الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




القواعد الفقهية - السيد البجنوردى ج 5

القواعد الفقهية

السيد البجنوردى ج 5


[ 1 ]

القواعد الفقهية الجزء الخامس اية الله العظمى السيد محمد حسن البجنوردي تحقيق مهدي المهريزي - محمد حسن الدرايتي

[ 2 ]

الناشر: نشر الهادي الطبع: مطبعة الهادي الطبعة الاولى: 1419 ه‍. ق بمساعدة معاونية الشؤن الثقافية وزارت الثقافة والارشاد الاسلامي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

46 - قاعدة الصلح جائز بين المسلمين

[ 9 ]

قاعدة الصلح جائز بين المسلمين * ومن القواعد المشهورة الفقهية قاعدة " الصلح جائز بين المسلمين أو الناس " كما في بعض الروايات. وفيها جهات من البحث: (الجهة) الاولى في مدركها، وهو أمور الاول: الايات: فمنها: قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) (1) ومنها: قوله تعالى: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) (2) ومنها: قوله تعالى: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) (3) ومنها: قوله تعالى: (انما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) (4)


*. " عناوين الاصول " عنوان 41، " مناط الاحكام " ص 197. 1. النساء (4): 128. 2. أنفال (8): 1. 3. النساء (4) 35. 4. الحجرات

[ 10 ]

ومنها: قوله تعالى: (فإن فائت فأصلحوا بينهما بالعدل) (1) ومنها: قوله تعالى: (أو إصلاح بين الناس) (2) وهذه الايات صريحة في إمضاء الشارع الاقدس الصلح المتعارف بين أهل العرف والعقلاء، وتدل على حسنه ومطلوبيته عنده، سواء كان إيقاعه بعقد الصلح، أو كان بعمل، أو قول ليس بعقد. وبعبارة أخرى: حقيقة الصلح عبارة عن التراضي والتسالم والموافقة على أمر، سواء كان ذلك الامر مالا من الاموال، عروضا كان ذلك المال أو كان من النقود على أقسامها، أو كان ذلك الامر الذي اتفقا فيه وتسالما وتراضيا عليه من الاعمال، أو كان غير ذلك، وسواء أنشأ ذلك التسالم بصيغة عقد الصلح أو بغير ذلك، وسواء كان مسبوقا بالخصومة أو ملحوقا بها أو كان متوقعا حصولها، ففي جميع هذه الموارد المذكورة يصدق إطلاق " الصلح " عليها إطلاقا حقيقيا، لا عنائيا مجازيا. وسنذكر إن شاء الله عدم دخالة هذه الامور في تحقق الصلح وإطلاقه من ناحية هذه القيود. إذا عرفت ما ذكرنا تعرف دلالة جميع الايات المذكور على صحة الصلح، وإمضاء الشارع الاقدس لما عليه بناء العقلاء في باب الصلح من اختصاصه بصنف دون صنف وقسم دون قسم. الثاني: من مداركها الروايات: منها: النبوي الذي رواه العامة والخاصة: " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ". (3)


1. الحجرات (49): 9. 2. النساء (4): 114. 3. " الفقيه " ج 3، ص 32، باب الصلح، ح 3267، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 164، أبواب كتاب الصلح، باب 3، ح 2، " عوالي اللئالي " ج 2، ص 257، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 443، أبواب كتاب الصلح، باب 3، ح 2.

[ 11 ]

ومنها: ما رواه حفص ابن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الصلح جائز بين الناس " (1). إلى غير ذلك من الروايات الواردة في باب الصلح وهي كثيرة. وعقد في الوسائل بابا لفضله، بل وفي استحبابه، بل مفاد بعضها أنه أفضل من عامة الصلاة والصيام. وروى ذلك في الوسائل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام " (2). الثالث: من مدارك هذه القاعدة، هو الاجماع المحصل من جميع طوائف المسلمين، بل قيل: إنه لا خلاف بين أهل العلم في ذلك، ولم ينكر أحد من الفقهاء شرعيته بل حسنه واستحبابه. الرابع: العقل. ولا شك في استقلال العقل بحسنه، لان الاصلاح والموافقة والتراضي والتسالم على أمر من تمليك عين أو منفعة أو إسقاط حق أو ثبوته أو غير ذلك بين شخصين أو أزيد قد يكون بالعقد أو بغير العقد، مقابل الافساد والاختلاف والسخط والتخاصم، فكما أن العقل حاكم بقبح الامور الاخيرة، فكذلك حاكم بحسن المذكورات أولا التي تكون الصلح عين تلك الامور، فبقاعدة الملازمة يثبت مشروعيته ومطلوبيته وإن كانت استحبابية. الجهة الثانية في بيان مفادها وشرح حقيقتها أقول: إن الصلح - كما عرفه جماعة من الفقهاء - عقد شرع لقطع التجاذب والتنازع بين المتخاصمين. ولكن أنت عرفت وذكرنا أنه ليس من شرط تحقق الصلح


1. " الكافي " ج 5، ص 259، باب الصلح، ح 5، " التهذيب " ج 6، ص 208، ح 479، باب الصلح بين الناس، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 164، أبواب كتاب الصلح، باب 3، ح 1. 2. " وسائل الشيعة " ج 13، ص 164، أبواب كتاب الصلح، باب 1، ح 6، " ثواب الاعمال " ص 178، ح 1.

[ 12 ]

سبق خصومة وتنازع في البين، بل ولا توقع وجودهما فيما بعد، وهكذا ليس منحصرا ومختصا بما أنشأ بالعقد. فهذا تعريف بالاخص للصلح لاختصاصه بما ينشأ بالعقد في مورد التخاصم والتنازع. ولكن يمكن أن يقال: إن جعل رفع التنازع وقطع التجاذب غاية لتشريعه، يكون من باب حكمة التشريع لا علته كى يكون شرعيته دائرا مدار وجود هذه العلة، فإذا لم يكن تنازع وتخاصم بين المتسالمين على أمر مالي أو غير مالي لا يصدق عليه الصلح، وذلك من جهة الفرق بين حكمة التشريع وعلته، ففي الاول لا يكون الحكم وما شرع وجوده دائرا مدار حكمة التشريع. وأما في الثاني - أي علة التشريع - يكون وجود الحكم دائرا مدار وجودها، فمثل استبراء الرحم حكمة لتشريع العدة، ولذلك لو كانت المرأة في سن من تحيض ولم يكن زوجها لامسها منذ زمان طويل لمرض أو سفر أو غير ذلك يجب عليها الاعتداد، مع أن الرحم لا يحتاج إلى الاستبراء، وهكذا بالنسبة إلى تشريع وجوب القصر والافطار في السفر، حيث أن في تشريعهما حكمة هي المشقة، وفي كثير من الاسفار لا مشقة، خصوصا في هذه الازمان والسفر مع الطيارة، ومع ذلك عند عدم وجود هذه الحكمة الحكم لا ينعدم. فليكن فيما نحن فيه أيضا كذلك، أي لا ينافي عدم وجود نزاع في البين ومع ذلك يكون الصلح موجودا، فيكون التنازع حكمة تشريع الصلح، لا علة تشريعه. ثم إن هاهنا أمورا يجب أن نذكرها (الامر) الاول: أن الصلح معاملة مستقلة، وليس من فروع البيع تارة، والاجارة أخرى، والعارية ثالثة وهكذا كما توهم، وجه التوهم: أن الصلح على عين متمول بعوض مالي يفيد فائدة البيع، لان البيع

[ 13 ]

تمليك عين متمول بعوض مالي، والصلح على العين المتمول بعوض مالي يكون عين ذلك الذي ذكرنا، غاية الامر بصيغة الصلح فهو بيع، والاختلاف في اللفظ فقط. وهكذا الصلح على منفعة معلومة بعوض معلوم يكون تمليك منعفة معلومة بعوض معلوم، وهذا عين الاجارة غاية الامر بلفظ الصلح. وإن كان تمليك المنفعة بلا عوض يكون عارية بلفظ الصلح، فليس الصلح عقدا برأسه ومعاملة مستقلة، بل في كل باب يكون من فروع ذلك الباب. هذا غاية ما توهموا. ولكن أنت خبير بأنه أولا: قد يوجد مورد للصلح حسب النصوص الواردة في باب الصلح لا ينطبق لا على البيع، ولا على الاجارة، ولا على العارية، ولا على الهبة كما روى: إذا كان رجلان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه، ولا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي، فقال: " لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت أنفسهما ". (1) فهذا ليس ببيع، لان العوضين مجهولان من حيث المقدار، ولا هبة، لانه ليس إعطاء مجان بل لكل واحد منهما عوض، ولا عارية وليس بإجارة، لانه تمليك عين لا منفعة، ولا ينطبق على أي واحد من عناوين المعاملات، فلابد وأن يكون عقدا مستقلا، إذ لا يمكن أن يكون من فروع أي عقد آخر ومعاملة أخرى، هذا أولا. وثانيا: أن المنشأ في عقد الصلح عنوان التسالم والموافقة، وفي سائر العقود عناوين أخر. وصرف الاشتراك في الاثر لا يخرج الشئ عما وقع عليه، وحيث أن المنشاء فيه مختلف مع المنشاء في سائر العقود والمعاملات، فلا يصح إطلاق البيع أو الاجارة أو العارية أو الهبة عليه، فالقول بأنه في كل باب يعد من فروع ذلك الباب لا أساس له،


1. " الكافي " ج 5، ص 258، باب الصلح، ح 2، " الفقيه " ج 3، ص 33، باب الصلح، ح 3268، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 206، ص 470، باب الصلح بين الناس، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 165، أبواب كتاب الصلح، باب 5، ح 1.

[ 14 ]

وإن نسب في الجواهر هذا القول إلى الشيخ رحمة الله عليه. (1) وثالثا: ثمرة هذا البحث تظهر في الاثار المترتبة على هذه العناوين، مثلا إذا قلنا بأن صلح الاعيان المتمولة بعوض مالي بيع يثبت فيه خيار المجلس، وإلا فلا بناء على اختصاص هذا الخيار بالبيع وعدم ثبوته في غيره من المعاملات. ولكن يرد عليه: أن الاحكام الشرعية تلحق العناوين التي جعلت موضوعات لها في ألسنة أدلتها، فإذا قال الشارع: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فهذا الحكم جعل موضوعه في لسان دليله عنوان البيعين، وعنوان البيعين غير عنوان المتصالحين والمتسالمين أو المتوافقين وأمثالها، فلا يترتب على هذا البحث هذه الثمرة. فإذا كان الغرض من القول بأن الصلح في كل باب من فروع ذلك الباب ترتيب هذه الثمرة فلا سبيل إلى ذلك. وخلاصه الكلام في هذا المقام: أن الاثار والاحكام المختصة بكل عنوان لا يترتب إلا على نفس ذلك العنوان، لا على ما يفيد فائدته، ولا شك في أن عنوان الصلح والبيع والاجارة والهبة والعارية مختلفات لا يلحق حكم أحدها للاخر، وإن كانت نتيجة الاثنين وفائدتهما واحدة. (الامر) الثاني: أن الصلح يصح مع الاقرار والانكار، أي مع إقرار المدعى عليه بما يدعيه المدعي، وإنكاره لما يدعيه. أما مع إقراره فوجهه أوضح، وذلك من جهة إقراره يثبت عليه ما يدعي المدعي، فلا مانع من أن يصالح المدعي عن حق ثابت بمال. وأما مع إنكاره فإن كان كاذبا في إنكاره فيكون من حيث صحة الصلح مثل إقراره، لانه في الواقع عليه شئ إما عينا أو دينا، فيكون المصالحة على ذلك المال الذي عنده أو على ما في ذمته، والصلح صحيح واقعا.


1. " جوهر الكلام " ج 26، ص 212.

[ 15 ]

وأما إن كان صادقا في إنكاره ولم يكن عليه شئ، لا في ذمته ولا عنده عين مال المدعي، فحيث لا يكون شئ في البين يقع الصلح عليه، فهذا الصلاح صحته يكون ظاهرية، ويجب ترتيب آثار الصحة عليه ما لم ينكشف الحال وأن المدعي دعواه كاذبة. كما هو الحال في جميع الاحكام الظاهرية من مؤديات الاصول والامارات، حيث يجب ترتيب الاثار عليها ما لم ينكشف الخلاف. وعلى كل حال صحة هذا الصلح مع الاقرار والانكار إجماعي لا خلاف فيها عندنا، غاية الامر في الصورة الثانية أي صورة إنكار المدعى عليه لابد من القول بالتفصيل المتقدم، وأنه إن كان صادقا في إنكاره فصحة ذلك الصلح ظاهرية لا واقعية، ويجب على المدعي رد ما أخذ بعنوان مال المصالحة، ويكون ما أخذ من المقبوض بالعقد الفاسد، فعليه الضمان، لان المقبوض بالعقد الفاسد يجري مجرى الغصب عند المحصلين إلا في الاثم إذا كان جاهلا بالفساد فإنه حينئذ لا إثم له وهو معذور. هذا ما حكاه الشيخ الاعظم الانصاري (1) عن ابن ادريس (2)، وكلامه هذا حسن وصحيح. ولا فرق في عدم صحة الصلح واقعا بين إن يكون المدعي كاذبا في تمام ما يدعيه أو في بعضه، مثلا لو كان المدعي يدعي أن الدار التي في يدك تمامها لي، وفي الواقع نصفها له ونصفها الاخر لنفس ذي اليد، فأنكر المدعى عليه كون تمام الدار له، ولم يكن له طريق لرد دعواه الكاذبة في النصف الذي لا يملكه، فاضطر للصلح معه على تمام الدار، فهذا الصلح أيضا فاسد واقعا ويكون صحته ظاهرية ومن باب أصالة الصحة والجهل بالحال، ولذلك متى انكشف الحال وعلم أنه كاذب في دعواه وأن تمام الدار له، لا يجب ترتيب آثار الصحة على هذا الصلح. ثم ان هاهنا كلاما: وهو انه هل يجب على المدعي الكاذب رد تمام ما اخذ بعنوان مال المصالحة لفساد هذا الصلح، أو رد نصف ما اخذ لصحة الصلح بالنسبة إلى


1. " المكاسب " ص 104. 2. " السرائر " ج 2، ص 326.

[ 16 ]

النصف الذي كان يملكه، أو لا يجب رد شئ مما اخذ لصحة هذا الصلح وان كانت صحته باعتبار وقوعه مقابل ذلك النصف الذي يملكه لا مقابل تمام الدار؟ وجوه واحتمالات. والحق بطلان هذا الصلح الواحد البسيط، فيجب رد تمام ما اخذ بعنوان مال المصالحة ويرجع إليه نصف الدار الذي كان يملكه. ومرادنا بقولنا: يرجع إلى نصفه الذي يملكه، اي بحسب الظاهر والحكم بصحة ذلك الصلح ظاهرا، وإلا فبحسب الواقع لم يخرج عن ملكه كي يرجع. ولا يتوهم: انه يمكن تصحيحه في النصف الذي يملكه من باب تبعض الصفقة، والفقهاء يلتزمون بذلك في البيع ويقولون، لو باع تمام الدار فتبين ان نصفها ليس له، فالبيع صحيح بالنسبة إلى النصف الذي يملكه، غاية الامر انه يكون للمشتري خيار تبعض الصفقة. فليكن هاهنا ايضا كذلك، فيكون الصلح صحيحا بالنسبة إلى النصف الذي يملكه، غاية الامر يكون الخيار للمصالح له، فالنتيجة ان لا يكون الواجب على المدعي الكاذب رد تمام مال المصالحة، بل الواجب عليه رد النصف الا ان يعمل المصالح خياره ويفسخ الصلح، فيجب عليه رد تمام مال المصالحة ويرجع نصف الدار إليه بالمعنى الذي ذكرنا للرجوع. ودفع هذا التوهم: بان باب الصلح على الاعيان الخارجية غير باب بيعها، و ذلك لان التسالم على كون عين خارجية ملكا لشخص وهو احد المتسالمين لا يتبعض، ولم يقع التسالم والاتفاق على كون كل جزء من هذه العين الخارجية ملكا للمصالح له بازاء ما يساويه من مال المصالحة بحسب المقدار أو القيمة، وهذا بخلاف باب البيع فان حقيقة البيع جعل كل واحد من العوضين بدلا عن الاخر في مقام الملكية، والبدلية تسري إلى كل جزء من العوضين، فكل جزء منها مقابل الجزء الذي يساويه بحسب المقدار أو بنسبة قيمته إلى قيمة المجموع.

[ 17 ]

وهذا معنى الانحلال في باب تبعض الصفقة. واما هذا المعنى فلا يأتي في الصلح، لان المنشأ فيه التسالم، وهو بسيط لا يتبعض، فبناء على هذا إذا وقع الصلح على عين يدعيها المدعي، فكما انه لو لم يكن المدعي صادقا في دعواه ولم يكن شئ من تلك العين فصالح المدعى عليه بمال عن تلك العين مع المدعي يكون الصلح بحسب الواقع باطلا، فكذلك الصلح يكون باطلا لو لم يكن بعضها له. ولا وجه للقول بصحة الصلح بالنسبة إلى البعض الذي يملكه، وبطلانه بالنسبة إلى البعض الذي لا يملكه، فيصير من باب تبعض الصفقة، لما ذكرنا من ان الصلح الواقع على عين خارجية لا يتبعض بالنسبة إلى اجزائه أو كسوره كالنصف والثلث والربع وامثالها، فتأمل. فظهر مما ذكرنا: ان الاصح من الاحتمالات الثلاث التي ذكرناها هو الاحتمال الاول، وهو وجوب رد تمام ما اخذه المدعي الكاذب في بعض ما ادعاه، وذلك لفساد الصلح. ولا فرق فيما ذكرنا من فساد الصلح لو تبين عدم كون تمام ما يصالح عنه له بين ان يكون الكاذب هو المدعي أو المدعى عليه. ثم ان ها هنا روايتين تدلان على عدم صحة الصلح واقعا، وعدم ذهاب الحق بالمرة فيما إذا لم يقع الصلح بين ما هو الحق الواقعي وبين ما يعطيه المصالح مع خفاء المقدار الواقعي على صاحب المال الذي يريد ان يصالح معه من بيده المال. احديهما: ما رواه علي بن حمزة، عن ابي الحسن عليه السلام قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: رجل يهودي أو نصراني ي كانت له عندي اربعة آلاف درهم فمات ألي ان اصالح ورثته ولا اعلمهم كم كان؟ قال عليه السلام: " لا يجوز حتى تخبرهم ". (1)


1. " الكافي " ج 5، ص 259، باب الصلح، ح 6، " الفقيه " ج 3 ص 33، باب الصلح، 3269، 2 تهذيب الاحكام " ج 6، ص 206، ح 472، باب الصلح بين الناس، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 166، أبواب كتاب الصلح، باب 5، ح 2.

[ 18 ]

والاخرى: ما رواه عمر بن يزيد، عن ابي عبد الله عليه السلام قال عليه السلام: " إذا كان لرجل على رجل دين فمطله حتى مات، ثم صالح ورثته على شئ، فالذي اخذه الورثة لهم وما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الاخرة، وفان هو لم يصالحهم على شئ حتى مات ولم يقض عنه، فهو كله للميت ياخذه به ". (1) فالرواية الاولى تدل على ان المصالحة على مال مع جهل صاحب المال بمقداره لا يجوز ولا اثر لها، والرواية الثانية تدل على ان المصالحة مع صاحب المال باقل منه لا يوجب برائة ذمته عن الجميع مع جهل صاحب المال، بل تؤثر في المقدار الذي اعطاه فقط والباقي باق في ذمته، وان لم يصالح مع صاحب المال اصلا حتى مات، ولا مع ورثته حتى هلكوا فجميع المال يبقى في ذمته. وهذا الاخير هو مقتضى القواعد الاولية ايضا، اي ولو لم تكن هذه الرواية في البين كان الحكم هكذا وكما ذكرنا. والمقصود من ذكر هاتين الروايتين ان صحة هذا الصلح حكم ظاهري، ولا يحل للمدعي الكاذب التصرف فيما اخذه بعنوان مال المصالحة، إلا فيما إذا احرز رضا من يعطي المال وطيب نفسه على كل حال، لما ذكرنا وتقدم من ان ما يأخذه بعنوان مال المصالحة يكون من المقبوض بالعقد الفاسد واقعا، وان كان بحسب الظاهر صحيحا. الامر الثالث: ان الصلح نافذ وجائز بين الناس فيما إذا لم يكن احل حراما كاسترقاق الحر، أو استباحة المحرمات كبضع المحارم وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات، أو حرم حلالا كما انه لو صالحا وتسالما على ان لا يطأ حليلته أو لا يأكل اللحم أو لا ينتفع بماله وامثال ذلك مما احله الله له. والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله: " الصلح جائز بين الناس الا صلحا احل حراما أو


1. " الكافي " ج 5، ص 259، باب الصلح، ح 8، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 208، باب الصلح بين الناس، ح 11، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 166، أبواب كتاب الصلح، باب 5، ح 4.

[ 19 ]

حرم حلالا ". (1) فالصلح الذي احل حراما، اي كان مفاده لزوم ارتكاب محرم، والصلح الذي حرم حلالا، اي كان مفاده لزوم ترك ما هو حلال، وهذا هو معنى تحريم الحلال وتحليل الحرام، وإلا فالحلال لا يصير محرما واقعا الا بتبديل الحكم من طرف الشارع، فالمراد من تحليل الحرام وتحريم الحلال هو ان يكون مفاد الصلح هو احد الامرين: اما لزوم فعل محرم وهو هو تحليل الحرام، أو لزوم ترك مباح أو ما هو راجح فعله وهذا تحريم الحلال، فمفاد الاستثناء هو عدم نفوذ مثل هذا الصلح الذي يحرم حلالا أو يحلل حراما، وانه ليس بجائز وهذا واضح جدا. الامر الرابع: في ان الصلح صحيح وجائز مع علم الطرفين ومع جهلهما بالمقدار الذي يقع الصلح عنه، فإذا كان احد الوارثين أو احد الشريكين المقدار الذي يمكله من المال المشترك غير معلوم لنفسه ولا لشريكه، فيجوز ان يصطلحا على حصته من ذلك المشترك مع جهل الطرفين، كما انه يجوز الصلح عن حصته مع علمهما ايضا. وهذا الحكم اجماعي، ويدل عليه قبل الاجماع ما رواه محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام انه عليه السلام قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه، ولا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال: كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي فقال: " لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت انفسهما ". (2) فهذه الرواية صريحة في صحة الصلح مع جهلهما بمقدار ما يصالحان عنه ويصطلحان عليه، لان مورد الحكم بعد البأس هو عدم علم المصطلحين بمقدار ما يصطلحان عليه، لان المورد حسب تصريح الراوي وفرضه هو انه كل واحد منهما لا يدري كم له عند صاحبه.


1. تقدم تخريجه في ص 10، (3). 2. تقدم تخريجه في ص 13.

[ 20 ]

هذا، مضافا إلى شمول المطلقات مثل قوله تعالى: (الصلح خير) (1) ومثل قوله صلى الله عليه وآله: " الصلح جائز بين المسلمين " (2) - أو " الناس " كما في رواية اخرى (3) - لكلتا حالتي علمهما وجهلهما، لان الصلح في كلتا الحالتين صلح، وكل صلح خير باطلاق الاية، وهكذا كل صلح جائز ونافذ باطلاق الحديث، فعدم الصحة في صورة جهلهما أو علمهما يحتاج إلى دليل مخصص للعمومات أو مقيد للاطلاقات. ثم انه كما ان جهلهما بالمقدار لا يضر بصحة الصلح، كذلك لا يضر جهلهما بجنس ما يصطلحان عليه، للاجماع والاطلاقات. الامر الخامس: ان الصلح عقد لازم لا ينحل الا بالاقالة من الطرفين وذلك لقوله تعالى: (اوفوا بالعقود) (4) ولا شك في ان الصلح من العقود العهدية، وقد ذكرنا تفصيل شمول (اوفوا بالعقود) للعقود العهدية ودلالتها على اللزوم في قاعدة اصالة اللزوم في العقود، وذكرنا سائر الادلة ايضا هناك من قبيل: " الناس مسلطون على اموالهم: (5) وقوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه " (6) وقوله عليه السلام: " حرمة مال المسلم كحرمة دمه " (7) واستصحاب بقاء اثر العقد بعد النسخ. واما انحلاله بالاقالة فلا ينافي لزومه، وذلك من جهة ان اللزوم ههنا حقي، بمعنى ان التزام كل واحد من الطرفين بالبقاء عند هذا العقد والعهد والوفاء بمضمونه الذي هو مدلول التزامي للعقد - ولذلك قلنا بعدم هذا الالتزام في المعاطاة، لعدم كون


1. النساء (4): 128. 2. " الفقيه " ج 3، ص 32، باب الصلح، ج 3267، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 164، أبواب كتاب الصلح باب 3، ح 2. 3. " الكافي " ج 5، ص 259، باب الصلح، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 13، 164، أبواب كتاب الصلح، باب 3، ص 1. 4. المائدة (5): 1. 5. " عوالي اللئالي " ج 1 ص 222، ح 99، وص 457، ح 198، وج 2، ص 138، 383. 6. " عوالي اللئالي " ج 1، ص 222، ح 98، وص 113، ح 309، وج 2، ص 240، ح 6. 7. " عوالي اللئالي " ج 3، ص 473، ح 4.

[ 21 ]

الالتزام بالوفاء بمضمون المعاملة مدلولا التزاميا للعمل وإنما هو مدلول التزامي للعقد - ملك للطرف الاخر ومن حقوقه. وهذا معنى اللزوم الحقي مقابل اللزوم الحكمي كما في باب النكاح، وذلك لان اللزوم الحكمي في النكاح عبارة عن حكم الشارع بان هذا العقد لازم لا يقدر احد على حله الا الزوم بالطلاق، وهو ايضا ليس فسخا أو انفساخا، بل هو عبارة عن رفع العلاقة التي اوجدها بعقد النكاح، فكما ان عقد النكاح سبب لوجودها يكون الطلاق سببا لارتفاعها، ولذلك لا يأتي الخيار ولا الاقالة في النكاح، لان الحكم الشرعي لا يرتفع الا برفع الشارع تخصيصا أو نسخا، على اشكال في الاول من حيث التعبير بالرفع في التخصيص، لان التخصيص يدل على ان الحكم في مورد الخاص من اول الامر لم يكن، لا انه كان وارتفع بالتخصيص. وعلى هذا المبنى قلنا في باب النكاح ان الخيار في الموارد السبعة ليس من الخيار بمعناه الحقيقي، بل هو تخصيص في اللزوم الذي حكم الشارع به في باب النكاح. إذا عرفت هذا، فنقول: ان في كل مورد كان اللزوم حقيا: اي كان التزام كل واحد من الطرفين ملكا وحقا للاخر يأتي الاقالة، لان حقيقة الاقالة رفع اليد عن حقه وما ملكه بالعقد من التزام طرفه له، فإذا رفع اليد عن حقه لا يبقى محل الالتزام طرفه، لان هذا الالتزام كان رعاية لحقه ولمراعاته، لا ان الملتزم مجبور من طرف الشارع بالبقاء عند التزامه، والا لو كان كذلك كان اللزوم حكميا - اي بحكم الشارع - لا حقيا ولمراعات طرفه، ففي اللزوم الحقي إذا رفع كلاهما يدهما كل واحد عما التزم له صاحبه فلا يبقى مانع عن الفسخ. واما في اللزوم الحكمي فلا تأتي الاقالة، لان اللزوم حكم شرعي ليس مربوطا بالطرفين كي يقبل كل واحد منهما صاحبه، ولذلك لا تأتي الاقالة في باب النكاح. وبعد ان ثبت ان الصلح من العقود اللازمة العهدية التي لزومه حقي لا حكمي،

[ 22 ]

فلا مانع من ثبوت الاقالة فيه وتأثيرها في جواز فسخ كل واحد من المصطلحين له. وحيث ثبت ان الاقالة على مقتضى القواعد الاولية فثبوتها في كل معاملة بالخصوص لا يحتاج إلى دليل خاص في تلك المعاملة بالخصوص، فكذلك في باب الصلح لا يحتاج إلى وجود دليل على صحة الاقالة، بل هي مقتضى القواعد الاولية. الامر السادس: قال في الشرايع: إذا اصطلح الشريكان على ان يكون الربح والخسران على احدهما وللاخر رأس ماله صح. (1) والدليل على صحة هذا الصلح اولا شمول الاطلاقات له فان قوله صلى الله عليه وآله الصلح جائز بين المسلمين أو الناس الا صلحا احل حراما أو حرم حلالا يشمل مثل هذا لان هذا صلح ولم يحرم حلالا ولم يحلل حراما فيكون من مصاديق الصلح الصحيح وثانيا هو الاجماع وثالثا روايات منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه وكان من المال دين وعليهما دين فقال أحدهما لصاحبه اعطني رأس المال ولك الربح وعليكخ التوى فقال لا بأس إذا اشترطا فإذا كان شرط يخالف كتاب الله فهو رد إلى كتاب الله عزوجل، (2) وقد روي هذه الرواية بعدة طرق اخر كما هو مذكور في الوسائل ودلالتها على ما نقلناه عن الشرايع واضح لا يحتاج إلى البيان. ثم انه هل مفاد هذه الرواية وغيرها من الروايات الواردة في خصوص المقام هو صحة هذا الصلح بالنسبة إلى الربح والخسران المتقدم كي يكون به انتهاء الشركة


1. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 99. 2. " الكافي " ج 5، 258، باب الصلح، ح 1، " الفقيه " ج 3، ص 229، باب المضاربة، ح 3848، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 207، ح 476، باب الصلح بين الناس، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 165، أبواب كتاب الصلح: باب 4، ح 1.

[ 23 ]

ويكون هذا الصلح في التقسيم، أولا بل صحته مطلقا سواء كان في أول الشركة أو في وسطها أو في آخرها؟ اختار المحقق الثاني قده الاول حيث يقول: هذا إذا انتهت الشركة واريد بها فسخها وكان بعض المال دينا لصحيحة ابي الصباح (1) ثم ذكر الرواية التي نقلناه عن الحلي وكذلك الشهيد الثاني في المسالك حمل الرواية على ما اختاره المحقق الثاني. (2) والانصاف ان صدر الرواية ظاهر في ما ذكراه لان قوله عليه السلام لا بأس ظاهر في نفي الباس عما سأل عنه الراوي وعن فرضه وفرضه في حصول ربح لهما بعد حصول الاشتراك فكأنه قال بعد ان اشتركا في مال واتجرا به فحصل ربح من كسبهما فيه، ان لي رأس مالي والباقي لك فصالح بهذه العبارة انه صالح بجميع حقه في هذا المال المشترك بمقدار رأس ماله وما سوى مقدار رأس ماله للاخر سواء كان زائد على رأس مال الاخر فيكون الربح له أو كان اقل منه فيكون التوى اي الخسارة عليه. فيظهر من هذا الكلام أنه إذا اصطلحا على ان يكون مقدار رأس مال أحدهما له والباقي أي مقدار كان للاخر سواء كان زائدا على رأس مال الاخر أو كان أقل أن بهذا الصلح ينتهي الشركة وهذا شبه تقسيم بالمصالحة ورضا الطرفين ولكن حيث قيد عليه السلام نفي البأس بقوله إذا اشترطا فربما يخرج الصدر عن ظهوره في انتهاء الشركة لان المراد بالاشتراط اما الاشتراط في عقد الشركة أي لا بأس بهذا الصلح إذا كانا اشترطا في عقد الشركة ان يكون رأس مال احدهما له والباقي قليلا كان أم كثيرا للاخر. فهذا الشرط في عقد الشركة ان كان مرجعه إلى أن لا يكون ربح المال له ولا


1. " جامع المقاصد " ج 5 * ص 413. 2. " المسالك الافهام " ج 4، 265.

[ 24 ]

خسارته عليه بل يكون ربحه لشريكه وخسارته أيضا على شريكه يكون باطلا لانه خلاف مقتضى اصل العقد لا انه خلاف مقتضى اطلاق العقد كي يكون صحيحا فلا يمكن أن يكون تقييده عليه السلام عدم البأس بالاشتراط بهذا المعنى اي بالاشتراط بالشرط الباطل. وحيث قيده به فلابد وان يكون بمعنى آخر يلائم مع هذا التقييد وهو ان يكون انشاء هذا المعنى أي كون رأس ماله له والباقي لطرفه بعقد لازم كنفس الصلح أو يكون في ضمن عقد لازم آخر كي يكون لازما وواجب الوفاء لا وعدا ابتدائيا أو صرف قول ومذاكرة من دون عقد وعهد كي لا يكون واجب الوفاء بل لا يصير ملكا للطرف لعدم خروج الربح عن ملكية صاحب المال الرابح بصرف هذا القول. وكذلك الامر في الخسارة تتبع المال وبصرف القول والمذاكرة لا يصير خسارة مال شخص على شخص آخر خصوصا مع فرض سكوت الطرف الاخر وعدم اظهار رضاه كما هو ظاهر الرواية. فلابد وان نفرض المقام ان صاحب أحد المالين اللذين حصل الاشتراك بينهما إما بعقد الشركة أو بمزجهما أو بخلطهما فيما يحصل للاشتراك بالخلط صالح ماله للطرف الاخر بمقداره بدون زيادة ولا نقيصة في ذمته ونتيجة مثل هذا الصلح هي صيرورة تمام المال ملكا للطرف الاخر فقهرا يكون الربح له والخسارة عليه غاية الامر تكون ذمته مشغولة للمصالح المذكور فلو خسر تمام المال المشترك ولم يبق له شئ يكون عليه تفريغ ذمته باعطاء جميع رأس المال الذي تعلق بذمته. وأما الاشكال بان الشرط والاشتراط لا يطلق على مثل هذا الصلح ففيه ما ذكرنا تفصيله في قاعدة اصالة اللزوم أن الشرط والاشتراط يطلق على كل عقد لازم من العقود العهدية. إذا ظهر لك ما ذكرنا، تعرف أن هذا المعنى أي الصلح بالصورة المذكورة يمكن

[ 25 ]

أن يقع في ابتداء حصول الشركة وفي وسطه وفي انتهائه ولا يجب أن يكون عند القسمة ويكون عند انتهاء الشركة. ولكن أنت خبير بأن لازم هذا الوجه في معنى الاشتراط أيضا انتهاء الشركة غاية الامر يحصل الانتهاء بنفس الصلح المذكور ويبطل الشركة إذ لا يعقل بقاء الشركة مع تعلق مال أحد الشريكين بذمة الاخر وصيرورة تمام المال له نعم احداث هذا الصلح يمكن أن يكون في ابتداء حصول الشكرة ويمكن ان يكون في وسطها ويمكن ان يكون بعد انتهائها وفسخها، وعلى كل حال به ينتهي الشركة اللهم إلا ان المراد من الاشتراط نفس الصلح كما ذكرنا بناء على صحة اطلاقه على العقود العهدية الضمنية والصلح في هذا المورد يكون على استحقاق أحدهما من المال المشترك مقدار رأس ماله والباقي أي مقدار كان للاخر ربح أو خسر. وهذا المعنى ليس فيه اشكال لان الصلح عبارة عن التسالم على امر كما تقدم ولا مانع من تسالمهما على مثل هذا الامر لان الناس مسلطون على أموالهم وليس هذا التسالم موجبا لتحريم حلال أو تحليل حرام كي يكون موجبا لبطلانه كما هو مفاد النص وليس من باب معاوضة حقه بما يساوي مقدار رأس ماله في ذمة الاخر كي يكون تمام مال المشترك للاخر فيكون بهذه المصالحة انتهاء الشركة. وهذا المعنى بعد ان فرغنا عن صحته وشمول اطلاقات الصلح له لا ينافي بقاء الشركة بعد هذا الصلح لان المفروض أن مفاده كون حق المصالح في هذا المال المشترك مقدار رأس ماله وان بقى الاشتراك بعد ذلك سنين فيجوز هذا الصلح في ابتداء الشركة وفي أوساطها وعند انتهائها وليس مختصا بحال القسمة ولا يحصل به الفسخ بل يمكن بقاء المال على الاشتراك لشمول الاطلاقات لمثل هذا الصلح بل لا يبعد أن يكون ظاهر الروايات الخاصة أيضا هذا المعنى بناء على أن يكون المراد من قوله عليه السلام إذا اشترطا فلا بأس " هو نفس عقد الصلح لصحة اطلاق الشرط والعهد على العقود اللازمة العهدية.

[ 26 ]

فظهر مما ذكرنا أن تقييد كلمة " صح " التي في المتون بقيد " هذا إذ انتهت: أي الشركة " كما في جامع المقاصد (1) و " عند انتهائها " كما في المسالك (2) ليس كما ينبغي. وكذلك ما أفاده الشهيد قدس سره في الدروس (3) بقوله: ولو جعلا ذلك - أي الصلح المذكور - في ابتداء الشركة فالاقرب المنع لمنافاته مع موضوعها، أي الشركة وقبل هذه العبارة يحكم بصحة هذا الصلح إذا كان عند إرادة الفسخ. وأنت عرفت ما في كلامه هذا وما في كلام غيره مما يشابه هذا الكلام. وخلاصة الكلام أنه إن كان المراد من قوله عليه السلام: " إذا اشترطا " أي في ضمن عقد الشركة، فلا بد وان نقول على فرض صحة السند وحجية تلك الروايات الخاصة أن هذا حكم تعبدي إذ لا يمكن تصحيحه بالقواعد المقررة بل مقتضى القواعد بطلان هذا الشرط، لانه مناف لمقتضى ذات العقد لا لاطلاقه وأما إذا كان المراد منه هو الصلح كما هو ظاهر عبارة المتون فلا اشكال في صحة مثل هذا الصلح سواء كان في ابتداء الشركة أو في أوساطها أو في انتهائها. [ الامر ] السابع: لو ظهر وبان ان أحد العوضين مما وقع الصلح عليهما إما للغير أي ليس للطرف في عقد المصالحة وإما مما لا يملك كالخمر والخنزير. والنتيجة في كلا الشقين انه لا يملكه الذي هو طرف المصالحة اما لانه ملك الغير أو لعدم ماليته عرفا كالاشياء الخسيسة التى لا يعتبرها العقلاء كالخنفساء مثلا أو لاسقاط الشارع ماليته العرفية كالخمر والخنزير وآلات الملاهي وادوات القمار كادوات النرد والشطرنج فيبطل الصلح قطعا. وذلك من جهة أن حقيقة المعاوضة في أي عقد معاوضي كانت عبارة عن تبديل


(1) " جامع المقاصد " ج 5، ص 413. (2) " مسالك الافهام " ج 4، ص 265. (3) " الدروس " ج 3، ص 333.

[ 27 ]

المالين في علم الاعتبار فقوام المعاوضة بهذا الامر فلابد وأن يكون كل واحد منهما مالا كي يكون قابلا للعوضية في عالم الاعتبار وأن يكون كل واحد من طرفي عقد المعاوضة موجبا أو قابلا له السلطنة على مال المعاوضة فهذان ركنان في كل معاوضة وبفقد أي واحد منهما لا يتحقق المعاوضة. فإن كان مما لا يملك أي أسقط الشارع ماليته العرفية كالخمر والخنزير وأمثالهما أو لم يكن مالا حتى عرفا لخسته كالخنفساء فينتفي الركن الاول وان كان مستحقا للغير سواء كان ملك الغير أو كان متعلقا لحق الغير فلا يكون طرف المعاوضة مسلطا عليه فينتفي الركن الثاني وعلى كلا التقديرين لا يبقى مجال للمعاوضة فيبطل الصلح لو بان ان أحد العوضين مستحق للغير أو ليس له مالية. وهذا الحكم جار في جميع المعاوضات ولا شبهة ولا خلاف فيما إذا كان جميع أحد العوضين كذلك أما لو كان بعض أحد العوضين المعينين في الخارج أي كان بعض العين الخارجة التي وقعت عوضا في الصلح للغير أو كان مما لا يملك كالعبد الذي نصفه حر أو للغير، فهل الصلح باطل في المجموع أو صحيح في المجموع أو يبعض وصحيح في النصف الذي له وباطل في النصف الاخر الذي ليس له أو يكون متعلق حق الغير؟ وجوه. قد تقدم في الامر الثاني ان الارجح هو بطلان الصلح في المجموع حتى في النصف الذي يملكه الطرف وذكرنا برهانه هناك فلا نعيد. وربما يتوهم الفرق بين العقود المعاوضية وبين الصلح بان العقود المعاوضية كالبيع - مثلا - حيث ان المنشأ فيها هو المبادلة بين المالين فمع عدم مالية أحد العوضين أو عدم كونه له لا يتحقق حقيقة المبادلة التي لابد منها في تلك العقود. وأما الصلح الذي عبارة عن التسالم والموافقة على امر لم يؤخذ فيه كونه بعوض، بل يمكن ان يقع بلا عوض ومجانا فإذا كان الامر كذلك فكما يمكن ان يقع من أول

[ 28 ]

الامر مجانا وبلا عوض فلا يضر بصحته صيرورته كذلك - أي مجانا - بعد ظهور أن العوض المذكور ليس بمال أو ليس له وان كان مالا. لكنه توهم عجيب: لان الصلح وان لم يؤخذ في حقيقته كونه ذا عوض ويمكن أن يقع مجانا وبلا عوض ولكن إذا انشأ التسالم والموافقة على امر بعوض يصل إلى المصالح، فإذا لم يصل إليه شئ اما لاجل أنه ليس بمال أو ليس له فقد تخلف ما وقع عما هو مقصود الطرفين، فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد والعقود تابعة للقصود. فكما ان التمليك لم يؤخذ في حقيقته ان يكون بعوض ولذلك قد يكون بلا عوض كالهبة الغير المعوضة ولكن إذا انشئ بعوض كالبيع مثلا ولم يكن العوض للطرف، بعد العقد بان أنه ليس له أو ظهر أنه ليس بمال عرفا أو شرعا وان كان ملا عند العرف لكن الشارع اسقط ماليته فذلك العقد باطل. فكذلك فيما نحن فيه - أي الصلح - وإن لم يؤخذ في حقيقته العوض لكن إذا انشأ بعوض، يكون العوض من أركان ذلك العقد ومع فقده يبطل ذلك العقد. وأما النقض بالنكاح بأن المهر المعين في عقده إذا بان انه ملك للغير أو متعلق حق الغير كأن يكون مرهونا مثلا فجعله مهرا بدون إذن المرتهن أو كان غير مال شرعا كالخمر والخنزير فلا يبطل العقد بل يرجع إلى بدله أو إلى مهر المثل أو غير ذلك مما قيل في تلك المسألة فلا ينبغي أن يتوهم لان المرأة ليست عوضا عن المهر ولا المهر عوض منها. وقوله عليه السلام: " إنما يشتريها بأغلى الثمن " (1) من باب التشبيه بالبيع، وإلا فذات المرأة حرة لا أمة ليتقدر بمال والبضع من منافعها وليست عينا كي يصح بيعه. وبعبارة أخرى: النكاح ليس من العقود المعاوضية بل لزوم المهر فيه حكم


(1) " الكافي " ج 5، ص 365، باب النظر لمن أراد التزويج، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 59، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، باب 36، ح 1.

[ 29 ]

شرعي، ولذلك لو عقد على امرأة ولم يذكر المهر أصلا لا يبطل العقد ولكن يرجع إلى مهر المثل، تعبدا لان البضع لا تستباح مجانا. ففي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا تزوج الرجل المرأة فلا يحل له فرجها حتى يسوق إليها شيئا درهما فما فوقه " (1). وفيما رواه زرارة قال: " لا تحل الهبة إلا لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأما غيره فلا يصلح له نكاح إلا بمهر ". (2) والروايات على لزوم المهر في النكاح كثيرة وما ذكرنا كله كان فيما إذا كان العوض عينا شخصيا، فإذا بان انه مستحق للغير أو ليس قابلا لان يملك شرعا أو عرفا فالصلح باطل. وأما لو كان في الذمة فدفع ما كان كذلك فلا وجه للبطلان بل يجب عليه ان يدفع غيره من مصاديق ما في الذمة مما يكون مالا عرفا ولا يكون متعلقا لحق الغير ولا يكون للغير ولم يسقط الشارع ماليته أيضا. وأما إذا ظهر في عوض الصلح عيب ونقص فلا يوجب البطلان ولا الخيار. أما عدم البطلان لانه ليس بلا عوض وتلك العين الشخصية التي جعلت عوضا للعقد موجودة ولذلك لا يوجب البطلان حتى في البيع الذي هو الاصل في باب المعاوضات وحقيقيته تبديل العين المتمول بعوض. وأما عدم ايجابه الخيار فلان عمدة دليل الخيار، إذا ظهر عيب ونقص في المبيع الشخصي أو الثمن الشخصي، هو الشرط الضمني أي بناء البايع على بيع هذه العين الموجودة بما يساويها في القيمة أي هذا الثمن الموجود في الخارج وكذلك الامر في


(1) " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 357، ح 1452، باب المهور والاجور...، ح 15، " الاستبصار " ج 3، ص 220، ح 779، باب انه يجوز الدخول بالمرأة...، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 12، أبواب المهور، باب 7، ح 1. (2) " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 364، ح 1487، باب المهور والاجور....، ح 41، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 28، أبواب المهور، باب 19، ح 1.

[ 30 ]

طرف المشتري، أي يشتري هذه العين التي تساوي هذا الثمن بحسب القيمة بهذا الثمن. وهذا الشرط من الطرفين البايع والمشتري ارتكازي لا يحتاج إلى الذكر أو البناء خارجا، ولذلك لو أتى شخص غير المتبايعين وقال هذا المبيع لا يساوي هذا الثمن يتأذى البايع وربما يترك المشتري هذه المعاملة لو سمع هذه المقالة وكذلك الامر في طرف الثمن. فمن هذا يعلم ان كليهما أي البايع والمشتري بنائهما على تساوي العوضين، وانهما بلا عيب ونقص وبفقد الشرط الضمني الاول أي التساوي في القيمة يثبت خيار الغبن وبفقد الثاني أي السلامة عن العين والنقص يأتي ويثبت خيار العيب. هذا في البيع أو سائر المعاوضات التي بناء للمتعاقدين فيها على تساوي العوضين. وأما في الصلح فليس الامر كذلك بل بناء المتعاقدين فيها على التسامح، لانه شرع في الاصل لقطع المنازعات وقطع المنازعات لا يمكن غالبا إلا بالتسامح وإلا لو كان بنائهما على المداقة فلا يحصل الصلح غالبا. وهذا في خيار الغبن واضح، وأما خيار العيب إذا وقعت المصالحة على عين خارجي، فالانصاف أن بنائهما على صحتها وسلامتها فلا يبعد اتيان خيار العيب في الصلح إذا ظهر مال المصالحة معيبا ولكن بالنسبة إلى حق الفسخ لا اخذ الارش وإنما هو حكم تعبدي في خصوص البيع للاجماع والروايات. ولكن الروايات لا تدل على التخيير بين الرد واخذ الارش ابتداء بل دلالتها على أخذ الارش بعد عدم امكان الرد لوجود تغيير في المعيب بعد تسلمه من صاحب المبيع المعيب مثلا وعلى كل حال التخيير بين الرد والارش مختص بالبيع للاجماع والرواية وإلا فصرف تخلف الشرط الضمني لا يوجب إلا الخيار فالخيار يثبت في الصلح إذا كان العوض معيبا واما الارش فلا. [ الامر ] الثامن: يصح الصلح على عين بعين أو منفعة وعلى منفعة بعين أو منفعة.

[ 31 ]

والدليل على صحة المذكورات هي العمومات واطلاقات ادلة الصلح فقد تقدم ان الصلح عبارة عن التسالم والموافقة على امر بشئ سواء كان ذلك الامر عينا أو دينا أو منفعة أو حقا على نقل هذا الاخير أو اسقاطه وحيث ان كل حق قابل للاسقاط حتى عرف بذلك مقابل الحكم فانه غير قابل للاسقاط فكل حق قابل لان يقع الصلح عليه، سواء كان على نقله أو على اسقاطه. وعمومات الصلح وإطلاقاته كقوله: (والصلح خير)، وقوله صلى الله عليه وآله: " الصلح جايز بين الناس الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا يشمل جميع ما يقع التسالم والتوافق عليه ولو كان اسقاط حق أو نقله فيما كان قابلا للنقل إذ بعض الحقوق غير قابل للنقل كحق البضع والمضاجعة وامثالهما من الحقوق القائمة بشخص خاص. هذا إذا علم أنه قابل للنقل وأما إذا شك في أنه قابل للنقل فهل يصح الصلح على نقله أو يحتاج إلى الاحراز؟ الظاهر عدم الصحة ولزوم الاحراز وذلك من جهة أنه لا بد من احراز مشروعية متعلقة وذلك للاستثناء الذي في قوله صلى الله عليه وآله: " إلا صلحا أحل حراما " فبعد هذا الاستثناء يقيد موضوع ما هو جايز ونافذ بالصلح على امر مشروع، فإذا شككنا ان الحق الفلاني مشروع نقله أم لا فلا يجوز التمسك لجوازه ونفوذه بإطلاقات أدلة الصلح. فلو شككنا في ان حق السبق في الوقف في الاوقاف العامة - كما إذا سبق شخص إلى مكان في أحد المساجد أو في الحرم الشريف أو إلى مكان في خانات الوقف بين الطرق على المسافرين أو غير ذلك هل قابل للنقل أم قائم بشخص السابق فالصلح على نقل مثل ذلك الحق مشكل ولا يشمله عمومات واطلاقات ادلة الصلح لمكان ذلك الاستثناء نعم لا مانع من وقوع الصلح على اسقاط كل حق بناء على أن كل حق قابل للاسقاط، فالاسقاط خاصة شاملة للحق.

[ 32 ]

الجهة الثالثة في بيان بعض فروع هذه القاعدة أي قاعدة " الصلح جائز بين المسلمين إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا ": فمنها: أنه لو كان هناك درهما ورجلان فادعى أحدهما الاثنين والاخر أحدهما، قال في الشرائع: لمدعي الاثنين درهم ونصف والباقي - أي نصف الدرهم للاخر. (1) ولابد فرض المسألة فيما إذا كان الدرهما في يدهما أو جميعا أو كانا مطروحين في مكان مباح ليس له مالك ولم يكن لاحد يد عليه وإلا لو كانا في يد مدعي الاثنين يحكم له بهما مع حلفه أو نكول الطرف المدعي لواحد كما أنه لو كان في يد مدعي الواحد يعطى واحد لمدعي الاثنين لانه مدع بلا معارض والدرهم الآخر يعطى لذي اليد مع يمينه أو نكول مدعي الاثنين. ولا بد أن يحمل صحيح عبد الله بن المغيرة عن غير واحد من اصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين كان معهما درهمان فقال احدهما الدرهمان لي وقال الاخر: بيني وبينك فقال أبو عبد الله عليه السلام: " أما الذي قال هما بيني وبينك فقد أقر بان أحد الدرهمين ليس له فيه شئ وأنه لصاحبه ويقسم الدرهم الثاني بينهما نصفين " (2) على ما قلنا من أن الدرهمين إما لا يد لاحد عليهما وإما في يد الاثنين جميعا كما أن ظاهر الرواية هو الاخير لفرض الراوي ان الدرهمين كان معهما أي في يد كليهما. ففي هذه الصورة ما اجاب به الامام عليه السلام هو مقتضى القواعد الاولية أيضا،


1. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 99. 2. " الفقيه " ج 3، ص 35، باب الصلح، ح 3274، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 208، ح 481، باب الصلح بين الناس، ح 12، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 169، أبواب كتاب الصلح، باب 9، ح 1.

[ 33 ]

وحكمه عليه السلام بتقسيم الدرهم الثاني بينهما الظاهر في التقسيم بالسوية هو مقتضى قاعدة العدل والانصاف التي استعملها الفقهاء في موارد كثيرة فيكون ما ذكره في الشرايع مطابقا لما هو مضمون الرواية وكون الدرهم ونصفه لمدعي الاثنين ايضا مقتضى قاعدة الاقرار من مدعي الواحد فانه نفى عن نفسه قاعدة سماع قول المدعي بلا معارض بدون تكليفه بالبينة. وما ذكره جمع من الاساطين كالعلامة في التذكرة، (1) والشهيد في الدروس (2) من حلف كل واحد منهما فيحلف مدعي الاثنين لمدعي الواحد بان نصف الدرهم مما صار بيدي ليس لك ولو نكل يؤخذ منه ويعطى لمدعي الواحد ويحلف مدعي الواحد على الاشاعة لمدعي الاثنين ان هذا النصف الذي صار بيدي ليس لك ولو نكل يعطى لمدعي الاثنين. والسر في ذلك: أن كل واحد منهما مدع ومنكر فمدعي الواحد مدع للنصف من الدرهم الذي صار في يد مدعي الاثنين وهو منكر ومدعي الاثنين مدع للنصف الذي يعطى لمدعي الواحد على الاشاعة وهو منكر فيجب اجراء القاعدة المعروفة " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " فهاهنا مدعيان ومنكران وحيث ان المفروض عدم وجود بينة في المقام فيجب ان يحلف كل واحد منهما للاخر فلو لم يحلف احدهما لا يعطى ذلك النصف المتنازع فيه كما أنه لو رد كل واحد من المنكرين الحلف إلى الطرف الذي هو مدع وهو نكل فلا يستحق ذلك النصف ولو حلفا جميعا أو نكلا جميعا أيضا، يقسم بينهما بالسوية لقاعدة العدل والانصاف المذكورة. وخلاصة الكلام: أن من بيده النصف مدع للنصف الآخر ومن بيده الدرهم والنصف منكر، ومن بيده الدرهم والنصف مدع للنصف الآخر الذي بيد طرفه، وهو منكر فيكون الامر كما ذكرنا.


1. " تذكرة الفقهاء " ج 2، ص 191. 2. " الدروس " ج 2، ص 333.

[ 34 ]

هذا ما ذكره هؤلاء الاساطين مع اختلاف بين ما ذكروه وهو تخصيص الحلف بالثاني أي مدعي الواحد إذا ادعى مشاعا. ولكن التحقيق أنه لا فرق في صيرورة كل واحد منهما مدعيا ومنكرا في المفروض أي فيما إذا كان لكليهما اليد على الدرهمين بين أن يكون دعوى المدعي للواحد على الاشاعة أو على التعيين. وتوضيح ذلك موقوف على بيان مقدمة وهي أنه لا شك في أن ذا اليد منكر لو ادعى المال من ليس له يد على المال وليس له حجة أخرى على أن المال له. وذلك الاخر الذي ليس له يد على المال يكون مدعيا ان لم يكن له حجة أخرى على أن المال المتنازع فيه له. فبناء على هذا يكون ذو اليد منكرا ومقابله يكون مدعيا. ثم إن ذا اليد لو كان شخصا واحدا فالذي يدعيه يكون مدعيا ويكون ذو اليد منكرا وأما لو كان ذو اليد متعددا كما إذا ادعى أحد غير هؤلاء الذين لهم اليد على المال أيضا يكون مدعيا وذوو الايدي يكونون منكرين ان لم يصدقوه. وأما إن كان مدعي لجميع ما في يدهم أحدهم فيكون مدعيا بالنسبة إلى البعض ومنكرا بالنسبة إلى بعض آخر. بيان ذلك: أن ذا اليد على مال واحد إن كان متعددا فلا يمكن أن تكون يد كل واحد منهم يدا تامة مستقلة وذلك لان اليد التامة المستقلة كما أن لها التصرفات المشروعة في المال كذلك له المنع عن تصرف الغير وفي الايدي المتعددة ليس لها المنع عن تصرفات سائر الايادي ولذلك لا يحسبها العرف يدا مستقلة بل يعتبرون اليد الناقصة المستقلة على المجموع يدا مستقلة على البعض بنسبة عدد الايادي. مثلا لو كان شريكان لكل واحد منهما يد على مال فحيث أن يد كل واحد منهما غير تامة فالعرف يعتبرونها تامة بالنسبة إلى البعض بنسبة عدد الايدي وحيث أن ذا اليد اثنين فيد كل واحد منهما الناقصة على جميع المال يعتبر يدا تامة على نصف

[ 35 ]

المال وإن كان ذوو الايدي والشركاء ثلاثة يعتبر يد كل واحد منهم الناقصة يدا تامة على ثلث المال، وهكذا. إذا تبين ما ذكرنا، فنقول: إذا ادعى أحدهما أن أحد هذين الدرهمين بالخصوص لي وعينه ولم يكن دعواه بنحو الاشاعة فهذا المدعي بالنسبة إلى نصف هذا الواحد المعين مدع وبالنسبة إلى نصفه الاخر منكر. بيان ذلك: أن مفروض المسألة ان كليهما لهما اليد على هذا الدرهم الذي يدعيه أحدهما وحيث أن يد كل واحد منهما على مجموع هذا الدرهم غير تامة وناقصة، وفي اعتبار العرفي وبنظرهم يد كل واحد منهما على المجموع حيث انها ناقصة تكون بمنزلة اليد التامة على نصف ذلك الدرهم فتكون أمارة على ملكية نصف ذلك الدرهم. وذلك لان اليد التي هي امارة الملك هي اليد التامة المستقلة غير الناقصة فإذا كان الامر كذلك فالمدعي لهذا الدرهم المعين يكون بالنسبة إلى النصف الذي تحت يد مدعي الاثنين مدع ومدع الاثنين بالنسبة إلى هذا النصف الذي تحت يده منكر، كما أن مدعي الاثنين بالنسبة إلى النصف الذي تحت يد مدعي الواحد المعين مدع، وهو أي مدعي الواحد منكر. فكل واحد منهما مدع ومنكر ويجري في حقهما قاعدة " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " وحيث أن المفروض عدم البينة في المقام فيجب حلف كل واحد منهما لرد دعوى الاخر فان حلفا جميعا أو نكلا جميعا سقط كلا الدعويين ويقسم ذلك الواحد المعين بينهما بالسوية لقاعدة العدل والانصاف. وأما إن حلف أحدهما دون الاخر فيكون الدرهم المتنازع فيه للذي حلف. وكذلك الامر في مدعي الشركة مثل المدعي للواحد المعين في وجوب الحلف على كل

[ 36 ]

واحد منهما. اللهم إلا أن يقال إن يد المدعي للشركة تامة بالنسبة إلى ما يدعيه أي الشركة ومالك النصف أي الدرهم الواحد مشاعا فالذي يدعي الجميع يكون مدعيا لان يده على الجميع ليست تامة كما ذكرنا ومدعي الشركة منكر لما ذكرنا من أن يده تامة بالنسبة إلى ادعائه الشركة فهو منكر ووظيفة المنكر هو الحلف فيختص الحلف بالثاني أي المدعي الواحد إذا كان يدعيه اشاعة أي الشركة بالمناصفة. وهذا الحكم جار في كل من يدعي الشركة في مال مقابل المدعى لمجموع ذلك المال مع كون ذلك المال بيدهما جميعا، كما ذهب إليه الشهيد في الدروس. (1) وقال في جامع المقاصد إنه متجه. (2) والانصاف أن العرف مساعد لكون يد كل واحد من الشخصين اللذين لهما اليد على مال امارة الشركة فيكون من يدعي جميع الدرهمين بالنسبة إلى أحد الدرهمين من قبيل المدعي بلا معارض لان الاخر لا يدعيه بل هو مقر بانه له وأما بالنسبة إلى الدرهم الاخر فيكون مدعيا بلا حجة في مقابل دعوى الشركة من الاخر لان يده امارة على الشركة لا على أن جميع المال له. فقوله: إن جميع المال له مخالف للحجة الفعلية وهو يد من يدعي الشسركة وقد حققنا في كتاب القضاء ان المدعى هو من يكون قوله مخالفا للحجة الفعلية والمنكر مقابله وهو من يكون قوله موافقا للحجة الفعلية، وفي المقام حيث يكون قول من يدعي الشركة موافقا للحجة الفعلية ومن يدعي الجميع مخالفا لها فيكون الاول - أي من يدعي الشركة منكرا ومن يدعي الجميع مدعيا فيكون المدعي للشركة وظيفته الحلف، والاخر أي مدعي الجميع وظيفته البينة وهذا الحكم جار في جميع


1. " الدروس " ج 3، ص 333. 2. " جامع المقاصد "، 5، ص 436.

[ 37 ]

موارد مدعي الشركة مع مدعي الجميع ولعل هذا ما اراده الشهيد قده في الدروس. وعلى كل حال، الحكم في هذه المسألة ما افتى به المشهور من كون أحد الدرهمين للذي يدعيهما جميعا وتنصيف الاخر بينهما فيكون درهم ونصف لمن يدعيهما ونصف درهم للذي ادعى الواحد سواء كان دعوى الاخير على نحو الاشتراك أو كان يدعي واحدا معينا وذلك للنص المتقدم وهو صحيح عبد الله بن المغيرة المذكور آنفا. (1) والتمسك بهذه القواعد للاحتياج إلى الحلف والعمل بميزان القضاء يكون من قبيل الاجتهاد في مقابل النص وهذا مما يطعن به على المتمسك مع أن هذا الحكم ليس مخالفا للقواعد المقررة في كتاب القضاء. بيان ذلك: أنه حيث أن مفروض المسألة فيما يكون لكل واحد من المدعيين يد على المتنازع فيه أو مطروح في مكان ليس لاحدهما يد عليه ولا فرق بين الصورتين فيما هو المهم في المقام وهو أنه ليس ها هنا مدع ومنكر في البين بل ها هنا مدعيان ليس لهما حجة على ما يدعيان اما من أول الامر كما إذا كان مطروحا وليس لاحدهما يد عليه أو من جهة سقوط كلا المدركين بالتعارض وذلك فيما كان لكل واحد منهما يد على المال المتنازع فيه فتتعارض اليدان وتتساقطان وعلى كل واحد من التقديرين دعويان بلا مستند لكل واحد منهما وليس المورد مورد المدعي والمنكر والمال بينهما فلابد من تنصيف محل النزاع ولو لم يكن تلك الصحيحة لقاعدة العدل والانصاف التي يجريها الفقهاء في كل مورد يكون المال بينهما وليس لاحدهما مدرك وليس مدع ومنكر في البين. فلا يمكن قطع نزاعهما بموازين القضاء ولا بد من قطع الخصومة فيقطع بتطبيق هذه القاعدة بالتنصيف أو بالتثليث أو بالتربيع وهكذا بنسبة عدد المدعين فلو كان


1. سبق ذكره في ص 32، رقم (2).

[ 38 ]

عشرين كل واحد منهم يدعي تمام المال الذي ليس لاحدهم يد عليه ولا لغيرهم عليه يد وليس لاحد منهم مدرك آخر أن هذا المال له فلابد وأن يقسم بينهم بقاعدة العدل والانصاف عشرين لكل واحد منهم واحد من ذلك العشرين. ومما ذكرنا يظهر لك أن ما افتى به المشهور من أنه " لو وادعه انسان درهمين وآخر درهما وامتزج الجميع ثم تلف درهم يعطي لذي الدرهمين درهم من الدرهمين الباقيين وينصف الدرهم الباقي فتواهم على طبق القاعدة وهي قاعدة العدل والانصاف لان الاثنين لا يدلهما على الدرهم اما يد الودعي فليست امارة الملكية وأما المدعيان فلا يد لاحدهما على المتنازع فيه واليد السابقة على الايداع متعلقها غير معلوم وليس المقام مقام المدعي والمنكر فلا يمكن العمل بموازين القضاء ولا يمكن قطع الخصومة إلا بتطبيق قاعدة العدل والانصاف بتنصيف المنازع فيه لانهما اثنان ولو كان عدد المدعين اكثر كان التقسيم بعددهم كما عرفت. وهذا ربما يسمى بالصلح القهري ووجه التسمية واضح ولعل هذه التسمية صارت سببا لذكر هذه الفروع في كتاب الصلح فهذا الحكم على طبق القواعد ويؤيده ما رواه السكوني عن الصادق عليه السلام في رجل استودعه رجل دينارين واستودعه آخر دينارا فضاع دينار منها قال عليه السلام: " يعطى صاحب الدينارين دينارا، ويقسم الاخر بينهما نصفين ". (1) أقول: هذا احد الاحتمالات في هذه المسألة وقد افتى به المشهور. وهاهنا احتمالات أخر: منها: أن يصير المال أي الدراهم مشتركة بينهما بواسطة الاختلاط والاجتماع في مكان واحد أو بواسطة عدم التمييز الحاصل عن الاختلاط والاجتاع في محل


1. " الفقيه ج 3، ص 37، باب الصلح، ح 3278، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 171، أبواب كتاب الصلح، باب 12، ح 1.

[ 39 ]

واحد خصوصا إذا كانت من الدراهم المسكوكة بسكة واحدة وبوزن واحد وشكل واحد. ومنها أن يكون موردا للقرعة لاجل أن القرعة لكل أمر مجهول أو مشتبه، وهاهنا اشتبه الدرهم الضايع ولا يعلم أنه لصاحب الدرهم الواحد كي يكون الدرهمان الباقيان لصاحب الدرهمين أو أنه لصاحب الدرهمين كي يكون الباقي أحدهما لهذا والآخر لذاك. ومنها الصلح القهري حيث لا يمكن معرفة صاحب المال الموجود، فلابد للحاكم أن يجبرهما على الصلح لرفع الخصومة وقطع النزاع، فلابد للفقيه أن ينظر إلى هذه الوجوه، ويرى أن أيها أوجه وبالقواعد أوفق. أقول: أما احتمال الاشتراك بواسطة الاختلاط وعدم الامتياز وإن كان اثره هو أن يكون من كل درهم ثلثه لصاحب الدرهم الواحد وثلثاه لصاحب الدرهمين فإذا ضاح واحد الثلاثة وبقى اثنان يكون لصاحب الدرهم الواحد ثلث من كل واحد من من الدرهمين الباقيين، وثلثان من كل واحد منهما لصاحب الاثنين فمجموع حصة صاحب الدرهم الواحد ثلثا درهم ومجموع حصة صاحب الاثنين أربعة أثلاث أي درهم وثلث درهم. فبناء على حصول الاشتراك يصير حصة صاحب الدرهمين أقل مما في الرواية وأيضا مما أفتى به المشهور وهو درهم ونصف، لان حصته بناء على ما في رواية السكوني وفي فتوى المشهور اربعة أثلاث ونصف ثلث وبناء على الاشتراك أربعة أثلاث فقط من دون نصف ثلث، ويصير حصة صاحب الدرهم الواحد أزيد مما في الرواية ومما أفتى به المشهور لانه بناء على الاشتراك يكون نصيب صاحب الدرهم الواحد نصفا ونصف ثلث، وبناء على مفاد الرواية وفتوى المشهور يكون نصف درهم فقط من دون نصف الثلث.

[ 40 ]

فمرجوح جدا أولا: من جهة أن وجود المناط في حصول الشركة القهرية - التي لا بد أن يكون هو المراد في المقام في مثل الدراهم والدنانير في غاية الاشكال. وثانيا الحكم بوقوع الشركة في المفروض مع وجود رواية عمل بها الاصحاب وصارت معتبرة لو من هذه الجهة على خلافها لا يخلو من نظر وتأمل. وأما الاحتمال الثاني أي كون المسألة موردا للقرعة من جهة قوله عليه السلام: " القرعة لكل أمر مشكل. وفي بعض الروايات: لكل أمر مشتبه، وفي بعضها الاخر: " لكل أمر مجهول " (1)، والمورد مشكل ومشتبه ومجهول. أما كونه مشكلا من جهة العلم بأن المتنازع فيه إما لصاحب الدرهم الواحد وإما لصاحب الاثنين ولا طريق إلى معرفة صاحبه كي يرد إليه وأما كونه مجهولا فصاحبه مجهول، وأما كونه مشتبها فلان مالكه مشتبه يحتمل أن يكون هذا ويحتمل أن يكون الاخر. ففيه: أنه أوضحنا في قاعدة القرعة أن الاخذ بعموم كل أمر مشكل أو مشتبه " مما يقطع بخلافه. وأما الامر المشكل في الاحكام فهو أيضا مما يعلم بعدم اعتبار القرعة وقلنا إن المستفاد من أدلة القرعة هو أن يكون المورد معلوما بالاجمال ويكون في الشبهة الموضوعية لا الحكمية ولا يمكن الاحتياط أو يكون الاحتياط حرجيا أو ضرريا. فالاول كما إذا طلق إحدى زوجاته فاشتبهت عليه المطلقة والثاني كما لو علم أنه نذر زيارة الرضا عليه السلام أو زيارة الائمة المدفونون في البقيع عليهم السلام، والثالث كما لو علم بأن في قطيع غنمه موطوءا فالاحتياط بالاجتناب عن جميع غنمه ضرري قطعا،


1. " الفقيه " ج 3، ص 92، باب الحكم بالقرعة، ح 3389، " تهذيب الاحكام ج 4، ص 240، ح 593، باب البينتين يتقابلان أو...، ح 24، " النهاية " ص 346، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 189، أبواب كيفية الحكم، باب 13، ح 11 و 18.

[ 41 ]

وفوق ذلك كله يكون قد عمل بها الاصحاب في ذلك المورد، ومعلوم أنه في هذا المورد لم يعمل بها الاصحاب لان فتوى المشهور على التنصيف فلم يعملوا بها قطعا مضافا إلى أن مع وجود الرواية المعمول بها عند الاصحاب لا يبقى إشكال ولا جهل ولا اشتباه في حكم المورد، فليس ما نحن فيه موردا للقرعة. وأما الصلح القهري مع وجود تلك الرواية المعمول بها فلا وجه له ولا تصل النوبة إليه فالمتجه هو الاحتمال الاول، والعمل بالرواية، والاخذ بفتوى المشهور. ومنها أي من فروع هذه القاعدة لو أتلف على رجل ثوبا قيمته درهم مثلا فصالحه بأقل من قيمته أو بأزيد فهذا الصلح صحيح وإن قلنا بأن الربا المعاملي يدخل في الصلح، وليس مختصا بالبيع كما هو الصحيح عندنا، وذكرنا وجهه في قاعدة لا رباء إلا في المكيل والموزون لان الصلح قد وقع عن الثوب على أقل من قيمته أي درهم واحد أو على أزيد منه، ولم يقع على نفس القيمة على الاقل أو الاكثر منه، كي يلزم الرباء. وادعى في الدروس أن صحة هذه المعاملة على الوجه الذي ذكرنا هو المشهور. وقد يقال إن صحته وفساده دائر بين أن يكون التلف في القيميات في اليد الغير المأذونة، أو إذا أتلف كما هو المذكور في عنوان المسألة هل يوجب اشتغال الذمة بقيمة التالف أو بمثله ويكون أدائه بالقيمة، أو التالف بنفسه بوجوده الاعتباري في الذمة ويكون أداؤه بالقيمة. فان قلنا بالاول أي حين التلف في اليد الغير المأذونة أو حين الاتلاف تشتغل الذمة في القيميات بالقيمة فيكون واقعا عن القيمة على الاقل منه أو على الاكثر منها فيكون من الربا الباطل. وأما إن قلنا إن الذمة تشتغل بمثل التالف أو بنفسه بوجوده الاعتباري وإنما يكون أدائه بالقيمة أي الدرهم أو الدينار فالصلح صحيح لان الصلح وقع عن

[ 42 ]

نفس التالف الذي ليس من المكيل والموزون كالثوب كما هو المفروض، وإنما أداؤه بالدرهم أو الدينار، فلا رباء، أو وقع من مثل التالف الذي اشتغلت ذمته به، وإنما أداؤه بالقيمة ففي هذا الفرض أيضا لا رباء، ففي هذين الوجهين لا إشكال في صحة الصلح. هذا في مقام الثبوت، وأما في مقام الاثبات، فالظاهر أن ما يأتي في الذمة بواسطة التلف في اليد الغير المأذونة أو بواسطة الاتلاف مطلقا في القيميات هي القيمة كما حققناه في قاعدة اليد، (1) فصحة هذا الصلح إذا كان التالف من القيميات في غاية الاشكال. اللهم إلا أن يقال على فرض القول في ضمان القيميات أنه تشتغل الذمة من حين التلف أو الاتلاف بالقيمة لا بنفسه بوجوده الاعتباري ولا بمثله، ولكن القيمة التي تشتغل الذمة بها ليست خصوص النقدين المعروفين، أي الدرهم والدينار، بل المراد منها مالية التالف، سواء قدر بالنقدين المعروفين أي الدرهم والدينار أو قدر بالاجناس الاخر التي لا يكال ولا يوزن، كما إذا كانت من المعدودات أو مما يباع بالذراع والامتار أو كانت مما يباع بالمشاهدة كانواع الحيوانات كالغنم والابل وغيرهما. فلو صالحه أي صالح الذي أتلف عليه عن متاعه الذي من القيميات على مبلغ أزيد أو أقل من تلك القيمة الكلية القابلة للانطباق على النقدين وعلى غيرهما مما لا يكال ولا يوزن، فلا يكون من الربا الباطل، لان ذلك الكلي ليس من الاجناس الربوية، لانه قابل للانطباق على الاجناس الغير الربوية. وخلاصة الكلام أنه بناء على هذا الذي ذكرنا كما أنه لو كان التالف مثليا الصلح عنه على الاقل أو الازيد منه لا يكون من الربا الباطل، كذلك لو كان من القيميات، وإن قلنا باشتغال ذمته بالقيمة من حين التلف، وذلك لان المراد من القيمة ليس


1. راجع " القواعد الفقهية " ج 1، ص 131.

[ 43 ]

خصوص النقدين ومنها أنه لو كانت دار مثلا في يد المعروفين بل المراد مطلق المالية. شخص وادعاها اثنان بسبب مشترك بينهما كالارث مثلا، وقالا ورثنا هذه الدار من أبينا، فكل واحد يدعي نصف تلك الدار و أنه له بسبب مشترك وهو الارث من أبيهما فصدق المتشبث أي ذو اليد أحدهما دون الآخر بمعنى أنه أقر لاحدهما المعين بان نصف هذه الدار لك وصالحه عن ذلك النصف المقر به له على مال، فتارة يجيز الاخر هذا الصلح بعد وقوعه أو باذن قبله، فهذا الصلح صحيح في تمام نصف الدار ويكون المال مشتركا بينهما لان كل واحد من المدعيين مقر بأن النصف الذي وقع الصلح عنه على ذلك المال مشاع بينهما، فبعد الاذن أو إجازة الشريك الاخر وصحة الصلح يكون العوض لهما على الاشاعة. واخرى لا يمضي الآخر ولا يقبله، فيكون الصلح في نصف ذلك النصف - اي الربع صحيحا وفي الربع الذي للاخر فضوليا وباطلا لرده وعدم امضائه. هذا كله فيما إذا اتفقا على وحدة سبب استحقاقهما وأما إذا لم يتفقا في ذلك بل ادعى أحدهما أن نصف هذه الدار مشاعا لي من جهة اشترائي من فلان والاخر ايضا ادعى ان نصفها المشاع لي بسبب آخر كارثه من ابيه أو اتهابه من فلان أو اشترائه وأمثال ذلك من اسباب التمليك غير سبب ملكية فلو صالح أحدهما على نصفه مثلا على مال يكون الصلح في تمام حصته صحيحا ويكون تمام العوض له، وهذا واضح جدا. وأما لو كان شرائهما لتلك الدار معا بمعنى أن صاحب الدار قال لهما بعتكما هذه الدار فقبلا دفعة أو قبل وكيلهما عنهما أو اتهابها معا وكذلك قبضها دفعة ومعا. فهل هذا مثل كون ملكهما عن سبب واحد، فإذا أقر ذو اليد لاحدهما بنصف الدار مثلا وصالح المقر له عن ذلك النصف على مال يكون نصف مال المصالحة لذلك الاخر الذي هو شريك مع هذا الذي صالحه إن أذن في الصلح قبلا أو أجاز بعد

[ 44 ]

وقوعه، وإن لم يأذن ولم يجز، فالصلح باطل في حصته وصحيح في نصف ذلك النصف الذي وقع الصلح عنه أي في ربع الدار لمفروض ويرجع نصف مال المصالحة إلى مالكه قبل وقوع الصلح اي المصالح المذكور. أولا؟ بل يكون ملحقا بما إذا كان ملكية الشريكين من سببين متغايرين فيكون الصلح صحيحا في تمام حصة المقر له ولا دخل للشريك الاخر في هذا الصلح وليس لامضائه ولا لرده أثر في صحة هذا الصلح، ولا في بطلانه؟ ربما يقال بأن ذا اليد لو أقر بملكية احدهما مرجعه إلى قوع الاتهاب أو الابتياع بالنسبة إليه ولا يمكن التفكيك بين وقوع الاتهاب أو الابتياع بالنسبة إلى المقر له دون الاخر لان المدعيين متفقان في وحدة سبب ملكيتهما وهو الاتهاب مع القبض منهما دفعة فيكون الاخر غير المقر له مقرا ومعترفا بأن كل نصف من الانصاف المتصورة في هذه الدار يكون له وللاخر فإذا كان ذو اليد يعلم فلازم اقراره لاحدهما اقراره لكليهما نعم يمكن لذي اليد دعوى ان الاتهاب والابتياع لم يقع الا في نصف هذه الدار. وأما الشريكان فالمفروض اتفاقهما على أن هذه الدار جميعها ابتياعا بصيغة واحدة أو اتهابا بقبول واحد وقبض واحد مشاع بينهما فإذا رفع الغاصب يده عن نصف الدار فقهرا يكون ذلك النصف لكليهما لا لاحدهما، فيكون الصلح مع أحدهما عن نصف الدار فضوليا بالنسبة إلى نصف ذلك النصف اي ربع تلك الدار موقوفا على احازة المالك وهو الشريك الاخر غير المقر له. ولكن التحقيق أن الاقرار لاحد الشريكين إذا كان سببها اي الشركة واحدا لا ينصرف إلى حصة المقر له وحده، بل الغاصب لما رفع اليد عن نصف مال المغصوب من الشريكين يكون لهما ولا وجه لاختصاصه باحد الشريكين وان اقر بانه لاحدهما. هذا في الاقرار وأما بالنسبة إلى البيع والصلح، فان باع أحد الشريكين النصف

[ 45 ]

المشاع من المال المشترك الذي يملكه، فان صرح بان المبيع هو نصف نفسه أو نصف شريكه يكون هو المبيع لانه عين المبيع، وأما إن اطلق فالظاهر أنه ينصرف إلى نصف نفسه، وقد حققنا هذه المسألة في مسألة من باع نصف الدار وله ملك نصفها ينصرف إلى ما يملكه من نصفها المشاع. وبعبارة اخرى تارة يعين في مقام البيع حصة شريكه أي يبيع نصف الدار الذي لشريكه واخرى النصف المشاع الذي يملكه هو فيقع البيع عمن قصده نفسه أو شريكه وثالثة يطلق لا يقصد بين نصف نفسه ولا نصف شريكه. ولعل هذه الصورة صارت محل البحث في مسألة من باع نصف الدار وله ملك نصفها، فالمدعى أن الظاهر في هذه الصورة انصراف البيع إلى ما يلمكه لا أن يبيع مال غيره بدون ذكره والانتساب إليه. هذا حال البيع وكذلك الصلح إذا وقع عن حصة مشاعة بين من يصالح معه وبين غيره، فالظاهر أنه ينصرف إلى حصة من يصالح معه فيكون الصلح بالنسبة إلى تمام ما يصالح عنه وهي الحصة المشاعة التي لمن يصالحه صحيحا ويكون تمام المال المصالحة له ولا يستحق شريكه شيئا منه. قال في جامع المقاصد (1) في قمام ترجيح صحة الصلح المذكور في تمام ما صالح عنه ووقوعه عن تمام حصة المصالح معه وبعبارة كونه كالصلح عن مال غير مشاع مشخص معين أو المشاع بسبب غير سبب الحصة التي للشريك. قال: ولقائل أن يقول لا فرق بين تغاير السبب وكونه مقتضيا للتشريك في عدم الشركة لان الصلح إنما هو على استحقاق المقر له وهو أمر كلي يمكن نقله عن مالكه إلى آخر، ولهذا لو باع احد الورثة حصة من الارث صح ولم يتوقف على رضا الباقين.


1. " جامع المقاصد " ج 5، ص 434.

[ 46 ]

ثم اعلم أن الفروع التي ذكرها الفقهاء في كتاب الصلح كثيرة، ولكن البحث عنها غالبا يرجع إلى قواعد اخر غير قاعدة الصلح جائز بين المسلمين ولذلك تركنا ذكرها لكي يكون البحث عنها في كتاب الصلح كما هو ديدن الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 47 ]

47 - قاعدة التقية

[ 49 ]

قاعدة التقية * ومن جملة القواعد الفقهية عند الامامية الاثنى عشرية " قاعدة التقية " وهي قاعدة مشهورة معروفة والبحث فيها من جهات: الجهة الاولى في المراد منها أقول: التقية اسم مصدر من تقى يتقي أو من اتقى يتقي، وعلى كل تقدير سواء كان من الثلاثي أو من المزيد أصل المادة من اللفيف المفروق، والحرف الاول واو، والثالث ياء فقلبت الواو تاء كما في تجاه وتراث، فبناء على هذا لا فرق من حيث المعنى بين التقية والاتقاء إلا ما هو من الفرق بين المصدر واسمه. هذا بناء على أن تكون التقية اسم المصدر وأما بناء على أن تكون هي المصدر الثاني لاتقى فلا فرق بينهما أصلا. وعلى أي واحد من التقديرين هي عبارة عن اظهار الموافقة مع الغير في قول أو فعل أو ترك فعل يجب عليه حذرا من شره الذي يحتمل صدوره بالنسبة إليه أو


*. " القواعد والفوائد " ج 2، ص 155 - 157، " الاقطاب الفقهية " ص 98، " الاصول الاصلية والقواعد الشرعية " ص 317، " الرسائل الفقهية " (الشيخ الانصاري) ص 71، " مناط الاحكام " ص 26، " اصول الاستنباط بين الكتاب والسنة " ص 121، " القواعد " ص 93، " القواعد الفقهية " (مكارم الشيرازي) ج 1، ص 383، " ما وراء الفقه " ج 1، ص 108.

[ 50 ]

بالنسبة إلى من يحبه مع ثبوت كون ذلك القول أو ذلك الفعل أو ذلك الترك مخالفا للحق عنده. إذا تبين المراد من التقية، فنقول: تارة نتكلم في التقية من حيث الحكم التكليفي وأنه يجوز أم لا يجوز. واخرى: من حيث ترتب آثار ما هو الواقع والحق على هذا الفعل أو الترك بواسطة إذن الشارع في الاتيان أو الترك المخالفين للواقع. وثالثة: في أنه هل تترتب على ذلك الفعل أو الترك المخالفين للحق الاثار الشرعية التي رتبها الشارع عليهما لو صدرا عنه بالاختيار وبميله من دون تقية أو صدورها تقية يوجب رفع تلك الآثار. فالتكلم في التقية في مقامات ثلاث: المقام الاول في بيان حكمها التكليفي وأنه يجوز أو لا يجوز. أقول: لا شك في جوازه بل وجوبه في بعض الاحيان وجوازه من القطعيات واليقينيات اجماعا وكتابا وسنة. أما الاجماع فوجوده وعدم حجيته معلوم لكون اعتمادهم على تلك المدارك القطعية، فليس من الاجماع المصطلح. وأما الكتاب فقوله تعالى: (لا يتخذا المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن يتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) (1) وقوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره


1. آل عمران (3): 28.

[ 51 ]

وقلبه مطمئن بالايمان). (1). أما الروايات ففوق حد الاستفاضة بل لا يبعد تواترها معنى، وقد عقد في الوسائل ابوابا لها في كتاب الامر بالمعروف نذكر بعضها. منها: ما في الكافي عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام: " ان قول الله عزوجل (اولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) قال: بما صبروا على التقية (و يدرئون بالحسنة السيئة) (2) قال: الحسنة التقية والاسائة الاذاعة ". (3) وأيضا في الكافي عن هشام بن سالم عن أبي عمر وعن أبي عبد الله عليه السلام قال قال لي أبو عبد الله عليه السلام يا أبا عمرو تسعة أعشار الدين التقية، ولا دين لمن لا تقية له ". (4) أيضا عن الكافي عن معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن القيام للولاة؟ فقال قال أبو جعفر: " التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له ". (5) أيضا عن الكافي عن محمد بن مردان عن أبي عبد الله عليه السلام قال عليه السلام: " كان أبي عليه السلام يقول: وأي شئ أقر لعيني من التقية إن التقية جنة المؤمن ". (6) أيضا عن الكافي عن عبد الله بن ابي يعفور قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:


1. النحل (16): 106. 2. القصص (28): 54. 3. الكافي " ج 2، ص 217، باب التقية، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 459، أبواب الامر والنهى، باب 24، ح 1.، 4. " الكافي " ج 2، ص 217، باب التقية، ح 2، " المحاسن " ص 259 ح 309، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 460، أبواب الامر والنهى، باب 24، ح 3. 5. " الكافي " ج 2، ص 219، باب التقية، ح 12، " وسائل الشيعة ج 11، ص 460، أبواب الامر والنهى، باب 24، ح 3. 6. " الكافي " ج 2، ص 220، باب التقية، ح 14، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 460، أبواب الامر والنهى، باب 24، ح 4.

[ 52 ]

" التقية ترس المؤمن والتقية حذر المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له ". (1) أيضا عن الكافي عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال " اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية، فانه لا إيمان لمن لا تقية له ". (2) أيضا عن الكافي عن حبيب بن بشير قال قال أبو عبد الله عليه السلام: " سمعت أبي يقول لا والله ما على وجه الارض شئ أحب إلي من التقية، يا حبيب إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله يا حبيب إن الناس إنما هم في هدنة، فلو قد كان ذلك كان هذا ". (3) أيضا عن الكافي عن حريز عمن أحبره عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل (ولا تستوي الحسنة والسئة قال عليه السلام: " الحسنة التقية والاساءة الاذاعة ". (4) أيضا عن الكافي عن هشام بن سالم عن أبي عمرو الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أنه قال: " يا أبا عمرو أبى الله إلا أن يعبد سرا، أبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية " (5). أيضا عن الكافي عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كلما تقارب هذا


1. " الكافي " ج 2، ص 221، باب التقية، ح 23، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 461، أبواب الامر والنهى، باب 24، ح 6. 2. " الكافي " ج 2، ص 218، باب التقية، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 461، أبواب الامر والنهي، باب 24، ح 7. 3. " الكافي " ج 2، ص 217، باب التقية، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 461، أبواب الامر والنهي. باب 24، ح 8. 4. " الكافي " ج 2، ص 218، باب التقية، ح 6، " وسائل الشيعة ج 11، ص 461، أبواب الامر والنهي، باب 24 ح 9. 5. الكافي " ج 2، ص 217، باب التقية، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 462، أبواب الامر والنهي، باب 24، ح 10.

[ 53 ]

الامر كان أشد للتقية " (1). أيضا عن الكافي عن ابن مسكان عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " التقية ترس الله بينه وبين خلقه " (2). ولا يحتاج دلالة هذه الاخبار على جواز التقية إلى البيان والشرح والايضاح لكونها في غاية الوضوح. نعم ذكر شيخنا الاعظم الانصاري قدس سره في رسالته المعمولة في التقية أنها تنقسم إلى الاحكام الخمسة (3). وخلاصة كلامه في تصوير انقسامها إلى الاحكام الخمسة أن الواجب ما يكون لدفع ضرر متوجه إليه من النفس أو العرض بحيث يكون دفعه واجبا ولا يدفع ذلك الضرر الواجب الدفع إلا بالتقية، فتكون واجبة. والمستحب ما كان موجبا للتحرز عن كونه معرضا للضرر، بمعنى أنه من الممكن أن يكون تركها مفضيا إلى الضرر تدريجا كترك المداراة مع المخالفين وهجرهم في المعاشرة في بلادهم فانه ينجر غالبا إلى حصول المباينة الموجبة للمعاداة التي تترتب عليها الضرر غالبا فالحضور في جماعاتهم والعمل على طبق أعمالهم تقية مستحب لاجل هذه الغاية إن لم يكن ضرر فعلا في تركها. والمباح ما كان التحرز عن الضرر بالتقية وتركه بعدم التقية متساويان في نظر الشارع لكون مصلحة التقية وتركها متساويتين كما قيل في إظهار كلمة الكفر حيث إن في فعل التقية مصلحة وفي تركها أيضا مصلحة إعلاء كلمة الاسلام وفرضنا أن


1. " الكافي " ج 2، ص 220، باب التقية، ح 17، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 462، أبواب الامر والنهي، باب 24، ح 11. 2. " الكافي " ج 2، ص 220، باب التقية، ح 19، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 462، أبواب الامر والنهي، باب 24، ح 12. 3. " المكاسب " ص 320.

[ 54 ]

مصلحة حفظ النفس التي في التقية مع مصلحة إعلاء كلمة الاسلام التي في تركها متساويتان. والمحرم كما في الدماء فقتل المؤمن في مورد لا يستحق القتل تقية حرام بلا كلام. والمكروه ما يكون ضده أفضل. هذا ما ذكره الشيخ الاعظم الانصاري قدس سره في انقسام التقية إلى الاحكام الخمسة. وفي بعضها خصوصا الاخير تأمل واضح، لان ترك المستحب ليس بمكروه مع أن نقيضه أفضل، فلو كانت الحركة من بلد أفضل من الوقوف فيه، فهذا لا يلازم كون الوقوف مكروها، فالاولى التمثيل للمكروه بما ذكره الشهيد قدس سره وهو التقية بإتيان ما هو مستحب عندهم، مع عدم خوف الضرر لا عاجلا ولا آجلا إذا كان ذلك الشئ مكروها واقعا، وإلا لو كان حراما فالتقية باتيانه لموافقتهم حرام. هذا ما ذكروه ولكن الذي يظهر من الاخبار المستفيضة بل المتواترة هو استحباب التقية بل وجوبها بموافقتهم عملا بل فتوى فيما إذا احتمل ترتب ضرر على نفسه أو على إخوانه المؤمنين. وهذا الذي قلنا من استحباب التقية أو وجوبها كان في الازمنة السابقة في أيام سلاطين الجور الذي ربما كان تركها ينجر إلى قتل الامام عليه السلام أو إلى قتل جماعة من المؤمنين، وأما في هذه الازمنة بحمد الله حيث لا محذور في العمل بما هو الحق ومقتضى مذهبه في العبادات والمعاملات فلا يوجد موضوع للتقية. نعم إذا تحقق موضوع التقية في زمان أو مكان فالواجب منها لا يعارض بأدلة الواجبات والمحرمات، وذلك لحكومة دليل وجوب التقية على تلك الادلة كما هو الشأن في سائر أدلة العناوين الثانوية بالنسبة إلى أدلة العناوين الاولية، وذلك كأدلة نفي العسر والحرج والضرر بالنسبة إلى الادلة الاولية حيث إنها حاكمة على الادلة الاولية بالحكومة الواقعية إلا في حديث الرفع بالنسبة إلى خصوص ما لا يعلمون،

[ 55 ]

فان حكومته على الادلة الاولية حكومة ظاهرية. المقام الثاني وهو المهم في المقام وهو أنه هل تترتب آثار الواقع والحق على هذا الفعل أو الترك المخالف للحق بواسطة إذن الشارع في ذلك الفعل الذي يفعله لاجل التقية أو إذنه في ترك أمر لاجلها؟ أو لا تترتب؟ ثم التكلم في ترتب آثار الواقع وما هو الحق تارة بالنسبة إلى خصوص أثر القضاء والاعادة وأن ذلك الفعل المخالف للواقع والحق هل هو مجز ولا إعادة عليه لو ارتفعت التقية في الوقت، ولا قضاء إذا ارتفعت في خارج الوقت، أم ليس بمجز بل تجب الاعادة بعد ارتفاع التقية في الوقت، بحيث يمكن إتيان ما هو الواقع في الوقت، ويجب القضاء لو ارتفعت التقية في خارج الوقت. واخرى: بالنسبة إلى سائر آثار الصحة مثل أنه لو توضأ بالوضوء تقية من الاسفل إلى الاعلى في غسل اليدين أو غسل الرجلين بدل مسحهما فهل يترتب عليه أثر الوضوء الصحيح والواقعي من رفع الحدث بحيث لو ارتفعت التقية لا يحتاج إلى الوضوء ثانيا على نهج الحق للصلوات الاخر أم لا؟ اما القسم الاول: أي ترتب الاثر عليه من حيث الاجزاء وسقوط الاعادة والقضاء. فالتحقيق فيه: أن كل فعل واجب من الواجبات إذا أتي به موافقا لمن يتقيه وكان مخالفا للحق في بعض أجزائه وشرائطه، بل وفي ايجاد بعض موانعه فان كان مأذونا من قبل الشارع في إيجاد ذلك الواجب بعنوان أنه واجب للتقية فهو مجز عن الواقع، ولا يجب عليه الاعادة إذا ارتفع الاضطرار في الوقت ولا القضاء إذا ارتفع في خارج

[ 56 ]

الوقت، وذلك لما حققنا في كتابنا " منتهى الاصول " (1) في مبحث الاجزاء أن الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي الثانوي مجز عن الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي الاولي، سواء كان رفع الاضطرار في الوقت، أو في خارج الوقت. ولا فرق في كونه مأذونا بين أن يكون الرخصة والاذن بعنوان ذلك الواجب بخصوصه كما أنه ورد الاذن في خصوص المسح على الخفين في صحيح أبي الورد: قلت لابي جعفر عليه السلام ان أبا ظبيان حدثني أنه رأى عليا عليه السلام أنه أراق الماء ثم مسح على الخفين فقال عليه السلام أبو ظبيان أما بلغك قول على عليه السلام فيكم: سبق الكتاب المسح على الخفين؟ فقلت: هل فيها رخصة؟ فقال عليه السلام لا إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك " (2). أو كان بعنوان عام يشمل جميع الواجبات كقوله عليه السلام: " التقية من ديني ودين آبائي " (3) وكذلك قوله عليه السلام: " التقية في كل شئ إلا في ثلاث: شرب النبيذ، والمسح على الخفين، ومتعة الحج " (4). ودلالة هذه الروايات الكثيرة التي هي فوق حد الاستفاضة على الاذن والرخصة في امتثال الواجبات موافقة للمخالفين تقية منوطة بأن يكون المراد من التقية الواردة فيها هو العمل الذي يأتي به تقية، أي ما يتقى به. وظهور لفظ " التقية " في هذا المعنى لا يخلو من نظر، لان التقية كما تقدم مصدر أو


1. " منتهى الاصول " ج 1، ص 242. 2. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 362، ح 1092، باب صفة الوضوء والفرض منه، ح 22، " الاستبصار " ج 1، ص 76، ح 236، باب جواز التقية في المسح على الخفين، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 322، أبواب الوضوء، باب 38، ح 5. 3. " الكافي " ج 2، ص 219، باب التقية، ح 12، " وسائل ا لشيعة " ج 11، ص 460، أبواب الامر والنهي، باب 24، ح 3. 4. " الكافي " ج 3، ص 32، باب مسح الخف، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 469، أبواب الامر والنهي، باب 25، ح 5.

[ 57 ]

اسم مصدر وبمعنى الاتقاء فكون الاتقاء من الدين أي يجب الاتقاء. وهكذا قوله عليه السلام: " لا دين لمن لا تقية له " (1) أي: لا دين لمن ترك التقية ويلقى نفسه في الهلكة وهذا غير أن يكون ما يتقى به من العمل الموافق لهم المخالف للحق من الدين. ويمكن أن يكون نظر المحقق الثاني (2) قدس سره في التفصيل الذي - ذكره بين الاذن في إتيان واجب بخصوصه تقية أي موافقا مع من يخاف منه وإن كان مخالفا للحق في نظره فيكون مجزيا فلا إعادة عليه ولا القضاء بعد رفع الخوف وبين ما إذا كان الواجب الذي يأتي به تقية لم يرد في إتيانه بذلك الوجه المخالف للحق إذن ورخصة بالخصوص بل ليس في البين إلا تلك الاخبار العامة الآمرة بلزوم التقية بقوله عليه السلام: التقية من ديني ودين آبائي (3)، ورواية المعلى بحذف من وهي رواية اخرى، والرادعة عن تركها بقوله عليه السلام لا دين لمن لا تقية له (4) إلى هذا الذي ذكرنا من كون نظر الاخبار العامة إلى لزوم الاتقاء ووجوبه وحرمة تركه وإلقاء نفسه في الهلكة وإلا فأي فرق بين أن يكون الاذن والرخصة بصورة القضية الشخصية الخارجية أو بصورة القضية الكلية الحقيقية. والانصاف: أنه لا يمكن إسناد مثل هذا إلى مثل ذلك المحقق الذي هو من أعاظم اساطين الفقه. وعلى كل حال إذا صدر إذن من قبل الشارع باتيان واجب بخصوصه أو الواجبات عموما بصورة عامة موافقا معهم، وإن كان مخالفا للحق من جهة الخوف


1. سبق ذكره في ص 51، رقم (4). 2. " وسائل المحقق الكركي " ج 2، ص 51. 3. سبق ذكره في ص 51، رقم (5). 4. " الكافي " ج 2، ص 223، باب الكتمان، ح 8 " وسائل الشيعة " ج 11، ص 485، أبواب الامر والنهي، باب 32، ح 6.

[ 58 ]

على نفسه أو عرضه أو ماله أو الخوف على غيره كذلك يكون إتيانه مجزيا عن الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي الاولى ثانيا لما ذكرنا. هذا كله إذا صدر الاذن بامتثال الواجب الموسع موافقا للمخالفين بمجرد تحقق التقية، وأما لو لم يصدر إذن من قبله بذلك فهل يشمل الاوامر المطلقة الاولية المتعلقة بالواجبات لمثل هذا الفرد المخالف للحق والواقع بضميمة أوامر وجوب استعمال التقية في مقام الامتثال وحرمة تركها أم لا؟ فان قلنا بالاول وشمولها لمثل ذلك الفرد فيكون ايضا مجزيا ولا يحتاج إلى القضاء والاعادة بعدم ارتفاع الخوف والاضطرار، ويكون حاله حال ما ورد الاذن بفعله موافقا لهم، بل هو هو. وأما إن قلنا بعدم شمولها له، فما أتى به تقية ليس بمجز قطعا لانه لم يأت بما هو المأمور به، وجواز التقية أو وجوبه لا أثر له في هذا المقام. نعم لورود دليل خاص على أن هذا الفاقد للشرط أو الجزء أو هذا العمل الذي وجه فيه المانع مجز عن الواقع فهو، وإلا فصرف جواز الاتيان بواسطة الخوف لا يوجب سقوط الاعادة والقضاء، إذ مقتضى اطلاق دليل ذلك الجزء أو ذلك الشرط أو ذلك المانع عدم اختصاصه بحال الاختيار بحيث إذا لم يتمكن من إتيانه في الجزء أو الشرط أو من تركه في المانع يسقط التكليف لعدم القدرة شرعا على إتيان ما هو المأمور به واقعا. نعم لو لم يكن الدليل ذلك الشرط أو الجزء أو ذلك المانع إطلاقا يثبت جزئيته أو شرطيته أو مانعيته في ذلك الحال، أو كان مفاد أدلتها تقييدها بحال التمكن، وكان لدليل ذلك العمل المركب إطلاق بالنسبة إلى حالتي وجود ذلك القيد وعدمه وتعذره وعدمه، فنفس دليل ذلك الواجب المركب يوجب صحة ذلك العمل الذي هو فاقد الجزء أو الشرط أو هو واجد للمانع.

[ 59 ]

ولا فرق بين أن يكون تعذر القيد فعلا أو تركا من جهة التقية أو من جهة أخرى من أنواع الاضطرار إلى الفعل أو الترك لان المناط في الجميع واحد، وهو عدم القدرة على الاتيان بالمأمور به الواقعي، وقد حررنا المناط في كتابنا " منتهى الاصول " (1) إن شئت فراجع. نعم سنتكلم في أن أمر التعذر من جهة التقية أوسع من التعذر من الجهات الاخر، وعمدة ذلك هو أن التقية شرعت لاجل حفظ دماء المتقين ولذلك لا يعتبر فيها عدم وجود المندوحة كما سنبين إنشاء الله تعالى. وعلى كل حال الذي يسهل الخطب وثبت إجراء فاقد الشرط أو الجزء أو واجد المانع هو عمومات بعض أخبار التقية كقوله عليه السلام: " التقية ديني ودين آبائي " في رواية المعلى أو من دين ودين آبائي كما في سائر الطرق، بناء على أن يكون المراد من التقية هو العمل الموافق لهم المخالف للحق، أي ما يتقى به لا الاتقاء كما هو ظاهر اللفظ. وأما الاستدلال للاجزاء برواية مسعدة بن صدقة بقوله عليه السلام فيه: " فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد فانه جائز " (2) لا يخلو من تأمل لان ظاهر قوله عليه السلام " فانه جائز " هو الجواز تكليفا وهذا لا ربط له بالاجزاء، وإلا فهذا المعنى قطعي ولا كلام فيه من أحد، نعم قيد عليه السلام الجواز بما لا يؤدي إلى الفساد وإلا لو أدى إليه فلا يجوز حتى تكليفا. فالعمدة في دلالة روايات التقية على الاجزاء هو الذي قلنا من كون التقية دينا أنه يرجع إلى أنه حكم واقعي ثانوي، وقد أثبتنا كونه مجزيا في مبحث الاجزاء في


1. " منتهى الاصول " ج 1، ص 244. 2. " الكافي " ج 2، ص 168، باب فيما يوجب الحق لمن انتحل الايمان وينقضه، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 469، أبواب الامر والنهي، باب 25، ح 6.

[ 60 ]

الاصول (1)، وقلنا إنه متوقف على أن يكون المراد من التقية هو العمل الذي يتقى به لا الاتقاء بالعمل، ولا يبعد ذلك، فيكون كالوصية بمعنى ما أوصى به فكما أن الوصية اسم مصدر للايصاء وقد يجئ بمعنى الموصى به، فلتكن التقية أيضا كذلك. وخلاصة الكلام أن الاخبار العامة والخاصة تدل على أن اتيان الواجبات موافقة للمخالفين وإن كانت مخالفة للحق قد أذن ورخص فيه الشارع، فلا ينبغي الشك في أنها مجزية عن الواقع الاولى، ولا يجب إعادتها ولا قضائها بعد ارتفاع الخوف وحصول الامن. ولكن هذا الذي قلنا - بأن الاتيان بالواجبات موافقة لمذهبهم مع كونها مخالفة للحق للتقية مجز عن الاتيان بما هو الحق بعد ارتفاع الخوف وحصول الامن - يكون فيما إذا كانت المخالفة في المذهب بمعنى أن الاختلاف يكون بين المذهبين في أجزاء الواجبات أو شرائطها أو موانعها، أو كيفية أدائها، وإن شئت قلت فيما إذا كان الاختلاف في نفس الحكم الشرعي لا فيما إذا كان الاختلاف فيما هو مصداق لموضوع الحكم الشرعي. مثلا، لا خلاف بينهما في وجوب الافطار في يوم أول شوال أي يوم عيد الفطر. فإذا وقع الاختلاف في مصداق هذا اليوم فحكم حاكمهم بأن يوم الجمعة مثلا عيد إستنادا إلى ثبوت رؤية الهلال ليلتها، فإذا علمنا بعدم مطابقة هذا الحكم للواقع وخطأ الحاكم أو الشهود فلا تشمل أدلة إجزاء التقية مثل هذا المورد. فإذا قامت حجة شرعية من علم أو علمي - وإن كان هو الاستصحاب - على أن هذا اليوم من شهر رمضان فالافطار في ذلك اليوم وإن كان جائزا إذا كان لخوف الضرر على نفسه أو ماله أو عرضه أو كان في الصوم فيه حرج، ولكن لا يكون مجزيا فيجب قضاء ذلك اليوم كما هو الظاهر من مرسلة رفاعة عن رجل عن أبي


1. " منتهى الاصول " ج 1، ص 249.

[ 61 ]

عبد الله عليه السلام قال: " دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم فقلت ذاك إلى الامام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا، فقال يا غلام علي بالمائدة فاكلت معه وأنا أعلم والله إنه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله " (1). وبهذا المضمون أيضا أخبار أخر (2). فعلى هذا يجب عليه القضاء وإن قلنا بالاجزاء في المأتي به تقية، وذلك لما ذكرنا أن ظاهر أدلة التقية هو أن اتيان الواجب على وفق مذهب من يتقى عنه يكون مجزيا، وفي المورد ليس الافطار موافقا لمذهبهم لان مذهبهم أيضا أنه لا يجوز الافطار في نهار رمضان، وإنما هو خطأ في التطبيق ولا ربط له بأدلة التقية. هذا مضافا إلى أنه في المورد لم يأت بالواجب تقية وإنما تركه تقية وأدلة التقية بناء على دلالتها على الاجزاء يكون فيما إذا أتى بالواجب موافقا لمذهبهم لا أنه يترك إتيان الواجب رأسا لاجل التقية. وكذلك لو حكم حاكمهم بأن يوم الجمعة مثلا هو اليوم التاسع من ذي الحجة الذي يقال له يوم عرفة وهو يوم الوقوف في عرفات وعلم المكلف بأنه ليس اليوم التاسع أو قامت حجة شرعية على أنه اليوم الثامن مثلا وهو مضطر في الوقوف في اليوم الذي يعلم بانه ليس يوم عرفة لعلمه بتقدمه على ذلك اليوم أو تأخره عنه ولا يمكنه الوقوف في اليوم الذي قامت عنده الحجة الشرعية على أنه يوم عرفة ففات عنه الوقوف في يوم عرفة فلا يمكن القول باجزاء ذلك الحج لفوت الوقوف في عرفات يوم عرفة، وإن قلنا بأن اتيان الواجب موافقا لمذهبهم مجز، لان الوقوف في


1. " الكافي " ج 4، ص 83، باب اليوم الذي يشك فيه...، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 7، ص 95، أبواب ما يمسك عنه الصائم، باب 57، ح 5. 2. راجع: " وسائل الشيعة " ج 7، ص 94، أبواب ما يمسك عنه الصائم، باب 57: باب جواز الافطار للتقية و الخوف من القتل ونحوه.

[ 62 ]

يوم غير عرفة ليس موافقا لمذهبهم وإنما هو خطأ في التطبيق. نعم يمكم تصحيح مثل هذا الحج بوجه آخر، وهو أن حاكمهم لو حكم بثبوت الهلال بشهادة من يكون شهادته معتبرة عندهم، وليست معتبرة بحسب الواقع لفسقه أو لنصبه أو لجهة اخرى راجعة إلى الشبهة الحكمية، بحيث يكون الحكم في مذهب الحق عدم قبول تلك الشهادة، وكان القبول في مذهب الحاكم، فحينئذ يكون عدم العمل بحكمهم قدحا في مذهبهم فترك العمل يرجع إلى الاختلاف في المذهب. فالعمل على وفق مذهبهم بالجري على طبق حكمهم للخوف من الضرر يكون كسائر موارد التقية، التي أذن الشارع ورخص فيها بعنوان ترخيص التقية، فلا فرق بين أن يأتي بالصلاة الناقصة تقية أو ياتي بالحج الناقص تقية فكما أنه في الاول يكون ذلك العمل مجزيا عن الاتيان بالواقع ثانيا بعد ارتفاع الخوف وحصول الامن فكذلك الامر في الثاني. نعم يبقى الكلام في أنه هل نفوذ حكم الحاكم عندهم ولزوم الجري على طبقه وعدم جواز مخالفته مخصوص بصورة الشك والجهل بمطابقته للواقع، أو مطلق ويجب العمل على طبقه ولو كان مع العلم بمخالفته للواقع فبناء على الاول يكون إجراؤه مختصا بصورة الشك في ثبوت الهلال، ولا تشمل صورة العلم بالخلاف، وعلى الثاني يكون ذلك الحج الناقص مجزيا حتى مع العلم بالخلاف. وقد نسب إليهم نفوذ الحكم حتى مع العلم بالخلاف والقول بالموضوعية التابعة للحكم، ولكنه ينبغي أن يعد في جملة المضحكات كما أنه حكى أن أحد القضاة حكم بموت شخص كان غائبا مسافرا بشهادة الشهود، فلما رجع عن سفره رفع أمره إلى ذلك القاضي فحكم أن يدفن لانه ثبت موته وميت المسلم يجب دفنه وأنت خبير بأن أمثال هذه الحكايات بالمزاح أشبه وكيف يمكن أن يتفوه المسلم بهذا الكلام، مع

[ 63 ]

أنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله سيد ولد آدم وخير الخلائق اجمعين أنه صلى الله عليه وآله قال إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ وفي بعض طرق الحديث ألحن بدل أبلغ، والمعنى واحد من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له، فمن قضيت له بحق مسلم فانما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها. (1) وخلاصة الكلام أن القول بالموضوعية التامة ووجوب نفوذ الحكم حتى مع العلم بالخلاف لا ينبغي أن يسند إلى فقيه، ولا بد وأن يؤول إذا كان هذا ظاهر كلامه وأما في صورة الشك، فان حكم الحاكم حجة عندنا وعندهم فإذا حكم حاكمهم بأن هذا اليوم مثلا يوم عرفة فالموافقة معهم بالوقوت في عرفات في ذلك اليوم من جهة الخوف عنهم يصدق عليه أنه الجري على طبق الحجة عندهم ولزوم الجري على طبق حكم حاكمهم هو من أحكام مذهبهم كما أنه كذلك عندنا أيضا غاية الامر أن هذا الحكم ليس واجدا لشرائط النفوذ عندنا، ولكن واجد لها عندهم فيكون كسائر موارد التقية في الحكم الشرعي. وأما الايراد عليه بأن الروايات الواردة في لزوم القضاء في مسألة الافطار تقية مع أنه في مورد حكم الحاكم بأنه يوم العيد بنفي الاجزاء، وذلك كمرسلة رفاعة عن الصادق عليه السلام قال: دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام فقلت ذاك إلى الامام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا، فقال يا غلام علي بالمائدة فاكلت معه وانا أعلم والله انه يوم من شهر رمضان فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله (2) وروى بطرق اخر أيضا. ففيه أن قوله عليه السلام وأنا أعلم والله انه يوم شهر رمضان صريح


1. " وسائل الشيعة " ج 18، ص 149، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوي، باب 2، ح 3، " مستدرك الوسائل " ج 17: ص 366، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، باب 3، ح 4. 2. " الكافي " ج 4، ص 83، باب اليوم الذي يشك فيه...، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 7، ص 95، أبواب ما يمسك عنه الصائم، باب 57، ح 5.

[ 64 ]

أنه في مورد العلم بالخلاف وعدم مطابقة الحكم للواقع وهذه الصورة بينا أن الحكم ليست بحجة عندهم أيضا فلا يشمل مورد كلامنا الذي هو الشك. فالانصاف أن القول بالاجزاء في مورد الشك في مطابقة حكمهم للواقع لا يخلو عن قوة وإن كان الاحتياط ما لم يبلغ إلى درجة الحرج الشديد والعسر الاكيد حسن على كل حال. ومما استدل به على الاجزاء في مورد الشك هي السيرة المستمرة من زمان الائمة عليهم السلام إلى زماننا هذا في موافقة أصحابنا معهم في الوقوف في المشاعر العظام، مع وجود الشك في أغلب السنين، ولم يراجعوا إليهم عليهم السلام في هذه المسألة ولم يسألوا عن حكم الجرى على طبق حكمهم ولم ينقل عنهم إعادة حجهم، وهذا يدل على أن الاجزاء كان عندهم مفروغا عنه. وأما ادعاء أنهم سألوا ولكن لم يصل إلينا فقول بلا دليل، بل لو كان لبان كسائر القضايا والاحكام، والقدر المتيقن من هذه السيرة هو مورد الشك في مطابقة حكم الحاكم للواقع، فلا يشمل مورد العلم بالخلاف. ولكن في ثبوت هذه السيرة تأمل. وربما يستدل للاجزاء برواية أبي الجارود قال سألت أبا جعفر عليه السلام انا شككنا سنة في عام من تلك الاعوام في الاضحى فلما دخلت على أبي جعفر عليه السلام وكان بعض أصحابنا يضحي فقال: الفطر يوم يفطر الناس والاضحى يوم يضحي الناس والصوم يوم يصوم الناس (1). وتقريب الاستدلال بهذه الرواية أن قوله عليه السلام الاضحى يوم يضحي الناس


1. " تهذيب الاحكام " ج 4، ص 317، ح 966، باب الزيادات، ح 34، " وسائل الشيعة " ج 7، ص 95، أبواب ما يمسك عنه الصائم، باب 57، ح 6.

[ 65 ]

لا يمكن أن يكون إخبارا لان اليوم الذي يضحي الناس قد يكون أضحى وقد لا يكون مضافا إلى أنه جواب سؤال الراوي عن حكم يوم الشك فهو عليه السلام بصدد الجواب عن هذا السؤال، فلابد وأن يكون تنزيلا من قبيل الطواف بالبيت صلاة (1) فيكون مفاده أن يوم يضحي الناس يكون بمنزلة الاضحى الواقعي، يترتب عليه آثار الاضحى الواقعي، فيكون إمضاء لحكمهم فيجب ترتيب آثار الواقع على ما حكموا به. ولكن أنت خبير بأن هذه الرواية وإن كانت ظاهرة في هذا المعنى، إلا أن سنده ضعيف فان أبا الجارود زياد بن منذر زيدي ينسب إليه الجارودية وسمى سرحوبا وسماه بذلك أبو جعفر عليه السلام وسرحوب اسم شيطان أعمى يسكن البحر وكان أبو الجارود مكفوفا أعمى القلب، هكذا ذكره العلامة قدس سره في الخلاصة (2) وقد قيل في حقه أنه كان كذابا كافرا فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية للخروج عن مقتضى القواعد الاولية. وأما القسم الثاني أي ترتيب آثار الصحة غير الاجزاء وعدم لزوم الاعادة والقضاء سواء كان في العبادات كالوضوء تقية، فهل يترتب عليه رفع الحدث وحصول الطهارة الواقعية كي لا يحتاج إلى وضوء جديد بعد رفع الخوف وحصول الامن أو كان في المعاملات فإذا أوقع معاملة لهم ومخالفة للواقع تقية فهل يترتب عليها آثار الصحة بعد ارتفاع التقية أم لا. أقول: مقتضى القواعد الاولية هو عدم ترتب آثار الصحة على تلك المعاملة أو ذلك الوضوء، وذلك لان موضوع الاثر شرعا هي العبادة أو المعاملة الصحيحتان والمفروض أنهما ليستا صحيحتين، إذ لا شك في ان الموضوع للطهارة الواقعية هو الوضوء الصحيح بحسب الواقع، والوضوء تقية ليس وضوءا صحيحا بحسب الواقع،


1. " عوالي اللئالي " ج 1، ص 214، ح 70، وج 2، ص 167، ح 3. 2. " الخلاصة " ص 223.

[ 66 ]

وإنما أذن الشارع في إتيانه لاجل دفع الضرر عن نفسه أو ماله أو عرضه أو عن غيره ممن يخصه ذلك، فإذا ارتفع الخوف ولم يكن احتمال ضرر في البين فلا وجه لاحتمال وجود الاثر الذي هو للوضوء الواقعي على هذا الفعل المسمى بالوضوء عندهم، وهو ليس بالوضوء واقعا. وكذلك لو أوقع نكاحا أو طلاقا على وفق مذهبهم تقية مع بطلانهما عندنا فمع ارتفاع التقية وحصول الامن لا وجه لاحتمال وجود آثار النكاح أو الطلاق الصحيحين وهل الحكم بوجود أثرهما مع عدم صحتهما إلا من قبيل وجود الاثر بدون المؤثر وإن شئت قلت هل هذا إلا من قبيل وجود الحكم بدون الموضوع. وأما جوار التقية بل لزومها في بعض الموارد على فرض أن يكون الفعل الذي أتى به تقية مجزيا عن إتيان الواقع ثانيا بعد رفع التقية لا يثبت وجود موضوع ذلك الاثر نعم لو كان موضوع الاثر هو الاعم من الوضوء الواقعي الاولى والوضوء تقية مثلا فلا شبهه في ترتب ذلك الاثر لوجود موضوعه لكن هذا خلاف الفرض، وكذلك لو كان الموضوع للاثر امتثال ذلك الامر الثانوي. ثم إن ما ذكرنا في القسم الاول من إجزاء ما أتى به تقية عن إتيان المأمور به بالامر الواقعي ثانيا، هل يشترط فيه عدم وجود المندوحة أم لا؟ الظاهر هو الثاني بيان ذلك أن الاقوال في المسألة ثلاثة: قول بعدم الاعتبار مطلقا وذهب إليه الشهيدان في البيان (1) والروض (2)، وقول بالاعتبار مطلقا وذهب إليه صاحب المدارك (3)


1. " البيان " ص 48. 2. " روض الجنان " ص 37. 3. " مدارك الاحكام " ج 1، ص 231.

[ 67 ]

وقول بالتفصيل بين ما إذا كان الفعل الذي يتقى به مأذونا بالخصوص كالصلاة معهم أو الوضوء مع المسح على الخفين، وأمثال ذلك فقال بعدم الاعتبار وبين مال يأذن الشارع فيه بالخصوص فقال بالاعتبار. والمراد من المندوحة هو تمكن المكلف من الاتيان بالفرد التام الاجزاء والشرائط الفاقد للموانع وذلك بأن يأتي إما في زمان آخر من مجموع الوقت، وذلك لا يكون إلا في الواجب الموسع أو ياتي به في مكان آخر لا يخاف من عدو كي يتقيه أو يوهم الاتيان بشكلهم مع أنه واقعا يأتي بما هو الحق عنده. فالاول يسمى بالمندوحة الطولية والثاني والثالث بالمندوحة العرضية، والطولية والعرضية في المقام بحسب الزمان وقد عرفت أن هذا التقسيم لا يأتي إلا في الواجب الموسع. إذا عرفت هذا فنقول: أما التفصيل الذي ذهب إليه المحقق الثاني (1) قدس سره فقد تقدم أنه لا وجه له أصلا لانه أي فرق بين أن يكون إتيان الواجب موافقا لهم مأذونا بالخصوص أو كان مأذونا بعنوان عام، لان المناط في كلتا الصورتين صيرورته واقعيا ثانويا ولذلك قلنا بالاجزاء وعدم الاحتياج إلى إعادته بعد ارتفاع التقية وحصول الامن، فان كان الاذن الخاص غير مشروط بعدم المندوحة فليكن الاذن بعنوان العام ايضا كذلك. أما تعليله للفرق بأن الاذن في التقية من جهة الاطلاق لا يقتضي ازيد من إظهار الموافقة مع الحاجة ففيه أن الاذن في العمل الذي يتقى به ان كان امرا بالامتثال بتلك الصورة فيكون فردا اضطراريا لطبيعة المأمور به فيكون مجزيا عن الاعادة بعد رفع الاضطرار كما هو الشأن في الاوامر الواقعية الثانوية فلا فرق بين الاذن بالخصوص وبين الاذن بالعموم


1. " رسائل المحقق الكركي " ج 2، ص 51.

[ 68 ]

في ذلك. وأما لو كان الاذن في العمل لاجل الفرار والخلاص من شرهم فقط، فالاذن الخاص ايضا لا يثبت به الاجزاء، وعلى كل حال الفرق بين الاذن الخاص والعام لا أثر له في هذا المقام بل المناط كل المناط في المقام بعد الفراغ على أن الامر باتيان الواجب تقية مجز عن الاعادة والقضاء وهو أن هذا الامر سواء كان بعنوان خاص أو عام هل هو مقيد بعدم المندوحة وكونه مضطرا إلى ايجاده تقية أم لا بل مطلق من هذه الجهة. فان كان هناك دليل على التقييد يؤخذ به، وإلا فمقتضى عمومات التقية والاذن فيها كقوله عليه السلام التقية ديني ودين آبائي (1) وأمثالها مما تقدم ذكرها بناء على ما ذكرنا من أن المراد من التقية هو الفعل الذي يأتي بها تقية هو عدم اعتبار عدم المندوحة. نعم لابد من صدق التقية في الامر بها وهو أن يكون إتيان الواجب الواقعي الاولى مظنة الضرر، بحيث يخاف على نفسه أو ماله أو عرضه، وذلك لعدم تحقق موضوع الامر بها بدونه ولذلك لا بأس بالقول بالتفصيل بين ما يمكن له إيجاد المأمور به الاولى، بأن يوهمهم الموافقة من دونها وبين ما لا يمكن ذلك، ففي الصورة الاولى يقال بالاعتبار دون الثانية ولكن في الحقيقة هذا ليس تقييدا في التقية، بل محقق لموضوعها. وعلى كل حال هذه المطلقات تدل على مشروعية التقية وإن كان يمكن له أن يأتي بالفرد التام بانتقاله إلى مكان آخر أو بتأجيل الاتيان به إلى زمان آخر فليس جواز التقية ولا إجزاؤها عن الاعادة والقضاء مشروطا بعدم المندوحة العرضية أي التمكن من الاتيان بالفرد التام الاجزاء والشرائط الفاقد للموانع المأمور به بالامر


1. تقدمت في ص 51، رقم (5).

[ 69 ]

الواقعي الاولي في عرض التقية بان ينتقل إلى مكان آخر لا خوف عليه كما إذا انتقل من السوق إلى داره التي ليس فيها احد يخاف منه ولا مشروطا بعدم المندوحة الطولية أي التمكن من الاتيان بالمأمور به الواقعي الاولى في الزمان المتأخر الذي يرتفع التقية فيه. فظهر مما ذكرنا أن القول الاول وهو عدم اعتبار عدم المندوحة مطلقا الذي ذهب إليه الشهيدان في البيان (1) والروض (2) هو الصحيح وهو المشهور ويدل على عدم اعتبار عدم المندوحة في جواز التقية واجزائها عن اتيان الواقع الاولي بعد ارتفاع الخوف وحصول الامن بعض الروايات: منها: ما رواه العياشي بسنده عن صفوان عن أبي الحسن عليه السلام في غسل اليدين، قلت له يرد الشعر؟ قال عليه السلام إن كان عنده آخر فعل (3)، والمراد بالآخر من يتقيه. تقريب الاستدلال بهذه الرواية على عدم اعتبار عدم المندوحة هو تجويزه للتقية بصرف وجود شخص من هؤلاء الذين يخاف منهم. وإن كان يمكن أن يتستر عنه أو ينتقل إلى مكان آخر ليس هناك من يخاف منه أو يوهمه الاتيان بمثل مذهبهم مع الاتيان بما هو الحق أو يؤجل العمل إلى زمان آخر لا موضوع للتقية فيه، ولا شك في إطلاق الرواية من هذه الجهات ولا مقيد له في البين فيجب الاخذ باطلاقه. ولا يخفى أن رد الشعر كناية عن الوضوء المنكوس لان رد الشعر من لوازمه، فالسؤال عن أن له رد الشعر، معناه أن له الوضوء المنكوس؟ فيجيب عليه السلام بالجواز بدون أي تقييد، وأما قوله عليه السلام إن كان عنده آخر، هو محقق موضوع التقية الا أنه تقييد فيها.


1. " البيان " ص 48. 2. " روض الجنان " ص 37. 3. " تفسير العياشي " ج 1، ص 300، 54.

[ 70 ]

ومنها ما رواه مسعدة بن صدقة بن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: وفيه: وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فانه جائز (1). فقوله عليه السلام فانه جائز، حكم بجواز كل شئ يعمل لاجل التقية، وهو مطلق غير مقيد بعدم المندوحة، بل ظاهره جواز كل شئ يعمل لمكان التقية وإن كان الفرار والتخلص منها ممكنا بأحد الوجوه المتقدمة. ومنها ما ورد في الحث والترغيب في حضور جماعتهم في الروايات الكثيرة كرواية حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال من صلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله في الصف الاول (2). وغيرها مما هو بهذا المضمون. ولا شك في أن الروايات المطلقة الدالة على جواز التقية وإجراء ما يأتي به تقية عن الواجب الواقعي الاولى من دون تقييدها بعدم وجود المندوحة كثيرة فلا يحتاج إلى تطويل المقام بذكر تلك الاخبار والتكلم فيها، بل لا يمكن التقييد فيها بصورة عدم التمكن من ايجاد صلاته في جميع وقتها إلا في مكان يجب فيه التقية. فالانصاف أنه ليست التقية من قبيل سائر الموارد التي ينقلب التكليف فيها بواسطة الاضطرار، بل الامر فيها أوسع للمصالح التي فيها من حفظ النفوس والاموال والاعراض لشخصه ولجميع الشيعة، بل وللامام عليه السلام ولعله ذلك أفردوها بالذكر عن سائر أقسام الاضطرار.


1. " الكافي " ج 2، ص 168، باب فيما يوجب الحق لمن انتحل الايمان وينقصه، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 469، أبواب الامر والنهي، باب 25، ح 6. 2. " الفقيه " ج 1، ص 382، باب الجماعة وفضلها، ح 1125، " وسائل الشيعة " ج 5، ص 381، أبواب صلاة الجماعة، باب 5، ح 1.

[ 71 ]

ولكن للاخبار المذكورة معارضات ظاهرها أن جواز التقية وإجزائها عن الواقع الاولى منوط بعدم وجود المندوحة. منها رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر المعروف بالبزنطي عن إبراهيم بن شيبة قال كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام أسأله عن الصلاة خلف من تولى أمير المؤمنين وهو يمسح على الخفين فكتب عليه السلام لا تصل خلف من يمسح على الخفين، فان جامعك واياهم موضع لا تجد بدا من الصلاة معهم، فاذن لنفسك وأقم فان سبقك إلى القراءة فسبح. (1) ومنها رواية معمر بن يحيى: كلما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية. (2) ومنها المرسل المحكي عن الفقه الرضوي عن العالم لا تصل خلف أحد إلا خلف رجلين أحدهما من تثق به وبدينه وورعه، والآخر من تتقي سيفه وسوطه وشره وبوائقه وشنعته، فصل خلفه على سبيل التقية والمداراة. (3) ومنها ما عن دعائم الاسلام بسنده عن أبي جعفر عليه السلام لا تصلوا خلف ناصب ولا كرامة إلا أن تخافوا على أنفسكم أن تشهروا ويشار إليكم فصلوا في بيوتكم ثم صلوا معهم، واجعلوا صلاتكم معهم تطوعا. (4) ودلالة هذه الروايات على أن جواز التقية واجزائها عن الاعادة والقضاء بعد


1. " تهذيب الاحكام " ج 3، ص 276، ح 807، باب فضل المساجد والصلاة فيها، ح 127، " وسائل الشيعة " ج 5، ص 427، أبواب صلاة الجماعة، باب 33، ح 2. 2. " مستدرك الوسائل " ج 12، ص 258، أبواب الامر والنهي، باب 24، ح 2. 3. " فقه الرضا " ص 14، " مستدرك الوسائل " ج 6، ص 457، أبواب صلاة الجماعة، باب 5، ح 2. 4. " دعائم الاسلام " ج 1، ص 151، " مستدرك الوسائل " ج 6، ص 458، أبواب صلاة الجماعة، باب 6، ح 1.

[ 72 ]

رفع التقية وحصول الامن مشروط بعدم المندوحة في كمال الوضوح. ولكن مقتضى الجمع عرفا بين هذه الاخبار والاخبار المتقدمة هو حمل هذه الاخبار على إمكان التخلص في نفس وقت التقية بدون التأجيل وتأخير امتثال الواجب إلى زمان ارتفاع التقية أو بدون انتقاله إلى مكان آخر للفرار عن التقية بل يمكن في نفس المكان والزمان أن يأتي بالواقع الاولى ففي مثل هذا المورد لا يجوز أن يتقي باتيان الواجب موافقا لهم. فاشتراط عدم المندوحة بهذا المعنى مما لا بد منه بل هو المشهور خصوصا إذا كان من الممكن ايهامهم انه يوافقهم ويأتي بالواجب على طبق مذهبهم مع أنه لا يأتي الا على طبق ما هو الحق عنده. ويشير إلى هذا المعنى بعض الروايات كرواية عبيد بن زرارة عن أبى عبد الله عليه السلام قال قلت اني أدخل المسجد وقد صليت فاصلي معهم فلا احتسب بتلك الصلاة؟ قال لا بأس وأما أنا فاصلي معهم واريهم أني أسجد وما أسجد (1). وخلاصة الكلام هو أن الشارع اهتم بامر التقية كثيرا للمصالح المهمة في نظره ولذلك أمر المؤمنين بمعاشرتهم والحضور في مجامعهم وعيادة مرضاهم كي لا يعرفوهم بالرفض فيؤذوهم، وبين لهم ما يترتب على فعلهم الذي هو موافق معهم من الاجر العظيم والثواب الجزيل كي يرغبوا في العمل موافقا لهم في الكم والكيف لاجل حفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم. فوسع عليهم في أمر التقية بما لم يوسع في غيرها من أنواع الاضطرار بل أمرهم أن يحضروا مساجدهم ويصلون معهم في الصف الاول قال عليه السلام من حضر صلاتهم وصلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى مع رسول الله في الصف الاول،


1. " تهذيب الاحكام " ج 3، ص 249، ح 774، باب فضل المساجد والصلاة فيها، ح 94، " وسائل الشيعة " ج 5، 385، أبواب صلاة الجماعة، باب 6، ح 8.

[ 73 ]

فلا يمكن حمل الاخبار الظاهرة في اعتبار عدم المندوحة على ظاهرها. بل لابد من رفع اليد عن ظاهرها والتصرف فيها بأحد التصرفات مثل حمل أذن لنفسك وأقم في رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي وصلوا في بيوتكم فيما رواه دعائم الاسلام وأمثال ذلك على الاستحباب، وإلا فالقول باعتبار عدم المندوحة مطلقا في جواز التقية ينافي ذلك الاهتمام الذي ظهر من طرف الشارع في أمر التقية. ففي رواية زيد الشحام: صلوا في مساجدهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم وإن استطعتم أن تكونوا الائمة والمؤذنين فافعلوا الحديث. (1) وفي رواية هشام الكندي عن أبي عبد الله عليه السلام قال فيها: صلوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم الحديث. (2) نعم الذي يصح أن يقال هو أنه لو كان متمكنا حال الاشتغال بايجاد الواجب موافقا لهم من تلبيس الامر عليهم وأيها مهم أنه يفعل بمثل فعلهم وإن كان لم يفعل كفعلهم بنحو لا يكون منافيا للتقية ولا يترتب عليه ضرر لا عاجلا ولا آجلا لا على نفسه ولا على غيره من طائفته، يجب عليه ذلك، ولا يجوز له أن يأتي بما هو خلاف الواقع الاولى. فعدم المندوحة بهذا المعنى معتبر في التقية لكن تقدم أن هذا محقق موضوع التقية لا أنه تقية أو تخصيص فيها، فالحق أن عدم المندوحة ليس معتبرا وقيدا في موضوع التقية.


1. " الفقيه " ج 1، ص 383، باب الجماعة وفضلها، ح 1128، " وسائل الشيعة " ج 5، ص 477، أبواب صلاة الجماعة، باب 57، ح 1. 2. " الكافي " ج 2، ص 219، باب التقية، ح 11، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 471، أبواب الامر والنهي، باب 26، ح 2.

[ 74 ]

المقام الثالث في أنه هل تترتب على ذلك الفعل أو الترك المخالفين للحق الاثار الشرعية التي رتبها الشارع عليهما لو صدرا عنه بميله واختياره أم لا، بل صدروهما من باب التقية يوجب رفع تلك الاثار. مثلا بناء على أن الفقاع خمر استصغره الناس وأن الخمر نجس يكون الفقاع نجسا فإذا استعمله تقية أو توضأ به تقية بناء على جواز الوضوء بالمايع المضاف عندهم، فهل استعماله يوجب رفع أثر تنجيسه فبعد ارتفاع الخوف وحصول الامن لا يجب غسل موضع ملاقاته للمشروط بالطهارة، أم لا لان التقية لا يرفع الاثر الوضعي المترتب على هذا الفعل، الظاهر هو ترتب أثره عليه وعدم ارتفاع أثر ذلك الفعل بواسطة التقية فينجس ملاقي الفقاع والنبيذ، وإن كان شربهما يجوز للتقية. نعم لو جوزنا الوضوء به تقية فلا يجب إعادة الصلاة التي صلاها بذلك الوضوء نعم لو شرب الفقاع أو النبيذ تقية لا يحد، وذلك من جهة أن هذا الاثر اخذ في موضوعه التعمد والاختيار. فالضابط الكلي هو أنه لو كان موضوع الاثر في الفعل الذي يتقى به هو ذلك الفعل مطلقا، سواء كان مختارا أو مضطرا فيترتب عليه ذلك الاثر، وإلا لو كان مخصوصا بحال الاختيار فيترتب عليه إذا أتى به تقية، فتعمد الاكل والشرب في نهار رمضان موجب لبطلان صوم من وجب عليه الصوم وإن صدر منه تقية، وذلك من جهة أن بطلان الصوم أثر تعمد الاكل والشرب سواء كان مختارا أو مضطرا. ثم ان هاهنا امورا يجب التنبه عليها.

[ 75 ]

الاول لا فرق في مشروعية التقية بين أن يكون من يتقيه من المخالفين أو من غيرهم وذلك من جهة وحدة المناط والادلة فيهما، لان الدليل على مشروعية التقية إما قاعدة الضرر أو الحرج ومعلوم أن كون امتثال الواجب موجبا للضرر أو الحرج، لا فرق بين أن يكون الضرر والحرج من ناحية المخالفين أو من ناحية غيرهم من الطوائف المسلمة أو من ناحية الكفار، لان مفاد دليل نفي الضرر والحرج هو أن الحكم الذي يأتي من ناحيته الضرر أو الحرج منفي وغير مجعول في الاسلام. وذلك لما حققنا في محله أن دليل نفي الضرر والحرج حاكم على أدلة الاحكام الاولية بالحكومة الواقعية في جانب المحمول والمسألة نقحناها في قاعدتي اللاضرر و واللاحرج مفصلا وأما الآيات كقوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة (1) وقوله تعالى إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان (2) وامثال ذلك فلا فرق بين كون من يتقى منه من الفرق المسلمة أو كان من الكفار. وأما مفاد الروايات فهو مطلق من يخاف من ضرره لانه قد تقدم أن التقية هي الوقاية وأصلها وقية كالوصية فهو الاتقاء، سواء كان من يتقى منه كافرا أو مسلما. وأما حكم العقل بلزوم حفظ النفس عن الهلكة فمعلوم أنه لا فرق بين أن يكون من يخاف منه على نفسه أو عرضه أو ماله في نظر العقل من الفرق المسلمة أو الكافرة، نعم الآيات الواردة في حكم التقية غالبا تكون في مورد الكفار كما أن الاخبار الواردة في هذا الموضوع غالبا تكون في مورد الخوف من السلاطين الجائرة أو ولاتهم ولكن العبرة بعموم الدليل وخصوصية المورد لا توجب تخصيص الدليل كما


1. آل عمران (3): 28. 2. النحل (16): 106.

[ 76 ]

هو المحقق في الاصول، وإن كان الاحوط تخصيصها بالمخالفين لاحتمال الانصراف. الثاني أن ما ذكرنا من أن إتيان الواجب تقية موافقا لهم مجز عن الاتيان به ثانيا موافقا لما هو الحق كما إذا صلى متكتفا أو مع المسح على الخفين أو مع غسل الرجل بدل مسحها أو بدون بسم الله في القرائة وأمثال ذلك إنما يكون فيما إذا أتى بالعمل الناقص موافقا لهم. كما إذا صلى بأحد الوجوه المذكورة أو صام وأفطر قبل ذهاب الحمرة المشرقية أو قبل انتشارها فوق الرأس، أو حج ووقف في الموقفين موافقا لهم من دون استناده إلى امارة شرعية أو عقلية على رؤية هلال ذي الحجة في يوم كذا إذا كان شاكا لا أن يكون قاطعا بعدم كون الوقوف في يوم عرفة كما ذكرنا مفصلا. وذلك لما ذكرنا أنه أتى بما هو المأمور به بالامر الواقعي الثانوي وهو مجز كما حققنا المسألة في الاصول في مبحث الاجزاء. وأما لو ترك الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي الاولى ولم يكن إتيان المأمور به بالامر الواقعي الثانوي في البين بل صرف ترك للاول لاجل التقية فلا وجه للاجزاء لانه لم يأت بشئ كي يكون مجزيا وإفطار الامام الصادق عليه السلام في الحيرة لاجل الخوف 66 عن أبي العباس العباسي الذي تقدم ذكره (1) الظاهر أنه من هذا القبيل، فلا معنى لان يكون مجزيا ولعله لاجل ذلك قال عليه السلام لان أفطر يوما من رمضان فأقضيه، فالقضاء في مثل هذا المورد لابد منه، ولا يدل هذا على عدم كون التقية مجزيا. الثالث أنه لا شك في ثبوت موضوع التقية مع الخوف الشخصي بمعنى أنه يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله لو ترك الموافقة معهم، إذ هذا هو القدر المتيقن من أدلة


1. تقدم ذكره في ص 61، رقم (1).

[ 77 ]

التقية، وأما لو يعلم أن من تركه التقية والموافقة معهم لا يترتب عليه ضرر على نفسه أو ماله أو عرضه ولكن يوجب فعله المخالف للتقية معرفة المخالفين مذهب الشيعة وأنهم يطعنون بعد ذلك عليهم بأن مذهبهم كذا وكذا. والظاهر أن هذا أيضا يجب فيه التقية لان هذا ربما يكون موجبا لورود الضرر على نفس الامام أو على الطائفة جميعا ولعل هذا هو المراد من الاذاعة في أخبار التقية فجعل عليه السلام الاذاعة مقابل التقية وقد تقدم في ذيل رواية عبد الله بن أبي يعفور اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية (1) وكما في ذيل رواية حريز عن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير قول الله عزوجل ولا تستوي الحسنة ولا السيئة (2) قال عليه السلام: الحسنة التقية والاسائة الاذاعة. (3) ويظهر من هذه الروايات أن حجبهم عن معرفة الاحكام المختصة بالمذهب وسترها عنهم مطلوب ولعله إلى هذا يشير قوله عليه السلام ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره (4) والحاصل أنه يفهم من الاخبار الكثيرة أنه ليس أمر التقية دائرا مدار الخوف الفعلي. الرابع إذا خالف التقية وأتى بالفعل المخالف معهم كما أنه لو صلى مرسلا من دون التكفير أو صلى على التربة الحسينية أو غير ذلك مما ينكرونها فهل يكون ذلك العمل باطلا لانه خلاف التقية ومنهي عنه، والنهي في العبادة يوجب الفساد أم لا


1. " الكافي " ج 2، ص 218، باب التقية، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 461، أبواب الامر والنهي، باب 24، ح 7. 2. فصلت (41): 34. 3. " الكافي " ج 2، ص 218، باب التقية، ح 6، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 461، أبواب الامر والنهي، باب 24، ح 9. 4. " الامالي " للطوسي ج 1، ص 299، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 466، أبواب الامر والنهي، باب 24، ح 28.

[ 78 ]

لانه أتى بما هو المأمور به واقعا بقصد القربة فحصل الامتثال والاجزاء عقلي وإن أثم بتركه للتقية، ولكنه خارج عن الصلاة فيكون من قبيل النظر إلى الاجنبية حال الصلاة حيث إنه لا هو جزء للصلاة المأمور بها ولا مركب معها تركيبا اتحاديا، ولا انضماميا فليس لا من باب النهي في العبادة ولا من باب الاجتماع. والذي ينبغي أن يقال في المقام هو أن ما يتحقق به المخالفة للتقية ويكون مصداقا حقيقيا للمخالفة معهم، ليس على نسق واحد، بل قد يكون جزء للعبادة فيأتي بذلك الجزء المخالف معهم باعتبار أنه جزء للمأمور به بالامر الواقعي الاولى فيكون النهي متعلقا بذلك الجزء فتكون العبادة المشتملة على ذلك الجزء المنهي عنه فاسدة، والمسألة محررة في الاصول، وقد أوضحنا وجهه في الجزء الاول من كتابنا منتهى الاصول (1) في مسألة النهي المتعلق بالعبادة. وقد لا يكون كذلك بل يكون من قبيل إدخال ما ليس من العبادة فيها ويكون من قبيل التشريع المحرم بالادلة الاربعة، فيكون النهي متعلقا بأمر خارج عن العبادة فلا وجه لان يكون ترك ذلك الشئ موجبا للبطلان لما قلنا من أنه أتى بالمأمور به على وجهه، والاجزاء عقلي نعم أثم بذلك الترك وتلك المخالفة، لانه بمنهي. فبناء على ما ذكرنا ترك التكتف وقول آمين في مورد وجوبهما تقية لا يوجب بطلان الصلاة، وإن كان آثما بذلك الترك. تنبيه هذا الذي ذكرنا وتقدم كان في الاتيان بالواجبات، بل المستحبات تقية بأن يدخل فيها ما ليس بجزء أو شرط أو يترك ما هو جزء أو شرط، أو يأتي بما هو


1. " منتهى الاصول " ج 1، ص 411.

[ 79 ]

مانع أو يأتي بكيفية خلافها واجب أو مستحب. وأما التقية في مقام الافتاء كأن يفتي المجتهد بحرمة ما ليس بحرام أو بوجوب ما ليس بواجب أو بالعكس فيهما، أو بالنسبة إلى سائر الاحكام التكليفية أو الوضعية فالامر فيها أعظم، ولعل أغلب عمومات التقية وإطلاقاتها لا تشملها، ومنصرفة عنها، فلا يجوز له الافتاء بمجرد خوف الضرر كما كان له ذلك في مقام العمل خصوصا إذا كان المفتى ممن يتبعه العموم وخصوصا إذا كان طول حياته لا يمكن له الرجوع عن فتواه فيبقى هذا الحكم والفتوى الباطلة محل الاعتبار ومورد عمل العموم على مر الدهور. ففي مثل هذا يجب الفرار والتخلص عن الافتاء بأي وجه ممكن، وكذا إذا كان الفتوى موجبا لتلف النفوس أو هتك الاعراض، ففي الاول لا يجوز له أن يفتي وإن كان ترك الفتوى موجبا لهلاكه وقتله. وأما الائمة المعصومون وإن صدر منهم الفتوى بعض الاحيان على خلاف الحكم الواقعي الاولى كانوا ينبهون الطرف بعد ذلك بانها كانت على خلاف الواقع إما لاجل حفظ نفسه عليه السلام أو لاجل حفظ نفس المستفتي وقضية فتوى الامام الكاظم عليه السلام لعلي بن يقطين في مسألة تثليث غسلات الوضوء صريحة فيما ذكرناه. (1) والحاصل أن الفتوى على خلاف ما انزل الله للتقية امره مشكل ويختلف كثيرا من حيث المفيت ومقبولية رأيه عند العموم وعدمها، ومن حيث إمكان اخبار الناس التابعين له أن هذه الفتوى لم تكن حكما واقعيا وإنما صدرت تقية، وعدم امكانه ومن حيث أهمية المفتى به، ومن حيث كونه موجبا لهلاك الانفس وعدمه. ففي بعض صور المسألة لا يجوز له الافتاء، وإن كان يعلم أنه يقتل لو ترك ولم


1. " الارشاد للمفيد ص 294، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 312، أبواب الوضوء، باب 32، ح 3.

[ 80 ]

يفت ولذلك ترى في الاخبار الصادرة عن أهل بيت العصمة اصرارهم عليهم السلام بان ما خالف كتاب الله أو قولهم ما خالف قول ربنا لم نقله أو زخرف أو ب‍ اطل أو اطرحه على الجدار (1)، وأمثال ذلك أو قولهم في الخبرين المتعارضين: " خذ بما خالف العامة (2) كل ذلك لاجل أن لا يتوهم أحد أن كل ما تضمنه الاخبار الصادرة عنهم عليهم السلام بصدد بيان الاحكام الواقعية، بل جملة كثيرة منها اعطيت من جراب النورة حسب اصطلاحهم وكان الرواة الفقهاء من أصحابهم عليهم السلام يعرفون أن هذا الذي قال عليه السلام لهذا الراوي هل هو حكم واقعي أولى، أو صدر تقية، ولذلك كانوا يقولون للراوي بعد ما يسمعون روايته: اعطيت من جراب النورة. هذا حال التقية في الفتوى. وأما التقية في الحكم مثل أن يحكم على خلاف ما انزل الله خوفا فهل يجوز أم لا؟ أما لو كان الحكم موجبا لقتل المسلم فلا يجوز قطعا ففي الكافي والتهذيب: " إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية " (3). وأما فيما عداه فان كان الضرر الذي يخاف منه هو أنه يقتل لو لم يحكم فيكون حاله حال الفتوى بغير ما أنزل الله فيه. وفيه صور كثيرة من حيث أهمية ما يحكم به أو ترتب الفساد عليه، ففي بعضها أيضا لا يجوز قطعا وعلى كل حال المسألة مشكل جدا وأعاذنا الله منه، وقد قال الله


1. راجع: " وسائل الشيعة " ج 18، ص 75 أبواب صفات القاضي، باب 9 باب وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة وكيفية العمل بها. 2. " الاحتجاج " ص 195. 3. " الكافي " ج 2، ص 220، باب التقية، ح 16، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 172، ح 335، باب النوادر، ح 13، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 483، أبواب الامر والنهي، باب 31، ح 1 و 2.

[ 81 ]

عزوجل في كتابه العزيز: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) (1) ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الظالمون) (2) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون) (3). وأما إن لم يكن الضرر الذي يخاف منه هو القتل، فلا يجوز الحكم لعدم جواز دفع الضرر عن نفسه باضرار الغير. والله ولي التوفيق والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.


1. المائدة (5): 44. 2. المائدة (5): 50. 3. المائدة (5): 52.

[ 83 ]

48 - قاعدة لا ربا الا فيما يكال أو يوزن

[ 85 ]

قاعدة لا ربا الا فيما يكال أو يوزن * وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في مدركها وهو الاجماع والاخبار. الاول: الاجماع وهو وإن كان ثبوته لا ينكر، ولكن قد ذكرنا في هذا الكتاب مرارا أن مثل هذه الاجماعات التي مداركها معلوم وأنه في المقام هي الاخبار الواردة في هذا الباب، وقد عقد في الوسائل بابا بعنوان أن الربا لا يثبت إلا في المكيل والموزون (1)، فلابد من مراجعة نفس المدرك وليس الاجماع من الذي يكون كاشفا عن رأي المعصوم عليه السلام من ناحية اتفاق الاصحاب الذي بنينا على حجيته في الاصول. الثاني: الاخبار. فمنها: ما رواه علي بن رئاب عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن " (2).


* " القواعد " ص 239. 1. " وسائل الشيعة " ج 12، ص 434، أبواب الربا، باب 6. 2. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 19، باب فضل التجارة وآدابها، ح 81، " تفسير العياشي " ج 1، ص 152، ح 504، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 434، أبواب الربا، باب 6، ح 1.

[ 86 ]

ومنها: ما رواه عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن " (1). ومنها: ما رواه منصور قال: سألته عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين؟ قال: " لا بأس ما لم يكن كيلا أو وزنا " (2). ودلالة هذه الاخبار على هذه القاعدة واضحة وغنية عن البيان، وذلك لان مضمونها عين مضمون القاعدة. الجهة الثانية في شرح مضمون القاعدة فنقول: أما " الربا " بالكسر فهي اسم مصدر بمعنى الزيادة والفضل على ما ذكره اللغويون أو مصدر ثان من ربى يربو ربوا ورباء، وعلى كل حال الذي يظهر من نقل كلام اللغويين وموارد الاستعمال هو أن معناه الزيادة والنمو، وعند الفقهاء وفي اصطلاح الشرع عبارة عن اخذ الزائد مما يعطى للطرف في أبواب المعاوضات، بل ربما يطلق على المعاملة المشتملة على هذه الزيادة. والظاهر: أنه من هذا القبيل قوله تعالى: (أحل الله البيع وحرم الربا) (3) إذ المراد منه ليس حرمة تلك الزيادة فقط، بل المراد منه حرمة المعاملة المشتملة على تلك الزيادة بقرينة المقابلة للبيع.


1. " الكافي " ج 5 ص 146، باب الربا، ح 10، " الفقيه " ج 3 ص 275، باب الربا، ح 3996، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 435، أبواب الربا، باب 6، ح 3. 2. " الكافي " ج 5، ص 191، باب المعاوضة في الحيوان والثياب وغير ذلك، ح 8، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 435، أبواب الربا، باب 6، ح 5. 3. البقرة (2): 275.

[ 87 ]

وذلك من جهة أن المشركين قاسوا وقالوا إن المعاملة الربوية مشتركة مع البيع في طلب الزيادة، لان البايع في البيع الغير الربوي أيضا يطلب الزيادة والربح مثل ان كان الثمن والمثمن من غير المتجانسين فإذا كان طلب الزيادة موجبا لحرمة المعاملة، فلم لا يكون البيع أي المعاملة والمعاوضة في غير المتجانسين حراما فأنكر - الله تعالى قياسهم وأبطله بقوله (أحل الله البيع وحرم الربا) وذلك لعله مخفية عليكم فليس لكم الاعتراض ولذلك قالوا إن هذه الآية تدل على حرمة القياس. هذا مضافا إلى أن قياسهم باطل حتى بناء على حجية القياس، وذلك من جهة انه في البيع بناء البائع والمشتري على مساواة الثمن والمثمن من حيث القيمة، وإنما ف ائدة البائع باختلاف الاسواق أو الازمان، فيشتري البايع من سوق أرخص أو في زمان أرخص ويبيع في سوق أغلى أو زمان أغلى، وإلا ففي نفس ذلك السوق أو ذلك الزمان لابد وأن لا يخسر أحدهما بما لا يتسامح فيه، وإلا فيأتي خيار الغبن ولذلك لو قال أحد للبايع: إن متاعك لا يسوى بهذه القيمة يتأذى، فالقياس في غير محله. وعلى كل حال الربا تارة يكون في البيع وأخرى في القرض. فنتكلم في مقامين: الاول: الربا في البيع بل في جميع المعاوضات. وهذا القسم هو مورد قاعدتنا هذه، أي عدم إتيان الربا إلا فيما إذا كان العوضان في البيع أي الثمن والمثمن من المكيل أو الموزون. وقبل ذلك نتكلم في حكم الربا بكلا قسميه: أي سواء كان في البيع أو كان في القرض فنقول: ويدل على حرمته الكتاب العزيز والاحاديث المستفيضة بل المتواترة، فحرمته من القطعيات، بل من الضروريات بحيث يكون منكرها كافرا مرتدا، ولا ينافي ما قلنا من أن حرمته من الضروريات اختلافهم في بعض الفروع لان ذلك إما من جهة

[ 88 ]

إنكار كونه من الربا موضوعا، وإما من جهة التخصيص في الحكم كموارد قاعدتنا هذه. أما الايات التي تدل على حرمة الربا فمنها قوله تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الرباء إلى آخر الاية (1). ومنها قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (2). ومنها قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (3). وأما الروايات فكثيرة جدا نذكر جملة منها. فمنها ما رواه في الكافي باسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: درهم ربا عند الله أشد من سبعين زنية كلها بذات محرم. (4) ومنها ما رواه سعد بن طريف عن أبي جعفر عليه السلام قال: أخبث المكاسب كسب الربا. (5) ومنها رواية سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني رأيت الله تعالى قد ذكر


1. البقرة (2): 275. 2. البقرة (2): 278 - 279. 3. آل عمران (3): 130. 4. " الكافي " ج 5، ص 144، باب الربا، ح 1، " الفقيه " ج 3، ص 274، باب الربا، ح 3991، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 422، أبواب الربا، باب 1، ح 1. 5. " الكافي " ج 5، ص 147، باب الربا، ح 12، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 423، أبواب الربا، باب 1، ح 2.

[ 89 ]

الربا في غير آية وكرره، قال: أو تدري لم ذاك؟ قلت: لا، قال: لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف. (1) ومنها ما رواه الشيخ عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: درهم من ربا أشد عند الله من ثلاثين زنية كلها بذات محرم مثل عمة وخالة. (2) وما رواه سعيد بن يسار عن الصادق عليه السلام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: درهم واحد ربا أعظم من عشرين زنية كلها بذات محرم رحم (3) خ ل. وما رواه زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إني سمعت الله يقول يمحق الله الربا ويربي الصدقات (4) وقد أرى من يأكل الربا يربو ماله؟ فقال عليه السلام: أي محق أمحق من درهم ربا يمحق الدين وإن تاب منه ذهب ماله وافتقر (5). وما رواه هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن علة تحريم الربا فقال: إنه لو كان الربا حلالا لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه، فحرم الله الربا لتنفر الناس من الحرام إلى الحلال، وإلى التجارات: من البيع والشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض (6). وما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما حرم الله الربا كيلا يمتنعوا


1. " الكافي " ج 5، ص 146، باب الربا، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 423، أبواب الربا، باب 1، ح 3. 2. " الفقيه " ج 3، ص 274، باب الربا، ح 3991، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 14، باب فضل التجارة وآدابها، ح 62، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 423، أبواب الربا، باب 1، ح 5. 3. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 15، باب فضل التجارة وآدابها، ح 63، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 434، أبواب الربا، باب 1، ح 6. 4. البقرة (2) ب: 276. 5. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 15، باب فضل التجارة وآدابها، ح 65،، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 434، أبواب الربا، باب 1، ح 7. 6. " الفقيه " ج 3، ص 567، باب معرفة الكبائر، ح 4937، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 424، أبواب الربا، باب 1، ح 8.

[ 90 ]

من صنائع المعروف (1). وما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما حرم الله عزوجل الربا لئلا يذهب المعروف (2). وما رواه حماد بن عمر وأنس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله في وصيته لعلي عليه السلام قال: يا علي الربا سبعون جزء أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه في بيت الله الحرام (3). وما رواه ابن بكير قال: بلغ أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أنه كان يأكل الربا ويسميه اللباء، فقال عليه السلام لئن أمكنني الله منه لاضربن عنقه (4). والروايات في هذا الباب كثيرة وشديدة. ثم إن الربا بالمعنى الذي ذكرنا له، قد يكون في البيع وقد يكون في القرض، ومورد هذه القاعدة هو الربا في البيع، وأما الربا في القرض الذي سنتكلم فيه، فيثبت فيه مطلقا في أي جنس كان، وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا، بل وإن كان معدودا مثلا، فلو أعطى قرضا بيضة ببيضتين، أو جوزا بجوزين، وكذلك في غيرهما، يكون من الربا المحرم. أما القسم الاول أي الربا في البيع فهو أن يبيع أحد المثلين بالآخر مع الزيادة إذا كان من المكيل أو الموزون،


1. " الفقيه " ج 3، ص 566، باب معرفة الكبائر، ح 4935، " علل الشرائع " ص 482، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 424، أبواب الربا، باب 1، ح 9. 2. " الفقيه " ج 4، ص 566، باب معرفة الكبائر، ح 4936، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 425، أبواب الربا، باب 1، ح 10. 3. " الفقيه " ج 4، ص 367، باب النوادر وهو آخر أبواب الكتاب، في وصايا النبي لعلي عليه السلام، ح 5762، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 426، أبواب الربا، باب 1، ح 12. 4. " الكافي " ج 5، ص 147، باب الربا، ح 11، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 428، أبواب الربا، باب 2، ح 1.

[ 91 ]

فثبوت الربا في البيع يشترط فيه أمران: الاول اتحاد جنس الثمن والمثمن، والثاني كونهما من المكيل أو الموزون، والدليل على الاول مضافا إلى صعوبة تصوير الزيادة إذا كانا من جنسين: الاجماع والاخبار. نعم يمكن أن يكون أحد العوضين في نظر العرف وأهل الاسواق أكثر قيمة ومالية، فيكون لصاحبه خيار الغبن إذا كانت التفاوت فاحشا لا يتسامح فيه، ولم يكن عالما بهذا التفاوت حال البيع، وإلا فليس له حتى الخيار نعم لو كانت التفاوت بحد تعد مثل هذه المعاملة سفهيا فيكون أصل المعاملة باطلا. أما الاجماع فلاتفاقهم على جواز بيع المتخالفين في الجنس أي مقدار من أحدهما بأي مقدار من الآخر نقدا، ما لم يبلغ إلى حد كون المعاملة سفهيا، نعم قلنا إنه يثبت خيار الغبن، مع تفاوت قيمتها وجهل صاحب ما هو أزيد قيمة بالزيادة إذا كان التفاوت لا يتسامح فيه. وأما الاخبار فلقوله صلى الله عليه وآله إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم (1) ولما رواه محمد بن مسلم في حديث قال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يدا بيد. (2) والمراد من قوله عليه السلام يدا بيد أي نقدا. ولما رواه جماعة عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الاشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، وأما نظرة


1. " عوالي اللئالي " ج 3، ص 221، ح 86، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 341، أبواب الربا، ح 4. 2. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 95، ح 404، باب بيع الواحد بالاثنين وأكثر م ذلك، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 442، أبواب الراب، باب 13، ح 1.

[ 92 ]

فلا يصلح (1). ومراده عليه السلام من الجملة الاخيرة هو ما قلنا بجواز بيع المختلفين في الجنس مثلين بمثل كيلا أو وزنا فيما إذا كانت المعاملة نقدا لا نظرة ونسيئة. ولما رواه سماعة قال سألته عن الطعام والتمر والزبيب فقال: لا يصلح شئ منه اثنان بواحد، إلا أن يصرفه نوعا إلى نوع آخر فإذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد وأكثر من ذلك (2). ولما رواه سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المختلف مثلان بمثل يدا بيد لا بأس. (3) ولما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل اشترى سمنا ففضل له أيحل له أن يأخذ مكان رطلا أو رطلين زيتا قال عليه السلام: إذا اختلفا وتراضيا فلا بأس. (4) ولا شك في ظهور هذه الروايات بل نصوصيتها في جواز بيع المتخالفين في النوع والجنس، مع زيادة مقدار أحد العوضين عن الآخر في المقدار كيلا أو وزنا، ولا فرق بين أن يكون الزيادة التي في أحدهما قليلة أو كثيرة، لكن بشرط أن تكون المعاملة نقدا ويدا بيد، لا نسيئة. وقد ظهر مما ذكرنا أن الربا في البيع لا يثبت إلا بأمرين:


1. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 93، ح 396، باب بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 442، أبواب الربا، باب 13، ح 2. 2. " الفقيه " ج 3، ص 281، باب الربا، ح 4014، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 95، ح 406، باب بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك، ح 12، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 443، أبواب الربا، باب 13، ح 5. 3. " الكافي " ج 5، ص 190، باب المعاوضة في الطعام، ج 17، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 444، أبواب الربا، باب 13، ح 9. 4. " قرب الاسناد " ص 114، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 445 أبواب الربا، باب 13، ح 11.

[ 93 ]

أحدهما اتحاد الثمن والمثمن في الجنس، وأن يكونا من نوع واحد، الثاني كونهما مما يعتبر في بيعهما الكيل أو الوزن، فلابد من توضيح هذين الامرين، وأنه ما المراد من اتحاد الجنس والنوع في الشرط الاول، وأنه ما المناط في كون الشئ مكيلا أو موزونا في الشرط الثاني فنقول: أما المراد من اتحاد الجنس والنوع في الشرط الاول بعد الفراغ من أنه ليس المراد به اتحاد الجنس والنوع المنطقي أي تمام المشترك الذاتي بين الحقائق المختلفة المقول عليه، ولا الكلي المقول على الكثرة المتفقة الحقيقة في جواب ما هم، لعدم كون المناط في اتحاد الجنس أو النوع هذا المعنى في باب الربا في البيع بالضرورة. فقد يقال إن المناط في اتحاد الجنس والنوع هو كونهما بحسب الاسم متحدين عند العرف، بحيث لا يصح عندهم سلب الاسم الذي يطلق على أحدهما اطلاقا حقيقيا عن الآخر، ولا شك في أن هذا المعنى غير جار في اكثر موارد الربا، فان الشعير والحنطة مختلفان اسما ولا يصح اطلاق اسم أحدهما على الاخر إطلاقا حقيقيا مع أنهما يعدان في الربا جنسا واحد، وكذلك السمسم مع الشيرج واللبن مع الاقط (1) أو الزبد، وكذلك مع الجبن، وكذلك الجبن معهما، كما أنه ربما يكون العوضان متحدين في الاسم ومع ذلك لا يثبت الربا فيهما، وذلك كلحم الغنم والبقر فكلاهما يطلق عليهما اللحم اطلاقا حقيقيا، ومع ذلك لا يجري الربا فيهما فهذا الضابط غير تام لا كلية له: لا طردا ولا عكسا. وربما يقال بأن الضابط في اتحاد جنس العوضين هو رجوعهما إلى أصل واحد، وإن كانا فعلا بحسب الاسم مختلفين، ولا يطلق اسم أحدهما على الآخر، والامثلة


1. الاقط: لبن يابس مستحجر يتخذ من مخيض الغنم. " القاموس المحيط " ج 2، ص 362.

[ 94 ]

المذكورة التي قلنا يأتي فيها الربا مع عدم اتحادهما في الاسم، كلها من هذا القبيل، أي ترجع إلى أصل واحد. إن قلت إن ظاهر أدلة حرمة الربا في المعاملات والمعاوضات هو بيع المثل بالمثل مع الاختلاف في المقدار، ولا شك في أن الاقط والزبد ليسا مثلين للبن وكذلك التمر والعنب، مع الخل المصنوع من أحدهما. قلنا قد علل الامام عليه السلام إتيان الربا وجريانه في الشعير والحنطة بكونهما من أصل واحد: ففي الكافي عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال سئل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الاكراد فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه، فيقول له خذ مني مكان كل قفيز حنطة قفيزين شعير حتى تستوفي ما نقص من الكيل، قال عليه السلام لا يصلح، لان أصل الشعير من الحنطة ولكن يرد عليه الدراهم بحساب ما ينقص من الكيل. (1) فقوله عليه السلام لان أصل الشعير من الحنطة تعليل لعدم جواز معاوضتهما بالزيادة، وثبوت الربا، فيؤخذ بعموم التعليل ويسري الحكم إلى كل مورد يكون انتهاء العوضين إلى أصل واحد، وإن لم يكونا متحدين في الاسم، وروى في الوسائل بهذا المعنى روايات كثيرة. (2) ولكن هذا أيضا لا يخلو عن نظر وتأمل، وذلك من جهة أن انتهاء الثمن والمثمن مثلا إلى أصل واحد، لو كان هو الضابط في اتحاد الجنس وثبوت الربا، يلزم أن لا يجوز بيع الملح الذي استحيل اللحم إليه باللحم متفاضلا في الكيل أو الوزن، ولا يمكن للفقيه الالتزام بذلك.


1. " الكافي " ج 5 ص 187، باب المعاوضة في الطعام، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 438، أبواب الربا، باب 8، ح 1. 3. راجع " وسائل الشيعة " ج 12، ص 438، أبواب الربا، باب 7: إن الحنطة والشعير جنس واحد في الربا لا يجوز التفاضل فيهما ويجوز التساوي.

[ 95 ]

اللهم إلا أن يقال إنه ليس المراد هو صرف انتهائها إلى أصل واحد، وإن كانا متباينين في أغلب الجهات، بل المراد أن يكونا بنظر العرف حقيقة واحدة ومن سنخ واحد بحيث يحكم العرف باتحادهما وكونهما من جنس واحد، وإن اختلفا في بعض الخواص والآثار، فالدهن والزبد مثلا حقيقة واحدة، لان الدهن عبارة عن الزبد المذاب وإن كانا مختلفين في كثير من الخواص والآثار، وكذلك الاقط واللبن. وبعبارة اخرى المشتقات من حقيقة واحدة تعد في نظر العرف سنخا واحدا، وإن كانت مختلفة في خواصها وآثارها، فالدبس والتمر مثلا عند العرف حقيقة واحدة. نعم هذا الاتحاد في بعض ما يرجع إلى أصل واحد أظهر، وفي بعضها أخفى، بل ربما يتخيل العرف أنهما حقيقتان مختلفتان لولا تنبيه الشارع بذلك وأنهما من أصل واحد، كما نبه بذلك في اتحاد جنس الشعير والحنطة فيما رواه الصدوق باسناده أن علي بن أبيطالب عليه السلام سئل مما خلق الله الشعير؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى أمر آدم أن ازرع مما اخترت لنفسك، وجائه جبرئيل عليه السلام بقبضة من الحنطة، فقبض آدم عليه السلام على قبضة وقبضت حوى على اخرى، فقال آدم عليه السلام لحوى: لا تزرعي أنت فلم تقبل من آدم فكلما زرع آدم جاء حنطة، وكلما زرعت حوى جاء شعيرا. (1) فما هو التحقيق في المقام هو أن يقال إن المناط في كونهما من المتماثلين هو أن يكونا من نوع واحد بنظر العرف، وإن كانا مختلفين بحسب الجودة والرداءة، وكانا من صنفين أو كانا فرعين ومشتقين من حقيقة واحدة، كالدبس والخل، حيث إنهما مشتقان من التمر أو العنب أو كانا فرعا مع أصله كالخبز مع الحنطة، وهذا القسم الاخير يكون من المتماثلين فيما إذا لم يتبدل الاصل إلى حقيقة اخرى بذهاب صورته النوعية واستحالته إلى نوع آخر كاللحم إذا تبدل إلى الملح. ثم إنه لا يخفى أن الفرعين من الحقيقتين ربما يشتركان في الاسم بل ربما يكونان


1. " علل الشرائع " ج 2، ص 574، ح 2، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 344، أبواب الربا، باب 17، ح 2.

[ 96 ]

بنظر العرف حقيقتهما واحدة كلحم البقر والغنم، ولكن حيث إنهما فرعان من حقيقتين مختلفتين لا يأتي فيهما الربا وإن كان أحدهما أزيد من الاخر بحسب المقدار كيلا أو وزنا، بل المدار في التماثل والاختلاف هو الاتحاد أو اختلاف حقيقتي أصليهما، وبناء على هذا فزبد الغنم أو دهنه أو لبنه من المختلفين مع زبد البقرة أو دهنها أو لبنها وإن كانا بنظر العرف ربما يكونان من المتماثلين. وأما خل التمر فيصح بيعه بخل العنب وإن كان أحدهما أزيد من الاخر بحسب الوزن أو الكيل، لما ذكرنا من اختلاف أصليهما بحسب الحقيقة. والدليل على ما ذكرنا من الضابط في تحقق الربا هو الاخبار الواردة في هذا الباب والاجماعات المدعاة في المقام، وقد تقدم تعليل الامام الصادق عليه السلام فيما رواه هشام بن سالم عنه عليه السلام عدم جواز بيع الشعير بالحنطة متفاضلا كأن يأخذ مشتري الحنطة من بايعها، مكان كل قفيز من الحنطة قفيزين من شعير، بأن أصل الشعير من الحنطة مشيرا بذلك إلى قصة آدم وحوا وزرعهما الحنطة ومجيئ زرع حوا شعيرا وقد تقدم رواية الصدوق ذلك ولا شك في أن الاخذ بعموم هذا التعليل يوجب عدم جواز بيع كل فرد مع أصله مع التفاضل. نعم خالف ابن إدريس قدس سره (1) في هذه المسألة وقال بجواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا لانهما جنسان، وحكى الجواز عن ابن أبي عقيل أيضا واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم. (2) ويدل أيضا على ما قال من الجواز رواية سماعة وكذلك رواية علي بن جعفر عليه السلام المتقدمتان ولكن أنت خبير بأن عمون التعليل مخصص لهذه العمومات، فلا يبقى وجه


1. " السرائر " ج 2، ص 254. 2. " عوالي اللئالي " ج 3، ص 221، ح 86، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 341، أبواب الربا، باب 12، ح 4.

[ 97 ]

لخلاف ابن إدريس، هذا مضافا إلى الاجماع وورود روايات متعددة في خصوص المقام أي بيع الحنطة بالشعير أو بالعكس متفاضلا، وقد عقد في الوسائل بابا لذلك، إن شئت فراجع. وأما المراد من المكيلل والموزون في الشرط الثاني أقول: أما مفهوم المكيل والموزون أو ما يكال ويوزن، فواضح لا خفاء فيهما. وذلك من جهة أن وقوع المعاملة على متاع لا يصح إلا بتعيين ذلك المتاع كي لا يكون مجهولا وغرريا وارتفاع الغرر والجهل عند العرف والعقلاء يختلف بالنسبة إلى الامتعة وما يقع عليه المعاوضة والمعاملة، ففي بعضها بالمشاهدة، وفي بعضها بالتوصيف وبيان الخصوصيات، وفي بعضها بالذرع، وفي بعضها بالعدد، وفي بعضها بالكيل أو الوزن، وكلامنا في هذا القسم الاخير أي فيما لا يصح المعاملة فيها إلا بالكيل أو الوزن، وقد ذكرنا أن هذين المفهومين أي الكيل والوزن من المفاهيم الواضحة التي لا تحتاج إلى الشرح والايضاح. نعم حيث إن المكيلية والموزونية عند العرف والعقلاء في باب المعاوضات والمعاملات تختلف بحسب الازمنة والبلاد: فرب متاع يكون من المكيل أو الموزون في زمان ومن المعدود في زمان آخر، وكذلك بالنسبة إلى البلاد فيكون من المعدود في بلد ومن الموزون في بلد آخر. فبعد قيام الحجة على اشتراط ثبوت الربا في المعاملات عدا القرض بأن يكون العوضان من المكيل أو الموزون والمفروض اختلافهما باختلاف الازمنة والامكنة، فيبقى مجال للكلام في أنه هل المدار على كونهما أي العوضين من المكيل والموزون في زمان الشارع أو في زمان وقوع المعاملة وكذلك الامر في اختلاف البلاد هل المدار هو عرف البلد الذي صدرت فيه هذه الروايات التي تدل على اعتبار

[ 98 ]

هذا الشرط في خصوص زمان الصدور أو مطلقا أو المدار على عرف البلد الذي تقع فيه هذه المعاملة؟ أقول لا شك في أن تشخيص المراد وتعيينه من الالفاظ المستعملة في الروايات يكون بما يفهمه العرف منها بعد الفراغ عن أن الشارع لم يخترع طريقة خاصة للتفهيم، بل يلقى مراداته إلى المكلفين على طريقة اهل المحاورة والعرف. فبناء على هذا مقتضى القواعد الاولية هو أن يكون المراد منهما ما هو المكيل والموزون في زمان الشارع وفي لسانه وعرف بلده، ولعله لذلك ادعى بعضهم الاجماع على ان ما كان موزونا أو مكيلا في زمان النبي صلى الله عليه وآله يدخل فيه الربا وإن تغير فيما بعد وصار معدودا كما أن الخبز كان موزونا والآن في زماننا صار معدودا في بعض البلاد. فبناء على هذا المدار في الكيل والوزن هو المكيلية والموزونية في زمانه صلى الله عليه وآلله في الاجناس التي كانت في زمانه وبلاده، وأما الاجناس التي لم تكن في ذلك الزمان كالطماطة والبطاطة فيعتبر حالها بالنسبة إلى البلد التي يقع البيع في ذلك البلد، فان كانت مكيلة أو موزونة فيدخل فيه الربا وإلا فلا. وقد ذكر العلامة قدس سره في التذكرة أنه قد أجمع المسلمون على ثبوت الربا في الاشياء الستة لقول النبي صلى الله عليه وآله الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد واختلف فيما سواها. (1) ثم ذكر اختلاف الفقهاء في بعض الفروع ثم قال بلزوم الاخذ باطلاق قوله


1. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 476.

[ 99 ]

تعالى وحرم الربا (1) في موارد الشك إلا أن يثبت التقييد، والتحقيق بدخول الربا في هذه الاجناس الستة التي ي صرح صلى الله عليه وآله بدخول الربا فيها، سواء كانت في الازمنة المتأخرة عنه صلى الله عليه وآله يباع بالكيل أو الوزن أم لا، وذلك لجعله صلى الله عليه وآله موضوع الحكم نفس هذه العناوين من دون تعليقه على كونها مكيلة أو موزونة، واحتمال أن يكون الحكم لاجل كونها من المكيل أو الموزون لا شاهد له. وأما ما عداها فان كان في عصره صلى الله عليه وآله من المكيل أو الموزون، فيدخل في الربا مع اتحاد الجنس أو كان العوضين فرعا للعوض الآخر كالدبس مع التمر مثلا أو كان العوضان فرعين لجنس واحد كما إذا باع الدبس بالخل، إذا كان كلاهما من فروع التمر مثلا أو كان كلاهما متخذين من العنب مثلا للاجماع وأما لو لم يكن في عصره صلى الله عليه وآله من المكيل والموزون فدخول الربا فيه مشروط بكونه من المكيل أو الموزون حال وقوع المعاملة. وأما لو كان مختلفا بحسب البلاد بأن يكون في بلد من المكيل أو الموزون وفي بلد آخر من المعدود كما في الخيار والبرتقال في هذا الزمان فانهما في بعض البلاد يباع بالوزن، وفي بعض البلاد يباع بالعدد، فيلحقه في كل بلد حكم ما هو المتعارف في ذلك البلد. ففي البلد الذي يباع بالكيل أو الوزن يدخ فيه الربا بشرط أن يكون العوضان من المتحد في الجنس أو كان رجوعهما إلى جنس واحد وذلك من جهة أن مفاد قوله عليه السلام لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن (2) وهو أن دخول الربا في معاملة منوط بأن يكون العوضان المتحدان في الجنس مما يكال أو يوزن.


1. البقرة (2): 275. 2. " الكافي " ج 5، ص 146، باب الربا، ح 10، " الفقيه " ج 3، ص 275، باب الربا، ح 3996، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 17، ح 74، وص 19، ح 81، وص 118، ح 515، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 434، أبواب الربا، باب 6، ح 1 و 3.

[ 100 ]

فهذا حكم كلي مجعول بنحو القضية الحقيقية على الموضوع المقدر وجوده، فمتى وجد مصداق في الخارج لهذا الموضوع الكلي المقدر وجوده، يصير حكمه فعليا كما هو الشأن في جميع القضايا الحقيقية، وقد أوضحنا في محله (1) أن جعل جميع الاحكام الشرعية يكون على نهج القضايا الحقيقية. ومقتضى ما ذكرنا هو أنه لو كان العوضان من المكيل والموزون في زمان الشارع ولم يكن منهما في هذا الزمان عدم دخول الربا في تلك المعاملة لانه من تبدل موضوع الحكم كما أنه بالعكس لو كانا من المكيل أو الموزون في هذا الزمان ولم يكونا منهما في زمان الشارع يجب الحكم بدخول الربا لتحقق الموضوع ومعلوم أن وجود الحكم وتحققه تابع لوجود موضوعه وتحققه. ولكن تقدم أنه صلى الله عليه وآله رتب الحكم في تلك الستة المتقدمة على نفس عناوينها أي عنوان البر والشعير والتمر والملح والفضة والذهب، فمتى وجدت هذه العناوين أي صار العوضان من أحدها، يترتب الحكم، سواء كان من المكيل أو الموزون أو لم يكن. وأما بالنسبة إلى غيرها فان كان من المكيل أو الموزون في عصره فيدخل فيه الربا إلى يوم القيامة وإن تبدل وصار من غيرهما في الازمنة المتأخرة مع انه خلاف ما ذكرنا من جعل الاحكام على نحو القضايا الحقيقية وذلك للاجماع الذي ادعوه في المقام. فان ثبت الاجماع فهو وإلا فللكلام مجال بأن يقال بان صرف كونه من المكيل والموزون في زمان النبي صلى الله عليه وآله مع عدم كونه منهما في زمان وقوع المعاملة لا يوجب دخول الرباء فيه، بل مقتضى القاعدة المتقدمة، وهو جعل الاحكام على نهج القضايا الحقيقية، هو كونه من المكيل أو الموزون في زمان وقوع المعاملة، وإلا لا يدخل


1. " منتهى الاصول " ج 1، ص 157.

[ 101 ]

فيه الربا. وخلاصة الكلام أن قوله عليه السلام لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن مشتمل على عقدين أحدهما إيجابي والآخر سلبي، وكل واحد منهما متكفل لبيان حكم على نحو القضية الحقيقية، والعقد السلبي مفاده عدم تحقق الربا في غير المكيل والموزون، والعقد الايجابي تحققه فيهما. ففي كل عصر أو مصر كان متاع من المكيل أو الموزون فبيعه بما هو من جنسه أو بما هو من فروعه أو بما هو معه يرجعان إلى أصل واحد ويكون فرعين من جنس واحد بزيادة أحدهما على الآخر في المقدار يكون من الربا المحرم. وأما العقد السلبي فمفاده هو أن كل متاع لم يكن منهما في أي عصر وفي أي مصر كان فلا يدخل فيه الربا، فتحقق الربا يدور مدار كون المتاع من المكيل أو الموزون في زمان وقوع المعاملة، ولا أثر لكونه كذلك في زمان قبل وقوع المعاملة أو بعده، كما أن عدم الربا كذلك يدور مدار عدم كونه منهما حال المعاملة، ولا أثر للعدم قبله أو بعده. فهذه قاعدة كلية يجب العمل بها إلا أن يأتي دليل بالخصوص في مورد من إجماع أو غيره يكون مخصصا لها. ثم إن الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم ذكروا موارد لتخصيص هذه القاعدة منها انه لا رباء بين الوالد وولده والزوج وزوجته والسيد ومملوكه وبين المسلم والحربي بمعنى أخذ المسلم الفضل منه وسنتكلم في هذه الفروع تفصيلا ان شاء الله تعالى. هذا كله فيما إذا علم أن الشئ الفلاني كان من المكيل أو الموزون في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله فعلى تقدير ثبوت الاجماع المذكور نحكم بدخول الربا فيه إلى يوم القيامة، وإن لم يكن منهما من الازمنة المتأخرة عنه صلى الله عليه وآله أما لو شك في كونه كذلك في زمنه صلى الله عليه وآله فدليل حرمة الربا وإن كان لا يشمله -

[ 102 ]

بناء على تقييده بما إذا كان مكيلا أو موزونا في زمن الرسول فيما إذا لم يكن كذلك في الازمنة المتأخرة، فيكون حرمة مثل تلك المعاملة مشكوكة ولا يمكن التمسك للحرمة باطلاقات أدلة حرمة الربا، لكونه من التمسك بعموم العام في الشبهات المصداقية لنفس العام، ومقتضى الاصل العملي هي البرائة بالنسبة إلى الحرمة، ولكن بالنسبة إلى صحة المعاملة وتأثيرها في النقل والانتقال، فمقتضى الاصل عدم النقل والانتقال. والذي يسهل الخطب أن ثبوت مثل هذا الاجماع غير معلوم، فيكون مقتضى القواعد وجعل الاحكام على نحو القضايا الحقيقية هو أن موضوع الحرمة والفساد هو كونه مكيلا أو موزونا في وقت وقوع المعاملة. ثم إن ما ذكرنا من صحة بيع المختلفين في الجنس وان كانت في احد العوضين زيادة وزنا أو كيلا أو عددا كمن من العدس مثلا بمنين من الحنطة، أو قفيز بقفيزين أو فرس ببقرين وأمثال ذلك فيما إذا كانت المعاملة نقدا أما لو كانت نسيئة فربما يقال بعدم صحته، وذلك لقول الصادق عليه السلام ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الاشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلا يصلح (1) وصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس (2) ولغير ما ذكرنا من الاخبار الاخر التي تركنا ذكرها، وذلك لان سياق كلها سياق ما ذكرنا. وأنت خبير بأن دلالة هذه الاخبار على ثبوت البأس فيما إذا كانت نسيئة بمفهوم الوصف بل اللقب، وقد أشكلنا في الاصول (3) في ثبوت المفهوم في أمثال المقام، وعلى


1. " الكافي " ج 5، ص 191، باب المعاوضة في الحيوان والثياب، ح 6، " الفقيه " ج 3، ص 279، باب الربا، ح 4006، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 93، ح 395، باب بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 442، أبواب الربا، باب 13 ح 2. 2. " الفقيه " ج 3، ص 279، باب الربا، ح 4007، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 449، أبواب الربا، باب 17، ح 1. 3. " منتهى الاصول " ج 1، ص 435.

[ 103 ]

تقدير ثبوت المفهوم لها تكون معارضة بما هو أقوى منها دلالة، وجهة لموافقة هذه الاخبار لما هو المشهور عند العامة. نعم الخبر الاول وهو قوله عليه السلام فأما نظرة فلا يصلح دلالته على عدم جواز النسيئة بالمنطوق، ولكن الكلام في أن نفي الصلاح ليس صريحا ولا ظاهرا في الفساد بل له كمال المناسبة مع الكراهة فهو اعم من الفساد فالاقوى ما ذهب إليه المشهور من الكراهة دون الفساد. واستدل المشهور على الجواز بعدة روايات منها ما عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن. (1) ومنها ما عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن. (2) ومنها قوله عليه الصلاة والسلام إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم. (3) وروايات اخر (4) نترك ذكرها لان سياق جميعها سياق ما ذكرنا. ولكن الانصاف أن الروايات المتقدمة التي قلنا إن مفادها عدم ثبوت الربا في المختلفين فيما إذا كانت يدا بيد لا مطلقا يمكن ان تقيد هذه المطلقات إلا أن يقال بأن مطابقتها لفتوى المشهور من العامة أسقطها عن الاعتبار، وكذلك إعراض المشهور


1. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 19، باب فضل التجارة وآدابها وغير ذلك، ح 81، " تفسير العياشي " ج 1، ص 152، ح 504، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 434، أبواب الربا، باب 6، ح 1. 2. " الكافي " ج 5، ص 146، باب الربا، ح 10، " الفقيه " ج 3، ص 275، باب الربا، ح 3996، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 434، أبواب الربا، باب 6، ح 3. 3. " عوالي اللئالي " ج 3، ص 221، ح 86، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 341، أبواب الربا، باب 12، ح 4. 4. راجع: " وسائل الشيعة " ج 12، ص 442، أبواب الربا، باب 13.

[ 104 ]

عنها حيث إنهم افتوا بكراهة بيع المختلفين جنسا نسيئة مع الزيادة في أحدهما كالثوب بثوبين، والفرس بفرسين، ولا يقول بحرمته إلا الشيخ في النهاية (1) والمفيد (2) وابن أبي عقيل وابن الجنيد. (3) وحاصل اكلام أنه إما أن يجمع بين الطائفتين بحمل أخبار المانعة على الكراهة، أو يرفع اليد عنها لموافقتها للعامة وإعراض المشهور عنها، فتأمل. والاحسن هو الجمع بينهما بحمل أخبار المانعة على الكراهة فانه جمع عرفي في أمثال المقام، وربما يؤيد هذا الجمع ما في صحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوبين الرديين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين، والدابة بالدابتين؟ فقال عليه السلام كره ذلك علي عليه السلام فنحن نكرهه إلا أن يختلف الصنفان (4) الخ. وهذا بناء على أن يكون الكراهة بمعناها المصطلح أي ما هو أحد الاحكام الخمسة، ولكن يمكن أن يقال ان المراد من الكراهة ههنا هو معناها اللغوي، فلا ينافي الحرمة، خصوصا بضميمة قوله عليه السلام ولم يكن علي عليه السلام يكره الحلال. (5) هذا كله مضافا إلى أن مورد هذه الرواية ليس من المختلفين في الجنس الذي هو محل الكلام، نعم ليس المورد من الربويين، وإن كانا متحدين جنسا، لانهما ليسا مما يكال أو يوزن.


1. " النهاية " ص 377. 2. " المقنعة " ص 603. 3. نقله عنهما في " مختلف الشيعة " ج 5، ص 117. 4. " تهذيب الاحكام " ج 7 ص 120، ح 521، باب بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك، ح 127، " الاستبصار " ج 3، ص 101، ح 353، باب بيع ما لا يكال ولا يوزن... ح 7، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 449، أبواب الربا، باب 16، ح 7. 5. " الكافي " ج 5، ص 188، باب المعاوضة في الطعام، ح 7، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 96، ح 412، باب بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك، ح 18، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 447، أبواب الربا، باب 15، ح 1.

[ 105 ]

هذا كله فيما إذا لم يكن العوضان ربويين، وأما إذا كانا واجدين لشرائط الربا أي كانا متحدي الجنس، وكانا مما يكال أو يوزن، فلا شك في جواز بيعهما مثلا بمثل بغير تفاضل نقدا، ولكن الكلام في جواز بيعهما نسيئة، وإن كان مثلا بمثل وزنا أو كيلا، والمشهور عدم جوازه بل ادعى الاجماع على عدم الجواز. وذلك كما إذا باع قفيزا من الحنطة الرديئة نقدا بقفيز من الحنطة الجيدة نسيئة، أو مطلق الحنطة بمطلقها وإن لم يكن بينهما اختلاف في الجودة والردائة، وذلك من جهة أن الاجل زيادة حكمية. ففي المفروض وإن لم يكن زيادة عينية في البين، ولكن الزيادة الحكمية موجودة لان للاجل قسطا من الثمن لا يجوز، للاجماع، ولما رواه الصدوق قدس سره في الفقيه عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الفضة بالفضة مثل بمثل، والذهب بالذهب مثل بمثل ليس فيه زيادة ولا نظرة، الزائد والمستزيد في النار. (1) نعم إنه بعد ما عرفت معنى الربا وأنه عبارة عن الزيادة في أحد العوضين، إن كانا متحدي الجنس وكانا مما يكال أو يوزن، فاعلم أنه وقع الخلاف في أنه مختص بالبيع والقرض أم يأتي في سائر المعاوضات، قال الشهيد (2) والمحقق (3) الثانيان بثبوته في جميع المعاوضات، وكلام المحقق والعلامة مختلف في كتبهما، فالمحقق في الشرائع (4) والعلامة في القواعد (5) والارشاد (6) قالا


1. " الفقيه " ج 3، ص 288، باب الصرف ووجوهه، ح 4037، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 456، أبواب الصرف، باب 1، ح 1. 2. " مسالك الافهام " ج 3، ص 317. 3. " جامع المقاصد " ج 4، ص 266. 4. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 37.

[ 106 ]

باختصاصه بالبيع، وقال المحقق في كتاب الغصب (7) بثبوت الربا في كل معاوضة، ونسب الاردبيلي (8) قدس سره هذا القول إلى الاكثر. والعمدة هو ملاحظة أدلة القولين واختيار ما هو الصواب والاحق: فأما ما يقال بأن الربا هو الزيادة في البيع والقرض فقط، وأن الزيادة في سائر المعاوضات فلا يطلق عليه الربا، فصرف ادعاء من دون دليل، وذلك لان الربا في اللغة هي الزيادة وعند العرف الذي هو المناط في تشخيص معاني الالفاظ وتعيين مرادات المتكلمين من ألفاظ كلامهم، هو زيادة أحد العوضين من متحدي الجنس في المعاملات، خصوصا إذا كانا من المكيل والموزون، فمن أين جاء هذا التخصيص والتضييق. اللهم إلا أن يدعى أن الشارع وضعه لخصوص الزيادة لاحد العوضين في خصوص باب البيع والقرض، وأنت خبير بأن هذا دعوى بلا بينة ولا برهان، بل معنى الربا في أبواب المعاملات عرفا هو زيادة العوضين على الاخر، وزنا أو كيلا إذا كانا متحدي الجنسين فلو صالح منا من الحنطة الجيدة مثلا بمنين من غير الجيدة يكون من الربا المحرم، ويشمله عموم قوله تعالى: وحرم الربا. وأما ورود لفظ البيع أو القرض كثيرا خصوصا الاول منهما في الروايات الواردة في أبواب الربا فمن جهة أنهما المعاملتان الشايعتان في الاسواق وعند الناس رباء. هذا مضافا إلى المطلقات الواردة في طائفة من الروايات، بحيث يشمل كل


5. " قواعد الاحكام " ج 1، ص 140. 6. " إرشاد الاذهان " ج 1، ص 377. 7. " شرائع الاسلام " ج 3، ص 189. 8. " مجمع الفائدة والبرهان " ج 8، ص 452.

[ 107 ]

معاوضة تقع على متحدي الجنسين بالزيادة منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال سألته عن الرجل يدفع إلى الطحان الطعام فيقاطعه على أن يعطي لكل عشرة أرطال اثني عشر دقيقا قال لا: قلت فالرجل يدفع السمسم إلى العصار يضمن له لكل صاع أرطالا مسماة، قال لا (1) ومعلوم أن هذا ليس بيعا بل الاول صرف التزام ومقاطعة بأن يعطي بدل عشرة أرطال من الحنطة اثني عشر من الدقيق وفي الثاني ضمان وليس من باب البيع أو القرض. ومنها أيضا ما رواه محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: الحنطة بالدقيق مثلا بمثل، والسويق بالسويق مثلا بمثل، والشعير بالحنطة مثلا بمثل لا بأس. (2) وبهذا المضمون روايات كثيرة (3) لا اختصاص لها بالبيع، ولا ذكر منه فيها بل يشمل مطلق المبادلة والمعاوضة، اللهم الا أن يقال بانها منصرفة إلى خصوص البيع، لانه هي المعاملة المتعارفة بين الناس والمتداولة فيما بينهم في أمثال المقام، وأنت خبير بان صرف كثرة الوجود لا يكون من اسباب الانصراف بل المبادلة والمعاوضة اعم من البيع ويشمل سائر المعاوضات أيضا. وكذلك يدل على عدم اختصاصه بخصوص البيع والقرض الروايات الواردة في


1. " الكافي " ج 5، ص 189، باب المعاوضة في الطعام، ح 11، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 440، أبواب الربا، باب 9، ح 3. 2. " الكافي " ج 5، ص 189، باب المعاوضة في الطعام، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 440، أبواب الربا، باب 9، ح 2. 3. راجع: " وسائل الشيعة " ج 12، ص 437 - 441، باب 8، 9 و 10.

[ 108 ]

حرمة الربا وهي كثيرة منها ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: درهم ربا عند الله أشد من سبعين زنية كلها بذات محرم. (1) وأيضا يدل على التعميم لكل معاوضة الروايات الكثيرة (2) الواردة في حكمة تحريم الرباء، وهي كثيرة منها ما رواه سماعة قال قلت لابي عبد الله عليه السلام إني رأيت الله تعالى قد ذكر الربا في غير آية وكرره؟ قال أو تدري لم ذاك؟ قلت: لا، قال: لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف. (3) ثم إنه لا يخفى أن دلالة هذه الروايات على التعميم منوط بكون الربا عبارة عن الزيادة في أحد العوضين المجانسين في مطلق المعاوضات لا خصوص الزيادة في باب البيع أو القرض، ومما ذكرنا ظهر أنه لا مجال للتمسك لعدم عمومه واختصاصه بالبيع وحده أو مع القرض فقط باصالة الحل والاباحة، وذلك لحكومة الاطلاقات عليهما. وأما ما ذكره الطبرسي في تفسير آية أحل الله البيع وحرم الربوا بقوله أي أحل الله البيع الذي لا ربا فيه وحرم البيع الذي فيه الربا، (4) فأولا لا حجية لتفسيره إن لم يكن مستندا إلى الرواية المعتبرة، مع أنه خلاف ظاهر الآية، لان ظاهرها الاطلاق وعدم اختصاصه بالبيع،


1. " الكافي " ج 5، ص 144، باب الربا، ح 1، " الفقيه " ج 3، ص 274، باب الربا، ح 3992، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 422، أبواب الربا، باب 1، ح 1. 2. راجع: " وسائل الشيعة " ج 12، ص 422، أبواب الربا، باب 1. 3. " الكافي " ج 5، ص 146، باب الربا، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 423، أبواب الربا، باب 1 ح 3. 4. " مجمع البيان " ج 1، ص 389.

[ 109 ]

وثانيا هو في مقام بيان مورد نزول الآية ردا على ما كانوا يقولون بأن الربا مثل البيع، والعبرة بعموم ألفاظ الايات لا بخصوصية مواردها، وثالثا أن المطلقات والعمومات التي تدل على حرمة الربا في جميع المعاوضات كثيرة لا تنحصر في هذه الآية فقط. وخلاصة الكلام أن الروايات التي تدل على حرمة الربا مطلقا في أي معاوضة كانت كثيرة فلا بد من الحكم بدخوله في جميع المعاوضات التي تقع بين متحدي الجنسين، إذا كانا من المكيل أو الموزون، إلا إذا جاء دليل على التخصيص في مورد. وأما رواية ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله عليه السلام قال الربا رباءان رباء يؤكل ورباء لا يؤكل، فأما الذي يؤكل فهديتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل، وهو قول الله عزوجل وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله (1) وأما الذي لا يؤكل فهو الذي نهى الله عزوجل عنه وأوعد عليه النار. (2) فاطلاق الربا على الثواب الذي يعطيه الله تبارك وتعالى عوضا عن الصدقة أو الهدية إلى المؤمن ليس من الربا المعاملي الذي هو محل الكلام، فعلى تقدير القول بالعموم ليس هو مخصصا للعموم. ثم إن هاهنا فروعا بعضها راجع إلى الشرط الاول، أي اشتراط ثبوت الربا بكون العوضين متحدي الجنسين، وبعضها راجع إلى الشرط الثاني أي كونهما من المكيل أو الموزون.


1. الروم (30): 39. 2. " الكافي " ج 5، ص 145 باب الربا، 6، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 429، أبواب الربا، باب 3 ح 1.

[ 110 ]

أما القسم الاول فنذكره في ضمن مسائل المسألة الاولى ذهب أكثر الاصحاب إلى أنه لا يجوز بيع الحنطة بالشعير الا مثلا بمثل، بل هذا القول هو المشهور، بل لم ينقل الخلاف الا من ابن ادريس (1) ولذلك قال في الجواهر: بل كادت تكون اجماعا وحكى الاجماع على الغنية (2) ومحكى خلاف الشيخ. (3) والاقوى هو القول المشهور وذلك اولا لما تقدم من رواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال سئل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الاكراد فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه، فيقول له خذ مني مكان كل قفيز من حنطة قفيزين من شعير، حتى تستوفي ما نقص من المكيل، قال عليه السلام لا يصلح لان أصل الشعير من الحنطة ولكن يرد عليه الدراهم بحساب ما نقص من الكيل. (4) وثانيا لرواية أبي بصير وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحنطة والشعير رأسا برأس لا يزاد واحد على الآخر (5) وأيضا لرواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال عليه السلام لا يباع مختومان من


1. " السرائر " ج 2، ص 255. 2. " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 588. 3. " جواهر الكلام " ج 23، ص 344. 4. " الكافي " ج 5 ص 187، باب المعاوضة في الطعام، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 438، أبواب الربا، باب 8، ح 1.

[ 111 ]

شعير بمختوم من حنطة، ولا يباع إلا مثلا بمثل، والتمر مثل ذلك (1) وروايات كثيرة بهذا المضمون أو ما هو قريب منه جمعها في الوسائل في الباب الثامن من ابواب الرباء، (2) إن شئت فراجع. وثالثا لما ذكره العلامة في التذكرة أن معمر بن عبد الله بعث غلاما له ومعه صاع من قمح فقال اشتر شعيرا فجاءه بصاع وبعض صاع فقال له رده، فان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل، وطعامنا يومئذ الشعير. (3) وأيضا تقدم ما رواه الصدوق باسناده عن علي عليه السلام قصة زرع آدم وحوى وأن كل واحد منهما قبض قبضة من الحنطة التي جاء بها جبرئيل عليه السلام وقال آدم لحوى لا تزرعي أنت فلم تقبل من آدم فكلما زرع آدم من تلك الحنطة جاء حنطة وكلما زرعت حواء جاء شعيرا. (4) والمقصود من نقل هذه الرواية أن أصل الحنطة والشعير واحد فيكونان فرعين من اصل واحد وكلما كان هكذا فبيعه مع الفرع الاخر من متحدي الجنس يدخل فيه الرباء وقد ذكرنا فيما تقدم أنه عليه السلام علل عدم جواز بيع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل بأنهما من أصل واحد وفي أغلب هذه الروايات هذا التعليل موجود، وقلنا يلزم الاخذ بهاذ التعليل في جميع الموارد والفروع التي من هذا القبيل. فالاختلاف في الاسم والعنوان لا أثر له مع هذا التعليل، ولذلك ترى أنه في أغلب الفروع التي مرجعها إلى اصل واحد، الاسماء والعناوين مختلفة، ومع ذلك حكم الاصحاب بدخول الربا فيها.


1. " الكافي " ج 5، ص 187، باب المعاوضة في الطعام، ح 3، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 94، ح 399، باب بيع الواحد بالاثنين...، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 438، أبواب الربا، باب 8، ح 4. 2. " وسائل الشيعة " ج 12، ص 437. 3. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 477. 4. " علل الشرائع " ج 2، ص 574، ح 2، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 344، أبواب الربا، باب 17، ح 2.

[ 112 ]

ألا ترى أن الاقط مع الدهن فيما إذا اخذا من حليب واحد اسمان وعنوانان مختلفان، بل يمكن أن يقال هما نوعان ومهيتان، ومع ذلك له عدهما الاصحاب من جنس واحد لرجوعهما إلى أصل واحد، فكل واحد منهما بعض من ذلك الحليب الذي اخذا منه. فإذا أحطت بما ذكرنا تعرف ما في كلام إدريس (1) أنه لا خلاف بين المسلمين العامة والخاصة ولا بين أهل اللغة واللسان في انهما مختلفان، وأنه لم يذهب إلى الاتحاد غير شيخنا أبي جعفر والمفيد ومن قلده في مقالته من العجب والغرابة. وأما استشهاده بفتاوى ابني بابويه أي الصدوقين والمرتضى أعلى الله مقامهم من عدم البأس ببيع الواحد بالاثنين إذا اختلف الجنس ففي غير محله، من جهة أن الدعوى هاهنا أنهما من جنس واحد باعتبار أنهما من اصل واحد، فقياسهما بمختلفي الجنس وإدراجهما فيه لا يجوز، وأما ذهاب ابن عقيل وابن الجنيد (2) إلى جواز بيعهما بأن يكونا العوضين مع التفاضل، فلا يضر بما ذكرنا لوضوح الدليل فيما هو خلاف ما أفادا، فلا ينبغي التأمل في عدم جواز بيع الحنطة بالشعير مع التفاضل في أحدهما، بل لابد وأن يكون مثلا بمثل وزنا أو كيلا. المسألة الثانية قال في الشرائع (3) ثمرة النخل جنس واحد وإن اختلفت أصنافه فلا يجوز بيع من من الخستاوي الذي هو من الصنف الجيد مثلا بمنين من الدقل الذي هو من الصنف الردي وهكذا الامر في الزاهدي والبرني والدقل، فلا يجوز بيع مد من البرني بمدين من الدقل.


1. " السرائر " ج 2، ص 254. 2. نقله عنهما في " السرائر " ج 2، ص 255. 3. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 38.

[ 113 ]

ويدل على ذلك روايات. منها ما رواه سيف التمار قال قلت لابي بصير احب أن تسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل استبدل قوصرتين (1) فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها نمر مشقق، قال: فسأله أبو بصير عن ذلك فقال عليه السلام: هذا مكروه، فقال أبو بصير ولم يكره؟ فقال عليه السلام إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يكره أن يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، لان تمر المدينة أجودهما [ أدومهما ] خ ل ولم يكن علي عليه السلام يكره الحلال. (2) ومنها ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال عليه السلام لا يباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة، ولا يباع إلا مثلا بمثل، والتمر مثل ذلك. (3) ومنها ما رواه سماعة قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب فقال عليه السلام لا يصلح شئ منه اثنان بواحد إلا أن يصرفه نوعا إلى نوع آخر، فإذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد أو أكثر من ذلك. (4) ويظهر من هذه الروايات أنه لا يجوز بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل، وان كان العوضان مختلفين صنفا كما لو كان أحدهما جيدا والآخر رديا، ثم إن ثمرة الكرم أيضا مثل ما ذكرنا في ثمرة النخل، جميعها من جنس واحد، فالعنب على كثرة أقسامه حتى قيل إن في بعض البلاد خمسة وعشرين قسما منها موجود، وقد نظم الشيخ الجليل


1. " القوصرة: وعاء من قصب يعمل للتمر يشدد ويخفف. ولعل المراد بالمشقق ما أخرجت نواته، أو اسم نوع منه. ويحتمل ان يكون تصحيف المشقة، قال في النهاية: نهى عن بيع التمر حتى يشفه، وجاء تفسيره في الحديث الاشقاة أن يحمر أو يصفر. مرآة العقول. 2. " الكافي " ج 5، ص 188، باب المعاوضة في الطعام، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 447، أبواب الربا، باب 15، ح 1. 3. " الكافي " ج 5، ص 187، باب المعاوضة في الطعام، ح 3، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 94، ح 399، باب بيع الواحد بالاثنين...، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 438، أبواب الربا، باب 8، ح 4. 4. " الفقيه " ج 3، ص 281، باب الربا، ح 4014، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 95، 406 باب بيع الواحد بالاثنين... ح 12، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 443، أبواب الربا، باب 13، ح 5.

[ 114 ]

بهاء الدين العاملي رحمه الله تعالى قصيدة في أقسام عنب بلدة هراة فلا يجوز بيع أي قسم منها بلغ ما بلغ في الجودة بالتفاضل بأي قسم، بلغ ما بلغ في الرداءة. والذي يستفاد من الاخبار الصادرة عن الائمة الاطهار أن الشارع بعد ما حكم بدخول الربا في متحدي الجنسين اعتبر في الاتحاد كونهما من نوع واحد ومهية واحدة، ولم يعتن بالمميزات الصنفية نعم ألحق الشارع بمتحدي الجنس كونهما فرعين لجنس واحد أو كون أحدهما فرعا والآخر أصلا كالسمن والاقط أو الحليب والزبد وهكذا وهذا الحكم يجري في جميع أنواع الفواكه التي من المكيل أو الموزون ولا اختصاص له بالنخل والكرم. مثلا المشمش له أصناف بعضها في غاية الجودة وبعضها الآخر في غاية الرداءة فلا يجوز استبدال من الجيدة بمنين من الردي، وكذلك التفاح وكذلك المخضرات التي من المكيل والموزون، فلا يجوز تبديل كيلو واحد من الباذنجان الطرحي العراقي بكيلوين من باذنجان الهندي ولا وقية واحد من اليقطين الصغير الطري الجديد بوقيتين من الكبار الغير الطري العتيق الذي يبس وذهب ماؤه. وأيضا لا يجوز تبديل من من بطيخ گرگاب اصفهان بمنين أو اكثر من البطيخ العادي، وكذلك الامر في سفرجل اصفهان مع السفرجل العادي، وكذا الحال في سفرجل نطنز مع العادي منه الموجود في سائر البلاد. وخلاصة الكلام أن المناط في الجميع واحد وهو الاختلاف في الصنف والاتحاد في النوع، وإن كان أحدهما جيدا والاخر رديا، وعلى هذه المذكورات فقس ما سواها. المسألة الثالثة الاختلاف والاتحاد في الجنس في اللحوم تابع للاختلاف والاتحاد في اصولها، بمعنى أنه ينظر إلى الحيوان الذي هذا اللحم منه، فان كان في كلا العوضين حيوانا واحدا شخصا أو صنفا أو نوعا فيكون العوضان من متحدي الجنس. وأما إن كان أحدهما من نوع والآخر من نوع آخر، مثل أن يكون احدهما من

[ 115 ]

البقر والآخر من الغنم فلا يكونان من متحدي الجنس ولا يثبت الربا فيهما ويجوز بيعهما متساويا ومتفاضلا ولا اعتبار بوحدة الاسم وإطلاق لفظ اللحم عليهما، لان لفظ اللحم مثل لفظ الحيوان موضوع للمعنى الجنسى لا النوعى، واللحوم المندرجة تحت اسم اللحم حقائق مختلفة مثل الحيوانات المندرجة تحت مفهوم الحيوان، وعلى كل حال هذه المسألة أي كون الاختلاف في اللحوم بحسب اختلاف اصولها اجماعي لا خلاف فيها. نعم قد يكون الاصلان في العوضين مختلفين بحسب الاسم ولكن متحدان بحسب الحقيقة كالبقر والجاموس في نوع الابقار، والعرابي والبخاتي في نوع الابل والماعز والضأن في نوع الغنم، وهكذا، وهذه المذكورات ليست من اختلاف الاصول بل هي أصناف حقيقة واحدة، ومثل هذا الاختلاف الاسمي دون الحقيقي في أغلب أصناف الانواع موجود ومع ذلك يثبت الربا فيها إن كانت من المكيل والموزون. إذا عرفت ما ذكرنا ففي هذه المسألة فروع يعرف حكمها مما ذكرنا. منها أن لحم الطيور يختلف باختلاف نفس الطيور، وأنها حقيقة واحدة أو مختلفة، فان كان اللحم في العوضين من الطيرين المختلفين بحسب الحقيقة فلا رباء، وأما إن كان من واحد شخصا أو صنفا أو نوعا فيثبت فيه الرباء، والذكورة والانوثة في كل نوع ليس من الاختلاف في الحقيقة، فلحم الديك والدجاجة ليسا من المختلفين. نعم وقع الخلاف في بعض العناوين والاسماء: في أن الاقسام المندرجة تحت ذلك الاسم أنواع وحقايق مختلفة، أو أصناف وكلها من أفراد حقيقة واحدة؟ وذلك كالحمام والغراب والعصفور، فالعصفور بناء على أن يكون عبارة عن الطيور الصغار فلا شك في أنها أنواع مختلفة وكذلك الحمام إذا كان عبارة عما هدر فأيضا أنواع

[ 116 ]

مختلفة، لان الفراخت غير القماري. وخلاصة الكلام أنه إذا عرف وعلم أنها حقيقة واحدة أو مختلفة فهو وإلا فلابد من الاحالة إلى العرف، وأنهم هل يرونها حقيقة واحدة أو حقايق مختلفة فتأمل. ومنها ان لحوم الاسماك هل هي مختلفة مع لحوم سائر الحيوانات أم لا، ومما ذكرنا وتقدم لا ينبغي أن يشك في اختلافها مع سائر اللحوم في ذلك، لاختلاف الاصول إذ لا شك في اختلاف السمك من أي قسم كان مع البقر أو الغنم مثلا. نعم يحتمل أن يكون لحوم انواع الاسماك كالشبوط والقطان والبني من حقيقة واحدة، وأن يكون هذه الاسماك عناوين الاصناف لا الانواع، ويحتمل أن يكون حقايق مختلفة، والاشبه هو الاول، وذلك لان الاختلاف بين هذه الاقسام الثلاثة المذكورة، ليس أشد من الاختلاف بين اصناف الغنم كالماعز والضأن، فلا يجوز بيع البني بالقطان مثلا مع التفاضل، بناء على انهما من الموزون، وأما لو كان يباع جزافا ولم يكن من الموزون فهو خارج عن محل الكلام. ومنها أن الجراد مع سائر اللحوم مختلف وليس من متحد الجنس مع كل واحد منها، بل هو جنس بانفراده وهذا واضح. ومنها أن الوحشي من كل نوع ليس من المتحد في الجنس مع الاهلي منه وذلك من جهة أنهما في الحقيقة ليسا من نوع وحقيقة واحدة، وإطلاق الاسم غالبا من جهة الشباهة في الشكل وهكذا البري والبحري منه، نعم قد يتفق في بعض أنواعهما وحدة حقيقتهما كما أنه يقال إن الجاموس الوحشي مع الاهلي كذلك وأيضا يقال في الثور الوحشي والاهلي انهما كذلك والحاصل ان المدار على وحدة الحقيقة.

[ 117 ]

نعم ما ذكرنا من الاختلاف ظاهر في الغنم الوحشي وهي الظباء مع الغنم الاهلي وكذلك الحمر الوحشية مع الاهلية ولكن الظاهر من جماعة دعوى الاجماع على الاختلاف وعدم الاتحاد في الجميع. قال في الجواهر: ولولا هذا الاتفاق لامكن المناقشة في ذلك أي في هذه الكلية اي الاختلاف في الجميع (1) وما ذكره متين جدا. ومنها أن أعضاء الحيوان ملحق بلحمه أم لا، بمعنى أن كبد حيوان مثلا أو كرشه أو قبله أو كليته في حكم لحمه فلا يجوز تبديل ما ذكر من لحم حيوان يكون من جنس ماله هذه المذكورات؟ الظاهر هو الاول، لانها اجزاء الحيوان، فإذا كان هذا الحيوان من المتحد في الجنس مع الحيوان الاخر فأجزاؤه أيضا تكون كذلك، فحال أعضائه حال لحمه. المسألة الرابعة قال في الشرائع، الالبان تتبع اللحمان في التجانس والاختلاف، (2) وقال في الجواهر بلا خلاف أجده فيه، بل في التذكرة (3) الاجماع عليه، فلبن الغنم مخالف للبن البقر كما أن لبن البقر مخالف للبن الابل، والغنم ماعزه وضأنه حيث إنهما ولحمهما متحدان، فلبنهما أيضا كذلك، وحيث ان البقر والجاموس جنس واحد فلبنهما ايضا من الجنس الواحد، وبناء على أن يكون الوحشي من كل نوع مخالفا للاهلي منه فكذلك لبنهما أيضا. (4) وما تقدم منا من المناقشة في بعض أقسام الوحشي والاهلي، والاحتمال بل ظهور الاتحاد يأتي في ألبانهما أيضا لما تقدم أن الالبان في حكم ذي اللبن، والعمدة في هذا الحكم هو الاجماع المدعى في المقام، وإلا فالاستحسانات التي


1. " جواهر الكلام " ج 23، ص 357. 2. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 39. 3. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 479. 4. " جواهر الكلام " ج 23، ص 357.

[ 118 ]

ذكروها لا اعتبار بها، فان دين الله لا يصاب بالعقول. وما يقال من أننا نرى بالوجدان اختلاف الالبان من حيث الاثار باختلاف ذوي الالبان، وإن كان حقا حتى أن الحيوان الشخصي يختلف البانه من حيث الاثار باختلاف الاغذية ولذلك كانت الاطباء يعطون الدواء للام التي رضيعها كان مريضا، فضلا عن ألبان الحيوانات المختلفة نوعا ومهية، ولكن مع ذلك لو لم يكن الحكم اتفاقيا ومورد الاجماع لا يمكن اثباته بهذه الامور، مع حكم العرف بأن اللبن عن جميع الحيوانات حقيقة واحدة اللهم إلا أن يقال بأنه عند العرف أيضا مختلف باختلاف ذي اللبن أو علمنا بالتجزية والتحليل أنها حقائق مختلفة. المسألة الخامسة قال المحقق في الشرايع الادهان تتبع ما تستخرج منه. (1) أقول: الادهان إما تستخرج من حليب الحيوانات وإما من شحومها ولحومها أو سائر أعضائها، وإما من النباتات أي من أثمارها كدهن اللوز والجوز والزيتون وأمثالها فهذه اقسام ثلاثة. أما القسم الاول فحالها حال الحليب الذي استخرج منه وقد تقدم في المسألة السابقة أن الالبان تتبع اللحمان في التجانس والاختلاف، فبناء على هذا: الدهن المستخرج من حليب الغنم بأقسامه ماعزه وضأنه لا يجوز بيعه بالتفاضل مع دهن آخر من حليب الغنم، وأما دهن حليب الغنم مع دهن حليب البقر أو الابل أو غيرهما من نوع آخر غير الغنم فلا يأتي فيه الربا. والحاصل أن حال الدهن في التجانس والاختلاف حال اللبن الذي يستخرج منه. وأما القسم الثاني أي الدهن الذي يستخرج من بدن الحيوان، فحاله حال بدن الحيوان ولحمه وأعضائه، وقد تقدم تفصيل ذلك.


1. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 39.

[ 119 ]

وأما القسم الثالث أي دهن النباتات فلا شك في أن دهن الزيتون مثلا غير دهن الجوز واللوز وليس من جنسهما بل هي حقيقة اخرى، وكذلك دهن الزيت غير السمن بحسب الحقيقة. وقد ورد في الروايات جواز بيع الزيت بالسمن اثنين بواحد كما في رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال وسئل عن الزيت بالسمن اثنين بواحد، قال عليه السلام يدا بيد لا بأس به (1) فرتب عليه السلام حكم المختلفين عليهما. فقد ظهر مما ذكرنا أن الادهان كما أفاده المحقق (2) قدس سره تتبع ما يستخرج منه في التجانس والاختلاف. وأما الخلول فواضح أنها في التجانس والاختلاف تتبع ما يعمل منه لانها في الحقيقة نفس ما يعمل منه، مع تبدل في الصفة، فخل العنب ليس من جنس خل التمر لان العنب ليس من جنس التمر، فيجوز بيع خل العنب بخل التمر بالتفاضل يدا بيدا أي نقدا. وبعد ما ظهر مما تقدم أن حكم الفرع حكم الاصل، وأنه لا يجوز بيع الاصل بالفرع مع التفاضل، ولا أحد الفرعين من أصل واحد بالآخر مع التفاضل، فلا يجوز بيع عصير العنب بخل العنب متفاضلا، ولا عصير التمر بخل التمر متفاضلا، ولا نفس العنب بخله كذلك، ولا نفس التمر بخله كذلك. المسألة السادسة يجوز بيع المركب من الجنسين أو المجموع من جنسين باحدهما وبالمركب منهما وبالمجموع منهما وبغيرهما متساويا ومتفاضلا في الجميع، ولكن فيما إذا كان بيع المجموع أو المركب منهما بأحدهما، يشترط في الثمن أن يكون فيه زيادة على مقابلة المجانس له، كي تكون تلك الزيادة عوضا عن ذلك الجزء الآخر


1. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 94، ح 399، باب بيع الواحد بالاثنين... ح 5، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 443، أبواب الربا باب 13، ح 4. 2. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 39.

[ 120 ]

الغير المتجانس له، وإلا يلزم احد الامرين إما الربا وإما دخول ذلك الجزء الآخر الغير المجانس للثمن في ملك المشتري بلا عوض ومجانا، وكلاهما باطلان. واشترط بعضهم في تلك الزيادة أن تكون بمقدار يكون قابلا لان تقع ثمنا لذلك الجزء منفردا، بل ومع الانضمام، وادعى في الجواهر (1) عدم وجدان الخلاف في ذلك، بل الاجماع بقسميه ولكن عرفت أن هذا الحكم مع الشرط المذكور مقتضى القواعد الاولية، ولو لم يكن إجماع في البين. نعم يجب تحصيل العلم بزيادة الثمن فيما إذا باع المجموع بأحدهما بمقدار يصلح للمقابلة مع الجزء الآخر الغير المجانس له، وإلا لا يمكن الحكم بصحة مثل هذه المعاملة لان التمسك بالعمومات والاطلاقات عند الشك هاهنا يكون من التمسك بالعموم والاطلاق في الشهبة المصداقية للمخصص. المسألة السابعة يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه، وذلك كأن يبيع لحم الغنم بشاة، أو لحم الماعز بضأن، أو لحم البقر ببقرة أو ثور وهكذا، والعمدة في دليله قوله عليه السلام في رواية غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن أبيه أن عليا عليه السلام كره بيع اللحم بالحيوان. (2) والاستدلال بهذه الرواية على الحرمة مبني على ما روي في الروايات المعتبرة وتقدم ذكرها أن عليا عليه السلام كان لا يكره الحلال (3) مؤيدا بالنبوي صلى الله عليه وآله وإن كان عاميا نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع اللحم بالحيوان. (4)


1. " جواهر الكلام " ج 23، ص 354. 2. " الفقيه " ج 3، ص 278، باب الربا، ح 4004، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 441، أبواب الربا باب 11، ح 1. 3. " الكافي " ج 5، ص 188، باب المعاوضة في ا لطعام، ح 7، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 96، ح 412، باب بيع الواحد بالاثنين...، ح 18، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 447، أبواب الربا باب 15، ح 1. 4. " سنن البيهقي " ج 5، ص 296، " كنز العمال " ج 4، ص 77، ح 9605.

[ 121 ]

مضافا إلى الاجماع المدعى في المقام وحكى في الجواهر (1) عن المختلف أنه لم نقف فيه على مخالف منا غير ابن إدريس فجوز، وقوله محدث لا يعول عليه ولا ينثلم به الاجماع، ونسب في الدروس قوله إلى الشذوذ، وعلى كل حال رواية غياث في حد نفسها موثقة وبضميمة الاجماع على مضمونه بعد ما كان المراد من الكراهة الحرمة بضميمة الروايات المعتبرة، يكون اعتباره قويا فتكون حجة قوية عند الحرمة. والظاهر من لفظ الحيوان في الحديث وفي رواية غياث هو الحيوان الحي، وهو ليس من الموزون، ولذلك يجوز بيع شاة بشاتين لانه لا ربا في غير المكيل والموزون، فالحرمة ليست من ناحية كونه رباء بل من ناحية ورود النهي والتعبد. فما ذكره العلامة قدس سره في التذكرة (2) من القول بالكراهة ونفي الحرمة من جهة عدم كونه رباء لفقد شرطه وهو كونه مكيلا أو موزونا فيكون الاصل سالما عن المعارض الحاكم عليه لا يتم لما ذكرنا من أن عدم صحته وحرمته ليس من جهة كونه رباء، بل من جهة الادلة المذكورة. ثم إنه بناء على ما ذكرنا من أن حرمة بيع اللحم بحيوان من جنسه ليس من جهة كونه رباء، فهل يحرم بغير جنسه ايضا كما إذا باع لحم شاة ببقرة أم لا، مبني على أن المراد من الحيوان في الرواية وفي الحديث خصوص الحيوان الذي من جنس اللحم أم مطلق الحيوان، وكذلك معقد الاجماع خاص أو عام. أقول أما الاخير أي معقد الاجماع فمن الواضح عدم شموله لبيع اللحم بغير جنسه لان المشهور بين المتأخرين بل ادعى الاجماع بعضهم، هو جواز البيع بغير جنسه مثل أن يبيع لحم الشاة بالبقر مثلا، ومع ادعاء هذا الاجماع والشهرة المحققة خصوصا بين المتأخرين كيف يمكن القول بشمول اجماع المنع عن بيع اللحم بجنسه للبيع بغير جنسه.


1. " جواهر الكلام " ج 23، ص 355. 2. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 478.

[ 122 ]

نعم لفظ الحيوان في رواية غياث وفي الحديث الذي رواه الجمهور عن سعيد بن المسيب مطلق يشمل ما كان من جنس اللحم وما لم يكن، وغاية ما يمكن ادعاء الانصراف فيه هو كونه حيا، وأما كونه من جنس اللحم فلا موجب له أصلا، وقد تقدم أن النهي ليس من جهة كونه ربا كي يقال بأنه لا يأتي إلا في مورد اتحاد جنس الحيوان مع اللحم، فمقتضى الاطلاق لولا الاجماع المدعى في المقام، هو المنع حتى عن بيعه بغير جنسه، وهو الموافق للاحتياط فلا يبعد حرمة بيعه حتى بغير جنسه. وأما ما استدل به العلامة قدس سره في التذكرة (1) بأنه يجوز بيع لحم الحيوان بلحم غير جنسه فبيعه به حيا أولى، فهذا القياس على تقدير صحته والقول به يأتي فيما إذا كان منشأ المنع هو حصول الرباء، وأما لو كان منشأ المنع اطلاق الحديث والرواية كما ذكرنا، فلا مورد له أصلا. نعم بناء على هذا يجب الاقتصار على ما يصدق عليه اللحم، فمثل الكرش والكبد والكلى والقلب وكل ما لم يصدق عليه اللحم، خارج عن هذا الاطلاق. ثم إن ظاهر الحديثين هو وقوع اللحم مثمنا لان هذا هو معنى بيع اللحم بالحيوان، فالمبيع هو اللحم والثمن هو الحيوان، ولكن ظاهر الفتاوى عدم الفرق في الحرمة بين كونه ثمنا أو مثمنا، بل ظاهر معقد الاجماع هو شموله لكلا القسمين. ثم إن في هذه المسألة فروعا لا بأس بذكرها. الاول هل يجوز بيعه بالحيوان غير مأكول اللحم أم لا؟ ظاهر كلام العلامة في التذكرة (2) هو الاجماع على الجواز لتعبيره بأنه يجوز عندنا وكلمة عندنا ظاهر في اتفاق الطائفة، وهو الاجماع،


1. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 478. 2. المصدر.

[ 123 ]

ولكن الدليل الذي يذكره للجواز قياس أولا وثانيا في غير محله، لان إتيانه مبني على كون الحرمة والمنع لاجل كونه من الربا، وقد بينا فساد هذا التوهم وعمدة الدليل على الجواز قصور أدلة المنع عن شمولها للحيوان غير مأكول اللحم آدميا كان أو غيره كالسباع مثلا. أما الاجماع فالقدر المتيقن منه هو حيوان مأكول اللحم، وأما الحديثان فلانصراف لفظ الحيوان عن الآدمي قطعا وعن السباع وأمثالها ظاهرا، فالمنع لا دليل عليه، فمقتضى الاطلاقات صحة المعاملة ولو وصلت النوبة إلى الاصل فهي الصحة والجواز. الثاني أنه يجوز بيع اللحم بالسمكة الحية، وبيع لحم السمك بالحيوان الحي، وذلك لان القدر المتيقن من الاجماع ما عدا ذلك، وانصراف الحديثين عن مثل هذه الموارد، وقال العلامة (1) قدس سره في دليله لما تقدم وجوابه ما تقدم. الثالث قال في الشرائع (2) وفي التذكرة (3) أيضا: إنه يجوز بيع دجاجة فيها بيضة بدجاجة خالية، وزاد في الجواهر (4) كما في التذكرة أيضا أو دجاجة فيها بيضة أو بيضة فقط من دون كون دجاجة معها، والوجه في الجميع أن شمول الاطلاقات وأدلة صحة البيع لا مانع عنها، إلا كون المعاملة ربوية، ولا رباء هاهنا، لان المورد ليس بمكيل ولا بموزون، ولا رباء إلا فيما يكال أو يوزن، ولذلك لا مانع من بيع البيضة الواحدة ببيضتين، لانه ايضا ليس بمكيل ولا بموزون، كما أنه يجوز بيع شاة في بطنها ولد بشاة ليس كذلك كما أنه يجوز بيع شاة بشاتين وبيع شاتين بشاة كل ذلك لاجل


1. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 478. 2. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 41. 3. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 479. 4. " جواهر الكلام " ج 23، ص 389.

[ 124 ]

انتفاء شرط الرباء وهو عدم كونه من المكيل أو الموزون. المسألة السابعة قال في التذكرة: كل ماله حالتا رطوبة وجفاف من الربويات يجوز بيع بعضه ببعض مع تساوي الحالين، إذا اتفق الجنس، وإن اختلف جاز مطلقا. (1) أقول الاشياء التي لها حالتا رطوبة وجفاف كالعنب والتمر بل اغلب الفواكه والمخضرات كباذنجان وبانيه مثلا ففي جميعها تارة تقع المعاملة بين متفقي الجنس والحالة، مثل أن بيبع العنب بالعنب، أو الرطب بالرطب، أو التمر بالتمر، أو الزبيب بالزبيب، وهكذا في سائر الموارد، فمع الاختلاف كيلا في المكيل ووزنا في الموزون باطل، لكونه من الربا المحرم، وأما مع التساوي فلا مانع في البين لعدم الربا، وشمول الاطلاقات له. وربما يقال بعدم صحة الرطب بالرطب لعدم العلم بتساويهما بعد الجفاف وفي حال الادخار، مع أن الغرض والمقصود من المعاملة هو الادخار. وفيه أولا أن التفاوت بينهما غالبا يكون بمقدار يسير بحيث يتسامح العرف في ذلك المقدار ولا يعتنى به، وذلك كما إذا بيع الحنطة التي فيها شئ يسير من التراب أو خليط آخر الذي لا يخلو الحنطة منه غالبا، فبعد ما جفا وان كان من الممكن أن يكون الجفاف في احدهما اكثر وازيد، فيختلف وزنهما بالدقة، ولكن الاختلاف قليل بحيث لا يعتنى به. وثانيا أن المعتبر في عدم تحقق الربا تساويهما حال وقوع المعاملة وصدور العقد، أي النقل والانتقال شرعا، وأما خروجه عن المساواة بعد وقوع المعاملة فلا يوجب صيرورتها رباء. وثالثا ليس الغرض من المعاملة دائما هو الادخار والابقاء، بل المقصود أكلها رطبا وانما يكون التبديل لاجل أغراض اخر.


1. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 482.

[ 125 ]

ورابعا هناك بعض اقسام العنب والرطب ليس قابلا لان يزبب أو يتمر، وكذلك البطيخ فلا تبقى امثال هذه الامور كي يقع التفاوت بين يابسهما فيستشكل بلزوم الربا، فالاقوى جواز بيع الرطب منها بالرطب، واليابس باليابس، فيجوز بيع الرطب بالرطب، والتمر بالتمر، والعنب بالعنب، والزبيب بالزبيب، والحنطة المبلولة بالحنطة المبلولة، واليابسة منها باليابسة، واللحم الطري بمثله، والقديد بالقديد، كل ذلك مع التساوي كيلا أو وزنا حال العقد. هذا فيما إذا كان العوضان متفقي الجنس والحالة، وأما إذا كانا مختلفي الجنس فلا مانع، ومقتضى العمومات والاطلاقات هي الصحة، وسواء كانا من المكيل أو الموزون، أو لم يكونا كذلك، وسواء كانا متفقي الحالة أو كانا من مختلفيها، وذلك لانتفاء شرط الربا وهو الاتفاق في الجنس. وأما إذا كانا من مختلفي الحالة ومتفقي الجنس أي كان أحد العوضين المتجانسين رطبا والاخر يابسا مثل أن يبيع العنب بالزبيب، أو الرطب بالتمر، أو باع لحمانيا بمقدد، أو بسرا برطب، أو حنطة مبلولة بيابسة، فهل يجوز بيع المذكورات وأمثالها متساويا أم لا؟ قال في الشرائع (1) يجوز لتحقق المماثلة، وقيل بالمنع ونسب في التذكرة (2) هذا القول أي المنع إلى المشهور عند علمائنا، ولكن ظاهر الشرائع ترجيح القول الاول أي الجواز لاسناده القول بالمنع إلى القيل، وإن كان قائله كثيرا بل ادعى العلامة في التذكرة أنه المشهور عند علمائنا. وقال في الشرائع إن نظر المانعين إلى حصول النقصان عند الجفاف، وقد أجبنا عن ذلك بكفاية التساوي حال العقد، وبه يثبت عدم كونه رباء، ولا يلزم بقائه على هذه الصفة دائما،


1. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 46. 2. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 482.

[ 126 ]

فالعمدة في دليل المنع الاخبار والحديث الوارد في المقام. أما الحديث فقد روى الجمهور أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال صلى الله عليه وآله: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا نعم، فقال: فلا اذن. (1) وأما الرواية فمن طريق الخاصة: ما رواه الحلبي في الصحيح عن الصادق عليه السلام قال عليه السلام: لا يصلح التمر اليابس بالرطب من أجل أن اليابس يابس والرطب رطب، فإذا يبس نقص. (2) وما رواه داود بن سرحان: لا يصلح التمر بالرطب، إن الرطب رطب، والتمر يابس، فإذا يبس الرطب نقص. (3) وما رواه داود الابزاري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: لا يصلح التمر بالرطب إن التمر يابس والرطب رطب. (4) وما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام في حديث أن امير المؤمنين عليه السلام كره أن يباع التمر بالرطب عاجلا بمثل كيله إلى أجل من أجل أن التمر ييبس فينقص من كيله، (5) ودلالة الخبر الاخير على المنع مبنى على ما تقدم ذكره أن أمير المؤمنين عليه السلام كان


1. " سنن البيهقي " ج 5، ص 294. 2. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 94، ح 398 باب بيع الواحد بالاثنين... ح 4، " الاستبصار " ج 3، ص 93، ح 314، باب بيع الرطب بالتمر، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 445، أبواب الربا باب 14، ح 1. 3. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 90، ح 384، باب بيع الثمار، ح 27، " الاستبصار " ج 3، ص 93، ح 315، باب بيع الرطب بالتمر، ح 3 " وسائل الشيعة " ج 12، ص 446، أبواب الربا، باب 14، ح 6. 4. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 90، 385، باب بيع الثمار، ح 28. 5. " الفقيه " ج 3، ص 281، باب الربا، ح 4015، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 95، ح 408، باب بيع الواحد بالاثنين...، ح 14، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 445، أبواب الربا باب 14، ح 2.

[ 127 ]

لا يكره الحلال، (1) فكراهته كاشفة عن كونه حراما. ولكن هاهنا أخبار اخر تدل على الجواز كرواية سماعة عن الصادق عليه السلام قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن العنب بالزبيب، قال: لا يصلح، إلا مثلا بمثل، قال والتمر والرطب بالرطب مثلا بمثل. (2) ورواية ابن أبي الربيع قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ما ترى في التمر والبسر الاحمر مثلا بمثل؟ قال لا بأس قلت فالبختج والعنب مثلا بمثل؟ قال لا بأس. (3) ولا يخفى أن ظاهر هاتين الطائفتين من الاخبار هي المعارضة، لان الطائفة الاولى ظاهرة في عدم جواز بيع التمر بالرطب أو الرطب بالتمر، بل كل رطب باليابس من جنسه ومثله لعموم التعليل، وهو قوله صلى الله عليه وآله فلا اذن، لان المراد من هذه الجملة حسب المتفاهم العرفي انه لا يجوز، لانه ينقص. فكأنه صلى الله عليه وآله قال: إن كل ما ينقص بعد بيعه بمثله وجنسه مساويا كيلا أو وزنا فلا يجوز بيعه بمثله مثلا بمثل، فيشمل كل فاكهة رطبة باليابس من جنسه، بل وغير الفاكهة، سواء كان رطوبته ذاتية كالفواكه الغضة وغيرها، أو عرضية كالحنطة المبلولة وغيرها مما يرش عليه الماء، وإن كان الرش لاصلاحه. والطائفة الثانية ظاهرة في جواز بيع الرطب باليابس، واليابس بالرطب نعم لا عموم لها بحيث يشمل كل رطب ويابس، ولكن تدل على الجواز في نفس المورد الذي تدل الطائفة الاولى على عدم الجواز، وهو بيع التمر بالرطب.


1. " الكافي " ج 5 ص 188، باب المعاوضة في الطعام، ح 7، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 96، 412، باب بيع الواحد بالاثنين...، ح 18، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 447، أبواب الربا باب 15، ح 1. 2. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 97، ح 417، باب بيع الواحد بالاثنين...، ح 23، " الاستبصار " ج 3، ص 92، ح 313، باب بيع الرطب بالتمر ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 445، أبواب الربا باب 14، ح 3. 3. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 97، ح 418، باب بيع الواحد بالاثنين...، ح 24، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 446، أبواب الربا باب 14، ح 15.

[ 128 ]

فالمشهور على ما في التذكرة (1) ذهبوا إلى عدم الجواز مطلقا، وفي جميع صور المسألة، بناء منهم على عدم قابلية الطائفة الثانية للمعارضة مع الاولى لضعفها، وإعراض المشهور عنها، فلا جابر لها. وهذا القول قوى لو لم يكن جمع دلالي في البين، وذهب إليه جمع كثير من أساطين الفقه وهم: القديمان (2) والشيخ في المبسوط (3) وابن حمزة في الوسيلة (4) والعلامة في التذكرة (5) والتحرير (6) والارشاد (7) والمختلف (8) والقواعد (9) وغيره في اللمعة (10) والمقتصر (11) والمهذب (12) والتنقيح (13) وإيضاح النافع والميسية والمسالك (14) والروضة (15) والدروس وقد تقم ان العلامة وهو الفقيه المحقق المتتبع ادعى الشهرة. ومقابل هذا القول هو القول بالجواز مطلقا، حتى في بيع التمرر بالرطب الذي هو مورد روايات المنع، وهذا القول هو المحكي عن الشيخ في الاستبصار (16) وموضع من


1. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 482. 2. نقله عن ابن الجنيد وابن أبي عقيل في " مختلف الشيعة " ج 5، ص 124. 3. " المبسوط " ج 2، ص 90. 4. " الوسيلة " ص 253. 5. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 482. 6. " تحرير الاحكام " ج 1، ص 170. 7. " إرشاد الاذهان " ج 1، ص 379. 8. " مختلف الشيعة " ج 5، ص 141. 9. " قواعد الاحكام " ج 1، ص 141. 10. " اللمعة الدمشقية " ج 3، ص 445. 11. " المقتصر " ص 178. 12. " المهذب " ج 1، ص 462. 13. " تنقيح الرائع " ج 2، ص 93. 14. " المسالك الافهام " ج 3، ص 445. 15. " الروضة البهية " ج 3، ص 445. 16. " الاستبصار " ج 3، ص 93.

[ 129 ]

المبسوط، وعن ابن إدريس (1) وصاحب الكفاية (2) وصاحب الحدائق. (3) ووجه هذا القول هو الجمع بين الطائفتين بحمل الاولى على الكراهة والثانية على الجواز بالمعنى الاعم الذي لا ينافي الكراهة، بل أنكروا ظهور الطائفة الاولى في التحريم، لان المنع فيها إما بلفظ لا يصلح، وهو ظاهر في الكراهة من أول الامر وإما بلفظ كره علي أن يباع التمر بالرطب ولفظ الكراهة لا ظهور له في الحرمة وإن ورد أن عليا كان لا يكره الحلال، وفي بعض الروايات أنه عليه السلام لا يكره إلا الحرام، ومع ذلك كله لم يخرج لفظ الكراهة عن ظهوره في المعنى العرفي وهو مطلق المرجوحية وبناء على هذا لا تعارض ولا تنافي في البين كي يحتاج إلى الجمع الدلالي. ثم على تقدير ظهورها في الحرمة يرفع عن ظهورها في الحرمة بنص الطائفة الثانية في الجواز، وهذا جمع عرفي معمول به في المحاورات وعند الفقهاء، ومعلوم أن الجمع الدلالي مقدم على الترجيح السندي، ومعه لا تصل النوبة إليه. وفصل بعض فقال بالمنع في خصوص بيع التمر والرطب أو بالعكس، والجواز في غيره من الرطب واليابس، وذلك لاجل النص في نفس هذا المورد واستظهار عدم العموم للعلة، بل تكون مختصة بنفس المورد. ولعله قال به المحقق، لانه يقول في الشرائع: (4) وفي بيع الرطب بالتمر تردد، والاظهر اختصاصه بالمنع اعتمادا على اشهر الروايتين، ثم يقول في الفرع الثاني: بيع العنب بالزبيب جائز، وقيل لا، اطرادا للعلة، والاول أشبه، وكذا البحث في كل رطب مع يابسه، فهذا القول من عقدين: عدم الجواز في الرطب والتمر، والجواز في سائر موارد


1. " السرائر " ج 2، ص 258. 2. " كفاية الاحكام " ص 98. 3. " الحدائق الناضرة " ج 19، ص 246. 4. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 40.

[ 130 ]

الرطب واليابس، أما الاول للنص وأما الثاني فلعدم دليل على المنع، وعدم عمومه للعلة، وشمول اطلاقات أدلة صحة البيع له. وهناك تفصيل آخر بعد الفراغ عن القول بالمنع في خصوص الرطب والتمر بين كون الرطوبة ذاتية كرطوبة الفواكه الغضة وكونها عرضية كرطوبة الحنطة المبلولة مثلا، فقالوا بالجواز في الاول لان الرطوبة الذاتية التي في الجسم المرطوب تعد جزءا من ذلك الجسم المرطوب عرفا، بل بالدقة، بخلاف الرطوبة العرضية فانها أجنبية عنه، وأمر خارج عن حقيقة ذلك الجسم المرطوب حقيقة وعرفا، ولا مالية لها كي يكون مجموع المالين بازاء ذلك الآخر، فيخرج عن كونه ربا، بل يكون المبلول وحده من دون بلله عوضا عن الآخر والمفروض أنه وحده متساو معه فيكون من البيع الربوي. وهذان التفصيلان في حد نفسهما وإن كانا لا يخلوان عن حسن، ولكن لا تصل النوبة إليهما إلا بعد الفراغ عن عدم عموم للعلة بالنسبة إلى التفصيل الاول، إذ مع عموم التعليل لا يبقى فرق بين الرطب والتمر وبين سائر الفواكه الرطبة كل واحد منها مع اليابس من جنسه. وأما التفصيل الثاني فمضافا إلى ما تقدم لا يأتي إلا فيما إذا قلنا بأن المعتبر في التساوي وعدم تحقق الربا هو أن يكون التساوي حال وقوع العقد لابقائه إلى الاخر، وإلا لو قلنا بلزوم بقاء التساوي إلى الاخر، فلا يبقى في كلا الشقين فيبطل في كلتا الصورتين، سواء كانت الرطوبة حال وقوع المعاملة ذاتية أو عرضية. هذا مضافا إلى أن الفرق بينهما مبني على كون الرطوبة الذاتية جزءا للمرطوب حقيقة أو عرفا دون الرطوبة العرضية كي تكون التساوي بين العوضين موجودا حال العقد في الاول دون الثاني، وجميع هذه المباني والمقدمات غير ثابت بل معلوم العدم. والانصاف أن هذه الظنون لا يصح أن يبتني ي عليها الاحكام الشرعية، ولا ينبغي

[ 131 ]

ان يعتنى بها فالعمدة في المسألة هو القول المشهور، أي عدم الجواز مطلقا أو الجواز كذلك لدلالة الروايات المتقدمة على المنع، وما ذكروه من أن مفادها الكراهة لا الحرمة غير تام، وإنكار اطراد العلة وعمومها لا وجه له وخلاف المتفاهم العرفي فالاحوط بل الظاهر هو القول المشهور أي المنع مطلقا والله العالم. وخلاصة الكلام أن التفاصيل التي ذكروها في المقام لا أساس لها، وإن كان التفصيل الاول يستظهر من المحقق شيخ الفقهاء في الشرائع، (1) وتقدم نقل عبارته، فيدور بين القول بالمنع مطلقا أو الجواز مطلقا. ولكن لما مجال للقول بالجواز مطلقا إلا بأحد أمرين، وهما إما أن تكون الروايات المانعة غير ظاهرة في الحرمة، بل تكون ظاهرة في الكراهة من جهة اشتمال بعضها على كلمة لا يصلح التي تكون ظاهرة في الكراهة، أو كلمة كره كما في رواية محمد بن قيس التي تقدمت ايضا كذلك، إذ بناء على هذا لا مانع من شمول الاطلاقات وعمومات الصحة للمقام، وإما من جهة الجمع الدلالي بينهما وبين الطائفة الاخرى التي ظاهرها الجواز بحمل الاولى على الكراهة تحكيما للنص على الظاهر. وأنت خبير بعدم صحة كلا الامرين. أما الاول فلان قوله صلى الله عليه وآله فلا اذن، بعد السؤال عن صحة مثل ذلك البيع أو عدم صحته في غاية الظهور في عدم جوازه وفساده وكذلك قوله عليه السلام لا يصلح في الروايات الثلاث، حيث إنه عليه السلام ينفي الصلاحية عن مثل هذا البيع معللا بأن ما هو الرطب ينقص لجفافه فيما بعد، فيخرج عن التساوي مع مقابله وهو شرط في صحة بيع المتجانسين، فبفقده ينتفي الصحة، فيكون نفي الصلاح في مثل هذا المور مع هذا التعليل، ظاهرا في فساد المعاملة، وعدم جوازها، وإن كان في حد نفسه يلائم مع الحرمة


1. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 40.

[ 132 ]

والكراهة كليهما. نعم ظاهر هذه الروايات لزوم بقاء التساوي في العوضين المتجانسين. وأما الثاني فتقديم الجمع الدلالي على الترجيح السندي بعد الفراغ عن حجيته، بمعنى عدم خروجه عن موضوع الحجية، وأما إذا قلنا بأن موضوع الحجة هو الموثوق المصدر، وإعراض المشهور كان سببا لسلب الوثوق بصدوره وخروجه عما هو موضوع الحجية، فلا يبقى حجة كي تصل النوبة إلى الجمع الدلالي. فمورد هذا الكلام هو أنه لو كان هناك خبران كلاهما مما يوثق بصدورهما، ولم يعرض الاصحاب عن كل واحد منهما، بل بعضهم عملوا بذاك وبعضهم عملوا بهذا وكان لاحدهما مرجح سندي ولكن يمكن الجمع العرفي الدلالي بينهما، ففي مثل هذا المورد يجب الجمع، ولا يجوز الاخذ بذي المزية، وطرح الاخر رأسا. وهذا الذي ذكرنا جار في كثر من موارد الاخبار المتعارضة: منها الاخبار الواردة في نجاسة الكفار مع الواردة في طهارتهم. إذا تأملت فيما ذكرنا فنقول: إعراض المشهور عن الروايات التي لها ظهور في جواز مثل هذا البيع، صار سببا لسلب الوثوق بصدورها، فلا يبقى مجال للجمع الدلالي، هذا مضافا إلى التوجيهات التي ذكروها للروايات المجوزة، تركنا ذكرها لعدم الاحتياج إليها مع ضعف كثير منها. المسألة الثامنة فيما إذا باع أحد المتجانسين الربويين، وفيه خليط بالاخر الخالص، مثل أن باع حنطة فيها خليط بالاخرى الخالصة التي ليس فيها خليط من غير جنسه، فلا يخلو إما أن يكون الخليط قليلا بحيث يتسامح فيه ولا يعتنى به في مقام المعاملة فلا اشكال فيه، لان العوضين بناء على هذا لا يخرجان عن التساوي عرفا فلا رباء، وإما يكون مما لا يتسامح فيه فان لم يكن له مالية فالمعاملة باطلة، لاجل حصول الربا لاجل عدم التساوي بين العوضين، مع أنهما من جنس واحد إذ الخليط لا يقع عوضا لعدم ماليته، والمفروض أن ما فيه الخليط أقل من الاخر بدون الخليط،

[ 133 ]

وبعد حذفه عنه. وأما إن كان له مالية فالمعاملة صحيحة ولا رباء، إذ الخليط يقع بازاء الزيادة التي في الاخر قهرا، وإن لم يكن مقصودا، وذلك لقصد معاوضة المجموع بالمجموع فالخليط أيضا داخل في المجموع الذي قصد. هذا إذا كان الخليط في احدهما وأما إذا كان فيهما وليس له مالية فإذا كان العوضان المتجانسان متساويين مع قطع النظر عن الخليط، فلا اشكال ولا رباء والوجه واضح، وأما إذا لم يكونا متساويين فرباء وباطل، والوجه أيضا واضح. وأما إذا كان لخليط كل واحد منهما مالية، ففيما إذا لم يكن الخليط في كل واحد منهما من جنس المخلوط، فالمعاملة صحيحة، ولا إشكال لوقوع كل واحد من الخليطين مقابل العوض الاخر ولا رباء، وعلى فرض أن يكون مقصود المتعاملين وقوع مجموع الخليط والمخلوط مقابل مجموع الاخر، فلا إشكال لان المجموع من كل واحد منهما ليس من جنس المجموع الاخر فيما إذا كان الخليط في كل واحد منهما من غير جنس الخليط الاخر. ثم إنه قد ظهر مما ذكرنا أنه الخليط إن كان فيهما ولم يكن له مالية، وكان العوضان المتجانسان متساويين مع قطع النظر عن الخليط، فلا إشكال أنه يجب العلم بمقدار الخليط للزوم العلم بتساوي العوضين المتجانسين. المسألة التاسعة قال في الشرائع يجوز بيع درهم ودينار بدينارين ودرهمين ويصرف كل واحد منهما إلى غير جنسه، وكذا لو جعل بدل الدينار والدرهم شئ من المتاع، وكذا مد من تمر ودرهم بمدين أو أمداد ودرهمين أو دراهم. (1) وخلاصة ما ذكره قدس سره في هذه المسألة هو أنه في بيع المتجانسين غير المتساويين إن ضم إلى الناقص شئ آخر له مالية من غير جنسه، كما إذا باع درهما ودينارا بدينارين


1. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 41.

[ 134 ]

أو باعهما بدرهمين فيجوز مثل هذا البيع ولا رباء إذ يرتفع الرباء بواسطة الضميمة. ففي القرض الاول يقع الدينار مقابل أحد الدينارين، والدرهم مقابل الدينار الاخر، وما قلنا من وقوع كل واحد من الدينار والدرهم في مقابل الزائد الذي من غير جنسه جار فيما إذا كانت الضميمة شئ من المتاع، كأن يبيع درهما ومدا من تمر بمدين أو أمداد، ودرهمين أو دراهم، وكلامنا في صحة هذه المعاملة من ناحية رفع الرباء بواسطة تلك الضميمة، وأما كونها فاسدة من جهة اخرى ككونها سفهية أو من ناحية فقد شرط أو وجود مانع فلسنا في مقام تصحيحها من تلك الجهات. وأما ما يقال من أن مجموع المجانس من ذلك الاخر مع الضميمة ليس مجانسا معه، فبواسطة الضميمة يخرج العوضان عن كونهما متجانسين، ولا يحتاج إلى التكلف: بأن الزيادة في مقابل الضميمة وما عدا الضميمة في مقابل المقدار المساوي معه كيلا أو وزنا من مجانسه. وكذا لا يحتاج إلى القول بأنه فيما إذا كان العوضان مركبا من جنسين يكون كل جنس من كل واحد من العوضين مقابل ما يخالفه من العوض الاخر، مثلا لو باع مدا من تمر ودرهمين بمدين ودرهمين، فيقع المد مقابل درهمين ويقع الدرهمان مقابل مدين، ففيه أن المجموع ليس له وجود غير وجود أجزائه، فلو لم نقل بما ذكرنا لزم الربا في بعض صور المسألة لا محالة. مثلا لو باع مدا ودرهما بمدين ودرهمين فلو لم يكن الدرهم مقابل المدين والمد مقابل درهمين يكون نصف الدرهمين وهو درهم واحد ونصف المدين وهو مد واحد مقابل نصف المبيع، وهو نصف الدرهم ونصف المد، ومرجع هذا إلى أن درهما واحدا تاما وقع مقابل نصف درهم، ومدا كاملا وقع مقابل نصف، بل من أول الامر درهم ومد

[ 135 ]

وقع مقابل درهم ومد، ودرهم وقع مقابل مد فيما إذا كان قيمة المد والدرهم متساويين، فكل واحد من جزئي المبيع وقع في مقابله ما يساويه من مماثله مع الزيادة من غير مماثله. وأما ما يقال من أن ما قلتم من أن كل واحد من جزئي المبيع يقع في مقابل ما يخالفه في الجنس فلا رباء في البين، هو ليس بمقصود للمتبايعين، بل مقصودهم معاوضة المجموع بالمجموع، والعقود تابعة للقصود. فهذا كلام حق ولذلك نقول صحة هذه المعاملة ليس بمقتضى القواعد، بل من جهة الاجماع والنص. أما الاجماع فادعاه جمع، وقال العلامة في التذكرة (1) في المفروض أي بيع الجنسين المختلفين بأحدهما إذا زاد على ما في المجموع من جنسه بحيث تكون الزيادة في مقابلة المخالف، يجوز عند علمائنا أجمع. وقال في الجواهر في شرح ما نقلنا عن الشرائع بلا خلاف بيننا، (2) والحاصل أن جواز مثل هذه المعاملة اتفاقي بين الامامية وحكى في التذكرة (3) عن أبي حنيفة أيضا جواز هذه المعاملة، وقال حتى أن أبا حنيفة يقول بجواز بيع دينار في خريطة بمأة دينار. والظاهر أن مراده أن الخريطة تكون في مقابل تسع وتسعين والدينار الذي فيها مقابل دينار فلا يكون رباء في البين، ولكن الاشكال أن الخريطة ربما ليس فيها صلاحية أن تقع في مقابل ذلك المبلغ الكثير، ولذلك نشترط في الزيادة أن يكون لها مالية بمقدار يصلح للعوضية.


1. " تذكرة الفقهاء " ج 1 ص 483. 2. " جواهر الكلام " ج 23، ص 391. 3. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 483.

[ 136 ]

وأما النصوص الواردة في المقام: فمنها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها: فقلت له أشترى ألف درهم ودينار بألفي درهم؟ فقال عليه السلام لا بأس بذلك، إن أبي عليه السلام كان أجرء على أهل المدينة مني، وكان يقول هذا، فيقولون: إنما هذا الفرار: لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، وكان عليه السلام يقول لهم: نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال. (1) ومنها ايضا عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال كان محمد ابن المنكدر يقول لابي عليه السلام: يا أبا جعفر رحمك الله والله إنا لنعلم أنك لو اخذت دينارا والصرف بثمانية عشر فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، وما هذا إلا فرارا، فكان أبي عليه السلام يقول: صدقت والله، ولكن فرار من باطل إلى حق. (2) ومنها عنه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل يأتي بالدراهم إلى الصيرفي: فيقول له: آخذ منك المأة بمأة وعشرين وعشرين أو بمأة وخمسة حتى يراوضه على الذي يريد، فإذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة دينارا أو ذهبا ثم قال قد زادت البيع وإنما ابايعك على هذا، لان الاول لا يصلح أو لم يقل ذلك، وجعل ذهبا مكان الدراهم، فقال إذا كان آخر البيع على الحلال فلا بأس بذلك، قلت فان جعل مكان الذهب فلوسا: قال ما أدري ما الفلوس. (3) ومنها ما عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بألف درهم ودرهم


1. " الكافي " ج 5، ص 246، باب الصروف، ح 9، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 466، أبواب الصرف، باب 6، ح 1. 2. " الكافي " ج 5، ص 247، باب الصرف، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 467، أبواب الصرف، باب 6، ح 2. 3. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 105، ح 449، باب بيع الواحد بالاثنين... ح 55، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 467، أبواب الصرف، باب 6، ح 3.

[ 137 ]

بالف درهم ودينارين إذا دخل فيها ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس. (1) فهذه الروايات لها دلالات واضحة على صحة هذه المعاملة وعدم الاشكال فيها فهذا حكم تعبدي من قبل الشارع. المسألة العاشرة في أنه لو خرجت الضميمة التي ذكرناها في المسألة السابقة عن ملك البايع بواسطة تلفها قبل قبض المشتري، أو كانت مما لا يجوز للبايع التصرف فيها لكونها ملكا للغير، أو كانت متعلقة لحق الغير، فها هنا فرعان الاول كونها مستحقة للغير، الثاني تلفها قبل القبض. أما الاول فان أجاز صاحب الحق فلا إشكال وأما إن لم يجز فلا شبهة في بطلان المعاملة بالنسبة إليها، فان حصل الربا في الباقي وذلك كما إذا باع مدا من التمر ودرهما بمدين منه ودرهمين، فظهر أن درهما معينا منهما ملك لغير البايع أو مرهون عند غيره ولم يجز المالك أو صاحب الحق، فيبطل المعاملة بالنسبة إلى ذلك الدرهم. فان قلنا انه يسقط من الثمن بمقدار ما يقابله واقعا وهو مثله أي أحد الدرهمين فيبقى درهم ومدان مقابل مد واحد، ولا شك في كون الباقي بناء على هذا معاملة ربوية. وأما إذا قلنا ان الثمن يسقط بالنسبة، وفرضنا أن قيمة المد درهم واحد، فيكون مقابل الدرهم الذي ليس للبايع التصرف فيه مد ودرهم، ويبقى للمد الباقي من المبيع مد ودرهم، فأيضا يحصل الربا وفي كلتا الصورتين تبطل المعاملة من أول الامر، لانه


1. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 106، ح 456، باب بيع الواحد بالاثنين... ح 62، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 468، أبواب الصرف، باب 6، ح 4.

[ 138 ]

في الحقيقة من أول الامر باع في المفروض مدا من التمر إما بمدين ودرهم، وإما بمد ودرهم. وأما إن لم يحصل الربا كما أنه لو باع درهما ومدا بمدين فظهر ان الدرهم المبيع ملك الغير أو متعلق حق الغير، وفرضنا أن المد يساوي درهما فها هنا بعد بطلان المعاملة وإسقاط ما يقابل الدرهم المبيع من الثمن أو إسقاط ما هو قيمته الواقعية لذلك الدرهم الذي ليس ملكا للبايع أو يكون متعلقا لحق الغير يبقى مد أو درهم مقابل المد الباقي فلا رباء ولا بطلان للمعاملة نعم يأتي خيار تبعض الصفقة للمشتري. هذا هو الظاهر، ولكن يمكن تصحيح المعاملة في الفرض الاول بشكل لا يأتي فيها الربا، بأن يقال باسقاط نصف الدرهم من الثمن مقابل نصف الدرهم من الدرهم المبيع، ومد ونصف مد من الثمن مقابل النصف الاخر من الدرهم المبيع، فيبقى من الثمن درهم ونصف مع نصف مد مقابل مد من المبيع فيكون الدرهم ونصف الدرهم الباقي من الثمن مقابل نصف المد من المبيع ونصف المد الباقي من الثمن مقابل ما يساويه من المبيع. ولكن فيه أولا أن هذه المعاملة من اول الامر وقعت باطلة وربوية، فلا يبقى مجال لتصحيحها بما ذكر، وثانيا هذا الترتيب الذي ذكرنا لخروجها عن كونها ربوية أجنبي عما قصده المتبايعان، والعقود تابعة للقصود، ولا ضرورة توجب الالتزام بما ذكر على خلاف ما قصد. وأما الثاني أي تلف الضميمة قبل أن يقبضها المشتري، وحيث إن المعاملة وقعت صحيحة من أول الامر، فيمكن ان يقال بعدم شمول ادلة حرمة الربا لمثل هذا الرباء الحادث بعد وقوع المعاملة صحيحة وانصرافها عنه، ويمكن أن يصحح بما تقدم في الفرع الاول، ولا يأتي الاشكال الذي تقدم هاهنا

[ 139 ]

لان المعاملة هاهنا وقعت صحيحة فما ذكرنا يكون لابقاء الصحة. ولكن الانصاف أن هذا القسم من التصحيح خلاف ما قصده المتعاملان، وتقدم في المسألة السابقة أن القول بالصحة من جهة التعبد للنص والاجماع، وإلا فمقتضى القواعد هو البطلان، فلابد من القول بالبطلان ان قلنا بشمول ادلة حرمة الربا للمقام وأما إن قلنا بالانصراف وعدم الشموم فالمعاملة صحيحة بلا كلام، والقول بعدم شمول أدلة حرمة الربا لمثل المورد لا يخلو عن قوة. هذه الفروع كلها كانت راجعة إلى الشرط الاول أي اتحاد الجنس في الثمن والمثمن. وأما القسم الثاني أي الفروع الراجعة إلى الشرط الثاني اي كونهما مكيلا أو موزونا فأيضا نذكرها في ضمن مسائل. المسألة الاولى إذا كان جنس قد يباع بالوزن وقد يباع بالعدو أو في بلد أو في زمان بأحدهما وفي الاخر بالاخر، فالظاهر أن حرمة التفاضل منوط بوقوع المعاملة بالوزن أو كيلا وأما لو بيع عددا أو كان في بلد أو زمان يباع عددا فلا حرمة إن كان بيع عددا. وذلك من جهة أن حكم الحرمة على عنوان ما يباع كيلا أو وزنا على نحو القضية الحقيقية، فكل وقت تحقق هذا العنوان يتحقق الحرمة، لعدم تخلف الحكم عن موضوعه اللهم إلا أن يقال إن عنوان الموضوع في قوله عليه السلام إلا فيما يكال أو يوزن هو أن يكون نوع معاملاته بالوزن أو الكيل فوقوعه في بعض الاحيان أو في بعض البلدان أو الازمان بالعد لا ينافي وجود موضوع الحرمة، لان هذا المقدار القليل

[ 140 ]

وقوعها بالعد لا يضر بكونه مما يكال أو يوزن عند العرف. نعم لو كان في بلد أو في زمان نوع أهل ذلك البلد أو أهل ذلك الزمان يبيعونه بالعد فلا يصدق أنه مما يكال أو يوزن عندهم، فالمدار على نوعية بيعه بالوزن أو الكيل، ويؤيد هذا المعنى بل يدل عليه مرسل علي بن إبراهيم: لا ينظر فيما يكال أو يوزن إلا إلى العامة، ولا يؤخذ بالخاصة. (1) المسألة الثانية إذا شك في صدق المكيل والموزون على جنس ولم يحرز أنه منهما أو من غيرهما لعدم ضبط حدود مفهوميهما، فمقتضى عمومات صحة البيع وحليته عدم حرمة التفاضل في مثل ذلك الجنس، إذا بيع بمثله، لان الخارج عن تحت العمومات هو المكيل والموزون، فإذا شككنا في خروجه عنها نتمسك باصالة العموم، لان الشبهة مفهومية لا مصداقية، والمسألة محررة في الاصول، وكذلك الامر في صورة الشك في اتحاد الجنس فيما لم يكن دليل وأمارة يثبت الاتحاد حكما أو موضوعا، وأما أصالة عدم ترتب الاثر على مثل تلك المعاملة المعبر عنها بأصالة الفساد فهو محكوم بالعمومات، نعم لو كانت الشبهة مصداقية لا يمكن التمسك بالعمومات لما حققناه في كتابنا منتهى الاصول. (2) المسألة الثالثة قد ذكرنا في بعض المسائل السابقة أن فروع الاصل الواحد كل واحد مع الاخر وجميعها مع ذلك الاصل، في حكم متحدي الجنسين، لا يجوز بيع بعضها ببعض مع التفاضل، ولكن إذا اختلف الفرع مع الاصل بأن يكون أحدهما من


1. " الكافي " ج 5 ص 192، باب فيه جملمن المعاوضات، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 435، أبواب الربا، باب 6، ح 6. 2. " منتهى الاصول " ج 1، ص 449.

[ 141 ]

المكيل أو الموزون والاخر من غيرهما، فيختلف حكمهما حسب اختلاف عناوينهما. فيجوز بيع الجوز بمثله مع التفاضل لانه معدود، ولا يجوز بيع دهنه بالتفاضل، لانه موزون فيختلف حكم الفرع والاصل وكذلك لا يجوز بيع القطن والغزل بمثلهما مع التفاضل، لانهما من الموزون ولكن الثياب المنسوج منهما يجوز بيعها مع التفاضل، لانها ليست من الموزون فاختلف حكم الاصل والفرع. والسر في ذلك أن الفرع داخل تحت عنوان والاصل تحت عنوان آخر والعنوانان مختلفان في الحكم من حيث دخول الربا وعدم دخوله. المسألة الرابعة هل يجوز بيع المكيل موزونا وبالعكس ام لا؟ فيه خلاف، والبحث في هذه المسألة تارة في جواز البيع من ناحية لزوم الغرر، واخرى من ناحية دخول الربا إذا كان العوضان من جنس واحد. اما البحث من الجهة الاولى أي من ناحية لزوم الغرر الذي يكون منهيا ففيه أقوال: قول بعدم الجواز مطلقا، وقول بالجواز مطلقا، وقول بالتفصيل أي جواز بيع المكيل موزونا دون العكس. وذلك من جهة ان اعتبار الكيل في المكيل أو الوزن في الموزون لاجل ارتفاع الغرر والجهالة والعلم بمقدار العوضين، وفي هذه الجهة ربما يكون الوزن أضبط وارتفاع الغرر والجهالة به أوضح وأجلى، حتى قيل إن الاصل في تعيين العوضين في أبواب المعاوضات التي من المكيل أو الموزون هو الوزن، والكيل أمارة عليه. والتحقيق في هذا المقام هو أن اعتبار الكيل في المكيل والوزن في الموزون إن كان من جهة ارتفاع الغرر بهما وعدم كون البيع جزافا كما هو الظاهر، فلا يبعد صحة

[ 142 ]

بيع المكيل موزونا إذ ارتفاع الغرر بالوزن أوضح، ومعرفة المقدار به أدق، وأما ما يقال من أن الوزن يعين وأما ما يقال من أن الوزن يعين المقدار من حيث الثقل والخفة والكيل من حيث الابعاد، فلا يقاس أحدهما بالاخر، فانه وإن كان صحيحا لكن عمدة النظر في غالب أفراد المبيع: المكيل والموزون عند العرف والعقلاء إلى معرفة مقدارها من حيث الوزن والثقل لا الابعاد. نعم إذا كان الغرض في مورد يتعلق بالمبيع من حيث حجمه وابعاده دون ثقله ففي ذلك السنخ من المبيع لا يبعد أن يكون المناط في رفع الغرر والجهالة هو الكيل دون الوزن إذا كان مما يكال كما أنه إذا كان الكيل أمارة على الوزن فيرتفع الغرر بالكيل، وإن كان موزونا، فيكفي الكيل في صحة المعاملة. ويدل على ذلك أيضا رواية عبد الملك بن عمرو: قلت أشترى مأة راوية من زيت فاعترض رواية أو اثنتين فأتزنها ثم آخذ سائره على قدر ذلك؟ قال عليه السلام لا بأس (1) ولكن هذا في الحقيقة يرجع إلى معرفة المقدار بالوزن لا الكيل. والحاصل أن تعيين المقدار ومعرفته بالوزن يكفي في صحة البيع، وإن لم يكن المبيع مما يوزن، ولذلك ترى أن الحنطة والشعير مع انهما من المكيل في زمن الشارع إجماعا يجوز بيعهما بالوزن، وفي الجواهر (2) الاجماع أيضا على صحة بيعهما بالوزن. وقال العلامة في التذكرة إنه لا يجوز بيع الموزون بجنسه جزافا وكذا لا يجوز بيعه مكيلا إلا إذا علم عدم التفاوت فيه، وكذا المكيل لا يجوز بيعه جزافا ولا موزونا إلا مع العلم بعدم التفاوت (3)، وقد عرفت ما هو الحق في المقام. هذا كله كان من ناحية الغرر


1. " الكافي " ج 5، ص 194، باب بيع العدد والمجازفة والشئ المبهم، ح 7، " الفقيه " ج 3، ص 226، باب البيوع، ح 3836، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 255، أبواب عقد البيع وشروطه باب 5، ح 1. 2. " جواهر الكلام " ج 23، ص 373. 3. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 483.

[ 143 ]

وأما البحث من ناحية دخول الربا فالعبارات الواردة في بيع المتجانسين وصحته وعدم كونه ربا على أقسام: تارة بأن يكون مثلا بمثل كما في رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال قلت له ما تقول في البر بالسويق؟ فقال: مثلا بمثل لا بأس (1) وبهذا المضمون روايات كثيرة. واخرى أن يكون رأسا برأس كما في رواية صفوان عن رجل من أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحنطة والدقيق لا بأس به رأسا برأس. (2) وثالثة أن يكون العوضان سواء كما في رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحنطة بالدقيق؟ فقال: إذا كان سواء فلا بأس. (3) ففي صحة بيع المتجانسين وعدم تحقق الربا لابد من صدق أحد هذه العناوين الثلاث عرفا فنقول: العوضان اللذان من جنس واحد أو كانا في حكم الجنس الواحد كفروع الاصل الواحد بعضها بالنسبة إلى البعض كالخبز بالنسبة إلى السويق أو جميعها بالنسبة إلى ذلك الاصل كالخبز بالنسبة إلى الحنطة مثلا أو الشيرج بالنسبة إلى التمر أو العنب مثلا فاما أن يكون كلاهما من الموزون أو كلاهما من المكيل، أو يكونان من المختلفين. فالاول كالحنطة والشعير مثلا، والثاني كالدقيق بالدقيق، والثالث كالحنطة


1. " الكافي " ج 5، ص 189، باب المعاوضة في الطعام، ح 9، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 440، أبواب الربا، باب 9، ح 1. 2. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 95، ح 403، باب بيع الواحد بالاثنين..، ح 9، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 440، أبواب الربا، باب 9، ح 5. 3. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 95، 407، باب بيع الواحد بالاثنين... ح 13، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 441، أبواب الربا، باب 9، ح 6.

[ 144 ]

بالدقيق. اما الاول فلا شك في أنه إذا باع منا من الحنطة بمن منها يصدق العناوين الثلاثة أي مثلا بمثل، وكذلك رأسا برأس وكذلك كونهما سواء، وهناك في بعض روايات باب الصرف (1) علق عليه السلام صحة بيع الورق بالورق والذهب بالذهب بكونه وزنا بوزن، وبأن لا يكون فيه زيادة ونقصان. فإذا كان المراد من بيع الورق بالورق والذهب بالذهب بيع المتجانسين، وذكر الذهب والورق من باب المثال، فأيضا يصدق فيما ذكرنا من المثال أنه بيع مثلا بمثل وبلا زيادة ولا نقصان أي من حيث الوزن ففيما إذا كان العوضان من الموزون لا شك في صحة بيعهما موزونا لصدق جميع العناوين الخمسة. وأما بيعهما بالكيل فلا يخلو من اشكال إذا كان بينهما تفاوت بحسب الوزن كما أنه لو باع التمر بالدبس منه متساويا كيلا فالتمر والدبس منه كلاهما من الموزون فإذا بيع أحدهما بالاخر كيلا متساويا يكونان متفاوتين بحسب الوزن لان الكيل من الدبس اثقل من نفس ذلك الكيل من التمر فلا يصدق على مثل ذلك البيع أن العوضين المتجانسين متساويان بلا زيادة ولا نقصان. وذلك من جهة أن العرف يفهم من التساوي فيما يباع عندهم بالوزن التساوي في الوزن لا التساوي كيلا ومن قوله عليه السلام بلا زيادة ولا نقصان عدمهما بحسب الوزن وهكذا قوله عليه السلام في الموزون مثلا بمثل يفهم المثلية بحسب الوزن، وكذلك قوله عليه السلام رأسا برأس وأما قوله عليه السلام وزنا بوزن فصريح في ذلك. نعم لو لم يكن بينهما تفاوت بحسب الوزن فلا يأتي هذا الاشكال كما أنه إذا كان الكيل أمارة على الوزن فأيضا لا يأتي هذا الاشكال كما أنه لو وزن كيلا ويعطى الباقي بذلك الحساب كما تقدم في رواية عبد الملك بن عمرو.


1. " وسائل الشيعة " ج 12، ص 456، أبواب الصرف، باب 1، ح 3 و 4.

[ 145 ]

وأما الثاني أي فيما إذا كانا من المكيل فلا شك في صحة بيعهما كيلا، لان العرف لا يفهم من التساوي إلا التساوي بحسب الكيل وكذلك الكلام في مثلا بمثل ورأسا برأس، وأما قوله عليه السلام وزنا بوزن فهو في مورد الموزون فلا ربط له بمورد كون المبيع مكيلا أصلا، إنما الكلام في صحة بيعهما بالوزن هل يجوز. فقال جماعة نعم لان الوزن أضبط في معرفة التساوي وعدم الزيادة والنقصان الذي هو المناط في عدم تحقق الربا وقد تقدم أنه عليه السلام فسر المثلية بقوله بلا زيادة ولا نقصان، وهو الصحيح، بل ربما يظهر من الشهيد في المسالك (1) دعوى الاجماع على صحة بيع المكيل موزونا حيث قال كما في الجواهر حكاية عن المسالك: ونقل بعضهم الاجماع على جواز بيع الحنطة والشعير وزنا مع الاجماع على كونهما مكيلين في عهده صلى الله عليه وآله. (2) ولكن ظاهر هذا الاجماع على جواز بيع المكيل موزونا على تقدير ثبوته هو في خصوص ارتفاع الغرر بالوزن وخروج المعاملة عن كونها جزافا، فلا ينافي عدم صحة بيع المكيل موزونا مثلا بمثل من ناحية الربا، لعدم صدق التساوي عرفا فيما إذا بيع العوضان من المكيل بالتساوي وزنا. فالاوجه في وجه الصحة ما ذكرنا من أن المراد بقوله عليه السلام مثلا بمثل أو رأسا برأس أو غيرهما من العناوين التي ذكرناها، هو عدم زيادة أحد العوضين على الاخر حيث إن هذا هو المناط في باب الربا ثبوتا وعدما فبثبوتها يثبت الربا وبعدمها يرتفع، ولا شك في أن التساوي بحسب الوزن أدل على عدم تحقق الزيادة والنقصان من التساوي بحسب الكيل حتى فيما يكال عند العرف.


1. " مسالك الافهام " ج 3، ص 317. 2. " جواهر الكلام " ج 23، ص 374.

[ 146 ]

وأما الثالث أي فيما إذا كان احد العوضين من المكيل والاخر من الموزون كالحنطة مع الدقيق، بناء على أن الحنطة من الموزون والدقيق من المكيل فبناء على ما ذكرنا من صحة بيع المكيل بالوزن جواز بيعهما متساويا بالوزن لما ذكرنا من أن الوزن أضبط وأدل في معرفة عدم الزيادة والنقصان الذي هو المناط في جواز بيع المتجانسين أحدهما بالاخر وزنا بوزن ومثلا بمثل، وأما كيلا فلا يخلو من اشكال. وأما قياس بيعهما من حيث لزوم الربا على بيعهما من حيث الغرر، بأن يقال انه كما يرتفع الغرر بكل واحد من الكيل والوزن فكذلك التساوي يحصل بكل واحد من الكيل والوزن، ففي غير محله، وذلك من جهة اختلاف الموضوع في المسألتين. فالموضوع في جواز البيع في باب الغرر هو ارتفاع الغرر والجهالة، وعدم كونه جزافا، والموضوع في باب الربا هو كون العوضين في متحدي الجنسين أو ما كان في حكم متحدي الجنسين متساويين بلا زيادة ولا نقصان فيمكن القول بارتفاع الغرر بكل واحد من الكيل والوزن وأما التساوي وكونهما مثلا بمثل لا يتحقق في الموزون إلا بالوزن وفي المكيل إلا بالكيل، وفيما كان أحدهما مكيلا والاخر موزونا لا يحصل بكل واحد منهما. فلابد من علاج آخر لتصحيح بيعهما، وهو أن يبيع كل واحد منهما بما هو من سنخه، فالمكيل بالمكيل كيلا والموزون بالموزون وزنا، أو يباع كل واحد منهما بغير جنسه كي يخرج عن موضوع الربا. المسألة الخامسة إذا كان البيع في شئ مختلفا بحسب الحالات فيباع في حال بمشاهدة وفي حال بالوزن، وذلك ما في بيع الاثمار، فما دام الثمر على الشجر يباع بالمشاهدة ولكن بعد الانفصال يباع وزنا أو كيلا مثل التمر والعنب وغيرهما، فالظاهر أنه في كل حال يلحقه حكم ذلك الحال، فإذا بيع أو صولح عليه في حال كونه على الشجر لا يدخل فيه الربا لعدم كونه مكيلا أو موزونا وأما بعد الانفصال يدخل فيه

[ 147 ]

لتحقق موضوعه، وهو كونه مكيلا أو موزونا. هذا فيما إذا كان الاختلاف بحسب الاحوال، أما فيما إذا كان الاختلاف بحسب نوع المعاملة، فما إذا بيع لا يباع إلا مكيلا أو موزونا، وأما الصلح فيقع عليه بالمشاهدة كما إذا قلنا بصحة الصلح على صبرة من الحنطة أو الشعير من دون أن يكال أو يوزن، فالظاهر دخول الربا حتى في ذلك النوع الذي لا يكال ولا يوزن، بل يكفي المشاهدة في صحة وقوع الصلح عليه. فلو أراد أن يصالح على صبرة من الحنطة أو الشعير أو غيرهما بصبرة اخرى من جنسه فلا بد وأن يكونا متساويين وإلا يكون من الربا المحرم لتحقق موضوعه، وهو نقل أحد متحدي الجنسين بعوض الاخر إلى الاخر مع أنهما من المكيل أو الموزون بدون أن يكونا متساويين ومثلا بمثل. المسألة السادسة إذا كان شئ يباع بكل من الوزن والعد فإذا كان باختلاف الازمنة أو الامكنة: مثلا يباع في بلد أو زمان بالوزن وفي بلد أو زمان آخر بالعد ففي كل زمان أو مكان يلحقه حكم ذلك الزمان أو ذلك المكان، والوجه واضح. وأما لو كان في زمان واحد أو مكان كذلك يختلف بحسب اشخاص المعاملات، فقد يكون بيعه بالعد وقد يكون بالوزن، فان كان الغالب هو الوزن بحيث يصدق عند العرف أنه موزون، فيدخل فيه الربا لشمول الاطلاقات له، للزوم حملها على المعنى العرفي، وكذلك الامر لو كان الغالب هو العد، وأما لو لم تكن غلبة في البين وصار موردا للشك فيمكن أن يقال إذا بيع بالوزن فيدخل فيه الربا وإن بيع بالعد فلا. ولكن التحقيق أن موضوع الحرمة وفساد المعاملة هو كون العوضين المتفاضلين المتحدي الجنسين من المكيل أو الموزون فلابد من إحراز الموضوع لاثبات هذا الحكم، وإلا فمع الشك في كونه مكيلا أو موزونا، فلا يثبت، نعم التمسك باطلاقات أدلة

[ 148 ]

صحة البيع وغيره من المعاملات لصحة مثل هذه المعاملة يكون من التمسك بعموم العام أو إطلاق المطلق في الشبهات المصداقية، فالاحوط مراعات التساوي كيلا أو وزنا في مثل هذه المعاملة إذا كان العوضان من متحدي الجنسين. المسألة السابعة الاوراق المالية المتعارفة الآن في الاسواق التي عليها مدار المعاملات من أي قسم كانت، وبأي اسم سميت، دينار أو اسكناسا أو نوطا أو ريالا أو ليرة أو غير ذلك حيث إنها ليست من المكيل ولا الموزون، فلا يدخل فيها الربا، وليست معرفا وأمارة على مقدار من الذهب المسكوك أو الفضة المسكوكة، وإن كانت في بعض الازمنة السابقة كذلك، بل هي بنفسها تكون أموالا بواسطة اعتبارها من الذين بيدهم الاعتبار. فلا يجري عليها أحكام النقدين من لزوم القبض في المجلس إذا وقعت المعاملة بينها بعضها ببعض ولا زكوة فيها ولا يدخل فيها الربا. المسألة الثامنة إذا لم يكن الشئ من المكيل ولا من الموزون، فيجوز أن يبيع شاة بشاتين أو يبيع شاة ليس في بطنها شئ بالشاة التي حامل وفي بطنها شئ، أو الشاة التي في ضرعها حليب بالتي ليس في ضرعها حليب، كما أنه يجوز بيعها بنفس الحليب والبعير بالبعيرين والثوب بالثوبين وإن كانا من جنس واحد. وكذلك يجوز بيع دجاجة فيها بيضة بدجاجة كذلك أو خالية عنها كما يجوز بيعها بنفس البيضة ويجوز بيع نخلة فيها ثمرة بالتي ليست فيها ثمرة وايضا بنفس الثمرة وكتاب بكتابين وفرش بفرشين وجميع ما ذكرناه وما لم نذكره من هذا القبيل من بيع واحد باثنين أو أكثر لا مانع فيه من اجل عدم كونه مكيلا أو موزونا، كي يدخل فيه الربا. المسألة التاسعة لو كان جنس بعضه جيد وبعضه ردئ مثلا كان وزنه من الارز نصفه من العنبر الغالي قيمته وهو لشخص ونصفه الآخر من صنف آخر رخيص، وكان هذا النصف لشخص آخر فالمالكان باعا المجموع بوزنة من الصنف

[ 149 ]

الجيد، فان تبانيا على أن يكون عوض مالهما لكل واحد منهما بمقدار نفس ماله فلا إشكال، إذ لا يكون رباء في البين، وأما لو تبانيا على أن يكون عوض مالهما لكل منهما بنسبة قيمة ماله إلى الثمن، كما لو تباينا على ان يكون ثلثي الثمن لمالك النصف الجيد والثلث الباقي لمالك النصف الردي فالمعاملة باطلة قطعا لكونها رباء. وأما لو أطلقا ولم يكن تبان بينهما، فربما يتولد إشكال في الين، وهو أن كل واحد من المالكين للمبيع يملك من الثمن بنسبة قيمة ماله لا بنسبة مقداره وكمه، فإذا كان قيمة النصف الجيد ضعف قيمة النصف الردى فيملك مالك النصف الجيد ثلثي الثمن ومالك النصف الردي ثلثا من تلك الوزنة التي هي ثمن للنصفين فتكون المعاملة باطلة لكونها رباء، فيكون الاطلاق كالتصريح بأن يكون ثلثي الثمن لمالك النصف الجيد الذي قلنا فيه ببطلان المعاملة، لكونا رباء. اللهم إلا أن يقال بأن ظاهر بيع مجموع النصفين بالوزنة الجيدة هو اشتراكهما في الثمن بالسوية، من حيث المقدار، وبعبارة اخرى حيث إن كل واحد منهما مالك لنصف المبيع فبواسطة البيع يصير مالكا لنصف الثمن. ولكن فيه أنه لو فرضنا أن الثمن في نفس المفروض ليس من جنس المثمن، فبناء المعاملات على أن كل واحد من المالكين لنصف مقدار المبيع يملك من الثمن بنسبة قيمة ما يملكه من المبيع، لا بنسبة مقداره، ولذلك ترى في باب تبعض الصفقة لو باع شخص وزنتين من الحنطة إحداهما جيدة واخرى رديئة وفرضنا أن قيمة الجيدة ضعف الرديئة بستة دنانير، فظهر أن الجيدة ملك لغير البايع ولم يجز المعاملة صاحب الجيدة فلا يملك مالك الرديئة إلا دينارين من الثمن، ويسترد الاربعة منه إن كان قبض الكل. فالانصاف أن المعاملة المفروضة في هذه المسألة في صورة الاطلاق كالصورة التي يصرح مالك الجيدة بأن يكون له من الثمن أزيد من النصف باطلة، لكونها رباء

[ 150 ]

وذلك لاجل أن المعاملة في المفروض وفي امثاله وفي باب تبعض الصفقة تنحل إلى معاملتين وفي كل واحد منهما المبيع غير المبيع في الاخر، فلكل واحد منهما من الثمن ما يقابل قيمته لا كميته. هذا كله فيما إذا لم يحصل الاشتراك في المبيع بين النصفين بواسطة الاختلاط أو الامتزاج، وإلا فإذا حصل الاشتراك في المبيع قبل البيع بواسطة الاختلاط فبناء على ما هو الصحيح من كون الاشتراك بنسبة مالية المختلفين لا بنسبة كميهما، فلا يبقى إشكال في البين، ولا يأتي الربا في البيع المذكور لانه بناء على هذا مالك النصف الجيد من المبيع يملك ثلثي المبيع بواسطة اختلاط ماله الجيد، مع المال الردي الذي لشريكه، فكون ثلثي الثمن له في المفروض يكون على القاعدة. نعم يأتي كلام في نفس الاشتراك بنسبة مالية ماليهما لا كميهما وأنه بناء على على ان يكون الاشتراك معاوضة وبناء على إتيان الربا في جميع المعاوضات حتى المعاوضات القهرية، فيكون للاشتراك بالنحو المذكور ربا مردوعا من قبل الشارع، فلابد من القول بعدم كون نتيجة الاشتراك بين المالين الجيد والردي إذا كانا من جنس واحد أو إذا كانا في حكم جنس واحد وهو الاشتراك، بنسبة مالية المالين وقيمتهما وعلى كل حال محل هذا البحث ليس هاهنا وموكول إلى كتاب الشركة. المسألة العاشرة الظاهر أن المعاملة الربوية حرام وفاسدة بتمامها، فلا يملك البايع مثلا شيئا من الثمن ولا المشتري شيئا من المثمن، لا أن الحرمة أو الفساد مخصوص بالمقدار الزائد على أحد العوضين وذلك لوجوه: الاول أن ظاهر قوله تعالى أحل الله البيع وحرم الربا (1) تقسيم المعاملات على قسمين في متحدي الجنسين أحدهما أن لا تكون لاحد العوضين زيادة على


1. " البقرة (2): 275.

[ 151 ]

الاخر وهو حلال وصحيح، الثاني أن تكون المعاملة مشتملة على زيادة في أحدهما جزءا أو شرطا وهو حرام وباطل، ومعلوم أن المعاملة إذا كانت فاسدة فلا ينتقل شئ من العوضين إلى صاحب العوض الاخر، بل يبقى كل واحد منهما بتمامه في ملك من كان له قبل وقوع هذه المعاملة الفاسدة، وهكذا فسر الاية الشريفة في مجمع البيان وقال أي أحل الله البيع الذي لا رباء فيه وحرم البيع الذي فيه الربا. (1) الثاني ما قررنا وأثبتنا في إحدى قواعد هذا الكتاب أن العقود تابعة للقصود، إذ لا شك في أن المتعاملين قصدا انتقال العوض المشتمل على الزيادة جزءا أو شرطا إلى الطرف المقابل بعوض ما ينتقل منه إليه، فلو قيل: إن ما انتقل إليه هو العوض بدون تلك الزيادة فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، ويخالف هذا تبعية العقود للقصود. ولا يأتي هاهنا ما يقال في باب تبعض الصفقة من جهة أنه هناك يمكن القول بل لابد منه بأن العقد الواحد ينحل إلى عقدين كلاهما مقصودان، غاية الامر أن شرائط الصحة في احدهما موجودة دون الاخر وأما في المقام، القول بالانحلال لا معنى له، إذ ليس في مقابل الزيادة شئ كي يقال إنه عقد آخر الثالث الاخبار فان ظاهرها بطلان المعاملة الربوية وفسادها لا عدم انتقال الزائد فقط إلى صاحب العوض الآخر منها قوله عليه السلام: لا يصلح التمر اليابس بالرطب من أجل أن التمر يابس والرطب رطب فإذا يبس نقص، (2) وقوله عليه السلام وقد سئل عن العنب بالزبيب قال لا يصلح إلا مثلا بمثل، (3)


1. " مجمع البيان " ج 1، ص 389. 2. " الكافي " ج 5 ص 189، باب المعاوضة في الطعام، ح 12، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 94، ح 398، باب بيع الواحد بالاثنين...، ح 4 " الاستبصار " ج 3، ص 93، ح 314، باب بيع الرطب بالتمر، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 445، أبواب الربا، باب 14، ح 1. 3. " الكافي " ج 5، ص 190، باب المعاوضة في الطعام، ح 16، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 97، ح 417، باب

[ 152 ]

وبهذا المضمون أخبار كثيرة ولا شك في أن ظاهر هذه الاخبار بطلان المعاملة المشتملة على تلك الزيادة للنقص الحاصل فيما بعد. ومنها ما قاله الصادق عليه السلام في رواية سيف التمار أن علي بن أبيطالب عليه السلام كان يكره أن يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، لان تمر المدينة أدونهما ولم يكن علي يكره الحلال، (1) ومعلوم أن ظاهر هذه الرواية أن نفس المعاملة ليست بحلال وفاسد لا الزيادة فقط. ومنها رواية سعد بن طريف عن أبي جعفر عليه السلام قال عليه السلام أخبث المكاسب كسب الربا، (2) فجعل عليه السلام المعاملة المشتملة على الزيادة من أخبث المكاسب، ومعلوم أن خبث الكسب ظاهر في فساده وحرمته أي نفس المعاملة لا خصوص الزيادة. ومنها قوله عليه السلام في رواية حماد عن الحبلي عن ابي عبد الله عليه السلام: الزائد والمستزيد في النار، (3) وظاهر هذا الكلام أن كون الزائد والمستزيد أي المتعاملين في النار يكون لاجل معاملتهم فتكون تكون المعاملة التي تكون سببا لدخول النار حراما وفاسدا. وهناك روايات اخر كثيرة لا يشك المتأمل فيها في دلالتها على حرمة المعاملة


بيع الواحد بالاثنين...، ح 1، " الاستبصار " ج 3، ص 92، ح 313، باب بيع الرطب بالتمر، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 445، أبواب الربا، باب 14، ح 3. 1. " الكافي " ج 5، ص 188، باب المعاوضة في الطعام، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 447، أبواب الربا، باب 15، ح 1. 2. " الكافي " ج 5، ص 147، باب الربا، ح 12، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 423، أبواب الربا، باب 1، ح 2. 3. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 98، ح 419، باب بيع الواحد بالاثنين...، ح 25، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 456، أبواب الصرف، باب 1، ح 1.

[ 153 ]

الربوية لا الزيادة فقط، وبناء على هذا يكون اصل المعاملة فاسدة، ويكون ما يقبضه البايع فيها من الثمن وكذلك المشتري من المثمن من قبيل المقبوض بالعقد الفاسد، فيجب رده إلى مالكه مع بقائه، ومع تلفه يضمن القابض. نعم مع علم المعطى بفساد المعاملة يمكن أن يقال هو الذي أقدم على إتلاف ماله وهتك احترامه، فلا يضمن القابض. ثم إن ما ذكرنا في وجوب رد ما قبض في المعاملة الربوية هو فيما إذا كان القابض عالما بالحكم والموضوع، وأما إذا كان جاهلا بهما أو باحدهما فسيأتي الكلام فيها. ولا فرق فيما ذكرنا من بطلان المعاملة الربوية بين أن تكون الزيادة جزء أو شرطا، وما توهم من أنها لو كانت شرطا فيكون البطلان مبتنيا على أن الشرط الفاسد مفسد للعقد واما إذا لم نقل بأن الشرط الفاسد مفسد فلا وجه للقول ببطلان المعاملة لا أساس له: أما لو كان مدرك البطلان هي الآية أو الاخبار، فقد تقدم أن مفادهما هو بطلان البيع الربوي أو مطلق المعاوضات الربوية، سواء كان منشأ كونها ربوية هو زيادة الجزء أو الشرط. وأما لو كان المنشأ هو قاعدة تبعية العقود للقصود، فلا شك أن قصد المتعاملين متعلق بالمبادلة بين العوضين أي متحدي الجنسين مشروطا بذلك الشرط وبعبارة اخرى المبادلة بين العوضين مع الشرط من قبيل بشرط شئ فالمبادلة بين نفس العوضين ليس مقصودا أصلا لان النسبة بين العوضين من دون الشرط وبينهما مع الشرط نسبة المتباينين، إذ هي من قبيل نسبة بشرط لا إلى بشرط شئ، وهما متباينان ولا يقاس ما نحن فيه بمسألة خيار تخلف الشرط، لانه هناك المبيع شخص خارجي قصد نقله إلى المشتري غاية الا أنه التزم بكونه متصفا بصفة كذا، وهذا

[ 154 ]

التزام آخر غير قصد كونه مبيعا ومنقولا إلى الغير فتخلف الشرط أو الوصف هناك لا يوجب عدم قصد نقل ذلك الموجود الخارجي. نعم لو كان المبيع أمرا كليا موصوفا بوصف فذات ذلك الكلي ليس مقصودا ووصفه مقصودا آخر وبعبارة اخرى ليس من قبيل الالتزام في الالتزام، فلو تعذر الوصف يمكن القول بعدم إتيان خيار تخلف الوصف أو الشرط بل تنفسخ المعاملة ويكون من قبيل تعذر نفس المبيع فبناء على هذا في صورة كون الزيادة شرطا يمكن أن يقال بأن ما قصد لم يقع للمنع الشرعي، وما وقع أي انتقال العوضين بدون الشرط لم يكن مقصودا. والفرق بين المقام وبين مورد خيار تخلف الوصف والشرط، هو أنه حيث ان المعاملة وقعت هناك على العين الشخصية، فالقصد تعلق بنقلها على كل حال أي سواء وجد الوصف أو الشرط أو لم يوجد، لان العين الخارجية لا تتغير عما هي عليه بوجود الوصف والشرط، وعدم وجودهما، وأما في المقام فالقصد تعلق بمبادلة شئ بمقداره من جنسه مشروطا بشرط، فإذا لم يوجد الشرط فما هو المقصود لم يقع. نعم ها هنا أيضا لو وقعت المعاوضة بين العينين الشخصيتين المتحدتين في الجنس والمقدار وكانت المعاوضة مشروطة بشرط غير جائز شرعا ولو من جهة كونه رباء فبطلان مثل هذه المعاملة لابد وان يكون مستندا إلى دليل آخر غير تبعية العقود للقصود وهو كما تقدم، الاية والاخبار. المسألة الحادية عشر في انه بعد الفراغ عن بطلان المعاملة الربوية وفسادها هل هو فيما إذا ارتكب متعمدا مع العلم بالحكم والموضوع أم لا بل يكون مطلقا باطلا وان كان جاهلا بالحكم أو الموضوع بل وبهما والفرق بين القولين واضح. ففي الصورة الاولى لو اخذ الربا جهلا بالحكم أو الموضوع أو بكليهما فيكون

[ 155 ]

الزائد ماله ولا يجب رده بالخصوص أو جميع العوض المأخوذ إلى صاحبه لعدم علمه بانه رباء أو انه حرام وان كان يعلم بانه رباء. وهذا بخلاف الصورة الثانية فانه يجب عليه الرد مطلقا وان كان جاهلا باحدهما أو بكليهما. وفي المسألة أقوال: قول بعدم وجوب الرد مطلقا أي سواء كان جاهلا بالحكم أو الموضوع أو بهما فلا يجب رد الزائد أو الجميع مطلقا وفي جميع الصور التي للجهل وهذا القول منقول عن الصدوق والشيخ (1) والشهيد (2) والاردبيلي (3) والحدائق (4) والرياض. وقول بوجوب الرد وبطلان المعاملة مطلقا وانه لا فرق بين صور الجهل حكما أو موضوعا مع العلم فحال الجاهل حال العالم وقول بالتفصيل بين كون ما اخذ رباء موجودا ومعلوما وصاحبه الذي اخذ منه ايضا كذلك موجودا ومعروفا وبين ما لا يكون كذلك بان يكون ما اخذه رباء تالفا ان كان مخلوطا أو ممتزجا غير معلوم أو كان صاحبه الذي اخذ منه غير موجود أو غير معروف ومعلوم فيجب الرد في الاول ولا يجب في الثاني. والقول الاول اي عدم وجوب الرد مطلقا إما لصحة المعاملة الربوية حال الجهل بالحكم أو الموضوع أو الجهل بكليهما كما هو ظاهر كلام القائلين بهذا القول واما تعبدا للاية والرواية مع بطلان المعاملة وفسادها وذهب إلى هذا القول صاحب


1. " النهاية " ص 376. 2. " الدروس " ج 3، ص 299. 3. " مجمع الفائدة والبرهان " ج 8، ص 489. 4. " الحدائق الناضرة " ج 20، ص 220.

[ 156 ]

الحدائق (1) وعو عجيب. وحكى احتمال التفصيل بين الجاهل بالحكم والجاهل بالموضوع وايضا بين الجاهل باصل الحكم وبين الجاهل بالخصوصيات والاقوى من هذه الاقوال هو التفصيل بين ما كان المأخوذ رباء معزولا موجودا يعرفه من دون خلطه أو امتزاجه بسائر امواله خصوصا إذا كان صاحبه موجودا ويعرفه فيجب رده عليه وبين ما ليس كذلك فلا يجب رده وحلال اكله. ومدرك هذا التفصيل هو صحيح الحلبي وما رواه أبو الربيع الشامي وإلا فمقتضى القواعد الاولية وأدلة حرمة الربا وبطلان المعاملة الربوية وجوب رد جميع ما اخذه عوض ماله في المعاملة الربوية، لانه مقبوض بالعقد الباطل الفاسد، ولم ينتقل إليه شئ بذلك العقد. فيده على ما قبض يد عادية ويجب رده إلى مالكه إن لم يكن تالفا وكان موجودا وان تلف فهو ضامن لان يده يد ضمان إلا ان يكون هو اقدم على اتلافه وهتك احترام ماله بواسطة علمه بالفساد وإن لم يعرف المالك يكون من قبيل مجهول المالك يجب التصدق عنه باذن الحاكم. وخلاصة الكلام ان ما قبضه من الطرف في المعاملة الربوية يكون من المقبوض بالعقد الفاسد وهو يجري الغصب فيكون القابض ضامنا وادعى الشيخ وفقيه عصره كاشف الغطاء قدهما الاجماع على ضمان القابض (2) وقال ابن ادريس ان البيع الفاسد يجري عند المحصلين مجرى الغصب في الضمان. (3) هذا حسب القواعد واما مقتضى الروايات الواردة في الباب هو التفصيل الذي


1. " الحدائق الناضره " ج 20، ص 220. 2. " المكاسب " ص 101. 3. " السرائر " ج 2، ص 326.

[ 157 ]

ذكرناه. منها ما رواه هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الرجل يأكل الربا وهو يرى انه له حلال قال لا يضره حتى يصيبه متعمدا فإذا اصابه فهو بالمنزل الذي قال الله عزوجل. (1) ومنها ما رواه الوشاء عن ابي المغرا قال قال أبو عبد الله عليه السلام كل ربا اكله الناس بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة وقال لو ان رجلا ورث من ابيه مالا وقد عرف ان في ذلك المال ربا ولكن قد اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالا طيبا فليأكله وان عرف منه شيئا انه ربا فليأخذ رأس ماله وليرد الربا وايما رجل افاد مالا كثيرا قد اكثر فيه من الربا فجهل ذلك ثم عرفه بعد فاراد ان ينزعه فما مضى فله ويدعه فيما يستأنف. (2) ومنها ما عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن حماد عن الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال اتى رجل ابي فقال اني ورثت مالا وقد علمت ان صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي وقد عرف ان فيه ربا واستيقن ذلك وليس يطلب لي حلاله لحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء اهل العراق واهل الحجاز فقالوا: لا يحل اكله. فقال أبو جعفر عليه السلام ان كنت تعلم بان فيه مالا معروفا ربا وتعرف اهله فخذ رأس مالك ورد ما سوى ذلك وان كان مختلطا فكله هنيئا فان المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقى فمن جهم وسع له جهله حتى يعرفه فإذا عرف تحريمه حرم عليه ووجب عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا. (3)


1. " الكافي " ج 5 ص 144، باب الربا، ج 3، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 430، أبواب الربا، باب 5، ح 1. 2. " الكافي " ج 5، ص 145، باب الربا، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 431، أبواب الربا، باب 5، ح 2. 3. " الكافي " ج 5 ص 145، باب الربا، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 431، أبواب الربا، باب 5، ح 3.

[ 158 ]

ومنها ما رواه أبو الربيع الشامي قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أربى بجهالة ثم اراد ان يتركه قال عليه السلام أما ما مضى فله فليتركه فيما يستقبل ثم قال ان رجلا اتى ابا جعفر عليه السلام فقال اني ورثت مالا وذكر الحديث نحوه. (1) ومنها ما رواه محمد بن مسلم قال دخل رجل على ابي جعفر عليه السلام من اهل خراسان قد عمل الربا حتى كثر ماله ثم انه سال الفقهاء فقالوا ليس يقبل منك شئ إلا ان ترده إلى اصحابه فجاء إلى ابي جعفر عليه السلام فقص عليه قصته فقال له ابو جعفر عليه السلام مخرجك من كتاب الله: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وامره إلى الله (2) والموعظة التوبة. (3) ومنها ما رواه الطبرسي في مجمع البيان عن ابي جعفر عليه السلام قال ان الوليد ابن المغيرة كان يربي في الجاهلية وقد بقى له بقايا على ثقيف واراد خالد بن الوليد المطالبة بعد ان اسلم فنزلت واتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين الايات. (4) ومنها ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى عليه السلام قال سألته عن رجل اكل ربا لا يرى إلا انه حلال قال عليه السلام لا يضره حتى يصيبه متعمدا فهو ربا. (5) ومنها ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن ابيه قال ان رجلا اربى دهرا من الدهر فخرج قاصدا ابا جعفر الجواد عليه السلام فقال له: مخرجك من كتاب الله يقول الله فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف والموعظة هي التوبة: فجهله بتحريمه ثم معرفته به. فما مضى فحلال وما بقى فليستحفظ. (6)


1. " الكافي " ج 5، ص 146، باب الربا، ح 9، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 432، أبواب الربا، باب 5، ح 4. 2. البقرة (2): 275. 3. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 15، باب فضل التجارة وآدابها، ح 68، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 430، أبواب الربا، باب 5، ح 1. 4. " مجمع البيان " ج 1، ص 392، والاية في سورة البقرة (2): 278. 5. " مسائل علي بن جعفر " ص 147، ح 180، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 433، أبواب الربا، باب 5، ح 9. 6. " نوادر أحمد بن محمد بن عيسى " ص 161، ح 413، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 433، أبواب الربا،

[ 159 ]

وايضا عن ابيه قال قال أبو عبد الله عليه السلام لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن ومن اكله جاهلا بتحريمه [ بتحريم الله ] لم يكن عليه شئ. (1) وبعد التأمل في هذه الاخبار ورد بعضها إلى بعض تكون ظاهرة فيما اخترنا من التفصيل بيان ذلك ان بعض هذه الروايات وان كانت تدل على العفو عما مضى وعدم وجوب غرامته عليه بعد التوبة مطلقا أو فيما إذا كان المرتكب حين ارتكابه جاهلا بتحريمه سواء كانت عين المال الربوي موجودة أو ليست بموجودة وكانت تالفة وسواء كان مشخصا معزولا أو كان مشاعا مخلوطا. ولكن قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي إن كنت تعلم بان فيه مالا معروفا ربا وتعرف اهله فخذ رأس مالك ورد ما سوى ذلك وإن كان مختلطا فكله هنيئا فان المال مالك يقيد المطلقات بما إذا كان المال الربوي موجودا معروفا معزولا وتعرف صاحبه ففي هذه الصورة ليس مشمولا لحكم المطلقات من حلية أكله وعدم ضمان عليه، بل يجب رده إلى صاحبه. وهكذا في رواية ابي الربيع الشامي لان سياقها عين سياق صحيحة الحلبي لان فيها ايضا ان كنت تعرف شيئا معزولا وتعرف اهله وتعرف انه ربا فخذ رأس مالك ودع ما سواه إلى آخر الحديث. والحاصل ان صحيحة الحلبي المنقولة بطرق متعددة فرق بين كون المال الربوي معروفا معزولا وبين كونه مشاعا ومخلوطا ففي الاول حكم بوجوب الرد وان كان المرتكب حال ارتكابه جاهلا بالحكم أو الموضوع وفي الثاني حكم بجواز اكله وعدم


باب 5، ح 10. 1. " نوادر أحمد بن محمد بن عيسى " ص 162، ح 414، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 433، أبواب الربا، باب 5، ح 11.

[ 160 ]

وجوب رده بل هناك قيد آخر وهو ان يعرف اهله اي من اخذ منه الربا اي صاحب الزيادة ومالكه وكذلك الكلام في رواية ابي الربيع الشامي ولا وجه لما ذكروه من حمل الامر على الاستحباب. ولا شك في ان قوله عليه السلام فيما إذا كانت عين الزيادة معلومة مشخصة معزولة مع أنها ملك الغير يقينا خذ رأس مالك ودع ما سواء لا مجال لحمله على الاستحباب إذ وجوب رد المال المعين المشخص للغير مع معلومية ذلك الغير امر عقلي فمع كون الامر من طرف الشارع برده والقول بكون الامر ظاهرا في الوجوب حمل الامر على الاستحباب لا يخلو من غرابة. فالاقوى هو التفصيل الذي ذكرناه بل الاحوط معاملة مجهول المالك معه إذا لم يعرف صاحبه خصوصا إذا كان المال معلوما ومعزولا ولا يكون مختلطا ومشاعا. هذا مفاد الاخبار في المقام واما الآية أي قوله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (1) فمع قطع النظر عن استشهاد الامام عليه السلام بها وتطبيقها على موارد مذكورة في الروايات المتقدمة، ففيها احتمالات: الاول لو تاب المرتكب للربا عنه بعد ارتكابه مدة من الزمن سواء كان عالما بتحريمه ام لا ثم عرف فتاب بناء على ان تكون الموعظة بمعنى التوبة كما انها فسر بها في بعض الاخبار (2) فله ما سلف اي الاموال التي اخذها رباء قبل ان يتوب يكون له وحلال له ولا يجب رده إلى صاحبه وان كان المال معلوما معزولا وصاحبه الذي


1. البقرة (2): 275. 2. " مجمع البيان " ج 1، ص 392 " تفسير العياشي " ج 1، ص 152، ح 156، " مسائل علي بن جعفر " ص 147، ح 180، " نوادر أحمد بن محمد بن عيسى " ص 161، ح 413 و 414، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 433، أبواب الربا، باب 5، ح 7، 10 و 12.

[ 161 ]

اخذ منه معروفا غير مجهول. ولكن هذا المعنى والاحتمال مردود اجماعا ومخالف لقوله تعالى وإن تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. (1) الثاني أن يكون المراد من الموعظة التحريم والنهي من قبل الشارع فيكون معنى الاية انه لو ارتكب المعاملات الربوية واخذ الربا قبل ورود النهي وقبل مجئ التحريم فلما ورد النهي من ربه انتهى فله ما أخذ قبلا ولا يجب رد ما اخذ قبلا قبل ورود النهي والتحريم. قال في مجمع البيان في تفسير هذه الجملة من الاية: فله ما اخذ واكل من الربا قبل النهي لا يلزمه رده، ثم قال قال الباقر عليه السلام من ادرك الاسلام وتاب ممن كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف. (2) وبناء على هذين المعنيين لا ربط للآية بمحل كلامنا، لان محل كلامنا هو أنه لو ارتكب الرباء جهلا بالحكم أو الموضوع بعد ورود النهي عن قبل الشارع، فبعدما التفت إلى ان في ماله ربا محرم هل يجب رده إلى مالكه أم لا، وهذا لا ربط له بأحد المعنيين. نعم الآية بحسب الظاهر الاولي ظاهر في المعنى الاول ولكن لابد من التصرف فيه لمناقضته مع قوله تعالى وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وبحسب شان النزول والمورد في الاية التي بعدها يكون ظاهرا في المعنى الثاني، وذلك من جهة أنه روى عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ان الوليد بن المغيرة كان يربى في الجاهلية وقد بقى له بقايا على ثقيف فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم فنزلت الآية.


1. البقرة (2): 279. 2. " مجمع البيان " ج 1، ص 390.

[ 162 ]

الثالث أن يكون المراد منه ان الذي ارتكب البا جهلا بالحكم أو الموضوع ثم التفت إلى النهي فله ما سلف ولا يجب رد ما ليس بمعزول ولا معلوم أنه ربا، بل كان مخلوطا ومشاعا، فيكون له حلال ويجوز أكله. وهذا المعنى متعين لهذه الآية لاستشهاد الامام عليه السلام بهذه الآية لحلية أكل الربا المتقدم الذي ارتكبه جهلا بالحكم أو الموضوع في الروايات المتعددة حيث قال عليه السلام مخرجك من كتاب الله ثم تلا هذه الآية. ولا يرد على هذا المعنى ما أشكلنا على المعنى الاول من المناقضة مع قوله تعالى وان تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وذلك من جهة ان هذه الاية في مورد الجهل حكما أو موضوعا، واما قوله تعالى وان تبتم فلكم رؤس أموالكم في صورة التعمد والعلم بالحكم والموضوع. وخلاصة القول أن هذه الآية بضميمة استشهاد الامام عليه السلام بها على حلية أكل الربا فيما إذا كان ارتكابه في حال الجهل به حكما أو موضوعا فيما إذا لم يكن المأخوذ رباء معلوما ومعزولا، بل كان مختلطا ومشاعا خصوصا إذا لم يعرف اهله اي صاحب تلك الزيادة تدل على التفصيل الذي اخترناه، فالآية الشريفة كالاخبار المتقدمة دليل على هذا القول. المسألة الثانية عشر إذا تعاملا بين شيئين رطبين متحدي الجنس كالعنب بالعنب أو الرطب بالرطب، مثلا وكانت المعاملة صادرة من الفضول فأجاز الاصيل بعد مدة يبس أحد العوضين ونقص عن وزن ما يقابله إن كانا من الموزون أو عن كيله إن كانا من المكيل، فهل مثل هذه المعاملة صحيحة أو فاسدة؟. لا يبعد ابتناء المسألة على الكشف الحقيقي والنقل، فان قلنا بالاول فالمعاملة صحيحة، وإن قلنا بالنقل تكون فاسدة لكونها من الربا المحرم، وأما الكشف الحكمي فلا أثر له في هذا المقام لانه في الحقيقة نقل لا كشف.

[ 163 ]

المسألة الثالثة عشر إذا اراد الشريكان أو الشركاء تقسيم المال المشترك بينهما أو بينهم بحيث يكون نصيب كل واحد منهم من جنس نصيب الاخر وكان المال المشترك مما يكال أو يوزن، وبعبارة اخرى كان المال المشترك أبعاضه ربويا اي واجدا لشرائط ثبوت الربا بحيث لو وقعت المعاملة والمعاوضة على تلك الابعاض يجب أن يكون العوضان مثلا بمثل، أي متساويين في المقدار، فهل القسمة أيضا معاملة ومعاوضة كي يراعى فيها عدم ثبوت الربا؟ أم لا؟ بل صرف تمييز حق بمعنى أن الحق بمقتضى الشركة مشاع إما نصف أو ثلث أو ربع أو غيرها من الكسور حسب كثرة الشركاء أو قلتهم، أو كثرة نصيب الشريك أو قلته، وعلى كل حال فبناء على الاول لابد وأن تكون القسمة بالكيل أو الوزن كي لا يقع التفاضل بين حقه وبين ما يأخذه بعنوان أنه نصيبه، ولا يجوز بالخرص والتخمين. فلو كان الشريكان لكل واحد منهما النصف فان كان من المكيل يجب أن يكال المال بكيلين متساويين، وإن كان من الموزون يجب ان يوزن القسمان بوزنين متساويين لكي لا يزيد أحدهما على الاخر، فيكون رباء محرما. وأما بناء على الثاني فحيث لا معاوضة ولا معاملة فلا رباء في البين، فلا مانع من أن تكون السهام متفاوتة في المقدار، وأن يكون أحدهما أزيد من الاخر، فيما إذا كان لكل واحد من الشريكين النصف. وهكذا الامر لو كان الشركاء متعددا وكانوا أزيد من اثنين فسهم صاحب كل كسر لا مانع من أن يكون أزيد من ذلك الكسر أو أقل، إذا كان التقسيم بوجه مشروع وأيضا لا مانع من أن يكون سهم أحدهما الرطب من ذلك الجنس المشترك مثل أن يكون رطبا أو عنبا وسهم الآخر اليابس منه مثل أن يكون تمرا أو زبيبا، وإن كانا ينقصان إذا جفا. كل ذلك لانه بناء على هذا لا رباء في البين كي لا يجوز أمثال تلك المذكورات

[ 164 ]

وما ذكرنا كان أثر كل واحد من التقديرين وأما في مقام الاثبات وأن أي واحد منهما هو الحق فيحتاج إلى شرح وبيان. وخلاصة الكلام فيه هو أن مبنى هذه المسألة أي كون القسمة إفراز حق وتمييزه أو معاوضة ومعاملة بين الشريكين، أو الشركاء، هو تحقيق معنى الشركة وبيان حقيقتها فنقول: أما مفهوم الشركة فهو من المفاهيم الواضحة عند العرف ولذلك تعريفه يكون لفظيا ربما يكون هو أوضح من التعاريف التي عرفوها بها، فالعمدة هو بيان أن متعلق حق الشركاء أي شئ هو؟ وفي هذا المقام ذكروا وجوها. الاول هو أن كل واحد من الشريكين، أو الشركاء، يملك كسرا مشاعا من المال المشترك كالنصف أو الثلث أو الربع، وهكذا في باقي الكسور ففي الحقيقة كل واحد من الشريكين أو الشركاء مالك لعنوان كلي قابل للانطباق على أفراد ومصاديق متعددة، وكل واحد من تلك الافراد مصداق حقيقي وفرد واقعي لذلك المفهوم الكلي. فبناء على هذا حقيقة القسمة عبارة عن تطبيق ذلك الكلي المملوك على مصداقه فتمام ذلك الفرد عين مملوكه وليس شئ فيه لشريكه كي يقال بأنه معاوضة ومعاملة مع شريكه بمعنى انتقال أجزاء من مال شريكه إليه بعوض ما ينتقل من ماله إلى شريكه، بل بالقسمة يتعين ماله ويتميز عن مال شريكه، ويخرج عن الاشاعة. وهذا هو المتفق عليه بين أصحابنا الامامية رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، بخلاف ما ذهب إليه الجمهور من أن القسمة مستلزمة للمبادلة والمعاوضة بين ماليهما كما أنه لو حصلت الشركة بين ماليهما بواسطة الخلط كما في خلط الحنطة بالحنطة أو الشعير بالشعير أو في غيرهما أو بواسطة المزج كمزج لبن أحدهما بلبن الآخر أو الدهن المذاب لاحدهما بالدهن المذاب للاخر، فبعد التقسيم لا محالة يوجد في كل

[ 165 ]

قسم مال الاخر، فلابد وان نقول بالمعاوضة ولا يمكن أن يكون إفراز حق وتمييزه عن مال الاخر. ولكن أنت خبير بأن في المثالين أو ما يشبههما يحصل الاشتراك في الرتبة السابقة على القسمة بنفس المزج أو الخلط فيكون لكل واحد منهما الكسر المشاع من النصف أو الثلث أو غيرهما، فإذا كان مبادلة أو معاوضة فذلك في الرتبة السابقة على القسمة أي في نفس حصول الاشتراك. الثاني أن يكون مال كل واحد من الشريكين أو الشركاء معلوما وعند الله متميزا في الواقع وفي مقام الثبوت، ولكن في مقام الاثبات لا يعرف التميز مثل موارد العلم الاجمالي فان المعلوم بالاجمال معلوم ومتميز عند الله وعند من يعرف الواقع، ولكن غير معلوم عند الذي يعلم علما اجماليا مثلا بنجاسة أحد الكاسين أو بزوجية إحدى المرأتين، وهكذا في سائر موارد العلم الاجمالي. ومرجع هذا الوجه هو أن الاشتراك في الحقيقة عبارة عن الالتباس والاشتباه في الظاهر، ولازم هذا الوجه هو أن يكون التقسيم غالبا ملازما مع المبادلة والمعاوضة، لبعد أن ترد القسمة على نفس ماله بمعنى أن يكون سهمه دائما عين ما يملكه واقعا، خصوصا في مورد المزج والخلط بل استحالته عادة. فهذا الوجه يناسب ما ذهب إليه الجمهور في القسمة من أنها مبادلة ومعاوضة ولكن أنت خبير بأن أصل هذا المبنى باطل، وأن الاشتباه والالتباس غير الاشتراك مفهوما ومصداقا، لانه بناء على هذا المبنى ليس اشتراك في البين بل كل واحد منهما مالك لمال نفسه المتعين في الخارج، غاية الامر اشتبه بمال الاخر. والانصاف ان القول بان الاشتراك من هذا القبيل لا يخلو من غرابة، وأما ما يتراءى في بادئ النظر في مورد مزج المالين أو خلطهما، بحيث لا يمكن فصلهما عرفا وعادة، من كونه كذلك، فقد بيناه بأن المزج أو الخلط بتلك المثابة يكون سببا لحصول

[ 166 ]

الاشتراك بنحو الاشاعة، وملكية كل واحد منهما أحد الكسور. ولا شك في أن الكسر المشاع لا تعين ولا تميز له في مقام الثبوت، بل هو من قبيل الكلى قابل للانطباق على الكثير، وما لم ينطبق على الخارج لا تعين له نعم بعد الانطباق يتعين ويتميز. وحيث إن الخصوصية ليست ملكا للشريك اصلا كما إذا اشترى صاعا من صبرة أو بعنوانها الخاص، بل يكون مالكا لاحدى الخصوصيتين أيضا بعنوان كلي كما في باب الارث، فلابد وأن يكون التطبيق إما برضاية الطرفين أو بحكم الشرع من قرعة أو غيرها. وخلاصة الكلام أن المفهوم من الشركة عرفا لا يلائم مع كونها من قبيل الالتباس وكونها متميزا في الواقع وفي عالم الثبوت وغير معلوم في مقام الاثبات. الثالث ان يكون كل واحد من الشريكين إذا كانا اثنين مع التساوي في نصيبهما مالكا لنصف المال المشترك، ولكن لا بنحو الكلي، بمعنى أن يكون مالكا لطبيعة النصف من ذلك المال، فكل نصف فرض في ذلك المال يكون تمامه لكل واحد من الشريكين، غاية الامر على البدل لا في عرض مالكيته لذلك النصف الآخر، كي يلزم منه اجتماع مالكين في مال واحد، وكذلك كي لا يلزم منه مالكية كل واحد منهما لتمام المال المشترك. ومرجع هذا الوجه إلى أن كل جزء فرضته في ذلك المال يكون لكل واحد من الشريكين نصفه، وحيث إن التحقيق عدم وجود الجزء الذي لا يتجزى واستحالته فكل جزء فرضته في ذلك المال قابل للقسمة إلى ما لا يتناهى ففي كل جزء يصح أن يقال نصفه لهذا الشريك ونصفه الآخر للآخر، فهما شريكان في كل جزء من أجزاء ذلك المال المشترك وهذا المعنى هو المتفاهم العرفي من لفظ الشركة. نعم لو قلنا بوجود الجزء الذي لا يتجزى فيلزم من هذا الوجه محذور، وهو

[ 167 ]

اجتماع مالكين على مال واحد، لعدم إمكان أن يقال إن نصف هذا الجزء لهذا الشريك ونصفه الآخر للآخر، لعدم تصوير النصف فيه. فالذي يقول بامكان الجزء الذي لا يتجزى وأن كل جسم مركب منه، فلابد له من الالتزام باحد أمرين إما أن لكل جزء من تلك الاجزاء مالكين، أو يلتزم بأن بعض تلك الاجزاء لاحدهما والبعض الاخر للاخر. وحيث إن الثاني لا يلائم مع الاشاعة والشركة، لانه بناء على الثاني مال كل واحد من الشريكين غير مال الآخر، إلا أنه غير متميز خارجا، فلابد للقائل بالاشاعة والاشتراك من اختيار الوجه الاول، وهو أن يكون لكل جزء مالكين، وهو محال وباطل بالضرورة، مضافا إلى أنه لا يصدق عليه الشركة ولو التزم بذلك لان مرجع هذا الوجه إلى أن تمام المال ملك لهذا الشريك وللآخر ايضا وهذا غير الشركة. ولكن الذي يسهل الخطب ان بطلان الجزء الذي لا يتجزى في عصرنا هذا ينبغي أن يعد من البديهيات. ثم إن الفرق بين هذا الوجه والوجه الاول هو أنه لو تلف مقدار من المال المشترك يكون التلف من كل واحد من الشريكين أو الشركاء، وذلك لما قلنا من أن مرجع هذا الوجه إلى أنه أي جزء فرضت في هذا المال يكون نصفه مثلا لهذا الشريك ونصفه الآخر للاخر، وهكذا في سائر الكسور، وفي سائر الفروض، وإن كان الشركاء أزيد من اثنين، فالتالف بعضه لهذا الشريك وبعضه الآخر للشريك الآخر أو الشركاء الآخرين، فالتلف يكون من كيس جميع الشركاء. ففي الحقيقة إذا قلنا أن نصف هذا المال لاحد الشريكين مثلا مرجعه إلى أن أنصاف جميع الاجزاء المفروضة فيه له، فلو تلف جزء من تلك الاجزاء المفروضة فتلف نصف ذلك التالف من كل واحد منهما.

[ 168 ]

وأما في الاول فالنصف الكلي لاحد الشريكين وكذلك النصف الآخر للاخر، فلو تلف نصف هذا المال لا يبقى لاحد الكليين مصداق فلابد وان يعين التالفة بالقرعة، وذلك من جهة أنه في المفروض للمال المشترك نصفان أحدهما النصف التالف وثانيهما النصف الباقي، فيكون كل واحد من النصفين لاحد الشريكين بلا تعيين، فلا مناص إلا التعيين بالقرعة التي عينها الشارع لكل أمر مشتبه. وبعد ما عرفت ما ذكرنا تعلم أن الصحيح من هذه الوجوه هو الوجه الاخير أي الوجه الثالث، إذ هو الذي يسلم عن النقوض والاشكالات، وهو الذي يفهمه العرف من الشركة، ومقتضاه كون القسمة إفراز الحق لا المعاوضة والمبادلة بين أموال الشركاء أو مالي الشريكين. بيان ذلك أن كل كسر من الكسور إذا اضيف إلى شئ فيكون ما ينطبق عليه ذلك الكسر مصداقا حقيقيا له، مثلا إذا كان الكسر هو النصف مثلا فإذا اضيف إلى تمام المال فيكون كل نصف من أنصاف تمام ذلك المال مصداقا حقيقيا لذلك الكسر، وإذا اضيف إلى نصفه، يكون كل نصف من ذلك النصف مصداقا حقيقيا لذلك الكسر، وهكذا. فإذا فرضنا أن هاهنا شريكين في مال فإذا قسمنا تمام ذلك المال نصفين، فكل واحد من النصفين مصداق حقيقي لمفهوم ذلك الكسر المشاع الذي هو نصف المال، وكذلك الامر في جميع أجزاء ذلك المال إذا قسمناها بقسمين، يكون كل قسم منها مصداقا حقيقيا لذلك الكسر المشاع الذي يملكه كل واحد من الشريكين من ذلك المال. ولا فرق فيما ذكرنا بين ورود التقسيم على الكل أو على أي جزء من أجزاء ذلك المال المشترك، نعم كون هذا القسم بخصوصه لهذا الشريك والاخر للاخر يحتاج إلى معين من قرعة أو تراضيهما، فليس من باب القسمة مبادلة ومعاوضة في البين كي

[ 169 ]

نتكلم في أنه إذا كان المال المشترك متحد الجنس وكان من المكيل أو الموزون هل يأتي فيه الربا أم لا. الجهة الثالثة في موارد الاستثناء عن هذه القاعدة. منها بين الوالد وولده بمعنى أنه يجوز أن يأخذ الفضل كل واحد منهما من الاخر، وإن كان العوضان في المعاملة التي تقع بينهما متحدي الجنس أو في حكمه وكانا من المكيل أو الموزون. ومنها بين المولى ومملوكه. ومنها بين الرجل وزوجته. ومنها بين المسلم والحربي بمعنى أنه يجوز للمسلم أن يأخذ الفضل من الحربي، لا أن يعطيه، وأما غير الحربي سواء كان ذميا أو معاهدا ففيه كلام نتكلم فيه إنشاء الله تعالى، ونسب الخلاف في هذه المسألة إلى المرتضى (1) والاردبيلي (2) قدس سرهما، وقيل برجوع المرتضى عما قال، وأنه وافق المشهور. وعلى كل حال المدرك في هذا الحكم هو الاخبار وأما الاجماعات المدعاة من الاعاظم في هذا المقام، فمخدوش صغرى وكبرى، لما ذكرنا مرارا من أن الاتفاق مع وجود الروايات ليس من الاجماع المصطلح الذي بنينا في الاصول على حجيته، وأما الصغرى فلوجود المخالف،


1. " الانتصار " ص 212، " رسائل الشريف المرتضى " جوابات الموصليات الثانية، ج 10، ص 182. 2. " مجمع الفائدة والبرهان " ج 8، ص 489.

[ 170 ]

فالاولى أن نذكر أخبار الباب ونرى مفادها ومقدار دلالتها. فمنها رواية عمرو بن جميع عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال امير المؤمنين عليه السلام: ليس بين الرجل وولده ربا وليس بين السيد وعبده ربا. (1) وبهذا الاسناد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله ليس بيننا وبين اهل حربنا ربا نأخذ منهم الف الد درهم بدرهم ونأخذ منهم ولا نعطيهم (2) وروى هذه الرواية والتي قبلها بعدة طرق في الجوامع العظام. ومنها ما رواه زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال ليس بن الرجل وولده وبينه وبين عبده ولا بين اهله ربا: انما الربا فيما بينك وبين ما لا تملك قلت فالمشركون بيني وبينهم ربا؟ قال: نعم، قلت فانهم مماليك؟ فقال: إنك لست تملكهم إنما تملكهم مع غيرك. أنت وغيرك فيهم سواء. فالذي بينك وبينهم ليس من ذلك، لان عبدك ليس مثل عبدك وعبد غيرك. (3) ومنها ما رواه الصدوق مرسلا قال قال الصادق عليه السلام ليس بين المسلم وبين الذمي ربا ولا بين المرأة وبين زوجها ربا. (4) ومنها رواية علي بن جعفر انه سأل اخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن رجل اعطى عبده عشرة دراهم على ان يؤدي العبد كل شهر عشرة دراهم ايحل ذلك قال عليه السلام


1. " الكافي " ج 5، ص 147، باب أنه ليس بين الرجل وبين ولده وما يملكه ربا، ح 1، " الفقيه " ج 3، ص 277، باب الربا، ح 4001، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 18، باب فضل التجارة، ح 76، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 436، أبواب الربا، باب 7، ح 1. 2. " الكافي " ج 5، ص 147، باب إنه ليس بين الرجل وبين ولده وما يملكه ربا، ح 2، " الفقيه " ج 3، ص 277، باب الربا، ح 4000، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 18، باب فضل التجارة، ح 77، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 436، أبواب الربا، باب 7 ح 2. 3. " الكافي " ج 5، ص 147، باب إنه ليس بين الرجل وبين ولده وما يملكه ربا، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 436، أبواب الربا، باب 7 ح 3. 4. " الفقيه " ج 3، ص 278، باب الربا، ح 4002، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 436، أبواب الربا، باب 7، ح 5.

[ 171 ]

لا بأس. (1) ومنها ما في الفقه الرضوي عليه السلام ليس بين الوالد وولده ربا. ولا بين الزوج والمرأة ولا بين المولى والعبد ولا بين المسلم والذمي. (2) وهذه الروايات وان ضعفها الاردبيلي (3) وبعضها كذلك، ولا يخلو من الضعف ولكن حيث عمل بها الاصحاب قديما وحديثا بل ادعى بعضهم الاجماع على ما هو مضمونها. حتى أن صاحب الجواهر (4) يقول إجماعا محكيا مستفيضا إن لم يكن متواترا صريحا ظاهرا. بل يمكن تحصيله إذ لا خلاف فيه الا من المرتضى (5) ثم يقول إنه ايضا عدل عن خلافه ووافق الباقين من الاصحاب وينقل عبارته من الانتصار أنه قال: ومما انفردت به الامامية القول بانه لا ربا بين الولد ووالده، ولا بين الزوج وزوجته، ولا بين الذمي والمسلم، ولا بين العبد ومولاه، وخالف باقي الفقهاء، ثم ينقل كلامه أنه قال: وقد كتبت قديما في جواب مسائل وردت علي من الموصل وتأولت الاخبار التي يرويها اصحابنا المتضمنة لنفي الربا بين من ذكرنا أي الولد والوالد والزوج والزوجة والمولى والعبد والذمي والمسلم على أن المراد بذلك وإن كان بلفظ الخبر معنى الامر كانه قال يجب أن لا يقع بين من ذكرناه ربما كما قال تعالى من دخله كان آمنا (6) وكقوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (7) وكقوله صلى الله عليه واله العارية مردودة والزعيم غارم ومعنى ذلك كله الامر والنهي إلى أن قال.


1. " الفقيه " ج 3، ص 281، باب الربا، ح 4016، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 437، أبواب الربا، باب 7، ح 6. 2. " فقه الرضا عليه السلام " ص 258، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 339،، أبواب الربا، باب 7 ح 1. 3. " مجمع الفائدة والبرهان " ج 8، ص 489 - 491. 4. " جوهر الكلام " ج 23، ص 378. 5. " الانتصار " ص 212، " رسائل الشريف المرتضى " جوابات الموصليات الثانية ج 1، ص 182. 6. آل عمران (3): 97. 7. البقرة (2): 194.

[ 172 ]

واعتمدنا في نصرة هذا المذهب على عموم ظاهر القرآن ثم لما تأملت ذلك رجعت عن هذا المذهب، لاني وجدت أصحابنا مجمعين على نفي الربا بين ما ذكرنا، وغير مختلفين في وقت من الاوقات، وإجماع هذه الطائفة قد ثبت أنه حجة، ويخص به ظاهر القرآن. فانظر إلى كلام هذا الفقيه العظيم وأنه رجع عن فتواه لما رأى من الاجماع والاتفاق من الاصحاب على عدم ثبوت الربا في هذه الموارد الاربعة، فمع اتفاق الاصحاب على الفتوى بمضمون هذه الروايات لا يبقى مجال للشك في حجيتها، وذلك لحصول كمال الوثوق بصدورها واعتبارها لما ذكرنا في الاصول (1) أن موضوع الحجة هو خبر الموثوق الصدور لا خصوص خبر الثقة أو الصحيح كما قيل. فالعمدة في المقام هو بيان دلالتها فنقول: لا شك في ان ظاهر هذه الروايات نفي الربا بين الطوائف الاربع: أي الوالد والولد، والمالك ومملوكه، والزوج وزوجته، والمسلم والكافر إما مطلقا وإن كان ذميا أو خصوص الحربي. وفي أمثال هذه التراكيب التي يكون مفادها رفع موضوع خارجي بلا النافية للجنس يدور الامر بين امور ثلاثة بعد معلومية عدم رفعها تكوينا. أحدها أن يكون النفي بمعنى النهي كقوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (2) ومن الواضح أن هذا خلاف ظاهر النفي ولا يصار إليه إلا بدليل، ولا دليل في المقام فلا مانع من الاخذ بظاهرها كما سنذكره انشاء الله تعالى. ثانيها هو أن يكون المراد نفي الحكم بلسان نفي الموضوع كما قال بهذا جمع من المحققين في حديث لا ضرر وما دل على نفي الحرج، وهذا ايضا خلاف ظاهر


1. " منتهى الاصول " ج 2، ص 111. 2. البقرة (2): 194.

[ 173 ]

الكلام، وذلك لان ظاهر الكلام هو أن المنفي والمرفوع نفس الموضوع لا حكمه تقديرا أو تجويزا، لعدم احتياج إلى التقدير، وعدم قرينة على التجوز، بل عدم صحة ارادة الحكم من الموضوع لعدم علاقة بينهما. ويمكن أن يكون المرفوع هاهنا نفس الموضوع حقيقة غاية الامر لا رفعا تشريعيا لا رفعا تكوينيا، نعم نتيجة الرفع التشريعي هو ارتفاع الحكم، وقد شرحنا هذا المطلب وأوضحناه في حديث الرفع في كتابنا منتهى الاصول (1)، وفي شرح قاعدة لا ضرر في كتابنا: القواعد الفقهية. (2) وخلاصة الكلام أن نفي الربا في عالم التشريع في الموارد المذكورة مرجعه إلى نفي تحريمه، ولكن بلسان نفي موضوعه حقيقة، لا ادعاء في عالم الاعتبار التشريعي، وبعبارة اخرى المنفي هو نفس الربا في محل البحث، ولكن النفي نفي تشريعي، ومعنى النفي التشريعي كونه بمنزلة العدم في نظر الشارع، أي عدم ترتب أثر شرعي عليه. وبعد ما ظهر لك اعتبار هذه الروايات وحجيتها أما عند القدماء لاجل صحتها على ما هو المصطلح عندهم من صحة جميع ما هو موجود في الكتب المعتبرة كالكتب الاربعة وغيرها مما هو معتبر عندهم، وأما عند المتأخرين فلاجل جبر ضعفها بالاتفاق المذكور، والاجماعات المنقولة عن أعاظم الفقهاء، حتى أن المرتضى (3) قدس سره عدل عن فتواه لاجل ذلك الاجماع، وقد تقدم ذكر هذا المطلب فلا يبقى مجال لما ذهب إليه ابن الجنيد (4) من حرمة الربا حتى في هذه الموارد الاربعة المتقدمة مستندا إلى عمومات الكتاب، إذ بعد الفراغ عن جواز تخصيص عمومات الكتاب وتقييد مطلقاتها بالخبر الواحد الحجة، وبعد الفراغ عن حجية هذه الاخبار لما ذكرنا، فالعمومات تخصص، والمطلقات تقيد.


1. " منتهى الاصول " ج 2 ص 174. 2. راجع " القواعد الفقهية " ج 1، ص 211. 3. " الانتصار " ص 212. 4. نقله عنه في " مختلف الشيعة " ج 5، ص 110 و 112.

[ 174 ]

وايضا لا يبقى مجال لما ذكره الاردبيلي (1) قدس سره وصاحب الكفاية (2) من المناقشات في حجية هذه الاخبار إذ حجيتها واضحة، ودلالتها على عدم حرمة الربا في هذه الموارد أوضح، فلا وجه للتشكيك في حجيتها أو دلالتها، أو كونها مخصصة للعمومات ومقيدة للمطلقات، إذ جميع هذه الامور ثابتة بالادلة والبراهين القاطعة، وعلى الله التوكل وبه الاعتصام. ثم ان هاهنا فروعا. الاول هو انه هل يشمل الولد في قوله عليه السلام لا رباء بين الوالد والولد للبنت أم لا؟ أقول لا وجه لعدم الشمول إلا دعوى الانصراف، وإلا فبحسب اللغة والعرف العام لا شك في أن الولد ومادة التوليد مطلقا أعم من الذكر والانثى. نعم في بعض الاقطار لا يطلقون الولد على الانثى ولذلك في مثل الاقارير والوصايا، يجب الاخذ بعرف المقر والموصي، وذلك لان الاقرار والوصية عبارة عن إنشاء أمر مع قصده لذلك الامر، وإلا فصرف الانشاء بلا قصد لا أثر له، ولا ريب في أن اللفظ الذي يصدر عن المتكلم ظاهر في إرادته لما هو المتعارف عنده وعند بلده قصدهم من ذلك اللفظ حين الاستعمال، وأما الالفاظ المستعملة في لسان الشارع والائمة عليهم السلام، فظاهر فيما هو معنى اللفظ عند العرف العام، وذلك لان خطاباتهم ليست متوجهة إلى شخص خاص أو بلد وقطر خاص أو أهل زمان خاص. نعم لابد وأن يكون المعنى المراد من اللفظ هو ما يفهمه العرف في زمان صدور الكلام، وهذا اصل جار في جميع الموارد، وحيث إن العرف العام في مادة الولد كما تقدم


1. " مجمع الفائدة والبرهان " ج 8، ص 489. 2. " كفاية الاحكام " ص 98.

[ 175 ]

هو الاعم من الذكر والانثى فلا وجه لاختصاصه بالذكر، ودعوى الانصراف لا يخلو من مجازفة. ثم الظاهر أنه لا فرق بين الولد أن يكون من صلبه بلا واسطة، وبين ولد الولد، أي ولد الابن، وذلك لعموم اللفظ وشموله لكليهما، وإن كان العلامة (1) والمحقق (2) والشهيد (3) الثانيان قالوا باختصاص الحكم بالولد بلا واسطة، نعم يمكن أن يقال بانصرافه عن ولد البنت، وإن كان اللفظ بحسب الوضع أعم من ولد الابن والبنت جميعا، ولكن الانصاف أن دعوى الانصراف هاهنا غير بعيد. الثاني هل يختص هذا الحكم بالولد الصلبي أو يشمل الولد الرضاعي؟ الظاهر عدم الشمول، وذلك من جهة أن الولد الرضاعي ليس بولد للاب الرضاعي حقيقة، إذ لم يلده وإنما هو تنزيل من قبل الشارع، فيحتاج إلى اثبات عموم المنزلة وكون الرضاع لحمة كلحمة النسب (4) لا يثبت التنزيل من حيث جميع الاثار. وأما شموله لولد الزنا فبحسب العرف واللغة فلا إشكال فيه، وقوله صلى الله عليه وآله الولد للفراش (5) في مورد الشك وأما مع القطع بأنه خلق من مائه فلا شك في أن هذه القاعدة لا تنفي النسب.


1. " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 485. 2. " جامع المقاصد " ج 4، ص 280. 3. " مسالك الافهام " ج 3، ص 327. 4. " الفقيه " ج 3، ص 133، باب ولاء المعتق، ح 3494، " تهذيب الاحكام " ج 8، ص 926، باب المعتق وأحكامه، ح 159، " الاستبصار " ج 4، ص 24، ح 78، باب أن ولاء المعتق إذا مات...، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 16، ص 55، أبواب كتاب العتق، باب 42، ح 2 و 6. وفي جميع المصادر: " الولاء لحمة كلحمة النسب ". نعم ذكر الحديث بنصه في " الميزان في تفسير القرآن " ج 4 ص 283. 5. " عوالي اللئالي "، ج 2، ص 132، ح 359، وص 275، ح 41.

[ 176 ]

وأما ما ورد في باب إرثه وأنه لا يرث، فهذا حكم خاص لا ربط له بنفس النسبة مطلقا وأما دعوى انصراف الولد عن ولد الزنا في موضوعيته لهذا الحكم، فدعوى بلا دليل، نعم الاحوط الاجتناب عن ارتكاب الربا بينهما، فانه حسن على كل حال. الثالث بناء على شمول هذا الحكم للذكر والانثى جميعا، كما هو المختار وبناء على أن الخنثى ليس طبيعة ثالثة كما هو المختار، بل هو إما ذكر أو انثى وأما كونه مشكلا إنما هو في مقام الاثبات لا في مقام الثبوت، يكون الخنثى أيضا مشمولا لهذا الحكم بلا اشكال. وأما الام فلا يكون بمنزلة الاب قطعا لعدم شمول الرواية لها، وليس دليل آخر من اجماع أو غيره في البين فيجب الاخذ بالنسبة إليها بعمومات التحريم. وأما ادعاء أن قوله عليه السلام في ما حكيناه عن الفقه الرضوي ليس بين الوالد وولده ربا، (1) وأيضا ما قاله المرتضى قدس سره ومما انفردت به الامامية القول بأنه لا ربا بين الوالد وولده (2) أن المراد من الوالد وإن كان بصيغة المذكر اعم من الاب والام، مما لا ينبغي الاصغاء إليه، لان الوالد لفظ موضوع للاب، ولا يطلق على الام اصلا. وأما رواية عمرو بن جميع ورواية زرارة (3) فصرح فيهما بأنه ليس بين الرجل وولده ربا وليس فيهما ما يتوهم إمكان انطباقه على الام. وهذه الفروع التي ذكرناها كلها كانت راجعة إلى المورد الاول من الموارد الاربعة،


1. " فقه الرضا عليه السلام " ص 258. 2. " الانتصار " ص 212. 3. سبق ذكرهما في ص 170، رقم (1 و 3).

[ 177 ]

وهاهنا فروع راجعة إلى المورد الثاني من تلك الموارد، أي عدم الربا بين السيد وعبده. فالاول انه هل فرق بين العبد المكاتب وبين غيره أم لا؟ وجه الفرق هو أن المكاتب يملك ما يحصله بالكسب فيكون في حكم سائر الناس، ويحرم عليه أخذ الربا والفضل منه، وأما غير المكاتب فلا يملك وماله مال سيده، فلذلك يجوز أخذ السيد عنه لان أدلة حرمة الربا منصرفة إلى أخذ مال الغير لا مال نفسه. وأما المكاتب حيث إنه يملك فيشمله أدلة حرمة الربا، ولا يجوز أخذ الفضل منه ومن هذه الجهة يكون كسائر الناس ولكن أنت خبير بأنه بناء على أن العبد لا يملك، لا يبقى محل للبحث في أنه يجوز أخذ الفضل والربا عنه أم لا، ولا يبقى مورد لقوله عليه السلام لا ربا بين السيد وعبده (1) إلا المكاتب، لا أنه يجوز الاخذ عن غير المكاتب ولا يجوز عنه. فالظاهر عدم الفرق بين أقسام العبد من القن والمدبر والمكاتب، وحتى ام الولد، بناء على عدم اختصاص هذا الحكم بالرجل وشموله للامة، كما هو الاظهر وإن كان الاحوط عدم الاخذ عنها كل ذلك لاجل إطلاق النص. فقوله عليه السلام في رواية زرارة ومحمد بن مسلم ليس بين الرجل وولده ولا بينه وبين مملوكه (2) وفي بعض النسخ وبين عبده بدل وبين مملوكه وعلى كل واحد من الوجهين فيه إطلاق يشمل جميع أقسام العبد، وهذا حكم تعبدي،


1. قطعة من رواية عمر بن جميع التي تقدمت ذكرهما في ص 170، رقم (1). 2. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 17، باب فضل التجارة وآدابها، ج 75، " الاستبصار " ج 3، ص 71، ح 326، باب أنه لا ربا بين المسلم وبين اهل الحرب، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 436، أبواب الربا، باب 7، ح 4.

[ 178 ]

والوجوه التي ذكروها تعليلا لهذا الحكم ليست إلا وجوها استحسانية لا اعتبار بها في إثبات الاحكام الشرعية. الثاني الظاهر عدم الفرق بين كون المولى رجلا أو امرأة وقوله عليه السلام في رواية زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة ليس بين الرجل وولده ولا بينه وبين مملوكه من باب الجري على الغالب كما هو المتعارف في بيان أكثر الاحكام، لا لخصوصية في الرجل، وهذا واضح. الثالث إذا كان العبد مشتركا أو مبعضا: أما المشترك بين مالكين أو اكثر فيصدق بالنسبة إلى كل واحد من المالكين أو الملاك أنه عبده، خصوصا بالنسبة إلى حصته منه فلو باع شيئا منه مع الفضل وفرضنا أن له نصف العبد فيملك نصف الفضل مع تمام الثمن إذا كان البايع هو وحده. وذلك من جهة صدق أنه باع هذا المقدار من عبده مع الفضل والربا، ولا رباء بين السيد وعبده، بل يمكن أن يقال بانه يملك تمام الثمن وتمام الفضل، لانه عبده ولا رباء بين السيد وعبده. ولكن هذا الاحتمال بعيد لانه ليس تمام العبد ملكه، بل لا يملك إلا نصفه مثلا ولو كان المثمن لمالكين أحدهما ملك العبد بتمامه أو كان مالكا لنصفه فيمكن القول بصحة المعاملة بالنسبة إلى النصف لصدق البيع من عبده مع الفضل بالنسبة إلى النصف، والربا بالنسبة إليه لا يوجب البطلان نعم بالنسبة إلى النصف الآخر باطل لانه بيع ربوي وداخل في المستثنى منه ولا استثناء بالنسبة إليه، لانه ليس بسيده. نعم لو حصل الشك في شمول قوله عليه السلام لا رباء بين العبد وسيده لمثل هذا العبد المشترك أو المبعض أو المكاتب أو المدبر أو ام الولد، ولم يكن اطلاق يرفع حكم الشك، فمقتضى القاعدة هو الرجوع إلى عمومات ادلة حرمة الربا كما هو الشأن في جميع موارد الشك في الشبهة المفهومية للمخصص للعمومات كما في المقام.

[ 179 ]

ولكن أنت خبير بأن هذا صرف فرض في المقام لوضوح مفهوم السيد والعبد في المقام، وعدم خفاء فيه، فالمالك بالنسبة إلى حصته سيد في العبد المشترك أو المبعض كما أن العبد المشترك أو المبعض بالنسبة إلى تلك الحصة مملوك له يقينا وقد كان في رواية زرارة ومحمد بن مسلم عنوان بين الرجل ومملوكه كما تقدم. هذا في العبد المشترك، والكلام في المبعض عين الكلام في المشترك حرفا بحرف نعم ربا يقال إن ذيل صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم نفي حلية الربا في العبد المشترك وهو قوله عليه السلام نعم وإنك لست تملكهم إنما تملكهم مغ غيرك، أنت وغيرك فيهم سواء والذي بينك وبينهم ليس من ذلك، لان عبدك ليس مثل عبدك وعبد غيرك. وهذا الكلام منه عليه السلام بعد قول السائل: قلت: فالمشركون بيني وبينهم ربا؟ قال عليه السلام: نعم، قلت فانهم مماليك؟ فأجاب عليه السلام بقوله: نعم، إلى آخر ما ذكرنا. ولا ريب في أن ظاهر كلامه عليه السلام نعم في جواب قول السائل فالمشركون كون بيني وبينهم يدل على ثبوت الربا إذا كان المملوك مشتركا بينك وبين غيرك، ولكن يمكن أن يقال إن هذا الذيل لم يعمل الاصحاب به لمعارضته مع صدر الرواية لان مفاد صدر الرواية عدم ثبوت الربا بين المسلمين والحربي والمشركون منهم، بل الحكم في الكافر غير الذمي اجماعا، ولا شك في أن المشركين ليسوا بذميين. وجمع بعضهم بين ما مفاده عدم ثبوت الربا بين المسلم والكافر الحربي ي، وهذا الذيل الذي يدل على الثبوت، بحمل الطائفة الاولى على غير المعاهد من الحربي والثانية على المعاهد، وذلك لان المعاهد ماله محترم، فيكون كالمسلم في ثبوت عدم جواز اخذ الزيادة. وفيه ان الاحترام لا ينافي جواز اخذ الفضل، لان معنى الاحترام أن لا ياخذ ماله بدون رضاه وغصبا عليه، وأما مع رضاه ورغبته فلا، ولا شك أن الاخذ في المفروض برضائه، فلا ينافي احترام ماله. فهذا الذيل بعد إعراض الاصحاب عنه وحكمهم بعدم ثبوت الربا بين المسلم

[ 180 ]

والحربي سواء كان معاهدا أو غير معاهد اي جواز الاخذ عنه لا اعطائه الفضل ساقط على الاعتبار، فلا يجوز الاخذ به، والحكم بثبوت الربا في العبد المشترك والمبعض. نعم الاحوط عدم جواز الاخذ لا لهذه الرواية بل للشك في صدق عنوان عبده لانه من المحتمل أن يكون صدق هذا العنوان منوطا بكون تمام العبد مملوكا له، لا أن يكون مشتركا بينه وبين غيره أو مبعضا يكون بعضه حرا وبعضه ملكا له. هذه الفروع كانت في مسألة عدم الربا بين السيد وعبده، وأما الاستثناء الثالث أي عدم ثبوت الربا بين الزوج وزوجته ففيه فروع أيضا. الاول هو أنه هل هذا الحكم مختص بالزوجة الدائمة؟ أم لا فرق بينها وبين كونها متعة وموقتة؟ لا شك في أن الزوجة غير الدائمة أي المنقطعة زوجة حقيقة، بل استظهرنا من الادلة أنهما حقيقة واحدة، وكونها موقتة أو دائمة من المصنفات لا من المنوعات، ولذلك حين العقد والانشاء لو نسى ذكر الاجل ولم يذكر تقع دائمة لان الدوام ينتزع من عدم التقييد بالاجل وإطلاق العقد. فقوله عليه السلام ليس بين المرأة وزوجها ربا (1) يصدق على المنقطعة حقيقة، ولكن الكلام في أنه هل ينصرف إلى الدائمة أم لا؟ وفصل بعض بين كون مدة التمتع قليلة كساعة أو ساعتين وبين ما كانت كثيرة كسنة أو سنتين بل سنين عديدة، وكان منشأ هذا التفصيل هو دعوى الانصراف في الاول دون الثاني، فإذا كان زمان التمتع قليلا لا يراها العرف زوجة أو أهلا والشارع


1. سبق ذكره في ص 170، رقم (4).

[ 181 ]

جعبل موضوع الحكم بعد تحريم الربا بينهما أحد هذين العنوانين، ولا بأس بهذا التفصيل، ولعل المتفاهم العرفي يساعد على هذا التفصيل. وأما التفصيل الاخر بالفرق بين ما إذا اتخذها أهلا كالزوجة الدائمة وبين ما لم يكن كذلك، فأيضا يرجع إلى ما ذكرنا. الثاني هل المطلقة رجعية في حال بقاء عدتها تكون بحكم الزوجة في هذا الحكم أم لا؟ قال في الجواهر: ان المطلقة رجعية وإن كانت زوجة، إلا انه قد يمنع صدق الاهل عليها. (1) وهذا الكلام منه مبني على ما يقول من أنه بين مفهوم الزوجة ومفهوم الاهل عموم وخصوص من وجه، فربما تكون زوجة ولا يصدق عليها الاهل، كالمتعة التي مدتها قليلة جدا كساعة مثلا، فهي شرعا زوجة في تلك المدة القليلة، ولا يصدق عليها الاهل وربما تكون المرأة وليست أهلا بزوجة كبنته وأخته وغير ذلك من أقربائه ومورد الاجتماع واضح كالمرأة التي تزوجها بالعقد الدائم، وهي ربة الدار. وفيما إذا كان موضوع الحكم عامين من وجه كالعالم والعادل، فلابد من اجتماعهما في ثبوت الحكم، ففي ما نحن فيه لابد من اجتماع الزوجية والاهلية لثبوت عدم حرمة الربا بينهما. وفيه أن الظاهر من الاهل في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم ليس بين الرجل وولده ولا بينه وبين مملوكه ولا بينه وبين أهله ربا (2)، هي الزوجة وليس الاهل بالمعنى الاعم فهما مفهومان متساويان، والعمدة في إشكال إلحاق المطلقة رجعة بالزوجة في هذا الحكم أنه منوط بكون


1. " جوهر الكلام " ج 23، ص 382. 2. تقدم تخريجه في ص 177، رقم (2).

[ 182 ]

التنزيل عاما وبلحاظ جميع آثار الزوجية، وإثبات هذا لا يخلو من إشكال. وأما الاستثناء الرابع أي عدم الربا بين المسلم والحربي ففيه أيضا فروع. الاول انه يجوز الاخذ منهم ولا يجوز إعطاء الفضل لهم، وذلك لما رواه الصدوق مرسلا وفي الكافي مسندا عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا نأخذ منهم ألف ألف درهم بدرهم ونأخذ منهم ولا نعطيهم. (1) ثم إن هذه الرواية على تقدير تسليم ضعفها تكون منجبرة بعمل الاصحاب فلا مانع فيها من حيث حجيتها، نعم يستفاد منها عدم حرمة أخذ الفضل على المسلم لا الحربي، فلا تدل على صحة المعاملة التي وقعت بينهما، لان جواز اخذ الفضل منهم لازم أعم بالنسبة إلى صحة المعاملة، إذ يمكن ان يكون من جهة عدم احترام مالهم، وإن كانت المعاملة باطلة على حسب العمومات والمطلقات الواردة في باب الربا. الثاني في أنه هل يجوز الاخذ من الكافر غير الذمي المعاهد أيام المعاهدة أو ممن أعطوا الامان أيام أمانهم، أم لا. أقول: الدليل على جواز اخذ الفضل من الحربي إما الاجماع وإما الرواية، أما الاجماع على تقدير ثبوته وحصوله وحجيته في المقام فالقدر المتيقن منه هو ثبوته في غير المعاهد ومن أعطى له الامان، وأما الرواية فالمناط هو إطلاق قوله عليه السلام وبين أهل حربنا عليهم، وأن لا يكون منصرفا عن المعاهد ومن أعطى له الامان، فان اطلق فيجوز الاخذ منهم. هذا مضافا إلى أن قوله صلى الله عليه وآله نأخذ منهم ولا نعطيهم إشارة إلى أنهم ليسوا


1. " الكافي " ج 5، ص 147، باب أنه ليس بين الرجل وبين ولده...، ح 2، " الفقيه " ج 3، ص 277، باب الربا، ح 4000، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 18، باب فضل التجارة وآدابها، ح 77، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 436، أبواب الربا، باب 7، ح 2.

[ 183 ]

بمالكين، وإنما أموالهم فيئا للمسلمين فلا احترام لامولاهم ولا لنفوسهم، وأما المعاهد ومن أعطى له الامان فلاموالهم ونفوسهم احترام ظاهري حسب المعاهدة وحسب الامان، وإلا لا يجعلهم ملكا حقيقيا واقعيا فإذا أخذ منهم برضاهم من دون أن يكون مخالفا للوفاء بالمعاهدة أو الامان الذي اعطى لهم، فلا يكون في الاخذ منهم إشكال. الثالث هل يجوز اخذ الفضل والربا من الذمي أو لا؟ الاشهر بل المشهور عدم الجواز، وهذا أيضا مقتضى القواعد والادلة الاولية الدالة على تحريم مطلق الربا من أي شخص كان، وأيضا مقتضى الادلة التي مفادها احترام مال الذمي ونفسه وعرضه ما دام يعمل بشرائط الذمة، وعدم شمول قوله صلى الله عليه وآله ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا. فليس في المقام ما يدل على جواز الاخذ منهم إلا مرسل الفقيه ليس بين المسلم والذمي ربا وهو ضعيف في حد نفسه ولا جابر له مع إعراض المشهور عنه ولذلك حمله بعض الاصحاب على الذمي الخارج عن الذمة لعدم الوفاء بشرائطها كما قاله في الوسائل. (1) نعم هناك شئ وهو أن الذمي ي بالمعنى المصطلح بين الفقهاء المتخذ من الاخبار والاحاديث قليل الوجود أو عديمه، والكفار الموجودون في بلاد الاسلام في هذه الازمان لا ينطبق عليهم أحكام الذمة، لعدم تحقق الموضوع، بل هم داخلون اما في المعاهدين كما هو الغالب، أو فيمن أعطى له الامان، وعلى كل واحد من التقديرين أموالهم ونفوسهم وأعراضهم محترمة لا يجوز الاخذ منها بالقهر وجبرا، ولا بالسرقة وأما برضاهم المعاملي فلا ينافي الاحترام. فبناء على ما ذكرنا يجوز أخذ الفضل في المعاملة الربوية من الكتابيين


1. " وسائل الشيعة " ج 12، ص 436، أبواب الربا، باب 7 ذيل الحديث 3.

[ 184 ]

الموجودين في بلاد الاسلام في هذه الازمان، ولا يجوز اعطائهم. الجهة الرابعة في بيان الطرق التي يمكن التخلص من الربا بإعمالها فرارا عن الحرام إلى الحلال، ومن الباطل إلى الحق، كما أنه ورد في الصحيح عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام فقلت له أشتري ألف درهم ودينار بألفي درهم؟ فقال عليه السلام لا بأس بذلك إن أبي كان أجرء على اهل المدينة مني، وكان يقول هذا فيقولون إنما هذا الفرار لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال. (1) وهناك روايات اخر (2) بهذا المضمون من مدحهم عليهم السلام إعمال الحيل للفرار عن الحرام، وعلى كل حال ذكر الفقهاء أمورا للفرار عن الربا. منها ما تقدم من ضم ضميمة من غير جنس العوضين إلى أحدهما أو إلى كليهما كي تقع تلك الضميمة مقابل الفضل الذي يأخذ من ذلك الطرف كما كان في مورد السؤال في الصحيح المتقدم، وقد شرحنا هذا الفرع مفصلا فيما تقدم فلا نعيد. ومنها أن يبيع سلعته من الآخر الذي هو طرفه في المعاملة الربوية بغير جنس سلعته، ثم يشتري بذلك الجنس أي مقدار يريد من جنس سلعته زائدا كان على سلعته بحسب الكمية أو ناقصا عنها أو مساويا لها، فلا يكون رباء في البين، لعدم اتحاد جنس العوضين الذي هو الشرط الاساسي في تحقق الربا. مثلا لو أراد أن يبدل جنسه الجيد بالردئ من ذلك الجنس مع الاختلاف في


1. " الكافي " ج 5، ص 246، باب الصروف، ح 9، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 466، أبواب الصرف، باب 6، ح 1. 2. راجع: وسائل الشيعة " ج 12، ص 455، أبواب الربا، باب 20.

[ 185 ]

الكمية، وذلك كما إذا أراد أن يبيع وزنة من الارز العنبر الذي عنده بوزنتين من الارز النعيمة لغرض عقلائي عنده. فهذه المعاملة لو كانت بالصورة التي ذكرناها أي الوزنة من أحدهما الجيد بوزنتين من ذلك الردئ تكون ربوية، فله أن يحتال بأن يبيع الوزنة الجيدة التي عنده من العنبر بوزنتين من الحنطة مثلا ثم يبيع الوزنتين من الحنطة بوزنتين من النعيمة، فلا يتحقق رباء مع أنه وصل إلى مقصوده. ويمكن أن يبيع تلك الوزنة التي عنده بالنقود مثل أن يبيعها بأربعة دنانير مثلا ثم يشتري بتلك الاربعة دنانير وزنتين من النعيمة، ولا يكون رباء في البين ويتخلص منه بهذه الحيلة مع حصول مقصوده، ولا فرق في صحة ما ذكرنا بين أن يشترط على المشتري الاول البيع الثاني أو لا يشترط، لصحة الشرط وعدم وجود المانع عن نفوذه. نعم حكى عن الشيخ قدس سره أن صحة البيع الثاني بالشكل المذكور مشروط بأن لا يكون الثمن في البيع الثاني عين الثمن في البيع الاول، وذلك لان عوض العوض عوض، فهذا العوض وإن لم يكن من جنس ما يأخذ مع الفضل، ولكنه حيث يكون عوضا عما يكون من جنسه فهو في حكمه فيتحقق الربا. ولكن أنت خبير بأن هذا كلام لا أساس له من جهة أن الربا لا يثبت إلا بأن يكون العوضان في المعاملة من جنس واحد، وليس عوض المبيع في البيع الاول أي الثمن في البيع الاول الذي يجعل عوضا في البيع الثاني من جنس عوضه في هذا البيع، فلا رباء لا في البيع الاول، لانه باع ماله بغير جنسه، ولا في البيع الثاني لانه ايضا ليس فيه العوضان من جنس واحد، وأما القول بأن عوض العوض عوض فهو كلام لا دليل عليه. نعم هناك رواية يمكن أن يكون نظر الشيخ قدس سره ومن تبعه إلى تلك الرواية، وهي

[ 186 ]

رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أيأخذ بقيمته دراهم قال عليه السلام إذا قومها دراهم فسد لان الاصل الذي يشترى به دراهم فلا يصح دراهم بدراهم. (1) فهذه الرواية تدل على عدم جواز بيع هذه الامور الثلاثة بالدراهم معللا بأنها عوض الدراهم لانه اشتراها بها، فلو باعها بالدراهم فكأنه باع الدراهم بالدراهم وهذا عين ما حكى عن الشيخ عن جوازه. وفيه أن هذه الرواية أعرض عنها الاصحاب ولم يعملوا بها فلا يصح الاعتماد عليه مضافا إلى بعض المناقشات التي في دلالتها ومعارضتها ببعض الاخبار الاخر. ومنها أن صاحب أحد العوضين المتجانسين المتماثلين في الكمية وزنا أو كيلا يقرض الاخر، وكذلك صاحب الاخر ثم يتباريان ويسقط كل واحد منهما ذمة الاخر، ولا يخفى أنه يلزم أن يكون الاقراض من كل واحد من الطرفين بدون أن يشترط الاقراض على الاخر. ومنها أن يكون قصد الطرفين المعاوضة والمبادلة بين المثلين في الكمية والطرف الذي يعطي الفضل والزيادة يقصد كونها هبة. ومنها أن يهب كل واحد منهما ماله للآخر من دون أن يشترط على صاحبه هبة ماله له، كي يكون هبة بازاء هبة، وإلا يدخل في باب المعاوضات فيثبت الربا فيه بناء على ما هو الحق عندنا وقد تقدم بيانه من عدم اختصاص الربا بالبيع، فقط بل يدخل في جميع المعاوضات. ومنها أن يصالح صاحب الزيادة مقدار الفضل لصاحبه ويشترط عليه أن يبيع ماله منه مثلا بمثل.


1. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 30، ح 129، باب بيع المضمون، ح 17، " الاستبصار " ج 3، ص 74، ح 246، باب من سلف في طعام أو غيره...، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 71، أبواب السلف، باب 11، ح 12.

[ 187 ]

الجهة الخامسة في الربا في باب القرض أقول: القرض عبارة عن تمليك مال للاخر بالضمان، وربما يقال بدل قولنا بالضمان بعوضه الواقعي، وعلى كل حال لسنا في مقام بيان حقيقة القرض وأنه من العقود اللازمة أو الجائزة ويجري فيه المعاطاة أم لا، وأن المعاطاة فيه يوجب ملكية المستقرض لما اقترضه أو لا يوجب إلا الاباحة وإنما الملكية تحصل بالتصرف، لان هذه المذكورات محل بحثها كتاب القرض، وإنما المهم في المقام هو أن أخذ المقرض عن المستقرض الزيادة عما أعطاه الذي يسمى بالربا مطلقا حرام أو حرمته مشروطة بشرط؟ وأيضا ان القرض أي المعاملة الكذائية تكون فاسدة إذا اشترط الزيادة أو أخذ الزيادة فقط حرام وأما المال الذي أقرضه المقرض فهو حلال ولا بأس به، وأنه هل حرمة الزيادة فيما إذا اشترط ذلك أو حرام وإن لم يشترط. فهذه امور نريد أن نتعرض لها في هذا المقام فنقول: تحقيق الحق في هذه الامور موقوف على ذكر الاخبار الواردة في هذا الباب كي نستظهر منها ما هو الصحيح: فمنها ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره باسناده عن جعفر بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال الربا رباءان أحدهما رباء حلال والآخر حرام، فاما الحلال فهو أن يقرض الرجل قرضا طمعا أن يزيده ويعوضه بأكثر مما اخذه بلا شرط بينهما فان أعطاه أكثر مما أخذه بلا شرط بينهما فهو مباح له، وليس له عند الله ثواب فيما أقرضه، وهو قوله عزوجل: فلا يربو عند الله (1) وأما الربا الحرام فهو الرجل


1. الروم (30): 39.

[ 188 ]

يقرض قرضا، ويشترط أن يرد أكثر مما أخذه فهذا هو الحرام. (1) وهذه الرواية صريح في جواز أخذ الفضل والزيادة إذا لم يشترط. ومنها رواية خالد بن الحجاج قال سألته عن الرجل كانت لي عليه مأة درهم عددا قضانيها وزنا، قال لا بأس ما لم يشترط قال: وقال: جاء الربا من قبل الشروط إنما يفسده الشرط. (2) ومنها رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا أقرضت الدراهم ثم أتاك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط. (3) وبهذا المضمون روايات كثيرة وقد عقد لها بابا في الوسائل (4) وكل هذه الروايات مرجعها إلى أن القابض يحل له قبض الفضل والزيادة أو ما هو الاجود إذا كان من غير شرط، وظاهر رواية خالد بن الحجاج المتقدم أن القرض الذي شرط فيه الزيادة أو رد الاجود مما أخذ تكون القرض والمعاملة فاسدة لقوله عليه السلام فيها إنما يفسده الشرط. وأما الحديث النبوي كل قرض يجر منفعة فهو حرام (5) فلا إطلاق له يشمل صورة عدم الاشتراط بل ظاهر قوله صلى الله عليه وآله يجر منفعة هو الاشتراط في ضمن عقد


1. " تفسير القمي " ج 2، ص 159. وفي " وسائل الشيعة " ج 12،، ص 454، أبواب الربا، باب 18، ح 10 عن حفص بن غياث، بدل جعفر بن غياث. 2. " الكافي " ج 5، 244، باب الصروف، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 112، ص 483، باب بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك، ح 89، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 476، أبواب الصرف، باب 12، ح 1. 3. " الكافي " ج 5، ص 254، باب الرجل يقرض الدراهم ويأخذ أجود منها، ح 3، " تهذيب الاحكام " ج 6. ص 21، ح 449، باب القرض وأحكامه، ح 3، وسائل الشيعة " ج 12، ص 477، أبواب الصرف، باب 12، ح 3. 4. " وسائل الشيعة " ج 12، ص 476، أبواب الصرف، باب 12: باب أنه يجوز قضاء الدين من الدراهم و الدنانير وغيرها بأجود منها وبأزيد وزنا وعددا.... 5. " دعائم الاسلام " ج 2، ص 161، ح 167، " مستدرك الوسائل " ج 13، 409، أبواب الدين والقرض، باب 19، ح 2.

[ 189 ]

القرض وإلا لا يصدق جر القرض ان كان المقترض من عند نفسه يعطي شيئا زائدا أو أجود مما أخذ أو منفعة اخرى. وخلاصة الكلام أن المقترض إن أعطى أجود مما أخذ أو أزيد منه بدون الشرط فجائز ولا يكون موجبا لفساد القرض بل ظاهر بعض الاخبار استحباب ذلك فيستحب إعطاء الزيادة إذا كان من غير شرط ويحل للمقرض أخذه وقبضه ولعله إلى هذا يشير قول أبي جعفر عليه السلام في مرسلة مسلم: خير القرض ما جر منفعة. (1) ويدل على استحباب إعطاء الزيادة إن كان من غير شرط صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يستقرض من الرجل الدراهم فيرد عليه المثقال أو يستقرض المثقال، فيرد عليه الدراهم، فقال عليه السلام إذا لم يكن شرط فلا بأس وذلك هو الفضل إن أبي عليه السلام كان يستقرض الدراهم الفسولة فيدخل عليه الدراهم الجياد الجلال فيقول يا بني ردها على الذي استقرضتها منه. فأقول: يا أبه إن دراهمه كانت فسولة وهذه أجود خير منها، فيقول يا بني إن هذا هو الفضل فأعطه إياها. (2) فقوله عليه السلام إن هذا هو الفضل فأعطه إياها ظاهر في حسن هذا الفعل واستحبابه وروايات اخر بهذا المضمون وأصرح منها مذكورة في الوسائل وغيره. ثم إن الزيادة قلنا إنها حرام في القرض مع الشرط بل موجب لفساد القرض فإذا قبض المقترض المال الذي أقرضه المقرض يكون من المقبوض بالعقد الفاسد لا


1. " الكافي " ج 5، ص 255، باب القرض يجر المنفعة، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 201، ح 452، باب القرض وأحكامه، ح 6، " الفقيه " ج 3، ص 285، باب الربا، ح 4029، " وسائل الشيعة " ج 13 * ص 104، أبواب الدين والقرض، باب 19، ح 4. 2. " الكافي " ج 5، ص 254، باب الرجل يقرض الدراهم ويأخذ أجود منها، ح 6، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 115، ح 500، باب بيع الواحد بالاثنين وأكثر من ذلك، ح 106، " الفقيه " ج 3، ص 284، باب الربا، ح 4026، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 477، أبواب الصرف، باب 12، ح 7.

[ 190 ]

فرق بين أن تكون تلك الزيادة عينية أو عملا من المقترض للمقرض أو انتفاعا بمال المقترض أو تكون صفة زائدة في عوضه كما إذا شرط المقرض على المقترض أن يعطي دراهم جديدة وصحيحة عوض ما يعطيه من الدراهم المكسورة، فجميع هذه الامور مع الشرط رباء محرم وتكون موجبة لفساد القرض كما هو مفاد الاخبار الصحيحة الصريحة. ثم إنه لا فرق في كون الزيادة في القرض حراما وموجبة لفساد القرض مع الشرط بين أن يكون الشرط صريحا ومذكورا في متن العقد أو وقع المعاملة مبنيا عليه وذلك لشمول قوله صلى الله عليه وآله كل قرض يجر المنفعة فهو حرام لكلتا الصورتين والخارج عن هذا العموم هو ما لم يكن شرط في البين لا صريحا ولا بحيث يقع العقد مبنيا عليه. خاتمة: اعلم أن هذه القاعدة أي قاعدة لا رباء إلا فيما يكال أو يوزن لا تأتي في القرض بل شرط الزيادة مطلقا أي قسم كان من الزيادة عينية كانت أو صفة أو منفعة أو انتفاعا موجب لحرمة تلك الزيادة وفساد القرض، وقد تقدم جميع ذلك سواء كان المال الذي يقترضه من المكيل أو الموزون أو لم يكن منهما كالمعدود وما يباع مشاهدة أو مذروعا أو غير ذلك. والدليل عليه أولا الاجماع وثانيا قوله صلى الله عليه وآله كل قرض يجر منفعة فهو حرام وثالثا الاخبار الكثيرة التي تقدم بعضها أن الشرط يفسد القرض وفيها إطلاق يشمل المكيل والموزون وغيرهما. وخلاصة الكلام أن المراجعة إلى الروايات الواردة في باب القرض وأقوال الفقهاء والمحدثين يوجب الاطمينان بأن شرط الزيادة والنفع بالتفصيل المتقدم موجب لحرمة تلك الزيادة وفساد القرض، سواء كان المال الذي يقترضها المقترض من

[ 191 ]

الاجناس الربوية أي من المكيل والموزون، أو لم يكن كذلك. والله الهادي إلى الصواب، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 193 ]

49 - قاعدة أصالة اللزوم في العقود

[ 195 ]

قاعدة اصالة اللزوم في العقود * ومن جملة القواعد الفقهية قاعدة أصالة اللزوم في العقود في أبواب المعاملات والمعاهدات عن الشك في لزوم معاملة أو معاهدة، وفيها جهات من البحث. الاولى في شرح معناها والمراد منها فنقول: إن المراد من الاصل في قولهم أصالة اللزوم، يحتمل أن يكون القاعدة الاولية المستفادة من بناء العقلاء في معاملاتهم ومعاهداتهم، كما سيأتي تفصيله في الجهة الثانية التي رسمت لبيان الادلة الدالة على إثبات هذه القاعدة واعتبارها عند الشك في لزوم معاملة أو معاهدة، وبعبارة اخرى في الشك في لزوم عقد من العقود. ويحتمل أن يكون المراد منه ما هو مقتضى الادلة الشرعية التي تدل على لزوم جميع العقود والمعاهدات إلا ما خرج بالدليل تخصيصا كقوله تعالى أوفوا


*. " القواعد والفوائد " ج 2، ص 242، " الحق المبين " ص 68، " خزائن الاحكام " ش 3، " دلائل السداد و قواعد فقه واجتهاد " ص 32، " مجموعة قواعد فقه " ص 174، " القواعد " ص 251، " قواعد فقه " ج 2، ص 136، " قواعد الفقه " ص 27، " قواعد فقهى " ص 273، " قواعد فقهية " ص 241، " القواعد الفقهية " (مكارم الشيرازي) ج 4، ص 319، " اصل صحت واصل لزوم " احمد شهيدي، ماجستير، جامعة الشهيد بهشتي، 1359.

[ 196 ]

بالعقود (1) وسائر الايات والروايات الواردة في هذا الباب ويحتمل أن يكون المراد منها الاستصحاب وسيأتي في شرح جميع هذه الامور مفصلا إنشاء الله تعالى. والمراد من اللزوم هو عدم جواز حل العقد من أحد الطرفين بدون رضاية الطرف الاخر بل عدم إمكانه في عالم التشريع، فكما أن بعض العقد في عالم التكوين لا يمكن حله لشدة إبرامه وإحكامه كذلك العقود والعهود في عالم التشريع ليست قابلة للحل لاعتبار الشارع إبرامها وإتقانها بحيث لا يمكن حلها من طرف واحد، بدون رضاية الطرف الآخر، بل وفي بعض العقود يكون اعتبار ابرامها واتقانها بنحو لا يمكن حلها وإن كان برضاية الطرفين كالنكاح وكل عقد لا يتطرق فيه الاقالة شرعا وسيأتي بيان ذلك إنشاء الله تعالى. ثم إن اللزوم على قسمين: لزوم حقي ولزوم حكمي، واللزوم الحقي عبارة عن ملكية أحدهما التزام الآخر أو كل واحد منهما التزام طرفه، وفي الاول يكون اللزوم من طرف واحد، وفي الثاني يكون اللزوم من الطرفين، وكذلك الجواز حقي وحكمي والجواز الحقي هو أن يكون مالكا لالتزام نفسه ولا يكون التزامه ملكا لطرفه. فإذا كان كل واحد من المتعاقدين مالكا لالتزام نفسه فهذا جواز حقي من الطرفين، وإذا كان أحدهما فقط مالكا لالتزام نفسه دون الآخر، فهذا يكون جوازا حقيا من طرف واحد. بيان ذلك أن في باب العقود مدلول مطابقي للعقد وهو مضمونه، أي الذي ينشئه المتعاقدان من تبديل مال بمال أو غير ذلك من المضامين الكثيرة التي تنشأ بالعقود، ومدلول التزامي وهو التزام كل واحد منهما للاخر بما أنشآه بمعنى أنه يتعهد ويلتزم بالعمل على طبق ما أنشآ وأن لا يتخلف وأن لا ينقض تعهده.


1. المائدة (5): 1.

[ 197 ]

وبهذا الاعتبار يطلقون على من تخلف عن تعهده في باب عقد البيعة مثلا بأنه ناقض للبيع ولعهده، وهكذا يكون الامر في جميع أبواب المعاملات والعهود والعقود العهدية دون الاذنية، وسيأتي الفرق بين العقود العهدية والاذنية انشاء الله تعالى. واما دلالة العقود والعهود عليه هذه الدلالة الالتزامية فمن باب بناء العقلاء إذ بنائهم على أنه لو أنشأوا هذه المعاملة باللفظ المتعارف عندهم لانشائها يكون لكل واحد من الطرفين اي الموجب والقابل التزام وتعهد بالبقاء عند هذه المعاوضة أو اي شئ آخر كان مضمون هذا العقد وعدم الرجوع عنه. وهذا المعنى غير صرف الاخذ والاعطاء كما هو كذلك في باب المعاطاة، ففي باب المعاطاة ليس في البين ما يدل على تعهد والتزام من الطرفين بل مجرد معاوضة بأن يعطي بدل ما يأخذ أو ياخذ عوض ما يعطى أو بدله. وذلك من جهة أنه ليس في المعاطاة غير الاخذ والعطاء الخارجي شئ آخر يكون دالا على انهما ملتزمان بالبقاء والوفاء بهذه المبادلة ولا يرجعان عنها، ولذلك قلنا إن المعاطاة ليس بعقد، إذ العقد هو العهد المؤكد لغة وعرفا، وليس في المعاطاة في مقام الاثبات ما يدل على هذا المعنى ويكشف عنه، وصرف الاخذ والاعطاء خارجا كل واحد عوضا وبدلا عن الآخر، لا يدل على ازيد من نفس المبادلة والمعاوضة. نعم قد يدل على هذا المعنى فعل من الافعال غير اللفظ كوضع أحدهما يده في يد الآخر أو ضرب أحدهما يده على يد الآخر، ومن هذه الجهة وبهذا الاعتبار يعبرون عن البيع بصفقة اليمين، وقد قال صلى الله عليه وآله في قضية عروة البارقي بارك الله لك في صفقة يمينك. (1)


1. " عوالي اللئالي " ج 3، ص 205، ح 26، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 245، أبواب عقد البيع وشروطه، باب 18، ح 1.

[ 198 ]

وقد يكون الخط والامضاء دليلا على هذا كما أنه يقال إن العقود التي تقع بين الدول في معاملاتهم تتم بامضاء من خول إليه الامر من كل واحد من الطرفين وكذلك يقال إن في عقد النكاح يكون وقوعه وإتمامه بامضاء الطرفين. وعلى كل حال ليس صرف العمل بمضمون العقد عقدا ما لم يكن دالا على هذا الالتزام، من لفظ ينشأ به هذا المضمون، أو فعل يدل على البقاء والالتزام بعدم الرجوع عنه كوضع اليد في يد الاخر كما كان في باب البيعة أو ضرب اليد على يد الطرف الآخر كما في بعض أبواب المعاملات، أو خط أو إمضاء كما ذكرناه. إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنهم قسموا العقود على قسمين: عقود إذنية وعقود عهدية، وما ذكرنا من دلالة العقد بالدلالة الالتزامية على الالتزام بالوفاء بمضمون العقد والبقاء عنده وعدم الرجوع عنه في العقود العهدية ودون الاذنية إذ العقود العهدية عبارة عن العهد المؤكد، وأما العقود الاذنية فهي عبارة عن مجرد إذن أحدهما للاخر في امر من الامور كالوكالة والعارية وأمثالهما، وإنما عبر عنها بالعقد، لوقوع الاذن بصورة الايجاب ورضا الطرف بهذا الامر بصورة القبول، فيكون عقدا شكليا لا عقدا واقعيا، ولذلك يكون إطلاق العقد عليها اطلاقا مجازيا لا حقيقيا. فليس التزام من احدهما بالوفاء والبقاء عند هذه المعاوضة والمبادلة في البين وقوامها بالاذن فقط فإذا فسخ وارتفع الاذن فلا يبقى شئ في البين، كي يقال يجب الوفاء به والبقاء عنده، فخروج هذه العقود من أصالة اللزوم أو من قوله تعالى أوفوا بالعقود بالتخصص لا بالتخصيص كي يقال بأنه يلزم في الآية أو ذلك الاصل تخصيص الاكثر، وأما العقود العهدية فيشملها أصالة اللزم وكذلك أوفوا بالعقود يشمل كلها. وفرق شيخنا الاعظم قدس سره (1) في العقود العهدية بين التعليقية والتنجيزية، فاستشكل


1. " المكاسب " ص 85.

[ 199 ]

في اللزوم في مثل السبق والرماية والجعالة، بناء على أن يكون مدرك اللزوم هو استصحاب أثر العقد، ففي العقود التعليقية لو فسخ الطرف قبل حصول المعلق عليه ليس أثر كي يستصحب بعد فسخ من عليه أداء الجعل في الجعالة، ومن عليه السبق في السبق والرماية، بناء على ما زعم من أن قبل حصول السبق في السبق والرماية، وكذلك قبل رد الضالة في الجعالة لا يستحق السبق ولا الجعل ولا يملك شيئا فليس شئ في البين كي يستصحبه بعد الفسخ. وسنتكلم إنشاء الله في هذا الامر حين تكلمنا في ان أحد الادلة على قاعدة اللزوم وعدم تأثير الفسخ هو الاستصحاب، ونبين ما هو الحق في هذا المقام. وخلاصة الكلام كما سنذكره إنشاء الله تعالى أنه لا فرق بين العقود العهدية التنجيزية والتعليقية في أن مقتضى الاصل وإن كان المراد من الاصل هو الاستصحاب هو اللزوم وعدم تأثير الفسخ. الجهة الثانية في بيان الادلة التي تدل على أن مقتضى الاصل الاولى في كل عقد هو اللزوم، وعدم نفوذ الفسخ من كل واحد من طرفي المتعاقدين، فنقول: الاول هو بناء العقلاء في عهودهم وعقودهم على لزوم الوفاء والبقاء عند التزامه بحيث لو رفع اليد عما التزم من عقده وعهده، يرونه ناقضا لالتزامه وتعهده، ويذمونه على ذلك، والشارع لم يردعهم عن هذه الطريقة، بل ألزمهم بذلك كما سنذكره إنشاء الله. والحاصل أن مخالفة الالتزامات وعدم الاعتناء بعقده وعهده عندهم من أكبر المعائب وأخس الصفات وأرذلها، إلا أن يجعل أحدهما لنفسه حق رفع اليد عن التزامه أو كل واحد منهما يجعل لنفسه من اول الامر ذلك في ضمن العقد، وهذا

[ 200 ]

يسمى بخيار الشرط لاحد الطرفين أو كليهما وهذا يرجع في الحقيقة إلى عدم التزامه المطلق وعلى كل حال، بل التزام على تقدير دون تقدير. وبعبارة اخرى بعد ما عرفت أن العقود المنشأة بانشاء لفظي لها دلالتان: احداهما مطابقة، والاخرى التزاما، والثاني التزامه للآخر بالبقاء عندما أنشأه بالمطابقة وعدم العدول عنه، فالعدول والرجوع عما التزم به خلف ونقض وهذا قبيح وإن شئت قلت إن التزامه لطرفه تمليك له، فهذا الالتزام في اعتبار العقلاء يكون ملكا لطرفه وذلك بتمليكه إياه، فكما لو وهب مالا لغيره ليس له الرجوع إليه عند العقلاء خصوصا بعد تصرف الموهوب له فيه وإتلافه، ليس له أن يضمنه، ويكون خارجا عن قاعدة الاتلاف تخصصا لا تخصيصا، فكذلك بعد ما التزم له بالوفاء، العقلاء يعتبرون للملتزم له حق الالزام له بالوفاء بما التزم به. نعم الملتزم له، لو رفع اليد عن حقه باسقاطه فلا يكون بعد ذلك ملزما بالعمل بالتزامه، ويجوز له حل عقده وعهده، وليس ذلك حينئذ خلف ونقض لعهده، ومرجع الاقالة إلى هذا الذي ذكرنا. فمعنى قول الملتزم للملتزم له أقلني أي ارفع اليد عن حقك الذي كان عبارة عن أنه كان لك إلزامي بالعمل بمقتضى هذا العقد ومضمونه، فإذا كان اللزوم والاقالة من الطرفين فقهرا يرتفع اللزوم من البين، فكأنه بالنسبة إلى لزوم الوفاء لكل واحد منهما لم يكن عقد وعهد في البين، ولعل هذا معنى انحلال العقد بالاقالة، ولعل من هذه الجهة قالوا إن انحلال العقد بالاقالة وارتفاع اللزوم من البين يكون على القاعدة ولا يحتاج صحة تأثيرها على وجود دليل في البين. وخلاصة الكلام أنه لا يمكن إنكار أن بناء العقلاء في جميع الاعصار والامصار على لزوم العمل بعقودهم وعهودهم وعدم قدرة الملتزم بمعاهدة وتعاقد وإن كان التزامه بدلالة التزامية لالفاظ العقود والمعاهدات على رفع اليد عن التزامه، وحل

[ 201 ]

عقده وعهده. وأما ما توهم من أن العقد أمر وحداني وجوده قائم بطرفين، ولا يمكن إيجاده من طرف شخص واحد لان العقد عبارة عن العقدة الحاصلة بين حبلي عهد كل واحد من الطرفين، فكان تعهد كل واحد من الطرفين بمضمون العقد حبل منه في عالم الاعتبار، فهناك حبلان أحدهما من طرف الموجب والآخر من طرف القابل، والعقد عبارة عن تعقيد رأس الحبلين كل واحد بالاخر. فالعقدة التي تحصل بين رأسي الحبلين في عالم الاعتبار هو المسمى بالعقد، وهذه العقد وحداني ولكن قائم بالطرفين، ولا يمكن أن يحصل بفعل واحد كما هو واضح لانها نتيجة فعلين فكذلك كل واحد منهما منفردا لا يقدر على حل تلك العقدة، وذلك لان هذه العقدة فعله وفعل غيره. فكما أن في عالم الايجاد لم يكن له إيجادها وحده، فكذلك في عالم حل تلك العقدة ليس له وحده حلها، ومعلوم أن جواز رجوع كل واحد منهما عن التزامه مرجعه إلى حل تلك العقدة، وإلا فما دام تلك العقدة موجودة، فحبل عهده مشدود ويمنعه عن الرجوع، والقول بأن له وحده حل تلك العقدة مساوق مع كونه مسلطا على فعل شخص آخر لم يجعل الله له تلك السلطنة. ولا شك في أن هذا واضح البطلان، وذلك من جهة أن هذه العقدة التي وجدت في عالم الاعتبار بعد ما فرضنا ان صرف المعاوضة والمبادلة لا يكون سببا لوجودها، ولذلك قلنا بأن المعاطاة ليس بعقد، إذ ليس هناك عقدة والتزام في البين بل صرف معاوضة ومبادلة بين المالين، أو صرف إنشاء مضمون تلك المعاملة بل سبب وجودها التزام كلا الطرفين بعدم الرجوع عن مضمون هذه المعاملة، فحصلت العقدة من هذين الالتزامين، فهي من فعل الطرفين فرفع هذه العقدة التي هي فعل الطرفين من طرف أحدهما لا يمكن إلا بأن يكون له سلطان على رفع سببها

[ 202 ]

والمفروض أن السبب مركب من فعلين والتزامين، وهو ليس له سلطان إلا على فعل نفسه، فله أن يرفع اليد عن التزام نفسه، وأما رفع اليد عن التزام غيره الذي هو فعل الغير، ليس له ذلك، لعدم سلطنته على الغير. هذا ولكن أنت خبير بأن تلك العقدة وإن كانت تحصل من التزام الطرفين بالبقاء بمضمون هذا العقد، ولكن ارتفاعها كما يكون برجوع كلا الطرفين عن التزامهما، كذلك يمكن برجوع أحدهما وحده. وذلك من جهة أن المعلول كما أنه يرتفع بارتفاع جميع أجزاء علته كذلك يرتفع بارتفاع بعض أجزائها وهذا واضح، وإنما الكلام في أنه هل يجوز لكل واحد منهما رفع اليد عن التزامه منفردا أو يجوز لكليهما رفع اليد عن التزامهما معا، أو لا يجوز مطلقا، لا مجتمعا ولا منفردا، أو يفصل بأنه لا يجوز منفردا ويجوز معا ومجتمعا، وهذا الاخير هي الاقالة. وقد ظهر مما تقدم أن الحق هو التفصيل في اللزوم الحقي بأنه يجوز رفع اليد عن التزامهما جمعا وبرضاية الطرفين دون أحد الطرفين بدون رضاية الطرف الاخر وذلك لما بينا أن التزام كل واحد منهما حيث يكون برعاية الطرف الآخر فيوجد عند العقلاء وفي اعتبارهم حق الزامه بالوفاء بما التزم به رعاية له، وأما رفع اليد عن التزامه برضا الطرف فلا ينافي كون الطرف له حق الزامه، وعلى هذا الاساس بنينا صحة الاقالة وجريانها على القاعدة في كل معاملة وعدم احتياجها إلى ورود دليل على صحة جريانها. وخلاصة الكلام أن الدليل على أصالة اللزوم في العقود العهدية تنجيزية كانت كالبيع والاجارة والصلح وغيرها، أو تعليقية كالجعالة هو بناء العقلاء على وجوب العمل بالتزامه وتعهده، وقبح التخلف ورفع اليد عن ذلك الالتزام، وذكرنا أن نقض العهد يعد عندهم من أرذل الرذائل ومن منافيات الشرف والفضيلة، والشارع الاقدس لم يردعهم من هذه الطريقة، بل أمضاها بقوله تعالى أوفوا بالعقود كما

[ 203 ]

سنذكر أدلته إنشاء الله. وبعبارة اخرى يرى العرف والعقلاء أن من التزم لشخص بشئ فقد جعل ذمته مشغولة له بذلك إذا كان هذا الالتزام في ضمن عقد وعهد، لا أن يكون التزاما بدوية، وإن كان منشأ بنفس مادة الالتزام، بأن يقول التزمت لك بذلك، لان الالتزامات البدوية التي ليست في ضمن عقد وعهد تحسب وعدا ابتدائيا، ولا شك في حسن الوفاء به، وأما وجوبه ولزوم الوفاء به عند العقلاء أو الشرع فيحتاج إلى دليل مفقود في المقام، ولعله نتكلم فيها انشاء الله تعالى. ولعل هذا مراد شيخنا الاستاد قدس سره حيث يقول: كل واحد من الطرفين مالك لالتزام الآخر فإذا أسقط ملكيته بمعنى حقه فقهرا يكون من عليه الحق مخيرا في البقاء وعدم الرجوع عما التزم به، وفي عدم البقاء عند التزامه والرجوع عما التزم به، فلابد من أن يكون مراده من ملكية الطرف لالتزامه ثبوت هذا الحق له لا ثبوت الملكية الاعتبارية الشرعية الذي هو حكم وضعي كالطهارة والنجاسة، وإلا لم يكن قابلا للاسقاط، فلا تكون الاقالة على القاعدة، وتحتاج إلى دليل على صحتها وجريانها إما عاما وفي جميع العقود، أو في مورد خاص، وقد تقدم أنها على القاعدة، وتجري في جميع العقود. فظهر مما ذكرنا أن لزوم العقد وعدم جواز حله من كل واحد من الطرفين منفردا منشأه بناء العقلاء على لزوم الوفاء وعدم نفوذ فسخه والرجوع عما التزم به وتعهد، والشارع الاقدس لم يردعهم عن ذلك بل أمضى هذه الطريقة بقوله تعالى أوفوا بالعقود وبسائر الادلة التي نذكرها انشاء الله تعالى. وأما أن العقدة التي تحصل من تعهد الطرفين الذي هو العقد حيث إنها أمر وحداني وحاصلة من فعل الطرفين، فليس لاحدهما إزالة تلك العقدة لانه لا سلطان له على فعل الغير وإزالته،

[ 204 ]

ففيه ما ذكرنا أن سلطنته على إزالة فعل نفسه كاف في ارتفاع تلك العقدة، لقيامها بكلا الفعلين وكلا الالتزامين، فإذا رجع أحدهما عن التزامه يرتفع تلك العقدة وينتقض بنقض أحدهما، ولذا يطلق على تخلف المبايع عن بيعته نقض البيعة، مع أن الرجوع عن عهده وميثاقه من طرفه فقط. وأما القول بأن البيعة ليست بعقد فليس مما يصغى إليه والسر في ذلك أن العقد إما عبارة عن نفس تعهدين، أو حاصل منهما وقائم بهما، فكما انه يرتفع بارتفاعهما كذلك يرتفع بارتفاع أحدهما، ثم إن بناء العقلاء على اللزوم أمر قابل للردع شرعا كما أنه وقع في مورد خيارر المجلس، فالعقلاء والعرف وإن كان بنائهم على اللزوم حتى فيما إذا كان المتعاقدان في مجلس العقد ولم يتفرقا في عقد البيع، ولكن الشارع الاقدس نفى اللزوم وما دام لم يتفرقا عن مجلس البيع بقوله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار ما لم يفترقا (1) أو لم يتفرقا على بعض النسخ، أو الطرق، فبناء العرف والعقلاء في مورد خيار المجلس مردوع وليس بحجة. هذا إذا قلنا بأن بناء العقلاء على اللزوم مطلق من حيث التفرق عن المجلس وعدمه وأما إن قلنا بعدم إطلاقه وعدم بناء منهم في صورة عدم التفرق وبقاء المتعاقدين في المجلس وإن كان هذا الاحتمال بعيدا خصوصا فيما إذا طال المجلس كما إذا كان المتعاقدان في سبارة أو سفينة أو في طيارة في مسافة طويلة بل هما ربما يكونان في طيارة يطول مجلسهما إلى مآت فراسخ، بل آلاف. فالعرف في أمثال هذه الموارد بنائه على اللزوم بلا ريب، وإن أخذنا باطلاق دليل خيار المجلس، وهو قوله صلى الله عليه وآله البيعان بالخيار ما لم يفترقا وقلنا بثبوت الخيار فلا ردع في البين لتوافق بنائهم مع الدليل الشرعي الذي مفاده ثبوت خيار المجلس ما لم يفترقا. وأما في سائر الخيارات غير خيار المجلس كخيار الشرط والعيب، فليس بناء


1. " الكافي " ج 5، ص 170، باب الشرط والخيار في البيع، ح 6، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 20، ح 85، باب عقود البيع، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 346، أبواب الخيار، باب 1، ح 3.

[ 205 ]

للعقلاء في مواردها على اللزوم قطعا، لان كون المعيوب مردودا قضية ارتكازية عند العرف والعقلاء، وما ورد في الشرع من الخيار إمضاء لذلك الامر الارتكازي وأما خيار الشرط فلا شك في أن العقلاء أيضا يحكمون بلزوم الوفاء بالشرط، فليس لهم بناء على اللزوم، وأما خيار تخلف الشرط أو الوصف فأيضا لا بناء للعقلاء على اللزوم في مواردهما. وأما خيار الغبن فبناء على ما هو الصحيح في مدركه من أنه يرجع إلى تخلف الشرط الضمني، فيكون من صغريات خيار تخلف الشرط، وقد عرفت أنه لا بناء لهم في مورد تخلف الشرط على اللزوم. نعم في خيار الحيوان الظاهر أنه حكم شرعي وليس عدم اللزوم الا من جهة ورود دليل شرعي، وهو قوله عليه السلام صاحب الحيوان بالخيار ثلثة أيام (1) سواء كان المراد هو خصوص المشتري أو كان أعم من البايع والمشتري، وإلا فمن ناحية بناء العقلاء على اللزوم، لا فرق بين أن يكون المبيع أو الثمن حيوانا أو غير حيوان. لا يقال إن خيار الحيوان جعله الشارع من جهة الاختبار وأنه هل فيه عيب ونقص أم لا، وهذا المعنى مما لا ينكره العرف والعقلاء، فهم أيضا لا يبنون على اللزوم في زمان الاختبار، لان ذلك من جهة أن خيار العيب عندهم مغن عن هذا الخيار، فخيار الحيوان لابد وأن يكون حكما تعبديا. نعم جميع الاحكام الشرعية لابد وأن يكون عن ملاك ملزم لذلك الحكم من مصلحة ملزمة أو مفسدة كذلك، فدليل خيار الحيوان أيضا مثل دليل خيار المجلس يكون رادعا عن بناء العقلاء على اللزوم في مورد خيار الحيوان، أي فيما إذا كان المبيع


1. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 67، ح 287، باب ابتياع الحيوان، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 349، أبواب الخيار، باب 3 ح 2.

[ 206 ]

أو الثمن حيوانا. وخلاصة الكلام أن في كل مورد حكم الشارع بالخيار وعدم اللزوم، فان لم يكن بناء العقلاء أيضا على اللزوم فلا كلام، ولا إشكال، وأما إذا كان بنائهم على اللزوم، فالدليل الذي يدل على حكم الشارع بالخيار وعدم اللزوم يكون رادعا لبناء العقلاء. هذا في العقود العهدية التنجيزية كالبيع والاجارة والصلح وأمثالها واضح، وأما العقود العهدية التعليقية كالجعالة والسبق والرماية والوصية وأمثالها، فايضا لا شك في أن بناء العقلاء على لزومها بعد التلبس بالعمل في الاولين، وبعد الموت في الثالث، بناء على كونها من العقود، وأما لو قلنا بعدم احتياجها إلى القبول وأنها إيقاعات، فخارجة عن محل البحث موضوعا. وأما العقود الاذنية التي لا تعهد فيها وقوامها بالاذن فقط، فقد تقدم أنها خارجة عن الموضوع تخصصا لا تخصيصا، لانه لا تعهد ولا التزام فيها، بل قلنا إن إطلاق العقد عليها ليس إلا من باب المشاكلة، وإلا ليس فيها عهد وعقدة بين الطرفين ولذلك قالوا إنها جائزة بالذات مقابل العقود اللازمة بالذات. وخلاصة الكلام أن بناء العرف والعقلاء على لزوم الوفاء بالتعهدات والالتزامات فالعقود الاذنية التي قوامها الاذن كالوكالة لا التزام ولا تعهد فيها خارجة عن دائرة هذا البناء، واما العقود العهدية فداخلة بكلا قسميه، سواء كانت تنجيزية أو تعليقية. نعم في العقود التعليقية نزاع صغروي وهو أنها هل تحتاج إلى القبول كالوصية والجعالة والسبق والرماية أم لا؟ فان قلنا بعدم الاحتياج وأنها ايقاعات، فهي خارجة عن موضوع هذا البناء، والا فحالها حال العقود التنجيزية. إذا عرفت ما ذكرنا فأقول:

[ 207 ]

التمسك بهذه القاعدة وبناء العقلاء على لزوم المعاملة كالوقف أو الجعالة مثلا عند الشك في لزومها، بعد الفراغ عن كون تلك المعاملة من العقود، وإلا لو علمنا بأنها ليست من العقود، فهي خارجة عن موضوع هذه القاعدة يقينا، وكما أنه لو شككنا أنها عقد أم لا، يكون التمسك بها لاثبات لزومها من التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية لنفس العام، الذي لا يجوز قطعا، وهو من الواضحات. فبعد إحراز أنها من العقود، فتارة يكون منشأ الشك هي الشبهة الحكمية، واخرى هي الشبهة الموضوعية. فالاول كما إذا شك في لزوم الوقف، مثلا لو مات الواقف قبل أن يقبض العين الموقوفة، فبناء على أنه من العقود كما رجحناه وقلنا إنه يحتاج إلى القبول يحكم عليه باللزوم لاجل هذه القاعدة، وكذا في باب المعاطاة لو قلنا بأنه عقد، وإن كان الصحيح عندنا خلافه. وكذا في سائر موارد الشك في الحكم الشرعي بالجواز أو اللزوم بعد الفراغ عن كونه عقدا يصح التمسك بهذه القاعدة لاثبات اللزوم، ولا يصغى إلى ما يقال بأن البناء العملي، لا عموم ولا إطلاق فيه مثل باب الالفاظ، كي يتمسك به لرفع الشك والحكم باللزوم. وذلك من جهة أن هذا البناء بعد إمضاء الشارع له ولو من جهة عدم الردع يستكشف منه حكم الشارع بلزوم كل عقد، فيكون كما إذا ورد عام لفظي يكون له عموم وإطلاق وبهذا البيان اثبتنا الاطلاق للاجماع إذا كان معقده عنوانا من العناوين. وأما الثاني أي إذا كان منشأ الشك الشبهة الموضوعية، كما إذا شككنا أن المعاملة الواقعة هل هي صلح كي يكون لازما أو هبة لغير ذي الرحم كي يكون جائزا أو شك في ان الموهوب له ذي رحم أو أجنبي كي يكون لازما في الاول وجائزا في

[ 208 ]

الثاني؟ فيصح التمسك بهذه القاعدة لاثبات لزومه. الثاني الادلة والعمومات والاطلاقات اللفظية من الايات والروايات، فمن الاول قول تعالى 1: أوفوا بالعقود وتقريب دلالتها على لزوم جميع العقود هو أنه لا شبهة في أن كلمة العقود بما أنه جمع معروف بالالف واللام يكون من ألفاظ العموم ودالا عليه، فيكون معنى الاية يجب الوفاء بجميع العقود. وهذا العموم الافرادي الذي هو ظاهر الآية ومدلولها مطابقي لها، يستتبع عموما أو زمانيا أيضا بدلالة الاقتضاء، لان الاية لو كانت مهملة من هذه الجهة يصدق امتثالها بالوفاء في آن من الآنات، فيكون هذا الحكم لغوا لا فائدة فيه، فصونا للكلام عن اللغوية، لابد وأن نقول بأن المراد وجوب الوفاء في كل زمان، ولا شك في ان وجوب الوفاء في كل زمان يكون من لوازم اللزوم، بل يكون عفا مساوقا معه ويصح التعبير عن اللزوم به عرفا. وأما توهم ان وجوب الوفاء بالعقد عبارة عن لزوم العمل بمضمونه مادام موجودا وباقيا لا يدل على عدم جواز إزالته بالفسخ، لانه لا تنافي بين جواز إزالته ووجوب الوفاء به مادام موجودا، فلو قال أكرم زيدا في كل زمان مادام موجودا في البلد، فجواز إخراجه من البلد لا ينافي وجوب إكرامه في كل زمان مادام موجودا في البلد وبعبارة اخرى يكون من قبيل الاصل الحاكم مع الاصل المحكوم، فوجوب العمل بالاصل المحكوم والجري بمقتضاه في كل زمان لا ينافي مع مقتضى دليل الاصل الحاكم، لان العمل بمقتضى اصل المحكوم معلق عقلا على بقاء موضوعه أي كونه شاكا، فإذا ارتفع موضوعه بالاصل الحاكم، لا يبقى تعارض في البين، ولذلك قلنا في باب تعارض الادلة أنه لا تعارض بين دليل الحاكم والمحكوم. فها هنا حل العقد وإفنائه لا ينافي وجوب العمل بمقتضاه دائما في كل زمان، لان

[ 209 ]

العمل بمقتضاه عقلا موقوف على بقائه، فادا ارتفع لا بيقى موضوع لهذا الحكم. وفيه أولا ما ذكرها ان هذه العبارة أي وجوب الوفاء بكل عقد في كل زمان مساوق في المتفاهم العرفي مع القول بأن كل عقد لازم لا يمكن أو لا يجوز حله ونقضه. وثانيا الظاهر من قوله تعالى أوفوا بالعقود ليس المراد به وجوب الوفاء بما عقد عليه وتعهد به كي يكون معناه وجوب العمل بمقتضاه، بل المراد به وجوب الوفاء بنفس عقوده وعهوده وأن لا ينقض عقده وعهده، فابتداء الواجب التكليفي هو البقاء على عهده وعدم الرجوع عن التزامه، لا وجوب العمل بما التزم به، نعم وجوب العمل بما التزم به من آثار البقاء على عهده وحفظ تعهده والتزامه. فبناء على ما ذهب إليه الشيخ الاعظم الانصاري قده (1) من انتزاع الحكم الوضعي من الحكم التكليفي فينتزع اللزوم قهرا من هذا الوجوب التكليفي أي وجوب البقاء على تعهده والتزامه وحرمة نقضه وحله. وهذا الكلام أي انتزاع الحكم الوضعي عن الحكم التكليفي، وإن كان لا أساس له عندنا، وأثبتنا فساده في الاصول، وبينا في كتابنا منتهى الاصول (2) أن بعض الاحكام الوضعية كالطهارة والنجاسة والملكية والزوجية وأمثالها مستقلات في الجعل وليست منتزعة من الاحكام التكليفية، بل هي موضوعات لها، فيكون الامر بالعكس أي يكون الحكم التكليفي من آثار الحكم الوضعي، فتكون حرمة الاستعمال فيما هو مشروط بالطهارة أو الشرب من آثار النجاسة وكذلك الامر في الملكية والزوجية وغيرهما. ولكن هاهنا لا نحتاج إلى الالتزام بأن وجوب الوفاء بالعقود حكم تكليفي ينتزع


1. " فرائد الاصول " ج 2، ص 601. 2. " منتهى الاصول " ج 2، ص 395.

[ 210 ]

منه، فان هذا يشبه الاكل من القفا، بل نقول من أول الامر أن وجوب الوفاء بالعقد عبارة عن لزوم البقاء عليه وعدم نقضه وحله، وهذا عين اللزوم، وإن شئت قلت إن معنى القاعدة عرفا هو الالتزام والتعهد بأمر، فهذا المعنى بنفسه يقتضي عند العرف والعقلاء البقاء على تعهده وعدم جواز حله ونقضه. وبعبارة اخرى يرونه في عالم اعتبارهم أمرا ثابتا غير ممكن النقض، ولذلك يرون الخارج عن التزامه ناقضا لعهده، وهذا عين اعتبار اللزوم عندهم في العقود والعهود، والشارع أمضى هذا اللزوم الذي في اعتبارهم للعقود بقوله: أوفوا بالعقود. فمفاد هذه الاية تثبيت ما هو ثابت عندهم، وتقرير أهل العرف في لزوم العقود في اعتبارهم. فكأن ها هنا اعتبارين أحدهما من قبل العرف وهو اعتبارهم اللزوم في عقودهم وعهودهم سواء كانت في أبواب المعاملات أو في غيرها ثانيهما من قبل الشرع وهو إمضاء ذلك الاعتبار العرفي وتثبيته في عالم الاعتبار الشرعي. وأما ما ذكره بعض المفسرين (1) من الوجوه الاربعة في المراد من العقود في الآية: أحدها أن المراد من هذه الكلمة هو عهود أهل الجاهلية، ذكره جمع من المفسرين، وفيهم ابن عباس، وهذا المعنى لابد منه توجيهه، وإلا فهو بظاهره فاسد. ثانيها هو العهود التي أخذ الله تعالى على عباده بأن لا يعبدوا الشيطان. ثالثها العقود والعهود التي بين الناس في معاملاتهم وغيرها. رابعها أن المراد به العهود والمواثيق التي أخذ من اهل الكتاب في التوراة من عدم إنكارهم لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وتصديقهم لنبوته، وأن كل ما جاء به من الاحكام


1. انظر: " مجمع البيان " ج 2، ص 150.

[ 211 ]

فهو حق ومن عند الله. فهذه المعاني وإن كانت في حد نفسها صحيحة وذكرها المفسرون، ولكنه من الواضح أن الاعتبار بعموم الالفاظ ولا يكون خصوصية المورد مخصصا، وكذلك تطبيق المفسرين بل الائمة عليهم السلام على بعض موارد ذلك العام، ولا شك في أن لفظ العقود عام يشمل كل عقد صدر من المتعاقدين، وكل واحد من هذه المعاني التي ذكروها مصداق من مصاديق العام، وشموله له لا ينفي شموله للمصاديق الاخر. فظاهر الآية بناء على ما ذكرنا في المراد منها هو لزوم كل ما يصدق عليه العقد ويحمل عليه حملا حقيقيا لا تجوزا. ثم انه استشكل على دلالة هذه الاية على اللزوم بلزوم تخصيص الاكثر، وهو مستهجن، فيسقط العموم عن الحجية، ولا يمكن التمسك به لاستهجانه ولزوم تخصيص الاكثر من جهة خروج العقود الجائزة عن هذا العموم قطعا، وكذلك المعاطاة بناء على تحقق الاجماع على جوازه، وهي كثيرة جدا خصوصا المعاطاة وذلك لان أغلب معاملات الاسواق والمعاوضات من البيوع والاجارات وغيرهما بالمعاطاة، بل لا يبعد دعوى كون جميعها بالمعاطاة، وكذلك العقود اللازمة في موارد الخيارات. وفيه أن العقود الجائزة بالذات لا بواسطة جعل الخيار من الله تعالى أو من قبل المتعاقدين، قد تقدم أنها هي العقود المسماة بالاذنية، مقابل العقود العهدية، وبينا أن تلك العقود المسماة بالاذنية التي قوامها بالاذن في الحقيقة، ليست بعقد كالوكالة أو العارية مثلا إذ ليس تعهد في البين، وقلنا إن اطلاق العقد عليها من باب المشاكلة، ومن جهة أن الاذن فيها يصدر بشكل الايجاب ورضا الطرف بالعمل على طبق ذلك الاذن يكون بصورة القبول وبشكله، فخروج تلك العقود عن عموم أوفوا بالعقود يكون بالتخصص لا بالتخصيص، وقد تقدم كل ذلك. وأما المعاطاة فقد بينا في محله أنه ليس بعقد بل هو صرف مبادلة بين العوضين

[ 212 ]

وليس تعهد في البين، وإن شئت قلت كما أنه يمكن أن ينقل مالا من مكانه إلى مكان مال آخر، وذلك المال الآخر ينقل من مكانه إلى مكان المال الاول، فيبدل مكان 178 كل واحد من المالين إلى مكان الاخر كذلك في عالم الاعتبار يمكن انشاء هذه المبادلة بين المالين بدون أن يكون التزام من المتعاملين أو أحدهما في البين، ومن دون أن يكون تعهد بالبقاء عند هذه المبادلة منهما أو من أحدهما، وهذا هو المسمى بالمعاطاة، فليس في المعاطاة عقد وعهد أصلا، فيكون خروجه عن عموم أوفوا بالعقود خروجا موضوعيا، ويكون من باب التخصص لا التخصيص. وأما العقود اللازمة في موارد الخيارات فهي في الموارد التي يكون الخيار مجعولا من قبل المتعاقدين، فلا يشمله هذه الآية، لان الآية معناها كما تقدم لزوم الوفاء بالتزامه وتعهده، فإذا كان تعهدهه والتزامه مشروطا بشرط ومقيدا بأمر كما في مورد خيار الشرط والغبن، بناء على رجوع الاخير إلى تخلف الشرط الضمني، وهو تساوي العوضين في المالية، ففي مورد فقد الشرط والقيد لا التزام كي يكون الوفاء به واجبا، فيكون خروج تلك الموارد عن عموم أوفوا بالعقود أيضا خروجا موضوعيا لا من باب تخصيص هذه القاعدة. نعم في الخيارات المجعولة من قبل الشارع مع كون الالتزام الذي قلنا انه مدلول التزامي للالفاظ التي تنشأ بها العقود مطلقا من الطرفين المتعاملين غير مقيد بشئ وغير مشروط بشرط كخيار المجلس وخيار الحيوان وما شابههما، يكون تخصيصا للقاعدة. وأنت خبير بأن هذا المقدار ليس من التخصيص المستهجن، فاشكال لزوم تخصيص الاكثر في عموم هذه القاعدة لا أساس له. هذا مضافا إلى أنه يمكن أن يقال بأن موارد الخيارات المجعولة من قبل الشارع أيضا ليس من باب التخصيص، بل يكون شبيها بالحكومة بأن يقال مثلا في خيار

[ 213 ]

المجلس أو خيار الحيوان: جعل الشارع التزامهما في تلك المدة كلا التزام، فكأنهما لم يلتزما بالبقاء عند هذه المعاملة مادام كونهما في المجلس ولم يفترقا بالنسبة إلى خيار المجلس، وكذلك كأنهما لم يلتزما في مدة ثلاثة أيام في خيار الحيوان فيكون أيضا خروجهما وأمثالهما أيضا خروجا موضوعيا، غاية الامر خروجا موضوعيا 179 تعبديا لا تكوينيا كما هو الشأن في جميع موارد الحكومة، وأن التوسعة والتضييق فيها من جانب الموضوع أو المحمول تعبدي لا تكويني ووجداني. وبعبارة اخرى التصرف في باب الحكومة في جانب الموضوع أو المحمول في القضية الشرعية المتكلفة لبيان حكم من الاحكام، ولا نظر في ذلك الباب إلى التضيق في الحكم، وإن كان التضيق في الموضوع أو المحمول ينتج ذلك أيضا. فنقول فيما نحن فيه: إن الشارع الاقدس في مدة بقاء المتبايعين في المجلس، أو مدة ثلاثة أيام في خيار الحيوان، جعل التزامهما بهذه المعاملة كلا التزام، لا أنه مع فرض البناء على وجود الالتزام نفي الوفاء بذلك الالتزام كي يكون من باب التخصيص، فإذا قال أكرم العلماء وفرضنا أن اكثر أفراد العلماء هم النحويون مثلا فقال: النحوي ليس بعالم، فليس هذا من باب تخصيص الاكثر بل من جهة أن الشارع أخرج النحوي عن موضوع حكمه خروجا تعبديا، فليس من باب التخصيص كي يكون مستهجنا إذا كان الخارج أكثر الافراد. ويمكن أيضا أن يقال إن ما نحن فيه ليس من قبيل التخصيص كي يقال بأن الخارج أكثر فهو مستهجن، بل من قبيل تقييد الاطلاق. وذلك من جهة أن عموم لفظ العقود باعتبار الافراد لا باعتبار الازمان، فالحكم ثبوته في جميع الازمان ليس من ناحية صيغة العموم بل من جهة الاطلاق الازماني الثابت بدلالة الاقتضاء، صونا عن لغوية جعل الخيار لو كان ثبوته في زمان ما فقط، وتقييد ذلك الاطلاق بالنسبة إلى قطعة من الزمان اي زمان بقاء المجلس

[ 214 ]

وعدم حصول الافتراق، وكذلك ثلاثة أيام في خيار الحيوان ليس من باب تخصيص العموم كي يقال بأنه مستهجن بل صرف تقييد اطلاق فلا يأتي هذا الكلام ولا مجال للاشكال به على التمسك بهذا العموم. وذلك من جهة أن الاطلاق وشمول الحكم لجميع الحالات والخصوصيات الواردة على المطلق، ليس بالوضع كما هو مذكور في محله، وإنما الشمول لدليل الحكمة وبمقدماتها، ففي كل مورد وبالنسبة إلى أي خصوصية جاء دليل على التقييد يبطل الاطلاق بالنسبة إلى تلك الخصوصية، ويرتفع من البين، فلو قيد المطلق بحيث لا يبقى له إلا فرد واحد، لا يكون مستهجنا. بخلاف العام فانه موضوع للعموم، فيكون ظاهره العموم خصوصا إذا كان المخصص منفصلا، فبعد تخصيص الاكثر إذا تبين أن مراده من هذا العموم ليس إلا أفراد قليلة، فألقى إلى طرفه أن مطلوبه العموم، مع أنه لم يرد إلا بعضه الاقل، فيكون مثل هذا الكلام ركيكا ومستهجنا. وخلاصة الكلام أن العام كاشف عن إرادة العموم بالوضع، وليس ظهوره معلقا نعم إذا جاء المخصص حيث إنه أكشف، يكون مقدما على العموم، وأما ظهور المطلق في الاطلاق، فمعلق على عدم البيان، فإذا جاء البيان لا يبقى موضوع للاطلاق. فتقديم ظهور الخاص على ظهور العام، من باب حكومة أصالة الظهور في طرفه على أصالة الظهور في طرف العام، وأما التقييد في باب الاطلاق فهو رافع لموضوع ظهور الاطلاق حقيقة وتكوينا، فكأنه من قبيل الورود. وأيضا من الاول أي الايات قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم. (1)


1. النساء (4): 29.

[ 215 ]

تقريب الاستدلال بالآية الشريفة على لزوم العقود، هو أن الظاهر من الاكل في المقام مطلق التصرفات والانتفاعات بالاموال لا خصوص الازدراد، إذ في جملة كثيرة من الاموال لا يمكن ذلك. فظاهر الاية هو النهي وتحريم التصرفات الباطلة أي على وجه لم يشرع في اموال الناس، إذ لا شك في جواز جميع التصرفات في أموال نفسه إلا أن يكون ذلك السنخ من التصرفات حراما كالاسراف والتبذير وغيرهما من التصرفات المحرمة الكثيرة. ولا يمكن أن يكون المراد من الباطل في الآية هذا القسم من التصرفات: أولا بقرينة بينكم لان أمثال هذه التصرفات محرمة وإن لم يكن غيره في البين، فهذه الكلمة خصوصا مع قوله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم تكون قرينة على أن المراد من الاكل بالباطل هو التصرف في مال الغير على وجه شرعي، وبغير استحقاق، كالغصب والخيانة والسرقة والربا، وبشهادة الزور، أو باليمين الكاذبة، أو بالرشوة، أو بالبيوع الفاسدة كالبيع الغرري، أو سائر المعاملات الفاسدة الباطلة في الشرع، مثل أنواع القمار إلى غير ذلك من العقود والمعاملات الفاسدة: كالمعاملات التي تقع عن إكراه الطرف. فمعنى الآية بحسب الظاهر وما هو المتفاهم العرفي منها أن جميع هذه التصرفات في أموال الناس حرام، إلا أن يكون التصرف في مال الغير بالوجه الشرعي، وعبر سبحانه وتعالى عن ذلك الوجه بقوله إلا أن تكون تجارة عن تراض أي عند العرف مع عدم ردع الشارع عن مثل ملك التجارة، بل إمضائها، وذلك من جهة أن قولهم بكفاية عدم الردع من قبل الشارع من باب أنه كاشف عن الامضاء وإلا فهو بنفسه لا أثر له، فإذا كان معنى الآية ما عرفت، فدلالتها على اللزوم واضحة. بيان ذلك أنه بعد الفراغ عن حصول الملكية والنقل والانتقال بمحض وجود

[ 216 ]

العقد التام الواجد لجميع شرائط الصحة من الطرفين، ففسخ أحدهما من دون رضا الآخر يكون تصرفا في مال الغير بدون أن يكون تجارة عن تراض منهما، فيكون أكلا لمال الغير بالباطل، أي بوجه غير شرعي. فالفسخ الذي أثره إرجاع مال الغير إلى صاحبه الاولى من دون رضا من ملك بالعقد، يكون داخلا في المستثنى منه، فيكون منهيا عنه، فيكون باطلا وغير نافذ وهذا معنى مساوق للزوم. وخلاصة الكلام أن ظاهر الاية هو أن سبب جواز أكل أموال الناس منحصر في الانتقال إليه بالتجارة التي تكون عن تراض منهما، كما هو مفاد الاستثناء عن العموم. ثم إنه لا يخفى أن عقد المستثنى منه وحده كاف في إثبات هذا الحكم، أي 182 أصالة اللزوم في العقود، لو كان المراد من الاكل بالباطل هو الاكل من غير سبب شرعي. لا يقال: إن الفسخ لو كان مؤثرا يكون سببا شرعيا، ويخرج به كون الاكل اكلا لمال الغير الباطال، فيكون هذا الاستدلال دوريا، لان عدم تأثير الفسخ موقوف على كون أكل المال به أكلا بالباطل، وكونه كذلك موقوف على عدم تأثير الفسخ، وألا يكون الاكل على وجه شرعي، وليس من اكل المال بالباطل. لان الآية حصرت سبب جواز أكل مال الغير في التجارة عن تراض، ومعلوم أن الفسخ من دون رضاية الطرف الآخر ليس من التجارة عن تراض. إن قلت: أليس يجوز أكل مال الغير باباحة مالكه، وليست الاباحة تجارة عن تراض؟ قلنا أولا إن المراد من الاكل ها هنا هو التملك لا المعنى المعروف المقابل للشرب كما تقدم ذكره، والتملك لا يحصل بالاباحة بل يحتاج إلى تمليك من قبل الله أو من قبل مالكه.

[ 217 ]

وثانيا أن عقد المستثنى منه عام كسائر العمومات الشرعية قابل للتخصيص، فمفاده وإن كان عدم جواز التصرف في مال الغير مطلقا، ولم يخرج في ظاهر الآية عن هذا العموم، إلا كون الاكل من باب التجارة عن تراض، ولكن يمكن تخصيصه بدليل آخر أيضا كسائر العمومات التي ترد عليها مخصصات كثيرة ومتعددة، ما لم تصل إلى حد تخصيص الاكثر، فهاهنا أيضا خصص العام بدليل جواز التصرف باباحة المالك. وثالثا ليس مورد إباحة المالك من الاكل بالباطل، لا في نظر العرف وهو واضح ولا في نظر الشرع لان الممنوع والمنهي في نظر الشرع هو أكل مال الغير من غير إذنه وبدون طيب نفسه، وأما مع أحدهما فلا يرى الاكل باطلا، ففي مورد الاباحة بل في كل مورد صدر الاذن من قبل الشارع بجواز التصرف فيه، ليس من الاكل بالباطل، لا في نظره ولا في نظر العرف، فلا يشمله هذا العام. ورابعا يظهر من الآية المقابلة بين الاكل بالباطل، وكونه عن تجارة مع تراضي الطرفين بطور المنفصلة المانعة الخلو بمعنى أن الاكل لمال الغير لا يخلو من أحد هذين الامرين: إما يكون بوجه غير شرعي وباطلا، وإما أن يكون من باب التجارة عن تراض، ولا ريب في أن موارد صدور الاذن من الشارع بجواز الاكل والتصرف أو المالك كذلك ليس بوجه غير شرعي ولا يصدق عليها ايضا أنها تجارة عن تراض، فلابد من حمل الآية على معنى يلتئم مع هذا الحصر، وعدم خلو الاكل عن أحد هذين، أي كونه إما باطلا أو يكون تجارة عن تراض، وهو أن يقال: إن المراد منها أن هذه المعاملات والمعاوضات والمبادلات التي تقع بينكم لا يخلو من أحد أمرين إما باطل ويكون بوجه غير شرعي، فهذا القسم حرام، وليس لكم ارتكابه ويجب الاجتناب عنه، وإما أن يكون تجارة عن تراض وهذا القسم لا مانع من ارتكابه بل ندب إليه الشرع، وأما الحرمة في القسم الاول فهل هي وضعي أم تكليفي؟ فبحث آخر، وإن كان الظاهر منها الوضعي، بقرينة كلمة الباطل

[ 218 ]

وإطلاقها عليها. إذا عرفت ما ذكرنا في معنى الآية، فلا يبقى إشكال في دلالتها على المطلوب، أي اللزوم. بيان ذلك أن القضية المنفصلة المانعة الخلو، رفع كل واحد من طرفها يثبت وجود الطرف الآخر، فإذا لم يكون المعاملة المشروعة من مصاديق التجارة عن تراض تكون باطلة، وفيما نحن فيه من المعلوم أن الفسخ بدون رضاية الطرف الآخر ليس تجارة عن تراض، فيكون باطلا غير نافذ، وهذا من لوازم اللزوم. وإن شئت قلت إن مفاد الآية قضيتين كليتين إحداهما أن كل معاملة ليست بباطلة لابد وأن تكون تجارة عن تراض، والاخرى أن كل معاملة ليست تجارة عن تراض فلا محالة تكون باطلة، وهذا معنى كون مفادها قضية منفصلة مانعة الخلو وباقي ما ذكرنا واضح لا يحتاج إلى الايضاح. وخلاصة الكلام أن الآية حسب المتفاهم العرفي الذي هو معنى الظهور وهو 184 الحجة، هو أن ما ليس بتجارة عن تراض فهو باطل، لا أن كل معاملة تكون من مصاديق عنوان تجارة عن تراض، تكون صحيحة، كي يرد عليه النقوض الكثيرة كالمعاملات غير المشروعة من جهة مبغوضية نفس عناوينها كالقمار والرباء، أو من جهة خلل في العقد، أو في المتعاقدين، أو في العوضين، والامثلة واضحة، فانها باطلة مع كونها تجارة عن تراض يقينا. إن قلت ان الآية مركبة من عقدين: عقد المستثنى وعقد المستثنى منه، والاول سلبي مفاده عدم جواز أكل المال بالباطل، والثاني ايجاي مفاده جواز الاكل ان كانت المعاملة تجارة عن تراض، فليس ها هنا ما يكون مفاده أن ما ليس بتجارة عن تراض يكون من الاكل بالباطل الذي هو مبنى هذا الاستدلال. وذلك من جهة أن في العقد الاول موضوع الحكم بالحرمة هو أكل المال بالباطل

[ 219 ]

والحكم لا يثبت موضوعه، والمفروض أن الموضوع فيما نحن فيه مشكوك لانه بناء على اللزوم الفسخ لا يؤثر، فيكون أكل المال بالفسخ أكلا بالباطل، وبناء على عدمه يؤثر الفسخ فلا يكون الاكل به أكلا بالباطل. وحيث إن اللزوم مشكوك فيكون موضوع الحرمة مشكوكا فيكون الاستدلال بهذا العموم لعدم تأثير الفسخ لكونه أكلا بالباطل من قبيل التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية لنفس العام الذي لا يقول به أحد، ولا يمكن أن يقول به أحد. وفي العقد الثاني موضوع الحكم الايجابي أي جواز الاكل هو كون المعاملة تجارة عن تراض، وهذا الحكم الايجابي لا يدل على أن كل ما ليس بتجارة عن تراض فهو من الاكل بالباطل، نعم انتفاء الجواز بانتفاء كونه تجارة عن تراض حكم عقلي ومن باب انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه. قلنا إن نفس جعل المقابلة بين أكل المال بالباطل وبين كونه عن تجارة عن تراض، يدل على أن ما ليس من التجارة عن تراض فهو من أكل المال بالباطل وقد تقدم تفصيل ذلك، فلا نعيد، ففي الحقيقة في مورد الشك في لزوم المعاملة عقدية يثبت الموضوع بعد أن فسخ المعاملة للعقد الاول أي المستثنى منه بالعقد الثاني أي المستثنى وقرينيته. فكل واحد من العقدين وحده، وإن لم يدل على عدم تأثير الفسخ ولا على اللزوم، إلا أنه بانضمام أحدهما إلى الآخر والتعمق في مجموع الآية تحصل هذه النتيجة، أي يكون إرجاع المال بالفسخ مع عدم رضاية الطرف الآخر من أكل مال الغير بالباطل الذي هو موضوع الحرمة في عقد المستثنى منه، فيكون الفسخ غير مؤثر، وهو من لوازم اللزوم.

[ 220 ]

وأما الثاني أي الاخبار التي تدل على لزوم كل عقد مملك فمنها قوله عليه السلام لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفسه. (1) بيان ذلك أنه بعد الفراع عن أن العقد سبب لانتقال كل واحد من العوضين إلى صاحب العوض الآخر، وصيرورته ملكا ومالا له، فلو كان إرجاع ذلك المال إلى صاحبه الاول بصرف الفسخ من دون طيب نفس الطرف، أي من انتقل المال إليه بالعقد، جائزا الذي هو معنى عدم اللزوم يلزم أن يكون أكل مال المسلم بدون طيب نفسه جائزا، والحديث ينفيه. فالحديث يدل على عدم تأثير الفسخ وهو ملازم مع اللزوم. وأما توهم أنه بعد الفسخ يشك في أنه مال الغير: إذ على تقدير كون العقد أو المعاملة جائزة، فبعد الفسخ يخرج عن كونه مال الغير قطعا، وعلى تقدير كونه لازما يبقى بعده على كونه مال الغير، وحيث إن كلا الامرين غير معلوم، فكونه مال الغير بعد الفسخ مشكوك، فيكون التمسك بالحديث من قبيل التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية لنفس العام، وهو واضح البطلان، للزوم إحراز موضوع الحكم. ففيه أن عدم كونه مال الغير، متوقف على تأثير الفسخ في إرجاع المال إلى صاحبه الاول، وإلا فمع عدم تأثيره وعدم انحلال العقد لا وجه لخروجه عن ملك من انتقل إليه بالعقد، بل باق على ملكه يقينا من دون احتياج إلى استصحاب بقائه على ذلك، وتأثير الفسخ متوقف على عدم كونه مال الغير، والا يلزم أن يكون التصرف في مال الغير باخراجه عن ملكه بدون طيب نفسه حلالا وجائزا والحديث ينفيه، فلا يمكن اثبات جواز التأثير بالشك في كونه مال الغير ويكون دورا واضحا.


1. " الكافي " ج 7، ص 273، باب القتل، ح 12، " الفقيه " ج 4، ص 92، باب تحريم الدماء والاموال بغير حقها...، ح 5151، " وسائل الشيعة " ج 3، ص 424، أبواب مكان المصلي، باب 3، ح 1، وج 19، ص 3. أبواب القصاص في النفس، باب 1، ح 3. والنص في جميع المصادر هكذا: " لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفسه ".

[ 221 ]

وان شئت قلت: ان ارجاع المال إلى نفسه واخراجه عن ملك طرفه بالفسخ، متوقف على عدم كونه ملكا لذلك الطرف حال الاخراج، وعدم كونه ملكا له في ذلك الحال متوقف على الاخراج بذلك الفسخ، إذ ليس سبب آخر في البين على الفرض، فالاخراج بذلك الفسخ متوقف على نفسه، نعم شمول هذا الحديث للفسخ في العقد المشكوك اللزوم منوط بالقول بحصول الملكية بعد تمامية العقد كما هو الصحيح. ثم انه لا يخفى أن دلالة هذا الحديث على اللزوم يشمل جميع المعاملات، سواء كانت عقدية أو بالمعاطاة، بناء على حصول الملكية بالمعاطاة كما هو الصحيح، وأما بناء على أنها مفيدة للاباحة من دون حصول ملكية في البين، فلا، لانه بناء على القول بالاباحة، لا يكون المباح له مالك كي يقال بأنه لا يمكن ارجاعه بدون طيب نفسه، وكذلك لا يشمل المعاملات التي ليست مملكة كالنكاح مثلا، وان كان عقدا وهو واضح. ومما تقدم ذكره يظهر أن دلالة هذا الحديث على لزوم المعاملات المملكة في غاية الوضوح، ولا فرق بين وقوع تلك المعاملات بالعقد أو بالمعاطاة، ولذلك قلنا في مبحث بيع المعاطاة أن مقتضى القاعدة المتخذة من الروايات بل بناء العقلاء لزوم بيع المعاطاة، ولكن الذي أخرجنا عن الالتزام بهذه القاعدة هو دعوى الاجماع من جمع من أعاظم الفقهاء. ومنها قوله عليه السلام: الناس مسلطون على اموالهم. (1) بيان ذلك أن السلطنة على المال التي أمضاها الشارع - لان العرف والعقلاء أيضا يعتبرون المالك ذا سلطان على ماله أعم من السلطنة على التصرفات التكوينية كالاكل والشرب واللبس والركوب والسكنى وهكذا في المأكولات


1. " سنن الكبرى " ج 6، ص 100، " سنن الدارقطني " ج 3، ص 26، ح 91، " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 489، " عوالي اللئالي " ج 3، ص 208، ح 49.

[ 222 ]

والمشروبات والملبوسات والمركوبات والمساكن وهكذا الامر في غير المذكورات ومن السلطنة على التصرفات الشريعية كالبيع والهبة والوقف والصلح وأمثال تلك العناوين مما توجد بانشاءاتها في عالم الاعتبار التشريعي. وبعبارة أخرى كما أن المالك في نظر العرف والعقلاء ذو سلطان على التصرفات التكوينية كذلك في نظرهم له السلطنة بالنسبة إلى التصرفات في عالم اعتبارهم كأنواع المعاملات والمبادلات الواقعة عليه عندهم، وقد أمضى الشارع هذه السلطنة التي عند العرف تكوينا وتشريعا، ولا شك في أن العرف والعقلاء كما انهم يرون جواز كلا القسمين من التكوينية والتشريعية للمالك عندهم، كذلك يرون له حق منع الغير عن التصرف بكلا قسميه أي يرون له مثلا حق المنع عن أكله وعن بيعه أو هبته. فبناء على أن يكون مفاد هذا الحديث الشريف إمضاء ما عليه العرف كما هو الظاهر منه، يكون مفاده أن للمالك بعد العقد حق المنع عن إرجاع المالك الاول هذا المال الذي خرج عن ملكه إلى نفسه ثانيا بواسطة الفسخ ومرجع هذا إلى عدم تأثير الفسخ، وهذا هو اللزوم. ومما ذكرنا يظهر فساد ما ربما يقال بأن موضوع هذه السلطنة ومتعلقها هو أن يكون ماله، وبعد الفسخ كونه ماله مشكوك، لاحتمال عدم اللزوم وتأثير الفسخ. وذلك من جهة انه بناء على ما ذكرنا ليس لغير المالك بدون اذنه ورضاه حق الفسخ لان الفسخ ايضا من التصرفات الاعتبارية التي قلنا إن للمالك منعه عنها، وهذا دليل على عدم تأثير الفسخ، فيكون موضوع السلطنة الذي هو عنوان ماله موجودا فيشمله الحديث. وخلاصة الكلام في هذا المقام هو أن المالك هل له السلطنة على أنحاء التصرفات في ماله فقط غاية الامر أعم من التكوينية والتشريعية أم لا بل له أيضا مضافا إلى ذلك حق منع الغير عن التصرف في ماله، وإن كان التصرف اعتباريا كايقاع

[ 223 ]

المعاملات عليه بمعنى ان تصرفات غير المالك بدون إذن المالك ورضاه إن كان تصرفا خارجيا في 188 المال يكون حراما لقوله عليه السلام لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه، وأما إن كان تصرفا اعتباريا وفي عالم المعاملات والمبادلات الاعتبارية فيكون تلك التصرفات لغوا لا أثر لها كالتصرفات التي تصدر من الفضولي، وحيث إنها بدون إجازة المالك وإذنه فلا أثر لها وإن لم يكن حراما. فالتصرفات التكوينية في مال الغير حرام سواء كان باتلاف نفسه أو شئ من أوصافه أو من منافعه أو باستيفاء منافعه أو بحبس تلك المنافع عن مالكه كل ذلك بقاعدة الاتلاف، أو قاعدة على اليد، ففي جميع ذلك يكون الامران: أي الحرمة التكليفية والضمان وضعا وذلك من جهة أن التصرف التكويني تنطبق عليه إحدى هاتين القاعدتين أي الاتلاف وعلى اليد غالبا. وأما التصرفات الاعتبارية أي نقلها بالانشاءات المعهودة من العقود والايقاعات: فمن حيث أنها فعل غير المالك وأمر خارجي لا مساس لها بمال الغير، ومن حيث منشأتها امورا اعتبارية لا وجود لها في عالم الاعتبار، ويحتاج وجودها في عالم الاعتبار التشريعي أيضا إلى اذن المالك أو اجازته، والمفروض فيما نحن فيه أي الفسخ أنه بدون إذن المالك وإجازته، فلا يوجد في عالم الاعتبار التشريعي فيكون لغوا لا أثر له، فيبقى المال في ملك من ملك بالعقد، وهذا دليل على البقاء من دون حاجة إلى الاستصحاب. فموضوع السلطنة باق وموجود والنتيجة حيث إن الفسخ يتعلق بمال الغير بدون إذنه ورضاه فلا أثر له. إن قلت إن ما ذكر صحيح إن كان الفسخ عبارة عن إرجاع المال واسترداد ما انتقل منه إلى طرفه، فحينئذ يمكن أن يقال حيث إن الطرف مسلط على ماله، فله المنع عن إرجاع ماله إلى صاحبه الاول بدون إذنه ورضاه، وأما لو كان الفسخ عبارة عن

[ 224 ]

حل العقد ونقض العهد كما هو الصحيح وعليه بنى المحققون في مبحث الخيارات، فليس للفسخ علاقة وتعلق بالمال المنتقل إلى طرف الفاسخ كي يقال بأنه بدون إذن مالكه يكون منافيا مع السلطنة المطلقة التي للمالك التي هي مفاد هذا 189 الحديث الشريف. قلنا إن السلطنة المطلقة التامة للمالك على ماله التي ثابتة له عند العرف والعقلاء، ومفاد هذا الحديث وهو إمضاء ما عند العرف، تنافي إمكان إرجاع ماله بدون إذنه وإجازته، ولو كان بتوسط حل العقد، فقاعدة تسلط الناس على أموالهم في نظر العرف والعقلاء تمنع عن انحلال العقد بفسخه، وتبين عدم قدرته في عالم التشريع على حل العقد الذي يكون سببا لخروج ماله عن ملكه بدون رضاه وإجازته. وإن شئت قلت: إن الفسخ بعنوانه الاولي حل العقد، وبعنوانه الثانوي إرجاع كل واحد من العوضين إلى مالكه الاول، فإذا كان الارجاع والاخراج عن ملكه بدون إذنه منافيا لسلطنته، فالسبب الذي يترتب عليه هذا الامر أيضا يكون منافيا لسلطنته فيكون منفيا بهذا الحديث، فهما ضدان أي قدرته على حل العقد مع كون طرفه ذا السلطنة المطلقة التامة ضدان، فلا يصح جعلهما، وحيث إن السلطنة ثابتة بهذا الحديث فلا بد وان نقول بعدم قدرته شرعا على حل العقد الذي هو مناف بهذه السلطنة. نعم لو قلنا بأن المالك له السلطنة فقط على أنواع التصرفات في ماله وأما منعه للغير فلا، فحينئذ يمكن أن يقال بجواز حل العقد بالفسخ، وإن كان أثره إرجاع كل واحد من العوضين إلى صاحبه الاولى على رغم المالك الفعلي بالعقد. ولكنك خبير بأن هذا الاحتمال بعيد عن الصواب، والنتيجة أنه ليس لكل واحد من الطرفين فسخ العقد وحله إلا أن يكون بجعل منهما، أو بجعل من قبل الشارع كخيار المجلس، أو كان العقد من العقود الجائزة بالذات كالعقود الاذنية التي قلنا

[ 225 ]

إطلاق العقد عليها إطلاق عنائي مسامحي، ولو فسخ لا يؤثر، وهذا معنى اللزوم. ومما ذكرنا ظهر أن تفصيل شيخنا الاستاذ قده في المقام بين أن يكون الخيار أي ملك فسخ المعاملة وإقرارها متعلقا بالعقد أو بالعين: فقال في الاول إن في مورد الشك لا يمكن التمسك بهذه القاعدة لاثبات اللزوم لان الفسخ لا يرجع إلى تصرف غير المالك في العين المملوكة لغيره كي يكون منافيا مع سلطنة ذلك الغير على ماله، وذلك لان الخيار يبطل التبديل الواقع من المتعاقدين من دون إرجاعه للعين، وإنما يكون رجوعها يحصل قهرا بواسطة حل العقد. وأما في الثاني أي صورة القول بأن الخيار متعلق بالعين، فيجوز التمسك بهذه القاعدة في مورد الشك لاثبات اللزوم، لمنافات الخيار بناء على هذا مع سلطنة الطرف على منع الغير عن التصرف في ماله، وإن كان باخراجه عن ملكه ليس كما ينبغي. ومنها قوله صلى الله عليه وآله المؤمنون عند شروطهم، (1) ودلالة هذا الحديث الشريف على المطلوب مبني على أمرين: أحدهما شمول الشرط للعقود الابتدائية بمعنى أن يكون المراد منه مطلق الالزام والالتزام، وإلا لو كان خصوص الالزام أو الالتزام في ضمن العقود فلا يشمل العقود الابتدائية، وذلك واضح. ولا يخفى أن إثبات هذا المعنى أي كون المراد منه مطلق الالزام والالتزام موقوف إما على كون هذا المعنى معنى حقيقيا لهذه الكلمة وإما أن يكون في المقام قرينة على إرادة هذا المعنى مجازا، والثاني واضح عدمه وأما الاول فلا طريق له إلا انسباق هذا المعنى إلى أذهان أهل العرف في موارد الاستعمالات والظاهر أيضا عدمه بل الذي


1. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 371، ح 1503، باب المهمور والاجور و...، ح 66، " الاستبصار " ج 3، ص 232، ح 835، باب من تزويج المرأة على حكمها في المهر، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 30، أبواب المهور، باب 19، 4.

[ 226 ]

ينسبق إلى الذهن من هذه اللفظة في موارد الاستعمالات هو ما يكون له ارتباط وعلاقة بشئ آخر وجودا أو عدما. وأما ما ذكره في القاموس (1) من أنه الالزام والالتزام في ضمن البيع فهو تعريف بالاخص ببيان بعض مصاديقه، وإطلاق الاصوليين مفهوم الشرط في قولهم أن للقضية الشرطية مفهوم يرجع إلى هذا المعنى، بمعنى أن وجود التالي مربوط ومعلول لوجود المقدم فيلزم من عدمه العدم، وكذا قول المنطقيينن في باب القضايا القضية الشرطية وتقسيمها إلى المتصلة والمنفصلة، وقول النحويين أن كلمة إن ومتى وأمثالهما أداة الشرط، كلها يرجع إلى ما قلنا من أنه يطلق على ما فيه نحو ارتباط بغيره. فالالتزامات الابتدائية وكذلك إلزاماتها التي لا ربط بينها وبين غيرها، لا يطلق عليها الشرط إطلاقا حقيقيا، ولذلك قلنا إن الشروط الابتدائية التي ليست في ضمن عقد لازم لا يجب الوفاء بها، لعدم شمول قوله صلى الله عليه وآله المؤمنون أو المسلمون عند شروطهم لتلك الشروط، لعدم انطباق مفهوم الشرط بمعناه الحقيقي عليها، لا أن عدم وجوب الوفاء بها لاجل وجود المخصص، وهو الاجماع على عدم لزوم الوفاء بها. وخلاصة الكلام أن القول بأن الالتزامات الابتدائية شروط بالمعنى الحقيقي، مما لا يساعد عليه الوجدان وفهم العرف. وأما إطلاق الشرط في بعض الاخبار على بعض الاحكام الشرعية كقوله صلى الله عليه وآله شرط الله قبل شرطكم (2) أي كون الولاء لمن أعتق، أو قوله عليه السلام في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام (3) وأمثالهما، فالظاهر أن ليس المراد منهما الجعل الابتدائي من دون


1. " القاموس المحيط " ج 2، ص 381 (شرط). 2. " تفسير العياشي " ج 1، ص 240، ح 121، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 31، أبواب المهور، باب 20، ح 6. 3. " الفقيه " ج 3، ص 201، باب الشرط والخيار في البيع، ح 3761، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 24، ح 101، باب عقود البيع، ح 18، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 349، أبواب الخيار، باب 3، ح 1.

[ 227 ]

ملاحظة ارتباطه مع غيره كما توهم، إذ يمكن أن يكون المراد منهما هو الجعل الالهي بملاحظة كون العمل بما ألزم فعله أو تركه، وامتثاله بالايجاد في الاول والترك في الثاني، وترتيب الاثر في الوضعيات شرطا لدخول الجنة. فكأن الله تبارك وتعالى جعل امتثال أحكامه والعمل بها مقدمة وشرطا لدخول الجنة، ولعل بهذا الاعتبار يقول جل جلاله إن الله اشترى من المؤمنين و أنفسهم أموالهم بأن لهم الجنة (1) وأيضا قوله تعالى تجارة تخشون كسادها (2) وأيضا قوله تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان. (3) وخلاصة الكلام أنه يظهر من الآيات والاخبار أن الاحكام الشرعية وضعية وتكليفية امتثالها والعمل على طبقها وترتيب الاثر عليها في الوضعيات شروط في عالم العهد والميثاق الذي يعتبر عنه بعالم الذر في الاخبار من قبل الله تعالى لدخول الجنة التي وعد بها المتقون، والحاصل أن القول بأن الشرط بحسب مفهومه العرفي وما هو معناه الحقيقي يشمل مطلق الجعل الابتدائي كي يكون جميع العقود الابتدائية من مصاديق ذلك المفهوم، مما ينكره الوجدان، وما هو المتفاهم العرفي من هذه الكلمة. ثانيهما أن تكون هذه الجملة دالة على وجوب الوفاء بالشروط تكليفا أو وضعا فيكون معناها أنه يجب الوفاء على المؤمنين بشروطهم، فيكون مساقها مساق أوفوا بالعقود بعد هاتين المقدمتين، أي كون الشروط عبارة عن مطلق الالزامات والالتزامات، وكون معنى الجملة وجوب الوفاء بتلك الالزامات والالتزامات، وقد تقدم شرح دلالة أوفوا بالعقود على اللزوم.


1. التوبة (9): 111. 2. التوبة (9): 24. 3. يس (36): 60.

[ 228 ]

والانصاف أن هذه المقدمة الثانية لا إشكال فيها بيان ذلك أن قوله عند شروطهم ظرف لغو متعلق بأفعال العموم، وهذا ظاهر الكلام لا يحتاج إلى الدليل، كما بينا ذلك في نظائره مثل قوله صلى الله عليه وآله وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه. (1) فتقدير الكلام أن المؤمنين أو المسلمين ثابتون أو واقفون أو مستقرون وأمثال ذلك عند شروطهم فهي إما من قبيل انشاء الحكم بصورة الاخبار الذي هو آكد في الوجوب من الجملة الطلبية الانشائية كما قررناه في الاصول، فيكون المعنى يجب الثبوت عند الشروط، وعدم الخروج عما التزم به، وهذا المعنى من لوازم اللزوم. وإما مفاده يكون ابتداء هو الحكم الوضعي بأن يكون الحكم بالثبوت كناية عن اللزوم، ويدل عليه استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الجملة في قوله من شرط لامرأته بشرط فليف لها به، فان المسلمين عند شروطهم، إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا (2) فتمسك بهذا الحديث النبوية لوجوب الوفاء، وعلى كل تقدير يكون مفاد الجملة هو اللزوم على تقدير صحة المقدمتين. لكن عرفت أن صحة المقدمة الاولى في غاية الاشكال، بل مناف للوجدان، فلا دلالة لهذا الحديث الشريف على وجوب الوفاء بكل عقد كي يكون مفاده لزومها. نعم يدل على وجوب الوفاء بالشروط الضمنية التي تقع في ضمن العقود اللازمة. ومنها الاخبار الكثيرة الواردة في لزوم البيع بعد التفرق عن مجلس المعاملة، بقوله صلى الله عليه وآله البيعان بالخيار ما لم يفترقا وإذا تفرقا أو إذا افترقا على اختلاف


1. " سنن أبي داود " ج 3، ص 296، ح 3561، " سنن ابن ماجه " ج 2، ص 802، ح 2400، " مسند احمد " ج 5، ص 8 و 13، " سنن البيهقى " ج 6، ص 95. 2. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 467، ح 1872، باب الزيادات وفقه النكاح، ح 80، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 353، أبواب الخيار، باب 6، ح 5.

[ 229 ]

طرق نقل الحديث الشريف وجب البيع ولا خيار بعد الرضا. (1) والمراد من الرضا في الحديث الشريف هو الرضا المعاملي أي اختيار المعاملة من غير كره ولا إجبار عليها، لاطيب النفس، وذلك لان كثيرا من المعاملات ليست عن طيب نفس بل الحاجة والضرورة دعته إلى إيقاع المعاملة، وعلى كل حال الذي لا يمكن إنكاره دلالة الحديث الشريف على لزوم البيع بعد انقضاء المجلس وحصول الافتراق بين المتبايعين، وبناء على هذا إذا طرأ شك في لزوم البيع بعد حصول الافتراق لعروض حالة أوجبت الشك نتمسك بهذه الاخبار للزومة وعدم الاعتناء بالشك. وأما ما توهم من أن الشارع جعل الافتراق غاية لهذا الخيار الخاص، أي خيار المجلس، ولا ينافي ذلك ثبوت الخيار من جهة اخرى إذا جاء الدليل عليه، فليس أدلة سائر الخيارات مخصصا لهذا العموم، وفي الحقيقة لا عموم في البين يدل على اللزوم مطلقا بل اللزوم يكون من ناحية خاصة أي تمامية خيار المجلس بحصول الافتراق فقط، فلو احتملنا وجود خيار من ناحية اخرى ليس عموم يرفع الشك. فعجيب من جهة أن قوله صلى الله عليه وآله إذا افترقا وجب البيع بعقد قوله البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ظاهره وجوب البيع ولزومه من جميع النواحي، ولا وجه لتقييده بناحية هذا الخيار أي خيار المجلس، وإلا لو فتح هذا الباب لانسد باب التمسك بالاطلاقات في جميع الموارد خصوصا بملاحظة قوله صلى الله عليه وآله ولا خيار بعد الرضا الذي نفى فيه جنس الخيار بلا النافية للجنس، فكيف يمكن أن يقال إن المنفي هو انتفاء هذا الخيار فقط ولا يدل على انتفاء مطلق الخيار بحصول التفرق.


1. " الكافي " ج 5، ص 170، ح 4 - 6، " التهذيب " ج 7، ص 24، ح 100 وج 7، ص 20، ح 85، " الاستبصار " ج 3، ص 72، ح 24، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 345، أبواب الخيار، باب 1، ح 1 - 3، " صحيح البخاري " ج 3، ص 84، " سنن السنائى " ج 7، ص 248، " صحيح مسلم " ج 3، ص 1163، " سنن ابن ماجة " ج 2، ص 736، ح 2182، " سنن الترمذي " ج 3، ص 547، ح 1245.

[ 230 ]

فالحق أن هذا الحديث يدل على اللزوم مطلقا ومن جميع النواحي لا من ناحية خيار المجلس فقط، فأدلة سائر الخيارات تكون من قبيل المخصصات والمقيدات لهذا العموم والاطلاق، نعم هذه الرواية أو الحديث لا تدل على اللزوم إلا في البيع وأما في سائر العقود والمعاملات، فلابد من التماس دليل آخر على اللزوم. ثم بعد ما عرفت ما ذكرنا تعرف أن مقتضى هذه العمومات والاطلاقات، هو كون الاصل في أبواب العقود والمعاملات هو اللزوم، ولا يؤثر الفسخ إلا بدليل خاص لادلة الخيارات فأصالة اللزوم حيث إنها من باب أصالة الاطلاق أو أصالة العموم فهي قابلة للتقييد والتخصيص، والمخصصات هي أدلة الخيارات. ثم إن مفاد الاطلاقات والعمومات المذكورة مختلفة من حيث السعة والضيق فالعموم الاول أي بناء العقلاء أوسع وأشمل من الجميع، إذ يشمل جميع العقود والمعاهدات معاوضية كانت أو غير معاوضية، مملكة كانت أو غير مملكة، بل يشمل الايقاعات أيضا وأما الثاني أي قوله تعالى أوفوا بالعقود يشمل جميع العقود مطلقا ولا يشمل الايقاعات، وأما خروج العقود الاذنية عن مفادها فقد قلنا إنها ليس من باب التخصيص بل يكون خروجها خروجا موضوعيا وبالتخصص، لانها عقد صورة وليست في الحقيقة بعقد، وأما العقود العهدية، فيشملها سواء كانت معاوضية ومملكة أو لم تكون كذلك، حتى يشمل مثل عقد البيعة الشرعية الصحيحة بل المعاهدات التي تقع بين المسلمين وغيرهم إن كانت جائزة، وكانت على طبق المقررات الشرعية. وأما الثالث أي قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم (1) فبناء على ما تقدم في وجه دلالته على اللزوم وعدم تأثير الفسخ يكون مختصا بالعقود المملكة وفي أبواب المعاوضات التي يصير كل واحد من


1. النساء (4): 29.

[ 231 ]

العوضين ملكا لصاحب العوض الآخر، فكون الفسخ مؤثرا وموجبا لحل العقد ورجوع كل واحد إلى ملك مالكه الاولى بدون رضاية من ملكه بالعقد أو بالمعاطاة يكون من أكل مال الغير بالباطل. وأما الرابع أي قوله عليه السلام لا يحل ما امرئ مسلم إلا بطيب نفسه (1) فمساقه مساق الآية المتقدمة أي يكون دلالته على اللزوم في خصوص المعاملات المملكة سواء كانت بالمعاطاة أو بالعقد. وأما الخامس اي حديث السلطنة فأيضا مثل سابقيه، يدل على لزوم كل معاملة مملكة سواء كانت بالعقد أو كانت بالمعاطاة. وأما السادس أي حديث المؤمنون أو المسلمون عند شروطهم (2)، فيدل على لزوم كل ما يسمى شرطا وقد بينا في وجه اللزوم بعد صدق الشرط قول أمير المؤمنين عليه السلام من شرط لامرأته شرطا فيلف لها به (3) ومفاد هذه الرواية كما تقدم وجوب الوفاء بشرطه الذي شرط على نفسه والتزم به، فمفاد هذا الحديث الشريف الذي رواه الفريقان ومن هذه الجهة ربما يطمئن الانسان بصدوره عنه صلى الله عليه وآله بل يقطع هو الوقوف والثبوت عند التزاماته مطلقا سواء كانت تلك الالتزامات بدوية أو كانت في ضمن العقود اللازمة، وقد تقدم أن هذا المعنى مساوق للزوم. وهذا الدليل يشمل جميع الالتزامات التي التزم بها المؤمن سواء كانت في أبواب المعاملات والمعاوضات، أو كانت في غيرها، فيمكن أن يقال إن هذا الدليل أشمل من الادلة السابقة، إذ له إطلاق من أغلب الجهات. وأما السابع أي الاخبار الواردة في لزوم البيع بعد الافتراق، فلا شك في أنها


1. تقدم تخريجه في ص 220. 2. تقدم تخريجه في ص 225. 3. " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 467، ح 1872، باب الزيادات وفقه النكاح، ح 80، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 353، أبواب الخيار، باب 6، ح 5.

[ 232 ]

تدل على لزوم خصوص البيع بعد انقضاء المجلس، وحصول التفرق. ثم إنه لو فرضنا عدم دلالة الادلة السابقة على لزوم العقود ووصلت النوبة إلى حكم الشك، فنقول: لا شك في أنه لو كان للحكم الشرعي أو الموضوع الذي له أثر شرعي حالة سابقة متيقنة، وشك في بقاء تلك الحالة يستصحب ان كان لبقاء تلك الحالة أثر شرعي في حال الاستصحاب، فنرى هل هاهنا يمكن استصحاب نفس اللزوم أو ما يكون لازما أو ملزوما أو ملازما له، فيثبت بها اللزوم، أم لا يمكن شئ من ذلك؟ أقول: أما استصحاب نفس اللزوم وان قلنا بأنه حكم وضعي قابل للجعل ابتداء بلا توسيط جعل آخر كي يكون منشأ لانتزاعه أو اعتباره فلا مجال له هاهنا أي في مورد الشك في لزوم معاملة أو عقد ابتداء، لانه متى كان لازما كي يستصحب؟ نعم لو كان عقدا ومعاملة لازما ابتداء، وشككنا في طرو الجواز عليها لاحتمال وجود خيار لم يكون دليل على وجوده ولا على عدمه ووصلت النوبة إلى حكم الشك فلا مانع من استصحاب نفس اللزوم، والا ففي غير هذه الصورة فاستصحاب نفس اللزوم لا معنى له. وأما استصحاب الملكية السابقة على الفسخ الذي ينتج اللزوم، ففيه تفصيل إجماله أن هذا الاستصحاب المدعى في المقام تارة يدعى انه من قبيل استصحاب الكلي، وأخرى أنه استصحاب شخص الملكية المنشأة بالعقد أو بالمعاطاة والفعل من طرف واحد أو الفعل الصادر من الطرفين. أما الثاني أي استصحاب شخص الملكية ففيه أنه من قبيل استصحاب الفرد المردد فلا يجري اولا على ما هو التحقيق وسنبين وجهه وثانيا على فرض الجريان يكون مثبتا، أما عدم جريان الفرد المردد لان شخص هذه الملكية التي وجدت

[ 233 ]

بانشاء المتعاملين المرددة بين أن يكون مستقرة لا تزول بالفسخ وغير الثابتة التي تزول بالفسخ ليست قابلة للبقاء، لانه بعد الفسخ إن كانت متزلزلة، غير مستقرة فقد زالت وانعدمت بالفسخ وإن كانت مستقرة غير متزلزلة، فهي وإن كانت باقية بعد الفسخ، ولكن ليست فردا مرددا فالفرد المردد بوصف أنه مردد غير قابل للبقاء، فلا يمكن استصحابه، والفرد المعين وإن كان قابلا للبقاء لكنه ليست معلومة ومتيقنة في وقت من الاوقات، فما هو متيقن أي الفرد المردد ليس قابلا للبقاء، وما هو قابل للبقاء أي الفرد المعين لم يكن متيقنا. فعلى كل واحد من التقديرين يختل أحد أركان الاستصحاب أي إما لا يكون اليقين السابق، أو لا يكون الشك في البقاء لاحقا. فاختلال الركن الاول إذا فرضنا المستصحب فردا معينا واختلاف الركن الثاني أي الشك في البقاء، إذا كان المستصحب فردا مرددا، فاستصحاب الفرد والشخص لا مجرى له. وأما الاول أي استصحاب الكلي أي الجامع بين الملك المستقر الثابت وبين المتزلزل كي يكون من قبيل استصحاب القسم الثاني من أقسام الكلي كاستصحاب كلي الحدث الجامع بين الحدث الاصغر والاكبر، بأن يقال هذا الجامع وجد بمحض وجود العقد تام الاجزاء والشرائط أو وجود معاملة المعاطاة مثلا، فان كان وجوده في ضمن الملك المتزلزل غير المستقر، انعدم بالفسخ، وإن وجد في ضمن الملك المستقر فبعد الفسخ لا ينعدم مثل إنعدامه في القسم الاول، بل باق، وهذا الترديد في الانعدام والبقاء يرجع إلى الشك في البقاء فيتم أركان الاستصحاب من اليقين بوجوده المستصحب سابقا، والشك في بقائه لاحقا. واعترض على هذا الاستصحاب من وجوه: منها أن هذا الاستصحاب مثبت من جهة أن بقاء قدر المشترك لا يثبت

[ 234 ]

عنوان اللزوم، ولكن جواب هذا الاشكال وهو أن المراد والمقصود من النزاع في اللزوم وعدمه هو أن المعاملة أو العقد ينحل بالرجوع والفسخ أم لا، ويبقى أثره، فاثبات بقاء الاثر وعدم الانحلال بالرجوع أو الفسخ كاف في اثبات هذا المقصود، ولا نحتاج إلى اثبات عنوان اللزوم كي يقال بأنه مثبت. هذا مضافا إلى أنه يمكن أن يقال إن عنوان اللزوم عنوان ومفهوم انتزاعي ينتزع قهرا من بقاء أثر العقد بعد فسخ أحدهما بدون رضا الآخر، أو يقال بأنه وان كان من الاحكام الشرعية الوضعية ولكنه ينتزع من الاحكام التكليفية كما أنه نسب ذلك إلى الشيخ الاعظم الانصاري قده (1) فأيضا ينتزع قهرا من بقاء أثر العقد الثابت بالاستصحاب. ومنها ما اعترض به صاحب الكفاية في تعليقته على مكاسب شيخنا الاعظم الانصاري (2) بأن هذا الاستصحاب من الشك في المقتضى فمن يقول بعدم جريان في الشك في المقتضى ليس له أن يستند في اثبات اللزوم بهذا الاستصحاب. وفيه أن المراد من الشك في المقتضى الذي، لا نقول بجريان الاستصحاب فيه هو أن يكون الشك في استعداد بقائه في عمود الزمان، بحيث يحتمل تمامية قابلية بقائه وفناء عمره وارتفاعه من عند نفسه، من دون وجود مزيل ورافع له، وما نحن فيه ليس هكذا، بل قابل للبقاء مادام موضوعه موجودا شأن كما هو كل حكم شرعي، فما لم يأت الفسخ لا يشك في بقائه، وإنما الشك في البقاء يحصل بعد وجود محتمل الرافعية وقد دافعنا عن أمثال هذه الشبهات تفصيلا في الاصول في بيان معنى الشك في المقتضى وأن أغلب الشبهات من جهة عدم الوصول إلى معنى الشك في المقتضى.


1. " فرائد الاصول " ج 2، ص 601. 2. " حاشية كتاب المكاسب " ص 13.

[ 235 ]

ومنها معارضته مع الاستصحاب الحاكم عليه، وهو استصحاب بقاء علقة المالك الاول من جهة الشك في أن المالك الاول بعد وقوع المعاملة التي يشك في لزومها انقطعت علاقته عن هذا المال بالمرة أو بقيت بحيث يقدر بسبب ذلك المقدار الباقي من تلك العلاقة على إرجاع ذلك المال إلى نفسه. وبعبارة اخرى هذه المعاملة التي وقع الشك في لزومها هل صارت سببا لخروج المال عن يد المالك الاول بحيث صار المالك الاول مثل الاجنبي وصار كأنه لم يكن مالكا؟ أو بقى له حق الارجاع بتوسط الفسخ؟ فبقاء ذلك المقدار الذي قد يعبر عنه بملك أن يملك، مشكوك فيستصحب، ولا شك في حكومة هذا الاستصحاب على استصحاب بقاء ملكية المالك الثاني، لانه رافع في عالم التشريع لموضوع استصحاب الاخير، إذ بقاء علاقة المالك الاول وقدرته على إرجاع المال إلى نفسه بالفسخ موجب للعلم بعدم بقاء ملكية المالك الثاني في عالم التعبد والتشريع، فلا يبقى شك في البين كي يستصحب. وفيه أنه لا شك في ارتفاع الاضافة التي كانت بين المالك الاول وهذا المال بنفس العقد التام الاجزاء والشرائط، وهذا هو معنى انتقال المال بالبيع مثلا من البايع إلى المشتري بالنسبة إلى المثمن، وبالعكس بالنسبة إلى الثمن، فلا يبقى إضافة بين المال والمالك الاول، لان الاضافة اعتبارية ولا تنقطع كي يقال قطعة ارتفعت بالبيع وبقى قطعة منها، فلو كان علاقة وإضافة بين المالك الاول والمال، لابد وأن يكون حادثا بسبب الفسخ فليس شئ يحتمل بقائه كي يستصحب. وبعبارة اخرى العقد المشكوك اللزوم ليس أمره أعظم من الموارد المعلوم جوازها بسبب الخيار، وفي العقد الخياري، يحدث علاقة بسبب الخيار، وإلا فالعلاقة التي كانت بين الملك والمالك زالت بالمرة بالعقد، والخيار المجعول من قبل المتعاقدين أو من قبل الله تعالى يوجب حدوث علاقة جديدة بين ذي الخيار والمال الذي انتقل منه إلى طرفه المسمى بحق الارجاع، أو كونه مالكا لان يملك.

[ 236 ]

وأما بناء على قول من يقول إن ملكية المشتري مثلا للثمن متوقفة على انقضاء زمن الخيار، وإلا فقبل انقضاء زمن الخيار لا تحصل ملكية بنفس العقد، فلا تحصل علاقة جديدة بالفسخ، بل الملكية من الاول موجودة لذي الخيار، وعلى هذا أيضا لا وجه للاستصحاب، لبقاء الملكية قطعا، ولكن مثل هذا الكلام على تقدير صحته في العقود الخيارية لا يمكن القول به في مطلق العقود الجائزة، لانه لو لم تحصل الملكية بنفس العقد، فلا تحصل اصلا، لانه ليس هناك خيار كي يقال بحصول الملكية بعد انقضاء زمان الخيار. فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أن علاقة المالك تزول بمحض وجود العقد الناقل ولا يبقى منها شئ قطعا ويقينا، فليس شئ يشك في بقائه كي يستصحب. وأما احتمال أن يكون الاستصحاب من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي بان يقال ان الملكية مثل السواد والبياض من الطبائع المقولة بالتشكيك، فلها مراتب مختلفة بالشدة والضعف، فإذا جاء الفسخ، فمن الممكن أن يذهب ببعض مراتبها ويبقى البعض الآخر، فإذا شك في بقاء البعض يستصحب بقائه بعد الفسخ، فيبقى بعد الفسخ على ملك المالك الثاني، وهذا عبارة اخرى عن اللزوم، لانه بالفسخ لم ترتفع الملكية بتمامها بل بقي مرتبة منها والمعاملة الجائزة أو العقد الجائز هوأن يرجع المال بالفسخ إلى صاحبه الاول، ولا يبقى للمالك الثاني شئ منه. هذا، ولكن فيه أن الامور الاعتبارية وان كان من الممكن اعتبارها شديدا أو ضعيفا كما اعتبر ذلك في النجاسة والحدث، فالحدث الاكبر أشد من الحدث الاصغر فقد عبر عن الرواية في مقام السؤال عن المرأة الجنب إذا حاضت أنه جاءها ما هو أعظم، أي الحيض أعظم من الجنابة، أو نجاسة البول أشد من نجاسة الدم مثلا، فلا ينبغي أن يشك في أن الامور الاعتبارية أيضا مثل الامور التكوينية يمكن أن يكون لبعض أنواعها مراتب مختلفة الشدة والضعف، مقولة بالتشكيك، وذلك باعتبار بعض

[ 237 ]

أفراد نوع من أنواعها أشد من الفرد الآخر فيعتبر في نجس من أنواع النجاسات نجاسة شديدة وفي نجس آخر منها نجاسة ضعيفة، ففي النجاسة الحاصلة من ملاقات جسم للبول يمكن أن يعتبر نجاسة شديدة بحيث إذا غسل مرة تزول مرتبة وتبقى مرتبة منها، فيحتاج إلى غسله ثانية لزوال المرتبة الباقية. ولكن الملكية في الاعتبار العرفي ليست هكذا، بل هي أمر بسيط يدور أمرها بين الوجود والعدم، ولا يمكن في نظر العرف والعقلاء أن تنعدم مرتبة منها وتبقى مرتبة اخرى، فيدور أمرها بين أن تبقى بتمامها أو تزول بتمامها، فبناء على هذا لا يمكن استصحاب بقاء مرتبة ضعيفة عن الملكية للمالك الثاني، بعد فسخ المالك الاول، كي ينتج نتيجة اللزوم. فقد ظهر مما ذكرنا أن استصحاب الملك الكلي الجامع بين الملكية المستقرة الثابتة التي لا تزول بالفسخ، وبين الملكية المتزلزلة التي تزول بالفسخ لا مانع منه، ونتيجته لزوم المعاملة التي شك في لزومها. وأما الاشكال على هذا الاستصحاب بأن الشك في بقاء الكلي مسبب عن حدوث الفرد الباقي والاصل عدمه فلا يبقى موضوع لهذا الاستصحاب. ففيه أولا: أن الشك في البقاء الكلي ليس مسببا عن الشك في حدوث ذلك المشكوك الحدوث الذي لو كان حادثا لكان الكلي باقيا، أعني الفرد الباقي، بل من لوازم كون الحادث ذلك الفرد الذي ارتفع يقينا، أو الذي بقى يقينا. وبعبارة أوضح الشك في بقاء الكلي مسبب عن أن الحادث أي واحد من هذين الفردين بمفاد كان الناقصة. وليس في البين ما يعين أن الحادث أي واحد من الفردين، وذلك لان الشك في بقاء الكلي لا يرتفع إلا بارتفاع منشائه، وثانيا في حكومة الاصل الجاري في السبب على الاصل المسببي، لابد أن يكون الترتب والسببية بينهما شرعيا، وتفصيل المسألة في الاصول ذكرنا في كتابنا

[ 238 ]

منتهى الاصول. (1) وخلاصة الكلام أن العدم النعتي أي عدم كون الحادث الذي وجد هو الفرد الباقي ليس له حالة سابقة والعدم المعمولي أي عدم حدوث الفرد الباقي مثبت لان لازمه عقلا هو حدوث الفرد الزائل الذي لازمه القطع بارتفاع الكلي فافهم. وثالثا أصالة عدم حدوث الفرد الباقي باصالة عدم حدوث الفرد الزائل. نعم أنكر شيخنا الاستاد قده (2) كون الاستصحاب ها هنا من القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلي، لان اختلاف الملك بكونه مستقرا ومتزلزلا ليس لعروض خصوصيتين على الملك يكون باحداهما مستقرا وبالاخرى يسمى متزلزلا، بل الاختلاف يكون بنفس الارتفاع والبقاء، من جهة أن تنوعه بنوعين ليس باختلاف سبب الملك ولا باختلاف حقيقته وماهيته، من غير جهة أن أحدهما يرتفع بالفسخ والاخر لا يرتفع. فإذا كان الامر كذلك وكان تنوعه بنفس اللزوم والجواز، فينتفي أحد ركني الاستصحاب على أي حال، لان احد النوعين أي الجائز مقطوع الارتفاع، والاخر أي اللازم مشكوك الحدوث من أول الامر. وبعبارة اخرى بناء على ما ذكر ليس في البين إلا ملكية واحدة مرددة بين أن الشارع حكم بلزومها أو حكم بجوازها بواسطة اختلاف أسبابها، فمع قطع النظر عن حكم الشارع باللزوم والجواز لا تعدد ولا تنوع كي يقال بأن الجامع كان متيقن الوجود فصار مشكوك البقاء، بل ملكية واحدة لم يعلم أن الشارع حكم عليه باللزوم أو الجواز.


1. " منتهى الاصول " ج 2، ص 540 - 541. 2. " المكاسب والبيع " ج 1، ص 165.

[ 239 ]

فليس الجامع هاهنا من قبيل الكلي الذي له وجود بوجود هذا الفرد وله وجود آخر بوجود الفرد الآخر كما هو الشأن في الكلي الطبيعي في الموارد الاخر، بل ها هنا يشبه الفرد الشخصي المردد بين كونه كذا وبين كونه كذا. فالشك في البقاء فيه يرجع إلى أن هذا الكلي الذي حكم عليه الشارع بالبقاء أو بالزوال هل هو باق أم لا، ومعلوم أن هذا الكلي الذي إما باق أو زائل على كل واحد من التقديرين ليس قابلا للابقاء، لانه على تقدير الزوال ممتنع البقاء، وعلى تقدير البقاء يكون إبقائه تعبدا من قبيل تحصيل الحاصل بل أسوء منه، لانه يكون من تحصيل ما هو حاصل بالوجدان بالتعبد ولا يقاس بالكلي الذي له فردان: باعتبار إضافة خصوصية إلى الطبيعة يحصل فرد منها وباضافة خصوصية اخرى بدل الاولى يحصل فرد آخر، لانه هناك للطبيعة وجودان وجود منضم إلى هذه الخصوصية ووجود آخر منضم إلى خصوصية اخرى. فالشك في أن الخصوصية المنضمة إلى الطبيعة أية واحدة من الخصوصيتين موجب للشك في بقاء الطبيعة، لان مرجع الشك الاول إنه هل الجامع بين الوجودين وجد في ضمن وجود الفرد الزائل كي يكون زائلا أو وجد في ضمن وجود الفرد الباقي كي يكون باقيا، فيكون شكا في بقاء ذلك الجامع الذي نسميه بالكلي. وفيما نحن فيه ليس للملكية وجودان أحدهما في ضمن الذي حكم عليه الشارع بالبقاء، والآخر في ضمن الذي حكم عليه بالزوال، بل وجود واحد إما حكم عليه بالبقاء أو بالزوال، فالاستصحاب مرجعه إلى أن هذا الوجود الباقي باق أو هذا الوجود الزائل باق، وكلاهما محالان، كما بينا وجهه، وعبر عن هذا المعنى شيخنا الاستاد قد سره (1) بأنه يلزم منه إدخال عقد الجمل في عقد الوضع فافهم فانه دقيق


1. " المكاسب والبيع " ج 1، ص 174.

[ 240 ]

وبالتأمل حقيق. وهذا الكلام أي كون الملكية مستقرة أو متزلزلة ليس باعتبار اختلاف في حقيقة الملك، بل إنما هو باعتبار حكم الشارع في بعض المقامات عليه بالزوال برجوع المالك وفي بعض المقامات الاخر بعد الزوال بالرجوع، ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة السبب المملك لا اختلاف حقيقة الملك. فجواز الرجوع وعدمه من الاحكام الشرعية للسبب لا من الخصوصيات المأخوذة في المسبب، وقد أخذه شيخنا الاستاذ قده من الشيخ الاعظم الانصاري قده ولكن الشيخ الاعظم (1) علل بهذا صحة جريان الاستصحاب وشيخنا الاستاذ (2) علل به عدم صحة جريانه، والتوفيق بين الكلامين أن شيخنا الاستاذ أراد به عدم جريان استصحاب الكلي، والشيخ الاعظم أراد صحة استصحاب الشخصي وأنه ليس من الكلي ولا من الفرد المردد، وكلا القولين في غاية القوة والمتانة. أما الاول أي عدم جريان استصحاب الكلي فقد بينا وجهه فلا نعيد، وأما القول الثاني أي كون هذا الاستصحاب شخصيا وأنه ليس من الفرد المردد، فلا مانع من جريانه، فلان الملكية الحاصلة من العقد أو من المعاملة الخارجية شخصي لا تعدد فيها على الفرض، لان المفروض أن اللزوم أو الجواز من الاحكام الشرعية للسبب لا من خصوصيات المسبب. فالمسبب باق على النحو الذي انشأ ووجد في عالم الاعتبار، أي على تشخصه وتفرده فبواسطة الشك في أن الشارع حكم باللزوم وعدم الرجوع أو الجواز ورجوع المال إلى مالكه الاولى يشك في بقائه فيستصحب، لتمامية أركانه من اليقين بوجود الملكية الشخصية والشك في ارتفاعها بواسطة الشك في حكم الشارع باللزوم


1. " المكاسب " ص 85. 2. " المكاسب والبيع " ج 1، 174.

[ 241 ]

أو الجواز. نعم يبقى شئ وهو دليل أن الملكية المنشأة واحدة لا تعدد فيه، أقول بعد أن فرضنا أن الجواز واللزوم ليسا من خصوصيات الملك المسبب بل من الاحكام الشرعية للسبب المملك، وأيضا بعد أن المفروض أن المنشئ أنشأ بانشاء واحد ملكية شئ واحد كليا كان ذلك الشئ أو كان جزئيا خارجيا ممتنع الصدق على كثيرين. فبانشاء واحد على متعلق واحد لا يمكن جعل ملكيتين، بل لا يمكن ذلك ولو كان بانشاءات متعددة، إذ باعتبارات متعددة لو اعتبر حرية شخص أو رقيته أو ملكية مال لا يحصل إلا حرية أو رقية أو ملكية واحدة، وذلك من جهة أن اعتبارها ثانيا بعد حصولها لغو بل محال، لانه من قبيل تحصيل الحاصل، فإذا باع المالك ماله مثلا وأنشأ ملكية لزيد مثلا فلا أثر لانشاء ملكية له ثانيا بل لا يمكن. وخلاصة الكلام أن البايع مثلا أنشأ شخصا من الملكية يكون تشخصها بتشخص متعلقها وموضوعها فيكون إنشاء طبيعة في عالم الاعتبار كايجادها في عالم التكوين، وحيث أن متعلق ذلك الامر الاعتباري شخص واحد، فقهرا يتشخص بتشخصه كالعرض بموضوعه، وكونها مرددة بين اللزوم والجواز تقدم أنه ليس من الخصوصيات اللاحقة لها فثبت أن الملكية المنشأة شخص واحد لا تعدد فيه فلا مانع من استصحاب ذلك الشخص بعد حصول الشك في بقائه من ناحية الشك في الحكم الشرعي ببقائه أو لزومه. فخلاصة الكلام في المقام أنه إن قلنا بأن اللزوم والجواز من الخصوصيات اللاحقة للملكية المنوعة أو المصنفة لها أو لحوقهما لها كل واحد منهما لخصوصية فيها غير الخصوصية الاخرى فيجري فيها استصحاب الكلي الجامع بينهما كسائر الاستصحابات التي من القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلي على ما هو الصحيح من صحة جريانها، وأما إن قلنا بأنهما ليسا من الخصوصيات المنوعة أو

[ 242 ]

المصنفة للملكية بل هما حكمان شرعيان لها باعتبار اختلاف اسبابها، فيجري فيها الاستصحاب الشخصي كما تقدم. ثم إنه ذكر الشيخ الاعظم الانصاري قده (1) أنه لو شك في اللزوم والجواز من خصوصيات الملك أو حكمان شرعيان يتعلقان بالملك باعتبار اختلاف أسبابه أيضا يجري الاستصحاب وما ذكره قده واضح على ما ذكرنا، لانه بناء على كونهما من خصوصيات الملك يكون الاستصحاب من القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلي، ويكون من قبيل الحدث المردد بين الاصغر والاكبر فتوضأ، فان كان الاصغر ارتفع وإن كان الاكبر فباق، فيستصحب الجامع بينهما. وفيما نحن فيه بناء على أن يكونا أي اللزوم والجواز من خصوصيات الملك، فبعد الفسخ إن كان جائزا فقد ارتفع، وإن كان لازما فالملك باق، فيستصحب الملك الكلي الجامع بين الخصوصيتين، وأما بناء على كونهما حكمان شرعيان يردان على الملك باعتبار اختلاف أسبابه، فيستصحب شخص الملكية المنشأة من جهة الشك في ارتفاعها بعد ثبوتها يقينا، فلا إشكال على كل واحد من التقديرين في جريان الاستصحاب وتمامية أركانه، غاية الامر في أحد الفرضين يكون الاستصحاب كليا، وفي الاخر يكون شخصيا. ولا يتوهم أنه بناء على ما ذكرنا وتقدم في أول بحث جريان الاستصحاب أن استصحاب الشخص لا يجري، لان مرجعه إلى استصحاب الفرد المردد، وهو لا يجوز فقولكم إنه يجري على كلا الفرضين مناقض لما تقدم، وذلك من جهة أن قولنا بعدم جريان الاستصحاب الشخصي وأنه من استصحاب الفرد المردد كان مبنيا على أن يكون اللزوم والجواز من الخصوصيات


1. " المكاسب " ص 85.

[ 243 ]

المنوعة للملك أما إذا كانا من الاحكام الشرعية التي جعلهما باعتبار اختلاف الاسباب كما هو المفروض في محل الكلام، فلا مانع من جريان الاستصحاب الشخصي، فلا مناقضة بين الكلامين. خاتمة البحث في هذه القاعدة، وهو أنه وعدنا في صدر المسألة بيان جريان الاستصحاب في العقود التمليكية التعليقية وإثبات لزومها به عند الشك، والمراد من العقود التعليقية التملكية هو أن يكون التمليك معلقا على أمر غير حاصل، ويظهر مما أفاده الشيخ الاعظم الانصاري قده عدم جريان استصحاب الملكية في تلك العقود قبل حصول ذلك الامر المعلق عليه لو شك في لزومها. مثلا لو شك في لزوم الجعالة قبل حصول ما جعل على تحصيله الجعل، أو شك في لزوم عقد المسابقة قبل حصول السبق فلا يصح إثبات لزومهما باستصحاب ملكية الجعل في الجعالة أو السبق في عقد المسابقة، وذلك من جهة عدم حصول ملكية الجعل والسبق كي يستصحب، والمستصحب قبل وجود المعلق عليه لا وجود له ولا عين ولا أثر له، فأي شئ يستصحبه، وكيف يستصحب؟ وفيه أن الشارع في هذه العقود التعليقية يمضي ما أنشأهه العاقد كما أنه في العقود التنجيزية أيضا يمضي ما أنشأه العاقد، وليس فرق بين إمضاء الشارع في النوعين التعليقية والتنجيزية، وإنما الفرق بينهما في المنشأ فان المنشأ في العقود التنجيزية الملكية المنجزة وفي العقود التعليقية الملكية المعلقة. فالعاقد في العقود التعليقية مثل الجعالة والسبق والرماية ينشأ ملك الجعل على تقدير رد الضالة، وملكية السبق في عقد السبق والرماية، على تقدير حصول السبق وإصابة الرمي، وهذا الانشاء يشبه جعل الشارع الاحكام الكلية على موضوعاتها

[ 244 ]

على نحو القضية الحقيقية، أي على الموضوعات المقدرة وجودها. فالحكم الكلي المجعول على موضوع سواء كان ذلك الموضوع مقيدا بوصف أو كان مشروطا بشرط يكون الموضوع ذلك المركب المفروض الوجود، فإذا قال الشارع يجب الحج على العاقل البالغ المستطيع الحر أو قال بصورة القضية الشرطية من كان عاقلا بالغا حرا مستطيعا يجب عليه الحج فالموضوع عبارة عن الانسان الواجد لهذه الصفات، فكلما وجد في الخارج إنسان جامع لهذه الصفات يتحقق الموضوع ويوجد وينطبق ما هو الموضوع عليه، فان أتى بذلك المركب يكون ممتثلا، وإن لم يأت يعد عاصيا متمردا، وفي أي وقت رفع الشارع هذا الحكم عن ذلك الموضوع بدون أي تغيير في جانب الموضوع، من فقد شرط أو جزء أو وجود مانع، يعد هذا نسخا، فلو شك في بقاء هذا الحكم على هذا الموضوع المفروض الوجود، بدون أي تغيير، يستصحب بقائه لتمامية أركانه، ويسمى باستصحاب عدم النسخ، ولا كلام ولا إشكال ولا خلاف في جريانه، والاستصحاب في العقود التعليقية من هذا القبيل: ففي قضية فقد صواع الملك في قضية يوسف الصديق مع إخوته، جعل حمل بعير لمن جاء بصواع الملك، أي الجام الذي يشرب فيه أو منه، ورد هذه الضالة أي جام الملك، فيشبه هذا الجعل أي جعل ملكية حمل بعير لمن يأتي بصواع الملك جعل حكم كلي على الموضوع المقدر وجوده. فها هنا أيضا الموضوع المقدر وجوده كل إنسان جاء بلجام الملك غاية الامر هناك أي في القضايا المتكفلة لجعل الاحكام الشرعية الجعل ابتداء من قبل الشارع وها هنا أي في باب العقود التعليقية الجعل إبتداء من المالك والامضاء من الشارع فكما أن استصحاب عدم النسخ في الاحكام الكلية لا إشكال فيه، لتمامية أركانه فكذلك ها هنا استصحاب بقاء الملكية المنشأة من قبل المالك لا إشكال فيه.

[ 245 ]

والعجب من شيخنا الاعظم الانصاري قده (1) أنه قال بصحة الاستصحاب التعليقي مع أنه غير صحيح، وأنكر جريان الاستصحاب هاهنا، وقد عرفت أن صحة الاستصحاب هاهنا وجريانه لا اشكال فيه. وأما عدم صحة الاستصحاب التعليقي وأنه لا يجري، فبيانه وإيضاحه موقوف على بيان مقدمة، وهي أن استصحاب التعليقي عبارة عن أن يكون موضوع الحكم الشرعي مركبا من جزئين، سواء كان أحد الجزئين قيدا ووصفا للآخر أو كان شرطا له، فالاول كالعنب المغلي، والثاني كالعنب إذا غلى، فتغير أحد الجزئين قبل وجود الجزء الآخر. مثلا جف العنب قبل أن يغلي وصار زبيبا فشك في أنه إذا انضم إلى الجزء الآخر بعد حدوث هذا التغير هل يبقى الحكم السابق أم لا؟ فإذا غلى الزبيب هل يكون شربه حراما ويكون نجسا كما أنه لو كان يغلي في حال عدم الجفاف والعنبية كان له هذا الحكم يقينا. وبعد وجود هذا الشك هل يصح استصحاب الحكم السابق فيقال: إن هذا الزبيب حين ما كان عنبا كان شربه حراما على تقدير الغليان، والآن بعد ما صار زبيبا أيضا كذلك أي يكون شربه حراما على تقدير الغليان، وهذا يسمى بالاستصحاب التعليقي لانه عبارة عن إبقاء الحكم المعلق لا المنجز، وفي صحته وجريانه خلاف. والاصح عندي عدم صحته وذلك من جهة أن العنب لم يكون له حكم كي بعد جفافه والشك في بقاء ذلك الحكم يستصحب، وذلك من جهة أن العنب كان جزء الموضوع والجزء الآخر هو الغليان، وقبل وجود الموضوع بتمام أجزائه محال أن يوجد الحكم، لان وجود الحكم قبل ذلك خلف أي يلزم منه أن يكون ما فرضته موضوعا


1. " فرائد الاصول " ج 2، ص 653.

[ 246 ]

لا يكون موضوعا ويكون من هذه الجهة حال الموضوع المركب حال العلة المركبة، أي كما لا يمكن وجود المعلول قبل وجود علته بتمام أجزائها كذلك لا يمكن وجود الحكم قبل وجود الموضوع بتمامه، والبرهان في الموردين هو لزوم الخلف. فبناء على هذا لم يكن للعنب قبل أن يجف ما لم يغل حكم كي يبقى بالاستصحاب إلى حال الجفاف، وأما القول بأن الحرمة والنجاسة الفعلية وإن لم تكونا للعنب قبل الغليان لعدم تحقق موضوعهما قبل الغليان، ولكن الحرمة النجاسة التقديريتان كانتا له بمعنى أنه كان يصح أن يقال قبل الغليان: إن العنب يتصف بالحرمة والنجاسة على تقدير غليانه، وهذا نحو وجود للحكم، ولا بأس بأن نسميه بالحكم التقديري. وقد اختار هذا القول في الكفاية (1) وأصر في وجود الحكم التقديري قبل وجود ما علق عليه أي الجزء الآخر، وقال: فان المعلق قبله إنما لا يكون موجودا فعلا، لا أنه لا يكون موجودا أصلا ولو بنحو التعليق. ولكن أنت خبير بفساد هذا القول العجيب، إذ لا شك في أن بداهة العقل يحكم بوجود كل معلول عند وجود علته، فهل يصح عند عدم وجود علة شئ أن يقال بالوجود التقديري لذلك المعلول في ظرف عدم علته مثلا لا شك في أن غروب الشمس عله لوجود الليل أفيصح أن يقول في وقت الظهر وارتفاع الشمس إن الليل موجود بالوجود التقديري؟ نعم الموجود هي الملازمة بين وجود العلة والمعلول، والحكم والموضوع، والملازمة حكم عقلي لا دخل ولا ربط لها بالاحكام، وقد يتحقق بين الممتنعين كتعدد الآلهة وفساد السموات والارضين ووجود الملازمة بين شيئين لا يدل على وجود طرفي الملازمة، بل تثبت وتصدق كما ذكرنا بين الممتنعين.


1. " كفاية الاصول " ص 411.

[ 247 ]

وأعجب من هذا ما نسب إلى شيخنا الاعظم الانصاري (1) قدس الله روحه من تصحيح الاستصحاب التعليقي بارجاعه إلى استصحاب الملازمة، ويرد عليه أولا أن الملازمة بين الشيئين حكم عقلي أزلي ليس قابلا للجعل الشرعي، وهو قده اعترف بذلك وقال بأن الملازمة وكذلك السببية لا يمكن أن يكونا مجعولين بالجعل الشرعي، فالقول باستصحاب الملازمة مناقض مع ذكره في الاحكام الوضعية من عدم إمكان جعل الملازمة والسببية. وذلك من جهة أن المستصحب لابد وأن يكون إما من المجعولات الشرعية بنفسه أو يكون له أثر مجعول كي يكون قابلا للتعبد ببقائه، والسر في أن الملازمة ليست قابلة للجعل الشرعي أما في المقام فمن جهة أن فرض عدم الملازمة بين الحكم وموضوعه يرجع إلى جواز الانفكاك بينهما، وهذا خلف أي يكون خلاف فرض كونهما موضوعا وحكم وهذا مناقضة ومحال. فالعقل ينتزع الملازمة من كون الانفكاك بين شيئين محالا، سواء كان بين العلة والمعلول أو الحكم والموضوع، أو بين معلولي علة واحد المسمى بالمتلازمين، فإذا كان الامر كذلك فلا يبقى مجال للجعل الشرعي، بل لا يمكن، لان انتزاعه قهري ويكون من لوازم الذات التي لا يتطرق الجعل إليها مطلقا لا تكوينا ولا تشريعا كالامكان بالنسبة إلى الممكنات، والشيئية بالنسبة إلى الاشياء. وثانيا على فرض أن تكون الملازمة من المجعولات الشرعية تكون بين تمام الموضوع وحكمه فانهما لا ينفكان وأما جزء الموضوع مع جزئه الاخر مع الحكم فليسا بمتلازمين، بل لابد من الانفكاك بينهما، وإلا يلزم الخلف أي يلزم ما فرضته جزء الموضوع أن يكون تمام الموضوع. ففي المثال المفروض: الملازمة بين العنب المغلي مع الحرمة والنجاسة، وأما العنب


1. " فرائد الاصول " ج 2، 654.

[ 248 ]

مع عدم الغليان فلا ملازمة بينه وبين الحرمة والنجاسة فلا ملازمة كي يستصحب بقاؤها في ظرف الشك في البقاء بواسطة جفافه وصيرورته زبيبا. وهاهنا إشكالات وأنظار من القائلين بصحة الاستصحاب التعليقي ولكن نحن لسنا بصدد تحرير هذه المسألة من جميع النواحي والجهات، وقد حققناها ودفعنا جميع ما أوردوا عليها في كتابنا منتهى الاصول ومن أراد فليراجع إليها. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 249 ]

50 - قاعدة حرمة إبطال الاعمال العبادية

[ 251 ]

قاعدة حرمة ابطال الاعمال العبادية * ومن القواعد الفقهية المشهورة قاعدة حرمة إبطال الاعمال العبادية إلا ما خرج بالدليل فنقول: البحث من جهات. الجهة الاولى في بيان مفاد هذه القاعدة، وأنه ما المراد منها. أقول: المراد منها هو أن العمل العبادي المركب التدريجي الوجود لا يجوز إبطاله في الاثناء، بمعنى رفع اليد عن إتيانها تماما في الاثناء أو يأتي بشئ لا يصح معه الاتمام ويخرج عن قابلية التحاق الاجزاء اللاحقة بسابقتها كي يتم العمل ويوجد صحيحا: فلو شرع في الصلوة فليس له أن يرفع اليد عنها في الاثناء أو يأتي بأحد قواطع الصلاة كي تخرج عن قابلية الاتمام ووقوعها صحيحا أو شرع في الاحرام لعمرة التمتع كي يتمتع بها إلى الحج فرفع اليد عن إتمام العمرة أو الحج أو أتى بمانع لا يقع معه الحج صحيحا، مثل أن جامع عمدا وإن كان مع زوجته فيفسد حجه، ولا يمكن أن يتمه صحيحا، فهذا معنى حرمة الابطال المراد من هذه القاعدة. ثم إنه لا شك في أن الواجبات المضيقة لا يجوز إبطالها قطعا، ولكن ليس لاجل


*. " عوائد الايام " ص 151، " عناوين الاصول " عنوان الاصول " عنوان 24، " أصول الاستنباط بين الكتاب والسنة " ص 125.

[ 252 ]

هذه القاعدة، بل لو لم تثبت هذه القاعدة ولم يوجد عليها دليل أيضا لا يجوز قطع تلك الواجبات لان مرجع قطعها وإبطالها بالمعنى الذي ذكرنا للابطال تفويت تلك الواجبات وتركها في وقتها، مع أنها مضيقة فهذا شيئ معلوم فعمدة الكلام في الواجبات الموسعة والمستحبات. وكذلك جواز قطعها لعذر دل الدليل عليه لا ينافي مع هذه القاعدة، وذلك من جهة أن مفاد هذه القاعدة عدم جواز القطع بعنوانه الاولى فلا ينافي الجواز لطرو عناوين اخر كطرو ضرر أو حرج وأمثالهما من الحالات الطارئة. الجهة الثانية في أنه ما الدليل على هذه القاعدة؟ أي حرمة إبطال الاعمال العبادية وهو امور: الاول الاجماع، وادعاه جمع في خصوص الصلوة وتعبيراتهم وإن كانت مختلفة ولكن مفاد كلها واحد، وهو الاتفاق وعدم الخلاف في عدم جواز قطع الصلاة اختيارا ولغير عذر، بل ادعى في شرح المفاتيح أنه من بديهيات الدين. وفيه أن الاجماع على فرض وجوده لا يثبت كلية هذه القاعة، نعم على تقدير ثبوته يكون دليلا على تحريم قطع الصلاة فقط. الثاني قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم. (1) والاستدلال بهذه الآية على حرمة رفع اليد عن المركبات العبادية في أثناء العمل، أو الاتيان بمانع أو قاطع يمنع عن إتمام العمل صحيحا مبنى على أن يكون


1. محمد (47): 33.

[ 253 ]

المراد من الابطال فيها هو المعنى الذي ذكرنا له من ترك العمل ورفع اليد عنه بعد الشروع فيه وفي أثنائه أو إيجاد مانع أو قاطع في أثنائه كي يسقط عن صلاحية إتمامه صحيحا. ولكن ظهور لفظ الابطال وكلمة لا تبطلوا في هذا المعنى لا يخلو عن مناقشة، إذ من المحتمل القريب أن يكون المراد منه النهي عن إبطال العمل بالرياء أو الشرك أو العجب أو ارتكاب الكبائر التي أوعد الله عليها النار، لا بمعنى الحبط الذي لا نقول به نحن الامامية الاثني عشرية وننكره، بل بمعنى أنه لا توجب تلك الاعمال دخول الجنة بعد ارتكاب الكبائر العظيمة كقتل النفوس المحترمة والزنا بذات البعل وأمثالهما من الجرائم الكبيرة. ويؤيد هذا الاحتمال ما رواه الصدوق قده في ثواب الاعمال عن أبي جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من قال سبحان الله غرس الله له بها شجرة في الجنة ومن قال الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال لا إله إلا الله غرس الله له بها شجرة في الجنة، فقال رجل من قريش يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن شجرنا في الجنة لكثير، قال صلى الله عليه وآله: نعم ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها وذلك أن الله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم. (1) فاستشهاد الامام عليه السلام بهذه الآية على أن الشرك والكفر والمعاصي الكبيرة يذهب بأثر تلك الكلمات ويحرق الاشجار التي كانت آثار تلك الكلمات، مؤيد بل دليل على أن المراد من إبطال الاعمال في الآية الشريفة هو ما يوجب ذهاب أثر تلك الاعمال، لا أن المراد من إبطال الاعمال رفع اليد عنها وتركها في الاثناء، أو إتيان مانع أو قاطع يمنع عن إتمامها صحيحا.


1. " ثواب الاعمال " ص 32، ح 3.

[ 254 ]

فمع وجود هذا الاحتمال القريب المؤيد بما ذكرنا من الرواية التي رواها في ثواب الاعمال، كيف يمكن دعوى ظهور هذه الجملة من مفاد هذه القاعدة، فلا أقل من الاجمال وعدم ظهورها في كل واحد من هذين المعنيين. هذا مضافا إلى أن حملها على مفاد القاعدة يوجب تخصيص الاكثر المستهجن، وذلك لان إرادة بعض أفراد العام من العموم الافرادي أو ارادة بعض الاصناف من العموم الاصنافي مستهجن خلاف دأب أهل المحاورة وديدنهم في محاوراتهم، ودليل المخصص وظهوره يقدم على دليل العام وظهوره، فيما إذا لا يبلغ إلى حد الاستهجان. وفيما نحن فيه لا ريب أن أعمالكم جمع مضاف وهو من صيغ العموم فيشمل جميع الاعمال المركبة التي ي يمكن رفع اليد عنها في الاثناء على تقدير كون الابطال بهذا المعنى الذي يدعيه المستدل بهذه الاية على هذه القاعدة، سواء كانت تلك الاعمال تعبديا أو كانت توصليا، مع أن أغلب الاعمال يجوز إبطالها في الاثناء برفع اليد عنها أو باتيان ما يوجب بطلانها، وعدم إمكان إتمامها صحيحا. بل الذي قالوا بعدم جواز قطعه في الاثناء هو فريضة الصلاة والحج مطلقا واجبا كان أو مندوبا، مع كلام فيهما أيضا، فكيف يجوز التعبير عن هذين العملين بهذا العموم الواسع، وهل هذا إلا حصر المراد من العموم فيما هو مستهجن جدا لا يليق مثل هذا بكلام السوقة فضلا عن كلام الله تعالى شأنه. وأما ما يقال من أن لفظة الاعمال وإن كانت بحسب ظاهر الكلام تشمل جميع الاعمال عبادية كانت أو غير عبادية، لكن سوق الاية في مقام بيان الاعمال العبادية، فبقرينة السياق ينقلب الظهور ويكون ظاهرا في خصوص العبادات. ففيه أن سياق الاية أن أوامرها إرشادية وأن النهي إرشاد إلى أن إبطال العمل وعدم إتيانه على الوجه الذي امر به ليست باطاعة، فكما أن الامر المتعلق باطاعة الله وإطاعة الرسول ارشادي، ولا يمكن أن يكون مولويا لما تقرر في محله، فكذلك النهي

[ 255 ]

المتعلق بالابطال لوحدة السياق. وحاصله أن مفاد الاية صدرا وذيلا هو أن وظيفة العبد هي الاطاعة وعدم التمرد بترك الاعمال الواجبة أو إبطال أثرها بالعجب والكبر وارتكاب الكبائر أو إبطال نفسه بالريا، وهذا أجنبي عن عدم جواز رفع اليد عن الواجب الموسع ثم الاتيان بفرد آخر منه أو القول بأن سياق الاية يدل على أن المراد بأعمالكم فيها هو خصوص الاعمال العبادية لا عموم الاعمال. فالانصاف أن القول بظهور أعمالكم في الاية في خصوص العبادات لا دليل عليه مضافا إلى أن اختصاصها بالعبادات وظهورها فيها لا يرتفع به تخصيص الاكثر المستهجن وذلك لكثرة المستحبات العبادية التي لا إشكال في جواز قطعها إلا في الحج المندوب. هذا مضافا إلى أن كثيرا من الواجبات التعبدية يجوز قطعها إذا كانت موسعة مثل الطهارات الثلاث فيجوز رفع اليد عنها في الاثناء والاتيان بفرد آخر حتى أنه في الصلاة حكى قول بجواز قطعها اختيارا وإن كان خلاف المختار، لما ذكرنا من ادعاء الاجماع من صاحب المدارك (1) وكشف اللثام (2) وغيرهما، بل قال في شرح المفاتيح أنه من بديهيات الدين. نعم قلنا إن الواجبات المضيقة لا يجوز قطعها لاجل أن قطعها وإبطالها بهذا المعنى يوجب تفويتها وعصيانها بالمرة، فلا ربط لها بهذه القاعدة، وأما الواجبات الموسعة كالنذر الموسع مثلا وكالطهارات الثلاث كما ذكرنا يجوز قطعها ورفع اليد عن الفرد الذي اشتغل بها والاتيان بفرد آخر. وأما الاستدلال بوجوب الاتمام بقوله تعالى أوفوا بعهدي اوف بعهدكم (3) بأن


1. " مدارك الاحكام " ج 3، ص 477. 2. " كشف اللثام " ج 1، ص 241. 3. البقرة (2)، 40.

[ 256 ]

يقال: نية العبادة عهد مع الله تعالى بأن يأتي بها تماما، والامر في أوفوا بعهدي ظاهر في الوجوب، فيكون المعنى بناء على هذا أنه يجب عليكم الوفاء بالعهد الذي عاهدتم معي باتيان العبادة المنوية تماما فيكون قطعه حراما لانه ترك الواجب. ففيه أنه بالخطابة أشبه من البرهان، وخلاصة الكلام أنه ليس دليل على اثبات هذه القاعدة على نحو الكلية، بحيث إذا شككنا في جواز قطع عمل من الاعمال نرجع إليها ونحكم بعدم جواز قطعه، لاجل هذه الكلية، إلى أن يأتي دليل على الجواز وتخصص هذه القاعدة. نعم في خصوص الصلاة الواجبة تمسكوا بأدلة على عدم جواز قطعها: منها هذه الآية وقد عرفت الحال فيها. ومنها الاجماع ولا بأس به. ومنه قوله عليه السلام تحريمها التكبير تحليلها التسليم (1) وتقريب دلالته على حرمة قطع الصلاة أن ظاهره حرمة إيجاد المنافيات من الموانع والقواطع بوقوع التكبير أي بمحض الشروع في الصلاة لان المصلي بالتكبير يشرع فيها، ولا شك في أن إيجاد الموانع والقواطع ملزوم قطع الصلاة، بل في نظر العرف هو عين قطعها، فيكون مفاد الرواية عرفا هو حرمة قطع الصلاة، ولا يجوز إيجادها إلا بالتسليم، لانه مخرج فإذا خرج بالتسليم يحلل به كل ما كان حراما عليه، لانه خرج عن الصلاة. واستشكلوا على هذا الدليل بأن التحريم في المقام ظاهر في الحرمة الشرطية من قبيل تعلق النهي ببعض الموانع، كقوله عليه السلام لا تصل فيما لا يؤكل لحمه (2) فيكون مثل هذا النهي منشأ اعتبار مانعية وجود النهي أو شرطية وجوده أو كليهما على اختلاف


1. " الكافي " ج 3، ص 69، باب النوادر، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 4، ص 1003، أبواب التسليم، باب 1، ح 1. 2. " الكافي " ج 3، ص 397، باب اللباس الذى تكره الصلاة فيه...، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 2، ص 209، ح 818، باب ما يجوز الصلاة فيه من اللباس...، ح 26، " وسائل الشيعة " ج 3، ص أبواب لباس المصلى، باب 2، ح 1، مع تفاوت في النص.

[ 257 ]

المباني في المقام، ولا أقل من الاجمال، فلا يصح استظهار الحرمة التكليفية التي هي المدعاة في المقام. وقال بعض الاعاظم قده في مقام الرد على هذا الاشكال: إنه لو كان المراد من التحريم الحرمة الشرطية لا التكليفية، فكان هناك مركبات اخر شرعية من العبادات كالوضوء والغسل ونحوهما مما لها منافيات، فكان يقتضي ذكر هذه العبارة واطلاقها عليها مع أنه لم يعهد في لسان الشرع هذا الاطلاق، إلا في باب الصلاة والاحرام، وهذا يدل على تمحض النظر فيه إلى حيث الحرمة التكليفية، سواء اجتمعت مع الوضعية كما في قواطع الصلاة، أم لا كما في بعض المحرمات حال الاحرام. وفيه أولا أن عدم إطلاق مثل هذه الجملة في غير الصلاة والاحرام لا يوجب ارتفاع ظهورها في الحرمة الشرطية أو إجماله واحتمالها لكلا الامرين، وثانيا ذكرها في الصلاة وبل في الاحرام لاهميتها وكثرة المنافيات من الموانع والقواطع فيهما فالانصاف أن إثبات حرمة القطع بمثل هذه الجملة التي من المحتمل القريب أن يكون المراد منها أنه بعد أن شرع في الصلاة وكبر بتكبيرة الاحرام يحرم عليه إيجاد المنافيات حرمة شرطية أي صحتها موقوفة على عدم إيجاد تلك المنافيات بعيد عن الصواب. ومنها النواهي المتعلقة بايجاد المنافيات من الموانع والقواطع كقوله عليه السلام استقبل القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك (1) كقوله عليه السلام الاقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلم (2) وغيرهما.


1. " الكافي " ج 3، ص 300، باب الخشوع في الصلاة وكراهية العبث، ح 6، " الفقيه " ج 1، ص 278، باب القبلة، ح 856، " تهذيب الاحكام " ج 2، 199، ح 782، باب أحكام السهو في الصلاة، ح 83، " وسائل الشيعة " ج 3، ص 227، أبواب القبلة، باب 9، ح 3. 2. " الكافي " ج 3، ص 305، باب بدء الاذان والاقامة وفضلهما وثوابهما، ح 20، " تهذيب الاحكام " ج 2، ص 54، ح 185، باب الاذان والاقامة، ح 25، " وسائل الشيعة " ج 4، ص 630، أبواب الاذان والاقامة، باب 10، ح 12.

[ 258 ]

وفيه أن ظاهر هذه النواهي أنها لبيان شرطية ما تعلق النهي بعدمه كقوله عليه السلام فلا تقلب وجهك عن القبلة فهذا النهي مفاده شرطية الاستقبال بتمام البدن حتى الوجه، ولبيان مانعية ما تعلق النهي بوجوده كقوله عليه السلام في خبر أبي هارون فإذا أقمت فلا تتكلم وسياقها سياق قوله عليه السلام في موثقة ابي بكير لا تصل الا فيما لا يؤكل لحمه فان الصلاة في صوف وشعره ووبره وبوله وروثه وكل شئ منه فاسدة لا يقبل الله تلك الصلاة (1) وظهور هذا النهي في الحرمة الوضعية مما لا ينكر. ومنها تعليق جواز القطع وجوبا أو إباحة على الخوف من ضياع مال كشرود دابته أو إباق عبده، أو الخوف على تلف نفسه من جهة مثلا وأمثال ذلك كفرار غريم لك عليه مال كما في صحيحة حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلامك قد أتى أو غريما لك عليه مال أو حية تتخوفها على نفسك فاقطع الصلاة وابتغ غلامك أو غريمك واقتل الحية (2) فلو كان قطع الصلاة جائزا ابتداء وبمحض الميل والاشتهاء، فلا يبقى وجه لهذا التعليق. لا يقال إن الامر بالقطع ظاهر في وجوبه، فما هو المعلق هو وجوب القطع ولا ينافي ذلك جوازه بمعنى الاباحة مطلقا وبدون تعليق، لانه لا يمكن أن يكون الامر بالقطع هاهنا لخصوص الوجوب، إذ لا يجب عليه طلب الغريم أو عبده الآبق ويجوز له أن يصرف النظر عن ماله فلا معنى لوجوب القطع إلا أن يكون صرف تعبد وأن يكون مقدمة لطلب غريمه أو عبده، وهو مما لا يمكن الالتزام به. فقد ظهر أنه لا دليل على حرمة قطع الصلاة إلا الاجماع المدعى في المقام ومفهوم الرواية الاخيرة ولكن في وجود المفهوم لها تأمل،


1. تقدم تخريجه في ص 256، رقم (2). 2. " الفقيه " ج 1، ص 369، باب المصلي تعرض له السباع والهوام فيقتلها، ح 1073، " وسائل الشيعة " ج 4، ص 1271، أبواب قواطع الصلاة، باب 21، ح 1.

[ 259 ]

وعلى كل حال يجوز قطعها لامور: منها إذا توقف حفظ نفس محترمة على القطع، فيجب لوجوب ذي المقدمة. ومنها جواز قطعها لحفظ مال محترم وقد يجب إذا كان حفظ ذلك المال عن التلف واجبا كما إذا كان أمانة مالكية أو شرعية عنده، وصور وجوب حفظ المال كثيرة وملاك وجوب القطع في جميع موارد وجوب حفظ المال واحد وهو كونه مقدمة لواجب فتطويل الكلام في هذا المقام لا أثر له. ومنها إذا تزاحم الصلاة مع واجب أهم ولو كان أهميته من جهة كونه مضيقا وكون الصلاة موسعا، كما هو كذلك في المثل المعروف أي وجوب إزالة النجاسة عن المسجد مع الصلاة في الوقت الموسع فحيث إن أحد المرجحات الخمسة المعروفة في باب التزاحم هو ضيق أحد الواجبين المتزاحمين بالنسبة إلى الآخر، فيجوز قطع الصلاة إذا كان وقتها موسعا بالنسبة إلى الازالة. هذا فيما إذا علم بالنجاسة ووجوب إزالتها قبل الصلاة فعصى ودخل في الصلاة فحيث إن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده الخاص، وحررنا المسألة في كتابنا منتهى الاصول (1)، فالصلاة صحيحة إما بالامر الترتبي وإما بالملاك والتفصيل في محله. ولكن الامر بالصلاة كما أنه حدوثا كان طوليا بالنسبة إلى الامر بالازالة، فكذلك يكون بقاء، لانه ما لم يحصل العصيان ولم يسقط الامر بالازالة لا يكون الامر بالصلاة في عرض الامر بالازالة ومطلقا، بل يكون مشروطا بعصيان الازالة وعليه بنينا صحة الترتب، وإلا يكون من المحالات الواضحة البينة. ومثل هذا المر الطولي المشروط بعدم الاشتغال بالازالة في المفروض لا يمكن أن يكون مانعا عن قطعها والاشتغال بالازالة، فلا يمكن أن يكون قطع الصلاة في


1. " منتهى الاصول " ج 1، ص 303.

[ 260 ]

هذا الفرض والتقدير حراما إلا أن يأتي دليل خاص على أن قطع الصلاة حتى في فرض وجود المزاحم الاهم والالتفات إليه قبل الصلاة حرام، ولكن مرجع هذا يكون إلى سقوط أمر الاهم، وهو خلاف الفرض. وأما إذا لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الدخول في الصلاة، فلا يجوز له قطع الصلاة وذلك لان ما يمنع عن التكليف بالمهم مطلقا ومن غير الاشتراط بعصيان الاهم هو فعلية الاهم وتنجزه، وإلا لو لم يكن منجزا فصرف وجود التكليف واقعا لا يؤثر في سقوط أمر المهم مطلقا، بناء على عدم إمكان الترتب أو إطلاقه بناء على إمكانه ووقوعه. وذلك لان الملاك في كلا المتزاحمين موجود، وسقوط أصل خطاب المهم أو إطلاقه لاجل عدم القدرة على الجمع، وإلا كان يجب أن يأتي بهما جميعا، والذي يسلب القدرة شرعا عن المهم هو تنجز الاهم، وإلا فصرف وجوده وفعليته من دون تنجزه لا يكون موجبا لسلب القدرة عن المهم، لان سلب القدرة عن المهم يكون بصرف القدرة في الاهم فإذا لم يكن منجزا فلا يحكم العقل بصرف القدرة في الاهم فتبقى قدرته للمهم بدون مزاحم، فيكون وجوبه مطلقا غير مشروط بترك الاهم وعصيانه، فيكون حرمة قطعه إن كان المهم هي الصلاة أيضا مطلقا فيقع التزاحم بين حرمة القطع الذي حرمته مطلق وبين وجوب الازالة الذي هو مطلق أيضا بعد الالتفات إلى نجاسة المسجد ووجوب إزالتها عنه. فشاغلية وجوب الازالة في هذا الظرف عن الامر بالمهم متوقف على تنجزه وتنجيزه متوقف على ارتفاع النهي عن الابطال، وارتفاعه متوقف على شاغلية وجوب الازالة أي الامر بالاهم عن الامر بالمهم، وهذا دور واضح. هذا ما ذكره شيخنا الاستاد قده (1) وفيه تأمل واضح، لان تنجزه ليس متوقفا على


1. " فوائد الاصول " ج 2، ص 378.

[ 261 ]

ارتفاع النهي، بل تنجزه موقوف على العلم به والالتفات إليه، وبعد العلم به والالتفات إليه تطير حرمة الابطال في ظرف الاشتغال بالازالة كما كان في الاول، لانه لا فرق من هذه الجهة بين الحدوث والبقاء، فبقاء الامر بالمهم أيضا مشروط بترك الاهم وعصيانه. والحمد لله أولا وآخرا.

[ 263 ]

51 - قاعدة بطلان كل عقد بتعذر الوفاء بمضمونه

[ 265 ]

قاعدة بطلان كل عقد بتعذر الوفاء بمضمونه * ومن جملة القواعد الفقهية بطلان كل عقد بتعذر الوفاء بمضمونه والبحث فيها من جهات. الاولى في بيان المراد منها وما هو مفادها فنقول: المراد منها أن المتعاقدين والمتعاملين إذا تعاقدا وتعاهدا والتزما مثلا في باب البيع بأن تكون هذه العين التي لاحدهما ملكا للآخر بعوض ثمن المسمى من الاخر لصاحب تلك العين ومالكه، فالوفاء بهذه المعاهدة عبارة عن أن صاحب العين يسلم تلك العين إلى مالك الثمن، وكذلك الامر من طرف مالك الثمن. فوفاؤه بهذه المعاملة معناه تسليم الثمن إلى مالك تلك العين، وتسلم العين منه فإذا تعذر الوفاء بالمعنى المذكور تعذرا دائميا، يكون مثل هذه المعاهدة لغوا باطلا عند العقلاء، ولا فرق بين أن يكون تعذر الوفاء من طرف واحد أو من طرفين، وفي كلتا الصورتين تكون المعاملة باطلة لان المعاهدة من الطرفين والعقد قائم بكلا المتعاقدين فعجز أحدهما في بطلان تلك المعاملة مثل عجز الطرفين. وهذا الامر يجري في جميع العقود والمعاملات، ففي باب الاجارة مثلا لو آجر دارا أو دكانا أو خانا أو دابة أو سيارة أو طيارة أو غير ذلك مما يصح تمليك منفعته


*. " قواعد الاحكام " ج 2، ص 112.

[ 266 ]

بعوض معلوم، والتزم كل واحد من المؤجر والمستأجر، وتعاقدا وتعاهدا على ذلك، فلو تعذر وفاء كليهما أو أحدهما بهذه المعاوضة، يكون مثل هذا الاجارة فاسدة وباطلة سواء كان تعذر الوفاء بالتزامه لاجل تلف أحد العوضين، أو كليهما، أو كان لجهة اخرى. وكذلك الحال في سائر العقود والمعاملات حتى في مثل الوكالة التي هي من العقود الاذنية لو تلف المال الذي وكله في بيعه أو شرائه أو في سائر التصرفات فيه، تبطل الوكالة وكذلك في العارية والصلح والهبة والرهن وغيرها من المعاوضات، وكذلك في الوديعة لو عجز الودعي عن حفظ ما اودع عنده، يبطل عقد الوديعة، ويجب عليه رده إلى صاحبه، والضابط الكلي في هذا المقام هو ما ذكرنا في عنوان القاعدة، وهو تعذر الوفاء بمضمون المعاملة تعذرا دائميا من المتعاقدين أو من أحدهما. الجهة الثانية في بيان مدرك هذه القاعدة وهو امور: الاول الاجماع وقد عرفت مرارا أن دعوى الاجماع في أمثال هذه المسائل التي لها مدرك أو مدارك اخر لا تفيد شيئا يركن إليه. الثاني وهو الدليل الذي يمكن أن يعتمد عليه هو أن صحة العقد وفساده امران متقابلان، فان كان التقابل بينهما تقابل العدم والملكة كما هو الصحيح لان المراد بالصحة والفساد التمامية وعدم تمامية المعاملة من حيث الاجزاء والشرائط وعدم الموانع وتعريفهما بما يترتب الاثر المقصود من ذلك العقد، وعدم ترتبه تعريف باللازم والمتقابلان بالعدم والملكة في الموضوع القابل في حكم النقيضين، لا يمكن ارتفاعهما

[ 267 ]

فإذا ارتفع أحدهما لابد وأن يكون الاخر موجودا. وفيما نحن فيه بعد ما كان التعذر من أحدهما أو كليهما دائميا، فالوفاء بهذه المعاملة لا يمكن فلا يشملها أوفوا بالعقود، لانه تكليف بالمحال وقبيح، فترتفع الصحة، لان الاثر الظاهر للصحة هو وجوب الوفاء بالعقد، وترتيب آثار الصحة، فعدم إمكانه دليل على عدم الصحة فإذا لم يكن صحيحا لابد وأن يكون فاسدا وباطلا وإلا يلزم ارتفاع النقيضين. إن قلت يمكن القول بالصحة ويكون أثرها ضمان التالف ثمنا كان أو مثمنا أو أي متعلق في أي عقد من هذه العقود المتداولة بين العقلاء، وليس بقاء نفس العوضين أو أحدهما من أركان المعاملة بل يمكن الالتزام ببقاء اللزوم وأخذ المثل أو القيمة من صاحب المال التالف قلنا أولا إن بعض العقود ليس المتعذر مما يدخل فيه الضمان، مثلا لو تعاقدا على المسابقة على فرس خاص فمات الفرس قبل الشروع في المسابقة، أو تعاقدا على المرامات بقوس خاص فانكسر قبل الشروع في المرامات، فلا وجه للضمان في مثل هذه الموارد، بل تبقى المسابقة في الفرض الاول والمراماة في الفرض الثاني بلا موضوع لان موضوع المسابقة في المثال الاول كان هو السبق مع الفرس المخصوص، وموضوع المراماة في المثل الثاني هو الرمي بقوس خاص وانكسر، فيبقى المرامات بلا موضوع ويكون حال تلف القوس حال شلل أحد المتراميين وحال تلف الفرس حال شلل أحد المتسابقين. وحاصل الكلام أن إمكان القول بضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي، فيما إذا كان التالف مالا منتقلا إلى أحد المتعاقدين، فوقع عليه التلف قبل قبض من انتقل إليه، فيمكن أن يقال بضمان من وقع في يده التلف، مع أنهم لم يقولوا بذلك، بل قالوا بأن تلف المبيع قبل أن يقبضه المشتري من مال البايع بانفساخ العقد آنا ما قبل التلف، وقد

[ 268 ]

شرحنا هذه القاعدة أي قاعدة كل مبيع تلف قبضه فهو من مال بائعه في الجزء الثاني من هذا الكتاب (1) مفصلا، وإن شئت فراجع. وثانيا إن الضمان إما عقدى وهو أن يضمن ما في ذمة شخص فينتقل ما في ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، ويسمى بالضمان العقدي، لانه عقد يحتاج إلى ايجاب وقبول، فالايجاب من الضامن والقبول من المضمون له، فالضامن يقول مثلا أنا ضامن لما في ذمة زيد لك أو يقول أتعهد بما في ذمة زيد لك، والمخاطب المضمون له، فيقول المضمون له: قبلت أو ما يفيد الرضا بذلك وأما المضمون عنه فأجنبي عن هذه المعاملة حتى أن رضاه بهذه المعاملة ليس بشرط. وإما يكون من قبيل ضمان المعاوضي في باب المعاوضات والمعاملات، وهو المسمى بضمان المسمى وهو الذي يسميه المتعاقدان ويجعلونه عوضا لما ينتقل إليه من طرفه، فكل واحد من العوضين في باب المعاوضات يسمى بضمان المسمى، فالمبيع ضمان المسمى للثمن كما أن الثمن ايضا ضمان المسمى للمبيع وقد عبر عليه السلام في رواية عقبة بن خالد عن المسمى بالضمان حيث قال عليه السلام فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه. (2) وإما يكون ضمانا واقعيا والمراد به المثل في المثلي والقيمة في القيمي، والضمان الواقعي عبارة عن كون الشئ بوجوده الاعتباري في ذمة الشخص، وإن شئت قلت عبارة عن اعتبار وجود الشئ في ذمة الشخص، وذلك لان الامر الاعتباري لا وجود له في الخارج، وإلا لكان داخلا تحت إحدى المقولات العشر، والخارج ليس وعاء لوجوده، بل وعاء لاعتباره، ولا يخرج عن عهدة هذا الامر الاعتباري ولا تفرغ ذمته إلا بأدائه إلى من هوله، وأدائه بعد انعدام نفسه في الخارج في الدرجة


1. راجع " القواعد الفقهية " ج 2، ص 77. 2. " الكافي " ج 5، ص 171، باب ا لشرط والخيار في البيع، ح 12، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 358، أبواب الخيار، باب 10، ح 1.

[ 269 ]

الاولى بالمثل فان تعذر أو تعسر فبالقيمة، وقد شرحنا هذه المسألة في قاعدة وعلى اليد ما اخذت حتى تؤديه. (1) وسبب هذا الضمان قد يكون العقد كما في عقد الدين، فان حقيقة الدين هو تمليك شئ بضمانه الواقعي، وقد يكون اليد غير المأذونة وقد يكون الاتلاف، وشرحنا كل واحدة من القاعدتين، وإن شئت فراجع. إذا عرفت ذلك فنقول: إذا تعذر الوفاء بمضمون العقد من باب تلف أحد العوضين الشخصيين أو لجهة اخرى، فليس هناك ما يوجب الضمان الا اليد غير المأذونة، ولا الاتلاف، ولا عقد كان مفاده الضمان، كل ذلك لم يكن. وإن قلت إن المسمى استقر في ذمته، فإذا تعذر يجب عليه تفريغ ذمته باعطاء مثله أو قيمته. قلنا اما في المعاملات الواقعة على اشخاص الاموال الخارجية لا يشتغل ذمته بشئ، وإنما المالك لتلك العين يخرجها عن ملكه ويدخلها في ملكه طرفه، فلم يستقر في ذمته شئ، وإنما يجب عليه اداؤه إلى صاحبه الجديد تكليفا، فإذا تعذر يسقط هذا التكليف، وليس شئ في البين يوجب الضمان، واما المعاملات الواقعة على الكليات فليس التعذر فيها بمعنى تلف العين، لان العين لم تكن موردا للمعاملة قط، بل المراد التعذر من جهات اخر. مثلا لو باع كمية من الحنطة فتعذر عليه الاداء لانه صار معدما فقيرا لا يقدر حتى على أداء قيمته، فمثل هذه المعاملة تنحل قهرا لما ذكرنا من تقابل العدم والملكة بين الصحة والفساد وهما في الموضوع القابل بحكم النقيضين لا يمكن ارتفاعهما، ولا يمكن أن تكون صحيحة لعدم إمكان الوفاء بها، فقهرا تكون باطلة. الثالث بناء العقلاء فانهم يرون مثل هذا العقد الذي يتعذر الوفاء به من


1. راجع " القواعد الفقهية " ج 4، ص 53.

[ 270 ]

الطرفين، أو من طرف واحد لغوا وباطلا. وذلك لما بينا وشرحنا في قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه (1) من أن العقلاء في باب العقود المعاوضية وإن كانوا ينشأون المبادلة بين المالين والعوضين في عالم الاعتبار التشريعي، وهذا المعنى يقع في عالم التشريع إذا كان العقد الواقع جامعا لشرائط العقد والمتعاقدين والعوضين، وليس متوقفا على النقل والانتقال الخارجي، ولكنهم يرون هذه المبادلة مقدمة لوصول كل واحد من العوضين إلى الآخر بدل العوض الذي يعطيه للآخر، بحيث لو لم يتحقق النقل والانتقال الخارجي تكون تلك المبادلة لغوا، وتكون المعاملة كالمعاملات السفهية باطلة عندهم. فكما أنه لو علموا من أول الامر بعدم قدرة كلا المتعاقدين أو أحدهما على الوفاء بهذا العقد، يكون ذلك العقد لغوا عندهم ولا يرتبون أثر الصحة عليه، فكذلك لو طرء العجز وتعذر الوفاء به بعد الوقوع قبل القبض والاقباض، يكون بقاء العقد والمعاهدة لغوا لما قلنا إن هذه المعاقدة والمعاهدة تكون مقدمة للاخذ والاعطاء، إذ الذي يدور عليه نظام معاش العباد وبه قوام معيشتهم، هو التبادل والاخذ والاعطاء خارجا، وتكون المعاملات والمبادلات الاعتبارية لاجل تلك الانتقالات الخارجية، والا فنفس تملك الناس في عالم الاعتبار التشريعي المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب من دون حصول وجوداتها الخارجية لهم، لا أثر له، فان الناس يحتاجون إلى هذه الاشياء خارجا وقوله عليه السلام في مقام بيان حجية بعض الامارات وإلا لما قام للمسلمين سوق (2) المراد من السوق هو السوق الخارجي لا المبادلات الاعتبارية من دون أخذ وعطاء في البين.


1. راجع " قواعد الاحكام " ج 2، ص 77. 2. " الكافي " ج 7، ص 387، باب بدون العنوان، (من كتاب الشهادات) ح 1، " الفقيه " ج 3، ص 51، باب من يجب رد شهادته ومن يجب قبول شهادته، ح 3281، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 261، ح 695، باب البينات، ح 100، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 215، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، باب 5 ح 2. و نصه: " لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق ".

[ 271 ]

وأيضا من الواضح المعلوم أن ما هو موجب لاختلال النظام هو عدم المبادلات الخارجية لا الاعتبارية، ولكذلك ترى أن الاسواق دائرة بنفس المبادلات الخارجية والاخذ والاعطاء معاطاة من دون عقد في البين، ولا يأتي هاهنا الاشكال الذي أشكلنا في مسألة تلف المبيع قبل قبض المشتري، وهو الانفساخ قبل التلف آناما. وذلك من جهة أن الالتزام بالانفساخ قبل التلف آنا ما كان من جهة الرواية التي كان مفادها أن تلف المبيع قبل قبض المشتري يكون من مال البايع، أي التلف وقع على مال البايع، مع أنه بنفس العقد صار مالا للمشتري، فكون التلف في مال البايع لا يعقل إلا بالانفساخ آناما قبل التلف، ولا حاجة إلى هذا التقدير فيما نحن فيه، لعدم كونه من موارد تلك الرواية دائما، لان تعذر الوفاء ليس منشأه دائما تلف المبيع قبل أن يقبض بل له أنحاء الجهة الثالثة في بيان موارد تطبيق هذه القاعدة فنقول: منها لو استأجر مرضعة لارضاع ولده فمات الولد أو المرضعة أو كلاهما قبل أن ترضعه أو يبس لبنها، فتبطل الاجازة لتعذر الوفاء بذلك العقد من طرف واحد، وقد يكون التعذر من الطرفين كما إذا استأجر الحمال لحمل متاع معين، فتلف المتاع وعجز الحمال عن الحمل لمرض أو جهة اخرى، كل ذلك قبل الشروع في العمل أو استأجر الصائغ لصنع ذهب خاص مثلا آلة من أدوات الزينة، فعجز الصائغ عن العمل وتلف الذهب قبل أن يشتغل بالصنع. وأمثلة هذا الفرع كثيرة في باب الاجراء، سواء كان التعذر من طرف واحد أو

[ 272 ]

من الطرفين. ومن هذا القبيل عجز النائب الاجير عن أداء ما استوجر عليه من العبادات كالحج والصلاة والصوم، وزيارات المعصومين أو قرائة القرآن وأمثال ذلك، إذا اشترط المستأجر على الاجير مباشرة نفسه، كل ذلك لاجل تعذر الوفاء من طرف الاجير هذا في باب استيجار الاجراء. وكذلك الامر في إجارة الاعيان كما إذا آجر دار أو خانا أو دكانا فانهدمت ووقعت في الجادة العمومية بحيث لا يمكن بنائها عادة أو في مدة الاجارة، أو صارت غير قابلة للانتفاع بها أصلا ولو قليلا، كما إذا استأجر دابة لركوبه في سفر أو لحمل متاع عليها فتلف قبل الركوب أو قبل الحمل عليها فيكون ذلك العقد باطلا. والضابط الكلي في باب اجارة الاعيان هو تلف العين المستأجرة أو سقوطها عن الانتفاع بالمرة، ففي مثل ذلك تبطل الاجارة، لان عقد الاجارة مفاده تمليك منفعة العين بذلك العوض المعلوم، فالوفاء بهذا العقد بالنسبة إلى المؤجر أن يسلم إلى المستأجر عينا ذات منفعة معلومة فإذا تلفت تلك العين التي وقعت عليها الاجارة أو سقطت عن تلك المنفعة المعلومة، فلا يقدر أن يسلم إلى المستأجر مثل تلك العين التي آجرها والضابط في التعذر في باب استيجار الاجراء هو عدم الاجير عن الاتيان بما آجر نفسه له. هذا في عقد الاجارة. وكذلك الامر في سائر العقود المعاوضية ففي البيع إن باع عينا شخصيا فوقع عليها التلف، أو كانت حيوانا غير أهلي فشرد بحيث لا يمكن أخذه وإرجاعه عادة، سواء كان من الطيور أو من غيرها كالغزال وغيره، فالبايع لا يقدر على الوفاء بهذا العقد فيبطل. وكذلك الامر بالنسبة إلى المشتري والثمن الشخصي، فإذا تعذر له الوفاء بهذا

[ 273 ]

العقد فيبطل العقد ولا يبطل بموت أحد المتبايعين لقيام الوارث لكل واحد منهما مقام مورثه، وكذلك الامر في العارية فهو مثل الاجارة. والفرق بينهما أن تمليك المنفعة في الاجارة يكون بعوض، وفي العارية تمليك المنفعة أو الانتفاع يكون مجانا بلا عوض، فهما كالبيع وهبة الاعيان غير المعوضة 232 حيث أن البيع تمليك عين متمولة بعوض مالي، وهبة الاعيان أيضا تمليك عين لكن مجانا، وبدون عوض، إذا كانت الهبة غير معوضة. وكذلك الامر في الصلح فإذا لم يقدر المصالح على أداء مال المصالحة وتعذر الوفاء بالعقد، يكون الصلح باطلا، وكذلك الامر في الرهن، فلو لم يقدر الراهن على تسليم العين المرهونة إلى المرتهن أو إلى من رضيا بأن تكون عنده فيكون عقد الرهن باطلا، وكذلك لو تلفت العين المرهونة قبل أن يقبضها المرتهن يبطل الرهن. فلو رهن نخيلا فيبست أو دارا أو دكانا أو خانا فانهدمت يبطل عقد الرهن أو ثويا فاحرقت أو متاعا ففسدت بحيث لا يشتريه أحد ولا يبذل بازائه المال. وكذلك الحال في عقد الكفالة، فلو تعذر للكفيل الوفاء بذلك العقد كما لو مات المكفول، يبطل عقد الكفالة ويبرء الكفيل عند المشهور. وكذلك الامر في عقد المضاربة فلو عجز العامل عن العمل لمرض أو لجهة اخرى ولم يقدر على الوفاء بعقدها، فيبطل عقد المضاربة. وكذلك الامر لو مات العامل وكذلك الامر في المقارض بكسر الراء أي رب والمال فإذا لم يقدر على إعطاء المال والوفاء بعقد المضاربة يكون العقد باطلا. وكذلك الامر في العارية هي عبارة عن تمليك المنفعة أو تمليك الانتفاع فلو عقدا على كون شئ له منفعة عارية عند المستعير، بأن يقول المعير أعرتك إياه وصدر القبول من المستعير، فقبل أن يعطي للمستعير تلف ذلك الشئ أو سقط عن

[ 274 ]

الانتفاع أو مات المعير أو جن، فيبطل عقد العارية، وذلك لتعذر الوفاء بذلك العقد في جميع الموارد المذكورة وكذلك لو باعه أو وهبه يبطل العقد، لان ذلك الشئ بعد بيعه أو هبته لشخص آخر يخرج أمره من يد المعير، ويصير ملكا لغيره فلا يبقى موضوعا لاعارة المعير، وليس لتمليك المنفعة أو الانتفاع أو لاذنه في التصرف فيه أثر بقاء أي بعد خروجه من يده، بل يكون الاثر لتمليك المالك الثاني أو إذنه. وكذلك الامر في المزارعة والمساقات فإذا وقع عقد المزارعة والمساقات، فيجب الوفاء على كلا الطرفين، فلو عجز عن العمل ولم يقدر على الوفاء بالعقد أو مات فيما إذا اشترط المالك عليه المباشرة بنفسه، يبطل العقد، وكذلك الامر في الوديعة فلو عجز عن الحفظ ولم يقدر على الوفاء بالعقد يبطل عقد الوديعة، ويجب عليه رده كما أنه يبطل بموت الودعي. وخلاصة الكلام أن هذه القاعدة تجري في جميع العقود المعاوضية فلا نطول الكلام. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 276 ]

52 - قاعدة كل ما يصلح إعارته يصح إجارته

[ 278 ]

قاعدة كل ما يصح اعارته يصح اجارته * ومن القواعد الفقهية المشهورة هي قاعدة كل ما صح إعارته صح إجارته والبحث فيها من جهات: الاولى في بيان المراد منها فنقول إن مفاد هذه القاعدة ان كل شئ يصح اعارته من جهة أنه عين يصح الانتفاع بها مع بقاء نفسها، يصح إجارته، فمثل الاطعمة والاشربة مما ينتفع بها، ولكن الانتفاع بها باتلافها وإعدامها لا مع بقاء عينها، لا يصح إعارتها، وذلك لان حقيقة العارية عبارة عن تمليك منفعة شئ أو الانتفاع به مع بقاء ذلك الشئ في ملك المعير. وقد يقال بأنها عبارة عن تسليط المستعير على الانتفاع به مع بقاء العين في ملكه وهذا أحسن واجود من التعريف الاول، أما كونه أجود من تمليك المنفعة، فلانه ليس له أن ينقلها إلى شخص آخر، وايضا لا ترثها الورثة، ولو كانت العارية تمليك المنفعة لجاز النقل إلى غيره، وكانت ترثها الورثة، وأما كونها تمليك الانتفاع ففرع قابلية الانتفاع لكونه ملكا. وهذا مشكل، لان الملكية اعتبار عقلائي أمضاها الشارع في موارد وأسقطها في


*. " الحق المبين " ص 72.

[ 279 ]

موارد اخر، وموضوع هذا الاعتبار عند العقلاء إما الاعيان التي تحتاج إليها الناس للاغراض التي عندهم، أو منافع تلك الاعيان، وأما الانتفاع بتلك المنافع فجوازه وعدم جوازه من آثار ملكيتها وعدم ملكيتها، وإلا فنفس الانتفاع ليس قابلا لاعتبار الملكية فيه، فلا يصح أن يقال بأنها تمليك الانتفاع بالشئ الذي يعطيه. اللهم الا أن يراد بالتمليك التسليط، لا ذلك الامر الاعتيادي المذكور، فيكون المراد به هو التعريف الثاني أي التسليط على الانتفاع. وقد ورد التمليك بهذا المعنى في الكتاب العزيز في قوله تعالى لا أملك إلا نفسي وأخي (1) وعلى كل حال تعريفها بأنه عقد ثمرته التبرع بالمنفعة كما عن المحقق في الشرائع (2) وغيره في غيره لا يخلو من تأمل، لانه اولا المتعارف والمتداول بين الناس في باب العارية هو إعطاء شئ يصح الانتفاع به لغيره أن ينتفع به، من دون عقد وتعهد بينهما، فليس عقد في البين وأما إعطائه بعد العقد بايجاب من قبل المعير وقبول من طرف المستعير يكاد أن لا يوجد، لان المتعارف بين العقلاء غير هذا المعنى. فهو التسليط مجانا وبلا عوض على العين التي لها منفعة لكي ينتفع بها مع بقاء نفسها فلا يصدق العارية على المأكولات والمشروبات التي يكون الانتفاع بها باتلافها أي أكلها وشربها. نعم لو كانت لها منفعة غير الاكل والشرب كما قد يتفق بل المتعارف في بعض البلاد يزينون مجالسهم التي تنعقد لاجل عقد القران بين الزوجين بانواع الفواكه والحلويات والشرابت من دون أكلها وشربها فلا بأس حينئذ باعارتها كما أنه لا بأس باجارتها كذلك. ثم إنه لابد وأن يكون الانتفاع بمنافع العين المعارة محللة فان كان كل منافعه


1. المائدة (5): 25. 2. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 135.

[ 280 ]

محرمة فلا يجوز لا اعارته ولا اجارته كأدوات اللهو والاغاني وأواني الذهب والفضة بناء على عموم حرمة الانتفاع بها لا خصوص الاكل والشرب. وأما إن كان بعض منافعه محللة وبعضها محرمة كأواني الذهب والفضة، بناء على عدم عموم حرمة الانتفاع بها واستعمالها، بل يكون الحرام خصوص الاكل والشرب فيها وكالجارية التي يحرم بعض المنافع منها كوطيها، لانه لا يحل الا بالتزويج أو الملك أو التحليل، ويحل بعض منافعها الاخر كاستخدامها في البيت، فلا يجوز إعارته إلا باعتبار منافعه المحللة. فمفاد القاعدة هو أن كل عين يصح اعارتها باعتبار ان لها منفعة محللة يمكن الانتفاع بها مع بقاء نفسها، تصح اجارتها. واما ما ليس لها منفعة محللة فليس لنفس المالك ان ينتفع بها باعتبار منافعها المحرمة فكيف له أن يسلط غيره عليه باعتبار تلك المنافع أو يملكها لغيره أو يملك انتفاع الغير بها. فيجوز إعارة كل ماله منفعة محللة باعتبار تلك المنافع المحللة مع بقاء عينه كالاراضي والبساتين والدواب والثياب والمساكن والدكاكين وأنواع الفرش والالبسة والامتعة واثاث البيت والكتب التي لا يوجب الاضلال وأدوات الطبخ وأقسام الحلى وكلب الصيد المحلل وحراسة الدار والمراكب والسيارات والطيارات وادوات الزراعة والفلاحة والمكائن بجميع اقسامها وأنواعها وغيرها مما لم نذكرها، وكان مصداقا لعنوان ماله منفعة محللة ويمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، فهذه الامور جميعا كما يجوز إعارتها كذلك يجوز اجارتها وهذا هو مفاد هذه القاعدة. نعم ربما يستشكل على هذه الكلية بان اعارة الشاة المنحة يجوز للانتفاع بلبنها ولا يجوز اجارتها لذلك وكذلك يجوز اعارة جاريته المرضعة للانتفاع بلبنها بان يشرب الطفل من ذلك اللبن أو للانتفاع بارضاعها للطفل، وكذلك يجوز إعارة البئر للاستقاء منها ولا يجوز اجارتها لذلك، وكذلك يجوز إعارة البستان للانتفاع باثمار اشجارها ولا يجوز اجارته لذلك وفي بعض هذه المذكورات قيل بالعكس.

[ 281 ]

ويظهر من كلام صاحب الجواهر (1) أن إجارة المرضعة للرضاع جائزة ولا يجوز اعارتها لذلك وهذه عين عبارته ولا يقدح في هذا الضابط جواز عارية المنحة للحلب دون الاجارة له عكس المرءة للرضاع بعد ان كان ذلك بالدليل وعلى كل حال هذه النقوض غير واردة على هذه الكلية اما جواز عارية الشاة المنحة فاولا يمكن ان يقال بانه ليس من باب العارية بل يكون اباحة للبنها من طرف المالك لمن يعطيها بيده. وثانيا يمكن أن يكون هذا الدليل خاص ورد في المقام فيكون مخصصا لهذه القاعدة وهو الاجماع كما حكاه في الجواهر (2) عن بعض متأخري المتأخرين أو ما رواه الحلبي عن الصادق عليه السلام في الرجل يكون له الغنم يعطيها بضريبة سمنا شيئا معلوما أو دراهم من كل شاة كذا وكذا، قال عليه السلام لا بأس بالدراهم ولست احب بالسمن. (3) أو صحيح ابن سنان سأله أيضا عن رجل دفع إلى رجل غنمه بسمن ودراهم معلومة لكل شاة كذا وكذا في كل شهر، قال لا بأس بالدراهم واما السمن فلا احب ذلك إلا أن تكون حوالب. (4) وقرب في الجواهر (5) الاستدلال بهاتين الروايتين على جواز عارية الشاة المنحة (6)


1. " جواهر الكلام " ج 27، ص 173. 2. " جواهر الكلام " ج 27، ص 172. 3. " الكافي " ج 5، ص 223، باب الغنم تعطى بالضريبة، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 127، ح 554، باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة، ح 25، " الاستبصار " ج 3، ص 103، ح 359، باب إعطاء الغنم بالضربية، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 260، أبواب عقد البيع وشروطه، باب 9، ح 1. 4. " الكافي " ج 5، ص 224، باب الغنم تعطى بالضربية، ح 4، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 127، ح 556، باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة، ح 27، " الاستبصار " ج 3، ص 103، ح 362، باب إعطاء الغنم بالضريبة، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 260، أبواب عقد البيع وشروطه، باب 9، ح 4. 5. " جواهر الكلام " ج 27، ص 173. 6. المنحة - بالكسر - في الاصل الشاة أوالناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن.

[ 282 ]

للانتفاع بلبنها بان مفاد هاتين الروايتين جواز اعطاء الشاة بعوض وبضريبة للانتفاع بلبنها فتدلان على جواز الاعطاء مجانا بطريق أولى أي بالفحوى، وإعطاء الشاة بضريبة لابد وان يكون للانتفاع بلبنها أو بصوفها أو بكليهما فإذا دلتا بالفحوى على جواز الاعطاء للانتفاع بهاتين المنفعتين مجانا فيكون هذا عن العارية. وفيه على فرض تسليم أن الرواية تدل على جواز إعطاء الشاة المنحة مجانا لهاتين المنفعتين لا تدل على أن جواز الاعطاء من باب العارية بل من الممكن أن يكون من باب الاباحة أو الصلح المجاني. واستدل في التذكرة على جواز عارية الشاة المنحة بما عن النبي صلى الله عليه وآله العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم والغريم غارم (1) ولكن الانصاف ان هذا الحديث الشريف على فرض تسليم صدوره عنه صلى الله عليه وآله على خلاف المطلوب وأن المنحة ليست بعارية أدل، لما جعله صلى الله عليه وآله مقابلا وعدلا للعارية. نعم يدل على أن رد المنحة واجب، كما ان تأدية العارية وقضاء الدين لازم والغريم غارم أي المديون يجب عليه أن يؤدي دينه. هذا بناء على نقل التذكرة وأما بناء على ما في سنن أبي داود وصحيح الترمذي الزعيم غارم (2)، فمعناه ان الكفيل يجب عليه أداء الغرامة إذ الزعيم بمعنى الكفيل كما في قوله تعالى: ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم. (3)


" المصباح المنير " ص 580. 1. " تذكرة الفقهاء " ج 2، ص 206. وانظر: " عوالي اللئالي " ج 3، ص 252، ح 8. 2. " سنن ابي داود " ج 3، ص 295، كتاب البيوع، ح 3565، " سنن ترمذى " ج 3، ص 565، كتاب البيوع، باب 39، ح 1265، " عوالي اللئالي " ج 2، ص 257، ح 3، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 435 أبواب كتاب الضمان، باب 1، ح 2. 3. يوسف (12): 72.

[ 283 ]

فالمستفاد من الحديث الشريف أن الشاة المنحة التي اعطاها المالك لشخص واباح له لبنها يجب على ذلك الشخص رده، وهذا لا ربط له بالعارية هذا مع ان التحقيق انه كما يجوز اعارة الشاة المنحة اجماعا يجوز اجارتها أيضا. وأما الاشكال عليه بان الاجارة تمليك المنفعة مع بقاء العين واما تمليك الاعيان فليس باجارة بل اما بيع إذا كان بعوض مالي أو هبة ان كان مجانا وبلا عوض أو صلح إذا وقع التسالم عليه أو غير ذلك. فجوابه ان متعلق الاجارة في المفروض هي الشاه باعتبار تمليك منافعها غاية الامر ان المنفعة قد تكون من الاعراض القائمة بعين في الخارج كسكنى الدار وركوب الدابة والتفرج في بستان وقد تكون من الامور الاعتبارية كما أنهم يستأجرون الحلويات الكثيرة وكذا الفواكه لاجل مجلس عقد القران بين الزوجين لا لاكلها بل لاظهار الجلالة والعظمة وأمثلة هذا القسم كثيرة. وقد تكون من الاعيان الخارجية ومن الجواهر التي ي لها وجود تبعي قبل الانفصال عن متبوه ووجود استقلالي بعد الانفصال كاللبن بالنسبة إلى الشاة المنحلة والمرأة المرضعة وكالاثمار بالنسبة إلى الاشجار وكالمياه بالنسبة إلى الآبار وفي هذا القسم إذا ورد التمليك على هذه الاشياء باعتبار وجودها الاستقلالي أو كان بعد انفصالها عن متبوعها فلا شبهة في ان مثل هذا التمليك لا يمكن أن يكون اجارة لان حقيقة الاجارة تمليك المنفعة وهذه تمليك عين لا تمليك منفعة وهذا واضح جدا. واما إذا ورد التمليك عليها باعتبار وجودها قبل الانفصال اي باعتبار كونها من توابع متبوعاتها وصفات موضوعاتها ولذلك يقولون شاة منحة وامرأة مرضعة وشجرة مثمرة إلى غير ذلك من الامثلة، فهذا يعد من تمليك المنافع بهذا الاعتبار عند العرف. فإذا قال آجرتك هذه الشاة بكذا لا يفهم منه العرف الا تمليك منافع هذه الشاة

[ 284 ]

التي هي بنظرهم عبارة عن صوفه ولبنه ولم يقم دليل عقلي ولا نقلي على ان منفعة عين لا يمكن ان تكون عين اخرى فهل يشك احد في ان منفعة شجر الكرم هو العنب أو في ان منفعة النخيل هي التمور. فإذا كان المتفاهم العرفي في باب العارية والاجارة هو إعطاء العين الخارجية وإن شئت قلت هو تسليط على العين باعتبار كون منافعها ملكا له مدة معلومة، فان كان هذا التسليط والتمليك مجانا وبلا عوض يسمى عارية، وإن كان بعوض يسمى اجارة. فبناء على هذا التسليط على الشاة المنحة مع تمليك اصوافها والبانها وسائر منافعها المتصلة بها لا بعد انفصالها عنها يكون اجارة حسب المتفاهم العرفي من هذا اللفظ الذي هو معنى ظهور اللفظ في معنى إن كان بعوض وإن لم يكن بعوض يكون عارية. ولا فرق في المتفاهم العرفي بين ان تكون تلك المنافع من الاعراض الخارجية أو كانت من الاعتبارات أو تكون من الاعيان الخارجية بشرط عدم انفصال هذا الاخير عن موصوفه ومتبوعه. ولا فرق فيما ذكرنا بين الشاة المنحة والمرأة المرضعة والشجرة المثمرة والبئر التي لها ماء بالنسبة إلى الاستقاء منها ففي جميع ذلك تصح اجارتها وايضا اعارتها الا أن يأتي دليل خاص من إجماع أو رواية معتبرة على عدم صحة كليهما أو احدهما فلا يرد نقض على هذه القاعدة بهذه الامور. وأما ما يقال أو يتوهم بأنهم متفقون على ان الاجارة تمليك منافع العين التي يوجرها المؤجر ويذكرون ان المنفعة مقابل العين ونقل الاعيان مقابل نقل المنفعة فلا يجتمعان. فقد عرفت ما فيه، وأن هذه الاعيان ما دامت متصلة بالعين المتعلقة للاجارة

[ 285 ]

تعد منفعة ومفهوم المنفعة لابد وان يؤخذ من العرف كسائر المفاهيم فإذا كانت هذه المنافع المذكورة التي من الاعيان الخارجية منفعة للعين مادامت متصلة بها فتشمل الاطلاقات أدلة الاجارة والعارية أيضا مثل هذه الموارد أي التسليط على الشاة المنحة والجارية المرضعة والشجرة المثمرة، والبئر التي لها ماء وغير هذه الامور مما يشبهها مع انشاء تمليك المنافع المذكورة لهذه الامور. ولا يخفى أنه ليس مرادنا من انشاء تمليك هذه الامور أن يكون بانشاء مستقل والا يخرج عن كونه اجارة بل مرادنا من تمليك منافع هذه الامور هو انشاء تمليكها بلفظ الاجارة المتعلقة بنفس هذه الامور باعتبار تلك المنافع. واما الاشكال والنقض على ما ذكرنا بأنه لا يجوز إجارة الشاة بلحاظ سخلها ولا الجارية بلحاظ ولدها ولا البذر بلحاظ الزرع فغير تام وذلك لان السخل والولد موجودان منفصلان عن الشاة والجارية ورحم الشاة والجارية وعاء نمائهما وتربيتهما. مع أن هذه المفاهيم تخلتف بنظر العرف فلو قال آجرتك هذه الشاه مثلا يفهم العرف من هذه العبارة تمليك صوفها ولبنها ولا يفهم منها تمليك سخلها التي في بطنها وقلنا إن المدار في تشخيص المفاهيم وتعيين مداليل الالفاظ والجمل هو الفهم العرفي. مضافا إلى أن السخل والولد إن كانا من منافع الشاة والجارية في المتفاهم العرفي نقول بصحة إجارتها وإعارتها، إلا أن يأتي دليل من اجماع أو رواية على عدم صحتها أو عدم صحة أحدهما وأما البذر والزرع والبيض والدجاج والنواة والنخلة وأمثالها فالزرع والدجاج والنخلة هي عن البذر والبيض والنواة لا أنها من منافعها. وأما ما افاده سيدنا الاستاد قده في حاشية العروة بقوله: نعم ربما يشكل في اجارة الاشجار للثمار بان الانتفاع الحاصل فيها يعد في العرف انتفاعا بالثمر لا بالشجر.

[ 286 ]

فكلام عجيب لانه بعد قبوله المبني الذي ذكرنا وانه من الممكن ان تكون منفعة الشئ من الاعيان الخارجية، فاي فرق بين الشاة المنحة والانتفاع بلبنها وبين النخلة مثلا والانتفاع بثمرها، بل كون ثمار الاشجار منفعة لها أبين من كون الماء الموجود في البئر منفعة لها وأيضا أبين من كون اللبن من منافع الشاة أو المرضعة. وشيخنا الاستاد قده حيث إنه لم يختر هذا المبنى ذهب إلى عدم صحة اجارة هذه الامور وقال في اجارة الشجر لا ثماره في مقام انكار صحة اجارة هذه الامور في حاشيته على العروة: خصوصا في اجارة الاشجار للانتفاع باثمارها فكأنه قده يرى القول باجارة الاشجار بلحاظ الانتفاع بأثمارها أبعد عن الصحة من إجارة الشاة المنحة بلحاظ لبنها والمرءة المرضعة بلحاظ ارضاعها أو لبنها، والبئر بلحاظ الانتفاع بمائها، ونحن لم نفهم فيها خصوصية اوجب من ذلك. الجهة الثانية في بيان الدليل على هذه القاعدة وهو أمران: الاول الاجماع فهذا صاحب الجواهر قده يقول في مقام شرح هذه العبارة التي في الشرايع وهي: كلما صح إعارته صح اجارته (1): بلا خلاف أجده نقلا وتحصيلا، بل إجماعا كذلك، (2) ومثل هذه العبارة من هذا الفقيه المحقق المتتبع لها قيمتها وإن كان قد تقدم منا مرارا الاشكال على امثال هذه الاجماعات التي من المحتمل القريب أن يكون اتفاقهم مستندا إلى مدرك يعتمدون عليه من دون أن يكون سبب اتفاقهم تلقيهم عن


1. " شرائع الاسلام " ج 2، ص 140. 2. " جواهر الكلام " ج 27، ص 213.

[ 287 ]

الامام عليه السلام فلابد من الرجوع إلى نفس المدرك المحتمل إن كان معلوما وأنه هل يصح الاعتماد عليه أم لا كما أنه في المقام من المحتمل القريب أن يكون مدركهم هذا الامر الثاني الذي نبينه إنشاء الله تعالى. الامر الثاني هو ان الاعارة والاجارة لا تختلفان في الحقيقة وكلاهما عبارتان عن تلسيط المالك المستعير والمستأجرب على عين ماله لتمليك منفعته إياهما، ولا فرق بينهما إلا بأن تمليك المنفعة أو الانتفاع بتلك العين في العارية مجاني وبلا عوض وفي الاجارة يكون بعوض وليس مجانا. فمورد الاجارة والاعارة واحد وهو العين التي لها منفعة محللة يمكن الانتفاع بها فيسلط الطرف عليه ويملكه منفعتها أو الانتفاع بها فينتفع بها واما كون الانتفاع بها بلا عوض أو مع العوض لا يغير المورد فالمورد في كليهما واحد إلا أن يأتي دليل خاص من اجماع أو رواية معتبرة على صحة احديها دون الاخرى، والا فمقتضى الاصل الاولى هو أنه لو صح أحدهما صح الاخر. ومقتضى هذا الدليل ان الكلية من الطرفين أي كما أن كلما صح اعارته صح اجارته كذلك وكلما صح اجارته صح اعارته وهو كذلك الا أنهم ذكروا الكلية الاولى دون الثانية ولعله لان الاجارة عقد لازم لا يمكن حله الا باحد موجبات الفسخ بخلاف العارية فان العارية قابلة للاسترداد والرد في أي وقت أراد كل واحد من الطرفين. فالاجارة تحتاج إلى دليل الاثبات وصحة عقده كي يحكم عليها باللزوم وأما العارية في الحقيقة هو إذن في التصرفات ولا اثر لكونها صحيحة أو فاسدة، لان فاسدها أيضا لا ضمان فيها لقاعدة كلما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده فلا أثر مهم لمعرفة أنها صحيحة أو فاسدة، ولذلك أهملوا ذكر الكلية الثانية. أو لان السيرة العملية بالنسبة إلى موارد العارية أوسع فان الناس يستعيرون

[ 288 ]

اغلب الاشياء لقضاء حوائجهم من الظروف والفرش وادوات الطبخ من القدور والمكائن التي يطبخون عليها والبسط والابر وأدوات شرب الچاي من السماور والكتلى والغوري والاستكان والمواعين على انواعها وأقسامها، والكتب العلمية في مختلف العلوم وكتب الادعية والزيارة وغير ذلك مما يطول إحصائها. وخلاصة الكلام: ما من شئ له منفعة ويقضى الحاجة في مدة قليلة الا وقد يقع موردا للاستعارة بخلاف الاجارة، فان السيرة العلمية لم تنعقد إلا في المهمات من الجوائج وفيما لم يكن الاحتياج إليها في المدة القليلة بل يكون الاحتياج إليها في مدة معتده بها فيمكن أن تكون في بعض الموارد صحة الاجارة مشكوكة لعدم قيام سيرة عملية عليها، ولكن صحة العارية تكون معلومة لقيام السيرة عليه، فيستدل بها على صحة الاجارة لاجل هذه القاعدة. ولكن ليس هناك مورد تكون صحة الاجارة معلومة وصحة العارية مشكوكة في ذلك المورد كي يستدل بالكلية الاخرى على صحة تلك العارية، فلذلك ذكروا الكلية الاولى وأهملوا ذكر الثانية. الجهة الثالثة في موارد تطبيق هذه القاعدة فنقول أولا: إن هذه القاعدة تجري في إجارة الاعيان بلحاظ منافعها واما في باب الاجراء الاحرار فلا تجري الكلية الثانية لانه يجوز استيجارهم ولا يجوز اعارتهم لانهم وان كانوا اعيانا ولهم منافع محللة، ولكن لا يدخلون تحت يد أحد ولا يملكهم أحد وهم وان كانوا يملكون اعمالهم ولكن لا ينطبق على أعمالهم عنوان العارية لان العارية كما قلنا عبارة عن تسليط الغير على عين من أعيان ما يملكه لاجل أن ينتفع بها وفي الاجراء الاحرار لا يمكن ذلك لا من قبل أنفسهم ولا من

[ 289 ]

قبل غيرهم. نعم لو كان الاجير من العبيد فكما تصح اجارته كذلك تصح إعارته وثانيا إن مورد تطبيق هذه القاعدة جميع الموارد التي قامت السيرة على صحة اعارتها فمفاد هذه القاعدة صحة إجارتها. فما ذكرنا من الموارد الكثيرة التي بناء العقلاء على صحة إعارتها وقامت السيرة على ذلك حتى المحقرات كما إذا استعار ابرة لخياطة خرق في ثوبه مثلا فاجارته لذلك أيضا صحيحة اللهم الا أن يكون منفعته قليلة بحد أن العقلاء لا يبذلون بازائه المال، فيمكن أن يقال حينئذ بالتفكيك بينهما بأن إعارته في ذلك المورد جائزة، إذ لا مانع من اعطاء ذلك الشئ بيد الطرف للانتفاع بتلك المنفعة القليلة مجانا وبلا عوض ولكن لا يجوز إجارته لان الاجارة لا يمكن بدون العوض، والمفروض أن العقلا لا يبذلون بازاء تلك المنفعة القليلة مالا، فيمكن أن يكون هذا نقضا على هذه الكلية لجواز الاعارة دون الاجارة فتدبر. والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 291 ]

53 - حرمة إهانة المحترمات في الدين

[ 293 ]

قاعدة حرمة اهانة المحترمات في الدين ومن جملة القواعد الفقهية حرمة إهانة حرمات الله والاستخفاف بها، وفيها جهات من البحث: الاولى في بيان المراد من هذه القاعدة فنقول: أما الحرمة فمعلومة عند كل أحد وأنها أحد الاحكام الخمسة التلكيفية وهو طلب ترك الشئ وعدم رضاه بفعله، بحيث يلزم عليه الترك ولو فعل كان عاصيا يستحق العقاب عليه، وأما الاهانة فهي مصدر باب الافعال، والفعل أهان يهين، والمراد به الاستخفاف والاستحقار فأهانه أي استخف به وحقره وعده ذليلا. وأما الحرمات فقال في القاموس إن الحرمة بضمتين وكهمزة ما لا يحل انتهاكه (1) وذكر الزمخشري أيضا كذلك في الكشاف (2) في قوله تعالى حرمات الله. (3) والمراد ها هنا في هذه القاعدة مطلق ما هو محترم في الدين، وله شأن عند الله على اختلاف مراتبها كالكعبة المعظمة ومسجد الحرام وسائر المساجد والقرآن


1. " القاموس المحيط " ج 4، ص 96 (حرم). 2. " الكشاف " ج 3، ص 154. 3. الحج (22): 30.

[ 294 ]

والنبي صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين والضرائح المقدسة وقبور الشهداء والصالحين والعلماء والفقهاء والعاملين أحياء وأمواتا وكتب الاحاديث النبوية المروية من طرق أهل البيت أو من طرق غيرهم من الصحابة الاخيار إلى غير ذلك من ذوي الشؤن في الدين وشريعة سيد المرسلين ومن هذا القبيل التربة الحسينية وكتب الادعية والمنابر في المساجد الموضوعة للوعظ أو للخطبة لصلاة الجمعة. والحاصل أن مفاد هذه القاعدة والمراد منها أن كل ما هو من حرمات الله وله شأن في الدين لا يجوز هتكه ويحرم استحقاره وإهانته. الثانية في الدليل على هذه القاعدة فنقول: الدليل عليه من وجوه: الاول الاجماع على حرمة هتك ما هو من حرمات الله وشعائر الدين، فانهم ادعوا الاجماع على حرمة تنجيس المساجد وإدخال النجاسة المسرية فيها معللا بأنها مستلزم لهلكتها فكأنهم جعلوا حرمة الهتك أمرا مفروغا منه وأيضا قالوا بجواز إدخال النجاسة غير المسرية فيها ما لم يستلزم هكتها، فكأن حرمة ما يستلزم الهتك أمر مسلم عندهم، ومن المعلوم أن اتفاقهم على حرمة الهتك ليس لخصوصية في المساجد بل تكون لاجل أنها من حرمات الدين وشعائره، وذلك لان ما هو من حرمات الله وشعائره تعالى هتكه يؤل إلى هتك حرمة الله عزوجل، وهذا شئ ينكره العقل ويقبحه كما سنذكره في الدليل العقلي إنشاء الله. وأما كون شعائر الله عبارة عن مناسك الحج أو خصوص الهدى أو خصوص البدن وهكذا بالنسبة إلى حرمات الله كونها عبارة عن خصوص مناسك الحج فواضح البطلان، لان إطلاقها في القرآن الكريم على تلك الامور من باب إطلاق

[ 295 ]

الكلي على بعض المصاديق وليس من المجاز، لما تحقق في محله أنه من باب تعدد الدال والمدلول، لان الخصوصية تستفاد من دال آخر، وما ذكره اللغويون وبعض المفسرين لهذين اللفظين حرمات الله شعائر الله فهو من باب اشتباه المفهوم بالمصداق. فكل ما هو محترم عند الله ومن علائم الدين فهو من حرمات الله ومن شعائره عزوجل، ويؤيد ما ذكرنا ما قاله الزمخشري في تفسير حرمات الله أنها ما لا يحل هتكه، فلوضوح ثبوت هذا الاثر لها عرفوها به، وكذلك اتفقوا على أن هتك المؤمن حرام حيا وميتا، وكذلك اتفقوا على حرمة هتك المشاهد المشرفة والضرائح المقدسة. وخلاصة الكلام أنه لا يمكن إنكار وجود الاجماع والاتفاق على عدم جواز هتك ما هو من المحترمات في الدين، بل ربما عد بعضهم هذا من ضروريات الدين، والفقيه المتتبع يجد هذا الاتفاق في موارد كثيرة من صغريات هذه القاعدة من غير نكير من أحد نعم اختلفوا في وجوب تعظيم هذه الامور وسنذكره إنشاء الله تعالى. الثاني ارتكاز ذهن المتشرعة قاطبة حتى النساء والصبيان على عدم جواز هتك حرمة هذه الامور، وإهانتها واستحقارها، ويعترضون على من يهينها ويستحقرها وينكرونها أشد الانكار، وإن كان بعضهم يفرطون في هذا الامر، ولا شك في أنه لو شرب أحد سيكارة أو شطبا في حرم أحد أولاد الائمة عليهم السلام ينكرون عليه أشد الانكار أو يدخل في حرمهم لابسا حذائه يصيحون عليه وأمثال ذلك. فالانصاف أنه لا يمكن أن ينكر ثبوت مثل هذا الارتكاز في أذهان المتشرعة ولا يمكن أيضا إنكار أن هذا الارتكاز كاشف عن ثبوت هذا الحكم في الشريعة، نعم تختلف مراتب إنكارهم بالنسبة إلى هذه الامور. فلو أهان شخص العياذ بالله بالكعبة المعظمة أو ضريح الرسول صلى الله عليه وآله أو القرآن الكريم، فانكارهم ربما

[ 296 ]

ينجر إلى قتله كما هو كذلك الحكم الوارد في الشرع بالنسبة إلى تلويث الكعبة المعظمة بل القرآن الكريم وضريح الرسول صلى الله عليه وآله لانه كاشف قطعي عن كفره أو ارتداده إن كان مسلما، أما لو أهان نعمة من نعم الله كما لو سحق الخبز برجله متعمدا من غير عذر ولا ضرورة ينكرون بالصيحة في وجهه لا أزيد من ذلك. والحاصل أن أصل الانكار بالنسبة إلى اهانة المحترمات في الدين من مرتكزاتهم وان كانت مراتبه مختلفة بالنسبة إلى مراتب المحترمات، نعم العوام كثيرا ما يشتبهون في تشخيص مراتب المحترمات كما هو شأنهم في كثير من الامور. الثالثة حكم العقل بقبح إهانة ما هو محترم عند المولى واستحقار ما هو معظم عنده ويرجع استحقار ما هو محترم عنده ومعظم لديه إلى الاستخفاف بالمولى فيستحق الذم والعقاب واستحقاق الذم والعقاب من اللوازم التي لا ينفك عن فعل الحرام أو ترك الواجب الذي هو أيضا حرام فكل فعل كان موجبا لاستحقاق العقاب فلا محالة يستكشف منه أنه حرام وذلك ببرهان الان اي استكشاف العلة من وجود المعلول والملزوم عن اللازم، وإن شئت قلت إذا حكم العقل بقبح شئ فيستكشف عنه حرمة ذلك الشئ بقاعدة الملازمة. ثم إن الاهانة واستحقار المحترمات والحرمات والشعائر والمشاعر تارة لا يتحقق إلا بالقصد فهي في هذا القسم من العناوين القصدية كالتعظيم الذي هو ضده فكما أن القيام لا يكون تعظيما ومن مصاديقه إلا بذلك القصد، وإلا لو كان لجهة اخرى أو للاستهزاء بمن يقوم له لا يصدق عليه أنه تعظيم فكذلك الامر في الاهانة والاستحقار لا يصدق على الفعل القابل لذلك كمد الرجل إلى أحد هذه الامور المحترمة أو وضعها عليه أو حرقها أو سحقها إلا أن يكون بقصد الاهانة والاستحقار، واخرى تكون بنفسه إهانة ولو لم يقصد كما أن في التعظيم أيضا يمكن أن يقال إن السجود لشخص أيضا تعظيم له قصده أو لم يقصد.

[ 297 ]

نعم هذا فيما لا يكون قصد آخر منافيا للتعظيم مثل أن يكون قاصدا لاستهزائه بذلك السجود، فكذلك الامر في الاهانة، فربما يكون نفس الفعل إهانة قصدها أو لم يقصد. نعم لابد وأن لا يقصد عنوانا آخر منافيا للاهانة كما أنه حكى أن بعضهم أدخل عورته في بعض الضرائح المقدسة استشفاء وطلبا للولادة، فان هذا الفعل القبيح إهانة لو لم يقصد شئ أصلا لا الاهانة ولا غيرها، وأما لو كان طلبا للاولاد وكان صادرا عن العوام، فهذا القصد مناف لكونه إهانة نعم لو لم يقصد شئ أصلا كان إهانة بنفسه من دون الاحتياج إلى قصدها، وربما يكون بعض الافعال إهانة وإن يقصد ما ينافيها بنظره بمعنى أن كونه إهانة لا تنفك عنه مثل الايلام الذي لا ينفك عن الضرب الشديد باي قصد كان ذلك الضرب. الرابع الآيات والاخبار: أما الآيات منها ما نزلت في تعظيم حرمات الله كقوله تعالى: ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه. (1) ومنها ما نزلت في تعظيم شعائر الله كقوله تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب. (2) وتقريب الاستدلال بهذه الآيات بعد البناء على أن المراد من حرمات الله وشعائر الله مطلق ما هو محترم في الدين وتطبيقها على مناسك الحج ومشاعره من باب تطبيق الكلي على بعض مصاديقه كما أشرنا إلى ذلك، هو أنه إذا كان مفاد هذه


1. الحج (22) 30. 2. الحج (22) 32.

[ 298 ]

الآيات وجوب تعظيم المحترمات في الدين فتدل على حرمة إهانتها بالاولوية. وذلك من جة أن الامر بالشئ بناء على أنه يدل على النهي عن ضده العام كما هو المشهور وإن كان لنا فيه كلام ذكرناه في كتابنا منتهى الاصول (1) في مبحث الضد فيكون ترك التعظيم حراما. فان قلنا إن التقابل بين الاهانة والتعظيم تقابل العدم والملكة، والاهانة عبارة من عدم التعظيم فتكون حراما وذلك واضح، وأما إن قلنا أنهما ضدان لان الاهانة أيضا أمر وجودي كالتعظيم، فان قلنا إنه لا ثالث لهما فتكون أيضا لا تنفك عما هو حرام، وهو ترك التعظيم لما فرضنا أنهما من الضدين اللذين لا ثالث لهما وأما إن قلنا بوجود الواسطة بينهما فربما يقال بأنه بناء على هذا لا ملازمة بين ترك التعظيم وتحقق الاهانة، إذ بناء على هذا لا يمكن أن لا يكون تعظيم ولا إهانة في البين. ولكن فيه أنه على تقدير القول بوجود الواسطة كما هو الصحيح يكون ترك التعظيم أعم، إذ يمكن تحقق ترك التعظيم بدون تحقق الاهانة، ولا يمكن تحقق الاهانة بدون ترك التعظيم وإلا يلزم اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين وكلاهما محال، فدائما تكون الاهانة مقرونة مع ترك التعظيم الذي هو حرام. والجواب الصحيح عن هذا الدليل أن هذه الآيات لا ظهور لها في وجوب التعظيم وأما قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى (2) إلى آخر الاية وإن كان النهي ظاهرا في التحريم كما قرر في الاصول، ولكن ليس المراد من إحلال شعائر الله هو إهانة ما هو محترم في الدين كي يكون دليلا على حرمة مطلق إهانة المحترمات، بل الظهار منها بقرينة فقرات البعد هي حرمة ترك فرائض الحج ومناسكه وأيضا حرمة عدم الاعتناء بالشهر الحرام أو


1. " منتهى الاصول " ج 1، ص 301. 2. المائدة (5): 2.

[ 299 ]

القتال فيه إلى آخر الفقرات. قال الاردبيلي قدس سره في آيات أحكامه في مقام شرح هذه الآية: أي لا تجعلوا محرمات الله حلالا ومباحا ولا بالعكس يعني لا تتعدوا حدود الله. (1) ومورد نزول الآية أيضا يدل على أن المراد باحلال الشعائر القتال والنهب والغارة في الشهر الحرام، وهو أن الحطم بن هند البكري أحح د بني ربيعة أتى النبي صلى الله عليه وآله وحده وخلف خيله خارج المدينة، فقال: إلى ما تدعو؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وآله لاصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من بني ربيعة يتكلم بلسان شيطان فلما أجابه النبي صلى الله عليه وآله قال: أنظرني لعلي اسلم ولي من أشاوره، فخرج من عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر، فمر بسرح من سروح المدينة فساقه وانطلق به ويرتجز إلى آخر رجزه. ثم أقبل من عام قابل حاجا قلد هديا فأراد رسول الله أن يبعث إليه فنزلت هذه الآية ومنع الله تعالى رسوله عن القتال، وأخذ الهدي، وهذا قول عكرمة وابن جريح في بيان شأن نزول الآية. وقال ابن زيد: نزلت يوم الفتح في ناس يؤمون البيت من المشركين يهلون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول الله إن هؤلاء مشركون مثل هؤلاء، دعنا نغير عليهم فانزل الله تعالى هذه الآية أي منعهم عن الاغارة عليهم. (2) وعلى كل حال يكون المورد أيضا قرينة اخرى، على أن المراد بالشعائر في هذه الآية مناسك الحج لا مطلق المحترمات في الدين، فلا دلالة في هذه الاية على حرمة إهانة مطلق ما هو محترم في الدين. وأما الاخبار فما وجدنا رواية معتبرة تدل على حرمة إهانة ما هو محترم في


1. " زبدة البيان في أحكام القرآن " ص 295. 2. " مجمع البيان " ج 2، ص 153.

[ 300 ]

الدين بهذا العنوان العام، نعم وردت روايات كثيرة تدل على حرمة إهانة بعض صغريات هذه القاعدة كما أنه في خصوص إهانة المؤمن وردت روايات تدل على حرمة إهانته حرمة مؤكدة، ففي التهذيب من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة (1) وأيضا من أهان لي وليا فقد أرصدني لمحاربتي. (2) نعم في الكافي عن ابن عمار قال قال أبو عبد الله عليه السلام إذا رميت الجمرة فاشتر هديك إن كان من البدن أو من البقرة وإلا فاجعل كبشا سمينا فحلا وإن لم تجد فما وجد من الضأن، فان لم تجد فما تيسر عليك، وعظم شعائر الله (3)، فان الامر بالتعظيم ظاهر في وجوبهه، فإذا كان واجبا يكون تركه حراما لما ذكرنا أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده العام وقد بينا أن الاهانة لا تنفك عن ترك التعظيم، فتكون ملازما مع ما هو حرام. وفيه أولا على فرض كونها لا تنفك عن الحرام لا يلزم أن يكون حراما لانه لا يلزم أن يكون المتلازمان في الوجود متحدين في الحكم، نعم لا يمكن أن يكون أحدهما واجبا والآخر حراما على تفصيل مذكور في محله. وثانيا أن الامر بالتعظيم هاهنا ظاهر في الاستحباب لا في الوجوب وذلك من جهة أنه لو كان المراد من الشعائر هي المحترمات في الدين، فمن المعلوم عدم وجوب التعظيم في كثير منها اللهم إلا أن يقال إن المراد بالتعظيم هي المعاملة اللائقة بها معها وعدم إزالتها عن مقامها، وبهذا المعنى يمكن الالتزام بوجوبها في جميع الموارد وبعدم


1. وجدناه في " الكافي " ج 1، ص 144، باب النوادر من كتاب التوحيد، ح 6، وج 2، ص 352، باب من اذى المسلمين واحتقرهم، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 8، ص 588، أبواب أحكام العشرة، باب 146، ح 1. 2. وجدناه في " الكافي " ج 2، ص 351، باب من اذى المسلمين واحتقرهم، ح 3، 5 و 7، " وسائل الشيعة " ج 8، ص 588، أبواب أحكام العشرة، باب 146، ح 2. ونص الحديث هكذا: " من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي ". 3. " الكافي " ج 4، ص 491، باب ما يستحب من الهدى وما يجوزونه وما لا يجوز، ح 14، " وسائل الشيعة " ج 10، ص 98، أبواب الذبح، باب 8، ح 4.

[ 301 ]

ورود التخصيص عليها. الجهة الثالثة في موارد تطبيق هذه القاعدة، وهي كثيرة منتشرة في أبواب الفقه. فمنها إهانة الكعبة المعظمة زادها الله شرفا بتلويثها العياذ بالله باحدى النجاسات العينية عمدا عن اختيار بلا كره ولا اجبار ولا مرض ولا اضطرار، ولا يبعد أن يكون هذا العمل كفرا وانكارا لله الواحد القهار. وقد ورد عنهم عليهم السلام أنه يقتل كما في رواية أبي الصباح الكناني قال قلت لابي عبد الله عليه السلام أيهما أفضل الايمان أو الاسلام؟ إلى أن قال: فقال الايمان قال قلت فأوجدني ذلك، قال: ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمدا؟ قال قلت يضرب ضربا شديدا قال أصبت قال عليه السلام فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمدا؟ قلت: يقتل. قال أصبت ألا ترى أن الكعبة أفضل من المسجد، الحديث. (1) ومنها إهانة رسول الله صلى الله عليه وآله أو القرآن كما ورد أن من شتم النبي صلى الله عليه وآله يقتل فيما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن شتم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عليه السلام يقتله الادنى فالادنى قبل أن يرفع إلى الامام. (2) ومنها قوله بما لا يليق وسوء الادب مع الله تعالى جل جلاله وأن يسأل بوجه الله: ففي رواية عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال جاء رجل إلى


1. " الكافي " ج 2، ص 26، باب ان الايمان يشرك الاسلام... ح 4، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 579، أبواب بقية الحدود والتعزيرات، باب 6، ح 1. 2. " الكافي " ج 7، ص 259، باب حد المرتد، ح 21، " تهذيب الاحكام " ج 10، ص 141، ح 560، باب حد المرتد والمرتدة، ح 21، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 554، أبواب حد المرتد، باب 7، ح 1.

[ 302 ]

النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اني سألت رجلا بوجه الله فضربني خمسة أسواط فضربه النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسة أسواط اخرى وقال صلى الله عليه وآله: سل بوجهك اللئيم. (1) ومنها اهانة المسجد بأن يجعله القاص محلا لبيان قصته، ففي رواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام ان أمير المؤمنين عليه السلام رأى قاصا في المسجد فضربه بالدرة وطرده. (2) ومنها الاهانة بأموات المؤمنين ففي رواية صفوان قال قال أبو عبد الله عليه السلام أبى الله أن يظن بالمؤمن الا خيرا وكسرك عظامه حيا وميتا سواء، (3) وأيضا عنه عن أبي عبد الله عليه السلام عن رجل كسر عظام ميت، فقال حرمته ميتا أعظم من حرمته وهو حي (4) وروايات اخر ذكرها في الوسائل التي بهذا المضمون في نفس هذا الباب الذي عقده لاحترام ميت المؤمن، وأن حرمة حيه وميته سواء. ومنها إهانة مكة المكرمة قولا أو فعلا وروى الكليني قده 4 رواية مفصلة قال: وروي أن معد بن عدنان خاف أن يدرس الحرم فوضع أنصابه وكان أول من وضعها ثم غلبت جرهم على ولاية البيت فكان يلي منهم كابر عن كابر حتى بغت


1. " الكافي " ج 7، ص 263، باب النوادر من كتاب الحدود، ح 18، " تهذيب الاحكام " ج 10، ص 149، ح 594، باب من الزيادات، ح 25، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 577، أبواب بقية الحدود والتعزيرات، باب 2، ح 1. 2. " الكافي " ج 7، ص 263، باب النوادر من كتاب الحدود، ح 20، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 578، أبواب بقية الحدود والتعزيرات، باب 4، ح 1. 3. " تهذيب الاحكام " ج 10، ص 272، ح 1067، باب دية الاعور ولسان الاخرس...، ح 12، " الاستبصار " ج 4، ص 297، باب دية من قطع رأس الميت، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 19، ص 251، أبواب ديات الاعضاء، باب 25، ح 4. 4. " تهذيب الاحكام " ج 10، ص 272، ح 1068، باب دية الاعور ولسان الاخرس...، ح 13، " الاستبصار " ج 4، ص 297، ح 1116، باب دية من قطع رأس الميت، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 19، ص 251، أبواب ديات الاعضاء، باب 25، ح 5.

[ 303 ]

جرهم بمكة واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة، وظلموا من دخل مكة وعتوا وبغوا، وكانت مكة في الجاهلية لا يظلم ولا يبقى فيها ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه. الحديث. (1) وخلاصة الكلام أن من راجع الاخبار الواردة في حرمة إهانة المؤمن و الاستخفاف به وكذلك الاخبار الواردة في عدم جواز الاستخفاف بالقرآن والكعبة والمسجد الحرام ومسجد النبي وضريحه المقدس وذاته الاقدس والمشاعر العظام المذكورة في كتاب الحج والاخبار الواردة في التربة الحسينية، وغيرها من المحترمات، يقطع بأن إهانة ما هو محترم وله مرتبة وشرف في الدين حرام، بل تعظيمها بمعنى حفظ مرتبتها واجب. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.


1. " الكافي " ج 4، ص 211، باب حج إبراهيم واسماعيل وبنائهما البيت، ح 18.

[ 305 ]

54 - قاعدة كل مسكر مائع بالاصالة فهو نجس

[ 307 ]

قاعدة كل مسكر مايع بالاصالة فهو نجس * ومن القواعد الفقهية المشهورة كل مسكر مايع بالاصالة نجس وحرام شربه وفيها جهات من البحث: الجهة الاولى في بيان المراد منها فنقول: أما المسكر فقد اختلف كلمات الفقهاء واللغويين في شرح مفهومه، فقال في القاموس: سكر كفرح ثم يذكر مصادر هذا الفعل ثم يفسره بأنه نقيض صحي (1)، ثم يأتي في مادة الصحو ويقول الصحو ذهاب الغيم والسكر (2)، وهو عجيب لانه يحيل معرفة كل واحد منهما إلى معرفة الآخر، وهذا دور إن كان مراده من هذا التفسير لهما تعريفهما، ومثل هذا الامر في كلام اللغويين كثير. وقال في لسان العرب السكران خلاف الصاحي والسكر نقيض الصحو، والسكر ثلاثة: سكر الشباب، وسكر المال، وسكر السلطان. (3) وفي قوله تعالى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله


*. " مستقصى مدارك القواعد " ص 100. 1. " القاموس المحيط " ج 2، ص 45 (سكر). 2. " القاموس المحيط " 4، ص 507 (صحر) 3. " لسان العرب " ج 4، ص 372 (سكر)

[ 308 ]

شديد: سكارى بالضم جمع سكران فان فعلان يجمع على فعالى بالضم، وسكرهم عبارة عن دهشهم من هول العذاب، فعقولهم ذاهبة من خوف العذاب، فعرض عليهم حالة كحالة السكران واضطرابه. وقال بعض الفقهاء: هو ما يحصل معه اختلال الكلام المنظوم وظهور السر المكتوم، وقيل هو ما يغير العقل ويحصل معه نشو النفس وقيل في الفرق بينه وبين الاغماء أن السكر حالة توجب اختلالا في العقل بالاستقلال والاغماء يوجبه بالتبع لضعف القلب واليد، وقيل إن السكر حالة توجب ضعف العقل وقوة القلب والاغماء حالة توجب ضعفهما. هذا ما ذكروه والذي يظهر من مجموع المعاني الذي ذكروه أن السكر هو وجود حالة في النفس توجب اضطرابا في الفكر وزوال مرتبة من العقل بحيث لو كانت هذه الحالة فيه دائمة من غير شرب المسكر لكانت فيه مرتبة من الجنون، وذلك لان تلك الحالة ربما توجب ارتكاب بعض القبائح والجرائم التي لا يصدر من العاقل. نعم لا شك في أن هذه الحالة المذكورة تختلف بالنسبة إلى أشخاص شاربي المسكرات وأنواع نفس المسكرات وبالنسبة إلى القلة والكثرة ما يشرب وبعض الجهات الاخر شدة وضعفا. والظاهر أن مفهوم السكر مثل مفهوم الجنون والعقل من المفاهيم الواضحة عند كل أحد، فلا يحتاج إلى التعريف، بل هو أجلى من التعاريف التي ذكروها وإذا تبين معنى السكر، فالمسكر هو الذي يكون شربه أو أكله سببا لوجود السكر فالمسكر من المشتقات التي يكون مبدء الاشتقاق قائما بموضوعه قياما صدوريا لا حلوليا كالكاتب مثلا.


*. الحج (22): 2.

[ 309 ]

وأما المراد من المايع بالاصالة فهو أن الشئ الذي يوجب وجود هذه الحالة على اختلاف مراتبها على قسمين مايع وجامد، فالمايع كاقسام الخمور والفقاع وما يسمونه العرق وغير ذلك مما ينطبق عليه هذا التعريف وكان في أصله مايعا، لا أنه صار مايعا بواسطة مزجه بالماء، والجامد كالحشيش أو شئ آخر إذا كان هناك شئ آخر جامد بالاصل يوجب وجود هذه الحالة. وإنما خصصنا الموضوع في هذه القاعدة وقيدناه بكونه مايعا بالاصالة لان ما ليس من المسكرات كذلك وإن صار مايعا بواسطة مزجه بالماء كالحشيش ليس بنجس إجماعا وأدلة نجاسة المسكرات أيضا منصرفة عن المسكر الجامد بالاصالة كما سننبه على هذا فيما سيأتي إنشاء الله تعالى. الجهة الثانية في بيان الدليل على هذه القاعدة، وقبل ذلك نذكر الاقوال فيها فنقول: المشهور عند الفقهاء قديما وحديثا هو نجاسة كل مسكر مايع بالاصالة، وخالف المشهور جماعة من القدماء والمتأخرين، من أصحابنا الامامية وغيرهم. أما من الامامية حكى عن العماني حسن وهو المشهور بابن أبي عقيل (1) وعن الصدوقين علي بن بابويه وابنه محمد بن علي ابن بابويه (2) قدهما ومن متاخريهم المقدس الاردبيلي (3) وصاحب المدارك (4) وصاحب الذخيرة السبزواري (5)


1. نقله عنه في " المعتبر " ج 1، ص 422. 2. " الفقيه " ج 1، ص 74، باب ما ينجس الثوب والجسد، ذيل ح 167، " علل الشرائع " ص 357. 3. " مجمع الفائدة والبرهان " ج 1، ص 309. 4. " مدارك الاحكام " ج 2، ص 292. 5. " ذخيرة المعاد " ص 153.

[ 310 ]

ومشارق الشموس في شرح الدروس الخونساري قده. (1) وأما من غير الامامية فظاهر عبارة الفقه على المذاهب الاربعة (2) نجاسة المسكر المايع بالاصالة من غير نقل خلاف، ويستدل على ذلك بأن كل مسكر خمر وكل خمر نجس. أما أن كل مسكر خمر لقوله صلى الله عليه وآله على ما رواه في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وآله وكل مسكر خمر وكل خمر حرام (3) وأما أن كل خمر نجس لقوله تعالى إنما الخمر والمسير والانصاب والازلام رجس (4) فحمل الرجس على الخمر والمراد من الرجس هو النجس لانه معناه عند العرف، وحكى القول بطهارة الخمر من ربيعة الرأي، (5) وعلى كل حال لا شك في أن فتوى أكثر فقهاء الاسلام على النجاسة بل المخالف أي القائل بالطهارة منا ومن غيرنا في غاية القلة على كلام في النسبة إلى بعضهم. ثم بعد ما ظهر لك من الاقوال في المسألة دليل القائلين بالنجاسة امور الاول الاجماع نقلا وتحصيلا فهذا صاحب الجواهر الفقيه المتتبع يقول: المشهور نقلا وتحصيلا قديما وحديثا بيننا وبين غيرنا شهرة كادت تكون اجماعا بل هي


1. " مشارق الشموس " ص 326. 2. " الفقه على المذاهب الاربعة " ج 1، ص 15. 3. " صحيح مسلم " ج 4، ص 245، باب بيان أن كل مسكر خمر...، ح 2003. 4. " المائدة (5): 90. 5. " انظر: " المجموع " ج 2، ص 563، " فتح العزيز " ج 1، ص 156، " تفسير القرطبي " ج 6، ص 288، " مغنى المحتاج " ج 1، ص 77، " الميزان " ج 1، ص 105.

[ 311 ]

كذلك النجاسة (1) وعن البهائي في حبل المتين أطبق علماء الخاصة والعامة على نجاسة الخمر إلا شرذمة منا ومنهم لم يعتد الفريقان بمخالفتهم، (2) وفي السرائر بعد أن نفى الخلاف عن نجاسة الخمر حكى عن ابن بابويه في كتاب له أن الصلاة تجوز في ثوب أصابته الخمر، قال: وهو مخالف لاجماع المسلمين، (3) وقال الشهيد في الذكرى: إن الصدوق وابن أبي عقيل والجعفي أي القائلين بالطهارة تمسكوا بأحاديث لا تعارض القطعي. (4) وقال الشيخ في المبسوط: والخمر نجسة بلا خلاف وكل مسكر عندنا حكمه حكم الخمر، وألحق أصحابنا الفقاع بذلك. (5) وقال ابن زهرة في الغنية والخمر نجسة بلا خلاف ممن يعتد به، وقوله تعالى إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس يدل على نجاستها وكل شراب مسكر نجس، والفقاع نجس بالاجماع (6) انتهى. ثم إن دعوانا الاجماع تحصيلا مبني على عدم الاعتداد بهؤلاء المخالفين للقول بنجاسة كل مسكر مايع بالاصالة القائلين بالطهارة مع أن في اصل النسبة إليهم إشكالا كما ذكره في الجواهر. (7) والسر في عدم الاعتناء بمخالفة هؤلاء إن صحت المخالفة أننا نقول بحجية


1. " جواهر الكلام " ج 6، ص 2. 2. " الحبل المتين " ص 102. 3. " السرائر " ج 1، ص 178. 4. " ذكرى الشيعة " ص 14. 5. " المبسوط " ج 1، ص 36. 6. " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 550. 7. " جواهر الكلام " ج 6، ص 3.

[ 312 ]

الاجماع من باب أن اتفاق هذا العدد الكثير من الفقهاء على حكم مع اختلاف أعصارهم وبلدانهم وسلائقهم وتعبد جمع كثير منهم بالعمل بالاخبار المروية عن المعصومين وعدم اعتنائهم بالاستحسانات والظنون وعمل جمع آخر على طبق تلك الامور، وعدم مدرك من آية أو رواية يدل على ثبوت هذا الحكم الذي اتفقوا عليه. فيستكشف من مثل هذا الاتفاق تلقيهم هذا الحكم من المعصوم عليه السلام أو وجود دليل معتبر عند الكل كخبر قطعي الصدور وقطعي الدلالة، ولكن نحن لم نجده لضياعه بطول الزمان وأنت خبير بأن مثل هذا المعنى لا يضر به مخالفة عدة قليلة خصوصا إذا علمنا بأن اعتمادهم على أخبار ضعيفة معرضة عنها. نعم ها هنا إشكال آخر على هذا الاجماع ذكرناه مرارا في هذا الكتاب في أمثال المقام، وهو أن الاتفاق الذي من المحتمل القريب أن يكون اعتمادهم على الآية الموجودة في المقام أو الروايات الموجودة كذلك بل صرح بعضهم بذلك كما أن ما نقلناه عن ابن زهرة في الغنية من استدلاله بالاية على نجاسة الخمر بعد ادعائه عدم الخلاف ممن يعتد به، فمثل هذه الاجماعات لا اعتبار لها ولابد من مراجعة مداركها. الثاني قوله تعالى: انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. (1) ولا يخفى أن الاستدلال بهذه الاية على نجاسة كل مسكر مايع بالاصالة على تقدير دلالتها على نجاسة الخمر منوط بأحد هذه الامور: اما أن يكون كل مسكر خمرا حقيقة وموضوعا كما حكينا عن صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله أن كل مسكر خمر (2)


1. المائدة (5): 90. 2. " صحيح مسلم " ج 4، ص 245، باب بيان أن كل مسكر خ مر...، ح 2003.

[ 313 ]

واما يكون خمرا تنزيلا بلحاظ جميع الاثار من الحرمة والنجاسة وغيرهما أو بلحاظ خصوص هذا الاثر. ولا يبعد احتمال الاول، لان الخمر بمعنى الستر ومنه خمار المرأة لانه يسترها ولا شك في أن كل مسكر يستر العقل على اختلاف مراتب الستر شدة وضعفا حتى أن في بعض أقسامها ربما يتخيل من يراه من ارتكاب القبايح بأنه مجنون ولا فرق في هذا المعنى بين ما يسمونه خمرا حقيقة وبين سائر أقسام المسكرات على تقدير أن لا تكون خمرا في لغتهم ومحاوراتهم. وأيضا على فرض أن لا تكون خمرا حقيقة لا شك في أن ظاهر قوله صلى الله عليه وآله كل مسكر خمر عموم المنزلة أي في جميع الآثار، وعلى فرض أن لا يكون ظاهرا في عموم المنزلة وكان التنزيل بلحاظ الاثر الظاهر، لا شك في أن الاثر الظاهر للخمر عند المسلمين ليس خصوص الحرمة، بل يكون هي الحرمة والنجاسة كلتاهما. وإما أن يكون دليل على إلحاقه بالخمر حكما من إجماع أو غيره كعموم التعليل مثلا، لو كان في رواية أن الخمر نجسة لانه مسكر، فهذا يكون بمنزلة كبرى كلية تدل على نجاسة كل مسكر فحينئذ لابد وأن نقول بأن خروج المسكرات الجامدة بالاصل عن تحت هذا العموم بالاجماع أو بالانصراف. وخلاصة الكلام أن الآية أو الروايات على تقدير دلالتها على نجاسة الخمر تدل على نجاسة كل مسكر مايع بالاصالة بأحد الوجوه المذكورة والمسكر الجامد بالاصالة خارج بما ذكرنا. وأما الاخبار الواردة من طريق أهل البيت عليهم السلام بأن كل مسكر خمر، فكثيرة، فمنها رواية عطاء بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام 1 قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر حرام وكل مسكر خمر. (1)


1. " الكافي " ج 6، ص 408، باب أن رسول الله صلى الله وآله - حرم كل مسكر... ح 3، " تهذيب

[ 314 ]

ومنها ما عن مجمع البيان في تفسير قوله تعالى إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس الخ قال: يريد بالخمر جميع الاشربة التي تسكر. (1) ومنها ما عن تفسير علي بن إبراهيم القمي في تفسير الاية المذكورة عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام أما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر، وما أسكر كثيره فقليله حرام. (2) ومنها خبر علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: ان الله سبحانه لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر. (3) ولكن ظاهر هذه الرواية هو التنزيل في الحرمة لا أنه خمر حقيقة، وبعد ما ظهر لك ما قلنا فتقريب دلالة الآية على نجاسة كل مسكر مايع بالاصالة هو أن الرجس بمعنى النجس فتدل الاية على أن الخمر نجس وقد ظهر مما تقدم أن كل مسكر إما خمر حقيقة كما أنه لم نستبعده أو حكما فيكون بمنزلة الخمر لقوله صلى الله عليه وآله كل مسكر خمر، أو لان علة نجاس الخمر إسكارها، وهذه العلة موجودة في كل مسكر. فالعمدة إثبات أن الرجس بمعنى النجاسة العينية في متفاهم العرف، وإثبات هذا الامر خصوصا في هذه الاية مشكل، أما أولا فلان الرجس كما يطلق على النجس كذلك يطلق على معان اخر:


الاحكام " ج 9، ص 111، ح 482، باب الذبائح والاطعمة، ح 217، " وسائل الشيعة " ج 17، ص 260، أبواب الاشربة المحرمة، باب 15، ح 5. 1. " مجمع البيان " ج 2، ص 239. 2. " تفسير العياشي " ج 1، ص 180، " وسائل الشيعة " ج 17، ص 222، أبواب الاشربة المحرمة، باب 1، ح 5. 3. " الكافي " ج 6، ص 412، باب أن الخمر انما حرمت لفعلها... ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 112، ح 486، باب الذبائح والاطعمة، ح 221، " وسائل الشيعة " ج 17، ص 273، أبواب الاشربة المحرمة، باب 19، ح 1.

[ 315 ]

قال في النهاية: الرجس القذر، وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب واللعنة والكفر، وقال في القاموس: والرجس بالكسر القذر، والمأثم، وكل ما استقذر من العمل المؤدي إلى العذاب، والشك والعقاب والغضب. (1) فاستظهار هذا المعنى أي كونه بمعنى النجاسة العينية يحتاج إلى قرينة معينة لها من بين المعاني المذكورة، وليس شئ في البين، بل القرينة على خلافه وهي وحدة السياق. وذلك لان ظاهر الآية هو أن الرجس خبر إنما في جميع الفقرات لا أنه خبر لخصوص الخمر، ولا شك في أن الميسر والانصاب والازلام لا يمكن أن يكون رجسا بهذا المعنى فلابد وأن يكون بمعنى قابلا للحمل على الجميع، وهذا هو المراد بوحدة السياق، والظاهر أن ذلك المعنى الذي هو قابل للحمل على الجمع هو المأثم الذي ذكره في القاموس أو الحرام الذي ذكره في النهاية، والظاهر أنهما واحد وعلى كل حال فلا تكون الآية مربوطة بمحل الكلام. وأيضا قوله تعالى رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لا يناسب هذا المعنى، لان نجاسة الخمر كنجاسة سائر النجاسات العينية من الاحكام الشرعية وليست عملا للشيطان، نعم شربه رجس أي حرام ومن عمل الشيطان. فالانصاف أن الاستدلال بهذه الآية على نجاسة الخمر لا مجال له، وإن استدل بها بعض القدماء كابن زهرة في الغنية (2) وقد تقدم عبارته. الثالث الاخبار المروية عن أهل البيت عليهم السلام وهي العمدة في المقام، وهي على طائفتين


1. " القاموس المحيط " ج 2، ص 227 (رجس). 2. " الغنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 550.

[ 316 ]

إحداهما تدل على النجاسة والاخرى على الطهارة، أما الطائفة الاولى: فمنها صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل لحم الجري أو يشرب الخمر فيرده أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال عليه السلام لا يصلي فيه حتى يغسله. (1) ومنها ما رواه خيران الخادم قال كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلي فيه أم لا؟ فان أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم صل فيه فان الله إنما حرم شربها، وقال بعضهم لا تصل فيه فكتب عليه السلام لا تصل فيه فانه رجس. (2) ومنها ما عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن بعض من رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإن صليت فيه فأعد صلاتك. (3) ومنها رواية هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الفقاع فقال


1. " الكافي " ج 3، ص 405 باب الرجل يصلي في الثوب...، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 20، ص 361، ح 1494، باب ما يجوز الصلاة فيه من اللباس والمكان، ح 26 " الاستبصار " ج 1، ص 393، ح 1498، باب الصلاة في الثوب يعار لمن يشرب الخمر، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1054 أبواب النجاسات، باب 38، ح 1. 2. " الكافي " ج 3، ص 405، باب الرجل يصلي في الثوب...، ح 5، " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 279، ح 819، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 106، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1055، أبواب النجاسات، باب 38، ح 4. 3. " الكافي " ج 3، بص 405، باب الرجل يصلي في الثوب...، ح 4، " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 278، ح 818، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 105، " والاستبصار " ج 1، ص 189، ح 661، باب الخمر يصيب الثوب والنبيذ المسكر، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1055، أبواب النجاسات، باب 38، ح 3.

[ 317 ]

لا تشربه فانه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله. (1) ومنها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث النبيذ قال: ما يبل الميل ينجس حبا من ماء يقول لها ثلاثا. (2) ومنها رواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال لا تصل في بيت فيه خمر ولا مسكر، لان الملائكة لا تدخله، ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى تغسله. (3) وهذه الرواية صريحة في أن النجاسة ليست مختصة بالخمر على فرض أن يكون الخمر اسما لمسكر خاص، ولا يشمل سائر المسكرات، وذلك لعطفه عليه السلام كلمة مسكر على الخمر بأو، ولا شك في أن الامر بالغس في جميع هذه الروايات ظاهر في الوجوب أيضا و لا شك في أن وجوب الغسل من اللوازم الشرعية للنجاسة، فيكون دليلا عن نجاسة الخمر. فهذه الروايات كلها تدل على نجاسة الخمر بل على نجاسة كل مسكر خصوصا رواية عمار كما عرفت. ومنها رواية زكريا بن آدم قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير قال عليه السلام: يهراق المرق أو يطعمه


1. " الكافي " ج 6، ص 423، باب الفقاع، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1056، أبواب النجاسات، باب 38، ح 5. 2. " الكافي " ج 6، ص 413، باب اضطر إلى الخمر للدواء... ح 1، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1056، أبواب النجاسات، باب 38، ح 6. 3. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 278، ح 817، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 104، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1056، أبواب النجاسات، باب 38، ح 7.

[ 318 ]

أهل الذمة أو الكلب واللحم اغسله وكله إلى آخر الحديث. (1) والروايات التي تدل على نجاسة الخمر وكل مسكر كثير، وعدها بعضهم وأنهاها إلى عشرين، ولو كانت هذه الروايات هي وحدها لم يكن شك في نجاسة الخمر بل كل مسكر بالاصالة. ولكن هناك روايات اخر أيضا كثيرة تدل على طهارتها. منها رواية أبي بكر الحضرمي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام أصاب ثوبي نبيذ أصلي فيه؟ قال: نعم، قلت: قطرة من نبيذ قطر في حب أشرب منه؟ قال: نعم إن أصل النبيذ حلال وإن أصل الخمر حرام. (2) قال في الوسائل: حمله الشيخ رحمه الله على النبيذ الذي لا يسكر أقول: الانصاف أنه حسن لا بأس به. (3) ومنها صحيحة ابن أبي سارة قال قلت لابي عبد الله عليه السلام إن أصاب ثوبي شئ من الخمر اصلي فيه قبل أن أغسله؟ قال عليه السلام: لا بأس إن الثوب لا يسكر. (4) ومنها موثقة ابن بكير قال: سأل رجل أبا عبد الله وأنا عنده عن المسكر


1. " تهذيب الاحكام " ج 1، 279، ح 820، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 107، " وسائل الشيعة " ج 2 ص 1056، أبواب النجاسات، باب 38، ح 8. 2. " تهذيب الاحكام " ج 1، 279، ح 821، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 108، " الاستبصار " ج 1، ص 189، ح 663، باب الخمر يصيب الثوب والنبيذ المسكر، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1056، أبواب النجاسات، باب 38، ح 9. 3. " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1057، أبواب النجاسات، باب 38، ذيل ح 9. 4. " تهذيب الاحكام " ج 1، 280، ح 822، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 109، " الاستبصار " ج 1، ص 189، ح 664، باب الخمر يصيب الثوب والنبيذ المسكر، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1057، أبواب النجاسات، باب 38، ح 10.

[ 319 ]

والنبيذ يصيب الثوب قال لا بأس. (1) ومنها صحيحة علي بن رئاب المروية عن قرب الاسناد قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي أغسله أو اصلي فيه؟ قال عليه السلام صل فيه، إلا أن تقذره فتغسل منه موضع الاثر إن الله تبارك وتعالى إنما حرم شربها. (2) ومنها رواية الحسين بن موسى الحناط قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشربب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي، قال عليه السلام: لا بأس. (3) ومنها رواية حسن بن أبي سارة قال قلت لابي عبد الله إنا نخالط اليهود والنصارى والمجوس وندخل عليهم وهم يأكلون ويشربون فيمر ساقيهم ويصب على ثيابي الخمر، فقال لا بأس به، إلا أن تشتهى أن تغسله لاثره. (4) ومنها رواية حفص الاعور قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف ويجعل فيه الخل؟ قال نعم. (5) ومنها مرسلة الصدوق قال سئل أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام فقيل لهما إنا نشتري ثيابا يصيبها الخمر وودك الخنزير عند حاكتها، أفنصلي فيها قبل أن نغسلها؟


1. " تهذيب الاحكام " ج 1، 280، ح 823، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 110، " الاستبصار " ج 1، ص 190، ح 665، باب الخمر يصيب الثوب والنبيذ المسكر، ح 6، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1057، أبواب النجاسات، باب 38، ح 11. 2. " قرب الاسناد " ص 74، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1058، أبواب النجاسات، باب 38، ح 14. 3. " تهذيب الاحكام " ج 1، 280، ح 825، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 112، " الاستبصار " ج 1، ص 190، ح 667، باب الخمر يصيب الثوب والنبيذ المسكر، ح 8، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1059، أبواب النجاسات، باب 39، ح 2. 4. " تهذيب الاحكام " ج 1، 280، ح 824، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 111، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1057، أبواب النجاسات، باب 38، ح 12. 5. " الكافي " ج 6، ص 428، باب الخمر تجعل خلا، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 117، ح 503، باب الذبائح والاطعمة، ح 238، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1074، أبواب النجاسات، باب 51، ح 2.

[ 320 ]

فقالا نعم لا بأس، إن الله حرم أكله وشربه ولم يحرم لبسه ولمسه والصلاة فيه. (1) ومنها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام أنه سئل عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن يغسل ثوبه قال لا يغسل ثوبه ولا رجله، ويصلي فيه ولا بأس. (2) ومنها رواية علي الواسطي قال: دخلت الجويرية وكانت تحت موسى بن عيسى على أبي عبد الله عليه السلام وكانت صالحة فقالت إني أتطيب لزوجي فنجعل في المشطة التي أتمشط بها الخمر وأجعله في رأسي، قال لا بأس. (3) ولا شك في أن بين هاتين الطائفتين من الروايات تعارض مستقر مستحكم، ولا يمكن الجمع بينهما عرفا، وإن كان من الممكن الخدشة في دلالة بعض روايات هذه الطائفة الاخيرة الدالة على الطهارة تركنا ذكرها لعدم خفائها على المتضلع الخبير ولانه ذكر أغلبها الآخرون. ولكن مع ذلك كله لا يمكن إنكار دلالة مجموعها على الطهارة، ولا إنكار حجيتها فلابد من الرجوع إلى مرجحات باب التعارض: ورجح البعض أخبار النجاسة لمخالفتها مع فتوى ربيعة الرأي (4) الذي كان في زمان الصادق عليه السلام وذلك لحمل أخبار الطهارة على التقية لموافقتها مع فتوى ربيعة الذي كان يؤيده سلطان الوقت، وذلك لان الفتوى المخالف لفتوى ربيعة من الامام


1. " الفقيه " ج 1، ص 248، باب ما يصلى فيه ومالا يصلى فيه من الثياب، ح 751، " علل الشرائع " ص 357، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1057، أبواب النجاسات، باب 38، ح 13. 2. " الفقيه " ج 1، ص 8، باب المياه وطهرها ونجاستها، ح 7، " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 418، ح 1321، باب المياه وأحكامها، ح 40، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 108، أبواب الماء المطلق، باب 6، ح 2. 3. " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 123، ح 530، باب الذبائح والاطعمة، ح 265، " وسائل الشيعة " ج 17، ص 304، أبواب الاشربة المحرمة، باب 37، ح 2. 4. انظر: " المجموع " ج 2، ص 563، " فتح العزيز " ج 1، ص 156، " تفسير القرطبي " ج 6، ص 288، " مغنى المحتاج " ج 1، ص 77.

[ 321 ]

الصادق عليه السلام كان بعنوان أنه إمام، ومذهب مقابل سائر مذاهب المسلمين. وهذا هو الذي كان يضر بسلاطين الوقت، وكان الامام الصادق عليه السلام كثيرا ما يأمر باخفاء أمرهم، وكان عليه السلام يخاف من ظهوره، ولذلك ترى الائمة عليهم السلام كانوا يفتون طبق فتوى مفتي عصرهم وزمانهم لاجل هذه الجهة، وإن كان رأي أغلب المخالفين لنا مخالفا للفقيه المعاصر معهم فحمل اخبار الطهارة على التقية مع أن أغلب المخالفين يفتون بالنجاسة ليس بعيدا عن الصواب كثيرا. ولكن مع ذلك رفع اليد عن هذه الاخبار الكثيرة التي يطمئن الانسان بصدورها إجماعا عن الامام عليه السلام مع أن الطائفة الاخرى المعارضة لها موافقة مع أغلب المخالفين لنا لاجل الاحتمال المذكور مما لم تركن النفس إليه، ولا تطمئن به. ورجح البعض أخبار النجاسة لاجل موافقتها مع المشهور الشهرة التي كادت أن تكون إجماعا، وفيه أن الشهرة التي من المرجحات هي على الظاهر الشهرة الروائية وهي أن يكون نقل الرواية مشهورا بين أصحابنا الامامية رض. وأما الشهرة العملية الفتوائية تكون موجبة لجبر ضعف السند كما أن إعراض الاصحاب عنها يكون سببا لوهنه، بل كلما ازداد صحة ازداد وهنا، وفيما نحن فيه كلتا الطائفتين مشهورتان من حيث الرواية، ورواهما أصحاب الكتب المعتبرة، وأرباب الجوامع العظام. وأما مسألة الاعراض والفتوى على خلافها، فلعله ليس من جهة عدم الاعتماد على سندها، بل للتصرفات في دلالتها، أو لحملها على التقية كما تقدم بيانه، فمثل هذا الاعراض لا يوجب وهنها. نعم هاهنا روايتان وردتا في مقام علاج التعارض بين هاتين الطائفتين، وبأية واحدة يأخذ ويجب العمل بها،

[ 322 ]

إحداهما رواية خيران الخادم التي تقدم ذكرها (1) وهي أنه قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ قال أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم صل فيه فان الله حرم شربها، وقال بعضهم لا تصل فيه فكتب: لا تصل فيه فانه رجس. ففي مقام الجواب عن السؤال عن العلاج بين الطائفتين المتعارضتين رجح عليه السلام الطائفة الدالة على النجاسة، ولا يمكن أن يقال إن هذه الرواية أيضا داخلة في الطائفة المتعارضة الدالة على النجاسة، لان ورود هذه الرواية في العلاج بين الطائفتين بعد فرض وجودهما فتكون في الرتبة المتأخرة عن وجودهما فلا يمكن أن تكون داخلة في إحداهما. وكذلك صحيح علي بن مهزيار قال قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما قالا: لا بأس بأن تصلي فيه إنما حرم شربها وروى غير زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وان لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإن صليت فيه فاعد صلاتك، فأعلمني ما آخذ به؟ فوقع عليه السلام بخطه وقرأته: خذ بقول أبي عبد الله عليه السلام. (2) وهذه الرواية أيضا كالاولى صريحة في تقديم إحدى الطائفتين، وهي الطائفة الدالة على النجاسة على الاخرى، فبملاحظة هاتين الروايتين يتعين الاخذ باخبار النجاسة وترك الطائفة الاخرى ورد علمها إلى أهلها أو حملها على التقية بما ذكرنا والانصاف أن مع هذا الاتفاق من فقهاء الاسلام قاطبة، إلا الشاذ ممن لا يعتد بخلافهم وهذه الروايات التي ذكرناها وأنها صحاح واضح الدلالة على النجاسة، وهاتين


1. تقدم في ص 316، رقم (2). 2. " الكافي " ج 3، ص 407، باب الرجل يصلي في الثوب...، ح 14، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1055، أبواب النجاسات، باب 38، ح 2.

[ 323 ]

الروايتين في مقام علاج التعارض بين الطائفتين، لا يبقى شك للفقيه في نجاسة كل مسكر مايع بالاصالة. تتميم وهو أنه هذا المطهر الطبي ي أي المايع المعروف باسبرتو هل هو نجس بعد الفراع عن نجاسة كل مسكر مايع بالاصالة أم لا؟ فالبحث يكون فيه صغرويا، وأنه هل هو نوع من أنواع المسكر المايع بالاصالة أم لا. فبناء على هذا ليست هذه المسألة من المسائل الفقهية، وليس معرفتها من وظيفة الفقيه بما هو فقيه، بل لابد وأن يرجع فيها إلى أهل الخبرة في هذا الفن. نعم حكم الشك في أنه هل هو من المايع المسكر بالاصالة أو ليس منه راجع إلى الفقيه، ولا شك في أن في الشبهة الموضوعية لما هو النجس المرجح هو أصل الطهارة إن لم يكن دليل حاكم في البين وكذلك في الشبهة الحكمية إذا كان منشأ الشك هو اجمال المفهوم الذي جعل موضوعا للنجاسة من جهة الشك في سعته وضيقه. فإذا شككنا في هذا المايع المعروف والمطهر الطبي المسمى باسبرتو هل يطلق عليه المسكر المايع بالاصالة اطلاقا حقيقيا بحيث لا يصح سلب هذا العنوان عنه، وكان منشأ الشك عدم الاحاطة بحدود مفهوم المسكر املايع بالاصالة أي لم نتحقق المفهوم العرفي من هذا العنوان أنه هل هو خصوص ما يكون صالحا للشرب فعلا من دون احتياجه إلى علاج، وإن كان ذلك العلاج مزجه بالماء، فلا يطلق على هذا المايع المعروف إطلاقا حقيقيا أو اعم منه ومما يصير صالحا للشرب والاسكار، وإن كان صلاحيته للامرين أي الشرب والاسكار يحتاج إلى العلاج، وإن كان بمزجه بالماء. فإذا حصل مثل هذا الشك ولم يقم دليل على أحد الطرفين فالرمجع هي أصالة الطهارة، وحيث إن ظاهر أدلة نجاسة المسكر المايع بالاصالة هو كون المايع بالفعل

[ 324 ]

صالحا للشرب وموجبا للاسكار من دون الاحتياج إلى علاج ولو بمزجه بالماء فيكون مقتضى ظاهر الادلة عدم نجاسته من هذه الجهة، وقد عرفت أنه لو شككنا أيضا مقتضى الاصل هي الطاهرة. وأما انكار اجمال المفهوم وأنه عبارة عما يكون صالحا للشرب والاسكار، وان كان بعلاج، فالانصاف أنه مكابرة، وقد حكى لي بعض الثقات من أهل الفن أن هذا المايع الذي يسمى الان بأسبرتو ويستعمله الاطباء لتطهير الابر وأدوات وآلات تطعيم الادوية وتزريقها في بدن المرضى، ليس مما يشرب، وانما هو يعد من جملة السموم الخفيفة. نعم فيه قوة الاسكار بالمرتبة الشديدة وبمزجه بالماء تخف عاديته، وربما يكون صالحا لشرب بعض مدمني الخمور، ولكن بعد مزجه بالماء وقبل المزج ليس صالحا للشرب، لاي شخص كان وأنت خبير بأن مدمني الخمور والمكثرين لشرب الكل لمدة طويلة بالاخرة يتسمم بدنهم، فعدم تأثيره فيهم من هذه الجهة، لا أنه يصير من المشروبات العادية كسائر المسكرات التي يشربها شاربو الخمور والمسكرات. وقد حكي لي أيضا أن بعض المفرطين في شرب الافيون وبلعها بالاخرة انجر أمره إلى أن حبس حية سامة في جعبة وكان يعرض نفسه للدغها كي ينوب عن سم الافيون الذي تعود بشربه، وكان لم يجده لعوز المال فمثل هذه الموارد الشاذة لا توجب صدق المسكر على هذا المايع المعروف باسبرتو. مضافا إلى انه لو كان من مصاديق المسكر حقيقة تكون الادلة منصرفة عنه، لان الظاهر والمتفاهم العرفي من قوله تعالى انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (1) هو المسكر المعروف الذي كان المتعارف شربه


1. المائدة (5): 90.

[ 325 ]

بين شراب الخمور، وأما مثل هذا المايع الذي لا يشربه أحد إذ ليس صالحا للشرب عندهم، فلفظ الخمر منصرف عنه، وان قلنا بأن الخمر اسم لكل مسكر. وأما عموم التعليل بأن حرمة الخمر ليست لاسمها بل لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر، فالظاهر أنه تعليل للحرمة، وتنزيل لما كان عاقبته الخمر منزلة الخمر في خصوص الحرمة، لا في جميع الآثار حتى النجاسة. هذا مع أنه يمكن أن يقال ان هذا التعليل راجع إلى المايعات التي يتعارف شربها بين شراب المسكرات، وأما المايع الذي لا يشربه أحد فخارج عن موضوع الكلام فهو عليه السلام بصدد بيان أن اسم الخمر لا خصوصية له في هذا الحكم بل كل مايع من هذه الاشربة التي يشربونها إذا كان مسكرا يكون مثل الخمر حراما، وان لم يسم بالخمر فمثل الفقاع والنبيذ المسكرين يكونان بحكم الخمر وان لم يطلق عليهما لفظ الخمر. وخلاصة الكلام أن الفقيه المدقق المتأمل ربما يقطع بخروج مثل هذا المايع عن موضوع أدلة نجاسة كل مسكر مايع بالاصالة ولا أقل من الشك فلا تشمله الاطلاقات والعمومات التي تدل على نجاسة كل مسكر مايع بالاصالة فيكون مجرى لاصالة الطهارة، والله العالم بحقائق الاحكام وجميع الامور. عصمنا الله عن الخطاء والزلل. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 327 ]

55 - قاعدة كل كافر نجس كتابيا كان أو غيره

[ 329 ]

قاعدة كل كافر نجس كتابيا كان أو غيره ومن جملة القواعد الفقهية المشهورة قاعدة كل كافر نجس وفيها جهات من البحث. الجهة الاولى في بيان المراد منها أقول: الكافر على اقسام ويجمعها عدم التصديق بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله أو إنكار شئ ضروري الثبوت في دينه من العقائد الحقة أو الاحكام الشرعية فمن أنكر وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو وجوب الحج بعد اجتماع شرايط وجوب هذه الامور فهو كافر. فالقسم الاول من الكافر الذي هو الذي ينكر وجود صانع وخالق للعالم ويعتقد بأن مادة هذا العالم المادي قديم بالذات، وليس وجودها مسبوقا بالعدم الواقعي المقابل للوجود، فليست حادثة كي يحتاج إلى العلة التي توجدها. وهؤلاء هم الطبيعيون الذين يزعمون أن الانواع والاشخاص الموجودة من هذا العالم المادي من اختلاط المواد الاصلية والذرات القديمة بعضها ببعض وأفاعليها وانفعالاتها وهؤلاء هم أكفر الكفار. القسم الثاني المنكرون للتوحيد وهم المشركون وهم أقسام كثيرة فمنهم من ينكر توحيد الذات الاحد القديم ويقول بأصلين قديمين بالذات أو

[ 330 ]

أكثر، وربما ينسب هذه العقيدة إلى المجوس القائلين بمبدئين قديمين النور والظلمة أو بقولهم يزدان واهرمن، ولكن الظاهر أنهم لا يقولون بمبدئين قديمين بالذات، وإنما ينكرون التوحيد في مقام الفاعلية لا في مقام الذات، ولتفصيل المسألة مقام آخر. ومنهم من ينكر التوحيد في مقام الفاعلية ويرون المؤثر في الحوادث والموجوات غير الله أيضا وهذا القسم من المشركين كثيرون، وهؤلاء عبدة الاصنام التي ينحتونها هم أنفسهم، أو يصنعونها من أحد الفلزات أو عبدة الاجرام السماوية كالشمس والقمر وغيرهما، أو غير ذلك من النباتات والجمادات. وكان مشركو العرب وأهل مكة من هذا القسم الذين ابتلى رسول الله صلى الله عليه وآله بهم، بل غالب الانبياء العظام سلام الله عليهم كموسى وابراهيم وغيرهما ابتلوا بهذا القسم من المشركين، وليس مقامنا مقام شرح الاديان وتفصيل المذاهب. القسم الثالث الذين ينكرون الرسالة إما جميع الانبياء حيث يقولون بكفاية العقل الذي خلقه الله لعباده وجعله رسولا باطنيا، وهو يكفي في لزوم الاجتناب عن ارتكاب القبايح، وما فيها من المفاسد، ولزوم الارتكاب لما فيها المحاسن والمصالح، وإما ينكرون نبوة بعض الانبياء الذين هم اولوا العزم بل كل نبي في عصره دون بعض وذلك كالكتابيين بعد ظهور نبينا صلى الله عليه وآله وبعثته. القسم الرابع هم الذين ينكرون ضروريا من ضروريات الدين، سواء كان ضروريا في جميع الاديان الحقة كالمعاد الجسماني أو كان ضروريا في خصوص دين الاسلام كوجوب الصلاة والزكاة وحرمة شرب الخمر والزنا واللواط والسرقة وغيرها من الضروريات. فظهر مما ذكرنا أنه من أوضح مصاديق منكر الضروري من يقول بوجود نبي بعد نبينا خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله فلا شك في كفر من يدعي النبوة أو يعتقد نبؤة شخص بعد بعثة خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله فهذه الفرقة الضالة الذين يدعون مثل هذه المقالة في عصرنا لا شك في كفرهم.

[ 331 ]

وأما المجسمة والغلاة والخوارج والنواصب سنتكلم عنهم إنشاء الله في خاتمة هذه القاعدة. وأما الكتابي فهو الذي يعتقد ويؤمن بكتاب منزل من السماء على نبي من الانبياء مما عدا القرآن الكريم، لان المعتقد والمؤمن بالقرآن، وأنه منزل من السماء على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله ليس بكافر إلا أن ينكر ضروريا من ضروريات الدين وإذا تبين ما ذكرنا، فالمراد من هذه القاعدة نجاسة كل قسم من الاقسام الاربعة المذكورة. الجهة الثانية في بيان أقوال الفقهاء في هذه المسألة والقاعدة فنقول: المشهور عند الامامية هو القول بنجاسة الكفار مطلقا ذميا كانوا أو حربيا كتابيا أو غير كتابي بل ادعى الاجماع عليها جمع من الفقهاء المتقدمين كما في الغنية (1) والناصريات (2) والانتصار (3) والسرائر (4) وغيرهم بل ادعى الشيخ في التهذيب (5) إجماع الفقهاء قاطبة من الامامية ومن مخالفيهم. ولكن الظاهر أن المشهور بين المخالفين هو القول بطهارتهم حتى أنه في الفقه على المذاهب الاربعة (6) يدعي طهارتهم حيا وميتا ويستدل على ذلك بقوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم (7) ومن تكريمهم طهارة ابدانهم حيا وميتا ولم ينقل قولا بالنجاسة من


1. " العنية " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 551. 2. " الناصريات " ضمن " الجوامع الفقهية " ص 180. 3. " الانتصار " ص 10. 4. " السرائر " ج 1، ص 73. 5. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 223. 6. " الفقه على المذاهب الاربعة " ح 1، ص 6. 7. الاسراء (17): 70.

[ 332 ]

أحد المذاهب الاربعة ومقابل المشهور أو المجمع عليه قول شاذ من بعض الامامية بطهارة خصوص الكتابي منهم، ونسب هذا القول من القدماء إلى ابن الجنيد (1) في مختصره، وأنكر صاحب الجواهر (2) صراحة كلامه في ذلك ومع ذلك طعن عليه بأنه قائل بالعمل بالقياس وأن أقواله مرفوضة عند الفقهاء لذلك. وعلى كل حال المتتبع في الفقه يحصل عنده الشهرة المحققة من اصحابنا الامامية على نجاسة الكفار مطلقا وان كان كتابيا كما أن المشهور بين المخالفين خلاف ذلك. الجهة الثالثة في بيان الادلة الدالة على هذه القاعدة، وشرحها وكيفية دلالتها. الاول الاجماع، وقد ادعاه جمع كثير وقد تقدم ذكر بعضهم والعبارة المنقولة عن الوحيد البهبهاني قده (3) أن الحكم بنجاسة الكفار وإن كان كتابيا من ضروريات المذهب وشعار الشيعة يعرفه المخالفون لهم عنهم، رجالهم ونسائهم بل صبيانهم، قال في الجواهر بعد أن حكى كلام القديمين ابن الجنيد وابن عقيل، وأنكر ظهور كلامهما في طهارة أهل الكتاب: فلا خلاف حينئذ يعتد به بيننا في الحكم المزبور، بل لعله من ضروريات مذهبنا، ولقد أجاد الاستاد الاكبر بقوله إن ذلك شعار الشيعة يعرفه منهم علماء العامة وعوامهم ونسائهم وصبيانهم بل وأهل الكتاب. (4) والانصاف أن اتفاق فقهاء الشيعة الامامية الاثني عشرية على هذا الحكم مما لا يمكن ان ينكر ومخالفة شاذ من المتأخرين منهم لا يضر بهذا الاجماع والاتفاق اللهم


1. نقله عنه في " كشف اللثام " ج 1، ص 46. 2. " جوهر الكلام " ج 6، ص 42. 3. نقله عنه في " جواهر الكلام " ج 6، ص 42. 4. " جواهر الكلام " ج 6، ص 42.

[ 333 ]

إلا أن يقال: إن اعتماد المتفقين في هذا الحكم على المدارك الآتية فليس من الاجماع المصطلح الاصولي الذي نقول بحجيته. الثاني قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام. (1) وتقريب الاستدلال بهذه الاية الشريفة على نجاسة الكفار وتقريره: أما بالنسبة إلى المشركين أي عبدة الاصنام والثنوية فواضح لا يحتاج إلى البيان. وأما بالنسبة إلى المنكرين لاصل الالوهية الذين لا يقولون بوجود خالق للعالم فبالاولوية القطعية، لان منشأ هذه النجاسة هو خبث النفس ودنائتها، ولا شك أن مثال هذا المعنى في الماديين المنكرين لوجود الصانع الحكيم ثبوته بنحو أشد، لان الخباثة والدنائة في نفوسهم أزيد واكد. وأما بالنسبة إلى أهل الكتاب: أما المجوس على القول بأنهم منه فواضح، لانهم الثنوية القائلون بمبدئين ويعبرون تارة بالنور والظلمة، وأخرى بيزدان الذي هو مبدء الخيرات عندهم وأهرمن الذي هو مبدء الشرور باعتقادهم. وأما بالنسبة إلى اليهود والنصارى فلاطلاق المشرك عليهم في الكتاب العزيز في قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله إلى قوله تعالى شأنه سبحانه عما يشركون (2) فنسب اليهود والنصارى إلى الشرك بقوله سبحانه عما يشركون. وأشكل على الاستدلال بهذه الاية بوجوه: الاول أن النجس بفتح الجيم مصدر ولا يحمل المصدر على الذات إلا بتقدير ذو فيكون معنى الاية بناء على هذا أن المشركين ذو نجاسة، ومن هذا لا يستفاد أنها


1. التوبة (9)، 28. 2. التوبة (9): 30 - 31.

[ 334 ]

نجاسات ذاتية، بل يصدق عليهم هذا العنوان، وإن كانت نجاستهم عرضية. وفيه أن حمل المصدر على الذات باعتبار المبالغة وادعاء أنه من مصاديقه أظهر من التقدير حسب المتفاهم العرفي من امثاله هذه التراكيب. وقد يقال في الجواب عن هذا الاشكال بأن النجس بفتح الجيم كما يصح أن يكون مصدرا كذلك يصح أن يكون صفة لان الصفة المشبهة كما أنها من الثلاثي اللازم على وزن فعل بكسر العين كذلك تأتي على وزن فعل بفتح العين كحسن، وصرح في القاموس بذلك في هذه المادة، وقال: النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر. (1) وفيه أن النجس بفتح الجيم وإن كان يأتي صفة كما أنه يصح مصدرا فيكون مشتركا بين المصدر والصفة، ولكن لا يمكن أن يكون هاهنا صفة لعدم مطابقة الخبر مع المبتدا في الافراد والجمع، مع أن الخبر صفة. وهذا الاشكال لا يرد إن كان مصدرا لان المطابقة في الافراد والجمع ليس شرطا إذا كان الخبر مصدرا فيقال شهود عدل، ولا يصح أن يقال شهود عادل. ولا يخفى أنه لو كان النجس مصدرا وكان حمله على المشركين من باب المبالغة فلا يناسب النجاسة العرضية ويكون ظاهرا في الذاتية، فالحق ما أفاده الشيخ الاعظم الانصاري (2) في هذا المقام وهو أن النجس إما مصدر وإما صفة، وأيا ما كان يكون ظاهرا في نجاستهم الذاتية. الثاني أن الدليل على فرض تماميته أخص من المدعى، لان المدعي نجاسة كل كافر والدليل لا يثبت إلا نجاسة خصوص المشرك منهم. وفيه أنه قد تقدم شمول الاية للمنكرين لاصل الالوهية بالاولوية ولاهل


1. " القاموس المحيط " ج 20، ص 262 (نجس) 2. " كتاب الطهارة " ص 308.

[ 335 ]

الكتاب أي اليهود والنصارى، والمجوس أيضا بناء على أنهم أيضا من أهل الكتاب بالعموم والشمول لاطلاق المشرك على اليهود والنصارى في الكتاب العزيز. وأما المجوس فهم المشركون حقيقتا من دون عناية وتجوز في البين وأما في غيرهم كالمنكرين للضروريات مثلا فبعدم القول بالفصل لعدم الخلاف في نجاسة الكفار إلا في الكتابي وسنتكلم عنهم إنشاء الله في خاتمة هذا المبحث. الثالث أن المراد بالنجس ليس هو المعنى المصطلح بين الفقهاء الذي هو أحد الاحكام الشرعية الوضعية وهو مقابل الطهارة الشرعية التي هي أيضا أحد الاحكام الوضعية بل المراد هو المعنى الذي يفهمه العرف من هذه اللفظة إذ الخطابات الشرعية على طريقة المحاورات العرفية إذ لم يخترع طريقا خاصا لتفهيم المكلفين، فان كان في مورد إرادته من لفظ غير ما يفهمه العرف فعليه البيان، ولا شك أن معنى العرفي للفظ النجس هي القذارة فلابد وأن يحمل على قذارة النفس وخباثتها لا قذارة البدن لانه ليس في أبدانهم قذارة أزيد مما في أبدان المسلمين بل حالهم من هذه الجهة مع المسلمين سواء، فيكون أجنبيا عن مورد البحث. وفيه أن هذا البيان يجري في ما ورد في سائر النجاسات كالكلب والخمر والميتة وغيرها، ومع ذلك لم يتردد أحد من الفقهاء في حمل هذه الكلمة على المعنى الشرعي فقوله عليه السلام الكلب رجس نجس (1) لم يحمله أحد إلا على النجاسة الشرعية الاعتبارية. والسر في ذلك أن الشارع في مقام بيان أحكامه، ولا شغل له بالقذارات العرفية إلا أن يكون موضوعا لحكم شرعي، فإذا كانت النجاسة عنده أمر اعتبره في عالم التشريع، فلابد وأن يحمل اللفظ عليه إلا مع بيان على عدمه.


1. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 225، ح 646، باب المياه وأحكامها، ح 29، " الاستبصار " ج 1، ص 19، ح 40، باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1015، أبواب النجاسات، باب 12، ح 2.

[ 336 ]

اللهم الا أن يقال: إن وقت نزول هذه الاية لم يشرع الطهارة والنجاسة بعد ولكن هذا الاحتمال لا مجال له لان هذه الاية في سورة البرائة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وكان ذلك الوقت الطهارة والنجاسة الشرعيين معروفتان عند المسلمين. الرابع أن المراد بالمشركين هم المشركون في ذلك الوقت أي مكة وسائر القبائل العربية الذين يأتون إلى الحج ويدخلون المسجد الحرام للطواف حول الكعبة، واولئك كلهم كانوا عبدة الاصنام والكتابيون لا يحجون في ذلك الوقت وإلى الان هم كذلك، فعلى تقدير كون النجاسة في الاية بالمعنى الشرعي لا يشمل غيرهم من سائر فرق الكفار. وفيه أن العبرة بعموم الكلام لا بخصوصية المورد، فإذا كان المشركون له العموم من جهة ظهور الجمع المعروف باللام في العموم لجميع الافراد التي يصلح للانطباق عليها، فورودها في مورد قسم خاص من المشركين لا يضر بالاستدلال بعمومها. فالانصاف أن هذه الاشكالات لا يرد شئ منها على الاستدلال بالاية الشريفة فالاية تدل على نجاسة المشركين مطلقا كتابيا كانوا أم غيرهم، وعلى غيرهم بعدم القول بالفصل، غاية الامر نجاسة ما عدا المشركين ليس مدلولا للاية، وإنما يثبت بأمر خارج عن الاية وهو القول بعدم الفصل. والعجب من المحقق الفقيه الهمداني أنه قال في مصباح الفقيه: إن المتبادر من الاية بشهادة سياقها مشركو أهل مكة التي انزلت البراءة من الله ورسوله منهم ومنعوا من قرب المسجد الحرام (1) مع أن الاية في مشركي خارج مكة لقوله تعالى بعد هذه الجملة: فان خفتم


1. " مصباح الفقيه " ج 1، ص 558.

[ 337 ]

عليه فسوف يغنيكم الله من فضله (1) أي خفتم للفقر والنقص في معاشكم من ناحية عدم اتيانهم إلى الحج والى مكة وعدم انتفاعكم بما يأتون به من الاجناس والاموال التي كانت معهم للبيع والشراء معكم وكان اهل مكة خافوا انقطاع المتاجر عنهم بمنع المشركين من دخول الحرم، فوعدهم الله تعالى بأنه جل شأنه سوف يغنيهم من فضله، وهو تبارك وتعاى وفى بوعده، وكان يحمل الميرة إليهم من أنحاء العالم. وخلاصة الكلام في هذا المقام أن الاية الشريفة تدل على أن الله تبارك وتعالى منع المشركين عن دخول المسجد الحرام، لانهم أنجاس وحيث ان كلمة المشركون جمع معرف باللام فهو عام يشمل كل من ينطبق عليه هذا العنوان فالاية ظاهرة في أن كل مشرك نجس الموجودن في ذلك الزمان أو من يوجد فيما بعده إلى قيام القيامة وبقاء هذا الدين. اللهم الا أن يقال إن قوله تعالى انما المشركون نجس (2) من قبيل القضايا الخارجية والحكم فيها يكون على الافراد الموجودة في ذلك العصر، وفي ذلك القطر، فلا يشمل غيرهم، ولكن ما أظن أحدا يرتضي بهذه المقالة. ولا شك أن ظاهر هذه الجملة أي قوله تعالى إنما المشركون نجس كبرى كلية يعلل بها عدم جواز دخول مشركي القبايل في الحرم، ووجوب منعهم، فالتعليل عام يشمل المشركين الذين كانوا موجودين في ذلك الزمان ومن لم يكن ذلك الوقت موجودا، والذين كانوا يحجون كمشركي العرب في ذلك الزمان أو لا يحجون كسائر المشركين وكاليهود والنصارى. فالعمدة هو شمول لفظ المشرك لليهود والنصارى، وعدم شموله، وقد تقدم أنه


1. التوبة (9): 28. 2. التوبة (9): 28.

[ 338 ]

أطلق المشرك في الكتاب العزيز على اليهود والنصارى في بعض الايات، وظاهر قوله تعالى أأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين (1) اثنين أن النصارى مشركون حقيقة، لانهم كانوا يعتقدون بالوهية عيسى وامه، وكانوا يعبدون عيسى. والشاهد على ذلك أنه لما نزل قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (2) قال عبد الله ابن الزبعرى: أما والله لو وجدت محمدا لخصمته سلوا محمدا أكل من عبد من دون الله في جهنم مع من عبده، ونحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى بن مريم. فلما وصل هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما أجهله بلسان قومه، فان ما لغير ذوي العقول فلا يشمل هؤلاء، (3) وأجيب عن إشكالهم بوجه آخر لسنا في مقام الجواب عن هذا الايراد وجوابه، بل مقصودنا أن هؤلاء مشركون حقيقة في العبادة بل في الخلق والفاعلية فاليهود والنصارى الذين نسميهم باهل الكتاب شركهم من سنخ شرك مشركي أهل مكة كما كان يظهر من كلام ابن الزبعرى وأما المجوس فكونهم من المشركين أوضح حتى يعرفون بالثنوية القائلين بإله الخير ويسمونه يزدان، وإله الشر ويسمونه بأهرمن. وأما النصارى فالى اليوم يقولون بألوهية المسيح ابن مريم عليهما السلام فهذا كتاب المنجد في اللغة تأليف معلوف أحد الآباء اليسوعيين يقول في كلمة المسيح الاله المتجسد (4) فلا ينبغي أن يشك في شرك الطوائف الثلاث اليهود والنصارى والمجوس، ولا في دلالة قوله تعالى إنما المشركون نجس على نجاستهم.


1. المائدة (5): 116. 2. الانبياء (21): 98. 3. انظر: " الكاشف " ج 3، ص 136، " أسباب النزول " للواحدي، ص 175، " الدر المنثور " ج 5، ص 679. 4. " المنجد في الاعلام " ص 750 (يسوع).

[ 339 ]

الثالث من الادلة الدالة على نجاستهم الاخبار المروية عن الائمة الاطهار عليهم السلام. منها موثقة سعيد الاعرج أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني: أيؤكل أو يشرب؟ قال عليه السلام: لا. (1) منها: ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام في مصافحة المسلم لليهودي والنصراني قال عليه السلام: من وراء الثياب، فان صافحك فاغسل يدك. (2) منها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن آنية أهل الذمة والمجوس، فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر. (3) منها رواية الكاهلي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي يدعونه إلى طعامهم، فقال: أما أنا فلا أواكل المجوسي وأكره أن احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم. (4) منها ما عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة وأرقد معه على فراش واحد واصافحه؟ فقال: لا. (5)


1. " الفقيه " ج 3، ص 347، باب الذبائح والمآكل، ح 4220، " وسائل الشيعة " ج 16، ص 384، أبواب الاطعمة المحرمة، باب 4، ح 1. 2. " الكافي " ج 2، ص 650، باب التسليم على أهل الملل، ح 10، " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 262، ح 764، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 51، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 262، أبواب النجاسات، باب 14، ح 5. 3. " الكافي " ج 6، ص 264، باب طعام أهل الذمة ومؤالكلتهم وآنيتهم، ح 5، " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 88، ح 372، باب الذبائح والاطعمة، ح 107، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1018، أبواب النجاسات، باب 14، ح 1، وج 16، ص 475، أبواب الاطعمة المحرمة، باب 54، ح 3. 4. " الكافي " ج 6، ص 263، باب طعام أهل الذمة ومؤالكلتهم وآنيتهم، ح 4، " " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1018، أبواب النجاسات، باب 14، ح 2. 5. " الكافي " ج 2، ص 264، باب طعام أهل الذمة ومؤالكلتهم وآنيتهم، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1019، أبواب النجاسات، باب 14، ح 6.

[ 340 ]

منها صحيحة علي بن جعفر عليه السلام السلام عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني أينام عليه؟ قال عليه السلام لا بأس، ولا يصلى في ثيابهما وقال عليه السلام لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة، ولا يقعده على فراشه ولا مسجده، ولا يصافحه. (1) قال: وسألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق ليس يدري لمن كان؟ هل تصلح الصلاة فيه؟ قال عليه السلام: إن اشتراه من مسلم فيلغسل ثم يصلي فيه وإن اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه حتى يغسله. أقول: هذه الروايات ظاهرة في نجاسة أهل الكتاب أما الاولى أي موثقة سعيد الاعرج فلان ظاهر السؤال والجواب عن سؤر اليهودي والنصراني جواز أكله وشربه وعدم جوازه من حيث نجاسة ذلك السؤر وعدم نجاسته إذ ليس هناك جهة اخرى توجب الشك في الجواز كي يسئل عنه. إن قلت: إنهم حيث يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فمن الممكن أن تكون جهة السؤال هو احتمال أن يكون ذلك السؤر عن بقية لحم الخنزير في المأكول ومن بقية الخمر في المشروب. نقول أولا: إن هذه شبهة موضوعية تجري فيها أصالة الحل، ولم يدع أحد معارضة هذه الرواية لقاعدة الحل، وثانيا جوابه عليه السلام بلا مطلق وينفي جواز أكل سؤرهم وكذلك شربه مطلقا سواء كان في مورد ذلك الاحتمال أو لا يكون، وثالثا كون السؤال والجواب في مورد هذا الاحتمال خلاف الظاهر، إذ منشأ هذه الشبهة امور خارجية بعد معلومية حكم لحم الخنزير وحكم الخمر ومعلومية حكم


1. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 263، ح 766، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، ح 53، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1020، أبواب النجاسات، باب 14، ح 10.

[ 341 ]

الشبهة الموضوعية التحريمية. وأما كون جهة السؤال احتمال تنجسهم بالنجاسات الخارجية لعدم اجتنابهم عنها وكثرة استعمالهم لحم الخنزير والخمر وسائر المسكرات المايعة بالاصالة. ففيه أن هذا الاحتمال لا يكون مختصا بهم بل يأتي في حق كل من لا يجتنب عن النجاسات جميعها أو بعضها، سواء كان عدم اجتنابه عنها عن قلة المبالاة في الدين أو من جهة عدم القول بنجاسته في مذهبه، وذلك لاختلاف الفتاوى في المذاهب في بعض النجاسات. هذا مضافا إلى أن ظاهر الرواية هو السؤال عن سؤرهما من حيث كونهما يهوديا ونصرانيا والجواب أيضا كذلك فلا طريق ولا مجال لانكار ظهور الرواية في نجاسة الكتابي. وأما الرواية الثانية فقوله عليه السلام فان صافحك بيده فاغسل يدك، فلا ينبغي أن يشك في ظهورها في نجاستهم. وأما احتمال أن يكون الامر بالغسل من جهة النجاسة العرضية فقد رفعناه من أن الظاهر أن وجوب الغسل بعد الفراغ من انه في صورة رطوبة إحدى اليدين أو كلتيهما من جهة ارتكاز اعتبار الرطوبة في أذهان العرف في مقام تأثير النجس أو تأثر المتنجس كاشف عن تنجسه بواسطة المصافحة بيده المرطوبة أو يدك المرطوبة، فيدل على نجاسة الكافر ولم تكن نجاسة عرضية في البين. وأما الرواية الثالثة أي صحيحة محمد بن مسلم فظاهرها أن كل واحدة من الجمل الثلاث التي ذكرها جملة مستقلة في قبال الاخر فقوله عليه السلام لا تأكلوا في آنيتهم مطلق بل المراد هو الذي لا يشرب فيه الخمر وأيضا ليس من طعامهم الذي يطبخونه فليس نجاسته بواسطة شرب الخمر أو وجود لحم الخنزير فيه، بل المنع من جهة نجاستهم التي سرت إلى الكاس والآنية التي لهم ويستعملونها.

[ 342 ]

وأما الرواية الرابعة أي رواية الكاهلي فقوله عليه السلام أما أنا فلا أو اكل المجوسي وإن كان من الممكن أن يكون تنزيها منه عليه السلام لا من جهة حرمته فلا يدل على حرمة المؤاكلة معهم كي يستكشف منها نجاستهم، لكن قوله عليه السلام فيما بعد ذلك وأكره أن احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم فيه إشعار بأن الحكم الواقعي وإن كان هي الحرمة ولكن أنا أكره إظهاره لاجل أنكم تصنعون خلافه في بلادكم، فيشير بهذه العبارة إلى عدم التحريم وكراهته لاجل الخوف والتقية وعلى كل حال إن لم تكن ظاهرة في ما قلنا ليست ظاهرة في طهارتهم كما توهم. واما الخامسة أي صحيحة علي بن جعفر فقوله عليه السلام لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة فلها كمال الظهور في نجاسة المجوسي، ولكن الاستدلال بها موقوف على عدم القول بالفصل بين المجوسي وبين اليهودي والنصراني وعلى هذا النمط سياق روايته الاخرى. ثم إن بعضهم استدل على نجاسة أهل الكتاب بقوله تعالى كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (1) باعتبار أن المراد من الرجس هي النجاسة، ولا شك أن المراد من الذين لا يؤمنون في الكتاب العزيز هم مطلق الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي وأنكروا رسالته ونبوته سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم، فظاهر الآية أن الله تبارك وتعالى جعل النجاسة على الكفار، فهم نجسون. ولكن يظهر من تفسير الآية كما ذكره المفسرون أن المراد من الرجس هنا العذاب والعقاب، وعلى كل حال إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال لانهدام الظهور هذا مضافا إلى عدم ظهور لفظة الرجس في حد نفسها في النجاسة الخبثية. ثم إنه قد استدل لنجاستهم بروايات اخرى كثيرة متفرقة في ابواب الفقه كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن النصراني يغتسل مع المسلم في


1. " الانعام " (6): 125.

[ 343 ]

الحمام فقال إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام إلا أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل. وسألته عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلوة قال عليه السلام لا. إلا أن يضطر إليه. (1) وحمل الشيخ (2) الاضطرار هاهنا على التقية، لان لا يقال: إن الاضطرار لا يوجب جواز الوضوء بالماء النجس بل ينتقل إلى التيمم، ولا شك في أن ظاهر هذه الرواية نجاسة أهل الكتاب. وكمفهوم رواية سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن طعام أهل الكتاب ما يحل منه؟ قال عليه السلام الحبوب (3) وأمثال ذلك مما يدل على لزوم التجنب عنهم، وعدم الاكل من طعامهم والركون إليهم من الاخبار الكثيرة المتفرقة في أبواب الفقه فلا يحتاج إلى التطويل وفيما ذكرنا غنى وكفاية. وخلاصة الكلام أن الاخبار المذكورة وإن كان من الممكن المناقشة في ظهور بعضها في نجاستهم ولكن لا يمكن انكار ظهور بعضها الآخر. ثم هناك أخبار اخر ظاهرة في عدم نجاستهم وجواز الاكل من طعامهم وفي آنيتهم ربما تكون اظهر دلالة من الاخبار المتقدمة واكثر عددا منها وبعبارة اخرى هي على الطهارة أدل من دلالة ما تقدم على النجاسة. منها صحيحة إسماعيل بن جابر قال قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في طعام اهل الكتاب فقال لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال: " لا تأكله، ثم سكت هنيئة


1. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 223، ح 640، باب المياه وأحكامها، ح 23، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1020، أبواب النجاسات، باب 14، ح 9. 2. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 223، ذيل ح 640. 3. " الكافي " ج 6، ص 263، باب طعام أهل الذمة ومؤالكلتهم وآنيتهم، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 88، ح 375، باب الذبائح والاطعمة، ح 110، " وسائل الشيعة " ج 16، ص 381، أبواب الاطعمة والاشربة المحرمة، باب 51، ح 2.

[ 344 ]

ثم قال: لا تأكله ولا تتركه تقول إنه حرام ولكن تتركه تنزها عنه، إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير (1) ودلالة هذه الرواية على عدم النجاسة وجواز مؤاكلتهم واضحة بل صريحة وأن نهيه عليه السلام تنزيهي لا تحريمي. وقال الفقيه النبيه الهمداني قده في مصباح الفقيه (2) إن هذه الرواية تصلح قرينة بمدلولها اللفظي على صرف الاخبار الظاهرة في الحرمة أو النجاسة عن ظاهرها، ومراده أن النواهي الموجودة في تلك الاخبار تكون ايضا تنزيهية واشار شيخنا الاعظم قده (3) في طهارته إلى ظهورها في التقية. أقول: ما ذكره قده في غاية المتانة لان آثار التقية بادية عليها فانه ع بعد ما بين الحكم الواقعي للسائل سكت هنيئة وتأمل في طريق التخلص عن شر مخالفتهم في هذه الفتوى فعلل ع نهيه بذلك التعليل تقية فينبغي ان نعد هذه الرواية من أدلة النجاسة لا الطهارة. منها صحيح العيص سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مؤاكلة اليهود والنصارى والمجوس فقال عليه السلام ان كان من طعامك وتوضأ فلا بأس. (4) ويمكن أن يقال في توجيه هذه الرواية أن المؤاكلة اعم من المساورة بل غيرها لان معنى المؤاكلة أن يكون معه مائدة واحدة وان كان يأكل في ظرف مستقل و مختص به فلا تدل على طهارتهم أما التقييد بالتوضأ فيمكن ان يكون لاجل النظافة


1. " الكافي " ج 6، ص 264، باب طعام أهل الذمة ومؤالكلتهم وآنيتهم، ح 9، " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 87، ح 368، باب الذبائح والاطعمة، ح 103، " المحاسن " ص 454، ح 377، " وسائل الشيعة " ج 16، ص 385، أبواب الاطعمة المحرمة، باب 54، ح 4. 2. " مصباح الفقيه " ج 1، ص 560. 3. " كتاب الطهارة " ص 309. 4. " الكافي " ج 6، ص 263، باب طعام أهل الذمة ومؤالكلتهم وآنيتهم، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 16، ص 383، أبواب الاطعمة المحرمة، باب 53، ح 1.

[ 345 ]

لكي يرغب الجلوس معه على مائدة واحدة. ولكن الانصاف ان هذا التوجيه خلاف ظاهر الرواية وأما التقييد والاشتراط بكونه من طعامه فلا ينافي طهارتهم لان المراد منه ان لا يكون الطعام مما حرم الله اكله كلحم الخنزير مثلا. منها صحيح إبراهيم بن أبي محمود قال قلت للرضا عليه السلام الجارية النصرانية تخدمك وانت تعلم انها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة قال عليه السلام لا بأس تغسل يدها. (1) منها صحيحة الآخر قال قلت للرضا عليه السلام الخياط أو القصار يكون يهوديا أو نصرانيا وانت تعلم انه يبول ولا يتوضأ ما تقول في عمله؟ قال عليه السلام: لا بأس. (2) ويمكن المناقشة في دلالة هاتين الصحيحتين على طهارتهم أما في الاولى فلانها قضية خارجية وجهها غير معلوم فلعل تلك الجارية مأمورة بالخدمة من طرف سلطان الجور من دون إذنه، بل وبدون رضاه عليه السلام ومن الممكن أن يكون الامام عليه السلام يجتنب عما يلاقي بدنها مع الرطوبة ومن الممكن انها كانت تخدمه عليه السلام في غير المطاعم والمشارب والملابس، كل ذلك مع احتمال ان الامام عليه السلام كان مضطرا في معاشرتها فليس كونها كذلك دليلا على إمضائه عليه السلام طهارتها وتقريره عليه السلام لها. وأما قوله عليه السلام لا بأس تغسل يديها، فلاجل أن المحذور في نظر الراوي كان عدم اغتسالها عن الجنابة وعدم التوضأ عن النجاسات أي الاستنجاء فاجابه عليه السلام بذلك الجواب بان ذلك المحذور يرتفع بان تغسل يديها.


1. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 399، ح 1245، باب الحيض والاستحاضة والنفاس، ح 68، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1020، أبواب النجاسات، باب 14، ح 11. 2. " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 385، ح 1142، باب المكاسب، ح 263، " الوافي " ج 6، ص 209، ح 4128، باب تطهير من مس الحيوانات، ح 25.

[ 346 ]

وأما في الثانية فلان السؤال في الحقيقة عن حكم الشك خصوصا في الخياط لانه في الخياط من الممكن بل هو الغالب عدم ملاقات الثوب مع بدن الخياط مع رطوبة أحدهما. وأما القصار وان كان يلاقي بدنه الثوب لا محالة لكن السؤال عن تنجسه بواسطة عدم التوضأ عن بوله فكأنه عدم نجاسته الذاتية كان مفروغا عند السائل ويسأل عن تنجس الثوب الذي يغسله بواسطة وصول النجاسة العرضية من طرف بوله وعدم التوضأ إلى ذلك الثوب ومعلوم ان وصول تلك النجاسة العرضية إلى الثوب الذي يغسله مشكوك ولذلك لو كان القصار مسلما لا يتوضأ عن بوله لا نحكم بنجاسة الثوب الذي يغسله وإن كان غسله بالماء القليل. نعم يأتي اشكال آخر وهو أنه عليه السلام لماذا لم يردعه عن اعتقاده بطهارة الكتابي بل قرره على ذلك بقوله عليه السلام لا بأس. ويمكن ان يجاب عنه بأن تقريره عليه السلام له لعله من جهة التقية وذلك من جهة ان تلك الاعصار كانت أعصار تقية لغلبة سلاطين الجور فكان الحكم الواقعي يخفى على أغلب الرواة ومع ذلك لا يردعهم الامام عليه السلام إما خوفا على نفسه وإما خوفا عليهم، ولذلك ترى أن إبراهيم بن ابي محمود يسئل عن النجاسة العرضية لجهله بالنجاسة الذاتية والامام عليه السلام لا يردعه عن ذلك خوفا عليه أو لجهة اخرى. منها حسنة الكاهلي قال سئل الصادق عليه السلام وأنا عنده عن قوم مسلمين وحضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم قال أما أنا فلا ادعوه ولا اواكله وإني لاكره أن احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم (1) وقد تقدم الكلام في هذه الرواية وأنها اظهر في نجاستهم من ظهورها في الطهارة، وأن عدم بيان الحكم الواقعي لهم من جهة الخوف عليهم لكثرة البانين على طهارتهم


1. " الكافي " ج 6، ص 263، باب طعام أهل الذمة ومؤالكلتهم وآنيتهم، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1018، أبواب النجاسات، باب 14، ح 2.

[ 347 ]

في بلادهم. منها صحيح معاوية بن عمار قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم اخباث، وهم يشربون الخمر، ونسائهم على تلك الحال البسها ولا اغسلها واصلي فيها؟ قال نعم. قال معاوية فقطعت له قميصا وخططته وفتلت أزرارا ورداء من السابري ثم بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما اريد فخرج بها إلى الجمعة. (1) والخدشة في هذه الصحيحة بنفس ما حدثنا به صحيحة إبراهيم بن ابي محمود الثانية، فلا نعيد فالسؤال عن النجاسة العرضية وهي مشكوكة بل هاهنا تنجسه من قبل النجاسة أيضا مشكوكة فلا تقرير في البين. منها صحيح ابن سنان قال سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر أني اعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير. فيرده علي فاغسله قبل أن اصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه. (2) وهذه الصحيحة ايضا كما ترى سؤال عن النجاسة العرضية في مورد الشك فلا دلالة لها في ما هو محل البحث نعم هذا التعليل يكون دليلا على حجية الاستصحاب وأجنبي عن محل بحثنا. منها رواية زكريا بن ابراهيم قال دخلت على ابي عبد الله عليه السلام فقلت اني رجل


1. " تهذيب الاحكام " ج 2، ص 362، ح 1497، باب ما يجوز الصلاة فيه...، ح 29، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1093، أبواب النجاسات، باب 73، ح 1. 2. " تهذيب الاحكام " ج 2، ص 361، ح 1497، باب ما يجوز الصلاة فيه...، ح 27، " الاستبصار " ج 1، ص 392، ح 1497، باب الصلاة في الثوب الذى يعار...، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 1095، أبواب النجاسات، باب 74، ح 1.

[ 348 ]

من اهل الكتاب واني اسلمت وبقى اهلي كلهم على النصرانية وأنا معهم في بيت واحد لم افارقهم فآكل من طعامهم؟ فقال عليه السلام لي: يأكلون لحم الخنزير فقلت لا ولكنهم يشربون الخمر فقال لي كل معهم واشرب. (1) وأنت خبير بأن قوله عليه السلام كل معهم واشرب مع اعتراف السائل بأنهم يشربون الخمر ظاهر في التقية لان الخمر طاهر عندهم بخلاف لحم الخنزير، ولذلك سئل عليه السلام عن أكلهم لحم الخنزير فلو كان جوابه أنهم ياكلون، لم يكن مورد التقية. ولكن السائل حيث نفى ذلك واعترف بأنهم يشربون الخمر والخمر عندهم طاهر حكم بجواز الاكل والشرب معهم تقية إذ المنع عن الاكل والشرب معهم لابد وأن يكون لاحد امرين إما لنجاستهم ذاتا أو لكون الخمر نجسا، فإذا شربوا يتنجسون وكلاهما مخالفان للتقية لانهم لا يقولون بنجاسة أهل الكتاب ولا بنجاسة الخمر، فلو كان عليه السلام بصدد بيان الحكم الواقعي فلابد له من الحكم بعدم جواز الاكل والشرب معهم لا الجواز، فمعلوم أن حكمه بجواز الاكل والشرب معهم ليس حكما واقعيا فلا يستكشف من حكمه هذا طهارتهم. منها موثق عمار عن ابي عبد الله عليه السلام عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو اناء غيره إذا شرب منه على انه يهودي فقال نعم فقلت من ذلك الماء الذي يشرب منه قال عليه السلام نعم. (2) ولكن يمكن ان يقال لعل حكمه عليه السلام بجواز التوضي عن ذلك الماء الذي شرب منه اليهودي مبنى على عدم انفعال ماء القليل بملاقات النجاسة فيكون سياق هذه


1. " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 87، ح 369، باب الذبائح والاطعمة، ح 104، " المحاسن " ص 453، ح 373، " وسائل الشيعة " ج 16، ص 385، أبواب الاطعمة المحرمة، باب 54، ح 5. 2. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 223، ح 641، باب المياه وأحكامها، ح 24، " الاستبصار " ج 1، ص 18، ح 38، باب استعمال أسائر الكفار، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 165، أبواب الاسئار، باب 3، ح 3.

[ 349 ]

الموثقة سياق الروايات التي تدل على عدم انفعال ماء القليل بملاقات النجس أو النجاسة. واما الرواية الواردة (1) في تغسيل النصراني للرجل المسلم إذا لم يكن مماثلا للميت المسلم أو ذات محرم مسلمة وكذلك تغسيل النصرانية للمرأة المسلمة إن لم يكن مماثلة مسلمة أو محرم عن الرجال. ففيها أولا يمكن أن تكون هذه الرواية أيضا من الروايات التي تدل على عدم انفعال ماء القليل بملاقات النجاسة وثانيا أنه يمكن تغسيله بصب الماء من ابريق مثلا من دون ملاقاة بدنه لبدن الميت، وثالثا يمكن أن يكون تغسيله بالماء الكثير. وخلاصة الكلام أن هذه الروايات جميعها لا يخلو من المناقشات في دلالتها على طهارة اهل الكتاب ولو سلمنا ظهور بعضها أو جميعها في ذلك وخلوها عن المناقشات فايضا لا يصح الاستدلال بها، بل لابد من طرحها وعدم الاعتناء بها. بيان ذلك أن عمدة الدليل على حجية خبر الواحد هو بناء العقلاء والاخبار التي تدل على ذلك يكون مفادها هو امضاء ذلك البناء وذكرنا المسألة مشروحا مفصلا في كتابنا منتهى الاصول، (2) ولا شك في أن بناء العقلاء على حجية خبر موثوق الصدور، وأما إذا لم يثقوا بصدوره فلا يرون حجيته، وإن كان الراوي إماميا ثقة عدلا. نعم أحد اسباب الوثوق بالصدور كون الراوي ثقة إن لم يعارضه جهة اخرى


1. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 340، ح 997، باب تلقين المحتضرين وتوجيههم عند الوفاة، ح 165، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 704، أبواب غسل الميت، باب 19، ح 1. 2. " منتهى الاصول " ج 2، ص 113.

[ 350 ]

ولا شك في أن اعراض قدماء الاصحاب عن رواية وعدم العمل بها مع كونها بمرأى منهم ومضبوطة في كتبهم، ووصلت إلينا بواسطتهم ومع تعبدهم بالعمل بالاخبار، وعدم الاعتناء بالاستحسانات والظنون التي ليس على حجيتها دليل عقلي أو نقلي. حتى أن جماعة منهم رضوان الله تعالى عليهم كانت فتاويهم بعين ألفاظ الرواية حذرا من أن يكون ظاهر لفظ فتواه غير ما هو ظاهر ألفاظ الرواية، ولذا اشتهر عنهم ان عند إعواز النصوص يرجع إلى فتاوى علي بن بابويه قده وذلك لان فتاواه كانت بعين ألفاظ الرواية. فمع هذا التعبد الشديد بالعمل بالروايات الموثوق صدورها إن أعرضوا عن العمل برواية مع عدم إجمالها وظهورها وصحة سندها، فيستكشف من إعراضهم وعدم عملهم بها انهم رأوا خللا في صدورها أو جهة صدورها فيوجب إعراضهم عنها عدم حصول الوثوق بصدورها أو جهة صدورها. وهذا بعد تمامية ظهورها وعدم إجمالها فتسقط عن الحجية التي موضوعها الوثوق بصدورها وجهة صدورها بعد تمامية ظهور الرواية لان الحجية متوقفة على هذه الامور الثلاثة: الوثوق بصدورها، والوثوق بجهة صدورها، وعدم خلل في ظهورها. وإلى هذا يرجع ما اشتهر في ألسنتهم في مورد إعراض الاصحاب عن خبر أنه كلما ازداد صحة ازداد وهنا وهذا معنى أن الاعراض كاسر للسند القوي، وأن عمل الاصحاب جابر للسند الضعيف. إذا عرفت ذلك فنقول: إن إجماع علماء الامامية وفقهائهم رضوان الله تعالى عليهم الا الشاذ ممن لا يعتنى بخلافهم كابن الجنيد (1) من الصدر الاول إلى زماننا هذا على نجاسة أهل الكتاب حتى


1. نقله عنه في " كشف اللثام " ج 1، ص 46.

[ 351 ]

أنها صارت شعارا للامامية رضوان الله تعالى عليهم ويعرفها نسائهم وصبيانهم بل هم أي أهل الكتاب يعرفون هذه الفتوى منهم. فمع هذا الاعراض لا يبقى وثوق بصدور هذه الروايات، أو وإن كانت صادرة فليست لبيان حكم الله الواقعي بل صدرت تقية وخوفا من اشتهارهم بمذهب خاص وطريقة مخصوصة على خلاف سائر الفقهاء، ولخوف الائمة عليهم السلام من أن يكون لهم ولاصحابهم مسلك خاص في الفقه وفتاوى مخصوصة بهم عليهم السلام ولذلك كانوا يلقون الخلاف بين أصحابهم كي لا يتميزون ولا يعدون طائفة خاصة منسوبين إليهم عليهم السلام. والسر في ذلك عدم خوف الفقهاء من التفرد في الفتوى، لان سلاطين الوقت قد علموا بأنهم لا يدعون الامامة والخلافة ولم يكونوا في معرض هذا الامر ومراجعة الناس إليهم كان صرف تقليد لهم في المسائل الشرعية والاحكام الدينية بخلاف الائمة عليهم السلام فانهم كانوا في معرض هذا الامر، ورجوع الناس إليهم لم يكن بعنوان تعلم الحكم الشرعي والمسألة الفقهية فقط. بل كان بعنوان أنهم أئمة معصومون مفترضو الطاعة، ولذلك كانوا يخافون من التفرد في الفتوى والتميز عن فتاوى سائرر الفقهاء. إذا عرفت ذلك فنقول: في كل مورد كان أصحابنا القدماء متفقين على فتوى مخالفا لفتاوى سائر الفقهاء وصدرت عنهم عليهم السلام أخبار موافقة لفتاوى سائر الفقهاء فليست تلك الاخبار حجة وإن كانت معلوم الصدور فضلا عما لا يكون كذلك، لان أصالة جهة الصدور أصل عقلائي والدليل على حجيتها بناء العقلاء، إذ بناء العقلاء على ان كل متكلم إذا تكلم بكلام يكون بصدد بيان مراده ومقصوده، وتشخيص مراده من كلامه يكون بأصل عقلائي آخر، وهو أصالة الظهور. ولكن في مثل المقام لا تجري ذلك الاصل العقلائي، أي أصالة جهة الصدور وذلك من جهة أنه بعد ما علم أن المتكلم يخاف من التفرد والتميز، فلو تكلم بكلام

[ 352 ]

موافق لهم مع أن أصحابه كلهم يفتون بخلافهم، فلا تجري أصالة جهة الصدور لعدم بناء العقلاء في مثل هذا المورد. بل يحصل القطع غالبا بعدم كونه لبيان حكم الله الواقعي وإن لم يحصل القطع لشخص فأصالة جهة الصدور لا تجري قطعا، وبدون جريانها لا حجية لتلك الروايات قطعا لما ذكرنا أن حجية الاخبار غير القطعية متوقفة على جريان هذه الاصول العقلائية الثلاثة: أصالة الصدور، وأصالة الظهور، وأصالة جهة الصدور. وليس المقام من ترجيح أحد المتعارضين بمخالفة العامة كي يقال بأن هذا الترجيح بعد ثبوت التعارض واستقراره، وثبوت التعارض واستقراره بعد فقد الجمع الدلالي أي العرفي وعدم إمكانه. وفيما نحن فيه الجمع الدلالي العرفي ممكن بحمل الاخبار التي مفادها نجاستهم والنهي عن مواكلتهم وأكل طعامهم وشرب سؤرهم وغير ذلك على الكراهة وأخبار الطهارة على الجواز، فيرتفع التعارض من البين. وذلك لما قلنا من سقوط أخبار الطهارة عن الحجية، وإن لم تكن أخبار النجاسة في البين أصلا، بل كان الصادر منهم عليهم السلام أخبار الطهارة فقط. لعدم جريان أصالة جهة الصدور في نفسه، وإن لم يكن معارض في البين. وبعبارة اخرى إن الخبر تارة يكون بنفسه ظاهرا في التقية، وإن لم يكن له معارض وذلك من جهة ظهور أمارات التقية عليه، واخرى لا يكون كذلك بل ليس في البين شئ إلا صرف مطابقة مضمونه لفتاويهم، وهذا الاخير هو الذي يكون من المرجحات عند التعارض، واعمال المرجحات والترجيح بها وجوبا أو استحبابا كما ادعاه بعضهم بعد فقد الجمع الدلالي العرفي ومع إمكانه ووجوده لا يبقى تعارض في البين كي يحتاج إلى إعمال المرجحات بل ينعدم موضوع الترجيح. وأما الاول فموجب لسقوط الحجية وإن لم يكن معارض له أصلا، وذلك لما قلا أن الحجية متوقفة على الاصول العقلائية الثلاثة التي منها أصالة جهة الصدور ومع

[ 353 ]

تلك القرائن على كون صدوره تقية لا يجري ذلك الاصل العقلائي. ولا نقول إن تلك الامارات والظنون حجج شرعية على أن هذا الخبر صدر تقية كي تقول بأن تلك الامارات والظنون المدعاة في المقام ليست إلا ظنون غير معتبرة فلا يثبت بها صدوره تقية، بل نقول مع وجود تلك الامارات التي عمدتها اتفاق الاصحاب على الافتاء بخلافها والاعراض عنها وعدم العمل بها مع صحة سند بعضها وظهورها في الطهارة، لا يبقى مجال لجريان أصالة جهة الصدور، وأنها لبيان حكم الله الواقعي لانها أصل عقلائي ولا بناء للعقلاء في مثل المورد، وإن كان إعراضهم عن الخبر في حد نفسه ليس حجة شرعية على صدوره تقية. فما ذكره الفقيه النبيه الهمداني قده (1) في هذا المقام وقال: فاعراض الاصحاب عنه بالنسبة إليه أمارة ظنية لا دليل على اعتبارها، واضح البطلان، ثم هو يعترف بأنه إن أثرت وهنا في الرواية من حيث السند إلى آخر ما أفاد، سقطت عن الحجية ولكن لا يوثر فيما هو موضوع أصالة الصدور، لانه ليس موضوعه الظن الشخصي بالصدور بل يكفي وثاقة الراوي. وهذا الكلام عنه وإن كان في حد نفسه لا يخلو عن مناقشة ولكن الاشكال عليه من جهة اخرى، وهو أن كلامنا الان في عدم جريان أصالة جهة الصدور مع وجود أمارة التقية والظن بذلك، وإن كانت تلك الامارة وذلك الظن غير معتبر في حد نفسها. ولا نقول أيضا بأنا نقطع بعدم صدور هذه الاخبار لبيان حكم الله الواقعي كي تقول بأن القطع حجة في حق نفس القاطع لا غيره، بل نقول بعدم جريان ذلك الاصل العقلائي والحجية متوقفة عليه. وأما ما افاده أخيرا بعد كلام طويل وقال: فالحق أن المسألة في غاية الاشكال، ولو قيل بنجاستهم بالذات والعفو عنها عند عموم الابتلاء أو شدة الحاجة إلى


1. " مصباح الفقيه " ج 1، ص 561.

[ 354 ]

معاشرتهم ومساورتهم أو معاشرة من يعاشرهم لمكان الحرج والضرورة كما يؤيده أدلة نفي الحرج لم يكن بعيدا إلى آخر ما قال وأفاد قده. ففيه أولا ما عرفت أن المسالة لا إشكال فيها، وأما قوله بالعفو لادلة الحرج فقد بينا في قاعدة الحرج من هذا الكتاب أن لقاعدة الحرج والضرر حكومة واقعية على أدلة الاحكام الواقعية بمعنى رفع الحكم الحرجي والضرري واقعا، فالدليل يدل على ثبوت حكم واقعي لموضوع من الموضوعات فهو بعمومه أو إطلاقه يشمل أي حكم كان حرجيا أو غير حرجي، ولكن القاعدة مفادها ارتفاع ذلك الحكم عن صفحة التشريع إن كان حرجيا بالنسبة إلى أي شخص من الاشخاص. مثلا مفاد قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم (1) هو وجوب الوضوء على كل واحد من افراد المؤمنين، سواء كان حرجيا في حق شخص أو لم يكن، ولكن قاعدة الحرج توجب رفع الوجوب الحرجي عن كل شخص كان الوجوب حرجيا في حقه، ولكن النفي بلسان نفي المحمول والمحمول على الوضوء هو الوجوب فالنتيجة أن الوجوب الحرجي لم يجعل في الدين ولكن الحرج حرج شخصي. وبعبارة اخرى مفاد القاعدة أن الحكم الحرجي في حق أي شخص كان ليس بمجعول في الدين فلابد وان يكون شخص ذلك الحكم المرفوع حرجيا فيمكن أن يكون حرجيا في حق شخص دون شخص آخر وفي وقت دون وقت آخر، فليس كونه حرجيا نوعا موجبا لارتفاعه عن كل شخص، وإن لم يكن حرجيا في حقه. نعم قد يكون الحرج منشأ لجعل حكم، ولكن ذلك لا يثبت بدليل الحرج بل يحتاج إلى دليل آخر. إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كان ترك المؤاكلة أو المساورة معهم حرجيا بالنسبة


1. المائدة (5): 6.

[ 355 ]

إلى شخص فيرتفع حرمتهما عن ذلك الشخص دون الآخرين الذين ليسا تركهما لهم حرجيا، وهذا ليس تفصيلا في المسألة، بل هذه القاعدة تجري في جميع الاحكام الشرعية إلا في الاحكام التي يكون موضوعها حرجيا دائما مثل الجهاد مثلا. وأما إن اراد بارتفاع الحرمة وعدم لزوم الاجتناب عنهم ارتفاعها مطلقا، ولو لم يكن بالنسبة إليه حرجيا للحرج النوعي، فيحتاج إلى دليل يدل على ذلك، وليس شئ هاهنا من هذا القبيل، بل يجب الاجتناب عما لاقى بدنهم بالرطوبة إلا أن يكون الاجتناب بالنسبة إلى خصوص شخص حرجيا، وهذا لا اختصاص له بالكافر، بل إذا كان الاجتناب عن أي نجس بالنسبة إلى أي شخص حرجيا بالخصوص فلا يجب الاجتناب بناء على جريان القاعدة في المحرمات ايضا مثل الواجبات على إشكال في ذلك خصوصا في الكبائر. فالتمسك بقاعدة الحرج لاثبات طهارتهم أو العفو عن لزوم ترتيب آثار النجاسة مع ملاقاتهم بالرطوبة أو استعمال ما لاقاهم بالرطوبة فيما يشترط فيه الطهارة كالاكل والشرب إذا كان الملاقى لهم في المأكولات والمشروبات، أو الصلاة فيه إذا كان من الثياب مثلا لا وجه له أصلا، وقاعدة الحرج أجنبية عن هذا المقام. وأما الاستدلال لطهارة أهل الكتاب بآية اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم (1): بأن يقال قوله تعالى طعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم مطلق يشمل ما باشروه بالرطوبة وما لم يباشروه فإذا كان ما باشروه مع الرطوبة حلالا فلابد من القول بطهارتهم، والا لو كانوا نجسين فما باشروه مع الرطوبة يصير نجسا فيكون أكله حراما لحرمة أكل النجس فحليته مطلقا تكون ملازمة مع طهارتهم.


1. المائدة (5): 5.

[ 356 ]

وفي هذا الاستدلال جهات من الاشكال: الاول ان الطعام حسب نقل اهل اللغة إما خصوص البر أو مع الشعير أو الحبوب جميعا، أو باضافة البقول، فهذه الكلمة، وإن كانت في أصل اللغة تستعمل في كل ما يطعم به ولكن عند العرف تستعمل في المذكورات، فتكون من قبيل المنقول العرفي كلفظ الدابة والغائط، والمناط في باب تشخيص الظهورات هو الفهم العرفي والمعاني المذكورة أجنبية عن الاستدلال، إذ مبناه على كون الطعام يشمل مطلق ما يطعم به من المطبوخ وغير المطبوخ، كي يكون شاملا لما يباشره الكتابي مع الرطوبة في مقام الاكل أو الطبخ. الثاني تفسيره بالحبوب المروي عن الائمة المعصومين عليهم السلام في أخبار كثيرة. (1) الثالث أن المراد بالحلية هي أن طعامهم من حيث انتسابه إليهم وكونه ملكا لهم ليس محرما عليكم، فالاية في مقام دفع توهم الحظر كما أن قوله تعالى والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب (2) أيضا في مقام دفع توهم الحظر، فكأنهم كانوا يحتملون حرمة المبايعة والمعاملة معهم، وأن أجناسهم من حيث الانتساب إليهم حرام عليهم مع أنها من الطيبات فلا ينافي هذا المعنى كونها محرمة من جهة حرمتها في نفسه كلحم الخنزير مثلا، أو من جهة نجاستها لملاقاتها لبدنهم مع الرطوبة أو لملاقاتها لنجاسة اخرى، ومن هنا نعرف فائدة ذكر حلية طعام أهل الكتاب مع أنه من الطيبات. وأما الاستدلال لطهارتهم بأصالة الطهارة في الشبهات الحكمية فهو مع هذا الاجماع القوي والاتفاق الذي قلما يتفق في موارد الشبهات الحكمية مثله، وتلك الاخبار التي مرت عليك والاية الشريفة انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام (3) لا يخلو عن غرابة.


1. انظر " وسائل الشيعة " ج 16، ص 283، أبواب الذبائح، باب 26، ح 1 و 6، وص 291، باب 27، ح 46. 2. المائدة (5): 5. 3. التوبة (9): 28.

[ 357 ]

ثم انه بعد الفراغ عن دلالة الادلة المتقدمة على نجاستهم فالظاهر شمول هذا الحكم لجميع اجزاء بدنهم سواء كانت مما تحلة الحياة أو لم تكن كالكلب والخنزير. وذلك من جهة أن الدليل إذا دل على نجاسة الكتابي أو بعناوين اليهود والنصارى والمجوس أو المشرك، فظاهره أن بدن هؤلاء نجس لان النجاسة الخبثية من عوارض الجسم، ولو كان معروضها خصوص عضو أو كان بعض الاجزاء أو الاعضاء خارجا عنه. ولم يكن معروضا للنجاسة، لكان عليه البيان، واذ ليس فاللفظ يشمل البدن بجميع أعضائه وأجزائه سواء كانت مما تحله الحياة أو لم تكن. هذا مضافا إلى اطلاق معقد الاجماع على نجاستهم وعدم تفريقهم بين القسمين وأما ما يقال من مخالفة السيد لهذا الاجماع المدعى في المقام لانه يقول هناك بعدم نجاسة شعر الخنزير، ففيه أولا لا ملازمة بين المقامين لانه من الممكن أن يكون شعر الخنزير طاهرا ويكون شعر الكافر نجسا كما أن شعر الكلب نجس. وثانيا قوله بطهارة شعر الخنزير لوجود رواية على جواز جعله حبلا والاستقاء به، وهو مخصوص بمورده، مع أن هذا الاستنباط لا يخلو عن اشكال إذ لا ملازمة لا عقلا ولا شرعا ولا عرفا بين جواز جعله حبلا مع طهارته. وثالثا مخالفته لا يضر بتحقق الاجماع. واما استشكال صاحب المعالم (1) في نجاسة ما لا تحله الحياة من أجزاء بدن الكافر وأعضائه: بأن قياس الكافر على الكلب والخنزير ليس في محله، لان الحكم في الكلب والخنزير على المسمى وعلى هذين العنوانين، فيشمل جميع أجزائهما، واما في الكافر فليس الامر كذلك لان دلالة الآية ضعيفة، والاخبار لا تدل على نجاسة هذا العنوان، فلا دليل على نجاسة أجزائه التي لا تحلها الحياة، والاجماع دليل لبي لا إطلاق له.


1. " المعالم " ص 299.

[ 358 ]

ولكن قد عرفت دلالة الآية والاخبار على العناوين المذكورة مضافا إلى إطلاق معقد الاجماع. وأما اولاد الكفار غير البالغين فبناء الاصحاب على نجاستهم، ويظهر عن كلام جماعة أنهم ادعوا الاجماع عليه، واستدلوا على ذلك بامور: الاول الاجماع. الثاني السيرة المستمرة من المتدينين الملتزمين بالعمل، باحكام الدين على معاملة آبائهم، والانصاف أن هذه السيرة مما لا يمكن أن ينكر وجودها وتحققها، بل البحث عن نجاستهم وعدم نجاستهم مخصوص بالكتب العلمية، وإلا فالمرتكز في اذهان المسلمين أن حالهم حال آبائهم في النجاسة وعدمها، ولا يخطر ببالهم خلاف هذا. الثالث التبعية في النجاسة والطهارة، وفيه أن التبعية في الحكم يحتاج إلى دليل، والا لا وجه لاسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، بناء على عدم صدق عنوان الكافر على اولادهم، وإلا لو صدق لا تصل النوبة إلى الاستدلال بالتبعية، بل يشملهم ادلة نجاسة الكفار مثل شمولها لآبائهم، من دون احتياج إلى التبعية. واما التمسك على تبعيتهم لآبائهم بالسيرة، فهذا عدول عن هذا الدليل إلى دليل آخر. الرابع أنهم كفار فيشملهم أدلة نجاسة الكفار من الآيات والروايات والاجماع والسيرة، وتوضيح هذا المطلب يحتاج إلى بيان معنى الكافر والمشرك واليهود

[ 359 ]

والنصارى والمجوس، أي العناوين الواردة في الآيات والروايات ومعاقد الاجماعات فنقول: إن كان الكفر بمعنى صرف عدم الاعتقاد بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله وما جاء به وبعبارة اخرى عدم الاعتقاد باصول دين الاسلام كي يكون التقابل بينه وبين الاسلام تقابل السلب والايجاب، فأولاد الكفار كافرون لانهم لا يعتقدون بالعقائد الاسلامية مميزهم وغير مميزهم. وأما إن كان بمعنى عدم الاعتقاد في الموضوع القابل، كي يكون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، وهو الصحيح، فلا يمكن أن يقال بكفر الطفل غير المميز، لعدم قابليته لهذا الاعتقاد. اللهم إلا أن يقال بصحة إطلاقه على الطفل المميز القابل لهذا الاعتقاد وثبوت الحكم في سائر الاطفال بعدم القول بالفصل. الخامس استصحاب نجاسته حينما كان في بطن امه خصوصا قبل ولوج الروح فيه لانه قبل ولوج الروح هو بعد جزء من أجزاء امه كسائر ما في احشائها من أعضائها الباطنية. وفيه اولا كونه جزءا منها بحيث يكون نجسا كسائر اعضائها الباطنية مشكل، وعلى تقدير كونه كذلك فاستصحاب بقائها أيضا لا يخلو من إشكال للشك في بقاء الموضوع بعد الولادة والانفصال. السادس الروايات منها صحيحة ابن سنان سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث، قال عليه السلام: كفار، والله أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم (1) فصرح عليه السلام بأنهم كفار.


1. " الفقيه " ج 3، ص 491، باب حال من يموت من أطفال المشركين والكفار، ح 4740.

[ 360 ]

وأما الاشكال على دلالة هذه الرواية بأنها واردة في مقام بيان حالهم بعد الموت وأنهم يعاقبون أم لا؟ فلا دخل لها بنجاستهم في حال الحياة، فعجيب لان جهة الاستدلال بهذه الرواية ليست باعتبار أنهم يعاقبون بعد الموت أم لا كي يرد هذا الاشكال، بل جهة الاستدلال بها هي حكمه عليه السلام بأنهم كفار، ولا شك في أن كفرهم ليس باعتبار كونهم بعد الموت كذلك، وذلك لوضوح ان من ليس بكافر حال الحياة لا يصير كافرا بعد الموت. فالانصاف أن الرواية تدل على أنهم كفار في حال الحياة فقهرا يترتب على هذا العنوان حكمه أي النجاسة فظاهر الرواية أن كونهم كافرين حكم ظاهري لعدم العلم بحالهم والله يعلم بما كانوا يعملون بعد بلوغهم، وظاهر حالهم أنهم يدخلون مداخل آبائهم في اعتقاداتهم كما هو المعهود من أغلب الطوائف والامم. منها خبر حفص بن غياث: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من اهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليه المسلمون بعد ذلك، فقال عليه السلام إسلامه اسلام لنفسه ولولده الصغار، وهم أحرار وولده ومتاعه ورقيقه له، فأما الولد الكبار فهم فيئ للمسلمين، إلا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك. (1) وهذه الرواية وإن دلت على تبعية ولد الصغار لآبائهم في الاسلام، ولكن إسراء تبعيتهم في الاسلام إلى تبعيتهم في الكفر يكون قياسا رديئا، لان من الممكن أن يكون الاسلام لشرافته يؤثر في إسلام أولاده الصغار، وأما الكفر حيث ليس له شرافة يقف على نفسه ولا يستتبع أولاده كما أن ولادة الطفل لو صار في حال إسلام إحد أبويه يستتبعه في الطهارة فهذه الرواية أجنبية عن محل بحثنا. وأما استدلال الايضاح (2) في محكى مفتاح الكرامة لكفرهم بقوله تعالى ولا


1. " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 151، ح 262، باب المشرك يسلم في دار الحرب...، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 11، ص 89، أبواب جهاد العدو وما يناسبه، باب 43، ح 1. 2. " إيضاح الفوائد " ج 1، ص 364.

[ 361 ]

يلدوا إلا فاجرا كفارا (1) فلا وجه له أصلا، لان ظاهر الآية الشريفة أن نوحا عليه السلام بعد تلك الدعوة الطويلة وعدم اجابتهم يأس من قبولهم الايمان، أو يلدوا من يقبل الايمان بعد بلوغه، أو أخبره الله تعالى بانهم لا يلدون من يقبل الايمان بعد بلوغهم كما احتمله في تفسير مجمع البيان، (2) ولذلك دعا عليهم وقال هذا الكلام. وقال في مجمع البيان والمعنى لا يلدوا إلا من يكون عند بلوغه كافرا وربما يؤيد هذا المعنى ذكر فاجرا قبل ذكر كفرهم، بناء على أن يكون الفجور هاهنا بمعنى الزنا كما هو أحد معانيه المشهورة. وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا دليل على نجاسة أولاد الكفار غير البالغين إلا السيرة التي تقدم ذكرها والحكم بانهم كفار في صحيحة ابن سنان. وأما خبر وهب بن وهب عن الامام الصادق عليه السلام قال: أولاد المشركين مع آبائهم في النار وأولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة (3) وكذلك الخبر الآخر فأما اطفال المؤمنين فانهم يلحقون بآبائهم وأولاد المشركين يلحقون بآبائهم وهو قول الله عز وجل والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم (4) فدلالتهما على نجاسة أولاد الكفار لا يخلو من نظر و تأمل. هذا حال أولاد الكفار الذين هم غير بالغين المعلوم أنهم أولاد الكفار. وأما اللقيط الذي لا يعلم انه من أولاد المسلمين أو الكفار، فان وجدت حجة و امارة شريعة على أنه من اولاد احدى الطائفتين يلحقه حكمها والا فمقتضى الاصل


1. نوح (71): 27. 2. " مجمع البيان " ج 5، ص 365. 3. " الفقيه " ج 3، ص 491، باب حال من يموت من أطفال المشركين والكفار، ح 4739. 4. " الكافي " ج 3، ص 248، باب الاطفال، ح 2، والاية في سورة الطور (52): 21.

[ 362 ]

هي الطهارة. وأما بالنسبة إلى غيرها من سائر الاحكام، فكل حكم كان الاسلام تمام موضوعه أو جزئه أو شرطه فلا يترتب عليه للزوم إحراز الموضوع وليس ما يحرزه في المقام إلا ما توهم من كونه في بلد أو مكان يغلب عليه المسلمون، أو التمسك بقوله صلى الله عليه وآله كل مولود يولد على الفطرة. (1) اما الاول اي كون الغالب فيه المسلمون وان ورد ما يدل على انه امارة التذكية ولكن اثبات اماريته مطلقا بحيث يثبت به اسلامه، أشبه بالقياس، إذ لا دليل عليه بالخصوص واسراء اماريته على التذكية بكونه أمارة على الاسلام، مرجعه إلى القياس الذي لا نقول بحجيته. وأما الثاني فمعناه ان المولود بحسب خلقته الاصلية وما فطره الله عليه يولد غير مائل عن الحق وغير مائل عن الطريق المستقيم وغير معاند للحق خاليا عن التعصب وعن الاخلاق الرذيلة، وإنما أبواه يحدثان فيه هذه الامور فحب أخذ طريقة الآباء أمر عارضي فيهم حدث من تربية أبويه فلا يدل أن الولد مسلم حتى يثبت خلافه وبعبارة اخرى لا يدل على أن في مورد الشك في اسلامه يحكم باسلامه حتى يثبت خلافه. هذا مضافا إلى أن الولد في ابتداء تولده ليس قابلا لان يكون مسلما بالمعنى الحقيقي لانه عبارة بذلك المعنى من اعتقادات مخصوصة والولد غير قابل ذلك فهو ليس بمسلم حقيقة، وإنما الكلام في أنه بحكم الاسلام أم لا، وهذه الرواية اجنبية عن هذا المعنى. وأما ما تمسك به الشيخ قده لاسلام الطفل المشكوك بقوله صلى الله عليه وآله الاسلام يعلو و لا يعلى عليه ". (2)


1. " الكافي " ج 2، ص 13، باب قطرة الخلق على التوحيد، ح 3، " عوالي اللئالي " ج 1، ص 35، ح 18. 2. " الفقيه " ج 4، ص 334، باب ميراث أهل الملل، ح 5719، " وسائل الشيعة " ج 17، ص 376، أبواب موانع

[ 363 ]

ففيه أن ظاهر هذه الجملة ان كانت انشاء وفي مقام التشريع كما هو الظاهر هو أنه بعد الفراغ عن اسلام شخص وأنه مسلم يعلو على غير المسلم في عالم التشريع و لا يعلو غير المسلم عليه، مثلا لا مانع من أن يكون هو مالكا أو زوجا لغير المسلم و لكن لا يمكن أن يكون غير المسلم زوجا أو مالكا له، الا أن يأتي دليل مخصص لهذا العموم في القضيتين: اي جملة الاسلام يعلو وجملة الاسلام لا يعلى عليه وأنت خبير ان مثل هذا المعنى حكم بعد الفراغ عن ثبوت الموضوع، فلا يمكن اثبات الموضوع اي الاسلام حكما أو موضوعا به. وأما إن كانت إخبارا كما هو خلاف الظاهر فلابد وان تحمل إما على الآخرة أي في الآخرة يعلو الاسلام على الكفر، لان الكفار في الآخرة يصيرون أذلاء صاغرين أو تحمل على الدليل والبرهان أي الاسلام في مقام الدليل والبرهان يغلب على سائر الاديان الباطلة الحقة أو المنسوخة إن تحمل على آخر الزمان بعد ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه، كل ذلك لاجل أن لا يلزم الكذب في كلامه صلى الله عليه وآله حاشاه. وعلى كل واحد من التقديرين لا ربط له بمسألة كون اللقيط المشكوك محكوما بالاسلام موضوعا أو حكما. وأما اولادهم الصغار المسبيون الذين سباهم المسلمون، فلا يخلو الحال إما هم مع أبويهم أو أحدهما، وإما هم وحدهم، فان كانوا مع أبويهم أو مع أحدهما، فالظاهر هو إلحاقهم بهما على إشكال فيما إذا كانوا مع امهم وحدها، وذلك لشمول السيرة المدعاة على إلحاقه بالسابي لمثل هذا المورد أيضا وأما إذا كانوا وحدهم فالظاهر هو اتفاق الاصحاب وتسالمهم على إلحاقه بالسابي وطهارته لعدم شمول إطلاقات أدلة نجاسة الكفار لمثل المقام ولا أدلة تبعية الصغار لآبائهم الكفار له، فيكون المرجع هي


. الارث باب 1، ح 11، " عوالي اللئالي " ج 1، ص 226، ح 118، وج 3، ص 496، ح 15.

[ 364 ]

أصالة الطهارة بعد ما لم يكن دليل على نجاستهم. اللهم الا أن يقال باستصحاب نجاستهم قبل السبي، بناء على عدم تغير الموضوع وأن لا يكون موضوع الالحاق بآبائهم مقيدا بما إذا كانوا معهم، ولكن على فرض جريان هذا الاستصحاب وصحته تكون السيرة المدعاة على تبعيته للسابي، حاكمة على هذا الاستصحاب فالعمدة في هذا المقام هو تحقق هذه السيرة وعدمه. وأما اولاد الكفار الذين بلغوا وهم مجانين فربما يتوهم طهارتهم لاجل ارتفاع التبعية بالبلوغ، وعدم صدق الكافر عليهم، وان كان الكفر على ما هو الحق عندي عبارة عن عدم الاعتقاد بالمبدء والمعاد، ونبوة نبينا صلى الله عليه وآله وحقية ما جاء به فهو معنى عدمي ولكن ذلك العدم لابد وأن يكون في موضوع قابل، ولذلك لا يقال للجمادات والنباتات والحيوانات كفرة مع عدم اعتقادها بما ذكرنا قطعا. وفيه أن ما ذكر وإن كان حقا ولكن هنا وجه آخر لعدم جريان أصالة الطهارة في حقهم، وهو احد الامور الثلاثة: إما شمول اطلاقات أدلة نجاسة الكفار لهم عرفا لانهم عندهم كفار، لا من باب خطائهم في التطبيق كي يقال ليس التطبيق بيد العرف، فإذا كان تطبيقهم على غير ما هو مصداق حقيقي للمفهوم، فلا اثر بل من جهة أن المفهوم عندهم معنى أوسع، فينطبق على من بلغ مجنونا حقيقة، ولكن في هذا الوجه تأمل واضح. وإما قيام السيرة المستمرة من المتدينين على الاجتناب عنهم ومعاملة النجاسة معهم ولكن وجود مثل هذه السيرة المتصلة بزمانهم عليهم السلام غير معلوم. وإما محكومة بالاستصحاب ولا شك في عدم تغيير موضوع النجاسة عند

[ 365 ]

العرف بدقايق قليلة بعد البلوغ مع ما قبله فلا مجال لجريان أصالة الطهارة أصلا. هذا فيما إذا كان الجنون متصلا بالصغر وعدم البلوغ وأما لو جن بعد ما بلغ عاقلا ولو بمدة قليلة فلا ينبغي أن يشك في نجاسته وعدم جريان أصالة الطهارة في حقه لصدق الكافر عليه في ذلك الزمان الذي كان عاقلا وان كان ذلك الزمان قليلا وأنت خبير بانه لا فرق بين ان يكون الكافر عشرين سنة عاقلا فيصير مجنونا أو كان ساعة عاقلا وصار بعدها مجنونا، لان المناط فيهما واحد. نعم لو كان جنونه بعد مدة الفسحه للنظر بعد أن صار بالغا بدون فاصل فبناء على طهارته أيام الفسحة للنظر والاجتهاد كما هو الصحيح، فالظاهر طهارته لانه بناء على هذا صار طاهرا بعد أن كان نجسا، فطرأ جنونه على الانسان الطاهر. وذلك لان تبعيته ارتفعت بالبلوغ فارتفعت بالنجاسة التبعية التي كانت فيه بارتفاع عليها، أو موضوعها بناء على ما هو الصحيح والمفروض أنه في مدة الفسحة أي النظر والاجتهاد لتشخيص ما هو الحق من العقائد والاديان يكون طاهرا و بحكم المسلم ثم جن بلا فصل فيكون كمسلم جن لا من باب القياس بل من باب عدم شمول اطلاقات أدلة نجاسة الكافر له فيكون المرجع أصالة الطهارة بل لا مانع من جريان استصحاب طهارة زمان الفسحة. وأما اولاد الكفار من الزنا فأيضا يتبعون آبائهم في النجاسة، وذلك لان نفي الولدية عنهم باعتبار الارث لا مطلقا وقد بينا (1) في قاعدة الولد للفراش أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر سؤدة بنت زمعة بالاحتجاب عن ولد ولد على فراش أبيها زمعة لكثرة شبهها بالزاني. (2)


1. " القواعد الفقهية " ج 4، ص. 2. " صحيح بخاري " ج 2، ص 3 و 4، كتاب البيوع، باب تفسير المشتبهات، " صحيح مسلم " ج 3، ص 256، كتاب الرضاع، باب 10، ح 36 و 37.

[ 366 ]

والحاصل كون الولد المخلوق من ماء رجل ومن بطن امرأة ولدا لها أمر تكويني بمعنى أن الانتساب بينه وبينها ليس أمرا اعتباريا بل عرض خارجي وله حظ من الوجود في الخارج، ولا يرتفع بالرفع التشريعي. نعم يمكن أن يرفعه الشارع باعتبار آثاره الشري أي يجعل في عالم الاعتبار التشريعي وجوده كالعدم، ولكن ليس في ولد الزنا دليل ينفي الولدية باعتبار جميع آثارها فيجب ترتيب آثار الولدية ما عدا الذي يكون النفي باعتباره. ولذلك لا يجوز للزاني تزوج بنته من الزنى ولا أمه ولا أخته إذا كانت هذه النسبة حاصلة من الزنا، فإذا جاء دليل على الحاق أولاد الكفار بآبائهم في النجاسة و تبعيتهم لهم فيمشمل الولد الذي حصل له من الزنا كما يشمل من لم يكن من الزنا ولا فرق بين أن يكون الزنا من طرف واحد أو من الطرفين واتضح وجه ذلك. هذا إذا كان الابوان كلاهما كافرين واما لو كان احدهما مسلما لا يلحقه هذا الحكم لان الولد ملحق بأشرف الابوين وهو المسلم منهما، هذا معلوم إذا كان الولد شرعيا كما إذا كان الاب مسلما في النكاح الصحيح أو كان الوطى من طرف الام المسلمة وطى شبهة، وأما إذا كان المسلم الاب فالمسلمة التي تكون إما زان أو زانية فهل يلحق الولد بالطرف المسلم أيضا أم لا؟ الظاهر هو الالحاق أيضا لما تقدم أن النفي ليس إلا بلحاظ بعض الاثار لاجميعها. اللهم الا أن يقال النسبة الحاصلة من الزنا ليست لها شرافة كي تكون موجبة للالحاق بالزاني المسلم أو الزانية المسلمة. ولكن يمكن أن يقال إن الحكم بالطهارة في المفروض ليس من جهة الالحاق بالمسلم، بل من جهة أن القدر المتيقن من الاجماع على إلحاق ولد الصغير الكافر به في النجاسة فيما إذا كان الابوان كافرين، وأما إذا كان احدهما مسلما فليس اجماع في البين، وليس دليل لفظي على التبعية كي يؤخد باطلاقه فيكون المرجع هي أصالة الطهارة لا الالحاق بالمسلم.

[ 367 ]

هذا مضافا إلى اطلاق معاقد الاجماعات فيما إذا كان احد ابويه مسلما في الحكم بالحاقه بالطرف المسلم وان كانت النسبة من الزنا فعلى كل حال لا ينبغي الشك في ان الولد إذا كان احد ابويه مسلما وان كان من الزناء لا يلحق بالكافر نعم حكى عن كاشف الغطا خلاف ذلك فقال بالحاق الولد بالكافر إذا كان الحل من طرفه وكان الزنا من طرف المسلم وهو محجوج بما ذكرناه فلا نعيد. ثم انه بعد ما عرفت ان الكافر بجميع اقسامه محكوم بالنجاسة يقع الكلام في عناوين اخر وأنها هل داخة في عنوان الكافر موضوعا أو حكما أولا هذا ولا ذاك، فنختم هذه المسألة ببيان أمور لتوضيح هذا المطلب فنقول. الامر الاول في منكر الضروري وهو من جحد ما ثبت أنه من الدين ضرورة والمراد بثبوته من الدين بالضرورة أنه لا يحتاج إثبات أنه من الدين إلى نظر واستدلال بل يعرف كونه من الدين كل أحد إلا أن يكون جديد الاسلام بحيث لا علم ولا اطلاع له على أحكام الاسلام ولا على عقائده، أو عاش في بلد بعيد عن بلاد الاسلام ولا تردد له إلى بلاد المسلمين، ولا معاشرة له معهم. ثم إنه وقع خلاف عظيم بين الفقهاء في أن كفر منكر الضروري هل هو لانه سبب مستقل له تعبدا ولو لم يكن موجبا لانكار النبوة والرسالة، أو من جهة رجوعه إلى ذلك، والمشهور بل ادعى في مفتاح الكرامة (1) أنه ظاهر الاصحاب وهذه العبارة مشعر بالاجماع هو أنه سبب مستقل،


1. " مفتاح الكرامة " ج 1، ص 143.

[ 368 ]

وقال جماعة اخرى منهم المحقق الخونساري وابنه وآغا جمال (1) والاردبيلي وكاشف اللثام وصاحب الذخيرة (2) والمحقق القمي قدهم أن جحود الضروري ليس بكفر في نفسه، إلا إذا كشف عن إنكار النبوة. واستدل للقول الاول بالاجماع والاخبار التي منها صحيحة الكناني وهي عمدتها عن أبي جعفر عليه السلام قال قيل لامير المؤمنين عليه السلام من شهد أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله سلم كان مؤمنا قال عليه السلام فأين فرائض الله؟ قال: وسمعته يقول كان علي عليه السلام يقول لو كان الايمان كلاما لم ينزل فيه صوم ولا صلوة ولا حلال ولا حرام. قال: وقلت لابي جعفر عليه السلام إن عندنا قوما يقولون إذا شهد ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فهو مؤمن قال عليه السلام: فلم يضربون الحدود؟ ولم تقطع أيديهم؟ وما خلق الله عزوجل خلقا أكرم على الله عزوجل من مؤمن، لان الملائكة خدام المؤمنين، وإن جوار الله للمؤمنين، وإن الجنة للمؤمنين، وإن الحور للمؤمنين ثم قال عليه السلام فما بال من جحد الفرائض كان كافرا. (3) وموضع الاستدلال لقولهم بأن إنكار الضروري موجب للكفر وإن لم يكن موجبا لتكذيب النبوة هي الجملة الاخيرة من هذه الرواية فكأنه عليه السلام جعل كفر من يجحد الفرائض من المسلمات ومفروغا عنه فيقول عليه السلام لو كان صرف قول الشهادتين كافيا في تحقيق الاسلام فلماذا يكون جاحد الفرائض كافرا؟ فالنتيجة أن جاحد الفرائض كافر مع إقراره بالشهادتين فمنكر الضروري الجاحد للفرائض ليس كفره من جهة تكذيبه للنبوة، بل كافر مع إقراره بالتوحيد والنبوة. وفيه أن الجحد هو الانكار مع العلم قال في القاموس جحد حقه أنكره مع


1. " التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية " ص 24. 2. " ذخيرة المعاد " ص 152. 3. " الكافي " ج 2، ص 33، باب بدون العنوان من كتاب الايمان والكفر، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 23، أبواب مقدمة العبادات: باب 2، ح 13.

[ 369 ]

علمه (1)، فلا محالة يكون جاحد الفرائض التي من الضروريات مكذبا للنبوة فلا يتم الاستدلال فجحده للفرائض ينقض إقراره فيكون كافرا من جهة أن إنكار وجوب الفرائض يرجع إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وتكذيب أن كل ما جاء به هو من عند الله. ومنها صحيح عبد الله بن سنان من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم انها حلال أخرجه ذلك من الاسلام وعذب أشد العذاب، وإن كان معترفا أنه ذنب ومات عليها أخرجه من الايمان ولم يخرجه من الاسلام، وكان عذابه أهون من عذاب الاول. (2) والاستدلال بهذه الصحيحة على أن إنكار الضروري كفر بنفسه من دون كونه موجبا لتكذيب النبوة، قوله عليه السلام فزعم أنها حلال فان زعم حلية شرب الخمر مثلا التي هي إحدى الكبائر إنكار للضروري، لان حرمته من الضروريات وهذا الانكار والزعم سبب لخروجه عن الاسلام، مع عدم إنكاره للنبوة. وفيه أن حرمة الكبائر معلومة لنوع المسلمين ولا يجهله إلا من هو جديد العهد بالاسلام أو كان في بلاد بعيدة عن بلاد الاسلام، مع عدم معاشرته مع المسلمين، وإلا فزعم حلية الكبيرة غالبا ملازم مع تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وهذا هو ظاهر الرواية فلا تدل على أن انكار الضروري بنفسه سبب مستقل للكفر الذي هو مدعاهم. وهنا روايات اخر ذكروها لمدعاهم تركنا ذكرها لوضوح عدم دلالتها فقد عرفت عدم دلالة هذه الاخبار على أن إنكار الضروري سبب مستقل للكفر. وأما الاجماع الذي ادعوه في المقام فلا صغرى له ولا كبرى أما الصغرى فلكثرة القائلين بالخلاف من الذين هم العظماء من الفقهاء، وأما الكبرى فلان إجماعهم ليس من الاجماع المصطلح الذي نقول بحجيته الذي كاشف قطعي عن رأي


1. " القاموس الحيط " ج 1، ص 290 (حجد). 2. " الكافي " ج 2، ص 285، باب الكبائر، ص 23، " وسائل الشيعة " ج 1، 22، أبواب مقدمة العبادات، باب 2، ح 10.

[ 370 ]

المعصوم عليه السلام لاحتمال أنهم بل المظنون اعتمادهم واتكائهم على أمثال هذه الروايات. فبناء على هذا لو أنكر ضروريا من الضروريات لشبهة علمية حصلت من دون تكذيبه للنبي صلى الله عليه وآله بل مع كمال إخلاصه والتصديق بنبوته صلى الله عليه وآله لا يحكم بكفره كما أنه ربما حصل مثل هذه الشبهة لبعض المحققين في الحكمة الالهية في المعاد الجسماني فانه بعد ما يبنى على تركب الجسم من المادة والصورة يقول بأن المعاد هي الصورة الجسمية من دون مادة وجسمية الجسم بصورته لا بمادته، وذلك بناء منهم على أن شيئية الشئ بصورته لا بمادته، فالمعاد في يوم النشور هو عين البدن الموجود في دار الغرور ولكن العينية بالصورة لا بالمادة. وأنت خبير بأن هذا القول مخالف للضروري لما هو الثاب في الدين الاسلامي بالضرورة ان المعاد في يوم القيامة عين البدن الدنيوي صورة ومادة لا صورة فقط، وأمثال ذلك مما أنكروه بشبهة علمية حصلت لهم، فلا يوجب امثال ذلك الكفر بناء على قول من يقول بان صرف انكار الضروري لا يوجب الكفر ما لم يكن تكذيبا للنبي صلى الله عليه وآله. إن قلت: إن الخوارج والنواصب الذين يبغضون امير المؤمنين عليه السلام واولاده المعصومين وسيدة نساء العالمين ويسبونهم ويقتلونهم لا يكذبون النبي صلى الله عليه وآله ومع ذلك يعتقدون بأمثال هذه الآراء الباطلة فلماذا يفتون بنجاستهم. قلنا إن الحكم بنجاستهم ليس من جهة إنكارهم الضروري بل لاجل ادلة خاصة وردت فيهم وسنتكلم عنها إنشاء الله تعالى، ويمكن أن يكون من جهة ان جهلهم بلزوم مودة هؤلاء المكرمون عند الله وعند رسول الله صلى الله عليه وآله وأن بغضهم بغض رسول الله صلى الله عليه وآله يكون عن تقصير، وإلا لو كانوا يفحصون ويلقون حب طريقة الاباء والعصبية يهديهم الله إلى طريق الحق والصواب قال الله تبارك وتعالى والذين

[ 371 ]

جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا (1) والجاهل المقصر ليس معذورا. فكما أن الجاهل المقصر في الاحكام الفرعية الالزامية لو خالف جهلا لا يعذر ويكون معاقبا مثل العالم، كذلك في الامور الاعتقادية لو لم يعتقد بما يلزم الاعتقاد به كالمعاد الجسماني أو اعتقد الخلاف لا يكون معذورا. وخلاصة الكلام أنه لا يظهر من الادلة إلا أن انكار الضروري موجب للكفر لكونه موجبا لتكذيب النبي صلى الله عليه وآله لا انه سبب مستقل للكفر. الامر الثاني الخوارج والنواصب فالاول هم الذين يستحلون قتل امير المؤمنين عليه السلام والثاني هم الذين يبغضونه أو يبغضون أهل البيت الذين امر الله بمودتهم فالظاهر هو الاتفاق على نجاستهم مضافا إلى ورود روايات كثيرة عن أهل بيت العصمة تدل على نجاستهم. وفي بعض تلك الاخبار المروي عن العلل في الموثق أن الله لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وان الناصب لنا اهل البيت أنجس منه (2) وكل ما يدل على نجاسة النواصب يدل على نجاسة الخوارج بطريق اولى لانهم اشد نصبا منهم. الامر الثالث الغلاة وهم الذين يألهون عليا أمير المؤمنين أو أحد الائمة المعصومين عليهم السلام، فيقولون بربوبيتهم أو حلوله تعالى العياذ بالله فيهم كافرون أنجاس ولا فرق بينهم وبين سائر المشركين، وقد ورد اللعن عليهم من الائمة المعصومين. الامر الرابع المجبرة والمفوضة، والمراد بالاول هو أن العباد مجبورون في أفعالهم مسخرون في إراداتهم بحيث لا يقدر العاصي على ترك العصيان ولا المطيع على ترك الاطاعة، وذلك لانتهاء إراداتهم إلى إرادة الله تعالى شأنه الازلية القديمة بنحو ترتب


1. العنكبوت (29): 69. 2. " علل الشرائع " ص 292، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 159، أبواب الماء المضاف والمستعمل، باب 11، ح 5.

[ 372 ]

المعاليل على عللها كما هو الظاهر من آراء الاشاعرة. ومقابلهم المعتزلة القائلين بالتفويض، وقد نسب إليهم أنه لو جاز العدم العياذ بالله على إله العالم لما ضر عدمه بالعالم، وأن العباد مستقلون في أفعالهم ولازم القول الاول صدور القبيح العياذ بالله من الله تعالى، لان العقاب على الفعل غير الاختياري قبيح خصوصا إذا كان سلب القدرة منه تعالى بارادته تعالى، واسناد القبيح العياذ بالله إلى الله إنكار للضروري، وهو أنه تعالى لا يفعل القبيح. وأما الثاني أي المفوضة فيرجع كلامهم إلى استغناء العالم العياذ بالله وان إرادة الله العياذ بالله ليست محيطة بالافعال والاشياء وهذا أسوء من الاول، ولذا قال الائمة المعصومون لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الامرين. (1) ولكن هذه أبحاث كلامية لا ربط لهما بعقائد المسلمين يصيب فيها بعض ويخطئ بعض، ولذلك لو سئلت عن أي واحد من المسلمين هل أنت مجبور على فعل كذا يقول لا، حسب ارتكازه، وأيضا لو يسأل عنه أنه هل الله تبارك وتعالى يفعل القبيح يقول لا، وكذلك لو سئل أن هذا الفعل الذي تريد أن تفعل تقدر ان تفعل ولو لم يرد الله ذلك يقول لا بل بارادة الله، ولذلك في أمر يقول افعل انشاء الله، ويعلقه على مشية الله جل جلاله، فلوازم هذه الآراء الباطلة لا يلتزم بها أحد من المسلمين، وإنما هي صرف أبحاث علمية التي يقع فيها الخطأ كثيرا من كثير من الباحثين. الامر الخامس المجسمة والمشبهة والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق، وذلك من جهة أن تجسيمه تعالى نوع وقسم من التشبيه ودائرة التشبيه اعم إذ يمكن تشبيهه بغير الاجسام من الممكنات والمخلوقات مثل أن يقال مثل الله تبارك وتعالى إلى المخلوقات والعالم نسبة النفس الناطقة المجردة إلى أبدان الآدميين، وعلى كل حال


1. " التوحيد " ص 360، ح 3.

[ 373 ]

من الضروري أنه تعالى ليس بجسم ولا شبيه بخلقه في كونه محلا للعوارض والطواري. فالقول بأنه جسم أو شبيه بالمخلوقات إنكار للضروري فان قلنا بأن إنكار الضروري سبب مستقل للكفر وإن لم يكن موجبا لتكذيب النبي صلى الله عليه وآله فحالهم معلوم وأما إن قلنا بأنه ليس سببا مستقلا فان كان ملتفتا إلى لوازم ما يقول من أن التجسم واحتياجه إلى المكان والحيز ينافي القدم ووجوب الوجود فهو كفر، لانه في الحقيقة بناء على هذا لم يذعن بوجود صانع قديم فليس مقرا بالله خالق السموات والارضين. وأما القول بأن التجسيم والتشبيه بالنسبة إليه تعالى ليس إنكارا للضروري، لان ظاهر بعض الايات وبعض الاخبار يوهم ذلك، فلا يخلو من غرابة، وعلى كل حال لا شك في أن التجسيم كفر بالله العظيم، إلا أن يكون ضعيف العقل قاصرا عن فهم لوازم كلامه. الامر السادس القائلون بوحدة الوجود من الصوفية بمعنى أنه ليس في عالم الوجود إلا وجود هو الله تعالى فيدعون أن وجود جميع الموجودات ليس أمرا مباينا مع وجود الله جل جلاله بل هي عينه تعالى. وخلاصة الكلام والاقوال في هذه المسألة هو أنه بناء على أصالة الوجود واعتبارية الماهية فالوجودات المنسوبات إلى الاشياء المحمولات على موضوعاتها إما حقائق متباينة بتمام ذواتها البسيطة كما يقول به المشاؤن، وهذا القول والرأي لا اشكال فيه شرعا ولا يخل بالاعتقادات، وإن أشكل عليه أيضا بعض بانه لا يمكن اثبات وحدانيته تعالى مع اتخاذ هذا الرأي، ولا يمكن دفع شبهة الثنوية المنسوبة إلى ابن كمونة (1) ولكن على فرض صحة هذا الكلام هذا من اللوازم البعيدة المغفول عنها


1. انظر: " الاسفار " ج 6، ص 58، " لمعات الهية " ص 151، " شرح المظومة " ج 3، ص 514.

[ 374 ]

لغالب أهل البرهان والتحقيق، فضلا عن العوام، فلا يوجب كفرا قطعا. واما حقيقة واحدة، ولكن لها مراتب متفاوتة بالكمال والنقص والشدة والضعف فوجود كل شئ من الاشياء غير وجودات الاخر، ولكن الجميع سنخ واحد والاختلاف بينها باختلاف المراتب غاية الامر أن وجود الواجب تعالى المرتبة غير المتناهية غير المحدودة بحد مطلقا حتى الحد الذهني والعقلي لان كل ما ميزتموه باوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق لكم مردود إليكم (1) وليس هو الجواب. فالقول بالوحدة السنخية مع تعدد الوجودات واقعا وخارجا لا إشكال فيه من ناحية العقائد الدينية، فان كان فيه إشكال فهو من حيث البراهين والادلة العقلية وأن التشكيك في الذاتيات هل يمكن أو لا يمكن. وبناء على هذا القول في عين الكثرة العددية والفردية وحدة وهي المعبر عنها بالوحدة السنخية وفي عين الوحدة كثرة فردية وهي المعبر عنها بالكثرة العددية أو الفردية. وإما حقيقة واحدة ووجود واحد وموجود واحد لا تعدد في الوجود أصلا، ويظهر ذلك الوجود الواحد في المظاهر والمجالي المتعددة وكل واحد من هذه المظاهر والمجالي وجوده نفس ذلك الوجود الواحد وليس شئ غيره، فيصح أن يقول ذلك المظهر والمجلى باعتبار وجوده أنا هو. وحيث إن ذلك الوجود الواحد هو الله والمظاهر والمجالي هي الممكنات والمخلوقات قاطبة، فكل واحد من الممكنات بالنظر إلى وجوده هو الله جل جلاله، العياذ بالله من هذه الاباطيل التي ينكرها العقل والنقل، وجميع الشرايع والاديان الحقة.


1. " بحار الانوار " ج 66، ص 293، باب صفات خيار العباد واولياء الله، ذيل ح 23، وفيه " كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانية مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ".

[ 375 ]

وأما إن كانوا يقولون بأن ذلك الوجود الواحد هو الله والممكنات لا وجود لها وليست إلا صرف خيال وأوهام وبعبارة اخرى ينفون الوجود عما سوى الله، ولا يدعون أن للمكنات وجودا ووجودها عين وجود الله جل جلاله. فهذا القول وإن لم يكن كفرا لكن انكار للبديهي وخلاف ما يدركه العقل السليم عن شوائب الاوهام وكيف يمكن أن يدعى أن هذه السموات مع أنجمها والارض مع جبالها وأنهارها وأشجارها وأبحرها ومعادنها ونباتاتها وحيواناتها على اختلاف مراتبها وآثارها لا وجود لها، وجميعها أوهام وخيالات، فبطلان هذا القول أوضح من أن يحتاج إلى بيان أو برهان. ولكن الذي يسهل الخطب أن كثيرا من الشعراء الذين يذكرون امثال هذه الخرافات والاباطيل في أشعارهم وأقوالهم ليس الا صرف لقلقة لسان من دون تدبر وتفكر في معاني هذه الجمل والكلمات، ولعله إلى ما ذكرنا يشير فقيه عصره في كتابه عروة الوثقى بقوله وأما المجسمة والمجبرة والقائلين بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الاسلام فالاقوى عدم نجاستهم إلا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد. (1) الامر السابع ولد الزنا طاهر إن كان من المسلمين، بل وإن كان أحد أبويه مسلما خصوصا إذا لم يكن الطرف الآخر أي الكافر أو الكافرة غير زان. وبعبارة اخرى تارة يكون الزنا من الطرفين، ففي هذه الصورة لو كان أحد أبويه مسلما يكون الولد تابعا له، واخرى يكون من طرف واحد وفي هذه الصورة إن كان الزنا من طرف من ليس بمسلم، فلا شك في إلحاقه بالطرف الذي هو مسلم، وأما إن كان الزنا من طرف المسلم، فربما يستشكل إلحاقه بالمسلم، لان الطرف الآخر الذي هو غير المسلم ينسب إليه الولد ولا يعارضه انتساببه التكويني


1. " العروة الوثقى " ج 1، ص 54.

[ 376 ]

إلى المسلم لان المفروض أنه زان والشارع لم يعتبر الانتساب الذي يكون سببه الزنا وألقاه وجعله كالعدم. وفيه أن الشارع لم يلقه بالمرة وإلا كان تزويج بنته من الزنا جائزا، وأيضا لو كان الابوان كلاهما مسلمين زانيين أيضا لا يلحق بهما، والحديث الشريف الولد للفراش وللعاهر الحجر (1) في مورد الشك، والمورد المفروض في مورد اليقين بالانتساب إليهما، فلا يشمله الحديث فهذا الاشكال أو التوهم في غير محله، وإن صدر عن بعض أعاظم أساتيذنا. ثم ان الحكم بطهارته يكون بمقتضى الاصل مع عدم دليل يوجب الخروج عن مقتضاه، والمسألة ذات قولين، والمشهور على الطهارة وحكى عن الصدوق (2) وعن السيد (3) والحلي (4) نجاسته، ونسب صاحب الجواهر إلى الكليني أيضا احتمالا وهذه عبارته بل ربما قيل إنه ظاهر الكليني أيضا (5)، وحكى صاحب الجواهر عن الحلي في سرائره (6) أن ولد الزنا قد ثبت كفره بالادلة بلا خلاف بيننا. ثم إن الكلام في ولد الزنا تارة من حيث كفره واخرى من حيث طهارته ونجاسته. فالاول أي كفره فالظاهر أن هذه الدعوى كما يقول صاحب الجواهر ضروري البطلان لانه كيف يمكن أن يقال للمؤمن الموحد المعترف بنبوة محمد والمعتقد بالمعاد والمصدق لما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وأن كل ما جاء به حق ومن عند الله والمقر والمعترف


1. صحيح البخاري " ج 2، ص 3 و 4، كتاب البيوع، باب تفسير المشتبهات، " صحيح مسلم " ج 3، ص 256، كتاب الرضاع، باب 10، ح 36 و 37، " عوالي اللئالي " ج 2، ص 132، ح 359، وص 275، ح 41. 2. " الفقيه " ج 1، ص 9، باب المياه وطهرها ونجاستها، ذيل ح 11، " الهداية " ص 14. 3. " الانتصار " ص 273. 4. " السرائر " ج 1، ص 357. 5. " جوهر الكلام " ج 6، ص 68. 6. " السرائر " ج 2، ص 122، وج 1، ص 357.

[ 377 ]

بولاية الائمة الطاهرين أنه كافر، وهل هذا إلا مثل أن يقال للحار بارد وللابيض أسود. واما الثاني أي نجاسته فعمدة مستند القائلين بها هي الاخبار الواردة فيهم وإلا فاستدلال الحلي على نجاستهم بعدم الخلاف مع ذهاب المشهور إلى طهارتهم غريب. وأما الاخبار فمنها مرسلة الوشاء عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كره سؤر ولد الزنا واليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الاسلام، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب. (1) والاستدلال بهذه المرسلة باعتبار كراهته عليه السلام من سؤر ولد الزنا، وجعله في رديف اليهودي والنصراني والمشرك الذين اثبتنا أنهم أنجاس. وفيه أن كراهته السؤر أعم من نجاسة ما بقى من شربة السؤر، لانه من الممكن أن تكون لجهات اخر وكون الجهة في الانجاس نجاستهم لا يوجب أن تكون الجهة في ولد الزنا ايضا تلك الجهة. وذلك لانه لا مانع من أن يكون الحكم الواحد على الافراد أو الانواع التمعددة بملاكات متعددة، بأن يكون في كل واحد منها ملاك يخصه مع أنه من الممكن أن يكون الملاك في الجميع واحدا في المرسلة أيضا وهي الخباثة المعنوية الموجودة في الجميع. ومنها رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها


1. " الكافي " ج 3، ص 11، باب الوضوء من سؤار الحائض والجنب...، ح 6، " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 223، ح 639، باب المياه وأحكامها، ح، 22، " الاستبصار " ج 1، ص 18، ح 37، باب استعمال أسئار الكفار، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 165، أبواب الاسئار، باب 3، ح 2.

[ 378 ]

غسالة الناصب الحديث. (1) وجه الاستدلال بها واضح خصوصا مع تعليل النهي عن الاغتسال فيها بعدم طهارة ولد الزنا إلى سبعة آباء. وفيه أن نفس هذا التعليل دليل على أنه ليس المراد بقوله عليه السلام وهو لا يطهر إلى سبعة آباء هي الطهارة عن الخبث، لان هذا شئ مستنكر لم يقل به أحد ان الولد الشرعي لولد الزنا نجس خصوصا إذا كان ولدا سابقا له، والمراد هي الخباثة المعنوية التي ربما ترثه الاولاد من الآباء، ومن الممكن بقاء هذه القذارة إلى سبعة آباء. ومنها رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الاول عليه السلام في حديث قال فيه ولا يغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزناء والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم. (2) وفيه أن سياقها استدلالا وجوابا سياق رواية ابن أبي يعفور. ومنها مرفوعة سليمان الديلمي إلى الصادق عليه السلام قال يقول ولد الزنا يا رب فما ذنبي فما كان لي في أمري صنع فيناديه مناد ويقول له أنت شر الثلاثة أذنب والداك فنشأت عليهما، وأنت رجس ولن يدخل الجنة إلا طاهر. (3) وفيها أن المراد بالرجس في هذه المرفوعة هي القذارة والخباثة المعنوية بقرينة قوله فنشأت عليهما أي نشأتك نشأة الطغيان والتمرد اللذين كانا في أبويك، وإلا لم يكن أبواه نجسين، لان المسلم والمسلمة لا ينجسان بصدور الزنا منهما كي يكون نشأته في النجاسة نشأتهما.


1. " الكافي " ج 3، ص 14، باب ماء الحمام والماء الذي تسخنه الشمس، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 159، أبواب الماء المضاف وغيره، باب 11، ح 4. 2. " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 373، ح 1143، باب دخول الحمام وآدابه وسننه، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 158، أبواب الماء المضاف والمستعمل، باب 11، ح 1. 3. " علل الشرائع " ص 188.

[ 379 ]

وأما الصفات النفسانية والحالات والملكات، سواء كانت فضائل ورذائل ترثه الابناء في الاغلب عن الآباء، فتفسير الرواية أن شقائك من قبل ابويك فليس في المرفوعة ما يكون دليلا على نجاسة بدن ولد الزنا. ومنها ما ورد من أن نوحا لم يحمل معه ولد الزناء في السفينة، مع أنه حمل الكلب الخنزير فيستكشف من هذا أنه أنجس من الكلب والخنزير. (1) وفيه أنه لا دلالة فيه أصلا، بل ولا تأييد من قبله لهذا المطلب أي نجاسة ولد الزنا، وذلك من جهة بناء السفينة وصنعها لاجل خلاص المؤمنين عن الغرق وهلاك الكافرين ولم يكن في المؤمنين ولد الزنا، لاجل ذلك لم يحمل، لا أنه كان في المؤمنين وتركه لاجل نجاسته. هذا أولا وثانيا على فرض أن يقال بوجوده ومع ذلك لم يحمله، وإن كان في كمال الاستبعاد ويمكن أن يكون ترك حمله لاجل شقاوته وشؤمه، فربما يوجب حمله ضررا على السفينة. ومنها موثق زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام لا خير في ولد الزنا وبشره ولا في شعره ولا في لحمه. (2) وفيه أنه أجنبي عن محل البحث. ومنها حسنة ابن مسلم عن الامام الباقر عليه السلام لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحب إلي من لبن ولد الزنا. (3) وفيه أيضا أنه أجنبي عن محل البحث من جهة أن اللبن غذاء ينمو به الجسم


1. " عقاب الاعمال " ص 252. 2. " المحاسن " ص 108. 3. " الكافي " ج 6، ص 43، باب من يكره لبنه ومن لا يكره، ح 5، " تهذيب الاحكام " ج 8، ص 109، ح 371، باب الحكم في أولاد المطلقات، ح 20، " الاستبصار " ج 3، ص 322، ح 1147، باب كراهية لبن ولد الزنا، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 184، أبواب أحكام الاولاد، باب 75، ح 2، وباب 75، ح 2، وباب 76، ح 2.

[ 380 ]

ولا شك في أن الغذاء يؤثر في الجسم أولا وبالذات، وفي الروح ايضا بتوسط تأثيره في الجسم، وربما يكون أثر السوء كحصول الاخلاق الذميمة والملكات الرذيلة في نفس الولد من لبن ولد الزنا أزيد من لبن الكفار، ولذلك قال عليه السلام إن لبن الكفار الثلاثة أحب الي من لبن ولد الزنا، فلا ربط لهذه الرواية بمسألة نجاسة بدن ولد الزنا. وخلاصة الكلام أن هذه الاخبار وغيرها مما وردت في ذم ولد الزنا، يستفاد منها أن المولود الذي يتولد من الزنا فيه اقتضاء الشقاوة والفساد والضلالة والميل إلى الجور والباطل والخروج عن جادة الحق والطريق المستقيم، ولكن لا بحيث يسلب عنه الاختيار كي يكون عقابه ومؤاخذته قبيحا وظلما عليه، بل يرتكب القبائح بسوء اختياره فيعاقب على قبائح أعماله وأفعاله. فمعنى قوله عليه السلام أنه رجس أو شر أو لا خير فيه أو لا يطهر إلى سبعة آباء أو انه لا يحب أمير المؤمنين عليه السلام وأمثال ذلك من العبارات التي وردت في الازدراء به، هو ما صرح به عليه السلام في مرفوعة سليمان الديلمي بقوله عليه السلام أنت شر الثلاثة أذنب والداك فنشأت عليهما وأنت رجس (1) أي أنت نتيجة فسادهما وعملهما القبيح فورثت الخباثة والتمرد والطغيان من ذلك الطاغي والمتمرد وتلك الطاغية والمتمردة ومعلوم أن من كان جوهر ذاته ناشئة من عمل القبيح يكون فيه اقتضاء جميع الشرور ولكن لا بحد يسلب الاختيار كي يكون عقابه قبيحا كما ذكرنا. وبما ذكرنا يرتفع الاشكالات المتوهمة بالنسبة إلى ما ورد في حق ولد الزنا من أنه لا يدخل الجنة، وان اطاع ولم يعص أبدا، فيقال بأن هذا ظلم في حق ولد الزنا وأي ذنب أذنب كي يكون مستحقا لمثل هذا الطرد، وعدم شمول حرمة الله له، مع أنه تعالى يقول في كتابه العزيز جزاءا وفاقا (2) وأيضا قوله تعالى جزاء بما كانوا


1. " علل الشرائع " ص 188. 2. النباء (78): 26.

[ 381 ]

يكسبون (1) وايضا قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك (2) إلى غير ذلك من الايات والروايات. والحاصل أن كل رواية كان في هذا المقام مخالفا للعدل الالهي فلابد وأن يؤول وإن لم يمكن تأويله فلابد وأن يطرح. الامر الثامن في سائر الفرق من الشيعة غير الاثني عشرية، فانهم أيضا طاهرون كسائر المسلمين ما لم يكونوا ناصبين وسابين لبعض الائمة الاثني عشر، وأما إن كانوا ناصبين أي مبغضين لغير من يعتقدون بامامته أو سابين له، فيدخلون في جملة الناصبين وقد تقدم حكم الناصب، ولا فرق في الناصب بين أن يكون معتقدا بامامة بعض الائمة أو لم يكن معتقدا بالامامة أصلا لان المناط في كونه ناصبا هو بغضه وسبه لامير المؤمنين عليه السلام أو لاحد أولاده الطاهرين الذين هم مطهرون بنص القرآن الكريم. وخلاصة الكلام أنه فرق بين عدم الاعتقاد بامامة بعض الائمة أو جميعهم وصرف هذا لا ينافي طهارتهم وجريان أحكام الاسلام في حقهم، فان أغلب المسلمين لا يقولون بامامة الائمة بالمعنى الاخص الذي يعتقدون به الامامية الاثنى عشرية، وأحكام الاسلام جارية في حقهم من طهارة أبدانهم وجواز المناكحة معهم، وحلية ذبائحهم، ووجوب دفن موتاهم وسائر أحكام الاموات، واحترام أموالهم ونفوسهم إلى غير ذلك من احكام الاسلام وبين بغضهم وعدواتهم وسبهم، والثاني هو الناصب ويكون مشمولا لحكمة وقد تقدم حكمه. والدليل على أنهم ما لم يبغضوا ولم يسبوا يكونون بحكم الاسلام ويجري عليهم أحكامه من طهارة أبدانهم إلى آخر ما ذكرنا، هو شمول اطلاقات أدلة احكام


1. التوبة (9): 82 و 95. 2. النساء (4): 79.

[ 382 ]

الاسلام لهم، لان موضوع تلك الاحكام هو الاسلام وفسر الاسلام في الروايات (1)

[ 382 ]

الاسلام لهم، لان موضوع تلك الاحكام هو الاسلام وفسر الاسلام في الروايات (1) بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فالاعتراف بوجوب الصلوة والزكاة وصوم شهر رمضان لمن لا يكون معذورا وحج بيت الله الحرام كما في رواية سفيان بن السمط عن أبي عبد الله عليه السلام قال الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكوة وحج البيت وصيام شهر رمضان فهذا الاسلام (2) الخ وغيرها من الروايات الكثيرة الواردة في بيان معنى الاسلام وما هو الموضوع لتلك الاحكام، ولا شك في أن سائر فرق الشيعة غير الامامية الاثنى عشرية معترفون بهذه الامور. والدليل على أنهم إذا أبغضوا بعض الائمة أو سبوا يكونون من النصاب ويلحقهم حكمهم مضافا إلى إطلاقات أدلة نجاسة الناصبي، فانه لا فرق في شمول تلك الادلة بين ان يكون الناصب معترفا بامامة بعض الائمة أو كان منكرا لامامة جميعهم هو الروايات الواردة في هذا المقام، وهي كثيرة. منها ما رواه ابن المغيرة قال قلت لابي الحسن عليه السلام إني ابتليت برجلين أحدهما ناصية معترفون بهذه الامور. والدليل على أنهم إذا أبغضوا بعض الائمة أو سبوا يكونون من النصاب ويلحقهم حكمهم مضافا إلى إطلاقات أدلة نجاسة الناصبي، فانه لا فرق في شمول تلك الادلة بين ان يكون الناصب معترفا بامامة بعض الائمة أو كان منكرا لامامة جميعهم هو الروايات الواردة في هذا المقام، وهي كثيرة. منها ما رواه ابن المغيرة قال قلت لابي الحسن عليه السلام إني ابتليت برجلين أحدهما ناصب والآخر زيدي ولابد من معاشرتهما فمن أعاشر؟ فقال عليه السلام: هما سيان من كذب بآية من آيات الله فقد نبذ الاسلام وراء ظهره، وهو المكذب لجميع القرآن والانبياء والمرسلين ثم قال: هذا نصب لك وهذا الزيدي نصب لنا (3) فتأمل. الحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.


1. انظر: " وسائل الشيعة " ج 1، ص 7، أبواب مقدمة العبادات، باب 1 و 2. 2. " الكافي " ج 2، ص 20، باب أن الاسلام يحقن به الدم...، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 11، أبواب مقدمة العبادات، باب 1، ح 13. 3. " الكافي " ج 8، ص 235، ح 314.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية