الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




قاعدة لاضرر ولاضرار- تقريرات بحث السيستاني

قاعدة لاضرر ولاضرار

تقريرات بحث السيستاني


[ 1 ]

قاعدة لا ضرر ولا ضرار محاضرات آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله العالي

[ 2 ]

الكتاب: قاعدة لا ضرر ولا ضرار محاضرات: آية الله العظمى السيد السيستاني التصوير الفنى (الزينكغراف): ليتوكرافي حميد - قم المطبعة: مهر - قم الطبعة: الاولى - رجب 1414 ه‍ الكمية: 3000 نسخة السعر: 2000 ريال

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر مكتبة سماحة آية الله العظمى السيد السيستانى دام ظله قم مقابل بيمارستان فاطمي ص. ب 3514 تلفاكس 37764.

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله الطاهرين بين يديك - أيها القارئ العزيز - مجموعة من محاضرات سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني دام ظله، التي ألقاها قبل سنين في مهد العلم والمعرفة جامعة النجف الاشرف، حول القاعدة الفقهية المعروفة - لا ضرر ولا ضرار -. وإننا بعد مراجعتها واستئذان سماحته في طبعها نقدمها لارباب الفضيلة وأساتذة الحوزة العلمية منهلا زاخرا بالعطاء الفكري على صعيد علم الفقه والاصول والحديث والرجال. نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع للعلم والعمل الصالحين إنه جواد كريم. مكتب سماحة أية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله - قم المقدسة - 20 رجب 1414 ه‍

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد وعلى آله الهداة المهديين الغر الميامين. وبعد: هذه بحوث حول قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) حررتها من محاضرات سيدي الاستاذ الوالد مد ظله الوارف. أسأل الله العلي القدير أن ينفعني بها ويوفقني لما يحب ويرضى إنه حسبنا ونعم الوكيل.

[ 9 ]

(قاعدة لا ضرر ولا ضرار) تمهيد: من القواعد المعروفة بين فقهاء المسلمين قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، وعلى المسلك المشهور في تفسيرها من أن مفادها نفي الحكم الضرري تترتب عليها آثار مهمة في الكثير من الفروع الفقهية، حتى ادعى بعض العامة (1) إن الفقه يدور على خمسة أحاديث أحدها حديث لا ضرر ولا ضرار. وقد أصبحت هذه القاعدة موردا لاهتمام علمائنا لا سيما في العصر الاخير حيث عني بها الشيخ الاعظم الانصاري قدس سره عناية خاصة، وتطرق إلى البحث عنها في رسائله فانتظمت بذلك في سلك علم الاصول، وأشبع البحث فيها لدى المتأخرين. وحديثنا عن هذه القاعدة يقع في ضمن فصول ثلاثة: الفصل الاول: في تحقيق موارد ذكر حديث لا ضرر ولا ضرار في الروايات وتشخيص متنه. الفصل الثاني: في تحقيق مفاده. الفصل الثالث: في أمور شاع التعرض لها بعنوان تنبيهات القاعدة، وهي أما مكملة للبحث عنها أو متضمنة لبعض تطبيقاتها. ويلاحظ إنا قد تركنا البحث عن سند أصل الحديث لانه لا إشكال في


(1) نقله السيوطي في تنوير الحوالك 2 / 122 عن أبي الفتوح الطائي في الاربعين عن أبي داود.

[ 10 ]

وروده بطريق معتبر (1)، عن طريق زرارة كما سيأتي. كما أن أسانيده ومصادره من كتب العامة والخاصة تظهر مما سنذكره في الفصل الاول إن شاء الله تعالى.


(1) حكى الشيخ الانصاري عن فخر المحققين (قدهما) الله ادعى تواتر حديث نفي الضرر في باب الرهن من الايضاح، ويظهر من الشيخ (ره) قبوله لذلك، ولكنه غير واضح لانه لم يرد هذا الحديث من طرق الخاصة مسندا إلا عن راويين في الطبقة الاولى وهما زرارة وعقبة، وفي سائر الطبقات ربما يكون عدد الرواة ثلاثة أو أربعة، وهذا المقدار لا يكفي في عد الحديث مستفيضا فضلا عن أن يعد متواترا، وربما يظن أن دعوى التواتر تستند إلى الاطلاع على أخبار أخرى لم تصل إلينا لفقد أكثر كتب الحديث في عصرنا ولكنه ضعيف، ولعل الاوجه أن يقال: إن نظره (قده) إلى مجموع أخبار الخاصة والعامة فإن العامة كما سيأتي في الفصل الاول قد رووا هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، فيمكن عد الحديث متواترا بلحاظ ذلك وهو محل تأمل أيضا.

[ 11 ]

الفصل الاول وفيه بحثان: البحث الاول: في ذكر قضايا (لا ضرر) وتحقيقها. وهي قضايا اشتملت على ذكر حديث (لا ضرر ولا ضرار) تطبيقا له - ولو على بعض الاقوال والاحتمالات - على مواردها، ولهذا البحث أهمية كبرى، لان ملاحظة هذه الموارد والتعرف على مبنى تطبيق الحديث عليها يسلط بعض الضوء على معنى الحديث نفسه، ويبطل بعض الوجوه التي ذكرت في تفسيره كما سيتضح ذلك إن شاء الله تعالى في الفصل الثاني. والقضايا التي تضمنت ذكر حديث (لا ضرر ولا ضرار) تبلغ ثماني قضايا، وردت في مجموع كتب الفريقين: منها ثلاث قضايا وردت في كتب الامامية، وواحدة وردت في دعائم الاسلام للقاضي نعمان المصري الاسماعيلي، وأربع قضايا وردت في كتب العامة، ونحن نبحث عن الجميع مفصلا. 1 - قضية سمرة بن جندب مع رجل من الانصار. وهي أشهر القضايا، ولا ينبغي الاشكال في ثبوت هذه الجملة - أي لا ضرر ولا ضرار - في موردها (1) إلا أنه قد يبالغ فيعد ذلك مستفيضا بل فوق


(1) لكن قد يستشكل في ثبوتها من وجهين: الاول: إن قاعدة لا ضرر ولا ضرار لا يمكن تطبيقها على مورد قضية سمرة، مما يثير الشكوك في اشتمالها على جملة (لا ضرر ولا ضرار)، لا سيما أنها نفلت مجردة عنها أيضا كما سيأتي، وهذا الوجه سوف يجئ الكلام في تقريبه ودفعه في الفصل الثالث. الثاني: إن هذه القضية - كما أشرنا - قد نقلت على نحوين مقرونة بهذه الجملة ومجردة عنها فيدور الامر بين الزيادة والنقيصة، ولا ترجيح لاصالة عدم الغفلة في جانب الزيادة على

[ 12 ]

حد الاستفاضة، بإدعاء إن هذه القضية مذكورة في كتب الفريقين بطرق متعددة (1). ولكن الصحيح: أن قضية سمرة وإن ذكرت في كتب الفريقييم بطرق متعددة، إلا إنها لم تذكر مقرونة بهذه الجملة في جميع طرقها، بل ذكرت مقرونة بها تارة ومجردة عنها أخرى: فاما النحو الاول: فلم يرد في شئ من كتب العامة وأحاديثهم، وإنما ورد في كتبنا، وقد انفرد بنقله في الطبقة الاولى من السند زرارة بن أعين ناقلا


أصالة عدم الغفلة في جانب النقيصة كما سيأتي تحقبقه في البحث الثاني من هذا الفصل، فالنتيجة أنه لا يمكن إثبات اشتمال قضية سمرة على هذه الجملة. ويرد عليه (أولا) إن الروايات التي نقلت القضية مجردة عن هذه الجملة لم تصح بطريق معتبر، فلا معارض لمعتبرة إبن بكير المشتملة عليها. و (ثانيا): إن مورد دوران الامر بين الزيادة والنقيصة هو ما إذا لم تكن الزيادة المحتملة جملة مستقلة بحيث لا يكون حذفها مؤثرا على معنى الرواية لكنه مؤثر على عموم المعنى وشموله كما في حذف العلة وبقاء المعلل نحو لا تأكل الرمان لانه حامض - معنى الرواية - وإلا فما يتضمن الزيادة حجة على ثبوتها بلا معارضر، ومقامنا من هذ القبيل فإن جملة (لا ضرر ولا ضرار) جملة مستقلة وبمثابة العلة للحكم المذكور في القضية فلا يكون حذفها مؤثرا على معنى بقية الرواية، لكنه مؤثر على عموم المعنى المعلل بها. ومما تقدم يظهر النظر فيما أفاده العلامة شيخ الشريعة قدس سره في رسالة لا ضرر: 6: حيث بنى ثبوت الجملة المذكورة في قضية سمرة رغم خلو بعض رواياتها عنها على قاعدة الترجيح لاصالة عدم الغفلة في جانب الزيادة عند دوران الامر بين الزيادة والنقيصة، قال قده (ومن جهة هذه القاعدة المطردة حكم الكل بوجود لا ضرر ولا ضرار في قضية سمرة مع أن رواية الفقيه بسنده الذي هو صحيح أو كالصحيح عن الصيقل عن الحذاء خالية عن نقل هذين اللفظين بالمرة كما عرفت. ووجه النظر فيما أفاده أن ثبوت جملة - لا ضرر - في المقام ليس من باب ترجيح أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة، فإننا لا نقول بها بل من باب أن ما تضن الزيادة حجة في نفسه بلا معارض.

(1) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني: 193.

[ 13 ]

ذلك عن أبي جعفر عليه السلام، ونقله عنه إثنان من الرواة هما: عبد الله بن بكير وعبد الله بن مسكان. و (رواية إبن بكير عن زرارة نقلت بصورتين: الصورة الاولى: ما نقله الكليني في باب الضرار من كتاب المعيشة عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار - وكان منزل الانصاري بباب البستان - وكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن، فكلمه الانصاري أن يستأذن إذا جاء، فابى سمرة، فلام تأبى جاء الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا إليه وخبره الخبر، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وخبره بقول الانصاري وما شكا، وقال: إن أردت الدخول فاستأذن، فأبى. فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله فأبى أن يبيع، فقال صلى الله عليه وآله: لك بها عذق يمد لك في الجنة فأبى أن يقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للانصاري إذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار (1). وهذه الرواية معتبرة سندا، وقد أوردها الشيخ في التهذيب (2) مبتدئا فيها باسم (أحمد بن محمد بن خالد)، والظاهر أنه قد أخذها عن الكافي - فلا يمكن عده مصدرا مستقلا لها -، وذلك لما أوضحناه في شرح مشيخة التهذيبين من أن دأب الشيخ (قدس سره) على الابتداء باسم البرقي بعنوان (أحمد بن أبي عبد الله) حينما ينقل الرواية عن كتاب البرقي نفسه والابتداء باسمه بعنوان (أحمد بن محمد بن خالد) حينما ينقل الرواية عن الكافي دون


(1) الكافي 5 / 292. (2) التهذبب 6 / 146 - 147 خ 651.

[ 14 ]

كتابه (1).


(1) توضيحا لما أشار إليه مد ظله لا بأس بذكر أمرين مستفادين مما ذكره دام ظله في شرح مشيخة التهذبببن: الاول: إنه ربما يتصور - ولعله هو التصور السائد - إن جميع من يكون للشيخ طرق إليهم في المشيخة إنما يروى الاحاديث المبدوءة بأسمائهم في التهذيبين من كتبهم مباشرة، - ولعل الاصل في هذا التصور هو عبارة الشيخ نفسه في مقدمة المشيخة - ولكن هذا غير صحيح، بل التحقيق إن رجال المشيخة على ثلاثة أقسام: الاول: من أخذ الشيخ جمبع ما ابتدأ فيه باسمه من كتابه مباشرة، وهم أكثر رجال المشيخة كمحمد بن الحسن الصفار، ومحمد بن الحسن الوليد، وعلي بن الحسن بن فضال وغيرهم. الثاني: من أخذ الشيخ جميع ما ابتدأ فيه باسمه من كتابه مع الواسطة، وهو بعض مشايخ الكليني ومشايخ مشايخه كالحسين بن محمد الاشعري، وسهل بن زياد، فهؤلاء إنما ينقل الشيخ رواياتهم بواسطة الكافي. الثالث: من أخذ الشيخ بعض ما ابتدأ فيه باسمه من كتابه مباشرة وبعضه الاخر من كتابه مع الواسطة، وهم جماعة منهم خمسة ذكرهم الشيخ تارة مستقلا بصيغة (وما ذكرته عن فلان...)، وأخرى تبعا في ذيل ذكر أسانيده إلى آخرين بصيغة (ومن جملة ما ذكرته عن فلان...) وهؤلاء هم الحسن بن محبوب، والحسين بن سعيد، وأحمد بن محمد بن عيسى، والفضل بن شاذان، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي، فإن هؤلاء وإن نقل الشيخ من كتبهم بلا واسطة ولكن نقل عنها أيضا بتوسط غيرهم ممن ذكرهم بعد إيراد أسانيده إليهم، فالبرقي - مثلا - قد ذكره الشيخ مرتين: تارة بعد ذكر أسانيده إلى الكليني بقوله (ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن خالد ما رويته بهذه الاسانيد، عن محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد...) وذكره مرة أخرى مستقلا بقوله (وأما ما ذكرته عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي فقد أخبرني...) فهذا يقتضي أنه (قده) قد اعتمد في نقل روايات البرقي على كتابه تارة - وإليه ينتهي سنده الاخير - وعلى الكافي تارة أخرى - وإليه ينتهي سنده الاول -. وعلى هذا فلا يمكن لنا بمجرد ابتداء الشيخ باسم البرقي وأضرابه استكشاف أن الحديث مأخوذ من كتبهم مباشرة. الثاني: إن في القسم الثالث حيث ينقل الشيخ روايات الشخص من كتبه على نحوين: مباشرة تارة ومع الواسطة أخرى، هل يمكن تمييز أحد النحوين عن الاخر أم لا؟ ذكر مد ظله إن ذلك ممكن في بعض هؤلاء ومنهم البرقي فإنه متى ابتدأ به بعنوان (أحمد بن محمد بن

[ 15 ]

الصورة الثانية: ما نقله الصدوق في الفقيه (1) قال: روى ابن بكير عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الانصار، وكان منزل الانصاري فيه الطريق إلى الحائط فكان يأتيه فيدخل عليه ولا يستأذن، فقال: إنك تجئ وتدخل ونحن في حال نكره أن ترانا عليه، فإذا جئت فاستأذن حتن نتحرز ثم نأذن لك وتدخل قال لا أفعل هو مالي أدخل عليه ولا أستاذن، فأتى الانصاري رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا إليه وأخبره فبعث إلى سمرة فجاء فقال استأذن عليه فأبى وقال له مثل ما قال الانصاري، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشتري منه بالثمن فأبى عليه وجعل يزيده فيأبى أن يبيع، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: لك عذق في الجنة فأبى أن يقبل ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله الانصاري أن يقلع النخلة فيلقيها إليه وقال: لا ضرر ولا ضرار.


خالد) فالحديث مأخوذ من الكافي، ومتى ابتدأ به بعنوان أحمد بن أبي عبد الله فالحديث مأخوذ من كتبه مباشرة، وهذا مضافا إلى أنه مقتضى ظاهر عبارة المشيخة حيث فرق بين القسمين في التعبير كما تقدم فهو مقرون ببعض الشواهد الخارجية منها إن الملاحظ أن كل رواية في التهذيبين ابتدأ فيها الشيخ بعنوان أحمد بن محمد بن خالد موجود في الكافي - كما تحققته بالتتبع - لاحظ ج 3 ح 910 وج 6 ح 352، 358، 366، 369، 372، 608، 697، 850، 886، 1158. وج 7 ح 28، 35، 36، 44، 45، 56، 651، 709. وج 9 ح 383، 413، 415، 465، 467، 470. وج 10 ح 67، 115، 208، 262، 452، 803، 805، 872، 901، 903، 931، 937، وليس كذلك ما ابتدء فيه بعنوان أحمد بن أبي عبد الله فإنه قد يوجد في الكافي وقد لا يوجد فيه كما في ج 1 ح 1056، 1144. وج 2 ح 415. وج 3 ح 295، 486، 711. وج 6 ح 258، 329، 878، 1060. وبهذا يتجلى صحة ما ذكرناه من أنه كلما ابتدأ الشيخ بعنوان (أحمد بن محمد بن خالد) فإنه يكون قد أخذ الحديث من كتاب الكافي فلا يمكن عده مصدرا مستقلا في مقابله. (1) من لا يحضره الفقيه 3 / 147، 648.

[ 16 ]

ويلاحظ أن هذه الصورة أكثر تفصيلا من الصورة الاولى لاشتمالها على بعض الخصوصيات التي لم تذكر في تلك، وكيف كان فهذه الرواية معتبرة أيضا - لصحة طريق الصدوق إلى عبد الله بن بكير في المشيخة - بل يمكن عدها أقوى سندا من رواية الكليني لان في سند الكليني محمد بن خالد البرقي وقد قال النجاشي (إنه ضيف في الحديث وإن كان المعتمد وثاقته) (1). نعم يلاحظ أن مصدر الصدوق في نقل هذه الرواية غير معلوم عندنا وما قيل من أنه يبتدئ باسم من أخذ الحديث من كتابه أمر لا قرينة عليه، بل القرائن الواضحة تدل على خلافه كما ذكرناها في شرح مشيخة الفقيه. هذا عن رواية ابن بكير عن زرارة. وأما (رواية ابن مسكان) عنه فقد أوردها الكليني (2) أيضا في باب الضرار من كتاب المعيشة عن علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن عبد الله بن مسكان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن سمرة بن جندب كان له عذق، وكان طريقه إليه في جوف منزل رجل من الانصار فكان يجئ ويدخل إلى عذقه بغير إذن من الانصاري. فقال له الانصاري: يا سمرة لا تزال تفاجئنا على حال لا نحب أن تفاجئنا عليها، فإذا دخلت فاستأذن. فقال: لا أستأذن في طريقي وهو طريقي إلى عذقي، قال فشكا الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فأتاه فقال له إن فلانا قد شكاك وزعم أنك تمر عليه وعلى أهله بغير إذنه، فاستأذن عليه إذا أردت


(1) رجال النجاشي: 335 / رقم 898. (2) الكافي 5: 294 / 8.

[ 17 ]

أن تدخل، فقال: يا رسول الله أستأذن في طريقي إلى عذقي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله خل عنه ولك مكانه عذق في مكان كذا وكذا فقال لا، قال: فلك إثنان، قال لا أريد، فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق فقال لا، قال فلك عشرة في مكان كذا وكذا فأبى، فقال خل عنه ولك مكانه عذق في الجنة، قال لا أريد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إنك رجل مضار ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن، قال ثم أمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله فقلعت، ثم رمى بها إليه وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله إنطلق فاغرسها حيث شئت. وهذه الرواية ضعيفة بالارسال، ولا سيما إن مرسلها هو محمد بن خالد البرقي الذي طعن عليه بالرواية عن الضعفاء كثيرا كما ذكر ذلك إبن الغضائري (1)، وربما يناقش في سندها أيضا بعدم ثبوت وثاقة (علي بن محمد بن بندار) ولكنه في غير محله، لانه - كما احتمل ذلك الوحيد البهبهاني (قده) (2) - هو علي بن محمد بن أبي القاسم الذي وثقه النجاشي (3)، فإن بندار لقب أبي القاسم جده كما صرح بذلك النجاشي في ترجمة محمد بن أبي القاسم (4). هذا كل ما ورد في نقل قضية سمرة مقرونة بجملة (لا ضرر ولا ضرار). وأما النحو الثاني: في نقل قضية سمرة مجردة عن جملة (لا ضرر ولا ضرار) فقد ورد في جملة من كتبنا وكتب العامة. أما في (كتبنا) فقد ورد في الفقيه (5) قال: روى الحسن الصيقل عن


(1) مجمع الرجال 5 / 205. (2) تنفيح المقال 2 / 303. (3) رجال النجاشي: 268 / 700. (4) رجال النجاشي: 353 / 947. (5) من لا يحضره الفقيه 3: 59 / 208.

[ 18 ]

أبي عبيدة الحذاء قال قال أبو جعفر عليه السلام: كان لسمرة بن جندب نخلة في حائط بني فلان فكان إذا جاء إلى نخلته نظر إلى شئ من أهل الرجل يكرهه الرجل، قال فذهب الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشكاه، فقال: يا رسول الله إن سمرة يدخل على بغير إذني، فلو أرسلت إليه فأمرته أن يستأذن حتى تأخذ أهلي حذرها منه، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فدعاه فقال: يا سمرة استأذن أنت إذا دخلت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله يسرك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال: لا، قال لك ثلاثة قال: لا، قال: ما أراك يا سمرة إلا مضارا، إذهب يا فلان فاقطعها واضرب بها وجهه. وسند الصدوق في المشيخة إلى الحسن الصيقل هو: محمد بن موسى المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن يونس بن عبد الرحمن، عن الحسن بن زياد الصيقل. ويمكن أن يناقش في اعتبار هذه الرواية تارة من جهة الحسن الصيقل وأخرى من جهة سند الصدوق إليه. أما الجهة الاولى: فلان الحسن الصيقل لم يوثق وإن استظهر المحدث النوري وثاقته من وجهين ذكرهما في خاتمة المستدرك (1) وفصلهما العلامة شيخ الشريعة (قده) في رسالته (2) وهما: 1 - رواية خمسة من أصحاب الاجماع عنه وهم: عبد الله بن مسكان وحماد بن عثمان وأبان بن عثمان من الستة الوسطى، ويونس بن عبد الرحمن


(1) مستدرك الوسائل 3 / 588. (2) رسالة لا ضرر ولا ضرار: 55 - 56.

[ 19 ]

وفضالة بن أيوب من الستة الاخيرة على تردد في عد فضالة منهم (1). ويرد عليه إن استكشاف وثاقة الراوي من رواية هؤلاء عنه يبتني على أحد أمرين: الاول: أن يفسر ما قاله الكشي في حق هؤلاء من الاجماع على تصحيح ما يصح عنهم بصحة ما رووه من الروايات، ليكون ذلك في قوة توثيق رواتها، ولكن هذا التفسير غير صحيح فإن المقصود بما ذكره - كما أوضحناه في محله - هو الاجماع على صحة نقل هؤلاء والثقة بهم في ذلك لا صحة الحديث الذي رووه، مضافا إلى إن تصحيح أحاديثهم أعم من الحكم بوثاقة رواتها كما لا يخفى. الثاني: إن بناء أجلاء الاصحاب وأعاظمهم - كهؤلاء - على عدم الرواية عن الضعفاء، ولكن هذا أيضا لم يثبت كقاعدة كلية، نعم ثبت على المختار في حق ثلاثة منهم وهم محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى ومحمد بن أبي نصر البزنطي. 2 - رواية جعفر بن بشير عنه (2)، وقد قال النجاشي في ترجمته (روى عن الثقات ورووا عنه) (3) وهو يقتضي وثاقة من يروي عنهم. ويرد عليه إنه لا وجه لاستظهار الحصر من العبارة المذكورة لان إثبات روايته عن الثقات لا ينفي روايته عن غيرهم. (لا يقال) إن الامر وإن كان كذلك إلا أن هذه العبارة لما كانت مسوقة في مقام المدح فلا محيص من إرادة الحصر منها، لان أصل رواية الشخص عن الثقات ورواية الثقات عنه أمر لا يستوجب المدح ولا تميز لجعفر بن بشير


(1) لاحظ رجال الكشي: 556 / رقم 1050. (2) رسالة لا ضرر ولا ضرار: 56. (3) رجال النجاشي: 119 / 304.

[ 20 ]

عن غيره في ذلك، بل هو ثابت في حق كثير من الرواة حتى الضعفاء منهم. (فإنه يقال) المقصود بالعبارة المذكورة إكثاره الرواية عن الثقات وإكثار الثقات الرواية عنه، ولا شك إن هذا أمر ممدوح وصفة عالية في الشخص في مقابل ما يذكر في شأن بعض الرواة كمحمد بن خالد البرقي من أنه يروي عن الضعفاء والمجاهيل، فإنه يعد نوعا من المدح والذم في حقه. وبالجملة لا يستفاد من العبارة المذكورة إنحصار رواية جعفر بن بشير بما يرويه عن الثقات مضافا إلى أن هذه الاستفادة لا تخلو من غرابة في ناحية الرواة عنه فإنا لم نجد أحدا مهما بلغ من الجلالة والعظمة لا يروي عنه إلا الثقات حتى أن الائمة المعصومين عليهم السلام كثيرا ما روى عنهم الوضاعون والكذابون. ويشهد لما ذكرناه ما قاله الشيخ في التهذيب فإنه بعد أن أورد روايتين لجعفر بن بشير، الاولى: عمن رواه عن أبي عبد الله والثانية عن عبد الله بن سنان أو غيره عنه عليه السلام (1). قال بصدد النقاش في الخبر المحكي بهما (أول ما فيه أنه خبر مرسل منقطع الاسناد لان جعفر بن بشير في الرواية الاولى قال عمن رواه، وهذا مجهول يجب اطراحه، وفي الرواية الثانية قال عن عبد الله بن سنان أو غيره، فأورده وهو شاك فيه وما يجري هذا المجرى لا يجب العمل به). فيلاحظ أنه قدس سره لم يبأ في إسقاط الرواية بالارسال بكون المرسل هو جعفر بن بشير، وهذا لا وجه له لو كان جميع مشايخه ومن يروي عنهم من الثقات فتأمل (2).


(1) التهذيب 1 / 196 / 567 و 568. (2) وجهه أن الاستشهاد بكلام الشيخ قدس سره مدفوع نقضا وحلا (أما النقض) فإن الشيخ قد ناقش في موضع من التهذيبين في بعغى مراسيل إبن أبي عمير وردها بالارسال (التهذيب ج 8 ح 932) مع أننا نرى حجية مراسيله اعتمادا على كلام الشيخ نفسه في العدة من أنه لا يروى

[ 21 ]

وأما الجهة الثانية: فلاشتمال السند على علي بن الحسين السعد آبادي ومحمد بن موسن بن المتوكل. فأما علي بن الحسين السعد آبادي فهو ممن لم يوثق وإن بنى جمع على وثاقته إستنادا إلى بعض الوجوه الضعيفة: (منها) كونه من مشايخ إبن قولويه في كتاب كامل الزيارات بناءا على استفادة توثيق جميع رواة هذا الكتاب أو خصوص مشايخ مؤلفه من الكلام المذكور في مقدمته (1). ولكن الصحيح إن العبارة المذكورة في المقدمة لا تدل على هذا المعنى بل مفادها أنه لم يورد في كتابه روايات الضعفاء والمجروحين، لذا لم يكن قد أخرجها الرجال الثقات المشهورون بالحديث والعلم، المعبر عنهم بنقاد الاحاديث كمحمد بن الحسن بن الوليد وسعد بن عبد الله وأضرابهما وأما لو كان قد أخرجها بعض هؤلاء سواءا كانوا من مشايخه أو مشايخ مشايخه فهو يعتمدها ويوردها في كتابه، فكأنه قدس سره يكتفي في الاعتماد على روايات الشذاذ من الرجال - على حد تعبيره - بإيرادها من قبل بعض هؤلاء الاعاظم من نقاد الاحاديث. وهذا المعنى مضافا إلى كونه ظاهر عبارته المشار إليها - كما يتبين عند التأمل - مقرون ببعض الشواهد الخارجية المذكورة في محلها.


ولا يرسل إلا عن ثقة. (وأما الحل) فإن الشيخ قد تكفل في التهذيبين لحل ظاهرة التعارض بين الاخبار وذلك مما ألجأه أحيانا إلى اتباع الاسلوب الاقناعي في البحث المتمثل في حمل جملة من الروايات على بعضر المحامل البعيدة، أو المناقشة في حجيتها ببعض الوجوه التي لا تنسجم مع مبانيه الرجالية والاصولية المذكورة في سائر كتبه. وهذا ظاهر لمن تتبع طريقته قدس سره في الكتابين، ولتوضيحه وذكر الشواهد عليه مجال آخر، وعلى هذا فلا يمكن الاستناد إلى ما ذكره في التهذيبين خلافا لما صرح به هو في كتاب العدة أو ذكره غيره من أعلام الرجاليين.

(1) كامل الزيارات: 4.

[ 22 ]

فليس مراده وثاقة جميع من وقع في أسانيد رواياته فإن منهم من لا شائبة في ضعفه ويى د مراده وثاقة عامة مشايخه فإن منهم من لا تنطبق عليهم الصفة التي وصفهم بها قدس سره وهي كونهم مشهورين بالحديث والعلم. و (منها) كونه - أي السعد آبادي - من شيوخ الاجازات الذين لا حاجة إلى التنصيص على وثاقتهم بل لا يضر ضعفهم بعد تواتر الكتاب الذي أجازوا روايته، ويرد عليه أنه لم يثبت اقتصار الاصحاب على الاستجازة من الثقات فقط بل ثبت خلاف ذلك - كما يعلم بمراجعة كتب الرجال -. وأيضا لم يعرف الكتاب الذي أخرج منه افصدوق رواية الصيقل ليقال إنه متواتر فلا يقدح عدم وثاقة السعد آبادي في جواز الاعتماد على روايته. و (منها) كونه أحد العدة الذين يروي الكليني بواسطتهم عن البرقي وقد روى عنه أيضا علي بن إبراهيم وعلي بن الحسين والد الصدوق وأبو غالب الزراري وغيرهم من الاجلاء ففي ذلك دلالة على وثاقته. وفيه إنه لم يثبت اقتصار هؤلاء على الرواية عن الثقات كما سبقت الاشارة إليه. هذا وقد حاول العلامة شيخ الشريعة قدس سره تصحيح سند الصدوق إلى الحسن الصيقل حتى على تقدير عدم ثبوت وثاقة السعد آبادي بدعوى أن للصدوق طريقا آخر إلى البرقي وهو صحيح بالاتفاق فإنه يروي عنه أيضا بتوسط أبيه ومحمد بن الحسن بن الوليد عن سعد بن عبد الله عن البرقي وهذا السند صحيح اتفاقا (1). ويرد عليه أن هذا الطريق يختص بما يرويه الصدوق في الفقيه مبتدئا باسم البرقي لا إلى جميع الروايات التي وقع البرقي في طرقها وهذا واضح، نعم يمكن تعميم الطريق المذكور لما نحن فيه ونظائره فيما إذا ثبت أمران:


(1) رسالة (لا ضرر ولا ضرار): 54 - 55.

[ 23 ]

الاول: إن الصدوق قد أخذ رواية الصيقل من كتاب البرقي بالرغم من إنه لم يبتدأ باسمه. الثاني: إن السند المذكور إلى البرقي في المشيخة مسند إلى كتبه لا إلى خصوص رواياته المبدوءة باسمه في الفقيه، ولكن لا يمكن إثبات شئ من الامرين؟ أما الاول: فواضح. وأما الثاني، فلما أوضحناه في محله من أن سند الصدوق إلى شخص في المشيخة إنما هو سنده إلى الروايات المبدوءة باسم ذلك الشخص في الفقيه، ولا يمكن تعميمه إلى كتبه إلا بدليل يوجب ذلك كأن يصرح الصدوق نفسه بذلك كما صرخ به عند ذكر طريقه إلى علي بن جعفر حيث قال: (وكذلك جميع كتاب علي بن جعفر فقد رويته بهذا الاسناد) وكذلك صرح به عند ذكر طريقه إلى الكليني فقال: (وكذلك جميع كتاب الكافي فقد رويته عنهم عنه عن رجاله). والحاصل إن طريق الصدوق إلى الحسن الصيقل ضعيف بعلي بن الحسين السعد آبادي ولا يمكن تصحيحه بشئ من الوجوه المذكورة. وأما الخدشة فيه من ناحية محمد بن موسى بن المتوكل، الذي لم يوثق في كلمات الاعلام المتقدمين كالشيخ والنجاشي وإنما وثقه بعض المتأخرين كإبن طاووس والعلامة، ففي غير محلها، إذ يرد عليها مضافا إلى ضعف التفريق بين توثيقات المتقدمين والمتأخرين أمثال إبن طاووس والعلامة - كما أوضحناه في محله (1) - إنه قد وقع في إسناد رواية ادعى إبن طاووس في فلاح السائل الاجماع على وثاقة رواتها مما يكشف عن توثيق بعض المتقدمين له على أقل تقدير. فتحصل مما ذكرناه إن رواية الحسن الصيقل ضعيفة سندا وإن حاول


(1) باعتبار أنه لا فرق بينهما في احتمال الحدس ولا فرق بينهما في دعوى الحس.

[ 24 ]

بعض الاعاظم تصحيحها. هذا ما في كتبنا من نقل قضية سمرة من دون جملة (لا ضرر). وأما ما في (كتب العامة) فقد نقلت في جملة منها - مع اختلاف في كيفية طرح الشكوى والمخاصمة - ونشير إلى بعضها: (منها) ما في سنن أبي داود، فقد روى بإسناده عن واصل مولى عيينة قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي يحدث عن سمرة بن جندب، إنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الانصار قال ومع الرجل أهله قال فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتاذى به ويشق عليه فطلب إليه أن يناقله فأبى فأتى النبي صلى الله عليه وآله، فذكر ذلك له فطلب إليه النبي صلى الله عليه وآله أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال فهبه له ولك كذا وكذا - مرارا رغبة فيه - فأبى فقال أنت مضار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للانصاري: إذهب فاقلع نخله (1). و (منها) ما في مصابيح السنة للبغوي (2). و (منها) ما في الفائق للزمخشري (3)، والمروي فيهما لا يختلف عما في سنن أبي داود إلا يسيرا. و (منها) ما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد قال روى واصل مولى إبن عيينة، عن جعفر بن محمد بن علي عليهما السلام، عن آبائه قال كان لسمرة بن جندب نخل في بستان رجل من الانصار فكان يؤذيه، فشكا الانصاري ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فبعث إلى سمرة فدعاه


(1) سنن أبي داود 3: 315 / 3636. (2) مصاببح السنة 2 / 372 / 2220. (3) الفائق في غريب الحديث 2 / 442.

[ 25 ]

فقال له بع نخلك من هذا وخذ ثمنه قال: لا أفعل، قال: فخذ نخلا مكان نخلك قال لا أفعل. قال: فاشتر منه بستانه قال لا أفعل قال فاترك لي هذا النخل ولك الجنة قال: لا أفعل فقال صلى الله عليه وآله للانصاري: إذهب فاقطع نخله فإنه لاحق له فيه (1). فظهر من مجموع ما تقدم إن قضية سمرة وإن نقلت في كتب الفريقين بطرق متعددة، إلا إنها لم تذكر مقرونة بجملة (لا ضرر ولا ضرار) إلا في كتبنا وبطريق واحد فقط، فلا ينبغي الخلط بين ثبوت هذه القضية في نفسها وبين ثبوتها مقرونة بهذه الجملة، فإنه إن صحت دعوى استفاضة أصل القضية فلا تصح دعوى استفاضتها مقرونة بهذه الجملة كما يظهر من المحكي عن المحقق النائيني قدس سره. هذا بعض ما يتعلق بقضية سمرة واقترانها بجملة (لا ضرر ولا ضرار) وللكلام في ذلك تتمة يأتي في البحث الثاني إن شاء الله تعالى. 2 - حديث الشفعة. وقد رواه المشايخ الثلاثة: 1 - رواه الكليني، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن حلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن وقال: لا ضرر ولا ضرار، وقال: إذا رفت الارف وحذت الحدود فلا شفعة (2).


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 78. (2) الكافي 5 / 280 / 4.

[ 26 ]

2 - ورواه الشيخ في التهذيب (1) بإسناده عن محمد بن يحيى، والظاهر أنه أخرجه عن الكافي لما أوضحناه في شرح مشيخة التهذيبين من أنه كلما ابتدأ الشيخ باسم بعض مشايخ الكليني كمحمد بن يحيى وعلي بن إبراهيم ونظرائهما، فإنه قد أخذ الحديث من الكافي لا من كتبهم (2) إلا مع التصريح بخلاف ذلك. وإن كان ظاهر كلامه في أول المشيخة يوهم أنه لم يبتدئ، إلا باسم من أخذ الحديث من كتابه أو أصله، ولكن هذا وإن كان هو الغالب على أحاديث التهذيبين إلا أنه لا كلية له كما تدل عليه القرائن الكثيرة، وعلى هذا فلا يمكن عد التهذيب في المقام مصدرا مستقلا لهذا الحديث. 3 - ورواه الصدوق (3) بإسناده عن عقبة بن خالد كما نقله الكليني ولكنه أسند الجملة الثالثة من الحديث إلى الامام الصادق عليه السلام قال: (وقال الصادق عليه السلام: إذا رفت الارف)، قال صاحب الوسائل بعد نقل الحديث عن الكافي والتهذيب: ورواه الصدوق بإسناده عن عقبة بن خالد وزاد (ولا شفعة إلا لشريك غير مقاسم) (4) ولكن الظاهر أن هذه الجملة من كلام الصدوق نفسه وليست زيادة في الرواية على نقله ولذا لم ينقلها في الوافي (5)


(1) التهذيب 7 / 164 / 727. (2) أقام مد ظله قرائن عديدة على هذا المدعى من نفس المشيخة وخارجها ومما يختص منها بالمقام أن المراجع لرجال الشبخ وفهرسته، يجد أنه قدس سره لم يذكر محمد بن بحيى العطار في الفهرست وإنما ذكره في الرجال قائلا (روى الكليني عنه قمي كثير الرواية)، ولكن النجاشي عنونه وقال (له كتب منها كتاب مقتل الحسين وكتاب النوادر) فيستظهر من ذلك أن كتب محمد بن يحيى لم تصل إلى الشيخ قدس سره لينقل منها مباشرة وإلا فكيف لم يذكرها في الفهرست مع إن غايته فيه الاستيفاء قدر الامكان كما يعلم من مقدمته. (3) الفقبه 3 / 45 / 154. (4) الوسائل 25: 4 00 / 32218. (5) الوافي مجلد 3 جزء 10 / 103.

[ 27 ]

عن الفقيه، ومن راجع الفقيه يجد أن دأب الصدوق (قدس سره) على تعقيب بعض الروايات بكلام لنفسه من دون فصل مشعر بالتغاير - كما إن الامر كذلك في التهذيب - ومن هنا قد يشتبه الامر على الناظر فيعد كلامه جزءا من الرواية. وكيف كان فتحقيق الكلام في هذه الرواية يقع في ضمن جهات: (الجهة الاولى) في سندها، وهو ضعيف لان رواية الكليني والشيخ مخدوشة ب‍ (محمد بن عبد الله بن هلال) و (عقبة بن خالد) فإن الاول لم يوثق بل لم يذكره القدماء من أعلام الرجاليين، وربما يوثق: لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات أو لانه من شيوخ محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الذي هو من أجلاء الطبقة السابعة، ولرواية جماعة أخرى من الاجلاء عنه ولكن قد تقدم ضعف هذه الوجوه، وأما الثاني فهو وإن ذكره النجاشي والشيخ إلا أنهما لم يوثقاه، نعم وثقه صاحب الوسائل (قده) لرواية الكشي مدحه ودعاء الصادق له ورواية الكليني في الجنائز مدحا له، ولان له كتابا ذكره الشيخ والنجاشي وربما يوثق لكونه من رجال الكامل وجميع ذلك ضعيف أيضا. وبما تقدم يظهر ضعف رواية الصدوق أيضا، لانها تنتهي إلى عقبة بن خالد نفسه، مضافا إلى أنها مرسلة حيث إن الصدوق (قده) لم يذكر طريقه إلى عقبة في المشيخة، وأما دفع الارسال عنها بإن للشيخ (قده) طريقا معتبرا في الفهرست إلى كتاب عقبة وقد توسطه الصدوق فيعلم بذلك سنده إليه فتخرج الروايات التي ابتدأ فيها باسمه في الفقيه عن الارسال (فمخدوش) إذ لم يثبت إن الصدوق ألتزم في الفقيه أن لا يبتدئ إلا باسم من أخذ الحديث من كتابه، بل ثبت خلافه في جملة من الموارد كما سبقت الاشارة إلى ذلك، وعلى ضوء ذلك فمن أين يعلم إنه أخذ حديث عقبة هذا من كتابه مباشرة لا من كتب مشايخه أو مشايخ مشايخه مثلا كي يجدي استكشاف طريقه إلى

[ 28 ]

كتاب عقبة في إخراج رواياته في الفقيه عن الارسال فتأمل. والذي يهون الامر إن مورد الاشكال في سند الكليني والشيخ إلى عقبة إنما هو محمد بن عبد الله بن هلال - كما تقدم - وهو مذكور أيضا في السند المذكور في الفهرست إلى كتاب عقبة، فإن أمكن تصحيح طريق الكليني والشيخ بوجه فلا حاجة إلى دفع شبهة الارسال عن رواية الصدوق بما ذكر. الجهة الثانية: في انجبار ضعف سندها بعمل الاصحاب وعدمه. قد يقال إن رواية عقبة هذه وإن كانت ضعيفة سندا إلا إنها منجبرة بعمل الاصحاب فقد أوردها المشايخ الثلاثة في كتبهم من غير رد ظاهر وكذا من بعدهم من المتأخرين فيستظهر من ذلك عملهم بها واعتمادهم عليها. وفي مقابل ذلك قد يدعى وهنها بإعراض الاصحاب عنها فيلزم طرحها حتى وإن أمكن تصحيح سندها ببعض الوجوه المتقدمة، وتقريب دعوى الاعراض أن يقال إن مقتض استخدام الجمع لا المثنى في قوله عليه السلام (قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة بين الشركاء) ثبوت الشفعة لازيد من شريك واحد، وهذا خلاف المشهور، فإن المشهور بينهم شهرة عظيمة كادت أن تكون اجماعا عدم ثبوت حق الشفعة إلا مع وحدة الشريك، فالشفعة مجعولة عثدهم لازالة الشيوع في الاموال لا لتقليله، ولم يخالف في ذلك غير إبن الجنيد حيث حكم بثبوتها للشركاء مطلقا، وغير الصدوق حيث قال بثبوتها للشركاء في خصوص العقار كما نقله عنهما السيد المرتضى في الانتصار (1) ورد عليهما قائلا: (إن إجماع الامامية تقدم الرجلين فلا اعتبار بخلافهما) ونقل أيضا: متن رواية عقبة هذه وعدها من أخبار الاحاد التي لا توجب علما وذكر وجهين في تأويلها.


(1) الانتصار: 217 - 218.

[ 29 ]

وقال الشيخ في الخلاف (1) بعد اختيار المسلك المشهور: دليلنا على المسألة الاولى إنه إذا كان الشريك واحدا فلا خلاف في ثبوت الشفعة وإذا كانوا أكثر من ذلك فلا دليل على ثبوت الشفعة لهم، وأخبار أصحابنا التي يعتمدونها ذكرناها في الكتاب الكبير فنصرة القول الاخر أخبار رويت في هذا المعنى والاقوى عندي الاول. هذا ولكن يمكن أن يقال إنه لا يظهر من الرواية ما يخالف المسلك المشهور ولذا لم يعتبرها الشيخ في التهذيبين من الاخبار المخالفة في الباب، ففي التهذيب (2) نقلها على إنها من الاخبار الموافقة ولم يعلق عليها بشئ، كما فعل ذلك بالنسبة إلى بعض الاخبار الاخر، وفي الاستبصار (3) نقل عدة أخبار تدل على ثبوت الشفعة في أكثر من شريكين وردها ولم يذكر هذه الرواية في ضمنها رغم إنه أوردها في التهذيب. والوجه في ذلك إن استخدام صيغة الجمع في الرواية إنما هو باعتبار ذكر لفظتي (الارضين) (والمساكن) فيها، فهو من مقابلة الجمع بالجمع وظاهره الانحلال، فلا دلالة في الرواية على ثبوت الشفعة للشركاء بلحاظ مورد واحد من أرض أو مسكن لقتتضى خلاف ما هو المشئور في المسألة حتى يدعي وهنا بإعراض الاصحاب عنها. هذا بالنسبة لدعوى وهنها بإعراض الاصحاب. وأما دعوى انجبارها بعمل الاصحاب فهي في غير محلها أيضا، لان كبرى الانجبار غير مسلمة على إطلاقها بل للانجبار مواضع خاصة ليس المقام منها وتوضيح ذلك موكول إلى محله. الجهة الثالثة: وهي عمدة ما ركز عليه في كلماتهم: في أنه هل يظهر


(1) الخلاف 3: 435 - 436 مسألة 11. (2) التهذيب 7 / 164 / 727. (3) الاستبصار 3 / 116 - 117 / 416 - 418.

[ 30 ]

من الرواية ارتباط قوله (لا ضرر ولا ضرار) بالحكم فيها بثبوت الشفعة للشركاء أم لا؟ وعلى التقدير الاول فهل هناك قرينة خارجية توجب رفع اليد عن هذا الظهور أم لا؟ ووجه العناية بهذا البحث: إنه لو ارتبطت جملة (لا ضرر ولا ضرار) بالحكم بثبوت الشفعة، فإن ذلك يقتضي عدم إمكان تفسير هذه الجملة بما استظهره بعضهم منها من إرادة النهي التحريمي فقط، ولذا أصر جماعة منهم على عدم الارتباط بينهما أولهم العلامة شيخ الشريعة (قده) حيث قال في رسالته (1) وهو يشرح منشأ ميله النفسي إلى ذلك: إن الراجح في نظري القاصر إرادة النهي التكليفي من حديث الضرر، وكنت أستظهر منه - عند البحث عنه في أوقات مختلفة - إرادة التحريم التكليفي فقط، إلا أنه يمنعني عن الجزم بذلك حديث الشفعة وحديث النهي عن منع فضل الماء، حيث إن اللفظ واحد ولا مجال لارادة ما عدا الحكم الوضعي في حديث الشفعة، ولا التحريم في منع فضل الماء بناء على ما أشتهر عند الفريقين من حمل النهي على التنزيه، فكنت أتشبث ببعض الامور في دفع الاشكال، إلى أن استرحت في هذه الاواخر وتبين عندي إن حديث الشفعة والناهي عن منع الفضل لم يكونا حال صدورهما من النبي صلى الله عليه وآله مذيلين بحديث الضرر، وإن الجمع بينهما وبينه جمع من الراوي بين روايتين صادرتين عنه صلى الله عليه وآله في وقتين مختلفين. وأضاف قده: وهذا المعنى وإن كان دعوى عظيمة وأمرا يثقل تحمله على كثيرين ويأبى عن تصديقه كثير من الناظرين إلا إنه مجزوم به عندي. وقد وافقه في هذا الادعاء جمع منهم المحقق النائيني والاصفهاني


(1) رسالة لا ضرر ولا ضرار: 28.

[ 31 ]

قدس سرهما (1) وقد وافقاه في كيفية الاستدلال على ذلك أيضا في الجملة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والكلام يقع تارة في تحقيق ظهور الرواية وأخرى في ملاحظة القرائن الخارجية فهنا بحثان: أما البحث الاول: لا إشكال ظاهرا في ظهور سياق الحديث في الارتباط بين الحكم بثبوت الشفعة للشركاء وبين كبرى لا ضرر ولا ضرار، وقد اعترف بذلك جمع ممن أصروا على عدم الارتباط بينهما بحكم القرائن الخارجية كالعلامة شيخ الشريعة والمحقق النائيني قدس سرهما، ولكن لتوضيح الامر لابد من ملاحظة نقطتين: النقطة الاولى: في تعيين فاعل (قال) في الجملة الثانية أي (وقال لا ضرر ولا ضرار) فإن المحتمل في ذلك ابتداء وجهان: 1 - أن يكون هو النبي صلى الله عليه وآله ويكون قوله (قال) عطفا على قوله (قضى رسول الله). 2 - أن يكون هو الامام الصادق عليه السلام ويكون قوله (قال) عطفا على قوله (قال قضى رسول الله) ويكون مقصوده عليه السلام من أضافة هذه الجملة على حكاية قضاء النبي صلى الله عليه وآله في الجملة الاولى بيان حكمة تشريع الشفعة، كما أن مقصوده عليه السلام بإضافة الجملة الثالثة توضيح معنى الشركاء في الجملة الاولى وبيان أن المراد به المالك للكسر المشاع كما ذهب إليه المحدثون من العامة، خلافا لغيرهم ممن ذهبوا إلى ثبوت حق الشفعة للشريك المقاسم والجار ونحوهما.


(1) رسالة لا ضرر ولا ضرار تقريرات المحقق النائيني ص 194، نهاية الدراية للمحقق الاصفهاني 2 / 322.

[ 32 ]

والظاهر من الحديث هو الوجه الاول أما (أولا) فلان الظاهر من الرواية أن (قال) في الجملة الثانية معطوف على أقرب فعل سبقه مما يصلح أن يكون معطوفا عليه وهو (قضى) لا على ما قبله وهو (قال) في الجملة الاولى، وأما (ثانيا) فلمعروفية صدور هذه الجملة (لا ضرر ولا ضرار) عن النبي صلى الله عليه وآله لدى الفريقين مما يوجب انصراف القول إليه صلى الله عليه وآله ما لم يصرح بخلافه. ويقوى ظهور الحديث في هذا الوجه بناء على رواية الفقيه من اسناد الجملة الثالثة إلى الصادق عليه السلام، فإنه لو كان قائل الجملة الثانية هو الصادق عليه السلام أيضا لما كان هناك وجه لتغيير سوق الكلام في الجملة الثالثة دون الثانية بل كان العكس هو الانسب، فالتصريح في الجملة الثالثة بعد الاضمار في الجملة الثانية يعين كون القائل في الجملة الثانية هو النبي صلى الله عليه وآله. إلا أن الشأن في إثبات وقوع التصريح بالقائل في الجملة الثالثة من هذه الرواية بمجرد نسخة الفقيه إذ لم يرد في نقل الكافي والتهذيب، ولا يمكن ترجيح نسخة الفقيه على نسختهما إلا بناء على تقديم أصالة عدم الغفلة في جانب الزيادة على أصالة عدم الغفلة في جانب النقيصة ولكن هذا لم يثبت بدليل واضح كما سيأتي إن شاء الله تعالى. هذا مع إن الجملة الثالثة منقولة في كتب العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أيضا فيقوى احتمال أن يكون اسنادها إلى الصادق عليه السلام في نسخة الفقيه اجتهادا من الصدوق (قده) أو بعض من تقدمه من الرواة. وربما يرجح الاحتمال الثاني في الرواية - أي كون فاعل قال في الجملة الثانية هو الصادق عليه السلام - بأن الفيض الكاشاني نقل في

[ 33 ]

الوافي (1) قوله (قال) من الجملة الثانية معقبا بقوله عليه السلام، وهذا يناسب كون القائل هو الامام عليه السلام لا النبي صلى الله عليه وآله وإلا لقال صلى الله عليه وآله كما هو المعهود بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله في الروايات. ولكن يرد عليه أولا بأنه لم يعلم وجود هذه الجملة أي عليه السلام في نقل عقبة بن خالد فربما كانت إضافة من النساخ أو من صاحب الوافي (قده) استظهارا، وثانيا إن استعمال جملة عليه السلام بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله مذكور في بعض الموارد (2) كما يظهر ذلك بالتتبع فلا ينبغي أن يعد ذلك مرجحا للاحتمال الثاني. فتلخص مما ذكرناه أن الرواية ظاهرة في كون قائل الجملة الثانية - كالاولى - هو النبي صلى الله عليه وآله. النقطة الثانية: في أنه بعد ما ثبت أن الجملة الثانية كالاولى من كلام النبي صلى الله عليه وآله فينبغي أن يبحث هل إن الجمع بينهما من قبيل الجمع في الرواية أي أن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين قضائه بثبوت الشفعة للشركاء وبين قوله (لا ضرر ولا ضرار)، أو إنه من قبيل الجمع في المروي فيكون من قبل الامام عليه السلام أو الراوي؟. ففي المقام ثلاثة احتمالات: 1 - أن يكون الجمع من قبل النبي صلى الله عليه وآله. 2 - أن يكون من قبل الامام عليه السلام. 3 - أن يكون من قبل الراوي عنه.


(1) الوافي مجلد 3 جزء 10 / 103 (2) الفقيه 4 / 258 وفي الوسائل 30: 150 واعلم إنه إذا أطلق في الرواية لفظ (قال عليه السلام) فالمراد به النبي... إلخ.

[ 34 ]

والفارق بين هذه الاحتمالات إنه على الاحتمال الاخير لا يجب فرض ترابط بين مضمون الجملتين فإنهما - على هذا الاحتمال - روايتان مختلفتان جمع الراوي بينهما في النقل. وأما على الاحتمالين الاولين حيث يكون الجمع من قبل النبي صلى الله عليه وآله أو الامام عليه السلام فلا بد من فرض ترابط بينهما في المفاد كما هو واضح فإنه إذا كان الجمع من قبل النبي صلى الله عليه وآله فلا بد أن يفرض إن الجملة الثانية تتكفل لبيان حكمة تشريع الشفعة، وكذا إذا كان الجمع من قبل الامام عليه السلام فإنه لا بد أن يفرض إن إضافة الجملة الثانية جاءت بيانا لحكمة التشريع أو بغرض تأييد ثبوت الجملة الاولى عن النبي صلى الله عليه وآله بانسجامنا مع القول المعروف عنه من أنه (لا ضرر ولا ضرار) من باب التطبيق لقاعدة الاخذ بشواهد الكتاب والسنة في تقويم الاحاديث كما صرحت بذلك الاحاديث المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام (1). هذه هي الاحتمالات المتصورة. وأما الترجيح بين هذه الاحتمالات: فالظاهر إن أضعفها الاحتمال الاخير أي احتمال كون الجمع بين الجملتين من قبل الراوي، إذ لو كان كذلك لكرر كلمة (قال) مرتين عند نقله الجملة الثانية حتى يقع قول النبي صلى الله عليه وآله هذا مقولا لقول آخر من الامام عليه السلام، فظاهر عدم تكرار لفظة (قال) إن قوله صلى الله عليه وآله


(1) وقد عقد في الكافي 1 / 55 بابا لذكر هذه الروايات كما فعل من قبله البرقي في المحاسن، وقد بحث السيد الاستاذ مد ظله عن مفاد هذه الاخبار في أبحاثه الاصولية في بحث حجية الخبر الواحد وتعارض الادلة الشرعية وانتهى إلى تفسيرها بتفسير مختلف عن التفسير المتعارف لدى المتأخرين وهو إنها تنبط اعتبار الحديث - لان كان صحيحا سندا - بانسجام محتواه مع المبادئ الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة وسيأتي لهذا توضيح في الفصل الثالث من هذا الكتاب.

[ 35 ]

وقضاءه معا كانا مقولين لقول واحد من الامام عليه السلام مما يعني إن الجمع بينهما إنما كان من قبله عليه السلام إما ابتداء أو تبعا لجمع النبي صلى الله عليه وآله بينهما. وبعد سقوط الاحتمال المزبور يدور الامر بين الاحتمالين الاولين ولعل أقربهما هو الاحتمال الاول أي كون الجمع بين قضاء النبي صلى الله عليه وآله وقوله إنما جاء من قبله صلى الله عليه وآله نفسه. البحث الثاني: في أنه بعد أن ثبت أن مقتضى ظاهر الحديث هو الارتباط بين الحكم بثبوت الشفعة وبين كبرى لا ضرر ولا ضرار فهل هناك قرائن خارجية توجب رفع اليد عن الظهور المذكور وتثبت أن الجمع بين الجملتين إنما كان من قبل الراوي للحديث - وهو عقبة بن خالد - أم لا؟ قولان: ذهب إلى الاول العلامة شيخ الشريعة ووافقه فيه جمع من تأخر عنه فقالوا إن هناك قرائن تشهد على أن الجمع بين الجملتين إنما جاء من قبل عقبة بن خالد، وإنه لا ارتباط بين كبرى لا ضرر ولا ضرار والحكم بثبوت الشفعة للشركاء في الارضين والمساكن. ولكن الصحيح عندنا هو القول الثاني لعدم تمامية تلك الشواهد المدعاة بل هناك بعض القرائن المساندة لظهور الحديث في الارتباط بين الجملتين. منها إن كون الجمع بينهما من قبل الراوي لا ينسجم مع تكرار (لا ضرر ولا ضرار) بعد حديث منع فضل الماء - كما سيأتي في القضية الثالثة - فإنه لو كان عقبة بن خالد هو الذي اتبع ذكر قضائه صلى الله عليه وآله بالشفعة بحديث آخر عنه صلى الله عليه وآله هو حديث (لا ضرر ولا ضرار) فلماذا كرر ذكر هذا الحديث مرة أخرى بعد حديث منع فضل الماء؟ وأي

[ 36 ]

مبرر لهذا التكرار ما دام يفترض عدم الارتباط بينه وبين ذينك الحديثين - أي حديث الشفعة وحديث منع فضل الماء -، فالتكرار المذكور قرينة واضحة على إن تعقيب حديث الشفعة بحديث لا ضرر إنما كان لاجل الارتباط بينهما بملاحظة الجمع بينهما من قبل النبي صلى الله عليه وآله أو الامام عليه السلام. وأما ما يمكن أن يستشهد به للقول الاول فوجوه: الوجه الاول: ما ذكره العلامة شيخ الشريعة (قده) في رسالته (1) قائلا: يظهر بعد التروي والتأمل التام في الروايات أن الحديث الجامع لاقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وما قضى به في مواضع مختلفة وموارد متشتتة كان معروفا، عند الفريقين. أما من طرقنا فبرواية عقبة بن خالد عن الصادق عليه السلام. وأما من طرق أهل السنة فبرواية عبادة بن الصامت فقد روى أحمد بن حنبل في مسنده الكبير الجامع لثلاثين ألف عن عبادة بن الصامت (2) قال إن من قضاء رسول الله أن المعدن جبار والبئر جبار والعجماء جرحها جبار.. وقضى في الركاز الخمس، وقضى إن ثمر النخل لمن أبرها إلا أن يشترط المبتاع... وقد نقل (قدس سره) هذا الحديث بطوله وهو يشتمل على عشرين قضاءا، وجاء في السادس منها (وقضى بالشفعة بين الشركاء في الارضين والدور)، وجاء في الخامس عشر منها (وقضى أن لا ضرر ولا ضرار، كما جاء في السابع عشر والثامن عشر منها (وقضى بين أهل المدينة في النخل: لا


(1) رسالة لا ضرر ولا ضرار: 28 - 34. (2) روي حديث عبادة هذا في صحيح أبي عوانة والمعجم الكبير للطبراني أيضا كما جاء في مختصر كنز العمال بهامش مسند أحمد 2 / 203.

[ 37 ]

يمنع نقع بئر وقضى بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل الكلا) (1). وقال رحمه الله بعد نقل الحديث (وهذه الفقرات كلها أو جلها مروية من طرقنا، موزعة على الابواب وغالبها برواية عقبة بن خالد وبعضها برواية غيره، وجملة منها برواية السكوني، والذي أعتقده إنها كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام إلا إن أئمة الحديث فرقوها على الابواب). ثم تعرض (قده) لتخريج هذه القضايا من طرقنا إلا إنه لم يخرج من القضايا العشرين التي وردت في خبر عبادة سوى اثني عشر، منها سبعة عن عقبة بن خالد - وهي ثلاثة موارد مضافا إلى الموارد التي ذكرناها مما اختلف فيه النقلان - وخمسة لم يذكر الراوي لها. ثم قال ره: قد عرفت بما نقلنا مطابقة ما روي في طرق القوم مع ما روي من طرقنا من غير زيادة ونقيصة، بل بعنوان تلك الالفاظ غالبا إلا الحديثين الاخيرين المرويين عندنا من غير زيادة قوله (لا ضرر ولا ضرار) وتلك المطابقة بين الفقرات مما يؤكد الوثوق بأن الاخيرين أيضا كانا مطابقين لما رواه عبادة من عدم التذييل بحديث الضرر، وأن غرض الراوي إنه صلى الله عليه وآله قال كذا وقال كذا، لا أنه كان متصلا به وفي ذيله مما يرجع إلى إنه كان حديث الشفعة مذيلا بحديث الضرر وكذلك الناهي عن منع فضل الماء وأسقطهما عبادة بن الصامت في نقله وإنه روى جميع الفقرات مطابقة للواقع إلا الفقرتين من غير خصوصية فيهما، ولا تصور نفع له أو ضرر عليه في النقل للذيل وتركه. ثم قال قده: وبعد هذا كله: فظهور كون هذا الذيل متصلا بحديث


(1) مسند أحمد 5: 326 - 327.

[ 38 ]

الشفعة حال صدوره ليس ظهورا لفظيا وضعيا لا يرفع اليد عنه إلا بداع قوى وظهور أقوى، بل هو ظهور ضعيف يرتفع بالتأمل فيما نقلناه، سيما مع ما علم من استقراء رواياته - أي روايات عبادة - من اتقانه وضبطه وما صرحوا به إنه كان من أجلاء الشيعة. ثم ذكر (ره) بعض ما يدل على جلالة عباده وشهادته المشاهد مع النبي صلى الله عليه وآله ورجوعه بعده إلى أمير المؤمنين عليه السلام. وملخص ما أفاده (قدس سره) إنه وإن كان ظاهر رواية عقبة إن كبرى لا ضرر كانت ذيلا لحديثي الشفعة ومنع فضل الماء في مرحلة سابقة على نقل عقبة، إلا إنه يجب رفع اليد عن هذا الظهور الذي هو ضعيف أساسا بملاحظة إن أقضية النبي صلى الله عليه وآله قد روي بطريق العامة عن عبادة بن الصامت ولم يذكر فيها هذه الكبرى ذيلا لحديثي الشفعة ومنع فضل الماء بل جاء ذكرها قضاءا مستقلا، وحيث إن عقبة بن خالد قد روى أيضا أقضية النبي صلى الله عليه وآله - كما يدل على ذلك وجود جملة منها منقولة عنه في الجوامع الحديثية الموجودة بأيدينا - والمظنون أنها كانت مجتمعة في روايته وإنما فرقها أصحاب الكتب ليلحقوا كل قضية ببابها فيستنتج من ضم هذا إلى ذاك أن الجمع بين حديثي الشفعة ومنع فضل الماء وحديث لا ضرر في رواية عقبة إنما هو من قبيل الجمع في الرواية على حذو ذلك في حديث عبادة. هذا ملخص كلامه قدس سره في هذا الوجه وقد وافقه عليه جمع من المحققين (1). ولتحقيق ما أفاده (ره) لا بد من البحث:


(1) لاحظ رسالة لا ضرر ولا ضرار تقريرات المحقق النائيني: 194، ونهاية الدراية للمحقق الاصفهاني 2 / 322.

[ 39 ]

أولا عن مدى اعتبار أصل حديث عبادة بن الصامت. وثانيا عما يقتضيه الموقف في الحكم بينه وبين حديث عقبة بن خالد فهنا جهتان: الجهة الاولى: في اعتبار حديث عبادة وعدمه، ويلاحظ بهذا الشأن أمور: الاول: أنه لو ثبتت وثاقة عبادة بن الصامت - كما ذكره العلامة شيخ الشريعة قده - فلا طريق لنا لاثبات وثاقة غيره من رجال سند الحديث المذكور، لانهم من رجال العامة غير المذكورين في كتبنا، فلا تجدي وثاقة عبادة وحده في إمكان الاعتماد على حديثه هذا بعد عدم نقله بطريق معتبر عندنا. الثاني: إن هذا الحديث لم تثبت صحته حتى عند العامة الذين رووه وأثبتوه في كتبهم فإنه حديث مرسل منقطع الاسناد كما تعرض لذلك جملة من علمائهم فإن إسحاق الراوي عن عبادة بن الصامت حديثه هذا لم يدركه، كما نص على ذلك البخاري والترمذي وابن عدي وغيرهم (1). الثالث: إن ما ذكره (قدس سره) من معروفية أقضية النبي صلى الله عليه وآله مجتمعة عند العامة برواية عبادة بن الصامت لم يقترن بشاهد أصلا بل ربما كانت الشواهد على خلافه، ويظهر ذلك بملاحظة سند الحديث ومصدره. أما عن سند الحديث فلانه قد تفرد بنقل هذه الاقضية مجتمعة عن


(1) كما في تهذيب التهذيب 1 / 224 وتحفة الاشراف 4: 239 وابن ماجة 2: 784 ذيل الحديث 2340.

[ 40 ]

عبادة: إسحاق بن يحيى وتفرد بروايتها عن إسحاق موسى بن عقبة، فليس لها حظ من الشهرة الروائية. وأما عن مصدر الحديث فلان هذا الحديث لم يوجد بطوله في مجاميعهم الحديثية المهمة كالصحاح الستة - بل لم ينقل في شئ من صحاحهم جملة (لا ضرر ولا ضرار) إلا في سنن ابن ماجة (1) - كما أن كثيرا من فقراتها الاخرى غير مذكورة فيها، فكيف يدعى مع ذلك شهرته ومعروفيته عندهم. نعم ورد ذكره في مسند أحمد وصحيح أبي عوانة ومعجم الطبراني ولكن هذه الكتب الثلاثة ليست بتلك الاهمية والاعتبار عندهم، وأشهرها مسند أحمد الذي اطلع العلامة شيخ الشريعة على تضمنه لهذا الحديث، غير أن المسند تدور حوله جملة من الشبهات: (منها) إنه بصورته المعروفة ليس من جمع أحمد بن حنبل ولذا لم يروه عنه تلامذته من غير أهل بيته لانما نقله عنه أهل بيته خاصة سيما ابنه عبد الله، فعن شمس الدين الجزري: إن الامام أحمد شرع في جمع المسند لكنه في أوراق متناثرة وفرقه في أجزاء منفردة على نحو ما تكون المسودة ثم توقع حلول المنية قبل حصول الامنية فبادر بإسماعه لاولاده وأهل بيته ومات قبل تنقيحه وتهذيبه - فبقي على حاله ثم جاء بعده ابنه عبد الله فألحق به ما يشاكله وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله (2). ومنها: إن المسند الموجود بأيدينا ليس جميعه من رواية أحمد بل لابنه


(1) سنن ابن ماجة 2 / 784 / 2340 و 1341. (2) تاريخ المذاهب الاسلامية محمود أبو زهرة 2 / 524 - 525.

[ 41 ]

عبد الله فيه إضافات كثيرة قيل إنها نحو عشرة آلاف (1)، كما قيل إن لاحمد ابن جعفر القطيعي الراوي عن ابنه عبد الله بعض الزيادات (2). وربما كانت روايتنا هذه مما ألحقه عبد الله بن أحمد بمسند أبيه (3) فإنه رواها أولا عن غير أبيه قال حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا الفضيل بن سليمان قال: (حدثنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحمص بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن عبادة قال: إن من قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله... الخ، ثم نقلها عن أبيه، عن الصلت بن مسعود، عن الفضيل بن سليمان... الخ). الجهة الثانية: في المقارنة بين حديث عبادة بن الصامت وحديث عقبة ابن خالد وأنه هل ينبغي توجيه الثاني بما يوافق الاول من حيث كون حديث لا ضرر ولا ضرار قضاء مستقلا لا ربط له بحديث الشفعة ولا بغيره - كما صنعه العلامة شيخ الشريعة (قده) - أم لا، لعدم تمامية ما أفاده بهذا الصدد؟ الظاهر هو الثاني لعدة ملاحظات: أولاها: ما تقدم بيانه آنفا من أن حديث لا ضرر مذكور في رواية عقبة مرتين: تارة عقيب حديث الشفعة وأخرى عقيب حديث منع فضل الماء، ولا يمكن تخريج ذلك مع البناء على أنه كان قضاء مستقلا في رواية عقبة - كما هو كذلك في رواية عبادة - فإنه لا معنى لتكرار قضاء واحد في مجموعة واحدة، فتكرر جملة لا ضرر ولا ضرار خير دليل على كونها مرتبطة بالحديثين المذكورين قبلها وذيلا لهما، ولو كانت قضاء مستقلا لاقتصر عقبة على


(1 و 2) علوم الحديث ومصطلحه لصبحي صالح: 395. (3) ومن هنا نسب جماعة من علماء العامة هذا الحديث أو بعض قطعه إلى زيادات عبد الله في مسند أبيه (منهم) السيوطي في جمع الجوامع - كما جاء في كنز العمال الذي هو مرتب جمع الجوامع 4 / 61 - 62 ح 9519، و (منهم) ابن تيمية صاحب منتقى الاخبار، لاحظ نيل الاوطار: 5 / 385 و 388.

[ 42 ]

ذكرها مرة واحده عقيب أحدهما كما هو واضح. ثانيتها: إن الانسب بمعنى (لا ضرر ولا ضرار) وعده من أقضية النبي صلى الله عليه وآله أن يكون قد ألقي في مورد خاص - كما ورد في رواية عقبة - لا أن يكون كلاما مستقلا قد ألقي ابتداء كما تضمنه حديث عبادة، وسيأتي لهذا توضيح في الجواب عن الوجه الثاني. ثالثتها: إنه لم يثبت ما ذكره قدس سره من أن عقبة بن خالد قد روى أقضية النبي صلى الله عليه وآله مجتمعة - كما فعل عبادة - ليتم ما استظهره (قده) بناء على ذلك من إن الجمع بين حديث لا ضرر وحديث الشفعة جاء نتيجة للجمع بين أقضية النبي صلى الله عليه وآله في رواية عقبة لا لكونه ذيلا له كما يوهمه ظاهر روايته. فإن الذي ثبت روايته عن عقبة من القضايا العشرين التي رواها عبادة إنما هي سبع قضايا فقط، وهذا المقدار لا يدل بوجه على ما ادعاه (ره) من إن عقبة نقل أو تصدى لنقل أقضية النبي صلى الله عليه وآله مجتمعة. ومن الغريب ما أفاده (قده) من معروفية الاقضية المذكورة لدى الخاصة عن طريق عقبة رغم انحصار الراوي عنه بمحمد بن عبد الله بن هلال، وعدم ثبوت نقله لاغلبها، وعدم رواية المنقول منها مجتمعا في شئ من مصادر الحديث الموجودة بأيدينا. فدعوى اشتهار أقضية النبي صلى الله عليه وآله لدى الخاصة من طريق عقبة تماثل دعوى اشتهارها لدى العامة من طريق عبادة الذى تقدم بيان ضعفه. رابعتها: إنه (قدس سره) استبعد تذييل قضاء النبي صلى الله عليه وآله في موردي حديث الشفعة ومنع فضل الماء بكبرى (لا ضرر ولا ضرار) مع عدم رواية عبادة لها قائلا إن لازم ذلك أنه روى جميع فقرات الحديث

[ 43 ]

مطابقة للواقع إلا الفقرتين من غير خصوصية فيهما ولا تصور نفع له أو ضرر عليه في النقل للذيل وتركه. ولكن هذا الاستبعاد في غير محله، لان مجرد عدم تصور نفع له في الترك أو ضرر عليه في النقل لا يقوم حجة على عدم وجود الذيل واقعا، إذ ترك نقل بعض الحديث قد ينشأ من عدم العناية به أو عدم التنبه له أو نسيانه... إلى غير ذلك من العوامل والاسباب ولا ينحصر بالنفع والضرر الشخصي. خامستها: إن أحاديثنا أوثق - نوعا - في كيفية النقل من أحاديث العامة وأقرب إلى الصحة والاعتبار، وذلك مما أوضحناه في مبحث (تاريخ تدوين الحديث) من مباحث حجية خبر الواحد من إن تدوين الاحاديث عند العامة، قد تأخر عن عصر صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله بما يزيد على مائة عام، مما استتبع ذلك اتكاء رواتهم على الحفظ في نقل الروايات، ومعلوم إن ذلك يفضي في حالات كثيرة إلى إهمال خصوصيات الكلام، لان ذاكرة الرواة غير المعصومين لا تستوعب عادة جميع خصوصيات الرواية وملابساتها. وهذه العلة لا توجد في رواياتنا بالشكل الذي يوجد في روايات العامة، لان رواياتنا متلقاة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وخصوصا الصادقين عليهما السلام، وقد تم تأليف الكثير من الاصول والكتب والمصنفات في عصرهما. وعلى ضوء هذا فلا يستبعد في المقام أن يكون عدم ذكر كبرى لا ضرر ولا ضرار - في رواية عبادة - في ذيل حديثي الشفعة ومنع فضل الماء، وذكرها مستقلا مستندا إلى توهم بعض رواة تلك الرواية كونها قضاءا مستقلا، ويكون ذكرها في رواية عقبة في ذيل الحديثين استدراكا من الامام عليه السلام لما فات رواة العامة من الحديث، وتكميلا لما حدث فيه من النقص.

[ 44 ]

فعلى هذا الاساس فرواية عقبة أحق بالاعتماد من حديث عبادة في كيفية النقل. هذا كله مضافا إلى أن المقام داخل في كبرى دوران الامر بين الزيادة والنقيصة، إذ يدور أمر حديثي الشفعة ومنع فضل الماء بين أن يكونا مشتملين على كبرى لا ضرر ولا ضرار - كما في رواية عقبة - وعدمه - كما في رواية عبادة -، ومقتضى ما ذهب إليه العلامة شيخ الشريعة (قدس سره) من ترجيح جانب الزيادة في أمثال ذلك هو ترجيح رواية عقبة لا عبادة. نعم، هذا لا يتجه على المختار - على ما سيأتي توضيحه - من عدم ثبوت ترجيح جانب الزيادة عند دوران الامر بينها وبين النقيصة بل العبرة في الترجيح بتوفر القرائن والمناسبات التي تورث الاطمئنان. ولا يبعد ثبوت الزيادة إذا كانت جملة تامة الدلالة مع ورودها في خبر صحيح. وكيف كان فقد ظهر بما تقدم عدم تمامية هذا الوجه الذي ذكره (قده) كقرينة خارجية على كون الجمع بين حديثي الشفعة ومنع فضل الماء وكبرى لا ضرر من قبل الراوي. الوجه الثاني: ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) (1) من إنه لو كان - لا ضرر ولا ضرار - من تتمة قضية أخرى في رواية عقبة لزم خلو رواياته الواردة في الاقضية عن هذا القضاء، الذي هو من أشهر قضاياه صلى الله عليه وآله لانه لو كان تتمة لقضية أخرى لا يصح عده من قضاياه صلى الله عليه وآله مستقلا. ويرد عليه: أولا: إنه لم يثبت كون هذا القضاء من أشهر قضاياه صلى الله عليه


(1) رسالة لاضرر تقريرات المحقق النائيني: 194.

[ 45 ]

وآله في العصر الاول، وقياس العصور المتأخرة بالعصر الاول في غير محله. وثانيا: إن ما ذكره (ره) مبني على أن عقبة بن خالد قد روى جميع أقضية النبي صلى الله عليه وآله أو معظمها، فيقال حينئذ إنه إذا كان قد أورد (لا ضرر) في ذيل حديثي الشفعة ومنع فضل الماء، فهذا يعني أنه قد فاته أن ينقل قضاءا مستقلا من أشهر أقضية النبي صلى الله عليه وآله مع أنه نقل معظم أقضية النبي صلى الله عليه وآله وهو بعيد. ولكن قد ذكرنا فيما سبق إنه لم تثبت رواية عقبة إلا للقليل من أقضية النبي صلى الله عليه وآله فلا يتجه الاستبعاد المذكور. وثالثا: أن كون (لا ضرر) قضاءا لا ينافي وقوعه في ضمن مورد خاص حتى يرجع عدم نقله في غير ذلك المورد من قبل عقبة إلى عدم نقله له كقضاء، بل يمكن أن يقال إن الانسب بعده قضاءا أن يكون قد ألقي في واقعة خاصة لا ابتداءا، لان الكلام الابتدائي لا يعبر عنه إنه من قضايا المتكلم بل يقال إنه من حكمه أو من جوامع كلمه. ويشهد لهذا كلمات بعض متقدمي الاصوليين كالشيخ في العدة والشهيد في تمهيد القواعد حيث ناقشا في استفادة العموم من الروايات المتضمنة لقوله (قضى رسول الله صلى الله عليه وآله...) على أساس أنها تحكي عن أحكام ذكرت في موارد جزئية فلا يمكن أن يستفاد منها العموم، وأنها من جوامع كلمه صلى الله عليه وآله بل هي قضاء في مورد خاص. قال الشيخ في العدة - بعد ما فرق بين عبارة (قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشاهد واليمين) وبين عبارة (قضى أن الخراج بالضمان وإن الشفعة للجار)، بإنه يفهم من الاول حكاية فعل له صلى الله عليه وآله لا غير، ولكن السابق إلى الفهم من الاخير أنه صلى الله عليه وآله قال ذلك قولا لا إنه عمل به فحسب - قال: إلا أنه وإن كان كذلك فهو لا يقتضي صحة

[ 46 ]

التعلق به لانه لا يعلم إنه قال ذلك بلفظ يقتضي العموم، أو بقول يقتضي الخصوص ويفيد الحكم في تلك العين، وإذا كان كذلك صار مثل الاول في إنه ينبغي أن يلحق بالمجمل، وإذا ثبتت هذه الجملة فيما روى إنه قضى بالشاهد واليمين وإن الخراج بالضمان لما قلناه، إلا أن يدل دليل على إلحاق غيره به فيحكم به (1). وقال الشهيد الثاني في تمهيد القواعد (2): قول الصحابي مثلا إنه نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر وقضى بالشاهد واليمين، لا يفيد العموم علن تقدير دلالة المفرد المعرف على العموم، لان الحجة في المحكي وهو كلام الرسول لا في الحكاية، والمحكي قد يكون خاصا فيتوهم عاما، وكذا قوله (سمعته يقول قضيت بالشفعة للجار) لاحتمال أن تكون (ال) للعهد، كذا قال في المحصول وتبعه عليه مختصروا كلامه وغيرهم من المحققين، إلى آخر ما ذكره في ذلك. الوجه الثالث: ما أشار إليه المحقق النائيني (قده) وأوضحه السيد الاستاذ (قدس سره) من أن حديث لا ضرر إنما يمكن اعتباره ذيلا لحديث الشفعة إذا كان مصححا لجعل حق الشفعة بحسب مفاده ومحتواه، ولكنه ليس كذلك لان مفاده هو نفي الحكم الضرري إما ابتداءا أو بلسان نفي الموضوع، والضرر في مورد ثبوت حق الشفعة إنما يأتي من قبل بيع الشريك حصته، فلو كان ذلك موردا لقاعدة (لا ضرر) لزم الحكم ببطلان البيع، ولو كان الضرر ناشئا من لزوم البيع لزم الحكم بثبوت الخيار بأن يكون له حق رد المبيع إلى البائع، وأما جعل حق الشفعة له لجبران الضرر وتداركه بأن ينقل المبيع إلى ملكه فهو إنما يكون مستندا إلى قاعدة (لا ضرر) إذا كانت دالة


(1) عدة الاصول 1 / 147 مخطوط. (2) تمهيد القواعد ذيل القاعدة (57).

[ 47 ]

على جعل حكم يتدارك به الضرر ولكنها لا تدل على ذلك وإنما تدل على نفي الحكم الضرري (1). ويلاحظ عليه: أولا: إن إيراد هذه القاعدة بعد حديث الشفعة باعتبار تناسب الجملة الثانية منها أي قوله صلى الله عليه وآله (لا ضرار) مع حق الشفعة بأن تكون حكمة لجعل حق الشفعة - على ما سيأتي توضيحه في الجواب عن الوجه الرابع - وعلى هذا فلا يتوقف ارتباط القاعدة بحديث الشفعة على تفسير (لا ضرر) بوجه يقتضي جعل الحكم الذي يتدارك به الضرر لكي يقال إن حديث لا ضرر لا يدل على ذلك. وثانيا: إن مرجع الوجه المذكور إلى إنه لما كان المختار في معنى (لا ضرر) هو نفي الحكم الضرري دون غيره من المعاني التي سيأتي البحث عنها، وهو لا يناسب الترابط بين الجملتين على ما هو ظاهر الكلام، فلا بد من رفع اليد عن هذا الظهور واعتبار الجمع بينهما من قبيل الجمع في الرواية، وهذا الكلام لا يخلو عن غرابة، لانه يمكن أن يقال بأن نفس ورود هذه الجملة في ذيل حديث الشفعة قرينة على كون معناها غير نفي الحكم الضرري، ولا وجه لاختيار معنى للجملة مسبقا كأصل مفروض من دون ملاحظة القرائن المحتفة بها، ثم الاعتراض على ترابط الجملة مع حديث الشفعة بعدم انسجام ذلك مع هذا المعنى، واستكشاف كون الجمع بينهما من قبيل الجمع في الرواية، بل الاحرى أن يعكس الامر فيجعل ظهور الكلام في ترابط الحديث مع قوله (لا ضرر ولا ضرار) المذكورة ذيلا له من وجوه ضعف استظهار ذلك المعنى من جملة (لا ضرر) كما هو واضح.


(1) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني: 195، ومصباح الاصول 2 / 521.

[ 48 ]

وثالثا: إنه لو فرضنا إن قوله (لا ضرر) في قضية سمرة مثلا بمعنى نفي الحكم الضرري، لا بمعنى جعل الحكم الذي يتدارك به الضرر، ولكن لا مانع من كونه في ذيل حديث الشفعة بهذا المعنى الثاني إذا كان هذا الحديث بما له من الظهور السياقى لا يساعد مع المعنى الاول، فيختلف معناه بحسب اختلاف الموردين، إذ لا موجب للالتزام بوحدة المراد منه في جميع الموارد، حتى يكون ظهوره في المعنى الاول في سائر الموارد مقتضيا لارادته في ذيل حديث الشفعة أيضا ليستلزم ذلك إنفصاله عن معنى هذا الحديث وسياقه فتدبر. الوجه الرابع: ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) وذكر بعضه في كلام السيد الاستاذ (قده) أيضا (1)، وحاصله: إن الترابط بين (لا ضرر) وبين جعل حق الشفعة إما بلحاظ كون الاول علة للثاني، أو بلحاظ كونه حكمة لتشريعه وكلاهما باطل. أما الاول: فلان الضرر إذا كان علة للحكم بثبوت حق الشفعة فلا بد أن يدور هذا الحكم مداره وجودا وعدما، لان هذا شأن العلة كما في قولنا (لا تأكل الرمان لانه حامض)، مع إن هذا غير متحقق في المقام بلا إشكال فإن الحكم بالشفعة غير محدد بترتب الضرر الشخصي للشريك من البيع، بل بين موارد ثبوت حق الشفعة وتضرر الشريك بالبيع عموم وخصوص من وجه، فربما يتضرر الشريك ولا يكون له حق الشفعة، كما إذا كان الشركاء أكثر من اثنين، وقد يثبت حق الشفعة بلا ترتب ضرر على أحد الشريكين ببيع الاخر، كما إذا كان الشريك البائع مؤذيا وكان المشتري ورعا بارا محسنا إلى شريكه، وربما يجتمعان كما هو واضح. إذا لا يصح إدراج الحكم بثبوت


(1) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني: 195، ومصباح الاصول 2 / 521.

[ 49 ]

الشفعة تحت كبرى (لا ضرر). وأما الثاني: فلان وقوع الضرر على الشريك أمر اتفاقي، وعلة التشريع وإن لم يعتبر كونها أمرا دائميا ولكنه يعتبر أن تكون أمرا غالبيا أو كثير الوقوع، فإن الضرر الاتفاقي ليس بتلك المثابة من الاهمية بحيث يجعل له حكم كلي لئلا يقع الناس فيه. ويلاحظ عليه أولا: إن ما ذكر من عدم علية ترتب الضرر بأن يكون تمام الموضوع للحكم بثبوت الشفعة وإن كان تاما إلا أن ما ذكر من عدم كونه حكمة له أيضا في غير محله فإن توجه الضرر إلى الشريك بانتقال حصة شريكه إلى شخص آخر ليس أمرا نادرا، بحيث لا يصلح أن يكون حكمة لتشريع حق الشفعة، بل نفس الشركة في العين بحد ذاتها أمر يوجب كون الشركاء في معرض الضرر ببغي بعضهم على بعض، كما أشير إليه في الاية الكريمة (وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (1) بناءا على تفسير الخلطاء بالشركاء المختلطة أموالهم كما عن جمع من المفسرين. وقد أبطل في بعض القوانين الحديثة الوقف الذري معللا بأنه يوجب ركود الملك وتقليل منافعه وصيرورته مثارا للاختلاف والتضرر، وقد أفتى جمع من الفقهاء بجواز بيع الوقف عند اختلاف الموقوف عليهم، بحيث يخاف منه تلف الاموال والانفس. وقد علل في بعض الروايات عدم إرث الزوجة من العقار بأن ذلك احتراز من تزوجها برجل آخر فيفسد الميراث على أهله، ففي صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا ترث النساء من عقار الدور شيئا ولكن يقوم البناء والطوب وتعطى ثمنها أو ربعها، قال: وإنما ذلك


(1) سورة ص 38 / 24.

[ 50 ]

لئلا يتزوجن فيفسدن على أهل المواريث مواريثهم (1). والحاصل إن دعوى ندرة توجه الضرر إلى الشريك من عدم جعل حق الشفعة له لا يمكن المساعدة عليها. ويشهد لذلك إن كثيرا من فقهاء العامة قد عللوا ثبوت الشفعة بدفع الضرر، قال ابن رشد (2) (ذهب مالك والشافعي وأهل المدينة إلى إنه لا شفعة إلا للشريك ما لم يقاسم، وقال أهل العراق الشفعة مرتبة فأولى الناس بالشفعة الشريك الذي لم يقاسم ثم الشريك المقاسم إذا بقيت في الطرق أو في الصحن شركة، ثم الجار الملاصق، وقال أهل المدينة لا شفعة للجار ولا للشريك المقاسم)، ثم قال في ذكر احتجاج أهل العراق (ومن طريق المعنى لهم أيضا أنه لما كان المقصود بالشفعة دفع الضرر الداخل من الشركة، وكان هذا المعنى موجودا في الجار وجب أن يلحق به، ولاهل المدينة أن يقولوا وجود الضرر في الشركة أعظم منه في الجوار). واحتج السيد المرتضى (قده) على العامة في شمول الشفعة لغير الارضين لعموم العلة، وقال (ومما يمكن أن يعارضوا به إن الشفعة عندكم إنما وجبت لازالة الضرر عن الشفيع، وهذا المعنى موجود في جميع المبيعات من الامتعة والحيوان، فإذا قالوا حق الشفعة إنما يجب خوفا من الضرر على طريق الدوام، وهذا المعنى لا يثبت إلا في الارضين والعقارات دون العروض، قلنا في الامتعة ما يبقى على وجه الدهر مثل بقاء العقارات والارضين كالياقوت وما أشبهه من الحجارة والحديث، فيدوم الاستضرار بالشركة فيه، وأنتم لا توجبون فيه الشفعة، وبعد فإن إزالة الضرر الدائم أو


(1) الوسائل 26: 208 ح 32842 باب 6. (2) بداية المجتهد 2 / 256 - 257.

[ 51 ]

المنقطع واجبة في العقل والشرع، وليس وجوب إزالتها مختصة بالمستمر دون المنقطع، فلو كان التأذي بالشركة في العروض منقطعا على ما ادعيتم لكانت إزالته واجبة على كل حال...) (1). والحاصل إن دفع الضرر صالح لان يكون حكمة لتشريع حق الشفعة، وليس ذلك بأقل من تشريع الحج للتفقه في الدين وبسط أمر الولاية أو تشريع العدة لاجل عدم اختلاط المياه، أو تشريع غسل الجمعة لازالة ريح الاباط وغير ذلك من الامثلة المضروبة لما هو حكمة لجعل حكم شرعي. وثانيا: إن لحاظ دفع الضرر حكمة لتشريع حق الشفعة لا يمنع من اعتبار (لا ضرر ولا ضرار) كبرى كلية وقاعدة مستقلة في حد نفسها، إذ لا مانع من أن يكون أمر واحد قد لوحظ حكمة بالنسبة إلى جعل حكم مع إنه بنفسه موضوع لحكم آخر، كما اتفق ذلك بالنسبة إلى ال‍ (لا حرج)، فإن عدم الحرج النوعي حكمة لعدم إيجاب السؤال مثلا - كما دل عليه النص - في حين إن الحرج الشخصي موجب لرفع كل حكم يلزم منه الحرج على المكلف. وثالثا: إن اعتبار (لا ضرر ولا ضرار) حكمة للحكم بثبوت الشفعة لا ينافي تفسيره بشئ من المعاني التي فسر بها في كلمات الاعلام، وذلك لانه إن فسر بنفي الحكم الضرري أو بالنهي عن الاضرار بالغير فغاية الامر أن هذا المعنى لا يتأتى في مورد حديث الشفعة، فلا بد أن يكون المقصود بقوله (لا ضرر ولا ضرار) في ذيل هذا الحديث مجرد نفي الضرر والضرار كحكمة للحكم بثبوت الشفعة، وأما في غير هذا الحديث فلا مانع من تفسيره بغير ذلك فتأمل. وإن فسر بما هو المختار من أن مفاد (لا ضرر) هو نفي التسبيب إلى


(1) الانتصار: 215.

[ 52 ]

تحمل الضرر، ومفاد (لا ضرار) التسبيب إلى نفي الاضرار بالغير بما يشمل تحريم وتشريع ما يمنع من تحققه خارجا وجعل الاحكام الرافعة لموضوعه، فعلى هذا القول يمكن تطبيق نفس هذا المعنى على مورد حديث الشفعة بملاحظة الجملة الثانية أي (لا ضرار)، باعتبار إن الحكم بالشفعة بنفسه مثال للحكم الرافع لموضوع الاضرار بالغير كما اتضح ذلك مما تقدم. ثم إن ما ذكرناه من كون الارتباط بين قوله (لا ضرر ولا ضرار) وبين جعل حق الشفعة للشريك إنما هو بمناط كون (لا ضرر) حكمة لجعل هذا الحق، لا مناص من الالتزام به لو كان الجمع بين حديث الشفعة ولا ضرر من قبل النبي صلى الله عليه وآله كما هو الاقرب، وأما على الاحتمال الاخر الذي سبق أن ذكرناه من كون الجمع بينهما من قبل الامام عليه السلام، فبالامكان أن يخرج الارتباط بينهما على وجه آخر، وقد أشرنا إليه فيما مضى أيضا وهو أن يكون ذكر (لا ضرر) بعد نقل قضاء النبي صلى الله عليه وآله بالشفعة من باب الاخذ بشواهد السنة لكون قوله صلى الله عليه وآله (لا ضرر ولا ضرار) كلاما مشهورا عنه صلى الله عليه وآله، فأراد الامام عليه السلام بذكره الاستشهاد لثبوت القضاء المذكور عنه صلى الله عليه وآله بتوافقه مع ذلك الكلام الثابت عنه صلى الله عليه وآله يقينا. هذا وقد تحصل من جميع ما تقدم إن الوجوه الاربعة التي ذكرت لدعوى عدم الارتباط بين قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة وبين قوله لا ضرر ولا ضرار، خلافا لظاهر رواية عقبة بن خالد مما لا يمكن المساعدة عليها. 3 - حديث منع فضل الماء. وقد رواه الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله عليه

[ 53 ]

السلام قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بين أهل المدينة في مشارب النخيل إنه لا يمنع نقع البئر، وقضى بين أهل البادية إنه لا يمنع فضل ح ماء ليمنع به فضل كلا، وقال: لا ضرر ولا ضرار (1). والكلام في هذا الحديث من جهات: الجهة الاولى: في سنده، وهو ضعيف على غرار ما تقدم في سند حديث الشفعة فإن سندهما واحد، وقد سبق إن كلا من (محمد بن عبد الله ابن هلال) و (عقبة بن خالد) لم تثبت وثاقتهما عندنا وإن وثقهما بعض لرواية الاجلاء عنهما، أو لكونهما من رجال كامل الزيارات وشبه ذلك مما تقدم الاشكال فيه. الجهة الثانية: في شرح مفادها إجمالا، أما قوله صلى الله عليه وآله في القضاء الاول (نقع البئر ففي النسخ التي رأيناها من الكافي (نقع الشئ) بدل (نقع البئر وهو تصحيف كما نبه عليه في الوافي (2) ويشهد له مناسبة الحكم والموضوع، مضافا إلى إن الرواية مذكورة في كتب العامة وفيها (نقع البئر) (3). قال ابن الاثير في النهاية (4) في شرح الحديث: فيه نهى أن يمنع نقع البئر - أي فضل مائها - لانه ينقع به العطش أي يروي (وشرب حتى نقع أي روي) وقيل النقع الماء الناقع وهو المجتمع، ومنه الحديث لا يباع نقع البئر ولا رهو الماء وقال (رهو الماء مجتمعه). وأما قوله صلى الله عليه وآله في القضاء الثاني (لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلا) ففي المراد به وجوه:


(1) الكافي 5 / 293 - 294 ح 6. (2) الوافي المجلد 3 الجزء 10 / 136. (3) لاحظ مسند أحمد بن حنبل 5 / 327 وسنن ابن ماجة 2 / 828 وموطأ مالك 2 / 745 - 24 - 25 - 23. (4) النهاية 5 / 108.

[ 54 ]

الاول: إن الاعراب لما كانوا ينزلون إلى الماء والكلا كانت طائفة منهم تأتي إلى الماء لحاجتها، وطائفة تأتي إلى الكلا لحاجتها فإذا منعت الطائفة الاولى من الماء امتنعت الطائفة الاخرى من الكلا، فكان ذلك منعا لهم عن الكلا أيضا. وهذا الاحتمال ذكره في الوافي (1) وهو بعيد أولا لان الحاجة إلى الماء والكلا مشتركة بين الجميع فلا وجه لفرض كونهم على طائفتين، طائفة تحتاج إلى الماء وطائفة تحتاج إلى الكلا. وثانيا إن ظاهره أن مصب النهي هو المنع من الماء بلحاظ أن من عواقبه غالبا ترك الكلاء مع أن ظاهر الحديث الارتباط بين الجملتين في تعلق النهي. الثاني: إن المراد أن أصحاب الماء لو منعوا فضل مائهم منعهم الله من الكلا ذكره في الوافي أيضا (2)، وهو بعيد كسابقه لان ظاهر السياق اتحاد فاعل (يمنع) في الجملتين - أي إن مانع الماء هو مانع الكلا -، وبما إن ظاهر الجملة الاولى إن مانع الماء هم أصحابه فلا يناسب أن يكون مانع الكلا هو الله تعالى. الثالث: إن المراد إنه لا يمنع قوم فضل مائهم عن الرعاة، لانه مستلزم لمنعهم عن الكلا المباح أيضا، فإن الرعاة إذا منعوا من الماء في أرض لم يأتوها للكلا فقط، لحاجتهم إلى الماء والكلا في وقت واحد ولا يسعهم التفكيك بينهما، وهذا الوجه ذكره ابن حجر (3) قائلا (والمعنى أن يكون حول البئر كلا ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر، لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي، فيستلزم


(1 و 2) الوافي المجلد 3 جزء 10 / 136. (3) فتح الباري 5 / 24 - 25.

[ 55 ]

منعهم من الماء منعهم من الكلا) قال (وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور) وفرع عليه إنه لو لم يكن هناك كلا يرعى فلا نهي عن المنع لانتفاء العلة، لان هذا الوجه مبني على أن يكون قوله (ليمنع به فضل كلا) علة للنهي عن منع فضل الماء بتقدير (لا) النافية فيه، فيكون المعنى (لئلا يمنع به فضل كلا) وهذا هو الفارق بينه وبين الوجه الاول، فإن محصل الاول أن مصب النهي هو المنع من الماء بلحاظ أن من عواقبه ترك الكلا، لا أنه علة له، بينما مفاد هذا الوجه أنه لا نهي عن منع الماء إلا إذا كان سببا لمنع الكلا، ولذلك يكون هذا الوجه خلاف الظاهر جدا. الرابع: إن المراد إنه لا يمنع قوم فضل الماء المباح عن الرعاة لاجل أن يمنعوهم عن الكلا المباح احتفاظا به لانفسهم فالمنع عن الكلا - على هذا الوجه - علة للمنع من فضل الماء نفسه، لا علة للنهي عن منع فضل الماء كما في الوجه السابق وقد ذكر هذا المعنى في الوافي (1) قائلا (قيل كان بعضهم يمنع فضل الماء من مواشي المسلمين حتى لا تأكل مواشيهم العشب والكلا الذي حول مائه، فنهى عليه السلام عن المنع لانه لو منع لم ينزل حول بئره أحد فحرموا الكلا المباح حنيئذ). وحكى ابن حجر هذا الوجه في موضع آخر من فتح الباري (2) عن المهلب قال: (قال المهلب المراد رجل كان له بئر وحولها كلا مباح - وهو بفتح الكاف واللام مهموز ما يرعى - فأراد الاختصاص به، فيمنع فضل ماء بئره وأن ترده نعم غيره للشرب، ولا حاجة به إلى الماء الذي يمنعه وإنما حاجته إلى الكلا، وهو لا يقدر على منعه لكونه غير مملوك له، فيمنع الماء فيتوفر له الكلا، لان النعم لا تستغني عن الماء بل إذا رعت الكلا عطشت


(1) الوافي المجلد 3 جزء 10 / 136. (2) فتح الباري 12: 296 طبعة اوفسيت لبنان على طبعة بولاق في مصر.

[ 56 ]

ويكون ماء غير البئر بعيدا عنها، فيرغب صاحبها عن ذلك الكلا فيتوفر لصاحب البئر بهذه الحيلة) ثم قال فمقتضى الحديث حينئذ إنه لا يمنع فضل الماء بوجه من الوجوه، لانه إذا لم يمنع بسبب غيره كالمحافظة على الكلا فأولى أن لا يمنع بسبب نفسه. وهذا الوجه هو المنساق من ظاهر الحديث فهو صحيح. الجهة الثالثة: في ارتباط النهي عن منع فضل الماء بقوله (لا ضرر ولا ضرار) المذكور بعده. والكلام في هذه الجهة يقع تارة فيما يقتضيه ظاهر الحديث في نفسه، وأخرى فيما تقتضيه القرائن الخارجية. أما ظاهر الحديث فمقتضاه الترابط بينهما على حذو ما تقدم في حديث الشفعة لاتحادهما سياقا، وقد سبق إن الظاهر من مثل هذا السياق هو الارتباط بين الجملتين، وكون الجمع بينهما إما من قبل النبي صلى الله عليه وآله أو الامام عليه السلام دون الراوي. وأما القرائن الخارجية فقد اختار العلامة شيخ الشريعة وجمع من المحققين أن مقتضاها عدم الترابط بين الجملتين وكون الجمع بينهما من قبل الراوي كما سبق ذلك في حديث الشفعة. ولكن يمكن لنا أن نقول - كما تقدم نظيره في حديث الشفعة -: إن تكرار قوله (لا ضرر ولا ضرار) بعد حديث الشفعة وحديث منع فضل الماء جميعا، قرينة واضحة على الارتباط بينه وبين كل منهما، فإنه لو كان المجمع من قبل الراوي لما كان لذكر حديث (لا ضرر ولا ضرار) مرتين مبرر أصلا. بل يمتاز المقام عن حديث الشفعة في إن قوله (لا ضرر ولا ضرار) ورد هنا معطوفا بالفاء في جملة من نسخ الرواية، والعطف بالفاء لا مصحح له لولا الارتباط بين الجملتين، فهو مرجح احتمالي لصالح القول بالارتباط، مع أن ورود العطف بالواو في بعض النسخ الاخرى ليس مرجحا احتماليا

[ 57 ]

للقول بعدم الارتباط، بل هو منسجم مع كلا القولين كما لا يخفى. وربما يقال - كما عن العلامة شيخ الشريعة (قده) - (بأن ما في بعض النسخ من عطف قوله (لا ضرر ولا ضرار) على الجملة التي قبلها بالفاء تصحيف قطعا، لان النسخ الصحيحة المعتمدة في الكافي متفقة على الواو) (1). أقول: المذكور في النسخ المطبوعة للكافي هو العطف بالواو (2) على الجملة التي قبلها ولكن المذكور في الوسائل والوافي وجملة من الكتب الناقلة لهذا الحديث - كالعوائد للنراقي والرسائل للشيخ الاعظم الانصاري وغيرهما - هو العطف بالفاء (3)، ولا يمكن القطع بصحة الاول وكون الثاني تصحيفا، فإن النسخ الموجودة بأيدينا من الكافي لا تخلو من الغلط والتصحيف كما مر مثاله قريبا وهو تحريف (نقع البئر) ب (نقع الشئ) في عامة نسخه، ومنها النسخة التي وصلت إلى المحدث الكاشاني وصاحب الوسائل. ثم إن الوجوه التي ذكرت كقرائن خارجية على عدم الارتباط بين حديث منع فضل الماء وقوله (لا ضرر ولا ضرار) منها ما سبق بيانه في حديث الشفعة وهو وجهان: أولهما: ما ذكره العلامة شيخ الشريعة (قده) من ادعاء إن الجمع بين الجملتين إنما كان من قبل عقبة في سياق الجمع بين قضايا النبي صلى الله عليه وآله، بقرينة التفكيك بينهما في حديث عبادة بن الصامت المنقول في كتب العامة. ثانيهما: ما أفاده المحقق النائيني (قده) من إنه لو كان (لا ضرر) ذيلا


(1) رسالة لا ضرر: 23. (2) الكافي 5 / 293 ط جديد 6 / 292 ذيل الحديث 2. (3) الوافي المجلد 3 الجزء 10 / 136، الوسائل 25: 420 ح 2. ومرآة العقول 19: 394 ح 2. العوائد: 17. الرسائل 2: 533 و 534.

[ 58 ]

لقضية أخرى، لزم خلو قضاياه - في رواية عقبة - عن هذا القضاء رغم إنه من أشهر قضاياه. وقد تقدم الكلام في تحقيق هذين الوجهين فلا موجب للاعادة. وهناك وجهان آخران قد يستدل بهما لهذا المدعى في خصوص المقام وهما: الوجه الاول: إن حديث منع فضل الماء مذكور في بعض روايات الخاصة وكثير من روايات العامة من غير تذييل بقوله (لا ضرر ولا ضرار)، وهذا يقوي احتمال كون الجمع بينهما في رواية عقبة بن خالد من فعل الراوي من دون ارتباط بينهما في الاصل. أما في روايات الخاصة فقد ورد في الفقيه (1) مرسلا (قال وقضى عليه السلام في أهل البوادي أن لا يمنعوا فضل ماء ولا يبيعوا فضل الكلا) هكذا في المطبوعة النجفية للفقيه، وفي بعض النسخ (لكي لا يمنعوا فضل الكلا) ولعله الصحيح. وأما في روايات العامة فقد ورد في صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجة وموطأ مالك ومسند أحمد بن حنبل وغيرها (2). ويمكن الجواب عنه أولا: بالنقض بقضية سمرة بن جندب، فإنها وردت مذيلة بقوله (لا ضرر ولا ضرار) في رواية زرارة، ولكنها خالية عن هذا الذيل في روايات العامة وفي بعض رواياتنا كما تقذم ذلك مفصلا. وثانيا: بالحل وهو إن رواية الصدوق مرسلة ولا اعتماد على مراسيله وإن كانت بصيغة جزمية - كما حقق في محله -، مضافا إلى أن (من لا يحضره الفقيه) كتاب فقهي في الاساس يتضمن الفتوى بمتون الاحاديث،


(1) من لا يحضره الفقيه 3 / 150 ح 662. (2) لاحظ المعجم المفهرس لالفاظ الحديث النبوي مادة (فضل).

[ 59 ]

فلا يلزم في مثله مراعاة نقل الحديث بتمامه إذا كان بعض فقراته لا يرتبط بما هو مقصود المؤلف كما في المقام، فإن قوله (لا ضرر ولا ضرار) يجري مجرى التعليل الذي لا حاجة إلى ذكره في مقام الافتاء بمضمون الرواية. وأما روايات العامة فقد تقدم الكلام في مدى ما يمكن الاعتماد عليه في مقابل رواياتنا عند الحديث عن رواية عبادة بن الصامت فلاحظ. الوجه الثاني: إن مضمون حديث منع فضل الماء يأبى عن الالتزام بالترابط بينه وبين قوله (لا ضرر ولا ضرار) وذلك من جهتين: الاولى: إن منع المالك فضل ماله عن الغير لا يعد ضررا بالنسبة إلى الغير، وإنما هو من قبيل عدم النفع ومعلوم إن عدم النفع لا يعد ضررا. الثانية: إن النهي في مورد الحديث تنزيهي قطعا، لعدم حرمة منع فضل المال عن الغير بالضرورة فلا يندرج ذلك تحت كبرى (لا ضرر ولا ضرار) بأي من معانيها. والتحقيق أن مرجع هاتين الجهتين إلى جهة واحدة، وهي عدم ثبوت حق للغير في الاستفادة من فضل الماء لانه إذا كان له حق في ذلك فإن منعه عنه يكون ضررا عليه لانه تنقيص لحقه، فلا يكون النهي عن منعه حينئذ نهيا تنزيهيا، فيمكن تطبيق كبرى لا ضرر ولا ضرار على مورده، وأما إذا لم يكن له حق في ذلك اتجه الاشكال في انطباق (لا ضرر) من الجهتين - موضوعا وحكما - فجهة الاشكال أساسا: إنه لا حق للغير في الاستفادة من فضل الماء. والصحيح عدم اتجاه هذا الاشكال وتوضيحه: إن الابار التي كان أهل البادية - وهم الاعراب الرحل - يستفيدون من مائها أما أنها كانت من المباحات الاصلية، أو ما هي في حكمها، - كالابار الموقوفة وقفا عاما لاستفادة الناس منها - كما لا يبعد أن ذلك كان هو الغالب فيها، لعدم كونهم

[ 60 ]

مستقرين حولها وحينئذ فلا إشكال في أنه ليس لمن سبق إلى شئ منها حق منع الغير عما فضل من استفادته، إذ ليس له إلا حق السبق في الاستفادة فقط. وإما أنها كانت من الاملاك الشخصية أو ما هي بحكمها، وحينئذ فقد يتوهم أنه لا إشكال في عدم استحقاق الغير الاستفادة من فضل مائها، وانعقاد الضرورة على ذلك، ولكن الذي يتضح بملاحظة كلمات الفريقين والمشهور بين المتقدمين إن للغير حق الشرب منها لنفسه ولماشيته، وكون القول بعدم ثبوت هذا الحق له واستحباب البذل للمالك شاذا بين القدماء. قال الشيخ في الخلاف (1): (إذا ملك البئر بالاحياء وخرج ماؤها فهو أحق بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته، وما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره لحاجته إليه للشرب له أو لماشيته، ولا يجب عليه بذله لسقي زرعه بل يستحب له ذلك، وبه قال الشافعي، وقال أبو عبيد بن خربوز يستحب له ذلك لسقي غيره وسقي مواشيه وسقي زرعه، ولا يجب على حال، ومن الناس من قال يجب عليه بذله بلا عوض لشرب الماشية ولسقي الزرع، ومنهم من قال يجب عليه بالعوض، فأما بلا عوض فلا، ثم ذكر في الاستدلال على مختاره ثلاث روايات جميعها من طرق العامة، ويشبه كلامه هنا كلامه في المبسوط. وفي المختلف (2) بعد نقل كلام الشيخ ما لفظه (وبه قال ابن الجنيد والوجه: الاستحباب في الجميع وبه قال ابن البراج، إذ لا يجب على الانسان بذل ماله لغيره) ثم ذكر ما استدل به الشيخ وناقش فيه، بأن هذه أحاديث لم تثبت عندنا صحتها، ولو ثبتت حملت على الكراهة.


(1) الخلاف 2 / 132 129. (2) مختلف الشيعة 2 / 15.

[ 61 ]

ويظهر من كلام إبن حجر في فتح الباري أن القول بوجوب البذل هو المشهور بين العامة (1). وعليه فلا وجه لدعوى الاجماع على عدم وجوب البذل فضلا عن دعوى الضرورة عليه. ولعل عمدة ما أوجب هذه الدعوى تصور أن لازم الحكم بملكية شخص لمال جواز منع الاخرين عنه بمقتضى طبيعة الملكية، فكان استحقاق الغير التصرف فيه ينافي الحكم بكونه مملوكا للاول، ولكن هذا غير صحيح، لان ثبوت الحق المذكور لا ينافي أصل الملكية، وإنما ينافي الملكية المطلقة، وهي غير ثابتة في أمثال المقام، بل الثابت فيها بحسب بناء العقلاء سنخ ملكية محدودة تجامع ثبوت حق الشرب والوضوء ونحوهما بالنسبة إلى الاخرين. ومن هنا اخترنا وفاقا لجمع من المحققين جواز الوضوء والشرب من الانهار الكبار وإن لم يعلم رضا المالكين، بل وإن علم كراهتهم أو كان فيهم صغير أو مجنون، ومستند ذلك هو بناء العقلاء على عدم ثبوت الملكية المطلقة للملاك في أمثال هذه الاشياء، بحيث تنافي جواز تصرف الاخرين فيها من غير رضاهم بمثل ما ذكر من التصرفات. وأما التمسك لذلك بسيرة المتشرعة - كما في المستمسك (2) - فلا يخلو عن نظر، لان مورد التمسك بها هو فيما إذا انفرد المسلمون أو الامامية بفعل شئ أو بتركه، وانحازوا في ذلك عن بقية العقلاء، حيث يستكشف بذلك حكم تأسيسي شرعي وفق ما جرت عليه سيرتهم، وأما في أمثال المقام حيث يكون الكاشف بناء عموم العقلاء والمستكشف به هو الحكم الامضائي


(1) فتح الباري لابن حجر 5 / 24 - 25، ولاحظ نيل الاوطار للشكوكاني 6: 48. (2) مستمسك العروة الوثقى 2 / 434.

[ 62 ]

الشرعي، فلا معنى للتمسك بسيرة المتشرعة. ثم إنه قد يتوهم إن مثل قوله عليه السلام (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه) يصلح أن يكون رادعا عن البناء العقلائي في المتقدم فلا يمكن الاعتماد عليه بعد ثبوت الردع عنه من قبل الشارع المقدس، ولكن هذا في غير محله، لان قوله (لا يحل مال امرئ... إلخ) لا يتضمن بمنطوقه حكما تأسيسيا شرعيا، لكي يؤخذ بإطلاقه - لو توفرت مقدمات الحكمة -، بل مفاده إمضاء ما بنى عليه العقلاء، فيمتنع أن يكون رادعا عن نفس هذا البناء في بعض حدوده. هذا ثم إنه لو فرضنا أنه يحق للمالك منع الاخرين من الاستفادة من فضل ماء بئره، وإن النهي عن هذا المنع - في رواية عقبة بن خالد - نهي تنزيهي لا تحريمي، ولكن لا مانع من تعليله ب (لا ضرر ولا ضرار) أيضا على أن يكون ذلك في مستوى الحكم الاخلاقي الاسلامي، وهو إنه ينبغي التحرز عن الاضرار بالغير المسلم كمنع فضل الماء عنه وعن مواشيه مع حاجتهم وعطشهم، فيكون لهذا الحكم أي (لا ضرر) مستويان: مستوى أخلاقي تمثل في حديث منع فضل الماء، ومستوى إلزامي وهو المراد به في حديث سمرة ونحوه ووحدة اللفظ لا تفرض وحدة المعنى بعد قضاء القرائن خلافها. هذا إذا كان الجمع بين النهي عن منع فضل الماء وبين قوله (لا ضرر ولا ضرار) قد صدر من النبي صلى الله عليه وآله، وأما إن كان ذلك صادرا من قبل الامام عليه السلام، فبالامكان تخريج الارتباط بينهما على وجه آخر، وهو قاعدة الاخذ بشواهد الكتاب والسنة، بمعنى الاستشهاد بالسنة الثابتة على صدق النقل، ولا يقدح حينئذ عدم افادة (لا ضرر) للنهي التشريعي لكفاية التوافق الروحي والمبدئي بين الامرين في مثل ذلك كما

[ 63 ]

تقدم نظيره في حديث الشفعة. فتحصل من جميع ما تقدم إنه لا مناص من الالتزام بما هو ظاهر الحديث، ويؤيده بعض القرائن الخارجية من الارتباط بين النهي عن منع فضل الماء وكبرى لا ضرر ولا ضرار، لان الوجوه التي ذكرت لاثبات عدم الارتباط لا تنهض على ذلك. هذا تمام الكلام في القضايا الثلاث الاولى التي وردت من طرق الامامية. 4 - حديث هدم الحائط: وقد أورده القاضي نعمان المصري في دعائم الاسلام قائلا (روينا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن جدار الرجل - وهو سترة بينه وبين جاره - سقط فامتنع من بنيانه، قال: ليس يجبر على ذلك إلا أن يكون وجب ذلك لصاحب الدار الاخرى لحق أو شرط في أصل الملك، ولكن يقال لصاحب المنزل: إستر على نفسك في حقك إن شئت، قيل له: فإن كان الجدار لم يسقط ولكنه هدمه أو أراد هدمه أضرارا بجاره لغير حاجته إلى هدمه، قال: لا يترك وذلك إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا ضرر ولا ضرار (إضرار - خ ل)، وإن هدمه كلف أن يبنيه) (1). والكلام فيه يقع في جهات: الجهة الاولى في مصدره: وهو - كما ذكرنا - كتاب دعائم الاسلام للقاضي النعمان بن محمد بن منصور بن حيون التميمي المغربي المتوفى سنة 363، وكان من علماء الاسماعيلية، خدم المهدي بالله مؤسس الدولة (هامش) * (1) دعام الاسلام 2 / 504 / 1805.

[ 64 ]

الفاطمية في السنوات التسع الاخيرة من حكمه، ثم تولى القضاء لهم حتى أصبح قاضي القضاة في الدولة، وقد ذكر إن كتابه الدعائم هذا كان هو القانون الرسمي ودستور الدولة منذ عهد المعز - رابع الخلفاء الفاطميين - حتى نهاية الدولة الفاطمية، وربما توهم بعضهم أن القاضي نعمان من رجال الشيعة الامامية إستنادا إلى شبهات ضعيفة أجبنا عنها في محله. ويلاحظ أن أحاديث الكتاب كلها مراسيل، بل لم يذكر فيه أسامي رواتها من الطبقة الاولى غالبا، وقد تداول النقل عن هذا الكتاب في كتب متأخري المتأخرين من فقهائنا كالجواهر وغيره، وهو أحد مصادر كتاب المستدرك للمحدث النوري (قده). وأما مراجع الكتاب ومصادره: فالذي يظهر بمراجعة ما ورد فيه من الاحاديث، ومقايسته مع مصادر الحديث عند الشيعة الامامية، إنه كان يرجع إلى كتبهم ويعتمدها في نقل الروايات، فإن جملة مما تضمنه من الاخبار مما لا اشكال في أنه أخذها من مصادرهم، حتى إنه اشتبه في بعض المواضع فنقل رواية عن أبي جعفر عليه السلام ظنا منه أنه الباقر عليه السلام بينما هو الجواد عليه السلام، فظن المحدث النوري وآخرون أنه تعمد الابهام وجعلوا ذلك من أمارات كونه أماميا. والظاهر أن الذي دعاه إلى الاعتماد على مصادر الامامية في تأليف كتابه هو أن الاسماعيلية منذ تكونهم في زمن الصادق والكاظم عليهما السلام، لم يكن من مسلكهم نقل الاحاديث والاهتمام بضبطها وإنما كانت غاية اهتمامهم بالجوانب السياسية والاجتماعية للامامة. ولما وفقوا لتشكيل دولتهم في المغرب واستولوا على مصر وبنوا القاهرة وأسسوا الجامع الازهر، احتاجوا إلى الفقه والحضارة والقانون فاضطر عالمهم المبرز آنذاك القاضي نعمان إلى تأليف كتاب الدعائم، والاعتماد

[ 65 ]

فيه على مصادر الاخرين، لما لم يكن لسلفهم كتب في هذا المضمار. ويمكن معرفة بعض مصادره من كتب الامامية بمقارنته معها أو مع ما نقل من رواياتها، ومنها كتاب الجعفريات فإن ما ورد فيه من الاخبار يطابق في موارد كثيرة متون الاخبار الواردة في الدعائم - كما تنبه لذلك المحدث النوري (قدس سره) (1) - وكتاب الجعفريات لاسماعيل بن موسى بن جعفر، قال الشيخ والنجاشي (سكن مصر وولده بها وله كتب يرويها عن أبيه عن آبائه). وقد روى الجعفريات إسماعيل بن موسى ورواه عنه محمد بن محمد إبن الاشعث - وكان ساكنا بمصر ايضا - فهذا الكتاب كان موجودا في مصر مقر الاسماعيلية آنذاك. وعلى أي تقدير فالمقصود: أن روايات كتاب الدعائم منقولة غالبا عن مصادر الشيعة الامامية رغم إن مؤلفه ليس منهم، ولذلك كانت أقرب إلى الاعتبار من روايات العامة، لانها نفس رواياتنا نقلت إلينا بغير طريقنا فتدبر. الجهة الثانية: في سنده، وهو كما علم مما سبق ضعيف من جهتين: من جهة الارسال ومن جهة عدم وثاقة مؤلف الدعائم عندنا. الجهة الثالثة: في مفاده، ولا إشكال فيما تضمنه صدره من عدم وجوب إعادة بناء الجدار على صاحب الدار إذا لم يكن للجار حق فيه فإنه على وفق القاعدة، وإنما الاشكال فيما تضمنه الذيل من منعه من هدم جداره وأمره ببنائه لو هدمه اضرارا بجاره، فإنه قد يقال إن ذلك مخالف للقواعد والاصول المسلمة، لان الظاهر أن مورد الحديث الجدار الذي يكون مملوكا للشخص ملكا طلقا من دون أن يكون متعلقا لحق الجار بوجه من الوجوه، ومقتضى القاعدة في مثل ذلك أن يكون للمالك حق هدمه، وأن لا يجب (هامش) * (1) مستدرك الوسائل 3 / 317.

[ 66 ]

عليه إعادة بنائه على تقدير هدمه، وإن كان ذلك سببا لوقوع الجار في الحرج والضيق من جهة فقدان الساتر لبيته، ومجرد كون هدمه لا لحاجة عقلائية بل بداعي إيقاع الجار في الضيق لا يقتضي منعه من الهدم، وأمره بالبناء على تقدير مخالفته، وعليه فتطبيق قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) على مورد الحديث محل اشكال. ولكن يمكن الجواب عن ذلك بوجهين: الوجه الاول: أنه لا غرابة في الحكم بمنع المالك من هدم جداره وأمره بإعادة بنائه لو فعل عقوبة على مخالفته، إذا لم يكن له في الهدم غرض عقلائي بل كان غرضه مجرد الاضرار بجاره، فإن لهذا الحكم نظائر في الفقه الاسلامي، ومنها ما التزم به جمع من الفقهاء منهم الشيخ في النهاية والقاضي وابن البراج، من أنه إذا أعتق أحد الشركاء نصيبه من العبد قاصدا به الاضرار بشريكه، وجب عليه فكه إن كان موسرا وبطل عتقه إن كان معسرا، لان قصد القربة انعتق سهمه وسعى العبد في نصيب الشريك، ولم يجب على المعتق فكه بل يستحب له ذلك، وقد اعتبر في الجواهر هذا القول أحد القولين القويين في المسألة (1). ويدل عليه من الاخبار صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المملوك بين الشركاء فيعتق أحدهم نصيبه؟ فقال إن ذلك فساد على أصحابه، فلا يستطيعون بيعه ولا مؤاجرته وقال يقوم قيمته فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، وإنما جعل ذلك مما أفسده. وفي صحيحة محمد ابن مسلم قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل ورث غلاما وله فيه شركاء فاعتق لوجه الله نصيبه، فقال إذا اعتق نصيبه مضارة وهو موسر ضمن للورثة،


(1) جواهر الكلام 34 / 156 - 157.

[ 67 ]

وإذا اعتق لوجه الله كان الغلام قد أعتق من حصة من اعتق، ويستعملونه على قدر ما اعتق منه له ولهم، فإن كان نصفه عمل لهم يوما وله يوما، وإن اعتق الشريك مضارا وهو معسر فلا عتق له، لانه أراد أن يفسد على القوم فترجع إلى القوم حصصهم (1). فيستفاد من هاتين الروايتين وغيرهما أن العتق لو كان مقرونا بقصد الاضرار بالشريك، استتبع ذلك التشديد على المعتق أما بإبطال عتقه رأسا أو بتضمينه حصة الشريك. فيمكن الالتزام بنظير ذلك في المقام أيضا - كما التزم به بعض فقهاء العامة - بأن يقال: أنه لا يجوز للجار أن يتصرف في ملكه بما يكون لمجرد الاضرار بجاره لا لغرض عقلائي، ولو فعل ذلك أجبر على تدارك الضرر الحاصل عقوبة على عمله. وهذا الحكم يصح أن يكون حكما أوليا على أساس أن من حق المسلم على المسلم أو الجار على الجار أن لا يضر به متعمدا وإن كان ذلك بالتصرف في ملك نفسه، كما يصح أن يكون حكما ولائيا أقتضته المصلحة الملزمة التي رآها الامام عليه السلام في أمثال هذه الموارد. الوجه الثاني: إنه يمكن أن يفترض أن مورد كلام الامام عليه السلام في ذيل الحديث هو ما إذا كان الجدار موردا لحق الجار، وبذلك يتجه النهي عن الهدم والامر ببنائه على تقدير المخالفة، كما يتجه تعليل النهي ب‍ (لا ضرر ولا ضرار) لان في هدم الجدار حينئذ إضرارا بالجار لاستلزامه سلب حقه. ومبرر هذا الافتراض إن السائل فرض كون الهدم اضرارا بالجار، وهذا


(1) الوسائل 23: 39 و 40 ح 29056 و 29059.

[ 68 ]

ظاهر فيما إذا كان للجار حق بالنسبة إلى الجدار - لكي يصدق الاضرار به عرفا -، ولا يشمل ما إذا لم يكن له حق فيه وإنما كان هدمه مستلزما لعدم انتفاعه بجدار الغير، وأما قول السائل (لغير حاجة منه إلى هدمه) فلا يدل على عدم كون الجدار متعلقا لحق الغير، بل لعل المراد به اخراج صورة تعارض الضررين، حيث يكون صاحب الجدار محتاجا إلى هدمه لكونه آئلا للسقوط أو موجبا لضيق داره مثلا مع كونه متعلقا لحق الجار. وهذا الوجه في توجيه الرواية يظهر من كلام لصاحب الجواهر (1) في كتاب الصلح ذكره تأييدا لكلام نقله عن المحقق الكركي في جامع المقاصد. 5 - حديث قسمة العين المشتركة (2): رواه في كنز العمال عن جامع عبد الرزاق الصنعاني منقولا بإسناده عن الحجاج بن أرطأة - وهو من رجال الصادقين كما في كتاب الرجال للشيخ (قده) - قال أخبرني أبو جعفر: أن نخلة كانت بين رجلين فاختصما فيها إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال أحدهما: إشققها نصفين بيني وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وآله لا ضرر ولا ضرار في الاسلام يتقاومان فيها (3). والحكم المذكور في الرواية جار على وفق قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وقد ذكره فقهاؤنا مع تعليله بهذه القاعدة أيضا. (هامش) * (1) جواهر الكلام 26 / 268. (2! هذا الحديث وما بعده من الاحاديث وإن لم ترد في كتبنا وإنما وردت في كتب العامة إلا إنا آثرنا التعرض لها استيفاء لما اطلعنا عليه من القضايا التي ذكر قاعدة لا ضرر ولا ضرار في مراردها في كتب علماء الاسلام مضافا إلى بعض الفرائد الاخرى التي ستتضح من خلال البحوث الاتبة. (3) كنز العمال 5: 843 خ 14534.

[ 69 ]

وقد ورد ما يماثله في صحيح الغنوي المروي في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل شهد بعيرا مريضا وهو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم، فجاء واشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس والجلد، فقضى إن البعير برئ فبلغ ثمنه دنانير، فقال لصاحب الدرهمين خذ خمس ما بلغ فأبى قال أريد الرأس والجلد فقال عليه السلام ليس له ذلك هذا الضرار وقد أعطي حقه إذا أعطي الخمس (1). وهذه الرواية تماثل رواية الحجاج بن أرطأة إلا إن المذكور فيها مجرد تطبيق كبرى لا ضرر على موردهما من دون ذكرها صريحا، ولعل ذلك لمعلوميتها واشتهارها فاستغنى الامام عليه السلام عن ذكرها. وقد وقعت صحيحة الغنوي موضعا للبحث والاشكال في كلمات جمع من الفقهاء، وأفتى بمضمونها جماعة منهم كالمحقق في الشرائع والشهيد الاول في الدروس، ولعل الاظهر في معناها أن يكون قوله (أشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس والجلد) بمعنى إن الرجل قد أشترك في البعير بنسبة الخمس واشترط أن يكون نصيبه بعد النحر في الرأس والجلد، وكان هذا الشرط ناظرا إلى صورة استمرار المرض وعدم برء البعير مما لا مناص معه من نحره فلما برئ البعير انتفى موضوع الشرط المذكور فلم يكن يستحق إلا خمس البعير نفسه وذلك وجه الحكم في الرواية. 6 - حديث عذق أبي لبابة: رواه أبو داود في المراسيل عن واسع بن حبان، قال: كان لابي لبابة عذق في حائط رجل فكلمه، فقال إنك تطأ حائطي إلى عذقك فأنا اعطيك مثله في حائطي، وأخرجه عني فأبى عليه، فكلم النبي صلى الله عليه وآله (هامش) * (1) الكافي 5: 293 ح 4.

[ 70 ]

فقال يا أبا لبابة خذ مثل عذقك فحزها إلى مالك واكفف عن صاحبك ما يكره، فقال ما أنا بفاعل، فقال إذهب فاخرج له مثل عذقه إلى حائطه، ثم إضرب فوق ذلك بجدار فإنه لا ضرر في الاسلام ولا ضرار (1). وهذه القضية تشبه قضية سمرة بن جندب مع الرجل الانصاري. 7 - حديث جعل الخشبة في حائط الجار وحد الطريق المسلوك: أورده عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، عن معمر عن جابر، عن عكرمة، عن إبن عباس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر ولا ضرار) وللرجل أن يجعل خشبة في حائط جاره والطريق سبعة أذرع (2). ورواه أحمد بن حنبل في مسنده بإسناده عن إبن عباس أيضا، وكذا الطبراني والبيهقي وابن ماجة (3). وفي سنن الدارقطني حكى الجمل الثلاث بطريقه عن إبن عباس، لكن مع تأخير جملة (لا ضرر ولا ضرار) عن الجملتين الاخريين (4). كما روى بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله علبه وآله، إنه قال: (لا ضرر ولا ضرورة ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على حائطه) (5). ولكن ظهور هذا الحديث في تعاقب الجمل الثلاث في كلام النبي صلى الله عليه وآله على نحو يكون قوله (لا ضرر ولا ضرار) بمنزلة الكبرى الكلية للحكمين المذكورين في الجملتين الاخريين غير واضح، فإن صيغة الحديث في الجمع بين الجمل الثلاث ليست صيغة واضحة في أن النبي (هامش) * (1) المراسيل مع الاسانيد لابي داود: 207 ح 2 باب 71 في الاضرار. (2) كنز العمال 4: 61 ح 9519. (3 - 4) لاحظ مسند أحمد 1: 313، وسنن ابن ماجة 2: 784، وسنن الدارقطني 4: 228. (5) سنن الدارقطني 4: 8220

[ 71 ]

صلى الله عليه وآله كان بصدد تطبيق (لا ضرر ولا ضرار)، على مورد جعل الخشبة في حائط الجار وحد الطريق المسلوك. والفرق التعبيري بين الصيغة المستعملة في هذا الحديث والصيغة المستعملة في حديثي الشفعة ومنع فضل الماء شاسع جدا، فإن الوارد فيهما هكذا قضى بكذا وكذا وقال (لا ضرر ولا ضرار) مما يكون ظاهرا عرفا في الارتباط بين القضاء والقول وأما في المقام فلا ظهور للحديث في الارتباط بين قوله (لا ضرر ولا ضرار) وقوله (ولا يمنعن أحدكم... إلخ). ويظهر من مالك في الموطأ، والشافعي في كتاب الام في مقام الرد على أصحاب مالك إنهما اعتبرا قوله (لا ضرر ولا ضرار) رواية مستقلة ولم يعداه صدرا أو ذيلا لحكمه صلى الله عليه وآله بجواز جعل الخشبة في حائط الجار، ونهيه عن منع الجار عن ذلك. فلاحظ (1). 8 - حديث مشارب النخل: أورده في كنز العمال عن أبي نعيم عن صفوان بن سليم، عن ثعلبة إبن أبي مالك: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال (لا ضرر ولا ضرار) وان رسول الله صلى الله عليه وآله: قضى في مشارب النخل بالسيل الاعلى على الاسفل حتى يشرب الاعلى ويروي الماء إلى الكفين، ثم يسرح الماء إلى الاسفل وكذلك حتى تنقضي الحوائط ويغني الماء (2). وهذا الحديت لا ظهور له في الارتباط بين قوله صلى الله عليه وآله (لا ضرر ولا ضرار) وبين قضائه في مشارب النخيل، ولا سيما مع تكرار ذكره صلى الله عليه وآله فيه.


(1) موطأ مالك 2: 745، والام 7: 230. (2) كنز العمال 3: 919 ح 9167.

[ 72 ]

وروي قضاؤه صلى الله عليه وآله في مشارب النخيل من دون تعقبه أو تقدمه ب (لا ضرر ولا ضرار) في جملة من مصادر الخاصة والعامة. أما الخاصة فقد ورد في مصادرهم (1) عن ثلاثة أشخاص هم: 1 - عقبة بن خالد وأورد حديثه الكليني وينقله عنه الشيخ (2). 2 - غياث بن ابراهيم وقد ورد حديثه بطريقين في الكافي ونقله الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد - والظاهر إنه أخذه من الكافي أيضا - كما رواه الصدوق في الفقيه بسنده إلى غياث. 3 - حفص بن غياث - وهو عامي المذهب - وقد أورد حديثه الكليني بإسناده إليه ورواه عنه الشيخ (قده). وأما العامة فقد روى ذلك جمع منهم في مصادرهم عن جمع، منهم عبادة بن الصامت (3). هذا تمام الكلام في البحث الاول من الفصل الاول في ذكر القضايا التي تضمنت تطبيق كبرى (لا ضرر ولا ضرار) على مواردها في كتب الخاصة والعامة، وقد عرفت إنها ثمان قضايا وعمدتها القضايا الثلاث الاولى المروية في كتب الامامية. * * * البحث الثاني: في تحقيق لفظ حديث (لا ضرر ولا ضرار). ويقع الكلام فيه تارة في زيادة (في الاسلام) في آخره، وأخرى في زيادة (على مؤمن) بدلا عنه، وثالثة في ثبوت القسم الثاني من الحديث أي


(1) الوسائل 25: 420 / 32263. (2) مسند أحمد 5: 326، كنز العمال 3: 903 ح 9117. (3) الكافي 5: 278 ح 6، التهذيب 145 ح 62.

[ 73 ]

قوله (لا ضرار)، وإنه على تقدير ثبوته هل هو بهذه الصيغة أو بصيغة أخرى مثل (لا إضرار) أو (لا ضرورة)؟ فالكلام في مقامات: المقام الاول: في تحقيق زيادة (في الاسلام) في أخر الحديث. ويقع البحث عنه تارة من حيث وجود هذه الزيادة في المصادر الحديثية وغيرها، وأخرى في اعتبارها وعدمه فهنا أمران: الامر الاول: في تحقيق وجود هذه الزيادة في المصادر التي تعرضت لذكر حديث (لا ضرر ولا ضرار). إدعى العلامة شيخ الشريعة (قده) أن هذه الزيادة غير ثابتة في شئ من كتب العامة والخاصة عدا النهاية في غريب الحديث لابن الاثير، ولا يدرى إنه من أين جاء بها؟ قال (1) (قدس سره): أن الثابت في روايات العامة هو قوله (لا ضرر ولا ضرار) من غير تعقيب قوله (في الاسلام)، فقد تفحصت في كعبهم وتتبعت في صحاحهم ومسانيدهم وغيرها فحصا أكيدا، فلم أجد رواية في طرقهم إلا عن إبن عباس، وعن عبادة بن الصامت، وكلاهما رويا من غير هذه الزيادة، ولا أدري من أين جاء إبن الاثير في النهاية بهذه الزيادة، وليس المقام من مصاديق القاعدة السابقة من تقدم الزيادة على النقيصة والحكم بوجودها، فإنها فيما إذا ثبتت الزيادة بطريق معتبر لا في غيره مما لم يثبت أو ثبت خلافها أو أرسلها واحد أو اثنان، فلا يمكن الاحتجاج بمثل هذه الزيادة التي لو لم يدع الجزم بخطئها فغاية ما فيه الارسال ممن لا يعلم حال مراسيله على حكم ديني وفرع فقهي. وأضاف (قده): وناهيك في المقام أن علامتهم المتبحر الماهر


(1) رسالة لا ضرر: 7.

[ 74 ]

السيوطي الذي تجاوزت تصانيفه عن خمسمائة، ويعدونه مجدد المائة التاسعة، وقيل إنه ما بلغ أحد درجة الاجتهاد بعد الائمة الاربعة إلا السيوطي، صنف كتابه (جمع الجوامع) في الحديث، وجمع فيه جميع كتب الحديث من الصحاح وغيرها كصحيحي البخاري ومسلم، وصحيح الترمذي، وسنن إبن داود، وسنن النسائي، وصحيح إبن ماجة القزويني، وموطأ مالك، ومسند أحمد بن حنبل، وصحيح إبن خزيمة، وصحيح إبن عوانة، ومستدرك الحاكم، ومنتقى إبن الجارود، وصحيح إبن حبان، وصحيح الطبراني، وسنن سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وجامع عبد الرزاق، ومسند أبي يعلى، وسنن الدارقطني، والصحاح المختارة للضياء المقدسي، وشعب الايمان للبيهقي، والكامل لابن عدي، وغيرها من كتب كثيرة لا نطيل بنقلها، ولم ينقل في هذا الكتاب إلا قوله صلى الله عليه وآله (لا ضرر ولا ضرار) فقط، وذكر رواية أحمد في مسنده وابن ماجة في صحيحه. ثم قال (قده) (وهذه كتب أحاديث أهل السنة تراها خالية عن قوله (في الاسلام)، فمن أين هذه الزيادة حتى نقدمها على النقيصة، ونستشهد بها على معنى الحديث ونستعين بها في بعض المقاصد والفروع؟ فما اشتهر في الكتب وتداولوه في الاستشهاد بها ليس على ما ينبغي. وأعجب من الكل ما رأيته في كلام بعض المعاصرين من دعوى الاستفاضة مع هذا القيد، وإسناده إلى المحققين دعوى تواتر هذا الحديث مع هذه الزيادة - إنتهى موضع الحاجة من كلامه -. وقد تأثر بما ذكره (قده) غير واحد ممن تأخر عنه ولا سيما فيما ذكره من عدم وجود الزيادة المذكورة في مصادر العامة غير النهاية الاثيرية.

[ 75 ]

ويبدو أنه (قدس سره) لم يطلع على نقل الفقيه (1) لحديث (لا ضرر ولا ضرار) مع إضافة في الاسلام، وإلا لما بالغ في نفيها. وقد شكك بعض الاعاظم (2) تاثرا بالنفي البالغ الذي ذكره العلامة شيخ الشريعة (قده) في أصل وجود هذه الاضافة في الفقيه: قائلا إنه لم يثبت وجودها في نقل الفقيه أيضا على نحو يطمئن به، لاحتمال أن تكون الزيادة من قبل الكاتب، وذلك لانه قد جاء في الفقيه بعد ذكر (لا ضرر)، فالاسلام يزيد المسلم خيرا ولا يزيده شرا، فمن المحتمل إن الناسخ قد كتب كلمة (فالاسلام) مكررا لغفلته عن كتابتها أولا، كما يقع ذلك كثيرا، ثم تصور بعض من تأخر عنه إن (فالاسلام) الاولى تحريف (في الاسلام)، فصححه تصحيحا قياسيا مبدلا للفاء ب‍ (في)، فتحقق بذلك (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام)، فكان وجود هذه الزيادة في الفقيه وليد عملين: تكرار خاطئ أولا، وتصحيح قياسي للتكرار دون التنبه إلى منشأه ثانيا. هذا غاية ما يمكن أن يقال في التشكيك في ثبوت زيادة (في الاسلام) في آخر الحديث. وفي مجموع ما ذكر ملاحظات: الملاحظة الاولى: إن ما ذكره العلامة شيخ الشريعة (قده) من حصر راوي حديث (لا ضرر ولا ضرار) لدى العامة، في شخصين إبن عباس، وعبادة بن الصامت، ليس بصحيح، وتوضيح الحال: إن هذا الحديث قد ورد في كتب العامة على نحوين: مرسلا ومسندا. أما المرسل فقد ورد في موطأ مالك (3)، عن عمرو بن يحيى المازني،


(1) الفقيه 4: 243 ح 777. (2) رسالة لا ضرر للامام الخميني: 25. (3) الموطأ 2: 745.

[ 76 ]

عن أبيه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال (لا ضرر ولا ضرار)، وورد أيضا في جامع الصنعاني - على ما في كنز العمال (1) - عن ابن اليميني، عن الحجاج بن أرطأة، أخبرني أبو جعفر أن نخلة كانت بين رجلين فاختصما فيها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال أحدهما أشققها نصفين بيني وبينه فقال النبي صلى الله عليه وآله (لا ضرر) - وعد هذا الحديث مرسلا مبني على أصول العامة من عد روايات أئمتنا عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله من غير ذكر الوسائط من قسم المراسيل، وإن كانت عندنا من المسانيد. وعلى أي تقدير فقد ورد نقل (لا ضرر) مرسلا في كثير من الكتب الفقهية واللغوية تارة مع الزيادة وأخرى بدونها - كما سيأتي عرض ذلك إن شاء الله تعالى. وأما المسند فقد نقل عن جملة من الصحابة يبلغ عددهم ثمانية أو سعة رواة وهم: 1 - إبن عباس. وقد نقل جديثه في مصادر: منها: سنن ابن ماجة (2): رواه بإسناده عن جابر الجعفي عن عكرمة، عن إبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر ولا ضرار). ومنها: المصنف (3) لعبد الرزاق الصنعاني رواه عن معمر، عن جابر الجعفي كما تقدم. ومنها: مسند أحمد (4)، رواه عن عبد الرزاق بنفس السند المذكور،


(1) كنز العمال 5: 843 ح 14534. (2) سنن ابن ماجة 2: 784 ح 341. (3) كما في نصب الراية 4: 384. (4) مسند أحمد بن حنبل 1 / 3133.

[ 77 ]

ولكن بلفظ (لا ضرر ولا إضرار). ومنها: سنن الدارقطني (1) رواه بإسناده عن داود بن الحصين عن عكرمة، عن إبن عباس بلفظ (لا ضرر ولا إضرار). ومنها: المعجم للطبراني - على ما في نصب الراية (2) - عن إبن أبي شيبة، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن سماك عن عكرمة. 2 - أبو سعيد الخدري. وقد ورد حديثه في مصادر: منها: المستدرك للحاكم (3): رواه بإسناده عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال (لا ضرر ولا ضرار - من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه)، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الاسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه) ولم يتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك. ومنها: سنن الدارقطني (4) رواه بإسناده عن المازني، ولكن بلفظ (لا ضرر ولا إضرار). ومنها: التمهيد في شرح الموطأ لابن عبد البر - على ما حكي عنه (5) -. ومنها: سنن البيهقي (6). 3 - أبو لبابة. نقل حديثه أبو داود في المراسيل عن واسع بن حبان عنه - على ما ذكره الزيلعي في نصب الراية (7) - ونص الحديث قال (واسع)


(1) سنن الدارقطني 4: 228 ح 84. (2) نصب الراية 4 / 384. (3) المستدرك على الصحيحين 2 / 57. (4) سنن الدارقطني 4: 228 ح 85. (5) لاحظ نصب الراية 4 / 285. (6) سنن البيهقي 6: 157. (7) نصب الراية 4 / 385.

[ 78 ]

كان لابي لبابة عذق في حائط رجل فكلمه، فقال إنك تطأ حائطي إلى عذقك، فأنا أعطيك مثله في حائطي، وأخرجه عني فأبى عليه فكلم النبي صلى الله عليه وآله فقال يا أبا لبابة خذ مثل عذقك فحزها إلى مالك، واكفف عن صاحبك ما يكره، فقال ما أنا بفاعل فقال اذهب فأخرج له مثل عذقه إلى حائطه، ثم اضرب فوق ذلك بجدار (فإنه لا ضرر في الاسلام ولا ضرار). 4 - أبو هريرة. أورد حديثه الدارقطني في سننه (1) بإسناده عن ابن عطاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله قال (لا ضرر ولا ضررة) ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على حائطه. 5 - ثعلبة بن مالك. أورد حديثه أبو نعيم - على ما في كنز العمال (2) - بإسناده عن صفوان بن سليم، عن ثعلبة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال (لا ضرر ولا ضرار). ونقله أيضا الطبراني في معجمه - على ما حكاه الزيلعي (3) - بسنده إلى صفوان عن ثعلبة. 6 - جابر بن عبد الله. روى حديثه الطبراني في معجمه الاوسط - على ما حكاه الزيلعي في نصب الراية (4)، والهيثمي في مجمع الزوائد (5) - بإسناده عن واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام). 7 - عائشة. نقل حديثها الدارقطني في سننه (6) بإسناده عن عمرة،


(1) سنن الدارقطني 4: 228 ح 86. (2) كنز العمال 3: 919 ح 9167. (3) نصب الراية 4 / 386. (4) نصب الراية 4 / 385. (5) مجمع الزوائد 4 / 110. (6) سنن الدارقطني 4: 227 ح 83.

[ 79 ]

عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله قال (لا ضرر ولا ضرار) ورواه الطبراني أيضا في معجمه الاوسط - كما في نصب الراية ومجمع الزوائد (1) - بطريقين عن نافع بن مالك عن القاسم بن محمد، عن عائشة أحدهما بلفظ (لا ضرر ولا ضرار) وأما الثاني فنقله الهيثمي بهذا اللفظ أيضا ولكن نقله الزيلعي بلفظ (لا ضرر ولا ضرار). 8 - عبادة بن الصامت. - وهو أشهر رواة الحديث - وقد ورد حديثه في عدة مصادر: منها: سنن ابن ماجة بطريقه إلى موسى بن عقبة بن الوليد بن عبادة، عن جد أبيه عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى أن لا ضرر ولا ضرار (2). ومنها: صحيح أبي عوانة - على ما في كنز العمال (3) -. ومنها: المعجم الكبير للطبراني - على ما في كنز العمال أيضا (4) -. ومنها: سنن البيهقي (5). ومنها: مسند أحمد بن حنبل (6). وإذا اعتبرنا الرواية المذكورة في جامع الصنعانى عن أبي جعفر عليه السلام، مروية عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام - باعتبار أن ما ينقله عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله فإنما ينقله عن آبائه - فسوف تكون رواة


(1) نصب الراية 4: 286، ومجمع الزوائد 4: 110، المعجم الاوسط 2: 23 ح 1037. (2) سنن ابن ماجة 2: 784 / 2340. (3) كنز العمال 4: 59 ح 9498. (4) كنز العمال 3 / 209 الطبعة القديمة. (5) سنن البيهقي 6: 157. (6) مسند أحمد بن حنبل 5: 326.

[ 80 ]

الحديث تسعة. وبما ذكرنا يتضح: أولا: إن نقل الحديث ليس محصورا بالنقل المسند في كتبهم، لكي يقال في بيان عدم وجود الحديث مع الزيادة فيها إنه لم يروه إلا ابن عباس وعبادة، وروايتهما لا تتضمن الزيادة، إذ يمكن ثبوت الزيادة في المنقول مرسلا، كما ثبث ذلك فعلا على ما مر، فلا بد من نفي ثبوت الحديث مرسلا ومسندا مع الزيادة لكي يتم البيان المذكور. وثانيا: إن الراوي للحديث لا ينحصر بابن عباس وعبادة بل له رواة كثيرون غيرهما، نعم هما أشهر من نقل الحديث لورود روايتهما في جملة وافرة من مصادرهم. وثالثا: إن مصدر الحديث لا ينحصر بسنن ابن ماجة ومسند أحمد، بل له مصادر أخرى كالموطأ لمالك والمصنف لعبد الرزاق وسنن الدارقطني، والمعجم الكبير، والاوسط للطبراني، والمستدرك للحاكم، وسنن البيهقي، وغيرها مما تقدمت الاشارة إلى بعضها. والملاحظة الثانية: إن ما ذكره (قده) من عدم معلومية مصدر ابن الاثير في نقل هذه الزيادة في النهاية ليس في محله، فإن مصدره في ذلك واضح من نفس كتابه وهو كتاب (غريب الحديث والقرآن) لابي عبيد أحمد بن محمد الهروي صاحب أبي منصور الازهري اللغوي المتوفى سنة 401. وتوضيح ذلك: إن ابن الاثير - كما صرح في مقدمة النهاية (1) - قد جمع في كتابه هذا بين كتاب الهروي، وبين كتاب أبي موسى محمد بن أبي بكر الاصفهاني


(1) النهاية 3: 81.

[ 81 ]

المتوفى سنة 581، وأضاف هو على ذلك ما تيسر له، وقد جعل لما أخذه من كل منهما علامة، فكانت علامة الاول (ه‍) وعلامة الثاني (س)، وما أضافه عليهما جعله مهملا بلا علامة، وكلامه المتضمن لشرح حديث لا ضرر ولا ضرار في الاسلام مقرون بالعلامة الاولى، فيعلم أنه مأخوذ من كتاب أبي عبيد الهروي. الملاحظة الثالثة: إن حصر مصدر الزيادة بنهاية ابن الاثير - كما جاء في كلامه (قده) - حيث قال: (وإنما توجد في نهاية ابن الاثير) ليس بصحيح، لانها توجد في جملة من كتب الحديث والفقه واللغة وغيرها. أما في (كتب الحديث) فتوجد في مصادر العامة في عدة كتب علم بعضها مما سبق.. وفي ضمن ثلاث روايات: 1 - رواية أبي لبابة المروية في مراسيل أبي داود. 2 - رواية جابر بن عبد الله المروية في المعجم الاوسط للطبراني. 3 - رواية أبي جعفر عليه السلام المروية في المصنف لعبد الرزاق الصنعاني. وأما في مصادرنا فيوجد الحديث مع الزيادة في كتابين: أحدهما: الفقيه كما مر نقله عنه. وثانيهما: عوالي اللآلي لابن أبي جمهور الاحسائي الذي نقل الحديث عن الشهيد الاول (ره) في بعض مصنفاته عن أبي سعيد الخدري وهو أحد رواة العامة مما يظهر منه أنه نقل الحديث من مصادرهم ولا يبعد أن يكون الصدوق (قده) أيضا قد أخذه من مصادرهم كما أنه ذكر الحديث في مقام الاحتجاج على العامة، مقرونا بعدة أحاديث أخرى مروية من طرقهم. وأما في (كتب الفقه) فيوجد في جملة من كتب فقه العامة:

[ 82 ]

منها: بدائع الصنائع (9) للكاساني الحنفي قال في كلام له (وأما الذي يرجع إلى المولى فيه فهو أن لا يكون من التصرفات الضارة بالمولى عليه لقوله صلى الله عليه وآله (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام). ومنها: المبسوط (2) للسرخسي الحنفي حيث قال في كلام له (فإذا كان تقديم الغرباء يضر بأهل المصر قدمهم على منازلهم عملا بقوله صلى الله عليه وآله (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام). ومنها: شرح الخراج (3) لبعض متأخري الحنفية حيث قال في كلام له (والضرر حرام لقوله: لا ضرر ولا ضرار في الاسلام). ويوجد في بعض كتب فقه الزيدية أيضا ككتاب البحر الزخار (4) حيث قال في كلام له (وإذا باعه الراهن فباطل لابطاله حق المرتهن وقد قال صلى الله عليه وآله (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام). ويوجد في جملة من كتب الامامية أيضا كالخلاف للشيخ الطوسي في كتاب الشفعة (5)، والتذكرة للعلامة في خيار الغبن (6). وأما في (كتب اللغة): فيوجد في تهذيب اللغة للازهري (7) وغريب الحديث والقرآن لابي عبيد (8) وأساس البلاغة للزمخشري (9) وفي جملة من


(1) بدائع الصنائع 6: 265. (2) المبسوط 16 / 81. (3) الرتاج 2 / 120. (4) البحر الزخار 5 / 119. (5) الخلاف 2: 109. (6) تذكرة الفقهاء 1 / 522. (7) تهذيب اللغة 11 / 457. (8) كما تقدم عن نهاية الاثر 3: 81. (9) أساس البلاغة 268.

[ 83 ]

القواميس اللغوية المتأخرة كلسان العرب (1) وغيره. هذا ما اطلعنا عليه من موارد ذكر الحديث مع الاضافة في كتب الفريقين ولعل المتتبع يجد أكثر من ذلك. الملاحظة الرابعة: إن ما ذكره بعض الاعاظم (2) من التشكيك في وجود زيادة (في الاسلام) في الفقيه محل نظر من وجهين: الاول: إن مجرد إمكان تخريج زيادة كلمة خطأ على أساس التكرار أو غيره من مناشئ الخطأ في الكتابة لا يقوم حجة على وقوع الخطأ بالفعل، بل لا بد من قيام شاهد عليه، ولا شاهد في المقام على ذلك بل بعض الشواهد يقتضي خلافه، فإن نسخ الكتب الاربعة كانت مقرؤة على المشايخ من بدو تأليفها إلى قريب هذه الاعصار وتوجد جملة من النسخ المقرؤة عليهم بأيدينا، فيضعف مع ذلك ادعاء وقوع التحريف بالزيادة في مرحلة القراءة وإن سلم إنه يحصل في الكتابة، مضافا إلى إن الجوامع الحديثية التي نقلت هذا الحديث عن الفقيه إنما نقلته مع تلك الزيادة كالوسائل وغيرها ولم ينقل احتمال ما ذكر من التصحيف عن أحد من محشي الفقيه وشراحه. الثاني: إن مقتضى كلام الصدوق (قده) في الاحتجاج بهذا الحديث وجود هذه الزيادة، فإنه ذكر هذا الحديث في سياق الاحتجاج على العامة في قولهم إن المسلم لا يرث الكافر فقال (3): إن الله عزوجل إنما حرم على الكفار الميراث عقوبة لهم بكفرهم، كما حرم على القاتل عقوبة لقتله، فأما المسلم فلائ جرم وعقوبة يحرم الميراث؟! وكيف صار الاسلام يزيده شرا؟! مع قول النبي صلى الله عليه وآله: الاسلام يزيد ولا ينقص، ومع قوله عليه


(1) لسان العرب 4 / 482. (2) الامام الخميني في الرسائل: 25. (3) من لا يحضره الفقيه 4: 243 ح 776 - 778.

[ 84 ]

وآله السلام: (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) فالاسلام يزيد المسلم خيرا ولا يزيده شرا، ومع قوله عليه وآله السلام: الاسلام يعلو ولا يعلى عليه. فيلاحظ إن احتجاجه بحديث (لا ضرر ولا ضرار) مبني على إن إسلام المرء لا يوجب ضررا عليه، وهذا يتوقف على ثبوت تلك الزيادة لكن مع تفسير الاسلام بالاعتقاد بالدين، دون نفس الدين وجعل كلمة (في) للتعليل كما في قولهم (قتل فلان في دينه) فيكون مؤدى الحديث إنه لا ضرر على المرء بإسلامه فلو فرضنا خلو الحديث عن الزيادة في ذيله لم يمكن الاحتجاج به للمدعى المذكور. فظهر بما ذكرناه إن التشكيك في وجود زيادة (في الاسلام) في الفقيه في غير محله. هذا تمام الكلام في تحقيق وجود هذه الزيادة في المصادر الحديثية وغيرها وعدمه. الامر الثاني: في تحقيق اعتبار هذه الزيادة وهل إنها ثابتة في الخبر على وجه معتبر أم لا؟ وجهان بل قولان ويمكن الاستدلال للوجه الاول من ثبوتها واعتبارها بوجوه: الوجه الاول: إن حديث لا ضرر ولا ضرار مع هذه الاضافة مروي في كتب الحديث للفريقين ومشهور في ألسنة الفقهاء حتى إنه ذكر بهذا المتن في كتب اللغة وذلك مما يوجب الوثوق بثبوت الزيادة وصحتها. ويرد عليه: أولا: إنه لم يذكر مع الزيادة في كتب أصحابنا - فيما اطلعنا عليه - إلا في مقام الاحتجاج به على العامة من حيث وروده من طرقهم، فلا يدل على نقله من طرقنا أيضا ليقال إنه مروي من طرق الفريقين فيمكن الوثوق

[ 85 ]

بصحته. وثانيا: إن تكرار الخبر مع الزيادة مرسلا من قبل الفقهاء واللغويين أو المحدثين، مما لا يوجب الوثوق به وإنما الذي يوجب الوثوق به تعدد طرقه واختلافها ليزداد بذلك احتمال صدوره حتى يصل إلى مرتبة الوثوق والاطمئنان وهذا ما لم يتحقق في المقام. الوجه الثاني: إن هذا الحديث مع الزيادة مروي في الفقيه بصيغة جزمية أي إن الصدوق (قده) أسنده إلى المعصوم عليه السلام بصورة الجزم حيث قال: (ومع قوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) وهو مما يستوجب الاعتماد عليه، وإن كان النقل مرسلا فإنه وإن لم تثبت حجية جميع مراسيله (قده) - كما ذهب إليه جمع - إلا إن ما نسبه إلى المعصوم عليه السلام على سبيل الجزم حجة ومعتمد عليه. وهذا الوجه اعتمده السيد الاستاذ (قدس سره) في بعض دوراته الاصولية (1) ثم عدل عنه، ورده بإن غاية ما يدل عليه هذا النحو من النقل هو صحة الخبر عند الصدوق، وأما صحته عندنا فلم تثبت لاختلاف المباني في حجية الخبر، فإن بعضهم قائل بحجية خصوص خبر العادل مع ما في معنى العدالة من الاختلاف، حتى قال بعضهم العدالة هي إظهار الشهادتين مع عدم ظهور الفسق، وبعضهم قائل بحجية خبر الثقة، وبعضهم لا يرى جواز العمل إلا بالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة العلمية فمع وجود هذا الاختلاف في حجية الخبر، كيف يكون اعتماد أحد على خبر مستلزما لحجيته عند غيره (2).


(1) الدراسات: 322. (2) مصباح الاصول 2 / 520.

[ 86 ]

ويمكن أن يناقش فيما أفاده نقضا وحلا. أما (النقض) فبتوثيقات الرجاليين وتضعيفاتهم فإنه (قدس سره) يعتمدها رغم تأتي هذا الاحتمال فيها أيضا ولا موجب للتفريق بينها وبين ما نحن فيه، إذ لا شاهد على إنهم في مقام جرح الرواة أو تعديلهم يعتمدون على طريقة خاصة غير ما يعتمدونها في مقام نسبة القول إلى المعصوم، بل الظاهر إن إثبات المخبر به عندهم في المقامين على منهج واحد. وما يقال من كثرة الكتب المؤلفة في الرجال المتضمنة لاحوال الرواة مما لم يصل إلينا، فيحتمل إستناد الرجاليين إليها في الجرح والتعديل، يأتي نظيره في كتب الحديث أيضا، بل إن كتب الحديث المؤلفة من زمان الامام الصادق عليه السلام إلى زمن الصدوق - مما فقد في الاعصار المتأخرة - أزيد بكثير مما صنف في الجرح والتعديل. وأما الحل فبما ذكره (قدس سره) في غير هذا المقام (1) - بناء على مختاره من حجية خبر الثقة - وهو إنه إذا لم يعلم إن منشأ الاخبار هل هو الحس أو الحدس، فالقاعدة الاولية وإن كانت تقتضي عدم حجية هذا الاخبار - نظرا إلى إن أدلة حجية خبر الثقة لا تشمل الاخبار الحدسية، فإذا احتمل إن الخبر حدسي كانت الشبهة مصداقية ولا يصح التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، إلا إن هناك أصلا ثانويا حاكما على هذه القاعدة وهو أصالة الحس الثابتة ببناء العقلاء - فإن سيرتهم قائمة على حجية خبر الثقة في الحسيات فيما لم يعلم إنه نشأ من الحدس، وعلى ضوء هذا فيقال في المقام إن مجرد عدم العلم بمعنى المخبر في أخباره لا يوجب الحكم بعدم حجية خبره بعد وجود احتمال الحس في حقه، ولا ريب في أن احتمال


(1) لاحظ معجم الرجال 1: 41.

[ 87 ]

الحس في خبر الصدوق - ولو من جهة نقل كابر عن كابر وثقة عن ثقة - موجود وجدانا فيلزم البناء على حجية خبره. هذا والصحيح في الجواب عن الوجه المذكور ما أوضحناه في مبحث حجية الخبر الواحد. أولا: من أن التحقيق هو حجية الخبر الموثوق به دون خبر الثقة، وعليه فلا بد من حصول الوثوق عندنا بثبوت المخبر به، ولا يكفي مجرد وثوق المخبر بصحة خبره في ذلك، إذا لم يستوجب الوثوق لدينا. وثانيا: إنه لو كان تصحيح الصدوق (قده) للخبر وجزمه به حجة على ثبوته فلا وجه لتخصيص ذلك بمراسيله التي جاءت بصيغة جزمية، بل ينبغي القول بحجية جميع مراسيله، بل جميع ما ابتدأ فيه باسم شخص لم يذكر طريقه إليه في المشيخة، إذا كان هو ومن يروي عنه من الوسائط - إن وجدت - من الثقات، والوجه في ذلك إنه (قدس سره) قد شهد في مقدمة كتابه بصحة جميع ما رواه فيه، حيث قال: (ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه إنه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته) (1). وعلى ضوء هذا فتفريقه بين الروايات في التعبير، حيث يعبر تارة بالرواية، وأخرى بالقول، وثالثة بالسؤال، أو يستعمل صيغة المعلوم تارة، وصيغة المجهول أخرى... الخ ليس إلا ضربا من التفنن في التعبير، حذرا من التكرار الممل كما يشهد له اختلاف تعبيره في مورد راو واحد ممن إليه سند في المشيخة. وبهذا يظهر بطلان كل مبنى يستند إلى التفريق بين هذه التعابير، كأن يقال (2) مثلا: إن اسانيد المشيخة لا تشمل الروايات التي وردت في الفقيه


(1) من لا يحضر الفقيه 1 / 3. (2) مستند العروة الوثقى - كتاب الصوم 2 / 203.

[ 88 ]

بصيغة المجهول أعني (روي)، أو يقال: إنها لا تشمل ما عبر فيه بصيغة السؤال، لان الاسانيد إنما هي إلى روايات الرجال وليست إلى أسئلتهم، أو غير ذلك مضافا إلى بطلان أمثال هذه التفاصيل بوجوه أخرى تعرضنا لها في محل آخر. وثالثا: إن هذا الحديث - أي لا ضرر ولا ضرار في الاسلام - قد أورده الصدوق كما ذكرنا سابقا وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى في مقام الاحتجاج على العامة، وذكر الحديث في هذا السياق لا يعني الاعتراف بصحته ولو كان التعبير بظاهره جزميا، لانه حينئذ في قوة أن يقول (مع قول النبي صلى الله عليه وآله فيما رويتموه...) وعلى ذلك فلا يمكن تصحيح هذا الحديث وإن قلنا بصحة مراسيله المسندة إلى المعصوم عليه السلام بصيغة جزمية في سائر الموارد. وبذلك كله يظهر عدم تمامية الوجه المذكور. الوجه الثالث: أن يقال: إن هذا الخبر مع هذه الزيادة وإن كان ضعيفا سندا إلا أنه منجبر ضعفه بعمل الاصحاب به واعتمادهم عليه، كالصدوق في الفقيه والشيخ في الخلاف والعلامة في التذكرة وغيرهم. ويمكن أن يناقش فيه - بعد تسليم الكبرى -. أولا: بإن هذا المقدار لا يكفي في جبر الخبر الضعيف، فإن الجبر عند القائل به إنما يتم في موارد عمل المشهور به لا بمجرد عمل البعض كما هو الحال في المقام. وثانيا: إنه لم يظهر اعتماد هذا البعض أيضا على حديث (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام)، لان ما يستدل به علماؤنا في المسائل الخلافية من الروايات المروية بطرق العامة، ليس من باب الاعتماد عليها وإنما هو من باب الاحتجاج على الخصم بما يعترف بحجيته، ونقل الرواية في الخلاف

[ 89 ]

والتذكرة إنما هو من هذا القبيل. بل الامر كذلك في نقل الفقيه أيضا لان هذا الكتاب وإن لم يكن قد وضعه شيخنا الصدوق (قده) للمحاجة مع العامة في الفروع، إلا أنه قد تعرض لرد كلامهم في عدة مسائل خلافية، وقد كان منهجه في هذه المسائل نقل أخبار العامة التي تؤيد رأي الامامية وتقوم حجة عليهم. وكانت من تلكم المسائل مسألة إرث المسلم من الكافر، وهي التي ذكر فيها حديث (لا ضرر ولا ضرار مع زيادة في الاسلام) فقد ذهب أكثر العامة إلى أن المسلم لا يرث الكافر، وذهب الامامية إلى إنه يرثه، ولكن الكافر لا يرث من المسلم وقد وافقهم في ذلك جمع من العامة أيضا، ونسبوا ذلك إلى معاذ، ومعاوية، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، ومسروق، وعبد الله بن معقل، والشعبي، والنخعي، ويحيى بن معمر، واسحاق، وهو رواية عن عمر (1)، وذكر الشوكاني في نيل الاوطار في شرح قوله صلى الله عليه وآله (لا يتوارث أهل ملتين) إنه لا يرث أهل ملة كفرية، من أهل ملة كفرية أخرى، وبه قال الاوزاعي ومالك وأحمد والهادوية، وحمله الجمهور على أن إحدى الملتين هي الاسلام والاخرى هي الكفر ولا يخفى بعد ذلك (2). ونحن ننقل فيما يلي عبارة الصدوق في هذه المسألة مع تعقيبها بشئ من الشرح لكي يتضح ما ذكرناه قال (3) (قده): (باب ميراث أهل الملل: لا يتوارث أهل ملتين والمسلم يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم) ويلاحظ إن تعقيب الجملة الاولى التي هي موضع استدلال العامة بالجملة الثانية، بيان


(1) المغني 7: 167. (2) نيل الاوطار 6: 194. (3) الفقيه 4: 244 / 782.

[ 90 ]

للجواب عن هذا الاستدلال بإن المراد هو نفي التوارث من الطرفين متخذا ذلك من بعض الاخبار التي نقلها بعد ذلك، وهو خبر عبد الرحمن بن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام قال لا يتوارث أهل ملتين نحن نرثهم ولا يرثونا، ونفي التوارث لا يستلزم نفي الارث من أحد الطرفين للاخر. ثم قال (قده) (وذلك إن أصل الحكم في أموال المشركين أنها فئ للمسلمين وإن المسلمين أحق بها من المشركين) (1) والمقصود بهذه العبارة بيان أن رجوع أموالهم إلى المسلمين أمر على وفق القاعدة، إلا أن الذمة منعت عن استحلال أموالهم من قبل المسلمين، وهذا نوع استحسان ذكره احتح جاجا على العامة. ثم قال (ره) (وإن الله عز وجل إنما حرم على الكفار الميراث عقوبة لهم بكفرهم، كما حرم على القاتل عقوبة لقتله) (2) وهذا من قبيل استنباط العلة للحكم - بملاحظة ما يشترك معه في ذلك - لمنع تعميمه لميراث المسلم من الكافر وهو من قبيل القياس. ثم قال (قده) (فأما المسلم فلاي جرم وعقوبة يحرم الميراث) وهذا أيضا مبني على استنباط أن موانع الارث إنما هي من قبيل العقاب على فعل قبيح - لا محالة - كالقتل والكفر، فلا معنى لحرمان المسلم من الميراث، وهذا نوع من الاجتهاد بالرأي أيضا ذكر احتجاجا على العامة. ثم ذكر (قده) (وكيف صار الاسلام يزيده شرا) وهذا الاستبعاد إذا كان استبعادا للموضوع في نفسه - كما يظهر من لحنه - بغض النظر عن توجيهه بملاحظة الاخبار التي نقلها بعد ذلك - فهو أيضا نوع من الاجتهاد بالرأي. ثم قال (ره) مع قول النبي صلى الله عليه وآله (الاسلام يزيد ولا ينقص) وهذا أحد إدلة من قال بقولنا من العامة وهو جزء من رواية أبي الاسود


(1 و 2) الفقيه 4: 243.

[ 91 ]

التي نقلها (قده) بعد ذلك، وهي مروية في كثير من كتبهم كما سيجئ، وقد أجاب عنه إبن حجر في فتح الباري بإنه محمول على أنه يفضل عن غيره من الاديان ولا تعلق له بالارث. ثم ذكر (قده) ومع قوله (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) وقد مضى تخريج هذا الحديث بهذا اللفظ من مصادرهم. ويلاحظ أيضا إنه لم يحتج بهذا الحديث على مذهب الامامية في هذه المسألة السيد المرتضى في الانتصار، والشيخ الطوسي في الخلاف، ولعل منشؤه أن مبنى الاستدلال به هنا على حمل كلمة (الاسلام) على الاعتقاد بالدين، وجعل كلمة (في) للتعليل ليكون المعنى (لا ضرر ولا ضرار على المرء بإسلامه) وهذا مخالف لظاهر الحديث من كون الاسلام بمعنى الدين وكون (في) للظرفية كما سيجئ توضيحه إن شاء الله تعالى. ثم ذكره (قده) (فالاسلام يزيد المسلم خيرا ولا يزيده شرا) وهذا استنتاج من الخبرين فهو من كلام الصدوق نفسه وليس في الروايات كما ظنه صاحب الوسائل (ره). ثم قال (قده) (ومع قوله عليه السلام الاسلام يعلو ولا يعلى عليه)، وهذا الحديث مروي أيضا من طرق العامة رواه البخاري في صحيحه (1) وقد استدل به في نيل الاوطار (2) على هذا القول. ثم ذكر (ره) (والكفار بمنزلة الموتى لا يحجبون ولا يرثون) وهذا تقريب للموضوع. ثم قال (قده) (وروي عن أبي الاسود الدؤلي أن معاذ بن جبل كان باليمن فاجتمعوا إليه، وقالوا: يهودي مات وترك أخا مسلما، فقال معاذ * (هامش 9 * (1) صحيح البخاري 2: 17 (فيه عن إبن عباس وبإسقاط قوله عليه عن آخره). (2) نيل الاوطار 6: 193.

[ 92 ]

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الاسلام يزيد ولا ينقص، فورث المسلم من أخيه اليهودي) وهذه الرواية مذكورة في مسند أحمد (1)، والمستدرك للحاكم (2)، ونقلت عن سنن أبي داود والبيهقي (3)، وقد أوردها السيد المرتضى في الانتصار (4)، وقال (على أن هذه الاخبار معارضة بما يرويه مخالفونا وقال: حدثني أبو الاسود الدؤلي: أن رجلا حدثه أن معاذا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول (الاسلام يزيد ولا ينقص فورث المسلم)، ومنه يظهر أن نقل أبي الاسود عن معاذ مرسل، ولا إشكال في أن الصدوق (قده) إنما نقل هذا الحديث من مصادر العامة، أو من كتب بعض قدمائنا ممن ألف في الرد عليهم كالفضل بن شاذان وغيره. فظهر مما تقدم إن الصدوق (قده) إنما نقل حديث (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) من كتب العامة وأورده احتجاجا به عليهم، وذلك لقرينتين: الاول: إنه نقل هذا الخبر في مقام الاحتجاج على العامة في مسألة خلافية بيننا وبينهم. الثانية: إن سائر الروايات التي نقلها في هذا المقطع من كلامه، إنما نقلها عن العامة ولا توجد في شئ من كتبنا، بل إن سائر الادلة التي ذكرها إنما هي من قبيل الاجتهاد بالرأي من القياس والاستحسان ونحوهما مما لا حجية له لدى الامامية، وقد استعملها في مقام الالزام، فهذا يكشف عن أن منهجه الاستدلالي في هذا الموضع، إنما كان على البحث مع العامة وفق مبادئهم وأسسهم، ولا ينفع في هذا السياق ذكر خبر مروي من طرق


(1) مسند أحمد بن حنبل 5 / 230. (2) المستدرك على الصحيحين 4: 345. (3) سنن أبي داود 3: 126 / 2913. (4) الانتصار: 304.

[ 93 ]

الامامية، كما هو واضح. فيها تين القرينتين يحصل الوثوق بأن الصدوق (قده) قد أورد خبر (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) من طرق العامة وإنما احتج به عليهم في مسألة خلافية، كما فعل من بعده كالشيخ الطوسي في الخلاف والعلامة في التذكرة. وبذلك يظهر عدم تمامية دعوى انجبار الحديث مع الزيادة بعمل الاصحاب، فلا دليل على ثبوت هذه الزيادة واعتبارها. المقام الثاني: في تضيق زيادة (على المؤمن) في آخر الحديث، إن هذه الزيادة قد وردت في رواية ابن مسكان، عن زرارة في قضية سمرة، لكنها لم ترد في معتبرة ابن بكير، عن زرارة، التي نقلت نفس القضية، كما لم ترد في سائر موارد نقل الحديث، من طرق الخاصة والعامة، فهل تثبت هذه الزيادة في الحديث برواية ابن مسكان، كما ذهب إليه العلامة شيخ الشريعة (1) وغيره أم لا؟ كما اختاره المحقق النائيني (2) وآخرون؟ والقول بثبوت هذه الزيادة يتوقف على الالتزام بأمرين: الاول: حجية رواية ابن مسكان في نفسها. الثاني: تقديمها - بعد حجيتها - على ما لا يتضمن تلك الزيادة. أما الامر الاول: فيشكل الالتزام به من جهة إن الرواية مرسلة، ولا سيما أن مرسلها البرقي الذي طعن عليه بالرواية عن الضعفاء، ولكن مع ذلك فقد يقال بحجيتها لاحد وجهين: الوجه الاول: وجود الرواية في الكافي فلا يضرها الارسال بعد ذلك، وذكر هذا المحقق النائيني (قدس سره) (3) وقد حكي عنه أنه قال (إن الخدشة


(1) رسالة لا ضرر 15. (2 و 3) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني: 19.

[ 94 ]

في إسناد روايات الكافي من حرفة العاجز) (1)، ويبدو أن العلامة شيخ الشريعة أيضا اعتمد على هذا الوجه، ولعل تأثره بالوجوه التي ذكرها المحدث النوري في خاتمة المستدرك في تصحيح أحاديث الكافي. ولكن تلك الوجوه ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها كما أوضحنا ذلك في بعض أبحاثنا الرجالية. الوجه الثاني: أن يقال إن أصل هذه القضية التي ذكرت في رواية ابن مسكان عن زرارة قد ثبتت أيضا برواية ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، وبرواية أبي عبيدة عنه عليه السلام أيضا، فمطابقة رواية ابن مسكان في أصل القضية لتلك الروايتين مما يوجب الوثوق بصدورها. ويرد عليه: أولا: إنه إذا كان مبنى الاعتماد على رواية ابن مسكان توافقها في المضمون مع روايتي ابن بكير وأبي عبيدة، فاللازم الاقتصار في ذلك على موارد الاتفاق فيما بينها، ولا يمكن التعدي عنها إلى موارد الاختلاف، فإن قضية سمرة بنقل ابن بكير عن زرارة لم تتضمن زبادة (على مؤمن) وإن تضمنت أصل حديث (لا ضرر ولا ضرار) كما أنها بنقل أبي عبيدة لم تتضمن أصل الحديث، فكيف يمكن الالتزام باعتبار رواية ابن مسكان في مورد الاختلاف بينها وبين تلك الروايتين بسبب التوافق بينها في أصل القضية؟! وثانيا: إن رواية ابن بكير غير متضمنة لهذه الزيادة، ولا يمكن توجيه عدم تضمنها لها بأنه من باب الاختصار - مع أنه حذف لما يخل بالمعنى حذفه - لان الاختصار في مثل ذلك لا يوافق أصول الاختصار المعمولة في باب الروايات كما سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى، وعلى هذا فالقول


(1) معجم الرجال 1: 87.

[ 95 ]

باعتبار رواية ابن مسكان في هذا الموضع، مع منافاتها مع مصدر اعتبارها، وهو خبر ابن بكير مما لا محصل له، لان مرجعه إلى أنه إذا كان هناك خبران متعارضان يشتركان في جزء من مضمونهما، وكان أحدهما حجة في نفسه دون الاخر، فإن الثاني يكون حجة في جميع مضمونه بملاحظة اشتراكه مع الاول في جزء من مضمونه، ثم يتعارضان في نقطة الاختلاف بينهما، وربما يتقدم الثاني على الاول - الذي اكتسب منه الحجية - ببعض الوجوه والاعتبارات،! وهذا أمر لا ريب في بطلانه. فتحصل مما تقدم إن رواية ابن مسكان لم يثبت اعتبارها في نفسها لتكون حجة على ثبوت زيادة (على مؤمن) في آخر الحديث. وأما الامر الثاني: وهو تقديم هذه الرواية المتضمنة للزيادة - على تقدير حجيتها - على ما لا يتضمن الزيادة وهي رواية ابن بكير، فربما يحتج له: بأن مقتضى الاصل في دوران الامر بين الزيادة والنقيصة هو البناء على الزائد والاخذ به واعتبار الخلل في مورد النقص. وتحقيق الكلام في ذلك يستدعي البحث في مقامين: المقام الاول: في ثبوت الاصل المذكور وهو بحث مهم جدا، لانه يتضمن مسألة سيالة كثيرة الدوران في الفقه. والمقام الثاني: فيما يقتضيه الموقف على تقدير عدم ثبوت هذا الاصل. أما المقام الاول: فيلاحظ أن مقتضى القاعدة الاولية هو أعمال قواعد المتعارضين من الترجيح أو التساقط، لان الدليلين هنا من قبيل المتعارضين بالنسبة إلى كيفية النقل فيجري فيهما القواعد العامة في باب التعارض وهي تقتضي ملاحظة المزايا في الجانبين فإن اقتضت رجحان أحدهما أو أوجبت الوثوق به - على القولين في باب التعارض من كفاية الرجحان في الترجيح أو

[ 96 ]

اعتبار الوثوق كما هو المختار - أخذ بالجانب الراجح - سواء ا كان هو الزيادة أو النقيصة وإلا تساقط الدليلان ولم يمكن الاعتماد على أي منهما. هذا بحسب الاصل الاولي. وأما الاصل الثانوي المقتضي لتقديم جانب الزيادة على جانب النقيصة كقاعدة عامة في موارد دوران الامر بينهما ففي حقيقته احتمالان: الاحتمال الاول: أن يكون صغرى وتطبيقا للقاعدة العامة للترجيح الصدوري - لا أصلا موضعيا يرجح جانب الزيادة مستقلا عن تلك القاعدة - وذلك بأن يكون المقصود به التعبير عن وجود مزية نوعية قائمة في طرف الزيادة دائما أو غالبا بحيث توجب أقربية الزيادة إلى الصدور من النقيصة، في فرض عدم رجحان طرف النقيصة في القيمة الاحتمالية للصدور، وإلا لم يرجح جانب الزيادة ولم يؤخذ بها. وبناءا على تفسير القاعدة المذكورة بهذا الاحتمال فيمكن الاستدلال عليها بوجهين. الوجه الاول: أن يقال إن احتمال الغفلة في جانب الزيادة أبعد من احتمالها في جانب النقيصة فيلزم الاخذ به، ولعل وجه الابعدية أن الغفلة - بمعنى الذهول - إنما تتناسب بحسب طبيعتها لان تكون سببا لترك شئ ثابت لا لاثبات شئ غير واقع كما هو مشاهد وجدانا. ويرد عليه: أولا: بأن الامر لا يدور بين الغفلتين، ليرجح احتمال عدم الغفلة في جانب الزيادة على احتمال عدم الغفلة في جانب النقيصة، فإن لكل من الزيادة والنقيصة مناشئ أخرى غير ذلك، فقد تتحقق الزيادة لاجل النقل بالمعنى على أساس أن الراوي يستفيد قيدا للكلام من القرائن المحتفة به حسب فهمه فيتبعه ولا يثبته غيره لانه لم يستفده منها، وقد تتحقق النقيصة

[ 97 ]

من جهة الاختصار في النقل، أو تصور كون القيد توضيحيا لا احترازيا مثلا، فلا بد من ملاحظة مجموع الاحتمالات ودرجة كل احتمال بحد ذاته ثم الحكم على ضوء ذلك. وثانيا: بأنه لو فرض دوران الامر بين الغفلتين فإن أبعدية الغفلة في جانب الزيادة لا تقتضي إلا أرجحية احتمال الغفلة في جانب النقيصة بمعنى الظن بوقوعها ولكن قد حقق في محله إنه لا يكفي الرجحان بمعنى الظن في تقديم أحد المتعارضين على الاخر، لعدم الدليل على حجية الظن بالصدور لا تعبدا ولا عقلا، بل العبرة في ذلك بالوثوق بأحد الطرفين، بنحو يوجب انصراف الريبة الحاصلة من العلم الاجمالي بخطأ أحدهما إلى الطرف الاخر دون هذا الطرف. الوجه الثاني: أن يقال: إن الزيادة ليس لها تفسير - على تقدير صدق الراوي - إلا الغفلة فينفي هذا الاحتمال بأصالة عدم الغفلة، وأما النقيصة فيمكن تفسيرها بوجوه أخر، من قبيل الاختصار في النقل أو توهم تساوي وجود الزيادة وعدمها في المعنى وغير ذلك، ومن هنا يرجح احتمال وقوع النقيصة في الناقص ويبنى على ثبوت الزيادة. ويرد عليه: أولا: أن سبب الزيادة - كما تقدم - لا ينحصر بالغفلة، بل قد تكون الزيادة من جهة النقل بالمعنى بعد فهم الزائد من لحن الكلام ومناسبات الحكم والموضوع، أو بلحاظ ما إعتقده الراوي من القرائن المقامية المحتفة بالكلام أو لغير ذلك، فالنسبة بين مناشئ الزيادة والنقيصة ليست عموما وخصوصا مطلقا بأن تكون مناشئ الزيادة مناشئ للنقيصة أيضا ولا عكس كما ذكره بعض الاعاظم (1).


(1) الامام الخميني (قده) في الرسائل 26 - 27 نحوه.

[ 98 ]

وثانيا: إنه لا عبرة بمجرد زيادة المحتملات في أحد الجانبين بالنسبة إلى الجانب الاخر، بل لا بد من ملاحظة درجة الاحتمال في كل واحد منهما على ضوء جهات أخرى من قبيل وحدة الراوي وتعدده أو قرب الاسناد وبعده، أو أوثقية رواة أحد النقلين بالنسبة إلى رواة الاخر وهكذا، فمجرد زيادة المحتملات في جانب النقيصة لا يوجب أرجحية احتمال وقوعها في مقابل احتمال وقوع الزيادة. وثالثا: لو سلمنا أرجحية احتمال وقوع النقيصة من احتمال وقوع الزيادة إلا أنه لا يستوجب الاخذ به لعدم حجية الظن في هذا الباب كما تقدم آنفا. الاحتمال الثاني: في تفسير الاصل المذكور: أن يكون أصلا موضعيا يرجح جانب الزيادة على النقيصة من جهة الصدور - مستقلا عن القاعدة العامة للترجيح - بمعنى لزوم الاخذ بالزيادة والبناء على صحتها بغض النظر عن تكافؤ الاحتمالين أو أرجحية جانب الزيادة أو أرجحية جانب النقيصة ما لم تصل إلى درجة الاطمئنان والوثوق، وإلا كان العمل بالخبر الموثوق به دون الاخر وإن كان متضمنا للزيادة أو النقيصة. وقد يستظهر هذا الاحتمال من كلام العلامة شيخ الشريعة (قده) حيث قال (1) بعد نقل اختلاف الروايات في هذه الزيادة: وبناء على القاعدة المطردة المسلمة إن الزيادة إذا ثبتت في طريق قدمت على النقيصة، وحكم بوجودها في الواقع وسقوطها عن رواية من روى بدونها، وإن السقوط إنما وقع نسيانا أو اختصارا أو توهما بأنه لا فرق بين وجودها وعدمها إلا التأكيد، أو غير ذلك من وجوه ما يعتذر به للنقص في قضية شخصية ثبتت في طريق آخر مع


(1) رسالة لا ضرر 15.

[ 99 ]

الزيادة، فينتج ما ذكر أن الثابت في قضية سمرة هو قوله - (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن) لا هما مجردين. إنتهى. ولكن يرد عليه - على تقدير تمامية الاستظهار المذكور -: إلا: أنه لم يثبت هناك أصل عقلائي في خصوص المقام يقتضي البناء على صحة الزيادة، وإنما العبرة عند العقلاء بقيام القرائن الموجبة للوثوق بأحد الطرفين، كما في سائر الموارد الاخرى، فمتى حصل الوثوق بأحدهما بعد تجميع القرائن في كل واحد منهما بنوا عليه، سواء أكان هو ثبوت الزيادة أو عدم ثبوتها، وإلا تساقطا معا، ودعوى اطراد تقديم الزيادة في تعارض الطرق ممنوعة جدا، فهل ترى أن أحدا إذا كان في مقام استلام ألف دينار من غيره، فأمر اثنين بعد المبلغ فعده أحدهما ألفا، والاخر ألفا وخمسة وعشرين، فهل تراه يقدم قول الاول بالبناء على أصالة ثبوت الزيادة ويرجع خمسة وعشرين دينارا إلى صاحب المال؟! وثانيا: إن ما ذكره (قدس سره) من كون ذلك مسلما عند الكل في غير محله، بل وقع الاختلاف فيه بين العامة والخاصة، ونقتصر على الاشارة إلى آراء بعضهم، فالمحقق النائيني (قدس سره) مثلا يرى أن مبنى الاصل المذكور هو أبعدية احتمال الغفلة بالنسبة إلى الزيادة عن احتمالها بالنسبة إلى النقيصة، وهذه الابعدية لا تتم فيما لو كان الراوي للزائد واحدا وللناقص متعددا (1)، فهذا يدل على أنه (قده) لا يرى البناء على الزيادة أصلا برأسه، بل يراه مبنيا على محاسبة الاحتمالات واختلاف درجتها في الجانبين. والزيلعي من محدثي العامة ذكر في كلام له في نصب الراية (2) ما نصه


(1) لاحظ زسالة لا ضرر تقريرات ا المحقق النائيني: 192 (2) نصب الراية 1 / 336.

[ 100 ]

(إن قيل إن الزيادة من الثقة مقبولة، قلنا ليس ذلك مجمعا عليه بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقا، ومنهم من لا يقبلها والصحيح هو التفصيل: وهو أنها تقبل في موضع دون موضمع فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظا ثبتا، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الوثاقة وتقبل في موضع آخر بقرائن تحفها ومن حكم حكما عاما فقد غلط). وهكذا اتضح مما تقدم أنه لا وجه لترجيح جانب الزيادة على جانب النقيصة على أساس قاعدة عامة تقتضي ذلك، سواء ا كانت تطبيقا للقاعدة العامة للترجيح الصدوري أو أصلا مستقلا برأسه، وعلى ضوء ذلك فلا يمكن اثبات زيادة (على مؤمن) في الحديث استنادا إلى هذا الاصل. هذا تمام الكلام في المقام الاول. وأما المقام الثاني: وهو فيما يقتضيه الموقف بعد عدم تمامية الاصل المذكور، ففيه وجهان: الوجه الاول: أن يرجح ثبوت الزيادة في هذه الحالة أيضا بتقريب: أن من لاحظ رواية ابن مسكان المتضمنة لزيادة (على مؤمن)، وقارن بينها وبين روايتي ابن بكير وأبي عبيدة يجد أن سياقها قائم على التفصيل وذكر خصوصيات ما دار بين الرجل الانصاري وبين سمرة، ثم ما دار بينهما وبين رسول الله صلى الله عليه وآله، بينما الروايتان الاخريان ليس سياقهما في ذكر تمام الخصوصيات، فرواية ابن مسكان ليست في مستوى الروايتين اجمالا وتفصيلا حتى يتوقع تضمنهما لما تضمنته، ليكون عدم تضمنهما لشي جاء فيها موجبا للتشكيك في ثبوته، بل إنها تمثل الصورة التفصيلة للقضية بينما هما يتضمنان الصورة الاجمالية لها فعدم ذكر كلمة (على مؤمن) فيهما لعدم كونهما في هذا السياق. ويرد عليه: أن للاختصار أصولا وقواعد لا تأتي في جميع الموارد،

[ 101 ]

فربما يصح الاختصار ويكون مناسبا في مورد لخلو التفصيل عن أي فائدة مهمة، ولا يكون كذلك في مورد آخر، والمقام من هذا القبيل فإن الاختصار في نقل التفاصيل الدائرة في القضية مما ليس لها أثر فقهي لا يقارن بالاختصار في نقل كلام النبي صلى الله عليه وآله الذي هو في مقام إلقاء كبرى كلية بحذف بعض كلماته، فالاجمال من الجهة الاولى موافق لاصول الاختصار، بخلافه من الجهة الثانية فلا يمكن قياس الثاني بالاول. الوجه الثاني: أن يرجح عدم ثبوت الزيادة، ويخرج ورودها في رواية ابن مسكان على أنها كانت إضافة من الراوي لفهمه من مناسبات الحكم والموضوع - كما ذكره المحقق النائيني (قده) - وذلك بتصور أن المنع من الاضرار بالغير يمثل رحمة بالنسبة إليه، ولا يناسب شمول ذلك للكافر الذي أمرنا بالشدة معه كما في قوله تعالى (أشداء على الكفار رحماء بينهم) (1)، فلا محالة تختص كبرى لا ضرر ولا ضرار بالمؤمن فيزاد لفظ (على مؤمن). وهذا الوجه هو الاقرب في النظر لرجحان رواية ابن بكير، الخالية عن الزيادة المذكورة من عدة جهات يمكن بملاحظة مجموعها ترجيح الوجه المزبور وهذه الجهات هي: الاولى: قرب الاسناد في رواية ابن بكير، فإن بين الكليني وبين الامام عليه السلام في رواية ابن بكير، عن زرارة خمس وسائط وبينه وبين الامام في رواية ابن مسكان ست وسائط ومعلوم أنه كلما قل عدد الوسائط يقل معه احتمال مخالفة النقل للواقع، لان احتمال المخالفة يجئ في كل واحد من الرواة فيقل بطبيعة الحال فيما كان أقرب اسنادا إلى الامام عليه السلام. الثانية: تعدد الرواة في رواية ابن بكير دون رواية ابن مسكان، فإن


(1) سورة الفتح 48 / 29.

[ 102 ]

الرواة عن عبد الله بن بكير في كل طبقة لا تقل عن رجلين، بملاحظة ضم طريق الصدوق في المشيخة إلى طريق الكليني، وأما في رواية إبن مسكان فالراوي في كل طبقة رجل واحد فقط. هذا مضافا إلى إن كتاب (عبد الله بن بكير) كان كثير الرواة كما ذكر ذلك النجاشي، وأما كتاب (عبد الله بن مسكان) فلم يذكر ذلك بشأنه، فلو إستظهرنا أن مصدر الكليني أو الصدوق فيما روياه عن عبد الله بن بكير نفس كتابه، فلا تقاس حينئذ روايته برواية ابن مسكان، من حيث الاعتبار. ولكن لا سبيل إلى هذا الاستظهار بالنسبة إلى نقل الكليني كما هو واضح، وقد يقال بثبوته بالنسبة إلى نقل الصدوق لانه ابتدأ باسم إبن بكير وله طريق إليه في المشيخة، فيعلم بذلك أنه أخذ رواياته من كتابه، ولكن هذا ليس بصحيح - كما تقدمت الاشارة إليه - لان الصدوق (قده) لم يتقيد في الفقيه بالابتداء باسم صاحب الكتاب الذي أخذ الحديث من كتابه بل يبتدأ باسم غيره كثيرا، فمجرد الابتداء باسم شخص وإن كان له سند إليه في المشيخة، أو كان كتابه مشهورا لا يقتضي كون مصدره في النقل عنه نفس كتابه. الثالثة: إن رواة الحديث في سند الصدوق إلى إبن بكير أعظم شأنا وأجل قدرا من رواته في سند الكليني إلى أبن مسكات، فمن رواة الاول (الحسن بن علي بن فضال) الذي قال عنه الشيخ: كان جليل القدر عظيم المنزلة زاهدا ورعا ثقة في الحديث، ومنهم (أحمد بن محمد بن عيسى) الذي قال عنه النجاشي: شيخ القميين ووجههم وفقيههم غير مدافع، ومن رواة الثاني ذلك المجهول الذي روى عنه محمد بن خالد البرقي ولم يذكر اسمه، وقد ذكر في شأن البرقي أنه كان ضعيفا في الحديث يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل، ومنهم أحمد بن محمد بن خالد الذي

[ 103 ]

قال عنه ابن الغضائري طعن عليه القيمون وليس الطعن فيه وإنما الطعن فيمن يروي عنه، فإنه كان لا يبالي عمن يأخذ على إريقه أهل الاخبار، وقال الشيخ: كان ثقة في نفسه غير إنه أكثر الرواة عن الضعفاء واعتمد المراسيل. ونحوه كلام النجاشي. الرابعة: إن الكليني قد فرق بين روايتي ابن بكير وابن مسكان في كيفية النقل من وحهين يقتضيان أرجحية رواية ابن بكير وهما 1 - إنه نقل رواية ابن بكير في أوائل الباب ونقل رواية ابن مسكان في أواخره، وفصل بينهما بجملة أحاديث تختلف عنهما موضوعا، فهذا قد يدل على إن ذكر الثانية كان على سبيل الاستشهاد والتأييد لا على سبيل الاعتماد على ما هو دأبه - فيما عرفناه بالتتبع في كتابه - من ترتيب الروايات على حسب مراتبها عنده في الصحة والاعتبار، وقر تنبه لهذا بعض المحققين أيضا (1). 2 - إنه نقل رواية ابن بكير بتوسط العدة عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ولكنه نقل رواية ابن مسكان بتوسط علي بن محمد بن بندار عنه، ولا يبعد أن يكون منشأ ذلك إنه قد نقل الرواية الاولى عن النسخة المشهورة أو الاجزاء المشهورة من كتاب المحاسن للبرقي، لذا نقلها بتوسط العدة، وأما الثانية فنقلها من غير كتاب المحاسن أو غير النسخة أو الاجزاء المشهورة منه فلذا كان الراوي لها واحدا. وتوضح ذلك إن كتاب المحاسن للبرقي وإن عد من الكتب المشهورة - كما في مقدمة الفقه - إلا أن جميعه لم يكن كذلك، وقد ذكر الشيخ والنجاشي: إنه قد زيد في المحاسن ونقص وقد اختلف الرواة في عدد


(1) روضات الجنات 6 / 116.

[ 104 ]

كتبه، ومما يدل على عدم اشتهار جميعه ما في ترجمة محمد بن عبد الله الحميري من إنه قال: كان الاسبب في تصنيفي هذه الكتب - إشاة إلى بعض كتبه - إني تفقدت فهرست كتب الخاصة التي صنفها أحمد بن أبي عبد الله البرقي، ونسختها ورويتها عمن رواها عنه وسقطت هذه السنة عني فلم أجد لها نسخة، فسألت إخواننا بقم وبغداد والري فلم أجدها عند أحد منهم فرجعت إلى الاصول فأخرجتها وألزمت كل حديث منها كتابه وبابه الذي شاكله. وكيف كان فلا إشكال في أن كتب المحاسن لم يكن كلها غلى مستوى واحد من الشهرة والنقل، فلو كانت روايت بن بكير مروية من الكتب المشهورة دون رواية ابن مسكان، كما يومئ إليه توسط العدد في نقل الاولى، وعلي بن محمد بن بنداز فقط في نقل الثانية، كانت الولى أوثق وأقرب إلى الاعتبار. الخامسة: إن زيادة (على مؤمن) لم ترد في سائر موارد نقل حذيث (لا ضرر ولا ضرار) في كتب العامة والخاصة سواء ما جاء في ضمن قضية خاصة وغيره، وهذا مما يقرب احتمال كونها من قبل الراوي. فتحصل مما تقدم إن الاصح عدم ثبوت زيادة (على مؤمن) في ذيل حديث لا ضرر. المقام الثالث: مما يتعلق بمتن الحديث: في تحقيق حال القسم الثاني منه وهو لفظ (لا ضرر) وقد اختلف فيه مصادر العامة والخاصة، أما باختلاف الروايات أو باختلاف النسخ - وهذا هو الكثر -. أما في (مصادر العامة) فقد نقل الحديث فيها على أنحاء: ما لا يتضمن القسم الثاني أصلا كالمروي عن جامع الصنعاني بإسناد عن الحجاج بن أرطأة، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال

[ 105 ]

قال النبي صلى الله عليه وآله: (لا ضرر في الاسلام). وهذا يحتمل فيه السقوط للجملة الثانية. 2 - ما يتضمنه بصيغة (لا ضرورة) كرواية أبي هريرة المروية في سنن الدارقطني، إذ جاء فيها (لاضرر ولا ضرورة) وكرواية عبادة بن الصامت على ما في كنز العمال نقلا عن زيادات عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه، وصحيح أبي عوانة والمعجم الكبير للطبراني، ولكن سائر مصادر رواية عبادة - مما اطلعنا عليه - نقلت حديثه بصيغة (لاضرار) وهي الموجودة في مسند أحمد بن حنبل. 3 - ما يتضمنه بصيغة (لا إضرار) كرواية ابن عباس بنقل أحمد بن حنبل، والدارقطني ورواية أبي سعيد الخدري بنقل الدارقطني أيضا، ورواية عائشة بنقل الزيلعي عن معجم الطبراني. 4 - ما يتضمنه بصيغة (لا ضرار) وهذا هو الاكثر شيوعا في مصادرهم الحديثية والفقهية. وأما (مصادر الخاصة) وما يلحق بها ككتاب دعائم الاسلام، فهي مختلفة على النحوين الاخيرين: (لا ضرار) و (لا إضرار) كما يلي: 1 - رواية ابن بكير عن زرارة: ورد فيها في بعض نسخ الكافي - وهي النسخة المطبوعة بهامش مرآة العقول - بصيغة (لا إضرار) (1)، ولكن ورد في الطبعة القديمة والحديثة من الكافي وكذا التهذيب بطبعتيه والفقيه بطبعته النجفية والوسائل والوافي جميعا بصيغة (لا ضرار) (2).


(1) في النسخة التي بين أيدينا من المرآة 19 / 394 - 395 ح 2 لا ضرار. ولكن في الطبعة الحجرية 3 / 433 فيها: لا إضرار. (2) الكافي ط قديم 1 / 414، ط حديث 5 / 292 ح 2، التهذيب ط قديم 2 / 158، ط حديث 7 / 146، الفقيه 3 / 147، ح 648، الوسائل 25 / 428 - 429 ح 32281، الوافي المجلد 3 الجزء 10 / 10.

[ 106 ]

2 - رواية ابن مسكان عن زرارة: ورد فيها (بصيغة (لا إضرار) في الكافي المطبوع بهامش مرآة العقول، وكذا في الوافي (1) ولكن في الطبعتين القديمة والحديثة من الكافي وكذا في الوسائل بصيغة (لا ضرار) (2). 3 - رواية عقبة بن خالد في الشفعة: ورد فيها بصيغة (لا إضرار) في الفقيه - الطبعة الحديثة - وكذا في الوافي نقلا عن الكافي والتهذيب والفقيه (3)، ولكن في غيرهما من المصادر ورد بصيغة (لا ضرار) (4). 4 - رواية عقبة بن خالد في منع فضل الماء: ورد فيها في الوافي بصيعة (لا إضرار) (5) ولكن في غيره ورد بصيغة (لا ضرار) (6). 5 - مرسلة الصدوق: ورد فيها بلفظ (لا إضرار) في المطبوعة النجفية من الفقيه (7)، ولكن في الوسائل بصيغة (لا ضرار) (8). 6 - مرسلة ابن أبي جمهور: ورد فيها بلفظ (لا إضرار) في النسخة المخطوطة التي اطلعنا عليها من عوالي اللالي (9). 7 - مرسلة دعائم الاسلام في حديث هدم الحائط: ورد فيها بصيغة


(1) الكافي ط قديم 1 / 414، مرآة العقول 3 / 433، الوافي المجلد 3 الجزء 10 / 143. (2) الكافي ط حديث 5 / 294 ح 8، الوسائل 25 / 429 ح 32282. (3) الفقيه 3: 45 / 154، الوافي المجلد 3 الجزء 10 / 103، الكافي ط قديم 1 / 410. (4) الكافي 5: 28 / 4، التهذيب 7: 164 / 727، التهذيب ط قديم 2 / 162، الوسائل ط 25: 399 - 400 ح 32217. (5) الوافي المجلد 3 الجزء 10 / 136، مرآة العقول 3 / 434 وط قديم 1 / 414. (6) الوسائل 25: 420 / 32257، الكافي 5 / 293 - 294 ح 6، الكافي المطبوع في المرآة 19: 397 - 398. (7) الفقيه 4 / 243 ح 777. (8) الوسائل 26 / 14 ح 32382. (9) وهي من موقوفات مقبرة فقيه عصره السيد أبو الحسن الاصفهاني (قده) في النجف الاشرف.

[ 107 ]

(لا إضرار) - على ما في مطبوعته المصرية، - ولكن في المستدرك عنه بصيغة (لا ضرار) مع جعل (لا إضرار) نسخة بدل عنها (1). 8 - مرسلة دعائم الاسلام الاخرى: ورد فيها بصيغة (لا إضرار) في جملة من نسخها المخطوطة التي اعتمدها محقق الطبعة المصرية، وفي واحدة منها بصيغة (لا ضرار) كما هو كذلك في المستدرك أيضا (2) 9 - المصادر الفقهية وغيرها كالخلاف والتذكرة والتبيان والغنية (3) ونحوها: ورد فيها بالصيغتين تارة (لا ضرار) وأخرى (لا إضرار) والاكثر هي الاولى. وبعد ملاحظة اختلاف لفظ الحديث باختلاف النسخ أو الروايات فما هو الارجح من بينها؟! الظاهر إن الامر دائر بين صيغتي (لا ضرار ولا إضرار)، وأما ما ورد في بعض مصادر العامة من حذف القسم الثاني من الحديث رأسا أو ثبته بصيغة (لا ضرورة) فلا يمكن الاعتماد عليه أصلا كما هو واضح، والارجح في النظر من الصيغتين المذكورتين هي الاولى منهما أي (لا ضرار) - كما استقربه في مجمع البحرين أيضا - وذلك لوجوه. الاول: إنه ورد في عنوان الكافي (باب الضرار) (4) وهو يناسب كون الصيغة المستعملة في الحديث (لا ضرار) لا لفظ (لا إضرار) كما لا يخفى. الثاني: إنه قد جاء في قضية سمرة توصيف النبي صلى الله عليه وآله


(1) دعائم الاسلام 2 / 504 ح 1805، مستدرك الوسائل 17 / 118 ح 20927. (2) دعائم الاسلام 2 / 499 ح 1881، مستدرك الوسائل 17 / 118 ح 20928. الخلاف 3 / 42 ذيل المسألة 60 وص 81 ذيل المسألة 131 وص 83 ذيل المسألة 136، (3) التبيان 1 / 379 والغنية الطبعة الحجرية غير مرقمة. (4) الكافي ط حديث 5 / 292.

[ 108 ]

لسمرة بإنه رجل مضار - كما تضمن ذلك خبر ابن مسكان وخبر أبي عبيدة وبعض أخبار العامة، - ولفظ (مضار) صفة من باب المفاعلة كلفظ (ضرار) فيناسب أن تكون الكبرى المذكورة في القضية بصيغة المفاعلة أيضا ليسانخ الصفة المذكورة فيه. الثالث: إن الشهيد في القواعد (1) اعتنى بضبط الكلمة وذكر أنها بكسر الضاد وحذف الهمزة. الرابع: إنه ورد في رواية هارون بن حمزة الغنوي المتقدمة قوله عليه السلام (هذا الضرار) وهو يناسب أن تكون الكبرى التي يبدو إن الامام عليه السلام كان بصدد تطبيقها بهذا اللفظ أيضا دون غيره. الخامس: إن كتب اللغة اتفقت على ضبط الكلمة بصيغة (ضرار) وضبطها للالفاظ أكثر اعتبارا من ضبط كتب الحديث والفقه لتركيزها على هيئة الكلمة بحسب طبعها مما يبعدها عن التحريف أكثر من غيرها. فبمجموع هذه الوجوه يطمئن بأن لفظ الحديث هو (لا ضرار) لا لفظ (لا إضرار). فتحصل من جميع ما ذكرناه إن الصيغة الثابتة للحديث إنما هي (لا ضرر ولا ضرار) كما هو المعروف دون نقص أو تغيير أو زيادة وبذلك يتم الكلام في الفصل الاول وهو البحث عن سند الحديث ومتنه.


(1) القواعد والفوائد 1 / 123.

[ 109 ]

(الفصل الثاني في تحقيق مفاد الحديث) وقبل الدخول في البحث لا بأس بذكر بعض كلمات اللغويين في شرح معنى الحديث وتوضيح المراد به. قال أبو عبيد كما في النهاية: وفيه - أي في الحديث - لا ضرر ولا ضرار في الاسلام، الضر ضد النفع، ضره يضره ضرا وضرارا، وأضر به يضر إضرارا، فمعنى قوله (لا ضرر أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه، والضرار فعال من الضر: أي لا يجازيه على إضراره بادخال الضرر عليه. والضرر: فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين، والضرر ابتداء الفعل، والضرار: الجزاء عليه، وقيل الضرر ما تضر به صاحبك وتشفع به أنت، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع به وقيل هما بمعنى وتكرارهما للتأكيد. وقال الازهري: روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لا ضرر ولا ضرار في الاسلام، ولكل واحدة من اللفظتين معنى غير الاخر، فمعنى قوله (لا ضرر) اي لا يضر الرجل أخاه فينقص شيئا من حقه أو مسلكه، وهو ضد النفع، وقوله (لا ضرار) أي لا يضار الرجل أخاه مجازاة فينقصه ويدخل عليه الضرر في شئ فيجازيه بمثله، فالضرار منهما معا والضرر فعل واحد، ومعنى قوله (ولا ضرار) أي لا يدخل الضرر والنقصان على الذي ضره ولكن يعفو عنه كقول الله: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (1). هذا والكلام في تحقيق معنى الحديث يقع تارة في مفاد المادة اللغوية


(1) سورة فضلت 41 / 34.

[ 110 ]

للضرر والاضرار والضرار، وأخرى في مفاد هيئتها الافرادية، وثالثة في مفاد الهيئة التركيبية للجملتين فهنا ثلاثة مقامات. المقام الاول: في مفاد مادة (ض رر) وقد ذكر اللغويون لها معان كثيرة، كالنقص والضيق وسوء الحال والزمانة والعمى والمرض والهزال والحاجة والقحط والايذاء والعلة وغير ذلك. ولكن لا إشكال في إن هذه المادة ليس لها هذه الكثرة من المعاني، بل المفهوم منها بحد ذاتها ليس إلا معنى واحدا أو اثنين أو ثلاثة وأما البواقي فليست معان للمادة وتوضيح ذلك: إن المعاني المذكورة تنقسم باعتبار سعتها وضيقها إلى فئتين: فئة المعاني العامة، وفئة المعاني الخاصة. أما فئة المعاني العامة فهي المفاهيم التي تكون أبعد عن الخصوصيات وأكثر تجردا عنها وأقرب إلى الشمول والسعة بالنسبة إلى سائرها، وهي ثلاثة معاني من بين المذكورات (النقص - ضد النفع -، والضيق، وسوء الحال) وأما فئة المعاني الخاصة فهي سائر المعاني المذكورة التي هي ذات حدود ضيقة وتعتبر مصاديق للفئة الاولى كالعمى والزمانة والمرض. وهذه الفئة لا إشكال في إنها ليست من معاني المادة، لان المفهوم من المادة بحسب طبيعة معناها إنما هو مفهوم عام لا يدخل فيه شئ من تلك الخصوصيات، فمفهوم الضرر ومشتقاته لا يرادف العمى والزمانه والمرض والهزال ونحوها بل هي مصاديق له جزما، وإنما ذكرت في كلمات اللغويين في عداد معاني المادة بسببين أما خلطا للمفهوم بالمصداق بمعنى خلط المعنى الوضعي المدلول عليه بنفس اللفظ بالمعنى التأليفي المستفاد من الكلام على نحو تعدد الدال والمدلول، وأما بغرض بيان ما أطلق عليه اللفظ سواء أكان معنى له أو مصداقا لمعناه، لان ذكر المصاديق يعين على معرفة

[ 111 ]

معنى المادة وحدوده. وكيف كان فلا إشكال في أن فئة المعاني الخاصة المتقدمة خارجة عما يحتمل أن يكون معنى لمادة (ض رر)، ولكن المعاني الثلاثة العامة وهي النقص والضيق وسوء الحال هل هي جميعا معاني لمادة تطلق عليها بالاشتراك اللفظي أو إن للمادة معنى واحدا فقط، وإن المذكورات مرشحات لتمثيل هذا المعنى العام؟! ربما يستظهر الوجه الاول من كلمات كثير من اللغويين، ولكن الصحيح هو الوجه الثاني، لان المنساق من هذه المادة على اختلاف مشتقاتها وفى مختلف موارد استعمالها ليس إلا معنى عاما واحدا، لا يختلف باختلاف الموارد فينبغي طرح المعاني الثلاثة المتقدمة كاقتراحات في تعيين هذا المعنى العام الوحداني ففهنا عدة اقتراحات: الاول: أن يجعل المعنى الاصلى، (سوء الحال) ويرجع المعنيان الاخران إليه، وهذا هو الذي اختاره الراغب في مفرداته قال (الضر سوء الحال إما في نفسه كقلة العلم والفضل والفقه وإما في بدنه لعدم جارحة ونقص، أو في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه). والملاحظ عليه إن سوء الحال من المفاهيم المعنوية المحضة - بخلاف الضيق والنقص فإنهما من المعافي المحسوسة، وفرض الامور المعنوية المحضة معنى أصيلا للفظ يخالف طبيعة اللغة، فإن أصول اللغة معاني محسوسة وإنما ارتبطت الالفاظ بالمفاهيم غير المحسوسة - متأصلة كانت أو اعتبارية - بالتطور في المفاهيم الاصلية المحسوسة، ولذلك قلنا في محله في الاصول إن الاعتبارات المتأصلة كالاعتبارات القانوية مثل الملكية والزوجية متأخرة في حدوثها عن الاعتبارات الادبية كالاستعارات والمجازات، كما إن الاعتبارات الادبية متأخرة عن المعاني الحسية، فالمعاني الحسية هي بمثابة رأس المال

[ 112 ]

للمفاهيم اللغوية، حتى أن لفظ (العقل) المعبر عن القوة المفكرة للانسان أصله من (عقال البعير) وهو الحبل الذي يشد به ليمنعه عن الحركة وهو أمر محسوس، وهذا يشير إلى مدى أصالة المفاهيم الحسية في تكوين اللغة، وعليه فتفسير اللفظ بمعنى حسي أو أعم من الحسي وغيره - بحيث يكون أصيلا في الحس ثم يتطور إلى معنى أعم - هو الاقرب إلى طبيعة اللغة وما يعرف من مبادئ تكوينها، ففي المقام يكون تفسير مادة (ض رر) بالضيق أو النقص أولى واقرب من تفسيرها بمفهوم تجريدي كسوء الحال. والحاصل إن تفسير الضرر بسوء الحال بعيد عن المعنى اللغوي والراغب الاصفهاني الذي فسره به يغلب عليه النزعة الفلسفية في تفسير المفردات اللغوية، فهو يفسر اللغة بالمنظار الفلسفي وانتزاعه لمعنى اللفظ متأثر في حالات كثيرة - بهذه النظرة، كما إن بعضا آخر من اللغويين، كالفيومي في المصباح المنير متأثر بالمصطلحات الفقهية في ذكر معاني الالفاظ، وقد أوضحنا اختلاف حال اللغوي وتأثرهم بالعوامل الدخيلة في تفسير معاني الالفاظ في البحث عن حجية قول اللغوي في الاصول فلاحظ. الثاني: أن يجعل المعنى الاصلي (الضيق) سواء أكان حسيا مكانيا أو معنويا حاليا، بحيث يكون استعمال الضرر في موارد النقص وسوء الحال إنما هو بلحاظ تسبيبها للضيق. ويرد عليه: إن الملاحظ كثرة استعمال الضرر في موارد النقص وإن لم يستوجب ضيقا على الشخص، مضافا إلى أن الضيق قد جعل في الاية الكريمة: (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) (1) غاية للاضرار فلا ينسجم مع


(1) سورة الطلاق 65 / 6.

[ 113 ]

كون الضرر بمعنى الضيق إذ لا معنى لجعل الشئ غاية لنفسه فتدبر. الثالث: أن يجعل المعنى الاصلي (النقص) وهذا هو الصحيح لانه. أنسب للتدرج في توسعة دائرة مفهوم اللفظ من الامور المحسوسة إلى غيرها، وأقدر على استيعاب الموارد المختلفة التي استعملت فيها هذه المادة من دون عناية وتنزيل. والمقصود بالنقص نقص الشئ عما ينبغي أن يكون عليه سواءا كان النقص في الكم المتصل كما في مورد ضيق المكان، أم في الكم المنفصل كما في نقص النقود وما ماثلها من أقسام العروض، أم في الكيف كما في سوء الحال بالمرض، أم في العين كما في المركبات الخارجية كنقص العضو، أم في مورد الاعتبار القانوني كعدم مراعاة حق من حقوق الاخرين كما في قضية سمرة حيث لم يراع حق الانصاري في أن يعيش حرا في بيته بدخوله عليه من غير استيذان. هذا وقد يفصل في المقام فيقال: إن معنى المادة في المجرد وفي باب الافعال أي في لفظ الضرر والاضرار وتصاريفهما، هو النقص في الاموال والانفس - كما هي أيضا مورد مقابله أي النفع - فلا يطلق الضرر والاضرار في موارد التضييق على الشخص وإحراجه بسلب حقه وإيذائه ونحو ذلك كما يشهد به العرف، وأما في باب المفاعلة كالضرار والمضارة فهو عكس ذلك، فإنه يستعمل في التضييق على الشخص وإيقاعه في الحرج والمشقة دون النقص، كما يظهر ذلك بملاحظة الموارد التي استعمل فيها هذا الباب في القرآن الكريم والاحاديث الشريفة، كما في قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله

[ 114 ]

من قبل) (1) فإن الكفار كانوا يقصدون باتخاذهم هذا المسجد تضعيف المسلمين وتفريقهم وتقوية أعدائهم كما يظهر من تتمة الاية، لا إدخال الضرر المالي والنفسي عليهم، ومن ذلك استعمال الضرار في مورد قضية سمرة فإن سمرة لم يكن يضر بالانصاري مالا أو نفسا وإنما كان يضيق عليه حياته ويحرجه في بيته كما هو ظاهر. ولكن ملاحظة موارد الاستعمال تشهد ببطلان هذا التفصيل لاستعمال الضرر والاضرار في موارد التضييق والنقص معا، واستعمال الضرار في موارد النقص المالي أو النفسي كما يستعمل في موارد التضييق، ومن الاول قوله تعالى: (لن يضروكم إلا أذى) (2) وقوله صلى الله عليه وآله (من أضر بامرأته حتى تفتدي منه نفسها لم يرض الله له بعقوبة دون النار) ومن الثاني قوله تعالى: (من بعد وصية أو دين غير مضار) (3) وقوله عليه السلام في صحيحة الغنوي (هذا الضرار) إشارة إلى مطالبة الشريك بذبح الحيوان مع إباء الشريك الاخر عن ذلك. هذا فيما يتعلق بتشخيص المعنى العام لمادة (ض رر). المقام الثاني: في مفاد الهيئة الافرادية للضرر (4) والضرار والاضرار.


(1) سورة التوبة 9 / 107. (2) سورة آل عمران 3 / 111. (3) سورة النساء 4 / 12. (4) قد يقال لا وجه للبحث حول هيئة - الضرر - فإنها إن كانت مصدرا فلا توجد هيئة نوعية موضوعة لمصدر الثلاثي المضاعف الافعل بسكون العين لا بفتحها، وإن كانت اسم مصدر فاسم المصدر موضوع بوضع شخصي بمادته وهيئته لمعنى خاص وليست له هيئة نوعية ذات دلالة مستقلة عن دلالة المادة؟ وجواب ذلك إن المراد بمفاد الهيئة مطلق الدلالة التي تكون منوطة بها، وإن كان ذلك

[ 115 ]

أما (الضرر) فهو بحسب الهيئة اسم حدث وأسماء الاحداث يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: الاول: ما يدل على المعنى المصدري. الثاني: ما يدل على المعنى الاسمي. الثالث: ما يشترك بين المعنى المصدري والمعنى الاسمي والفرق بين المصدر واسمه معنى - على ما هو المحقق في محله - إن المعنى المصدري يتضمن نسبة تقييدية ناقصة كالنسبة التي تحتويها الاوصاف على أحد قولين، وأما المعنى الاسمي فهو نفس المعنى دون نسبة تقترن به، فنسبة المصدر إلى اسم المصدر نسبة الايجاد إلى الوجود فهما متحدان خارجا مختلفان بالاعتبار، فمثلا إذا لوحظ (العلم) كمعنى خاص من غير لحاظه منسوبا إلى عالم أو معلوم كما في المفعول المطلق حيث يقال (علمت علما) كان معناه معنى اسميا، وإذا لوحظ منسوبا إلى العالم مثلا كما في قولنا (علم زيد بكذا محرز) كان معناه معنى مصدريا. وأما الفرق بينهما لفظا فهو موجود في بعض اللغات كاللغة الفارسية حيث إن المصدر فيها غالبا مختوم بالنون دون اسم المصدر كما يقال (رفتن


بوضع شخصي، ولا إشكال في أن معنى المصدر أو اسم المصدر إنما يستفاد بملاحظة الهيئة والمادة باعتبارهما جزئين من الكلمة، إذ مادة (ض رر) لا تدل على ذلك كما هو واضح، بل ثبوت الوضع النوعي مطلقا حتى في الهيئات العامة كالافعال والصفات مما لم بثبت عند السيد الاستاذ (قده) كما تعرض له في مباحث الالفاظ من علم الاصول، بملاحظة طبيعة تكون اللغة فإن اللغة باعتبار انطلاقها من المجتمعات البدائية، فلا يتصور في مفرداتها الوضع النوعي، لان الوضع النوعي مفاده تجريد الذهن لصورة لفظية عامة متحررة من جميع المراد ووضعها لمعنى خاص، وهذا إبداع عقلي لا يتصور في الوضاع البدائي كما لا يخفى.

[ 116 ]

ورفتار، كفتن وكفتار، كشتن وكشتار، كردن وكردان، كتك وزدن، كردش، كرديدن...) ولكن في اللغة العربية لا امتياز بينهما في اللفظ غالبا، فيستعمل اللفظ الواحد في كلا المعنيين، نعم ربما يختص أحدهما بلفظ خاص. والظاهر إن لفظة (الضرر) اسم مصدر - كما عدها بعض علماء اللغة - لان المعنى المنساق منها لا يتضمن النسبة التقييدية فلاحظ. وأما (الضرار) فهو مصدر على وزن (فعال) لباب (فاعل يفاعل) والمصدر الاخر لهذا الباب هو (المفاعلة) يقال: ضاره يضاره مضارة وضرارا، ويعبر عن هذا الباب بباب المفاعلة نسبة إلى أشهر مصادرها، وقد نسب إلى جمع من اللغويين القول بأن باب المفاعلة موضوع للمشاركة، بمعنى إن كلا من الطرفين فعل بالاخر مثل ما فعله الآخر به ك‍ (ضارب زيد عمروا)، ولكن احدى النسبتين في ذلك أصلية والاخرى تبعية. ولكن من لاحظ موارد الاستعمالات القرآنية وغيرها لا يجد تمثل معنى المشاركة فيها. كقوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) (1). وقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) (2).

[ 117 ]

وقوله تعالى: (واشهدوا إذا تبايعتم * ولا يضار كاتب ولا شهيد) (1). وقوله تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس * فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار * وصية من الله) (2). وقوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) (3). وقوله تعالى: (اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) (4)، وقوله صلى الله عليه وآله مخاطبا لسمرة - كما في خبر أبي عبيدة - ما أراك يا سمرة إلا مضارا، وقوله عليه السلام في حديث عتق بعض الشركاء حصة من العبد (وإن اعتق الشريك مضارا وهو معسر) إلى غير ذلك من الموارد التي لا يلاحظ في شئ منها تمثل معنى المشاركة. ولكن ربما يحاول تأويل بعض هذه الموارد تحقيقا لمعنى المشاركة فيها فيقال مثلا في جملة منها: إن المشاركة إنما هو بلحاظ إن الاضرار بالغير يستتبع الضرر على النفس ضررا اجتماعيا أو أخرويا فيتحقق معنى المفاعلة، أو يقال - في مورد قضية سمرة - إن العناية الموجبة لاستعمال هذا الباب فيه هو إصرار سمرة على الاضرار بالانصاري، فكأن إصراره على الاضرار صار بمنزلة صدور الفعل بين الاثنين منه فإضراره بمنزلة إضرارين، أو يقال فيه أيضا: إن الرجل الانصاري وإن كان لم يضر سمرة حقيقة إلا أن منعه إياه عن الدخول إلى نخلته كان مضرا به في نظره، إلى غير ذلك من


(1) سورة البقرة 2 / 282. (2) سورة النساء 4 / 12. (3) سورة التوبة 9 / 107. (4) سورة الطلاق 65 / 6.

[ 118 ]

الوجوه التي ذكرت في تأويل جملة من الموارد التي لم يتضح فيها معنى المشاركة. ويرد على هذه الوجوه - مضافا إلى وضوح ضعفها في أنفسها، وعدم علاجها لجميع موارد استعمال هذا الباب - إنه لا مبرر للاصرار على تأويل هذه الموارد، بعد أن ثبت مجئ باب المفاعلة لغير المشاركة، بل كثرة مجيئها لذلك كما يظهر بالتتبع في القواميس اللغوية، لاحظ: شاور وسافر وجادل وسارع وساور وخادع ونافق وناجى وبادر وعاند وسامح وراجع وعاين وشاهد وكابر وزاول وضارب وآجر وزارع.. إلى غير ذلك، وقد اعترف بهذا علماء اللغة في علم الصرف حيث ذكروا لباب المفاعلة عدة معان كما سيأتي إن شاء الله. وكيف كان فبعد وضوح عدم تمامية الاتجاه المذكور في تفسير صيغ المفاعلة - وهو القول بدلالتها على المشاركة دائما - فهناك اتجاهان رئيسيان في هذا المجال يبتني أحدهما على تعدد المعنى والاخر على وحدته. أما الاتجاه الاول: فهو الذي سلكه علماء الصرف حيث جعلوا لهيئة باب المفاعلة عدة معان: منها: التكثير كباب (فعل) كضاعف الشئ وضعفته بمعنى كثرت أضعافه، وناعمه الله ونعمه بمعنى إنه أكثر نعمه عليه. ومنها: أن يكون بمعنى المجرد كسافرت بمعنى سفرت أي خرجت إلى السفر، وربما يقال إنه في ذلك يفيد المبالغة في الاسفار. ومنها: جعل الشئ ذا صفة كأفعل وفعل نحو راعنا سمعك وارعنا أي اجعله ذا رعاية لنا، وصاعر خده وصعره، وعافاك الله أي جعلك ذا عافية، وعاقبت فلانا أي جعلته ذا عقوبة.

[ 119 ]

وممن ذهب إلى هذا الاتجاه المحقق الرضي الاسترابادي (قده) في شرح الشافية، وعليه يمكن القول بأن معنى المضارة هنا هو معنى المجرد - ولو مع إفادة المبالغة والتأكيد - فيقال (ضره ضررا، وضاره ضرارا) بمعنى واحد بلا فارق جوهري بينهما. ولكن هذا الاتجاه إنما يتعين الاخذ به إذا لم يمكن الاتجاه الثاني - المبني على وحدة معنى هذا الباب - من تقديم معنى عام يصلح لجمع شمل الموارد المذكورة، وإلا يتعين الاخذ بالاتجاه الثاني إذ لا مبرر لدعوى تعدد المعنى حينئذ، فإنها تكون كدعوى تعدد معنى المادة لغة. وأما الاتجاه الثاني: فيضم عدة مسالك: المسلك الاول: ما اختاره جمع من المحققين من أن هيئة المفاعلة تقتضي السعي إلى الفعل، فإذا قلت (قتلت) فقد اخبرت عن وقوع القتل وإذا قلت (قاتلت) فقد أخبرت عن السعي إلى القتل، فربما يقع وربما لا يقع، ولا تقتضي المشاركة، نعم ربما تكون المادة في نفسها مقتضية للمشاركة - من غير ارتباط لها بالهيئة - وذلك كما في المساواة والمحاذاة والمشاركة والمقابلة، والشاهد على عدم استفادة المشاركة من الهيئة عدة آيات. منها: قوله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) (1)، فذكر سبحانه إن المنافقين بصدد إيجاد الخدعة لكن لا تقع خدعتهم إلا على أنفسهم، ومن ثم عبر في الجملة الاولى بهيئة المفاعلة، لان الله تعالى لا يكون مخدوعا بخدعتهم لان المخدوع ملزوم للجهل


(1) سورة البقرة 2 / 9.

[ 120 ]

وتعالى الله عنه علوا كبيرا، وعبر في الجملة الثانية بهيئة الفعل المجرد لوقوع ضرر خدعتهم على أنفسهم لا محالة. ومنها: قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) (1) حيث ذكر تحقق القتل الفعلي من الجانبين بعد ذكر تحقق القتال معطوفا عليه بالفاء، مما يدل على المغايرة بينهما، وأن معنى القتال هو السعي إلى القتل دون نفس القتل الذي فصله بعد ذلك. ويلاحظ عليه: أولا بالنقض: فإن السعي إلى الفعل وإن كان يستفاد في بعض موارد هذا الباب كما ذكر، إلا إنه لا يطرد في أغلب أمثلته لعدم صدقها دون تحقق المعنى فعلا، فلا يقال سافر أو جادل أو طالع أو سارع أو شاهد أو عاوض لمجرد محاولة السفر أو الجدل أو المطالعة أو السرعة أو الشهود أو التعويض، وهكذا في موارد كثيرة أخرى، مضافا إلى إن هناك بعض الموارد التي تقتضي معنى آخر - غير السعي إلى الفعل أو تحققه فعلا - كما في باب المغالبة يقال (كارمه فكرمه) بمعنى فاخره في الكرم فغلبه فيه و (شاعره فشعره) أي حاول غلبته في الشعر فغلبه ونحو ذلك. وثانيا بالحل وهو: إن استفادة السعي إلى الفعل من بعض أمثلة هذا الباب لا يستند إلى الهيئة بل إلى المادة، وليس المقصود بالمادة هنا المبدأ الجلي - كالغلبة في المغالبة والخدعة في المخادعة - لوضوح إنه لا يستبطن معنى السعي، وإنما المراد بها المبدأ الخفي الذي أوضحناه فكرة وتطبيقا في مبحث المشتق، ونكتفي هنا بذكر أمرين اختصارا لما أوردناه هناك:


(1) سورة التوبة 9 / 111.

[ 121 ]

الامر الاول: إن المبدأ الذي يكون أحد جزءي المعنى في المشتق بالمعنى الاعم المؤلف من المادة والهيئة الشامل للفعل المزيد فيه على قسمين: 1 - المبدأ الجلي، وهو المعنى الفعلي للمادة دون إضافة عنصر آخر إليه كالعلم في العالم والقصد في القاصد، فإن مثل هذه المشتقات لو حللت، يلاحظ أن المبدأ فيها نفس المعنى الفعلي للمادة دون إضافة جهة أخرى كالمضي والقابلية ونحو ذلك. 2 - المبدأ الخفي، وهو معنى المادة ملحوظا في المشتق على نحو خاص وهو على أصناف. منها: أن يلحظ فيه بنحو القابلية، كما في اسم الآلة كالمفتاح والمنشار والمكنسة، فإن المبدأ فيها قابلية الفتح والنشر والكنس لا فعلية هذه الامور. ومنها: أن يلحظ فيه على نحو الحرفة والمهنة كما في التاجر والنجار والزارع فإن المبدأ فيها حرفة التجارة والنجارة والزراعة لا فعليتها. ومنها: أن يلحظ فيه بنحو الاقتضاء كما في توصيف النار بأنها محرقة، والسم بأنه قاتل، فإن المبدأ في ذلك اقتضاء هذه المعاني لا فعليتها. فيلاحظ أن الخصوصية المضافة إلى معنى المادة في هذه الحالات، إنما هي باعتبار إشراب المادة إياها، ثم صياغتها مقرونة بها بالصيغة الخاصة، وليست الخصوصية مستفادة من ذات الصيغة والهيئة بل من المادة حين تطعيمها بمعنى آخر. وعلى ضوء هذا يتجلى لنا ما وقع من الخلط بين مفاد الهيئة ومفاد المادة في كلمات كثير من اللغويين والاصوليين، حيث جعلوا كل خصوصية

[ 122 ]

معنوية زائدة على أصل معنى المادة، مدلولة للهيئة ومستفادة منها مبنيا على تصور اختصاص المبدأ في المشتقات بالمبدأ الجلي، بينما تستند كثير من الخصوصيات إلى المبدأ الخفي كما ذكرنا. وقد أنتج الخلط المذكور أخطاء كثيرة في تحقيق معنى الهيئات، حيث أن إسناد تلكم الخصوصيات الى الهيئة أوجب الحكم باشتراكها بين معاني متعددة في موارد كثيرة، منها المقام على وفق الاتجاه الاول المبني على تعدد المعنى في صيغ باب المفاعلة، وربما جعلت إحدى تلك الخصوصيات معنى عاما للصيغة، كما في المقام على مبنى من جعل باب المفاعلة للمشاركة فقط، ومنه أيضا ما ذكر في مبحث المشتق حيث لاحظ كثير من الاصوليين التلبس وعدمه بالقياس إلى المبدأ الجلي في الامثلة المتقدمة كالمفتاح والمنشار والتاجر والنجار فاستدلوا بها على قول من يرى أن المشتق أعم من المتلبس بالمبدأ والمنقضي عنه التلبس مع أن الصحيح ملاحظة التلبس بالنسبة إلى المبدأ الخفي وهو الاقتضاء والقابلية - كما ذكرناه -، فلا تكون في الامثلة المذكورة ونحوها شهادة على القول بوضع المشتق للاعم. الامر الثاني: إن المبدأ الخفي بما إنه لا يتجلى غالبا إلا في بعض المشتقات، أوجب ذلك الخلط بينه وبين مفاد الهيئة في كثير من الحالات - كما أشرنا إليه -، ولكن يمكن التمييز بينهما بملاحظة بعد المعنى - بطبيعته - عن أن يكون مفادا للهيئة لعدم التسانخ بينه وبينها بحسب الحس اللغوي للعارف باللغة، أو بملاحظة عدم اطراده في سائر موارد الهيئة بعد استظهار وحدة معنى الهيئة في جميعها، فيتعين أن يكون منشأ استفادة المعنى الخاص غيرها. ويمكن اختبار ذلك في بعض الامثلة كمثال التاجر، فإنه يستعمل

[ 123 ]

فيمن كانت حرفته ومهنته التجارة وإن لم يشتغل بها فعلا - وهو استعمال غير مقرون بالعناية ليعد استعمالا مجازيا -، فهنا يمكن تشخيص عدم نشوء المعنى المذكور عن الهيئة إما بلحاظ أن مفاد صيغة (فاعل) حسب ما يقضي به الحس اللغوي، إنما هو وقوع المعنى من الذات من غير أن يتضمن دلالة على الحرفة والمهنة أصلا، وبذلك تكون الدلالة عليها أجنبية عن مفاد الهيئة، أو بلحاظ أن أمثلة هذه الصيغة في سائر الموارد لا تدل على المعنى المذكور، فمع استظهار وحدة المعنى المستفاد من الهيئة في جميعها - كما يساعده الحس اللغوي - يتعين أن تكون الخصوصية المذكورة ملحوظة في المادة لتكون من قبيل المبدأ الخفي. إذا اتضح ما ذكرناه فنقول: إن معنى السعي إلى الفعل في بعض أمثلة باب المفاعلة إنما يستند إلى المبدأ الخفي لا إلى هيئة هذا الباب نظير معنى الغلبة في (شاعر) والمفاخرة في (كارم)، والدليل على ذلك مضافا إلى أن الانسب بمعنى هذا الباب بحسب الحس اللغوي هو نوع معنى يكون من قبيل الامتداد (كسافر) أو التكرر (كضاعف) أو المشاركة (كضارب) لا من قبيل السعي، أن هذا المعنى لو كان مفاد هيئة باب المفاعلة لوجب الالتزام بتعدد معناها بحسب اختلاف الموارد، وهذا على خلاف تقدير هذا المسلك وسائر المسالك الاتية في هذا الاتجاه، لما سبق من أن معنى السعي لا يتمثل في جميع موارد هذا الباب بل في القليل منها جدا. وعلى ضوء هذا يتضح أن السعي نحو الفعل لا يصلح أن يكون هو المعنى الموحد العام للهيئة، ولا يمكن طرحه بديلا عن معنى المشاركة، كما يتضح عدم صحة النقض على استفادة المشاركة من هذه الهيئة، بجملة من الامثلة المتقدمة ك‍ (ضارب) و (قاتل)، لان بناء النقض بها على تصور أن المبدأ فيها هو القتل والضرب فيقال إنه لا مشاركة فيها، وأما إذا لوحظ

[ 124 ]

المبدأ فيها بمعنى السعي إلى الفعل فإن معنى المشاركة متحقق فيه بوضوح، لان المضاربة والمقاتلة لا يستعملان إلا في موارد اشتراك الطرفين في السعي إلى الفعل، فهذان المثالان قد يشهدان للقول بدلالة هيئة المفاعلة على المشاركة، ولا شهادة فيهما على خلاف ذلك. المسلك الثاني: ما اختاره المحقق الاصفهاني (قدس سره) من إن هيئة المفاعلة معناها تعدية المادة وإسراؤها إلى الغير مما لم تكن تقتضي التعدي إليه بنفسها، وتختلف نتيجة ذلك بحسب اختلاف الموارد، فإن هذه الهيئة تارة توجب أخذ الفعل مفعولا لم يكن يأخذه مباشرة وإنما كان يصل إليه بحرف الجر، إما لانه لم يكن متعديا أصلا كما في (جلس إليه) و (جالسه)، أو لانه كان متعديا ولكن إلى أمر آخر غير ما أصبح متعديا إليه بهذه الهيئة كما في (كتب الحديث إليه) و (كاتبه الحديث)، فإن المعنى في (كتب) لم يكن يتعدى إلى الهاء بنفسه فتعدى إليه في (كاتب). و (أخرى) لا توجب أخذ الفعل مفعولا زائدا على ما كان يأخذه في المجرد كما في (ضرب زيد عمرا) و (ضاربه)، وأثر باب المفاعلة في حصول التعدية إلى الغير في الحالة الاولى واضح، وأما في الحالة الثانية فربما يستشكل في ذلك بتحقق التعدية في المجرد فيكون تحققها بهيئة المفاعلة من قبيل تحصيل الحاصل، إلا إنه يندفع بأن التعدي في المجرد تعدية ذاتية بمعنى أن إنهاء المادة وتعديتها إلى المفعول غير ملحوظ في الهيئة لانما هو لازم نسبة الفعل لمفعوله وأما في المزيد فالتعدية والانهاء إلى المفعول ملحوظة في مفاد الهيثة فهي تعدية لحاظية. فالحاصل إن هيئة المفاعلة تقتضي تعدي المادة إلى ما لم تكن تقتضي هيئة المجرد تعديها إليه سواء أكانت تتعدى إليه في المجرد باعتبار كون ذاك لازم النسبة، أم كانت تصل إليه بوسط حرف الجر.

[ 125 ]

وقد رتب (قدس سره) على ذلك استفادة معنى التصدي (التعمد والتقصد) لالحاق المعنى بالغير من هيئة باب المفاعلة دون المجرد، إما لكونه لازما لهذا الباب مطلقا كما يظهر من بعض كلماته (1) أو واقع فيه في الجملة كما يظهر من بعض كلماته الاخرى (2)، وقد مثل لذلك ب (ضارب) و (خادع) بالقياس إلى (ضرب) و (خدع) فإن الاخيرين لا يقتضيان تعمد الفاعل في الفعل بخلاف الاولين، ولكن المثال الثاني لا يخلو عن إشكال لان الخدعة في نفسها من المعاني القصدية إذ تتقوم بقصد إيهام الشخص خلاف الواقع، فلا يكون ثمة، فرق بين (خدع) و (خادع) من هذه الجهة، لانما تظهر التفرقة المذكورة حيث لا يكون المعنى في المجرد عنوانا قصديا كما في المثال الاول. وقد نسب إليه (قده) المسلك الاول (3) في بعض الكلمات، مع أن الفرق بين هذا المسلك والمسلك السابق واضح لان مفاد هذا المسلك تحقق المعنى في باب (فاعل) كتحققه في المجرد مثل ضرب وقتل، إلا أن الفارق بين - فاعل - كضارب والمجرد كضرب حصول القصد في - فاعل - دون المجرد، وإنما كان مفاد هذا المسلك هو تحقق المعنى لان التحقق لازم تعدية المادة إلى الغير، بخلاف المسلك الاول فإنه كان يرى أن مفاد هذا الباب هو السعي إلى تحقق الفعل سواء تحقق الفعل أم لا فالفرق بينهما واضح. ولكن يلاحظ على هذا المسلك: أولا: إن ما ذكره من الفرق بين المزيد والمجرد - كضارب وضرب - من كون التعدية في الاول لحاظية وفي الثاني ذاتية: غير واضح بل الظاهر


(1) نهاية الدراية 2 / 318. (2) تعليقة المكاسب 2 / 2. (3) مصباح الفقاهة في المعاملات 2 / 27 - 28، ومصباح الاصول 2 / 519.

[ 126 ]

أن التعدية فيهما على نسق واحد بحكم الوجدان. (فإن قيل): إن الفعل المجرد المتعدي يصح استعماله من دون نسبة إلى المفعول كأن يقال: (ضرب زيد) ولا يصح ذلك في (فاعل) بأن يقال (ضارب زيذ) وهذا دليل الفرق المذكور. (قيل): إن هذا مجرد ادعاء لا يسنده دليل لعدم ثبوت فرق بين البابين من هذه الجهة. وثانيا: إن المقدار الذي ذكره لا يفسر ما يستفاد في مختلف موارد المادة من الاشتراك أو التكرار أو الامتداد أو نحو ذلك - بل ربما كانت استفادة التعمد أحيانا بهذا الاعتبار لان التكرار ونحوه يناسب التقصد والعمد كما ذكر في النظر إلى الاجنبية أن النظرة الاولى تقع لا عن قصد بخلاف النظرة بعد النظرة. وثالثا: إنه لم يتضح الترابط بين اقتضاء باب المفاعلة للنسبة إلى المفعول وبين اقتضائه التعمد فإن ملحوظية تعدي النسبة إلى المفعول في هذه الهيئة لا يقتضي كون الفعل قصديا فإن تلك جهة لفظية فحسب كما لا يخفى. نعم قد تدل الكلمة على التعمد في بعض الموارد لدلالته على السعي نحو المادة - ومصدر هذه الدلالة إنما هو المبدأ الخفي - كما ذكرناه آنفا - دون دلالة الهيئة على التعدية - ولا يلزم تحقق المادة حينئذ أصلا كما في خادعه وقاتله وغالبه وما إلى ذلك. المسلك الثالث: ما عن المحقق الطهراني من أن معنى باب المفاعلة هو معنى المجرد إلا أن المجرد يدل على أصل حركة المادة فحسب وباب المفاعلة يدل على تلك الحركة بعينها بنحو من الطول والامتداد - وهو الامتداد في نسبتها بين اثنين - فمعنى (هاجر) و (طالب) و (سافر) و (باعد)

[ 127 ]

أطال الهجرة والطلب والسفر والبعد - وبذلك يفترق عن (هجر وطلب وسفر وبعد) التي تدل على مجرد التلبس بهذه المعاني. وهذا التفسير: أولا: يتضمن التناسب بين المبرز والمبرز - أي اللفظ والمعنى -. وثانيا: إنه لا ينفك عن جميع الموارد المختلفة التي وردت من هذا الباب فهو مطرد فيها واطراد المعنى في جميع موارد استعمال اللفظ يؤيد كونه مفهوما له. أما الاول: من التناسب الذاتي بين المبرز والمبرز - فلان هيئة (فاعل) تتمتز عن هيثة (فعل)، بإضافة ألف بين حركتي هيئة المجرد - وهي حركة الفاء والعين - والالف هي نحو اشباع للفتحة وإطالة لها فهي تناسب الطول والامتداد بطبيعتها. وأما الثاني: - من اطراد هذا المعنى في موارد المادة - فتوضيحه: إن الامتداد في مورد هذه المادة إنما تكون في نسبتها بين اثنين: أ - فإذا كانت المادة بذاتها مقتضية لامتداد النسبة - كما في المجاروة والمحاذاة ونحوهما حيث إنها لا محالة تقتضي نسبة ممتدة بين طرفيها - فلا تصلح لها هيئة إلا هيئة المفاعلة ولذلك تصاغ بها ضمانا لاداء هذا المعنى. وليس لخصوص كونها بين اثنين على نحو الاشتراك مدخلية كما توهم بعض النحاة فأدرجوا بذلك خصوصية مورد الاستعمال في أصل المعنى المستعمل فيه المنطبق على هذا المورد الخاص. بل معناها هو الامتداد الاعم. ب - وإذا لم تكن المادة مقتضية لامتداد النسبة بطبيعتها - بأن كانت صالحة في نفسها للانتساب إلى واحد واثنين كسار وساير وبعد وباعد وطلب وطالب وقبل وقابل ونحو ذلك -: فإن معنى الامتداد يقتضي إضافتها إلى الغير فإذا لوحظت منضافة إلى الغير حدثت هناك نسبة ممتدة بين اثنين تنحل

[ 128 ]

إلى نسبتين - كما في القسم الاول -. ثم في هذه الحالة (تارة) لا يكون الغير الذي وقع طرفا لهذه النسبة الممتدة مفعولا لاصل المادة و (أخرى) يكون مفعولا لها. ففي الفرض الاول يكون مفاد الهيئة التعدية إلى الواحد إن كانت المادة لازمة في المجرد - كجلست إليه وجالسته وبرزت إليه وبارزته - وإلى الاثنين إن كانت متعدية لواحد - ك‍: (جذبت الثوب) و (جاذبته الثوب). وفي الفرض الثاني: لا يستفاد من الهيئة تعدية جديدة على المجرد، ولكن يتغير نوع التعدية وسنخها - فالتعدي في (ضرب زيد عمرا) عبارة عن صدور الضرب من زيد ووقوعه على عمرو وأما في (ضارب) فلا نظر إلى جهة الوقوع على المفعول، لان نوع تعديه على نسق تعدي (جاور) و (حاذى)، وإنما هو ناظر إلى إنهما طرفا هذه النسبة الممتدة. وتوضيح ذلك: إن الضرب بلحاظ صدوره من الطرفين تعتبر فيه نسبة ممتدة بينهما هي مدلول هيئة (ضارب) و (قاتل) و (جاذب)، وهذه النسبة المخصوصة بحاجة إلى مبدأ تصدر عنه يسمى (فاعلا) ومحل تقع عليه يسمى (مفعولا) - فيلاحظ فيها مبدأ صدور النسبة الممتدة ومحل وقوعها بالاعتبارين. وربما يصلح كل من الطرفين لكل من الاعتبارين إذا استويا في استناد الحدث إليهما كما تقول (ضارب زبد عمرا) و (ضارب عمرو زيدا) فتارة يكون زيد مبدأ صدور النسبة وعمرو محل وقوعها - كما في المثال الاول - وأخرى يكون الامر بالعكس - كما في الثاني - وليس للبادئ بأصل الفعل والسابق فيه بالشروع خصوصية. فالمفعرل في هذا الباب من وقع طرفا للنسبة الممتدة لا من وقع عليه أصل المادة - كما في المجرد - ولذا ينفك أحد الامرين عن الاخر كما في (جاذب زيد عمرو الثوب) فإن ما وقع عليه أصل المادة هو الثوب فهو

[ 129 ]

المجذوب، ومن وقعت عليه النسبة الممتدة هو (عمرو) وإذا اجتمع الامران - أي كان المفعول طرفا للنسبة الممتدة ومحلا لوقوع أصل المادة - كما في (عمرو) في مثال (ضارب زيد عمرا) فإنهما يختلفان بالاعتبار، فعمرو مفعول لضارب من حيث إنه مضارب لا من حيث إنه مضروب كما في المجرد. هذا تقرير هذا المسلك. (لكن) يلاحظ عليه - إنه رغم قربه من جهة ضمانه التناسب بين المبرز والمبرز وقدرته على تفسير بعض موارد المادة - إلا أن ما ذكر في موارد الاشتراك من تصوير الامتداد بلحاظ نسبة منتزعة من النسبتين الموجودتين بين الشخصين اللذين وقعت المادة في كل منهما - رغم اختلاف النسبتين من الاطراف - لا يخلو عن تكلف وبعد ظاهر. وعلى هذا فلا يمكن قبول كون هذا المعنى هو المعنى الوحداني العام للهيئة. وأما التناسب المذكور فهو وإن صح - إلا إن مجرد التناسب الذاتي لا يحسم الامر في الدلالات اللغوية، بل لا بد من تحقيق الموضوع باستقراء الامثلة والموارد وملاحظة مدى توافقها مع هذا التناسب واعتباره في مرحلة الوضع. المسلك الرابع: ما هو المختار. وبيانه بحاجة إلى ذكر مقدمة هي: إن الدلالات التي تنضم إلى أصل المادة في مدلول الكلمة في باب المفاعلة ليست جميعها مستندة إلى هيئة هذا الباب، كما كان هو الانطباع السائد لدى اللغويين وكثير من الاصوليين - بل هي على قسمين: - فمنها ما يستند إلى الهيئة. ومنها: ما يستند إلى المبدأ الخفي الملحوظ في بعض موارد الباب.

[ 130 ]

وهذا الامر لا يختص بهذا الباب بل هو أمر سار في أكثر الهيئات إن لم نقل جميعها، فكثيرا ما نرى أن هناك معنى أو معان تظهر في بعض المواد مع أنها لا تنشأ عن المادة ولا عن الهيئة وإنما مصدرها المبدأ الخفي للكلمة. وقد سبق أن أوضحنا هذه الفكرة وبعض الامثلة لها في إبطال المسلك الاول، وبينا إنه كيف يتدخل المبدأ الخفي في إيجاد معان غريبة عن المادة في وصفي الفاعل والمفعول، من الاقتضاء والحرفة والمضى وغير ذلك رغم وحدة مفاد الهيئة فيهما بحسب الوجدان اللغوي. ففي باب المفاعلة أيضا يستند قسم من الدلالات المتفرقة إلى المبدأ الخفي كالسعي إلى الفعل والغلبة والفخر ونحو ذلك، مما يظهر بالتتبع. وقد أوجبت الغفلة عن هذا المبدأ - بعض الاقتراحات في مفاد الهيئة كالمسلك الاول. (نعم): بعض آخر من الدلالات يستند إلى الهيئة وهذا هو المقصود تحليله في هذا البحث. وبعد اتضاح هذه المقدمة نقول: إن الظاهر بملاحظة الموارد المختلفة للهيئة إن هذه الهيئة تدل على نسبة مستتبعة لنسبة أخرى بالفعل أو بالقوة، وذلك مما يختلف بحسب اختلاف الموارد (فتارة) تكون النسبة الاخرى - كالاول - صادرة من نفس هذا الفاعل بالنسبة إلى نفس الشئ. و (أخرى) تكون إحداهما صادرة من الفاعل والاخرى من المفعول - كما في (ضارب) فيعبر عن المعنى حينئذ بالمشاركة. وفي الحالة الاولى: قد يكون تعدد المعنى من قبيل الكم المنفصل فيعبر عنه بالمبالغة - كما ذكر في كلام المحقق الرضي (قده) (1) أو يعبر عنه


(1) شرح الشافية ط الحجر ص 28.

[ 131 ]

بالامتداد - إذا لم يكن التعدد واضحا كما فسر لفظ المطالعة في بعض الكتب اللغوية كالمنجد - بإدامة الاستطلاع مع إنه استطلاعات متعددة في الحقيقة وقد يكون المعنى من قبيل الكم المتصل فيكون تكرره بلحاظ إنحلاله إلى أفراد متتالية كما في. (سافر) ونحوه وحينئذ يعبر عنه بالامتداد والطول. ولازمه التعمد والقصد في بعض الموارد نحو تابع وواصل كما مر آنفا. ولا يرد على ما ذكرنا ما أورده المحقق الاصفهاني على القول بدلالة الهيئة على المشاركة، من إنه لا يمكن أن يكون المدلول الواحد محتويا لنسبتين (1) لان المدلول المطابقي على ما ذكرنا نسبة واحدة لكنها مقيدة بإن تتبعها نسبة أخرى على نحو دخول التقيد وخروج القيد. وعلى ضوء ذلك يمكن القول بأن الضرار يفترق عن الضرر بلحاظ إنه يعني تكرر صدور المعنى عن الفاعل أو استمراره. وبهذه العناية أطلق النبي صلى الله عليه وآله على سمرة إنه مضار لتكرر دخوله في دار الانصاري دون استيذان. وبما ذكرناه يظهر النظر فيما سبق في أول هذا الفصل عن بعض اللغويين في تفسير الضرار في الحديث - مقارنة بين مدلوله ومدلول الضرر - بعدة تفسيرات. أحدها: إن الضرر هو فعل الواحد والضرار فعل الاثنين. وقد سبق عدم تمامية هذا الوجه لان ضرارا لا يدل على المشاركة. الوجه الثاني: إن الضرر ابتداء الفعل والضرار الجزاء عليه. والظاهر إن هذا التفسير لا يبتني على دعوى فهم الابتداء والجزاء من


(1) لاحظ نهاية الدراية 2: 317 - 318.

[ 132 ]

مادة الكلمتين أو هيئتهما، لوضوح عدم إفادة شئ منهما لذلك، وإنما هو نحو توجيه لمفاد الحديث ومع ذلك فلا قرينة على هذا التحديد لمدلول المادة في الحديث. الوجه الثالث: إن الضرر ما تضر به وتنتفع به أنت والضرار أن تضره من غير أن تنتفع به. وهذا الوجه أيضا ليس مبنيا ظاهرا على دعوى دلالة المادة أو الهيئة على هذا التحديد، وإنما يبتنى على جهة أخرى وهي قيام قرينة خارجية على ذلك من قبيل بعض موارد تطبيق هذه الكبرى. لكن لم تثبت القرينة المذكورة على هذا التحديد. الوجه الرابع: أن يكون الضرار بمعنى الضرر بعينه. وعلى ذلك يبتني ما ذكر من أن (لا ضرار) إنما هو لمجرد التأكيد. ووجه هذا الاعتقاد: تصور إن باب المفاعلة من مادة (الضرار) إنما هو بمعنى المجرد منها - كما ذكروا ذلك في مواد أخرى - بناء على مبناهم من تعدد معنى هيئة المفاعلة على ما تقدم. وقد صرح بذلك في بعض كلماتهم ففي لسان العرب مثلا (ضره يضره ضرا وضر به وأضر به وضاره مضارة وضرارا - بمعنى) (1). لكن اتضح مما ذكرناه في معنى الهيئة فيهما وجود الفرق بين معناهما فالضرر معنى اسم مصدري مأخوذ من المجرد، والضرار مصدر يدل على نسبة صدورية مستتبعة لنسبة أخرى، ولذلك ذكر المحقق الرضي (قده)، إن الصيغة تفيد معنى المبالغة، وأوضحنا في المسلك المختار إن إفادة معنى المبالغة إنما هي باعتبار الدلالة على تكرر النسبة أو استمرارها. هذا ما يتعلق


(1) ط بيروت 1955 ه‍ 1375 ه‍ 4 / 482.

[ 133 ]

بمفاد هيئة (ضرار). وأما الاضرار - الوارد في نسخة أخرى في الجملة الثانية للحديث بدلا عن (ضرار) فقد ذكر إنه بمعنى المجرد. وهو أحد معاني هذا الباب في علم الصرف كقال وأقال (1) ولكن أفاد المحقق الرضي في شرح الشافية إن ذلك تسامح منهم وإن المقصود إفادته التأكيد والمبالغة (2) كما أن ما ذكر في علم الصرف لهذه الهيئة من المعاني الكثيرة إنما ينشأ أكثرها عن المبدأ الخفي للكلمة على نسق ما أوضحناه في باب المفاعلة. وأما تحديد المفاد الحقيقي لنفس الهيئة ففيه وجوه واحتمالات. لكن لا يهمنا تحقيق الحال فيها في المقام بعد عدم ثبوت هذه الصيغة في الحديث على ما أوضحناه في الفصل الاول. المقام الثالث: في مفاد الهيئة التركيبية. وهذا البحث هو أهم الابحاث في الموضوع - إذ هو المقصد الاصلي - وقد اشترك فيه اللغويون وفقهاء الفريقين، إلا إن العمدة ما طرحه المتأخرون من فقهائنا. ويلاحظ عليهم إن المسالك المطروحة عندهم في تفسير الحديث غالبا لم تفرق بين المفاد التركيبي للجملتين (لا ضرر - ولا ضرار) - مع أن بينهما فرقا واضحا على المختار. ونحن نتعرض للوجه المختار في كيفية تفسير الحديث وتحقيق معناه، ثم نتعرض لسائر المسالك التي طرحت في ذلك فهنا بحثان: البحث الاول: في بيان المسلك المختار في تحقيق معنى الحديث. والمختار في معنى الحديث: إن مفاد القسم الاول منه - وهو قوله (لا


(1) لاحظ الشافية وشرحها للرضي ط الحجري ص 24، 26 وغيرهما. (2) لاحظ شرح الشافية ط الحجر ص 26.

[ 134 ]

ضرر) ما ذهب إليه الشيخ الانصاري من نفي التسبيب إلى الضرر بجعل الحكم الضرري. وأما القسم الثاني منه - وهو (لا ضرار) - فإن معناه التسبيب إلى نفي الاضرار، وذلك يحتوي على تشريعين: الاول: تحريم الاضرار تحريما مولويا تكليفيا. والثاني: تشريع اتخاذ الوسائل الاجرائية حماية لهذا التحريم. وبذلك يحتوي الحديث على مفادين: 1 - الدلالة على النهي عن الاضرار. 2 - والدلالة على نفي الحكم الضرري. ومضافا لذلك دلالته بناء (على المختار) على تشريع وسائل اجرائية للمنع عن الاضرار خارجا، وهذا المفاد استفدناه من الجملة الثانية وبعض الاعاظم استفاده من الجملة الاولى بجعل النهي المستفاد منها نهيا سلطانيا وهو مناقش مبنى وبناء كما سيتضح في موضعه إن شاء الله. ولتوضيح استفادة ذلك من الحديث على المنهج المختار نتعرض لبيان ذلك في ضمن وجهين إجمالي وتفصيلي: أما الوجه الاجمالي: فهو إن نفي تحقق الطبيعة خارجا في مقام التعبير عن موقف شرعي بالنسبة إليها، يستعمل في مقامات مختلفة كإفادة التحريم المولوي أو الارشادي أو بيان عدم الحكم المتوهم وما إلى ذلك. ولكن استفادة كل معنى من هذه المعاني من الكلام رهين بنوع الموضوع، وبمجموع الملابسات المتعلقة به. وملاحظة هذه الجهات تقضي في الفقرتين بالمعنى الذي ذكرناه لهما. أما الفقرة الاولى: - وهي (لا ضرر) - فلان الضرر معنى اسم مصدري يعبر عن المنقصة النازلة بالمتضرر، من دون احتواء نسبة صدورية كالاضرار

[ 135 ]

والتنقيص، وهذا المعنى بطبعه مرغوب عنه لدى الانسان، ولا يتحمله أحد عادة إلا بتصور تسبيب شرعي إليه، لان من طبيعة الانسان أن يدفع الضرر عن نفسه ويتجنبه، فيكون نفي الطبيعة في مثل هذه الملابسات يعني نفي التسبيب إليها بجعل شرعي ولمثل ذلك كان النهي عن الشئ بعد الامر به أو توهم الامر به دالا على عدم الامر به كما كان الامر بالشئ بعد الحظر أو توهمه معبرا عن عدم النهي فحسب كما حقق في علم الاصول، وعلى ضوء هذا كان مفاد (لا ضرر) طبعا، نفي التسبيب إلى الضرر بجعل حكم شرعي يستوجب له. وأما الفقرة الثانية: - وهي لا ضرار - فهي تختلف في نوع المنفي وسائر الملابسات عن الفقرة الاولى لان الضرار مصدر يحتوي على النسبة الصدورية من الفاعل كالاضرار. وصدور هذا المعنى من الانسان أمر طبيعي موافق لقواه النفسية غضبا وشهوة. وبذلك كان نفيه خارجا من قبل الشارع ظاهرا في التسبيب إلى عدمه والتصدي له، ومقتضى ذلك. أولا: تحريمه تكليفا فإن التحريم التكليفي خطوة أولى في منع تحقق الشئ خارجا. وثانيا: تشريع اتخاذ وسائل إجرائية ضد تحقق الاضرار من قبل الحاكم الشرعي، وذلك لان مجرد التحريم القانوني ما لم يكن مدعما بالحماية اجراء - لا سيما في مثل (لا ضرار) - لا يستوجب انتفاء الطبيعة ولا يصحح نفيها خارجا. وأما الوجه التفصيلي: لدلالة الحديث على ذلك فتوضيحه: إن هذا الحديث يمثل نفيا لمفهومين (هما الضرر والضرار)، وهذه الصيغة - أعني صيغة النفي - رغم وحدتها صورة ووحدة المراد الاستعمالي منها تحتوي على معان مختلفة بحسب اختلاف الموارد:

[ 136 ]

فربما: يكون محتواها التحريم المولوي كما في (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (1). وأخرى: تكون إرشادا إلى عدم ترتب الاثر القانوني المترتب على الشئ كما في (لا طلاق إلا لمن أراد الطلاق) (2) فإنه يدل على عدم حصول الفراق القانوني بإنشاء الطلاق إذا لم يكن مرادا جديا. وثالثة: تكون إرشادا إلى محدودية متعلق الامر كما في (لا صلاة إلا بطهور) (3) فإنه يدل على محدودية الصلاة الواجبة بالطهارة. ورابعة: تقتضي عدم وجود حكم يبعث على وجود شئ كما في مالو قيل (لا حرج في الدين). إلى غير ذلك من محتوياتها. وعلى هذا فلا بد في معرفة معنى الحديث، وتحقيقه من تحقيق ميزان اختلاف محتوى الكلام في هذه الموارد وغيرها رغم وحدة عنصره الشكلي، ثم تحقيق معنى الحديث على ضوء هذا الضابط العام فهنا مرحلتان: إما في المرحلة الاولى: فلا بد قبل توضيح الميزان فيها من التنبيه على نكتة عامة فيما يتعلق بتفسير الكلام سواء أكان من قبيل صيغة الامر أو النهي أو النفي أو الاثبات فنقول: إن الكلام يتألف من عنصرين عنصر شكلي يتمثل في مدلوله اللفظي، وعنصر معنوي كامن تحت المدلول اللفظي يكون هو المحتوى الواقعي للصيغة والمصحح لاستعمالها، وهذان العنصران لا يتحدان دائما وإن كان لا بد بينهما من تسانخ وعلاقة، ولذا تكون الصيغة الواحدة ذات


(1) سورة البقرة 2: 197. (2) جامع الاحاديث 1: 226 / 1887، الفقيه 4: 22 / 67. (3) الوسائل 22: 30 / 27941، الكافي 6: 62 / 2.

[ 137 ]

محتويات متعددة بحسب اختلاف الموارد كاستعمال صيغة الامر والنهي في معان كثيرة. فإن هذه المعافي ليست هي المدلول الاستعمالي للكلام، ولا هي مجرد دواع وأغراض لاستعماله - كما أوضحناه في محله من علم الاصول وإنما هي محتوى الكلام وباطنه. واختلاف مفاد النفي على الانحاء السابقة وغيرها يرتبط بالعنصر المعنوي الكامن للكلام - كما هو واضح لوحدة العنصر الشكلي حسب الفرض وهو النفي - ومعرفة الضابط العام لتشخيص محتوى الكلام، يتوقف على التعرف المسبق على العوامل المختلفة التي تؤثر في تعيين محتواه وتحديده لكي يتم استخراج هذا الضابط على أساسها. وذلك: لان تفسير الكلام في حد نفسه عملية معقدة لا تكفي فيها معرفة الجهات اللفظية من المفردات اللغوية والهيئات العامة فحسب على ما أشرنا إليه. بل يمكن القول بأن العوامل اللفظية بالنسبة إلى سائر الجهات المؤثرة في معنى الكلام، مثل ما يظهر من الجبل الثابت في البحر بالنسبة إلى ما كان منه كامنا تحت الماء، لان هذه العوامل لا تؤلف ألا جزء يسيرا من مجموع ما يؤثر في محتوى الكلام، وإن كانت ظاهرة أكثر من غيرها. وسر ذلك: إن الكلام بما إنه ظاهرة حية من الظواهر النفسية أو الاجتفاعية فإنه يتفاعل بحسب محتواه مع جميع الملابسات التي تحيط به من محيط وشائعات وأعراف وغير ذلك، فإذا ما أريد تفسير كلام ما فلا بد من ملاحظة جميع الخصوصيات التي تقترن به من الاطار الذي ألقي فيه، ومن طبيعة الموضوع الذي يتحدث عنه، ومن الصفات النفسية للمتكلم والمخاطب... فربما تختلف الكلمة الواحدة من زمان إلى زمان أو من موضوع إلى موضوع أو من متكلم إلى متكلم أو من مخاطب إلى مخاطب.

[ 138 ]

فإذا لاحظنا الجهات المختلفة التي تحتضن الكلام وقدرنا نوع التفاعل المناسب معها: أمكننا تفسير الكلام في ظل مجموع تلك الجهات. وقد عبرنا عن هذا المنهج في تفسير الكلام ب (منهج التفسير النفسي) نظرا إلى أن تأثير هذه الجهات في الكلام إنما هو بلحاظ تأثيرها في الحالة النفسية للمتكلم أو المخاطب معها. وبعد اتضاح هذه المقدمة نقول: - إن اختلاف محتوى صيغة النفي في الموارد المذكورة، إنما ينشأ عن اختلاف المواضيع وملابساتها وتناسبات المورد بحسبها، كما يوجد نظير هذا الاختلاف في سائر الصيغ التي تعبر عن الموقف الشرعي في موضوع ما. ونحن نقتصر في هذا المجال على عرض جملة من هذه المواضيع بشكل عام لمختلف الصيغ كصيغة الامر والنهي والنفي والاثبات في الجملة الخبرية مع توضيح كيفية تأثيرها في اختلاف محتوى الصيغة: 1 - الموضع الاول: أن يكون مصب الحكم طبيعة تكوينية ذات آثار خارجية يرغب المكلفون فيها أو عنها من جهة نسبتها مع القوى الشهوية والغضبية للنفس، من دون أن يكون هذا الحكم مسبوقا بحكم مخالف له علما أو احتمالا كالامر بعد الحظر أو بعد توهمه. ففي هذا الموضع يتضمن محتوى الخطاب أمرين: أحدهما: عام والاخر خاص بمورد صيغتي الاثبات والنفي. أما محتواه العام: فهو الوعيد على الفعل أو الترك فإن كانت الصيغة بعثا كان محتواها الوعيد على الترك فيكون الفعل واجبا تكليفا، وإن كانت الصيغة زجرا كان محتواها الوعيد على الفعل فيكون الفعل حراما تكليفا، ومجموع الصيغة والمحتوى يؤلف الحكم المولوي الخاص من إيجاب أو تحريم.

[ 139 ]

واحتواء الصيغة لهذا المحتوى لم يكن لمجرد خصوصية الصيغة إذ هي لا تدل إلا على البعث أو الزجر اللزومي، وهذا المقدار ينحفظ في ظل محتويات أخرى من قبيل الارشاد ونحوه مما يأتي، وإنما تعين مدلول الوعيد بدلالة الاقتضاء بعد أن امتنع فرض محتوى آخر للصيغة لعدم وجود مبادئه في الجهات المكتنفة بها. وتوضيح ذلك: إن مدلول الصيغة - من البعث أو الزجر - لا معنى لاعتباره بما هو هو مجردا عن أي معنى أو اعتبار آخر، لانه لا يكون بذلك مثار أثر خارجا أو عقلاء، فلا بد له من محتوى مسانخ له كامن فيما وراء اللفظ يكون سببا للاثر العقلائي، وما يكون محتوى للكلام على قسمين: أ - ما يتوقف على مبادئ مسبقة غير موجودة ولا قابلة للاعتبار في متعلق الصيغة (ومثال ذلك) رفع توهم الحكم السابق - كما يراد ذلك في الامر بعد توهم الحظر - فإنه يتوقف على فرض توهم خارجي للحظر. ومنه الارشاد إلى عدم ترتب الاثر المطلوب على الشئ حيث يكون للشئ أثر اعتباري بطبيعته، وهذا يتوقف على فرض أثر اعتباري ثابت للشئ مسبقا، إلى غير ذلك من المحتويات الاتية. ب - ما يكون أمرا اعتباريا لا بد من جعله من قبل الشارع وهو الوعيد على الترك المقوم للوجوب أو الوعيد على الفعل المقوم للحرمة. وعلى هذا فحيث لم يتواجد في هذا الموضع شئ من العوامل النفسية وغيرها مما يندرج في القسم الاول ليتفاعل معه المعنى حسب الفرض، فيتعين كون المحتوى هو القسم الثاني تصحيحا لاعتبار البعث والزجر من الحكيم. وعلى هذا الاساس يستفاد الحكم المولوي من البعث والزجر. وبذلك يتضخ إنه لا يتجه ما اشتهر في كلمات الاصوليين من إن

[ 140 ]

الاصل في الامر والنهي أن يكون مولويا ولا يحمل على الارشاد إلا بقرينة. بل الصحيح هو العكس لان حمل الامر والنهي على الارشاد إنما يكون وفق تناسبات ثابتة بحسب طبيعة الموضوع، فلا يحتاج كونه للارشاد إلى مؤونة زائدة، وهذا بخلاف حمله على المولوية لانه إنما يكون بموجب دلالة الاقتضاء بعد فقد سائر الجهات التي ترسم للكلام محتوى إرشاديا، فهي في طول تلك الجهات المقتضية لارشادية الانشاء طبعا. ويلاحظ هنا: أنه لا يفرق في استفادة الحكم المولوي من الصيغة في هذا الموضع بين أن تكون صيغة الانشاء من قبيل الامر والنهي أو صيغة الاخبار من النفي والاثبات، نعم استعمال صيغة الاخبار في هذا المجال تجوز لانه يخالف مفاده الاستعمالي، وإنما صحح ذلك التناسب بين الاخبار عن وجود الشئ مع التسبيب إليه بالامر به - وكذلك التناسب بين الاخبار عن الانتفاء مع التسبيب إلى ذلك بالنهي عنه - كما أوضحناه في البحث عن مدلول الجملة الخبرية في علم الاصول. فهذا هو المحتوى العام للكلام في هذا الموضع. (وأما محتواه الخاص) - بمورد الاثبات والنفي (1) - فهو تشريع اتخاذ الوسائل الاجرائية على اختلاف مراتبها - لتحقيق مقتضى الحكم - فيما كان المورد مقتضيا لمثل هذا التشريع وهذه الوسائل كإعمال القدرة في المنع عن الحرام أو الاكراه على فعل الواجب، ويدخل في ذلك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو بما يتضمن إيقاع الضرر على الفاعل نفسا أو مالا مع


(1) ووجه عدم اقتضاء الامر والنهي لذلك واضح لان مفادهما بالمطابقة اعتبار طلبي أو زجري فلا دلالة لهما على أكثر من ذلك وهذا بخلاف الاثبات والنفي فإن مفادهما التسبيب إلى الفعل أو الترك حتى كأنهما متحققان فعلا. فيكون الاثبات والنفي منسجما مع تشريع الوسائل الاجرائية أكثر من الامر والنهي.

[ 141 ]

ملاحظة أخف الوسائل وأنسبها. نعم إن الوسائل الاجرائية المتخذة لحماية الحكم لا بد من أن تكون جارية على وفق القوانين المجعولة في الشريعة المقدسة في هذه المرحلة، من قبيل كون إيقاع الضرر بالفاعل مالا أو نفسا بإذن من ولي الامر أو بإشراف منه - كما ذكرناه في محله -. 2 - الموضع الثاني: أن يكون مصب الحكم ماهية اعتبارية ذات آثار وضعية عقلائية ويؤتى بها عادة بداعي ترتيب تلك الاثار التي يحترمها القانون ويمضيها ويحميها في مرحلة الاجراء - وذلك كالعقود والايقاعات. ومحتوى الصيغة في هذا الفرض هو عدم ترتب الاثر المزبور على المتعلق في مورد النهي والنفي ك‍ (لا بيع إلا في ملك) و (لا طلاق إلا لمن أراد الطلاق) أو على غير المتعلق في مورد الامر والاثبات ك‍ (طلقوهن لعدتهن) (1). ولذا يكون الحكم في ذلك حكما إرشاديا. والعامل العام الموجب لتعين هذا المعنى كمحتوى للصيغة، هو التناسب الطبيعي بين الهدف والوسيلة، وتوضيح ذلك: إن مثل هذه الطبيعة إذا كانت ذا مفسدة بنظر المشرع فإنه يكفي في تحقق هدف الشارع من الانزجار عنها فصلها عن آثارها القانونية، فيستوجب ذلك انزجار المكلف عن الطبيعة، وتحديد الداعي الموجب لايجادها، لان الرغبة في الطبيعة - بحسب الفرض في هذا الموضع - ليس باعتبار جهة تكوينية فيها تنسجم مع قوة نفسية للانسان مثلا - كما في المورد الاول - وإنما هي بلحاظ أثرها القانوني، فإذا فصلت عن الاثر القانوني انزاح الداعي إلى تحقيقها. فإلغاء الاثر القانوني هو الوسيلة المناسبة لتحقيق الهدف المزبور عادة.


(1) سورة الطلاق 65 / 1.

[ 142 ]

(نعم) ربما لا يكفي مجرد إلغاء الاثر، لقوة الداعي إلى إيجادها أو لعدم الاحتياج البالغ إلى الحماية القانونية في المورد - كما في مورد النهي عن بيع الخمر أو النهي عن الربا فإن مورد الربا من المنقولات مثلا ولا تحتاج المعاملة فيها إلى حماية قانونية - فيجعل الحرمة التكليفية زيادة على الفساد الوضعي. وعلى هذا: فالتناسب المذكور هو الموجب لتعتين محتوى الكلام في إلغاء الاثر القانوني. فهذا هو العامل الاساسي العام في هذا الموضع، الموجه لمحتوى الصيغة. وهناك عامل آخر أخص يتواجد في مورد تحديد الموضوع فحسب - دون مورد النهي عن الطبيعة مطلقا - وهو تفاعل الصيغة مع العامل النفسي للمأمور، وذلك لان مرغوبية الطبيعة في هذا المورد إنما تكون في ضوء هدف مسبق للمكلف، وهو الوصول إلى الاثر المطلوب كانفصام العلقة الخاصة مثلا - كما في الطلاق - أو تحققها - كما في الزواج -. فإذا كان الاعتبار الصادر يحدد تأثير الطبيعة، فإن هذا يرجع إلى تحديد الوسيلة لتحقق الهدف المفروض فيكون الهدف المفروض كموضوع مفترض لهذا الاعتبار، فإذا قيل (لا طلاق إلا بشاهدين) فهو في قوة أن يقال (إذا أردت انفصال العلقة الزوجية فلا تطلق إلا بشاهدين) فيكون الاثر المطلوب كشرط مقدر بالنسبة إلى الخطاب، فيكون مفاد الخطاب طبعا ارتباط الغاية المفروضة بالحد الخاص. وهذا العامل كما قلنا إنما يكون في مورد تحديد الطبيعة لا في مورد إلغاء أثرها مطلقا، لان إلغاء أثرها يرجع إلى إسقاط الغاية المسبقة لا تحديد وسيلتها كما هو واضح.

[ 143 ]

(ويلاحظ): إن استعمال صيغة الامر والنهي في هذا الموضع ليس مجازا بل هو استعمال حقيقي لان فصل العلقة بين الطبيعة وبين الاثر المرغوب منها ينسجم مع صيغة الزجر تمام الانسجام لانه يوجب انزجار المكلف عن ذلك بالامكان وكلما كان المحتوى المعنوي في اللفظ يحقق للعنصر الشكلي فيه التأثير المطلوب منه المسانخ إياه فإن الاستعمال يكون حينئذ حقيقيا بعد تمام المحتوى المزبور إذ يتأتى للمتكلم حينئذ أن يقصد المدلول الاستعمالي بالكلام جدا، وفصل العلقة في المقام مستوجب لفاعلية الزجر الانشائي، كما أن الوعيد في النهي المولوي مستوجب لفاعلية الزجر الانشائي. وهكذا في صيغة البعث في مورد الامر بالحصة ك‍ (طلقوهن لعدتهن) (1) يكون الاستعمال حقيقيا، فإن تحديد الوسيلة بعد تعلق الغرض مسبقا بأثرها نوع من البعث للشخص نحو الوسيلة المشروعة. وبذلك يظهر: إنه لا يتجه ما في كلمات جماعة من الاصوليين من اعتبار الارشاد معنى مجازيا للامر والنهي، وكان منشأ ذلك عدم التنبه لكيفية تفاعل الاعتبار مع الملابسات المحيطة به على ما أوضحنا ذلك. وأما صيغة الاثبات والنفي ك‍ (لا طلاق إلا ما أريد به الطلاق) و (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل) و (لا بيع إلا في ملك)، فإنه يكون من قبيل اثبات الحكم بلسان إثبات موضوعه، أو نفيه بلسان نفيه مبالغة في ذلك، بلحاظ إن فصل الشئ عن أثره القانوني تسبيب إلى انتفائه في الخارج على ما سيق توضيحه. 3 - الموضع الثالث: أن يكون مصب الحكم موضوعا لحكم شرعي خاص من دون رغبة طبيعية نحوه - في مورد الزجر - أو انزجار طبيعي عنه - في


(1) سورة الطلاق 65 / 1.

[ 144 ]

مورد البعث إليه - ك‍ (لا شك لكثير الشك) و (لا سهو للامام مع حفظ المأموم) فإن الشك في الصلاة موضوع لجملة من الاحكام. ومحتوى الصيغة في هذا الموضع - حيث تكون صيغة نفي - ليس هو التسبيب إلى عدم تحقق الموضوع إذ لا وجه لارادة ذلك، وإنما هو عدم ترتب ذلك الحكم الشرعي بالنسبة إلى الحصة الخاصة، فاإن ارتباط الطبيعة في ذهن المخاطب بتلك الاحكام، يوجب أن يكون محتوى الكلام ناظرا لهذا الارتباط بمقتضى التفاعل الطبيعي بين الكلام وبين التصورات الذهنية للمخاطب، فيكون مؤداه تحديد هذا الارتباط وخروج المنفي عنه. 4 - الموضع الرابع: أن يكون مصب الحكم حصة خاصة من ماهية مأمور بها يظن سعتها لهذه الحصة فيكون الداعي لاتيانها تفريغ الذمة وأداء الوظيفة كما في (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) و (لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة). ومحتوى الصيغة في هذا الموضع هو عدم ترتب الاثر المذكور - وهو - فراغ الذمة على الاتيان بالحصة، فيرجع إلى اشتراط المتعلق بالقيد الخاص، ولذا يكون الحكم حكما ارشاديا إلى الجزئية والشرطية. وسر تعين هذا المعنى كمحتوى للصيغة هنا عاملان - على غرار ما سبق في الموضع الثاني -: الاول: التناسب الطبيعي بين الهدف والوسيلة فإنه يكفي في حصول هدف الشارع - وهو عدم تحقق الحصة المذكورة تحديد الامر بالطبيعي لتخرج هي عن المتعلق، وذلك موجب لانزجار المكلف عنها، لان الاتيان بها إنما يكون بقصد امتثال الامر بالطبيعة وهو ينتفي مع تحديده بحصة خاصة. الثاني: تفاعل الكلام مع الحالة النفسية للمخاطب، وذلك لان باعث

[ 145 ]

المكلف على الاتيان بهذه الحصة هو تفريغ الذمة عن الطبيعي المأمور به، فالنفي الملقى في هذه الحالة يتفاعل حسب التناسب مع هذا الباعث النفسي ويفيد تحديد العامل فيه وهو الامر الشرعي بحصة معينة. وكيفية استعمال صيغ الامر والنهي والاثبات والنفي في هذا الموضع يماثل ما مضى في الموضع الثاني. 5 - الموضع الخامس: أن يكون مصب الحكم حصة من ماهية منهي عنها يظن سعتها لهذه الحصة، فيكون الرادع النفسي عنها هو قصد إطاعة الحكم المتعلق بالطبيعي كما في (لا ربا بين الوالد والولد). ومحتوى الصيغة في هذا الموضع نفي تعلق الحكم التحريمي بالحصة، فيرجع إلى تقييد متعلق الحرمة بالقيد الخاص، وذلك لنظير ما تقدم في الموضع الثالث فإن ارتباط الطبيعي في ذهن المخاطب بالحكم التحريمي يوجب أن يكون محتوى الكلام ناظرا لهذا الارتباط وتحديدا للحكم التحريمي بتحديد متعلقه. 6 - الموضع السادس: أن يكون مصب الحكم طبيعة يرغب المكلف عنها أو يرغب إليها، أما لانسجام المتعلق مع القوى النفسية والشهوية، أو للاثر القانوني المترتب على الشئ عادة أو لاجل تفريغ الذمة وامتثال القانون، لكنه معرض عنها لتصور ثبوت حكم مخالف لجهة رغبته وهذا هو الفارق بين هذا الموضع والموضع الاول كما هو واضح، سواء كان هناك حكم كذلك بالفعل، أو كان هذا التصور توهما أو احتمالا، وقسم من هذا الموضع هو الذي يتعرض له في علم الاصول بعنوان (الامر بعد الحظر). وفي هذا الموضع يتفاعل الكلام مع التصور الذهني المضاد، فيكون محتواه نفي الحكم المتصور،، مع إنه لولا التصور المذكور لافاد الحكم المولوي أو الحكم الارشادي ولا فرق في ذلك بين أن تكون صيغة الحكم

[ 146 ]

إنشاءا أو خبرا. ففي الانشاء تتبدل الصيغة من أداة ايجابية بناءة إلى أداة هدم سلبية - حيث يكون محتواها سلب الحكم السابق فحسب - رغم إن عنصرها الشكلي يمثل معنى ايجابيا من قبيل الطلب والزجر، ولذلك يكون استعماله مجازيا يختلف فيه المراد التفهيمي عن المراد الاستعمالي. لكن مصحح الاستعمال المذكور هو إن هدم الاعتبار السابق أو رفع توهمه، يتيح المجال للعامل النفسي ويرفع العائق أمام فاعليته، فيخيل بذلك أن هذا الهدم أو الرفع هو العامل الفاعل للبعث والزجر، وذلك من قبيل الامر بالاصطياد بعد تحريمه أولا في حال الاحرام في قوله تعالى: (فإذا حللتم فاصطادوا) (1) فإن هذا الامر ليس محتواه إلا رفع التحريم السابق، دون بناء حكم ايجابي - كما هو مقتضى مدلوله - إلا إنه صح استعمال صيغة البعث لان هدم التحريم السابق يستتبع الانبعاث نحو الاصطياد بفاعلية العامل الطبيعي عند الانسان نحو الصيد، فيكون استعمال صيغة الامر في ذلك بلحاظ استتباع محتواه الهادم للانبعاث نحوه حتى كأنه العامل لذلك. وأما استعمال صيغة الاخبار في هذا الموضع فهو أيضا استعمال مجازي، لان مفاد صيغة النفي مثلا هو مجرد الاخبار عن نفي وجود الطبيعة خارجا، لا سلب وجود حكم موجب لتحققها خارجا لولا هذا النفي، لكن صحح ذلك أن سلب الحكم وإن كان في الواقع مجرد عدم تسبيب إلى وجود الطبيعة، لكن حيث تكون الطبيعة مرغوبا عنها لذاتها - أو غير مرغوب إليها - إلا على تقدير ثبوت هذا الحكم كان نفي الحكم في هذا السياق بمثابة التسبيب إلى عدم تحقق الطبيعة، وبذلك صح نفيها خارجا نفيا تنزيليا.


(1) سورة المائدة 5 / 2.

[ 147 ]

وذلك كما لو قيل - نفيا لمانعية بعض ما يحتمل مانعيته للصلاة -: (لا اعادة للصلاة بكذا)، فإن الاعادة لا يرغب إليها المكلف بطبعه إلا لطلب شرعي فحسب فلو دل الدليل على نفي الطلب الشرعي لزم من ذلك عدم تحققها عادة بفاعلية الرغبة الطبيعية عنها فصح نفيها تنزيلا. ثم أن هذا الموضع لا يختص بما لو كان متعلق الحكم نفسه موردا لحكم منساق أو متوهم - كما في مثال الاصطياد والصلاة - بل يعم ما لو كان متعلقه أمرا مستبا عن الحكم السابق أو المتوهم، وذلك كان يقال في معرض توهم جعل الشارع لتكليف مؤد إلى الحرج: - (لا حرج في الدين) أو (لا تحرج نفسك) فهنا أيضا يتفاعل الكلام مع التوهم المذكور ويكون محتواه ومفاده - التفهيمي نفي جعل حكم مسبب إلى الحرج. ومقطع (لا ضرر) من الحديث من هذا القبيل على ما يتضح قريبا. فهذه مواضيع عامة يتغير بمقتضاها المحتوى الذي تسبطنه صيغ الحكم ومنها النفي، وقد اتضح من خلال ذلك أن المحتويات المختلفة للنفي وغيره إنما هي مرهونة بتناسبات مختلفة يتفاعل معها الكلام فترسم له على ضوئها معان مختلفة تكون محتوى له. هذا تمام الكلام عن المرحلة الاولى. وأما المرحلة الثانية: فهي من تطبيق الضابط المذكور على الحديث أو توضيح معنى الحديث على ضوء ذلك: أما المقطع الاول: من الحديث وهو (لا ضرر)، فهو يندرج في المورد السادس الذي ذكرناه فيفيد نفي جعل حكم ضرري وذلك على ضوء أمور ثلاثة: 1 - الاول: إن من الواضح جدا أن متعلق النفي في هذا المقطع - وهو الضرر -

[ 148 ]

ليس ماهية اعتبارية ذات آثار وضعية حتى يرجع نفيها إلى فصلها عن آثارها ويندرج في الموضع الثاني، ولا هو حصة من موضوع ذي حكم شرعي. أو متعلق للوجوب أو للحرمة حتى يراد نفي الحكم المترتب على الطبيعي فيندرج في أحد المواضع المتوسطة الباقية، فلا محالة يدور الامر فيه بين احتمالين: أ - أن يكون ماهية مرغوبا إليها لانسجامها مع القوى الشهوية أو الغضبية - من قبيل الموضع الاول - فيكون مفاد نفيه حينئذ التسبيب إلى عدم تحققه بتحريمه والمنع عن إيجاده خارجا، فيصح حمل النفي في الحديث حينئذ على النهي كما هو مؤدى بعض المسالك في المقام. ب - أن يكون ماهية مرغوبا عنها، لكن النفي لرفع توهم تسبيب الشارع إليه بألزامه به بما يوجب الضيق والضرر للمكلف، فيندرج في المورد السادس وبكون مفاد نفيه نفي التسبيب إلى الضرر، بجعل حكم ضرري نظير (لا حرج) كما نسب إلى المشهور. 2 - الثاني: إن هذين الاحتمالين يتفرعان على كون معنى هيئة (الضرر) معنى مصدريا محتويا للنسبة الصدورية إلى الفاعل - أي الضار - كالاضرار والضرار، أو معنى اسم مصدري خال عن هذه النسبة كالضيق والحرج والمنقصة. فعلى الاول: يمثل الضرر كالاضرار طبيعة موافقة للقوى النفسية للانسان - كالغضب والحقد وحب الايذاء ونحوها - التي يلجأ إليها الانسان كثيرا إرضاء لنفسه. وحينئذ يكون مفاد لا ضرر تحريمه وتشريع ما يمنعه خارجا. وعلى الثاني: يكون الضرر بمعنى المنقصة الواردة على المتضرر، وهو أمر لا يتحمله الانسان بطبعه بل هو مكروه له أشد الكراهة، وإنما يتحمله

[ 149 ]

لو ظن أن الشارع حمله إياه فنفي الضرر في هذا السياق النفسي يرجع إلى نفي تسبيب الشارع له دفعا لتوهم إيجابه على المكلف وتحميله عليه. 3 - الثالث: إن الصحيح هو الاحتمال الثاني، لان الحس اللغوي لمن عرف اللغة العربية يشهد بأن الضرر إنما يمثل المعنى نازلا بالمتضرر لا صادرا من الفاعل، فهو معنى اسم مصدري كالمضرة والمنقصة، وليس معنى مصدريا كالاضرار، كما تقدم ذكر ذلك في البحث من معنى الهيئة الافرادية للكلمة. وعلى هذا فيكون مثل هذا الترتيب مثل سائر الامثلة المماثلة له حالا ك‍ (لا حرج) ما يكون المعنى المنفي عنه عملا مرغوبا عنه للمكلف بحسب طبعه وإنما يتحمله بتصور تشريع يفرضه عليه فيكون المنساق من النفي قصد نفي التشريع المتوهم أو المترقب فحسب. وبذلك يكون مفاد (لا ضرر نفي التسبيب إلى الضرر لجعل حكم ضرري كما هو مسلك المشهور. وأما المقطع الثاني: من الحديث - وهو (لا ضرار) - فإنه يندرج في الموضع الاول من المواضع السابقة على ما إتضح بما ذكرناه في مورد (لا ضرر) آنفا - لان الضرار هو الاضرار المتكرر أو المستمر، وقد ذكرنا إن الاضرار بالغير عمل يمارسه الانسان بطبعه لاجل إرضاء الدواعي الشهوية والغضبية، فإذا نهي عنه كما في جملة من الايات (1) فهو ظاهر في النهي التحريمي زجرا للمكلفين عن هذا العمل كما هو واضح.


(1) كقوله تعالى (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بو لده) البقرة 2 / 233 و (إشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد) البقرة 2 / 282 * (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) * الطلاق 65 / 676.

[ 150 ]

وإذا نفي كما في هذا الحديث فإنه يدل على التسبيب إلى عدم تحقق هذا العمل وذلك من خلال ثلاثة أمور. الامر الاول: جعل الحكم التكليفي الزاجر عن العمل وهو الحرمة. وهذا الحكم يستبطن الوعيد على الفعل ويترتب عليه بحسب القانون الجزائي الشرعي: إولا: العذاب الاخروي في عالم الاخرة. وثانيا: العقوبة الدنيوية بالتعزير ونحوه حسب رأى ولي الامر بالحدود المستفادة من الادلة الشرعية. وثالثا: الضمان في موارد الاتلاف وكون الشئ المتلف ذا مالية لدى العقلاء. الامر الثاني: تشريع اتخاذ وسائل مانعة عن تحققه خارجا، وذلك من قبيل تجويز إزالة وسيلة الضرر وهدمها إذا لم يمكن منع إيقاعه إلا بذلك، كالامر بإحراق مسجد ضرار (1) والحكم بقلع نخلة سمرة ونحو ذلك. وهذا التشريع يرتكز على قوانين ثلاثة: 1 - قانون النهي عن المنكر فان للنهي مراتب متعددة - كما ذكر في الفقه - أخفها النهي القولي وأقصاها الاضرار بالنفس، وبينهما مراتب متوسطة، ولا تصل النوبة إلى مرحلة أشد إلا بعد تعذر المرحلة السابقة عليها أو عدم تأثيرها في الكف عن المنكر. 2 - قانون تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس. وهذا من شؤون الولاية في الامور العامة الثابتة للنبي صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى عليهم


(1) ورد ذكر في كتب التفسير في تفسير قوله تعالى: (والذين إتخذوا مسجدا ضرارا...) التوبة 9 / 107 لاحظ مجمع البيان ط 3: 72 - 73.

[ 151 ]

السلام، والفقهاء في عصر الغيبة إذ لا بد من العدالة في حفظ النظام. 3 - حماية الحكم القضائي فيما إذا كان منع الاضرار حكما قضائيا من قبل الوالي بعد رجوع المتخاصمين إليه - كما في مورد قضية سمرة حيث شكا الانصاري دخوله في داره بلا استئذان فقضى النبي صلى الله عليه وآله بعدم جواز دخوله كذلك، وحيث أبى سمرة عن العمل بالحكم، أمر صلى الله عليه وآله بقلع النخلة لتنفيذ الحكم بعدم الدخول عملا. (ويلاحظ): إن ولاية إتخاذ وسيلة إجرائية لمنع الاضرار، إنما هي للحاكم الشرعي دون عامة المسلمين، أما على القانونين الاخيرين فالامر واضح لان تحقيق العدل وحماية القضاء إنما هو من وظيفة الحاكم المتصدي للحكومة والقضاء وأما على القانون الاول: فلان المختار أن ولاية النهي عن المنكر فيما كان بالاضرار بالفاعل نفسا أو مالا تختص بالحاكم الشرعي خلافا لما أفتى به جمع من الفقهاء. (ويلاحظ أيضا) أن هذا الجزء من مفاد (لا ضرار) هو مبنى تعليل الامر بقلع النخلة في قضية سمرة بهذه الكبرى، وهو أمر أشكل على جمع من الفقهاء حتى استند إلى ذلك بعض الاعاظم في جعل النهي في الحديث حكما سلطانيا، بتصور تبريره حينئذ للامر بالقلع وهو ضعيف. وسيأتي توضيح الموضوع في التنبيه الاول من تنبيهات القاعدة. الامر الثالث: تشريع أحكام رافعة لموضوع الاضرار من قبيل جعل حق الشفعة لرفع الشركة، التي هي موضوع لاضرار الشريك، أو عدم جعل أرث للزوجة في العقار لعدم الاضرار بالورثة - كما في الحديث (1). فاتضح مما ذكرناه مجموعا: أن الحديث بجملة (لا ضرر) يدل على


(1) الوسائل - كتاب الفرائض - أبواب ميراث الازواج - الباب 9 ج 26: 208 / 32842.

[ 152 ]

نفي جعل الحكم الضرري وبجملة (لا ضرار) يدل على تحريم الاضرار وتشريع الصد عنه خارجا ورفعه في بعض الموارد موضوعا. (ويلاحظ): أنه ربما يعترض على تفسير (لا ضرر) بنفي الحكم الضرري بعلة وجوه ذكرها العلامة شيخ الشريعة في (رسالة لا ضرر)، ترجيحا لمسلك النهي في تفسير الحديث، وسوف يأتي استعراض تلك الوجوه ونقدها في البحث عن هذا المسلك بما يغضح به جملة من الجهات التي ترتبط بهذا التفسير. ونذكر هنا كلاما للشيخ الانصاري (قده) من ترجيح هذا التفسير وما ذكره العلامة شيخ الشريعة في تعقيبه ونقده مع تحقيق القول في ذلك تكميلا للقول في هذا المبنى. قال الشيخ (قده) في الرسائل بعد ذكر المعاني المحتملة في الحديث: (والاظهر بملاحظة نفس الفقرة ونظائرها وموارد ذكرها في الروايات وفهم العلماء هو المعنى الاول) (1) يعني بذلك تفسير الحديث بنفي الحكم الضرري وهذا الكلام ينحل إلى دعاو أربع وقعت جميعا موردا للانكار من قبل العلامة شيخ الشريعة فقال: (والشواهد الاربعة كلها منظورة فيها ممنوعة على مدعيها. أما نفس الفقرة فقد عرفت ظهورها في الحكم التكليفي. وأما نظائرها فقد قدمنا عدم النظير لهذا المعنى في هذا التركيب (2).


(1) المصدر ط رحمت الله ص 315، الرسائل 2: 535. (2) قال في ص 41 من الرسالة (إن المعنى الثالث من نفي المسبب وإرادة السبب لم يعهد في مثل هذا التركبب أبدا وإنما المعهود النهي أو نفي الكمال في (لا صلاة لجار المسجد إلا

[ 153 ]

وأما موارد ذكرها في الروايات ففيه: إنه قد اتضح عدم ذكرها في شئ من الروايات ث إلا في قضية سمرة المناسب للتحريم وجدانا، وإن حديث الشفعة والناهي عن منع الفضل لا مساغ لما فيها إلا النهي التكليفي تحريما أو تنزيها، وأما فهم العلماء فهو أيضا ممنوع، ولم نجد للمتقدمين والمتأخرين ما يعين إنهم فهموا هذا المعنى إلا عن قليل نادر لا يكفي فهمهم في تعيين المعنى، وقد ذكر في حديث الدعائم تعليلا لحرمة الترك) (1). ولتحقيق القول فيما ذكر (ره) لا بد من ملاحظة كل واحد من هذه الجهات: أما الجهة الاولى - من ظهور نفس الفقرة - فقد يشكل ما ذكره الشيخ من ظهورها في نفي الحكم الضرري وما ذكره هذا القائل من ظهورها في النهي عن الاضرار جميعا، بتقريب: إن نفس الفقرة بملاحظة عدم إرادة المعنى الاستعمالي الظاهر منها ليس لها ظهور في حد ذاتها في المعنى المجازي المقصود بها، وإنما ذلك رهين قرينة أخرى وذلك: لانه لا إشكال في إن المعنى الاستعمالي الظاهر من الفقرة - وهو الاخبار عن نفي تحقق الضرر خارجا - ليس بمقصود بها على كل حال، سواء فسر المراد الجدي بنفي الحكم الضرري أو بالنهي عن الاضرار لاختلاف المدلول الاستعمالي مع هذين المعنيين بوضوح، وحينئذ فيدور الامر بين أن يراد بها نفي التسبيب إلى الضرر بجعل حكم موجب له، أو يراد التسبيب إلى عدم نفي الاضرار الذي ينتج النهي عنه، ولا معين لشئ منهما في نفس الفقرة.


في المسجد) ولا علم إلا مانفع) و (لا سفر إلا برفيق) و (لا كلام إلا ما أفاد وإن أمكن إرجاع الثلاثة إلى جهة واحدة. (1) رسالة (لا ضرر) ص 42.

[ 154 ]

وبعبارة أخرى إن كلا المعنيين يشتركان في كون حمل الفقرة عليهما بحاجة إلى تجوز وعناية فالاول بحاجة إلى التجوز بإرادة نفي السبب - وهو الحكم الضرري - من نفي المسبب - وهو الضرر كما إن الثاني بحاجة إلى التجوز في إرادة النهي الذي هو سنخ معنى إنشائي من النفي الذي هو معنى خبري. فليس ادعاء ظهور الفقرة بذاتها في أحد الاحتمالين بأولى من ادعاء ظهوره في الاخر بل لا قضاء لذات الفقرة بعد عدم إرادة مدلولها الاستعمالي لشئ من المعنيين. ولكن التحقيق: عدم ورود هذا الايراد على ما ادعاه الشيخ من ظهورها في نفي الحكم الضرري لما أوضحناه من إن طبيعة معنى الضرر - حيث إنه معنى اسم مصدري - يجعل الفقرة ظاهرة في هذا المعنى، لانه يمثل معنى مرغوبا عنه لا يتحمله أحد إلا بتوهم تسبيب شرعي، ومفاد النفي في مثل ذلك نفي التسبيب المتوهم، فيكون ذلك قرينة داخلية على التجوز المذكور. (نعم) هذا الايراد يرد على القول بظهور الفقرة في النهي عن الاضرار مع عدم وجود قرينة عليه منها، بل ما ذكرناه قرينة على خلافه، فإن إرادة النهي لا يناسب مع نوع الموضوع المنفي لعدم وجود علاقة بين نفي الضرر والنهي عن الاضرار شرعا. وأما الجهة الثانية: وهي مدى تناسب معاني نظائر الفقرة مع ذلك التفسير، فالبحث تارة في وجود مماثل لهذه الفقرة بنفس هذا المعنى. (وأخرى) في وجود مماثل لها بخلاف هذا المعنى كمعنى النهي مثلا. أما الاول: فقد جاء في رسالة لا ضرر للشيخ تنظير ذلك بقوله (لا

[ 155 ]

حرج في الدين) (1) وذكرت هذه الجملة تنظيرا في كلام السيد الاستاذ أيضا (2) لكنا لم نطلع على مصدر لها، والذي يوجد في القران الكريم هو قوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (3) وقوله (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) (4) وهما ليستا بنفس سياق الحديث، فإنهما كالصريح في نفي الحكم الحرجي حيث لا يحتمل فيهما إرادة النهي عن الاحراج كما هو ظاهر. وأما الثاني: فقد ذكر هذا القائل في كلام آخر له بعد إن ساق موارد كثيرة من استعمالات (لا) النافية للجنس من الكتاب والسنة: (إن نظائر هذه الفقرة فيهما وفي استعمالات الفصحاء قد أريد بها النهي) (5). وسيأتي نقل كلامه ونقده تفصيلا في البحث عن مسلك النهي. ونقتصر هنا على القول بأن في اعتبار تركيب آخر نظيرا لهذه الفقرة ينبغي عدم الاقتصار على ملاحظة تماثله معها في تركيب (لا) النافية للجنس، لان التماثل بهذا المقدار تماثل شكلي محض، وعدم وجود المماثل للفقرة شكلا وبهذا المعنى لا يكون نقطة ضعف في تفسيرها بذلك، لان الاختلاف بينهما في المعنى ينشأ حينئذ عن اختلاف الخصوصيات المؤثرة في ترسيم محتوى الكلام، فلا يقاس بعضها حينئذ ببعض. بل ينبغي في مقام التنظير اعتبار توفر الخصوصيات الموجودة في هذه الفقرة فيما يدعى نظيرا لها، بأن يكون المنفي ماهية لا رغبة إليها لذاتها،


(1) المكاسب للشيخ: 372. (2) لاحظ الدراسات ص 326 فإنه قال (كما في قضية لا حرج في الدين). (3) الحج 22 / 78. (4) المائدة 5 / 6. (5) رسالة لا ضرر للعلامة شيخ الشريعة ص 37 - 39.

[ 156 ]

إلا بتصور تسبيب شرعي إليه ك‍ (لا حرج في الدين) لان هذه الجهة مؤثرة في تشكيل محتوى الكلام باعتبار تفاعل الكلام مع الحالة النفسية والذهنية للمخاطب. فإذا اعتبر هذا المقياس في التماثل، يعلم إن شيئا من الموارد الكثيرة التي ذكرها هذا القائل مما يماثل هذه الفقرة، إنما تشترك معها في العنصر الشكلي فحسب حيث استخدمت في جميعها صيغة النفي. وأما الجهة الثالثة: - وهي مدى تناسب مواردها في الروايات مع هذا التفسير -: فلا بد في تحقيقها من استعراض المهم منها: 1 - أما قضية سمرة فما ذكر من مناسبتها مع التحريم وجدانا محل تاقل، وتوضيح ذلك: إن سمرة كان يرى دخوله في دار الانصاري عملا سائغا له باعتبار حقه في الاستطراق إلى نخلته، فإن حق الاستطراق عرفا يترتب عليه جواز الدخول مطلقا - في كل زمان وحال - لا خصوص الدخول بالاستئذان، فإن إناطة اللهخول بالاستئذان يناسب عدم الحق رأسا، وقد احتج بذلك سمرة في حديثه مع الانصاري ومع النبي صلى الله عليه وآله، ففى رواية ابن بكير بعد ذكر طلب الانصاري من سمرة أن يستأذن إذا جاء (فقال: لا أفعل، هو مالي أدخل عليه ولا أستأذن، فأتى الانصاري رسول الله صلى الله عليه وآله فشكى إليه وأخبره فبعث إلى سمرة فجاء، فقال له إستأذن، فأبى وقال له مثل ما قال للانصاري)، وفي رواية ابن مسكان، بعد ذلك: (فقال: لا أستأذن في طريقي وهو طريقي إلى عذقي، فقال: فشكا الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فأتاه فقال: فلان قد شكاك وزعم إنك تمر عليه وعلى أهله بغير أذنه فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل فقال: يا رسول الله أستأذن في طريقي إلى عذقي؟).

[ 157 ]

وعلى هذا فلو كان المراد بالحديث مجرد النهي التكليفي لبقي استدلال سمرة بلا جواب، لانه يتمسك بحقه في الاستطراق و (لا ضرر) يقول (لا تضر بالانصاري) ومن المعلوم إن النهي التكليفي عن ذلك ليس إلا أعمال سلطة، وليس جوابا عن وجه تفكيك الجواز المطلق عن حق الاستطراق. وهذا بخلاف ما لو أريد به نفي التسبيب إلى الضرر بجعل حكم ضرري، فإنه يرجع إلى الجواب عن هذا الاستدلال بأن الاسلام لم يمض الاحكام العرفية متى استوجبت تفويت حق الاخرين والاضرار بهم، فلا يترتب على حق الاستطراق جواز الدخول مطلقا ولا يثبت حق الاستطراق مطلقا بل ذلك مقيد بعدم كون الدخول ضررا على الانصاري في حقه - من التعيش الحر في داره -. وبذلك يظهر إن (لا ضرر) على هذا التفسير أكثر تناسبا وأوثق ارتباطا بقضية سمرة منه على تفسيره بالنهي عن الاضرار. 2 - وأما قضية الشفعة فلا شهادة فيها لاحد المعنيين، لا لما ذكره هذا القائل من عدم ثبوت تذييلها ب‍ (لا ضرر) أصلا، وإنما الجمع بينهما من قبل الراوي، فإنه غير تام كما سبق في الفصل الاول، وإنما بملاحظة ما تقدم هناك من أن (لا ضرر) فيها إنما هو حكمة للتشريع فلا يرتبط بما هو مبحوث عنه من كونه بنفسه حكما كليا. وعلى أي تقدير فلا يتم ما ذكره هذا القائل من إنه لا مساغ فيها إلا للنهي التكليفي. 3 - وأما قضية منع فضل الماء فهي تناسب التفسير المذكور، لما ذكرناه في الفصل الاول من إنه لا يبعد ثبوت حق الشرب من الماء للاخرين سواء كان مباحا أو مملوكا، فيمكن تطبيق (لا ضرر) فيها بعناية نفي جواز منع

[ 158 ]

الاخرين من الاستفادة من فضل الماء لانه ضرر بهم وتنقيص لحقهم وحاصله (أن حق الحائزين على الماء ليس مطلقا شاملا لجواز منع الاخرين منه). وربما يشكل فيها أيضا - كقضية الشفعة - بعدم ثبوت (لا ضرر) ذيلا لها وقد سبق مناقشة ذلك. 4 - وأما حديث هدم الحائط: فلا يتعين كون (لا ضرر ولا ضرار) فيها تعليلا لحرمة ترك الحائط بعد هدمه، بل يمكن أن يكون بلحاظ وجود حق للجار في المورد، بحيث يكون جواز هدم الجدار حكما ضرريا بالنسبة إلى الجار بملاحظة منافاته مع حقه فيرتفع ب‍ (لا ضرر). فظهر: إن ما ذكر من عدم تناسب (لا ضرر) بهذا التفسير مع موارد تطبيقه في الروايات ليس بتام بل هو بهذا التفسير أنسب ببعضها منه بتفسيرة بالنهي - كما في قضية سمرة -. وأما الجهة الرابعة: - وهي مدى ذهاب العلماء إلى هذا الرأي في تفسير الحديث - فالمقصود بالعلماء أما علماء اللغة أو الفقهاء. أما علماء اللغة: فقد ذكر هذا القائل اتفاقهم على تفسير الفقرة بالنهي ذاكرا في ذلك بعض كلماتهم وسيأتي مناقشة ذلك، وتقييم آراء اللغويين في مثل هذا الموضوع مما يتعلق بالفقه والتشريع الاسلامي في تحقيق مسلك النهي، حيث اعتبر هذه الجهة مؤيدة لهذا المسلك. وأما الفقهاء: فالظاهر أن أكثر فقهاء الفريقين قد فهموا من الحديث نفي الحكم الضرري كما ذكر الشيخ. أما علماء العامة: فيكفي في تصديق ذلك عنهم ملاحظة ما نقله السيوطي في تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك عن أبي داود: من إنه قال

[ 159 ]

(إن الفقه يدور على خمسة أحاديث هذا أحدها) (1) فإنه يبتني على تفسيره بهذا الوجه، لانه حينئذ يكون محددا عاما للادلة الدالة على الاحكام الاولية في مختلف الابواب وليس كذلك على تفسيره بالنهي، كما أن تعبيره بأن الفقه يدور.. قد يدل على إن ذلك هو الرأي السائد لدى فقهائهم. ويؤكد ذلك ما ذكره السيوطي في كتاب الاشباه والنظائر حيث قال: (إعلم أن هذه القاعدة ينبني عليها كثير من أبواب الفقه، ومن ذلك الرد بالعيب وجميع أنواع الخيار من اختلاف الوصف المشروط والتعزير وإفلاس المشتري وغير ذلك والحجر بأنواعه والشفعة لانها شرعت لدفع ضرر القسمة والقصاص والحدود والكفارات وضمان المتلف والقسمة ونصب الائمة والقضاة ودفع العائل وقتال المشركين والبغاة وفسخ النكاح بالعيوب أو الاعسار أو غير ذلك). ثم قال: (ويتعلق بهذه القاعدة قواعد: الاولى: الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة وإساغة اللقمة بالخمر والتلفظ بكلمة الكفر للاكراه وكذا إتلاف المال.. إلخ) (2). فإن الاستدلال بها لكثير من هذه المواضع متفرع على تفسيرها بنفي الحكم الضرري كما هو واضح. وأما علماء الخاصة: فيكفي في معرفة موقفهم ملاحظة ما ذكره صاحب العناوين فيها في ذكر المقامات التي استندوا فيها إلى هذه القاعدة قال: (ويندرج تحته لزوم دية الترس المقتول على المجاهدين وسقوط النهي عن المنكر وإقامة الحدود مع عدم الامن، وعدم الاجبار عل القسمة مع عدم


(1) 2 / 122. (2) الاشباه والنظائر ط مصر دار إحياء الكتب العربية ص 92 - 93.

[ 160 ]

تحقق الضرر، وعدم لزوم أداء الشهادة كذلك وحرمة السحر والغش والتدليس، ومشروعية التقاص وجواز بيع أم الولد في مواقع والتسعير على المحتكر إن أجحف، وحرمة الاحتكار مع حاجة الناس وتفريق الام عن الولد وجواز قلع البائع زرع المشتري بعد المدة وتخير المسلم في الفسخ مع انقطاع المسلم فيه عند الحلول وتختر الرابح عند الكذب والخديعة، وفي خيار التأخير وما يفسد ليومه والرؤية والغبن وعدم سقوط خيار الغبن بالخروج عن الملك وخيار العيب والتدليس...) (1) إلى آخر ما ذكره مما يطول نقله. وكثير من هذه المواضيع أيضا يتفرع على التفسير المذكور كما هو واضح. البحث الثاني: في استعراض المسالك الاخرى في تفسير الحديث. ويلاحظ: أن هذه المسالك غالبا فسرت (لا ضرر) و (لا ضرار) بمعنى واحد ولم تفرق بين الجملتين من حيث المعنى التركيبي - كما تقدم - وإن كان محل العناية والاهمية في الجملة الاولى كما ذكر الشيخ الانصاري (قده) في رسالة (لا ضرر) بعد البحث في معنى الضرار: (فالتباس الفرق بين الضرر والضرار لا يخل بما هو المقصود من الاستدلال بنفي الضرر في المسائل الشرعية) (2). وهي مسالك خمسة: المسلك الاول: تفسير (لا ضرر) بنفي الحكم الضرري وذلك بتقريب ذكره المحقق النائيني، وتبعه عليه غير واحد (3) وهو أن الضرر المنفي


(1) العناوبن: 96. (2) ص 418 (طبعت مع كتبه الفقهبة سنة 1312 ه‍). (3) المكاسب (رسالة في قاعدة نفي الضرر: 372).

[ 161 ]

في الحديث عنوان ثانوي متولد من الحكم، ونسبته إليه نسبة السبب التوليدي إلى مسببه، كالقتل إلى قطع الرقبة والاحراق إلى الالقاء في النار والايلام إلى الضرب ونحو ذلك. واطلاق العناوين التوليدية على أسبابها شائع متعارف لا يحتاج إلى أية عناية فيكون مجازا والمقام من هذا القبيل، فيكون المراد من نفي الضرر نفي سببه المتحد معه وهو الحكم، والفرق بين هذا المسلك ومسلكنا أننا نرى أن المنفي هو التسبيب للضرر ولازمه نفي الحكم الضرري بينما هذا المسلك يرى أن المنفي مباشرة هو الحكم الضرري. (إن قيل): إنه يعتبر في العنوان التوليدي عدم تخلل إرادة من فاعل مختار بينه وبين السبب كعدم تخللها بين الالقاء والاحراق، والمقام ليس من هذا القبيل في مثل إيجاد الوضوء والحج الضرريين، لان الحكم فعل للشارع والضرر إنما يترتب على امتثال العبد بإرادته واختياره، فكيف يحمل الضرر على الحكم. (قيل): إن إرادة العبد في عين كونها اختيارية مقهورة لارادة الله سبحانه، لان العبد ملزم عقلا ومجبور شرعا بالامتثال، فالعلة التامة لوقوع المتوضئ أو الشريك أو الجار في الضرر هي الجعل الشرعي. ولكن هذا التقريب ضعيف: أولا: لان الاشكال المطروح لا واقع له، فإن المقام ليس من قبيل الاسباب والمسببات التوليدية، ومجرد كون إرادة العبد مقهورة لارادة المولى لا يجعله من قبيلها موضوعا ولا يلحقه بها حكما، مضافا إلى أن ذلك إنما يتأتى في إرادة العبد المطيع دون العاصي كما اعترف به ومن المعلوم أن الاحكام لا تختص بالمطيعين دون العصاة. وثانيا: إن الضرر المترتب على العمل لا يترتب عليه دائما مباشرة،

[ 162 ]

بل قد يكون العمل مجرد معد للضرر كما لو كان الوضوء مما يوجب استعداد المزاج لمرض ما. وحينئنن لا يمكن اتصاف الحكم بأنه ضرر بلحاظ توليده للعمل المضر. وثالثا: إن العنوان التوليدي إنما ينطبق على سببه بالمعنى المصدري المتضمن للنسبة الصدورية لا بالمعنى الاسم المصدري ونحوه مما لا يتضمن نسبة صدورية ولذا لا يقال على الالقاء إنه احتراق ولكن يقال إنه إحراق، لان الاحراق يتضمن نسبة صدورية دون الاحتراق، وعلى هذا فما ينطبق على الحكم هو عنوان الاضرار والضرار لا عنوان (الضرر) لانه معنى اسم مصدري على ما سبق. ورابعا: إن هذا المقدار ليس إلا تصويرا لتفسير الحديث بنفي الحكم الضرري وذلك لا يقتضي تعينه بعد عدم انحصار ما يحتمل معنى للحديث بهذا التصوير. المسلك الثاني: أن يكون المراد بالحديث النهي عن الضرر والا ضرار. وهذا المسلك هو العمدة في تفسير الحديث في مقابل تفسيره بنفي الحكم الضرري، وقد ذهب إليه جمع من اللغويين ونقل عن بعض فقهاء العامة. وقد اختاره من المتأخرين جماعة منهم صاحب العناوين والعلامة شيخ الشريعة. وعلى هذا المسلك يكون مفاد (لا ضرر) متحدا مع مفاد (لا ضرار) - بعد الاعتراف بوحدة معنى المادة فيهما على ما تقدم تحقيقه - فيكون التكرار لمجرد التأكيد كما نقل عن بعض اللغويين على ما مر. وربما قال جمع منهم بالتفرقة بينهما تخلصا عن التكرار بوجوه ضعيفة سبق التعرض لها ولنقدها.

[ 163 ]

وينحل هذا المسلك في نفسه إلى عدة وجوه، لان النهي الذي يتضمنه الحديث تارة يجعل نهيا تحريميا أوليا، وأخرى يقال إنه نهي تحريمي سلطاني وثالثة يدعن أنه جامع بين النهي التكليفي والارشادي. ونحن نتعرض لتحقيق أصل هذا المسلك وفق الوجه الاول من هذه الوجوه لانه أقواها وأرجحها، ثم نتعرض للوجهين الاخرين عقيب ذلك، وإن كانت جملة من الابحاث الاتية في هذا الصدد مما يتعلق بأصل هذا المسلك فتنطبق على جميع الوجوه. ولتحقيق هذا المسلك لا بد من البحث: أولا: في تصويره. وثانيا: فيما ذكر ترجيحا له وإثباتا لتعينه. وثالثا: فيما يرد على هذا المسلك أو أورد عليه. ورابعا: في الوجهين الاخيرين مما قيل بناءا عليه. فهنا أبحاث أربعة: البحث الاول: في تصوير هذا المبنى. وهو يتوقف على توضيح أمرين: الاول: كيفية إرادة النهي من هذا التركيب. لا اشكال في أن مفاد (لا) في الحديث هو النفي فيكون معنى الحديث استعمالا الاخبار عن نفي الضرر والضرار على ما هو المنساق منه، وإنما أريد النهي - على تقديره - في مرحلة الارادة تجوزا. والجهة المصححة لهذا الاستعمال هي التناسب الموجود بين نفي الطبيعة وبين التسبيب إلى انتفائها باعتبارها فعلا محرما. وأما العناية الموجبة لهذا التجوز فهى إظهار المبالغة في الزجر عن الشئ حتى كأن الفعل لا يوجد خارجا أصلا، كما تستعمل صيغة الاثبات

[ 164 ]

في البعث إلى الشئ بمثل هذه العناية وقد ذكر في علم المعاني أنه قد يقع الخبر موقع الانشاء لاظهار الحرص في وقوع الفعل حتى يخيل إليه حاصلا وقد أوضحنا القول في ذلك بتفصيل في بحث استعمال الجملة الخبرية في مقام الطلب من علم الاصول. الثاني: في ثبوت استعمال هذا التركيب في النهي. لا إشكال في ثبوت استعمال الجملة الخبرية بأقسامها في غير مورد الانشاء الطلبي والزجري سواء كانت جملة اسمية ك‍ (هي طالق) أو جملة فعلية بالفعل الماضي ك‍ (بعت) و (اشتريت) أو بالفعل المضارع نحو (إني أريد أن أنكحك). لكن الامر ليس كذلك في مورد الانشاء الطلبي والزجري على ما يشهد به موارد الاستعمالات فلم يثبت استعمالها في مورد إنشاء هذين المعنيين، إذا كانت الجملة اسمية من قبيل (زيد قائم) أو (زيد ليس بقائم) بأن يراد بالاول بعثه إلى القيام وبالثاني زجره عنه وإن كان الاستعمال صحيحا ممكنا كأن يقول الوالد لولده (أنا مسافر غدا وأنت معي) ومراده طلب السفر معه. وأما في مورد الفعل الماضي فربما قيل إنه لم يثبت أو لا يصح أيضا كما عن السيد الاستاذ (قده) (1). لكنه ليس بواضح فإنه يشيع استعماله في الدعاء ك‍ (رحمك الله وأعزك) كما يستعمل في معنى الامر إذا كان جزاء ك‍ (إذا استيقن إنه زاد في صلاته ركعة أعاد صلاته) وربما استعمل فيه ابتداء كقوله عليه السلام (أجزء امرؤ قرنه آسى أخاه بنفسه) (2).


(1) المحاضرات ج 2 ص 137. (2) نهج البلاغة (في حث أصحابه علن القتال: 180 - 181).

[ 165 ]

وأما في مورد الفعل المضارع فلا إشكال في ثبوت استعمالها في البعث والزجر كما هو شائع ك‍ (يعيد صلاته) أو (لا يعيد صلاته) على ما هو واضح. (وأما تركيب لا النافية): - وهو مورد البحث هنا - فربما يشكل ذلك كما ذكر المحقق الخراساني (إن إرادة النهى من النفي وإن كان غير عزيز إلا إنه لم يعهد في مثل هذا التركيب) (1) ورد عليه العلامة شيخ الشريعة بشيوع هذا المعنى في التركيب وذكر جملة كثيرة من الامثلة ادعى فيها إنها تعني النهي (2). والحق إن القولين لا يخلوان عن إفراط وتفريط، أما الاول فلمعهودية إرادة النهي من النفي كما في قوله تعالى (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (3) وغير ذلك من الاستعمالات. وأما الثاني: فلان شيوع هذا المعنى في التركيب المزبور بالمستوى الذي يمثله ذكر تلك الامثلة غير ثابت فإن جملة منها ليست بهذا المعنى كما يأتي تفصيله في التعرض لما ذكر في ترجيح هذا المسلك. لكن يكفي في ما هو الغرض في المقام (من تصوير هذا المسلك) أصل ثبوت استعمال هذا التركيب في هذا المعنى. وعلى ضوء هذا يتضح تمامية هذا المسلك تصويرا. البحث الثاني: في تعيين هذا المسلك وترجيحه. ويستفاد من كلام العلامة شيخ الشريعة في هذا الصدد وجوه:


(1) كفاية الاصول: 382. (2) رسالة لا ضرر له: 37 - 39. (3) البقرة 2: 197.

[ 166 ]

الوجه الاول: ما يظهر من مجموع كلامه (1) من تعين إرادة النهي في الحديث نظرا إلى شيوع إرادته من هذا التركيب في مثل هذا الموضوع دون غيره من المعاني التي يصح أن تراد بهذا التركيب. وهذا ينحل إلى عقدين سلبي وإيجابي. أما العقد السلبي: وهو عدم شيوع غيره، فلان في قبال احتمال النهي وجهين: أحدهما: نفي المسبب وإرادة نفي السبب كما هو مبنى تفسيره بنفي الحكم الضرري. والثاني: نفي الحكم بلسان نفي موضوعه. والاول غير معهود في هذا التركيب أصلا. والثاني معهود لكن فيما لا يماثل المقام موضوعا وهو ما إذا ثبت حكم لموضوع عام وأريد نفيه عن بعض أصنافه ك‍ (لا سهو في سهو) ومن الواضح إن المقام ليس من هذا القبيل، إذ لم يجعل لنفس الضرر حكم يراد نفيه عن بعض أصنافه، وأما نفي حكم موضوع آخر عنه فإرادته تحتاج إلى قرينة واضحة وهي منتفية في مقامنا. وأما العقد الايجابي: - وهو شيوع إرادة النهي من هذا التركيب - فقد ذكر له أمثلة من الكتاب والسنة وقال بعدها (ولو ذهبنا لنستقصي ما وقع من نظائرها في الروايات واستعمالات الفصحاء - نظما ونثرا - لطال المقال وأدى إلى الملل وفيما ذكرنا كفاية في إثبات شيوع هذا المعنى في هذا التركيب، أعني تركيب (لا) التي لنفي الجنس (2).


(1) يظهر ذلك بملاحظة ما ذكره أول الفصل الثامن من شيوع إرادة النهي وما ذكره بعد ذلك ص 37 - 40 حول سائر الاحتمالات. (2) رسالة لا ضرر للعلامة شيخ الشريعة ص 37 - 39.

[ 167 ]

والامثلة التي ذكرها هي كما يلي: 1 - قوله تعالى: (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (1). 2 - وقوله تعالى: (فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس) (2) في مجمع البيان: معنى (لا مساس) أي لا يمس بعضنا بعضا (3). 3 - ومثل قوله صلى الله عليه وآله: (لاجلب ولاجنب ولا شغار في الاسلام). 4 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا جلب ولا جنب ولا اعتراض). 5 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا خصى في الاسلام ولا بنيان كنيسة). 6 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا حمى في الاسلام ولا مناجشة). 7 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا حمى في الاراك). 8 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا حمى إلا حمى الله ورسوله). 9 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل). 10 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا صمات يوم إلى الليل). 11 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا صرورة في الاسلام). 12 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). 13 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا هجر بين المسلمين فوق ثلاثة أيام). 14 - وقوله صلى الله عليه وآله: (لا غش بين المسلمين).


(1) البقرة 2: 197، (2) طه 20: 97. (3) ط جديد ج 4 ص 28.

[ 168 ]

ولرد على هذا الوجه: أولا: ما تقدم من إن شيوع إرادة النهي من هذا التركيب لا يؤثر في تقوية هذا الاحتمال وتضعيف سائر الاحتمالات بمجرد التماثل التركيبي بين المقام وبين الموارد الاخرى، مع اختلافها في ملابسات وخصوصيات مؤثرة في تغيير المعنى، بل لا بد من إحراز اتحادها في ذلك. وجملة (لا ضرر) لا تشترك مع الامثلة المضروبة في هذه الجهة لان طبيعة الموضوع المنفي فيها أمر مرغوب عنه مما يجعل الانسان لا يتحمله إلا بتصور تسبيب شرعي فالنفي الوارد في هذا السياق النفسي يهدف بالطبع إلى إبطال التصور المذكور، ونفي التسبيب الشرعي إلى ذلك، وليس شئ من هذه الامثلة من هذا القبيل فإنها بين طبائع خارجية مرغوبة لذاتها لانسجامها مع القوى الشهوية والغضبية، وبين طبائع اعتبارية مرغوبة لاثارها القانونية - كما سيتضح مما يأتي - فشيوع إرادة النهي في هذا المجال لا يحسم الموقف لصالح احتمال النهي في الحديث. وثانيا: إن استعمال هذا التركيب في النهي ليس بشائع بالمستوى المدعى، إذ جملة من الامثلة المذكورة إنما هي من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه، إما لتعذر إرادة النهي فيها وإن أفادت التحريم أو لعدم ظهورها في ذلك. أما القسم الاول: - وهو ما يتعذر إرادة النهي منها - فهو ما اقترن بكلمة (في الاسلام) فإن وجود هذه الكلمة يقتضي كون نفي الماهية بلحاظ عالم التشريع أي عدم وقوعه موضوعا للحكم لا نفيها خارجا بداعي الزجر عن إيجادها. ففي هذا القسم حتى لو أريد التحريم - كما في (لا خصى في الاسلام) مثلا - فإنما يكون ذلك على سبيل نفي الحكم (أي الجواز) بلسان نفي

[ 169 ]

موضوعه لا على إرادة النهي، وإن كان نفي الجواز والنهي يرجعان إلى مؤدى واحد، إلا إنه لا ينبغي الخلط بينهما في مقام التدقيق في أنحاء استعمال هذا التركيب كما هو واضح. وأما القسم الثاني: - وهو ما لا يكون ظاهرا في التحريم - فهو الموارد التي كان المنفي فيها ماهية اعتبارية، فإن نفي الماهية الاعتبارية ظاهر حسب تناسبات الحكم للموضوع في نفي صحتها - كما تقدم توضيح ذلك في ذكر الضابط العام لتشخيص محتوى صيغ الحكم - فتكون هذه الموارد من قبيل نفى الحكم بلسان نفي موضوعه. سواء في ذلك ما كان النفي فيه نفيا للماهية خارجا أو في وعاء التشريع. فمن الاول قوله (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل) فإن المراد بالسبق العقد الخاص فالمقصود بالحديث بطلانه إلا في الموارد المستثناة، وثبوت حرمته بدليل آخر لا يقضي باستفادته من هذا الدليل. ومن الثاني: قوله (لا شغار في الاسلام) فإن الشغار نوع خاص من النكاح كان معروفا في الجاهلية وقوله (لا حمى في الاسلام) فإن المراد بالحمى اعتبار مرعى ومرتع مختصا بشخص أو قبيلة، فيمنع الغير من الرعي فيه وهذا نوع من الحكم الوضعي الذي يندمج فيه الحكم التحريمي ومرجع نفيه إلى إلغائه أو اسقاط ما كان يترتب عليه من الاثار في العرف الجاهلي لا تحريمه تحريما مولويا. ويحتمل أن يكون من هذا القبيل قوله (لا رهبانية في الاسلام) بناء على إنها التزام وتعهد نفسي بترك الاشتغال بالدنيا وملاذها والعزلة من أهلها والتعمد إلى مشاقها، فيكون المراد بنفيها إلغاء هذا العهد وعدم استتباعه لوجوب الوفاء فلا يكون في هذا المورد تحريم مولوي.

[ 170 ]

وبذلك ظهر أن معنى النهي لا يتجه في الامثلة المذكورة، إلا فيما لم يقترن بزيادة في الاسلام وكان المتعلق ماهية خارجية يؤتى بها لبعض الدواعي الشهوية والغضبية ك‍ (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (1). الوجه الثاني: تبادر النهي من الحديث وانسباقه إلى الذهن. قال (قده) (في كلام له عن هذا المسلك): (وهو الذي لا تسبق الاذهان الفارغة عن الشبهات العلمية إلا إليه) (2) وقال (وبالجملة: فلا إشكال في أن المتبادر إلى الاذهان الخالية من أهل المحاورات قبل أن ترد عليها شبهة التمسك بالحديث في نفي الحكم الوضعي ليس إلا النهي التكليفي) (3). (ويلاحظ عليه): إنه لا يتجه التمسك بالتبادر في المقام - كما سبق - وذلك لان الشك (تارة) يكون في تشخيص المراد الاستعمالي وضعا أو انصرافا و (أخرى) في تشخيص توافق المراد التفهيمي مع المراد الاستعمالي وعدمه. (وثالثة) في تشخيص المراد التفهيمي المردد بين وجوه بعد العلم بعدم توافقه مع المراد الاستعمالي. والتمسك بالتبادر إنما يتجه في المرحلة الاولى لاثبات العلقة الوضعية أو الانصراف. وأما في المرحلتين الاخيرتين فلا عبرة بادعاء التبادر بل المناط في المرحلة الثانية وجود القرينة المعينة لهذا الممعنى أو ذاك بعد وجود القرينة الصارفة عن المراد الاستعمالي. ومن المعلوم إن حمل الحديث على النهي ليس تحديدا لمدلوله الاستعمالي وإنما هو اقتراح في المراد التفهيمي بعد الاعتراف بتخالفه مع المراد الاستعمالي. فلا بد إذن من ملاحظة الجهات المحيطة بهذا الحديث لملاحظة مدى توفر القرينة على أحد الوجوه المقترحة في تحديد المراد التفهيمي وقد


(1) البقرة 2: 197. (2 و 3) رسالة لا ضرر: 40 - 41 (الفصل الثامن).

[ 171 ]

عرفت مقتضاها في كل من الجملتين. الوجه الثالث: ما ذكره بعد ذلك بقوله (مضافا إلى ما عرفت من إن الثابت من صدور هذا الحديث الشريف إنما هو ما كان في قضية سمرة بن جندب وأنه ثبت فيها (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن) ولا شك إن اللفظ بهذه الزيادة ظاهر في النهي) (1). (ويلاحظ عليه) أولا: إن هذه الزيادة لم ترد إلا في مرسلة ابن مسكان عن زرارة وهي ليست بحجة وعلى تقدير حجيتها فإن موثقة ابن بكير - التي تنقل نفس القضية عن زرارة دون تلك الزيادة - مقدمة عليها على ما مر تحقيقه في البحث عن متن الحديث في الفصل الاول. وثانيا: إنه على تقدير ثبوت هذه الزيادة فإنا لا نسلم منافاته مع إرادة نفي التسبيب إلى الحكم الضرري إذ يمكن نفي ذلك بالنسبة إلى المؤمن. الوجه الرابع: ما ذكره بقوله (على إن قوله صلى الله عليه وآله لسمرة إنك رجل مضار ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن - كما في رواية ابن مسكان عن زرارة - إنما هو بمنزلة صغرى وكبرى، فلو أريد التحريم كان معناه إنك رجل مضار والمضارة حرام وهو المناسب لتلك الصغرى، لكن لو أريد غيره مما يقولون صار معناه إنك رجل مضار والحكم الموجب للضرر منفي أو الحكم المجعول منفي في صورة الضرر، ولا أظن بالاذهان المستقيمة ارتضاءه) (2). ويرد عليه أولا: إن القول المذكور لم يتضمنه إلا رواية ابن مسكان. وقد سبق عدم اعتبارها في الفصل الاول.


(1) نفس المصدر ص 41. (2) رسالة لا ضرر للعلامة شيخ الشريعة: 41 - 42.

[ 172 ]

وثانيا: إن مقتضى ما ذكره استفادة التحريم من (لا ضرار) - لا من (لا ضرر) ولا منهما جميعا - لان المستعمل في التطبيق هو وصف باب المفاعلة - وهو مضار - وعليه فلا مانع من أن يراد ب‍ (لا ضرر) نفي التسبيب إلى الضرر بنفى الحكم الضرري ويراد ب‍ (لا ضرار) الحرمة التكليفية فتتناسب الصغرى مع الكبرى. الوجه الخامس: اتفاق أهل اللغة على فهم معنى النهي من الحديث. قال (قده) (في كلام له): (ولنذكر بعض كلمات أئمة اللغة ومهرة أهل اللسان تراهم متفقين على إرادة النهي لا يرتابون فيه ولا يحتملون غيره، ففي النهاية الاثيرية: قوله (لا ضرر) أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شئ من حقه، والضرار فعال من الضر أي لا يجازيه على اضراره بإدخال (الضرر عليه). وفي لسان العرب - وهو كتاب جليل في اللغة في عشرين مجلدا (1) - معنى قوله (لا ضرر) لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه. و (لا ضرر) أي لا يجازيه على اضراره بإدخال (الضرر عليه). وفي تاج العروس مثل هذا بعينه، وكذا الطريحي في المجمع) (2). وفي هذا الوجه ملاحظتان: الاولى: في مدى أصالة هذه المصادر الخمسة في ذكر هذا الرأي ومدى التزام مؤلفيها به. 1 - وأما النهاية لابن الاثير (ت 656 ه‍) فقد تقدم إنها في جزء مهم


(1) قد طبع الكتاب أولا في عشرين مجلدا وعليه جرى هذا القائل وقد طبع ثانيا في بيروت في خمسة وعشرين مجلدا وقد جاء قي مقدمة هذه الطبعة 1 / 6 إنه ثلاثون مجلدا كما جاء في مقدمة تاج العروس إنه سبعة وعشرون مجلدا. منه. (2) لسان العرب 4 / 482، مجمع البحرين 3 / 373، تاج العروس 3 / 348، النهاية لابن الاثير 3 / 81، رسالة لا ضرر لشيخ الشريعة: 43.

[ 173 ]

منها تجميع لكتاب غريبى الحديث والقرآن لابي عبيد أحمد بن محمد الهروي المتوفى سنة (401 ه‍) وكتاب الغيث في تهذيب القرآن والحديث للحافظ أبي موسى محمد الاصفهاني (ت 581 ه‍) وقد جعل لكل منهما علامة. وقد جعل هنا علامة الاول مما يعني إنه نقله عن كتاب الهروي وليس من كلامه هو. 2 - (وأما لسان العرب لابن منظور ت 711 ه‍) فهو وإن كان كتابا جامعا إلا إنه ليس إلا تجميعا لعدة كتب لغوية وهي تهذيب اللغة للازهري (ت 370 ه‍) والصحاح للجوهري (ت 393 ه‍) ونقد الصحاح لابن بري والمحكم لابن سيدة الاندلسي والنهاية لابن الاثير. وقد صرح بذلك مؤلفه في مقدمة كتابه كما صرح بأنه ليس مسؤولا عما في الكتاب (1) وقد اعتبره بعض محققي هذه الكتب كالنهاية كتاب اللسان نسخة من نسخها في مرحلة تحقيقها (2) وقد نقل في اللسان عبارتين تتضمنان تفسير


(1) قال في مقدمة لسان العرب 1 / 8 ط بيروت (وليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمت بها ولا وسيلة أتمسك بها سوى إني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم وبسطت القول فيه ولم اشبع باليسير وطالب العلم منهوم فمن وقف فيه على صواب أو ذيل أو صحة أو خلل فعهدته على المصنف الاول وحمده وذمه لاصله الذي عليه المعول لانني نقلت من كل أصل مضمونه ولم أبدل منه شيئا فيقال إنما إثمه على الذين يبدلون بل أديت الامانة في نقل الاصول بالنص وما تصرفت فيه بكلام غير ما فيه من النص فليعتد من ينقل من كتابي هذا إنه ينقل عن الاصول الخمسة وليغن عن الاهتداء بنجومها فقد غابت لما طلعت شمسه) وقد أكد ذلك في أثناء الكتاب ففي 4 / 42 (قال عبد الله محمد بن المكرم: شرطي في هذا الكتاب أن أذكر ما قاله مصنفو الكتب الخمسة التي عنيتها في خطبته لكن هذه نكتة لم يسعني إهمالها. قال الهيثمي...). (2) لاحظ مقدمة النهاية: 19 قال (ولما كان ابن منظور قد أفرغ النهاية في لسان العرب فقد اعتبرنا ما جاء من النهاية في اللسان نسخة وأثبتنا ما بينه وبينها من فروق).

[ 174 ]

الحديث بالنهي: إحداهما: عبارة النهاية لابن الاثير وقد نسبها إليه صريحا. والثانية: عبارة الازهري في تهذيب اللغة ولم يصرح باسمه وإنما عبر بقوله (قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله...) والكلام الذي نقله هذا القائل هو جزء من هذه العبارة. فليس ذلك قول لابن منظور نفسه. 3 - وأما الدر النثير للسيوطي (ت 911 ه‍) فهو: أولا: مختصر نهاية ابن الاثير واسمه الكامل (الدر النثير تلخيص نهاية ابن الاثير وقد أضاف على ذلك اضافات قليلة كما ذكر في مقدمة محقق النهاية (1) وعبارته في المقام نص عبارة ابن الاثير فهو في الحقيقة ليس مصدرا آخر. وثانيا: إن الظاهر إن السيوطي لا يلتزم بأن معنى (لا ضرر) هو النهي، فإنه في كتبه الحديثية والفقهية جرى على ما بنى عليه أكثر فقهاء العامة من تفسير الحديث بنفي الحكم الضرري، ففي كتابه تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك نقل عن ابن داود قوله (إن الفقه يدور على خمسة أحاديث وهذا أحدها) (2) وفي كتابه الاشباه والنظائر (3) وهو مؤلف في القواعد الفقهية - قد فرع عليها فروعا كثيرة لا تنسجم إلا مع التفسير المذكور كما تقدم ذكر ذلك.


(1) قال في ص 8 ثم رأى السيوطي أن يفرد زياداته على النهاية وسماها التذييل والتهذيب على نهاية الغريب. ويوجد هذا التذييل بآخر نسخة من نسخ النهاية بدار الكتب المصرية وهو في سبع ورقات) وقد ذكر في ص - 19 - 20 (وقد نظرنا في الدر النثير للسيوطي وسجلنا تحقيقاته وزياداته ومعظمها عن ابن الجوزى ولعله اطلع على غريبه فهو يكثر النقل عنه). (2) المصدر 2 / 22. (3) الاشباه والنظائر 84 - 85.

[ 175 ]

4 - وأما تاج العروس للزبيدي: فالظاهر إنه أخذ ما ذكره من النهاية إما مباشرة أو بتوسط لسان العرب أو الدر النثير، فإنها جميعا من مصادره كما يظهر من مقدمة كتابه، وقد اعتمد عليه محقق النهاية في تحقيق نصها - كما ذكره في مقدمتها - وعبارته في المقام عين عبارة النهاية. مضافا إلى إن كلامه قد لا يدل على جزمه بذلك فإنه لم يتضمن إلا نقل هذا التفسير حيث قال (والاسم الضرر فعل واحد والضرار فعل الاثنين وبه فسر الحديث (لا ضرر ولا ضرار) أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه ولا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، وقيل هما بمعنى وتكرارهما للتأكيد). 5 - وأما مجمع البحرين: فهو أيضا ذكر عين عبارة النهايه في المقام وقد صرح في المقدمة بإنها من مصادره. وبذلك يتضح: أولا: إن ذكر هذا الرأي في كلمات هؤلاء لم يكن عن التزام به من قبلهم جميعا، بل كان ذكر أكثرهم لذلك على سبيل النقل - ولو احتمالا - كما في المصادر الاربعة الاولى، وذلك إن أكثر الكتب اللغوية شأنها تجميع. الكلمات والاقوال كالجوامع الحديثية، ولذا كانوا يذكرون الاسناد إليها في العهد الاول. وثانيا: إن أصل هذا التفسير ينتهي إلى كلامين تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل أحدهما للازهري في تهذيب اللغة، والثانى للهروي في الغريبين، وسائر المتأخرين عنهما إنما ذكروا نص هذين الكلامين أو أحدهما - ولو ملخصا - من دون تصرف زائد في ذلك. وعلى ضوء ذلك يظهر إن ما ذكر من نسبة فهم هذا المعنى إلى مهرة اللغة لا يخلو عن نظر وتأمل.

[ 176 ]

والملاحظة الاخرى: إن الاحتجاج بقول أهل اللغة ضعيف لعدم حجية أقوالهم في حد أنفسها - على ما أوضحناه في علم الاصول - لا سيما في مثل هذا الموضوع الذي لا يرتبط بتفسير مفرد لغوي، وإنما يرتبط بتشخيص المعنى المجازي للكلمة، وخصوصا مع تعارضه مع فهم الفقهاء الذين هم أكثر اطلاعا على المناسبات الدخيلة في تشخيص المراد التفهيمي، لا سيما في النصوص التشريعية حيت تقدم أن أغلب فتقاء الفريقين فهموا من الحديث نفي مجعولية الحكم الضرري. الوجه السادس والسابع والثامن: ما نقله (قده) عن صاحب العناوين من إنه قال: 1 - (والحق إن سياق الروايات يرشد إلى إرادة النهي من ذلك، وإن المراد تحريم الضرر والضرار والمنع عنهما، وذلك إما بحمل (لا) على معنى النهي، وإما بتقدير كلمة (مشروع ومجوز ومباح) في خبره مع بقائه على نفيه، وعلى التقديرين يفيد المنع والتحريم. 2 - وهذا هو الانسب بملاحظة كون الشارع في مقام الحكم من حيث هو كذلك، كما في مقام ما يوجد في دين وما لا يوجد، وإن كان كل من المعنيين مستلزما للاخر إذ عدم كونه من الدين أيضا معناه منعه فيه ومنعه فيه مستلزم لخروجه عنه. 3 - مضافا إلى إن قولنا (الضرر والضرار غير موجود في الدين) معنى يحتاج تنقيحه إلى تكلفات، فإن الضرر مثلا نقص المال أو ما يوجب نقصه، وذلك ليس من الدين بديهة إذ الدين عبارة عن الاحكام لا الموضوعات، فيحتاج حينئذ إلى جعل المعنى هكذا: إن الحكم الذي فيه ضرر أو ضرار

[ 177 ]

ليس من الدين، وهذا غير متبادر وإن بالغ فيه بعض المعاصرين) (1). وهذه الوجوه غير تامة أيضا. أما الاول: فلمنع إرشاد سياق الروايات إلى إرادة النهي من (لا ضرر) لا سيما على المختار من دلالة (لا ضرار) على النهي. كما إن الوجهين المذكورين لتخريج إرادة التحريم ضعيفان وإنما الصواب ما تقدم ذكره في تصوير هذا المسلك: وأما الثاني: فلان كون الشارع في مقام الحكم والقضاء لا يقابل كونه في مقام بيان تحديد الاحكام الشرعية بعدم الضرر تطبيقا لذلك في المورد كما هو واضح. وأما على الثالث: فلان مبناه ثبوت زيادة (في الاسلام) ليكون المنفي وجود الضرر في وعاء التشريع، وأما على تقدير عدم ثبوتها - كما هو الصحيح - فإن المنفي حينئذ يكون وجود الضرر في الخارج، وهو غير مراد تفهيما على كل تقدير سواء فسر بالنهي أو بنفي الحكم الضرري، لكن مصححه على الاول التسبيب إلى عدم الاضرار وعلى الثاني عدم التسبيب إلى وقوع الضرر ولا ترجيح للاول على الثاني بل سبق تعين الثاني. الوجه التاسع: ما يمكن أن يقال على ضوء ما ذكره في موضع آخر حيث قال: (إن التخصيصات الكثيرة التي يذعون ورودها على القاعدة ليست كما يقولون، وأنها مبتنية على إرادة المعنى الذي رجحوه من التعميم للتكليفي والوضعي وللضرر الناشئ من أركان المعاملة وشروطها وما يترتب عليها مما هو خارج عنها (2) فلعل التسليم بورود تلك التخصيصات على


(1) لاحظ رسالة لا ضرر للعلامة شيخ الشريعة - الفصل الثامن - ص 40 للسيد مير فتاح، العنوان العاشر. (2! رسالة (لا ضرر) للعلامة شيخ الشريعة - الفصل التاسع - ص 45.

[ 178 ]

الحديث في تفسيره بنفي الحكم الضرري يكون قرينة على بطلان هذا الاحتمال، فيتعين احتمال النهي، وبعبارة أخرى لازم تفسير الحديث بنفي الحكم الضرري كثرة التخصيص بخلاف تفسيره بالنهي المولوي عن الاضرار، فهذه قرينة عقلية على بطلان - تفسيره بنفي الحكم الضرري. لكن هذا الوجه أيضا غير تام لما سيأتي في التنبيه الثاني من تنبيهات القاعدة من عدم ثبوت استلزام إرادة نفي الحكم الضرري لتخصيص الحديث كذلك. هذه هي الوجوه التي أفادها العلامة شيخ الشريعة (قده) في ترجيح هذا المسلك، وقد ظهر عدم نهوض شئ منها على ذلك. وعلى هذا: فهذا المبنى - بعد تمامية تصويره - ليس له معين في حد نفسه في مقابل سائر الوجوه والمعاني التي يصح إرادتها من الحديث. البحث الثالث: في منافشة هذا المسلك. ويظهر ذلك مما سبق في تحقيق معنى الحديث على المختار. ففيما يتعلق ب‍ (لا ضرر) قد أوضحنا إن معنى الضرر بما إنه معنى اسم مصدري لا يتضمن النسبة الصدورية - فلا تناسب بينه وبين احتمال النهي لانه ماهية مرغوب عنها لا تتحمل إلا بتصور التسبيب الشرعي فيكون نفيه نفيا لذلك بالطبع، وإنما المناسب مع النهي هو الاضرار والضرار، مع تأيد ذلك بفهم أكثر الفقهاء وأنسبيته مع بعض موارد الحديث كقضية سمرة على ما مر سابقا وأما فيما يرنبط ب‍ (لا ضرار) فإن إفادته للنهي صحيحة، لكن لا يقتصر مفادها على ذلك لان مؤداه التسبيب إلى عدم الاضرار بالغير، وهذا المعنى كما يقتضي النهي عنه فإنه يقتضي تشريع اتخاذ الوسائل الاجرائية لمكافحته على ما سبق أيضا.

[ 179 ]

وقد يعترض على هذا المسلك بوجوه أخرى: منها: ما تقدم في أثناء المباحث السابقة وتقدم القول فيها. ومنها: ما أورده السيد الاستاذ (قده) من إنه لا يمكن الالتزام باحتمال النهي في المقام، (أما بناء) على اشتمال الحديث على جملة (في الاسلام) كما في رواية الفقيه ونهاية ابن الاثير فظاهر، لان هذا القيد كاشف عن إن المراد هو النفي في مقام التشريع لا نفي الوجود الخارجي بداعي الزجر، (وأما بناء) على عديم ثبوت اشتمالها عليها كما هو الصحيح، فلان حمل النفي على النهي يتوقف على وجود قرينة صارفة عن ظهور الجملة في كونها خبرية، كما هي ثابتة في قوله تعالى: (لا رفث ولا فسوق) (1) فإن العلم بوجود هذه الامور في الخارج مع العلم بعدم جواز الكذب على الله سبحانه وتعالى، قرينة قطعية على إرادة النهي، وأما في المقام فلا موجب لرفع اليد عن الظهور وحمل النفي على النهي، لامكان حمل القضية على الخبرية (2). وفيما ذكر نظر في كلا الشقين: أما الشق الاول: فيلاحظ على ما ذكر: أولا: إنه لا وجه لذكره بعد إن كان مبناه ومبنى المعترض عليه جميعا - وهو العلامة شيخ الشريعة - عدم صحة هذه الزيادة فالبحث في الصيغة التي ثبت ورود الحديث بها لا غيرها. وثانيا: إن وجود هذه الزيادة وإن كان يمنع عن جعل المقصود ب‍ (لا ضرر) نفس النهي عن الاضرار، إلا إنه لا يمنع من استفادة التحريم المولوي


(1) البقرة 2 / 197 (2) لاحظ مصباح الاصول 2 / 526.

[ 180 ]

من الحديث على أن يكون من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه استعمالا، ويراد به تفهيما نفي جواز الضرر في الشريعة الاسلامية ومدعى المعترض عليه هو دلالة الحديث على الحرمة سواءا كانت مرادا استعماليا أم تفهيميا، كما يظهر من آخر كلامه في المقام (1). إن قيل: إنه يعتبر في نفي شئ في الشريعة المقدسة ثبوت الحكم المنفي للشئ مسبقا كأن يثبت له في الشرائع السابقة كما في قوله عليه السلام (لا رهبانية في الاسلام) فإن الرهبانية كانت مشروعة في الامم السابقة فكان نفيها في الاسلام نفيا لمشروعيتها، والاضرار ليس كذلك (فإن حكمه السابق حيث لم يكن إباحة بل كان إما تحريما أو قبيحا على ما يستقل به العقل فإرادة نفي الحكم بلسان نفي الموضوع ينتج ضد المقصود وهو نفي الحرمة أو القبح الثابتين سابقا). قيل: إن هذا البيان أولا: منتقض بقوله (لا مناجشة في الاسلام) فإنه لا إشكال في إن المراد نفي مشروعيتها مع أنها أيضا قبيحة عقلا. وقد ذكر الشيخ الانصاري في المكاسب المحرمة بعد ذكر النجش إنه يدل على قبحه العقل، لانه غش وتلبيس وإضرار. فالنجش أما منحصر بمورد الاضرار كما يظهر من المصباح المنير (2) أو أعم من ذلك، فكيف يوجه نفي الحكم فيها بلسان نفي موضوعه مع أنه قد ينتج ضد المقصود. وثانيا: إنه يمكن حل ذلك بملاحظة مجموع جهتين: الاولى: إن نفي الحكم بلسان نفي موضوعه لا يختص بما لو كان


(1) لاحظ مصباح الاصول 2 / 526. (2) المصباح المنير 2: 594.

[ 181 ]

الحكم ثابتا للشئ في الشرائع السابقة، بل يكفي ثبوته له عرفا وعادة - كما اعترف به - فإن للعرف أيضا قانونا وإن لم يكن مدونا، وإضافة النفي إلى الاسلام يكفي في مصححه ثبو ت الحكم في القانون العرفي كما هو واضح. الثانية: إنه لا يبعد القول بان الاضرار في العرف الجاهلي كان مباحا ومجوزا وذلك بملاحظة عملهم الخارجي، فقد كان يتعارف لديهم المعاملات الضررية كالقمار والربا وغيرهما كما كان من عاداتهم وأد البنات والاغارة والنهب، وكانت سيرتهم على وفق قانون (الحق للقوة) حيث كان القوي يظلم الضعيف ويغصب حقه، كما كانوا يضارون النساء كثيرا، ولذلك ورد النهي عن مضارتهن في جملة من الايات القرآنية كقوله تعالى (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) (1) كما ورد التنديد بالظالم في كثير منها. ولا ينافي ذلك حكم العقل بقبح الاضرار فإن الاحكام الحاكمة في العرف الجاهلي كان كثير منها على خلاف ما يحكم به العقل، كما أشير إلى ذلك في كثير من الايات الشريفة في مقام المحاجة معهم ولا يختص ذلك بإباحة الاضرار. وعلى هذا فيكون المقصود بالحديث أن الجواز الثابت للاضرار في العرف الجاهلي غير ثابت له في الاسلام. وأما الشق الثاني: فيرد على ما ذكر في إبطاله: إن مجرد انحفاظ كون الجملة خبرية على تقدير تفسير الحديث بنفي الحكم الضرري لا يصلح ترجيحا لهذا التفسير، ومبطلا لاحتمال النهي إلا إذا لم يكن التفسير المذكور مقتضيا للتجوز في أية جهة أخرى بحيث تتطابق عليه الارادة الاستعمالية والارأدة التفهيمية من جميع الجهات، وإلا لو كان هذا التفسير يقتضي نحو


(1) الطلاق 65: 6.

[ 182 ]

تجوز آخر في الحديث لكان الوجهان سواء في مخالفتهما للاصل، فلا بد من قرينة معينة لاحدهما بعد وجود القرينة الصارفة عن إرادة المعنى الحقيقي وهو نفي الضرر خارجا. وقد اتضح مما ذكرناه سابقا: أن نفي الحكم الضرري معنى مجازي للحديث لان المراد الاستعمالي به هو نفي وجود الطبيعي خارجا، لكنه استعمل بداعي التعبير عن عدم التسبيب التشريعي إلى تحقق الضرر، وعليه فلا يرد الاعتراض المذكور. البحث الرابع: في الوجهين الاخرين في تقرير هذا المسلك. قد سبق أن ذكرنا إن هذا المسلك ينحل إلى وجوه ثلاثة: أولها وأقواها: أن يراد بالحديث النهي التحريمي المولوي. وهذا الوجه هو المنساق من كلام من فسر الحديث بالنهي من غير توضيح لنوعه. وإنما كان أقوى من الوجهين الاخرين لانه لا يتجه عليه اعتراض زائد عما يرد على أصل هذا المسلك بخلاف هذين الوجهين كما سوف يتضح ذلك. الوجه الثاني: أن يراد بالنهي ما يعم النهي التحريمي المولوي والنهي الارشادي. وقد ذكر ذلك الشيخ الانصاري (قده) في الرسائل حيث قال بعد ذكر احتمال النهي (ولا بد أن يراد بالنهي زائدا على التحريم الفساد وعدم المضي، للاستدلال به في كثير من رواياته على الحكم الوضعي دون محض التكليف، فالنهي هنا نظير الامر بالوفاء بالشروط والعقود. فكل اضرار بالنفس أو بالغير محرم غير ماض على من أضره، وهذا المعنى قريب من الاول بل راجع إليه) (1).


(1) فرائد الاصول 2 / 535، الرسائل ط رحمت الله ص 315.

[ 183 ]

والكلام تارة في تصوير هذا الوجه وأخرى في مدى انسجامه مع ظاهر الكلام. أما من الناحية الاولى: فقد يشكل هذا الوجه من جهة اقتضائه الجمع بين إرادة الحكم المولوي والارشادي والجمع بين الحكمين يستلزم تعدد المراد التفهيمي بالنفي أي استعمال اللفظ في أكثر من معنى مجازي وهو خلاف الظاهر على الاقل. ولكن التحقيق عدم اتجاه هذا الاشكال لعدم الحاجة إلى قصد معنيين بل يمكن إرادة النهي، فإن معنى النهي بحقيقته وهو الزجر جامع بينهما، إلا أنه إذا كان محتواه الوعيد على الفعل كان نهيا مولويا تحريميا. وإذا كان محتواه الارشاد إلى عدم ترتب الاثر المرغوب من الشئ - من الاثر القانوني في موضوعات الاحكام، أو امتثال الحكم المتعلق بالطبيعة لم في متعلقاتها - كان إرشاديا، ولا مانع من اجتماع الامرين كما في مورد تحريم الربا، وعليه يمكن إرادة كلتا الحرمتين، كما يمكن إرادة الحلية التكليفية والوضعية جميعا من الحكم بها في نحو (أحل الله البيع) (1). نعم، يشكل الوجه المذكور من جهة أخرى وهي الجمع بين إرادة متعلق الحكمين، وذلك لان الضرر على هذا التقدير لا بد أن يكون ملحوظا باللحاظين الاستقلالي والمرآتي في حال واحد. أما اللحاظ الاستقلالي فباعتبار الحكم التكليفي، لان النهي التحريمي المولوي إنما يتعلق بالاضرار بما هو إضرار. وأما اللحاظ المرآتي فباعتبار الحكم الوضعي لانه لا معنى لفساد الاضرار بذاته وإنما يتجه الحكم عليه بالفساد إذا أخذ مرآة لماهية يعقل اتصافها بالفساد.


(1) البقرة 2: 275.

[ 184 ]

والجمع بين اللحاظين وإن لم يمتنع عقلا إلا إنه خلاف الظاهر جدا لانه يقتضي استعمال اللفظ في معنيين معا، نعم لو كان المنفي ماهية يمكن تعلق التحريم والفساد بها مباشرة أحتمل الوجه المذكور معنى للكلام. وأما من الناحية الثانية: فيلاحظ إن هذا الوجه يخالف ظهور الجملة من جهات، مضافا إلى ما سبق في أصل احتمال النهي. منها: كون الضرر مرآة لما يكون ضررا لكي يعقل أن يكون متعلقا للحكم الوضعي، ولا إشكال في مخالفة ذلك للظاهر إذ الظاهر هو تعلق النفي به نفسه. ومنها: الجمع بين إرادة الضرر بنفسه وجعله مرآة لما ينطبق عليه وهو مخالفة أخرى للظاهر كما تقدم، ويتفرع على ذلك أنه يكون اسناد التحريم إلى الضرر إسنادا مجازيا بلحاظ مرآتيته لما يصدق عليه، وحقيقيا أخرى باعتبار ملحوظيته ذاتا. ومنها: تعميم الحكم للحكم الارشادي بناء على إن الاصل في النواهي أن تكون مولوية كما هو المعروف بين الاصوليين فيكون خلاف الاصل. وهكذا يتضح مدى التكلف الذي يتضمنه هذا التقرير. الوجه الثالث: أن يكون النهي نهيا سلطانيا كما ذهب إليه بعض الاعاظم (1). وأوضحه بأن للنبي صلى الله عليه وآله شؤونا: أحدها: تبليغ الاحكام الالهية وهو ما يعبر عنه بالنبوة أو الرسالة باعتبار إنبائه صلى الله عليه وآله عن أحكامه وإرساله لذلك. وأمره ونهيه فيما يتعلق بهذا الشأن يكون أرشادا إلى أمر الله ونهيه، كما أن مخالفتهما تكون


(1) الرسائل للامام الخميني (قده): 50 وما بعدها.

[ 185 ]

مخالفة لله تعالى لا للرسول صلى الله عليه وآله. وثانيها: الرئاسة العامة بين العباد لكونه وليا على الامة من قبل الله تعالى وبهذا الشأن يكون له صلى الله عليه وآله حق الامر والنهي مستقلا، كتنفيذه جيش أسامة ونحوه. ويكون حكمه في ذلك حكما سلطانيا تجب طاعته بما أنه وال ورئيس كما تجب طاعة أحكام الله تعالى، وقد قال تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (1) وجملة من الاحكام الكلية في الشريعة الاسلامية المقدسة تستند إلى هذا الشأن. وثالثها: مقام القضاء بين المتنازعين وذلك بتطبيق الاحكام الكلية في مورد النزاع والحكم على ضوئها، وتجب طاعته في ذلك بما أنه قاض لا بما أنه وال ورئيس. وحديث (لا ضرر ولا ضرار) إنما يمثل حكما سلطانيا من جهة رئاسته العامة، فمفاده المنع عن الضر والضرار في حدود حكومته. وقد استدل على ذلك بعدة أمور: الاول: إنه قد ورد حكاية هذا الحديث في بعض روايات أهل السنة بلفظ (وقضى صلى الله عليه وآله أن لا ضرر ولا ضرار) كرواية عبادة بن الصامت. ولفظ القضاء - كالحكم - ظاهر في كون المقضي به من أحكامه صلى الله عليه وآله، إما بما هو قاض بين الناس أو بما إنه ولي على الامة لا تبليغا عن الله تعالى، وبما أن المجعول حكم كلي لا يرتبط بمقام القضاء بين الناس فقط فينحصر أن يكون مصحح إطلاقه هو كون ذلك حكما سلطانيا صدر عنه من جهة ولايته العامة. الثاني: إن الحديث قد ورد من طرقنا في ذيل قضية (سمرة) وهي لا تنسجم مع كون الحكم المذكور فيها حكما إلهيا أو قضائيا أما الاول فلانه


(1) النساء 4: 59.

[ 186 ]

لم يكن الحكم هنا حكما مشتبها في المورد لكي يخبر النبي صلى الله عليه وآله بأن الحكم الضرري منفي في الاسلام أو منهي عنه من قبله تعالى. وأما الثاني: فلانه لم يكن هناك نزاع بين الرجل الانصاري وبين سمرة في حق أو مال. وإنما كان مورد الحديث شكاية الانصاري ظلم سمرة له في الدخول في داره بدون استئذان ووقوعه لذلك في الضيق والمشقة، واستنجاده به صلى الله عليه وآله بما إنه ولي على الامة في رفع هذا الظلم ومنع سمرة من ذلك، فاستجاب النبي صلى الله عليه وآله لطلب الانصاري فأمر سمرة بالاستئذان أولا ثم أمر بقلع شجرته ثانيا منعا لوقوع الضرر في حوزة حكومته، وتحكيما للعدل وقمعا للظلم بين الرعية، وهذا إنما يناسب الحكم السلطاني. الثالث: إن الحديث قد وقع تعليلا للامر بالقلع في قضية سمرة مع إنه لو أريد نفي الحكم الضرري أو النهي الاولي عن الاضرار لم يتجه كونه تعليلا لذلك، إذ هذان المعنيان لا يبرران الاضرار بالغير بالقلع. لان القلع في حد نفسه إضرار كما إن الامر به حكم ضرري، وإنما يبرر ذلك أعمال الولاية قطعا لمادة الفساد ودفعا للضرر والضرار، فلا بد أن يكون مفاد (لا ضرر) حكما سلطانيا حتى ينسجم التعليل مع الحكم المعلل. وهذا المعنى هو أكثر ما وقع محلا للتركيز في كلامه (قده). ولكن هذا الوجه غير تام أيضا: لان النهي عن الاضرار إنما يناسب أن يكون حكما كليا إلهيا لا حكما سلطانيا، لان الاضرار بالغير ظلم عليه وقبح الظلم من القوانين الفطرية بل هو أوضح موارد التحسين والتقبيح العقليين، فكيف تكون صفحة التشريع الالهي خالية عن مثل هذا الحكم الفطري مع إن التشريعات الالهية تفصيل وتوضيح للقوانين الفطرية فيكون في مستوى حكم سلطاني وضعه النبي

[ 187 ]

صلى الله عليه وآله. وكأن منشأ العدول إلى هذا الرأي ملاحظة إن حكمه صلى الله عليه وآله بالقلع إنما كان حكما سلطانيا في مورد قضية سمرة وقد علل بهذه الكبرى فيقتضي كونها كذلك. وهذا غير تام كما سيأتي في نقد الامر الثالث. وأما الشواهد المذكورة فلا يتم شئ منها. أما الاول: ففيه - مضافا إلى عدم حجية شئ من روايات العامة التي عبرت بالقضاء بما فيها رواية عبادة ومضافا إلى ورود القضاء بمعان متعددة - إن المنساق من التعبير بالقضاء على ما اعترف به هو الحكومة بين المتخاصمين، ولذلك يفرق بينه وبين الفتوى لان الفتوى هي عبارة عن بيان الحكم بنحو كلي وأما القضاء فهو الحكم في القضايا الشخصية التي هي مورد تشاجر ونزاع. وهذا المعنى قابل لان يراد هنا على أن يكون المقصود هو إنه صلى الله عليه وآله حكم في مورد جزئي بين المتخاصمين بأنه لا ضرر ولا ضرار، فلا ينافي ذلك كون الحكم الكلي تشريعا إلهيا عاما، وقد سبق أن نقلنا كلام بعض الفقهاء في اقتضاء هذا التعبير للحكم به في مورد خاص. يضاف إلى ذلك: استبعاد الالتزام بالمعنى المذكور في جملة من موارد استخدام هذا التعبير من قبيل (قضى في الركاز الخمس) مع أن الخمس ثابت في الغنيمة بالمعنى الاعم بقوله تعالى: (واعلموا إنما غنمتم من شئ...) (1) الشامل للركاز. وأما الثاني: ففيه منع عدم وجود النزاع في أي حكم في مورد قضية سمرة، فإن الذي تمثله هذه القضية تحقق أمرين:


(1) الانفال 8: 41.

[ 188 ]

الاول: وجود النزاع في شبهة حكمية حيث إن الانصاري كان لا يرى لسمرة حق الدخول في داره بلا استئذان، ولكن سمرة كان يرى نفسه إنه يجوز له ذلك، لانه له حق الاستطراق إلى نخلته وليس يريد الدخول في مكان لا حق له في استطراقه حتى يحتاج إلى الاذن من مالك الارض، وقد احتج بذلك في كلامه مع الانصاري ومع النبي صلى الله عليه وآله كما تضمنت ذلك معتبرة إبن بكير وخبر ابن مسكان، ففي معتبرة إبن بكير بعد ذكر طلب الانصاري من سمرة أن يستأذن إذا دخل (فقال: لا أفعل هو مالي أدخل عليه ولا استأذن، فأتى الانصاري رسول الله صلى الله عليه وآله فشكى إليه وأخبره فبعث إلى سمرة فجاء فقال له إستأذن فأبى، فقال مثل ما قال للانصاري). وفي خبر إبن مسكان بعد ذلك (فقال: لا أستأذن في طريقي وهو طريقي إلى عذقي، قال: فشكاه الانصاري إلى رسول الله فأرسل إليه رسول الله فأتاه فقال له: إن فلانا قد شكاك وزعم إنك تمر عليه وعلى أهله بغير أذنه فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل، فقال: يا رسول الله أستأذن في طريقي إلى عذقي!). الثاني: طلب الانصاري من النبي صلى الله عليه وآله أن يحميه ويدفع عنه أذى سمرة، وذلك لانه كان يرى موقفه في النزاع الواقع في استحقاق الدخول دون أذن وعدمه، هو الحق، وكان قد ضاق به الامر من تكرر صدور ذلك من سمرة وإصراره على الدخول دون أذن. وعلى ضوء هذا: فيمكن القول بأن النبي صلى الله عليه وآله في مورد الامر الاول - من النزاع الذي نشب بينهما - حكم على وفق القانون الالهي العام وأمر سمرة بالاستئذان، وهذا القانون هو حرمة الاضرار بالغير، بناء على مسلك النهي، إذ كان دخوله بلا استئذان إضرارا بالانصاري، أو محدودية حق الاستطراق بعدم لزوم الضرر بالغير - بناء على مسلك النفي - أو بكلا

[ 189 ]

الامرين بناء على المعنى المختار للحديث الجامع للنفي والنهي بلحاظ كلا الجملتين وهما لا ضرر ولا ضرار. وبعد ترجيح موقف الانصاري في مورد النزاع وإباء سمرة عن الالتزام بموجب الحكم القضائي وصلت النوبة إلى معالجة الامر الثاني بتنفيذ الحكم القضائي دفعا للضرر عن الانصاري، وقد استند صلى الله عليه وآله في ذلك إلى مادة قضائه المذكور - وهي (لا ضرر ولا ضرار) - فأمر بقلع نخلته. وأما الثالث: فيرد عليه: أولا: إن مفاد (لا ضرار) لا يبرر الامر بالقلع في حد ذاته سواء كان حكما أوليا أو سلطانيا، إذ لا فرق بين نوع النهي في عدم دلالته على تشريع مثل هذا الاضرار كما هو واضح. وعليه فليس في الالتزام بالوجه المذكور علاج لهذه النقطة. وكأنه قد وقع الاشتباه فيما ذكر بين مرحلة اتخاذ الحاكم وسيلة لدفع الاضرار كقلع النخلة، وبين الحكم بلزوم دفعه الذي يتكفله القانون العام. وثانيا: إن (لا ضرار) إذا كان بدلالته على النهي لا يبرر الامر بالقلع فإنه يمكن تبريره بدلالته على تشريع اتخاذ الوسائل الاجرائية لمكافحة الاضرار - على ما تقدم ايضاحه في ذكر المسلك المختار - فلا يقتضي ذلك رفع اليد عن كون الحكم قانونيا إلهيا، وسيأتي زيادة ايضاح للموضوع في التنبيه الاول من تنبيهات القاعدة. المسلك الثالث: ما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية من إن المراد بالحديث هو نفي الحكم بلسان نفي موضوعه ادعاء (1) وملخص ما ذكره في


(1) كفاية الاصول 380 - 382.

[ 190 ]

توضيح معنى الحديث يرجع إلى نقاط ثلاث: الاولى: في معنى الضرر والضرار. وتد ذكر إن الضرر هو ما يقابل النفع من النقص في النفس أو الطرف أو العرض أو المال، وقال (إن الاظهر أن يكون الضرار جئ به تأكيدا كما يشهد به أطلاق المضار على سمرة وحكي عن النهاية... ولم يثبت له معنى آخر غير الضرر). الثانية: في المراد التفهيمي بالجملتين. وقد ذكر إن تركيب (لا) النافية إنما هو لنفي الطبيعة أما حقيقة أو إدعاء، كناية عن نفي الاثار كما هو الظاهر من مثل (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) و (يا أشباه الرجال ولا رجال). والمقام من قبيل الثاني فالمقصود هو نفي حكم الضرر، لكن الحكم الذي أريد نفيه بنفي الضرر - كما صرح به - هو الحكم الثابت للافعال بعناوينها أو المتوهم ثبوته لها كذلك في حال الضرر لا الحكم الثابت للضرر بعنوانه لوضوح إن الضرر علة لنفي الحكم - حسب مفاد الحديث - فلا معنى لان ينفي حكم نفسه، بل يلزم من ذلك التناقض في مرحلة الجعل ووعاء التشريع. الثالثة: في وجه ترجيح هذا المعنى على غيره مما فسر به الحديث. والذي يظهر من مجموع كلامه في وجه ذلك: أولا: إن أقرب المجازات بعد عدم إمكان إرادة نفي الحقيقة حقيقة هو نفيها إدعاء تحفظا على نوع المعنى المفاد استعمالا - لكن على نحو التنزيل والادعاء - فإن في المسالك الاخرى عدولا عن ذلك. وثانيا: إن النفي الادعائي كثيرا ما يستعمل فيه هذا التركيب حتى كان هو الغالب فيه بخلاف غيره من المعاني. وفي النقاط الثلاث نظر. أما النقطة الاولى: فيرد عليها إنه لا يصح القول بوحدة معنى الكلمتين

[ 191 ]

تماما على ما اتضح من الابحاث السابقة، فإنهما يتفقان في المعنى من جهة المادة لكن يختلفان من جهة الهيئة لان (الضرر) اسم مصدر من الثلاثي المجرد و (الضرار) مصدر من باب المفاعلة من الثلاثي المزيد فيه وقد تقدم تحقيق معناهما. وأما النقطة الثانية: فلان تصوير نفي الحكم بنفي موضوعه في الحديث يتوقف على أمرين: الاول: أن يكون المقصود بالضرر والضرار العمل المضر، إذ لو أريد به نفس معناه لم يتم هذا الوجه لانه إن كان معنى اسم مصدري - كما هو الصحيح في كلمة (الضرر) - فإنه لا معنى لنفي حكمه، لانه لا حكم له والحرمة والضمان إنما هما من آثار المعنى المصدري على ما هو واضح، وإن كان معنى مصدريا كما هو الصحيح في كلمة الضرار، فإنه وإن كان له حكم كالحرمة والضمان إلا إن نفيهما ليس بمقصود ولا معقول كما تنبه له هو (قده). والثاني: أن يكون نفي الحكم بلسان نفي موضوعه صحيحا وإن كان الموضوع متعلقا للحكم لا موضوعا له بالمعنى المصطلح وهو ما فرض وجوده ورتب عليه الحكم ك‍ (المستطيع) في قوله (يجب الحج على المستطيع). لكن لا يتم شئ من هذين الامرين. أما الاول: فلان قصد العمل المضر من الضرر إما بنحو المرآتية أو بنحو آخر. فإن كان بنحو المرآتية، ففيه: أولا: إن جعل العنوان مرآة للمعنون هو خلاف الظاهر، لان ظاهر الكلام هو إن ما أخذ مرتبطا بالحكم في القضية اللفظية بنفسه مرتبط معه في القضية اللبية. وبهذا يفقد هذا التفسير ما جعله ميزة له في النقطة الثالثة من

[ 192 ]

إن فيه تحفظا على الظاهر اللفظي من نفي الطبيعة لكن إدعاء بخلاف تفسيره بنفي الحكم الضرري مثلا، فإنه يقتضي إرادة نفي سبب وجود الطبيعة - وهو الحكم الضرري - لا نفسها. وثانيا: إنه لا يمكن جعل الضرر مرآة للعمل المضر، لان مرآتية شئ لشئ ليست جزافية بل أقل ما يعتبر فيها نحو اتحاد بين المفهومين وجودا - كما في العنوان والمعنون - وليست نسبة الضرر إلى العمل المضر كالوضوء من هذا القبيل، بل هي من قبيل نسبة المعلول إلى العلة. وإن كان على غير المرآتية كالسببية والمسببية فهو أبعد منها استظهارا لان المرآتية فيما يقال أخف مراحل المجاز. وأما الثاني، ففيه: أولا: إن الحكم ليس من قبيل لواحق وجود متعلقه خارجا حتى ينفى بلسان نفيه بل وجود المتعلق خارجا مسقط للحكم لا مثبت له فهو متاخر عنه رتبة لا متقدم عليه، وهذا بخلافه بالنسبة إلى موضوعه فإنه من قبيل آثار وجوده الخارجي عرفا لان علاقة الموضوع بالحكم علاقة العلة بالمعلول فهو متقدم على الحكمة رتبة، ولذا يصح نفيه بلسان نفيه ك‍ (لا طلاق إلا لمن أراد الطلاق) كما يصح نفي الاثر التكويني بلسان نفي مؤثره ك‍ (يا أشباه الرجال ولا رجال). وثانيا: إنه لو تم ذلك فإنه يقتضي نفي حكم المتعلق ولو كان فعلا تحريميا فيما إذا كان في ارتكابه مضرة على المكلف، ومن المعلوم إنه لا يمكن الالتزام بذلك، إلا أن يتوسل في دفع ذلك بجهة أخرى ككون الحديث في مقام الامتنان، ودفع الحرمة عند الضرر خلاف الامتنان. وأما النقطة الثالثة: فيرد عليها ما تقدم من أن هذا التفسير لا يستدعي جعل نفي الطبيعة تنزيلا فحسب على ما ذكر، بل يقتضي التصرف في

[ 193 ]

(الضرر) أيضا بجعله معبرا عن العمل المضر كما مضى في نقد النقطة الثانية، وبذلك يظهر أن كثرة النفي الادعائي في أمثلة هذا التركيب لا تجدي في ترجيح هذا الوجه بعد اختلاف هذه الامثلة مع المقام في مدى حاجته إلى التكلف والتأمل. المسلك الرابع: - في تفسير الحديث - ما نقله الشيخ الانصاري عن الفاضل التوني من إن مفاد الحديث نفي الضرر غير المتدارك فيرجع إلى إثبات الحكم بالتدارك شرعا (1). وتقريب ذلك على أساس جهتين: الجهة الاولى: إن الضرر المنفي يمكن أن يراد به في نفسه أحد معان ثلاثة: الاول: كل نقص واقعي سواء كان متداركا خارجا أو محكوما بالتدارك أم لا. الثاني: النقص غير المتدارك خارجا وذلك بلحاظ إن النقص إذا كان متداركا لا يكون مصداقا للضرر لتداركه بحكم القانون العقلائي والشرعي، كبذل المثل أو القيمة في تلف الاموال أو الديات في تلف الانفس والاطراف، فإنه يكون منتفيا بالنظر العرفي المسامحي - وإن لم يكن كذلك بالنظر الدقي - ولذا يعبر عن إداء العوض بالتدارك فيكون مثال الضرر المتدارك مثال معاوضة شئ بما يساويه قيمة ومالية، فكما لا يصدق الضرر في هذه فكذلك في تضرر صاحب المال في شئ. وكذا من أصيبت سيارته وأخذ عوض ما خسره من شركة التأمين لا يقال إنه أصابه ضرر عرفا. الثالث: النقص غير المحكوم بلزوم تداركه قانونا وشرعا، فإن النقص


(1) فرائد الاصول 2 / 532.

[ 194 ]

المحكوم بلزوم تداركه إذا كان للقانون قوة إجرائية تضمن تحقق التدارك الخارجي - عادة - يمكن أن ينفى كونه ضررا تنزيلا وادعاء وإن لم يتدارك خارجا. فهذه معان ثلاثة وحيث إنه لا يمكن أن يكون الضرر المنفي بالحديث هو المعنى الاول للزوم مخالفة الواقع بعد وجود الضرر خارجا، مع إنه خلاف المفهوم العرفي للضرر أيضا كما يتضح مما ذكر في المعنى الثاني، وكذلك لا يمكن أن يكون هو المعنى الثاني لعدم تدارك كل ضرر خارجا فيتنافى مع عموم النفي، فلا بد أن يراد المعنى الثالث فيرجع إلى إثبات حكم شرعي قاض بالتدارك في مورد كل ضرر. الجهة الثانية: إنه بناء على هذا التفسير يكون مفاد (لا ضرار) الحكم بضمان من أضر بأحد في شئ وأما (لا ضرر) فهو باعتبار كون الضرر اسم مصدر لا يتضمن النسبة الصدورية، يكون مفاده نفي لضرر مطلقا سواء كان من قبل شخص معين أو كان لحادثة طبيعية أو غير ذلك، فكل ضرر أصاب شخصا في نفسه أو ماله، فإنه لا يذهب هدرا بل له ضامن لا محالة فإن كان بسبب شخص معيق فيكون الضمان عليه، وإلا فيكون الضمان على الامام والدولة. وبذلك يستفاد من الحديث ثبوت تأمين عام في الدولة الاسلامية بالنسبة إلى أفراد المجتمع الاسلامي، وقد حدث التأمين في المجتمع البشري أولا بداع إنساني تعاوني فكان مرجعه إلى تحمل الجماعة المشتركين في أداء حق التأمين للخسارة الواقعة على الشخص حتى لا تكون الخسارة ثقلا عليه. وإلى ذلك يرجع ما يتعارف في بعض المجتمعات من التعاون بين أفراد القبيلة عند إرادة بعض أفرادها تأسيس عائلة جديدة حيث يهدي كل منهم ما يسد بعض حاجتها، إلا أنه أصبح فعلا وسيلة لاستثمار

[ 195 ]

الاخرين. ويمكن تأييد هذه الفكرة بجملة من الروايات الواردة في جملة من مصاديق الموضوع. ففي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام إن النبي صلى الله عليه وآله قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه وعلي أولى به من بعدي. فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال قول النبي صلى الله عليه وآله من ترك دينا أو ضياعا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته، فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال وليس له على عياله أمر ولا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة والنبي وأمير المؤمنين (عليه السلام) ومن بعدهما ألزمهم هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم، وما كان سبب اسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وآله (أنهم آمنوا على أنفسهم وعلى عيالاتهم) (1). وفي الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل وجد مقتولا لا يدرى من قتله قال: (إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته أعطوا ديته من بيت مال المسلمين، ولا يبطل دم إمرئ مسلم لان ميراثه للامام فكذلك تكون ديته على الامام، ويصلون عليه ويدفنونه. قال: وقضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات أن ديته من بيت مال المسلمين (2) ومثله أحاديث أخرى. إلى غير ذلك مما دل على إنه لا يذهب دم امرئ مسلم هدرا ومثله ماله لان حرمة ماله كحرمة دمه - كما في الحديث (3).


(1) أصول الكافي 1 / 335 - 336 ح 6. (2) الوسائل ج 29 ص 145 - 146 الحديث 35346. (3) الوسائل ج 12 ص 297 الحديث 16349.

[ 196 ]

هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب هذا القول وإن كان ما ذكرناه في مفاد (لا ضرر) مما لا يلتزم به القائل بهذا القول يقينا، لكنه لازم هذا الرأي بعد كون (الضرر) اسم مصدر شامالا لكل ضرر يرد على الانسان. ويمكن أن يناقش في ذلك بوجوه: الاول: إن ما ذكر في تعيين هذا المعنى ليس بتام لان نفي الضرر والضرار كما يمكن أن يكون بملاحظة جعل الحكم بالتدارك الذي يوجب انتفاءهما بقاء بنحو التنزيل، فكذلك يمكن أن يكون بعناية التسبيب إلى عدم الاضرار - فيكون مفاد الحديث هو النهي - أو بعناية عدم التسبيب إلى ضرر المكلفين - فيكون مفاده نفي الحكم الضرري - لان هاتين الجهتين أيضا مصححتان لنفي المعنى على ما تقدم، فلا يتعين التفسير المذكور. الثاني: إنه إذا كان المدعي في (لا ضرر) أن معناه كمعنى (لا ضرار) وهو نفي الضرر الصادر من الغير بالنسبة إلى الانسان ليختص الحكم بالتدارك بالاضرار الصادر من الغير، فهو معنى معقول في نفسه لكن إنما يناسب مع (لا ضرر) لو كان الضرر مصدرا محتويا على النسبة الصدورية، حيث يمكن القول باختصاصه حينئذ بالاضرار الصادر عن الغير، وأما على ما هو الصحيح من إنه اسم مصدر فلا وجه لتخصيصه بذلك بل ينبغي تعميمه لكل ضرر واقع على الشخص - ولو من جهة عوامل طبيعية -. وإن كان المدعى إن معناه نفي كل ضرر واقع على الشخص من غير تدارك - كما أوضحناه - فهو مما لا يمكن الالتزام به لانه لم يثبت في الاسلام تدارك كل ضرر واقع على أي شخص مهما كان سببه - من العوامل الطبيعية وغيرها - بحيث يرجع إلى تأمين عام من قبل الدولة كما لم يعرف مثل ذلك في عصرنا هذا عن شئ من القوانين البشرية. (نعم) يمكن الالتزام بضمان الدولة فيما لو قصرت فيما هو من وظائفها تجاه الناس كما لو لم تجعل

[ 197 ]

الحواجز اللازمة لاجتياح السيول مثلا مع توفر الامكانات المادية لديها. الثالث: إن هذا المعنى ليس بمنساق من الحديث ونحوه أصلا بل الذي ينساق إلى الذهن من نفي الماهية من قبل الشارع، إما نفي التسبيب الشرعي إليها - إن كان نفيها في معرض توهم تسبيب شرعي على ما أوضحناه في جملة (لا ضرر) فيرجع إلى نفي الحكم الضرري. أو التسبيب إلى انتفائها - كما هو الحال على مسلك النهي - ويشهد على ذلك ملاحظة موارد استعمال النفي في التعبير عن موقف شرعي كالامثلة المتقدمة فيما سبق. وأما الحكم بالتدارك فهو وإن كان مصححا لنفي الضرر لكن لا يفي به الكلام من دون قرينة زائدة تدل عليه. الرابع: إن هذا المعنى لا يناسب موارد تطبيق الحديث من قبيل قضية سمرة، فإنه لم يحكم فيها بتدارك الضرر الواقع على الانصاري لعدم كونه قابلا للتدارك كما هو واضح. هذا وقد يناقش في هذا المسلك بوجوه أخرى: منها: ما ذكره السيد الاستاذ (قده) من أن هذا المسلك يقتضي تقييد الضرر المنفي بغير المحكوم بتداركه والتقييد خلاف الاصل فلا يصار إليه (1). (ويرد عليه) إنه ليس المقصود بهذا التفسير تقييد الضرر بغير التدارك، بل المنفي هو مطلق الضرر لكن بملاحظة الحكم بتداركه، فالحكم بالتدارك مصحح لنفيه مدلول عليه بدلالة الاقتضاء بعد تعذر حمل النفي على النفي الخارجي للطبيعة، وليس عدمه قيدا لها وبين الامرين فرق واضح ففي كل نفي تنزيلي يكون فقدان كمال ما مصححا لنفي المعنى، وليس عدم ذلك الكمال قيدا في المنفي فنفي الطبيعي عن حصته تنزيلا


(1) لاحظ مصبات الاصول 2 / 529.

[ 198 ]

نفي لوجوده في ضمنها مطلقا، بينما تقييده بعدمها يستبطن الاعتراف بكونها منه. والتنزيل بحاجة إلى عناية دون حذف والتقييد بحاجة إلى حذف دون عناية، ونافي التنزيل هو أصالة الحقيقة أي ظهور الكلام في المعنى الحقيقي، وأما نافي التقييد فهو أصالة الاطلاق - أي ظهور الكلام في كون الطبيعة تمام الموضوع للنفي -. ومنها: ما ذكره الشيخ الانصاري (قده) ووافقه جمع من أن الضرر الخارجي لا يصح تنزيله منزلة العدم بمجرد حكم الشارع بلزوم تداركه، وإنما المنزل منزلة العدم الضرر المتدارك فعلا (1). (ويرد عليه) إنه إذا حكم الشارع بالتدارك وجعل لتنفيذ ذلك قوة إجرائية - كما أن لكل قانون من القوانين الاجتماعية بحسب التشريع قوة إجرائية طبعا - فإنه يكون التدارك حينئذ من نظر المقنن جاريا مجرى الامر الواقع فيصح اعتباره واقعا تنزيلا. المسلك الخامس: ما يظهر من كلام الصدوق في الفقيه من أن المقصود بهذه الجملة أن إسلام الشخص واعتقاده الدين الاسلامي لا يوجب تنقيص شئ من حقوقه، فكل حق كان ثابتا له لو لم يكن مسلما فإنه يثبت له في حالة إسلامه كحق الارث عن المورث الكافر، وبهذا الاعتبار استدل بهذا الحديث على ما ذهبت إليه الامامية وجمع من الصحابة والتابعين وعلماء العامة - خلافا لاكثرهم كأئمة المذاهب الاربعة - من أن المسلم يرث من الكافر. قال (قده) (لا يتوارث أهل ملتين والمسلم يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم، وذلك أن أصل الحكم في أموال المشركين إنها فئ للمسلمين


(1) لاحظ رسالة (لا ضرر) للشيخ الانصاري ملحقة بمكاسبه ص 372، رسالة (لا ضرر) للعلامة شيخ الشريعة ص 41 - الفصل الثامن - ومصباح الاصول 2 / 529.

[ 199 ]

وأن المسلمين أحق بها من المشركين، وأن الله عز وجل إنما حرم على الكفار الميراث عقوبة لهم بكفرهم كما حرم على القاتل عقوبة لقتله، فأما المسلم فلاي جرم وعقوبة يحرم الميراث؟ وكيف صار الاسلام يزيده شرا مع قول النبي صلى الله عليه وآله: الاسلام يزيد ولا ينقص. ومع قوله عليه السلام لا ضرورة ولا إضرار في الاسلام. فالاسلام يزيد المسلم خيرا ولا يزيده شرا. ومع قوله عليه السلام (الاسلام يعلو ولا يعلى عليه) (1) فهو اعتبر مفاد هذا الحديث كمفاد قوله عليه السلام (الاسلام يزيد ولا ينقص). ولتوضيح ذلك: لابد من بيان أمرين: كيفية تطبيق الحديث على هذا المعنى، وكيفيته انطباق المعنى على هذا الموضوع. أما الاول: فيمكن تطبيق الحديث على هذا المعنى بأن يحمل لفظ (في) في الحديث على التعليل والسببية كما قيل في قوله تعالى: (فذلك الذي لمتنني فيه) (2)، وقوله: (لكم فيما أفضتم) (3)، وما نسب إليه صلى الله عليه وآله من (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها)، كما يحمل لفظ الاسلام على التدين بالدين الخاص - لا على نفس الدين - فيكون مفاد الحديث على هذا أنه لا يدخل ضرر على المرء بإسلامه. وعلى هذا فيماثل مفاده مفاد الرواية الاخرى التي نقلها من طرقهم واحتج بها جماعة من فقهاء الفريقين على ثبوت الارث - وهي (الاسلام يزيد ولا ينقص) - فإن الضرر في هذا الحديث بمعنى النقص أيضا كما مر، بل يمكن الاستمداد بهذا الحديث في تفسير (لا ضرر) بذلك ردا للمتشابه إلى


(1) الفقيه 4 / 243 ح 778.

[ 200 ]

المحكم لان كلامهم يفسر بعضه بعضا. لكن قد يشكل تفسير (لا ضرار) بذلك لانه يقتضي أن يكون معناه أن اعتقاد الاسلام لا يسبب الاضرار بالغير وهذا معنى بعيد، لان أحدا لا يتوهم أن اعتقاد الاسلام يوجب الاضرار بالنسبة إلى الغير. لكن يمكن أن يجاب عن ذلك: بأن المقصود بعدم تسبيبه للاضرار إن هذا الاعتقاد لا يخوله الاضرار بالاخرين وسلب حقوقهم، إذا كانوا ممن يحترم ماله كالمسلم والذمي والمعاهد. وأما الثاني: وهو انطباق هذا المعنى على المورد، فقد يشكل من جهة أن عدم الارث من المورث ليس ضررا وإنما هو من قبيل عدم النفع، فلا مورد لتطبيق هذه الكبرى. لكن يمكن أن يجاب عن ذلك بأن الارث وإن كان في حد ذاته انتفاعا فعدمه ليس إلا عدم انتفاع لا ضررا على الشخص، إلا إنه باعتبار ثبوت حق الوراثة للشخص بالنسبة إلى مال مورثه يمكن اعتبار الحكم بانتفاء هذا الحق من جهة اسلامه ضررا ونقصا، كما يدل على ذلك تطبيق عنوان (الاضرار) و (الضارة) ونحوهما ك‍ (الجور والحيف) على وصية الميت إذا كانت تشمل أكثر أمواله - مثلا - كما في قوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار) (1)، وفي الحديث (قال علي عليه السلام ما أبالي أضررت بولدي أو سرقتم ذلك المال) (2) و (قال علي عليه السلام من أوصى ولم يحف ولم يضار كان كمن تصدق به في حياته) (3) وفيه أيضا (من عدل في وصية كان كمن تصدق بها في حياته ومن جار في وصيته لقى الله


(1) النساء 4: 22. (2) الوسائل ج 19 كتاب الوصايا الباب 5 ح 24555 ص 264. (3) الوسائل ج 19 كتاب الوصايا الباب 5 ح 24556 ص 264.

[ 201 ]

عز وجل يوم القيامة وهو عنه معرض) (1)، وجاء أيضا (الحيف في الوصية من الكبائر) (2) و (إن الضرار في الوصية من الكبائر) (3). هذا ولكن يلاحظ عليه إن هذا التفسير لو تم فيما يتضمن زيادة (في الاسلام)، فإنه لا يتم فيما لم يشتمل عليها وقد ثبت الحديث بدون الزيادة في روايات معتبرة على ما تقدم، بل لم يظهر من الصدوق تفسيره للحديث بدون الزيادة بهذا المعنى لا سيما إنه لم يعلم بثبوت الحديث مع الزيادة لديه لكي يكون معناه معها قرينة على معناه بدونها - إذ ذكره لهذا الحديث إنما كان بغرض الاحتجاج على العامة كما تقدم توضيحه -. مضافا إلى أن حمل الحديث على المعنى المذكور مخالف للظاهر جدا، فإن تفسير (في) و (الاسلام) بما ذكرناه في تقريره خلاف المنساق منه. كما لا يخفى.


(1) الوسائل ج 19 كتاب الوصايا الباب 8 ح 24562 ص 264. (2) الوسائل ج 19 كتاب الوصايا الباب 8 ح 24563 ص 267. (3) الوسائل ج 19 كتاب الوصايا الباب 8 ح 24564 و 24565 ص 268.

[ 203 ]

(الفصل الثالث): في تنبيهات القاعدة التنبيه الاول: في عدة اشكالات في قضية سمرة عمدتها الاشكال في كيفية انطباق القاعدة عليها. إن قضية سمرة - كما سبق - هي أهم قضية تضمنت حديث (لا ضرر ولا ضرار)، ولكنها وقعت موردا للاشكال من عدة وجوه: الوجه الاول: إنه لماذا منع صلى الله عليه وآله سمرة من الدخول دون استئذان مع أنه كان له حق الاستطراق إلى نخلته؟ وهذا الاشكال يظهر من كلام الشيخ الصدوق (قده) في الفقيه، وأجاب عنه بأنه لم يثبت حق الاستطراق لسمرة أصلا فكان دخول سمرة إضرارا محضا، قال بعد نقل خبر أبي عبيدة الحذاء الماضي: (وليس هذا الحديث بخلاف الحديث الذي ذكرته في أول الباب من قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله في رجل باع نخله واستثنى نخلة فقضى له بالمدخل إليها والمخرج منها، لان ذلك فيمن اشترى النخلة مع الطريق إليها وسمرة كانت له نخلة ولم يكن له الممر إليها) (1) ومقصوده بالحديث الذي أشار إليه ما رواه عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله في رجل باع نخله واستثنى نخلة فقضى له بالمدخل إليها والمخرج منها ومدى جرائدها. ولكن هذا الجواب غير تام - كما تنبه له العلامة المجلسي في مرآة


(1) الففيه 3 / 59 بعد الحديث 208.

[ 204 ]

العقول (1) - فإن الظاهر أنه كان لسمرة أيضا حق الاستطراق إلى نخلته في الجملة. لكنه إنما منع عن الدخول بدون استئذان لان قاعدة (لا ضرر) حددت هذا الحق بما لا يوجب ضررا بالانصاري كما مر ذلك. الوجه الثاني: إنه ما هو توجيه أمر النبي صلى الله عليه وآله بقلع نخلة سمرة؟ مع أنه لا يجوز شرعا التصرف في مال الغير بدون إذنه، وليس في القواعد الشرعية ما يبرر ذلك حتى قاعدة (لا ضرر) لان مفاد القاعدة إن كان مجرد تحريم الاضرار بالغير فهذا إنما يقضي بحرمة دخول سمرة بدون الاستئذان، حيث كان ذلك إضرارا بالانصاري ولا يقتضي قلع نخلته، وإن كان مفادها نفي جعل الحكم الضرري فإن مجرد حق سمرة في بقاء نخلته في ملك الانصاري ليس ضررا على الانصاري لكي يكون مرفوعا بهذه القاعدة فيسوغ قلعها، وإنما الحكم الضرري في ذلك هو في الاستطراق بدون الاستئذان من الانصاري، أو جواز ذلك فيكون هذا الحق أو الجواز هو المرفوع بمقتضى هذه القاعدة بلا حاجة لقلع نخلته. ويمكن الجواب عن هذا الوجه - مضافا إلى ما سيأتي في نقد الوجه الثالث من بيان إمكان تبرير هذا الامر بقاعدة (لا ضرر ولا ضرا ر) - إنه يمكن أن يكون هذا الامر حكما ولا يتيا من قبل النبي صلى الله عليه وآله بلحاظ ولايته في الامور العامة، لان قلع وسيلة الاضرار من الامور العامة التي يتوقف عليها حفظ النظام فيحق ذلك له بما أنه حافظ للنظام وإن لم تكن له ولاية عامة على الاموال والانفس. وبذلك يتضج النظر في كلام المحقق النائيني ومن وافقه (2) من تخريج


(1) مرآة العقول 19 / 399 - 400 تعليقات على الخبر 8. (2) لاحظ تقريرات العلامة الخونساري: 209 و 210 ومصباح الاصول 2 / 523.

[ 205 ]

هذا الامر على الولاية العامة على الاموال والانفس فإن مجال الولاية العامة الثابتة للنبي صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى عليهم السلام إنما هو المواضيع التي لا يتوقف عليها حفظ النظام وهي المسماة بالولاية العامة وأما الولاية في ما يتوقف عليه حفظ النظام فهي المسماة بالولاية في الامور العامة الثابتة للفقيه المتصدي للامور العامة المنتخب من قبل الفقهاء. الوجه الثالث: - وهو أهم الوجوه - إنه قد ورد في هذه القضية تعليل الامر بالقلع ب‍ (لا ضرر ولا ضرار) ففي معتبرة عبد الله بن بكير - بنقل الكافي - (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للانصاري إذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار) مع إن هذه القاعدة لا تبرر الامر بالقلع على ما سبق بيانه في الوجه الثاني، لانما أقصى ما تقتضيه عدم ثبوت حق الاستطراق لسمرة دون استئذان لان ذلك تسبيب إلى الضرر على الانصاري لا أنها تقتضي قلع النخلة. وقبل التعرض للجواب عن هذا الوجه نبحث عن جهة هي إن هذا الوجه على تقدير تماميته هل يؤدي فقط إلى إجمال كيفية انطباق الحديث على المورد بحيث ينحفظ الظهور الدلالي للحديث ويكون حجة فيه، أو إنه يمنع عن ظهوره في المعنى الظاهر منه لولا هذا التطبيق وينتهي إلى إجمال أصل الحديث. الظاهر من كلام الشيخ الانصاري (قده) في رسالة (لا ضرر) هو الوجه الاول حيث قال: (وفي هذه القضية إشكال من حيث حكم النبي صلى الله عليه وآله بقطع العذق مع إن القواعد لا تقتضيه، ونفي الضرر لا يوجب ذلك لكن ذلك لا يخل بالاستدلال) (1).


(1) رسالة (لا ضرر) المطبوعة في آخر المكاسب ص 372.

[ 206 ]

وذهب المحقق النائيني (قده) إلى الثاني واستغرب كلام الشيخ في ذلك قائلا: (ومن الغريب ما أفاده شيخنا الانصاري من أن عدم انطباق التعليل على الحكم المعلل به لا يخل بالاستدلال، فإن ذلك يرجع إلى أن خروج المورد لا يضر بالعموم فيتمسك به في سائر الموارد، مع أنك خبير بأن عدم دخول المورد في العموم يكشف عن عدم إرادة ما تكون العلة ظاهرة فيه، وهذا مرجعه إلى الاعتراف بإجمال الدليل) (1). وهذا هو الصحيح وتوضيحه: إن معنى الكلام إنما يستقر ويتحدد في ظل تفاعله الدلالي مع جميع ما يتصل به من ملابساته وشؤونه، فلابد في تعيين معنن كتفسير للكلام من ملاحظة مجموع هذه العوامل، ومن المعلوم أن التعليل والحكم المعلل به - أو الكبرى والتطبيق - ليسا معنيين مستقلين في الكلام حتى ينفصل مصيرهما الدلالي، ويقتصر إجمال أحدهما على نفسه من دون أن يتجاوز إلى الاخر، بل هما معنيان مترابطان يعتبر كل منهما من ملابسات الاخر، فلا يتم لاحدهما معنى أو تحديد إذا لم يكن ذلك منسجما مع الثاني. ولذا يكون عموم العلة وخصوصها موجبا لعموم الحكم وخصوصه، وعلى هذا فإذا كان الحكم المعلل به لا ينسجم مع تفسير التعليل على وجه، فإنه ينتهي إلى عدم ظهور التعليل في ذلك المعنى، وإن كان ظاهرا فيه في نفسه لولا تطبيقه في المورد. ففي المقام إذا فرضنا الحكم في المورد حكما مجعولا بلحاظ المصالح والمفاسد المتغيرة من باب الولاية في الامور العامة أو الولاية العامة لا من باب الحكم الكلي الالهي فإنه يوجب كون التعليل حكمة أو علة لمثل هذه الاحكام ولا يمكن أن يستفاد منه حكم كلي وقاعدة عامة.


(1) تقريرات العلامة الخونساري 209.

[ 207 ]

وبعد اتضاح ذلك نقول: إنه قد يجاب عن الاشكال المذكور بوجوه: الوجه الاول: ما ذكره المحقق النائيني (قده) من إنكار المقدمة الاولى للاشكال وهي ورود (لا ضرر) تعليلا للامر بالقلع - قال (إن قوله (لا ضرر) ليس علة لقطع العذق، بل علة لوجوب استئذان سمرة) وهذا القول ينحل إلى عقدين: عقد سلبي - هو الركن الاصلي للجواب - وهو عدم كون (لا ضرر) تعليلا للقلع. وعقد إيجابي يتضمن اقتراحا بديلا عن كونه تعليلا للقلع - وهو إنه تعليل لوجوب الاستئذان -. ولا بد في تحقيق ذلك من الرجوع إلى الروايات التي تضمنت قضية سمرة مع جملة (لا ضرر ولا ضرار) لملاحظة مدى انسجامها مع ذلك. وهي رواية ابن مسكان ورواية ابن بكير بنقل كل من الكافي والفقيه. أما العقد السلبي: فيختلف مقتضى الروايات فيه. فرواية ابن بكير بنقل الكافي صريحة تقريبا في تعليل الامر بالقلع ب‍ (لا ضرر)، إذ فيها (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للانصاري إذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار) فإن الفاء الداخلة على القاعدة يقتضي الارتباط بين الامرين، ولا معنى للارتباط بين القاعدة العامة والحكم الجزئي إلا بكون الاولى علة للثاني. وأما روايته بنقل الفقيه فهي ظاهرة في ذلك إذ فيها (فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله الانصاري أن يقلع النخلة فيلقيها إليه) وقال: (لا ضرر ولا ضرار) وتعقيب الحكم بقاعدة ظاهر في تعليله بها كما هو واضح. (نعم): رواية ابن مسكان لا ظهور لها في كون (لا ضرر) تعليلا للامر بالقلع، لانه ذكر قبل الامر بالقلع فقد جاء فيها: (فقال له رسول الله إنك رجل مضار ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن، قال ثم أمر بها رسول الله فقلعت ثم رمى بها إليه وقال له رسول الله: انطلق فاغرسها حيث شئت) لكن لا يبعد أن

[ 208 ]

يكون ذكر الكبر توطئة وتمهيدا لتطبيقها على المورد فيتحد مفاده مع مفاد رواية ابن بكير. وبذلك: يظهر عدم تمامية هذا العقد من كلامه إذ اتضح أن (لا ضرر) قد وقع تعليلا له في الرواية المعتبرة من الروايتين - وهي رواية ابن بكير - على كلا النقلين فيها. وأما العقد الايجابي: وهو كون (لا ضرر) تعليلا لوجوب الاستئذان، وهو غير تام أيضا. أما أولا: فلما عرفت من أن معتبرة ابن بكير قاضية بكونه تعليلا للامر بالقلع بلا مورد لاقتراح بديل عن ذلك. وأما ثانيا: فلان بين الامر بالاستئذان وذكر (لا ضرر) في كلتا الروايتين فصلا كثيرا مما يمنع عن اعتباره تعليلا لذلك. ففي رواية ابن بكير بنقل الفقيه. ويشبهه نقل الكافي (فأتى الانصاري رسول الله صلى الله عليه وآله فشكى إليه وأخبره، فبعث إلى سمرة فجاء فقال له إستأذن عليه فأبى وقال له مثل ما قال للانصاري، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشتري منه بالثمن فأبى عليه وجعل يزيده فيأبى أن يبيع، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله قال لك عذق في الجنة فأبى أن يقبل ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله الانصاري أن يقلع النخلة فيلقيها إليه وقال: (لا ضرر ولا ضرار) ومثلها رواية ابن مسكان، بل هي أكثر تفصيلا عن شرح معاملته صلى الله عليه وآله مع سمرة المتوسطة بين أمره بالاستئذان وبين قوله (لا ضرر ولا ضرار). فظهر بما ذكرنا أن المقدمة الاولى للاشكال تامة ولا يمكن الجواب عن الاعتراض بالنقاش فيها. الوجه الثاني: النقاش في المقدمة الثانية بدعوى أن (لا ضرار)

[ 209 ]

مصحح للامر بالقلع بتقريب: إن المراد ب‍ لفظ (ضرار) إنما هو وسيلة الاضرار بالغير على سبيل إطلاق المصدر على الذات مبالغة ك‍ (زيد عدل) وعليه فيكون مفاد هذه الجملة أن كل شئ أتخذ وسيلة للاضرار بحيث لا يمكن رفع الضرر إلا بإزالته فيجب التصرف فيه بالاتلاف أو النقل أو غير ذلك مما يخرج عن صلاحية ذلك دفعا لذلك. وبناء على هذا الاحتمال يكون الارتباط بين الامر بالقلع وبين قوله (لا ضرر ولا ضرار) واضحا لان بقاء نخلة سمرة في دار الانصاري أصبح وسيلة لاضراره به، ولم يكن بالامكان دفع الاضرار مع التحفظ على النخلة - كما سوف يأتي توضيحه - فجاز قلع النخلة تطبيقا د (لا ضرار) بناء على هذا التفسير. وقد يؤيد هذا التفسير بقوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) (1). وشأن نزول الاية كما ذكر في التفسير (2) إن جماعة من المنافقين بنوا مسجدا للتفريق بين المسلمين وإيقاع الاختلاف بينهم على أن يصلي جماعة منهم في هذا المسجد وجماعة أخرى في المسجد الذي كانوا يصلون فيه قبل ذلك ثم يوقعوا الاختلاف بين الفريقين لينتهي إلى ضعف المؤمنين وتشتت كلمتهم في مقابل الكفار، فنزلت الاية الشريفة تخبر عن نواياهم وتنهى عن القيام فيه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله بعد ذلك بهدم المسجد وإحراقه لكونه وسيلة للاضرار. وقد ذكر في إعراب قوله (ضرارا) وجوه: (منها): أن يكون مفعولا


(1) التوبة 1 / 107. (2) لاحظ مجمع البيان 3 / 72 و 73 طبعة المرعشي.

[ 210 ]

لاجله. (ومنها): أن يكون مفعولا مطلقا من قبيل (ضربت ضربا) بدعوى إن قوله (الذين اتخذوا مسجدا ضرارا) (1) في قوة (الذين ضاروا به ضرارا) (ومنها): أن يكون ضرار مفعولا ثانيا ك‍ (اتخذ) حملا للمصدر على الذات، قال أبو البقاء في إعراب القرآن (ضرارا يجوز أن يكون مفعولا ثانيا اتخذوا) وكذلك ما بعده وهذه المصادر كلها واقعة موضع اسم الفاعل أي مضرا أو مفرقا... (2). وقد يكون هذا الوجه أقوى من الوجهين الاولين إذا كان اتخذ في الاية من أفعال التحويل التي تأخذ مفعولين لانه لا حاجة إلى تقدير المفعول الثاني على هذا الوجه بخلافه على الوجهين الاولين. وعلى هذا الوجه تكون هذه الاية مناسبة لتفسير (ضرار) بوسيلة الاضرار في الحديث. (هذا) ولكن هذا الوجه ضعيف لان حمل (ضرار) على وسيلة الاضرار مخالف للظاهر فإنه مجاز. الوجه الثالث: منع المقدمة الثانية أيضا - بما ذكره بعض الاعاظم (3) - وتقريره إن الاشكال إنما يتجه إذا فسر الحديث بنفي الحكم الضرري أو بالنهي عن الاضرار مع اعتباره حكما أوليا وأما إذا فسرنا الحديث بالنهي عن الاضرار مع اعتباره حكما سلطانيا فإنه لا يتجه الاشكال، إذ يكون مبنى الامر بالقلع هو النهي السلطاني المفاد ب‍ (لا ضرر) فيتم ذلك تعليلا للامر بالقلع. وعلى أساس هذا جعل عدم ورود الاشكال على التفسير المذكور دليلا على تعينه كمعنى للحديث كما تقدم.


(1) التوبة: 9 / 107. (2) املاء ما من به الرحمن 2 / 22. (3) الرسائل للامام الخمينى (قده) ص 50 وما بعدها.

[ 211 ]

لكن هذا الوجه غير تام أيضا إذ يرد عليه مضافا إلى النقاش في أصل هذا التفسير على ما أتضح من الابحاث السابقة إنه لا فرق بين كون النهي أوليا أو سلطانيا في عدم صحة وقوعه تعليلا للامر بالقلع، فإن مفاد النهي على كل حال هو حرمة الاضرار بالغير، وهي لا تنتج إمكان الاضرار بالمضر كما هو واضح ولو فرض أنها تنتج ذلك لم يكن فرق بين نوع الحكم من كونه حكما مولويا أوليا أو حكما سلطانيا. الوجه الرابع: ما يبتني على التفسير المختار لجملة (لا ضرار) من إن مفادها التسبيب إلى عدم الاضرار وهو ينحل إلى أمرين: أحدهما: سلب مشروعية الاضرار قانونا بجعله عملا محرما. والثاني: اعطاء صلاحيات إجرائية للحاكم بما أنه ولي أمر المسلمين في اتخاذ الوسيلة المناسبة - خفة وتأثيرا وفق قوانين الشريعة المقدسة - لمنع تحقق الاضرار وهدم وسائله خارجا. وهذا الجانب من مفاد (لا ضرر) يمكن أن يبرر أمر النبي صلى الله عليه وآله بقلع النخلة. وكان صلى الله عليه وآله قد أمر سمرة قبل اتخاذ هذه الخطوة التنفيذية بالاستئذان من الانصاري أمرا له بالمعروف فلم يجده. ثم ساومه بشرائها منه بثمن أزيد وأزيد حتى عرض عليه بديلها شجرة في الجنة - تجنبا منه صلى الله عليه وآله عن الاضرار به - فلم يرتدع أيضا. وكانت هذه المساومة منه صلى الله عليه وآله غير واجبة عليه فإن للحاكم أن يعمل القوة لمنع الاضرار بعد الامر القولي بالمعروف مباشرة إذا لم يستجب المأمور لذلك - ولكن النبي صلى الله عليه وآله عامل سمرة بعظيم خلقه وكرمه. فكان من وظيفته صلى الله عليه وآله بعد ذلك أن يمنع من إضرار سمرة بالانصاري منعا عمليا. ولم يكن في هذا السبيل خيار أخف وأجدى

[ 212 ]

مما أمر به من قلع النخلة، فمن الخيارات الاخرى مثلا تأديب سمرة وتعزيره لكن هذا العمل: أولا: قد لا يكون ناجعا ومؤثرا لشدة إصرار سمرة على الاضرار بالانصاري، وربما استمر سمرة على ذلك بأن يدخل دار الانصاري ثم ينكر ظاهرا فيتوقف إثباته على إقامة شاهدين عدلين وهو ليس بسهل. وثانيا: إنه ربما لم يكن يكفى في ردع سمرة ضربه بما يوجب الايلام فحسب بل كان يتوقف على كسر عضو ونحوه ومن المعلوم أن ذلك أشد من التصرف في ماله بقلع شجرته. ومن الخيارات الاخرى: حراسة بستان الانصاري عن دخول سمرة في جميع الاوقات التي يحتمل دخول سمرة في البستان ليلا ونهارا. وهذا أيضا عمل شاق. فبهذا الوجه ينحل هذا الاعتراض ويتضح وجه تعليل الامر بالقلع ب (لا ضرر ولا ضرار). التنبيه الثاني: في تحقيق مضمون الحديث على أساس شواهد الكتاب والسنة. قد سبق في المقصد الاول أن حديث (لا ضرر) قد ورد بطريق صحيح في ضمن قضية سمرة بن جندب، ويؤيده طرق أخرى لم يثبت اعتبارها في أنفسها، إلا أن الاعتبار السندي على المختار لا يكفي في حجية الخبر، بل لا بد في تحقيق مضمون الخبر من مقايسته بشواهد الكتاب والسنة ونقده نقدا داخليا وذلك من جهتين: الاولى: أن لا يكون مضمون الخبر مخالفا للمعارف المسلمة في الاسلام مما ورد في الكتاب والسنة كأن يكون هادما لما بناه الاسلام أو بانيا لما هدمه الاسلام. واعتبار هذا الشرط من قبيل القضايا التي قياساتها معها كما هو واضح.

[ 213 ]

الثانية: أن يكون مضمونه موافقا مع الكتاب والسنة توافقا روحيا بمعنى أن يتسانخ مع المبادئ الثابتة من الشريعة الاسلامية من خلال نصوصها القطعية ولو في مستوى التناسب والاستئناس. ومبنى اعتبار هذا المعنى في قبول الخبر دخالته في الوثوق به عقلاء، بناء على ما هو الصحيح من حجية الخبر الموثوق به دون خبر الثقة على ما أوضحناه في بحث حجية خبر الواحد من علم الاصول، فإنه كلما كانت هناك مجموعتان منسوبتان إلى شخص أو جهة وكانت إحداهما مقطوعة الانتساب والاخرى مشكوكة، فإنه لا بد في الوثوق بالمجموعة الثانية من الرجوع إلى المجموعة الاولى باعتبارها السند الثابت في الموضوع. وملاحظة روحها وخصائصها العامة، ثم عرض تلك المجموعة على تلك المبادئ المستنبطة فما وافقها قبل وما خالفها رد. وربما تداول إجراء مثل هذه الطريقة في تحقيق الكتب أو الاشعار المشكوكة النسبة ونحوها فإنها تقارن بما ثبت عن الشخص ثبوتا قطعيا، بعد درس مميزاته وخصائصه ثم يحكم فيها على ضوء ذلك فلو فرضنا إن شعرا نسب إلى مثل الرضي أو مهيار الديلمي أو إلى حافظ أو سعدي، وهو لا ينسجم مع ما عرف به من اسلوب ومن صفات نفسية ومميزات فكرية فإنه لا تقبل النسبة لان كان الذي نسبه إليه رجل ثقة. وبمثل ذلك أبطل بعضهم دعوى قوم أن بعض نهج البلاغة مصنوع ومختلق، ففي شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة عن مصدق بن شبيب الواسطي إنه قال قلت لابي محمد عبد الله ابن احمد المعروف بابن الخشاب - في كلام عن الخطبة الشقشقية -: (أتقول: إنها منحولة! فقال: لا والله، وإني لاعلم أنها كلامه كما أعلم أنك مصدق. قال فقلت له: إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضي (ره) فقال: إن للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الاسلوب. قد وقفنا على

[ 214 ]

رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر) (1). وقال ابن أبي الحديد نفسه في إبطال هذه الدعوى: (إن من أنس بالكلام والخطابة وشدا طرفا من علم البيان وصار له ذوق في هذا الباب لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح وبين الفصيح والافصح وبين الاصيل والمولد. وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط فلا بد أن يفرق بين الكلامين ويميز بين الطريقتين، ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام نفسه وطريقته ومذهبه في القريض، ألا ترى إن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس كثيرا لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ولا من شعره، وكذلك غيرهما من الشعراء ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة). وقال (وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا ونفسا واحدا وأسلوبا واحدا كالجسم البسيط الذي لا يكون بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية وكالقرآن العزيز أوله كوسطه وأوسطه كآخره، وكل سورة منه وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الايات والسور. ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا وبعضه صحيحا لم يكن ذلك كذلك فقد ظهر لك بالبرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام) (2).


(1) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 1 / 205. (2) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 10 / 128 و 129.

[ 215 ]

والسر في هذا المعنى: أن كل مقتن أو مؤلف أو شاعر لا محالة يجمع شتات ما يصدر منه مبادئ عامة سارية في مختلف آثاره تشترك فيها وتتسانخ بحسبها. وقد نبه على اعتبار هذا الشرط في حجية الخبر جملة من الروايات حيث اعتبرت في قبوله موافقة الكتاب والسنة، وأمرت بطرح ما خالفهما فإن المقصود بذلك على التفسير المختار لها - التوافق أو التخالف الروحي بينه وبينهما على ما تشهد به قرائن داخلية وخارجية - وإن كان المعروف تفسيرها بالتوافق أو التخالف في المؤدى ولنذكر بعض هذه الاخبار المستفيضة: منها: ما عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى، فقال: (يا أيها الناس ما جاءكم مني يوافق كتاب الله فأنا قلته وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله) (1). (ومنها): ما عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه) (2). و (الحقيقة) هي: الراية والمعنى أن على كل حق راية وعلى كل صواب وضوح وراية الحق هي الموافقة مع القرآن الكريم. (ومنها) معتبرة أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (كل حديث مردود إلى الكتاب والسنة وكل شئ لا يوافق كتاب الله فهو زخرف) (3) وغير ذلك. ولو أريد بالتوافق في هذه الاخبار التوافق في المؤدى على أن يكون مضمون الحديث مفادا بإطلاق أو عموم كتابي لزم من ذلك عدم جواز الاخذ


(1) جامع أحاديث الشيعة 1 / 259 / ح 441. (2) جامع أحاديث الشيعة 1: 257 / 434. (3) جامع أحاديث الشيعة 1: 258 / 435.

[ 216 ]

بالمخصصات فهذا قرينة واضحة على أن المعني بها التوافق الروحي. وقد ورد إعمال هذا المنهج في بعض الاخبار، وهو قرينة على إرادة التوافق الروحي في الاخبار السابقة: (منها): ما عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا حدثتكم بشئ فاسألوني من كتاب الله، ثم قال في بعض حديثه إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال. فقيل له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله أين هذا من كتاب الله؟ فقال: إن الله عزوجل يقول (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) (1) وقال: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) (2) وقال: (لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) (3). (4) (ومنها): ما في صحيحة الفضل بن العباس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله وإن مسه جافا فاصبب عليه الماء، قلت: لم صار بهذه المنزلة؟ قال: لان النبي صلى الله عليه وآله أمر بقتلها) (5) فإن السؤال سواء كان عن سبب الحكم ثبوتا أو عن دليله إثباتا لا يكون الجواب عنه بذلك إلا من باب الاستئناس، باعتبار أن الامر بقتلها يدل على مدى مبغوضيتها شرعا فيسانخ ذلك مع الحكم بالغسل أو الصب، إلى غير ذلك. وعلى ضوء ما ذكرنا فلا بد في المقام من تحقيق مضمون حديث (لا


(1) النساء: 4 / 114. (2) النساء: 4 / 5. (3) المائدة: 5 / 101. (4) الكافي - الاصول - باب الرد إلى الكتاب والسنة - الحديث 5: 48 - 49. (5) جامع الاحاديث - كتاب الطهارة - أبواب النجاسات - ج 2: 105 / 1439.

[ 217 ]

ضرر ولا ضرار) تكميلا للبحث عن اعتباره وحجيته من جهتين: الجهة الاولى: في تحقيق مخالفة الحديث للكتاب والسنة وعدمها وذلك إنه قد يقال بتخالفه معهما بأحد تقريبات: (منها) إنه على التفسير المذكور يكون الخارج منها أكثر من الباقي، كما أثار ذلك الشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره) في الرسائل فقال: (إن الذى يوهن فيها كثرة التخصيصات فيها بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي كما لا يخفى على المتتبع خصوصا على تفسير الضرر بإدخال المكروه كما تقدم، بل لو بني على العمل بعموم هذه القاعدة حصل منه فقه جديد). ثم طرح فرضية انجبار هذا الوهن باستقرار سيرة الفريقين على الاستدلال بها في مقابل العمومات المثبتة للاحكام، لكنه تنظر فيها قائلا: (إن لزوم تخصيص الاكثر على تقدير العموم قرينة على إرادة معنى لا يلزم منه ذلك غاية الامر تردد الامر بين العموم لارادة ذلك المعنى واستدلال العلماء لا يصلح معينا خصوصا لهذا المعنى المرجوح المنافي لمقام الامتنان وضرب القاعدة). ومما يعتبر من موارد التخصيص - علن هذا الرأي - تشريع الخمس والزكاة والحج والجهاد والكفارات والديات والحدود والقصاص والاسترقاق وسلب مالية جملة من الاشياء كالخمر والخنزير وغير ذلك. والجهة الثانية: في تحقيق موافقة الحديث روحا مع الكتاب والسنة وعدمها. أما الجهة الاولى: فقد يقال بمخالفة مضمون الحديث للكتاب والسنة - بناء على تفسيره بنفي الحكم الضرري - بأحد تقريبات ثلاث: التقريب الاول: ما ذكره بعض الاعاظم من إن مفاد (لا ضرر) بطبعه

[ 218 ]

حكم امتناني فيكون آبيا عن التخصيص كقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (1) ومن المعلوم إنه مخصص في جملة من الموارد. ويرد عليه: أولا: إنه لم يتضح كون العام الامتناني آبيا عن التخصيص إذا كان التخصيص في سياق الامتنان أيضا. وثانيا: إنه على تقدير ثبوت ذلك فبالامكان أن يكون خروج ما خرج منه على سبيل الحكومة دون التخصيص بأن تعتبر الزكاة مثلا حكما غير ضرري فيجب دفعها، ولسان الحكومة لا يمس باللسان الابي عن التخصيص لان صيغتها نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، فهو لسان مسالم للعام على خلاف لسان التخصيص، كما يأتي توضيحه في التنبيه الثالث. التقريب الثاني: ما ذكره الشيخ الانصاري (قده) في كلام مر ذكره من إن الحديث يكون مخصصا في أكثر مفاده بل الخارج منه أضعاف الباقي. وبما إن تخصيص العام في أكثر مدلوله غير جائز، والمخصص في المقام قطعي لا يسري إليه الريب فيتوجه الوهن إلى العام. والسر في عدم جواز تخصيص العام كذلك - على ما أوضحناه في بعض المباحث الاصولية - لزوم انحفاظ التناسب عقلا بين مقامي الاثبات والثبوت، فإذا كان الحكم بحسب المراد الجدي ومقام الثبوت مختصا بأفراد نادرة - مثلا - فإنه لا يتناسب مع إلقاء خطاب عام وإنما المصحح لمثل هذه الصيغة العامة ثبوت مقدار يقرب من العموم والاستيعاب حتى تكون نسبة الخارج إلى العموم نسبة الاستثناء إلى القاعدة. وقد أجاب الشيخ (قده) عن هذا الاشكال بقوله (إن الموارد الكثيرة


(1) الحج: 22 / 78.

[ 219 ]

الخارجة عن العام إنما خرجت بعنوان واحد جامع لها وإن لم نعرفه على وجه التفصيل، وقد تقرر إن تخصيص الاكثر لا استهجان فيه إذا كان بعنوان واحد جامع لافراد هي أكثر من الباقي) (1). وما طرحه الشيخ في قوله هذا - من جواز تخصيص الاكثر بعنوان واحد - أصبح مورد نقاش من قبل جماعة من المتأخرين، وقد ذكر في كلماتهم في هذا الموضوع تفصيلان: أحدهما: ما ذكره صاحب الكفاية (قده) في حاشية الرسائل (2) من التفصيل بين ما إذا كانت الاحاد التي لوحظ العموم بحسبها أنواعا أو أشخاصا، فإن كانت أنواعا جاز تخصيص العام في أكثر الاشخاص المندرجة تحته بعنوان واحد لعدم لزوم تخصيص العام، فيما هو أكثر أفراده في الحقيقة وأما إذا كانت أشخاصا فلا يجوز ذلك للزوم هذا المحذور. والثاني: ما ذهب إليه المحقق النائيني من التفصيل بين القضية الحقيقية والخارجية (3) ففي القضية الخارجية يمتنع تخصيص الاكثر، ولو بعنوان واحد كما لو قيل اقتل من في العسكر، ثم أخرج بني تميم من ذلك مع إنه ليس فيه أحد من غيرهم إلا اثنان أو ثلاثة، وأما في القضية الحقيقية فلا يمتنع ذلك، لكن الظاهر عدم الفرق بين القضيتين على ما يظهر بملاحظة الامثلة العرفية لهما. إلا أنه لا أثر للبحث عن ذلك في المقام بعد وضوح عدم تمامية تجويز ذلك مطلقا في المقام على ما ذهب إليه الشيخ إذ لا يجوز هذا المعنى في مورد (لا ضرر) على كلا التفصيلين.


(1) الرسائل 2 / 537. (2) حاشية فرائد الاصول 196. (3) تقريرات العلامة النائيني 211.

[ 220 ]

أما على الاول: فلان الملحوظ في (لا ضرر) نفي ضررية كل واحد من الاحكام المجعولة في الشريعة من غير لحاظها تحت مجاميع تحتوي كل مجموعة على جملة منها، لكي يخصص مفاده في واحدة منها بملاحظة أدلة الاحكام الواقعية كما هو واضح. وأما على الثاني: فلاعتراف القائل به بأن حديث (لا ضرر) إنما هو في مستوى القضية الخارجية بملاحظة أن المنفي هو الضرر الناشئ من الاحكام المجعولة خارجا، وإن كان قد يناقش في ذلك من جهة عدم العلم بأن النبي صلى الله عليه وآله قد قال ذلك في مورد قضية سمرة بعد انتهاء تشريع الاحكام ليكون قضية خارجية بل المقصود بالحديت نفي جعل أي حكم ضرري شرعا فهو قضية حقيقية. والتقريب الثالث: أن يقال: بأن من المستهجن تخصيص الحديث في الموارد المذكورة حتى وإن لم تكن هي أكثر موارده لانها من أصول الاحكام الالهية ومهماتها وتخصيص العام في مثل ذلك قبيح. ويلاحظ أن مثل هذا الانطباع عن أحكام الاسلام من كون أكثرها أو أصولها ضررية على ما يتمثل في هذا التقريب والتقريب السابق مما يستحق البحث، حتى مع غض النظر عن كون ذلك موجبا لوهن هذا الحديث، لان ذلك قد يكون ذريعة لبعض المخالفين للدين في تشويه صورة الاسلام والقدح في حقية تشريعاته، للاقرار بأن معظمها أو أصولها تشريعات ضررية. وفي الجواب عن هذين التقريبين طريقان: الطريق الاول: ما هو المختار. وهو ينحل إلى جزءين: الاول: عدم صدق الضرر في كثير من هذه الموارد على ضوء التدقيق في مفهومه وفي مدى انطباقه فيها.

[ 221 ]

الثاني: تحديد الضرر المنفي ب (لا ضرر) بملاحظة طبيعة معناه التركيبي - على المختار - وبملاحظة اقترانه ب (لا ضرار) بنحو لا يقتضي نفي الضرر أصلا في جملة من الموارد المذكورة. أما الجزء الاول: فيظهر بملاحظة أمرين: الامر الاول: في التدقيق في مفهوم الضرر. إن الضرر في الشئ كالمال - مثلا - ليس مطلق عروض النقص عليه بل كونه أنقص عما ينبغي أن يكون عليه من الكمية أو المالية، كما لو عرضت على المال آفة توجب نقص ماليته، أو نقصت كميته بضياع أو سرقة أو غصب أو بصرت المالك له فيما لا يعد مؤونة له ولا يعود منه فائدة عليه، فأما لو صرف فيما يرجع إلى مؤونة الشخص وشؤونه أو ينتفع منه بنحو مناسب معه فإنه لا يكون ذلك ضررا عليه، ولذا لا يعتبر صرف المال في مؤونته ومؤونة عياله فيما يحتاجون إليه - من المأكل والمشرب والملبس والعلاج والوقاية والتنظيف وسائر حاجاتهم - اضرارا بالمال لا لغة ولا عرفا، وكذلك صرف المال في أداء الحقوق العرفية للغير وسائر الرغبات العقلائية كالسفر إلى مكان آخر لغرض ثقافي أو اجتماعي، وهكذا لو اشترك الشخص في مشروع عام أو جهة عامة يعم الانتفاع بها. وبالجملة: فصرف الشخص المال في الشؤون المتعلقة بتعيش نفسه وعياله بحسب مستواه من العرف والعادة لا يعد ضررا، لان شأن المال أن يصرف في مثل هذه الامور بل عدم صرفه في مثل الانفاق على العيال يعد اضرارا بهم وظلما عليهم. وإذا لم يكن صرف المال في ذلك اضرارا فلا ينقلب ضررا بالالزام الشرعي ليكون الحكم الشرعي ضرريا. وعلى ضوء هذا البيان: يظهر عدم صدق الضرر في جملة من الموارد

[ 222 ]

السابعة، كما تنبه له جمع من المحققين: منها: إيجاب صرف المال فيما عليه من الحقوق بحسب العرف كالانفاق على من يجب الانفاق عليه عرفا كالزوجة والاولاد وبعض الاقرباء بل المواشي ونحوها، وكذلك صرف المال لتفريغ ذمته عما اشتراه من غيره، أو اشتغلت به ذمته من جهة اتلافه لمال الغير أو بدلا عن الانتفاع به. ومنها: إيجاب الخمس والزكاة - في الجملة - فإنها تصرف في مصارف عمدتها التحفظ على النظام والمصالح الاجتماعية العامة. ومنها: إيجاب صرف المال في إزالة كثير من القذارات العرفية التي يحسن الاجتناب عنها. إلى غير ذلك من الموارد المختلفة. ويمكن ضبط الموارد الخارجة عن حدود الضرر - على ضوء البيان الذي ذكرناه - بنحو عام في حالات ثلاث: الاولى: أن يكون الحكم الشرعي في مورد لا يكون صرف المال فيه ضررا عرفا، فإنه لا يكون الحكم حينئذ ضرريا وهذه الحالة هي التي يندرج تحتها أكثر الموارد السابقة. الثانية: أن يكون الحكم الشرعي بملاحظة كشف الشارع عن كون المورد مصداقا لجهة لا يعتبر صرف المال في تلك الجهة ضررا، فإنه حينئذ يكون خارجا عن الضرر تخصصا وإن لم تعرف مصداقية المورد لتلك الجهة لدى العرف، نظير ما لو انكشفت مصداقية المورد من قبل غير الشارع كما في القذارات المستكشفة بالوسائل الحديثة فإن صرف المال في إزالتها لا يعد ضررا كما هو واضح رغم عدم تعرف العرف على المصداق فيها أيضا. الثالثة: أن يكون الحكم الشرعي في مورد قد اعتبر القانون حقا من الحقوق في ذلك المورد فلا يكون صرف المال فيه ضررا، فإن الاعتبار

[ 223 ]

الشرعي لتلك الجهة يوجب انتفاء الضرر على نحو الورود. الامر الثاني: إن قسما من الاحكام المذكورة لا يوجب ضررا في الحقيقة وإنما يرجع إلى عدم النفع أو تحديده، وبين الضرر وعدم النفع فرق واضح، فإن الضرر هو انتقاص الشئ الموجود، وعدم النفع إنما هو عدم تحقق الزيادة عليه، فتوهم صدق الضرر في ذلك من قبيل توهم صدقه على الحكم بعدم تملك الربا - وهو المقدار الزائد في المعاملة الربوية -. وأظهر موارد هذا القسم تشريع الخمس والزكاة. 1 - أما تشريع الخمس من الغنيمة بمعناها الاعم - وهو الظفر بالمال بلا عوض مادي - فإنه تحديد لنفع المغتنم لا إضرار به، لان اعتبار الشارع الاغتنام سببا للملكية يرجع إلى توفير نفع للمغتنم، فإذا فرضنا إن الشارع قد اعترف أولا بكون الاغتنام سببا لملكية جميع الغنيمة كان إيجاب دفع خمسه بعد ذلك تنقيصا لماله وضررا به. وأما إذا لم يعترف منذ البدء بكون الاغتنام سببا للملكية إلا بالنسبة إلى أربعة أخماس الغنيمة - فلا يكون إيجاب دفع الخمس إلى من فرضه الشارع له ضررا بالمغتنم لانه لم يملكه أصلا. ولتوضيح ذلك نتعرض لبعض موارد الخمس في الغنيمة: منها: الغنيمة القتالية وهي التي يسيطر عليها المقاتلون المسلمون في قتال الكفار، فقد جعل الشارع أخذها سببا للملكية، إمضاء لقانون الاغارة الذي كان قبل الاسلام على أن يقسم بين المقاتلين ومن بحكمهم، واستثنى من ذلك الخمس على أن يكون للعناوين الخاصة، ولو أنه لم يجعل شيئا للمغتنم، لم يكن ذلك ضررا عليه أصلا فضلا عن استثناء الخمس، لعدم حق لهم لولا الجعل الشرعي أصلا. وربما كان استثناء الخمس بعنوان إنه حق الرئاسة كما كان هذا الحق متعارفا في الجاهلية أيضا حيث كان ربع الغنيمة التي يحصلون عليها بالاغارة لرئيس القبيلة أو العشيرة ويسمى

[ 224 ]

مرباعا (1). ومنها: المعادن وهي على المختار وفاقا للمشهور من الانفال فيكون ملكا للامام، ومرجع جعل الخمس فيها إلى الاذن في استخراجها وتمليك أربعة أخماسها للمستخرج توسعة على المؤمنين، ويحق لولي الامر أن لا يأذن في استخراجها، فينحصر حق استخراجها بالدولة ويصرف جميعها في سبيل مصالح المسلمين. ومنها: الارباح الزائدة وهي - بحسب الدقة والتحليل - أحد مصاديق الغنيمة بمعناها اللغوي، أي الفوز بالمال بلا عوض مالي. وقد اختلف فيها المنهج الرأسمالي والاشتراكي على طرفي إفراط وتفريط، والحل الوسط في ذلك ما تضمنه فقه أهل البيت (عليهم السلام) من إقرار الرابح على أربعة أخماس، واعتبار الخمس الباقي للعناوين الخاصة. إن قيل: إن هذا ضرر على الناس لان لكل إنسان أن يحصل على ما يشاء من الاموال بأية وسيلة وعلى أي نهج فمنع التملك لمقدار الخمس سلب لهذا الحق. قيل: إنه لم يثبت مثل هذا الحق بشئ من الادلة، فإنه ليس مدركا بالعقل النظري ولا من قضاء الوجدان والضمير الانساني، ولا مما بنى عليه العقلاء بناء عاما، أما الاولان فواضح وأما الثالث فلاختلاف القوانين في حدود قانون الملكية الفردية حسب تقييم العقلاء للمصالح الفردية والاجتماعية وتنبههم لها. وأما تشريع الزكاة: ففيما يتعلق بالغلات الاربع لا يمكن اعتباره حكما ضرريا بعد ملاحظة إن شأن الزارع والفلاح ليس إلا اتخاذ بعض


(1) لسان العرب 8 / 101 (ربع).

[ 225 ]

المعدات، وأما التنمية فإنما هي بعوامل طبيعية خلقها الله تعالى من الماء والمطر والشمس والجو وصلاحية التربة وغير ذلك حتى إن لبعض الطيور تأثيرا في ذلك بدفع الحشرات الضارة، وقد أشير إلى بعض هذه الجهات في سورة الواقعة حيث قال تعالى: (أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون * إنا لمغرمون بل نحن محرومون) (1) ومفاده إن عمل الانسان إنما يقتصر على الحرث وهو من مقدمات الزرع من كراب الارض وإلقاء البذر وسقي المبذور، وأما نفس الزرع وهو الانبات فإنه من فعله تعالى بما قدره من عوامل مختلفة ولولا فعله سبحانه لاصبح الزرع هشيما لا ينتفع به. وكذلك لا تعتبر زكاة الانعام الثلاثة ضررا بعد ملاحظة اختصاصها بالسائمة منها. وربما لوحظ في فرض الزكاة عليها بعد حلول الحول عدم اجتماعها لدى صنف خاص من الناس وتيسر وقوعها في متناول من يريد اقتناءها لحوائجه الشخصية أو للتنمية. وهكذا فرض الزكاة في الذهب والفضة المسكوكين مع حلول الحول عليهما، فإنه ربما كان للزجر عن تجميعها أو غرامة على ذلك بملاحظة إنهما كانا في العهد السابق نقدا، وخاصة النقد كونه ميزانا للمالية ووسيلة سهلة للتبادل بين الامتعة، ولولاه لكان التبادل بينهما أمرا صعبا ومعرضا للضرر والغبن وتوفر النقود وتداولها من وسائل ازدهار التجارة ونموها وذلك مورد اهتمام الشارع وعنايته كما لعله أحد أسباب تحريم (ربا الفضل) - كما ذكرناه في بحث الربا -. يضاف إلى ما ذكرنا ما يترتب على تشريع الخمس والزكاة من المصالح


(1) الواقعة 56: 63 - 67.

[ 226 ]

الاجتماعية العامة - كما أشرنا إليه أولا - بل هذا التشريع مما توجبه العدالة من جهة استفادة الجميع من الجهات العامة التي توفرها الدولة كبناء القناطر وتعبيد الطرق وتحقيق الامن وغير ذلك. فظهر أن التدقيق في (الضرر) مفهوما وانطباقا يوجب دفع دعوى التخصيص بالنسبة إلى جملة من الاحكام التي عدت ضررية بطبعها. وأما الجزء الثاني من هذا الحل - وهو تحديد الضرر المنفي ب (لا ضرر) - فهو يتضمن جهات ثلاث. الاولى: إن الضرر المنفي منصرف عن كل ضرر تثبته الاحكام الجزائية، وذلك لان الحكم المولوي لا بد أن يدعمه قانون جزائي يثبت ضررا على مخالفته سواء كان ضررا دنيويا أو أخرويا، وإلا لم يكن حكما مولويا أصلا بل كان حكما إرشاديا، إذ الحكم المولوي - على ما أوضحناه سابقا - يتقوم بما يستبطنه من الوعيد فإذا لوحظ الضرر الذي يولده الحكم الجزائي الذي يندمج في الحكم الشرعي فإن الاحكام الشرعية كلها ضررية، إذ لا فرق في ذلك بين الضرر الدنيوي الذي يثبته مثل قوله سبحانه (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (1) وبين الضرر الاخروي الذي يثبته مثل قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (2) وعلى هذا فنفي التسبيب إلى الضرر من المقنن إنما ينصرف إلى الضرر الابتدائي على الشخص دون ما كان جزاءا على مخالفة القانون، هذا ما ينبغي ملاحظته. كما ينبغي أن يلاحظ أيضا إن اضرار الحاكم لا يندرج تحت عنوان


(1) المائدة: 5 / 38. (2) النساء: 4 / 10.

[ 227 ]

(الضرار) أيضا لان الضرار بحسب كونه من باب المفاعلة يقتضي أن يكون بمعنى إنهاء الضرر إلى الغير المستتبع لنسبة مماثلة من نفس الفاعل أو من الغير ولو بالقوة، فلا ينطبق ذلك في مورد إضرار الحاكم لانه لا يستتبع إضرارا آخر لا من الحاكم لان عمله محدود بحد قانوني، ولا من قبل المتضرر لان الحاكم بملاحظة الحماية القانونية له ليس في معرض أن يقع عليه ضرر ممن أجرى عليه الحكم كما هو واضح. الجهة الثانية: إن الحديث بحسب المراد التفهيمي منه على المختار لا يشمل جملة من الاضرار فإن المراد التفهيمي له هو نفي إلزام المكلف بتحمل الضرر، وعليه فلا ينفى الحكم الشرعي فيما لو أقدم المكلف بنفسه على تحمل الضرر كما إذا اشترى شيئا مع إسقاط جميع الخيارات أو كان عالما بالغبن أو العيب أو صالح صلحا مجاباتيا أو ألزم نفسه شيئا بالنذر والعهد واليمين، ففي مثل ذلك لا يعد إمضاء الشارع لما أنشأه المكلف تسبيبا من قبله لتحمل المكلف للضرر، وإنما الشخص هو الذي حمل نفسه الضرر ابتداء والشارع إنما أقره على ذلك. ولا يقال: إن المكلف في مورد العلم بالغبن ونحوه وإن كان أقدم على الضرر ابتداء، لكنه لم يقدم عليه بقاء وإنما الشارع ألزمه به بسبب حكمه باللزوم - كما ذكره غير واحد من المحققين -. فإنه يقال: إن اللزوم ليس حكما تأسيسيا شرعيا وإنما ينتزع من اطلاق المنشأ لما بعد الفسخ في موارد عدم الشرط ولو ارتكازا، وإنما الشارع أمضى ما أنشأه المنشئ بحدوده. الجهة الثالثة: إن اقتران (لا ضرر) ب‍ (لا ضرار) يمنع عن شموله لجملة من الاضرار، وذلك لان (لا ضرار) كما تقدم بحسب معناه التفهيمي يثبت عدة أنواع من الاحكام الضررية دفعا لوقوع الاضرار:

[ 228 ]

منها: أحكام جزائية يستتبعها الاضرار بالمجتمع من قبيل حد السرقة والمحاربة وحد القصاص والتعزير. ومنها: حق مكافحة الاضرار ولو بإنزال الضرر على الغير كما في بعض مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومنها: فروض مالية مقابل الاضرار كضمان الاتلاف وأروش الجنايات والديات التي تفرض على نفس الجاني. ومنها: أحكام تمهيدية مانعة عن تحقيق الاضرار كحق الشفعة. فالضرر الذي توجبه هذه الاحكام غير مشمول ل‍ (لا ضرر) لان اقترانه ب (لاضرار) الذي يثبت مثل هذه الاحكام يكون قرينة متصلة على تحديد مدلوله ومانعة عن شموله لمثل ذلك. وهكذا يتضح بمجموع ما ذكرناه: عدم اتجح اه ما ادعي من لزوم تخصيص الحديث في أكثر مدلوله بناء عل تفسيره بنفي الحكم الضرري. الطريق الثاني: - في جواب الاشكال - أن يقال إن (لا ضرر) ليس ظاهرا إلا في نفي الحكم الذي ربما يترتب على امتثاله ضرر، دون ما كان بطبعه ضرريا من قبيل الموارد المذكورة كالخمس والزكاة والحج وغيرها، فهي خارجة عن مصب الحديث تخصصا، وذلك بأحد وجوه: الوجه الاول: ما ذكره المحقق النائيني من إن قاعدة (لا ضرر) ناظرة إلى الاحكام ومخصصة لها بلسان الحكومة، ولازم الحكومة أن يكون المحكوم بها حكما لا يقتضي بطبعه ضررا لانه لو اقتضى بطبعه ضررا لوقع التعارض بينهما (1). وتوضيحه: إن قاعدة (لا ضرر) إنما سيقت للحكومة على الادلة


(1) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني ص 211.

[ 229 ]

الواقعية ولا معنى للحكومة بالنسبة إلى الادلة التي تثبت أحكاما ضررية بحسب طبعها، لان النسبة بين (لا ضرر) وبينها هي التباين. والحكومة التضييقية - كالتخصيص - لا تعقل إلا مع كون النسبة بين الدليلين عموما من وجه أو عموما مطلقا، فإنها لا تفترق عن التخصيص إلا بحسب اللسان حيث إن لسان الحكومة هو لسان مسالمة مع الدليل الاخر، ولسان التخصيص لسان معارضة معه وإلا فهما يشتركان في المحتوى وهو تحديد حجية الدليل الاخر، ولذلك لا تعقل الحكومة إلا في مورد يعقل فيه التخصيص وبما إن التخصيص لا يعقل في مورد كون النسبة هي التباين فإنه لا تعقل الحكومة معها أيضا. وليس المقصود بذلك أن كل مورد لم يحكم فيه بالتخصيص لا يحكم فيه بالحكومة، إذ في بعض موارد العامين من وجه يلتزم بحكومة أحدهما على الاخر ولا يلتزم بتخصيصه به بل يتعارض الدليلان في المجمع فيتساقطان، وإنما المراد أن كل ما لا يعقل فيه التخصيص لا تعقل فيه الحكومة. ويرد على ذلك أولا: إنه لم يثبت كون (لا ضرر) مسوقا للحكومة على الادلة الاخرى ابتداء حتى يقال بموجبه إنه ناظر إلى خصوص الادلة التي تثبت بإطلاقها أو عمومها حكما ضرريا، لطرو عوارض خارجية، ويحدد مفاده بنفي الحكم الذي لا يكون بطبعه ضرريا، بل الظاهر منه هو نفي التسبيب إلى تحمل الضرر مطلقا سواء كان الحكم المسبب إلى الضرر موجبا له بالذات أو بعروض عارض، بل شموله للاول أوضح لانه أجلى الافراد فيكون إخراجه منه تخصيصا في مفاده ويعود الاشكال. وثانيا: إن مبناه في تقريب نفي الحديث للحكم الضرري هو جعل الضرر عنوانا للحكم فيكون مصب النفي في الحديث نفس الحكم مباشرة، وعلى هذا المبنى لا يمكن اعتبار (لا ضرر) حاكما على الادلة الاولية - على

[ 230 ]

ما سيتضح في التنبيه الثالث - لان لسان نفي الحكم المثبت للموضوع في الدليل الاخر لسان معارضة مع لسان ذاك الدليل، فإن الدليل يثبت الحكم للموضوع و (لا ضرر) ينفي ذلك الحكم عن موضوعه ولا معنى للحكومة في مثل ذلك. نعم يمكن تصوير الحكومة على المختار في مفاد الحديث من أنه ينفي التسبيب الشرعي إلى تحمل الضرر فيكون نفيا للتسبيب بالحكم الضرري بلسان نفى الضرر كناية، لكن هذا اللسان إنما ينتج تقديم الدليل فيما أمكن الجمع الدلالي بينه وبين الدليل الاخر ليكون هذا حاكما وذاك محكوما به، وذلك كما في مورد يكون (لا ضرر) فيه أخص من الدليل الاخر ولو في الجملة، وأما إذا لم يمكن الجمع الدلالي بينهما بذلك بأن كانت النسبة بينهما هي التباين - كما هو الحال في مورد (لا ضرر) مع أدلة الاحكام الضررية بحسب طبعها - فلا وجه لتقدم الدليل الوارد بهذا اللسان على غيره كما هو واضح. الوجه الثاني: ما عن السيد الاستاذ (قده) من أن (لا ضرر) إنما هو ناظر إلى العمومات والاطلاقات الدالة على التكاليف التي قد تكون ضررية وقد لا تكون ضررية فيحددها بما إذا لم تكن ضررية ولا يتعرض للتكاليف التي هي بطبعها ضررية، والشاهد على ذلك إن وجوب الحج والجهاد وغيرهما من الاحكام الضررية كانت ثابتة عند صدور هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وآله في قضية سمرة، ومع ذلك لم يعترض عليه أحد من الصحابة بجعل هذه الاحكام الشرعية (1). ويرد علية: أولا: إن الاستشهاد يبتني على تصور أن الصحابة جميعا


(1) لاحظ الدراسات ص 332.

[ 231 ]

فهموا مغزى هذا الحديث على النحو الذي استظهرناه، مع أن الشواهد المختلفة تدل على أن أكثرهم لم يكونوا بهذه المنزلة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله في خطبته التي خطبها في مسجد الخيف - وقد نقلها الفريقان - (نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم تبلغه، يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (1). وفي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: (وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسأله الشئ فيفهم وكان منهم من يسأله ويستفهمه، حتى أنهم كانوا ليحبون أن يجئ الاعرابي والطارئ فيسأل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يسمعوا) (2). بل كانت معرفتهم بالقرآن كذلك وقد أوضحنا ذلك في بعض مباحث حجية ظواهر الكتاب ومقدمة بحث حجية خبر الواحد وذكرنا جملة من شواهد ذلك من روايات الفريقين. وثانيا: إنه على تقدير فهمهم لمعنى الحديث وثبوت عدم اعتراضهم أو سؤالهم أو بدعوى أنه لو كان لنقل - لتوفر الدواعي على نقله - فمن الممكن أن يكون الوجه في ذلك تنبه فقهاء الصحابة للطريق السابق في حل الاشكال من عدم نفي (لا ضرر) لكل ضرر من جهة عدم صدق الضرر في كثير من هذه الموارد على ما سبق توضيحه. وما يبقى منها - من موارد قليلة - فإنه ربما خصص الحديث بالنسبة إليها لان الخاص حيث وجد يتقدم على العام، وإن كان يدور بين أن يكون ناسخا أو مخصصا إلا إنه يحمل على الثاني بحسب المتفاهم العرفي، فيمكن أن يكون الوجه في عدم اعتراضهم


(1) جامع أحاديث الشيعة 1 / 229 / ح 347. (2) جامع أحاديث الشيعة 1 / 16 / ح 62.

[ 232 ]

بذلك تنبههم لهذا النحو من الجمع العرفي ولا شهادة في عدم الاعتراض بنفسه على اختصاص الضرر المنفي بما كان طارئا. وربما كان مقصوده بهذا الكلام ما يأتي في الوجه الثالث. الوجه الثالث: ما يبتني على جهتين: الاول: إن مورد هذه الكبرى في قضية سمرة إنما كان هو الضرر الطارئ لان ملكية النخلة في ملك الغير تستتبع حق الاستطراق إليها متى شاء مالكها، كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قضى في رجل باع نخله واستثنى نخلة فقضى له (بالمدخل إليها والمخرج منها ومدى جرائدها) (9) إلا أن عموم هذا الحق في مورد قضية سمرة للدخول بدون الاستئذان كان ضررا على الانصاري، لان البستان - الذي كانت فيه النخلة - كان محل سكناه وسكن أهله، فكان الدخول بدون استئذان موجبا لهتك حرمتهم. وعلى هذا: فالضرر الطارئ هو القدر المتيقن من مفاد الحديث لكونه موردا لالقائه في جهته. والجهة الاخرى: إن الاحكام التي هي بطبعها ضررية كانت من مشهورات أحكام الاسلام وحيث إن الصحابة كانوا حديثي عهد بالاسلام فكانوا يحسون بثقل ذلك ومشقته، ولم ينقل عن أحد منهم تصور شمول الحديث لهذه الاحكام، فكان ذلك قرينة متصلة للكلام على أن المنفي شرعا إنما هو خصوص الضرر الطارئ فلا ينعقد له ظهور في العموم. التنبيه الثالث: في وجه تقديم (لا ضرر) على أدلة الاحكام الاولية. وقد ذكر في ذلك وجوه كثيرة إلا أن المشهور بين المحققين أنه على نحو الحكومة التضييقية وهو الصحيح، وحيث شاع لديهم التعرض لحقيقة


(1) الوسائل كتاب التجارة أبواب أحكام العقود 18 / 91 / ح 23219.

[ 233 ]

الحكومة في المقام فلا بأس بالبحث عنها أولا، فيقع الكلام في مقامين: المقام الاول: في حقيقة الحكومة التضييقية. ويلاحظ إن الحكومة تطلق على معنيين فتارة يراد بها الخصوصية التي توجد في الدليل الحاكم التي توجب تقديمه على الدليل الاخر متى لم يكن هناك مانع من ذلك، وبهذا المعنى تعد الحكومة من المزايا الدلالية لاحد المتعارضين. وأخرى يراد بها التحكيم وهو العلاج الخاص بين الدليلين المتعارضين حيث يكون أحدهما بأسلوب الحكومة كما يراد بالتخصيص أيضا نوع علاج خاص بين العام والخاص أو العامين من وجه وحقيقة هذا العلاج الحكم بأوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت في الدليل الاخر تقديما للدليل المتضمن لاسلوب الحكومة، فيقابل النسخ وغيره من وجوه التقديم. وهذا المعنى من شؤون المعنى الاول وآثاره، ونحن نبحث أولا عن حقيقة الحكومة بالمعنى الاول ثم نتعرض لوجه تقديم الحاكم على المحكوم وكيفيته وشرائطه. وذلك في ضمن جهات: الجهة الاولى: في ذكر تقسيمات الحكومة ومحل البحث من أقسامها: التقسيم الاول: إن محتوى الدليل - بحسب المراد الاستعمالي - يكون على أحد نوعين: 1 - أن يكون محتواه اعتبارا أدبيا تنزيليا وذلك من قبيل إثبات الحكم بلسان إثبات موضوعه أو نفيه بلسان نفيه كأن يقال بعد الامر بإكرام العلماء مثلا (المتقي عالم) و (الفاسق ليس بعالم) فإن الاول يثبت وجوب الاكرام للمتقي بلسان تحقق موضوع الوجوب وهو العالم، كما أن الثاني ينفي وجوب الاكرام عن العالم الفاسق بلسان نفي تحقق موضوعه. ومن الواضح إن اندراج المتقي تحت العالم وخروج العالم الفاسق عنه اعتبار أدبي تنزيلي.

[ 234 ]

وسيجئ توضيح هذا القسم في التقسيم الثاني. 2 - أن يكون محتواه اعتبارا حقيقيا متأصلا. وقد يمثل لذلك بحكومة الامارات على الاحكام التي أخذ العلم أو عدمه حدا لها كالاصول العملية وذلك على القول بأن مفاد أدلة حجية الامارات - كخبر الثقة أو الخبر الموثوق به - هو تتميم كشفها باعتبارها علما. وذلك ليس على سبيل التنزيل والاعتبار الادبي ليكون تقدمها على الاصول العملية ونحوها على نحو الحكومة التنزيلية، وإنما على سبيل الاعتبار المتأصل بملاحظة أن للعلم عند العقلاء قسمين: قسما تكوينبا وقسما اعتباربا وقد أمضى الشارع - بما إنه رئيس العقلاء - العلم الاعتباري العقلائي. فعلى هذا الرأي إذا فسرنا عدم العلم المأخوذ في موضوع جريان الاصل مثلا ك‍ (رفع ما لا يعلمون) بعدم العلم التكويني وقامت أمارة كخبر الثقة على الحرمة فإن هذه الحالة تخرج عن حدود الاصل بنحو الحكومة، لان العقلاء يرون أنفسهم عالمين علما قانونيا فلا يجدون أنفسهم مشمولين ب‍ (رفع ما لا يعلمون) رغم تفسير العلم بالعلم التكويني. ولا يمكن اعتبار ذلك من قبيل الورود لتوقف الورود على انتفاء الموضوع في الدليل الاول وجدانا بمؤونة من التعبد، وعدم العلم التكويني الموضوع في دليل الاصل حسب الفرض لا ينتفي وجدانا بوجود علم اعتباري (نعم) لو كان موضوع الاصل عدم العلم الجامع بين العلم التكويني والعلم الاعتباري، لكان تقدم الامارة عليه بنحو الورود لانتفاء الموضوع حينئذ حقيقة بمعونة الاعتبار. ويلاحظ: إن هذا النوع من الحكومة تترتب عليه آثار التضييق والتوسعة معا فإنه يوجب تضييق الدليل المحكوم بحسب المراد التفهيمي، إن كان موضوعه كالاصل عدم الماهية، وتوسعته إن كان موضوعه وجود

[ 235 ]

الماهية كما في جواز الاخبار عما يعلم ونحوه. هذا إلا إن ثبوت هذا النوع من الحكومة محل تأمل. وعلى تقديره فهو خارج عما هو المقصود بالبحث في المقام فإن (لا ضرر) ليس بمندرج في هذا القسم. وتحقيق القول في هذا القسم من الحكومة (في وجه تقديم الامارات على الاصول) قد تعرضنا له في محله من علم الاصول. التقسيم الثاني: إن مفاد الدليل الحاكم إما توسعة في الدليل المحكوم أو تضييق فيه، وبهذا الاعتبار تنقسم الحكومة إلى قسمين: 1 - الحكومة على نحو التوسعة. وهي في الاعتبارات الادبية عبارة عن تنزيل شئ منزلة شئ آخر ليترتب عليه الحكم الثابت لذلك الشئ، إثباتا للحكم بلسان جعل موضوعه. واختيار هذا الاسلوب من قبل المتكلم قد يكون لاجل إثارة نفس الاهتمام الثابت للحكم الاول من جهة تكراره والتأكيد عليه بالنسبة إلى الحكم الثاني، فيعدل المتكلم عن الاسلوب الصريح إلى هذا الاسلوب الذي يظهره بيان حدود موضوع الحكم الاول استغلالا للتأثير النفسي الثابت للمنزل عليه لتحقيق مثله بالنسبة إلى المنزل. ومثال ذلك: ما ورد من أن الفقاع خمر فإن اعتبار الفقاع خمرا تنزيلا إنما يقصد به تفهيما كونه حراما أيضا كالخمر، ولكن أختير هذا التعبير بدلا عن أن يقال (إن الفقاع حرام) لكي يوجد تجاهه نفس الاحساس الموجود تجاه الخمر، لان الخمر من جهة التشديدات المؤكدة حولها قد اكتسبت طابعا خاصا من المبغوضية والحرمة، واعتبار الفقاع خمرا يثير في نفس المخاطب نفس الاحساس الموجود تجاه الخمر بالنسبة إليه. وما ذكرناه هو النكتة العامة في الاعتبارات الادبية من قبيل اعتبار زيد أسدا، فإن العدول عن التصريح بشجاعته في ذلك إنما هو لاثارة نفس

[ 236 ]

المشاعر التي يثيرها عنوان الاسد عند المخاطب تجاه زيد، وقد أوضحنا ذلك في بعض مباحث الالفاظ في علم الاصول. وهذا القسم أيضا ليس بمقصود بالبحث فإن (لا ضرر) ليس من هذا القبيل بالنسبة إلى أدلة الاحكام. 2 - الحكومة على نحو التضييق. وهي أن يكون مؤدى الدليل الحاكم تحديد ثبوت الحكم لموضوعه نافيا لتصور ثبوته له بنحو عام، وذلك كأن ينفي موضوع الحكم أو متعلقه بغرض نفي نفس الحكم على سبيل الكناية كقوله عليه السلام: (لا ربا بين الوالد والولد) فإن المقصود من نفي الربا هو نفي حرمته لانفي حقيقته ولكنه تعرض لذلك بلسان نفي الموضوع على نحو الكناية دون التصريح. وهذا القسم هو المقصود بالبحث في المقام. الجهة الثانية: في أقسام الحكومة التنزيلية. ومواردها واختلاف مؤدى الدليل الحاكم بحسبها. إن الحكومة التنزيلية تنقسم إلى قسمين: الاول: أن يكون بلسان الاثبات ومفاده إعطاء شئ حد شئ آخر وتنزيله منزلته، كما إذا قام الدليل على إن (ولد المسلم مسلم) فإن الاسلام بما إنه عبارة عن عقيدة خاصة فلا يتصف به غير المميز، ولكن الدليل المذكور ينزل ولد المسلم منزلة المسلم فيضيق دائرة الدليل الدال على إن غير المسلم نجس مثلا. الثاني: أن يكون بلسان النفي، وهو الاكثر تداولا في الادلة. وللنفي التنزيلي - باعتبار مصبه - موارد يختلف بحسبها نوع المراد التفهيمي من الدليل الحاكم: 1 - أن يكون المنفي موضوعا لدى العقلاء لاعتبار متأصل كالعقود

[ 237 ]

والايقاعات. والمراد التفهيمي بنفي الطبيعي في ذلك نفي الاثار القانونية التي ينشأ المعنى بداعي ترتيبها، كحصول الفراق بالطلاق، وإذا كان المنفي حصة من الطبيعي الموضوع للحكم كقوله: (لا طلاق إلا بإشهاد) كان مقتضاه اشتراط ترتب تلك الاثار بحصول الشرط المذكور. 2 - أن يكون المنفي موضوعا لاحكام شرعية ك‍ (لا شك لكثير الشك) و (لا شك للامام مع حفظ المأموم) والمراد التفهيمي بنفي الطبيعي في ذلك عدم ترتب ذلك بالنسبة إلى الحصة الخاصة. 3 - أن يكون المنفي متعلقا للحكم ك‍ (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) و (لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة)، و (لا ربا بين الوالد والولد) والمراد التفهيمي بنفي الطبيعي في ذلك نفي ثبوت الحكم لها إيجابا أو تحريما، ومرجعه إلى اشتراط المتعلق بالشرط المذكور. 4 - أن يكون المنفي نفس الحكم الشرعي كما في (كل شئ لك حلال) و (رفع ما لا يعلمون) بناء على كون (ما) كناية عن الحكم الواقعي، إذ لا يراد بمثل هذه الالسنة التصويب ودوران الاحكام مدار علم المكلف وجهله، ولا ثبوت حكم ظاهري في مورد الجهل بالحكم الواقعي - كما عليه كثير من الاصوليين - بل مفادها عدم ترتب أثر الحكم، كاستحقاق العقوبة على مخالفته في ظرف الجهل بوجوده إرشادا إلى عدم كون الحكم بحد من الاهمية بحيث يكون احتمال وجوده منجزا له. وقد أوضحنا ذلك في مبحث أصالة البراءة. 5 - أن يكون المنفي انتساب المعنى إلى المكلف - كما في حديث الرفع - إذا كانت (ما) كناية عن الفعل دون الحكم، وذلك بناء على المختار من أنه لا يعني رفع الفعل في حد نفسه، ولذلك لا يرتفع الحكم فيما كان الاثر مترتبا على نفس الفعل من دون اعتبار صدوره من الفاعل، كما لو ألقى

[ 238 ]

النجس في الماء عن إكراه، فإنه ينجس الماء حينئذ لكون نجاسة الماء أثرا لنفس الملاقاة بالمعنى اسم المصدري. وإنما المقصود بذلك نفي انتسابه إلى المكلف فيرتفع الاثر المترتب على ذلك كبيع المكره وطلاقه. 6 - أن يكون المنفي طبيعة توهم تسبيب الشارع إلى تحققها سواء كانت متعلقا للحكم أو معلولا له في وعاء الخارج، من قبيل ما لو قيل: (لا حرج في الدين) فإن الحرج ليس متعلقا للحكم، وإنما هو أمر يترتب على الحكم فيكون المقصود بنفي الطبيعة حينئذ نفي جعل الحكم المؤدي إليها، ولكن عبر عن نفيه تنزيلا بنفي تحقق الطبيعة خارجا. هذه هي موارد النفي التنزيلي وما ذكرناه إنما هو خصوص ما كان منها من قبيل الحكومة، بأن كان نظر المتكلم في نفيه التنزيلي للمعنى إلى فكرة مخالفة لمؤدى الكلام - على ما هو معيار الحكومة على التحقيق كما يأتي -. وهناك مورد سابع لا يندرج في الحكومة وهو حيث يستفاد منه الزجر والتحريم المولوي من قبيل قوله تعالى: (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (1) وضابطه - كما يظهر مما تقدم - أن يكون مصب النفي طبيعة تكوينية ذات آثار خارجية يرغب المكلفون فيها لانسجامها مع القوى الشهوية أو الغضبية للنفس، من دون أن يكون هذا الخطاب مسبوقا بحكم مخالف له ولو توهما كالامر بعد الحظر أو بعد توهمه. ووجه عدم اندراج هذا المورد في الحكومة كونه مقيدا بعدم سبق حكم مخالف له ولو توهما، ومع هذا القيد لا يمكن أن يتوفر فيه الشرط السابق من نظر المتكلم إلى فكرة مخالفة، ووجه تقييده بذلك إنه لو سبق الخطاب حكم آخر، كان مفاده هدم ذلك الحكم ونفي التسبيب إلى الطبيعة، فيندرج حينئذ


(1) البقرة: 2 / 197.

[ 239 ]

في المورد السادس من الموارد السابقة. ويلاحظ إن سر اختلاف المحتوى في أكثر هذه الموارد قد تقدم إيضاحه مفصلا في ذكر الضابط العام لاختلاف محتوى صيغ الحكم عند ذكر المسلك المختار في الحديث، ويظهر الحال في الباقي أيضا على ضوء ذلك. هذا وهناك تقسيم آخر لموارد الحكومة يتردد في كلمات المحقق النائيني ومن وافقه (1) وملخصه: إن الدليل الحاكم على قسمين: 1 - أن يكون شارحا لعقد الوضع من الدليل المحكوم، والمراد بعقد الوضع ما يعم موضوع الحكم ومتعلقه كحديث (لا ربا بين الوالد والولد) بالنسبة إلى دليل حرمة الربا وفساده، فإن الربا متعلق للحرمة وموضوع للفساد 2 - أن يكون شارحا لعقد الحمل منه - وهو الحكم - ومثل له ب (لا ضرر) بناء على مختاره (قده) من إن الضرر عنوان ثانوي للحكم، وقد ذكر أن هذا القسم أظهر أفراد الحكومة، لان هدم الموضوع يرجع بالواسطة إلى التعرض للحكم. ولكن هذا التقسيم غير تام. أما أولا: فلان كون القسم الثاني من قبيل الحكومة مبني على مبناه من إن مناط الحكومة هو النظر إلى دليل آخر، وأما على المختار من إن مناطه أن يكون لسان الدليل لسان مسالمة مع العام فلا يكون منها لان لسان الدليل في هذا القسم لا محالة لسان معارضة، لانه ينفي ما يثبته العام صريحا، مع إن التمثيل لهذا القسم بحديث (لا ضرر) إنما يتجه على مبناه وهو غير تام


(1) لاحظ رسالة (لا ضرر) تقريرات المحقق النائيني: 213 وفوائد الاصول 4: 592 - 593 مفصلا، وأجود التقريرات 2: 162 - 163 و 505 - 507، ومصباح الاصول 2 / 541 - 542.

[ 240 ]

كما مر، وسيتضح القول في ذلك تفصيلا. وأما ثانيا: فلان القسمة غير حاصرة، إذ لا يشمل مثلا ما إذا كان الدليل الحاكم متعرضا لنفي ما يكون معلولا للحكم في الخارج ك‍ (لا حرج في الدين). الجهة الثالثة: في حقيقة الحكومة التضييقية مع المقارنة بينها وبين التخصيص. إن الصفات التي يتصف بها الدليل - كالحكومة والورود والتزاحم والتعارض - تنقسم إلى قسمين: ففئة منها يتصف بها الدليل بلحاظ محتواه - أعني مدلوله التفهيمي - كحالة التعارض والورود، فإن التعارض مثلا ليس إلا حالة تصادم بين المدلولين التفهيميين للدليلين، ولذا لا يتحقق التعارض بين قولين يتحد المدلول التفهيمي لهما وإن اختلف المراد الاستعمالي فيهما ك‍ (زيد جواد) و (زيد كثير الرماد) وكذلك الورود فإن ورود أحد الدليلين على الاخر إنما هو باعتبار واقع مؤداه من غير اعتبار بأسلوب الدليل. وهناك فئة أخرى يتصف بها الدليل بلحاظ أسلوبه ولسانه في التعبير عن المعنى، لا بلحاظ واقع مؤداه ومحتواه، ولذلك يمكن أن يتصف الدليلان المتماثلان في المحتوى بوصفين متقابلين من هذه الفئة لمجرد الاختلاف في الاسلوب. ومن هذه الفئة على ما نراه هي الحكومة والتخصيص. فحقيقة الحكومة إنما هي تحديد العموم بأسلوب مسالم معه وهو أسلوب التنزيل والكناية - الذي هو أداء للمعنى بلسان غير مباشر - كنفي الملزوم استعمالا مع إرادة نفي ما يتوهم لازما له. وإنما كان ذلك أسلوب مسالمة لان الدليل الحاكم الذي يصاغ بهذا الاسلوب لا يمثل محتواه

[ 241 ]

المعارض للعام المحكوم - بلسان معارض معه - بأن يثبت ما نفاه العام أو ينفي ما أثبته، وإنما يؤدي ذلك بلسان منسجم معه حيث يمثل نفسه على إنه بيان لحدود الموضوع وعدم تحققه في المورد - مثلا - ليتمثل انتفاء الحكم في المورد انتفاء طبيعيا باعتبار عدم تحقق موضوعه، فهو يتضمن نحوا من الالتواء وعدم الصراحة في أداء المعنى. وحقيقة التخصيص على العكس فإنها عبارة عن تحديد العموم بإسلوب معارض معه وهو إسلوب الصراحة بأن ينفي ما يثبته العام أو يثبت ما ينفيه صريحا، من غير أن يلجأ إلى طريقة غير مباشرة كأن ينفي الموضوع لينتهي بذلك إلى نفي الحكم، فالدليل المخصص - على خلاف الحاكم - يعكس معارضة محتواه مع العموم فيكون مفاده استعمالا موافقا لما يراد به تفهيما من دون لف ودوران في عرض المعنى. وبذلك يظهر إن الحاكم والمخصص أسلوبان مختلفان في أداء المعنى الواحد وتفهمه فقول الشارع (لا يجب إكرام العالم الفاسق) وقوله (العالم الفاسق ليس بعالم) كلاهما يدلان على معنى تفهيمي واحد وهو عدم وجوب إكرام العالم الفاسق، لكنهما يختلفان في المراد الاستعمالي أي في أسلوب التعبير عن نفي الحكم حيث يؤديه الاول صراحة والثاني على نحو الكناية من غير تصريح، وذلك تفنن أدبي في أساليب إبراز المعنى الواحد. هذا ولكن هناك اتجاه آخر في حقيقة الحكومة هو المعروف بين الاصوليين، وهو إن قوام الحكومة بنظر أحد الدليلين إلى الدليل الاخر وسوقه قرينة شخصية لبيان المراد من ذلك الدليل سواء كان ذلك بلسان التنزيل كما في نفي الحكم بلسان نفي موضوعه أم لا كما لو جعل الحكم المضاف إلى العام منفيا عن حصة أو فرد من الموضوع كأن يقال (وجوب إكرام العلماء غير ثابت للفاسق أو لزيد) لان هذا اللسان ناظر إلى اثبات الحكم للعام.

[ 242 ]

ولكن هذا الاتجاه ليس بصحيح عندنا وتوضيحه: إن لكل باب موردا متيقنا له، يكون أساسا في تحليل ذلك الباب ومأخذا لملاكه وتحديده، كموارد قصور القدرة اتفاقا بالنسبة إلى باب التزاحم مثلا، فكل تحليل لاي باب إنما يصح - بعد تمامية تصوره في حد نفسه - إذا أمكن شموله للمورد المتيقن للباب، ولا ضير بعد ذلك لاندراج موارد أخرى تحت الباب وعدم اندراجها، وإلا لم يكن تحليلا لذلك الباب وإنما يكون تحديدا لظاهرة أخرى. وموارد التنزيل بالنسبة إلى الحكومة من هذا القبيل فإنها هي القدر المتيقن لها فلا يصح أي تحليل للحكومة إلا إذا تم اندراج موارد التنزيل فيه وليس بإمكان أحد أن ينكر تحقق الحكومة في موارد نفي الحكم بنفي موضوعه من قبيل قوله (العالم الفاسق ليس بعالم) مثلا. والاتجاه المذكور غير قادر على ذلك، لان لسان التنزيل لا يقتضي نظرا إلى دليل آخر أصلا لا بالمطابقة - كما هو واضح - ولا بالالتزام، لان دلالته عليه بالالتزام إنما تتم لو كانت صحة هذا اللسان لغة أو بلاغة تقتضي نظره إلى دليل آخر، وليس الامر كذلك، فإن صحة هذا اللسان لغة إنما تتوقف على وجود تناسب بين المعنى الاستعمالي والمراد التفهيمي - كما هو شأن كل اعتبار أدبي - ولا تعلق لذلك بالنظر إلى دليل آخر. كما إن صحته بلاغة - بمعنى النكتة المصححة للعدول إلى هذا اللسان من اللسان الصريح - إنما هي الحذر من مواجهة احساسات المخاطب ضد الكلام حيث يكون ثبوت الحكم لموضوعه بنحو عام مرتكزا في ذهنه ولا أهمية لوجود دليل آخر وعدمه في ذلك. وسوف يتضح هذا من خلال التعرض للمصحح اللغوي والبلاغي لهذا اللسان، ثم سنعود إلى بيان الموضوع بعد ذلك تفصيلا. الجهة الرابعة: في المصحح اللغوي للسان التنزيل.

[ 243 ]

إن الاعتبار التنزيلي اعتبار أدبي يختلف فيه العنصر المعنوي عن العنصر الشكلي للكلام وكل اعتبار أدبي بحاجة إلى مصححين لغوي وبلاغي. 1 - فالمصحح اللغوي: هو العلاقة والتناسب بين المعنى الاعتباري (المجازي) والمعنى الحقيقي، وذلك إنه كلما عبر عن معنى خاص بعنصر شكلي يختلف عنه فإنه لا بد من تسانخ وتناسب بين الامرين ليصح بذلك التعبير عن المعنى المراد بالشكل الخاص، وبدون توفر ذلك لا يصح استعمال اللفظ في التعبير عن المراد لغة بل يكون خطا وقد تعرضنا لمصحح الاستعمال المجازي وحدوده بنحو عام في مباحث الالفاظ. 2 - والمصحح البلاغي: - وقد يعبر عنه بالنكتة البلاغية أو وجه العدول عن التعبير الحقيقي - وهو الجهة التي توجب أداء المعنى بنحو الاعتبار الادبي دون التصريح، وذلك لان العدول عن التعبير الحقيقي وإن كان يصح لغة من دون نكتة لوجود المصحح اللغوي للاستعمال، إلا أن مقتضى البلاغة اختيار التعبير الصريح في أداء المعنى ما لم يوجد دافع لاستعمال التعبير المجازي. ويتضح الفرق بين المصححين في المثال الاتي: إذا عبرنا عن زيد بالاسد، فالمصحح اللغوي لهذا التعبير هو التشابه بينهما في صفة الشجاعة ولكن المصحح البلاغي لذلك هو قصد تحقيق نفس الاحساس الموجود تجاه الاسد بالنسبة إلى زيد. والمصحح اللغوي لاسلوب التنزيل هو إحدى نكتتين: 1 - النكتة الاولى: التناسب الكائن بين التسبيب إلى عدم تحقق الطبيعة في الخارج وبين المفاد الاستعمالي لصيغة النفي من انتفائها خارجا، فحيث كان المعنى المراد مصداقا للتسبيب إلى عدم تحقق الطبيعة صح أن

[ 244 ]

يكون محتوى لصيغة النفي على أساس التناسب المذكور. وأوضح مصداق للتسببيب إلى ذلك هو تحريم الطبيعة تحريما مولويا لا سيما إذا انضم إلى ذلك تشريع اتخاذ وسائل إجرائية للصد من تحققها خارجا كما هو مفاد مقطع (لا ضرار) من حديث (لا ضرر ولا ضرار) على ما سبق توضيحه. ولكن لا ينحصر مصداقه بذلك، بل يتحقق في الموارد التالية أيضا: 1 - فصل الماهية الاعتبارية عن آثارها الوضعية التي تترتب عليها عقلاء - كما في المورد الاول من الموارد السابقة للنفي التنزيلي، فهذا المعنى يكون مصداقا للتسبيب إلى عدم الماهية خارجا باعتبار إن مطلوبية مثل هذه الماهيات كالعقود والايقاعات ليست لذاتها، بأن تكون في حد أنفسها مما يدعو إليها قوة نفسية للانسان - كالغضب والشهوة - وإنما هي لاجل تلك الاثار التي تترتب عليها فإذا فصلت عنها كان ذلك موجبا لزوال الرغبة ومؤديا إلى انتفاء الماهية خارجا. ولاجل ذلك قلنا فيما تقدم إن استعمال صيغة النهي في مثل هذا المورد ليس مجازا لان فصل الطبيعة عن آثارها يوجب انزجار المكلف عنها بالامكان فيكون الزجر عنها زجرا حقيقعا طبعا. 2 - تحديد الماهية التي هي متعلق للامر المولوي - كما في المورد الثالث من الموارد السابقة للنفي التنزيلي -. وهذا المعنى أيضا يكون مصداقا للتسبيب إلى عدم تحقق الماهية، وذلك من جهة إن الرغبة إلى الماهية في هذا المورد أيضا ليست لذاتها وإنما لاجل امتثال الامر وتفريغ الذمة عن المأمور به، فإذا حدد الشارع الماهية المأمور بها وأخرج منها حصة خاصة كان ذلك موجبا لزوال الرغبة عن تلك الحصة ومؤديا إلى انتفائها خارجا. ولذلك أيضا قلنا بأن استعمال صيغة النهي في هذا المورد ليس مجازا

[ 245 ]

- نظير ما سبق في المورد السابق - بنفس النكتة. ويجمع هذين الموردين أمران: أولا: إن كون محتوى النفي فيهما مصداقا للتسبيب إلى عدم الماهية إنما هو على أساس استلزامه لانتفاء السبب إلى تحقق الماهية حيث كانت الرغبة إليها لا لنفسها وإنما لجهة خاصة فأوجب محتوى النفي زوالها. وثانيا: إن التسبيب فيهما تسبيب حقيقي ولو عرفا - على خلاف المورد الثالث الاتي - وذلك من جهة إن إعدام العلة سبب لعدم معلولها، ومحتوى النفي فيهما موجب لعدم العلة في تحقق الماهية - وهي الباعث عليها والمرغب فيها -. 1 - هدم الحكم الموجب لتحقق الماهية التي هي مرغوب عنها في حد نفسها، وفي قوة الهدم بيان عدم وجود مثل هذا الحكم حيث يتوهم أو يحتمل وجوده، وذلك كما في المورد السادس من الموارد السابقة للنفي التنزيلي. وهذه الجهة أيضا مصداق للتسبيب إلى عدم تحقق الماهية لان الماهية حيث كانت مرغوبة عنها لذاتها لم يكن هناك سبب لايجادها، إلا ثبوت حكم موجب لها وحيث إن هدم الحكم أو بيان عدم وجوده يزيل هذا السبب كان ذلك مؤديا إلى عدم إيجاد الماهية. لكن هذا مصداق تنزيلي للتسبيب وليس حقيقيا - كما في الموردين الاولين - لان السبب الحقيقي لعدم الماهية في هذه الحالة إنما هي الرغبة الطبيعية عنها، وإنما كان وجود الحكم الموجب لها أو توهم وجوده مانعا عن فاعلية نلك الرغبة، وبهدم الحكم أو بيان عدمه يزول هذا العائق. 2 - النكتة الثانية: تناسب واجدية حصة من الماهية لنقص أو فقدها لكمال، فإن ذلك يصحح نفي تحقق الماهية بها تنزيلا لوجودها منزلة

[ 246 ]

عدمها، ومن هذا القبيل نفي الانسانية عمن لم لكن له أخلاق فاضلة. وتنطبق هذه النكتة أيضا في موارد: 1 - إذا كان المنفي موضوعا لحكم شرعي كما في المورد الثاني من الموارد السابقة للنفي التنزيلي، وذلك كما لو قيل (الفاسق ليس بعالم) بعد ما قيل (أكرم العالم) فإن الفسق حيث كان صفة نقص في العالم صح نفي العالم في حالة وجوده تنزيلا، وهكذا قوله (لا شك لكثير الشك) فإن كثرة الشك لما كانت توجب نقصا في اعتبار الشك وقيمته صح نفي تحقق أصل الشك معها. 2 - إذا كان المنفي حصة من ماهية منهي عنها - كما في بعض أقسام المورد الثالث من الموارد المذكورة - ك‍ (لا ربا بين الوالد والولد) فإن الحق العظيم الذي يثبت للوالد على الولد يوجب كون الزيالة - المسقاة بالربا - كلا زيادة بالنسبة إليه. 3 - إذا كان المنفي نفس الحكم الشرعي لعدم استحقاق العقوبة على مخالفته - كما في المورد الرابع من تلك الموارد - فإن عدم الاستحقاق حيث إنه صفة نقص في الحكم عرفا صح نفيه تنزيلا. وتتجلى هذه النكتة في الحكومة بلسان الاثبات إذا كان المعنى المثبت صفة نقص كما لو قيل إن (ولد الكافر كافر) فإن إثبات تلك الصفة تنزيلا يكون على أساس نقص مناسب لتلك الصفة وهي كون الانسان ولدا للكافر الذي يعد صفة نقص فيه. وأما إذا كان المعنى المثبت صفة كمال فتنطبق فيها نكتة أخرى هي عكس تلك النكتة وهي واجدية الشئ لكمال يناسب تلك الصفة كما لو قيل إن (ولد المسلم مسلم) فإن كون الانسان ولدا لمسلم تعتبر صفة كمال فيه وهي تناسب الصفة المثبتة له من الاسلام.

[ 247 ]

ويلاحظ إن هذه النكتة قابلة للتطبيق في بعض موارد النكتة الاولى: فمثلا يمكن أن يقال في (لا صلاة إلا بطهور) - وهو مما يندرج في المورد الثاني منها - إن مصحح النفي فاقدية الصلاة في هذه الحالة بكمال وهي الاقتران بالطهارة. فظهر مما ذكرنا: إنه لا يمكن أن يكون ادعاء اقتضاء لسان التنزيل للنظر إلى دليل آخر مبنيا على اقتضاء المصحح اللغوي للتنزيل لمثل هذا المعنى، فإن المصحح للتنزيل في كل اعتبار أدبي هو التسانخ بين المراد الاستعمالي والمراد التفهيمي وليس للنظر دخل في ذلك. الجهة الخامسة: في المصحح البلاغي للسان التنزيل. قد ذكرنا في الامر السابق إن البلاغة تقتضي اختيار المتكلم للاسلوب الصريح في مرحلة أداء المعنى ورفض الاساليب الملتوية والمعقدة، لان الاسلوب الصريح أسلوب طبيعي وواضح في الاداء والتفهيم، ولذلك لا بد أن يكون العدول عن هذا الاسلوب واختيار اسلوب التنزيل والكناية في موارد الحكومة مبنيا على مصحح بلاغي من مراعاة جهة تتوفر في هذا الاسلوب دون الاسلوب المباشر الصريح. وبما إن هذا الاسلوب أسلوب أدبي، فنشير أولا إلى النكتة العامة في الاعتبارات الادبية ثم نتعرض لتحليل النكتة في مقامنا هذا على ضوء ذلك: 1 - أما النكتة العامة في الاعتبارات الادبية فهي التصرف بمشاعر المخاطبين وعواطفهم واحساساتهم باختيار أسهل طرق التعبير وأحسنها وأوفاها، ليصل المتكلم من خلالها إلى مقاصده بصورة لا تجرح ولا تمس تلك الاحاسيس والعواطف، بل ليستفيد منها في الوصول إلى مقاصده تلك. وهذه الجهة هي فلسفة البلاغة وسرها. ولا بد في ذلك من ملاحظة الحالات النفسية للمخاطبين فيما يتعلق بالموضوع بنحو عام ليتسنى التفاعل معها

[ 248 ]

تفاعلا مناسبا ولاجل هذا المعنى كان علم البيان في الحقيقة من العلوم النفسية. وقد يقتضي ما ذكرنا اختيار أساليب مختلفة حسب اختلاف المقامات، ولذلك عرف هذا العلم بأنه (علم يعرف به أداء المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة وخفائها) إلا إن الصحيح أن يقال في التعريف (بطرق مختلفة في التأثير في النفس شدة وضعفا) لان سر الاختلاف في الاسلوب ليس اختلاف الاساليب في مستوى الوضوح وإنما منشأه اختلافها في الوقع والتأثير النفسي المطلوب حصوله في نفس المخاطب ونوعه. فالتعبير الحقيقي والتشبيه والاستعارة مثلا أساليب تختلف في درجة إثارة المعنى في نفس المخاطب كما لو قيل (زيد شجاع) أو (زيد كالاسد) أو (جاء الاسد)، فإثارة الاستعارة للاحساس بشجاعة زيد أقوى من إثارة التشبيه كما إن إثارة التشبيه بدورها أقوى من إثارة التعبير الحقيقي. وأما النكتة الموجبة لاختيار أسلوب الكناية من قبل الشارع في مقام بيان تحديد الحكم فهي ترتكز على أمرين: أحدهما: اختلاف هذا الاسلوب عن أسلوب التصريح في نوع إثارة المعنى. ويظهر ذلك فيما لو استخدمنا هذين الاسلولين في مقابل فكرة عامة مخالفة لمحتواهما، فإسلوب التصريح - بلحاظ إنه يمثل المعنى على ما هو عليه - يكون جارحا لتلك الفكرة معارضا لها، ولذا قلنا إن لسانه لسان المعارضة مع العام وإذا كان المخاطب بالكلام مقتنعا بتلك الفكرة المخالفة وكان الترابط بين الحكم والموضوع - مثلا - في ذهنه ترابطا وثيقا، فإن مواجهته بهذا الاسلوب يثير إحساسه ضد مؤدى الكلام طبعا فيوجب إنكاره أو استنكاره له، من جهة كون ذلك مجابهة واضحة مع ما ارتكز في ذهنه من الارتباط بينهما.

[ 249 ]

وأما اسلوب الكناية فإنه يثير المعنى بنحو لا يمس باعتقاد المخاطب ومشاعره واحساسه، لان مظهره مظهر المسالمة والاعتراف بتلك الفكرة حيث إنه ينفي تحقق الموضوع مثلا ليترتب عليه انتفاء الحكم انتفاء طبيعيا، وبذلك يخيل المتكلم لمخاطبة بأنه لا يعارض اعتقاده بثبوت الحكم للموضوع، بنحو عام بل يقره عليه ويعترف له به حتى كأنه لو كان الموضوع متحققا في المورد لثبت الحكم. وبذلك يكون المعنى أوقع في نفس المخاطب وأقرب إلى قبوله واذعانه. وبهذا يظهر اختلاف هذين الاسلوبين في نوع التأثير الاحساسي. الامر الثاني: اختلاف المواضيع التشريعية التي يتعرض لها الدليل الحاكم أو المخصص في ارتكاز فكرة مخالفة لمؤداه في ذهن المخاطب وعدمه. فقد يكون المخاطب بالدليل خالي الذهن عن أية فكرة عامة مقابلة، أو يكون له فكرة مقابلة إلا إنها غير مرتكزة في ذهنه، فتزول بمجرد اطلاعه على الدليل - حتى وإن كان له مستند في تلك الفكرة من عموم أو اطلاق -. ففي هذه الحالة لا مصحح بلاغي للتعبير بلسان الحكومة حتى وإن كان هناك عموم أو اطلاق على خلاف مؤدى الدليل - بل المناسب أن يعبر المتكلم بلسان صريح بعدم وجوب إكرام العالم الفاسق مثلا لو كان الدليل الاول هو (أكرم العلماء)، ولا موجب لان ينفي عنه العلم لينتج عدم وجوب إكرامه. وقد يكون المخاطب بالدليل ذا ارتكاز ذهني في الموضوع على خلاف مؤدى الدليل - والمراد بالارتكاز الفكرة الثابتة في الذهن الراسخة في عمقه بحيث يصعب رفع اليد عنه احساسا، وإن اطلع على دليل على

[ 250 ]

خلافه -. وفي هذه الحالة يعدل المتكلم البليغ عن النفي الصريح للحكم إلى لسان النفي غير المباشر، تجنبا عن إثارة مشاعر المخاطب وأحاسيسه واختيارا لاحسن طرق التعبير مع الجمهور وأسهلها، لجلبهم إلى المقاصد المنشودة حيث يشتد الارتباط الاحساسي في أذهانهم ويصعب تفكيك شمول الحكم وعزله عن بعض الحصص. ويلاحظ أن منشأ الارتكاز الذهني لا يكون أمرا ادراكيا محضا كقيام عموم أو اطلاق، لان ذلك بمجرده لا يستدعي مقاومة ذهنية للمخاطب في مقابل الدليل الحاكم، بل يرتفع الاعتقاد الادراكي بقيام ذلك. وإنما يكون منشأه أمرا احساسيا يستوجب ثبوت المعنى في نفس المخاطب واستقراره في ذهنه وتعلقه به، وذلك لاحد أمور: 1 - شدة مناسبة الحكم والموضوع في الاذهان، كما لو أراد الشارع تحديد حكم وجوب إكرام العالم وكان المجتمع يرى إنه لا يمكن أن يكون هناك عالم لا يجب إكرامه لما في نفوسهم من احساس الاحترام والتقدير بالنسبة إلى العلماء. وحينئذ لما كان الشارع لا يريد أن يجابه مثل هذه المرتكزات الذهنية بصورة علنية فإنه يقول (الفاسق ليس بعالم). ويمكن تخريج كثير من الامثلة السابقة في الامر الثاني على هذه النكتة وذلك من قبيل (لا طلاق إلا بإشهاد) فإن استعمال هذا الاسلوب في هذه الجملة ربما كان بلحاظ شدة المناسبة بين الطلاق الانشائي والطلاق الشرعي. وكذلك نفي المتعلق في (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) ربما كان باعتبار شدة التناسب بين الصلاة وبين المطلوبية شرعا، وهكذا نفي الحكم في (رفع ما لا يعلمون) ربما كان باعتبار ما انغرس في الاذهان من أن الحكم الشرعي يوجب الموافقة له عقلا.

[ 251 ]

2 - اشتهار ثبوت الحكم للموضوع بالدعايات ووسائل النشر والاعلام ونحوها مما يوجب تلقينا نفسيا للمجتمع. ولعل هذه الجهة هي الموجبة لاستعمال هذا الاسلوب في مواضيع كان محتوى الدليل فيها مخالفا لما هو المشهور لدى العامة ك‍ (لا طلاق إلا بإشهاد) فإن العامة ترى صحة الطلاق بلا إشهاد. 3 - أن يكون العموم الملحوظ لدى المخاطب ذا لسان آب عن التخصيص كما قد يقال في قوله تعالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) (1) ففي هذه الحالة لا يناسب استخدام الاسلوب الصريح وهو إسلوب التخصيص، باعتبار منافاته مع لسان العام. بل لا بد من اختيار أسلوب الحكومة المنسجم معه كما مر ذلك. فهذه بعض مناشئ الارتكاز الذهني بين الحكم وموضوعه. فمثل هذه العوامل والاسباب هي التي تقتضي أن يعبر الشارع عن مقصوده بلسان غير مباشر حتى لا يصطدم بالمشاعر والاحاسيس والمرتكزات الذهنية المحترمة لدى الجمهور. فهذه هي النكتة العامة لاسلوب الحكومة. لكن هذه النكتة إنما هي فيما كان مصب النفي أو الاثبات فيها نفس الحكم أو ما يرتبط به كالموارد الخمسة الاولى من موارد السلب التنزيلي التي سبق ذكرها في الامر الاول، وأما حيث يكون مصب ذلك أمرا خارجيا مسببا عن الحكم كالحرج والضرر - وهو المورد السادس من تلك الموارد - فإنه لا تتأتى فيه هذه النكتة كما هو واضح. بل لا يبعد أن تكون النكتة في العدول إلى لسان التنزيل في مثل ذلك بيان عدم تناسب ثبوت الحكم المسبب إلى


(1) يونس 10 / 36.

[ 252 ]

الحرج والضرر مع المصلحة العامة. الجهة السادسة: في اقتضاء لسان التنزيل (وهو لسان الحكومة) نظر الدليل إلى ارتكاز ذهني للمخاطب على خلافه - لا إلى عموم أو اطلاق -. قد ظهر مما ذكرنا أن اسلوب التنزيل - وهو لسان الحكومة باعتبار مصححه البلاغي - يقتضي نظر المتكلم إلى ارتكاز ذهني مخالف للدليل، حيث إن اختيار الاسلوب غير المباشر بالذات، إنما هو لعدم مجابهة هذا الارتكاز وذلك جريا على النكتة العامة للاعتبارات الادبية من اختيار الاسلوب المناسب مع مشاعر المخاطب واحساسه. وبذلك يتضح بأن الفكرة المخالفة التي ينظر الدليل الحاكم إلى ردها إنما هي الاعتقاد المرتكز في ذهن المخاطب، وليس معنى متمثلا في الادلة بحسب مقام الاثبات من عموم أو اطلاق، كما اشتهر لدى الاصوليين حيث قالوا إن قوام الحكومة بوجود عموم أو اطلاق يكون الدليل الحاكم ناظرا إليه، إذ يرد على ذلك: أولا: إن مصحح هذا الاسلوب كما ذكرناه في تحليل الموضوع ليس النظر إلى دليل آخر، وإنما إلى ارتكاز مخالف سواء كان عليه دليل من عموم أو اطلاق أو غيرهما أم لا، ومجرد وجود العموم أو الاطلاق لا يصحح اختيار هذا اللسان والعدول عن التعبير الصريح من قبل البليغ لان هذا الاسلوب اسلوب أدبي يتضمن اثبات الشئ أو نفيه تنزيلا، والاسلوب الادبي إنما تصححه نكتة بلاغية تتعلق بكيفية التأثير في المخاطب، ومجرد النظر إلى دليل آخر ليس كذلك كما هو واضح. وثانيا: إنه يصح استعمال هذا اللسان بالبداهة اللغوية حتى فيما لم يكن هناك عموم أو اطلاق إذا كان هناك ارتكاز ذهني للعرف يخالف بعمومه مؤدى الدليل، أما من جهة تصور الاجماع الحجة أو لشدة تناسب الحكم

[ 253 ]

والموضوع أو لغير ذلك من عوامل الارتكاز الذهني. ومن هنا صح قوله عليه السلام (لا طلاق إلا بإشهاد) مثلا رغم ورود الامر بالاشهاد في الاية عقيب ذكر الطلاق مما يمنع عن تحقق إطلاق لها في ذلك، قال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقهوهن لعدتهن واحصوا العدة) (1) ثم قال في الاية التالية: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف واشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله) (2). فهذا يؤكد أنه ليس مصحح هذا الاسلوب ومقتضاه وجود عموم أو اطلاق، بل العبرة بالارتكاز الذهني للمخاح طب ولو كان على خلاف الدليل كما في الطلاق باعتبار اشتهار فتوى العامة فيه. وثالثا: إنه قد يكون صدور الدليل المتضمن لهذا الاسلوب على أساس عدم وجود دليل على الحكم فلا يعقل ثبوت مفاده مع وجود الدليل عليه وذلك كما في (رفع ما لا يعلمون) (وكل شئ لك حلال). وهكذا يتضح إنه لا تتوقف صحة استعمال هذا الاسلوب على وجود عموم أو اطلاق فلا يكون صدور الحاكم لغوا لو لم يكن هناك دليل محكوم في رتبة سابقة - على ما هو المعروف منهم بين الاعلام -. نعم هنا نكتة أخرى هي أن رد الارتكاز الذهني - ولو بنحو غير صريح - يستبطن نفي ما يكون حجة على هذا الارتكاز لدى المخاطب - بما في ذلك العموم والاطلاق - فيما إذا كان المتكلم مطلعا عليه فيكون تحديد ذلك ملحوظا بنحو غير مباشر في لسان التنزيل، إلا إن هذا اللحاظ غير المباشر


(1) الطلاق 65 / 1. (2) الطلاق 65 / 2.

[ 254 ]

ليس هو المصحح لهذا الاسلوب كما هو واضح. الجهة السابعة: في مدى اشتراك الحكومة والتخصيص في الاحكام. قد ظهر بما ذكرنا إن الحكومة والتخصيص متحدان بحسب المحتوى، وإنما يختلفان في أسلوب أداء المعنى، حيث إنه أسلوب مسالم للعموم في الاول، ومعارض معه في الثاني. ويتفرع على هذه الجهة اشتراك الحاكم والمخصص في الاوصاف والاحكام المنوطة بمحتوى الدليل دون الاحكام المنوطة باسلوبه. توضيح ذلك: إن الاحكام التي تثبت للدليل المخصص أو العام على قسمين: 1 - القسم الاول: ما يكون منوطا بمحتوى الدليل، وهو القسم الاكبر منها لان أكثر الاحكام المذكورة للخاص في المباحث المختلفة إنما تثبت له باعتبار واقعه من اخراج بعض أفراد العام عن تحته وفيما يلي بعض أمثلة ذلك: منها: اتصاف المخصص المنفصل بكونه معارضا مع العام، فإن التعارض كما أشرنا من قبل إنما هو وصف للدليل بلحاظ مدلوله التفهيمي لا باعتبار لسانه ومعناه الاستعمالي. ومنها: تأثير المخصص في تحديد ظهور العام حيث يكون متصلا، وفي تحديد حجيته حيث يكون منفصلا فإن هذا التأثير إنما هو بلحاظ محتواه المصادم للعام، لا باعتبار أسلوبه كما هو واضح. وكذلك القول في مدى اعتبار ظهور العام وحجيته مع الشك في المخصص المتصل أو المنفصل. ومنها: امتناع تخصيص الاحكام العقلية، وسر الامتناع إن التخصيص يرجع إلى أوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت في الحكم المخصص،

[ 255 ]

والحكم العقلي ليس له مقامان إثبات وثبوت، واستلزام التخصيص لذلك أيضا بلحاظ محتواه لا بلحاظ مفاده الاستعمالي. ومنها: امتناع تخصيص العام في أكثر أفراده من جهة لزوم التناسب بين التعبير في مقام الاثبات وبين مقام الثبوت فلا يناسب التعبير بالعموم اثباتا، إلا حيث يثبت الحكم لما يناسب العموم في الواقع وتخصيص العام بهذه الكثرة ينقض التناسب المذكور. ومنها: كون التخصيص أهون وجوه التصرف في الظاهر ولذا يتعين حيث يدور الامر بينه وبين حمل الامر على الاستحباب في مثل (يستحب إكرام العلماء) و (أكرم العالم العادل) ووجه ذلك: استلزامه رفع اليد عن أصالة العموم وأصالة العموم أضعف الظهورات المنعقدة للكلام، بخلاف حمله على الاستحباب فإنه مستوجب لرفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب وهو ظهور قوي. فهذا القسم من أحكام المخصص يشترك معه فيها الدليل الحاكم، لانها منوطة بمحتوى الدليل وهو متحد فيهما، ولو لم تثبت تلك الاحكام للحاكم كان مرجعه إلى تأثير أسلوب الدليل في تحقق الوصف أو الحكم المنوط بمحتواه أو في عدم تحققه وهو أمر غير معقول. وبذلك يظهر النظر في جملة من كلمات المحقق النائيني (قده) حيث فصل بين موارد الحكومة والتخصيص في جملة من المواضيع السابقة: منها: تفصيله بينهما في تحقق التعارض بين الدليلين حيث قال بتحققه في موارد التخصيص دون الحكومة - وسيأتي توضيح ذلك -. ومنها: ما يظهر من بعض كلماته في بحث حجية الظن (1) من إنه إذا


(1) لاحظ أجود التقريرات 2: 77.

[ 256 ]

شك في التخصيص أمكن الرجوع إلى العام وذلك كما لو قال (أكرم العلماء) وشك في إنه هل قال (لا تكرم العالم الفاسق) أو لا. ولكن إذا شك في الحكومة لم يمكن الرجوع إلى العام كما لو شك في إنه هل قال (العالم الفاسق ليس بعالم) أم لا، وكان مبنى ذلك أن التمسك بالعام في مورد الحكومة المشكوكة يكون من قبيل الشبهة المصداقية لنفس العام ولا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لنفسه اتفاقا. 2 - والقسم الثاني: ما يكون منوطا بالاسلوب الاستعمالي للدليل، وله أمثلة: منها: امتناع تخصيص العام حيث يكون لسانه بدرجة من القوة يأبى عن التخصيص كما قيل به في قوله (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) (1) وقوله (ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا) (2) فإن هذا الحكم منوط بأسلوب الدليل المخصص لانه من جهة كونه أسلوب معارضة مع العام، يكون كاسرا لقوة لسانه فيكون استخدامه في تحديد العام أمرا مستهجنا. ومنها: إمكان كون المخصص عقليا فإن هذا الامكان باعتبار أن العقل إنما يدرك الواقع بصورته التي هو عليه كما هو شأن الدليل المخصص - حيث إن لسانه موافق لواقعه -. ومنها: عدم نظر المخصص إلى فكرة مخالفة من ارتكاز ذهني للمخاطب أو عموم أو اطلاق إلا في حالات خاصة كأن يكون المنفي هو الحكم العام نحو (وجوب إكرام العلماء لا يثبت في حق زيد). ووجه عدم نظره: أن الاسلوب الصريح أسلوب طبيعي لا يختص


(1) يونس 10 / 36. (2) لاحظ جامع الاحاديث - أبواب النجاسات - الباب 23 الحديث 5: 443 - ج 1: 50 - 51.

[ 257 ]

بقصد نفي فكرة مخالفة كما يختص الاسلوب الكنائي بذلك من جهة مصححه البلاغي. وهذا القسم من أحكام المخصص لا يشترك فيها معه الدليل الحاكم لانه منوط باسلوبه، والدليل الحاكم يختلف عن المخصص في الاسلوب فإن أسلوبه أسلوب كنائي غير مباشر. ففي المثال الاول: يجوز تحديد العام الابي عن التخصيص بلسان الحكومة، لان لسانه لسان مسالم للعموم فلا يكسر شوكة لسان العموم حتى يكون مستهجنا. وبذلك أجبنا فيما سبق عما قيل من استهجان تخصيص (لاضرر) لانه حكم امتناني، مع أن تفسيره بنفي الحكم الضرري موجب لتخصيصه لا محالة كما سبق التعرض له. وفي المثال الثاني لا يجوز كون الحاكم عقليا لان اسلوب الحكومة تعبير عن الشئ بغير ما هو عليه لانه اعتبار أدبي، والاعتبار الادبي إما اعطاء حد شئ لشئ آخر أو سلب حد الشئ عن نفسه، وهذا يغاير كيفية ادراك العقل. وربما يظهر من كلمات بعض الاعاظم - في مبحث الاستصحاب - نفي إمكان كون الحاكم عقلائيا - أيضا - لكن قد يقال في دفع ذلك إن الفكرة الذهنية للعقلاء كما يمكن أن تكون على أمر حقيقي فكذلك يمكن أن تكون على أمر اعتباري كما قد يقال بذلك في اعتبار الامارات علما. وفي المثال الثالث: يكون الدليل الحاكم بمقتضى مصححه البلاغي مقتضيا للنظر إلى فكرة مخالفة كما تقدم توضيحه سابقا. ويتفرع على هذا الفرق بين الحاكم والمخصص توفر الحاكم على مزية دلالية عامة، من حيث اقتضاء اسلوبه للنظر إلى الدليل المخالف - ولو

[ 258 ]

بنحو غير مباشر - ولاجل ذلك يتقدم أحد العامين من وجه على الاخر إذا كان بأسلوب الحكومة من غير حاجة إلى مزية أخرى، وهذا بخلاف المخصص فإنه لا يستتبع اسلوبه المباشر أية مزية دلالية وإنما يكون تقدمه رهين وجود مزايا خارجة عن مقتضاه الطبيعي توجب أظهريته على العام فيتقدم بملاك الاظهرية. الجهة الثامنة: في وجه تقدم الحاكم على المحكوم. إن في وجه تقدم الحاكم على المحكوم وجوها ثلاثة: الوجه الاول: ما ذكره المحقق النائيني والسيد الاستاذ (قدس سرهما) من أنه لا تعارض بين الحاكم والمحكوم أصلا وذلك بأحد تقريبين: الاول: ما في كلمات المحقق النائيني ومن وافقه (1) من عدم معقولية المعارضة بين الحاكم والمحكوم من جهة أن المحكوم يثبت حكما على تقدير، غير متعرض لثبوت ذلك التقدير ونفيه، وأما الدليل الحاكم فهو ناظر إلى إثبات ذلك التقدير ونفيه. وتوضيحه: إن التعارض بين الدليلين فرع تعرضهما لنقطة واحدة، والحاكم والمحكوم ليسا كذلك إذ كل منهما يتعرض لما لا يتعرض له الاخر، فإن الحاكم مثلا يتعرض لوجود الموضوع أو لنفيه وأما المحكوم فهو يتعرض لاثبات الحكم لموضوعه على نحو القضية الحقيقية، وهذا المقدار لا تعرض فيه لوجود الموضوع في المورد وعدمه لان القضية الحقيقية في قوة القضية الشرطية، وكما أن القضية الشرطية لا تتعرض لوجود الشرط، وإنما تفيد ثبوت التالي عند ثبوت الشرط، فكذلك القضية الحقيقية لا تتعرض لوجود الموضوع وإنما مفادها ثبوت الحكم عند تحقق الموضوع.


(1) لاحظ أجود التقريرات 2: 505 - 506، ونظيره مصباح الاصول 2: 542 إلا أنه خصه بالحكومة على عقد الوضع.

[ 259 ]

ويرد عليه: إن التعارض بين الدليلين ليس بحسب المراد الاستعمالي فيهما قطعا، وإلا لم يقع التعارض بين القول المثبت لمعنى مع القول النافي له بلسان المجاز أو الكناية، كما لو قيل (زيد بخيل) و (زيد كثير الرماد) أو (زيد جبان) و (زيد أسد) لان كل منهما بحسب المراد الاستعمالي يتعرض لما لا يتعرض له الاخر. وإنما العبرة في التعارض بالمراد التفهيمي من الدليلين وهو مختلف في الحاكم والمحكوم، فإن الحاكم وإن كان ينفي ما هو موضوع للمحكوم استعمالا - مثلا - ألا إن المراد به تفهيما نفي نفس الحكم الذي يثبته المحكوم فهما متعارضان. يضاف إلى ذلك إن هذا لايتم في قسم من قسمي الحكومة لدى هؤلاء وهو حيث يكون الحاكم متعرضا لعقد الحمل من المحكوم، فإنه حينئذ يتعرض لنفس ما يثبته المحكوم أو ينفيه كما هو واضح. الثاني: ما قد يظهر من بعض كلمات السيد الاستاذ (قده) من إن الدليل الحاكم شارح للمراد من المحكوم ومبين للمراد منه والشارح لا يعارض المشروح. ويرد عليه: أولا: إن مبنى إدعاء الشارحية هو الاعتقاد بأن الحاكم ناظر إلى المحكوم ومسوق للتعرض له، وقد سبق عدم تمامية هذا الرأي بل أوضحنا إن الحاكم إنما ينظر إلى الارتكاز الثابت في ذهن المخاطب على الارتباط بين الحكم وموضوعه بنحو عام، وهذا النظر هو مصحح لسانه التنزيلي دون النظر إلى اطلاق وعموم. وثانيا: إن الشارحية إنما هي سمة لاسلوب الدليل الحاكم ولسانه وأما واقعه ومحتواه فهو كالمخصص واقع في المعارضة مع العام حيث إنهما جميعا يقتضيان كون مقام الاثبات في الدليل العام أوسع من مقام الثبوت

[ 260 ]

على خلاف المراد التفهيمي للدليل المزبور. وبذلك يتضح أنه لايتم تقديم الحاكم على أساس عدم معارضته مع المحكوم وشرحه له. نعم: لو فسرنا التعارض بالتنافي في الحجية - كما ذهب إليه المحقق الخراساني - لم يكن هناك تعارض بين الحاكم والمحكوم كسائر موارد الجمع العرفي لكن حجية أحد الدليلين فيهما في طول حجية الاخر، لكن عدم التعارض بين الدليلين بهذا المعنى لا يغني عن وجود نكتة دلالية مثلا تفرض تقديم أحد الدليلين على الاخر، بل هو متفرع على وجود مثل هذه النكتة. الوجه الثاني: أن يقال إن الحاكم مسوق لتحديد المحكوم لكونه ناظرا إليه مباشرة فهو قرينة شخصية قد نصبها المتكلم على مراده بالمحكوم. وهذا الوجه مبني على الرأي المعروف لدى الاصوليين من تقوم الحكومة بنظر الحاكم إلى الدليل المحكوم وقد سبق إنه غير تام. الوجه الثالث: ما هو المختار وهو إن اسلوب الحكومة وإن لم يكن مسوقا للنظر إلى أي دليل آخر بل هو ناظر بالاصالة إلى ارتكاز ذهني عام مخالف لمؤدى الدليل لكنه ناظر بنحو غير مباشر إلى نفي ما يكون حجة على هذا الارتكاز المخالف، وبذلك يستبطن تحديد تلك الحجة متى كانت عموما أو اطلاقا، وهذه مزية دلالية تستوجب تقديمه على تلك الحجة وتحديدها به. بقي هنا أمران: الامر الاول: إنه قد يوحي كلمات كثير من الاصولين إن الدليل الحاكم بموجب نظره إلى المحكوم يوجب تقدمه عليه مطلقا بلا استثناء وشذوذ، وهذا لا يخلو عن غلو وإفراط، فإن هناك جملة من الحالات تطرأ على هذا الاسلوب - كما تطرأ على أسلوب التصريح - لا يجوز فيها تقديمه

[ 261 ]

على معارضه أصلا: فمنها: ما إذا كان الدليل المتضمن لهذا الاسلوب مخالفا لحكم ثابت بالكتاب أو السنة ومثال ذلك ما روته الغلاة من إن الصلاة والزكاة والحج كلها رجل، وإن الفواحش رجل فإن ذلك ناظر إلى أدلة إيجاب العبادات وتحريم الفواحش ولو بنحو غير مباشر فيكون من قبيل اسلوب الحكومة لكنه مندرج في مادل على لزوم طرح ما خالف الكتاب فيجب طرحه والغاؤه رأسا. ومنها: ما إذا كان تقديم الدليل المزبور على معارضه موجبا لالغاء موضوعية العنوان المأخوذ في ذاك الدليل - وذلك فيما إذا كانت النسبة بين المدلول التفهيمي للدليلين عموما من وجه - فيمتنع تقديمه عليه دلالة وذلك نظير امتناع تخصيص أحد العامين من وجه بالاخر في هذه الحالة. ومنها: ما إذا كان تقديم الدليل المزبور موجبا لبقاء أفراد قليلة تحت الدليل الاخر بما يستهجن معه إلقاء العموم، فإن ذلك من قبيل التخصيص المستهجن ومثال ذلك ما لو ورد (أكرم العلماء). وورد أيضا (من كان علمه كسبيا لا بمعونة الالهام القلبي فإنه ليس بعالم). فمن هذه الحالات وأمثالها يؤدي التعارض بين الدليل الكائن بأسلوب الحكومة والدليل الاخر إلى الغاء هذا الدليل رأسا، أو يؤدي إلى تأويله إذا كان صالحا لذلك كما يحمل قوله صلى الله عليه وآله (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (1) مثلا على نفي الكمال لمخالفة مفاده الاولى من نفي الحقيقة والصحة في غير المسجد، للحكم القطعي الثابت بالكتاب والسنة لصحت صلاة جار المسجد في غير المسجد. وبذلك يظهر أن هذه المزية ليست إلا كسائر المزايا الدلالية التي هي مزايا نوعية تقبل الاسثتناء.


(1) الوسائل 5: 194 ح 6310 باب 2.

[ 262 ]

الامر الثاني: قد يظهر من كلمات الاصوليين أيضا إن المزية الدلالية للحاكم توجب تقديمه على المحكوم بنحو التحكيم، من غير أن يكون هناك احتمال آخر في البين. والمراد بالتحكيم هو رفع اليد عن الشمول الافرادي للعام كالتخصيص، ولذلك لم يطرحوا فيه احتمال النسخ الذي ذكروه في تعارض العام والخاص. وربما كان مبنى هذا الرأي تصورهم للحكومة على إنها تفسير وشرح للمراد بالدليل المحكوم ولكنا أوضحنا فيما سبق إن التفسير والشرح إنما هو سمة لاسلوب الحاكم ولسانه وأما واقعه فهو واقع المعارضة والمنافاة كالدليل المخصص. والصحيح إن نفس الاحتمالات والابحاث الواردة بشأن الخاص والعام تأتي بالنسبة إلى الحاكم والمحكوم، لانها لا ترتبط بأسلوب الخاص وإنما ترتبط بمحتواه المماثل لمحتوى الحاكم. ففيما إذا ورد الحاكم متأخرا عن وقت العمل بالمحكوم، يرد فيه احتمالات أخرى غير التحكيم. منها: أن يحمل على النسخ بملاحظة ورود الحاكم بعد وقت العمل بالعام، والالتزام بالتحكيم يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وتأخير البيان وإن لم يكن ممتنعا على كل حال لكنه بحاجة إلى مصحح خاص. ومنها: أن يحمل على الحكم الولائي فيما كان الموضوع مناسبا مع ذلك. ومنها: أن يتصرف في ظهور الحاكم ويؤخذ بالدليل المحكوم كأن يحمل قوله (الفاسق ليس بعالم) على إن اكرام العالم الفاسق مرجوح في امتثال قوله (أكرم عالما) فيؤخذ باطلاق هذا الدليل وإن كان ظاهر الدليل الاول هو عدم كفاية اكرام العالم الفاسق في الامتثال، إلا إنه كتمت القرينة على إرادة المرجوحية لمصلحة مقتضية لذلك، وقد ذكرنا في مبحث تعارض الادلة من علم الاصول المصالح المقتضية لكتمان القرائن كالتقية والسوق إلى الكمال والقاء الخلاف بين الشيعة وغير ذلك.

[ 263 ]

ومنها: أن يؤخذ بالعام ويلغي الخاص رأسا حملا له على التقية والمداراة ونحوهما. والالتزام بالتحكيم من بين سائر الاحتمالات غير متعين بل لا بد أن يكون على أساس ضوابط النشر والكتمان التي ذكرناها في محله، وهذه الضوابط كما قد تنتج التحكيم فكذلك قد تنتج غيره من الوجوه على ما أوضحناه في مبحث تعارض الادلة تفصيلا. المقام الثاني: في إن (لا ضرر) - بناء على تفسيره بنفي الحكم الضرري - هل هو حاكم على أدلة الاحكام الاولية أو لا؟. قد اتضح مما سبق منا في البحث عن مفاد الحديث إن في توجيه تفسير الحديث بهذا المعنى مسلكين: المسلك الاول: ما هو المختار وفاقا للمشهور من إن المراد الاستعمالي بالحديث نفي تحقق الضرر خارجا لكن المراد التفهيمي به نفي جعل حكم يفضي إلى تحمل المكلف للضرر، فيكون نفي الحكم مفادا بلسان التنزيل والكناية حيث نفي المسبب وأريد به نفي سببه التشريعي. وعلى هذا المسلك يكون حكومة (لا ضرر) على سائر الادلة واضحة لكونها بلسان التنزيل والمسالمة الذي هو القدر المتيقن من موارد الحكومة، بل هو المقوم له على المختار في حقيقتها كما عرفت، فهو يندرج في المورد السادس من موارد النفي التنزيلي التي سبق ذكرها في الجهة الثانية. المسلك الثاني: ما ذهب إليه المحقق النائيني (قده) ومن وافقه من أن الضرر المنفي عنوان توليدي للحكم الضرري فيكون المقصود بنفي الضرر نفي سببه التوليدي وهو الحكم.


(1) لاحظ رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني: 214 - 215، أجود التقريرات 2: 161، ومصباح الاصول 2: 541.

[ 264 ]

وقد ذهب هؤلاء إلى حكومة (لا ضرر) بهذا المعنى على أدلة الاحكام وذلك لان الحكومة على قسمين: الاول: ما يكون ناظرا إلى عقد الوضع منه ك‍ (لا ربا بين الوالد والولد) بالنسبة إلى دليل حرمة الربا وفساده. الثاني: ما يكون ناظرا إلى عقد الحمل - وهو الحكم - ك‍ (وجوب الاكرام لا يثبت لزيد العالم). ودليل (لا حرج) و (لا ضرر) بالنسبة إلى أدلة الاحكام المثبتة للتكاليف من قبيل القسم الثاني لانها توجب تصرفا في الحكم وتقضي باختصاص الاحكام بغير الموارد الحرجية أو الضررية، لكن لا بلسان (إن المتضرر ليس بمكلف) أو (إن الوضوء الضرري مثلا ليس بوضوء) حتى يكون رفعا لموضوع تلك الاحكام، ولا بلسان إنه لا يجب الوضوء على المتضرر - حتى يرجع إلى التخصيص - بل بلسان إن الاحكام الثابتة في الشريعة ليست بضررية ولا حرجية. وهذا غير تام لان مبناه على إن معيار الحكومة هو النظر إلى دليل آخر. وقد سبق أن أوضحنا إن عنصر النظر لا يصلح مناطا للحكومة لعدم اطراده في مواردها وعدم مقوميته لها. وإنما مناطه أن يكون لسان الدليل المحدد للعام لسان مسالمة مع العام بأن لا ينفي ما يثبته العام أو يثبت ما ينفيه صريحا بل يفيد ذلك بأسلوب التنزيل والكناية. وعلى هذا المبنى لا تصدق الحكومة مع تعرض الدليل المحدد لعقد الحمل في الدليل الاخر حقيقة - كما في مثال (لا ضرر) على هذا المسلك - لان النفي حينئذ منصب على الحكم مباشرة فيكون لسانه حينئذ لسان المعارضة مع العام كما هو شأن التخصيص. نعم إذا كان نفي الحكم نفيا تنزيليا كما في (رفع ما لا يعلمون) كان ذلك من قبيل الحكومة الظاهرية كما مر ذلك في الجهة الثانية وهو غير مراد

[ 265 ]

هنا لان المراد في المقام النفي الواقعي. التنبيه الرابع: في وجه تحديد انتفاء الحكم الضرري بحالة العلم أو الجهل في بعض الفروع الفقهية مع إن الضرر المنفي بالحديث غير محدد بذلك. لا إشكال في إن الضرر المنفي في هذا الحديث إنما يراد به نفس هذه الماهية من دون دخالة العلم أو الجهل به، لان ذلك هو معناه الموضوع له كما في سائر الالفاظ حيث إنها موضوعة لذوات المعاني لا مقيدة بالعلم ولا بالجهل. وليس هناك أية قرينة خاصة تدل على هذا التحديد، وعليه فلا فرق في نفي الحديث للحكم الضرري بين أن يكون الضرر معلوما أو مجهولا. لكن ربما يظن أن المشهور خالفوا مقتضى ذلك في بعض الفروع الفقهية فحددوا نفي الحكم الضرري تارة بصورة الجهل بالضرر كما في نفي اللزوم في موارد الغبن حيث التزموا بثبوته إذا كان الضرر معلوما، وأخرى بصورة العلم كما في نفي الوجوب الضرري حيث حكموا ببطلان الوضوء حيث يعلم بكونه مضرا دون ما إذا كان جاهلا. فلا بد من تحقيق الامر في هذين الفرعين: الفرع الاول: تحديح د خيار الغبن بالجهل بالضرر. ان المشهور بين فقهائنا ثبوت الغبن في المعاملة الغبنية خلافا لاكثر فقهاء العامة كالحنفية والشافعية والحنابلة، وخلافا لما اشتهر في القوانين المدنية الموضوعة. قال في مصادر الحق (الفقه الاسلامي لا يعرض للغلط في القيمة إلا عن طريق الغبن ثم هو في أكثر مذاهبه لا يعتد بالغبن ولو كان فاحشا إلا إذا صحبه تغرير أو تدليس وهو في ذلك يضحي باحترام الارادة في سبيل استقرار التعامل، وهذا هو شأن أكثر الشرائع الغربية فقل إن تجد

[ 266 ]

شريعة تعتد بالغبن إلا في حالات نادرة) (1). وقد ذهب إلى عدم ثبوته بعض قدماء أصحابنا كابن الجنيد - كما قيل إن جمعا منهم لم يتعرضوا له أصلا - وتردد في ثبوته بعض المتأخرين كصاحبي الكفاية والذخيرة. وقد استند المشهور إلى وجوه عمدتها قاعدة (لا ضرر) بدعوى إن اللزوم مع الغبن ضرري فيكون منفيا. وقد عد الشيخ الانصاري هذا الوجه أقوى ما استدل به لثبوت هذا الخيار، وذكر إنه يشترط في ثبوته عدم علم المغبون بالقيمة فلو علم بالقيمة فلا خيار بل لا غبن بلا خلاف ولا إشكال لانه أقدم على الضرر (2). وحيث إن العلم بالقيمة مساوق مع العلم بالضرر فيرجع ذلك إلى القول بعدم شمول (لا ضرر) لما إذا كان ترتب الضرر على اللزوم معلوما فيتجه بذلك الاعتراض السابق من إن الضرر النفي غير مقيد بالجهل (3). لكن التحقيق إنه لا مجال للاعتراض أصلا لان مفاد قول المشهور بالدقة ليس هو تحديد نفي اللزوم بالعلم، وإنما يرجع إلى تحديده بالاقدام على الضرر لانهم وإن ذكروا أولا إنه يشترط في ثبوت الخيار عدم علم المغبون بالضرر، لكنهم عللوا ذلك بكون شرائه حينئذ إقداما على الضرر، مما يدل على أنهم يرون عدم شمول الحديث لمورد الاقدام على الضرر لا لمورد العلم به كما هو واضح. والاقدام على الضرر أعم من العلم به لانه كما يصدق مع علم المغبون بكون المعاملة ضررية بأن يطلع على القيمة السوقية للمتاع وهي


(1) المصدر 2: 132. (2) المكاسب المحرمة: 235. (3) لاحظ تقريرات المحقق النائيني: 215، ومصباح الاصول 2: 543 - 544.

[ 267 ]

أقل من الثمن الذي دفعه إلى البائع، كذلك يصدق فيما إذا كان ظانا بالضرر أو محتملا، ولكن أوقع المعاملة بما يحتوي عليه مع إطلاق الملكية حتى لما بعد انشاء الفسخ وحصول الندامة، ففي هذه الحالة أيضا يصدق أنه أقدم على البيع اللازم حتى وإن كان ضرريا. والدواعي إلى الاقدام على الضرر لا تختص بصورة العلم بالضرر بل قد تكون آكد في صورة عدم العلم به مع الالتفات إليه والظن به أو احتماله، فمن الدواعي مثلا المزاحمة مع الغير كما قد يقع في شراء المتاع في المزاد العلني. ومنها: مشاكلة المبيع مع ما عنده بحيث يكون مكملا له كما إذا كان عنده بعض أجزاء كتاب ما كالبحار والوسائل دون بعضها الاخر ولا يباع ذلك بمفرده في الاسواق عادة فوجده عند شخص فاشتراه بقيمة يقطع أو يظن إنه أزيد من القيمة السوقية. ومنها: الحاجة الفعلية إلى المتاع كما لو شرع في بحث يحتاج إلى بعض المصادر التي لا تتوفر في الاسواق فيجده عند شخص فيشتريه من غير أن يراعي عدم كون شرائه له بأزيد من القيمة السوقية. ومنها: قصد انتفاع صاحب المتاع وخدمته لاسباب انسانية أو دينية كما لو بيع أمتعة شخص يحبه في المزاد العلني فيزيد في الثمن غير مبال بالتساوي معه في القيمة السوقية لكي تكون أمتعته مبيعة بأعلى الثمن، إلى غير ذلك من الدواعي والاغراض. وبذلك يظهر إنه لا حاجة في دفع الاعتراض المزبور عن المشهور إلى تصحيح ثبوت الخيار مع الاقدام إذ لا وجه للاعتراف باشتراطهم للجهل بالضرر بعد تعليله بالاقدام، بل ثبوت الخيار في ذلك إنما يصحح اشتراطه بعدم الاقدام لا بعدم العلم كما هو ظاهر.

[ 268 ]

لكن قد يشكل كلام المشهور في هذا التحديد من جهتين: الاولى: ما ذكره المحقق الايرواني (قده) من منع تحقق الاقدام على الضرر الحاصل بلزوم البيع مطلقا وإنما يكون الاقدام بالنسبة إلى أصل المعاملة وهو ليس إقداما على الضرر الحاصل باعتبار اللزوم من قبل الشارع (1). والجهة الثانية: ما ذكره جمع من المحققين كالمحقق المذكور والمحقق الاصفهاني من إن تحديد القاعدة بعدم الاقدام تخصيص بلا مخصص كتحديده بعدم العلم لان جعل اللزوم ولو في حالة الاقدام جعل لحكم ضرري (2) ولكن الصحيح عدم تمامية الاعتراض على المشهور في شئ من الجهتين وفاقاا لجمع آخر من المحققين (3). لتوضيح الحال لابد من البحث عن كل من صورتي الاقدام على الضرر وعدمه، فهنا أمران: الامر الاول: في صورة الاقدام والكلام فيها يقع تارة في تنقيح الصغرى من تحقق الاقدام على الضرر في حالة العلم به ونحوها وأخرى في تحقيق الكبرى من (نفي قاعدة لا ضرر للضرر المقدم عليه) فهنا نقطتان: أما النقطة الاولى: فتوضيح القول فيها إن مبنى منع تحقق الاقدام في ذلك هو إن الشخص في حالة الغبن إنما يقدم بإنشائه على أصل المعاملة، ولكن الشارع يحكم عليها بحكمين حكم إمضائي يرتبط بأصل المعاملة وهو الصحة، وحكم تأسيسي فيما يتعلق ببقائها وهو اللزوم وعدم حق الفسخ،


(1) لاحظ تعليقة المحقق الايرواني على المكاسب 2: 28 و 30. (2) لاحظ المصدر السابق وتعليقة المحقق الاصفهاني على المكاسب 2: 31. (3) لاحظ حاشية السيد الطباطبائي على المكاسب 2: 38 وتقريرات المحقق النائبني على المكاسب للعلامة الخونساري 2: 60 وفي (لا ضرر): 218.

[ 269 ]

فاللزوم حكم ابتدائي مجعول من قبل الشارع وليس منشأ بالمعاملة حتى يكون الضرر اللازم من جهته مقدما عليه. ولكن هذا ليس تاما فإن اللزوم أيضا يرجع إلى إنشاء المكلف في مورد البحت حيث يكون المنشأ مطلقا بالاطلاق اللحاظي من جهة كون ما انتقل إليه أقل مما انتقل عنه بحسب القيمة السوقية وعدم كونه كذلك، وذلك لان مفاد بيع المغبون وشرائه في هذه الصورة هو إنشاء قطع العلقة الثابتة بينه وبين ماله وانتقالها إلى الطرف الاخر مطلقا بالنسبة إلى الازمنة الاتية بما فيها زمان صدور انشاء الفسخ منه الحاصل من الندامة. وعليه فهو بإنشائه هذا المعنى على سعته قد سد على نفسه باب التخلص من الضرر في صورة الندامة ولم يبق لنفسه خطا للرجوع فيكون وزان ذلك وزان البيع والصلح المحاباتيين والوقف ونحوها من المعاملات الضررية اللازمة. وعلى هذا: فليس حكم الشارع باللزوم إلا كحكمه بالصحة حكما إمضائيا إقرارا للمكلف على جميع ما يحتوي عليه إنشاؤه. وأما الجهة الثانية: وهي نفي قاعدة (لا ضرر) للضرر المقدم عليه فيمكن تقريرها بأحد وجهين. الوجه الاول: إن المفاد التفهيمي للحديث إنما هو نفي تسبيب الشارع إلى تحقق الضرر - كما سبق - دون اعمال الولاية على المكلف عليه في كل تصرف يوجب ضررا عليه كالوقف والابراء والصلح المحاباتي ولبيع في المقام ونحو ذلك. وبين الامرين فرق واضح. وعدم إمضاء ما التزمه المكلف على نفسه من الضرر وسبب إليه عرفا إنما هو من قبيل الثاني دون الاول لان الثاني تحديد لما يحكم به العقلاء من إن كل أحد مسلط على ماله وله أن يتنازل عنه مجانا وبلا عوض، فضلا

[ 270 ]

عن أن يتنازل عنه بعوض يعلم بأنه أقل قيمة منه - مثلا - فالحكم الامضائي في ذلك احترام لارادة المكلف وسلطنته على ماله وليس تسبيبا إلى الضرر عليه. ولو أن (لا ضرر) إقتضى نفي الاحكام الامضائية التي هي من هذا القبيل اقتضى ذلك أن ينفي صحة المعاملة الغبنية من أصلها مع أن المتسالم عليه بين فقهائنا بل جميع فقهاء المذاهب الاسلامية بل في جميع القوانين الوضعية صحة ذلك، وهكذا في أمثالها. الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الاصفهاني من إن مفاد الحديث حكم إمتناني ولا منة في رفع اللزوم في حالة العلم بالضرر ونحوها (1). وأجيب عنه في كلمات المحقق الايرواني بمنع ذلك بدعوى إن المنة مقتضية لحفظ العباد عن المضار وإن هم أقدموا عليه، فلربما يندمون ويريدون الفسخ فيكون لهم مخلص عنه (2). وهذا الوجه وإن لم يكن يخلو عن تأمل إلا إن الجواب عنه بما ذكر ضعيف لان صدق (الضرر) على مثل هذه المعاملة إنما هو بلحاظ قصر النظر إلى مرحلة المعاوضة ولحاظ القيمة السوقية وأما إذا لوحظ مجموع الاغراض والدواعي فلا يصدق عليه هذا العنوان كثيرا، لان هذه المعاملة قد تستوجب له نفعا أزيد كما إذا كان داعيه على اشترائه بثمن أزيد من القيمة السوقية تكميل المال الناقص الموجود عنده، فما اشتراه بلحاظ كونه مكملا للناقص تكون قيمته له أزيد من الثمن الذي اشتراه به بكثير، وهكذا قد يكون في شرائه كذلك دفعا لضرر أكثر كما لو اشتراه من جهة صيانة بعض أجهزته عن الشغل والوقوف الذي يترتب عليه ضرر كثير، أو اشتراه لمعالجة نفسه مع ندرة


(1) لاحظ تعليقة المكاسب له 2: 54. (2) تعلبقة المكاسب للمحقق المذكور 2: 30.

[ 271 ]

وجوده في السوق أو عدم امكان تحصيله إلا بالمسافرة إلى بلد آخر يحتاج إلى مؤونة كثيرة، فبملاحظة مثل هذه الجهات لا يصدق إنه جلب الضرر على نفسه الاقدام على هذه المعاملة فلا معنى للمنة عليه برفع لزوم العقد في مثل ذلك. وبذلك كله يظهر صحة قول المشهور من عدم ثبوت الخيار مع الغبن. الامر الثاني: في صورة عدم الاقدام. والمقصود من التعرض لهذه الصورة بيان سر التفريق بينها وبين صورة الاقدام حيث يقال أن حكم الشارع فيها غير منفي ب‍ (لا ضرر) بخلاف هذه الصورة، وذلك لانه ربما يتوهم بأن البيان الذي ذكرناه في عدم اقتضاء (لا ضرر) لنفي اللزوم في حالة الاقدام من كون اللزوم مدلولا لاطلاق المنشأ، فيكون الحكم به حكما امضائيا و (لا ضرر) لا ينفي مثل ذلك وهذا البيان ينسحب إلى صورة عدم صدق الاقدام كما إذا كان المشتري غافلا عن القيمة السوقية أو معتقدا بالتساوي أو بأن قيمة ما انتقل إليه أزيد مما يبذله من الثمن أو كان مسترسلا ومعتمدا على أخبار البائع بالقيمة السوقية، فأن اطلاق المنشأ يتحقق في هذه الصورة أيضا، فلا يمكن نفي اللزوم فيها لهذه القاعدة ونتيجة ذلك بطلان تمسك المشهور بهذه القاعدة لاثباتها لخيار الغبن مطلقا. وتحقيق الحال في ذلك: إنه لا يتحقق للمنشأ في شئ من موارد هذه الصورة إطلاق لحاظي بالنسبة إلى تساوي الثمن والمثمن في القيمة السوقية وعدمها بل هي على ثلاثة أقسام: القسم الاول: ما يكون المنشأ فيه مقيدا بالتقييد اللحاظي وذلك كما إذا كان المشتري مسترسلا رمعتمدا على أخبار البائع بتساوي الثمن والمثمن في القيمة السوقية، فإن الشراء حينئذ يكون مشروطا بشرط مقدروها التساوي

[ 272 ]

في القيمة. وحينئذ يحكم بالخيار من جهة تخلف الشرط ومرجع الشرط إلى أن التزامي مشروط بالتزامك بأن المبيع تساوي قيمته هذا المقدار الخاص، ولازمه تقييد التزامه بتطابق قول البائع مع الواقع ولا حاجة في ثبوت الخيار حينئذ إلى قاعدة (لا ضرر). القسم الثاني: ما يكون المنشأ فيه مقيدا تقيدا ذاتيا كما في الغافل والجاهل المركب ونحوهما. والمراد بالتقييد الذاتي: أن يكون القيد غير ملحوظ حال الانشاء ولكن يكون ثابتا في نفس المنشأ في مرحلة الارتكاز واللاشعور الذهني. ووجه التقييد الذاتي في الغافل ونحوه هو إن المرتكز في ذهن كل معامل بلحاظ الغرض النوعي العقلائي في المعاملات والمعاوضات التي لا تبتني على جهة المحاباة عدم كون ما انتقل إليه أقل مالية بمقدار لا يتسامح به مما انتقل عنه، فهذا الارتكاز الذهني يوجب تضيقا ذاتيا للمنشأ وإن كان في مرحلة اللاشعور - بعد محدودية الرضا الباطني بذلك - وحيث إن المتخلف ليس هو الصورة النوعية، فيحكم بالخيار. ولذا احتج العلامة لخيار الغبن بقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض) (1) وذكر بعض علماء القانون في الاشارة إلى موقف النافين لخيار الغبن بأنهم يضحون باحترام الارادة في سبيل استقرار التعامل (2) مما يدل على انتفاء الرضا الباطني في صورة الغبن. وعلى ضوء ذلك يثبت الخيار في هذه الصورة من غير حاجة إلى قاعدة


(1) النساء 4 / 29. (2) مصادر الحق 2: 133.

[ 273 ]

(لا ضرر). وقد ذهب إلى هذا المسلك جماعة من محققي فقهائنا كالمحققين النائيني والاصفهاني والايرواني وغيرهم. إلا إن هذا الوجه إنما يصح إذا لم يكن هناك ارتكاز ثانوي - بملاحظة الجو والمحيط أو التأثر من فتوى الفقهاء أو القانون الوضعي - يوجب اضمحلال الارتكاز الاول. ولذا ذكرنا في محله: أنه لو فرض عرف خاص في بعض أنحاء المعاملات أو مطلقا يتضمن اشتراط حق استرداد ما يساوي مقدار الزيادة على تقدير عدم ثبوت الخيار، فأنه يكون هذا المرتكز الخاص هو المحتكم والمتبع في مورده. القسم الثالث: ما يكون المنشأ فيه مطلقا بالاطلاق الذاتي. والاطلاق الذاتي هو الشمول الذي يتحقق في الكلام في حالة عدم التقييد اللحاظي والذاتي من غير ملاحظة الخصوصية ورفضها كما هو الحال في الاطلاق اللحاظي. ويكون ذلك في موارد: منها: عدم مسبوقية ذهن المنشئ بانقسام الماهية إلى قسمين كما لو وقف دارا على العلماء من غير علم بانقسامهم إلى أصولي وأخباري، وهكذا لو كان مسبوقا لكن لم يلتفت إلى هذا التقسيم حال الانشاء مع عدم تحديده بأحد الاقسام ارتكازا - إذ لو حدده كان تقييدا ذاتيا - وهذا كثيرا ما يتفق في. جملة من المعاملات كالوقوف والنذور والوصايا ونحوها، وفي هذه الحالة يتحير المنشئ أيضا في حدود انشائه لعدم ملاحظة القيد ورفضه كما في موارد الاطلاق اللحاظي، ولذا يستفتى فيها الفقيه. وهذا الاطلاق لا يعتبر فعلا للمنشأ لانه أمر قهري ولذا لا يستحسن ولا يستقبح بخلاف الاطلاق اللحاظي كما أن التقابل بينه وبين التقييد اللحاظي تقابل السلب والايجاب بينما التقابل بين الاطلاق والتقييد اللحاظيين من

[ 274 ]

قبيل تقابل العدم والملكة. ثم أن الحاكم بالشمول في موارد الاطلاق الذاتي إنما هو القانون فإن لم يكن هناك مانع منه فيحكم القانون بالشمول وإلا فلا يحكم بذلك. وهذا الاطلاق في المقام ملغى بحكم قاعدة (لا ضرر) لان الحكم باللزوم من قبل الشارع حينئذ يكون حكما ابتدائيا من غير صدق إقدام للمنشئ بالنسبة إليه، فهنا يصح التمسك بالقاعدة. وهنا جهتان تحسن الاشارة إليهما: الجهة الاولى: إن وجه تمسك جماعة من الفقهاء السابقين بقاعدة (لا ضرر) من دون إشارة إلى الشرط الضمني - كالشيخ في الخلاف - أو عدم الاكتفاء ببيان محدودية التراضي (المشير إلى الشرط الضمني) - كالعلامة في التذكرة - هو أن في الشرط الضمني المذكور نوع خفاء خصوصا فيمن عاش في مجتمع لا يرى البيع إلا نوع مغالبة متأثرا بفتاوى من لا يرى خيار الغبن - كأكثر فقهاء العامة - لا سيما إن بعض المسلمين ربما تأثروا بالقوانين البشرية السابقة فزال بذلك ارتكازه الاول. وقد قيل إن بعض فقهاء الشام قد تأثروا بالفقه والعادات الرومية وبعض فقهاء الشرق تأثروا بالتشريع والتقاليد الايرانية ولذلك كان الاولى الاستدلال بقاعدة (لا ضرر) التي هي نص تشريعي لا بتخلف الشرط الضمني. الجهة الثانية: إنه قد ادعى بعض الاعاظم ثبوت حكم عقلائي على ثبوت الخيار في حالة الغبن - بدلا عن التمسك بالارتكاز الموجب للتقييد - فيكون ذلك هو الدليل على الخيار من جهة عدم الردع عنه. لكن الحق إنه لم يثبت حكم عقلائي كذلك أصلا.

[ 275 ]

الفرع الثاني: تحديد الوضوء الضرري بالعلم بكونه ضرريا. نقل بعض المحققين عن الشيخ الانصاري أنه يشترط في جريان أدلة نفي الضرر علم المكلف بكون الوضوء ضرريا (1) وقد ذكر السيد الاستاذ تسالم الفقهاء على صحة الوضوء في حالة الجهل (2) وحينئذ يتجه الاعتراض السابق من أن دليل نفي الضرر ينفي جعل الحكم الضرري مطلقا سواء كان الضرر معلوما أو مجهولا. كما أن دعوى تسالم الفقهاء على ذلك غير تامة لان المسألة غير معنونة في الكتب الفقهية للقدماء والطبقة الوسطى، وأما المتأخرون الذين طرحت المسألة في كلماتهم فلهم فيها أقوال ثلاثة: بطلان الوضوء مطلقا وصحته مطلقا والتفصيل بين ما إذا كان الضرر معلوما فيبطل الوضوء وبين ما إذا كان مجهولا فيصح. ويلاحظ أن استيعاب البحث في هذه المسألة وجهاتها يوجب تفصيلا بالغا في الكلام وهو خارج عن حدود هذا البحث - وإنما محله موضعها من علم الفقه - ولكنا نتعرض لبعض ما يرتبط بالمقام في ضمن أمور ثلاثة: أحدها: إنه هل هناك إطلاق يقضي بصحة الوضوء أو الغسل الضرريين حتى نحتاج لاثبات بطلانه في حالة العلم أو مطلقا إلى التمسك بحديث (لا ضرر) ليقع البحث في حدود مقتضاه، أو إنه لا اطلاق في الادلة أصلا فيبطلان من هذه الجهة؟ ثانيها: إن (لا ضرر) هل يقتضي بطلانهما في حالة العلم أو مطلقا أو لا يقتضي ذلك أصلا؟ ثالثها: إن حرمة الاضرار بالنفس في مورد الضرر المحرم هل تمنع عن


(1) رسالة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني: 215. (2) مصباح الاصول 2: 544.

[ 276 ]

الحكم بصحتهما مطلقا أو في صورة العلم أم لا؟ وذلك مع فرض وجود اطلاق قاض بالصحة، فهنا أبحاث ثلاثة: أما البحث الاول: فعمدة الادلة الواردة في الوضوء والغسل هي الاية الواردة في تشريعهما في سورة المائدة وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنو إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأمسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الاغئط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) (1). والظاهر أنه لا إطلاق في الاية يقتضي صحة الوضوء والغسل في حالة الضرر بل الظاهر منها بطلانهما في هذه الحالة، ولا بد في توضيح ذلك من تفسير الاية فإنها من مشكلات آيات القرآن الكريم وقد اختلفت في تفسيرها الانظار، ويتضح معناها على ضوء جهتين: الاولى: إن الاية كما تنبه له صاحب الجواهر (قده) (2) ناظرة إلى تقسيم المكلف المحدث إلى قسمين: الاول: من قام من النوم إلى الصلاة. الثاني: من صدر منه الحدث الاصغر أو الاكبر في حالة اليقظة. وقد تعرض للقسم الاول بقوله (إذا قمتم إلى الصلاة) (3) فإن المراد


(1) المائدة 5 / 6. (2) 1: 51 ط النجف. (3) المائدة 5 / 6.

[ 277 ]

بذلك القيام من النوم كما جاء في موثقة ابن بكير (1) فأمر تعالى بالوضوء من لم يكن جنبا بالاحتلام كما أمر بالغسل من كان جنبا وإنما ذكر الوضوء والتيمم مفصلا دون الغسل لانه كان معروفا عندهم فإنهم كانوا يغتسلون من الجنابة وذلك بخلاف الوضوء والتيمم. ثم ذكر حالة المرض والسفر وأمر فيهما بالتيمم. وقد تعرض للقسم الثاني بقوله: (أو جاء أحد منكم من الغائط) (2) مشيرا إلى الحدث الاصغر بالجملة الاولى، فإن الغائط هو المكان المنخفض، والتعبير المذكور كناية عن التخلي حيث كان المتعارف لدى العرب إن يرتادوا المكان المنخفض عند ذلك، وإلى الحدث الاكبر بالجملة الثانية فإنه المقصود بملامسة النساء. وبملاحظة نظر الاية إلى هذا التقسيم يندفع التكرار الذي قد يتوهم فيها بتصور إن الاية إنما تتعرض إلى تقسيم المحدث إلى من لا عذر له في عدم استعمال الماء ومن له عذر. وقد تعرض للاول بقوله (إذا قمتم - إلى قوله - فاطهروا) وقد أشير في هذا القسم إلى المحدث بالحدث الاصغر مطلقا بقوله: (إذا قمتم إلى الصلاة) (3) وإلى المحدث بالحدث الاكبر بقوله: (وإن كنتم جنبا) (4). وقد تعرض للقسم الثاني بقوله: (وإن كنتم مرضى) (5) وذكر إن الحكم حينئذ هو التيمم.


(1) جامع الاحاديث - كتاب الطهارة - الباب 1 - الحديث 28 - ط 1 ج 2: 349. (2) المائدة 5 / 6. (3) المائدة 5 / 6. (4) المائدة 5 / 6. (5) المائدة 5 / 6.

[ 278 ]

فعلى هذا التصور يشكل: أولا: بأنه لا وجه لذكر (على سفر)، لان ذكر السفر باعتبار إنه حالة فقدان للماء فيغني عنه قوله: (لم تجدوا ماء) (1) بل مقتضى ذكر السفر في مقابل عدم وجدان الماء هو كونه موضوعا لجواز التيمم بنفسه ولا ينبغي الشك في عدم كونه كذلك، إلا أن يجعل ذكر السفر تمهيدا وتوطئة لذكر عدم الوجدان على أن يكون عدم الوجدان نتيجة له وهو خلاف الظاهر. وثانيا: إنه لا وجه لذكر بعض حالات الحدث الاصغر من التخلي وملامسة النساء في القسم الثاني من الاية لان ذلك مذكور بنحو أعم في القسم الاول منها، فأن التخلي يندرج تحت (القيام إلى الصلاة) لانه مشير إلى الحدث الاصغر وملامسة النساء يندرج تحت (وإن كنتم جنبا) (2) فلا موجب لذكرهما في هذا القسم بالخصوص، بل يكفي ذكر الاعذار التي هي نقطة تميز بين القسمين، فكان المناسب أن يقال في الشق الثاني (وإن كنتم مرضى أو لم تجدوا ماء فتيمموا). لكن لا يتجه الاشكال في شئ من الجهتين لما أوضحناه من الاية إنما تتعرض للتقسيم بنحو آخر دون النحو المذكور، وعلى ذاك النحو لا يرد شئ من الاشكالين. أما الاول: فلان (على سفر) إنما يرتبط بالقسم الاول وهو من قام من النوم للصلاة وعدم وجدان الماء إنما يرتبط بالقسم الثاني المذكور بقوله: (أو جاء أحد منكم) (3) فإن (فلم تجدوا) (4) عطف على مدخول (أو) في هذه


(1) المائدة 5 / 6. (2) المائدة 5 / 6. (3) المائدة 5 / 6. (4) المائدة 5 / 6.

[ 279 ]

الجملة لا على الجملة الشرطية الاولى في قوله: (وإن كنتم مرضى) (1) فلا تكرار. وأما الثاني: فلان المراد بالقيام إلى الصلاة هو القيام من النوم، كما إن المراد بكونهم جنبا هو الاحتلام فلا يشمل ذلك حدث التخلي أو ملامسة النساء. ونظير هذه الاية في تأليفها ومعناها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (2). فإن القسم الاول منها ناظر إلى النوم أيضا لان المراد بقوله (وأنتم سكارى) (3) هو السكر من النوم كما في بعض الروايات الصحيحة (4). الجهة الثانية: إن مفاد الاية من القسم الاول تحديد توجه الامر بالوضوء والغسل بشرطين هما عدم التضرر من استعمال الماء، ووجدان الماء فينتج ذلك فسادهما في حالة الضرر، ويظهر ذلك بملاحظة أمور: الاول: إن ما جاء في نهاية هذا القسم منها من الامر بالتيمم لمن كان مريضا أو على سفر لا يقصد به موضوعية هذين العنوانين لجواز التيمم، بأن يكون مجرد المرض والسفر موضوعا لكفاية التيمم ولو كان مرضا لا يضره استعمال الماء أو ينفعه ذلك، أو سفرا يتوفر فيه الماء بكثرة. بل ذكر المرض


(1) المائدة 5 / 6. (2) النساء 4 / 43. (3) النساء 4 / 43. (1) كصحيحة زرارة لاحظ تفسير البرهان 1 / 370.

[ 280 ]

إنما هو لكونه عادة حالة تضرر باستعمال الماء فيكون كناية عن التضرر بالاستعمال. كما إن ذكر السفر إنما هو باعتبار إن السفر في تلك الازمنة في مثل الجزيرة العربية كان حالة فقدان للماء عادة فهو كناية عن هذا المعنى ولا موضوعية له كما توهم بعض المفسرين (1). الثاني: إن ظاهر الاية بحسب صدرها وإن كان يقتضي عموم الامر بالوضوء والغسل لحالة التضرر باستعمال الماء، إلا إنه يتحدد بمقتضى قوله في نهاية القسم الاول منها (وإن كنتم مرضى أو على سفر) (2) لان التفصيل قاطع للشركة وبذلك يكون عدم الضرر قيدا مأخوذا في موضوع الامر بالوضوء والغسل. الثالث: إن الامر بالوضوء والغسل في الاية ليس أمرا نفسيا بل هو أمر مقدمي لتحقق المأمور به الذي هو الصلاة مع الطهارة، أما على أنهما بأنفسهما طهور أو لكونهما محصلين للطهارة كما هو الاظهر على ما يشير إليه التعبير عن الغسل بقوله: (فاطهروا) (3) وما جاء في ذيلها (ولكن يريد ليطهركم) (4). وعلى ضوء هذا فتحديد الامر بالوضوء والغسل بحالة عدم الضرر يعني فسادهما في هذه الحالة لانه يقتضي عدم وفائهما بتحقق المأمور به - وهو الصلاة مع الطهارة - أو قل عدم وفاتهما بتحقق شرطه وهو الطهارة. ويلاحظ إن الغسل المذكور في الاية وإن كان هو غسل الجنابة لكن يجري ذلك في سائر الاغسال بلحاظ اتحاد هذا الغسل وغيره في الحكم،


(1) كصاحب المنار في تفسير المنار 5: 118 و 128 و 129. (2) النساء 4 / 43. (3) المائدة 5 / 6. (4) المائدة 5 / 6.

[ 281 ]

ولذا ورد إن غسل الحيض والجنابة واحد. وهكذا يظهر أن مقتضى الاية فساد الوضوء والغسل في حالة كونهما ضرريين. وهناك تقرير آخر لدلالة الاية على هذا المعنى مبناه على القول بأن المراد بعدم وجدان الماء في الاية هو ما يعم كونه مضرا أو غير ميسر فيقال: إن التعبير بعدم وجدان الماء في حالة الضرر يدل على إن وجود الماء كأن لم يكن في هذه الحالة شرعا، ومقتضى ذلك عدم صحة الوضوء والغسل به فيها. لكن المبنى المذكور ضعيف لان اطلاق عدم الوجدان في مورد المرض غير مناسب عرفا فلا يقال مثلا لمريض يضره استعمال الماء وهو على ضفة النهر إنه غير واجد للماء كما هو واضح. هذا وقد يعترض على التقرير الذي ذكرناه بوجوه: الوجه الاول: إن ظاهر الاية إن قوله: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (1) جملة واحدة مستقلة عما قبلها، وعليه يكون مفادها اشتراط الامر بالتيمم في المريض والمسافر أيضا بعدم وجدان الماء. فلو كان المريض واجدا للماء يجب عليه الوضوء والغسل. وقد ذهب إلى ذلك بعض علماء العامة، ففي الخلاف (المجدور والمجروح وما اشبههما ممن به مرض مخوف يجوز له التيمم مع وجود الماء وهو قول جميع الفقهاء إلا طاووسا ومالكا فإنهما قالا يجب عليهما استعمال


(1) المائدة 5 / 6.

[ 282 ]

الماء) (1). وفي بداية المجتهد لابن رشد نقل عن عطاء إنه لا يتيمم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء (2). وقد ذكر في وجهه إن الضمير في (لم تجدوا ماء) (3) يعود إلى المريض والمسافر أيضا. ويؤيد ذلك عدة روايات من طرقنا تدل على تعين الغسل على المريض وإن أصابه ما أصابه. منها: ما رواه سليمان بن خالد وأبو بصير وعبد الله بن سليمان جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام (إنه سئل عن رجل كان في أرض باردة فتخوف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل كيف يصنع؟ قال: يغتسل وإن أصابه ما أصابه. قال: وذكر أنه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة وهو في مكان بارد، وكانت ليلة شديدة الريح باردة، فدعوت الغلمة فقلت: لهم احملوني فاغسلوني، فقالوا: نخاف عليك. فقلت ليس بد، فحملوني ووضعوني على خشبات ثم صبوا علي الماء فغسلوني) (4). ونحوها صحيحة محمد بن مسلم (5). لكن يرد على هذا الاعتراض: إنه لا يمكن الالتزام بالوجه المذكور. أما أولا: فلانه مخالف لاجماع المسلمين ولا يعتد بخلاف من ذكرنا، كما هو مخالف للروايات الكثيرة التي دلت على عدم تعين الوضوء والغسل


(1) الخلاف 1: 151 مسألة 100. (2) بداية المجتهد 1: 66 ط 1401 ه‍. (3) المائدة 5 / 6. (4 - 5) لاحظ جامع الاحاديث كتاب الطهارة أبواب التيمم الباب 7 ج 3 / ح 18 / 3262 ص - 50 و 19 / 3263 ص 51.

[ 283 ]

في حال المرض، وهي مقدمة على تلك الروايات من جهتين: إحداهما: تواتر هذه الروايات. والجهة الاخرى: إنه قد روى بعضها المتأخرون من رواة أصحابنا عمن بعد الصادق عليه السلام من الائمة، كما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الرضا عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح وجروح أو يكون يخاف على نفسه من البرد. قال: (لا يغتسل يتيمم) (1) وقد أوضحنا في بحث تعارض الادلة وغيره أن المتأخرين من رواتنا من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام ممن ألفوا جوامع حديثية كانوا ينظرون في أسئلتهم للامام المتأخر إلى ما روي عن الامام الباقر والصادق عليهما السلام فهي حاكمة على تلك الروايات، ومقامنا من هذا القبيل. وأما ثانيا: فلان هذا المعنى ليس ظاهرا من الاية أيضا إذ لو أراد ذلك لم تكن حاجة بل لم يكن وجه لذكر المرض والسفر وما بعدهما حيث كان يكفي أن يقول (وإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (2). الوجه الثاني: إن الامر بالتيمم في حالة المرض والسفر بعد الامر بالوضوء والغسل أولا بنحو عام ليس مفاده عرفا إلا عدم لزوم الوضوء والغسل في حصول الطهارة لا عدم كفايتهما في ذلك، والسر فيه إنه متى حدد الحكم الالزامي بعذر من الاعذار كالاضطرار والحرج ونحوهما - سواء أكان التحديد تحديدا مباشرا أو تحديدا غير مباشر كما إذا كان بنكتة كون التفصيل قاطعا للشركة - كما في المقام - فإن المنساق عرفا انتفاء الالزام في حالة العذر لا عدم مطلوبية الشئ في هذه الحالة، فيقتضي عدم صحته واجزائه أصلا،


(1) المصدر السابق نفس الموضع ح 13 عن أبي عبد الله 13 / 3257، عن أبي الحسن الرضا 14 / 3258 ص 49. (2) المائدة 5 / 6.

[ 284 ]

فلو قيل مثلا (إحفظ خطبة من نهج البلاغة وإن كان عسرا فاقرأ صحيفة من القرآن) فإنه لا يستفاد منه إلا عدم الالزام بحفظ الخطبة في صورة تعسره لا عدم اجزائه كما هو واضح. والمقام من هذا القبيل لان المرض وعدم الوجدان اللذين أخذا موضوعين للحكم الثاني - وهو الامر بالتيمم - إنما هما من الاعذار لعدم الاتيان بمتعلق الامر الاول - من الوضوء والغسل - وعليه فيستفاد من الاية إجزاء الطهارة المائية لمن يضره الماء. ويرد على ذلك: إن ما ذكر إنما يتم فيما إذا كان موضوع الحكم الثاني عنوان الحرج والعسر ونحوهما فيستظهر من الكلام إن متعلق الامر الاول يؤثر أثره المطلوب في حالة العذر، وعنوان الضرر ليس من هذا القبيل عرفا، ولذا لو قال الطبيب للمريض (يجب عليك لاستعادة نشاطك أن تمشي كل يوم مقدار كيلو متر، وإن كان يضرك ذلك فاستعمل العلاج الخاص) فإنه لا يقتضي إن المشي ينفعه في استعادة نشاطه من حالة تضرره به. وكذا في المقام فمن الجائز أن يكون الاثر النفسي المطلوب من الطهارة المائية لا يحصل بها في حالة المرض والتضرر أصلا. الوجه الثالث: إنه لا يبعد أن يكون ذكر المريض في الاية بملاحظة أن استعماله للماء حرج عليه لا مضر به، وكذلك يكون ذكر المسافر باعتبار كون تحصيل الماء بالنسبة إليه حرجيا، وعليه فالمقصود بذلك إخراج حالة الحرج في استعمال الماء أو في الوصول إليه. ويشهد لذلك تعليل الترخيص في التيمم بقوله (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) (1).


(1) المائدة 5 / 6.

[ 285 ]

وعلى هذا فلا ترتبط الاية بمحل البحث، مضافا إلى أن تحديد الامر بالوضوء والغسل بعدم الحرج لا يعني عدم صحتهما حينئذ لان تحديد الحكم بمثلهما لا يعني إلا محدودية الالزام دون عدم صحة العمل كما تقدم. ويرد عليه: أولا: إن كون المرض كناية عن الحرج في استعمال الماء خلاف المتعارف في الاستعمالات، فإن المعهود فيها أن يكنى به عن الضرر. وثانيا: إنه لا وجه للاستشهاد على ذلك بذيل الاية، لان ذلك مرتبط بأصل جعل الطهارات الثلاث لا بخصوص التيمم - كما تنبه له بعض المفسرين - فالمقصود به إن الله تعالى لم يأمر بها لكي يحرج عباده ويشق عليهم وإنما أمر بها لتطهيرهم. الوجه الرابع: أن يقال إنه لو سلمنا إن الاية الشريفة تدل على عدم وجوب الوضوء والغسل في حال المرض إلا إنه يكفي في مشروعيتهما إطلاق أدلة استحبابهما وحينئذ يترتب عليهما أثرهما وهو الطهارة من الحدث (1). ويرد عليه: أولا: إنه لم يقم دليل على الاستحباب النفسي للوضوء والغسل فيما عدا الوضوء التجديدي والوضوء المشروع للحائض. على ما أوضحناه في علم الفقه. وثانيا: إنه لو فرض وجود الدليل على استحبابهما النفسي فلا إطلاق له بالنسبة إلى من يضره الماء فإن الامر الاستحبابي بهما إنما هو في الحصة التي يكون واجدا فيها لشرط الوجوب لا مطلقا.


(1) لاحظ مصباح الاصول 2: 552.

[ 286 ]

وثالثا: إن ما ذكر إنما يتم فيما لو كان المستفاد من الاية مجرد تحديد وجوبهما بعدم الضرر. وأما لو كان المستفاد منها تحديدهما بما أنهما شرطان للصلاة أو محصلان لما هو شرطها - من الطهارة - فإنها حينئذ تكون دليلا على الفساد عند فقدان الحد المذكور. وبذلك ظهر إنه لا إطلاق لدليل مشروعية الوضوء والغسل بالنسبة إلى من يضره الماء. فلا محل للبحث عن اجراء (لا ضرر فيهما) حتى يبحث عن أن المستفاد منها عام للجاهل بالضرر أو مختص بالعالم به. البحث الثاني: في أنه لو فرض اطلاق أدلة مشروعية الوضوء والغسل بالنسبة إلى من كان يضره استعمال الماء فهل يقتضي (لا ضرر) فسادهما مطلقا أو بالنسبة إلى العالم بكونهما ضرريين فحسب أو لا يقتضي ذلك أصلا؟ والصحيح هو الوجه الاخير. وتوضيح ذلك: إن الوضوء والغسل على الصحيح من موضوعات الاحكام، حيث إن كلا منهما جعل في مورده موضوعا لترتب الطهارة الحدثية كما قد جعل غسل البدن بالماء موضوعا للحكم بالطهارة الخبثية. وعليه فلا يمكن نفي صحتهما بقاعدة (لا ضرر) لان مجرد الحكم بترتب الطهارة الحدثية عليهما ليس تسبيبا إلى الضرر، كما لم يكن الحكم بترتب الطهارة الخبثية على غسل الماء بالبدن تسبيبا إلى الضرر وإن كان استعمال الماء مضرا، فإن المقامين من واد واحد. نعم بينهما فرق من جهة إن ترتب الطهارة الخبثية على استعمال الماء لا يتوقف على قصد القربة، وترتب الطهارة على استعماله في الوضوء والغسل مشروط بقصد القربة. لكن هذا الفرق ليس بفارق لان تحقق قصد القربة بالوضوء والغسل لا يتوقف على وجود أمر مولوي بهما - من الامر الاستحبابي أو الامر الغيري

[ 287 ]

بناء على الصحيح من إمكان التقرب بامتثال الامر الغيري خلافا لما هو المشهور بين المتأخرين - حتى يكون انتفاء الامر النفسي بهذه القاعدة موجبا لفقدان قصد القربة. إذ قوام عبادية العمل بإضافتها إضافة تذللية إلى الله تبارك وتعالى، ويكفي في تحقق هذا المعنى قصد التوصل بالوضوء والغسل إلى الغاية المترتبة عليهما - التي هي محبوبة لدى الشارع المقدس - وهي على المختار نفس الطهارة، وأما بقية الغايات فهي في طولها، كما يكفي أيضا أن يقصد التوصل إلى تلك الغايات الطولية كإباحة الدخول في الصلاة والطواف. يضاف إلى ذلك إن في اقتضاء (لا ضرر) لسقوط الاستحباب النفسي في مورد ثبوته تأملا. نعم مقتضاه انتفاء وجوبهما الغيري على نحو غير مباشر بمعنى أنه يوجب أولا ارتفاع وجوب ذي المقدمة - وهي الصلاة مع الطهارة المائية - فيما لم يكن الشخص متطهرا وكان استعمال الماء مضرا له، فبذلك ينتفي الوجوب المقدمي الغيري، إذ على المشهور لا يمكن انتفاء وجوب المقدمة مع بقاء وجوب ذيها، ونتيجة ذلك عدم وجوب الصلاة مع الطهارة المائية ما لم يتوضأ المكلف ولكن إذا توضأ فحيث إنه قد حصلت الطهارة المائية فيجب عليه الصلاة مع الطهارة المائية، إذ ليس إيجابها حينئذ تسبيبا إلى الضرر. وبما ذكرنا يمكن أن يوجه بعض كلمات السيد الاستاذ (قده) في المقام - مع غض النظر عن بعض المناقشات في عبارته - (1).


(1) لاحظ مصباح الاصول 2: 552 ففيه (فالوضوء الضرري وإن كان وجوبه مرفوعا بأدلة نفي الضرر إلا إن استحبابه باق بحاله فصح الاتيان بالوضوء الضرري بداعي استحبابه النفسي أو لغاية مستحبة وتحصل له الطهارة من الحدث وبعد حصولها لا مانع من الصلاة معها

[ 288 ]

وعلى ما ذكرناه من عدم اقتضاء (لا ضرر) لفساد الوضوء والغسل الضرري مطلقا لا يتجه ما قيل في توجيه قصور (لا ضرر) عن إثبات فسادهما في صورة الجهل كما ذكره جمع (1) من أن دليل (لاضرر) وارد في مقام الامتنان على الامة الاسلامية، فلا يكون (لا ضرر) شاملا لمورد يكون نفي الحكم فيه منافيا للامتنان، والحكم ببطلان الطهارة المائية الضررية الصادرة حال الجهل من هذا القبيل، فإن الامر بالتيمم وإعادة العبادات الواقعة معها مخالف للامتنان. إذ لا حاجة إلى ذلك إلا على سبيل التنزل عما ذكرناه. مع إمكان المناقشة في ورود الحديث في مقام الامتنان فتأمل. البحث الثالث: في إن حرمة الاضرار بالنفس هل توجب الحكم بفساد الوضوء والغسل المضرين في حال الجهل والعلم أو لا؟ ويلاحظ أولا: إنه لم تثبت حرمة الاضرار بالنفس مطلقا وإنما الثابت حرمته فيما يكون من قبيل هلاك النفس أو ما يلحق به - كما أوضحنا ذلك في بحث الوضوء من شرح العروة - وعليه فالكلام في هذا البحث فيما إذا كان الضرر اللازم من الوضوء والغسل كذلك. ولتوضيح المقام لا بد من إيضاح أمرين: الامر الاول: إن نسبة (الاضرار المحرم) إلى الوضوء والغسل الضرري نسبة الاسباب والمسببات التوليدية كالالقاء والاحراق والرمي والقتل ونحو ذلك.


لحصول شرطها وهي الطهارة بلا حاجة إلى الاعادة. وكذا الحال في الغسل الضرري. الخ. (1) لاحظ مصباح الاصول: 545 وغيرها.

[ 289 ]

وفي متعلق الحرمة في الاسباب والمسببات التوليدية احتمالات ثلاثة - كما تعرضنا له في مبحث مقدمة الحرام -: الاحتمال الاول: أن يكون مصب الحرمة إيجاد المسبب التوليدي كالحرق والضرر. وحيث إن وجود المسبب التوليدي مغاير مع وجود سببه كالالقاء للاحراق والوضوء للاضرار، فيكون إيجاده أيضا مغايرا معه لان الفرق بين الايجاد والوجود إنما هو بمجرد الاعتبار. وعليه فيكون المحرم مغايرا وجودا مع ما هو سبب له. لا يقال: إن الاحكام التكليفية تتعلق بأفعال المكلفين والمسبب التوليدي كالاحراق والاضرار ليس بفعل للمكلف بل الاحراق أثر النار بشرط المماسة مع الجسم، والضرر أثر الماء بشرط المماسة مع البدن. فإنه يقال: إن هذا أمر غالبي وليس شرطا إذ يكفي في صحة تعلق الحكم التكليفي بأمر كونه مقدورا للمكلف مع الواسطة. الاحتمال الثاني: أن يكون مصب الحرمة السبب التوليدي وإنما أخذ العنوان المسبب عنه مرآة للسبب الذي يترتب عليه، فيكون الالقاء والوضوء بأنفسمهما متعلقين للحرمة. الاحتمال الثالث: أن يكون مصب الحرمة العنوان الثانوي المسمى بالمسبب التوليدي مأخوذا على نحو الموضوعية لكن مع عده من قبيل الاعتبارات المتأصلة، فإن تأصل الامر الاعتباري كما يكون في الاحكام التكليفية والوضعية فكذلك يتحقق في جملة من الماهيات التي هي من قبيل موضوعات الاحكام ومتعلقاتها كالغصب. والاظهر من هذه الاحتمالات هو الاحتمال الاول كما بيناه في محله. الامر الثاني: في حكم الوضوء والغسل حيث يترتب عليهما الضرر المحرم.

[ 290 ]

وذلك يختلف بحسب الاحتمالات السابقة في مصب الحرمة: أما على الاحتمال الاول: فيكون متعلق الحرمة أمرا لا اتحاد له بوجه معهما، فإن كان مضرا بصحتهما فإنما هو من جهة الاخلال بقصد القربة المعتبرة فيهما، وهذا الاخلال لا يتصور في صورة الجهل بكونه مضرا على نحو الجهل المركب أو الاطمئنان لعدمه أو الغفلة عنه أو نسيانه. وأما مع العلم به أو ما في حكمه ففيه جهتان: جهة ترتب أمر محبوب عليه وهو الطهارة. وجهة ترتب أمر مبغوض عليه وهو الاضرار المحرم، ولا يبعد تمشي قصد القربة إذا أتى بها بداعي التسبيب إلى الجهة الاولى. وأما على الاحتمال الثاني: فالمحرم يكون نفس الوضوء والغسل فيدخل تحت عنوان النهي عن العبادة فيحكم بالفساد - على المشهور - لانه لا أثر للتقرب بما هو مبغوض ذاتا. وأماح على الاحتمال الثالث: فإن قلنا بأن الوضوء والغسل من قبيل موضوعات الاحكام فقط فيلحق بالاحتمال الاول حكما، وعلى القول بأنهما من قبيل متعلقات الاحكام يدخل في بحث اجتماع الامر والنهي، فإن قلنا بالامتناع وتغليب جانب النهي فلا بد من الحكم بالفساد في صورة العلم وأما في صورة الجهل فمبني على القول باقتضاء القول بالامتناع الفساد مطلقا، والمختار هو عدم الامتناع، وعلى القول به فيفصل بين صورتي العلم والجهل كما سبق في الاحتمال الاول. التنبيه الخامس: في إنه هل يستفاد من (لا ضرر) جعل الحكم، إذا كان يلزم الضرر لولا وجوده - كما يستفاد منه نفي الحكم إذا كان يلزم الضرر بوجوده - أم لا؟. وعلى التقدير الاول فهل هناك أمثلة فقهية تكون من هذا القبيل أم لا؟

[ 291 ]

وقد أنكر المحقق النائيني (قده) الكبرى والصغرى معا (1) وأقر السيد الاستاذ (قده) بالكبرى ولكنه أنكر الصغرى قائلا: (بأن الصغرى لهذه الكبرى غير متحققة فإنا لم نجد موردا كان فيه عدم الحكم ضررا حتى يحكم برفعه وثبوت الحكم بقاعدة لا ضرر) (2) ويظهر من بعض الفقهاء منهم السيد الطباطبائي في ملحقات العروة الالتزام بهما معا كما سيجئ نقل كلامه. والكلام تارة في الكبرى وأخرى في الصغرى، فهنا مقامان: أما في المقام الاول: فتقريب إنكار الكبرى إن حديث (لا ضرر) ناظر إلى الاحكام المجعولة في الشريعة المقدسة ومقيد لها بعدم أدائها إلى الضرر على المكلف، وعدم الحكم ليس حكما مجعولا فلا يشمله الحديث. وليس المدعى إنه لا يمكن جعل الحكم العدمي - فإن الاباحة التكليفية حكم عدمي وليس عدم الحكم بحسب الدقة لانها تنشأ من قبل الشارع بعنوان إرخاء العنان بالنسبة إلى كل من الفعل والترك للمكلف، وكذلك الحلية فإنها بمعنى حل عقدة الحظر ومرجعها إلى هدم الحكم التحريمي المجعول، كما إنه ليس المدعى أنه لا يمكن انشاء عدم الحكم بل هو أمر ممكن كما في الحكم بعدم اشتغال الذمة، وإنما المقصود إن مجرد عدم جعل الحكم في مورد قابل لا يمكن عده حكما حتى يكون مرفوعا بحديث (لا ضرر). والجواب عن ذلك: إن ما ذكر من نظر الحديث إلى الاحكام المجعولة في الشريعة محل منع لان مفاد الحديث هو عدم التسبيب إلى تحمل الضرر - أي نفي وجود ضرر منتسب إلى الشارع المقدس بما هو


(1) تقريرات المحقق النائيني: 119 وما بعده. (2) لاحظ جامع الاحاديث. الباب 3.

[ 292 ]

مشرع ومقنن - وهذا المعنى كما يصدق في موارد جعل الحكم الذي يلزم منه الضرر - سواء كان وضعيا أو تكليفيا، وسواء كان إلزاميا أو غير إلزامي كالترخيص في الدخول لمن له حق الاستطراق بغير استئذان على نحو يوجب ذهاب حق التعيش الحر بالنسبة إلى صاحب الدار، كما في قضية سمرة بن جندب - فكذلك يصدق في حالة عدم جعل الحكم أحيانا فيعد نفس عدم جعل الحكم ممن بيده التشريع تسبيبا منه إلى الضرر. مثلا: إذا فرض أن الشارع منع الزوجة المعدمة من الاكتساب إذا كان على نحو ينافي حقوق زوجها وفرض عدم جعل وجوب الانفاق عليها، فيعد نفس هذا تسبيبا منه إلى تضررها، أو سلب حق التعيش مع الكرامة بالنسبة إليها. وكذلك لو فرض أنه حرم إضرار بعض الناس ببعض تكليفا ولم يجعل حكما إجرائيا يخول للسلطة مكافحة الاضرار والمنع عنه خارجا. والحاصل: إن عدم جعل الحكم المانع عن الضرر يعد تسبيبا منه إليه بعد فرض كمال الشريعة كما يدل عليه قو له تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) (1) ويؤكده الروايات الدالة على إنه ما من واقعة إلا ولها حكم (2) وقوله صلى الله عليه وآله (يا أيها الناس ما من شئ يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به، وما من شئ يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه) (3) مضافا إلى سلب حق التشريع عن غير الله تعالى. وعليه فلا يقدح عدم صدق الحكم على مجرد عدم جعل الحكم بعد صدق التسبيب إلى تحمل الضرر.


(1) المائدة 5 / 3. (2) جامع أحاديث الشيعة 1: 133 - 143 / 30 - 32. (3) ورد ذلك في صحيحة أبي حمزة الثمالي المذكورة في الوسائل - كتاب التجارة - أبواب مقدماتها - الباب 12 ح 17: 45 / 21939.

[ 293 ]

بل يمكن أن يقال: بأن عدم الحكم في ذلك يعد حكما كما يعد عدم القيام لاحد الشخصين مع القيام للاخر مع تساويهما في الرتبة توهينا للاول، وكذلك يعد عدم التقييد في الموضع القابل له اطلاقا. ويلاحظ: أن هذه الكبرى منتجة وإن أنكرنا وجود صغرى لها، بمعنى أنه لم يوجد هناك مورد يكون (لا ضرر) فيه دليلا على ثبوت الحكم - وذلك لان نتيجة كون الكبرى مثبتة للحكم هي عدم حكومتها أي (لا ضرر) على أدلة حرمة الاضرار بالغير إذا كان عدم الاضرار بالغير ضررا على المالك كما إذا تصرف المالك في ملكه بما أوجب الاضرار بجاره، لان مقتضاه على هذا التقدير نفي كل من حرمة الاضرار بالغير وجواز التصرف في الملك - لكون الاولى تسبيبا للضرر بالنسبة إلى المالك والثاني تسبيبا للضرر بالنسبة إلى الجار - فيتعارض (لا ضرر) فيهما ويسقط. وتصل النوبة إلى أدلة حرمة الاضرار بالغير فيحرم بمقتضاها تصرف المالك في ملكه بما يضر بجاره، فهذا مقدار من الانتاج للكبرى المذكورة، ولو لم تثبت هذه الكبرى لكان (لا ضرر) نافيا لحرمة الاضرار بالغير دون جواز التصرف في الملك فتكون حاكمة على أدلة حرمة الاضرار كما يأتي توضيح ذلك في التنبيه الاتي. وأما في المقام الثاني: - وهو وجود صغرى لهذه الكبرى - فقد ذكر لها موردان: المورد الاول: الحكم بضمان التالف في غير الموارد التي يكون هناك سبب للضمان فيها، كالاتلاف واليد العادية فإن دليل الضمان فيها نفس أدلته دون قاعدة (لا ضرر). وقد عد (1) من موارد انحصار الدليل للضمان


(1) لاحظ تقريرات المحقق النائيني: 220 و 221.

[ 294 ]

بقاعدة (لا ضرر) ما إذا حبس الانسان حتى فات عمله، أو حبسه حتى أبق عبده أو فتح شخص قفص طائر فطار، بدعوى إنه لولا الحكم بالضمان في مثل ذلك للزم الضرر على الشخص. وقد أنكر المحقق النائيني الحكم بالضمان فيها معللا بعدم دلالة (لا ضرر) عليه فإن دلالله عليه تبتني على القول بأن المستفاد منه نفي الضرر غير المتدارك فيدل على الحكم بتدارك الضرر الواقع إما من قبل من سبب إليه - إن كان هناك إنسان صار سببا لوقوع الضرر - أو من بيت المال إن لم يكن كذلك (1) ويظهر من السيد الاستاذ (قده) موافقته معه في ذلك (2). لكن الظاهر إنه لا وجه لانكار الضمان في ذلك فإن ثبوته لا يبتني على مسلك الفاضل التوني في مفاد الحديث - من نفي الضرر غير المتدارك - الذي قد سبق إبطاله - بل يكفي فيه نفس ما دل على قاعدة الاتلاف لاندراجه تحتها، فإن حبس الحر - إذا كان كسوبا - يكون كحبس العبد والدابة ونحوهما، تفويتا لمنافعه المقدر وجودها لدى العقلاء فيكون ضامنا لعمله، كما إن حبس الانسان إذا أدى إلى أن تشرد دابته أو يأبق غلامه أو يسيل الماء - المفتوح لجهة - مما يوجب خراب الدار والبستان، أو يحترق ما في القدر أو ما في الدار بنار كان قد أشعلها تحت القدر وكان قادرا عليها كل ذلك ونحوه يكون اتلافا للمال عقلاء. ولا حاجة إلى قاعدة (لا ضرر) في ذلك بل يفي بجعل الضمان قاعدة (لا ضرار) بالمعنى الوسيع الذي ذكرناه الذي هو امضاء للقاعدة العقلائية لانها تستبطن تشريع أحكام رادعة عن تحقيق الاضرار بالنسبة إلى الغير، فالحكم بالضمان على من أضر، من أوضح أسباب الردع عن الاضرار


(1) لاحظ المصدر السابق. (2) لاحظ مصباح الاصول 2: 560.

[ 295 ]

الصادر من الحابس ونحوه وبذلك يتضح إنه لا يرد على اثبات الضمان بقاعدة (لا ضرر) في المقام ما ذكره السيد الاستاذ (قده) من إن الضرر اللازم على المتضرر - المقتضى لجعل الضمان - معارض بالضرر المترتب على الحكم بالضمان على الحابس (1) لان (لا ضرر) من جهة مقابلته ب (لا ضرار) لا إطلاق لها بالنسبة إلى نفي الضرر الذي يشرعه القانون من باب مكافحة الاضرار - كما سبق توضيحه في التنبيه الثاني -. المورد الثاني: إثبات حق الطلاق للحاكم الشرعي بقاعدة (لا ضرر) و (لا حرج) فيما إذا صارت الزوجة محرومة عن حقوق الزوجية خارجا، مع مطالبتها لها وعدم طريق لاستيفائها، بأن لم يمكن إجبار الزوج على الوفاء بها ولو بتعزيره إن تخلف عن أدائها - وذلك كما لو كان الزوج مفقودا أو غائبا ولم يكن طريق لاجبار الزوج على طلاقها -. فيقال حينئذ بأن لها أن تطالب الحاكم الشرعي بأن يطلقها وعلى الحاكم الاستجابة لطلبها وطلاقه نافذ. وعمدة النظر في المقام إلى خصوص حق الانفاق. وقد التزم بحق طلاق الحاكم في الموضوع السيد الطباطبائي في ملحقات العروة تمسكا بقاعدتي (لا ضرر) و (لا حرج) مضافا إلى الروايات الخاصة. وقد ناقش المحقق النائيني في التمسك بهما فإنهما لا يثبتان حكما وجوديا كما ناقش في الروايات التي استدل بها بأنها غير معمول بها وهي معارضة بغيرها - وسيجئ تفصيل ذلك - كما استبعد كلامه جمع آخر من المتأخرين. ونحن نجعل محل الكلام بعض فروض المسألة وهو ما لو امتنع الزوج


(1) المصدر السابق: 561.

[ 296 ]

عن أداء النفقة لزوجته، ونبحث. تارة: في إنه هل يمكن الحكم بثبوت حق الفسخ للزوجة بملاحظة طبيعة عقد النكاح في نفسه؟ وأخرى: في ثبوت حق الفسخ أو الطلاق للحاكم بملاحظة (لا ضرر، ولا ضرار). وثالثة: في ثبوت ذلك بملاحظة الادلة الخاصة، فهنا أبحاث ثلاثة: البحث الاول: في إنه هل يثبت حق الفسخ للزوجة عند عدم انفاق الزوج عليها بمقتضى تخلف الشرط الارتكازي الضمني - كما ذكره جمع في وجه ثبوت خيار الغبن - أم لا؟ وتقريب ثبوته: إن ما تنشئه المرأة في عقد النكاح وإن كان هو الزوجية الدائمة إلا إنها مقيدة بسبب الشرط الارتكازي، بأن يبذل لها الزوج النفقة بحدودها الشرعية، وليس للمنشأ اطلاق بالنسبة إلى الزوجية بعد فسخها من ناحية إخلال الزوج بالنفقة. فإن الزوجية المنشأة بحسب طبعها إحداث علقة خاصة بين الرجل والمرأة، حقيقتها المشاركة في الحياة على نحو خاص يشتمل على نحو قيمومة للزوج بالنسبة إلى الزوجة وتكفل مؤونتها اللازمة - مضافا إلى الاستمتاع الجنسي - قال الله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم). وقد جاء في تفسير القرطبي (1) إنه فهم العلماء من هذه الاية إنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد لزوال المقصود الذي لاجله شرع النكاح. ثم نقل قول الشافعي ومالك بذلك ومخالفة أبي حنيفة. وقد ورد في رواية ضعيفة عن سفيان بن عيينة عن


(1) القرطبي 5: 169.

[ 297 ]

أبي عبد الله عليه السلام في حديث إنه قال (فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال وليس له على عياله أمر ولا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة) (1). وليس المقصود الاستدلال بالاية والرواية، بل المقصود إن المرتكز الذهني للزوجة انشاء الزوجية الدائمة بشرطها وشروطها والنفقة منها. ويمكن الايراد عليه - مع غض النظر عن مخالفة الروايات الاتية لثبوت خيار الفسخ للزوجة في صورة الاخلال بالنفقة - بوجهين يمكن دفعهما: الوجه الاول: إن بين البيع والنكاح فرقا، فإن قوام البيع بالمالين وقوام النكاح بالشخصين حتى أن المهر ليس من أركانه، ولذا لو أخل به يصح العقد ويثبت مهر المثل - ففي البيع حيث إن النظر إلى المالين فيقتضي بحسب الشرط الارتكازي العقلائي عدم نقصان ما انتقل إليه عما انتقل عنه بحسب المالية - فيكون منشأ لخيار الغبن - كما يقتضي عدم كونهما معيبين - فيكون منشأ لخيار العيب - وهكذا بالنسبة إلى سائر الشؤون الراجعة إلى المالين. ويمكن ادعاء مثل هذا الشرط الارتكازي في ما يرجع إلى الزوجين في النكاح، بالنسبة إلى فقدان العيوب التي تختل بها الحياة الزوجية، وقد حددها الشارع بعيوب خاصة، وكذا يأتي فيها خيار التدليس فيما يتعلق بذلك. وأما ما لا يرجع إلى وصف الزوجين بل كان من الاحكام الثابتة في الشريعة الاسلامية، كوجوب إنفاق الزوج على الزوجة فلا يمكن عده من الشروط الارتكازية العقلائية.


(1) كتاب الكافي - الاصول - كتاب الحجة الباب 103 (باب ما يجب من حق الامام على الرعية...) 1: 335 و 336 / 6.

[ 298 ]

كيف وفي بعض المجتمعات البدوية يشترك الزوجان في تحصيل النفقة كما هو الغالب في أهل الريف الذين يكون شغلهم الزراعة والفلاحة وتربية المواشي، وكذا في بعض المجتمعات المتحضرة - كما يقال - التي يكون لكل من الزوجين فيها شغل كالطبابة والتعليم ونحوهما. بل نقل عن بعض المجتمعات البدوية إن الزوجة هي التي تتكفل النفقة. وعلى هذا فلا يمكن عد الانفاق من الشروط الارتكازية للنكاح. الوجه الثاني: إن الشرط الارتكازي إنما يؤثر في تحقق الخيار عند التخلف في صورة نفوذه عند التصريح به فإن مرجع اشتراط الانفاق على النحو الذي يقتضيه هذا التقريب هو جعل الخيار عند التخلف، ومقتضى ما عللوا به عدم صحة شرط الخيار في النكاح عدم صحة جعل الخيار ولو بتخلف الوصف أو الشرط إلا ما دل عليه النص قال الشيخ الانصاري (في بحث خيار الشرط بعد ذكر عدم دخوله في النكاح اتفاقا) (1). ولعله لتوقف ارتفاعه شرعا على الطلاق وعدم مشروعية التعامل فيه. وقد يحكم ببطلان أصل النكاح الذي جعل فيه شرط الخيار، وقد علل ذلك السيد الاستاذ (قده) بأن شرط الخيار يرجع إلى تحديد الزوجية بما قبل الفسخ لا محالة، وهو ينافي قصد الزواج الدائم أو المؤجل إلى أجل معلوم، وهذا بخلاف سائر الشروط الفاسدة فإنها بحسب الارتكاز العرفي لا ترجع في خصوص النكاح إلى جعل الخيار على تقدير التخلف، وإنما ترجع إلى تعليق الالتزام بترتب الاثار على وجود الشرط وفسادها لا يسري إلى العقد (2).


(1) لاحظ المكاسب: 233. (2) العروة الوثقى مع تعليقة الخوئي (ره) 2: 638 مسألة 3855.

[ 299 ]

ويمكن الجواب عن الوجه الاول: بإنه لا يعتبر في تأثير الشرط الارتكازي أن يكون شرطا ارتكازيا لدى جميع المجتمعات والملل والنحل، ولا إشكال في أن الانفاق كان أمرا ملحوظا في عقد النكاح في المجتمع الاسلامي والمجتمع العربي قبل الاسلام، بل قد اختلف فقهاء الخاصة والعامة في كون اليسار من الامور الدخيلة في الكفاءة وعدمه على قولين مشهورين (1) وسوف يظهر ارتكازية هذا الشرط مما يأتي في جواب الوجه الثاني. وعن الوجه الثاني: بأنه لا إجماع على عدم ثبوت خيار تخلف الوصف والشرط في النكاح وإنما قام الاجماع على عدم صحة اشتراط الخيار فيه، كيف وقد التزم بثبوت خيار الفسخ للزوجة عند الاعسمار أو انكشافه جمع من فقهاء الفريقين، ولذلك لو قدر قيام الاجماع المذكور أيضا فلا ينبغي الشك في عدم شموله للمقام. أما فقهاؤنا فقال المحقق في الشرائع: لو تجدد عجز الزوج عن النفقة هل تتسلط الزوجة على الفسخ فيه روايتان أشهرهما إنه ليس لها ذلك، وعقبه في الجواهر (2) بقوله (لا بنفسه ولا بالحاكم وفي المسالك إنه المشهور). ونقل العلامة في المختلف (3) في بحث اعتبار اليسار في الكفاءة عن ابن ادريس إنه قال: (والاولى أن يقال إن اليسار ليس بشرط في صحة العقد، وإنما للمرأة الخيار إذا لم يكن موسرا بنفقتها وليس العقد باطلا بل الخيار لها...) ثم


(1) لاحظ اختلاف فقهائنا في الجواهر 30: 103 والحدائق ط الاولى 6: 144. واختلاف فقهاء العامة في المغني لابن قدامة 7: 376 و 377 والخلاف للشيخ الطوسي 4: 271 و 272. (2) الشرائع 2: 300، جواهر الكلام 30: 105. (3) كتاب النكاح: 576.

[ 300 ]

قال العلامة (وهو الوجه عندي. وأما اعتبار اليسار فلو نكحت المرأة ابتداء لفقير عالمة بذلك صح نكاحها اجماعا ولو كانت الكفاءة شرطا لم يصح) - إلى أن قال - (نعم أثبتنا لها الخيار دفعا للضرر عنها ودفعا للمشقة اللاحقة بها بسبب احتياجها مع فقره إلى مؤونة يعجز عنها، ولا يمكنها التزوج بغيره، فلو لم يجعل لها الخيار كان ذلك من أعظم الضرر عليها وهو منفي إجماعا). وذكر في مسألة الاعسار المتأخر (1) بعد نقل قول المشهور من عدم خيار للزوجة في الفسخ - (قال ابن الجنيد بالخيار لرواية عن الصادق ولاشتماله على الضرر إذ لا يمكنها الانفاق فلو لم يجعل لها الخيار لزم الحرج المنفي بالاجماع) وقد توقف العلامة نفسه في هذه الميره، فلو لم يجعل لها الخيار كان ذلك من أعظم الضرر عليها وهو منفي إجماعا). وذكر في مسألة الاعسار المتأخر (1) بعد نقل قول المشهور من عدم خيار للزوجة في الفسخ - (قال ابن الجنيد بالخيار لرواية عن الصادق ولاشتماله على الضرر إذ لا يمكنها الانفاق فلو لم يجعل لها الخيار لزم الحرج المنفي بالاجماع) وقد توقف العلامة نفسه في هذه المسألة وقد نقل في الحدائق (2) إن السيد السند في شرح النافع مال إلى قول ابن الجنيد من ثبوت حق الفسخ كما نقل عن ظاهر المسالك التوقف. والغرض: إنه لا اجماع في المقام بين الخاصة على عدم الخيار للزوجة. وأما العامة ففي المغني لابن قدامة (3) (إن الرجل إذا منع امرأته النفقة لعسرته وعدم ما ينفقه فالمرأة مخيرة بين الصبر عليه وبين فراقه، وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وأبي هريرة وبه قال سعيد بن المسيب والحسن، وعمر ابن عبد العزيز وربيعة وحماد، ومالك، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، والشافعي، لاسحاق، وابو عبيد، وأبو ثور، وذهب عطاء والزهري، وابن شبرمة، وأبو حنيفة، وصاحباه إلى إنها لا تملك فراقه بذلك ولكن يرفع يده عنها لتكتسب...).


(1) المصدر السابق 582. (2) الحدائق 24: 77 - 78. (3) المغني 9: 244.

[ 301 ]

وفي نيل الاوطار (1): (إن الزوج إذا اعسر عن نفقة امراته واختارت فراقه فرق بينهما وإليه ذهب جمهور العلماء على ما حكاه في فتح الباري، وحكاه صاحب البحر عن الامام على عليه السلام، وعمر، وأبي هريرة، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وحماد وربيعة، ومالك، وأحمد بن حنبل، والشافعي، والامام يحيى، وحكى صاحب الفتح عن الكوفيين أنه يلزم المرأة الصبر وحكاه في البحر عن عطاء، والزهري، والثوري، والقاسمية، وأبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي). وتعرض لنقل أقوال الصحابة والتابعين وفقهاء العامة ابن حزم أيضا في كتاب المحلى (2) ثم إن القائلين بهذا القول اختلفوا في إنه هل للزوجة طلب الفسخ أو الطلاق أو هي مخيرة بينهما؟ ففي نيل الاوطار (3) نقل للعامة في ذلك أقوالا ثلاثة وفي المغني (4) (كل موضع يثبت لها الفسخ لاجل النفقة لم يجز إلا بحكم الحاكم. فإذا فرق بينهما فهو فسخ لا رجعة له فيه وبهذا قال الشافعي وابن المنذر، وقال مالك: هو تطليقة وهو أحق بها إن أيسر في عدتها...). فظهر بذلك إنه لا إجماع هناك في عدم خيار تخلف الشرط الضمني الارتكازي والصريح في عقد النكاح، لكنه مخالف للروايات الاتية، ومع ذلك يمكن القول بأن الشرط المرتكز هو أن يكون الخيار لها بالرجوع إلى الحاكم وفسخه، وإن لم يتيسر فبنفس الزوج، فلا مخالفة لمفاد الروايات


(1) نيل الاوطار 7: 133 - 134. (2) ج 10 / 94 - 95. (3) نيل الاوطار 7: 135. (4) المغني 9: 248 - 249.

[ 302 ]

المشار إليها. وعلى تقدير منع ذلك، فالوجه في عدم الحاق النكاح عند الاعسار بخيار الغبن في استحقاق الفسخ إنما هو الروايات الواردة في الموضوع. البحث الثاني: في إنه هل يثبت حق الفسخ للزوجة أو حق الطلاق للحاكم بقاعدة (لا ضرر ولا ضرار)؟ أما (قاعدة لا ضرر) فلاثبات ذلك بها تقريبان: التقريب الاو ل: ما يماثل التقريب الذي يذكر لاثبات خيار الغبن في صورة عدم اقدام المغبون على الضرر - وهو أن يقال: إن حكم الشارع باستمرار الزوجية حتى بعد فسخ الزوجة لها من جهة حرمانها من حقها - المعبر عن هذا الحكم باللزوم - ضرر على الزوجة فهو منفي. وعلى هذا التقريب يكون التمسك ب (لا ضرر) تمسكا به لنفي الحكم لا لاثباته، كما إنه إنما يتجه في فرض إنكار ارتكازية الشرط أو تأثير الشرط الارتكازي ونحو ذلك - كما يظهر مما سبق في التنبيه السابق -. وقد يعترض على هذا التقريب بما عن شيخنا الحلي (قده) من إن الضرر المتوجه على الزوجة في حال عدم قيام الزوج بحقوقها ليس مسببا توليديا عن نفس لزوم النكاح لينتفي بالحديث المذكور إذ من المعلوم إن اختيار الزوج دخيل في البين (1). وهذا الاعتراض مبني على ما ذهب إليه (قده) وفاقا لشيخه المحقق النائيني من أن الضرر المنفي عنوان توليدي لنفس الحكم الشرعي، كالاضرار فيكون الحكم الشرعي منفيا حيث ينطبق عليه الاضرار. وقد مرت مناقشة هذا المبنى في محله وذكرنا إن الصحيح في تخريج ما ذهب إليه


(1) بحوث فقهية: 207.

[ 303 ]

المشهور من تفسير الحديث بنفي الحكم الضرري هو إن مفاده نفي التسبيب الشرعي إلى تحمل ضرر من الغير. وعلى هذا فيمكن التمسك به في المقام حيث يفرض سقوط الحكم بالانفاق لعدم قدرة الزوج أو ثبوته في حقه مع عدم عمله على وفقه ولو إجبارا، إذ يصدق على جعل لزوم الزوجية وبقائها أنه تسبيب إلى الضرر من قبل الشارع فينتفي بلا ضرر. وبذلك يظهر إن هذا التقريب أيضا تام لولا دلالة الروايات على خلافه، حيث إنها تدل على إن إزالة الطلاق لا بد أن يكون صادرا عن الولي الاجباري وهو الحاكم. التقريب الثاني: إنه يلزم من عدم جعل سلطنة لغير الزوج على الطلاق وإزالة عقد الزوجية تسبيب الشارع إلى ضرر الزوجة، فيستكشف من (لا ضرر) وجود هذا الحق للحاكم. وعلى هذا التقريب يكون التمسك ب (لا ضرر) استدلالا به في إثبات وجود حكم شرعي. وعليه يبتنى تمسك السيد الطباطبائي بهذه القاعدة وب (لا حرج) لهذا المدعى. بل على هذا الاساس يبتنى تمسك العلامة ب (لا ضرر) في إثبات حق الفسخ للزوجة، وكذا استدلال ابن الجنيد ب (لا حرج) لهذا المدعى فإنه ليس نظرهم إلى دفع اللزوم. بل وكذا تمسك الشيخ والعلامة وغيرهما ب (لا ضرر) لاثبات خيار الغبن الذي هو من الحقوق القابلة للارث. ويلاحظ: إن بين رفع الحكم ب (لا ضرر) وثباته به فرقا، فإن الامر في الاول واضح لان المفروض تعين الحكم الموجب للضرر وهو ما يتوهم بسبب عموم أو اطلاق أو غيرهما. ولكنه ليس كذلك في الثاني لان الحكم الذي يراد استكشافه لا يكون متعينا غالبا لامكان رفع الضرر بجعل عدة

[ 304 ]

أحكام، كما أشار إلى ذلك الشيخ الانصاري (قده) في خيار الغبن فلا يمكن استكشاف حكم معين منها إلا بمؤونة زائدة. ففي المقام يدور الامر بين أن يكون الحكم المجعول لرفع الضرر عن الزوجة هو ثبوت حق الطلاق للحاكم عند وجود الشرائط التي منها مطالبة الزوجة بالطلاق، وبين أن يكون ثبوت هذا الحق لنفس الزوجة وبين ثبوت حق الفسخ لاحدهما. وبين الطلاق والفسخ فرق فإنه على تقدير الطلاق قد يكون الطلاق رجعيا فيكون للزوج الرجوع في أثناء العدة إذا تمكن من الانفاق وهذا بخلاف الفسخ. وتعين أحد هذه الاحكام بحاجة إلى مزيد بيان. ويمكن تقريب ثبوت حق الطلاق بأن المستفاد من الادلة العامة هو إن وظيفة الزوج أحد الامرين إما إمساك بالمعروف أو تسريح بإحسان، ويشهد له بالخصوص معتبرة جميل، عن أصحابنا، أو عن عنبسة بن مصعب، وسورة بن كليب، عن أحدهما قال: إذا كساها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه وإلا طلقها) (1). وإذا امتنع الزوج من الطلاق ولو بمراجعة الحاكم الشرعي يكون الحاكم هو المتصدي للطلاق لانه ولي الممتنع. ويشهد لذلك ما ورد في المفقود من إنه يطلقها الولي ولو بإجباره على ذلك، وإن لم يكن لها ولي طلقها السلطان (2) وكذلك ما ورد في إن حق


(1) لاحظ الوسائل - كتاب النكاح. أبواب النفقات - الباب 1 - الحديث 4 ج 21 / 510 ولاحظ إن الكافي الموجود عندنا يختلف مع ما نقله الشيخ عنه في سند الرواية لكن لا يسع المقام بيان ذلك (منه). (2) لاحظ المصدر السابق. كتاب الطلاق. أبواب أقسام الطلاق وأحكامه. الباب 23 الحديث 5 ج 22 / 158.

[ 305 ]

الطلاق لا يكون بيد الزوجة مطلقا ولو بجعل الزوج، ففي معتبرة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام إنه قضى في رجل تزوج امرأة وأصدقته هي واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق. قال: خالفت السنة ووليت حقا ليست بأهله، فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق وذلك السنة (1). فمن ذلك وغيره يعلم إن الحكم بعدم كون الطلاق بيد الزوجة ليس من باب اللا اقتضاء، بل من باب اقتضاء العدم. هذا ما يتعلق باثبات حق الفسخ للزوجة أو حق الطلاق للحاكم بقاعدة (لا ضرر). وأما إثبات حق الطلاق للحاكم بقاعدة لاضرار فيختص بالزوج الذي يكون مضارا قال تعالى: (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) (2) ووجه استفادته منها: ما سبق في شرح مقطع (لاضرار) من إنه يستفاد منه إن للحاكم الشرعي الحق في المنع عن الاضرار حدوثا وبقاء بأنسب وأخف الوسائل الممكنة، وهو في المقام بعد سلسلة من الاجراءات طلاق الزوجة، فيكون حكم طلاق الزوجة حكم نخلة سمرة بن جندب التي أمر النبي صلى الله عليه وآله بقلعها، وعلى هذا فتثبت للحاكم هذه السلطة لانها من شؤون الولاية التنفيذية، وقد أشير إلى هذا التقريب فيما عن شيخنا الحلي (قده) (3). البحث الثالث: في حكم المسألة على ضوء الروايات الواردة في المقام، وهي روايات عديدة: فمنها: ما رواه الصدوق، عن ربعي بن عبد الله، والفضيل بن يسار،


(1) لاحظ الوسائل كتاب النكاح. أبواب المهور. الباب 29 - الحديث 1 ج 21 / 289. (2) البقرة 2 / 231. (3) بحوث فقهية: 209 - 210.

[ 306 ]

جميعا، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه فيلنفق مما آتاه الله) (1) قال: إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلا فرق بينهما. وللصدوق سند صحيح إلى كل منهما في المشيخة. وقد رواه الشيخ بسند فيه محمد بن سنان، عنهما إلا إنه قال (ما يقيم صلبها) (2). ومنها: ما رواه الصدوق بسنده المعتبر عن عاصم بن حميد عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الامام أن يفرق بينهما). ومنها: ما نقله في الكافي - بسند مخدوش - عن روح بن عبد الرحيم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قوله عزوجل: (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) قال: (إذا أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلا فرق بينهما). والظاهر إن كلا من الصدوق والكليني يفتون بذلك كما أفتى به بعض آخر من فقهائنا، فقد ذكر في الحدائق (3) في عداد أقوال علمائنا إنه (قيل بأن الحاكم يبينها وهذا القول نقله السيد السند في شرح النافع قال: نقل المحقق الشيخ فخر الدين عن المصنف إنه نقل عن بعض علمائنا قولا بأن الحاكم يبينها). ويظهر من كلام المحقق النائيني المناقشة في الاستدلال بها بوجهين:


(1) الطلاق 65 / 7. (2) لاحظ الوسائل. كتاب النكاح - أبواب النفقات - الباب 10 الحديث 1 ج 21 / 509. (3) ج 6 ص 141 ط الحجر.

[ 307 ]

الاول: إنها غير معمول بها (1) وذلك لان قدماءنا بين من قال بلزوم صبرها وبين من قال بأن لها فسخ العقد كابن الجنيد. لكن قد ظهر مما ذكرنا إنه لا وجه لدعوى الاعراض عنها، بل توقف من توقف في الموضوع قد يكون لعدم الاطلاع على صحة سند ما صح منها كما أشار إليه صاحب الحدائق (2). الثاني: معارضتها بمثل النبوي (تصبر امرأة المفقود حتى يأتيها يقين بموته أو طلاقه) والعلوي (هذه امرأة ابتليت فلتصبر) ونحو ذلك (3). ولعله يشير بنحو ذلك إلى ما رواه الشيخ عن محمد بن علي بن محبوب، عن بنان بن محمد، عن ابيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام إن عليا عليه السلام قال في المفقود: لا تتزوج امرأته حتى يبلغها موته أو طلاقه أو لحوقه بأهل الشرك) (4). لكن لا يمكن الاعتماد على شئ من الاخبار الثلاثة: (أما رواية السكوني) فلان في سندها بنان بن محمد وهو عبد الله بن محمد بن عيسى


(1 و 2) تقريرات المحقق النائيني: 221، ومن الغريب ما أورده السيد الاستاذ على ذلك من أن الروايات الامرة بالصبر واردة فيما إذا امتنع الزوج من الموافقة (لاحظ مصباح الاصول 2: 561) فإن نظر المحقق النائيني إلى النبوي والعلوي الاتيين وهما واردان في المفقود ولا يرتبطان بمن امتنع عن الموافقة. (3) قال في ج 6 / 141 ط الحجر وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك التوقف أيضا حيث اقتصر على نقله الاقوال وأدلتها ولم يرجح شيئا في البين إلا أن الظاهر إنه لم يقف على صحة الخبرين اللذين قدمناهما دليلا لابن الجنيد فإنه إنما نقل رواية ربعي والفضيل عارية عن وصفها بالصحة والظاهر إنه أخذها من التهذيب فإنها فيه ضعيفة وإلا فهي في الفقيه صحيحة وأما صحيحة أبي بصير فلم يتعرض لها والظاهر إنه لو وقف على صحة هاتين الروايتين لما عدل عنهما بناء على عادته وطريقته كما علمته من سبطه في شرح النافع. (4) الوسائل 22 / 157 - 158 / 28266.

[ 308 ]

الاشعري ولم تثبت وثاقته (1). وأما الاولان: فلم يتعرض لهما إلا الشهيد الثاني حيث قال: (لو تعذر البحث عنه من الحاكم إما لعدمه أو لقصور يده تعين عليها الصبر إلى أن يحكم بموته شرعا، أو يظهر حاله بوجه من الوجوه لاصالة بقاء الزوجية، وعليه يحمل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله. وعن علي عليه السلام. ومن العامة من أوجب ذلك مطلقا عملا بهاتين الروايتين) (2) وقد ذكر السيد الطباطبائي في مقام الجواب عن هذه الروايات الثلاث إنه لا عامل بها مع إن الاولين عاميان (3). والظاهر إنه لا اعتبار لهما سندا حتى عند العامة وإن كانا موافقين لفتاوى أهل الرأي وبعض الظاهرية كما تقدم. أما النبوي: ففي المغني لابن قدامة (4) متعرضا للاستدلال به (فأما الحديث الذي رووه عن النبي صلى الله عليه وآله فلم يثبت ولم يذكره أصحاب السنن). وأما العلوي: ففيه أيضا بعد ذكر نقله عن الحكم، وحماد، عن علي (وما رووه عن علي فيرويه الحكم وحماد مرسلا والمسند عنه مثل قولنا)


(1) نعم في موثقة سماعة قال سألته عن المفقود فقال إن علمت أنه في أرض فهي منتظرة له أبدا حتى يأتيها موته أو يأتيها طلاق.. (الوسائل ج 20 ص 506 حديث 26214) ولكن موردها خصوص المفقود الذي يعلم حياته ولا مانع من العمل بها في موردها وجعلها مخصصة لتلكم الروايات والحكم بلزوم الصبر على المرأة وإن لم يكن للمفقود مال ينفق عليها منه ولا ولي ينفق عليها من مال نفسه. (2) لاحظ الجواهر ط الحديث 32 ص 290. (3) ملحقات العروة ص 270. (4) ج 9 ص 135.

[ 309 ]

وغرضه بالمسند عنه ما ذكره من إنه قد روى الجوزجاني وغيره بإسنادهم عن علي في امرأة المفقود تعتد أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها، وتعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا فإن جاء زوجها المفقود بعد ذلك خير بين الصداق وبين امرأته. وقال الزيلعي (1): (قلت رواه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الطلاق: أخبرنا محمد بن عبيد الله العرزمي عن الحكم بن عتيبة: إن عليا قال في امرأة المفقود: هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق انتهى. أخبرنا معمر عن ابن أبي ليلى عن الحكم: إن عليا قال مثل ما سبق. أخبرنا ابن جريح قال: بلغني إن ابن مسعود وافق عليا على إنها تنتظره أبدا. انتهى. ونقل المحدث النوري في المستدرك (2) عن ابن شهرآشوب في المناقب (وروي أن الصحابة اختلفوا في امرأة المفقود فذكروا إن عليا عليه السلام حكم بأنها لا تتزوج حتى يجئ موته وقال: هي امراة ابتليت فلتصبر. وقال عمر: تتربص أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها ثم تتربص أربعة أشهر وعشرا. ثم رجع إلى قول علي). وعلى أي حال فلا حجية للنبوي ولا للعلوي. فظهر أن الصحيح هو الاعتماد على ما يدل على إن الحاكم يفرق بينهما، والظاهر أنه على نحو الطلاق، ولا فرق بين كونه موسرا أو معسرا، خلافا لصاحب الحدائق حيث فصل بينهما فحمل هذه الروايات على الموسر ووافقه بعض المتأخرين.


(1) نصب الراية ج 3 ص 473. (2) المستدرك للنوري 15: 337 / 18430.

[ 310 ]

التنبيه السادس: في تعارض الضررين: ولذلك صور عديدة تعرض لها بعض الاصوليين في المقام ونحن نتعرض لتحقيقها تبعا رغم عدم ارتباط بعضها بهذه القاعدة، وهي ترجع إلى صور أصلية ثلاث: الصورة الاولى: ما إذا دار أمر شخص بين ضررين بالنسبة إليه بحيث لا بد له من الوقوع في أحدهما، ومنشأ حدوث هذه الحالة أحد عوامل ثلاثة لانه إما أن يكون بفعل نفس المتضرر أو بعامل طبيعي أو بفعل شخص آخر والفروض الثلاثة تختلف بعض الشئ في حكم المسألة - على ما سيتضح خلال تحقيقها - ويتصور جميعها فيما إذا وقع شخص من السطح ودار أمره بين أن يقع على أحد شيئين يستوجب تلفه، أو أدخل شخص رأس بعيره في قدر ثم تعذر إخراجه إلا بتلف أحدهما. ولهذه الصور كما ذكر فروع ثلاثة: الفرع الاول: أن يدور الامر بين ضررين مباحين. والحكم التكليفي في هذه الحالة واضح إذ المفروض إباحة ارتكاب كل من الضررين تكليفا فيبقى كل منهما على إباحته بلا إشكال فنتيجة ذلك تخير المكلف عقلائي ارتكاب أيهما شاء. وأما الحكم الوضعي - وهو الضمان - فلا معنى لتحققه فيما كان العامل في هذا الاضطرار نفس المكلف أو جهة طبيعية وأما إذا كان العامل شخصا آخر فإذا كان الضرران متساويين، أو كانا مختلفين ولكن ارتكب المضطر أخفهما فإنه لا إشكال في ضمان الغير لما ارتكبه المضطر بخصوصه لان وقوعه في ذلك يستند إلى الغير، وموضوع الضمان أعم من تحقق الضرر مباشرة أو تسبيبا. وأما إذا كان الضرران مختلفين وارتكب المضطر أشدهما فهاهنا وجوه:

[ 311 ]

الاول: أن يضمن الضرر الاشد نظرا إلى إن الغير قد سبب إلى الضرر - حسب الفرض - والضرر الواقع إنما هو الضرر الاشد دون الاخف ليكون ضامنا له، فيكون ضامنا له لما وقع لا محالة. الثاني: أن يضمن الجامع بين الضررين، نظرا إلى إن الغير إنما سبب إلى وقوع المضطر في أحدهما، وإنما كان وقوعه في الاشد باختيار منه لا بتسبيب من الغير فيكون ضامنا إياه. الثالث: أن يقال إنه إذا كان المضطر عالما بأشدية أحد الضررين من الاخر، أو احتمله احتمالا معتدا به عقلاء فإنه لا يضمنه الغير أصلا، وأما إذا كان جاهلا بأشدية أحد الضررين أو احتمله احتمالا ضعيفا لا يجب الاعتناء به عقلاء، فإن حكمه حكم صورة التساوي ويكون الغير ضامنا لما ارتكبه المضطر منهما. وهذا الوجه هو الصحيح وذلك لان ما سبب إليه الغير أولا وبالذات إنما هو أحد الضررين، ولكن هذا العنوان الانتزاعي إنما ينطبق عقلاء على خصوص الاخف فيما إذا كان المضطر عالما بأشدية أحد الضررين، أو محتملا لها احتمالا معتدا به، فلا يكون ارتكاب الاشد مستندا إلى تسبيب الغير في هذه الحالة لكي يكون ضامنا له، وهذا بخلاف ما إذا كان جاهلا بها أو محتملا لها احتمالا ضعيفا فإن العنوان الانتزاعي في هذه الحالة ينطبق على ما ارتكبه المضطر منهما كما في حالة تساوي المحتملين - فيكون ضامنا لذلك. وتوضيح هذا المعنى بحاجة إلى الرجوع إلى كيفية تطبيق الحكم بالضمان في مورد التسبيب إلى أحد الضررين، لكي يتضح تخريج هذا الوجه في ضوء ذلك فنقول: إن التسبيب إلى أحد الضررين لا يستوجب الضمان بهذا العنوان لان عنوان الاحد عنوان انتزاعي جامع بين الضررين،

[ 312 ]

والحكم بالضمان في كل ضرر إنما يقتضي ثبوت الضمان بالنسبة إلى كل ضرر ضرر معينا - لا الاصل الجامع بين ضررين أو أكثر - لان العام ينحل بحسب الافراد المعينة دون المنتزعة، ولا سبيل إلى الالتزام بثبوت الضمان بالنسبة إلى كلا الضررين كما هو واضح، ولا بالنسبة إلى واحد منهما معينا لان نسبة الاحد إليهما على حد سواء، فتعيين واحد منهما ترجيح من غير مرجح، وعلى ضوء هذا: يعرض الابهام في كيفية تطبيق الحكم بالضمان على ذلك. وكلما طرأ الابهام في متعلق الحكم أو موضوعه من ناحية التطبيق، فإنه تدعو الحاجة إلى خطاب متمم يطبق الماهية على شئ معين ليرتفع الابهام بذلك، ونحن نعبر عن هذا الخطاب ب (متمم الجعل التطبيقي) تمييزا له عن سائر انحاء متمم الجعل. وإنما يعرض الابهام في مرحلة الجعل في أحد موردين: المورد الاول: الماهيات الاعتبارية بنحو عام كالصلاة والحج والزكاة - على المختار فيها - وذلك لان المعنى الاعتباري لا ينطبق على شئ خاص قهرا، بل لا بد في تطبيقه من توسط اعتبار آخر، مثلا مجرد وجود السلام والتحية في عرف اجتماعي لا يعين عملا خاصا ينطبق عليه قهرا، وهكذا وجود (الدينار) في القانون المالي لدولة لا يعين نقدا خاصا يتعين انطباقه عليه كما هو واضح، بل ذلك منوط بتطبيق الماهية الاعتبارية ممن بيده الامر، وذلك قد يختلف من دين إلى دين أو من مجتمع إلى مجتمع، أو من دولة إلى دولة وهكذا. على ما هو ملحوظ في هذه الامثلة. المورد الثاني: أن تكون هناك خطابات متعددة (بالذات أو بالانحلال من خطاب واحد) وفعلية كل واحد أو تنجزه مشروط بشرط - مشترك بينها -

[ 313 ]

بالنسبة إلى موضوعها، ففي هذه الحالة تعرض الحاجة إلى متمم الجعل مع توفر شرطين: أحدهما: أن يتحقق المعنى المجعول شرطا بالنسبة إلى أحد الموضوعات لا بالنسبة إلى كل واحد منها لكي يصير الحكم بالنسبة إليها فعليا أو منجزا قهرا. الثاني: أن لا يمكن الالتزام بعدم فعلية شئ من الحكمين أو تنجزه للعلم بتحقق ملاك الحكم بالنسبة إلى أحد الموضوعين. لكن كيف يمكن صيرورة أحد الحكمين فعليا أو منجزا - ابتداء - لان كلا منهما مشروط بتحقق الشرط بالنسبة إلى خصوص متعلقه ولم يتحقق ذلك بالنسبة إلى شئ منهما، فلا يكون شئ منهما فعليا أو منجزا في هذه الحالة دون عناية زائدة. وحل ذلك: أن ينشأ هنا خطاب آخر يطبق الاحد الانتزاعي على واحد بخصوصه. وحينئذ ينحل الاشكال ويصير الحكم الذي طبق الاحد على موضوعه أو موضوع تنجزه فعليا أو منجزا قهرا. وكيفية تطبيق ذلك وضابطه إنه متى كان الطرفان متساويين يطبق الاحد على كل منهما بشرط عدم تحقق الاخر وإذا كانا مختلفين فيطبق الاحد على ذي المزية - على اختلاف بين الموارد بحسب تناسباتها لها -. ولهذا المورد تطبيقات كثيرة متعددة خلال المباحث الاصولية والفقهية. منها: في مورد قاعدة الاضطرار وهي ما ورد في الحديث (وكل شئ اضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله) فإذا فرضنا اضطرار المكلف بالنسبة إلى أحد محرمين لم يؤثر الاضطرار ابتداء في حلية شئ منهما، إذ خطاب الحلية إلى كل محرم محرم فإن الجامع بين محرمين ليس بمحرم، لكن حيث لا

[ 314 ]

يمكن الالتزام بعدم تأثير الاضطرار في رفع الحرمة لحجة إنه قد تعلق بالاحد الجامع، وهو ليس بمحرم - لكي يصير حلالا، ولم يتعلق بشئ من الطرفين فتبقى حرمة كل منهما على حالها فلا بد من تعيين المضطر إليه بمتمم الجعل التطبيقي ليتأتى رفع حرمته بمعونة قاعدة الاضطرار وبموجب هذا المتمم يكون المضطر إليه في مورد التساوي احتمالا ومحتملا ما ارتكبه المضطر بشرط عدم سبق ارتكاب الاخر أو مقارنته إياه. وفي مورد التفاوت يكون المضطر إليه هو الاخف محتملا والاضعف احتمالا، وعلى هذا لا يجوز ارتكاب الاشد أو الاقوى بحجة الاضطرار إلى أحدهما - كما يظهر من كلمات الاصوليين في تنبيهات بحث الاشتغال في الكلام على الاضطرار إلى بعض غير معين من أطراف العلم الاجمالي - لان الاشد ليس بمضطر إليه كما هو واضح عقلاء وإنما مثل ارتكاب الاشد في هذه الحالة كارتكاب الحرام فيما اضطر إلى أحد شيئين أحدهما محرم والاخر مكروه. ومنها: في باب تزاحم الخطابين من جهة قصور القدرة عن الجمع بين امتثالهما بناء على أخذ القدرة الثابتة في موضوع الحكم في مرحلة الانشاء، فإنه حيث لا تتوفر هذه القدرة بالنسبة إلى كل من المتعلقين، فلا يمكن الحكم بعدم توجه شئ من الخطابين - أيضا - للزوم فوت الملاكين المعلومين بإطلاق المادة أو بجهة أخرى بعد كون القدرة عقلية لا شرعية دخيلة في الملاك، فلا بد من اعتبار هذه القدرة لواحد منهما معينا ليصير أحد الحكمين فعليا، فإذا كانا متساويين اعتبرت القدرة لكل منهما بشرط عدم الاتيان بالاخر. وإذا كانا مختلفين اعتبرت القدرة قدرة على الاهم وعلى المهح م أيضا على تقدير ترك الاهم. وبناء على المختار - في هذا الباب - من أخذ القدرة التامة في موضوع

[ 315 ]

الحكم الجزائي في مرحلة تنجز الخطاب، ففي مورد المتساويين يحكم بكون الموضوع للحكم الجزائي هو أحد الامرين فيكون العقاب عليه أيضا لعدم موافقة العقلاء على تعدد العقوبة ولا حاجة إلى اعتبار القدرة لكل واحد منهما مشروطا، وأما في المختلفين فتعتبر القدرة قدرة على الاهم، وعلى المهم على تقدير ترك الاهم. ومنها: غير ذلك مما ذكرناه في محله - ولا يناسب ذكره في المقام -. ومما يندرج تحت هذا المورد الثاني: مقامنا هذا حيث إن التسبيب إنما هو إلى أحد الضررين بينما الحكم بالضمان منصب على التسبيب إلى كل ضرر من الاضرار معينا. فكيفية تخريج الحكم بالضمان على ضوء ما ذكرنا أن يعين الاحد بمتمم الجعل التطبيقي، فإذا كان الضرران متساويين احتمالا ومحتملا - أو ما هو في حكم التساوي كما لو كان التفاوت في مستوى من القلة والضعف لا يعتنى به عقلاء - فينطبق الاحد المسبب إليه على ما ارتكبه المضطر منهما أيا كان ويكون المسبب ضامنا له. وأما إذا كانا مختلفين اختلافا معتدا به أما احتمالا أو محتملا مع علم المضطر بذلك أو ما في حكمه فإن الاحد حينئذ ينطبق على الاخف والاضعف فيكون هو الذي سبب إليه الغير فإن ارتكبه المضطر ضمنه الغير وإذا ارتكب الاشد فإن ارتكابه إياه لا يستند إلى تسبيب الغير عقلاء فلا يوجب ضمانا عليه. وبما ذكرنا يظهر النظر في الوجه الاول والثاني. أما الاول: فلان الغير وإن كان قد سبب إلى الضرر وكان الضرر الواقع هو الاشد، إلا إن الضرر الذي سبب إليه الغير ليس هو الاشد لينتج ضمانه إياه، وإنما هو أحد الامرين المنطبق بمعونة متمم الجعل التطبيقي على الاخف، فلا يكون الاشد مستندا إلى الغير أصلا، بل ما سبب إليه الغير لم

[ 316 ]

يقع خارجا، وذلك نظير ما لو اضطر المكلف إلى ارتكاب أحد محرمين كشرب النجس والخمر، وكان أحدهما أشد - كالخمر في المثال - فارتكب الاشد حيث لا ترتفع عقوبته عنه لعدم كونه مضطرا إليه عقلاء وإن كان مضطرا إلى أحد الامرين وهذا واضح. وأما الثاني: فلان أحد الامرين وإن كان قد سبب إليه الغير، إلا إن الضمان لا يتعلق به كما عرفت وإنما يتعلق بالضرر المعين، فلا بد من تطبيقه على معين بمتمم الجعل لكي يتحقق موضوع الحكم بالضمان في أثر ذلك. الفرع الثاني: أن يدور الامر بين ضرر مباح وآخر محرم. وفي هذه الحالة يكون الحكم التكليفي بعد عروض الاضطرار إلى ارتكاب أحد الضررين نفس الحكم المفروض قبل عروض ذلك - كما في الفرع الاول - فما كان مباحا أولا يكون مباحا كذلك بعد الاضطرار، كما أن ما كان محرما يبقى على حرمته بعد ذلك. ولا ترتفع الحرمة أو تنجزها بالاضطرار فإن الاضطرار إنما يؤثر في إحدى حالتين: الاولى: أن يتعلق بأمر محرم. الثانية: أن يتعلق بأحد أمرين وينطبق على المحرم بمتمم الجعل التطبيقي. والمقام ليس من قبيل الحالة الاولى لان أحد الامرين - حتى فيما كان الامران جميعا محرمين - ليس بمحرم فضلا عما إذا كان أحدهما حلالا والاخر حراما، ولا من قبيل الحالة الثانية، لان الاضطرار وإن تعلق بأحد الامرين إلا إنه لا ينطبق على الحرام الذي يكون طرفه حراما أخف من الاول حرمة - كما اتضح مما ذكرناه في الفرع الاول - فضلا عما إذا كان طرفه مباحا كما في المقام، فالمضطر إليه هنا بمقتضى متمم الجعل إنما هو خصوص المباح، ولا مبرر لارتكاب الحرام في ذلك.

[ 317 ]

وأما الحكم الوضعي: فهو واضح فإنه إذا كان الغير هو السبب للوقوع في الضرر وارتكب المضطر الضرر المباح كان الغير ضامنا له لانه المضطر إليه بمتمم الجعل التطبيقي وأما إذا ارتكب المضطر الضرر المحرم فلا يكون ضامنا له لانه لم يسبب إليه الغير. الفرع الثالث: أن يدور الامر بين ضررين محرمين. وحينئذ يكون المضطر إليه في حالة التساوي ونحوه كل منهما بشرط عدم ارتكاب الاخر سابقا أو مقارنا، وفي حالة التفاوت ما كان أخف محتملا وأضعف احتمالا، وذلك بمؤونة متمم الجعل التطبيقي على ما سبق شرحه في الفرع الاول. وعليه فبالنسبة إلى الحكم التكليفي ترتفع الحرمة عن المضطر إليه - بناء على إن مقتضى قاعدة الاضطرار رفع حرمة المضطر إليه - وأما إن قلنا بأن مفادها رفع تنجزها على ما قربناه في محله فتبقى الحرمة ولكن لا يستحق العقاب بمخالفتها إلا إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار. وأما بالنسبة إلى الحكم الوضعي: فإذا كان الضرر بتسبيب الغير فينطبق أحد الامرين (المسبب إليه) على المضطر إليه بمتمم الجعل التطبيقي فيكرن الغير ضامنا له لو ارتكبه المضطر، وأما لو ارتكب غيره كان يرتكب ما هو أقوى محتملا فلا يكون الغير ضامنا لعدم تسبيبه إليه عقلاء كما عرفت توضيحه. الصورة الثانية: أن يدور أمر الضررين بشخصين عكس الصورة الاولى، ومثاله المعروف ما إذا دخل رأس دابة شخص في قدر شخص آخر ولم يمكن تخليصها منه إلا بكسر القدر أو ذبح الدابة. ويخرج عن محل البحث ما إذا كان مال الغير نفسا محترمة كالعبد المسلم أو ما بحكمه فإن الضرر حينئذ يكون دائرا بين أشخاص ويتعين فيه

[ 318 ]

إتلاف المال الاخر تحفظا على نفس العبد. ولهذه الصورة أيضا فروع ثلاثة: الفرع الاول: ما إذا كان ذلك بفعل أحد المالكين. وقد ذكر السيد الاستاذ (قده) إن الحكم فيه وجوب اتلاف ماله وتخليص مال الاخر مقدمة لرده على مالكه لقاعدة اليد ولا يجوز اتلاف مال الغير ودفع مثله أو قيمته إلى مالكه، لانه متى أمكن رد العين وجب ردها ولا تصل النوبة إلى المثل أو القيمة والانتقال إلى المثل والقيمة إنما هو بعد تعذر العين (1). والتحقيق أن يقال: إنه إما أن يأذن له مالك المال الاخر بإيقاع الضرر المادي على ماله ولو بشرط الضمان أو لا يأذن له في ذلك. فعلى الاول: يلحق هذا الفرع من ناحية الحكم التكليفي بالصورة الاولى وهو ما إذا كان الضرر يدور بين مالين لشخص واحد، فلا بد من ملاحظة إن اتلاف كل من المالين هل هو في نفسه عمل مباح فيتخير، أو إن اتلاف أحدهما مباح والاخر محرم ولو من جهة صدق الاسراف ونحوه، فيتعين اختيار المباح، أو إن اتلاف كل منهما محرم فيجوز ارتكاب المضطر إليه منهما وهو في المتساويين ما اختاره المضطر، وفي المختلفين ما كان أخف محتملا وأضعف احتمالا كما سبق بيانه؟ وعلى الثاني حيث لا يأذن مالك المال الاخر بإيقاع الضرر على ماله ويطالب بدفع النقيصة الحاصلة من الحالة الطارئة على ماله بسبب محل الاخر. فإن كان إيقاع الضرر على مال نفسه مباحا فلا بد من ايقاع الضرر


(1) لاحظ مصباح الاصول 2: 563.

[ 319 ]

عليه دون مال الغير وذلك لا من جهة قاعدة اليد فإنه ربما لا يكون تحت يده، بل مقدمة لدفع العيب الطارئ على مال الاخر، ولا يجوز ايقاع الضرر الذي يتوقف عليه التخليص بمال الغير لانه تصرف في مال الغير بغير أذنه. وأما إن كان إيقاع الضرر على مال نفسه محرما فيندرج في باب تزاحم الحكمين ويلحقه أحكام هذا الباب. الفرع الثاني: أن يكون بفعل شخص ثالث غير المالكين. وقد ذكر السيد الاستاذ (قده) إن في مثله يتخير في اتلاف مال أيهما شاء ويضمن مثله أو قيمته لمالكه إذ بعد تعذر إيصال كلا المالين لمالكهما فعليه إيصال أحدهما بخصوصه، والاخر بماليته من المثل أو القيمة، لعدم إمكان التحفظ على كلتا الخصوصيتين. إلا إذا كان التصرف في أحدهما أكثر عدوانا في نظر العرف فيجب عليه اتلاف الاخر (1). لكن الظاهر إنه لا وجه للحكم بجواز ايقاع الضرر في أحد المالين مخيرا في ذلك مطلقا بحسب الوظيفة العملية ولو بحكم العقل، بل عليه استئذان كل من المالكين في التصرف في ماله. فإن أذن له في ذلك أحدهما دون الاخر فيتعين ايقاع الضرر على ماله وإن كانت إباحته مشروطة بإعطاء قيمته أو مثله أو الارش فلا بد من بذله له. وإن أذن له كل منهما فلا مانع له من هذه الجهة في إيقاع الضرر على أيهما شاء. وأما إن لم يأذن له كل منهما وطالبه برفع الحالة الطارئة الموجبة لنقص ماله، فلا محالة يقع النزاع بينهما وبين هذا الاجنبي فيرجع في حد النزاع إلى الحاكم الشرعي، والظاهر إنه ليس له الامر بإيقاع الضرر على مال


(1) لاحظ الدراسات: 346. ومثله في مصباح الاصول 2: 563 لكن لم يذكر فيه قوله (إلا إذا كان...).

[ 320 ]

أحدهما بلا مرجح، بل يرجع إلى القرعة لانها مرجح عقلائي حيث لا مرجح عند تزاحم الحقوق والرغبات كما في المقام إذ المفروض إن كلا منهما يرغب في إرجاع نفس ماله إليه على ما كانت علبه من الحالة الاولية وقد أوضحنا ذلك في رسالة القرعة. وأما القول بثبوت الاختيار للجاني في إيقاع الضرر على مال كل منهما إراد وضمانه، فليس له وجه يعتمد عليه وربما يكون له غرض خاص في إتلاف مال أحد المالكين كما إذا كانت البقرة في المثال حلوبا وتعلق غرض شخصي منه بذبحها. الفرع الثالث: أن يكون الحالة الطارئة لعامل طبيعي كالزلزلة ونحوها. وفي هذه الحالة: (تارة) لا يريد أحدهما تخليص ماله كما لو قال صاحب القدر إني لا أحتاج إلى القدر فعلا ولكن الاخر أراد تخليص ماله - وهو البقرة - وحينئذ فللاول أن يأذن للثاني في إتلاف ماله مع الضمان فيستقر الضمان عليه، ولو لم يأذن له في ذلك فلا يبعد أن يجوز تكليفا لمن يريد تخليص ماله أن يوقع الضرر في مال الاخر مع بذل الغرامة له. وأخرى: يريد كل منهما تخليص ماله عن هذه الحالة الطارئة. وحينئذ إذا تراضى الطرفان في طريق رفعها بإيقاع الضرر على أحد المالين مع بذل غرامته - ولو على وجه القرعة - فالصلح خير، وإن لم يتراضيا بذلك فيحصل بينهما تخاصم لا بد لرفعه من الرجوع إلى الحاكم. وللحاكم بماله من السلطنة والولاية أن يرفع الخصومة بينهما بإيقاع الضرر على أحد المالين، لكن في إيقاعه على واحد معين منهما لا بد من مرجح طبيعي أو جعلي: والاول: فيما إذا كان إيقاع الضرر على أحد المالين أقل - من حيث زوال المالية أو تنقيصها من إيقاعه على الاخر - فيتعين عليه في هذه الحالة اختيار أخف الضررين تقليلا للخسارة التي يتحملها المتخاصمان - على ما

[ 321 ]

سيجئ بيانه - كما إذا فرض إنه لو أمر بذبح البقرة فإن التفاوت بين البقرة الحية والمذبوحة عشرة دنانير، ولو أمر بكسر القدر فالخسارة خمسة دنانير، فلا بد له من الامر بكسر القدر دون ذبح البقرة. والثاني: هو الرجوع إلى القرعة في صورة تساويهما من حيث المالية لانها مرجع عقلائي حيث لا مرجح كما أشرنا إليه سابقا. ثم إن فيمن يتحمل الخسارة الحاصلة من ايقاع الضرر على أحد المالين - بحسب النظر البدوي - احتمالات ثلاثة: الاول: أن يتحملها من رجع ماله إلى حالته الطبيعية. وربما ينسب هذا الوجه إلى المشهور. والوجه فيه: إن إيقاع الضرر على مال الغير - بإتلاف عين مال الاخر أو صفته - إنما هو فداء لماله وتخليص له فتكون الخسارة عليه. وهذا مخدوش لان الحالة الطارئة الناشئة من عامل طبيعي قد طرأت على كل من المالين، فلم يبق شئ منهما على حالته الطبيعية وبذلك نقصت قيمة كل واحد منهما، والمفروض إن كلا من المالكين يطالب بتخليص ماله، فتوجه الخسارة الناشئة من علاج هذه الحالة الطبيعية إلى خصوص من خلص ماله بلا مشاركة للاخر فيها ليس له أي وجه. الثاني: إنه يتحملها كل منهما على سواء بتوهم إنه مقتضى قاعدة العدل والانصاف، فإنه لا يعتبر في إجرائها التساوي في جميع الجهات، فتكون العبرة بذات المالين لا بمقدار ماليتهما ولا بما تكون الحالة الطارئة مقتضية لحصوله من الخسارة. ففي رواية النوفلي عن السكوني - التي تجعل مؤيدة لتلك القاعدة - عن الصادق عن أبيه في رجل استودع رجلا دينارين فاستودعه آخر دينارا فضاع دينار منها. قال يعطى صاحب الدينارين دينارا،

[ 322 ]

ويقسم الاخر بينهما نصفين مع إن احتمال كون التالف من مال صاحب الدينارين واحتمال كونه من مال صاحب الدينار ليس على سواء بل الاول ضعف الثاني، ويتضح ذلك: فيما لو فرض إن رجلا استودع تسعة وتسعين درهما لدى رجل واستوغ الاخر درهما واحدا وتلف أحدهما عند الودعي من دون تعد وتفريط فإن احتمال كون التالف من الاول بنسبة (99 بالمائة) ومن الثاني بنسبة (1 بالمائة). والجواب عن ذلك مضافا إلى إن الرواية غير معتبرة سندا فإن النوفلي لم يوثق ولا عبرة بكونه من رواة أخبار كامل الزيارات لابن قولويه: إن قاعدة العدل والانصاف إنما تقتضي الحكم بالتساوي في الخسارة مع التساوي في جميع الجهات احتمالا ومحتملا لا مع عدم التساوي كما في مورد الرواية، فإن المناسب أن يعطى صاحب الدرهمين درهما وثلث وصاحب الدرهم ثلثي الدرهم كما أوضحناه في محله وسيجئ ما يقتضيه قانون العدل في المقام. الثالث: أن يتحملها كل منهما على حد سواء في صورة تساري الضررين، وفي صورة عدم التساوي يتحملها كل واحد بالنسبة. وقد اختاره السيد الاستاذ (قده) وعلل تقسيم الضرر بينهما بقاعدة العدل والانصاف الثابتة عند العقلاء وأضاف: إنه يؤيدها ما ورد فيمن تلف عنده درهم مردد بين أن يكون ممن أودع عنده درهمين ومن أودع عنده درهما واحدا من الحكم بإعطاء درهم ونصف لصاحب الدرهمين ونصف درهم لصاحب الدرهم الواحد فإنه لا يستقيم إلا على ما ذكرناه من قاعدة العدل والانصاف) (1). وفي هذا التقريب جهات من البحث:


(1) لاحظ الدراسات: 347 (وفي مصباح الاصول 2: 564) أحال إلى ما تقدم في بحث القطع.

[ 323 ]

1 - الاولى: إنه لا يصح جعل مقتضى قاعدة العدل والانصاف في مورد تلف الدرهم في يد الودعي التنصيف، ولم يستقر على الحكم بالتنصيف بناء من العقلاء بل مقتضى العدل عندهم اعطاء صاحب الدرهمين درهما وثلث درهم واعطاء صاحب الدرهم ثلثي الدرهم - كما أشرنا إليه هنا وفصلناه في مبحث القطع - وأما الرواية فهي على تقدير تمامية سندها، إنما تشتمل على حكم تعبدي غير موافق للقاعدة مع إنه غير تام من جهة عدم ثبوت وثاقة النوفلي كما مر. 2 - الثانية: إن ما ذكره هو في تقريب القاعدة - في مبحث القطع - لا يأتي في المقام فإنه قال: إن هذه القاعدة مبنية على تقديم الموافقة القطعية في الجملة مع المخالفة القطعية كذلك - على الموافقة الاحتمالية - في تمام المال فإنه لو أعطى تمام المال - في هذه الموارد - لاحدهما للقرعة مثلا احتمل وصول تمام المال إلى مالكه، ويحتمل عدم وصول شئ منه إليه بخلاف التنصيف فإنه يعلم وصول بعض المال إلى مالكه جزما ولا يصل إليه بعضه الاخر كذلك، فيكون التنصيف مقدمة لوصول بعض المال إلى مالكه، ويكون من قبيل صرف مقدار من المال مقدمة لايصاله إلى مالكه الغائب حسبة، إلا إنه من باب المقدمة الوجودية والمقام من قبيل المقدمة العلمية (1) ووجه عدم جريانه في المقام واضح، إذ ليس، هنا مال مردد بين الشخصين حتى يكون التقسيم بالنسبة مقدمة لايصاله إلى مالكه من باب المقدمة العلمية بل الكلام في إن الخسارة الواقعة على أحد المالين لا بد وأن تقسم بينهما بالنسبة، فهذا غير داخل في القاعدة على التقريب الذي ذكره


(1) لاحظ مصباح الاصول 2: 62.

[ 324 ]

لها. 3 - الثالثة: إنه بنفسه قد أنكر ثبوت القاعدة في محل آخر وناقش في التقريب الذي سبق عنه حيث قال (إن القاعدة في نفسها غير تامة إذ لم يثبت بناء ولا سيرة من العقلاء على ذلك حتى تكون ممضاة لدى الشارع اللهم إلا إذا تصالحا وتراضيا على التقسيم على وجه التنصيف فإنه أمر آخر، وإلا فجريان السيرة على ذلك بالتعبد من العقلاء أو الشارع استنادا إلى ما يسمى بقاعدة العدل والانصاف لا أساس له، وإن كان التعبير حسنا إذ لم يقم أي دليل على جواز ايصال مقدار من المال إلى غير مالكه مقدمة للعلم بوصول المقدار الاخر إلى المالك، نعم في المقدمة الوجودية ثبت ذلك حسبة وأما العلمية فكلا، فقياس إحدى المقدمتين بالاخرى قياس مع الفارق الظاهر كما لا يحفى) (1). والصحيح في تقريب المدعى أن يقال: إن الحالة الطارئة بسبب طبيعي على كل من المالين لما أوجبت نقصا في مالية كل واحد منهما، إذ ليست قيمة البقرة بعد دخول رأسها في القدر متساوية مع قيمتها بدون ذلك ولا القدر الذي فيه راس البقرة تساوي قيمته لو لم يكن كذلك وإرجاع كل منهما إلى حالته الطبيعية غير ممكن وإرجاع أحدهما إليها يستلزم ايقاع الضرر بالنسبة إلى الاخر والمفروض لزوم ايقاعه على ما هو أقل قيمة، فحينئذ يكون النقصان الموجب لزوال ماليته أو نقصانه مسببا عن الحالتين غير الطبيعيتين الطارئتين على كل منهما. فلا بد من ملاحظة إن الخسارة الحاصلة بأية نسبة معلولة لحصول تلك الحالة في القدر وبأية نسبة معلولة لحصولها في البقرة، وبحكم العقلاء يكون ثلثا الخسارة على صاحب البقرة وثلثها على صاحب القدر، على ما


(1) لاحظ مستند العروة - كتاب الخمس: 147.

[ 325 ]

فرضناه سابقا من إن التفاوت بين البقرة في حالتها الطبيعية وبين البقرة المذبوحة هو عشرة دنانير والتفاوت بين القدر على حاله الطبيعي والقدر المكسور خمسة دنانير، فالحالة الطارئة عليهما التي تدعو إلى إيجاد ما يوجب الخسارة المالية بأدنى مستوياتها الممكنة يقتضي تقسيم الخسارة على المالين بملاحظة النسبة بين الضررين لو فرض وقوع الضرر مع كل منهما. ونظير المقام ما قاله بعض المحققين في مسألة إن المؤونة التي أنفقت على الغنيمة بعد حصولها بحفظ ورعي وجمع وغيرها هل تقدم على الخمس أم لا؟ قال بأن تقديم الخمس على المؤن مخالف للعدل. وربما أورد عليه بأنه لم يعلم في قواعد الفقه قاعدة تسمى بقاعدة العدل وإنما ذلك يشبه الاستحسان الذي هو من مبادئ فقه الحنفية، وقد أجيب عنه بأن قاعدة العدل من أعظم قواعد الفقه وإن لم تكن معنونة في أبوابه كسائر القواعد ويستدل لها من الكتاب بقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان) (1) ولا ريب إن من العدل أن تكون مؤونة المملوك على مالكه ومن البغي أن تحمل مؤونته على غير مالكه. والظاهر إنه لا ينبغي الاشكال في أصل القاعدة كما دلت عليه الايات الشريفة كقوله: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) (2) وقوله تعالى: (وأمرت لاعدل بينكم) (3) إلا إن البحث يقع في أساسه وضابطه الكلي وقد أوضحنا بعض القول فيه في بعض المباحث الاصولية. الصورة الثالثة: فيما إذا دار الامر بين تضرر شخص والاضرار بالغير


(1) النحل 16 / 90. (2) النساء 4 / 58. (3) الشورى 42 / 15.

[ 326 ]

من جهة التصرف في ملكه تصرفا يضر بجاره - مثلا - وقد طرح المحقق النائيني البحث في هذه الصورة حول أن قاعدة السلطنة هل هي محكومة مطلقا بقاعدة (لا ضرر) أو فيما لم يلزم من عدم السلطنة ضرر عليه؟ وأما إذا لزم فلا تكون محكومة لها بل تكون قاعدة السلطنة هي المرجع (1). وربما يعد منع المالك أي تصرف ضررا عليه ولو كان مضرا بجاره كما سيأتي عن الشيخ الانصاري، وهو غير تام. وأيا كان فينبغي تعميم البحث لما إذا لزم من عدم تصرفه ضرر على المالك وما إذا لزم منه فوت مصلحة بل الاعم من ذلك أيضا. والتعرض لهذه المسألة في غاية الاهميه لكثرة الابتلاء بها وسعة حدودها. ومنشأ تفصيل القول فيها في كلمات المتأخرين في الفقه ما ذكره الفاضل السبزواري في كتاب الكفاية، حيث نقل عن الاصحاب جواز تصرفات المالك في ملكه مطلقا ثم تأمل فيه وصار كلامه موردا للبحث عندهم، قال (قده) (2) (المعروف من مذهب الاصحاب إن ما ذكر في الحريم للبئر والعين والحائط والدار مخصوص بما إذا كان الاحياء في الموات فيختص الحريم بالموات وأما الاملاك فلا يعتبر الحريم فيها لان الاملاك متعارضة وكل واحد من الملاك مسلط على ماله له التصرف فيه كيف شاء قالوا فله أن يحفر بئرا في ملكه وإن كان لجاره بئر قريب منها وإن نقص ماء الاولى وإن ذلك مكروه. قالوا: حتى لو حفر في ملكه بالوعة وفسد بئر الجار لم يمنع عنه ولا ضمان عليه، ومثله ما لو أعد داره المحفوف بالمسكن حماما أو خانا أو


(1) لاحظ تقريرات متن رسالة لا ضرر: 224. (2) الكفاية: 241 (تذنيب).

[ 327 ]

طاحونة أو حانوت حداد أو قصار لان له التصرف في ملكه كيف شاء. ويشكل هذا الحكم في صورة تضرر الجار تضررا فاحشا نظرا إلى ما تضمنته الاخبار المذكورة من نفي الضرر والاضرار وهو الحديث المعمول به من الخاصة والعامة المستفيض بينهم خصوصا ما تضمنته الاخبار المذكورة من نفي الاضرار الواقع في ملك المضار. وفي المسالك نعم له منع ما يضر بحائطه من البئر والشجر ولو لمرور أصلها إليه والضرر المؤدي إلى ضرر الحائط ونحو ذلك. وقد تعرض لهذا الكلام صاحب الرياض (1) وناقش فيه وفصل القول فيه صاحب مفتاح الكرامة (2) وأشار إلى كلامهما الشيخ الانصاري (قده) في الرسائل (3). ونحن نقتصر على نقل كلامين في الموضوع كلاما لصاحب الجواهر وكلامح ا للشيخ الانصاري: قال الاول (4) (وبالجملة فالغرض إن المسألة لم يكن فيها اجماع محقق على جهة الاطلاق. فيمكن أن يقال بمنع التصرف في ماله على وجه يترتب عليه الضرر في مال الغير، مثلا بتوليدية فعله، بحيث يكون له فعل وتصرف في مال الغير وإتلاف له يتولد من فعله فعل في مال الغير، لا تلف خاصة بلا فعل منه، وخصوصا مع زيادته بفعله عما يحتاج إليه وغلبة ظنه بالسراية، وقاعدة التسلط على المال لا تقتضي جواز ذلك، ولا رفع الضمان الحاصل بتوليد فعله.


(1) الرباض 2: 320. (2) مفتاح الكرامة 7: 22 - 23. (3) الرسائل 2: 538 - 539. (4) الجواهر ط القديم 6: 185 وط الحديث 38: 52.

[ 328 ]

(نعم) لو كان تصرفه في ماله لا توليد فيه على الوجه المزبور وإن حصل الضرر مقارنا لذلك لم يمنع منه). وقال الشيخ الانصاري: (الاوفق بالقواعد لقدم المالك لان حجر المالك في التصرف في ماله ضرر يعارض بذلك ضرر الغير فيرجع إلى عموم قاعدة السلطنة ونفي الحرج). ولتوضيح القول فيه لا بد من ذكر أمور: الامر الاول: في أنه هل هناك ما يدل على جواز تصرفات المالك في ملكه مطلقا لكي نحتاج في رفع اليد عنه لما يدل على خلافه ويكون مقدما عليه أم لا؟ وما يمكن أن يستدل به وجهان: الوجه الاول: ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله (الناس مسلطون على أموالهم) وقد وصفه في مفتاح الكرامة بأنه (المعمول عليه بين المسلمين) وقال: بل هو متواتر وأخبار الاضرار على ضعف بعضها وعدم مكافئتها لهذه الادلة يحمل على ما إذا كان لا غرض له إلا (الاضرار) (1) وإطلاقه يدل على إن للمالك أن يتصرف في ماله بأي تصرف ولو كان مضرا بجاره. ويمكن المناقشة فيه من جهتين: الاولى: إنه خبر ضعيف غير مجبور بعمل الاصحاب فأنه لم يرد في جوامعنا الحديثية إلا في كتاب البحار (2) وأما في الكتب الفقهية فقد ذكره الشيخ في الخلاف (3) وربما يوجد في بعض مصنفات العلامة ولعل صاحب


(1) مفتاح الكرامة: 7 / 22. (2) بحار الانوار 2: 272 / 7. (3) الخلاف 3: 176 - 177 ذيل المسألة 290.

[ 329 ]

عوالي اللالي قد أخذه منها ويوجد في كلام المحقق الثاني وغيره التعبير بمضمونه من دون الاشارة إلى أنه رواية، وأما في كتب الحديث للعامة فالظاهر أنه غير موجود في كتبهم المشهورة، كما يعلم بملاحظة المعجم المفهرس لالفاظ الحديث النبوي ومفتاح كنوز السنة، نعم لا يبعد وجوده في بعض كتبهم الحديثية غير المعروفة، فما وصفه به في مفتاح الكرامة لا يخلو عن مبالغة. الثانية: أن مفاد هذا الكلام ليس أزيد من عدم محجورية المالك في تصرفاته في أمواله بحيث يحتاج إلى استئذان من غيره، وليس في مقام بيان الجواز التكليفي والوضعي - بالنسبة إلى جميع أنواع التصرفات حتى في حال الاضرار بالغير، ولو شك في كونه في مقام البيان من هذه الجهة مضافا إلى الجهة الاخرى فلا أصل يحكم بذلك كما قرر في علم الاصول. الوجه الثاني: أن يقال إن اعتبار شئ مملوكا لاحد بملكية تامة يندمج فيه جواز مطلق التصرفات فيه تكليفا ووضعا، على ما هو التحقيق من أن الاحكام الوضعية - كالملكية - مشتملة على نحو الاندماج على ما يناسبها من الاحكام التكليفية، والمرتكز لدى العقلاء إن المندمج في الملكية مطلق جوار التصرفات كما يشير إلى ذلك ما جاء عن بعض مخالفي هود عليه السلام من قوله تعالى: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء...) إلخ (1). ويرد عليه: إن ما يندمج في اعتبار الملكية التامة ليس جواز مطلق التصرفات بل هو جواز التصرفات في الجملة - كما يؤكد ذلك ما ذكره بعض


(1) هود - 11 / 87.

[ 330 ]

أهل القانون (1). الامر الثاني: في إنه لو فرض وجود اطلاق لدليل سلطنة المالك بالنسبة إلى التصرفات التي يصدق عليها إنها إضرار بالنسبة إلى جاره، فهل ما يدل على حرمة الاضرار بالغير يكون مقدما على الاطلاق المفروض؟ لا سيما فيما إذا فرض أن من عدم التصرف المفروض يلزم ضرر على المالك؟


(1) ففي مصادر الحق في الفقه الاسلامي للدكتور عبد الرزاق السنهوري (ج 1 ص 31 تحت عنوان الملك التام) بعد أن نقل إن المادة 11 من مرشد الحيران عرفته على الوجه الاتي: (الملك التام من شأنه أن يتصرف به المالك تصرفا مطلقا فيما يملكه عينا ومنفعة واستغلالا فينتفع بالعين المملوكة وبغلتها وثمارها ونتاجها ويتصرف في عينها بجميع التصرفات الجائزة) واستنتج منه إن عناصر حق الملك في الفقه الاسلامي كما عن الفقه الغربي ثلاثة عددها - قال بعد ذلك: (وليس حق المادة مطلقا كما توهم عبارة مرشد الحيران، بل هو حق مقيد بوجوب عدم الاضرار بالجار وقد ورد هذا القيد في نصوص مرشد الحيران ذاتها فنصت المادة 57 على إن (للمالك أن يتصرف كيف شاء في خالص ملكه الذي ليس للغير حق فيه فيعلي حائطه ويبني ما يريده ما لم يكن تصرفه مضرا بالجار ضررا فاحشا) وعرفت المادة 59 الضرر الفاحش بأنه (ما يكون سببا لوهن البناء أو هدمه أو يمنع الحوائج الاصلية أي المنافع المقصودة من البناء، وأما ما يمنع المنافع التي ليست من الحوائج الاصلية فليست بضرر فاحش) وبينت المادة 60 حكم الضرر الفاحش فقالت: يزال الضرر الفاحش سواء كان قديما أو حادثا. وقال في الوسيط (ج 8 ص 557) في مادة 341 تحت عنوان (أعمال سلبية من المالك)، الامثلة كثيرة على الاعمال السلبية التي تقتضي من المالك حتى يقوم بما للملكية من وظيفة اجتماعية وذكر في عداد بعض الامثلة: 1 - يخب على المالك أن يمتنع عن استعمال ملكه بحيث يضر بالجار ضررا فاحشا وإذا جاز للمالك أن يطلب من جاره أن يتحمل مضار الجوار المألوفة فلبس له أن يحمله المضار غير المألوفة للجوار، وفي هذا المعنى تقول المادة 807 مدني (1 - على المالك ألا يغلو في استعماله حقه إلى حد يضر بملك الجار. 2 - وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها وإنما له أن يطلب ازالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف على أن يراعي في ذلك العرف وطبيعة العقارات وموقع كل منها بالنسبة إلى الاخر، والغرض الذي خصصت له... إلخ ما ذكره).

[ 331 ]

فيمكن أن يقال إن أدلة حرمة الاضرار كمقطع (لا ضرار) مقدمة على اطلاق دليل السلطنة وإن كان بينهما عموم من وجه، لان الاضرار من العناوين الثانوية وما يدل على الحرمة بالعنوان الثانوي مقدم على ما يدل على الجواز بالعنوان الاولي. ولكن قد يمنع من صحة التمسك به في المقام بأحد تقريرين: التقرير الاول: إنه فيما إذا كان ترك الاضرار بالغير ضرزا على المالك يكون قوله (لا ضرر) حاكما على دليل حرمة الاضرار، لانه متقدم بالحكومة التضييقية على كل حكم ولو كان حكما بالعنوان الثانوي. ويمكن الجواب عنه بوجهين: أحدهما: أنه لا يعقل حكومة (لا ضرر) على (لا ضرار) من جهة ان معنى حكومته عليه حلية الاضرار وارتفاع الحرمة وحيث إن كلا من الحرمة وانتفائها ضرري، فإن في وجود الحرمة ضررا على المالك وفي انتفائها ضررا على الجار، وقد سبق إن (لا ضرر) كما أنه حاكم على الاحكام الوجودية فكذلك هو حاكم على الاحكام العدمية، فيستحيل حكومته عليهما لانه يلزم منه ارتفاع النقيضين وحكومته على أحدهما ترجيح بلا مرجح. وثانيهما: أن في قضية سمرة بن جندب لوحظ أولا (لا ضرر) الدال على نفي استحقاق دخول سمرة في دار الانصاري بلا استئذان وعدم ترتب ذلك على حق الاستطراق، ثم رتب عليه حرمية الاضرار بعد تحقق صغراها - بملاحظة إن الدخول بغير استئذان من غير حق إضرار بحق الانصاري - وعليه ف‍ (لا ضرار) في الرتبة المتأخرة عن (لا ضرر) فلا يكون حاكما عليه لكن في هذا الوجه تأمل. التقرير الثاني: ما يظهر من كلام السيد الاستاذ (قده) من عدم اطلاق

[ 332 ]

لقوله (لا ضرر) يشمل به مثل المقام (1) وذلك بأحد وجهين: أحدهما: إن مقتضى الفقرة الاولى عدم حرمة التصرف لكونه ضررا على المالك، ومقتضى الفقرة الثانية - وهي (لا ضرار) حرمة الاضرار بالغير على ما تقدم بيانه، فيقع التعارض بين الصدر والذيل فلا يمكن العمل بإحدى الفقرتين. ويرد عليه: إنه إن قلنا بأن (لا ضرر) حاكم على الاحكام الوجودية كحرمة الاضرار المفادة ب (لا ضرار) فقط فلا معارضة بين الصدر والذيل لانه لا معارضة بين الدليل الحاكم والمحكوم، ونتيجة ذلك الحكم بجواز التصرف المفروض لسقوط (لا ضرار) بكونه محكوما. وإن قلنا بأنه حاكم على الاحكام الوجودية والعدمية كما هو المختار فحيث أنه لا يعقل حكومة (لا ضرر) على (لا ضرار) في المقام على ما تقدم فلا مانع من التمسك بالفقرة الثانية، وقد وافق هو على هذا المبنى - من حكومة لا ضرر بالنسجة إلى الاحكام العدمية - إلا أنه ذكر إنه لم يجد مثالا يثبت فيه حكم بواسطة لا ضرر بنفي الحكم الوارد من جهة قاعدة (لا ضرار) وما ذكرنا لا يقتضي اثبات حكم بلا ضرر حتى يقال بأن لسان (لا ضرر) هو لسان النفي لا لسان الاثبات بل إبقاء (لا ضرار) بلا حاكم عليه. والوجه الثاني: إن حديث (لا ضرر) لا يشمل المقام لا صدرا ولا ذيلا، لكونه واردا مورد الامتنان على الامة الاسلامية فلا يشمل موردا يكون شموله له منافيا للامتنان ومن المعلوم إن حرمة التصرف في الملك بما يضر بالجار مخالف للامتنان على المالك، والترخيص فيه خلاف الامتنان على الجار، فلا يكون شئ منهما مشمولا لحديث (لا ضرر). ثم قال (وبما ذكرناه يظهر أنه لا يمكن التمسك بحديث (لا ضرر) فيما كان ترك التصرف


(1) لاحظ مصباح الاصول 2 / 566.

[ 333 ]

موجبا لفوات المنفعة وإن لم يكن ضررا عليه. لان منع المالك عن الانتفاع بملكه أيضا مخالف للامتنان فلا يكون مشمولا لحديث (لا ضرر) فلا يمكن التمسك بحديث (لا ضرر) في المقام أصلا بل لابد من الرجوع إلى غيره. فإن كان هناك عموم أو اطلاق دل على جواز تصرف المالك في ملكه حتى في مثل المقام يؤخذ به ويحكم بجواز التصرف، وإلا فيرجع إلى الاصل العملي وهو في المقام أصالة البراءة عن الحرمة فيحكم بجواز التصرف. ثم قال (وبما ذكرناه ظهر الحكم فيما إذا كان التصرف في مال الغير موجبا للضرر على الغير وتركه موجبا للضرر على المتصرف، فيجرى فيه الكلام السابق من عدم جواز الرجوع إلى حديث (لا ضرر)، لكونه واردا مورد الامتنان فيرجع إلى عموم أدلة حرمة التصرف في مال الغير كقوله عليه السلام (لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفسه) وغيره من أدلة حرمة التصرف في مال الغير ويحكم بحرمة التصرف. ويرد عليه: أولا: إن المسلم إنما هو ملاحظة جهة الامتنان في هذا الحديث في الجملة - ولو على نحو الحكمة - لا على نحو العلة حتى يكون مخصصا له بصورة الامتنان، فإنه ليس في شئ من أدلتها ما يدل على ذلك أو ما يمنع عن الاخذ بالاطلاق. وقضية سمرة بن جندب إنما تدل على إن النبي صلى الله عليه وآله كان بصدد تمييز الحقوق وإيصال ذي الحق إلى حقه بالصرامة التي تقتضيها مرحلة القضاء أو التنفيذ. وثانيا: إن البيان المذكور يقتضي قصور (لا ضرر) عن شمول كل من حرمة الاضرار وجوازه، ونتيجة ذلك إنه لا يصلح للحكومة على (لا ضرار) فيبقى (لا ضرار) بلا حاكم عليه كما ذكرناه أولا، ومعه لا وجه للرجوع إلى ما دل على جواز التصرف في ماله لو فرض شموله للمقام، لان الجواز هنا

[ 334 ]

جواز اقتضائي فلا ينافي ما دل على الحرمة، كما لا وجه للرجوع إلى البراءة أيضا. وثالثا: أنه على تقدير قصور (لا ضرار) فيمكن الرجوع إلى غيره من الادلة الدالة على حرمة مال الغير، فإن الاضرار بالغير إما أن يكون بالتصرف الحقيقي في ماله ولو على نحو التوليد، كوهن الحائط بسريان الرطوبة، وإما أن يكون بالتصرف الحكمي فيه كما لو بنى معمل دباغة أو حدادة في منطقة سكنية مما يوجب عدم قابلية الدور المجاورة للسكنى، وفي كلتا الصورتين يكون المالك بعمله هذا قد ألغى احترام مال الغيم وإن نوقش في صدق التصرف الذي هو بمعنى التغيير والتبديل خصوصا في القسم الاخير، فيأتي في المقام ما يدل على حرمة مال الغير بدون تقييده بعنوان التصرف. كما في قوله: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه) وقوله: (وحرمة ماله كحرمة دمه). ولا يعارضها أيضا ما دل على جواز التصرف في ماله كما لا تجري أصالة البراءة كما تقدم. الامر الثالث: في أنه هل يمكن ادعاء أنه إذا لزم من ترك التصرف ضرر على المالك فترتفع حرمة الاضرار بقاعده رفع المضطر إليه أم لا؟ الظاهر هو الثاني لوجهين: الاول: إن وصول مطلق الضرر على المالك لا يوجب صدق الاضطرار على الاضرار بالغير، بل مفهوم الاضطرار يختص بما إذا وقع الشخص في الضيق ولا مهرب له إلا ارتكاب المحرم، مثل هلاك النفس وما يلحق به، أو قل أنه يختص بمورد الضرورة التي تجوز ارتكاب المحرمات.

[ 335 ]

فإذا وصل إلى هذا الحد فلا إشكال في الجواز التكليفي. الوجه الثاني: إن حديث الرفع بقرينة قوله (عن أمتي) ظاهر في كون الرفع امتنانا على الامة فلا يصلح لرفع ما يكون في رفعه خلاف المنة بالنسبة إلى بعض الامة. الامر الرابع: في إن دليل الحرج هل يقتضي جواز التصرف في مال النفس بما يوجب الضرر المالي على الغير أم لا؟ فقد يقال: أنه يقتضي ذلك لان حجر المالك عن الانتفاع بما له حرج عليه، فيرتفع بدليل نفي الحرج. ويرد عليه: أولا: إن الحرج المنفي إنما هو بمعنى المشقة التي لا تتحمل عادة لا مطلق الكلفة، وإلا لاقتضى ارتفاع مطلق التكاليف. ومن المعلوم إن منع المالك في التصرف في ماله خصوصا إذا كان فيه إضرار فاحش بالغير لا يكون حرجيا عليه مطلقا بل قد يكون وقد لا يكون. وثانيا: إن اجراء لا حرج بالنسبة إليه معارض بإجرائه في ناحية الجار فإن جواز التصرف للمالك في ماله على نحو يوجب الضرر الفاحش في مال الجار حرجي عليه، كما أوضحنا ذلك في بحث التقية. وبما ذكرنا يظهر أن مقتضى القواعد حرمة الاضرار بالغير وإن كان التصرف في مال نفسه. نعم، إذا كان عدم التصرف الخاص في ماله مولدا للضرر الذي يحرم إيقاعه على نفسه فالظاهر عدم الحرمة من جهة صدق الاضطرار لو كان، وإلا تزااحمت الحرمتان فلا بد من ملاحظة الاهم والمهم. وفي كل مورد حكمنا بالترخيص التكليفي، فإن كان الضرر عليه مما

[ 336 ]

يكون له ضمان فيحكم بالضمان ولا يمكن رفعه بحديث (لا ضرر) إما لانه في مقام الامتنان أو لان الحكم بالضمان بطبعه ضرري و (لا ضرر) لا يرفع النفس بما يوجب الضرر المالي على الغير أم لا؟ فقد يقال: أنه يقتضي ذلك لان حجر المالك عن الانتفاع بما له حرج عليه، فيرتفع بدليل نفي الحرج. ويرد عليه: أولا: إن الحرج المنفي إنما هو بمعنى المشقة التي لا تتحمل عادة لا مطلق الكلفة، وإلا لاقتضى ارتفاع مطلق التكاليف. ومن المعلوم إن منع المالك في التصرف في ماله خصوصا إذا كان فيه إضرار فاحش بالغير لا يكون حرجيا عليه مطلقا بل قد يكون وقد لا يكون. وثانيا: إن اجراء لا حرج بالنسبة إليه معارض بإجرائه في ناحية الجار فإن جواز التصرف للمالك في ماله على نحو يوجب الضرر الفاحش في مال الجار حرجي عليه، كما أوضحنا ذلك في بحث التقية. وبما ذكرنا يظهر أن مقتضى القواعد حرمة الاضرار بالغير وإن كان التصرف في مال نفسه. نعم، إذا كان عدم التصرف الخاص في ماله مولدا للضرر الذي يحرم إيقاعه على نفسه فالظاهر عدم الحرمة من جهة صدق الاضطرار لو كان، وإلا تزااحمت الحرمتان فلا بد من ملاحظة الاهم والمهم. وفي كل مورد حكمنا بالترخيص التكليفي، فإن كان الضرر عليه مما

[ 336 ]

يكون له ضمان فيحكم بالضمان ولا يمكن رفعه بحديث (لا ضرر) إما لانه في مقام الامتنان أو لان الحكم بالضمان بطبعه ضرري و (لا ضرر) لا يرفع مثل ذلك. هذا تمام الكلام في قاعدة (لا ضرر). والحمد لله رب العالمين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية