

[ 143 ]

قاعدة السوق المعنى: معنى القاعدة هو أمارية سوق المسلمين للطهارة والذكاة عند الشك فيهما بالنسبة إلى البضائع التي توجد في أسواق المسلمين، من اللحوم والجلود وغيرهما فإن نفس كونها في سوق المسلمين يكفي للطهارة والحلية وإن كان من يعرضها مجهول الحال، ولا مجال لأصالة عدم التذكية، لحكومة القاعدة عليها وعلى الاستصحاب، كما قال السيد الحكيم رحمه الله: لو كانت يد المسلم مسبوقة بيد الكافر كما في الجلود المجلوبة في هذه الأزمنة من بلاد الكفار فالظاهر كونها أمارة أيضا (للطهارة والحلية)، لما تقتضيه اطلاق كلماتهم (1). والأمر كما أفاده ولا يخفى أن المراد من السوق (سوق المسلمين) مطلق الأمكنة التي تكون في سيطرة المسلمين لا السوق بالمعنى الخاص، والمراد من المسلمين هو كونهم أغلب الأفراد في المنطقة، كما قال سيدنا الاستاذ: وقد جعل الشارع الغلبة في اضافة السوق إليهم معتبرة في خصوص المقام (السوق)، وألحق من يشك في اسلامه بالمسلمين للغلبة، بل ولا إختصاص لذلك بالسوق، فان كل أرض غلب


(1) مستمسك العروة: ج 1 ص 330.

[ 144 ]

عليها المسلمون، تكون فيها الغلبة أمارة على اسلام من يشك في إسلامه، كما في صحيحة إسحاق بن عمار (1)، عن العبد الصالح عليه السلام أنه قال: (لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الأسلام، قلت: فان كان فيها غير أهل الأسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس) (2). والأمر كما أفاده مستمسكا بالنص الشامل. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب، منها صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال عليه السلام: (اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميتة) (3). دلت على أن سوق المسلمين أمارة الطهارة والذكاة. ومنها صحيحة فضيل وزرارة ومحمد بن مسلم أنهم سألوا أبا جعفر عليه السلام عن شراء اللحوم من الاسواق ولا يدري ما صنع القصابون، فقال: (كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه) (4). دلت على امارية سوق المسلمين بالنسبة الى تذكية اللحوم المجهولة. ومنها صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام (5). في الخفاف، الدالة على المطلوب دلالة كاملة. 2 - السيرة: قد استقرت سيرة المسلمين القطعية على الاعتماد بالسوق الأسلامي، بالنسبة إلى الطهارة والذكاة وغيرهما، كما قال سيدنا الاستاذ: أن إعتبار السوق هو الذي جرت عليه سيرة المسلمين، لأنه لم يعهد منهم السؤال عن


(1) الوسائل: ج 2 ص 1072 من أبواب النجاسات، ح 5. (2) التنقيح: ج 2 ص 537. (3) الوسائل: ج 2 ص 1071 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 2. (4) الوسائل: ج 16 ص 294 باب 29 كتاب الصيد والذبائح ح 1. (5) الوسائل: ج 2 ص 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، ح 6.

[ 145 ]

كفر البائع واسلامه في شئ من أسواقهم (1). والأمر كما أفاده. فروع الأول: لا شك في أمارية السوق بالنسبة إلى الأشياء التي تكون في معرض تصرف المسلمين وأما إذا كان شئ خارجا عن ذلك كالجلد الذي كان مطروحا في الصحارى - داخل بلاد الاسلامية - فهل يكون من موارد القاعدة أو لا؟ قال السيد اليزدي رحمه الله: ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة وإن لم يعلم تذكيته وكذا ما يوجد في أرض المسلمين مطروحا إذا كان عليه أثر الاستعمال لكن الأحوط الاجتناب (2). والتحقيق عدم قصور الدليل عن شمول المقام كما يستظهر من صحيحة إسحاق بن عمار المتقدمة وأما الاحتياط فحسنه واضح. الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: ما يؤخذ من يد الكافر، أو يوجد في أرضهم محكوم بالنجاسة، إلا إذا علم سبق يد المسلم عليه (3). الثالث: ما يؤخذ من الجلود من أيدي المسلمين، أو من أسواقهم محكوم بالتذكية، وإن كانوا ممن يقول بطهارة جلد الميتة بالدبغ (4).


(1) التنقيح: ج 2 ص 538. (2) العروة الوثقى: ص 16. (3) نفس المصدر السابق. (4) نفس المصدر السابق: ص 41.

[ 146 ]

قاعدة شرط الفاسد ليس بمفسد المعنى: معنى القاعدة هو أن الشرط الباطل - كالشرط المخالف للكتاب والسنة - لا يوجب بطلان العقد، فلا يؤثر فساد الشرط بصحة العقد كما قال سيدنا الاستاذ: أن فساد الشرط لا يسري الى العقد المشروط فيه فيصح العقد ويلغو الشرط (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات الواردة في مختلف الابواب. منها ما عن المشايخ الثلاثة في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه ذكر أن بريرة كانت عند زوج لها وهي مملوكة فاشترتها عايشة فأعتقتها فخيرها رسول الله، إن شاءت تقر عند زوجها، وإن شاءت فارقته، وكان مواليها الذين باعوها قد اشترطوا ولائها على عايشة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعتق (2). دلت على صحة العقد (التزويج) وفساد الشرط (الولاء) والدلالة تامة،


(1) منهاج الصالحين: ج 2 ص 43. (2) الوسائل: ج 16 ص 40 باب 37 من كتاب العتق ح 2.

[ 147 ]

كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: فالانصاف أن الرواية في غاية الظهور (1). وبما أن هذه الصحيحة تامة سندا ودلالة كان بها غنى وكفاية ولا نحتاج الى ذكر الروايات الاخرى. 2 - عدم الدليل على البطلان: قال شيخ الطائفة رحمه الله في بيان الشروط: وشرط لا يتعلق به مصلحة العقد، ولم يبن على التغليب والسراية، فهذا شرط باطل، إلا أنه لا يبطل العقد، لأنه لا دليل عليه (2). والتحقيق: أن العقد والشرط التزامين مستقلين، وعليه يقال: أن الشرط التزام في التزام، فعلى هذا الأساس لا يسري فساد الشرط الى العقد، لعدم دخله في ماهية العقد. كما قال سيدنا الاستاذ: الصحيح أن الشرط الفاسد لا يوجب فساد المشروط أبدا وفاقا للمحققين من المتأخرين... والوجه في ذلك، أن الشرط غير راجع الى تعليق أصل المعاملة بوجوده، وإلا لكانت المعاملة باطلة في نفسها، كان شرطها فاسدا ام لم يكن، لأن التعليق في العقد يوجب البطلان (3). وبالتالي يمكننا ان نقول: لا مقتضى لبطلان العقد عند بطلان الشرط. كما قال السيد الحكيم رحمه الله: بطلان الشرط لا يقتضى بطلان العقد (4). ويتبين لنا ان المقصود من الشرط الفاسد هنا هو الفساد النفسي كاشتراط العقد بان يكذب المشتري مثلا، واما الشرط الفاسد الذي يوجب الغرر أو كان مفسدا للنص الخاص أو كان خلاف مقتضى العقد، كل ذلك خارج عن محل الكلام. والاشكال بأن للشرط قسط من الثمن فكيف لا يؤثر فساده بفساد العقد، غير وارد، وذلك كما قال سيدنا الاستاذ موافقا للشيخ الأنصاري رحمه الله: أن الثمن لا يقع


(1) المكاسب: قسم الخيارات، ص 289. (2) المبسوط: ج 2 ص 149. (3) مصباح الفقاهة: ج 7 ص 391. (4) مستمسك العروة الوثقى: ج 13 ص 262.

[ 148 ]

في مقابل الشرط أبدا، صحيحا كان الشرط أم فاسدا، وإنما يقع المال في مقابل ذات المبيع. نعم، الشرط مما يوجب زيادة القيمة لا أنها يقع في مقابل المال، ومن هنا قلنا: إن الشرط إذا تعذر ثبت للمشروط له الخيار فقط، وليس له مطالبة المشروط عليه ما يقابل الشرط من الثمن، وليس هذا إلا من جهة أن الشرط قيد خارجي يوجب زيادة القيمة، ولا يقع بازائه شئ من المال (1). والأمر كما أفاده. أضف الى ذلك ما يقال: أن الشرط الفاسد لا يكون مانعا لشمول العمومات للعقد. فرعان الأول: قال سيدنا الاستاذ: إذا إشترط أمرا مخالفا لمقتضى العقد، كما إذا اشترط عدم التملك في البيع، فان هذا الشرط يوجب عدم قصده البيع لا محالة، والبيع لا مع القصد باطل، لانتفاء شرطه، وهو العقد والقصد معا، وهذا أيضا خارج عن محل الكلام (2). الثاني: قال سيدنا الاستاذ نقلا عن المحقق النائيني رحمه الله: إذا باع شيئا واشترط عليه أن يصرفه في أمر حرام، كما إذا باعه العنب وإشترط عليه أن يصرفه في الخمر يكون ذلك الشرط موجبا لفقد شرط صحة البيع وبه يخرج عن محل الكلام (3).


(1) مصباح الفقاهة: ج 7 ص 394. (2) مصباح الفقاهة: ج 7 ص 392. (3) نفس المصدر السابق: ص 392 و 393.

[ 149 ]

قاعدة الصحة المعنى: معنى القاعدة هو حمل فعل المسلم على الصحة، وموضوعها الشك في صحة العمل (بان لا تكون صورة العمل محفوظة)، ومنشأ الشك قد يكون احتمال فقدان الشرط وقد يكون احتمال وجود المانع، وهذا هو المورد المتيقن للقاعدة، كما قال سيدنا الاستاذ: والقدر المتيقن من موارد أصالة الصحة هي الصورة (التي كان الشك فيها) من جهة إحتمال عدم الشرط أو وجود المانع مع احراز قابلية الفاعل والمورد (1). ولا فرق في حدوث الشك هنا بين كونه في اثناء العمل أو بعد اتيانه، كالشك في صحة البيع من ناحية احتمال الخلل شرطا أو مانعا فعند ذلك تحمل المعاملة على الصحة عملا بالقاعدة وتكون القاعدة حاكمة على الاستصحاب وكذلك الأمر في سائر المعاملات والعبادات والمراد من الصحة هنا هو ما يترتب عليه الأثر فهذه الصحة في مقابل الفساد لا في مقابل القبيح كما قال سيدنا الاستاذ: معنى أصالة الصحة هو ترتيب الأثر على العمل الصادر من الغير، ولا اختصاص لاصالة الصحة بهذا المعنى بعمل المؤمن، بل جارية في حق جميع


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 326.

[ 150 ]

المسلمين، بل الكافرين أيضا في بعض الموارد (1). والأمر كما أفاده ويكون متعلق الشك في القاعدة هو صحة العمل بعد إحراز أصل العمل، كما قال سيدنا الاستاذ: لا بد في جريان أصالة الصحة من إحراز أصل العمل الجامع بين الصحيح والفاسد، إذ السيرة قائمة على الحمل على الصحة فيما أحرز أصل العمل وشك في صحته وفساده (2). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: واجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم (3). أفادت وجوب الاجتناب عن سوء الظن الذي نتيجته حمل فعل المسلم على الصحة. والتحقيق أن الدلالة غير تامة، لأن حسن الظن لا يساوق الصحة. 2 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب. منها موثقة اليماني عن أبي عبد الله عليه السلام: (إذا إتهم المؤمن أخاه أنماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء) (4). دلت على أن اتهام المؤمن يذهب الايمان عن القلب، فيقال: إن نتيجته حمل فعل المسلم على الصحة. والتحقيق أن عدم الاتهام أعم من المطلوب. ومنها العلوي المعروف: (ضع أمر أخيك على أحسنه) (5) دل على حمل فعل المسلم على أحسن الوجوه. والتحقيق: أن مدلول العلوي هو حمل فعل المسلم على الحسن في مقابل القبيح لا الصحة في مقابل الفساد فالدلالة غير تامة. 3 - الاجماع: قال الفاضل النراقي رحمه الله: أن المتمسكين بهذه القاعدة يستندون فيها إلى الأجماع والكتاب والسنة (6). ثم إستشكل على هذه الأدلة وأفاد عدم


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 322 و 323. (2) مصباح الاصول: ج 3 ص 331. (3) الحجرات: 12. (4) اصول الكافي: ج 2 ص 269. (5) نفس المصدر السابق. (6) عوائد الايام: ص 74.

[ 151 ]

تماميتها. والتحقيق أن الأجماع التعبدي مع الاستناد للاية والرواية غير محصل. 4 - السيرة: قد استقرت السيرة عند المتشرعة قاطبة على مدلول القاعدة (حمل فعل المسلم على الصحة)، وتكون هذه السيرة ممضاة في شرع الأسلام، ونطاق السيرة واسع فلا يختص بالشك في المعاملات بل تعم المعاملات والعبادات، فالمدرك الوحيد الذي لا يقبل النقاش هي السيرة القطعية، كما قال سيدنا الاستاذ عند بيان المدارك للقاعدة: الرابع السيرة القطعية من جميع المسلمين المتدينين على ترتيب آثار الصحة على أعمال الناس من العبادات والمعاملات والعقود والايقاعات، ولذا لا يقدم أحد على تزويج امرأة لاحتمال كون العقد الواقع بينها وبين زوجها باطلا، وهذه السيرة متصلة بزمان المعصوم عليه السلام ولم يردع عنها، وهذا الدليل هو الدليل التام الوافي في اثبات المقام (1). والأمر كما أفاده. ولا يخفى أن قاعدة الصحة موردا كقاعدة الفراغ تختص بالشبهات الموضوعية، والفرق بينهما هو أن قاعدة الفراغ لا تجري في أثناء العمل ولا تجري بالنسبة إلى عمل الغير بخلاف قاعدة الصحة، كما قال سيدنا الاستاذ: والميز بينهما من وجهين: الأول: أن قاعدة الفراغ جارية بالنسبة إلى العمل الصادر من نفس الشاك على ما هو المستفاد من أدلتها، ومورد أصالة الصحة هو عمل الغير. الثاني: أن قاعدة الفراغ مختصة بما إذا كان الشك بعد الفراغ من العمل، غاية الأمر انا عممناها للجزء أيضا، فتجري عند الشك في صحة الجزء أيضا بعد الفراغ منه على ما ذكرناه، وأما أصالة الصحة فلا إختصاص لها بالشك بعد الفراغ بل هي جارية عند الشك في صحة العمل في أثنائه أيضا، كما إذا كان أحد مشغولا بالصلاة على الميت وشككنا في صحة هذه الصلاة، لاحتمال كون الميت مقلوبا مثلا فتجري أصالة الصحة بلا إشكال (2).


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 324. (2) مصباح الاصول: ج 3 ص 321 و 322.

[ 152 ]

فرعان الأول: قال سيدنا الاستاذ: الصورة الاولى، أن يعلم أن العامل جاهل بصحة عمله وفساده، إما من جهة الجهل بالحكم، أو من جهة الجهل بالموضوع، فيكون إحتمال الصحة، لمجرد إحتمال المصادفة الاتفاقية للواقع. (فقال) فالظاهر عدم جريان أصالة الصحة فيها، إذ ليس لنا دليل لفظي نتمسك بعمومه أو إطلاقه، بل الدليل على أصالة الصحة إنما هو السيرة على ما عرفت، وهي دليل لبي لا بد فيه من الاقتصار على القدر المتيقن (1). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: الصورة الثانية أن لا يعلم علمه (العامل) بالصحة والفساد، وجهله بهما، (فقال) فالظاهر جريان أصالة الصحة فيها، فإن السيرة قائمة على ترتيب الاثار على أعمال الناس بلا تفحص عن حال العامل، من حيث كونه عالما أو جاهلا (2).


(1) مصباح الاصول: ص 325. (2) نفس المصدر السابق: ص 343.

[ 153 ]

قاعدة الضرورات تتقدر بقدرها المعنى: معنى القاعدة هو أن الحكم الثانوي (الضروري) يتحدد بحدود الضرورة، فيدور مدارها وجودا وعدما، وعليه قال سيدنا الاستاذ فيما إذا حدث الاضطرار بارتكاب مانع، من موانع الصلاة: فإذا فرض أن المكلف أضطر إلى إيجاد مانع فلا يجوز له إيجاد مانع آخر وهكذا، فان الضرورة تتقدر بقدرها، فلو أوجد فردا آخر زائدا عليه لكان موجبا لبطلان صلاته (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب. منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في مسألة التقية، قال: (التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به) (2). دلت على أن الحكم الضروري (الثانوي) يدور مدار الضرورة، ويكون على من تلبس بها تطبيق الحكم على الموضوع من البداية إلى الختام، وبما أن دلالة هذه الصحيحة تامة لا حاجة إلى


(1) محاضرات: ج 4 ص 128. (2) الوسائل: ج 11 ص 468 باب 25 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح 1.

[ 154 ]

ذكر روايات اخرى، وعلى أساس تلك الدلالة سمي باب الرواية في الوسائل بباب: أن الضرورة تتقدر بقدرها. 2 - انتفاء الموضوع: من المعلوم أن الأحكام الثانوية تترتب على العناوين الثانوية كجواز الصلاة قاعدا وافطار الصوم وما شاكلهما لدى الاضطرار، والحكم تابع للموضوع وجودا وعدما، فإذا ارتفعت الضرورة ينتفي الحكم بانتفاء الموضوع، كإنتفاء جواز التيمم بواسطة تواجد الماء، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: الضرورة تتقدر بقدرها، كانتقاض التيمم برؤية الماء (1). فروع الأول: إذا وقع التزاحم بين التكليفين الفعليين يتحقق المجال للقاعدة، فيترك أحد المتزاحمين ويؤخذ بالاخر على أساس القاعدة، كما قال سيدنا الاستاذ وعند ذلك: إنا نعلم من الخارج أن الشارع لم يرفع اليد عن كليهما (المتزاحمين) معا، لأن الموجب لذلك ليس إلا عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال، ومن الواضح جدا أن هذا لا يوجب ذلك، فان الضرورة تتقدر بقدرها، وهي لا تقتضي إلا رفع اليد عن أحدهما دون الاخر، لكونه مقدورا له عقلا وشرعا وبذلك نستكشف أن الشارع قد أوجب أحدهما لا محالة (2). والأمر كما أفاده. الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله في مسألة الجبيرة: ما دام خوف الضرر باقيا يجري حكم الجبيرة، وإن إحتمل البرء، ولا يجب الأعادة إذا تبين برئه سابقا، نعم لو ظن البرء وزال الخوف وجب رفع الجبيرة (3). وذلك لأن الضرورات تتقدر بقدرها.


(1) جواهر الكلام: ج 2 ص 310. (2) محاضرات: ج 3 ص 280. (3) العروة الوثقى: ص 72.

[ 155 ]

الثالث: قال السيد اليزدي: من به داء العطش فانه يفطر (صومه)، سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر أو كان فيه مشقة، (قال) إن الاحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة (1). على أساس أن الضرورات تتقدر بقدرها.


(1) العروة الوثقى: ص 343.

[ 156 ]

قاعدة الطهارة المعنى: معنى القاعدة هو أن الأصل في كل شئ شك في طهارته هو الطهارة، فكل مشكوك الطهارة طاهر شرعا، كما قال السيد اليزدي رحمه الله: كل شئ مشكوك طاهر سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة (الشبهة الموضوعية) أو لاحتمال تنجسه مع كونه من الأعيان الطاهرة (الشبهة الحكمية) (1). المدرك: لا شك في أن قاعدة الطهارة عند الفقهاء من المسلمات، وقد أرسلوها في كتبهم إرسال المسلمات فلا حاجة إلى الاستدلال على اعتبارها، وإنما نتعرض لبعض المدارك لغرض استفادة المبتدئين، وهي على ما يلي: 1 - التسالم: قد اتفقت كلمات الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف ولا إشكال فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم، بل يكون مدلول القاعدة من الواضحات العلمية والضروريات الفقهية، كما قال سيدنا الاستاذ: طهارة ما يشك في طهارته ونجاسته من الوضوح بمكان، ولم يقع فيها خلاف لا في الشبهات الموضوعية ولا في الشبهات الحكمية (2). 2 - الروايات: منها موثقة عمار المعروفة: كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر.


(1) العروة الوثقى: ص 20. (2) التنقيح: ج 3 ص 158.

[ 157 ]

دلت على مدلول القاعدة (طهارة كل شئ شك في طهارته) دلالة كاملة تامة، وإستدل عليها غير واحد من الفقهاء في هذه المسألة (الشئ المشكوك طهارته) كما قال سيدنا الاستاذ: ومن جملة أدلتها (الطهارة) قوله عليه السلام في موثقة عمار: (كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك) (1). وهذا الحكم ثابت ما دام لم يكن هناك أصل موضوعي يقتضي نجاسة المكشوك فيه (2). والأمر كما أفاده. وقال السيد الحكيم رحمه الله: أن كل مشكوك طاهر بلا خلاف ظاهر لموثقة عمار (المتقدمة). وفي خبر حفص بن غياث عن جعفر عليه السلام عن أبيه عليه السلام عن علي عليه السلام: (ما ابالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم) (3). وفي موثقة عمار فيمن رأى في إنائه فارة وقد توضأ منه مرارا أو اغتسل أو غسل ثيابه، فقال عليه السلام: (ان كان رآها في الأناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه، ثم فعل ذلك بعد ما رآها في الأناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة، وإن كان إنما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله فلا يمس من الماء شيئا وليس عليه شئ، لأنه لا يعلم متى سقط فيه. ثم قال عليه السلام: لعله أن يكون إنما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها (4). فإن المورد وإن كان مورد قاعدة الفراغ لكن التعليل يشهد بأن احتمال الطهارة كاف في البناء عليها، مع قطع النظر عن القاعدة، هذا ومقتضى إطلاق الأول عدم الفرق بين الشبهة الموضوعية والحكمية، وبين النجاسة الذاتية (* هامش) * (1) الوسائل: ج 2 ص 1054 باب 37 من أبواب النجاسات ح 4. (2) التنقيح: ج 3 ص 159. (3) الوسائل: ج 2 ص 1054 باب 37 من أبواب النجاسات ح 5. (4) الوسائل: ج 1 ص 106 باب 4 من أبواب الماء المطلق ح 1.

[ 158 ]

والعرضية (1). هذا مضافا إلى ما ورد في خصوص الماء المشكوك طهارته كقوله: (الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر) (2). ومن الجدير بالذكر أن نطاق القاعدة هو كل شئ شك في طهارته، ولكنه ربما يكون هناك أصل موضوعي لا يسمح المجال لجريان القاعدة كما إذا كان المشكوك مسبوقا بالنجاسة وإذا فيجري إستصحاب النجاسة، لأنه أصل موضوعي حاكم على قاعدة الطهارة. وكذلك، إذا كان المشكوك موردا لأصالة عدم التذكية، لحكومتها على قاعدة الطهارة. فرعان الأول: إذا كان الشئ (الأناء) مسبوقا بالطهارة والنجاسة ولم يكن التاريخ معلوما بالنسبة إلى تقدم أحدهما أو تأخره على الاخر فعليه هل يكون المقام، مجرى الاستصحاب أو قاعدة الطهارة التحقيق: أنه لا مجال للأستصحاب على المفروض، وذلك لتعارض الأستصحابين (استصحاب الطهارة والنجاسة) وتساقطهما، وبعد التساقط يتحقق المجال لقاعدة الطهارة، فتجرى قاعدة الطهارة وتثبت الطهارة لهذا الشئ المشكوك طهارته. الثاني: قال الأمام الخميني رحمه الله: أواني الكفار كأواني غيرهم محكومة بالطهارة ما لم يعلم ملاقاتهم لها مع الرطوبة السارية، وكذا كل ما في أيديهم من اللباس والفرش وغير ذلك (3).


(1) مستمسك العروة: ج 1 ص 442. (2) الوسائل: ج 1 ص 100 باب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5. (3) تحرير الوسيلة: ج 1 ص 129.

[ 159 ]

قاعدة العدل والأنصاف المعنى: معنى القاعدة هو توزيع الحقوق والأموال المشتبهة مناصفة بين المدعيين، كما إذا إشتبه الأمر بالنسبة إلى مال بأنه لزيد أو لعمرو مع العلم الأجمالي بان المال يكون لأحدهما قطعا، ولم يكن أية أمارة على التعيين، فإذا تكون القاعدة هي المرجع فيقسم المال بينهما. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب، منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال في الخنثى: (فان كانا (أثر الرجال وأثر النساء) سواء ورث ميراث الرجال وميراث النساء) (1). فبما أن معنى الصحيحة هو أن الخنثى ترث نصف ميراث الرجل ونصف ميراث المرأة دلت على التعديل والتنصيف بالنسبة إلى الميراث المشتبه بينهما. ومنها صحيحة عبد الله بن مغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الاخر: هما بيني وبينك، فقال: (أما الذي قال هما بيني وبينك فقد أقر بأن أحد الدرهمين ليس له، وانه لصاحبه ويقسم


(1) الوسائل: ج 17 ص 575 باب 2 من أبواب ميراث الخنثى ح 1.

[ 160 ]

الاخر بينهما) (1). فإن ذيل هذه الصحيحة (ويقسم الاخر بينهما) دل بظاهره على التقسيم والتنصيف وهو مدلول القاعدة. 2 - مقتضى الجمع بين الحقين: بما أن الأخذ بأحد الطرفين ترجيح بلا مرجح ولا يناسب العدالة والانصاف، وبما أن ترك الطرفين أيضا لا مبرر له لاستلزامه هدر الحقوق، يكون مقتضى الجمع بين طرفي الشبهة هو التنصيف، وعليه أفتى الفقهاء على أن المتوارثين إذا ماتا معا ولم يعلم تقدم موت أحدهما على الاخر وكان لكل واحد منهما وارثا مستقلا فإذا يكون المرجع هو القاعدة فينصف الميراث لوارثهما. فروع الأول: إذا وقع الضرر المالي مشتركا بين الشخصين بواسطة آفة سماوية يحكم بتنصيف الضرر بين الشريكين على أساس القاعدة، كما قال سيدنا الاستاذ: أن في هذا الفرض يقسم الضرر بينهما بقاعدة العدل والانصاف الثابتة عند العقلاء، ويؤيدها ما ورد في تلف درهم عند الودعي من الحكم باعطاء درهم ونصف لصاحب الدرهمين ونصف درهم لصاحب الدرهم الواحد فانه لا يستقيم إلا على ما ذكرناه من قاعدة العدل والأنصاف (2). والأمر كما أفاده. الثاني: إذا تحقق التداعي بين المتنازعين في شئ بان يكون كل واحد مدعيا على الاخر ولم تكن البينة في البين يحكم بالتنصيف، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله (لو تنازعا عينا في يدهما ولا بينة قضى بها بينهما نصفين) بلا خلاف أجده فيه بل الأجماع بقسميه عليه مضافا إلى المرسل (3). أن رجلين تنازعا دابة ليس لاحدهما بينة فجعلها النبي صلى الله عليه وآله بينهما (4). والامر كما ذكره.


(1) الوسائل: ج 13 ص 169 باب 9 كتاب الصلح ح 1. (2) مصباح الاصول: ج 2 ص 564. (3) سنن البيهقي: ج 10 ص 255. (4) جواهر الكلام: ج 40 ص 402.

[ 161 ]

الثالث: قال الأمام الخميني رحمه الله: لو اصطدم حران فمات أحدهما وكان القتل شبيه العمد يضمن الحي نصف دية التالف، ولو تصادم حاملان فاسقطتا وماتتا، سقط نصف دية كل واحد منهما وثبت النصف (1). الرابع: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله فيمن ظلم بحبس المال عن صاحبه ثم ندم وتاب: أن المال الذي لم يوصله (الظالم النادم) إلى وارثه إلى آخر الأبد تصح مطالبة الجميع به، وإن كان الأخير منهم يطالب بعينه، وغيره يطالب به من حيث حبسه، وقاعدة العدل تقتضي الانتصاف منه للجميع (2).


(1) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 692. (2) جواهر الكلام: ج 41 ص 115.

[ 162 ]

قاعدة عدم التذكية المعنى: معنى القاعدة هو أن الأصل عند الشك في لحوم الحيوانات هو عدم التذكية، وعليه إذا وجد لحم أو جلد من الحيوانات وشك في كونه مذكى أو غير مذكى فالأصل هو عدم التذكية. ومن المعلوم أن حدوث الشك إنما يكون عند فقدان الأمارة (السوق) وإلا فلا مجال للشك بل تحرز الذكاة بالأمارة، وأما بالنسبة إلى قاعدة الطهارة والحل فتكون القاعدة حاكمة عليهما، كما قال السيد الحكيم رحمه الله: أن قاعدتي الحل والطهارة محكومتان لأصالة عدم التذكية (1). والأمر كما ذكره. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير إلى قوله: وما أكل السبع إلا ما ذكيتم (2). فهذه الاية تفيد الأطلاق للتحريم (حرمت) إلا أن تحرز التذكية، فإذا شك في التذكية كان المرجع هو الاطلاق (التحريم) الذي منشأه عدم التذكية. 2 - الأصل: وهو استصحاب عدم التذكية فإذا شك في تحقق التذكية بالنسبة


(1) مستمسك العروة: ج 1 ص 328. (2) المائدة: 3.

[ 163 ]

إلى اللحوم والجلود يستصحب عدم التذكية ويترتب عليه الأثر الشرعي من الحرمة والنجاسة وغيرهما. قال سيدنا الاستاذ: إذا شككنا في لحم أو جلد أنه ميتة أو مذكى فإنه على تقدير أن الاحكام المتقدمة مترتبة على عنوان ما لم يذك يحكم بنجاسته وحرمة أكله وغيرهما من الأحكام باستصحاب عدم تذكيته - إلى أن قال: - أن حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة حكمان مترتبان على عنوان غير المذكى، وذلك لقوله تعالى: حرمت عليكم الميتة... إلا ما ذكيتم وموثقة ابن بكير حيث ورد في ذيلها: فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وألبانه وشعره وروثه وكل شئ منه جائز إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذبح (1). وموثقة سماعة المتقدمة: إذا رميت وسميت فانتفع بها أي إذا ذكيتها، وعليه إذا شككنا في تذكية لحم أو جلد ونحوهما نستصحب عدم التذكية ونحكم بحرمة أكله (2). والأمر كما أفاده. 2 - الروايات: قال الفاضل النراقي رحمه الله: من الاصول المتكررة على ألسنة الفقهاء أصالة عدم التذكية في الحيوانات، واستدل على اعتبارها بالاستصحاب، ثم قال: ويدل على ذلك الأصل، والأخبار المعتبرة المستفيضة بل المتواترة (3). منها صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرمية يجدها صاحبها ايأكلها؟ قال: (إن كان يعلم أن رميته هي التي قتلته فليأكل) (4). دلت على أن التذكية تحتاج الى الاحراز ويستفاد منها أن في مقام الشك يكون الأصل عدم التذكية. فرعان الأول: لا شك في أن حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة من آثار أصالة عدم


(1) الوسائل: ج 3 ص 250 باب 2 من أبواب لباس المصلي ح 1. (2) التنقيح: ج 2 ص 534. (3) عوائد الايام: ص 214. (4) الوسائل: ج 16 ص 230 باب 18 كتاب الصيد والذبائح ح 1.

[ 164 ]

التذكية وأما النجاسة فقد اختلفت كلمات الأصحاب، قد يقال كما عن سيدنا الاستاذ: أن الميتة (ما مات بسبب غير شرعي) عنوان وجودي وعدم التذكية عنوان عدمي فلا يثبت إستصحاب عدم التذكية عنوان الميتة إلا على القول بالأصل المثبت. والتحقيق: أن الميتة وعدم المذكى بما أنهما متلازمان جليا يكفي ثبوت أحدهما لثبوت الاخر فيترتب جميع الاثار من الحرمة والنجاسة وغيرهما على أصالة عدم التذكية، كما أن السيد الحكيم رحمه الله يقول نقلا عن الفقهاء: أن الميتة تكون بمعنى ما لم يذك ذكاة شرعية فقال: وبهذا المعنى صارت موضوعا للنجاسة والحرمة وسائر الأحكام ولا يهم تحقق ذلك (معنى الميتة) فان ما ليس بمذكى بحكم الميتة شرعا إجماعا ونصوصا سواء كان من معاني الميتة أم لا (1). والأمر كما ذكره. الثاني: قال سيدنا الاستاذ: ما كان الشك فيه من جهة إحتمال عدم وقوع التذكية عليه للشك في تحقق الذبح، أو لاحتمال إختلال بعض الشرائط، مثل كون الذابح مسلما أو كون الذبح بالحديد أو وقوعه إلى القبلة، مع العلم بكون الحيوان قابلا للتذكية... فالمرجع فيه أصالة عدم التذكية ويترتب عليها حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة فيه، لأن غير المذكى قد أخذ مانعا عن الصلاة (2).


(1) مستمسك العروة: ج 1 ص 323. (2) مصباح الاصول: ج 2 ص 311 و 312.

[ 165 ]

قاعدة عدم سماع الأنكار بعد الأقرار المعنى: معنى القاعدة هو عدم ترتب الأثر على الأنكار بعد وقوع الأقرار، وعليه إذا أقر أحد بشئ في مقام المحاكمة والقضاء ثم أنكره لا يفيد الأنكار عندئذ ولا يبطل الأقرار. يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب القضاء، منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أقر على نفسه بحد ثم جحد بعد، فقال: (إذا أقر على نفسه عند الأمام أنه سرق ثم جحد قطعت يده وإن رغم أنفه) (1). دلت على عدم كون الأنكار مؤثرا بعد الأقرار. ومنها صحيحة الحلبي الثانية في الباب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أقر الرجل على نفسه بحد أو فرية (الزنا) ثم جحد جلد) (2). دلت على أنه إذا تحقق الأقرار يترتب عليه الأثر ولو لم يكن المقر باقيا على إقراره، فلا يبطل الأقرار بواسطة الأنكار، ولا يخفى أن دلالة هذه الصحيحة أقوى من دلالة الصحيحة


(1) الوسائل: ج 18 ص 319 باب 12 من أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة ح 1. (2) نفس المصدر السابق: ح 2.

[ 166 ]

المتقدمة، وذلك لأن الأقرار في الاولى (أقر على نفسه) ذكر مقيدا بحضور الأمام عليه السلام (عند الأمام) فعلى أساس هذا التقييد يمكن احتمال الخصوصية فلا يثبت منها الحكم الكلي، بخلاف الثانية فإن الأقرار في الثانية لا يكون مقيدا بقيد فلا مجال لاحتمال الخصوصية. ومنها موثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام عن علي عليه السلام قال: (إذا أقر الرجل بالولد ساعة لم ينف عنه أبدا) (1). دلت على أنه إذا تحقق الأقرار بالولد لا يكون قابلا للنفي بواسطة الأنكار، وعليه سمي باب الرواية في الوسائل بباب: أن من أقر بالولد لم يقبل انكاره بعد ذلك (2). وبما أن المورد لا يكون مخصصا تصلح تلك الموثقة أن تكون مدركا للقاعدة. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف ولا اشكال فيه بينهم، فالأمر متسالم عليه عندهم، قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: لو أقر بحد غير الرجم لم يسقط بالانكار، في المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة يمكن معها دعوى الأجماع عليه، لقاعدة: عدم سماع الأنكار بعد الأقرار (3). فتلقى القاعدة مسلمة واستند في الحكم إليها. التخصيص: قد ورد التخصيص للقاعدة في مورد الرجم فإذا تحقق الأنكار بعد الأقرار في الرجم يسقط الرجم، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: (ولو أقر بما يوجب الرجم ثم أنكر سقط الرجم)، بلا خلاف أجده، كما عن الفخر الاعتراف به بل يمكن تحصيل الأجماع عليه، مضافا إلى (الروايات) المعتبرة المستفيضة التي منها قول الصادق عليه السلام في حسنة ابن مسلم (4). من أقر على نفسه بحد أقمته عليه إلا الرجم فانه إذا أقر على نفسه ثم جحد لم يرجم) (5). وقد ورد


(1) الوسائل: ج 15 ص 215 باب 102 كتاب النكاح، ح 1. (2) الوسائل: ج 15 ص 214. (3) جواهر الكلام: ج 41 ص 292. (4) الوسائل: ج 18 ص 319 باب 12 من أبواب الحدودو ح 2 و 3. (5) جواهر الكلام: ج 41 ص 291.

[ 167 ]

في صحيحة الحلبي المتقدمة نفس المضمون، وهو يؤكد المطلوب. فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: لو أقر (السارق) مرتين ثم أنكر فهل يقطع أو لا؟ الأحوط الثاني، والأرجح الأول، ولو أنكر بعد الأقرار مرة يؤخذ منه المال ولا يقطع (1). الثاني: قال المحقق الحلي رحمه الله: ولو قال العامل (في المضاربة) ربحت كذا ورجع لم يقبل رجوعه، وكذا لو إدعى الغلط (2). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله أن الحكم يكون كذلك: لسبق إقراره الماضي عليه، لقاعدة: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وقاعدة: عدم سماع الانكار بعد الاقرار، السالمتين عن معارضة قاعدة: سماع قول الامين في كل ما يدعيه، بعد عدم ثبوت هذا العموم فيها، وإنما الثابت المسلم منها ما لم يسبق باقرار (3).


(1) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 618. (2) شرائع الاسلام: ج 2 ص 141. (3) جواهر الكلام: ج 26 ص 372 و 373.

[ 168 ]

قاعدة العدول المعنى: معنى القاعدة هو تبديل النية في الصلاة عند عدم تحقق الترتيب بين الصلاتين نسيانا، كما إذا نوى الصلاة المتأخرة (العصر أو العشاء) قبل إتيان المتقدمة (الظهر والمغرب) وتذكر في الأثناء كان الحكم هو العدول من قصد الثانية إلى قصد الاولى. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بالروايات الواردة في الباب، منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (في حديث طويل): إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر فإنما هي أربع مكان أربع وإن ذكرت أنك لم تصل الاولى وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فانوها الاولى ثم صل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر - إلى أن قال: - فإن كنت قد صليت العشاء الاخرة ونسيت المغرب فقم فصل المغرب وان كنت ذكرتها وقد صليت من العشاء الاخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلم ثم قم فصل العشاء الاخرة) (1).


(1) الوسائل: ج 3 ص 211 باب 63 من أبواب المواقيت، ح 1.

[ 169 ]

ومنها صحيحة الحلبي الاولى في الباب، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أم قوما في العصر فذكر وهو يصلي بهم أنه لم يكن صلى الاولى، قال: (فليجعلها الاولى التي فاتته ويستأنف العصر) (1). ومنها صحيحة الحلبي الثانية في الباب قال: سألته عن رجل نسي أن يصلي الاولى حتى صلى العصر، قال: (فليجعل صلاته التي صلى الاولى ثم ليستأنف العصر) (2). فهذه الصحاح دلت على أنه إذا فات الترتيب بين الصلاتين نسيانا وتذكر في أثناء الصلاة كانت الوظيفة هو العدول عن الثانية إلى الاولى قصدا وهذا هو معنى القاعدة. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم، كما قال المحقق الحلي رحمه الله: لو ظن أنه صلى الظهر فاشتغل بالعصر فإن ذكر وهو فيها عدل بنيته (3). وقال صاحب الجواهر رحمه الله: أن الأمر يكون كذلك: ولو قبل التسليم بناء على أنه منها - إلى أن قال: - وعلى كل حال (عدل بنية) إلى الظهر وجوبا إجماعا محكيا عن حاشية الأرشاد وعن غيرها إن لم يكن محصلا (4). فروع الأول: إذا حدث الشك اثناء صلاة العصر مثلا في إتيان صلاة الظهر يتمسك بالاستصحاب (أصالة عدم إتيان صلاة الظهر) فيتحقق المجال للقاعدة، كما قال سيدنا الاستاذ بعد بيان أنه عندئذ (حين الشك في إتيان صلاة الظهر) لا مجال لقاعدة التجاوز وذلك لعدم تحقق الترتيب: نعم بعد الالتزام بعدم جريان قاعدة


(1) الوسائل: ج 3 ص 213 باب 63 من أبواب المواقيت، ح 3. (2) نفس المصدر السابق: ح 4. (3) شرائع الاسلام: ج 1 ص 64. (4) جواهر الكلام: ج 7 ص 315.

[ 170 ]

التجاوز (هنا) تصل النوبة إلى قاعدة العدول (1). والأمر كما أفاده. الثاني: قال سيدنا الاستاذ: يجب العدول من اللاحقة الى السابقة كما إذا قدم العصر، أو العشاء سهوا، وذكر في الأثناء، فإنه يعدل إلى الظهر، أو المغرب، ولا يجوز العكس كما إذا صلى الظهر، أو المغرب، وفي الأثناء ذكر أنه قد صلاهما، فإنه لا يجوز له العدول الى العصر أو العشاء (2). وذلك إقتصارا على مدلول القاعدة. الثالث: قال سيدنا الاستاذ: إنما يجوز العدول من العشاء إلى المغرب إذا لم يدخل في ركوع الرابعة، وإلا بطلت، ولزم إستئنافها (3). لتحقق الزيادة الركنية التي تبطل الصلاة في مطلق الأحوال.


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 317. (2) و (3) منهاج الصالحين: ج 1 ص 134.

[ 171 ]

قاعدة العقود تابعة للقصود المعنى: معنى القاعدة هو أن العقد تابع للقصد وجودا وعدما، كما قال الفاضل النراقي رحمه الله: من القواعد المتداولة في ألسنة الفقهاء قولهم: العقود تابعة للقصود (1) فكل عقد تحقق بدون القصد كالعقد الصادر من الهازل والغالط وما شاكلهما بما أنه لا يتضمن القصد لا يترتب عليه الأثر، فعليه إذا أنشأ الناكح عقد النكاح بدون القصد لا يتحقق النكاح والتزويج، وعلى أساس ذلك أفتى الفقهاء على أنه إذا أنشأ عقد النكاح من لم يعرف معنى الألفاظ يكون العقد باطلا، لعدم تحقق القصد وكذلك إذا وقع العقد المعاملي بدون القصد لا يتحقق التمليك والتملك. ومن المعلوم أن المراد من القصد هنا هو القصد العقلائي الممضى، لا مطلق القصد ولو لم يكن ممضى، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: إن العقود المصححة عند الشارع تتبع القصود (2). والأمر كما أفاده. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على أن تحقق العقد تابع لتحقق


(1) عوائد الايام: ص 52. (2) المكاسب: البيع ص 85.

[ 172 ]

القصد بتمامه وكماله، ولا خلاف في ذلك بينهم فالأمر متسالم عليه عندهم، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: ومن جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد الذي يتلفظان به واشتراط القصد بهذا المعنى في صحة العقد بل في تحقق مفهومه مما لا خلاف فيه ولا إشكال، فلا يقع من دون قصد إلى اللفظ كما في الغالط أو إلى المعنى، لا بمعنى عدم استعمال اللفظ فيه بل بمعنى عدم تعلق ارادته وان أوجد مدلوله بالانشاء، كما في الأمر الصوري فهو يشبه الكذب في الأخبار، كما في الهازل، أو قصد معنى يغاير مدلول العقد بان قصد الأخبار أو الاستفهام أو إنشاء معنى غير البيع مجازا أو غلطا فلا يقع البيع، لعدم القصد إليه (1). والأمر كما أفاده. 2 - انتفاء الموضوع: لا شك في أن العقد الاصطلاحي من الانشاءات والانشاء متقوم بالقصد فلا إنشاء بدون القصد، وعليه إذا لم يكن القصد لا يوجد العقد. 3 - الأصل: مقتضى الدليل الأولي عدم ترتيب الأثر ولعل هذا هو المراد من قولهم أن الأصل في المعاملات الفساد، فخرج منه ما إذا ثبتت صحته كالعقد مع القصد وسائر الشرائط، وأما ما شك في صحته كان مقتضى الأصل هو الفساد وعدم ترتيب الأثر. فرعان الأول: إذا فرض إمضاء الشارع على خلاف قصد المنشئ فهو اجنبي عن القاعدة كما قال سيدنا الاستاذ: يمكن ان يكون انشاء المنشئ موضوعا لحكم الشارع على خلاف مقصود المنشئ ولكنه غريب عن (قاعدة) تبعية العقود للقصود (2).


(1) المكاسب: البيع ص 117. (2) مصباح الفقاهة: ج 2 ص 126.

[ 173 ]

الثاني: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: يمكن إستناد الفساد (في المعاوضة الربوية) إلى قاعدة تبعية العقود للقصود، ضرورة أن البائع أو المشتري إنما بذل المثل في مقابل المثلين، فان لم يتم له (شرعا) بطل العقد، وليس هو كبيع الشاة والخنزير التي يبطل من الثمن ما قابلها، فيبقى الاخر بما قابله منه، لأن البطلان في الزيادة هنا بلا مقابل وهو أمر غير مقصود للمتعاملين، فلو صح العقد ما وقع لم يقصد، وما قصد لم يقع، كما هو واضح (1).


(1) جواهر الكلام ج: 23 ص 335.

[ 174 ]

قاعدة على اليد ما أخذت حتى تؤدي المعنى: معنى القاعدة هو مؤاخذة اليد العادية، والمراد من اليد هو الاستيلاء، فإذا تحقق الاستيلاء على مال الغير بدون الأذن والأحسان تصبح اليد عادية، وموجبة للضمان فيستقر عليها الضمان، حتى تؤدي ما عليها (المال المأخوذ) لمالك المال. توضيح: الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة اليد التي تكون أمارة الملكية واضح، وأما الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة الأتلاف، فهو أن القاعدة المبحوث عنها توجب الضمان بالاستيلاء ولو لم يتحقق التلف والأتلاف، وأما قاعدة الأتلاف فيكون مدلولها تحقق الضمان بواسطة الأتلاف. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - النبوي المعروف بين الفريقين وهو قوله صلى الله عليه وآله: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (1) فالقاعدة متخذة من هذه الرواية بتمامها وكمالها، فالدلالة تامة كاملة، وظاهره تحقق الضمان على مطلق اليد ولكن اليد الأمانية خارجة بالتخصيص.


(1) مستدرك الوسائل: ج 14 ص 8، وكنز العمال: ج 5 ص 257.

[ 175 ]

والاشكال كله إنما هو في السند، لأن النبوي مرسل لا سند له أصلا، حتى يقال بانجباره بالشهرة (على مذهب المشهور) وعليه لا يكون صالحا للاستناد. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على أن اليد العادية مضمونة بالنسبة إلى ما أخذته من مال الغير حتى تؤديه إلى مالكه، فالحكم متسالم عليه. 3 - السيرة: قد استقرت السيرة عند العقلاء بأن اليد العادية تستحق المؤاخذة، وهذه هي العمدة في الباب، كما قال سيدنا الاستاذ بعد المناقشة في سند النبوي: والعمدة في مستند الضمان في غير مورد الائتمان إنما هي السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع حيث إنها قائمة على أن من أخذ مالا من أحد بغير رضاه، أو مع الرضا والالتزام بالضمان كما في موارد العقود الباطلة، فإن يده ضامنة (1). فرعان الأول: إذا تلفت المنافع خلال الاستيلاء بدون الأستيفاء، فهل تكون مضمونة أم لا؟ المشهور هو الضمان، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: وأما المنفعة الفائتة بغير إستيفاء فالشهور فيها أيضا الضمان - إلى أن قال بعد نقل الأقوال: - فالقول بالضمان لا يخلو من قوة (2). والتحقيق أن التفويت إذا كان مستندا إلى صاحب اليد فهو يوجب الضمان وأما إذا كان التفويت مستندا إلى آفة سماوية، فلا يوجب الضمان عليه، لعدم تحقق السبب. الثاني: إذا كان المغصوب هو المثلي أو القيمي بلا شك ولا إختلاف فيهما، كان الحكم هو الضمان بالمثل تجاه المثلي، والضمان بالقيمة تجاه القيمي، وأما إذا كان المغصوب التالف مشكوكا - من جهة المثلية - فما هو الحكم؟ قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: أن موارد عدم تحقق الاجماع على المثلية فيها


(1) مستند العروة: كتاب الأجارة ص 224. (2) المكاسب: البيع ص 104.

[ 176 ]

(كالذهب والفضة) كثيرة، فلا بد من ملاحظة أن الأصل الذي يرجع إليه عند الشك هو الضمان بالمثل أو بالقيمة أو تخيير المالك أو الضامن بين المثل والقيمة، ولا يبعد أن يقال: أن الأصل هو تخيير الضامن، لأصالة براءة ذمته عما زاد على ما يختاره، فان فرض إجماع على خلافه فالأصل تخيير المالك، لأصالة عدم براءة ذمته بدفع ما لا يرضى به المالك، مضافا الى عموم على اليد ما أخذت حتى تؤدي، فان مقتضاه عدم إرتفاع الضمان بغير أداء العين، خرج ما إذا رضى المالك بشئ آخر، والأقوى تخيير المالك من أول الأمر لأصالة الأشتغال (1).


(1) المكاسب: البيع ص 106.

[ 177 ]

قاعدة الغرور المعنى: معنى القاعدة هو تضرر المشتري على أساس خداع البائع، فإذا انخدع المشتري واصبح متضررا فوق المتعارف يكون هو المغرور، والذي تسبب الضرر هو الغار، وعندئذ يرجع المشتري المغرور إلى البائع الغار بتدارك الضرر الوارد عليه، كما قالوا: أن المغرور يرجع إلى من غره (1). وربما يقال أن هذه الكلمات من الحديث النبوي ولكن لم أجدها في كتب الأحاديث، وكيف كان إذا باع الغار مال الغير للمشتري الجاهل بدون أذن المالك يتحقق الغرر، وكذا إذا باع شخص ماله بثمن مضاعف. كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: أن المشتري إذا اغترم للمالك غير الثمن - إلى أن قال -: كزيادة القيمة على الثمن إذا رجع المالك بها على المشتري، كإن كان القيمة المأخوذة منه عشرين والثمن عشرة (فقال:) فالظاهر عدم الخلاف في المسألة، للغرور فإن البائع مغرر للمشتري وموقع إياه في خطرات الضمان ومتلف عليه ما يغرمه فهو كشاهد الزور الذي يرجع إليه إذا رجع من شهادته (2).


(1) حاشية المكاسب: ج 1 ص 192. (2) المكاسب: البيع ص 146.

[ 178 ]

وصفوة الكلام أن حجر الأساس لتحقق كيان الغرر هو علم المغرر وجهل المغرور. كما قال سيدنا الاستاذ: أن الغرر إنما يتقوم بأمرين: أحدهما علم الغار بالعيب، وثانيهما جهل المغرور به، ومع إنتفاء أحدهما ينتفي الغرور (1). 1 - الروايات وهي الواردة في مختلف الابواب. منها صحيحة محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل شهد عليه رجلان بأنه سرق فقطع يده حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده إنما شبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية ولم يجز شهادتهما على الاخر) (2). ومنها صحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه السلام في شاهد الزور قال: (إن كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه، وإن لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل) (3). خلاصة مدلول الصحيحتين هو أن الذي أصابه الضرر من الغير، له أن يتدارك ضرره بالرجوع إلى ذلك الغير، وبما أنه لا خصوصية للمورد يستفاد منهما العموم. والاشكال بأن تدارك الضرر إنما هو بواسطة الأتلاف مندفع، وذلك لأن التدارك إذا كان على أساس الأتلاف لكان الحاكم شريكا في الأمر، وبما أن المستفاد من النصين هو الرجوع على الشاهد فقد تمت الدلالة على مفاد القاعدة. ولكن الأولى الاقتصار في مورد القاعدة على ما إذا علم الغار، لأنه هو المتيقن. كما قال السيد الحكيم رحمه الله: لا دليل على قاعدة الغرور كلية وأنه يمكن استفادتها في خصوص صورة علم الغار من نصوص تدليس الزوجة (4). ومنها موثقة إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نظر إلى


(1) مصباح الفقاهة: ج 5 ص 446. (2) الوسائل: ج 18 ص 243 باب 14 كتاب الشهادات ح 1. (3) الوسائل: ج 18 ص 239 باب 11 كتاب الشهادات ح 2. (4) نهج الفقاهة: ص 273.

[ 179 ]

امرأة فأعجبته فسأل عنها فقيل: هي ابنة فلان فأتى أباها فقال: زوجني ابنتك فزوجه غيرها فولدت منه فعلم بها بعد أنها غير ابنته وأنها أمة قال: (ترد الوليدة على مواليها والولد للرجل، وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غر الرجل وخدعه) (1). دلت على أن المغرور يرجع إلى من غره وخدعه. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة في الجملة، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: بأن للمشتري المتضرر الرجوع على المالك، لقاعدة الغرور المتفق عليها ظاهرا (2). وقال العلامة الأصفهاني رحمه الله: واستناد الأصحاب إلى قاعدة الغرور معروف مشهور (3). فروع الأول: قال سيدنا الاستاذ: مقتضى القاعدة المقررة على عدم جواز بيع المجهول هو عدم الجواز مع ضم معلوم إليه أيضا، لان ضم المعلوم إليه لا يخرجه عن الجهالة، بل يكون الثمن الواقع في مقابل المعلوم أيضا مجهولا، فيبطل البيع (4). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا استند الوقوع على الضرر الى غيره، كان ضمانه على الغار، لقاعدة الغرور الثابتة بالنقل والاعتبار والا فلا، وعليه فإن كانت الغرامة الحاصلة من نقل المبيع إلى مكان الاختبار مستندة إلى البائع، وكونه غارا للمشتري في ذلك، لعلمه بالعيب وجهل المشتري به فمؤنة النقل على البائع (5). الثالث: قال المحقق الحلي رحمه الله في العارية: ولو إستعاره من الغاصب، وهو لا


(1) الوسائل: ج 14 ص 602 باب 7 من ابواب العيوب والتدليس ح 1. (2) المكاسب: البيع ص 147. (3) حاشية المكاسب: ج 1 ص 192. (4) مصباح الفقاهة: ج 5 ص 451. (5) نفس المصدر السابقق: ص 446.

[ 180 ]

يعلم، كان الضمان على الغاصب، وللمالك الزام المستعير بما استوفاه من المنفعة، ويرجع (المستعير) على الغاصب، لانه أذن له في استيفائها بغير عوض (1). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله بالنسبة الى هذا الحكم: فهو غار حينئذ له، فيرجع حينئذ عليه، لقاعدة المغرور يرجع على من غره (2).


(1) شرائع الاسلام: ج 2 ص 172. (2) جواهر الكلام: ج 27 ص 166.

[ 181 ]

قاعدة الفحوى المعنى: معنى القاعدة هو تعدي الحكم من الفرد الضعيف إلى الفرد القوي، كما قالوا أن قوله تعالى: لا تقل لهما اف (1). يدل بالفحوى على النهي من الضرب والشتم ونحوهما ويعبر عنها (الفحوى) في اصطلاح الاصول بمفهوم الموافقة. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: المعهود من إصطلاحهم أن دلالة الفحوى هي مفهوم الموافقة، وهو التنبيه بالأدنى على الأعلى: أي كون الحكم في غير المذكور أولى منه في المذكور، باعتبار المعنى المناسب المقصود من الحكم كالاكرام في منع التأفيف (2). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الظهور اللفظي: من المعلوم أن دلالة الفحوى تستفاد من ظاهر اللفظ فيكون حجيتها من باب حجية الظهور، كما قال المحقق النائيني رحمه الله: إذا كانت (الأولوية) عرفية كما في قوله تعالى: ولا تقل لهما أف، الدال على حرمة ضرب الوالدين - مثلا - بالدلالة العرفية، فالمدلول خارج عن المفهوم وداخل في


(1) بني إسرائيل: 23. (2) جواهر الكلام: ج 8 ص 280.

[ 182 ]

المداليل اللفظية العرفية (1). 2 - الأولوية القطعية: الفحوى - كما ألمحنا إليه - بحسب الحقيقة هو تعدي الحكم من الشئ الذي وقع موضوعا للحكم إلى الشئ الذي هو أولى في الموضوعية، ولا بد أن تكون الأولوية محرزة، مثل قوله تعالى: من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (2). بما أن هذه الاية أفادت إعطاء الجزاء تجاه العمل القليل (مثقال ذرة) دلت باعطاء الجزاء بالنسبة إلى خير كثير بنحو أولى قطعا، وعليه فالفحوى هو الحكم الذي يدركه العقل دركا بينا. كما قال المحقق النائيني رحمه الله: إنما يتحقق (الفحوى) إذا كانت الأولوية من المدركات العقلية (3). فروع الأول: لا شك في عدم الاعتبار للأولوية الظنية، لأنها من القياس الباطل قطعا وأما إذا حصل الاطمئنان بالأولوية فهل يعتمد عليها أم لا؟ التحقيق: أن متعلق حكم العقل هو الأولوية القطعية فقط، ولكن الاطمئنان يقوم مقام القطع في باب الحجية، وعليه لا يبعد أن تقوم الأولوية التي حصلت بالاطمئنان مقام الأولوية التي حصلت بالقطع، ولكن المتيقن هو الأولوية القطعية. الثاني: قال المحقق النائيني رحمه الله: يتحقق (الفحوى بالدرك العقلي) غالبا فيما إذا كانت علة الحكم منصوصة، ونعني به ما كانت العلة المذكورة فيه واسطة في العروض لثبوت الحكم للموضوع المذكور في القضية، بان يكون الموضوع الحقيقي هو العنوان المذكور في التعليل، ويكون ثبوته للموضوع المذكور من جهة إنطباق ذلك العنوان عليه، كما في قضية: لا تشرب الخمر لأنه مسكر، فانها ظاهرة


(1) أجود التقريرات: ج 2 ص 498. (2) الزلزلة: 7. (3) أجود التقريرات: ج 2 ص 498.

[ 183 ]

في أن موضوع الحرمة فيها إنما هو عنوان المسكر، وحرمة الخمر إنما هي من جهة إنطباق ذلك العنوان عليه، فيسري الحكم حينئذ إلى كل مسكر، فلا تبقى للخمر خصوصية في الحكم المذكور في القضية (1). الثالث: قال المحقق الحلي في اباحة مكان المصلي: وهي (الاباحة) إما صريحة كقوله: صل فيه (المكان) أو بالفحوى، كأذنه في الكون فيه (2). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: الفحوى عند متشرعة العصر ليست إلا حصول القطع بالرضا بسبب صدور فعل من المالك أو قول - إلى أن قال: - ولعل المصنف يريد الكون الذي ليس بصلاتي المستفاد منه الكون الصلاتي بالفحوى (3). الرابع: قال سيدنا الاستاذ: إن مقتضى القاعدة الأولوية، وفحوى الروايات الخاصة الواردة في طلاق الأخرس وقراءته، هو كفاية إشارته في مقام الانشاء، ما لم يدل دليل خاص على خلاف ذلك (4).


(1) أجود التقريرات: ج 2 ص 498. (2) شرائع الاسلام: ج 1 ص 71. (3) جواهر الكلام: ج 8 ص 280. (4) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 12.

[ 184 ]

قاعدة الفراش المعنى: الفراش هنا عنوان يطلق على الزوجية الشرعية بين المتناكحين، وهو الأصل في انتساب الولد، فإذا وقع الشك في انتساب الولد لاحتمال الزنا أو لاحتمال بقاء النطفة من الزوج السابق ينسب الولد إلى الشخص الذي يولد في فراشه، ويثبت النسب للولد المشكوك النسب بواسطة أمارية الفراش. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الخبر المشهور بين المسلمين الوارد من طريق العامة والخاصة (الولد للفراش) ونقل بأسانيد كثيرة وصحيحة، ولا يبعد أن يكون النقل بالغا حد التواتر. منها: صحيحة الحلبي بنقل الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام في عدم ارث الولد المشكوك بالزنا من ما ترك الزاني قال: (فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر) (1). دلت على أن الولد المشتبه نسبا يلحق بصاحب الفراش، والزاني يرمى بالحجارة ولا ينتسب الولد إليه. ومنها صحيحة سعيد الأعرج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجلين وقعا


(1) الوسائل: ج 17 ص 566 باب 8 من أبواب ميراث الملاعنة وما أشبهه ح 4.

[ 185 ]

على جارية في طهر واحد، لمن يكون الولد؟ قال: (للذي عنده لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر (1). دلت على مدلول القاعدة بتمامها وكمالها. 2 - بناء المتشرعة: قد استقر بناء المؤمنين المتشرعين على أن الولد عند الشبهة ينتسب إلى صاحب الفراش، فإذا وقع الشك في الانتساب إليه كان بناؤهم على عدم الاعتناء به، تأكيدا للأنتساب إلى الفراش، وهو المطلوب. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف فيه بينهم فالأمر متسالم عليه عندهم. تكملة من المعلوم أن الفراش أمارة فيما إذا كان المورد قابلا، بان يكون الزواج بين المتناكحين أكثر من ستة أشهر، وأما إذا فرضت مدة الزواج أقل من ستة أشهر فلا مجال للتمسك بالقاعدة عند الشك، لعدم القابلية للمورد. فروع الأول: إذا حصل الظن على الخلاف، كما إذا قال القائف بان الولد أشبه بالعاهر وكان قوله موجبا للظن على خلاف القاعدة، فإذا هل تقع المعارضة أم لا؟ التحقيق: أن هذا الظن لا يصلح للمعارضة مع الأمارة التي تكون حجيتها قطعية. الثاني: قال المحقق الحلي رحمه الله: لو أنكر الولد ولاعن، إنتفى عن صاحب الفراش وكان اللبن تابعا له. ولو أقر بعد ذلك عاد نسبه، وإن كان هو لا يرث الولد (2).


(1) الوسائل: ج 14 ص 569 باب 58 كتاب النكاح، ح 4. (2) شرائع الاسلام: ج 2 ص 281.

[ 186 ]

الثالث: قال المحقق الحلي رحمه الله: لو أقر بنسب مجهول ألحقنا به، فلو إدعاه الاخر وأقام البينة قضينا له بالنسب، وأبطلنا الأول، فلو إدعاه ثالث وأقام البينة أنه ولد على فراشه قضي له بالنسب، لإختصاصه بالسبب، وذلك لأن قاعدة الفراش هو المتبع حينما لم تكن أمارة هناك (1)، وإلا فالأمارة - البينة - حاكمة على القاعدة، فلا يتحقق المجال لقاعدة الفراش مع وجود البينة.


(1) شرائع الاسلام: ج 4 ص 292.

[ 187 ]

قاعدة الفراغ المعنى: معنى القاعدة هو الحكم بصحة العمل المركب الذي شك في صحته بعد الفراغ منه، كالشك في صحة الصلاة (لاحتمال الخلل)، فيحكم بصحة الصلاة وتماميتها، ولا يترتب الأثر على الشك. ولا تختص القاعدة بالطهارة والصلاة بل تعم جميع العبادات بل المعاملات كما قال سيدنا الاستاذ: أنه نتعدى منهما بواسطة العموم الوارد في موثقة ابن بكير (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) وبعموم التعليل في قوله (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) وبعموم قوله (وكان حين انصرف أقرب إلى الحق) فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ في الطواف وغيره، بل لا مانع من جريانها في العقود والايقاعات، فتجري قاعدة الفراغ في الجميع بمقتضى عموم الدليل (1). ولا يخفى أن قاعدة الفراغ إنما تجري في عمل النفس لا في عمل الغير، وبه تمتاز عن قاعدة الصحة، كما تقدمت الأشارة إليه، ويكون موردها هو الشك في الصحة بعد إحراز أصل العمل، ولا بد أن يكون الشك ناشئا عن الغفلة والسهو، ولم تكن صورة العمل محفوظة، لأن القاعدة بحسب الحقيقة تنشئ عن أصالة عدم


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 268.

[ 188 ]

الغفلة كما قال سيدنا الاستاذ: أن جريان قاعدة التجاوز والفراغ مختص بما إذا كان الشك ناشئا من احتمال الغفلة والسهو، فلا مجال لجريانهما فيما إذا احتمل ترك الجزء أو الشرط عمدا، لما ذكرناه من أنهما ليستا من القواعد التعبدية بل إمضاء لقاعدة إرتكازية عقلائية، وهي أصالة عدم الغفلة، لظهور حالهم حين الامتثال في عدم الغفلة، ولا يستفاد من الأدلة أزيد من هذا المعنى، مضافا إلى دلالة التعليل المذكور في بعض الروايات على الاختصاص فان كونه (اذكر) إنما ينافي الترك السهوي لا الترك العمدي كما هو واضح (1). والأمر كما أفاده. ومن المعلوم أن مورد قاعدة الفراغ والتجاوز والصحة هو الشك المتعلق بالموضوع وأما في صورة الشك في الحكم (الشبهات الحكمية) فلا مجال لهذه القواعد وهناك يتمسك بالأمارات والاصول العملية. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب الشك في الصلاة وغيرها. منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته، قال: فقال: (لا يعيد ولا شئ عليه) (2). دلت على عدم الاعتبار بالشك في صحة الصلاة بعد الفراغ عنها، وأن الحكم عندئذ هو الأجزاء. ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد) (3). دلت على أن كل صلاة شك في صحتها بعد الأتيان يحكم بالصحة والتمامية. ومنها موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) (4). دلت على الحكم بالصحة والتمامية، بالنسبة إلى


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 321. (2) الوسائل: ج 5 ص 342 باب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1. (3) نفس المصدر السابق: ص 343 ح 2. (4) الوسائل: ج 5 ص 336 باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 3.

[ 189 ]

العمل الذي شك فيه بعد الفراغ عنه، أعم من أن يكون المشكوك هو جزء العمل أو تمامه، وذلك لعموم الأدلة، ومن الأدلة العامة قوله عليه السلام: كلما شككت، في هذه الرواية، فيشمل جميع أقسام المشكوك. توضيح قد تقدم أن قاعدة التجاوز لا تجري عند الشك في أجزاء الوضوء للنص الخاص، وأما قاعدة الفراغ فهل تجري في ذلك المقام (الشك في أجزاء الوضوء) أم لا؟ التحقيق: هو الجريان، لعموم الأدلة، كما قال سيدنا الاستاذ: التحقيق هو (الجريان)، لعموم الأدلة وعدم المانع عن العمل بها، أما عموم الأدلة فقد تقدم (كلما شككت). وأما عدم المانع فلأن عمدة الأدلة المانعة عن جريان قاعدة التجاوز في الوضوء هي قوله عليه السلام في صحيحة زرارة (فأعد عليها وعلى جميع ما شككت فيه... الخ) ومفادها وجوب الاعتناء بالشك والاتيان بالمشكوك فيه فيما إذا كان الشك في أصل الغسل أو المسح، لا ما إذا كان الشك في صحة الغسل أو المسح. فالصحيحة تدل على عدم جريان قاعدة التجاوز فقط في الوضوء، لا على عدم جريان قاعدة الفراغ أيضا، فإذا شك في غسل الوجه مع الاشتغال بغسل اليد اليسرى مثلا يجب غسل الوجه مع ما بعده، لعدم جريان قاعدة التجاوز. وأما إذا شك في صحة غسل الوجه كما إذا شك في وقوعه من الأعلى مثلا فلا مانع من الرجوع إلى قاعدة الفراغ والحكم بالصحة، ولا فرق في جريان قاعدة الفراغ في أجزاء الوضوء بين الجزء الأخير وغيره، لعموم الأدلة على ما ذكرنا (1). والأمر كما أفاده. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة (الحكم بالصحة عند الشك


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 290.

[ 190 ]

بعد الفراغ) عند الفقهاء ولا خلاف فيه بينهم فالأمر متسالم عليه. توضيح: لا يخفى أنه لا فرق بين قاعدتي الفراغ والتجاوز في مقام الثبوت والفرق بينهما إنما هو في مقام الأثبات كما قال سيدنا الاستاذ: أن المستفاد من ظواهر الأدلة (مقام الأثبات) كون القاعدتين مجعولتين بالاستقلال وأن ملاك إحداهما غير ملاك الاخرى فإن ملاك قاعدة الفراغ هو الشك في صحة الشئ مع إحراز وجوده وملاك قاعدة التجاوز هو الشك في وجود الشئ بعد التجاوز عن محله (1). فرعان الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: وإن شك بعد الفراغ في أنه (الحاجب) كان موجودا أم لا؟ بني على عدمه ويصح وضوءه، وكذا إذا تيقن أنه كان موجودا وشك في أنه أزاله أو أوصل الماء تحته أم لا؟ وقال السيد الحكيم رحمه الله: أن الحكم يكون كذلك، لقاعدة الفراغ (2). الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا علم بوجود مانع وعلم زمان حدوثه وشك في أن الوضوء كان قبل حدوثه أو بعده يبني على الصحة لقاعدة الفراغ (3).


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 279. (2) مستمسك العروة: ج 2 ص 524. (3) العروة الوثقى: ص 69 شرائط الوضوء.

[ 191 ]

قاعدة القرعة المعنى: المراد من القرعة هنا هو الأقتراع لتعيين المطلوب في الامور الشرعية المشتبهة، فإذا إشتبه الأمر ولم يكن أي طريق إلى كشفه فيتوسل بالقرعة ويتعين بها المطلوب. كما قال السيد صاحب العناوين رحمه الله: كل ماكان فيه مخرج شرعي فهو خارج عن المشكل (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى في قضية النبي يونس عليه السلام: فساهم فكان من المدحضين (2) فالنبي (يونس) ساهم واقترع وكان من المعلومين (المدحضين). وقوله تعالى في قضية تكفل مريم: إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم (3). وكان القاء القلم على نحو القرعة. فظاهر الايتين يرشدنا إلى مشروعية القرعة، وأما احتمال الحكاية عن المشروعية في الشرائع السابقة فغير ظاهر، ومع التنزل نقول: أن أقل ما يستفاد من الايتين هو أن القرعة كانت من الامور المشروعة ولم تكن من البدع والمنهيات، فهذا المقدار بضميمة الاستصحاب (استصحاب أحكام


(1) العناوين: ج 1 ص 360. (2) الصافات: 141. (3) آل عمران: 44.

[ 192 ]

الشرائع السابقة) يكفي مدركا للقاعدة. 2 - الروايات: إن النصوص الواردة حول القرعة كثيرة جدا. منها خبر محمد بن الحكيم، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن شئ، فقال لي: (كل مجهول ففيه القرعة) (1). دل على مدلول القاعدة بتمامه وكماله. وذكر الأصحاب هذا الخبر في كتبهم، واصطلح الفقهاء عليه (كل مجهول ففيه القرعة) ولكن بما أن السند غير تام لا اعتبار له ولا يعتمد عليه فلا يستفاد منه إلا التأييد ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل يكون له المملوكون فيوصي بعتق ثلثهم قال: (كان علي عليه السلام يسهم بينهم) (2). دلت على مشروعية القرعة ووقوعها في شرع الأسلام. ومنها موثقة إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال في ذيلها: (والقرعة سنة) (3). دلت على أنها سنة شرعية وقاعدة فقهية. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على كون القرعة طريقا لحل المشكل الفقهي (الشبهة) وعليه قالوا: القرعة لكل أمر مشكل، ولا خلاف فيها بينهم. فروع الأول: إذا كان الموضوع معلوما واشتبه الحكم ولم يكن طريق للأصل فهل يجوز التمسك بالقرعة أم لا؟ التحقيق: أن المستفاد من مجموع الأدلة والروايات الواردة في مورد القرعة هو اختصاصها في الشبهة الموضوعية التي تكون مقرونة بالعلم الأجمالي،


(1) الوسائل: ج 18 ص 189 باب 13 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، ح 11. (2) الوسائل: ج 18 ص 191 باب 13 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، ح 16. (3) نفس المصدر السابق: ص 187 ح 2.

[ 193 ]

كالشبهة الواقعة في قطيع الغنم ومثلها ولا أقل من أن قدر المتيقن في التمسك بها هو تعيين الموضوع. كما قال الشهيد رحمه الله: ولا يستعمل (القرعة) في الفتاوى والاحكام المشتبهة إجماعا ولا يكون تخصيص بل تخصص (1). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا علم بصدق أحدهما (المدعيان لأبوة المقتول) أو ثبت القتل بدليل تعبدي ولم يمكن تعيينه فلا يبعد الرجوع إلى القرعة. وقال في وجه هذا الحكم: وذلك لأن المستفاد من أدلة القضاء هو أن كل دعوى بين متخاصمين لابد من حلها باحدى الطرق الشرعية المقررة لذلك ومنها دعوى بينهما في بنوة شخص فإنه إذا لم يمكن حلها باحدى الطرق فالمرجع هو القرعة (2). الثالث: قال المحقق الحلي رحمه الله: ولو إدعى كل منهما (المتخاصمين) أنه إشترى دارا معينة، وأقبض الثمن، وهي في يد البائع، قضي بالقرعة مع تساوي البينتين، عدالة وعددا وتاريخا، وحكم لمن خرج إسمه مع يمينه (3).


(1) القواعد: ج 2 ص 23. (2) تكملة المنهاج: ج 2 ص 73. (3) شرائع الأسلام: ج 4 ص 114.

[ 194 ]

قاعدة كل جناية لا مقدر لها ففيها الأرش المعنى: معنى القاعدة هو ثبوت الأرش على الجنايات التي لم تكن لها حدود أو ديات معينة، وعليه كل عمل كان بحسب العرف تعديا وجناية ولم يكن له حكم معين في الشرع من الحدود والديات فعندئذ على العامل أن يعطي أرش الجناية التي جناها على غيره، كما إذا جاء شخص من خلف الاخر واغمز عينيه بدون رضاه إستقر على عامل هذا العمل أرش ذلك العمل على حسب تقدير العدول المؤمنين ونظر الحاكم، كما قال سيدنا الاستاذ: وتعيين الأرش بنظر الحاكم بعد رجوعه في ذلك إلى ذوي عدل من المؤمنين (1). وقد تعبر عن هذه القاعدة بقاعدة الأرش. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب الحدود والديات. منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (دية اليد إذا قطعت خمسون من الابل، وما كان جروحا دون الاصطلام فيحكم به ذوا عدل منكم) (2).


(1) تكملة المنهاج: ج 2 ص 212. (2) الوسائل: ج 19 ص 299 باب 9 من أبواب ديات الشجاج والجراح، ح 1.

[ 195 ]

دلت على أن الجروح التي لا تقدير لها من الشرع فليقدر عدول المؤمنين أرشا لها، وهذا هو مدلول القاعدة. ومنها صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: إن عندنا الجامعة، قلت: وما الجامعة؟ قال: صحيفة فيها كل حلال وحرام وكل شئ يحتاج إليه الناس: حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إلي، فقال: أتأذن يا أبا محمد، قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا (1). دلت على أن كل فعل كان نحوا من التعدي على الناس (بدون المبرر الشرعي) ففيه الأرش وإن كان العمل بلا تقدير من ناحية الحكم الشرعي، والدلالة تامة كاملة. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم، كما قال سيدنا الاستاذ: كل جناية لا مقدر فيها شرعا ففيها الأرش فيؤخذ من الجاني إن كانت الجناية عمدية أو شبه عمد. وقال أن الحكم يكون كذلك: بلا خلاف ولا إشكال بين الأصحاب وتدل على ذلك مضافا إلى أن حق المسلم لا يذهب هدرا، وإلى صحيحة أبي بصير (المتقدمة)، صحيحة عبد الله بن سنان (المتقدمة) (2). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: (كل ما لا تقدير فيه، ففيه الأرش): بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه (3). فرعان الأول: إذا تحققت الجناية خطأ فهل الأرش على الجاني أو على العاقلة؟ التحقيق: أن في فرض الخطأ يكون الأرش على العاقلة كما أن في قتل الخطأ تكون الدية على العاقلة.


(1) الوسائل: ج 19 ص 272 باب 48 من أبواب ديات الاعضاء، ح 1. (2) تكملة المنهاج: ج 2 ص 212. (3) جواهر الكلام: ج 43 ص 168.

[ 196 ]

الثاني: قالوا أنه لم يرد التحديد للكفارة بالنسبة الى جرح الصيد حال الاحرام، فعليه كان المتبع هناك الأرش. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: التحقيق الاقتصار على مضمونها (النصوص بالنسبة الى المقدرات المصرحة) وإبقاء الجرح على قاعدة الأرش (1).


(1) جواهر الكلام: ج 20 ص 263.

[ 197 ]

قاعدة كل خسارة في المضاربة تجبر بالربح المعنى: معنى القاعدة هو أن كل تلف مالي أو الخسارة المالية إذا يتواجد تجاه المضاربة يعطى من الربح. كما قال السيد اليزدي رحمه الله: كل خسارة وتلف قبل تمام المضاربة يجبر بالربح (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - موثقة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن مال المضاربة، قال: الربح بينهما، والوضيعة على المال (2). قال السيد الحكيم رحمه الله في أن الاستدلال بهذه الموثقة إنما يتم: بناء على أن المال يشمل الأصل والربح وهو كما ترى ظاهر في أن المراد من المال ما يقابل الربح (3). والتحقيق: أن المال لغة وعرفا يشمل ذات المال وربح المال، ولا يكون الربح شيئا خارجا عن المال. وعليه يمكننا أن نسند القاعدة الى هذه الموثقة. 2 - مقتضى العقد: إن مقتضى عقد المضاربة هو جبران الضرر المالي من الربح


(1) العروة الوثقى: ص 532. (2) الوسائل: ج 13 ص 186 باب 3 كتاب المضاربة ح 5. (3) مستمسك العروة الوثقى: ج 13 ص 109.

[ 198 ]

الحاصل نتيجة للمضاربة. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: لا يخفى على من أعطى التأمل حقه، عدم صدق الربح الذي وقع الشرط بين المالك والعامل عليه، إلا على ما يبقى بعد جبر جميع ما يحدث على المال، من أول تسلمه إلى إنتهاء المضاربة، من غير فرق في النقصان بين إنخفاض السوق والغرق والحرق وأخذ الظالم والسارق وغير ذلك مما هو بآفة سماوية وغيرها (1). والأمر كما أفاده. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة والأمر متسالم عليه عندهم. كما قال شيخ الطائفة رحمه الله في محاولة هذا الحكم: أن الربح وقاية لمال رب المال، فما ربح بعد هذا كان وقاية لما تلف منه (2). وقال السيد اليزدي رحمه الله: الربح وقاية لرأس المال (3). وقال السيد الحكيم رحمه الله هذا (الحكم) من الأحكام المسلمة بينهم (ويقال) أنه محل وفاق، ويقتضيه ما عرفت من أن الربح المجعول للعامل ما زاد على تدارك النقص المالي الحادث من خسران أو تلف، وهو العمدة فيما ذكروه (4). فرعان الأول: قال سيدنا الاستاذ: لا فرق في جبر الخسارة بالربح السابق واللاحق ما دام عقد المضاربة باقيا، بل الأظهر الجبر وإن كانت الخسارة قبل الشروع في التجارة، كما إذا سرق في أثناء سفر التجارة قبل الشروع فيها، أو في البلد قبل الشروع في السفر (5). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: لو تلف الجميع قبل الشروع في التجارة فالظاهر أنه موجب لبطلان المضاربة. هذا في التلف السماوي، وأما إذا أتلفه العامل أو الأجنبي فالمضاربة لا تبطل إذا أدى المتلف بدل التلف (6).


(1) جواهر الكلام: ج 26 ص 396. (2) المبسوط: ج 3 ص 190. (3) العروة الوثقى: ص 532. (4) مستمسك العروة الوثقى: ج 13 ص 109. (5) منهاج الصالحين: ج 2 ص 130. (6) المصدر السابق.

[ 199 ]

قاعدة كل رهن فإنه غير مضمون المعنى: معنى القاعدة هو عدم الضمان على المرتهن عند تلف الرهن فإذا تلف الرهن (العين الذي هو وثيقة على الدين) في يد المرتهن بدون تفريط لا يكون على المرتهن (من توضع عنده الرهينة) ضمان بل يكون التلف على الراهن (صاحب الرهينة). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب الرهن وما يتعلق به. منها صحيحة جميل بن دراج قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في رجل رهن عند رجل رهنا فضاع الرهن قال: (هو من مال الراهن ويرجع المرتهن عليه بماله) (1). دلت على عدم الضمان على المرتهن بالنسبة إلى تلف المال الرهينة. ومنها صحيحة أبان ابن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه - خ) قال: في الرهن: (إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع بحقه على الراهن فأخذه) (2). دلت على أن الرهن غير مضمون فإذا تلف عند المرتهن لا يكون عليه الضمان.


(1) الوسائل: ج 13 ص 125 باب 5 كتاب الرهن ح 1. (2) نفس المصدر السابق: ح 2.

[ 200 ]

2 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في محاولة مدلول القاعدة، أن الأمر يكون كذلك: بلا خلاف أجده فيه بيننا بل ظاهر كشف الحق وغيره الأجماع عليه، بل عن الخلاف والغنية والسرائر والتذكرة والمفاتيح دعواه صريحا. ثم ذكر رحمه الله جملة من الروايات، فقال بعد النقض والأبرام: وعلى كل حال فالمسألة من الواضحات وحينئذ فهو أمانة يجري عليه حكمها الذي منه تصديقه في دعوى التلف (1). فرعان الأول: قال سيدنا الاستاذ: المرتهن أمين لا يضمن بدون التعدي، ويضمن معه لمثله إن كان مثليا، وإلا فلقيمته يوم التعدي، والقول قوله مع يمينه في قيمته وعدم التفريط، وقول الراهن في قدر الدين (2). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا إختلفا فالقول قول المالك مع إدعائه الوديعة وإدعاء الاخر الرهن، هذا إذا لم يكن الدين ثابتا وإلا فالقول قول مدعي الرهن (3). * (هامش) (1) جواهر الكلام: ج 25 ص 174 إلى ص 177. (2) منهاج الصالحين: ج 2 ص 177. (3) نفس المصدر السابق: ص 178.

[ 201 ]

قاعدة كل عضو يقتص منه مع وجوده تؤخذ الدية مع فقده المعنى: معنى القاعدة هو أخذ الدية بدلا عن العضو الذي يقتص منه، كما قال سيدنا الاستاذ: كل عضو يقتص منه مع وجوده تؤخذ الدية بدله مع فقده، فإذا قطع من له إصبع واحدة إصبعين من شخص قطعت الأصبع الواحدة قصاصا عن إحداهما وأخذت دية الاخرى (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الاشتغال: إنما سقط القصاص في مفروض المقام، لعدم وجود ما يقتص منه وأما الجناية فهي باقية بحالها، وتكون ذمة الجاني مشغولة حتى تؤدي ما عليها (غرامة الجناية)، ولا يرفع الاشتغال بدون الدية، فلا بد من اعطائها. 2 - اطلاقات الأدلة: قال سيدنا الاستاذ: وذلك (الحكم)، لأنه مضافا إلى أن حق المسلم لا يذهب هدرا لا قصور في اطلاقات أدلة الدية عن شمول مثل المقام الذي لا يمكن فيه الاقتصاص (2).


(1) تكملة المنهاج: ج 2 ص 174. (2) نفس المصدر السابق.

[ 202 ]

منها (الاطلاقات) صحيحة سليمان بن خالد قال: قلت: لأبي عبد الله عليه السلام الرجل يدخل الحمام فيصب عليه صاحب الحمام ماءا حارا فيمتغط شعر رأسه فلا ينبت، فقال: عليه الدية (1). فبما أنه لا خصوصية للمورد دلت الصحيحة على تحقق الدية عند الجناية مطلقا. 3 - التسالم: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: لا خلاف نصا وفتوى، بل ولا إشكال في أن: كل عضو يؤخذ قودا مع وجوده تؤخذ الدية مع فقده (2). فالأمر متسالم عليه عندهم. فرعان الأول: إذا قطع الجاني الكف بكاملها من المجني عليه ولم تكن للجاني أصابع بالخلقة الأصلية فهل يكفي قطع الكف الناقصة من الجاني أو لا يكفي بل يؤخذ الدية أيضا بدلا عن الأصابع؟ قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله بان الصحيح نظرية الجمع بين القصاص والدية: لأنه أقرب الى المثل بعد تعذر الصورة، ولما عرفته من القاعدة، وهي: كل عضو يؤخذ قودا لو كان (موجودا)، تؤخذ الدية مع فقده (3). وقال سيدنا الاستاذ: ذهب جماعة إلى أنه لو قطع كفا تامة من ليس له أصابع أصلا أو ليس له بعضها قطعت كفه واخذت منه دية الناقص وفيه إشكال والأقرب عدم جواز أخذ الدية (4). وذلك لعدم الدليل عليه إلا الأجماع الذي نقله الشيخ رحمه الله في الخلاف. كما قال سيدنا الاستاذ: بعد النقض والأبرام أنه لا دليل على هذا (الحكم) ولا نص في المسألة فمقتضى أدلة القصاص هو الاقتصار على قطع


(1) الوسائل: ج 19 ص 261 باب 37 من أبواب ديات الاعضاء، ح 2. (2) جواهر الكلام: ج 42 ص 396. (3) نفس المصدر السابق: ص 397.

[ 203 ]

اليد (1). والأمر كما أفاده. الثاني: قال سيدنا الاستاذ: وأما إذا كان الناقص عضو المجني عليه، كما إذا قطعت يده الناقصة أصبعا واحدة أو أكثر، فهل له قطع يد الجاني الكاملة أم لا؟ فيه أقوال: الظاهر أن له القطع من دون وجوب رد شئ عليه (2).


(1) و (2) تكملة المنهاج: ج 2 ص 175.

[ 204 ]

قاعدة كل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده المعنى: معنى القاعدة هو أن العقد الذي لا يوجب الضمان في فرض الصحة، لا يوجب الضمان في فرض الفساد، كالرهن والوكالة والمضاربة وغيرها. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الأولوية: قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: ثم أن مبنى هذه القضية السالبة على ما تقدم من كلام الشيخ في المبسوط هي الأولوية، وحاصلها أن الرهن لا يضمن بصحيحه فكيف بفاسده. وتوضيحه: أن الصحيح من العقد إذا لم يقتض الضمان مع إمضاء الشارع له فالفاسد الذي بمنزلة العدم لا يؤثر في الضمان. (واشكل عليه) فقال: لكن يخدشها أنه لا يجوز أن يكون صحة الرهن والأجارة الملتزمة لتسلط المرتهن والمستأجر على العين شرعا مؤثرة في رفع الضمان، بخلاف الفاسد الذي لا يوجب تسلطا لهما على العين، فلا أولوية (1). وأفاد أن المدرك في عدم الضمان فحوى دليل الاستئمان. وقال سيدنا الاستاذ: والتحقيق أن الدليل على عكس القاعدة إنما هو عدم الدليل على الضمان في موارده لا شئ آخر (2).


(1) و (2) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 114.

[ 205 ]

2 - الاستقراء: الصحيح أن هذه القاعدة قد حصلت من الاستقراء التام في موارد العقود التي لا توجب الضمان، فوجدوا عدم الضمان في فاسدها كصحيحها - وإن كان المنشأ هو عدم وجود السبب للضمان بحسب الواقع - فلا كلام فيه (عدم الضمان) بينهم والأمر متفق عليه عندهم، فلما تم الاستقراء تم المدرك للقاعدة، ولا حاجة بعد ذلك إلى ذكر الدليل من الأولوية وانتفاء السبب وغيرهما. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله نقلا عنهم: أن الأصحاب وغيرهم أطلقوا القول في هذه القاعدة ولم يخالف فيها أحد (1). فرعان الأول: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: الظاهر عدم ضمان العين في يد المرتهن الى المدة، كما أن الظاهر ضمانها بعدها، لأن القبض فيها بالرهن الفاسد، فلا يضمن كصحيحه (2). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، لا يضمنها إذا تلفت أو تعيبت إلا بالتعدي أو التفريط - الى أن قال: - كما أن الظاهر أنه لا ضمان في الاجارة الباطلة إذا تلفت العين أو تعيبت (3). كما قال العلامة رحمه الله: إذا كانت الاجارة فاسدة لم يضمن المستأجر العين، إذا تلفت بغير تفريط ولا عدوان، لانه عقد لا يقتضي صحيحه الضمان (بالنسبة الى العين) فلا يقتضيه فاسده، وحكم كل عقد فاسد حكم صحيحه في وجوب الضمان وعدمه (4). والأمر كما أفاده.


(1) جواهر الكلام: ج 25 ص 227. (2) نفس المصدر السابق. (3) منهاج الصالحين: ج 2 ص 90. (4) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 318.

[ 206 ]

قاعدة كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده المعنى: معنى القاعدة هو أن كل عقد يوجب الضمان في فرض الصحة يكون كذلك في فرض الفساد، والمراد من العقد هنا هو الذي يتعلق بالمعاملة المالية وعليه يخرج عقد النكاح خروجا تخصصيا. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الاقدام المعاملي: قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: ثم إن المدرك لهذه الكلية - على ما ذكره في المسالك في مسألة الرهن المشروط بكون المرهون مبيعا بعد انقضاء الأجل - هو إقدام الاخذ على الضمان، ثم أضاف إلى ذلك قوله عليه السلام: على اليد ما أخذت حتى تؤدي، والظاهر أنه تبع في استدلاله بالأقدام (عن) الشيخ في المبسوط - إلى أن قال: - وهذا الوجه لا يخلو عن تأمل (وجه التأمل عدم ملازمة الاقدام مع الضمان نفيا واثباتا) فقال: اللهم إلا أن يستدل على الضمان فيها بما دل على احترام مال المسلم وأنه لا يحل إلا عن طيب نفسه، وأن حرمة ماله كحرمة دمه، وأنه لا يصلح ذهاب حق أحد، مضافا إلى أدلة نفي الضرر. وقال في نهاية المطاف: فليس دليل الأقدام دليلا مستقلا بل هو بيان لعدم المانع عن مقتضى اليد

[ 207 ]

في الأموال واحترام الأعمال (1). 2 - السيرة: قال سيدنا الاستاذ: وقد قامت السيرة القطعية العقلائية الممضاة للشارع على أن التسلط على مال الغير تسلطا غير مجاني موجب للضمان وحيث إن الشارع المقدس لم يمض الضمان بالمسمى فيثبت الضمان (الواقعي) بالمثل أو القيمة وإذا فثبوت الضمان إنما هو بالأقدام المنضم إلى الأستيلاء من جهة السيرة العقلائية (2). 3 - الاستقراء: والتحقيق: أن يقال إن قاعدة كل عقد... الخ، قاعدة استقرائية حصلت من الاستقراء في العقود التي تنبثق منها القاعدة، فوجد الفقهاء أن كل عقد مثل البيع والجعالة وغيرهما الذي تحقق الضمان في صحيحه يتحقق الضمان في فاسده، ولكل من الموارد دليل خاص ذكر في محله، فيكون كل واحد منها تابعا لدليله الخاص. أضف الى ذلك التسالم الموجود عند الفقهاء كما مر بنا ذكره - كمدرك مستقل - في بيان المدارك لعدل القاعدة. فرعان الأول: قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: فالمتعين بمقتضى هذه القاعدة الضمان في مسألة البيع، لأن البيع الصحيح يضمن به (3). فيتحقق هناك ضمان معاملي على البائع والمشتري تجاه المبيع والثمن في مطلق الأحوال. الثاني: قد ألمحنا أن العين المستأجرة لم تكن مضمونة على التقديرين. وأما المنفعة في الاجارة تكون مضمونة باجرة المسمى في صورة الصحة، ومضمونة باجرة المثل في صورة الفساد، وفقا للقاعدة. كما قال سيدنا الاستاذ: إذا كانت


(1) المكاسب: البيع ص 103. (2) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 96. (3) المكاسب: البيع ص 102.

[ 208 ]

(الأجارة) مقيدة كما إذا إستأجر دابة لركوب نفسه فلا تصح إجارتها من غيره، فإذا آجرها من غيره بطلت الأجارة. فإذا اركبها المستأجر الثاني - عالما بالفساد أثم - ويضمن للمالك اجرة المثل للمنفعة المستوفاة (1).


(1) منهاج الصالحين: ج 2 ص 93.

[ 209 ]

قاعدة كلما أمكن الصبي من افعال الحج يفعله المعنى: معنى القاعدة هو أن الطفل (غير المكلف) - إذا تشرف في الحج بمساعدة وليه - يأتي كلما يتمكن من مناسك الحج، وبالنسبة الى ما لا يتمكن منه يأتيه وليه من قبله، كما قال شيخ الطائفة رحمه الله: كلما أمكن الصبي أن يفعله من افعال الحج فعليه، وما لم يمكنه فعلى وليه أن ينوب عنه (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات الواردة في باب الحج. منها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أنظروا من كان معكم من الصبيان، فقدموه إلى الجحفة، أو الى بطن مر، ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم، يطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه (2). دلت على المطلوب دلالة تامة. ومنها صحيحة زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا حج الرجل بابنه - وهو صغير - فإنه يأمره أن يلبي ويفرض الحج، فإن لم يحسن أن يلبي لبوا عنه ويطاف


(1) المبسوط: ج 1 ص 329. (2) الوسائل: ج 8 ص 207 ح 3.

[ 210 ]

به ويصلى عنه، قلت: ليس لهم ما يذبحون، قال: يذبح عن الصغار، ويصوم الكبار، ويتقى عليهم ما يتقي على المحرم من الثياب والطيب، وإن قتل صيدا فعلى أبيه (1). دلت على مدلول القاعدة بتمامه وكماله. كما قال سيدنا الاستاذ رحمه الله: المستفاد من النصوص إحداث هذه الاعمال (المناسك) وإيجادها في الصبي إذا كان ممن يتمكن أدائها، فانه يأمره أن يلبي ويلقنه التلبية، فان لم يحسن أن يلبي لبى عنه، وكذلك الطواف يطاف به، وإن لم يكن متمكنا من الطواف، لعدم تمييزه يطاف عنه، كما في صحيحة زرارة (المتقدمة) فكل فعل من أفعال الحج إذا تمكن من إتيانه يأمره بذلك، وينوب عنه في كل ما لا يتمكن (2). وها هو مدلول القاعدة. وقال السيد الحكيم رحمه الله: هذا الترتيب (كلما يتمكن الصبي من المناسك يفعله، وكلما لم يتمكن يفعله وليه) إستفادته من النصوص ظاهرة (3). والأمر كما أفاده 2 - التسالم: قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة فلا خلاف ولا اشكال فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم. كما قال العلامة رحمه الله: كل ما يتمكن الصبي من فعله فعله، وغيره على وليه أن ينو به فيه (4). والحكم مفتى به عند الفقهاء. كما قال السيد اليزدي رحمه الله في الفتوى: يستحب للولي أن يحرم بالصبي الغير المميز بلا خلاف - إلى أن قال: - ويأمره بكل من أفعال الحج يتمكن منه، وينوب عنه في كل ما لا يتمكن (5).


(1) الوسائل: ج 8 ص 208 ب 17 من أبواب أقسام الحج ح 5. (2) مستند العروة الوثقى: كتاب الحج، ج 1 ص 34. (3) مستمسك العروة الوثقى: ج 10 ص 22. (4) ايضاح الفوائد، شرح القواعد: ج 1 ص 264. (5) العروة الوثقى: ص 426.

[ 211 ]

فرعان الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: لو حج الصبي عشر مرات لم يجزه عنه حجة الأسلام، بل يجب عليه بعد البلوغ والاستطاعة، لكن إستثنى المشهور من ذلك ما لو بلغ وأدرك المشعر، فإنه حينئذ يجزي عن حجة الأسلام، بل ادعى بعضهم الأجماع عليه (1). الثاني: هل الحكم المستفاد من القاعدة يختص للصبي، أو يشمل الصبية أيضا؟ قال سيدنا الاستاذ رحمه الله: أن المشهور لم يفرقوا بين الصبي، والصبية، ولكن صاحب المستند إستشكل في الصبية، بدعوى إختصاص النصوص بالصبي، والحاق الصبية به يحتاج الى دليل وهو مفقود (2). والتحقيق: هو ما ذهب إليه المشهور، وذلك أولا: يمكننا إستفادة حكم الصبية من معتبرة يونس بن يعقوب - الواردة في الباب - التي صرحت بلفظ الصبية (3). وثانيا: الصبي بحسب متفاهم العرف يساوق الطفل اعم من الذكر والانثى، أضف الى ذلك، إستناد الحكم الى قاعدة الاشتراك. * (هامش) (1) العروة الوثقى: ص 426 و 427. (2) مستند العروة الوثقى: كتاب الحج ج 1 ص 32. (3) الوسائل: ج 8 ص 208 باب 17 من اقسام الحج ح 1.

[ 212 ]

قاعدة كلما بطل العقد يتحقق اجرة المثل المعنى: معنى القاعدة هو ثبوت اجرة المثل عند بطلان عقد الاجارة والمضاربة وما شاكلهما (الجعالة والنكاح)، فإذا فسد عقد الاجارة مثلا وتحقق الاستيفاء والعمل في إجارة المنافع والاعمال، إذا يسقط اجرة المسمى، ويتحقق أجرة المثل. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (1) دل على عدم جواز أكل مال المسلم - كاستيفاء منفعة العين المستأجرة والاستفادة من عمل الاجير - بدون المسوغ الشرعي، فيجب إعطاء اجرة المثل، وها هو المطلوب. 2 - النبوي المشهور: لا يحل مال إمرء مسلم إلا بطيبة نفسه. 3 - القواعد: التحقيق: أن القاعدة المتلوة تكون نتيجة لعدة قواعد مسلمة فقهية، منها: قاعدة إحترام مال المسلم وعمله، التي مر بنا ذكرها، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في أن مدلول القاعدة يكون متسالم عليه: مضافا إلى مثل ذلك (التسالم) بالنسبة إلى قاعدة: ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده، الشاملة


(1) النساء: 29.

[ 213 ]

للمقام، والى قاعدة: إحترام مال المسلم وعمله، وقاعدة: من أتلف، وقاعدة: على اليد، وقاعدة: لا ضرر، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ونحو ذلك مما يقضي بذلك، ضرورة أنه مع بطلان العقد يبقى كل من العوضين على ملك صاحبه، فيجب على كل منهما رده بعينه إذا كان موجودا، وإن كان تالفا بقيمته أو مثله، لفساد الالتزام بالمسمى بفساد العقد الذي قد وقع فيه، ومنه اجرة المثل في المقام، فانها هي قيمة المنفعة المستوفاة (1). والأمر كما أفاده. 4 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة، فلا خلاف ولا إشكال فيه بينهم، والأمر متسالم عليه عندهم. كما قال المحقق الحلي رحمه الله: وكل موضع يبطل فيه عقد الاجارة، تجب فيه اجرة المثل، مع إستيفاء المنفعة أو بعضها، سواء زادت عن المسمى أو نقصت عنه (2). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في أن الحكم يكون كذلك: بلا خلاف أجده فيه في شئ من ذلك، بل قد يظهر من إرسالهم ذلك إرسال المسلمات أنه من القطعيات (3). وقال سيدنا الاستاذ في أن الحكم يكون كذلك: إذ بعد أن لم يمض الشارع الاجرة المسماة بمقتضى إفتراض فساد الاجارة فوجودها كالعدم وكأن العقد لم يكن، وبما أن عمل العامل مثل مال المالك محترم لا يذهب هدرا، وقد وقع بامر المستأجر وهو الذي أستوفاه وأتلفه، فلاجرم يضمن لصاحبه اجرة المثل، هكذا ذكره الماتن (السيد اليزدي) وغيره من الفقهاء، مرسلين له إرسال المسلمات (4). فروع الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا كانت المضاربة فاسدة، (ولم يكن هناك


(1) جواهر الكلام: ج 27 ص 246 و 247. (2) شرائع الأسلام: ج 2 ص 181 و 182. (3) جواهر الكلام: ج 27 ص 246. (4) مستند العروة: الاجارة: ص 87.

[ 214 ]

تقييد ولا اشتراط بشئ آخر) يستحق العامل مع جهلهما لاجرة عمله (1). فيكون للعامل في المضاربة الباطلة اجرة المثل. الثاني: قال شيخ الطائفة رحمه الله: كل موضع نقول: يبطل الصداق (بواسطة بطلان العقد أو بواسطة شئ آخر) فإنه يجب مهر المثل (2). الثالث: قال الامام الخميني رحمه الله: كل مورد بطلت الجعالة للجهالة، إستحق العامل اجرة المثل (3). الرابع: قال المحقق الحلي رحمه الله: كل موضع يحكم ببطلان المزارعة تجب لصاحب الأرض اجرة المثل (4). الخامس: قال المحقق الحلي رحمه الله: كل موضع تفسد فيه المساقاة، فللعامل اجرة المثل (5).


(1) العروة الوثقى: ص 539. (2) المبسوط: ج 4 ص 304. (3) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 91. (4) شرائع الأسلام: ج 2 ص 153. (5) نفس المصدر السابق: ص 158.

[ 215 ]

قاعدة كلما كان له منفعة محللة مقصودة تصح إجارته المعنى: معنى القاعدة هو أنه يشترط في الأءجارة (بيع المنفعة مع بقاء العين) كون المنفعة مباحة، ومطلوبة عند العقلاء، فلا يصح إجارة شئ للانتفاع المحرم ولا يصح إجارة شئ يكون له منفعة مباحة حقيرة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - التسالم: قال السيد اليزدي رحمه الله كإرسال المسلم: كلما يمكن الانتفاء به منفعة محللة مقصودة للعقلاء مع بقاء عينه يجوز إجارته، وكذا كل عمل محلل مقصود للعقلاء عدا ما استثنى يجوز الأجارة عليه (1). وقال الشهيد الأول رحمه الله وفقا للمشهور: كلما يصح الانتفاع به مع بقاء عينه تصح إجارته - إلى أن قال: - ولا بد من كونها (المنفعة) مباحة فلو استأجره لتعليم كفر وغناء أو حمل مسكر بطل (العقد) (2). وقال المحقق الحلي رحمه الله من الشرائط: أن تكون المنفعة مباحة (3)


(1) العروة الوثقى: كتاب الأجارة مسألة 20 ص 515. (2) اللمعة الدمشقية: ج 4 ص 349. (3) شرائع الأسلام: ج 2 ص 186.

[ 216 ]

وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: (و) أما حرمة التكسب في (إجارة المساكن والسفن) ونحوها (للمحرمات...) مثلا على وجه يبطل العقد معها، فلاخلاف أجده فيها. مع التصريح بالشرطية أو الاتفاق عليها على وجه بنى العقد عليها، بل عن مجمع البرهان نسبته إلى ظاهر الأصحاب، بل عن المنتهي دعوى الأجماع عليه، كما عن الخلاف والغنية الأجماع على عدم صحة إجارة المسكن ليحرز فيه الخمر أو الدكان ليباع فيه (1). وقد حصل الأجماع على اشتراط الحلية (القيد الأول). وأما إشتراط المنفعة بالمقصودة (القيد الثاني) فهو أيضا يكون مورد التسالم، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله عند بيان المكاسب المحرمة: النوع (الثالث ما لا ينتفع به) نفعا مجوزا للتكسب به على وجه يرفع السفه عن ذلك، بلا خلاف أجده فيه، بل الأجماع بقسميه عليه (2). فأفاد أن التكسب (البيع والأجارة وغيرهما) لو لم يكن له منفعة مقصودة حرام بالأجماع. 2 - المشروعية: قال المحقق النائيني رحمه الله: أن اشتراط مملوكية المنفعة يغني عن هذا الشرط، فإن المنفعة المحرمة غير مملوكة (3). كما قال العلامة رحمه الله: الشرط للمنفعة أن تكون محللة، (ولازمه أن) كل منفعة محرمة لا يجوز عقد الاجارة فيها، لأنها مطلوبة العدم في نظر الشرع، فلا يجوز عقد الاجارة على تحصيلها (4). وبكلمة واضحة: المنفعة محددة بحدود محرمة شرعية. أضف الى ذلك أن دليل الأمضاء (أوفوا) لا يشمل الفعل المحرم، كما قال سيدنا الاستاذ: والصحيح في وجه الاشتراط أن يقال: أن أدلة صحة العقود ووجوب الوفاء بها قاصرة عن الشمول للمقام - إلى أن قال: - وعلى الجملة صحة العقد ملازمة للوفاء بمقتضى قوله تعالى: اوفوا بالعقود فإذا انتفى اللازم انتفى


(1) جواهر الكلام: ج 22 ص 30. (2) نفس المصدر السابق: ص 34. (3) التعليقة على المكاسب: ص 14. (4) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 300. الملزوم بطبيعة الحال، فأدلة الوفاء ونفوذ العقد لا تعم المقام، ومعه لا مناص من

[ 217 ]

الحكم بالبطلان (1). والأمر كما أفاده. 3 - الروايات: منها معتبرة جابر الجعفي كما قال سيدنا الاستاذ: ويدل عليه من الروايات ما رواه الشيخ باسناده عن عبد المؤمن عن صابر (جابر) قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه (فيها) الخمر قال: (حرام أجره) (2). أما من حيث السند فالظاهر أنها معتبرة إذ المذكور في الوسائل وإن كان (صابر) ولم يوثق، ولكن المذكور في موضع من التهذيب مع لفظة صابر كلمة (جابر) بعنوان النسخة وهو جابر الجعفي الذي أدرك الصادق عليه السلام (وهو ثقة)..، والمذكور في موضع آخر من التهذيب والاستبصار وكذا الكافي هو (جابر) من دون ضم صابر حتى بعنوان النسخة، فمن ثم يطمأن أن الراوي إنما هو جابر... وكيفما كان فلا شك أن الكافي أضبط سيما مع اعتضاده بالاستبصار وبموضع من التهذيب. وأما الدلالة، رويت في الكافي والاستبصار هكذا (يؤجر بيته يباع فيه الخمر) الظاهر في وقوع الأجارة لهذه الغاية وبعنوان المنفعة المحرمة، وقد دلت على الحرمة الملازمة للبطلان (3). ولا يخفى أن هذه الرواية ذكرت في موضع آخر من التهذيب بلفظة (فيباع) ولكن بما أن نقل الكافي أضبط كان هو المتبع، فالدلالة تامة كما أن السند تام. وتبين لنا أن مدلول الرواية إنما هو اشتراط الحلية (الجزء الأول). وأما اشتراط المنفعة بالمقصودة (الجزء الثاني) فيدل عليه - مضافا إلى الأجماع الذي نقله المحقق صاحب الجواهر رحمه الله - بطلان المعاملة مع السفه.


(1) مستند العروة: كتاب الأجارة ص 46. (2) الوسائل: ج 12 ص 126 باب 39 من أبواب ما يكتسب به ح 1. (3) مستند العروة: كتاب الأجارة ص 47.

[ 218 ]

ويمكن أن يستدل لأثبات الجزء الثاني بأمر آخر، وهو أن الأجارة تكون من المعاملات العقلائية التي يكون موضوعها منفعة مقصودة عند العقلاء حسب الأرتكاز والانصراف، وبدونها لا تتحقق الأجارة العقلائية وإن تحققت الأجارة اللغوية. فرعان الأول: قد يتوهم بأن الأجارة ربما تتواجد على النهج السفهائي ومع ذلك كانت صحيحة. كما إذا استأجر أحد سكنى الدار التي كانت محل تلمذه باجرة خطيرة، وذلك لأجل الحب النفساني بالنسبة إلى ذلك المحل، فهذه الأجارة تكون سفهائية ومع ذلك تكون ممضاة عند العقلاء. والتحقيق: أنه لا أصل لهذا التوهم وذلك لأن الأمر المعنوي (الحب) يكون من الامور العقلائية في موارد خاصة، ويكون بذل المال تجاه الانتفاع المركب من الأمر المادي (السكنى) والمعنوي (الحب) عمل سائغ عند العقلاء، فلا تكون الأجارة سفهائية. الثاني: لو شك في كون المنفعة أنها مقصودة عند العقلاء، فهل تصح الأجارة في هذا الفرض أو لا؟ التحقيق عدم الجواز وذلك، لأن القصد العقلائي يكون من قيود الموضوع فلا بد من إحرازه، وإلا فلا يتحقق الموضوع للأجارة.

[ 219 ]

قاعدة كل ما يوجب الكفارة في الأحرام مشترط بالعمد المعنى: معنى القاعدة هو أن المنهيات التي توجب الكفارة حال الاحرام (كلبس المخيط وتغطية الرأس والأستظلال وغيرها) إذا تحققت جهلا أو نسيانا لا تكون موجبة للكفارة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات الواردة في باب الاحرام. منها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تأكل من الصيد وأنت حرام، وإن كان أصابه محل، وليس عليك فداء ما أتيته بجهالة إلا الصيد، فان عليك فيه الفداء بجهل كان أو بعمد (1). دلت على أن كل ما يؤتى من المحرمات حال الاحرام إذا لم يكن عن عمد لا يوجب الفدية (الكفارة) إلا الصيد، فانه بواسطة الاستثناء الوارد في الصحيحة، غير مشترط بالعمد، وخارج عن مدلول القاعدة. ولا بأس به، لأنه: ما من عام إلا وقد خص.


(1) الوسائل: ج 9 ص 226 باب 31 من ابواب كفارات الصيد ح 1.

[ 220 ]

وبالتالي: فالمدرك الوحيد الكامل للقاعدة هو قوله عليه السلام في الصحيحة: وليس عليك فداء ما أتيته بجهالة، وبه غنى وكفاية. ومنها صحيحة معاوية بن عمار - الثانية في الباب - عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: إعلم أنه ليس عليك فداء شئ أتيته وأنت محرم جاهلا به، إذا كنت محرما في حجك أو عمرتك إلا الصيد، فإن عليك الفداء بجهالة كان أو عمد (1). دلت على مدلول القاعدة بتمامها وكمالها، فالدلالة تامة ويتم بها الاعتبار للقاعدة. وهناك روايات كثيرة لا حاجة بذكر جميعها. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في محاولة ذلك الحكم: النصوص التي (تتواجد هناك) يمكن دعوى القطع بمضمونها، إن لم تكن متواترة إصطلاحا (2). 2 - التسالم: قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة فلا خلاف ولا إشكال فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم. كما قال شيخ الطائفة رحمه الله: فكل ما يفعل من ذلك (محظورات الاحرام) على وجه السهو لا يتعلق به كفارة، ولا فساد الحج إلا الصيد خاصة، فإنه يلزمه فداؤه عامدا كان أو ساهيا، وما عداه إذا فعله عامدا لزمته الكفارة، وإذا فعله ساهيا لم يلزمه شئ (3). والأمر كما أفاده. والحكم مفتى به عند الفقهاء، كما قال الامام الخميني رحمه الله في الفتوى: كل ما يوجب الكفارة لو وقع عن جهل بالحكم أو غفلة أو نسيان لا يبطل به حجه وعمرته ولا شئ عليه (4). فرعان الأول: قال المحقق الحلي رحمه الله: لا يجوز لمن أحرم أن ينشئ إحراما آخر،


(1) الوسائل: ج 9 ص 227 باب 31 من ابواب كفارات الصيد. (2) جواهر الكلام: ج 18 ص 287. (3) المبسوط: ج 1 ص 336. (4) تحرير الوسيلة: ج 1 ص 402.

[ 221 ]

حتى يكمل أفعال ما أحرم له. فلو أحرم متمتعا ودخل مكة، وأحرم بالحج قبل التقصير ناسيا، لم يكن عليه شئ، وقيل: عليه دم، وحمله على الاستحباب أظهر (1). الثاني: قال المحقق الحلي رحمه الله: وتغطية الرأس: وفي معناه الارتماس، ولو غطى رأسه ناسيا، ألقى الغطاء واجبا، وجدد التلبية استحبابا (2).


(1) شرائع الأسلام: ج 1 ص 246. (2) نفس المصدر السابق: ص 251.

[ 222 ]

قاعدة كل من مر بميقات وجب عليه الأحرام المعنى: معنى القاعدة هو أن كل مكلف كان ذاهبا إلى مكة المكرمة إذا وصل لأحدى المواقيت يجب عليه الأحرام، ولايجوز المرور من الميقات بدون الأحرام. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بالروايات الواردة في الباب. منها صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: (كتبت إليه أن بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العتيق وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل وعليهم في ذلك مؤونة شديدة... فكتب إن رسول الله صلى الله عليه وآله وقت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها، وفيها رخصة لمن كانت به علة، فلا تجاوز الميقات إلا من علة) (1). دلت على وجوب الأحرام عند المرور بالميقات حال الاختيار وهذا هو المطلوب. ومنها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله لا تجاوزها إلا وأنت محرم) (2). دلت على وجوب الأحرام على كل مكلف جاوز الميقات والدلالة


(1) الوسائل: ج 8 ص 241 باب 15 من أبواب المواقيت، ح 1. (2) الوسائل: ج 8 ص 241 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 1.

[ 223 ]

تامة كاملة، وعليه عنون صاحب الوسائل رحمه الله باب الرواية بباب: كل من مر بميقات وجب عليه الأحرام منه (1). 2 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: كل من حج أو اعتمر على ميقات لزمه الأحرام منه بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى (2). وقال السيد اليزدي رحمه الله: كل من حج أو اعتمر فميقاته ميقات أهل ذلك الطريق... بالأجماع والنصوص. منها صحيحة صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وقت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها عن غير أهلها (3). لا يخفى أن للقاعدة تخصيصا في الموردين: 1 - النذر. 2 - ضيق الوقت في عمرة شهر رجب، كما ذكر السيد اليزدي رحمه الله كلا الموردين فقال: أحدهما: إذا نذر الاحرام قبل الميقات فانه يجوز ويصح، للنصوص، منها خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام: (في من نذر أن يحرم من خراسان، عليه أن يحرم منه)... ثانيهما: إذا أراد إدراك عمرة رجب وخشي (الأنقضاء)... يجوز له الأحرام قبل الميقات، لصحيحة إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام في عمرة رجب في ضيق الوقت قال: (يحرم قبل الوقت لرجب) (4) ويستفاد من ظاهر بعض النصوص إطلاق الحكم في كل عمرة ولكن الأحوط الأقتصار في عمرة رجب تبعا للفقهاء الأجلة. فرعان الأول: من لم يمض من زمان إحرامه شهر واحد جاز له المرور من الميقات بدون الأحرام. كما قال المحقق الحلي رحمه الله: كل من دخل مكة وجب أن يكون


(1) الوسائل: ج 8 ص 240 باب 15. (2) جواهر الكلام: ج 18 ص 118. (3) العروة الوثقى: ص 487. (4) نفس المصدر: ص 488.

[ 224 ]

محرما، إلا أن يكون دخوله بعد إحرامه، قبل مضي شهر، أو يتكرر كالحطاب والحشاش (1). والحكم متسالم عليه. الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا ترك الأحرام من الميقات ناسيا أو جاهلا بالحكم أو الموضوع وجب العود إليها مع الامكان، ومع عدمه (الامكان) فإلى ما أمكن (الى جهة الميقات)، إلا إذا كان أمامه ميقات آخر، وكذا إذا جاوزها محلا لعدم كونه قاصدا للنسك ولا لدخول مكة، ثم بدا له ذلك فإنه يرجع إلى الميقات مع التمكن، وإلى ما أمكن مع عدمه (2).


(1) شرائع الأسلام: ج 1 ص 252. (2) العروة الوثقى: ص 490.

[ 225 ]

قاعدة كل من وجبت نفقته على الغير وجبت فطرته عليه المعنى: معنى القاعدة هو أن النفقة تستتبع وجوب زكاة الفطرة، فان وجوب نفقة الزوجة على الزوج مثلا يستلزم وجوب زكاة فطرتها عليه، وهكذا في جميع الموارد التي تجب النفقة على الغير. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب زكاة الفطرة. منها صحيحة حمادبن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (يؤدي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه ورقيق امرأته وعبده النصراني والمجوسي وما اغلق عليه بابه) (1). دلت على أنه كل من كانت إعاشته على شخص معين كانت فطرته أيضا عليه. ومنها موثقة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك فعليك أن تؤدي الفطرة عنه) (1). دلت على أن كل من وجبت


(1) الوسائل: ج 6 ص 229 باب 5 من أبواب زكاة الفطرة، ح 13. (2) نفس المصدر السابق: ح 8.

[ 226 ]

نفقته على الغير وجبت زكاة فطرته عليه. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم على أن زكاة الفطرة من الزوجة والأولاد وغيرهما واجبة على من عليه نفقتهم والحكم مفتى به، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: يجب على المكلف أن يخرجها (زكاة الفطرة) عن نفسه وعن جميع من يعوله. واستند في الحكم للأجماع والنصوص، فقال (إن الحكم يكون كذلك): بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، بل الأجماع بقسميه عليه، والنصوص (إلى حد) يمكن دعوى تواترها فيه (1). وذكر من النصوص صحيحة ابن سنان (المتقدمة). فروع الأول: إذا كانت النفقة غير واجبة كنفقة الضيف على المضيف فهي أيضا تستلزم وجوب فطرته عليه، ولكن ذلك خارج عن مدلول القاعدة، وحكمه مستفاد من دليل خاص في باب زكاة الفطرة، والقاعدة أجنبية عنها. الثاني: الفقير المعيل يجب عليه نفقة عياله ولا يجب عليه زكاة فطرتهم، وذلك لعدم وجوب الزكاة على الفقير الذي لا يمكنه تغذية عياله سنة كاملة. كما قال سيدنا الاستاذ: لا تجب (زكاة الفطرة) على الصبي والمجنون والفقير الذي لا يملك قوت سنة فعلا وقوة (2). الثالث: قال شيخ الطائفة رحمه الله: متى كان الخادم مشترى (للخدمة) وأنفق عليه كانت النفقة عليه في ماله، وكذلك الفطرة، لأنها تتبع النفقة، وإن كان مكترى (للخدمة) فلا نفقة له ولا فطرة، لأن الذي له اجرة عمله لا نفقة له على المكترى ولا زكاة عليه (3).


(1) جواهر الكلام: ج 15 ص 494. (2) منهاج الصالحين: ج 1 ص 319. (3) المبسوط: ج 6 ص 5.

[ 227 ]

قاعدة كل واجب بالعنوان الأولي يتقدم على الواجب بالعنوان الثانوي المعنى: معنى القاعدة هو أن الواجب بالجعل الأولى - وهو الذي يعم جميع المكلفين - يتقدم في مقام المزاحمة على الواجب بالعنوان الثاني - وهو الذي يكون مجعولا لبعض المكلفين في إطار خاص - كمزاحمة وجوب الحج مع وجوب النذر فإذا تحقق التزاحم بينهما يتقدم الحج. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الدليل الأولي: لا شك أن الدليل الأولي (دليل أصل وجوب الحج) لاثبات وجوب الحج تام يشمل مورد المزاحمة مع وجوب النذر، فلا قصور فيه عندئذ اصلا، وأما دليل وجوب النذر فيكون قاصرا عن شمول المقام، فلا يشمل مورد المزاحمة، فإذا تحقق التزاحم بينهما كان للحج دليل تام وكان النذر بلا دليل. وهذا هو المطلوب. 2 - إنتفاء الموضوع: بما أن وجوب النذر يكون مجعولا بالعنوان الثانوي كان من قيود موضوعه عدم استلزام المحذور الشرعي وإلا، فلا يتحقق الموضوع

[ 228 ]

عندئذ لوجوب النذر، كما قال سيدنا الاستاذ فيما إذا تحقق التزاحم بين وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر: لا إشكال في فساد النذر أو الشرط المخالف للكتاب أو السنة وما يكون محللا للحرام، وقد دلت على ذلك عدة من الروايات، ويترتب على هذا أن النذر في مفروض المقام بما أن متعلقه في نفسه محلل للحرام لاستلزامه ترك الواجب وهو الحج فلا ينعقد، لما قد عرفت اشتراط صحته بعدم كون متعلقه كذلك، وعليه فلا مناص من تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر - إلى أن قال: - وعلى هذا الأساس تستنتج من ذلك كبرى كلية وهي: أن كل واجب لم يكن وجوبه مشروطا بعدم كون متعلقه في نفسه محللا للحرام يتقدم في مقام المزاحمة على واجب كان وجوبه مشروطا بذلك. كالواجبات الألهية التي ليست بمجعولة في الشريعة المقدسة إبتداء بل هي مجعولة بعناوين ثانوية كالنذر والعهد والحلف والشرط في ضمن عقد وما شاكل ذلك، فإن وجوب الوفاء بتلك الواجبات جميعا مشروط بعدم كونها مخالفة للكتاب أو السنة ومحللة للحرام فتؤخذ هذه القيود العدمية في موضوع وجوب الوفاء بها. وعلى ذلك يترتب أن تلك الواجبات لا تصلح أن تزاحم الواجبات التي هي مجعولة في الشريعة المقدسة إبتداء كالصلاة والصوم والحج وما شابه ذلك، لعدم أخذ تلك القيود العدمية في موضوع وجوبها، وعليه ففي مقام المزاحمة لا موضوع لتلك الواجبات، فينتفي وجوب الوفاء بها بانتفاء موضوعه. فالنتيجة أن عدم مزاحمة تلك الواجبات معها، لقصور أدلتها عن شمولها في هذه الموارد اعني بها موارد مخالفة الكتاب أو السنة وتحليل الحرام في نفسها، لانتفاء موضوعها لا لوجود مانع في البين. ومن هنا قلنا أن أدلة وجوب الوفاء بها ناظرة إلى الأحكام الأولية، ودالة على نفوذ تلك الواجبات ووجوب الوفاء بها فيما إذا لم تكن مخالفة لشئ من تلك

[ 229 ]

الأحكام، وأما في صورة المخالفة فتسقط بسقوط موضوعها كما عرفت (1). والأمر كما أفاده. فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: لا تنعقد يمين الولد مع منع الوالد ولا يمين الزوجة مع منع الزوج إلا أن يكون المحلوف عليه فعل واجب أو ترك حرام (2). فيتقدم أمر الوالد (العنوان الأولي) على انعقاد اليمين (العنوان الثانوي) على أساس القاعدة. الثاني: قال شيخ الطائفة رحمه الله: الدين مقدم على الوصية (3). وفي ضوء هذا البيان الجميل إذا كان مفاد وصية الميت بالنسبة إلى ما تركه مزاحما لأداء دينه - كإستيعاب الدين للميراث - إذا كان الدين مقدما على الوصية، فيتقدم وجوب أداء الدين (العنوان الأولي) على وجوب العمل بمفاد الوصية (العنوان الثانوي) وفقا للقاعدة المتلوة.


(1) محاضرات: ج 3 ص 251 الى 253. (2) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 256. (3) المبسوط: ج 4 ص 22.

[ 230 ]

قاعدة لا تجتمع الزكاتان في عين واحدة المعنى: معنى القاعدة هو أن الزكاة لا تتعلق في العين الزكوية الواحدة مرتين، والمراد من العين هنا هي الغلات التي تبلغ النصاب، فإذا اعطى صاحب المال زكاة غلاته مرة واحدة تكفي نهائيا، فلا تتعلق الزكاة بها مرة ثانية، وإن بقيت سنين متطاولة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب زكاة الغلات. منها النبوي المعروف الذي ذكره الشهيد رحمه الله في قواعده كقاعدة فقهية، وهو قوله صلى الله عليه وآله: (لا ثنى في الصدقة) (1). دل على عدم تكرر الزكاة بالنسبة إلى المال الزكوي إلا ما خرج بالدليل، - كالنقدين مثلا - فالدلالة تامة. ولكن الحديث مرسل لا يمكن المساعدة عليه من ناحية السند فلا يكون صالحا للاستناد. ومنها صحيحة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أيما رجل كان له حرث أو ثمرة فصدقها فليس عليه فيه شئ - إلى أن قال: - وإن ثبت ذلك ألف عام إذا كان بعينه، فإنما عليه فيها صدقة العشر، فإذا أداها مرة واحدة وإن بقيت ألف عام فلا


(1) النهاية لابن الأثير: مادة (ثنى) وثنى على وزن (إلى).

[ 231 ]

تتكرر فيها الزكاة. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف فيه بينهم فالأمر متسالم عليه عندهم، كما قال المحقق الحلي رحمه الله: ويزكي حاصل الزرع ثم لا يجب بعد ذلك فيه زكاة ولو بقي أحوالا (1) وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله أن الحكم يكون كذلك: إجماعا بقسميه ونصوصا (2). مضافا إلى اقتضاء الأمر الطبيعة، ولا معارض له بخلافه في الأنعام والنقدين، كما هو واضح والله أعلم (3). فرعان الأول: إذا اجتمعت الزكاة في مال واحد من وجهين كاجتماعها في الأنعام من جهة المال ومن جهة التجارة فهل يتحقق زكاتان على خلاف القاعدة أم لا؟ التحقيق: والمتسالم عليه هو عدم الاجتماع، وذلك على أساس القاعدة. كما قال المحقق الحلي رحمه الله: إذا ملك أحد النصب الزكاتية للتجارة مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة سقطت زكاة التجارة ووجبت زكاة المال ولا يجتمع الزكاتان (4). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله بان الحكم يكون كذلك: بلا خلاف كما في الخلاف، بل في الدروس ومحكي التذكرة والمعتبر والمنتهى الأجماع عليه (5). الثاني: لا فرق في تكرر السنين بين أن يكون ذلك بدون القصد (صدقة) أو كان بقصد الأحتكار. كما قال السيد اليزدي رحمه الله: لا تتكرر زكاة الغلات بتكرر السنين إذا بقيت أحوالا، فإذا زكى الحنطة ثم إحتكرها سنين لم يجب عليه شئ وكذا التمر وغيره (6).


(1) شرائع الأسلام: ج 1 ص 153. (2) الوسائل: ج 6 ص 133 باب 11 من أبواب زكاة الغلات ح 1. (3) جواهر الكلام: ج 15 ص 223. (4) شرائع الاسلام: ج 1 ص 157. (5) جواهر الكلام: ج 15 ص 279. (6) العروة الوثقى: ص 370.

[ 232 ]

قاعدة لا تعاد الصلاة إلا من خمس المعنى: معنى القاعدة هو عدم إعادة الصلاة في فرض وقوع الخلل فيها، إلا في خمسة موارد (المنصوصة في الحديث)، وعليه إذا ورد الخلل في الصلاة من غير عمد ولا تقصير ولم يكن ذلك الخلل بالنسبة إلى الامور الخمسة المذكورة في الحديث لا يوجب الاعادة في الصلاة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الرواية: وهي صحيحة زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: لا تعاد الصلاة إلا من خمس، الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود (1). دلت هذه الصحيحة على عدم وجوب الاعادة عند وقوع الخلل في الصلاة إلا إذا كان الاخلال من ناحية الامور الخمسة المنصوصة، والدلالة صريحة لا اشكال فيها، وإنما الأشكال في الجمع بين مفاد الحديث ومفاد أدلة الركن وأدلة الجزئية فلا بد لنا من البحث في الموردين. المورد الأول في أدلة الركن: من المعلوم أن مفاد الحديث هو حصر الأعادة في فرض النقص الواقع بواسطة أحد الامور الخمسة، ولكن التكبير والنية والقيام


(1) الوسائل: ج 4 ص 770 باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة ح 5.

[ 233 ]

(التي تكون من الأركان وتجب الأعادة عند النقص بكل واحد منها، لادلتها الخاصة)، لم تذكر في الحديث، فكيف التوفيق بين مفاد الحديث ومفاد دليل الركن. هنا اتجاهان (الأول) قد يقال: أن التكبير والنية معا مفتاح الصلاة، والقيام يتحقق في ضمن التكبير، فمفاد الحديث هو بيان الوظيفة بعد تحقق الصلاة. وبعبارة واضحة يقال: إن الصلاة لا توجد بدون الامور الثلاثة، والحديث يبين الحكم بعد التكون والاقامة، فيكون مفاده في طول هذه الامور الثلاثة فلا تعارض في المقام. (الثاني) يقال: إنه لا مجال للتعارض بين الدليلين وذلك، لحكومة دليل الركن على الحديث فيوسع دليل الركن نطاق الحديث، وهذا الأتجاه أوفق بالقواعد. المورد الثاني في أدلة الجزء: إن نفي الأعادة في فرض فقدان الجزء - غير المستثنى في الحديث - يعارض إطلاق دليل اعتبار الجزء. فيقال: إنه لا مجال لتوهم التعارض، وذلك لأن الصلاة ذات مرتبتين. كما قال السيد الحكيم رحمه الله: ومقتضى الجمع بينه (مفاد الحديث) وبين أدلة الجزئية هو الالتزام بأن الصلاة ذات مرتبتين مثلا، إحداهما: كاملة متقومة بالشئ المعين ويكون جزء لها. واخرى: ناقصة غير متقومة به، فإذا فات الشئ المعين فاتت المرتبة الكاملة، وفاتت مصلحتها أيضا، وبقيت الناقصة وحصلت مصلحتها على نحو لا يمكن التدارك (1). 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم، قال سيدنا الاستاذ كإرسال المسلم: قد ثبت الأجزاء في خصوص باب الصلاة بدليل خاص، وهو حديث لا تعاد فيما إذا كان


(1) مستمسك العروة: ج 7 ص 385.

[ 234 ]

الفاقد جزء أو شرطا غير ركن، بناء على ما حققناه من عدم اختصاصه بالناسي وشموله للجاهل القاصر أيضا (1). فرعان الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا سهى عن الركوع حتى دخل في السجدة الثانية بطلت صلاته، وإن تذكر قبل الدخول فيها رجع وأتى به وصحت صلاته وسجد سجدتي السهو (2). الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: لو نسي السجدتين، ولم يتذكر إلا بعد الدخول في الركوع من الركعة التالية بطلت صلاته، ولو تذكر قبل ذلك رجع وأتى بهما وأعاد ما فعله سابقا مما هو مترتب عليهما (3).


(1) محاضرات: ج 2 ص 290. (2) العروة الوثقى: ص 270. (3) نفس المصدر السابق.

[ 235 ]

قاعدة لا دية لمن قتله الحد المعنى: معنى القاعدة هو أنه إذا تحقق القتل نتيجة لاقامة الحد لا يكون لهذا القتل دية. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - انتفاء الموضوع: من المعلوم أن الدية وكذا القصاص يتعلق على من يوجب القتل - بواسطة فعله - عمدا أو خطأ، وأما في مورد إقامة الحد لم يتحقق لأحد فعل القتل، بجميع انحائه، والذي تحقق في الخارج لم يكن إلا الحد الذي ترتب على عمل الجاني، فلا موضوع هنا للدية، وتكون القضية سالبة بانتفاء الموضوع. 2 - الروايات: وهي الواردة في الباب وتكون صالحة للأستناد عند المحققين كما قال سيدنا الاستاذ: لا دية لمن قتله الحد أو التعزير (1). وأفاد في الهامش مستندا لهذا لحكم الكلي فقال: تدل على ذلك عدة نصوص منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أيما رجل قتله الحد والقصاص فلا دية له) (2) دلت على المطلوب بتمامه وكما له فهذه الصحيحة تكفي مدركا للقاعدة ولا حاجة إلى


(1) تكملة المنهاج: ج 2 ص 212. (2) الوسائل: ج 19 ص 47 باب 24 من أبواب قصاص النفس، ح 9.

[ 236 ]

ذكر سائر النصوص (الواردة في الباب) التي تكاد أن تبلغ مستوى التواتر. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة، فلا خلاف فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: لا إشكال ولا خلاف في عدم القصاص بقتل هؤلاء الذي أشار إليه المصنف (كل من أباح الشرع قتله) (1). والأمر كما أفاده. وقال شيخ الطائفة رحمه الله: إذا أقام عليه الحد فتلف فلا ضمان عليه بلا خلاف (2). فرعان الأول: إذا قتل المسلم (غير الحاكم) من عليه الحد (القتل) كالزاني المحصن وغيره فهل على هذا المسلم القاتل دية أو قصاص أم لا؟ التحقيق: عدم القصاص على القاتل، لعدم كون الدم عندئذ محترما ومعصوما كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: فلو قتل غير معصوم الدم كالحربي والزاني المحصن والمرتد وكل من أباح الشرع قتله فلا قصاص، وإن أثم في بعض الصور باعتبار كون قتله حدا مباشرته للحاكم (3). والأمر كما ذكره. الثاني: إذا تحقق القتل بواسطة إقامة التعزير فهل يكون لهذا القتل دية أم لا؟ التحقيق: الحاق التعزير بالحد في هذا الحكم، لعدم الفرق بينهما من هذه الناحية. كما قال سيدنا الاستاذ: ثم إن مورد النصوص وإن كان هو خصوص الحد والقصاص إلا أنه لا شبهة في الحاق التعزير بهما، ومن هنا لا خلاف فيه فإن والملاك في ذلك هو كونه من شؤون الحكومة للحاكم، والمفروض أن التعزير كالحد من شؤون حكومته (4).


(1) جواهر الكلام: ج 42 ص 191. (2) المبسوط: ج 3 ص 245. (3) جواهر الكلام: ج 42 ص 12. (4) تكملة المنهاج: ج 2 ص 213.

[ 237 ]

قاعدة لا ربا إلا فيما يكال أو يوزن المعنى: معنى القاعدة هو حصر الربا في المعاملة التي تتعلق بالمتاع المكيل والموزون، والمراد من الربا هو بيع المتماثل مع التفاضل. كما قال سيدنا الاستاذ: فهو بيع أحد المثلين بالاخر مع زيادة عينية في أحدهما كبيع مائة كيلو من الحنطة بمائة وعشرين منها (1). وأما حرمة الربا فهي من المسلمات الفقهية كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله أن الربا هو: المحرم كتابا وسنة واجماعا من المؤمنين بل المسلمين، بل لا يبعد كونه من ضروريات الدين (2). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب الربا. منها صحيحة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن) (3). دلت على مدلول القاعدة بتمامها وكمالها. ومنها موثقة عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن) (1). دلت على اختصاص الربا بالمكيل أو الموزون


(1) منهاج الصالحين: ج 2 ص 54. (2) جواهر الكلام: ج 23 ص 332. (3) الوسائل: ج 12 ص 434 باب 6 من أبواب الربا ح 1. (4) نفس المصدر السابق: ح 3.

[ 238 ]

(مدلول القاعدة) والدلالة تامة كاملة، والقاعدة بحسب الحقيقة تكون متخذة من هاتين الروايتين. قال شيخ الطائفة رحمه الله: الربا في كل ما يكال أو يوزن ولا ربا فيما عداهما، ولا علة لذلك إلا النص (1). 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم. قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: (لا ربا إلا في مكيل أو موزون) فهو المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة بل عن الخلاف ومجمع البيان والتذكرة وظاهر الغنية والسرائر الأجماع على عدم الربا في المقدر بالعدد وإن كنت لم اتحقق فيما حضرني منها، إلا أن الأصل والعمومات كافية في الجواز، مضافا إلى النصوص المستفيضة إن لم تكن متواترة (2). فرعان الأول: قد وردت النصوص في جواز المعاملة مع الزيادة بين الوالد والولد، والسيد وعبده والزوج وزوجته، كما في خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (ليس بين الرجل وولده وبينه وبين عبده ولا بين أهله ربا، إنما الربا فيما بينك وبين ما لا تملك) (3). دلت على المطلوب بتمامه. والحكم مفتى به عند المشهور الثاني: إذا كان الشئ مما يكال أو يوزن، وكان فرعه لا يكال ولا يوزن جاز بيعه مع أصله بالتفاضل، كالصوف الذي هو من الموزون، والثياب المنسوجة منه التي ليست منه، فإنه يجوز بيعها به مع التفاضل (4).


(1) المبسوط: ج 2 ص 88. (2) جواهر الكلام: ج 23 ص 358. (3) الوسائل: ج 12 ص 436 باب 7 من أبواب الربا ح 3. (4) منهاج الصالحين: ج 2 ص 53.

[ 239 ]

قاعدة لا شك للأمام والمأموم مع حفظ الاخر المعنى: معنى القاعدة هو عدم ترتب الأثر لشك الأمام مع حفظ المأموم وبالعكس، وعليه إذا شك الأمام في عدد ركعات الصلاة وكان من يصلي خلفه حافظا للعدد لا يترتب الأثر على شكه ولا يعتنى به. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات الواردة في باب الخلل الواقع في الصلاة. منها صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس على الأمام سهو، ولا على من خلف الأمام سهو) (1). دلت بنحو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع على عدم الأثر للشك الحادث للأمام أو للمأموم، ومن المعلوم أن نفي الشك للأمام أو المأموم إنما كان مع حفظ أحدهما وإلا فلا مبرر لاستثناء المقام عن عموم أدلة الشك، فالدلالة تامة، وبها غنى وكفاية. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم، والأمر متسالم عليه عندهم، كما قال السيد اليزدي رحمه الله أن من جملة الشكوك التي لا اعتبار لها: شك كل من الأمام والمأموم مع حفظ الاخر، فانه


(1) الوسائل: ج 5 ص 338 باب 24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 3.

[ 240 ]

يرجع الشاك منهما إلى الحافظ، لكن في خصوص الركعات. وقال السيد الحكيم رحمه الله أن الحكم يكون كذلك: بلا خلاف كما عن المفاتيح والرياض وقطع به الأصحاب كما عن المدارك والذخيرة ويشهد به صحيح ابن جعفر عليه السلام عن اخيه عن الرجل يصلي خلف الأمام لا يدري كم صلى هل عليه سهو؟ قال: لا (1). ومصحح حفص (المتقدم) ومرسل يونس الوارد في إختلاف المأمومين في عدد الركعات (2). والأمر كما أفاده. فروع الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا كان الأمام شاكا والمأموم مختلفين في الاعتقاد، لم يرجع إليهم إلا إذا حصل له الظن من الرجوع إلى إحدى الفرقتين (3). وذلك لعدم الدليل في المقام إلا بعد حصول الظن الذي هو حجة في الباب. الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا كان الأمام شاكا والمأمومون مختلفين، بان يكون بعضهم شاكا وبعضهم متيقنا، رجع الأمام إلى المتيقن منهم، ورجع الشاك منهم الى الأمام (4). وذلك على اساس القاعدة. الثالث: قال شيخ الطائفة رحمه الله: ولا سهو على المأموم إذا حفظ عليه الأمام، فان سهى الأمام وجب عليه سجود السهو، ويجب على المأموم إتباعه في ذلك. فإن كان المأموم ذاكرا ذكر الأمام، ونبهه عليه، ووجب على الأمام الرجوع إليه (5).


(1) الوسائل: ج 5 ص 338 باب 24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1. (2) مستمسك العروة: ج 7 ص 573. (3) العروة الوثقى: ص 286. (4) نفس المصدر السابق. (5) المبسوط: ج 1 ص 123 و 124.

[ 241 ]

قاعدة لا شك لكثير الشك المعنى: معنى القاعدة هو عدم ترتب الأثر للشك الكثير بالنسبة إلى ركعات الصلاة، فمورد القاعدة كثرة وقوع الشك في الصلاة، والضابط فيها كون الشك خارجا عن حد المتعارف، مثل أن يكون الشك واقعا في ثلاث صلوات متوالية، فعندئذ لا أثر للشك ولا يعتنى به، والمرجع لتشخيص الموضوع هو العرف. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب الخلل الواقع في الصلاة. منها صحيحة زرارة وأبي بصير قالا قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى، ولا ما بقي عليه قال: (يعيد)، قلنا: فانه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك. قال: (يمضي في شكه) (1). دلت على أن المكلف إذا أصبح كثير الشك لا يعتني بشكه، ولا يترتب الأثر على الشك الذي كثر في الصلاة. ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك فانه يوشك ان يدعك إنما هو من الشيطان) (2) دلت على أن


(1) الوسائل: ج 5 ص 329 باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 2. (2) نفس المصدر السابق: ح 1.

[ 242 ]

الشك إذا كثر في الصلاة فليتم الصلاة، ولا يؤثر الشك فيها وإنما هو من الوساوس النفسانية. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة (عدم ترتيب الأثر للشك الكثير)، ولا إشكال فيه عندهم فالأمر متسالم عليه. كما قال السيد الحكيم رحمه الله أن الحكم يكون كذلك: بلا خلاف وعن الغنية والمصابيح دعوى الأجماع عليه، بل عن الثاني أنه ضروري، ويشهد به جملة من النصوص، منها مصحح زرارة وأبي بصير (1). فرعان الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: لو شك في أنه حصل له حالة كثرة الشك أم لا بنى على عدمه، كما أنه لو كان كثير الشك وشك في زوال هذه الحالة بنى على بقائها. وذلك للاستصحاب. الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: لا يجوز له (كثير الشك) الاعتناء بشكه فلو شك في أنه ركع أولا؟ لا يجوز أن يركع وإلا بطلت الصلاة (2). وذلك لحصول الزيادة الظاهرية في الصلاة.


(1) مستمسك العروة: ج 7 ص 565. (2) العروة الوثقى: ص 286.

[ 243 ]

قاعدة لا ضرر المعنى: معنى القاعدة هو نفي الحكم الضرري في الشريعة المقدسة، وذلك إمتنانا على العباد، فعليه كل عبادة أو معاملة كان مستلزما للضرر ينتفي إمتنانا للمكلف، كما إذا كان الوضوء أو البيع مثلا موجبا للضرر فعندئذ يرتفع وجوب الوضوء وينفسخ البيع، لعدم جعل الحكم الضرري في الأسلام. الضرر العملي: إن المقصود من الضرر هو الضرر العملي الدنيوي، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: فالتحقيق أن المراد بالضرر خصوص الدنيوي وقد رفع الشارع الحكم في موارده امتنانا، فتكون القاعدة حاكمة على جميع العمومات المثبتة للتكليف، نعم لو قام دليل خاص على وجوب خصوص تكليف ضرري خصص به عموم القاعدة (1). فدليل نفي الضرر - كما أفاده - حاكم بالعنوان الثانوي (فرض الضرر) على الأدلة التي تثبت الأحكام بعناوينها الأولية. الضرر الخاص: إن موضوع النفي هو الضرر الشخصي الخاص لا الضرر النوعي، لأنه لا معنى لنفي الحكم الضرري الذي لم يتحقق، وذلك لعدم وجود الضرر في بعض الأفراد (في فرض الضرر النوعي)، فكيف يرتفع الحكم الضرري


(1) المكاسب: رسالة نفي الضرر ص 374.

[ 244 ]

عن الشخص الذي تحقق الضرر على شخص آخر. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب وتكادأن تبلغ مستوى التواتر. منها النبوي المشهور بين الفريقين وذكر في غير واحد من الكتب والرسالات قال صلى الله عليه وآله: (لا ضرر ولا ضرار). ومنها معتبرة عقبة بن خالد عن أبي عبد الله في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " لا ضرر ولا ضرار " (1). أما السند فلا ينبغي الأشكال في صحته. كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: وقد إدعى تواترها مع اختلافها لفظا وموردا فليكن المراد به تواترها إجمالا بمعنى القطع بصدور بعضها، والانصاف أنه ليس في دعوى التواتر كذلك جزاف (2). وقال الشيخ الأنصاري رحمه الله: وكثرتها (الروايات) يغني عن ملاحظة سندها، مضافا إلى حكاية تواتر نفي الضرر والضرار (3). وقال سيدنا الاستاذ: أما السند فلا ينبغي التأمل في صحته لكونها من الروايات المستفيضة المشتهرة بين الفريقين، حتى إدعى فخر المحققين في باب الرهن من الايضاح تواترها (4). والسند في بعض الطرق صحيح أو موثق، فلو لم يكن متواترا مقطوع الصدور فلا أقل من الاطمئنان بصدورها عن المعصوم (5). وأما الدلالة فنقول: أن الحديث يحتوي ثلاث كلمات 1 - الضرر. 2 - الضرار 3 - كلمة لا. أما الضرر فهو اسم المصدر معناه النقص والخسران، ضد المنفعة والزيادة، وأما الضرار فهو المصدر في مقابل النفع (المصدر) إما من باب فعل


(1) الوسائل: ج 12 ص 364 باب 17 من أبواب الخيار، ح 4. (2) كفاية الاصول: ج 2 ص 266. (3) المكاسب: رسالة نفي الضرر ص 372. (4) ايضاح الفوائد: ج 2 ص 48. (5) مصباح الاصول: ج 2 ص 518.

[ 245 ]

(ضرر) مثل فرر وفرار، وإما من باب مفاعلة من ضار كما ورد في قضيه سمرة بن جندب قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنه رجل مضار (من باب مفاعلة) (1). وكيف كان فذكر اسم المصدر مع المصدر ظاهر في التأكيد. وأما كلمة (لا) فهو لنفي الجنس ومعناه نفي الحقيقة، كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: وأما دلالتها فالظاهر أن الضرر هو ما يقابل النفع من النقص من جهة تقابل المعنى لا من جهة تقابل اللفظ) كما أن الأظهر أن يكون الضرار بمعنى الضرر جئ به تأكيدا... كما أن الظاهر أن يكون لا، لنفي الحقيقة. كما هو الأصل في هذا التركيب حقيقة أو إدعاء كناية عن نفي الاثار، - إلى أن قال: - وقد انقدح بذلك بعد (عدم صحة) إرادة نفي الحكم الضرري (كما يقول به الشيخ الأنصاري) أو الضرر الغير المتدارك أو إرادة النهي من النفي جدا. (لأنها خلاف الظاهر ولا تكون قرينة ترشدنا إلى مثل هذه المعاني). فقال: ثم الحكم الذي اريد نفيه (نفي الحكم) بنفي الضرر (بلسان نفي الموضوع) هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها أو المتوهم ثبوته لها كذلك في حال الضرر، لا الثابت له بعنوانه، لوضوح أنه العلة للنفي، ولا يكاد يكون الموضوع يمنع عن حكمه وينفيه، بل يثبته ويقتضيه (2). فظاهر الحديث هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع كقوله: (لا ربا بين الوالد والولد) وهو اسلوب قد ورد في موارد عديدة، فالمنفي هو الفعل الضرري الذي يراد منه نفي الحكم عن هذا لفعل كالوضوء الضرري، كما أن المرفوع في الخطأ والنسيان (في حديث الرفع) هو الحكم المتعلق بالفعل الصادر حال الخطأ والنسيان، ولا يكون المراد من نفي الموضوع هو عنوان الضرر، حتى يرد عليه بأن الضرر الذي فرض كونه موضوعا للحكم كيف يمكن أن يكون علة نفي الحكم، كما قال سيدنا الاستاذ: بعد الأشكال على النهج المتقدم (نفي الحكم بلسان نفي الموضوع): نعم لو كان المنفي في المقام هو


(1) الوسائل: ج 17 ص 341 ح 4. (2) كفاية الاصول: ج 2 ص 268 - 269.

[ 246 ]

الفعل الضرري أمكن القول بأن المراد نفي حكم هذا الفعل بلسان نفي الموضوع كالوضوء الضرري مثلا (1). والأمر كما أفاده. فتمت الدلالة والسند. بقيت امور ينبغي التنبيه عليها: 1 - كثرة التخصيص قد يقال: إن التخصيص في مدلول القاعدة يكون أكثر مما بقي تحته. ويكون (تخصيص الأكثر) مستهجنا أولا، وموجبا للوهن في إطلاق الحديث ثانيا. والتحقيق: أن معظم الموارد يكون خارجا عن مدلول القاعدة تخصصا، ولا يكون خارجا بالتخصيص إلا موارد قليلة. كما قال سيدنا الاستاذ: وأما الأحكام المجعولة في الديات والحدود والقصاص والحج والجهاد فهي خارجة عن قاعدة لا ضرر بالتخصص لا بالتخصيص، لأنها من أول الأمر جعلت ضررية لمصالح فيها (2). وأما التخصيص في بعض الموارد كشراء ماء الوضوء ولو بأضعاف قيمته فقليل جدا، فتبين أنه لا يكون هناك تخصيص الأكثر. 2 - الحكومة: إن دليل القاعدة حاكم على سائر الأدلة، كما قال سيدنا الاستاذ: والتحقيق في وجه التقديم أن دليل (لا ضرر) حاكم على الأدلة المثبتة للتكاليف والدليل الحاكم يقدم على الدليل المحكوم بلا ملاحظة النسبة بينهما، وبلا ملاحظة الترجيحات الدلالية والسندية (3). والأمر كما أفاده دام ظله. 3 - المراد من الضرر هو الضرر الواقعي: التحقيق أن الحكم ثابت للموضوع الواقعي بلا فرق بين العالم والجاهل وقد يتوهم أن هذا يستلزم النقض في الموردين. الأول: تقييد خيار الغبن والعيب في حال الجهل.


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 527. (2) مصباح الاصول: ج 2 ص 539. (3) نفس المصدر السابق: ص 540.

[ 247 ]

الثاني: صحة الوضوء الضرري مع الجهل، والصحيح أنه لا مجال لهذا التوهم وذلك، لأن خيار الغبن والعيب لا يكون على أساس القاعدة (لا ضرر) بل يكون على أساس تخلف الشرط الأرتكازي (تساوي المالين في الغبن وسلامة العوضين في العيب)، ففي فرض العلم كان الأقدام مسقطا للشرط. وأما الوضوء لو فرض باطلا على أساس نفي الضرر يصبح الأمر على خلاف الأمتنان (الأعادة والتيمم). والحديث إنما ورد إمتنانا على الناس فلا ينطبق مدلول الحديث على بطلان الوضوء، وأما صحة الوضوء في تلك الحالة فقد ثبتت من أدلتها الخاصة. 4 - الاختصاص بالحكم الألزامي: إن الحديث يختص بنفي الحكم الألزامي (في التكليف) وبنفي اللزوم (في الوضع) وذلك، لأن في الترخيص (الاستحباب والكراهة) وفي الجواز (خيار الفسخ) مساهلة وحرية من الأول فلا مضايقة فيهما حتى ترتفع امتنانا كما قال سيدنا الاستاذ: وبالجملة نفي الضرر في الحديث الشريف... ليس إلا كنفي الحرج المستفاد من أدلة نفي الحرج فكما أن المنفي بها هو الحكم الألزامي الموجب لوقوع المكلف في الحرج دون الترخيصي إذ الترخيص في شئ حرجي لا يكون سببا لوقوع العبد في الحرج فكذا في المقام (1). والأمر كما أفاده. فرعان الأول: تعارض الضررين، قال سيدنا الاستاذ: إذا دار الأمر بين فردين محرمين كان المقام حينئذ من باب التزاحم فلا بد له من اختيار ما هو أقل ضررا والاجتناب عما ضرره أكثر وحرمته أشد واقوى بل الاجتناب عما كان محتمل الأهمية، نعم مع العلم بالتساوي أو احتمال الأهمية في كل من الطرفين يكون


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 533.

[ 248 ]

مخيرا في الاجتناب عن أيهما شاء، والوجه في ذلك كله ظاهر (1). الثاني: دوران الأمر بين التضرر والاضرار كحفر البئر مثلا (إذا فرض الحفر اضرارا على الجار وعدم الحفر تضررا على المالك)، التحقيق: أن هذا الفرع خارج عن مورد القاعدة، لأن الأخذ بكل واحد من الطرفين خلاف الأمتنان كما قال سيدنا الاستاذ: أن الحديث يكون واردا مورد الامتنان ومن المعلوم أن حرمة التصرف والمنع عنه مخالف للأمتنان على المالك، والترخيص فيه خلاف الامتنان على الجار، فلا يكون شئ منهما مشمولا لحديث لا ضرر (2). وبعد عدم شمول الحديث لمثل هذا التعارض لا بد أن يتمسك بالعموم أو الاطلاق، لو كان هناك عموم أو اطلاق، وإلا فالمرجع هو الأصل العملي (البراءة عن الحرمة) هذا كله بالنسبة إلى الحكم التكليفي. وأما الحكم الوضعي (الضمان) فهو ثابت على كلا التقديرين (جواز التصرف وعدمه)، لعدم الملازمة بين الجواز وعدم الضمان، فيحكم بالضمان، لعموم قاعدة الاتلاف.


(1) و (2) مصباح الاصول: ج 2 ص 563 - 566.

[ 249 ]

قاعدة لا ضمان على المستعير المعنى: معنى القاعدة هو نفي الضمان عن المستعير بالنسبة إلى العارية، وعليه كل عارية تلفت عند المستعير لا يوجب تلفها الضمان عليه إلا إذا اشترط الضمان أو كان المعار من الذهب والفضة، فإن في هذه الموارد يتحقق الضمان تخصيصا للقاعدة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في الباب وتكون كثيرة كادت أن تبلغ مستوى التواتر، ومن جملتها روايات صحيحة سندا وتامة دلالة. منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلا أن يكون إشترط عليه) (1). دلت على عدم الضمان على المستعير عند تلف العارية والدلالة تامة. 2 - انتفاء السبب: من المعلوم أن الضمان يدور مدار السبب، وبما أن المفروض في المقام عدم تحقق السبب (التعدي والتفريط) فلا يتحقق المسبب (الضمان).


(1) الوسائل: ج 13 ص 236 باب 1 كتاب العارية ح 1.

[ 250 ]

3 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم، كما قال المحقق الحلي رحمه الله في العارية: للمستعير الانتفاع بما جرت العادة به في الانتفاع بالمعار، ولو نقص من العين شئ أو تلفت بالاستعمال من غير تعد لم يضمن (1). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله أن هذا الحكم يكون كذلك: للنص والأجماع... ولعل الوجه في ذلك واضح، لأنه استعمال مأذون فيه وبناء العارية على النقص بالاستعمال وقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (2) المسؤول فيه عن العارية (لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأمونا) ولعله لذا قطع المصنف (3). فرعان الأول: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: إن هنا مقامين أحدهما: النقص والتلف الواقعان بسبب الاستعمال المعتاد ولو من جهة الاتفاق في مثل تلف العين، كما لو استعار دابة للركوب أو الحمل ولم يزد على المعتاد وإتفق تلفها بنفس ذلك الاستعمال، لعثرة أو نحوها، وهذا هو المناسب للقطع بعدم الضمان فيه، للنص والفتوى. الثاني: قال رحمه الله: وثانيهما هو: التلف بالاستعمال بسبب استدامته واستمراره المقتضي لاستيفاء عمره بالنسبة إلى ذلك العين، وهذا هو المناسب للأشكال في الضمان به، باعتبار إقتضاء إطلاق عقد العارية تناوله، وعدمه إلا مع التصريح، ولعل الضمان به حينئذ وجيه (4).


(1) شرائع الأسلام: ج 2 ص 172. (2) الوسائل: ج 13 ص 236 باب 1 كتاب العارية ح 3. (3) جواهر الكلام: ج 27 ص 163. (4) جواهر الكلام: ج 27 ص 164.

[ 251 ]

قاعدة لا مسامحة في التحديدات المعنى: معنى القاعدة هو أن التحديدات آبية عن النقص، فإذا حدد الشئ بمقدار معين كالسفر والكر والبلوغ بالفراسخ والأشبار والسنوات لا مجال لألحاق ما هو الأقل من هذه التحديدات بها، وإن كان النقص بمقدار يسير بحيث يعده العرف مما لا بأس به على أساس المسامحة العرفية، وذلك لكون التحديد آبيا عن النقص. الحكومة: بما أن التحديد عبارة عن نظر الشرع، والمسامحة عبارة عن نظر العرف، فعليه كان التحديد حاكما على المسامحة. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في الجهر والاخفات: أن المرجع فيهما الى العرف، كما هو الضابط في كل ما لم يرد به تحديد شرعي (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - التشخص: من المعلوم أن التحديد متقوم بالاختصاص في حد خاص فهو بحسب الحقيقة عبارة عن التعيين والتشخيص، ولا يتحقق ذلك إلا بنفس ما هو له، فالتشخيص بالبلوغ مثلا إلى حد خاص معين شرعا يتنافى مع الأقل منه


(1) جواهر الكلام: ج 9 ص 380.

[ 252 ]

قطعا، وينفي المسامحة العرفية نفيا شديدا، وكذلك غيره من التحديدات، كما قال السيد اليزدي رحمه الله في تحديد المسافة الشرعية: ولو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيرا لا يجوز القصر، فهي مبنية على التحقيق لا المسامحة العرفية (1). ويرى السيد الحكيم رحمه الله الأمر كذلك، فيقول: كما تقتضيه ظواهر الأدلة في المقام وفي سائر موارد التحديد (2). 2 - الخلف: إذا فرض المجال للمسامحة العرفية بالنسبة إلى التحديدات يلزم خلاف ما هو المفروض فيها من التشخص والتعين، وذلك من الخلف الباطل. 3 - اللغوية: إذا ورد من الشرع تحديد خاص بالنسبة إلى الموضوع الذي له الحكم شرعا ومع ذلك كان للتسامح العرفي مجال فيه، لا يبقى للتحديد أي معنى من المعاني، فيصبح التحديد لغوا وبما أنه لا مبرر لذلك (اللغوية) في البيان الشرعي فلا مجال للمسامحة في التحديد. 4 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على عدم المسامحة العرفية في التحديدات ولا خلاف فيه بينهم. 5 - الأطاعة: إلى هنا ذكرنا الأدلة التي يمكن التمسك بها في مقام التأييد. ولكن التحقيق: هو أن الدليل الوحيد الذي يصلح أن يكون مدركا للقاعدة هو التعبد بما ورد من الشرع فبما أن في مورد التحديد كان الموضوع متعينا من جانب الشرع تعيينا شرعيا، لا مجال لنظر العرف في قباله، فالوظيفة إذا على أساس قوله تعالى: فاستقم كما امرت (3) هي العمل بما امر به الشرع بلا أية نقيصة وإلا فإذا نقص الحد ولو بالقدر اليسير كان الشك في الأطاعة.


(1) العروة الوثقى: ص 305. (2) مستمسك العروة: ج 8 ص 15. (3) هود: 112.

[ 253 ]

فرعان الأول: قال سيدنا الاستاذ في صلاة المسافر: إذا شك في الوصول إلى الحد بنى على عدمه، فيبقى على التمام في الذهاب. وذلك على أساس عدم جواز المسامحة في التحديد. الثاني: قال المحقق العراقي رحمه الله في تغير أوصاف الماء: من الممكن حينئذ كونه من قبيل التحديدات والاوزان التي يكون المدار فيها على الدقة (1).


(1) العروة الوثقى: ج 1 هامش ص 70.

[ 254 ]

قاعدة لا ميراث للقاتل المعنى: معنى القاعدة هو عدم تحقق الأرث للقاتل من المقتول، وهو فيما إذا كان أحد المتوارثين قاتلا والاخر مقتولا. كما إذا قتل الأب ابنه ظلما (بدون المبرر الشرعي) فعندئذ لا يكون للأب القاتل إرث من ابنه المقتول، لأن القاتل محروم من الأرث، وكذلك في جميع ذوي الأنساب. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب موانع الأرث وتكون كثيرة فيها صحاح عديدة. منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا ميراث للقاتل) (1). دلت على أن الوارث الذي هو القاتل لا يستحق الأرث من المقتول، والدلالة تامة. ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا قتل الرجل أباه قتل به، وإن قتله أبوه لم يقتل به ولم يرثه) (2). دلت على أنه لا ميراث للقاتل.


(1) الوسائل: ج 17 ص 388 باب 7 من أبواب موانع الأرث ح 1. (2) نفس المصدر السابق: ص 389 ح 4.

[ 255 ]

ومنها صحيحة جميل بن دراج عن أحدهما، قال: (لا يرث الرجل إذا قتل ولده أو والده) (1). دلت على منع القاتل من الأرث. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف فيه بينهم فالأمر متسالم عليه عندهم كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: وأما القتل الذي هو المانع من الأرث فيمنع القاتل من الأرث إذا كان عمدا ظلما بلا خلاف أجده فيه، بل الأجماع بقسميه عليه بعد الصحاح (المتقدمة) المطابقة للحكمة الظاهرة وهي عصمة الدماء من معالجة الورثة وعقوبة القتل بحرمانه من الأرث ومطالبته بنقيض مطلوبه من القتل (2). فرعان الأول: إذا كان القتل عن خطأ فهل يوجب الحرمان عن الأرث أم لا؟ المشهور عدم المنع كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: ولو كان القتل خطأ ورث على الأشهر رواية وفتوى في الجملة وهو خيرة النافع والجامع والتلخيص وظاهر رواية الفقيه (3). واطلاق المراسم والمقنعة للصحيحين (4). (وفي من قتل امه إن كان خطأ ورثها، وإن كان عمدا لم يرثها) مع عموم الكتاب والسنة وانتفاء حكمة المنع (5). وهذا هو المشهور بين الفقهاء والله هو العالم. الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا كان الخطأ شبيها بالعمد كما إذا ضربه بما لا يقتل عادة قاصدا ضربه غير قاصد قتله فقتل به، ففيه قولان: أقواهما أنه بحكم الخطأ من حيث عدم المنع من الأرث، وإن كان بحكم العمد من حيث كون الدية على الجاني، لا على العاقلة (الاقرباء) (6).


(1) الوسائل: ج 17 ص 338. (2) جواهر الكلام: ج 39 ص 36. (3) الوسائل: ج 17 باب 9 من أبواب موانع الأرث ح 1. (4) نفس المصدر السابق: ح 1 و 2. (5) جواهر الكلام: ج 39 ص 37. (6) منهاج الصالحين: ج 2 ص 354.

[ 256 ]

قاعدة لا نذر في معصية ومرجوح المعنى: معنى القاعدة هو أن ملاك صحة النذر كون المنذور طاعة أو راجحا، وعليه كل نذر لم يكن في متعلقه الرجحان لا يتحقق شرعا، كما إذا نذر بان يسب مؤمنا أو يؤذيه فلا ينعقد النذر، وكذلك إذا نذر أن يصلي فرادي لا ينعقد النذر، لعدم الرجحان في متعلقه. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات وهي الواردة في باب النذر والعهد. منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لارضاع بعد فطام - إلى أن قال: - ولا نذر في معصية) (1). دلت على عدم تحقق النذر بالعمل الذي يوجب المعصية، فلا بد أن يكون متعلق النذر طاعة الله تعالى. هذا إذا قلنا أن المعصية هنا في مقابل الطاعة كما يستفاد من القرائن، وإلا فمانعية المعصية لا تستلزم اعتبار الطاعة. ومنها معتبرة زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام أي شئ لا نذر في معصية؟


(1) الوسائل: ج 16 ص 199 باب 17 كتاب النذر والعهد ح 2.

[ 257 ]

قال: فقال: كل ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه) (1). دلت على أن متعلق النذر لا بد أن يكون راجحا فإذا كان المتعلق فاقدا للمنفعة الدينية أو الدنيوية لا ينعقد النذر بالنسبة إليه، ولا حنث فيه، وعليه فلا ينعقد النذر في المرجوح ولا في المعصية، والدلالة تامة كاملة. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف فيه بينهم. كما قال المحقق الحلي رحمه الله: وأما متعلق النذر فضابطه أن يكون طاعة مقدورا للناذر، فهو إذا مختص بالعبادات كالحج والصوم والصلاة والهدي والصدقة والعتق (2). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله أن الأمر يكون كذلك: لصحيح ابن حازم (المتقدم) وموثق سماعة (3) وصحيح الكناني (4)، وحينئذ فلو نذر محرما أو مكروها لم ينعقد، بلا خلاف نصا وفتوى بل الأجماع محصلا ومنقولا عن الأنتصار وغيره عليه (5). وقال الشهيد الثاني: وهو (عدم إنعقاد النذر) في الأخيرين (الحرام والمكروه) وفاقي (6). فالأمر متفق عليه. فرعان الأول: إذا كان المنذور متساوي الطرفين فهل ينعقد النذر أو لا؟ فيه خلاف كما قال الشهيد الثاني رحمه الله: وفي المتساوي قولان فظاهره (الشهيد الأول) بطلانه (والأمر كما ذكره، لعدم الرجحان في المتعلق. والحكم مفتى به عند المشهور.


(1) الوسائل: ج 16 ص 199 باب 17 كتاب النذر والعهد ح 1. (2) شرائع الأسلام: ج 3 ص 186. (3) الوسائل: ج 16 ص 199 باب 17 كتاب النذر والعهد ح 4. (4) الوسائل: ج 16 ص 182 باب 1 كتاب النذر والعهد ح 2. (5) جواهر الكلام: ج 35 ص 377. (6) اللمعة الدمشقية: ج 3 ص 42. (7) اللمعة الدمشقية: ج 3 ص 42.

[ 258 ]

الثاني: الشرط الأصلي في انعقاد النذر هو كون المنذور راجحا، ولا يشترط فيه تعيين المنذور قدرا ووصفا، كما قال سيدنا الاستاذ: لو نذر فعل طاعة ولم يعين (ينعقد النذر فالناذر) تصدق بشئ، أو صلى ركعتين، أو صام يوما، أو فعل أمرا آخر من الخيرات (1). والأمر كما أفاده.


(1) منهاج الصالحين: ج 2 ص 319.

[ 259 ]

قاعدة اللزوم المعنى: المراد من اللزوم هنا أصالة اللزوم في العقود المتعلقة بالمعاملات، ويتمسك بها عند الشك في لزوم معاملة أو معاهدة، فالعقود التي تقع بالنسبة إلى البيع والأجارة والصلح توجب اللزوم، وتسمى تلك العقود بالعقود اللازمة العهدية في قبال العقود الجائزة الأذنية كالوكالة والعارية وما شاكلهما، وعليه إذا وقع عقد البيع مثلا على النهج الصحيح كان مقتضى القاعدة هو اللزوم، إلا أن يثبت الخيار بالدليل الخاص، فيكون معنى اللزوم هو لزوم العمل بمقتضى العقد، وعدم جواز حل العقد من أحد الطرفين بدون رضا الطرف الاخر. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: الأصل في البيع اللزوم، أي بناؤه عليه، لا على الجواز، وإن ثبت (الجواز) في بعض أفراده (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: أوفوا بالعقود (2). مقتضى إطلاق الأمر (أوفوا) وتعلقه بالجمع المحلى باللام هو وجوب الوفاء بجميع العقود بأن يلتزم بمقتضاها وهو


(1) جواهر الكلام: ج 23 ص 3. (2) المائدة: 1.

[ 260 ]

معنى اللزوم، وأما ثبوت الخيار في المعاملات فهو أما يكون بالتخصيص كما في العقود العهدية، أو يكون بالتخصص كما في العقود الأذنية. قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: قاعدة اللزوم في الملك تشمل العقود. وبالجملة فلا إشكال في أصالة اللزوم في كل عقد شك في لزومه شرعا، وكذا لو شك في أن الواقع في الخارج هو العقد اللازم أو الجائز كالصلح من دون عوض والهبة. ثم استدل على إثبات اللزوم بآيتي لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (1) وأوفوا بالعقود (2) وبعموم قوله عليه السلام: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا عموم السلطنة ولا يحل وغيرها - إلى أن قال: - والحاصل أن الحكم باللزوم في مطلق الملك وفي خصوص البيع مما لا ينكر) (3). وقال سيدنا الاستاذ: يمكن التمسك بالاية (الاولى) لاثبات اللزوم - بمجموع المستثنى والمستثنى منه - فان الاية الكريمة في مقام حصر التملك الشرعي بالتجارة عن تراض، ومن الواضح جدا أن التملك بالفسخ مع عدم رضا الاخر ليس منها فتدل على اللزوم (4). قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: من المحتمل أو الظاهر كون المراد منها (آية أوفوا)، إرادة بيان اللزوم في العقود، دون خصوص الصحة، ولذا كان هو الأصل في العقود إلا ما خرج بالدليل (5). وقال في موضع آخر: طريقة الأصحاب الاستدلال بها (الاية) على اللزوم (6). 2 - بناء العقلاء: قد استقر بناء العقلاء والعرف في معاملاتهم وعهودهم على الالتزام بالعقد والعهد وعدم نقضه وحله، ولا شك في أن نقض العهد مذموم عندهم، وهذا البناء ممضاء من قبل الشرع بالنسبة إلى الملك والبيع والصلح ومثلها، كما قال سيدنا الاستاذ: هذا (بناء البيع على اللزوم) هو الصحيح لقيام بناء العقلاء من


(1) البقرة: 188. (2) المائدة: 1. (3) المكاسب: البيع ص 85. (4) مصباح الفقاهة: ج 6 ص 40. (5) جواهر الكلام: ج 22 ص 220. (6) جواهر الكلام: ج 28 ص 224.

[ 261 ]

المتدينين وغيرهم على ذلك، وعليه فالشرط الضمني في كل عقد موجود على بقاء المعاهدة على حالها ولا ينفسخ العقد بفسخ كل منهما كيف شاء وفي أي وقت أراد، وليس لأحد من المتبايعين أن يرجع إلى الاخر بعد مدة ويسترجع العوض منه بفسخ العقد، وإلا لما استقر نظام المعاملات، ولا إطمأن أحد ببقاء أمواله تحت يده وإن مضى على بيعه وشرائه سنين متمادية، فإن العقد الجائز قابل للانهدام ولو بعد سنين وحينئذ لا يستقر تملك الملاك في مستملكاتهم المبتاعة من الغير، واختلت تجارة التجار ونظام الاكتساب (1). والأمر كما أفاده. 3 - مقتضى العقد: قال العلامة رحمه الله: الأصل في البيع اللزوم، لأن الشارع وضعه مفيد النقل للملك من البائع إلى المشتري (2) إن العقود بمقتضى طبيعتها الأولية ظاهرة في المقاطعة وعدم التزلزل، فالظاهر من العقد الصحيح الشرعي الكامل هو تحقق التمليك والتملك للطرفين بدون حالة منتظرة، وإلا فيتلقى العقد ناقصا، كما قال سيدنا الاستاذ: هل الأصل في المعاطاة وسائر العقود هو اللزوم أم هو الجواز؟ الظاهر هو الأول (3). فظاهر العقد إنشاء الملكية التامة إلا أن تتحقق الأقالة أو الخيار بدليله الخاص. كما قال سيدنا الاستاذ: أن الملكية المنشأة في كل عقد إنما هو ملكية أبدية في غير موارد جعل الخيار (4). فروع الأول: الظاهر والمتيقن من الأدلة إثبات اللزوم في العقود، وأما المعاطاة فبما أنها معاملة بدون العقد يشكل فيها إثبات اللزوم، التحقيق هو جريان أصالة اللزوم في المعاطاة أيضا، لأنها ضرب من المعاهدة العقلائية فيشملها ما يدل على إثبات اللزوم في العقود من عموم أوفوا بالعقود (5) وبناء العقلاء وغيرهما.


(1) مصباح الفقاهة: ج 6 ص 18. (2) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 515. (3) مصباح الفقاهة: ج 2 ص 123. (4) نفس المصدر السابق: ص 126. (5) المائدة: 1.

[ 262 ]

الثاني: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: لو اختلفا (المتبايعان) في القيمة وقت العقد، فعلى مدعي الغبن البينة، لأصالة اللزوم (1). الثالث: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في أن التلف لا يوجب بطلان العقد: بانه لا ريب في أن إنفساخ العقد (في الاجارة) بالتلف من غير تفريط، مناف لقاعدة اللزوم (2).


(1) جواهر الكلام: ج 23 ص 43. (2) جواهر الكلام: ج 27 ص 243.

[ 263 ]

قاعدة المؤمنون عند شروطهم المعنى: معنى القاعدة بشكل موجز هو لزوم الوفاء بالشرط، واما معناه على التفصيل، فيقال: أن القاعدة تتكون من شطرين: الشطر الأول: تسلط المؤمنين على الاشتراط فيتسلط المتعاملان على جعل الالتزام والتعهدات التي نسميها بالشروط. والشطر الثاني: وجوب العمل بمقتضى الشرط فيجب على المتعاملين العمل بما تعهدا به، من الشروط السائغة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (1). هذه الاية الكريمة تكون في جهة بيان الاوصاف للمؤمنين فتبين أن رعاية العهد والوفاء به من صفات المؤمنين اللازمة عليهم، وبما أن العهد ينطبق مع الشرط يتم المطلوب وإذا فتكون خلاصة معنى الاية: (المؤمنون على) عهدهم راعون. وهي عبارة أخرى عن قوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم. وما أحسن هناك أن نقول: نعم


(1) المؤمنون: 8.

[ 264 ]

الوفاق وحسن الاتفاق. 2 - الروايات الواردة في مختلف الأبواب. منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول: من إشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي إشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عزوجل (1). صرحت على مدلول القاعدة وعلى نوعية الاشتراط. ومنها صحيحة عبد الله بن سنان الثانية في الباب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز (2). والدلالة تامة. ومنها موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يقول: من شرط لأمرأته شرطا فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما (3). والدلالة تامة. وهناك روايات كثيرة يمكننا أن نقول: إن العدد يبلغ مستوى التواتر: كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: والنصوص مستفيضة فيه (الاشتراط) أو متواترة (4). وقال الشيخ الأنصاري رحمه الله: والاصل فيه (الاشتراط) الاخبار العامة المسوغة لاشتراط كل شرط إلا ما استثنى، والاخبار الخاصة الواردة في بعض أفراد المسالة، فمن الأولى الخبر المستفيض الذي لا يبعد تواتره: أن المسلمين عند شروطهم (5). فالقاعدة متخذة من النصوص بنفس الصياغة. ما هو الشرط السائغ: الشرط الذي أطبق أقوال الفقهاء على مشروعيته هو الشرط السائغ وهو عبارة عن الشرط الذي لم يكن مخالفا للكتاب والسنة. قال


(1) الوسائل: ج 12 ص 353 باب 6 من أبواب الخيار ح 1. (2) نفس المصدر السابق: ح 2. (3) نفس المصدر السابق: ص 354 ح 5. (4) جواهر الكلام: ج 23 ص 199. (5) المكاسب: الخيارات: ص 228.

[ 265 ]

المحقق الحلي رحمه الله: وضابطه: ما لم يكن مؤديا الى جهالة المبيع، أو الثمن، ولا مخالفا للكتاب والسنة (1). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في أن الأمر يكون كذلك: ضرورة وضوح بطلان الثاني (مخالف الكتاب والسنة) وكذا الأول (موجب الجهالة) بعد ما عرفت من إعتبار المعلومية فيهما بل هو مندرج في الثاني (2). وقال الفاضل النراقي: غير الجائز (من الشرط) في عباراتهم أربعة: 1 - الشرط المخالف للكتاب والسنة، 2 - والشرط الذي احل حراما وحرم حلالا، 3 - والشرط المنافي لمقتضى العقد، 4 - والشرط المؤدي الى جهالة أحد العوضين (3). والتحقيق: أن الشرط السائغ هو الذي لم يكن مخالفا للكتاب والسنة فحسب. والموارد الثلاثة الاخرى (جهالة المبيع، تحليل الحرام وتحريم الحلال، خلاف مقتضى العقد) كلها تندرج في مخالفة الكتاب والسنة ويكون كل واحد من تلك الموارد من مصاديق المخالفة للكتاب والسنة كما ألمح المحقق صاحب الجواهر رحمه الله الى ذلك الاندراج ببيانه الذي مر بنا ذكره آنفا في نطاق الشرط. قال الفاضل النراقي رحمه الله: مقتضى العمومات وجوب الوفاء بالشرط مطلقا سواء كان قبل العقد أو بعده، بل لو لم يكن عقد أيضا، إلا فيما كان شرطا للخيار المستلزم للعقد مقارنا للشرط أو قبله أو بعده، وقد خرج من ذلك ما كان قبل النكاح بالأجماع واما غيره فلا دليل على خروجه (4). والأمر كما أفاده. وقال سيدنا الاستاذ: لا شبهة في جواز جعل الشرط في العقود ولا خلاف فيه بين الأصحاب سواء كان متصلا بالعقد أو منفصلا عنه - الى أن قال - يستدل على مشروعية الشرط بالرواية المستفيضة بل المتواترة بين الفريقين: المؤمنون عند شروطهم إلا شرطا خالف كتاب الله وسنة نبيه، فانها تدل باطلاقها على لزوم الوفاء


(1) شرائع الأسلام: ج 2 ص 33. (2) جواهر الكلام: ج 23 ص 199. (3) عوائد الأيام: ص 46. (4) عوائد الأيام: ص 46.

[ 266 ]

بكل شرط، غاية الأمر خرج عنها الشروط الابتدائية وبقي الباقي (1). والمقصود من الشروط الابتدائية هناك الشروط التي لم تكن في ضمن العقد، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله في أن الشرط السائغ لا بد: أن يلتزم به في متن العقد، فلو تواطيا عليه قبله لم يكف ذلك في التزام المشروط به على المشهور، بل لم يعلم فيه خلاف - فقال: - الزام الشرط على نفسه قبل العقد كان الزاما إبتدائيا لا يجب الوفاء به قطعا - إلى أن قال: - أن الخارج عن عموم: المؤمنون عند شروطهم هو ما لم يقع العقد مبنيا عليه (2). وذلك لعدم تحقق العلاقة بين الشرط وبين العقد في صورة عدم التقارن الزماني بينهما، وها هو المتفاهم عند العرف والمتيقن من السيرة العقلائية. وتبين لنا أن الشرط الذي لم يتعلق بالعقود كان بنفسه موردا للقاعدة، وأما الشروط التي تتعلق بالعقود فلا بد أن تكون في ضمن العقد ومقارنة له حتى يكون بناء العقد على الشرط مفهوما عند العرف، وتبين لنا أيضا أن الشرط في العقد لا يختص بالبيع بل يتحقق في جميع العقود اللازمة. فروع الأول: قال شيخ الطائفة رحمه الله: والذي يقتضيه مذهبنا أنه إذا شرط في الصداق الخيار كان العقد صحيحا، والمهر لازما، والخيار ثابتا، لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (3). الثاني: قال العلامة رحمه الله: عقد الكفالة يصح دخول الخيار فيه فان شرط الخيار فيها مدة معينة صح، لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (4). الثالث: قال المحقق الحلي رحمه الله: ويجب أن يأتي بما شرط عليه (في الحج) من


(1) مصباح الفقاهة: ج 6 ص 201. (2) مكاسب: قسم الخيارات ص 282. (3) المبسوط: ج 4 ص 304. (4) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 99.

[ 267 ]

تمتع أو قران أو إفراد (1). وقال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله بأن الحكم يكون كذلك: لقاعدة المؤمنون عند شروطهم (2). الرابع: قال سيدنا الاستاذ: ولا يضمن (المستعير) مع عدمه (عدم التعدي) إلا أن يشترط عليه الضمان (3). وذلك على اساس قاعدة: المؤمنون على شروطهم. ما هو شرط النتيجة وشرط الفعل؟ المقصود من شرط النتيجة هو الشرط الذي يتحقق نتيجة للعقد، كقولك: بعتك هذا بهذا، بشرط أن اكون وكيلك على كذا. فإذا يتواجد الشرط بتواجد العقد. والمقصود من شرط الفعل تواعده ضمن العقد كقولك: بعتك هذا بهذا بشرط أن توكلني بكذا، فإذا يتحقق الوعد بالشرط في ضمن العقد، ولم يتحقق الشرط نفسه، فتحقق الشرط (الوكالة) يحتاج إلى إنشاء مستقل يختص به. وها هو المصطلح عند الفقهاء.


(1) شرائع الأسلام: ج 1 ص 232. (2) جواهر الكلام: ج 17 ص 371. (3) منهاج الصالحين: ج 2 ص 135.

[ 268 ]

قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع المعنى: معنى القاعدة هو قولهم: كلما حكم به العقل حكم به الشرع، فإذا حكم العقل بوجوب شئ مثلا حكما قطعيا مستقلا لا بد من حكم الشرع به أيضا، لعدم الأنفكاك بين الحكمين، وبحسب الحقيقة حكم العقل الذي كان مورد وفاق العقلاء بما هم عقلاء نفس حكم الشرع بلا فصل ولا غيرية، وعليه يكون وجوب إطاعة المولى - مثلا - الذي هو من المستقلات العقلية (الحكم العقلي الذي لا يحتاج إلى المقدمة كالتحسين والتقبيح العقليين) هو الوجوب الشرعي بعينه، والأمر به قوله تعالى: اطيعوا الله و... (1). يحمل على الأرشاد لتمامية البعث عقلا. ولا يخفى أن هذه القاعدة ذكرت في علم الكلام لاثبات عدالة الله، وذكرت في الاصول في بحث الملازمات، وبما أنه يثبت بها الحكم الشرعي (الوجوب في المثال المتقدم) يصلح ذكرها في عداد القواعد الفقهية، وفي جميع الموارد يعبر عن هذه القاعدة بقاعدة الملازمة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي:


(1) النساء: 59.

[ 269 ]

1 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الاصوليين على مدلول القاعدة (كلما حكم به العقل حكم به الشرع) ولا خلاف في المسألة إلا عن صاحب الفصول رحمه الله رحمه الله ويمكن أن يكون محل نظره خصوص الاحكام العقلية الظنية. 2 - عدم الفصل بين الشارع والعقلاء: من المعلوم أن الشارع من العقلاء فإذا كان الحكم ثابتا عندهم قطعا كان ذلك الحكم كذلك عند الشارع، لأنه أعقل العقلاء وافضلهم. كما قال سيدنا الشهيد الصدر رحمه الله: المشهور بين علمائنا الملازمة بين الحكم العملي العقلي والحكم الشرعي - إلى أن قال: - فقد قرب (لاثبات الملازمة) بأن الشارع أحد العقلاء وسيدهم فإذا كان العقلاء متطابقين بما هم عقلاء على حسن شئ وقبحه فلابد أن يكون الشارع داخلا ضمن ذلك (1). والصحيح أن الملازمة ثابتة إذا كان الحكم قطعيا بمستوى الضروريات كحسن العدل وقبح الظلم وما شاكلهما، وأما الأشكال بأن العقل ضعيف ودين الله لا يصاب بالعقول وارد على القسم الداني من الحكم العقلي وهو الحكم الظني كالقياس والاستحسان وغيرهما. كيفية حكم العقل: المراد من حكم العقل هنا هو كشفه عن الحكم الشرعي لا انشاء الحكم، كما قال سيدنا الشهيد الصدر رحمه الله: ودور العقل بالنسبة إليه دور المدرك لا دور المنشئ والحاكم (2). فرعان الأول: هل يكون البحث عن وجوب مقدمة الواجب داخلا في مدلول القاعدة أم لا؟


(1) دروس في علم الاصول: الحلقة الثالثة الجزء الأول ص 428. (2) نفس المصدر السابق: الحلقة الثانية ص 302.

[ 270 ]

التحقيق: أن هذا البحث كان من الملازمات العقلية التي تحتاج إلى ضم مقدمة خارجية (الواجب والمقدمة) وعليه كان ذلك (وجوب المقدمة) من المباحث العقلية التي تكون غير المستقلة والمبحوث المتيقن هنا هو الامور العقلية المستقلة التي لا تحتاج إلى ضم مقدمة خارجية، وبعبارة اخرى كانت الصغرى والكبرى فيها (الامور العقلية المستقلة) عقليتين. ولكن الذي يسهل الخطب. أن الضابط الرئيسي هو تحقق القطع بحكم العقل، فعلى هذا الأساس بما أن وجوب مقدمة الواجب من الحكم العقلي القطعي يكون داخلا في نطاق القاعدة. الثاني: قد يتحقق الملازمة بين حكمي العقل والشرع في الأعراض والنفوس والأموال. قال المحقق النائيني: فلو إستقل العقل بوجوب دفعه (الضرر، وذلك) لحكم الشارع على طبقه بقاعدة الملازمة، فإن حكم العقل بذلك واقع في مرتبة علل الأحكام الشرعية دون معلولالتها، وما كان كذلك يكون مستتبعا للحكم الشرعي - كما أوضحناه - إلا أن إستقلال العقل بذلك في غير الأعراض والنفوس والأموال في الجملة ممنوع (1).


(1) أجود التقريرات: ج 2 ص 188.

[ 271 ]

قاعدة الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي المعنى: معنى القاعدة هو أن الشئ الذي تعلق به المنع الشرعي (كشرب الخمر) يستحيل أن يتعلق به الأمر (الأمر بالشرب) ويكون حاله حال الممتنع العقلي الذي لا يمكن أن يقع متعلق الأمر كالأمر بالطيران بدون الوسيلة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - التكليف بما لا يطاق: من المعلوم أن الفعل المنهي عنه إذا وقع متعلقا للأمر لا يتمكن المكلف من الأمتثال، فيكون التكليف بما لا يطاق، لاستحالة الجمع بين الضدين. 2 - إشتراط القدرة: لا ريب أن القدرة من الشرائط الأصلية للتكليف الشرعي، فلا يصح التكليف للعاجز (فاقد القدرة). والمقصود من القدرة هنا هي القدرة الشرعية، بمعنى عدم المانع الشرعي تجاه العمل، وعليه لو كان هناك مانعا شرعيا لم تتواجد القدرة على التكليف وها هو معنى قولهم أن الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، وذلك لعدم التمكن باتيان العمل المشروع - في صورة وجود المانع الشرعي - شرعا وعقلا كما قال المحقق

[ 272 ]

صاحب الجواهر رحمه الله في صورة وجود المنع الشرعي من إستعمال الماء: فيكون (المكلف هناك) غير متمكن من الغسل، لان الممنوع الشرعي كالممنوع عقلا (1). 3 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف، ولا إشكال فيه بينهم بل الأمر عندهم من المسلمات في مختلف المجالات، قال سيدنا الاستاذ: بأنه لا فرق في الاضطرار بسوء الأختيار تكوينا كامتناع فعل الحج يوم عرفة لمن ترك المسير إليه وما شابه ذلك أو تشريعا ناشئا من إلزام الشارع بفعل شئ أو بتركه فإن الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي (2). إلى هنا كان الكلام في امتناع صدور الأمر من الشارع بالنسبة إلى الشئ المنهي عنه. وأما إذ لم يكن في متعلق التكليف مانع حدوثا ولكن انطبق على عنوان المحذور بسوء الأختيار كمن دخل دارا مغصوبة، فإذا مفاد القاعدة سقوط التكليف في مرحلة البقاء، لأن الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، فيسقط النهي لعدم تعلقه بالممتنع، كما قال سيدنا الاستاذ: أن حكم العقل بلزوم إختيار الخروج (عن الدار المغصوبة) رفعا للمحذور الأهم وإن كان يستلزم كونه مقدورا للمكلف تكوينا، إلا أنه لا يستلزم كونه محكوما بحكم شرعا، لعدم الملازمة بين حكم العقل بلزوم اختياره في هذا الحال وامكان تعلق الحكم الشرعي به، والوجه في ذلك هو أن حكم العقل وادراكه بأنه لا بد من اختياره وإن كان كاشفا عن كونه مقدورا تكوينا إلا أنه مع ذلك لا يمكن للشارع أن ينهى عنه فعلا، وذلك لأن منشأ هذا الحكم العقلي إنما هو منع الشارع عن التصرف بغيره فعلا الموجب لعجز المكلف عنه، بقاعدة: أن الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي ومع ذلك لو منع الشارع عنه أيضا منعا فعليا لزم التكليف بما لا يطاق وهو محال فإذا لا يمكن أن يمنع عنه فعلا كما هو واضح وهذا معنى سقوط النهي عنه وعدم إمكانه (3).


(1) جواهر الكلام: ج 2 ص 293. (2) محاضرات: ج 4 ص 383. (3) محاضرات: ج 4 ص 388.

[ 273 ]

فروع الأول: لو أعتقد المكلف المنع الشرعي وكان إعتقاده مخالفا للواقع فهل يكفي ذلك في شمول القاعدة أم لا؟ التحقيق: هو كفاية الأعتقاد بالمنع الشرعي (على أساس حجية القطع والأعتقاد) قال سيدنا الاستاذ: المعتقد بالمنع الشرعي عاجز عن الأمتثال إذ الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي (1). الثاني: من الامور المتفرعة على القاعدة هو عدم القدرة على التسليم في المعاملة، فإذا كان الفعل في المبادلة محرما كانت المعاملة باطلة على أساس أن الممنوع الشرعي (الفعل المحرم) كالممنوع العقلي (غير المقدور العقلي)، قال سيدنا الاستاذ في مقام الأستدلال على عدم صحة تلك المعاملة مستدلا للحكم المذكور: بعدم القدرة على التسليم بعد أن كان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا وقد تقدم أن القدرة عليه من شرائط الصحة (2). الثالث: قال سيدنا الاستاذ في علم الاجمالي بنجاسة أحد ثوبين مع العلم بكون أحدهما المعين مغصوبا: أنه كما يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي القدرة العقلية في جميع الأطراف، كذلك تعتبر القدرة الشرعية فيها، فإن الممنوع شرعا كالممتنع عقلا، فلو خرج بعض الاطراف عن تحت قدرته شرعا - كما في المثال - لا يكون العلم الاجمالي منجزا، لجريان الأصل في الطرف الاخر بلا معارض (3).


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 557. (2) مستند العروة: كتاب الأجارة ص 45. (3) مصباح الاصول: ج 2 ص 401.

[ 274 ]

قاعدة من أحيا أرضا فهي له المعنى: معنى القاعدة هو أن الأحياء سبب للملك فمن أحيا أرضا مواتا يتملكها وليس لأحد أن يتصرف فيها إلا بإذن المحيي ورضاه، والمتيقن منها الموات بالأصالة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بالنصوص الواردة في الباب وهي صحاح السند وتامات الدلالة. منها صحاح ثلاث لمحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال: (وأيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عملوه (عمروه) فهم أحق بها وهي لهم) (1). دلت على أن إعمار الأرض الميتة سبب للملك، والدلالة تامة كاملة. ومنها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وفضيل، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحيا أرضا مواتا فهي له) (2). دلت على مدلول القاعدة دلالة صريحة. ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحيا


(1) الوسائل: ج 17 ص 326 باب 1 من أبواب احياء الموات، ح 1 و 2 و 3. (2) نفس المصدر السابق: ح 5.

[ 275 ]

أرضا مواتا فهو له) (1). دلت على المطلوب دلالة كاملة، وبهذه النصوص الواردة في المقام غنى وكفاية. فالنص الوارد في الباب تام سندا ودلالة وكثير ورودا، ولا يبعد أن تكون كثرة النص بالغة مستوى التواتر. إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة: وهي أن الاحياء سبب للملك فقط بدون حاجة إلى شئ آخر، ولكن المستفاد من بعض النصوص والأجماع هو اشتراطه بالأذن من الأمام، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: وأما الموات أصلا أو عارضا بعد إن باد أهله للأمام فمما لا خلاف فيه بل الأجماع محصلا عليه فضلا عن المنقول في الخلاف والغنية وجامع المقاصد والمسالك صريحا وظاهرا في المبسوط والتذكرة والتنقيح والكفاية على ما حكي عن بعضها عليه مضافا إلى النصوص التي يمكن دعوى تواترها (2). وفيها الدال على أنه من الأنفال (3). فتدل عليه حينئذ الاية (4). بل في جملة من النصوص (5) بأن الأرض كلها للأمام - إلى أن قال: - وأما أن اذنه شرط في تملك المحياة فظاهر التذكرة الأجماع بل عن الخلاف دعواه صريحا. (فنقل الأجماعات) مضافا إلى قاعدة حرمة تصرف مال الغير بغير اذنه وفي النبوي (6): ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه (7). هذا مما لاكلام فيه كما قال السيد الحكيم رحمه الله: والمصرح به في كلامهم أنها (الموات بالأصل) تملك بالأحياء مع إذن لا بدونه وعن جماعة كثيرة الأجماع على ذلك نفيا واثباتا (8). فالمتحصل مما ذكرناه أن الاشتراط بالأذن مما لا شبهة فيه، وعليه فالذي يهمنا هو كيفية حصول الأذن في زمان الغيبة، ونريد أن نبحث عن الطريق الصحيح لذلك، ونترك الطرق التي لا خير في كثير منها.


(1) الوسائل: ج 17 ص 326 ح 6. (2) الوسائل: ج 6 باب 1 من أبواب الانفال. (3) نفس المصدر السابق. (4) الانفال: 1. (5) الكافي: ج 1 ص 407. (6) كنوز الحقائق: ج 2 ص 77. (7) جواهر الكلام: ج 38 ص 11. (8) نهج الفقاهة: ص 327.

[ 276 ]

فالتحقيق: أن العمدة في المقام هو أخبار التحليل، منها صحيحة مسمع بن عبد الملك في حديث قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني كنت وليت الغوص - إلى أن قال: - وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ومحلل لهم ذلك، إلى أن يقوم قائمنا) (1). دلت على تحليل الأرض على نحو التحليل المالكي. التسالم: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله نقلا عن الفقهاء: لا خلاف بينهم في إباحة التصرف للشيعة في زمن الغيبة في أراضي الموات. فقال: إنهم صرحوا بان المحي يملك الأرض الموات في زمان الغيبة، بل إدعى بعض المتأخرين اطباق الأصحاب عليه (2). فالمستفاد من النص والاجماع أن الأذن حاصل في المقام، ولكن هل يكون ذلك بشكل عام أو يختص بالفقهاء؟ التحقيق: أن المتيقن من أخبار التحليل وغيرها ومقتضى الأحتياط هو الأختصاص، مضافا إلى أن الضرورة قاضية بلزوم تصدي الفقيه لأمر الأراضي، لأقامة العدل فيها، وإلا لزم تضييع الحقوق بسبب الأفراط والتفريط، وعليه فكما أن في زمان الحضور كان المتصدي لذلك الأمر النائب الخاص، يكون المتصدي في زمان الغيبة النائب العام (الفقيه) فيشترط في الأحياء الأذن من الفقيه. فرعان الأول: هل يشترط في الاحياء كون المحي مسلما أو لا؟ التحقيق عدم الاشتراط. كما قال سيدنا الاستاذ: يجوز لكل أحد إحياء الموات بالأصل، والظاهر أنه يملك به من دون فرق بين كون المحي مسلما أو كافرا (3). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: ما لا يكون له مالك، وذلك كالأراضي الدارسة المتروكة والقرى (وما شاكلها) فحاله حال الموات بالأصل، ولا يجرى عليه حكم مجهول المالك (4).


(1) الوسائل: ج 6 باب 4 من أبواب الانفال، ح 12. (2) جواهر الكلام: ج 16 ص 136. (3) و (4) منهاج الصالحين: ج 2 ص 150.

[ 277 ]

قاعدة من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة المعنى: معنى القاعدة هو أن إتيان الركعة الواحدة من الصلاة في الوقت يكون بمنزلة إتيان الصلاة بتمامها في الوقت، فكل صلاة تقع ركعتها الاولى في الوقت، يكفي في تحقق الصلاة أداء فتكون الصلاة مجزئة على أساس القاعدة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في باب المواقيت. منها معتبرة عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: (فإن صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلاته (1). دلت على أن الركعة الواحدة من صلاة الفجر إذا وقعت في الوقت تكون بمنزلة وقوع الصلاة في الوقت بتمامها وكمالها، فتصبح الصلاة مجزئة، وبما أنه لا خصوصية لصلاة الفجر يشمل الحكم جميع الصلوات. ومنها النبوي الذي ذكر الشهيد رحمه الله في الذكرى، قال: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (2). فهذا النبوي هي


(1) الوسائل: ج 3 ص 158 باب 30 من أبواب المواقيت، ح 1. (2) نفس المصدر السابق: ح 4.

[ 278 ]

القاعدة بنفسها. ومنها النبوي الاخر عن الرسول صلى الله عليه وآله: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الشمس) (1). دل على أن إتيان الركعة الواحدة في الوقت تكفي في وقوع صلاة العصر أداء وبما أن النبويين مرسلان يستفاد منهما التأييد فقط. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم. كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في هذا المقام: (ولو زال المانع فإن أدرك) من آخر الوقت ما يسع (الطهارة) خاصة أو مع سائر الشرائط على القولين (و) مسمى ال‍ (ركعة من الفريضة) الذي يحصل برفع الرأس من السجدة الأخيرة على الأصح (لزمه أدائها) وفعلها، لعموم (من أدرك) وغيره (ويكون) بذلك (مؤديا) لا قاضيا ولا ملفقا (على الأظهر) الأشهر بل المشهور بل عن الخلاف الأجماع عليه، وهو الحجة بعد كون الصلاة على ما افتتحت عليه، وبعد وجود خاصية الأداء فيه، ضرورة ظهور نص من أدرك الركعة وغيره مما دل على الحكم المذكور (2). وقال السيد اليزدي رحمه الله: كل صلاة أدرك من وقتها في آخره مقدار ركعة فهو أداء ويجب الأتيان به فإن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت (3). وقال السيد الحكيم رحمه الله في أن الأمر يكون كذلك: كما هو المعروف وعن التذكرة والمدارك أنه إجماعي وعن المنتهى لا خلاف فيه بين أهل العلم (4). وقال شيخ الطائفة رحمه الله: فإن لحق بركعة من العصر قبل غروب الشمس لزمه العصر كلها. ويكون مؤديا لها لا قاضيا لجميعها ولا لبعضها، على الظاهر من المذهب (5) والأمر كما أفاده.


(1) الوسائل: ج 3 ص 158 باب 30 من أبواب المواقيت، ح 5. (2) جواهر الكلام: ج 7 ص 257. (3) العروة الوثقى: ص 161 أوقات الرواتب. (4) مستمسك العروة: ج 5 ص 100. (5) المبسوط: ج 1 ص 72.

[ 279 ]

فرعان الأول: من المعلوم أن الأجتزاء في المقام يكون إمتنانا على العباد في موارد خاصة وعليه كان المتيقن لو لا المتبادر من النصوص والفتاوي هو فرض المانع والاضطرار، ولا يجوز التأخير عن عمد إلى أن يبقى من الوقت ما يكفي لركعة واحدة فقط، كما قال السيد اليزدي رحمه الله: ولا يجوز التعمد في التأخير إلى ذلك (بقاء الوقت للركعة الواحدة) (1). الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا أدرك ركعة أو أزيد يجب ترك المستحبات، محافظة على الوقت بقدر الأمكان. نعم في المقدار الذي لا بد من وقوعه خارج الوقت لا بأس بإتيان المستحبات (2).


(1) العروة الوثقى: ص 161 أوقات الرواتب. (2) نفس المصدر السابق: ص 166.

[ 280 ]

قاعدة من حاز ملك المعنى: معنى القاعدة هو أن الحيازة سبب للملك، والمقصود من الحيازة عرفا هو الأستيلاء والسيطرة العرفية على الشئ الذي لم يكن مسبوقا بالملكية، كما يقول سيدنا الاستاذ: إذا قال: من حاز ملك، يقال: إن الحيازة سبب لملكية الحائز (1). ولا يخفى أن متعلق الحيازة يكون ما يناسبها كالغابات والجبال والصحاري للمراتع والاحتطاب وغيرهما من الأستفادة المادية، وعليه تختلف مع الأحياء وذلك، لأن الأحياء وإن كان من الأستيلاء ولكن بما أن له معنى خاصا (الأعمار)، في إطار مخصوص (الأراضي الموات) فيكون معناه إحياء الأرض بعد ما كانت ميتة وهذا هو المتفاهم عرفا، فعليه تبين فرق الأحياء مع الحيازة. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الاية: وهي قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا (2). يمكننا أن نستدل بهذه الاية - لأثبات الملكية بواسطة الحيازة - بأن ما في الأرض من المباحات الأصلية خلقت لتملك الأنسان، وطريقة التملك هو


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 79. (2) البقرة: 29.

[ 281 ]

الاستيلاء، فمن استولى على شئ من المباحات كان له فهو يملكه. 2 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب. قال سيدنا الاستاذ: فإنا لم نعثر بعد الفحص التام على رواية تدل على الملكية في حيازة المباحات الأصلية ما عدا رواية واحدة وهي معتبرة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في رجل أبصر طيرا فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل فأخذه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: للعين ما رأت ولليد ما أخذت (1). والتحقيق أنه يمكننا أن نستدل على المطلوب بغير هذه المعتبرة أيضا وإن كان نتيجة الأستدلال هو التأييد فحسب. وعليه فالاستناد الى الروايات يكون على النهج التالي. منها النبوي المعروف الذي تقدم ذكره في قاعدة الحق لمن سبق: من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به. دل على أن السبق في الأستيلاء (الحيازة) إلى شئ سبب للملك. ومنها صحيحة محمد بن مسلم التي تقدم ذكرها في قاعدة (من أحيا أرضا) عن المعصوم عليهم السلام قال: (وأيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عملوه فهم أحق بها وهي لهم). فبما أن ظاهر الشئ في قوله (شيئا من الأرض) يشمل المراتع والغابات وبما أن ظاهر العمل في قوله (أو عملوه) يشمل الحيازة دلت على أن الحيازة هو المملك، هذا إذا قلنا بان كلمة (عملوه) هي الكلمة الأصلية في الرواية، وأما إذا قلنا أن الكلمة الأصلية هي (عمروه) بقرينة الروايات الاخر وتناسب المعنى (مناسبة إحياء الأرض مع الأعمار) فعند ذلك يختص مفاد الرواية بإحياء الأرض ولا يشمل المورد. وقال السيد الحكيم رحمه الله في البحث عن التملك بالحيازة: يستدل عليه بما دل على أن من حاز ملك، فإن المضمون المذكور وإن لم يرد به النص بلفظه فقد ورد ما يدل على معناه، مثل قوله عليه السلام (في معتبرة


(1) الوسائل: ج 16 ص 297 باب 38 من ابواب الصيد ح 1.

[ 282 ]

السكوني): (لليد ما اخذت وللعين ما رأت) (1). 3 - السيرة العقلائية: قد استقرت السيرة عند العقلاء على أن من حاز شيئا من المباحات ملكه. قال سيدنا الاستاذ: ويرشدنا إلى ذلك (سببية الحيازة للملك) مضافا إلى إطلاق معتبرة السكوني المتقدمة ملاحظة السيرة العقلائية (2). 4 - التسالم قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم قال المحقق الحلي رحمه الله في باب الشركة: والاشبه (بالقواعد واصول المذهب) في الحيازة اختصاص كل واحد بما حازه (3). وقال الشهيد رحمه الله في عمل الانسان لنفسه: ولو حاز شيئا من المباحات بنية التملك ملكه (4). والتحقيق أن الحيازة على قسمين: 1 - السيطرة التي تتحقق بواسطة العمل والجهد كاصطياد الحيوان البري أو البحري وعندئذ لا إشكال في تحقق الملك بواسطة الحيازة للسيرة القطعية الممضاة مضافا إلى النص الخاص (5). 2 - السيطرة التي توجد بالاستيلاء بدون بذل الجهد كالأحاطة بالأراضي الحية لأجل الأستفادة من الرعي وغرس الأشجار وغيرهما وبما أن ملاك التملك هو الأستيلاء فيتحقق التملك هناك نتيجة الاستيلاء. فروع الأول: هل يشترط في الحيازة أن يكون الحائز مسلما أو لا؟ التحقيق: عدم الأشتراط، لعدم الدليل على الأشتراط، قال سيدنا الاستاذ: كل


(1) مستمسك العروة: ج 11 ص 111. (2) مستند العروة: كتاب الأجارة ص 351. (3) شرائع الأسلام: ج 2 ص 129. (4) اللمعة الدمشقية: ج 4 ص 347. (5) الوسائل: ج 17 ص 366 باب 15 من أبواب اللقطة ح 1 و 2.

[ 283 ]

ماء جرى بنفسه أو إجتمع بنفسه في مكان بلا يد خارجية عليه فهو من المباحات الأصلية فمن حازه باناء أو غيره ملكه بلا فرق بين المسلم والكافر في ذلك (1). الثاني: هل يشترط في الحيازة قصد التملك أم لا؟ قال سيدنا الاستاذ: ربما يقال باعتبار قصد التملك في حيازة المباحات فلا ملكية بدونه ويستدل له بما ثبت بالنص والفتوى من أن من اشترى سمكة فأخرج من جوفها درة فهي للمشتري دون البائع. (وذلك لعدم قصد التملك من البائع فذكر الجواب واشكل عليه) - إلى أن قال: - الصحيح في الجواب أن يقال أن النص المشار إليه لا دلالة فيه على إعتبار قصد التملك بل قصارى ما يدل عليه إعتبار قصد الحيازة وبما أن الصائد البائع لم يعلم بما في الجوف فهو طبعا لم يقصد حيازته، ولا بد من قصد الحيازة في تملك المباحات، فلو استولى على مباح حال نومه فحازه لم يكف في تملكه قطعا، وذاك بحث آخر... ففرق بين أن تكون الحيازة مقصودة وأن يكون التملك مقصودا وكلامنا في الثاني، أما الأول فلعله لا ينبغي الأشكال فيه (2). الثالث: قال سيدنا الاستاذ: يجوز حيازة مواد (القرى الدراسة) وأجزائها الباقية، من الأخشاب والأحجار والاجر وما شاكل ذلك، ويملكها الحائز إذا أخذها بقصد التملك (3). الرابع: قال سيدنا الاستاذ: من سبق من المؤمنين إلى أرض ذات أشجار وقابلة للانتفاع بها وملكها، ولا يتحقق السبق إليها إلا بالاستيلاء عليها وصيرورتها تحت سلطانه، وخروجها من إمكان إستيلاء غيره عليها (4). فيتحقق الملكية هناك نتيجة للحيازة المتحققة بالاستيلاء.


(1) منهاج الصالحين: ج 2 ص 172. (2) مستند العروة: كتاب الأجارة ص 351. (3) منهاج الصالحين: ج 2 ص 151. (4) نفس المصدر السابق: ص 156.

[ 284 ]

قاعدة من له الغنم فعليه الغرم المعنى: معنى القاعدة هو التلازم بين الخسارة والفائدة، فكل من كان له فائدة المال شرعا كان عليه خسارة ذلك المال كذلك، وعليه قد يعبر من هذه القاعدة بقاعدة التلازم بين النماء والدرك (1). وقد يعبر عنها بقاعدة الخراج بالضمان (2). وقد يعبر كما تلوناه بقاعدة: (من له الغنم فعليه الغرم) (3). فالمعنى واحد والتعابير مختلفة ويكون مورد القاعدة جميع المعاملات الصحيحة. كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: فالمراد بالضمان الذي بإزائه الخراج التزام الشئ على نفسه وتقبله له مع إمضاء الشارع له (4). وأما البيع الفاسد والغصب وغيرهما فكلها خارج عن نطاق القاعدة، وعليه لا أصل لما نقل عن العامة: أن الغاصب لا يكون ضامنا بالنسبة إلى المنافع التي استوفاها من المال المغصوب، لأن غرامة المال عليه فتكون فائدته له على أساس القاعدة، وذلك لأن في تلك الموارد كان جميع التصرفات بلا مسوغ شرعا وكان المتصرف بإزاء كل تصرف (في العين والمنفعة) ضامنا قطعا على أساس قاعدة الأتلاف.


(1) المكاسب: الخيارات ص 248 وحاشية المكاسب: ج 3 ص 187. (2) غاية الامال: ص 288. (3) نهج الفقاهة: ص 134. (4) المكاسب: البيع ص 104.

[ 285 ]

المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: منها موثقة إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: الرجل يرهن الغلام والدار فتصيبه الافة على من يكون؟ قال: (على مولاه - إلى أن قال: - كذلك يكون عليه ما يكون له) (1). دلت على أن غرامة المال على الشخص الذي كان له فائدة المال، وهذا هو مدلول القاعدة. ومنها موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في إشتراء الدار مع خيار الشرط، سؤالا عن ملكية الغلة (النماء) قال: لمن تكون الغلة؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا ترى أنه لو احترقت لكانت من ماله (2). دلت على الملازمة بين الغنم والغرم، وها هو مدلول القاعدة. ومنها النبوي المشهور: (الخراج بالضمان) (3). فيقال: إن المراد من الخراج هو فوائد المال، والمراد من الضمان هي الغرامة فيفيد الحديث أن الفائدة تستتبع الغرامة، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: ويكون تفسيره أن من ضمن شيئا وتقبله لنفسه فخراجه له فالباء للسببية أو المقابلة - إلى أن قال: - ومرجعه إلى أن الغنيمة والفائدة بإزاء الغرامة (4). وقد يقال أن الحديث وارد في مورد الخراج والمقاسمة كما ذكر سيدنا الاستاذ الاحتمال الأول بقوله: ويكون المراد من كلمة الضمان فيه هو ضمان الأراضي الخراجية بسبب التقبل والأجارة (5). فالدلالة غير تامة كما أن السند غير تام (مرسل) فلا يعتمد على هذا الخبر سندا ودلالة، ولكن مضمونه يستفاد من الروايات، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: وهذا المعنى مستنبط من أخبار كثيرة متفرقة مثل قوله في مقام الاستشهاد على كون منفعة المبيع في زمان الخيار للمشتري (ألا ترى أنها لو احرقت كانت من مال المشتري) ونحوه في


(1) الوسائل: ج 12 ص 126 باب 5 كتاب الرهن ح 6. (2) الوسائل: ج 12 ص 355 ح 1. (3) سنن البيهقي: ص 321. (4) المكاسب: البيع ص 104. (5) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 133.

[ 286 ]

الرهن (1). وقال العلامة الاصفهاني رحمه الله: وبالجملة المرسل معروف بين القدماء وقد استدل به مثل الشيخ رحمه الله (2). في المبسوط واعتمد عليه (3). ومنها النبوي الذي يجسد القاعدة بتمامها وكمالها وهو قوله صلى الله عليه وآله: في الرهن: (له غنمه وعليه غرمه) (4) والكلام فيه نفس الكلام في النبوي المتقدم سندا ودلالة ومضمونا. 2 - الأستقراء: بعد التتبع في موارد التصرفات والتملكات يتبين أن الملازمة قائمة بين الفائدة والغرامة، وبما أن الموارد لا تكون خارجة عن حد الأحصاء كان حصول الأستقراء التام ممكنا في المقام كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: الملازمة بين النماء والدرك مستفادة من النص والأستقراء (5). فرعان الأول: قال العلامة الاصفهاني رحمه الله: وتقريبه (التلازم) أن التالف إذا كان ملكا للمشتري كما هو مقتضى عدم الانفساخ فلا محالة تكون خسارته عليه، فكيف يكون خسارته على البائع، بخلاف ما إذا قدرناه ملكا للبائع قبل التلف فإنه ملكه وخسارته عليه، وأن التالف إذا كان ملكا للمشتري فلا محالة يكون نماؤه له ويكون خسارته حينئذ عليه لا على البائع للتلازم (6). الثاني: إذا تحقق التجارة في مال اليتيم، وحصل الخسران كان على اليتيم، وذلك لأن الربح يكون له، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: أنه لا مجال للقول (بعدم الخسارة في مال اليتيم، ولا يمكن) الخروج عن قاعدة الاحسان، وقاعدة من كان الربح له فالخسران عليه (7).


(1) المكاسب: البيع ص 104. (2) حاشية المكاسب: ج 1 ص 87. (3) المبسوط: ج 2 ص 126. (4) مستدرك الوسائل: ج 13 ص 422 ح 3 طبع الحديث، وطبع القديم: ج 2 ص 495. (5) المكاسب: الخيارات ص 248. (6) حاشية المكاسب: ج 3 ص 187. (7) جواهر الكلام: ج 15 ص 18.

[ 287 ]

قاعدة من ملك شيئا ملك الأقرار به المعنى: معنى القاعدة هو تسلط صاحب المال على الأقرار بالمال الذي ملكه. قال الشيخ الأنصاري: قد اشتهر في ألسنة الفقهاء من زمان الشيخ قدس سره إلى زماننا قضية كلية يذكرونها في مقام الاستدلال بها على ما يتفرع عليها كأنها بنفسها دليل معتبر أو مضمون دليل معتبر وهي: أن من ملك شيئا ملك الأقرار به - إلى أن قال: - والمقصود الأصلي الانتفاع بها في غير مقام إقرار البالغ الكامل على نفسه إذ يكفي في ذلك المقام ما أجمع عليه نصا وفتوى من نفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم، لكن لا ينفع ذلك في إقرار الصبي فيما له أن يفعله (1). والتحقيق أن النسبة - من جهة المورد - بين هذه القاعدة وقاعدة الأقرار هو الأعم من وجه. فقاعدة الأقرار تفترق عن قاعدة من ملك، من جهة تعلق الأقرار بالقتل والضرب والسرقة مما لا يكون من المملوكات، وتجتمع مع هذه القاعدة حين تعلق الأقرار بالملك، وكذلك قاعدة من ملك، تفترق عن قاعدة الأقرار في خصوص إقرار الصبي بالملك وتجتمع معها في الأقرار بالملك إذا كان المقربالغا،


(1) المكاسب: رسالة في قاعدة من ملك ص 368.

[ 288 ]

فيكون مورد الاجتماع مدلولا للقاعدتين. وأما من جهة المرتبة، فيقال إن رتبة قاعدة الأقرار مقدمة عن قاعدة من ملك، وذلك، لأن في قاعدة الأقرار كان البحث عن نفوذ الأقرار وحجيته، وفي قاعدة من ملك، كان البحث عن مورد القاعدة بعد الفراغ عن حجية الاقرار ونفوذه. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - التسالم قد تحقق التسالم على مدلول القاعدة في الجملة فلا خلاف ولا إشكال فيه كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: قد ذكروا هذه القضية (القاعدة) مستندا لصحة إقرار الصبي بما يصح منه كالوصية بالمعروف والصدقة ولو كان المستند فيها حديث الأقرار (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) لم يجز ذلك لبنائهم على خروج الصبي من حديث الأقرار، لكونه مسلوب العبارة بحديث رفع القلم. وكيف كان فلا ريب في عدم إستنادهم في هذه القضية إلى حديث الأقرار، وربما يدعى الأجماع على القضية المذكورة - إلى أن قال: - ولكن الأنصاف أن القضية المذكورة في الجملة إجماعية بمعنى أنه ما من أحد من الأصحاب ممن وصل إلينا كلامهم إلا وقد عمل بهذه القضية في بعض الموارد بحيث نعلم أن لا مستند له سواها (1). والأمر كما أفاده. 2 - سيرة المتشرعة: قد إستقرت السيرة عند المتشرعة على مدلول القاعدة في الجملة كصحة إقرار الولي فيما له الولاية واقرار الوكيل فيما له الوكالة بناء على كون الملك هو مجرد التسلط (لا السلطنة المستقلة) حتى يشمل المولى عليه وما وكل فيه، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: ويؤيده إستقرار السيرة على معاملة الأولياء بل مطلق الوكلاء معاملة الأصيل في إقرارهم كتصرفاتهم (2). ويكون من نطاق السيرة صحة إقرار الصبي العاقل المميز في المعاملات اليسيرة.


(1) المكاسب: رسالة في قاعدة من ملك ص 370. (2) نفس المصدر السابق: ص 371.

[ 289 ]

فرعان الأول: قال المحقق رحمه الله: الصبي لا يقبل إقراره ولو كان بإذن وليه أما لو أقر بماله أن يفعله كالوصية صح (1). وقال صاحب الجواهر رحمه الله: (أما لو أقر بما له أن يفعله كالوصية) بالمعروف التي قد عرفت الحال في جوازها منه في محله (صح) على ما صرح به غير واحد، لقاعدة من ملك شيئا ملك الأقرار به التي طفحت بها عباراتهم بل صريح بعضهم أنه لا خلاف فيها عندهم وأنه لا ينبغي أن يقع (2). الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا أقر بما ليس للمقر له إلزامه به فلا أثر له، كما إذا أقر بأن عليه لزيد شيئا من ثمن خمر أو قمار ونحو ذلك لم ينفذ إقراره (3). وذلك لأن الأقرار هناك إنما يكون على ما لا يملك، فلا يؤثر الأقرار بالنسبة الى ما لا يملك شرعا، فيكون هذا المورد خارجا عن نطاق القاعدة مبدئيا.


(1) شرائع الأسلام: ج 3 ص 152. (2) جواهر الكلام: ج 35 ص 104. (3) منهاج الصالحين: ج 2 ص 197.

[ 290 ]

قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور المعنى: معنى القاعدة هو أنه إذا تعذر إتيان المأمور به بتمامه وكماله لا يسقط التكليف عما تيسر منه إلا إذا احرزت فيه وحدة المطلوب، وعليه كل مركب عبادي تعذر بعض أجزائه لا يترك بتمامه كالحج - مثلا - فإن الأعمال والمناسك في الحج لا تسقط بواسطة تعذر رمي الجمرات مثلا، والمراد من الميسور هنا هو ما يصدق على الذي هو من المأمور به بحسب فهم العرف، كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: كان الملاك في قاعدة الميسور هو صدق الميسور على الباقي عرفا (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الخبران المشهوران بالشهرة العظيمة عن أمير المؤمنين عليه السلام الأول قوله عليه السلام: (لا يسقط الميسور بالمعسور) (2) (نفس القاعدة). وقوله عليه السلام: (ما لا يدرك كله لا يترك كله) (3). ودلالتهما على المطلوب واضحة فلا إشكال ولا كلام في دلالتهما، وإنما الأشكال كله في سندهما فإن هذين الخبرين مرسلان لا سند لهما أصلا، وعليه لا يمكن الاعتماد عليهما فلا يستفاد منهما إلا التأييد. وهناك


(1) كفاية الاصول: ج 2 ص 253. (2) و (3) عوالي اللالي: ج 4 ص 58.

[ 291 ]

خبر مشهور آخر عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا أمرتكم بشئ فأتوا به ما استطعتم) (1) دلالة الخبر على المطلوب تام ولكن السند مرسل فلا يعتمد عليه في مقام الاستدلال، وأما إرادته من المؤيدات للمطلوب فهو مما لا بأس به. وقال السيد صاحب العناوين رحمه الله: والطعن فيها من حيث السند أنه غير معتبر في نفسه ولا موجود في أصل معتبر مدفوع، بأن شهرة هذه الاخبار في كتب الفقهاء، بل في ألسنة الناس من العوام والخواص مما تورث الظن القوي بصدور هذه الاخبار ظنا أعلى من الخبر الصحيح بإصطلاح المتأخرين (2). والتحقيق أن الشهرة لم تكن جابرة للسند، وذلك أولا: أن الشهرة بحسب الذات ليست بحجة فلا تصلح للتوثيق، وعليه يقال: رب مشهور لا أصل له. وثانيا: لو نعترف بانجبار السند بواسطة الشهرة. يلزم أن يكون هناك سند ضعيف موجود حتى ينجبر بها، وأما لو كان الخبر مرسلا فلا مجال للأنجبار، لعدم تحقق الموضوع (السند الضعيف) لأنجبار الضعف بواسطة الشهرة، فتكون السالبة منتفية بانتفاء الموضوع. 2 - إطلاقات الأدلة: من المعلوم أن إطلاق الدليل الأولي للمركب كما يشمل المركب بتمامه كذا يشمل بعض أجزائه الذي بقي ميسورا من المركب الذي أصبح كله متعذرا. 3 - الاستصحاب: وهو استصحاب الوجوب الذي كان ثابتا للمركب فبعد تعذر إتيان المركب بتمامه يشك في بقاء الوجوب للبعض الباقي منه ميسورا وعندئذ يستصحب الوجوب وبما أن أركان الاستصحاب تامة يثبت به المطلوب. إلى هنا تم ما أوردناه حول صحة القاعدة على رأي المشهور، وأما على ما هو التحقيق فلا يمكن المساعدة على ما ذكر مدركا للقاعدة، أما الروايات فلأجل الضعف في السند، وأما الاستصحاب مضافا إلى عدم تمامية أركانه فلا يجري في


(1) تفسير الصافي: سورة المائدة شرح آية 101. (2) العناوين: ج 1 ص 470.

[ 292 ]

الشبهة الحكمية، كما قال سيدنا الاستاذ: بعد الأشكال في أدلة القاعدة: فتحصل من جميع ما ذكرناه عدم تمامية قاعدة الميسور ووجوب الأتيان بالميسور من الأجزاء عند تعذر بعضها، نعم لا نضايق عن الأتيان بغير المتعذر من الأجزاء في بعض موارد مخصوصة لأجل أدلة خاصة كما في الصلاة فانها لا تسقط بحال (1). فالصحيح أن التكليف بالمركب يسقط بسقوط الأمر به (عند التعذر) وأما الأجزاء الميسورة فيحتاج إلى دليل خاص وبما أن في خصوص الصلاة ورد النص الخاص بوجوب الأجزاء الميسورة فلا يترك الميسور منها عند تعذر كلها، ولا مانع من أن يقال: إن المتيقن من مورد القاعدة هي الصلاة. فرعان الأول: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في باب التيمم: (و) كيف كان ف‍ (- ان قطعت كفاه) بحيث لم يبق منهما من محل الفرض شئ (سقط مسحهما) قطعا واجماعا (واقتصر على) مسح (الجبهة) ولا يسقط التيمم عنه بذلك، بلا خلاف بل لعله إجماعي إن لم يكن ضروريا، لقاعدة الميسور (2). الثاني: قال السيد صاحب العناوين رحمه الله: ويتمسك بها (القاعدة) في لزوم تخفيف النجاسة كما وكيفا، ووضوء الأقطع والجبيرة، وفي أعداد غسلات الوضوء،... وستر ما أمكن من العورة، ولزوم الصلاة عاريا (3).


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 485. (2) جواهر الكلام: ج 5 ص 218. (3) العناوين: ج 1 ص 464.

[ 293 ]

قاعدة نفي السبيل المعنى: معنى القاعدة هو نفي سلطة الكافر على المسلم، وعليه كل عمل من المعاملات والعلاقات بين المسلمين والكفار إذا كان موجبا لتسلط الكفار على المسلمين فإنه لا يجوز شرعا فرديا كان أو جمعيا، فعلى ذلك لا يجوز للمسلم إجارة نفسه للكافر بحيث يكون الكافر مسلطا على المسلم الأجير. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (1). فظاهر هذه الاية هو نفي السبيل بمعنى نفي الحكم الذي كان موجبا لتسلط الكافر على المسلم، فلا يكون مثل هذا الحكم مجعولا شرعا، كما قال السيد الحكيم رحمه الله: فإن السبيل إلى الشئ غير السبيل عليه، والأول: ظاهر في الوصول إلى ذاته والاستيلاء عليه (الشئ) والثاني: ظاهر في القدرة على التصرف به، فحمل الاية (على المسلمين) على الثاني متعين فتدل على نفي السلطنة على التصرف بالمسلم (2). والأمر كما أفاده.


(1) النساء: 141. (2) نهج الفقاهة: ص 314.

[ 294 ]

ولا يخفى أن المدرك الوحيد للقاعدة هو هذه الاية والقاعدة متخذة منها، كما أن الاية تسمى بآية نفي السبيل. 2 - النبوي المشهور: وهو قوله صلى الله عليه وآله: (الأسلام يعلو ولا يعلى عليه) (1). دل على علو المسلم على الكافر وسيادته عليه، والمقصود من علو الأسلام هو اعتلاء المسلمين عملا. والتحقيق أن هذا النبوي مرسل فلا يعتمد عليه مضافا إلى احتمال كونه إرشادا إلى علو الأسلام في حد ذاته. 3 - العزة والذلة: لا إشكال في أن قبول الذلة للمؤمنين حرام. كما قال تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (2). فظاهر الاية هو اختصاص العزة لله وللرسول وللمؤمنين (الذين آمنوا بالله) وعليه لا يكون تسلط الكافر على المسلمين مناسبا للعزة بل يكون ذلك التسلط موجبا للذلة على المسلمين، والقول بأن مفاد الاية هو الأرشاد إلى العزة المعنوية خلاف الظاهر. وكيف كان فالسبيل (التسلط) من الكافر على المسلم مساوق مع الذلة وهي محرمة قطعا، كما عن الصادق عليه السلام في معتبرة معلى بن خنيس قال: سمعته يقول: قال الله عزوجل: (ليأذن بحرب مني من أذل عبدي المؤمن) (3). فرعان الأول: هل تكون إجارة المسلم نفسه للكافر محرمة مطلقا أم تختص في فرض تحقق الذلة؟ التحقيق: أن الملاك في المقام (السبيل المنفي) هو تسلط الكافر من جانب وذلة المسلم من جانب آخر فلو تحقق هذا الملاك لا شك في فساد المعاملة وإلا


(1) الفقيه: ج 4 باب ميراث أهل الملل. (2) المنافقون: 8. (3) الوسائل: ج 8 ص 591 باب 147 من أبواب أحكام العشرة ح 1.

[ 295 ]

فلا دليل على البطلان كما قال السيد الحكيم رحمه الله: فالتحقيق أن السبيل المنفي ما كان موجبا لمذلة المسلم ومهانة عليه لا مطلقا فإذا لم تكن الأجارة موجبة لذلك صحت بلا مانع من دون فرق بين كونه في الذمة أو في الخارج كما لو استأجره لخياطة ثوبه (1). والأمر كما أفاده. الثاني: قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله: (لو زوج) المرتد فطريا أو مليا فضلا عن الكافر الأصلي (بنته المسلمة لم يصح) بلا خلاف أجده فيه للأصل و (لقصور ولايته عن التسلط على المسلم) الذي لم يجعل الله له سبيلا عليه (2).


(1) نهج الفقاهة: ص 317. (2) جواهر الكلام: ج 41 ص 629.

[ 296 ]

قاعدة نفي العسر والحرج المعنى: معنى القاعدة هو نفي الحكم الموجب للعسر والحرج، وعليه كل حكم كان موجبا للعسر أو الحرج منفي من ناحية الشرع، كما قال سيدنا الاستاذ: أن مفاد نفي الحرج في عالم التشريع هو نفي الحكم الحرجي وهذا هو الصحيح ولا يرد عليه شئ (1). وعليه إذا كان الغسل أو الوضوء مثلا في شدة البرد في الشتاء عسرا أو حرجا يرتفع عاتق من المكلف إمتنانا منه تعالى على العباد، فتكون القاعدة حاكمة على الأدلة الأولية. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بالايات الصريحة على المطلوب. منها قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (2). ومنها قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (3). ومنها قوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج (4).


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 530. (2) البقرة: 185. (3) البقرة: 286. (4) الحج: 78.

[ 297 ]

ومنها قوله تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج (1). فإن هذه الايات دلت على نفي الحكم الذي يوجب العسر والحرج دلالة تامة كاملة، ومن المعلوم أن القاعدة متخذة من هذه الايات ولا حاجة إلى ذكر الروايات الواردة في الباب التي بلغت حد الأستفاضة، لأن بها غنى وكفاية فالقاعدة مسلمة لا إشكال فيها عند الفقهاء. ولا شك في أنها من ضروريات الفقه، وتزيدها قوة ومتانة ما ورد في بعض الروايات إستناد الحكم إلى هذه القاعدة، كما في صحيح محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (الشيخ الكبير والذي به العطاش لاحرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان) (2). فالافطار في هذه الصحيحة مستند الى قاعدة لا حرج. ولا يخفى أن مفاد القاعدة هو نفي الحكم الحرجي بنحو العزيمة لا الرخصة، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في مسألة إفطار الشيخ الكبير: ثم لا يخفى عليك أن الحكم في المقام ونظائره من العزائم لا الرخص، ضرورة كون المدرك فيه نفي الحرج ونحوه (نفي العسر) مما يقتضي برفع التكليف (3). بقيت امور ينبغي التنبيه عليها: 1 - ما هو الضابط للحرج؟ التحقيق أن ملاك الحرج هي المشتقة التي تكون فوق المتعارف، والمرجع للتشخيص هو المكلف نفسه، أو من هو أعرف به منه. 2 - هل الحرج نوعي أو شخصي؟ لا اشكال في ان الحرج الذي هو رافع للتكليف هو الحرج الشخصي، وذلك لأن التكليف شخصي والخطابات الشرعية تنحل إلى خطابات شخصية لكل فرد، وبالنتيجة يتعلق التكليف لكل شخص من المكلفين، وإذا فرض كون الحرج نوعيا لا يكون رافعا للتكليف الشخصي، لاختلاف المتعلق فما رفع بالحرج لم يكن متعلق التكليف، وما تعلق به التكليف لم


(1) المائدة: 6. (2) الوسائل: ج 7 ص 150 باب 15 من أبواب من يصح منه الصوم ح 1 و 2. (3) جواهر الكلام: ج 17 ص 150.

[ 298 ]

يرفع بالحرج، وإذا فلا بد أن يكون الحرج شخصيا. 3 - ما هي النسبة بين القاعدة وأصالة الأحتياط؟ هل النسبة بينهما التعارض أو الحكومة؟ التحقيق: أن قاعدة نفي الحرج حاكمة على الاحتياط، لأن ظاهر دليل القاعدة (ما جعل عليكم) نفي تشريع الحكم الحرجي، كما قال سيدنا الاستاذ: والصحيح ما ذكره الشيخ من حكومة قاعدة نفي الحرج على قاعدة الأحتياط (1). توضيح: إن العسر والحرج يتحدان في الحكم، واخذا كموضوع واحد للقاعدة الواحدة ولكن من المعلوم أنهما يختلفان معنى فإن العسر أخف بالنسبة إلى الحرج، فالعسر عبارة عن المشقة التي تتعلق بعضو من أعضاء البدن. وأما الحرج فهو عبارة عن المشقة التي تتعلق بالنفس الانسانية، وعليه يقال: أن العسر بدني والحرج نفسي، وفي اللغة: العسر هو الصعب الشديد (2). والحرج: هو التعب والضيق (3). والذي يسهل الخطب أن العسر والحرج أصبحا معا موضوعا واحدا للقاعدة. فرعان الأول: قال سيدنا الاستاذ: يسقط وجوب الطلب (طلب الماء للوضوء) في ضيق الوقت، كما يسقط إذا خاف على نفسه، أو ماله، من لص، أو سبع، أو نحو ذلك، وكذا إذا كان في طلبه حرج ومشقة لا تتحمل (4). وذلك لقاعدة نفي الحرج. الثاني: قال سيدنا الاستاذ: وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لاشخاص: منهم الشيخ والشيخة وذو العطاش، إذا تعذر عليهم الصوم، وكذلك إذا كان حرجا ومشقة (5).


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 230. (2) المصباح المنير: ص 559. (3) نفس المصدر السابق: ص 175. (4) منهاج الصالحين: ج 1 ص 96. (5) نفس المصدر السابق: ص 277.

[ 299 ]

قاعدة وجوب إعلام الجاهل فيما يعطى المعنى: معنى القاعدة هو أنه إذا اعطى أحد للاخر شيئا ذا خطر يجب على المعطي بيان الخطر للاخذ الجاهل كإعطاء الشئ المتنجس مثلا. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله في مسألة وجوب الأعلام بتنجس المبيع: فالظاهر وجوب الأعلام وجوبا نفسيا قبل العقد أو بعده، لبعض الأخبار المتقدمة، وفي قوله عليه السلام: يبينه لمن اشتراه ليستصبح به). إشارة إلى وجوب الأعلام، لئلا يأكله، فإن الغاية للأعلام ليس هو تحقق الاستصباح، إذ لا ترتب بينهما شرعا ولا عقلا ولا عادة، بل الفائدة حصر الانتفاع فيه بمعنى عدم الانتفاع به في غيره، ففيه إشارة إلى وجوب إعلام الجاهل بما يعطى إذا كان الانتفاع الغالب به محرما بحيث يعلم عادة وقوعه في الحرام لولا الأعلام، فكأنه قال: أعلمه لأن لا يقع في الحرام الواقعي بترك الأعلام، ويشير إلى هذه القاعدة كثير من الأخبار المتفرقة الدالة على حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع في المحرمات، مثل ما دل أن من أفتى بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه، فإن إثبات الوزر للمباشر من جهة فعل القبيح

[ 300 ]

الواقعي، و (كان) حمله على المفتي من حيث التسبيب والتغرير. ومثل قوله عليه السلام: (ما من إمام صلى بقوم فيكون في صلاتهم تقصير إلا كان عليه أوزارهم) (1). ومن الروايات صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل، قال: (أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله والزيت يستصبح به) (2). وفي رواية اخرى عنه عن أبي عبد الله عليه السلام في السؤال عن الزيت المتنجس قال عليه السلام: (بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به) (3). دلت على وجوب البيان بتنجس الزيت للمشتري فالدلالة تامة ولكن سند هذه الرواية غير تام فلا يعتمد بها. ومنها موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه فقال: (إن كان جامدا فتطرحها وما حولها ويؤكل ما بقي وإن كان ذائبا فاسرج به واعلمهم إذا بعته) (4). دلت على وجوب الأعلام بتنجس المبيع، لعدم الخصوصية للزيت. ولا يخفى أن هذه الموثقة ظاهرة في الوجوب الشرطي (إشتراط البيع بالأعلام) إلا أن خبر معاوية بن وهب تفيد الوجوب النفسي فان الامر بالبيان (بينه لمن اشتراه) ظاهر في الوجوب النفسي ولو فرض التعارض بين الظهورين يتحقق التساقط ويرجع إلى أصالة الظهور وهي أن الأمر ظاهر في الوجوب النفسي. والتحقيق: أنه لا مجال للمعارضة هناك، وذلك لعدم التعارض بين الخبر الثقة والضعيف. 2 - حرمة تغرير الجاهل: قال سيدنا الاستاذ: قوله (ويشير إلى هذه القاعدة كثير من الأخبار) أقول: لما كان بيع الدهن المتنجس من المسلم قد يوجب القاء له في الحرام الواقعي حكم بحرمته في الشريعة المقدسة فانه يستفاد عن مذاق


(1) المكاسب المحرمة: ص 9. (2) الوسائل: ج 12 ص 66 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 1. (3) نفس المصدر السابق: ح 4. (4) نفس المصدر السابق: ح 3.

[ 301 ]

الشارع حرمة القاء الغير في الحرام الواقعي، ويدل على صدق هذه الكبرى الكلية مضافا إلى ما ذكرناه من وجوب الأعلام ما ورد في الأخبار الكثيرة في مواضع شتى الدالة على حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع في المحرمات، منها ما دل على حرمة الأفتاء بغير علم ولحوق وزر العامل به للمفتي، فان ثبوت ذلك عليه (للافتراء على الله) والتغرير والتسبيب والقاء المسلم في الحرام الواقعي (1). والأمر كما أفاده. ومن المعلوم أن التغرير لا يتحقق بدون التسبيب وعليه يمكننا أن نقول بكلمة واحدة: أن تسبيب الحرام حرام، كما قال سيدنا الاستاذ أن الأدلة: تقتضي حرمة تغرير الجاهل بالأحكام الواقعية فيما إذا كان المغرور في معرض الارتكاب للحرام وإلا فلا موضوع للاغراء (2). 3 - إعلام العيب: قال شيخ الطائفة رحمه الله: إذا كان لرجل مال فيه عيب فأراد بيعه وجب عليه أن يبين للمشتري عيبه ولا يكتمه (3). فالنقص والنجاسة والحرمة من العيوب فيجب إعلامها في مواردها قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: ثم إن بعضهم إستدل على وجوب الأعلام بان النجاسة عيب خفي فيجب إظهارها، وفيه مع أن وجوب الأعلام على القول به ليس مختصا بالمعاوضات (وهو المطلوب): أن كون النجاسة عيبا ليس إلا لكونه منكرا واقعيا وقبيحا، فان ثبت ذلك حرم الألقاء فيه مع قطع النظر عن مسألة وجوب إظهار العيب وإلا لم يكن عيبا (4). والتحقيق: أن وجوب إعلام العيب يدور مدار الغش فإذا تحقق الغش يجب الأعلام وإلا فلا، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله بعد بيان الأقوال في هذه المسألة: والظاهر إبتناء الكل على دعوى صدق الغش وعدمه، والذي يظهر بملاحظة العرف واللغة في معنى الغش أن كتمان العيب الخفي وهو الذي لا يظهر بمجرد الأختبار المتعارف قبل البيع غش، فإن الغش كما يظهر من اللغة خلاف النصح أما العيب الظاهر فالظاهر


(1) مصباح الفقاهة: ج 1 ص 116. (2) نفس المصدر السابق: ج 1 ص 119. (3) المبسوط: ج 2 ص 126. (4) المكاسب: المحرمة ص 10.

[ 302 ]

أن ترك إظهاره ليس غشا (1). فروع الأول: قال سيدنا الاستاذ: وقد يكون (الغش) بترك الأعلام مع ظهور العيب وعدم خفائه، كما إذا أحرز البائع إعتماد المشتري عليه في عدم إعلامه بالعيب فاعتقد أنه صحيح ولم ينظر في المبيع ليظهر له عيبه فإن عدم إعلام البائع بالعيب، مع اعتماد المشتري عليه غش له (2). فيجب هناك إعلام العيب. الثاني: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا كان موضع من بيته أو فرشه نجسا فورد عليه ضيف وباشره بالرطوبة المسرية، ففي وجوب إعلامه إشكال، وإن كان (الاعلام) أحوط، بل لا يخلو عن قوة (3). الثالث: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا إستعار ظرفا أو فرشا أو غيرهما من جاره فتنجس عنده، هل يجب عليه إعلامه عند الرد؟ فيه إشكال، والأحوط الاعلام، بل لا يخلو عن قوة (4).


(1) المكاسب: الخيار ص 262. (2) منهاج الصالحين: ج 2 ص 8. (3) و (4) العروة الوثقى: ص 26.

[ 303 ]

قاعدة وجوب التخلية بين المال ومالكه المعنى: معنى القاعدة هو أنه إذا إستولى أحد على مال الغير بدون المبرر يجب رفع اليد عن مال الغير بقاء، والاجتناب عن التصرف فيه، وهذا هو معنى وجوب التخلية بين المال ومالكه، كما قال سيدنا الاستاذ: وعلى الجملة فالخروج (عن الدار المغصوبة) واجب بحكم الشرع والعقل من ناحية دخوله في كبرى تلك القاعدة أعني قاعدة وجوب التخلية بين المال ومالكه (1). والأمر كما أفاده. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الأدلة الأولية في المعاملات: والمراد منها الروايات والقواعد التي تفيد عدم جواز التصرف في مال الغير، وهي كثيرة جدا وعلى أساس كثرتها صار المدلول من المسلمات، بل من الضروريات كما قال سيدنا الاستاذ: لا شبهة في حرمة التصرف في مال الغير بحسب الكبرى شرعا وعقلا (2). وبما أنه لا فرق بين حرمة التصرف حدوثا وبقاء يتم المطلوب (وجوب التخلية بين المال ومالكه). من الروايات موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: أن رسول


(1) محاضرات: ج 4 ص 389. (2) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 114.

[ 304 ]

الله صلى الله عليه وآله: (من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفس منه) (1). دلت على حرمة التصرف في مال الغير ووجوب التخلية. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم بين الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم والأمر متسالم عليه عندهم كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: والظاهر أنه (وجوب رد المال إلى مالكه) مما لا خلاف فيه على تقدير عدم جواز التصرف فيه (2). والتحقيق: أن المستفاد من الأدلة هو وجوب التخلية (بمعنى عدم جواز التصرف) وأما وجوب الرد إلى المالك فهو لا يستفاد من الأدلة كما قال السيد الحكيم رحمه الله: الظاهر أن هذا المقدار (حرمة التصرف في مال الغير) غير كاف في وجوب الرد بل غاية ما يقتضي (هو) الأمساك، ولا يتوقف الفرار عن مخالفة الحرمة على الرد، بل يحصل بالتخلية - إلى أن قال: - فاثبات وجوب الرد لا يكفي فيه ما دل على حرمة التصرف (3). قد يقال ما هو الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة الاحترام وقاعدة على اليد وقاعدة الاتلاف؟ فيقال أن مدلول قاعدة الاحترام هو عدم جواز التصرف في مال الغير من الأول، ومدلول قاعدة على اليد والأتلاف هو تحقق الضمان على المتعدي بعد وضع اليد العادية أو الأتلاف، وأما مدلول قاعدة وجوب التخلية بين المال ومالكه فهو عبارة عن لزوم رفع اليد عن مال الغير بعد تحقق الأستيلاء عليه إختيارا أو اضطرارا. فروع الأول: في المال المقبوض بالعقد الفاسد، فإذا تحقق القبض بواسطة عقد


(1) الوسائل: ج 3 ص 424 باب 3 من أبواب مكان المصلي ح 1. (2) المكاسب: البيع ص 104. (3) نهج الفقاهة: ص 131.

[ 305 ]

معاملي ثم انكشف فساد العقد يجب رفع اليد عن المقبوض كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: من الامور المتفرعة على عدم تملك المقبوض بالبيع الفاسد وجوب رده فورا إلى المالك (1). والتحقيق: أن المراد من وجوب الرد إن كان رفع اليد عن مال الغير فهو المطلوب، وأما إن كان المراد منه الأيصال إلى المالك فلا دليل عليه وقال سيدنا الاستاذ: أن القابض بالعقد الفاسد تارة يمتنع عن رد المقبوض إلى مالكه حتى مع مطالبته، واخرى لا يمتنع عن ذلك.... وعلى الأول فلا شبهة في حرمة إمساكه لكونه من أظهر افراد الغصب... وعليه فلا شبهة في وجوب رده إلى مالكه فورا ضرورة إمساكه حينئذ تصرف في مال غيره.... وعلى الثاني فلا يجب رده إلى مالكه فضلا عن كون الرد فوريا بداهة أنه لا يجب على القابض إلا التخلية بين المال ومالكه، أما الزائد على ذلك فلم يقم عليه دليل (2). الثاني: قال الشهيد رحمه الله في مسألة الوديعة: ويجب إعادة الوديعة على المودع مع المطالبة في أول وقت الأمكان بمعنى رفع يده عنها و (قاعدة) التخلية بين المالك وبينها (3). الثالث: قال سيدنا الاستاذ: التسليم الواجب على المتبايعين في المنقول وغيره، هو التخلية برفع المانع عنه، والأذن لصاحبه في التصرف (4).


(1) المكاسب: البيع ص 104. (2) مصباح الفقاهة: ج 3 ص 120. (3) اللمعة الدمشقية: ج 4 ص 241. (4) منهاج الصالحين: ج 2 ص 46.

[ 306 ]

قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل المعنى: معنى القاعدة هو أنه إذا احتمل الضرر في عمل من الأعمال يجب دفعه (بحصول المؤمن) والمراد من الضرر هنا هو الضرر الأخروي (العقاب) لعدم الدليل على وجوب دفع الضرر الذي كان ما دون العقاب، أضف الى ذلك أن الضرر الأخروي هو المتيقن. ولا يخفى أن موارد القاعدة هي الشبهات الحكمية قبل الفحص فيجب على المكلف الفحص حتى اليأس، وبعد ذلك ينتهي الأمر إلى الاصول العملية، فالقاعدة بحسب الحقيقة هي قاعدة وجوب الفحص، كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: قد استقل (العقل) بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه فانهما بدونها عقاب بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان، وهما قبيحان بشهادة الوجدان. ولا يخفى أنه مع استقلاله بذلك لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته فلا يكون مجال هاهنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل (1). ومن هنا يتبين الفرق بين مورد القاعدة واصالتي البراءة


(1) كفاية الاصول: ج 2 ص 179.

[ 307 ]

والاحتياط فإن مورد قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل هي الشبهة قبل الفحص ومورد قاعدة البراءة والاحتياط هي الشبهة بعد الفحص كما قال سيدنا الاستاذ: أن احتمال التكليف في الشبهة المقرونة بالعلم الأجمالي والشبهة الحكمية قبل الفحص كان موردا لحكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل إرشادا إلى تحصيل المؤمن، ولا مجال فيه لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان. (وإن كان الأحتمال) في الشبهة الحكمية. بعد الفحص فيما إذا لم يكن هناك منجز خارجي عن علم إجمالي أو إيجاب إحتياط أو غيرهما كان موردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ولا مجال لجريان قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - لا شك في أن العقل السليم يحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل مطلقا فحينئذ إذا وقع شخص في معرض الضرر ولم يجتنب عنه واصبح متضررا كان هذا الشخص مذموما عند العقلاء، وعليه يجب دفع الضرر المحتمل سيما الضرر الأخروي (العقاب) ويحكم العقل بوجوب دفع ذلك الضرر (العقاب) قطعا. ويرشدنا إليه قوله تعالى: ولا تلقوا بايديكم إلى التهلكة (2). 2 - الدليل الأصلي: من المعلوم أن في الشبهة المقرونة بالعلم الأجمالي وفي الشبهة الحكمية كان للحكم دليل معتبر من العلم والحجة الشرعية، وقد حصلت الشبهة نتيجة الأجمال الواقع في المتعلق، فعلى مقتضى الدليل الأصلي لا بد من الفحص عند الشبهة وحصول المؤمن وهذا هو مدلول القاعدة. ما هو المقصود من الوجوب في القاعدة؟ التحقيق: أن وجوب دفع الضرر من المستقلات العقلية وعليه كان الوجوب إرشاديا كما قال سيدنا الاستاذ: بعد عدم كون الوجوب هنا نفسيا ولا غيريا ولا طريقيا: فتعين أن يكون وجوب دفع الضرر المحتمل إرشاديا بمعنى أن العقل


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 287. (2) البقرة: 195.

[ 308 ]

يحكم ويرشد إلى تحصيل المؤمن من عقاب مخالفة التكليف الواقعي على تقدير تحققه (1). والأمر كما ذكره. الشبهة الموضوعية: المشهور عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية إلا في مورد الاستطاعة والديون، لاحتمال المخالفة العملية الكثيرة. ولكن يمكن أن يقال (حسبما استفدناه من سيدنا الاستاذ) أن مقتضى الأصل الأولي هو الفحص ولكن بما أن هناك قواعد كثيرة تدل على عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية كقاعدة الطهارة والحل والسوق فلا يبقى تحت الأصل الأولي إلا موارد قليلة (كالدماء والفروج) وكيف كان فالموارد معلومة. فروع الأول: قال سيدنا الاستاذ: من كان على بعض أعضاء وضوئه جبيرة، فإن تمكن من غسل ما تحتها بنزعها أو بغمسها في الماء مع إمكان الغسل من الأعلى إلى الأسفل وجب، وإن لم يتمكن لخوف الضرر اجتزأ بالمسح عليها (2). فهذا الحكم يبتني على اساس دفع الضرر المحتمل. ويسانخه ما أفاد المحقق صاحب الجواهر رحمه الله في وجوب التيمم عند الخوف: المدار في ثبوت الضرر هنا وغيره مما كان كذلك على علمه أو ظنه المستفاد من معرفة أو تجربة أو اخبار عارف. (وذلك) لوجوب دفع الضرر المظنون، وللتعليق على الخوف المتحقق به في السنة ومعاقد الاجماعات، بل قد يقال: بتحققه مع الشك فضلا عن الظن، بل مع الوهم القريب الذي لا يستبعده العقلاء، ولعله لا يخلو من قوة (3). الثاني: قال المحقق النائيني رحمه الله: إذا اريد من الضرر المحتمل الدنيوي، فلو إستقل بوجوب دفعه لحكم الشارع على طبقه، بقاعدة الملازمة، فإن حكم العقل


(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 286. (2) منهاج الصالحين: ج 1 ص 30. (3) جواهر الكلام: ج 5 ص 110.

[ 309 ]

بذلك واقع في مرتبة علل الاحكام الشرعية دون معلولالتها، وما كان كذلك يكون مستتبعا للحكم الشرعي، - كما اوضحناه في بعض مباحث القطع - إلا أن استقلال العقل بذلك في غير الأعراض والنفوس والأموال في الجملة ممنوع (1). الثالث: قال سيدنا الاستاذ: لا ملازمة بين إرتكاب الحرام وترتب الضرر الدنيوي، بل ربما تكون فيه المنفعة الدنيوية، كما في موارد الانتفاع بمال الغير غصبا، نعم يترتب الضرر الدنيوي على ارتكاب بعض المحرمات، كأكل الميتة وشرب السم (2).


(1) أجود التقريرات: ج 2 ص 188. (2) مصباح الاصول: ج 2 ص 287.

[ 310 ]

قاعدة الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها المعنى: معنى القاعدة هو أن الاستفادة عن الوقف يجب أن يكون حسب نظر الواقف، وعليه كل ما وقف على أساس الموازين الشرعية فعلى المسلمين أن يستفيدوا من الموقوفات حسب ما عينه الواقف، فلا يجوز لأحد التصرف في الوقف على خلاف ما قرره الواقف. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في نفس الباب. منها صحيحة محمد بن الحسن الصفار عن أبي محمد الحسن عليهما السلام في السؤال عن الوقف، وما روي فيه عن آبائه عليهم السلام فوقع عليه السلام: (الوقف على حسب ما يوقفها أهلها) (1). دلت على أن التصرف المجاز في الوقف يدور مدار نظر الواقف فليعمل بالوقف على أساس ما عينه الواقف. 2 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة ولا خلاف فيه بينهم وقد أرسلها الفقهاء إرسال المسلمات، كما قال المحقق صاحب الجواهر رحمه الله


(1) الوسائل: ج 13 ص 295 باب 2 من أبواب الوقوف والصدقات ح 1.

[ 311 ]

بعد بيان أن في الوقف يتحقق الملك للوقوف عليه: فيجى أن يكون هو (الملك) مقتضى العقد الذي قد قصد به الصدقة بالعين والمنفعة لكن على الوجه الذي اعتبره الواقف (فإن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها) بالنسبة إلى ذلك (1). نظر الواقف: لا شبهة في أن نظر الواقف متبع في الاشتراط إذا لم يكن الشرط مخالفا للكتاب والسنة، وإلا فلا مبرر للاتباع كما قال سيدنا الاستاذ: الشرائط التي يشترطها الواقف تصح ويجب العمل عليها إذا كانت مشروعة، فإذا اشترط أن لا يؤجر الوقف أكثر من سنة أو لا يؤجر على غير أهل العلم لا تصح إجارته سنتين ولا على غير أهل العلم (2). فرعان الأول: إذا سقط الموقوف عن معرض الانتفاع كما إذا جفت الشجرة المثمرة أو إنقلعت فإذا لا موضوع للعمل على نظر الواقف، فعندئذ ما هو الحكم؟ التحقيق: هو جواز البيع، لأن الوقف هو حبس العين واطلاق المنفعة كما قال سيدنا الاستاذ: هو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة (3). فهو كذلك ما دام وجود العين والمنفعة معا، وأما إذا انتفت المنفعة فلا تبقى فائدة في حبس العين التي لا منفعة لها، وعليه أفتى الفقهاء بجواز البيع، كما قال شيخ الطائفة رحمه الله: إذا إنقطعت نخلة من أرض الوقف أو انكسرت جاز بيعها لارباب الوقف، لأنه تعذر الانتفاع بها على الوجه الذي شرطه وهو أخذ ثمرتها (4). والأمر كما أفاده. الثاني: قال سيدنا الاستاذ: إذا اشترط الواقف شرطا في الموقوف عليه، كما إذا وقف المدرسة على الطلبة العدول أو المجتهدين، ففقد الشرط خرج عن الوقف (5) على اساس القاعدة.


(1) جواهر الكلام: ج 28 ص 93. (2) منهاج الصالحين: ج 2 ص 259. (3) منهاج الصالحين: ج 2 ص 238. (4) المبسوط: ج 3 ص 300 و 301. (5) منهاج الصالحين: ج 2 ص 246.

[ 312 ]

قاعدة الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة المعنى: معنى القاعدة هو أن الوظيفة عند الشك في حرمة عمل من الأعمال هي التوقف وعدم ارتكاب العمل، كالشك في حرمة التزويج مع امرأة يحتمل كونها من المحارم. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - النصوص: الواردة في مختلف الأبواب. منها صحيحة مسعدة بن زياد عن أبي جعفر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة، يقول: إذا بلغك أنك قد رضعت من لبنها وأنها لك محرم وما أشبه ذلك، فإن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) (1). دلت على أن الحكم هو التوقف والكف النفساني عند الشك في جواز النكاح من ناحية إحتمال الرضاع، وما أشبه ذلك من الشبهات المتعلقة بالفروج والدماء، وعلل الحكم في الذيل بالكبرى التي هي نفس


(1) الوسائل: ج 14 ص 193 باب 157 كتاب النكاح ح 2.

[ 313 ]

القاعدة، فيمكن أن يقال: أن هذه الصحيحة تفيد مفاد القاعدة بتمامها وكمالها. ومنها مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله في تثليث الأحكام 1 - الحرام. 2 - الحلال. 3 - المشتبه - إلى أن قال في آخر الحديث: فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (1). دلت على المطلوب دلالة تامة، والرواية تفيد القاعدة نصا وقد وردت القاعدة بنفس العبارة في روايات كثيرة في شتى الأبواب. 2 - العقل: قد استقل العقل على تحسين من توقف عند الشبهة، كما استقل على تقبيح من ارتكب أطراف الشبهة بدون الترخيص، وعليه يصبح الأمر بالتوقف للأرشاد إلى الحكم العقلي. بحث وتحقق: قال بعض الأخباريين أن الحديث (الوقوف عند الشبهة) دليل على قاعدة الأحتياط. والتحقيق: عدم دلالته على قاعدة الأحتياط، لعدم كونه أمرا مولويا، ولكونه واردا مورد الشبهات التي لا يمكن فيها الترخيص، قال سيدنا الاستاذ: الأخبار الامرة بالتوقف عند الشبهة كقوله في عدة روايات: الوقوف عند الشبهة خير من الأقتحام في الهلكة ونظير هذه الروايات... (لا تدل) على وجوب الأحتياط وقال بعد الفرق بين المقامين من ناحية المولوية والأرشادية ومن ناحية المورد: فيختص موردها (الروايات) بالشبهة قبل الفحص والمقرونة بالعلم الأجمالي (2). الفرق بين القاعدتين: قد يتخيل أن قاعدة الوقوف عند الشبهة متحدة مع قاعدة وجوب دفع الضرر،


(1) الوسائل: ج 18 ص 114 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 9. (2) مصباح الاصول: ج 2 ص 299.

[ 314 ]

ولكن إذا تعمق النظر في القاعدتين يتبين الفرق بينهما، وذلك لأن مدلول قاعدة الوقوف عند الشبهة هو التوقف العملي وعدم الارتكاب، ومدلول قاعدة وجوب دفع الضرر هو الفحص في سبيل حصول المؤمن، فيكون نطاق الاولى مقدمة لنطاق الثانية. أضف إلى ذلك ما يمكن أن يقال: إن المتيقن من موارد قاعدة الوقوف عند الشبهة هو الشبهة المختصة بالدماء والفروج وعليه يكون مدلولها نفس التوقف والاجتناب وتتعلق بالشبهات الموضوعية الخاصة فتمتاز عن قاعدة وجوب دفع الضرر معنى وموردا. فرعان الأول: من موارد القاعدة هو التوقف عند نقل الرواية التي لم يثبت سندها كما في رواية أبي سعيد الزهري عن أبي جعفر عليه السلام قال: (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه) (1). فتفيد الاجتناب عن نقل خبر لم يوثق سنده، هذا إذا كان النقل بنحو الأخبار عن الواقع، وأما إذا كان نقل الخبر المرسل - مثلا - برجاء الواقع فلا مانع منه إلا أن يقال: إن الترك أفضل في الفرض الأخير أيضا، فعليه كان الوقوف هنا محمولا على الاستحباب. الثاني: الخبر المشهور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة (2). فالقسم الثالث - القضاء بالحق مع عدم العلم - كان مدلول القاعدة، فلا يجوز القضاء بحكم عند الشبهة فيه وبالتالي يجب الوقوف عند هذه الشبهة.


(1) الوسائل: ج 18 ص 112 باب 12 من أبواب صفات القاضي ح 2. (2) الوسائل: ج 18 ص 11 باب 4 من أبواب صفات القاضي ح 2.

[ 315 ]

قاعدة يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب المعنى: معنى القاعدة هي حرمة التزويج بين الرجل والمرأة اللذين تربطهما علاقة الرضاع كحرمته فيما إذا كانا مرتبطين بعلاقة النسب (بنفس النسبة) فإذا تحقق الرضاع يتحقق الملاك لحرمة التزويج على نهج حرمة النكاح في النسب، فكما أن نكاح الام والاخت والعمة وغيرها من الأرحام النسبية محرم فكذلك يحرم النكاح فيما إذا كانت العلاقة رضاعية كما قال سيدنا الاستاذ: مع إجتماع الشرائط تصير المرضعة اما للرضيع، وذو اللبن أبا له، وأخوتهما أخوالا وأعماما له، وأخواتهما عمات وخالات له، وأولادهما اخوة له (1). المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - قوله تعالى: وأمهاتكم اللاتي ارضعنكم واخواتكم من الرضاعة (2). فهذه الاية المباركة تفيد أن ملاك الحرمة في التزويج هو الرضاع وبما أنه لا خصوصية للمورد يستفاد أن الرضاع مثل النسب في المنع عن التزويج. 2 - الروايات: وهي الواردة في نفس الباب. منها صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (يحرم


(1) منهاج الصالحين: ج 2 ص 268. (2) النساء: 23.

[ 316 ]

من الرضاع ما يحرم من القرابة) (1). دلت على أن الحرمة في مورد القرابة، هي نفسها في مورد الرضاع، وعليه حرمة التزويج بالقريب الرضاعي كالقريب النسبي والدلالة تامة. ومنها صحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (2). دلت على المطلوب دلالة تامة كاملة والقاعدة متخذة من هذه الرواية بتمامها وكمالها، وفي الباب روايات كثيرة بنفس المضمون والعبارة تكاد أن تكون متواترة لفظا، فالمدرك الروائي هنا متين جدا. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه بينهم قال شيخ الطائفة رحمه الله بعد ذكر الاية والرواية: واجمعت الامة على ذلك أيضا (3). ما هو الرضاع؟ الرضاع هو إرضاع المرأة اللبن للطفل الرضيع مباشرة لمدة يوم وليلة، أو بقدر إنبات اللحم وتشديد العظم، أو بمقدار خمس عشرة رضعة المشبعة، كما قال سيدنا الاستاذ: يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب إذا كان اللبن ناتجا من ولادة عن وطء صحيح وإن كان عن شبهة، يوما وليلة أو ما انبت اللحم وشد العظم، أو كان خمس عشرة رضعة كاملة من الثدي (4). ويشترط في الرضاع أن يكون اللبن عن النكاح والحمل، كما قال الشهيد الأول رحمه الله: ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب بشرط كونه عن نكاح. وقال الشهيد الثاني رحمه الله: ويعتبر مع صحة النكاح صدور اللبن عن ذات حمل أو ولد بالنكاح المذكور فلا عبرة بلبن الخالية منهما، وإن كانت منكوحة نكاحا صحيحا حتى لو طلق الزوج وهي حامل منه أو


(1) الوسائل: ج 14 ص 281 باب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 2. (2) الوسائل: ج 14 ص 280 باب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 1. (3) المبسوط: ج 5 ص 291. (4) منهاج الصالحين: ج 2 ص 267.

[ 317 ]

مرضع فأرضعت ولدا نشر الحرمة (1). فرعان الأول: هل يشترط الحياة في الأرضاع فلا يتحقق الأرضاع من المرضعة التي تموت حين الأرضاع أم لا يشترط؟ التحقيق: إشتراط الحياة وذلك لانصراف الأرضاع إلى الأرضاع من المرضعة الحية، كما قال الشهيد الثاني رحمه الله: والأقوى اعتبار حياة المرضعة فلو ماتت في أثناء الرضاع فأكمل النصاب ميتة لم ينشر - وإن تناوله إطلاق العبارة وصدق عليه اسم الرضاع - حملا على المعهود المتعارف وهو رضاع الحية ودلالة الأدلة اللفظية على الأرضاع بالاختيار، كقوله تعالى وأمهاتكم اللاتي ارضعنكم واستصحابا لبقاء الحل (2). والأمر كما أفاده. الثاني: قال سيدنا الاستاذ: لا ينشر الرضاع الحرمة بين المرتضعين إلا مع اتحاد الفحل، وإن تعدد المرضعة، فلو ارضعت امرأتان صبيين بلبن فحل واحد نشر الحرمة بينهما، ولو ارضعت امرأة صبيين بلبن فحلين لم ينشر الحرمة بينهما (3).


(1) اللمعة الدمشقية: ج 5 ص 156. (2) اللمعة الدمشقية: ج 5 ص 156. (3) منهاج الصالحين: ج 2 ص 268.

[ 318 ]

قاعدة اليد المعنى: معنى القاعدة هو إثبات الملكية بواسطة وضع اليد، والمقصود من اليد هو الاستيلاء والتسلط على المال، والتعبير باليد من باب تسمية العام باسم الخاص. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الروايات: وهي الواردة في مختلف الأبواب. منها موثقة يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل يموت قبل المرأة قال: (ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شئ منه فهو له) (1). دلت على أن الأستيلاء (اليد) أمارة الملكية فإذا تحقق الأستيلاء واليد بشئ تثبت الملكية، والدلالة واضحة. ومنها رواية حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنه، له؟ قال: نعم، قال الرجل: أشهد أنه في يده ولا أشهد أنه له فلعله لغيره، فقال أبو عبد الله عليه السلام: (أفيحل الشراء


(1) الوسائل: ج 17 ص 525 باب 8 من أبواب ميراث الأزواج ح 3.

[ 319 ]

منه)؟ قال: نعم. فقال أبو عبد الله عليه السلام: (فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك؟ ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق) (1). دلت على أن اليد أمارة الملكية وتجوز الشهادة على أساس تلك الأمارة وبها قام نظام السوق للمسلمين فالدلالة كاملة. وأما السند فلا يخلو من الأشكال، وذلك لأن القاسم بن يحيى (الواقع في السند) لم تثبت وثاقته، قال سيدنا الاستاذ: أن القاسم بن يحيى ثقة لشهادة ابن قولويه بوثاقته، ولا يعارضها تضعيف ابن الغضائري لما عرفت من عدم ثبوت نسبة الكتاب (الدال على تضعيفه) إليه، ويؤيد وثاقته حكم الصدوق بصحة ما رواه في زيارة الأمام الحسين عليه السلام عن الحسن بن راشد وفي طريقه إليه: القاسم بن يحيى، بل ذكر أن هذه الزيارة أصح الزيارات عنده رواية (الفقيه زيارة الحسين حديث 1614 - 1615) (2). والتحقيق: أن وثاقة القاسم بن يحيى بالتوثيق العام (ذكره في سند كامل الزيارات) أمر مشكل، وذلك لأن التوثيق العام في مورد لم يرد فيه التضعيف لا بأس به، وأما القاسم بن يحيى بما أنه ورد فيه التضعيف من الغضائري فلا يخلو الأمر (إثبات الوثاقة بالتوثيق العام) عن الأشكال. 2 - بناء العقلاء: قد استقر بناء العقلاء في العالم على أمارية اليد بالنسبة إلى الملك، وها هو الطريق الوحيد لنسبة المال إلى المالك، فكلما كان الانسان مستوليا (ذو اليد) على شئ من الأموال كان ذلك الشئ ملكا له عند العقلاء أجمع ولا خلاف فيه بينهم. 3 - التسالم: قد تحقق التسالم عند الفقهاء على مدلول القاعدة فلا خلاف فيه


(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 215 باب 25 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى ح 2. (2) معجم الرجال: ج 14 ص 66.

[ 320 ]

بينهم والأمر متسالم عليه عندهم، وكيف كان فلا كلام في حجية اليد وأماريتها، وإنما الكلام كله في تعارضها مع الاستصحاب في الموارد الكثيرة قد يقال أن قاعدة اليد تكون من الأمارات، فعليه تتقدم على الأصل (الاستصحاب) إلا إذا كان الأصل موضوعيا فيتقدم عليها. قال سيدنا الاستاذ: وملخص الكلام فيه أنه إن قلنا بكون قاعدة اليد في عرض سائر الأمارات وفي رتبتها فلا إشكال في تقديمها على الاستصحاب، لكونه متأخرا عن سائر الأمارات بناء على كونه منها فضلا عن القول بكونه من الاصول، وإن قلنا بتأخر قاعدة اليد عن سائر الأمارات وأنها في رتبة الاستصحاب فلا بد من تقديمها على الاستصحاب أيضا، لورود أدلتها في موارد الاستصحاب، فإن الغالب العلم بكون ما في أيدي الناس مسبوقا بكونه ملكا للغير، إلا في المباحات الأصلية، بل يمكن جريان استصحاب عدم الملكية فيها أيضا على وجه فلا بد من تخصيص الاستصحاب بها، وإلا يلزم حمل أدلة قاعدة اليد على الموارد النادرة، بل يلزم المحذور المنصوص، وهو إختلال السوق، نعم لا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب في موردين، لا لتقدمه على قاعدة اليد، بل لعدم جريان القاعدة بنفسها لقصور المقتضى. المورد الأول: ما إذا تقارنت اليد بالأقرار، كما إذا اعترف ذو اليد بكون المال ملكا للمدعي، وادعي انتقاله إليه بالشراء أو الهبة، فينقلب ذو اليد مدعيا والمدعي منكرا، فيحكم بكون المال للمدعي بمقتضى الاستصحاب، إلا أن يثبت ذو اليد انتقاله إليه، ولا مجال للأخذ بقاعدة اليد، لعدم الدليل عليها مع اقتران اليد بالاعتراف، فإن الدليل عليها هي السيرة، ورواية حفص بن غياث الدالة على الحكم - بالملكية على ما في أيدي المسلمين - المعلل بأنه لولا ذلك لما قام للمسلمين سوق. أما السيرة فلم يحرز قيامها في المقام (أي فيما إذا اقترنت اليد بالاعتراف) وأما الرواية فلا إطلاق لها يشمل المقام، إذ لا يلزم تعطيل السوق لو

[ 321 ]

لم يؤخذ بها في مثل المقام. المورد الثاني: ما إذا كانت اليد مسبوقة بكونها غير يد ملك، كما إذا كانت أمانية أو عدوانية، بان كان المال في يده بالأجارة أو العارية أو غصبا، فادعى الملكية فلا يمكن الأخذ بقاعدة اليد، بل يحكم ببقاء ملكية المالك بمقتضى الاستصحاب، لا لتقدمه على قاعدة اليد، بل لما ذكرناه من عدم المقتضي للقاعدة مع قطع النظر عن الاستصحاب، إذ لم يحرز قيام السيرة في المقام، ولا يكون مشمولا للرواية المتقدمة (1). فرعان الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: كل ما كان تحت إستيلاء شخص وفي يده بنحو من الأنحاء فهو محكوم بملكيته وأنه له، سواء كان من الأعيان أو المنافع أو الحقوق أو غيرها، فلو كان في يده مزرعة موقوفة ويدعي أنه المتولي يحكم بكونه كذلك (2). الثاني: قال سيدنا الاستاذ فيما إذا تنازع شخصان في مال، ولم تكن بينة هناك: كان على ذي اليد الحلف، فإن حلف حكم له، وإن نكل ورد الحلف على المدعي، فإن حلف حكم له، وإلا فالمال لذي اليد (3).


(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 340. (2) تحرير الوسيلة: ج 2 ص 561. (3) تكملة المنهاج: ص 15.

[ 322 ]

خاتمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله عزوجل: ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون (1). وقال تعالى: كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (2). وقال تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر (3). وقال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة (4). وقال تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والأنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر (5). وقال تعالى: يؤمنون بالله واليوم الاخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (6). وقال تعالى: الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله (7). وقال تعالى: وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما اصابك (8).


(1) آل عمران: 104. (2) آل عمران: 110. (3) الحج: 41. (4) التوبة: 71. (5) الاعراف: 157. (6) آل عمران: 114. (7) التوبة: 112. (8) لقمان: 17.

[ 323 ]

وقال تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (1). وقال تعالى: وأتمروا بينكم بمعروف (2). وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كيف بكم إذا فسدت نساوكم. وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهو عن المنكر، فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله فقال: نعم، وشر من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، فقيل له يا رسول الله ويكون ذلك؟ قال نعم، وشر من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا) (3). وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله عزوجل ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له، فقيل: وما المؤمن الضعيف الذي لا دين له، قال: (الذي لا ينهى عن المنكر) (4). وقال الصادق عليه السلام: (إن رجلا من خثعم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أخبرني ما أفضل الأسلام؟ قال: الأيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: صلة الرحم، قال: ثم ماذا؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: فقال: الرجل: فأخبرني أي الأعمال أبغض الى الله، قال: الشرك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم قطيعة الرحم، قال: ثم ماذا؟ قال: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف) (5). قال الباقر عليه السلام (يكون في آخر الزمان قوم ينبع (يتبع) فيهم قوم مراؤون - إلى أن قال -: ولو أضرت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، هنالك يتم غضب الله عزوجل عليهم فيعمهم بعقابه فيهلك الأبرار في دار الأشرار والصغار في دار الكبار، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء


(1) الأعراف: 199. (2) الطلاق: 6. (3) الوسائل: ج 11 ص 396 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح 12. (4) نفس المصدر السابق: ص 397 ح 13. (5) نفس المصدر السابق: ص 396 ح 11.

[ 324 ]

ويستقيم الأمر) (1). وقال الباقر عليه السلام: (بئس القوم قوم يعصون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (2). وقال الصادق عليه السلام: (ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (3). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال امتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء) (4). إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات وأجلها وهما القانون الذي هو الحجر الأساس لبقاء الأسلام، والعامل الرئيسي لتحقيق السلم والصلاح من جانب، والسبب الأصيل لازالة الظلم والفساد، من جانب آخر. وهو أسمى القوانين في المجتمع الأنساني وللفقهاء في هذا الباب بحوث رائعة وهائلة ولا يسعنا المجال لذكر جميعها ونكتفي بذكر جملة منها حول التعريف والشرائط على ما يلي: 1 - قال المحقق الحلي: المعروف هو كل فعل حسن اختص بوصف زائد على حسنه، إذا عرف فاعله ذلك، أو دل عليه. والمنكر: هو كل فعل قبيح عرف فاعله قبحه أو دل عليه. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان إجماعا ووجوبهما على الكفاية. والمعروف ينقسم إلى الواجب والندب فالأمر بالواجب واجب وبالندب ندب. والمنكر لا ينقسم فالنهي عنه كله واجب (5).


(1) الوسائل: ج 11 ص 394 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح 6. (2) نفس المصدر السابق: ح 2. (3) نفس المصدر السابق: ص 393 ح 1. (4) نفس المصدر السابق: ص 398 ح 18. (5) شرائع الأسلام: ج 1 ص 341.

[ 325 ]

وقال المحقق صاحب الجواهر: (و) كيف كان ف‍ (- الأمر بالمعروف) الواجب (والنهي عن المنكر واجبان إجماعا) من المسلمين بقسميه عليه مضافا إلى ما تقدم من الكتاب والسنة وغيره، بل عن الشيخ والفاضل والشهيدين والمقداد أن العقل مما يستقل بذلك من غير حاجة إلى ورود الشرع (1). وقال الأمام الخميني رحمه الله: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من أسمى الفرائض وأشرفها، وبهما تقام الفرائض، ووجوبهما من ضروريات الدين، ومنكره مع الالتفات بلازمه والالتزام به من الكافرين (2). الشرائط: يشترط في الوجوب هنا أربعة امور وهي بما يلي: الأول: قال الأمام الخميني رحمه الله: أن يعرف الامر أو الناهي أن ما تركه المكلف أو ارتكبه معروف أو منكر. الثاني: أن يجوز ويحتمل تأثير الأمر أو النهي فلو علم أو أطمأن بعدمه فلا يجب. الثالث: أن يكون العاصي مصرا على الاستمرار فلو علم منه الترك سقط الوجوب. الوجوب. الرابع: أن لا يكون في إنكاره مفسدة (3). المراتب: قال سيدنا الاستاذ: للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب: الاولى: الأنكار بالقلب بمعنى إظهار كراهة المنكر، أو ترك المعروف... الثانية: الأنكار باللسان والقول بأن يعظه، وينصحه، ويذكر له ما أعد الله سبحانه من العقاب. الثالثة: الأنكار باليد بالضرب المؤلم الرادع عن المعصية ولكل واحدة من هذه المراتب مراتب أخف وأشد.


(1) الجواهر: ج 21 ص 358. (2) تحرير الوسيلة: ج 1 ص 443. (3) تحرير الوسيلة: ص 446 - 452.
ار باللسان والقول بأن يعظه، وينصحه، ويذكر له ما أعد الله سبحانه من العقاب. الثالثة: الأنكار باليد بالضرب المؤلم الرادع عن المعصية ولكل واحدة من هذه المراتب مراتب أخف وأشد.

(1) الجواهر: ج 21 ص 358. (2) تحرير الوسيلة: ج 1 ص 443. (3) تحرير الوسيلة: ص 446 - 452.

[ 326 ]

ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصنف من الناس دون صنف، بل يجب عند اجتماع الشرائط المذكورة على العلماء وغيرهم (1). ويجب على الامر أن يكون عاملا بالمعروف وتاركا للمنكر على أساس قوله تعالى: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (2). أضف إلى ذلك ما يقال: إن العمل الصالح لا يتولد من العامل الفاسد. اللهم وفقنا لما تحب وترضى آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


(1) منهاج الصالحين: ج 1 ص 352. (2) الصف: 3.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية