الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




القواعد الفقهية - السيد البجنوردى ج 7

القواعد الفقهية

السيد البجنوردى ج 7


[ 1 ]

القواعد الفقهية الجزء السابع اية الله العظمى السيد محمد حسن البجنوردي تحقيق مهدي المهريزي - محمد حسن الدرايتي

[ 2 ]

الناشر: نشر الهادي الطبع: مطبعة الهادي الطبعة الاولى: 1419 ه‍. ق بمساعدة معاونية الشؤن الثقافية وزارت الثقافة والارشاد الاسلامي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

60 - قاعدة لا ضمان على المستعير

[ 9 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الاولين والاخرين محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين. قاعدة لا ضمان على المستعير ومن جملة القواعد الفقهية أنه " ليس على المستعير ضمان إلا أن تكون العارية ذهبا أو فضة، أو شرط عليه ". وفيها جهات من البحث: الاولى: في بيان المراد منها وشرح ألفاظها ; الثانية: في الدليل عليها ; الثالثة: في فروعها. الجهة الاولى في معنى العارية وفروعها فالمراد من " الضمان " كون الشئ بما له من المالية في عهدة الضامن، فيجب أداؤه للمضمون له وتفريغ ذمته عن حق الغير.


. " القواعد " ص 251، " المبادي العامة للفقه الجعفري " ص 286.

[ 10 ]

والمراد من " المستعير " هو الشخص الذي أخذ عينا ذات منفعة لكي ينتفع بها مجانا وبلا عوض، فلابد من بيان معنى العارية والمعير والمستعير والعين المعارة وأحكامها وفروعها التي تترتب عليها. فنقول: قال في المسالك ناقلا عن الخطابي في غريبة: إن اللغة الغالبة في العارية أن تكون مشددة وقد تخفف (1)، وحكى عن الجوهري وابن الاثير في نهايته أنها منسوبة إلى العار، لان طلبها عيب وعار على المستعير، وقيل: منسوبة إلى العارة التي هي مصدر ثان للاعارة، كالطاقة والجابة للاطاقة والاجابة (2). وبناءا على هذا القول يكون معنى العارية والاعارة واحدا مثل الطاقة والاطاقة، وقيل: بمعنى التعاور، أي الذي يأتي ويذهب إلى الانسان أو يتداول الشئ بينهم، بمعنى أنه يتحول من يد إلى يد. ولكل واحد من هذه الاقوال والاحتمالات وجه، ولكن الاظهر هو الاحتمالان الاولان، أي كونها منسوبة إلى العار أو إلى العارة، فتكون ياؤها مشددة، لانها ياء النسبة. أقول: " العارية " عبارة عن تسليط شخص على عين ذات منفعة لكي ينتفع بها مجانا وبلا عوض. وهذا معنى العارية إذا أضيفت إلى المعير بالمعنى المصدري، فتكون العارية بناءا على هذا بمعنى الاعارة الذي هو فعل المعير. والفرق بينها وبين الاجارة - بناءا على ما هو المشهور من تعريف الاجارة بأنها تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم - من جهتين: إحداهما: أن الاجارة تمليك المنفعة، والعارية صرف تسليط للانتفاع، لا أن


(1). " مسالك الافهام " ج 1، ص 248، نقل عن الخطابي، الخطابي في " غريب الحديث " ج 3، ص 232. (2) " مسالك الافهام " ج 1، ص 248، حكى عن الجوهري وابن الاثير، الجوهري في " الصحاح " ج 2، ص 761، ابن الاثير في " النهاية " ج 3، ص 320 مادة (عور).

[ 11 ]

تكون المنفعة ملكا للمستعير. ويترتب عليه آثار مذكورة في محله. الثانية: أن جواز الانتفاع واستيفاء المنافع في العارية مجاني وبلا عوض، وفي الاجارة يكون بعوض معلوم. ولا فرق في هذه الجهة الثانية بين أن تكون حقيقة الاجارة هي تمليك المنفعة كما هو المشهور، أو صرف التسليط على الانتفاع كما أنه ربما يقال. وفي إجارة الاعيان هما متفقان في أن ما تعلقا به لابد وأن يكون عينا ذات منفعة محللة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. ولعله إلى هذا يرجع قولهم: كلما صحت إعارته صحت إجارته. ثم إن العارية حيث أن قوامها بإذن المالك أو من بيده الامر - وفي هذه الجهة بمنزلة المالك - فتكون جائزة من الطرفين، لان المالك أو من هو بمنزلته متى رجع عن إذنه فتنتفي العارية لانتفاء ما به قوامها، فهي من العقود الاذنية إن صح القول بأنها من العقود. والغالب المتعارف عند الناس وقوعها بالمعاطاة، وإن صح وقوعها بالعقد أيضا. ولا فرق في كونها جائزة بين وقوعها بالعقد أو بالمعاطاة، لما ذكرنا من أن قوامها بالاذن، فإذا انتفى تنتفي. هذا هو معنى العارية والمراد منها. وأما " المعير " فمفهومه بين لا يحتاج إلى بيان. ويشترط فيه أن يكون جائز التصرف، ولا يكون محجورا عليه بصغر، أو بفلس، أو بسفه، أو بجنون، أو بمرض يقع موته فيه، وذلك لانه لو كان ممنوعا عن التصرف يكون إذنه كالعدم، وتقدم أن قوام العارية بالاذن، وبانتفائه تنتفي. نعم قال في الشرائع: ولو أذن الولي جاز للصبي مع مراعاة المصلحة (1). وحكى في الجواهر ذلك عن الارشاد والتحرير واللمعة أيضا (2).


(1) " شرائع الاسلام " ج 2، ص 171. (2) " جواهر الكلام " ج 27، ص 160، العلامة في " إرشاد الاذهان " ج 1، ص 439، " تحرير الاحكام " ج 1،

[ 12 ]

وخلاصة استدلالهم على الجواز: أنه بالاذن يخرج عن كونه ممنوع التصرف فيرتفع المانع، وأيضا تقدم أن قوام صحة العارية بالاذن من قبل المالك أو من يكون بمنزلته وله الاذن، فإذا أذن الولي يحصل ذلك. نعم اشترط بعضهم - مضافا إلى إذن الولي - أن يكون مميزا كي يعرف مراعاة المصلحة. وفيه: أن إذن الولي لا يجعل غير المشروع مشروعا، فبعد دلالة الايات و الروايات على اشتراط نفوذ تصرفات الصبي بصيرورته بالغا بأحد أسباب البلوغ من الانبات أو الاحتلام أو إكمال خمسة عشر سنة هلالية، فبالاذن لا يصير غير النافذ نافذا. اللهم إلا أن يدعى انصراف الادلة عن صورة إذن الولي، ولكن لا شاهد لهذه الدعوى. نعم دعوى الانصراف فيما إذا كان الصبي بمنزلة الالة لا بعد فيها، ولكن ذلك خروج عن الفرض، إذ الفعل في هذه الصورة مستند إلى نفس الولي، كما أن الكتابة والقطع مستند إلى نفس الفاعل بالحمل الشائع، لا إلى القلم والسيف. هذا أولا. وثانيا: لو كان بمنزلة الالة فلا فرق بين الصبي والمجنون وسائر موجبات الحجر والمنع عن التصرف. نعم فيما إذا كان علة عدم نفوذ معاملاته تعلق حق الغير به مثل المملوك، أو بما يتصرف فيه كالعين المرهونة، أو مال الغير، فبالاذن ممن له الاذن يرتفع المانع. وإن شئت قلت: إن إذن الولي له في التصرف لا يخرج تصرفاته عن كونها تصرفا من قبله وإعطاءا منه، والمفروض أن الشارع الاقدس منعه عن التصرف حتى في مال نفسه، واشترط جواز تصرفاته ونفوذها بالبلوغ والرشد، فالدليل


ص 269، الشهيد الاول في " اللمعة الدمشقية " ص 156.

[ 13 ]

الشرعي جعل إعطاءه كلا إعطاء، وإذنه كلا إذن. فالانصاف أن مقتضى الاحتياط الذي لا ينبغي تركه، هو اجتناب المستعير عن عارية الصبي وإن كان مأذونا من قبل وليه. وخلاصة الكلام: أنه لا فرق بين العارية وسائر المعاملات خصوصا الجائزة منها، فإن قيل بجوازها ونفوذها مع إذن الولي فيمكن القول بجواز عاريته ونفوذها أيضا، وإلا فالتخصيص بها لا وجه له. وأما " المستعير " فهو أيضا مبين من حيث المفهوم، وهو الذي يتسلم العين لاجل الانتفاع بها. ويشترط فيه أن يكون أهلا للانتفاع بالعين المعارة، فلا يصح إعارة المصحف للكافر بناءا على عدم جواز انتفاعه به. والوجه واضح، لان الغرض من العارية هو الانتفاع بالعين بالمعارة، فلو لم يجز الانتفاع بها شرعا فتكون كما لا منفعة لها أصلا، لان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، فإعارتها باطلة. وكذلك إعارة الصيد للمحرم يكون باطلا، لعدم جواز الانتفاع به للمحرم لوجوب إرساله عليه، للروايات الواردة في هذا الباب، وقوله عليه السلام فيها: " فخل سبيله " 1، وقوله عليه السلام فيها: " حرم إمساكه " 2. وكذلك يشترط فيه أن يكون معينا، فلو أعار شيئا غير معين، كأحد هذين، أو بعض هؤلاء وأمثال ذلك لا يصح، وذلك لعدم معلومية طرف الايجاب وأنه أنشأ


(1) " الكافي " ج 4، ص 236، باب صيد الحرم وما تجب فيه الكفارة، ح 19، " وسائل الشيعة " ج 9، ص 199، أبواب كفارات الصيد، باب 12، ح 6. (2) " الفقيه " ج 2، ص 262، ح 2370، باب تحريم صيد الحرم وحكمه، ح 21، " وسائل الشيعة " ج 9، ص 199، أبواب كفارات الصيد، باب 12، ح 4.

[ 14 ]

الاعارة لمن، فكما أنه في الاجارة التمليك - بناءا على أنها تمليك أو التسليط بناءا على القول الاخر - لغير المعين المردد غير معقول، كذلك الحال في العارية تسليط المجهول المردد غير مفهوم. وأما لو كان المستعير معينا فلا مانع وإن كانوا متعددين، كما إذا قال: أعرت هذا الابريق لاهل هذا المنزل ليستعملوا في تطهيرهم، أو يقول المعير: أعرت هذا القوري أو هذا القدر لهؤلاء العشرة ليطبخوا فيه الغذاء أو الشاي، وهكذا في سائر الادوات في سائر الاستعمالات. ومثل هذه العارية جارية ودائرة في الجيران، فيعير أحد الجيران مثلا للاخر ما يحتاج إليه تمام أهل المنزل الاخر من أدوات البيت. نعم هل ذلك مختص بما إذا كان عددهم محصورا؟ أو يجوز وإن كانوا غير محصورين، فيجوز أن يقول: أعرت هذا الشئ لجميع الناس؟ الظاهر هو الثاني، فيصح أن يعير مثلا إبريقا للتطهير في محل عام من مسجد، أو خان وقف لجميع الناس ممن يريد أن يصلي هناك، أو ينزل فيه عابرا، كما هو الجاري في الرباطات أو خانات الوقف، ولا مانع من ذلك لا شرعا، لشمول العمومات لمثل هذا، فلا يبقى محل لجريان أصالة الفساد بناءا على جريانها في أبواب المعاملات، ولا عقلا، لبناء العقلاء على صحتها، وعدم محذور عقلي في البين، كما هو ظاهر. نعم لابد أن يكون أفراد عنوان العام غير المحصور ممن يمكن أن ينتفعوا بتلك العين المعارة، وإلا يكون جعلها عارية لهم لغوا، فلو قال: أعرت هذا الشئ لجميع أهل العالم، ربما يكون لغوا، لعدم إمكان انتفاع جميع أهل العالم به عادة، إلا إذا قيدها بقيد مثل أن يقول: أعرت هذا الابريق لجميع أهل العالم ممن يعبر بهذا الخان مثلا، أو يقول: أعرت هذا الكتاب لمطالعة جميع أهل العالم ممن يأتي ويدخل هذه

[ 15 ]

المكتبة العامة من أي صنف، وأهل أي مذهب أو دين أو ملة كان. ويشترط فيه أيضا أن يكون عاقلا بالغا، لعدم تحقق المعاملة مع من هو مسلوب العبارة، فلو كان المستعير مجنونا أو صبيا لا اعتبار بقبولهما ويكون كالعدم، فلا يمكن أن يكونا طرفا للعقد. وحيث أن العارية من العقود والمعاملات فلابد أن يكون الموجب والقابل كلاهما قابلين لان يكونا طرفا العقد، ولا يكونان مسلوبي العبارة. وأما " العين المستعارة " فهي كل شئ يصح الانتفاع به مع بقاء عينه، ولابد أن تكون المنفعة محللة مقصودة للعقلاء، فإذا لم تكن له منفعة أصلا، أو كان ولم تكن محللة مثل آلات اللهو، وأواني الذهب والفضة للاكل والشرب، أو كان له منفعة محللة ولكن لم تكن مقصودة للعقلاء، كالانتفاعات الطفيفة التي لا يعتني العقلاء بها، أو كان جميع ذلك ولكن لا تحصل إلا بإتلاف عينه، كالمأكولات والمشروبات، ففي جميع ذلك لا تصح العارية، وفي بعض تلك المذكورات وإن كان الاعطاء صحيحا بعنوان الاباحة، ولكن لا يصدق العارية على كل ما يصدق عليه إباحة المنافع. وبناءا على ما ذكرنا يصح، إعارة الحلي للتزين، والثياب للبس والدواب و الخيل للركوب والحمل، وكذلك السيارات والطيارات للحمل والركوب، والدكاكين و الخانات للتكسب، والمنازل للسكنى، والاراضي والعقار للزرع والغرس، وأدوات أهل الصناعة لمن يشتغل بتلك الصنعة، كأدوات النجارين والحدادين والحذائين وسائر أرباب الحرف والصنائع لهم، والكتب للمطالعة والمصاحف وكتب الادعية للقراءة، والفراش لمن له حاجة إلى الفراش، وهكذا في جميع ما ينتفع به منفعة محللة للذي يريد الانتفاع بها. نعم في بعض الامثلة والمصاديق التي ذكرها الفقهاء تشكيك صغروي، وإلا فالضابط الكلي الذي ذكرناه للعين المستعارة لا كلام فيه.

[ 16 ]

الجهة الثانية في بيان الدليل على هذه القاعدة وهو عدم الضمان لو تلفت العين المستعارة بدون تعد ولا تفريط، إلا إذا شرط المعير الضمان عليه، أو كان المعار ذهبا أو فضة. وهذه القاعدة مركبة من عقدين: أحدهما إيجابي، والاخر سلبي. أما العقد السلبي فهو عدم الضمان على المستعير لو تلفت العين المستعارة بدون تعد ولا تفريط. والعقد الايجابي هو الضمان بأحد الامرين: إما الشرط من طرف المعير، وإما كون المعار ذهبا أو فضة. فالاول - أي العقد السلبي - أي عدم الضمان فأولا من جهة أن العين المعارة أمانة مالكية، لان المالك - أو من بيده الامر الذي هو بمنزلة المالك - أعطاها للمستعير لكي ينتفع بها مجانا، ومعلوم أن الامين مأمون وليس عليه شئ، إلا إذا تعدي وفرط، فيخرج عن كونه أمينا وتصير يده عارية، فتشملها قاعدة " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه ". كما أن الامر كذلك في باب الاجارات أيضا، فالمالك هناك يسلم العين إلى المستأجر ليستوفى المنفعة التي ملكها بعقد الاجارة. وخلاصة الكلام: أنه في كل مورد كانت اليد مأذونة من قبل من له الاذن فاليد ليست موجبة للضمان. وقد تقدم أنها مع التعدي والتفريط تخرج عن كونها أمانة، ففي مورد العارية حيث أن يد المستعير يد أمانة ومأذونة - كما هو المفروض - فلا توجب ضمانا لذي اليد. وثانيا: من جهة الاخبار الواردة في المقام:

[ 17 ]

منها قوله عليه السلام في صحيح الحلبي: " صاحب العارية والوديعة مؤتمن " 1. وقرن عليه السلام في هذه الرواية مع الوديعة التي ليس فيها الضمان قطعا ما لم يفرط. ومنها: أيضا عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلا أن يكون اشترط عليه " 2. ومنها: ما رواه عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العارية؟ فقال: " لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت إذا كان مأمونا " 3. والظاهر أن المراد من الشرطية الاخيرة أي: لم يخرج عن كونه أمينا بالتعدي والتفريط. ومنها: ما رواه أبو بصير المرادي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: " بعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صفوان بن أمية فاستعار منه سبعين درعا بأطرافها 4 فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال النبي: " بل عارية مضمونة " 5. ومنها: ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن العارية


(1) " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 183، ح 805، باب العارية، ح 9، " الاستبصار " ج 3، ص 124، ح 441، باب العارية غير مضمونة، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 237، في أحكام العارية، باب 1 ح 6. (2) " الكافي " ج 5، ص 238، باب ضمان العارية والوديعة، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 236، في أحكام العارية، باب 1، ح 1. (3) " الكافي " ج 5، ص 239، باب ضمان العارية والوديعة، ح 5، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 182، ح 801، باب العارية، ح 4، " الاستبصار " ج 3 ص 124، ح 443، باب ان العارية غير مضمونة، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 236، في أحكام العارية، باب 1، ح 3. (4) " الكافي " ج 5، ص 240، باب ضمان العارية والوديعة، ح 10، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 183، ح 803، باب العارية، ح 6، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 236، في أحكام العارية، باب 1، ح 4. (5) " الكافي " ج 5، ص 240، باب ضمان العارية والوديعة ح 10، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 183 ح 803، باب العارية، ح 6، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 236، في أحكام العارية، باب 1، ح 4.

[ 18 ]

يستعيرها الانسان فتهلك أو تسرق؟ فقال: " إن كان أمينا فلا غرم عليه " 1. ومنها: ما رواه محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام: قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أعار جارية فهلكت من عنده ولم يبغها غائله، فقضى أن لا يغرمها المعار ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة " 2. ومنها: ما رواه مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: سمعته يقول: " لاغرم على مستعير عارية إذا هلكت، أو سرقت، أو ضاعت إذا كان المستعير مأمونا " 3. ودلالة هذه الروايات على عدم الضمان في العارية على المستعير إن كان أمينا ولم يظهر منه تعد ولم يصدر عنه تفريط واضح لا يحتاج إلى البيان والشرح والايضاح، وهذا هو العقد السلبي لهذه القاعدة. وأما بالنسبة الى العقد الايجابي - أي ثبوت الضمان فيما إذا فرط وخرج عن كونه أمينا - أيضا يظهر من هذه الروايات بمفهوم قوله عليه السلام: " إذا كان أمينا " حيث أنه عليه السلام اشترط عدم الضمان بكونه أمينا ولم يتعد ولم يفرط، مضافا الى أنه مقتضى قاعدة " وعلى اليد " بعد ما خرجت عن كونها يد أمانة بعد التعدي والتفريط. وأما ثبوت الضمان فيما إذا اشترط: فأولا لقوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " 4، فيجب الوفاء بكل شرط سائغ،


(1) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 182 ح 799، باب العارية ح 2، " الاستبصار " ج 3، ص 124 ح 442، باب أن العارية غير مضمونة، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 237، في أحكام العارية، باب 1 ح 7 (2) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 182، ح 800 باب العارية ح 3، " الاستبصار " ج 3، ص 125، ح 447، باب ان العارية غير مضمونة، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 237 في أحكام العارية، باب 1 ح 9. (3) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 184، ح 813، باب العارية، ح 16، " الاستبصار " ج 3، ص 125، ح 444، باب أن العارية غير مضمونة، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 237، في أحكام العارية، باب 1 ح 10. (4) " عوالي اللئالي " ج 1، ص 218، ح 84، وفيه: المسلمون بدل المؤمنون، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 303، أبواب الخيار، باب 6 ح 1 و 2 و 5.

[ 19 ]

وقد بينا في بعض القواعد المتقدمة شروط صحة الشرط ونفوذه، وقوله صلى الله عليه وآله " كل شرط جائز إلا ما خالف كتاب الله " 1، وقوله عليه السلام: " كل شرط جائز إلا ما أحل حراما، أو حرم حلالا " 2. ومعلوم أن شرط الضمان في العارية لي مما استثنى من الكلية المذكورة. وثانيا: للروايات الواردة في خصوص المقام: منها: قوله عليه السلام في رواية الحلبي المتقدمة: " إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه، إلا أن يكون اشترط عليه " 3. ومنها: رواية أبان في قضية استعارة رسول الله الدروع من صفوان بن أمية وقوله " بل عارية مضمونة " بعد قول صفوان له صلى الله عليه وآله أغصبا 4. وأما ثبوت الضمان فيما إذا كان المعار ذهبا أو فضة وإن لم يشترط الضمان إذا لم يشترط عدمه، فللروايات الدالة على ذلك: منها: ما رواه عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا تضمن العارية إلا أن يكون قد اشترط فيها ضمان إلا الدنانير، فإنها مضمونة وإن لم يشترط فيها ضمانا " 5. ومنها: ما رواه زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: العارية مضمونة؟ فقال:


(1) " الكافي " ج 5، ص 169، باب الشرط والخيار في البيع، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 22 ح 93 و 94، باب عقود البيع، ح 10 و 11، " وسائل الشيعة " ج 12 ص 303، أبواب الخيار، باب 6 ح 5. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 467، ح 1872، في الزيادات في فقه النكاح، ح 80 " وسائل الشيعة " ج 12: ص 303، أبواب الخيار، باب 6 ح 5. (3) تقدم راجع ص 17، هامش رقم (2). (4) تقدم راجع ص 17، هامش رقم (5). (5) " الكافي " ج 5، ص 238، باب ضمان العارية والوديعة ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 183، ح 804، باب العارية، ح 7، " الاستبصار " ج 3، ص 126، ح 448، باب أن العارية غير مضمونة ح 8، " وسائل الشيعة " ح 13، ص 239، في أحكام العارية، باب 3، ح 1.

[ 20 ]

" جميع ما استعرته فتوى فلا يلزمك تواه، إلا الذهب والفضة فإنهما يلزمان، إلا أن تشترط عليه أنه متى توى لم يلزمك تواه، وكذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك لزمك، والذهب والفضة لازم لك وإن لم يشترط عليك 1. ومنها ما رواه عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ليس على صاحب العارية ضمان إلا أن يشترط صاحبها، إلا الدراهم فإنها مضمونة، اشترط صاحبها أو لم يشترط " 2. ومنها: ما رواه إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله أو أبي إبراهيم عليهما السلام قال: " العارية ليس على مستعيرها ضمان إلا ما كان من ذهب أو فضة، فإنهما مضمونان، اشترطا أو لم يشترطا " 3. وهذه الاخبار مختلفة من حيث العموم والخصوص، والاطلاق والتقييد. ففي بعضها أخرج عن تحت عموم ما يدل على عدم الضمان مورد اشتراط الضمان فقط مثل رواية الحلبي المتقدمة، وفي بعضها الاخر أخرج أمرين: أحدهما مورد شرط الضمان، والثاني خصوص الدنانير كرواية عبد الله بن سنان، وفي بعضها الاخر أخرج مورد شرط الضمان وكون المعار من الدراهم، وفي البعض الاخر أخرج مطلق الذهب والفضة، سواء كانا مسكوكين أو لم يكونا، كرواية إسحاق ابن عمار، وفي بعضها لا تخصيص ولا تقييد أصلا، بل ينفي الضمان في العارية مطلقا، كرواية الحلبي المتقدمة عن الصادق عليه السلام " ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب


(1) " الكافي " ج 5 ص 238، باب ضمان العارية والوديعة، ح 3، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 183 ح 806، باب العارية ح 9، " الاستبصار " ج 3، ص 126 ح 450، باب أن العارية غير مضمونة، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 239، في أحكام العارية، باب 3 ح 2. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 184 ح 808، باب العارية ح 11، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 240، في أحكام العارية، باب 3 ح 3. (3) " الفقيه " ج 3، ص 302 ح 4083، باب العارية، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 184، ح 807، باب العارية ح 10 " وسائل الشيعة " ج 13، ص 240، في أحكام العارية، باب 3، ح 4.

[ 21 ]

الوديعة والعارية مؤتمن " 1. وفي بعضها يقيد نفي الضمان بكون المستعير مأمونا. والمجموع وإن كانت ستة طوائف، لكن اثنان منها يرجع إلى واحد، من حيث أن مفادها نفي الضمان عن المال المستعار مطلقا من أي جنس كان. والاختلاف الذي بينهما - من حيث تقييد المستعير في أحدهما يكون المستعير مأمونا دون الاخر - لا تأثير له في ما هو المهم في المقام، لان الكلام في الاطلاق والتقييد من حيث المال المستعار. فكأنه في المقام وردت خمس طوائف، اثنان منها مفادهما نفي الضمان مطلقا، شرط أو لم يشترط، كان من الذهب والفضة أو لم يكن، كان من الدراهم والدنانير أو لم يكن. وهذا هو العام الفوقاني الذي يرد القيود عليه. الثالثة والرابعة لكل واحد منها عقد سلبي وعقد ايجابي. والعقد السلبي في الطائفة الثالثة - أي رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله - عدم الضمان في كل عارية لم يشترط فيها الضمان، والعقد الايجابي هو عقد المستثنى، وهو ثبوت الضمان فيما إذا كان المعار هو الدراهم. فهذا العقد الايجابي يخصص العمومات أو يقيد المطلقات التي كان مفادها عدم الضمان في كل عارية من أي جنس كان، وهو العام الفوقاني. وكذلك الطائفة الرابعة لها عقد سلبي وعقد إيجابي، كرواية عبد الله بن سنان. والعقد السلبي فيها عبارة عن عدم الضمان في كل عارية لم يشترط فيها الضمان من أي جنس كان، إلا أن تكون من جنس الدنانير، والعقد الايجابي فيها عبارة عن ثبوت الضمان في عارية الدنانير مطلقا، اشترط صاحبها أو لم يشترط. وهذا العقد الايجابي في هذه الطائفة أيضا يخصص عام الفوقاني الذي كان مفاده عدم الضمان من أي جنس كان، لانه أيضا أخص منه. وقد بينا في محله أنه


(1) تقدم ص 17، هامش رقم (1).

[ 22 ]

إذا ورد عام وخصوصات متعددة، يخصص العام بجميعه ما لم يصل إلى حد الاستهجان. ثم إن هذين العقدين الايجابيين في الطائفة الثالثة والرابعة كما يخصصان عمومات الفوقاني الذي مفادها عدم الضمان مطلقا، كذلك يقيد كل واحد منها العقد السلبي الذي في الاخر، وذلك لاخصيته منه. مثلا العقد الايجابي في الطائفة الثالثة - أي رواية عبد الملك بن عمرو - هو ثبوت الضمان فيما إذا كان المعار هو الدرهم يخصص العقد السلبي الذي هو في رواية عبد الله بن سنان التي هي عبارة عن عدم الضمان في كل عارية لم يشترط فيها الضمان لاخصيته منه كما هو واضح. والعقد الايجابي في الطائفة الرابعة - التي هي عبارة عن ثبوت الضمان في عارية الدنانير مطلقا اشترط صاحبها أو لم يشترط - يخصص العقد السلبي في الطائفة الثالثة، وهي عدم الضمان في كل عارية لم يشترط فيها الضمان لاخصيته منه. وكذلك العقد الايجابي في الروايات التي اشترط فيها عدم الضمان فيها بعدم الاشتراط الذي هو عبارة عن ثبوت الضمان بالاشتراط أيضا يخصص العام الفوقاني. فالمتحصل من الطوائف الاربع - ما عدا الطائفة الاخيرة الباقية الخامسة - أن كل عارية لا ضمان فيها إلا أن يشترط صاحبها أو يكون المال المستعار من الدراهم أو الدنانير إلا أن يشترط فيها عدم ضمان، كما تدل عليه رواية زرارة المتقدمة 1. والعقد الايجابي في الطائفة الخامسة - أي رواية إسحاق بن عمار - وهو عبارة عن ثبوت الضمان في كل عارية كانت من ذهب أو فضة مطلقا، سواء أكان مسكوكا كالدراهم والدنانير، أم لم يكن مسكوكا كالحلي للنساء والسبائك من الذهب أو


(1) تقدم ص 20، هامش رقم (1).

[ 23 ]

الفضة فيكون معارضا مع العقد السلبي في روايتي الدرهم والدينار، لان مفاد العقد السلبي فيهما عدم الضمان في غير المسكوك من الذهب والفضة، ومفاد رواية إسحاق بن عمار ثبوت الضمان فيهما وإن كانا غير مسكوكين. والنسبة بين هذين المتعارضين عموم وخصوص من وجه، وهو واضح. وفي مادة الاجتماع - أي الذهب والفضة غير المسكوكين - مفاد العقد السلبي لروايتي الدينار والدرهم - وهو عدم الضمان لغير المسكوكين منهما - نفي الضمان، ومفاد العقد الايجابي لرواية عمار هو إثبات الضمان، فيتعارض العقد السلبي من روايتي الدرهم والدينار مع العقد الايجابي من رواية عمار. فإن قلنا بالتساقط في المتعارضين اللذين بينهما عموم وخصوص من وجه، في مادة الاجتماع كما في المقام فيتساقطان، والمرجع بعد التساقط عموم الفوق، وهو رواية الحلبي التي نفت الضمان مطلقا. ولكن بناءا على ما اخترناه في باب التعارض في الاصول من انقلاب النسبة بواسطة المخصص وإن كان منفصلا 1 فعام الفوق أيضا يكون طرف المعارضة، لانه بعد ورود الدليل على ثبوت الضمان في عارية الدراهم والدنانير تتضيق دائرة حجية العام الفوق، ولايكون حجية عمومه باقية، فلا يمكن التمسك بعمومه ويختص بما ليس بدرهم ولا دينار، ويكون مضمونه عدم الضمان في كل عارية ما عدا الدراهم والدنانير، فيكون متحد المضمون مع العقد السلبي في روايتي الدرهم والدينار. فبناء على التساقط في المتعارضين بالعموم من وجه يتساقط الجميع، أي العام الفوقاني الذي هو مضمون رواية الحلبي والعقد السلبي في روايتي الدرهم والدينار والعقد الايجابي في رواية إسحاق بن عمار، فتصل النوبة إلى الاصل العملي، وهو البراءة عن ضمان الذهب والفضة غير المسكوكين.


(1) " منتهى الاصول " ج 2 ص 579.

[ 24 ]

هذا كله مع فقد المرجح والقول بالتساقط في المتعارضين بالعموم من وجه، وإلا فمع وجود المرجح يجب الاخذ بما هو ذوالمزية، ومع عدم المرجح والقول بعدم التساقط فالتخيير. فتحصل من جميع ما ذكرنا أنه ليس على المستعير ضمان، إلا إذا اشترط عليه الضمان، أو كانت المعارة درهما أو دينارا، إلا إذا اشترط فيهما عدم الضمان. وأما الذهب والفضة غير المسكوكين فالاظهر أنه أيضا لا ضمان فيهما، للعموم الفوقاني، أو لاصالة البراءة. هذا ما هو مقتضى القواعد، ولكن الانصاف أن تقييد إطلاق رواية الذهب والفضة بخصوص المسكوك منهما تقييد بالفرد النادر، لان الاغلب في عاريتهما هو عارية الحلي لا الدراهم والدنانير، فمحل قوله عليه السلام " عارية الذهب والفضة فيها ضمان مطلقا سواء اشترط أو لم يشترط " 1 على خصوص الدراهم والدنانير مستهجن وبعيد جدا. فالاقوى ثبوت الضمان في عارية مطلق الذهب والفضة كما هو المشهور، و تخصيص العام الفوقاني بما عدا مطلق الذهب والفضة سواء كانا مسكوكين أم لا. وتقديم التقييد وكونه أولى من التخصيص لا يأتي هاهنا، لا ستهجان التقييد وحمل المطلق على الفرد النادر. الجهة الثالثة في بيان فروع العارية وأحكامها فرع: هل يجوز إعارة الشاة أو البقر أو غيرهما من الحيوانات اللبونة الحلوبة


(1) تقدم ص 20، هامش رقم (2).

[ 25 ]

للانتفاع بلبنها، أو الاغنام بصوفها، أو الامعز للانتفاع بوبرها؟ الظاهر جوازها، وكذلك الابار للانتفاع بمياهها. والاشكال بعدم انطباق ضابط العارية عليها، بأن العارية هي التسليط على العين التي لها منفعة للانتفاع بها مجانا مع بقاء العين، فلا ينطبق على المذكورات، لعدم بقاء العين فيها، بل الانتفاع بإتلاف مقدار من العين أي الحليب في بعضها، والصوف والوبر في بعضها، والماء في الابار. لا أساس له، لان العين والمنفعة تختلفان في الاشياء عند العرف، فالعرف يرى العين في المذكورات نفس الشاة والبقر وسائر الحيوانات اللبونة، ويرى اللبن منفعة، كما أنه يرى نفس أشجار الفواكه عينا، ويرى الفواكه منفعة لها، ولذلك يقال: آجر بستانه بكذا، مع أنه ملك فواكه أشجاره للمتسأجر بعوض معلوم، والاجارة عنده عبارة عن تمليك منفعة العين مع بقاء نفس العين على ملك المؤجر، وليس هذا إلا من جهة أنه يرى الفواكه منفعة للاشجار. نعم لو انفصلت الفواكه عن الاشجار وملكها بعوض معلوم لشخص يقال أنه باعها، ولا يقال: آجرها، وكذلك في المقام لو ملك الماء أو اللبن أو الصوف أو الوبر منفصلة يقال: أنه باعها، ولا يقال: آجرها. أما لو تعلق عقد الاجارة بالعين باعتبار منافعها التي هي الاثمار بالنسبة إلى الاشجار، واللبن والوبر بالنسبة إلى الحيوان، والماء بالنسبة إلى الابار فيقال: آجرها. وخلاصة الكلام: أن ما ينعدم هو منافع هذه الاعيان لا أصلها، فينطبق الظابط المذكور عليها، ولا إشكال في البين أصلا. والاجارة والعارية من واد واحد، والفرق بينهما أن الانتفاع في العارية بلا عوض ومجاني، وفي الاجارة بعوض معلوم، ولا شك في صحة إجارة هذا الامور، فكذلك العارية. والسيرة المستمرة جارية في كليهما، أي الاجارة والعارية، وادعى الاجماع والاتفاق القولي أيضا.

[ 26 ]

مضافا إلى ورود النص في الشاة المنحة في قوله صلى الله عليه وآله: " العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم " 1 وضعف سندها منجبر باتفاق الاصحاب على الاخذ بمضمونها. وأما الاشكال على دلالة الحديث الشريف بأنه صلى الله عليه وآله جعل المنحة في قبال العارية وقسما آخر غيرها، وبين أحكاما لموضوعات مختلفة، فالحديث في عدم كون المنحة من العارية أظهر. فيه: أنه بعد ما ذكرنا من فهم العرف أن التسليط على الشاة المنحة للانتفاع بلبنها مجانا وبلا عوض عارية عندهم، لانهم يرونه من التسليط على العين التي لها منفعة لاجل الانتفاع بها، وهذه هي العارية عندهم. وقد حققنا في محله أن عناوين المعاملات من البيع والاجارة وغيرهما ليست من الماهيات المخترعة شرعا، بل هي عناوين عرفية، فذكر الشارع لها أن الشاة المنحة بعد ذكر العارية من قبيل ذكر الخاص بعد العام لاجل خصوصية فيه. والظاهر أنها في المقام كثرة ابتلاء الناس بهذا القسم من العارية، والاحتياج إلى بيان حكمها، لكثرة تداولها في ذلك الوقت بينهم، وذلك لان الاحتياج إلى العارية غالبا في الاشياء التي تكون محل الابتلاء في أمر، أو المعيشة مع فقدها عند المستعير، والمنحة كانت في ذلك العصر كذلك، ولا شك في أن الاحتياج إلى الاشياء بالنسبة إلى الاعصار والامصار يختلف. فرع: لاشك في أنه إذا أعار شيئا وكانت الاعارة صحيحة يجوز للمستعير


(1) " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 435، أبواب كتاب الضمان، باب 1، ح 2، " سنن الترمذي " ج 3، ص 565، ح 1265، كتاب البيوع، باب 39، " سنن أبي داود " ج 3 ص 296، ح 3565، باب في تضمين العارية، كتاب البيوع.

[ 27 ]

الانتفاع بما جرت العادة بمثل ذلك الانتفاع به، فلو أعار مثلا قدرا له الطبخ فيه، أو كتابا فله المطالعة فيه، ولو كان من الكتب التي يستصحبها التلميذ للحضور في مجالس درس الاستاذ فله ذلك، ولو كان فراشا فله أن يبسطه للجلوس عليه أو النوم عليه، هو أو من يتعلق به من عياله أو أضيافه ومن يتردد عنده أو في سائر احتياجاته المتعارفة من الفراش، كل ذلك لاجل أنها أثر العارية الصحيحة، ولاجل ذلك شرعت العارية. وإن كانت للعين المعارة منافع متعددة، كالدابة مثلا للحمل والركوب، والارض للزرع والغرس والبناء، فإن عين المعير واحدة من تلك المنافع تعين الانتفاع بها فقط، كما أنه لو صرح بجواز الجميع يجوز له الانتفاع بالجميع. أما لو أطلق وقال: أعرتك هذه الدابة مثلا فهل يجوز الانتفاع بجميع منافعه، أو خصوص ما جرت به العادة، أو واحدة منها تخييرا؟ احتمالات. والظاهر هو الثاني، لانه المتبادر من اللفظ عند عدم التصريح بجميع المنافع. وربما ينصرف عن بعض المنافع حتى مع التصريح بجميع المنافع، فلا يجوز الانتفاع بمثل تلك المنفعة إلا مع التصريح بها بخصوصها. كل ذلك لاجل عدم الجواز إلا مع الاذن، فلابد إما أن يعلم بالاذن، أو يكون اللفظ ظاهرا فيه، فيكون بمنزلة العلم لحجية الظهورات. فرع: وحيث أن العارية من العقود الاذنية التي قوامها بالاذن فهي جائزة من الطرفين. أما من طرف المعير، فمن جهة أنه متى رجع عن إذنه فيكون تصرف المستعير في مال الغير بدون إذن صاحبه، ومعلوم عدم جوازه. ولا يقاس بباب الاجارة، لان المنافع هناك ملك للمستأجر إلى مدة معينة، وأصالة اللزوم في الاملاك تمنع عن إرجاع المؤجر تلك المنافع إلى ملكه ثانيا، مضافا إلى سائر أدلة

[ 28 ]

اللزوم في باب الاجارة. وأما من طرف المستعير: لانه لا ملزم عليه أن يتصرف في مال الغير، فمتى ارتفعت حاجته، له أن يرد العارية إلى صاحبها. وهذا هو معنى الجواز من طرفه. فرع: تبطل العارية بموت المعير، لما قلنا أن العارية صحتها وبقاؤها متقوم ببقاء إذن المالك ورضائه، وإلا يكون تصرفا في مال الغير بدون إذنه ورضاه. وهو معلوم عدم الجواز، والموت يوجب خروجها عن ملكية الميت وانتقالها إلى غيره من الوارث أو الموصى له أو غيرهما، فيكون تصرف المستعير بدون إذن المالك، فلا يجوز. وكذلك تبطل بخروجها عن ملك المعير بأسباب أخرى من بيع، أو هبة أو صلح، أو غيرها، لعين الوجه المتقدم. وكذلك تبطل بخروج المعير عن أهلية الاذن، وحجره عن التصرف في أمواله بأحد أسباب الحجر، من السفه، أو الجنون، لعين الدليل. كل ذلك لاجل قوام العارية حدوثا وبقاء بإذن المالك حدوثا وبقاء، فإذا انتفى بأي سبب كان تنتفي وتبطل. فرع: لو أعار الارض للغرس أو الزرع ففسخ المعير بعد ما غرس المستعير أو زرع، وحيث أن العارية تنفسخ لانها جائزة، فهل له الالزام بالقلع، غرسا كان أم زرعا مطلقا - أي سواء أعطى المستعير أجرة البقاء أم لا - وله في خصوص ما إذا لم يعط أجرة البقاء، أو التفصيل بين الزرع والغرس، ففي الثاني له مطلقا، وأما في الاول فله ان لم يعط الاجرة؟ وجوه. والاقوى من هذه الوجوه أن له إلزامه بالقلع مطلقا، سواء كان غرسا أو زرعا، وسواء أعطى أجرة البقاء أم لا. ولكن عليه إعطاء الارش، أي تفاوت ما بين قيمته

[ 29 ]

منصوبا ومقلوعا. فها هنا أمران: أحدهما: أن لمالك الارض إجبار المستعير على القلع. الثاني: أن عليه الارش. أما الاول: فلان مالك الارض له السلطنة على تفريغ ماله، وتخليصه عن اشغال الغير، وإن كان التخليص ضررا على ذلك الغير، فمثل هذه السلطنة منفية بقاعدة لا ضرر، معارض بأن اشغال الغير لماله أيضا ضرر عليه، فلا مورد لقاعدة لا ضرر هاهنا. لا يقال: كما أن جريان قاعدة لا ضرر في كل واحد من الطرفين معارض بمثله، كذلك قاعدة السلطنة أيضا في كل واحد من الطرفين معارضة بمثله، لانه كما أن لمالك الارض سلطنة على تخليص أرضه عن إشغال الغير، كذلك لمالك الغرس أو الزرع سلطنة على منع تصرف الغير في غرسه أو زرعه، فيتساقطان. لانا نقول: قاعدة السلطنة لا تشمل الموارد التي تكون إعمال السلطنة فيها علة للتصرف في مال الغير. وبعبارة أخرى: يكون التصرف في مال نفسه أيضا تصرفا في مال الغير، فهو ليس له السلطنة على مثل هذا التصرف. وتصرف مالك الغرس والزرع بإشغال مال الغير من هذا القبيل، لان السلطنة على إبقاء ماله في ملك الغير معناه السلطنة على إشغال ملك الغير. وقاعدة السلطنة لا عموم لها يشمل هذا، فتكون السلطنة على التفريغ والتخليص بلا معارض. وأما التخليص فدائما في طول الاشغال وبمنزلة المعلول له، لانه ما لم يكن إشغال لم يكن موضوع للتخليص وإن كان زمانهما واحدا، كما هو شأن العلة والمعلول. فحيث أن الغارس والزارع ليس لهما السلطنة على التصرف العلة لاشغال مال الغير وتصرف المالك للارض بالتصرف التخليصي دائما في ظرف السقوط، وعدم السلطنة على التصرف الابقائي الذي هو علة للاشغال، فلا تجتمع السلطنتان

[ 30 ]

في زمان واحد كي تتعارضان. وإن شئت قلت: قاعدة السلطنة مخصصة بالنسبة إلى التصرفات التي هي علة للتصرف في مال الغير بدون إذنه، فالتصرف الابقائي للغرس والزرع في ملك المعير بدون إذنه حيث أنه علة لاشغال مال الغير بدون إذنه يكون خارجا عن عموم " الناس مسلطون على أموالهم " 1، ولا يشمل العموم مثل هذا التصرف، فلا تجري القاعدة في حق الغارس والزارع، فتبقى القاعدة في حق مالك الارض بلا معارض. ولا يمكن العكس، بأن يقال: قلع مالك الارض أيضا حيث أنه علة للتصرف في الغرس أو الزرع اللذان لغيره خارج عن تحت هذه القاعدة، فليس لكل واحد منهما السلطنة، لا مالك الارض على القلع، ولا مالك الغرس والزرع على الاشغال والابقاء، لان القلع الذي هو بمعنى تخلية أرضه عن مال الغير متفرع على الاشغال، ويكون الاشغال بمنزلة الموضوع للتخلية، فلا يمكن أن تكون التخلية علة لمثل هذا التصرف، أي التصرف الاشغالي، وإلا يلزم أن يكون الشئ علة لما هو من قبيل الموضوع له، وهذا محال، فلا مخصص للقاعدة بالنسبة الى هذا التصرف، أي التصرف التفريغي، فيشمله القاعدة بلا معارض في البين، وليس هناك تصرف آخر في مال الغير غير الاشغال كي يقال بأن التفريغ والتخلية علة له. هذا كله في الامر الاول، وهو أنه هل لمالك الارض القلع، أم لا. وأما الامر الثاني: وهو أنه عليه الارش أم لا؟. الظاهر أنه عليه الارش، لان مقتضى قاعدة السلطنة هو سلطنته على تخليص ماله عن إشغال الغير، لا إتلاف خصوصيات مال الغير من صفاته وحالاته، فإذا أتلف تلك الخصوصيات بواسطة التخليص يكون ضامنا لها. وهذا هو المراد من الارش هاهنا، إذ الغارس والزارع يملكان الغرس أو الزرع


(1) " عوالي اللئالي " ج 1، ص 222 ح 99، وص 457، ح 198.

[ 31 ]

قائما ومنصوبا، فزالت تلك الصفة بواسطة القلع، وأتلفها المالك مباشرة أو تسبيبا، فعليه ضمانها لاتلافه لها. ومعنى ضمانها أن ما نقص منها في عهدته، فيجب عليه أداؤه وما نقص، حيث أنه من القيميات فعليه أداء قيمته، وهو التفاوت بين قيمته منصوبا ومقلوعا. وهذا الذي ذكرناه من استحقاق مالك الزرع والغرس الارش فيما إذا كان الغرس والزرع جائزان للغارس والزارع، إما لاذن مالك الارض، أو لكون الارض ملكا متزلزلا لهما، فرجع إلى مالكه الاول بفسخ، أو أخذه بالشفعة، أو غير ذلك بعد الغرس أو الزرع. وأما لو غرس الغارس أو زرع الزارع بغير وجه شرعي بغير إذن من قبل المالك، ولا هو كان مالكا ولو بملك متزلزل، بل كان غاصبا ظالما، فلا يستحق الارش يقينا، لقوله صلى الله عليه وآله: " ليس لعرق ظالم حق " 1. وفي الحقيقة الظالم الغاصب هو أقدم على إتلاف خصوصيات ماله بغرسه أو زرعه، لعلمه أن المالك للارض له أن يقلعهما أي وقت أراد، لانه ليس لعرقه حق. فرع: لو أعار الارض لدفن الميت المسلم وفسخ بعد الدفن، فليس له المطالبة بنبش القبر وإخراجه منه وأن يدفن في مكان آخر، إلا أن يطمئن باندراسه، وذلك لحرمة النبش وهتك الميت المحترم، فلا يجوز إجماعا. نعم لو اتفق أنه نبشه نابش وكشف الميت، أو أخرجه عن قبره لجهة أخرى، سواء كان ذلك النبش حراما أو جائزا لكونه من المستثنيات عن حرمة النبش فدفنه ثانيا يحتاج إلى إذن جديد، لارتفاع إذنه السابق بالفسخ.


(1) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 294 ح 819، باب من الزيادات في القضايا والاحكام، ح 26 " وسائل الشيعة " ج 17 ص 311 أبواب الغصب، باب 3 ح 1.

[ 32 ]

فرع: لا يجوز للمستعير إعارة العين المستعارة إلا بإذن المالك، لما بينا من شرائط المعير أن يكون مالكا للمنفعة، إما بتبعيتها لملك العين التي لها المنفعة، وإما باستئجاره لتلك العين وعدم اشتراط المؤجر عليه المباشرة في الانتفاع. وأما الاعارة فلا توجب إلا إباحة الانتفاع للمستعير، أو من تشمله من أهله وتابعيه عرفا، ولا يصير المستعير مالكا للمنفعة بالعارية، فليس له إباحة غيره. فرع: لو أذن مالك الارض في غرس شجرة فانقلعت، أو بناء دار فانهدمت بسبب من الاسباب، فهل يجوز له غرس شجرة أخرى، أو بناء دار أخرى من دون إذن جديد باستصحاب الاذن الاول، أو يحتاج الى تحصيل إذن جديد؟ الظاهر هو الثاني، إلا أن تكون قرينة في البين على أن إذنه الاول ليس مخصوصا بالاول. ولكن هذا خارج عن الغرض. وأما الاستصحاب فلا مورد له هاهنا، لانه صدر من المالك إذن شخصي في مورد خاص، وارتفع ذلك الاذن قطعا، فلا شك كي يستصحب، وذلك من جهة أنه لو كان إذنه متعلقا بشجرة معينة، فلا كلام في أن فردا آخر من تلك الطبيعة غير ذلك الفرد، وأما لو كان إذنه متعلقا بصرف الوجود من تلك الطبيعة، فقد حصل ولا يبقى محل لايجاده ثانيا، بل هو من تحصيل الحاصل المحال، لانه وجد المأذون وانعدم. وهذا كما أنه لو قال المالك: أذنت لك في أكل رمانة من هذا البستان، وفيه آلاف من تلك الطبيعة، ولكن لو أكل واحدا منها ليس مأذونا في أكل ما عداه، وكذلك الامر فيما نحن فيه. نعم لو أذن له في غرس شجرة فغرس، ولكن بعد مدة طويلة أو قصيرة انقلعت لهواء خارق، لا يبعد جواز إرجاعه إلى مكانه من دون الاحتياج إلى تحصيل إذن

[ 33 ]

جديد، وذلك لبقاء إذنه عرفا، خصوصا إذا كان بعد مدة قصيرة، فربما يحصل القطع بوجود الاذن وبقاء الرضا الباطني. ولهذا الفرع مصاديق كثيرة مثلا لو أعار محلا أو سرجا لفرسه المعين، أو اصطبلا ليكون فيه، فبدل هذا الفرس بفرس آخر، أو مات واشترى فرسا آخر، تشمل الاعارة هذا الفرس الاخر. ولابد من اتباع الظهور العرفي لما أذن، وهو يختلف في الموارد. فرع: هل يعتبر التعيين في العين المستعارة، فلو قال المستعير: اعطني أحد هذين القدرين عارية لاطبخ فيه، أو: أحد هذين الثوبين لالبسه، فقال المعير: خذ أحدهما، أو قال: خذ أي واحد تريد منهما، فهذه العارية صحيحة أم لا؟. الظاهر عدم إشكال فيه، لتمامية أركان العارية فيه، من شرائط المعير، والمستعير والعين المستعارة. والترديد في العين المستعارة لا مانع فيه، لان الترديد في طلب المستعير، وإلا فما وقع عليه الاعارة عنوان كلي قابل للانطباق على كل واحد من مصاديقه بدلا لاجمعا، فلا ترديد في العين المستعارة. فرع: لو كانت منفعة لا يجوز الانتفاع بها إلا بأسباب خاصة التي ليست منها العارية كوطي الامرأة التي لا يجوز وطيها إلا بالعقد الصحيح دواما أو انقطاعا، أو بملك اليمين، أو بالتحليل الذي يرجع إلى أحدهما، فبالعارية لا يجوز الانتفاع بتلك المنفعة. وإن شئت قلت: إن العارية لا تكون مشرعا، فالمنافع المحرمة لا تصير محللة بورود العارية على العين التي لها تلك المنافع. فالحيوان الجلال - كشاة جلالة أو بقرة جلالة - حيث أن لبنهما يحرم شربه ولا يحل إلا بالاستبراء، فلو أعارهما المالك للانتفاع بمنافعهما المحللة، فلا يصير شرب

[ 34 ]

لبنهما حلالا بواسطة العارية، لان لحليته سببا خاصا وهو الاستبراء. ولذلك لو أعار جارية للانتفاع بجميع منافعها لا يجوز الانتفاع بها إلا بمنافعها المحللة، أما منافعها التي تحل بأسباب خاصة كالوطي كما تقدم فلا. وكذلك لا يجوز النظر بالاعارة إلى ما لا يجوز النظر إليه إلا بتلك الاسباب الخاصة التي ذكرناها. فرع: تقدم أنه لا ضمان على المستعير إلا إذا شرط الضمان، أو كان العين المعارة من الذهب أو الفضة، أو فرط وتعدي، والتفريط والتعدي يحصل بأمور: منها: أن يتصرف فيها تصرفا على خلاف المتعارف، أو تصرف تصرفا غير مأذون فيه. أما الاول: فلان ظهور العارية إذا أعار يكون في إباحة الانتفاعات المتعارفة، فالتصرفات غير المتعارفة ليست مباحة له، فيصير في حكم الغاصب، بل يكون موضوعا هو هو. ومعلوم أن الغاصب يؤخذ بالتلف الذي وقع عنده ولو كان تلفا سماويا لابإتلاف منه، فيكون ضامنا. وأما الثاني: أي التصرفات غير المأذونة فالامر فيها أوضح. مثلا لو أعار الدابة أو السيارة للركوب، فاستعملهما في الحمل، فتلفت ولو كان تلفا سماويا يكون ضامنا، لانه تصرف في مال الغير بلا إذن من مالكه، فيكون غاصبا، لانه تصرف فيه بلا مجوز شرعي، فيده ليست يد أمانة. والذي هو خارج عن عموم " على اليد ما أخذت " هي اليد الامانية، وفي المفروض لا أمانة مالكية ولا شرعية، فهو ضامن لما تلف في يده، سواء وقع التلف على تمام ما في يده، أو بعض وجزء منه، أو نقص فيه وصفا، أو من ناحيه نقص قيمته السوقية، وجميع ذلك من جهة خروج يده عن كونها يد أمانة. فرع: في الموارد التي في تلف العارية ضمان لا يخرج عن عهدته إلا برده

[ 35 ]

إلى صاحبه، أو من هو وكيله أو وليه، فلو لم يوصل إلى مالكه أو وكيله أو وليه لا يخرج عن عهدته، وإن رده إلى المحل الذي أخذ منه. مثلا رد الدابة إلى محلها الذي أخذها منه وربطها فيه بلا إذن من المالك. وذلك لعدم صدق الاداء، وضمان اليد مغيى بالاداء، فما لم تحصل الغاية الضمان باق. نعم في بعض الموارد السيرة قائمة على أن يرد الدابة المستعارة إلى اصطبلها، أو السيارة المستعارة إلى موقفها، فإذا فعل ذلك بناؤهم على أنه رد العين المعارة إلى مالكها، وخرج المستعير أو المستأجر عن ضمانها. فرع: لو كانت العين المستعارة مغصوبة واستعارها من الغاصب، فتارة هو - أي المستعير - جاهل بالغصب، وأخرى عالم بكونها مغصوبة، وعلى أي حال هو ضامن للعين ومنافعها المستوفاة للمالك، بل وغير المستوفاة كما حققنا في قاعدة " وعلى اليد ما أخذت " 1. وإن شئت فراجع. لكن حيث أنه كان جاهلا بالغصب، فيكون قرار الضمان على الغاصب العالم بالغصب، فإذا راجع المالك إلى المستعير يراجع هو إلى المعير الغاصب، وإلا لو كان الغاصب غيره كلاهما لهما أن يراجعا إلى الغاصب الاول العالم بالغصب، لان قرار الضمان عليه. هذا إذا كان المستعير جاهلا بالغصب، وأما إذا كان عالما به فهو ضامن للعين إذا تلفت، ولمنافع العين المستوفاة وغير المستوفاة. ولا رجوع له إلى الغاصب، لانه أيضا غاصب، ووقع تلف العين عنده وهو استوفى المنفعة، بل لو رجع المالك إلى الغاصب فله أن يرجع إلى المستعير، لان قرار الضمان عليه ويجب على المستعير


(1) راجع ج 4، ص 53.

[ 36 ]

رده إلى المالك لا إلى المعير الغاصب، لان الغاصب مثله أجنبي عن هذا المال، فبرده إليه لا يرتفع الضمان عن عهدة المستعير، لان مفاد قاعدة " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه " أن الضمان لا يرتفع عن عهدة من وقع يده غير المأذونة على مال الغير إلا بأدائه إلى صاحبه ومالكه الواقعي. وما قلنا من أن قرار الضمان في تعاقب الايادي غير مأذونة على مال الغير على الذي وقع التلف في يده، وجهه إجمالا - وأما تفصيلا فقد بينا في قاعدة " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه " - هو أن كل واحدة من الايادي حيث يصدق عليها أنه وقع مال الغير تحتها وأخذت، فيكون ما أخذت مستقر عليه وفي عهدته، وإذا انتقل من يده إلى يد أخرى يكون ما أخذته يد الاخرى العين المضمونة بوصف أنها مضمونة، أي العين التي لها وجود اعتباري في ذمة اليد التي قبل هذه اليد، فليست المأخوذة في اليد الثانية العين المجردة، فكأنه وقعت تحت اليد الثانية عينان: إحداهما بوجودها التكويني، والاخرى بوجودها الاعتباري، فهو ضامن للاثنين: مالك الوجود التكويني وهو المالك الواقعي الاصلي لهذه العين، ومن عليه الوجود الاعتباري وهو الغاصب الاول. ولذلك يجوز أن يرجع المالك الوجود التكويني، لان ماله وقع تحت يده فصار ضامنا له. ويجوز أن يرجع إليه الغاصب الاول، لان ما كان عليه من ذلك الوجود الاعتباري أيضا وقع تحت يده. فإذا رجع المالك للعين إلى الغاصب الاول له أن يرجع إلى الغاصب الثاني، لان ما عليه صار تحت يد الغاصب الثاني وهو أخذه. وهكذا كل غاصب إذا رجع المالك إليه أو الغاصب السابق عليه له أن يرجع إلى الذي بعده، فالمالك الحقيقي له أن يرجع إلى أية واحدة من الايادي الغاصبة، وأما الايادي الغاصبة فكل سابقة لها الرجوع إلى اليد اللاحقة عليها، وأما اللاحقة ليس لها الرجوع إلى السابقة لعدم ملاك الرجوع لعدم وقوع اليد السابقة على شئ من مال اللاحقة لا بوجوده التكويني ولا بوجوده الاعتباري، وأما اللاحقة فوقعت يده على الوجود الاعتباري

[ 37 ]

الذي كان في ذمة اليد السابقة. وإن شئت قلت: إن اليد السابقة لم تأخذ شيئا من اليد اللاحقة كي تكون لها ضمانها، بخلاف اليد اللاحقة فإنها أخذت من السابقة فتكون ضامنة لها ما أخذت. فظهر مما ذكرنا أن قرار الضمان على الغاصب الاخير، أي من وقع التلف في يده ومن استوفى المنافع، وذلك لعدم يد لاحقة عليها كي يرجع إليها، فإذا كان المستعير عالما بأن ما أخذه من المعير كان غصبا، فيكون هو الغاصب الثاني، فيجري في حقه ما قلناه من قرار الضمان عليه إذا وقع تلف العين المستعارة عنده، أو نقص عنده منها شئ أو استوفى منافعه، فإن رجع المالك إلى المعير بما ذكرنا فله أن يرجع إلى المستعير الذي هو الغاصب الثاني، لما ذكرنا، وإذا رجع المالك إلى المستعير الذي وقع التلف عنده ليس له الرجوع إلى المعير أيضا، لما ذكرنا. هذا كله إذا كان المستعير عالما بأن ما أخذه مغصوب، وأما إذا كان جاهلا وغره المعير فله أن يرجع إليه، وذلك من جهة أن المستعير إذا قال للمعير: أعرني الشئ الفلاني المعين، أو قال بنحو عدم التعيين: ثوبا من أثوابك، أو دابة من دوابك للركوب، فقال المعير: خذ هذا الثوب أو هذه الدابة، أو ادخل الاصطبل وخذ واحدا من الدواب، فظاهر كلامه أن المعار له وهو مالكه، لا أنه غاصب أو له أن يعيره بإذن المالك أو بولاية عليه، فيغتر ويأخذ منه. فإذا ظهر أنه مغصوب والمالك طالبه بعوضه إن تلف، أو بدل منافعه المستوفاة بل وغير المستوفاة بناء على ما هو التحقيق من ضمان الغاصب لها أيضا وخسر وأداها، فللمستعير المغرور الرجوع إلى المعير الغار، لقوله صلى الله عليه وآله في المرسلة المنجبرة بعمل الاصحاب: " المغرور يرجع إلى من غره " 1، فله المطالبة من المعير بجميع ما خسر للمالك.


(1) ابن الاثير في " النهاية " ج 3، ص 356 مادة (غرر)، وقد تقدم الحديث في ج 1، في قاعدة " الغرر " فليراجع هناك.

[ 38 ]

فرع: للمستعير أن يدخل الارض التي استعارها لغرس الاشجار ولو للتنزه، لالاصلاح الاشجار ولا لجني الاثمار، لانهما معلوم الجواز ولا ينبغي الشك فيهما، وإلا تكون الاستعارة لغوا وبلا فائدة. فالذي هو محل الكلام هو الدخول لالجني الاثمار، ولالاصلاح الاشجار، بل للتفرج والتنزه أو الاستظلال بظل أشجارها. وخالف في هذا الحكم جماعة كالشيخ في المبسوط 1 والعلامة في التذكرة والقواعد 2 والمحقق الثاني في جامع المقاصد 3 والشهيد الثاني في المسالك والروضة 4، وعمدة دليلهم أن المستعير استعار لاجل الغرس، فلا يجوز له الانتفاعات الاخر كالاستظلال بأشجارها وغيره من المذكورات وغيرها. وفيه نظر واضح، وهو أنه لا شك في أن المالك إذا نهى عن تصرف خاص أو عدة تصرفات وعين المنهي يجب الاجتناب عنه، لانه مالك له حق الاذن والمنع. و أيضا لاشك في أنه لا يجوز التصرف في مال الغير بدون إذنه ورضاه، فلابد من إحرازه أو رضاه بعلم أو علمي، فلا شك أيضا في حجية ظهور الالفاظ وأنه كاشف عن مراد المتكلم، فلابد من المراجعة إلى ظهور كلام المعير المالك أو من هو بمنزلة المالك وأنه ظاهر في أي مقدار من التصرف، فالزائد عليه لا يجوز قطعا، للزوم إحراز الاذن، وليس بناء على هذا محرز في البين إلا ظهور كلام المعير. والظاهر أنه إذا قال: أعرتك هذا، ولم يعين ولم ينه عن تصرف خاص، فهو ظاهر في التصرفات المتعارفة والانتفاعات التي ينتفع العرف من ذلك الشئ. وأما كون طلب المستعير لاجل الغرس لا يخرج الكلام عما هو ظاهر فيه، لان المستعير


(1) " المبسوط " ج 3 ص 55. (2) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 213، " قواعد الاحكام " ج 1 ص 192. (3) " جامع المقاصد " ج 6 ص 74. (4) " مسالك الافهام " ج 1 ص 316، " الروضة البهية " ج 4 ص 266.

[ 39 ]

يطلب الاعارة لاجل ما هو مهم عنده، وأما الانتفاعات الاخر حيث أنها ليست بمهم عنده، لاجل ذلك لا يذكرها، لا أنه لا يريدها. فإذا قال المعير: أعرتك، يكون ظاهر كلامه ما هو ظاهر لفظ الاعارة حسب المتفاهم العرفي، وقد عرفت أن المتفاهم العرفي منه هو الاذن في الانتفاع به الانتفاعات المتعارفة منه، إلا أن يصرح بنفي البعض منها، أو تجويز بعضها الغير المتعارف، ففي غير المتعارف يحتاج ثبوت الاذن أو نفيه إلى التصريح. ولا شك في أن دخول البستان ولو للتفرج والتنزه ليس من الانتفاعات غير المتعارفة، فالاظهر - كما لعله هو المشهور - جوازه، أي الدخول للتنزه والتفرج أو لسائر الانتفاعات المتعارفة من الارض والبستان. فرع: لو ادعى من بيده المال وينتفع به أنه عارية، وادعى المالك الاجارة، فالقول قول مدعي الاعارة، لان قوله مطابق لاصالة عدم ذكر العوض للمنفعة التي استفادها، وقيل لاصالة البراءة عن الاجرة التي يدعيها المالك. وإن شئت قلت: هما متفقان في صدور التسليط من قبل المالك وإنشاءه على الانتفاع بهذه العين والتنازع بينهما، في أن هذا التسليط مجاني كما يدعيه من بيده المال وتصرف فيه واستفاد منافعه ويستفيد أو مع العوض كما يدعيه المالك، فلب الدعوى يرجع إلى أن المالك يدعي استحقاق أجرة المسمى أو المثل في ذمة مدعي العارية وهو ينكر، وقوله مطابق لاصالة البراءة وأصالة عدم اشتغال ذمته بشئ للمالك. ولكن هذا لو كان قبل استيفاء شئ من المنافع، وأما لو كان بعده وحيث أن العين ملك للمالك فمنافعها أيضا بالتبع ملك له، والاصل عدم خروجها عن ملك المالك مجانا، فالحلف على المالك، لانه يدعي المجانية، والمالك منكر، فإذا حلف

[ 40 ]

واتفعت المجانية فمال المسلم محترم له عوض، إما المسمى الذي يدعيه المالك أو أجرة المثل. فبعد حلف المالك وانتفاء المجانية يثبت أقل الامرين، من أجرة المثل والمسمى، لانه لو كان المسمى أزيد من أجرة المثل، فتنتفي الزيادة بحلف مدعي العارية، ولو كان أجرة المثل أزيد فتنتفي الزيادة بإقرار نفس المالك، لانه معترف بعدم استحقاق الزيادة، فيبقى مسألة احترام مال المسلم، وهو هاهنا يقتضي ثبوت أقل الامرين. فرع: لو ادعى المالك أن ما بيده مغصوب، وقال الطرف إنه عارية، فالظاهر قبول قول المالك، لان الاصل عدم إباحة المنافع، فلو حلف المالك على ذلك يضمن مدعي العارية المنافع، والعين أيضا لو تلفت، ولو كانت باقية يردها. وحكي عن الشيخ 1 تقديم قول مدعي العارية لبراءة ذمته عما يدعيه المالك من الضمان. ولكن أنت خبير بأن أصالة عدم إباحة المنافع حاكمة على هذا الاصل، فلا يمكن معارضة هذا الاصل معها. فرع: لا خلاف ولا إشكال في جواز بيع المستعير ما غرسه من الاشجار، أو ما زرعه، أو بناه في الارض المستعارة لنفس المعير المالك، وأما بيعها لغيره ربما أشكل فيه تارة لانها في معرض التلف، لما ذكرنا في بعض الفروع السابقة من أن المعير له الرجوع في أي وقت أراد، وله المطالبة بقلع الغرس والزرع وهدم ما بناه،


(1) " الخلاف " ج 3 ص 389 كتاب العارية، مسألة 5.

[ 41 ]

فلا تبقى لها ملكية مستقرة. فإقدام العقلاء على التمليك والتملك في مثل هذه الامور التي هي معرضة للتلف غير معلوم، بل ربما يسفهون المشتري في مثل هذه الموارد. وفيه: أنهم جوزوا بيع الحيوان المشرف على التلف، والعبد المستحق للقتل قصاصا، فالمورد أيضا يكون من هذا القبيل. وما يجاب عن هذا: بأن ذينك الموردين أما بالنسبة إلى الحيوان المشرف على التلف ربما ينتفع بلحمه إن كان من المأكول، أو بجلده وإن كان غير مأكول اللحم، وأما بالنسبة إلى العبد المستحق للقصاص ربما يعفو الولي عنه، فلا يكون تلف في البين. فيه: أن ما نحن فيه أيضا ربما لا يطالب المالك المعير بالقلع والهدم. ولكن الجواب الصحيح من هذا الاشكال: هو أن المبيع حال وقوع البيع لابد وأن يكون مالا عرفا ولم يسقط الشارع ماليته كما أسقط في الخمر والخنزير، وأما بعد ذلك فقد يقع عليه التلف أو يسقط ماليته بواسطة كثرة وجوده، كما أن الماء في البادية مال، فربما بعد ما اشتراه تمطر السماء بكثرة فيسقط عن المالية، وأمثال هذا ونظائره كثيرة. ولا شك في أن الغرس والزرع في المفروض حال وقوع البيع لها مالية، واحتمال وقوع التلف عليها لا يمنع العقلاء من الاقدام على شرائها. وما ذكره الشيخ قدس سره 1 في وجه عدم جواز البيع من غير المعير المالك من عدم القدرة على التسليم لامكان منع المالك من الدخول، فمخدوش من جهات لا تخفى، ولذا تركنا ذكرها والرد عليها.


(1) " المبسوط " ج 3 ص 56.

[ 42 ]

فرع: إذا حملت الاهوية أو السيول أو غيرهما إلى ملك الانسان وأرضه بعض الحبوب فنبت فيها، فلا شك في أن النابت ملك لصاحب الحب لو لم يعرض عنه بناء على أن الاعراض يوجب الخروج، وإلا لو نقل بذلك وإن أعرض لان ذلك النبت نفس ذلك الحب، ولعله إلى هذا يشير قوله " الزرع للزارع ولو كان غاصبا " 1، بناء على أن المراد بالزارع هو مالك الحب والبذر. وأما القول بأنه بالاستحالة خرج عن ملكه. فضعيف لا يصغى إليه، فإذا كان صاحب الحب معلوما يكون كالمستعير المأذون من قبل مالك الارض، فيأتي فيه جميع ما تقدم فيما إذا غرس المستعير في الارض المستعارة من أن للمالك المطالبة بقلع الزرع والاشجار، وما ذكرناه من فروعها هناك. وأما إذا لم يكن معلوما بالتفصيل وكان معلوما بالاجمال، فتارة في عدة محصورين، وأخرى في غير المحصور عرفا. أما الاول فصاحب الارض يجب عليه أن يصالح مع جميعهم بإرضاء الجميع بأي شكل كان ممكنا، ويمكن ان يقال باستخراج المالك المجهول شخصا المعلوم وجوده بين أفراد محصورين بالقرعة، لانها لكل أمر مشكل. وأما الثاني - أي فيما إذا كان المالك معلوما بين أفراد غير محصورين - فقيل إنه من قبيل اللقطة، فيجب عليه التعريف سنة كاملة، أو حتى اليأس من وجدانه فيعطيه صدقة من قبل صاحبه. وفيه: أن اللقطة قسم خاص من مجهول المالك لها أحكام مخصوصة، وتلك الاحكام رتبها الشارع على عنوان خاص ليس ذلك العنوان في المفروض، فإجراء أحكام اللقطة عليها لا وجه له، بل يجب إجراء حكم مجهول المالك المطلق من


(1) " نيل الاوطار " ج 6 ص 68، كتاب الغصب، باب تملك زرع الغاصب....، " سبل السلام " ج 3 ص 906، ح 843، من غصب أرضا فزرعها.

[ 43 ]

دون اتصافه بعنوان خاص. هذا كله إذا كان متمولا، وأما إذا لم يكن متمولا، إما لقلته أو لجهة أخرى، فربما يقال يجوز تملكه لصاحب الارض بعد أن نبت. ولكن لا وجه له، لانه وإن لم يكن مالا ولا يبذل بإزائه المال ولاضمان له، إلا أنه لم يخرج عن كونه ملكا لصاحبه. إلا أن يقال: بأنه خرج عن ملكه بواسطة التغير الذي وقع. وهذا أيضا لا وجه له، لان النماء وقع في ملكه، فلو صارت تلك الحبة شجرة تكون ملكا لمالكها، فصاحب الارض له إجبار صاحب تلك الحبة بقلع تلك الشجرة، وأما إذا أعرض صاحب الحبة وخرج عن ملكه فيصير من المباحات، ولصاحب الارض تملكه، فإذا تملكه فيكون لصاحب الارض. فرع: إذا استعار شيئا لاجل انتفاع معين فانتفع به في غير ما استعار له مما لا يشمله إذن المعير ضمن العين المستعارة، لخروج يده عن كونها مأذونة وعن كونها يد أمانة، فيشملها قاعدة " على اليد ما أخذت "، فيكون المستعير ضامنا. فلو تلف يكون عليه المثل إن كان مثليا، والقيمة إن كان قيميا، ويكون حاله حال الغاصب في ضمان جميع الانتفاعات المستوفاة، بل وغيرها. فرع: لو جحد العارية بعد طلب المعير لها تخرج يده عن كونها يد أمانة، فتشملها قاعدة " على اليد ما أخذت ". فلو تلفت العين المعارة، أو نقصت يكون المستعير ضامنا لها، وكذلك يكون ضامنا للمنافع التي استوفاها بعد جحودها وثبوتها بالبينة والاقرار، أي من الوقت الذي خرجت يده عن كونه يد أمانة.

[ 44 ]

هذا لو كان جحوده بعد طلب المالك واضح، وأما لو لم يكن طلب من طرف المالك وهو ابتداء قال الشئ الفلاني مثلا كتابه الفلاني ليس عارية عندي، فهل هذا أيضا يوجب خروج يده عن كونها يد أمانة، ويكون عليه ضمان العين والمنافع؟ أم لا يوجب إلا بعد طلب المالك؟ الظاهر عدم الفرق بين كون جحوده بعد الطلب، أو كان جحودا ابتدائيا، لان المناط في الخروج عن الامانة عدم الاذعان بأن هذا المال أمانة، سواء طلب المالك أو لم يطلب. نعم بعد طلب المالك وإنكاره وجحوده كمال الظهور في إنكاره أنه إنكاره واقعي، ولا يعتني العقلاء باحتمال أنه لعل إنكاره لغرض من الاغراض، وليس غرضه أكل هذا المال وعدم رده إلى مالكه. وأما بدونه فيمكن أن يكون إنكاره إنكارا ظاهريا ولغرض من الاغراض، بل ربما يكون إنكاره في غياب المالك لمصلحة المالك، مثل أن يكون عنده حجرا كريما غاليا، أو حليا غاليا، فيذكر في مجلس: أن الحجر الفلاني أو الحلي الفلاني من زيد عارية عندك؟ فيقول: لا، ومقصوده أن السراق الموجودين في المجلس لا يفهمون بوجوده عنده فيطمعون في سرقته، فمثل هذا الانكار لا يوجب خروج يده عن الامانة قطعا، وإلا فلا شك في أن طلب المالك في مقام الثبوت لا تأثير له في كون الجحود إنكارا واقعيا أم لا. فرع: إذا ادعى المستعير التلف يقبل قوله مع يمينه، أما أنه يقبل قوله لان يده أمانية، وقد بينا في بعض القواعد السابقة الادلة الدالة على سماع قول الامين وأنه ليس علبيه إلا اليمين 1.


(1) راجع ج 2 ص 9 قاعدة " عدم ضمان الامين ".

[ 45 ]

وفي بعض الروايات: " إذا ائتمنته فلا تتهمه " 1. وفي خبر مسعدة بن زياد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام " أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ليس لك أن تتهم من قد ائتمنته ولا تأمن الخائن ". بل في بعض الروايات كما في المرسل الذي ينقله في الجواهر: " لا يمين عليه إذا كان ثقة غير مرتاب " 2. لا يقال: إن المراد من الامين في هذه الاخبار هو الودعي لا مطلق اليد المأذونة، لان ذواليد تصرفاته في ما تحت يده إن لم يكن مال نفسه إما بإذن مالكه وبرضاه، أو بإذن من هو بمنزلة المالك شرعا وبرضاه، فهذا هو الامين. وأما بدون إذنه ورضاه فهي يد العادية والغاصبة، فلا شبهة في قبول قوله، بمعنى عدم طلب البينة منه، وأما إنه مع يمينه، أي القبول بمعنى ترتيب الاثر على دعواه فيما إذا حلف على طبق دعواه فأولا من جهة الاجماع، وثانيا من جهة أن الميزان في باب القضاء أولا وبالذات أمران: أحدهما البينة، والثاني الحلف، وكلف المدعي بأشق الميزانين، لانه هو الذي يريد إلزام الطرف بثبوت حق عليه، وجعل الشارع للمدعى عليه أخف الميزانين، وهو الحلف، لانه لا يريد إلزام الطرف بشئ، بل رفع الالزام عن نفسه، ولذا قالوا في تعريف المدعي بأنه هو الذي لو ترك ترك، فمعنى قبول قول الامين أنه بمقتضى عموم قوله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعي " 3 هو ولو كان المدعي أمينا ولكن لمراعاة أمانته ودلالة الادلة المتقدمة لم يكلف بالاشق وهوالبينة، فهذا الميزان، لم يجعل في حقه، والقضاء لا يمكن بدون الميزان، فجعل حقه أخف الميزانين، مع أنه مدع، وإلا يبقى القضاء بلا ميزان، إن حكم الحاكم وإن لم يحكم يلزم التعطيل في


(1) " وسائل الشيعة " ج 13 ص 227 - 229، كتاب الوديعة، في أحكام الوديعة، باب 4. (2) " جواهر الكلام " ج 27 ص / 148 (3) " عوالي اللئالي " ص 345، باب القضاء، ح 11، " مستدرك الوسائل " ج 17 ص 368، أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، باب 3 ح 5.

[ 46 ]

الحكم وعدم حسم النزاع. فبهاتين المقدمتين - أي حصر ميزان القضاء في هذين الميزانين، أي البينة على المدعي واليمين على من أنكر - وعدم جواز الحكم بدون ميزان. فإذا دل الدليل على عدم كون البينة ميزانا في حق مدع فلابد من كون وظيفته ميزان الاخر، وإلا يلزم تعطيل الحكم، أو كون المرجع هو الميزان الاخر وهو الحلف. وقد حررنا المسألة كافية ووافية في قاعدة " كل مدع يسمع قوله فعليه اليمين " في الجزء الثالث من هذا الكتاب. وإن أردت التفصيل فراجع هناك. وأيضا اشتهر أنه وما على الامين إلا اليمين. وهذا - أي قبول قول المستعير - في التلف والتعدي والتفريط، وأما في دعوى الرد فعلى قاعدة " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " وأما الرد فلا يأتي فيه قاعدة قبول قول الامين، لان الامانة لا تقتضي قبول قوله في الرد. فرع: لو قال المعير: أعرتك كتابي هذا على أن تعيرني عباءك الفلاني، فهذه العارية صحيحة، لان هذه عارية مشروطة بإعارة المستعير شيئا آخر له في قبال إعارته. والاشكال عليها بأن الشرط فاسد فيسري فساده إلى عقد العارية ممنوع صغرى وكبرى. أما الكبرى فلما بينا مفصلا في هذا الكتاب في الجزء الرابع في قاعدة " إن الشرط الفاسد هل هو مفسد للعقد أم لا؟ " عدم إفساده مطلقا. وأما الصغرى فلان القول بفساد هذا الشرط من جهة ادعاء أنه خلاف مقتضى عقد العارية، لان العارية عبارة عن التسليط على الانتفاع مجانا، ومع هذا الشرط

[ 47 ]

ليس التسليط على الانتفاع مجانا، بل يكون بإزاء انتفاع المعير الاول من مال المستعار الذي هو المعير الثاني. ولكن فيه: أن المراد من أن العارية عندهم عبارة عن أن يكون انتفاع المستعير مجانا، أي لا يكون بإزاء الانتفاع ومقابله شيئا من المال. والامر في المفروض أيضا كذلك، لانه ليس مع هذا الشرط شئ من المال في قبال الانتفاعات، بل تكون الاعارة مشروطة بالاعارة. وهذا مثل الهبة المشروطة بهبة الموهوب له، فليس هناك أيضا مقابل العين الموهوبة كي نقول بأن الهبة المعوضة باطلة ولا معنى لها، لان الهبة معناها التمليك بلا عوض، فكون العوض لها لا يجتمع مع كونها هبة. والجواب هناك وهاهنا واحد، وهو أن العوض في العارية المشروطة، وفي الهبة المعوضة ليس للانتفاعات في الاول، وللعين الموهوبة في الثاني، بل العارية المشروطة الشرط هو إعارة شئ معين آخر بإزاء إعارة الاول، فالاعارة بإزاء الاعارة شرطا أي يلتزم بإعارة في قبال إعارته. وهكذا في الهبة المعوضة هو أن يلتزم الموهوب له بأن يهب شيئا في قبال هبته لا عوض موهوبه. فالعارية المشروطة بعارية أخرى من طرف المستعير، وهكذا هبته المشروطة بهبة أخرى من طرف الموهوب له ليسا من العقود المعاوضية وليس الشرط في كليهما منافيا لمقتضى عقديهما. فرع: لو تلفت العارية بعد التعدي والتفريط، مثل أنه استعار دابة للركوب فاستعملها في الحمل فتلفت بعد مدة، فلا شك في ضمانها، لان يده بعد التعدي والتفريط خرجت عن كونها يد أمانة، فتشملها قاعدة " على اليد ما أخذت " وإنما الكلام في أنها لو كانت قيميا فما يأتي بذمته قيمة يوم التعدي، أو قيمة

[ 48 ]

يوم التلف، أو أعلى القيم من يوم التعدي إلى يوم التلف كما قيل في الغصب لاخذه بأشق الاحوال؟ وجوه بل أقوال. والظاهر هو قيمة يوم التلف، لان العين المضمونة ما دامت موجودة هي بنفسها بوجودها الاعتباري تأتي في الذمة وتشتغل بها، فبعد التلف إن كان قيميا ما يأتي في الذمة ويستقر على عهدته هو قيمتها. وبناءا على هذا فقيمتها يوم التلف، لانه يوم الانتقال إلى القيمة، وإلا ما دام العين موجودة هي بنفسها في العهدة، غاية الامر حيث أن العهدة عالم الاعتبار، والامر الخارجي التكويني لا يمكن أن يأتي بوجوده التكويني في عالم الاعتبار، لابد وأن يقال يأتي بوجوده الاعتباري في عالم الاعتبار، كما أنه لا يمكن أن يأتي بوجوده الخارجي في الذهن. بل يأتي في الذهن بوجوده الذهني، ولكن بعد إن انعدم وجوده في الخارج فذلك الوجود الاعتباري حيث أنه كظل للوجود الخارجي فينعدم بإنعدامه، فمعناه أنه يسقط الضمان. وهذا باطل يقينا، وقاعدة اليد أيضا مفادها بقاؤها إلى أن يؤدي، ولكن حيث أن بقاءها لا يمكن لا بوجودها الخارجي لانه انعدم، ولا بوجوده الاعتباري لانه تابع للوجود الخارجي فبانعدامه ينعدم، فلابد وأن يقال بانتقال ما في الذمة إلى المثل إن كان مثليا وإلى القيمة إن كان قيميا، فإن كان قيميا كما هو المفروض في المقام فلابد وأن يكون قيمة ذلك الوقت، أي وقت التلف. نعم إن قلنا: يمكن بقاء العين الخارجي بوجودها الاعتباري ولو بعد التلف في العهدة إلى أن يؤدى، فوقت الانتقال إلى القيمة إن كان قيميا هو وقت الاداء، فما يأتي هو قيمة يوم الاداء. ولكن بقاء نفس العين في العهدة بعد انعدامها في الخارج ولو كان بوجوده الاعتباري غير معقول، لما قلنا إنه من قبيل ظل الوجود الخارجي وتابع له، فلا يمكن بقاؤه بعد انعدام الوجود الخارجي، فلابد من القول باشتغال الذمة في

[ 49 ]

القيميات بقيمة يوم التلف، ولا يسقط الضمان إلا بأداء تلك القيمة. وأما في المثليات حيث أن ما يأتي في الذمة مثل العين الخارجي وهو باق إلى زمان الاداء، فإن كان أداء المثل ممكنا في يوم الاداء عليه أن يؤدي المثل، وإن تعذر أو تعسر فقيمة ذلك الوقت، أي وقت التعذر. ففرق بين المثلي والقيمي، ففي الاول قيمة يوم الاداء، وفي الثاني قيمة يوم التلف. والسر في ذلك: أن ظاهر " على اليد ما أخذت " أن نفس ما أخذت تسلط عليه من دون إذن مالكه على عهدته إلى أن يؤدي، فإذا أدى يسقط عن عهدته ونبرأ ذمته. ومعلوم أن نفس العين الخارجي بوجود الخارجي لا يعقل أن يستقر على العهدة، فلابد وأن نقول يأتي في العهدة بوجودها الاعتباري. ومعنى هذا الكلام أيضا ليس أن العين الخارجي يأتي بوجودها الاعتباري في العهدة، لانه تناقض، بل معناه أن العقلاء أو الشارع يعتبر ذمته مشغولة في عالم الاعتبار التشريع بذلك الشئ، أي يعتبر ما كان تحت اليد مستقرا على اليد، أي على من تسلط على ذلك الشئ بدون إذن المالك. وهذا يمكن فيما إذا كان ذلك الشئ تحت اليد، فيعتبر ما في اليد فوق اليد. وأما إذا لم يكن شئ في اليد وانعدم كيف يمكن أن يقال ما في اليد وتحت سلطنته معتبر فوق عاتقه وعهدته، فلابد أن يقال: مثله أو قيمته فوق عهدته، ففي المثلي المثل وفي القيمي القيمة، فإذا كان قيميا يكون قيمة ذلك الوقت وهو يوم التلف، وإن كان مثليا فيأتي المثل إلى يوم الاداء، فإن تعذر ينتقل إلى القيمة أي قيمة ذلك اليوم، أي يوم الاداء. وأما من يقول بأعلى القيم فيقول: نفس العين بوجودها الاعتباري يأتي من يوم الغصب في الذمة إلى يوم الاداء بما له من القيمة السوقية، واختلاف القيم كل ما زاد يأتي في الذمة ولا يرتفع ولا تبرأ ذمته إلا بالاداء، وإذا نقص فذلك النقص

[ 50 ]

لا يوجب البراءة من الزائد. فالنتيجة تصير أعلى القيم من حين الغصب إلى زمان الاداء. وإن قلنا بأن العين ما دامت موجودة يكلف بأداء نفسها، وإذا وقع التلف عليها يعتبر قيمة العين في الذمة، ولكن زيادات القيمة السوقية أيضا تعتبر في الذمة، فيكون أعلى القيم من يوم التلف إلى يوم الاداء. ولكن أنت خبير بأن ما هو الصحيح من هذه الاقوال هو قيمة يوم التلف في القيمي، ويوم الاداء في المثلي. فرع: بعد الفراغ أن النقص الحاصل في العارية من قبل الاستعمال المأذون فيه تصريحا أو إطلاقا لا يضمن، فلو شرط الضمان في عارية حصل فيها النقص من ناحية الاستعمال المأذون فيه، ثم بعد حصول النقص تلفت، فلا شك في ضمانها من جهة اشتراط الضمان فيها، ولكن قيمتها يوم التلف، أي بعد حصول النقص إن كانت قيميا، ومثلها كذلك إن كانت مثليا. وذلك لان النقص الحاصل لا ضمان فيه، واشتراط الضمان في نفس العين المستعارة بقيمتها يوم التلف أو مثلها كذلك. نعم لو كان اشتراط الضمان فيها بحيث يشمل ضمان النقص الحاصل من الانتفاعات والاستعمالات المأذونة، ففيه أيضا الضمان، كما أنه كذلك بطريق أولى لو خص بثبوت الضمان فيه. ولكن ربما يقال بأن ضمان النقص الحاصل بالاستعمالات المأذونة مندرج في اشتراط ضمان نفس العين، لان العين عبارة عن مجموع أجزائها وأوصافها، فإذا نقص كل جزء أو وصف فضمان العين ينطبق على ذلك الجزء أو ذلك الوصف بمقداره.

[ 51 ]

نعم ربما يكون لاجتماعها أيضا زيادة قيمة، وهو يكون في هذا المقام بمنزلة نقصان جزء، فلا يحتاج إلى إطلاق أو تنصيص لضمان خصوص النقصان. وأنت خبير بأن هذا شبه مغالطة في المقام، وذلك لان الاستعمالات المأذونة لو أدت إلى نقص في حد نفسها لا توجب ضمانا، وإنما الضمان جاء من قبل الاشتراط والشرط حسب الفرض ضمان العين لو تلفت، فبأية حالة كانت عند التلف قيمتها أو مثلها تأتي على العهدة، فقبل تلف العين لا يأتي شئ مما وقع عليه التلف على العهدة سواء كان من الاجزاء أو من الاوصاف، بل ما يتعلق بالذمة ويستقر على العهدة هي العين الموجودة في وقت وقوع التلف عليها بوجودها الاعتباري أو قيمتها أو مثلها، وأما الصفات الفاقدة أو الاجزاء الفاقدة قبلا فلا. وليس من قبيل الغصب كي يكون جميع أجزائها وأوصافها من حين وقوع اليد العارية أي غير المأذونة عليها مضمونة على الغاصب، فتلك الاوصاف والاجزاء خارجة عن دائرة الضمان إلا باشتراط خاص متعلق بها أو شمول الاطلاق لها وهنا إشكال آخر على ضمان ما نقص بالاستعمالات المأذونة، وهو أن اشتراط الضمان فيه مخالف لمقتضى عقد العارية، والشرط المخالف لمقتضى العقد باطل وفاسد. وفيه: أن شرط الضمان في النقص الحاصل من الاستعمالات المأذونة ليس منافيا لمقتضى العقد. بيان ذلك: أن العارية وإن كانت عبارة عن التسليط على عين متمول للانتفاع والاستعمال في ما يحتاج إليه مجانا وبلا عوض، فما هو مجان وبلا عوض هو جواز الاستعمال بلا عوض، وليس مقتضاه عدم ضمان النقص الحاصل من تلك الاستعمالات الجائزة مجانا كي يكون شرط ضمانه منافيا لمقتضى العقد. نعم لو شرط في عقد العارية كون تصرفاته واستعمالاته بمعوض، يكون هذا

[ 52 ]

الشرط مخالفا لمقتضى العقد، وليس الاستعمال ملازما للنقص، بل ربما يكون الاستعمال ولا يكون نقص أصلا، لا في الصفات في الاجزاء ولا في القيمة. والحاصل: أن كون جواز الاستعمالات مجانا وبلا عوض غير مضاد مع ضمان النقص ومما يجتمعان، فلا مانع من ضمان النقص بالاستعمال، ولا يكون مخالفا لمقتضى العقد. فرع: وبهذا الفرع نختم العارية، وهو أن العارية لا شك في رجحانها شرعا وعقلا، وذلك لا يحتاج أكثر الناس في بعض الاحيان إلى بعض الالات والادوات وظروف الاطعمة والاشربة، والقدور للطبخ، والاغطية، واللحف خصوصا إذا نزل عليهم ضيف، والحلي وأدوات الزينة للنساء خصوصا إذا أردن الذهاب إلى الاعراس، وكثير من الحوائج الاخر. وخلاصة الكلام: لو لم تكن العارية مشروعا لكان يختل أمور معيشة كثير من الناس، ولذلك حث الشارع عليها ووضع الله تعالى تركها في عداد المحرمات الكبيرة في سورة الماعون كالغفلة عن الصلاة والرياء وأمثال ذلك، ولذلك ذهب جمع إلى وجوبها عند الطلب. وعلى كل حال لا شك في حسنها مستدلا بالنص والاجماع، والنص كتابا وسنة. أما الكتاب: منها: قوله: (وتعاونوا على البر والتقوى) 1. ولا شك في أن العارية بر، فإعطاء العارية معاونة على البر. ومنها: قوله تعالى (ويمنعون الماعون) 2. حيث ذمهم الله تعالى عن منع


(1) المائدة 5: 2. (2) الماعون 107: 7.

[ 53 ]

إعطاء الماعون. وقال في التذكرة: وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: الماعون العواري. والعواري جمع عارية، وفسر ذلك ابن مسعود فقال ذلك القدر والدلو والميزان 1. وأما استحبابها: فبعد الاجماع على عدم وجوبها فهذه الايات والروايات الواردة في الحث عليها لابد وأن تحمل على تأكد الاستحباب، مثل قوله صلى الله عليه وآله في حق من عنده الابل وأداء حقها بعد ما قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال صلى الله عليه وآله: " إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحة لبنها يوم وردها " 2. وحكي عن عكرمة أنه قال: التوعد وقع على الثلاث، فإذا جمع ثلاثتها فالويل له إذا سها عن الصلاة ورائي ومنع الماعون. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا.


(1) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 209. (2) " عوالي اللئالي " ج 3 ص 251، باب الوديعة ح 7.

[ 55 ]

61 - قاعدة الاجارة أحد معايش العباد

[ 57 ]

قاعدة الاجارة أحد معايش العباد ومن جملة القواعد الفقهية قاعدة " الاجارة أحد معايش العباد ". وفيها جهات من البحث: الجهة الاولى في مشروعيتها وأنها من المعاوضات الثابتة في الدين والشريعة الاسلامية، ويترتب شرعا عليها آثار باستحقاق المستأجر منافع العين المستأجرة، أو عمل الاجير الذي استأجره لذلك العمل إذا وقعت واجدة لشروط صحتها الاتية. والدليل على ثبوتها ومشروعيتها الايات، والروايات، والاجماع. أما الاول: فمنها: قوله تعالى: (إني أريد أن أنكحك احدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمان حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك) 1. ومنها: قوله تعالى: (وقالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين) 2.


(1) القصص 28: 27. (2) القصص 28: 26.

[ 58 ]

ومنها: قوله تعالى: (لو شئت لتخذت عليه أجرا) 1. وغيرها من الايات التي منها ما نقله المرتضى، عن تفسير النعماني بإسناده عن علي عليه السلام في بيان معايش الخلق، قال: وأما وجه الاجارة فقوله عز وجل (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون) 2. فأخبرنا سبحانه أن الاجارة أحد معايش الخلق، إذا خالف بحكمته بين هممهم وإرادتهم وسائر حالاتهم، وجعل ذلك قواما لمعايش الخلق، وهو الرجل يستأجر الرجل في ضيعته وأعماله وأحكامه وتصرفاته وأملاكه، ولو كان الرجل منا يضطر إلى أن يكون بناء لنفسه، أو نجارا، أو صانعا في شئ من جميع أنواع الصنائع لنفسه، ويتولى جميع ما يحتاج إليه من إصلاح الثياب وما يحتاج إليه من الملك فمن دونه، ما استقامت أحوال العالم بتلك، ولا اتسعوا له ولعجزوا عنه، ولكنه أتقن تدبيره لمخالفته بين هممهم وكلما يطلب مما تنصرف إليه همته مما يقوم به بعضهم لبعض، وليستغني بعضهم ببعض في أبواب المعايش التي بها صلاح أحوالهم 3. وأيضا روى الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن الصادق عليه السلام في وجوه معايش العباد إلى أن قال: " وأما تفسير الاجارات فإجارة الانسان نفسه، أو ما يملكه، أو يلي أمره من قرابته أو دابته أو ثوبه " 4 الى آخر الحديث الشريف. والمقصود من نقل الروايتين أن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام استدل لكون الاجارة من وجوه معايش العباد، وأنها مشروعة ثابتة في الدين بالاية الشريفة وأنها لابد منها، وأن أمور الخلق ومعايشهم لا تستقيم بدونها.


(1) الكهف: 18: 77 (2) الزخرف: 43: 32 (3) المرتضى في " المحكم والمتشابه " ص 59، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 244، كتاب الاجارة، باب 2 ح 3. (4) " تحف العقول " ص 333، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 242، كتاب الاجارة، باب 1 ح 1.

[ 59 ]

وأما الثاني: فأخبار كثيرة دالة على مشروعية الاجارة، نذكرها إن شاء الله تعالى في الفروع الاتية. وأما الثالث: فالقولي منه هو اتفاق جميع الفقهاء على مشروعية الاجارة، والعملي منه هو اتفاق جميع المتدينين من جميع الفرق الاسلامية على أخذ الاجير لحوائجهم وإيجار أملاكهم، بل لا يبعد الادعاء بأن ثبوتها ولزوم ترتيب الاثر عليها من الضروريات. الجهة الثانية في بيان حقيقتها وشرح ماهيتها والمراد منها أقول: الظاهر أن لفظة " الاجارة " مصدر فعل الثلاثي المجرد، أجر يأجر إجارة، ككتاب مصدر كتب، وهي في الاصل بمعنى الاكراء كما ذكره أهل اللغة، وهو المتفاهم العرفي من هذه الكلمة. وعند الفقهاء: فالمشهور منهم قائلون بأنها عبارة عن تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم، وقيل إن حقيقتها التسليط على عين للانتفاع بها بعوض معلوم. والاول أمتن وأشمل، لعدم شمول الثاني إجارة الحر نفسه، لان الحر لا يقع تحت سلطنة أحد ولا يمكن أن يكون لاحد يد عليه. نعم تمليك منافعه لا مانع منه. وقد أشكل على التعريف الاول بأن المنافع تدريجية الوجود، ما لم ينعدم الجزء الاول لا يتحقق الجزء التالي، فلا قرار وثبات لها كي تصير متعلقة للملكية ويرد عليها التمليك. وفيه: أن الامور التدريجية الوجود أيضا لها وجود، ولوجودها آثار، فمثل الليل والنهار وليلة الجمعة وشهر رمضان لها وجود، وذلك لان المتصل التدريجي مساوق للوحدة الشخصية، فالقول بأن المنافع حيث أنها تدريجية الوجود فليس لها

[ 60 ]

قرار وثبات فلا يرد عليها التمليك، ليس كما ينبغي. وأما الاشكال عليه: بأن الاجارة ليست تمليكا للمنفعة، لانها متعلقة بالعين، فلو كان معنى الاجارة هو التمليك فلابد وأن يكون تمليكا للعين لا المنفعة، لعدم تعلقها بالمنفعة، فلا تكون موجبا لنقلها إلى المستأجر. ففيه: أنه ليس معنى " آجرت الشئ الفلاني " ملكته كي يقال بأنها لم تتعلق بالمنفعة، بل معنى " آجرتك هذه الدار أو هذه الدابة " مثلا، أو أي مال آخر له منفعة محللة مقصودة للعقلاء هو أكريتك هذه الاشياء. ومعنى الاكراء عند المتفاهم العرفي تمليك منافع ذلك الشئ له بإزاء عوض معلوم. فمعنى إجارة عين من الاعيان التي لها منفعة تمليك منافعها، فإذا تعلقت الاجارة أو الاكراء بعين يفهم العرف منه أن منافع تلك العين صارت ملكا للمستأجر والمكتري. وبعبارة أخرى: لفظتا " الاجارة " و " الاكراء " مفيدتان لتمليك منافع ما تعلقا به فلو تعلقا بالمنفعة أفادا تمليك منافع تلك المنفعة، فلو قال: " آجرتك أو أكريتك منافع هذا البستان " كان معناه ملكتك منافع هذا البستان، فلابد وأن تتعلق الاجارة بنفس العين كي تفيد تمليك منافعها الذي هو حقيقة الاجارة فلا مجال للاشكال المتقدم، لما ذكرنا في معنى الاجارة من أن المعاوضة فيها في الحقيقة تقع بين منافع العين المستأجرة والعوض المذكور في عقد الاجارة، وذكر العين باعتبار قيام المنافع بها ولتعيين المنافع التي يملكها المؤجر للمستأجر بإزاء ما يأخذ من العوض. هذا في إجارة الاعيان المملوكة. وفي إجارة الاحرار للاعمال أيضا يكون الامر كذلك. وفي الحقيقة معنى إجارة الاجير نفسه، أو من يلي أمره لعمل تلميك ذلك العمل وذكر الاجير لقيام العمل به فلا يتعين إلا به، وإلا هو بنفسه أجنبي عن مورد المعاملة والمعاوضة.

[ 61 ]

هذا إذا لم يكن لفظ " الاجارة " متضمنا لتمليك منافع متعلقه، سواء كان متعلقه من الاعيان التي لها منفعة، أو كان حرا آجر نفسه، فمعنى إجارة نفسه تمليك منافع نفسه للمستأجر. فالاجارة وإن كانت تتعلق بنفسه ولكن قلنا إن معنى تعلق الاجارة بشئ هو تمليك منافع متعلقه للمستأجر، فإذا قال " آجرتك هذه الدار " معناه تمليك منافع تلك الدار للمستأجر، فلا يبقى إشكال في البين، ولا حاجة إلى القول بأن ذكر العين من باب قيام المنفعة بها ومن جهة تعيين المنفعة التي تقع طرفا للعوض. ثم إن العلامة قدس سره ذكر في جملة من كتبه أن الاجارة عبارة عن العقد 1. وثمرته تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم مع بقاء الملك على أصله. وأشكل عليه في جامع المقاصد 2 بأنه لو كان معنى الاجارة هو العقد، فلازمه أن يكون قول المؤجر " آجرتك " إنشاء وإيجادا لعقد الاجارة، فيكون معنى " آجرتك الدار الفلانية " مثلا: أنشأت عقد إجارتها. وهو غريب. والصحيح هو أن الاجارة بالمعني الذي ذكرنا لها - تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم - مسببة عن العقد، أي عن الايجاب والقبول، بمعنى أن الايجاب والقبول عند الشارع موضوع لوجود الاجارة في عالم الاعتبار التشريعي. فقولنا: إنها مسببة عن العقد - أي الايجاب والقبول - ليس مرادنا أنها من المسببات التكوينية، كالاحتراق الحاصل من النار بل عبارة عن أمر اعتباري اعتبره الشارع أو العرف والعقلاء في موضوع كذا، وهو ملكية المنفعة الكذائية في إجارة الاعيان، أو العمل الكذائي في اجارة الاحرار. فلا يرد عليه أن السبب لابد وأن يكون موجودا بتمام أجزائه حال وجود المسبب، وإلا لزم تأثير المعدوم في الموجود، ولايحتاج الى التمحلات البارة التي


(1) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 290 " قواعد الاحكام " ج 1 ص 224. (2) " جامع المقاصد " ج 7 ص 80.

[ 62 ]

ذكروها في هذا المقام. فإن كان مرادهم من قولهم في مقام تعريف الاجارة " إنها عقد ثمرتها كذا " هو الايجاب والقبول، فهذا واضح البطلان، وإن كان مرادهم أن العقد موضوع عند الشارع لذلك الامر الاعتباري، فهذا كلام حق لا إشكال فيه. ولا مانع من كون الامور التدريجية الوجود، موضوعة لامر اعتباري و مصححة لاعتباره، كما أن الشارع جعل التذكية - أي فري الاوداج الاربعة بآلة من حديد من مسلم مسميا موجها إلى القبلة - موضوعا لطهارة بدن الحيوان المذكى، وحلية لحمه إن كان مما يحل أكله، وقد اعتبر الشارع الاحكام الخمسة التكليفية من الوجوب، والحرمة، والاستحباب، والكراهة، والحلية في أكثر الافعال التي هي تدريجية الوجود. ثم إن عقد الاجارة كسائر العقود يقع بالايجاب والقبول، ولابد أن يكونا بلفظين صريحي الدلالة على المقصود. واللفظ الصريح من طرف الموجب هو " آجرت " و " أكريت "، ومن طرف القابل، " قبلت " و " استأجرت " و " أكتريت " أو " استكريت " وأمثال ذلك مما هو يدل دلالة صريحة على مطاوعة ما أنشأه الموجب. والمراد من الدلالة الصريحة هو أن يكون اللفظ إما موضوعا لذلك المعنى، وإما يستعمل فيه مع القرينة الصارفة والمعينة جميعا بحيث يكون ظاهرا في المعنى المراد، وذلك لان العقود تابعة للمقصود، وقد أوضحناه في قاعدة " العقود تابعة للقصود " من هذا الكتاب. وخلاصة الكلام في هذا المقام أن إنشاء عناوين العقود، كالبيع والاجارة والصلح والرهن، لابد وأن تكون مقصودة للمتعاقدين موجبا وقابلا، لانها عناوين قصدية لاتتحقق بدون القصد، فإذا قصد عنوانا من عناوين العقود، وأنشأه بلفظ صريح في معنى ذلك العنوان إما بالوضع أو بالقرينة المتعارفة الظاهرة فيه حسب

[ 63 ]

المتفاهم العرفي، وجد ذلك العنوان في عالم الاعتبار التشريعي. وأما إذا لم يكن المستعمل في الايجاب أو في جانب القبول ظاهرا في المعنى المقصود لا بالوضع ولا بالقرينة لم يوجد ذلك المعنى في عالم الاعتبار التشريعي وإن كان مقصودا، لعدم كفاية القصد وحده، بل لابد في وجوده أمرين: القصد وإنشاء ما قصده بلفظ صريح فيه، وإلا يلزم أحد الامرين: إما أن ما قصد لم يقع، أو أن ما وقع لم يقصد. وقد يكون كلا الامرين كما أنه لو قصد إجارة الدار واستعمل لفظ البيع في مقام الانشاء وقال: " بعتك هذه الدار " فلا يقع بيعا، لانه لم يقصد، ولا إجارة، لانه وإن قصدها ولكن الذي أوقعه هو البيع، فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. وذلك لان آلة الايقاع في باب الانشاءات هو اللفظ الظاهر في المعنى الذي يريد انشاءه، إذ الانشاء بالاستعمال الصحيح، وهو لابد وأن يكون إما باستعمال اللفظ في معناه الحقيقي، وإما باستعماله في غير ما وضع له، ولكن مع القرينة الصارفة والمعينة للذي يريد. ولذلك وقع الخلاف في بعض التعابير، كما إذا قال: " بعتك سكنى هذه الدار سنة كاملة بكذا " هل تقع الاجارة أم لا؟ من حيث ظهور البيع في نقل الاعيان وظهور المنفعة في الاجارة. نعم لو قال: " ملكتك سكنى هذا الدار سنة كاملة بكذا " كان ظاهرا في الاجارة، لانه تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم، وهذا عين الاجارة. ثم إنه لا إشكال في وقوع الاجارة بالعقد، إنما الكلام في وقوعها بالمعاطاة. الظاهر أنه أيضا لاإشكال فيه لوجوه. الاول: تحقق عنوان الاجارة بالمعاطاة فتشمله العمومات، إذ لا شك أن

[ 64 ]

قوله عليه السلام: " الاجارة أحد معايش الخلق " 1 في مقام بيان طرق المعيشة التي هي حلال وبها قيام أسواق المسلمين وتلك الطرق ممضاة من قبل الشارع، فحال " الاجارة أحد معايش الخلق " حال " أحل الله البيع " و " الصلح خير " و " العارية مردودة " وأمثال ذلك من عناوين المعاملات. الثاني: بناء على أن المعاطاة أيضا عقد - كما احتمله بعض وإن كان لا يخلو من مناقشة بل إشكال - تشملها أدلة وجوب الوفاء بكل عقد، وقدم تقدم تفسير ذلك في بيع المعاطاة وقلنا التحقيق إنها ليست بعقد. الثالث: قيام السيرة المستمرة في جميع أنحاء العالم على تحقق الاجارة بالمعاطاة وبناء العقلاء من كافة الامم على ذلك. فإذا تحققت بالمعاطاة تشملها العمومات من الايات والروايات التي تدل على إمضائها وترتيب الاثر عليها، فلا ينبغي أن يشك في صحة الاجارة المعاطاتية ولزوم ترتيب أثر الاجارة الصحيحة عليها. وأما أنها لازمة كالعقدية أم لا؟. أقول: جميع أدلة اللزوم - خصوصا أصالة اللزوم في الملك - تجري فيها ما عدا (أوفوا بالعقود) 2 بناء على عدم كون المعاطاة عقدا كما اخترناه. فالاجارة مطلقا - تحققت بالعقد أو بالمعاطاة - معاملة لازمة لا تنفسخ إلا بالتقايل أو شرط الخيار كسائر العقود اللازمة. نعم إذا ثبت الاجماع على عدم اللزوم في المعاطاة منها، كما ادعي في البيع، فلابد من الخروج من مقتضى الاطلاقات والادلة والقول بجوازها ما لم تلزم بتصرفهما أو تصرف أحدهما فيما انتقل إليه.


(1) تقدم ص 58، هامش رقم 4. (2) المائدة 5: 1.

[ 65 ]

فلو تصرف المستأجر في المنفعة التي ملكها بالاجارة، أو تصرف المؤجر في عوضها لزمت الاجارة ولا يجوز فسخها، كما هو الحال في البيع أيضا، فالبيع المعاطاتي أيضا جوازه مشروط ببقاء الثمن والمثمن، ففي صورة تلفهما أو تلف أحدهما لا يبقى الجواز، بل يصير البيع لازما، لان القدر المتيقن من مورد الاجماع هو فيما إذا كان العوضان باقيين ولم يقع تلف في أحدهما، كلا أو بعضا، ولاتصرف منهما أو من أحدهما. وبناء على هذا حيث أن الاجارة المعاطاتية غالبا ملازمة مع تلف جزء من المنفعة المملوكة للمستأجر أو العمل الذي صار مملوكا له، فلا يبقى مورد للجواز. ولعله لهذا ادعوا الاجماع على لزومها مطلقا. فرع: لا تبطل الاجارة ببيع العين المستأجرة، غاية الامر تنتقل الى المشتري مسلوبة المنفعة مدة تلك الاجارة اللازمة. ولا مانع من ذلك بعد الفراغ عن اجتماع شرائط صحة البيع ونفوذه فيه وشمول إطلاقات البيع له، وعدم الخلاف في صحة البيع إن كان المشتري غير المستأجر، بل وإن كان هو المستأجر لوقوع الشراء بعد أن صار الملك مسلوب المنفعة بالاجارة، فلم تبق منفعة كي تكون ملكا للمشتري تبعا للعين، من غير فرق في ذلك بين أن يكون المشتري هو المستأجر أو يكون غيره، لانه فيما إذا كان المشتري هو المستأجر في الرتبة السابقة على البيع صارت المنفعة ملكا له، فمحال أن تصير ملكا له بواسطة الشراء المتأخر. اللهم الا أن يقال بسقوط الملكية الحاصلة بالاجارة بالانفساخ، وحصول ملكية جديدة بتبع ملكية العين بالبيع. ولكن هذا قول بلا دليل، وتكلف بلا مبرر. إلا أن يقال: إن العقلاء لا يرون في حال كون العين ملكا له أن تكون ملكية

[ 66 ]

منفعتها مستندة إلى سبب آخر غير التبعية. ولكن هذا أيضا صرف ادعاء لا شاهد عليه. فالاقوى عدم بطلان الاجارة ببيع العين المستأجرة، سواء كان المشتري هو المستأجر أو كان غيره، وقد عقد في الوسائل بابا لذلك 1. نعم لو كان المشتري جاهلا بأن البائع آجر المبيع قبل البيع، كان له الخيار، لان اللزوم ضرري، وربما يكون ضرره أكثر من مورد الغبن الذي يوجب الخيار، خصوصا إذا كانت الاجارة لمدة طويلة. بل في بعض الصور تكون المعاملة لغوا وغير عقلائي، كما إذا آجر داره - مثلا - لمدة مائة سنة فباعها، فالمشتري الجاهل يشتري لاجل أن يسكن فيها، فلو كانت هذه المعاملة لازمة لزم أن يكون المشتري طول عمره محروما من سكنى داره، ولا يمكن للفقيه الالتزام بصحة أمثال هذه المعاملات ولزومها. وأما ذكره العلامة قدس سره في الارشاد 2 من بطلان الاجارة وانفساخها إذا كان المشتري هو المستأجر، فقد ذكروا لتوجيه كلامه وجوها. منها: ما أفاده المحقق المقدس الاردبيلي قدس سره في شرحه على الارشاد 3، من أنه لو قلنا بعدم الانفساخ وبقاء الاجارة لزم توارد العلتين والسببين المستقلين على مسبب واحد، لان المستأجر يملك المنفعة أيضا تبعا للعين بالبيع، وقد كان مالكا لها بالاجارة، فبعد أن اشترى العين لو لم تنفسخ الاجارة وبقيت، يكون ملكه للمنفعة مستندا الى سببين: الاجارة والتبعية، كل واحد منهما سبب مستقل لا أنه جزء سبب، ويكون من قبيل تحصيل الحاصل المحال لو قلنا بحصول ملكيتها ثانيا بالتبعية، فلابد من القول ببطلان الاجارة وانفساخها.


(1) " وسائل الشيعة " ج 13 ص 266 كتاب الاجارة، باب 24. (2) " إرشاد الاذهان " ج 1 ص 426. (3) " مجمع الفائدة والبرهان " ج 10 ص 91.

[ 67 ]

ولكن قد عرفت أن الاقوى عدم بطلان الاجارة، وإن كان المشتري هو المستأجر، لانه في الرتبة السابقة على الشراء ملك منافع العين بالاجارة، ومالك العين حيث أنه آجر ملكه ونقل منفعة ذلك الملك إلى المستأجر فقد استوفى منفعة العين بالاجارة وأخذ بدلها، فلم يبق لذلك الملك منفعة في عالم الاعتبار التشريعي، بمعنى أن الباقي في يد المالك بعد الاجارة نفس العين بدون المنفعة. فإذا باع العين فلا ينتقل الى المستأجر بذلك البيع إلا العين مجردة عن المنافع، لعدم كونه مالكا للمنافع كي ينقلها الى المشتري، وفاقد الشئ لا يمكن أن يكون معطيا له، فيحصل للمستري ملك بلا منفعة. وفي مثل هذا المورد لا تبعية في البين. ولا ملازمة بين ملكية العين وملكية منافعها، وإلا يلزم إما بطلان جميع الاجارات، أو القول بأن منافع العين المستأجرة ملك للموجر بتمامها، وأيضا ملك للمستأجر بتمامها، ولا يصح التفوه بهذه الاباطيل. ومنها: ما أفاده في الايضاح في شرح قول والده قدس سره: " ولو كان هو المستأجر فالاقرب هو الجواز ". قال: ويحتمل انفساخ الاجارة، لانه إذا ملك الرقبة حدثت المنافع على ملكه تابعة للرقبة، وإذا كانت المنافع مملوكة له لم يبق عقد الاجارة عليها 1. وفيه: أن ملك العين يستدعي ملك المنافع تبعا إذا لم يسبق ملكها بسبب آخر، وإلا يلزم تحصيل الحاصل كما تقدم بيانه، وصرف حدوث المنافع على ملكه لا يوجب كونها ملكا له مطلقا، بل يوجب إذا لم يكن له سبب آخر قبلا، وإلا يلزم المحذور المتقدم - تحصيل الحاصل -. ومنها: ما قاله في جامع المقاصد: أن لازم بقاء الاجارة وعدم انفساخها أن يجتمع على المشتري المستأجر الثمن والاجرة جميعا، فيجب عليه أن يعطى من


(1) " إيضاح الفوائد " ج 2 ص 244، " قواعد الاحكام " ج 1 ص 224.

[ 68 ]

ماله أجرة ماله 1. وفيه أن هذا يلزم لو كان حصول ملكية منافع العين المستأجرة بالتبعية، وإلا لو كان ذلك جهة الاجارة ففي الرتبة السابقة على الاجارة ليست المنافع مالا له، وإنما تحصل المالية بالاجارة وإعطاء الاجرة، فهو يعطي من ماله أجرة ما صار ملكا له بالاجارة. وهذا لا إشكال فيه، بل يكون كل إجارة هكذا. وبعد أن صارت المنافع ملكا له بالاجارة وإعطاء العوض والبدل، فوقوع البيع بعد ذلك لا يؤثر في ملكيتها تبعا، لانه إذا كان لشئ سببان، فالسبب الاول إذا وجد يوجد المسبب ولا يبقى محل ومجال لتأثير السبب الثاني. فما قاله العلامة قدس سره في القواعد: " لو كان هو المستأجر فالاقرب هو الجواز " 2 هو الصحيح، لا ما أفاده في الارشاد 3. وإن كان تعبيره بالجواز لا يخلو من مناقشة، إذ المراد منه بقاء الاجارة وعدم انفساخها. ولا ينبغي أن يعبر عن هذا المعنى بالجواز، لعدم الكلام في جواز البيع وجواز الاجارة وعدم جوازها، إنما الكلام في انفساخ الاجارة وعدم انفساخها. فرع: لو تقارن البيع والاجارة - كما إذا باع داره مثلا، وفي نفس ذلك الزمان آجرها وكيله - فهل كلاهما يقعان صحيحين، أو باطلين، أو التفصيل بين البيع فيقع صحيحا، وبين الاجارة فتقع باطلة؟ وجوه. ربما يتوهم في وجه الاول أن تمليك العين لشخص وتمليك منفعتها لشخص


(1) " جامع المقاصد " ج 7 ص 90. (2) " قواعد الاحكام " ج 1 ص 224. (3) " إرشاد الاذهان " ج 1 ص 426.

[ 69 ]

آخر لا تنافي بينهما، لانهما ملكان لمالك واحد، وله أن ينقل أحدهما إلى شخص، والاخر إلى شخص آخر. وفيه: أن هذا صحيح لو كانت الاجارة متقدمة على البيع زمانا، لانه بعد نقل المنفعة إلى الغير بالاجارة يبقى الملك بلامنفعة في مدة الاجارة، فللمالك أن يبيع العين المسلوبة المنفعة لنفس ذلك المستأجر أو لغيره، ولاتنافي بينهما. وأما لو كانا في زمان واحد - كما هو مفروض المسألة - فحيث أن نقل العين بالبيع يستتبع نقل المنفعة أيضا، فإذا كان زمان البيع والاجارة واحدا لزم نقل المنفعة إلى شخصين في زمان واحد، فيكون النقلان متنافيين، ولا ترجيح لاحدهما، فيتساقطان، نعم لو كان المشتري والمستأجر واحدا فلا يأتي الاشكال ولاتنافي، بل يكون بمنزلة تكرار نقل المنفعة إليه. وربما يجاب عن الايراد المذكور بأن النقلين ليسا في رتبة واحدة، بل يكون نقل المنفعة بالاجارة في رتبة علة نقل المنفعة بالبيع، أي نقل العين، فيكون نقل المنفعة بالاجارة حاصلا بدون معارض، ولا يبقى محل لنقلها ثانيا بالبيع، فتكون الاجارة صحيحة والبيع أيضا صحيحا، غاية الامر يكون نقل العين بالبيع حال كونها مسلوبة المنفعة، ويكون للمشتري الخيار مع الجهل. وفيه: أولا أن تقدم العلة ليس زمانيا، بل لابد وأن يكونا - العلة والمعلول - في زمان واحد، وإلا لزم التفكيك بين العلة والمعلول، فلو كان هناك ألف علة ومعلول في سلسلة مترتبة، فزمان العلة الاولى مع زمان المعلول الاخير في تلك السلسلة واحدة، فزمان تمليك المنفعة في الاجارة مع زمان تمليكها في البيع في المفروض واحد، وإن كان الاول في رتبة العلة الثاني. وثانيا قد تقرر في محله أن ما مع العلة في الرتبة لا يلزم أن يكون مقدما على معلولها مثل نفس العلة، وذلك لان التقدم لابد وأن يكون له ملاك، والتقدم بالعلية

[ 70 ]

ملاكه الوجوب، وهذا المعنى في نفس العلة موجود، ولكن ليس موجودا فيما مع العلة زمانا، لانه ليس بعلة، فعلى فرض كون تمليك المنفعة في الاجارة في رتبة علة تمليكها في البيع ليس مقدما عليه كتقدم علته عليه، لعدم وجود ملاك التقدم - وهو الوجوب - فيه. هذا، مظافا إلى أن ملاك التنافي هو وحدة زمانيهما، ولا أثر لاتحاد الرتبة وعدمه في المقام. نعم يمكن أن يقال: إن عقد الاجارة مقتض لنقل منفعة العين المستأجرة منجزا ولا تعليق فيه، وأما عقد البيع مقتض لنقل منفعة العين إلى المشتري معلقا على عدم كونها مسلوبة المنفعة، فهنا مقتضيان أحدهما تعليقي والاخر تنجيزي، والاول لا يعارض الثاني لذهاب موضوعه به، ففي نفس الزمان الذي يقتضي التعليقي نقل المنفعة معلقا على عدم كونها مسلوبة المنفعة، يؤثر المقتضي التنجيزي أثره ويجعلها مسلوبة المنفعة، ولا يبقى محل لتأثير مقتضى التعليقي، فلا فرق بين تقدم الاجارة زمانا على البيع، وبين اتحادهما زمانا كما في المقام. فظهر مما ذكرنا صحة الوجه الاول وبطلان الوجهين الاخرين. فرع: هل تبطل الاجارة بموت المؤجر، أو المستأجر أو لا تبطل بموت أي واحد منهما، وقيل: تبطل بموت المستأجر دون المؤجر؟ الظاهر عدم البطلان بموت كل واحد منهما. بيان ذلك: أنه لاشك في حصول النقل والانتقال في أبواب المعاوضات العقدية والمعاملات المالية بوقوع العقد صحيحا تام الاجزاء والشرائط من حيث شرائط العقد، والمتعاقدين، والعوضين في العقود اللازمة، وتشملها اطلاقات وعمومات الادلة الواردة في وجوب الوفاء بالعقود، ولزوم العمل بالشروط، والبقاء عند العهود.

[ 71 ]

فبناء على هذا مقتضى القواعد الاولية هو دخول منافع العين المستأجرة في ملك المستأجر في المدة المضروبة وخروجها عن ملك المؤجر، وكذلك الامر في الاجرة التي هي عوض تلك المنافع مقتضى صحة العقد ونفوذه ووجوب الوفاء به وضعا وتكليفا دخولها في ملك المؤجر وخروجها عن ملك المستأجر. وقد فرغنا عن إثبات أن الاجارة عقد لازم لا تنفسخ إلا بالتقايل أو أحد الاسباب المقتضية للفسخ، فخروج كل واحد من العوضين عن ملك مالكه بعد وقوع العقد الصحيح ورجوعه إلى مالكه الاول يحتاج إلى دليل مفقود في المقام. استدل القائلون بالانفساخ وفساد الاجارة بموت أحدهما بالاجماع. ففيه: أنه لا إجماع في البين مع مخالفة جمع من قدماء الاصحاب القائلين بعدم الانفساخ بالموت كالاسكافي 1 والمرتضى 2 وأبي الصلاح 3 - قدس الله اسرارهم - بل على ما في الجواهر نسب في السرائر عدم الفساد والبطلان إلى أكثر المحصلين 4، وفي المختلف: أن أكثر الاصحاب لم يفتوا بالبطلان 5. نعم لا يبعد أن يكون القول بالبطلان هو المشهور بين القدماء كما صرح بذلك في الشرائع 6، وفي الغنية 7 الاجماع على ذلك. كما أن المشهور بين المتأخرين عدم البطلان، فلا مجال للخروج عن مقتضى القواعد بأمثال هذه الاجماعات التي ليست مبتنية على أساس صحيح.


(1) حكاه عن الاسكافي في " مختلف الشيعة " ج 6 ص 107، الاجارة وتوابعها، مسألة: 6. (2) المرتضى في " المسائل الناصرية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 260، المسألة: 200. (3) " الكافي في الفقه " ص 348. (4) " جواهر الكلام " ج 27 ص 207، موارد بطلان الاجارة، " السرائر " ج 2 ص 449، في ما لو مات المستأجر أو المؤجر. (5) " مختلف الشيعة " ج 6 ص 108، الاجارة وتوابعها، مسألة: 6 (6) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 179. (7) " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 539.

[ 72 ]

فالعمدة في دليلهم على البطلان بموت أحدهما وجهان: [ الوجه ] الاول: الدليل العقلي، وهو تبعية المنفعة للعين. ولا شبهة في أن العين بعد الموت يخرج عن ملك الميت وينتقل إلى غيره، فالمنفعة أيضا تكون بتبع العين ملكا لمن انتقل إليه العين، فتمليك المؤجر المنفعة للمستأجر بالنسبة إلى منافع العين المستأجرة بعد موته يكون تمليكا لما لا يملك، وهو معلوم البطلان. هذا بالنسبة إلى موت المؤجر، وأما بالنسبة إلى موت المستأجر، فلان المنفعة تدريجية الوجود، فقبل موته لا منفعة في البين، أي المنافع التي توجد بعد موته كي يملكها، وبعد موته غير قابل لان يتملك، فيبطل بموت كل واحد منهما. وفيه: أن ملكية المؤجر للعين ليست موقتة بمدة حياته، بل ملكية مرسلة. نعم بالموت ينتقل إلى الورثة، فالموت سبب ناقل كسائر النواقل، فإذا كان ملكه للعين مطلق مرسلة غير مقيدة بالحياة، فملكه لمنافعها أيضا مطلق مرسل، فله تمليكها أزيد من مدة حياته، لانه سلطان على ماله. بل له تمليكها لشخص في خصوص زمان بعد موته، وذلك كما إذا أوصى بمنافع عين من أعيان أملاكه لشخص مدة طويلة أو قصيرة، ولا شك في أنه لو لم يكن ملكه للعين أو منافعها مطلقة كان تمليكه لكل واحد منهما بعد الموت تمليكا لمال الغير، وهو باطل بالضرورة. وإن شئت قلت: ليس من قبيل تمليك أحد بطون الموقوف عليهم لعين الموقوفة لغيره، أو إجارته أزيد من مدة حياته، لان ملكية البطن ليست مطلقة مرسلة، بل كل بطن لا يملك العين وكذلك منافعها أزيد من مدة حياته. ولذلك لو آجر العين الموقوفة مدة أزيد من مدة حياته تكون موقوفة على إجارة البطن اللاحق، إلا أن يكون له ولاية عليه، أو كان له الولاية على مثل ذلك من قبل الواقف بأن كان متوليا من قبله في ذلك. وأما الاشكال عليه بأن وجود المنفعة تدريجية، فلا يملكها المستأجر إلا في

[ 73 ]

حال وجوده، لانه في حال موته ليس قابلا لان يتملك. فقد أجبنا عنه بأنه وإن كانت المنفعة تدريجية الوجود، ولكن العرف والعقلاء يرونها موجودة باعتبار تبعيتها للعين الموجودة. وأما ادعاء أن مضي مدة الاجارة جزء أو شرط لحصول ملكية المنفعة للمستأجر فغريب إثباتا وثبوتا. أما في مقام الاثبات: فلعدم الدليل على ذلك، بل لوجود الدليل على العدم، وهو أن المستأجر له أن يوجر العين المستأجرة إن لم يشترط عليه المباشرة في الاستيفاء، وهذا دليل على أنه يملك بمحض تمامية العقد واجدا لشرائطه، وليس متوقفا على مضي المدة. وأما في مقام ثبوت: فلان مضي مدة الاجارة مساوق لانعدام المنافع، ومرجع ذلك إلى أن يكون ملكية الشئ مشروطة بانعدامه. وهذا غريب، فليس في البين إشكال عقلي في بقاء الاجارة وعدم بطلانها لا بموت المؤجر ولا بموت المستأجر. الوجه الثاني: ورود روايات دالة على بطلانها بموت المؤجر، كرواية إبراهيم بن الهمداني قال: كتبت إلى الحسن عليه السلام وسألته عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين على أن تعطي الاجارة (الاجرة خ ل) في كل سنة عند انقضائها لا يقدم لها شئ من الاجارة (الاجرة خ ل) ما لم يمض الوقت، فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها هل يجب على ورثتها إنفاذ الاجارة إلى الوقت، أم تكون الاجارة منقضية بموت المرأة؟ فكتب عليه السلام: " إن كان لها وقت مسمى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الاجارة، فإن لم تبلغ ذلك الوقت وبلغت ثلثه أو نصفه أو شيئا منه، فتعطي ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء الله 1.


(1) " الكافي " ج 5 ص 270، باب من يؤاجر أرضا ثم يبيها...، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 207، ح 912، باب المزارعة، ح 58، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 268، كتاب الاجارة، باب 25 ح 1.

[ 74 ]

تقريب الاستدلال بهذه المكاتبة على بطلان الاجارة بموت المؤجر هو أن يكون المراد بقوله عليه السلام " فلورثتها تلك الاجارة " أي أمرها بيد الورثة، ولهم إمضاءها بالنسبة إلى المدة الباقية من عشر سنين التي كانت المدة المضروبة لاصل الاجارة التي أوقعتها تلك المرأة ولهم فسخها وحلها بالنسبة إلى تلك المدة الباقية. أو يكون المراد أن الاجارة إنفسخت بالنسبة إلى ما بعد موت المرأة، وأمر المدة الباقية من عشر سنين بيد الورثة، فلهم أن يوجروا بإجارة جديدة بمثل إجارة المرأة وعلى تلك الكيفية ولهم أن لا يعطوه. ويكون المراد بقوله عليه السلام " فإن لم تبلغ ذلك الوقت " أي الوقت المضروب للنجوم وأقساط إعطاء الاجرة، فالواجب على المستأجر إعطاء الاجرة للورثة بقدر ما مضى من تلك المدة التي استوفى منفعة الضيعة فيها، لان الاجارة لا تبطل بالنسبة إلى ما مضى في زمان حياة المرأة، فتستحق المرأة وبعد موتها تكون للورثة. وأنت خبير بأن هذا خلاف ظاهر الرواية، وظاهرها في مقام جواب السائل هو أن الاجارة لا تنقضي بموت المرأة ولا تنفسخ، بل تنتقل كما كانت إلى الورثة. وبعبارة أخرى: تكون الورثة قائمة مقام مورثهم في جميع شؤون تلك الاجارة، ولذلك يستحقون بالارث عوض المنفعة التي استوفاها المستأجر، وأما فيما بعد موت المرأة فأيضا يستحقون الاجرة، ولكن باعتبار أنها عوض ملكهم لا باعتبار الارث من المرأة. وبناء على هذا المعنى تكون المكاتبة دليلا على عدم البطلان كما صرح به المقدس الاردبيلي قدس سره على ما حكي عنه 1، وحكي عن العلامة الطباطبائي قدس سره ظهورها في الصحة 2. والانصاف أن المكاتبة لو لم تكن ظاهرة في الصحة غير دالة


(1) " مجمع الفائدة والبرهان " ج 10 ص 64. (2) حكاه عنه في " جواهر الكلام " ج 27 ص 209.

[ 75 ]

على البطلان، بك تكون مجملة لا ظهور لها، فلابد من القول بعدم البطلان بموت المؤجر. وأما ما يقال من أن المراد بالشرطية الثانية - أعني قوله عليه السلام " وإن لم يبلغ ذلك الوقت وبلغت ثلثه " - أنها ماتت في أثناء الاجل المضروب وقبل أخذ الاجرة، فتستحق الورثة باعتبار الارث ذلك المقدار الذي استحقت المرأة، فيعطى لهم. فتدل على بطلان الاجارة بموتها، وإلا تقوم الورثة مقامها وتستحق تمام أجرة النجم بعد تمام السنة مثل نفس المرأة. ففيه: ما ذكرنا من أن الورثة من ناحية الارث يستحقون المقدار الذي استحقت المرأة بالنسبة إلى ما مضى من الوقت المضروب، وهذا لا ينافي استحقاقهم لباقي الاجرة باعتبار كونه إجارة ملكهم الذي ورثوه من المرأة وإن تكون الاجارة باقية صحيحة. وإن شئت قلت: إن بعض ما يستحقه الورثة على المستأجر باعتبار إرثهم مما استحقته المرأة، والبعض الاخر باعتبار كونه إجارة ملكهم. وأما عدم البطلان بموت المستأجر فأوضح، من جهة أن المستأجر بمحض وقوع العقد الصحيح ملك منفعة جميع المدة، وبعد موته ينتقل ملكه إلى وارثه، وليس هاهنا ما يمنع عن ملكية الورثة إلا اشتراط المالك على المستأجر المباشرة في الانتفاع، وفي مثل ذلك نلتزم بالبطلان لتعذر الانتفاع. فرع: يجوز إجارة المشاع كالمقسوم كما يجوز بيعه وصلحه وهبته، وذلك لان حقيقة الاجارة تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم. وهذا المعنى كما يتحقق في المقسوم غير المشاع يتحقق في المشاع أيضا، فتشمله إطلاقات الاجارة. فعدم جوازها يحتاج إلى دليل ينفي الصحة من إجماع أو رواية أو غيرهما، وليس في

[ 76 ]

البين ما ينفي الصحة، بل السيرة عند العقلاء والمتدينين قائمة على صحة الاجارة في الاملاك المشتركة، وكثيرا ما تكون الضيعة وكذلك القرية والخان مشتركة بين عدة ويوجر وكيلهم المجموع، فيأخذ كل واحد من الاجرة بمقدار حصته من العين المستأجرة، أو كل واحد من الشركاء يؤاجر حصته منفردا. وهذا الامر دائر بين الناس في معاملاتهم. نعم في الصورة الاخيرة ليس له تسليم تمام العين المستأجرة إلى المستأجر بدون إذن شريكه، لانه تصرف في مال الغير. وبعبارة أخرى: شرائط صحة الاجارة من شرائط المتعاقدين، كالبلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر وغير ذلك، وشرائط العوضين من كونهما معلومين كي لا يلزم غررا في البين، وكونهما مقدوري التسليم، وكونهما مملوكين، وكون العين المستأجرة مما يمكن الانتفاع بها مع بقائها، وكون المنفعة والانتفاع بها مباحا، وجود كلها يمكن مع كون العين المستأجرة مشاعا غير مقسوم. فرع: لاشك في أن العين المستأجرة أمانة مالكية في يد المستأجر فيما إذا كان الانتفاع بكونها في يد المستأجر، وأما إذا كان الانتفاع غير متوقف على كونها في يد المستأجر كالسيارة التي يستأجرها لركوبه مع كون العين في يد صاحبها، فهو خارج عن محل الكلام موضوعا، وليس داخلا في باب الامانات قطعا. والمقصود من هذا البحث هو أنه إذا وقع تلف على العين المستأجرة من غير تعد أو تفريط وكانت في يد المستأجر هل يضمن أم لا؟ وحيث أن ضمان اليد لا يأتي إلا فيما إذا كانت اليد غير مأذونة من قبل الله أو من قبل المالك، أو من هو بمنزلته. فالاول كاللقطة، فإن اللاقط مأذون من قبل الله في حفظ ذلك المال وإيصاله

[ 77 ]

إلى المالك، وفي كونه في يده مدة التعريف به، والحاكم الشرعي مأذون في حفظ أموال الغيب والقصر من المجانين والسفهاء وغير البالغين إلى زمان زوال الحجر عنهم. وهذا القسم من الامانة تسمى بالامانة الشرعية. وأما الثاني فهو في كل مورد كان المال في يد غير صاحبه إما بإذن صاحبه ومالكه، أو من هو بمنزلة المالك كوليه أو وكيله، أو كان متوليا على ذلك المال من قبل مالكه، أو من كان بمنزلة المالك كمتولي الوقف والناظر فيه، ففي جميع هؤلاء الامناء التلف بدون تعد ولا تفرط لا ضمان فيه، لان قاعدة " وعلى اليد " إنما هي في اليد غير المأذونة، واليد المؤذونة خارجة عن مفادها إما تخصيصا أو تخصصا. وحيث أن يد المستأجر مأذونة فلا ضمان إلا بالتعدي والتفريط، لخروجها بهما عن كونها أمانيا. نعم الامانة المالكية على قسمين: قسم منها عقدية كالوديعة، فإن الطرفين يتعهدان على أن يكون المال أمانة عنده، وهذا هو الامانة بالمعنى الاخص. وهذا القسم هو الذي يقال بعدم جواز شرط الضمان فيه، لانه خلاف مقتضى العقد، بل وخلاف الكتاب، لقوله تعالى (وما على المحسنين من سبيل) 1. ولا شك في أن الودعي محسن، وأي سبيل أعظم من الضمان بدون تعد وتفريط. مضافا إلى ما ورد من عدم ضمان صاحب الوديعة بدون التفريط: منها: ما في الكافي، صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان " 2. ومنها: ما في الكافي والتهذيب، صحيحة زرارة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن


(1) التوبة 9: 91. (2) " الكافي " ج 5 ص 238 باب ضمان العارية والوديعة، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 227 كتاب الوديعة، باب 4 ح 1.

[ 78 ]

وديعة الذهب والفضة؟ قال: فقال عليه السلام: " كل ما كان من وديعة ولم تكن مضمونة لا تلزم " 1. وغيرهما من الروايات المعتبرة. والقسم الاخر - هو أن يعطي المالك ماله بيد الغير لاجل مصلحة له كما في باب الاجارة، أو لاجل مصلحة ذلك الغير كباب العارية. ففي هذا القسم أيضا إن قلنا بأن الامانية لا توجب الضمان بقوله عليه السلام " وما على الامين إلا اليمين " 2 ولخروج اليد الامانية عن عموم مفاد " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه " 3 تخصيصا أو تخصصا فلا موجب للضمان. وأما إذا شرط الضمان فنفس الشرط موجب له، وليست الامانية تقتضي عدم الضمان كي يقال بأن الشرط خلاف مقتضى العقد، فلا يؤثر، بل يوجب بطلان العقد، بناءا على أن الشرط الفاسد مفسد للعقد. وهذا القسم هو الامانة بالمعنى الاعم، كباب العارية والاجارة والمضاربة وغيرها مما هو من هذا القبيل. فظهر مما ذكرنا أن الاجارة لا تقتضي الضمان في حد نفسها، ولكن لا تقتضي عدم الضمان مثل الوديعة، فشرط الضمان فيها يكون نافذا ولا يكون على خلاف مقتضى العقد، فبدون الشرط لا ضمان في تلف العين المستأجرة أو في نقصها إلا مع التعدي والتفريط، ومع الشرط لا مانع من ضمانها. فرع: لو آجر داره مثلا في هذا الشهر الحاضر باعتبار منفعة شهر أو شهرين أو أزيد متأخرا عن هذا الشهر، فالاجارة صحيحة لا مانع منها. وبعبارة أخرى: لا


(1) " الكافي " ج 5 ص 239، باب ضمان العارية والوديعة، ح 7، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 179 ح 789، باب الوديعة، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 228، كتاب الوديعة، باب 4 ح 4. (2) راجع ج 2 ص 9، " قاعدة عدم ضمان الامين ". (3) " عوالي اللئالي " ج 2 ص 345، باب القضاء، ح 10، " مستدرك الوسائل " ج 17، ص 88، أبواب الغصب، باب 1، ح 4، " سنن أبي داود " ج 3، ص 296، ح 3561، باب في تضمين العارية، " سنن ابن ماجة " ج 2، ص 802 ح 2400، أبواب الصدقات، باب العارية.

[ 79 ]

يعتبر اتصال مدة الاجارة بالعقد، ولا فرق بين أن تكون العين المستأجرة - في الزمان الفاصل بين مدة الاجارة والعقد - في إجارة الغير أو لا. وذلك من جهة أن المالك المؤجر يملك منافع العين المستأجرة في جميع قطعات الزمان، فله أن يملك أي قطعة شاء من أي شخص، سواء كان متصلا أو كان منفصلا، وسواء كان في الزمان الفاصل آجره لشخص آخر أو لم يوجره. فرع: لو آجر داره أو دكانه سنة أو شهرا ولم يعين، ربما انصرف إلى السنة أو الشهر المتصلان بزمان العقد، وإلا فالاجارة باطلة، لعدم تعيين زمان الانتفاع والمنفعة، مع أن حقيقة الاجارة تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم. فرع: بناء على بطلان شرط الضمان في الاجارة - وإن تقدم منا صحته وجوازه ونفوذه - لو قال المؤجر للمستأجر: آجرتك هذه الدار مثلا بكذا بشرط أن تعطي مقدار كذا من مالك لو تلفت أو حصل فيها نقص، فهل هذا أيضا يرجع إلى شرط الضمان ويكون باطلا، أم لا إذ ليس هذا شرط خارجي وقع في ضمن عقد الاجارة وليس خلاف مقتضى عقد الاجارة، ولا خلاف الكتاب والسنة، فيكون صحيحا ونافذا؟ الظاهر هو الثاني، إذ على فرض تصديق أن عقد الاجارة يقتضي عدم ضمان العين المستأجر لا يقتضي عدم التزام المستأجر بشئ من ماله إن وقع التلف أو حصل نقص في العين المستأجرة، فتشمله عمومات وجوب الوفاء بالشرط إذا كان واجدا لشروط صحة الشروط، كما هو كذلك في المقام. فرع: هل الحكم في الاجارة الفاسدة مثل الاجارة الصحيحة - أي لا ضمان

[ 80 ]

بتلف العين فيها - أم لا، بل يضمن لعدم كون اليد فيها مأذونة، فإن اليد في المقبوض بالعقد الفاسد تجري مجرى الغصب عند المحصلين، كما قال به ابن ادريس قدس سره 1 فتخرج عن عموم " الامين مؤتمن " 2 ويشملها عموم " وعلى اليد ما أخذت "، لان الخارج هي اليد المأذونة وليس هاهنا إذن واقعا، لان إعطاء المالك العين المستأجرة للمستأجر باعتقاد أنه مستحق لان يعطى له لانه مالك لمنافعها، وإلا لو علم بأنه غير مستحق لعدم كونه مالكا لمنافعها فلا يعطيه العين ولا يرضى بأن تكون في يده، ففي الواقع لا رضاء له بأن يكون المال في يده، فيكون إذنه ورضاه بكونه في يده في حكم العدم، بل معدوم واقعا، فتكون يد المستأجر كاليد الغاصبة، بل هو غاصبا لو كان عالما بفساد الاجارة. كما أن المالك لو كان عالما بفساد الاجارة ومع ذلك أعطى العين المستأجرة للمستأجر فلا ضمان، لقاعدة الاقدام، لانه أقدم على ذلك فيكون أمانة مالكية واليد يد مأذونة فلا موجب للضمان. وهذا لا إشكال ولا كلام فيه. إنما الكلام في صورة جهله بالفساد. والتحقيق في هذا المقام هو الذي ذكرناه مرارا في مقام الفرق بين القضية الحقيقية والقضية الخارجية أن الاولى يتعلق الحكم والارادة بوصف عنواني ينطبق على مصاديقه، والثانية ما تعلق الحكم بنفس الاشخاص الخارجية بتوسط الصورة الذهنية. وفي الصورة الاولى إذا أخطأ واعتقد وجود ذلك الوصف العنواني في شخص وخاطبه بعنوان ذلك الوصف وقال مثلا: يا صديقي أدخل داري، فليس لذلك


(1) " السرائر " ج 2 ص 285. (2) " الفقيه " ج 3، ص 304، ح 4087 و 4088، باب الوديعة، ح 1 و 2، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 183 و 184، ح 805 و 811، في العارية ح 8 و 14، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 227 كتاب الوديعة في أحكام الوديعة، باب 4 ح 1 و 2.

[ 81 ]

المخاطب الذي ليس صديقه دخول الدار، لان إرادة المتكلم وإذنه لم يتعلقا بهذا الشخص الخارجي بل تعلقا بعنوان لا ينطبق عليه، فليس مأذونا بالدخول. وأما إذا كان بطور القضية الخارجية وقال: يا زيد مثلا أدخل داري، وإن كان إذنه هذا باعتقاد أنه صديقه، يجوز له الدخول وإن لم يكن صديقه. والسر في ذلك: تعلق الارادة والاذن في هذه الصورة بشخص المخاطب وإن كان منشأها اعتقاد أنه صديقه وكان مخطئا في اعتقاده، وأما في الصورة الاولى تعلقت بعنوان لا ينطبق على المخاطب، فلا يكون المخاطب مأذونا بالدخول، لا بشخصه ولا بعنوان منطبق عليه. وفيما نحن فيه إن أعطى العين المستأجرة وسلمها إلى المستأجر بعنوان المستحق للاخذ والملك لمنفعتها فلا يكون المستأجر مأذونا، وليست يده يد أمانة، لتعلق الاذن بعنوان غير منطبق عليه. وان سلم إليه العين بعنوان شخصه باعتقاده أنه مالك منفعتها كان مأذونا، وكانت يده يد أمانة، وإن كان مخطئا في اعتقاده. فلابد وأن ينظر ويلاحظ في أن تسليم المؤجر العين للمستأجرة بأي واحد من القسمين، فإن كان بعنوان المستحق للاخذ وأنه مالك لمنفعتها فليست يده يد أمانة، وإن كان من القسم الثاني كانت يده يد أمانة ولايكون ضامنا. هذا في مقام الثبوت. وأما في مقام الاثبات فظاهر الحال أنه سلم إليه العين بعنوان أنه مالك لمنفعتها، وأخذه مقدمة لاستيفاء المنفعة في باب الاجارة، وفي باب البيع الفاسد البائع يسلم المبيع للمشتري بعنوان أنه مالك له، ففي كلا البابين تكون يدهما يد ضمان، لا يد أمانة. نعم تبقى مسألة قاعدة " مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده "، فإنها تدل على عدم الضمان في الاجارة الفاسدة بناء على عدم الضمان في صحيحها بالتلف

[ 82 ]

كما تقدم. والقاعدة ثابتة بالاجماع، ونحن تكلمنا في هذه القاعدة أصلا وعكسا في الجزء الاول من هذا الكتاب، فلا نعيد. فرع: هل الاجراء يضمنون العين - التي يأخذونها لاجل عمل فيها - لو تلفت أو حصل فيها عيب ونقص، كالخياط الذي يأخذ الثوب لاجل أن يخيطه، أو القصار الذي يأخذه لاجل أن يغسله، وهكذا في جميع الاجراء بالنسبة إلى العين التي تقع تحت أيديهم لاجل عمل فيها أم لا؟ الظاهر عدم ضمانهم، لما تقدم من أن يدهم يد أمانة مالكية، فهي خارجة عن عموم " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه " تخصيصا أو تخصصا. ولا موجب آخر للضمان، بل الاخبار التي تنفي الضمان عن الامين إذا لم يصدر عنه تعد ولا تفريط من أدلة عدم الضمان في المقام، وكذلك سيرة المتدينين، وادعى المرتضى قدس سره الاجماع على عدم الضمان 1. نعم الظاهر نفوذ اشتراط الضمان فيها لعموم " المؤمنون عند شروطهم " 2 بعد كونه واجدا لشروط صحة الشروط، وليس عدم الضمان من مقتضيات هذا العقد كي يكون شرط الضمان على خلاف مقتضاه، فيكون فاسدا وباطلا، بل يكون مفسدا للعقد على قول. هذا، مضافا إلى رواية موسى بن بكير، عن العبد الصالح عليه السلام قال: سألته عن رجل استأجر ملاحا وحمله طعاما في سفينته، واشترط عليه إن نقص فعليه. قال: " إن نقص فعليه " قلت: فربما زاد قال عليه السلام: " يدعى هو أنه زاد فيه؟ " قلت: لا. قال:


(1) " الانتصار " ص 226. (2) تقدم ص 18، هامش 4.

[ 83 ]

" فهو لك " 1. وهذه الرواية ظاهرة في أن شرط الضمان بالنسبة إلى نقص العين التي في يد الاجير نافذ، فلا يبقى وجه للقول ببطلان هذا الشرط وعدم نفوذه. فرع: هل يأتي الخيار في عقد الاجارة أم لا؟ الحق في المقام هو أن الشارع إذا لم يمنع عن دخول الخيار في معاملة - كما أنه منع عن دخوله في عقد النكاح - مقتضى القاعدة إمكان دخول الخيار فيها وإن كان بتوسيط الشرط. وبعبارة أخرى: يحتاج إلى وجود دليل عليه، والادلة الواردة في باب الخيارات والتي يمكن أن يستشهد بها مختلفة، فبعضها مختص بمعاملة خاصة فلا يثبت في غيره، كقوله عليه السلام في باب البيع: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع " 2. فهذا الخيار المسمى بخيار المجلس لا يجري في غير البيع، سواء الاجارة وغيرها من المعاملات. وبعضها يشمل جميع المعاملات ولا اختصاص له بمعاملة دون أخرى، كقاعدة لا ضرر بناء على دلالتها على ثبوت الخيار في المعاملة الضررية. وخلاصة الكلام هو: أن أبواب المعاملات هي في الحقيقة تعهدات والتزامات بين المتعاقدين على أمر من الامور، وهذا المعنى يمكن أن يكون فيه أحد الالتزامين مقيدا بالتزام آخر، أو كل منهما مقيدا بالاخر، إلا أن يمنع الشارع عن ذلك، وإلا ففي حد نفسه لا مانع عقلي في البين في مقام الثبوت. نعم في مقام الاثبات يحتاج إما إلى دليل منع ونفي يمنع شمول الاطلاقات


(1) " مستطرفات السرائر " ص 19 ح 13 من كتاب موسى بن بكر الواسطي، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 270 كتاب الاجارة باب 27 ح 1. (2) " الكافي " ج 5 ص 170 باب الشرط والخيار في البيع، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 12 ص 346، أبواب الخيار، باب 1 ح 4.

[ 84 ]

التي تدل على لزوم الوفاء بالشروط، كما ورد في باب النكاح وكما إذا كان الشرط غير واجد لشرائط صحة الشروط، أو كان ذلك الدليل مخصصا لعموم (أوفوا بالعقود) 1 كأدلة حرمة الربا بالنسبة إلى المعاملة الربوية، وإلا ففي حد نفسه شرط الخيار مثل سائر الشروط الصحيحة تشمله إطلاقات أدلة لزوم الوفاء بالشرط، ولا فرق عند العقل والعرف بين شرط الخيار في البيع وفي الاجارة. نعم إذا ورد دليل خاص بثبوت خيار خاص في معاملة مخصوصة، كما ورد في باب البيع: " صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام " 2 سواء كان المبيع أو الثمن أو كلاهما حيوانا فلصاحب الحيوان - وهو الذي انتقل إليه الحيوان كان هو المشتري أو البائع - الخيار ثلاثة أيام، يقتصر على مورده لعدم العموم لدليله يشمل جميع المعاملات، بل لا يشمل جميع أفراد البيع لفقدان موضوع خيار الحيوان في أكثر البيوع لعدم كون المثمن أو الثمن فيها الحيوان، وكذلك المجلس إن كان دليله منحصرا بقوله عليه السلام: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع "، 3 لعدم شموله ما عدا البيع. وأما دليل نفي الضرر فيشمل جميع المعاملات إذا كان اللزوم ووجوب الوفاء ضرريا، فيرتفع الوجوب، فيكون مخيرا بين أن يبقى على التزامه وأن يرفع اليد عنه ولا يعتني بما التزم. وهذا هو الخيار بين حلة وإبرامه. وعلى هذا لو كان مدرك الخيار قاعدة لا ضرر، فيشمل جميع المعاملات التي لزومها ووجوب الوفاء بها يكون ضرريا على أحد المتعاقدين، سواء كان البيع أو الاجارة أو الصلح غير المبني على المسامحة، أو غيرها من المعاوضات التي ليس


(1) المائدة 5: 1. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 67، ح 287، باب ابتياع الحيوان، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12 ص 249، أبواب الخيار، باب 3، ح 2. (3) تقدم ص 83، هامش (2).

[ 85 ]

بناء المتعاملين فيها على المسامحة من حيث الخسارة والضرر المالي. ولكن ربما يستشكل على الاستدلال بقاعدة لا ضرر لثبوت الخيار في أبواب المعاملات حتى في خيار الغبن، بأن قاعدة نفي الضرر بناء على حكومتها على الادلة الاولية التي مفادها الاحكام الواقعية بعناوينها الاولية في جانب المحمول. مثلا حكم العقود بعناوينها الاولية هو اللزوم ووجوب الوفاء بمضمونها، فإذا كان وجوب الوفاء ضرريا فالقاعدة ترفعه، فلا يكون الوفاء واجبا، ويرتفع في عالم التشريع واقعا، كما هو شأن الحكومة الواقعية في جانب المحمول. ولكن ارتفاع وجوب الوفاء لا يوجب حدوث حق في هذه المعاملة الذي يعبر عنه بالخيار ويكون قابلا للاسقاط شأن كل حق، حتى عرفوه بأن الحق ما هو قابل للاسقاط، وجعلوه الفارق بين الحق والحكم. وإن شئت قلت: إن قاعدة لاضرر شأنه الرفع، لا الوضع وإثبات حق يسمى بالخيار، ولذلك قالوا: إن خيار الغبن ليس من جهة قاعدة نفي الضرر، بل من جهة تخلف الشرط الضمني، وذلك لان البيع عبارة عند العرف والعقلاء عن تبديل مال بمال يساويه، لاغراض عندهم. فكل واحد من البائع والمشتري يتعلق غرضه بما يأخذه عوض ماله، بمعنى أن البائع يتعلق غرضه بالثمن، والمشتري بالمبيع. وهذا لا ينافي بناء كل واحد من المتعاقدين أن ما يأخذه عوض ما يعطي يساويه ولا ينقص عنه، فهذا يكون شرطا ضمنيا من الطرفين، فإذا لم يكن كذلك وكان ما أخذه لا يساوي ما أعطى يقال إنه خدع وغبن، فيتخلف ذلك الشرط الضمني. وقد تحقق في محله أن تخلف الشرط يوجب الخيار. وفيه: أن قاعدة نفي الضرر لاشك في أنها ترفع اللزوم ووجوب الوفاء بالعقد، فيكون حاله حال العقود الجائزة، فيجوز رفع اليد عن المعاملة الضررية، وهذه هي نتيجة الخيار.

[ 86 ]

نعم هذا المعنى - أي الجواز - حكم شرعي وليس قابلا للاسقاط. ولا يمكن إنكار هذا الفرق، فلو قال في الاجارة الضررية: أسقطت حق فسخي، لا أثر لهذا الكلام، لانه ليس حق في البين. ولكن يمكن أن يقال: بأن ذلك الشرط الضمني الذي ادعيناه في باب البيع أيضا يمكن ادعاءه هاهنا - أي باب الاجارة - لانهما من هذه الجهة من واد واحد، فإن المؤجر والمستأجر أيضا في معاوضتهم يبنون على تساوي العوضين، بمعنى أن المؤجر يملك منافع العين بعوض معلوم بانيا على أن ذلك العوض يساوي منافع ماله، وكذلك المستأجر يقبل التمليك بالعوض بانيا على أن المنافع التي تملك بعقد الاجارة تساوي ما يعطيه من العوض، فإذا كانت المنافع أقل فللمستأجر الخيار، لتخلف الشرط الضمني، كما أنه لو كان العوض أقل من المنافع فللموجر الخيار. نعم لو كان مدرك خيار الغبن هو الاجماع، لا قاعدة نفي الضرر، ولا الشرط الضمني، فإثباته في الاجارة أيضا يحتاج إلى إثبات الاجماع فيها أو دليل آخر. هذا كله في غير شرط الخيار. وأما ثبوت خيار الشرط في الاجارة فيكفي في إثباته فيها عموم قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " 1. قال في الجواهر: ولا خلاف في ثبوت خيار الشرط فيها، واستظهر من التذكرة الاجماع عليه 2. ثم ذكر ثبوت جملة من الخيارات فيها كخيار الرؤية، والعيب، والغبن، والاشتراط، وتبعض الصفقة، وتعذر التسليم، والفلس، والتدليس والشركة. والضابط هو الذي ذكرنا من أن ثبوت الخيار في معاملة إن كان لدليل خاص لا يشمل غيرها - كخيار المجلس وخيار الحيوان - فلا يجري فيها، لعدم الدليل عليه


(1) تقدم ص 18، هامش 4. (2) " جواهر الكلام " ج 27 ص 218.

[ 87 ]

وبطلان القياس، وأما إذا كان الدليل عاما فيجري في جميع ما يشمله، سواء كان إجارة أو غيرها. الجهة الثانية في شرائطها وهي ستة: الاول: كمال المتعاقدين بالبلوغ والعقل والاختيار، وأن لا يكونا محجورين بأحد أسباب الحجر، وهذا الشرط من الامور الواضحة الغنية عن البيان. الثاني: كون الاجرة معلومة، وقد عرفت الاجارة بأنها " تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم " لدفع الغرر المنهي في أبواب المعاملات. قال في المسالك في وجه هذا الشرط: لنهي النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر مطلقا 1. وقال المحقق قدس سره في الشرائع: الثاني أن تكون الاجرة معلومة بالوزن والكيل فيما يكال أو يوزن، لتحقق انتفاء الغرر، وقيل: يكفي المشاهدة، وهو حسن 2. وجه الحسن عدم ورود الدليل على لزوم معرفة الاجرة فيما يكال أو يوزن، وإنما هو قياس على البيع. والذي ورد هو نهي النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر مطلقا، كما يدعيه في المسالك، والمروي عنه صلى الله عليه وآله في التذكرة أنه قال: " من استأجر أجيرا فليعلم أجرة " 3. وهذان - أي، العلم بالاجرة ورفع الغرر - كما يحصلان فيما يكال أو يوزن


(1) " مسالك الافهام " ج 1 ص 255. (2) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 180. (3) " مسالك الافهام " ج 5 ص 178 و 179، " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 291.

[ 88 ]

بالكيل والوزن، كذلك تحصل مرتبة منهما بالمشاهدة. اللهم إلا أن يقال: إن رفع الغرر عند العرف والعقلاء في المكيل والموزون لا يحصل إلا بهما، فبيعهما أو جعلهما عوضا للمنفعة المملوكة بالاجارة بدون الكيل والوزن تكون معاملة غررية، وبناء على بطلان ما هو معاملة غررية تكون تلك المعاملة باطلة، وإذا حصل الشك في صحة إجارة بدونهما فالمرجع هو استصحاب عدم انتقال المنافع إلى المستأجر. ولا تجري إصالة الصحة فيها، لعدم جريانها في الشبهات الحكمية، فإنها أصل موضوعي بعد الفراغ من حكم المعاملة. وبعبارة أخرى: أصالة الصحة تجري فيما إذا كان الشك في أن المأتي به هل هو موافق لما هو المأمور به أم لا، وأما إذا كان الشك في صحة المأتي به لاجل عدم العلم بما هو المأمور به، كما إذا علم بأنه في صلاته لم يأت بجلسة الاستراحة بعد رفع الرأس عن السجدة الثانية، وشك في صحة الصلاة لاجل الشك في جزئيتها. فبأصالة الصحة لا يمكن إثبات عدم جزئيتها وصحة الصلاة بدونها. وكذلك الامر في المعاملات، فإذا شك في اعتبار أمر في معاملة، كتقدم الايجاب على القبول مثلا، وأوقع معاملة ولم يقدم فيها الايجاب على القبول عمدا، فلا يمكن إثبات صحة تلك المعاملة، وعدم اعتبار تقدم الايجاب على القبول بأصالة الصحة. ومعلوم أن المقام من هذا القبيل، لان المدعي بكفاية المشاهدة في معرفة المكيل والموزون، وعدم اعتبار الكيل والوزن في معرفتهما ليس له مدرك سوى أصالة الصحة في فاقدهما، وهو لا يخلو من الغرابة. ذكر في ضمن هذا الشرط - أي معلومية الاجرة - فروع نحن نذكرها أيضا فرع: لا خلاف عندنا في أن المستأجر يملك تمام المنفعة بنفس العقد،

[ 89 ]

وذلك من جهة أن المالك أو من يقوم مقامه بعد ما أنشأ تمليك المنفعة المعلومة للمستأجر بعوض معلوم، وصدر القبول عن المستأجر، وتم العقد واجدا لجميع شرائط الصحة لا وجه لعدم حصول الملكية. نعم في بعض العقود والمعاملات شرط الشارع القبض مطلقا، أو في خصوص المجلس لتأثير العقد أو للزومه. وهذا لا ربط له بالمقام، لان مقامنا في أنه بعد أن تم عقد الاجارة إيجابا وقبولا مع وجود جميع شرائط الصحة، فهل يملك المستأجر جميع منافع مدة الاجارة حين تمامية العقد أم لا، بل يملك تدريجا، ففي كل زمان يملك منفعة ذلك الزمان؟ فلو استأجر دارا أو دكانا سنة مثلا لا يملك منفعة تمام السنة حين تمام العقد، بل يملك في كل يوم منفعة ذلك اليوم فقط، بل في كل ساعة منفعة تلك الساعة لا الساعة المتأخرة. لا ينبغي أن يشك في أن الصحيح هو الاول، لان سبب الملكية هو العقد الصادر عن أهله، أي المالك العاقل البالغ، غير المحجور، واجدا لجميع الشرائط المعتبرة في صحة هذا العقد، فيلزم من عدم وجود المسبب الخلف. ومنشأ احتمال الثاني هو أن المنافع حال وقوع عقد الاجارة ليست موجودة كي يكون مالك العين مالكا لها، فلا يملكها إلا بعد وجودها، فقبل وجودها لا يمكن أن يملكها، لان الشئ لا يمكن أن يكون معطيا له. وهذه قضية ضرورية. فلابد وأن نقول: حيث أن ملكية المنافع لمالك العين تدريجية، فتمليكها أيضا تدريجي، فحصول الملكية للمستأجر أيضا تدريجي. وأنت خبير بأن مبنى هذا الكلام هو عدم ملكية المنافع لمالك العين إلا بعد وجودها، وحيث أن وجودها تدريجية فملكيتها أيضا تدريجية. وهذا المبنى فاسد جدا، لان الملكية من الاعتبارت العقلائية والشرعية، والعقلاء يعتبرون منافع كل عين بتبع تلك العين ملكا لمالكها، لانهم يرون منافع الاعيان من شؤونها، فحيث أن

[ 90 ]

ملكية نفس العين ليست موقتة بوقت، فكذلك ملكية شؤونها، فكما أن ملكية العين لمالكها ملك طلق ما لم يخرج عن تحت سلطنته بناقل قهري كالموت والارتداد، أو غير قهري كالبيع والصلح والهبة وغيرها، فكذلك منافعها، ولذلك تجوز الوصية بمنافع ملكه سنين لشخص مع أنه لا يملك جديدا بعد موته. وأما حديث أنها قبل أن توجد ليست قابلة لان تتعلق بها الملكية، لان المعدوم غير قابل لان يكون معروضا لعرض خارجي أو أمر ذهني. ففيه: أولا أنه من الممكن تعلق الغرض الخارجي كالارادة - التي هي الشوق المؤكد - بالموجودات الخارجية قبل وجودها بتوسط الصورة الذهنية، التي هي مرآة للخارج، فالمرئي بالذات - بمعنى كون الوصف نعتا لنفس الموصوف، لا أنه وصف بحال متعلق الموصوف - وإن كان هي الصورة الذهنية، ولكن متعلق الحكم الشرعي واقعا وفي الحقيقة والمقصد الاصلي هو الخارج الذي هو محكي هذه الصورة الذهنية. لان المصلحة والمفسدة قائمتان به، وإلا فالصورة الذهنية لا مصلحة ولا مفسدة لها، فالارادة والكراهة لا تتعلقان بها إلا بالعرض. مثلا الصلاة تكون مطلوبة بوجودها الخارجي قبل أن توجد بتوسيط تلك الصورة الذهنية، وكذلك الامر في الكراهة، فتكون المحرمات مكروهة منفورة بوجودها الخارجي قبل أن توجد بتوسيط الصورة الذهنية. وحيث أن مركز المصلحة والمفسدة هو الوجود الخارجي، وإلا فالصورة الذهنية لذلك الوجود الخارجي لا مطلوب ولا مبغوض، وعلى هذا بنينا امتناع اجتماع الامر والنهي إن كان التركيب بين متعلقيهما تركيبا اتحاديا، وأجبنا عمن يقول بأن متعلق الامر والنهي صورتان ذهنيتان كل واحد منهما غير الاخر، فلا يجتمعان في متعلق واحد كي يلزم منه اجتماع الضدين فيكون محالا.

[ 91 ]

وذلك لان ظرف الاتحاد في الغصب والصلاة - مثلا - هو الخارج، والامر والنهي لا يتعلقان بالخارج، لان الخارج ظرف سقوطهما لا ثبوتهما، بل يتعلقان كل واحد منهما بالصورة الذهنية للصلاة والغصب، وهما مختلفان فلا اجتماع. وخلاصة ما قلناه في مبحث الاجتماع في مقام الرد على هذا الكلام هو: أن تعلق الارادة والكراهة بالصورة بالذهنية من أجل أنهما من الكيفيات والحالات النفسانية، فلابد وأن يكون عروضهما في الذهن ولكن بما هي مرآة للخارج، فيسريان إلى الخارج بتوسيط الصورة الذهنية. والمراد الاصلي وما فيه المصلحة والمفسدة - اللتان هما ملاك الحكم الشرعي - في الخارج، ولاشك في أن الارادة والكراهة تتبعان الملاك. ولكن حيث أن تعلقهما ابتداء وبلا واسطة في المعروض بالخارج غير ممكن، فبتوسيط الصورة الذهنية تتعلقان به، فالصورة الذهنية مراد بالذات بمعنى أنه بدون واسطة في العروض، ومراد بالعرض بمعنى أن تعلق الارادة بها لاجل مطلوبية ذي الصورة وكون الملاك والمصلحة فيه. وأما الاشكال بأن الخارج ظرف السقوط لا الثبوت. ففيه: أنه لو قلنا إنهما تتعلقان بنفس الخارج بدون واسطة كان الاشكال متجها، لانه بعد وجود المتعلق لزم في الاوامر أن يكون من قبيل طلب وجود ما هو حاصل، وفي النواهي اجتماع النقيضين، وكلاهما محال. وأما إذا قلنا بأنهما تتعلقان بالصورة الذهنية بما هي مرآة للخارج، فالصورة قبل وجود ذي الصورة مطلوبة، ولكن باعتبار كونها حاكية عن ذي الصورة ومرآة له، فيكون ذي الصورة قبل وجوده في الخارج مطلوبا بتوسيط الصورة الذهنية، فلا يلزم المحذور المذكور. وكذلك الامر فيما نحن فيه، فالمالك المؤجر يملك المنافع التي توجد فيما

[ 92 ]

سيأتي والمستقبل بتوسيط صورة تلك المنافع، لا أنه يملك للمستأجر نفس المنافع الموجودة في الخارج كي يلزم المحذور المذكور. وعدم إمكان عروض الارادة على الخارج بدون توسيط صورته الذهنية غير عدم إمكانه مطلقا. فالاول غير ممكن، والثاني لا مانع منه. فالقول بأن المستأجر يملك منافع العين تدريجا وشيئا فشيئا لا أساس له. بل لا يمكن رفع الاشكال المتوهم به أصلا، إذ الموجود التدريجي من الامور غير القارة مثل الحركة قابل للقسمة إلى ما لا يتناهى، فأي جزء منه قبل وجوده - بناء على صحة هذا الاشكال - ليس قابلا للتمليك، لانه معدوم، وبعد وجوده ليس قابلا لان يستفيده المستأجر، فلا تتعلق به الاجارة، إذ المقصود من الاجارة انتفاع المستأجر واستفادته من منافع العين المستأجرة، والامر التدريجي بعد أن وجد كل جزء منه ينعدم فورا، بل ما لا ينعدم ذلك الجزء لا يوجد الجزء الاخر، وإلا لزم الخلف، أي عدم تدريجية ما فرض تدريجيته، لان معنى تدريجية موجود هو عدم إمكان اجتماع أجزائه في الوجود. لان معنى تدريجية موجود هو عدم إمكان اجتماع أجزائه في الوجود. فرع: إطلاق عقد الاجارة وعدم تقييد كون الاجرة مؤجلة بوقت معين، أو بالنجوم المعينة يقتضي التعجيل، كما أن اشتراط التعجيل مؤكد لما يقتضيه الاطلاق من التعجيل. نعم لو شرط التأجيل مع ضبط الوقت عرفا بحيث لا يكون غررا في البين كان نافذا، لعموم " المؤمنون عند شروطهم " 1. وما ذكرنا من أن إطلاقه عقد الاجارة يقتضي التعجيل بالنسبة إلى أداء الاجرة، جار في البيع من أن إطلاقه يقتضي تعجيل أداء الثمن.


(1) تقدم ص 18، هامش 4.

[ 93 ]

والسر في كليهما: هو أنه كما ذكرنا ملكية الاجرة للاجير بنفس العمل، والثمن لمالك العين بنفس العقد، وبعد حصول الملكية يجب على كل من المستأجر والمشتري رد مال الغير - الاجرة والثمن - إلى صاحبه فورا من دون تراخ ومماطلة، لوجوب رد الامانات إلى أهلها، ولا شك أن الثمن والاجرة أمانة مالكية عند المشتري والمستأجر. وأما أن اشتراط التعجيل مؤكد لما يقتضيه العقد، فلان العقد في البيع والاجارة وغيرهما من العقود التمليكية، حيث أنه سبب للملكية، فبوجوده توجد الملكية، فبمقتضى (أوفوا بالعقود) 1 يجب ترتيب الاثر على ذلك العقد الذي تم، وأن يسلم المشتري الثمن إلى البائع، والمستأجر الاجرة إلى مالك العين المستأجرة، فإذا شرط التعجيل في الاداء فأيضا يجب الوفاء والتعجيل في الاداء، فعموم " المؤمنون عند شروطهم " يؤكد عموم (أوفوا بالعقود). وأما شرط التأجيل فيقيد إطلاق العقد، وحيث أنه لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا فجائز ونافذ لقوله صلى الله عليه وآله: " كل شرط جائز بين المسلمين إلا ما أحل حراما أو حرام حلالا " 2. فرع: لو وقف المؤجر على عيب سابق على القبض في الاجرة - وإن كان حدوث ذلك بعد العقد، لعدم الفرق بين حدوثه قبل العقد أو بعده بعد ما كان قبل القبض، إذ المناط هاهنا أن الاجرة وصلت إلى يد المؤجر معيبة لفوات جزء أو وصف منها - فهل موجب للخيار، أو الارش، أو للخيار وحده، أو للارش وحده، أو موجب للانفساخ، أو لا يوجب شيئا من ذلك بل يكون له فقط حق طلب الابدال بالفرد الصحيح من طبيعة الاجرة إذا كانت كليا في الذمة؟ وجوه.


(1) المائدة 5: 1. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 467، الزيادة في فقه النكاح، ج 80 " وسائل الشيعة " ج 15 ص 50 أبواب المهور، باب 40 ح 4.

[ 94 ]

أقول: الاجرة إما طبيعة كلية قابلة للانطباق على أفراد متعددة، وإما شخص خارجي ممتنع الصدق على كثرين فإن كان من القسم الاول فليس للمستأجر تطبيقها على الفرد المعيب، لان الكلي إذا جعل عوضا في العقود المعاوضية ينصرف إلى الطبيعة السالمة عن العيب والنقص، ففي مقام الاداء يجب أن يؤدي الفرد السالم، فإن خالف وأدى الفرد المعيب فللموجر مطالبة إبداله بالفرد الصحيح، لانه مصداق ما هو حقه. وأما إذا كانت الاجرة شخصا خارجيا وحدث فيها عيب قبل القبض، فإن قلنا بعدم اختصاص قاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " بالبيع بل تجري في جميع المعاوضات، فالعيب الحادث إما بتلف جزء وإما بزوال وصف الصحة، فإن كان الجزء التالف مما يقسط عليه الثمن ويكون مقابله مقدار من الطرف الاخر فبالنسبة إلى ذلك الجزء ومقابله تنفسخ المعاملة. مثلا: لو آجر دارا سنة كاملة بمقدار طن من الحنطة، فوقع التلف على جزء من الحنطة التي هي أجرة الدار، فبمقدار ذلك الجزء تنفسخ الاجارة، فلنفرض أن مقابل التالف هو الشهر من مدة الاجارة فبمقدار الشهر تنفسخ الاجارة، لان التالف يكون من مال المستأجر بحكم القاعدة على الفرض، ولايكون إلا بانفساخ العقد بتمامه، ولا أقل بمقدار ما يقابل التالف بعد التقسيط. ثم إن قلنا بانفساخ تمام العقد فيرجع تمام الاجرة إلى المستأجر والعين المستأجرة إلى المؤجر ولا إشكال في البين، وإن قلنا بانفساخ مقدار المقابل للجزء التالف من الاجرة فيرجع ذلك المقدار إلى المؤجر والباقي للمستأجر، ولكن يأتي خيار تبعض الصفقة، فلكل واحد منهما - المؤجر والمستأجر - خيار تبعض الصفقة. اللهم إلا أن يقال: لو تعمد المؤجر بإتلاف بعض الاجرة يكون إتلافه بمنزلة قبضه وإن لم يكن قبضا عرفا. هذا بالنسبة إلى الجزء.

[ 95 ]

وأما لو كان التالف هو الوصف وصار سببا لحدوث عيب في الاجرة، فإن قلنا بأن حدوث العيب قبل القبض كحدوثه قبل العقد، فيختار بين الرد وبين أخذ الارش مع الامساك على إشكال، وذلك لان أخذ الارش مع الامساك على خلاف القاعدة، وإنما ثبت في البيع لدليل تعبدي. وقد حققنا المسألة في خيار العيب. نعم ادعي الاجماع على جواز أخذ الارش إن أمسك ولم يرد، فإن تم الاجماع فهو، وإلا فلا يخلو من إشكال. بقي الكلام في أن قاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه " هل هي مختصة بالبييع، أم تجري في جميع المعاوضات؟ ونحن وإن حققنا هذه المسألة في الجزء الثاني من هذا الكتاب في مقام شرح القاعدة، ولكن نشير إليها هاهنا أيضا إشارة. أقول: لو كان مدرك هذه القاعدة الروايتين الشريفتين - أي الحديث الشريف النبوي المروي في عوالي اللئالي: " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " 1 ورواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل اشترى متاعا من آخر وأوجبة، غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، وقال: آتيك غدا إن شاء الله، فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال عليه السلام: " من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه " 2. فالظاهر اختصاصها بالبيع وعدم شمولها لسائر المعاوضات، فالتعدي إلى سائر


(1) " عوالي اللئالي " ج 3 ص 212، باب التجارة ح 59، " مستدرك الوسائل " ج 13 ص 303، أبواب الخيار، باب 9 ح 1. (2) " الكافي " ج 5 ص 171، باب الشرط والخيار في البيع ح 12، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 21 ح 89، في عقود البيع ح 6، وكذلك ج 7 ص 230 ح 1003، باب في الزيارات، ح 23، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 358، أبواب الخيار، باب 10، ح 1.

[ 96 ]

المعاملات المعاوضية - كالاجارة والصلح بعوض - يحتاج إلى دليل، أو تنقيح مناط قطعي، وإذ ليس شئ في البين، فلا يمكن التعدي من البيع إلى غيره. ولو كان مدركها الاجماع كما قيل - وحكى الشيخ الاعظم الانصاري قدس سره 1 عن التذكرة عموم الحكم لجميع المعاوضات على وجه يظهر كونه من المسلمات عندهم - فأيضا التعدي لا يخلو عن إشكال: أولا لعدم تحققه بادعاء البعض، خصوصا إذا كان بالاستظهار من كلام ذلك البعض من دون تصريحه بذلك. وثانيا عدم حجية مثل هذا الاجماع على فرض تحققه، كما حققناه في الاصول. أما لو كان مدركها - ما ذكرناه في شرح هذه القاعدة في الجزء الثاني من هذا الكتاب - هو بناء العقلاء والعرف والعادة على أن إنشاء العقود المعاوضية مبني على الاخذ والاعطاء الخارجي، بمعنى أن المبادلة في عالم الانشاء والتشريع مقدمة للاخذ والاعطاء الخارجي، بحيث لو لم يكن العوضان قابلين للاخذ والاعطاء الخارجي مأخوذة في حقيقة العقد حدوثا وبقاء، ولابد من بقاء القابلية إلى ما بعد القبض، وبزوالها قبل القبض ينفسخ العقد. وأنت خبير: بأن مثل هذا المعنى ليس مختصا بالبيع، بل يجري في جميع المعاوضات، لوحدة المناط بنظر العرف والعقلاء. وهذا هو المختار في مدرك القاعدة، والروايات تؤيد هذا المعنى المرتكز في أذهان العرف والعقلاء. فرع: قال في الشرائع: ولو فلس المستأجر كان للموجر فسخ الاجارة، ولا يجب عليه إمضاؤها، ولو بذل الغرماء الاجرة 2. ذكر الفقهاء في كتاب المفلس اختصاص الغريم بعين ماله ولا يشاركه الغرماء،


(1) " المكاسب " ص 314. (2) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 92.

[ 97 ]

للاجماع وأخبار وردت في المقام: منها: النبوي المروي في الكتب الفقهية للاصحاب: " إذا أفلس الرجل ووجد سلعته فهو أحق بها " 1. ومنها: صحيح عمربن يزيد، عن أبي الحسن عليه السلام، سألته عن الرجل تركبه الديون فيوجد متاع رجل آخر عنده بعينه. قال عليه السلام: " لايحاصه الغرماء " 2 وغير ذلك من الاخبار. وعلى كل تقدير فمشهور الفقهاء على اختصاص الغريم بعين ماله ولو لم يكن للمفلس مال سواها، وهذا هو الذي يسمى بخيار التفليس. إذا ظهر هذا فنقول في تفسير ما أفاده في الشرائع 3: إنه لو آجر داره مثلا لشخص، فقبل إعطاء الاجرة أفلس المستأجر ولم يستوف شيئا من منافع الدار، أو بقي شئ منها ولم يستوفه، فللموجر أن يفسخ الاجارة كي ترجع المنافع التي لم يستوفها المستأجر إليه. والحكم المذكور - أي إلحاق المنافع بالاعيان بمعنى أنه كما لو كانت عين ماله وسلعته موجودة كان هو أحق بها من سائر الغرماء كذلك هو أحق بالمنافع الموجودة التي لم يستوفها المستأجر - ادعي عليه الاجماع. ولكن حيث أن أخبار الباب في خصوص الاعيان، فلا تشمل مورد الاجارة


(1) " مستدرك الوسائل " ج 13 ص 430، أبواب الكتاب الحجر، باب 4 ح 1، " دعائم الاسلام " ج 2 ص 67، ح 187، فصل 17 ذكر الحجر والتفليس، " السنن الكبرى للبيهقي " ج 6 ص 45، باب المشتري يفلس بالثمن، " سنن أبي داود " ج 3 ص 286، ح 3519 باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده، نحوه. (2) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 193 ح 420، في الديون وأحكامها، ح 45، " الاستبصار " ج 3 ص 8 ح 19، كتاب الديون، باب من يركبه الدين...، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 145، كتاب الحجر، باب 5 ح 1. (3) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 92.

[ 98 ]

والمنافع، فبعد بطلان القياس لابد من القول بأن حكمهم باختصاص المؤجر دون سائر الغرماء بمنافع ماله من باب تنقيح المناط، وأنه لا خصوصية لكون ماله الموجود عينا، بل المراد أن المديون بعد أن أفلس وحجر عليه فمن كان من الغرماء ماله موجودا عنده - سواء كان ذلك المال عينا أو منفعة - فهو أحق به، ومرجع ذلك إلى إلغاء خصوصية عينية المال، ولا بعد فيه. فرع: قال في الشرائع: لا يجوز أن يوجر المسكن ولا الخان ولا الاجير بأكثر مما استأجره، إلا أن يوجر بغير جنس الاجرة، أو يحدث ما يقابل التفاوت 1. وفي بعض الروايات ذكر " أن فضل الحانوت حرام " 2، والظاهر أن " الخان " الذي ذكره في الشرائع مع " الحانوت " واحد، وإلا فلفظ " الخان " ليس في أخبار منع الفضل، أي الاجارة بأكثر مما استأجره، بل الموجود فيها " الرحى " و " الحانوت " و " الدار " و " الاجير " والسفينة " و " الارض ". وعلى كل تقدير مقتضى القواعد الاولية أن كل ما يملكه وله منفعة محللة يجوز نقله إلى الغير وصحت إعارته وإجارته، لان الناس مسلطون على أموالهم، وليس حد لاخذ العوض على نقل منافع ماله، بل له أخذ أي مقدار مع علم الطرف بسعر المنافع المنقولة ما لم تصل الاجرة إلى حد يقال إنها معاملة سفهية عند العرف والعقلاء. فلو استأجر عينا أو أجيرا، وبالاجارة تملك منافع تلك العين، وعمل ذلك الاجير، فله تمليك تلك المنافع والاعمال لغيره بأي أجرة أراد، ما لم يصل إلى حد


(1) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 181. (2) " الكافي " ج 5 ص 272، باب الرجل يستأجر الارض أو الدار فيؤاجرها بأكثر مما استأجرها، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 260، كتاب الاجارة، باب 20 ح 4.

[ 99 ]

السفاهة، فالمنع يحتاج إلى دليل. وقد ذكروا منع الفضل عما استأجره به في موارد، منها: هذه الثلاثة المذكورة في الشرائع: " المسكن " وقد عبر عنه في بعض الاخبار بالدار والبيت 1، و " الخان " وقد عبر عنه في بعض الاخبار بالحانوت، و " الاجير " 2. وفي بعض الاخبار ألحق بالاجير " الرحى " 3 ولكن لم يذكره في الشرائع، ولعله لان الرواية الواردة فيها عبر بالكراهة لا الحرمة، بخلاف الثلاثة المذكورة. وهي رواية سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال عليه السلام: " إني لاكره أن استأجر الرحى وحدها ثم أو اجرها بأكثر مما استأجرها، إلا أن أحدث فيها حدث، أو أغرم فيها غرما " 4. ومفهوم رواية إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليه السلام: أن أباه كان يقول: " لا بأس أن يستأجر الرجل الدار أو الارض أو السفينة ثم يواجرها بأكثر مما استأجرها به إذا أصلح فيها شيئا " 5. فالرواية بمفهومها دالة على أن المذكورات إذا لم يصلح فيها شيئا ففي إجارتها بأس بأكثر مما استأجرها به. ولكن كون البأس في إجارة هذه الامور لا تدل على الحرمة، بل أعم منها ومن


(1) " الكافي " ج 5 ص 271 باب الرجل يستأجر الارض أو الدار...، ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 203، ح 894 باب المزارعة، ح 40 " الاستبصار " ج 3 ص 129 ح 463، باب من استأجر أرضا بشئ معلوم...، ح 2 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 259 كتاب الاجارة باب 20 ح 2 و 3. (2) " الكافي " ج 5 ص 272 باب الرجل يستأجر الارض أو الدار فيؤاجرها بأكثر مما استأجرها، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 260 كتاب الاجارة باب 20 ح 4. (3) " الفقيه " ج 3 ص 235 ح 3864، بيع الكلاء والزرع والاشجار، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 259، كتاب الاجارة باب 20 ح 1. (4) تقدم تخريجه في هذه الصفحة هامش 3. (5) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 223 ح 979، في الاجارات ح 61، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 263 كتاب الاجارة، باب 22 ح 2.

[ 100 ]

الكراهة، فلا مانع من أن يكون في الدار حراما، كما صرح في الشرائع بذلك بعنوان المسكن، وفي الارض والسفينة يكون مكروها. وخلاصة الكلام: أنه لا إشكال في عدم جواز إجارة المسكن - أي الدار - والخان الذي هو بمعنى الحانوت، ولا إجارة الاجير بأكثر مما استأجره به إلا أن يحدث ما يقابل التفاوت، أو يوجر بغير جنس الاجرة التي استأجرها به، كما صرح بذلك في الشرائع. والدليل على ذلك أما بالنسبة إلى البيت والاجير فما رواه أبو الربيع الشامي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يتقبل الارض من الدهاقين، ثم يواجرها بأكثر مما تقبلها به ويقوم فيها بخط السلطان؟ فقال: " لا بأس به، إن الارض ليست مثل الاجير ولا مثل البيت، إن فضل الاجير والبيت حرام " 1. وهذه الرواية تدل على أمرين: الاول: عدم البأس بإجارة الارض بأكثر مما استأجرها به. فالجمع العرفي بينها وبين مفهوم رواية إسحاق بن عمار بحمل المفهوم في الثاني على الكراهة فيرتفع التعارض. الثاني: التصريح بحرمة الفضل في الاجير والبيت الذي هو مرادف للدار والمسكن. وأما بالنسبة إلى الحانوت الذي هو مرادف للخان والدكان، ما رواه ابن أبي عمير، عن أبي المغرا، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يواجر الارض، ثم يواجرها بأكثر مما استأجرها، قال: " لا بأس، إن هذا ليس كالحانوت ولا الاجير، إن فضل الحانوت والاجير حرام " 2. والرواية صريحة في حرمة الفضل في الحانوت، وأيضا صريحة في جواز


(1) تقدم ص 99، هامش 1. (2) تقدم ص 99، هامش 2.

[ 101 ]

الفضل في إجارة الارض، فلابد من حمل المفهوم في رواية إسحاق بن عمار على الكراهة بالنسبة إلى الارض، فبحكم وحدة السياق لابد وأن تحمل السفينة أيضا كذلك. وهذا لا ينافي ثبوت حرمة الفضل في الدار بدليل آخر. نعم لو لم يكن دليل آخر في الدار على الحرمة لكنا نقول فيها أيضا بالكراهة بحكم وحدة السياق، لكن مر عليك وجوده. وأما بالنسبة إلى الرحى فنفس دليله لسانه لسان الكراهة كما عرفت. فتلخص من مجموع كا ذكرناه أن الحق ما أفتى به المحقق قدس سره في الشرائع من حرمة الفضل في خصوص الثلاثة التي ذكرها: المسكن، الخان، الاجير دون غيرها، أي الارض، والسفينة، والرحى 1. وأما الجواز في الجميع لو أحدث فيها حدثا، أو كانت الاجرة التي يأخذها من المستأجر من غير جنس الاجرة التي هو أعطاها، فلوجود الاستثناءات في الروايات المانعة المتقدمة بالنسبة إلى ما إذا أحدث فيها حدثا. وأما استثناء ما إذا كان الفضل في غير المتجانسين، مثل أن يستأجر الدار بمائة كيلو من الحنطة مثلا، ثم يوجرها بمائتي كيلو من الشعير أو الارز أو غير ذلك من الاجناس، فليس في أخبار الباب منه لاأثر ولا عين، وإنما هو في كلام الفقهاء. واعترف بذلك جمع من الاصحاب، فمدرك هذا الاستثناء إما دعوى الاجماع، وهو لاصغري له، لمخالفة جمع، ولا كبرى له، لعدم الدليل على حجية مثل هذا الاجماع، لما ذكروه وتمسكوا بها من الوجوه الباطلة، مثل أن حرمة الفضل من جهة لزوم الربا في المتجانسين وإذا كانا متخالفين فلا يلزم الربا. وأنت خبير بضعف هذا التوجيه الذي لا ينبغي صدوره عن الفقيه بل يوهنه، فالحق في المقام عدم الاعتناء بهذا الاستثناء والقول بحرمة الفضل في الثلاثة


(1) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 181.

[ 102 ]

المذكورة في الشرائع، سواء كان الفضل في المتجانسين أو كان في المتخالفين. فرع: لو استأجر ليحمل متاعا إلى موضع معين بأجرة معينة في وقت معين، ويشترط عليه أنه لو لم يوصل في ذلك الوقت المعين ينقص عن تلك الاجرة التي عينها كذا مقدار، بحيث لا تبقى الاجارة عند عدم الوفاء بالشرط بلا أجرة، أو يشترط عليه عند عدم الوفاء بالشرط سقوط الاجرة بالمرة وأن تبقى الاجارة بلا أجرة. أما الاول فجائز ولا إشكال فيه، لشمول إطلاقات أدلة وجوب الوفاء بالشرط له، إذ ليس الشرط مخالفا لمقتضى العقد ولا الكتاب ولا السنة. ولما رواه الحلبي قال: كنت قاعدا عند قاض وعنده أبو جعفر عليه السلام جالس، فجاءه رجلان فقال أحدهما: إني تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعا إلى بعض المعادن، فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا لانها سوق أخاف أن يفوتني فإن احتبست عن ذلك حططت من الكراء لكل يوم احتبسه كذا وكذا، وإنه حبسني عن ذلك اليوم كذا وكذا يوما. فقال القاضي: هذا شرط فاسد وفه كراه. فلما قام الرجل أقبل إلي أبو جعفر عليه السلام فقال: " شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه " 1. فهذه الرواية صريحة في صحة الشرط وجوازه في القسم الاول، وبالمفهوم تدل على عدم الصحة وعدم الجواز في القسم الثاني، لان مفهوم قوله عليه السلام " ما لم يحط بجميع كراه " هو أنه لو أحاط بجميع كره فالشرط باطل. هذا، مضافا إلى أن شرط سقوط الاجرة مناف ومناقض لحقيقة الاجارة، وذلك لان حقيقتها عبارة عن تمليك المنفعة المعلومة بعوض معلوم، فإذا لم يكن عوض


(1) " الكافي " ج 5 ص 290 باب الرجل يكترى الداية فيجاوز بها الحد...، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 253، كتاب الاجارة، باب 13 ح 2.

[ 103 ]

في البين فلا إجارة، بل هذا الحكم جار في جميع المعاوضات، إذ معنى المعاوضة هو أن يجعل أحدهما في عالم الانشاء عوضا عن الاخر، فحقيقة المعاوضة متقومة بكون كل واحد منهما عوضا وبدلا عن الاخر، فشرط سقوط العوض مرجعه عدم كونه معاوضة، وهذا معلوم الفساد. فشرط عدم الاجرة في الاجارة فاسد ومفسد للعقد، سواء قلنا بأن الشرط الفاسد مفسد أو لم نقل، لمناقضة هذا الشرط مع العقد، فتكون الاجارة فاسدة ويستحق المكاري أجرة المثل، لاحترام عمله، وعدم إقدامه على هتكه. هذا هو المشهور بين الاصحاب كما في المتون الفقهية. ولكن استشكل عليه في جامع المقاصد 1 والمسالك 2 بأن هذا يرجع إلى الترديد في الاجرة على تقديرين، كما لو قال للاجير: إن خطته روميا فلك درهمان، وإن خطته فارسيا فلك درهم واحد، كان الترديد في العمل والاجرة، مع أنه لازم في إجارة الاجير تعيين عمله ومقدار أجرته، وكلاهما في المقام مفقودان. وفيه: أن ما هو مورد الاجارة معين، وهو الايصال في وقت، والاجرة أيضا معينة، فكأنه قال: آجرتك دابتي لان أوصلك إلى مكان كذا في زمان كذا بأجرة كذا، غاية الامر اشترط عليه المستأجر أنه لو لم يف بما التزم ينقص عن أجرته مقدار كذا. وأي ربط لهذا بالترديد في متعلق الاجارة. فالحق جواز شرط التنقيص على تقدير عدم الوفاء بما التزمه الاجير في متن العقد، لان الشرط خارج عن مورد العقد وليس مخالفا لمقتضى العقد ولا الكتاب ولا السنة. نعم شرط سقوط الاجرة بالمرة بحيث تبقى الاجارة بلا أجرة مناقض لحقيقة عقد الاجارة، ولذلك يكون باطلا، كما تقدم.


(1) " جامع المقاصد " ج 7 ص 107. (2) " مسالك الافهام " ج 1 ص 255.

[ 104 ]

وإشكال الشهيد والمحقق الثانيان في المسالك وجامع المقاصد غير وارد كما أوضحناه. وما ذكراه من التنظير قياس مع الفارق، لان الترديد في محل الكلام في مورد الشرط الذي هو خارج عن مورد الاجارة، وفيما ذكراه من التنظير في الترديد مورد الاجارة ومتعلقها، لان متعلق الاجارة في مورد التنظير نفس الخياطة، وهي مرددة بين كونها رومية أو فارسية، كذلك عوض العمل أيضا غير معلوم، لانه مردد بين أن يكون درهما على تقدير، ودرهمين على تقدير آخر. وهذا ينافي لما هو المأخوذ في حقيقة الاجارة، لانها عبارة عن تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم، والترديد ينافي المعلومية كما هو واضح. تنبيه اعلم: أن الاحكام الشرعية وإن كانت من الامور الاعتبارية التي ليس لها وجود خارجي يكون محمولا على موضوعه بالضميمة، مثل الاعراض الخارجية المحمولات على موضوعاتها بالضمائم. ولكن مع ذلك كله تطرأ عليها أحكام الاعراض الخارجية من التضاد والتماثل، والاشدية والاضعفية باعتبار منشأ اعتبارها، وبهذا الاعتبار يقال: الشئ الفلاني أشد حرمة أو كراهة أو نجاسة، وهكذا يكون فيها التشكيك بهذا الاعتبار. ويمكن الجمع بين الروايات الواردة في بعض هذه العناوين التي ظاهرها التعارض على اختلاف المراتب، مثلا الروايات الواردة في إجارة الاراضي بأكثر مما استأجرها به ظاهرها وإن كانت متعارضة باعتبار الحكم في بعضها بالجواز مطلقا، وفي بعضها الاخر بالمنع مطلقا، وفي ثالثة التفصيل بين ما إذا كان بنحو المزارعة والتقبل بالكسور من حاصل الزرع أو بنحو الاجارة، فيمكن أن يحمل على مراتب الكراهة التي لا تنافي الجواز، فيقال: لو كان بنحو الاجارة بالدرهم

[ 105 ]

والدينار فلا يجوز، أي فيه كراهة شديدة، ولو كان بنحو المزارعة فيجوز، أي كراهته قليلة، إلا أن يعمل فيها عملا فلا كراهة في الفضل أصلا، كما هو مفاد رواية إسماعيل بن فضل الهاشمي 1. فرع: لو قال المؤجر: آجرتك كل شهر بهذا، أو قال المستأجر: إن خطته بدرز فلك درهم وإن خطته بدرزين فلك درهمان، أو قال: إن عملت العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان، وإن عملت في الغد فلك درهم واحد. ففي هذا السمائل الثلاث المنفعة التي يملكها المستأجر غير معلومة لعدم تعيينها في عقد الاجارة، وفي اثنتين منها العوض أيضا ليس معلوما، بل مردد بين درهم واحد وبين درهمين على تقديرين، فالكلام يرجع إلى أنه هل تعيين المنفعة التي يملكها المؤجر للمستأجر لازم بحيث يكون الترديد مضرا أم لا، وكذلك الامر في عوضها؟ ربما يقال: تمليك المبهم - أي ما يكون كليا لم يؤخذ فيه خصوصية من الخصوصيات - لا مانع عنه، بل المعاملات كثيرا ما تقع على الكليات عوضا ومعوضا، سواء كان كليا على سعته أو كان كليا في المعين، من قبيل الصاع من الصبرة الموجودة في الخارج، فلا مانع من تمليك منفعة هذه العين شهرا كليا ينطبق على كل شهر من شهور تلك السنة، غاية الامر في مقام التطبيق تعيين ذلك الكلي بيد المالك المؤجر، كما أنه في باب البيع تعيين المبيع الكلي بيد البائع، لان الخصوصيات باقية على ملكه. وفيه أن هذا الكلام صحيح لو كانت الاجارة واقعة على الشهر الكلي، مثل أن


(1) " الكافي " ج 5 ص 272، باب الرجل يستأجر الارض أو الدار...، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 261، كتاب الاجارة باب 21 ح 3.

[ 106 ]

يقول المالك: آجرتك الدار شهرا من شهور هذه السنة، حيث يكون التمليك واقعا على منفعة الشهر الكلي في المعينة، ويكون التطبيق بيد المالك. ولكن المقام ليس من هذا القبيل، بل المفروض أنه يقول: كل شهر كذا، فإن كان مراده أن كل ما يصدق عليه الشهر مطلقا من أي سنة طول الدهر، فما وقع عليه الاجارة جميع الشهور في تمام الدهر إلى قيام يوم القيامة، فهذا قطعا ليس بمراد، كما أنه أراد كل واحد من شهور هذه السنة، والمستأجر قبل، فيكون جميع شهور هذه السنة واقعا تحت الاجارة، فهذا ممكن ولكن خلاف الفرض. لان الفرض أن المقدار الذي يريده المستأجر يقع تحت الاجارة، وأي مقدار لا يريده خارج عن تحت الاجارة، مع أن الاجارة عقد لازم. فإن فرضنا وقوع تمام الشهور مطلقا، أو شهور هذه السنة دفعة تحت الاجارة فليس للمستأجر رفع اليد إلا بالتقايل، ولذلك قال بعضهم يقع شهرا واحدا تحت الاجارة. وفيه: أولا: أنه مع شمول الانشاء لجميع الشهور على نسق واحد لا وجه للحكم على أن الانشاء على شهر واحد فقط. وثانيا: ذلك الشهر غير معين ومجهول إن كان من قبيل النكرة، أي الفرد غير المعين، بمعنى أن الاجارة واقعة على الطبيعة المقترنة بإحدى الخصوصيات، وأما إن كان واقعا على الطبيعة المبهمة المجردة عن الخصوصيات اللابشرط، فهذا أمر معقول ولكن لابد وأن يكون التعيين بيد المالك، لان الخصوصيات له ولم تخرج عن ملكه. ومثل هذا ظاهرا ليس مقصودا للمتعاقدين مع أن العقود تابعة للقصود، وخلاف ظاهر لفظ " كل شهر كذا "، ومعلوم أن ظاهر الالفاظ حجة كاشفة عن مراد المتكلم في مقام الاثبات. وأما ما يقال: من أنه ينصرف إلى الشهر الاول المتصل بزمان العقد، فله وجه فيما إذا قال: " آجرتك شهرا " لا في المفروض وهو " آجرتك شهر كذا ".

[ 107 ]

نعم يحتمل أن تكون هذه العبارة في قوة إجارات وعقود متعددة، خصوصا إذا كانت في سنة معينة، فيكون منحلا إلى قوله: آجرتك الشهر الاول من هذه السنة بعشرة دنانير مثلا، والثاني والثالث والرابع كذلك إلى آخر السنة. فلو قبل المستأجر شهرا معينا من تلك السنة تمت الاجارة بالنسبة إليه، وأما فيما لا يقبل فلا، وذلك مثل أن يقول: بعتك كل غنم في هذه الدار، وقلنا بانحلال هذه العبارة إلى بيوع متعددة، فقبل المشتري بيع غنم معين دون الباقي، صح البيع في خصوص ما قبل، وذلك لعدم القبول في الباقي. ولكن كل ذلك خلاف الفرض، وخلاف ظاهر اللفظ كما تقدم. وأما بالنسبة إلى الفرعين الاخرين - أي قوله: إن خطته فارسيا أي بدرز واحد فلك درهم، وإن خطته روميا أي بدرزين فلك درهمان - فالظاهر بطلانها إجارة، وكذلك قوله: إن عملت العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان، وإن عملته في غد فلك درهم واحد، فباطل إجارة، لان العمل المستأجر عليه في كلا الفرضين مردد وغير معلوم، ومن شرائط صحة الاجارة في باب الاعمال أن يكون العمل المستأجر عليه معلوما. وربما يستدل على صحة ذلك بالاية الشريفة في قصة تزويج شعيب ابنته لموسى، وهي قوله تعالى: (إني أريد أن أنكحك احدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك) 1 وبصحيحة أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكتري الدابة فيقول اكتريتها منك إلى مكان كذا وكذا، فإن جاوزته فلك كذا وكذا زيادة ويسمى ذلك، قال: " لا بأس به كله " 2، وصحيحة


(1) القصص 28: 27. (2) " الكافي " ج 5 ص 289، باب الرجل يكتري الدابة...، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 214، ح 938، في الاجارات، ح 20، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 249، أبواب أحكام الاجارة، باب 8 ح 1.

[ 108 ]

الحلبي التي تقدمت 1 في فرع تنقيص الاجرة على تقدير عدم إيصال المكاري حمله أو نفسه في الوقت المعين. ولكن الادلة الثلاثة - الاية والصحيحتين - لا تفي بالمقصود: أما الاية، فلانها جعلت المهر رعي ثمانية سنين، وإتمام العشر ليس جزء للمهر بل إحسان من موسى عليه السلام بشهادة قوله تعالى حكاية عن قول شعيب: (فإن أتممت عشرا فمن عندك) أي إحسان من عندك، فليس المهر مرددا بين ثمانية وبين عشرة كما توهم. وأما الصحيحتان فأجنبيتان عن المقام، لان مفادها أنه بعد تعيين متعلق الاجارة شرط على نفسه أنه إن تجاوز عن مقدار متعلق الاجارة يعطى له كذا وكذا، وإن لم يف بعقد الاجارة ولم يوصله في الوقت الذي عين ينقص عن الاجرة كذا و كذا، وأي ربط لهذين بالتردد في متعلق الاجارة والجهل به. نعم لا مانع من أن يكون الفرعان من قبيل الجعالة، بناء على جواز هذا المقدار من الجهل والابهام والتردد في الجعالة، وإلا لو قلنا بأن الابهام في الجعل أيضا لا يجوز، فكونهما من قبيل الجعالة أيضا مشكل. ولكن الصحيح أن الجهالة التي لا تمنع عن الرد والتسليم لا يقدح في صحة الجعالة، بل مبنى الجعالة على هذا المقدار من الجهل. ويدل عليه قوله تعالى في قصة صواع يوسف عليه السلام: (قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) 2 فتأمل. فالحق في المقام أنهما جعالة إن قصداها، لان العقود تابعة للقصود.


(1) تقدم ص 102، هامش 1. (2) يوسف 12: 72.

[ 109 ]

فرع: هل يستحق الاجير الاجرة بنفس العمل، أم بتسليمه إلى المستأجر، أم يفصل بين يكون العمل الصادر عن الاجير في ملكه كالخياط الذي يخيط ثوب شخص في دكانه أو داره فلا يستحق إلا بتسليمه إلى المستأجر، وبين أن يكون في ملك المستأجر فيستحق بنفس العمل؟ ونسب في الجواهر 1 هذا التفصيل إلى الشيخ قدس سره. وهناك تفصيل آخر، وهو أن العمل الصادر عن الاجير تارة يكون أثرا في ملك المستأجر بحيث يصير ملك المستأجر بعد صدور العمل عن الاجير متصفا بصفة لم يكن مسبوقا بتلك الصفة، وأخرى ليس من هذا القبيل، بل العمل الصادر إما موجود غير قار ينعدم بعد وجوده، كالاجير لقراءة القرآن للميت، أو لقضاء صلواته، أو للحج، أو لقراءة مصائب أهل البيت عليهم السلام، وإما موجود قار يقوم بنفسه ولا ينعدم بعد وجوده. أما القسم الاول، فبعد وجود الاثر في ملك المستأجر فيده على ملكه تكون يده على صفته، فإذا وجد قهرا يكون تحت يد مالك العين، فوجوده مساوق مع تسليمه. اللهم إلا أن لا تكون العين حال إيجاد العمل تحت يد مالكها، بل كانت تحت يد الاجير، فحال العمل حال نفس العين في وجوب تسليمه إلى مالكها. وأما القسم الثاني، أي ما يكون موجودا غير قار فلا وجه لان يقال: إن استحقاق الاجرة مشروط بتسليم العمل إلى المستأجر، لانه غير ممكن، إذ المفروض أن العمل موجود غير قار، لا يوجد الجزء اللاحق إلا بعد انعدام الجزء السابق، فبمحض أن تم العمل صحيحا يستحق الاجرة. وأما القسم الثالث، أي ما يكون موجودا قارا يقوم بنفسه، فبعد أن وجد وصدر عن الاجير لاشك في أنه يستحق الاجرة، غاية الامر إن كان تحت يده وجب عليه


(1) " جواهر الكلام " ج 27 ص 237.

[ 110 ]

إيصاله إلى مالكه أي المستأجر، إما مع المطالبة أو مطلقا، لوجوب رد الامانات إلى أهلها. وأما إذا لم يكن تحت يده، بل كان تحت يد المستأجر فالتسليم من قبيل تحصيل الحاصل. وأما إذا لم يكن تحت يد أحدهما، لا الاجير ولا المستأجر، كما إذا استأجر بناء لبناء منارة في مسجد، فإذا تم بناؤه فقد وفي بالعقد ويستحق الاجرة، ولا معنى لكون استحقاق الاجرة منوطا بتسليم عمله إلى المستأجر. وذلك لان مقتضى عقد الاجارة - كسائر العقود المعاوضة - سببية العقد لحصول المعاوضة والمبادلة في عالم التشريع والمبادلة الخارجية وفاء لتلك المبادلة التي وقعت في عالم التشريع، فلا يمكن أن يكون الاستحقاق مشروطا بالتسليم، إلا أن يكون من مقومات العقد، كالقبض في الصرف والسلم في المجلس. ولكن هذا يحتاج إلى ورود دليل من قبل الشارع، وعقد الاجارة ليس من هذا القبيل، فوجوب تسليم العمل إلى المستأجر ليس من باب أنه متمم لاستحقاق الاجير، بل من جهة أن العمل صار ملكا للمستأجر بعقد الاجارة، فيجب رده إليه. والتفصيلان كلاهما لا وجه له من حيث استحقاق الاجير الاجرة، والفرق هو أن العمل لو كان في ملك المستأجر وعنده، فوجوب التسليم لا موضوع له، وإلا فالعمل بمحض وجوده يكون ملكا للمستأجر. وحيث أنه ليس ملكا مجانا وبلا عوض، فلابد وأن يكون العوض - أي الاجرة - ملكا للاجير، وإلا يكون المعوض ملكا للمستأجر مجانا، وهو خلف. نعم لاشك في أنه لا يستحق المطالبة من المستأجر قبل إتمام العمل، إلا أن يشترط، أو كان المتعارف في بعض الاعمال هو أخذ الاجرة قبل العمل، كالاجير للحج، فإنه غالبا لا يتمكن الاجير من أداء الحج قبل أخذ الاجرة، ففي هذه الموارد ينصرف الاطلاق إلى ما هو نتيجة الشرط. فالعرف والعادة في مثل هذه الامور تقوم

[ 111 ]

مقام الاشتراط. وخلاصة الكلام في هذا المقام: أنه بعد ما كان حقيقة المعاوضة والمبادلة إخراج كل واحد من المتعاملين ماله عن ملكه وإدخاله في ملك الاخر عوض ما ينتقل من الاخر إليه ويدخل في ملكه، فإذا كان العقد سببا لمثل هذا المعنى ولم يكن مشروطا بشرط، كالقبض في المجلس الذي هو شرط لحصول الملكية في السلف والسلم، فلا محالة تحصل ملكية كل واحد من العوضين لمن انتقل إليه بمحض تمامية العقد واجدا لجميع الاجزاء والشرائط، فاقدا لجميع الموانع، وإلا يلزم الخلف، أي ما فرضته سببا أن لا يكون سببا. فإذا حصل لكل واحد من الطرفين ملكية ما نقله الاخر إليه بنفس العقد، فإن كان ما انتقل إليه موجودا خارجيا يكون له السلطنة عليه، ويجوز له أن يتصرف فيه التصرفات التي لم يمنع الشارع منها، وأما إذا كان في العهدة فللمالك مطالبته بإيجاده بحيث يقدر على استيفاء منافعه المملوكة إن كان من قبيل الاعمال. وبعبارة أخرى: إن كان له في عهدة شخص مال فله حق استخراجه منه والانتفاع به. وهذا الحق تارة يثبت له من ناحية حكم الشارع بأن الناس مسلطون على أموالهم، وهذا لامورد له إلا فيما إذا وجد ما هو متعلق المال، وتارة من ناحية وجوب الوفاء بالعقد. وأثر ذلك وجوب إعطاء ما ملكه إلى صاحبه، فإن كان ما ملكه عين من الاعيان، كما في البيع، وجب عليه تسليم ذلك إلى صاحبه. نعم له حق الامتناع إن امتنع الطرف عن إعطاء العوض، وإذا تعاسرا يجبرهما الحاكم. وأما إن كان عمل من الاعمال، كالعبادات التي يستأجره لان يأتي بها، كالصلاة والصوم والحج وأمثالها، فله المطالبة بإيجادها، لانه مالك في ذمته ذلك العمل، ومع قطع النظر عن هذا أيضا يجب عليه إتيان ذلك العمل من باب وجوب الوفاء بعقده، والعمل على طبق التزامه.

[ 112 ]

نعم يجب على الاخر أيضا إعطاء الاجرة في ظرف إيجاده تمام العمل لوجوب الوفاء بالعقد. نعم لكل منهما الامتناع عند امتناع الاخر إلا أن يشترطا تعجيل أحدهما أو تأخيره أو يكون الاطلاق منصرفا إلى أحدهما بواسطة العرف والعادة، كما تقدم ذكره وقلنا إن العرف والعادة يقومان مقام الشرط. وما قلنا إن لكل واحد من المؤجر والمستأجر الامتناع من الاعطاء عن امتناع الاخر، هو أن بناء المعاوضات عند العرف والعقلاء على الاخذ والعطاء بأن يعطي كل واحد منهما ماله بعنوان أن يكون عوضا وبدلا عما يأخذه، فإذا لم يكن أخذ في البين لامتناع طرفه من الاعطاء، فهذا خلاف ما التزاما به، وإمضاء العقود المعاوضية من طرف الشارع تعلق بما التزاما به. ولذلك قلنا في بعض الاجزاء المتقدمة من هذا الكتاب في شرح قاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " 1 أنه لو لم يكن النبوي المشهور وهو قوله صلى الله عليه وآله: " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " 2 لكان مقتضى القاعدة أيضا ذلك، لان المعاوضات عند العرف والعقلاء على الاخذ والعطاء خارجا، فإذا لم يكن ذلك بواسطة التلف فقهرا تنفسخ المعاملة، وهذه القاعدة لا تختص بباب البيع، بل تجري في جميع المعاوضات. وفي المفروض حيث أن الاخذ والعطاء ممكن إذ لا تلف في البين، فلا وجه للانفساخ، بل يجبره الحاكم الذي هو ولي الممتنع على الوفاء إن كان الممتنع أحدهما، ويجبرهما معا لو امتنعا. فتحصل مما ذكرنا أن ملكية كل واحد من العوضين تحصل بنفس العقد التام بعد وجوده جامعا للشرائط والاجزاء وفاقدا للموانع، وأما وجوب الاعطاء - لكل


(1) راجع ج 2 ص 77. (2) تقدم ص 95، هامش 1.

[ 113 ]

واحد منهما ما التزاما به - لاحد أمرين: إما لوجوب الوفاء بالعقد، وإما لكون المالك سلطانا على ماله الذي حصل بالعقد. وعند الامتناع من أحدهما يجبره الحاكم، ولو كان من الطرفين يجبرهما لو لم يكن الامتناع منهما إقالة. فرع: في كل مورد كانت الاجارة فاسدة واستوفى المستأجر المنفعة كان عليه أجرة المثل، وذلك لامور: الاول: القاعدة المعروفة " كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " أو " كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " والاول أشمل لشموله العقود والايقاعات. ومعنى الضمان كون الشئ بوجوده الاعتباري في العهدة والذمة، لانه بوجوده الواقعي التكويني موجود في الخارج كسائر الجواهر والاعراض الخارجية، وليس من الموجودات في عالم الاعتبار التشريعي. ولا فرق في هذا المعنى بين كون الضمان المسمى أو كونه ضمانا واقعيا. غاية الامر في الضمان المسمى يعينون مالية الشئ في مقدار معين، وفي الضمان الواقعي الذي في العهدة هو واقع ماليته إن كان قيميا، ومثله إن كان مثليا. فالضمان في الصحيح والفاسد بمعنى واحد، غاية الامر في المعاملات الصحيحة حيث أنهم يعينون مالية العوض نقدا أو جنسا فيسمى بضمان المسمى، وأما في الفاسدة حيث لاتعيين في البين فيعبرون عنه بالضمان بدون قيد، فبناء على صحة هذه القاعدة كما شرحنا وأثبتنا صحتها في الجزء الثاني من هذا الكتاب، فحيث أن الاجارة الصحيحة فيها الضمان ففي الفاسد منها أيضا يكون الضمان، غاية الامر في الصحيحة الضمان المسمى، وفي الفاسدة الضمان الواقعي، المثل في المثليات، والقيمة في القيميات. والعمدة في مدرك هذا القاعدة هو قوله صلى الله عليه وآله: " وعلى اليد ما أخذت حتى

[ 114 ]

تؤديه " 1 وحيث أن يد القابض بالعقد الفاسد ليست يد أمانة لا من قبل المالك كي تكون أمانة مالكية، ولا من قبل الله كي تكون أمانة شرعية، تكون غير مأذونة، وهي إما غصب موضوعا أو حكما. فما ذكره ابن ادريس قدس سره من أن المقبوض بالعقد الفاسد يجري مجرى الغصب عند المحصلين 2. لا يخلو من وجه. وقد فصلنا الكلام في شرح هاتين القاعدتين - قاعدة " كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " 3 وقاعدة " وعلى اليد ما أخذت " 4 في الاجزاء السابقة من هذا الكتاب. وإجماله فيما نحن فيه: أنه لاشك في أن المستأجر بعد ما قبض العين المستأجرة واستوفى منفعتها - كما إذا سكن الدار مثلا بالاجارة الفاسدة - فليست يده على الدار يد أمانة مالكية ولاشرعية، بل يد ضمان. لا يقال: إذا كان المؤجر جاهلا بفساد الاجارة، فيعطي ماله للمستأجر باعتبار أن له الحق أن ينتفع بمنافع تلك العين المستأجرة، فيعطيها بأن تكون أمانة عنده إلى أن يستوفى من تلك العين جميع المنافع التي ملكها بالاجارة، فيد المستأجر ليست يدا عادية حتى يكون فيها الضمان، بل ولاغير مأذونة، لان المالك أعطاه وأذن بأن يكون في يده، غاية الامر أن العقد فاسد لجهة من الجهات من فقد شرط أو جزء، أو وجود مانع في العقد أو في المتعاقدين أو في العوضين. هذا بالنسبة إلى نفس العين. فإنه يقال: إن المؤجر وإن كان أعطاه بهذا الاعتقاد وأذن في الانتفاع به، ولكن أذنه للمستحق للاخذ والانتفاع، فمن هو مأذون وهو المالك لم يعط، ومن أعطى ليس بمأذون، فتكون يده يد ضمان. وبعبارة أخرى: ما تعلق به الاذن هو العين التي


(1) تقدم ص 78، هامش 3. (2) " السرائر " ج 2 ص 285. (3) راجع ج 2 من هذا الكتاب. (4) راجع ج 4، من هذا الكتاب.

[ 115 ]

منافعها ملكه لا هذه العين الخارجية، سواء كانت منافعها ملكا له أو لم تكن، والذي بيده ليس كذلك فلم يتعلق به الاذن. وأما ما ربما يقال: بأن الاذن المتعلق بالمقيد ينحل إلى إذنين، إذن بنفس الذات وإذن بقيده. والقيد وإن كان غير موجود، ولكن فقده ليس سببا لعدم تعلق الاذن بنفس الذات المجردة عن القيد، فنفس العين المستأجرة وإن لم تكن منافعها ملكا للمستأجر مأذون في كونها في يده، فإذا قال مثلا: هذه الرقبة المؤمنة تكون عندك أمانة، وفرض أنها لم تكن مؤمنة، فلاشك في أن نفس الرقبة وذاتها مجردة عن الايمان مأذون في أن تكون عنده. كذلك الكلام بالنسبة إلى المنفعة، فإذا أذن أن تكون المنفعة التي ملك المستأجر تحت يده، والمفروض أن الاجارة فاسدة وليست المنافع ملكا له، ولكن بالبيان المتقدم تعلق إذنه بنفس ذات المنافع أيضا، ولو كان قيد كونها ملكا له مفقود في المقام، فاليد على المنافع يد مأذونة لا ضمان فيها. ففيه: أن الخاص، أي الوجود المقيد بقيد مباين لما هو فاقد القيد، فإذا فقد قيده فهذا وجود آخر يباين معه، فإذا أذن في عتق الرقبة المؤمنة فغير المؤمنة غير مأذون، لانه ليس لذات المقيد وجود ولقيده وجود آخر كي يكون التركيب بينهما انضماميا، بل القيد وذات المقيد موجودان بوجود واحد، والتركيب بين العرض والمعروض اتحادي بالنظر العرفي. بل قال بعضهم إن الاعراض من شؤون معروضاتها ليس لها وجود آخر. والقول بأنها محمولات بالضمائم وإن كان صحيحا بالدقة العقلية، ولكن في نظر العرف وجود واحد وموجود واحد. ولذلك قالوا بعدم جواز بيع الجارية المغنية وأنه ليس من باب تبعض الصفقة، لان وصف كونها مغنية مع شخصها وذاتها موجودان واحد. ولاشك في أن في تشخيص موضوعات الاحكام الشرعية يلاحظ النظر

[ 116 ]

العرفي لاالدقي العقلي، وبالنظر العرفي للعرض ومعروضه وجود واحد، وتكون الاعراض مع موضوعاتها مثل الاجناس والفصول موجودات بوجود واحد. فإذا تعلق الاذن بوجود خاص ولم تكن له تلك الخصوصية، مثل أن يقول لشخص باعتقاد أنه زيد: يا زيد أدخل داري، وفي الواقع لم يكن زيدا، فلا يجوز له الدخول. ولا يصح أن يقال بأن خصوصية الزيدية ليست مأذونة، وأما الجهة المشتركة بينه وبين غيره من أفراد النوع مأذونة بالدخول، ففي المورد الذي تعلق الاذن بذات مقيد بقيد لا يصح أن يقال بأن الذات مأذون مع فقد قيده، إلا أن يكون متعلق الاذن هو الذات بنظرهم ويرون القيد وصفا زائدا أو مطلوبا آخر. وإلى هذا يرجع قولهم بتعدد المطلوب في المستحبات في بعض الخصوصيات. وأيضا إلى هذا يرجع قولهم بخيار تخلف الوصف مع قولهم بصحة المعاملة بتحليل بيع هذا العبد الكاتب - مثلا - بالتزامين: التزام بالمبادلة بين هذا الذات وهذا الثمن، والتزام آخر بكونه كاتبا. فتخلف أحد الالتزامين لا يضر بوقوع البيع صحيحا، غاية الامر يوجب خيار تخلف الوصف. والحاصل: أنه ضامن للمنافع التي استوفاها أو لم يستوفها، لان المناط في هذا الضمان كونها تحت اليد غير المأذونة، ولذلك يسمى بضمان اليد. وأما كونها تحت اليد فباعتبار تبعيتها للعين، لان اليد على العين يد على منافعها، ولذلك قلنا أنه لا فرق بين المستوفاة وغير المستوفاة. الثاني: قاعدة الاحترام، وهي عبارة عن احترام مال المسلم وأنه لا يذهب هدرا، لقوله صلى الله عليه وآله: " حرمة مال المسلم كحرمة دمه " 1 فإذا استوفى منافع ماله يكون


(1) " عوالي اللئالي " ج 3 ص 473، باب الغصب، ح 4، " سنن الدار قطني " ج 3 ص 26، ح 94، كتاب البيوع، و فيه: المؤمن بدل المسلم.

[ 117 ]

ضامنا ولا يذهب هدرا. والفرق بين هذا الدليل والدليل الاول هو أن الاول يشمل المنافع المستوفاة وغير المستوفاة، وهذا الدليل لا يشمل غير المستوفاة. اللهم الا أن يكون سببا لاتلافه، وفي تلك الصورة لا تصل النوبة إلى قاعدة الاحترام، بل يكون مشمولا لقاعدة الاتلاف الثابتة بالادلة والاجماع أن " من أتلف مال الغير فهو له ضامن ". وأما معنى الاتلاف، وأنه ما المراد منه، وأنه هل يصدق على منافع غير المستوفاة التي حبس المالك عن استيفائها بواسطة أخذه العين المستأجرة عن مالكها بعنوان استحقاقه لاخذها لتعلق الاجارة بها، فهي أمور بيناها مفصلا في مقام شرح هذه القاعدة في الجزء الثاني من هذا الكتاب. الثالث: قاعدة الاقدام، وهي عبارة عن كون إقدام الانسان على التصرف في مال الغير أو أخذه - بالضمان، سواء كانت هي التصرفات المتلفة أو غير المتلفة، أو كان بإتلاف منافعها بالاستيفاء، أو بمنع المالك عن استيفائها وحبسها عنه موجبا للضمان. فمثل هذا الاقدام مع رضاء المالك بمقدار معين من الضمان أو الضمان الواقعي يوجب ضمان المقدم ضمانا واقعيا، لا المقدار الذي عيناه بعد حكم الشارع بالفساد، لان تعيين مقدار معين لا يوجب تعين ذلك المقدار إلا بوقوعه تحت عنوان أحد العقود المملكة التي أمضاها الشارع، وإلا فبصرف تعيين الطرفين لادليل على تعينه، بل إذا حكم الشارع بفساد تلك المعاملة ولم يمضها فقهرا ذلك المقدار المعين المسمى بضمان المسمى يسقط عن الاعتبار. نعم حيث أن المالك لم يرض بتصرفاته وانتفاعاته منها إلا بعوض، والمستأجر أقدم على إعطاء العوض المعين، والمفروض أن الشارع لم يمض مثل هذه

[ 118 ]

المعاوضة، فلا تقع صحيحة فتبطل المسمى، وأما أصل الضمان فثابت بمقتضى إقدامهما، فينصرف إلى الضمان الواقعي. وفيه: أنه لا دليل على ثبوت أصل الضمان - بعد نفي الشارع المسمى - كي يقال بانصرافه إلى الضمان الواقعي وصرف دخولهما في المعاملة على أن يكون تصرف المستأجر بالضمان لا يكون دليلا على إثبات أصل الضمان بعد بطلان المسمى، بل كما أن إثبات ضمان المسمى يحتاج إلى دليل، كذلك إثبات أصل الضمان أيضا يحتاج إلى الدليل الذي يدل عليه. نعم يمكن أن يقال: إن إقدام المالك على عدم الضمان وتلف منافعه مجانا وبلا عوض يوجب عدم الضمان، وكذلك لو أقدم على عمل مجانا وبلا عوض يوجب عدم الضمان، لانه بنفسه هتك احترام ماله، فقاعدة الاقدام حاكمة على قاعدة الاحترام إذا كان الاقدام على العمل والاذن في استيفاء المنافع مجانا وبلا عوض. وأما كون صرف الدخول بالضمان في معاملة على كون عمله أو التصرف في منافع ملكه موجبا للضمان، فهذا يحتاج إلى الدليل، من مثل " احترام مال المسلم " وقاعدة " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه " وقاعدة الاتلاف وأنه " من أتلف مال الغير فهو له ضامن " وأمثال ذلك من أدلة الضمان، أو يكون عمله أو الاذن في استيفاء منافع ماله داخلا تحت أحد عناوين المعاملات التي فيها ضمان المسمى مع إمضاء الشارع لها. وإلا فصرف كون الدخول في عمل مع تراضيهما بالضمان مع عدم المذكورات موجبا للضمان الواقعي من المثل أو القيمة مشكل جدا. وأما كون الضمان في المعاملات الفاسدة من قبيل الشروط الضمنية التي بناء المتعاملين على أخذ عوض ما يفعل أو يعطي للطرف، فلا صغرى له ولا كبرى. أما لاصغري له، فلان بناء المتعاملين وإن كان على أخذ العوض، ولكن بناءهم على أخذ عوض خاص الذي هو المسمى، لا العوض الواقعي من المثل أو القيمة.

[ 119 ]

وأما لا كبرى له، فمن جهة أنه على فرض وجود مثل هذا الشرط الضمني لا دليل على وجوب الوفاء به، لان القدر المتيقن مما هو واجب الوفاء هي الشروط التي تكون في ضمن العقود الصحيحة اللازمة، وأما الشروط الابتدائية أو الواقعة في ضمن العقود الجائزة أو الفاسدة فلا دليل على وجوب الوفاء بها. وقد حققنا هذه المسألة في قاعدة " المؤمنون عند شروطهم " 1. الرابع: الاجماع على الضمان الواقعي في الاجارة الفاسدة. وفيه: أنه قد بينا عدم حجية أمثال هذه الاجماعات مما لها مدارك متعددة مذكورة كرارا ومرارا. فرع: لو قال آجرتك بلا أجرة، فهذا مثل قوله: بعتك بلا ثمن، وكلاهما مثل قوله: آجرتك بلا أن تكون إجارة وبعتك بلا أن يكون بيعا، فهو كلام متناقض بعضها مع بعض ولغو لا يترتب أثر عليه. والتأويلات الباردة في توجيهه وصحته لا ينبغي أن تذكر. فهذا ليس من الاجارة الفاسدة كي يقال بالضمان الواقعي بدل أجرة المسمى في الاجارة الصحيحة، فلا تجري فيه قاعدة " ما يضمن بصحيحه " ولا قاعدة " ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده "، بل كلام لغو خارج عن طريق المحاورة والافادة والاستفادة. فرع: يكره استعمال الاجير قبل أن يقاطعه على الاجرة، لقول الصادق عليه السلام في ما رواه مسعدة عنه: " من يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يستعمل أجيرا حتى يعلمه


(1) راجع ج 3، من هذا الكتاب.

[ 120 ]

ما أجره " 1. ولما رواه سليمان بن جعفر الجعفري من أن مولانا الرضا عليه السلام قد ضرب غلمانه وغضب غضبا شديدا حيث استعانوا برجل في عمل وما عينوا له أجرته. فقلت له: جعلت فداك لم تدخل على نفسك؟ فقال عليه السلام: " إني نهيتهم عن مثل هذا غير مرة، واعلم أنه ما من أحد يعمل لك شيئا من غير مقاطعة ثم زدته لذلك الشئ ثلاثة أضعاف على أجرته إلا ظن أنك قد نقصت أجرته، فإذا قاطعته ثم أعطيته أجرته حمدك على الوفاء، فإن زدته حبة عرف ذلك ورأى أنك قد زدته " 2. ودلالة الخبرين على ما ذكرنا في العنوان واضحة. فرع: يكره تضمين الاجير إلا مع التهمة. هذه العبارة ذكروها في المتون الفقهية، واختلف في المراد منها، وقد ذكر في الجواهر 3 في بيان المراد منها وجوها سبعة ولكن ظاهر العبارة لا خفاء فيه، ولا وجه للحمل على خلاف ظاهرها بقرينة الواردة في هذه المسألة. وظاهر العبارة أنه بعد ما وجد أسباب التضمين وكان له أن يغرمه ويضمنه بأي سبب كان وأي دليل من الادلة لكن مع بقاء الشك وجدانا في تفريطه كره مع الاعتراف بأمانته أن يغرمه ويضمنه. نعم لو اتهمه - أي يكون ظانا بأنه فرط أو خان وهو ليس بمأمون عنده - فلا كراهة في تضمينه.


(1) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 211 ح 931، في الاجارات ح 13، " الكافي " ج 5 ص 289، باب كراهة استعمال الاجير...، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 245 أبواب أحكام الاجارة، باب 3 ح 2. (2) " الكافي " ج 5 ص 288 باب كراهة استعمال الاجير...، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 212 ح 932، في الاجارات ح 14، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 245 أبواب أحكام الاجارات، باب 3 ح 1. (3) " جواهر الكلام " ج 27 ص 255.

[ 121 ]

وأما استحباب عدم تضمينه فلا دليل يدل عليه إلا ما توهم أن ترك المكروه مستحب، وهذا التوهم واضح البطلان كما حقق في محله. والاخبار الواردة في هذا الفرع كثيرة: منها: خبر خالد بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الملاح أحمله الطعام ثم أقبضه فينقص. قال عليه السلام: " إن كان مأمونا فلا تضمنه " 1. ومنها: خبر جعفر بن عثمان قال: حمل أبي متاعا إلى الشام مع جمال فذكر أن حملا منه ضاع، فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال: " أتتهمه؟ ". قلت: لا، قال: " فلا تضمنه " 2. ومنها: خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في الجمال يكسر الذي يحمل أو يهريقه. قال عليه السلام: " إن كان مأمونا فليس عليه شئ وإن كان غير مأمون فهو ضامن " 3. منها: خبر حذيفة بن منصور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحمل المتاع بالاجر فيضيع المتاع فتطيب نفسه أن يغرمه لاهله أيأخذونه. قال: فقال لي: " أمين هو؟ " قلت: نعم. قال عليه السلام: " فلا يأخذون منه شيئا " 4.


(1) " الكافي " ج 5 ص 243، باب الجمال والمكاري وأصحاب السفن، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 217 ح 947 في الاجارة ح 29، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 277، أبواب أحكام الاجارة، باب 30 ح 3. (2) " الكافي " ج 5 ص 244 باب ضمان الجمال والمكاري وأصحاب السفن ح 5، " الفقيه " ج 3 ص 256، ح 3924 باب ضمان من حمل شيئا فادعى ذهابه، ح 5، " تهذيب الاحكام ج 7 ص 217 ح 946، في الاجارات ح 28، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 278، أبواب أحكام إجارة، باب 30 ح 6. (3) " الكافي " ج 5 ص 244 باب ضمان الجمال والمكاري وأصحاب السفن ح 6، " ويائل الشيعة " ج 13 ص 278 أبواب أحكام الاجارة باب 30 ح 7. (4) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 222 ح 975، في الاجارات ح 57، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 279، أبواب أحكام الاجارة باب 30 ح 12.

[ 122 ]

ومنها: خبر غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام: " أن أمير المؤمنين عليه السلام أتي بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمنه وقال عليه السلام: إنما هو أمين " 1. ومنها: خبر الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كان أمير المؤمنين عليه السلام يضمن القصار والصانع احتياطا للناس، وكان أبي يتطول عليه إذا كان مأمونا " 2. وهناك أخبار أخر بهذا المضمون تركنا ذكرها لعدم الاحتياج إليها، لان فيما ذكرناه كفاية. وجميع هذه الاخبار متفقة في أن الاجير إذا كان مأمونا غير متهم فتضمينه مرجوح، وأما إذا كان متهما وغير مأمون فتضمينه غير مرجوح ولا حزازة فيه. فرع: يعتبر في صحة الاجارة أن تكون المنفعة مملوكة للموجر، أو لمن ينوب المؤجر عنه بالوكالة أو الولاية، أو تكون مملوكة لمن يكون المؤجر فضولا عنه. ووجه هذا الشرط واضح، وذلك لان المؤجر هو الذي يملك المنفعة للمستأجر، فلابد وأن يكون إما مالكا أو يكون عن قبل المالك ولو كان فضولا، وذلك لان فاقد الشئ لا يمكن أن يكون معطيا له. ولا فرق بين كونها مملوكة بتبع ملكية العين، أو تكون مملوكة مستقلا من دون تكون العين التي لها المنفعة مملوكة له، كما إذا استأجر عينا ذات منفعة فآجرها، فالمستأجر الذي يؤاجر ما استأجره مالك للمنفعة من دون أن يكون مالكا


(1) " الكافي " ج 5 ص 242 باب ضمان الصناع ح 8 " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 218 ح 954، في الاجارات ح 36، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 270، أبواب أحكام الاجارة باب 28 ح 1. (2) " الكافي " ج 5 ص 242 باب ضمان الصناع، ح 3، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 220 ح 962، في الاجارات ح 44، " الاستبصار " ج 3 ص 133 ح 478 باب الصانع يعطى شيئا ليصلحه...، ح 9، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 272 أبواب أحكام الاجارات باب 29 ح 4.

[ 123 ]

للعين التي لها هذه المنفعة. وكذلك فيما إذا آجر الموصى له منفعة عين سنين تلك العين في تمام تلك المدة أو في بعضها، فهو مالك للمنفعة من دون أن يكون مالكا للعين التي لها هذه المنفعة، وذلك لان الواجب في الاجارة - حيث أنها تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم - أن تكون تلك المنفعة ملكا له، لما ذكرنا من أن فاقد الشئ لا يمكن أن يكون معطيا له. وأما ملكية العين التي لها هذه المنفعة لا أثر لها في هذا المقام أصلا، فلا يجوز إجارة المنافع التي هي من المباحات الاصلية لكثير من المنافع الموجودة في الجبال والازوار من الاودية التي تنبت فيها، كورد لسان الثور، والهندباء، وغيرهما والفواكه الموجودة أشجارها في الازوار وغيرها من المنافع التي ليست ملكا لاحد وجميع الناس فيها شرع سواء. ولا فرق في جواز الانتفاع بها بين المؤجر والمستأجر. ولا وجه لانشاء التمليك من أحدهما للاخر، لان نسبتهما إلى تلك المنافع على حد سواء لا ترجيح لاحدهما على الاخر، بل التمليك من أحدهما للاخر غير معقول، كما نبهنا عليه. وبعد ما عرفت أن ملكية المنفعة كان في الاجارة ولا يتوقف على ملكية العين، يتفرع عليه جواز إجارة المستأجر ما استأجره لاخر حتى من نفس المؤجر الذي استأجر منه فضلا عن غيره، لان المفروض أن منفعة هذه العين صارت ملكا للمستأجر فيجوز أن ينقلها إلى شخص آخر ولو كان هو نفس المؤجر. كما أنه لو اشترى عينا من شخص وصارت ملكا له فبعد قبضها يجوز أن يبيعها لكل أحد حتى من نفس البائع. نعم لو اشترط المؤجر عليه استيفاء المنفعة بنفسه ومباشرته الاستيفاء فلا يجوز إجارته للغير، لعموم " المؤمنون عند شروطهم " 1، فمقتضى القاعدة الاولية


(1). تقدم ص 18، هامش (4).

[ 124 ]

جواز إجارة المستأجر ما استأجره لغيره حتى لنفس المؤجر. وقد ورد أيضا في ذلك روايات: منها: ما عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهم السلام قال: سألته عن رجل استأجر أرضا بألف درهم، ثم آجر بعضها بمائتي درهم، ثم قال صاحب الارض الذي آجره: أنا ادخل معك فيها بما استأجرت فنتفق جميعا فما كان فيها من فضل كان بيني وبينك. قال: " لا بأس " 1. أقول: وقد ورد روايات تدل على جواز إجارة الارض الذي استأجرها بأكثر مما استأجرها به إذا كان بغير جنس الاجرة، أو أحدث ما يقابل التفاوت وإن قل 2. منها: رواية أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يتقبل الارض من الدهاقين ثم يؤاجرها بأكثر مما تقبلها به ويقوم فيها بخط السلطان؟ فقال: " لا بأس به، إن الارض ليست مثل الاجير ولامثل البيت، إن فضل الاجير والبيت حرام " 3. ومنها: رواية أبي المغرا، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يؤاجر الارض، ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها؟ قال: " لا بأس، إن هذا ليس كالحانوت ولا الاجير، إن فضل الحانوت والاجير حرام " 4. وغير هاتين الروايتين مما جمعها في الوسائل في الباب العشرين والواحد والعشرين من كتاب الاجارة 5. غاية الامر يدل بعضها على عدم جواز الاجارة بأكثر


(1) " الفقيه " ج 3، ص 245 ح 3893، باب المزارعة والاجارة ح 4، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 259 أبواب أحكام الاجارة باب 19 ح 1. (2) " وسائل الشيعة " ج 13 ص 259، 262 أبواب أحكام الاجارة باب 20 و 21. (3) تقدم ص 99 رقم 1. (4) تقدم ص 99 رقم 2. (5) " وسائل الشيعة " ج 13 ص 259 و 262 أبواب أحكام الاجارة باب 20 و 21.

[ 125 ]

مما استأجره به في خصوص البيت والحانوت والاجير، وإلا فأصل جواز الاجارة مفروغ عنه، وعدم الجواز في الثلاثة المذكورة أيضا بأكثر مما استأجرها به إن لم يحدث فيها حدثا، وإلا فلا مانع. فرع: لو شرط مباشرة المستأجر في الانتفاع بالعين المستأجرة، فآجرها لغيره وسلمها إليه، ضمنها، لانها كانت أمانة مالكية عنده، فتسليمها لغيره بدون إذن المالك إلى شخص آخر تعد منه، فتخرج عن كونها أمانة وتصير بمنزلة الغصب، بل عينه، فيكون ضامنا على حسب قواعد باب الضمان، وتجري عليها أحكام العين المغصوبة عند تلفها. فرع: ومن شرائط صحة الاجارة أن تكون المنفعة معلومة، بل هذا الامر من مقومات حقيقة الاجارة، ولذلك عرفوها بأنها عبارة عن تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم. فإذا كان حقيقة الاجارة عند العرف والعقلاء هو المعنى الذي ذكرناه من اعتبار كون المنفعة التي يملكها المؤجر للمستأجر معلومة، فبدون معلوميتها لاتتحقق حقيقة الاجارة عندهم، فإطلاقات أدلة صحة الاجارة لا تشملها. هذا، مضافا إلى ثبوت الاجماع على هذا الشرط، ولزوم كون المنفعة معلومة في صحة الاجارة. وأيضا الحديث الشريف: " نهى النبي عن الغرر " 1 بناء على ثبوته وعدم


(1) " عيون أخبار الرضا " ج 2 ص 45 باب فيما جاء عن الرضا عليه السلام من الاخبار المجموعة، ح 168، " عوالي اللئالي " ج 2 ص 248 باب المتاجر، ح 17، " وسائل الشيعة " ج 12 ص 330 أبواب آداب التجارة، =

[ 126 ]

اختصاصه بالنهي عن بيع الغرر. وعلى كل حال لاشبهة في اشتراط هذا الشرط ولا ريب فيه، وقد تقدم بعض الكلام في هذا الشرط، وإنما الكلام هاهنا في المراد من معلومية المنفعة وتعينها في كلا القسمين - أي إجارة الاعيان، وفي باب الاعمال - فنقول: أما في إجارة الاعيان فيختلف التعين باعتبار الاعيان وباعتبار منافعها، ففي مثل الدار والدكان والخان وأمثالها فتعينها بتقدير مدة سكناها بحسب الزمان كما هو المتعارف الان، فيقول المؤجر: آجرتك هذه الدار أو هذا الدكان أو هذا الخان أو غيرها من أمثال ذلك مدة سنة أو شهر مثلا بكذا، وبهذا التقدير يعرف المستأجر أنه مللك سكنى سنة من هذه المذكورات بعوض كذا المعلوم أيضا. وفي مثل السيارة والدابة تحصل المعلومية والتعيين إما بالزمان، كما إذا قال: آجرتك هذه الدابة أو هذه السيارة يوما أو ساعة، أو بالمسافة كما إذا قال: آجرتك هذه الدابة أو هذه السيارة من النجف إلى كربلاء أو إلى بغداد. وفي إجارة الاعمال أيضا يختلف بالنسبة إلى الاجراء وبالنسبة إلى أعمالهم، فلابد من تعيين العمل الذي يستأجره عليه إما من تقديره بحسب الزمان كما هو المتعارف في البنائين والعمال حسب درجاتهم، فتكون أجرته في كل يوم كذا مقدار، وفي نصف اليوم نصفه أو أقل أو أكثر، وفي بعض الاعمال تكون الاجرة بحسب نفس العمل، ففي كل عمل له أجرة خاصة، فالخياط مثلا في كل ثوب يعين أجرته باعتبار نفس العمل حسب المتعارف، ففي القباء مثلا كذا مقدار، وفي العباء كذا مقدار، وكذلك في سائر الالبسة كل بحسبه.


= باب 40 ح 3، " صحيح مسلم " ج 3 ص 1153، ح 1513، كتاب البيوع، ح 4 باب 2، " سنن ابي داود " ج 3 ص 254 ح 3376، باب في بيع الغرر، " سنن الترمذي " ج 3 ص 532، ح 1230، باب ما جاء في كراهية بيع الغرر.

[ 127 ]

وقد يختلف اختلافا كثيرا باعتبار نوع الخياطة والالبسة بشكل الالبسة القديمة والحديثة أو الشرقية والغربية، وكذلك الحذاؤن باعتبار نوع الحذاء، وربما يكون لبعض أنواع الحذاء أجرة فوق ما يتوهمه المستأجر، فتعيين نوع العمل لازم. وأيضا تعيين أجرة ذلك النوع لازم. وخلاصة الكلام: أن الاجارة مطلقا - سواء كان إجارة الاعيان أو إجارة الاعمال - حيث أن المنافع في الاعيان والاعمال في الاجراء مختلفة، وأجرتها أيضا مختلفة باعتبار اختلاف المنافع والاعمال، فلابد من تعيينها كي لا يلزم الغرر عند من يقول بأن دليل اعتبار المعلومية في المنفعة هو لزوم أن لا تكون المعاملة غررية، وكذلك الامر في جانب الاجرة، فالمناط كل المناط ارتفاع الغرر، وأن تكون المعاملة على النحو المتعارف بين العرف والعقلاء. وكذلك عند من يقول اعتبار العلم هو بناء العرف والعقلاء أن صحة الاجارة منوطة بمعرفة المنفعة والاجرة، فإذا لم يعلما فلا تشملها الادلة العامة والاطلاقات الواردة في باب لزوم الوفاء بعقد الاجارة. وهذا هو معنى اشتراط صحة الاجارة بالعلم بالمنفعة، بل العلم بالاجرة أيضا، ولذلك اعتبروا العلم بكليهما في مقام التعريف، وعرفوا الاجارة بأنها تمليك منفعة معلومة. وأما من يعتبر هذا الشرط لاجل الاجماع فلابد وأن يكون العلم بها بحيث لا يكون مخالفا لما اتفقوا عليه. فرع: لو استأجر شيئا معينا فتلف قبل أن يقبض ذلك الشئ بطلت الاجارة. قال في الجواهر: بلا خلاف أجده 1، وادعي في التذكرة أيضا الاجماع على


(1) " جواهر الكلام " ج 27 ص 277.

[ 128 ]

هذا الحكم 1. مضافا إلى ما تقدم منا في إلحاق الاجارة بالبيع في التلف قبل القبض، وأنها بحكمه في الانفساخ، وذلك لان تلف العين قبل القبض يلزم منه تلف المنفعة أيضا قبل القبض، لان المنفعة تابعة للعين تبعية العرض للمعروض، لان سكنى الدار وركوب الدابة موقوفان على بقاء الدار والدابة، وبتلفهما يتلفان قهرا. فالمنفعة في الاجارة بمنزلة المبيع في البيع، فإذا تلف قبل القبض فيشملها قوله صلى الله عليه وآله: " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " 2، وكذلك رواية عقبة بن خالد التي تقدم ذكرها 3. وهما وإن كانا في ظاهر اللفظ مختصان بالبيع، ولكن المناط في البيع والاجارة واحد، وهو أن المبادلة بين العوضين في عالم الانشاء والتشريع مقدمة للاخذ والاعطاء خارجا، وإلا يكون الانشاء في الاغلب لغوا، فإذا امتنع التعاطي الخارجي فيبقى العقد والعهد لغوا، فينفسخ. ولاشك في أنه بتلف العين يمتنع التعاطي الخارجي في كلا البابين، أي في باب البيع والاجارة، فقهرا ينفسخ العقد في كلا البابين. ولعل هذا هو المراد من إلحاق الاجارة بالبيع في شمول النبوي صلى الله عليه وآله ورواية عقبة بن خالد لها. هذا إذا كان تلف العين المستأجرة قبل القبض وقبل أن يستوفى المستأجر شيئا من المنفعة، وأما لو وقع التلف بعد القبض فإن كان بعد استيفاء شئ من المنفعة أو بعد إمكان استيفائه لها ولكنه قصر في الاستيفاء فتكون الاجرة عليه بمقدار تلك المدة، لانها تقسط باعتبار أزمنة الاستيفاء، إذ لاوجه للقول بالانفساخ من زمان وقوع العقد أو البطلان من أول الامر في هذه الصورة وإن قال به قائل، فعليه أجرة المثل لما استوفى، أو للمدة التي كان يمكنه استيفائها ولم يستوف.


(1) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 322. (2) تقدم ص 95، هامش 1. (3) تقدم ص 95، هامش 2.

[ 129 ]

وأما لو كان بعد القبض ولكن كان قبل استيفاء شئ منها وعدم إمكان استيفاء شئ منها، فهذه الصورة أيضا في حكم التلف قبل القبض، لوحدة المناط فيهما. والحاصل: أن المناط في بطلان الاجارة وانفساخها هو عدم إمكان استيفاء منفعة العين المستأجرة من غير تقصير وتهاون في ذلك من قبل المستأجر، بل القصور في جانب العين، إما لتلف أو لجهة أخرى. هذا كله فيما إذا تلفت العين، أما إذا أتلفها متلف فإن كان هو نفس المستأجر فربما يقال بأنه هو الذي أتلف المنفعة على نفسه، فيكون الاتلاف بمنزلة الاستيفاء، فعليه ضمان العين من جهة إتلافه لها، وعليه الاجرة لاستيفائه المنفعة بإتلافه الذي هم بمنزلة الاستيفاء. ولكن فيه: أن الاجارة تنفسخ بتلف العين، سواء كان بآفة سماوية أو بتلف المستأجر أو بتلف غيره، فإذا أتلف المستأجر العين المستأجرة فهو ضامن للعين ولا كلام فيه، لقاعدة الاتلاف " ومن أتلف مال الغير فهو له ضامن ". وأما بالنسبة إلى الاجرة فبالنسبة إلى المقدار الذي استوفى من المنفعة عليه الاجرة، وأما بالنسبة إلى الباقي فليس عليه شئ، لانفساخ الاجارة. ولو أتلف العين المستأجرة قبل أن يستوفى شيئا منها فليس عليه شئ سوى ضمان نفس العين المستأجرة، وكذلك الامر لو كان الاتلاف بيد غير المستأجر. فرع: لو تجدد فسخ الاجارة بسبب من أسباب الفسخ بعد تمامية عقد الاجارة واجدا لجميع الاجزاء والشرائط، وبعد مضي مقدار من مدة الاجارة صح فيما مضى وبطل فيما بقي، بناء على ما هو المختار من أن الفسخ حل العقد من حين الفسخ، لا من أول انعقاده، فتقسط الاجرة. فلو أعطى الاجرة من أول انعقاد الاجارة - كما هو المتعارف غالبا - فيسترد

[ 130 ]

بالنسبة إلى مقدار الباقي، لانه لاإجارة بالنسبة إليه كي يستحق المؤجر أجرة ماله، لانفساخ العقد بالنسبة إليه. ولو لم يعط الاجرة أصلا وشيئا منها فعليه مقدار ما مضى دون ما بقي. فلو كان أجزاء مدة الاجارة متساوية من حيث قيمة المنفعة، فيعطي أو يسترد ما مضى بالنسبة إلى مجموع المدة في الاول، وبمقدار ما بقي بالنسبة إلى مجموع المدة في الثاني. وأما إن لم تكن الاجزاء متساوية في القيمة، فيقوم أجرة مثل مجموع المدة فافرضها مثلا مائة وخمسين دينار، وتقوم أجرة مثل ما مضى من مدة الاجارة وافرضها مثلا مائة دينار، ونسبتها إلى أجرة مثل المجموع نسبة الثلثين، فيعط المستأجر ثلثي المسمى إن لم يعط شيئا منها، وإن أعطى الجميع من حين العقد فيسترد من المؤجر الثلث من المسمى في المفروض، فإذا كان المسمى في المفروض تسعين ولم يعط المستأجر شيئا منها، فيجب عليه أن يعطي للموجر ستين، وإن أعطى المجموع حين انعقاد الاجارة فيسترد ثلاثين للمدة الباقية. وهذا ضابط كلي لموارد اختلاف أجزاء المدة بحسب القيمة، ولاشك في وقوع ذلك كثيرا، فالدور في مكة المكرمة أجرتها أيام الموسم أضعاف أجرة غير الموسم. فرع: لو استأجر دابة للحمل يلزم تعيين ما يحمل عليها إما بالمشاهدة، أو بالكيل والوزن. والمقصود من التعيين هو ارتفاع الغرر، فلو كان ما يحمل عليها هو الراكب فلابد من المشاهدة، وذلك لاختلاف الركاب في الطول والقصر والسمن والهزال، فرب راكب تعجز الدابة عن حمله، فلابد من مشاهدته أو وصفه بحيث يرتفع الغرر. وقد تقدم أن حقيقة الاجارة هي تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم، ولا تصير المنفعة معلومة فيما ذكر إلا بما ذكرنا من المشاهدة، أو التوصيف التام بحيث لا

[ 131 ]

يبقى المنفعة أو شأن من شؤونها مجهولة فيما لا يتسامح العقلاء في مثل ذلك. فلو كان الاستيجار لاجل حمل آلات وأدوات للصنعة أو الزرع أو لشغل آخر، فلابد أن يعين جنس الالة وأنها من حديد أو من صفر أو من خشب أو من جنس آخر، وذلك لاختلافها ثقلا وخفة من حيث أجناسها، بل ربما تكون صعوبة في حملها من جهات أخرى غير جهة الثقل والخفة، فلابد من ملاحظة جميع هذه الجهات في مقام إيقاع عقد الاجارة وتعيينها كي يرتفع الغرر والجهالة كما هو ديدن العقلاء وبناؤهم في معاملاتهم. وكذلك يلزم تعيين الدابة التي يستأجرها لاجل غرضه، وليس مرادنا من لزوم تعيينها تعيين شخصها، لانه لا مانع من استيجار دابة كلية، كما أنه يجوز بيعها كذلك، غاية الامر يجب توصيف صفاتها التي لها مدخلية في أصل الانتفاع بها، أو يكون لها مدخلية في تكميل الانتفاع بها، فالدابة وكذلك سائر المراكب سواء كانت من سنخ الحيوان أو غير الحيوان كالسيارة والطيارة يجب أن يعين نوعها بل صنفها، لاختلاف منافعها من حيث سرعة السير وبطئه، واستراحة الراكب فيها وعدمها. والضابط الكلي في جميعها رفع الغرر ومعلومية المنفعة التي يملكها المؤجر والمستأجر. وإن شئت قلت: إن بناء العقلاء في معاملاتهم المعاوضية على أن يعرف كل واحد من المتعاملين ما يأتي في ملكه عوض ما يخرج عنه، وعلى هذا يتفرع لزوم العلم بالعوضين، والشارع أمضى هذه الطريقة ونهى عن الغرر. وخلاصة الكلام في المقام: أنه لابد من معلومية العين المستأجرة، سواء كانت إنسانا أو حيوانا أو غيرهما. وأيضا لابد من معلومية المنفعة التي يتملكها المستأجر علما عاديا حسب ما هو المتعارف في معاملات أهل العرف. وقد طولوا بذكر الامثلة والموارد لاختلاف المنافع فيها، ولكن جميع الموارد لا

[ 132 ]

تخرج عن هذا الضابط الكلي، فذكر الارض للزرع، أو الدار للسكنى، أو الخان والدكان للكسب، أو الدابة والسيارة للركوب والتفصيل فيها ببيان كيفية معلومية منافعها وكيفية الانتفاع بها ليس بلازم، لان الموارد ليست محصورة، بل ربما تختلف بحسب الازمان والعادات، فربما ينقص شئ منها باعتبار تغيير العادات، ويزيد شئ آخر، فلابد من ملاحظة العرف والعادة. ثم إنه ذكروا هنا فرعا: وهو أنه لو استأجر لحفر بئر عشر قامات بعشرة دراهم مثلا، فحفر قامة واحدة وعجز عن إتمامها لجهة من الجهات، فقالوا يقوم حفر الجميع وأيضا يقوم ما حفر ثم ينصب قيمة ما حفر إلى قيمة الجميع، فيرجع الاجير إلى المستأجر بتلك النسبة من الاجرة المسماة في العقد. فلو فرضنا أن قيمة المجموع في المثال المذكور ثلاثون درهما وقيمة ما حفر درهم واحد، فتكون النسبة ثلاث عشر، فيستحق الاجير من المسمى ثلاث عشر، وحيث أن المسمى في المثل المفروض عشرة لمجموع عشرة قامات، فيستحق الاجير ثلاث دراهم. ثم ذكر المحقق في الشرائع 1 قولا آخر مستنده رواية مهجورة غير معمول بها بين الاصحاب، وهي ما رواه أبو شعيب المحاملي عن الرفاعي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قبل رجلا حفر بئر عشر قامات بعشرة دراهم، فحفر قامة ثم عجز؟ فقال عليه السلام: " له جزء من خمسة وخمسين جزء من العشرة دراهم ". رواها الصدوق 2 مرسلا، ورواها في الوسائل بطريق آخر مذيلا بهذا الذيل: " تقسم عشرة على خمسة وخمسين جزءا فما أصاب واحدا فهو للقامة الاولى، والاثنان للثانية،


(1) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 185. (2) " المقنع " ص 134.

[ 133 ]

والثالثة للثالثة وعلى هذا الحساب إلى العشرة " 1. والصحيح هو القول الاول، لانه مقتضى القواعد، والرواية مهجورة لم يعمل بها الاصحاب، فتسقط عن الحجية على فرض سلامة سندها. وقد قيل في توجيه الرواية: أنها لعلها وردت في مورد خاص، له خصوصية من حيث المكان أو الزمان يلائم مع ما ذكره عليه السلام، لا أنه حكم كلي لجميع الموارد كي يكون خلاف مقتضى القواعد. وهو توجيه حسن. فرع: يجوز استئجار المرأة للارضاع مدة معينة بعوض معلوم مع وجود سائر الشرائط التي اعتبروها في باب الاجارة. والغرض من ذكر هذا الفرع هنا دفع الاشكال المشهور الذي أوردوه على إجارة بعض الاعيان باعتبار تمليك منافعها التي هي أيضا أعيان، كإجارة البستان باعتبار تمليك منافعها من الفواكه الموجودة فيها أو التي ستوجد. ولاشك في أن تمليك المنافع التي هي من هذا القبيل ونقلها إلى الغير بإزاء عوض معين معلوم ينطبق عليه تعريف البيع، أي تمليك عين متمول بإزاء عوض مالي. وهذا ينافي حقيقة الاجارة التي عرفناها بأنها تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم. ولكن يمكن أن يجاب عنه: أن أمثال هذه المنافع التي هي أيضا كذويها من الاعيان لها اعتباران وتلاحظ بلحاظين: تارة باعتبار وجوداتها في نفسها وأنها مستقلات في الوجود ومن مقولة الجواهر، فإذا وقع النقل والانتقال عليها بهذا اللحاظ والاعتبار فيكون نقلها بإزاء عوض مالي بيعا، وتارة تلاحظ باعتبار كونها من شؤون ذويها كما يقال: تمر هذه النخلة، أو حليب هذه البقرة، أو حليب هذه


(1) " الكافي " ج 7 ص 433 كتاب القظاء والاحكام ح 22، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 284، أبواب أحكام الاجارة باب 35 ح 2.

[ 134 ]

المرضعة، أو عنب هذه الشجرة، أو هذا البستان وأمثال ذلك، فبهذا الاعتبار يشبه عند العرف أن تكون من الاعراض القائمة بالغير، كركوب هذه الدابة، أو سكنى هذه الدار، فإذا وقع النقل والانتقال عليها بهذا الاعتبار يراها العرف نقل المنفعة لا العين، ولذلك يضيف الاجارة إلى نفس العين فيقول: آجرتك هذه الدار أو هذا البستان، أو غير ذلك مما هو من هذا القبيل، لا إلى منافع تلك العين، بل إذا قال: آجرتك سكنى هذه الدار أو حليب هذه البقرة، تكون الاجارة باطلة، لما تحقق أن حقيقة الاجارة هي تمليك منفعة العين المستأجرة مع بقاء نفس العين وعدم إتلاقها. ففي جميع موارد إتلاف نفس العين - سواء كان لها وجود مستقل وليست منفعة وتبعا للغير كالخبز بالنسبة إلى آكله، والحطب لاشعاله واستعماله في الطبخ وغيره، أو كانت من منافع الغير كالاثمار على الاشجار، أو المياه في الابار، أو الالبان في الحيوانات اللبونة، والمرضعات للاطفال، أو إجارة العيون والقنوات للانتفاع بمياها للزرع في الزرع، أو في جهات أخر - لا يصح أن يجعل نفس هذه الاعيان التي يكون المقصود الانتفاع بإتلافها متعلقا للاجارة كي تكون هي الاعيان المستأجرة، ولو فعل ذلك تكون الاجارة باطلة. وأما لو جعل متعلق الاجارة الاعيان التي تكون هذه الاعيان عند العرف بل حقيقة تعد من منافعها، لانه لا يشترط في كون شئ منفعة لشئ أن يكون من أعراض ذلك الشئ، فالاجارة تكون صحيحة لتحقق أركانها، وهي صدق تمليك منفعة معلومة بعوض. ولا يرد عليه إشكال أصلا، ولا يحتاج إلى تكلف القول بأن حقيقة الاجارة هي جعل العين المستأجرة في الكراء وأن ملك المنفعة لازم غالبي لها، مضافا إلى أن جعل الشئ في الكراء عبارة أخرى عن تمليك منفعة ذلك الشئ بعوض معلوم. والواقعيات لا تختلف باختلاف التعابير الغير المختلفة بحسب المعنى المراد منها.

[ 135 ]

ثم إن هاهنا أمورا ينبغي أن تذكر وينبه عليها منها: أنه هل يجوز للمرضعة التي لها زوج أن توجر نفسها للارضاع أو الرضاع بدون إذن زوجها، أو لا؟ فيها أقوال، ثالثها عدم الجواز فيما إذا كان مزاحما لحق زوجها. والحق هو هذا التفصيل، لانه ليس لمن عليه الحق انشاء معاملة وارتكاب أمر يوجب تضييع حق الغير، لان الشارع سلب مثل تلك السلطنة له على أمواله وعلى أفعاله، كما هو كذلك في موارد سائر الحقوق. وأما القول بعدم الجواز مطلقا وإن لم يكن مزاحما لحقه، لكون الزوج مالك اللبن، أو لكونه مالكا لجميع منافعها كالجارية التي يملكها. فكلام عجيب، لوضوح أن الزوجة ليست مملوكة لزوجها كي يكون جميع منافعها أو خصوص لبنها له، فليس لمنعه تأثيرا، فضلا عن احتياجه إلى الاذن فيما إذا لم يكن مزاحما لحق استمتاعه منها متى شاء. وظهر مما ذكرنا عدم بطلان الاجارة لو طرأ النكاح على الاجارة، بمعنى أنها حينما كانت خلية آجرت نفسها للارضاع أو للرضاع ثم تزوجت، فليس للزوج منعها عن ذلك بطريق أولى، إلا أن يكون مانعا عن استمتاعاته التي جعلها الله تعالى له. نعم لو كان الزوج من أهل الشرف بحيث كان مثل هذا العمل إهانة له عند العرف لا يبعد أن يكون له منعها، كما أن له ذلك بالنسبة إلى سائر المكاسب المباحة لها إذا كان كذلك، كالخياطة والنساجة، والدلالة وغير ذلك من الاعمال التي لا يرتكبها أهل العزة والشرف.

[ 136 ]

هذا، مضافا إلى أنه يمكن أن يقال في هذا الاخير - أي فيما إذا كان النكاح بعد الاجارة - بتقديم حق المستأجر على حق الزوج، لتقدمه عليه، فليس له حق الاستمتاع في الزمان الذي يجب عليها الارضاع بواسطة الاجارة المتقدمة على النكاح الطارئ، خصوصا مع علم الزوج بذلك. وقد أفاد أستاذنا المحقق العراقي قدس سره في هذا المقام: أن صحة هذه الاجارة بدون إذن الزوج مبنية على أن سلطنة الزوج على الاستمتاع ليست مطلقة بحيث تكون مستتبعة للسلطنة على حفظ مقدمات استمتاعه، بل تكون مقيدة بقابلية المحل وعدم وجود ما يمنع عن الاستمتاع، فحينئذ في ظرف صدور الاجارة و تحققها لا تبقى السلطنة على الاستمتاع، لوجود المانع وهو حق المستأجر، فلا يبقى شئ يمنع عن صحة الاجارة بدون إذن الزوج 1. وفيه: أنه لاشك في سلطنة الزوج على الاستمتاع متى شاء، فله حق المنع عن إيجاد ما يضيق دائرة سلطنته ويفوت حقه، وهي الاجارة. فالسلطنة إذا كانت في العقود اللازمة كالسلطنة على الاستمتاع في النكاح، فلا محالة يكون لذيها حق المنع عن تفويت متعلقها وتضييق دائرتها. نعم لو كان في العقود الجائزة - مثل سلطنة المستعير على العين المعارة - فللمالك تضييق دائرتها أو تفويت متعلقها بإتلاف أو نقل غير ذلك، فلابد من القول بصحة الاجارة بدون إذن الزوج بشرط عدم المزاحمة مع حق الزوج، كما إذا كان الزوج في سفر طويل يعلم بعدم رجوعه قبل انقضاء مدة الاجارة، أو كان مريضا لا يقدر معه على الاستمتاع يعلم بعدم برئه قبل انقضاء مدة الاجارة، وأمثال ذلك مما لا تكون الاجارة منافية لحق استمتاع الزوج. وأما القول بأن حق المستأجر مع حق الزوج كلاهما من قبيل الكلي في


(1) المحقق العراقي في " شرح تبصرة المتعلمين " ج 5، ص 455، أحكام الاجارة.

[ 137 ]

المعين، كبيع صاع من هذه الصبرة لزيد وصاع آخر لعمرو مثلا، ولا تنافي بينهما فيكون لكل واحد من الزوج والمستأجر حقه ولا تمانع بينهما. ففيه: أنه لاشك في أن الزوج وإن لم يكن حقه بنحو الاستغراق لجميع الازمنة، لكن له حق التطبيق على أي واحد من الازمنة التي يمكن الاستمتاع فيه، وليس مانع عقلي أو شرعي في البين. وبعبارة أخرى: هو مخير بين تلك الازمنة التي من جملتها زمان الارضاع الذي هو حق المستأجر، فيقع التزاحم بين الحقين، ولا يرتفع إلا بتقييد كلا الحقين بزمان، وإلا لا يرفع بتقييد أحدهما مع إطلاق الاخر كما هو واضح. وقياس المقام بباب بيع صاع من الصبرة لشخص وصاع آخر منها لشخص آخر، في غير محله، لان حق التعيين هناك وتطبيق الكلي على المصاديق بيد المالك البائع، لان الخصوصيات باقية على ملكه، وإنما الخارج عن ملكه ببيعه هو كلي الصاع. وفي المقام حق التطبيق للزوج ومطلق بالنسبة إلى خصوصيات الازمنة، فيقع التزاحم بين الحقين وإن قلنا بعدم إطلاق حق المستأجر وأن تعيينه مقيد بمشية الزوجة أو تعين الوقت في عقد الاجارة، لما تقدم أن التزاحم لا يرتفع إلا بتقييد كلا الحقين، فلابد من تقييد الصحة بعدم مزاحمتها لحق الزوج أو بإذنه. ومنها: أنه لو ماتت المرضعة أو الطفل فهل تنفسخ الاجارة، أم لا؟ وخلاصة الكلام في المقام هو: أنه لو كان الميت هي المرضعة، وكان موتها قبل ارتضاع الطفل ولو بشئ يسير، فهذا من التلف قبل القبض، وقد تقدم الكلام فيه وأن الاجارة تنفسخ من أول الامر ويكون كتلف المبيع قبل أن يقبضه المشتري، وأما لو ماتت بعد أن استوفى الطفل شيئا من المنفعة - أي ارتضع مقدارا ما - فتستحق الاجرة بالنسبة إلى ما مضى، وتنفسخ بالنسبة إلى ما بقي من المدة. وقد تقدم الكلام

[ 138 ]

في ذلك وأن الاجارة تقسط. وأما لو مات الطفل، فإن كان مفاد عقد الاجارة والمنشأ به إرضاع خصوص هذا الطفل أو ارتضاعه بلبنها، فبعد موت الطفل يتعذر استيفاء تلك المنفعة، ولا فرق في تعذر استيفاء المنفعة المملوكة بعقد الاجارة بين أن يكون من جهة موت المرضعة، أو يكون من جهة موت المرتضع، لان الرضاع قائم بالطرفين: المرضعة والمرتضع، وبانعدام كل واحد منهما ينعدم الرضاع ولا يمكن تحققه، فيكون من قبيل إجارة دابة خاصة لركوب شخص خاص، ولاشك في أنه بهلاك كل واحد من الدابة وذلك الشخص يمتنع استيفاء تلك المنفعة الخاصة، فقهرا تنفسخ الاجارة من رأس إذا كان موت الطفل قبل استيفاء شئ من المنفعة ويقسط العوض على ما مضى من المدة وما بقي على تقدير الاستيفاء المدة التي مضت. وقد تقدم وجه ذلك في بعض الفروع السابقة. وأما لو لم يكن مفاد عقد الاجارة إرضاع خصوص هذا الطفل الذي مات، بل استأجرها لارضاع طفل كلي مقيدا بقيد الوحدة، وإن كان نظره إلى أن يكون المستوفى خصوص هذا الطفل، فلا يكون موته سببا لبطلان الاجارة، بل يستحق المستأجر عليها إرضاع طفل، فيأتي بطفل آخر لكي يرتضع من لبنها، وليس لها أن لاتقبل، لانه حق لازم عليها أن توفي بها بمقتضى عقد الاجارة. ومنها: أنه لو آجرت نفسها بزعم عدم المزاحمة لحق الزوج - كما أنه لو كان الزوج غائبا فحضر، أو كان مريضا وكانت الزوجة قاطعة بعدم برئه مدة الاجارة فمن باب الاتفاق برئ - فهل للزوج فسخ الاجارة بطلب حقه الاستمتاع، أم لا بل بعد ما وقعت الاجارة صحيحة وصار المستأجر ذا حق على هذه المرأة، فيكون حقه مانعا عن جواز تطبيق الزوج حق استمتاعه منها على ذلك الوقت الذي ترضع الولد، لان الاجارة أخرجت ذلك الوقت عن تحت قدرة الزوجة بأن تمكن زوجها من الاستمتاع بها، لانها ملزمة بالوفاء بالاجارة والارضاع في ذلك الوقت، فليس

[ 139 ]

لها صرف الوقت في أمر آخر. اللهم إلا أن يقال ببطلان الاجارة وانفساخها من جهة أنه بعد ما كان التمكين للزوج فيما إذا أراد الاستمتاع بها واجبا عليها، فهذا ينفي قدرتها على تسليم العمل، أي الارضاع في المفروض للمستأجر، فتبطل الاجارة، لان من شرائط صحة الاجارة في باب الاعمال قدرة الاجير على تسليم العمل في وقته إلى المستأجر، فإذا لم يقدر - كما هو المفروض في المقام - فتكون الاجارة باطلة. ولا يقال: هذا من باب تزاحم الحقين، فمن الممكن أن يكون حق المستأجر مقدما على حق الزوج، فيكون الزوج ممنوعا عن الاستمتاع في وقت الوفاء بالاجارة إلى وقت الارضاع، لان تقديم حق الزوج اتفاقي. وذلك أن الاجارة في المفروض طارئة ومتأخرة عن الزوجية، فحين وقوع الاجارة كان وقت الاستمتاع خارجا عن تحت قدرة المرأة، ولم يكن لها صرف ذلك الوقت في أمر آخر غير الاستمتاع، فمتعلق الاجارة يقيد قهرا بغير ذلك الوقت، فيخرجان في ذلك الوقت عن كونهما متزاحمين، ويتعين ذلك الوقت للاستمتاع، ولو كانت الاجارة مطلقة بحيث تشمل ذلك الوقت تكون باطلة، لعدم قدرتها على الوفاء بها شرعا، فيرتفع التزاحم من البين. وبعبارة أخرى: ليس من باب تزاحم الحقين، نعم لو كانت الزوجية طارئة على الاجارة يمكن أن يقال إن حق المستأجر ثبت حين ما لم يكن مانع في البين، فلا يكون لحق استمتاع الزوج إطلاق يشمل صورة وجوب الوفاء بالاجارة على الزوجة، بل هي خارجة عن تحت أدلة وجوب التمكين، كما أن الحكم كذلك في موارد سائر الواجبات، كما في موارد الصلاة والصيام وأمثالهما. اللهم إلا أن يقال: أنه ليس للمرأة المزوجة أن توجر نفسها بالاجارة المطلقة على تقدير طلب الزوج منها الاستمتاع، بل لابد وأن يقيد بغير هذه الصورة وإن لم

[ 140 ]

يكن فعلا طلب في البين، بل لا يمكن أن يكون لاحد الموانع التي ذكرناها أو لغيرها من الموانع الاخر. فرع: قال في الشرائع: ويجوز استيجار الارض لتعمل مسجدا 1. وقال في الجواهر: بالخلاف أجده 2. وحكي عن كشف الحق نسبتة إلى الامامية 3. وعلى كل حال الظاهر أن المراد من قولهم " إنه يجوز استيجار الارض لتعمل مسجدا " ليس المسجد بالمعنى الخاص الذي له أحكام خاصة، من عدم جواز تنجيسه، ووجوب إزالة النجاسة عنه، وعدم جواز مكث الجنب فيه وغير ذلك من أحكامه، لان المسجد بذلك المعنى لابد وأن يكون وقفا مؤبدا ولايكون ملكا لأحد، وفيما نحن فيه للارض مالك غاية الامر ملك منفعتها للمستأجر لمدة معينة، بل المراد أن الاجارة لغرض أن يجعلها محلا لصلاة الناس جميعا، أو لطائفة خاصة مدة الاجارة، كما أنه إذا كان عنده عمال يشتغلون لمدة سنة مثلا، فيستأجر أرضا لصلاتهم في تلك السنة، كما أنه يجوز له أن يستأجر أرضا لسائر حوائجهم بلا إشكال، خصوصا إذا كان من الاعمال الراجحة، مثل أن يكون محلا في تلك المدة لاجتماعهم وتعلمهم الاحكام الشرعية مثلا، أو غير ذلك من العبادات. وذكر هذا الفرع لاجل ما قيل وجها لعدم الجواز، بأن فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد الاجارة بحال، فلا تجوز الاجارة لذلك. وبطلان هذا الكلام وفساده غني عن البيان.


(1) " شرائع الاسلام " ج 2، ص 185. (2) " جواهر الكلام " ج 27، ص 301. (3) " كشف الحق ونهج الصدق " ص 507، في الاجارات وتوابعها، مسألة 4.

[ 141 ]

فرع: قال في الشرائع: يجوز استيجار الدراهم والدنانير إن تحققت لهما منفعة حكمية مع بقاء عينهما 1. أقول: هذا الشرط لتحقق حقيقة الاجارة، لان حقيقة الاجارة عبارة عن تمليك منفعة عين مع بقاء نفس العين، ولابد أن تكون تلك المنفعة محللة ومقصودة للعقلاء كي لا تكون المعاملة سفهية، فإذا اجتمعت هذه الامور في أي شئ من الاشياء يجوز إجارته، كما أنه يجوز إعارته. وإنكار كون الدراهم والدنانير ذات منفعة محللة مقصودة للعقلاء مكابرة. وأما الاشكال بأنه لو كان لهما منفعة محللة مقصودة للعقلاء لكان يضمنها الغاصب بقاعدة " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه " بناء على جريانها في المنافع الغير المستوفاة، ولا يقول أحد من الفقهاء في غصب الدراهم والدنانير بضمان منافعهما الغير المستوفاة. وأيضا لو جاز إجارتهما، لجاز وقفهما لوحدة المناط فيهما، لكن وقفهما لا يجوز فلا يجوز إجارتهما، وإلا يلزم التفكيك بين المتلازمين. وفيهما: أما الاول: فلصحة القول بالضمان على تقدير القول بضمان المنافع الغير المستوفاة، من باب شمول قاعدة " وعلى اليد ما أخذت ". وأما الثاني: فلعدم الملازمة بين جواز الاجارة وجواز الوقف، لامكان أن يأتي دليل من إجماع أو غيره على عدم جواز الوقف في مورد مع جواز إجارته، مضافا إلى المنع عن عدم جواز وقفهما للمنافع المحللة المقصودة للعقلاء. فرع: يجوز الاستيجار لحيازة المباحات كالاحتطاب والاحتشاش


(1) " شرائع الاسلام " ج 2، ص 185.

[ 142 ]

والاستقاء من الماء المباح كالشط مثلا، فلو جمع الحطب أو الحشيش أو أخذ الماء بقصد تكون هذه المذكورات للمستأجر فيصير ملكا له، فلو أتلفه متلف قبل أن يقبضه المستأجر يكون ضامنا للمستأجر لا الاجير، لانها بحيازة الاجير بذلك القصد يصير ملكا له. فالاتلاف يقع على مال المستأجر لاالاجير، ومن أتلف مال الغير فهو له ضامن. نعم لو كان حيازته لهذه الاشياء المذكورة أو لغيرها بقصد أن يكون ملكا لنفسه لا للمستأجر، فالظاهر عدم صيرورته ملكا للمستأجر، فلو أتلفها متلف لا يكون ضامنا للمستأجر. بل إن قلنا بأنها تصير ملكا لنفس الاجير فيكون ضامنا له، وإن قلنا بأنها لا تصير ملكا لاحد لعدم قصد ملكية في البين، فلاضمان في البين. لكن القول بأنها لا تصير ملكا لاحد لاأساس له، بل الظاهر أنها تصير ملكا لنفس الاجير فيما إذا لم يقصد ملكية المستأجر ويكون لنفسه ولو لم يقصد ملكية نفسه، لان كونه له قهري، لقوله صلى الله عليه وآله: " من حاز ملك " 1. وهذا الكلام عام يشمل كلتا صورتي قصده لتملكه وعدم قصده للتملك أصلا، لا لنفسه ولا لغيره. فتأمل. فالمتلف يكون ضامنا لنفس الاجير والاجير ضامن للمنفعة التي فوتها على المستأجر للمستأجر. وربما يقال: يكفي في كونها للمستأجر قصد نفس المستأجر أن يكون ما حازه الاجير له، سواء قصد الاجير أم لا يقصد، وذلك لان فعل الاجير بعد وقوع الاجارة صحيحة بمنزلة فعل نفس المستأجر، لان الاجارة في مثل هذه المقامات استنابة، فعلى تقدير احتياج تملكه إلى القصد يكفي قصد نفسه، ولا يحتاج إلى قصد الاجير. نعم لو لم يقصد المستأجر ولا الاجير كلاهما التملك بتلك الحيازة، فكونه للمستأجر لا يخلو من تأمل، بل عن إشكال.


(1) " جواهر الكلام " ج 26، ص 291، ولم نعثر على الحديث بهذا اللفظ لامن طريق الخاصة ولا العامة.

[ 143 ]

فرع: لا يجوز إجارة نفسه لاتيان ما وجب عليه، سواء كان الواجب تعبديا أو توصليا، عينيا أو كفائيا إذا كان وجوبه بعنوانه الخاص كتغسيل الاموات وتكفينهم ودفنهم. وأما الواجبات النظامية التي وجبت لحفظ النظام وحاجة الانام، كالصناعات التي لا تقوم أسواق المسلمين إلا بها، وكذلك الحرف والمكاسب التي يحتاجون إليها، فلا مانع من أخذ العوض عليها، بل وجوبها من أول الامر ليس مطلقا، بل يكون مع أخذ العوض. ولقد ذكرنا هذه القاعدة أي قاعدة " عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات عدا الواجبات النظامية " مفصلا ومشروحا في بعض الاجراء المتقدمة، وهو الجزء الثاني من هذا الكتاب فلا يحتاج إلى ذكرها هاهنا ثانيا. فرع: لو استأجر دابة لحمل مقدار معين من صبرة، فحملها أزيد من ذلك المقدار زيادة لا يتسامح فيها، فتارة يكون المستأجر هو الذي اعتبر ذلك المقدار بكيل أو وزن، وأخرى يكون المعتبر والمحمل هو المؤجر، وثالثة يكون غيرهما، ولايكون المعتبر والمحمل ولا المؤجر ولا المستأجر، بل يكون أجنبيا فعل ذلك. فإن كان المعتبر والمحمل كلاهما هو المستأجر، لزمه إجرة المثل عن الزيادة، لانه في حكم الغاصب وتصرف في مال الغير بدون إذن صاحبه، فيكون ضامنا لما انتفع به، بل يضمن نفس الدابة، لانه غاصب أو في حكمه، لتصرفه عدوانا في دابة الغير بدون إذن صاحبه في تلك الزيادة، فتكون يده يد ضمان. نعم هاهنا كلام آخر، وهو أنه ربما يقال بأن تلف الدابة لو كان مستندا إلى مجموع الحمل - وهو في بعضه مأذون - فهل يقسط ويكون ضامنا بالنسبة إلى

[ 144 ]

المقدار الغير المأذون، أو يكون ضامنا للجمع؟ قد حكى في الجواهر عن العلامة في إرشاده القول بتنصيف الضمان، وأن نصفه على المستأجر، وأنه يضمن نصف الدابة، لاستناد التلف إلى فعلين: أحدهما مأذون فيه وهو غير مضمون، والاخر المضمون ليس تمام التلف مستندا إليه بحيث يكون هو السبب وحده 1. وفيه: أن هذا الكلام على تقدير صحته وقطع النظر عن بعض الاشكالات الواردة عليه، يكون فيما إذا كان سبب الضمان هو الاتلاف. وليس الامر هاهنا كذلك، لما ذكرنا أن هاهنا سبب الضمان هو اليد وصيرورتها بالتعدي يد ضمان، فلو تلف من دون مدخلية تلك الزيادة في تلفها يكون ضامنا لجميع الدابة من باب " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه ". وقد ورد في ذلك روايات مضافا إلى قاعدة " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه ": منها: صحيحة أبي ولاد الحناط المشهورة الواردة في اكتراء بغل إلى قصر ابن هبير ثم تجاوزه عن ذلك المكان فضمنه عليه السلام قيمة البغل لو عطب، لتعديه عما استأجر 2. والاستدلال بهذه الرواية وأمثالها في المقام مبني على عدم الفرق بين أسباب التعدي. ومنها: رواية الحسن الصيقل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل اكترى دابة إلى مكان معلوم فجاوزه؟ قال: " يحسب له الاجر بقدر ما جاوزه، وإن عطب الحمار فهو ضامن " 3.


(1) " جواهر الكلام " ج 27، ص 303 " إرشاد الاذهان " ج 1، ص 423. (2) " الكافي " ج 5 ص 290 باب الرجل يكتري الدابة فيجاور بها الحد...، ح 6، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 255، أبواب أحكام الاجارة، باب 17، ح 1. (3) " الكافي " ج 5، ص 289، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحد...، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13، =

[ 145 ]

ومنها: رواية عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام قال: أتاه رجل تكارى دابة فهلكت وأقر أنه جاز بها الوقت فضمنه الثمن ولم يجعل عليه كراء 1. وغير هذه مما ذكرها في الوسائل وغيره من كتب الاخبار والاحاديث 2. وخلاصة الكلام: أن المفروض ليس الضمان من باب قاعدة الاتلاف كي يأتي فيه ما ذكروه من التقسيط على مجموع الحمل ويغرم المستأجر بمقدار الزيادة. هذا كله لو كان المستأجر هو المعتبر والمحمل، وأما لو كان كلاهما هو نفس المؤجر، فلا ضمان لا بالنسبة إلى تلك الزيادة، ولا بالنسبة إلى تلف الدابة. أما المستأجر فلانه لم يصدر منه شئ يكون موجبا للضمان. وأما المؤجر فلان الانسان لا يضمن لتلف ماله لنفسه، لان الضمان عبارة عن اشتغال ذمته للمضمون له، فلا يتصور أن تكون مشغولة لنفسه. وأما لو كانا أجنبيين ولم يكونا مأذونين وحملا واعتبرا من دون علم المستأجر ولا المؤجر فتلف المتاع والدابة أيضا، فيكونان ضامنين المتاع للمستأجر والدابة والزيادة للموجر، لعدوانهما عليهما - أي المؤجر والمستأجر - من جهة تصرفهما في مال الاثنين بدون إذنهما واطلاعهما. وما ذكرناه كله على قواعد باب الضمان. فرع: في الشرائع: ومن شرائط صحة الاجارة أن تكون المنفعة مباحة، فلو آجره مسكنا ليحرز فيه خمرا، أو دكانا ليبيع آلة محرمة، أو أجيرا ليحمل إليه


= ص 257، أبواب أحكام الاجارة، باب 17 ح 2. (1) " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 223 ح 977، في الاجارات، ح 59، " الاستبصار " ج 3، ص 135، ح 484، باب من اكترى دابة إلى موضع فجاز ذلك...، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 257، أبواب أحكام الاجارة، باب 17، ح 5. (2) " الكافي " ج 5، ص 289 - 291، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحد...، ح 2 و 3 و 4 و 5 و 7، " وسائل الشيعة " ج 3، ص 257 و 258، أبواب أحكام الاجارة، باب 17، ح 3 و 4 و 6.

[ 146 ]

مسكرا، أو جارية للغناء، أو كاتبا ليكتب له كفرا لم تنعقد الاجارة، وربما قيل بالتحريم وانعقاد الاجارة لامكان الانتفاع في غير المحرم، والاول أشبه 1. لما ذكرنا مكررا أن حقيقة الاجارة تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم، فإذا كانت المنفعة محرمة فليس قابلا للتمليك، لانه لا يملكها فكيف يملكها، ولا يمكن يكون فاقد الشئ معطيا له. فالتعليل لصحة الاجارة ووقوعها بإمكان الانتفاع في غير المحرم لا وجه له بعد عدم تمامية أركان الاجارة، وذلك لما ذكرنا أن المؤجر فعله عبارة عن تمليك المنفعة للمستأجر، فلابد وأن يكون إما مالكا لتلك المنفعة، أو يكون مالكا للتمليك من طرف المالك بنيابة، أو ولاية، أو غير ذلك، ففي إجارة الاعيان لابد وأن يكون مالكا لتمليك منفعة تلك العين، وفي إجارة الافعال لابد وأن يكون المؤجر مالكا لذلك الفعل، أو كان مالكا لتمليكه نيابة، أو ولاية، أو غير ذلك. فإذا سلب الشارع سلطنته في كلا المقامين، فيكون الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، فليس تمليك تلك المنفعة المحرمة أو ذلك الفعل المحرم اللذان وقعت الاجارة عليهما، فالاتنفاع في غير المحرم لا يملكه، فكيف يكون له ذلك. ولذلك قلنا لا يصح أخذ الاجرة على الواجبات على الاجير وكذلك على أفعاله المحرمة. فرع: ومن شرائط صحة الاجارة أن تكون المنفعة مقدورا على تسليمها، فلو آجر عبدا آبقا أو دابة شاردة بحيث لا يقدر المؤجر على تسليمها، ولا المستأجر على أخذها وقبضها، تكون الاجارة باطلة، لكونها معاملة غررية بل سفهية، ويكون أخذ العوض على تمليك مثل هذه المنفعة التي لا طريق للمستأجر إلى استيفائها أكل المال بالباطل، ولا يصدق عليه أنه تجارة عن تراض. وهذا لا


(1) " شرائع الاسلام " ج 2، ص 186.

[ 147 ]

كلام فيه. وإنما الكلام في أنه لو ضم المؤجر العين المستأجرة التي لا يقدر على تسليمها عينا أخرى ذات منفعة محللة مقصودة للعقلاء التي قادر على تسليمها، فهل تصح الاجارة حينئذ كالبيع مع الضميمة أم لا؟ قال في الشرائع: وفيه تردد 1. وقيل في وجه تردد المحقق أن الضميمة في بيع العبد الابق توجب صحته وخروجه عن كونه غرريا، ففي الاجارة أولى بذلك، لان الاجارة تتحمل الغرر أزيد من البيع، فإذا كانت الضميمة موجبة لرفع الغرر هناك والمقدار الباقي من الغرر في الجزء الاخر من البيع معفو، ففي الاجارة يكون معفوا بطريق أولى. هذا أحد الوجهين من وجهي الترديد، والوجه الاخر هو أن دليل نفي الغرر وعدم صحة المعاملة الغررية المتفق عليه بين الفقهاء يشمل المقام، وصحة البيع هناك بدليل تعبدي، وليس هاهنا دليل على الصحة والقياس باطل وإن كان وجود ما يتخيل أنه الملاك في المقيس أولى من المقيس عليه لعدم خروجه بذلك عن كونه ظنا غير معتبر. مضافا إلى منع الصغرى وعدم كونه أولى، لاشتراط معلومية المبيع في البيع والمنفعة في الاجارة على نسق واحد. والتحقيق في هذا المقام أن يقال: إن المستأجر إما يحتمل حصول القدرة له أو للموجر فيما بعد قبل فوت زمان استيفاء المنافع من العين المستأجر، أو مأيوس ولا يحتمل ففي الصورة الثانية تكون المعاملة باطلة قطعا حتى مع الضميمة، للغرر، بل تكون سفهية إن لم تكن منافع الضميمة كثيرة بحيث يتدارك بها ما يفوت من منافع العين المستأجر التي لا يقدر المؤجر على تسليمها. وتارة يحتمل احتمالا عقلائيا، حصول القدرة له أو للموجر بعود العبد من قبل


(1) " شرائع الاسلام " ج 2، ص 186

[ 148 ]

نفسه، أو بإرجاعه من قبل أحدهما، ففي مثل هذه الصورة لا تكون سفهية، ولا أكل للمال الباطل، لاقدام العقلاء على أمثال هذه الخسارات لاجل احتمال تحصيل ما هو أنفع، فالزارع يصرف مصارف كثيرة لاجل احتمال تحصيل ما هو أزيد نفعا في نظره، وليس قاطعا بحصول مثل هذا النفع، وكذلك التاجر في تجارته وسائر أرباب الحرف والصناعات في أشغالهم يبذلون الاموال باحتمال تحصيل ما هو أهم بنظرهم. نعم يبقى مسألة الغرر وأن عدمه من القيود الشرعية المعتبرة في صحة المعاملة، لما هو المنقول في المستدرك عن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سئل عن بيع السمك في الاجام؟ فقال: " لا يجوز لانه مجهول يقل ويكثر وهو غرر " 1. فالتعليل عام يشمل الاجارة والبيع وغيرهما. أو من جهة شمول قوله صلى الله عليه وآله: " نهى النبي عن بيع الغرر " 2 للاجارة أيضا من باب وحدة المناط، بعد الفراغ عن أن معنى الغرر هو الجهل بالعوضين أو أحدهما، والمفروض هاهنا أن أحد العوضين - الذي هو المنفعة - حصوله غير معلوم، فيكون مثل هذه المعاملة غرريا بغير شك فيكون منهيا، فيكون باطلا. ولاشك في أن إجارة العبد الابق أو الدابة الشاردة التي غير معلوم مكانها من هذا القبيل، إذ لا يعلم المستأجر بإمكان حصول الانتفاع بهما واستيفاء ما يملكه بالاجارة منهما أم لا؟، فتكون الاجارة ونفس هذه المبادلة غرريا فلا تصح. نعم لو كان له طريق إلى تمكنه من ذلك ومطمئن بأن العبد يرجع إلى مولاه والدابة توجد بحيث لا يعد غررا في العرف، فلا مانع ويجوز إجارتهما.


(1) " دعائم الاسلام " ج 2، ص 23، ح 42، ذكر مأنهي عنه من بيع الغرر، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 237، أبواب عقد البيع وشروطه باب 10، ح 1. (2) تقدم ص 125، هامش (1).

[ 149 ]

وأما صرف الضميمة فلا تصلح الجهالة التي هي حاصلة في نفس العين المستأجرة ولاترفعها. نعم الضميمة ترفع السفاهة عن مثل هذه المعاملة في بعض الصور، لاالجهالة. وهذا واضح. فرع: لو منع المؤجر من تسلم المستأجر العين المستأجرة بحيث لا يقدر على تحصيل المنفعة التي ملكها بالاجارة وتفوت عنه، فهل تنفسخ الاجارة ويرجع المستأجر إلى المسمى - كما في باب تلف العين المستأجرة لوحدة الملاك، وهو عدم إمكان تحصيل المنفعة التي ملكها بالاجارة - أو يغرمه المستأجر ببدل المنفعة التالفة، لانه أتلفها عليه كما هو الحكم في باب إتلاف مال الغير، أو يكون مخيرا بين التغريم والرجوع إلى المسمى؟ وجوه. والظاهر من هذه الوجوه هو أن للمستأجر التغريم، لان حال المؤجر في المفروض حال الغاصب الاجنبي. اللهم إلا أن يقال: بأن قاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " بناء على جريانها في الاجارة تقتضي انفساخ الاجارة ورجوع المسمى إلى المستأجر، ولاتصل النوبة إلى الاتلاف والتغريم، لانهما موقوفان على بقاء العقد. وفيه: أن ظاهر قاعدة التلف قبل القبض وأنه من مال بايعه، هو أن يكون التلف من دون استناده إلى فعل متلف أتلفه اختيارا، بل وإن كان بغير تعمد واختيار. وبعبارة أخرى: قاعدة تلف قبل القبض لا تشمل موارد الاتلاف، والمفروض من قبيل الاتلاف لا التلف. هذا أولا. وثانيا: ما نحن فيه ليس من قبيل التلف، لان التلف عبارة عن انعدام الشئ إما حقيقة أو حكما، بمعنى عدم صلاحيته للاستفادة عنه وعدم ترتب فائدة عليه بالمرة. ومنع المالك عن تسلم المؤجر لا ينطبق على كل واحد منهما، لعدم انعدامه

[ 150 ]

فرضا وصلاحيته للاستفادة يقينا، غاية الامر المالك المؤجر منع عن الاستفادة عنها. فالحق أن المالك المؤجر كالغاصب الاجنبي يكون ضامنا لما فوته على المستأجر. وأما القول بالتخيير فلا وجه له، لانه مع جريان قاعدة التلف قبل القبض لا يبقى مجال لبقاء العقد وينفسخ ويرجع المسمى إلى المستأجر، ولا يبقى وجه لطلب أجرة المثل. ومع عدم جريانها وبقاء العقد تكون المعاملة موردا لقاعدة الاتلاف، وحيث أن المتلف هو المؤجر فيغرم، ولا مجال للرجوع إلى المسمى، فالتخيير بين الامرين لا وجه له. فرع: لو منع المستأجر عن الانتفاع بالعين المستأجرة ظالم قبل أن يقبضها، فإن كان المنع بغصب العين المستأجرة ووضع اليد عليها، فيكون الحال كما قلنا في المسألة السابقة، ويكون الغاصب ضامنا لما فوته على المستأجر، فله الرجوع إلى الظالم بأجرة المثل. ولا تجري في المفروض قاعدة التلف قبل القبض كي يرجع إلى المؤجر بالمسمى، لما ذكرنا في الفرع السابق الذي كان نظير المقام وقلنا: إن التلف لا يشمل مورد غصب الغاصب ومنعه المستأجر عن استيفاء المنفعة، وكذلك لا يشمل مورد استيفاء الغاصب للمنفعة وعدم إبقاء مجال للمستأجر. هذا إذا كان منع الظالم قبل أن يقبض المستأجر العين المستأجرة، وأما لو كان بعد القبض - سواء كان في ابتداء مدة الاجارة أو في أثنائها - فعدم جريان قاعدة التلف قبل القبض أوضح، وحكم تغريم الظالم والرجوع إليه بأجرة المثل أجلى. وأما لو كان بحبسه وسده عن الانتفاع به من دون وضع يد على العين المستأجرة وعدم تصرف فيها - كما أنه لو استأجر دارا لسكناه فمنعه الظالم عن

[ 151 ]

الدخول أو السكنى فيها، أو استأجر سيارة للسفر إلى مكان كذا فمنعه الظالم من المسافرة مطلقا، أو إلى ذلك المكان - فضمان اليد ليس هاهنا قطعا، لعدم يد على العين المستأجرة من طرف الظالم. نعم لو صدق إتلاف المنفعة على منع الظالم لانه صار سببا لفوته، فيكون ضامنا بقاعدة الاتلاف وإلا فلا موجب لضمانه، وصدق الاتلاف عليه مشكل. اللهم إلا أن يقال بأنه وإن لم يصدق عليه الاتلاف لكن يصدق عليه التفويت على المستأجر، وهذا كاف في الضمان. فرع: لو حدث بعد وقوع الاجارة تام الاجزاء والشرائط ما يمنع عن استيفاء المنفعة شرعا أو عقلا، فهل تنفسخ الاجارة، أو يكون للمستأجر الخيار، أو ليس شئ منهما في البين؟ وقد ذكروا هاهنا أمورا تمنع الاستيفاء منها: ما لو استأجر شخصا لقلع ضرسه فزال الالم قبل أن يقلع، ولم يكن به عيب يحتاج إلى القلع بناء على عدم جواز قلع الضرس السالم، فهذا مانع عن الاستيفاء بالقلع، فهل هذا يوجب انفساخ الاجارة أو الخيار، أم لا؟ الظاهر أنه يوجب الانفساخ، بل عدم صحة هذه الاجارة من أول الامر، لان من شرائط صحة الاجارة أن يكون الاجير قادرا على انجاز العمل الذي استؤجر عليه في ظرف العمل، وكون العمل مقدورا في ظرف وقوع العقد لا أثر له، والممتنع شرعا كالممتنع. وحيث أن العمل - أي القلع في ظرف العمل - حرام فليس مقدورا للاجير شرعا، فيكشف هذا عن بطلان الاجارة من أول الامر، فلاتصل النوبة إلى الفسخ أو الانفساخ.

[ 152 ]

ومنها: أنه لو استأجر امرأة لكنس المسجد أياما معينة، أو يوما معينا فحاضت، ومعلوم أن الحائض ممنوعة عن المكث واللبث في المساجد، والكنس بدون المكث واللبث لا يمكن، فهذا المورد أيضا لا يقدر المستأجر شرعا على إيجاد العمل مباشرة في الظرف الذي عين للعمل، فيكشف حدوث حيضها في ذلك الوقت عن بطلان الاجارة من أول الامر مثل الصورة السابقة. هذا فيما إذا كان متعلق الاجارة عملها مباشرة، وإلا فلا مانع في البين. وخلاصة الكلام في هذا المقام هو أنه من شرائط صحة الاجارة في باب الاعمال هو أن يكون الاجير قادرا على إيجاد ذلك العمل الذي استؤجر عليه إذا كانت الاجارة واقعة على صدور العمل عنه مباشرة، وإذا لم يكن الاجير قادرا على إيجاد ذلك العمل فليس هناك عمل كي يملكه للمستأجر ويأخذ بإزائه العوض، فيكون أكلا للمال بالباطل، ولا تكون تجارة عن تراض. ولافرق في عدم القدرة بين أن يكون تكوينيا أو تشريعيا، بمعنى أنه لا فرق في عدم حصول الشرط بين أن يكون عجز الاجير لعدم قدرته تكوينا، أو كان من ناحية نهي المولى عنه، أو من إحدى مقدماته التي لا يمكن أن يوجد ذلك العمل إلا بها. وإن شئت قلت: لافرق بين أن يكون العجز عجزا تكوينيا أو تعجيزا مولويا لوحدة المناط، وهو عدم قدرته على الايجاد. فلا فرق بين أن يكون العمل المستأجر عليه بنفسه حراما أو كان بعض مقدماته المنحصرة حراما، وفي كلتا الحالتين تسلب القدرة عنه في عالم الاعتبار التشريعي، لان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا. وقد ظهر مما ذكرنا أن مسألة إجارة المرأة للارضاع مع طلب الزوج الاستمتاع في ذلك الوقت المعين للارضاع. وكذلك عروض مرض يمنع عن إيجاد العمل في

[ 153 ]

الوقت المعين له في عقد الاجارة، وكذلك عدم إمكان السلوك في طريق الحج لمانع شرعي أو عقلي في إجارة الدابة أو السيارة أو الطيارة أو غيرها، وكذلك عروض مانع آخر عن إيجاد العمل، كلها من واد واحد. مرجعها إلى أمر واحد، وهو عدم القدرة على إيجاد العمل إما تكوينا أو تشريعا، فتكون الاجارة باطلة. وأما مسألة عدم إمكان الانتفاع من العين المستأجرة لمانع فليس من هذا القبيل، وصحة الاجارة فيها أو عدم صحتها لها ملاك آخر. نعم هي داخلة في العنوان الذي ذكرناه في أول هذا الفرع، وهو أنه لو حدث بعد وقوع الاجارة صحيحا تام الاجزاء والشرائط فحدث ما يمنع عن الاستيفاء. فالاولى أن يجعل ويذكر هاهنا عنوانان: أحدهما: عدم قدرة الاجير على إنجاز العمل تكوينا أو تشريعا، فتكون مسألة كنس المسجد مع صيرورة المرأة الاجيرة حائضا في الوقت المعين للكنس، وكذلك مسألة إرضاع المرأة المستأجرة لذلك في وقت معين مع طلب الزوج الاستمتاع في ذلك الوقت، وغيرهما مما هو نظيرهما داخلة في هذا العنوان، والاجارة باطلة لعدم قدرة الاجير على إنجاز العمل. والثاني: وجود مانع عن الاستيفاء للمنفعة التي للعين المستأجرة، فتكون مسألة وجود مانع عن الانتفاع بالدار المستأجرة وما هو نظيرها داخلة تحت هذا العنوان، ويكون ملاك البطلان فيها لغوية مثل هذا التمليك الذي لا يمكن أن ينتفع به. وليس ملاك بطلان الاجارة في كلتا المسألتين واحدا، لما هو واضح، فالاحسن أن لا يخلط بين المقامين، لعدم وحدة الملاك فيهما، بل لكل واحد منهما ملاك يخصه. فرع: إذا أفسد الصانع ما أعطى ليصنعه شيئا معينا - مثل أن أعطي ذهبا

[ 154 ]

ليصنعه زينة معينة للنساء - فلم يقدر على صنعه، أو صنع غير ما أراد المعطي، أو صنع ما أراد ولكن صنعه غير جيد بحيث يقال عند العرف إنه أفسد في صنعه وأتلف أو أتلف شيئا منه، أو كسر ما أعطى من الاحجار الكريمة ليصنع خاتما أو شيئا آخر أو أعطى ساعة لكي يصلحها فكسرها أو أتلف شيئا منها، أو غير ذلك من الالات والادوات فأوقع التلف عليها من حيث الصورة أو المادة، أو أعطى ثوبا للقصار فخرقه أو أحرقه، أو للخياط فأتلفه أو لم يصنع كما أراد ووقعت الاجارة عليه - ففي جميع ذلك يكون الصانع ضامنا، لقاعدة الاتلاف، لانه أتلف مال الغير من دون إقدام مالكه على تلفه أو إذنه فيه. وذلك لان قاعدة لا يشترط في جريانها أن يكون قاصدا إليه متعمدا، بل لو صدر عنه بلا توجه والتفات إليه يكون ضامنا، ولذلك لو اشتبه الطبيب وأعطى المريض دواء مضرا يكون ضامنا إذا كان هو المباشر لاشراب الدواء ولو كان حاذقا، وكذلك الحجام والختان إذا اشتبها في عملهما، وتجاوزا عن حد الحجامة والختان، وحدث تلف نفس أو عضو بسببهما، يكونان ضامنين، لصدق الاتلاف في الجميع. وفي باب ضمان الاتلاف المناط هو صدق الاتلاف ويوجب الضمان إلا إذا كان مأذونا في الاتلاف وكان المالك مقدما عليه، فهو الذي هتك حرمة ماله. ولافرق بين أن يكون المتلف يده يد أمانة، وذلك لان سبب الضمان ليس هو اليد كي يفرق بين أن يكون أمينا أو لا يكون، فالمناط كل المناط هو صدق الاتلاف. وقد حققنا في محله أن القصد والتعمد ليسا مأخوذين، لا في مادة الافعال ولا في هيئتها. هذا، مضافا إلى ورود أخبار كثيرة في ضمان جملة مما ذكرنا: منها: صحيح الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يعطي الثوب ليصبغه

[ 155 ]

فيفسده، فقال عليه السلام: " كل عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن " 1. ومنها: أيضا عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن القصار يفسد؟ فقال: " كل أجير يعطي الاجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن " 2. وأيضا عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال في الغسال والصباغ: " ما سرق منهم من شئ، فلم يخرج منه على أمر بين أنه قد سرق وكل قليل له أو كثير فإن فعل فليس عليه شئ، وإن لم يقم البينة وزعم أنه قد ذهب الذي ادعى عليه فقد ضمنه إن لم يكن له بينة على قوله " 3. وهناك روايات كثيرة بهذا المضمون أو ما هو قريب منه، وقد عقد لها بابا في الوسائل 4. ومضافا إلى نقل الاجماعات الذي قيل إنها ربما تبلغ حد التواتر. وهاهنا روايات أخرى ربما يكون ظاهرها معارضا لهذه الروايات، كرواية معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الصباغ والقصار؟ قال عليه السلام: " ليسا يضمنان " 5. ولكن لا يصح الاعتماد عليها والاعتناء بها، لاعراض المشهور عنها وعدم العمل بها، وإن كانت بحسب السند من الصحاح ولكن إعراض المشهور عن العمل


(1) " الفقيه " ج 3 ص 253، ح 3917، باب ضمان الصناع، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 275، أبواب أحكام الاجاره باب 29 ح 19. (2) " الكافي " ج 5 ص 241 باب ضمان الصناع ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 219 ح 955 في الاجارات ح 37، " الاستبصار " ج 3 ص 131 ح 470 باب الصانع يعطى شئ ليصلحه فيفسده... ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 271 أبواب أحكام الاجارة باب 29 ح 1. (3) " الكافي " ج 5 ص 242 باب ضمان الصناع ح 2، " الفقيه " ج 3 ص 254 ح 3921 باب ضمان من حمل شيئا فادعى ذهابه، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 271 أبواب أحكام الاجارات باب 29 ح 2. (4) " وسائل الشيعة " ج 13 ص 271 أبواب أحكام الاجارات باب 29. (5) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 220، ح 964، في الاجارات ح 46، " الاستبصار " ج 3 ص 132 ح 477، باب الصنائع يعطى شيئا ليصلحه فيفسده...، ح 8، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 274، أبواب أحكام الاجارة، باب 29 ح 14.

[ 156 ]

بها يسقطها عن الحجية، والتعارض فرع الحجية. وأما صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في الجمال يكسر الذي يحمل أو يهريقه؟ قال عليه السلام: " إن كان مأمونا فليس عليه شئ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن " 1. فالظاهر أنها ليست من موارد إتلاف الجمال ما حمله، لانه في مورد الاتلاف لافرق بين أن يكون المتلف أمينا وبين أن يكون غير أمين، لان المتلف يكون ضامنا مطلقا. فالاحسن أن يجمع بين هذه الروايات بحمل ما نفي فيها الضمان مطلقا كرواية معاوية بن عمار، أو نفي فيها الضمان فيما إذا كان مأمونا على ما إذا كان التلف في المال الذي تحت يده من دون صدق الاتلاف. ومعلوم أن التلف تحت يد الامين لا يوجب ضمانا إلا مع التعدي أو التفريط، فيخرج بذلك عن كونه أمينا. وحمل الروايات التي تدل على ثبوت الضمان على موارد الاتلاف، كما هو ظاهر قوله عليه السلام " كل أجير يعطى الاجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن " هو إتلاف ما وقع تحت يده، لا تلفه فقط. وفرق واضح بين المسألتين، وإلا ففي مورد الجمع الدلالي بالاطلاق والتقييد - كما في رواية الحلبي مع رواية أبي بصير - لا تصل النوبة إلى الاسقاط عن الحجية بإعراض المشهور، لانه مع الجمع الدلالي لا يبقى تعارض في البين كي يعالج بأمثال هذه المرجحات. فرع: لو استأجر دابة للركوب أو للحمل، وأخذها من المالك، وصارت


(1) " الكافي " ج 5 ص 244 باب ضمان الجمال والمكاري واصحاب السفن، ح 6، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 278 أبواب أحكام الاجاراة باب 30 ح 7.

[ 157 ]

تحت يده لاستفادة الركوب أو الحمل منها يجب عليه سقيها وعلفها، ولو أهمل ضمن. هذا ما أفتى به المحقق في الشرائع 1. وتفصيل الكلام فيه: أنه تارة نتكلم في وجوب السقي والتعليف من حيث حفظ مال الغير الذي أمانة عنده، وأخرى نتكلم من حيث ضمان مالك الحيوان للمصارف التي صرفها المستأجر لتلك الدابة. فنقول: أما الاول - أي وجوبهما من حيث حفظ مال الغير عن التلف - باعتبار أن بناء العقلاء على أن المستأجر الذي يقبض الدابة المستأجرة وتدخل تحت يده لو لم يعلفها ولم يسقها وتلفت من الجوع أو العطش فعند العرف هو - أي المستأجر - سبب لتلفها، ويكون تعد وتفريط من قبل الاخذ والقابض، ففي صورة عدم سقيها وتعليفها لو تلفت يكون ضامنا. وذلك كما صرحوا في باب لقطة الحيوان الذي يسمى بالضالة بلزوم الانفاق عليه ويجوز الرجوع إلى مالكه بالعوض إذا كان إنفاقه بقصد أخذ العوض. نعم إذا لم تكن تحت يده ولم تخرج عن يد المالك، بل استفادة المستأجر الركوب أو الحمل مع كونها تحت يد مالكها - كما هو الحال والمتعارف عند المكارين والحملدارية في بعض البلاد - فلا يجبان على المستأجر قطعا، لانهما عين العوض مع عدم ذكر الانفاق، ولذلك لو أنفق بقصد العوض مع غياب المالك المؤجر، أو لم ينفق عليها مع حضوره لعدم قدرته أو لاي علة أخرى يجوز له الرجوع إلى المالك. ومما ذكرنا ظهر أنه لا منافاة بين وجوب الانفاق وجواز مطالبة العوض.


(1) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 187.

[ 158 ]

وإن شئت قلت: لاشك في عدم وجوب الانفاق على مال الغير إن كان حيوانا، سواء كان له منفعة أو لم يكن، إلا إذا كان تحت يده بطور الامانة المالكية أو الشرعية والمالك غائب أو معذور لا يقدر على الانفاق، وفي هذه الصورة يجب، ولكن مع جواز الرجوع إليه إذا كان الانفاق بقصد العوض. كل ذلك لقاعدة احترام مال المسلم من جهة، وعدم جواز التعدي والتفريط في مال الغير من جهة أخرى، وأنه ضامن لو فعل وإن كان لا يجب حفظ مال الغير ابتداء، إذ لادليل عليه. فرع: قال المحقق رحمه الله في الشرائع: من استأجر أجيرا لينفذه في حوائجه فنفقته على المستأجر إلا أن يشترط على الاجير 1. وهذا الكلام مخالف لظاهر القواعد المقررة في باب الاجارة، وذلك لان حقيقة الاجارة في باب الاجراء هو أن الاجير يملك المنفعة - أي عمله المعين بتعيينهما، أي الاجير والمستأجر للمستأجر بعوض معين - فنفقة الاجير خارجة عن العوضين في باب الاجارة، وما يستحقه الطرفان - أي الاجير والمستأجر - ليس إلا العوضان اللذان وقع المبادلة بينهما، كما هو الحال في سائر العقود المعاوضية. فكل واحد من المتعاقدين يملك ما ملكه الاخر في عقد المعاوضة بإزاء ما ملكه هو للاخر، وليس لنفقة الاجير ذكر في عقد الاجارة، وإلا لو كان لها ذكر - أي كان شرط من طرف الاجير ولو كان شرطا ضمنيا - فلا كلام، وكان يجب على المستأجر ذلك، لوجوب الوفاء بالشرط. ولكن مع ذلك تبع جماعة من الاساطين كما حكي عن النهاية والقواعد


(1) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 188.

[ 159 ]

والارشاد والروض 1 المحقق في هذه الفتوى، بل حكي عن اللمعة أنه المشهور 2. والظاهر أن القائلين بهذه الفتوى تمسكوا إما بظاهر ما هو المتعارف في الخارج من إعطاء المخدوم نفقة خادمه، خصوصا إذا أرسله إلى بلد آخر لقضاء حوائجه فيه، فيكون هذا التعارف بمنزلة الشرط الضمني، بعد أن كانت الشروط الضمنية واجب الوفاء. وأنت خبير بأن إثبات مثل هذا التعارف كي يكون بمنزلة الشرط الضمني لا يخلو من إشكال. وإما يكون تمسكهم بالروايات الواردة في هذا الباب: منها: ما رواه سليمان بن سالم، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل استأجر رجلا بنفقة ودراهم مسماه على أن يبعثه إلى أرض، فلما أن قدم أقبل رجل من أصحابه يدعوه إلى منزله الشهر والشهرين، فيصيب عنده ما يغنيه من نفقة المستأجر، فنظر الاجير إلى ما كان ينفق عليه في الشهر إذا هو لم يدعه فكافى به الذي يدعوه فمن مال من تلك المكافأة؟ أمن مال الاجير، أم من مال المستأجر؟ قال عليه السلام: " إن كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله، وإلا فهو على الاجير ". وعن رجل استأجر رجلا بنفقة مسماه ولم يفسر (وفي التهذيب ولم يعين) شيئا على أن يبعثه إلى أرض أخرى، فما كان من مؤونة الاجير من غسل الثياب والحمام فعلى من؟ قال: " على المستأجر " 3. وأنت خبير بأن هذه الرواية في كلا السؤالين أجنبية عن محل كلامنا، إذ كلامنا


(1) " النهاية " ص 447، " قواعد الاحكام " ج 1 ص 225، " ارشاد الاذهان " ج 1 ص 425 وحكى قول " روض الجنان " صاحب " جواهر الكلام " ج 27 ص 328. (2) " اللمعة الدمشقية " ص 165، كتاب الاجارة المسألة الرابعة. (3) " الكافي " ج 5 ص 287، باب الاجارة الاجير وما يجب عليه، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 212، ح 933، في الاجارات ح 15، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 250، أبواب أحكام الاجارة، باب 10 ح 1.

[ 160 ]

فيما إذا لم يكن للنفقة ذكر في متن العقد، لا بنحو الشرط، ولا بنحو كونه عوضا عن عمل الاجير أو جزء عوض عنه، وفي هذه الرواية في السؤال الاول النفقة جزء العوض، لقوله " استأجر رجلا بنفقة ودراهم مسماة " فمورد السؤال كون مجموع النفقة والدارهم عوضا مجعولا عن العمل، وفي السؤال الثاني جعل النفقة تمام العوض، فأين هذا من مفروض كلامنا وأن لا يكون من النفقة ذكر في متن العقد، ولم تجعل لاتمام العوض ولاجزئه. فالرواية مضافا إلى إعراض المشهور عن العمل بها وضعف سندها أجنبية عن محل بحثنا وفرضنا. وأما الاشكال عليها بأن النفقة مختلفة من حيث المقدار وجعلها عوضا من غير تعيين مقدارها ولابد من تعيين العوضين في الاجارة. ففيه: أنها محمولة على المتعارف في حق مثل ذلك الاجير، وهذا نحو تعيين وغير مضر بصحة الاجارة. فرع: صاحب الحمام لا يضمن إلا إذا أودع المال أو اللباس عنده وقبل هو، فحينئذ إذا تعدى أو فرط يكون ضامنا كما هو الشأن في كل وديعة ولا اختصاص له بالمقام. وبعبارة أخرى: للضمان أسباب وليس شئ منها هاهنا إلا اليد، لانه لا يد له على ماله أو لباسه، ولا الاتلاف، لانه لم يتلف شيئا منها. ولو ادعاه من دخل في الحمام يجري في حقهما - أي صاحب الحمام وصاحب المال واللباس - قاعدة " البينة على المدعي واليمين على من أنكر ". مضافا إلى كونه أمينا ولاضمان في يد الامين. ومضافا إلى ورود روايات هاهنا:

[ 161 ]

منها رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام " أن أمير المؤمنين عليه السلام أتي بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمنه وقال: إنما هو أمين " 1. ومنها: رواية عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام أنه كان لا يضمن صاحب الحمام وقال: " إنما يأخذ الاجر على الدخول إلى الحمام " 2. ومنها: رواية إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يقول: " لا ضمان على صاحب الحمام فيما ذهب من الثياب، لانه إنما أخذ الجعل على الحمام ولم يأخذ على الثياب " 3. ودلالة هذه الروايات على عدم ضمان الحمامي فيما إذا تلف وذهب شئ من ثياب من دخل الحمام أو من ماله واضح، إلا فيما إذا تعدي الحمامي أو فرط في حفظه. فرع: لو آجر الولي صبيا مدة يعلم بلوغه فيها، فهل تبطل بالنسبة إلى المدة التي بعد البلوغ، لان الولي يملك التصرف فيه بالنسبة إلى زمان قبل البلوغ، وأما بالنسبة إلى زمان البلوغ وبعده فلا ولاية له، فلا تنفذ تصرفاته بالنسبة إلى ذلك الزمان، فتكون إجارته بالنسبة إلى ذلك الزمان باطلة؟ الظاهر هو ذلك. ويحتمل أن تكون فضوليا موقوفا على إجازة ذلك الصبي بعد بلوغه وخروجه


(1) تقدم 122، هامش 1. (2) " قرب الاسناد " ص 152، ح 553، أحاديث متفرقة " وسائل الشيعة " ج 13 ص 271، أبواب أحكام الاجارات، باب 28 ح 2. (3) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 869، من باب في الزيادات في القضايا والاحكام، ح 76، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 271 أبواب أحكام الاجارة باب 28 ح 3.

[ 162 ]

عن الصغر بالنسبة إلى ذلك المقدار الذي وقع في كبره، ويكون كالاجير الذي استأجر عينا سنة وآجرها مدة سنتين، فبالنسبة إلى السنة الثانية التي لا يملك منفعتها تقع الاجارة فضوليا موقوفا على إجازة المالك. وما يقال: من أنه من الممكن أن تكون إجارة الصغير أزيد من مدة صغره من مصالح الصغير، فيجب أن تنفذ مثل هذا التصرف في حقه، خصوصا إذا كان عدمه مفسدة في حقه، مثل أن يكون هناك شخص يطلب كاتبا لمدة عشر سنين - مثلا - بإجارة تكون أجرته فوق ما هو المتعارف في الاجارات من حيث الزيادة والكثرة، والصبي عمره أربع عشر سنين ولم يبلغ، ولكنه محاسب قدير يقدر على تمشي هذا الشغل حسنا وبكمال الجودة، فلو ترك الولي ولم يوجره يعلم بأنه لا يوجد له مثل هذا الشغل فيما بعد، فبأي وجه للولي يجوز ترك ما هو ذوالمصلحة الكثيرة للصبي. وفيه: أن صحة مثل هذه الاجارة وجوازه، بل وجوبه على الولي لا ينافي سلطنة الصبي بعد بلوغه على الامضاء والرد، فيكون حاله حال سائر المعاملات الفضولية التي تكون من مصلحة المالك ومع ذلك يكون له الاجازة والرد. وصرف كون الشئ ذا مصلحة لا يوجب سلب سلطنة المالك عن ملكه، فالانصاف أن إمثال هذه المعاملات إذا وقعت فيما يرجع إلى التصرف في نفس الصبي بحيث شمل مقدارا من زمان بلوغه، تكون بالنسبة إلى ذلك الزمان فضوليا، فله بعد بلوغه الامضاء أو الرد. وقياسها على مسألة تزويج الصغيرة أو الصغير انقطاعا، ونفوذه فيما بعد البلوغ باطل، وذلك لان تزويج الصغيرة بالعقد الانقطاعي في مدة أزيد من زمان صغرها ونفوذه عليها حتى في زمان كبرها إذا كان العقد الواقع في حال الصغر من مصلحتها ليس من قبيل الاجارة، لان الاجارة عبارة عن تمليك منافع الصغير في تمام تلك المدة للمستأجر، فإذا فرضنا أن مدة عشر سنين - مثلا - فكأنه تنحل إلى عشر

[ 163 ]

إجارات، أي في كل سنة تملك منافع تلك السنة، والمفروض أن في بعض هذه السنين ليس له السلطنة على تمليك منافعها، فتكون الاجارة بالنسبة إلى تلك السنة فضوليا. وأما في تزويج الصغيرة ولو انقطاعا في مدة أزيد من مدة صغرها فلا انحلال في البين، بل إيجاد علاقة الزوجية بينهما في وقت له حق إيجاد مثل تلك العلاقة وهي الزوجية، غاية الامر أن هذه العلاقة الواحدة الانية الحصول على قسمين: مطلقة وتسمى بالعقد الدائم، وموقتة وتسمى بالعقد المنقطع، وليس من قبيل تمليك البضع في كل سنة كي يقال بأنه في بعض هذه السنين - السنين التي بعد بلوغها - ليس للولي هذا الحق. فقياس أحدهما بالاخر باطل، مضافا إلى بطلان أصل القياس، إذ الدليل هناك وارد على صحة عقد الصغيرة من قبل الولي دواما وانقطاعا، ولم يردها دليل على جواز الاجارة في الصغير والصبي أزيد من مدة صغرها. والعمومات لا تشملها، لان عمومات جواز تصرف الولي مخصص بحال الصغر ولا يشمل حال الكبر، فتصرفه فيه بالنسبة إلى زمان كبره غير نافذ، ويكون فضوليا، كما بينا وعرفت. هذا كله بالنسبة إلى تصرف الولي في نفس الصغير، وأما تصرفاته بالنسبة إلى أمواله، فهل يجوز التصرف في حال صغره تصرفا يمتد إلى حال كبره، بأن يكون زمانه أزيد مما بقي من زمان صغره، مثلا بقي من زمان صغره سنتان وهو يوجر أملاكه لمدة أربع سنين لوجود مصلحة له في ذلك، بحيث لو منعنا عن إجارته أزيد من المقدار الذي بقي من صغره يتضرر الصبي، وتفوت منه المصلحة التي يلزم تحصيلها. والاشكال الوارد على هذا التصرف هو تجويز تصرف الولي على الصغير في

[ 164 ]

مال ليس له الولاية عليه، لان المفروض أن له الولاية على أمواله التي له حال صغره، وأما الاموال التي تجددت له في حال كبره فليس له ولاية عليها. كما أنه لو علم بأن هذا الصغير يرث بعد سنتين مالا من قريبه، لا يجوز للولي التصرف في ذلك باعتبار زمان كونه لهذا الصبي، أي باعتبار زمان بعد سنتين الذي يكبر فيه، لانه الان ليس له. فإن قلنا بأن الصغير الان لا يملك منافع ماله التي توجد وتتجدد بعد سنتين، فليس للولي الان التصرف فيها، لعدم كونها الان ملكا للصبي وإنما تصير ملكا له فيما بعد البلوغ. اللهم إلا أن يقال: أن الصبي الان - أي في حال صغره - يملك منافع ماله التي تتجدد في حال كبره، ولابعد فيه. ويكون هذا هو الفارق بين أمواله وأعماله، بأن يقال: إنه لا يملك الان أعماله التي تصدر عنه في زمان كبره، ويملك الان منافع أمواله التي تتجدد وتوجد في زمان كبره، فبناء على هذا يكون للولي الان الولاية على منافع أمواله التي تتجدد في زمان كبره، لانها الان ملك الصغير، وللوصي الولاية على أملاك الصغير، وليس له الولاية على أعماله في زمان كبره، لان الصبي لا يملك تلك الاعمال الان وإنما يملكها حال وجودها. وهذا هو السر في الفرق بين أعمال الصبي وأمواله. وعلى هذا يبتني الفرق في تجويز إجارة أمواله أزيد من مدة صغره إذا كان لها مصلحة ملزمة، وعدم جواز إجارة نفسه باعتبار الاعمال المتأخرة عن زمان صغره وكونها في زمان كبره وبلوغه. وأما ما يقال: من أن ملاك جعل الولي للصبي هو أن لا يفوت عليه ما يتعلق بنفسه وبماله من المصالح في صغره، وأما ما يتعلق بماله في زمان كبره فيمكن له

[ 165 ]

تحصيلها، ولا يفوت عنه بترك جعل الولي، فدائرة الولاية للولي ضيقة لا تشمل الاموال التي له في زمان كبره، لعدم الملاك، فلا ولاية له بالنسبة إلى منافع أمواله في زمان كبره، فتصرفه لا ينفذ بالنسبة إلى منافع زمان كبره، وإن كان ظرف التصرف زمان صغره. ففيه: أن هذه الاستحسانات والظنون لا يصح استناد الحكم الشرعي إليها، ولا يجوز أن تكون مدركا لها، بل لابد وأن يراجع إلى الادلة الشرعية ومفادها. والدليل الشرعي في المقام هو أنه للولي التصرف في أموال الصغير حال صغره، وقد عرفت أنه يصدق على المنافع التي تتجدد في أموال الصغير حال كبره، أنها أموال الصغير في حال صغره، فيجوز للولي التصرف فيها إن كان فيه مصلحة للصغير. فالانصاف: أنه فرق بين التصرف في نفس الصغير أزيد من زمان صغره، وبين ماله كذلك، وأن الاول لا يجوز، وأما الثاني فلا إشكال فيه ولا مانع عنه. فرع: إذا هلك الاجير الذي يعمل لشخص، أو وقع تلف عضو، أو كسر وأمثال ذلك من أنواع التلف وأقسامه عليه، ولم يكن بتسبيب من المستأجر أو تفريطه وتعديه - كما إذا وقع البناء من مكان مرتفع، أو كان هناك بئر يشتغل فيه فوقع فيها وهلك، أو تلف عضو من أعضائه كما أنه يتفق كثيرا للعمال في هذه المكائن الجديدة من كسر عضو أو قطعة - فلا ضمان على المستأجر. وهذا إذا كان الاجير حرا فواضح، لانه فعل باختياره من باب الوفاء بالاجارة، ولم يصدر من طرف المستأجر شئ يوجب ضمانه أو الدية عليه، وأما إذا كان عبدا فأيضا ليس عليه شئ، وإن كان للمستأجر يد عليه، لان يده يد أمانة لا توجب الضمان إلا إذا تعدى أو فرط فيه.

[ 166 ]

وقد تقدم بعض الكلام في مسألة هلاك الدابة لو حمل عليها أزيد من المقدار المتعارف. فرع: إذا دفع سلعته ليعمل له فيها عملا، كما إذا دفع ثوبه للقصار والغسال ليغسله ويبيضه أو يرقعه إذا كان محتاجا إلى التغسيل والتبييض والترقيع، فإن كان هذا شغله، ومن حرفته أن يستأجر لمثل هذه الاعمال فله أجرة المثل، لان هذا العمل - أي إعطاء السلعة للعمل فيها - يكون إجارة معاطاتية، كما أن المتعارف الان في الاسواق في أكثر البلاد أن صاحب النعال والحذاء إذا كان في نعاله أو حذائه خرق يعطي للرقاع ليصلحه بإزاء ما هو المتعارف من أجرته، وكذلك الحال في صباغ الاحذية والاثواب. وقد يكون بصورة الامر، كما إذا قال للحلاق: احلق رأسي، وكذلك الامر في سائر أرباب الحرف والصنائع يعطي سلعته لكي يصلحها، مثل الرجوع إلى من يصلح الساعة أو المكائن للطبخ، وكثير من المراجعات إلى أرباب الحرف والصناعات من هذا القبيل، فلاشك في استحقاق العامل أجرة مثل عمله. وأما إذا لم يكن شغله ولا من عادته أخذ الاجرة على مثل هذا العمل، ولكن كان لمثل هذا العمل عند العرف أجرة، وسائر الناس يأخذون الاجرة عليه، فله حق المطالبة وادعاء أنه لم يعمل مجانا، بل قصد أخذ الاجرة. وحيث أن عمل المسلم محترم وهذه الدعوى - أي قصده للاجرة - لا يعلم إلا من قبله وهو أعرف بنيته وما قصده، فتسمع ويجب على صاحب السلعة أو الامر إعطاء الاجرة. وأما لو لم يكن عند العرف لمثل هذا العمل أجرة، مثل أن يأمر شخصا بأن يؤذن أو يكنس هذا المسجد هذا اليوم فقط، أو يلتمس استيداع شئ عنده لمدة

[ 167 ]

قليلة، فالعرف في الغالب لا يطلبون لمثل هذه الامور أجرة. ولكن هذا لا ينافي كونها ذات مالية وإن كان بناء العرف على عدم أخذ الاجرة على مثل هذه الامور، وأنهم يعملونها مجانا ومن باب الصداقة مع المستودع مثلا، أو طلبا لمرضاة الله جل جلاله وتعالى شأنه. وعلى كل بناء العرف على عدم ماليتها وإن كان في الواقع لها مالية. ففي هذا القسم ظاهر الحال يدل على وقوعها مجانا وعدم قصد الاجرة، فهل يؤخذ بظاهر الحال ويحكم بعدم استحقاق الاجرة، أو يؤخذ بقاعدة احترام مال المسلم وعمله ويحكم باستحقاقه للاجرة إن طالبها، فيجب إعطاؤها له إن طالبها؟ لا يبعد جريان قاعدة الاحترام إن ادعى أنه أتى بالعمل بقصد الاجرة، لانه أعرف بنيته، وهذه دعوى لا تعرف إلا من قبله، فتكون من الدعاوي المسموعة كما حققناه في باب الدعاوي من كتاب القضاء. فرع: كل ما يتوقف عليه استيفاء المنفعة للمستأجر فهو على المؤجر، سواء كان في إجارة الاموال، أو في إجارة الاجراء. فإذا استأجر دارا مثلا للسكنى فيها، أو دكانا للكسب والتجارة فيه، فتنقية البئرين - أي البالوعة والبئر التي يجري منها الماء في الدار - والقفل والباب في الدكان على المؤجر، كما أن الادوات التي تستعمل في البناء على المؤجر أي البناء، وذلك من جهة أن المؤجر ملك عمله للمستأجر، ولابد وأن يكون عمله قابلا لان يستوفيه المستأجر، فيجب عليه تسليم العمل، وهو متوقف على الالات والادوات، فيجب عليه تحصيلها بالاشتراء أو الاستعارة أو غيرهما من وجوه الحلال مقدمة لاداء الواجب، بل وإن كانت غصبا ولكن حينئذ ضمانها وأجرتها على المؤجر. وكذلك الخياط مثل البناء من حيث احتياج عمله إلى الابرة والخيوط، وكذلك الحال

[ 168 ]

في سائر الاجراء كالملا الذي يجر الماء من البئر لاملاء الحوض أو لجهة أخرى يجب عليه تحصيل الدلو والحبل والبكرة التي يتوقف عليها جر الماء من البئر، وهكذا الامر في جميع الالات التي يحتاج إليها الاجراء في أعمالهم التي آجروا أنفسهم لانجاز تلك الاعمال. كل ذلك لاجل وجوب تسليم العمل للمستأجر، والمفروض أن التسليم متوقف على هذه الامور، فتجب مقدمة لما هو الواجب عليهم. نعم لو اشترط المؤجر - سواء كان في إجارة الاعيان أو كان في باب الاجراء - أن ما يتوقف عليه استيفاء المنفعة على المستأجر لا على المؤجر، فالشرط سائغ يجب إنفاذه. وكذلك الحال في الشروط الضمنية التي منها بناء العرف والعادة على كونها على المستأجر. وقد يفصل بين ما كان استيفاء المنفعة متوقفا عليه من الاموال التي تدخل في ملك المستأجر، كالخيوط والقياطين في خياطة بعض الملابس كالعباء والقباء، أو أشياء أخرى في ملابس أخر، فتكون على المستأجر، وبين ما لا يكون كذلك بل صرف آلة للعمل بحيث يكون إنجاز العمل من قبل الاجير متوقفا عليها، كالابر ومكائن الخياطة وأمثالها، فهي على نفس الاجير إلا إذا اشترط الاجير كونها على المستأجر، أو كان من الشروط الضمنية التي عليها بناء العرف والعادة. وهذه البناء يختلف اختلافا كثيرا باختلاف الامكنة والازمنة، حتى في زماننا هذا على ما أسمع البطانة أيضا يكون على الخياط الاجير. ثم إنه لا ينبغي أن يشك أن تدارك الضرر الذي يرد على العين المستأجرة من ناحية استيفاء المنفعة إذا لم يكن خارجا عن المتعارف لا يجب على المستأجر، فتنقية البئرين البالوعة وبيت الخلاء ليس على المستأجر بعد تمامية مدة الاجارة إذا لم يكن استعماله لهما خلاف المتعارف، وكذلك حال الاصباغ في المنزل لو زالت

[ 169 ]

باستعمال الغرف إذا لم يكن الاستعمال خارجا عما هو المتعارف، فليس على المستأجر أن يصبغها صبغا جديدا وإعادتها كما كانت يوم تسلمها. وأمثلة هذا الفرع كثيرة لا يمكن إحصاؤها. والضابط الكلي: هو أن كل نقص يحصل في العين المستأجرة من ناحية الاستعمالات المتعارفة ليس تداركه على المستأجر، لان ورود مثل هذا النقص من لوازم الاستيفاء الذي يملكه المستأجر بعقد الاجارة من قبل المؤجر. فرع: لو تلف الاجير حال العمل للمستأجر، أو وقع التلف على عضو من أعضائه حال الاشتغال بالعمل بسبب العمل أو بسبب غيره، فهل يضمن المستأجر التلف أو النقص لو كان الاجير عبدا، أو الدية لو كان حرا، أم لا يضمن أصلا؟ الظاهر عدم الضمان مطلقا، سواء كان حرا أو عبدا. أما الاول: فلعدم موجب للضمان، لا اليد، لان الحر البالغ العاقل لا يقع تحت اليد كما هو المسلم عندهم، ولا الاتلاف، لانه لاإتلاف في البين أولا بل التلف وقع عليه أولا بفعله الاختياري، وثانيا تلف الحر لا يوجب الضمان، لا المثل ولا القيمة، وإنما عين الشارع لتلفه القصاص إذا كان بفعل فاعل مختار أو الدية، وأما إذا كان بفعل نفسه بدون مباشرة للغير أو كونه سببا فلا شئ في البين أصلا. وأما الثاني: أي لو كان الاجير عبدا فحاله حال سائر الاعيان المستأجرة أنه يضمن مع التعدي والتفريط، وإلا فيده يد الامانة المالكية ولاضمان عليه. وقد تقدم هذا المطلب في بعض الفروع السابقة، وقد استوفينا الكلام فيه فراجع.

[ 170 ]

فرع: كل ما كان بعد وقوع عقد الاجارة في ذمة الاجير من عمل كلي، أو كان في ذمة المؤجر من العوض نقدا أو عروضا ومتاعا كليا، فكل واحد منهما المالك لذلك الكلي في ذمة الاخر إبراء ذمته، فيسقط عن ذمته وتصير ذمته غير مشغولة كأن لم يكن. والسر في ذلك: أن الكلي في الذمة إما أن يكون اعتبارا عقلائيا أمضاه الشارع، وإما أن يكون من أول الامر اعتبارا شرعيا. وعلى كل حال هذا الامر الاعتباري اعتبر لرعاية ذلك الطرف الاخر ويكون زمامه بيده، فإذا أسقطه يسقط. لا يقال: إن ملكية ما في ذمة أحدهما للاخر حكم شرعي ليس قابلا للاسقاط، وذلك لان الاسقاط يتعلق بما هو موضوع للحكم الشرعي لابنفس الحكم. وبعبارة أخرى: الموجود في ذمة كل واحد منهما للاخر أمر اعتباري مثل الحق، وذلك الامر الاعتباري موضوع للملكية وقابلا للاسقاط، فقهرا بذهابه يذهب الحكم، لعدم موضوعه. وذلك مثل أنه لو كان له مملوك في الخارج، فإذا انعدم ذلك المملوك فبانعدامه تنعدم الملكية المتعلقة به، إلا يلزم بقاء أحد المتضايفين بدون الاخر وهو محال. فرع: يجوز الاجارة لحفظ المتاع أو الدار أو البستان أو غير ذلك، ويسمى في عرف هذا الزمان ذلك الاجير بالناطور. ولا إشكال في ذلك، لانه عمل مباح له منفعة مباحة للمستأجر، وهي حفظ ماله عن السرقة أو التلف، فيجوز للاجير تمليكه للمستأجر بعوض معلوم. وفيه رواية عن الصفار عن مولانا العسكري، قال: إنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام: رجل يبذرق القوافل من غير أمر السلطان في موضع مخيف يشارطونه على شئ مسمى، أله أن يأخذ منهم أم لا؟ فوقع عليه السلام: " إذا واجر نفسه

[ 171 ]

بشئ معروف أخذ حقه إن شاء الله " 1. نعم يجب أن يكون عمل الناطور معينا من حيث المدة والكيفية، لرفع الغرر. وهل يجوز اشتراط الضمان عليه لو تلف أو سرق ما استوجر على حفظه من التلف والسرقة أم لا؟ فيه كلام وهو أنه مقتضى كون يده يد أمانة عدم الضمان إلا مع التعدي والتفريط، وبهما تخرج عن كونها أمانية، فشرط الضمان مخالف للكتاب فلا ينفذ بدون التعدي والتفريط. ومقتضى بعض الروايات كرواية إسحاق بن عمار 2 نفوذ الشرط. ولكن يمكن أن يكون المراد من نفوذ هذا الشرط هو أن يكون من قبيل شرط الفعل لا شرط النتيجة، بمعنى أن يكون تدارك خسارة المستأجر من مال نفسه، فليس مخالفا للكتاب، لان المخالف للكتاب هو ضمانه واشتغال ذمته، وأما تدارك خسارة المستأجر من ماله فحلال وجائز. بل ربما يكون من الامور الراجحة عقلا وشرعا، لانه إحسان إلى أخيه المؤمن، غاية الامر هذا الامر الجائز فعله وتركه يلزم ويجب عليه بالشرط، لقوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " 3.


(1) " الفقيه " ج 3 ص 173 ح 3653، المكاسب والفوائد والصناعات ح 88 " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 385 ح 1141، في المكاسب ح 262، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 254، أبواب أحكام الاجارة، باب 14 ح 1. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 467 ح 1872 في الزيادات في فقه النكاح، ح 80، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 353 كتاب التجارة أبواب الخيار باب 6 ح 5. (3) تقدم ص 18، هامش 4.

[ 172 ]

في التنازع وفيه فروع: [ الفرع ] الاول: لو تنازعا في أصل وقوع الاجارة فالقول قول منكرها، سواء كان هو المالك أو طرفه، لمطابقة قوله للحجية الفعلية، وهي أصالة عدم وقوعها. وقد حقق في باب تشخيص المدعي والمنكر أن المناط في كونه منكرا مطابقة قوله للحجية الفعلية، كما أن المناط في كونه مدعيا مخالفة قوله لها، وبعد تشخيصهما يدخلان تحت القاعدة المعروفة المسلمة " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ". هذا إذا كان قبل استيفاء المنفعة، فبعد إن لم تكن لمدعي الاجارة بينة وحلف المنكر، فالعين التي يدعي إجارتها مع منافعها لمالكها ويختم النزاع. وأما لو كان بعد استيفاء المنفعة فحيث أن مع بطلان الاجارة يستحق المالك أجرة المثل فلا يخلو الامر من أحد ثلاث: إما يكون المسمى المدعى مساويا لاجرة المثل، أو أقل، أو أكثر. فإن كان مساويا فلا يبقى نزاع في البين، وإن كان أقل فالاغلب حينئذ أن يكون المالك هو الذي يدعي البطلان لكي يأخذ أجرة المثل الذي هو أكثر، فيؤول النزاع إلى أن المالك يطالب الزيادة على المسمى، والاصل عدمها، فيكون طرف المالك هو المنكر، لاصالة عدم الزيادة. وإن كان أكثر فالاغلب أن يكون المدعي للبطلان هو طرف المالك لكي لا يعطي المسمى الذي يزيد على أجرة المثل، فيكون هو المنكر، لاصالة عدم استحقاق المالك أزيد من أجرة المثل، فيحلف على عدم وقوع الاجارة ويعطى أجرة المثل الذي هو الاقل. وهذا الذي ذكرنا من تقديم قول منكر الاجارة مضافا إلى أنه مقتضى قواعد باب القضاء، ادعوا عليه الاجماع.

[ 173 ]

ولو كان نزاعهما في قدر العين المستأجرة، فادعى أحدهما أنه تمام الدار مثلا، والاخر أنه نصف الدار، فالظاهر أيضا أن القول قول منكر الزيادة، لعين ما ذكرنا فيما إذا كان التنازع في أصل الاجارة، وهو أصالة عدم وقوع العقد على الزيادة. ولافرق في أن تكون الزيادة المدعاة في المنفعة التي يملكها المؤجر للمستأجر - كما إذا ادعى المستأجر أنها سكنى تمام الدار، والمالك يدعي أنها سكنى نصف الدار مثلا، أو يدعي زيادة المدة كسنة، والمالك لا يعترف بأزيد من ستة أشهر مثلا - أو تكون في جانب الاجرة - كما أنه لو ادعى المالك أن الاجرة في السنة مائة وخمسين دينارا، والمستأجر يدعي أنها مائة دينار - لاتحاد المناط في الجميع، وهو أصالة عدم الزيادة على ما يعترف الطرف في جميع صور المسألة. وأما القول بأنه في بعض صور المسألة يكون من باب التحالف لوجود دعوى من كل واحد منهما مع إنكار الاخر، فأحدهما يدعي أن الاجارة وقعت على مائة وخمسين دينارا مثلا وينكر الاخر، والثاني يدعي وقوعها على مائة مثلا وينكر الاخر، فتكون دعويان وإنكاران، فقهرا يكون المورد من موارد التحالف، فيحلف أحدهما على نفي الزيادة، والاخر على إثبات الزيادة. وفيه: أن مدعي الزيادة ليس بمنكر كي يكون وظيفته الحلف، بل هو مدع ووظيفته البينة، فإذا لم تكن له بينة فيكون الحلف لطرفه على نفي الزيادة، فليس في البين إلا منكر واحد وهو منكر الزيادة. وليست المسألة من باب التحالف، لاتفاقهما على مقدار الاقل، والخلاف والنزاع إنما هو في الزيادة فقط. ومعلوم أن منكر الزيادة قوله مطابق للاصل، فهو المنكر وعليه اليمين لا على طرفه، بل على طرفه البينة لا غير. وأما القول بعدم الاتفاق على الاقل بشرط لا، لان مدعي الزيادة ينكر الوقوع على الاقل بشرط لا، وهو مباين مع الاكثر.

[ 174 ]

ففيه: أنه كلام شعري، لان قوله صلى الله عليه وآله " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " 1 يؤخذ بمفهومه العرفي، ولاشك في أن مثل هذه الموارد العرف يفهم أن من يدعي الزيادة مدع وطرفه الذي ينكر الزيادة منكر. الفرع الثاني: لو تنازعا واختلفا في رد العين المستأجرة، فالقول قول المالك، لاصالة عدم ردها. وكونها بيد المستأجر أمانة مالكية لا يثبت أزيد من أن تلفها بيده لا يوجب الضمان، أي ضمان اليد، لان ضمان اليد وكونها مشمولة لقاعدة " وعلى اليد ما أخذت " مخصوص باليد غير المأذونة، وأما المأذونة والامانية فخارجة عن هذه القاعدة إما تخصيصا أو تخصصا على القولين في القاعدة، فقبول قوله في الرد يحتاج إلى دليل مفقود في المقام، فلابد من إجراء قواعد باب القضاء وتشخيص المدعي أو المنكر. وحيث أنه في هذا المقام قول المالك ودعواه عدم الرد مطابق للحجة الفعلية - أي أصالة عدم ردها - فيكون هو المنكر وعليه اليمين، وعلى المستأجر البينة. وأما قوله عليه السلام " لا تتهم من ائتمنته " 2 أي بالتعدي والتفريط، لا أنه يجب قبول قوله في دعوى الرد. وأما قبول دعوى الرد في الوديعة فلدليل خاص وأنه محسن و (ما على المحسنين من سبيل) 3. وبعبارة أخرى: الودعي يحفظ المال لمصلحة المودع،


(1) " الكافي " ج 7 ص 415، باب ان البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 229 ح 553، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 4 " وسائل الشيعة " ج 18، ص 170، أبواب كيفية الحكم، باب 3 ح 1 و 2. (2) " قرب الاسناد " ص 72، ح 231، أحاديث متفرقة، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 229، كتاب الوديعة، في أحكام الوديعة، باب 4، ح 9. (3) التوبة 9: 91.

[ 175 ]

وليس عمله إلا محض الاحسان، وأما المستأجر وإن كان مأذونا من قبل المالك في كون المال في يده ولكن لمصلحة نفسه لا لمصلحة المالك، فليس إحسان في البين، بل معاملة ومعاوضة أقدم كل واحد من الطرفين لمصلحة نفسه. الفرع الثالث: لو تنازعا - أي المؤجر والمستأجر - في هلاك المتاع الذي في يد الاجير الذي آجر نفسه لحمل المتاع، كما إذا كان الاجير ملاحا أو كان مكاريا أو قصارا جمالا أو غير ذلك، وأنكر المالك أصل الهلاك ويزعم البقاء ويتهم الاجير، فاختلف الفقهاء في أنه هل يقدم قول المالك، لمطابقة قوله لاصالة عدم التلف وعدم الهلاك، أو يقدم قولهم، لانهم أمناء وليس على الامين إلا اليمين؟ فقال جماعة كالمفيد 1 والسيد 2 وثاني الشهيدين في المسالك 3 بأنهم يكلفون بالبينة ومع فقدها يضمنون، وقال الاخرون يقبل قولهم مع اليمين، لانهم أمناء، وما على الامين إلا اليمين. والاقوال والروايات في المسألة مختلفة، وهو السبب في اختلاف الاقوال. أما الاخبار التي تدل على تضمينهم: فمنها: خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في الجمال يكسر الذي يحمل أو يهريقه. فقال: " إن كان مأمونا فليس عليه شئ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن " 4. ومنها: خبر عثمان بن زياد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: إن حمالا لنا يحمل


(1) " المقنعة " ص 643. (2) " الانتصار " ص 225. (3) " مسالك الافهام " ج 1 ص 263. (4) تقدم ص 156، هامش (1).

[ 176 ]

فكاريناه، فحمل على غيره فضاع، قال: " ضمنه وخذ منه " 1. ومنها: خبر السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: " إذا استبرك البعير بحمله فقد ضمن صاحبه " 2. ومنها خبر حسن بن صالح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا استقل البعير أو الدابة بحملها فصاحبها ضامن " 3. والانصاف: أن هذه الروايات أجنبية عن محل كلامنا، لان محل كلامنا هو ادعاء الاجير تلف المال مع إنكار المالك ودعواه البقاء وعدم التلف. نعم هذه الروايات تدل على عدم قبول قولهم في عدم التعدي والتفريط، بل يحكم بتفريطهم إلا أن يأتوا بالبينة على التلف وأنهم لم يفرطوا. نعم هاهنا روايات أخر ربما تدل على عدم قبول قولهم دعوى التلف والهلاك إلا بالبينة: منها: رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في الغسال والصباغ: " ما سرق منهما من شئ، فلم يخرج منه على أمر بين أنه قد سرق وكل قليل له أو كثير فهو ضامن، فإن فعل فليس عليه شئ، وإن لم يفعل ولم يقم البينة وزعم أنه قد ذهب الذي ادعى عليه فقد ضمنه إن لم يكن له بينة على قوله " 4. ومنها: رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام: " لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا


(1) " الفقيه " ج 3 ص 256، ح 3926، باب ضمان من حمل شيئا فادعى ذهابه ح 7، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 221، ح 969، في الاجارات، ح 51، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 278، أبواب أحكام الاجارة، باب 30، ح 8. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 222، ح 971، في الاجارات، ح 53، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 278، أبواب أحكام الاجاراة باب 30 ح 9. (3) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 222 ح 972 في الاجارات ح 54، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 279، أبواب أحكام الاجارة، باب 30 ح 10. (4) تقدم ص 155، هامش 3.

[ 177 ]

الحائك إلا أن يكونوا متهمين فيخوف بالبينة والتحليف، لعله يستخرج منه شئ " 1. ومنها: خبر أبي بصير عنه عليه السلام أيضا: سألته عن قصار دفعت إليه ثوبا، فزعم أنه سرق من بين متاعه. فقال عليه السلام: " عليه أن يقيم البينة أنه سرق من بين متاعه وليس عليه شئ، فإن سرق متاعه فليس عليه شئ " 2. أقول: لاشك في أن هذه الاخبار متعارضة، لان طائفة منها تنفي الضمان عن المذكورين، وأخرى تثبت إلا أن يأتي بالبينة على التلف من دون تعد ولا تفريط. ومقتضى قواعد باب القضاء هو طلب البينة على التلف إن لم يصدقهم المالك، وأما لو صدقهم في التلف وادعى عليهم التعدي والتفريط فمقتضى قواعد أبواب الامانات هو عدم اتهامهم بذلك وقبول قولهم مع اليمين، فيمكن الجمع بين الطائفتين بحمل ما مفادها الضمان إلا أن يأتوا بالبينة، على دعواهم التلف وحمل ما مفادها عدم ضمانهم على دعوى المالك عليهم التعدي أو التفريط. ويمكن أيضا أن يجمع بين الطائفتين بحمل احديهما على مورد اتهامهم وعدم كونهم مأمونين عنده، كما هو صريح جملة من أخبار الباب، وهي الطائفة التي مفادها ضمانهم إلا أن يأتوا بالبينة على التلف بدون تعد أو تفريط، وحمل الطائفة الاخرى - أي النافية للضمان عنهم - على كونهم مأمونين عنده، فالقول قولهم مع الحلف ولا يكونون ضامنين مع الحلف. وأما لو أتوا بالبينة فيرتفع الضمان عنهم أم لا؟ مبني على أن الميزان للمنكر هو خصوص الحلف بحيث لو أتى بالبينة على نفي ما يدعيه المدعي لا أثر لها، أو


(1) " الفقيه " ج 3 ص 257، ح 3928، باب ضمان من حمل شيئا فادعى ذهابه ح 9، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 218، ح 951، في الاجارات، ح 33، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 274، أبواب أحكام الاجارة، باب 29، ح 11. (2) " الكافي " ج 5 ص 242، باب ضمان الصناع، ح 4، " الفقيه " ج 3 ص 256، ح 3925، باب ضمان من حمل شيئا فادعى ذهابه، ح 6، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 218 ح 953، في الاجارات، ح 35، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 272، أبواب أحكام الاجارة، باب 29 ح 5.

[ 178 ]

تعيين الحلف لكونه ميزانا له من باب أخف الميزانين تسهيلا ومن باب مراعاته، لكون قوله مطابقا للحجة الفعلية. فعلى الاول لا أثر لبينته، وعلى الثاني يثبت قوله مع البينة بطريق أولى. والظاهر هو أن الحق هو الثاني وأن جعل الحلف ميزانا للمنكر لاجل التأكيد من البراءة، وعدم اشتغال ذمته بما يدعيه المدعى عليه، وإلا فالحجة الفعلية التي كان قوله مطابقا معها كانت كافية في براءة ذمته، وحصول التأكيد بالبينة أقوى، لان كثيرا من الناس في مقام جلب النفع أو دفع الخسارة لايحتزرون عن الحلف الكاذب. الفرع الرابع: قال في الشرائع: لو قطع الخياط قباء، فقال المالك: أمرتك بقطعه قميصا، فالقول قول المالك مع يمينه. وقيل: القول قول الخياط، والاول أشبه. 1 أقول: وجه كون القول قول المالك في إنكاره الامر أو الاذن بقطعه قباء هو أصالة عدم الامر أو الاذن بقطعه قباء، فيكون المالك منكرا في دعوى الخياط إن قطعه بأمر المالك أو إذنه، فعليه اليمين. ولا يستحق الخياط أجرة بل عليه أرش قيمة الثوب لو حصل فيه أرش. وليس له نقضه إن كانت الخيوط التي خاط بها القباء لمالك الثوب إلا بإذنه، وأما لو كانت الخيوط له فالظاهر أن له استخلاص ماله وجره من القباء، مع ضمانه للنقص الحاصل في الثوب من ناحية جر الخيوط، فالخياط ضامن لحصول كلا النقصين وللارش الحاصل بسببهما في الثوب، أي النقص الحاصل بسبب الفصل والخياطة، والنقص الحاصل بسبب النقص وجر الخيوط إن حصل نقص من ناحيه الخياطة أو من ناحية النقض. هذا بالنسبة إلى دعوى الخياط صدور الاذن أو الامر من طرف المالك بقطعه


(1) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 189.

[ 179 ]

قباء، وأما بالنسبة إلى دعوى المالك أمره أو إذنه بقطعه قميصا فلا أثر له، لان الخياط لم يفعل شيئا ولم يعمل عملا كي يكون مستحقا للاجرة، والامر بعمل مع عدم المأمور ذلك العمل لا يوجب حقا للمأمور. نعم لو كان النزاع في تعلق عقد الاجارة بعد الاتفاق على وقوعه بقطعه قباء كما يدعيه الخياط، أو بقطعه قميصا كما يدعيه المالك، فيكون لكلتا الدعويين أثر، وتكون المسألة من باب التداعي كما حكي عن الاردبيلي قدس سره 1، وذلك لان من يدعي وقوع عقد الاجارة على قطعه قميصا - وهو المستأجر المالك للثوب - يدعي كونه مالكا في ذمة الاجير - أي الخياط - صنع الثوب قميصا بإزاء عوض معين، والخياط ينكر ذلك، وقوله مطابق مع أصالة عدم ما يدعيه المالك المستأجر، فيكون منكرا وعليه الحلف، والمالك مكلف بإتيان البينة على ما يدعيه. ومن يدعي وقوع عقد الاجارة على قطعه قباء يدعي أجرة خياطة القباء على المالك، وهو ينكر ذلك، وقوله مطابق للاصل، أي أصالة عدم اشتغال ذمته للخياط بما يدعيه من استحقاق الاجرة. وأما اصالة عدم وقوع العقد على ما يدعيه كل واحد منهما فيتساقطان بالمعارضة بعد الفراغ عن العلم إجمالا بوقوع أحدهما، وإلا فلا مانع من جريان كليهما. والله العالم بحقائق الامور.


(1) " مجمع الفائدة والبرهان " ج 10 ص 84 و 85.

[ 181 ]

62 - قاعدة الدين مقضى

[ 183 ]

قاعدة الدين مقضى ومن جملة القواعد المشهورة في الفقه قاعدة " الدين مقضي ". وفيها جهات من البحث: الجهة الاولى في مدرك القاعدة وهو أمور: الاول: الروايات الواردة في هذا الباب: منها: الحديث الشريف النبوي، قال صلى الله عليه وآله في خطبته عام حجة الوداع: " العارية مؤداة، والزعيم غارم، والدين مقضي " 1 وهذه الجمل الثلاث وإن كانت بصورة الجملة الخبرية، لكنها حيث هي واقعة في مقام إنشاء الحكم الشرعي تدل على الوجوب، وقد ثبت في الاصول أن الجمل الخبرية الواقعة في مقام الانشاء دلالتها على الوجوب آكد من الجمل الانشائية كصيغ الامر والنهي، فمعنى الحديث الشريف: أنه يجب أداء العارية، ويجب أن يغرم


(1) " سنن الترمذي " ج 3 ص 565 ح 1265، كتاب البيوع، باب 39 ما جاء في ان العارية مؤداة، " سنن ابي داود " ج 3 ص 296 ح 3565، باب 88 في تضمين العارية، " صحيح ابن ماجة " ج 2 ص 801 كتاب الصدقات، باب 5 العارية، " عوالي اللئالي " ج 3 ص 252، باب الوديعة، ح 8

[ 184 ]

الزعيم - أي الكفيل والضامن - ما ضمنه وكفله، ويجب أن يقضي المديون دينه. ومنها: الروايات الواردة عن طريق أهل بيت العصمة، كرواية علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله إلا الدين، لا كفارة له إلا أداؤه، أو يقضى صاحبه، أو يعفو الذي له الحق " 1. وكرواية أبي ثمامة قال: قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: إني أريد أن ألازم مكة والمدينة وعلي دين. فقال: " ارجع إلى مؤدى دينك وانظر أن تلقى الله عزوجل وليس عليك دين، فإن المؤمن لا يخون " 2. وروى الصدوق في الفقيه بإسناده عن بشار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " أول قطرة من دم الشهيد كفارة لذنوبه إلا الدين، فإن كفارته قضاؤه " 3. وأيضا روى الصدوق في الفقيه بإسناده عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أيما رجل أتى رجلا فاستقرض منه مالا وفي نيته أن لا يؤديه، فذلك اللص العادي " 4. والاخبار بهذا المضمون كثيرة.


(1) " الكافي " ج 5 ص 94 باب الدين ح 6، " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 184 ح 380، في الديون واحكامها، ح 5، " علل الشرائع " ص 528، باب العلة التي من اجلها يكره الدين، ح 4، " الخصال " ص 12، كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله عزوجل...، ح 42، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 83 أبواب الدين والقرض، باب 4 ح 1. (2) " الكافي " ج 5 ص 94 باب الدين ح 9، " الفقيه " ج 3 ص 183، ح 3686 باب الدين والقرض ح 8 " علل الشرائع ص 528، باب العلة التي من أجلها يكره الدين، ح 7، " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 184، ح 382، في الديون وأحكامها، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 83، أبواب الدين والقرض، باب 4 ح 2. (3) " الفقيه " ج 3 ص 183، ح 3688 باب الدين والقرض، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 85، أبواب الدين والقرض، باب 4 ح 5. (4) " الفقيه " ج 3 ص 183 ح 3689 باب الدين والقرض ح 11، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 86، أبواب الدين والقرض باب 5 ح 5.

[ 185 ]

الثاني: حكم العقل بأن من اشتغلت ذمته بمال الغير يجب عليه تفريغ ذمته عن عهدة ذلك المال. الثالث: الاجماع، بل ينبغي أن يعد هذا من ضروريات الدين، فلا يحتاج إلى ذكر الايات والاخبار على لزوم ذلك وأن المماطلة في أداء حق الناس حرام، حتى ورد في حديث المناهي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ومن مطل على ذي حق حقه وهو يقدر على أداء حقه فعليه كل يوم خطيئة عشار " 1. وحتى ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " 2. الجهة الثانية في المراد من هذه القاعدة أقول: المراد منها وتفسيرها هو أن المراد بالدين هو مال أو حق في ذمة المديون، وأسبابه كثيرة، منها: لو اشترى شيئا بمال كلي في ذمته أو استأجر بمال كذلك أو اقترض كذلك فيكون ذلك المال الكلي الذي في ذمته لغيره دينا، وذلك الغير صاحب الدين أو صاحب الحق. وقد يقال للاول أي من عليه الحق " المديون " أو " المدين " بفتح الميم، وللثاني أي من له الحق أو صاحب الحق " الدائن " أو " المدين " بضم الميم. ومن أسباب ثبوت الدين على ذمة الشخص القرض، وذلك بأنه اقترض مالا من آخر بعوض واقعي، فيكون ذلك العوض مثلا كان أو قيمة في ذمته ودينا عليه. فالدين أي اشتغال الذمة بمال كلي للغير قد يحصل بالقرض، وقد يحصل


(1) " الفقيه " ج 4 ص 16 ح 4968، مناهي النبي صلى الله عليه وآله، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 89، أبواب الدين و القرض، باب 8 ح 2. (2) " أمالي الطوسي " ج 2 ص 134، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 90، أبواب الدين والقرض، باب 8 ح 4.

[ 186 ]

بأسباب أخرى من أسباب الضمانات. وقد صار بناء الفقهاء على ذكر الدين الحاصل بأسباب أخرى غير القرض في نفس باب المسبب، كما أنهم يذكرون الدين الحاصل للبائع في باب السلم في نفس ذلك الباب. والمهم هاهنا الان عندنا ذكر الدين وأحكامه، وذكر القرض وأحكامه وشرائطه. فهاهنا مقصدان: المقصد الاول في الدين المطلق بأي سبب كان قد عرفت أن الدين عبارة عن ثبوت حق أو مال كلي في ذمة الشخص بأحد أسباب الضمان، سواء كان ضمان المسمى، أو الضمان الواقعي مثلا أو قيمة، كما هو مذكور تفصيلا في أبواب الضمانات والعقود المعاوضية. وفروع الدين وأحكامه كثيرة، نذكر جملة منها: الفرع الاول: هل يجوز بيع الدين بأقل منه نقدا أم لا؟ مثلا لو كان له على شخص عشرة دنانير مؤجلا، أو وزنة من الحنطة كذلك، هل يجوز أن يبيعهما بأقل منهما نقدا وبلا أجل، فيبيع عشرة المؤجلة بثمانية نقدا، والوزنة بمقدار أقل منها نقدا أم لا؟ الظاهر عدم الاشكال إن لم يكن مستلزما للربا، بأن لا يكون من متحدي الجنسين، أو لا يكون من المكيل والموزون. وذلك لان الدين ملك لصاحب الدين في ذمة المديون، فله أن يبيع باي قيمة شاء ما لم يستلزم محرما آخر كالربا

[ 187 ]

وأمثالها، أو لا يكون إعانة على الاثم على التفصيل المذكور في محله. نعم هناك بعض الروايات وردت بأنه لو اشترى الدين بالاقل فليس له مطالبة المديون بأكثر مما أعطى للدائن ثمنا، كرواية محمد بن فضيل عن الرضا عليه السلام قال: قلت للرضا عليه السلام: رجل اشترى دينا على رجل، ثم ذهب إلى صاحب الدين فقال له: ادفع إلي ما لفلان عليك فقد اشتريته منه. قال: " يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين وبرئ الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه " 1. وأيضا محمد بن الفضيل عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل كان له على رجل دين، فجاءه رجل فاشتراه منه بعوض، ثم انطلق إلى الذي عليه الدين فقال: اعطني ما لفلان عليك فإني قد اشتريته منه، كيف يكون القضاء في ذلك؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: " يرد الرجل الذي عليه الدين ماله الذي اشترى به من الرجل الذي له الدين " 2. والروايتان ضعيفتان في حد أنفسهما، مع أن الاصحاب أيضا لم يعملوا بهما كي يكون، جابرا لضعفهما، فيطرحان أو يأولان بحيث لا يكونان مخالفين للقواعد المقررة في الفقه. وإلا فمقتضى القواعد أن المشتري عن صاحب الدين يملك الدين بمحض وقوع البيع صحيحا وجامعا للشرائط، والناس مسلطون على أموالهم، فلا يبقى وجه لعدم نفوذ البيع. فما ذهب إليه الشيخ وابن البراج 3 - من أن صاحب الدين إذا باعه بأقل منه لم


(1) " الكافي " ج 5 ص 100 باب بيع الدين ح 3 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 191 ح 410، في الديون و أحكامها ح 35، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 100 أبواب الدين والقرض، باب 15 ح 3. (2) " الكافي " ج 5 ص 100 باب بيع الدين ح 2، " تهذيب الاحكام ج 6 ص 189 ح 410 في الديون و أحكامها ح 26، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 99 أبواب الدين والقرض باب 15 ح 2. (3) الشيخ في " النهاية " ص 311 وقول ابن البراج لم نعثر عليه في كتبه، وحكاه عنه العلامة في " مختلف الشيعة " ج 5 ص 389، الديون، مسألة 6.

[ 188 ]

يلزم المديون أن يدفع إلى المشتري أكثر مما بذله - لا وجه له، فالاقوى مع صحة البيع وسلامته من الربا وعدم الاخلال بسائر شرائطه لزوم دفع جميع الدين، لانه بالشراء صار ملكا له. ومضافا إلى أن رواية أبي حمزة لاظهور لها في عدم تساوي الثمن الذي يعطيه المشتري لصاحب الدين مع الدين، لانه يقول فيها " فاشتراه منه بعرض " ومن الممكن أن يكون العروض الذي اشترى به الدين مساويا معه في القيمة أو يكون أزيد. فرع: يجوز للمسلم أن يستوفي دينه من الذمي من ثمن ما لا يصح تملكه للمسلم كالخمر والخنزير، وذلك لان الشارع أقرهم على معاملاتهم بينهم في أمثال هذه الاشياء، وحكم بصحة تلك المعاملات ظاهرا، فيكون ثمن تلك الاشياء التي أسقط الشارع ماليتها ملكا ظاهريا لهم، وحكم بترتيب آثار الملكية لهم على أثمان هذه الامور. وهذا الحكم إجماعي لا خلاف فيه، ولا ينافيه تكليف الكفار بالفروع، لان هذا حكم ظاهري مثل ترتيب آثار الطهارة على المشكوك وإن كان نجسا واقعا، وعدم رفع اليد عن نجاسته الواقعية. وقد رودت على صحة أخذ ثمن هذه الامور من الذمي استيفاء لدينه روايات: منها: ما رواه داود بن سرحان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له على رجل دراهم، فباع خنازيرا وخمرا وهو ينظر فقضاه. قال عليه السلام: " لا بأس، أما للمقضى فحلال، وأما للبائع فحرام " 1.


(1) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 195 ح 429، في الديون وأحكامها، ح 54، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 116، أبواب الدين والقرض، باب 28 ح 1.

[ 189 ]

ومنها: صحيح زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يكون لي عليه الدراهم، فيبيع بها خمرا أو خنزيرا، ثم يقضيني منها، فقال: " لا بأس " أو قال: " خذها " 1. ومنها: خبر الخثعمي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون لنا عليه الدين، فيبيع الخمر والخنازير فيقضيانه. فقال: " لا بأس به، ليس عليك من ذلك شئ " 2. ومنها خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له على الرجل مال، فيبيع بين يديه خمرا أو خنازيرا يأخذ ثمنه. قال عليه السلام: " لا بأس " 3. ثم إن هذه الاخبار وإن كانت مطلقة من حيث البائع، ولم يقيد فيها البائع بكونه ذميا، لكنها تنصرف إلى ذلك ولها ظهور عرفي في أن البائع من غير المسلمين، لان بيع الخمر والخنزير حيث أنه حرام عندهم فلا يبيعونهما على رؤوس الاشهاد، خصوصا الخنزير ليس بيعه من عادات المسلمين، فلابد من كون المراد من البائع في هذه الروايات تقييدا وانصرافا هو الذمي، لان المسلم لا يرى نفسه مالكا لثمن الخمر والخنزير، ويعلم بعدم فراغ ذمته بذلك الثمن، وتبقى مشغولة بذلك الدين، فلا يقدم حسب دينه وشريعته على مثل هذا الامر، أي الاداء مع كونه لغوا لا أثر له ولا فائدة فيه. فما ذكره الشيخ في المبسوط 4 وابن ادريس في السرائر، 5 والمحقق في


(1) " الكافي " ج 5 ص 232 باب بيع العصير والخمر، ح 11 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 171، ابواب ما يكتسب به باب 60 ح 3. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 137 ح 607 باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة...، ح 78 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 171 ابواب ما يكتسب به، باب 60 ح 4. (3) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 137 ح 607 باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة...، ح 79 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 172 ح 22410، ابواب ما يكتسب به باب 60 ح 5. (4) " المبسوط " ج 2، ص 223. (5) " السرائر " ج 2 ص 43 وكذلك ج 2 ص 329 في الامور التي يجوز بيعها.

[ 190 ]

الشرائع، 1 والعلامة في التذكرة والقواعد والتحرير والمختلف 2 من تقييد البائع بكونه ذميا وإلا لو كان مسلما فلا يجوز للمسلم الدائن أخذه ولا يحصل الاداء، هو الصحيح. وإشكال المحقق السبزواري في الكفاية 3 بأن مقتضى إطلاق هذه الروايات عدم الفرق بين كون البائع مسلما أو ذميا أو غيرهما، لا يخلو من نظر بل عن إشكال. وأما الاستشهاد لكون المراد من البائع هو خصوص الذمي - كما يظهر من صاحب الجواهر 4 - بتقييده بذلك في السؤال في رواية منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لي على رجل ذمي دراهم، فيبيع الخمر والخنزير وأنا حاضر فيحل لي أخذها؟ فقال: " إنما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك " 5، غير وجيه، لان كون السؤال عن مورد خاص في بعض الاحيان لا يضر بإطلاق المطلق، ولا يوجب صرفه إلى ذلك المورد، وإلى هذا ينظر قولهم " العبرة بعموم الجواب لا بخصوصية المورد ". وهذا واضح جدا. فرع: الدين لا يصير ملكا للدائن بتعيين المديون فقط، بل لابد من قبض الدائن، وذلك لان ما في ذمة المديون كلي، والخصوصيات الفردية باقية على ملك المديون، ولا تخرج عن ملكه إلا بإعطاء الفرد بعنوان الوفاء مع قبض الدائن، فيصير ذلك الفرد بأجمعه من الطبيعة الكلية مع الخصوصية المنضمة إليها ملكا للدائن، وإلا


(1) " الشرائع " ج 2 ص 69. (2) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 4، " قواعد الفقهاء " ج 1 ص 156، " تحرير الاحكام " ج 1 ص 200، " مختلف الشيعة " ج 5 ص 278، المتاجر، بيع الغرر والمجازفة، مسألة: 248. (3) " كفاية الاحكام " ص 104، كتاب الدين، في الاحكام المتعلقة بالدين، المسألة الثانية. (4) " جواهر الكلام " ج 25 ص 51. (5) " الكافي " ج 5 ص 232، باب بيع العصير والخمر، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 12 ص 171 ابواب ما يكتسب به باب 60 ح 1.

[ 191 ]

لا يكون وفاء، فبعد القبض تتحقق الملكية ويترتب على هذا آثار: منها: أنه لو وقع التلف على ذلك الفرد الذي عينه المديون للوفاء قبل أن يقبضه الدائن يكون من مال المديون. ومنها: أنه لا تصح للدائن المضاربة معه قبل أن يقبض، لانه ليس ملكه بل ملكه كلي في ذمة المديون. ولا ينطبق على هذا الفرد الخارجي إلا بعد إعطاء المديون له بعنوان الوفاء وقبض الدائن. وأيضا لما رواه الامام الباقر عليه السلام عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في رجل يكون له مال على رجل يتقاضاه، فلا يكون عنده ما يقضيه فيقول له: هو عندك مضاربة، فقال عليه السلام: " لا يصلح حتى يقبضه منه " 1. وبناء على هذا تكون مضاربة فاسدة، فلو اتجربه المديون المالك وربح يكون تمام الربح له، لانه ماله والعمل أيضا له، فليس للدائن حق في هذا الربح لكونه أجنبيا عن هذا المال. وهذا العمل ولو كان العامل غير المديون، بل كان شخصا عينه الدائن للعمل، فجميع الربح للدائن وعليه أجرة العامل لكون العامل وكيلا في القبض عن طرف الدائن، فبقبضه يصير ملكا للدائن. وحيث أنه مأذون في التجارة به من طرف الدائن فيستحق الاجرة على عمله وإن كانت المضاربة فاسدة، لوقوعها على ما لم يكن ملك المضارب، وإنما صار ملكا له بعد وقوع المضاربة حال الاشتغال بالعمل، لانه في تلك الحالة تحقق القبض الذي هو شرط في حصول الملك. فرع: الدين إما حال أو مؤجل.


(1) " الكافي " ج 5 ص 240 باب ضمان المضاربة وماله من الربح وما عليه من الوضعية، ح 4، وفيه: عن الصادق عليه السلام، " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 195 ح 428، في الديون وأحكامها ح 53، وكذلك ج 7، ص 192، ح 848، في الشركة والمضاربة، ح 34، وفيه: عن الصادق عليه السلام عن أبيه، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 178، في أحكام المضاربة باب 5 ح 1، وفيه: عن الصادق عليه لسلام عن امير المؤمنين عليه السلام.

[ 192 ]

والمراد من الاول: هو أن لا يكون وجوب أدائه موقتا بوقت، بل بمقتضى اشتغال ذمته للدائن من غير تقييد في أدائه بوقت معين يجب عليه الاداء في أي وقت طولب إن كان موسرا، فللدائن حق المطالبة في أي وقت شاء إن كان موسرا. والمراد من الثاني: أن يكون وجوب أدائه موقتا بوقت خاص معين، بحيث لو طالب الدائن قبل ذلك الوقت لا يجب على المديون إجابته وإن كان موسرا. وما ذكرنا في بيان القسمين كان من توضيح الواضحات، لوضوح المفهومين عند العرف وعدم خفاء فيهما. والعمدة في المقام هو أن الدين الحال أو المؤجل الذي حل أجله إذا كان المديون بصدد أدائه ليس للدائن الامتناع عن أخذه وقبوله. والوجه واضح، لان اشتغال ذمته لغيره ثقل عليه بل ذل له، فله حق تفريغها، كما أن لذلك الاخر حق تحصيل ماله، فليس للمديون حق الامتناع إن طولب الاداء، ولا للدائن حق الرد وعدم القبول إن كان موسرا وصار بصدد الاداء. وإن رد ولم يقبل يجبره الحاكم على القبول، وإن لم يقدر الحاكم على ذلك أحضره الحاكم عنده ومكنه منه تفرغ ذمته. ولو تلف بعد ذلك لا يضمنه المديون لصدق الاداء على ما فعل، ولم يوجد الحاكم يعزله عن ماله ويضعه عند أمين إلى أن يقبل أو عدول المؤمنين، وإن تلف بعد ذلك لا ضمان على أحد. نعم في الدين المؤجل إن صار المديون بصدد الاداء، فلا بأس بالقوم بعدم إيجاب القبول، خصوصا إذا كان لعدم القبول مصلحة له. فرع: لا تصح قسمة الدين، فلو اقتسما ما في الذمم فتلف قسمة أحدهما أو بعضها واستوفى الاخر، فالمستوفى لكليهما والتالف منهما.

[ 193 ]

ومرجع هذا الكلام إلى أن الشركة بينهما ثابتة وباقية إلى زمان قبض الدين، وحصوله في يد الدائن أو وكيله، فلو لم يحصل ولم يمكن استيفاؤه، فالخسارة عليهما. وهذا الحكم مقتضى القواعد الاولية بناء على عدم تأثير القسمة قبل حصول الدين في يد الشريكين، أو يد من هو بمنزلتهما، كوليهما أو وكيلهما. وتدل عليه روايات: منها: الصحيح عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين كان لهما مال بأيديهما ومنه متفرق عنهما، فاقتسما بالسوية ما كان في أيديهما وما كان غائبا عنهما، فهلك نصيب أحدهما مما كان غائبا واستوفى الاخر عليه أن يرد على صاحبه؟ قال: " نعم ما يذهب بماله " 1. ومنها: ما في التهذيب، موثقة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجلين بينهما مال، منه دين ومنه عين، فاقتسما العين والدين، فتوى الذي كان لاحدهما من الدين أو بعضه، وخرج الذي للاخر أيرد على صاحبه؟ قال: " نعم ما يذهب بماله " 2. ومنها: ما في التهذيب عن أبي حمزة قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجلين بينهما مال، منه بأيديهما ومنه غائب عنهما، فاقتسما الذي بأيديهما، وأحال كل واحد منهما من نصيبه الغائب، فاقتضى أحدهما ولم يقتض الاخر؟ قال: " ما اقتضى أحدهما فهو بينهما ما يذهب بماله " 3.


(1) " الفقيه " ج 3 ص 35 ح 3275، باب الصلح ح 9، " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 207 ح 477، باب الصلح بين النار، ح 8 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 116 ابواب الدين والقرض باب 29 ح 1. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 186 ح 821، باب الشركة والمضاربة، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 180، في أحكام الشركة باب 6 ح 2. (3) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 185 ح 818 باب الشركة والمضاربة، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 179، في أحكام الشركة، باب 6 ح 1.

[ 194 ]

ومنها: ما في الفقيه والتهذيب عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام في رجلين بينهما مال منه بأيديهما، ومنه غائب عنهما، فاقتسما الذي بأيديهما واحتال كل واحد منهما بنصيبه، فقبض أحدهما ولم يقبض الاخر، فقال: " ما قبض أحدهما فهو بينهما وما ذهب فهو بينهما " 1. ولا ريب في أن مفاد هذه الروايات هو أن تقسيم الدين قبل الحصول في أيد الدائنين لا أثر له، بل كل قطعة من قطعات الدين بعد حصولها في يد الدائنين يصير ملكا مشتركا بينهم، فحينئذ إذا اقتسموا يختص كل واحد منهم بنصيبه وحصته. وهذا هو المشهور بين الاصحاب، وذهب إليه الشيخ في النهاية والخلاف 2 والمبسوط 3، والجواهر للقاضي 4، والوسيلة لابن حمزة 5، والغنية لابن زهرة 6، والسرائر لابن ادريس 7، والتنقيح للفاضل المقداد 8، وعن مفتاح الكرامة: وهو ظاهر أكثر الباقين 9. وأيضا حكى عن جامع الشرائع 10 والشرائع 11 والنافع 12 والتذكرة 13 في


(1) " الفقيه " ج 3 ص 97 ح 3406 باب الحوالة، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 212 ح 500 في الحوالات، ح 5 وج 6 ص 195 ح 430، في الديوان واحكامها، ح 55، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 159، كتاب الضمان، باب 13 ح 1. (2) " النهاية " ص 308، " الخلاف " ج 3 ص 336، كتاب الشركة، مسألة: 15. (3) " النهاية " ص 308، " الخلاف " ج 3 ص 336، كتاب الشركة، مسألة 15، " المبسوط " ج 2 ص 358، كتاب الشركة. (4) " جواهر الفقه " ص 73 باب مسائل تتعلق بالشركة، مسألة 275. (5) " الوسيلة " ص 263. (6) " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 534. (7) " السرائر " ج 2 ص 402. (8) " التنقيح الرائع " ج 2 ص 158. (9) " مفتاح الكرامة " ج 5 ص 24. (10) " الجامع للشرائع " ص 285. (11) شرائع الاسلام " ج 2 ص 69. (12) المختصر النافع " ص 136. (13) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 4، وج 2، ص 225، في أحكام الشركة.

[ 195 ]

موضعين، والارشاد 1 والدروس 2 واللمعة 3 وحواشي الكتاب، وحكاه في المختلف عن أبي علي وأبي الصلاح التقي 4، وفي إيضاح النافع: أنه أظهر 5، وفي الغنية: الاجماع عليه 6، وفي الكفاية: إن المعروف بين الاصحاب أنه لا تصح قسمة الدين 7، وفي الروضة 8 ومجمع البرهان 9 وفي الرياض 10: تارة: أنه الاشهر، وأخرى: أن الشهرة عظيمة. والانصاف أن ما ذكره في الرياض أن الشهرة عظيمة صحيح لاشك فيه، مضافا إلى ما ذكرنا من عدم صحة التقسيم إلا بعد حصول الملكية أو بعد تعينها، و لاشك في عدم حصول ملكية هذا الفرد الخارجي إلا بعد القبض، فقبل القبض لا أثر للتقسيم. ولذلك كان في الروايات أن التلف بينهما وما استوفى أحدهما يرد حصة الاخر إليه، وما يذهب بماله - أي أي شئ يذهب بماله - لان التقسيم قبل القبض لا أثر له 11. وظهر من جميع ما ذكرنا أن كلام الاردبيلي قدس سره وإشكاله على هذا الحكم بأن الشهرة غير حجة، وليس في الروايات ما يدل عليه إلا رواية غياث وهي ليست بمعتبرة 12، ليس لاوجيه، لانه أو: ليست الرواية في هذا الموضوع منحصرا برواية


(1) " ارشاد الاذهان " ج 1 ص 390. (2) " الدروس " ج 3 ص 134. (3) " اللمعة الدمشقية " ص 134 و 135. (4) " مختلف الشيعة " ج 6 ص 199، في الشركة، مسألة: 147. (5) " إيضاح النافع " حكاه عنه " مفتاح الكرامة " ج 5 ص 24. (6) " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 534. (7) " كفاية الاحكام " ص 104، أحكام الدين، المسألة الثالثة. (8) " الروضة البهية " ج 4 ص 18 و 19. (9) " مجمع البرهان " ج 9 ص 92 و 93. (10) " رياض المسائل " ج 1 ص 580. (11) تقدم ص 193، هامش 2 و 3. (12) " مجمع البرهان " ج 9 ص 93.

[ 196 ]

غياث كما عرفت، وثانيا: الحكم ليس على خلاف القاعدة كما بيناه وعرفت، وثالثا: على فرض كون ضعف في سند الرواية ينجبر بهذه الشهرة العضيمة التي انعقدت على العمل بها. فالاظهر كما ذهب إليه المشهور عدم صحة تقسيم الدين قبل حصوله في يد الشريكين، فما استوفى أحدهما كان بينهما وما تلف عليهما وكان منهما. وقال في المسالك: الحلية في تصحيح ذلك أن يحيل كل منهما صاحبه بحصته التي يريد اعطاءها صاحبه ويقبل الاخر بناء على صحة الحوالة ممن ليس في ذمته دين، ولو فرض سبق دين له فلا إشكال في الصحة، ولو اصطلحا على ما في الذمم بعضها ببعض فقد قرب في الدروس صحته، وهو حسن. انتهى ما في المسالك 1. وما ذكره في اختصاص ما استوفى كل واحد منهما بنفسه احتيال جيد، وإن لم يكن له دخل فيما هو محل البحث، أي صحة تقسيم الدين. فرع: الدين المؤجل بعد حلول أجله يجوز بيعه على من هو عليه وعلى غيره، لانه ملك للدائن قابل للنقل بعوض، سواء كان المنقول إليه هو نفس المديون أو غيره. نعم يشترط في صحة بيع الدين أن لا يكون الثمن دينارا، وإلا فباطل من جهة نهيه صلى الله عليه وآله عن بيع الدين بالدين. روى في فروع الكافي والتهذيب عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا يباع الدين بالدين " 2. وأيضا يشترط أن لا يكون المبيع دينا مؤجلا والثمن أيضا كذلك، فإنه يكون


(1) " مسالك الافهام " ج 1 ص 177. حكى عن الدروس " الدروس " ج 3 ص 314. (2) " الكافي " ج 5 ص 100 باب بيع الدين ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 189 ح 400، في الديون و أحكامها ح 25 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 99 ابواب الدين والقرض باب 15 ح 1.

[ 197 ]

من بيع الكالي بالكالي الباطل. وأما لو كان الدين حالا، أو كان الثمن نقدا فلا إشكال فيه، وما ذهب إليه ابن إدريس 1 من بطلان بيع الدين مطلقا على غير من هو عليه لادليل عليه. وخلاصة الكلام: أن بيع الدين على من هو عليه، أو على غير من هو عليه في حد نفسه لاإشكال فيه، إلا أن يستلزم البطلان من جهة أخرى، مثل أن يصير ربويا، أو يكون من قبيل الكالي بالكالي المنهيان، أو يكون من بيع الدين بالدين الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا بحسب القواعد لا مانع منه. هذا كله في الدين الحال الذي حل أجله، أو لم يكن مؤجلا من الاصل، وأما المؤجل الذي لم يحل أجله ففيه قولان، والظاهر فيه الجواز، لعدم مانع في البين. نعم لا يجوز للمشتري مطالبته قبل حلول أجله، لان المفروض أنه اشترى المؤجل فلا يملكه إلا مؤجلا. وحال المشتري بعد الشراء يصير حال البائع، فكما أن البائع لم يكن له المطالبة قبل حلول الاجل، فكذلك المشتري الذي تلقى الملك منه. نعم لو اشترى المشتري نسيئة يأتي إشكال الكالي بالكالي، ولو اشترى بالدين يأتي إشكال بيع الدين بالدين، أي نهي رسول الله صلى الله عليه وآله عنه. وأما لو اشترى بالثمن النقد فلا إشكال فيه أصلا. ثم إنه لا يخفى أن ظاهر قوله " إنه لا يجوز بيع الدين بالدين " 2، هو أن يكون كلاهما - أي الثمن والمثمن - مؤجلين، وإلا لو كان أحدهما أو كلاهما حالين فلا يشمله الحديث الشريف. هكذا قال بعضهم، ولكنه لا يخلو من نظر بل من إشكال.


(1) " السرائر " ج 2 ص 38. (2) " الكافي " ج 5 ص 100 باب بيع الدين، ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 189 ح 400، في الديون وأحكامها، ح 25، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 99، أبواب الدين والقرض، باب 15 ح 1.

[ 198 ]

فرع: قال في التذكرة: لو استدانت الزوجة النفقة الواجبة وجب على الزوج دفع عوضه، لانه في الحقيقة دين عليه 1، فإذا كانت النفقة دينا عليه فكأنه هو بنفسه استدان، فيجب أداء دينه. أما كونه دينا عليه فمن جهة أن نفقة الزوجة ليس من قبيل نفقة الاقارب كي يكون حكما تكليفيا فقط، فإذا عصى ولم يعط أو صار القريب الواجب النفقة ضيفا لا يبقى ذمته مشغولة له بمقدار نفقته، بخلاف الزوجة فإنها تملك على عهدة الزوج مقدار نفقتها صرفت أو لم تصرف. هذا، مظافا إلى ما رواه السكوني عن الامام الباقر عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: " المرأة تستدين على زوجها وهو غائب، فقال: يقضي عنها ما استدانت بالمعروف " 2. فرع: ويجب الغرم على قضاء الدين، ويدل عليه النص والاجماع: أما النص فلقوله عليه السلام في رواية عبد الغفار الجازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل مات وعليه دين؟ قال: " إن كان أتى على يديه من غير فساد له يؤاخذه الله إذا علم من نيته إلا من كان لا يريد أن يؤدي عن أمانته فهو بمنزلة السارق " 3. ولما رواه ابن فضال عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من استدان


(1) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 3. (2) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 194 ح 426، في الديون وأحكامها، ح 51. (3) " الكافي " ج 5 ص 99 باب الرجل يأخذ الدين وهو لا ينوي قضاءه، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 191، ح 411، في الديون وأحكامها، ح 36، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 85، أبواب الدين والقرض، باب 5، ح 1.

[ 199 ]

دينا فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق " 1. ولما رواه أبو خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أيما رجل أتى رجلا فاستقرض منه مالا وفي نيته أن لا يؤديه فذلك اللص العادي " 2. وأما الاجماع فلم يخالف أحد فيه، بل حكي عن المسالك أن ذلك من أحكام الايمان 3. فرع: المعسر - أي الذي لا يتمكن من أداء الدين إلا ببيع حوائجه الضرورية، من مسكنه وملبسه وسائر حوائجه التي يحتاج إليها في معيشته، وبعبارة أخرى التي هي من مستثنيات الدين - لا يحل مطالبته ولاحبسه، ويجوز له إنكار الدين بل الحلف على العدم إن خشي الحبس مع الاعتراف، ولكن يجب عليه أن يوري وينوي القضاء مع المكنة. وهذه الامور التي ذكرناها إجماعية، مضافا إلى ورود روايات في بعضها. أما وجوب التورية فللاحتراز عن الكذب المحرم. أما جواز الحلف على العدم فهو لدفع الضرر عن نفسه، وقد أجيز في الشرع ما هو أعظم من الحلف الكاذب لدفع الضرر، خصوصا إذا كان مع التورية، فإنه حينئذ ليس بكاذب، غاية الامر أنه أخفى الواقع الذي أراد. وهذا ليس فيه كثير مفسدة إذا كان لمصلحة.


(1) " الكافي " ج 5 ص 99 باب الرجل يأخذ الدين وهو لا ينوى قضاءه، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 86 ابواب الدين والقرض، باب 5 ح 2. (2) " الفقيه " ج 3 ص 183، ح 3689، كتاب المعيشة، الدين والقرض، ح 11، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 86 ابواب الدين والقرض باب 5 ح 5. (3) " مسالك الافهام " ج 1 ص 177.

[ 200 ]

فرع: ويجب على المديون السعي في أداء دينه إن كان حالا، أو بعد حلوله إن كان مؤجلا وطولب. والوجه واضح، لان ذمته مشغولة بحق الغير فيجب عليه تفريغ ذمته وإداء حق الغير عقلا وشرعا. وإذا توقف الاداء على التكسب اللائق بحاله يجب عليه، كما صرح به جمع من أعاظم الفقهاء ويظهر أيضا من كلام بعض آخر. وأنكر وجوب التكسب بعض آخر كما حكي عن الارشاد 1 وغاية المرام 2 والكفاية 3، ولكن الظاهر وجوبه لمن شغله التكسب. وليس فيه تكلف كثير، خصوصا إذا كان من أرباب الصنائع وعليه دين و كبر ويعطي مصارفه ابنه مثلا، فترك الاشتغال بتلك الصنعة لكبره وعدم احتياجه، فمثل هذا الشخص يجب عليه الاشتغال لاداء دينه. وأما لو كان عالما وفقيها ذاشرف ووجاهة عند الناس، وركب عليه الدين للاحتياج في مصارف عياله، فالقول بوجوب كسبه ولو لم يكن غير لائق بحاله - مثل أن يشتغل بصيرورته أجيرا في أداء العبادات عن الميت مثلا كالصلاة والصوم والحج وغيرها - لا يخلو من نظر وتأمل، لانه مأمور بأداء دينه إن لم يكن معسرا وقادرا وليس مأمورا بإيجاد القدرة وتحصيلها وجعل نفسه موسرا، إلا أن يكون التكسب له من الطرق العقلائية المتعارفة لاداء ديونه، فحينئذ الدليل على وجوب السعي في قضاء الدين يكون دليلا على تكسبه. والقدر المتيقن لمورد وجوب التكسب لمن ليس مشغولا به فعلا هو الذي كان


(1) " إرشاد الاذهان " ج 1 ص 400. (2) حكى قول " غاية المرام " في " مفتاح الكرامة " ج 5 ص 6. (3) " كفاية الاحكام " ص 111.

[ 201 ]

كاسبا وترك الكسب لكبر أو لضعف ولكن ليس عاجزا عنه، بل تركه لاجل تحمل الغير مصارفه وعدم احتياجه إلى الشغل. وعلى كل حال يجب على المديون عند حلول الدين ومطالبة الدائن السعي في أداء دينه بكل وسيلة يمكنه وقادر عليها، ما لم يصل إلى حد العسر والتكلف الكثير، وما لم يصل إلى وقوعه في شدة وحزازة ومنقصة. ومن هاهنا استثنى الفقهاء عن لزوم بيع ما عنده من الامتعة والاراضي والعقار وكل شئ يمكن بيعه أداء دينه أشياء سموها بمستثنيات الدين، كالدار التي يسكنها، أو الملابس التي يلبسها، وغير ذلك مما هو من هذا القبيل. وفي خصوص الدار التي يسكنها وردت روايات تدل على أنها لاتباع للدين، ولكن يظهر من التعليمات الواردة فيها أن عدم جواز بيعها ليس لخصوصية فيها، بل من جهة أنه لا يبقى بلا مأوى وأن الانسان لا يمكن أن يعيش بغير مأوى، ولذا عبر عليه السلام عن الدار بظل رأسه، وكرر هذا القول " أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه " 1، فالمقصود من هذه الروايات أن لا يضيق الدائن على المديون بحيث يقع في شدة أو حزازة أو ذلة ومنقصة. وبناء على هذا لا اختصاص في المستثنيات بالدار التي يسكن فيها، والجارية التي تخدمه، والدابة التي يركبها، بل يشمل جميع ما يحتاج إليها في معيشته من الالبسة الشتوية في الشتاء، والصيفية في الصيف، وآلات الطبخ وأدواته، والظروف التي يحتاج إليها، والاغطية والفرش والبسط وأدوات الشاي كالقوري والاستكان والنعلبكي والكتلي أو السماور لنفسه أو لاضيافه، بل الكتب العلمية اللائقة بحاله أو اللازمة لتدريسه أو لقراءته في طلب العلم، خصوصا الكتب الدينية ككتب الفقه


(1) " الكافي " ج 5 ص 97 باب قضاء الدين، ح 8 وج 5 ص 237 باب الرهن ح 21، " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 187 ح 390، في الديون وأحكامها ح 15، وج 7 ص 170 ح 754 في الرهون ح 11، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 94 و 95 أبواب الدين والقرض باب 11 ح 3 و 4.

[ 202 ]

والحديث والتفاسير، وككتب الكلام التي صنفت للجواب عن شبهات المستشكلين وللهداية والارشاد إلى طريق الصواب والحق. فبناء على هذا لو كان عنده بقدر احتياجه من الكتب الوقفية التي هو من الموقوف عليهم، وعنده من الكتب القيمة التي ملكها، لا بأس بأن يقال: يجب عليه بيع ما يملك منها ورفع احتياجه بالكتب الموقوفة، وكذلك الامر في دار سكناه لو كان له دار وقف يمكن أن يسكن فيها بلامزاحمة أحد له، فيجب عليه أن يبيع ما هو ملك له ويؤدي به دينه، فإذا راجعت الاخبار ترى أنه عليه السلام بصدد بيان عدم جواز التضيق والتشديد على المديون. وأما الروايات الواردة: فمنها: ما في الكافي والعلل والتهذيب والاستبصار عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لاتباع الدار ولا الجارية في الدين، ذلك أنه لابد للرجل من ظل يسكنه، وخادم يخدمه " 1. ومنها: ما في الكافي والفقيه والتهذيب عن بريد العجلي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن علي دينا - وأظنه قال: لايتام - وأخاف إن بعت ضيعتي بقيت ومالي شئ؟ فقال: " لاتبع ضيعتك ولكن اعطه بعضا وأمسك بعضا " 2. ومنها: ما في الكافي والتهذيب والاستبصار عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن عثمان بن زياد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن لي على رجل دينا، وقد أراد أن يبيع


(1) " الكافي " ج 5 ص 96، باب قضاء الدين ح 3 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 186 ح 387، في الديون و أحكامها ح 12 " الاستبصار " ج 3 ص 6 ح 12، كتاب الديون، باب أنه لاتباع الدار ولا الجارية في الدين، ح 1 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 94، أبواب الدين والقرض باب 11 ح 1. (2) " الكافي " ج 5 ص 96 باب قضاء الدين ح 4، " الفقيه " ج 3 ص 184 ح 3693 الدين والقرض ح 15 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 186 ح 388 في الديون وأحكامها ح 13، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 94، أبواب الدين والقرض باب 11 ح 2.

[ 203 ]

داره فيقضيني قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: " أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه " 1. ومنها: ما في الكافي والتهذيب عن إبراهيم بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت رجل لي عليه دراهم وكانت داره رهنا فأردت أن أبيعها؟ قال: " أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه " 2. ومنها ما في الفقيه والتهذيب عن محمد بن أبي عمير، قال حدثني ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدين أرفعها، فلا حاجة لي فيها وإني لمحتاج في وقتي هذا إلى درهم وما يدخل ملكي منها درهم واحد " 3. وغيرها من الروايات المعتبرة. فقوله عليه السلام في رواية الحلبي: " لاتباع الدار ولا الجارية للدين، ذلك أنه لابد للرجل من ظل يسكنه وخادم يخدمه " بيان أن ما يحتاجه في معيشته لا يباع في الدين. وهذا التعليل عام ليس منحصرا بالدار والخادم، بل الاحتياج إلى كثير من الاشياء أزيد وأشد من الاحتياج إلى الخادم، فإن الانسان يمكن أن يخدم نفسه، أو تخدمه زوجته، أو أحد أقربائه ولكن بدون الكتاب لا يمكن أن يستنبط الاحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية.


(1) " الكافي " ج 5 ص 97 باب قضاء الدين ح 8، " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 187 ح 390 في الديون و أحكامها ح 15، " الاستبصار " ج 3 ص 6 ح 13 كتاب الديون، باب أنه لاتباع الدار ولا الجارية في الدين، ح 2 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 94 أبواب الدين والقرض باب 11 ح 3. (2) " الكافي " ج 5 ص 237 باب الرهن ح 21، " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 170 ح 754، في الرهون، ح 11 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 95 أبواب الدين والقرض باب 11 ح 4. (3) " الفقيه " ج 3 ص 190 ح 3715، الدين والقرض ح 37، " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 198 ح 441 في الديون وأحكامها ح 66، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 95 أبواب الدين والقرض باب 11 ح 5.

[ 204 ]

نعم لوازم الحياة والمعيشة لها درجات متفاوتة، والمستثنى منها ما هو لائق ومناسب لحال هذا الشخص في حال إفلاسه لا في حال ثرائه، وذلك لان المناسب واللائق بحاله بحسب الحوادث الواردة عليه والاحوال الطارئة له تختلف جدا، فالشخص الواحد في حال ثرائه وسعة غنائه يختلف مع نفسه في حال إفلاسه من حيث سعة الدار وضيقها، ومن حيث امتعة الدار وفرشه ووسائله وبسطه وظروفه وأكله وشربه وألبسته وألبسة أهله وخدامه ومركوبه وكتبه العلمية وقرآنه وكتب أدعيته وأغطيته وآلات طبخه وحمامه. وخلاصة الكلام: أن التاجر الذي يقدر ثروته بالملايين أو البلايين في حال الثروة والرخاء، له شأن من جميع هذه الجهات التي ذكرناها ليس له ذلك الشأن في حال انكساره وإفلاسه، فلابد من مراعاة هذه الجهة في مقام الاستثناء. فرع: لو كان ما يلزم أن يباع من أمواله لاجل أداء دينه لايشترونه إلا بأقل من قيمته كثيرا، ويرجى ترقيه ووصوله إلى ما هو المتعارف من قيمته، فلا بأس بأن يقال بإبقائه إلى أن يصل إلى قيمته المتعارفة، خصوصا إذا كان بيعه بتلك القيمة النازلة يعد عند العرف تضييعا للمال. فرع: صحة بيع شئ متوقف على كون ذلك الشئ ملكا للبائع، أو كان البائع مأذونا من قبل المالك بأن يكون وكيلا عنه، أو وليا عليه، أو كان مأذونا من قبل المولى عليه كما إذا كان مأذونا من قبل الحاكم الشرعي، أو صدر إذن من قبل الله جل جلاله، كل ذلك لانه لابيع إلا في ملك. فبناء على هذا المستحق للخمس والزكاة لا يصح بيع حصته من الخمس والزكاة قبل أن يقبض، لتوقف ملكه على القبض كما في السرائر والتذكرة والتحرير

[ 205 ]

والدروس وجامع المقاصد 1. وكذلك أرزاق السلطان لا يجوز بيعها قبل أن يقبضها، لتوقف الملك على القبض كما في المقنعة والنهاية والوسيلة والسرائر والتذكرة والتحرير والدروس وجامع المقاصد 2. فرع: ما قلنا إن دار المديون من مستثنيات الدين، هذا فيما إذا كان المديون حيا، وأما إذا مات فيجب بيعه لاداء دينه وإن كان ذاعيال وأطفال ليس لهم مأوى غير ذلك المنزل، لان الدار لا تنتقل إليهم أصلا كما هو أحد القولين في الدين المستوعب، أو ينتقل متعلقا لحق الغير. فعلى كل حال أداء الدين يقدم ولا يبقى للورثة طلقا. فرع: ما قلنا في المستثنيات من الدين معناه أنه لا يجبر المديون على البيع للوفاء بالدين، وأما لو باع باختياره لاجل غرض آخر فيجب عليه أداء دينه بما أخذ من قيمتها، وذلك لعدم إتيان التعليل والنص في قيمتها. نعم فيما إذا كان للمديون دار واسعة زائدا على احتياجه أو شأنه، وحكم عليه بالتبديل بدار أخرى ليست بتلك السعة، فإذا باعها لا يؤخذ منه جميع الثمن، بل يبقى عنده مقدار ما يشتري به دارا أخرى يليق بحاله ورافع لاحتياجه. والوجه واضح.


(1) " السرائر " ج 2 ص 57، " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 4، " تحرير الاحكام " ج 1 ص 201، " الدروس " ج 3 ص 314، " جامع المقاصد " ج 5 ص 19. (2) " المقنعة " ص 614، " النهاية " ص 311، " الوسيلة " ص 251، " السرائر " ج 2 ص 56، " تذكرة الفقهاء " ج 2، ص 4 " تحرير الاحكام " ج 1 ص 201 " الدروس " ج 3 ص 314، " جامع المقاصد " ج 5 ص 9.

[ 206 ]

فرع: من كان عليه دين وغاب عنه صاحب الدين غيبة منقطعة، لاخبر عنه ولا يعرف مكانه، ولا أحد يعرف عنه شيئا، ولا يدري المديون أنه حي أو ميت، ولا يعرف له ولي أو وكيل، يجب على المديون أن يبقى ناويا قضاء ذلك الدين بأحد الوجوه الشرعية التي سنذكرها. وهذا الحكم إجماعي، مضافا إلى حكم العقل بوجوب تفريغ ذمته بالاداء إليه، أو إلى من هو في حكم الاداء إليه شرعا. ولصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون عليه الدين لا يقدر على صاحبه ولا على ولي له ولا يدري بأي أرض هو؟ قال: " لا جناح عليه بعد أن يعلم الله منه أن نيته الاداء " 1. ولرواية معاوية بن وهب قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل كان له على رجل حق، ففقد ولا يدرى أهو حي أم ميت، ولا يعرف له وارث ولانسب ولابلد؟ قال: " اطلبه ". قال: إن ذلك قد طال، فأصدق به؟ قال: " اطلبه " 2. ولرواية هشام بن سالم قال: سأل حفص الاعور أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده جالس قال: إنه كان لابي أجير كان يقوم في رحاه، وله عندنا دراهم وليس له وارث؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: " تدفع إلى المساكين. ثم قال: رأيك فيها ". ثم أعاد عليه المسألة فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة فقال أبو عبد الله عليه السلام: " تطلب وارثا، فإن وجدت وارثا وإلا فهو كسبيل مالك. ثم قال: ما عسى أن يصنع بها. ثم قال: توصى بها، فإن جاء طالبها وإلا فهي كسبيل مالك " 3.


(1) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 188 ح 395، في الديون وأحكامها، ح 20، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 109، كتاب التجارة أبواب الدين والقرض باب 22 ح 1. (2) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 188، ح 396، في الديون وأحكامها، ح 21، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 110، كتاب التجارة أبواب الدين والقرض باب 22 ح 2. (3) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 177، ح 781 في الرهون، ح 38، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 110 كتاب =

[ 207 ]

وقال الشيخ في النهاية: ومن وجب عليه دين وغاب عنه صاحبه غيبة لم يقدر عليه معها، وجب عليه أن ينوي قضاءه ويعزل ماله من ملكه، فإن حضرته الوفاة أوصى به إلى من يثق به، فإن مات من له الدين سلمه إلى ورثته، فإن لم يعرف له وارثا اجتهد في طلبه، فإن لم يظفر به تصدق عنه وليس عليه شئ 1 انتهى. والانصاف أن عبارة النهاية أجمع عبارة في هذا الباب، فإنها أوفق بالقواعد الكلية وما ورد في هذه المسألة من الروايات. وأما قوله عليه السلام في رواية هشام بن سالم بعد سؤال حفص الاعور وتكراره السؤال ثلاث مرات " وإلا فهو كسبيل مالك " حيث علق هذا الحكم على عدم وجدان الوارث، وجعل عدم الوجدان بعد الطلب أمارة على عدمه واقعا، ومعلوم أن في فرض عدمه واقعا يكون للامام عليه السلام، وليس من مجهول المالك كي يكون حكمه التصديق، فكأنه عليه السلام حيث أنه في تلك الصورة ملكه وهبه له وقال: " وإلا فهو كسبيل مالك " ثم قال ثانيا: " توصى بها فإن جاء طالبها وإلا فهي كسبيل مالك " أي وهبهاله. وأما القول بالعزل عن ملكه من جهة التحفظ على الدين، لان الاهل والاقارب كلهم يعرفون بأن هذا المال ليس لمورثهم بل للدائن الغائب، فيكون أبعد عن الضياع والتلف، وإلا فليس على وجوب العزل دليل. وأما وجوب التسليم إلى الحاكم فلا وجه له، من جهة أنه على تقدير موت الدائن الغائب وعدم وارث له يكون للامام عليه السلام، فيكون مصرفه مصرف سهم الامام فيصرفه فيه، غاية الامر بإذن المجتهد. وأما لو لم يعلم بأن له وارثا أم لا، فإن قلنا في مورد عدم العلم بالوارث


= التجارة، أبواب الدين والقرض، باب 22 ح 3. (1) " النهاية " ص 307.

[ 208 ]

خصوصا بعد الطلب أيضا له عليه السلام فيكون مصرفه مصرف سهم الامام، وأما لو لم نقل بذلك - كما هو الظاهر من الادلة - فيجب الطلب إلا مع اليأس، فحينئذ يكون من مجهول المالك الذي يجب التصدق به عن قبل صاحبه مع الضمان أو بدونه على القولين في المسألة. فرع: الدين المؤجل يحل بالموت. وهذا الحكم مخصوص بما إذا كان الميت مديونا، وأما إذا كان دائنا فلا. وبعبارة أخرى، موت من عليه الدين المؤجل موجب لحلول دينه لاموت الدائن، فلو مات زيد وكان عليه دين مؤجل يجب أن يؤدي بعد سنة مثلا، يحل ويؤخذ من تركته حال موته كسائر ديونه المعجلة، وأما لو كان زيد المفروض مثلا له دين على عمرو عليه أن يؤدي لزيد بعد سنة فمات زيد، فلا يحل ذلك الدين، بل على عمرو أن يؤدي لزيد بعد سنة فمات زيد، فلا يحل ذلك الدين، بل على عمرو أن يودي لورثة زيد بعد حلول أجله، أي بعد سنة من مضي موت زيد في المفروض. ولعل السر في ذلك أن الميت لا تبقى له ذمة، فإذا مات فلابد إما من القول بسقوط الدين - وهو لاوجه له قطعا - وإما أن نقول باشتغال ذمة الورثة، بأن يكون عليهم أن يؤدوا في المفروض بعد سنة، وهذا معناه اشتغال ذمتهم بلا سبب ويكون ظلما وتعديا عليهم، خصوصا إذا لم يكن له مال بإزائه. وإما أن يقال بأنه يصير حالا ويؤخذ من تركته فعلا، وإلا فالشقان الاخران - أي بقاء التركة بلا تقسيم - ضرر على الورثة، والتقسيم فعلا وعدم الانتظار لحلول الدين موجب لضرر الدائن وضياع الدين، فلابد من القول بحلول الدين والاخذ من التركة فعلا، وهو المطلوب. وأما هذا الوجه والتعليل فلا يأتي في موت الدائن بالنسبة إلى الدين المؤجل،

[ 209 ]

لان الدائن إذا مات ينتقل إليهم الدين المؤجل، فيكون حالهم حال مورثهم يستوفون بعد حلول أجل الدين، ولا يلزم محذور في البين. ولعل هذا هو الوجه في تفصيلهم في حلول الدين المؤجل بين موت المديون وموت الدائن، وإلا فالاخبار الواردة في هذا الباب لم تفرق بين أن يكون الميت له الدين أو عليه الدين، بل مفادها صيرورة الدين حالا بالموت مطلقا، كان الدين له أو عليه. منها: ما رواه أبو بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام، " إذا مات الرجل حل ماله و ما عليه من الدين " 1. ومنها: ما رواه حسين بن سعيد قال، سألته عن رجل أقرض رجلا دراهم إلى أجل مسمى، ثم مات المستقرض أيحل مال القارض عند موت المستقرض منه أو للورثة من الاجل مثل ما للمستقرض في حياته؟ فقال: " إذا مات فقد حل مال القارض " 2. ومنها: ما رواه السكوني عن جعفر، عن أبيه عليهم السلام أنه قال: " إذا كان على الرجل دين إلى أجل ومات الرجل حل الدين " 3. ومنها: عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهم السلام مثله 4.


(1) " الكافي " ج 5 ص 99 باب أنه إذا مات الرجل حل دينه، ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 190 ح 407، في الديون وأحكامها، ح 32، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 97، كتاب التجارة أبواب الدين والقرض، باب 12 ح 1. (2) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 190 ح 409، في الديون وأحكامها، ح 34، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 97 كتاب التجارة أبواب الدين والقرض باب 12 ح 2. (3) " الفقيه " ج 3 ص 188 ح 3709 الدين والقرض ح 31 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 190 ح 408، في الديون وأحكامها، ح 33 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 97، كتاب التجارة أبواب الدين والقرض باب 12 ح 3،. (4) " الفقيه " ج 3 ص 188 ح 3709، الدين والقرض ح 31 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 190، ح 408، في =

[ 210 ]

ومنها: مرسلة الصدوق قال: وقال الصادق عليه السلام: " إذا مات الميت حل ماله وما عليه " 1. فمقتضى رواية أبي بصير ومرسلة الصدوق عدم الفرق في حلول الدين المؤجل بالموت بين أن يكون الدين له أو عليه، ولكن الفقهاء فرقوا. قال شيخنا الشهيد في الدروس: تحل الديون المؤجلة بموت الغريم، ولو مات المدين لم يحل إلا على رواية أبي بصير واختاره الشيخ والقاضي والحلبي 2. وفي هامش الوافي: إذا مات المديون حل عليه بلا إشكال 3. وليس أخبار هذا الكتاب منقحة من جهة الاسناد، وإذا مات الدائن لم يحل ماله بل يجب على الورثة الصبر إلى الاجل. وقال بعض علمائنا يحل كما في هذه الرواية وهي مرسلة. وروى في المختلف عن السيد المرتضى قدس سره في المسألة الاولى - أعني موت المديون أيضا - أنه قال: لاأعرف إلى الان لاصحابنا نصا معينا فأحكيه، وفقهاء الامصار كلهم يذهبون إلى أن الدين المؤجل يصير حالا بموت من عليه الدين، ويقوى في نفسي ما ذهب إليه الفقهاء انتهى 4. وخلاصة الكلام: أنه ليس على أنه بموت الدائن أيضا يصير الدين المؤجل معجلا، إلا رواية أبي بصير ومرسلة الصدوق.


= الديون وأحكامها، ح 33، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 97، كتاب التجارة، ابواب الدين والقرض، باب 12 ح 3. (1) " الفقيه " ج 3 ص 189 ح 3710، الداين والقرض، ح 32 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 97، كتاب التجارة، ابواب الدين والقرض باب 12 ح 4. (2) " الدروس " ج 3 ص 313 الدين في المؤجل وأحكامه، الشيخ في " النهاية " ص 310 كتاب الديون، باب قضاء الدين عن الميت، القاضي، نقله عنه في " مختلف الشيعة " ج 5 ص 400 كتاب الديون، مسألة 16، الحلبي في " الكافي في الفقه " ص 333 القرض والدين. (3) " الوافي " ج 18 ص 807 باب أنه إذا مات الرجل حل دينه، هامش (3). (4) " مختلف الشيعة " ج 5 ص 400 كتاب الديون مسألة 16 " المسائل الناصرية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 260 و 261، المسألة: 201.

[ 211 ]

وأما المرسلة فمن المحتمل القريب أن تكون هي رواية أبي بصير أرسلها الصدوق قدس سره، وأما رواية أبي بصير فتسقط عن الحجية بإعراض المشهور عنها، بل ادعي الاجماع على خلافها. وعلى كل حال يجب أن يفرق بين أن يكون الميت هو المديون فيحل الدين بموته، وبين أن يكون هو الدائن فلا يحل، وبناء على هذا لو كان صداق الزوجة مؤجلا فمات الزوج يحل الدين ويؤخذ حال الموت عن التركة، ولو ماتت الزوجة ليس لورثتها مطالبة الصداق فعلا، بل لابد لهم الصبر إلى حلول الاجل الذي عيناه للصداق، وليس لهم حق المطالبة قبل ذلك. فرع: لا يجوز تأجيل الدين الحال بزيادة، وأيضا لا يجوز زيادة أجل المؤجل بزيادة، للزوم الربا، ولكن يمكن تصحيحه بشكل لا يلزم منه الربا، وهو أن يبيع المديون ما يساوي عشرين بعشرة، ويشترط عليه في ضمن هذا العقد تأخير الدين وأن لا يطالبه قبل يوم كذا، فبهذه الحلية الشرعية تحصل النتيجة وما يريد، وهو تأجيل الدين للحال، أو الزيادة في أجل المؤجل. ويمكن أيضا تحصيل هذه النتيجة بأن يبيع الدائن ما يساوي عشرة بعشرين للمديون على أن يلتزم في ضمن هذه المعاملة ويشترط على نفسه تأخير المطالبة إلى زمان كذا. فتحصل النتيجة وهو تأجيل الحال أو الزيادة في أجل المؤجل من دون لزوم ربا في البين. فرع: ثمن كفن الميت مقدم على دينه، أي إذا مات ولم يكن تركته بمقدار كفنه ودينه بل يفي بأحدهما، فالكفن مقدم على أداء الدين، لما رواه إسماعيل ابن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه عليهم السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول ما يبدأ به من

[ 212 ]

المال الكفن، ثم الدين، ثم الوصية، ثم الميراث " 1. ولما روى زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مات وعليه دين بقدر كفنه؟ قال: " يكفن بما ترك إلا أن يتجر عليه إنسان فيكفنه ويقضي بما ترك دينه " 2. فرع: المشهور كراهة نزول صاحب الدين على المديون، وادعى في الغنية 3 الاجماع عليه، وقد صرح بالكراهة في القواعد والنهاية والتذكرة والسرائر 4، وقال في القواعد: فإن فعل فلا يقيم أكثر من ثلاثة أيام 5، وحكى ذلك أيضا عن النهاية والسرائر وجامع الشرائع والتذكرة والتحرير والدروس وجامع المقاصد والمفاتيح 6، لما رواه سماعة قال: سألته عن الرجل ينزل على الرجل وله عليه دين أيأكل من طعامه؟ قال: " نعم يأكل من طعامه ثلاثة أيام، ثم لا يأكل بعد ذلك شيئا " 7. والنهي عن الاكل بعد ثلاثة أيام محمول على الكراهة الشديدة، وقال في القواعد بعد قوله " فلا يقيم أكثر من ثلاثة أيام ": وينبغي احتساب ما يهديه إليه مما


(1) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 188 ح 398، في الديون وأحكامها، ح 23، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 98 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 13 ح 2. (2) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 187، ح 391 في الديون وأحكامها ح 16، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 98 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 13 ح 1. (3) " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 529 كتاب البيع، في القرض. (4) " قواعد الاحكام " ج 1، ص 155 " النهاية " ص 305، " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 2 " السرائر " ج 2 ص 31 (5) " قواعد الاحكام " ج 1 ص 155. (6) " النهاية " ص 305 " السرائر " ج 2 ص 31 " جامع الشرائع " ص 283، " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 2 " تحرير الاحكام " ج 1 ص 199 " الدروس " ج 3 ص 310 " جامع المقاصد " ج 5 ص 9 " مفاتيح الشرائع " ج 3 ص 134. (7) " الكافي " ج 5 ص 102 باب النزول على الغريم ح 2 " الفقيه " ج 3 ص 188 ح 3705 الدين والقرض، ح 27 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 204 ح 463 في القرض وأحكامه ح 17 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 102 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 18 ح 3.

[ 213 ]

لاتجر له به عادة من الدين 1، لما رواه غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا أتى عليا عليه السلام فقال: إن لي على رجل دينا فأهدى إلي هدية. فقال: " احسبه من دينك عليه " 2. وهاهنا تفصيل حسن عن الباقر عليه السلام، رواه هذيل بن حيان - أخي جعفر بن حيان الصيرفي - قال: قلت لابي جعفر عليه السلام إني دفعت إلى أخي جعفر مالا فهو يعطيني ما أنفق وأحج منه وأتصدق، وقد سألت من قبلنا فذكروا أن ذلك فاسد لا يحل وأنا أحب أن انتهي إلى قولك؟ فقال لي: " أكان يصلك قبل أن تدفع إليه مالك؟ " قلت: نعم. قال: " خذ منه ما يعطيك فكل منه واشرب وحج وتصدق، فإذا قدمت العراق فقل جعفر بن محمد عليه السلام أفتاني بهذا " 3. والظاهر أن ما حكينا عن القواعد من قوله " مما لاتجر له به عادة فيه " إشارة إلى هذا المعنى، أي الفرق بين الهدايا التي كانت العادة جارية بها ولو لم يكن دين في البين، وبين ما لم تكن العادة جارية بها قبلا وقد أتى بها من قبل الدين. ونظير هذه الهدايا التي تعطى للحاكم، فإن كانت مما كانت العادة جارية بها قبل أن يتصدى للحكم، أو قبل أن يكون للمهدي دعوى مع أحد كي يحتاج إلى المراجعة إلى الحاكم، أو بعد أحدهما، ففي الاول لاإشكال، ولكن في الثاني الانصاف أنه مورد التهمة.


(1) " قواعد الاحكام " ج 1 ص 155 كتاب الدين المطلب الاول. (2) " الكافي " ج 5 ص 103 باب هدية الغريم، ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 190 ح 404 في الديون و أحكامها، ح 29 " الاستبصار " ج 3 ص 9 ح 23 باب القرض لجر المنفعة، ح 3 " وسائل الشيعة " ج 13، ص 103 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 1. (3) " الكافي " ج 5 ص 103 باب هدية الغريم ح 2 " الفقيه " ج 3 ص 187 ح 3704 الدين والقرض ح 26 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 202 ح 454 في القرض وأحكامه ح 8 " الاستبصار " ج 3 ص 10 ح 25 باب القرض لجر المنفعة، ح 5 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 103 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 2.

[ 214 ]

فرع: يكره لمن يستقضي دينه المبالغة في الاستقضاء، لما رواه حماد بن عثمان، قال: دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام، فشكى إليه رجلا من أصحابه فلم يلبث أن جاء المشكو، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " ما لفلان يشكوك؟ " فقال: يشكوني أني استقضيت منه حقي. قال فجلس أبو عبد الله عليه السلام مغضبا ثم قال: " كأنك إذا استقضيت حقك لم تسئ، أرأيتك ما حكى الله عزوجل فقال: (ويخافون سوء الحساب) 1. أترى أنهم خافوا الله أن يجوز عليهم، والله ما خافوا إلا الاستقضاء، فسماه الله عزوجل سوء الحساب، فمن استقضى فقد أساء 2. فرع: قال في القواعد: ولو التجأ المديون إلى الحرم لم تجز مطالبته 3. والظاهر من هذه العبارة هو أن المديون لو تحصن بالحرم لكي لا يؤخذ منه الدين بالقوة لا يجوز مطالبته والتضييق عليه كما في التذكرة والسرائر وجامع المقاصد والتحرير والدروس 4. وقال في النهاية: إذا رأى صاحب الدين المديون في الحرم لم تجز مطالبته ولا ملازمته 5. وحكي أيضا ذلك عن علي بن بابويه قال: إذا كان لك على رجل حق فوجدته بمكة أو في الحرم فلا تطالبه ولاتسلم عليه فتفزعه، إلا أن تكون أعطيته


(1) الرعد 13: 21. (2) " الكافي " ج 5 ص 100 باب في آداب اقتضاء الدين ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 194 ح 425، في الديون وأحكامها، ح 50 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 100 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض، باب 16 ح 1. (3) " قواعد الاحكام " ج 1 ص 155. (4) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 2 " السرائر ج 2 ص 31 " جامع المقاصد " ج 5 ص 10 " تحرير الاحكام " ج 1 ص 199 " الدروس " ج 3 ص 311. (5) " النهاية " ص 305.

[ 215 ]

حقك في الحرم فلا بأس أن تطالبه في الحرم 1. ومدرك هذه المسألة ما رواه سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل لي عليه مال فغاب عني زمانا، فرأيته يطوف حول الكعبة فأتقاضاه؟ قال: قال: " لاتسلم عليه ولا تروعه حتى يخرج من الحرم " 2. ولكن ظاهر رواية سماعة هو تحريم المطالبة والملازمة، لان النهي ظاهر في التحريم. نعم لو كان في المسألة إجماع على عدم التحريم فلابد حينئذ من الحمل على الكراهة. وأما التفصيل الذي حكي عن ابن بابويه بين أن يكون الدائن أعطاه في الحرم فيجوز المطالبة عنه إن لم يكن معسرا وكان موسرا مليا، وبين أن يكون وقع في خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم لاجل الفرار عن الاداء، ففي الاول يجوز المطالبة، ولا يجوز في الثاني. فهذه الفتوى من ابن بابويه عين ما في الفقه الرضوي 3، فهو مأخوذ من ذلك، والصدوقان اعتمدا عليه وكثيرا ما يفتون بعين عبارة ذلك الكتاب، وهذا أحد الوجوه التي أوجب الاعتماد على ذلك الكتاب، حيث أن هذين العظيمين عملا به. وعلى أي حال فتوى الشيخ بالحرمة في النهاية ليست مستندة إلى الفقه الرضوي كي يكون فيه هذا التفصيل، بل الظاهر أن مدركه رواية سماعة حيث أنه عليه السلام نهى عن المطالبة في الحرم. ويمكن أن يكون من الاحكام الخاصة بالحرم. وما ذهب إليه الشيخ في النهاية من تحريم مطالبة الدين في الحرم 4 صرح به


(1) حكاه عنه في " مختلف الشيعة " ج 5 ص 387 كتاب الديون وتوابعها، مسألة: 4. (2) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 194 ح 423، في الديون وأحكامها ح 48 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 115 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 26 ح 1. (3) " فقه الرضا عليه السلام " ص 253، 36 باب التجارات والبيوع والمكاسب. (4) " النهاية " ص 305.

[ 216 ]

ابن إدريس في السرائر وأبو الصلاح 1 إلا أنهما أضافا إلى الحرم مسجد النبي صلى الله عليه وآله ومشاهد الائمة عليهم السلام، فقول العلامة 2 بالكراهة خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بقرينة أو إجماع على عدم الحرمة، وكلاهما مفقودان في المقام. فالانصاف أن الاحوط - لو لم نقل بأنه الاقوى - هو ترك المطالبة والملازمة في الحرم مطلقا. ولا غرو في ذلك، فإن للحرم أحكاما خاصة كثيرة، فتأمل. فرع: لو دفع المديون عروضا عما في ذمته بعد أن حل الدين من غير أن يساعر ذلك المتاع مع الدائن، ثم بعد مضي أشهر أرادا أن يحاسبا ما بينهما وقيمة المتاع تغير بالزيادة أو النقصان من وقت الدفع مع وقت المحاسبة، فهل يحسبه بقيمة يوم الدفع، أو قيمة يوم الحساب؟ الظاهر اعتبار قيمة يوم الدفع، لان المفروض أن دينه حل، وهو - أي المديون - يعطي العروض بعنوان وفاء دينه عوضا عما في ذمته، والدائن يملكه حال القبض بماله المالية عوضا عما يطلبه من المديون، فيكون الوفاء وفراغ ذمته باعتبار مالية ذلك الوقت وقيمته في ذلك الزمان. ويدل عليه أيضا ما رواه الشيخ في التهذيب - في الصحيح - عن محمد بن الحسن الصفار، قال: كتبت إليه - الضمير يرجع إلى أبي محمد عليه السلام - في رجل كان له على رجل مال، فلما حل عليه المال أعطاه بها طعاما أو قطنا أو زعفرانا ولم يقاطعه على السعر، فلما كان بعد شهرين أو ثلاثة ارتفع الطعام أو الزعفران أو القطن أو نقص، بأي السعرين يحسبه لصاحب الدين، سعر يومه الذي أعطاه وحل ماله عليه، أو السعر الذي بعد شهرين أو ثلاثة يوم حاسبه؟ فوقع عليه السلام: " ليس له إلا على حسب


(1) " السرائر " ج 2 ص 31 " الكافي في الفقه " ص 331. (2) " مختلف الشيعة " ج 5 ص 388 كتاب الديون وتوابعها، مسألة: 4.

[ 217 ]

سعر وقت ما دفع إليه الطعام إن شاء الله " قال: وكتبت إليه: الرجل استأجر أجيرا ليعمل له بناء أو غيره من الاعمال وجعل يعطيه طعاما أو قطنا وغيرهما، ثم تغير الطعام والقطن عن سعره الذي أعطاه إلى نقصان أو زيادة، أيحسب له بسعره يوم أعطاه، أو بسعره يوم حاسبه؟ فوقع عليه السلام: " يحسب له سعر يوم شارطه فيه إن شاء الله " 1. فرع: لو قتل المديون عمدا وليس له مال يؤدون به دينه، فيعطى دينه من ديته فيما إذا رضي القاتل بإعطاء الدية وصالحه الوارث على أخذ الدية فيؤدي دينه من ديته، لانه أحق بديته من غيره، لان الدية عوض أعز شئ عنده وهو روحه وحياته. لاكلام في هذا. قال الشيخ في نهايته: لم يكن لاوليائه القود إلا بعد تضمين الدين عن ديانه، فإن لم يفعلوا فليس لهم القتل، لانه تضييع لحق الميت 2. ونسب هذا القول في الدروس 3 إلى المشهور، ونسب أيضا إلى أبي الصلاح وإلى ابن البراج 4. وخلاصة الكلام: أن قتل العمد ابتداء يوجب حق القصاص لاولياء المقتول، قال الله تبارك وتعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) 5. ولكن الورثة مخيرون بين القتل وأخذ الدية إن حضر القاتل على أداء الدية،


(1) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 196، ح 432، في الديون وأحكامها ح 57، " وسائل الشيعة " ج 12 ص 402، كتاب التجارة ابواب أحكام العقود باب 26 ح 5. (2) " النهاية " ص 309 كتاب الديون باب قضاء الدين عن الميت. (3) " الدروس " ج 3 ص 313، كتاب الدين، في المؤجل وأحكامه. (4) " الكافي في الفقه " ص 332 حكى قول ابن البراج العلامة في " مختلف الشيعة " ج 5 ص 398، الديون، مسألة: 15. (5) الاسراء 17: 33.

[ 218 ]

ولكن في هذا المورد - أي فيما إذا كان المقتول مديونا ولا مال له يفي بدينه - فهل يجوز للورثة اختيار القود لكونهم مخيرون بينه وبين أخذ الدية، أو يتعين أخذ الدية كي يؤدي بها دين الميت؟ والراجح هو تعين أخذ الدية لئلا يضيع حق الميت. ويدل عليه أيضا الرواية الواردة في التهذيب والفقيه عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقتل وعليه دين وليس له مال، فهل لاوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال: " إن أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهبوا أولياؤه دية القاتل فجائز، وإن أرادوا القود فليس لهم ذلك حتى يضمن الدين للغرماء وإلا فلا " 1. ورواية صفوان بن يحيى، عن يحيى الارزق، عن أبي الحسن عليه السلام في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا، فأخذ أهله الدية من قاتله عليهم أن يقضوا دينه؟ قال: " نعم " قلت: وهو لم يترك شيئا. قال: " إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه " 2. ولكن هذه الرواية الاخيرة - أي رواية صفوان بن يحيى - أشكل على دلالتها على هذه المسألة على محل النزاع، أولا بأنه من المحتمل أن يكون القتل المذكور فيها قتل خطاء، ولا خلاف في أنه يعطى دين الميت من ديته، ومحل الكلام هاهنا في أنه في قتل العمد هل يجوز لاولياء الميت القود كي لا تكون دية في البين فيؤدي منها دين الميت، أم لا يجوز بل يتعين عليهم أخذ الدية كي لا يضيع حق الميت. وثانيا: السؤال في هذه الرواية عن أمر واقع، وهو أن الاولياء وأهل الميت المقتول أخذوا الدية فهل عليهم قضاء الدين من تلك الدية أو لا، لان الميت المقتول


(1) " الفقيه " ج 4 ص 159 و 160 ح 5362 باب الرجل يقتل وعليه دين ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 312 ح 861 في باب من الزيادات في القضايا والاحكام، ح 68 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 112، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 24 ح 2. (2) " الكافي " ج 7 ص 25 كتاب الوصايا باب من أوصى وعليه دين ح 6 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 192 ح 416 في الديون وأحكامها ح 41 وج 9 ص 167 ح 681 في الاقرار في المرض ح 27 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 111 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 24 ح 1.

[ 219 ]

لم يترك شيئا كي يتعلق به وجوب أداء الدين منه، فأجاب عليه السلام بأن نفس ما أخذوا يتعلق به الدين. فالانصاف: أن هذه الرواية أجنبية عن محل البحث. اللهم إلا أن يقال: إن العدول عن القود إلى أخذ الدية من المقدمات الوجودية للواجب الذي هو أداء الدين، فهذه الرواية تدل بالالتزام على وجوب عدول الاولياء عن القود إلى أخذ الدية وأداء الدين، وهو عين محل النزاع. ولكن فيه: أن وجود المال وأخذ الدية من مقدمات الوجوب لا الوجود، فالواجب بالنسبة إليه مشروط، فتحصيلها ليس واجبا الا أن يأتي دليل على وجوبها، ولايكون من باب وجوب المقدمة والكلام ومحل البحث الان وجود ذلك الدليل وعدمه. وعلى كل حال رواية أبي بصير وسائر ما ورد تكفي في محل البحث والنزاع. وأما الاشكال على رواية أبي بصير بضعف السند - كما حكي عن شيخنا الشهيد قدس سره في كتابه نكت الارشاد 1 - فلا أثر له بعد ما بينا مرارا أن المدار في حجية الاخبار هو الوثوق بصدورها، لاوثاقة الراوي فقط أو عدالته، ولاشك في أن الشهرة العلمية أو الفتوائية خصوصا بين القدماء مما يوجب الوثوق أزيد من وثاقة الراوي، خصوصا إذا كانت الرواية التي عمل بها الاصحاب مروية في أحد الكتب المعتبرة التي هي معتمدة عند الاصحاب، أو كانت في جميعها. وأما الاشكال على هذا الحكم بأن استحقاق الدية بعد موت المقتول عمدا لانه من قبيل الموضوع لاستحقاق الدية، والميت بعد - تحقق الموت ليس قابلا لان يتملك، والمفروض أن هذا الميت لم يملك شيئا حال حياته ولم يترك شيئا، ووقت استحقاق الدية الذي هو بعد حصول الموت عرفت أنه ليس قابلا للتملك كي يؤدي


(1) " غاية المراد " ص 364.

[ 220 ]

منه دينه. ففيه: أنه بعد ما دل الدليل على لزوم أداء دين المقتول عمدا من ديته وأنه ليس للاولياء القود ويجب عليهم أخذ الدية وأن يقضوا ديته منه، لا يبقى مجال لهذا الكلام، لانه أمر ممكن دل الدليل عليه. وأما ادعاء أنه غير ممكن ومحال فساقط لا ينبغي أن يصغى إليه. أما أولا - فلان الملكية اعتبار عقلائي أمضاها الشارع في موارد كثيرة من موارد اعتبارهم، فلا مانع من اعتبارها للميت. وأما قولهم بأنه بحكم مال الميت في بعض الموارد ولا يقولون أنه ماله، فمن جهة أن الميت لا يمكن أن يتصرف فيه التصرفات المتوقفة على الحياة، فيتوهمون عدم إمكان الملكية لعدم إمكان تلك التصرفات، ومن طرف آخر يرون أن الشارع رتب آثار الملكية للميت فيقولون إنه بحكم مال الميت، وإلا ففي الحقيقة ماله ولكن الشارع نفى عنه بعض آثار الملكية وأثبت بعض الآثار، وله ذلك في عالم التشريع، لان الموضوع من اعتباراته تأسيسا أو إمضاء، والاثار أيضا تشريعية. وثانيا: على فرض عدم إمكان حصول الملكية للميت، أي مانع في أن يحكم الشارع على الاولياء بعدم جواز القود لهم في المفروض، ووجوب أخذ الدية التي تصير ملكهم ثم الايجاب عليهم أن يقضوا دين ميتهم من تلك الدية، كما هو ظاهر قوله عليه السلام في رواية أبي بصير " بل يؤدوا دينه التي صالح عليها أولياءه فإنه أحق بدينه من غيره " 1. ثم أن الاستدلال على هذا الحكم بالاجماع كما هو صريح الغنية 2 لا وجه له،


(1) " الفقيه " ج 4 ص 112 باب القود ومبلغ الدية ح 27 " وسائل الشيعة " ج 19 ص 92 ابواب القصاص في النفس باب 59 ح 2. (2) " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 530.

[ 221 ]

لما عرفت مكررا من أن الاستدلال بالاجماع مع وجود الرواية المعتبرة لا وجه له، وخلاف ما بينا في الاصول في باب حجية الاجماع 1. فظهر مما ذكرنا أن من قتل عمدا وعليه دين ولا مال له لا يجوز لاولياء الدم القود أو العفو إلا أن يضمنوا الدين، وإن أخذوا الدية وصالحوا عليها يجب عليهم أن يقضوا دين المقتول مما أخذوا من القاتل بعنوان الدية، لانه أحق بها من غيره. فرع: قال في الغنية: ويكره استحلاف الغريم المنكر، لان في ذلك تضييعا للحق وتعريضا لليمين الكاذبة، ومتى حلف لم يجز لصاحب الدين إذا ظفر بشئ من ماله أن يأخذ بمقدار حقه، ويجوز له ذلك إذا لم يحلف إلا أن يكون ما ظفر به وديعة عنده، فإنه لا يجوز له أخذ شئ منها بغير إذنه على حال بدليل الاجماع الماضي ذكره، ويخص الوديعة عموم قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) 2 و 3. وما ذكره في هذه الاسطر يشتمل على أربع فروع: الاول: كراهة الاستحلاف، لما ذكره من أنه موجب لتضييع الحق والتعريض لليمين الكاذبة، وهو تعليل حسن. الثاني: أن المديون المنكر متى حلف فلا يجوز المقاصة عن ماله لو ظفر به. الثالث: جواز المقاصة لو لم يحلف. الرابع: عدم جواز المقاصة ولو لم يحلف إن كان ما ظفر به وديعة المديون عنده.


(1) " منتهى الاصول " ج 2 ص 86. (2) النساء 4: 58. (3) " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 530.

[ 222 ]

والمهم في المقام - أي في الغريم المنكر لو لم تكن بينة للدائن على الدين وحلف الغريم - هو مسألة عدم جواز المقاصة وأنه أي شئ مدركه؟ فنقول: أولا: دعوى الاجماع المحقق في المسألة من جماعة، ودعوى عدم الخلاف من بعض آخر. الثاني: الروايات الواردة في هذا المقام: منها: رواية ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام: " إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقه واستحلف فحلف لا حق له عليه وذهبت اليمين بحق المدعي فلا حق له ". قلت: وإن كانت له عليه بينة عادلة؟ قال: " نعم وإن أقام بعد ما استحلفه خمسين قسامة ما كان له، وكان اليمين قد أبطل كل ما ادعاه قبله مما استحلفه عليه " 1. ومنها: رواية خضر النخعي، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده، قال: إن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا، وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه " 2. ومنها: رواية عبد الله بن وضاح قال: كان بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم، فقدمته إلى الوالي فأحلفته فحلف، وقد علمت أنه حلف يمينا


(1) " الكافي " ج 7 ص 417 باب أن من رضي باليمين فحلف له فلا دعوى له بعد اليمين ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 231 ح 565 في كيفية الحكم والقضاء ح 16 " وسائل الشيعة " ج 18 ص 178 كتاب القضاء، ابوابه كيفية الحكم وأحكام الدعوى باب 9 ح 1. (2) " الكافي " ج 7 ص 418 باب أن من رضى باليمين مخلف له...، ح 2 " الفقيه " ج 3 ص 185 ح 3695. كتاب المعيشة، الدين والقرض ح 17 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 231 ح 566 في كيفية الحكم و القضاء، ح 17 " وسائل الشيعة " ج 18 ص 179 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى باب 10 ح 1.

[ 223 ]

فاجرة، فوقع له بعد ذلك عندي أرباح ودراهم كثيرة فأردت أن أقتص الالف درهم التي كانت لي عنده وأحلف عليها، فكتبت إلى أبي الحسن عليه السلام فأخبرته أني قد أحلفته فحلف وقد وقع له عندي مال، فإن أمرتني أن آخذ منه الالف درهم التي حلف عليها فعلت. فكتب: " لا تأخذ منه شيئا، إن كان ظلمك فلا تظلمه، ولولا أنك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه، وقد ذهبت اليمين بما فيها، فلم آخذ منه شيئا " وانتهيت إلى كتاب أبي الحسن عليه لسلام 1. ولا شبهة في دلالة هذه الروايات على عدم جواز التقاص بعد استحلاف الدائن غريمه المنكر للدين وهو حلف. وهناك روايات أخرى تدل على جواز التقاص حتى بعد حلف المديون على عدم الدين، ولكنها محمولة على الحلف بدون استحلاف الدائن وبدون رضائه بذلك. نعم وردت روايات تدل على أن الغريم المنكر للدين بعد حلفه على عدم كونه مديونا لو رجع بعد مدة عن إنكاره واعترف بالدين وجاء إلى الدائن وأتى بالدين الذي كان عليه مع ربحه في هذه المدة، فيجوز له أخذ مقدار الدين الذي كان عليه مع نصف أرباحه. منها: ما عن الفقيه بإسناده عن مسمع أبي سيار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني كنت استودعت رجلا مالا فجحد دينه وحلف لي عليه، ثم إنه جاءني بعد ذلك بسنتين بالمال الذي أودعته إياه، فقال: " هذا مالك فخذه " وهذه أربعة الاف درهم ربحتها فهي لك مع مالك واجعلني في حل. فأخذت منه المال وأبيت أن آخذ الربح منه، ودفعت المال الذي كنت استودعته وأبيت أخذه حتى استطلع رأيك فما ترى؟ فقال عليه السلام: " خذ نصف الربح واعطه النصف وحلله، فإن هذا رجل تائب والله يحب


(1) " الكافي " ج 7 ص 430 باب النوادر من كتاب القضاء والاحكام ح 14 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 289 ح 802 في باب من الزيادات في القضايا والاحكام ح 9 " وسائل الشيعة " ج 18 ص 180 كتاب القضاء ابواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى باب 10 ح 2.

[ 224 ]

التوابين " 1. ومنها: ما في الفقه الرضوي قال عليه السلام: " وإذا أعطيت رجلا مالا فجحدك وحلف عليه ثم أتاك بالمال بعد مدة وبما ربح فيه وندم على ما كان منه فخذ منه رأس مالك ونصف الربح ورد عليه نصف الربح، هذا رجل تائب " 2. ثم أعلم أن المعاملات التي صدرت من هذا المديون المنكر إما بعين مال صاحب الدين فتكون باطلة وتكون الارباح لملاكهم الاولية، إلا أن يقال بأن إجازة الدائن يصحح جميع تلك المعاملات، فيكون جميع الربح لهذا الدائن، فيكون رد النصف إلى المديون المنكر عطية وهبة من هذا الدائن إلى ذلك المديون. وإن كانت المعاملات واقعة بما في الذمة، فيكون تمام الارباح لذلك المديون المنكر، فهو يعطي للدائن إما بداعي أن يحلله عما فرط، وإما بتوهم أن هذه الارباح لصاحب المال، أي الدائن. وأما كون المعاملات من قبيل المضاربة ويكون نصفه - أي الربح - للعامل ونصفه لصاحب المال، فبعيد، لانه لا مضاربة في البين، بل المنكر كان يعامل بعنوان أنه ملكه، ولكن وفقه الله للتوبة وإرجاع المال إلى صاحبه. وأما إعطاء الارباح ورده إليه، فمن جهة تخيل أن الارباح تابعة للمال، فإذا كان المال لشخص فتكون أرباحه أيضا لذلك الشخص. فلاجل هذا التخيل يأتي بالارباح إلى الدائن. وإما قوله عليه السلام " يأخذ النصف ورد النصف الاخر إلى ذلك المديون المنكر " للارفاق لتوبته فيحلله بالنصف ولا يأخذ التمام منه، فيكون معاملتهما شبيهة


(1) " الفقيه " ج 3 ص 305 ح 4091 كتاب المعيشة باب الوديعة ح 5 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 235، كتاب الوديعة باب 10 ح 1. (2) " فقه الامام الرضا عليه السلام " ص 252، 36 باب التجارات والبيوع والمكاسب.

[ 225 ]

بالمضاربة الصحيحة، وإلا فمن المعلوم أنه ليس بمضاربة. قلنا: يستفاد مما ذكره في الغنية هاهنا أربع فروع، والمهم منها هو عدم جواز مقاصة الدائن لو استحلف الغريم المنكر للدين فحلف على عدم الدين، وقد بينا تفصيله ومدركه 1. والثاني: كراهة الاستحلاف، وهو بين وجهه بأنه تضييع للحق وتعريض لليمين الكاذبة. والثالث: جواز المقاصة في صورة عدم حلف الغريم إما لعدم استحلافه له وإما لعدم حضوره للحلف واستنكافه عنه، ونفس استنكافه مع عدم رده اليمين إلى الدائن أيضا حجة لدينه ومثبتا له. والدليل على جواز المقاصة في هذه الصورة هو التصريح في بعض الاخبار المتقدمة بجواز التقاص إن لم يحلف 2، وذلك من جهة أن مقتضى الاصل الاولي هو جواز التقاص، لانه استيفاء حق، لان الاستيفاء إما بإعطاء المديون وأخذه وإما بالتقاص، والمفروض امتناع الاول في المقام لعدم حضوره لذلك وإنكاره للدين، فيتعين الوجه الاخر وهو التقاص. وأما احتمال سقوط حقه لعدم إمكان استيفائه إلا بالتقاص الذي لادليل عليه فلا ينبغي أن يتوهم، وقد عرفت وجود الدليل على جواز التقاص في هذه الصورة، لانه مقتضى القواعد الاولية، مضافا إلى ما ذكرنا من دلالة الروايات عليه، فمنها قوله عليه السلام فيما رواه عبد الله بن وضاح وقد تقدم: " ولولا أنك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك وفيت بيمينه وقد ذهبت اليمين بما فيها " 3.


(1) تقدم ص 222. (2) تقدم ص 222، هامش 2. (3) تقدم ص 223، هامش 1.

[ 226 ]

وأيضا قال عليه السلام في رواية خضر النخعي: " إن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه " 1. وقال عليه السلام في رواية ابن أبي يعفور: " إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه واستحلف فحلف لا حق له عليه وذهبت اليمين بحق المدعي، فلا حق له " 2. وخلاصة الكلام أن في هذه الروايات علق الامام عليه السلام نفي الحق وعدم جواز التقاص على رضائه بالحلف واستحلافه للمنكر ووقوع الحلف، فإذا اجتمعت هذه الامور فلا يبقى للمدعي حق كي يكون له حق استيفائه بالتقاص، وقد كرر عليه السلام أن اليمين هي التي ذهبت بالحق، فإذا لم تكن يمين في البين فالحق باق فيجوز التقاص. نعم هنا كلام آخر، وهو أن التقاص هل يحتاج إلى إذن الحاكم الشرعي أو لا، وله مقام آخر. الرابع: عدم جواز المقاصة إن كان المال الذي وقع تحت يده وديعة من الغريم المنكر للدين عنده، وإن لم يكن استحلاف وحلف في البين، وذلك من جهة أن التقاص وإن كان عبارة عن استيفاء الحق وإذا لم يكن استحلاف وحلف فالحق باق، ولكن الشارع منع عن التصرف في المال الذي هو وديعة عند الشخص بأي نحو من انحاء التصرف إلا ارجاعه إلى صاحبه وإيصاله إليه، فقد ورد منع التقاص فيما رواه ابن أبي عمير عن ابن أخي الفضيل بن يسار قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام ودخلت امرأة وكنت أقرب القوم إليها فقالت لي: أسأله. فقلت: عماذا؟ فقالت: إن ابني مات وترك مالا كان في يد أخي، فأتلفه ثم أفاد مالا فأودعنيه فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شئ؟ فأخبرته بذلك فقال: " لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أد الامانة إلى من


(1) تقدم ص 222 هامش 2. (2) تقدم ص 222 هامش 1.

[ 227 ]

ائتمنك ولا تخن من خانك " 1. هذا مضافا إلى التشديدات الواردة في وجوب رد الامانة، وأنه يجب ولو كان المستأمن ناصبيا خبيثا ولو كان قاتل أمير المؤمنين أو الحسين عليهم السلام، في الوسائل في كتاب الوديعة 2. هذا ولكن وردت رواية أخرى تعارض هذه الرواية، عن أبي العباس البقباق أن شهابا ما رآه في رجل ذهب له بألف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الالف الذي أخذ منك، فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبد الله عليه السلام فذكر له ذلك فقال: " أما أنا فأحب أن تأخذ وتحلف " 3. ولكن المشهور أعرضوا عن هذه الرواية وعملوا بالرواية الاولى، أي رواية ابن أبي عمير عن فضيل بن يسار، فيجب الاخذ بها وترك هذه الرواية، بل يظهر عن الغنية 4 أن العمل بالرواية الاولى - أي رواية ابن أبي عمير عن الفضيل بن يسار - إجماعي، إذ يدعي الاجماع على الفروع الاربعة التي ذكرناها ومرت عليه تفصيلا. فافهم وتأمل. ثم إنهم ذكروا ما يستحب على الدائن وعلى المديون، ونحن نذكر جملة منها: فمنها: أنه يستحب على الدائن الارفاق بالمديون في الاقتضاء والمطالبة، وأن يسامحه في الامور التي هي قابلة للمسامحة، وقد ورد بذلك روايات.


(1) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 348 ح 981، في المكاسب، أحاديث التقاص، ح 102 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 202 كتاب التجارة ابواب ما يكتسب به باب 83 ح 3. (2) " الكافي " ج 5 ص 133، كتاب المعيشة باب أداء الامانة ح 4 وج 8 ص 293، تعبير منافات ح 448 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 221 و 222 في أحكام الوديعة باب 2 ح 2 و 4. (3) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 347 ح 979 في المكاسب، أحاديث التقاص ح 100 " الاستبصار " ج 3 ص 53 ح 174 باب من له على غيره مال فيجده...، ح 8 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 202 كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به باب 83 ح 2. (4) " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 530.

[ 228 ]

ومنها: أنه يستحب على الدائن إمهال المديون وعدم التضييق عليه. ومنها: استحباب الاشهاد على الدين، روى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من ذهب حقه على غير بينة لم يؤجر " 1. ومنها: أنه يستحب ترك الاستدانة مع الاستغناء منها بل فعله مكروه. ومنها: أنه يستحب أداء دين الابوين، وبعد موتها يتأكد الاستحباب. وقد ذكر في الوسائل في كتاب الدين الاخبار الدالة على استحباب هذه الامور وكراهة البعض الاخر فعليك بمراجعتها 2. فرع: تبرأ ذمة الميت بضمان شخص قابل لان يكون ضامنا، وقد ورد بذلك أخبار 3، وهذا بناء على ما هو الحق عندنا من أن حقيقة الضمان نقل ما في ذمة إلى ذمة أخرى في غاية الوضوح. نعم في رواية عبد الله بن سنان قيد براءة ذمة الميت برضاء الغرماء بذلك الضمان 4. فرع: ظاهر الاخبار أنه يجب على الامام قضاء الدين عن المؤمن المعسر من الزكاة من سهم الغارمين إذا كان قد أنفق ما استدانة في طاعة أو مباح، وأما لو


(1) " الكافي " ج 5 ص 298 كتاب المعيشة باب من أدان ماله بغير بينة ح 3 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 93 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 10، ح 2. (2) " وسائل الشيعة " ج 13 ص 117 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 30 ح 1 و 2. (3) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 188 ح 397 في الديون وأحكامها ح 22 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 99 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 14 ح 2. (4) " الكافي " ج 5 ص 99 كتاب المعيشة باب أنه إذا مات الرجل حل دينه ح 2 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 187 ح 392 في الديون وأحكامها ح 17 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 98 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 14 ح 1.

[ 229 ]

أنفقه في معصية فلا شئ له عليه. عن محمد بن سليمان، عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمد، قال: سأل الرضا عليه السلام رجل وأنا أسمع فقال له: جعلت فداك إن الله جل وعز يقول (وإن كان ذوعسرة فنظرة إلى ميسرة) 1 أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله عزوجل في كتابه، لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر إليه لابد له من أن ينتظر، وقد أخذ مال هذا الرجل وأنفقه على عياله وليس له غلة ينتظر إدراكها، ولادين ينتظر محله، ولا مال غائب ينتظر قدومه؟ قال: " نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الامام فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عز وجل، فإن كان أنفقه في معصية الله عز وجل فلا شئ له على الامام ". قلت: فما لهذا الرجل الذي أئتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله أم في معصيته؟ قال: " يسعى له في ماله، فيرده عليه وهو صاغر " 2. وما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الامام يقضي عن المؤمنين الديون ما خلى مهور النساء " 3. فرع: إذا أقام الدائن على الغائب بأنه مديون له بكذا يقضى عنه من ماله إجماعا ولكن بالكفلاء، ويكون الغائب على حجته إذا رجع ولم يقبل وأنكر الدين. ووجه هذه الامور الثلاثة واضح: أما الاول - أي قضاء الدين عنه من ماله - لحجية البينة التي قامت على أنه


(1) البقرة 2: 280 (2) " الكافي " ج 5 ص 93، كتاب المعيشة " باب الدين ح 5 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 185 ح 385 في الديون وأحكامها ح 10 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 91 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 9 ح 3. (3) " الكافي " ج 5 ص 94 كتاب المعيشة باب الدين ح 7 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 184 ح 379 في الديون وأحكامها ح 4 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 92 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 9 ح 4.

[ 230 ]

مديون، فيكون بمنزلة العلم بدينه. وأما الثاني - وهو كونه بالكفلاء - فلانه من الممكن أنه بعد حضوره تكون حجة على أنه قضى هذا الدين، فلا يتلف حقه وماله مع وجود الكفيل. وأما الثالث - أي كون الغائب على حجته لو حضر - فمن جهة عدم وجه لسقوط حجته عن الاعتبار، لانه لو كان حاضرا وقت إقامة الدائن البينة على أنه مديون كان له جرح الشهود أو إتيانه بحجة حاكمة على البينة، وبعد حضوره ذلك الوجه باق بعينه. هذا، مضافا إلى ما رواه في الكافي والتهذيب عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " الغائب يقضى عنه إذا قامت البينة عليه، ويقضى عنه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء إذا لم يكن مليا " 1. فرع: لا يبطل الحق ولا يذهب من البين بتأخير المطالبة وتركها وإن كان إلى مدة طويلة. وهذا الحكم مضافا إلى أنه إجماعي لاوجه لذهابه، لان تأخير المطالبة ليس من المسقطات، فالحق باق وإن طالت مدة عدم المطالبة. نعم قال الصدوق في المقنع: من ترك دارا، أو عقارا، أو أرضا في يد غيره فلم يتكلم ولم يطالب ولم يخاصم في ذلك عشر سنين فلا حق له 2.


(1) " الكافي " ج 5 ص 102 كتاب المعيشة باب إذا التوى الذي عليه الدين على الغرماء ح 2 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 191 ح 413 في الديون وأحكامها ح 38. (2) " المقنع " ص 123.

[ 231 ]

واستدل له في المختلف 1 برواية يونس المروية في الكافي والتهذيب عن العبد الصالح عليه السلام قال: قال: " إن الارض لله عزوجل جعل وقفا على عباده، فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية بغير سبب أو علة أخرجت من يده ودفعت إلى غيره، ومن ترك مطالبة حق له عشر سنين فلا حق له " 2. وروى أيضا في الكافي والتهذيب عن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من أخذت منه أرض ثم مكثت ثلاث سنين لم يطلبها لا يحل له بعد ثلاث سنين أن يطلبها " 3. وأيضا في الكافي والتهذيب عن علي بن مهزيار قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن دار كانت لامرأة وكان لها ابن وابنة فغاب الابن في البحر وماتت المرأة فادعت ابنتها أن أمها كان صيرت هذه الدار لها، فباعت أشقاصا منها، وبقيت في الدار قطعة إلى جنب دار رجل من أصحابنا وهو يكره أن يشتريها لغيبة الابن، ويتخوف من أن لا تحل له شراؤها وليس يعرف للابن خبر، فقال لي: " ومنذ كم غاب؟ " فقلت: منذ سنين كثيرة. قال: " ينتظر به غيبة عشر سنين ثم يشتري ". فقلت له: فإذا انتظر به غيبة عشر سنين حل شراؤها؟ قال: " نعم " 4. أقول: أما رواية يونس الاولى في خصوص الارض فالظاهر أنها راجعة إلى الاراضي الخراجية فليس فيها كثير إشكال، وأما ذيلها، أي قوله عليه السلام " ومن ترك مطالبة حق له عشر سنين فلا حق له " فالظاهر منه أنه عليه السلام جعل ترك المطالبة في


(1) " مختلف الشيعة " ج 5 ص 414، الديون، القرض، مسألة: 32 (2) " الكافي " ج 5 ص 297 كتاب المعيشة باب نادر ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 232 ح 1015 في باب من الزيادات ح 35 " وسائل الشيعة " ج 17 ص 345 ابواب إحياء الموات باب 17 ح 1. (3) " الكافي " ج 5 ص 297 كتاب المعيشة باب نادر ح 2 " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 233 ح 1016 في باب من الزيادات ح 36 " وسائل الشيعة " ج 17 ص 345 ابواب إحياء الموات باب 17 ح 2. (4) " الكافي " ج 7 ص 154 كتاب المواريث باب ميراث المفقود ح 6 " تهذيب الاحكام " ج 9 ص 390 ح 1391، كتاب الفرائض والمواريث، في ميراث المفقود ح 8.

[ 232 ]

هذه المدة أمارة لاسقاط حقه وإبراء ذمة من عليه الحق، فلا إشكال في البين. وأما رواية علي بن مهزيار، فالظاهر أنه جعل غيبة عشر سنين أمارة موت الابن فلا إشكال أيضا فيها. وخلاصة الكلام: أن هذه الاخبار لاتدل على أنه لو كان له دين في ذمة شخص، أو كان له مال عند شخص من دار أو عقار أو متاع أو عروض أخر ولم يطالبه عشر سنين يسقط حقه وليس له أن يطلبه بعد ذلك، مضافا إلى أنها على فرض دلالتها عليه قد أعرض جمهور الفقهاء قدس سره عن العمل بها، ولاشك في أن هذه فتوى شاذة صدرت عن ابن بابويه رضوان الله تعالى عليه في رسالته 1. وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين عليه السلام: " الحق جديد وإن طالت عليه الايام، والباطل مخذول وإن نصره أقوام " 2. فرع: الظاهر جواز الاشتراط في القرض أن يؤدى المديون دينه في بلد آخر غير البلد الذي يستدين فيه، لان هذا شرط سائغ فتشمله عمومات أدلة وجوب الوفاء بالشرط وأن المؤمنين عند شروطهم. وعن التذكرة 3 الاجماع على صحة هذا الشرط لان الشرط الذي لا يجوز في القرض هو أن يوجب جر النفع للمقرض، وهاهنا ربما يوجب ضررا على المقرض، فلا إشكال من هذه الجهة. وبصحته وردت روايات:


(1) حكى فتواه العلامة في " مختلف الشيعة " ج 5 ص 413، الديون / القرض، مسألة 32 " المقنع " ص 123. (2) " وسائل الشيعة " ج 17 ص 345 ابواب إحياء الموات باب 17 ح 3، ولم نعثر عليه في كتاب نهج البلاغة المطبوع. (3) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 6.

[ 233 ]

منها: صحيحة أبي الصباح، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يبعث بمال إلى أرض، فقال الذي يريد أن يبعث به: أقرضنيه وأنا أوفيك إذا قدمت الارض، قال: " لا بأس " 1. ومنها: صحيحة زرارة عن أحدهما عليهم السلام، ويعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يسلف الرجل الورق على أن ينقدها إياه بأرض أخرى ويشترط ذلك، قال: " لا بأس " 2. ومنها: ما روى السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا بأس أن يأخذ الرجل الدراهم بمكة ويكتب لهم سفاتج أن يعطوها بالكوفة " 3. ومنها: صحيحة اسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: يدفع إلى الرجل الدراهم فاشترط عليه أن يدفعها بأرض أخرى سودا بوزنها واشترط عليه ذلك قال: " لا بأس " 4. ومنها: ما في الكافي والتهذيب عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: يسلف الرجل الورق على أن ينقدها إياه بأرض أخرى ويشترط عليه ذلك، قال: " لا بأس " 5.


(1) " الكافي " ج 5 ص 256 كتاب المعيشة باب الرجل يعطي الدراهم ثم يأخذها ببلد آخر، ح 3 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 203 ح 458 في القرض وأحكامه ح 12 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 480 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 14 ح 2. (2) " الكافي " ج 5 ص 255 كتاب المعيشة باب الرجل يعطي الدراهم ثم يأخذها ببلد آخر ح 1 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 480 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 14 ح 1. (3) " الكافي " ج 5 ص 256 كتاب المعيشة باب الرجل يعطي الدراهم ثم يأخذها ببلد آخر ح 2 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 481 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 14 ح 2. (4) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 110 ح 473 في بيع الواحد بالاثنين واكثر من ذلك وما يجوز فيه و مالايجوز ح 79 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 481 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 14 ح 5. (5) " الكافي " ج 5 ص 255 باب الرجل يعطي الدراهم ثم يأخذها ببلد آخر ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 203 ح 459 في القرض وأحكامه، ح 13 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 481 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 14 ح 6.

[ 234 ]

ومنها: ما في الفقيه عن أبان بن عثمان أنه قال - يعني أبا عبد الله عليه السلام - في الرجل يسلف الرجل الدراهم ينقدها إياه بأرض أخرى؟ قال: " لا بأس به " 1. ومنها: ما في التهذيب عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسلف الرجل الدراهم ينقدها إياه بأرض أخرى والدراهم عددا؟ قال: " لا بأس " 2. وغيرها من الروايات المعتبرة. ولاشك في دلالة هذه الروايات على صحة هذا الشرط ونفوذه، مثل دلالة عمومات أدلة نفوذ الشروط ووجوب الوفاء بها على نفوذه وصحته. إنما الكلام في أن العمل بهذا الشرط لازم ولايجوز عدم الاعتناء به وفرضه كالعدم، أو لا بل شرط جائز يجوز العمل به ويجوز عدم الاعتناء به أيضا كسائر الشروط الابتدائية التي ليست في ضمن العقد اللازم. وهذا مبني على أن الشروط الواقعة في ضمن العقود الجائزة لا يجب الوفاء بها، بعد الفراغ من أن عقد القرض ليس من العقود اللازمة. فبعد تمامية هاتين المقدمتين لا مناص إلا من القول بأن هذا الشرط - أي شرط أداء المقترض دينه في بلد آخر في ضمن عقد القرض - جائز لا يجب الوفاء به، وإلا يلزم زيادة الفرع أي الشرط على الاصل أي نفس عقد القرض، بمعنى أن الاصل - أي نفس عقد القرض - يكون جائزا، والشرط الواقع في ضمنه يكون لازما، وهذا لا يخلو من غرابة. وأما في مسألة جواز عقد القرض أو لزومه سنتكلم عما قريب


(1) " الفقيه " ج 3 ص 261 ح 3941 كتاب المعيشة السلف في الطعام والحيوان ح 8 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 481 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 14 ح 4. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 110 ح 472 في بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك وما يجوز فيه و مالايجوز، ح 78 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 481 كتاب التجارة، ابواب الصرف باب 14 ح 7.

[ 235 ]

إن شاء الله تعالى. فرع: قال بعضهم: اشتهر القول بين جماعة من الاصحاب بأن من قتل مؤمنا ظلما ينتقل ما في ذمة المقتول إلى ذمة القاتل، ولافرق في ذلك بين أن تكون الديون التي في ذمة المقتول ديونه المالية وحقوق الادميين، أو كان من الحقوق الالهية. ونسب في الحدائق هذا القول إلى شيخنا الشهيد قدس سره 1. وعلى كل حال لم نجد دليلا على هذا القول يعتمد عليه. نعم روى الصدوق رحمه الله في عقاب الاعمال بسنده عن الامام الباقر عليه السلام قال: " من قتل مؤمنا أثبت الله على قاتله جميع الذنوب، وبرء المقتول منها " 2. ولكن هذا في حق الله فقط، وأما في الماليات فروى في الكافي عن الوليد ابن صبيح قال: جاء رجل إلى أبي عبد الله عليه السلام يدعي على المعلى بن خنيس دينا، فقال: ذهب بحقي. فقال أبو عبد الله عليه السلام: " ذهب بحقك الذي قتله " 3. ولكن في دلالة كلتا الروايتين على المطلوب تأمل. هذا آخر ما كتبناه في الدين المطلق. المقصد الثاني في القرض الذي هو أحد أسباب الدين واشتغال الذمة وأحسن ما قيل في تعريفه: أنه عبارة عن تمليك مال بعوضه الواقعي، إن كان من المثليات فبمثله، وإن كان من القيميات فبقيمته.


(1) " الحدائق الناصرة " ج 20 ص 213. (2) " ثواب الاعمال وعقاب الاعمال " ج 2 ص 328، عقاب من قتل نفسا متعمدا ح 9. (3) " الكافي " ج 5 ص 94 كتاب المعيشة، باب الدين ح 8.

[ 236 ]

ولاريب في استحبابه وأن الشارع ندب إليه وأكد، بل لا يبعد كونه من الضروريات، وهو حسن عقلا وشرعا. وقد ورد في كتاب الله العزيز: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون) 1. وفي ثواب الاعمال عن محمد بن حباب القماط، عن شيخ كان عندنا قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لان أقرض قرضا أحب إلى من أن أتصدق بمثله " 2. وكان يقول: " من أقرض قرضا وضرب له أجلا فلم يؤت به عند ذلك الاجل، كان له من الثواب في كل يوم يتأخر عن ذلك الاجل بمثل صدقة دينار واحد في كل يوم " 3. وأيضا في ثواب الاعمال عن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أقرض مؤمنا قرضا ينظر به ميسورة كان ماله في زكاة وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه " 4. وفي عقاب الاعمال عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث قال: " ومن أقرض أخاه المسلم كان له بكل درهم أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوي وطور سينا حسنات، وإن رفق به في طلبه تعدى به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولاعذاب، ومن شكى إليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرم الله عز وجل عليه


(1) البقرة 2: 245. (2) " ثواب الاعمال وعقاب الاعمال " ج 1 ص 167 ثواب من أقرض المؤمن، ح 4 " وسائل الشيعة " ج 13، ص 87 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 6 ح 1. (3) " ثواب الاعمال وعقاب الاعمال " ج 1 ص 167 ثواب من أقرض المؤمن ح 4 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 87 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 6 ح 1. (4) " ثواب الاعمال وعقاب الاعمال " ج 1 ص 166 ثواب من أقرض المؤمن ح 1 " وسائل الشيعة " ج 13، ص 87 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 6 ح 3.

[ 237 ]

الجنة يوم يجزي المحسنين " 1. وفي الامالي في خبر المناهي: " من احتاج إليه أخوه المسلم في قرض وهو يقدر عليه ولم يفعل، حرم الله عليه ريح الجنة 2 ". إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الواردة في فضل القرض وأنه أفضل من الصدقة. وروى في الهداية عن الصادق عليه السلام: " مكتوب على باب الجنة: الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر " 3. فرع: قد عرفت أن حقيقة القرض هو تمليك مال لشخص آخر أو أشخاص آخرين بعوضه الواقعي من المثل في المثليات، والقيمة في القيميات. ولافرق بين هذه العبارة وقول جماعة أنه عبارة عن التمليك بالضمان، لان معنى الضمان هو أيضا يرجع إلى هذا المعنى، فإذا قال: من أتلف مال الغير فهو له ضامن، أي هذا التالف في عهدته ولايتخلص إلا بأدائه بالمثل، أو القيمة بعد تعذر أداء نفسه بالتلف، وفي الحقيقة أداء نفس الشئ وإن كان يصدق على رده إلى صاحبه ومنه قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) 4 ولكن فيما لا يمكن رده لتلف أو جهة أخرى، فأداؤه عرفا بالمثل إن كان مثليا، وبالقيمة إن كان قيميا. وحيث أن المقصود من القرض هو أن يرفع به المقترض حاجته، وهذا ملازم


(1) " ثواب الاعمال وعقاب الاعمال " ج 2 ص 341 باب يجمع عقوبات الاعمال " وسائل الشيعة " ج 13 ص 88 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 6 ح 5. (2) الصدوق في " الامالي " ج 516 المجلس السادس والستون. (3) الصدوق في " الهداية " ص 44. (4) النساء 4: 58.

[ 238 ]

عرفا مع تلفه، فأداؤه غالبا لا يمكن برده، بل مقصود المقرض هو أن يرفع المقترض به حاجته ثم يؤديه، لا أنه يذهب بالمرة، وإلا فهو يدخل في الهبات لا القرض الذي هو من المعاوضات، والاداء حينئذ لا يمكن برد عينه لاتلافها في قضاء حوائجه، فيكون أداؤه بالمثل أو القيمة كل واحد منهما في محله. فعند العرف حقيقة القرض هو تمليك مال لامجانا وإلا يصير هبة، ولابعوض مسمى وإلا يصير بيعا، بل بعوض واقعي من المثل أو القيمة أو بالضمان، وهو أيضا عبارة عن عوضه الواقعي، أي المثل في المثليات والقيمة في القيميات. ولهذا قالوا: إنه لا يجب على المقترض رد العين وإن كانت موجودة، بل له أن يعطي المثل أو القيمة كل في محله. وإذا عرفت هذا فنقول: يجب إنشاء هذا المعنى كي يتحقق القرض، فالمقترض ينشئ تمليك المال المطلوب للمقترض بعوضه الواقعي، والمقترض يقبل ما أنشأه المقرض، فيتحقق القرض، فالقرض أيضا كسائر عناوين المعاملات متوقف على إيجاب من طرف المقرض وقبول من طرف المقترض. ولا شك في وقوع هذا المعنى بالايجاب والقبول القولي، غاية الامر بالالفاظ الصريحة الصحيحة، كما هو الحال في سائر العقود والمعاملات، وأصرح لفظ في هذا الباب هو لفظ " أقرضتك الشئ الفلاني "، ولا يحتاج إلى أن يقول " بعوضه الواقعي " لان مادة القرض معناه العرفي هو هذا المعنى. وإنما الكلام في وقوعه بالانشاء الفعلي الذي يسمى بالمعاطاة أم لا؟ والظاهر وقوعه كذلك وصدق القرض عليه، بل السيرة المستمرة في البلاد والاسواق هو إنشاؤه بفعله، مثلا إذا يطلب القرض من شخص ويريد المقرض أن يعطيه يأتي بما طلب ويعطيه من دون التكلم في هذا الموضوع، ويصدق عليه القرض في هذا الموضوع، ويشمله إطلاق قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله

[ 239 ]

قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون) 1، فيكون قرضا عرفيا أمضاه الشارع. وهذا معنى الصحة، فينتج أن القرض كما أنه يقع ويصح ويترتب عليه الاثر إذا وقع بالقول واللفظ كذلك يقع بالفعل والمعاطاة، ويترتب عليه آثار القرض وأحكامه. وأما مسألة اللزوم والجواز، فهذا البحث لا يأتي في القرض، لان القرض جائز على كل حال، سواء كان إنشاؤه بالقول أو بالفعل. وهذا البحث كان يثمر في العقود اللازمة إذا كان إنشاؤها بالقول، وأما إذا كان بالفعل كالبيع المعاطاتي فيقع البحث في أنه هل هو لازم أو جائز. وأما اللزوم في القرض فلا معنى له، إذ اللزوم عبارة عن أن المتعاقدين يقفان عند التزام كل واحد منهما للاخر ولا يرجعان عما التزما به. وإن شئت قلت: كل واحد منهما يلتزم للاخر بالبقاء عند هذه المعاوضة التي وقعت بينهما والعقد والعهد الذي حصلت لهما، وهذا هو اللزوم الحقي، أي لكل واحد منهما حق على الاخر، وهو أنه يجب عليه أن يبقى على التزامه للاخر من غير تراجع عنه. وهذا هو معنى قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) 2 أي كل واحد من المكلفين يجب أن يفي بعهده وعقده، ولايجوز له الرجوع عما التزم به للاخر، لان هذا حق الاخر عليه. ولذلك لو رفع الاثنان يدهما عن حقهما فقهرا ينحل العقد، لان وقوف كل أحد من المتعاملين عند التزامه من باب مراعاة حق ذلك الاخر، فإذا رفض الاثنان حقهما فلا يبقى شئ يكون موجبا للزوم بقائه عند التزامه. وهذا معنى الاقالة، ففي الحقيقة مرجع الاقالة إلى رد كل واحد منهما الالتزام


(1) البقرة 2: 245. (2) المائدة 5: 1.

[ 240 ]

الذي التزم به طرفه له إلى صاحبه، فيكون نتيجته سقوط كلا الحقين. ومرجع هذا إلى انحلال العقد والعهد، فانحلال العقد بالاقالة لا يحتاج إلى دليل على صحة الاقالة، بل هو مقتضى نفس القواعد الاولية. فإذا عرفت معنى اللزوم في أبواب العقود والمعاوضات، فتعرف أن إتيان اللزوم في باب الهبة والقرض لا يخلو عن غموض، لعدم تصوير التزامين للطرفين كل واحد من الالتزامين يكون حقا للاخر بحيث يكون أمر إبقائه أو إسقاطه بيد الاخر، لان معنى عقد القرض كما عرفت - تمليكه المال للمقترض بعوضه الواقعي الذي قد يعبر عنه بالتمليك بالضمان، ومعنى عقد الهبة هو تمليكه له مجانا وبلا عوض في مقابل ما يملكه، وفي الهبة المعوضة أيضا ليس العوض في مقابل ما يملكه بل يملكه مجانا وبلا عوض، بل غاية ما يكون فيه اشتراط هبة مقابل هبته فلا يلتزم المتهب بشئ في قبال تمليك ما ملكه الواهب - أي العين الموهوبة. فباب القرض والهبة لامحل فيهما للزوم بذلك المعنى الذي ذكرنا له، يمكن أن يحكم فيهما باللزوم بمعنى آخر، وهو عدم جواز الرجوع إلى ما أخرج عن ملكه وأدخل في ملك غيره، كما حكم بذلك في باب الصدقة وقال: الراجع إلى صدقته كالراجع إلى قيئه. ولكن هذا يحتاج إلى ورود دليل عليه، وحيث لا دليل على ذلك في باب القرض بأنه لا يجوز له الرجوع إلى ما ملك، فمقتضى القاعدة هو جوازه. فرع: لا يجوز شرط الزيادة في القرض، سواء كان من جنس المال الذي أقرضه، مثل أن أقرضه عشرة دراهم باثني عشر درهما مثلا، أو منا من الحنطة بمن وربع من، أو من غير جنسه، كما إذا أقرضه عشرة دراهم بمثله وبزيادة ربع وقية من الشاي مثلا، أو كانت الزيادة عملا، كما إذا أقرضه مائة درهم مثلا بمثله بإضافة خياطة ثوبه، أو بناء حائطه، أو شيئا آخر من الاعمال النافعة للمقرض، أو كانت

[ 241 ]

الزيادة منفعة من المنافع، كما أنه لو أقرضه مائة دينار بمثله بزيادة أن ينتفع من داره المعدة للايجار سكنى سنة، وأمثالها من منافع الاعيان. ولافرق في عدم جواز الزيادة فيما اقترض بين أن يكون المال الذي يقترضه من الاجناس الربوية - أي كان من المكيل والموزون - أو لم يكن منها، بل كان من المعدود، فلا يجوز إقراض عدة من البيض أو الجواز أو البرتقال - بناء على أنه من المعدود - بأزيد من العدد الذي أقرضه، ولا بزيادة أخرى وإن كانت من غير جنس ما اقترضه. وهذا هو الفرق بين الربا في القرض وبين الربا في سائر المعاملات والمعاوضات، فالربا في باب القرض أوسع من الربا في سائر المعاملات والمعاوضات، ففي سائر المعاملات والمعاوضات، لا يأتي الربا إلا فيما يكال أو يوزن، وأما في القرض فيأتي في الجميع، سواء كان من المكيل والموزون، أو كان من المعدود كالبيض والجوز. والدليل على عدم جواز الزيادة فيه مطلقا أو في خصوص ما إذا شرط، هو إجماع المسلمين، بل الضرورة من الدين، لانها ربا، فتكون المنهية في الكتاب المبين والتنزيل من رب العالمين. وقد روى عنه صلى الله عليه وآله: " كل قرض يجر منفعة فهو حرام " 1. وأيضا يدل عليه روايات: منها: ما في قرب الاسناد عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهم السلام قال: وسألته عن رجل أعطى رجلا مائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل


(1) " سنن البيهقي " ج 5 ص 350، باب كل قرض جر منفعة فهو ربا، وفيه: " كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا " ابن حجر في " المطالب العالية " ج 1 ص 411 ح 1373 باب الزجر عن القرض إذا جر منفعة، وفيه: " كل قرض جر منفعة فهو ربا " " الصنعاني في " سبل السلام " ج 3 ص 872، القرض، وفيه: كما في المطالب.

[ 242 ]

أو أكثر؟ قال عليه السلام: " هذا الربا المحض " 1. منها: ما في الكافي والتهذيب قال خالد بن الحجاج: سألته عن رجل كانت لي عليه مائة درهم عددا فقضاها مائة وزنا؟ قال: " لا بأس ما لم يشترط " قال: وقال: " جاء الربا من قبل الشروط، إنما يفسده الشروط " 2. ومنها: ما في الفقيه والتهذيب والاستبصار، موثقة إسحاق بن عمار، قال: قلت: لابي إبراهيم عليه السلام: الرجل الذي يكون له عند الرجل المال قرضا، فيطول مكثه عند الرجل لايدخل على صاحبه منفعة فينيله الرجل الشئ بعد الشئ كراهية أن يأخذ ماله حيث لا يصيب منه منفعة، أيحل ذلك؟ قال: " لا بأس " إذا لم يكن يشترط " 3. ومنها: ما في الكافي والفقيه والتهذيب، حسن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عددا، ثم يعطي سودا وقد عرفت أنها أثقل مما أخذ، وتطيب به نفسه أن يجعل له فضلها؟ فقال: " لا بأس به إذا لم يكن فيه شرط، ولو وهبها له كلها صلح " 4. ومنها: ما في الكافي والتهذيب، صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا


(1) " قرب الاسناد " ص 265 ح 1055، ما يحل من البيوع، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 108 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 18. (2) " الكافي " ج 5 ص 244 كتاب المعيشة، باب الصروف ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 112 ح 483، في بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك وما يجوز منه وما لا يجوز ح 89 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 476، كتاب التجارة ابواب الصرف باب 12، ح 1. (3) " الفقيه " ج 3 ص 284 ح 4027 كتاب المعيشة " باب الربا ح 37 تهذيب الاحكام ج 6 ص 205. ح 267، في القرض وأحكامه ح 21 " الاستبصار " ج 3 ص 10 ح 28 في القرض لجر المنفعة، ح 8 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 106 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 13. (4) " الكافي " ج 5 ص 253 كتاب المعيشة، باب الرجل يقرض الدراهم ويأخذ أجود منها ح 1 " الفقيه " ج 3 ص 284، ح 4025، كتاب المعيشة باب الربا ح 35 " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 109 ح 470 في بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك..، ح 76 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 476، كتاب التجارة ابواب الصرف باب 12 ح 2.

[ 243 ]

أقرضت الدراهم ثم أتاك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط " 1. ومنها ما في التهذيب، صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " من أقرض رجلا ورقا فلا يشترط إلا مثلها، فإن جوزي أجود منها فليقبل، ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترط من أجل قرض ورقة " 2. وأما الروايات التي وردت على أن خير القرض هو الذي يجر المنفعة، كرواية محمد بن عبده قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القرض يجر المنفعة؟ فقال: " خير القرض ما يجر المنفعة " 3. ومنها: ما في الكافي عن أبي عمير، عن بشر بن سلمة وغير واحد، عمن أخبرهم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " خير القرض ما جر منفعة " 4. وغيرهما مما ظاهرها شمول إطلاقها لما جر القرض المنفعة ولو كان بسبب الشرط فلا بأس، فيقيد إطلاقها بالروايات المتقدمة التي فصلت بين أن تكون بالشرط فيكون الشرط والقرض كلاهما باطلان، وبين أن لا يكون بالشرط فلا بأس في أخذ الزيادة. وأما الروايات التي مفادها البأس في أخذ الزيادة مطلقا، سواء شرط أو لم يشترط، فقد عرفت أنها تقيد بمورد شرط الزيادة.


(1) " الكافي " ج 5 ص 254 كتاب المعيشة، باب الرجل يقرض الدراهم ويأخذ أجود منها، ح 3 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 201 ح 449 في القرض وأحكامه، ح 3 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 477 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 12 ح 3. (2) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 203 ح 457 في القرض وأحكامه ح 11 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 106، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 11. (3) " الكافي " ج 5 ص 255 كتاب المعيشة، باب القرض يجر المنفعة، ح 2 " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 202 ح 453 في القرض وأحكامه، ح 7 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 104 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 5. (4) " الكافي " ج 5 ص 255 كتاب المعيشة، باب القرض يجر المنفعة، ح 3 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 105 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 6.

[ 244 ]

وخلاصة الكلام: أن الروايات الواردة في هذا الباب ثلاث طوائف: الاولى: هي المانعة عن الزيادة مطلقا، سواء شرط أم لا، كالنبوي المتقدم: " كل قرض يجر المنفعة فهو حرام " 1. الثانية: هي المفصلة المانعة عنها إذا اشترط، وهي كثيرة. الثالثة هي المرخصة فيها مطلقا، كقوله عليه السلام في روايات متعددة " خير القرض ما يجر المنفعة " والروايات المفصلة يقيد بها كلا الاطلاقين في طرفي الجواز والمنع. فالنتيجة هو الحكم بالجواز إذا لم يشترط الزيادة وعدم الجواز فيما إذا اشترط. وأما حمل الاطلاقات الناهية - أي التي مفادها عدم الجواز مطلقا - على الكراهة كما يظهر من بعض كتب الشيخ قدس سره 2، فخلاف ظاهر الروايات. فالمتعين حمل الاطلاقات المانعة على مورد الاشتراط، والاطلاقات المجوزة على مورد عدم الاشتراط. ثم إنه بعد ما ظهر مما ذكرنا أن اشتراط الزيادة في القرض لا يجوز، وحمل المطلقات الناهية عن الزيادة على ذلك، فلا شبهة في حرمة نفس الزيادة، وأنها لا تصير ملكا للمقرض، وأنها من الربا المحرم، فهل المال المقترض أيضا لا يجوز للمقترض التصرف فيه كما أنه لا يجوز للمقترض التصرف في الزيادة ويكون حراما عليه، أو لا بل الحرمة مختصة بالزيادة، ونفس القرض بالنسبة إلى مال المقترض معاملة صحيحة لاإشكال فيه، فيجوز للمقترض التصرف فيما اقترض ويحرم عليه إعطاء الزيادة، بل صرف الاشتراط حرام وإن لم يعط، وبعد ذلك يجب عليه الاستغفار من هذا الذنب - أي الاشتراط - لانه أقدم على المحرم، أي المعاملة الربوية.


(1) تقدم ص 241، هامش 1. (2) " الخلاف " ج 3 ص 174، مسألة: 286.

[ 245 ]

نعم لو تاب ورد الزيادة أو لم يأخذ فله رأس ماله كما هو صريح الاية الشريفة، أو جواز التصرف في المقترض مبني على أن الشرط الفاسد هل هو مفسد للعقد فيكون التصرف حراما، لانه حينئذ يكون المال المقترض مقبوضا بالعقد الفاسد، وهو جار مجرى الغصب كما حقق في محله. وأما إن قلنا بأن الشرط الفاسد ليس بمفسد - كما هو المختار عندنا - فالقرض صحيح، ويجوز تصرف المقترض في المال المقترض وإن فعل حراما بالاشتراط، ولا تشتغل ذمته بتلك الزيادة. الظاهر من الادلة والاجماعات هو بطلان هذه المعاملة، أي القرض المشترط فيه الزيادة، وإن قلنا بأن الشرط الفاسد ليس بفسد للعقد، كما هو المختار عندنا. وقد أفردنا لذلك قاعدة في المجلد الرابع من هذا الكتاب وأثبتنا هناك عدم كونه مفسدا، وذلك لان المعاملة تصير بهذا الاشتراط ربوية، وقد ثبت من الشرع بالايات والروايات والاجماعات، بل الضرورة بطلان المعاملة الربوية، فما ذكره المحدث البحراني 1 أنه ليس في شئ من نصوصنا ما يدل على فساد العقد فعجيب. وأما ما قاله: إن أقصى ما فيها هو النهي عن اشتراط الزيادة، والحديث النبوي " كل قرض يجر المنفعة فهو حرام " ليس من طرقنا. ففيه: أولا كما عرفت أن دليل حرمة القرض المشتمل على شرط الزيادة ليس منحصرا بذلك الحديث الشريف. وثانيا: أن ضعف سنده منجبر بعمل الاصحاب وشهرته عملا، بل جماعة ادعى الاجماع عليه كما في السرائر والمختلف والغنية 2.


(1) " الحدائق الناصرة " ج 20 ص 117. (2) " السرائر " ج 2 ص 62 " مختلف الشيعة " ج 5 ص 408، الفصل الثاني: في القرض، مسألة: 24، " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 529.

[ 246 ]

فرع: قال في الشرائع: لو تبرع المقترض بزيادة في العين أو الصفة جاز 1. أقول: الزيادة في العين هو أن يكون كمية المثل في المثلي وكمية القيمة في القيمي في مقام أداء الدين أزيد من مقدار الدين، والزيادة في الصفة هو أن يكون ما يؤدي به الدين أجود من نفس الدين - أي المال المقترض - أو صفة أخرى مما يوجب كثرة الرغبة إليه. مثلا أقرضه حنطة أو أرزا من القسم الردئ، فالمقترض يؤدي دينه من القسم الجيد منها، أو المراد بالتبرع هو أن لا يكون بالاشتراط بحيث يكون ملزما بتلك الزيادة حسب التزامه. والدليل على ذلك مضافا إلى حكم العقل بحسنه وإلى الاجماعات، هو الاخبار والروايات الواردة في هذا الباب: منها: ما رواه إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضا، فيعطيه الشئ من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه، فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه؟ قال عليه السلام: " لا بأس بذلك ما لم يكن شرطا " 2. ومنها: ما رواه هذيل بن حيان، أخي جعفر بن حيان الصيرفي، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إني دفعت إلى أخي جعفر مالا فهو يعطيني ما أنفق وأحج منه وأتصدق، وقد سألت من قبلنا فذكروا أن ذلك فاسد لا يحل، وأنا أحب أن أنتهي إلى قولك فما تقول؟ فقال لي: " أكان يصلك قبل أن تدفع إليه مالك؟ " قلت: نعم. قال: " خذ منه ما يعطيك فكل منه واشرب وحج وتصدق، فإذا قدمت العراق فقل: جعفر بن محمد


(1) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 67. (2) " الكافي " ج 5 ص 103 كتاب المعيشة " باب هدية الغريم، ح 3 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 191، ح 414 في الديون وأحكامها ح 39 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 103 كتاب التجارة أبواب الدين و القرض باب 19 ح 3.

[ 247 ]

أفتاني بهذا " 1. ومنها: ما رواه محمد بن مسلم، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يستقرض من الرجل قرضا ويعطيه الرهن، إما خادمة، وأما آنية، وإما ثيابا، فيحتاج إلى شئ من منفعة فيستأذن فيه فيأذن له؟ قال: " إذا طابت نفسه فلا بأس ". قلت: إن من عندنا يروون أن كل قرض يجر منفعة فهو فاسد؟ فقال: " أو ليس خير القرض ما جر منفعة " 2. ومنها: ما رواه محمد بن عبدة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القرض يجر المنفعة؟ فقال: " خير القرض الذي يجر المنفعة " 3. وقد تقدم توجيه هذه الجملة أنه فيما إذا كان بغير شرط، وإلا فلا يجوز، فيكون دليلا في المقام، وهو أنه لو تبرع المقترض بزيادة في العين أو الصفة جاز. ومنها: ما رواه يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين دينار، ويقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين دينار؟ قال: " لا يصلح إذا كان قرضا يجر شيئا فلا يصلح ". قال: وسألته عن رجل يأتي حريفه وخليطه فيستقرض منه الدنانير فيقرضه ولو لا أن يخالطه ويحارفه ويصيب عليه لم يقرضه؟ فقال عليه السلام: " إن كان معروفا بينهما فلا بأس، وإن كان إنما يقرضه من أجل أنه يصيب عليه فلا يصلح " 4.


(1) تقدم ص 213 هامش 3. (2) " الكافي " ج 5 ص 255 كتاب المعيشة باب القرض يجر المنفعة ح 1 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 201 ح 452 في القرض وأحكامه ح 6 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 104 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 4. (3) تقدم ص 243 هامش 4. (4) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 204 ح 462 في القرض وأحكامه ح 16 " الاستبصار " ج 13 ص 10 ح 27 في القرض لجر المنعفة ح 7 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 105 كتاب التجارة ابواب الدين و القرض باب 19 ح 9.

[ 248 ]

ولابد من حمل قوله " لا يصلح " على مورد الشرط، وقد تقدم. ويقول صاحب الوسائل: إن الشيخ تارة حمله على الكراهة، وأخرى على الشرط 1 انتهى. أقول حمله على الشرط أقرب وأظهر. ومنها ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: الرجل يأتيه النبط بأحمالهم فيبيعها لهم بالاجر، فيقولون له أقرضنا دنانير فإنا نجد من يبيع لنا غيرك ولكنا نخصك بأحمالنا من أجل أنك تقرضنا. فقال: " لا بأس به، إنما يأخذ دنانير مثل دنانيره، وليس بثوب أن لبسه كسر ثمنه ولادابة إن ركبها كسرها، وإنما هو معروف يصنعه إليهم " 2. ومنها: ما رواه جميل بن دراج، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أصلحك الله إنا نخالط نفرا من أهل السواد فنقرضهم القرض ويصرفون إلينا غلاتهم فنبيعها لهم بأجر ولنا في ذلك منفعة، قال: فقال: " لا بأس، ولا أعلمه الا قال: ولو لا ما يصرفون إلينا من غلاتهم لم نقرضهم. قال: " لا بأس " 3. ومنها: ما رواه إسحاق بن عمار قال: قلت لابي إبراهيم عليه السلام: الرجل يكون له عند الرجل المال قرضا، فيطول مكثه عند الرجل لايدخل على صاحبه منفعة، فينيله الرجل الشئ بعد الشئ كراهية أن يأخذ ماله حيث لا يصيب منه منفعة، أيحل ذلك؟ قال: " لا بأس إذا لم يكن بشرط " 4.


(1) " وسائل الشيعة ج 13 ص 105 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 9 في ذيل الحديث. (2) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 203 ح 461 في القرض وأحكامه ح 15 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 105، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 10. (3) " الفقيه " ج 3 ص 283 ح 4024 كتاب المعيشة باب الربا، ح 34 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 204، ح 466 في القرض وأحكام ح 20 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 106 كتاب التجارة ابواب الدين و القرض باب 19 ح 12. (4) تقدم ص 242، هامش 3.

[ 249 ]

ومنها: ما رواه إسحاق بن عمار، عن العبد الصالح عليه السلام قال: سألته عن رجل يرهن العبد، أو الثوب، أو الحلي أو المتاع من متاع البيت فيقول صاحب الرهن للمرتهن: أنت في حل من لبس هذا الثوب فألبس الثوب وانتفع بالمتاع واستخدم الخادم؟ قال: " هو له حلال إذا أحله، وما أحب له أن يفعل " 1. ومنها: ما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا أقرضت الدراهم ثم جاءك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط " 2. أقول: لاريب في دلالة هذه الروايات على أن المقترض أو الذي يريد أن يقترض لو تبرع بإعطاء شئ للمقرض، يجوز ذلك له، ولا يضر بصحة القرض أصلا. نعم كان في بعض هذه الروايات على كراهة أخذه، كما كان في رواية إسحاق بن عمار قوله عليه السلام: " هو له حلال إذا أحله وما أحب أن يفعل "، وفي بعض آخر: " إنه يأخذ ولكن يحسبه من دينه "، كما أنه قال في رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا أتى عليا عليه السلام فقال: إن لي على رجل دينا فأهدى إلي هدية؟ قال عليه السلام: " احسبه من دينك عليه " 3. فرع: ولو شرط رد المكسرة عوض الصحيحة، أو الانقص عوض التام، أو تأخير القضاء فهل يلغو الشرط ويصح القرض كما اختاره العلامة في القواعد والتذكرة 4 والشهيد في الدروس 5، أو يبطل القرض لان مبناه على المماثلة، فشرط


(1) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 205 ح 468 في القرض وأحكامه ح 22 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 107، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 15. (2) " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 201 ح 449 في القرض وأحكامه ح 22 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 108، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 20 ح 1. (3) تقدم ص 213، هامش 2. (4) " قواعد الاحكام " ج 1 ص 156 " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 6. (5) " الدروس " ج 3 ص 319 في القرض.

[ 250 ]

الناقص عوض التام، أو المكسر عوض الصحيح، وإن لم يكن من شرط الزيادة ولا يوجب كون القرض سببا لجر المنفعة، ولكن مثل هذا الشرط خلاف حقيقة القرض - كما تقدم - التي هو التمليك بالضمان الواقعي، بمعنى اشتغال ذمة المقترض بالمثل في المثلي والقيمة في القيمي، فكون المكسر عوض الصحيح أو الانقص عوض التام أو تأخير القضاء؟ كلها خلاف مقتضى عقد القرض، فهذه الشروط بأقسامها الثلاثة باطلة لا أثر لها. ولعل هذا مراد العلامة حيث يقول: إن الشرط يلغو 1. وبعد أن فرضنا أن الشرط الفاسد لا يفسد المعاملة التي وقع الشرط في ضمنها فالقرض صحيح ويلغو الشرط كما ذهب إليه العلامة. وأما اشتراط تأخير القضاء فهو أيضا خلاف مقتضى العقد فيكون فاسدا، ففي جميع هذه الشروط الثلاثة الحق هو ما ذهب إليه العلامة لا ملزم في البين، بل كما تقدم سابقا يجوز للمقرض مطالبة المثل أو القيمة. هذا كله فيما إذا شرط رد المكسر عوض الصحيح، أما لو شرط رد الصحيح عوض المكسر فلا ريب في أنه من شرط الزيادة ويكون باطلا كما تقدم. نعم هاهنا وردت رواية، وهي صحيح يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقرض الرجل الدراهم الغلة، ويأخذ منه الدراهم الطازجية طيبة بها نفسه؟ قال: " لا بأس به " وذكر ذلك عن علي عليه السلام 2. وتمسك من قال بصحة هذا الشرط - أي شرط رد الصحيح عوض المكسر -


(1) " قواعد الاحكام " ج 1 ص 156. (2) " الكافي " ج 5 ص 254 كتاب المعيشة " باب الرجل يقرض الدراهم ويأخذ أجود منها، ح 4 " الفقيه " ج 3 ص 285 ح 4031، كتاب المعيشة باب الربا ح 41 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 477، كتاب التجارة، ابواب الصرف باب 12 ح 5 " تهذيب الاحكام " ج 6 ص 201 ح 450، في القرض وأحكامه، ح 4.

[ 251 ]

كالشيخ وأبي الصلاح وابني البراج وحمزة 1 بهذه الرواية، ولكن الانصاف عدم دلالة هذه الرواية على الاشتراط، بل ظاهرها أنه يقرض الدارهم الغلة، والمقترض يعطي قرضه من طيبة نفسه بالدراهم الطازجية، وليس حديث الاشتراط في البين أصلا، فمفاد هذه الرواية أجنبي عن محل البحث، فالحق هو بطلان القرض إذا كان بشرط أن يعطي الطازج عوض الغلة، أو الصحيح عوض المكسر. فرع: كل مال يضبط وصفه الذي تختلف القيمة باختلافه وأيضا يمكن ضبط قدره، مثل الحنطة والشعير كيلا أو وزنا أو عددا مثل الجوز والبيض يجوز إقراضه. وشرط إمكان ضبط وصفه وقدره وزنا أو كيلا أو عددا من جهة معرفة المال المقترض كي يكون في مقام الاداء يعرف المقرض والمقترض أنه أي الدين - مثلي أو قيمي، وبأي وصف هو إن كان مثليا، وبأي قيمة هو إن كان من القيميات، بل لا فرق بين المثلي والقيمي في لزوم معرفة الاوصاف التي لها دخل في المالية، وكذلك في مقداره وكميته، إذ معرفة كلاهما بمعرفتهما كي يؤدي المقترض ذلك المثل أو تلك القيمة، فصحة الاقراض مشروطة بمعرفة وصف المال المقترض وقدره وزنا أو كيلا أو عددا، وإلا لو لم يعرفا الوصف الذي تختلف القيمة باختلافه، لا المقرض يدري أي شئ يطلب من المقترض، ولا المقترض يدري أي شئ عليه أن يؤدي إلى المقرض. وخلاصة الكلام: أن الفقهاء قرروا ضابطا لما يصح أن يقرض، وهو أن كل ما يضبط وصفه وقدره كيلا أو وزنا في المكيل والموزون، أو عددا في المعدود يصح إقراضه.


(1) الشيخ في " النهاية " ص 312 أبو الصلاح في " الكافي في الفقه " ص 331 ابن حمزة في " الوسيلة " ص 273 وحكى قول ابن البراج العلامة في " مختلف الشيعة " ج 5 ص 407، الفصل الثاني: في القرض، مسألة: 24.

[ 252 ]

ويظهر من الجواهر 1 عدم الخلاف في هذا الظابط، فهذه الكلية - أي كل ما يضبط وصفه وقدره يصح إقراضه إجماعي، وإنما الكلام في عكسه، أي كل مالايضبط وصفه وقدره لا يصح إقراضه فهل هذه أيضا من المسلمات أو لا؟ الظاهر أنه لادليل على الكلية الثانية، لا الاجماع ولاغيره، فإطلاقات أدلة القرض وأنه أفضل من الصدقة تشمله وإن لم يكن وصفه أو قدره مضبوطا. وبعضهم قال إن الضابط في صحة الاقراض في شئ جريان السلم فيه، فكل شئ يجري فيه السلم يصح إقراضه. وقد ذكروا في باب السلم شروطا لصحة السلم وجريانه منها ذكر الجنس والوصف الرافع للجهالة وتقدير المبيع ذي الكيل والوزن بمقداره. والمقصود من هذه الشروط حيث أن المبيع ليس بموجود ويشتريه سلفا تعيينه كي يكون في مقام الاخذ والاداء لا يكون شك وترديد في انطباق ذلك الكلي الذي في ذمة البائع على الخارج، وذلك لانه بعد ما تعين أن ما في البائع المقدار الفلاني من جنس كذا بأوصاف كذا، لا يبقى شك وترديد في مقام الانطباق على الخارج، وكذلك في المقام بعد أن عرف أن عقد القرض وقع على جنس كذا، وعلى تقدير كذا وزنا أو كيلا أو عددا، لا يبقى ترديد في الانطباق في مقام أخذ المقرض وأداء المقترض ما في ذمته. فالقرض والسلف من هذه الجهة من واد واحد، لما قلنا إن حقيقة القرض هو التمليك بالضمان، بمعنى أن في المثليات يأتي في ذمة المقترض المثل جنسا ووصفا وقدرا، فلابد من معرفتها وضبطها كما هو كذلك في السلف. فبناء على هذا يجوز الدين في كل ما هو مثلي، لانه يمكن معرفته بالاوصاف. وأيضا مقداره بالكيل والوزن والعد، فمثل الحنطة والشعير وسائر الحبوبات كالعدس


(1) " جواهر الكلام " ج 25 ص 14.

[ 253 ]

والحمص والماش والارز يصح فيه الدين كيلا ووزنا، والذهب والفضة وزنا، لان تقديرهما في المتعارف بالوزن وبالكيل. مضافا إلى أنه ليس من المتعارف ربما يكون اختلاف بين ما اقترضه وبين ما يؤديه باعتبار اختلاف القطعات منهما، فتختلف الفرج التي بينها، فيضرر أحدهما، ولذلك يتعين في مثل هذه الامور بالوزن لا بالكيل، وكذلك في كثير من المخاضير مثل الشلغم والجزر والبطيخ والبصل والثوم، فاختلاف قطعاتها توجب عدم صحة تقديرها بالكيل، بل لابد من تقديرها بالوزن. ذلك من جهة أنه لابد من أن يكون ما تشتغل ذمة المقترض به مساويا في المقدار مع ما أخذ من المقرض، ولا يمكن في المذكورات إحراز ذلك إلا بالوزن، ففي الفواكه غالبا التساوي في المقدار لا يحصل ولا يعرف إلا بالوزن، كالعنب والمشمش والتفاح. نعم ربما يتعارف في بعض البلاد معرفة التساوي في المقدار في بعض الفواكه بالعد كالبرتقال والنارنج، ومع ذلك الاحوط لو لم يكن الاقوى لزوم تقدير جميع الفواكه والمركبات بالوزن، لاختلافها بالصغر والكبر في الحجم الذي له دخل في المالية بما لا يتسامح فيه. نعم في الجواز وإن كان اختلاف أيضا من حيث الحجم ولكن العرف يتسامح فيه، وكذلك الاختلاف في البيض من حيث الاختلاف في الحجم كان يتسامح فيه سابقا قبل وجود هذه الدجاجات الجديدة بتوسط المكائن الجديدة، ولكن الظاهر أن الاختلافات الموجودة الان من حيث كونه من الدجاج الاهلي أو من تلك الدجاجات التي راجعة إلى الاختلاف في الوصف، أو من حيث الصغر والكبر التي ترجع إلى الاختلاف في المقدار لا يتسامح فيها، ولذلك السعر عند العرف يختلف فيها، فلابد من تعيين المقدار ومعرفته بالوزن.

[ 254 ]

ومن جملة ما صار محل الكلام أن تقديره بالعد والوزن جميعا أو بخصوص الوزن هو الخبز، فقال في الشرائع: والخبز وزنا وعددا 1. وخالف بعض الفقهاء من المخالفين فأنكروا تقديره بالعد. وقال الشيخ في المبسوط: يجوز وزنا وعددا ومن أنكر من الفقهاء فقد خالف الاجماع 2. ويظهر من الشهيد قدس سره في الدروس 3 عدم جواز تقديره بالعد إذا علم بالتفاوت. وعلى كل حال ورد روايتان تدلان على جواز تقدير الخبز بالعد: الاولى: عن صباح بن سيابة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن عبد الله ابن أبي يعفور أمرني أن أسألك قال: إنا نستقرض الخبز من الجيران، فنرد أصغر منه أو أكبر؟ فقال عليه السلام: " نحن نستقرض الجوز الستين والسبعين عددا، فيكون فيه الكبيرة والصغيرة فلا بأس " 4. الثانية: عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: استقرض الرغيف من الجيران ونأخذ كبيرا ونعطي صغيرا، ونأخذ صغيرا ونعطي كبير؟ قال عليه السلام: " لا بأس " 5. ورواية أخرى في أصل جواز استقراض الخبز من دون التعرض للاختلاف بين ما يؤخذ وبين ما يعطي، وهي رواية غياث، عن جعفر، عن أبيه عليهم السلام قال عليه السلام: " لا بأس باستقراض الخبز " 6.


(1) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 68. (2) " المبسوط " ج 2 ص 161. (3) " الدروس " ج 3 ص 321. (4) " الفقيه " ج 3 ص 188 ح 3707 كتاب المعيشة باب الدين والقرض ح 29 " وسائل الشيعة " ج 13، ص 109 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 21 ح 1. (5) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 162 ح 719 باب التلقي والحكرة ح 24 " وسائل الشيعة " ج 13 ص 109، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 21 ح 2. (6) " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 238 ح 1041 في باب من الزيادات ح 61 " وسائل الشيعة " ج 13،

[ 255 ]

ودلالة هاتين الروايتين على جواز استقراض الخبز حتى مع التفاوت وزنا بين ما يأخذ المقترض وبين ما يؤدي وإن كان مما لا ينكر، ولكن تنصرفان إلى ما إذا كان التفاوت بينهما مما يتسامح العرف فيه، كالتفاوت التي بين أفراد الجوز، فإن الناس لا يعتنون بذلك التفاوت اليسير، فالحق في الخبز أن يقال: إن التفاوت بين القرص إن كان قليلا كالجوز والبيض في الدجاج الاهلية، فيجوز القرض فيه عددا، وإلا لو كان التفاوت كثيرا لا يتسامحون فيه، فلا يجوز، بل يجب أن يكون بالوزن. فرع: بعد ما علمت أن القرض يوجب الاشتغال في المثلي بالمثل وفي القيمي بالقيمة، أقول: الضابط في كون المال مثليا عند الاكثر كالشيخ وابن زهرة وابن ادريس والمحقق والعلامة 1 وغيرهم هو أن يكون أجزاؤه متساوية في القيمة، مثلا لو كان هناك من من الحنطة بدينارين، نرى أن نصف ذلك المقدار يكون قيمته نصف قيمة المجموع، أي نصف المن بدينار، وكذلك ربعه بربع قيمة المجموع أي نصف دينار وهكذا. وعند بعض آخر المثلي ما يجوز فيه السلم، أي كان واجدا لشرائط صحة السلم فيه. وقال الشيخ الاعظم الانصاري قدس سره في بيان الضابط في المثلي والميز بينه وبين القيمي: أن المثلي عبارة عما لا يتفاوت أفراد نوعه أو صنفه، ولا يتميز كل فرد عن الاخر بحيث لو اختلطا أو امتزجا وكانا من مالكين تحصل الشركة القهرية، وذلك كما أنه لو اختلط من من الحنطة لشخص مع من آخر من ذلك الصنف لشخص آخر، أو من من الارز لشخص مع من آخر من ذلك الصنف لشخص آخر، تحصل الشركة


= ص 109 ح 23850 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 21 ح 3. (1) الشيخ في " المبسوط " ج 3 ص 59 وابن زهرة في " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 537 وابن ادريس في " السرائر " ج 2 ص 480 والمحقق في " شرائع الاسلام " ج 2 ص 68 والعلامة في " قواعد الاحكام " ج 1 ص 203.

[ 256 ]

بين المالكين في ذلك المختلط قهرا، لعدم الامتياز بين المالين بحيث يقال هذا لفلان وهذا لفلان 1. ثم إن الاصحاب ذكروا تعريفات أخر للمثلي، فعن السرائر أنه ما تماثلت أجزاؤه وتقاربت صفاته 2، وعن الدروس والروضة: أنه المتساوي الاجزاء والمنفعة المتقارب الصفات 3، وقال في المسالك والكفاية: أنه أقرب التعريفات إلى السلامة 4، وعن غاية المراد: ما تساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية 5. ولكن أنت خبير بأن هذه التعريفات ليست تعريفات حقيقية وجامعة ومانعة، وربما يكون المعروف في نظر العرف أعرف من بعضها، فتكون فاقدة لكلا شرطي التعريف الحقيقي، وهما تساويهما في الصدق وكون المعروف أجلى. وزاد شيخنا الاستاذ قدس سره قيودا أربعة على تعريف المشهور الذي هو أجود التعاريف: الاول: أن يكون تساوي الصفات والاثار بحسب الخلقة الالهية، لابصنع مخلوق. فيخرج بهذا القيد التساوي الذي يحصل بين أفراد نوع واحد، أو صنف واحد بتوسط المكائن والفابريقات الجديدة، كما هو الحال في هذه الاعصار في أغلب ما يحتاج إليه الانسان في عيشه من أثاث البيت. وأدوات طبخه، وأدوات المنزل من ظروفه وأوانيه وفرشه وأدوات طبخه، حتى الكتب العلمية وكتب الادعية، بل القرائين المقدسة، فإنها كلها أو جلها من صنع المكائن ومتساوية في الصفات التي لها دخل في زيادة القيمة وقلتها من حيث جنس كاغذها أو جنس


(1) " كتاب المكاسب " ص 105. (2) لم نعثر عليه في السرائر، وحكاه عنه الشيخ الانصاري في " كتاب المكاسب " ص 106، في تعريف المثلي والقيمي. (3) " الدروس " ج 3 ص 113 " الروضة البهية " ج 7 ص 36. (4) " مسالك الافهام " ج 2 ص 208 " كفاية الاحكام " ص 257. (5) " غاية المراد " ص 136.

[ 257 ]

حروف طبعها. والانصاف: أن الافراد التي من صنع المكائن من أي نوع كان، ومن أي صنف كان تماثلها وعدم الميز بينها من حيث الصفات النوعية أو الخصوصيات الصنفية أقوى وأشد بكثير من التساوي بين أفراد نوع واحد أو صنف واحد مما هو من المخلوقات الالهية. فالتساوي بين استكان واستكان، أو كتاب وكتاب، أو ظرف وظرف، أو سائر الادوات والامتعة مما صنع في مكينة واحدة على شكل واحد ومنهج واحد أشد وأقوى من التساوي بين أبعاض بعض الحبوب التي انعقد الاجماع على أنها من المثليات فلا وجه لانكار كونها من المثليات. وسنذكر وجه عدم جواز الانكار إن شاء الله تعالى، وقد ذكرنا الوجه مفصلا في قاعدة " وعلى اليد ما أخذت " في المجلد الرابع من هذا الكتاب. الثاني: أن لا يتغير بالبقاء ولا يفسد، كما هو الحال في بعض الفواكه والمخاضير مما يفسد ليومه. والدليل الذي أقامه على اعتبار هذا القيد أيضا لا يخلو من ضعف، فهل يمكن أن يقال إذا أتلف مقدارا من العنب الذي كان في هذه السلة، أو الرطب الذي كان في هذه السلة، فيعطى لمالكهما من نفس تينك السلتين من صنف ذلك العنب ومن صنف ذلك الرطب عين ذلك المقدار أنه ما أدى ما أتلف، لانه لا يبقى ويتغير، فهذا التقييد أعجب من التقييد الاول. الثالث: أن يكون المماثل كثيرا مبذولا، لا أن يكون قليلا نادر الوجود، خصوصا إذا كان مالكه لا يبيعه إلا بسعر غالي. وهذا الوجه صحيح لما سنذكره. الرابع: أن يكون تماثل الصفات موجبا لتماثل القيمة وتساويها، أي قيمة التالف

[ 258 ]

وقيمة هذا الذي يريد أن يؤدي به التالف ويدفعه إلى مالك من وقع التلف على ماله. وهذا القيد لا يخلو من وجه، لما سنذكره إن شاء الله تعالى. والتحقيق في هذا المقام هو أن الضمان مطلقا - سواء كان سببه الاقتراض، أو اليد غير المأذونة من قبل المالك، أو من هو بمنزلة المالك، أو كان إتلاف مال الغير، أو كان غير ذلك من الاسباب المعروفة المعلومة - عبارة عن اشتغال الذمة بمال الغير وحقه، فيجب عليه أداؤه ورده إلى صاحبه بحيث يكون ما يؤدي ويفرغ به ذمته عرفا هو عين ما في عهدته ويقال هو هو. وحيث أن في مورد التلف لا يمكن رد ذلك الذي كان تحت يده الغير مأذونة أو الغاصبة، فلابد أن يكون الهوهوية بين ما يرد ويؤدي وبين ما كان تحت يده هو هوية عرفية لاحقيقية، فلابد أن يكونا متساويين في صفاتهما النوعية والصنفية التي لها مدخلية في القيمة باختلافها، وذلك من جهة أن عمدة النظر في أبواب الضمان إلى حفظ مالية مال المضمون له بعد تعذر رد عين ماله، أو عدم إمكانه لتلفه. والقرض حيث أن بناء الطرفين المتعاملين - أي المقرض والمقترض - على استهلاك المال الذي يقترضه فمن أول الامر بناؤهما على رد ما هو عوض ما أخذ، وإن كان يلزم أن يصدق عليه رد ما أخذه، بحيث يقال عرفا إنه هو، ويكون بين ما أخذ وما يرد الهوهوية العرفية، فلابد وأن يكونا متحدين في المهية النوعية والصفات الصنفية التي لها دخل في المالية. وأما الخصوصيات الشخصية فتلفت بتلف الشخص ولا يمكن ردها. ففي كل مورد وقع التلف على المقبوض الذي في ضمان القابض يجب عليه رد ما قبض، ولكن حيث لا يمكن رد عين ما قبض لتلفه أو من جهة بناء الطرفين على استهلاكه وقضاء حاجته به، فلابد أن يرد ما هو أقرب إلى التالف بعد حفظ ماليته أن يكونا متحدين في المهية النوعية والصفات الصنفية، وكل ماله دخل في

[ 259 ]

ماليته كي يحتفظ المقبوض منه على مالية ماله. وهذا ما يسمى بالمثل، حيث أنه مثل المقبوض في المهية والصفات المصنفة، وأما الخصوصيات الشخصية فقد فاتت ولا يمكن تداركها. نعم إذا لم يكن أداء المقبوض بحيث يقال هو هو ولو عرفا - أي لا يمكن حفظ جهاته النوعية والصنفية - فقهرا تصل النوبة إلى حفظ جهته المالية فقط التي هي العمدة في أبواب الضمان، وهذا يسمى بالقيمي. فالضابط في باب المثلي والقيمي هو أنه إن كان للمقبوض الذي فيه الضمان على القابض ما يماثله في المهية النوعية والصفات الصنفية مع حفظ ماليته فهو مثلي، ومع وجوده يجب على الضامن دفعه في مقام الاداء، وإن لم يكن ما هو كذلك فهو قيمي، ويجب دفع قيمة المقبوض. نعم يشترط فيما يكون مثليا أن يكون ذلك كثير الوجود ولا يكون نادر الوجود، خصوصا إذا كان لا يبيعه مالكه إلا بسعر غال، لان هذا في حكم العدم وكان العرف لا يراه موجودا فيرى أن رده لا يمكن عادة، وما لا يمكن رده عادة لا يستقر في عهدة لانه يرى الاعتبار في العهدة لغوا. وكذلك يشترط أن يكون تماثل الصفات موجبا لتماثل قيمتها، كي يكون مالية مال المقبوض محفوظا، التي قلنا إن العمدة هي في أبواب الضمانات. وخلاصة الكلام: أنه لم يرد نص في بيان المراد من المثلي والقيمي، ولم يعلق الحكم في لسان الشرع على المثلي والقيمي، وإنما مفاد أدلة الضمان ليس إلا رد ما أخذه وما كانت عهدته مشغولا به. وهذا الذي قال الفقهاء بأن الرد في المثلي بالمثل وفي القيمي بالقيمة هو حسب مقتضى القواعد الاولية. نعم إذا ثبت في مورد إجماع على أنه يجب أن يرد القيمة فيما بينا أنه مثلي أو بالعكس، يجب اتباعه لحجيته، وإلا يجب الاخذ بالضابط الذي ذكرناه، لانه

[ 260 ]

مقتضى القواعد الاولية. فرع: لاشك في ثبوت المثل في الذمة في المثلي لانه أقرب إلى التالف، وواجد لمالية التالف، واشتراكه معه في المهية النوعية والصفات الصنفية التي لها دخل في تماثل الماليتين. وإنما الكلام في القيمي وأنه هل تتعين القيمة، أو للمقترض أن يعطي في مقام الاداء مثله على فرض وجوده ولو كان من باب الاتفاق؟ ثم إنه على تقدير إعطاء القيمة تعيينا أو تخييرا هل في ذمته قيمة يوم الاخذ، أو قيمة يوم الاداء بعد المطالبة؟ فهاهنا أمران: الاول: أن القيمة التي تتعلق بعهدته وتستقر في ذمته هي قيمة يوم أخذ المال المقترض، أو قيمة يوم الاداء بعد المطالبة إذا اختلفت القيمتان. الثاني: أنه له إعطاء المثل في القيمي بحيث يكون للمقرض مطالبة خصوص القيمة وعدم قبول المثل أم لا؟ فنقول: أما الاول: فالظاهر أن الذي يتعلق بعهدته هو قيمة يوم التسليم وأخذ المال المقترض، إذ بالاخذ وتسليم المقرض للمقترض يحصل الملك، والمفروض أنه ليس مجانا بل بعوض، فلابد أن يكون حصول الملك للمقترض ودخوله في ملكه بعوض في ظرف اشتغال ذمته بذلك العوض هي القيمة، فلابد أن يكون قيمة ذلك الوقت. وهذا واضح جدا.

[ 261 ]

وأما الثاني: فقال في الشرائع: ولو قيل يثبت مثله في الذمة أيضا كان حسنا 1، لعدم الشبهة في أن المثل إذا وجد لشئ ففي جعله عوضا وبدلا أولى من قيمته، لان إعطاء القيمة يوجب تدارك مالية التالف فقط، وفي إعطاء المثل مضافا إلى تدارك المالية يتدارك به الجهات النوعية والصنفية أيضا. ولكن ربما ينافي ذلك الاجماع على أن أداء ما في العهدة في القيميات بالقيمة وفي المثليات بالمثل، والتفصيل قاطع للشركة. اللهم إلا أن يقال، إن معقد الاجماع المدعى في المقام هو جواز إعطاء القيمة في القيميات لاتعينه. ولكن هذا خلاف ظاهر ما قالوا. نعم روى الجماعة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أخذ قصعة امرأة كسرت قصعة أخرى، وحكم بضمان عائشة إناء حفصة وطعامها بمثلهما، وأنه استقرض بكرا ورد بازلا تارة واستقرض أخرى بكرا فأمر برد مثله 2. فمن هذه المذكورات يظهر جواز إعطاء المثل في القيميات في مقام، وذلك لان الطعام والاناء والقصعة والبكر والبازل كلها من القيميات، ومع ذلك رد رسول الله صلى الله عليه وآله في مقام مثل ما اقترض، أو أمر بإعطاء المثل، كما في قضية عائشة وحفصة على ما سمعت من حكمه صلى الله عليه وآله بضمان عائشة مثل الطعام والاناء. اللهم إلا أن يقال: بضعف سند هذه الروايات وعدم حجيتها. وما قلنا من جواز إعطاء المثل في مقام الاداء في القيميات مبني على جواز إقراض القيميات، وإلا فلا يبقى محل ومجال لهذا الكلام. وقد تقدم ثبوت الاجماع على جواز إقراض كل ما يصح ضبطه من حيث


(1) " شرائع الاسلام " ج 2 ص 68، المقصد الخامس: في القرض، الثاني: ما يصح اقراضه. (2) " السنن الكبرى للبيهقي " ج 6 ص 21 باب من أجاز السلم في الحيوان...، وكذلك ج 6 ص 96 باب رد قيمته إن كان من ذوات القيم...

[ 262 ]

أوصافه التي تختلف باختلافها وقدره ويجري فيه السلف. وقال في التذكرة: الاموال إما من ذوات الامثال أو من ذوات القيم، فالاول يجوز إقراضه إجماعا، وأما الثاني فإن كان مما يجوز فيه السلم جاز إقراضه أيضا على المشهور، بل ادعى جماعة الاجماع على الجواز، وإن لم يكن مما جاز فيه السلم ففيه قولان 1. فرع: يجوز إقراض الجواري واللئالي بناء على أن ضمانهما بالقيمة، لان المتعذر فيهما هو المثل بحيث يكون مضبوطا، وأما القيمة فيمكن ضبطها، خصوصا بالمراجعة إلى أهلها من تجار الجواهر في اللئالي، والنخاسين في الجواري، فهؤلاء يعرفون قيمتها، فالبياعون للئالي يعرفون قيمة اللؤلؤ، والنخاسون يعرفون قيمة الجواري، فيمكن ضبط قيمتهما بالمراجعة إليهما والسؤال عنهما، فبناء على اشتغال ذمة المقترض بقيمتهما لاإشكال في إمكان ضبط قيمتهما، فلا يبقى مانع عن جواز اقتراضهما. وحكي عن المبسوط 2 وبعض آخر عدم الجواز، ولكن مقتضى إطلاقات أدلة القرض هو الجواز. وأما ادعاء الاجماع على لزوم إمكان ضبط أوصاف مال المقترض ومقداره كيلا أو وزنا أو عدا، وهذا لا يمكن في الجواري واللئالي. ففيه: أن هذا الشرط على تقدير عدم إمكانه في الجواري واللئالي مختص بما إذا كان الضمان واشتغال الذمة بالمثل، فيجب وجود هذا الشرط لسهولة تطبيق ما في الذمة على الخارج في مقام الاداء. وأما لو لم يكن ما في العهدة هو المثل، بل


(1) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 5. (2) " المبسوط " ج 2 ص 161.

[ 263 ]

كان اشتغال الذمة بالقيمة، فطريق ضبط القيمة في كمال الوضوح والسهولة، وهو ما ذكرنا من المراجعة إلى النخاسين حال اقتراض الجواري، وإلى بياعي اللؤلؤ حال اقتراض اللئالي، فتنضبط القيمة ولا يبقى إشكال في البين. فالاظهر ما ذهب إليه المشهور، بل ادعى الاجماع في التذكرة والمسالك والكفاية عليه هو الجواز 1. وقال الشيخ في المبسوط: لا أعرف نصا لاصحابنا في جواز إقراض الجواري ولافي المنع، والاصل جوازه، وعموم الاخبار يقتضي جوازه 2. وما ذكره الشيخ كلام حسن. فرع: المشهور أن المقترض يملك القرض بالقبض، بل ادعى عليه الاجماع في الغنية والسرائر، بل وفي التذكرة وجمع آخر من الاساطين 3. ولكن التحقيق: أنه يملكه بالعقد بمقتضى القاعدة كسائر العقود المعاوضية لو لا الاجماع، وجواز القبض وصحته من آثار كون المقترض مالكا بالعقد. نعم في بعض العقود تحصل الملكية بالقبض كالهبة، ولكن ذلك لورود الدليل على أن القبض شرط لصحتها، فهناك العقد جزء السبب والجزء الاخر هو القبض. وأما في القرض فليس الامر كذلك، بل المقرض لو قال: أقرضتك الشئ الفلاني، وقبله المقترض يحصل الملك. هذا مقتضى القواعد الاولية، ولكن ثبت الاجماع على عدم حصول الملك


(1) " تذكرة الفقهاء " ج 2 ص 5 " مسالك الافهام " ج 1 ص 175 و 176 " كفاية الاحكام " ص 103. (2) " المبسوط " ج 2 ص 161. (3) " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 529 " السرائر " ج 2 ص 60 " تذكرة الفقهاة " ج 2 ص 6، " المبسوط " ج 2 ص 161.

[ 264 ]

بصرف العقد، بل يحتاج إلى القبض. قال في الجواهر: ولا قبله - أي القبض - بعقد القرض إجماعا بقسميه، انتهى 1. وبناء على ما ذكره صاحب الجواهر وجمع آخر يكون حال القرض في اشتراط القبض في حصول الملك حال الهبة، لثبوت الاجماع على ذلك. هذا إذا كان الاقتراض بالعقد، وأما إذا كان بالمعاطاة فلا محالة تحصل الملكية بالقبض، لان تمامية المعاطاة بالقبض. وأما القول بحصولها بالتصرف فلا وجه له، لانه لا يجوز التصرف إلا بعد حصول الملكية، وإلا يكون التصرف في مال الغير، فيحتاج إلى الاذن من المقرض. والبناء العملي عند الناس ليس على هذا، بل بعد تمامية العقد وحصول القبض يرى نفسه مالكا ولا يراجع المقرض في تصرفاته أصلا. والحاصل: أن مقتضى المعاوضة والتمليك بالضمان الذي هو حقيقة القرض وإمضاء الشارع هذه المعاوضة هو حصول الملك بنفس العقد إذا كان القرض بالعقد لا بالمعاطاة، ولكن الاجماع قيده بالقبض. وأما شرطية التصرف لحصول الملك فلا دليل عليه، بل الدليل على عدمه، وهو ما ذكرنا من حصول السبب التام قبله. وأما ما يقال في وجه عدم كون التصرف شرطا له، من أن التصرف موقوف على الملك، فكيف يمكن أن يكون شرطا لحصوله. ففيه: أن تقدم الشرط على المشروط رتبي وليس زمانيا، فيمكن أن يوجدا في زمان واحد، بل لابد أن يكون كذلك، فلا مانع من أن يكون التصرف شرطا لحصول الملك، ومع ذلك يكون وجودهما في زمان واحد. وقد شرحنا ذلك في باب الترتب في الاصول 2 وفي الفسخ الفعلي إذا كان له


(1) جواهر الكلام ج 25 ص 23. (2) منتهى الاصول ج 1 ص 334.

[ 265 ]

الخيار وكان الفسخ بالافعال التي هي متوقفة على الملك كالوقف والعتق والوطي، وقلنا هناك إنه يكفي في جواز هذه الافعال إيجادها في زمان كون الجارية أو العبد أو ذلك المال الذي يوقفه ملكا. نعم ذلك في العلة الموجودة لا يمكن، أي لا يمكن أن يكون شيئان كل واحد منهما علة لوجود الاخر، ولكن لا بأس بأن يكون الشرط والمشروط كلاهما معلولين لعلة واحدة، أو كان كل واحد منهما معلولا لعلة غير علة الاخرى، فالعمدة في عدم كون التصرف شرطا لحصول الملك عدم الدليل عليه لاعدم إمكانه، بل المطلقات التي لا مقيد لها دليل على العدم. فرع: هل للمقرض الارتجاع العين المقروضة بعد القبض وحصول الملك للمقترض أم لا؟ ربما يقال بعد ما كان القرض من العقود الجائزة وللمقرض الفسخ في كل وقت أراد، فله الارتجاع. وفيه: أن الارتجاع بالفسخ وحل العقد شئ، وباستيفاء حقه شئ آخر، ومحل البحث هو الثاني. والتحقيق: أن المقرض إذا كان في مقام مطالبة حقه على المقترض واستيفاء ما عليه وما في ذمته له، فليس له الارتجاع، لان ما له عليه إما قيمة ما أقرضه لو كان قيميا، أو مثله لو كان مثليا، وأما خصوص ما أقرضه فصار ملكا للمقرض وصار كسائر أمواله، وليس للمقرض تعيين ما له وحقه في مال بالخصوص من أموال المقترض، بل للمقترض أن يوفي دينه ويؤدي ما اقترضه بأي مال من أمواله التي يكون قابلا للانطباق عليه، لان ما يملكه المقرض عليه ويستقر في ذمة المقترض الكلي قابل للانطباق على كل فرد من أفراده، وأما الخصوصيات فهي باقية على

[ 266 ]

ملك المقترض، فله التطبيق والتعيين، فليس للمقرض إلزام المقترض بارتجاع خصوص العين المقترضة. وأما إذا كان في مقام الفسخ وحل العقد، فالظاهر أنه لا دليل على جواز عقد القرض إلا دعوى الاجماع عليه. ولكن الظاهر أن الاجماع المدعى عندهم على الجواز ليس بمعنى جواز الفسخ وحل العقد كي يرجع كل واحد من العوضين إلى صاحبه كما هو الشأن في العقود المعاوضية الجائزة، بل المراد من الجواز القرع أن المقرض ليس ملزما ببقاء ماله عند المقترض مدة طويلة أو قصيرة، بل في أي وقت من الاوقات له مطالبة ماله ولو بعوضه المثلي أو بقيمته، وإلا فمقتضى أصالة اللزوم في العقود وفي الاملاك عدم جواز فسخه. وقد شرحنا وجهه في العقود وفي الاملاك في قاعدة أصالة اللزوم في العقود في المجلد الخامس من هذا الكتاب. والشاهد على ذلك أنهم اختلفوا اختلافا كبيرا في أنه هل للمقرض ارتجاع عين المال المقروضة أم لا، ولو كان الجواز بمعنى الفسخ وحل العقد اتفاقيا لما كان وجه للاختلاف في إمكان الارتجاع، فمن ذلك يعلم أن قولهم بجواز القرض هو المعنى الذي ذكرنا لاالفسخ وحل العقد، فبناء على هذا لا وجه للقول بجواز الارتجاع، بل الاظهر - لو لم يكن أقوى - عدم جواز ارتجاع عين المال المقروضة كما هو المشهور عندهم كما في المسالك، بل ادعى في الجواهر 1 الاجماع بين المتأخرين. فرع: قال في الشرائع: لو شرط التأجيل في القرض لم يلزم 2. وهذه العبارة يحتمل فيها معنيان:


(1) مسالك الافهام ج 1 ص 176، جواهر الكلام ج 25 ص 28. (2) شرائع الاسلام، ج 2 ص 68.

[ 267 ]

أحدهما أن يكون الاشتراط في نفس عقد القرض، والاخر أن يكون في ضمن عقد لازم آخر. أما الاول: فبعد ما فرغنا عن أن القرض عقد جائز، وأن الشرط في ضمن العقد الجائز لا يكون لازم الوفاء به، لا يبقى مجال للكلام في أنه هل شرط التأجيل في ضمن العقد القرضي لازم الوفاء به أم لا، إذ من الواضح أنه كما أن سائر الشروط في ضمن سائر العقود الجائزة لا يلزم الوفاء بها، فكذلك الحال في هذا الشرط وهذا العقد. هذا، مضافا إلى ما ادعاه صاحب الجواهر 1 من عدم وجدان الخلاف في عدم لزوم هذا الشرط قبل الكاشاني، ومعلوم أن مخالفة الكاشاني لا يضر بالاجماع لو تحقق الاجماع قبله. نعم هنا شئ آخر، وهو أن عقد القرض ليس بجائز كما احتمله في المسالك 2 بدليل عدم لزوم رد العين المقروضة ولو طالبها الدائن وكانت باقية حين الاداء، مع أن العقد لو كان جائزا فبمحض الفسخ ينحل العقد ويرجع كل واحد من العوضين إلى ملك مالكه قبل المعاوضة، فالعين المقروضة ترجع مع بقائها إلى ملك المقرض، ولا يبقى مجال للبحث في أن للمقرض استرداد نفس العين لو كانت باقية، أم لا. فهذا البحث يدل على أن بناءهم على عدم وجوب رد العين دليل على عدم جواز العقد، بل يكون قولهم بالجواز وتصريحهم بذلك في بعض العبارت يكون بمعنى آخر، لا أن العقد ينفسخ، وذلك المعنى الاخر هو أن عقد القرض لا يوجب لزوما حقيا للمقترض، بل في كل وقت أراد استنقاذ حقه واسترجاع ماله الذي اشتغلت ذمة المديون به له، لانه لم يتعهد بشئ للمديون، بل هو مثل الهبة ليس


(1) جواهر الكلام ج 25 ص 30، الكاشاني في مفاتيح الشرائع ج 3 ص 125 و 126، مفتاح 996 و 997. (2) مسالك الافهام ج 1 ص 176.

[ 268 ]

تعهد في ذمة الواهب للموهوب له، بل صرف تمليك له، فله أن يرجع ما دامت العين باقية. وكذلك في المقام صرف تمليك للعين المقروضة من قبل المقرض، غاية الامر أنه في الهبة ليس شئ آخر كي يرجع إليه بعد تلف العين، ولذلك لو كانت العين باقية له أن يرجع إليها، وبعد تلفها لا شئ. أما في القرض حيث أنه تمليك مع العوض، فيملك في ذمة المديون عوض العين المقترضة، وبعد تلف العين المقروضة أيضا ذمته مشغولة بعوضها، فللدائن الرجوع إلى ما هو موجود في ذمته. وهذا معنى الجواز في عقد القرض والهبة لا بمعنى حق فسخ العقد، كما توهم. وأنت خبير بأن هذا المعنى من الجواز لا ينافي مع لزوم المعاملة بمعنى عدم جواز حلها وفسخها، فيكون الشرط في ضمنها أيضا لازما. هذا بناء على أن الاشتراط في ضمن نفس عقد القرض. وأما بناء على أن يكون الاشتراط في ضمن عقد لازم آخر فلا إشكال في لزوم الوفاء بالشرط حسب ما حققناه في باب وجوب الوفاء بالشرط وأن المؤمنين عند شروطهم، فمقتضى القواعد الاولية لزوم شرط التأجيل، خصوصا إذا كان في ضمن عقد لازم آخر. اللهم إلا أن يكون إجماع في البين، كما ادعاه صاحب الجواهر أو يظهر من كلامه 1، وقد حكى الاجماع في مفتاح الكرامة أيضا عن مجمع البرهان 2، وحكى أيضا كلاما عن صاحب الرياض ربما يكون يستشم منه الاجماع، حيث حكى عنه


(1) جواهر الكلام ج 25 ص 28. (2) مفتاح الكرامة ج 5 ص 53، مجمع الفائدة والبرهان ج 9 ص 77.

[ 269 ]

أنه قال: ولا خلاف فيه يعرف الا ممن ندر من بعض من تأخر 1. وأيضا حكى عنه أنه قال: وربما أشعرت عبارة الشرائع 2 وغيرها بالاجماع، وهو الحجة. وخلاصة الكلام: أنه إن كان إجماع فهو، وإلا فمقتضى القواعد نفوذ هذا الشرط وأنه يلزم، سواء كان شرط التأجيل في ضمن نفس عقد القرض، أو كان في ضمن عقد لازم غير القرض. ومما استدلوا على لزوم شرط التأجيل مضمرة حسين بن سعيد، قال: سألته عن رجل أقرض رجلا دراهم إلى أجل مسمى، ثم مات المستقرض، أيحل مال القارض عند موت المستقرض منه أو للورثة من الاجل مثل ما للمستقرض في حياته؟ فقال: " إذا مات فقد حل مال القارض " 3. فهذه الجملة الشرطية تدل بالمفهوم أنه لو لم يمت المستقرض لم يحل مال القارض، وهذا مرجعه إلى لزوم القرض المؤجل إلى حلول أجله. ورده صاحب الجواهر أولا: بأنه إشعار بهذا المعنى، أي لم يبلغ إلى حد الظهور. وثانيا: بأنها مهجورة ومتروكة 4. أقول: إما إنكار الظهور إن كان من جهة إنكار وجود المفهوم للقضية الشرطية فلا وجه له، لما بينا في الاصول من ثبوت المفهوم للقضية الشرطية على التفصيل الذي ذكرنا هناك، وإن كان مراده أن المفهوم وإن كان ثابتا لكن لا يدل على أن شرط التأجيل موجب للزوم القرض، فله وجه، من جهة أن غاية ما يدل عليه المفهوم هو أنه في صورة عدم موت المستقرض لا يصير الدين المؤجل حالا وفعليا، لان الادلة


(1) رياض المسائل، ج 1 ص 578. (2) شرائع الاسلام ج 2 ص 68. (3) تهذيب الاحكام ج 6 ص 190 ح 409، في الديون وأحكامها ح 34، " وسائل الشيعة " ج 13 ص 97، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 12 ح 2. (4) جواهر الكلام ج 25 ص 33.

[ 270 ]

تدل على أن الديون المؤجلة تصير حالة بموت المديون، وأما في صورة عدم الموت باقية على ما كان، إن كان لازما فلازم، وإن كان جائزا فجائز. وأما ردها بأنها مهجورة متروكة فصحيح، من جهة أن الاجماع أو الشهرة قائمة على خلافها. ومما استدل بها على أن هذا الشرط يلزم قوله تعالى (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) 1. ببيان أنه لو كان التأجيل لا أثر له فلا يكون وجه للكتابة، ويكون تعليق الكتابة على كون الدين إلى أجل مسمى بلا فائدة، فلابد وأن يقال: حيث أن التأجيل ملزم فلابد وأن يكتب كي لا يفوت حق ذي الحق بالتقديم والتأخير. ولكن أنت خبير بأن الاية ظاهرة في وجوب الكتابة أو استحبابها لفائدة عدم ضياع حق الدائن بالموت من أحدهما، فحال الكتابة حال الرهن شرع لاجل عدم تضييع مال الدائن، سواء كان إلى أجل أو لم يكن. وأما تخصيصه بالذكر فمن جهة أن ضياع الحق وتلف مال الدائن غالبا يصير في الدين المؤجل، خصوصا إذا كان الاجل طويلا ربما يكون موجبا للنسيان أو عوارض أخر، فالاية كما هو واضح مما قبلها وما بعدها أن الكتابة مثل الرهن موجب للاستيثاق من ماله، وأجنبية عن دلالة التأجيل على اللزوم. وأما الاستدلال على أن شرط التإجيل ملزم لعموم " المؤمنون عند شروطهم " 2 و (أوفوا بالعقود) 3. فالجواب ما ذكرنا من كونها فيما إذا كان في ضمن العقود اللازمة، ولا يشمل الشروط الابتدائية، ولا الواقعة في ضمن العقود الجائزة.


(1) البقرة 2: 282. (2) تقدم ص 18، هامش 4. (3) المائدة 5: 1.

[ 271 ]

وأما ما في فقه مولانا الرضا عليه السلام: " من أقرض قرضا ولم يرد عليه عند انقضاء الاجل كان له من الثواب في كل يوم صدقة دينار " 1. فغاية ما يدل أن إمهال المديون وعدم التسرع إلى المطالبة مستحب وممدوح وفيه الثواب، وهذا أجنبي عما نحن بصدده. فرع: لو أجل المقرض المقترض بعد وقوع القرض واشتغال ذمته بعوض ما اقترض من المثل أو القيمة، فهل يتأجل أم لا؟ الظاهر العدم، لعدم ملزم في البين في هذه الصورة، لعدم شرط من طرف المقترض، لا في عقد القرض، ولا في ضمن عقد لازم آخر كي يشمله عموم قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " 2، بل هو وعد ابتدائي يستحب الوفاء به. ومقتضى الاصل أيضا بقاؤه على ما كان من عدم اللزوم. قال في الشرائع: لا فرق - في عدم حصول اللزوم بالتأجيل المذكور - بين أن يكون الدين مهرا أو ثمن مبيع اشتراه أو غير ذلك من أسباب الدين 3، وذك لوحدة الملاك في الجميع وعدم ملزم في البين، فما دام له حق المطالبة في جميع هذه الموارد لا يسقط بصرف وعد من قبل المقرض وتأجيله. وهذا واضح جدا. فرع: لو أخر المقرض الدين الحال بزيادة في مقدار الدين لم تثبت الزيادة ولا الاجل، بل هو بحسب الظاهر من الربا المحرم، وذلك من جهة أن الربا في القرض عبارة عن كون العوض الذي يأخذه أزيد مما يعطيه، وإن كان الاخذ بعد


(1) فقه الرضا عليه السلام ص 257، 38 باب الربا والسلم والدين والعينة. (2) تقدم ص 18، هامش 4. (3) شرائع الاسلام ج 2 ص 68.

[ 272 ]

مضي مدة من الزمن، ولو كان بقصد كون الزيادة عوضا عن تأخير الاداء في تلك المدة، بل لا معنى للربا في القرض إلا هذا المعنى، إذ العاقل لا يأخذ شيئا بأزيد منه مع التزامه بإعطاء العوض نقدا. نعم لا يلزم أن تكون الزيادة التي يأخذونها بإزاء المدة عينية، بل ربما تكون لاجل وصف الجودة، كما أنهم ربما يأخذون نصف حقة من الدهن الجيد الحيواني بإزاء حقة من النباتي نقدا، ولكن لا يقدمون على أخذ الشئ بالزيادة في المقدار نقدا لا لاجل المدة أو لاجل وجود صفة أو فقدها في إحديهما، فكون الزيادة في مقابل تأخير المدة هي عين الربا المحرم إجماعا. نعم ربما يحتال بأن يبيع مثلا متاعا بما هو مثله وزنا ومقدارا ووصفا، ولكن يشترط على المشتري أن يبيع متاعه المرغوب فيه بأقل من قيمته، أو يشتري منه متاعا بأكثر مما يساوي بحسب القيمة ويشترط على البائع أن يؤجل في دينه الكذا. فهذا يخرج عن كونه زيادة في القرض، لان الزيادة لم تقع في قبال المدة، بل الزيادة جعلت بالشرط في ضمن العقد. وبهذا المضمون وبصحته وردت روايات: منها: ما في الكافي، وهو موثق ابن عمار، فيه قلت للرضا عليه السلام: الرجل يكون له المال قد حل على صاحبه، فدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تساوي مائة درهم بألف درهم ويؤخز عليه المال إلى وقت؟ قال عليه السلام: " لا بأس، قد أمرني أبي ففعلت ذلك " 1. وزعم أنه سأل أبا الحسن عليه السلام عنها فقال له مثل ذلك. ومنها ما في الكافي أيضا عن محمد بن إسحاق بن عمار أيضا قال: قلت لابي


(1) الكافي ج 5 ص 205 كتاب المعيشة باب العينة، ح 10 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 380 كتاب التجارة ابواب أحكام العقود باب 9 ح 6.

[ 273 ]

الحسن عليه السلام: يكون لي على الرجل دراهم، فيقول أخرني بها وأنا أربحك، فأبيعه حبة تقوم علي بألف درهم بعشرة الاف درهم، أو قال بعشرين ألفا وأؤخره بالمال؟ قال: " لا بأس " 1. ومنها: أيضا في الكافي عن عبد الملك بن عتبة، قال: سألته عن الرجل أريد أن أعينه 2 المال ويكون لي عليه مال قبل ذلك، فيطلب مني مالا أزيده على مالي الذي عليه، أيستقيم أن أزيده مالا وأبيعه لؤلؤة تساوي مائة درهم بألف درهم، فأقول: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخرك بثمنها وبمالي عليه كذا وكذا شهرا؟ قال عليه السلام: " لا بأس " 3. ومنها: ما رواه في الكافي أيضا عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل لي عليه مال وهو معسر، فاشترى بيعا من رجل إلى أجل على أن أضمن ذلك عنه للرجل ويقضيني الذي عليه؟ قال: " لا بأس " 4. ومنها: ما في الكافي عن هارون بن خارجة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: عينت رجلا عينة فقلت له: اقضني. فقال: ليس عندي تعيني حتى أقضيك. قال: " عينه حتى يقيضك " 5.


(1) الكافي ج 5 ص 205 كتاب المعيشة باب العينة ح 11 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 380 كتاب التجارة ابواب أحكام العقود باب 9 ح 4. (2) والتعيين هو عبارة عن أن يبيع سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل مما باعه به نقدا و يعطيه الثمن ويفعلون هذا فرارا عن الربا وفي القاموس يقول: عين التاجر، أي باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك ثمن. (3) الكافي ج 5 ص 206 كتاب المعيشة باب العينة ح 12 " وسائل الشيعة " ج 12 ص 380 كتاب التجارة ابواب أحكام العقود باب 9 ح 5. (4) الكافي ج 5 ص 205 كتاب المعيشة باب العينة ح 7، وسائل الشيعة ج 12 ص 372 كتاب التجارة ابواب أحكام العقود باب 6 ح 3. (5) الكافي ج 5 ص 205 كتاب المعيشة باب العينة ح 8، وسائل الشيعة ج 12 ص 372 كتاب التجارة، ابواب أحكام العقود باب 6 ح 4.

[ 274 ]

ومنها: ما رواه في الكافي عن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: إن سلسبيل طلبت مني مائة ألف درهم على أن تربحني عشرة آلاف، فأقرضتها تسعين ألفا وأبيعها ثوبا وشيا 1 يقوم علي بألف درهم بعشرة آلاف درهم. قال: " لا بأس ". قال في الكافي وفي رواية أخرى: " لا بأس به أعطها مائة ألف وبعها الثوب بعشرة آلاف واكتب عليها كتابين " 2. ولاشك في دلالة هذه الاخبار على جواز أخذ الزيادة عما أقرضه، ولكن في ضمن معاملة أخرى كي لا يكون ولا يتحقق الربا التي حرمتها من ضروريات الدين وبنص الكتاب اليمين. وبعبارة أخرى: حيلة شرعية للفرار عن الربا، واشتهر العمل بها بين المتدينين. وقال المحدث المجلسي في كتاب مرآة العقول في شرح كتاب الكافي بعد ذكر هذه الاخبار المروية عن الائمة الاطهار: هذه الاخبار تدل على جواز الفرار من الربا بأمثال تلك الحيل، والاولى الاقتصار عليها، بل تركها مطلقا تحرزا من الزلل 3. وقد يقال بمعارضة خبر يونس الشيباني لهذه الروايات، وهو ما رواه في الوسائل عنه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يبيع البيع والبائع يعلم أنه لا يسوى، والمشتري يعلم أنه لا يسوى إلا أنه يعلم أنه سيرجع فيه فيشتريه منه. قال: فقال: " يا يونس إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لجابر بن عبد الله: كيف أنت إذا ظهر الجور وأورثهم الذل؟ قال: فقال له جابر: لابقيت إلى ذلك الزمان، ومتى يكون ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: " إذا ظهر الربا يا يونس، وهذا الربا فإن لم تشتره رده عليك " قال:


(1) الوشي من الثياب معروف، والوشي نقش الثوب ويلون من كل لون. (2) الكافي ج 5 ص 205 كتاب المعيشة باب العينة ح 9، وسائل الشيعة ج 12 ص 379 كتاب التجارة ابواب احكام العقود باب 9 ح 1 و 2. (3) مرآة العقول ج 19 ص 228 باب العينة.

[ 275 ]

قلت: نعم. قال: " فلا تقربنه، فلا تقربنه " 1. ولكن أنت خبير بأن هذه الرواية قاصرة عن المعارضة مع تلك الروايات الكثيرة التي ذكرناها، لوجوه: منها: أن مقتضى الجمع العرفي حمل النهي فيها - أي قوله عليه السلام " فلاتقربنه " مكررا - على الكراهة. منها: حملها على التقية، لانهم لا يجوزون المعاملة في مثل هذه الصورة ويطعنون على من يجوز ويقولون إنها حيلة للفرار عن الربا المحرم بالضرورة. والجواب عن طعنهم أنها حيلة ولكن نعمت الحيلة، أي الحيلة التي يكون بها الفرار عن المعصية كما هو مصرح به في بعض الاخبار. ومنها: حملها على صورة عدم قصد الطرفين للمعاملة حقيقة، وإنما هي صرف إجراء صورة بيع مثلا لاخذ الزيادة، ومعلوم أن هذه المعاملة باطلة. وبنظري هذا الحمل هو الصحيح، والان في نظر عامة الناس المشتغلون بمثل هذه المعاملات مرميون بأنهم آكلة الربا، وهذا البيع والمعاملة إجراء صوري لاجل إخفاء أكلهم الربا. والانصاف: أن صرف النظر عن تلك الاخبار الكثيرة والقول بحرمة أمثال هذه المعاملات جرأة ويكون من عدم الاعتناء بالاخبار الصادرة عن الائمة الاطهر، مع أنها مخالفة للتقية، فالاولى حمل هذه الرواية على أحد الوجوه المذكور، بل المتعين هو ذلك. هذا كله في تأخير الدين الحال بالزيادة في متن عقد القرض أو بالشرط في ضمن عقد آخر، وأما تعجيله بإسقاط بعضه فلا إشكال فيه، وجوازه اتفاقي،


(1) تهذيب الاحكام ج 7 ص 19 ح 82 في فضل التجارة وآدابها وغير ذلك...، ح 82، وسائل الشيعة ج 12 ص 371 كتاب التجارة ابواب احكام العقود، باب 5 ح 5.

[ 276 ]

والاخبار به مستفيضة: منها: ما رواه في الوسائل عن الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يكون عليه دين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول: أنقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيته، أو يقول: أنقدني بعضا وأمد لك في الاجل فيما بقي؟ فقال: " لاأرى به بأسا ما لم يزد على رأس ماله شيئا، يقول الله عز وجل: (فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) 1. ومنها: عن أبان، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيقول له قبل أن يحل الاجل: عجل لي النصف من حقي على أن أضع عنك النصف، أيحل ذلك لواحد منهما؟ قال: " نعم " 2. هذا، مضافا إلى أن المالك لما في الذمة له بمقتضى القواعد الاولية حق إسقاط بعض ما يملك أو جميعه، ولا محذور فيه أصلا، وكذلك في الدين المؤجل له أن يزيد في أجله وأن يمده ولايحتاج إلى وجود دليل. فهذا الحكم - أي التمديد في الاجل أو إسقاط بعض ماله في ذمة الغير - من آثار كونه مالكا لما في ذمة المديون. والناس مسلطون على أموالهم، له أن يسقط تمامه أو بعضه، وله أن يؤخر مطالبته، فإذا التزم بأحد هذه الامور في ضمن عقد لازم يجب عليه تنفيذ ما التزم، كما أنه لو أسقط فعلا ماله في ذمة الغير، تمامه أو بعضه، يسقط، فقياس تعجيل الدين المؤجل بإسقاط بعضه، وجوازه وزيادته بزيادة أجله لا وجه، لان الثاني ربا محض إلا بما ذكرنا من كونها في معاملة أخرى، وأما الاول فهو مقتضى سلطنته على ماله ولا


(1) الفقيه ج 3 ص 33 ح 3270 باب الصلح ح 4، تهذيب الاحكام ج 6 ص 207 ح 475 باب الصلح بين الناس ح 6، وسائل الشيعة ج 13 ص 168 كتاب الصلح في حكام الصلح باب 7 ح 1. والاية في البقرة 2: 279. (2) الكافي ج 5 ص 258 كتاب المعيشة باب الصلح ح 3، تهذيب الاحكام ج 6 ص 206 ح 474 باب الصلح بين الناس ح 5، وسائل الشيعة ج 13 ص 168 كتاب الصلح في أحكام الصلح باب 7 ح 2.

[ 277 ]

محذور فيه أصلا. ومما ذكرنا ظهر أن ما ذكره بعض الاساطين من أن هذا القسم - أي تعجيل الدين المؤجل بوضع بعض الدين عن المديون أيضا - ينجر إلى الربا إن قلنا بدخول الربا في جميع المعوضات حتى الصلح وعدم اختصاصها بالبيع، لان هذا في الحقيقة مرجعه إلى مصالحة مجموع الدين ببعضه، ولاشك في أن هذا هو الربا. وقد عرفت أن هذا من قبيل لزوم ما لم يلتزم، فإنه ليس من الصلح في شئ ولا حاجة إليه، بل أخذ بعض وإبراء بعض أو تأخير المطالبة في صورة أخرى، وأي ربط لهما بالصلح كي يكون من الربا المحرم بالضرورة. فرع: لو أقرض دراهما ثم أسقطها السلطان وجاء بدراهم جديدة وشاعت المعاملة بها، فهل على المقترض الدراهم الاولى، أو الجديدة، أو ما هو الشائع في المعاملة بها في الاسواق وينفق في المعاوضات والمبادلات؟ والتحقيق في المقام هو أن الدراهم الاولى التي أسقطها السلطان تارة لا يبقى لها مالية أصلا كالاوراق المالية التي أسقطها عن الاعتبار، فإنها تسقط ماليتها بالمرة ولايتعامل بها أصلا، فالظاهر فيها هو وجوب أداء قيمتها لانها بعد إسقاط ماليتها تكون بمنزلة التلف. والظاهر أن القيمة الواجبة أداؤها هو قيمة يوم الاسقاط، فهو بمنزلة يوم التلف، وتحويل القرض إلى القيمة يوم تعذر المثل، والمفروض أن تعذر المثل حصل يوم الاسقاط الذي هو بمنزلة تلف هذا النوع، فذلك اليوم يتحول المثل إلى القيمة، فلابد من مراعاة قيمة ذلك اليوم. هذا إذا لم يبق لها قيمة أصلا، وأما إذا بقي لها قيمة، خصوصا إذا كانت قيمتها بمقدار لا يضر بماليتها كثيرا، مثل مسكوكات الذهب والفضة الخالصتين عن الغش، فيجب أداء تلك الاولى التي مثل العين المقروضة، وذلك من جهة أن اشتغال ذمة

[ 278 ]

المديون في المثليات من أول الامر بالمثل، والمفروض أن له المثل الذي له مالية فلم يحدث شئ يخرجه عن الضمان بالمثل الذي هو الاصل في باب المثليات في القرض، والنظر في باب القرض غالبا إلى حفظ مالية العين المقروضة، والمفروض أنها محفوظة. نعم التنزل والترقي السوقي لا يخرج المثل عن كون العين المقروضة محفوظة بماليتها، لان مقدار مالية الشئ ليس شيئا ثابتا لا يتغير، بل يتبدل باختلاف الازمنة والامكنة، وعلى هذا يدور في الاغلب مدار المعاملات والتجارات. نعم لو سقط من المالية بالمرة، أو كان في نظر العرف كالسقوط بالمرة يتحول الضمان من المثل إلى القيمة. ومثلوا لذلك بأنه لو اقترض قربة من الماء في البادية التي لها قيمة يعتني بها، فوصل المقرض والمقترض إلى الشط، ومعلوم أن قربة الماء عند الشط لاقيمة لها ولا يعتني أحد بها، ففي مثل هذا المورد ينتقل الضمان من المثل إلى القيمة. فيبقى الكلام في أن الضمان بقيمة أي يوم. ثم إن تلف مالية الشئ قد يكون دفعيا وقد يكون تدريجيا، ففي الاول ينتقل الضمان من المثل إلى القيمة حال التلف، وذلك كالاوراق المالية التي تعلن الدولة بعدم اعتبارها، كورقة مائة دينار إن أسقطها الدولة عن الاعتبار فلا يشتريها أحد بفلس واحد. وأخرى يكون تدريجيا، وذلك كالقربة من الماء في البادية، فإنها تقل قيمتها كلما يقرب من الشط إلى أن يصل إلى الشط، فيسقط بالمرة وكالثلج يقترضه في الصيف وكلما يقرب إلى الشتاء تقل قيمته إلى أن يصل إلى الشتاء في البلاد الباردة فيسقط عن القيمة بالمرة. ففي القسم الاول الانتقال إلى القيمة في نفس ذلك اليوم الذي يحصل التلف، وأما في القسم الثاني حيث أن التلف فيه تدريجي، لا تخلو المسألة من إشكال، لانه

[ 279 ]

لا يمكن القول بأنه إذا شرع في نقص القيمة ولو كان بمقدار قليل، فينتقل الضمان من كونه مثليا إلى القيمة، إذ لا وجه لهذا الانتقال، إذ المثل موجود وله قيمة يعتني بها، فالانتقال لابد وأن يكون بدليل معتبر، وإلا فلا وجه له. وأما القول بأن الانتقال حال وصول النقص إلى أقصاه وسقوطه عن القيمة، فهذا خلاف المقصود والمفروض، إذ المقصود من الانتقال إلى القيمة حفظ مالية المال المفروض، فالانتقال إلى القيمة بعد سقوط القيمة خلاف الفرض. ولا يبعد أن يقال: إن المقترض يضمن يوم السقوط عرفا وإن كان لم يسقط بالمرة، بل له قيمة عرفية يعتني بها، ويجوز أن يقال عليه قيمة يوم مطالبة المقرض، ولكن لابد وأن يقيد بما إذا لم يكن الاداء يوم سقوط القيمة بالمرة، وإلا يكون خلاف الفرض وخلاف المقصود. ثم إنه ورد في هذه المسألة - أي مسألة الاقتراض دراهما ينفق ويتعامل بها يسقطها السلطان ويأتي بدراهم جديدة - روايات لا بأس بذكرها تبركا وتيمنا: منها: رواية يونس قال: كتبت إلى الرضا عليه السلام: إن لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الايام وليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم بين الناس؟ قال: فكتب إلي: " لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس " 1. ومنها: أيضا ما عن يونس قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام إنه كان لي على رجل عشرة دراهم، وإن السلطان أسقط تلك الدراهم، وجاءت بدراهم أعلى من تلك الدراهم الاولى ولها اليوم وضيعة، فأي شئ لي عليه، الاولى التي أسقطها


(1) الكافي ج 5 ص 252 باب آخر من كتاب المعيشة ح 1، تهذيب الاحكام ج 7 ص 116 ح 505 في بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك...، ح 111، الاستبصار ج 3 ص 100 ح 345 باب الرجل يكون له على غيره الدراهم فتسقط...، ح 3، وسائل الشيعة ج 12 ص 487 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 20 ح 1.

[ 280 ]

السلطان، أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: " لك الدراهم الاولى " 1. ومنها: ما عن العباس بن صفوان قال: سأله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم عن رجل وسقطت تلك الدراهم أو تغيرت ولا يباع بها شئ، الصاحب الدراهم الدراهم الاولى، أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال: " لصاحب الدراهم الدراهم الاولى " 2. ولابد من تقييد هذه الروايات التي مفادها هو الاخذ بالدراهم الاولى التي أسقط السلطان اعتبارها بما إذا لم تسقط ماليتها بالمرة، كما هو الغالب وإن كانت تفاوتت بالوضيعة. فرع: لو قال المقرض للمقترض: " إذ مت فأنت في حل " كان وصية، وإن قال: " إن مت في حل " كان إبراء وباطلا، لتعليقه على الشرط. هذا ما ذكره العلامة في التذكرة 3، ومرجع هذا الكلام إلى بحث لفظي، وهو أن " إذا " ظرف زمان، فقوله " إذا مت " أي الزمان والوقت الذي مت يكون هذا المال الذي اقترصته لك، فهذا تمليك للمقترض بعد موته، فيكون وصية ينفذ في الثلث، وإذا كان زائدا على الثلث نفوذه موقوف على إجازة الورثة. وأما " إن " في قوله " إن مت " حرف شرط، فيكون إسقاطا لما في الذمة معلقا


(1) تهذيب الاحكام ج 7 ص 117 ح 507 في بيع الواحد بالاثنين واكثر من ذلك...، ح 113 الاستبصار ج 3 ص 99 ح 343 باب الرجل يكون له على غيره الدراهم فتسقط...، ح 1 وسائل الشيعة ج 12 ص 488 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 20 ح 2. (2) تهذيب الاحكام ج 7 ص 117 ح 508 في بيع الواحد بالاثنين واكثر من ذلك...، ح 114 الاستبصار ج 3 ص 99 ح 344 باب الرجل يكون له على غيره الدراهم فتسقط...، ح 2، وسائل الشيعة ج 12 ص 488 كتاب التجارة ابواب الصرف باب 20 ح 4. (3) تذكرة الفقهاء ج 2 ص 7.

[ 281 ]

ومشروطا بالموت، ولاشك أن الاسقاط لما في ذمة شخص هو الابراء فيكون تعليقا في الابراء وهو باطل إجماعا، سواء كان تعليق المنشأ في العقود أو في الايقاعات كما في ما نحن فيه. لكن فيه أن " إذا " يستعمل ظرفا وشرطا، فالمايز هو القصد، لانه في مقام الاستعمال صالح للمعنيين، ويكون الفرق بينهما هو الفرق بين الواجب المعلق والمشروط فتأمل جدا. فرع: حكي عن أبي الصلاح تحريم ومنع الاقتراض على من ليس عنده مقابل ولو بالقوة يؤدي به دينه 1، والمقصود منه لعله أن يكون له غلة ملك، أو كان له قوة عمل يقدر على تحصيل ما يؤدي به دينه، فلا يأكل مال الناس مع اليأس عن التمكن من إدائه، وأما لو كان يرجو ويحتمل احتمالا عقلائيا التمكن من أدائه فلا إشكال في جوازه، وإن كان سبب رجاء تمكنه احتمال وصول الحقوق الشرعية كسهم الامام عليه السلام، أو سهم السادات إن كان المقترض سيدا، أو وصول الكفارات إليه أو النذورات وأمثال ذلك. والحاصل: أنه لامانع من الاقتراض إن كان يحتمل احتمالا عقلائيا التمكن من أدائه بوجه حلال شرعي، وإن كان من جهة رجائه أن أقرباءه الاقربين أو غيرهم من المؤمنين يؤدون دينه. وأما فيما عدا ذلك فالاقتراض خيانة بالمقرض، والمؤمن لا يخون كما هو في الرواية التي رواها أبو ثمامة قال: قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: إني أريد أن ألازم مكة والمدينة وعلي دين. فقال: " ارجع إلى مؤدى دينك وانظر أن تلقى الله عز وجل وليس عليك دين، فإن المؤمن لا يخون " 2.


(1) الكافي في الفقه ص 330. (2) تقدم ص 184، هامش 2.

[ 282 ]

ولهذه الرواية طرق عديدة كما هو مذكور في الوسائل. وقال في الجواهر 1 في وجه منع أبي الصلاح عن الاستدانة إن لم يكن له مقابل يؤدي به دينه: ولعله لموثق سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل منا يكون عنده الشئ يتبلغ به وعليه دين أيطعمه عياله حتى يأتيه الله بميسرة فيقضي دينه، أو يستقرض على نفسه في خبث الزمان وشدة المكاسب، أو يقبل الصدقة؟ قال عليه السلام: " يقضي مما عنده دينه، ولا يأكل أموال الناس إلا وعنده ما يؤدي إليهم حقوقهم، إن الله تبارك وتعالى يقول: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) 2، ولا يستقرض على ظهره إلا وعنده وفاء، ولو طاف على أبواب الناس فردوه باللقمة واللقمتين والتمرة وتمرتين، إلا أن يكون له ولي يقضي دينه من بعده، ليس منا من ميت يموت إلا جعل الله له وليا يقوم في عدته، فيقضي عدته ودينه " 3. وقوله عليه السلام " ولا يستقرض على ظهره إلا وعنده وفاء، ولو طاف على أبواب الناس " إلى آخر الحديث، صريح في أن الاقتراض والاستدانة لا يجوز ولو بلغ أمره إلى السؤال على أبواب الناس، إلا أن يكون له ولي من بعده يقضي دينه. وما قال صاحب الجواهر 4 من شهادة ذيل الرواية بخلاف قول أبي الصلاح عجيب، لانه لا يقول بالمنع حتى ولو كان عنده ولي من أب أو ابن يقضي دينه. فالصحيح في الجواب أن يقال: مضافا إلى فتوى المشهور بالجواز فتكون الرواية معرضا عنها عندهم، ومضافا إلى الاطلاقات الكثيرة الدالة على جواز


(1) جواهر الكلام ج 25 ص 67. (2) النساء 4: 29. (3) الكافي ج 5 ص 95 كتاب المعيشة باب قضاء الدين ح 2، وسائل الشيعة ج 13 ص 83 و 80 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 4 ح 3، وذيل الحديث في باب 2 ح 5. (4) جواهر الكلام ج 25 ص 68.

[ 283 ]

الاقتراض لمن له حاجة إلى الدين، ما رواه في الوسائل عن موسى بن بكر قال: ما أحصي كم سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام ينشد: " فإن يك يا أميم علي دين * فعمران بن موسى يستدين " 1 وأيضا فيه عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: " من طلب الرزق من حله فغلب فليستقرض على الله عزوجل وعلى رسوله صلى الله عليه وآله " 2. وأيضا ما رواه عن موسى بن بكر قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: " من طلب الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله، فإن غلب عليه فليستدن على الله عزوجل وعلى رسوله ما يقوت به عياله، فإن مات ولم يقضه كان على الامام قضاؤه " الحديث 3. وأيضا ما رواه عن أيوب بن عطية الحذا قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، وإن ترك مالا فللوارث ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي " 4. وهاهنا أخبار كثيرة بأمثال هذه المضامين تركنا ذكرها لعدم الاحتياج إليها وكفاية ما ذكرنا.


(1) الكافي ج 5 ص 94 كتاب المعيشة باب الدين ح 10، وسائل الشيعة ج 13 ص 81، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 2 ح 6. (2) الفقيه ج 3 ص 182 ح 3684 باب الدين والقرض ح 6، وسائل الشيعة ج 3 ص 81 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 2 ح 7. (3) الكافي ج 5 ص 93 باب الدين ح 3، تهذيب الاحكام ج 6 ص 184 ح 381، في الديون وأحكامها ح 6، وسائل الشيعة ج 13 ص 91 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 9 ح 2، وكذلك: ج 13، ص 80 ابواب الدين والقرض باب 2 ح 2. (4) الكافي ج 1 ص 335 باب ما يجب ومن حق الامام على الرعية وحق الرعية على الامام عليه السلام ح 6، عوالي اللئالي ج 1 ص 42 ح 50 وفيه لم يذكر الشطر الاول من الحديث، مستدرك الوسائل ج 13 ص 398 و 399 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 9 ح 3 باختلاف السند في الكافي والمستدرك و في العوالي مرفوع.

[ 284 ]

ومقتضى الجمع الدلالي العرفي بين هذه الاخبار الكثيرة التي مفاد بعضها جواز الاستدانة للحج، ومفاد بعضها جوازها لاجل التزويج، ومفاد بعضها جوازها لاجل قوت نفسه وعياله بين، ورواية سماعة هو حمل الاخير على الكراهة أو على ما إذا كان في نيته عدم الاداء وأكل مال الناس بالباطل، كما صرح به في بعض هذه الاخبار. فرع: اختلفوا في جواز الاشتراط في ضمن عقد القرض على المقترض أن يعامل مع المقرض معاملة محاباتية، كبيع محاباتي، أو إجارة، أو صلح كذلك فضلا عن الهبة وسائر العطايا التي تكون بلا عوض أصلا. والبيع المحاباتي وكذلك سائر المعاملات المحاباتية هو أن يسامح ويساهل البائع ويبيع أو يواجر بأقل من ثمن المثل أو أجرة المثل، وكذلك في سائر المعاملات المحاباتية. وعمدة الكلام والبحث والاشكال في مثل هذا القرض هو أن مرجع مثل هذا إلى الربا، لان الربا في القرض هو أن يكون مفاد عقد القرض استحقاق المقرض أزيد مما أعطاه عوضا عما أعطاه. وقد سبق ما رواه الجمهور عن رسول الله صلى الله عليه وآله " إن كل قرض يجر المنفعة فهو حرام " 1. وعلى كل تقدير ادعى الاجماع على حرمة مثل هذا القرض المشروط بمثل هذا الشرط استاد الكل الاغا محمد باقر البهبهاني 2، وتلميذه الجليل الشيخ جعفر النجفي كاشف الغطاء، ونسب دعوى ثبوت الاجماع على التحريم إلى جمع آخر في مفتاح الكرامة، ونسب أيضا إلى استاده الجليل السيد محمد مهدي المعروف ببحر العلوم قدس سره مخالفته لذينك العلمين وأنه قال بصحة هذا الشرط وجوازه ونفوذه 3.


(1) تقدم ص 241، هامش 1. (2) حاشية مجمع الفائد والبرهان للبهبهاني ص 309. (3) حكى قول كاشف الغطاء وبحر العلوم صاحب مفتاح الكرامة ج 5 ص 38.

[ 285 ]

والتحقيق في هذه المسألة أن فيها صورتين: الاولى: هو الذي ذكرناه، وهو أن يشترط المقرض على المقترض في ضمن عقد القرض أن يبيع المقترض منه الشئ الفلاني، أو يشتري منه بالمعاملة المحاباتية بأن يبيع منه بأقل من ثمن مثله، أو يشتري منه بأكثر من ثمن المثل، أو يواجر أو يستأجر كذلك محاباتيا، وكذلك الامر في سائر المعاملات المحاباتية ما عدا هذه الصورة. الثانية: أن يعامل معاملة محاباتية مع شخص، ويشترط على ذلك الشخص أن يقرضه كذا مقدار، وحكي عن العلامة أنه قال: المتنازع فيه هو إباحة البيع المحاباتي مع اشتراط القرض في ضمنه أو حرمته 1. وكأنه يستظهر من هذه العبارة أنه إذا كان الاشتراط في ضمن عقد القرض فلا إشكال في عدم جوازه، بل الادلة والاجماعات صريحة في بطلانه. وقد حكى في كشف الرموز عن الشيخ الاجماع على صحة الصورة الثانية 2، وأن اشتراط الاقراض في ضمن المعاملة المحاباتية لامانع منه ولا محذور فيه أصلا. والظاهر أن هذا التفصيل بين هاتين الصورتين بالقول بالتحريم وعدم الجواز في الصورة الاولى، لان الاشتراط في ضمن القرض بالمعاملة المحاباتية صريح في جر النفع بالقرض، أي أخذ الزيادة على ما يعطى للمقترض وهو حرام في الشريعة الاسلامية. وأما ما يقال من أن الحديث الشريف الذي مضمونه حرمة القرض الذي يجر النفع عامي، فسنده ضعيف ليس مشمولا لادلة الحجية.


(1) مختلف الشيعة ج 5 ص 330، المتاجر، في الشروط، آخر المسألة 297. (2) الخلاف ج 3 ص 173، كراهة البيع والسلف في عقد واحد، مسألة: 283. وحكى قول كشف الرموز صاحب جواهر الكلام ج 25 ص 62.

[ 286 ]

ففيه: أنه بعد عمل الكل به واتفاق الفتاوى على مضمونه مستندا إليه لا يبقى محل ومجال لهذا الكلام، مضافا إلى ورود هذا المعنى أيضا في الاحاديث المروية عنه صلى الله عليه وآله عن طرق أهل البيت عليهم السلام في رواية يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام: " إذا كان قرضا يجر شيئا فلا يصلح " 1. وما في رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: من أقرض رجلا ورقا فلا يشترط الا مثلها، فإن جوزي أجود منها فليقبل، ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترط من أجل قرض ورقة 2. وأما ما يقال من أنه وردت مستفيضة عن الائمة الاطهار عليهم السلام أن " خير القرض ما جر منفعة " محمول على ما إذا لم يشترط في القرض، ففي رواية إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام قال: " لا بأس بذلك - أي أخذ الزيادة - ما لم يكن شرطا " 3. وفي رواية صفوان قال عليه السلام: " لا بأس - أي أخذ الزيادة - إذا لم يكن يشترط " 4. وغيرهما من الروايات الكثيرة التي هي بهذا المضمون. وظهر مما ذكرنا وجه التفصيل، وهو البطلان في الصورة الاولى، وذلك لان مرجع اشتراط المعاملة المحاباتية في ضمن عقد القرض هو جر الزيادة في القرض بالاشتراط، خصوصا مع قوله عليه السلام في بعض الاخبار " جاء الربا من قبل الشروط إنما يفسده الشروط " 5. وأما عدم البطلان في الصورة الثانية، لانه لم يشترط في القرض الزيادة وإنما الاشتراط في المعاملة المحاباتية ولا محذور فيه أصلا.


(1) تقدم ص 247، هامش 4. (2) تهذيب الاحكام ج 6 ص 203 ح 457 في القرض وأحكامه ح 11، وسائل الشيعة ج 13 ص 106، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 19 ح 11. (3) تقدم ص 246، هلمش 2. (4) تقدم ص 242، هامش 3. (5) تقدم ص 242، هامش 2.

[ 287 ]

وخلاصة الكلام: أن ظاهر الاخبار أن فساد المعاملة ليس بصرف أخذ الزيادة عما أعطى المقرض، بل الفساد يأتي من ناحية شرط الزيادة، فالقرض بشرط أن يعامل المقترض معه معاملة محاباتية من بيع أو إجارة أو غيرهما حيث أنه موجب لحصول الزيادة بالشرط يكون باطلا وفاسدا، وأما المعاملة الاخرى غير القرض بشرط القرض حيث ليس قرضا مشروطا لاوجه لبطلانه وفساده. فرع: قال في القواعد: لو رد العين في المثلي وجب القبول وإن رخصت، وكذا غير المثلي على إشكال منشأه إيجاب قرضه القيمة 1. أما وجوب القبول في رد نفس العين المقروضة فمن جهة أن المقرض يستحق على المقترض الطبيعة الكلية التي أحد أفرادها هي نفس العين المقروضة، لما ذكرنا مرارا في هذا الكتاب وفي غيره أن المراد من الضمان بالمثل في باب ضمان الاعيان التالفة هو أن نفس التالف بوجوده الاعتباري يأتي ويثبت في الذمة، ويجب بحكم العقل والشرع تفريغ الذمة والعهدة عما ثبت واستقر عليها، فلو فرضنا محالا وجود ذلك التالف، ففي مقام أداء ما عليها وتفريغها لكان يجب رد نفس العين التالفة، وإن لم يكن موجود كما هو المفروض يكون إداء ذلك الامر الاعتباري بأداء فرد آخر من تلك الطبيعة. وهذا هو المراد بالمثلي. فليس للمقرض عدم القبول ويجب القبول، لانه ليس له حق إشغال ذمة الغير وإبقاء ما له فيها، فكما أنه لو كان له متاع في مخزن الغير ليس له حق الابقاء رغما على أنف صاحب المخزن، فكذلك في هذا الامر الاعتباري. هذا في المثلي واضح، وأما في القيمي حيث أن ما يثبت في الذمة ويستقر عليها من أول وجود القرض وساعته هي القيمة، فذمته مشغولة بالقيمة، فإذا رد العين لابد


(1) قواعد الاحكام ج 1 ص 157 كتاب الدين، المطلب الثاني: في القرض.

[ 288 ]

وأن يكون بعنوان البدلية، فيكون من قبيل المعاملة الجديدة بين العين المقروضة وبين ما ثبت في ذمته وهي القيمة، فيحتاج إلى رضا الطرفين، فليس للمقترض إلزامه بأخذ العين المقروضة من دون رضاه. وظهر مما ذكرنا عدم تمامية قوله: " وكذا غير المثلي على إشكال " بل ليس غير المثلي مثله بلا إشكال في البين أصلا، لوجوب القبول من مساواة المدفوع للمأخوذ. لا محصل، لان صرف مساواتهما للاثر له ما لم يقع التبادل بينهما عن رضا الطرفين، وكذلك قولهم إنما اعتبرت القيمة لتعذر المثل، وما دام المثل موجودا لا تصل النوبة إلى القيمة. وهذا المناط والملاك موجود في العين بطريق أولى، فما دام العين موجودة لا تصل النوبة إلى القيمة بطريق أشد أولوية من صورة وجود المثل، كما هو واضح. وفيه: أن حكم العقل والنقل هو وجوب الاخذ وعدم جواز الرد فيما إذا أعطى حقه وماله وليست العين لاحقه ولاماله، وإنما خرجت عن ملكه بصرف عقد القرض أو بالقبض. وعلى كل لو كان أخذ العين المقروضة واجب كان مرجعه إلى وجوب أخذ مال الغير عوضا وبدلا عن ماله، وهذا يحتاج إلى دليل مفقود في المقام. فرع: لو وقع النزاع بينهما فقال المعطي كان قرضا وتمليكا بعوضه الواقعي، وقال الاخذ كان هبة وتمليكا بلا عوض، ولم يكن البين قرينة دالة على إحدهما، فالظاهر أن القول قول المعطي، لان هذا يرجع إلى نية المعطي وقصده، لان الاعطاء بعد الفراغ عن كونه تمليكا إما من جهة قوله " ملكتك هذا " بدون ذكر العوض أو ذكر مجانا، فلا شك في أنه ظاهر في التمليك، فهذا إنشاء عقد التمليك، والعقود تابعة للقصود، فإن قصد بعوضه الواقعي فيكون قرضا، وإن قصد التمليك مجانا فهي هبة،

[ 289 ]

وحيث لا يعلم إلا من قبله فإخباره عما في ضميره نافذ. اللهم إلا أن يقال: إن لفظ " ملكتك " بدون ذكر العوض ظاهر في الهبة، واستعماله في القرض مجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة، فإنكاره لكونه هبة من قبيل الانكار بعد الاقرار، فيكون إنكارا لكونه هبة بعد إقراره، فلا يسمع، فيرجع أن يكون قوله " ملكتك " بدون ذكر العوض بمنزلة قوله " وهبتك ". ولكن الانصاف أن لفظ " ملكتك " ظاهر في القدر المشترك بين الهبة والقرض، والخصوصية لابد وأن يكون بدال آخر، وحيث أن المفروض أنه ليس دال آخر في البين فيكون تعيين أحدهما بقصده، فلابد وأن يرجع إليه في معرفة ما قصد. واستصحاب عدم قصده العوض معارض باستصحاب عدم قصده المجانية، والتمسك بقاعدة الاحترام مال المسلم تمسك بالعموم في الشبهات المصداقية، واستصحاب بقاء الملك لا وجه له بعد القبض لانه خرج عن ملكه على كل تقدير إما بالقرض أو بالهبة. وأما قوله عليه السلام " وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه " 1 فالاستدلال على كونه قرضا به فعجيب لان اليد فيما نحن فيه ليست يد عادية أو غير مأذونة، بل هي يد المالك على ماله، ولا يشمل الحديث مثل ذلك، وذلك لان الرجوع إلى مثل هذه الامور فيما إذا لم يكن سبب ناقل في البين، وأما فيما نحن فيه فالسبب الناقل شرعا موجود وهو إما القرض المملك للعين المقروضة وإما الهبة، فلا يبقى محل ومجال لهذه المذكورات. فرع: للمقرض مطالبة المقترض - أي في وقت الحالي - حالا بجميع ما أقرضه وإن أقرضه تفاريق، مثلا لو أقرضه في كل شهر كذا مقدار، فله في آخر


(1) تقدم ص 78، هامش 3.

[ 290 ]

السنة مطالبة جميع ما أقرضه في الاشهر الاثنى عشر دفعة واحدة. ووجهه واضح، لان ذمته اشتغلت بالجميع وليس مؤجلا على ما هو المفروض، فله استيفاء حقه في أي وقت أراد، أيضا له حق استيفاء الجميع أو البعض وترك البعض الاخر لوقت آخر. هذا فيما إذا أقرضه تفاريق أي دفعات، وأما إذا أقرضه دفعة واحدة، فله الخيار أيضا في مطالبة الجميع دفعة واحدة بطريق أولى، وفي مطالبته تفاريق بأن يطلب البعض ويترك البعض الاخر لوقت آخر. نعم ليس له إلزامه بالتفاريق، فلو أراد المقترض أداء الجميع في جميع صور المسألة ليس للمقرض عدم القبول. وأما هل للمقترض إلزام المقرض بالقبول لو أداه تفاريق، أم له الرد وعدم القبول إن لم يؤد الجميع وله الامتناع من الاخذ إلى أن يسلم الجميع؟ واختار في التذكرة والدروس وجامع المقاصد الاول 1 - أي وجوب القبول على المقرض ولو أداه تفاريق - بأن يأخذ ما يؤدي ويطالب بالباقي، خصوصا إذا كان المقترض معسرا بالنسبة إلى الباقي. واستدل في جامع المقاصد على وجوب القبول لو دفع المقترض البعض بأنه ليس من باب الدين مثل باب البيع أن يكون الجميع صفقة واحدة، كي تكون وجوب الوفاء بالعقد مقتضيا لوجوب التسليم والتسلم لكل واحد من الطرفين البائع والمشتري تسليم ما التزم بنقله إلى طرفه من غير تبعيض وتسلم ما نقل إليه طرفه، بل له حق على الغير، فإذا أراد الغير تفريغ ذمته ليس له الامتناع، وذلك لان اشتغال ذمته بالدين ثقل على المديون ويكون كحمل عليه، فله تخليص نفسه من هذا الثقل والحمل، وليس لصاحب الحق - أي المقرض - إبقاء هذا الثقل على عهدته وإبقاء


(1) تذكرة الفقهاء ج 2 ص 7، الدروس ج 3 ص 320، جامع المقاصد ج 5 ص 30.

[ 291 ]

اشتغال ذمته. هذا غاية ما يمكن أن يوجه به كلامهم. ولكن أنت خبير بأن لزوم أخذه بالبعض وإن كان حقه وله ذلك، إلا أن ذلك ربما يكون موجبا للضرر والخسارة على المقرض، بأن يكون ما يأخذه تدريجا معرضا للتلف، وأما لو كان دفعة واحدة يؤدي الجميع لا يتلف بل يصرفه في مصارفه، مثلا لو كان عليه ثمن مبيع اشترى فلو أدى الجميع دفعة واحدة يسد به دينه ويعطي ثمن ذلك المبيع ولا يبقى للبائع خيار تأخير الثمن، وأما لو لم يحصل دفعة واحدة فيبقى مجال لذلك الخيار. وهناك إضرار أخر ربما تترتب على وجوب أخذ ما يعطي المقترض بالتفريق غير مخفية على الفقيه المتتبع. فرع: المشهور عدم جواز المضاربة بالدين قبل قبضه، وتعين كونه ملكا للمقترض مضاربة، فلو أقرضه مائة دينار فلا يصح جعلها مضاربة عند المقرض قبل أن يقبضها المقترض، وقال في الجواهر: بلا خلاف أجده، 1 وادعى بعضهم الاجماع على عدم الجواز. ووجه عدم الجواز هو أنه يشترط في صحة المضاربة بمال أمور: منها: أن يكون رأس المال عينا معينا، فلا يصح المضاربة على المنفعة، ولا على العين المرددة، ولا على الكلي قبل تعيينه وتطبيقه على الخارج، فلا يصح على الدين الذي في الذمة قبل قبضه، لان الدين الذي في الذمة كلي لا يتعين إلا بالقبض و تطبيقه على الخارج، ولها شروط أخر لاربط لها بما نحن فيه. فالكلي في الذمة وإن


(1) جواهر الكلام ج 25 ص 48 كتاب التجارة، هل يصح المضاربة بالدين قبل قبضه؟

[ 292 ]

كان ملكا للمالك في ذمة الغير لكن صرف هذا لا يكفي في صحة المضاربة كما هو مقرر في محله. فالمضاربة حيث أنها تحتاج إلى تعيين رأس المال لا تقع بالدين، لانه كلي لاتعين فيه، بل قابل للانطباق على كثيرين. وأما فرض التعيين فيه مثل أن يشتري من الدائن بهذه المائة دينار شخصي فخروج عن الفرض لعدم كونه دينا وكليا في الذمة، يل يكون عينا خارجيا أمانة عند ذاك. هذا مضافا إلى ورود رواية عن أبي عبد الله عليه السلام رواها السكوني أنه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في رجل له على رجل مال فيتقاضاه، ولايكون عنده ما يقضيه فيقول: هو عندك مضاربة، قال عليه السلام: " لا يصلح حتى يقبضه منه " 1. فهذه الرواية صريحة في عدم جواز جعل الدين الذي هو أحد قسمي القرض بالمعنى الاعم مضاربة، لا لعدم كونه ملكا، بل لعدم تعيينه، وعلى فرض كون الرواية ضعيفة من حيث السند منجبر ضعفها بعمل الاصحاب، بل ادعى بعضهم كما في الجواهر عن التذكرة ظهور الاجماع على ذلك، 2 قال في التذكرة: فإذا ثبت هذا فلو فعل فالربح بأجمعه للمديون إن كان هو العامل، وإلا فللمالك وعليه الاجرة 3. والظاهر أن مراده من هذه العبارة أنه بعد ما ثبت بطلان تلك المضاربة، إما لاجل عدم تعيين رأس المال لان الدين كلي في الذمة، وإما لاجل الرواية المتقدمة التي عمل بها الاصحاب، فحينئذ إن عمل المديون واتجر بذلك الدين بنفسه ومباشرته ربح في عمله، فجميع الربح مثل رأس المال الذي هو عبارة عن الدين


(1) الكافي ج 5 ص 240 باب ضمان المضاربة وماله من الربح وما عليه من الوضعية، ح 4، تهذيب الاحكام ج 6 ص 195 ح 428، في الديون وأحكامها ح 53، وسائل الشيعة ج 13 ص 187 كتاب المضاربة في أحكام المضاربة باب 155 ح 1. (2) جواهر الكلام ج 25 ص 48 هلل يصح المضاربة بالدين قبل القبض، تذكرة الفقهاء ج 2 ص 3، كتاب الدين. (3) تذكرة الفقهاء ج 2 ص 3 كتاب الدين.

[ 293 ]

الذي في ذمته يكون للمديون، وذلك لان مقدار الدين عمل به المديون باق على ملكه ولم يصر ملكا للدائن لعدم قبضه، فالمديون عمل في ملكه وربح، فالاصل والفرع - أي رأس المال وربحه - كله له. وأما لو عين عاملا هو أو الدائن ضارب مع شخص آخر غير المديون، فحيث أن ذلك الشخص يكون وكيلا عن قبل الدائن في قبض الدين والعمل به، ولكن لما كان المفروض بطلان مضاربته لعدم التعيين أو للرواية، فيكون جميع الربح للمالك الدائن ويكون عليه أجرة المثل لعمل العامل، لان المضاربة وإن كانت فاسدة ولكن عمل المسلم محترم وقد عمل بإذنه، فعليه أجرة مثله. هذا ما يستظهر من عبارة التذكرة في المقام، ولكن التحقيق أن يقال: إن قلنا بأنه للمديون تطبيق الدين الكلي على عين خارجي، فيصير تلك العين الخارجية ملكا للدائن، فبعد أن طبق المديون يصير ذلك الخارج ملكا للدائن، فيكون عمل المديون في ملك الدائن. ولا ينافي ذلك بطلان المضاربة، لعدم التعيين أو للنص، لان المضاربة أنشأت قبل التعيين فتكون باطلة، ولكن العمل حيث أنه بعد التعيين فيكون جميع الربح للمالك - أي الدائن - وعليه أجرة مثل عمل العامل إن كان بإذنه كما هو المفروض في المقام. اللهم إلا إن يقال: إن إذن المالك الدائن كان بعنوان المضاربة، والمفروض أنه لم تقع، فلا إذن في البين، فلا يستحق المديون العامل لاحصة من الربح لبطلان المضاربة، ولا أجرة مثل عمله لعدم كونه مأذونا في العمل. ولكن يمكن أن يقال: باستحقاقه للاجر بقاعدة " كل يضمن بصحيحه يضمن بفاسده "، ولاشك في أن العامل يستحق الاجر في المضاربة الصحيحة، غاية الامر عينا اجرة برضائهما بحصة من الربح، وفي المضاربة الفاسدة أيضا بناء على تمامية هذه القاعدة يستحق الاجر، ولما لم يكن في الفاسدة مسمى في البين لبطلانها فلابد

[ 294 ]

وأن يكون له الاجر الواقعي، أي أجرة المثل. هذا إذا كان العامل هو نفس المديون، وأما إذا كان غيره، فإذا كان بتعيين المديون - وحيث أن المضاربة باطلة لو كان المديون ضارب معه - فلا يستحق شيئا على الدائن الذي هو المالك، لعدم صدور إذن من قبله في حق هذا العامل. نعم يكون مغرورا من قبل المديون لو كان جاهلا، فيرجع إلى المديون ويأخذ أجرة عمله. وأما إذا كان بتعيين الدائن للعمل أو المضاربة معه، فهذا يرجع إلى جعله وكيلا في قبضه، وأن يتجر في ماله، فيستحق الحصة التي عينت له بعنوان المضاربة، وتكون مضاربته صحيحة بناء على عدم شمول الرواية لمثل هذه الصورة وانصرافها عنها. تذنيب ذكر الفقهاء في كتاب الدين مسألة دين العبد، وتعرضوا لصوره وفروعه الكثيرة. وقد ذكر في التذكرة له فروعا كثيرة، وجعل مسألة مداينة العبد وباقي معاملاته وتجاراته ثلاثة أقسام، وقال: العبد إما أن يأذن له مولاه في الاستدانة أولا، والثاني إما مأذون في التجارة أم لا، فجعل الاقسام ثلاثة: الاول: غير المأذون في الاستدانة ولا في التجارة. الثاني: المأذون في الاستدانة فقط. الثالث: المأذون في التجارة فقط 1. وهاهنا قسم رابع، وهو أن يكون في كليهما مأذونا، وهو أهمله ولم يذكره. ثم


(1) تذكرة الفقهاء ج 2 ص 7.

[ 295 ]

ذكر لكل واحد من الاقسام الثلاثة فروعا كثيرة. أقول: قد وقع الخلاف بين الاصحاب في أن العبد يملك أو لا، ونذكر ما هو الصواب عندنا أنه يملك أو لا يملك، وليس هاهنا محل البحث عنه والنقض والابرام في أدلة الطرفين، ويأتي في بعض الفروع الاتية ما هو الحق وينبغي الذهاب إليه والاعتراف به إن شاء الله تعالى، ونذكر أدلة الطرفين. ولكن على كل حال هو لا يقدر على شئ من التصرفات - وإن قلنا بأنه يملك - حتى في بدنه في غير الضروريات وما لابد منه في تعيشه بدون إذن سيده ومولاه، لانه محجور عليه بنص الكتاب المبين، وصريح الروايات الواردة عن الائمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. ففي رواية أبي خديجة في الكتب الثلاثة: الكافي، والتهذيب، والفقيه قال: سأله ذريح عن المملوك يأخذ اللقطة؟ قال عليه السلام: " وما للمملوك واللقطة، والمملوك لا يملك من نفسه شيئا " 1. والروايات بهذا المضمون كثيرة، فإن لم يكن مأذونا من قبل سيده في الاستدانة ويدري الدائن بذلك، فهو الذي أقدم في إتلاف ماله وليس لماله احترام، كما أنه يكون الحال كذلك بالنسبة إلى سائر معاملاته لو كان يدري الطرف بأنه غير مأذونة في التجارة. ولا بأس بأن يقال في مثل هذه الموارد: ذمة العبد مشغولة لادلة الضمان، فإن أعتق وصار ذا مال يؤخذ منه، وإلا يستسعى. وعلى كل حال يتبع به. وأما القول باستسعائه حال الرق يرجع إلى خسارة المولى بلا وجه وجيه،


(1) الكافي ج 5 ص 309 باب النوادر من كتاب المعيشة ح 23، الفقيه ج 3 ص 249 ح 4054، باب اللقطة والضالة ح 8، تهذيب الاحكام ج 6 ص 1197، في اللقطة والضالة ح 37، وسائل الشيعة ج 17 ص 370 أبواب اللقطة باب 20 ح 1.

[ 296 ]

مضافا إلى دلالة رواية أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام على عدم شئ على المولى إن لم يأذن له في الاستدانة، قال: قلت له: رجل يأذن لمملوكه في التجارة فيصير دين عليه قال عليه السلام: " إن كان أذن له أن يستدين فالدين على مولاه، وإن لم يكن أذن له أن يستدين فلا شئ على المولى ولايستسعى العبد في الدين " 1. إن قلت: إن هذه الجملة - أي ويستسعى العبد في الدين - تدل على وجوب السعي. قلنا: إنه لابد من حمل الجملة الاخيرة " ويستسعى العبد في الدين " بقرينة قوله عليه السلام " ولا شئ على المولى " إما على ما أعتق، وكان مأذونا في السعي لنفسه، أو غير ذلك مما لا ينافي مع قوله عليه السلام " لا شئ على المولى ". فلا يمكن أن يقال: إن هذه الرواية تدل على وجوب سعي العبد في أداء دينه في حال كونه رقا، لانه مناقض لقوله عليه السلام " فلا شئ عليه " فلابد من التوجيه. هذا فيما إذا لم يأذن له لا في الاستدانة ولا في التجارة، وأما لو أذن له في كليهما - أي في الاستدانة والتجارة - فلا إشكال في لزوم أداء الدين على مولاه، لما رواه أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: الرجل يأذن لمملوكه في التجارة فيصير عليه دين، قال عليه السلام: " إن كان أذن له أن يستدين فالدين على مولاه، وإن لم يكن أذن له أن يستدين فلا شئ على المولى ويستسعى العبد في الدين ". فظهر مما ذكرنا أنه لو لم يأذن السيد لا في التجارة ولا في الاستدانة فليس عليه شئ أصلا، وإن أذن في كليهما فعليه أداء الدين، وإن أذن في التجارة دون الاستدانة فيستسعى المملوك لاداء الدين.


(1) الكافي ج 5 ص 303 باب المملوك يتجر فيقع عليه الدين ح 3، تهذيب الاحكام ج 6 ص 200، ح 445، في القرض وأحكامه ح 70، الاستبصار ج 3 ص 11 ح 31 باب المملوك يقع عليه الدين ح 3، وسائل الشيعة ج 13 ص 118 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 31 ح 1.

[ 297 ]

ووجوب السعي في أداء دينه وإن كان خسارة على مالك العبد، ولكن ذلك من لوازم إذنه له في التجارة لان التجارة كما أنه قد تربح كذلك قد تخسر، ولاشك في أن إتلاف مال الغير يوجب الضمان فإنه له في التجارة ملازم مع الاذن في صيرورته ضامنا، وخلاص عهدته عن الضمان لا طريق له إلا بأحد أمرين: إما أداؤه من كيسه، أو يسعى العبد نفسه للاداء، ولاشك في أنه لا ملزم للاول. هذا، مضافا إلى صراحة رواية أبي بصير المتقدمة في ذلك. ثم إنه ذكر في الشرائع هاهنا فرعان [ الفرع ] الاول: إذا اقترض أو اشترى بغير إذن كان موقوفا على إذن المولى، فإن أذن، وإلا كان باطلا وتستعاد العين، وإن تلف يتبع بها إذا أعتق فأيسر 1. ووجهه واضح، لان العبد في المفروض يكون مثل الفضولي أجنبيا ليس له هذا التصرف، لانه ليس مالكا لنفسه ولا لافعاله من عقوده وتجاراته، وهو تصرف في ملك الغير، فيحتاج إلى إذن ذلك الغير الذي هو عبارة عن سيده، فإن أجاز فيكون كسائر المعاملات التي تقع فضولة صحيحا إن أجاز، وإلا فباطل. وأما العين التي اقترضها أو اشتراها تبقى على ملك مالكها الاول فتستعاد إلى صاحبها، وإن وقع عليها التلف يكون العبد ضامنا، إما لقاعدة " وعلى اليد " وإما لقاعدة الاتلاف لو كان تلفها بإتلافه فقهرا يتبع بها إذا أعتق فأيسر، لانه لا يجوز مطالبته إلا بعد أن صار حرا ذا يسر. الفرع الثاني: إذا اقترض مالا فأخذه المولى فتلف في يده، كان المقرض بالخيار بين مطالبة المولى، وبين اتباع المملوك إذا أعتق وأيسر.


(1) شرائع الاسلام ج 2 ص 71.

[ 298 ]

والوجه واضح، لانه من فروع تعاقب الايدي على مال الغير، لانه من قبيل المقبوض بالعقد الفاسد، لان المولى إن لم يجز القرض يكون فاسدا، فكل واحدة من اليدين يد ضمان، فللمقرض المالك الرجوع بأي واحد منهما. فرع: لو ضمن العبد بدون إذن سيده فهل يصح أولا؟ فيه كلام، وهو أنه تصرف في نفسه، فيكون تصرفا في ملك الغير بدون إذنه، وهذا لا يجوز قطعا، فلا يقع الضمان ولا يصح. وربما يقال بأنه تصرف في الذمة وليس تصرفا في العين، وما هو ملك الغير هي العين الموجودة في الخارج كملكية سائر الحيوانات غير الانسان، فلم يتصرف في ما هو ملك الغير، بل التصرف وقع في أمر اعتباري وهو ذمته، وليس هو ملكا لمولاه، بل اعتبار عقلائي أمضاه الشارع، فلا محذور في ضمانه، ولا يوجب ضيقا على المالك، لانه مع علم المضمون له بالعبودية يجب عليه الصبر إلى أن يعتق وأيسر، فيأخذ بما هو من لوازم ضمانه، ويرتب على ضمانه آثاره وأحكامه. هذا ما توهم، ولكن الظاهر بل المتعين هو أن يقال: إن عقد الضمان أيضا كسائر المعاملات صحته ممنوعة من العبد بدون إذن سيده، وإن جميع عقوده وإيقاعاته تصرف في ملك المولى، وصحته موقوفة على إذن سيده أو إجازته. إلا في خصوص الطلاق فإنه يصح منه وإن كره المولى، بل وإن نهى عنه، لان ظاهر قوله عليه السلام " الطلاق بيد من أخذ بالساق " هو استقلال الزوج بذلك وعدم مدخلية غيره فيه، فلا يحتاج إلى إذن المولى، كما أنه ليس له إجبار عبده على طلاق امرأته لنفس تلك الرواية. هذا، مضافا إلى أن قوله تعالى " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " 1 يشمل


(1) النحل 16: 75.

[ 299 ]

الضمان قطعا، فالانصاف أن صحة ضمانه بدون إذن سيده في غاية الاشكال. فرع: لاشك في جواز قبول الهبات بإذن سيده وصحتها، وإنما الكلام في جوازها صحتها بدون إذنه وإجازته. قيل: بعدم جوازها بناء على أن كل ما يملكه العبد يكون ملكا لسيده، فيرجع إلى صيرورة السيد مالكا بغير رضاه ورغما عليه، وهذا مما لا يمكن قبوله. وفيه: أن الملك القهري لا مانع من حصوله بدون رضاه. نعم إذا كانت الملكية حصولها موقوف على قصد التملك، كحيازة المباحات، فما لم يقصد لا تحصل الملكية لان قصد التملك برضائه وطيب نفسه من أسباب حصول الملك، وأما فيما نحن فيه، فقصد الملكية تحصل من العبد بقبوله العطايا والهبات، فيصير ملكا للعبد أولا وبالذات، ثم يصير ملكا للمولى، لورود الدليل على أن العبد وما يملكه ملك لمولاه، ولذلك لو خالع زوجته على مال من مهر أو غيره بدون رضاء سيده لما تقدم أنه مستقل في طلاق زوجته، فيصير ما خالع عليه من مهر أو غيره ملكا له، فيصير ملكا لمولاه قهرا ومن دون اختياره ورضائه بذلك الخلع. وخلاصة الكلام: أن ملكية ما ملكه العبد لمولاه حكم شرعي مثل ملكية الوارث لا يملكه مورثه تحصل قهرا بدون توقفه على رضاء الورثة أو السيد، لانها ليست من الامور التي تحصل لهما بأسبابها الاختيارية، بل لو كانا غافلين عن وجود مورث وعبد، أو جاهلين بوجودهما تحصل لهما هذه الملكية. اللهم إلا إن يقال: إن العبد ليس له قابلية أن يملك، فلا تحصل له ملكية كي يكون ثانيا وبالعرض ملكا لمولاه، كما لو كان كافرا حربيا بناء على عدم قابلية الكافر الحربي والمرتد الفطري لان يتملك ملكا جديدا بعد أن يكون كذلك. ولكن التحقيق: أن كلا الامرين - أي عدم قابلية العبد للتملك، وعدم قابلية

[ 300 ]

المرتد الفطري لان يتملك ملكا جديدا - لا أساس لهما. فرع: قال في التذكرة: المشهور بين علمائنا أن العبد لا يملك شيئا، سواء ملكه مولاه شيئا أو لا 1. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) 2. ولا يصح سلب القدرة عنه بقول مطلق إلا فيما إذا لا يملك، وإلا له القدرة على ماله بأن يهبه، أو يقفه، أو يصرفه في الخيرات، أو غير ذلك. وفيه: أنه لا تنافي بين سلب القدرة وبين كونه مالكا، لامكان أن يكون محجورا مع كونه مالكا، ولذلك ذكر الفقهاء أن أحد أسباب حجر المالك عن التصرف في ماله هو الرقية. وأيضا استدلوا على أنه لا يملك بقوله تعالى: (هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء) 3. وجه الاستدلال: أن الله تعالى نفى مشاركة مخلوقاته معه في الفاعلية، بأن ضرب مثلا، وهو أنه كما أن العبد للموالي العرفية لاشراكة لهم مع مواليهم فيما يعطون أو يمنعون، كذلك العبيد الحقيقية، أي عباد الله جل وعلا لا شراكة لهم فيما يعطي الله أو يمنع، إذ ليس لهم شئ ولا يقدرون على شئ. وهذا يدل دلالة واضحة على كونهم لا يملكون شئ، وإلا لم يكن سلب القدرة عنهم صحيحة. وبعبارة أخرى: نفى الله سبحانه تساوي عباده معه، وشبه نفيه لذلك بنفي تساوي عبيد عباده مع مواليهم العرفية. وهذا لا يستقيم مع كونهم مالكين. وفيه: ما تقدم إن المنفي هو تسلطهم على التصرفات وأنهم مثل الصبيان


(1) تذكرة الفقهاء ج 2 ص 8. (2) النحل 16: 75. (3) الروم 30: 28.

[ 301 ]

والمجانين محجور عليهم، وهذا المقدار من التساوي يكفي في التشبيه والتمثيل. وحاصل ما قلنا: أن الظاهر هو نفي الشريك له تعالى في الفاعلية، فكما أن العبيد العرفية ليسوا شركاء لمواليهم، وأنتم لا ترضون بكونهم شركاء لكم في تصرفاتكم وشؤونكم، فكذلك يجب عليكم أن لا ترضون بكون هذه المخلوقات التي أنتم تنحتونها وتعبدونها شركاء لله الواحد القهار. وهذا المعنى أجنبي عن عدم كون العبيد قابلين لان يملكوا ولو بكسبهم مع إذن المولى بذلك، أو أرش الجنايات، أو فاضل الضريبة، أو عوض طلاق الخلع. وخلاصة الكلام: أن مدلول الاية الشريفة أجنبي عما يدعون من عدم كون العبد قابلا للامتلاك. وأما دعوى الاجماع على أنه لا يملك لاعينا ولا منفعة، لامستقرا ولا متزلزلا مطلقا سواء ملكه المولى أو غيره، وأيضا لافرق بين أن يكون المملوك فاضل الضريبة، أو عوض الخلع، أو أرش الجناية أو غيرها. ففيه: أن هذه الدعوى مع ذهاب الاكثر إلى خلافه وأنه يملك، خصوصا في بعض المذكورات كفاضل الضريبة، وعوض طلاق الخلع، وفيما ملكه مولاه، وقال في المسالك: القول بالملك في الجملة للاكثر 1، فهذا الاجماع المدعى في المقام لا يخلو من وهن. مضافا إلى أن الطرفين يستدلون بأدلة أخرى في المقام، فليس من الاجماع المصطلح الذي قلنا في الاصول بحجيته 2. وأما ما قالوا بأن مالكيته لغيره فرع مالكيته لنفسه، فإذا لم يكن سلطانا على نفسه كيف يكون سلطانا على غيره. فكلام شعري، لان جميع الناس ليسوا مالكين


(1) مسالك الافهام ج 1 ص 178. (2) منتهى الاصول ج 2 ص 88 في حجية الاجماع المنقول.

[ 302 ]

لذبح أنفسهم، ولكن كل من كان مالكا لحيوان مأكول اللحم مالك لذبحه وأكله. وما قيل: إن كسبه وانتفاعاته التي تحصل من كسبه من منافع ملك المولى، فتكون للمولى، لان منافع الملك للمالك وتابعة للعين. ففيه: أن الملكية من الاعتبارات العقلانية التي أمضاها الشارع في بعض الاشياء وفي بعض المقامات، والعقلاء يعتبرون ملكية المنافع لمالك العين فيما إذا لم يكن العين قابلا لان يتملك، كما إذا كانت من الجمادات أو النباتات أو الحيوانات العديمة الشعور، وأما إذا كانت إنسانا عاقلا شاعرا فيرون منافعه لنفس ذلك الانسان، بل يرون من ينتزع عنه فوائد أعماله وأفعاله الاختيارية التي أتعب نفسه في تحصيلها ظالما له وغاصبا، إلا أن يأتي الدليل على تشريع إلهي على أنه يجب عليه أن يعطى فوائد عمله لشخص آخر، أو يأتي الدليل على أن فوائد عمله يصير ملكا لشخص آخر لوجود مصلحة في هذا الجعل، أو في هذا المجعول وإن كانت خفية علينا. وأما ما رواه محمد بن إسماعيل، في الصحيح، عن الرصا عليه السلام سألته عن رجل يأخذ من أم ولده شيئا وهبه لها بغير طيب نفسها من خدم، أو متاع، أيجوز ذلك؟ قال: " نعم إذا كانت أم ولده " 1. وفيه: أن جواز أخذ المولى منها لا ينافي كونها مالكة لها، لان للمولى منع عبده أو أمته من التصرف في مالها وحجره عنه، فأخذ المولى قهرا عنه لا يدل على عدم مالكيته. وما عن المختلف 2 من أنه لو ملك لما جاز أخذ المولى منه قهرا مع أنه يجوز


(1) تهذيب الاحكام ج 8 ص 206 ح 729، في السرارى وملك الايمان، ح 25، وسائل الشيعة ج 13، ص 342 كتاب الهبات، في أحكام الهبات باب 10 ح 2. (2) مختلف الشيعة ج 8 ص 44، العتق وتوابعه، المقام الثاني.

[ 303 ]

إجماعا محصلا ومنقولا، لا أساس له، لان الصبي أو السفيه مالك لامواله يقينا، ويجوز أخذ الولي منهما قهرا أيضا يقينا، فجواز الاخذ قهرا لا يلازم عدم كونه مالكا، وهذا واضح. هذا، مضافا إلى أن الهبة إلى غير ذي الرحم جائزة يجوز أخذها من الموهوب له ما دامت العين باقية كما في المقام. هذا، مضافا إلى أن الخدم في البيت مع أمتعة البيت لا يكون ملكا لربة البيت وإن كانت زوجة حرة دائمة، فضلا عن أن تكون أمة، غاية الامر أنها صارت أم ولد من صاحب البيت، وليس قول الراوي " وهبه لها " هبة اصطلاحية بمعنى تمليكه لها مجانا وبلا عوض، بل المراد أنه جعل تحت يدها الخدم وأمتعة البيت، وكأن المالك هاج به فرحه من صيرورتها ذات ولد، فجعل تحت اختيارها الخدم والامتعة، وبعد مدة سكن هياج ذلك الفرح فأخذها منها، لانه لم يخرج عن ملكه. وأيضا استدلوا لعدم كون العبد مالكا لما في يده وأنه لم يملك بما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " 1. فيدل الحديث على أن العبد لا يملك، لانه لو ملك لما كان وجه لكونه للبائع. وفيه: أولا عدم ثبوت مثل هذا الحديث، وثانيا: أنه معارض بما رووه أيضا صلى الله عليه وآله قال: " من باع عبدا وله مال فما له للعبد إلا أن يستثني السيد " 2. فظهر مما ذكرنا أن إطلاقات أدلة العطايا والهبات وسائر المعاملات وأرش


(1) أمالي الطوسي ج 1 ص 397، وسائل الشيعة ج 13 ص 33، كتاب التجارة ابواب بيع الحيوان، باب 7 ح 5. (2) مجمع الزوائد ج 4 ص 106، باب فيمن باع عبدا وله مال أو نحلا مؤبرة، والحديث فيه: من باع عبدا وله مال فله ماله وعليه دينه إلا أن يشترط المبتاع.

[ 304 ]

الجنايات لا يصح تخصيصها بمثل هذه المذكورات، فمقتضى الادلة العامة المملكة عدم الفرق بين الحر والعبد في صيرورة المال ملكا له، غاية الامر للمولى منع العبد عن التصرف في أمواله، وأن العبودية أحد أسباب الحجر، وأن المراد من قوله تعالى (لا يقدر على شئ) عدم استقلاله في شئ من تصرفاته، وأنها لا تنفذ بدون إذن سيده، وإن ادعى بعضهم من بعض موارد استدلال الامام عليه السلام بهذه الاية نفي ملكية العبد، كصحيح محمد بن مسلم، سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ينكح أمته من رجل، أيفرق بينهما إذا شاء؟ فقال: " إن كان مملوكه فليفرق بينهما إذا شاء، إن الله تعالى يقول: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) 1. فليس للعبد شئ من الامر " 2. فهذا يدل بعمومه على نفي الملكية أيضا، فقوله عليه السلام " ليس للعبد شئ من الامر " لا يلائم مع ثبوت الملكية له، لان الملكية لو ثبتت له لكان له شئ، فإن الملكية شئ وأي شئ، والامام عليه السلام يستدل على كون شئ له بهذه الجملة، أي جملة (لا يقدر على شئ). ولكن أنت خبير بأنه لو كان كلامه تعالى " ليس له شئ " كان لهذا الكلام مجال، لان المال والملك شئ يقينا، ولكنه تعالى قال (لا يقدر على شئ)، ومن الواضح الجلي أن عدم التسلط على التصرف في الشئ غير عدم نفس الشئ، ومفاد الاية هو الاول والمدعى هو الثاني. وأما كلامه عليه السلام أيضا ليس نفي الشئ كي يشمل بعمومه الملكية، بل يقول عليه السلام " ليس للعبد شئ من الامر "، وهذه العبارة ظاهرة في نفي التصرف، لا نفي أصل الشئ.


(1) النحل 16: 75. (2) تهذيب الاحكام ج 7 ص 340 ح 1392، في العقود على الاماء وما يحل من النكاح بملك اليمين، ح 23، الاستبصار ج 3 ص 207 ح 749، في ان المملوك إذا كان متزوجا بحره كان الطلاق بيده، ح 10، وسائل الشيعة ج 14 ص 575 كتاب النكاح ابواب نكاح العبيد والاماء باب 64 ح 8.

[ 305 ]

هذا كله كان في بيان الادلة على نفي ملكية العبد، وقد عرفت أنها ليست بحيث يمكن أن تخصص بها العمومات والاطلاقات. وأما الادلة على ثبوت الملكية لهم فعمدتها العمومات والاطلاقات التي لأدلة المعاملات والهبات والعطايا والوصايا، حيث أنها تشمل العبيد كالاحرار، مع عدم وجود مخصص لها يعتد به. وأيضا الاخبار الخاصة الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام الظاهرة في ثبوت الملكية لهم. منها: ما رواه في الكافي، بإسناده عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له، وقد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة، فرضي بذلك فأصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يعطي مولاه من الضريبة؟ قال: فقال عليه السلام " إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه، فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك ". ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: " أليس قد فرض الله على العباد فرائض، فإذا أدوها إليه لم يسألهم عما سواها ". قلت: فللمملوك أن يتصدق مما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها إلى سيده؟ قال: " نعم وأجر ذلك له ". قلت: فإن اعتق مملوكا مما كان اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء المعتق؟ فقال: " يذهب فيتولى إلى من أحب، فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه وورثه ". قلت له: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله " الولاء لمن أعتق "؟ فقال: " هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله ". قلت: فإن ضمن العبد الذي أعتقه جريرته وحدثه يلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه؟ فقال: " لا يجوز ذلك لا يرث عبد حرا " 1. ومنها: ما رواه الصدوق عليه الرحمة، بإسناده عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم، أو أقل، أو أكثر فيقول حللني من ضربي إياك ومن كل ما كان مني إليك وما أخفتك وأرهبتك، فيحلله


(1) الكافي ج 6 ص 190 باب المملوك يعتق وله مال، ح 1، وسائل الشيعة ج 13 ص 34، كتاب التجارة ابواب بيع الحيوان باب 9 ح 1.

[ 306 ]

ويجعله في حل رغبة فيما أعطاه، ثم إن المولى بعد أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد فأخذها المولى أحلال هي؟ فقال: " لا ". فقلت له: أليس العبد وماله لمولاه؟ فقال: " ليس هذا ذاك ". ثم قال عليه السلام: " قل له فليردها عليه، فإنه لا يحل له، فإنه افتدى به نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة " الحديث 1. وهاتان الروايتان صريحتان في أن العبد يملك، فالاحسن ما قاله المحقق في الشرائع في باب بيع الحيوان: ولو قيل يملك مطلقا لكنه محجور عليه بالرق حتى يأذن له المولى كان حسنا 2. والمراد بقوله " مطلقا " هو مقابل التفصيلات التي ذكروها في المسألة، مثل حصول الملكية له لكن في خصوص ما يعطيه المولى، أو في خصوص أرش الجنايات، أو في خصوص فاضل الضريبة، أو في خصوص عوض الخلع، أو غير ذلك. ثم إن ثمرة القولين - أي القول بأن العبد يملك والقول بأنه لا يملك والقول بأنه لا يملك مع أنه بناء على القول الاول أيضا ليس له التصرف بدون إذن مولاه، لانه محجور وإن كان مالكا - أمور: الاول: أنه بناء على القول بملكية العبد فذلك المال ليس له زكاة، وإن كان من الاجناس الزكوية، أي من الانعام الثلاثة، أو الغلات الاربعة، أو من النقدين أي الذهب والفضة المسكوكين، أما على العبد فلانه ممنوع عن التصرف، لانه محجور مثل المالك غير البالغ، فلا زكاة عليه لفقد الشرط، وهو كون المالك يجوز له التصرفات وكان الملك تام الملكية، أي يكون المالك متمكنا من التصرف، والعبد


(1) الفقيه ج 3 ص 232 ح 3800 باب المضاربة ح 14، وسائل الشيعة ج 13 ص 35 كتاب التجارة ابواب بيع الحيوان باب 9 ح 3. (2) شرائع الاسلام ج 2 ص 58.

[ 307 ]

ليس كذلك فليس في ملكه زكاة، وأما المولى فليس عليه زكاة، لانه ليس بمالك على الفرض. الثاني: أنه لو كان ما استفاده من كسبه المأذون فيه جارية، فعلى القول بأنه يملك يجوز له وطيها، وعلى القول بالعدم لا يجوز، لانه لا وطي إلا في الملك على فرض عدم تزويج من قبل المولى، وأيضا عدم تحليل أو عدم تأثيره وإن كان. الثالث: في مورد وجوب الكفارة، أو ذبح الهدي للمالك الواجد، وإن كان فقيرا لا يتمكن فعليه الصوم كذا أيام، فإن قلنا بأنه يملك فعليه الكفارة التي عينت من قبل الشارع من الاموال، وإن قلنا إنه لا يملك ولم يتبرع المولى فعليه الصوم الذي جعله الشارع بدلا عنها. وموارد أخرى كثيرة غير خفية على الفقيه المتتبع، والضابط أن كل تكليف مالي كان متوجها إلى من له المال، إن قلنا بأنه يملك يتوجه إليه مع وجود سائر الشرائط، وعلى القول بأنه لا يملك فلا يتوجه إليه تكليف أصلا، أو ينتقل إلى بدله إن كان له بدل. فرع: قال في الشرائع بعد ذكره مسألة أن العبد يملك أولا: من اشترى عبدا له مال كان ماله لمولاه إلا أن يشترطه المشتري 1. والظاهر أن المراد بالاستثناء هو أن المشتري اشترط على بائع العبد انتقال أمواله إليه أيضا، وهذا الشرط صحيح ونافذ إذا كان انتقال أموال العبد ونقلها بيد مولاه كي يكون الشرط مقدورا لمولاه البائع، لان من شرائط صحة الشروط أن يكون الشرط مقدورا للمشروط عليه، وإلا يكون الالتزام به لغوا لا أثر له. وكونه مقدورا للمولى في المفروض بأحد أمرين:


(1) شرائع الاسلام ج 2 ص 58.

[ 308 ]

إما بأن يكون مال العبد لمولاه حقيقة ولا يكون ملكا للعبد، والاضافة إليه لاجل حصوله للمولى بواسطته. ويكفي في الاضافة أدنى ملابسة فضلا من أن يكون حصوله بسببه، فالشرط حينئذ مقدور للبائع، لانه له أن يعطي مال العبد الذي هو ماله حقيقة للمشتري، سواء جعله في مقام البيع جزءا للمبيع، أو التزم في ضمن المعاملة بإعطائه له. وإما أن يكون للمولى شرعا السلطنة على مال العبد بالنقل والانتقال، سواء رضي العبد بذلك أو لم يرض. ومن الواضح الجلي أنه عند فقد كلا الامرين لا أثر لهذا الاشتراط، بل يكون مال العبد باقيا على ملكه بعد أن باعه مولاه. نعم لو كان الحكم الشرعي هو أن ملكية مال العبد تابعة لملكية نفسه، فيكون للمشتري قهرا، ويكون هذا الاشتراط لغوا. هذا بحسب القواعد الاولية، ولكن في المسألة وردت روايات: منها: ما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما قال: سألته عن رجل باع مملوكا فوجد له مالا. قال: فقال: " المال للبائع، إنما باع نفسه، إلا أن يكون شرط عليه أن ما كان له مال أو متاع فهو له " 1. وهذه الرواية لها ظهور ما في أن مال العبد لمولاه، فله أن ينقل إلى آخر جزءا للمبيع أو شرطا، ولكن ليس قابلا للمعارضة مع الادلة الدالة على أنه يملك، لاحتمال أن يكون نفوذ شرطه من جهة أن الشارع جعل المولى سلطانا على جميع التصرفات في مال عبده من دون أن يكون ماله ماله، فلا يمكن إن تكون مخصصة للمطلقات الكثيرة التي تدل على أنه يملك.


(1) الكافي ج 5 ص 213 باب المملوك يباع وله مال، ح 2، تهذيب الاحكام ج 7 ص 71 ح 306، في إبتياع الحيوان، ح 20، وسائل الشيعة ج 13 ص 32 كتاب التجارة ابواب بيع الحيوان باب 7 ح 1.

[ 309 ]

ومنها: ما عن جميل بن دراج، عن زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يشتري المملوك وله مال لمن ماله؟ فقال عليه السلام: " إن كان علم البائع أن له مالا فهو للمشتري، وإن لم يكن علم فهو للبائع " 1. وهذه الرواية التي فرق الامام عليه السلام بين علم البائع وعدمه ظاهرة في أن في صورة علم البائع يكون نقل مال العبد إلى المشتري من قبيل الشرط الضمني، وأما في صورة عدم علمه فلا شرط في البين، فيبقى مال العبد ملكا للبائع بناء على أن العبد لا يملك، وتحت سلطانه بناء على الاحتمال الاخر الذي بيناه. ومنها: ما عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " 2. ومضمون الحديث وتوجيهه كما تقدم في الروايات المتقدمة. نعم يبقى كلام، وهو أن صرف علم البائع بأن للعبد مال يكون بمنزلة الاشتراط الضمني، بمعنى أن البائع التزم في ضمن عقد البيع بأن يكون مال العبد أيضا منتقلا إلى المشتري مع عدم قصد ذلك وعدم إنشاء مثل هذا المعنى، بل من الممكن أن يكون في عالم اللب أيضا غير قاصد لانتقال مال العبد إلى المشتري، وليس دال في البين يكون حجة في كشف مراد البائع وأنه في ضمن وقوع المعاملة قصد انتقال مال العبد أيضا كنفسه إلى المشتري، بل الاصول العملية في مثل المقام تجري وتفيد بقاء ملكية العبد على تقدير أن يملك وبقاء ملكية المولى أو سلطنته على تقدير عدم الملك. فالانتقال إلى المشتري لا وجه له على كل حال. هذا مع أن صرف كونه مقصودا ومرادا واقعيا لا أثر له في أبواب المعاملات،


(1) الكافي ج 5 ص 213، باب المملوك يباع وله مال ح 1، الفقيه ج 3 ص 220 ح 3816، شراء الرقيق و أحكامه ح 45، وسائل الشيعة ج 13 ص 32 كتاب التجارة ابواب بيع الحيوان باب 7 ح 2، تهذيب الاحكام ج 7 ص 71 ح 307، في ابتياع الحيوان ح 21. (2) تقدم ص 303، هامش 1.

[ 310 ]

بل لابد وأن تبرز تحت الانشاء كي يصدق النقل والانتقال في عالم الاعتبار التشريعي. وأما مسألة " العقود تابعة للقصود " فمعناه أن الانشاء بلا قصد لا أثر له، لان التمليك بعوض وكذلك التملك بعوض من الافعال الاختيارية لابد فيها من القصد والاختيار، فيحتاج النقل والانتقال إلى أمرين، وبفقد كل واحد منهما لايتم النقل، وهما الانشاء والقصد. وفي المفروض على فرض أن يكون القصد حاصلا حيث أن الانشاء كما هو المفروض لم يحصل، فلا ينتقل المال إلى المشتري، سواء علم أو لم يعلم، فلابد من حمل الرواية المفصلة بين علم البائع وبين عدمه بحمل صورة العلم على الاشتراط، إما صريحا وإما ضمنا بالدلالة الضمنية، لاصرف القصد بدون مبرز وإنشاء أصلا. فرع: لو باع العبد وماله بحيث كان المبيع مركبا من الاثنين - أي نفسه وماله جميعا - مثل أن يقول: " بعتك هذا العبد مع ماله الذي هو ألف درهم بكذا مقدار من الدراهم، أو بكذا مقدار من الدنانير، أو بمال آخر من جنس آخر " فإن كان الثمن من غير جنس مال العبد فلا إشكال، لان المعاوضة تقع بين جنسين، ولايكون رباء في البين، وأما إن كان الثمن من جنس مال العبد وكان مما يدخل فيه الربا - أي كان مكيلا أو موزونا، ولم يكن البائع والمشتري ممن يجوز الربا في حقهم - فلابد وأن يكون الثمن أزيد من مال العبد بمقدار يصح أن يكون مقابل نفس العبد وإن كان قليلا لئلا يصير ربا فتبطل المعاملة. مثلا لو كان مال العبد ألف درهم فباعه مع ذلك المال بألف درهم أو أقل منه، لا يصح مثل هذا البيع، للزوم الربا. وأما لو كان الثمن في المعاملة المفروضة أكثر من ألف درهم، ولو كانت الزيادة على الالف مقدارا قليلا، ولكن المقدار الزائد كان قابلا

[ 311 ]

لوقوعه ثمنا لنفس العبد، ولايكون بيعه بذلك المقدار سفهيا، فتصح المعاملة ولا إشكال فيها. وروى زرارة في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يشتري المملوك وماله، قال: " لا بأس ". قلت: فيكون مال المملوك أكثر مما اشتراه به، قال عليه السلام: " لا بأس به " 1. ولابد من حمل هذه الرواية إما على أن مال العبد من غير جنس الثمن، أو المبيع نفس العبد وحده، وماله يدخل في ملك المشتري بالاشتراط الخارج عن دخوله في المعاملة، أو يقال ببقاء مال العبد في ملكه وعدم دخوله في ملك المشتري، فيكون الحكم مبنيا على أن العبد يملك كل ذلك للتخلص عن الربا. والمحكي عن الدعائم، عن جعفر بن محمد عليهم السلام: " فإن باعه بماله وكان المال عروضا - أي متاعا - وباعه بعين - أي بنقد - فالبيع جائز كان المال ما كان، وكذلك إن كان المال عينا وباعه بعروض، وإن كان المال عينا وباعه بعين مثله لم يجز إلا أن يكون الثمن اكثر من المال، فيكون رقبة العبد بالفاضل، إلا أن يكون المال ورقا والبيع بتبر أو البيع بورق فلا بأس بالتفاضل، لانه من نوعين " 2. والله العالم. فرع: في ما يستحب على الدائن والمديون: أما الاول: فيستحب عى الدائن الارفاق بالمديون، ويكره المبالغة في


(1) الكافي ج 5 ص 213 باب المملوك يباع وله مال ح 3، الفقيه ج 3 ص 220 ح 3817، شراء الرقيق و أحكامه، ح 46، تهذيب الاحكام ج 7 ص 71 ح 305، في ابتياع الحيوان ح 19، وسائل الشيعة ج 13، ص 34 كتاب التجارة ابواب بيع الحيوان باب 8 ح 1. (2) جواهر الكلام ج 24 ص 192 حكى عن الدعائم، " دعائم الاسلام ج 2 ص 54 ح 146، ذكر الشروط في البيوع.

[ 312 ]

الاستقضاء والدقة في الحساب. ويدل عليه ما رواه في الكافي في الفروع، والشيخ في التهذيب، عن حماد بن عثمان قال: دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام فشكى إليه رجل من أصحابه فلم يلبث أن جاء المشكو، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " ما لفلان يشكوك ". فقال: يشكوني، إني استقضيت منه حقي. قال فجلس أبو عبد الله عليه السلام مغضبا ثم قال: " كأنك إذا استقضيت حقك لم تسئ، أرأيتك ما حكى الله عز وجل فقال: (ويخافون سوء الحساب) أترى أنهم خافوا الله أن يجوز عليهم، لا والله ما خافوا إلا الاستقضاء، فسماه الله عزوجل سوء الحساب، فمن استقضى فقد أساء " 1. وقد روي الصدوق هذه الرواية أيضا في معاني الاخبار 2 باختلاف يسير في اللفظ لا يختلف معه المعنى. وأما الثاني: فيستحب على المديون حسن القضاء وإرضاء الغريم المطالب بالاداء والاعطاء أو الملاطفة مع التعذر، ويدل على ذلك ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: " ليس من غريم ينطلق من عند غريمه راضيا إلا صلت عليه دواب الارض ونون البحر، وليس من غريم ينطلق صاحبه غضبان وهو ملي إلا كتب الله عز وجل بكل يوم يحسبه وليلة ظلما " 3. وأيضا عن الصدوق في الفقيه بإسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث المناهي أنه قال: " ومن مطل على ذي حق حقه وهو يقدر على أداء حقه، فعليه كل يوم خطيئة عشار " 4.


(1) تقدم ص 214 هامش 2. (2) معاني الاخبار ص 246 ح 1، باب معنى سوء الحساب. وسائل الشيعة ج 13 ص 101 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 16 ح 3. (3) الفقيه ج 3 ص 185 ح 3694، الدين والقرض ح 16: وسائل الشيعة ج 13 ص 101 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 17 ح 1. (4) الفقيه ج 4 ص 16 ح 4968، المناهي ح 1، وسائل الشيعة ج 13 ص 89 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 8 ح 2.

[ 313 ]

وأيضا قال في الفقيه: ومن ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وآله: " مطل الغني ظلم " 1. وأيضا روى الحسن بن محمد الطوسي في مجالسه بإسناده عن الصادق وعن الرضا عليهم السلام عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لي الواجد بالدين يحل عقوبته وعرضه ما لم يكن دينه فيما يكره الله عزوجل " 2. وأيضا روى الشيخ في التهذيب بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: " ألف درهم أقرضها مرتين أحب الي من أن أتصدق بها مرة، وكما لا يحل لغريمك أن يمطلك وهو موسر وكذلك لا يحل لك أن تعسره إذا علمت أنه معسر " 3. والروايات الواردة في عدم جواز مطل المدين الموسر وعدم جواز إعسار الدائن المدين المعسر كثيرة في كتب الحديث. ومن جملة ما يستحب على المدين الاقتصاد في المعيشة، وهو الحد الوسط بين الاسراف والتقتير، فالاسراف لا يجوز، لانه مضافا إلى أنه في حد نفسه منهي عنه ومذموم في الايات والاخبار، صدوره عن المدين يوجب ضياع حق الدائن، والتقتير لا يجب لما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن علي بن إسماعيل، عن رجل من أهل الشام أنه سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن رجل عليه دين قد فدحه وهو يخالط الناس وهو يؤتمن يسعه شراء الفضول من الطعام والشراب فهل يحل له أم لا؟ وهل يحل أن يتطلع من الطعام أم لا يحل له إلا قدر ما يمسك به نفسه ويبلغه؟


(1) الفقيه ج 4 ص 380 ح 5819 باب النوادر، الفاظ موجزه للنبي صلى الله عليه وآله ح 57، وسائل الشيعة ج 13 ص 90 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 8 ح 3. (2) أمالي الطوسي ج 2 ص 134، وسائل الشيعة ج 13 ص 90 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض، باب 8 ح 4. (3) تهذيب الاحكام ج 6 ص 192 ح 418، في الديون وأحكامها ح 43، وسائل الشيعة ج 13 ص 90، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 8 ح 5.

[ 314 ]

قال: " لا بأس بما أكل " 1. وقال في الدروس: ويجب على المديون الاقتصاد في النفقة، ويحرم الاسراف، ولا يجب التقتير وهل يستحب؟ الاقرب ذلك إذا رضي عياله 2. وقوله " يجب الاقتصاد في النفقة " وجهه ما ذكرنا من أن عدمه يوجب ضياع حق الدائن، أو لما هو ظاهر موثق سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل منا يكون عنده الشئ يبلغ به وعليه دين أيطعمه عياله يأتي الله عز وجل بميسرة فيقضي دينه، أو يستقرض على ظهره في خبث الزمان وشدة المكاسب، أو يقبل الصدقة؟ قال: " يقضي بما عنده دينه، ولا يأكل أموال الناس إلا وعنده ما يؤدي إليهم حقوقهم، إن الله عز وجل يقول: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) 3، ولا يستقرض على ظهره إلا وعنده وفاء، ولو طاف على أبواب الناس فردوه بالتمرة والتمرتين، إلا أن يكون له ولي يقضي دينه من بعده " الحديث 4. وذكرنا تفاصيل لهذه المسألة في هذا المقام مع وضوح الامر من جهة كثرة الابتلاء وعدم الاعتناء، فالاغلب مبتلون بالدين ومع ذلك يسرفون في معيشتهم ويعيشون عيشة الامراء والمثرين. وقد عبر عن هذه الطائفة في الاخبار تارة باللصوص، وأخرى بالسراق. ومن جملة ما يستحب على الدائن هو الاشهاد على دينه لئلا يضيع بالانكار، أو بموت المديون وجهل ورثته، وأمثال ذلك مما يوجب ذهاب ماله وضياعه، ولما


(1) تهذيب الاحكام ج 6 ص 194 ح 424، في الديون وأحكامها ح 49، وسائل الشيعة ج 13 ص 115، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 27 ح 1. (2) الدروس ج 3 ص 310. (3) النساء 4: 29. (4) تقدم ص 282، هامش 3.

[ 315 ]

روى في الكافي بإسناده عن عمران بن أبي عاصم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " أربعة لاتستجاب لهم دعوة: أحدهم رجل كان له مال فأدانه بغير بينة، يقول الله عز وجل ألم آمرك بالشهادة " 1. وأيضا روى في فروع الكافي بإسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من ذهب حقه على غير بينة لم يوجر " 2. وأيضا روى في الكافي عن جعفر بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أربعة لاتستجاب لهم دعوة: الرجل جالس في بيته يقول اللهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك بالطلب، ورجل كانت له امرأة فدعا عليها فيقال: ألم أجعل أمرها إليك، ورجل كان له مال فأفسده فيقول اللهم ارزقني فيقال له: ألم آمرك بالاقتصاد، ألم آمرك بالاصلاح، ثم قال: (والذين إذا أنفقوا ولم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) 3، ورجل كان له مال فأدانه بغير بينة فيقال له: ألم آمرك بالشهادة " 4. فرع: المديون إذا كان معسرا لا يجوز مطالبته ولا حبسه، لقوله تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) 5، فيجب على الدائن الصبر وانتظار الميسرة، ولا يتعرض له قبل ذلك.


(1) الكافي ج 5 ص 298 باب من أدان ماله بغير بينة ح 1، وسائل الشيعة ج 13 ص 93 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 10 ح 1. (2) الكافي ج 5 ص 298 باب من أدان ماله بغير بينة ح 3، وسائل الشيعة ج 13 ص 93 كتاب التجارة، ابواب الدين والقرض باب 10 ح 2. (3) الفرقان 25: 67. (4) الكافي ج 2 ص 370 باب من لاتستجاب دعوته ح 2، وسائل الشيعة ج 4 ص 1159، كتاب الصلاة ابواب الدعاء باب 50 ح 2. والمراد بالامر بالشهادة ما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة 2: 282: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم). (5) البقرة 2: 280.

[ 316 ]

ولا شك في أن قوله تعالى (فنظره إلى ميسرة) وإن كان جملة اسمية لكنه آكد في الوجوب من الجملة الانشائية التي مفادها طلب شئ، فالانتظار واجب، والتعرض بالمطالبة أو الحبس أو ملازمته وعدم الانفكاك عنه ضد الانتظار، ويكون موجبا لترك الواجب فلا يجوز. ووردت أيضا روايات كثيرة في وجوب إنظار المعسر وعدم جواز إعساره، وقد عقد في الوسائل في كتاب الدين بابا بهذا العنوان 1 وروى روايات متعددة: منها: ما رواه عن الكافي بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في وصية طويلة كتبها إلى أصحابه قال: " وإياكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بشئ يكون لكم قبله وهو معسر، فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: ليس لمسلم أن يعسر مسلما، ومن أنظر معسرا أظله الله يوم القيامة بظله يوم لاظل إلا ظله " 2. وظاهر قوله صلى الله عليه وآله " ليس لمسلم أن يعسر مسلما ". هو حرمة الاعسار ونفي الجواز. فرع: لو ضايق الدائن المعسر وأراد أن يحسبه بأن يرفع أمره إلى الحاكم، ولا يمكن للمديون ولا طريق له لاثبات أنه معسر، خصوصا فيما إذا كان سابقا موسرا واستصحاب اليسار موجود فينجر أمره إلى الحبس، فهل يجوز لدفع الضرر عن نفسه إنكار الدين مع علمه بأنه مديون، وهل يجوز له أن يحلف على عدم كونه مديونا مع أنه يدري بأنه مديون، أم لا؟ وعلى تقدير جواز الحلف هل يجب عليه التورية، أو يجوز الحلف كاذبا بدون التورية؟


(1) وسائل الشيعة ج 13 ص 113 كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 25. (2) الكافي ج 8 ص 9 رسالة ابي عبد الله عليه السلام إلى جماعة الشيعة ح 1، وسائل الشيعة ج 13 ص 113، كتاب التجارة ابواب الدين والقرض باب 25 ح 1.

[ 317 ]

الظاهر جوازه مع التورية. أما جواز الحلف كاذبا فلان الحلف كاذبا لمصلحة خصوصا إذا كان لدفع الضرر عن نفسه، أو عن عرضه، أو عن نفس غيره، أو عرض ذلك الغير جائز ولا بأس به، بل ربما يكون واجبا، خصوصا فيما إذا كان حفظ نفس محترمة متوقفا عليه. روى زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: إنا نمر بالمال على العشارين فيطلبون منا أن نحلف لهم ويخلفون سبيلنا ولا يرضون منا إلا بذلك، فقال عليه السلام: " احلف لهم فهو أحلى من التمر والزبد " 1. وعن الفقيه قال: وقال الصادق عليه السلام: " اليمين على وجهين - إلى أن قال - فأما الذي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا ولم تلزمه الكفارة فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرئ مسلم، أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره " - الحديث 2. والروايات بذلك مستفيضة بل متواترة. وأما لزوم فمن جهة أن الضرورات تتقدر بقدرها، إذ لاشبهة في أن تجويز الحلف كاذبا ليس بعنوانه الاولى، إذ الحلف بالله بعنوانه الاولى صادقة لا يخلو عن كراهة فضلا عن كاذبه، قال الله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لا يمانكم) 3 فجوزه الشارع لاجل دفع الضرر، أو وجود مصلحة أخرى، فإن كان من الممكن دفع ذلك الضرر أو تحصيل تلك المنفعة والمصلحة بدون ارتكاب الكذب يتعين، وحيث أن التورية مما يتخلص بها عن الكذب فتجب لفقدان علة جوازه مع إمكان التورية، وكذلك الامر في غير مورد الحلف من موارد جواز الكذب المحرم


(1) الفقيه ج 3 ص 363 ح 4286، الايمان والنذور، ح 14، وسائل الشيعة ج 16 ص 163 كتاب الايمان، ابواب الايمان، باب 12 ح 6. (2) الفقيه ج 3 ص 366 ح 4297، الايمان والتذور ح 25، وسائل الشيعة ج 16 ص 163 كتاب الايمان، ابواب الايمان باب 12 ح 9. (3) البقرة 2: 224.

[ 318 ]

الذي جوز لاجل دفع الضرر، أو لجلب المنفعة، أو لاجل كونه ذا مصلحة كالكذب مع الزوجة بناء على جوازه لاجل إدارة البيت. فرع: إذا اقترض حيوانا فنفقة ذلك الحيوان قبل أن يقبضه المقترض على المقرض، وذلك لان نفقته نفقة الملك، وقد تقدم أن الملك يحصل بالقبض، فقبله لا ملك فلا نفقة. ولو قيل بأن الملك يحصل بالتصرف لابصرف القبض من دون تصرف، فلو أقبض الحيوان ولكن لم يتصرف المقترض بعد، فنفقته على المقرض، لعين ما ذكرنا في القبض، فلو كان الحيوان الذي اقترضه بعيدا عن مكان المقترض وبعد إجراء صيغة القرض ووقوعه أمر المقرض خادمه بإقباض الفرس مثلا للمقترض ولا يمكن له قبضه قبل مضي أيام لبعد المكان مثلا أو لجهة أخرى، ففي تلك الايام نفقته على المالك المقرض لعدم زوال ملكه بعد، وعدم حصول الملكية للمقترض، وكذلك الامر بعينه لو قلنا بحصول الملكية بالتصرف. فرع: قال في التذكرة: إذا اقترض نصف دينار مكسورا فأعطاه المقترض دينارا صحيحا عن قرضه نصف دينار والباقي يكون وديعة عنده وتراضيا جاز 1. أقول: لاشك في صحة أداء الدين والوديعة كلاهما مع التراضي، أما الاداء فلانه وإن كان للمقرض الامتناع من الاخذ، لان الشركة عيب، فله أن لا يقبل ويقول أريد مالي مفروزا، وله يرضى بكونه شريكا مع صاحب النصف، فإذا رضي بذلك يرتفع الاشكال.


(1) تذكرة الفقهاء ج 2 ص 6 و 7.

[ 319 ]

وأما صحة كون النصف الاخر وديعة أيضا يحتاج إلى رضا الودعي، لانه لابد وأن يلتزم بالحفظ وتحمل المشقة في ذلك، ولا وجه للزومه عليه بدون رضائه والتزامه بذلك. وهذا كان كثير الوقوع بالنسبة إلى قرض الدنانير في الزمان القديم والازمنة السالفة، وإن كان في هذا الزمان لا مصداق له من جنس الدينار، ولكن في نفس هذا الزمان له مصاديق أخر كثيرة من غير الدنانير. مثلا لو اقترض كم ذراعا من فاسونة مقصوصة معينة لونها، وسائر خصوصياتها من حيث الجودة والرداءة، ففي مقام الاداء أعطى من ذلك الجنس الواجد لجميع صفاتها وخصوصياتها طاقة كبيرة بقصد أن يكون مقدار دينه وفاء له والباقي أمانة عنده. ونظير هذا كثير في الاجناس التي هي من صنع المكائن في هذه الازمنة، كما إذا اقترض أقراصا بقدر معين من كنين مثلا، فأعطى للمقرض قوطية من تلك الاقراض ليكون مقدار دينه وفاء وأداء له والباقي أمانة عنده، وهكذا خسائر الاجناس، ففي جميع ذلك يكون الاداء والامانة كلاهما صحيحين مع تراضيهما، لما بينا مفصلا فلا نعيد. فرع: لو باع العبد المأذون في التجارة متاعا وقبض الثمن، فظهر المتاع مستحقا للغير وقد تلف الثمن في يد العبد، فهل المشتري يرجع إلى السيد أو إلى العبد؟ قيل برجوعه إلى السيد، لانه في الحقيقة طرف المعاملة، فكما لو كان هو بنفسه البائع كان للمشتري الرجوع إليه، لان المعاملة لم تقع صحيحة، فلابد من إرجاع الثمن إلى المشتري، ويد القابض كانت يد ضمان، لانه من المقبوض بالعقد الفاسد الذي هو في حكم الغصب، فإذا كان البائع في الحقيقة هو السيد فالثمن

[ 320 ]

المقبوض حيث لو كانت المعاملة صحيحة كانت ملكا له ووأصلا إليه وكان قبض العبد قبضه، ولذلك لو لم يكن المتاع مستحقا للغير، وكانت المعاملة صحيحة والثمن قد تلف في يد العبد، لم يكن للسيد مطالبة المشتري بالثمن، فإن الثمن وصل إليه بوصوله إلى العبد، فيكون عند بطلان المعاملة هو الضامن. نعم لو قيل بأن العبد يملك ما أعطاه السيد للتجارة به، غاية الامر بشرط أن يكون الاصل والفرع من الربح بعد ختم التجارة لمولاه، يكون الضامن للمشتري هو العبد. ولكن هذا خلاف الواقع وخلاف الفرض. فالحق في المقام هو الذي تقدم، وهو طرف المعاملة حقيقة هو السيد، لان المعاوضة تقع بينه وبين المشتري، وقبض العبد للثمن هو قبض السيد. فرع: لو اقترض ذمي من مثله خمرا ثم أسلم أحدهما سقط القرض. هكذا ذكر في التذكرة 1، وعلل ذلك بأن الخمر من المثليات يأتي بعد تحقق القرض مثله في ذمة المقترض، ولابد مما يأتي في الذمة أن يكون مالا كي يصح اعتباره في الذمة، فإذا أسلم أحدهما - سواء كان هو المقرض أو المقترض - فذلك المسلم لا يرى شيئا في ذمتة إن كان هو المقترض حسب دينه ومذهبه، فكأنه كان وانعدم ولايرى شيئا في ذمة طرفه إن كان هو االمقرض، وبقاء القرض موقوف على بقاء ذلك الامر الاعتباري عند الطرفين، فبإسلام كل واحد منهما - المقرض والمقترض - يسقط القرض. أما لو كان العين المقروضة قيميا فلا يسقط القرض بإسلام أحدهما. والسر في ذلك هو أن في القيمي ما يأتي في الذمة هو قيمة العين المقروضة يوم القرض، وهذه القيمة قابلة للبقاء في ذمة المسلم والكافر، فلا وجه لسقوطه.


(1) تذكرة الفقهاء ج 2 ص 7.

[ 321 ]

فالفرق واضح بين أن تكون العين المقروضة مثليا أو قيميا، ففي الاول بإسلام أحدهما يسقط القرض، وفي الثاني لا وجه لسقوطه. هذا ما ذكر في التذكرة من التفصيل بين أن يكون مثليا وبين أن يكون قيميا. ولكن يمكن أن يقال: إن القيمة أيضا قيمة تلك العين المقروضة، فلابد وأن يكون وقت أخذ القيمة أيضا من يأخذ القيمة معتقدا بأن ما أقرضه كان له قيمة، وأما إذا كان حال الاخذ لا يعتقد هذا الاعتقاد، بل بالعكس يعتقد أن ما أقرضه ليس مال شرعا وله قيمة فكيف يأخذ مال الناس بإزاء ما ليس عنده بمال لانه بعد إسلام المقرض يعلم بأن ما أقرضه ليس بمال، فلا يكون له عوض كي يأخذ عوضه. اللهم إلا أن يقال: إن ما أقرضه كان حين الاقراض مالا واقعا بجعل الشارع، فحين كان ذميا كان خمره الذي أقرضه أو خنزيره مالا واقعا ولم يسقط الشارع ذلك الوقت ماليته، فيأخذ القيمة باعتبار مالية ذلك الوقت التي تعلقت بذمته وثبتت في عهدته في نفس ذلك الوقت، لانه قيمي، والقيمي في نفس حال القرض تتعلق قيمته بعهدة المقترض وتثبت في ذمته. ولكن القول بأنه كان الخنزير مالا واقعا حال كفره بعيد عن مذاق الشرع، بل الظاهر أن الشارع حكم بإجراء أحكام المال عليه ظاهرا، حفظا للنظام. وهذا حكم ظاهري، فلو باع خمرا أو خنزيرا وقت كفره ثم أسلم فيجب عليه رد الثمن، لانكشاف الخلاف عنده، فلا يبقى الحكم الظاهري بعد انكشاف الخلاف. فافهم 1. فرع: لو أسقط المديون أجل الدين الذي عليه هل يسقط الاجل ويصير


(1) إشارة إلى أن القول بكون المذكورات ملكا للذمي حال كفره ظاهرا لا واقعا، خلاف ما تسالم عليه الاصحاب، فبناء عليه ما ذكره العلامة قدس سره في التذكرة من التفصيل بين قرض ما هو المثلي وبين ما هو القيمي في محله. منه قدس سره.

[ 322 ]

حالا بحيث يكون الاداء واجبا على المديون لو طالبه الدائن قبل حصول ذلك الاجل، أم لا يسقط ويبقى مؤجلا فليس لصاحب الدين المطالبة؟ قال في القواعد لا يسقط قبله 1. وقال في جامع المقاصد ليس له المطالبة في الحال. لان ذلك - أي الاجل - قد ثبت بالعقد اللازم كما هو المفروض، فلا يسقط بمجرد الاسقاط، ولان في الاجل حقا لصاحب الدين، ولذلك لا يجب عليه القبول قبل الاجل 2. ولعل مراده من هذا الكلام أن في الدين المؤجل حقين، أحدهما لصاحب الدين، والاخر للمديون، وبإسقاط أحدهما حقه لا يسقط حق الاخر. نعم لو تقايلا يسقط، لان مرجع الاقالة إلى إسقاط الاثنين، فلا يبقى حق في البين. وأما تعليل عدم سقوطه بكون ثبوته بالعقد اللازم، فمبني على كون المنشأ بالعقد معنى مقيدا بذلك الاجل، لاجعل حق لاحد الطرفين أو لهما. والاظهر هو أن عقد الدين المؤجل بنحو التقييد لا في مقام جعل حق لاحدهما أولهما، فبالإسقاط لا يسقط. والحمد لله أولا وأخرا، وظاهرا وباطنا.


(1) قواعد الاحكام ج 1 ص 158 كتاب الدين. (2) جامع المقاصد ج 5 ص 41.

[ 323 ]

63 - رسالة في التوبة

[ 325 ]

رسالة في التوبة * الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الاولين والاخرين محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين. وبعد: فهذه نبذة من الكلام في تحقيق معنى التوبة، وشرح مفهومها، وبيان حقيقتها، والدليل على وجوبها على جميع المكلفين غير المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، بل وعلى بعض هؤلاء ممن صدر منهم ترك الاولى، كبعض الانبياء السالفين كما هو صريح القرآن المبين، ولا يخلو عادة ما عداهم أي مؤمن ومسلم عن ارتكاب بعض ما حرمه الله على عباده وإن كان من الصغائر. وأيضا بيان آثارها بعد وجودها مما يحصل للتائب من الصعود من حضيض الناسوت إلى أوج الملكوت، وأنه يصير مشمولا لقوله عليه السلام: " التائب عن الذنب كمن لاذنب له " 1. فأقول: أما الاول: أي حقيقة التوبة عبارة عن الرجوع من الغي والضلال إلى الرشد وما يوجب الهداية والكمال، أو الرجوع إلى الله تعالى بعد الاعراض عنه، أو الرجوع


*. قد بحث عن التوبة في الكتب الاخلاقية، لا الفقهية نحو: المحجة البيضاء ج 7 ص 1 - 104، جامع السعادات ج 2 ص 49 - 88، " التوبة والتائبون " مهدى، مكتبة الامام الحسن عليه السلام، قم، ثلاث رسائل العدالة، التوبة، قاعدة لاضرر، سيد تقي طباطبائي قمي، محلاتي، قم (1) الكافي ج 2 ص 316 باب التوبة ح 10، وسائل الشيعة ج 11 ص 358 ابواب جهاد النفس، باب 86 ح 8.

[ 326 ]

إلى الطريق المستقيم بعد الانحراف عنه. ومرجع الكلي إلى أمر واحد، وهو الرجوع من عصيان المولى عز وجل ومخالفته والطغيان عليه إلى طاعته وامتثال أوامره ونواهيه. وإن شئت قلت: إنها عبارة عن الندم مما ارتكب فيما مضى من المعاصي والعزم على تركها في الاتي، أو تقول: إنها عبارة عن تنزيه القلب عن الرذائل وما يوجب البعد عن المولى عز وجل، والرجوع إلى ما يوجب القرب وتدارك ما فات منه من الكمال. وذلك من جهة أن ارتكاب الذنوب والاقتراف فيها ينشأ من الصفتين الرذيلتين، وهما الشهوة والغضب، وبسببهما يخرج الانسان عن الاستقامة والاعتدال، وربما يصير أنزل من السباع الضارية والافاعي السامة، والشهوات من أوان الطفولة إلى أن يصير شيخا كبيرا أنواع وأقسام، وكلها من المهلكات إن لم تصرف فيما خلقها الله لاجله. وأما القوة الغضبية التي هي مبدأ أغلب الشرور والبلايا تتولد منها المعاصي الكبيرة، والمفاسد، والجرائم، وقتل النفوس، وهتك الاعراض، ونهب الاموال، وهدم الدور إلى غير ذلك من الجرائم الكبيرة التي ربما تكون بمثابة لا يقدر الانسان على سماعها وتقشعر من ذكرها الابدان. وبالتوبة والرجوع إلى الله يزيل التائب عن قلبه هذه الرذائل ويطهرها من الارجاس والادناس، فيصير القلب سليما عن تلك الامراض والافات، ويكون الانسان داخلا في المستثنى في الاية الشريفة (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) 1. وأما الدليل على وجوبها: (1) الشعراء 26: 88 و 89.

[ 327 ]

فمن الايات وهي كثيرة لا تحصى بصورة الامر، أو بذكر الاثار والفوائد العظيمة التي لها. فمن الاول قوله تعالى: (توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنين) 1. وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) 2 وقوله تعالى: (إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم) 3 وقوله تعالى: (وإن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا) 4. ومن الثاني قوله تعالى: (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما) 5 إلى غير ذلك من الايات الكثيرة في نتائج التوبة وفوائدها. وكذلك وردت آيات في الانابة، كقوله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) 6 وقوله تعالى: (وما يتذكر إلا من ينيب) 7 وقوله تعالى: (وجاء بقلب منيب) 8. وزعم بعضهم أن الانابة غير التوبة، وهي الرجوع حتى من المباحات إليه تعالى، لافقط من الذنب كما في التوبة، ولكن الصحيح أنها المرتبة الكاملة من التوبة، وهي الابتهال والتضرع إليه تعالى بعد الندم عن الذنوب، وغير هذا قول بلا دليل. وأما من الاخبار فهي كثيرة بالغة حد التواتر، وقد عقد في الوسائل بابا بل أبوابا لذلك وذكر أحاديث كثيرة:


(1) النور 24: 31. (2) التحريم 66: 8. (3) البقرة 2: 54. (4) هود 11: 3. (5) النساء 4: 16. (6) الزمر 39: 54. (7) غافر 40: 13. (8) ق 50: 33.

[ 328 ]

منها: رواية معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا تاب العبد توبة نصوحا أجله الله تعالى فستر عليه في الدنيا والاخرة ". قلت: وكيف يستر عليه؟ قال: " ينسي ملكية ما كتبا عليه من الذنوب، ويوحي إلى جوارحه اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الارض اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله حين يلقاه وليس شئ يشهد عليه بشئ من الذنوب " 1. ومنها: رواية محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهم السلام في قول الله عز وجل: (من جائه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) 2 قال: " الموعظة التوبة " 3. ومنها: رواية أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (يا أيها الذين امنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) قال: " هو الذنب الذي لا يعود فيه أبدا ". قلت: واينا لم يعد؟ فقال: " يا أبا محمد إن الله يحب من عباده المفتن التواب " 4. ومنها: رواية أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل (يا أيها الذين امنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) قال: " يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه ". قال محمد بن فضيل: سألت عنها أبا الحسن عليه السلام فقال: " يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، وأحب العباد إلى الله المفتنون التوابون " 5. ومنها: مرفوعة علي بن إبراهيم قال: إن الله أعطى التائبين ثلاث خصال لو أعطي خصلة منها جميع أهل السماوات والارض لنجوا بها، قوله عز وجل: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) 6 فمن احبه الله لم يعذبه، وقوله: (فاغفر للذين


(1) الكافي ج 2 ص 314 باب التوبة ح 1، وسائل الشيعة ج 11 ص 356 و 357 ابواب جهاد النفس، باب 86 ح 1. (2) البقرة 2: 275. (3) الكافي ج 2 ص 314 باب التوبة ح 2، وسائل الشيعة ج 11 ص 357، ابواب جهاد النفس باب 86 ح 2. (4) الكافي ج ص 314 باب التوبة ح 2، وسائل الشيعة ج 11 ص 257، ابواب جهاد النفس باب 286 ح 3. (5) الكافي ج 2 ص 314 باب التوبة ح 3، وسائل الشيعة ج 11 ص 357 ابواب جهاد النفس باب 86 ح 4. (6) البقرة 2: 222.

[ 329 ]

تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) 1 وذكر الايات، وقوله: (إلا من تاب وامن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) 2. 3 ومنها: رواية أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " إن الله تبارك وتعالى أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشد بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها " 4. ومنها: رواية يوسف أبي يعقوب بياع الارز، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: " التائب من الذنب كمن لاذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ " 5. ومنها: رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: " أوحى الله عزوجل إلى داود النبي عليه السلام: يا داود إن عبدي المؤمن إذا أذنب ذنبا ثم رجع وتاب من ذلك الذنب واستحى مني عند ذكره، غفرت له وأنسيته الحفظة وأبدلته الحسنة ولا أبالي، وأنا أرحم الراحمين " 6. ومنها: رواية يحيى بن بشير، عن المسعودي قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " من تاب تاب الله عليه، وأمرت جوارحه أن تستر عليه، وبقاع الارض أن تكتم عليه، ونسيت الحفظة ما كانت كتبت عليه " 7.


(1) غافر 40: 7. (2) الفرقان 25: 70. (3) الكافي ج 2 ص 315 باب التوبة ح 5، وسائل الشيعة ج 11 ص 357 ابواب جهاد النفس باب 86 ح 5. (4) الكافي ج 2 ص 316 باب التوبة ح 8، وسائل الشيعة ج 11 ص 358 ابواب جهاد النفس باب 86 ح 6. (5) تقدم ص 325، هامش 1. (6) ثواب الاعمال ص 158 ح 1، باب من أذنب ذنبا ثم رجع وتاب...، وسائل الشيعة ج 11 ص 359، ابواب جهاد النفس باب 86 ح 9. (7) ثواب الاعمال ج 213 ح 1، ثواب التوبة، وسائل الشيعة ج 11 ص 359 ابواب جهاد النفس، باب 86 ح 10.

[ 330 ]

ومنها: رواية السكوني عن جعفر بن محمد سلام الله عليهما، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لله فضولا من رزقه ينحاه من شاء من خلقه، والله باسط يده عند كل فجر لمذنب الليل هل يتوب فيغفر له، ويبسط يده عند مغيب الشمس لمذنب النهار هل يتوب فيغفر له " 1. ومنها: رواية علي بن عقبة، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل (ثم تاب عليهم) 2 قال: " هي الاقالة " 3. وفي عيون الاخبار عن الرضا عليه السلام، عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " مثل المؤمن عند الله تعالى كمثل ملك مقرب، وإن المؤمن عند الله لأعظم من ذلك، وليس شئ أحب عند الله تعالى من مؤمن تائب ومؤمنة تائبة " 4. ومنها: ما عن دارم بن قبيصة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " 5. ومنها: ما عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " لاخير في الدنيا إلا لرجلين: رجل يزداد في كل يوم إحسانا، ورجل يتدارك ذنبه بالتوبة، وأنى له بالتوبة، والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت " 6.


(1) ثواب الاعمال ص 214 ح 3، ثواب التوبة، وسائل الشيعة ج 11 ص 359، ابواب جهاد النفس، باب 86 ح 11. (2) التوبة 9: 117. (3) معاني الاخبار ص 215 ح 1 باب توبة الله عز وجل على الخلق، وسائل الشيعة ج 11 ص 359، ح 21020، ابواب جهاد النفس، باب 26 ح 12. (4) عيون الاخبار الرضا ج 2 ص 29 ح 33، وسائل الشيعة ج 11 ص 359 ابواب جهاد النفس، باب 26 ح 13. (5) عيون اخبار الرضا ج 2 ص 74 ح 347، وسائل الشيعة ج 11 ص 360 ابواب جهاد النفس، باب 26 ح 14. (6) الخصال ص 41 ح 29، لاخير في الدنيا إلا لاحد رجلين، وسائل الشيعة ج 11 ص 360، ابواب جهاد النفس باب 86 ح 15.

[ 331 ]

ومنها: ما عن علي بن موسى بن طاووس في مهج الدعوات، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اعترفوا بنعم الله ربكم، وتوبوا إلى الله من جميع ذنوبكم فإن الله يحب الشاكرين من عباده " 1. ومنها: ما عن محمد بن أحمد بن هلال قال: سألت أبا الحسن الاخير عليه السلام عن التوبة النصوح ما هي؟ فكتب عليه السلام " أن يكون الباطن كالظاهر وأفضل من ذلك " 2. ومنها: ما رواه عبد الله بن سنان وغيره جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " التوبة النصوح هو أن يتوب الرجل من ذنب، وينوي أن لا يعود إليه أبدا " 3. وعن نهج البلاغة قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لمن قال بحضرته استغفر الله: ثكلتك أمك، أتدري ما الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان: أولها: الندم على ما مضى، والثاني: العزم على ترك العود إليه أبدا، والثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله عز وجل أملس ليس عليك تبعة، والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها، والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالاحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد، والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: استغفر الله " 4. وما رواه جميل بن دراج عن بكير، عن أبي عبد الله أو عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: " إن الله عز وجل قال لادم عليه السلام: جعلت لك أن من عمل من ذريتك سيئة ثم استغفر غفرت له. قال: يا رب زدني. قال: جعلت لهم التوبة - أو بسطت لهم التوبة -


(1) مهج الدعوات ص 275، وسائل الشيعة ج 11 ص 360، ابواب جهاد النفس باب 86 ح 16. (2) معاني الاخبار ص 174 ح 1، باب معنى التوبة النصوح، وسائل الشيعة ج 11 ص 361، ابواب جهاد النفس باب 87 ح 1. (3) نهج البلاغة حكم امير المؤمنين عليه السلام رقم 417. (4) نهج البلاغة حكم أمير المؤمنين رقم 417.

[ 332 ]

حتى تبلغ النفس هذه. قال: يا رب حسبي " 1. وما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا بلغت النفس هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - لم يكن للعالم توبة وكانت للجاهل توبة " 2. وعن ابن فضال، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته، ثم قال: إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته، ثم قال: إن الشهر لكثير، ثم قال: من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته، ثم قال: وإن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته. ثم قال: إن يوما لكثير، من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته " 3. عن معاوية بن وهب في حديث: إن رجلا شيخا كان من المخالفين، عرض عليه ابن أخيه الولاية عند موته، فأقربها وشهق ومات، قال: فدخلنا على أبي عبد الله عليه السلام فعرض علي بن السري هذا الكلام على أبي عبد الله، فقال: " هو رجل من أهل الجنة ". قال له علي بن السري: إنه لم يعرف شيئا من هذا غير ساعته تلك، قال: " فتريدون منه ما ذا قد والله دخل الجنة " 4. عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عدة من أصحابنا رفعوه قالوا: قال: " لكل شئ دواء، ودواء الذنوب الاستغفار " 5.


(1) الكافي ج 2 ص 319، باب فيما أعطى الله عز وجل آدم عليه السلام وقت التوبة ح 1، وسائل الشيعة ج 11، ص 369 ابواب جهاد النفس باب 93 ح 1. (2) الكافي ج 2 ص 319 باب فيما أعطى الله عز وجل آدم عليه السلام وقت التوبة ح 3، وسائل الشيعة ج 11 ص 369 ابواب جهاد النفس باب 93 ح 2. (3) الكافي ج 2 ص 319 باب فيما أعطى الله عز وجل آدم عليه السلام وقت التوبة ح 2، وسائل الشيعة ج 11 ص 370 ابواب جهاد النفس باب 93 ح 3. (4) الكافي ج 2 ص 319. 320 باب فيما أعطى الله عز وجل آدم عليه السلام التوبة ح 4، وسائل الشيعة ج 11 ص 370 ابواب جهاد النفس باب 93 ح 4. (5) الكافي ج 2 ص 318 باب الاستغفار من الذنب ح 8، وسائل الشيعة ج 11 ص 352 و 367، ابواب جهاد النفس باب 85 ح 3، وباب 92 ح 2.

[ 333 ]

وهذه الروايات وإن كان أكثرها يمكن المناقشة في دلالتها على وجوب التوبة ولكن يستفاد من المجموع أن الله تبارك وتعالى لا يرضى بتركها، وهذا ملازم مع الوجوب. هذا، مع أن بعضها - كرواية علي بن موسى بن طاووس في مهج الدعوات - ظاهرة في الوجوب، لمكان قوله صلى الله عليه وآله فيها " وتوبوا إلى الله من جميع ذنوبكم "، والامر ظاهر في الوجوب، خصوصا مع تأييد هذا الظهور بالايات الظاهرة في الوجوب، والاجماعات المدعاة في المقام، والادلة العقلية التي سنذكرها إن شاء الله تعالى. وأما الاستدلال على وجوبها بالاجماع: فقد حكي عن كثير، وحكى الشيخ الاعظم الانصاري 1 عن شارح أصول الكافي ادعاء إجماع الامة عليه. ونحن لم نجد مخالفا في أصل الوجوب. نعم هنا وقع خلاف في أن وجوبها هل هو ارشادي أو مولوي، وسنتكلم فيه إن شاء الله تعالى. ولكن الكلام في حجية مثل هذا الاجماع الذي يمكن كون اتكاء المجمعين على الايات والروايات الكثيرة، أو الادلة العقلية التي سنذكرها إن شاء الله تعالى. هذا، مضافا إلى الاشكال العقلي سنذكره في كون وجوبها شرعيا مولويا، فلا يبقى مجال للتمسك بالاجماع أصلا. وأما الادلة العقلية: على وجوبها، فهي من وجوه: الاول: لزوم دفع الضرر المحتمل بحكم العقل، ولاشك في أن في ترك التوبة احتمال ضرر عظيم، وهو عذاب الله الشديد الاليم الذي تطول مدته ويدوم بقاؤه ولا تطيقه السماوات والارضون، لانه من غضب الله وانتقامه.


(1) مصنفات الشيخ الانصاري مجموعة 23، ص 58.

[ 334 ]

هذا، مع أن الاحتمال في وقوعه لاجل احتمال الشفاعة، وإلا فاستحقاقه معلوم، لا أنه محتمل، مع ورود روايات كثيرة في أن أهل الكبائر لا يشفعون خصوصا بعض الكبائر. وأيضا صرح في بعض الاخبار بأن الله تبارك وتعالى لا يعفو عن حقوق الناس إلا أن يعفو صاحبه، فلا ينبغي التأمل في أن العقل يحكم حكما قطعيا بلزوم دفع مثل هذا الضرر المحتمل، ولذلك لما استدل الاخباريون للزوم الاحتياط في الشبهات البدوية التحريمية بهذه القاعدة. وأجاب الاصوليون: بأن المراد من الضرر المحتمل إن كان ضررا دنيويا فمقطوعه لا يجب دفعه إذا كان يسيرا، فضلا عما هو محتمل. نعم لابد أن يكون ارتكابه لغرض ديني أو دنيوي كي لا يكون ارتكابه سفهيا، بل العقلاء يتحملون أضرارا لاجل أغراضهم ولو كانت تلك الاغراض شهوية. وأما إن كان المراد من الضرر المحتمل الضرر الاخروي والعذاب الالهي يقبلون لزوم دفعه بحكم العقل الصريح ولا ينكرون، بل يقولون بوجوب دفع الموهوم منه، بأن يكون احتمال وجوده أضعف من احتمال عدمه، وذلك لشدته وطول مدته، فلذلك يحتاج إلى وجود المؤمن لدفع هذا الاحتمال. فيجيبون عن استدلالهم هذا بوجود المؤمن العقلي، أي قبح العقاب بلا بيان من قبل المولى، والمؤمن الشرعي، أي أدلة البراءة الشرعية من الايات والروايات والاجماع. وخلاصة الكلام: أن لزوم دفع الضرر المحتمل إذا كان المراد منه العذاب الاخروي بحكم العقل مما لا كلام ولا إشكال فيه. الثاني: شكر المنعم، والعقل يستقل بلزوم شكر المنعم، ومنه لزوم النظر في المعجزة، وإلا يلزم إفحام الانبياء عليهم السلام.

[ 335 ]

فهذه الكبرى - أي شكر المنعم - لزومه بحكم العقل مما لاريب فيه، وإلى هذا يشير قوله تعالى: (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان) 1 أي هل جزاء من أحسن إليكم بهذه النعم المذكورة في سورة الرحمن إلا أن تحسنوا في شكره وعبادته. فالكبرى فطري، وأما الصغرى - أي كون التوبة من شكر المنعم - فلانه لاشك في أنه تعالى أنعم بجميع النعم من ابتداء خلقة الانسان وكونه علقة في الرحم، إلى أن صار إنسانا سويا كاملا عاقلا بالغا ذا رشد عليه من إعطائه نعمة الوجود أولا، ثم إعطاء الجوارح اللازمة لرفع احتياجاته من اليد والرجل والعين والاذن وغيرها، بحيث يكون فقد أي واحد منها عنه يكون بلاء عظيما له، ثم بعد ذلك إعطاء الحواس الخمسة الظاهرية من اللمس والابصار والشم والذوق والسمع، بحيث يكون فقدان كل واحد منها يوجب نقصا لا يتدارك، وهكذا الامر في القوى الباطنة. ثم أعظم وأكبر من ذلك أعطاه العقل المجرد الذي به يجلب كل خير ويدفع كل شر. وقال بعض العارفين: إلهي إن أعطيته العقل فمن أي شئ أحرمته، وإن أحرمته من العقل فأي شئ أعطيته. أي: كل شئ لا يفيده لانه بالعقل يوجد الله ويعبد ويكتسب به الجنان، وليس في العالم شئ أحسن من هذا وأنفع وأشرف، وبه يخرج عن حضيض الحيوانية إلى أوج الملكوتية، ثم أعطاه النعم الظاهرة التي يحتاج الجسم إليها في حياته وبقائه من المساكن والملابس والمآكل والمشارب والمراكب والمناكح وغير ذلك. ولاشك في أن عصيان المولى المنعم ومخالفته في أوامره ونواهيه تمرد وبغي وطغيان عليه وابتعاد عنه، ورجوعه عن مخالفته وطغيانه وبغيه وابتعاده عنه إلى المولى والتزامه بترك مخالفته شكر له، فيجب ذلك عليه بحكم العقل الصريح الفطري، فالكبرى والصغرى كلاهما في هذا القياس ثابتة ومعلومة بغير إشكال.


(1) الرحمن 55: 60.

[ 336 ]

الثالث: حكم العقل بلزوم درك المصالح الملزمة وعدم جواز تفويتها ولزوم حفظ النفس عن الوقوع في المفاسد. بيان ذلك: هو أن الحق عندنا الامامية أن الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد التي نسميها بملاكات الاحكام، فالعاصي إما يترك واجبا فيفوت عنه مصلحة ذلك الواجب، وإما يرتكب حراما فيقع في مفسدة ذلك الحرام، والتوبة - أي الرجوع إلى طاعة المولى وترك مخالفته - مرجعها إلى عدم ترك الواجب، فلا يفوت عنه مصلحة ملزمة، أو إلى ترك الحرام، فلا يقع في مفسدة، وكلاهما - أي عدم فوت المصلحة الملزمة، وعدم الوقوع في المفسدة - مما يحكم العقل بلزومهما، فينتج أن التوبة لازمة بحكم العقل. الرابع: في أنه لاشبهة في حكم العقل بلزوم الاستكمال والترقي في مراتب الحقيقة إن كان ذلك ممكنا وميسورا. ولاشك في أن الانسان بواسطة ارتكاب المعاصي، سواء كان بترك الواجبات، أو بفعل المحرمات ينزل، بل ربما يكون أنزل من الحيوان، وإلى هذا يشير قوله تعالى: (بل هم أضل سبيلا) 1، ولكن لما تاب ورجع إلى الله وصار كمن لاذنب له، فينقلب نفسه من الخسة والرذالة والدناءة والخباثة والشقاوة إلى الشرافة والنزاهة والعلو والطيبة والسعادة. فلو فرضنا أن فردا من أفراد حقيقة من الحقائق المشككة ذات مراتب متفاوتة بالكمال والنقص له إمكان أن يرقى نفسه من النقص إلى الكمال، لانه فاعل مختار، له أن يكمل نفسه ويصعد من الحضيض الناسوتية إلى أوج القدس والكمال والملكوتية، ويزيل عن نفسه الرذائل، ويتحلى بالفضائل، فهل لعاقل أن ينكر وجوب ذلك عليه ويقول لا مانع له من إبقاء نفسه على النقص وإن كان أنزل من السباع الضارة والافاعي السامة؟ ما أظن أن عاقلا يجوز مثل هذا المعنى، مع أن الله


(1) الفرقان 25: 44.

[ 337 ]

تعالى ذمهم على ذلك، وقال في كتابه العزيز (إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا) 1. وقد عبر علماء الاخلاق عن تلك الرذائل مثل الجبن والبخل والحسد والكبر والرياء والحرص والطمع تارة بالامراض النفسانية، وأخرى بالمهلكات، فالقلب السالم عندهم هو الخالي عن هذه الامراض والمهلكات، ولذلك قالوا في مقام علاج النفس المريضة بلزوم التخلية عن هذه الرذائل وتحليتها بالفضائل، ولعل إلى هذا يشير قوله تعالى في وصف يوم القيامة (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) 2 أي يكون سالما عن هذه الامراض النفسانية. فتحصيل هذه المرتبة من كمال النفس والقلب، وتخليته من الامراض والمهلكات أولى بكثير من تخلية البدن من الامراض الجسمية. وبعبارة أخرى: الانسان مركب من البدن والنفس الناطقة القدسية التي بها يتميز تميزا جوهريا ذاتيا عن سائر الحيوانات، المعبر عنها في الكتاب العزيز تارة بالقلب، وأخرى بالروح، وثالثة بالنفس أيضا. ولاشك في أن هذا الجزء من الانسان - أي النفس - أشرف من الجزء الاخر أي البدن، لانه ثبت تجرده في محله، والبدن مادي، لانه جسم، ولان إنسانية الانسان بالنفس لابالبدن، إذ النفس صورة للانسان، والبدن مادة له، وشيئية الشئ بصورته لا بمادته. ففساد البدن وأمراضه لا يضر بإنسانية الانسان بقدر ما يضر فساد القلب، ولذلك علم الاخلاق الذي وضع لعلاج أمراض النفس أشرف بكثير من علم الطب الذي وضع لعلاج أمراض البدن، فكما أن العقل يحكم بلزوم علاج أمراض البدن وحفظه عن الهلاك، فكذلك يحكم بلزوم علاج أمراض النفس - أي القلب -


(1) الفرقان 25: 44. (2) الشعراء 26 و 88: و 89.

[ 338 ]

وحفظ سلامته بطريق أولى. وليس علاج ودواء لامراض النفس أحسن وأنفع وأفيد من التوبة، إذ بها يطهر القلب عن الرذائل ويحفظ سلامته، وبها يخرج عن الحيوانية والبهيمية. وربما يحصل له مرتبة شامخة من الولاية التكوينية بحيث يكون له بعض التصرفات في الكون. كما اتفق لبعض الكملين من العلماء الاخيار. نعم الولاية المطلقة مخصوصة بنبينا صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين عليهم السلام، فيتصرفون في جميع الاشياء بإذن الله حتى في الحيوانات والنباتات كلها بإذن الله. وهذه الولاية المطلقة لهم عليهم السلام لاربط لها بالتوبة، حاشاهم عن العصيان والاحتياج إلى التوبة، بل موهبة إلهية لاستعدادهم الذاتي ونفاسة جوهرهم وكونه من عليين، فوصلوا إلى أعلى مراتب الكمال وإلى أقرب مدارج القرب إلى ذي الجلال، بحيث يكونون سمعه الذي يسمعون به، وبصره الذي يبصرون به، ويده التي يبطشون بها. وهذه الولاية هي التي يبرأ بها الأكمه والابرص بإذن الله، ويحيى الموتى بها بإذنه تعالى، وكذلك في سائر التصرفات المنقولة عنهم عليهم السلام المروية في الكتب المعتبرة التي اعتمد عليها العلماء الابرار في هذا الموضوع، ككتاب مدينة المعاجز 1 للسيد البحراني قدس سره وغيره مما هو مثله. وبعد ما ثبت وجوب التوبة بالايات، والروايات والاجماع والادلة العقلية يجب ذكر أمور لابد منها لتتميم البحث عن التوبة: [ الامر ] الاول: في أن الوجوب المذكور هل هو إرشادي عقلي، أو شرعي


(1) مدينة المعاجز ص 5، نحوه.

[ 339 ]

مولوي؟ قد يقال: إنه إرشادي عقلي، ولا يمكن أن يكون شرعيا مولويا، لوقوعه في سلسلة معاليل الاحكام، فيكون حاله حال وجوب الاطاعة، فلو كان شرعيا يلزم من وجوده تكرره، وكل ما كان كذلك يلزم منه التسلسل المحال، فهو باطل ومحال. وبعبارة أخرى: لو كان أمر " تب " شرعيا، يلزم من ذلك تعلق أمر آخر مثل الامر الاول به، فيكون الامر الاول المتعلق بمادة التوبة موضوعا للامر الثاني متعلقا بتلك المادة، وهكذا الامر الثاني يكون موضوعا للامر الثالث بتلك المادة، وهكذا وهلم جرا، فيلزم من وجوده تكرره، فيكون محالا كما عرفت. ولكن هذا القياس ليس في محله وباطل، وذلك لان أمر " أطع " موضوعه كل أمر شرعي مولوي صدر من الشارع، لان الاطاعة عبارة عن امتثال كل أمر مولوي صدر عن الشارع، فلو كان أمر " أطع " شرعيا مولويا فكل فرد من أفراد أمر " أطع " يكون موضوعا لامر آخر مثله، فقهرا لا ينتهي مثل هذا إلى حد، لان كل واحد من أفراد " أطع " يولد مثله فيلزم من وجوده تكرره، ومثل هذا يلزم منه التسلسل المحال. وأما أمر " تب " فليس وجوده موضوعا لامر آخر مثله كي يلزم من وجوده تكرره، بل ينقطع بامتثال كل واحد ما بعده، إذ موضوع المتأخر عصيان المتقدم لا وجوده، فلا يدخل تحت قاعدة " كل ما يلزم من وجوده تكرره فهو محال " كما كان في باب الاطاعة كذلك، فقياس أمر التوبة بأمر الاطاعة باطل. وليس معنى التوبة " لاتعص كي يكون مثل باب الاطاعة، بل معناه هو أنه إذا عصيت ارجع عن غيك وضلالك إلى الله، أو إلى الطريق المستقيم، ومآل كليهما واحد ثم إنه بعد ما عرفت أن كون أمرها أمرا شرعيا مولويا ممكن، ففي مقام

[ 340 ]

الاثبات يكفي لاثباته هذه الايات الكثيرة، والروايات المتواترة، وتلك الادلة العقلية. ثم إنه من آثار كونه أمرا شرعيا مولويا هو أنه لو عصى معصية واحدة وإن كان ما ارتكبه من الصغائر ولم يتب يصير فاسقا، لإصراره على المعصية بترك التوبة، خصوصا إذا تأخرت توبته مدة، فيصدر منه تروك كل واحد منها معصية، وإن قلنا بأن ترك التوبة معصية صغيرة لتحقق الإصرار الذي هو معصية كبيرة، فيصير فاسقا بذلك. وأما لو لم نقل بأن أمر التوبة أمر مولوي، بل إرشادي محض، فليس هاهنا إلا تلك المعصية الصغيرة التي ارتكبها، فلا يخرج عن العدالة وإن كان بانيا عازما على الرجوع إلى تلك المعصية، كالنظر إلى الاجنبية بناء على أن البناء والعزم على المعصية ليس بمعصية، كما أن الظاهر أنه هو كذلك. وهذا أثر مهم. الامر الثاني: هل يعتبر في تحقق التوبة العزم على عدم العود إلى إيجاد مثل ما تاب عن إيجاده، أم لا؟ والظاهر هو أن العزم على عدم العود إليه وإرادة عدم إيجاده مرة أخرى من لوازم التوبة، بمعنى الندم عما فعل بحيث لا ينفك عنه. نعم لا ينافي الندم عن فعل شئ والعزم على تركه طول عمره مع احتمال صدوره عنه لوجود غريزة، أو طرو حالة تمنعه عن الاستمرار على الترك، وإن كان في الحال الحاضر عازما على الاستمرار على الترك، كما في المتعودين بشرب الافيون أو سائر المخدرات لما يتوجه إلى مضاره ومفاسده يبني ويعزم على ترك شربه، ولكن العادات قاهرات، فربما يطرأ عليه حالة تمنعه على الجري على طبق عزمه، فطرو مثل هذه الحالات بالنسبة إلى التائب لا ينافي مع تحقق التوبة منه في السابق، ولا ينافي العزم على العدم قبل طرو هذه الحالة. وعلى كل حال العزم على عدم العود إليه معتبر فيها، بمعنى أنه من لوازمها ولا

[ 341 ]

ينفك عنها وإن كان خارجا من حقيقتها، إذ لازم الشئ غير نفس الشئ، بل وغير ذاتياته الايساغوجي وإن أدخلوه في تعريفها، فهو من باب أنه قد يعرفون الشئ بلوازمه وآثاره وأعراضه، فيكون رسما لا حدا حسب اصطلاح المنطقيين. الامر الثالث: هل يعتبر في تحقق التوبة الاستغفار، أم لا؟ الحق في هذا المقام أن حقيقة التوبة في مقام اللب هو الندم عما صدر عنه من المعاصي، كما ورد أن " الندم توبة " 1، وأنه " كفى بالندم توبة " 2، وقوله عليه السلام في الصحيفة في دعاء التوبة: " اللهم إن يكن الندم توبة اليك فأنا أندم النادمين " 3 ولكن وصول هذه الحقيقة إلى مرحلة الاثبات يحتاج إلى الاعتراف باللسان والانشاء بهذه الكلمة المركبة من جملتي " استغفر الله ربي " وجملة " أتوب إليه "، وكمالها بالجري عملا على طبقها. وذلك كما أن حقيقة الاسلام هو الاعتقاد بالشهادتين وأنه " لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله "، ولكن وصوله إلى مرتبة الاثبات بالاقرار والاعتراف بالجملتين باللسان، ولا تترتب عليه الاثار إلا بإظهار الجملتين، وكماله بالعمل بالاركان وأن يعمل بأحكام الاسلام بإتيان الواجبات، وفعل ما يقدر ويسهل عليه من المستحبات، وتركه جميع المحرمات، وما يسهل عليه تركه من المكروهات، فكذلك في المقام وإن كان حقيقة التوبة هي الندم والعزم على ترك العود إليه كما ذكرنا، وهذا أمر قلبي، ولكن بلوغها بمرتبة الاثبات وترتيب الاثار عليها بذكر الجملتين، أي


(1) عوالي اللئالي ج 1 ص 292 ح 168، الفصل العاشر، وسائل الشيعة ج 11 ص 349، ابواب جهاد النفس باب 83 ح 5 وفيه: الندامة توبة. (2) الخصال ص 16 ح 57 كفى بالندم توبة، وسائل الشيعة ج 11 ص 349 ابواب جهاد النفس، باب 83 ح 6. (3) الصحيفة السجادية ص 164 و 165، دعاء 31.

[ 342 ]

" أستغفر الله ربي "، وجملة " أتوب إليه ". فحينئذ يجمع بين الروايات الواردة في هذا المقام بحمل ما يكون مفادها أن التوبة هي الاستغفار على مرتبة البلوغ إلى مقام الاثبات، وما يكون مفادها أن التوبة عبارة عن الندم والعزم على عدم العود إليه على بيان حقيقة التوبة في مقام الثبوت، وما يكون مفادها أداء الحقوق وقضاء الفرائض التي ضيعها، وإذابة اللحم الذي نبت على السحت بالاحزان، وإذاقة الجسم ألم الطاعة وأمثال المذكورات على بيان مرتبة كمالها بالعمل على طبقها، والجري على وفقها. وعند العرف أيضا إذا أساء شخص إلى آخر وندم من إساءته، يأتي إليه ويطلب العفو والمغفرة، ويظهر ندامته بهذا أو ينشئ ندامته بهذه الجملة، فالاستغفار وإنشاء التوبة بقوله " أستغفر الله ربي وأتوب إليه " متأخر عن واقع التوبة التي هي عبارة عن نفس الندم والعزم على عدم العود إليه. وخلاصة الكلام: أن التوبة - أي رجوع النفس عن الغي والضلال إلى طريق الرشد والهداية والكمال - لها عرض عريض، ومراتب كثيرة متفاوتة بالشدة والضعف، والنقص والكمال، وبعض الايات والاخبار ربما يعبر عن بعض المراتب النازلة أو الكاملة، والاية أو الرواية الاخرى تعبر عن بعض آخر بعكس الطائفة الاولى، فيتوهم المتوهم التعارض بينها، أو أن للتوبة معان متعددة وهي لفظ مشترك بينها. ولكن لا هذا ولا ذاك، بل هذه الاستعمالات لاجل أنه أريد من كل واحد منها مرتبة منها غير ما أريد من الاخر، فيخيل إلى الناظر أنها معان متعددة. الامر الرابع: في أنه هل يمكن التبعيض في التوبة، بمعنى أنه يتوب عن بعض المعاصي دون البعض الاخر، أم لا؟ ربما يقال بعدم إمكان ذلك، لان حقيقة التوبة هي الرجوع عن مخالفة الله

[ 343 ]

والطغيان عليه إلى طاعته والتسليم لامره، فيندم لاجل أنه مما يوجب سخط الله وغضبه أو البعد عنه، وهذه الجهة والعلة مشتركة بين المعاصي، فالعزم على ترك البعض دون البعض الاخر. وكذلك الندم عن ارتكاب البعض دون البعض الاخر غير ممكن، مع اشتراك الجميع في علة الندم من الفعل، والعزم على الترك. وإن شئت قلت: ليس الندم والعزم على الترك إلا لتقديم رضا الله على رضا نفسه بنيل الشهوات والخروج عن الطغيان والغي والضلال، والرجوع إلى الطاعة والعمل بوظيفة العبودية، ومقتضى هذا المعنى هو العزم على ترك جميع المعاصي صغيرها وكبيرها، كانت من حقوق الله أو من حقوق الناس، والتخصيص ببعض دون بعض لا وجه له. وفيه: أن المعاصي تختلف من حيث سخط المولى تعالى بصدورها عن العبد، ولاشك في شدة العذاب الاليم بالنسبة إلى البعض دون البعض، وكذلك سخطه أشد بالنسبة إلى البعض، فما كان السخط فيه أشد والعذاب أغلظ، علة العزم على الترك فيه أقوى، فيؤثر في نفس العبد أزيد ويعزم على الترك. وإذا رأى أن العذاب فيه أغلظ أو مدته أطول كما أنه في قتل العمد مؤمنا نص الكتاب العزيز بالخلود في النار، وقال تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) 1 فيكون الداعي على الترك أقوى، فقهرا يحصل الندم على مثل هذا الفعل العظيم. ومما يكون موجبا للفرق في وجود الندم والعزم على الترك بين المعاصي اختلاف الشهوات بالنسبة إلى أفرادها، وهذا أمر محسوس بالنسبة إلى المخدرات، فإذا تعود الشخص بشربها وصار كالطبيعة الثانية له وحضر وقت عادته، فلا يتمكن عادة من تركه، ولا يحصل له الندم على فعله الماضي، بل يشتاقه غاية الاشتياق مع كراهته لسائر المعاصي، وكذلك الشاب الشبق إذا احتاج وخلى من الاجنبية


(1) النساء 4: 93.

[ 344 ]

الجميلة، ولم يكن مانع في البين من فعل المحرم، فلا يمكنه عادة العزم على ترك الفعل خصوصا إذا كان عاشقا لها. وخلاصة الكلام: أن اختلاف المعاصي من حيث الكبر والصغر، ومن حيث كونها موجبة لاستحقاق العذاب الاشد والاخف، ومن حيث الاختلاف في كون بعضها أقرب إلى تطرق العفو من البعض الاخر، ومن حيث كون بعضها مما يقطع الرجاء دون البعض الاخر، ومن حيث كون بعضها مما يمنع قبول الدعاء دون الاخر، ومن حيث اختلاف الرغبات والشهوات والعادات موجب لصحة التبعيض في التوبة، فيتوب عن بعض دون البعض الاخر، فليست العلة مشتركة في الجميع كي لا يكون التفكيك والتبعيض ممكنا كما توهمه المتوهم. ومن جملة ما يوجب التبعيض شدة العداوة لشخص، فلا يتوب عن إيذائه والافتراء عليه وغيبته وإشاعة عيوبه والازدراء به، وقد رأينا أشخاصا مجتنبين عن أكثر المعاصي الكبيرة غاية الاجتناب، ومع ذلك لا يجتنبون عن تفريط الاوقاف أو سهم الامام عليه السلام، ويفرون من شرب الخمر أو السرقة أو قتل النفس فرار الحمر المستنفرة من قسورة، ولكن لايتورعون بالنسبة إلى الاوقاف وسهم الامام عليه السلام أبدا. والحاصل، أن القول بعدم إمكان التبعيض في التوبة لما ذكروه في غاية الضعف، بل أمر ممكن، بل يقع كثيرا. ومنشأ الامكان والصحة تلك الاختلافات التي ذكرناها. الامر الخامس: هل يجب التوبة عن الصغائر مع اجتنابه عن الكبائر أم لا، لان التوبة عنها مع الاجتناب عن الكبائر لا أثر لها، بل يكون لغوا، لان الله تبارك وتعالى وعد العفو عن الصغائر إن اجتنب عن الكبائر، وقال في كتابه العزيز: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) 1.


(1) النساء 4: 31.

[ 345 ]

ولكن أنت خبير بأنه ليس فائدة التوبة عن الصغائر منحصرة بالخلاص عن عقابها، بل كل معصية توجب نقصا في النفس، وموجبة لهبوطها عن الكمال والصعود إلى الدرجات العالية، وتوجد نقطة سوداء في النفس، كما في بعض الاخبار الصادرة عن أهل بيت العصمة، فبعد أن وفقه الله للتوبة يبدل الله تلك النقطة السوداء بالبيضاء، وإلا تكبر وتحيط على تمام القلب، فلا يبالي بارتكاب أي معصية كبيرة أو صغيرة، فطهارة القلب وتذكيته عن دنس المعصية لا يمكن إلا بالتوبة والرجوع إلى الله وإلى الطريق المستقيم. وهذا أثر للتوبة لاربط له بمسألة العفو عن العقاب، ولا يحصل هذا الاثر إلا بالتوبة، ولعله إلى هذا يشير قوله صلى الله عليه وآله " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " 1 أي لا يبقى بعد التوبة أي أثر لذنبه لا أنها ترفع العقاب فقط. هذا، مضافا إلى أنه من أين يقطع أو يطمئن بعدم صدور الكبيرة، والله تعالى علق تكفير الصغائر ورفع العقاب على الاجتناب عن جميع الكبائر، وأنى له بذلك مع كثرة المغريات، وازدياد أسباب الشهوات، وخروج الخلق عن بساطة المعيشة مع وفور أسباب اللذائذ وسعة العيش والملهيات المهلكات وقلة المنجيات، وأما التوبة فتريحه من جميع ذلك، وتجعل قلبه كالمرآة الصافية زائدا عنه كل نقيصة كيوم ولدته أمه. ولذلك الانبياء والائمة المعصومين عليهم السلام مع أنهم قطعا بالادلة القطعية لا يرتكبون الكبائر، ومع ذلك لا نجوز في حقهم ارتكاب الصغائر، لانه نقص لا يليق بمنصب النبوة والامامة والزعامة الحقة الكبرى، والولاية المطلقة التي ادعيناها وأثبتناها في حق النبي صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.


(1) تقدم ص 325، هامش 1.

[ 346 ]

الامر السادس: في أنه إذا تاب العبد عن ذنوبه التي ارتكبها، وندم من المعاصي التي فعلها، وعزم على عدم العود إليها مرة أخرى، ورجع إليه تعالى بعد ما كان منحرفا عن الطريق المستقيم معرضا عن الله - العياذ بالله - وكان غارقا في الشهوات والملاهي والملذات، ولكن بعد أن كان مدة من الزمن تائبا راجعا إلى الحق غلبه الهوى والشهوات ثانيا، والنفس الامارة بالسوء جرته ثانيا إلى ارتكاب المعاصي والمناهي، فهل له التخلص عن عواقبه ومفاسده بالتوبة أم لا، بل يسقط عن قابلية التوبة؟ والصحيح هو أنه لو ألف مرة خالف مرة خالف عهده مع الله بالتوبة في المرة بعد الالف أيضا مثل سوابقه تقبل التوبة، ولا وجه لعدمه، لان التائب يخرج من البغي والضلال إلى الطاعة والهداية، فكان شيئا وصار شيئا آخر. وهذا بناء على كون ملكات النفس وحالاتها عين النفس واضح لاخفاء فيه، إذ بناء على هذا النفس بالتوبة تصعد إلى الكمال، كما أنها بالعصيان - العياذ بالله - تهبط إلى النقصان، وربما ينزل إلى أضل من الحيوان، فكما أن في الاجسام نمو وذبول، كذلك في النفس بالحركة الجوهرية استكمال في جوهر ذاته وانتقاص في ذاته كذلك. والاول في النفس مثل النمو في الجسم الذي هو عبارة عن الزيادة في الاجزاء في الجسم على النهج الطبيعي، كذلك الاستكمال زيادة في أصل جوهر النفس، أي يترقى من الجمادية إلى النباتية، ومنها إلى الحيوانية، ومنها إلى الانسانية، ومنها إلى الملكوتية. والثاني - أي الانتقاص - مثل الذبول، فكما أن الذبول نقص في الاجزاء الاصلية للجسم، كذلك الانتقاص في النفس نقص في حقيقتها وجوهرها، وربما يصير أنقص من الحيوان في جوهر ذاته كما في الاية الشريفة، فلا معنى لعدم قبول

[ 347 ]

التوبة، لانها - أي النفس - وصلت وحصل لها العلو والترقي، ولذا قلنا إن توبة المرتد الفطري تقبل، ولا معنى لعدم قبول توبته. نعم قد يكون للمعصية أو الارتداد عن فطرة أحكام اجتماعية لا ترفع بالتوبة، كما أن قاتل العمد - أي من قتل مؤمنا عمدا - يستحق القتل، سواء تاب أو لم يتب والغاصب ومتلف مال الغير ضامن لذلك المال، تاب أو لم يتب، كذلك المرتد الفطري له أحكام اجتماعية حفظا لحدود الاسلام، سواء تاب أو لم يتب، وهو قتله، وإبانة زوجته، ووجوب اعتدادها من أول زمان ارتداده، وتقسيم تركته بين الورثة، فهذه الاحكام الاربعة لا ترتفع بالتوبة، لا أنها أحكام اجتماعية غير مربوطة بعدم قبول توبته، وإن اشتهر في الالسنة عدم قبول توبة المرتد الفطري. وأما عدم قبول توبة فرعون حين قال لما أدركه الغرق (قال أمنت أنه لا إله الا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. الان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) 1 فمن المحتمل أنه يكون من جهة أنه كان يكذب، وكان يرتد التخلص من الغرق بهذه الكذبة. وهذا لا ينافي ما رواه في العيون عن الرضا عليه السلام أنه سئل: لاي علة غرق الله تعالى فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده؟ قال عليه السلام: " لانه آمن عند رؤية البأس " 2. والايمان عند رؤية البأس غير مقبول، لانه من الممكن أن يكون إيمانه عند رؤية البأس كذبا ويريد التخلص بهذه الكذبة كما قلنا، أو كان جزاء كفره السابق إن قلنا بأنه آمن حقيقة وواقعا ولكن الواقع خلافه، فإنه لم يؤمن قط وقد كذب لاجل التخلص.


(1) يونس 10: 90 و 91. (2) عيون الرضا ج 2 ص 77 باب 32 في ذكر ما جاء عن الرضا عليه السلام من العلل، ح 7، وسائل الشيعة ج 11 ص 372 ابواب جهاد النفس باب 93 ح 9.

[ 348 ]

ولكن ظاهر بعض الروايات والايات أنه إذا رأوا بأسنا فلا ينفعهم إيمانهم 1. واستثنى الله من هذه الكلية قوم يونس فقط 2. وعلى كل حال ورد في هذه المسألة - أي مسألة نقض التوبة وإعادتها هل تقبل أم لا - روايات أنها تقبل، كما في رواية محمد بن مسلم عن الامام الباقر عليه السلام قال: " يا محمد بن مسلم ذنوب المسلم إذا تاب منها مغفورة فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، أما والله إنها ليست إلا لاهل الايمان " قلت: فإن عاد بعد التوبة والاستغفار في الذنوب وعاد في التوبة؟ فقال: " يا محمد ابن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر الله تعالى منه ثم لا يقبل الله تعالى توبته ". قلت: فإن فعل ذلك مرارا يذنب ويتوب ويستغفر؟ فقال عليه السلام: " كلما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله تعالى عليه بالمغفرة، وإن الله تعالى غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيئات. قال: وإياك أن تقنط المؤمنين من رحمة الله تعالى " 3. ورواية أبي بصير المروية في الكافي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) 4؟ قال عليه السلام: " هو الذنب الذي لا يعود إليه أبدا ". قلت: وأينا لم يتب ويعد. فقال: " يا أبا محمد إن الله تعالى يحب من عباده المفتن التواب " 5. وأيضا في الكافي عن الصادق عليه السلام قال: " أن الله يحب العبد المفتن التواب، ومن لا يكون ذلك منه كان أفضل " 6. وأيضا في الكافي عن الامام الباقر عليه السلام قال: " إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام


(1) غافر 40: 85 فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا.. (2) يونس 10: 98. (3) الكافي ج 2 ص 315 باب التوبة ح 6، وسائل الشيعة ج 11 ص 363 ابواب جهاد النفس باب 89 ح 1. (4) التحريم 66: 8. (5) الكافي ج 2 ص 314 باب التوبة ح 4، وسائل الشيعة ج 11 ص 357 ابواب جهاد النفس باب 86 ح 3. (6) الكافي ج 2 ص 316 باب التوبة ح 9، وسائل الشيعة ج 11 ص 363 ابواب جهاد النفس باب 89 ح 2.

[ 349 ]

أن ائت عبدي دانيال فقل له: إنك عصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، فإن عصيتني الرابعة لم أغفر لك. فقال دانيال: قد بلغت يا نبي الله، فلما كان في السحر قال دانيال وناجى ربه فقال: يا رب إن داود نبيك أخبرني عنك أني قد عصيتك فغفرت لي، وعصيتك فغفرت لي، وعصيتك فغفرت لي، و أخبرني عنك أني إن عصيتك الرابعة لم تغفر لي، فوعزتك وجلالك لئن لم تعصمني فإني لاعصينك، ثم لاعصينك، ثم لاعصينك " 1. وهذه الرواية صريحة في أن نقض التوبة وإعادة المعصية ثم بعدها التوبة ثانيا وثالثا لايمنع عن قبولها كالروايات السابقة، ولكن فيها شئ آخر، وهو أن ظاهر الاخبار أن دانيال من الانبياء، والانبياء معصومون لا يعصون الله، ولا يرتكبون كبيرة ولا صغيرة، فهي بناء على كون دانيال نبيا مؤولة أو مطروحة، وتأويلها كسائر الايات التي ظاهرها إسناد العصيان إلى الانبياء كقوله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى) 2 فأول العصيان بترك الاولى، فهاهنا يكون المراد من عصيان دانيال أنه ثلاث مرات ترك ما هو الاولى والارجح. الديلمي في الارشاد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يستغفر الله في كل يوم سبعين مرة يقول " استغفر الله ربي وأتوب إليه " وكذلك أهل بيته وصالح أصحابه، يقول الله تعالى (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) 3. قال رجل: يا رسول الله إني أذنب فما أقول إذا تبت؟ قال صلى الله عليه وآله: " استغفر الله ". فقال: إني أتوب ثم أعود. فقال: " كلما أذنبت استغفر الله " فقال: إذن تكثر ذنوبي، فقال: " عفو الله أكثر، فلا تزال تتوب حتى يكون الشيطان هو المدحور " 4.


(1) الكافي ج 2 ص 316 باب التوبة ح 11. (2) طه 20: 121. (3) هود 11: 90. (4) إرشاد القلوب ص 45، وسائل الشيعة ج 11 ص 364، ابواب جهاد النفس باب 89 ح 5

[ 350 ]

وهذه الرواية أدل روايات هذا الباب على المقصود، أي صحة العفو مع نقض التوبة وتكرارها. وقال الفاضل النراقي في جامع السعادات: وورد في الاسرائيليات أن شابا عبد الله عشرين سنة ثم عصاه عشرين سنة، ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك فقال: إلهي أطعتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة فإن رجعت اليك تقبلني. فسمع قائلا يقول: أحببتنا فأحببناك، فتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك، فإن رجعت إلينا قبلناك 1. فظهر لك توافر الادلة العقلية والنقلية من الكتاب والسنة على أن الله تبارك وتعالى يقبل التوبة عن عباده وإن نقضها ألف مرة، فإنه غفور رحيم. الامر السابع: في أن وجوب التوبة بناء على أنه إرشادي عقلي فوري، إذا العقل لا يجوز التأخير، أولا لانه من الممكن أن يموت قبل أن يتوب، فيبتلى بعقاب ما صدر عنه من المعاصي، والمؤمن من هذا الاحتمال ليس إلا أن يتوب فورا ويخلص نفسه عن تبعة ما صدر منه. وأيضا على فرض أنه لم يمت لاشك في أن المعصية توجب البعد عن الله ودناءة النفس وخستها وهبوطها وقصورها عن الوصول إلى مقام القرب ودرجات الكمال، فالعقل يحكم حكما بتيا بالخروج عن هذه النقيصة وفورية التوبة. وأما لو كان على الوجوب شرعيا، فالاوامر الشرعية وإن كانت لا تدل لا على الفور ولا على التراخي كما حقق في الاصول، ولكن هو فيما إذا كان لو عجل به الموت لا يبتلى بعقاب ترك الواجب ما لم يخرج عما هو وظيفة العبودية من المسامحة في امتثال أوامر المولى. وبعبارة أخرى: لا يعد تاركا للامتثال وعاصيا إلا بعد مضي زمان يصدق عليه


(1) جامع السعادات ج 3 ص 68 و 69، المقام الرابع: قبول التوبة.

[ 351 ]

أنه مسامح في الامتثال وغير معتن بتكاليفه، فالتأخير ليس في حد نفسه معصية، فلو مات قبل الامتثال ليس عليه شئ بخلاف المقام، فإن العصيان سجل عليه وصار مستحقا، وهو بواسطة التوبة يريد تحصيل العفو، فإن مات ولم يتب يبقى عليه الاستحقاق ولا مخلص منه إلا بالشفاعة، وهي له غير معلومة الحصول، فعقله يحكم عليه بفورية الامتثال. ولو كان وجوب أصل التوبة شرعيا فعلى كلا القولين - أي سواء كان وجوبها شرعيا أم عقليا - يجب عليه المبادرة في الامتثال عقلا ولا يبقى الاستحقاق في عهدته ولا مخلص له إلا الشفاعة. الامر الثامن: بعد الفراغ عن أن التوبة توجب العفو عن المؤاخذة على الذنب والمعصية التي تاب عنها وأنه لا يعاقب التائب، ويكون التائب كمن لاذنب له، فهل هذا تفضل منه تعالى، وعدم العقاب ليس لاجل عدم الاستحقاق وارتفاعه بالتوبة كي يكون العقاب بعد التوبة ظلما وصدوره عن الله قبيحا ومحالا، أولا وعدم العقاب ليس لاجل قبحه ومحاليته على الله شأن كل قبيح. نعم حيث وعد تفضلا، ووعده حق وصدق، وخلف الوعد محال في حقه تعالى حيث قال (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) 1 فمن هذه الجهة لا عقاب لا من جهة ارتفاع الاستحقاق بالتوبة. وإلا فلا يرد إشكال على كون العقاب للعصيان المتقدم، ويكون أثر التوبة هو طهارة القلب والقرب إلى الله، ولذلك العصاة كانوا يأتون إلى النبي ويقولون: طهرني يا رسول الله بالنسبة إلى الحدود، وحال عذاب الاخرة أيضا كذلك، ولاتنافي بين قبول التوبة وبقاء الاستحقاق لولا وعده بالعفو تفضلا.


(1) النساء 4: 110.

[ 352 ]

هذا، مضافا إلى قوله صلى الله عليه وآله لام سعد بن معاذ بعد ما خاطبت سعد بعد دفنه: هنيئا لك الجنة يا أماه، قال صلى الله عليه وآله لها: " يا أم سعد لاتحتمن على ربك أمرا "، ثم بين لها ما أصاب سعد من ضغط القبر. والانسان إذا راجع الايات والاخبار - بل العقل - يرى ويعلم أن كل ما يصل إليه من الرحمة والخير من قبل الله تعالى تفضل منه تعالى وإحسان، لا أنه بالاستحقاق كي يكون عدمه ظلما. الامر التاسع: هل يجب تجديد التوبة بعد أن تاب عن معصية ومضى زمن وغفل عنها حينما ذكرها فيما بعد والتفت إليها، أو تلك التوبة السابقة كافية في ارتفاع أثر المعصية السابقة ولايحتاج إلى تجديدها؟ ربما يقال بلزوم تجديد العزم على الترك والندم على ما فعل وارتكب من المعصية في الزمان الماضي، لان معنى التوبة هو الرجوع إلى الله، والعدول إلى الطريق المستقيم من الانحراف، والاعراض عن الله تعالى والندم على ما فعل، فإن زال هذا المعنى عنه ولم يبق ندامته ولا العزم على الترك فلا يكون تائبا وراجعا بقاء، خصوصا إذا كان بعد أن التفت إلى عصيانه وأنه ارتكب المحرم الفلاني اشتاقت نفسه إليه. ولو لم يرتكب لمانع آخر، لاللندم عن فعله السابق، وللعزم على الترك، بل إما لعدم إمكانه الارتكاب أو لمانع آخر، فهو في هذه الحالة ليس بتائب ولا بنادم عما فعل. ولكن أنت خبير بأن حقيقة التوبة هو الندم عن فعل المحرم والعزم على تركه، وهذا المعنى حصل، وأما عدم الاشتياق في الازمنة المتأخرة إليه طول عمره فليس داخلا في حقيقة التوبة، ولا هو من لوازمها.

[ 353 ]

وبعبارة أخرى: حصلت التوبة وعفى الله عما سلف، حتى لو ارتكب ذلك المحرم ثانيا بعد أن تاب وعزم على تركه فتكون هذه معصية جديدة، ولا يضر بالعفو السابق، ولا يعاقب على فعله السابق، بل استحقاق العقاب على فعله الثاني فقط إن لم يتب عنه، وإلا إن تاب عنه ثانيا أيضا كما تاب عن فعله الاول فلا عقاب لا على الاول لحصول العفو له بالتوبة الاولى، ولا على الثانية للتوبة الثانية. وهكذا الحال في تكرار الفعل وتكرار التوبة، كما أنه ينفق كثيرا وكان في مضامين الاخبار السابقة. مضافا إلى أنه مشمول حكم العقل أيضا بحصول التوبة وقبولها كما تقدم بيانه. فظهر أن تجديد العزم على الترك والندم على ما فعل سابقا بعد الغفلة عما فعل من المعاصي بعد التوبة عنها سابقا وإن كان حسنا ومن كمال الايمان وسلامة القلب وطهارته من أدناس المعاصي، ولكن لا يحتاج إليه في بقاء العفو السابق، لان العفو إذا حصل فهو باق، بل هو من قبيل إسقاط ما في الذمة فلا يعود إلا بسبب جديد، فالعفو إذا حصل لا يبقى محل للمؤاخذة والعقاب إلا بسبب جديد. وفيما نحن فيه ليس السبب الجديد إلا بالمعصية الجديدة، والمفروض أنه ليس في البين معصية جديدة. إن قلت: لا نسلم أن العفو حصل بصرف حصول الندم والعزم على الترك آناما، بل حصول العفو مشروط بالشرط المتأخر على بقاء الندم والعزم على الترك طول عمر التائب. فجوابه: أن هذا مخالف لما هو الظاهر من معنى التوبة والمفهوم العرفي منها، وأيضا مخالف لحكم العقل وللاخبار المتقدمة كما بينا. الامر العاشر: إن الانسان إذا أراد أن يتوب وهو ارتكب معاصي كثيرة صغيرة وكبيرة، وذلك كما أن شخصا مدة مديدة من عمره كان منحرفا عن الطريق المستقيم،

[ 354 ]

وكان لا يبالي بما يفعل أو يقول أو يسمع، ثم هداه الله وأراد أن يتوب عن جميع المعاصي التي ارتكبها، فهل يحتاج إلى تذكرها تفصيلا ثم يندم على فعله وصدوره منه ويعزم على ترك كل واحد واحد تفصيلا، أو يكفي الندامة على الجميع بنحو الاجمال والعزم على ترك الجميع كذلك؟ لاشبهة في صدق التوبة بالنسبة إلى جميع المعاصي لو ندم عن جميع ما فعل وارتكب وعزم على ترك جميع المحرمات، سواء أحضر صورها التفصيلية في ذهنه أم لا. وذلك من جهة أن التنفر من فعل شئ والعزم على تركه وأن لايوجده يتحقق بعدم إرادة فعله، فلا مانع من أن يتعلق إرادته وقصده بعدم إرادة إيجاد ما هو من مصاديق الحرام، أو مما لا يرضى الله بفعله وإيجاده. نعم إيجاد مصاديق هذا العنوان العام - أي مالا يرضى الله بفعله مثلا - لا يمكن إلا بالارادة التفصيلية لنفس المصاديق، وأما الترك حيث أن تحققه بعدم وجود علته - أي عدم إرادة الوجود وعدم إرادة الايجاد - يكفي فيه قصد ترك جميع مصاديق ذلك العنوان العام، فتحقق التوبة بقصد ترك ذلك العنوان الاجمالي. وفرق واضح بين إيجاد مصاديق العام وبين تركها، ففي طرف الايجاد لا يمكن إلا بإرادات مفصلة لجميع مصاديق ذلك العنوان العام، وأما في طرف الترك يكفي قصد ترك الجميع، بأن يتعلق القصد والارادة الواحدة بترك ذلك العنوان الاجمالي العام. والسر في ذلك: أنه في طرف الايجاد لكل مصداق يحتاج إلى وجود إرادة متعلقة به، لانها من مبادئ وجوده، فبدونه لو تحقق يلزم أن يكون وجود المعلول بدون وجود علته، وهذا محال. وأما في طرف الترك يكفي عدم إرادة ذلك المصداق، وهذا المعنى يحصل بإرادة ترك ذلك العنوان الاجمالي، ولايحتاج إلى إرادة عدم كل واحد تفصيلا.

[ 355 ]

إن قلت: إن التوبة لو كانت صرف عدم العصيان لكان ما ذكرت حقا وصحيحا، ولكن الامر ليس التوبة صرف الترك وعدم العصيان، بل هي عبارة عن الترك، بمعنى ردع النفس ومنعها عن ارتكاب الشهوات والمحرمات للوصول إلى مراتب القدس والكمال، والاتصال المعنوي إلى حضرة ذي الجلال، وهذا المعنى لا يحصل إلا بالترك بمعنى كف النفس عن ارتكاب الملاذ المحرمة ومتابعة الشهوات، مثل الصوم الذي هو من أكبر العبادات وأفضل القربات، فإنه صرف انتراك المفطرات، بل عبارة عن إمساك النفس عن ارتكابها، ولذلك يجب فيه القصد والعزم على تركها. والجواب: أن تلك الارادة والقصد المتعلق بالعنوان الاجمالي يكفي في استناد الترك إلى التائب، كما أن الامر في الصوم أيضا كذلك، فلو نوى الامساك عن المفطرات التي جعلها الشارع مفطرا يكفي في تحقق الصوم وإن لم يعرفها تفصيلا، بل في نيته هذه المفطرات التي هي مكتوبة في هذه الرسالة أمسك عنها إذا سئل عن العارف بالاحكام، فكل ما عين وقال أنه مفطر أمسك عنه، فقصد ذلك العنوان الاجمالي موجب لصحة استناد هذه التروك إلى التائب، بل ذلك القصد يصير سببا لكف النفس عن ارتكاب مصاديق ذلك العنوان. وإذا سئل عنه لماذا لا تفعل كذا وكذا، يجب بأني تبت وبنيت على عدم ارتكاب هذه الامور. [ الامر ] الحادي عشر: في بيان طرق التوبة عن المعاصي. قد عرفت أن التوبة عبارة عن الندم عن فعل ما هو محرم، أو عن ترك ما هو واجب، وهو أيضا يرجع إلى ما هو المحرم، لان ترك الواجب حرام. والمحرمات على أقسام: منها: ترك الواجبات العبادية، كالصلاة والصوم والزكاة والحج والخمس والكفارات والمنذورات، وطريق التوبة فيها بعد الندم على تركها فيما مضى، والعزم

[ 356 ]

على عدم تركها يأتي، هو قضاء ما فات منها إن كان له قضاء ما لم يبلغ إلى العسر والحرج المسقطين للتكاليف. ومنها: المحرمات التي هي حقوق الله، كشرب الخمر واللواط والزنا بغير ذات البعل مع رضا الولد والمرأة، وكأقسام الملاهي، وأقسام القمار كالنرد والشطرنج وغيرهما من أصناف القمار، والكذب الذي غير ضار بغيره بناء على حرمته. وطريق التوبة فيها هو الندم على ما صدر منها منه، والعزم على عدم العود إلى مثلها. ومنها: ما يسمى بحقوق الناس، وهذا القسم طريقها أصعب من القسمين الاولين، لانه يحتاج إلى إرضاء من له الحق أيضا، مضافا إلى الندم والعزم على العدم. وهذا القسم إما في أموال الناس، بمعنى أنه لهم حق مالي عليه، لخيانته في أموالهم بسرقة، أو إتلاف بحيث أخفى الامر على صاحبه، أو غش في معاملاته معهم أو غرهم على ذهاب ماله، وكل مورد اشتغلت ذمته بمال للغير بأحد أسباب الضمان وأخفى على المضمون له فرارا عن الاداء، فيجب عليه أولا الندم على ما فعل إن كان صدر عنه عمدا وأغفل هو صاحب المال لاجل أن لا يفهم فيطالبه، ثم يعزم على أن لا يعود لمثل هذه الخيانات في أموال الناس، ثم بعد ذلك يفرغ ذمته بإعطاء الحق لصاحبه ويعتذر منه من الضرر المالي الذي أوقعه فيه بعد تدارك الضرر عينا ومنفعة. فلو أخذ مثلا شاة حلوبا منه بدراهم مغشوشة غير رائجة معيوبة مع علمه بأنها مغشوشة فعليه أولا أن يندم مما فعل، والعزم على عدم العود على ذلك، ثم يرد عين الشاة وقيمة حليبها الذي استفاد منها وصوفها الذي قصه وسائر منافعه إن كانت لها، وحكم الغاشين في جميع معاملاتهم هكذا، أي التوبة مع تدارك الضرر الذي أوردوها على الطرف. وكذلك الحكم في جميع أبواب الضمانات التي منشاؤها إتلاف مال الغير عمدا وعصيانا، ففي الجميع يجب التوبة والتدارك.

[ 357 ]

وإما في أنفسهم من جناية أو قتل، عمديين أو خطأ، فإن كان من الاول يجب عليه بعد التوبة بما ذكرنا تسليم نفسه وتمكينه من الاقتصاص منه، أو يعفوا الولي أو الاولياء عنه، أو يبدلون القصاص برضائهم إلى أخذ الدية. وأما لو كان خطأ فيجب عليه أن يؤدى الدية للمجني عليه إن كان حيا بعد أن يتوب، وإلا فللورثة، وإن كان عاجزا عن أداء الدية فعليه أن يستحل منهم بالتضرع والالحاح، وإن لم يحلوه مع كثرة إلحاحه وتضرعه إليهم فعليه الابتهال إلى الله، وأن يكثر من الاستغفار للمجني عليه لعل الله يعفو عنه ويرضى المجني عليه كي لا يكون في القيامة عليه تبعة، فإن الله على كل شئ قدير، فيعطى للمجني عليه ما يرضى به عنه، إذ حساب الاخرة غير حساب الدنيا، فهناك يعلم أن ما فات منه بواسطة جناية هذا الجاني في غاية، لان نعم الاخرة أبدية، وهذا الذي فات منه شئ فان داثر وإن كان الفائت حياته، لكن حياته في الدنيا لما كانت قصيرة في مقابل تلك النعم التي يعطيها الله تبارك وتعالى ليس شئ يذكرو لا يحسب بحساب، ولذلك يرضى بهذه المعاوضة والمعاملة. وإما في أعراض الناس، أي هتك عرض مسلم، بأن قذفه وقال: فلان زان، أو فلانة زانية، أو نسب اللواط إلى الفاعل أو المفعول، أو قال: إنه سارق، أو قال: إن فلانا فاسق، أو قال: إن فلانا لا دين له، أو نسبه إلى أحد الاديان الباطلة، أو قال: إن فلانا من أهل الغيبة ويغتاب الناس، وأمثال ذلك من المخازي والمعائب، فطريق توبته بعد الندم والعزم على ترك أمثال هذه التهم، أو ولو كان في حاق الواقع صادقا لكن ليس له طريق إثبات، هو أن يكذب نفسه عند ما قال له ذلك أو يقول مثلا: أنا اشتبهت الذي أنا سمعت كان غير هذا الشخص وأنا غلطت في الاسم، وأمثال هذه الاعتذارات لرفع التهمة أو المخازي عنه، أو يستحل منه ويتضرع كي يسقط حقه، أو يسلم نفسه ويمكن ذي الحق من إجراء حد القذف عليه، أو يعطيه شيئا كي يسقط حقه.

[ 358 ]

كل ذلك فيما إذا لم يترتب مفسدة على الاظهار وطلب إسقاط حقه، وأما إذا كان الاستحلال المتوقف على إظهار ما قال موجبا لفتنة، أو فساد، أو ضرر مالي غير قابل للتحمل، أو وإن كان قابلا للتحمل، فحينئذ الاحسن أن يستغفر له ويدعو له ويبتهل إلى الله أن يرضيه عنه في القيامة كي يخلص عن تبعة ما قال، والله على كل شئ قدير. ومما ذكرنا ظهر أن الحق لو كان من جهة الخيانة مع زوجته أو أخته أو بنته أو سائر محارمه بحيث يكون الاظهار للاستحلال وإسقاط حقه موجبا لفساد عظيم بل ربما ينجر إلى القتل والقتال، فحينئذ لا يجوز الاظهار الا بالاعتراف عند الحاكم الشرعي لاجل إجراء الحد، ففي مثل هذه الحال إن أمكن تحصيل إسقاط حقه بدون وقوع مفسدة، بأن طلب إسقاط جميع ماله عليه من الحق، أي حق كان - سواء كان متعلقا بالاموال أو بالنفوس أو الاعراض بهذه العناوين العامة كي لا تقع مفسدة في البين - فيجب، وإلا فالاحسن الاستغفار له، والاحسان إليه، وإيكال أمره إلى الله والتضرع والالحاح عند الله بأن يرضيه عنه يوم تبلى السرائر وينكشف الحال، والله على كل شئ قدير. والذي استفدت من الاخبار والاحاديث أنه إذا اتفق أمثال هذه الامور مما يتولد من إظهاره فساد عظيم، الاحسن والاولى بل الاحوط - إن لم يكن أقوى - هو دفنها في هذا الدنيا وعدم إظهارها أبدا. نعم بينه وبين الله يتوب توبة نصوحا. وكلما في قوته وقدرته من الطاعات والعبادات يأتي بها لصاحب الحق عوض هتك عرضه والخيانة التي صدرت منه بالنسبة إلى حرمه أو محارمه، ويبتهل إلى الله ويتضرع عنده بمقدار ما يمكنه، ويجهد ما يستطيع في أن الله يرضيه في الاخرة عنه بإسقاط حقه، وما ذلك بعزيز على الله القدير على كل شئ. وقد بينا أن حساب الاخرة فرب شئ في الدنيا في نظره له أهمية عظيمة،

[ 359 ]

ولكن في الاخرة يعرف أنه ليس له أهمية أصلا، بل في هذه الدنيا قبيل موته حين ما يعاينه - أي الموت - يعرف أن لهذا الذي كان في نظره أهمية كبيرة لا أهمية له أصلا، هو والتراب سواء، وهاهنا علماء الاخلاق ذكروا لهذا الموضوع قصص وحكايات كثيرة، وإن شئت فراجع كتبهم، وأبسط ما رأيناه كتاب إحياء العلوم للغزالي 1، ولكن الاحسن والاجود ما في كتب الاخبار الصادرة عن أهل بيت العصمة كقضية يوزاسف وبلوهر التي ذكرها المجلسي عليه الرحمة والرضوان في كتابه عين الحياة. واسأل الله أن يهدينا سواء السبيل. [ الامر ] الثاني عشر: في بيان مراتب التوبة: الاولى: أن يندم على صدور جميع المعاصي التي صدرت منه، ويعزم على الاحتراز والاجتناب عن جميع المعاصي وما حرمه الله، كبيرة كانت أو صغيرة، ويستديم على هذا العزم وهذه النية طول عمره وينزه قلبه ويطهره عن جميع الرذائل والصافات السيئة، ويحليها بالاخلاق والملكات الحسنة الحميدة كي يكون قلبه سليما عن كل عيب ونقص، ويرد على الله تبارك وتعالى بعد موته بقلب سليم الذي لا ينفع في ذلك اليوم غيره شئ، لا مال ولا بنون. فهذه هي التوبة الكاملة وأعلى مراتبها، ومعلوم أن هذه المرتبة لا تحصل إلا بإعطاء كل ذي حق عليه حقه، سواء كان الحق متعلقا بأموال الناس، أو بأنفسهم، أو بأعراضهم حتى لا يكون عليه تبعة ويلقى الله أملس، لا يكون عليه تبعة من أحد المخلوقين، كما هو مذكور فيما قاله أمير المؤمنين عليه السلام لمن قال بحضرته " أستغفر الله "، والحديث تقدم ذكره 2.


(1) إحياء علوم الدين ج 4 ص 34 - 43، كتاب التوبة الركن الثالث: في تمام التوبة وشروطها ودوامها إلى آخر العمر. (2) تقدم ص 331، هامش 4.

[ 360 ]

الثانية: أن يتوب كما ذكرنا في المرتبة الاولى ويندم على جميع ما صدر منه من المعاصي، ولكن مع ذلك قد تصدر عنه ذنوب في مجاري حالاته، كما هو الحال في أغلب التائبين، فإنهم وإن تابوا وعزموا على الترك ولكن ربما يتسامحون ويتساهلون في حفظ أنفسهم، أو يغلب عليهم شهواتهم فيخرجون عن الجادة المستقيمة، ويرتكبون بعض المعاصي الصغيرة، بل وفي بعض الاحيان الكبيرة أيضا، ولكن هم بعد الصدور يلومون أنفسهم على ما صدر منهم، ويندمون على ما ارتكبوا وعلى خروجهم عن الجادة المستقيمة. الثالثة: أنه بعد ما تاب وندم عما فعل وصدر منه نفسه تشتاق إلى ما تاب عنه وتأمره بالعود، ولكن لا يعود إلا في فروض نادرة، فالاول هي النفس المطمئنة التي ترجع إلى ربها راضية مرضية، الثاني هي النفس اللوامة، الثالث هي النفس الامارة بالسوء. والتائب إن أطاع النفس الامارة بالسوء ربما ينتهي أمره - العياذ بالله - إلى سوء الخاتمة، وصيرورة الفسوق ملكة له فلا يمكن زوالها، بل ربما ينجر إلى الكفر، وقد قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: (ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوأى أن كذبوا بايات الله) 1. نستجير بالله من سوء العاقبة والخاتمة. [ الامر ] الثالث عشر: في مراتب التائبين. وهم على أقسام: الاول: من نسي الذنب الذي تاب منه، ولا يتفكر فيه أصلا، فكأنه لم يصدر منه شئ كشارب الخمر الذي ترك شرب الخمر وصار شرب الخمر عنده نسيا منسيا ولا يتفكر فيه أصلا، لانه خرج من ذلك العالم بالمرة ولايختلط مع شاربي الخمور


(1) الروم 30: 10.

[ 361 ]

وليس في عالمهم، وهكذا الامر في سائر الفسوق. الثاني: من جعل فسقه نصب عينيه، ودائما يتفكر ويتأسف على ما فعل ويظهر الندامة والاسف، ويحترق قلبه على تلك الخطيئة ويبكى ويتضرع إلى الله ويرجو عفو ربه الغفور ورحمته الواسعة، وأن يطهر قلبه من رجس تلك المعصية، وأن يوفقه في المستقبل للغرم وترك المعصية وبقائه واستمراره على ذلك، وأن يحفظه من شر آثارها الوضعية. ولاشك في أن القسم الاول إذا كان طريق الكمال والترقي - بمعنى الترقي من عالم المعاشرة مع الاراذل وأصحاب الملاهي وشرب الخمر ولعب القمار ودخوله في الاخيار والزاهدين والعرفاء الشامخين - أفضل وأحسن من القسم الثاني، لانه انعزل من ذلك العالم إلى عالم أعلى ومرتبة أكمل، كما ادعوا في بعض الكتب التي في تاريخ العرفاء الشامخين أنهم كانوا في أول الامر من الفسقة المشهورين، كما قيل في حق بشر الحافي وغيره 1. وقالوا في ذكر حالات الشيخ أحمد جام الشيعي الاثني عشري أنه عشرين سنة كان خمارا، وبشر الحافي كان غارقا في الفسوق والملاهي، حتى مر على باب داره الامام الكاظم عليه السلام، وببركة نصحه وإرشاده تاب بشر وبلغ ما بلغ. وعلى تقدير صحة هذه الرواية وصدقها فصار بشر عالما آخر، مضادا لذلك العالم متباينان. هذه الحكايات غالبا ذكروها في حالات العرفاء، وأما فقهاؤنا - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - كانوا من أول أمرهم بل من صغرهم أبرارا أخيارا، إذا ينظر الانسان في تاريخ حالاتهم لا يرى إلا الصلاح والتقوى والسداد، اللهم اجعلنا من تابعيهم في العلم والعمل. ورأيت في عبارة بعض الاعاظم من العلماء حين ما يعبر عن أستاده يقول: قال


(1) روضات الجنات ج 2 ص 129 و 130، بشر الحافي.

[ 362 ]

فلان تال العصمة علما وعملا. والقسم الثالث من التائبين هو الذي وإن كان تاب يخلط الصلاح بالفساد، فهو وإن كان يواظب على العبادات وإتيانها في أوقاتها من الصلاة والصوم وأداء الزكاة وغيرها، ولكن مع ذلك كله قد يغلب عليه الشهوات، خصوصا حب الجاه، فيرتكب بعض المعاصي الصغيرة الكبيرة أيضا. فهذا القسم هو الغالب في التائبين، وهم تحت رحمة الله تعالى ولطفه العميم، فإما أن يعذبهم نستجير بالله الغفور الرحيم، وإما أن يغفر لهم، خصوصا الامور الراجعة لمولانا أبي عبد الله الحسين عليه السلام من الزيارات والعزاءات لمستحبات وواجبات عملوها مع الاخلاص والنية الصادقة مخلصين لله تبارك وتعالى، كما هو المرجو لشيعة مولانا أمير المؤمنين ومحبي الائمة الطاهرين المعصومين عليهم السلام، وقد قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) 1. [ الامر ] الرابع عشر: أن المعاصي على قسمين: صغيرة وكبيرة، على ما يظهر من الاخبار والاقوال. واختلفوا في المراد من الصغيرة والكبيرة، لانه حسب المعنى اللغوي لاشك في أنهما إضافيان، فكل صغيرة بالنسبة إلى الاصغر منه كبير، خصوصا إذا كانا من نوع واحد، وكذلك كل كبير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه صغير، فالشئ الواحد يمكن أن يكون صغيرا وكبيرا معا، ولكن بالنسبة إلى شيئين. مثلا الزنا مع امرأة خلية معصية كبيرة بالنسبة إلى النظر إلى ما لا يجوز النظر منها، ولكن صغيرة بالنسبة إلى الزنا مع ذات البعل.


(1) التوبة 9: 102.

[ 363 ]

وهذا واضح، وإنما كلام في أنه اصطلاح الشارع أو الفقهاء على تسمية المعاصي المعينة بالكبيرة، وكذلك هل عينوا المعاصي المعينة بكونها صغيرة أو اصطلحوا على تسمية ما عدى الببيرة عندهم بالصغيرة. كلمات الفقهاء في هذا الامر والاخبار أيضا مختلفة، والمشهور أن الكبيرة إما ما ذكر في الكتاب العزيز، لان ذكرها في الكتاب علامة أهميتها في نظر الشارع الاقدس وعظم جرم مرتكبها عند الله، ولذلك سميت بالكبيرة، وإما ما أوعد الشارع على ارتكابه بالنار ولو لم يكن ذكر منها في الكتاب، ولكن ورد النص المعتبر من النبي صلى الله عليه وآله على أنها مما أوجب الله عليه النار وإما ما صرح في النص المعتبر بكونها كبيرة. هذا ما ذكرناه، ولكن الشيخ الاعظم الانصاري رضوان الله تعالى عليه ذكر في رسالته التي كتبها في العدالة الامور التي تثبت بها كون المعصية كبيرة، وهي أمور خمسة: الاول: وجود النص المعتبر على أنها كبيرة، وهي في المروي عن الرضا عليه السلام نيف وثلاثون. الثاني: النص المعتبر على أنها مما وجب الله عليها النار. الثالث: النص في الكتاب الكريم على ثبوت العقاب عليه بالخصوص، أي بعنوانه الخاص لا بالعناوين العامة، مثل قوله: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) 1. الرابع: دلالة العقل والنقل على أشدية معصية مما ثبت أنها كبيرة أو مساواتها لها، كقوله تعالى في حق الفتنة: (والفتنة أشد نت القتل) 2 مع ثبوت أن القتل من


(1) الجن 72: 23. (2) البقرة 2: 191.

[ 364 ]

أعظم المعاصي. الخامس: أن يرد النص على عدم قبول شهادته 1. هذا ما ذكره شيخنا الاعظم الانصاري، ولكن الاخير - أي الخامس - لا يخلو من تأمل وإن كان لا يخلو من صحة أيضا. وعلى كل حال معرفة الكبائر لها آثار، وأهمها أن الله وعد في الكتاب العزيز بالعفو عن الصغائر إن اجتنب عن الكبائر، قال تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) 2. ولكن الواجب عقلا أن لا يغتر المؤمن السالك بهذا، لانه في الرواية التي تعد الكبائر عد من جملتها الاصرار على الصغيرة، فإن لم يهتم بالصغيرة فقهرا يقع في الاصرار، لان الظاهر عبارة عن بقائه على حالة فعل المعصية من دون ندم ولا أسف على ما صدر منه، وحينئذ في أغلب الناس تنقلب الصغيرة كبيرة، فتنعدم فائدة الاجتناب عن الكبائر من هذه الجهة، إذ لا تبقي الصغيرة صغيرة. قال الامام الصادق عليه السلام: " لا صغيرة مع الاصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار " 3. وأما صيرورة الصغيرة كبيرة مع الاصرار فمن جهة أن الاصرار وعدم الاسف والندم على ما فعل كاشف عن رذالة النفس ورداءتها وبعدها عن الله تعالى، وهذه الامور لا تنفك عن كون ما صدر منه من الكبائر. هذا، مضافا إلى ما ذكروه في كتب الاخلاق أن من موجبات صيرورة الصغائر كبيرة هو الاصرار على الصغيرة لان بالاصرار - بمعنى التكرار كما هو أحد معاني الاصرار - يتأثر القلب تدريجا بتلك الارجاس وأنجاس المعاصي ولو كانت صغيرة


(1) المكاسب ص 333 و 334. (2) النساء 4: 31. (3) الكافي ج 2 ص 219 باب الاصرار على الذنب ح 1.

[ 365 ]

حتى تحيط عليه ظلمة المعصية، وهذه نتيجة كون المعصية كبيرة. ومضافا إلى وجوه أخر ذكروها لصيرورة الصغيرة كبيرة. منها: استصغار الذنب الصغير عند رب كبير، وآه آه من استصغار الذنب وأنه رأس كل بلية، وذلك أن المعصية مطلقا - صغيرة كانت أو كبيرة - ترجع إلى عدم إطاعة الله والبغي والطغيان عليه، فاستصغار الذنب يرجع إلى استصغار من أمر بالاجتناب عنه ونهى عن ارتكابه، وعده - أي العصيان - شيئا لا أهمية له، والتمرد عليه تعالى لا يحسبه بحساب. وهذا من أكبر المعاصي، إذ معناه عدم الاعتناء بمخالفته في هذا الامر الذي هو حقير ولا أهمية له. ولعله لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اتقوا المحقرات من الذنوب فإنها لا تغفر " 1. وقال امير المؤمنين عليه السلام: " لا تصغر ما ينفع يوم القيامة، ولا تصغر ما يضر يوم القيامة، فكونوا فيما أخبركم الله كمن عاين " 2. وخلاصة الكلام أن من يعرف عظمة الله ويقر ويذعن بها لايستصغر مخالفته وترك إطاعته في أي موضوع كان، صغيرا وحقيرا أم لا. ومنها: اغتراره بستر الله عليه، وأن الله تعالى يمهله ولا يعجل عليه، ولا يدري ولا يتوجه إلى أن الموت قد يأتي بغتة والقبر صندوق العمل. وفي كون هذا الوجه من موجبات صيرورة الصغير كبيرة تأمل. ومنها: السرور بالصغيرة، كمن نظر إلى أجنبية ويفرح من تمكنه من ذلك ويظهر البشاشة من فعله وأنه اختص به دون غيره، أو لم يعتن بمؤمن.


(1) الكافي ج 2 ص 218 باب استصغار الذنب ح 1، وفيه: عن الصادق عليه السلام وفي الكافي ج 2 ص 218 باب استصغار الذنب ح 3، عن الرسول صلى الله عليه وآله نحوه، جامع السعادات ج 3 ص 75، فصل الصغائر قد تكون كبائر. (2) جامع السعادات ج 3 ص 76، فصل: الصغائر قد تكون كبائر.

[ 366 ]

وخلاصة الكلام: أنه ارتكب صغيرة وأظهر الفرح والسرور من ارتكابه عوض أن يندم ويأسف من التورط فيه، فنفس الفرح والسرور من مخالفة أوامر الله ونواهيه يوجب صيرورة الصغيرة كبيرة. وهذا يرجع إلى هتك حرمة الله والجرأة عليه تبارك وتعالى. ومنها: عدم الستر على معصيته وإظهاره والتجاهر به، فمثل أن يأتي بالاجنبية مكشوفة كي ترقص في مجلس أنس أو عرس أو ختان أو غير ذلك، فهذا من حيث أنه تجر على الله تكون كبيرة، وكذلك حلق اللحية حيث أنه معصية ظاهرة غير مستورة تكون كبيرة وإن كان في حد نفسه صغيرة لو أخفاه ولم يتجاهر به. ومنها: أن يكون مرتكب الصغيرة عالما كبيرا يقتدي به الناس، فارتكابه للصغيرة يصير سببا لاشاعة المنكر، حيث أن الناس يتبعونه ويقتدون يه، فيصير هذا المنكر الصغير في نظرهم معروفا، فلو لبس قباء من الابريسم الخالص، أو لبس الخاتم من ذهب خالص، أو غير ذلك من المحرمات فالناس والعوام، يستشهدون بفعله ويصنعون كما صنع. وهذا معناه صيرورة المنكر معروفا، والله هو الموفق للصواب. [ الامر ] الخامس عشر: هل يعتبر في تحقق التوبة أن يكون قادرا على فعل ما تاب عن فعله؟ مثلا في التوبة عن الزنا هل يعتبر أن يكون قادرا على فعله أم لا؟ فلو زنا وبعد ذلك صار عنينا لا يقدر على هذا الفعل، هل بحصول الندم على فعله السابق تتحقق التوبة، إذ العزم على الترك لا يمكن في حقه لانه بنفسه منترك، والعزم على الترك فيما إذا كان الترك اختياريا، وهاهنا الترك قهري. وليس الطرفان - أي الفعل والترك - بالنسبة إليه متساويين كي يرجح أحدهما على الاخر بالارادة واختياره، إذ طرف الترك بالسنبة إليه ضروري الجود، وطرف

[ 367 ]

الفعل ضروري العدم، وما هذا شأنه لا تتعلق به الارادة، ولا يتصور الاختيار في حقه في كل واحد من طرفي الفعل والترك، كحركة يده المرتعشة، فلا يقدر اختيار الحركة ولا عدم الحركة. نعم لو كانت التوبة عبارة عن صرف الندم - كما يظهر عن بعض الاخبار وتقدم نقله عن الصحيفة السجادية سلام الله عليه من قوله عليه السلام " إن كانت التوبة ندما فأنا أندم النادمين " 1 - لامانع من تحقق التوبة عن فعل فعل وفعلا في حال التوبة عاجز عن العود إليه، كما يتفق لكثير من الشيبة العاجزين من ارتكاب الحرام الذي ارتكبه أيام شبابه، لكن نادم على فعله غاية الندم، ويبكى صدوره منه بكاء المضطر الحزين، ويتأسف منتهى الاسف ويتضرع ويبتهل إلى الله نهاية الابتهال. فهل لمثل هذا يمكن أن يقال ليس بتائب لانه عاجز عن العود وليس راجعا إلى الله من غيه وضلاله وهو بعيد عن مقام القرب إليه تعالى؟! نعم لو كان في نيته العود إن قدر فليس بتائب قطعا، ولكنه في قلبه أنه على تقدير إن مكنه الله من ذلك الفعل وأقدره الله تعالى يكون تاركا، فيصدق في حقه العزم المعلق، فالظاهر عدم الاشكال في صدق التوبة، والقدرة الفعلية ليس بشرط فيها. وخلاصة الكلام: أن ضرورة الفعل والترك لمرجح أو لمصلحة في أحدهما لا يضر بالاختيار، وأما الضرورة لعدم القدرة على ضده ينافي الاختيار. ولكن الكلام في أنها تحتاج إلى العزم الفعلي على الترك، أو يكفي العزم المعلق على القدرة، أو لا يحتاج حتى على المعلق منه بل يكفي في تحققها صرف الند؟ والتحقيق في هذا المقام هو التفصيل بين ما إذا كان الفعل مقدورا له، فالتوبة وإن كان حقيقتها الرجوع إلى الله والندم مما فعل وارتكب من المعاصي، ولكن هذا


(1) تقدم ص 341، هامش 3.

[ 368 ]

يلازم العزم على عدم العود بحيث لا يمكن انفكاكه عن الندم. وأما لو كان غير مقدور فلا ملازمة بينهما، بل يمكن أن يكون نادما على ما فعل ولا يتحقق منه العزم على الترك لعدم كونه فعلا اختياريا له كي يعزم لعدم القدرة على ضده، فيكون الترك ضروريا فلا يتعلق بها الارادة والاختيار. وقياسه على ما إذا كان الفعل ضروريا لاجل وجود المرجح والمصلحة الملزمة فيه. في غير محله. والله ولي التوفيق. وظهر لك مما ذكرنا أن ما أفاده بعضهم في هذا المقام أن العاجز عن العود إلى مثل المعصية التي صدرت منه تتحقق توبته بالعزم على ترك ما يماثل المعصية الصادرة منه منزلة ودرجة كالقذف والسرقة وأمثالها مما هي في درجة الزنا العاجز عنه لكبر سنه أو لعارض آخر، بتخيل أن التوبة لاتتحقق إلا بالعزم والالتزام على الترك فإذا كان الفعل غير مقدور كما هو المفروض فلا تتحقق التوبة إلا بالعزم على ترك ما هو في درجته ومنزلته. أن هذا الكلام شعر بلا ضرورة، لان التوبة تتحقق بنفس الندم على الفعل الذي صدر منه مع أنه منهي من قبل الله تعالى، بل حقيقة التوبة هي الندامة، وأما العزم على الترك من لوازمها فيما يمكن الترك اختيارا وبإرادته، وأما إذا كان لعدم القدرة على ضده - أي الفعل - فليس من لوازمه. وأما حصول الندم فللاضرار التي تولدت من ناحية الفعل، ومثل ذلك أنه لو زنا بعاهرة فابتلي بالزهري، وبعد ذلك عجز عن الزنا، فهو وإن لم يقدر على الزنا الترك فإذا كان الفعل غير مقدور كما هو المفروض فلا تتحقق التوبة إلا بالعزم على ترك ما هو في درجته ومنزلته. أن هذا الكلام شعر بلا ضرورة، لان التوبة تتحقق بنفس الندم على الفعل الذي صدر منه مع أنه منهي من قبل الله تعالى، بل حقيقة التوبة هي الندامة، وأما العزم على الترك من لوازمها فيما يمكن الترك اختيارا وبإرادته، وأما إذا كان لعدم القدرة على ضده - أي الفعل - فليس من لوازمه. وأما حصول الندم فللاضرار التي تولدت من ناحية الفعل، ومثل ذلك أنه لو زنا بعاهرة فابتلي بالزهري، وبعد ذلك عجز عن الزنا، فهو وإن لم يقدر على الزنا فلا يمكنه العزم على تركه لما ذكرنا، ولكن نادم من ذلك الفعل أشد الندامة لتلك الاضرار الاتية من قبل فعله، أي ذلك المرض الخبيث الذي ربما يوجب العمي أو الجنون أو غير ذلك. وحيث أن صدور العصيان منه يوجب البعد عن الله وعن رحمته الواسعزمه. وأما حصول الندم فللاضرار التي تولدت من ناحية الفعل، ومثل ذلك أنه لو زنا بعاهرة فابتلي بالزهري، وبعد ذلك عجز عن الزنا، فهو وإن لم يقدر على الزنا فلا يمكنه العزم على تركه لما ذكرنا، ولكن نادم من ذلك الفعل أشد الندامة لتلك الاضرار الاتية من قبل فعله، أي ذلك المرض الخبيث الذي ربما يوجب العمي أو الجنون أو غير ذلك. وحيث أن صدور العصيان منه يوجب البعد عن الله وعن رحمته الواسعة

[ 369 ]

ويوجب استحقاق العقاب الاليم، فلذلك يندم أشد الندامة أنه بواسطة لذة موقتة التي تزول بسرعة أوجب على نفسه العذاب والالام لمدة طويلة، فمثل هذه الندامة العظيمة الكبيرة لماذا لا يكون توبة ورجوعا إلى الله، مع أنه دائم البكاء ومستمر الاحزان والاسف على ما فعل، ومن سوء اختياره جر على نفسه البلايا والمحن. أعاذنا الله من شرور النفس الامارة بالسوء، قال الله تبارك وتعالى حاكيا عن لسان النسوة اللاتي كدن لنبي الله يوسف (وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي) 1. هذا بناء على أن يكون هذا الكلام من تتمة كلام امرأة العزيز. والله أعلم بالصواب وهو ولي التوفيق.


(1) يوسف 12: 53.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية