الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




القواعد الفقهية - السيد البجنوردى ج 3

القواعد الفقهية

السيد البجنوردى ج 3


[ 1 ]

القواعد الفقهية الجزء الثالث آية الله العظمى السيد محمد حسن البجنوردى تحقيق مهدي المهريزي - محمد حسن الدرايتي

[ 2 ]

بمساعدة معاونية الشؤن الثقافية وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي القواعد الفقهية / ج 3 المؤلف: آية الله العظمى السيد محمد حسن البجنودي المحققان: محمد حسين الدرايتي - مهدي المهريزي الناشر: نشر الهادي الطبع: مطبعة الهادي الطبعة الاولى: 1419 ه‍ ق‍ - 1377 ه‍ ش‍ الكمية: 1000 نسخة شابك (ردمك) 7 - 030 - 400 - 964 isbn ايران، قم، شارع الشهداء، بلاك 759، هاتف: 737001

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

26 - قاعدة عموم حجية البينة

[ 9 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف خلقه وخير بريته سيد الاولين والاخرين محمد واله الطيبين الطاهرين المعصومين. قاعدة عموم حجية البينة ومن القواعد الفقهية المشهورة قاعدة حجية البينة وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في الدليل على اعتبارها فنقول لا شك في أن المراد من البينة في هذه القاعدة هو شهادة عدلين، فكل دليل نأتى به على اعتبارها لا بد وأن يكون مفاده حجية البينة بهذا المعنى لا بمعنى آخر.


:: " القواعد والفوائد " ج 1، ص: 405، " عوائد الايام " ص 88 و 273، " عناوين الاصول " عنوان 82، " خزائن الاحكام " ش 40، " القواعد الفقهية " (فاضل اللنكراني) ج 1، ص 461، " القواعد الفقهية " (مكارم الشيرازي) ج 4، ص 46.

[ 10 ]

فنقول أولا ما هو معنى البينة لغة وعرفا؟ ولا شك في أنها صفة مشبهة من بان، فإذا كان موصوفها مذكرا يقال: هو بين، و إذا كان مؤنثا يقال: هي بينة فهو كسيد وسيده من ساد. وحيث ان موصوفها هي الحجة، فيقال انها بينة أي: حجة واضحة لا سترة و لا خفاء فيها، وهى بهذا المعنى تكون مرادفة للبرهان. وقد استعمل بهذا المعنى في خمسة عشر موضعا من القرآن العظيم، وقد عبر فيه عن المعجزتين اللتين لموسى عليه السلام تارة بكلمة برهان (واخرى) بلفظة البينة في قوله تعالى (فذانك برهانان من ربك) (1) وفى قوله تعالى حكاية عن قول موسى عليه السلام (قد جئتكم ببينة من ربكم) (2) إلى قوله تعالى (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) (3) فمعنى هذه الكلمة لغة وعرفا هي الحجة الواضحة والبرهان أي: ما يوجب اليقين. ولكن الظاهر انها في لسان الشرع عبارة: عن شهادة عدلين على أمر، وهذا المعنى - بعد حكم الشارع باعتبارها وبعد أن جعلها أمارة وحجة - تكون من مصاديق الحجة الواضحة بناء على ان حجية الامارات من باب تتميم الكشف في عالم الاعتبار التشريعي، فتبادر هذا المعنى في لسان الشرع يرجع إلى انصراف المفهوم الكلى إلى بعض مصاديقه، ولذلك لم يحتمل أحد من الفقهاء في قوله صلى الله عليه وآله - البينة على المدعى واليمن على من أنكر (4) أو في قوله صلى الله عليه وآله - إنما أقضى بينكم بالبينات و


: 1 - القصص (28): 32. 2 - الاعراف (7): 105. 3 - الاعراف (7): 107 - 108. 4 - " عوالي اللئالي " ج 2، ص 345، ح 11، " مستدرك الوسائل " ج 17، ص 368، أبواب كيفية الحكم، باب 3، ج 4.

[ 11 ]

الايمان (1) أن يكون مراده صلى الله عليه وآله غير هذا المعنى، لان اليد تكون امارة شرعية امضائية لما عند العقلاء. فإذا ادعى أحد على صاحب اليد فتكليفه بالبينة لا يفهم منه إلا شهادة عدلين، و إلا لو كان المراد منها مطلق الحجة - فلو كان سابقا ملكا للمدعى فاستصحاب ملكيته حجة له بناء على اعتبار الاستصحاب كما هو كذلك - فلا يحتاج إلى حجة اخرى. ففهمهم شهادة شاهدين - من ذلك الكلام - دليل على انصراف البينة إلى ما هو المتبادر منها في تلك الاذهان وهو شهادة عدلين، وإلا لو كان مراده صلى الله عليه وآله مطلق الحجة فالمنكر هو الذي يكون قوله مطابقا للحجة الفعلية فلا يبقى مجال لهذا التفصيل بين المدعى والمنكر، بل تكون لكل واحد منهما الحجة. فإذا عرفت ما هو المتبادر من لفظة البينة في الاحاديث الصادرة عن المعصومين عليهم السلام. فنقول: استدلوا لحجية البينة بالمعنى المذكور بامور: (الاول) رواية مسعدة بن صدقة " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثواب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر فبيع أو امراة تحتك و هي اختك أو رضيعتك والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة (2).


: 1 - " الكافي " ج 7، ص 414، باب أن القضاء بالبينات والايمان، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 229، ح 552، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 3، " معاني الاخبار " ص 279، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 169، أبواب كيفية الحكم، باب 2، ح 1. 2 - " الكافي " ج 5، ص 313، باب النوادر (من كتاب المعيشة) ح 40، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 226، ح 989، باب من الزيادات، ح 9، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 60، أبواب ما يكتسب به، باب 4، ح 4.

[ 12 ]

وبعد ما عرفت من ان المتبادر من لفظة البينة في الروايات هو شهادة شاهدين فدلالة هذه الرواية على عموم حجيتها في كل موضوع - وعدم اختصاصها بباب القضاء - واضحة، إذ الجمع المعرف باللام يفيد العموم مضافا إلى تأكيد كلمة الاشياء بكلمة كلها. فمعنى الرواية ان جميع الاشياء أي: الموضوعات الخارجية على ذلك أي الحلية إلى ان تعرف بالعلم الوجداني حرمتها أو بالبينة، فجعل عليه السلام قيام البينة بمنزلة العلم في حصول غاية الحكم بالحلية في جميع الاشياء سواء أكان في باب القضاء أو غيرها. واورد على الاستدلال بهذه الرواية - على عموم حجية البينة في جميع الموضوعات - بايرادات: الاول عدم اعتبارها لان راويها مسعدة عامي ولم يوثقوه وفيه: ان عمل الاصحاب بها يوجب الوثوق بصدورها، وموضوع الحجية هو خبر الموثوق الصدور لا خبر الثقة. الثاني ان المراد بقوله عليه السلام (حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة) العلم و العلمي، فيحتاج اثبات ان البينة - أعني شهادة عدلين - دليل علمي في جميع الموضوعات سواء أكان في باب القضاء أو غير القضاء إلى دليل اخر غير هذه الرواية. وفيه انه وان تقدم ان لفظة البينة معناها لغة هي الحجة الواضحة ولعله عرفا ايضا كذلك فلو كان المراد في هذه الرواية هذا المعنى فهو كما توهم ويحتاج اثبات ان البينة بمعنى شهاد عدلين من الحجة الواضحة إلى دليل اخر غير هذه الرواية. ولكن قلنا ان هذه الكلمة بواسطة كثرة الاستعمال في شهادة اثنين على موضوع عند العرف صارت منقولا عرفيا، وأن أنكرت كونها منقولا عرفيا فلا يمكن انكار انها منقول شرعي، لما قلنا من انها في لسان الشارع ظاهرة شهادة عدلين. مضافا إلى

[ 13 ]

أنها لو كان المراد منها مطلق الحجة الواضحة يلزم ان يكون قسم الشئ قسيما له لوضوح ان الاستبانة اي العلم قسم من الحجة الواضحة بل اعظم واجلي مصاديقها. الثالث: أن البينة في هذه الرواية جعلت غاية للحل، فكأنه قال عليه السلام كل شئ لك حلال حتى تعلم حرمته أو تقوم البينة على حرمته ولا تدل إلا على حجية البينة لاثبات حكم الحرمة لا اثبات الموضوعات كخمرية مايع أو كرية ماء أو اجتهاد زيد أو عدالته وامثال ذلك من الموضوعات، بل لا تدل على حجيتها لاثبات سائر الاحكام الجزئية كنجاسة ذلك الشئ أو ملكيته لفلان أو زوجية فلانة لفلان و امثال ذلك، والمدعى هو عموم حجيتها في جميع الموضوعات. وفيه: ان الظاهر والمتفاهم العرفي - من هذه الرواية - هو ان الحرمة لا تثبت باحتمال ما هو موضوع الحرمة بل لا بد من العلم بالموضوع وانه سرقه أو هي رضيعة ذلك الشخص، وامثال ذلك مثل انه ميتة أو خمر أو غير ذلك أو أن تقوم البينة على ذلك الموضوع أي: يحتاج اثبات الحرمة وارتفاع الحلية على اثبات ما هو موضوع الحرمة، والمثبت للموضوعات إما العلم أو البينة، فجعل عليه السلام البينة عدلا للعلم. وحيث ان حجية العلم ذاتيه فلا يحتاج إلى جعل تشريعي، بل لا يمكن ذلك ولكن البينة ليست كذلك فيحتاج حجيتها وإماريتها إلى الجعل فلما حكم الشارع بكونها لاثبات الموضوعات مثل العلم يستكشف انها حجة وامارة لاثباتها فيثبت بها الموضوعات فيترتب عليها جميع احكامها من الحرمة والنجاسة والطهارة و الملكية والزوجية وغيرها، فإذا شهدت البينة بعدالة شخص فيجوز الصلاة خلفه و الطلاق عنده وهكذا بالنسبة إلى سائر الاحكام. وبعبارة اخرى ظاهر قوله عليه السلام (الاشياء كلها على ذلك) أي: على الاباحة حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة أي: حتى تقوم امارة العلمي أو العلم على

[ 14 ]

ثبوت موضوع الحرمة، فإذا ثبت بالعلم أو الذى كالعلم في الا مارية أي: البينة فيرتفع الحلية والاباحة. ثم انه بعد هذا الاستظهار من الرواية - وانها تدل على أمارية البينة لاثبات الموضوعات مثل العلم - فلا يبقى مجال لان يقال غاية ما تدل الرواية هي حجية البينة لاثبات الحرمة لا مطلق الاحكام الجزئية وموضوعاتها فالدليل يكون اخص من المدعى، لان المدعى حجيتها لاثبات جميع موضوعات الاحكام وضعية كانت ام تكليفية والتكليفية حرمة كانت أو غيرها، ومفاد الدليل هو حجيتها في خصوص اثبات الحرمة لا سائر الاحكام ولا الموضوعات مطلقا. وذلك من جهة ان هذه الموضوعات التى يعدها عليه السلام في الرواية - من كون المال سرقة أو كون المملوك حرا قهر عليه أو خدع فبيع أو كون المرأة التى تحته اخته أو رضيعته - جعلها فيما إذا كانت مشكوكة موارد لقاعدة الحل الا فيما إذا استبان احد هذه الامور أو قامت عليه البينة، فكما انه لو علم بوجود أحد هذه الامور يترتب عليه جميع احكامه لا خصوص الحرمة فكذلك في صورة قيام البينة: والمشار إليه لكلمة على ذلك في قوله عليه السلام الاشياء كلها على ذلك، وان كان هي الحلية لكن موضوع الحلية في هذه الجملة وهو الاشياء عبارة عنها مع الشك في حكمها من ناحية الشك في موضوع الحرمة بعد الفراغ عن معلومية حكم الموضوعات من ناحية الشبهة الحكمية، فيكون المراد من الاستثناء بقوله عليه السلام (حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة) استبانة الموضوع وانه مما هو محرم كالسرقة وكون المملوك حرا وكون المرأة اخته أو رضيعته وغير ذلك من الموضوعات المحرمة. وكذلك الامر في قيام البينة أي: الموضوعات المشكوكة انها من الموضوعات المحللة أو من الموضوعات المحرمة فهى حلال الا ان يثبت كونها من الموضوعات

[ 15 ]

المحرمة، وطريق اثباتها إما العلم أو البينة، فتدل الرواية على ان البينة مثل العلم طريق مثبت للموضوعات، فيترتب عليها احكامها مطلقا حرمة كانت أو غيرها و هو المطلوب. وبناء على ما ذكرنا فلا يبقى مجال لان يقال غاية ما تدل عليه هذه الرواية هو حجية البينة فيما إذا قامت على الحرمة فلا يقتضى حجيتها على الموضوع فضلا عن عمومها لجميع الموضوعات، لما عرفت من دلالة هذه الرواية على ان البينة مثبتة للموضوعات مثل العلم، فكما ان العلم مثبت لجميع الموضوعات فكذلك البينة، و لا فرق بينهما الا ان طريقية العلم ذاتية وجدانية وطريقية البينة جعلية تعبدية و امضاء لبناء العقلاء على حجيتها. فلا يحتاج إلى أن يتكلف بان قيام البينة على الحرمة اعم من ان تكون الحرمة مدلولا التزاميا أو مطابقيا لما قامت عليه، فإذا قامت على موضوع محرم - كالسرقة أو كون المرأة اختا له أو رضيعته أو كونه حرا فبيع وما شابهها - فقد قامت على الحرمة التزاما، ثم بعدم القول بالفصل - بين مثل هذه الموضوعات وغيرها مما ليس حكمها الحرمة - يتم المطلوب أي: عموم حجيتها على جميع الموضوعات " والانصاف ان هذا يشبه الاكل من القفا. الثاني: من أدلة حجيتها هو الاجماع وادعته جماعة، وفى الجواهر نفى وجدانه للخلاف في اثبات النجاسة بها ولم ينقل الخلاف الا من القاضي بن البراج وظاهر عبارة الكاتب والشيخ (قده) قال في الجواهر: بل لا اجد فيه خلافا الا ما يحكى عن القاضي وعن ظاهر عبارة الكاتب والشيخ ولا ريب في ضعفه) (1). ولا ريب في ان المتتبع في كلام الاصحاب يجد تسالمهم على اثبات كل موضوع


: 1 - " جواهر الكلام " ج 6، ص 172.

[ 16 ]

ذى حكم شرعى بها فانهم يعترفون بثبوت النجاسة والطهارة والقبلة والوقت للصلاة واسباب التحريم في باب النكاح من النسب والرضاع وثبوت الوكالات للاشخاص وعزلهم والوصايا إلى غير ذلك من الموضوعات أو الاحكام الجزئية بها من غير نكير لاحدهم في اثبات هذه الامور بها الا الشاذ الذى لا يعبأ بخلافه، بل المخالف الشاذ ايضا لا يخالف الا في بعض الموارد الجزئية بجهة اخرى غير انكار حجية البينة، بل يدعى مثلا ان ارتفاع الطهارة لا يكون الا بالعلم بالنجاسة لان طهارة المشكوك مغياة بالعلم بالخلاف والبينة ليست بعلم. وان كان هذا الكلام باطلا لان أدلة حجية البينة بل الاستصحاب بل كل حجة شرعية على النجاسة - كاخبار ذى اليد أو خبر العدل الواحد - لو قلنا بحجيته - تكون حاكمة على قاعدة الطهارة. والحاصل ان الفقهاء لا يزال يستدلون على ثبوت الموضوعات التى لها احكام بقيام البينة عليها ولا ينكر على المستدل بها احد منهم الا المناقشات في تحقق البينة و في جهات اخر غير جهة حجيتها نعم هاهنا مطلب اخر وهو انه تقدم منا مرارا في هذا الكتاب ان هذه الاجماعات ليست مما هو مصطلح الاصولي التى ثبتت هناك حجيتها لاحتمال اعتماد المتفقين بل الاطمئنان بانهم اعتمدوا على بعض هذه المدارك المذكورة أو على كلها. نعم هذا الاتفاق والتسالم منهم يؤيد ما استظهرنا من رواية مسعدة بن صدقة (1) من مفروغية حجية البينة وانها مثل العلم في اثبات موضوعات الاحكام بها. الثالث: من أدلة حجيتها في جميع الموضوعات الروايات: منها: ما هو المروى في الكافي والتهذيب عن عبد الله بن سليمان عن الصادق عليه السلام


: 1 - تقدم في ص 11، رقم (2).

[ 17 ]

في الجبن " كل شئ حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة " (1) وظاهر هذا الخبر ان ارتفاع الحلية عن مشكوك الحلية والحرمة لا يكون الا بقيام شاهدين على تحقق موضوع الحرمة وثبوته وهو في المورد عبارة عن كون الميتة فيه أي: في الجبن. فتكون الرواية ظاهرة في ان قيام الشاهدين على وجود موضوع الحرمة - أي: كون الميتة فيه - امارة على وجوده، ومعلوم انه عليه السلام بصدد بيان ان شهادة شاهدين بمنزلة العلم في اثبات ما قامت عليه ولا خصوصية للميتة وانما ذكرها في الرواية لبيان المورد والا فلا خصومية فيها. وأما الاشكال عليها بضعف السند ففيه ان اتفاق الاصحاب على حجية البينة في جميع الموضوعات الا الشاذ منهم يكون جابرا لضعف سندها وموجبا للوثوق بصدورها الذى هو موضوع الحجية، وقد حررنا المسألة من هذه الناحية في كتابنا - منتهى الاصول - (2) ومن أراد فليراجعها. ومنها: الاخبار الكثيرة الواردة في ثبوت الهلال بشهادة عدلين - أي: البينة - كصحيح الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام ان عليا (ع) كان يقول لا اجيز في رؤية الهلال الا شهادة رجلين عدلين " (3) وصحيح منصور بن حازم عنه ايضا انه عليه السلام قال صم لرؤية الهلال وافطر لرؤيته فان شهد عندكم شاهدان مرضيان بانهما رأياه فاقضه (4) وروايات اخر


: 1 - " الكافي " ج 6، ص 339، باب الجبن، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 17، ص 91، أبواب الاطعمة المباحة، باب 61، ح 2. 2 - " منتهى الاصول " ج 2، ص 91 و 613. 3 - " تهذيب الاحكام " ج 4، ص 180، ح 499، باب فضل صيام يوم الشك، ح 71، " وسائل الشيعة " ج 7، ص 208، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 11، ح 8. 4 - " تهذيب الاحكام " ج 4، ص 157، ح 436، باب علامة أول شهر رمضان وآخره، ح 7، " الاستبصار " ج 2،

[ 18 ]

كهاتين الصحيحتين وبهذا المضمون تقريبا. وتقريب الاستدلال بهذه الروايات انه عليه السلام بصدد أنه لا يثبت الهلال الا بالرؤية والعلم أو بما هو بمنزلة العلم في إثبات ما قام عليه، فكأنه عليه السلام جعل أمارية البينة و كونها بمنزلة العلم أمرا مفروغا عنه ومن السلمات، ولذلك قال عليه السلام (إذا شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه) لأن شهادتهما بالرؤية بمنزلة علمك بها مثبت لها. وأيضا ظاهر هذه الروايات أن الحكم بشهادة عدلين لكونها مثبتة وأمارة و لا دخل في كون متعلقها رؤية الهلال في أماريتها ولكن مع ذلك كله ظهور هذه الروايات في عموم حجية البينة - بالنسبة إلى جميع الموضوعات وعدم اختصاصها بإثبات الهلال - لا يخلو من تأمل وإشكال. فالاحسن أن تجعل هذه الروايات من المؤيدات لعموم حجيتها وكونها مؤيدة له لقوة احتمال عدم كون المتعلق وهو رؤية الهلال - دخيلا في اعتبارها. ومنها: الاخبار الواردة في باب الدعاوى وانها وظيفة المدعى وتثبت بها دعواه كقوله عليه السلام (البينة على المدعى واليمين على من أنكر) (1) وتقريب الاستدلال بها ان حجيتها في مقابل المدعى مع كونه صاحب اليد وله امارة الملكية أو غيرها مما هو محل النزاع تدل على حجيتها بطريق اولى فيما إذا لم يكن مدع وصاحب يد في البين، لانه عليه السلام إذا قال انها حجة على ما قامت عليه مع معارضتها بحجة اخرى من قبل الخصم فالظاهر والمتفاهم العرفي من هذه العبارة حجيتها فيما إذا لم يكن لها معارض بالاولوية القطعية.


:... ص 63، ح 205، باب علامة أول شهر رمضان، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 17، ص 208، أبواب أحكام شهر رمضان، باب 11، ح 4. 1 - تقدم في ص 10، رقم (4).

[ 19 ]

والسر في ذلك انه عليه السلام جعل البينة طريقا ومثبتا لما قامت عليه وكاشفا له بحيث لا يبقى مع وجودها للمدعى اعتبار ليد المنكر في قبالها. ومنها: قوله عليه السلام (إذا شهد عندك المسلمون فصدقهم) (1). وحكى ايضا (إذا شهد عندكم المؤمنون فاقبلوا) (2). وتقريب الاستدلال بهما هو ان المراد بالشهادة قيام البينة على شئ أو امر فيجب تصديقها أو قبول قولهما وفيه: ان ظاهرهما على فرض ان يكون المراد من التصديق والقبول ترتيب الاثر على قولهم ولزوم العمل على طبق مقالتهم حجية خبر كل مؤمن ومسلم سواء أكان عادلا أم لا وسواء أكان واحدا ام كان المخبر متعددا. وبعبارة اخرى: مفاد هما حجية خبر كل فرد من أفراد المسلمين أو المؤمنين الذي معلوم عدمها نعم ربما يقال بحجية خير كل ثقة في الموضوعات ايضا مثل الاحكام ولكنه بهذ العموم لم يقل به احد. والحق ان هاتين الروايتين على فرض صحة سندهما مفادهما مفاد قوله تعالى (يؤمن باالله ويؤمن للمؤمنين) (3) فيكون المراد منهما ما قيل في تفسير الآية من القبول الصوري وعدم تكذيبهم والانكار عليهم أو بعض مراتب التصديق النفسي فيما ينفعهم أو غيرهم ولا يكون مضرا لغيرهم، لا ترتيب الاثار الواقعية على ما اخبروا به وان كان يضر غيرهم. الرابع: الآيات:


: 1 - " الوافي " ج 5 ص 299، باب في حفظ المال وكراهة الاضاعة، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 230، أبواب كتاب الوديعة، باب 6، ح 1. وفيهما: " المؤمنون " بدل " المسلمون ". 2 - لم نجده في وسائل الشيعة وبحار الانوار ومستدرك الوسائل. 3 - التوبة (9): 61.

[ 20 ]

منها: قوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) (1) وقوله تعالى (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم) (2) وقوله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم) (3) وقوله تعالى (يحكم به ذوا عدل منكم) (4) فالاية الاولى وان كانت في مورد القرض والاستشهاد عليه، والثانية في مورد الوصية، والثالثة في مورد جزاء الصيد في حال الاحرام وحكم رجلين عدلين و شهادتهما بالمثلية للصيد. ولكن يستظهر منها ان الله تبارك وتعالى جعل البينة أي شهادة رجلين عدلين طريقا وكاشفا مثل العلم ويثبت بها كل موضوع قامت عليه سواء أكان أحد هذه الثلاثة - أي: القرض والوصية وكون الجزاء مثل الصيد - أو غيرها من سائر الموضوعات وكذلك الآيات التي تدل على وجوب تحمل الشهادة ووجوب ادائها وحرمة كتمانها - كقوله تعالى (واقيموا الشهادة لله) (5) وقوله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (6) وقوله تعالى (ومن يكتمها فانه اثم قلبه) (7) ظاهرة بالدلالة الالتزامية في وجوب قبولها وإلا يكون وجوب تحملها ووجوب ادائها وحرمة كتمانها لغوا وبلا فائدة.


: 1 - البقرة (2): 282. 2 - المائدة (5): 106. 3 - الطلاق (65): 2. 4 - المائدة (5): 95. 5 - الطلاق (65): 2. 6 - البقرة (2): 283. 7 - البقرة (2): 283.

[ 21 ]

نعم ظاهر هذه الآيات وجوب قبول إخبار العادل بموضوع من الموضوعات و ان كان واحدا ولكن ان يقال بتقييد اطلاقها بكونها متعددة إما بالاجماع أو بالأخبار كرواية مسعدة بن صدقة (1) وغيرها. وخلاصة الكلام ان الفقيه المتتبع - في موارد قبول شهادة الرجلين العادلين إذا أمعن النظر فيها ولاحظ وتدبر - يقطع بأنه لا خصوصية لتلك الموارد بل تكون حجيتها عامة في جميع الموضوعات إلا ما خرج عن تحت ذلك العموم بادلة خاصة. فما روى الصدوق (قده) - في كتاب عرض المجالس عن الصادق عليه السلام وفيه: (فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من اهل العدالة (2) - ظاهر في ان شهادة العدلين في ارتكاب الذنب مثل رؤيته طريق مثبت لارتكاب الذنب و معلوم انه لا خصوصية لارتكاب الذنب من بين سائر الموضوعات. والانصاف ان انكار حجية البينة العادلة - الذي نسب إلى القاضي عبد العزيز بن براج (3) في اثبات النجاسة، وكذا ما هو الظاهر من السيد في الذريعة (4) والمحقق الاول في المعارج (5) والثانى في الجعفرية (6) وبعض اخر - قدس الله أسرارهم - من ان الاجتهاد لا تثبت بشهادة عدلين لعدم الدليل عليه - لا وجه له بعد ما عرفت توافر الآدلة على عموم حجيتها الخامس: من أدلة حجيتها هي سيرة العقلاء من كافة الملل وان لم يكونوا من


: 1 - تقدم في ص 11، رقم (2). 2 - " الامالي " للصدوق، ص 91، ح 3، وسائل الشيعة " ج 18، ص 292، أبواب كتاب الشهادات، باب 41، ح 13. 3 - " جواهر الفقه " ص 9، مسألة 9. 4 - " الذريعة " ج 2، ص 81. 5 - " معارج الاصول " ص 201. 6 - " الجعفرية " ضمن رسائل المحقق الكركي، ج 1، ص 80.

[ 22 ]

أهل الدين، فجميع الملل والعقلاء يرون شهادة شخصين - غير متهمين ولا معروفين بالكذب ولا مغرضين بالنسبة إلى المشهود عليه - طريقا مثبتا لما قامت عليه في احكامهم العرفية بالنسبة إلى جميع الموضوعات. والحاصل ان كون شهادة شخصين بالقيود التي عندهم من الامارات العرفية و طريقا مثبتا لاي موضوع تعلقت به من المسلمات عندهم، وعليها - أي: حجية البينة في اثبات جميع الموضوعات التي لها اثار عندهم - استقرت سيرتهم في معاملاتهم و معاشراتهم وسياساتهم ولم يرد ردع من قبل الشارع بل وردت إمضاآت من قبل الشارع على العمل على طبقها وهي موارد الاخبار الكثيرة المتقدمة، بل يمكن ادعاء جريان سيرة المتشرعة بما هم متشرعة على حجيتها. نعم خصصت هذه القاعدة في موارد مثل شهادتهما على الزناء واللواط و امثالهما مما لا يكتفي بشهادة الاثنين بل ثبوتهما يحتاج إلى شهادة اربع من العدول، وكالشهادة على الميت بكونه مديونا بكذا فانها اي البينة لا تقبل الا مع ضم يمين المدعى إليها، وكشهادتهما على النفي بناء على عدم قبول بينة النفي، وكبينة المنكر المسمى ببينة الداخل بناء على اختصاص هذه الوظيفة بالمدعى وغير ذلك. فهذة قاعدة شرعية قابلة للتخصيص كسائر العمومات الصادرة من الشارع، فيجب الاخذ بها والعمل على طبقها إلا أن يرد دليل وحجة من قبله على التخصيص، وإذا حصل الشك في مخصصية شئ يؤخذ بأصالة العموم كما هو الحال في سائر الموارد. ثم ان هاهنا امور ينبغي ان يذكر. [ الامر ] الاول: في انه بعد ما عرفت من عموم حجية البينة في كل موضوع فاعلم انه لا بد وان يكون له اثر شرعي لانه إذا لم يكن له اثر شرعي لا معنى للتعبد

[ 23 ]

بقبولها. ففي كل مورد لا يكون عدم شئ أو وجوده أو بقاؤه محرزا بالوجدان، والشارع أمر بترتيب الاثر على عدمه، كما في مورد أصالة البرائة أو على وجوده كما في موارد الامارات والاصول المثبتة للتكاليف والاحكام أو لما هو موضوع للحكم الشرعي أو على بقائه وعدم ارتفاعه كما في موارد الاستصحاب - لا بد وان يكون لذلك الوجود أو ذلك العدم أو لبقاء ذلك الشئ بعد القطع بحدوثه سواء أكانت تلك الحالة السابقة هو الوجود أو العدم اثر شرعي كي يكون أمر الشارع بالتعبد بلحاظ ترتيب ذلك الاثر فلا بد في مورد قيام البينة ايضا ان يكون لما قامت عليه اثر شرعي. فان كان موضوع الاثر أمرا محسوسا وقامت البينة عليه فلا كلام، وأما إن لم يكن من الامور المحسوسة - كالعدالة والاجتهاد وسائر الحالات والملكات النفسانية التي لثبوتها اثر شرعي - فهل تقبل البينة فيها أم لا؟ والتحقيق في هذا المقام هو ان ادلة حجية البينة - سواء كانت هي سيرة العقلاء أو الاجماع أو الاخبار أو الآيات - ظاهرة فيما إذا كان اخبارهما عن حس، إذ هو المتفاهم العرفي عن لفظة الشهادة والبينة. ولكن المشهود به قد يكون من الامور المحسوسة بنفسه، كما إذا شهدا باطلاق ماء أو اضافته أو خمرية مايع وغير ذلك من الامور المحسوسة باحد الحواس الخمسة التي لها اثار شرعية، وهذا هو الذي لا كلام في حجية البينة فيها بناء على عموم حجيتها في جميع الموضوعات. وقد لا يكون من الامور المحسوسة باحد الحواس الخمسة بنفسه ولكن له اثار محسوسة، بحيث تكون بينها وبين ذلك المشهود به ملازمة عرفية، فالشهادة بمثل هذه الموضوعات ايضا تقبل وتكون احساسها باحساس اثارها غير المنفكة عنها عند العرف.

[ 24 ]

وكذلك إذا كان لها اسباب محسوسة مثل الطهارة والنجاسة والزوجية و الملكية وغير ذلك من الاعتبارات الشرعية أو العرفية التي لها اسباب محسوسة، فالشهادة بمثل هذه الموضوعات ايضا تقبل لامكان عدها في المحسوسات باعتبار كون اسبابها محسوسة. ويمكن ان يقال ان الشهادة على هذا المسبب غير المحسوس شهادة على السبب المحسوس بالالتزام، فإذا ثبت السبب بها لكونه محسوسا يثبت المسبب للملازمة بينهما وحيث ان البينة من الامارات ولا مانع من اثبات لوازم ما قامت عليه، وكذلك ملزوماته بها. فتلخص مما ذكرنا ان نفس المشهود به إذا كان من المحسوسات فيثبت بالبينة وكذلك فيما إذا كان له سبب محسوس أو كان له أثر محسوس وأما فيما عدا ذلك فلا دليل على وجوب قبولها، لان دليل حجيتها إما الاخبار والآيات فهي لا تدل إلا على حجية البينة إذا كانت شهادتهما واخبارهما عن مشاهدة وعيان. وبهذا الاعتبار يطلق على اخبارهما بشئ لفظة الشهادة وذلك لان المتفاهم العرفي من كلمة الشهادة هو الاخبار عما عايناه وعلماه باحدى الحواس الخمس لا مطلق الاخبار عن علم، ولذلك لا يقال للاخبار عن رأيه واعتقاده فيما إذا أخبر المجتهد عن رأيه انه شهد بذلك، وكذلك إخبار أهل الخبرة عن رأيه في موضوع يتعلق بفنه ليس من باب الشهادة ولذلك لو قلنا بحجية قول اهل الخبرة كما هو كذلك لقيام سيرة العقلاء عليها لا يعتبر فيه التعدد ولا العدالة. وإما الاجماع والسيرة - اي: بناء العقلاء أو سيرة المتشرعة - فلان القدر المتيقن منهما هو فيما إذا كان اخبارهما باحد الطرق الثلاث أي: يكون نفس المشهود به من المحسوسات أو له اثار محسوسة أو يكون له سبب محسوس.

[ 25 ]

الامر الثاني: في أن البينة هل هي عبارة عن شهادة رجلين؟ وشهادة المرأة خارجة عن البينة موضوعا أم هي أيضا بينة ولكن اعتبر شرعا فيها بدل كل واحد من الرجلين امرأتان، فتكون البينة - فيما إذا كن شاهدات - عبارة شهادة اربع امرأة؟. ثم على تقدير كون البينة صادقة على شهادتهن عرفا - غاية الامر مقيدة بكون عددهن أربع اجماعا - فهل يكون مقتضى عموم حجية البينة حجية شهادتهن في جميع الموضوعات الا ما خرج بالدليل - كثبوت الهلال والطلاق وغيرهما مما لا تجوز شهادتهن فيها لا منفردات ولا منضمات إلى الرجال لنصوص وردت في عدم جواز شهادتهن فيها - أم لا بل قبول شهادتهن في اي موضوع يحتاج إلى ورود دليل على القبول في ذلك الموضوع؟ وإلا فمقتضى الاصل عدم القبول لا منفردات ولا منضمات ولا في باب الدعاوي ومقام المخاصمة ولا في غيرها؟. ربما يستشهد لعموم حجيته شهادتهن الا ما خرج بالدليل برواية عبد الكريم بن ابي يعفور عن الباقر (ع) قال (ع) " تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات من اهل البيوتات معروفات بالستر والعفاف مطيعات للازواج تاركات للبذاء و التبرج إلى الرجال في انديتهم) (1). وفيه ان ظاهر هذه الرواية انه (ع) في مقام بيان شروط قبول شهادة المرأة وان أي امرأة تقبل شهادتها لا في مقام بيان انه في أي موضوع تقبل كي يؤخذ باطلاقها. والتحقيق في المقام أما في الاول - أي: في شمول مفهوم البينة حسب المتفاهم العرفي لشهادة النساء وعدم خروجها عن مفهوم البينة موضوعا - فالظاهر انها ليست بخارجة عنها موضوعا، بل البينة عبارة: عن شهادة اثنين سواء أكانا رجلين


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 242، ح 597، باب البينات، ح 1، " الاستبصار " ج 3، ص 13، ح 34، باب العدالة المعتبرة في الشهادة، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 294، أبواب كتاب الشهادات، باب 41، ح 20..

[ 26 ]

أو امرأتين اللهم الا ان يدعى انصرافها إلى الرجلين. وعلى كل تقدير لا شك في ورود الدليل على قبول شهادتهن منفرادت في بعض الموارد ومنضمات إلى الرجال في موارد اخر. والفرق بين الصورتين انه بناء على عدم شمول مفهوم البينة لشهادتهن وضعا أو انصرافا ففيما إذا لم يوجد دليل خاص على القبول في مورد فمقتضى الاصل عدم القبول، وأما بناء على الشمول فلو كان عموم أو اطلاق بالنسبة إلى حجية البينة في كل موضوع - كما ادعينا وجوده - فمقتضى ذلك العموم أو ذلك الاطلاق هو قبول شهادتهن الا ان يأتي دليل في ذلك المورد على عدم القبول. وقد تعرض الفقهاء في كتاب الشهادات لموارد القبول وعدمه منفردات و منضمات إلى الرجال، والروايات الواردة في باب شهادة النساء مختلفة جدا، فمفاد بعضها جواز شهادتهن فيما لا يستطيع الرجال ان ينظروا إليه ويشهدوا عليه، (1) وظاهر هذا القسم من الروايات انحصار القبول فيما ذكر وعدم قبولها فيما يستطيع الرجال ان ينظروا إليه، ومفاد بعضها جواز شهادتهن في النكاح منضمات إلى الرجال وعدم قبولها في الطلاق (2). ومفاد بعضها عدم قبولها في الطلاق والهلال، معللا بضعف رؤيتهن ومحاباتهن (3) إلى غير ذلك من الاختلافات بينها. وتفصيل هذه المسألة في كتاب الشهادات وليس هاهنا مقام بحثها، والغرض هاهنا بيان حكم مورد الشك وعدم وجود دليل لا على القبول ولا على عدم القبول. وقد ذكرنا الفرق بين عدم شمول اطلاقات أدلة حجية البينة لشهادتهن وشمولها لها، ففي الصورة الاولى مقتضى الاصل عدم القبول وفي الثانية قبولها وجوازها في


: 1 - " وسائل الشيعة " ج 18، ص 258، أبواب كتاب الشهادات، باب 24، ح 4، 5، 7، و 9. 2 - " وسائل الشيعة " ج 18، ص 258، أبواب كتاب الشهادات، باب 24، ح 5، 7، و 11. 3 - " وسائل الشيعة " ج 18، ص 258، أبواب كتاب الشهادات، باب 24، ح 8، 10 و 11.

[ 27 ]

مورد الشك لعدم دليل لا على القبول ولا على عدمه. الامر الثالث: في انه بعد ما عرفت حجية البينة في جميع الموضوعات التي لها اثر شرعي فيجب على كل من علم بقيام البينة واجدة لشروط اعتبارها على موضوع ترتيب اثر ذلك الموضوع عليه ان كان الاثر المترتب على ذلك الموضوع مما يكون مربوطا إليه سواء أكان غيره أيضا شريكا معه في هذا الاثر أم لا مثلا إذا شهد شاهدان عدلان عنده انك تركت في هذه الصلاة - التي صليتها الان احد اركانها فيثبت بالبينة المعتبرة هذا الموضوع أي: فقدان صلاته للركن الفلاني. ولكن ثبوت هذا الموضوع لا اثر له الا لنفس المصلي إذا كان ما قرأه صلاة نفسه فيجب عليه الاعادة أو القضاء إذا قامت عنده البينة أو علم بوجودها، ولا اثر لقيام هذه البينة في حق غيره. وأما إذا كان غيره شريكا معه في هذا الاثر كما إذا قامت البينة المعتبرة على نجاسة هذا المايع مثلا فمن اطلع على هذه البينة يجب عليه الاجتناب عن هذا المايع. وقد يكون اثر ذلك الموضوع مخصوصا بالغير كقيام البينة عند زيد على ان عمروا مثلا فات عنه الصلاة الفلانية، فهذه البينة بالنسبة إلى زيد لا اثر له، فان علم عمرو بوجود مثل هذه البينة يجب عليه ترتيب الاثر وإلا فلا يجب شئ لا على عمرو ولا على زيد. ثم انه لا يخفى ان ما ذكرناه مبني على ان يكون العلم بقيام البينة المعتبرة عند شخص على موضوع مثبتا لذلك الموضوع عند العالم بقيام البينة عند ذلك الشخص، فيجب ترتيب اثر ذلك الموضوع عليه وان لم يقم عنده البينة، مثلا لو علم بان شاهدين عدلين شهدا عند زيد بأنهما رأيا هلال شوال فبناء على عموم حجية البينة أو حجيتها في خصوص الهلال مثلا يجب على هذا العالم بقيام البينة عند زيد ترتيب اثر شوال أي: الافطار وحرمة الصوم.

[ 28 ]

أما لو قلنا بان قيام البينة المعتبرة عند شخص على موضوع لا يثبت ذلك الموضوع الا لمن قامت عنده البينة - وأما بالنسبة إلى غيره فلا يثبت ذلك الموضوع ولو علم بقيام البينة على وجوده عند شخص اخر. فليس الامر كما ذكرنا وقلنا من الاقسام الثلاثة بان الاثر اما مخصوص بنفس من قامت عنده البينة فيجب عليه ترتيب ذلك الاثر فقط ولا ربط لقيامها بالاخرين واما غيره شريك معه فيجب ترتيب الاثر منه ومن غيره واما مخصوص بغيره فيجب ترتيب الاثر من ذلك الغير فقط دون نفسه. والظاهر من أدلة عموم حجية البينة - سواء أكانت الاخبار والآيات أو كانت هي سيرة المتشرعة وبناء العقلاء - ان قيامها عند أي شخص على موضوع ذي اثر شرعا مثبت لذلك الموضوع للجميع، فكل من كان ثبوت ذلك الموضوع له اثر يجب عليه ترتيب ذلك الاثر سواء أكان من له اثر هو من قامت البينة عنده أو غيره أو كانا شريكين. ثم انه بناء على القول الآخر أي: اختصاص ثبوت مؤدي البينة بمن قامت عنده فلا يجب التعرض للاخر سواء أكان الآخر شريكا معه في اثر ذلك الموضوع الذي قامت عليه البينة، أو كان الاثر مخصوصا بذلك الغير، لان المفروض بناء على هذا القول عدم ثبوت المؤدي له وهو باق على جهله. ولا يتوهم ان له التعرض من باب الامر بالمعروف إذا كان اثر المؤدي هو الوجوب عليه، ككون المؤدي مثلا روية هلال شهر رمضان ومن باب النهي عن المنكر إذا كان المؤدي هي الحرمة، وذلك ككون المؤدي رؤية هلال شوال باعتبار حرمة الصوم في ذلك اليوم في الفرض الثاني ووجوبه في الفرض الاول - لان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر موردهما فيما إذا تنجز التكليف وجوبا في الاول وحرمة في الثاني على المكلف وقام عليه البيان، والمفروض في المقام ان ذلك الغير جاهل و

[ 29 ]

لم يصل التكليف إليه ولم ينجز عليه لعدم ثبوت مؤدي البينة لغير من قامت عنده البينة على هذا القول. نعم لو كان ما قام عليه البينة من المحرمات الكبيرة التي يكون وجودها مبغوضا عند الشارع ولو كان صادرا عن غير المكلفين - كما إذا كان المرتكب صغيرا أو مجنونا أو جاهلا أو غير ذلك مما يرفع الحرمة - فله التعرض والمنع ولكن لا بمناط النهي عن المنكر، بل بمناط حكم العقل بلزوم المنع عن ايجاد ما هو مبغوض وجوده عند الشارع وان كان المرتكب غير مكلف بتركه ولا يعاقب على فعله لرفع القلم عنه لصغره أو لجنونه أو لكونه مكرها على فعله أو لم يتنجز عليه لجهله وعدم وصول التكليف إليه. تتميم وهو انه هل الخبر الواحد الذي مخبره عادل حجة في الموضوعات كما انه حجة في باب الروايات التي مفادها نقل الاحكام عن الامام (ع) أم لا؟ ذهب جماعة إلى الاول واستدلوا على حجيته في الموضوعات ايضا بسيرة العقلاء وبنائهم أولا وبالاخبار ثانيا. فنقول: أما وجود السيرة وبناء العقلاء على قبول خبر الثقة وان كان غير بعيد الا انه اولا خبر الثقة غير خبر العادل وبينهما عموم وخصوص من وجه، إذ يمكن أن يكون خبر عدل ولا يكون ثقة لكثرة الاشتباه أو عدم الضبط أو غيره ذلك. وأما كونه ثقة وغير عادل فامكانه من الواضحات، بل يمكن ان يكون كافرا و ثقة في اخباره لتحرزه عن الكذب وان ادعى المدعي تحقق السيرة وبناء العقلاء على حجية خبر العدل الواحد فعهدة هذه الدعوى عليه، إذ العقلاء لا يهتمون بعدالة المخبر خصوصا إذا كانوا من غير اهل الدين بل ردهم وقبولهم دائر مدار الوثوق بالمخبر وان كان كافرا فضلا

[ 30 ]

عن ان يكون فاسقا، هذا أولا. وثانيا: على فرض تحقق السيرة وبناء العقلاء على حجية خبر العدل الواحد تكون رواية مسعدة بن صدقة - (الاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة) (1) - رادعة عن هذه السيرة، كما انها رادعة عن السيرة وبناء العقلاء على حجية خبر الثقة أيضا، من جهة ان ظاهر الرواية حصر غاية الحلية فيها في الاستبانة وقيام البينة، فلو كان خبر العدل الواحد أو خبر الثقة إذا كان المخبر واحدا حجة فلم يكن وجه للحصر في ذينك الامرين. ان قلت ان خبر العدل الواحد إذا كان حجة وكذلك خبر الثقة يكون داخلا في الاستبانة تعبدا لحكومة أدله حجية الخبر العدل الواحد وكذلك أدلة حجية خبر الثقة على الدليل الذي اخذ الاستبانة غاية للحلية كرواية مسعدة، كما ان استصحاب الحرمة أيضا حاكم وذلك لما ذكرنا في الاصول ان الامارات والاصول التنزيلية لها حكومة على العلم الذي اخذ في الموضوع على وجه الطريقة (2). قلنا: ان هذا الكلام صحيح ولكن لازمه ان يكون خبر العدل الواحد أو الخبر الثقة الذي يكون مخبره واحدا عدلا للبينة فكأنه (ع) قال: الاشياء كلها على الحلية الا ان تعلم بموضوع الحرمة أو يخبر عدل واحد أو عدلان بما هو موضوع الحرمة وجعل العدل الواحد عدلا للعدلين في غاية الركاكة خصوصا إذا كانت شهادة العدلين تدريجيا لا دفعة واحدة لانه مع شهادة العدل الاول يثبت الموضوع، فشهادة الثاني يكون لغوا وبلا اثر، بل يكون اعتبارها لثبوت المؤدى من قبيل تحصيل الحاصل، فاعتبار التعدد مع ثبوت المؤدي بواحد متنافيان. نعم اعتبار التعدد في خبر العدل غير الثقة مع ثبوت المشهود به بخير الواحد


: 1 - تقدم تخريجه في ص 11، رقم (2). 2 - " منتهى الاصول " ج 2، ص 22 و 538 - 539.

[ 31 ]

الثقة لا تنافي بينهما ولكن اعتبار خبر الواحد الثقة مع اطلاق اعتبار التعدد في خبر العدل أي: وان كانا ثقتين متنافيان. فظهر مما ذكرنا انه مع اعتبار خبر العدل الواحد أو خبر الواحد الثقة لا يبقى لاعتبار التعدد وحجية البينة مجال، فمن دليل حجية البينة وإعتبارها يستكشف عدم اعتبار خبر العدل الواحد أو خبر الواحد الثقة فتكون رواية مسعدة رادعة للسيرة وبناء العقلاء على فرض تحققها. هذا مضافا إلى خبر عبد الله بن سليمان المروي في الكافي والتهذيب في الجبن: (كل شئ حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة) فجعله (ع) غاية الحلية مجئ شاهدين يشهدان ان فيه ميتة يدل على عدم كفاية مجئ شاهد واحد ولو كان عدلا أو ثقة (1). وخلاصة الكلام ان اعتبار التعدد كما في البينة مع عدم اعتبار التعدد كما في خبر العدل الواحد - أو خبر الثقة الواحد كما هو ادعاء الطرف - مما لا يجتمعان إذ هما متناقضان. اللهم الا ان يقال بعدم اعتبار خبر العدل الواحد وخبر الثقة الواحد في كون الميتة في الجبن وهو لا يخلو مضافا إلى بعده من الغرابة. واما الاخبار التي استدلوا بها على حجية الخبر العدل الواحد وخبر الثقة الواحد: فمنها: حسنة حريز أو صحيحته المروية في الكافي وفيها بعدما وبخ الصادق (ع) ابنه اسماعيل في دفعه دنانير إلى رجل شارب الخمر بضاعة ليعامل بها ويعطي مقدارا من النفع لاسماعيل فاتلف النقود ذلك الرجل قال (ع) له: (لم فعلت ذلك ولا اجر لك؟) فقال اسماعيل يا ابت اني لم اره يشرب الخمر اني سمعت الناس


: 1 - تقدم تخريجه في ص 17، رقم (1).

[ 32 ]

يقولون، فقال: (يا بني ان الله عزوجل يقول في كتابه (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) (1) يقول: يصدق الله ويصدق المؤمنين فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم (2) ولا شك في ان قوله (ع) إذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم، كلمة المؤمنون فيه - حيث انها جمع معرف باللام - يفيد العموم الاستغراقي لان العام المجموعي - بمعنى انه إذا شهد عندك جميع المؤمنين معا فصدقهم - قطعا ليس بمراد لان شهادة جميع المؤمنين الموجودين في الدنيا على موضوع عادة غير ممكن ومحال. فإذا كان العام استغراقيا فتنحل إلى قضايا متعددة حسب عدد افراد المؤمنين كسائر العمومات فيكون مفاد هذه الجملة ان اي واحد من المؤمنين إذا شهد عندك بموضوع - سواء أكان هو شرب الخمر كما انه هو المورد أو كان غيره - فصدقه. ومعلوم ان معني التصديق في المقام هو ترتيب اثر المشهود به على شهادته، وهذا معنى وجوب قبول خبر الثقة والعدل الواحد، وقد روي بعضهم (إذا شهد عندك المؤمنون فاقبلوا) (3) وفيه: اولا ان احدا لم يقل بحجية خبر كل مؤمن بل كل مسلم لما حكى بعضهم المسلمون في هذه الرواية بدل المؤمنون. وثانيا: لم يقل احد بحجية خبر الثقة أو العدل الواحد في باب الحدود بل ينفي تصديق المؤمن الواحد في باب ارتكاب الذنب ما رواه الصدوق في كتاب عرض المجالس وفيه: فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا ولم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من


: 1 - التوبة (9): 61. 2 - " الكافي " ج 5، ص 299، باب آخر منه في حفظ المال وكراهة الاضاعة، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 230، أبواب كتاب الوديعة، باب 6، ح 1. 3 - تقدم ذكره في ص 19، رقم (2).

[ 33 ]

اهل العدالة والستر) (1). وثالثا من المقطوع عدم حجيتهما في مقام المخاصمة ومقابل ذي اليد. ورابعا يجب تقييدها - اي الحجية بكونهما متعددا - برواية مسعدة بن صدقة (2) وخبر عبد الله بن سليمان (3). هذا كله مضافا إلى انه ليس المراد من وجوب تصديقهم ترتيب الاثر على ما يخبرون به وان كان فيه ضرر على الغير لما ورد (كذب سمعك وبصرك عن اخيك فان شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدقه وكذبهم (4) اي فيما يضره ولا ينفعهم. فالمراد من وجوب تصديقهم وكذا من قبول قولهم بناء على صحة الرواية الاخرى هو التحذر عما اخبر به فيما إذا احتمل ان يكون على تقدير صحة ما اخبر عنه ضرر عليه كما انه كذلك كان في مورد صدور الرواية. والحاصل انه يدور الامر بين هذه التخصيصات الكثيره التي ربما يكون العموم مستهجنا معها وتقييد واحد وهو تقييد وجوب تصديق المؤمن بكونه متعددا ولا شك في ان الثاني اولى بل هو المتعين وكذلك الحال في مفهوم آية النبأ بناء على ثبوت المفهوم لها وشموله للاخبار عن الموضوعات وعدم كونه مختصا بالاحكام فيدور الامر بين تخصيصه بهذه التخصيصات أو تقييده بالتعدد بالنسبة إلى الموضوعات، ومعلوم ان الثاني اولى بل هو المتعين.


: 1 - تقدم تخريجه في ص 21، رقم (2). 2 - تقدم تخريجه في ص 11، رقم (2). 3 - تقدم تخريجه في ص 17، رقم (1). 4 - " الكافي " ج 8، ص 147، كتاب الروضة، ح 125، " عقاب الاعمال " ص 295، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 8، ص 609، أبواب أحكام العشرة، باب 157، ح 4..

[ 34 ]

واما الاخبار الواردة في الموارد الخاصة كقول علي (ع) " المؤذن مؤتمن " (1) وكقوله (ع) " الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة " (2) وقوله (ع) في رواية اسحاق بن عمار قال: سألته عن رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضا؟ فقال لي: ان حدث بي حدث فاعط فلانا عشرين دينارا واعط اخي بقية الدنانير فمات ولم اشهد موته فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي انه امرني ان اقول لك انظر الدنانير التي امرتك ان تدفعها إلى اخي فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين ولم يعلم اخوه ان عندي شيئا فقال (ع): ارى ان تتصدق منها بعشرة دنانير) (3) والرواية ظاهرة في وجوب قبول قول هذا الرجل المسلم الصادق حيث ان التصدق على خلاف الارث والروايات الواردة في وجوب الاعلام في بيع الدهن المتنجس (4) ولو لم يكن اخبار البايع واجب القبول كان وجوب الاخبار لغوا. وما ورد في الاعتماد على اخبار البايع بالكيل أو الوزن (5) وكذلك في اخباره باستبراء الامة (6) وغير ذلك من الموارد، وفي الجميع مضافا إلى المناقشات في دلالتها انها موارد جزئية لا يظهر منها الدلالة على قاعدة كلية وهي حجية كل خبر ثقة أو عدل واحد في اي موضوع من الموضوعات.


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 2، ص 282، ح 1121، باب الاذان والاقامة، ح 23، " وسائل الشيعة " ج 4، ص 618، أبواب الاذان والاقامة، باب 3، ح 2. 2 - " الفقيه " ج 3، ص 87، ح 3385، باب الوكالة، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 213، ح 503، باب الوكالات، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 286، أبواب كتاب الوكالة، باب 2، ح 1. 3 - " الفقيه " ج 4، ص 235، ح 5561، باب نوادر الوصايا، " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 237، ح 923، باب الزيادات، ح 16، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 482، أبواب كتاب الوصايا، باب 97، ح 1. 4 - " وسائل الشيعة " ج 12، ص 66، أبواب ما يكتسب به، باب 6. 5 - " وسائل الشيعة " ج 12، ص 255، أبواب عقد البيع وشروطه، باب 5. 6 - " وسائل الشيعة " ج 14، ص 501، أبواب نكاح العبيد والإماء، باب 5.

[ 35 ]

واما الاستدلال بما حكي بعضهم " المؤمن وحده حجة " فلا يخفى ما فيه من حيث السند والدلالة. وأما الاستدلال لقبول خبر الثقة بمضر سماعة: سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال ان هذه امرأتي وليست لي بينة فقال: ان كان ثقة فلا يقربها وان كان غير ثقة فلا يقبل منه (1). ففيه أولا: معارضتها برواية يونس قال: سألته عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان فسألها الك زوج؟ فقالت: لا فتزوجها. ثم ان رجلا اتاه فقال هي امرأتي فانكرت المرأة ذلك ما يلزم الزوج؟ قال هي امرأته الا ان يقيم البينة (2) ونحوه مكاتبة الحسين بن سعيد (3) وايضا معارضتها بخبر عبد العزيز المهتدي سألت الرضا (ع) قلت له: ان اخي مات فتزوجت امرأته فجاء عمي فادعى أنه كان تزوجها سرا فسألتها عن ذلك فانكرت اشد الانكار وقالت: ما كان بيني وبينه شئ قط فقال: يلزمك اقرارها ويلزمه انكارها (4). ومعلوم ان المعارض اقوى من مضمر سماعة لكثرة عددها وعمل المشهور بها واعراضهم عنه وعدم الفتوى به.


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 461، ح 1845، باب الزيادات في فقه النكاح، ح 53، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 226، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، باب 23، ح 2. 2 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 468، ح 1874، باب الزيادات في فقه النكاح، ح 82، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 226: أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، باب 23، ح 3. 3 - " تهذبى الاحكام " ج 7، ص 477، ح 1914، باب الزيادات في فقه النكاح، ح 122، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 226، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، باب 23، ذيل ح 3. 4 - " الكافي " ج 5، ص 563، باب النوادر (من كتاب النكاح) ح 27، " الفقيه " ج 3، ص 472، 4650، باب النوادر (من كتاب النكاح)، " وسائل الشيعة " ج 7 14 ص 226، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، باب 23، ح 1..

[ 36 ]

وثانيا: انه من المحتمل القريب ان يكون النهي عنه من جهة شدة حسن الاحتياط في الفروج خصوصا مع قوة الاحتمال إذا كان المدعي ثقة ولذا جعل الشارع وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية في باب الفروج مثل وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية من باب الدماء لكثرة الاهتمام بهذين البابين. وخلاصة الكلام انه لم نجد دليلا - يمكن الركون إليه والاعتماد عليه من نقل أو بناء العقلاء وسيرتهم - على حجية خبر العدل الواحد أو خبر الثقة الواحد مع امضاء من قبل الشارع بل وجدنا الادلة على عدم حجية كليهما اي خبر الثقة وخبر العدل الواحد وقد تقدم ذكر تلك الادلة. الجهة الثانية في نسبة هذه القاعدة اي قاعدة حجية البينة في جميع الموضوعات مع سائر الادلة من الاصول والامارات التي تستعمل في الموضوعات فنقول اما بالنسبة إلى الاصول الموضوعية كقاعدة الفراغ كما إذا شك في اتيان العمل تام الاجزاء والشرائط وفاقدا للموانع أو اتى به ناقصا بان أتى به تاركا لجزء أو شرط أو اتى به مقرونا بمانع وكان هذا الشك بعد الفراغ عن العمل فمقتضى قاعدة الفراغ عدم الاعتناء بذلك الشك والبناء على انه اتى به صحيحا وتام الاجزاء والشرائط وفاقدا للموانع فلو قامت بينة شرعية معتبرة على انه ترك الجزء الفلاني أو الشرط الفلاني أو اتى بالمانع الفلاني أو القاطع الفلاني فمقتضى حجية البينة بطلان العمل الا ان يكون هناك دليل اخر على صحة العمل الفاقد لذلك الجزء أو ذلك الشرط أو واجدا لذلك المانع كما انه ورد الدليل بالنسبة إلى الصلاة إن اتى بالناقص نسيانا وهي صحيحة (لا تعاد) في غير الاركان وكما انه وردت ادلة خاصة في باب الحج بان النقص أو

[ 37 ]

الزيادة في بعض الاجزاء والشرائط نسيانا لا يضر بصحة العمل وان علم وجدانا بالنقص فضلا عن البينة التي هي امارة تعبدية. وخلاصة الكلام انه إذا وقع التعارض بين قاعدة الفراغ - التي مفادها صحة العمل وعدم الاعتناء بالشك والمضي عنه وعدم وجوب الاعادة - وبين البينة على عدم تماميته وانه تجب الاعادة فيجب العمل على طبق قاعدة حجية البينة والاعادة الا فيما ذكرنا من وجود دليل على عدم وجوب الاعادة وان علم وجدانا بالخلل بالزيادة أو النقيصة وذلك من جهة ان البينة امارة وقاعدة الفراغ على ما هو الصحيح عندنا اصل تنزيلي ودليل الامارة حاكم على دليل الاصل وان كان تنزيليا وقد حققنا المسألة في كتابنا - منتهى الاصول (1). وقد ظهر مما ذكرنا حال تعارض البينة مع سائر الاصول كقاعدة التجاوز واصالة الصحة وقاعدة الوقت حائل وقاعدة الطهارة والاستصحاب واصالة عدم التذكية واصالة الحل كل ذلك في الشبهات الموضوعية والمناط في الجميع واحد وهو حكومة الامارات على الاصول. إذ موضوع الاصل وان كان تنزيليا هو الشك والامارة - على ما هو التحقيق من ان حجيتها من باب تتميم الكشف - يرفع الشك تعبدا وهذا هو معنى الحكومة فلا يبقى موضوع للاصل حتى يعارض الامارة. وأما حالها مع سائر الامارات أما مع اليد فلا شبهة في تقديمها على اليد لان عمدة تشريع حجيتها في باب المخاصمة لابطال التمسك باليد وبواسطة قيام البينة من طرف المدعي يؤخذ المال من ذي اليد ويعطي للمدعي. ولو لم تقدم البينة على اليد يبقى القضاء بلا ميزان لان ميزان القضاء هي البينة على المدعي واليمين للمنكر وليس اليمين ابتداء للمنكر بل ميزانيته في صورة فقد


: 1 - " منتهى الاصول " ج 2، ص 537.

[ 38 ]

البينة والا في صورة وجود البينة للمدعي لا ميزانية له فإذا لم يقدم البينة على اليد فيبقى القضاء بلا ميزان ويقف الحكم. واما بالنسبة إلى سوق المسلم فامارية السوق على التذكية أو الحلية أو غير ذلك موقوفة على عدم كون البينة على خلافها. وخلاصة الكلام ان تقديم البينة على اليد والسوق من الواضحات والمسلمات. واما تعارضها مع الاقرار مثل ان اقيمت البينة على ان هذا المال له وهو اقر بانه لزيد مثلا وكذب البينة أو في باب الجنايات فلو شهدت البينة المعتبرة ان هذه الجناية صدرت من فلان وهو اقر واعترف بانه الجاني وفاعل هذه الجناية فمقتضى القاعدة وان كان تساقط الامارتين بناء على ما هو الصحيح عندنا من كون حجية الامارات من باب تتميم الكشف. ولكن الظاهر ان بناء العرف والعقلاء على تقديم الاقرار عليها ففي المثال المذكور بعد ان اقر أن هذا المال الذي في يده ليس له ولزيد فقيام البينة انه له لا اثر له. ولعل السر في ذلك انهم يرون الاقرار أكشف من البينة كما انه لو علم كذب البينة فلا حجية لها لان التعبد بالامارة في ظرف الجهل بالمؤدي واما لو علم بوجود المؤدي وثبوته أو علم بعدمه فلا معنى ولا مجال للتعبد بوجوده أو عدمه. والحاصل ان العقلاء لا يرون كاشفية للبينة في ظرف اقرار المشهود له على خلافها كما انه لا كاشفية لها مع العلم بالخلاف. ولكن وردت روايات في انه إذا قامت البينة على ان زيدا مثلا قاتل ثم اقر شخص اخر بانه انا القاتل ان للولي الاخذ باية واحدة من الامارتين فله قتل اي واحد منهما إذا اراد وكل ذلك لصحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) (1) وقد عملوا بها


: 1 - " الكافي " ج 7، ص 290، باب النادر (من كتاب الديات) ح 3، " تهذبى الاحكام " ج 10، ص 172، ح 678،.

[ 39 ]

وافتوا على طبقها وان كان مفادها على خلاف مقتضى القواعد والاصول لكنه يجب العمل بها في موردها على كل حال واما تعارض البينة مع مثلها فالتكلم فيه في بيان قاعدة البينة على المدعي واليمين على من انكر. الجهة الثالثة في بيان موارد تطبيقها في الفقه فنقول: ان هذه القاعدة سارية وجارية في جميع ابواب الفقه. ففي كتاب الطهارة مثلا تستعمل في اثبات الطهارة والنجاسة بناء على عموم حجيتها وفي موضوعات احكام النجاسات وفي اثبات الملاقات للنجس وعدم الملاقات وفي اثبات ان هذا الماء كر أو ليس بكر وانه مطلق أو مضاف وانه تغير احد اوصافه الثلاثة بالنجس ام لم يتغير وانه توضأ ام لم يتوضأ وكذلك هل اغتسل ام لا وانه هل كان على البشرة ومحل غسل الوضوء أو مسحه وكذلك في الغسل مانع وحاجب ام لا وانه تيمم ام لا وهل هذا التراب الذي يريد ان يتيمم عليه طاهر ام نجس وانه هل هو مما يصح التيمم عليه ام لا في الشبهة الموضوعية لا الحكمية وفي مقدار المساحة التي يجب الفحص عن الماء في الشبهة الموضوعية لا الحكمية وفي لون الدم الذي تراه المرأة إذا كانت عاجزة عن الرؤية لعمى أو لجهة اخرى وفي نفوذه في القطنة وعدمه كذلك وفي كونه مستديرا على القطنة كي يكون دم العذرة أو لا فيكون استحاضة أو حيضا أو شيئا اخر وانه هل انقطع على العشرة أو تعدي وانه هل كان اقل من الثلاثة ام لا.


:... باب البينات على القتل، ح 18، " وسائل الشيعة " ج 19، ص 108، أبواب دعوى القتل وما يثبت به، باب 5، ح 1..

[ 40 ]

كل ذلك فيما إذا لم يكن في قيام البينة محذور شرعي. وفي كتاب الصلاة تستعمل في معرفة القبلة والاوقات وفي لباس المصلي من كونه حريرا أو ذهبا أو غير ماكول وفي مكانه من حيث كونه غصبا وفي معرفة ما يصح السجود عليه وفي ضبط عدد الركعات وتعيينها وفي زيادة ركن أو نقيصته وان كان نسيانا وفي حصول المسافة وتعيينها وفي مقدار الاقامة أو مضى ثلاثين مترددا وفي معرفة حد الترخص وفي صلاة الجماعة من حيث عدالة الامام وصحة قراءته والاتصال مع الامام وعدم علو الامام وعدم الحائل بين المأموم والامام كل ذلك في الشبهة الموضوعية وغير ذلك من موضوعات الاحكام في كتاب الصلاة. وفي كتاب الزكاة وصول المال إلى مقدار النصاب في الشبهة الموضوعية وفي اثبات الفقر وكونه ابن السبيل وانه من الغارمين وان دينه لم يكن من جهة الصرف في المعصية ولا من جهة الاسراف وفي كونه عبدا تحت الشدة وفي كونه مسكينا وفي اثبات بلوغ المالك وكونه عاقلا وحرا متمكنا من التصرف في ماله تمام التمكن وان تملكه للغلات بواسطة الزراعة وكونه زارعا أو انتقل إليه الزرع أو الشجر قبل تعلق الزكاة بهما اي قبل اشتداد الحب في الزرع وقبل بدو الصلاح في الاشجار المثمرة اعني النخيل والكروم وفي مقدار مؤنة تحصيل الغلات سواء كانت من قبيل الزرع أو كانت من قبيل اشجار المثمرة اي النخيل والكروم. وفي كتاب الخمس اما بالنسبة إلى ما يتعلق به الخمس فمثل المعدن أو الغوص أو الحلال المختلط بالحرام أو ان له الربح ومقدار الربح مستعمل فيها البينة إذا شك فيها من جهة الشبهة الموضوعية لا المفهومية لان المرجع في الشبهة المفهومية هو العرف أو الادلة الشرعية ان كان تصرف من قبل الشارع فيها اي فيما اخذ موضوعا لحكمه وكذا في بلوغ النصاب فيما له نصاب منها كالغوص والمعدن. واما بالنسبة إلى المستحق فتستعمل في اثبات كونه من بني هاشم وانه لا يملك

[ 41 ]

مؤنة سنته وبالنسبة إلى سهم الامام (ع) وايصاله إلى الفقيه العادل الجامع للشرائط أو صرفه في ما يأذن أو اعطائه لمن يأذن ففي جميع هذه الموضوعات تستعمل البينة لاثباتها. وفي كتاب الحج تستعمل في تعيين المواقيت أو محاذاتها من ناحية الشبهة الموضوعية وكذلك في ثوبي الاحرام وكونهما مما يجوز لبسهما في الاحرام ثم في عدد اشواط الطواف إذا شك فيه وكذلك في عدد السعي بين الصفا والمروة وكذلك في تعيين زمان الوقوف في عرفات ومكانه وكذلك الامر بالنسبة إلى المشعر ومنى زمانا ومكانا كل ذلك من ناحية الشبهة الموضوعية وفي شرائط الذبيحة يوم العيد في منى وغير ذلك من الموضوعات الكثيرة للاحكام الشرعية في كتاب الحج التي لا يخفى على الفقيه المتتبع وانه إذا حصل له الشك فيها من ناحية الشبهة الموضوعية فاحد طرق اثباته هي البينة. واما في ابواب المعاملات فاغلب الموضوعات للاحكام فيها عرفية وبعد اخذ المفهوم من العرف إذا شك في مصداقه فاحد طرق اثباته هي البينة كالعيب في خيار العيب من ناحية الشبهة الموضوعية والغبن ايضا كذلك في خيار الغبن وكذلك الحال في سائر المعاملات. واما في كتاب الصيد والذباحة والاطعمة والاشربة ففي اكثر الموضوعات المشتبهة من حيث المصداق والشبهة الموضوعية تثبت الحلية والحرمة بالبينة مثلا إذا شك في انه عند الرمي هل قال بسم الله ام لا فان شهدت البينة بانه سمى يثبت التسمية أو إذا شك في انه ذبح بالحديد أو بالة من فلز اخر أو من شئ اخر بناء على توقف الحلية على ان يكون الذبح بالحديد فان شهدت بانه كان بالحديد تثبت الحلية بها. وفي الاطعمة والاشربة إذا شك في ان هذا السمك هل له فلس ام لا فان

[ 42 ]

شهدت البينة بانه كان له الفلس تثبت الحلية أو إذا شك ان هذا الطائر هل له حوصلة ام لا وان دفيفه اكثر من صفيفه ام لا فان شهدت البينة ان دفيفه اكثر أو انها شهدت ان له حوصلة أو قانصة أو صيصية فتثبت الحلية، واما في كتاب القضاء وابواب الدعاوي فهي الركن الركين. واما في كتاب المواريث فالبينة تستعمل في اثبات الانصاب ومقدار حصص الورثة وغير ذلك من الموضوعات للاحكام من كفر الوارث أو كونه قاتلا للمورث أو كونه اكبر الاولاد ويستحق الحبوة. وفي كتاب الحدود والديات تستعمل في مقدار الجناية وتعيين الجاني والمجني عليه والحمد لله اولا واخرا وظاهرا وباطنا.

[ 43 ]

37 - قاعدة اقرار العقلاء

[ 45 ]

قاعدة إقرار العقلاء ومن القواعد الفقهية المعروفة قاعدة " اقرار العقلاء على انفسهم جائز ". وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في مدركها وهو امور: الاول: اتفاق العقلاء من جميع الملل كافة على نفوذ اقرار كل عاقل على نفسه، بمعنى ان اقرار العاقل على نفسه طريق مثبت لما اقر به عندهم جميعا ولم ينكره احد. وذلك ان العاقل لا يقدم على اضرار نفسه الا لبيان ما هو الواقع لوخز ضميره من الخلاف الذي صدر عنه سواء أكان ذلك الخلاف هي السرقة أو جناية أو غصب أو قذف وما شابه ذلك، أو يقر على نفسه ببيان الواقع حذرا من العذاب الاخروي. مثلا لو كان مال غيره في يده وتحت سيطرته وتصرفه فلا يعترف انه لذلك


:: " الحق المبين " ص 99، " عوائد الايام " ص 172، " عناوين الاصول " عنوان 81، " خزائن الاحكام " ش 43، " مجموعه رسائل " العدد 22، ص 497، " مستقصى مدارك القواعد " ص 7 " أصول الاستنباط بين الكتاب والسنة " ص 207، " قواعد فقهي " ص 223، " القواعد الفقهية " (فاضل اللنكراني) ج 1، ص 63، " القواعد الفقهية " (مكارم الشيرازي) ج 4، ص 403، " در باب إقرار " محمد اعتضاد البروجردي، مجلة " كانون وكلاء " 27، " إقرار " سيد علي شايكان نشرة " مجموع حقوقي " العام 1، العدد 30..

[ 46 ]

الغير الا لما ذكرنا من الوجوه، كما انه لو كان لنفسه فلا يعترف انه لغيري لعدم الداعي إلى ذلك في الغالب. نعم قد يتفق له الداعي على اقرار بما هو ضرر عليه مع انه على خلاف الواقع، ولكن هذا القسم شاذ قليل الوجود، ولو لم يكن موجودا اصلا لكان الاقرار على النفس موجبا للعلم بصحة ما اقر به، ولكن وجود هذا القسم من الاقرار على النفس اتفاقا صار سببا لان يكون من الامارات الظنية القوية، ولذلك العقلاء بنوا على حجيته. الا ترى ان احدهم لو اتهم بسرقة أو جناية أو غصب أو غير ذلك - مما يكون الاقرار به ضررا على نفسه - لو اقر واعترف بذلك لا يتردد احد في تصديقه وقبول قوله وصدور هذه الافعال عنه، فإذا انكر شخص آخر صدور هذه الافعال عنه يقال له: كيف تقول انها لم يصدر عنه وهو بنفسه اقر واعترف بذلك؟! ولعل هذا مضمون كلام أبي عبد الله جعفر الصادق (ع) في مرسل عطار: (المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمن عليه) (1). ولذلك ترى ان القضاة والحكام - من جميع الملل والاقطار والامصار في جميع الاعصار - يعدون اعتراف الجاني والسارق والقاتل بهذه الامور من اقوى المدارك لصدور هذه الافعال عنه، ولم يردع الشارع عن هذه الطريقة بل امضاها كما يمر عليك دليل الامضاء في الامور الاتية، وإذا أردت اكثر من هذا أدلة الامضاء فراجع كتاب القصاص والحدود والديات من كتب الحديث التي الفها العامة والخاصة. الثاني: الاجماع من كافة علماء الاسلام وعدم الخلاف من أحدهم في حجية


: 1 - " صفات الشيعة " ص 37، " وسائل الشيعة " ج 16، ص 110، أبواب كتاب الاقرار، باب 3، ح 1.

[ 47 ]

اقرار العقلاء على انفسهم ونفوذه في الجملة بطور الموجبة الجزئية. ولكن انت خبير بان هذا الاجماع والاتفاق الظاهر انه ليس اتفاقا واجماعا تعبديا من جهة تلقيهم هذا الحكم من المعصوم (ع) بل من جهة انهم يرونه طريقا عند العقلاء مثبتا لما اقر به ولم يردع عنه الشارع بل امضاها كما ذكرنا فليس من الاجماع المصطلح كما نبهنا عليه مرارا. الثالث: الاخبار وعمدتها الحديث المشهور بين الفريقين - وقد عبر عنه صاحب الجواهر (قده) بالنبوي المستفيض أو المتواتر (1)، ولا يبعد تواتره لاتفاق الفريقين على نقله والاستدلال به في الموارد الخاصة - وهو قوله صلى الله عليه وآله (اقرار العقلاء على انفسهم جائز) (2) وقوله صلى الله عليه وآله " قولوا الحق ولو على انفسكم " (3) اما قوله صلى الله عليه وآله " اقرار العقلاء على انفسهم جائز " سنتكلم عنه في بيان مفاد القاعدة مفصلا ان شاء الله تعالى. واما قوله صلى الله عليه وآله " قولوا الحق ولو على انفسكم " فتقريب الاستدلال به ان الامر ظاهر في الوجوب فإذا كان قول الحق واجبا ولو كان على نفسه فيجب قبوله والا يكون وجوب قول الحق لغوا وبلا فائدة فلا بد من القول بوجوب القبول، وهذا معناه حجية الاقرار على النفس لكونه واجب القبول. وفيه: ان ظاهر الحديث - بناء على ما ذكرت - ان قول الحق واجب القبول سواء أكان على نفسه أو لنفسه أو على غيره أو كان لا له ولا عليه ولكن بعد ما ثبت انه قول حق بعلم أو علمي، وأما أن كل ما يقول ويقر على نفسه فهو قول حق فمن أين؟


: 1 - " جواهر الكلام " ج 35، ص 3. 2 - " عوالي اللئالي " ج 1، ص 223، 104، وج 2، ص 257، ح 5، وج 3، ص 442، ح 5 " وسائل الشيعة " ج 16، ص 110، أبواب الاقرار، باب 3، ح 2. 3 - " بحار الانوار " ج 77، ص 173، ب 7، ح 7. " قل الحق ولو على نفسك ".

[ 48 ]

ولعله يقول قولا باطلا وإقرارا كاذبا على نفسه لجهة من الجهات، كما انه يريد اظهار سخاوته فيقول: استدنت من فلان مبلغ كذا وقسمته بين الفقراء، أو يريد اثبات شجاعته فيقول: جنيت على فلان بكذا وكذا. فالانصاف ان الحديث لا ربط له بهذه القاعدة بل في مقام بيان وجوب اظهار الحق وعدم جواز كتمانه وان كان اظهاره على ضرره. وأما الاخبار المروية عن الائمة المعصومين (ع) فكثيرة جدا، خصوصا في الموارد الخاصة بصورة القضايا الشخصية، وتقدم مرسل عطار عن الصادق (ع): (المؤمن اصدق على نفسه من سبعين مؤمن) وظاهره ان شهادة المؤمن على نفسه أي: اقراره على نفسه اكشف من شهادة سبعين مؤمن، وأيضا خبر جراح المدائني عن الصادق (ع) (لا اقبل شهادة الفاسق الا على نفسه) (1) وهذا الخبر يدل على نفوذ الاقرار على النفس وان كان فاسقا، لانه لا فرق فيما هو المناط في نفوذ اقراره بين أن يكون فاسقا أو عادلا. وخلاصة الكلام ان الروايات الواردة عن اهل بيت العصمة (ع) في الموارد الخاصة - الدالة على نفوذ اقرار كل عاقل على نفسه - كثيرة جدا ومن راجع كتب الحديث من الفريقين - باب القصاص وباب الحدود وباب الديات وباب الغصب وباب الاقرار وباب القضاء منها وامعن النظر - لا يتأمل في ان ذكر المورد لاجل تطبيق الكبرى الكلية عليها أو لاجل الجواب عن القضايا الشخصية، والا فلا خصوصية لها، بل الحكم عام أي: مفاد تلك الاخبار نفوذ اقرار كل عاقل على نفسه في اي مورد كان، ويكون حكما كليا لا قرارات جميع العقلاء في جميع الموارد. الرابع: الآيات ومنها قوله تعالى (أأقررتم واخذتم على ذلكم اصرى قالوا


: 1 - " الكافي " ج 7، ص 395، باب ما يرد من الشهود، ح 5، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 242، ح 600، باب البينات، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 16، ص 112، أبواب الاقرار، باب 6، ح 1.

[ 49 ]

اقررنا قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين) (1) ومنها قوله تعالى (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا واخر سيئا) (2) وقوله تعالى (كونوا قوامين بالقسط شهداء الله ولو على انفسكم) (3). وفيها: أما الآية الاولى فلا ربط لها بمقامنا، ومحل بحثنا أي: نفوذ الاقرار على النفس لان الله تعالى في الآية يخاطب الناس - ويقول بعد اخذ العهد والمواثيق منهم: أن يؤمنوا وينصروا رسله هل اقررتم وأخذتم على ذلكم إصري أي ثقلي؟ والمراد بالثقل العهود والمواثيق الذي اخذ منهم أي قبلتم عهودي ومواثيقي، قالوا اقررنا أي قبلنا تلك العهود والمواثيق فقال الله تعالى فاشهدوا أيتها الملائكة أو الانبياء أو الامم على قبولكم وانا الله ايضا من الشاهدين فلا ربط لها بنفوذ اقرار العقلاء على انفسهم لان المراد من الامر بالشهادة تثبيت تلك العهود والمواثيق عليهم واتمام الحجة، ولذلك يقول هو تعالى بعد ذلك (وأنا معكم من الشاهدين) اي لا يمكن لكم ان تنكروا هذه العهود. واما الآية الثانية فالمراد من قوله تعالى - (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) إما هم الفاسقون - المعترفون بذنوبهم التائبون عما فعلوا من خلط العمل الصالح بالعمل السئ، أو هم المتخلفون عن غزوة تبوك فندموا وتابوا على التفصيل المذكور في كتب التفاسير، وعلى كل واحد من التقديرين لا ربط لها بنفوذ اقرار العقلاء على انفسهم. نعم اعترافهم بذنوبهم اقرار على انفسهم ولكن أي ربط له بنفوذ اقرار كل عاقل على نفسه. واما الاية الثالثة فتقريب الاستدال بها ان امره تعالى بكونهم شهداء لله ولو


: 1 - آل عمران (3): 81. 2 - التوبة (9): 102. 3 - النساء (4): 135..

[ 50 ]

على انفسهم ملازم مع وجوب قبول تلك الشهادة التي على النفس وهذا معناه نفوذ اقراره على نفسه وفيه: ان ظاهر الآية وجوب أداء الشهادة وحرمة كتمانها ولو كانت على انفسهم، وهذا لا يدل على ازيد من وجوب قبول شهادة المؤمنين وان كانت على انفسهم إذا كانت واجدة لشرائط وجوب قبول الشهادة من التعدد والعدالة فلا ربط لها بنفوذ اقرار العاقل على نفسه وان كان فاسقا وغير متعدد الذي هو محل البحث. وقد ظهر مما ذكرنا ان الدليل على اعتبار هذه القاعدة أمران: احدهما: هو الامر الاول أي: اتفاق كافة العقلاء على اماريتها وعدم ورود ردع عن قبل الشارع بل ورد الامضاء الثاني: هي الاخبار وعمدتها النبوي المشهور وهو قوله صلى الله عليه وآله (اقرار العقلاء على انفسهم جائز). الجهة الثانية في بيان مفاد هذه القاعدة وانه ما المراد منها؟ فنقول: ان مفاد القاعدة والمراد منها تابع للسعة والضيق في مدركها، فارادة المعنى الاوسع من مدركها يرجع إلى ارادة ما لا دليل عليه، وارادة الاضيق من دليلها معناه عدم الاعتناء بدليلها وعدم القول باعتبار ما اعتبره الشارع. وقد عرفت ان المدرك لهذه القاعدة امران: اتفاق العقلاء على ان اقرار العاقل على نفسه امارة ثبوت ما اقر به من حيث انه على نفسه لا بقول مطلق - أي: ولو كان له اثر على الغير، فلو اقر بان فلانة زوجتي فالعقلاء يبنون على زوجية فلانة له من حيث الاثار التي على المقر أي: المهر مثلا، وأما ان المرأة تطيعه وترتب اثار

[ 51 ]

الزوجية فلا - والاخبار وعمدتها قوله صلى الله عليه وآله: (اقرار العقلاء على انفسهم جائز) ومفاد الحديث هو عين ما اتفق عليه العقلاء فلا بد من توضيح مفاد الحديث وبيانه. فنقول: اما الاقرار لغة وبحسب المتفاهم العرفي عبارة: عن جعل الشئ ذا قرار وثبات، فمعنى أقره على شغله أي: جعله ثابتا على ذلك الشغل والمتبادر من كلمة (على نفسه) هو كون الشئ على ضرره كما ان معنى لنفسه كونه لنفعه. ومنه قولهم انت لنا أو علينا أي: تنفعنا أو تضرنا ومعنى كلمة جائز أي: نافذ وماض، لا الجواز مقابل الحرام. وذلك من جهة انها بذلك المعنى ليست مختصة بالاقرار على النفس، بل الاقرار للنفس وبما ينفع المقر ايضا جائز، فمن الواضح ان الجواز هاهنا بمعنى النفوذ والمضي كما قلنا ان على هذا المعنى اتفاق العقلاء. هذا مضافا إلى ان الاقرار على النفس ايضا ربما يكون حراما، وذلك فيما إذا كان كاذبا فيما يخبر عنه وخصوصا فيما إذا كان - مضافا إلى انه كذب - مضرا للغير وموجبا لاهانته، كما انه إذا أقر واعترف كاذبا بانه زنى بالمرأة المحصنة الفلانية ولا شك في ان مثل هذا الاقرار وان كان على نفسه ولكنه من اشد المحرمات كما هو صريح الآية الشريفة (ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم) (1). ثم انه إن كان الظرف - أي: على انفسهم - متعلقا بجائز فيكون المعنى انه اقرار العقلاء مطلقا جائز على انفسهم وان كان متعلقا با لاقرار فيكون الحاصل ان اقرار العقلاء على انفسهم لا مطلق اقاريرهم، وتكون كلمة جائز مطلقا لا انه مقيد بالجواز على انفسهم فقط.


: 1 - النور (24): 23..

[ 52 ]

والفرق بين الصورتين في كمال الوضوح لانه بناء على الصورة الاولى يكون المعنى عبارة: عن ان اقرار العقلاء - الذي يكون على ضررهم لا مطلق اقرارهم ولو لم يكن على ضررهم - نافذ مطلقا -، سواء أكان النفوذ على ضرره أو على نفعه، بمعنى ان الاقرار إذا كان على ضرره ولكن كان له لازم يكون لنفعه، فبناء على تقدير الاول يرتب ذلك اللازم عليه لانه يصدق عليه انه اقرار على النفس، كما انه لو أقر على ان هذا الولد ابني أو هذه المرأة زوجتي فهذا الاقرار ضرر عليه من حيث وجوب اعطاء النفقة لهما ولكن لازمه انهما لو ماتا يرث منهما. فلو كان الظرف من قيود الاقرار وكان الجواز مطلقا فيلزم القول بنفوذ هذا الاقرار بالنسبة إلى هذا اللازم، وأما لو كان من قيود الجواز فيكون المعنى ان اقرارهم جائز في خصوص ما يضرهم لا فيما ينفعهم، فيلزم القول بعدم نفوذ ذلك الاقرار في اللازم المذكور. ولكن الانصاف ان ظاهر هذا الكلام انه صلى الله عليه واله وسلم بصدد بيان ان اقرار العقلاء إذا كان على ضررهم فهو - أي: ذلك الاقرار الذي على ضرره - جائز ونافذ على نفسه فلو كان لاقرارهم الضرري لازم غير ضرري عليه سواء أكان نافعا له أو لم يكن وسواء أكان ضرر على الغير أو لم يكن ففي جميع هذه الصور لا يشمله الحديث لما ذكرنا ان معنى الحديث ان الاقرار الذي على انفسهم جائز عليهم لا لهم، فكان الظرف المذكور في القضية متعلق بكلمة (اقرار العقلاء) وهو ظاهر اللفظ وإلا محذوف ومقدر متعلق بكلمة (جائز) بقرينة الاول مثل قوله تعالى (اسمع بهم وابصر) (1) أي: بهم فحذف من الثاني بقرينة الاول فكان الكلام هكذا (اقرار العقلاء على انفسهم جائز على انفسهم). ونتيجة هذا انه إذا كان للاقرار مدلول التزامي لا يكون ضررا على المقر


: 1 - مريم (19): 38..

[ 53 ]

لا يشمله الحديث. ان قلت: إذا حكم الشارع بثبوت المقر به بالاقرار على النفس فقهرا يترتب اثار المقر به عليه سواء أكانت تلك الاثار واللوزام على المقر العاقل أو لنفعه، أو لا لنفعه ولا على ضرره قلت: الامر هكذا بناء على امارية الاقرار كما هو كذلك ولكن تقدير الظرف المتعلق بكلمة (جائز) يمنع عن شمول الحديث لغير ما يضر المقر كما ذكرنا من ان معنى الحديث بعد تقييد الاقرار بكونه على نفس المقر وضرريا عليه وأيضا تقييد كلمة جائز بعلى نفسه المقدر فيكون المعين ان الاقرار الذي عليه جائز عليه لا له. ان قلت: بعد حكم الشارع بثبوت المقر به بذلك الاقرار كيف يمكن التفكيك بين ثبوته وثبوت لوازمه؟ قلت: ان الثبوت لو كان ثبوته واقعيا تكوينيا لكان لهذا الاشكال مجال وأما الثبوت التعبدي فهو بلحاظ الاثار، فيمكن أن يرد الدليل بثبوته بلحاظ بعض الاثار دون بعض، فيمكن أن يقول الشارع تعبد بثبوت ما اقر به بلحاظ اثاره التي تكون على المقر لا له. فتلخص مما ذكرنا ان معنى هذا الحديث - الذي هو مفاد هذه القاعدة والمراد منها - ان اقرار العقلاء الذي يكون على ضررهم مثبت وطريق كاشف عن وجود المقر به وثبوته ولكن من حيث اثاره التي تكون ضررا على المقر، ففي كل مورد لم يكن الاثر ضرريا عليه لا يثبت ما اقر به من تلك الجهة. والتفكيك بين اللوازم والملزمات في التعبديات لا مانع منه، وله نظائر كثيرة لان الثبوت فيها ليس ثبوتا حقيقيا بل هو ثبوت تعبدي بلحاظ الاثار، فيمكن التفكيك بين ثبوته أي ما اقر به من حيثية دون اخرى.

[ 54 ]

كما انه قيل في قاعدة التجاوز - ونحن بنينا على هذا (1) انه لو شك في اتيان صلاة الظهر في اثناء الاشتغال بصلاة العصر أو شك في انه توضأ للصلاة أم لا في اثناء الصلاة فقاعدة التجاوز تثبت الاتيان بصلاة الظهر من حيثية شرطية اتيانها قبل صلاة العصر ولا تثبت وجودها بقول مطلق، ولذلك بعد الفراغ عن الصلاة يجب الاتيان بها، لان قاعدة التجاوز مفادها ان بعد التجاوز عن محل الشرط لو شك في اتيان الشرط يمضى في عمله ويبنى على الاتيان بالشرط، فالتعبد بوجود صلاة الظهر بما هو شرط لا بما هو هو. وبعبارة اخرى مفاد القاعدة انه تعبد بان العمل الذي انت مشغول به ليس فاقد الشرط، وأما ذات صلاة الظهر - وانه اتى بها أو لم يأت بها فلا نظر للقاعدة إليها ولذلك بعد الفراغ يلزم ان يأتي بها وكذلك الامر في الشك في الوضوء في اثناء الصلاة، فقاعدة التجاوز تثبت وجود الطهارة من حيث شرطيتها لهذه الصلاة ولا تثبت ذات الوضوء من حيث نفسه، ولذلك بالنسبة إلى الصلوات الاخر لا بد له الا ان يتوضأ. وحاصل الكلام ان قاعدة التجاوز مفادها التعبد بوجود صلاة الظهر من حيث شرطيتها لصلاة العصر، وكذلك بوجود الوضوء من حيث شرطيته للصلاة لا اصل وجوده. ومما ذكرنا ظهر انه لا وجه لما توهموه من الاشكال بانه ان كان الاقرار على النفس مثبتا لما اقر به فيجب ترتيب جميع اثار ما اقر به وان لم يكن مثبتا له فلا يترتب عليه شئ اصلا، لانه بناء على هذا يكون اقراره وجوده كعدمه، وذلك من جهة ان اقراره يثبت ما اقر به لكن بالنسبة إلى اثاره التي تكون على ضرر المقر، لا ما يكون له، ولا ما يكون ضررا على غيره، ولا ما يكون لنفع غيره ولا ما يكون لا له


: 1 - " القواعد الفقهية " ج 1، ص 315..

[ 55 ]

ولا عليه، فلا ينقض على هذه القاعدة بانه لو اقر بما يكون له ضرر على نفسه وعلى نفسه وعلى غيره كالزنا مثلا فان ما اقر به يكون عليه وعلى غيره أي: المرأة التي يقر بالزناء معها. فالفقهاء يقولون بان المقر يجلد إذا كان غير محصن، ويرجم إذا كان محصنا. وأما المرأة فلا شئ عليها من ناحية هذا الاقرار نعم هي بنفسها لو اقرت أو اقيمت عليها البينة تكون حالها حال المقر من ناحية اقرار نفسها أو من ناحية قيام البينة على انها مزنية بها. وكذلك من جهة ان اقرار ذلك الرجل بالزناء لا يثبت الزناء الا بالنسبة إلى الاثار التي تكون ضررية على المقر دون غيرها، وأما التفكيك بين اللوازم فقلنا انه لا مانع منه في التعبديات. وكذلك لو اقر بابوة شخص له أو بنوته أو اخوته أو غير ذلك من النسب التي تكون من الطرفين ولم يقر الاخر فلا يترتب على اقراره الا الاثار التي تكون ضررية على المقر دون ما يكون ضررا على ذلك الطرف الاخر، فإذا كان واجب الانفاق على المقر يجب عليه الانفاق عليه ويرث من المقر. وأما الطرف الاخر فلا يجب عليه الانفاق على المقر وان كان على تقدير ثبوت النسبة التي اقر بها واقعا يجب عليه الانفاق على المقر ويرث المقر منه ولكن الاقرار لا يثبت النسبة واقعا وتكوينا، والتعبد ايضا ليس بلحاظ جميع الاثار بل يكون بلحاظ الاثار التي تكون ضررية على المقر، ولا يثبت الاثار التي تكون ضررية على غير المقر، ولا الاثار التي تكون فيها نفع المقر. ان قلت: اليس الاقرار امارة على ثبوت المقر به، فإذا ثبت الزناء مثلا القائم بالطرفين الزاني والمزنى بها ولا يمكن تحقق احدهما بدون الاخر وهكذا الحال في

[ 56 ]

جميع موارد المتضايفين فابوة زيد لعمرو لا يمكن ان تتحقق بدون بنوة عمرو، فإذا اقر زيد بابوته لعمرو وقلنا ان ابوته لعمرو تثبت بالاقرار الذي من الامارات فقهرا يثبت بنوة عمرو بتلك الامارة. كما انه لو قامت البينة على ابوة زيد لعمرو تثبت بنوة عمرو له ايضا بتلك البينة، وذلك لحجية مثبتات الامارات. قلت: ان امارية الاقرار ليست مطلقة بل يثبت ما اقر به من حيث كونه منشأ للاثار التي تكون ضررية على المقر ولا يثبت ما اقر به مطلقا، وقلنا ان الثبوت ليس ثبوتا حقيقيا وجدانيا وتكوينيا وانما هو ثبوت تعبدي بلحاظ الاثار، فيمكن ان يكون الاقرار امارة على ثبوت الابوة من حيث اثارها التي تكون ضررية على المقر فقط كما مثلنا بقاعدة التجاوز والشك في اثناء صلاة العصر انه اتى بصلاة الظهر ام لا والشك في انه توضأ أم لا. وخلاصة الكلام ان الاقرار قد يكون على نفس المقر فقط - مثل ان يقر بان لفلان عليه كذا - فنافذ قطعا وقد يكون على نفسه وعلى غيره وهذا على قسمين: الاول: ان يكون المقر به في كل واحد منهما مستقلا غير مربوط بالآخر مثل ان يقر احد الشريكين ببيع تمام دار المشترك بينه وبين غيره فينفذ في حصته من تلك الدار دون حصة شريكه وهذه الصورة ايضا لا كلام ولا اشكال فيها لانه في الحقيقة اقراران اقرار ببيع حصته - وهذا على نفسه ونافذ - واقرار ببيع شريكه حصته، وهذا اقرار على الغير وليس بنافذ. الثاني: ان يكون المقر به في كل واحد منهما مربوطا بالآخر لا ينفك احدهما عن الآخر، لان المقر به معنى قائم بالطرفين، وذلك كاقراره بابوة شخص أو بنوته أو اخوته أو بالزناء مع امرأة معينة إلى غير ذلك من الامثلة الكثيرة لهذا القسم. وهذا القسم هر الذي وقع محل الاشكال وانه كيف يمكن التفكيك بان يكون

[ 57 ]

نافذا في حقه ولا يكون نافذا في حق ذلك الطرف الآخر مع انهما متضايفان ووجود احدهما متوقف على وجود الآخر وهذا هو الذي اجبنا عنه وقلنا بان توقف احدهما على الآخر انما هو في مقام الثبوت لا في مقام الاثبات. نعم في مقام الاثبات ايضا ملازمة بين اثبات احدهما واثبات الآخر ان كان الاثبات تكوينيا وجدانيا لان الملازمة بين المتلازمين كما تكون في مقام الثبوت كذلك تكون في مقام الاثبات فان العلم باحد المتلازمين - سواء كانا معلولين لعلة واحدة أو كان احدهما علة والآخر معلول - علة للعلم بالآخر، ولكن هذه الملازمة بينهما ليست في مقام الاثبات إذا كان الاثبات تعبديا إذ من الممكن ان يحكم الشارع بالتعبد باحد المتلازمين دون الآخر وذلك بأن يأمر بترتيب آثار احدهما دون الآخر فلا يبقى اشكال في البين. وها هنا امور يجب التنبيه عليها: الاول: ان الاقرار لغة وعرفا عبارة عن جعل الشئ ذا قرار وثبات وهذا المعنى قد يكون مدلولا مطابقيا للفظ كما انه إذا قال انا مديون لزيد مثلا بكذا مقدار وقد يكون مدلولا التزاميا كقوله رددت عليك بعد قول زيد لي عليك كذا. وذلك من جهة ان مدلول المطابقي لكلمة " رددت عليك " هو ارجاع ما اخذ منه ولكن العرف يفهم منها بالدلالة الالتزامية انه اعترف بانه كان مديونا غاية الامر يدعي اداء دينه. وقد يكون بغير اللفظ كما إذا اقر بدين عليه بالاشارة المفهمة، مثل ان يقول له الحاكم مثلا ان فلان يقول بأنك مديون له بكذا مقدار فهل ادعائه صحيح وأنت مديون له بهذا المقدار؟ فيصدقه بالاشارة بحيث يفهم منها العرف تصديقه للمدعي

[ 58 ]

بهذه الاشارة ولذلك يكون الاخرس العاجز عن الكلام اقراره بالاشارة. والحاصل ان الاقرار عبارة عن اثبات الشئ أي جعله ذا قرار وثبات سواء أكان هذا الاثبات بالقول أو بالفعل غاية الامر حجية ظواهر الاقوال معلومة وعليها بناء العقلاء وسيرتهم سواء كان المراد مدلولا مطابقيا للفظ أو مدلولا التزاميا واما الافعال فليست كذلك فلا بد وان يكون - الفعل الذي يتحقق به الاقرار - صريحا فيه لا يكون ذا وجوه بحيث ان العرف يرى انه اقر واعترف بما ادعاه المدعي. وبعبارة اخرى يكون ذلك الفعل في نظر العرف وعندهم مصداقا لمفهوم الاقرار ويحمل عليه مفهوم الاقرار بالحمل الشايع ولا فرق في ذلك بين ان يكون المقر عاجزا عن الكلام كالاخرس ام لا ولكن اقر بالفعل لا بالقول لجهة اخرى غير العجز، فكذلك الامر في الكتابة فان كانت عند العرف صريحة في الاقرار بحيث لا يشكون في انه اقر بذلك - ايضا يثبت بهذا الاقرار، وحيث ان الاقرار عبارة عن الاخبار بثبوت مال أو حق - سواء كان حق الناس أو حق الله على نفسه أو لنفسه أو الاخبار بثبوت امر يستتبع مالا أو حقا على نفسه كاقراره بثبوت نسبة بينه وبين غيره - فكل ما افاد هذا المعنى عند العرف يسمى اقرارا. ولعل هذا مراد صاحب الجواهر (قده) حيث يقول بعد ذكره تعاريف القوم: ولعل الاولى من ذلك (اي من تلك التعاريف) ايكاله إلى العرف الكافي في مفهومه ومصداقه - فبناء على هذا لو فهم العرف من الكتابة مثل المعنى الذي ذكرنا وصدق بانه اقرار فتكون تلك الكتابة اقرارا (1) الامر الثاني: هل نفي الحق عن نفسه أو نفي المال أو نفي النسبة بعد اقرار الطرف بثبوت هذه الامور له يعد اقرارا على نفسه كي يكون جائزا ونافذا عليه ام


: 1 - " جواهر الكلام " ج 35، ص 2..

[ 59 ]

لا بل هو انكار لما اقر الطرف فلو قال احد المتابعين للاخر لك الخيار في هذه المعاملة فنفى ذلك الاخر وقال ليس لي هذا الحق أو قال هذا المال لك أو قال: لك علي كذا من الدنانير فقال في جواب الاول ليس هذا المال لي و [ في ] جواب الثاني: ليس لي عليك شئ أو ورثة الميت قالوا له انت اخونا من هذا الاب الميت فانكر هو وقال لست ابنا لهذا الميت كي اكون اخاكم. ولا شك في ان النفي في هذه الموارد مستتبع للضرر عليه فان كان النفي اقرارا يكون من مصاديق - اقرار العقلاء على انفسهم جائز - فلو صدق المقر بعد النفي أي رجع عن نفيه يكون من الانكار بعد الاقرار ولا يسمع. واما لو يكن النفي في هذه الموارد وما يشبهها اقرارا فلا دليل على نفوذ هذه الانكارات فالاقرارات من ذلك المقر باق بحالها والنفي لم يؤثر فيها فإذا رجع عن انكاره وصدق المقر يكون له هذه الامور ويؤخذ المقر باقراراته المفروضة. والظاهر ان النفي في الموارد المذكورة - وما يماثلها حيث انه مستتبع للضرر عليه، يكون اقرارا على نفسه ولا يرى العرف فرقا في صدق الاقرار بين ان يكون ما اقر به وجود صفة أو يكون عدم تلك الصفة فكما انه لو اعترف بانه فاسق مرتكب للكبائر يكون هذا اقرارا على نفسه كذلك لو قال بانه ليس بعادل أو اعترف انه ليس بمجتهد يكون هذا ايضا اقرارا على نفسه. فبناء على امارية الاقرار على النفس لاثبات ما اقر به يكون الاقراران من الامارتين المتعارضتين وبعد عدم الترجيح لاحداهما على الاخرى تتساقطان فلا يؤخذ كل واحد منهما باقراره لا المقر ولا النافي. فإذا رجع النافي عن نفيه وصدق المقر فان كان المقر باقيا على اقراره فيكون كاقرار جديد بلا معارض فيؤخذ باقراره وان لم يكن باقيا على اقراره يدخل في باب الدعاوى وتنطبق عليه موازين القضاء من جديد.

[ 60 ]

الامر الثالث: في ان الانكار بعد الاقرار لا يسمع ولا اثر له، وذلك من جهة ان الاقرار كما تقدم إمارة على ثبوت ما اقر به على نفسه ونفوذه في حقه والانكار الذي يصدر منه بعد اقراره لا دليل على اعتباره فوجوده كعدمه، وهذا معنى سماعه - أي: كلام - لا أثر له. ولكن هذا فيما إذا تم الاقرار وجرت اصالة الظهور لتشخيص المراد وهذا فيما إذا لم تكن قرينة متصلة أو منفصلة تكون اصالة الظهور فيما حاكمة على اصالة الظهور في طرف ذي القرينة ولذلك لا يكون الاستثناء عما اقر به انكارا بعد الاقرار. فلو قال له على عشرة إلا درهما كان اقرار بتسعة لا بعشرة كي يكون استثناء الدرهم انكارا بعد الاقرار وكذلك لو قال هذه الدار لزيد إلا الغرفة الفلانية فهذا اقرار بما عدا تلك الغرفة ولو قال هذه الدار لي إلا الغرفة الفلانية فانها لزيد مثلا فالاقرار على نفسه يكون بتلك الغرفة فقط وهكذا الامر في سائر الموارد. فإذا كان الاستثناء عن الايجاب واقر بالمستثنى منه لغيره فيكون ما اقر به ما عدا المستثنى وان كان الاستثناء في الكلام المنفي بأن قال ليس لزيد شئ من هذه الدار الا الغرفة الفلانية، فيكون ما اقر به نفس المستثنى. والحاصل ان في مقام الاستثناء تارة يكون اخباره بالنفي أو الاثبات متعلقا بحق الغير عليه فالاستثناء في الكلام الموجب نتيجته ان المقر به ما بقى بعد الاستثناء كما إذا قال له على عشرة إلا درهما فيكون الاقرار بتسعة واما الاستثناء في الكلام المنفي كما إذا قال ليس له على شئ إلا درهم نتيجته ان المقر به هو نفس المستثنى اعني الدرهم الواحد وتارة يكون اخباره بالنفي والاثبات بحق نفسه على الغير ففي الكلام الموجب كما إذا قال لي على زيد عشرة إلا درهما يكون الاقرار بالنسبة إلى الدرهم الواحد فقط لان نفي الملكية عنه هو اقرار على نفسه فيكون المقر به هو المستثنى فقط عكس السابق.

[ 61 ]

واما إذا كان الاستثناء في الكلام المنفي كما إذا قال ليس لي من هذه العشرة دراهم إلا درهما فيكون المقر به هو تمام هذه التسعة الذي غير المستثنى فيكون ما أقر به في الصورتين أي النفي والايجاب فيما إذا كان اخباره بالنفي والاثبات بحق نفسه على الغير عكس ما كان اخباره بهما بحق الغير عليه الامر الرابع: في ان امارية الاقرار واعتباره لاثبات المقر به هل مخصوص بما إذا كان في قبال من يدعي ما اقر به أو يكون أمارة مطلقا وان لم يكن مدع في البين أصلا؟. وبناء على الاول فلو اقر بأن هذه الدار التي في يدي وتحت تصرفي لزيد، أو ليس لي ولم يكن من يدعيها، فلو أنكر بعد ذلك ما اقره وقال: انها ليست لزيد أو قال انها ملكي، فليس من قبيل الانكار بعد الاقرار، وتكون يده امارة الملكية، فلو وهبها لشخص أو وقفها أو باعها أو غير ذلك من التصرفات التي تنفذ للملاك في املاكهم - تكون هذه التصرفات نافذة ولا تأثير لاقراره السابق لانه بناء على هذا التقدير يكون اقراره السابق كالعدم. وأما بناء على الثاني - أي بناء على كونه امارة مطلقا سواء أكان مدع في البين أو لم يكن - فانكاره بعد ذلك يكون انكارا بعد الاقرار ولا يسمع منه، وتسقط يده عن الاعتبار باقراره، فلا يجوز له أي تصرف ناقل للعين أو لمنفعتها. هذا فيما إذا لم يدع الملكية الجديدة، وأما إذا ادعاها فإذا كان حصولها غير ممكن - من جهة اتصال زمان تصرفه بزمان اقراره للغير أو بوقفيته أو بشئ آخر لا يمكن حصول الملكية معه - فالامر واضح لسقوط يده عن الاعتبار بواسطة اقراره ولم يحصل سبب جديد لملكيته على الفرض، فتكون تصرفاته غير نافذة حسب الادلة والامارات. وأما إذا كان حصولها ممكنا فهل يده امارة على الملكية الجديدة فيما لا علم بعدم

[ 62 ]

حصولها أم لا؟ والمسألة تدور مدار أن استصحاب حال اليد مقدم أو امارية اليد الفعلى، وذلك من جهة انه لا شك في أنه بعد اقراره - بناء على نفوذه وان لم يكن مدع في البين كما هو المفروض - تكون يده يد امانة فيشك في ان تلك الحالة أي: كونها أمانة باقية أم زالت وتبدلت يده من الامانية إلى المالكية. كما إذا كان مستاجرا لدار وكانت يده يد أمانة قطعا ثم يدعي انتقالها إليه بناقل شرعي فهل مثل هذه اليد امارة الملكية أو استصحاب حالتها السابقة يبطل اماريتها؟ لا يبعد جريان استصحاب حال اليد وعدم كونها امارة الملكية. ثم ان الاحتمالين الذين بيناهما بالنسبة إلى امارية اليد - من كونها امارة مطلقا أو في خصوص ما إذا كان مدع في البين - كان بحسب مقام الثبوت. وأما في مقام الاثبات فظاهر النبوي المستفيض أو المتواتر - أي: قوله صلى الله عليه وآله (اقرار العقلاء على انفسهم جائز) (1) هو نفوذ الاقرار مطلقا كان هناك مدع أو لم يكن، ولا مخصص ولا مقيد لهذا الاطلاق في البين. الجهة الثالثة في موارد تطبيق هذه القاعدة فنقول: ان موارد تطبيق هذه القاعدة التي يذكرها الفقهاء في كتاب الاقرار كثيرة ولكن الموارد مختلفة فبعضها محل الوفاق ولا خلاف فيها، لوضوح كونها من مصاديق القاعدة.


: 1 - تقدم ذكره في ص 47، رقم (2).

[ 63 ]

مثلا لو اقر العاقل البالغ اختيارا بأن هذه الدار التي تحت تصرفي وفي يدي ملك زيد، أو له علي كذا مقدار من الدراهم والدنانير، وكذا مقدار من الحنطة أو الشعير أو سائر الاجناس التي لها مالية، أو أقر بحق من الحقوق كحق الخيار أو حق التولية والنظارة على وقف أو حق التحجير أو حق السبق في مكان للعبادة أو للمعاملة والتكسب، ففي جميع هذه الموارد إذا كان اقراره مما يكون على نفسه لا له يكون نافذا ولا اشكال ولا خلاف فيه. ولا فرق بين ان يكون المقر له حيا أو ميتا، والمقر به عينا أو دينا أو حقا. نعم يشترط في صحة اقراره ونفوذه أن لا يكون اقراره معلقا على أمر لان التعليق ينافي الاقرار، وذلك من جهة ان الاقرار كما رجحناه عبارة: عن الاخبار جزما وبتا بثبوت شئ عليه أي: يكون ثبوت ذلك الشئ على نفسه، سواء اكان ذلك الشئ عينا أو دينا أو حقا من الحقوق، أو كان ثبوت ذلك الشئ مستتبعا لثبوت عين أو دين أو حق عليه. وثبوت الشئ فعلا مع كونه معلقا بثبوته على أمر - وان كان محقق الوجود فيما سيأتي كطلوع الشمس غدا - مما يتنافيان، ولذلك يكون الاقرار معلقا على أمر باطلا وليس بنافذ، فلو قال لك على كذا ان قدم زيد من السفر يكون باطلا ولا ينفذ، بل وكذلك لو قال لك علي كذا ان طلعت الشمس غدا باطل ولا ينفذ. والسر في ذلك ما ذكرنا من تنافي حقيقة الاقرار مع التعليق حتى وان كان المعلق عليه أمرا محقق الوقوع، وبعض الموارد الاخر ليس انطباق القاعدة عليها بتلك المثابة من الوضوح، ولذا وقع فيها الخلاف والاشكال فمنها: لو قال بعد ادعاء المدعي شيئا من مال أو حق عليه: ان شهد لك فلان

[ 64 ]

فهو صادق، فقال جماعة - وهم الشيخ (1) على ما حكى عنه وابن سعيد (2) والعلامة (3) (قدهما) على ما في الجواهر (4)، بل حكى في الجواهر عن فخر الاسلام انه حكى عن والده نسبته إلى الاصحاب (5) انه اقرار ويلزمه ما ادعاه المدعي، وذكروا لكون هذا الكلام اقرارا وانه يلزمه ما ادعاه المدعي وجوها: منها: ما ذكره المحقق في الشرائع انه إذا صدق يلزمه الحق وان لم يشهد (6) بيان ذلك: انه اقر بصدق الشاهد إذا شهد، ومعلوم ان شهادة ذلك الشاهد لا اثر لها في صدقه بل صدقه معلول سبب ثبوت ذلك الشئ على المقر، فصدق الشاهد على تقدير شهادته معناه: ان ذلك السبب موجود فحيث انه أقر بصدق الشاهد على تقدير شهادته فأقر بوجود ذلك السبب على ذلك التقدير وحيث ان ذلك التقدير أجنبي عن وجود ذلك السبب فيكون اقراره بوجود السبب مطلق سواء شهد أو لم يشهد. وهذا هو المراد من قول المحقق (قده) إذا صدق يلزمه الحق وان لم يشهد أي: ليس للشهادة تأثير في صدقه أو عدمها في كذبه، بل مناط صدقه وكذبه وجود سبب الثبوت وعدم وجوده. ومنها: ان ما يدعيه المدعى عليه إما ثابت عليه في الواقع أو ليس بثابت، وعلى الثاني فعلى تقدير الشهادة أيضا ليس بصادق، فصدقه على تقدير الشهادة متوقف على ثبوت ما يدعيه المدعي في الواقع، فاقراره بصدق الشاهد على تقدير الشهادة


: - 1 " المبسوط " ج 3، ص 36. 2 - " الجامع للشرائع " ص 340. 3 - " قواعد الاحكام " ج 1، ص 277. 4 - " جواهر الكلام " ج 35، ص 9. 5 - " ايضاح الفوائد " ج 3، ص 423 - 424. 6 - " شرائع الاسلام " ج 3، ص 110..

[ 65 ]

يرجع إلى الاقرار بثبوت ما يدعيه المدعي فليزمه المال أو الحق. وذلك لان الاقرار باللازم الذي هو الصدق على تقدير الشهادة اقرار بملزومه أعني: ثبوت ما يدعيه المدعي. ومنها: انه يصدق هذه القضية أي: كلما لم يكن المال ثابتا أو الحق كذلك في ذمة المقر لم يكن الشاهد صادقا على تقدير الشهادة فعكس ما نقيضه كلما كان الشاهد صادقا على تقدير الشهادة كان المال ثابتا في ذمته يكون صادقا، وذلك لما تقرر في المنطق ان الاصل إذا كان صادقا كان العكس ايضا صادقا، والمقدم في عكس النقيض أي: كلما كان الشاهد صادقا على تقدير الشهادة ثابت باقراره فيترتب عليه التالي وهو كان المال ثابتا في ذمته. ثم ان هاهنا كلام طويل وايرادات ذكرها صاحب الجواهر (قده) في كتاب الاقرار (1) تركنا ذكرها والبحث عنها، لان محل ذكرها والبحث عنها هو كتاب الاقرار. ومنها: لو قال: نعم بعد قول المدعي ألست مديونا لي بكذا؟ وقع الخلاف في أنه اقرار أم لا بعد الفراغ عن انه لو قال: بلى لا شك في انه اقرار، وذلك من جهة ان بلى حرف جواب وتختص بالنفي وتفيد ابطاله. وان شئت قلت: ان مفادها تصديق المنفي لا النفي بخلاف نعم فانها تصديق للجملة التى قبلها نفيا كانت أم اثباتا، ولذلك حكى في المغني عن ابن عباس رضي الله عنه - انه قال: لو قالوا في جواب قوله تعالى: " ألست بربكم " (2) نعم كفروا وذلك من جهة ان نعم تصديق لتمام الجملة، فيصير مفاد نعم العياذ بالله نفي ربوبيته تعالى لهم، ولكن قالوا بلى وأبطلوا النفي وصدقوا ما بعده أي: المنفي أعني


: 1 - " جواهر الكلام " ج 35، ص 9. 2 - الاعراف (7): 172..

[ 66 ]

صدقوا ربوبيته تعالى لهم (1). ولكن مع ذلك ذهب جماعة إلى انه اقرار لان " نعم " تستعمل بمعنيين أي تصديق النفي تارة والمنفي اخرى. وقد استشهد لهم صاحب الجواهر قده (2) بقول الانصار في جواب النبي صلى الله عليه وآله حين قال لهم " الستم ترون ذلك؟ " فقالوا نعم في مقام تصديق انه لهم. وبقول الشاعر: أليس الليل يجمع ام عمرو * وإيانا فذاك بنا تداني نعم وأرى الهلال كما تراه * ويعلوها النهار كما علاني ثم حكى عن المسالك ان الحكم بكونه إقرارا قوي ولكن انت خبير بان صرف استعمال نعم مقام بلى في بعض الاستعمالات لا يثبت كونه إقرارا ما لم يكن له ظهور عرفي، واثبات مثل هذا الظهور بمجرد استعماله مقام بلى في بعض الاحيان لا يخلو من نظر ولا اقل من الشك في ذلك. ومعلوم انه إذا بلغت النوبة إلى الشك فالاصل عدم ثبوت الاقرار الا ان يكون في مورده اطلاق لفظي يرفع الشك. وأما لو كان السؤال كلاما مثبتا كما إذا سأل عنه: ان لي كذا درهما أو شيئا عليك فأجاب بنعم أو بأجل - يكون إقرارا بمضمون ذلك الكلام، وذلك لان نعم واجل كلاهما حرف تصديق وجواب، فإذا اجاب بها أو باحداهما فقد صدق السائل فيما اثبته عليه. ثم ان الفقهاء ذكروا فروعا كثيرة في كتاب الاقرار، وترددوا أو تنظروا في انطباق هذه القاعدة على بعضها لم نذكرها لان محل البحث عنها هو كتاب الاقرار والمقصود


: 1 - " مغني اللبيب " ج 2، ص 452. 2 - " جواهر الكلام " ج 35، ص 84..

[ 67 ]

هاهنا بيان اعتبار هذه القاعدة وشرح مفادها والاشارة إلى موارد تطبيقها بطور الاجمال لا تفصيل مسائلها، وإلا كان اللازم ذكر جميع مسائل كتاب الاقرار وهو خروج عن وضع الكتاب والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 69 ]

28 - قاعدة البينة على المدعى واليمين على من انكر

[ 71 ]

قاعدة البينة على المدعي واليمين على من أنكر ومن جملة القواعد الفقهية المشهورة قاعدة " البينة على المدعي واليمين على من انكر ". وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في مدركها وهو أمران: الاول: قوله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعي واليمين على من انكر " (1). واشتهار هذا الحديث بين طوائف المسلمين يوجب الوثوق والاطمينان بصدوره عنه صلى الله عليه وآله فلا ريب في حجيته واعتباره. وروى في دعائم الاسلام عن أبي عبد الله عن ابيه عن آبائه عن امير المؤمنين (ع) ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: البينة في الاموال على المدعي واليمين على


:: " القواعد والفوائد " ج 1، ص 405، " الحق المبين " ص 48 و 65، " عناوين الاصول " عنوان 76، " خزائن الاحكام " العدد 38، " بلغة الفقيه " ج 36، ص 376 و 388، " قواعد فقهي " ص 21، " القواعد الفقهية " (مكارم الشيرازي) ج 4، ص 335. 1 - " عوالي اللئالي " ج 2، ص 345، ح 11، " مستدرك الوسائل " ج 17، ص 368، أبواب كيفية الحكم، باب 3، ح 4..

[ 72 ]

المدعى عليه " الحديث (1). عوالي اللئالى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: البينة على المدعي واليمين على من انكر (2) وفي كتاب الاستغاثة في كلام له في قصة فدك مع قول الرسول صلى الله عليه وآله باجماع الامة: " البينة على من ادعى واليمين على من انكر " (3). محمد بن يعقوب الكليني (قده) في الكافي باسناده عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (ع) (قال (ع): " قال رسول الله صلى الله عليه وآله انما اقضي بينكم بالبينات والايمان " (4). وايضا محمد بن يعقوب في الكافي باسناده عن جميل وهشام عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " البينة على من ادعى واليمين على من ادعى عليه " (5). وفيما ذكرنا في مدرك هذه القاعدة غنى وكفاية وان كان هناك روايات من طرقنا وطرق مخالفينا تركناها لعدم الاحتياج إليها. الثاني: الاجماع من جميع علماء الاسلام قاطبة ومن جميع الطوائف منهم، وهذا الاجماع المحقق من جميع طوائف المسلمين وان لم يكن من الاجماع المصطلح - كما نبهنا


: 1 - " دعائم الاسلام " ج 2، ص 520 ح 1859، " مستدر الوسائل " ج 17، ص 367، أبواب كيفية الحكم، باب 3، ح 1. 2 - " عوالي اللئالي " ج 1، ص 244، ح 172، وص 453، ح 188، وج 2، ص 258، ح 10، وص 345، ح 11، و ج 3، ص 523، ح 22. 3 - " الاستغاثة " ص 16، " مستدر الوسائل " ج 17، ص 368، أبواب كيفية الحكم، باب 3، ح 5. 4 - " الكافي " ج 7، ص 414، باب أن القضاء بالبينات والايمان، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 229، ح 552، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 3، " معاني الاخبار " ص 279، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 69، أبواب كيفية الحكم، باب 2، ح 1. 5 - " الكافي " ج 7، ص 415، باب أن البينة على المدعي و...، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 229، ح 53، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 170، أبواب كيفية الحكم، باب 3، ح 1..

[ 73 ]

عليه مرارا إلا انه يوجب الوثوق بل القطع بصدور هذا الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وآله فلا اشكال في هذه القاعدة من حيث المدرك [ الجهة ] الثانية وهي العمدة هو بيان المراد من هذا الحديث وتوضيح ما يفهمه العرف منه. فنقول في مقام شرح مفهوم العرفي لالفاظ هذا الحديث اما (البينة) فهي عبارة عن شاهدين ذوي عدل من المؤمنين حسب المتفاهم العرفي وقد تكلمنا في ظهورها عرفا في هذا المعنى في قاعدة حجية البينة وهذا لا ينافي كون هذه الكلمة لغة بل وعرفا ايضا بمعنى مطلق الحجة الواضحة والبرهان كما انها استعملت في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعا بهذا المعنى أي الدليل والبرهان والحجة الواضحة. وذلك من جهة ان المنكر - كما سنذكر - من كان قوله مطابقا للحجة الفعلية ككونه ذا اليد فلا بد وان يكون المراد من البينة التي جعلها صلى الله عليه وآله وظيفة المدعي دون المنكر معنى آخر غير مطلق الحجة وليس معنى آخر في البين يحتمل ان يكون هو المراد إلا هذه الحجة الخاصة اعني شهادة عدلين هذا مضافا إلى ورود روايات كثيرة في الموارد الخاصة بمطالبة الشهود من المدعي والحكم له على طبق شهادتها مضافا إلى ان احدا من الفقهاء لم يحتمل غير هذا المعنى لها في هذا الحديث. وأما كلمة " على " فباعتبار ان هذه الوظيفة - اي كون اقامة البينة على ثبوت ما يدعيه - موجها إليه تكون كلفة عليه. واما (اليمين) فهو الحلف والقسم وهذا واضح معلوم لا يحتاج إلى شرح وايضاح.

[ 74 ]

وأما " المدعي " فقيل في تعريفه وجوه: [ الوجه ] الاول: هو ان المدعي عبارة عمن يكون قوله مخالفا للحجة الفعلية وان كان موافقا مع الحجة غير الفعلية اي كان مثلا موافقا مع الاصل ولكن هناك امارة على خلافه فحيث ان الامارة حاكمة على ذلك الاصل - لذهاب موضوعه بها تعبدا - كانت الحجة الفعلية هي الامارة دون الاصل فيكون مدعيا بناء على هذا التعريف مثلا لو ادعى ان هذا اللحم الذي في السوق غير مذكي ويريد بذلك ابطال المعاملة فقول هذا الشخص وان كان مطابقا مع الاصل اي: اصالة عدم التذكية - ولكن حيث ان سوق المسلم ويده كذلك امارة على التذكية فاصالة عدم التذكية محكومة بتلك الامارة فتكون تلك الامارة هي الحجة الفعلية فيكون قول ذلك الشخص مخالفا للحجة الفعلية اعني تلك الامارة وان كان موافقا مع الاصل اي اصالة عدم التذكية فيكون مدعيا. وكذلك مدعي الفساد في باب المعاملات يكون مدعيا مع ان قوله موافق لاصالة عدم النقل والانتقال، وذلك لما ذكرنا من ان المدار في تشخيص المدعي هو ان يكون قوله مخالفا للحجة الفعلية وان كان مطابقا مع اصل محكوم أو امارة كذلك وفيما ذكرنا من الفرع اي دعوى الفساد في ابواب المعلاملات - قوله مخالف للحجة الفعلية أي: اصالة الصحة وان كان موافقا لاصالة عدم النقل والانتقال. وبناء على هذا التعريف للمدعي فقد يختلف في كونه مدعيا أو منكرا لاختلاف كلامه، مثلا لو قال في مقام - دعوى الطرف دينا عليه أو عينا عنده امانة أو غصبا: ليس لك في ذمتي أو عندي شئ يكون منكرا لكون قوله موافقا مع الحجة الفعلية أي اصالة عدم اشتغال ذمته له بشئ وكذلك في ادعاء العين الاصل عدم كونه عنده. واما لو قال في الاول أديته وفي الثاني رددته يكون مدعيا لان قوله يكون

[ 75 ]

مخالفا للحجة الفعلية وهي اصالة عدم ادائه في الاول واصالة عدم رده في الثاني. وكذلك الامر في الدعوى على ذي اليد بما هو تحت يده فلو قال ان هذا ليس لك أو قال لنفسي يكون منكرا لان قوله موافق للحجة الفعلية أي: كونه ذا اليد. وأما لو قال بأنك وهبتني أو اشتريت منك أو ادعى الانتقال إليه بناقل آخر بعد اقراره بأنه كان له فيكون مدعيا لانه اسقط يده عن الاعتبار باقراره الضمني أو الصريح. الوجه الثاني: هو ان المدعي من لو ترك دعواه ترك، وبيانه ان المدعي عند العرف عبارة عمن يدعي بثبوت دين أو عين أو حق على خصمه. وبعبارة اخرى: يريد الزامه بأحد الامور المذكورة والمنكر في مقابله يرد دعواه وينكر كونه ملزما بأحد هذه الامور فانكاره - في قبال ادعاء المدعي - يكون من قبيل القبول في مقابل الايجاب ورتبته متأخرة عن الدعوى ويكون متفرعا عليها فكونه منكرا متفرع على وجود مدع يدعي شيئا عليه فإذا ترك دعواه فلا مدعى ولا منكر في البين، وهذا هو المراد من قولهم " لو ترك ترك " ومن تعريفهم المدعي بتلك الجملة. وهذا المعنى للمدعي موافق لما يفهمه العرف من هذه الكلمة لان المدعي عندهم من يريد الزام خصمه بثبوت امر عليه فهو المتعرض لطرفه فلو ترك التعرض ولم يطالب خصمه بشئ لا يتعرض الخصم له من ناحية هذه المخاصمة. نعم يمكن ان يكون للخصم دعوى آخر عليه فلا يتركه بل يطالبه ولكن من جهة ادعاء آخر من طرف المنكر. وأما باب التداعي ففي الحقيقة هناك دعويان في احديهما يكون هذا مدع و الآخر منكر وفي الاخرى بالعكس اي يكون المدعي في الدعوى الاولى منكرا في الاخرى والمنكر فيها مدعيا في هذه الدعوى وفي كل واحدة من الدعويين لو ترك

[ 76 ]

المدعي دعواه يترك من ناحية تلك الدعوى ولا يتعرض له خصمه من ناحية هذه الدعوى وان كان يتعرض له من ناحية دعوى اخرى مثلا لو كان مال مطروحا على الارض ووقع عليه التلف وكل واحد من المتخاصمين لا بد له عليه ويدعي انه له فكل واحد منهما يدعي على الآخر انك اتلفت مالي فلو ترك احدهما دعواه يترك من ناحية هذه ولا يتعرض له الآخر من ناحية هذه الدعوى وان كان يتعرض له من ناحية دعوى اخرى. وكذلك لو كان المال في يدهما معا فكل واحد منها بالنسبة إلى نصفه مدع، وبالنسبة إلى النصف الآخر منكر، وذلك من جهة ان يد كل واحد منهما على الكل غير تامة لان معنى التمامية وعدم النقصان في اليد ان يكون له جميع التصرفات المباحة ومنع جميع الاغيار وحيث انه مع الشريك ليس له منعه فهذه اليد الناقصة على الكل تعتبر يدا تامة على النصف عند العرف والعقلاء ان كان الشريك واحدا، وعلى الثلت ان كانا اثنين وعلى الربع ان كان شركائه ثلاثة وهكذا فإذا كان المال في يد اثنين مثلا فتعتبر يد كل واحد منهما على المجموع يدا تامة على النصف عند العرف والعقلاء فبالنسبة إلى النصف الذي تحت يد كل واحد منهما يكون ذو اليد منكرا وبالنسبة إلى النصف الآخر مدعيا، فكل واحد منهما منكر بالنسبة لما في يده ومدع بالنسية لما في يد الآخر فيدخل في باب التداعي والتحالف، ولكن كل واحد لو ترك المخاصمة بالنسبة لما في يد الآخر يترك من حيث هذه الدعوى، ولا يتعرض له الآخر من هذه الجهة وان كان له تعرض من ناحية النصف الآخر في يده. فلا يرد النقض على هذا التعريف بمسألة التداعي وان المدعي فيها لو ترك لا يترك. الوجه الثالث: هو ان المدعي عبارة: عمن يكون قوله مخالفا للظاهر، ومقابله المنكر: وهو الذي يوافق قوله الظاهر، كما انه إذا ادعى ان هذه الدار التي تسكنها هي داري، أو الزوجة التي تحتك هي زوجتي فهذا القول خلاف ظاهر الحال، فيكون من

[ 77 ]

يدعيه مدعيا ومن تكون الدار تحت يده وينكر كونها للمدعي منكرا، وكذلك الامر في مثال الزوجة. وفيه: ان هذا الظاهر الذي يكون قوله مطابقا معه ان كان حجة معتبرة بالفعل - أي: كان أصلا معتبرا أو امارة معتبرة - فيرجع إلى الوجه الاول أي: من يكون قوله مخالفا للحجة الفعلية من وجوه تعريف المدعي وان كان من الظنون غير المعتبرة، فكونه موافقا معه لا ينافي مع كونه مدعيا، كما انه لو ادعى شخص من الصلحاء واهل الشرف على ذي اليد المتهم بالسرقات ان هذا الذي تحت يده هو لي وملكي وانه سرقه مني. ولعل من يعرف المدعي بأنه عبارة: عمن يدعي أمرا خفيا والمنكر من يقابله - أي: ينكر ثبوت مثل هذا الامر الخفي - مراده من هذا التعريف هو هذا الوجه الثالث، لان الامر الخفي هو ما لا يكون ظاهرا. ثم ان المراد من هذه الكلمة - أي: كلمة الظاهر في قوله: ان المدعي هو من يخالف قوله الظاهر - هل هو الظهور الشخصي أو الظهور النوعي؟ والحق في هذا المقام هو ان مرادهم من الظاهر ان كان هي الحجة المعتبرة فالمراد لا محالة يكون هو الظهور النوعي لا الشخصي، وذلك لان الحجج والامارات بل مطلق الادلة - وان كانت من الاصول حجيتها باعتبار ظهورها النوعية، وليست دائرة مدار الظن الشخصي. وأما ان كان المراد منه هو الظهور العرفي - وان لم يكن حجة - فقابل لكلا الامرين أي: الظهور النوعي والشخصي ولكن الظاهر ان مرادهم في هذا التعريف هو الظهور العرفي الشخصي. وعلى كل حال هذا التعريف لا يخلو عن الخلل لان من يكون قوله مخالفا للحجة الفعلية - كما إذا ادعى على ذي اليد بما في يده - يكون مدعيا ولو لم يكن قوله

[ 78 ]

مخالفا للظاهر. اللهم إلا ان يقال ان المراد من الظاهر في التعريف هي الحجة الفعلية فيرجع إلى الوجه الاول من وجوه تعريفه. الوجه الرابع: هو ان المدعي من يريد اثبات أمر على خصمه، سواء أكان ذلك الامر اشتغال ذمة طرفه وخصمه له أو تفريغ ذمة نفسه عما اشتغلت به لخصمه. فالاول كما إذا ادعى عليه انه مديون بكذا، والثاني كما إذا ادعى اداء ما كان عليه من دين له؟ وانت خبير بأن هذا التعريف ايضا يرجع إلى بعض المذكورات الوجه الخامس: ان المرجع في فهم هذه اللفظة هو العرف فهو يعين ويشخص ما هو المراد منها. وفيه: ان هذا الكلام صحيح ولا مناص منه، لان المرجع في باب مفاهيم الالفاظ هو العرف، إذ لم يخترع الشارع طريقا خاصا في باب القاء الاحكام إلى المكلفين، بل طريق الافادة عنده ما هو الطريق عند العرف في محاوراتهم في مقام الافادة والاستفادة، فإذا قال (ع) (البينة على المدعي واليمين على من انكر) (1) فلا بد في فهم الفاظ هذا الحديث من المراجعة إلى العرف، لان الخطابات الشرعية في محاوراته على طريقة العرف وعلى طبق محاوراتهم. ولكن جميع التعاريف السابقة والوجوه المذكورة كانت بنظر من ذكرها وعرف المدعي بها ما هو المتفاهم العرفي من هذه اللفظة لا انها من جهة اصطلاح جديد من قبل الشارع وانه صلى الله عليه وآله استعمل هذه اللفظة بذلك الاصطلاح. الوجه السادس: ان المدعي من يكون قوله مخالفا لاحد الامرين: إما الاصل أو


: 1 - تقدم ذكره في ص 71، رقم (1)..

[ 79 ]

الظاهر، وقد عرفت الحال وكذلك المراد من كليهما. هذه هي جملة الوجوه التي ذكروها في بيان معنى المدعي والمراد منه. ولكن الظاهر من لفظة " المدعي " في مقام الخصومة وفي مقابل المنكر حسب المتفاهم العرفي الذي هو المناط في باب تعيين مراد المتكلم - هو ان يكون ما يدعيه مما ليس عليه حجة فعلية، إذ لو كان على ما يدعيه على خصمه من عين أو دين أو حق حجة فعلية فيعمل على طبق تلك الحجة. وبعبارة اخرى: المدعي يريد في مقام المخاصمة ان يثبت ما يدعيه، ولذلك يطالب بالبينة. وأما إذا كان ثابتا لكونه على طبق الحجة الفعلية فلا معنى لان يكون في مقام اثبات ما يدعيه لانه يكون من قبيل تحصيل الحاصل، وأيضا لا معنى لان يطالب بالبينة، فالذي تحت يده مال ويتصرف فيه كيف ما يشاء، فبعد الاعتراف بأن اليد امارة الملكية فمالكية ذي اليد لذلك المال الذي تحت يده ثابتة لا تحتاج إلى دليل الاثبات، فلا معنى لاطلاق المدعي عليه. نعم لو ادعى شخص اخر - الذي ليس له يد على المال - انه له، يطالب بالدليل على ما يدعيه، ولا بد له في اثبات ما يدعيه ان يأتي بدليل حاكم على اليد وهي البينة على ما قرره الشارع، وإلا لو لم يكن اقوى من اليد بالحكومة أو التخصيص يتعارضان ويتساقطان. وخلاصة الكلام ان قوله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعي واليمين على من انكر " بيان لوظيفة المتخاصمين وعبر عن أحد المتخاصمين بالمدعي وعن الآخر بالمنكر، فجعل البينة وظيفة المدعي واليمين وظيفة المنكر. وحيث انه صلى الله عليه وآله لم يخترع طريقا خاصا في محاوراته لتبليغ الاحكام بل كان صلى الله عليه وآله يتكلم بما هو طريقة العرف - فلا بد في فهم مراده صلى الله عليه وآله من الرجوع إلى ما يفهمه العرف

[ 80 ]

من كلامه صلى الله عليه وآله إلا ان يثبت نقل من المعنى العرفي إلى معنى آخر عند الشارع كي يكون حقيقة شرعية أو استعمله في ذلك المعنى الآخر مجازا، وذلك يحتاج اثباته إلى دليل، وإلا فبحسب الطبع الاولى لا بد في فهم مراده صلى الله عليه وآله من مراجعة العرف. وقد عرفت ان لفظة " المدعي " حسب المتفاهم العرفي هو من يحتاج في اثبات ما يدعيه إلى مثبت خارجي ولا يكون ثابتا في نفسه، فبناء على هذا يكون الوجه الاول من الوجوه التي ذكرناها لمعني المدعي - أي: من يكون قوله مخالفا للحجة الفعلية - هو الصحيح في معناه. ثم ان تقييد الحجة بالفعلية - من جهة انها لو لم تكن فعلية بل كانت محكومة بحجة الخصم وكانت حجة الخصم هي الفعلية - فموافقة قوله لمثل هذه الحجة المحكومة لا يخرجه عن كونه مدعيا، مثلا لو ادعي فساد المعاملة الواقعة بينهما، فقوله وان كان موافقا مع أصالة عدم النقل والانتقال - الذي قيل بأنه الاصل في باب المعاملات - الا حيث انها محكومة باصالة الصحة يكون مدعيا لمخالفة قوله للحجة الفعلية التي هي أصالة الصحة فيما إذا كان المورد مما يجري فيه هذا الاصل. وبعد ما عرفت من هو المدعي فالمنكر هو مقابل المدعي، بمعنى ان هذين المفهومين متقابلان لا يمكن اجتماعهما في شخص واحد في مخاصمة واحدة من جهة واحدة في زمان واحد، وذلك من جهة ان مفاد قول المدعي بثبوت أمر - من دين أو عين أو حق - على خصمه، ومفاد قول المنكر نفى ذلك الامر، فهما متقابلان نفيا واثباتا، فبأي معنى من المعاني المذكورة فسرت المدعي يكون معنى المنكر عدم ذلك المعنى. مثلا بناء على ما اخترنا من ان المدعي من كان قوله مخالفا للحجة الفعلية فالمنكر عبارة: عمن لا يكون قوله مخالفا للحجة الفعلية، وهكذا الامر بالنسبة إلى سائر المعاني المذكورة.

[ 81 ]

فإذا قلنا بأن المدعي: هو من لو ترك ترك، فالمنكر هو الذي لو ترك لم يترك. وكذلك ان قلنا بأنه عبارة: عمن يكون قوله خلاف الظاهر، فالمنكر من يكون قوله موافقا للظاهر وان قلنا ان المدعي هو من يكون مفاد قوله اثبات امر على خصمه، فالمنكر هو الذي مفاد قوله نفي ذلك الامر. وان قلنا ان المرجع في تعيين المراد من المدعي والمنكر هو العرف فالعرف يرى المنكر من ينفي ما يدعيه المدعي وان قلنا ان المدعي من يكون قوله مخالفا لاحد الامرين أي: الظاهر أو الاصل، فالمنكر من لا يخالف قوله أحدهما. وإذا ظهر لك معنى المدعي والمنكر والبينة واليمين فلا يبقى اجمال في المراد من هذه القاعدة وفي مضمون الحديث الشريف. نعم ينبغي التكلم عن أمور: الاول: فيما إذا شك في تشخيص المدعي عن المنكر لاجل عدم احراز كون قوله مخالفا للحجة الفعلية أو موافقا لها سواء أكان منشأ الشك هو الشك في حجية ما هو مخالف له يقينا أو كان الشك في مخالفته له مع حجيته يقينا - فهل يمكن التمسك لاثبات ما يدعيه بالبينة أم لا؟ فيه اشكال لا من جهة الشك في عموم حجية البينة - وذلك لما أثبتنا عموم حجيتها في جميع الموضوعات - بل من جهة ان قوله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعي واليمين على من انكر " (1) خصص ميزانية البينة في مقام القضاء بالمدعي، فإذا شك في كونه


: 1 - تقدم ذكره في ص 71..

[ 82 ]

مدعيا يشك في تأثير البينة في حقه فلا يصح ولا يجوز الحكم له مستندا إلى قيام البينة على ما يدعيه، لعدم احراز ميزانيتها للحكم لمثل هذا الشخص نعم لو طلب منه الخصم أن يحلف فحلف وجب الحكم له مع طلبه من الحاكم للعلم اجمالا بوجود الميزان إما البينة لو كان هو المدعي واقعا، وإما الحلف لو كان هو المنكر بحسب الواقع، والواقع لا يخلو منهما وإلا يلزم ارتفاع النقيضين. نعم لو انفرد كل واحد منهما بأحد الامرين - أي البينة والحلف - فلا يجوز الحكم له لعدم احراز وجود الميزان في حقه، كما انه لو اجتمع الاثنان - أي الحلف والبينة - لاي واحد من المتخاصمين في المفروض جاز أو وجب الحكم له للعلم الاجمالي المذكور بوجود الميزان في حقه. ولكن انت خبير بأن الشك في كونه مدعيا إذا كان منشأه الشبهة الحكمية - اي الشك في حجية ما هو قوله مخالف له يقينا فبأصالة عدم حجية ذلك المشكوك الحجية يثبت عدم حجيته، فيثبت عدم كونه مدعيا فلا يكون وظيفته البينة قطعا. واما إذا كان منشأه الشبهة المصداقية - أي: كانت حجيته معلومة ولكن الشك في مخالفة قوله لذلك المعلوم الحجية فحيث ان أصالة عدم المخالفة لا تجري، لان عدم المخالفة عدم نعتي ليس له حالة سابقة بناء على ما حققناه في كتابنا (منتهى الاصول) (1) فلا يمكن احراز انه ليس بمدع وان قلنا بأن المدعي موضوع مركب من قول يكون مفاده اثبات أمر على طرفه ومن مخالفة ذلك القول للحجة الفعلية، فيكون الامر في هذه الصورة كما ذكرنا من عدم جواز الحكم بالبينة فقط أو الحلف وحده. وأما توهم ان عموم " فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله " (2) بضميمة عموم حجية البينة بالنسبة إلى كل


: 1 - " منتهى الاصول " ج 2، ص 497. 2 - " الكافي " ج 7، ص 412، باب كراهية الارتفاع الى قضاة الجور، ح 5، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 218،.

[ 83 ]

موضوع - يشمل المقام - لانه بعد قيام البينة يكون ما حكم طبق البينة حكمهم عليهم السلام بحسب الظاهر. ففيه: انه بعد الفراغ عن ان مطلق الحجة ليس ميزانا للقضاء، بل الميزان في باب القضاء هي البينة والايمان لقوله صلى الله عليه وآله (انما اقضي بينكم بالبينات والايمان) (1) وقطعه صلى الله عليه وآله الشركة بالتفصيل بقوله صلى الله عليه وآله (البينة على المدعي واليمين على من انكر) (2) فالحكم على طبق البينة يكون حكمهم (ع) ان كان قيامها على ما يدعيه المدعي. وكذلك الحكم على طبق الحلف ان كان صدر الحلف من المنكر فلا بد من احراز المدعي والمنكر، وإلا يكون من التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية لنفس العام الذي لم يقل به احد ولا ينبغي ان يقال به. الثاني: انه يعتبر في سماع الدعوى عن المدعي امور: وقبل بيان هذه الامور يجب ان نبين ان حقيقة الدعوى والمخاصمة لا يتحقق الا بأن تكون على نحو يوجب الزام الخصم على تقدير ثبوت ما يدعيه في الواقع أو بالحجة - بالخروج عن عهدة ما ثبت عليه، سواء أكان ذلك الامر الثابت عليه عينا أو دينا أو حقا. وبعبارة اخرى: تكون الدعوى ملزمة على الخصم امرا حتى يستحق المطالبة عنه، ولذلك قالوا: لو ادعى انه وهبني الشئ الفلاني - مع اعترافه بعدم قبضه، فمثل هذه الدعوى لا تسمع، لانها ليست بملزمة على الخصم شيئا، لان انكاره يعد رجوعا وان كان المدعي صادقا في دعواه.


:... ح 514، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة، ح 6، وص 301، ح 845، باب من الزيادات في القضايا و الاحكام، ح 52، " الاحتجاج " ص 355، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 98، أبواب صفات القاضي، باب 11، ح 1. 1 - تقدم ذكره في ص 72، رقم (4). 2 - تقدم ذكره في ص 71، رقم (1)..

[ 84 ]

وكذلك الامر في كل ما يشترط صحته بالقبض والاقباض، كبيع الصرف والسلم، ففي جميع هذه الموارد وما يشبهها لا تسمع الدعوى لانه على تقدير ثبوت ما يدعيه واقعا، أو في مقام الظاهر بحسب الدليل والحجة لا يكون من قبل دعواه الزام على الخصم ولا يستحق مطالبة شئ عنه، فيكون سماع مثل هذه الدعوى ومطالبة البينة عن المدعي لغوا وبلا فائدة. إذا عرفت هذا فاعلم ان جملة من هذه الامور التي سنذكر اعتبارها في سماع الدعوى مبني على هذا الاساس. فمنها: كونه واجدا لشرائط التكليف، مثل البلوغ والعقل، وقد ادعى بعضهم عليه الاجماع ونفى الخلاف بعض آخر، فلا تسمع دعوى المجنون ولا الصبي وان كان مراهقا مميزا وبلغ من العقل والعلم ما بلغ لوجوه: الاول: الادلة الدالة على عدم اعتبار كلامه وانه مسلوب العبارة، وللادلة الدالة على رفع القلم عنه وعدم جواز امره. وفيه: ان المراد من تلك الادلة عدم الاعتبار بكلامه وعدم جواز امره في المعاملات مستقلا، وعدم نفوذ تصرفاته في أمواله فيما إذا لم تكن باذن الولي، لما ورد من قبول قوله وترتيب الاثر في بعض المقامات والموارد كباب الوصية إذا بلغ عشرا، ولما اخترناه من شرعية عباداته. وأما أدلة رفع القلم قلنا في محله ان المراد قلم الالزام أي: الوجوب والحرمة، وهذا من جهة الارفاق به. وأما ادعاء الاجماع فممنوع صغرى وكبرى. أما الصغرى فلذهاب جماعة إلى سماع دعوى الصبي المميز المراهق في غير الماليات، كما إذا ادعى جناية عليه، أو أخذ شئ منه قهرا وبالقوة وله شهود على ذلك.

[ 85 ]

وأما الكبرى فلان المظنون - بل المقطوع - ان مدرك المتفقين على فرض وجود الاتفاق وتحققه هو ما ذكرنا من ادلة رفع القلم وعدم جواز أمره وغير ذلك مما تقدم، فليس من الاجماع المصطلح. الثاني: أصالة عدم ترتب آثار الدعوى - من وجوب السماع وقبول البينة والاقرار وسقوطها أي: الدعوى بحلف المنكر وغير ذلك - على دعواه. وفيه: ان عموم (البينة على المدعي واليمين على من انكر) واف بلزوم ترتيب تلك الآثار. الثالث: عدم سلطنة الصبي على المطالبة بذلك الشئ الذي يدعي ثبوته على الطرف، فلا يمكن أن يكون له السلطنة على الزام الطرف بأمر الذي من شؤونه السلطنة على مطالبته بذلك الامر، وإلا يلزم انفكاك اللازم عن الملزوم. بيانه: ان حقيقة الدعوى المسموعة: هي ان يكون المدعي له السلطنة على الزام خصمه بثبوت أمر، من عين أو مال أو حق عليه وان كان بتوسط اقامة البينة على ذلك الامر، ولازم هذه السلطنة هو ان يكون له السلطنة على مطالبة ذلك الامر، فإذا جاء الدليل على نفي الاخيرة عن الصبي لصغره وعدم بلوغه إلى مرتبة الكمال فلازم نفي اللازم نفي الملزوم بالدلالة الالتزامية. هذا ما أفاده استاذنا المحقق قده في هذا المقام. وفيه: انه لا ملازمة بين سلطنتة على الزام الخصم واثبات امر عليه وسلطنة نفسه على مطالبة ذلك الامر، بل تكون سلطنة المطالبة بذلك الامر لوليه، وذلك كما انه لو اشترى لو الولي شيئا يصير ملكا له، ومن شؤون الملكية سلطنة المالك على ملكه بأن له انحاء التصرفات المشروعة، ولكن بالنسبة إلى الصبي ليس له هذه التصرفات مباشرة، بل تكون هذه السلطنة لوليه. فالانصاف انه لو لم يكن اجماع الكل واتفاقهم في البين لكان مقتضى القواعد الاولية سماع قوله، خصوصا في غير الماليات، كادعائه جناية عليه إذا كان مراهقا

[ 86 ]

ذكيا فطنا عاقلا عالما. وأما حديث انصراف الادلة - مثل قوله صلى الله عليه وآله: البينة على المدعي واليمين على من انكر - عن الصبي وان كان مراهقا فدعوى بلا بينة ولا برهان. ومنها: ان يكون ما يدعيه على خصمه لنفسه أو لموكله أو لمن له الولاية عليه بأحد انحاء الولايات، وأما لو لم يكن لما يدعيه تعلق به أصلا وكان اجنبيا عنه فلا يصدق عليه المدعي في مقابل المنكر وفي مقام المخاصمة وان كان يطلق عليه المدعي بالمعنى الاعم، لانه بذلك المعنى الاعم يصدق على كل من ادعى أمرا حتى على المنكر لانه ايضا يدعي عدم ثبوت حق عليه من جانب المدعي، وذلك من جهة ان المدعي في مقام المخاصمة يطالب الطرف بأمر يدعي ثبوته عليه، فلا يصدق بهذا المعنى على من هو اجنبي عن ذلك الامر، وليس له ان يطالب الطرف به وان كان بعد ثبوته بالبينة. نعم لا بأس بأن يقال بسماع دعوى من له حق التصدي في الحسبيات إذا كان ذلك الحق الذي يدعيه راجعا إلى من له حق التصدي في أموره وشؤونه، وذلك كأموال الغيب والقصر أو حقوقهم. فإذا كان لاحد هؤلاء عين أو دين أو حق على شخص آخر فيكون لمن يجوز له التصدي في امورهم ان يدعي على ذلك الشخص ويثبت عليه ذلك الامر بالبينة ثم يطالبه بما ثبت عليه حسبة، وأما من هو اجنبي محض عما يدعيه فليس له ان يدعي، وإن ادعى تكون دعواه لغوا لا يترتب على قوله اثر من الآثار، من وجوب احضار المدعى عليه ووجوب الحلف أو الرد ان لم يكن للمدعي بينة وطلب الحلف من خصمه. نعم لو أقام بينة في المفروض يجب ترتيب آثار الواقع على ما قامت عليه البينة، ولكن من جهة عموم حجية البينة لا من جهة فصل الخصومة.

[ 87 ]

ومنها: أن يكون ما يدعيه مما يصح تملكه شرعا، فلا تسمع دعوى من يدعي على خصمه كذا مقدار من الخمر، أو عدد كذا من الخنزير ولو كانت الدعوى على كافر، ولكن هذا فيما إذا كان محط الدعوى هي ملكية أحدهما، وأما لو كان محط الدعوى هو حق الاختصاص للانتفاعات المحللة المباحة - مثلا الخمر الذي في يد كافر أو مسلم يدعي ان له حق الاختصاص به لان يخلله أو ينتفع به منفعة محللة اخرى - فلا وجه لعدم سماع مثل هذه الدعوى. ومنها: أن يكون ما يدعيه أمرا ممكنا عقلا وعادة وجائزا شرعا، فلو ادعى انه سرق هذا مني قبل اربعين سنة الشئ الفلاني وعمره اقل من عشرين سنة مثلا، أو ادعى انه مديون لي بمبلغ فلان واستقرض مني والمبلغ كثير والمدعي فقير بحيث انه غير ممكن عادة اقراض هذا المبلغ الكثير، أو يدعي عليه مبلغا من باب الربا أو القمار مما لا يجوز شرعا ولا يمكن ان يكون مديونا شرعا من تلك الجهة - ففي جميع هذه الموارد وما يماثلها لا تسمع الدعوى، لان حقيقة الدعوى عبارة: عن ادعاء ثبوت أمر - من مال أو حق - على من هو خصمه، وفي هذه الموارد يكون مثل هذه الدعوى باطلا لعدم امكان ثبوته إما عقلا أو عادة أو شرعا. ومنها: ان يكون ما يدعيه معلوما بالنوع والوصف والقدر، وأما لو كان مجهولا من هذه الجهاة فلا فائدة ولا ثمرة لمثل هذه الدعوى. فلو ادعى ان لي عليه مالا أو ثوبا أو فرسا فلا تسمع، وعللوا عدم سماع الدعوى بأنه لو اعترف المدعي عليه لا يثبت عليه شيئا لان المجهول لا يثبت - بما هو مجهول، لا في الخارج ولا في عالم الاعتبار. وفيه: انه لو اعترف المدعي عليه بذلك المجهول أو أقام البينة عليه يلزم بالتفسير والتعيين نوعا ووصفا وقدرا، كما انه لو أقر ابتداء من دون سبق دعوى بالتفسير، فان قبل المقر له فهو والا يحلف المقر على نفي الزائد، فليكن الامر فيما نحن فيه أيضا

[ 88 ]

كذلك، فان أقر المدعي عليه به يكون الامر كما ذكرنا وإلا فيلزم المدعي بالتفسير، فان فسر يعمل معه ومع المدعي عليه بقانون القضاء، ويطبق عليه ضوابط وموازين باب المدعي والمنكر، وان لم يفسر فان انكر المدعى عليه يحلف ان لم يقم البينة على ذلك المجهول وطلب الحلف منه، وان أقر يلزم بالتفسير ويكون الامر كما تقدم في الاقرار الابتدائي. وعلى كل حال لا وجه لعدم سماع هذه الدعوى مع بنائهم على نفوذ الاقرار بالمجهول والوصية به. نعم لو ادعى ما يكون مجهولا مطلقا مرددا بين ما له قيمة وما ليس له قيمة - كما إذا قال: لي عليه شئ - يمكن ان يقال بعدم سماع هذه الدعوى. والفرق بين الصورتين هو انه في الصورة الاولى لو أقر المدعي بما ادعاه يثبت عليه شئ وهو القدر المتيقن مما ادعاه، وفي الصورة الثانية ليس قدر متيقن مالي في البين لانه من الممكن بل المحتمل ان لا يكون ذلك المردد مالا، فلا يثبت عليه شئ ولو أقر به أو اقيمت البينة عليه. هذا مع انه يلزم في باب الدعوى ان يكون ملزما على المدعى عليه شيئا لو أقر به أو اقيمت البينة على ما يدعيه. ومنها: ما قيل بأن من شرائط قبول دعوى المدعي ان تكون الدعوى صريحة في استحاق المدعي عينا أو مالا أو حقا على المدعى عليه، فلا تسمع دعواه إن قال: ان هذا التمر من نخلي، أو هذا العجل من بقرتي، أو هذا الغزل من صوفي وامثال ذلك لانه لا منافاة بين كون المذكورات كما قال وعدم كونها له، إذ من الممكن انتقالها إليه بناقل شرعي، فأمثال هذه الدعاوى لا تدل على استحقاق المدعي شيئا حتى ولو أقر المدعى عليه بما ادعاه المدعي أو اقام المدعي بينة على ما ادعاه. وأما حديث تبعية الفرع للاصل في الملكية - بمعنى: انه لو أقر بأن هذا العجل من

[ 89 ]

بقرة فلان، أو هذا التمر من نخلة فلان، فلازم هذا الاقرار اقراره بان العجل لصاحب البقرة والتمر لصاحب النخلة - فلا اساس له في مقابل اليد التي هي امارة الملكية. وأما الفرق بين ان يقر بأن هذا الغزل من قطنك - أو هدا الدقيق من حنطتك - وبين أن يقر بأن هذا العجل من بقرتك أو هذا الغلام من أمتك بانه في الصورة الاولى اقرار بأن هذا الغزل لصاحب القطن وان هذا الدقيق لصاحب الحنطة، بخلاف الصورة الثانية فانه ليس إقرارا بان العجل لصاحب البقرة والغلام لصاحب الامة. وذلك لان الدقيق والغزل عين الحنطة والقطن، بخلاف العجل فانه ليس عين البقرة وكذلك الغلام ليس عين الامة. فلا يخلو من تأمل واشكال وذلك لانه وان كان الدقيق عين الحنطة والغزل عين القطن خارجا بخلاف العجل والغلام الا ان هذا المقدار من الفرق لا يؤثر في المقام، إذ المقر مأخوذ بظاهر كلامه، وصرف الاحتمال على خلاف ما هو ظاهر الكلام لا يضر بحجية ظهوره في كونه كاشفا عن مراده، فلا بد وان ينظر إلى ظاهر هذه الدعاوى، وهل لها ظهور في استحقاق المدعى شيئا على المدعى عليه أم لا؟ فنقول: أما الصورة الثانية أي: ما كان لهما وجودان وملكية احدهما لا يلازم ملكية الآخر، بل يمكن ان يكون الاصل له دون الفرع وكذلك العكس، فقوله هذا الغلام متولد من جاريتي، أو هذا العجل من بقرتي ظاهر في ان الاصل له في حال انشاء الدعوى، ولا ظهور لهذا الكلام ان الفرع ايضا له، إلا أن ينضم إلى قوله ولم ينتقل الفرع إلى غيري بناقل شرعي مطلقا وهو لي. ومنها: ما قيل ان من شرائط سماع دعوى المدعي ان يكون له خصم في مقابله ينازعه ويخاصمه وينكر ما يدعيه، وإلا لو لم يكن له خصم في البين ويريد اصدار الحكم فعلا ليقطع النزاع المحتمل فيما سيأتي - لانه لو وقع النزاع فيما بعد ربما لا يتمكن من اثبات دعواه في ذلك الزمان لفقد البينة الموجودة عنده الآن في ذلك الوقت أو

[ 90 ]

لجهة اخرى - فلا تسمع. وأما تمسك القائل بهذا الشرط ولزوم وجود الخصم حين سماع الدعوى بان ادلة القضاء والحكم وكذلك تعيين الوظيفة لكل واحد من المدعي والمنكر كل ذلك في مورد المخاصمة ووقوع النزاع ولقطع النزاع والمخاصمة بين الطرفين فان لم يكن نزاع ومخاصمة لا يبقى مورد لسماع دعوى المدعي والحكم له على طبق بينته، لان هذه الامور شرعت لدفع المخاصمة وقطع النزغ. وفيه: انه بعد الفراغ عن عموم حجية البينة وجعل المجتهد العادل المتصف بكذا وكذا حاكما، وعدم تقييد حكومته بمورد المخاصمة وقطع النزاع وان كان ذلك حكمة جعله، فالبينة امارة شرعية بالنسبة إلى ما يدعيه المدعي وكذلك الحكم، فيثبت ما حكم به الحاكم حتى في الازمنة المتأخرة. نعم لا يجب على الحاكم سماع مثل تلك الدعوى والحكم بتلك البينة لان وجوبها في موارد المخاصمة كما قال. ومنها: انه يشترط في وجوب سماع دعوى المدعي كون دعواه عن بت وجزم، فلو كان ادعائه بصرف الاحتمال وهما أو شكا بل ولو ظنا لا يقبل، وحكى في الجواهر عن الكفاية نسبة القول - باشتراط وجوب سماع الدعوى بهذا الشرط - إلى الشهرة (1)، وقيل في وجهه وجوه: الاول: عدم صدق المدعي عرفا على من لم تكن دعواه عن بت وجزم، وذلك لما ذكرنا في تعريف المدعي بأنه من يدعي ثبوت أمر على خصمه، ومعلوم ان ادعاء الثبوت غير احتمال الثبوت وان كان الاحتمال ظنيا. الثاني: انه لو ادعى وهما أو شكا أو ظنا وقلنا بوجوب السماع فيجب الحكم


: 1 - " جواهر الكلام " ج 40، ص 153، " كفاية الاحكام " ص 266.

[ 91 ]

بنكول المنكر عليه أو مع يمين المدعي، وفيما نحن فيه لا يمكن ذلك. أما بناء على وجوب الحكم على المنكر بصرف نكوله وعدم حلفه، فمن جهة ان المدعي يشك في استحقاقه على الفرض، فلا يجوز له الاخذ بعد الحكم فيكون الحكم لغوا فيكون السماع لا فائدة فيه بل لا معنى له. وأما بناء على ان الحكم بثبوت الحق على المنكر بعد عدم البينة ونكوله عن الحلف متوقف على يمين المدعي، ففيه مضافا إلى عدم جواز الاخذ عدم جواز حلفه، لانه لا حلف إلا عن بت، ففي كلا الشقين يكون الحكم لغوا. الثالث: انه في الدعاوى الصحيحة المنكر له الخيار بين ان يحلف أو يرد إلى المدعي، وفي المقام لا يمكن الرد لعدم علم المدعي بثبوت الحق فلا يجوز له ان يحلف فلا وجه للرد. والعمدة فيما ذهب إليه المشهور - من اشتراط سماع الدعوى إلى كونها عن بت وجزم - هو الوجه الاول أي: عدم كونه مدعيا عرفا إلا مع الجزم في دعواه، وإلا فبصرف أن يقول: احتمل ان يكون فلان مديون لي بكذا - أو احتمل ان يكون عين مالي الفلاني عنده - لا يصدق عند العرف انه مدع وطرفه منكرا ويكون مدعى عليه. وأما الوجه الثاني والثالث فضعفهما واضح، إذ عدم امكان ترتب بعض آثار الدعاوى الصحيحة على الدعوى غير الجزمي لا يوجب عدم سماعها وعدم ترتيب الآثار الممكنة. وأما التفاصيل المنقولة في هذه المسألة عن جماعة من الاساطين (قدهم) من وجوب السماع في مورد التهمة دون غيره، أو في صورة الظن دون الوهم والشك، أو السماع فيما يعسر الاطلاع عليه دون غيره، أو السماع في صورة احتمال صدور الاقرار من الطرف، أو وجوب البينة للمدعي دون غيرها، فكلها مما لا وجه لها، وما ذكروها في وجه هذه التفاصيل لا يمكن الركون إليها.

[ 92 ]

نعم ذكر صاحب الجواهر " قده " (1) في وجه التفصيل بين مورد التهمة وبين غيره أي فيما إذا اتهم المدعي المنكر - اخبارا مؤيدا لما ذهب إليه من الاحالة إلى العرف في وجوب السماع، بمعنى: ان العرف هل يرون مثل هذه الدعوى من الدعاوى المقبولة عندهم أم لا يعتنون بها؟ وهذه الاخبار هي خبر حبيب بن بكر قلت لابي عبد الله (ع) اعطيت جبة إلى القصار فذهبت بزعمه قال (ع) ان إتهمته فاستحلفه، وان لم تتهمه فليس عليه شئ (2) وايضا خبره الآخر عنه (ع) لا يضمن القصار إلا ما جنت يده وان اتهمته احلفته (3) وخبر ابى بصير عنه (ع) ايضا لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك الا ان يكونوا متهمين، فيخوف بالبينة ويستحلف، لعله يستخرج منه شيئا (4). ولكن انت خبير بأن هذه الاخبار مفادها استحلاف المدعى لا المنكر الذى هو محل كلامنا وان شئت قلت: يد القصار والحائك والصائغ يد امانة، والتلف عندهم لا يوجب الضمان ألا إذا اتهمهم بالاتلاف أو بالتعدي والتفريط في حفظه فله ان يستحلفهم، وهذا المعنى اجنبي عن محل كلامنا الذي هو عبارة: عن احلاف المنكر مع


: 1 - " جواهر الكلام " ج 40، ص 154. 2 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 221، ح 966، باب الاجارات، ح 48، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 275، أبواب كتاب الاجارة، باب 29، ح 16. 3 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 221، ح 967، باب الاجارات، ح 49، " الاستبصار " ج 3، ص 133، ح 481، باب الصانع يعطى شيئا ليصلحه...، ح 12، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 275، أبواب كتاب الاجارة، باب 29، ح 17. 4 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 218، ح 951، أبواب كتاب الاجارات، ح 33، " الفقيه " ج 3، ص 257، ح 3928، باب ضمان من حمل شيئا...، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 274، أبواب كتاب الاجارات، باب 29، ح 11..

[ 93 ]

كون الدعوى غير جزمية وعدم البينة لذلك المدعي. وأما ما اختاره صاحب الجواهر (قده) خلافا للمشهور في هذه المسألة من احالته إلى العرف، وانهم إذا رأوها من الدعاوى المقبولة تقبل ويجب سماعها. ففيه انه بعد ما حكم الشارع بأن البينة وظيفة المدعي والحلف وظيفة المنكر ففى تشخيص المدعي والمنكر المرجع هو العرف. وبعد ما عرفنا ان المدعي عند العرف عبارة: عمن يخبر جزما بثبوت أمر له على خصمه وطرفه، فان لم يكن اخباره عن بت وجرم، بل قال: أحتمل أن يكون لى على فلان كذا، فلا يكون مشمولا لقوله صلى الله عليه وآله: (البينة على المدعي واليمين على من انكر). ففى مثل هذه الصورة قول العرف - بأنها من الدعاوى المقبولة - لا اثر له ولا يوجب وجود موضوع وظيفة البينة واليمين. وأما ما أفاده استاذنا المحقق (قده) في كتاب قضائه من سماع الدعوى الاحتمالى إذا قام امارة على تهمة المدعى عليه، إذ العرف يسمعون مثلها وبناؤهم متبع ما لم يردعهم الشارع ولم يثبت ذلك، بل ثبت خلافه لخبري حبيب بن بكر وخبر ابى بصير الذين تقدما. ففيه: ان بناء العرف على سماع الدعوى غير الجزمى في مورد اتهام المدعي عليه ليس متبعا شرعا ان لم ينطبق عليها موازين القضاء، وقد عرفت عدم انطباقها عليها. وأما امضاء الشارع لبنائهم بتلك الاخبار فقد عرفت انها اجنبية عن مقامنا، إذ انها تدل على استحلاف مدعي التلف مع اتهامه، ولا ربط لها باتهام المدعى عليه الذى هو محل الكلام. ومنها: تعيين المدعى عليه، فلو قال: أحد هذين أو احد هؤلاء الاشخاص مديون لى بكذا لا تسمع، لانه لا اثر لهذه الدعوى لو قامت البينة، أو أقرا بما ادعى عليهما بنحو الترديد، إذ ثبوت الحق عليهما بنحو الترديد لا يمنع عن البراءة في حق كل

[ 94 ]

واحد منهما، لشك كل واحد منهما في اشتغال ذمته. ولا يقاس بما إذا علم أو أقام الدليل المعتبر على كونه مديونا لاحد شخصين أو لاحد الاشخاص، لانه هناك يعلم باشتغال ذمته، فيجب عليه بحكم العقل تفريغ ذمته بالجمع بين المحتملات، ولكن حيث انه ضرر فاما ان يقرع أو يقسم بينهما ثنائيا ان كانا اثنين وثلاثيا ان كانوا ثلاثة وهكذا بقاعدة العدل والانصاف التى هي قاعدة معتبرة عند العقلاء، وأما فيما نحن فيه فليس إلا الشك في اشتغال الذمة بالنسبة إلى كل واحد منهما، ومعلوم انه مجرى البراءة. وأما ما يقال من اجرائهما يكون ضررا على ذلك الشخص الذى يكون له الحق على احدهما المردد، فلا بد من أن يقرع بينهما أو يقسم كما قلنا فيما إذا يعلم باشتغال ذمته لاحدهما. ففيه انه كل واحد منهما يجرى البراءة مستقلا وليست براءته وتكليفه مربوطا بتكليف الآخر وبراءته، ولا يلزم من اجراء براءة كل واحد منهما العلم بضرر ذلك الشخص. نعم يحتمل ذلك ولكن هذا المعنى - أي: احتمال ضرر الغير من اجراء البراءة في الماليات والحقوق - موجود في جميع موارد الشبهة البدوية، ولم يحتمل أحد عدم جريان البراءة في الحقوق والماليات في الشبهات البدوية لاجل هذا الاحتمال. والانصاف ان هذه الدعوى مرجعها إلى دعويين احتماليتين كل واحدة منهما متجهة إلى احدهما، وقد عرفت الحال في الدعوى غير الجزمى أي: الاحتمالية. ومنها: انه لا يشترط في سماع الدعوى حضور المدعى عليه، بل تسمع وان كان غائبا، بأن يكون في خارج البلد أو كان مسافرا على المشهور وادعى بعضهم عليه الاجماع، وتدل عليه اخبار.

[ 95 ]

منها مرسل جميل " الغائب يقضى عليه إذا اقامت عليه البينة ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب ويكون الغائب عليه حجته إذا قدم قال ولا يدفع المال إلى الذى اقام البينة إلا بكفلاء " (1) ومثله خبر محمد بن مسلم وزاد إذا لم يكن مليا (2). ومنها: قوله صلى الله عليه وآله لهند زوجة أبى سفيان بعد ما ادعت ان أبا سفيان رجل شحيح وانه لا يعطيها ما يكفيها وولدها: " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " (3) ومنها: خبر أبى موسى الاشعري كان النبي صلى الله عليه وآله إذا حضر عند خصمان فتواعد الموعد فوفى احدهما ولم يف الآخر، قضى للذى وفى على الذى لم يف أي: مع البينة (4). ومقتضى الاصل الاولى وان كان عدم نفوذ الحكم فيما شك في نفوذه سواء أكان منشأ الشك من ناحية المدعى لفقد ما يحتمل اعتباره فيه وجودا أو عدما، أو من ناحية المنكر لما ذكر أو من ناحية ما يدعيه المدعي. ولكن مقتضى اطلاق قوله (ع) " رجل قضى بالحق وهو يعلم، (5) وقوله صلى الله عليه وآله: " البينة على المدعي واليمين على من انكر " (6) هو نفوذ الحكم إذا صدق عليهما عرفا المدعي والمنكر وكان الحكم حقا ومما انزل الله، فالعمدة في نفوذ الحكم هو صدق


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 296، ح 827، باب من الزيادات في القضايا والاحكام، ح 34، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 216، أبواب كيفية الحكم، باب 26، ح 1. 2 - " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 191، ح 413، باب الديون وأحكامها، ح 38، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 216، أبواب كيفية الحكم، باب 26، ح 1. 3 - " صحيح مسلم " ج 3، ص 549، كتاب الاقضية، باب 4، ح 7، " سنن ابن ماجه " ج 2، ص 769، ح 2293، " عوالي اللئالي " ج 1، ص 403، ح 59. 4 - " الفقيه " ج 3، ص 4، ح 3221، باب أصناف القضاة. 5 - " الكافي " ج 7، ص 407، باب أصناف القضاة، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 218، ح 53، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 11، أبواب صفات القاضي، باب 4، ح 6. 6 - تقدم تخريجه في ص 71..

[ 96 ]

المدعي والمنكر على المتخاصمين عرفا، وان يكون الحاكم أي: المجتهد الجامع للشرائط حكم بحكمهم عليهم السلام، إلا ان يدل دليل خاص على اعتبار أمر آخر من حضور المدعى عليه في مجلس الحكم وعدم غيابه، أو السؤال عنه بعد اقامة المدعي للبينة وأمثال ذلك. وفيما نحن فيه - أي: جواز الحكم على الغائب - لا دليل على اعتبار الحضور، بل ظاهر الاخبار المتقدمة صحة الحكم ونفوذه على الغائب، ولا ينافى النفوذ قوله (ع) في ذيل مرسل جميل وخبر محمد بن مسلم ويكون الغائب على حجته إذا قدم (1) لان المراد من النفوذ هو لزوم العمل على طبقه ما لم ينهدم بحجة اخرى، كما لو أقام بينة على اداء دينه أو على انتقاله إليه بناقل شرعى مثلا. نعم يبقى الكلام في ان مفاد هذه الاخبار هل هو جواز الحكم على الغائب مطلقا بصرف غيابه عن مجلس الحكم ولو كان في البلد وكان متمكنا عن الحضور امتنع أو لم يمتنع أو في خصوص ما إذا امتنع عن الحضور؟ أو في خصوص الغائب الذى لم يتمكن من الحضور؟ أو في خصوص الغائب عن البلد سواء أكان مسافرا بالسفر الشرعي أو لم يكن كذلك؟ أو في خصوص ما إذا كان مسافرا شرعا سواء أكان متمكنا من الحضور أو لم يكن؟ أو في خصوص ما إذا لم يتمكن؟ بمعنى انه يكون مسافرا ولا يكون متمكنا من الحضور، وفى جميع هذه الشقوق هل جواز الحكم فيما قلنا بجوازه مقيد باعلامه وامتناعه عن الحضور أو مطلقا؟ احتمالات بل أقوال: القدر المتيقن من جواز الحكم عليه ونفوذه هو عدم حضوره بعد اعلامه وتمكنه من الحضور مع كونه في البلد أو كان مسافرا واعلم لكن كان غير متمكن من الحضور، وظاهر خبر محمد بن مسلم ومرسل جميل هو ان يكون الغائب الذى يقضى عليه مسافرا لقوله (ع) ويكون الغائب على حجته إذا قدم لكنهما مطلقان من


: 1 - تقدم تخريجه في ص 95 رقم (1 و 2).

[ 97 ]

جهات اخر أي: من حيث التمكن من الحضور وعدمه، ومن حيث الاعلام وعدمه، ومن حيث كونه مسافرا شرعيا أو ولم يكن بالغا مسافرته إلى حد المسافة الشرعية. وأما في قضية هند زوجة أبى سفيان فقوله صلى الله عليه وآله: " خذى ما يكفيك وولدك " فالظاهر انه صلى الله عليه وآله كان في مقام بيان الحكم الشرعي وانه يجوز لها الاخذ بقدر كفايتها وكفاية ولدها لا في مقام الحكم بين المتخاصمين. وأما خبر ابى موسى الاشعري فظاهرها الحكم على الممتنع المتخلف عن موعده لا ان يكون غائبا عن البلد. وخلاصة الكلام ان مفاد هذه الاخبار جواز الحكم أما على المسافر الخارج عن البلد أو على الممتنع عن الحضور المتخلف عن موعده. وأما الاستدلال على جواز الحكم على الغائب بأنه عدم الجواز مع قيام البينة ربما يوجب الضرر الكثير على المدعي فهذا وأمثاله من الاستحسانيات لا يمكن ان يكون مدركا ولا ملاكا للحكم الشرعي، لان دين الله لا يصاب بالعقول، فالعمدة هي الروايات وقد عرفت حالها ومفادها وانه يجوز الحكم على الغائب في موردين الممتنع المتمكن ولو كان في البلد والمسافر مطلقا نعم يظهر من مرسل جميل وخبر محمد بن مسلم ان المال الذى يؤخذ من الغائب لا يعطى للمدعي إلا بكفلاء إذا لم يكن مليا، وذلك من جهة انه من الممكن انه بعد قدومه يثبت بالبينة أو بامارة اخرى عدم اشتغال ذمته بشئ، فإذا لم يكن مليا فربما يضيع ماله. ثم انه قد يستدل لعدم جواز الحكم على الغائب مطلقا برواية أبى البخترى: " لا يقضي على غائب " (1).


: 1 - " قرب الاسناد " ص 66 " وسائل الشيعة " ج 18، ص 217، أبواب كيفية الحكم 7 باب 26، ح 4..

[ 98 ]

وفيه ان هذه الرواية باطلاقها معرض عنها عند الجميع، مع انه من المحتمل جدا ان يكون المراد من عدم القضاء للغائب ونفيها هو ان يكون القضاء بنحو البت، بحيث لا يكون الغائب على حجته. مضافا إلى ما في سنده من الضعف، لان راويه أبو البخترى وهب ابن وهب كان كذابا، بل قيل في حقه انه من اكذب البرية. والمراد من ان الغائب على حجته هو ان له إذا قدم أو حضر الاعتراض على الحاكم بعدم كونه اهلا للحكم، أو جرح شهود الحكم، أو اقامة بينة معارضة لبينة المدعي وأمثال ذلك مما يوجب عدم تأثير الحكم الصادر حال غيابه. ثم انه هل جواز الحكم على الغائب مخصوص بحقوق الناس أو يجوز الحكم عليه في حقوق الله ايضا؟ كاقامة البينة على انه شرب الخمر أو زنى أو لاط مثلا؟ ذهب المشهور إلى الاختصاص لقاعدة درء الحدود بالشبهات فمن الممكن ان يكون للغائب ما يدرء عنه الحد. نعم لو كانت الدعوى ذات جهتين - كالسرقة - فهل يجوز مطلقا أو لا كذلك أو التفصيل والتفكيك بين الجهتين؟ فالجواز بالنسبة إلى جهة حق الناس والعدم بالنسبة إلى حق الله احتمالات: والحق هو الاخير أي التفكيك بين حق الناس وحق الله في عالم الاثبات، ففى مثل السرقة لو شهدت البينة على انه سرق المال الفلاني مع كونه غائبا فجواز الحكم عليه بالنسبة إلى غرمه للمال، وأما بالنسبة إلى القطع فلا أما الجواز بالنسبة إلى الغرم فللادلة الدالة على جواز الحكم على الغائب وأما العدم بالنسبة إلى القطع فلما قلنا من أن الحدود تدرء بالشبهات، وان حق الله مبني على التخفيف لغنائه تعالى عن استيفائه.

[ 99 ]

ولكن تردد في هذا التفكيك في الشرائع (1) لاجل كون الحقين معلولين لعلة واحدة وهى قيام البينة على السرقة، فلا يمكن التفكيك بينهما. وفيه: ان كونهما معلولين لعلة واحدة ممنوع، فانه من الممكن كون الغرم معلولا لقيام البينة على السرقة مطلقا سواء أكان المشهود عليه حاضرا أو كان غائبا، وأما القطع فمعلول له بشرط حضور المشهود عليه فلا يلزم التفكيك بين معلولي علة واحدة كما توهم. هذا مع انه يمكن ان يقال: ان الملازمة بينهما في مقام الثبوت وان كانت ثابتة ولا ينكر ولكن في مقام الاثبات لا مانع من التفكيك بينهما، لانه ربما يكون دليل الاثبات وافيا لاثبات احدى الجهتين دون الجهة الاخرى، وله نظائر كثيرة في الفقه، كما انه في نفس هذا المورد أي: السرقة لو اقر مرة يثبت الغرم دون القطع، لان اثبات السرقة من حيث موضوعيتها للقطع لا يكون إلا بالبينة أو الاقرار مرتين، ولكن اثباتها من حيث الغرم يكفي فيه الاقرار مرة واحدة. الجهة الثالثة في موارد تخصيص هذه القاعدة وحيث انها مركبة من كليتين: احديهما جملة " كل من هو مدع في مقام المخاصمة فعليه البينة لاثبات دعواه " ثانيهما: " كل منكر وظيفته اليمين " فقد ذكروا لكل واحدة من الجملتين مخصصات. فللجملة الاولى ذكروا مخصصات:


: 1 - " شرائع الاسلام " ج 4، ص 73..

[ 100 ]

منها: ان الامين مطلقا - سواء أكانت أمانته شرعية أو مالكية - إذا ادعى التلف لما في يده ليس عليه البينة، بل يقبل قوله وليس عليه إلا اليمين إذا ادعى عليه الاتلاف، ويكون مخصصا لقاعدة البينة على المدعي واليمين على من انكر بالنسبة إلى جملتها الاولى. وفيه: انه قد تقدم في الجزء الثاني من هذا الكتاب في شرح قاعدة عدم ضمان الامين (1) نفى ضمان اليد عن الامين مطلقا سواء أكانت الامانة شرعية أو مالكية، لان يده يد المأذون من قبل المالك أو من قبل الشارع فالتلف في يده لا يوجب الضمان إلا مع التعدي والتفريط، أو يكون اتلافا من قبل ذى اليد من دون اذن المالك في الاتلاف، فالموجب لضمان الامين أحد الامرين: أما اتلافه لما في يده أو التعدي والتفريط منه، والاصل عدمهما، فلا بد للمالك المدعي لضمانه من اثبات أحد الامرين، فيكون المالك مدعيا للضمان والامين منكر. وان شئت قلت ان المالك يدعى أحد الامرين: إما التعدي والتفريط وإما الاتلاف فعليه البينة على ذلك، وان لم يكن له بينة فله ان يحلف الامين المنكر على عدم صدور كلا الامرين منه على قول، وعلى القول الآخر لا شئ على الامين إلا ان يقيم المالك البينة على صدور احد الامرين منه، فلا تخصيص في هذا المورد لكلتا الجملتين، بل الحكم في الامين على طبق كلتاهما. ومنها: دعوى الودعى رد الوديعة إلى مالكها مع انكار المالك، فالمشهور قائلون بقبول قوله من غير ان تكون عليه البينة، مع انهم لا يقولون بذلك في سائر الامانات المالكية، وإذا ادعى المستعير رد ما استعاره لا يقبل قوله بدون البينة، وكذلك المستأجر لو ادعى رد ما أستأجره، أو المرتهن ادعى رد العين المرهونة، أو الوكيل لو ادعى رد ما وكل في بيعه مثلا، لا تقبل دعوى جميعهم إلا بالبينة، فيكون قبول قول الودعى بدون


: 1 - " القواعد الفقهية " ج 2، ص 7.

[ 101 ]

البينة مخصصا لهذه القاعدة بالنسبة إلى جملتها الاولى. والدليل على قبول قول الودعي - في رده الوديعة إلى مالكه بدون البينة - الاجماع كما ادعاه صاحب الجواهر (قده) (1) والاخبار (2). منها: ان المالك لو ادعى الابدال في اثناء الحول بالنسبة لما عنده من المال الزكوى فيما يعتبر فيه مضي الحول في تعلق الزكاة بها للفرار عن تعلق الزكاة بها أو لغرض آخر، فيقبل قوله من دون ان تكون عليه البينة فلو ادعى صاحب الدراهم والدنانير أو صاحب الانعام - وهى الاجناس التى اعتبر في تعلق الزكاة بها مضي الحول عليها في ملكه واجدة لجميع شرائط وجوب الزكاة وتعلقها بها - انه ابدلها بغيرها في اثناء الحول - فهذا الموجود لم يمض عليه الحول فلم يتعلق به زكاة - يقبل قوله اجماعا ولا يطالب بالبينة بل ولا يمين عليه لقاعدة (من ملك شيئا ملك الاقرار به). وقد تكلمنا في مدرك هذه القاعدة والمراد منها في الجزء الاول من هذا الكتاب (3)، وللروايات الخاصة الواردة في هذا المقام. منها: صحيحة بريد بن معاوية (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: بعث أمير المؤمنين (ع) مصدقا وفيها انه (ع) قال: ثم قل لهم يا عباد الله أرسلني اليكم ولي الله لآخذ منكم حق الله تعالى في اموالكم فهل لله تعالى في اموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟ فان قال لك قائل لا فلا تراجعه) (4) وفى خبر غياث بن ابراهيم:


: 1 - " جواهر الكلام " ج 27، ص 148. 2 - " وسائل الشيعة " ج 6، ص 111، أبواب زكاة الذهب والفضة، باب 12. 3 - " القواعد الفقهية " ج 1، ص 7. 4 - " الكافي " ج 3، ص 536، باب آداب المصدق، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 4، ص 96، ح 274، باب الزيادات في الزكاة، ح 8، " وسائل الشيعة " ج 6، ص 88، أبواب زكاة الانعام، باب 14، ح 1..

[ 102 ]

" فان ولى عنك فلا تراجعه " (1). ويظهر من هذه الروايات قبول قول المالك في نفى تعلق الزكاة بماله الموجود عنده، سواء أكان من جهة عدم مضى الحول عليه - وان كان عدم المضي من جهة تبديله في اثناء الحول - أو من جهة اخرى، أو كان عدم وجوب الزكاة في ذلك المال من جهة دفعه زكاته إلى المستحق، ففى جميع ذلك يقبل قوله بلا بينة عليه ولا يمين ايضا عليه، كل ذلك إرفاقا بالمالك. فإذا كان مدعي التبديل ومدعي الدفع إلى المستحق يقبل قوله من دون ان تكون بينة عليه، فيكون هذا تخصيصا للجملة الاولى من القاعدة، وكذلك يقبل قول المالك في دعوى نقصان ما خرصه المصدق عليه. هذا ولكن يمكن أن يقال: ان المذكورات ليس من باب تخصيص تلك القاعدة، بل قول المالك مطابق للحجة الفعلية، وقد تقدم في تشخيص المدعي والمنكر ان المدعي من يكون قوله مخالفا للحجة الفعلية، والمنكر من يكون قوله موافقا لها. وأما ان قول المالك هاهنا موافق لها فمن جهة أصالة عدم تعلق الزكاة بهذا المال الموجود عنده، وكذلك عدم مضى الحول عليه نعم لو كان اثر شرعى مترتبا على عنوان التبديل فينفي بأصالة عدم وقوع التبديل ولكنه اجنبي عن محل البحث. وأما بالنسبة إلى الدفع إلى المستحق فربما يقال بأنه بعد اعترافه بتعلق الزكاة ووجوبها عليه، مقتضى الاصل عدم الدفع وبقاء الاشتغال، وايضا حكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني بعد ثبوت الاشتغال اليقيني يقتضى لزوم ادائه والاخذ عنه. وفيه: ان هذا صحيح لو كان مصب الدعوى هو اداء ما كان واجبا عليه ودفع الحق إلى مستحقه، وأما لو كان مصب الدعوى هو انه هل في هذا المال الموجود زكاة


: 1 - " الكافي " ج 3، ص 538، باب آداب المصدق، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 6، ص 90، أبواب زكاة الانعام، باب 14، ح 5، وص 217، أبواب المستحقين للزكاة 7 باب 55، ح 1..

[ 103 ]

أم لا؟ فلا أصل يثبت وجود الزكاة فيه، لان هذا المال االموجود لم يكن في زمان من الازمنة كون الزكاة فيه معلوم الوجود حتى يستصحب في ظرف الشك، لانه من الممكن ان يكون هذا ما عدا مقدار الزكاة. وهذا إذا كانت من قبيل الكلي في المعين واضح، وهكذا لو كانت من قبيل حق الرهانة، أو من قبيل منذور الصدقة نعم لو كانت الزكاة من قبيل الاشاعة في المال الزكوي فللاستصحاب مجال ولكنه خلاف التحقيق كما بين في محله. هذا ولكن الانصاف انه لو كانت الدعوى في الدفع وعدمه، فلا فرق بين ان يكون مصب الدعوى هو الدفع أو يكون في ان هذا المال الموجود فيه الزكاة ام لا؟ وذلك من جهة انه بعد القطع بتعلق الزكاة بهذا المال الشخصي، فاحتمال اداء الزكاة أو احتمال اخراج مقدار الزكاة عنه لا يخرج القضية المشكوكة عن الوحدة العرفية مع المتيقنة. ولكن الروايات والاجماع المدعي في المقام حاكمان على هذا الاستصحاب على تقدير شمول اطلاقهما لمورد دعوى الدفع. ثم انهم ذكروا موارد اخر لعدم كون البينة على المدعي وتخصيص هذه القاعدة بالنسبة إلى جملتها الاولى، كدعوى الذمي اسلامه قبل حلول وقت الجزية للتخلص عنها، وكدعوى الحربي الذى نبت الشعر على عانته ان انباته بعلاج حتى لا يكون امارة البلوغ فيقتل، وكدعوى البلوغ لصحة معاملاته أو لغرض اخر، وكدعوى الاعسار في بعض صور المسألة، فقالوا بقبول قولهم ودعواهم بدون البينة، غاية الامر في بعضها مع اليمين، وفى بعضها الاخر بغير اليمين ايضا. وقالوا ايضا في موارد اخر بقبول قول المدعي من دون ان يكون عليه البينة تركنا ذكرها خوفا من الاطالة. وعلى كل التحقيق في هذه الموارد، وانه هل هي من موارد سماع قول المدعى من

[ 104 ]

دون ان يكون عليه البينة أو ليست كذلك؟ يحتاج إلى بحث طويل. وقد وقع الكلام والبحث والنقض والابرام عن كل منها في محله وبابه والغرض هاهنا الاشارة إلى تلك الموارد لا تحقيق الحال فيها، فانه خارج عن طور هذا الكتاب. هذا كله كان في تخصيص الجملة الاولى من هذه القاعدة، واما التخصيصات الواردة على الجملة الثانية: فمنها: يمين الاستظهار وهو عبارة: عن يمين المدعي في الدعوى على الميت، وادعى الشهيد الثاني (قده) عليه الاجماع (1)، بانه من كان له دعوى على الميت إما ان يكون له بينة على ما يدعيه أم لا، فان لم تكن له بينة فدعواه ساقطة، وإن كانت له البينة على ذلك فعليه اليمين استظهارا. اما كون هذا اليمين تخصيصا للقاعدة فوجهه واضح، أما أولا فلانهم ذكروا ان المبتدأ المعرف باللام محصور في الخبر، كقولهم: الكرم والفصاحة في العرب، والصنعة في الصين، فبناء على هذا يكون مفاد هذه القاعدة - التى هي عين مضمون الحديث الشريف - ان البينة محصورة في المدعي وليست لغيره، وهذا مضمون الجملة الاولى من هذه القاعدة - وقد ذكرنا موارد تخصيصها أو الموارد التى توهم انها كذلك - وان اليمين محصور في المنكر، فكون اليمين على المدعي وان كان من باب الاستظهار تخصيص لهذه الكلية أي: الجملة الثانية. وأما ثانيا: فمن جهة ان التفصيل قاطع للشركة، فبحكم هذه القاعدة تكون البينة مختصة بالمدعي، واليمين مختص بالمنكر ولا شركه بينهما في شئ منهما، فيكون الحكم على المدعى على الميت باليمين استظهارا مخصصا للجملة الثانية.


: 1 - " الروضة البهية " ج 3، ص 104..

[ 105 ]

وأما الاعتذار عن ذلك وتوجيهه - بان كون هذا اليمين على المدعى على الميت باعتبار كونه منكرا لدعوى المتوهمة من قبل الميت، بمعنى: ان الميت لو كان حيا فلربما يدعي عليه الوفاء لدينه وحقه، فيكون المدعي على الميت بالنسبة إلى هذه الدعوى المحتملة الفرضية منكرا، فمن هذه الجهة يكون عليه اليمين - لا يخلو من غرابة. وأما مدرك هذا الحكم - أي: يمين المدعي على الميت مضافا إلى الاجماع الاخبار المروية عن أهل بيت العصمة (ع). منها: موثقة عبد الرحمن التى رواها المشائخ الثلاث قال: قلت للشيخ (1) (ع)... وفيها: " فان كان المطلوب بالحق قد مات، فاقيمت عليه البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذى لا اله الا هو لقد مات فلان وان حقه لعليه، فان حلف والا فلا حق له، لانا لا ندري لعله قد أوفاه ببينة لا نعلم موضعها، أو غير بينة قبل الموت، فمن ثم صارت عليه اليمين مع البينة فان إدعى بلا بينة فلا حق له، لان المدعى عليه ليس بحي، ولو كان اليمين عليه، فمن ثم لم يثبت الحق (2). ومنها: صحيح الصفار، كتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبى محمد الحسن بن علي: هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد اخر عدل؟ فوقع: إذا شهد معه اخر عدل فعلى المدعي يمين ". وكتب: أيجوز للوصي ان يشهد لوارث الميت صغيرا أو كبيرا وهو القابض للصغير وليس للكبير بقابض؟ فوقع (ع): نعم، وينبغى للوصي ان يشهد بالحق ولا يكتم الشهادة. وكتب: أو تقبل شهادة الوصي على الميت مع شاهد اخر عدل؟ فوقع: " نعم من بعد يمين " (3).


: 1 - يعني أبا الحسن الاول عليه السلام. 2 - " الكافي " ج 7، 415، باب من ادعى على ميت، ح 1، " الفقيه " ج 3، ص 63، ح 3343، باب الحكم باليمين على المدعى....، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 229، ح 555، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 6، " وسائل الشيعد " ج 18، ص 172، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، باب 4، ح 1. 3 - " الكافي " ج 7، ص 394، باب شهادة الشريك والاجير والوصي، ح 3، " الفقيه " ج 3، ص 73، ح 3362،.

[ 106 ]

والمراد بقوله (ع): " من بعد يمين " ظاهر في يمين المدعي. واحتمال كون المراد منه يمين الوصي بعيد لا يعتنى به، بل لا مجال له، لان الحلف على مال الغير لا مورد له أولا وثانيا: لا حلف الا عن بت، ولا يمكن حصول البت للوصي ولو كان لاحتمال ان المدعي برء ذمة الميت بعد موته ثم ندم ويدعي. فالانصاف ان دلالة الروايتين على هذا الحكم - أي: يمين المدعي على الميت على بقاء حقه عليه، وانه لم يوفه وهو أي: المدعي لم يبرئه بعد قيام البينة من طرف المدعي على حقه على الميت - واضحة لا ارتياب فيه. وأما ضعف السند في موثقة عبد الرحمن البصري - لو كان - فمنجبر بعمل الاصحاب، وقد حققنا هذه المسألة في كتابنا: (منتهى الاصول) (1) مضافا إلى ان رواية الصفار صحيحة فلا اشكال لا من ناحية السند ولا من ناحية الدلالة. نعم هاهنا فروع في هذه المسألة بحث الفقهاء عنها في كتاب القضاء: منها: انه هل هذا الحكم - أي: الاحتياج إلى ضم يمين المدعي إلى البينة لاثبات ما يدعيه - مختص بالديون أو يجرى في الاعيان أيضا؟ ومنها: ان اثر الحلف نفى احتمال الوفاء واداء الميت في حال حياته فقط أو ان اثره نفى جميع الاحتمالات حتى احتمال الاسقاط والابراء بعد الموت؟ ومنها: انه لو أقام المدعي شاهدا واحدا ولم يحصل له شاهد اخر فهل هذا اليمين يكفي لانضمامه إلى ذلك الشاهد الواحد أو يحتاج إلى يمين آخر؟ لان هذا اليمين يمين استظهار؟ ومنها: ان هذا الحكم مختص بالدعوى على الميت، أو يتعدي إلى المجنون


:... باب شهادة الوصي للميت و...، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 247، ح 26، باب البينات، ح 31، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 273، أبواب كتاب الشهادات، باب 28، ح 1. 1 - " منتهى الاصول " ج 2، ص 91..

[ 107 ]

والغائب؟ ومنها: انه هل هذا الحكم مختص بما إذا كان نفس المدعي صاحب الحق الذى يدعيه، أو يجرى وان كان المدعى وليا أو وصيا أو وكيلا عن صاحب الحق. فهذه امور بحث عنها الفقهاء في كتاب القضاء، ونحن تركناها خوفا من التطويل ولخروجها عن وضع هذا الكتاب. ومنها: اليمين المردودة من طرف المنكر إلى المدعي، فإذا حلف المدعي بعد ان المنكر رد اليمين إليه يثبت حقه كما كان يثبت بالبينة، وظاهر الحصر في هذه القاعدة - كما بيناه - ان ميزان الحكم للمدعى واثبات حقه هي البينة وان اليمين وظيفة المنكر وميزان له. فاليمين المردودة ان كان ميزان للمدعي فيكون مخصصا للجملة الثانية من هذه القاعدة أي: كون اليمين مختصا بالمنكر وعدم كونه ميزانا الا له. وربما يقال: بان الحصر في هذه القاعدة باعتبار الوظيفة الابتدائية، وأما اليمين المردودة فليست كذلك، بل بعد عجز المدعى عما هو وظيفته أي: البينة وتوجه اليمين إلى المنكر ونكوله عن الحلف ورده إلى المدعى يكون ميزانا للمدعى لا أولا وبالذات. وفيه: انه ليس مفاد القاعدة هو ان البينة وظيفة المدعى اولا وبالذات، واليمين وظيفة المنكر كذلك، بل ظاهرها انحصار ميزان المدعى في البينة وميزان المنكر في اليمين ولكن الحصر ليس حصرا عقليا كى لا يكون قابلا للتخصيص، وانما هو بحكم الشارع فقابل لان يخصصه بدليل اخر وهو الاجماع والنص. كصحيحة محمد بن مسلم في الرجل يدعي ولا بينة له، قال: " يستحلفه، فان رد

[ 108 ]

اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له " (1) وصحيحة عبيد بن زرارة في الرجل يدعى عليه الحق ولا بينة للمدعى، قال: " يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق، فان لم يفعل فلا حق له " (2) وصحيحة هشام قال: " ترد اليمين على المدعى " (3) وروايات اخر بهذا المضمون مذكورة في كتاب القضاء (4). هذا اخر ما كتبناه في هذه القاعدة. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.


: 1 - " الكافي " ج 7، ص 416، باب من لم تكن له بينة فيرد عليه اليمين، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 230، ح 557، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 8، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 176، ابواب كيفية الحكم، باب 7، ح 1، 2 - " الكافي " ج 7، ص 416، باب من لم تكن له بينة فيرد عليه اليمين، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 230، ح 556، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 176، ابواب كيفية الحكم، باب 7، ح 2، 3 - " الكافي " ج 7، ص 417، باب من لم تكن له بينة فيرد عليه اليمين، ح 5، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 230، ح 560، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 11، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 176، ابواب كيفية الحكم، باب 7، ح 3. 4 - " وسائل الشيعة " ج 18، ص 176، ابواب كيفية الحكم، باب 7..

[ 109 ]

29 - قاعدة كل مدع يسمع قوله فعليه اليمين

[ 111 ]

قاعدة كل مدع يسمع قوله فعليه اليمين ومن القواعد الفقهيه قولهم: " كل مدع يسمع قوله فعليه اليمين ". وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في بيان المراد منها فنقول: المراد من سماع قوله عدم تكليفه بالبينة أو بحجة اخرى في الحكم له، مثلا يقال: ان المالك يسمع قوله إذا ادعى تلف العين الزكوية في اثناء الحول أي قبل حلول وقت الزكاة، أو ادعى انه اديت زكاتي المتعلق بمالي، أو ادعى الكافر اسلامه قبل حلول وقت الجزية، أو المدعى الذى بلا معارض مثلا يسمع قوله أي لا يطلب منه البينة، أو الودعي يسمع قوله، أي لا يطلب منه البينة إذا ادعى التلف، أو الرد إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التى يسمع قوله ولا يطلب منه البينة أو حجة اخرى، ففى جميع ذلك يكون عليه اليمين الا ما خرج بالدليل، وسنذكر ان شاء الله تعالى تلك الموارد.


:: " عناوين الاصول " عنوان 78.

[ 112 ]

[ الجهة ] الثانية في مدرك هذه القاعدة فنقول: ان هذه القاعدة من قواعد باب القضاء بمعنى ان الحاكم في مقام حكمه إذا يسمع قول مدع ولا يطلب منه البينة فلا يحكم له الا بعد اليمين، مثلا إذا تخاصم المودع مع الودعي ولم يكن للمودع بينة على ان الودعى اتلف ماله أو قصر في حفظه، أو تصرف في الوديعة من دون اذن المودع، أو غير ذلك مما يوجب الضمان، فلا يحكم الحاكم بعدم اشتغال ذمته الا بعد حلف الودعى على نفى هذه الامور، وهذا معنى سماع قوله، لا انه بمحض ان لا تكون للمودع بينة على احد هذه الامور يحكم للودعي بدون أي شئ. واستدلوا على لزوم الحلف للمدعى الذى يسمع قوله من دون بينة بامور: الاول: ان الحكم في مقام المخاصمة لا يجوز إلا بأحد الميزانين، وهما البينة واليمين، لقوله صلى الله عليه وآله: (انما أقضى بينكم بالبينات والايمان) (1). ولا شك في أن (إنما) كلمة حصر فيدل قوله صلى الله عليه وآله هذا على ان سبب الحكم منحصر في أحد هذين، فإذا لم يطالب المدعى بالبينة - كما هو المفروض في المقام - فاما أن يحكم له بدون اليمين أيضا، وهذا خلاف قوله صلى الله عليه وآله: ان قضائه بأحد الامرين، وإما ايقاف الدعوى وعدم الحكم أصلا، وهذا خلاف حكمة جعل القضاء. ويلزم اختلال النظام وتضييع الحقوق والهرج والمرج وخلاف الآية الشريفة: (يا داود انا جعلناك خليفة فاحكم بين الناس بالحق) (2) فلا بد وان نقول بان الحكم له


: 1 - " الكافي " ج 7، ص 414، باب أن القضاء بالبينات والايمان، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 229، ح 552، باب كيفية الحكم والقضاء، ح 3، " معاني الاخبار " ص 279، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 169، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، باب 2، ح 1. 2 - ص (38): 26.

[ 113 ]

بذلك الميزان الاخر، أي اليمين. لا يقال: انه في بعض الموارد ورد الدليل على عدم الحلف أيضا كما في باب العبادات المالية كالزكاة والخمس وسماع قول المالك في عدم التعلق وفى الاداء أيضا وكسماع قول الفقير في دعوى الفقر، كل ذلك من دون بينة ولا حلف. لانه لا نقول نحن بان الحصر عقلي ليس قابلا للتخصيص، فإذا جاء الدليل في مورد على عدم لزوم الحلف ايضا يخصص العمومات. الثاني: ان قول المدعى في هذه المقامات حجة، لان الدليل الذي يفيد قبول قوله من دون قيام البينة من طرفه، يرجع إلى ان قوله حجة فلا يكون من المدعى بالمعنى المراد من المدعى والمنكر في قوله صلى الله عليه وآله: (البينة على المدعى واليمين على من انكر) (1) و هو ان يكون قوله مخالفا للحجة الفعلية، بل يكون بمنزلة المنكر في ان قوله مطابق للحجة الفعلية، بل هو المنكر حقيقة بناء على ما عرفنا المنكر بانه عبارة: عمن يكون قوله مطابقا للحجة الفعلية. ان قلت: أليس يقال المدعي؟ قلنا: اطلاق المدعى عليه من قبيل اطلاقه على ذى اليد باعتبار معناه اللغوى أي مطلق من يدعى، وان كان دعواه موافقا للحجة الفعلية. الثالث: الاجماع على ان كل مدع يسمع قوله ولا يطالب بالبينة فعليه اليمين، وذلك مثل الامين إذا ادعى التلف يقبل قوله ولا يطالب بالبينة الا ان عليه اليمين، ولذلك اشتهر في لسان الفقهاء وفى كتبهم: انه ليس على الامين الا اليمين. ثم لا يخفى ان المراد من الاجماع في هذه المسألة هو انعقاده على هذه الكلية، أي كل مدع يسمع قوله ولا يطالب بالبينة فعليه اليمين، فلا يرد على هذا الدليل ان تحقق


: 1 - " عوالي اللئالي " ج 2، ص 345، ح 11، " مستدرك الوسائل " ج 17، ص 368، ابواب كيفية الحكم، باب 3، ح 4.

[ 114 ]

الاجماع في بعض الموارد لا يفيد في مورد الخلاف والشك في لزوم الحلف، لان انعقاد الاجماع على هذا العنوان الكلى مما يجعله كورود دليل لفظي عليه، فيمكن التمسك باطلاقه عند الشك والخلاف كما يتمسك بالاطلاقات اللفظية. ولكن فيه أولا: انه في تحقق مثل هذا الاجماع في ذلك العنوان الكلى خفاء. وثانيا: على فرض تحققه في حجية مثل هذا الاجماع اشكال بل معلوم عدمها، وذلك لما ذكرنا مرارا ان وجه حجية الاجماع هو كشفه عن راي الامام (ع) والحدس القطعي بكون الاتفاق مسببا عن رأيه (ع) ومثل هذا لا يكون الا فيما لا يكون مدرك اخر غير التلقي عن الامام (ع) يتكئون ويعتمدون عليه، وفى المقام مع وجود هذه المدارك والادلة المذكورة لا يبقى مجال لتحقق الاجماع المصطلح الذى اثبتنا حجيته في الاصول. الرابع: ان قول المنكر - مع انه موافق للحجة الفعلية - يحتاج إلى اليمين، وبدون اليمين لا يحكم له، فإذا قبل قول المدعى بدون الاحتياج إلى البينة وهو مخالف للحجة الفعلية كما هو المفروض فيكون الاحتياج إلى اليمين فيه بطريق اولى، وذلك من جهة ان المقصود من الحلف إما ارتداع من ليس له الحق عن بغيه وعدوانه وإما قوة احتمال مطابقة قوله للواقع، وعلى كلا الوجهين يقتضى في المدعى الذى يقبل قوله - ولا يطالب بالبينة ايضا - ان يكون عليه اليمين بطريق اولى. وفيه: ان هذه المذكورات امور استحسانية لا ادلة شرعية فلا يمكن استناد الاحكام الشرعية إلى امثال هذه الظنيات. نعم لو حصل القطع بان ملاك كون الحلف واليمين على المنكر احد هذين الامرين فللقول بان المدعى الذى يسمع قوله بدون البينة ايضا يحتاج إلى اليمين مجال. ولكن أنت خبير بان هذه الامور لا توجب اكثر من الظن. نعم في بعض صغريات هذه القاعدة - كالامين والمحسن - أدلة لفظية تدل على عدم جواز اتهامهم

[ 115 ]

وعدم السبيل عليهم، كقوله (ع) في رواية قرب الاسناد: (ليس لك ان تتهم من قد ائتمنته) (1) وقوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) (2). ولا شك في ان تكليف الامين باليمين اتهام له، وأيضا تكليف المحسن باليمين سبيل عليه، وهما منفيان بحكم الآية والرواية. اقول: هذا الكلام بالنسبة إلى المحسن في محله، وأما بالنسبة إلى الامين فليس معنى عدم الاتهام الا عدم استناد الخيانة والتعدي والتفريط إليه، فيرجع إلى عدم انشاء الدعوى عليه. والرواية بهذا المعنى لم يعمل بها قطعا لانه لا شك في صحة دعوى الاتلاف أو التعدي والتفريط على الامين، فهذا حكم أخلاقي معناه: لا تأتمن الرجل الخائن، وان إئتمنت أحدا فلا تظن به السوء ولا تتهمه. وأما القطع بخيانته وتعديه وتفريطه فقطعا يجوز الدعوى معه، غاية الامر لو ادعى التلف يقبل قوله أي: لا يطالب بالبينة، ولكن اليمين عليه لما ذكرنا. هذا مضافا إلى ان دعوى الاتلاف من طرف المالك مع انكار الامين - يجعل الامين منكرا، فيكون الحلف عليه اجماعا ونصا مستفيضا، بل متواترا، وليس من طرف الامين الا الانكار، فيكون خارجا عن محل بحثنا، لان محل كلامنا في المدعي الذى يسمع قوله، وأما كون اليمين على المنكر فمن ضروريات الفقه. والحاصل ان يد الامين ليست يد ضمان، لانها يد مأذونة إما من قبل مالكه وإما من قبل الشرع، فالتلف في يده لا يوجب الضمان الا مع التعدي والتفريط، أو اتلاف الامين له، فصاحب المال ان كان يطلب الضمان فلا بد له من إدعاء احد هذه الامور أي الاتلاف أو التعدي والتفريط، فيكون الامين منكرا والحال في المحسن أيضا كذلك. الخامس: ان المدعى ان كان له شاهد واحد عادل على ما يدعيه فلا يحكم له


: 1 - " وسائل الشيعة " ج 13، ص 229، ابواب كتاب الوديعة، باب 4، ح 9. 2 - التوبة (9): 91.

[ 116 ]

بذلك الشاهد الواحد، بل لا بد من ضم يمينه إليه، فإذا لم يكن له شاهد أصلا فيجب عليه اليمين لاستخراج حقه الذى يدعيه بطريق أولى وفيه: ان هذا الدليل ينبغى ان يعد من المغالطات، لان انضمام اليمين هناك إلى الشاهد الواحد من جهة ان المدعى هناك عليه البينة، وحيث انه عاجز عن اقامة البينة بتمامها - ولم يقم الا شاهدا واحدا - خفف عنه بقيام اليمين مقام الشاهد الآخر، بخلاف ما نحن فيه، فانه ليس عليه البينة أصلا، إذ المفروض سماع قوله بدون البينة، فلا وجه لتكليفه باليمين الا ما ذكرنا من الوجهين الاولين. السادس: ان لقوله صلى الله عليه وآله: (البينة على المدعى واليمين على من انكر) (1) دلالتين: أحدهما: ان المتداعيين والمتخاصمين كل واحد منهما يحتاج في اثبات ما يقول إلى حجة، وبدون الحجة لا يحكم له والثانى: تعيين تلك الحجة في حق كل واحد منهما، وانها هي البينة في حق المدعى واليمين في حق المنكر، والحجة في حق الاثنين منحصرة فيهما، وليست هناك حجة اخرى تكون ميزانا للقضاء. فإذا جاء الدليل على عدم تكليف بعض المدعين في بعض الموارد باقامة البينة ولا يطالب بها، فهذا الدليل لا يدل على ان الحكم لا يحتاج إلى حجة اخرى اصلا، وذلك لان نفى الاخص لا يلزم منه نفى الاعم. وحيث ان الحجة في باب القضاء منحصرة بهما - أي: البينة واليمين - وهدا الدليل يدل على عدم مطالبته بالبينة، فبحكم دلالة قوله صلى الله عليه وآله - على لزوم اصل الحجة - التى كانت فيما ذكرنا اولى الدلالتين - يجب عليه ان يقيم حجة على ما يدعيه واذ ليست هي البينة كما هو المفروض والحجة منحصرة فيهما فيكون عليه اليمين.


: 1 - " عوالي اللئالي " ج 2، ص 345، ح 11، " مستدرك الوسائل " ج 17، ص 368، ابواب كيفية الحكم 7 باب 3، ح 4.

[ 117 ]

وفيه: انه صلى الله عليه وآله عين وظيفة لكل واحد من المدعى والمنكر في مقام المخاصمة، فإذا جاء الدليل في مورد - أو في قسم من اقسام المدعي - انه يسمع قوله من دون ان يطالب بالبينة - فلا بد وان يكون هذا التخصيص لجهة ونكتة، فالقضاء تجرى إما بالحكم له من دون اليمين أو بتوجه الامر إلى الطرف الاخر، فان حلف فلا شئ عليه ويحكم له، وان رد اليمين أو نكل تجرى احكام الرد والنكول. اللهم الا أن يقال: معنى سماع الدعوى بدون مطالبة البينة هو انه يحكم للمدعى بمحض دعواه، والحكم لا يمكن بدون أحد الميزانين أي: البينة أو اليمين لقوله صلى الله عليه وآله: (انما اقضي بينكم بالبينات والايمان) (1) بناء على حصر ميزان الحكم في هذين الميزانين، وعدم تحققه بدون احدهما، وحيث ان البينة لا تطلب منه فلا بد وان يكون باليمين. ولكن هذا مرجعه إلى الوجه الاول الذى ذكرناه وليس وجها اخر، وهو الوجه الوجيه ومبناه على استفادة الحصر - في ما هو ميزان القضاء بهذين وعدم صدور الحكم بدون احدهما - من قوله صلى الله عليه وآله -: (انما اقضي بينكم بالبينات والايمان). وقد تقدم جميع ذلك. الجهة الثالثة في بيان موارد هذه القاعدة وصغرياتها أي: الموارد التى يسمع دعوى المدعى فيها بدون ان يكون عليه بينة وبيان وجه سماع دعواه. فنقول: أما مواردها وصغرياتها فكثيرة جدا، ولكن هذه الموارد الكثيرة ليست


: 1 - تقدم تخريجه في ص 112، رقم (1).

[ 118 ]

تحت جامع واحد وكبرى واحدة، بل هناك كبريات متعددة. منها: كون المدعى أمينا حيث انه ليس على الامين الا اليمين ومنها: كون المدعى بلا معارض ومنها: كون المدعى ممن يملك فعل ما يدعيه ومنها: كون ما يدعيه لا يعلم الا من قبله ومنها: ما هو خارج عن تحت هذه الكبريات الاربع، لكن ورد دليل خاص على سماع قوله. وأما عد سماع قول ذى اليد ايضا من هذه الكبريات - كما ذكره استاذنا المحقق (قده) في كتاب قضائه (1) - فليس كما ينبغى، من جهة ان اطلاق المدعى على ذى اليد غير خال عن الخلل، بل المتفاهم العرفي من المدعى: هو الذى يدعى - مثلا - ملكية شئ ليس ذلك الشئ تحت يده فان كان تحت يده ويدعيه غيره فهو منكر، وذلك الغير مدع. والحاصل ان العرف والشرع متفقان على عدم صحة اطلاق المدعى على ذى اليد حتى انه بعضهم عرف المدعى والمنكر: بمن لم يكن في يده وهو المدعى، ومن كان في يده وهو المنكر. ويشهد لما ذكرنا - من اتفاق العرف والشرع في ان المدعى هو من ليس ما هو محل النزاع والمخاصمة في يده. والا ان كان في يده فهو منكر - استدلاله (ع) في بعض الاخبار على كفاية اليمين منه وعدم مطالبة البينة منه (2) بانه انما أمر النبي صلى الله عليه وآله ان يطالب البينة من المدعى لا من ذى اليد.


: 1 - " كتاب القضاء " ص 86 - 87. 2 - " وسائل الشيعة ج 18، ص 214، ابواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، باب 25..

[ 119 ]

وخلاصة الكلام ان كلامنا في ان كل مدع يسمع قوله ولا يطلب منه البينة فعليه اليمين، وليس ذى اليد مدعيا كي يكون من صغريات هذه القاعدة. فلنتكلم في الكبريات الاربع: الاولى: كبرى (كون المدعي أمينا)، أما مصاديق هذه الكبرى فكل ما كان تحت يد شخص باذن المالك فهى امانة مالكية - كالعارية والوديعة والعين المستأجرة وغير ذلك من موارد اليد المأذونة من قبل المالك، أو باذن الشارع فهى أمانة شرعية كاللقطة، وما في يد القيم للصغار أو المجانين من اموالهم، وما في يد الحاكم الشرعي من اموال الغيب والقصر والحقوق الشرعية التى تعطى للحاكم الشرعي لان يصرف في مصرفها من الاخماس والزكوات والصدقات الواجبة غير الزكاة كالكفارات ورد المظالم إلى غير ذلك مما هو وظيفة الحاكم الشرعي حفظها أو صرفها فيما يلزم صرفها فيها. ومن هذا القبيل الاوقاف التى لم يجعل لها متول أو مجهول توليتها، فجميع ذلك - في يد الحاكم أو وكيله أو المنصوب من قبله - أمانة شرعية أي: يكون تحت يده باذن الشارع، وفى كلا القسمين ليست اليد يد ضمان فلا ضمان الا مع التعدي والتفريط. واما وجه سماع قول الامين - وعدم مطالبته بالبينة - فمن جهة ما تقدم منا وزكرناه من ان التلف عنده لا يوجب الضمان، لان مدرك الضمان في باب التلف إما اليد غير المأذونة، أو خيانته بالتعدي أو التفريط. وفى الحقيقة هذا ايضا يرجع إلى انه بالخيانة ليست يده مأذونة، فيكون ضمانه ضمان اليد. نعم لو كان اتلاف في البين يكون هو سببا وموجبا للضمان ولكن حينئذ يكون الطرف مدعيا للاتلاف وهو منكر فيتوجه عليه اليمين.

[ 120 ]

وحاصل الكلام: ان قول الامين - ما لم يخرج عن كونه امينا بالخيانة - يسمع من دون مطالبته بالبينة، لانه لا يخلو إما ان لا تكون دعوى الاتلاف في البين ولا خيانة، فلا ضمان. وإما أن تكون فيكون الطرف مدعيا وهو منكر، فليس وظيفته البينة، وفى كلتا الحالتين لا تجوز مطالبة البينة من الامين لا في التلف ولا في الاتلاف، فهذا وجه سماع قول الامين. الثاني: كبرى المدعي بلا معارض، وهو انهم يقولون: بسماع قول المدعي الذى بلا معارض وقبوله بغير بينة في الماليات وان لم يكن له يد عليه، فإذا ادعى ان المال الفلاني الذى لا يد لاحد عليه، أو ينفي صاحب اليد كونه لنفسه ولا يدعي كونه لشخص معين، بل يعترف بعدم علمه بمالكه - انه لي، وليس هناك معارض يعارضه، يقبل قوله ويعطى له مع يمينه بناء على ما ذكرنا من تمامية هذه القاعدة. وأما في غير الماليات - كما انه كما لو ادعى طهارة شئ أو نجاسته وهو ليس بمالك ولا بذي اليد عليه أو ان هذا اليوم يوم العيد وامثال ذلك من غير الماليات ولا معارض له، فلا يسمع دعواه، بل يحتاج اثباته ألى البينة أو احدى الامارات الشرعية الاخر، وذلك من جهة ان عمدة مدرك سماع هذه الدعوى هي سيرة العقلاء وبنائهم على قبول قول المدعي الذى لا يعارضه أحد بغير البينة، ولكن هذه السيرة القدر المتيقن منها هو فيما إذا كان ما يدعيه من الماليات وان لم يكن لذلك المدعي يد عليه أو كان من الحقوق كادعائه تولية وقف، أو يدعي حق التحجير، أو حق السبق في مكان، أو حقا اخر ولا يعارضه احد في هذه الدعوى. واما الاجماع الذي إدعاه صاحب الرياض (1) وصاحب الجواهر (2) (قدهما) فايضا القدر المتيقن منه هو فيما ذكرنا من الماليات والحقوق والارتباطات كالزوجية والنسب كأن


: 1 - " رياض المسائل " ج 2، ص 413. 2 - " جواهر الكلام " ج 40، ص 398.

[ 121 ]

يقول: هذه المرأة زوجتي، أو هذا الغلام ابني أو هذه الصبية بنتي، ومن هذه الجهة لو ادعى في اللقطة انها لي، ولم يكن له معارض يعطى المال له. وربما يستدل لسماع قول المدعى بلا معارض برواية الكيس المعروفة وهى ان يونس بن عبد الرحمن روى عن منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله (ع): عشرة كانوا جلوسا وسطهم كيس فيه الف درهم فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس؟ فقالوا: كلهم: لا، فقال واحد منهم: هو لي فلمن هو؟ قال (ع): للذي إدعاه) (1). وتقريب الاستدلال بهذه الرواية على قبول قول مدعي الذى ليس له معارض واضح، لانه (ع) قال: هو للمدعي الذى لم يعارضه احد من تلك العشرة بل كلهم نفوا عنهم. ولكن استشكل على هذا الاستدلال شيخنا الاعظم الانصاري على ما نقل بعض الاجلة من تلامذته (قده) وقبله ابن ادريس (2) بأن سماع قول ذلك المدعي ليس من جهة انه مدع بلا معارض له في دعواه بل ان الكيس الكائن في وسط جماعة يكون تحت يد تلك الجماعة، ولذلك لو ادعاه شخص من غير تلك الجماعة ومن الخارج فلا يقبل قوله الا بالبينة. وأما لو كان من تلك الجماعة فان ادعى الباقون ايضا مثله فيجرى عليه حكم الشريكين الذين يدعى كل واحد منهما تمام ما في يدهما، وأما إذا نفى الباقون كونه لهم فتسقط أمارية اليد في حقهم. وأما الذى يدعيه ولا ينفي عن نفسه فامارية يده باقية،


: 1 - " الكافي " ج 7، ص 422، باب النوادر (من كتاب القضاء والاحكام) ح 5، " تهذيب الاحكام " ج 6، ص 292، ح 810، باب من الزيادات في القضايا، ح 17، " وسائل الشيعة " ج 18، ص 176، ابواب كيفية الحكم، باب 7، ح 1. 2 - " السرائر " ج 2، ص 191.

[ 122 ]

ويكون هو بحكم ذي اليد الواحد الذي ليس لغيره يد عليه، فيحكم بانه له من جهة يده عليه لا من جهة انه مدع بلا معارض له في دعواه هذه. وبعبارة أوضح: أمارية اليد لكون ما في يده ملك له متوقفة على عدم اقراره بانه ليس له، فإذا نفى عن نفسه واقر بانه ليس له تكون يده كالعدم لا امارية لها، واليد بنظر العقلاء تكون كاشفة وامارة بالمطابقة بان ما هو تحت اليد ملك لذي اليد، وبالدلالة الالتزامية تدل على انه ليس لغير ذي اليد. فالكيس الذي كان في وسط جماعة حيث ان لتلك الجماعة يد عليه فبالدلالة الالتزامية تدل يد جميعهم على انه ليس لغيرهم ويد كل واحد منهم وان كانت تدل على انه له إما تماما كما احتمل، أو بنسبة نفسه إلى الجميع على نحو الشركة ثلثا أو ربعا أو خمسا وهكذا حسب عدد الجماعة كما هو الصحيح، ولكن هذه الدلالة سقطت بواسطة اقراره بانه ليس له. واما ذلك الشخص الواحد الذى ادعاه حيث انه لم يقر انه ليس له، بل ادعى على طبق يده انه له، فيبقى ليده كلتا الدلالتين: المطابقة والالتزامية، فتثبت انه له وليس لغيره كما هو الحال في اليد الواحدة التى ليس لها يد اخرى شريكة معها، فيحكم له الا ان يأتي المدعي الخارج عن تلك الجماعة بالبينة على انه له، كما هو الشأن في سائر المقامات بالنسبة إلى الدعوى على ذي اليد الواحد. فحكمه (ع) بان الكيس لذلك الواحد المدعي ليس من أجل انه بلا معارض، بل من جهة انه ذو اليد على موازين باب القضاء. اللهم إلا أن يقال: ان صرف كون الكيس في وسط جماعة ليس ظاهرا عند العرف في ثبوت اليد لتلك الجماعة عليه. أو يقال بان اليد الواحدة - أي الاستيلاء والسيطرة الواحدة قائمة بالمجموع وليس لكل واحد منهم يد مستقلة، فإذا نفوا عنهم ما عدا واحد منهم فتسقط تلك اليد الواحدة القائمة بمجموع تلك الجماعة، وليس هناك

[ 123 ]

استيلاء اخر كي يكون امارة على الملكية، لان اليد القائمة بالمجموع سقطت عن الاعتبار، ويد المدعي كانت في ضمن تلك اليد القائمة بالمجموع ولم يكن لها وجود مستقل فلا بد وان يكون حكمه (ع) بكونه لذلك الواحد المدعي مستندا إلى جهة اخرى غير اليد وليست الا انه مدع ليس له معارض. ولكن أنت خبير بعدم صحة كلتا الدعويين: أما عدم صحة دعوى عدم ظهور كون الكيس في وسطهم عرفا في ثبوت اليد لهم فمما يشهد عليه العرف والوجدان. نعم في بعض الفروض يمكن دعوى عدم الظهور عرفا في ثبوت اليد لهم، كما إذا كان الكيس موجودا في ذلك المكان قبل اجتماعهم فيه وبعد ذلك اجتمعوا وصار الكيس في وسطهم، لكن هذا الفرض وامثاله خارج عن ظاهر الرواية، وتكون الرواية منصرفة عنها. وأما دعوى ان لمجموع تلك الجماعة يد واحدة وليس لكل واحد منهم يد مستقلة ففيها: انه لو كانت الجماعة كلهم يدعون انه لهم فبنظر العرف - الذي هو المناط في فهم مفاهيم الالفاظ وتعيين المراد منها - كان الامر كما ادعاه صاحب هذه الدعوى بمعنى: ان لكل واحد منهم كانت يد غير تامة وغير مستقلة، كما في الشريكين أو الشركاء في دكان مثلا. وقد بينا في محله ان اليد غير التامة على المجموع بمنزلة اليد التامة المستقلة على بعض ذلك المجموع بنسبة عدد الشركاء، فإذا كانا اثنين متصرفين في الدكان مثلا يرى العرف ان لكل واحد منهما الاستيلاء التام على النصف وان كانوا ثلاثة يرى الاستيلاء واليد التامة على الثلث وهكذا. واما ان نفوا عنهم ما عدا واحد الذي ادعى المجموع ففي هذه الصورة يرى العرف ان الاستيلاء لذلك الواحد فقط، لان سائرهم بواسطة اقرارهم بعدم كونه لهم أسقطوا يدهم عن الاعتبار، فصارت يدهم كأن لم تكن فيد هذا الواحد كأنها يد

[ 124 ]

واحدة مستقلة على المجموع. والحاصل ان دلالة الرواية على قبول قول المدعى الذى ليس له معارض في غاية الاشكال. ثم انه لا شك في ان جميعهم أو بعضهم لو ادعى ملكية ذلك الكيس بعد نفيه عن نفسه أو عن أنفسهم لا يسمع، لانه انكار بعد الاقرار واقرار العقلاء على انفسهم جائز، فاقراره السابق بعدم كون الكيس له اسقط ماليته ظاهرا وان كان ماله بحسب الواقع، إلا أن يأتي بدليل حاكم على ذلك الاقرار، أو علم بان اقراره كان على خلاف الواقع لنسيانه أو لجهة اخرى. الثالث: كبرى " من ملك شيئا ملك الاقرار به " فلو ادعى انه طلق زوجته أو باع ماله الفلاني من فلان - أو وهبه لفلان، أو أعطيت زكاتي الواجب علي وامثال ذلك سواء أكان له أو عليه، يسمع بدون ان يطالب بالبينة لتلك القاعدة، وعمدة فائدة هذه القاعدة فيما لا يكون الاقرار على ضرره والا فلا احتياج إليها لكون موارد الاقرار على ضرر نفسه مشمولا لقاعدة " اقرار العقلاء على انفسهم نافذ أو جائز ". وأما الدليل على هذه الكبرى، أي كبرى " من ملك شيئا ملك الاقرار به " فقد تقدم في شرح هذه القاعدة في الجزء الاول من هذا الكتاب فلا نعيد. الرابع: كبرى " انه يسمع كل دعوى لا يعلم الا من قبل مدعيها " واستدلوا لهذه الكبرى بوجوه: الاول: الاجماع على ان من يدعى شيئا لا يعلم الا من قبله يسمع قوله من دون ان يطالب بالبينة، ولكن الحكم له بعد الحلف الا ان يأتي دليل خاص على تصديقه بدون الحلف، والشاهد على اتفاقهم على هذا الحكم هو انهم يعللون في بعض الدعاوي سماعها بانه شئ لا يعلم الا من قبله ويرسلونه ارسال المسلمات ولا ينكره

[ 125 ]

احد منهم، بل كل واحد من الفقهاء (قدهم) يقبل هذا التعليل ولا يستشكل عليه ولا يطلبون من القائل الدليل عليه، فيكون من الكبريات المسلمة عندهم. وفيه: انه ممنوع صغرى وكبرى أما الصغرى: فمن جهة ان قولهم هذا في بعض الموارد لا يدل على اتفاقهم على هذه الكبرى الكلية وبعبارة اخرى: التعليل إذا كان في آية أو رواية أي كان في كلام من يجب اتباعه فيجب الاخذ بظاهره فإذا كان ظاهرا في العموم يجب الاخذ بذلك الظهور والحكم بعموم التعليل واما لو كان في كلام من ليس كلامه حجة فلا بد من وجود دليل على وجوب الاخذ بظاهر ذلك الكلام، والمفروض انه ليس هاهنا دليل الا الاجماع، فلا بد ان يكون نفس هذا التعليل أي: عنوان " لانه لا يعلم الا من قبله " - معقدا للاجماع، واثبات هذا الاتفاق في غاية الاشكال. ثم على تقدير ثبوته يرد عليه ما ذكرنا مرارا ان مثل هذا الاتفاق ليس كاشفا قطعيا عن رأيهم عليهم السلام، لاحتمال ان يكون منشأ اتفاقهم هو بعض ما ذكروه من الادلة على قبول دعوى التى لا تعلم الا من قبل مدعيها، فلا يكون من الاجماع المصطلح في الاصول الذي قلنا بحجيته. الثاني: ان حكمة جعل القضاء والقاضي هو رفع التشاجر والمخاصمة بين الناس وحسم النزاع، فإذا كان دعوى المدعى لا يعلم الا من قبله فلا يمكن له اقامة البينة عليه، لان المفروض ان غير المدعى لا يعلمه كى يشهد به، ولا يمكن لخصمه المنكر ان يحلف لان المفروض ان الخصم المنكر لا يعلم به ولا حلف الا عن بت، فيبقى القضاء بلا ميزان ولا يرفع المخاصمة. أقول: وهذا الوجه مما يمكن الركون إليه. لا يقال: هذا الوجه صحيح فيما لا يمكن اقامة الشهود والبينة المعتبرة للمدعي، وموارد سماع دعوى من لا يعلم ما يدعيه الا من قبله - كما ذكروا - ليست منحصرة بما

[ 126 ]

لا يمكن اقامة البينة ويتعذر، بل أعم منه ومما يتعسر، ففي القسم الثاني منه يمكن اقامة الشهود غاية الامر مع التعسر، لان التكليف بالامر المتعسر ايضا ليس من دأب الشارع وديدنه غالبا ولا يناسب الشريعة السمحة السهلة إلا فيما تكون المصلحة مهمة، بحيث يكون على المكلف بذل كل نفس ونفيس كالجهاد والدفاع مع الكفار فيما إذا هجموا على المسلمين مثلا. فبناء على هذا يكون المتعسر بحكم المتعذر، وكون التعسر حكمة للجعل كثير في الشريعة كجعل التيمم بدلا عن الطهارة المائية، والتقصير والافطار في السفر وامثال ذلك. الثالث: انه وردت اخبار على ان الحيض والعدة إلى النساء كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): (العدة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت) (1) وقول الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ارحامهن) (2) " قد فوض الله إلى النساء ثلاثة اشياء: الحيض والطهر والحمل (3). ومعلوم ان تفويض هذه الامور إلى النساء من جهة انها لا تعلم إلا من قبلهن، وادعى بعضهم ان في بعض هذه الاخبار تعليل قبول قولهن في هذه الامور بتعذر الاشهاد منهن عليها لاجل عدم اطلاع غيرهن عليها ومعلوم ان هذا الكلام في قوة ان يقول لانها لا تعلم إلا من قبلهن ولكنني فتشت بمقدار وسعي ولم اجده. نعم ورد في رواية محمد بن عبد الله الاشعري قال: قلت للرضا (ع): الرجل


: 1 - " الكافي " ج 6، ص 101، باب أن النساء يصدقن في العدة والحيض، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 7 8 ص 165، ح 575، باب عدد النساء ح 174، " الاستبصار " ج 3، ص 356، ح 1276، باب أن العدة والحيض الى النساء...، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 441، ابواب العدد، باب 24، ح 1. 2 - البقرة (2): 228. 3 - " مجمع البيان " ج 2، ص 326، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 441، ابواب العدد، ب 24، ح 2..

[ 127 ]

يتزوج... الخ الى آخره؟ فقال (ع) أرأيت لو سألها البينة كان يجد من يشهد ان ليس لها زوج (1). والحاصل ان ظاهر هذه الاخبار قبول قول المرأة في الحيض والحمل والطهر والعدة وهذه امور لا تعلم إلا من قبلهن في الغالب، فمن هذا يستكشف كبرى كلية، وهو ان كل ما لا يعلم إلا من من قبله يسمع قوله فيه. هذا إذا لم يكن ذلك التعليل في البين وأما إذا كان كما ادعاه الكني (قده) في قضائه (2) فالامر أوضح، لانه بناء على ثبوت ذلك التعليل ووجوده في بعض الاخبار يكون الحكم بالقبول دائرا مدار وجود تلك العلة، ففى كل دعوى يتعذر الاشهاد عليها أو يتعسر يجب قبولها من دون مطالبة البينة عن مدعيها. ومعلوم مطابقة دعوى التى يتعذر الاشهاد عليها مع ما لا يعلم الا من قبله، بمعنى ان كل دعوى لا تعلم الا من قبل مدعيها يتعذر الاشهاد عليها، لان الاشهاد فرع معرفة الشاهد وعلمه بالمشهود به، وعلمه بالمشهود به مع كون الدعوى مما لا تعلم الا من قبله خلف. الرابع: لا شك في ان قول المنكر مع انه موافق للحجة الفعلية - كما بيناه - يحتاج في الحكم له وثبوت قوله إلى اليمين فكيف يكون الحكم للمدعي بصرف الادعاء بدون اليمين؟ مع ان قوله مخالف للحجة الفعلية كما عرفت في بيان معنى المدعى. وبعبارة اخرى: حيث ان المدعي كان قوله مخالفا للحجة الفعلية فجعل الشارع وظيفته اثقل ميزاني القضاء - أي البينة - ولكن بالنسبة إلى بعض الدعاوي ارتفع هذا الثقل - أي البينة - عنه لمصلحة وملاك لاحدى الجهات التى تقدمت، ولم يكلف


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 253، ح 1094، باب تفصيل أحكام النكاح، ح 19، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 457، ابواب المتعة، باب 10، ح 5. 2 - " كتاب القضاء " ص 104..

[ 128 ]

بالبينة. ولكن لا يمكن أن يكون حاله احسن من المنكر الذي قوله موافق مع الحجة ولا يحتاج إلى اليمين ايضا، وهذا معناه عدم الاعتناء بالحجة. وفيه: ان هذا صرف استحسان ولا يصح ان يكون مناطا وملاكا للحكم الشرعي، والشارع عين وظيفة للمدعي وهى البينة ووظيفة اخرى للمنكر أي اليمين بقوله صلى الله عليه وآله: (البينة على المدعي واليمين على من انكر) (1) وهذان الحكمان - أي كون وظيفة المدعي هي البينة ووظيفة المنكر اليمين - عامان يشمل كل مدع وكل منكر، فجاء المخصص بالنسبة إلى بعض اقسام المدعي واسقط لزوم اقامته البينة فكون وظيفة اخرى له يحتاج إلى جعل اخر والى دليل على ذلك الجعل في مقام الاثبات واذ ليس فليس. نعم الدليل هو الوجه الثاني الذي ذكرناه من ان قوله صلى الله عليه وآله: (انما اقضي بينكم بالبينات والايمان) (2) يستفاد منه أمران: احدهما حصر ميزان القضاء في هذين الاثنين. والثانى: عدم جواز الحكم بدون الميزان، فبضميمة عدم جواز ايقاف الحكم وارتفاع البينة عنه لا بد وان نقول بان الحكم لمثل هذا المدعي لا يجوز الا مع حلفه. ثم انهم ذكروا هاهنا وجوها استحسانية اخر لهذا الحكم - أي: كون اليمين على المدعي الذي يسمع قوله - تركنا ذكرها لعدم الاحتياج إليها وعدم صحتها في انفسها. ثم ان هذه القاعدة خصصت في موارد بمعنى انه جاء الدليل على قبول قول بعض المدعين بدون ان يكون عليه البينة أو اليمين أي: ليس عليه كلتا الوظيفتين، وما قلنا ان الحكم لا يجوز بدون احد الميزانين ليس حكما عقليا غير قابل للتخصيص، بل


: 1 - سبق تخريجه في ص 113. 2 - سبق تخريجه في ص 112، رقم (1).

[ 129 ]

كان مفاد الحديث الشريف، أعني قوله صلى الله عليه وآله: " انما اقضي بينكم بالبينات والايمان " فإذا اتى دليل على عدم لزوم كلتا الوظيفتين يخصصه. فمنها: دعوى المالك للعامل اداء ما عليه من الزكاة فيقبل قوله من دون ان يكون عليه حلف أو بينة، لقول علي عليه السلام لعامله في خبر غياث " إذا أتيت على رب المال فقل تصدق رحمك الله مما اعطاك الله، فان ولى عنك فلا تراجعه " (1) ولغير خبر غياث مما يدل على المقام. ومنها: دعوى الفقير الفقر فقالوا: انها تقبل بلا ان يكون عليه البينة أو اليمين لخبر عبد الرحمن العزرمي عن ابى عبد الله (ع) قال (ع): (جاء رجل إلى الحسن والحسين عليهما السلام وهما جالسان على الصفا فسألهما فقالا: ان الصدقة لا تحل الا في دين موجع أو غرم مقطع أو فقر مدقع ففيك شئ من هذا؟ قال: نعم فاعطياه " (2). ولمصحح عامر بن جذاعة: رجل أتى ابا عبد الله (ع) فقال يا ابا عبد الله قرض إلى ميسرة فقال أبو عبد الله (ع): (إلى غلة تدرك؟) قال: لا قال (ع): (إلى تجارة تؤب؟) قال: لا والله، قال (ع): (عقدة تباع؟) قال: لا والله فقال أبو عبد الله (ع): (فانت ممن جعل الله له في اموالنا حقا) فدعى بكيس فيه دراهم (3). تذييل لا يخفى ان ما قلنا - من سماع دعوى المدعي الذى لا يمكنه الاشهاد على ما يدعيه،


: 1 - " الكافي " ج 3، ص 538، باب أدب المصدق، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 6، ص 90، ابواب زكاة الانعام، باب 14، ح 5، وص 217، ابواب المستحقين للزكاة، باب 55، ح 1. 2 - " الكافي " ج 4، ص 47، باب النوادر (من كتاب النكاح)، ح 7، " وسائل الشيعة " ج 6، ص 45، ابواب المستحقين للزكاة، باب 1، ح 6. 3 - " الكافي " ج 3، ص 501، باب فرض الزكاة وما يجب في المال من الحقوق، ح 14.

[ 130 ]

وان شئت قلت: سماع دعوى الذي لا يعلم ما يدعيه الا من قبله انما يكون فيما إذا لم يظهر المدعى خلاف ما يدعيه وما ينافي دعواه، فلو اقر على خلاف ما يدعيه أو كان ظاهر كلامه خلاف ما يدعيه، فلا يسمع دعواه وان كان ما يدعيه لا يعلم الا من قبله. وذلك من جهة ان اقراره أو ظاهر كلامه حجة عليه فيما إذا كان على ضرره، فإذا اقر بانه غنى وليس بفقير، أو أقرت واعترفت بانقضاء العدة أو كان ظاهر كلامه ذلك فلا يسمع دعواه، لانه من قبيل الانكار بعد الاقرار وباقراره أو ظاهر كلامه علم من قبله بالحجة، فدعواه يكون معلوم البطلان شرعا. فلو قال وادعى عدم القصد في المعاملة الفلانية أو ادعت عدم القصد في عقد النكاح مثلا أو غير ذلك من العقود والايقاعات كالطلاق أو الجعالة مثلا، فلا تقبل دعواه وان كانت الدعوى مما لا يعلم الا من قبله، أو وان كانت مما يتعذر الاشهاد عليه، لان ظاهر كلامه حجة عليه فهو بدعواه هذه يكذب نفسه. والحاصل انه علم شرعا خلاف ما يدعيه من قبل نفسه فلا يتعذر الاشهاد، فخرج عن موضوع هذا الحكم خروجا تعبديا. ان قلت: أليس انهم يقولون بسماع دعوى الزوج عدم القصد إلى الطلاق حقيقة في الطلاق الرجعي في العدة مع ان ظاهر صيغة الطلاق مخالف لهذه الدعوى؟ قلت: هذا من جهة انها ما دامت في العدة له الرجوع وليس للمرأة ان يعارضها لقوله تعالى (وبعولتهن احق بردهن) (1) بل ربما يقال انها ما دامت في العدة حقيقة زوجة، فليس هذا المورد من باب المدعي والمنكر بل هذا من حقوق نفسه بدون مقابل يعترض عليه ويلزمه بظاهر كلامه. نعم لو كانت هذه الدعوى بعد انقضاء العدة لا يسمع دعوى عدم القصد إلى


: 1 - البقرة (2): 228.

[ 131 ]

الطلاق حقيقة، لانه يدعي بذلك على المرأة بقائها في حبالته وهى تنكر وتقول بانقطاع الزوجية وبينونتها عنه، ولا يجري استصحاب بقاء الزوجية لحكومة ظاهر كلام الزوج - أي: انشاء الطلاق وانه مع القصد - على هذا الاستصحاب كما هو الشأن في باب تعارض الامارات والاصول. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 133 ]

30 - قاعدة العقود تابعة للقصود

[ 135 ]

قاعدة العقود تابعة للقصود ومن القواعد الفقهية - المعروفة المشهورة قاعدة (العقود تابعة للقصود) وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في بيان المراد منها فنقول: الظاهر ان المراد من هذه الجملة هو ان العقود حيث انها من الامور القلبية، لان العقد كما قال بعض اللغويين: هو العهد المؤكد والعهد أمر قلبي وان كان له مبرز خارجي، كما انهم في عقد البيعة كانوا يظهرونه، بل ينشؤونه بوضع اليد في يده وكان أمارة تعهده بانه سلم لمن سالمه وحرب لمن حاربه. وفى الحقيقة العقد عبارة: عن تعهد الشخص مع اخر في أمر من الامور سواء أكان ذلك الامر من الامور المالية كباب المعاوضات، أو امرا اخر كما في باب النكاح، حيث ان الزوجة تتعهد بان تكون زوجة، فإذا قبل الزوج تتم المعاهدة ويحصل ذلك الامر في عالم الاعتبار. فتترتب عليه اثاره، فنتيجة العقد حصول ما تعاهدا وتعاقدا عليه لان يترتب عليه آثاره.


: " الحق المبين " ج 1، ص 18، " عوائد الايام " ص 52، " عناوين الاصول " عنوان 30، " خزائن الاحكام " العدد 11، " مستقصى مدارك القواعد " ص 9، " دلائل السداد وقواعد فقه واجتهاد " ص 35، " القواعد " ص 179، " القواعد الفقهية " (مكارم الشيرازي) ج 4، ص 369.

[ 136 ]

ومعلوم ان حصول هذا المعنى في عالم الاعتبار - سواء أكان اعتبارا شرعيا أم كان من اعتبارات العقلاء وامضاها الشارع، أو لم يمضها كما في باب بيع الغرر فان الشارع نهى عنه وان كان العقلاء يقدمون عليه ويرتبون عليه الاثار في بعض مراتب الغرر - لا يمكن الا بان يكون ذلك المعنى مقصودا للمتكلم والمنشئ حال انشائه وعقده باي لفظ كان. فكما ان صلاة الظهر والعصر مثلا لا توجد بصرف قراءة أربع ركعات من دون قصد كونها ظهرا أو عصرا وأمثال ذلك فكذلك عناوين المعاملات والمعاوضات لا تقع الا بالقصد والارادة. مثلا إذا قصد تمليك ماله وكان ذلك المال من الاعيان بعوض مالي فيحصل عنوان البيع، والا لو لم يقصد التمليك أصلا، أو قصد التمليك بلا عوض، بل كان تمليكا مجانيا فيكون هبة. كما انه لو قصد تمليك منفعة لذلك العين بعوض يكون اجارة ان كانت المنفعة معلومة من حيث نوع المنفعة ومن حيث المدة وكان العوض ايضا مالا معلوما. نعم ثم يقع الكلام من جهات اخر، مثلا من ان اللفظ الذي ينشأ به هذا المعنى هل يلزم ان يكون عربيا ام لا؟ بل يقع باي لغة كان، إلا ان يدل دليل خارجي على انه يلزم ان يكون باللفظ العربي، كما ان المشهور قالوا بذلك في خصوص باب النكاح، بل ادعى جماعة عليه الاجماع وايضا هل يلزم ان يكون بصيغة الماضي أو يقع وان كان بصيغة المضارع؟ وكذلك في سائر الشروط التى ذكروها في العقد. وعلى كل حال تحقق هذه العناوين تابع لقصدها، وبدون القصد لا تقع، وليس المراد ان كل ما يقصده ويريده يقع شرعا، لان ما قصده ان لم يكن من المعاملات العقلائية وايضا ليس مما احدثه الشارع، أو كان من المعاملات العقلائية ولكن لم

[ 137 ]

يمضها الشارع، فجميع ذلك لا يقع شرعا قطعا، بل المراد ان المعاملات العقلائية وعقودهم وعهودهم الدائرة فيما بينهم ان امضاها الشارع فلا تقع الا مع قصدها وارادتها مع تحقق سائر الشرائط، من شرائط العقد ومن شرائط المتعاقدين ومن شرائط العوضين ان كانت المعاملة من المعاوضات. هذا بالنسبة إلى نفس العناوين، وأما بالنسبة إلى خصوصيات المعاملة، ككون الثمن من نقد البلد أو من نقد خاص وان لم يكن من نقد البلد أو وان كان من اي نقد من النقود أو وان كان من العروض، فجميع ذلك تابع لارادة المتعاقدين وقصدهم، وكذلك الشرائط الضمنية ككون الثمن مساويا مع المبيع في البيع وغيره من الشرائط الضمنية، غاية الامر الدليل على القصد والارادة في عالم الاثبات قد يكون بتصريح من الطرفين أو من أحدهما، وقد يكون بالاطلاق وقد يكون بالانصراف. والا ففي عالم الثبوت لا مناص الا من ارادة هذه الخصوصيات، إذ بدون القصد والارادة لا توجد ولا تتحقق. والسر في ذلك هو ما ذكرنا: من ان العقد هو العهد المؤكد، والعهد بدون قصد ما يتعاهد عليه لا يمكن، وفى الحقيقة العقد - كما قلنا - ليس من باب الالفاظ بل من الامور القلبية التى قد تسمى بعقد القلب، واطلاقه على الفاظ القبول والايجاب مجاز من قبيل اطلاق لفظ الموضوع للمدلول على الدال، أو من قبيل اطلاق لفظ الموضوع للمسبب على السبب وان كان في تسمية المنشأ بتلك الالفاظ بالمسبب وتسمية تلك الالفاظ بالسبب مسامحة، وذلك من جهة ان سبب المنشأ هو العاقد لا ألفاظ العقد أي ألفاظ القبول والايجاب، بل تسميتها بآلة الانشاء اولى. وخلاصة الكلام في المقام: ان القصد والارادة له تمام المدخلية في تحقق العقود والمعاهدات وتحقق خصوصياتها، ولا معنى لتحقق المعاهدة أو العهد بدون ان يقصد المعهود، وكذلك ما تعاهدا عليه، ولذلك اشكلنا على القائلين بالاباحة في بيع المعاطاة

[ 138 ]

وانه لا يمكن حصول الاباحة المجردة عن الملكية مع عدم قصد المتعاطيين لها، لان كل واحد من المتعاطيين يقصد تمليك ما يعطيه للاخر، فكيف تقول لا يقع ما قصداه ويقع شئ اخر لم يقصداه؟ وهل هذا الا ان ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، وكأن هذه الكبرى بطلانها ضروري وجداني، ومرجعه إلى ان الامور القصدية - كالتعظيم والتوهين والعقود - وقوعها وحصولها في وعائها سواء أكان عالم العين أو عالم الاعتبار تابع لقصدها. كما قلنا في صلاة الظهر والعصر مثلا انهما لا تقعان ولا تحصلان في عالم العين الا بقصد عنوانهما ولو كان بصورة اجمالية فوقوع الامر القصدي بدون القصد ولو اجمالا لا يمكن. ولا شك في ان العقود من الامور القصدية ولذلك لا تقع من الغالط والهازل والسكران والنائم والغافل وامثال ذلك، وهذا معنى بطلان احدى الجملتين من قولهم: ان ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع أي الجملة الاولى منه. وأما الجملة الثانية - أي: ما قصد لم يقع - فبطلانها مبني على ان يكون متعلق القصد من العقود أو الايقاعات التي شرعها الشارع احداثا ان كانت أو امضاء كما هو الغالب والاكثر ان لم يكن الجميع ويكون واجدا لجميع الاجزاء والشرائط المقررة شرعا لذلك العقد أو لذلك الايقاع، والا يمكن ان يقصد ولا يقع لفقد شرط أو لوجود مانع. كما انه لو قصد الطلاق حقيقة وواقعا ولكن لم يكن في طهر غير المواقعة في حال حضور الزوج وعدم كونه مسافرا، أو لم يكن بحضور شاهدين عدلين - فلا يقع الطلاق. فمعنى ان العقود تابعة للقصود أي: لا يقع العقد بغير قصد مضمونه وخصوصياته لا ان كل ما قصده يقع وان لم يكن واجدا للشرائط المعتبرة في ذلك العقد أو في ذلك الايقاع.

[ 139 ]

ثم لا يخفى ان الشرائط الضمنية التى يوجب تخلفها الخيار كلها مما تعلق القصد بها، فلا يتوهم احد حصولها بدون القصد، مثلا من جملة الشرائط الضمنية التى يوجب تخلفها الخيار هو تساوي الثمن والمثمن بحسب القيمة السوقية الا فيما إذا كان التفاوت بمقدار يتسامح العرف فيها ولا يكون فاحشا. ولا شك في ان البايع والمشتري انما يقدمان على المعاملة الكذائية باعتقاد ان في هذه المعاملة لا يرد خسارة على كل واحد منهما، ولذلك لو علم البايع بان المبيع يساوي اكثر من الثمن المذكور في المعاملة بمقدار لا يتسامح فيه يترك المعاملة الا ان يكون له غرض اخر وهو خارج عن المفروض. وكذلك المشتري لو علم بان المبيع لا يساوي لهذا الثمن يترك المعاملة ولا يشتري، فالمتعاملان قصدهما المعاملة بين المالين المتساويين من حيث المالية والقيمة السوقية، وانما المبادلة تكون لاغراض اخر من احتياج المشتري إلى المبيع لقضاء احدى حوائجه من المأكل والملبس والمسكن وغير ذلك، والبايع لتحصيل النفع بالنسبة إلى شرائه الاول وامرار كسبه، والا ليس غرضهما من هذه المعاملة ان يخدع كل واحد منهما طرفه الآخر. فهذا الذي نسميه بالشرط الضمني الذى هو عبارة: عن تساوي العوضين من حيث القيمة السوقية يكون مقصودا لهما من اول الامر، والا فكيف يمكن ان يقع في باب المعاملات من العقود والايقاعات من دون قصد المنشئ وارادته ورغما عليه. وأما مسألة كون ضمان المبيع على البايع قبل قبض المشتري وعلى من ليس له الخيار في زمن خيار الآخر فان قلنا بانه تعبدي - ومن جهة الروايات الواردة في هاتين المسألتين - فاجنبي عن هذه القاعدة ولا اشكال في البين أصلا، وان قلنا: ان الضمان في كلا الموردين يكون من باب اقتضاء القاعدة، فربما

[ 140 ]

يستشكل به على هذه القاعدة بان الضمان في كلا الموردين لم يكن مما قصده المتعاملان، فكيف صار الضمان على البايع لو وقع التلف قبل القبض أو لمن ليس له الخيار في زمن خيار الآخر؟ ولكن فيه ما ذكرنا هناك من بناء العرف والعقلاء على ان انشاء العقود المعاوضية، والمبادلة في عالم الاعتبار والتشريع لاجل الاخذ والاعطاء الخارجي، بحيث لو لم يكن العوضان قابلين للاخذ والاعطاء خارجا تكون المعاملة والمبادلة في عالم التشريع لغوا وسفهيا وعملا غير عقلائي فقابلية الاخذ والاعطاء خارجا مأخوذة في حقيقة المعاملة والمعاوضة حدوثا وبقاء. فإذا خرج عن هذه القابلية بواسطة التلف يكون بقاء المعاملة لغوا بنظر العرف والعقلاء، فتنحل عندهم، ولذلك ليس المراد بالضمان هو الضمان الواقعي، بل المراد انحلال العقد آنا ما قبل التلف ورجوع كل واحد من العوضين إلى مالكه الاول فلا نقض على هذه القاعدة، لان بقاء المعاملة منوطا ببقاء قابلية الاخذ والاعطاء خارجا مقصود من اول الامر، فالقصد تعلق بانحلال العقد حين ذهاب تلك القابلية. هذا بالنسبة إلى قاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه ". واما المسألة الثانية، أي: (التلف في زمن الخيار من مال من لا خيار له) فلما ذكرنا في تلك القاعدة في المجلد الثاني من هذا الكتاب من ان التلف بمنزلة الفسخ، من جهة ان العقلاء يرون في موارد ثبوت الخيار ان حكمة جعل الخيار أن ذا الخيار يتأمل وينظر في انه هل ابقاء هذه المعاملة من صلاحه أم لا؟ بل حله وفسخه اصلح بحاله؟ فإذا وفع التلف على الذى انتقل إلى ذي الخيار فلا يبقى مجال للنظر والتأمل، بل يكون التلف بمنزلة الفسخ، فقهرا ينحل العقد فهذا المعنى مقصود للمتعاملين ويقع جميع ذلك على طبق قصد المتعاقدين.

[ 141 ]

الجهة الثانية في مدرك هذه القاعدة وهو امور: الاول: الاجماع من جميع الفقهاء على ان العقود تابعة للقصود حتى انهم يجعلونها كبرى كلية مفروغا عنها في مقام الاستدلال على اعتبار القصد في العقود وانها لا تقع الا على نحو ما قصد، ولذلك قلنا في المعاطاة كيف يمكن ان تكون مفيدة للاباحة المجردة عن الملكية مع ان الاباحة المجردة ليست مما قصدها المتعاملان، والذي قصدا بالتعاطي الخارجي هي الملكية، فلا بد إما من كونها مفيدة للملكية - ان أمضاها الشارع - وإما من بطلانها وعدم افادتها شيئا لا الملكية ولا الاباحة لعدم امضائه لها. وخلاصة الكلام ان هذه الجملة كبرى كلية مسلمة عندهم بحيث لا ينكرها احد منهم، وهذا الاتفاق والمسلمية عندهم من غير نكير من احد منهم يكون دليلا قطعيا على تلقيهم هذه القضية من الامام (ع). ولكن أنت خبير بان هذه القضية ليست تعبدية، بل حكم وجداني عقلي وهو ان العقود والعهود تابعة لقصد المتعاقدين والمتعاهدين بعد الفراغ عن تشريع ذلك العقد وإلا لو لم يكن ممضي من قبل الشارع الاقدس لا توجد نتيجة ذلك العقد والمعاهدة في عالم التشريع، سواء قصدا أو لم يقصدا، فالقصد يؤثر في وجود ما قصد بعد كون تلك المعاملة مشروعة من قبل الشارع الاقدس، والا فالمعاملات الفاسدة في نظر الشارع الاقدس لا اثر للقصد وعدمه فيها لعدم كونها مؤثرة على كل حال. وخلاصة الكلام ان ادعاء الاجماع التعبدي في مثل هذه المسألة الوجدانية لا يخلو عن غرابة. الثاني: ان مقتضى الاصل الاولي هو عدم ترتب الاثر على كل عقد وعهد

[ 142 ]

ومعاملة، وأيضا على كل ايقاع، ولعل هذا هو المراد من قولهم: ان الاصل في المعاملات الفساد، ولا مخرج عن هذا الاصل إلا ان يأتي دليل على الصحة وترتيب الاثر. فيقال: ان العقود والمعاملات المشروعة - وكذا الايقاعات المشروعة - إذا كانت متعلقة للقصد والارادة، بمعنى ان الاثار المترتبة على ذلك العقد شرعا كانت مقصودة للعاقد وقبول الطرف بذلك النهج، فالدليل الدال على صحة ذلك العقد وتلك المعاملة يدل على لزوم ترتيب تلك الاثار. وأما لو لم تكن مقصودة فيشك في لزوم ترتيب تلك الاثار فمقتضى الاصل عدم لزوم ترتيب تلك الاثار، بل عدم جوازه. وفيه: ان القصد والارادة ان كان دخيلا في تحقق عنوان تلك المعاملة فلا يشمله دليل الامضاء، وذلك لعدم تحقق موضوعه، وهذا من اوضح الواضحات ولا يحتاج إلى اقامة البرهان عليه. وان لم يكن دخيلا فيه فادلة الامضاء تشمله ويجب ترتيب الاثر على ذلك العقد أو الايقاع سواء قصد أو لم يقصد. الثالث: ان العقد الذي هو عبارة: عن العهد المؤكد - كما ذكره اللغويون - من الامور القلبية، والصيغة بأي لفظ كان الة لانشاء ذلك المعنى القلبي في عالم الاعتبار، مثلا عقد النكاح عبارة: عن ان المرأة تتعهد في قلبها ان تكون زوجة لفلان بمهر كذا وبشرط كذا ان كان لها في هذا الامر شرط أو شروط، ثم هي أو وكيلها تنشأ ذلك الامر القلبي - أي: كونها زوجة لفلان بمهر كذا وشرط كذا - في عالم الاعتبار باي لفظ كان أو بألفاظ مخصوصة حسب الجعل الشرعي، وانه اعتبر لفظ خاص أو بلغة مخصوصة كما ادعى الاجماع في عقد النكاح انه يجب ان يكون باللغة العربية. فإذا كان الامر كذلك فيتضح وجه كون العقود تابعة للقصود، لانه لو كان المراد من العقد في هذه الجملة هو ذلك الامر القلبي - كما عرفه اللغويون بانه العهد المؤكد - فهو عين القصد المتعلق بأمر كزوجيتها لفلان أو ملكية ماله الفلاني لفلان بعوض

[ 143 ]

كذا أو مجانا. وبعبارة اخرى: حقيقة العقد عبارة عن الالتزام بأمر لشخص أو اشخاص إما في مقابل أمر وشئ من طرفه، أو بدون مقابل، كعقد البيعة أو عقد الهبة وهذا المعنى هو عين القصد المتعلق بذلك الامر، وبناء على هذا يكون المراد من هذه القضية - أي العقود تابعة للقصود - أعنى: التعهد بأمر مع الخصوصيات المعتبرة شرعا أو عرفا في ذلك الامر تابعة لقصده المتعلق بذلك الامر حال الانشاء، فان لم يقصد خصوصية من قيد أو شرط حال الانشاء فليس عقده متخصصا بتلك الخصوصية ولا مشروطا بذلك الشرط. ونتيجة ذلك عدم تحقق التزامه وتعهده بذلك الشئ الذى لم يقصده ودليل صحة العقد أو وجوب الوفاء بالعقود لا يشمل تلك الخصوصية، لان مفاد هذا الدليل هو وجوب الوفاء بما عقد عليه وتعهد به، والمفروض ان هذه الخصوصية ليست مما تعلق به قصده أي: ليست مما تعهد والتزم به. وان شئت قلت: ان دليل " أوفوا بالعقود " (1) أو " المؤمنون عند شروطهم " (2) مفادهما هو وجوب العمل بما التزم به تكليفا، أو نفوذ ما التزم به عليه وضعا، وعلى أي واحد من الوجهين لا يبقى موضوع لهما بعد عدم قصد العاقد لتلك الخصوصية لا مستقلا ولا في ضمن العقد. وأما لو كان المراد من العقد في هذه القضية هو الايجاب والقبول كما انهم يطلقون هذه الكلمة عليهما فيقولون: مثلا لكلمة " بعت " من البايع و " اشتريت " - أو " قبلت " من المشتري عقد البيع فلا بد ان يكون المراد حينئذ بالعقد المعنى المنشأ بهذه الالفاظ أي: تمليك المبيع للمشتري وتملك الثمن للبايع، فيكون المراد من هذه القضية -


: 1 - المائدة (5): 1. 2 - " عوالي اللئالي " ج 3، ص 217، ح 77، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 310، ابواب الخيار، باب 5، ح 7..

[ 144 ]

بناء على هذا المعنى - ان وقوع البيع مثلا - اي: التمليك والتملك المذكورين - تابع لقصد البايع والمشتري. وهكذا الامر في سائر العقود والمعاملات لعدم كون نفس هذه الالفاظ تابعة للقصود يقينا إلا بمعنى آخر غير مربوط بما نحن فيه وهو تبعية الوجود اللفظي للوجود الذهني، فكان المتكلم بكلام يجعل ما هو موجودا ذهنيا موجودا خارجيا لفظيا، فيكون المراد ان ما قصده يقع وما لم يقصده لم يقع. وهذا أيضا يرجع إلى أن مفاد " أوفوا بالعقود " وأدلة صحة المعاملات - مثل قوله تعالى " احل الله البيع " (1) وقوله تعالى " والصلح خير " (2) وقوله تعلى " فرهان مقبوضة " (3) وامثال ذلك من الادلة على صحة المعاملات ومشروعيتها - هو وقوع المنشأت شرعا ولزوم ترتيب اثارها عليها طبق قصد المتعاقدين والتزامهما، فلو قصدا صرف هذه الامور من دون ملاحظة خصوصية فيها - من قيد أو شرط - تقع نفس هذه الامور من دون أي خصوصية فيها. وأما لو قصدا مع خصوصية من قيد أو شرط تقع بتلك الخصوصية. نعم اثبات ان قصدهما أو احدهما تعلق بالمعاملة الفلانية بتلك الخصوصية يحتاج إلى دليل في مقام الاثبات من تقييد الالفاظ التى تستعمل في مقام الانشاء أو انصرافها وإلا ففي مقام الاثبات يتمسك باطلاق العقد لنفي الخصوصية المحتملة. وربما يثبت باطلاق العقد خصوصية في الثمن أو المثمن، وذلك فيما إذا كان عدم تلك الخصوصية يحتاج إلى البيان، وذلك كانصراف الثمن إلى نقد البلد، فلو كان الدرهم أو الدينار في البلد غير الدرهم والدينار في غير البلد سواء أكان من حيث


: 1 - البقرة (2): 275. 2 - النساء (4): 128. 3 - البقرة (2): 283..

[ 145 ]

الوزن أو كان من حيث الجودة والردائة من جهة كونهما مغشوشين وغير مغشوشين، فينصرف إلى ما في البلد، ولو كان المراد غيرهما يحتاج إلى البيان، وهكذا في ناحية المثمن فلو كان وزن الحقة أو الصاع أو الرطل في البلدان الاخر غير ما في البلد فالاطلاق يثبت به وزن البلد، وكل ذلك لان غير ما في البلد لو كان مرادا يحتاج إلى البيان. وحاصل ما ذكرنا ان وقوع المسبب والمنشأ في عالم الاعتبار التشريعي تابع لما قصده المتعاقدان في الاطلاق والتقييد والاشتراط وعدمه، وكذلك بالنسبة إلى جميع الخصوصيات المحتملة. ثم انه قد يستدل لهذه القاعدة بامور لا ينبغي ان يذكر أو يسطر، كقوله (ع): (انما الاعمال بالنيات) (1) وقوله (ع): (لكل امرء ما نوى) (2) فعدم التعرض لها اولى. الجهة الثالثة في بيان موارد تطبيق هذه القاعدة وقبل التكلم فيها يجب التنبيه على امور: الاول: هو ان تبعية العقود للقصود امر واقعي وفى مقام الثبوت، وأما في مقام الاثبات فيوخذ بظواهر الالفاظ ولا يسمع ادعاء ارادة خلاف ظواهر الالفاظ التي استعملها في مقام الانشاء من اطلاق أو تقييد أو تجوز أو اضمار أو حذف،


: 1 و 2 - " المالي " للطوسي، ج 2، ص 231، " مصباح الشريعة " ص 39، " دعائم الاسلام " ج 1، ص 156، " بحار الانوار " ج 70، ص 210، ح 32، و 38، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 34، ابواب مقدمة العبادات، باب 5، ح 10.

[ 146 ]

وامثال ذلك. الثاني: ان صرف الارادة والقصد لا اثر لهما ما لم يكن على طبقهما انشاء، وذلك من جهة انه من اوضح الواضحات ان ارادة تمليك ماله لزيد مثلا بعوض أو بلا عوض لا يلزمه بشئ، لان الذي يجب هو الوفاء بالعقد، وصرف الارادة والقصد ليس بعقد وان قلنا ان العقد هو العهد المؤكد وانه امر قلبي ولكن لا يسمى بالعقد الا بعد وجود مبرز لذلك التعهد القلبي كالانشاء باللفظ أو بالكتابة أو وضع اليد على اليد كما في البيعة وأحيانا في بعض المعاملات كالبيع، ولذلك يسمونه بالصفقة، فالعقد هو العهد المبرز باحد هذه الامور أو بغيرها مما تعارف بينهم. الثالث: ان الاحكام والاثار المترتبة على المنشأ شرعا ليست تابعة لقصدها، بل تترتب عليه ولو قصد عدمها، فإذا زوجت نفسها من شخص يجب عليها التمكين وان قصدت عدمها، وكذلك الزوج يجب عليها نفقتها وان قصد عدمها حال القبول. واما لو اشترطا - أو احدهما مثل هذه الشروط - في متن العقد فينظر هل ان هذا الشرط من الشروط الصحيحة أو من الفاسدة؟ فان كان من الصحيحة يجب العمل به وان كان من الفاسدة، فيدخل في مسألة ان الشرط الفاسد هل هو مفسد للعقد أم لا؟ وعدم تبعية هذه الامور من جهة انها احكام شرعية موضوعها تحقق المنشأ وليست هي من المعاهدات لا مستقلا ولا انها من اجزائها، فلا يصح النقض على هذه القاعدة بلزوم ترتب هذه الاثار وان لم يقصدها المتعاقدان. وكذلك الامر بالنسبة إلى بعض الخيارات فانها تثبت مع عدم قصد المتعاقدين، مثلا خيار الحيوان حكم شرعي مترتب على المعاملة التى تكون احد العوضين فيها حيوانا أو في خصوص ما إذا كان المبيع حيوانا - على القولين في المسالة - وان لم يقصد الخيار لطرفه من انتقل عنه الحيوان. الرابع: ان صحة عقد المكره على تقدير لحوقه الرضا ليس نقضا على هذه

[ 147 ]

القاعدة، وذلك من جهة ان المكره قاصد للمعنى وتمليك داره لزيد مثلا بعد اكراهه على بيعها منه والذي يكون عقد المكره فاقدا له هو طيب نفسه بهذه المعاملة لا انها ليست مقصودة له. نعم ذكر العلامة (1) والشهيدان (2) (قدس سرهم) ان المكره قاصد إلى اللفظ لا إلى المعنى، لكن الظاهر ان المكره ليس كذلك، بل المكره يقصد اللفظ فانيا في المعنى، وهذا هو معنى استعمال اللفظ غاية الامر يكون هذا الاستعمال ناشئا عن الاكراه لا عن طيب النفس، بل لدفع الضرر المتوعد عليه، فليس من قبيل الغالط والهازل. اما الغالط فيريد شيئا ويستعمل لفظا اخر الذي يفيد معنى اخر غير ما اراد غلطا، وأما الهازل وان كان يستعمل اللفظ في معناه ولكن ليس قصده وقوع مضمون العقد في عالم الاعتبار التشريعي، بل ينشأ بداعي الهزل والمزاح مثل التعارف وانه إذا يطلب منه ان ينزل عليه ضيفا وقصده من هذا الطلب ليس واقعا وحقيقة انه ينزل عليه ويكون ضيفا عنده، بل صرف انشاء بداعي التعارف واظهار مودته واحترامه له بخلاف ما إذا كان مكرها على هذا الطلب، كما إذا أوعده المكره بضرر لو لم يضفه، فلو طلب المكره - بالفتح - في هذه الصورة ان ينزل عليه ضيفا يكون طلبه طلبا حقيقيا غاية الامر انه ليس عن طيب النفس، بل يكون للتخلص عن الضرر المتوعد عليه. فإذا كان الامر كذلك ففى عقد المكره جميع ما يعتبر في صحة العقد موجود عدا طيب النفس، فإذا لحقه الرضا وحصل طيب النفس يتم جميع الشرائط ويؤثر اثره، ولا يكون نقضا على هذه القاعدة اصلا. إذا عرفت هذه الامور فنقول: انه ان قصد خصوصية في احد العوضين أو في


: 1 - " نهاية الاحكام " ج 2، ص 456. 2 - " الدروس " ج 3، ص 192، " المسالك " ج 3، ص 156، " الروضة البهية " ج 3، ص 126..

[ 148 ]

كليهما أو في احد المتعاقدين أو في كليهما، ولم يكن طبقها انشاء أو أنشأ امرا ولم يتعلق به قصد فذلك لا يوجد في عالم الاعتبار التشريعي، بل لا بد من اجتماع كلا الامرين: القصد والانشاء بعد الفراغ عن مشروعيتها. فمن الموارد الواضحة لهذه القاعدة ما ذكره شيخنا الاعظم (قده) في بيع المعاطاة - قبال قول القائلين بالاباحة -: انه لا شبهة في ان المتعاملين لم يقصدا الاباحة المجردة، وانما قصدهما تمليك العوضين كل واحد منهما ما هو ملكه للاخر عوض ما يمتلكه منه، فكيف يمكن ان لا يقع ما قصداه ويقع ما لم يقصداه؟ (1) وما قيل في توجيه هذا الامر أي: تحقق الاباحة بالتعاطي الخارجي مع قصد المتعاملين تمليك ماله للاخر بعوض تملك مال ذلك الآخر من ان هذه الدعوى مركبة من أمرين: احدهما: عدم حصول الملك لكل واحد منهما لما اخذه بالمعاطاة ثانيهما: حصول اباحة جميع التصرفات فيما اخذه حتى التصرفات المتوقفة على الملك. أما الاول - أي: عدم حصول الملك لكل واحد منهما وان قصداه - فلان صرف قصد التمليك ليس من الاسباب المملكة، بل لا بد من انشائه في عالم الاعتبار بلفظ يكون ظاهرا في التمليك، وليس صرف الاعطاء والاخذ سببا للتمليك والتملك. وبعبارة اخرى: يكون داخلا تحت أحد عناوين المملكة من بيع أو صلح أو هبة أو غير ذلك. وأما الثاني - أي: حصول الاباحة مع عدم قصدهما لها - فلان الاباحة المجردة عن الملكية من العناوين الثانوية التى تترتب على الفعل الصادر عنه بعنوانه الاولي


: 1 - " المكاسب " ص 85..

[ 149 ]

قهرا وان لم يقصدها، بل وان قصد خلافها وعدمها، وذلك كما قيل في مسألة الرجوع إلى المرأة المطلقة رجعية ان الزوج لو وطئها في ايام عدتها يحصل الرجوع قهرا وان لم يقصده بل وان قصد عدم الرجوع. كما إذا قصد بذلك الوطئ الزناء لا الرجوع، فالرجوع الذي هو عنوان ثانوي للوطئ يترتب عليه قهرا وان قصد به الزناء. أقول وكلا التوجيهين باطل: أما الاول فلان المعاطاة - أي: الاعطاء بقصد كونه عوضا عما يعطيه الآخر - بيع عرفا بل البيع عند العرف غالبا بهذا الشكل - أي: بالتعاطي لا بالصيغة والقول، فيكون من الاسباب المملكة. وأما الثاني - أي: كون الاباحة من العناوين الثانوية التى تترتب على العنوان الاولي قهرا بمعنى: ان تسليط المالك غيره على ماله باعطائه له تترتب عليه الاباحة قهرا وان لم يقصدها بل وان قصد عدمها - دعوى بلا بينة ولا برهان، خصوصا فيما إذا كان التسليط بعنوان كونه عوضا عن المسمى. نعم لو كان التسليط على ماله مجانا وبلا عوض لكان من الممكن ان يترتب عليه الاباحة قهرا، فقياس المقام على وطئ المطلقة رجعية - في حصول الرجوع قهرا وان قصد بذلك الوطئ الزناء - في غير محله مع كلام في اصل المقيس عليه، وانه أي: الرجوع هل هو من العناوين القصدية التى لا تحصل إلا مع قصدها أم من العناوين غير القصدية التى تحصل مع عدم قصدها بل وحتى مع قصد عدمها: كالايلام بالنسبة إلى الضرب الشديد الموجع؟. وعلى كل حال ليس المقام مقام تحقيق مسألة المعاطاة، وكفى في عدم كون مطلق تسليط المالك غيره على ماله مفيدا للاباحة المجردة اتفاقهم على ان المقبوض بالعقد الفاسد يجري مجرى الغصب. نعم ها هنا يرد اشكال آخر وهو ان القول بحصول الاباحة مع قصدهما التمليك

[ 150 ]

دون الاباحة ليس من موارد نقض هذه القاعدة كى يقال بهذه القاعدة بحصول الملكية لكل واحد من المتعاطيين ولا يلزم عدم تبعية العقود للقصود، وذلك من جهة ان المعاطاة ليست بعقد، لان صرف الاخذ والاعطاء - وان كان بقصد كونه ملكا للاخر عوض تملكه من الآخر ما يعطيه أي: ما سمياه حين المبادلة بينهما - ليس عقدا عند العرف والعقلاء بل العقلاء والعرف لا يطلقون العقد إلا على التعهد على امر يكون لذلك التعهد والالتزام القلبي مبرزا من لفظ يكون صريحا في انشاء ذلك العنوان المعاملي. ولذلك يقولون: لالفاظ الايجاب والقبول - التى ينشأ بها تمليك عين بعوض مالي - عقد البيع، وهكذا الامر في سائر المعاملات كعقد الاجارة والمضاربة والمزارعة والمساقاة وغيرها، أو كتابة بناء على صدق العقد بالكتابة أو بالصفقة أو بوضع اليد في يده، كما في عقد البيعة. وأما الاخذ والاعطاء خارجا فليس من هذا القبيل، لانه يمكن ان يكون بدون الالتزام والتعهد بان يكون ملكا للاخر عوض تملكة عنه. ومن موارد هذه القاعدة هو انه لو نسي ذكر الاجل والمدة في عقد الانقطاع فقد يقال ببطلان ذلك العقد، وقال بعض آخر: بأنه ينقلب دائما، فيستشكل عليهم بان العقود تابعة للقصود، فكيف يمكن ان يقع الدوام الذي لم يكن مقصودا ولا يقع ما هو المقصود وهو المتعة والانقطاع؟ فمقتضى هذه القاعدة هو بطلان هذا العقد أي عقد الانقطاع والمتعة الذى نسي فيه ذكر الاجل. وذلك من جهة ان الدوام غير مقصود فلا يقع، لان العقود تابعة للقصود، وأما الانقطاع وان كان مقصودا ولكن قد عرفت ان صرف القصد لا يترتب عليه اثر وثمرة ما لم يبلغ إلى مرتبة الانشاء، فيحتاج إلى اجتماع أمرين: القصد والانشاء على طبقه، وكل واحد منهما منفردا لا اثر له.

[ 151 ]

ونتيجة هذا عدم وقوع كليهما أي: عدم وقوع الدوام والانقطاع جميعا لنقصان كل واحد منهما من جهة وعدم اجتماع الامرين في كل واحد منهما. أما الانقطاع لعدم بلوغه إلى مرتبة الانشاء لعدم ذكر الاجل لنسيانه وأما الدوام فلعدم كونه مقصودا. وان شئت قلت: ان المقصود هو المتعة والمنشأ هو الدوام، فما هو المقصود ليس بمنشأ وما هو المنشأ ليس بمقصود، ومع ذلك فالمشهور يقولون بانه ينعقد دائما بل ادعى بعضهم عليه الاجماع. ويمكن توجيه كلامهم بحيث لا يكون مخالفا لهذه القاعدة بان يقال: ان المتعة والدوام ليستا من نوعين وحقيقتين مختلفتين، بل كلاهما عبارة: عن العلاقة الخاصة والارتباط المخصوص بين الرجل والمرأة في عالم الاعتبار التشريعي يعبر عنها بالزوجية، والزوجية من الاحكام الوضعية التى جعلها الشارع في عالم الاعتبار التشريعي مثل الطهارة والنجاسة وهي من الاعتبارات القابلة للجعل ابتداء واستقلالا. فكما ان للطهارة والنجاسة موضوعات في الشرع كذلك للزوجية ايضا موضوعات، والحكم الكلي المجعول من قبل الشارع وهو ان كل امرأة خلية إذا زوجت نفسها بنفسها أو بتوسط وكيلها أو وليها بالشرائط المقررة شرعا - أي شرائط العقد من حيث المادة والصورة، وشرائط المتعاقدين أي: الزوج والزوجة والمهر والاجل ان كان عقد الانقطاع - فهي زوجة سواء أكانت زوجيتها دائمة أو موقتة وهى المتعة. فلا فرق في الزوجية بين ان تكون دائمة أو منقطعة، والزوجية بعد اعتبارها لا ترفع إلا برافع، وإلا فهي بحسب نفسها ليس لها أمد ونهاية. نعم هي كسائر الاحكام الوضعية والاعتبارات الشرعية تنتفي وتنعدم بانعدام موضوعها أو بتعيين الاجل، والامد لها من اول جعلها، فالزوجية الدائمة ليست الا

[ 152 ]

انشاء نفس الزوجية من دون احتياجها إلى شئ آخر، وليست حقيقتها مركبة من هذا الاعتبار وعدم ذكر الاجل بمعنى: انها ليست بشرط لا كي تكون مركبة من أمر وجودي وأمر عدمي أي: العلاقة والارتباط الاعتباري، وعدم كونها موقتة كما توهم هذا التركيب في الوجوب. فقالوا بانه عبارة: عن طلب الفعل مع المنع من الترك وبينا خطأهم في كتابنا (منتهى الاصول) (1) وقلنا ان الوجوب عبارة: عن نفس طلب الشئ من دون أي قيد عدمي أو وجودي آخر، غاية الامر بعد طلب الشئ إذا صدر اجازة الترك من الشارع فيقال: انه مستحب، وإلا فطبع نفس الطلب يقتضي الوجوب وعدم جواز الترك بحكم العقل بلزوم اطاعة المولى، فلا يحتاج الوجوب إلى مؤنة زائدة على نفس الطلب، والذي يحتاج إلى مؤنة زائدة هو الاستحباب. ولذلك قلنا في الاصول ان اطلاق الصيغة يقتضي الوجوب، وإلا لو كان راضيا بالترك كان عليه البيان، وما نحن فيه من ذلك القبيل عينا أي: الزوجية الدائمية لا تحتاج إلا إلى انشائها من قبل من له اهلية ذلك من دون احتياجها إلى مؤنة زائدة على ذلك، من قيد عدم كونها موقتة بخلاف الزوجية الموقتة التى يقال لها المتعة والمنقطعة فانها تحتاج إلى ذكر الاجل، فإذا لم يذكر الاجل لم تقع الزوجية الموقتة في مقام الانشاء، وارادتها بدون الانشاء قلنا انها لا اثر لها. فعدم وقوع الزوجية الموقتة يكون مقتضى القاعدة، وأما وقوع الدائمة فلانه قصد الزوجية على الفرض غاية الامر كان له قصد آخر وهو ان تكون موقتة لكن انشاء وقع على طبق أحد القصدين أي: قصده لاصل الزوجية دون قصده الاخر أي كونها موقتة، فذلك القصد الآخر الذي لم يقع الانشاء على طبقه يبقى لغوا وبلا أثر أصلا. فليس فتوى المشهور بحصول الزوجية الدائمة مخالفا لهذه القاعدة. وان شئت


: 1 - " منتهى الاصول " ج 1، ص 112..

[ 153 ]

قلت ان اطلاق عقد النكاح يقتضي كون الزوجية المنشأة دائمية. هذا مضافا إلى ورود روايات في هذه المسألة لعلها تكون مستندهم في هذه الفتوى. منها: ما رواه بن بكير قال: قال أبو عبد الله (ع) في حديث " ان سمي الاجل فهو متعة وان لم يسم الاجل فهو نكاح بات " (1). ومنها: ما رواه ابان ابن تغلب في حديث صيغة المتعة انه قال لابي عبد الله (ع): فإني استحي ان اذكر شرط الايام، قال (ع): " هو اضر عليك " قلت: وكيف؟ قال (ع): " لانك ان لم تشرط كان تزويج مقام ولزمتك النفقة في العدة وكانت وارثا، لم تقدر على ان تطلقها إلا طلاق السنة (2). ومنها: ايضا ما رواه في التهذيب عن الكافي مثله (3). ومنها: ما رواه هشام بن سالم قال: قلت لابي عبد الله (ع): اتزوج المرأة متعة مرة مبهمة؟ قال: فقال (ع): " ذاك اشد عليك ترثها، وترثك ولا يجوز لك ان تطلقها إلا على طهر وشاهدين " قلت: اصلحك الله فكيف اتزوجها؟ قال: " اياما معدودة بشئ مسمى مقدار ما تراضيتم به، فإذا مضت ايامها كان طلاقها في شرطها، ولا نفقة ولا عدة لها عليك (4).


: 1 - " الكافي " ج 5، ص 456، باب في أنه يحتاج أن يعيد عليها الشرط...، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 267، ح 1134، باب تفصيل أحكام النكاح، ح 59، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 469، ابواب المتعة، باب 20، ح 1. 2 - " الكافي " ج 5، ص 455، باب شروط المتعة، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 470، ابواب المتعة، باب 20، ح 2. 3 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 265، ح 1145، باب تفصيل أحكام النكاح، ح 70، " الاستبصار " ج 3، ص 150، ح 551، باب أنه إذا شرط ثبوت الميراث...، ح 6، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 470، ابواب المتعة، باب 20، ذيل ح 2. 4 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 267، ح 151، باب تفصيل أحكام النكاح، ح 76، " الاستبصار " ج 3، ص.

[ 154 ]

ومن الموارد التي يستشكل على هذه القاعدة مورد تخلف الوصف حيث قالوا: بصحة المعاملة غاية الامر ان تخلف الوصف - مثل تخلف الشرط - يوجب الخيار. فلو قال: بعتك هذا العبد الكاتب فظهر انه ليس بكاتب فما قصداه هو العبد الكاتب وما هو الموجود ووقع على فرض صحة هذه المعاملة غير ما هو المقصود. وذلك من جهة ان واجد قيد غير فاقده، فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، فليست العقود تابعة للقصود. ولكن يمكن ان يقال ان في مورد تخلف الوصف - الذي هو عبارة: عن بيع عين شخصية على ان تكون متصفة بصفة كذا - ايضا التزامين وقصدين: أحدهما: تعلق بنقل هذه العين الخارجية والثاني: تعلق بكونها متصفة بصفة كذا غاية الامر ان احد الالتزامين مربوط بالآخر. وليس ها هنا التزامين مستقلين بحيث يكون احدهما اجنبيا عن الآخر بمعنى انه باع هذه العين والتزم بصيرورتها ملكا للمشتري مقابل العوض المسمى والتزم ايضا كونها متصفة بكذا والتزم المشتري بانتقالها إليه مقابل ذلك العوض الذى سمياه، ولكن كان هذا الالتزام منه في ظرف التزام البايع بكونها متصفة بكذا، فالتزامه مربوط بالتزام البايع بكونها متصفة بصفة كذا. فإذا لم يكن المبيع كذلك وكان فاقدا لتلك الصفة فهو - أي: المشتري مثلا - بالخيار في ان يقبل هذا الانتقال - ويبرم العقد ويرفع اليد عن تخلف ذلك الوصف - أو يفسخ ويحل العقد من جهة عدم التزامه بقبول الفاقد للوصف مقابل ذلك العوض المسمى كي يلزمه (أوفوا بالعقود) (1) بلزوم القبول وعدم جواز الحل والفسخ فما وقع


:... 152، ح 556، باب أن ولد المتعة لاحق بأبيه، ح 5، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 470، ابواب المتعة، باب 20، ح 3. 1 - المائدة (5): 1.

[ 155 ]

- أي: انتقال هذه العين التى كانت فاقدة لذلك الوصف - كان مقصودا غاية الامر كان هناك قصد آخر ووقع ايضا تحت الانشاء، ولكن حيث ليس له مصداق فذلك المقصود لم يقع. وبعبارة اخرى ما وقع ليس تمام مقصوده لا انه وقع غير ما هو مقصوده، بل الصحيح ان ما وقع تمام ما قصد لكن باحد القصدين والقصد الآخر ومتعلقه لم يقع اصلا لعدمه وعدم امكان وقوع المعاملة على الصفة الشخصية المعدومة. وبعبارة أوضح: حال تخلف الوصف حال تخلف الشرط، فكما ان في مورد تخلف الشرط يقولون بصحة المعاملة - وليس من قبيل ما وقع لم يقصد، بل يكون ما وقع مقصودا، لان الشرط التزام آخر في ضمن الالتزام بأصل المعاملة ولذلك يوجب تخلفه الخيار - فليكن تخلف الوصف ايضا هكذا فانه ايضا التزام في التزام. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

[ 157 ]

31 - قاعدة انحلال العقود

[ 159 ]

قاعدة انحلال العقود ومن جملة القواعد الفقهية المشهورة قاعدة " انحلال العقد الواحد المتعلق بالمركب إلى عقود متعدد " وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في بيان المراد منها فنقول: ان المراد من انحلال العقد الواحد إلى عقود متعددة هو ان العقد الواقع على هذا المركب واقع على كل جزء من اجزائه، فإذا باع داره مثلا فالبيع - أي: التمليك بعوض مالي - واقع على جميع اجزاء هذه الدار فكما انه يصح ان يقال ان جميع هذه الدار مبيع يصح ان يقال بالنسبة إلى كل جزء من اجزائها: انه مبيع، وهذا كما انه في المركب الذى تعلق به الطلب يصح ان يقال ان مجموعه واجب كذلك يصح ان يقال لكل جزء منه انه واجب. فكما ان الانحلال في باب الواجبات المركبة من الاجزاء عبارة عن ان الواجب باعتبار المجموع واحد وباعتبار الاجزاء واجبات متعددة، فكذلك الامر هاهنا ايضا، فالعقد باعتبار مجموع ما تعلق به عقد واحد ولكن باعتبار اجزائه عقود متعددة


:: " عناوين الاصول " عنوان 32، " مجموعه رسائل " العدد 4، ص 459، " قواعد فقهي " ص 237.

[ 160 ]

لكن لا مستقلة بل تكون ضمنية كما ان الواجبات ايضا كذلك أي: تكون الاجزاء واجبات ضمنية. ولكن هناك فرق بينهما في بعض الموارد وهو ان الواجبات المركبة دائما وفي كل مورد تكون اجزائها واجبات نفسية مثل الكل ولكن ضمنية، وفى باب العقود قد لا يكون كل جزء من اجزاء المتعلق قابلا لان يتصف بما يتصف به الكل كما في باب عقد النكاح الواقع على امرأة فان المجموع يتصف بكونها زوجة ومعقودة لفلان، و لكن كل عضو منها لا يتصف بأنه زوجة أو معقودة. واما في اغلب العقود والمعاملات يتصف الجزء بما يتصف به الكل وان كان بعنوان الجزء المشاع لا الجزء الخارجي الشخصي. والحاصل ان الانحلال في العقود عبارة عن تعلق العقد بالاجزاء مثل تعلقه بالكل أي: كما يكون المجموع في قبال مجموع ما جعل في العقد عوضا كذلك يكون كل جزء من احد العوضين في قبال الجزء من العوض الآخر. وهذا فيما إذا كان المجموع مع كل جزء منه من نسخ واحد بحسب الجنس و كذلك بحسب القيمة بنسبة كميتهما واضح، مثلا لو اشترى طنا من الحنطة بمبلغ كذا من الدراهم أو الدنانير فابعاض المبيع من سنخ الكل أي: الابعاض حنطة والكل أيضا كذلك أي: حنطة وقيمة كل بعض بالنسبة إلى قيمة الكل كنسبة كمية ذلك البعض إلى كمية ذلك الكل. فبناء على هذا لو باع مجموع الطن بثلاثين دينارا فقد باع نصفه بخمسة عشر وثلثه بعشرة وهكذا. واما لو لم تكن نسبة المجموع مع ابعاضه من هذا القبيل بل ربما لا يكون للجزء الخارجي - لا الجزء بعنوان احد الكسور كالنصف والثلث وهكذا - قيمة اصلا مثلا الفرس العربية التى قيمتها ربما تكون مآت من الدنانير رجلها أو رأسها ليس له

[ 161 ]

قيمة اصلا فان لم يكن للجزء الخارجي الشخصي المعين قيمة عند العرف أصلا فالانحلال بالنسبة إليه لا معنى له، لان المراد من الانحلال في هذا المقام هو انحلال العقد الواحد - بالنسبة إلى ابعاض العوضين - إلى عقود متعددة فكأنه كل بعض من المبيع مثلا وقع عليه العقد بازاء ما يقابله عند العرف من الثمن وهذا فيما إذا كان عندهم للجزء مقابل ومقدار من الثمن قل أو كثر. وان لم يكن للجزء الخارجي قيمة فربما ينحل العقد إلى عقود متعددة بحسب الكسور المشاعة في العوضين، مثلا إذا باع فرسا نصفه المشاع لغيره فهذا العقد ينحل إلى عقدين احدهما متعلق بالنصف الذي يملكه العاقد وهو عقد صدر من مالكه و يجب عليه الوفاء به والثاني عقد متعلق بمال الغير وهو عقد صادر عن غير المالك فيكون فضوليا يحتاج نفوذه إلى اجازة المالك. ومعنى الانحلال هو ان العقد الواحد وان كان واحدا بحسب الصورة ولكن عند الدقة عقود متعددة ولكن بالقوة لا بالفعل. وتظهر الثمرة فيما إذا كان بعض المبيع مما يملكه العاقد وبعضه الآخر مما لا يملكه بل ملك للغير أو بعضه مما يملك ومال شرعا يجوز المعاوضة عليه كالغنم والخل و بعضه الآخر مما لا يملك أي: ليس بمال شرعا كالخنزير والخمر. فلو باع مجموع غنم وخنزير صفقة واحدة أو خل وخمر كذلك أي: صفقة واحدة فان قلنا بعدم الانحلال فلا بد من القول ببطلان المعاملة لانه يشترط في صحة المعاملة والبيع ان يكون المبيع مالا شرعا والا يكون الاكل بازائه اكلا لمال الغير بالباطل. واما إذا قلنا بالانحلال فكأنه صدر منه عقدان احدهما تعلق بما هو ليس بمال شرعا وهو ما تعلق بالخمر والخنزير مثلا فيكون باطلا والآخر تعلق بما هو مال وهو الذي تعلق بالغنم والخل مثلا فيكون صحيحا.

[ 162 ]

غاية الامر للمشتري أو البايع - اي: الجاهل منهما بالنسبة إلى ما انتقل إليه ان كان مركبا مما يملك وما لا يملك - خيار تبعض الصفقة وإلا فأصل المعاملة صحيح لا اشكال فيه. فاثر الانحلال صحة المعاملة والعقد بالنسبة إلى ذلك الجزء الذي لا مانع من جعله عوضا في المعاملة سواء كان جزءا خارجيا أو كسرا مشاعا والجزء الخارجي سواء كان له وجود مستقل، كما إذا باع ثوبا وغنما صفقة واحدة أو لم يكن له وجود مستقل منفصل عن الاجزاء الاخر كالثمر على الشجر والحمل في بطن امه إذا كان الثمر لشخص والشجر لآخر، وكذلك الام لشخص والحمل لشخص آخر فصاحب احدهما باع المجموع صفقة واحدة فالعقد ينحل إلى عقدين احدهما بالنسبة إلى ما يملكه وهو صحيح غاية الامر للمشتري خيار تبعض الصفقة والآخر بالنسبة إلى ما لا يملكه وهو موقوف على الاجارة. وخلاصة الكلام ان المتعلق قد لا يكون قابلا للانحلال لا بالنسبة إلى اجزائه الخارجية ولا بالنسبة إلى الكسر المشاع، وذلك مثل تعلق عقد النكاح بامرأة معينة فهذا العقد لا يمكن الانحلال فيه لا بالنسبة إلى اجزائها الخارجية ولا بالنسبة إلى كسورها المشاع لعدم امكان ان يكون بعض اجزائها معقودة بعقد صحيح وبعضها الآخر غير معقودة، وكذلك بالنسبة إلى كسورها فنصفها مثلا تكون زوجة والعقد بالنسبة إليه صحيح بخلاف النصف الآخر. ومقابل هذا القسم هو تعلقه باشياء متعددة منفصلة كل واحدة منها مستقلة في الوجود، كما إذا قال بعتك هذا الكتاب وهذا الثوب بكذا فجعل امرين مستقلين مبيعا في عقد واحد، أو يقول من هو وكيل عن قبل امرأتين في تزويجهما زوجتك هاتين المرأتين وهكذا الامر في سائر المعاملات والعقود. فلو ظهر مانع عن صحة بيع احدهما في المثال الاول - مثل ان لم يكن احدهما

[ 163 ]

مال شرعا أو لم يكن للبايع - فينحل العقد ويكون صحيحا بالنسبة إلى ما ليس له مانع عن بيعه وفاسدا بالنسبة إلى الآخر أو يكون موقوفا على اجازة مالكه. وكذلك لو ظهر عدم صحة نكاح احدى المرأتين - لكونها من المحارم أو لكونها بكرا وقلنا بتوقف صحة نكاح البكر على اذن الاب كما هو المشهور أو من جهة اخرى - فينحل العقد ويكون بالنسبة إلى احداهما صحيحا وبالنسبة إلى الاخرى غير صحيح. ثم انه قد يكون ما وقع عليه العقد - بالنسبة إلى كسوره المشاع - قابلا للانحلال واما بالنسبة إلى اجزائه الخارجية ليس قابلا للانحلال، وذلك كما إذا كان المبيع عبدا أو جارية فبالنسبة إلى كسوره المشاع قابل للانحلال كما إذا كان نصف العبد أو الجارية له ونصفه الآخر لغيره فينحل العقد ويكون صحيحا بالنسبة إلى نصفه الذي يملكه ويكون موقوفا على اجازة المالك بالنسبة إلى ذلك النصف الآخر الذى لغيره أو يكون باطلا فيما إذا رده ولم يجز. واما بالنسبة إلى اجزائه الخارجية فليس قابلا للانحلال لعدم كونها مالا فيما إذا كان كل واحد منها وحده وقع العقد عليه، مثلا لو باع يد العبد أو رجله أو سائر اعضائه يكون البيع باطلا لعدم كونها مالا. بل ربما يكون ما وقع عليه العقد امرين كل واحد منهما مستقل في الوجود ومع ذلك لا يمكن الانحلال بالنسبة اليهما لعدم كون كل واحد منهما منفردا عن الآخر مالا، وذلك فيما تكون المالية لكل واحد منهما في ظرف اجتماعه مع الآخر. وبعبارة اخرى: المالية لهما فيما إذا كانا زوجين كمصراعي الباب أو كزوجي الحذاء والجورب وامثالهما مما ليس لاحد الفردين منفردا عن الآخر قيمة عند العرف والعقلاء. والضابط الكلي لصحة الانحلال هو انه لو اوقع عقدا مستقلا عليه كان صحيحا

[ 164 ]

بمعنى ان في صورة انفراده عن سائر اجزاء المعقود عليه يكون قابلا لوقوع العقد عليه، وقد يكون بالنسبة إلى اجزائه الخارجية ايضا قابلا للانحلال، وذلك كعقد من لؤلؤ مثلا فلو باعه فظهر ان بعض حباته مغصوبة فينحل العقد ويكون صحيحا بالنسبة إلى اجزائه التى هي ملك للبايع أو ملك لموكله أو لمن هو ولي عليه وفاسد أو موقوف على الاجازة بالنسبة إلى اجزائه الاخر التى ليست له ولا لموكله ولا لمن هو ولي عليه. ثم ان الانحلال على ثلاثة اقسام: احدها: الانحلال في متعلقات النواهي وموضوعاتها أي: متعلقات متعلقاتها، كقوله: لا تشرب الخمر ولا تغتب المؤمنين، وكذلك الانحلال في موضوعات الاوامر أي متعلقات متعلقاتها كقوله اكرم العلماء واكرم السادات. واما بالنسبة إلى نفس متعلقات الاوامر فلا انحلال اصلا اما لعدم القدرة غالبا على ايجاد جميع افراد متعلقاتها واما لحصول الغرض باتيان صرف الوجود منها فبعد ايجاد اول وجود منها لا يبقى سبب ووجه لطلب سائر افرادها. والمراد من الانحلال في هذا القسم هو ان الطلب فعلا أو تركا تعلق بالطبيعة السارية إلى جميع افرادها وخصوصياتها وان شئت قلت: ان المصلحة والمفسدة في جميع وجودات الطبيعة والغرض قائم بكل وجود وكل فرد منها ولذلك يكون لكل فرد فعلا وتركا امتثالا مستقلا وعصيانا مستقلا فالاطاعة والامتثال في كل فرد لا مساس له بالمخالفة والعصيان بالنسبة إلى الفرد الآخر. واثر هذا القسم من الانحلال هو انحلال الخطاب الواحد إلى خطابات متعددة في النواهي بالنسبة إلى متعلقاتها ومتعلقات متعلقاتها وفى الاوامر بالنسبة إلى متعلقات متعلقاتها فقط دون متعلقاتها ان كان لتلك الموضوعات أي: متعلقات

[ 165 ]

متعلقات الاوامر - عموم أو اطلاق شمولي. الثاني: الانحلال في باب دوران الواجب بين الاقل والاكثر، والمراد بالانحلال هناك هو انحلال العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي والتفصيل ذكرناه في محله. الثالث: الانحلال في هذا المقام وقد عرفت التفصيل فيه. ثم انه لا يخفى ان ما ذكرناه من انحلال العقود يأتي في الايقاعات ايضا فلو اعتق عبدين بايقاع واحد فظهر ان احد عبدين ليس له بل لغيره فهذا العتق يقع صحيحا بالنسبة إلى ذلك الذي ملك للمعتق وباطل بالنسبة إلى ذلك الذى ملك لغيره وليس موقوفا على اجازة مالكه لان الاجازة المتأخرة عن الايقاع فضولة لا تؤثر فيه وليس الايقاع من هذه الجهة مثل العقد فان الاجازة المتأخرة لا تصحح الايقاع الصادر من غير اهله والتفصيل في محله. والاقسام التى ذكرناها للانحلال في العقود تأتي في الايقاعات ايضا فتارة الايقاع ليس قابلا للانحلال اصلا لا بالنسبة إلى اجزائه الخارجية ولا بالنسبة إلى كسورها كما إذا طلق امرأته المعينة فلا معنى لانحلال هذا الايقاع لان بعض اجزائها الخارجية لا يمكن ان تكون مطلقة دون بعض اخر كما ان كسورها ايضا كذلك أي لا يمكن ان يكون نصفها مثلا أو ثلثها مطلقة دون كسورها الاخر. والضابط الذى ذكرنا لصحة الانحلال في العقود وهو ان الانحلال يكون صحيحا بالنسبة إلى الاجزاء أو الكسور التى لو كان كل واحد منها يقع مستقلا منفردا تحت العقد كان صحيحا فكذلك نقول ان ضابط الانحلال في الايقاعات هو ان يكون ما ينحل إليه لو كان الايقاع يرد عليه مستقلا ومنفردا لكان صحيحا.

[ 166 ]

الجهة الثانية في بيان مدرك هذه القاعدة وهو امور: الاول: الاجماع فانهم - إذا ظهر ان بعض المبيع مثلا مما لا يملك أو ظهر انه مما لا يملكه البايع - يقولون بصحة البيع بالنسبة إلى ما يملك أو بالنسبة إلى ما يملكه وعدم صحته بالنسبة إلى ذلك البعض الاخر أي: البعض الذى لا يملكه أو يكون مما لا يملك واستدلوا لهذا التفصيل بهذه القاعدة أي: يقولون بان الصحة في البعض وعدمها في البعض الآخر تكون لاجل انحلال العقد إلى عقدين احدهما صحيح لاجل وجود جميع شرائط الصحة فيه والاخر باطل أو موقوف على احازة المالك لاجل عدم اجتماع جميع شرائط الصحة فهم يتمسكون بهذه القاعدة من غير نكير من احدهم لهذا الاستدلال وهو كاشف عن اتفاقهم على صحة هذه القاعدة واتفاقهم على ذلك يكشف كشافا قطعيا عن تلقيهم هذا الامر أي: صحة هذه القاعدة عن المعصومين (ع) وفيه: ما ذكرنا مرارا من ان هذه الاجماعات - التى ادعيت في امثال هذه المقامات ليست من الاجماعات التى اصطلحنا في الاصول على حجيتها لاحتمال ان يكون مدركهم في هذا الاتفاق احد الامور الاخر مما ذكروها مدركا لهذه القاعدة ومع هذا الاحتمال ينسد باب القطع بل الاطمينان بأن اتفاقهم مسبب عن رأي الامام (ع) فلا يفيد مثل هذا الاجماع في كونه دليلا لمثل هذه القاعدة. الثاني: بناء العرف والعقلاء في معاملاتهم ان المبيع مثلا إذا كان بعضه مما لا يملك وليس بمال عندهم أو ظهر كونه ملكا للغير على ان تلك المعاملة صحيحة بالنسبة إلى ذلك البعض الذى ليس ملكا للغير وايضا ليس مما لا يملك بل هو مال عندهم ويكون لنفس البايع أو لمن اذن له ان يبيعه أو يكون لمن هو ولي عليه.

[ 167 ]

وبعبارة اخرى بناء العرف والعقلاء في اسواقهم ومعاملاتهم - سواء كان بيعا أو اجارة أو رهنا أو عارية أو وقفا أو غير ما ذكر من اقسام العقود والمعاملات بل وكذلك في الايقاعات من طلاق أو عتق أو غير ذلك - على ان ما وقع عليه العقد أو الايقاع ان كان بعضه لا يصلح لوقوع ذلك العقد عليه لفقد شرط من شرائط ذلك العقد أو ذلك الايقاع أو لوجود مانع فيه وبعضه الاخر يصلح لذلك فيبنون على صحة تلك المعاملة بالنسبة إلى ذلك البعض الذي واجد لشروط الصحة وبطلانها بالنسبة إلى ذلك البعض الاخر. مثلا لو قال لعبدين احدهما ملك له والاخر لغيره من دون ان يكون مأذونا من قبله أو وليا عليه، انتما حران أو قال اعتقتكما فيرون انحلال هذا الايقاع والانشاء إلى ايقاعين وانشائين احدهما صحيح ونافذ والاخر باطل وغير نافذ، وكذلك لو قال لامرأتين - احديهما زوجته والاخرى اجنبية بحضور شاهدين عدلين: انتما طالقان وكان هذا الايقاع في حال طهر زوجته من دون مواقعته لها، فيرون انحلال هذا الطلاق إلى طلاقين: احدهما صحيح ونافذ وهو طلاق من هي زوجته والاخر باطل وهو طلاق من هي اجنبية عنه، وكذلك الامر في سائر الايقاعات. واما العقود فقد تقدم انه لو باع مال نفسه ومال غيره بعقد واحد فيكون ذلك العقد منحلا إلى عقدين بنظر العرف والعقلاء احدهما صحيح وهو ما تعلق بمال نفسه والثاني باطل ان رد المالك أو موقوف على اجازة المالك، وكذلك الامر عندهم أي عند العرف والعقلاء في سائر العقود والمعاملات. مثلا لو اعطى شيئين عارية بعقد واحد أو اجارة كذلك أي: بعقد واحد فيرون العقد منحلا لى عقدين احدهما صحيح وهو الذى تعلق بمال نفسه والاخر باطل أو موقوفا على الاجازة وهو ما تعلق بمال الغير. فهذا بنائهم في باب العقود والايقاعات ولم يردع الشارع عن هذه الطريقة

[ 168 ]

والبناء بل امضاها بواسطة العمومات والاطلاقات الواردة في ابواب المعاملات من العقود والايقاعات. الثالث: ان صيغ هذه العقود والايقاعات اسباب شرعية لانشاء مفادها ومضامينها، فإذا قال المالك بعتك هذا الكتاب مثلا بدينار فهذا القول إذا صدر عن المالك غير المحجور عليه عن قصد وارادة جدية يكون سببا لتمليك المشتري لذلك الكتاب. فإذا كانت المعاملة واجدة لشرائط الصحة ولم يكن في البين ما يمنع عنها تكون الصيغة سببا أو الة لانشاء تلك المعاملة أي: ملكية ذلك الكتاب لذلك المشتري بعوض ما سموه في تلك المعاملة. ومن المعلوم ان هذه الصيغ لا تؤثر في ايجاد مضمونها ومفادها في عالم الاعتبار التشريعي الا إذا اجتمعت شرائط العقد والمتعاقدين والعوضين ولم يكن مانع في البين. فتارة تجتمع الشرائط في مجموع ما تعلق به العقد فالصيغة تؤثر في ايجاد المجموع وهذا هو معنى صحة العقد بتمامه ولا معنى للانحلال حينئذ لانه عقد واحد صحيح وقع ووجد تمام مضمونه في عالم الاعتبار واخرى لا توجد شرائط الصحة في جميع أجزائها فيكون عقدا باطلا بتمامه وايضا لا وجه للانحلال وثالثة توجد شرائط الصحة في بعض اجزائه دون بعض الاخر ففي هذا القسم تؤثر الصيغة في ذلك البعض الذى واجد لشرائط الصحة دون البعض الاخر وهذا هو الانحلال. فالانحلال على طبق القواعد الاولية وليس امرا خارجا عن القواعد كي يحتاج إلى دليل، وجميع الايقاعات فيما ذكرنا مثل العقود بلا فرق بينهما اصلا. وفيه ان ظاهر هذا الكلام شبه مصادرة على المطلوب خصوصا فيما إذا كان متعلق العقد أو الايقاع ومفادهما تمليك شخص عبد في العقد أو عتقه في الايقاع وكان نصفه له ونصفه الاخر لغيره.

[ 169 ]

فظاهر كون الصيغة سببا لوقوع مفادها في عالم الاعتبار التشريعي هو وقوع تمليك مجموع العبد أو عتق مجموعه في الفرض الثاني، فعدم وقوع المجموع لوجود مانع في البعض أو لفقد شرط فيه، ووقوع البعض الذي هو خلاف ظاهر السببية للتمام يحتاج إلى دليل، وكونها سببا للتمام لا يمكن ان يكون دليلا على وقوع البعض الا بما سنذكره في الوجه الاتي ان شاء الله تعالى. الرابع: انه إذا باع عبده أو عبديه فلا شك في انه نقل تمام هذا العبد عن ملكه إلى ملك المشتري وكذلك الامر في عبديه أو شيئين اخرين فلو كان نصف العبد مثلا في الفرض الاول أو احدهما في الفرض الثاني ملكا للغير أو متعلقا لحق الغير وهو عمدا أو اشتباها ملك المجموع في الاول والاثنين في الثاني، فتعلق قصده بنقل المجموع أو الاثنين لا ينافى تعلقه بالبعض في ضمن المجموع والكل وايضا لا ينافي تعلقه باحدهما في ضمن الاثنين بل لا معنى لتعلقه بالمجموع والكل إلا تعلقه بكل جزء جزء منه إذا لم يكن المركب الكل ذا هيئة وصورة تكون تلك الهيئة والصورة متعلق القصد والارادة، وايضا لا معنى لتعلقه بالاثنين الا تعلقه بهذا وذاك فنقل كل واحد من الاجزاء في ضمن نقل الكل ونقل كل واحد منهما في ضمن نقل الاثنين مقصود وقد تعلق بهما الارادة والقصد. وكذلك الامر في الايقاعات، فلو اعتق تمام العبد فقصد عتق نصفه في ضمن قصد عتق تمامه موجود، وإذا اعتق اثنين فقصد عتق احدهما في ضمن قصد عتق الاثنين موجود. فلو كان نصفه ملكا للغير أو متعلقا لحق الغير في الفرض الاول أو كان احدهما كذلك في الفرض الثاني وقلنا بالانحلال - بمعنى تحقق العتق في النصف دون النصف الآخر في الفرض الاول وفى احدهما دون الآخر في الفرض الثاني فلا يمكن ان يقال: ان ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد لان ما وقع بعض المقصود، وذلك لما ذكرنا ان ما وقع وما لم يقع كلاهما قد قصدا لكن فيما لم يقع كان مانعا هناك عن الوقوع ولذلك لم يقع مع

[ 170 ]

انه ايضا كان مقصودا، وقاعدة العقود تابعة للقصود ليس مفادها ان كل ما قصد يقع بل مفادها انه بدون القصد لا يقع وفى مورد الانحلال لم يقع شئ بدون القصد فلا يكون الانحلال مخالفا لتلك القاعدة كما ربما يتوهم. نعم ان ما وقع ليس تمام ما قصد لا انه لم يقصد اصلا. إذا عرفت ذلك فنقول عمومات عناوين المعاملات واطلاقاتها وايضا عمومات عناوين الايقاعات واطلاقاتها مثل (احل الله البيع) (1) (والصلح خير) (2) و (اوفوا بالعقود) (3) (والطلاق بيد من اخذ بالساق) (4) وامثال ذلك تشمل ذلك العقد المنحل فيجب الوفاء به كالعقد المستقل المنفرد. فإذا طلق زوجتين له بصيغة واحدة وايقاع واحد كما إذا قال بحضور شاهدين عدلين يا فلانة ويا فلانة انتما طالقان وكانت احديهما واجدة لشرائط صحة الطلاق أي: كانت في طهر لم يواقعها فيه، واما الاخرى كانت حال الطلاق حائضا أو كانت في الطهر الذي واقعها فيه يصدق على التى شرائط صحة طلاقها موجودة انه طلقها بطلاق صحيح فيشملها ادلة نفوذ الطلاق وكذلك في سائر الايقاعات. واما في العقود لو باع خلا وخمرا أو شاة وخنزيرا فبالنسبة إلى الخل والشاة يصدق انه باعهما ببيع صحيح وعقد تام الاجزاء والشرائط فيشمله ادلة نفوذ البيع وافوا بالعقود. نعم لو كان الانضمام والاجتماع منظورا أو شرطا فيأتي خيار تخلف الشرط أو خيار تبعض الصفقة.


: 1 - البقرة (2): 275. 2 - النساء (4): 128. 3 - المائدة (5): 1. 4 - " مستدرك الوسائل " ج 15، ص 306، ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه، باب 25، ح 3، " الجامع الصغير " ج 2، ص 75.

[ 171 ]

فالانحلال امر تكويني وجداني وادلة نفوذ العقد المستقل المنفرد، وكذلك ادلة نفوذ الايقاع المستقل المنفرد - يشمل هذا العقد الانحلالي وايقاعه ولا يحتاج إلى دليل اخر في مقام الاثبات واجراء حكم العقد أو الايقاع الصحيح عليه، غاية الامر مع خيار تبعض الصفقة. الجهة الثالثة في موارد تطبيق هذه القاعدة فنقول تجري هذه القاعدة في جميع العقود والايقاعات: فمنها: البيع فإذا باع داره مثلا فظهر ان نصفها المشاع أو اقل أو اكثر أو قطعة معينة من تلك الدار ملك للغير أو متعلق لحق الغير ككونها مرهونة مثلا بحيث لا يصح بيعها بالنسبة إلى ذلك النصف أو تلك القطعة فالعقد ينحل إلى عقدين: احدهما بالنسبة إلى ذلك النصف المشاع الذي للغير أو تلك القطعة التي ملك للغير أو متعلق حق الغير فهو باطل أو موقوف على الاجازة والثاني بالنسبة إلى ما هو ملك طلق له وليس متعلقا لحق الغير وهو عقد صحيح غاية الامر فيه خيار تبعض الصفقة. ومنها: الاجارة فإذا آجر ما يصح اجارته له وما لا يصح بعقد واحد فينحل هذا العقد إلى عقدين احدهما صحيح والاخر غير صحيح وباطل أو موقوف على الاجازة. ومنها: العارية فإذا اعار اشياء - بعضها له وبعضها ليس له أو ليس له ان يعيره لكونه متعلقا لحق الغير - بعقد واحد فينحل إلى عقدين فبالنسبة إلى ما هو ملكه وليس ممنوعا عن التصرف فيه شرعا يصح عاريته، ولا فرق في صحة عارية ما هو ملكه وله التصرف فيه شرعا بين ان يكون ذلك الشئ جزء خارجيا لمجموع ما وقع

[ 172 ]

عليه العقد أو يكون كسرا مشاعا من كسوره أو يكون له وجود مستقل جمعه المعير مع غيره في العقد الواحد. وهذا الكلام - أي: عدم الفرق بين هذه الاقسام - جار في جميع العقود بل الايقاعات فيما يمكن ويصح ان يقع متعلقا للايقاع لا فيما لا يمكن كالطلاق فان جزء المرأة خارجيا كان أو مشاعا لا يمكن ولا يصح فيه الطلاق، وكذلك في عقد نكاحها. وأما بالنسبة إلى ما ليس له أو ما ليس له التصرف فيه شرعا فهو باطل أو موقوف على الاجازة. نعم لو تزوج اثنتين بعقد واحد وكانت احديهما ممن يجوز له نكاحها بخلاف الاخرى فانها لا يجوز، ففى هذه الصورة ينحل العقد إلى عقدين فيكون صحيحا بالنسبة إلى من يجوز له نكاحها وباطلا بالنسبة إلى من لا يجوز له نكاحها لمانع من كونها محرما أو لجهة اخرى من الجهات التى توجب حرمة نكاح المرأة المذكورة في كتاب النكاح مفصلا. وكذلك لو طلق زوجتين بايقاع واحد وكان طلاق احديهما واجدا لشرائط صحة الطلاق دون الاخرى فينحل ذلك الايقاع إلى ايقاعين احدهما صحيح والآخر باطل. وقد تقدم ذكر هذا الفرع وانما الاعادة كانت لجهة بيان ان الطلاق ايضا مثل العقد قد يكون قابلا للانحلال وقد لا يكون قابلا له. ومنها الوقف فلو وقف شيئين بعقد واحد وكان احدهما قابلا لان يكون وقفا والآخر ليس قابلا لذلك لجهة من الجهات المانعة عن قابليته للوقفية، فينحل عقد الوقف الواحد إلى عقدين احدهما يكون صحيحا وهو بالنسبة إلى ذلك الذى قابل للوقفية والآخر باطل وهو بالنسبة إلى ذلك الآخر الذى ليس قابلا لان يكون وقفا. واما لو وقف دارا يكون نصفها المشاع له ونصفها الآخر لشخص اخر وليس

[ 173 ]

الواقف مأذونا من قبل ذلك المالك ولا وليا عليه فالانحلال هاهنا دائر مدار القول بصحة وقف المشاع فان قلنا بصحته تحقق الانحلال وكان صحيحا بالنسبة إلى ما يملكه مشاعا وباطلا بالنسبة إلى النصف الآخر. ومنها: المضاربة فلو اعطى العامل مقدارا من الدراهم والدنانير مضاربة بعقد واحد فظهر ان احد النقدين أو بعض احدهما مال الغير ولم يأذن للعاقد بجعله مضاربة فينحل عقد المضاربة إلى عقدين احدهما صحيح وهو الواقع على مال نفسه أو على ما هو مأذون من قبل المالك في اعطائه للعامل مضاربة والثانى باطل وهو الواقع على نقود الغير من دون اذنه ورضاه ولا اجازته بعد الوقوع بناء على تأثير الاجازة المتأخرة. والحاصل انه إذا كانت المضاربة الواقعة بعقد واحد بالنسبة إلى بعض ما وقعت عليه واجدة لشرائط الصحة وبالنسبة إلى البعض الاخر غير واجدة لها فينحل عقد تلك المضاربة إلى عقدين احدهما صحيح وهو الواجد لشرائط الصحة والاخر باطل وهو الفاقد لشرائطها، وهكذا الحال في سائر العقود من المزارعة والمساقاة والصلح وغيرها. واما الايقاعات فمنها العتق فإذا اعتق عبدا وكان نصفه مثلا له ونصفه الآخر لغيره، ففى هذا الفرض لا يمكن الانحلال كى يقال بالصحة بالنسبة إلى ما هو ملكه وبعدمها بالنسبة إلى النصف الآخر الذى لغيره وانه باق على ملك مالكه، لان العتق لا يتبعض بل يسري إلى ذلك النصف الآخر الذي ليس له فينعتق تمامه ويقوم حصة الشريك عليه ان كان موسرا، وان كان معسرا وقصد الاضرار على شريكه قيل ببطلان عتقه فلا يقع منه شئ وقيل بانعتاق تمام العبد ولكن هو يسعى في قيمة حصة الشريك ويعطيها له، وعلى كل حال لا يأتي الانحلال المصطلح أي: يكون العتق صحيحا بالنسبة إلى حصة نفسه وباطلا بالنسبة إلى حصة شريكه.

[ 174 ]

نعم لو اعتق عبدين فظهر مانع شرعي عن عتق احدهما - مثل انه كان كافرا بناء على عدم صحة عتق الكافر أو كان احدهما رهنا عند غيره أو كان عتقهما من جهة الكفارة وكان احدهما كافرا أو غير ذلك من الموانع - فينحل الايقاع إلى ايقاعين احدهما صحيح وهو بالنسبة إلى العبد الذي لا مانع من عتقه شرعا والثاني باطل وهو بالنسبة إلى العبد الذي لا يصح عتقه لمانع شرعا. ومنها: الطلاق فلو طلق زوجتين له بطلاق واحد وكان طلاق احديهما واجدا لشرائط صحة الطلاق دون طلاق الاخرى فمثل ذلك الطلاق ينحل إلى طلاقين احدهما صحيح والآخر باطل. ومنها: النذر فلو نذر بصيغة واحدة عتق عبدين أو ذبح شاتين احد العبدين له والآخر ملك لغيره وكذلك في الشاتين بان كان احدهما ملكا له جائز له التصرف والآخر ليس له أو ليس له التصرف فيه وان كان ملكه فينحل ذلك النذر إلى نذرين احدهما صحيح والآخر باطل وهكذا الامر بعينه في العهد واليمين وسائر الايقاعات فلا نطول المقام. ثم انه لا اشكال في جريان خيار تبعض الصفقة في موارد الانحلال في العقود المعاوضية للبايع والمشتري بالنسبة إلى ما ينتقل اليهما لان المفروض انه في موارد الانحلال تبطل المعاوضة بالنسبة إلى بعض كل واحد من العوضين فلا يأتي بيد كل واحد من المتعاقدين تمام ما جعل عوضا في المعاملة فيتبعض صفقة كل واحد منهما مع بنائه على ان المجموع يأتي بيده ورضائه بالمعاوضة على هذا التقدير فتبعيض الصفقة والحكم بكونه ملزما بأخذ البعض دون البعض الآخر يكون على خلاف التزامه ورضائه فيتدارك بالخيار اجماعا مع ان لازم الانحلال عدم تبعض الصفقة لان الانحلال يرجع إلى ان هناك عقدان احدهما باطل والآخر صحيح فما هو العقد الصحيح ليس فيه تبعض الصفقة كى يأتي خياره. وبعبارة اخرى لا يبقى موضوع لخيار تبعض الصفقة.

[ 175 ]

وفيه ان الانحلال علة لتبعض الصفقة فكيف يمكن ان يكون موجبا لانعدامه؟ وهل هذا الا التناقض. ووجه الاشتباه هو ان المتوهم تخيل ان معنى الانحلال ان هذا العقد الواحد من اول الامر يكون مركبا من عقدين مستقلين لا ربط لاحدهما بالآخر غاية الامر يكون احدهما باطلا والآخر صحيحا وكل واحد منهما اجنبي عن الآخر فكل واحد من هذين العقدين لم تتبعض فيه الصفقة وانما يكون احدهما صحيحا لوجود شرائط الصحة فيه دون الآخر. ولكن هذا اشتباه، بل المجموع كان عقدا واحدا وانشاء واحدا، غاية الامر حلله العقل وكذلك الفهم العرفي إلى عقدين احدهما صحيح والآخر باطل. وحيث ان الرضا وطيب النفس في معاوضة المجموع بالمجموع فلذلك جاء الخيار. والحمد لله اولا واخرا وظاهرا وباطنا.

[ 177 ]

32 - قاعدة الالزام

[ 179 ]

قاعدة الالزام ومن القواعد المشهورة في فقه الامامية قاعدة " الزام المخالفين بما الزموا به انفسهم " وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في مدركها وهو امران الاول: اجماع الامامية - رضوان الله تعالى عليهم اجمعين - على صحة هذه القاعدة وقد تقدم منا مرارا في هذا الكتاب ان هذه الاجماعات - مع وجود المدرك للمسألة من الروايات أو سائر الادلة - ليس من الاجماع المصطلح في الاصول الذى بنينا على حجيته وكشفه عن راي المعصوم (ع). الثاني: الروايات: فمنها: قوله (ع) في التهذيب باسناده عن على بن ابي حمزة عن ابى الحسن (ع):


:: " خزائن الاحكام " العدد 12، " دلائل السداد وقواعد فقه واجتهاد " ص 32، " مجموعه قواعد فقه " ص 174، " القواعد " ص 59، " قواعد فقه " ج 1، ص 136، " قواعد الفقه " ص 27، " قواعد فقهية " ص 241، القواعد الفقهية " (فاضل اللنكراني) ج 1، ص 167، " القواعد الفقهية " (مكارم الشيرازي) ج 4، ص 159..

[ 180 ]

" الزموهم بما الزموا به أنفسهم وتزوجوهن ولا بأس بذلك " (1). ومنها: ما عن عبد الله بن محرز قال قلت لابي عبد الله (ع) رجل ترك ابنته واخته لابيه وامه فقال (ع): " المال كله لابنته وليس للاخت من الاب والام شئ ". فقلت: إنا قد احتجنا إلى هذا والميت رجل من هؤلاء الناس واخته مؤمنة عارفة قال (ع): " فخذ لها النصف خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنتهم واحكامهم ". قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة فقال ان على ما جاء به ابن محرز لنورا " (2). ومنها: ما عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: سألته عن الاحكام؟ قال (ع): " يجوز على اهل كل ذي دين ما يستحلون " (3). وهناك روايات اخر خصوصا في مسالة جواز تزويج المطلقة على غير السنة، يقول (ع) في بعضها " اختلعها " (4) وفى البعض الاخر " ابنها " (5) وفى بعضها " من دان


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 8، ص 58، ح 190، باب أحكام الطلاق، ح 109، " الستبصار " ج 3، ص 292، ح 1032، باب أن المخالف إذا طلق امرأته ثلاثا...، ح 6، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 321، ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه، باب 30، ح 5. 2 - " الكافي " ج 7، ص 100، باب ميراث الإخوة والاخوات مع الولد، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 321، ح 1153، باب ميراث الإخوة والاجداد، ح 9، " وسائل الشيعة " ج 17، ص 484، ابواب ميراث الإخوة و الاجداد، باب 4، ح 1. 3 - " تهذيب الاحكام " ج 9، ص 322، ح 1155، باب ميراث الإخوة والاجداد، ح 11، " الاستبصار " ج 4، ص 148، ح 554، باب إن الاخوة والاخوات على اختلاف...، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 17، ص 484، ابواب ميراث الإخوة والاجداد، باب 4، ح 4. 4 - " تهذيب الاحكام " ج 8، ص 57، ح 186، باب أحكام الطلاق، ح 105، " الاستبصار " ج 3، ص 291، ح 1027، باب إن المخالف إذا طلق امرأته...، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 320، ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه، باب 30، ح 1. 5 - " عيون أخبار الرضا (ع) " ج 1، ص 310، ح 74، " معاني الاخبار " ص 263، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 322، ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه، باب 30، ح 11.

[ 181 ]

بدين لزمته احكامهم " (1) وفى بعضها " ان المرأة لا تترك بغير زوج " (2). تركنا ذكرها لعدم الاحتياج إليها لان فيما ذكرنا غنى وكفاية، والعمدة هو فهم المراد من قوله (ع): " الزموهم بما الزموا به انفسهم " لان المراد من هذه القاعدة هو مفاد هذه الجملة وما هو الظاهر منها. فنقول: اما سند الرواية المشتملة على هذه الجملة فلا ينبغى البحث عنه لكمال الوثوق بصدورها عنهم (ع) وتكررها في جملة من الموارد كمورد اخذ المال منهم بالتعصيب وايضا في مورد تزويج الزوجة المطلقة على غير السنة وغير ذلك مما تقدم. فالانصاف انه إذا ادعى احد القطع بصدور هذا الكلام عنهم (ع) ليس مجازفا فيما يدعيه. واما ظاهر هذه الجملة ومعناها فهو عبارة عن ان المخالفين كل ما يرون انفسهم ملزمين به من ناحية احكامهم الدينية ويعتقدون انه عليهم، سواء كان ذلك الشئ من الماليات أو الحقوق أو كان الاعتبارياث الاخر كحصول الطلاق مثلا أو غيره وان لم يكن ذلك ثابتا في احكامكم الدينية فالزموهم بذلك مثلا إذا يرون انفسهم ضامنين للمبيع إذا تلف عند المشتري وكان الخيار لذلك المشتري فالزموهم بذلك أي: يكون الثمن لكم ويكون التلف عليه وان كنتم لا تقولون بذلك وتقولون بان الخيار لما كان للمشتري كما انه كذلك في خيار الحيوان بناء على اختصاصه بالمشتري أو من جهة كون المبيع حيوانا دون الثمن فالخيار للمشتري فقط دون البائع فالتلف يقع في


: 1 - المصدر. 2 - " تهذيب الاحكام " ج 8، ص 58، ح 189، باب أحكام الطلاق، ح 108، " الاستبصار " ج 3، ص 292، ح 1030، باب المخالف إذا طلق امرأته...، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 320، ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه، باب 30، ح 4.

[ 182 ]

ملك من لا خيار له فلا بد للبايع ان يرد الثمن إلى المشتري. فإذا بعتم حيوانا من احد هؤلاء وتلف عنده بعد قبضه فالزموه بضمان المسمى وان كان في زمان خياره وانتم لا تقولون به لقاعدة " التلف في زمن [ الخيار ] من مال من لا خيار له " وفى المفروض من لا خيار له هو البايع فبمقتضى تلك القاعدة يكون ضمان المبيع التالف على البايع فيجب على البايع رد الثمن إلى ذلك المشتري. ولكن حيث انهم يلزمون انفسهم بان التلف وقع في ملك المشتري فالزموهم بذلك ولا تردوا إليهم الثمن. وفى بعض اخبار هذا الباب تعليل هذا الحكم بانه خذوا منهم كما انهم يأخذون منكم بمعنى ان البايع لو كان واحد منهم لكان لا يرد اليكم الثمن فانتم ايضا لا تردوا إليه الثمن وعاملوا معهم معاملة المثل. واما قول ابى جعفر (ع) في رواية محمد بن مسلم عنه قال (ع): " يجوز على اهل كل ذي دين ما يستحلون " فظاهره ان اصحاب كل دين اي المتدينين به الملتزمين باحكامه ينفذ عليهم ما يستحلون، مثلا إذا كانوا يستحلون اكل اقرباء الميت - اي العصبة - نصف المال من تركة الميت فينفذ هذا الحكم عليهم اي: إذا كانت العصبة منا أي من اهل الولاية فيجوز له ان يأخذ منهم نصف تركة الميت كما كان هذا صريح رواية عبد الله بن محرز حين ما قال ابن محرز له (ع): ان الميت رجل من هولاء الناس واخته مؤمنة عارفة قال (ع): " خد لها النصف خذوا منهم كما يأخذون منكم ". الجهة الثانية في بيان شرح مفاد هذه القاعدة وسعة دلالتها وشمولها للموارد فنقول: في كل مورد يلتزم المخالف بمقتضى مذهبه بورود ضرر عليه سواء كان

[ 183 ]

ذلك الضرر ماليا أو ذهاب حق منه عبده أو عتق عبده أو فراق زوجته ووقوع طلاقه أو ضمانه لمال تالف أو كون حق الاخذ بالشفعة لشريك أو شركة غيره في ميراثه ففى جميع تلك الموارد للموافق الزام المخالف وان لم يكن ورود ذلك الضرر حقا عند الموافق بل ينكره ولا يعترف به حسب مذهبه وما يدين به. فلو كان المخالف حسب مذهبه يرى نفسه ضامنا المال تالف باحد اسباب الضمان عنده وليس ذلك السبب سببا للضمان عند الموافق كموارد ضمان ما لم يجب أو ضمان العارية غير المضمونة، مثلا لو تلف عند المستعير المخالف ما استعاره وهو مما يمكن اخفاؤه كالثياب - مثلا - ففى بعض المذاهب - وهو مذهب المالكية - القول بضمان التالف فإذا كان المستعير منهم يرى نفسه ملزما بضمان ذلك التالف والموافق المعير لا يرى لماله التالف ضمانا لان العارية - التى غير الذهب والفضة - ما لم يشترط ليس فيه ضمان وان كان مما يمكن اخفائه ولكن مع ذلك له ان يلزم المستعير المخالف ويأخذ منه ضمان ماله التالف بهذه القاعدة أي: قاعدة الالزام لقوله (ع): " الزموهم بما الزموا به انفسهم " ولقوله (ع): " خذوا منهم كما يأخذون منكم ". وكذلك لو حلف المخالف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك بان قال مثلا زوجتي طالق أو عبدي حر أو جميع ما املك أو بعضه المعين صدقة ان فعلت كذا أو ان لم افعل كذا فهذا الحلف من اسباب الطلاق والعتاق والصدقة عند المخالف ولكن لا اثر له عندنا اصلا فيرون صحة مثل هذا الطلاق وباقي المذكورات فيجوز الزامهم بما الزموا به انفسهم وتزويج تلك المرأة المطلقة بمثل ذلك الطلاق واخذ ذلك المال من باب الصدقة وان كان نادما من حلفه وايضا ترتيب اثار الحرية على مثل ذلك العبد كل ذلك لاجل هذه القاعدة أي: قاعدة الالزام. وخلاصة الكلام في المقام ان ظاهر قوله (ع): " الزموهم بما الزموا به انفسهم " هو صحة الزامهم بما يدينون به وان كان ما يدينون به مما لا نقول بصحته، بل محل

[ 184 ]

جريان هذه القاعدة هو فيما إذا لا نقول بصحة ما يدينون به، والا فان قلنا نحن ايضا بصحته وكان مما ندين به ايضا فليس موردا لقاعدة الالزام بل يكون حينئذ ترتيب الاثر عليه كترتيب الاثر على سائر الاحكام الشرعية. فقاعدة الالزام تشبه الاحكام الثانوية أو هي منها على احد الوجهين الذين نذكرهما ان شاء الله تعالى لان الحكم الاولي عدم جواز تزويج المرأة المطلقة التى طلاقها باطل فجوازه فيما إذا كان زوجها يدين بصحة هذا الطلاق يكون من قبيل الاحكام الثانوية وهكذا الحال في سائر الموارد التى تجري فيها هذه القاعدة. مثلا بعد الفراغ عن ان القول بالتعصيب باطل عندنا فاخذ العصبة - أي: اقرباء الميت كاخته واخيه - ميراث بنته يكون اخذ مال الغير بدون اذنه ورضاه ولا شك في حرمة ذلك بعنوانه الاولي فحكمهم عليهم السلام بجواز اخذه - إذا كان المأخوذ منهم ممن يدينون باستحقاق العصبية وشركتهم مع البنت فيما إذا كان الآخذ اي: العصبة ممن لا يدين بجواز الاخذ وبالاستحقاق - يكون شبيها بالاحكام الثانوية أو هو منها. ثم ان الظاهر من قوله (ع): " الزموهم " ان مرجع ضمير الجمع هم المسلمون من سائر الطوائف غير الطائفة الامامية الاثني عشرية ولا يشمل ارباب سائر الاديان والملل، فلو ان ذميا طلق زوجته بطلاق غير صحيح عندنا ولكنه صحيح عندهم فلا تشمله هذه القاعدة بناء على ما ذكرنا من ان مرجع الضمير هم المسلمون من سائر الطوائف. اللهم الا ان يتمسك بغير هذه الرواية التي مدرك هذه القاعدة مثل قوله (ع) الذي تقدم ذكره " يجوز على اهل كل ذي دين ما يستحلون " (1) ولكنه لا يخلو من تأمل ونظر.


: 1 - تقدم تخريجه في ص 180، رقم (3).

[ 185 ]

أو يتمسك بقوله (ع) في موثق عبد الرحمن البصري عن ابي عبد الله عليه السلام قال قلت له: امرأة طلقت على غير السنة، فقال (ع) " تتزوج هذه المرأة لا تترك بغير تزويج " (1) فإذا كان بقائها بدون تزويج علة لجواز تزويجها فهذه العلة في مورد الكافر ايضا موجودة لان كون ما ذكر علة تامة وملاكا تاما للحكم غير معلوم بل معلوم العدم، لانه من قبيل حكمة الحكم. والضابط في الفرق بين ما هو علة الحكم وبين ما هو حكمته هو ان العلة لا تكون الا فيما إذا كان من الممكن القاؤها إلى الطرف بصورة كبرى كلية بحيث تكون هي موضوع الحكم كقوله (ع) " لا تشرب الخمر لانه مسكر " فيصح ان يقول لا تشرب المسكر. وأما فيما إذا لا يمكن ذلك كقوله (ع): " يجب على المطلقة المدخولة ان تعتد بثلاثة أقراء لعدم تداخل المياه واختلاط الانساب " فهو من قبيل حكمة الحكم ولا اطراد فيه كما انه لو علمنا انها عقيمة ولا تحبل فمع ذلك يجب عليها ان تعتد. واما ان هذا لا يمكن ان يكون موضوعا، فلان موضوع الحكم لا بد وان يكون قابلا للتشخيص وان يعرفه المكلف، والا يكون الحكم على مثل ذلك الموضوع - الذي ليس قابلا لان يعرفه المكلف ولان يشخصه - لغوا ومعلوم ان اختلاط المياه وتداخل الانساب ليس قابلا لان يعرفه المكلف وفى المفروض من الواضح الجلي انه لا يعلم ان هذه المرأة - المطلقة بالطلاق على غير السنة أو طلاق الكافر الباطل - تبقى بلا تزويج لانه من الممكن بل الغالب هو ان يتزوجها من يقول ويدين بصحة هذا الطلاق من ابناء دينها ومذهبها.


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 8، ص 58، ح 188، باب أحكام الطلاق، ح 107، " الاستبصار " ج 3، ص 291، ح 1029، باب المخالف إذا طلق...، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 320، ابواب مقدمات الطلاق و شرائطه، باب 30، ح 3..

[ 186 ]

وايضا ظاهر قوله (ع) " الزمواهم " ان المخاطب بهذا الخطاب هم الطائفة الامامية الاثني عشرية فلا يشمل المخالفين بعضهم بالنسبة إلى بعض ان كانت طائفة منهم ترى صحة معاملة وترى الاخرى فسادها فيلزم احديهما الاخرى بما يدين وان كان في نظرهم عدم صحة تلك المعاملة. مثلا لو أعار من لا يدين بمذهب مالك مالكيا ما يمكن اخفائه كثوب حيث يمكن وضعه في صندوق واخفائه فتلف، فمذهب المستعير ان التلف في مثل هذه العارية موجب للضمان، ومذهب المعير انه ليس في هذا التلف ضمان فهل يمكن الزام المعير للمستعير باخذ الضمان منه بهذه القاعدة ام لا؟ الظاهر هو العدم لما ذكرنا من ان المخاطب هم الطائفة الامامية، ولا يشمل الحديث سائر الطوائف. اللهم الا ان يقال ان هذا الحديث وان كان لا يشمل الزام المخالف للمخالف وان كان ما يريد الزامه به مخالفا لما يدين به فضلا عما إذا كان موافقا معه لما ذكرنا ان ظاهر الحديث ان ضمير الخطاب المقدر في قوله (ع): " الزموهم " مرجعه الطائفة الامامية. ولكن هناك روايات آخر مفادها عام ولا يختص بالامامية مثل رواية محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: " يجوز على اهل كل ذي دين ما يستحلون " (1). فبناء على ما استظهرنا منها من ان ظاهرها عبارة عن نفوذ كل ما يستحلون عليهم، فلو كان احد المخالفين يعتقد فساد المعاملة التي وقعت بينهما والآخر يعتقد صحتها ومضت على تلك المعاملة اعوام فالذي يعتقد فساد المعاملة يعتقد ان نتاج ما حصل في يده ومنافعه ملك لطرفه لفساد المعاملة، فلو انتجت مثلا هذه البقرة أو هذه الفرس بقرات أو أفراس فحيث يعتقد بفساد هده المعاملة - اجتهادا أو تقليدا -


: 1 - تقدم تخريجه في ص 180، رقم (3)..

[ 187 ]

يرى ويعتقد ان هذه البقرات أو الافراس ملك لصاحب البقرة أو الفرس قبل وقوع هذه المعاملة - فيستحلها له فينفذ عليه ذلك ويجوز لذلك الآخر ان يأخذها منه وان كان معتقدا بصحة هذه المعاملة وان هذه المذكورات ليس له. وكذلك بالنسبة إلى المنافع فلو اشترى دارا مثلا من زيد وسكن فيها سنين وهو يرى ويعتقد فساد هذه المعاملة فعليه اجرة تلك الدار التي سكن فيها سنين ويجوز للمخالف الاخر اي: البايع ان يأخذ منه اجرة تلك السنين وان كان معتقدا صحة هذه المعاملة وان هذه الدار ليست له. وعلى كل تقدير لو قلنا بصحة الزام المخالف للمخالف فيما يلزم به نفسه فهذا خارج عن مفاد قاعدة الالزام بل يكون له مدرك اخر وهو قوله (ع) " يجوز على اهل كل ذي دين ما يستحلون ". ثم ان ما ذكرنا من إمكان القول بصحة الزام المخالف للمخالف - مستندا إلى رواية محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) وهو قوله (ع) " يجوز على اهل كل ذي دين ما يستحلون " - مبني على ان يكونا مختلفين في المذهب بحيث يكون المراد من الدين المذهب، فإذا استحل شيئا في مذهبه يصح ان يقال يستحلة في دينه، فلا يشمل مورد اختلاف المجتهدين في مذهب الامامية لان لهما مذهب واحد وهو مذهب اهل البيت عليهم السلام لا ان فتوى هذا المجتهد دين ومذهب له وفتوى ذلك الاخر دين ومذهب للآخر. نعم يكون احدهما مخطئا والاخر مصابا ان كان الفتويان متناقضين. كما ان تطبيقه على اختلاف المذاهب الاربعة ايضا لا يخلو عن اشكال لانه هناك ايضا ليس الا اختلاف فتوى المجتهدين. وحاصل الكلام ان رواية محمد بن مسلم لا يستفاد منها حتى الزام المخالف للمخالف بل ولا الموافق للمخالف لان دين الكل واحد وهو الاسلام، فالمراد من قوله (ع) " اهل كل ذي دين " هي الاديان المقابلة للاسلام، فقاعدة الالزام تستفاد من

[ 188 ]

قوله (ع) " الزموهم بما الزموا به انفسهم " وقوله (ع) " خذوا منهم كما يأخذون منكم " وما يكون بمضمونهما. الجهة الثالثة في موارد تطبيق هذه القاعدة منها: مسألة التعصيب وهو توريث ما فضل عن السهام من كان من العصبة اي قوم الانسان الذين يتعصبون له والمراد هاهنا اقرباء الميت وهم الاب والابن ومن يتدلى بهما إلى الميت، فلو كانت للميت بنت واحدة واخ مثلا أو عم فللبنت النصف وبناء على القول بعدم التعصيب وبطلانه كما هو كذلك عند الامامية يكون باقي التركة أي: النصف الاخر ايضا للبنت ولكن ردا لا فرضا. وعلى القول بالتعصيب - أي: اعطاء ما زاد على الفرض لاقرباء الميت أي: ابنه وابيه والمتقرب بهما إليه وعدم الرد إلى صاحب الفرض وهى البنت في المفروض - يعطى باقي التركة أي النصف الاخر لاخ الميت في المفروض، وهكذا لو كانت له بنت وعم، فعلى مذهب الامامية يعطى جميع المال للبنت نصفه فرضا ونصفه الاخر ردا، وعلى قول المخالفين يعطى نصف المال للبنت فرضا ولا رد وباقي المال يعطى للعم. ولو كانت للميت بنتان فصاعدا وكان له اخ أو عم أو ابن اخ أو ابن عم فعلى القول بعدم التعصيب فلهما أو لهن الثلثان فرضا والباقي ايضا لهما أو لهن ردا والعصبة بفيها التراب كما في الرواية (1) واما على القول بالتعصيب فالباقي للعصبة أي: الاخ والجد اي اب الاب - والعم واولادهما وابن الابن على الترتيب المقرر في الارث. وبعد ما عرفت ما قلنا فان كان من هو من العصبة اماميا اثنى عشريا ولا يقول


: 1 - " وسائل الشيعة " ج 17، ص 431، ابواب موجبات الارث، باب 8.

[ 189 ]

بالتعصيب بل يقول بوجوب اعطاء الباقي أي: ما زاد على الفرض ايضا إلى ذوي الفروض فمع انه يعتقد عدم استحقاقه - وكون التركة كلها لذوي الفروض فرضا وردا - يجوز له الاخذ ويصير ملكا له بالاخذ لاجل دلالة هذه القاعدة اي قاعدة الالزام على جواز الاخذ وفروع الاخذ بالتعصيب كثيرة. والضابط الكلي هو انه في كل مورد يورثونه المخالفون بحسب مذهبهم ولكن هو حيث انه امامي لا يعتقد استحقاقه لذلك الميراث لانه ليس من مذهبه فهذه القاعدة تجوز اخذه منهم والزامهم بما هو مذهبهم. ومنها: مسألة الطلاق على غير السنة أي: الطلاق الذي فاقد لاحد الشرائط المعتبرة في صحته سواء أكان من شرائط المطلق ككونه عاقلا بالغا مختارا أو المطلقة ككونها طاهرة من الحيض والنفاس مع حضور الزوج ومع كونها مدخولة وحائلا وايضا من شرائط صحة طلاقها ان لا يقربها زوجها في ذلك الطهر الذي يقع الطلاق فيه، وايضا من شرائط صحة الطلاق ان يكون بحضور شاهدين عدلين. فإذا كان الطلاق فاقدا لاحد هذه الشرائط أو اكثر يكون باطلا عند فقهاء الامامية، وكذلك الطلاق الثلاث من غير رجعة بينها يكون باطلا عند الامامية الاثني عشرية، فإذا طلق المخالف زوجته ولم يكن الطلاق واجدا لجميع هذه الشرائط فيكون ذلك الطلاق باطلا عندنا وتكون الزوجة باقية على زوجيتها، ولكن مع ذلك كله لو كان الزوج اي المطلق المذكور يعتقد صحة ذلك الطلاق حسب مذهبه فللامامي الاثني عشري ان يلزمه بما الزمه به نفسه اي يلزمه بصحة ذلك الطلاق الباطل ويرتب عليه اثار الصحة بهذه القاعدة ويتزوج بها. ان قلت: بناء على ما ذكرت من بطلان ذلك الطلاق وبقاء تلك الزوجة على زوجيتها لذلك الزوج المطلق فاذنه بل امره عليه السلام بتزويج تلك المرأة في ما رواه علي بن ابي حمزة في قوله (ع) بعد ان قال: ايتزوجها الرجل؟ فقال (ع): " الزموهم من ذلك ما

[ 190 ]

الزموه انفسهم وتزوجوهن فلا بأس بذلك " (1) يكون معناه ومرجعه إلى انه عليه السلام امر بتزويج ذات البعل وهنا في غاية الاستعباد بل لا يجوز ان يتفوه به. قلنا: ان مرجع امره عليه السلام بتزويج مثل تلك المرأة إلى خروجها عن الزوجية بنفس العقد الواقع عليها ممن لا يعتقد بصحة ذلك الطلاق فيكون من قبيل وطي ذي الخيار للامة التي باعها وكان للبائع الخيار فيتحقق الفسخ بنفس الوطي وحيث ان الفسخ يحصل بنفس الوطي فيكون الوطي علة لحصول الملكية اي: رجوع ملكية الامة إلى البائع، والعلة والمعلول متحدان زمانا، والتقدم والتأخر بينهما رتبي فقط، فيكون الوطي والملكية في زمان واحد فهذا الوطي ليس وطيا في غير ملك كي يكون حراما لقوله تعالى " الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم " (2). وفيما نحن فيه نقول حيث ان عقد القائل ببطلان ذلك الطلاق علة لخروجها عن الزوجية، فالعقد وعدم الزوجية يكونان في زمان واحد، لانهما علة ومعلول - كما ذكرنا - فلم يقع العقد على زوجة الغير. ان قلت: من اي سبب صار العقد علة لخروجها عن الزوجية؟ نقول: من قوله (ع) - " الزموهم " ومن قوله (ع) " تزوجوهن " نستكشف ذلك بعد القطع بانه (ع) لا يأمر بتزويج امرأة ذات بعل وبعد القطع بان هذا الطلاق باطل، فلا يمكن الجمع بين هذه الامور الا بان يقال بان الزوجية للمطلق باقية إلى زمان عقد الصادر من الذي يعتقد ببطلان ذلك الطلاق، فبعقده عليها تصير خلية بالنسبة إلى زوجها الذي طلقها وتصير زوجة للذي عقد عليها. واما حديث حكومة قوله (ع) " الزموهم " أو قوله (ع) " تزوجوهن " فلا يرفع هذا الاشكال اصلا، وذلك من جهة ان الحكومة - على ادلة اشتراط الطلاق


: 1 - تقدم تخريجه في ص 180، رقم (1). 2 - المؤمنون (23): 6..

[ 191 ]

بالشرائط المذكورة في باب الطلاق - معناها صحة هذا الطلاق، وهذا مخالف للضرورة في مذهب الشيعة حيث ان الفقهاء كلهم متفقون على بطلان هذا الطلاق ولم يقل احد منهم بصحته ولو بالعنوان الثانوي أي: بعنوان انه الطلاق الصادر عن المخالفين. وايضا مخالف للاخبار الصريحة في انه " اياكم وتزويج المطلقات ثلاثا في مجلس واحد فانهن ذوات ازواج " (1). وحاصل الكلام انه في العناوين الثانوية جعل الشارع لفعل واحد من حيث الماهية حكمين واقعيين مختلفين، غاية الامر بعنوانين احدهما هو العنوان الاولي للشئ والثاني هو العنوان الثانوي مثل اكل لحم الميتة الذي هو بعنوانه الاولي حرام واقعا وبعنوانه الثانوي - مثل ان يكون الاكل عن اضطرار أو اكراه أو غير ذلك هو حلال واقعا فيرجع الامر فيما نحن فيه إلى ان الشارع جعل للطلاق حكمين إذا كان صادرا عن الشيعة يكون صحته مشروطا بتلك الشرائط وإذا كان صادرا من المخالف فليس مشروطا بتلك الشرائط. وبعبارة اخرى الطلاق الفاقد للشرائط المعتبرة فيه إذا كان المطلق من الشيعة يكون فاسدا وإذا كان من مخالفيهم يكون صحيحا وهذا كلام لا يمكن الالتزام به. اما اولا فلاستنكارهم (ع) لصحة مثل هذا الطلاق واستدلالهم على بطلانه بالكتاب العزيز عليهم وهذا لا يناسب مع كون طلاقهم على غير السنة طلاقا صحيحا شرعيا. وثانيا: ما رواه في دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليهما السلام ان رجلا من اصحابه سأله عن رجل من العامة طلق امرأته لغير عدة وذكر انه رغب في تزويجها،


: 1 - " الفقيه " ج 3، ص 406، ح 4418، باب ما حل من النكاح، " تهذيب الاحكام " ج 8، ص 56، ح 183، باب أحكام الطلاق، ح 102، " الاستبصار " ج 3، ص 289، ح 1022، باب من طلق امرأته...، ح 16، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 316، ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه، باب 29، ح 20..

[ 192 ]

قال (ع): " انظر إذا رأيته فقل له: طلقت فلانة؟ إذا علمت انها طاهرة في طهر لم يمسها فيه فإذا قال نعم فقد صارت تطليقة فدعها حتى تنقضي عدتها من ذلك الوقت ثم تزوجها ان شئت فقد بانت منه بتطليقة بائنة ولكن معك رجلان حين تسئله ليكون الطلاق بشاهدين عدلين (1). وهذه الرواية ظاهرة بل صريحة في فساد الطلاق على غير السنة وان كان فيها اشكال من جهة اخرى وهى مخالفتها لقاعدة الالزام، ولكن يمكن ان يقال انها محمولة على الاستحباب من هذه الجهة. وهناك روايات رواها في الوسائل تدل على ان المطلقة ثلاثا باقية على زوجيتها لزوجها المطلق (2). وخلاصة الكلام: ان القول بصحة الطلاق الثلاث من غير رجعة بينها فيما إذا كان المطلق ممن يقول بصحة مثل هذا الطلاق - اي: كان من مخالفينا بحيث يكون هاهنا موضوعين احدهما موضوع للصحة وهو الطلاق الصادر ممن يعتقد بصحة مثل هذا الطلاق، والثاني موضوع للبطلان وهو الطلاق الصادر ممن يقول ببطلان مثل هذا الطلاق فالصحة والفساد يكونان منوطين بالقول بالصحة والفساد - عجيب. وبعد الاحاطة على ما ذكرنا تعرف ان مقتضى الجمع بين الادلة هو ما ذكرناه من ان الطلاق الثلاث من غير رجعة بينها سواء كان بلفظ واحد أو بتكرار الطلاق ثلاثا من غير رجعة بينها لا يقع الثلاث بل لا يقع حتى واحد منها وان كان من هذه الجهة الاخيرة محل خلاف بيننا. وكذلك يكون الطلاق فاسدا إذا كان فاقدا لسائر شرائط الصحة وان كان


: 1 - " دعائم الاسلام " ج 2، ص 263، ح 1002، " مستدرك الوسائل " ج 15، ص 304، ابواب مقدمات الطلاق و شرائطه، باب 23، ح 1. 2 - " وسائل الشيعة " ج 15، ص 311، ابواب مقدمات الطلاق، باب 29..

[ 193 ]

المطلق ممن يقول بصحته وتكون الزوجية باقية على زوجيتها والقول بصحة مثل هذا الطلاق مما يأباه المذهب وان كان صادرا ممن يعتقد بصحة مثل هذا الطلاق. وايضا لا شك في انهم (ع) امروا بصحة تزويج مثل هذه المطلقة مع عدم امكان ان يسند إليهم (ع) القول بصحة تزويج المزوجة والتى هي زوجة الغير، فلا بد من القول بان تلك المطلقة باقية على زوجيتها للمطلق ولكن بنفس العقد الواقع عليها من الذى يعتقد بطلان ذلك الطلاق يخرج عن كونها زوجة للمطلق فذلك العقد يكون طلاقا بالنسبة إلى الزوج الاول ونكاحا بالنسبة إلى الثاني. وهذا في مقام الثبوت ممكن لما ذكرنا من انه من قبيل وقف ذي الخيار أو عتقه لمن باعه في زمان خياره، فعقد الوقف وكذلك ايقاع العتق يكون فسخا واخراجا عن ملك المبتاع ووقفا أو عتقا ايضا في زمان واحد وليس احدهما متقدما على الآخر بحسب الزمان اصلا نعم التقدم والتاخر بينهما انما هو بحسب الرتبة وفيما نحن فيه ايضا كذلك الخروج عن الزوجية للزوج الاول وصيرورتها زوجة للثاني في زمان واحد فلم يقع العقد على زوجة الغير كما ربما يتوهم. هذا في مقام الثبوت واما في مقام الاثبات فامرهم عليهم السلام بتزويجهم، أو اخذ المال في مورد التعصيب أو المعاملات الفاسدة والضمانات غير الصحيحة مع ان لهم الولاية العامة - يدل على انهم عليهم السلام جعلوا نفس العقد عليهن طلاقا لهن وتزويجا للزوج الثاني. وبناء على ما ذكرنا يكون العقد واقعا على إمرأة خلية، لان زمان حصول زوجيتها للثاني مع زمان عدم زوجيتها للاول واحد، لانهما معلولان لعلة واحدة وهو العقد الواقع عليها. وعلى هذا الاساس بنينا صحة الامر الترتبي بالنسبة إلى الضدين بان قلنا ان عصيان الاهم الذي هو شرط فعلية الامر بالمهم مع نفس الامر بالمهم وامتثاله ايضا

[ 194 ]

الثلاثة في زمان واحد والتفصيل في محله في كتابنا " منتهى الاصول " (1) وقد اطلنا الكلام لرفع شبهة ربما تقع في بعض الاذهان. واما القول بالاباحة فلا اساس له اصلا، إذ هذا القائل لو يقول بفساد مثل ذلك الطلاق فنسبة اباحة وطي الزوجة الباقية على زوجيتها للاول إلى الامام (ع) مع علم الواطي بانها زوجة الغير - عجيب وقلنا ينبغي ان لا يتفوه بذلك احد، وان كان يقول بصحة هذا الطلاق فتكون هي زوجته حقيقة فالاباحة المجردة لا معنى لها. ويتفرع على ما ذكرنا ان المخالف لو استبصر بعد ان طلق زوجته بالطلاق الفاقد لشرائط صحة الطلاق ولم يعقد عليها غيره ممن يجوز له العقد عليها فله ان يرجع إلى زوجته المطلقة بدون الاحتياج إلى عقد جديد، لانها زوجته ولم تبن منه ولم تخرج عن زوجيتها، لما قلنا من ان الخروج بنفس العقد. فما دام كان مخالفا حيث انه يعتقد صحة طلاقه وكان مخطئا في اعتقاده هذا فلو كان يرجع إليها، فاما كان متجريا متهتكا غير مبال بارتكاب حرمات الله، كما إذا اخطأ في اعتقاده واشتبه عليه فقارب زوجته باعتقاد انها زوجة الغير، أو كان مرتكبا للحرام الواقعي بناء على ان الشارع نزل هذا الطلاق الفاسد بالنسبة إلى نفس المطلق في حكم الطلاق الواقعي من حيث حرمة مباشرته ومقاربته معها. وأما إذا استبصر فلا معنى لان يكون متجريا لعلمه بفساد الطلاق وبقائها على زوجيتها له على المبنى المذكور واما بناء على تنزيل هذا الطلاق الفاسد منزلة الطلاق الصحيح من حيث اثر حرمة وطيها وسائر انتفاعات الزوجية بالنسبة إليه، فهذا كان فيما إذا كان مخالفا وما دام انه معتقد بصحته كما هو ظاهر قوله (ع) في رواية عبد الله بن طاوس عن ابى عبد الله (ع): " انه من دان بدين قوم لزمته احكامهم " (2).


: 1 - " منتهى الاصول " ج 1، ص 336. 2 - " عيون أخبار الرضا (ع) " ج 1، ص 310، ح 74، " معاني الاخبار " ص 263، " وسائل الشيعة " ج 15،.

[ 195 ]

وايضا ظاهر قول مولانا الرضا (ع) في رواية هيثم بن ابى مسروق حيث ذكر عنده بعض العلويين فقال (ع) " اما انه مقيم على حرام " قلت جعلت فداك كيف وهي امرأته قال (ع) " لانه قد طلقها " قلت: كيف طلقها؟ قال (ع): " طلقها وذلك دينه. فحرمت عليه " (1). فهاتان الروايتان وما هو نظيرهما علق الحرمة ولزوم التزامه باحكام دين بما إذا كان معنونا بعنوان انه دان بدين قوم أو عنوان ذلك دينه فإذا زال هذا العنوان عنه بواسطة استبصاره يزول مع زواله حكمه ايضا لان ظاهر اخذ كل عنوان في موضوع حكم ان لذلك العنوان دخل في الحكم حدوثا وبقاء لا حدوثا فقط، ولعمري هذا واضح جدا ولا ينبغي ان يشك فيه. فبناء على هذا لو استبصر قبل ان يعقد عليها شخص اخر له ان يرجع إليها. وأما انه إذا عقد عليها من يجوز له ذلك فلا يبقى مورد للرجوع إليها ألبتة لما قلنا ان العقد بمنزله الطلاق ويوجب خروجها عن حبالة الزوج المطلق. ومنها: انه لو تزوج الشيعي بامرأة من المخالفين بدون حضور شاهدين على العقد، فلو مات هذا الشيعي بعد الدخول بها فيجوز لورثة الميت ان كانوا من الشيعة منعها من الارث ومن مهرها ايضا. وعن كل ما تستحق المرأة على زوجها من ناحية كونها زوجة لذلك الميت لانها ترى هذا العقد فاسدا بناء على ما هو من مذهبها من بطلان النكاح بغير حضور شاهدين كما نقول نحن في الطلاق فمذهبهم على العكس من مذهبنا فالامامية قائلون بلزوم شاهدين عدلين في الطلاق دون النكاح، ومخالفوهم يقولون بلزومهما في النكاح دون الطلاق.


:... ص 322، ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه، باب 30، ح 11. 1 - " تهذيب الاحكام " ج 8، ص 58، ح 187، باب أحكام الطلاق، ح 106، " الاستبصار " ج 3، ص 291، ح 1028، باب إن المخالف إذا طلق امرأته...، ح 12، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 320، ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه، باب 30، ح 3..

[ 196 ]

ومنها: ان المخالف لو طلق زوجته مكرها على ذلك فحيث ان طلاق المكره عند ابى حنيفة وجمع اخر صحيح ونافذ على ما نقل عنهم (1) فيجوز للشيعي ان يرتب اثار الصحة على هذا الطلاق - وان لم يكن عنده صحيحا - بقاعدة الالزام فيتزوج بها بعد انقضاء عدتها. وكذلك الامر في كل مورد يكون مذهبهم صحة الطلاق مع عدم صحته عند الامامية، فيجوز للامامي الاثني عشري ترتيب اثار الصحة على ذلك الطلاق الفاسد في مذهبه ان كان صحيحا في مذهب المخالف، كما إذا حلف بالطلاق ان فعل الامر الفلاني أو ان لم يفعل فهذا الطلاق عندنا باطل لكن عندهم صحيح، فيجوز ان يرتب عليه اثار الصحة بقاعدة الالزام. وخلاصة الكلام ان موارد قاعدة الالزام في ابواب النكاح والطلاق كثيرة، والضابط الكلي هو ان كل نكاح أو طلاق كان فاسدا حسب مذهب الامامية وكان صحيحا عندهم فيجوز للامامي ترتيب اثار الصحة عليه بهذه القاعدة ان كان في صحته ضرر على المخالف، لان الالزام لا معنى له الا فيما إذا كان الملزم به ضررا عليه. وكذلك العكس اي كل نكاح أو طلاق كان صحيحا حسب مذهب الامامية وكان فاسدا عندهم يجوز للامامي ترتيب اثار الفساد عليه إذا كان اثار الفساد ضررا عليه، وذلك لما ذكرنا من عدم صدق الالزام عرفا الا مع كون الملزم به ضررا عليه. وايضا يدل على ما ذكرنا من لزوم كون الاثار ضررا عليه قوله (ع) في بعض روايات القاعدة " خذوا منهم كما يأخذون منكم " (2) فبناء على ما ذكرنا لو عقد المخالف


: 1 - " بدائع الصنائع " ج 3، ص 100، " اللباب " ج 2، ص 226، " شرح العناية على الهداية " ج 3، ص 39، " شرح فتح القدير " ج 3، ص 39، " تبيين الحقائق " ج 2، ص 194، " حاشية إعانة الطالبين " ج 4، ص 5، " فتح الباري " ج 9، ص 390، " المغني لابن قدامة " ج 8، ص 260، " الشرح الكبير " 8، ص 243، " المجموع " ج 17، ص 67، ونقله عنه من أصحابنا الشيخ في " الخلاف " ج 4، ص 478. 2 - سبق تخريجه في ص 180، رقم (2)..

[ 197 ]

على المطلقة اليائسة قبل انقضاء عدتها فهذا العقد عندنا صحيح لان اليائسة عندنا لا عدة لها وعندهم فاسد لقولهم بوجوب العدة عليها، فيجوز للامامي ترتيب اثار الفساد على هذا العقد - وان كان في مذهبه صحيح - بهذه القاعدة فله ان يتزوج بها بدون ان يطلقها الزوج المخالف. وكذلك الامر لو تزوج المخالف بنت الاخ أو بنت الاخت على عمتها في الاول وعلى خالتها في الثاني برضاء العمة في الاول وبرضاء الخالة في الثاني فهذا العقد عند الامامية صحيح، لكن المنقول عنهم عدم صحته وفساده، فانهم لا يجوزون الجمع بين العمة وبنت الاخ ولا بين الخالة وبنت الاخت ولو برضاء العمة في الاول وبرضاء الخالة في الثاني، فيجوز للامامي ترتيب اثار الفساد على عقد بنت الاخ وبنت الاخت - ان كان العقد عليهما متأخرا عن العقد على العمة أو الخالة - بان يعقد عليهما بدون ان يطلقهما الزوج المخالف. ومما ذكرنا ظهر لك حال طلاق السكران وطلاق الحائض مع حضور الزوج والطلاق في الطهر الذي قاربها وجامعها فيه، ففي جميع ذلك يكون الطلاق فاسدا على مذهبنا ويكون صحيحا عند فقهائهم جميعا أو في بعض مذاهبهم، فيجوز الزامهم بصحة الطلاق في الموارد المذكورة وان كان فاسدا عندنا، كل ذلك لاجل شمول قاعدة الالزام لهذه الموارد المذكورة وامثالها مما لم نذكرها. ومنها: لو طلق المخالف امرأته معلقا على امر محتمل الحصول أو متيقن الحصول فالاول كما لو قال امرأتي فلانة طالق لو قدم زيد من سفره هذا غدا مثلا أو مطلقا ثم جاء في ذلك الوقت المعين في الاول أو مطلقا في الثاني. وبعبارة اخرى: حصل المعلق عليه المحتمل الوقوع فهذا الطلاق عندنا فاسد اجماعا لمكان التعليق وصحيح عندهم، فيجوز ترتيب اثار الصحة على هذا الطلاق - الفاسد عندنا - بقاعدة الالزام. واما في الصورة الثانية اي لو كان طلاقه معلقا على امر معلوم الحصول كما لو

[ 198 ]

قال لامرأته: انت طالق لو طلعت الشمس أو غربت مثلا فمن يقول بصحة مثل هذا الطلاق من فقهائنا فلا اشكال في انه يجوز له ترتيب اثار الصحة على مثل هذا الطلاق، لانه رأيه وفتواه سواء أكانت قاعدة الالزام في البين أو لم تكن. واما من يقول بفساده لاجل الاجماع على بطلان التعليق في العقود وفي الايقاعات - التي منها الطلاق - بطريق اولى فله ترتيب اثار الصحة على هذا الطلاق بقاعدة الالزام لانهم قائلون بصحة الطلاق المعلق على امر محتمل الوقوع أو متعين الوقوع فيما إذا حصل المعلق عليه. ومنها: ابواب الضمانات سواء أكان الضمان ضمانا واقعيا أو كان هو ضمان المسمى كباب المعاوضات. والضابط الكلي هاهنا هو انه في كل مورد كان الضمان على المخالف - سواء أكان ضمان المسمى أو الضمان الواقعي - باعتقاده وان لم يكن عليه ضمان حسب مذهب فقهاء اهل البيت، فيجوز الزامه بذلك الضمان - الذي يعتقد به حسب مذهبه - بقاعدة الالزام وهذا المعنى اي: كون الضمان عليه اعم من الواقعي والمسمى حسب مذهبه يختلف سببه عندهم، فقد يكون سبب الضمان عليه صحة المعالمة عندهم، وقد يكون فساد المعاملة موجبا لذلك، وقد يكون فعل موجبا للضمان عندهم وليس موجبا عندنا. وعلى كل واحد من التقديرين لا بد في اجراء قاعدة الالزام ان يقول فقهائنا بعدم الضمان والا لا معنى لاجراء القاعدة كما ذكرنا ذلك مفصلا فلا نعيد. وموارد هذا القسم كثيرة في اغلب ابواب المعاملات والضمانات بقسميه اي المسمى والواقعي نذكر جملة منها.

[ 199 ]

احدها: ما تقدم منا (1) من انه لو باع حيوانا من المخالف وقبضه المشتري المذكور فتلف في يده قبل انقضاء ثلثة ايام اي: وقع التلف في زمان خيار المشتري فيكون الضمان عندنا على البايع الامامي لقاعدة " التلف في زمن الخيار من مال من لا خيار له " وفي الفرض من لا خيار له هو البايع فيكون الضمان عليه حسب مذهبه. ولكن المخالفين قائلون بان الضمان على المشتري لانه بعد ان قبض المبيع - كما هو المفروض ينتقل الضمان من البايع إلى المشتري بواسطة القبض لانهم لا يعتبرون قاعدة " التلف في زمن الخيار من مال من لا خيار له " دليلا يعتمد عليه ويركن إليه. وبناء على هذا للبايع الشيعي ان لا يرد إليه الثمن بقاعدة الالزام وان كان بحسب مذهبه يجب عليه رد الثمن، بناء على احد القولين أو قيمة المبيع ان كان قيميا ومثله ان كان مثليا على القول الاخر. ثانيها: ما تقدم ايضا من انه لو اعار للمخالف ما يمكن اختفاءه مع انه ليس من الذهب والفضة وايضا ليس بدرهم ولا دينار ولم يشترط ايضا عليه الضمان فعلى مذهب المعير الشيعي ليس في مثل هذه العارية ضمان إذا تلف المعار، ولكنهم في بعض مذاهبهم يقولون بالضمان، فإذا كان المستعير من اهل ذلك المذهب للمعير الشيعي الزامه بالضمان إذا تلف بهذه القاعدة وان كان مذهبه عدم الضمان. ثالثها: لو باع شيئا من المخالف وكان المخالف حنفيا ولم يشترطا خيارا لهما أو لخصوص المشتري الحنفي، فلو فسخ ذلك المشتري وما بعد في المحلس ولم يتفرقا فللبايع الشيعي الزامه ببقاء المعاملة وعدم صحة هذا الفسخ وعدم تأثيره في انحلال العقد، وذلك من جهة ان مذهب ذلك المشتري انه لا خيار في المجلس الا بالشرط فإذا لم يكن شرط الخيار في المجلس فلا خيار وان كان هذا خلاف مذهب البايع لان


: 1 - تقدم ذكره في ص 182..

[ 200 ]

الشيعة متفقون على ثبوت خيار المجلس لقوله صلى الله عليه وآله " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (1). وكذلك الامر ايضا لو كان المشتري مالكيا لان مذهبهم انه لا خيار في المجلس اصلا ويقولون ان الحديث الشريف المتقدم، وان كان روايته صحيحة، الا ان عمل اهل المدينة كان على خلافه وعملهم مقدم على الحديث وان كان صحيحا، لانه في حكم المتواتر الموجب للقطع بخلاف الحديث فانه وان كان صحيحا لكنه خبر احاد يفيد الظن فالاول مقدم عليه انتهى. ولا يخفى ان كلامهم هذا صرف ادعاء بلا بينة ولا برهان. رابعها: لو باع الشيعي للمخالف ما اشتراه قبل ان يقبضه عن المالك الاول فهذا البيع صحيح عند فقهاء الامامية، غاية الامر يقول بعضهم بالكراهة في خصوص ما إذا كان المبيع مما يكال أو يوزن، وقول شاذ بالتحريم إذا كان ذلك المبيع الذي لم يقبضه طعاما، ولكن هذا البيع - أي: بيع ما اشتراه قبل ان يقبضه - باطل عند الشافعي فلو باع الشيعي من احد من الشافعية مثل هذا المبيع اي: ما اشتراه قبل ان يقبضه فندم يجوز له ان يلزم المخالف بما هو طبق مذهبه من فساد المعاملة ويسترجع المبيع وان كان مذهب البايع صحة هذه المعاملة. وكذلك الامر لو كان المشتري حنفيا وكان المبيع - الذي لم يقبضه عن المالك الاول وباعه قبل ان يقبضه من الاعيان المنقولة فان الحنفية يقولون بفساد بيع الاعيان المنقولة قبل ان يقبضها (2) سواء باعها لمن اشتراها منه أو لغيره، فالبيع الثاني باطل وفاسد. واما البيع الاول فيبقى على صحته. خامسها: لو باع حرا وعبدا صفقة واحدة لحنفي فعندنا البيع بالنسبة إلى الحر


: 1 - " الكافي " ج 5، ص 170، باب الشرط والخيار في البيع، ح 6، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 20، ح 85، باب عقود البيع، ح 2، " الاستبصار " ج 3، ص 72، ح 240، باب أن الافتراق بالابدان...، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 346، ابواب الخيار، باب 1، ج 3. 2 - " الفقه على المذاهب الاربعة " ج 2، ص 234.

[ 201 ]

باطل وبالنسبة إلى العبد صحيح، ولكن عند ابى حنيفة ابطل في الجميع، فللبائع الزام ذلك المشتري بالبطلان في الجميع إذا ندم من بيع عبده وان كان صحيحا عند البايع بالنسبة إلى العبد، وكذلك الامر بعينه فيما إذا كان بعض الصفقة الواحدة مالا وبعضها ليس بمال، كما إذا باع خمرا أو خلا أو شاة وخنزيرا. سادسها: لو باع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن والمشتري كان شافعيا، فعندنا هذا البيع جائز وعند الشافعية باطل، فإذا ندم البايع من بيعه هذا يجوز له الزام المشتري بالبطلان بقاعدة الالزام. فهذه الموارد التي ذكرناها من موارد الخلاف بين فقهائنا وفقهاء مخالفينا في كتاب البيع موارد قليلة من الموارد الكثيرة التي ذكرها الاصحاب ربما يزيد عددها على المئات. السابع: ذكر الشيخ (قده) في الخلاف ان الراهن إذا شرط ان يكون الرهن عند عدل صح هذا الشرط (1). ثم ذكر بعد هذا الفرع فرعا اخر وهو: ان العدل في مقام أداء دين المرتهن لا يجوز له ان يبيع الرهن الا بثمن مثله حالا، فلا يجوز ان يبيعه نسيئة ولا باقل من ثمن مثله. ونسب إلى ابي حنيفة (2) انه قال: يجوز له أن يبيعه نسيئة وباقل من ثمن المثل، حتى انه لو باع ضيعة تساوي مأة الف دينار بدانق إلى ثلاثين سنة نسيئة جاز ذلك. وبناء على هذه الفتوى الغريبة من ابي حنيفة لو كان الراهن حنفيا فيجوز الزامه بصحة هذا البيع بهذه القاعدة وان كان غير صحيح عندنا. وايضا نسب الشيخ (قده) إلى ابي حنيفة ان الرهن مضمون باقل الامرين (3) والظاهر


: 1 - " الخلاف " ج 3، ص 242، المسألة 40، وص 244، المسألة 44. 2 - " المبسوط للسرخسي " ج 21، ص 84، " الفتاوى الهندية " ج 5، ص 443، " بدائع الصنائع " ج 6، ص 149، " تبيين الحقائق " ج 6، ص 81، " المغني لابن قدامة " ج 4، ص 426، " الشرح الكبير " ج 4، ص 452، 3 - " الخلاف " ج 3، ص 245، المسألة 46..

[ 202 ]

ان مراده بالامرين أي: الدين وقيمة العين المرهونة، والصحيح عندنا لا ضمان في الرهن الا مع التعدي والتفريط، لانه من قسم الامانة المالكية، وقد بينا عدم الضمان بدون التعدي والتفريط في الامانات ملطقا في احدى قواعد هذا الكتاب فلو كان المرتهن حنفيا وتلف عنده الرهن بدون تعد ولا تفريط يجوز الزامه باخذ اقل الامرين منه بهذه القاعدة وان كان لا يجوز عندنا ولا ضمان. وايضا نسب الشيخ (قده) إلى ابي حنيفة ان العدل لو باع الرهن لاداء الدين وقبض الثمن فلو تلف الثمن بعد القبض يسقط من الدين بمقدار الثمن (1). وبعبارة اخرى: يكون ثمن الرهن في ضمان المرتهن، وهذا وان كان غير صحيح عندنا، لان المرتهن ما لم يقبض دينه لا وجه لسقوط دينه ولكن المرتهن ان كان حنفيا يجوز الزامه بسقوط دينه بهده القاعدة. وايضا نسب الشيخ (قده) إلى ابي حنيفة ان منفعة الرهن لا للراهن ولا للمرتهن، مثلا لو رهن دارا فليس ان يسكنها الراهن أو يوجرها، ولا يجوز ايضا للمرتهن ان يسكنها أو يوجرها (2) وحاصل كلامه ان منفعة الرهن لا يملكه الراهن ولا المرتهن، وأما نمائه المنفصل فيدخل في الرهن فيكون رهنا مثل اصله. وهذه الفتوى وان كانت غير صحيحة عندنا، لان منافع الشئ تابعة لاصله، وكل من كان مالكا للاصل يكون مالكا للمنفعة والنماء متصلة كانت النماء ام منفصلة، ولكن لو كان الراهن حنفيا يجوز الزامه بدخول النماء المنفصل في الرهن، فلو رهن بقرة مثلا فولدت عجلا يكون ذلك العجل ايضا مثل امه رهنا. وهناك فروع كثيرة في كتاب الرهن تكون من موارد قاعدة الالزام تركنا ذكرها خوفا من للتطويل.


: 1 - " الخلاف " ج 3، ص 245، المسألة 47. 2 - " الخلاف " ج 3، ص 251، المسألة 58..

[ 203 ]

الثامن: إذا كان هناك اثنان، احدهما راكب على دابة والآخر آخذ بلجامها فتنازعا في تلك الدابة ولم تكن لاحدهما بينة على ما يدعيه من ملكية تمام الدابة أو امارة اخرى أو دليل آخر، ولو كان اصلا عمليا كالاستصحاب فتجعل بينهما نصفين عملا بقاعدة العدل والانصاف، أو لكون يد كل واحد منهما على تلك الدابة، حيث انها ليست يدا مستقلة على التمام فتكون عند العرف والعقلاء بمنزلة اليد التامة المستقلة على النصف إذا كانا اثنين وعلى الثلث ان كانوا ثلاثة وهكذا بالنسبة إلى عدد الشركاء قلة وكثرة، فبكثرة الشركاء ينقص الكسر، وبقلتهم يتصاعد حتى يصل إلى النصف فيما إذا كان الشريك - في كونه ايضا ذا اليد - واحدا أو من جهة التصالح القهري، هذا ما عندنا. وباقي الفقهاء من مخالفينا قالوا يحكم بانها للراكب، فلو كان الراكب منا يجوز له الزام آخذ الجام بذلك ان كان منهم. التاسع: قال الشيخ (قده) في الخلاف لو اتلف شخص مال اخر وكان من القيميات، كما انه لو اتلف شاة له مثلا وكانت قيمتها ثلاث دنانير فاقر بأنه اتلفها وصالحه على اقل من قيمتها الواقعية أو على اكثر منها فهذا الصلح باطل، لانه يكون من الرباء المحرم المبطل للمعاملة (1). وهذا بناء على جريان حكم الرباء في الصلح مثل البيع مع كون ما في الذمة بعد التلف قيمة التالف لا عينه بوجودها الاعتياري، كما ربما يكون هذا ظاهر قوله صلى الله عليه وآله: " وعلى اليد ما اخذت حتى تؤديه " (2). وهو ما اخترناه واما كونه من الرباء فمن جهة انه بعد ان اتلف مال الغير وكان من القيميات


: 1 - " الخلاف " ج 2، ص 177. 2 - " السنن الكبرى " ج 6، ص 90، " كنز العمال " ج 10، ص 360، ش 29811، " مستدرك الوسائل " ج 14، ص 437، باب 6، ح 17216 وج 17، ص 88، باب 1، ح 20819..

[ 204 ]

تشتغل ذمته بقيمة ذلك المال، فالمصالحة تقع بين قيمة ذلك المال التي على عهدته وبين ما يتصالحان به، وحيث ان المفروض ان القيمة اقل منه أو اكثر، فيكون من الرباء فلا يجوز وقال أبو حنيفة: يجوز، فلو كان طرف المصالحة حنفيا وكانت تلك المصالحة على ضرره يجوز للاخر الذي يخالفه في المذهب الزامه بذلك بهذه القاعدة. العاشر: النافع تضمن بالغصب عندنا سواء أكانت المنافع مستوفاة أو غير مستوفاة، فلو غصب دارا وسكنها أو آجرها فكما انه ضامن لاصل الدار كذلك ضامن للمنافع التى استوفاه بالسكنى فيها أو بان آجرها، بل الحق كما قلنا انه يضمن المنافع وان لم يستوفاه ولتحقيق هذه المسألة مقام اخر. وقال أبو حنيفة ان الغاصب لا يضمن المنافع اصلا وان استوفاها فضلا عما إذا لم يستوفها، ويقول ايضا إذا غصب ارضا فزرعها ببذره كانت الغلة له ولا اجرة عليه الا ان تنقص الارض بذلك، فيكون عليه جبران ما نقص. وكذلك قال: ان آجر مثلا دارا أو دكانا غصبهما فالاجرة لذلك الغاصب ان اخذها ويملكها دون مالكهما، هذا ما حكاه الشيخ (قده) عنه في الخلاف (1)، فبناء على هذا لو كان المغصوب منه حنفيا يمكن الزامه بهذه القاعدة ولا يعطى اجرة ملكه أو املاكه التى استوفاها الغاصب وان كانت لسنين متعددة. الحادي عشر: لا يصح ضمان المجهول عندنا، فان كان الذى يريد ان يضمن عن شخص لشخص اخر وكان مقدار دين المضمون عنه مجهولا ويحتمل ان يكون واحدا ويحتمل ان يكون الفا - فلا يصح مثل هذا الضمان وان كان واحبا أي: كان الدين محققا فعلا. وبعبارة اخرى: لم يكن من قبيل ضمان ما لم يجب بل كان بضمان ما وجب عليه واشتغلت ذمته به، بكذا لا يصح ضمان ما لم يجب وان كان المقدار معلوما، مثلا يقول


: 1 - " الخلاف " ج 3، ص 402، المسألة 11..

[ 205 ]

للبزاز: اعط هذا مقدار عشرين دينارا بالدين وانا ضامن، أو يقول: ان اخذ هذا الرجل منك بالدين عشرين دينارا فانا ضامن. وهذا يسمى اصطلاح الفقهاء بضمان ما لم يجب، لانه بعد لم يجب عليه شئ، لانه لا دين فعلا في البين كى يكون ادائه عليه واجبا أو يكون فعلا ذمته مشغولة به، وعلى كل حال لا يصح ضمان ما لم يجب وان كان مقداره معلوم. وقال أبو حنيفة ومالك: يصح مثل هذا الضمان (1)، فإذا كان الضامن مالكيا أو حنفيا وضمن ما لم يجب أو ما ليس بمعلوم فيجوز الزامهما بهذه القاعدة وان كان غير صحيح عندنا. الثاني عشر: شركة الابدان عندنا باطلة، وهي ان يشترك العاملان أو اكثر سواء أكانا متفقي الصنعة والمهنة - كالحدادين أو النجارين - أو مختلفي الصنعة والمهنة كما إذا كان احدهما نجارا والاخر خبازا على ان كل ما يحصل من كسبهما لهما أو كسبهم لهم يكون مشتركا بينهما أو بينهم بالسوية أو بالاختلاف حسب شرطهم. وقال أبو حنفية يجوز ذلك (2)، فإذا كان احد الشريكين في شركة الابدان حنفيا ويكون صحة هذه الشركة - بعد ان عملا مدة - مضرة له ونافعا للطرف الاخر الذي مذهبه بطلان هذه الشركة يجوز لهذا الاخير الزامه للآخر بصحة هذه الشركة بهذه القاعدة وان كانت في مذهبه باطلة. الثالث عشر: لا شفعة عند اكثر فقهائنا في المنقولات وكل ما يمكن تحويله بحسب المتعارف من مكان إلى مكان اخر كالاثواب والفروش والحبوبات والحيوانات.


: 1 - " المجموع " ج 14، ص 19، " فتح العزيز " ج 10، ص 370، " بداية المجتهد " ج 2، ص 294، " البحر الزخار " ج 6، ص 76. 2 - " اللباب " ج 2، ص 75 - 76، " النتف " ج 1، ص 535، " المبسوط " ج 11، ص 154، و 216، المغني لابن قدامة " ج 5، ص 111، " الشرح الكبير " ج 5، ص 185، " المحلى " ج 8، ص 123، " بداية المجتهد " ج 2، ص 252، " سبل السلام " ج 3، ص 893، " فتح العزيز " ج 10، ص 414، " البحر الزخار " ج 5، ص 94..

[ 206 ]

ومنها: السفن وقال مالك: إذا باع سهمه من السفينة المشتركة يجوز لشريكه الاخر الزامه بالاخذ بالشفعة منه بهذه القاعدة وان كان هو لا يقول بها (1). الرابع عشر: لا تثبت الشفعة بالجوار عندنا وقال أبو حنيفة وبعض اخر من الفقهاء للجار حق الاخذ بالشفعة (2) ولكن في طول الشريك لا في عرضه، بمعنى: ان الشريك لو ترك ولم يأخذ فالجار احق من غيره، فإذا كان المشتري حنفيا، أو ممن يقول بحق الشفعة للجار من سائر الفقهاء، فللجار الزامه بهذه القاعدة ان كان منا وان لم يكن هذا الحق من مذهبنا. وما ذكرنا في موارد هذه القاعدة قليل من كثير مما لم نذكرها، لان استقصاء جميع موارد الخلاف يحتاج إلى تأليف مجلدات كبيرة، خصوصا إذا كان مع ادلة الطرفين، وهو الذي يسمى الان بالفقه المقارن، وقد كتب شيخ الطائفة (قده) كتابا في موارد الخلاف سماه " الخلاف "، والحمد لله اولا واخرا وظاهرا وباطنا.


: 1 - " بداية المجتهد " ج 2، ص 245، " بدائع الصنائع " ج 5، ص 12، " شرح القدير " ج 7، ص 405، " تبيين الحقائق " ج 5، ص 252، " فتح العزيز " ج 11، ص 364. 2 - " المبسوط للسرخسي " ج 14، ص 94، " بدائع الصنائع " ج 5، ص 8، " المجموع " ج 14، ص 303، " المغني البن قدامة " ج 5، ص 461، " الشرح الكبير " ج 5، ص 466، " البحر الزخار " ج 5، ص 8، " نيل الاوطار " ج 6، ص 81..

[ 207 ]

33 - قاعدة أصالة عدم تداخل الاسباب ولا المسببات

[ 209 ]

قاعدة أصالة عدم تداخل الاسباب ولا المسببات ومن جملة القواعد الفقهية قاعدة " اصالة عدم تداخل الاسباب ولا المسببات " وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في المراد منها فنقول: أما المراد من أصالة عدم تداخل الاسباب هو ان كل سبب له مسبب أي: يتكرر وجود المسبب بتكرر وجود السبب، سواء أكان السبب المكرر وجوده من سنخ واحد أو من اسناخ متعددة، فالاول في الاسباب الشرعية كما إذا تكرر منه البول أو الوطي أو الانزال والاحتلام، والثاني كما إذا بال ونام وخرج منه الريح بالنسبة إلى الوضوء فيجب مثلا في المفروض ثلاث وضوأت: واحد للبول وواحد للنوم وواحد لخروج الريح، وكذلك واحد للغائط. فلا فرق في تعدد المسبب بتعدد وجود السبب بين ان تكون الاسباب المتعدده من سنخ واحد، وبين ان يكون السبب المكرر من اسناخ متعددة. فلو قلنا بأصالة عدم التداخل، فكما ان السبب المكرر لو كان من سنخين أو من اسناخ متعددة تتعدد الكفارة بتعدد السبب كذلك يتعدد المسبب لو كان من سنخ واحد، وهذا معنى عدم التداخل. وأما التداخل فمقابل هذا المعنى أي: عدم تكرر المسبب بتكرر السبب وأيضا

[ 210 ]

لا فرق بين أن يكون السبب المكرر من سنخ واحد أو يكون من أسناخ متعددة، فالتقابل بين التداخل وعدمه تقابل العدم والملكة، هذا معنى التداخل وعدمه في الاسباب. وأما المراد من التداخل وعدمه في المسببات: الاول: أي التداخل في المسببات فهو عبارة: عن كفاية مسبب واحد عن أسباب متعددة، مثلا كفاية وضوء واحد عن الابوال المكررة أو كفايته عن البول والغائط والنوم ولا فرق في تداخل المسببات ايضا بين ان تكون أسبابها المتعددة من سنخ واحد أو من اسناخ متعددة. وما ذكرنا في معنى التداخل وعدمه مضافا إلى ان المراد منهما عند الفقهاء هو هذا المعنى ونحن في مقام شرح قاعدة فقهية فلا بد وان نتكلم فيها على وفق مرادهم منها موافق لما هو ظاهر لفظ التداخل وعدمه، إذ التداخل مصدر باب التفاعل من " دخل " فيكون معناه حسب اللغة والمتفاهم العرفي دخول كل واحد من الشيئين في الاخر بحيث يتحدان من حيث المكان والحيز إذا كانا جسمين، ومن حيث التأثير إذا كانا سببين، ومن حيث التاثر إذا كانا مسببين وهكذا. ولذا قالوا: الضرورة قضت ببطلان الطفرة والتداخل أي: تداخل الجسمين، بحيث يكون لهما حيز واحد. فبناء على هذا المعنى المذكور يكون تداخل الاسباب في عالم السببية عبارة: عن اتحاد الاسباب في عالم التأثير أي: يكون لجميعها تأثير واحد، كما انه لو فرض ان جميعها سبب واحد، ومثل هذا المعنى في العلل التامة التكوينية غير ممكن، بل لا بد من ان يرجع إلى كول المجموع سببا واحدا وكل واحد منها جزء السبب. وهذا إذا وجد المجموع دفعة واحدة، وإلا لو كان وجودها تدريجيا وعلى الترتيب فان كان المسبب قابلا للتكرار فيتكرر والا يكون السبب الثاني بلا اثر، لان

[ 211 ]

فرض وجود ذلك الاثر - الذي وجد اولا - ثانيا يكون من قبيل تحصيل الحاصل. وهذه القاعدة لا تأتي فيما لا يكون المسبب قابلا للتكرار، لان المقصود منها هو انه فيما إذا شك في تعدد المسبب بتعدد السبب هل مقتضى الاصل هو تعدد المسبب - وهذا معناه عدم تداخل السبب، وأيضا عدم تداخل المسبب، لانه لو تداخل السبب فلا يكون وجه لتعدد المسبب، لما ذكرنا من ان معنى تداخل الاسباب كونها بمنزلة سبب واحد في مقام التأثير والسبب الواحد لا يؤثر الا في مسبب واحد، وكذلك الامر مع تداخل المسبب أي: لا وجه لتعدده مع تداخله، لان معنى تداخل المسبب كما ذكرنا كفاية مسبب واحد عن الاسباب المتعددة - أو مقتضى الاصل عدم تعدد المسبب وهذا معناه هو تداخل الاسباب، أو مرجعه إلى تداخل المسببات؟. مثلا في موجبات الكفارة للافطار في نهار شهر رمضان لو قلنا بان الاصل تداخل الاسباب أو المسببات، ففى مورد الشك يحكم بكفارة واحدة سواء أكانت الاسباب المتعددة من سنخ واحد كما إذا جامع مكررا، أو من اسناخ متعددة كما إذا صدر منه الاكل والشرب والجماع في نهار شهر رمضان. وعلى كل حال هذا البحث - أي: ان مقتضى الاصل هل هو التداخل أو عدمه - لا يأتي الا فيما إذا كان المسبب قابلا للتكرار، وأما إذا لم يكن المسبب قابلا للتكرار - كالقتل بالنسبة إلى موجباته وأسبابه، كما إذا قتل اشخاصا أو قتل واحدا وزنى مع انه محصن ولاط وارتد بالارتداد الفطري - فلا اثر لهذا البحث، لان المسبب أي: القتل ليس قابلا للتكرار. فلو قلنا بان مقتضى الاصل عدم التداخل، لا في الاسباب ولا في المسببات لا يمكن تعدد القتل الذي هو اثر عدم التداخل. فهذا البحث مورده فيما إذا كان المسبب قابلا للتكرار مثل الكفارة. ثم انه لو قلنا بتداخل الاسباب فلا يبقى وجه للقول بتداخل المسببات لانه بناء

[ 212 ]

على تداخل الاسباب فليس في البين الا مسبب واحد ولا توجد مسببات كي يقال بتداخلها، ويكون كما إذا وجد سبب واحد فهل يمكن البحث في ذلك المورد من ان الاصل هل هو تداخل المسببات أم لا؟ لا شك في انه لا يمكن، لان مفهوم التداخل سواء أكان مضافا إلى الاسباب أو إلى المسببات لا يتحقق الا مع تعددهما أي الاسباب والمسببات، والا فمع وحدتهما لا معنى للتداخل، كما بينا ان التداخل عبارة: عن دخول كل واحد من الشيئين في الاخر. ثم ان الفرق بين تداخل الاسباب وتداخل المسببات من حيث ثمرة البحث هو انه لو قلنا بان مقتضى الاصل تداخل الاسباب والمسببات جميعا، ففى مورد الشك مثل انه تكرر منه الاكل في نهار شهر رمضان لا يجوز له ان يعطي اكثر من كفارة واحدة بعنوان الوجوب وامتثال الامر، لانه تشريع محرم. ولو قلنا بان مقتضى الاصل تداخل الاسباب دون المسببات فايضا يكون الامر كذلك، من جهة انه وان صدر السبب متعددا سواء أكانت الاسباب المتعددة من سنخ واحد أو من أسناخ متعددة لكنها بمنزلة سبب واحد، لتداخلها على الفرض، فلا يجب عليه الا مسبب واحد ويشتغل ذمته بذلك الواحد فقط، فاتيان غيره بعنوان الوجوب وامتثال الامر يكون تشريعا محرما. ولو قلنا بتداخل المسببات دون الاسباب فانه وان كان له الاكتفاء بالواحد لما ذكرنا من ان المراد من تداخل المسببات الاكتفاء بمسبب واحد عن اسباب متعددة، وذلك كالاكتفاء بوضوء واحد أو غسل واحد عن اسباب وموجبات متعددة ولكن يجوز له ان يأتي بفرد اخر من المسبب، لان المفروض في هذه الصورة عدم تداخل الاسباب، وتأثير كل واحد منها في لزوم ايجاد المسبب. غاية الامر ان الشارع مثلا حكم بكفاية اتيان فرد واحد من طبيعة المسبب ولا يؤاخذ على ترك البقية، فهذا لطف وتسهيل من قبل الشارع على المكلف، واتيانه

[ 213 ]

بالفرد الآخر من طبيعة المسبب ليس تشريعا كى يكون محرما، بل عمل بمقتضى تأثير الاسباب المتعددة وان كان يجوز له الاكتفاء بفرد واحد منة منه تعالى عن عباده. هذا ما ذكره شيخنا الاستاذ (قده) في هذه الصورة بناء على ما ذكره من ان تداخل المسببات عبارة: عن الاكتفاء بمسبب واحد عن الاسباب المتعددة المؤثر كل واحد منها تأثيرا مستقلا (1). ولكن أنت خبير بأن هذا ليس من تداخل المسببات، بل هو اسقاط ما في ذمة العبد من الافراد المتعددة إلا فردا واحدا، والظاهر من تداخل المسببات هو ان يكون الفرد الواحد من طبيعة المسبب أثرا للجميع وهذا المعنى إما أن يرجع إلى تداخل الاسباب، بمعنى: ان الاسباب المتعددة في عالم التأثير لها اثر واحد، فيكون خارجا عن مفروض الكلام، لان مفروضنا الآن هو تداخل المسببات دون الاسباب. وإما ان يكون المراد ان الآثار المتعددة المسببة عن الاسباب المتعددة يندك بعضها في بعض ويوجد مسبب واحد، وذلك كالسرج المتعددة التى كل واحد منها يؤثر في وجود مرتبة من الضوء في الغرفة مثلا مستقلا، لكن تلك الآثار يندك بعضها في بعض ويتشكل ضوء واحد قوي. فنقول: في الشرعيات مثلا موجبات الوضوء أو الغسل كل واحد منها يؤثر في مرتبة من الحدث، فيوجد حدث واحد قوي اصغرا كان أو اكبرا فيرتفع بوضوء واحد في الاول وبغسل واحد في الثاني، فيصح ان يقال: ان هذا تداخل المسبب من دون تداخل اسبابها. وإلا لو كان لكل سبب تأثير مستقل في وجود فرد من طبيعة المسبب ومع ذلك الافراد الموجودة بحدودها المعينة تصير فردا واحد فهذا محال معناه صيرورة الاثنين واحدا وهو مستلزم لا جتماع النقيضين.


: 1 - " فوائد الاصول " ج 1، ص 49..

[ 214 ]

وإذا كان تداخل المسببات بهذا المعنى فايجاد المسبب ثانيا بعنوان الوجوب والامتثال يكون تشريعا محرما، لان المفروض في المثال ان الحدث إذا كان هو الاصغر ارتفع بالوضوء الواحد، وإذا كان هو الاكبر ارتفع بالغسل الواحد فيكون الوضوء أو الغسل الثانيين بعنوان امتثال الامر تشريعا محرما، كما في تداخل الاسباب بلا فرق بينهما أصلا. وإذا كان مرجع تداخل المسبباب إلى تداخل الاسباب فالامر أوضح لانه ليس هناك أصلان كي يفرق بين ثمرتيهما، بل هناك أصل واحد وهو أصالة عدم تداخل الاسباب، وثمرتها معلومة وقد بيناها، ولو قلنا بعدم تداخل الاسباب ولا المسببات فيجب ان ياتي بالمسبب بعدد الاسباب وهذا واضح جدا، فلو جامع مرارا أو أكل كذلك فعليه الكفارات بعدد الجماع أو الاكل. الجهة الثانية في بيان الادلة التى اقاموها على هذه القاعدة، وبيان ما هو الصحيح منها وما ليس بصحيح منها وقبل الشروع في ذكر الأدلة نقدم امورا: الاول: لو وصلت النوبة إلى الشك، أي: لم نجد دليلا لا على ان الاصل يقتضي عدم تداخل الاسباب والمسببات ولا على انه يقتضي تداخلها فما حكمه؟ فنقول: أما الشك في تداخل الاسباب فمرجعه إلى الشك في التكليف، فيكون مجرى البرائة. بيانه: لو شككنا في ان الاسباب المتعددة للكفارة سواء أكانت من سنخ واحد أو من أسناخ متعددة هل يقتضي تعدد الكفارة أم لا؟ فمعناه انه يشك في وجوب كفارة

[ 215 ]

اخرى غير الاولى أم لا؟ فهذا شك في التكليف بالنسبة إلى الكفارة الثانية، فيكون مجرى البرائة. واما الشك في تداخل المسببات، فان كان المراد من تداخل المسببات ما ذكره شيخنا الاستاذ (قده) من الاكتفاء بمسبب واحد وان كان في ذمته مسببات متعددة بواسطة عدم تداخل الاسباب فلا شك في ان المراجع بناء على هذا قاعدة الاشتغال، لان الشك يكون في مرحلة الامتثال بعد الفراغ عن اشتغال الذمة بالمتعدد وانه في مقام الامتثال هل يكفي الاتيان بالمسبب الواحد أم لا؟ واما لو كان مرجع تداخل المسببات إلى تداخل الاسباب، وان تداخل المسببات بدون تداخل الاسباب محال كما ذكرنا، فيكون المرجع هي البرائة، لان الشك فيه حيث انه يرجع إلى الشك في تداخل الاسباب فيكون الشك في ان ذمته هل اشتغلت بالمتعدد أم لا؟ فيكون الشك في ثبوت التكليف بايجاد المسبب ثانيا وهو مجرى البرائة. وأما لو كان المراد من تداخل المسبب هذا المعنى الاخير الذي بيناه - أي يندك تأثيرات الاسباب ويتشكل مسبب قوي واحد أي: حدث أصغر أو اكبر واحد قوي - فلا يبقى شك في البين اصلا بعد اتيانه بالوضوء أو بالغسل لارتفاع ذلك الحدث الاصغر القوي بالوضوء والاكبر القوي بالغسل. الا أن ياتي دليل على عدم ارتفاع ذلك المسبب الشديد بوضوء واحد أو بغسل واحد مثلا. والذي يسهل الخطب انه لو قلنا بعدم تداخل الاسباب فتداخل المسببات خلاف الاصل يقينا، ولا يمكن المصير إليه الا باتيان دليل على ارتفاع اثار الاسباب المتعددة بوجود واحد مما نسميه مسببا كوضوء واحد وكغسل واحد إذا وجدت لكل واحد منهما اسباب متعددة. ثم ان ما ذكرنا - من ان الشك في تداخل الاسباب ان لم نجد دليلا على ان مقتضى

[ 216 ]

الاصل هو التداخل أو عدمه فمرجعه إلى البرائة - يكون في باب التكاليف. وأما في باب الوضعيات كما إذا وجد سببان للخيار ولم يدل دليل على التداخل ولا على عدمه، فالظاهر انه يكون مورد الاستصحاب لا البرائة مثلا لو ظهر في المبيع الذي هو حيوان، عيب، فما دام يكون البايع والمشتري في مجلس البيع وظهر العيب تجتمع للخيار أسباب ثلاثة: المجلس وكون المبيع حيوانا، والعيب. فإذا أسقط الخيار المضاف إلى احد هذه الاسباب فبناء على التداخل لا يبقى له خياران الاخران، لانه بناء على هذا ليس له الا خيار واحد وقد اسقطه. وبناء على عدم التداخل فيكون الخياران الاخران موجودا، فإذا شك في التداخل وعدمه ولم يكن دليل عليه ولا على عدمه فيشك في بقاء طبيعة الخيار، فيكون مجرى الاستصحاب. ولكن يمكن أن يقال: ان الخيار الذي هو عبارة: عن حق خاص به يكون له السلطنة على حل العقد وإبرامه. ومثل هذا الحق ليس قابلا للتكرار، فإذا اسقط فلا يبقى احتمال البقاء كي يستصحب، بل البحث عن التداخل وعدم تداخل الاسباب لا يأتي هاهنا، كما ذكرنا ان مورد هذا البحث هو فيما إذا كان السبب قابلا للتكرار، لان ما ليس قابلا للتكرار في مقام الثبوت فالبحث عنه في مقام الاثبات - بان مقتضى الاصل هل هو عدم التداخل؟ اي التكرار مع عدم امكانه - لا مجال له أصلا. ان قلت: ان الخيار وان لم يكن قابلا للتكرر بتعدد الاسباب من حيث تعدد وجوده، ولكنه قابل للتعدد بواسطة اضافته إلى اسباب متعددة فقابل لان يبحث فيه إذا تعدد اسبابه كما ذكرنا ان مقتضى الاصل هل تداخل الاسباب كى يكون خيار واحد عند اجتماع تلك الاسباب أو مقتضى الاصل عدم التداخل كي تكون خيارات باعتبار اضافتها إلى اسبابها. قلنا: ان هذا وان كان كلاما صحيحا ولكن ليس مصححا لجريان الاستصحاب

[ 217 ]

بعد سقوطه أو اسقاطه باعتبار اضافته إلى بعض الاسباب، وذلك من جهة ان الشك في التداخل وعدمه وان كان موجبا للشك في وجود الخيار بعد سقوطه أو اسقاطه، مضافا إلى أحد أسبابه ولكنه ليس شكا في بقاء ما هو كان موجودا يقينا الذي هو موضوع الاستصحاب، لانه على تقدير التداخل حيث انه كان خيار واحد له ارتفع يقينا بالاسقاط أو السقوط، ولم يبق شئ ولو من حيث اضافته إلى سائر الاسباب غير ما اسقط أو سقط، وعلى تقدير عدم التداخل فموجود يقينا من حيث اضافته إلى سائر الاسباب. وحيث ان المفروض هو الشك في التداخل وعدمه، فما عدا الساقط مشكوك الحدوث، لا مشكوك البقاء ومتيقن الحدوث كي يجري الاستصحاب وأما استصحاب بقاء الجامع - بين ما سقط والمضاف إلى سائر الاسباب لانه مشكوك البقاء - وان كان صحيحا من حيث تمامية اركانه لكنه من القسم الثالث من اقسام استصحاب الكلي الذي اثبتنا عدم صحة جريانه. وخلاصة الكلام ان الوضعيات ان لم تكن قابلة للتكرر ولا للتأكد فعند اجتماع الاسباب وتعددها لا ياتي بحث التداخل وعدمه، وايضا لا حكم للشك في التداخل وعدمه، بل لا موضوع له، لان المفروض ان عدم التداخل بمعنى تعدد المسبب أو تأكده غير ممكن فيه. ولعله تكون الجنابة والنجاسة من هذا القبيل، فإذا وجدت للجنابة أو النجاسة اسباب متعددة سواء أكانت تلك الاسباب من سنخ واحد كما إذا جامع مرارا أو لاقى مكانا من بدنه البول مرارا، أو كانت من اسناخ متعددة، كما إذا جامع بدون انزال وانزل بدون الجماع، هذا بالنسبة إلى الجنابة، أو لاقى مكانا من بدنه أو من ثوبه أو شئ اخر البول والمني أو نجس اخر، ففي جميع هذه الصور لا تؤثر هذه الاسباب تعددا في الجنابة أو في نجاسة المحل ولا تأكدا فيهما

[ 218 ]

وأما ان كان قابلا للتعدد أو التأكد وان كان تعدده باعتبار اضافة إلى اسبابه، كما قلنا في الخيار، فهذا البحث وان كان يأتي ولكن عند الشك وعدم وجود دليل على التداخل ولا على عدمه فالاستصحاب لا يجري فيما هو قابل للتعدد، لما ذكرنا في الخيار. وأما فيما هو قابل للتأكد دون التعدد فعدم فرد اخر مقطوع فلا مجرى للاستصحاب. وأما بالنسبة إلى احتمال بقاء مرتبة منه بعد القطع بزوال مرتبة منه - كما انه لو غسل مرة ما تنجس بالدم أولا ثم لاقى البول ايضا، فاحتملنا بقاء مرتبة من النجاسة بعد زوال مرتبة منها يقينا بناء على تأكد النجاسة فيكون الاستصحاب حينئذ من القسم الثالث من استصحاب الكلي، ولا يجري الا فيما إذا كانت وحدة القضية المشكوكة مع المتيقنة محفوظة عرفا، والمسألة مشروحة على التفصيل في كتابنا " منتهى الاصول " (1) وان شئت فراجع. ثم ان ما ذكرنا بالنسبة إلى النجاسة من التاكد وزوال مرتبة منها يقينا واحتمال بقاء مرتبة منه صرف فرض ومن باب المثال، والا فلا واقعية له. نعم لو كانت لهذه المسببات التى من الوضعيات اثار تكليفية كوجوب الغسل - بالضم - أو الغسل - بالفتح - وكان الشك فيه وانه مرة أو مرتين؟ فالمرجع وان كان هي البرائة من حيث التكليف ولكن لا مانع من استصحاب نفس الوضع، وذلك كما إذا شك في ان النجاسة الحاصلة من ملاقاة البول هل يزول بالغسل مرة أم لا؟ فاستصحاب النجاسة لا مانع منه، ومعلوم حكومة هذا الاستصحاب على البرائة عن وجوب الغسل مرة اخرى. الثاني: في ان هذا البحث والنزاع هل يأتي في الاسباب والعلل التكوينية بالنسبة إلى مسبباتها أو يختص بالاسباب والمسببات الشرعية؟


: 1 - " منتهى الاصول " ج 2، ص 448..

[ 219 ]

ثم ان هذا البحث في الاسباب والعلل التكوينية على تقدير اتيانه لا يكون الا فيما إذا كان لتكرر المسبب اثر شرعي، والا يكون البحث لغوا وبلا ثمرة. وقد عرفت ان هذا البحث لا يأتي الا فيما إذا كان المسبب قابلا للتكرار أو التأكد، وإلا ففيما لم يكن كذلك فقلنا ان عدم التداخل - أي: تعدد المسبب مع انه ليس قابلا للتكرار - محال فالبحث عنه باطل، فهذا البحث على تقدير جريانه واتيانه في الاسباب التكوينية مشروط بهذين الامرين. فنقول: المراد من الاسباب التكوينية ان كانت هي العلل التامة، فمع كون المسبب قابلا للتكرار فالتداخل محال، فلا محالة يتكرر المسبب بتكرر السبب، والا يلزم توارد علتين تامتين على معلول واحد. واما مع عدم كونه قابلا للتكرار فقلنا ان هذا البحث لا يأتي مطلقا لا في الاسباب الشرعية ولا في الاسباب التكوينية. والحاصل ان احتمال التداخل في العلل التامة التكوينية محال. واما المعدات فليست المسببات مترتية عليها حتى نتكلم ان مقتضى الاصل هل هو التداخل أم لا؟ فهذا البحث مختص بالاسباب الشرعية. ولكن ربما يقال: بان إتيانه في الاسباب الشرعية ايضا مشروط بأن تكون معرفات لا مؤثرات وعلل حقيقية، وإلا يكون حالها حال العلل التكوينية في عدم جريان هذا البحث لعين ما ذكرنا، لعدم جريانه هناك. وفيه: ان ما نسميها بالاسباب الشرعية ليست هي إلا موضوعات الاحكام التكليفية والوضعية، فلا مؤثرات ولا معرفات لما هو العلة حقيقة وذلك من جهة ان الشارع هو الذي يوجد هذه الاحكام التكليفية والوضعية وهي اعتبارات من قبل الشارع ومجعولات له في عالم الاعتبار والتشريع. وكما ان الموجودات الخارجية كلها مخلوقات له تعالى في عالم الخارج والتكوين كذلك جميع الاحكام الشرعية وضعية كانت ام تكليفية مجعولات من طرفه تعالى

[ 220 ]

في عالم الاعتبار والتشريع، فالمؤثر والعلة في وجود الاحكام هو الله تعالى. وهذه الاسباب التي نسميها بالالسباب لا علل حقيقية للاحكام كما هو واضح، لما عرفت ان علتها الحقيقية هو الشارع، ولا معرفات للعلل الحقيقية لان هذه الاسباب ليست معرفات للشارع، لان المراد من المعرف هاهنا ظاهرا هو الدال والمبين، وهذه الاسباب ليست دالا ومبينا للعلة الحقيقية بحيث يعرف العلة الحقيقية وانها هو الشارع. فحديث دوران الامر بين ان تكون اسباب الاحكام وشرائطها إما علل حقيقة لها أو معرفات إليها لا اساس له، وبناء على هذا فما فرعوا على هذا الدوران من أن مقتضى الاصل هو التداخل بناء على انها معرفات وعدم التداخل بناء على انها علل حقيقية كلام فارغ لا محصل له، إذ مقصودهم - من ابتناء التداخل على انها معرفات و ابتناء عدم التداخل على انها علل حقيقة ومؤثرات واقعية - هو ما اشرنا ليه، وهو ان توارد علتين تامتين حقيقيتين على معلول واحد محال، فبناء على انها علل حقيقية يكون التداخل محالا. وأما بناء على انها معرفات فلا مانع من التداخل، إذ من الممكن ان يكون للشئ الواحد معرفات متعددة وامارات وعلامات كثيرة وكواشف مختلفة. هذا إذا كان المراد من العلل الحقيقية هو موجدها في عالم الاعتبار والتشريع - أي: الشارع - فقد عرفت انه بناء على هذا ليست هذه التي نسميها الاسباب والشروط علل حقيقية ولا معرفات لها ولا كواشف عنها ولا امارات عليها. وأما لو كان المراد منها المصالح والمفاسد التى قد تكون من قبيل علة الجعل، وقد تكون من قبيل حكمته، فانه وان كان من الممكن ان تكون هذه الاسباب والشرائط مؤثرات في وجود المصالح والمفاسد التى هي اما علة جعل الاحكام أو حكمته، فيكون الافطار في نهار شهر رمضان متعمدا موثرا في وجود مصلحة في اعطاء الكفارة التي هي العلة الحقيقية لجعل وجوبها وايضا يمكن ان تكون معرفات لوجود

[ 221 ]

المصلحة والمفسدة في ذلك الفعل الذي نسميه بالمسبب لا مؤثرات حقيقية. ولكن هذا التفصيل لا وجه له، لانه على كلا التقديرين يمكن التداخل وعدم التداخل، لانه على تقدير ان تكون موثرات في وجود المصلحة والمفسدة يمكن ان يكتفي - مثلا - بغسل أو وضوء واحد عند اجتماع اسباب متعددة كما انه بناء على ان تكون معرفات يمكن ان يكون هذا السبب مثل البول في كل وجود له معرفا لوجود مصلحة في وجود فرد اخر من طبيعة الوضوء أو الغسل كذلك بالنسبة إلى اسبابه. هذا مضافا إلى ان هذه الاسباب والشرائط مرجعها إلى قيود الموضوع مثلا السرقة ليست سببا للقطع، بل السرقة من قيود موضوع وجوب قطع اليد، لان موضوع وجوب قطع اليد هو الانسان المقيد بكونه سارقا، كما ان موضوع وجوب الحج هو الانسان المقيد بكونه مستطيعا، ولا شك في ان الموضوع وقيوده ليس علة للحكم ولا معرفا له. فهذا الكلام - أي: القول بأن الاصل عدم التداخل ان كانت هذه الاسباب والشرائط علل ومؤثرات حقيقية، والتداخل ان كانت معرفات - لا اساس له، لانها من قيود الموضوعات لا علل للاحكام ولا معرفات لها. الثالث: ربما يتوهم التنافي بين قولي المشهور، فها هنا يقولون بأصالة عدم تداخل الاسباب، ونتيجة هذا القول هو تعدد المسببات عند تعدد الاسباب وأيضا يقولون فيما إذا تعلق الطلب بفعل - أي: بطبيعة - مرتين، كما إذا قال صم يوما، ثم قال ايضا صم يوما، أو قال: اكرم عالما، ثم قال ايضا: اكرم عالما، وهكذا في سائر المقامات التي يتعلق الطلب بطبيعة مرتين أو مرات - بان ما بعد الطلب الاول تأكيد له مع ان الطلب سبب للتكليف، فإذا تعدد يجب تعدد التكليف ولزوم ايجاد المكلف به متعددا بمقدار عدد الطلب. فقولهم بان ما بعد الطلب الاول تأكيد له وكفاية صوم يوم واحد واكرام عالم

[ 222 ]

واحد وعدم تعدد التكليف ولا المكلف به مع القول بعدم تداخل الاسباب وان تعدد السبب موجب لتعدد المسبب متنافيان لا يجتمعان. ولكن التحقيق ان هذا التوهم باطل، وذلك من جهة ان الطلب - فيما مثلنا من المثالين وما هو من هذا القبيل - تعلق بصرف الوجود من طبيعة الصوم والاكرام، وكذلك بالنسبة إلى متعلقيهما - أي: اليوم والعالم - فلفظ صم يوما وكذلك أكرم عالما ظاهر في طلب صرف الوجود من طبيعة الصوم، وكذلك في صرف الوجود من اليوم في المثال الاول، وكذلك الامر في المثال الثاني - اي: الطلب - تعلق بصرف الوجود من طبيعة الاكرام وصرف الوجود من طبيعة العالم. وصرف الوجود من كل شئ يتحقق باول وجود منه، إذ هو نقيض عدمه المطلق، ولو لم يصدق صرف الوجود للشئ على اول وجود من ذلك الشئ يلزم اجتماع النقيضين، إذ المراد من صرف وجود الشئ وجوده المطلق من دون اي تقييد فيه وهو نقيض عدمه المطلق أي: من دون تقييد في ذلك العدم، ومعلوم ان الوجود المطلق والعدم المطلق المحمولان على شئ نقيضان لا يجتمعان، فالوجود الثاني أو الثالث وهكذا، وكذلك الوجود المعنون بعنوان الآخر للطبيعة ليس جميع ذلك مصداقا لمفهوم صرف الوجود، وهذا مرادهم من قولهم: صرف الشئ لا يتكرر ولا يتثنى. فلو اراد الآمر وجود طبيعة مرة اخرى لا بد له ان يقيد مطلوبه بكلمة " ثانيا " أو " الآخر "، أو " مرة اخرى "، والا لو تعلق الطلب بوجود شئ من دون أي تقييد في المطلوب يكون متعلقا بصرف وجود ذلك الشئ، وحيث ان صرف الوجود لا يتكرر فلا بد من حمل الطلب الثاني والثالث - وهكذا - على التأكيد لا التأسيس. ومثل هذا خارج عن مورد هذا البحث، لما ذكرنا ان مورده فيما إذا كان المسبب قابلا للتعدد والتكرار، فعلى فرض تسليم ان المفروض من قبيل الاسباب والمسببات لا يأتي ذلك البحث هاهنا، إذ الشك في وقوع شئ فرع امكانه، والا فالعاقل الملتفت

[ 223 ]

لا يشك في وقوع اجتماع النقيضين أو وجود سائر الممتنعات. وحيث كان مفاد الطلب المتعلق بوجود شئ - من دون تقييد المطلوب باي قيد - متعلقا بصرف وجود الشئ - وصرف وجود الشئ ليس قابلا للتكرر، فالبحث عند الشك في ان الاصل هل تعدد وجود المطلوب عند تعدد الطلب أو مقتضى الاصل عدم التعدد باطل لا ينبغي ان يصدر عن عاقل. نعم لو صدر الطلب المتعلق بصرف الوجود ثانيا بعد امتثال الطلب الاول فيدل على لزوم ايجاده ثانيا، لان ذلك الوجود مصداق صرف الوجود في ذلك الوقت. وبعبارة اوضح: كل طلب تعلق بصرف الوجود - من دون تقييد المطلوب بقيد مثل " ثانيا " أو " مكررا " أو " آخر " وامثال ذلك، فاول وجود من تلك الطبيعة بعد صدور الطلب مصداق صرف الوجود، وبعده وجود تلك الطبيعة ليس مصداق صرف الوجود. وأما ايجاد تلك الطبيعة قبل صدور الطلب لا يكون مضرا بمطلوبية صرف الوجود بعد صدور الطلب، فلو صدر من الآمر طلب اخر متعلق بصرف الوجود قبل ايجاد متعلق الطلب الاول، لا بد وان يكون تأكيدا، ولا يمكن أن يكون تأسيسا. إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: ان الاصل يقتضي عدم تداخل الاسباب والمسببات، وذلك أما بالنسبة إلى عدم تداخل الاسباب فمن جهة ما ذكرنا ان مرجع الاسباب والشرائط إلى قيود الموضوعات. فإذا قال الآمر: ان ظاهرت فاعتق رقبة، وان افطرت في نهار رمضان فاعتق رقبة يكون هاهنا موضوعين وحكمين احدهما: المظاهر يجب عليه عتق رقبة والثاني: المفطر في نهار رمضان متعمدا بدون ان يكون له عذر يجب عليه عتق رقبة، وظاهر هاتين القضيتين ان لكل واحد من الموضوعين هذا الحكم ثابت، سواء اجتمع

[ 224 ]

مع الموضوع الآخر أم لا، ففى مورد الاجتماع يكون له طلبان ومطلوبان احدهما مترتب عليه باعتبار كونه مظاهرا والآخر باعتبار كونه مفطرا في نهار شهر رمضان، وهكذا معنى عدم التداخل بالنسبة إلى الاسباب أي: كل من السببين يقتضي حكما غير حكم الاخر. ان قلت: قد ذكرت ان صرف الوجود ليس قابلا للتكرار، وهاهنا ايضا تعلق الطلب بصرف الوجود في كلتا القضيتين وبعبارة اخرى: ما الفرق بين ان يقول اعتق رقبة ثم يقول ثانيا اعتق رقبة وتقول يكفي في امتثال كلتا القضيتين عتق رقبة واحدة - وبين ان يقول ان ظاهرت فاعتق رقبة وان أفطرت فاعتق رقبة؟ وتقول في هذا الفرض بلزوم عتق رقبتين، لان الاصل عدم تداخل الاسباب. قلت: الفرق بين الصورتين هو انه في الصورة الاولى - أي: فيما لا يكون طلب وجود طبيعة مسبوقا بوجود السبب - يكون الحكمان على موضوع واحد، والحكم هو طلب صرف الوجود الذى لا تكرار فيه، فلا بد وان يكون الثاني تأكيدا للاول. وأما في الصورة الثانية - أي: ما يكون الطلب مسبوقا بذكر السبب - يكون الحكم على موضوعين، فيكون لكل موضوع حكمه، وان كان هو طلب صرف وجود الطبيعة ولكن طلب صرف وجود الطبيعة لموضوع غير طلب صرف وجود الطبيعة لموضوع آخر. فقهرا يتقيد المطلوب في الطلب الثاني بقيد - مثل " آخر " أو " ثانيا " وامثال ذلك - إذا كانت الطبيعة المطلوبة لها افراد، فقوله: ان ظاهرت فاعتق رقبة بعد قوله: ان افطرت فاعتق رقبة قهرا تتقيد الرقبة فيه باخرى مثلا، فيخرج المطلوب عن كونه صرف الوجود. وهذا فيما إذا كانت الاسباب المتعددة من اسناخ مختلفة في غاية الوضوح وأما إذا كانت من سنخ واحد، كما إذا افطر في يوم واحد متعددا بالاكل مثلا أو بالجماع أو بالارتماس فظاهر القضية الشرطية هو الانحلال وان كل وجود وفرد من افراد طبيعة

[ 225 ]

الشرط موضوع للحكم المنشأ في الجزاء. فظاهر قوله عليه السلام - " ان جامعت اهلك في نهار رمضان فاعتق رقبة " (1) أو قوله " من جامع اهله في نهار رمضان فعليه عتق رقبة " (2) هو ان كل فرد من افراد الجماع الواقع في نهار رمضان موضوع مستقل لوجوب عتق الرقبة فلا فرق في ان الاصل يقتضي عدم تداخل الاسباب بين أن تكون الاسباب من سنخ ونوع واحد أو من انواع مختلفة بعد ان عرفت ان القضية الشرطية ظاهرة في ان كل فرد من افراد ما اخذ شرطا أو سببا موضوع مستقل للحكم المذكور في الجزاء ولا يجوز قياسها بالحكم المكرر في القضية غير المسبوقة بالشرط والسبب، لما ذكرنا من ان القضية المتكفلة للحكم على موضوع ان لم تكن مسبوقة بشرط فان تكررت تلك القضية من دون اختلاف في جانب الموضوع ولا في جانب المحمول باخذ قيد أو وصف في موضوع احديهما أو محمولها دون الاخرى فلا محالة تكون القضية الثانية تأكيدا للاولى، لان الوجود المطلق لطبيعة من دون تقيده باي قيد لا تكرر فيه يصدق باول وجود منها. واما إذا كانت القضية مسبوقة بشرط أو سبب، أو قيد موضوعها بقيد - لم يكن في موضوع القضية الاخرى - فظاهرة في ان كل واحد من الموضوعين له حكم مستقل وجزاء غير الجزاء الاخر الا ان لا يكون الجزاء قابلا للتكرار - كالقتل في قوله المرتد يقتل والزاني المحصن يقتل واللائط يقتل سواء - كانت تلك القضايا بصورة القضية الحملية أو كانت بصورة القضية الشرطية - أو الا ان يأتي دليل على كفاية الجزاء الواحد لجميع تلك الموضوعات أو تلك الشروط والاسباب مثل قوله ان بلت فتوضأ وان نمت فتوضأ.


: 1 - لم نجده في بحار الانوار ووسائل الشيعة ومستدرك الوسائل. 2 - " مستدرك الوسائل " ج 7، ص 326، باب 7، ح 8308، وص 327، ح 8309.

[ 226 ]

فتلخص من جميع ما ذكرنا ان تعدد السبب والشرط - في القضايا الشرطية وان اتحد الجزاء سواء كانت تلك الاسباب والشروط من سنخ واحد أو من اسناخ متعددة - ظاهر في ان كل فرد من افراد السبب والشرط له تأثير مستقل في الجزاء إذا كان الجزاء قابلا للتكرار ولم يكن دليل على ان جزاء واحدا يكفي للجميع اي لم يكن دليل على تداخل المسببات. ويكون هذا الظهور قرينة على عدم ارادة صرف الوجود من الجزاء في القضيتين كي لا يكون قابلا للتكرار. ولا فرق في هذا الامر بين ان تكون القضيتان اللتان جزائهما واحد بصورة القضية الشرطية أو كانتا بصورة القضية الحملية مع تقييد موضوع احدى القضيتين بقيد أو وصف دون الاخرى أو كانت قضية واحدة حملية ولكن تكرر وجود افراد موضوعها، كما إذا قال من جامع أهله في نهار رمضان متعمدا من غير عذر فعليه عتق رقبة ثم تكرر منه الجماع في يوم واحد فظهر ان مقتضى الاصل اي الادلة اللفظية - عدم تداخل الاسباب. واما تداخل المسببات فايضا مقتضى الاصل اللفظي عدمه فيكون مقتضى الاصل تعدد المسبب بتعدد السبب وذلك من جهة انه بعد ما عرفت ان الاصل عدم تداخل الاسباب وان كل سبب يؤثر في مسبب مختص به غير المسبب عن السبب الآخر. وان شئت قلت ان الموضوع لكل واحد من الحكمين في الجزائين في القضيتين الشرطيتين غير ما هو الموضوع في الاخرى بواسطة تعدد السبب أو الشرط بل يتعدد الموضوع بواسطة القيد والوصف وان كانت القضية حملية فيكون تعدد السبب أو الشرط أو تعدد الموضوع بناء على هذا الاخير قرينة على عدم ارادة صرف الوجود في طرف الجزاء.

[ 227 ]

فإذا قال الامر ان ظاهرت فاعتق رقبة أو قال بصورة القضية الحملية يجب عتق رقبة على المظاهر ثم قال ان اكلت في نهار رمضان فاعتق رقبة أو قال بصورة القضية الحملية يجب عتق رقبة على الذي اكل في نهار رمضان من غير عذر. يكون الجزاء في القضية الثانية سواء كانت بصورة القضية الشرطية أو كانت بصورة القضية الحملية مقيدا باخرى أو بالثانية أو بامثالهما. مثلا يكون الجزاء في القضية الثانية هكذا ان اكلت في نهار رمضان من غير عذر فأعتق رقبة ثانية أو اخرى ان قلت: ان المترتب على الشرط في القضية الشرطية هو الحكم المتعلق بفعل المكلف لا نفس الفعل فالمترتب على الظهار أو الاكل هو وجوب العتق لا نفس العتق الذي هو متعلق الوجوب والوجوب المتعلق بالعتق ليس قابلا للتكرار وان كان قابلا للتأكيد. فغاية ما يمكن ان يكون هو تأكد وجوب العتق عند تعدد الاسباب واما تعدد العتق فلا فيرجع إلى ان تعدد الاسباب يوجب تأكد وجوب عتق رقبة واحدة وهذا غير ما هو مقصودهم من عدم تداخل المسببات. لان مقصودهم من هذا الكلام هو تعدد المسبب بمقدار تعدد السبب قلنا: ان تعدد الحكم اما بتعدد موضوعه وان كان المتعلق واحدا مثل يا زيد يجب عليك عتق رقبة ويا عمرو يجب عليك عتق رقبة واما بتعدد متعلقه وان كان موضوعه واحدا مثل يا زيد يجب عليك عتق رقبة، وأيضا يا زيد يجب عليك اطعام ستين مسكينا واما يكون بتعددهما كما فيما نحن فيه. فالموضوع في احدى القضيتين للمظاهر مثلا سواء كانت القضية بصورة الشرطية أو الحملية وفي الاخرى الاكل في نهار رمضان من غير عذر ايضا مع عدم الفرق في القضية بأي صورة كانت واما المتعلق في احداهما نفس عتق الرقبة مثلا من دون قيد

[ 228 ]

وفي الاخرى مقيدا بقيد " الاخرى " أو " ثانية " كما ذكرنا مفصلا. فلا يحتاج الجواب عن هذا الاشكال إلى ما تكلفه شيخنا الاستاذ بأن المعلق على الشرط هو محصل جملة الجزاء ومفاد مجموعها لا خصوص مفاد الهيئة اي الوجوب بل المترتب على الشرط طلب ايجاد مادة المتعلق (1). ففى المثال المذكور علق الآمر على الظهار أو على الاكل في نهار رمضان مطلوبية ايجاد العتق عن الخاطب بهذا الخطاب وذلك من جهة ان نفس الوجوب الذي هو مفاد الهيئة معنى حرفي ليس قابلا للتقييد ولا التعليق. وانت خبير بأن ما ذكره شيخنا الاستاذ (قده) لا يخلو عن تأمل فظهر مما ذكرنا ان مقتضى القاعدة اي الدليل اللفظي فيما إذا تعدد السبب - إذا كانت الاسباب المتعددة من اسناخ مختلفة أو تكرر وجوده إذا كانت من سنخ واحد - تعدد المسبب وجودا لا صرف تأكد وجوبه مع وحدته خارجا وهذا فيما إذا كان المسبب قابلا للتعدد والتكرر وهذا الذي قلنا من اصالة عدم تداخل الاسباب والمسببات لا ينافي اتيان دليل خارجي على التداخل فيهما أو في احدهما فيكون اصلا ثانويا وذلك كما في باب الوضوء لو اجتمعت اسباب متعددة من البول والغائط والنوم والريح يكفي وضوء واحد. وكذلك في الغسل بناء على ما ذكروه من كفاية الغسل الواحد مطلقا عن الاسباب المتعددة أو فيما إذا نوى الجميع بدلك الغسل الواحد أو فيما إذا كان ذلك الغسل بقصد غسل الجنابة بناء على الاقوال المتعددة المختلفة في هذه المسألة. ولكن كل ذلك لقيام الدليل على الاكتفاء بالواحد على خلاف الاصل الاولي في


: 1 - " فوائد الاصول " ج 1، ص 495.

[ 229 ]

باب تداخل الاسباب والمسببات. ثم انه قد يكتفي بايجاد المسبب الواحد من جهة كونه مصداقا لعنوانين بينهما عموم من وجه مثلا لو نذر ان يطعم عالما وايضا نذر ان يطعم هاشميا فلو اطعم عالما هاشميا وفي بنذريه من جهة كونه مصداقا لكلا العنوانين. ان قلت ان امتثال الحكمين اي: الواجبين منوط بشمول كلا الدليلين لمورد الاجتماع ومورده في المثال المفروض حيث ان التركيب بين العنوانين فيه اتحادي لا يمكن ان يشمله العمومان أو الاطلاقان وان كانا بدليين، لامتناع اجتماع المثلين في واحد مثل الضدين فلا بد من سقوط كلا الوجوبين أو احدهما في مورد اجتماع العنوانين واتحادهما. قلنا ان الفرق بين الضدين والمثلين هو ان الحكمين الضدين لا يمكن اتحادهما وصيرورتهما حكما واحدا مؤكدا بخلاف المثلين فانهما بعد اجتماعهما سواء أكانا وجوبين أو حرمتين أو استحبابين يتحدان ويصيران حكما واحدا مؤكدا فامتثالهما جميعا باتيان مادة الاجتماع. ثم ان ما حكي عن العلامة (قده) من المقدمات الثلاث دليلا وبرهانا على ان الاصل عدم تداخل الاسباب ولا المسببات يرجع إلى ما ذكرنا بل عينه غاية الامر الفرق هو الاجمال والتفصيل. والمقدمات الثلاث هذه: الاولى: ان ظاهر القضية الشرطية وتعدد الاسباب هو كون كل شرط وسبب مؤثر مستقل في الجزاء لا أنه جزء سبب حتى يكون المجموع عند اجتماعهما سببا واحدا وهذه المقدمة هي الركن الركين في مسألة عدم تداخل الاسباب والمسببات. الثانية: ان ظاهر كل شرط ان يكون اثره غير اثر الشرط الاخر لا ان يكون

[ 230 ]

شيئا واحدا اثر الاثنين. الثالثة: هو ان التعدد والغيرية في الاثرين للشرطين يكون بنحو انفصال كل واحد من الاثرين عن الآخر لا الاندكاك كي يكون بنحو التأكد والاشتداد مثل آثار المصابيح المتعددة في الغرفة لانها وان كان كل واحد منها سبب مستقل لمرتبة من الضياء لا انه جزء سبب لتلك المرتبة وايضا اثر كل واحد من تلك المصابيح غير اثر الآخر لكن مجموع آثارها وجد بنحو ضياء واحد مؤكد شديد بمعنى: ان حدود تلك المراتب اندكت وذهبت من البين بعد اجتماعهما وحصلت مرتبة اكمل واشد. وهذا في الكم المنفصل كالاعداد تصويره اوضح، فلو ان اشخاصا متعددة كل واحد منهم اتى مثلا بعدد من التفاح أو الرمان فبعد اجتماع تلك المراتب تسقط الحدود ويحصل حد مرتبة أزيد من العدد وهكذا في الكم المتصل بل في كل ما يقبل الزيادة والنقيصة والشدة والضعف، وان شئت قلت في كل ما يقبل الكمال والنقص. واثبات هذه المقدمات بالاستظهار من الادلة اللفظية في كمال الوضوح وترتب اصالة عدم تداخل الاسباب والمسببات عليها اوضح كما بينا وشرحناه مفصلا. نعم استشكل على ترتب اصالة عدم التداخل على هذه المقدمات فخر المحققين (قده) (1) بأن ما ذكر صحيح في العلل والاسباب التكوينية واما الاسباب و الشرائط الشرعية فليست من هذا القبيل بل هي امارات ومعرفات وتبعه جمع ممن تأخر عنه. وخلاصة كلامهم ان ما هو الموثر - في وجوب الكفارة مثلا أو الوضوء أو الغسل والسبب الحقيقي لهذه الامور أو سائر المسببات الشرعية - ليست هذه الاسباب المذكورة في لسان الادلة أو هذه الشرائط المذكورة في أدلة المسببات.


: 1 - حكى الشيخ الاعظم نسبته الى فخر المحققين واحتمل تبعية النراقي له في العوائد. راجع: " مطالع الانظار " ص 175..

[ 231 ]

فليست الاستطاعة مثلا لها تأثير حقيقي في وجوب الحج وكذلك البول أو النوم وغيرهما من اسباب الوضوء ليس لها تأثير حقيقي في وجوب الوضوء وكذلك بالنسبة إلى أسباب الغسل والكفارة وغيرهما بل المذكورات كواشف عن السبب الحقيقي وتعدد المسبب انما يكون بتعدد السبب الحقيقي وما هو المؤثر تكوينا وإلا فتعدد الكواشف لا يوجب تعدد المنكشف وما هو العلة حقيقة. وقد تقدم الجواب عن هذا الكلام وان الاسباب والشرائط للاحكام الشرعية ليست ألا قيودا لموضوعات تلك الاحكام وان كانت بصورة القضية الشرطية فمعنى ان استطعت فحج اي يجب الحج على المستطيع وكذلك قوله ان بلت، فتوضأ أي يجب الوضوء على من بال أو نام وكذلك قوله ان قتلت مؤمنا خطأ فكفر بكذا اي تجب الكفارة على من قتل مؤمنا خظأ. فتعدد الاسباب الشرعية في لسان الادلة مرجعه إلى تعدد الموضوع ومعلوم ان نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة العلة إلى معلوله فإذا تعدد الموضوع فلكل موضوع حكمه وقهرا يتعدد الحكم بتعدد موضوعه فلا ربط لمسألة اصالة عدم التداخل بأنها اي الاسباب الشرعية معرفات أو مؤثرات حقيقية لانها ليست إلا قيودا للموضوعات لا معرفات ولا مؤثرات في الاحكام الشرعية. فلا يبتني هذا البحث على ما ذكره فخر المحققين وتبعه على ذلك محقق الخونسارى (1) والفاضلان صاحب اللوامع وصاحب المستند النراقيان (2) (قدهم) وقد ظهر من مجموع ما ذكرنا ثبوت ان مقتضى الاصل الاولي أي الظهور اللفظي فيما إذا تعدد السبب سواء كانت الجملة بصورة الجملة الشرطية كما إذا قال ان بلت فتوضأ وان نمت فتوضأ أو كانت بصورة القضية الحملية كما إذا قال يجب الوضوء


: 1 - " مشارق الشموس " ص 61 - 69. 2 - انظر " المستدرك " ج 2، ص 371، وص 367..

[ 232 ]

على من بال وكذا يجب على من نام - هو تعدد المسبب وعدم التداخل لا في جانب الاسباب ولا في جانب المسببات. نعم ورد الدليل في باب الوضوء (1) وكذا في باب بعض الكفارات من كفارة افطار شهر رمضان (2) على عدم تعد المسبب تعدد السبب وكفاية وضوء واحد أو كفارة واحدة وان تعددت اسبابهما فلا بد من رفع اليد عن ظهور القضية اللفظية شرطية كانت ام حملية في تعدد المسبب بتعدد اسبابه والقول بأن المسبب هو صرف الوجود من طبيعة المسبب فليس قابلا للتكرار ولا للتأكيد فيكون خارجا عن موضوع البحث. لان البحث في هذا الاصل - كما تقدم - كان فيما إذا كان المسبب قابلا للتكرار ولو بواسطة الاضافة إلى سببه كما قلنا في باب الخيارات فانها قابلة للاسقاط باعتبار الاضافة إلى اسبابها أو للتأكد فإذا لم يكن قابلا لهما فلا مورد لهذا الاصل اللفظي لان الاثبات فرع امكان الثبوت وإلا يكون البحث فيه باطلا. ولكن هذا الوجه لا يأتي في باب الوضوء لان الوضوء قابل للتأكد يقينا لقوله (ع): " الوضوء على الوضوء نور على نور " (3) خصوصا إذا كان اسما لذلك الامر المعنوي أي الطهارة الحاصلة للنفس بواسطة تلك الافعال أي الغسلتان والمسحتان الصادرتان عن قصد القربة والاخلاص له تعالى. ويمكن توجيه كفاية وضوء واحد عن اسباب متعددة والنواقض المختلفة بوجه آخر وهو ان سبب الوضوء في الحقيقة امر واحد غير قابل للتعدد ولا للتأكد وهو الحالة النفسانية ويمكن ان يعبر عنها بالقذارة النفسانية مقابل الطهارة النفسانية.


: 1 - " وسائل الشيعة " ج 1، ص 263، ابواب الوضوء، باب 7. 2 - " وسائل الشيعة " ج 7، ص 27، ابواب ما يمسك عنه الصائم، باب 11. 3 - " الفقيه " ج 1، ص 41، ح 82، باب صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 265، ابواب الوضوء، باب 8، ح 8..

[ 233 ]

وهذه النواقض محصلات لتلك الحالة، وحيث ان تلك الحالة ليست قابلة للتعدد ولا للتأكد فهذه النواقض لو وجدت مترتبة وواحد بعد الاخر وفي طوله فباول وجود منها تحصل تلك الحالة فيكون حصولها بعد وجودها بأول ناقض من تلك النواقض من قبيل تحصيل ما هو حاصل الذي هو محال فقهرا وجود سائر النواقض بعد وجود الاول منها يكون بلا اثر ولغوا من هذه الجهة. ولكن هذا منوط بأن لا تكون تلك الحالة اي القذارة النفسية قابلة للتأكد وإلا فبالثاني والثالث وهكذا تشتد وان شئت مثل هذا بأن الطهارة المعنوية والنورانية النفسانية التى هي اما مسببة عن الوضوء أو تكون عبارة عن نفس الغسلتين والمسحتين بمنزلة النور المتولد عن سراج واحد أو عن اسرجة متعددة والنواقض بمنزلة هبوب ريح يطفأ ذلك السراج أو تلك الاسرجة فإذا انطفى ذلك السراج أو تلك الاسرجة بهبوب اول ريح فلا يبقى مجال لتأثير سائر الهبوبات بعد هبوب الاول وهذا المعنى مناسب مع اطلاق النواقض عليها فخذ واغتنم هذا في باب الوضوء. واما في باب الكفارات فبالنسبة إلى كفارة افطار شهر رمضان لمن ليس له عذر فالمشهور قالوا بوجوب كفارة واحدة في غير الجماع وان تعدد وجود المفطر وان كانا من سنخين كالاكل والشرب مع ان الكفارة التى هي المسبب قابلة للتكرر. فيمكن ان يقال ان السبب للكفارة هو الافطار في نهار رمضان الصادر عن الصائم وهذا المعنى يصدق على اول وجود من المفطر وبصدوره من المتعمد إلى الافطار يبطل الصوم وينعدم فالوجود الثاني من الفطر - سواء أكان من سنخ الاول كالاكل بعد الاكل أو الشرب بعد الشرب أو كان من سنخ آخر كالاكل بعد الشرب أو الشرب بعد الاكل - لا يصدق عليه انه افطر صومه لانه بافطاره الاول ابطل صومه وليس بصائم بعد ذلك ومن الواضح المعلوم ان موضوع الكفارة هو افطار الصوم لا مطلق الاكل والشرب مثلا في نهار رمضان وان لم يكن صائما

[ 234 ]

ففي الحقيقة هاهنا سبب واحد للكفارة وهو اول وجود من المفطرات فليس من قبيل تداخل الاسباب أو المسببات. وعلى كل حال هذا اصل اولي ومقتضى اصالة عدم تداخل الاسباب هو تعدد المسبب ما لم يأت دليل على خلافه. واما اتيان دليل على التداخل فلا ينافي هذه القاعدة لان هذه القاعدة مفاد ظاهر القضية اللفطية فإذا جاء الدليل على خلافه لا يبقى مجال للاخذ بذلك الظهور أو كان المسبب غير قابل للتكرار ولا للتأكد أو كان المسبب المأتي به مصداقا لعنوانين وامتثالا لامرين كما قلنا فيما لو نذر اطعام عالم ونذر ايضا اطعام هاشمي فأطعم عالما هاشميا فقد اوفى بكلا نذريه وامتثل الامرين جميعا. ثم انهم بمناسبة البحث عن اصالة عدم تداخل الاسباب في باب الاغسال تكلموا في مسألة تعدد حقائق الاغسال واتحادها فذهب المشهور إلى انها حقائق مختلفة وبعض اخر إلى انه حقيقة واحدة وهو المحكي عن الاردبيلي وتلامذته (1) (قدهم). ومعنى كونها حقيقة واحدة تارة باعتبار انفسها واخرى باعتبار اتحاد اسبابها وثالثة باعتبار آثارها. أما الاول فلا شك في ان الغسل عبارة عن غسل جميع البدن باجراء الماء عليه مع النية اي قصد القربة بهذا الفعل ولا فرق بين ان يكون اجراء الماء على جميع البدن غسلا ارتماسيا أو ترتيبيا. والعمدة انه هل قصد العنوان لازم في هذه الاغسال وبه يتحقق وبدونه لا يوجد، مثلا غسل الجنابة أو الجمعة أو مس الميت لا يتحق بدون قصد هذه العناوين وان كان بعنوانه الاجمالي مثل ما في الذمة مما يشير إلى ذلك العنوان فيكون حال الغسل


: 1 - " مجمع الفائدة والبرهان " ج 1، ص 130، " مدارك الاحكام " ج 1، ص 98، و 194..

[ 235 ]

حال الصلوات الرباعية مثلا حيث لا يتحقق إلا بقصد عناوينها من الظهر والعصر والعشاء ولو اجمالا وبعنوان ما في الذمة فان كان الامر كذلك فلا بد وان نقول باختلاف حقيقتها، إذ قصد العنوان يكون بمنزلة الفصل المنوع لها كما يكون كذلك في باب الصلوات واما الثاني اي وحدتها باعتبار اسبابها اي تداخل اسبابها في عالم التأثير اي يكون اثر كل واحد من تلك الاسباب قذارة معنوية يعبر عنها بالحدث الاكبر. ولا فرق في تلك القذارة المعنوية بين ان يكون حصولها من الجنابة أو من الحيض أو من مس الميت أو من غير ذلك كما قلنا في الوضوء ان موجباتها توجب حدوث ظلمة في النفس ترتفع بواسطة الوضوء ولا شك في ان مقتضى القاعدة اختلافها من هذه الجهة ايضا وإلا يلزم تأثير المتعدد في الواحد. ولكن يمكن ان يقال ان هذا يلزم لو لم تكن تلك القذارة المعنوية قابلة للتأكد وألا فكل واحد من تلك الاسباب يؤثر في مرتبة من تلك القذارة فتشتد ولا يلزم هذا المحذور ولكن الذي يلزم هو أنه في بعض موجبات الغسل لا يمكن الالتزام بمثل هذا الاثر كغسل الجمعة فان موجبه يوم الجمعة وهو لا يوجب قذارة معنوية قطعا بل جميع الاغسال الزمانية ذلك الزمان الذي يوجبها لا يمكن ان يكون موجبا لوجود ظلمة أو قذارة معنوية في النفس كغسل ليالي شهر رمضان خصوصا ليلة القدر. فالقول باتحاد حقيقة الاغسال من هذه الجهة مما لا يمكن الالتزام به. واما الثالث اي اتحادها باعتبار اثارها بأن يقال اثر جميعها واحد وهو وجود نورانية نفسانية كما قلنا في الوضوء مستدلا بقوله (ع) " الوضوء نور والوضوء على الوضوء نور على نور ". وفيه ان وحدة الاثر تكشف عن وحدة المؤثر فيما إذا لم يكن ذلك الاثر قابلا للاشتداد واما إذا كان فيمكن ان يكون كل مرتبة من مراتب ذلك الاثر مستندا إلى

[ 236 ]

غسل من تلك الاغسال فعند اجتماع الاغسال المتعددة مرتبة من تلك النورانية تكون مستندة إلى غسل الجنابة واخرى إلى غسل الجمعة وهكذا فلا يمكن استكشاف كون الاغسال حقيقة واحدة من وحدة الاثر بهذا المعنى. فالانصاف ان الحكم باتحاد الاغسال من حيث حقائقها وكون الاختلاف من ناحية اضافتها إلى موجباتها - كقولك غسل الجنابة وغسل الجمعة وغسل مس الميت وغسل ليلة القدر وهكذا - مما لا دليل عليه بل ظاهر قوله (ع): " إذا اجتمعت لله عليك حقوق اجزئها عنك غسل واحد " (1) - تعدد الحقوق غاية الامر ان الرواية تدل على كفاية الامتثال للجميع باتيان غسل واحد ولا ينافي الاكتفاء بواحد مع تعدد حقوق المجتمعة واختلاف حقائقها كما هو صريح رواية حريز. وخلاصة الكلام في المقام ان ظاهر تعدد الاسباب - والموجبات للغسل كالجنابة والحيض والاستحاضة في بعض اقسامها ومس الميت ونفس الميت اي كون موت المسلم موجبا للغسل وغسل الاحرام والجمعة والزيارة والاغسال الزمانية على كثرتها ورؤية المصلوب إلى غيرها من الاسباب المذكورة في الكتب الفقهية - هو تعدد الغسل وانها حقائق مختلفة ومن آثارها عدم اجزاء واحد منها عن الباقي سواء نوى بذلك الواحد سائر الاغسال أو لم ينو وسواء كان ذلك الواحد الذي يأتي به غسل الجنابة أو غيرها. ولكن وردت روايات متعددة تدل على ان اتيان واحد منها يكون مجزيا عن الباقي إذا كان ما في ذمته متعددا خصوصا إذا كان باتيان ذلك الواحد ينوي جميع ما في ذمته، وخصوصا إذا كان ما يأتي به بعنوان غسل الجنابة وينوي الباقي في ضمنه وتبعا له.


: " الكافي " ج 3، ص 41، باب ما يجزئ الغسل منه إذا اجتمع، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 107، ح 270، باب الاغسال المفترضات والمسنونات، ح 11، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 525، ابواب الجنابة، باب 43، ح 1..

[ 237 ]

ومنها ما ذكرنا من رواية حريز عن زرارة عن احدهما عليهما السلام المروي في الكافي والتهذيب قال (ع) " إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر اجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة فإذا اجتمعت عليك حقوق الله اجزئها عنك غسل واحد " ثم قال وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها واحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها " (1). وايضا عن الكافي باسناده عن جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن احدهما انه (ع) قال: " إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر اجزء عنه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه في ذلك اليوم " (2) وايضا في الكافي والتهذيب باسنادهما عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن المرأة تحيض وهي جنب هل عليها غسل الجنابة؟ قال: " غسل الجنابة والحيض واحد " (3). وروايات كثيرة مثل ما ذكرنا واردة في هذا الباب. الجهة الثالثة في بيان موارد تطبيق هذه القاعدة فنقول: موارد تطبيقها في الفقه كثيرة: فمنها: مسألة تداخل الاغسال وكذلك الوضوءات ولكن لا أثر لهذه القاعدة فيما


: 1 - هي نفس الرواية المتقدمة في ص 236. 2 - " الكافي " ج 3، ص 41، باب ما يجزئ الغسل منه إذا اجتمع، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 526، ابواب الجنابة، باب 43، ح 2. 3 - " الكافي " ج 3، ص 83، باب المرأة ترى الدم وهي جنب، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 395، ح 1223، باب الحيض والاستحاضة والنفاس، ح 46، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 527، ابواب الجنابة، باب 43، ح 9..

[ 238 ]

ورد الدليل على التداخل كما في هذين البابين. ومنها: لو تعددت اسباب النزح في باب البئر بأن وقعت فيها نجاسات عديدة هل تتداخل ويكفي للجميع نزح واحد غاية الامر بالاكثر منها أم لا تتداخل؟ بل يجب لكل واحد من النجاسات النزح الخاص به فيتعدد النزح بتعدد النجاسات الواقعة فيها فينزح المقدر لكل واحد منها. ومنها: لو تعدد ورود النجاسات الخبثية على محل فهل تتداخل أم يجب الغسلات المتعددة لكل واحد منها الغسل المختص بها مثلا لو لاقى بدنه أو ثوبه الدم والبول فبناء على التداخل يغسل مرتين أي يأخذ بالاكثر منهما تقديرا وهو البول بناء على وجوب التعدد فيه وبناء على عدم التداخل يجب غسله ثلاث مرات مرة للدم ومرتين للبول. ومنها: لو تعدد نذره بالنسبة إلى فعل من الافعال وذلك كما نذر مرتين ان يصوم يوما أو نذر مرتين ان يزور الحسين (ع) فبناء على التداخل يكفي صوم يوم واحد وزيارة واحدة وبناء على عدم التداخل يجب ان يصوم يومين ويزوره (ع) مرتين. ومنها: لو تعدد موجبات الكفارة في نهار شهر رمضان لمن يجب عليه الصوم كما إذا اكل أو شرب مرارا أو اكل وجامع وارتمس فبناء على اصالة عدم التداخل تكون عليه كفارات متعددة بعدد اسبابها وبناء على التداخل ليس عليه إلا كفارة واحدة وهكذا الامر بالنسبة إلى كفارات الحج وكفارات الاحرام تعدد الكفارة بتعدد اسبابها لو قلنا بأصالة عدم التداخل وتكفى كفارة واحدة لو قلنا بالتداخل. ومنها: تعدد الاسباب في باب الحدود بالنسبة إلى الجلد فلو قذف متعددا أو زنى غير محصن متعددا فبناء على عدم التداخل يجلد مرات بعدد اسباب الجلد ثمانين أو مائة وان قلنا بالتداخل لا يجلد إلا مرة واحدة. وخلاصة الكلام ان هذا الاصل كثير الدوران في الفقه وله موارد كثيرة

[ 239 ]

واستيفاء تمامها موجب للتطويل ولذلك نكتفي بما ذكرنا ونحيل الباقي على الكتب الفقهية المفصلة ونختم الكلام في هذه القاعدة بذكر امور لا غناء عن ذكرها. الاول: في انه هل هذه القاعدة من القواعد الفقهية أم من القواعد الاصولية؟ ام من القواعد العقلية الكلامية؟ ولا ربط لها بالفقه ولا بالاصول اصلا. اقول: التحقيق ان الجهات الثلاث موجودة فيها. اما جهة كونها قاعدة اصولية فمن جهة ان البحث فيها لو كان ناظرا إلى ان القضية الشرطية لو كان فيها الشرط متعددا والجزاء متحدا هل لها ظهور في تعدد الجزاء بتعدد الشرط ام لا؟ فيكون البحث فيها من هذه الجهة كالبحث فيها من حيث دلالتها على انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط اي يكون حال البحث فيها من هذه الجهة حال البحث فيها من حيث انها هل لها مفهوم ام لا؟ فتكون بناء على هذا مسألة اصولية. واما كونها عقلية وكلامية فمن جهة ان البحث فيها لو كان من حيث ان الاسباب والشروط المتعددة هل يمكن ان تؤثر في واحد بمعنى ان المسبب الواحد اثرا ومعلولا لاسباب وعلل متعددة أو لا يمكن لان تأثير العلل المتعددة بما هي متعددة في الواحد بما هو واحد غير معقول. وبعبارة اخرى كما ان صدور المتعدد بما هو متعدد عن الواحد بما هو واحد محال كذلك صدور الواحد بما هو واحد عن المتعدد بما هو متعدد محال إلا ان يكون المجموع علة واحدة مركبة من اجزاء وهو خلاف الفرض فيما نحن فيه. وأما كونها فقهية فباعتبار ان البحث فيها عن انه هل مقتضى القاعدة الاولية هو وجوب ايجاد المسببات المتعددة عند وجود اسباب متعددة أو كفاية الاتيان

[ 240 ]

بواحد منها وعلى هذا الاخير ذكرناها في القواعد الفقهية. وخلاصة الكلام ان جهة بحثنا عن هذه القاعدة هو ان الموارد التي ذكر الشارع اسباب متعددة لحكم من الاحكام وقد ذكرنا جملة كثيرة منها هل يجب في تلك الموارد ايجاد مسببات متعددة بعدد الاسباب ام لا يجب الا ايجاد واحد منها؟ كما انهم يذكرون في باب الغسل انه إذا تعددت الاسباب سواء أكانت من سنخ واحد - كما إذا جامع مرارا، أو من اسناخ متعددة كما إذا جامع واحتلم ونظر إلى المصلوب هل يكون عليه غسل واحد ام لا بل عليه اغسال متعددة بعدد الاسباب التي وجدت. وهكذا بحثهم في باب الكفارات وفي باب الحدود لو تعدد وجود اسباب الكفارة أو تعددت اسباب الحد يبحثون في انه هل عليه كفارة واحدة وكذلك هل عليه جلد واحد أو عليه كفارات وجلدات متعددة بعدد أسبابهما. الثاني: في انه هل هذا البحث - في ان مقتضى القواعد الاولية هو أصالة عدم التداخل وان تعدد السبب يوجب تعدد المسبب ام لا - مختص بما إذا وجد السبب الثاني والثالث وهكذا قبل الاتيان بالمسبب عقيب السبب الاول ام لا بل يأتي هذا البحث ولو أتى بالمسبب عقيب السبب الاول ثم وجد السبب الثاني وهكذا في الثالث والرابع وما زاد مثلا لو شرب في نهار شهر رمضان متعمدا مع انه صائم وكفر مثلا باطعام ستين مسكينا أو تحرير رقبة ثم اكل فكفر ثم جامع وهكذا فيأتي هذا البحث اي بحث تداخل الاسباب أو لا؟. الظاهر انه لا يجري البحث في هذه الصورة وذلك من جهة ان المسبب الموجود قبل وجود هذا السبب المتأخر لا يمكن ان يكون من آثاره بل لا بد وان يكون من آثار السبب الذى وجد قبله وإلا يلزم تقدم المعلول على علته أو بناء على ما حققناه من ان هذه الاسباب والشروط يرجع إلى قيود الموضوع - يلزم تقدم الحكم على الموضوع وهو ايضا محال كالاول.

[ 241 ]

واما ما حكي عن بعض من اتيان هذا البحث في مسألة وطئ الحائض من انه لو وطئ الحائض وكفر ثم وطئ ثانيا بعد ان كفر عن الوطئ الاول يأتي هذا البحث بمعنى انه بناء على تداخل الاسبات لا تجب الكفارة للوطئ الثاني وبناء على عدم التداخل تجب كفارة اخرى للوطئ الثاني. فلا يبعد ان يكون مراد القائل هو ان سبب الكفارة في وطي الحائض هو صرف الوجود من طبيعة الوطئ في حال الحيض ولا شك في ان صرف الوجود من تلك الطبيعة يتحقق بأول وجود منها ولا يصدق بعد الوجود الاول على الوجود الثاني لان معنى صرف الوجود لطبيعة هو وجودها المطلق عاريا عن كل قيد وهو الذي ربما يعبر عنه بعادم العدم وهو نقيض العدم المطلق اي العدم غير المقيد بقيد ولا شك في ان العدم المطلق اي العدم المحمولي لشئ ليس قابلا للتعدد فنقيضه اي الوجود المطلق اي صرف الوجود ليس قابلا للتعدد وإلا يلزم ارتفاع النقيضين. فإذا كان الامر كذلك فبالوطئ الاول يتحقق صرف وجود طبيعة الوطئ والمفروض انه موضوع وجوب الكفارة وسائر افراد هذه الطبيعة لا توجب الكفارة فلو كفر بعد الوطئ الاول لا يجب عليه الكفارة ولو صدر منه الوطئ الف مرة وبناء على ما ذكرنا لو وطئ في حال الحيض ولم يكفر ثم وطئ ثانيا وثالثا وهكذا لا يجب عليه إلا كفارة واحدة للوطئ الاول الذي هو مصداق صرف الوجود دون سائر الافراد. فهذه المسألة اجنبية عن مسألة اصالة عدم تداخل الاسباب وعلى هذا الاساس قلنا لو نذر شخص ان لا يشرب الشاي ويكون متعلق نذره هو ترك صرف الوجود من طبيعة شرب الشاي لا ترك جميع وجودات هذه الطبيعة فلو شرب مرارا يحصل الحنث بأول وجود من هذه الطبيعة وتجب عليه كفارة حنث النذر ولا تجب كفارات اخر بايجاد سائر افراد تلك الطبيعة إذ لا يحصل بتلك

[ 242 ]

الايجادات حنث ولا يصدق عليها صرف الوجود الذي تركه متعلق نذره. وايضا على هذا الاساس قلنا ان النواهي على قسمين: احدهما: ان يكون متعلق النهي هي الطبيعة السارية فيكون النهي انحلاليا ينحل إلى قضايا متعددة حسب تعدد الافراد ولكل قضية من تلك القضايا اطاعة مستقلة وعصيان مستقل مثل لا تشرب الخمر واغلب النواهي بل جميعها - إلا ما شذ وندر - من هذا القبيل. ولا فرق في كون اغلب النواهي انحلاليا بين ان يكون لمتعلقاتها التي هي افعال المكلفين مساس وتعلق بالموضوع الخارجي مثل لا تشرب الخمر ولا تغتب المؤمن وبين ان لا يكون لها ذلك مثل لا تكذب. ثانيهما: ان يكون متعلقه صرف الوجود كقوله لا تشرب ماء الدجلة بناء على ان يكون الاثر المبغوض لصرف وجوده وهذا الذي ذكرنا من كون موضوع وجوب الكفارة في وطئ الحائض صرف الوجود من طبيعة وطئها انما هو كان في مقام امكان ان يكون كذلك في عالم الثبوت فلا ينافي في مقام الاثبات استظهار ان الموضوع للكفارة هي الطبيعة السارية لوطئ الحائض. فما رواه في الاستبصار باسناده عن أبى بصير عن ابي عبد الله (ع) قال " من أتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به " (1) فانه ظاهر في الانحلال وان وجود طبيعة وطئ الحائض - اي وجود كان - سواء كان الاول أو غيره - سبب لوجوب الكفارة وما في فقه مولانا الرضا عليه السلام أوضح وأصرح في ان الطبيعة في ضمن اي وجود منها كانت تكون سببا للكفارة وهو قوله (ع): " ومتى جامعتها وهي حائض فعليك


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 1، ص 163، ح 467، باب حكم الحيض والاستحاضة والنفاس، ح 40، " الاستبصار " ج 1، ص 133، ح 456، باب ما يجب على وطي امرأة حائضا، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 2، ص 575، ابواب الحيض، باب 28، ح 4..

[ 243 ]

ان تتصدق بدينار " (1). الثالث: هو ان الكلام والبحث فيما إذا كان المسبب واحدا بالنوع وكان من الممكن تعدد وجوده بحسب الخصوصيات الفردية واما إذا كان المسبب عند وجود كل سبب من الاسباب غير ما هو المسبب عند وجود السبب الآخر بالنوع مثلا قال: إذا بلت فتوضأ وايضا قال إذا جامعت فاغتسل فمن أوضح الواضحات خروج هذا القسم عن محل النزاع لا كلام في هذا كما انه لا كلام في دخول الصورة الاولى في محل النزاع. وانما الكلام في انه - اي المسبب - لو كان من الكميات المختلفة بحسب المراتب كما انه لو قال إذا جامعت الحائض في اول الحيض فعليك دينار وان كان في وسطه فنصف دينار وان كان في آخره فربع دينار فهل هذا ملحق بالمتحد نوعا الذي يمكن ان يتعدد ويكون له وجودات وافراد لذلك النوع الواحد كي يكون داخلا في محل النزاع أو يكون ملحقا بالمسبب المختلف نوعا كي يكون خارجا عن محل البحث؟ لا يبعد ان يكون ما ذكر - أي: المسبب الواحد بالنوع ولكن المختلف بحسب الكمية كصوم يوم أو يومين أو اعطاء مد في الكفارة أو مدين أو صدقة دينار أو نصف دينار أو ربع دينار في الوطئ في أول الحيض وفي وسطه وفي آخره وأمثال ذلك واشباهه - ملحقا بالمختلف نوعا لان الملاك في الاثنين واحد وهو اختلاف الحكم والموضوع جميعا في كليهما. فكما ان في قوله " ان بلت فتوضأ " الموضوع هو المكلف الذي بال والحكم هو وجوب الوضوء، وفي قوله " ان جامعت فاغتسل " الموضوع هو المكلف الذي جامع والمحمول هو وجوب الغسل، فالقضيتان مختلفتان موضوعا ومحمولا فلا وجه للبحث عن التداخل وعدمه، لان واحدة من القضيتين اجنبية عن الاخرى موضوعا


: 1 - " فقه الرضا (ع) " ص 31، " مستدرك الوسائل " ج 2، ص 7 21 ابواب الحيض، باب 23، ح 1..

[ 244 ]

ومحمولا، وهذا البحث مورده اتحاد المحمول في القضيتين وان كانتا بحسب الموضوع مختلفين. فكذلك ما نحن فيه ايضا القضيتان مختلفتان موضوعا ومحمولا لان الموضوع في احديهما مثلا الوطئ في اول الحيض والمحمول صدقة دينار والموضوع في الاخرى الوطئ في وسط الحيض أو في آخره والمحمول صدقة نصف دينار أو ربعه، مثل ما إذا كان المحمول مختلفا بالنوع. بل بناء على القول بأصالة الماهية - وان مراتب الكم والكيف انواع - يكون ما ذكر من مصاديق ما يكون المسبب مختلفا بالنوع حقيقة وان كان هذا المبنى فاسدا كما هو مذكور في محله. الرابع: بعد ما عرفت ان مقتضى القاعدة الاولية اصالة عدم التداخل فاعلم ان هذا ما لم يأت دليل على كفاية مسبب واحد عن الاسباب المتعددة واما إذا اتى - كما في باب الاغسال - ان الغسل الواحد يكفي عن الاسباب المتعددة فلو اجنبت ثم حاضت وانقطع حيضها يوم الجمعة وطهرت في ذلك اليوم ومست بدن الميت فاجتمعت عليها اسباب متعددة يكفيها غسل واحد للجميع لما تقدم من رواية حريز وروايات كثيرة بهذا المضمون لا كلام في هذا. انما الكلام في انه هل صرف اتيان الغسل الواحد كاف عن الجميع أو في خصوص ما إذا نوى الجميع أو التفصيل بين ما إذا نوى خصوص غسل الجنابة يكفي عن الجميع، وأما إذا نوى غير الجنابة فلا يكفي وجوه واحتمالات. والمستفاد من اخبار الباب ان نية الجميع بالغسل الواحد يكفي عن الجميع. كما انه ايضا يستفاد مما رواه في الكافي - عن محمد بن يحيى باسناده عن جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهما السلام انه (ع) قال " إذا اغتسل الجنب بعد

[ 245 ]

طلوع الفجر اجزء عنه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه في ذلك اليوم " (1) ان نية غسل الجنابة تكفي عن كل غسل. واما لو لم ينو الجميع ولم ينو الجنابة ايضا لو لم تكن فيها الجنابة سواء نوى واحدا غير الجنابة - خصوصا إذا كان الغير هو غسل الحيض - أو لم ينو اصلا فالقول بكفاية مثل ذلك الغسل عن الجميع لا يخلو عن اشكال إذ الدليل على كفاية غسل واحد لا يرفع اعتبار النية. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا


: 1 - تقدم تخريجه في ص 237، رقم (2)..

[ 247 ]

34 - قاعدة المؤمنون عند شروطهم

[ 249 ]

قاعدة المؤمنين عند شروطهم ومن القواعد الفقهية المشهورة قاعدة " المؤمنون عند شروطهم " وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في مدركها وهو أمور: الاول: الاخبار: منها: ما رواه محمد بن يعقوب بأسناده عن عبد الله بن ستان عن أبى عبد الله (ع) قال: " سمعته يقول من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عزوجل " (1) ومنها: عن محمد بن الحسن باسناده عن الحسن بن محبوب مثله (2). وباسناده عن


:: " الحق المبين " ص 74، و 141، " عوائد الايام " ص 41، " مجموعه قواعد فقه " ص 80، " قواعد فقه " (شهابي) ص 66. 1 - " الكافي " ج 5، ص 169، باب الشرط والخيار في البيع، ح 1، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 22، ح 94، باب عقود البيع، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 353، ابواب الخيار، باب 6، ح 1. 2 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 22، ح 94، باب عقود البيع، ح 11، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 353، ابواب.

[ 250 ]

الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (ع) قال: " المسلمون عند شروطهم الا كل شرط خالف كتاب الله عزوجل، فلا يجوز " (1). ومنها: ما عن اسحاق بن عمار عن جعفر (ع) عن ابيه (ع) " ان على بن أبى طالب (ع) كان يقول: " من شرط لامرأته شرطا فليف لها به فان المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (2) ومنها: ما في عوالي اللئالي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " المؤمنون عند شروطهم " (3). ومنها: ما عن دعائم الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: " المسلمون عند شروطهم الا كل شرط خالف كتاب الله " (4) قال الشيخ (قده) روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " المسلمون عند شروطهم " (5) ومنها: ما في التهذيب عن ايوب بن نوح عن صفوان عن منصور بن يونس عن عبد صالح (ع) قال: قلت له ان رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل الله عليه أن لا يطلقها ولا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك، ثم بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال: " بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار قل له فليف للمرأة بشرطها، فان رسول


:... الخيار، باب 6، ح 1. 1 - " الفقيه " ج 3، ص 202، ح 3765، باب الشرط والخيار في البيع، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 22، ح 93 باب عقود البيع، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 353، ابواب الخيار، باب 6، ح 2. 2 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 467، ح 1872، باب الزيادات في فقه النكاح، ح 80، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 353، ابواب الخيار، باب 6، ح 5. 3 - " عوالي اللئالي " ج 3، ص 217، ح 77، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 310، ابواب الخيار، باب 5، ح 7. 4 - " دعائم الاسلام " ج 2، ص 44، ح 106، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 300، ابواب الخيار، باب 5، ح 1. 5 - " الخلاف " ج 3، ص 10، المسألة 7..

[ 251 ]

الله صلى الله عليه وآله قال: " المؤمنون عند شروطهم " (1). وهناك اخبار كثيرة مفادها ثبوت هذه القاعدة، تركنا ذكرها لعدم الاحتياج إليها، لان ما ذكرناها - مضافا إلى صحة جملة منها من حيث السند - قد عمل بها الاصحاب قديما وحديثا، واستندوا في فتاواهم إليها. فالانصاف انها في كمال الاعتبار والوثوق بصدورها عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام. وأما دلالتها على صحة هذه القاعدة فلا يحتاج إلى البيان، لان متن كثير منها عين هذه القاعدة. وأما المراد من هذه القاعدة - التي هي عين متن جملة من هذه الروايات - سنذكره ان شاء الله تعالى مع التخصيصات الواردة على هذا العموم - وشرائط صحة الشروط، والشروط الابتدائية، والشروط التى في ضمن العقود، وحكمها في ضمن امور. واما اجمالا فالظاهر ان المراد من هذه القاعدة هو انه يجب على كل مسلم ومؤمن ان يكون ثابتا عند التزاماته، بمعنى: انه إذا التزم لشخص بأمر له فيجب عليه الوفاء له بذلك الامر، وذلك من جهة وضوح ان هذه الكبرى الكلية الصادرة عنه صلى الله عليه وآله في مقام انشاء الحكم لا الاخبار عن امر خارجي، فقوله صلى الله عليه وآله " المسلمون عند شروطهم " أي: جميع المسلمين، لان الجمع المعرف باللام يفيد العموم يجب ان يثبتوا عند جميع شروطهم، لان الشروط ايضا جمع مضاف يفيد العموم، فهو صلى الله عليه وآله يحكم على جميع المسلمين بلزوم الثبوت عند جميع شروطهم. والمراد من الثبوت والاستقرار عند الشرط هو ترتيب الاثر على شرطه الذي


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 371، ح 1503، باب المهور والاجور، ح 66، " الاستبصار " ج 3، ص 232، ح 835، باب من عقد على امرأة...، 4، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 30، ابواب المهور، باب 20، ح 4..

[ 252 ]

شرط، وعدم الفرار عن العمل على طبق التزامه، وحيث ان الشرط إذا تعدى ب‍ (على) مثلا قال باع وشرط عليه - يكون المتفاهم العرفي انه الزمه بأمر، ولو قيل شرط له بأمر فالمتفاهم العرفي انه التزم له بذلك. ولذلك نقل عن اهل اللغة انه أي: الشرط هو الالزام والالتزام (1). وبهذا المعنى يصح ان يطلق على جميع الاحكام الالزامية من قبل الله على العباد انها شروط من قبل الله تعالى اي: الزامات من قبله تعالى عليهم. ولعله من هذه الجهة اطلق الشرط صلى الله عليه وآله على كون الولاء للمعتق لا الذي يبيع الامة بشرط ان يكون ولائها له في قصة اشتراء عائشة لبريرة بشرط ان يكون ولائها للبائع بقوله صلى الله عليه وآله " ان شرط الله احق وأوثق " (2) أي كون الولاء لمن اعتق. وبناء على ما ذكرنا فيكون معنى " المسلمون عند شروطهم " هو وجوب الوفاء على كل مسلم بما التزم لغيره لا بما الزم غيره، لانه لا معنى لان يكون ثابتا عند الزامه غيره بأمر، ولو لم يكن استثناء في البين لكان وجوب الوفاء عاما بالنسبة إلى جميع التزاماته، ولكن قوله صلى الله عليه وآله " المسلمون عند شروطهم الا كل شرط خالف كتاب الله " كما في رواية دعائم الاسلام اخرج الشرط المخالف لكتاب الله عن تحت هذا العموم وفي بعض هذه الروايات قيد لزوم الوفاء بالتزاماتهم الذي هو عبارة اخرى عن شروطهم بكونها مما وافق كتاب الله عزوجل وفي بعض اخر استثنى - عن لزوم الوفاء بكل شرط والتزام - الشرط الذي حرم حلالا أو أحل حراما، وسنتكلم في هذه القيود


: 1 - " القاموس المحيط " ج 2، ص 542، (شرط). 2 - " صحيح البخاري " ج 2، ص 18، كتاب البيوع، باب 67: البيع والشراء مع النساء، وص 20، باب 73: إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، وص 119، كتاب الشروط، باب 13: الشروط في الولاء..

[ 253 ]

والاستثناءات عما قريب ان شاء الله تعالى. وخلاصة الكلام في المراد عن هذه القاعدة بطور الاجمال هو انه يجب على جميع المسلمين الوفاء بجميع التزاماتهم الا في موارد تلك الاستثناءات التى سنذكرها ان شاء الله تعالى فهذه القاعدة بالنسبة إلى الشروط نظير " اوفوا بالعقود " (1) بالنسبة إلى العقود. الثاني: هو الاجماع واتفاق الفقهاء قديما وحديثا على وجوب الوفاء بالشروط الصحيحة في ضمن العقود اللازمة. وفيه: مضافا إلى ان الدليل اخص من المدعي ما قلنا مرارا من ان هذه الاجماعات مع وجود مدارك معتبرة من الروايات الواردة في هذه المسألة ليس من الاجماع الذي قلنا بحجيته في الاصول. الثالث: ان الشروط الواقعة في ضمن العقود الصحيحة اللازمة من توابع تلك العقود ومرتبطة بها، وتكون من ملحقاتها، فدليل وجوب الوفاء بالعقود كما يدل على لزوم الوفاء بتلك العقود وترتيب الاثر عليها كذلك يدل على لزوم الوفاء بتلك الشروط المرتبطة بالعقود الملحقة بها. وفيه: ايضا مع انه اخص من المدعي، ان العقود عبارة: عن نص المعاهدة الواقعة بين الطرفين المنشأ بالايجاب والقبول، والشروط وان كانت في ضمن تلك العقود والمعاهدات التزامات اخر غير تلك المعاهدات المؤكدة التى نسميها بالعقود، ولذلك قالوا في مورد الشرط الفاسد ان فساد الشرط لا يسري إلى العقد، فكذلك وجوب الوفاء بالعقد لا يسري إلى الشرط، بل يحتاج وجوب الوفاء بالشرط إلى دليل اخر غير دليل وجوب الوفاء بالعقود وهو قوله تعالى " يا ايها الذين امنوا


: 1 - المائدة (5): 1.

[ 254 ]

أوفوا بالعقود " (1). الجهة الثانية في شرح المراد من هذه القاعدة والفرق بين الشروط الابتدائية وما تقع في ضمن العقود، وبيان شرائط صحة الشروط وبيان ان مخالفة الشرط هل يوجب الخيار فقط ام لا بل يوجب بطلان العقد وانه ما هو حكم تعذر الشرط؟ فهذه المطالب تذكر في ضمن امور: الاول: في شرح الفاظ هذه القاعدة وما هو الظاهر منها، وان بيناه اجمالا فنقول: أما كلمة " المؤمنون "، أو " المسلمون " جمع معرف باللام يفيد العموم ومعناهما واضح، وأما الظرف متعلق بثابتون المقدر وهو مشتق من افعال العموم، وأما " الشروط " فهو جمع مضاف يفيد العموم، والمتفاهم العرفي من هذه الكلمة قلنا انه الالزام باعتبار انتسابه إلى من له، والالتزام باعتبار انتسابه إلى من عليه. نعم يبقى شئ آخر وهو انه - أي الشرط - مطلق الالزام والالتزام أو هما في ضمن عقد. ونتكلم فيه في بعض الامور الآتية ان شاء الله تعالى. وأما المعاني الاخر مثل ما اصطلح عليه النحويون أو الاصوليون فأجنبية عن محل كلامنا، لان كلامنا في المراد من القاعدة التي هي مضمون قوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون أو


: 1 - المصدر..

[ 255 ]

المسلمون عند شروطهم "، وتعيين المراد من الحديث الشريف لا طريق له إلا بما يفهم العرف منه، لان ما هو حجة عند العقلاء في محاوراتهم لتشخيص المراد ليس إلا ظهور الكلام والمراد من الظهور هو المتفاهم العرفي منه، فذكر سائر المعاني والمصطلحات تضييع للعمر واتلاف للوقت من غير مبرر. فيكون معنى القاعدة - التي هي عين مفاد الحديث الشريف بناء على ما ذكرنا من شرح الفاظها وانه صلى الله عليه وآله في مقام انشاء الحكم لا الاخبار عن امر خارجي - انه يجب على كل مؤمن أو مسلم الثبوت عند التزاماته إما مطلقا، وإما ان تكون تلك الالتزامات في ضمن عقد وهذا الاحتمال الاخير لاجل احتمال ان يكون اطلاق الشرط على الشروط الابتدائية مجازا. والمراد من الثبوت عند التزاماته كون ما التزم به ثابتا عليه وانه في عهدته وانه لا يخرج عن عهدته إلا بالوفاء به فيشبه ابواب الضمانات. فكما انه في باب الضمان تكون العين أو مثله في عهدته بوجوده الاعتباري ولا تتخلص عهدته إلا بالاداء - فكذلك لا يتخلص الملتزم عما التزم به إلا بالوفاء بالتزامه والعمل على طبقه، فيكون مفاد قوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " - بناء على ما ذكرنا في معناه - حكما وضعيا مثل مفاد قوله تعالى " اوفوا بالعقود " وهو ثبوت ما التزم به واستقراره عليه، وليس مفاده وجوب العمل على طبق ما التزم به تكليفا فقط. الامر الثاني: في بيان الفرق بين الشروط الابتدائية وبين الشروط الواقعة في ضمن العقود. فنقول: أولا ان اطلاق الشرط على مطلق الالتزام بشئ لشخص - سواء أكان في ضمن عقد أو كان التزاما ابتدائيا غير مربوط بشئ - لا يخلو من نظر وتأمل، بل

[ 256 ]

الظاهر حسب المتفاهم العرفي هو ان يكون الزامه أو التزامه بشئ في ضمن عقد ومعاملة أو أمر آخر بمعنى ان يكون الزامه غيره بشئ أو التزامه لغيره بشئ مربوطا بأمر آخر، وليس معنى الشرط مطلق الالزام والالتزام. فالشرط بالمعنى المصدري عبارة: عن جعل شئ مرتبطا بامر اخر - وبهذا المعنى يكون مبدأ للاشتقاقات منه كالشارط والمشروط وامثالهما من المشتقات من هذه المادة - وبمعنى الاسم المصدري عبارة: عن الشئ المرتبط بغيره. هذا هو المتفاهم العرفي، مضافا إلى انه لو كان مطلق الالزام والالتزام - ولو كانا ابتدائيين غير مربوطين بشئ - يلزم تخصيص الاكثر في قوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " (1) وهو مستهجن جدا. فلا بد من حمل الشروط في الحديث على الشروط الواقعة في ضمن العقود، كي لا يلزم تخصيص الاكثر المستهجن، لان الشروط الابتدائية لا يجب الوفاء بها إجماعا فان قلنا بان الشرط أعم من الشروط الابتدائية وغيرها فيكون استعماله في الحديث عنائيا مجازيا، وهو خلاف ظاهر هذا الكلام. وأما الاستشهاد لكونه أعم من الابتدائي وغيره بالاخبار - كقوله صلى الله عليه وآله " شرط الله احق واوثق والولاء لمن اعتق " في قصة بريرة فاطلاق الشرط على حكمه تعالى بان الولاء لمن اعتق يمكن ان يكون استعمالا عنائيا مجازيا، لان الاستعمال أعم من الحقيقة. ويمكن ان يكون على نحو الحقيقة باعتبار كون احكامه تبارك وتعالى مرتبطة بعهده إلى العباد، واخذ الميثاق عنهم ان لا يعبدوا الشيطان، كما يشير قوله تعالى " ألم أعهد اليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان " (2)


: 1 - تقدم تخريجه في ص 251. 2 - يس (36): 60..

[ 257 ]

فهذه الاحكام الزام على العباد في ضمن ذلك العهد والميثاق، فاطلاق الشرط على اي حكم الزامي من الاحكام الشرعية لا ينافي كون معنى الشرط هو الالزام والالتزام المرتبط بامر اخر، لان جميع الاحكام الالزامية الشرعية الزامات مرتبطة بذلك العهد وفى ضمنه. وأما التوجيه في الحديث الشريف - بان اطلاق الشرط على كون الولاء لمن اعتق من باب المشاكلة على حد قول الشاعر: قالوا اقترح شيئا تجد لك طبخه * قلت اطبخو لي جبة وقميصا - فلا يصحح الاطلاقات الكثيرة الاخر بالنسبة إلى سائر الاحكام، كاطلاقه على خيار الحيوان في قوله (ع) " الشرط في الحيوان ثلاثة ايام " (1) وكقوله (ع) في رواية منصور بن يونس المتقدمة " فليف للمرأة بشرطها " (2) حيث اطلق الشرط فيها على النذر أو العهد ولا مشاكلة في البين. وعلى كل حال لا شبهة في ان المتفاهم العرفي من لفظ الشرط بالمعنى المصدري هو الزام المشروط عليه أو الالتزام للمشروط له بأمر في ضمن عقد أو عهد أو أمر آخر فالالزامات أو الالتزامات الابتدائية لا يطلق عليها الشرط إلا بالعناية ولا يجب الوفاء بها اجماعا. الامر الثالث: في بيان شرائط صحة الشروط الواقعة في ضمن العقود وهى امور:


: 1 - " الكافي " ج 5، ص 169، باب الشرط والخيار في البيع، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 24، ح 102، باب عقود البيع، ح 19، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 350، ابواب الخيار، باب 4، ح 1. 2 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 371، ح 1503، باب المهور والاجور، ح 66، " الاستبصار " ج 3، ص 232، ح 835، باب من عقد على امرأة...، ح 4، " وسائل الشيعة " ج 15، ص 30، ابواب المهور، باب 20، ح 4..

[ 258 ]

[ الشرط ] الاول: ان يكون مقدورا للمشروط عليه بمعنى ان الذي يلتزم به المشروط عليه للمشروط له يكون ايجاده داخلا تحت قدرته ان كان الشرط - أي ما التزم به - من الافعال أو كان تسليمه متصفا بذلك الوصف وتلك الخصوصية تحت قدرته ان كان ما التزم به من الاوصاف والحالات والمقصود من هذا الشرط ان المشروط عليه حيث انه بالتزامه فعلا للمشروط له أو وصفا وخصوصية فيما ينتقل إلى المشروط له فكأنه جعل عهدته مشغولة له بأمر فلا بد ان يكون ذلك الامر تحت سلطانه بحسب العادة كي يكون متمكنا من الوفاء بما التزم به وإلا يكون مثل ذلك الاشتراط لغوا في نظر العقلاء ويكون من قبيل " وهب الامير ما لا يملك ". فمثل اشتراط جعل الزرع سنبلا - والبسر رطبا أو اشتراط كون الدابة بحيث تحمل في المستقبل حيث انها ليست تحت سلطان المشروط عليه يكون لغوا وباطلا بل لو أخذ وصفا للمبيع في البيع أو لغيره في سائر المعاوضات يكون العقد فاسدا لكونه غرريا. لان هذه الامور بيد الله جل جلاله وتكون افعال العباد بالنسبة إليها من المقدمات الاعدادية فيمكن ان تقع ويمكن ان لا تقع وقال الله تعالى في كتابه العزيز " افرأيتم ما تمنون: أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون " (1) وقال تعالى ايضا " أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه ام نحن الزارعون " (2) فالتزام المشروط عليه بايجاد هذه الامور، أو التزامه بتسليم العين متصفة بهذه الصفات يكون مما لا يعتنى به عند العقلاء ويرون الملتزم بها مجازفا. واما اشتراط النتائج ككون مال مثلا ملكا لشخص فان كان مما يحصل بنفس الاشتراط ولا يحتاج إلى سبب خاص فلا اشكال فيه لحصولها بنفس الاشتراط.


: 1 - الواقعة (56): 58 - 59. 2 - الواقعة (56): 63 - 64..

[ 259 ]

واما ما يحتاج إلى سبب خاص ككون زوجته مطلقة أو امته أو عبده حرا فلا يصح قطعا لامتناع حصولها بصرف الاشتراط. نعم لا مانع من اشتراط ايجاد اسبابها ان كانت تحت اختياره وقدرته واما المرأة لو التزمت في ضمن عقد لازم بأن تكون مطلقة بطور شرط النتيجة أو بطور ايجاد أسباب كونها مطلقة، فهذا الشرط باطل مطلقا، لعدم قدرتها على ايجاد اسباب طلاقها لان الطلاق بيد من اخذ بالساق. وخلاصة الكلام ان الالتزام بأمر غير مقدور له وان كان في ضمن عقد لازم باطل لا يشمله قوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم "، لانه لا يمكن الوفاء به فلا يجب. ثم انه ربما يكون موجبا لصيرورة المعاملة غرريا وباطلا مضافا إلى بطلان نفسه وذلك فيما إذا كان انشاء المعاوضة والمبادلة في العقد المعاوضي مبنيا على هذا الشرط غير المقدور الذي لا يعلم حصوله في المستقبل ومما ذكرنا ظهر ان اشتراط ما هو لا يجوز شرعا كاشتراط ان يصنع تمره خمرا مثلا ايضا باطل وذلك لان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا. [ الشرط ] الثاني: ان يكون سائغا شرعا هكذا ذكره الفقهاء، ولكن انت خبير ان هذا الشرط داخل في ضمن الشرط الاول لانه لا فرق في عدم كونه مقدورا بين ان يكون عدم قدرته من جهة المنع الشرعي أو لجهات تكوينية. [ الشرط ] الثالث، ان يكون مما فيه غرض معتد به عند العقلاء وان لم تكن له مالية أي العقلاء لا يبذلون باذائه المال والوجه في اشتراط هذا الشرط هو انه ان لم يكن كذلك فيكون لغوا وأدلة وجوب الوفاء بالشروط تكون منصرفة عن مثل هذا الشرط. [ الشرط ] الرابع: ان لا يكون مخالفا للكتاب والسنة

[ 260 ]

وتوضيح هذا الامر ببيان امور: الاول: الفرق بين هذا الامر والامر الثاني هو ان المراد من كونه سائغا هناك هو ان يكون الشرط بمعنى ما التزم به جائزا شرعا أي لا يكون فعل حرام أو ترك واجب. وها هنا المراد من كونه غير مخالف للكتاب والسنة أو كونه موافقا لهما هو أن لا يكون ما يلتزم به ويجعل على نفسه أو يلزم غيره به مخالفا للجعل الالهي مثلا في الكتاب والسنة جعل الولاء لمن اعتق فالزام المشتري بأن يكون الولاء للبايع أو التزامه بذلك يكون على خلاف ما جعل في الكتاب لان الشارع جعل هذا الحق للمعتق. فجعله بواسطة الشرط لشخص اخر يكون على خلاف الكتاب أي أحكام الله المكتوبة على المكلفين سواء أكانت بواسطة كتاب الله الكريم أو بواسطة السنة النبوية أو الروايات المروية عن الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين وكذلك اشتراط رقية حر أو توريث من لم يجعله الله وارثا. فالالتزام بهذه الامور مخالف للكتاب والسنة أي لما هو المجعول فيهما هكذا قيل. ولكن الانصاف ان الشرط الثاني مندرج في الشرط الرابع لان اشتراط فعل محرم أو ترك واجب يكون مخالفا للكتاب قطعا. الثاني: في ان المستثنى من عموم هذه القاعدة هل هو عنوان المخالف للكتاب أو عنوان ما ليس في الكتاب؟ أو يشترط نفوذ الشرط بأن يكون موافقا للكتاب؟ فان هذه العناوين الثلاثة كلها وردت في الروايات. اقول: بعد الفراغ عن ان المراد بالكتاب ليس خصوص القرآن الكريم بل المراد منه كل ما كتب على المكلفين من احكام الدين سواء كان في القرآن الكريم ام في الاحاديث النبوية المروية عنه صلى الله عليه وآله.

[ 261 ]

وبعد العلم بأن الكتاب بهذا المعنى لم يهمل حكم شئ بل بين جميع الاحكام المتعلقة بجميع الاشياء فلا يبقى فرق بين هذه العناوين فكل شرط مخالف للكتاب بالمعنى الذي ذكرنا له يصدق عليه انه ليس في الكتاب ويصدق عليه انه ليس مما وافق الكتاب كما انه كل شرط لم يكن مخالفا للكتاب فلا محالة يكون موافقا للكتاب لعدم الواسطة بينهما. وان قلنا بأنهما امران وجوديان والتقابل بينهما تقابل التضاد مع ان التحقيق ان التقابل بينهما تقابل العدم والملكة ففي الموضوع القابل لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما كما هو الشأن في جميع موارد تقابل العدم والملكة. نعم ربما يفرق بين هذه العناوين بالنسبة إلى مجاري الاصول فلو كان الشرط - أي شرط صحة الشرط - عدم مخالفته للكتاب فإذا شك في شرط انه مخالف ام لا فيجري استصحاب عدم مخالفته للكتاب بناء على جريان استصحاب العدم الازلي في النعوت العدمية كاصالة عدم كون المرأة قرشية عند الشك في كونها قرشية. فباستصحاب عدم كونه مخالفا قبل وجوده يحرز شرط الصحة الذي هو عبارة عن عدم كونه مخالفا للكتاب وأما لو كان الشرط موافقة الكتاب ففي مورد الشك لا يمكن احراز الشرط بالاستصحاب لعدم الحالة السابقة للموافقة. ولكن بناء على ما حققناه في كتابنا (منتهى الاصول) (1) من عدم جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية إذا كان الاثر للعدم النعتي لا للعدم المحمولي وذلك من جهة ان العدم النعتي مثل وجوده المقابل له متوقف على وجود موضوعه ففي الرتبة السابقة على وجود موضوعه لا اثر له ولا عين له حتى يجر بالاستصحاب إلى زمان وجود موضوعه. والعدم المحمولي وان كان له حالة سابقة ازلا لان جميع الاشياء ما سوى الله


: 1 - " منتهى الاصول " ج 2، ص 497..

[ 262 ]

تعالى كانت معدومة قبل وجودها لكن لا اثر له بل الاثر للعدم النعتي واثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي يكون من الاصل المثبت الذي اثبتنا في الاصول عدم حجيته. فالنتيجة انه لا فرق بين ان يكون شرط صحة الشروط عدم مخالفتها للكتاب أو كان الشرط موافقته للكتاب حتى بالنسبة إلى مجاري الاصول وحديث السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع تهويل خال عن التحصيل. الثالث: في انه ما المراد من عدم مخالفة الكتاب أو موافقته وما هو الضابط لذلك؟ فنقول: الضابط في ذلك هو ان يكون الشرط نافيا لما اثبته الشارع أو مثبتا لما نفاه فلو شرط عليه ارتكاب حرام أو ترك واجب يكون هذا الشرط مخالفا للكتاب والسنة قطعا لان ارتكاب الحرام وترك الواجب مما نفاه الشارع ومنع عنه. وأما لو شرط عليه فعل ما ليس بواجب ولا حرام أو تركه سواء كان مباحا أو مستحبا أو مكروها فلا يكون مخالفا لان الشارع لم يمنع عن فعل متعلقات الاحكام غير الالزامية ولا عن تركها فليس الشرط نافيا لما اثبته الشرع أو مثبتا لما نفاه. نعم لو شرط عليه أو هو التزم بكون ما أحله الشارع حراما أو ما حرمه حلالا وكذلك في سائر الاحكام الخمسة بأن يكون الحكم على خلاف ما جعله الشارع فيكون مثل هذا الشرط مخالفا للكتاب والسنة لانه مثبت لما نفاه وناف لما أثبته. فيكون مشتملا على أمرين كل واحد منهما يكون موجبا لكونه على خلاف الكتاب والسنة بل اشتراط كون الفعل الفلاني حكمه كذلك مطلقا باطل سواء كان ذلك الحكم موافقا لما جعله الشارع أو كان مخالفا له اما لو كان مخالفا فلاجل مخالفته اولا ولاجل عدم كونه مقدورا للمشروط عليه ثانيا لان وضع الاحكام الشرعية ورفعها بيد الشارع وليس ذلك لغيره. وأما لو كان موافقا فلاجل ان الشرط يكون حينئذ من قبيل تحصيل الحاصل

[ 263 ]

فيكون لغوا. هذا بالنسبة إلى الاحكام التكليفية ومتعلقاتها. وأما الاحكام الوضعية فما كان منها مجعولا من قبل الشارع بلحاظ حال شخص ولرعايته سواء كان ذلك الشخص واحدا أو متعددا كباب الحقوق فيكون ذلك الشخص مسلطا عليه وهذا اعتبار عقلائي وهو ان صاحب الحق له السلطنة على حقه. ولذلك اتفقوا على ان كل حق قابل للاسقاط حتى انهم عرفوا الحق بذلك لانه خاصة شاملة فشرط وجوده وعدمه ليس مخالفا للكتاب لان أمر وضعه ورفعه بيد من له الحق وان كان مجعولا من قبل الشارع وذلك كاغلب الخيارات بل قد يكون جعله ايضا بيد من له ومن عليه مع توافقهما كخيار الشرط. وأما ما ليس جعلها من قبل الشارع برعاية حال احد بل يكون جعلها كسائر الاحكام تبعا للمصالح والمفاسد التي في متعلقاتها فهي على قسمين: احدهما: ما لا يكون الشرط من اسباب وجودها كالطهارة والنجاسة وغيرهما فشرط وجودها أو عدمها باطل على كل حال، لكونه غير مقدور للمشروط عليه أولا وكونه مخالفا للكتاب ثانيا ان كان مخالفا لما جعله الشارع كاشتراط كون الميتة مثلا طاهرا أو اشتراط صيرورة ماء الكر بصرف ملاقاة النجاسة نجسا مع عدم تغير احد أوصافه الثلاثة بالنجاسة وان كان موافقا لما جعله الشارع فلما ذكرنا من انه من قبيل تحصيل الحاصل فيكون الشرط لغوا. بقي شئ وهو انه لو شرط عليه ترك ما ليس بواجب طول عمره أو هو التزم بذلك فهل يكون مثل هذا الشرط باطلا ومخالفا للكتاب ام لا وبعبارة اخرى هذا تحريم للحلال أم لا؟. الظاهر ان هذا ليس من تحريم الحلال من جهة ان ترك ما ليس بواجب سواء

[ 264 ]

كان مباحا بالمعنى الاخص أو كان مستحبا أو كان مكروها جائز شرعا فالالتزام به وان كان طول العمر ليس مخالفا للكتاب فيأتي السؤال بأنه فأين مصداق الشرط المحرم للحلال الذي استثناه عليه السلام من الشرط الصحيح والجائز في الموثق المروي عن امير المؤمنين (ع) " من شرط لامرأته شرطا فليف به لها فان المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (1).؟ ولكن يمكن الجواب عن هذا السؤال بأن ما ذكرنا من ان شرط ترك ما ليس بواجب وان كان الترك طول عمره ليس مخالفا للكتاب ومحرما للحلال باعتبار مضمون الشرط والمعنى الاسم المصدري له أي باعتبار ما التزم به، وأما باعتبار المعنى المصدري له أي نفس الالتزام فمخالف للكتاب ومحرم للحلال لان الالتزام بترك شئ طول العمر عرفا عبارة عن تحريمه على نفسه كما ان الزامه غيره بذلك ايضا عبارة عن تحريمه عليه فيكون تحريم ما أحله الله ويشهد بذلك الرواية الواردة في بطلان على ترك شرب العصير المباح دائما معللا بأنه ليس لك ان تحرم ما أحله الله. فشرط ترك المباح دائما ان كان الالتزام متعلقا بترك نوع مباح لا ببعض أفراده ومصاديقه لخصوصية فيه، يكون تحريما للحلال باعتبار نفس الالتزام لا الملتزم به واما شرط ترك بعض افراد نوع منه كان يشترط ترك شرب فرد من العصير مثلا وان كان دائما فليس تحريما للحلال. فصدق كون الشرط تحريما للحلال بنظر العرف - أي نفس الالتزام بذلك لا الملتزم به - مشروط بأمرين: احدهما: ان يكون المشروط ترك نوع من المباح لا فرد ومصداق من


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 467، ح 1872، باب الزيادات في فقه النكاح، ح 10، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 353، ابواب الخيار، باب 6، ح 5..

[ 265 ]

مصاديقه الثاني: ان يكون الشرط تركه دائما لا موقتا خصوصا إذا كان الوقت قليلا. وذلك من جهة ان الحرام والمنهي عنه غالبا يكون النهي متعلقا بالطبائع والمطلوب ترك الطبيعة في جميع الازمان لا موقتا أو ترك فرد منها فإذا التزم بترك طبيعة دائما فدليل نفوذ الشرط واعتباره يلزمه بالوفاء به فيرجع ان شرطه هذا صار سببا لتحريم حلال عليه وحيث ان مثل هذا الشرط استثناه الشارع عن دليل اعتبار الشرط ونفوذه بقوله (ع) " المسلمون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " فلا تشمله أدلة الاعتبار ونفوذ الشرط. ثم انه بعد الاحاطة على ما ذكرنا يظهر لك موارد الخلاف وانها هل من الشرط المخالف أو ليس منه وذلك مثل شرط رقية الولد الذي احد أبوبه حر ومثل شرط ارث المتمتع بها وشرط الضمان في العين المستأجرة وشرط اختيار المكان للزوجة فما ذكرنا من الضابط في مخالفة الشرط للكتاب والسنة يجب ان يراعي في جميع الموارد إلا فيما إذا جاء دليل خاص معتبر على بطلان الشرط أو صحته في ذلك الموارد فيستكشف عدم مخالفته للكتاب وإلا فهذا ليس قابلا للتخصيص. ثم انه إذا حصل الشك في مورد انه من الشرط المخالف أم لا ولم يأت دليل خاص على بطلانه أو صحته فلا يصح الرجوع إلى عموم " المؤمنون عند شروطهم " فانه تمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية للمخصص وقد أثبتنا في الاصول عدم جوازه وقد عرفت عدم جريان أصالة عدم مخالفته للكتاب فليس اصل منقح للموضوع في البين فلا بد من الرجوع إلى الاصول الجارية في نفس حكم المسألة. الرابع: الدليل على هذا الشرط الاخبار الكثيرة المستفيضة بل ربما يدعي بلوغها حد التواتر: فمنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال سمعته يقول (ع):

[ 266 ]

" من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله عزوجل فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله عزوجل " (1). ومنها: صحيحته الاخرى عنه ايضا قال (ع) " المسلمون عند شروطهم الا كل شرط خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز " (2) ومنها: ما عن ابن سنان عنه (ع) ايضا قال: سألته عن الشرط في الاماء لا تباع ولا توهب؟ قال: " يجوز ذلك غير الميراث فانها تورث، لان كل شرط خالف كتاب الله باطل " (3). ومنها: مرسلة جميل عن احدهما (ع) في رجل اشترى جارية وشرط لاهلها ان لا يبيع ولا يهب قال (ع): " يفي بذلك إذا شرط لهم " (4). ومنها: رسالته الاخرى وزاد " إلا الميراث " (5). ومنها: موثقة اسحق بن عمار المتقدمة (6). ومنها: صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن الشرط في الاماء لا تباع ولا تورث ولا توهب؟ فقال: " يجوز ذلك غير الميراث فانها تورث وكل شرط خالف كتاب الله فهو رد " (7).


: 1 - تقدم تخريجه في ص 249، رقم (1). 2 - تقدم تخريجه في ص 250، رقم (1). 3 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 67، ح 289، باب ابتياع الحيوان، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 353، ابواب الخيار، باب 6، ح 3. 4 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 25، ح 106، باب عقود البيع، ح 23، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 44، ابواب بيع الحيوان، باب 15، ح 2. 5 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 373، ح 1509، باب المهور والاجور، ح 72، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 44، ابواب بيع الحيوان، باب 15، ذيل ح 2. 6 - سبق ذكره في 250، رقم (2). 7 - " الكافي " ج 5، ص 212، باب شراء الرقيق، ح 17، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 43، ابواب بيع الحيوان،.

[ 267 ]

ومنها: اخبار اخر كثيرة تركناها لعدم الاحتياج إلى ذكرها وحيث ان دلالة هذه الاخبار على ما ذكرناه من شرح المراد من هذه القاعدة واضحة فلا يحتاج إلى بيان وجه الدلالة وبسط الكلام فيها. [ الشرط ] الخامس: ان لا يكون منافيا لمقتضى العقد. وهذه العبارة يحتمل فيها وجوه من المعاني: احدها: ان يكون المراد منها ان لا يكون الشرط منافيا لما هو مضمون العقد بالمعنى المصدري، مثلا عقد البيع بالمعنى المصدري عبارة: عن انشاء تمليك عين متمول بعوض مالي، والمنشاء بهذا الانشاء أي: التمليك المذكور مضمون العقد وهو مقتضى العقد بالمعنى المصدري، إذ المراد من المقتضي - بالكسر - هو مفيض الاثر، فالاثر يفاض منه مع اجتماع الشرائط وعدم الموانع. ولا شك في ان العقد بالمعنى المصدري يؤثر في وجود مضمونه عند العرف، وكذلك عند الشرع مع اجتماع شرائطه وعدم موانعه، فلو كان الشرط منافيا لمقتضى العقد بهذا المعنى - بان يقول: بعتك هذه العين المتمولة بكذا بشرط ان لا يتحقق هذا التمليك الكذائي - فهذا يرجع إلى قصد تحقق النقيضين، فيكون مثل هذا العقد باطلا قطعا فضلا عن بطلان الشرط، فإذا قال وكيل المرأة: انكحتك الفلانة بشرط ان لا تصير زوجتك مثلا فهذا تناقض وتهافت لا يصدر عن عاقل ان لم يكن هازلا. الثاني: ان لا يكون الشرط منافيا لجميع اثار ذلك العقد، كأن يقول وكيل الزوجة: زوجتك فلانة بشرط ان لا تستمتع منها أي استمتاع، أو يقول بعتك هذا المال بشرط ان لا تتصرف فيه أي قسم من التصرفات. وهذا ايضا يرجع إلى الوجه الاول، لان نفي جميع الاثار مستلزم لنفي المؤثر،


:... باب 15، ح 1..

[ 268 ]

خصوصا إذا كان المؤثر من الامور الاعتبارية، إذ مع نفي جميع الاثار يكون ذلك الاعتبار لغوا. الثالث: ان يكون منافيا للاثر الظاهر للعقد، بحيث يكون تمام النظر في العقد والمعاملة إلى ترتيب ذلك الاثر، وذلك كما انه لو شرط وكيل المرأة أو نفسها حين انشاء النكاح الدائم عدم وطيها طول عمر الزوجين، ولا شك في ان الاثر الظاهر للنكاح الدائم - وما هو العمدة في نظر العرف بل الشرع - هو الوطي، فانه الغرض الاصلي من النكاح الدائم، وان كانت هناك اغراض واثار اخر. وكذلك التاجر الذي شغله البيع والشراء لو اشترى أشياء واجناسا لان يبيع ويربح كما هو شغل الكسبة والتجار، وشرط عليه البايع الاول أن لا يبيع تلك الاجناس، فهذا الشرط مناف لما هو الاثر الظاهر من الاشتراء الاول. فهل مثل هذا الشرط وحده أو المعاملة المشتملة على هذا الشرط باطلة أو ليس شئ منهما بباطل؟ يمكن ان يقال: نفى الاثر الظاهر ملازم عرفا مع نفي ما هو مضمون العقد، فيستكشف في مقام الاثبات عدم القصد إلى مضمون العقد، لان قصد الشرط مناف مع قصد المضمون، فان لم يقصد الشرط فالشرط باطل، لعدم كونه مقصودا وان قصده فالمضمون غير مقصود، لما ذكرنا من التنافي بين قصديهما عرفا، فالعقد باطل، لان العقود تابعة للقصود فيكون الشرط باطلا، لانه يبقى بلا موضوع. ولكن يمكن أن يقال حيث انه في مقام الثبوت لا مانع من قصد عدم الاثر الظاهر مع قصد مضمون العقد، فيؤخذ بظاهر الاثنين ويحكم بصحة العقد والشرط جميعا فلا مانع من الحكم بصحة الشرط من ناحية كونه منافيا لمقتضى العقد وان كان هناك مانع من الحكم بصحته لا بد وان يكون من جهة اخرى ككونه غير سائغ أو كونه مخالفا للكتاب والسنة أو غير ذلك من الجهات التي تكون اجنبية عن

[ 269 ]

محل الكلام. الرابع: ان يكون منافيا لبعض الاثار العرفية التي للعقد ولا يكون من الاثار الظاهرة للعقد، بحيث تكون ملازمة عرفية بين نفيها ونفي مضمون العقد، وذلك كشرط البايع عليه عدم بيعه من زيد مثلا أو هبته لابنه أو أحد اصدقائه. وبعبارة اخرى: إذا شرط البائع على المشتري ان لا يتصرف في المبيع بعض التصرفات التي من اثار ملكه عرفا فلا مانع من صحة الشرط، من جهة منافاته لمقتضى العقد، لان عمدة وجه بطلان الشرط إذا كان منافيا لمقتضى العقد هو عدم امكان اجتماع صحة العقد مع صحة الشرط، وإلا فلا وجه لبطلان الشرط من هذه الجهة. نعم يمكن أن يكون باطلا لجهة اخرى. وبعبارة اوضح: وجه كون مخالفة الشرط لمقتضى العقد موجبا لبطلانه هو عدم امكان الاخذ بدليل " اوفوا بالعقود " مع الاخذ بدليل وجوب الوفاء بالشرط لتنافيهما، فلا بد إما من اسقاط كلا الدليلين أو اسقاط أحدهما وعلى جميع التقادير تكون النتيجة بطلان الشرط. وفي المقام حيث لا تنافي في عالم الثبوت فلا تعارض بين الدليلين في مرحلة الاثبات، إذا الشرط في المفروض ليس منافيا لمقتضي ذات العقد، بل مناف لاطلاق العقد فإذا قيد بواسطة الشرط لا يبقى موضوع لاطلاقه كى يكون الشرط منافيا معه، فإذا لم يكن في مثل المقام وجه آخر لبطلان الشرط من كونه مخالفا للكتاب والسنة، أو كونه غير سائغ، أو كونه غير مقدور وامثال ذلك، فلا يكون باطلا من جهة منافاته لمقتضى العقد. الخامس: ان يكون منافيا لبعض الآثار الشرعية التى جعلها الشارع للعقد بالمعنى الاسم المصدري، مثل ان تشترط الزوجة في عقد النكاح ان يكون السكنى باختيارها، أو اشترطت على الزوج ان يسكن في بلد أبويها أو اشترطت عليه ان

[ 270 ]

يجوز لها الخروج من البيت متى شاءت وامثال ذلك مما جعلها الشارع من آثار الزوجية التي حصلت بالعقد، وان يكون الشرط مخالفا لها. وكذلك الامر لو باعه مال وشرط على المشتري ان لا يتصدق به على احد وامثال ذلك في سائر العقود والمعاملات، فلا بد وان ينظر إلى دليل ذلك الاثر وانه يستفاد منه ان هذا الاثر من الحقوق القابلة للاسقاط ام لا بل حكم شرعي ليس قابلا للاسقاط؟. فان كان من قبيل الاول فلا مانع من اشتراط عدمه، ويرجع إلى إسقاط المشروط عليه حقه، وذلك مثل ان يشترط بائع الحيوان على المشتري ان لا يكون له خيار الحيوان، أو يشترط الزوج على الزوجة ان لا يكون لها حق المضاجعة ليلة في كل أربع، وعلى هذا النهج في سائر العقود. واما ان كان من قبيل الثاني فاشتراط عدمه يكون من مخالفة الكتاب والسنة، فلو شرطت على زوجها جواز الخروج عن بيتها بدون اذن الزوج، أو المسافرة في غير السفر الواجب بدون اذنه - يكون من الشرط المخالف للكتاب. نعم لو شرطت عليه ان يأذن لها الخروج فيما يجوز الخروج مع اذنه - كالخروج إلى مجالس العزاء لسيد الشهداء (ع) أو لزيارة احد أقاربها ومحارمها يجب الوفاء بهذا الشرط وأن يأذن لها. وأما لو كان الخروج إلى مجلس يحرم الحضور فيه كذهابها إلى الملاهي فهذا شرط مخالف للكتاب. وعلى أي حال شرط عدم بعض الآثار الشرعية للمعقود عليه لا يكون باطلا من جهة مخالفته لمقتضى العقد، فان كان مانع من صحته يكون لجهات أخر. ثم انه صار بعض الفروع هاهنا وفي هذا المقام محل الكلام. منها: ان المشهور بينهم عدم صحة اشتراط الضمان في الاجارة وصحته في

[ 271 ]

العارية، خلافا للمحقق المقدس الاردبيلي (1) وجمال المحققين (2) (قدهم) فانهما قالا بصحته في الاجارة ايضا، وفصل شيخنا الاستاذ (قده) بين الاجارة الواقعة على الاعيان والامول وبين الاجارة الواقعة على الاعمال، فقال: في الاول بعدم صحة شرط الضمان كما ذهب إليه المشهور وفي الثاني - أي الاجارة على الاعمال - بالصحة. والتحقيق هو ان الاجارة ملطقا - سواء أكان اجارة الاعيان أو كان في اجارة الاعمال - تسليم العين إلى المستأجر في الاول والى الاجير في الثاني كما إذا أعطى وسلم ثوبه إلى الخياط مثلا حيث انها امانة مالكية بيد المستأجر في الاول وبيد الاجير في الثاني، فتلفه لا يوجب الضمان إلا مع التعدي والتفريط، وقد شرحنا المسألة مفصلا في احدى قواعد هذا الكتاب (3). ولكن عدم اقتضاء الامانة المالكية للضمان غير اقتضائه عدم الضمان، والاجارة مع العارية مشتركان في كونهما امانة مالكية. وما ذكره شيخنا الاستاذ (قده) في وجه التفصيل - وعدم صحة اشتراط الضمان في اجارة الاعيان من استحقاق المستأجر على المؤجر كون العين المستأجرة تحت يده وتصرفه وهذا الاستحقاق من ناحية عقد الاجارة، فان اجارة العين عبارة عن تمليك منفعة العين كسكنى الدار مثلا التي هي صفة في العين، فتسليم هذا الملك إلى مالكه - حيث انه ليس له وجود استقلالي - يكون بتسليم العين، فالمستأجر يستحق تسلم العين لاستحقاقه تسلم المنفعة التي هي ملكه ووجود المنفعة مندك في وجود العين، كما هو الحال في كل صفة مع موصوفه، فاستحقاقه للمنفعة بعقد الاجارة عين استحقاقه لتسلم العين بعقد الاجارة، فلم يأخذ المستأجر إلا ما يستحق، وهذا الاستحقاق ليس مجانا بل بالعوض المسمى أي: ما جعل في العقد عوضا لتمليك المنفعة


: 1 - " مجمع الفائدة والبرهان " ج 10، ص 69. 2 - " الحاشية على الروضة " ص 367 - 368. 3 - " القواعد الفقهية " ج 2، ص 7، قاعدة عدم ضمان الامين..

[ 272 ]

المعلومة فلا موجب لضمان اخر لاخذه العين وتسلمها. ثم افاد ان هذا الوجه لا ياتي في تسلم الاجير للعين لاجل العمل فيها فالخياط مثلا الذي يستأجره المالك لاجل خياطة ثوبه لا يستحق بعقد الاجارة وبعوض ما ياخذه من اجرة عمله تسلم العين وان تكون تحت يده، إذ من الممكن ان يخيطه وهو في يد مالكه، فيمكن ان يقال بصحة شرط الضمان على الاجير بخلاف شرط ضمان العين على المستأجر الذي صار مالكا للمنفعة بعقد الاجارة عوضا لما ياخذه مالك العين. وما افاده من الفرق بين تسلم العين من الاجير لاجل العمل وبين تسلمها من المستاجر لاجل استيفاء المنفعة - وان كان حسنا ولكن كونه موجبا لصحة شرط الضمان في احدهما دون الاخر لا يخلو من تأمل. وذلك من جهة ان صرف استحقاق المستأجر لتسلم العين المستأجرة بعوض معلوم لا يوجب عدم صحة شرط الضمان، وكون شرط الضمان مخالفا للسنة، لان يده واقعة على مال الغير، وهذه اليد وان كانت لا توجب الضمان - لانه مأذون من قبل المالك، وما تحت يده امانة مالكية، وهذه الجهة مشتركة بين العارية وقسمي الاجارة أي: اجارة الاعيان والاعمال - الا انها ليست ايضا مقتضية لعدم الضمان كي يكون شرط الضمان خلاف مقتضاها. ولا يقاس بالوديعة، لان ذا اليد في الوديعة محسن في حفظ مال الغير، فليس عليه سبيل بحكم الشارع، فيكون شرط الضمان هناك مخالف للكتاب ولم يحكم الشارع هاهنا بعدم الضمان كي يكون شرطه مخالفا الكتاب. نعم ان قيل بعدم كون الشرط من أسباب الضمان - مثل اليد غير المأذونة والاتلاف وغيرهما من اسباب الضمان - فالشرط لا يؤثر في الضمان. ولكن هذا الكلام مع بطلانه في نفسه يكون مشتركا بين الاجارة والعارية.

[ 273 ]

وخلاصة الكلام ان شرط الضمان في باب الاجارة لا مانع من نفوذه ان لم يكن اجماع على الخلاف، ومما ذكرنا ظهر الاشكال ايضا فيما ذكره شيخنا الاستاذ (قده) من عدم صحة شرط الضمان على المرتهن في العين المرهونة، باعتبار ان يد المرتهن على العين المرهونة بحق مالكي بواسطة عقد الرهن، فيقتضي عدم الضمان، فيكون شرط الضمان مخالفا للكتاب أو لمقتضى العقد الذي هو عدم الضمان. وقد عرفت الجواب وان عقد الاجارة في اجارة الاعيان، وكذلك عقد الرهن لا يقتضي الضمان بالنسبة إلى العين المستأجرة وكذلك لا يقتضي الضمان بالنسبة إلى العين المرهونة، لا انهما يقتضيان عدم الضمان كي يكون شرط الضمان فيهما منافيا لمقتضى العقد أو يكون خلاف الكتاب. وأما حديث استحقاقه بحق مالكي أي: استحقاق المرتهن كون العين المرهونة في يده بعقد الرهن، لان هذا معنى كونه وثيقة عنده. ويدل عليه قوله تعالى (فرهان مقبوضة) (1) - فقد عرفت انه لا يقتضي عدم الضمان، وايضا ليس من احكام هذا الحق شرعا عدم الضمان كي يكون شرط الضمان خلاف المشروع. نعم في الوديعة والوكالة حيث ان الوكيل والودعي نائبان عن المالك في حفظ ماله، فتكون يدهما بمنزلة يد المالك، فكما انه لو تلف في يد مالكه لا يوجب الضمان، بل لا معنى لان يكون الشخص ضامنا لنفسه - فكذلك من هو بمنزلته أي: الوكيل والودعي. هذا ما ذكره شيخنا الاستاذ. ولكن التحقيق هو الفرق بين الوكيل والودعي، وذلك لان الودعي محسن (وما على المحسنين من سبيل) (2) ولا شك في ان الضمان سبيل، وأما الوكيل الذي يعمل باجرة فليس بمحسن كي لا يكون عليه سبيل.


: 1 - البقرة (2): 283. 2 - التوبة (9): 91..

[ 274 ]

نعم لو كان الوكيل يعمل مجانا وقصده الاحسان إلى الموكل فيكون حاله حال الودعي، ولا يصح شرط الضمان عليه. ثم انه ظهر مما ذكرنا واتضح حال شرط الضمان في العارية وانه لا مانع منه وليس هناك ما يوجب بطلان هذا الشرط مثل نفي السبيل على المحسنين لان المستعير ليس منهم بل المعير الذي هو صاحب المال محسن إليه. واما كونه أمانة مالكية فليس مقتضيا لعدم الضمان. نعم اليد الامانية ليست موجبة للضمان لا انها موجبة لعدمها كي يكون شرط الضمان مخالفا لمقتضى العقد أو يكون مخالفا للكتاب. واما اخذ العين باستحقاق مالكي بالعقد فمضافا إلى انه لا كبرى لهذا الكلام لا صغرى له في المقام فصحة شرط الضمان في العارية لا اشكال فيه أصلا. واما قوله (ع) " ليس على مستعير عارية ضمان " (1) فالمراد نفي الضمان من حيث اقتضاء نفس العارية لا نفيه مطلقا وان كان من قبل الشرط. فقد عرفت مما ذكرنا ان الامانات الخمس اي العارية والاجارة والوكالة والرهن والوديعة ما عدا الاخير يصح في كلها شرط الضمان. ومنها: اي من الموارد التي صار محل الكلام شرط البايع على المشتري عدم بيع ما اشتراه فالمشهور قالوا بعدم صحة هذا الشرط ولكن العلامة (قده) استشكل في التذكرة (2)، وبعض من تأخر عنه قوى صحته على ما حكاه الشيخ الاعظم الانصاري (3) (قده).


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 182، ح 798، باب العارية، ح 1، " الاستبصار " ج 3، ص 124، ح 441، باب أن العاريد غير مضمونة، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 237، ابواب كتاب العارية، باب 1، ح 6. 2 - " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 489. 3 - " المكاسب " ص 281..

[ 275 ]

والاقوى صحة هذا الشرط ان لم يكن الاجماع على بطلانه. وذلك من جهة ان شرط عدم البيع ليس منافيا لمضمون عقد البيع ولا منافيا للاثر الظاهر الذي يلازم نفيه عرفا نفي البيع الاول وأيضا ليس شرط عدم بيعه شرط نفي جميع الآثار كي يكون اعتبار ملكيته للمشتري في البيع الاول لغوا ولم يرد دليل من الشرع ان عدم جواز بيع ما اشتراه مخالف للكتاب والسنة حتى يكون الشرط مخالفا للكتاب. فلا موجب لبطلان هذا الشرط إلا ما ادعاه الشيخ (قده) من تحقق الاجماع على بطلان هذا الشرط ثم عقبه بقوله فلا اشكال في اصل الحكم (1). نعم ذكرنا فيما تقدم انه قد يكون المشتري شغله البيع والشراء فيشتري لان يبيع كما هو الشأن لاغلب الكسبة في القرى والمدن الصغيرة. فيشترون في المدن الكبيرة من التجار الكبار للبيع في المدن الصغيرة ففي مثل هذه الموارد يمكن ان يدعي ان الاثر الظاهر للبيع الاول عرفا جواز بيع ما اشتراه فنفيه عرفا مناف لمضمون البيع الاول. ومنها: اشتراط عدم الخسران لاحدهما في عقد الشركة بأن يقول احدهما للاخر تشاركنا على ان يكون الربح بيننا والخسران عليك فصار محل الخلاف في صحة هذا الشرط وبطلانه، وتدل على صحته صحيحة رفاعة قال: سألت أبا الحسن موسى (ع) عن رجل شارك رجلا في جارية له وقال: ان ربحنا فيها فلك نصف الربح وان كانت وضيعة فليس عليك شئ؟ فقال (ع): لا أرى بهذا بأسا إذا طابت نفس صاحب الجارية (2).


: 1 - " المكاسب " ص 281. 2 - " الكافي " ج 5، ص 212، باب شراء الرقيق، ح 16، " وسائل الشيعة " ج 13، ص 175، ابواب كتاب الشركة، باب 1، ح 8..

[ 276 ]

وذهب ابن ادريس (قده) إلى بطلانه (1)، ولم يعمل بالصحيحة لعدم حجية الخبر الواحد عنده. وقال الشهيد (ره) في اللمعة: الاظهر هو البطلان (2) وقال في الشرائع: هذا الشرط أي كون الخسران على احدهما - فيه تردد، والمروي الجواز (3). وحكى عن الدروس التعدي إلى مطلق المبيع في بيع الحيوان (4) وفي الصلح تسلم الصحة بلا اشكال بأن يصطلحا على ان يكون الربح بينهما والخسران على الآخر (5). وحكي عن التنقيح الاقتصار على مورد النص تعبدا (6) أي في خصوص الشركة في الجارية، وذلك لان النص على خلاف القاعدة عنده فوقف على مورده تعبدا. والتحقيق في هذا المقام هو ان متعلق هذا المشرط لو كان صيرورة الربح الحاصل ببيع مال المشترك ملكا للمشروط له وذلك بأن لا يتبع الربح والخسران المال الذي ربح أو خسر في بيعه، فهذا يقينا خلاف ما تقتضيه الشركة وخلاف ما يقتضيه الكتاب. وذلك من جهة ان ارتفاع قيمة مال أو نزولها تابع لذلك المال شرعا وعرفا بل عقلا لانه من نعوته القائمة به فنماء المال متصلا كانت أو منفصلة ملك لصاحب المال ويتبع المال، فشرط ان يكون لغير المالك خلاف الكتاب والسنة وخلاف مقتضى الشركة.


: 1 - " السرائر " ج 2، ص 349. 2 - " اللمعة الدمشقية " ج 4، ص 201. 3 - " شرائع الاسلام " ج 2، ص 106. 4 - " الدروس الشرعية " ج 3، ص 223 - 224. 5 - " الدروس الشرعية " ج 3، ص 333. 6 - " التنقيح الرائع " ج 2، ص 120..

[ 277 ]

وأما لو كان الشرط انتقال حصة النفع من احد الشريكين إلى الاخر كي يكون مجموع الربح له اي حصة نفسه وحصة شريكه فلا مانع منه. نعم يحتاج إلى سبب مملك وهو الشرط الواقع في ضمن العقد اللازم الذي هو البيع أو الصلح، ولا بد وان تحمل صحيحة رفاعة على هذا المعنى. وفي كون الخسران على احدهما دون الاخر ايضا يكون الامر كذلك اي لو كان الشرط عدم تبعية الخسارة لحصة الشريك فهذا خلاف الكتاب والسنة وخلاف مقتضى الشركة، بل غير معقول. واما لو كان هذا الشرط مرجعه إلى جبران خسارته من مال الشريك الاخر فلا اشكال فيه ولا مانع منه. ومنها: اشتراط عدم اخراج الزوجة من بلدها فقد صار محلا للخلاف. والتحقيق فيه ان متعلق الشرط ان كان عدم سلطنة الزوج على اخراجها فهذا خلاف الكتاب والسنة يقينا واما ان كان مرجعه إلى الالزام بان لا يعمل سلطنته فلا محذور فيه. نعم لو كان اختيار السكنى بيد الزوج من الحقوق وبعد الفراغ عن ان كل حق قابل اللاسقاط فيمكن ان يكون مرجع هذا الشرط إلى اسقاط حقه فلا محذور ايضا. ومنها: مسألة توارث الزوجين بالعقد المنقطع وعدمه فتارة متعلق الشرط توارثهما أو كون احدهما يرث دون الاخر واخرى عدم توارثهما أو عدم كون احدهما وارثا فصار صحة هذا الشرط محل الكلام وقال في الشرائع لا يثبت بهذا العقد ميراث بين الزوجتين شرطا سقوطه أو اطلقا (1). وقال في الجواهر وفاقا للاكثر بل المشهور بل عن الغنية نفي الخلاف انتهى (2). ويدل عليه روايات:


: 1 - " شرائع الاسلام " ج 2، ص 251. 2 - " جواهر الكلام " ج 30، ص 190..

[ 278 ]

منها: صحيح سعيد بن يسار عن ابي عبد الله ع قال سألته عن الرجل يتزوج المرأة متعة ولم يشترط الميراث قال: " ليس بينهما ميراث اشترطا أو لم يشترطا " (1). والروايات في هذه المسألة مثل الاقوال وان كانت مختلفه إلا ان المتحصل من المجموع بعد الجمع ان عقد الانقطاع في حد نفسه لم يجعل الشارع بينهما توارث ومن هذه الجهة اي جهة الميراث - هما كالاجنبيين. فشرط الارث فيها - كشرط الارث للاجنبي - مخالف للكتاب وان شئت قلت: انه غير مقدور لان امر جعل الاحكام بيد الشارع لا بيد الشارط. وأما قول القائل انه مع الشرط مجعول من قبل الشارع استنادا إلى صحيح محمد بن مسلم عن الصادق (ع) في حديث: " وان اشترطا الميراث فهما على شرطهما " (2) والى صحيح البزنطي عن ابي الحسن الرضا (ع) قال: " تزويج المتعة نكاح بميراث ونكاح بغير ميراث ان اشترطت كان وان لم تشترط لم يكن " (3). ففيه ان هذا الكلام على تقدير صحته وغض النظر عن الاشكالات التي اوردوها عليه ووجود المعارض الاقوى لا دخل له بما نحن فيه، لان كلامنا في ان الشرط نافذ ويشمله دليل نفوذ الشرط ام لا؟ وهذا لو صح يرجع إلى ان موضوع ارث زوجة المتمتع بها مركب من امرين: احدهما كونها زوجة منقطعة. والثاني شرط


: 1 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 264، ح 1142، باب تفصيل أحكام النكاح، ح 67، " الاستبصار " ج 3، ص 149، ح 548، باب أنه إذا شرط ثبوت الميراث...، ح 3، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 487، ابواب المتعة، باب 32، ح 7. 2 - " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 264، ح 1141، باب تفصيل أحكام النكاح، ح 66، " الاستبصار " ج 3، ص 149، ح 547، باب أنه إذا شرط ثبوت الميراث... ح 2، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 486، ابواب المتعة، باب 32، ح 5. 3 - " الكافي " ج 5، ص 465، باب الميراث، ح 2، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 264، ح 1140، باب تفصيل احكام النكاح، ح 65، " الاستبصار " ج 3، ص 149، ح 546، باب أنه إذا شرط الميراث في المتعة...، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 14، ص 485، ابواب المتعة، باب 32، ح 1..

[ 279 ]

كونها وارثة وهو عجيب. [ الشرط ] السادس: ان لا يكون الشرط مجهولا ان كان في ضمن عقد البيع أو معاملة اخرى يكون الغرر فيه مبطلا لان المعاملة التي لا يضر بصحتها الجهالة، كالصلح حيث ان مبناها على الجهالة أو المعاملة المحاباتية التي يكون البناء فيها على المسامحة والمحاباة، فالغرر فيهما لا يوجب البطلان لان المفروض ان البناء في الصلح على التسالم على امر غير معلوم بعوض مالي وفي المحاباة على المساهلة والمسامحة فلا يضر الجهالة في اصل المعاملة فضلا عن شرطها. واما فيما يكون الغرر مضرا ومبطلا، كالبيع الذي يكون من المسلم واتفاقا من الكل مبطلية الغرر له للخبر المشهور " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " (1) وكالاجارة وسائر المعاملات التي يكون الغرر فيها مبطلا على المشهور للمرسلة المعروفة " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر " بدون لفظ " البيع " فيكون الغرر مطلقا في اي معاملة كانت منهيا. فالشرط ان كان غرريا يكون باطلا على كل حال، سواء سرى الغرر إلى نفس المعاملة والعقد أو لم يسر وذلك من جهه انه لو سرى إليها فتكون المعاملة غررية وباطلة، فيبقى الشرط بلا موضوع لان المفروض ان موضوع وجوب الوفاء هو الشرط الواقع في ضمن المعاملة الصحيحة والعقد اللازم واذ ليس فلا يجب. وأما ان لم يسر فنفس الشرط حيث انه يكون غرريا يكون باطلا للمرسلة المعروفة " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر " التي ضعف سندها منجبر بعمل الاصحاب ولكن لم يثبت وجود هذه الجملة اي جملة " نهى النبي عن الغرر " بدون لفظ " البيع " في كتب الروايات والاحاديث لا من طرق القوم وكتب احاديثهم ولا من طرق الامامية رضوان عليهم اجمعين.


: 1 - " عيون أخبار الرضا (ع) " ج 2، ص 46، ح 168، " عوالي اللئالي " ج 2، ص 248، ح 17..

[ 280 ]

نعم في غير واحد من الصحاح المعتبرة عندهم يرون عن ابي هريرة: ان النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى عن بيع الغرر. فاثبات ان المنهي هو مطلق الغرر مشكل. فلا طريق إلى الحكم ببطلان المعاملة المشتملة على الشرط المجهول الا ان تكون تلك المعاملة بيعا مع سراية جهل الشرط إلى نفس المعاملة الا ان يكون دليل خاص من اجماع أو غيره على البطلان ولا يصح دعوى الاجماع في مسالتنا هذه على البطلان مع اختلاف الاقوال إذا كان الشرط من الامور الخارجة عن العوضين. فقال الشهيد (قده) في الدروس فيما لو جعل الحمل جزءا للمبيع الاقوى الصحة، لانه بمنزلة الاشتراط ولا يضر الجهالة (1). ويظهر من هذه العبارة ان عدم بطلان المعاملة بالشرط المجهول امر مفروغ عنه عنده. نعم إذا كان الشرط من اوصاف احد العوضين وكان مجهولا ربما يدعي اتفاقهم على البطلان لصيرورة العوض بواسطة ذلك الشرط مجهولا. فالادلة الدالة على لزوم معلومية العوضين تدل على بطلان تلك المعاملة التي مشروطة بشرط مجهول يكون من اوصاف احد العوضين. والتحقيق في هذه المسألة ان المعاملة المشتملة على شرط مجهول ان سرت جهالة الشرط إلى نفس المعاملة بحيث صارت المعاملة بواسطة ذلك الشرط غرريا فانه قد يكون ذلك وكان تلك المعاملة بيعا فتلك المعاملة باطلة قطعا وذلك لحديث " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " والضعف منجبر بعمل الاصحاب وان كانت غير بيع فيحتاج الحكم بالبطلان إلى دليل خاص من اجماع أو غيره. وأما ان لم تسر الجهالة إلى نفس المعاملة فلا وجه لبطلان الشرط فضلا عن بطلان المعاملة الا ما يدعى من نهيه صلى الله عليه وآله عن مطلق الغرر في البيع أو في غيره وقد


: 1 - " الدروس الشرعية " ج 3، ص 246..

[ 281 ]

عرفت ان اثبات هذا مشكل جدا أو ما يقال من بناء العقلاء على عدم ترتيب الاثر على المعاملة المشتملة على شرط مجهول واثبات هذا اشكل وعلى فرض ثبوته لا يمنع عن لزوم العمل بالشرط ووجوب الوفاء بالعقد. نعم حكي في المستدرك عن دعائم الاسلام عن امير المؤمنين (ع) انه سئل عن بيع السمك في الاجام إلى ان قال (ع) " هذا كله لا يجوز لانه مجهول غير معروف يقل ويكثر وهو غرر ". (1) فعلل عليه السلام عدم جواز بيع المذكورات في الرواية بأنه مجهول وغرر. والانصاف ان المستفاد من مجموع الروايات - الواردة في باب وجوب العلم بقدر المبيع وعدم جواز الكيل بمكيال مجهول وفي باب عدم جواز بيع ما في الاجام من القصب والسمك والطير مع الجهالة - هو اشتراط صحة المعاملة بالعلم بالعوضين ومقدارهما وأوصافهما وكون الجهل مضرا ولو كان من قبل الشرط المجهول وان كانت واردة في باب البيع لكن الظاهر عدم اختصاصها به. [ الشرط ] السابع: ان لا يكون الشرط مستلزما للمحال بمعنى ان وجود الملتزم به في مقام الامتثال يكون محالا وذلك كقول الشارط بعتك بشرط أن تبيعه مني أو يقول بنحو شرط النتيجة بعتك بشرط ان يكون مبيعا مني وعلل بطلان هذا الشرط في التذكرة بأنه مستلزم للدور (2) حتى اشتهر في لسان المتأخرين عن العلامة هذا الدور بدور العلامة (قده). وبيان استلزامه للدور هو انه تقدم ان الشرط له اطلاقان: احدهما هو نفس التزام المشروط عليه أو الزام المشروط له الثاني: هو الملتزم به أي ذلك الامر الذي


: 1 - " دعائم الاسلام " ج 2، ص 23، ح 42، " مستدرك الوسائل " ج 13، ص 237، ابواب عقد البيع، باب 10، ح 1. 2 - " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 490..

[ 282 ]

الزمه الشارط بايجاده أو هو التزم بذلك ولزوم الدور بناء على المعنى الثاني واضح. وذلك لان وجود المشروط متوقف على وجود الشرط فوجود البيع متوقف عل وجود ذلك الامر الذي التزم به المشروط عليه اي البيع الثاني فيما نحن فيه فوجود البيع الاول متوقف على وجود البيع الثاني توقف وجود المشروط على وجود شرطه. والبيع الثاني ايضا وجوده متوقف على البيع الاول لوجهين: الاول: لانه لا بيع إلا في ملك فما دام لا يملكه بالبيع الاول لا يمكن ان يتحقق منه وبصدر البيع الصحيح فوجود البيع الثاني الصحيح ايضا متوقف على البيع الاول وهذا هو الدور الصريح. والظاهر ان ما افاده في جامع المقاصد (1) في وجه الدور من ان انتقال الملك موقوف على حصول الشرط وحصول الشرط موقوف على انتقال الملك هو عين ما ذكرناه وذلك من جهة ان انتقال الملك اثر البيع الصحيح فمراده من توقف انتقال الملك اي البيع الصحيح اي البيع الاول ومراده من حصول الشرط اي وجود البيع الثاني. هذا هو الوجه الاول لتوقف البيع الثاني على البيع الاول. والوجه الثاني عدم معقولية البيع على المالك، لانه من قبيل تحصيل الحاصل، فالبيع الثاني متوقف على الخروج عن ملك المالك الاول اي على البيع الاول وقد عرفت ان البيع الاول ايضا متوقف على البيع الثاني توقف المشروط على شرطه. وجوابه عدم توقف البيع الاول على وجود البيع الثاني بل متوقف على الالتزام بالبيع الثاني لا على نفس البيع ولذا لو التزم ولم يبع لا يبطل البيع الاول بل يكون


: 1 - " جامع المقاصد " ج 4، ص 413 و 432..

[ 283 ]

تخلف الشرط موجبا للخيار فقط لا بطلان المعاملة. هذا بناء على ان يكون المراد من الشرط هو الملتزم به. واما لو كان المراد نفس الالتزام فما يمكن ان يقال في وجه الدور هو انه بناء على هذا البيع الاول متوقف على الالتزام بالبيع الثاني والبيع الثاني حيث عرفت انه لا يمكن وجوده وتحققه الا بعد البيع الاول والعاقل لا يمكن ان يلتزم جدا بامر محال فالتزامه جدا متوقف على البيع الاول، وهذا هو الدور. وفيه: ان الالتزام جدا بامر محال وان كان لا يصدر من العاقل ولكن فيما نحن فيه ليس الامر كذلك لانه فيما نحن فيه ايجاد الملتزم به في ظرف الالتزام محال لا مطلقا والالتزام بامر يكون وجوده فعلا محال ولكن يمكن ان يوجد بعد حين لا مانع منه. وهذا أمر دائر بين العقلاء بل أغلب التزاماتهم من هذا القبيل فانه في حال انشاء الالتزام لا يقدر على الوفاء بما التزم فانه في نصف الليل مثلا يلتزم بأشياء لا يمكن ايجادها في الغد أو يلتزم في السفر بأشياء لا يمكن حصولها إلا في الحضر. والحاصل ان صحة الالتزام بامور لا يمكن وجودها إلا في الازمنة المتأخرة لا يمكن انكارها فبيع المال على مالكه وان كان لا يمكن ما دام هذا العنوان يكون منطبقا عليه ومتلبسا بمبدء اشتقاقه أي ما دام وصف مالكيته لهذا الشئ ثابت له، ولكن بيعه عليه باعتبار حال انقضاء المبدء لا مانع منه فلا مانع بأن يلتزم بالبيع على مالك هذا المال حال كونه مالكا له باعتبار حال خروجه عن ملكه بمعنى ان ظرف التزامه وان كان في حال كونه مالكا لهذا المال ولكن ظرف الملتزم به حال زوال ملكيته عنه. والظاهر ان عمدة نظر العلامة (قده) في هذا الاشكال - وانه لا يجوز اشتراط أن يبيعه المشتري على البايع في البيع الاول لا بنحو شرط الفعل ولا بنحو شرط النتيجة - هو محالية هذا المعنى أي البيع على المالك ثانيا، فيكون البيع عليه متوقفا على البيع

[ 284 ]

الاول حتى يخرج عن ملكه ويمكن البيع عليه. والجواب ما ذكرنا فلا نعيد ولا نطول المقام. والشاهد على انه أراد هذا المعنى انه قال: بجواز اشتراط بيعه على غير المالك لامكانه بأن يكون وكيلا من قبل المالك أو بيعه فضولة ثم يمضي المالك، فوجه توقف بيع الثاني على الاول ان البيع المالك ممتنع فلا يمكن الالتزام به فبيع الاول متوقف على أمر محال فيكون باطلا. فلا يرد على العلامة (قده) ما ذكروه من انه لو كان اشتراط البيع ثانيا على البايع باطلا ومستلزما للدور فيكون اشتراط البيع على غيره ايضا كذلك أي يكون مستلزما للدور وكذلك اشتراط عتقه أو وقفه بل اشتراط كل تصرف يكون متوقفا على كونه ملكا للمتصرف يكون مستلزما للدور. لان ذلك التصرف على الفرض متوقف على الملك وملكه متوقف على وقوع البيع الاول صحيحا ووقوع البيع الاول صحيحا متوقف على وقوع البيع الثاني أو عتقه أو وقفه أو هبته أو غيره من التصرفات المتوقفة على الملك. فتخصيص العلامة (قده) الاشكال بهذا الفرع أي بالبيع على نفس المالك دون غيره يدل على ان نظره في الاشكال وثبوت الدور على امتناع بيع المال على مالكه وتوقف صحته على خروجه عن ملكه، فلا يرد عليه الايرادات المذكورة في كتبهم والنقوض التي ذكروها من صحة اشتراط البيع على غيره أو اشتراط عتقه أو وقفه أو هبته لغير البايع لاشتراك الكل في استلزامها للدور. وأيضا ظهر مما ذكرنا ان الجواب عن هذا الدور بأن البيع الاول متوقف على الالتزام بالبيع الثاني لا على وقوعه ليس كما ينبغي لان اشكاله هو أن الالتزام بأمر محال - وهو البيع على المالك - لا يمكن ان كان التزاما جديا فالجواب هو الذي ذكرنا لا ما ذكروه.

[ 285 ]

[ الشرط ] الثامن: ان يلتزم به في متن العقد أقول: بعد الفراغ عن ان الشروط الابتدائية أي الالتزامات غير المربوطة بعقد، أو ما وقعت في ضمن عقد جائز لا يجب الوفاء بها اتفاقا - اما الاول فإما لعدم شمول قوله (ص " المؤمنون عند شروطهم " للشروط الابتدائية وضعا أو انصرافا وإما لتخصيصه بالاجماع. واما الثاني فلانه بعد ما كانت نفس العقد غير واجب الوفاء، فالشرط الواقع في ضمنه بطريق أولى. فاعلم أن الشروط على ثلاثة أقسام: احدها: ان تكون مذكورة في ضمن العقد اللازم وهذا القسم هو القدر المتيقن من قوله (ص) " المؤمنون عند شروطهم " الثاني: هي الالتزامات الابتدائية والتعهدات المستقلة غير المربوطة بعقد المنشأة باللفظ ولكن بانشاء مستقل حيث لا عقد في البين أصلا أو لا ارتباط بينهما وان كان. وهذا القسم هو الذي خارج عن تحت هذه القاعدة تخصصا أو تخصيصا بالاجماع الثالث: هو ما يكون التباني والتوافق عليه خارج العقد ووقع العقد مبنيا عليه من دون ذكرها في متن العقد. وهذا القسم هو الذي محل كلامنا في انه هل يجب الوفاء به ام لا؟ بل لا بد من ذكرها في متن العقد؟. وأما القسم الرابع: وهو ان يقع التواطى والتباني عليه قبلا ولم يقع العقد مبنيا عليه بل كان حال العقد مغفولا عنه فهو في الحقيقة إلى القسم الثاني من حيث

[ 286 ]

عدم ارتباطه إلى العقد وعدم كونه مشمولا لهذه القاعدة بل حاله انزل من القسم الثاني لعدم انشائه باللفظ بل صرف تبان في خارج العقد. وخلاصة الكلام أن القسم الاول يقينا مشمول للقاعدة والقسم الثاني غير مشمول يقينا. فعمدة الكلام في القسم الثالث، وهو الذي سموه بشروط التباني بعد الفراغ عن أن القسم الرابع يرجع إلى القسم الثاني. وفيه خلاف والقائلون بلزوم الوفاء به ذكروا لذلك وجوها: الاول: هو ان التباني قبل العقد على التزام احد المتعاقدين أو كلاهما على أمر - وان لم يذكروا في متن العقد حاله حال الشروط الضمنية كلزوم تسليم كل واحد منهما الذي جعله في العقد عوضا إلى الآخر وككون الثمن من نقد البلد وامثالهما. وذلك من جهة ان الشروط الضمنية بواسطة تعاهدها عند العرف والعادة صارت مدلولا التزاميا للعقد وان لم يذكر في متنه بل وان كان العاقد غافلا عنها غير ملتفت إليها. ومعلوم ان دلالة الالتزام معتبرة في باب الانشاءات كالدلالة المطابقة لانها ايضا احدى طرق الافادة والاستفادة في محاوراتهم. فكذلك التباني لاجل هذه العلة بعينها لانهم إذا تبانوا قبل العقد على التزام احدهما أو كليهما على أمر ثم وقع العقد مبنيا على ذلك التباني يكون ذلك الالتزام أو الالتزامين مدلولا التزاميا لذلك العقد فيكون حاله حال الشروط الضمنية ويجب الوفاء به. وفيه: ان المدلول الالتزامي لكلام لا بد وان يكون من اللوازم العقلية أو العرفية لذلك الكلام كي يدل ذلك الكلام عليه بالدلالة الالتزامية كما ان قوله بعتك هذه الدار بألف دينار يدل بالدلالة المطابقة على مبادلة الدار بألف دينار ويدل بالالتزام على تسليم كل واحد منهما ما هو كان له إلى الذي انتقل إليه وتساوي العوضين من

[ 287 ]

حيث المالية وكون الدينار المذكور في العقد من قسم دينار البلد لا دينار مملكة اخرى. كل هذه الثلاثة وما يماثلها من اللوازم العرفية لذلك الكلام أي لقوله بعتك هذه الدار بألف دينار فيدل عليها بالدلالة الالتزامية لو كان اخبارا، كما انه لو كان في مقام الانشاء تكون منشآت بذلك العقد بالدلالة اللفظية الوضعية التي هي معتبرة في مقام الانشاءات كاعتبارها في مقام الاخبار. وهذا بخلاف ما نحن فيه فان الامر الاجنبي عن مدلول العقد كالالتزام بخياطة ثوب بايع الدار مثلا في خارج والتباني عليه لا يوجب صيرورته لازما عرفيا لذلك الكلام أي ذلك العقد كي يكون العقد دالا عليه بالالتزام، فقياس احدهما على الآخر باطل. وبعبارة أوضح في الشروط الضمنية ايضا يكون انشاء الشرط باللفظ، غاية الامر بالدلالة الالتزامية لا المطابقية، وأما في باب التباني فليس انشاء لفظي في البين، بل ليس مطلق الانشاء لا لفظيا ولا غير لفظي، بل صرف تبان خارجي، ومثل هذا التباني لا دليل على وجوب الوفاء به. الثاني: ان وقوع العقد مبنيا على التواطى والتباني السابق عليه يوجب تقييده بما تبانيا وتواطيا عليه، فيجب الوفاء بذلك العقد المقيد بما تبانيا عليه والوفاء بذلك العقد المقيد لا يمكن إلا بالعمل على طبق ذلك التباني الذى هو المراد من الشرط هاهنا، فيكون الشرط لازم الوفاء. وفيه: ان وقوع العقد مبنيا على تواطيهما قبله وان كان يوجب تقييد الثمن أو المثمن في مقام اللب والالتزام النفسي، ولكن بصرف هذا الامر النفسي لا يكون مشمولا لقوله تعالى " أوفوا بالعقود " أو لقوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " بل لا بد من شمولهما له من بلوغه إلى مرتبة الانشاء القولي أو الفعلي على وجه،

[ 288 ]

والمفروض فيما نحن فيه ان ما تبانيا عليه لم يقع في حيز الانشاء، بل لا يكون إلا أمرا قلبيا لا اثر له. وأما دعوى انصراف العقد اللفظي أو انصراف لفظ الثمن أو المثمن المذكورين فيه إلى ذلك المقيد - بواسطة التباني فتقع تلك الخصوصية التي يدعى ان العقد صارت مقيدة بها تحت الانشاء اللفظي - فمما لا وجه له أصلا، لان التقييد المعنوي من دون دليل عليه لا يوجب انصراف المطلق إلى ذلك الفرد الخاص المقيد بذلك القيد المعنوي. وأما سبق ذكر التباني بالمقاولة قبل العقد لا اثر له في ظهور الفاظ العقد أو مجموع جملته، ولذلك ذهب المشهور إلى عدم لزوم الوفاء بشروط التباني أي: ما تواطيا عليه قبل العقد، بل عن صاحب الرياض (قده) نقل الاجماع على عدم لزوم الوفاء بها، وحكاه ايضا عن بعض الاجلة. وأما ما أورده شيخنا الاستاذ (قده) على هذا الوجه، بأن القول بالانصراف إلى عقد خاص أي: المقيد يوجب بطلان العقد عند تخلفه أو تعذره، مع ان بنائهم في باب تخلف الشروط أو تعذرها انهما يوجبان الخيار لا البطلان. ففيه ان الانصراف بواسطة التباني قبل العقد ليس أمره أعظم من التصريح في اللفظ، حتى فيما إذا كان تبانيهما على وجود وصف في أحد العوضين أو في كليهما، مثلا تبانيهما على كون الجارية المبيعة طباخة، أو العبد المبيع كاتبا - على فرض انه كان كالتصريح بذلك في مقام الانشاء - لا يوجب تخلفه أو تعذره بطلان العقد، بل بنائهم على ان تخلف الوصف أو تعذره لا يوجب إلا الخيار. والسر في ذلك ان هناك التزامان: أحدهما: هوا الالتزام بنفس المبادلة بين العوضين. والثاني: هو التزامه بأن يكون أحد العوضين أو كلاهما كذا وكذا، والالتزام الثاني مربوط بالالتزام الاول، فلو لم يعمل بالالتزام الثاني يكون ذلك موجبا للخيار، لان الالتزام الاول كان مشروطا بالالتزام الثاني، فلا يجب الوفاء به إلا في ظرف

[ 289 ]

العمل بالالتزام الثاني، فإذا تخلف أو تعذر فلا يجب الوفاء كي يكون لازما، بل هو مخير بين أن يعمل بالتزامه العقدي - والمبادلة التي وقعت - وان لا يعمل. وهذا معنى الخيار. وبعبارة اخرى وجوب الوفاء الذي هو منشأ اعتبار اللزوم موضوعه العقد المشروط، أو العوض والمعوض الموصوف بكذا، فعند تخلف الشرط أو الوصف لا يشمله دليل وجوب الوفاء، فيكون مخيرا. وهذا هو الخيار، ولا وجه لبطلان العقد. الثالث: ان التراضي وقع بين العوضين مبنيا على العمل بالشرط المذكور قبل العقد الذي تواطيا عليه، فبدون العمل بذلك الشرط يكون أكلا للمال بالباطل، فيجب العمل على طبق تبانيهما وتواطيهما، ويلزم الوفاء به لكي لا يكون أكلا للمال بالباطل. وفيه أولا: لو صح هذا الكلام فمقتضاه بطلان العقد، لان ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع. وثانيا: هو ان الرضا المعاملي غير الرضا بمعنى طيب النفس، ففي بيع المضطر ليس طيب النفس مع انه صحيح، فالمراد من قوله تعالى: " إلا ان تكون تجارة عن تراض " (1) - هو ان لا تكون المبادلة بين العوضين باكراه أو اجبار، وفيما نحن فيه لا شك انه لا اكراه ولا اجبار، والمبادلة بين المالين وقعت برضاء منهما غاية الامر حيث كان الالتزام بهذه المبادلة مبنيا على ما تبانيا عليه - فإذا لم يعمل الطرف بما تبانيا عليه، فدليل وجوب الوفاء لا يشمله. لان موضوعه المبادلة المشروط، فيكون له الخيار، لا ان يكون اصل المبادلة باطل، لانها وقعت باختيارهما والالتزام - بأن يقف عند هذه المبادلة ولا يحل ما عقد عليه - مشروط بوجود هذا الشرط أو هذا الوصف، فإذا تخلف أو تعذر الشرط أو الوصف فلا ملزم له بالوقوف عند هذه المبادلة، بل له حله وفسخه. وهذا معنى الخيار.


: 1 - النساء (4): 28..

[ 290 ]

وقد عرفت مما ذكرنا عدم صحة ما أفاده شيخنا الاعظم (قده) (1) - في آخر هذا الامر أن الشرط من اركان العقد، بل جزء للثمن أو المثمن فلا بد من ذكره وإلا كان العقد باطلا - وان العقد صحيح، ذكر الشرط أو لم يذكر عمل به أو لم يعمل تعذر أو لم يتعذر. نعم في صورة تخلف الشرط أو تعذره يرتفع اللزوم، لان العقد باطل. وهذا هو ما ذهب إليه المشهور بل ادعى عليه الاجماع. [ الشرط ] التاسع: ربما يقال انه من شرائط صحة الشروط التنجيز، والكلام في اعتبار هذا الشرط في صحة الشروط تارة: باعتبار نفس الشرط، وانه هل يعتبر في نفس الشرط - مع قطع النظر عن العقد - التنجيز، كما انه معتبر في نفس العقد، وان التعليق مبطل أم لا؟ واخرى: باعتبار سراية التعليق إلى العقد، فيكون العقد باطلا، فالشرط يبطل بالتبع. أما باعتبار الاول فتارة: المراد من التعليق تعليق الانشاء، واخرى تعليق المنشأ. أما الاول أي: تعليق الانشاء أي: كون الجعل والايجاد معلقا على أمر، فهذا غير معقول بمعنى: تحقق الانشاء والايجاد والجعل معلقا على أمر غير ممكن، ولا فرق في ذلك بين ان يكون الانشاء والجعل تكوينيا أو كان تشريعيا. وبعبارة أخرى الجعل لا ينفك عن المجعول والايجاد عن الوجود، فبهذا المعنى لا يمكن لا تعليق العقد ولا الشرط ولا غيرهما من الانشاءات، والانشاء في التشريعيات ايضا أمره دائر بين الوجود والعدم، فكونه موجودا ومعلقا غير ممكن. وأما الثاني: - أي: تعليق المنشأ - فهو في التكوينات كالانشاء ايضا غير ممكن، لان المنشأ التكويني ايضا أمره دائر بين الوجود والعدم، ولا معنى لان يكون معلقا على أمر. وأما في الامور الاعتبارية - والتشريعية كالاحكام الشرعية مطلقا تكليفية كانت أم وضعية فالتعليق فيها ممكن، ففي الجعالة يمكن جعل ملكية حمل بعير من


: 1 - " المكاسب " ص 283..

[ 291 ]

الطعام لمن جاء بصواع الملك، كما يشير إليه قوله تعالى " قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير " (1) والمنشأ والمجعول تشريعا حمل بعير معلقا على مجيئه بصواع الملك، ولا يلزم تفكيك الانشاء عن المنشأ، لان المنشأ وهي الملكية لحمل بعير يوجد في عالم الاعتبار والتشريع حال الانشاء ولم يتأخر منه آن من الآنات. وهذا المعنى في الامور التكوينية غير ممكن، لان، الامور التكوينية ان وجدت يكون وجودها بتية ولا يقبل التعليق، بخلاف الاعتباريات فان اعتبار أمر معلقا على وجود أمر آخر لا مانع منه، فيعتبر وجوب الحج على تقدير الاستطاعة، فيجوز اعتبار نجاسة ماء العنب على تقدير الغليان من قبل ان يخلق الكرم فضلا عن كونه قبل وجود الغليان، وأما مسكريته فلا يمكن ايجادها في الخارج على تقدير الغليان قبل وجود الغليان. إذا عرفت هذا فنقول: ان المنشآت في باب العقود والايقاعات حيث انها امور اعتبارية فلا مانع من تعليقها عقلا، ولكن انعقد الاجماع على عدم جواز التعليق في منشآت العقود، فالشرط ايضا حيث انه من هذه الجهة مثل العقود عبارة: عن انشاء الالتزام بأمر على نفسه لطرفه والمنشأ بهذا الانشاء هو نفس الالتزام بذلك الامر فلا مانع من ان يكون ذلك الامر الذي التزم به معلقا على امر آخر، مثلا لو التزم في ضمن عقد لازم ان يطبخ له ولكن معلقا على نزول ضيف عليه، أو التزم بأن يخيط له ثوبا معلقا على تزويجه وهكذا في سائر الموارد لا يلزم منه - أي: من تعليق الشرط - محذور عقلا اصلا. فظهر مما ذكرنا ان تعليق الشرط وعدم تنجيزه - بمعنى: تعليق ما التزم به - لا محذور فيه عقلا اصلا، مثل تعليق المنشأ في باب العقود، ولكن الفرق بين الشروط والعقود هو ان في باب العقود وان لم يكن محذور عقلا في تعليق منشأتها إلا انه ممنوع


: 1 - يوسف (12): 72..

[ 292 ]

شرعا، للاجماع. وأما في باب الشروط فلا اجماع ولا محذور شرعا في البين في تعليقها. وأما الثاني أي: تعليق الشرط هل يسري إلى العقد كي يكون باطلا فيكون الشرط باطلا بالتبع أم لا؟ أقول: ان تعليق الامر الذي التزم به كخياطة الثوب مثلا في المثال المذكور لا ربط له بتعليق العقد، فلو قال: بعتك هذه الدار على ان تخيط ثيابي ان تزوجت، يكون بيع الدار منجزا على كل حال غاية الامر ان المشروط عليه ملزم بخياطة ثياب البايع على تقدير زواجه. وأما ان لم يتزوج المشتري، فالدار له ولا شئ عليه. وهذا واضح جدا، فظهر ان تعليق الشرط لا يضر بصحته.

[ 293 ]

خاتمة في بيان أحكام الشروط الصحيحة أقول: الشروط الصحيحة التي هي الآن محل الكلام عل ثلاثة أقسام: شرط الصفة، وشرط الغاية، وشرط الفعل. فالاول: عبارة: عن اشتراط وجود صفة في المبيع الشخصي أو في متعلق عقد آخر غير البيع. وأما اشتراط ايجاد صفة في ما تعلق العقد به فهو راجع إلى شرط الفعل. وحكم هذا القسم هو انه مع فقد ذلك الوصف يكون الخيار للمشروط له، فلو باع حيوانا على انه حامل فلم يكن كذلك، فيكون الخيار للشتري، وذلك من جهة انه يلتزم بهذه المعاملة والمبادلة فيما إذا كان المبيع متصفا بهذه الصفة، فإذا لم يكن فلا التزام له بالفاقد لهذه الصفة مستقلا. ان قلت: فبناء على هذا تكون المعاملة باطلة لا انه له الخيار فقط لما قلت من عدم تعهده والتزامه بالمبادلة مع فاقد الوصف قلت: ان المعاملة وقعت بين الذاتين، غاية الامر ان التزامه بهذه المبادلة بين المالين مبني على اتصاف أحدهما أو كليهما بتلك الصفة، فالمشروط عليه ملتزم بأن يكون ما التزم بمبادلته مع عوضه المذكور في العقد متصفا بصفة كذا. واما الشارط فحيث كان التزامه بالمبادلة مشروطا بوجود صفة كذا في متعلق العقد، فان لم يكن فلا التزام له، لا انه لا مبادلة في البين، فأصل المبادلة بين المالين

[ 294 ]

متحقق على كل حال. نعم لو كان الوصف المفقود عنوان ذلك العوض وصورته النوعية ولو كان كذلك عند العرف لا ما هو منوع عقلا، فأصل المعاملة لا تتحقق وتكون باطلة، وذلك لان المبادلة وقعت بين هذا العنوان والعوض الآخر فالفاقد لذلك العنوان ليس ما وقع عليه العقد، فيصدق عليه ان ما قصد لم يقع. مثلا لو قال بعتك هذا الفرس، وكان حمارا، فهذا البيع باطل، لان ما وقع عليه عقد البيع هو عنوان الفرس، والحمار مخالف معه في النوع وليس ذلك العنوان حقيقة وكذلك لو قال: بعتك هذه الجارية الرومية وكانت حبشية. واختلاف كونها رومية وحبشية وان لم يكن اختلافا نوعيا عقلا ولكن عند العرف هما نوعان وحقيقتان، فيكون البيع باطلا، لان ما وقع عليه البيع هي الجارية الرومية وما في الخارج حقيقة اخرى وليس هذا من قبيل تعارض العنوان مع الاشارة، كما قالوا في باب صلاة الجماعة انه إذا اقتدى بهذا الحاضر على انه زيد فكان عمروا من صحة الاقتداء إذا كان عمرو عادلا ايضا، لان المأموم هناك يقصد الاقتداء بهذا الشخص الحاضر غاية الامر انه يخطأ في تطبيقه على زيد. وأما فيما نحن فيه فلا يقع البيع على هذا الشخص بعنوان انه هذا الشخص الموجود، بل يكون عنوان المبيع هو كونها جارية رومية، أو الفرس مثلا، فإذا ظهر انها حبشية أو انه حمار، فتختلف عنوان المبيع وظهر انه عنوان آخر، فما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع. وبعبارة أوضح: المبادلة وقعت في موارد تخلف العنوان بين العنوان المفقود الذي هو المقصود وبين الثمن. واما العنوان الموجود فلم يقع طرفا للمبادلة، ولذلك لا يصح البيع،

[ 295 ]

وأما إذا كان تخلف الوصف مع بقاء عنوان البيع فما هو طرف المبادلة موجود نعم الالتزام بالوقوف والثبوت عند هذه المبادلة كان مشروطا بشرط كذا في مسألة تخلف الشرط، وعند وجود صفة كذا في مسألة تخلف الوصف، فإذا تخلف الشرط أو الوصف المذكوران في متن العقد فالمبادلة وان حصلت ولكن الالتزام بالوقوف والثبوت عند تلك المبادلة يكون بلا موضوع، لان موضوعه كانت المبادلة الكذائية ولم تحصل على الفرض، فلا تشمله أدلة وجوب الوفاء بهذه المبادلة فمخير بين أن يفي بتلك المبادلة وان لا يفي، هذا هو معنى خياره في باب تخلف الشرط والوصف. لكن لازم هذا الكلام ان معنى الخيار في المقام هو عدم الدليل على اللزوم لا انه حق مجعول من طرف الشارع أو من طرف المتعاقدين ان قلت: ان ما ذكرت في باب تخلف الشرط صحيح، ولكن في باب تخلف الوصف حيث ان المبادلة وقعت بين ذات المقيد بالوصف، فعند تخلف الوصف لا مبادلة في البين لان الذات العارية عن القيد غير المقيدة به. قلت: ان العرف يرى ان المبادلة وقعت بين ذات الموصوف - أي: هذه العين الخارجية - مع العوض الآخر، غاية الامر انه التزم ان تكون متصفة بصفة كذا وبعبارة أوضح: ان قال: بعتك هذا العبد الكاتب بكذا بادل هذا العبد الشخصي الخارجي بعوض كذا سواء أكان كاتبا أو لم يكن، لان العين الموجودة في الخارج لا تتغير عما هي عليه بوجود الوصف وعدمه. نعم من ظاهر العبارة يستفاد انه التزم بأن يكون هذا العبد الذي نقله إلى المشتري كاتبا والمشتري ايضا يقبل على هذا الاساس، ولكنه لا شك في انه يقبل انتقال هذا العبد الشخصي إليه فينحل قبوله إلى أمرين: احدهما: انتقال هذا العبد الخارجي إليه بعوض معين، ثانيهما: ان قبوله لهذه المبادلة حيث انه كان في ظرف اتصاف المبيع بهذه الصفة المذكورة في متن العقد فإذا لم يكن كذلك فهو ليس ملزما

[ 296 ]

بقبول الفاقد للوصف المذكور، بل له الخيار في ان يقبل المبادلة الفاقدة لهذه الصفة وأن لا يقبل، فالخيار هاهنا ليس حقا مجعولا من قبل الشارع، بل من باب عدم ملزم له على الوقوف والثبوت عند هذه المعاملة. وأما القسم الثاني، أي: شرط الغاية وقد يسمى بشرط النتيجة أي: ما هي نتيجة العقود والايقاعات وما يحصل بها وذلك كاشتراط كون شئ ملكا لاحد المتعاقدين، أو اشتراط كون عبد أحدهما حرا، أو اشتراط كون زوجة أحدهما مطلقة، فان هذه الامور - وما يشبهها لها أسباب خاصة من طرف العرف والعقلاء امضاها الشارع أو أحدثها، كما انه لا يبعد ان يكون في الطلاق كذلك، فالكلام في انه هل هذه الامور كما أنها تحصل بأسبابها الخاصة المذكورة في ابواب الفقه تحصل بالشرط أم لا؟ والتحقيق انها ليست على نمط واحد، بل بعضها لا يحصل إلا باسبابها الخاصة كالطلاق، فانه لا يحصل بصرف الشرط، فلو قالت المرأة: زوجتك نفسي بشرط ان تكون زوجتك التي تكون تحتك مطلقة، فلا يحصل الطلاق وذلك لان الشارع جعل للطلاق اسبابا خاصة. وقد يقال: في مطلق الايقاعات انها كذلك أي: أن لها اسباب خاصة لا تحمل النتائج بغيرها، فلو قال: بعتك هذه الدار بكذا بشرط أن يكون عبدك الفلاني حرا لا يحصل العتق. وعلى كل حال تحقيق هذه المسألة وان النتيجة الفلانية هل لها سبب خاص، أو يحصل بأي سبب كان؟ لا بد من المراجعة إلى دليل تلك المعاملة من العقد أو الايقاع الذي يترتب عليه تلك النتيجة، وبعضها يحصل بأي سبب كان، وبعضها يشك في انه من أي واحد من القسمين، أي: هل له سبب خاص لا يحصل بغيره أم لا؟ وعمدة الكلام في هذا القسم، وإلا فذانك القسمان حكمهما معلوم أي: يكون شرط الغاية فيما إذا كانت الغاية لا تحصل إلا باسبابها الخاصة باطل لا اثر له، وفيما إذا

[ 297 ]

ليس لها اسباب خاصة بل يحصل بكل سبب يكون سببا عند العرف أو بكل ما يدل على التزامه بحصول تلك الغاية، فيكون الشرط مؤثرا وصحيحا. وقد تمسك شيخنا الاعظم (قده) في هذا القسم لتأثير الشرط وحصول النتيجة بعموم " المؤمنون عند شروطهم " بل بعموم " أوفوا بالعقود "، بناء على كون الشرط جزء للعقد، ولكن بعد تنقيح الموضوع بأصالة عدم مخالفة هذا الشرط مثلا للكتاب كي لا يكون من التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية. وقد عرفت ان هذا الاصل من العدم النعتي الذي لا يجري فيه استصحاب العدم لترتيب آثار ذلك العدم، أي العدم النعتي عليه، لعدم الحالة السابقة للعدم الذي هو نعت، والعدم المحمول - أي: عدم وجود الشرط المخالف ازلا - وان كان له الحالة السابقة، إذ كل حادث مسبوق بالعدم المحمولي، إلا انه لا ثر له، لان الاثر يترتب على عدم كون هذا الشرط الموجود المشكوك المخالفة مخالفا لا على عدم وجود الشرط المخالف بمفاد ليس التامة، واثبات الاول - أي: عدم كون الشرط الموجود مخالفا - بالثاني - أي: بعدم وجود الشرط المخالف - مثبت. والعجب من شيخنا الاعظم (قده) - مع انه هو الذي أسس تنبيها في تنبيهات الاستصحاب لعدم جريان هذا الاصل أي: اصالة عدم النعتي - قال هاهنا بجريان هذا الاصل (1). ولذلك وجه شيخنا الاستاذ (قده) كلامه بأن مراده ان التمسك بعموم " المؤمنون عند شروطهم "، وكذلك " أوفوا بالعقود " (2) ليس من التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية كي يحتاج إلى الاصل المنقح للموضوع. وحاصل ما أفاده في المقام - باختصار وتوضيح منا - هو ان عدم حصول


: 1 - " المكاسب " ص 283. 2 - المائدة (5): 1..

[ 298 ]

هذه الغايات بالشرط إما لتصرف الشارع في ناحية اسبابها واما في ناحية نفس المسببات. والمراد من الاول انه جعل شيئا سببا لحصول هذه الغاية ونفي السببية عن شئ آخر، مثل الطلاق حيث جعل كلمة أنت أو هي طالق مع وجود سائر الشرائط المقررة سببا، ونفي السببية عن سائر الالفاظ التي كانت سببا للطلاق عندهم، كقولهم: ظهرك كظهر امي وامثال ذلك. والمراد بالثاني: هو جعل المسبب غير قابل الحصول في حال أو بالنسبة إلى شخص، وذلك كطلاق الحائض في حال الحيض، أو في طهر المواقعة، أو بيع المصحف من الكافر وامثال ما ذكر، وعلى كل واحد من التقديرين ليس الشك شكا في مصداق المخالف للكتاب كي يكون الشك من الشك في الشبهة المصداقية للمخصص، فلا يجوز التمسك بعموم العام لرفع حكم الشك موضوعا. بيان ذلك أن الشك في مصداق المخصص - بعد الفراغ عن معرفة المخصص مفهوما - إما بالظهور العرفي أو النصوصية، ثم يشك في انه هل هذا الفرد الموجود مصدق لذلك المفهوم المعين المعلوم أم لا؟ لجهات خارجية، كما إذا علمنا أن مطلق مرتكب الذنب - صغيرة كانت أم كبيرة - فاسق ولكن شك في انه صدر عنه صغيرة أم لا؟. وأما إذا لم يعلم ان مرتكب الصغيرة فاسق شرعا أم لا؟ وارتكب صغيرة قطعا، فهذا الشك ليس شكا في المصداق، ويجوز التمسك بعموم العام، وما نحن فيه من هذا القبيل ومرجع الشك فيما نحن فيه إلى ان الشارع هل حكم بسببية كذا، أو بنفي سببية كذا لحصول هذه الغاية أم لا؟ وهل حكم بعدم قابلية وجود هذه الغاية في هذه الحال؟ كحصول الطلاق في حال الحيض أو في طهر المواقعة، فتكون الشبهة حكمية، ويجوز التمسك بعموم " المؤمنون عند شروطهم "، بل ب‍ " أوفوا بالعقود "، ولا يحتاج إلى

[ 299 ]

أصالة عدم المخالفة، بل لا تصل النوبة إليها. هذا ما ذكره شيخنا الاستاذ قدس سره. ولكن ظاهر كلام شيخنا الاعظم (قده) هو التمسك باصالة عدم المخالفة لا العمومات إبتداء، بل الرجوع إليها بعد تنقيح موضوع العام بأصالة عدم المخالفة، وهذه عبارته: فان لم يحصل له - أي: التمييز بين ان هذا الحكم الذي يريد ان يشترط في خلافه مما يجوز ان يتغير بالاشتراط أو لا - بنى على أصالة عدم المخالفة، فيرجع إلى عموم " المؤمنون عند شروطهم ". انتهى محل الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه. فانظر إلى هذه العبارة، فانه كالصريح في ان الشبهة مصداقية، ولكن بواسطة جريان الاصل الموضوعي - وهو أصالة عدم مخالفة هذا الشرط المشكوك للكتاب والسنة - ينقح موضوع العام، فيتمسك به فان قلنا بعدم صحة جريان هذا الاصل - كما هو المختار - لا يبقى مجال للتمسك بهذا الاصل لاثبات موضوع العام ويرد الاشكال عليه. وما ذكره شيخنا الاستاذ (قده) وان كان صحيحا ومتينا في حد نفسه، ولكن لا يلائم مع عبارة شيخنا الاعظم (قده) وان كانت عبارته الاخيرة ربما يشعر بما ذكره شيخنا الاستاذ حيث يقول: ومرجع هذا الاصل إلى اصالة عدم ثبوت هذا الحكم على وجه لا يقبل تغيره بالشرط، انتهى. فبناء على هذه العبارة الاخيرة تكون الشبهة حكمية، فيكون المرجع العمومات واطلاقات أدلة وجوب الوفاء بالشرط، بل بالعقد. وما القسم الثالث، أي شرط الفعل. والمراد به ان يتعلق الشرط بفعل اختياري مقدور للمكلف يكون سائغا ويكون فيه غرض معتد به عند العقلاء، ولا يكون مخالفا للكتاب والسنة، ولا يكون مخالفا لمقتضى العقد، وان لا يكون منافيا لبعض الآثار التي جعلها الشارع للمنشأ بالعقد، وأن لا يكون مجهولا، وأن يلتزم به في متن العقد.

[ 300 ]

ففيه امور: الاول: إذا كان الفعل المشروط جامعا لهذه الشروط الثمانية فهل يجب على المشروط عليه الوفاء بذلك الشرط أم لا؟ بل مخير بين ان يأتي بالشرط ويفي بالتزامه وبين ان لا يأتي به ولا يستحق العقاب على ترك العمل بالشرط، غاية الامر انه مع عدم العمل به يكون للمشروط له الخيار. المشهور بين الاصحاب هو الاول، بل ادعى عليه في التذكرة الاجماع (1) وهو الاقوى، وذلك اولا لقوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " بناء على ان يكون الظرف متعلقا بأفعال العموم، فيكون التقدير المؤمنون يثبتون ويقفون عند شروطهم، فيكون كناية عن انهم يعملون بها ولا يترددون في ترتيب الاثر عليها فضلا عن عدم الاعتناء وترك العمل بها. وحيث ان الظاهر في القضايا الصادرة عن الشارع - وان كانت بصورة الجملة الخبرية - هو انه في مقام بيان الحكم الشرعي، وغالبا ينشأ طلب وقوع الشئ بصورة الاخبار عن وقوعه في الماضي أو المستقبل، كقوله في الصلاة مثلا " أعاد " أو " يعيد ". فيكون معني قوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " - بناء على ذلك التقدير - ان المؤمنين والمسلمين يجب عليهم الثبوت والوقوف عند شروطهم والتزاماتهم أي: يجب عليهم العمل على طبق التزاماتهم، خصوصا بملاحظة استشهاد امير المؤمنين (ع) بهذه القضية لوجوب الوفاء بما شرط لامرأته في رواية اسحاق بن عمار التي تقدم ذكرها (2) في صدر هذه القاعدة، وكذلك استشهاد ابي الحسن موسى (ع) في موثقة منصور بن


: 1 - " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 490. 2 - تقدم ذكره في ص 250، رقم (2)..

[ 301 ]

يونس التي ايضا تقدمت (1) في أول هذه القاعدة. وثانيا: قوله (ع) في اسحق بن عمار المتقدمة (2) " من شرط لامرأته شرطا فليف لها به " فقوله (ع) " فليف لها به " أمر، والامر ظاهر في الوجوب. وما أحسن ما أفاده شيخنا الاستاذ (قده) في هذا المقام، وهو ان وجوب الوفاء بالشرط تكليفا لم ينكره احد، وانما الخلاف والبحث في أمر آخر وهو انه هل الشرط يوجب ويثبت حقا للمشروط له على المشروط عليه كي يكون وجوب الوفاء من آثار ذلك الحق أم لا يوجب ذلك، بل اثر الشرط وفائدته قلب العقد اللازم جائزا، وذلك لاناطة اللزوم بالوفاء بالشرط وايجاد الفعل الملتزم به، فان لم يف به فلا لزوم، وهذا الاخير هو الذي ذهب إليه الشهيد (قده). ومن آثار اثبات الشرط وايجابه حقا على المشروط عليه، هو جواز اجباره على العمل بالشرط، فهو كسائر الحقوق يكون لمن له الحق سلطنة على من عليه الحق، وله اجباره على أداء حقه. ومن آثار كونه موجبا لحدوث حق للمشروط له على المشروط عليه انه قابل للاسقاط، فلو اسقط المشروط له لا يبقى وجوب الوفاء على المشروط عليه قطعا. وهذا مما يدل دلالة قطعية على ان وجوب الوفاء ليس حكما تكليفيا محضا في عرض وجوب الوفاء بالعقد، وإلا لو كان كذلك لما كان قابلا للاسقاط. فهذا هو الفرق الجلي بين الحق والحكم، وتكون القابلية للاسقاط خاصة شاملة للحق، ولذلك عرف به. فتلخص مما ذكرنا ان هذه المسألة ذات قولين:


: تقدم ذكره في ص 251، رقم (1). 2 - تقدم ذكره في ص 250، رقم (2)..

[ 302 ]

احدهما ان الشرط لا يوجب إلا تزلزل العقد وجعله معرضا للزوال، وذلك من جهة اناطة اللزوم بحصول الشرط أي ما التزم به، فإذا لم يحصل فلا لزوم، فيكون مخيرا بين الرضا بفاقد الشرط وبين عدمه، فلا موجب للاجبار. اللهم إلا ان يقال بجواز الاجبار أو وجوبه من باب الامر بالمعروف بناء على استفادة وجوب الوفاء تكليفا مما ذكرنا من الادلة وان لم نقل بأن الشرط يوجب ثبوت حق على المشروط عليه. ولكن يرد عليه أولا: أن وجوب الاجبار بناء على هذا وظيفة جميع المسلمين ولا اختصاص له بالمشروط له وثانيا: لو كان وجوب الوفاء بهذا المعنى، وكان حكما تكليفيا في عرض وجوب اداء مال الغير ومثله، فليس قابلا للاسقاط، مع ان للمشروط له اسقاط هذا الحق اجماعا. ثانيهما: ان الشرط يوجب ثبوت حق مالكي للمشروط له على المشروط عليه، ومن آثاره جواز اجبار المشروط عليه على الوفاء إذا امتنع وجواز اسقاطه. وأما في مقام الاثبات فمن الاجماع على صحة اسقاطه يستكشف انه حق مالكي للمشروط له على المشروط عليه. وايضا ظهر مما ذكرنا في بيان المراد من كلام الشهيد (قده) انه أراد ان الشرط لا يوجب ثبوت حق مالكي للمشروط له، وانما يوجب تزلزل العقد فقط لاناطة اللزوم بحصول الشرط - ان المخالف ليس منحصرا بالشهيد (قده) بل العلامة والشيخ في المبسوط (1) ايضا حيث قالا بعدم جواز الاجبار فلا بد وان يكون نظرهما إلى عدم حدوث حق مالكي بالشرط للمشروط له على المشروط عليه واختيارهما مقالة الشهيد (قده) من ان فائدة الشرط وثمرته تزلزل العقد وعدم لزومه لا حدوث حق


: 1 - " المبسوط " ج 2، ص 151.

[ 303 ]

للمشروط له لان حدوث الحق مع عدم جواز الاجبار متنافيان، إذ كل ذي حق له السلطنة على استيفاء حقه ولو كان بالقهر والاجبار. الثاني: في انه هل للمشروط له الفسخ مع التمكن من الاجبار ام لا؟ فيه قولان: ذهب إلى الاول في التذكرة (1) وجامع المقاصد (2) والى الثاني في الروضة (3). والاقوى هو الاول من جهة ان حق الخيار موضوعه تخلف المشروط عليه عن ايجاده لا عدم امكان وجوده ولو باجباره، فان لم يفعل باختياره فيتحقق موضوع الخيار ويوجد هذا الحق للمشروط له. والسر في ذلك ما ذكرنا سابقا ان مرجع هذا الخيار - أي خيار تخلف الشرط - هو ان التزام المشروط له بهذه المعاملة في ظرف ايجاد المشروط عليه ما التزم به فان لم يوجده فلا التزام من طرف الشارط فيكون مخيرا بين الفسخ وانفاذ المعاملة. ولا ينافي وجود هذا الحق مع وجود حق آخر له وهو حق اجباره للمشروط عليه بواسطة الاشتراط. وذلك من جهة ان الاشتراط جعله مالكا على المشروط عليه ان يوجد هذا الشرط وليس مفاد الشرط صرف الوجوب التكليفي فقط كما تقدم في الامر الاول وقلنا ان نتيجة الاشتراط هو حدوث حق للمشروط له على المشروط عليه، وقلنا: ان الدليل على انه حق لا صرف تكليف جواز اسقاطه فللشارط كلا الحقين في عرض واحد حق الفسخ لتخلف الشرط وحق الاجبار لاجل الاشتراط فيتخير بين الفسخ واجبار المشروط عليه على ايجاد ما التزم.


: 1 - " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 492. 2 - " جامع المقاصد " ج 4، ص 422. 3 - " الروضة " ج 3، ص 506..

[ 304 ]

وأما ادعاء ان اجتماع هذين الحقين مما لا يمكن فمما لا وجه له إلا بناء على أن يكون موضوع الخيار عدم امكان وجود الشرط ولو بالقهر والاجبار وهذا قول بلا بيتة ولا برهان والذي ذكرنا - من ان موضوع الخيار هو عدم وفاء المشروط عليه بالشرط وان كان من الممكن اجباره - يكون بناء على أن يكون منشأ الخيار عدم التزام الشارط بالوفاء بالعقد في ظرف عدم الوفاء بالشرط من طرف المشروط عليه كما تقدم شرحه وسيأتي تحقيقه في الامر الثالث. وأما بناء على ان يكون مدركه الاجماع أو قاعدة نفي الضرر - كما قالوا - فالقدر المتيقن من تحقق الاجماع هو فيما إذا كان الشرط متعذر الوجود ولو بالقهر والاجبار. وكذلك لو كان مدركه قاعدة نفي الضرر بناء على ما هو التحقيق عندنا من ان المرفوع هو الحكم الذي يكون ضرريا فاللزوم الذي هو حكم وضعي ليس مطلقا ضرريا حتى مع امكان اجبار المشروط عليه على الوفاء بالشرط، فبناء على أن يكون مدرك الخيار احد هذين لا يجتمع الحقان معا وليسا عرضيين بل حق الخيار في طول امكان الاجبار. لكنك عرفت ان المدرك هو الذي ذكرنا ولا يكون هذين وسنتكلم فيه في الامر الثالث الاتي ان شاء الله تعالى. الثالث: لو تعذر الشرط فللمشروط له الخيار فقط لا الارش ولا فساد المعاملة. أما صحة المعاملة وعدم فسادها مع كون الخيار له فبعد الفراغ عن ان مورد البحث هي العين الخارجية لا الكلي فتقول: ان قال بعتك هذه الفرس على ان يكون كذا أو هذه الفرس المتصفة بكذا بعشرين دينار مثلا فالمبادلة وقعت بين هذه العين وكذا مقدار من الدينار، واشتراط كون هذه العين كذا أو اتصافها بكذا لا يخرجها عما

[ 305 ]

هي عليه. نعم هو - أي المشروط عليه - التزم بأمر وهو كون العين كذا سواء كان بنحو الشرط أو بنحو التوصيف والمشروط له قبل هذه المبادلة. ولكن تعهده بالوقوف عند هذه المبادلة في صورة وجود هذا الشرط وهذه الصفة وإلا فنفس المبادلة بين العين والبدل الآخر وقعت وليس فيها قيد أو شرط وذلك لما قلنا ان العين الخارجية لا تتعدد ولا تتغير عما هي عليه بواسطة هذا الاشتراط أو هذا التوصيف. نعم لو كان مورد الشرط أو القيد هو الكلي لكان المقيد بقيد أو المشروط بشرط - الذي هو ايضا بمنزلة التقييد بل هو هو - غير ذلك الكلي الفاقد لذلك القيد أو لذلك الشرط. وأما في العين الخارجية لا يتطرق هذا الاحتمال. فاصل المبادلة بين العين والبدل الآخر وقعت مع قبول الطرف الآخر وهذا كما في باب خيار العيب ايضا يكون الامر كذلك فان المشتري مثلا اشترى هذه العين الشخصية ولكن يكون التزامه بالوقوف عند هذه المعاملة والوفاء بها في ما إذا لم يكن فيه عيب بل كان صحيحا وسالما ولا يكون خارجا عن مقتضى الخلقة الاصلية بزيادة أو نقيصة عنه، فإذا لم يكن كذلك فلا التزام له بالوقوف عندها والوفاء بها مع وقوع اصل المبادلة وحصول الرضا المعاملي بها، فيكون مخيرا بين الفسخ والالتزام بها. واما إذا كان ذات المقيد بقيد أو المشروط بشرط - الذي هو احد العوضين - كليا فيجبر على اعطاء واجد القيد أو الواجد للشرط، وان كان متعذر الوجود تكون المعاملة باطلة لعدم قدرته على التسليم. فالفرق كثير بين أن يكون المبيع المقيد بقيد أو المشروط بشرط كليا أو عينا شخصية فانه ان كان كليا وكان مقيدا أو كان مشروطا فالمبيع في صورة وجود القيد والشرط وصورة عدم وجودهما مختلف، فإذا تعذر - اي القيد والشرط - فليس قادرا

[ 306 ]

على تسليم المبيع فيبطل البيع. بخلاف ما إذا كان شخصا خارجيا فانه ليس قابلا للتعدد بواسطة وجود القيد والشرط وعدم وجودهما، ففي صورة كون المبيع شخصا خارجيا لا يمكن ان يقال ان هذا الموجود الذي هو فاقد الوصف المذكور في العقد أو هو فاقد الشرط كذلك غير ما هو وقع العقد عليه. واما في صورة كون المبيع كليا وقيد بقيد أو اشترط بشرط ففي صورة عدمهما يصح أن يقال ان هذا الفاقد لم يقع عليه العقد فما قصد لم يقع مع ان العقود تابعة للقصود بل يمكن أن يقال أن ما وقع - أي الفاقد القيد - غير مقصود نعم التزامه بالوفاء بهذه المعاملة فيما إذا كان المبيع شخصا في صورة وجود هذين الامرين أي الشرط والقيد فالتزامه بالوفاء معلق لا المبادلة كي يكون من قبيل تعليق المنشأ فيكون باطلا اجماعا وان كان ممكنا عقلا. فالتحقيق هو الفرق في باب تخلف الوصف وتعذره بين أن يكون الموصوف شخصا أو كليا ففي الاول لا يوجب البطلان بل يوجب الخيار فقط وفي الثاني يوجب البطلان حسب القواعد الاولية. هذا الذي ذكرنا كان بالنسبة إلى صحة المعاملة وثبوت الخيار. واما الارش بمعنى تدارك نقصان المبيع - كما قالوا به في باب خيار العيب من كون المشتري مخيرا في بعض الصور بين الرد وأخذ الارش وفي بعضها الآخر بتعين اخذ الارش وعدم جواز الرد والتفصيل مذكور في محله - فحيث انه على خلاف القاعدة وثبوته هناك بواسطة الاخبار الواردة في ذلك الباب فلا يمكن التعدي إلى هاهنا، والقول به في المقام لقصور تلك الادلة عن شمولها لمحل الكلام. وبعبارة اخرى القول بثبوت الارش في مورد كون المبيع معيبا ليس من جهة أن مقدارا من الثمن يكون مقابلا لوصف الصحة أو مقابل ذلك العضو الذي فقد فيه فلا

[ 307 ]

يفسخ المعاملة ولكن يسترد من الثمن ذلك المقدار الذي ليس بأزائه شئ أو يغرمه بقيمة ذلك الوصف المفقود أو بمثله لكونه في ذمته بل تمام الثمن وقع في هذا العقد مقابل هذه العين الموجودة بما لها من النقص، غاية الامر حيث ان البايع التزم ان تكون على صفة كذا أو بشرط كذا فالتزام المشتري وتعهده بالوفاء بهذه المعاملة يكون في ظرف وجود تلك الصفة أو ذلك الشرط، وإلا فبدون وجودهما ليس ملزم شرعي يلزمه بالوقوف والثبوت عندها فهو مخير بين ان يفي بها وبين حل هذا العقد فلا موضوع للارش، لان المبادلة وقعت بين هذا الموجود بما فيه من الوصف أو الشرط المفقودين. ان قلت: ان هذا الذي ذكرتم ربما يكون صحيحا في الوصف المفقود في المعاملة على العين الشخصية، أو الشرط الذي يكون بنحو شرط النتيجة أي ما يكون في حكم الوصف المفقود، وأما لو كان الشرط من قبيل شرط الفعل الذي له مالية عند العرف فليس الامر كذلك، بل في نظر العرف والعقلاء يقع مقدار من الثمن المسمى في العقد بازاء ذلك العمل الذي صار متعلقا للشرط. قلنا: ان الشرط وان كان من قبيل شرط الفعل الذي يكون له عند العرف مالية، كخياطة الثوب الكذائي مثلا، ولكن مع ذلك كله في المعاملة الشخصية التي تقع المعاملة بين الثمن مثلا مع العين الخارجية الموجودة، يكون طرف المبادلة نفس تلك العين الخارجية، فإذا قال: مثلا بعتك هذا الفرس الموجود على ان يكون كذا، أو بشرط ان يكون كذا أو بشرط ان اعمل كذا، أو تعمل لي كذا، ففى جميع هذه الصور الطرفان - أي: البايع والمشتري - يتعهدان بوقوع المبادلة بين تلك العين الخارجية وتمام الثمن، ولا يقع شئ من الثمن بازاء الوصف والشرط بكلا قسميه - أي: سواء أكان شرط الفعل أو شرط النتيجة - غاية الامر ان المشروط عليه يلتزم في ضمن تلك المعاملة وذلك التعهد بامر اخر، أو بان يعمل له عملا، فأصل المعاملة والمبادلة بين المالين ليس مربوطا ومعلقا على أمر، وإلا كان من تعليق المنشأ وهو باطل

[ 308 ]

إجماعا، الا في موارد معينة ورد الدليل عليه. نعم التزامه بالوفاء بهذه المعاملة والثبوت والوقوف عندها مربوط بوجود هذا الوصف، أو هذا الشرط، أو العمل على طبق هذا الشرط، فإذا لم يوجد ذلك الشرط وذلك الوصف فلا ملزم في البين. وأما حديث ان مقدارا من الثمن وان لم يقع مقابل الشرط في عالم الانشاء، ولكن لا شبهة في وقوعه مقابله في عالم اللب، فمما لا ينبغي الالتفات إليه، لان الاغراض والدواعي لا اعتبار بها في أبواب المعاملات، بل المناط كل المناط في تلك الابواب هو وقوع العقد والانشاء على أي شئ وأما الاغراض والارادات النفسانية فلا اثر لها ما لم تقع تحت الانشاء. الرابع: لو تعذر الشرط بعد خروج العين عن تحت سلطنة المشروط عليه ببيع أو هبة أو غير ذلك من التصرفات الناقلة أو بتلف أو اتلاف وامثال ذلك، فهل للمشروط له فسخ المعاملة واسترجاع العين ان كانت باقية والرجوع إلى المثل أو القيمة - كل واحد منهما في مورده ان كانت تالفة - أو الرجوع إلى المثل أو القيمة مطلقا؟ وجوه واحتمالات، بل اقوال. وهناك احتمال اخر وهو بطلان ذلك التصرف الناقل. اقول: التحقيق في المقام ان التصرف الناقل من قبل المشروط عليه تارة يكون منافيا لنفس الاشتراط، مثل ان يكون الشرط مثلا وقف الدار فباعها، أو بيعها من زيد فباعها من عمرو. واخرى ليس كذلك، بل كان الشرط اجنبيا عن التصرف الناقل. فالاول: ان قلنا بان الشرط يوجب ثبوت حق مالكي للمشروط له بالنسبة إلى تلك العين التى وقعت عليها المعاملة - من قبيل حق الرهانة ومنذور الصدقة وحق الفقراء بالنسبة إلى المال الذى تعلق به الزكاة، وحق الامام (ع) أو السادة بالنسبة إلى

[ 309 ]

المال الذي تعلق به الخمس، وحق الديان بالنسبة إلى تركة الميت في الدين المستوعب وامثال ذلك - فيكون موجبا لقصر سلطنة المالك وعدم قدرته تشريعا على التصرف الناقل، فيكون نقله باطلا، وللمشروط له استرجاع العين ممن انتقل إليه والزام المشروط عليه بالوفاء بالشرط. وأما ان قلنا بان الشرط لا يوجب الا وجوبا تكليفيا بالوفاء بالشرط والعمل على طبقه، فالمعاملة وان كانت منهية بالدلالة المطابقية أو الالتزامية ولكن النهي في باب المعاملات مطلقا لا يوجب الفساد، بل يوجبه فما إذا كان متعلقا بالمسبب لا السبب، وبعبارة اخرى: بالمعنى الاسم المصدري لا المصدري. وفيما نحن فيه وان كان النهي على تقدير وجوده متعلقا بالمعنى الاسم المصدري ولكن الشأن في وجوده، لان التصرف الناقل في المفروض ضد للوفاء بالشرط، وليس نقيضه، وقد تحقق في الاصول عدم اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده، فلا نهي كي يقال بانه متعلق بالسبب أو المسبب، فبناء على هذا لو لم نقل بان الشرط يوجب ثبوت حق مالكي للمشروط له فلا مانع من صحة تصرفاته الناقلة. هذا في مقام الثبوت. وأما في مقام الاثبات، فالظاهر من قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " أو قوله (ع) " كل شرط جائز الا ما خالف الكتاب " هو ثبوت حق للمشروط له، فتكون تصرفات المشروط عليه باطلة ولا يحتاج إلى فسخ المشروط له. هذا كله فيما إذا كان تصرف المشروط عليه منافيا لنفس الاشتراط أي: كان خلاف ما اشترط عليه. وأما الثاني أي: التصرفات التي لا تكون منافية لما اشترط عليه، بل تكون اجنبية عن الشرط، كما إذا باع داره مثلا واشترط على المشتري ان يخيط ثوبه مثلا أو عملا اخر، فلو تعذر الشرط في هذه الصورة بعد ذلك التصرف الناقل فلا وجه

[ 310 ]

للقول ببطلان ذلك التصرف، لان الدار مثلا في المفروض صارت ملكا طلقا للمشتري وان قلنا بان الشرط يوجب ثبوت حق مالكي للمشروط له على المشروط عليه، لان بطلان بيعه ليس من اثار ثبوت ذلك الحق، بل غاية ما يمكن ان يقال ان اثر ذلك الحق تغريم المشروط عليه بقيمة ما شرط وماليته، واما منعه عن بيع ماله أو أي تصرف مشروع اخر فلا وجه له اصلا. نعم يبقى الكلام في انه هل للمشروط له فسخ المعاملة بعد تعذر ذلك الشرط أم لا؟ لعدم بقاء موضوع للفسخ، لان انتقاله إلى الغير بمنزلة تلفه فلا يمكن استرجاعه. والتحقيق: ان له الفسخ لما ذكرنا ان التزامه بالوفاء بهذه المعاملة والثبوت عنده، وعدم نقضه لها كان مشروطا بوجود ذلك الشرط، فإذا تعذر وجوده باي سبب كان فليس له التزام، فلا يجب الوفاء عليه وله حل تلك المعاملة. وأما حديث عدم بقاء موضوع الفسخ فمما لا اساس له، حتى في مورد التلف الحقيقي لما انتقل إلى المشروط عليه فضلا عن انتقاله بناقل شرعي إلى غيره، وذلك لان الفسخ ليس معناه استرجاع العين كما توهم، بل معناه حل تلك المعاهدة التي وقعت بينهما، ورفع التزامه ونتيجة ذلك هو انه بعد حل المعاهدة وفسخ العقد، فان كانت العين باقية في يد المشروط عليه يسترجعها، وان كانت تالفة فيرجع إلى مثلها أو قيمتها كل واحد منها في مورده أي: المثل في المثلي والقيمة في القيمي. وان كانت نقلت إلى غيره بالتصرف الناقل فيحتمل بطلان العقود المترتبة على هذه المعاملة التى فسخها بواسطة تعذر شرطها، ويحتمل الرجوع إلى المثل أو القيمة كما في مورد التلف الحقيقي على القولين في المسألة. وأما التفصيل بين العتق وسائر التصرفات الناقلة - بالرجوع إلى القيمة في العتق، والبطلان في سائر التصرفات الناقلة - فلا وجه له، وان نسب هذا التفصيل إلى

[ 311 ]

العلامة (1) والشهيد الثاني (قدهما) وذلك لان بطلان العقود المترتبة من جهة كشف الفسخ عن عدم ورود العتق في مورده، فان مورده الملك المستقر لا الملك المتزلزل. وأما قضية بناء العتق على التغليب، فالمراد منها ان العبد لو انعتق شقص منه يسري إلى البقية، واين هذا من صدوره عمن هو ليس اهلا لذلك لتزلزل ملكه وعدم استقرار مالكيته وكونها في معرض الزوال؟! فان قلنا بعدم بقاء العقود المترتبة بعد فسخ المعاملة التي تكون هذه العقود مترتبة عليها فلا فرق بين العتق وسائر العقود. الخامس: هل للمشروط له اسقاط شرطه أم لا؟ اقول: ان كان الشرط من قبيل شرط النتيجة وكان الشرط كافيا في تحققها وحصولها ولم تكن وجودها محتاجا إلى وجود سبب خاص - كما رجحنا ذلك في باب اشتراط كون الشئ الفلاني ملكا للبايع مثلا أو لغيره - ففي هذه الصورة يحصل الشرط بنفس الاشتراط في ضمن المعاملة بعد تحقق تلك المعاملة، فالاسقاط لا معنى له، لان ما صار ملكا لشخص لا يخرج عن ملكه باسقاطه أو باسقاط شخص اخر. وكذا لو كانت النتيجة المشروطة انعتاق عبد المشروط عليه وقلنا بان العتق يحصل بنفس الاشتراط ولا يحتاج إلى سبب خاص، فبعد وجود المعاملة التي وقع في ضمنها هذا الشرط يتحقق الانعتاق ولا يبقى مجال لاسقاط الشرط كما هو واضح. ولا فرق فيما قلنا - من عدم تأثير الاسقاط وعدم قابليته له - بين ان يكون المشروط بطور شرط النتيجة ملكية مال شخصي أو مال كلي في ذمة المشروط عليه، لما ذكرنا ان الشرط يحصل بعد وجود المعاملة التى وقع هذا الشرط في ضمنها، فيشتغل ذمة المشروط عليه بذلك المال الكلي بمحض وجود العقد، فلا يبقى مجال لاسقاط الشرط.


: 1 - " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 492..

[ 312 ]

نعم له ابراء ذمة المشروط عليه عما اشتغلت ذمته به، وهذا غير اسقاط الشرط. والحاصل: ان الذي قابل للاسقاط هو الحق، وأما المال فليس قابلا للاسقاط سواء أكان شخصيا أو كليا نعم المال الكلي قابل للابراء. هذا كله في شرط النتيجة وأما شرط الفعل فبناء على ما اخترنا من انه يوجب ثبوت حق على المشروط عليه للمشروط له، فله اسقاط ذلك الحق لان كل حق قابل للاسقاط، وهذه خاصة شاملة للحق، حتى ان به عرف الحق وجعلوا ذلك هو الفرق بين الحق والحكم. ولا فرق في ذلك بين ان يكون ذلك الشرط - أي: شرط الفعل والعمل - مما له مالية عند العرف كخياطة ثوبه أو بناء داره، وبين ان لا يكون له ذلك، كما إذا شرط عليه عتق عبده أو غير ذلك. نعم في خصوص شرط عتق عبده وقع الخلاف في انه هل له اسقاط هذا الشرط أم لا؟ فقال جماعة كالعلامة (1) والشهيدين وفخر الدين (2) (قدهم) بعدم كون اسقاط هذا الشرط له، وربما علل عدم سقوطه باسقاطه بانه اجتمع فيه حقوق ثلاثة: حق المشروط له، وحق الله، وحق للعبد، فهو وان كان قابلا للاسقاط من ناحية حق المشروط له، ولكن ليس قابلا للاسقاط من ناحية الحقين الاخرين، لان أمرهما ليس بيد المشروط له، لانه اجنبي منهما. ولكن انت خبير بان هذا كلام عجيب، من جهة انه اي حق للعبد، ومن اين جاء له ذلك؟ نعم العبد ينتفع من وفاء المشروط عليه بهذا الشرط، وهذا غير كونه صاحب حق على البايع أو المشترى.


: 1 - " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 492. 2 " ايضاح الفوائد " ج 1، ص 514..

[ 313 ]

ثم على تقدير حدوث حق له بهذا الشرط ليس امرا مستقلا بل تابع لحق المشروط له وجودا وعدما لانه من شؤنه ومعلوله فلو اسقط المشروط له حقه فهو ينعدم قهرا وبالتبع. وأما حق الله المدعى في المقام فليس شئ في البين إلا وجوب الوفاء بهذا الشرط على المشروط عليه ومعلوم أن وجوب الوفاء تابع لبقاء حق المشروط له فإذا اسقط لا يبقى موضوع لوجوب الوفاء فينعدم ايضا قهرا. فظهر انه لا فرق في شرط الفعل بين ان يكون شرط عتق عبده أو غير ذلك من الافعال والاعمال التى يجوز اشتراطها شرعا وأيضا لا فرق بين ان يكون لذلك الفعل والعمل مالية أو لا يكون، ففى جميع ذلك الامر يدور مدار انه هل الشرط يوجب ثبوت حق للمشروط له على المشروط عليه ام لا؟ فان قلنا بثبوته فهو قابل للاسقاط وإلا فلا. السادس: في أن الثمن هل يقسط على المبيع والشرط في الشرط الواقع في ضمن عقد البيع مثلا ام لا؟ والتحقيق - بعد ما عرفت فيما تقدم ان الشرط ليس طرفا للمعاوضة والمبادلة ولا يقع شئ من الثمن في البيع مثلا باذائه - انه على اقسام: الاول: ان يكون خارجا عن حقيقة العوض والمعوض بأن لا يكون من ذاتياتهما ولا من اوصافهما المتحد وجودا معهما ولا من اجزائهما وذلك مثل ان يبيع داره بثمن كذا بشرط أن يخيط ثوبه أو يعمل له عملا آخر. فهذا العمل الذى هو الشرط في ضمن عقد البيع ليس من أجزاء تلك الدار ولا من أوصافها ولا هو عند العرف من قبيل صورتها النوعية بل صرف التزام من قبل المشتري مثلا بأمر في ضمن تلك المعاوضة أي معاوضة الدار بالثمن المذكور، ففى مثل هذا المورد لم يقع الشرط في مقابل الثمن أصلا، بل يكون تمام الثمن بازاء نفس الدار.

[ 314 ]

والتزام المشتري بأن يعمل له عمل كذا التزام آخر في ضمن الالتزام الاول واجنبي عن كلا العوضين فلا وجه لان يكون جزء من الثمن باذائه. ومثل شرط العمل اشتراط ان يعطي له عينا متمولا خارجيا فانه في ذلك العقد لم تجعل المبادلة بين ذلك الثمن وتلك العين بل جعل المبادلة وأنشأها في المثل المفروض بين نفس الدار والثمن المذكور فلا ينبغي أن يشك وأن يحتمل وقوع شئ من الثمن في قبال ذلك الشرط. الثاني: أن يكون الشرط من أوصاف المبيع مثلا كأن يقول بعتك هذا العبد الكاتب أو هذا العبد بشرط أن يكون كاتبا، وهذا القسم ايضا مثل القسم الاول التزام آخر في ضمن الالتزام الاول والبايع أنشأ المعاوضة والمبادلة بين هذا العبد الشخصي الخارجي والثمن المذكور، ففى مقام الانشاء جعل تمام الثمن بدلا وعوضا في مقابل هذا العبد الشخصي. غاية الامر انه التزم بأن يكون هذا العبد متصفا بصفة كذا ويكون التزامه بالوفاء بتلك المعاملة في ظرف وجود هذا الشرط فإذا تعذر أو لم يعمل المشروط بما التزم فلا يبقى التزام للمشروط له فيكون له الخيار. وأما أصل المعاوضة والمبادلة فليست معلقة ولا مشروطة بأمر وإلا يكون العقد باطلا لمكان التعليق في المنشأ الذي بطلانه اجماعي، فعدم تقسيط الثمن على الشرط في هذا القسم ايضا واضح. الثالث: أن يكون الشرط عنوان المبيع أو ما وقع عليه المعاوضة في سائر المعاوضات غير البيع ويكون عند العرف من قبيل صورته النوعية وان لم يكن كذلك حقيقة وواقعا كما إذا قال للمشتري بعتك هذه الجارية الرومية ولم تكن كذلك بل كانت حبشية فعند العرف الجارية الحبشية مخالفة في النوع مع الرومية ويكون من قبيل الجوز واللوز وان كانت بحسب الواقع متحدة معها في النوع لان كلتيهما من نوع

[ 315 ]

واحد وهو الانسان ولكن في ابواب المعاملات المناط هو النظر العرفي لا الدقة العقلية لان عليه مدار معاملاتهم. وتخلف الشرط في هذا القسم موجب لبطلان المعاملة لان المعاوضة وقعت بين الثمن والمعوض الذي له تلك الصورة النوعية، فإذا سئل المشتري وقيل له ما اشتريت؟ يقول: الجارية الرومية وينكر كون المبيع هي الجارية الحبشية والعرف يصدقونه في هذا القول. الرابع: ان يكون للشرط جهتان: جهة جزئية وذاتية للمبيع مثلا أو لمعوض آخر في سائر المعاوضاف، وجهة وصفية عرضية، فبالاعتبار الاول يقع في مقابل جزء من الثمن أو من سائر الاعواض وبالاعتبار الثاني يكون خارجا عن دائرة المعاوضة والمبادلة ولذلك وقع الخلاف والنزاع في هذا القسم وانه هل يقسط الثمن عليه ام لا. ومثال هذا القسم كما إذا باع صبرة على انها عشرين صاعا فظهرت أقل أو اكثر أو باع أرضا على انها مأة جريب فظهر كونها أقل أو اكثر وفى هذا القسم من الشرط صور أربع كما ذكرها في التذكرة (1) لان المبيع والشرط اما يكونان متساوي الاجزاء أو يكونان مختلفها وفى كل واحدة من الصورتين اما يظهر النقص عما شرط أو الزيادة عنه، فهذه أربعة أقسام الاول: ان يكون المبيع متساوي الاجزاء وظهر النقص عما شرط كونه كذا مقدار، مثلا شرط كون الصبرة التى باعها عشرين صاعا فظهر انها أقل من ذلك فالمشهور قالوا بالتقسيط. والعمدة في وجهه ان كمية الشئ وان كانت من اعراض الشئ واوصافه إلا أن المعاوضة في بعض الاشياء تكون باعتبار الكمية كما أن الامر كذلك في أغلب ما


: 1 - " تذكرة الفقهاء " ج 1، ص 494..

[ 316 ]

يكون من المكيل أو الموزون كالحنطة والشعير والارز والدهن واللحم وامثالها. ولذلك ربما تكون المقاولة بين البايع والمشتري قبل البيع بأن كل صاع من هذه الصبرة بكذا، فحين البيع يقول: بعتك هذه الصبرة بكذا بشرط أن يكون عشرين صاعا مثلا فلا محالة يكون الثمن بنظر المتعاملين والعرف مقابل عشرين صاعا اي كل صاع من المبيع يقع في مقابل جزء من الثمن. فلو فرضنا انه باع هذه الصبرة الشخصية الموجودة بعشرة دراهم على انها عشرين صاعا فيكون كل صاع منها مقابل نصف درهم فلو ظهر بعد وقوع العقد انها عشرة صيعان له أن يسترجع من الثمن المسمى نصفه أي خمسة دراهم، لما ذكرنا من أن العرف والعقلاء يرون الثمن مقابل الكمية. وبعبارة أخرى يكون حال الكمية في هذا القسم حال الصورة النوعية الحقيقية أو العرفية في القسم الثالث من حيث كونها مناط المالية ووقوع الثمن بازائها فتكون جزء المبيع لا انها من أوصافه فيدخل في باب تبعض الصفقة لا في باب تخلف الوصف الذى لا يوجب إلا الخيار كما تقدم تفصيله وبعبارة اوضح يكون تبين النقص في المبيع المتساوي الاجزاء كظهور كون بعض المبيع مما لا يملك ومما لا يملكه البايع غاية الامر في باب تبعض الصفقة بعض المبيع في حكم العدم من جهة إلقاء ماليته شرعا بالنسبة إلى ما لا يملك شرعا وان كان عند العرف له مالية أو من جهة كونه لغير البايع فلا يجوز تصرف البايع فيه، وفى هذه الصورة معدوم واقعا فيكون المشتري مخيرا بين الفسخ وعدم امضاء هذه المعاملة اصلا لعدم التزامه بالثبوت عند مبادلة هذا الناقص عما شرط وبين امضاء هذه المعاملة بالنسبة إلى المقدار الموجود واسترجاع باقي الثمن. وأما ما ربما يقال بل قاله جماعة من الاعاظم ان الموجود الخارجي الشخصي - الذى هو المبيع في المفروض - لا يزيد ولا ينقص بل يكون على ما هو عليه من

[ 317 ]

المقدار ولا يتغير بالشرط وما وقع عليه العقد اي تلك العين الخارجية - لم يتبين فيه نقص كي يكون من قبيل تبعض الصفقة فهو وقع الطرف المعاوضة بدون ادنى تغير فيه. نعم البايع وصفه بوصف غير موجود فيه اعني الكمية الكذائية فليس في البين إلا تخلف ذلك الوصف المذكور فلا يوجب الا الخيار وقد تقدم تفصيل كونه موجبا للخيار فلا نعيد. ففيه: ان الموجود الخارجي في المفروض تعنون بالكمية الكذائية فعند المتفاهم العرفي وما هو الظاهر عندهم ان المبيع في المفروض عبارة: عن تلك الكمية الكذائية لا ان المبيع تلك العين الخارجية والكمية الكذائية وصف له كي يكون تبين النقيصة من قبيل تخلف الوصف لا يوجب الا الخيار، فإذا كان المبيع تلك الكمية الكذائية وبعضها غير موجود، فيكون من باب تبعض الصفقة فيكون الامر كما ذهب إليه المشهور. والحاصل ان ما نحن فيه يكون من قبيل ان يشير إلى الكتاب الموضوع في قدامه ويقول بعتك هذا الكتاب الموجود الذى هو مجلدين من كتاب الرياض أو الروضة ثم تبين انه مجلد واحد من احد ذينك الكتابين فهل ترضى من نفسك ان تقول ان المبيع هو هذا الموجود الخارجي؟ الذي لا يتغير وليس في البين إلا تخلف الوصف؟. ويدل على ما ذكرنا ايضا خبر عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (ع) في رجل باع ارضا على انها عشرة اجربة فاشترى المشتري ذلك منه بحدوده ونقد الثمن ووقع صفقة البيع وافترقا فلما مسح الارض إذا هي خمسة اجربة قال (ع) " ان شاء استرجع فضل ماله وأخذ الارض وان شاء رد المبيع واخذ ماله كله إلا ان يكون له إلى جنب تلك الارض ايضا ارضون فليؤخذ ويكون البيع لازما عليه وعليه الوفاء بتمام البيع. فان لم يكن له في ذلك المكان غير الذي باع فان شاء المشتري اخذ الارض

[ 318 ]

واسترجع فضل ماله وان شاء رد الارض واخذ المال كله " (1). وتقريب الاستدلال بهذا الخبر هو ان بائع الارض التزم بكون الارض التى باعها عشرة اجربة فتبين نقصها وانها خمسة اجربة فلو كان مثل سائر موارد تخلف الوصف لكان جوابه (ع) ان المشتري بعد تبين النقص مخير بين الفسخ والامضاء يتمام الثمن لا انه مخير بين الامضاء واسترجاع فضل ماله وبين رد الارض وأخذ ماله كله. فمن جوابه (ع) يستكشف تقسيط الثمن على اجزاء المبيع اي الكمية المذكورة في متن العقد وان كان بصورة الشرط وقد تقدم انه لا تأثير في اختلاف العبارة، ولا فرق بين ان يكون بصورة الشرط أو يكون بصورة الوصف بل المناط كل المناط هو ان يكون الوصف عنوانا للمبيع عند العرف ومن قبيل صورته النوعية، فيكون تخلفه مبطلا أو يكون الوصف للمبيع فيكون موجبا للخيار فقط سواء أكان بصورة الاشتراط أو التوصيف. وفى الاشتراط ايضا لا فرق بين ان يكون بأمر خارج عن المبيع كخياطة ثوب البايع مثلا أو يكون من شؤون المبيع وأوصافه أو يكون الشرط كمية المبيع فيكون تخلفه من قبيل تبعض الصفقة وتكون المعاملة بالنسبة إلى الكمية الموجودة صحيحة غاية الامر للمشتري خيار تبعض الصفقة ولذلك لو امضى المعاملة يسترجع فضل ماله كما هو مذكور في الرواية. واما الاشكال على الاستدلال بالرواية بأنها في مختلف الاجزاء فجوابه انه على فرض تسليم انه من قبيل مختلف الاجزاء تكون دلالتها على المقام بالاولوية. الثاني: أن يكون المبيع مختلف الاجزاء وتبين النقص عن الكمية المذكورة في متن العقد وفى هذا القسم ايضا ذهب الاكثر إلى التقسيط لعين ما ذكرنا في القسم الاول


: 1 - " الفقيه " ج 3، ص 239، باب بيع الكلاء والزرع...، " تهذيب الاحكام " ج 7، ص 153، ح 675، باب أحكام الارضين، ح 24، " وسائل الشيعة " ج 12، ص 361، ابواب الخيار، باب 14، ح 1..

[ 319 ]

أي المبيع لمتساوي الاجزاء، ولرواية عمر بن حنظلة التي هي نص في المقام. ولا يأتي هاهنا الاشكال المتقدم في القسم الاول من ان ظاهر الرواية كون هذا الحكم في مختلف الاجزاء فلا تشمل صورة كون المبيع متساوي الاجزاء. فيجاب: ان شمولها لمتساوي الاجزاء بالفحوى، وذلك لان هذا القسم الثاني على الفرض هو المبيع المختلف الاجزاء فتكون الرواية نصا فيه. وأما الاشكال في سند الرواية مع عمل الاكثر على طبقها - خصوصا عمل من لا يعمل إلا بالقطعيات كابن ادريس (1) - فلا مجال له. نعم ذكر فخر الدين - ابن العلامة (قدهما)، اشكالا على التقسيط في المقام (2) حاصله ان التقسيط متوقف على معرفة قيمة الجزء الفائت بالنسبة إلى قيمة مجموع الاجزاء المذكورة في متن العقد كي يمكن استرجاع قيمة مقدار الفائت من اجزاء المبيع من الثمن للمجموع، وهذا المعنى في متساوي الاجزاء يمكن لانه إذا باع الحنطة مثلا على انها عشرين صاعا فتبين كونها خمسة عشر صاعا فالمقدار الفائت ربع المجموع وقيمته ايضا ربع قيمة المجموع فيسترجع ربع الثمن، وذلك من جهة ان الاجزاء والابعاض متساوية في القيمة ان كانت متساوية في المقدار. واما في مختلف الاجزاء فلا يمكن ذلك لانه إذا كانت قيمة الاجزاء مختلفة فلا يمكن تعيين ما يكون قسطا للمقدار الفائت مما ذكر في متن العقد من ثمن المسمى لان المفروض اختلاف الاجزاء في القيمة فمن الممكن ان يكون المقدار الفائت وان كان بحسب المقدار ربع المجموع ولكن بحسب القيمة يكون مساويا مع ثلاثة ارباع الموجودة غير الفائتة. وليس الفائت موجودا كي يقومه المقومون ولا له مثل كي يقاس به فلا طريق


: 1 - " السرئر " ج 1، ص 47. 2 - " إيضاح الفوائد " ج 1، ص 515..

[ 320 ]

إلى معرفة قسط الفائت من ثمن المسمى بل تحصيله بطور التحقيق بحيث يعلم بأنه قسطه محال، لان المفروض أن الاجزاء مختلفة بحسب القيمة. مثلا هذه الارض التى اشتراها على انها عشرة امتار فظهر انها خمسة امتار فالخمسة الفائتة يمكن ان تكون أمتارها كلها من الغاليات ويمكن ان تكون كلها من الرخيصات ويمكن ان تكون من المختلفات، فبعضها يكون من الغاليات وبعضها من الرخيصات على اختلاف مراتب الغاليات والرخيصات ايضا، وحيث انها ليست ولم تكن موجودة أصلا فلا يمكن تشخيصها وتعيينها لنا بل ليس لها تعين في حاق الواقع. نعم لو كانت موجودة في زمان من الازمنة لكان لها تعين في الواقع وان كانت مجهولة عندنا، وعلى كل حال فلا يمكن التقسيط لعدم الطريق إلى معرفة قسطها من المسمى فلا بد ان يفرق بين المبيع المتساوي الاجزاء من حيث القيمة وما هو مختلف الاجزاء من هذه الحيثية إذا تبين نقصان مقدارها عما شرط في متن العقد بالتقسيط في الاول دون الثاني كما ذهب إليه فخر الدين ابن العلامة (قدهما) وجمع آخر. ولكن يمكن ان يقال بعد الفراغ عن أن البيع وقع على عشرة اجربة، والموجودة خمسة من الارض المختلفة بحسب القيمة أجزاؤها كالارض الواقعة على الشارع بعضها دون البعض الاخر، ومعلوم ان الواقع منها على الجادة العمومية يساوي أضعاف ما هو بعيد عن الجادة. والفائت لا يمكن ان يحسب بحساب الارض الواقعة على الجادة ولا بحساب ما هو بعيد عن الجادة لانه لا يعلم انه من أي واحد من القسمين بل ليس من كل واحد من القسمين واقعا لانه لم يوجد كي يكون من احدهما ففي حاق الواقع ليس له قسط احدهما، فاستحقاقه معلوم بقيمة خمسة جربان مجهول القيمة من جهة الجهل بكونها من اي قسم بل القطع بانها ليست من كل واحد من القسمين أو الاقسام، لانها غير

[ 321 ]

موجودة. فطريق وصول ما يستحق من جهة قيمة الفائت هو التصالح القهري كما قلنا في درهم الودعي أو يعمل بقاعدة العدل والانصاف وذلك بتضاعف كل جزء من الموجود فيؤخذ نصف قيمة المجموع للفائت. وذلك من جهة ان مشتري الارض حيث انه يشتري بالمشاهدة فهو رأى الخمسة عشرة، فكأنه بنى على تضاعف كل جزء مما شاهده واشترى الارض مبنيا على هذا. وحيث انه تقدم أن المسألة في هذا القسم من قبيل تبعض الصفقة وتبعض الصفقة فيما نحن فيه لا يتصور إلا بهذا الترتيب، لانه ليس بحسب الواقع صفقة مركبة من جزئين: احدهما موجود والآخر فائت ومعدوم بل التركب في الصفة خيالي لا واقعية له فلا بد وأن يفرض كل جزء ضعف ما هو عليه بحسب الواقع كي تحصل الصفقة المركبة الخيالية. ذكر هذا الطريق شيخنا الاعظم الانصاري (قده) (1) ولا بأس به - وان لم يحصل بهذه الطريقة قسط الواقعي للفائت من ثمن المسمى - لانه أقرب إلى العدل والانصاف. الثالث: تبين الزيادة في المبيع المتساوي الاجزاء من حيث القيمة بالنسبة إلى ما شرطا أو احدهما من كمية المبيع مثلا لو باع الصبرة من الحنطة على انها عشرين صاعا فتبين انها ثلاثين صاعا. فمقتضى ما ذكرنا في طرف النقيصة - ان الجملة ظاهرة في ان المبيع مجموع الموجود والفائت وان الفائت جزء للمبيع. ولذلك يقسط عليه الثمن ويكون من باب تبعض الصفقة يسترجع قسط الفائت ويكون له الخيار ايضا بالنسبة إلى الموجود -


: 1 - " المكاسب " ص 287..

[ 322 ]

هو ان تكون الزيادة ملكا للبايع وأن لا يكون خيار في البين. أما كون الزيادة باقية على ملك البائع فلانها خارجية عن المبيع لان المبيع بناء على ما ذكرنا في القسمين الاولين - أي تبين النقيصة في متساوي الاجزاء وفى مختلف الاجزاء - يكون عبارة: عن نفس الكمية المذكورة في متن العقد والمفروض في هذا القسم الثالث هو تبين الزيادة على الكمية المذكورة في متن العقد فتكون تلك الزيادة خارجية عن المبيع وباقية على ملكيته للبايع. واما عدم الخيار فلعدم تبعض الصفقة لان الصفقة في المفروض عبارة عن الكمية المذكورة في متن العقد وهى موجودة على الفرض، واحتمال أن يكون المبيع هي الكمية المذكورة بشرط لا عن الزيادة - بحيث يكون عدم الزيادة عن الكمية المذكورة وصفا للمبيع أو شرطا على البايع أو على المشتري فيأتي خيار تخلف الوصف أو تخلف الشرط - ملغى في نظر العرف والعقلا أي ليس احتمالا عقلائيا فلا يعتنى به. نعم لو كانت قرينة في البين على أن المراد من اشتراط كون المبيع كذا مقدار هو ان لا يكون أقل من ذلك المقدار، وإلا فهو نقل إلى المشتري تمام ما هو الموجود سواء أكان مساويا لما ذكره في متن العقد أو كان اكثر فيكون المجموع للمشتري ولا خيار لانه ليس تخلف الشرط أو للوصف في البين فالمسألة واضحة على جميع التقادير. نعم لو كان مدرك اخذ ما يقابل الفائت من ثمن المسمى رواية عمر ابن حنظلة حيث انه كان مفادها ان البايع لو لم يكن له بجنب تلك الارض أرض اخرى يتدارك بها المقدار الفائت عما شرطه في متن العقد يلزم عليه رد ما يقابل الفائت من ثمن المسمى إلى المشتري. فهذا الدليل لا يأتي في هذا القسم أي فيما إذا تبين الزيادة عن المقدار الذى شرطه في متن العقد، لان الرواية واردة في النقيصة لا في الزيادة فيكون الحكم في طرف الزيادة على طبق ما تقتضيه القواعد الاولية وذلك لعدم شمول الرواية لهذا القسم.

[ 323 ]

ومقتضى القواعد - بناء على هذا اي بناء على ان يكون المدرك في القسمين الاولين هي الرواية لا القاعدة - هو أن المسألة تكون من باب خيار تخلف الوصف أو الشرط، فإذا فسخ يرجع تمام الثمن إلى المشتري - وتمام المثمن إلى البايع وان امضى فيكون تمام المبيع حتى الزيادة ملكا للمشتري لان تمام الموجود هو المبيع ولم يتخلف إلا الوصف أو الشرط. الرابع: تبين الزيادة في مختلف الاجزاء مثلا باع أرضا على انها خمسة اجربة فلما مسحها المشتري أو البائع ظهر انها عشرة فبناء على القاعدة المتقدمة وهي ان المبيع هي الكمية المذكورة في متن العقد لا الشخص الموجود في الخارج بجميع تعيناته غاية الامر وصفه البائع بوصف الكمية الكذائية أو شرط المشتري كونه كذا مقدار فالزيادة تكون ملكا للبايع. وحيث أن الزيادة مشاعة فيكون البايع شريكا مع المشتري فيأتى خيار الشركة ويترتب عليها ان لم يفسخ المشتري اثار الشركة. واما بناء على ان يكون المدرك لاسترجاع ما يقابل الفائت هناك من ثمن المسمى هي الرواية لا القاعدة وإلا فالمبيع تمام الموجود فيكون تمام المبيع للمشتري ولا خيار في البين أصلا. الجهة الثالثة في موارد تطبيق هذه القاعدة فنقول: الشرط الواقع في ضمن جميع العقود اللازمة - على التفصيل الذى تقدم - يكون من صغريات هذه القاعدة وموارد تطبيقها، فإذا كان ذلك الشرط صحيحا يجب الوفاء به. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا

[ 325 ]

35 - قاعدة التسامح في إدلة السنن

[ 327 ]

قاعدة التسامح في أدلة السنن ومن جملة القواعد الفقهية المشهورة قاعدة " التسامح في أدلة السنن " وفيها جهات من البحث: [ الجهة ] الاولى في شرح مفهوم هذه القاعدة والمراد منها فنقول: المراد منها انه لو كان هناك خبر ضعيف - لا يكون موثوق الصدور لاختلال في سنده، وعدم جابر من عمل المشهور به كي يوجب الوثوق بصدوره - فلا يكون مشمولا لدليل حجية الخبر الواحد. كما حققنا في الاصول من ان موضوع الحجية هو الخبر الذي يثق الانسان بصدوره، سواء حصل الوثوق من صحة السند وكون الراوي عدلا أو ثقة، أو حصل من عمل المشهور به، أو كان مضمونه مطابقا لفتوى المشهور من قدماء الاصحاب. فإذا لم يكن الخبر كذلك، فلا يكون مشمولا لدليل الحجية، فهل مثل هذا الخبر


:: " الاصول الاصلية والقواعد الشرعية " ص 164، " عوائد الايام " ص 269، " عناوين الاصول " عنوان 15، " الرسائل الفقهية " ص 137، " اصطلاحات الاصول " ص 183، " القواعد " ص 83، " التسامح في ادلة السنن " سيد محمد مهدي آل حكيم، اكبر آباد هند، 1307 ق، " بحث در قاعدة تسامح " سيد علي محمد المدرس الاصفهاني، مجلة " كانون وكلاء " العام 8، العدد 47، " تسامح در ادلة سنن بحثي در اخبار من بلغ " سيد أبو الفضل مير محمدي، نشرة " مقالات وبررسيها " العدد 47 - 48، ص 1 - 17، والعدد 49 - 50، ص 1 - 18..

[ 328 ]

يثبت به الاستحباب وان لم يثبت به الوجوب لو كان مضمونه ومفاده وجوب شئ؟ وذلك لاجل التسامح في دليل الاستحباب، فلو اثبتنا انه يمكن إثبات الاستحباب بمثل ذلك الخبر الذى ليس مشمولا لدليل الحجية، فهذا معناه هو التسامح في أدلة السنن. وخلاصة الكلام: ان الخبر الضعيف قد يكون مفاده الوجوب وقد يكون مفاده الاستحباب، وفى كلتا الصورتين - بعد الفراغ عن ان الوجوب لا يثبت به - صار محلا للكلام في ان الاستحباب هل يثبت به أم لا؟ والقول بثبوته به هو التسامح في أدلة السنن. ولا شك في أن غير الحجة لا يثبت به شئ، وفى هذه الجهة لا فرق بين الوجوب والاستحباب، وثبوت كل واحد منهما يحتاج إلى دليل وحجة معتبرة. ولكن الدعوى ان في باب الاستحباب هل ورد دليل معتبر على التسامح في دليله وانه يثبت ولو كان هناك خبر ضعيف مفاده الاستحباب بل وان كان مفاده الوجوب أم لا؟ الجهة الثانية في مدركها وهو الاخبار الكثيرة المعتبرة الواردة في هذا المقام المعروفة بعنوان " اخبار من بلغ " فلنذكر جملة منها: الاول: صحيحة هشام بن سالم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شئ من الثواب فعمله كان أجر ذلك له، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله " (1).


: 1 - " المحاسن " ص 25، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 60، ابواب مقدمة العبادات، باب 18، ح 3..

[ 329 ]

الثاني: المروي عن صفوان عن الصادق عليه السلام قال: " من بلغه شئ من الثواب على شئ من الخير فعمل به كان له أجر ذلك، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله " (1). الثالث: خبر محمد بن مروان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شئ من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي صلى الله عليه وآله كان له ذلك الثواب، وان كان النبي صلى الله عليه وآله لم يقله " (2). الرابع: خبره الآخر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول " من بلغه ثواب من الله تعالى على عمل ففعله إلتماس ذلك الثواب اوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه " (3). إلى غير ذلك من الاخبار. فنقول: أما الاحتمالات التى ذكروها في مفاد هذه الاخبار - أو يمكن أن يحتمل - فكثيرة منها: أن يكون مفادها حجية خبر الضعيف الذي قام على وجوب شئ، أو استحبابه، بالنسبة إلى استحبابه فيكون حجة على استحباب ذلك الشئ ولو كان ظاهرا في وجوبه. والمراد من الخبر الضعيف هو الخبر الذى ليس مشمولا لدليل الحجية في حد نفسه لولا هذه الاخبار، وهذا الاحتمال هو الظاهر من قولهم بتسامح أدلة السنن، وبيان دلالة هذه الاخبار على هذا الاحتمال هو دلالتها على ترتب الثواب على العمل الذي بلغه أن فيه الثواب. ولا شك أن ترتب الثواب على عمل دليل على استحبابه، والمثبت لهذا


: " ثواب الاعمال " ص 160، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 59، ابواب مقدمة العبادات، باب 18، ح 1، 2 - " المحاسن " ص 25، ح 1، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 60، ابواب مقدمة العبادات، ب 18، ح 4، 3 - " الكافي " ج 2، ص 71، باب من بلغه ثواب من الله على عمل، ح 2، " وسائل الشيعة " ج 1، ص 60: ابواب مقدمة العبادات، باب 18، ح 7..

[ 330 ]

الاستحباب هو عنوان البلوغ، سواء أكان بالخبر الموثق أو الضعيف، فيكون خبر الضعيف حجة على الاستحباب كالخبر الصحيح والموثق. والانصاف ان خبر الصفوان عن الصادق عليه السلام وصحيحة هشام ابن سالم لهما ظهور في هذا المعنى، حيث رتب فيهما الاجر على نفس العمل عقب البلوغ، وبناء على هذا تكون المسألة اصولية، لان نتيجتها وهي حجية الخبر الضعيف تقع كبرى في قياس الاستنباط. ولكن هذا لا يثبت حجية الخبر الضعيف الذي مفاده الوجوب أو الاستحباب بالنسبة إلى ثبوت الاستحباب به كما ادعاه المدعي، بل الدليل على استحباب هذا الفعل الذي بلغه الثواب على عمله هو نفس اخبار من بلغ، وذلك من جهة أن استكشاف الاستحباب بناء على هذا الاحتمال من طريق الان، لان كون الاجر والثواب له على عمل معلول استحباب ذلك العمل. وحيث ان استكشاف الاستحباب بناء على هذا الاحتمال من ناحية كون الاجر والثواب للعامل الذي بلغه ذلك، فالدليل على كون الاجر والثواب له هو الدليل على الاستحباب، لان الدليل على وجود المعلول والاثر دليل على وجود العلة المؤثر. ولا شك في أن الدليل على استحقاق الاجر والثواب هو اخبار من بلغ، فاثبات الاستحباب يكون باخبار من بلغ لا بذلك الخبر الضعيف. نعم الخبر الضعيف يوجب تحقق موضوع ما هو حجة ودليل على استحباب ذلك العمل أي: يوجب تحقق موضوع اخبار من بلغ. فالقول بأن أخبار من بلغ يوجب حجية الخبر الضعيف - الدال على استحباب عمل أو وجوبه - لا يخلو عن مسامحة، بل ليس بصحيح. وأما حجية نفس أخبار من بلغ فلا احتياج لها إلى البيان، فانها اخبار صحيحة

[ 331 ]

معتبرة، بل ربما ادعي القطع بصدور بعضها بطور الاجمال ومرجع هذا الادعاء إلى تواترها اجمالا. ومنها: أن مفادها ان الانقياد في ترتب الثواب مثل الاطاعة، غاية الامر ثواب الاطاعة بالاستحقاق وثواب الانقياد بالتفضل، بمعنى: أنه ولو لم يأت بما هو واجب أو مستحب، ولكنه بعدما عمله عقيب قيام الحجة إلتماس ذلك الثواب، فالله تبارك وتعالى يتفضل عليه باعطاء الاجر ولو أخطأت الحجة. وبعبارة اخرى: لا يذهب عمله وتعبه عند خطأ الحجة سدى. ولعل هذا ظاهر خبر محمد بن مروان عن أبي جعفر عليه السلام، بناء على هذا لا ربط لهذه الاخبار بما قالوا: من التسامح في أدلة السنن، ولا بد لهم من التماس دليل آخر. ولكن هذا الاحتمال - أي: كون الثواب على الانقياد والعمل على طبق الحجة وان اخطأت - لا مورد له هاهنا، لان الخبر الضعيف ليس بحجة على الفرض. اللهم إلا ان يقال: ان موضوع الانقياد هو احتمال الوجوب أو الاستحباب وان لم تقم حجة عليهما. والخبر الضعيف الدال على وجوب شئ أو استحبابه موجب لوجود احتمالهما، ولكن على فرض صدق الانقياد - على اتيان محتمل الوجوب أو محتمل الاستحباب لا ربط له بأخبار من بلغ، لان حسن الانقياد مثل الاطاعة عقلي، سواء أكانت اخبار من بلغ أو لم تكن، وكذلك لا ربط له بالتسامح في أدلة السنن كما هو واضح، بل هو حكم عقلي ارشادي. وأما دلالة هذه الاخبار على انه يعطى له الاجر على عمله، فليس من جهة انقياده، بل الصحيح انه من جهة استحباب العمل الذى تعنون بعنوان انه عليه الثواب، ولا شك في اختلاف الاحكام باختلاف العناوين. مضافا إلى ما ذكرنا انه لا انقياد هاهنا، لانه مقابل التجري، فكما ان التجري عبارة: عن مخالفة الحجة غير المصادفة للواقع كذلك الانقياد عبارة: عن موافقة الحجة

[ 332 ]

غير المصادفة للواقع. والمفروض هاهنا انه ليس حجة في البين، لان الخبر الضعيف ليس بحجة على الفرض وليس مشمولا لادلة حجية الخبر الواحد الموثوق الصدور فليس مفاد هذه الاخبار إلا اعطاء الاجر والثواب على نفس العمل الذي بلغه الثواب على ذلك العمل. ومنها: أن مفادها هو الارشاد إلى ما حكم به العقل، من حسن الاحتياط والترغيب فيه باتيان محتمل المطلوبية، سواء أكان محتمل الوجوب أو محتمل الاستحباب، بأن في الاحتياط واتيان محتمل المطلوبية مطلقا - سواء طابق الواقع أو لم يطابق - أجر وثواب إذا أتاه بهذا الداعي. وبناء على هذا لا تدل هذه الاخبار لا على استحباب العمل الذي يأتي به مطلقا - سواء أكان بداعي التماس الثواب وطلب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لم يكن - ولا على حجية الخبر الضعيف على الاستحباب. ويمكن أن يستظهر هذا الاحتمال من خبري محمد بن مروان، حيث قيد العمل في أحدهما بطلب قول النبي صلى الله عليه وآله وفي الآخر بالتماس ذلك الثواب. والذي يبعد هذا الاحتمال ان الارشاد إلى الاحتياط بتوسط عنوان يكون بينه وبين عنوان الاحتياط عموم من وجه - وهو عنوان " من بلغ " - في غاية البعد، بل الاستهجان. اللهم إلا أن يقال بناء على هذا الاحتمال - أي: كون مفاد هذه الاخبار هو الارشاد إلى حسن الاحتياط باتيان محتمل المطلوبية والترغيب فيه، بأن فيه الاجر والثواب، سواء أكان في الواقع مطلوب أو لم يكن - يكون جعل البلوغ موضوعا لهذا الحكم أي: اعطائه الاجر والثواب، من جهة ان البلوغ محقق لموضوع الاحتياط الذي هو عبارة: عن احتمال كون ذلك العمل مطلوبا وجوبا أو استحبابا، لانه لو لم يكن هذا الخبر الضعيف لم يحتمل الوجوب أو الاستحباب.

[ 333 ]

فبناء على هذا يكون عنوان البلوغ ملازم عادة مع احتمال المطلوبية، وان كان بالدقة بينهما عموم وخصوص من وجه. ثم ان الظاهر من مفاد مجموع هذه الاخبار هو الاحتمال الاول أي: كون العمل الذى أتى به بداعي التماس الثواب مستحبا. غاية الامر إنما الكلام في معروض هذا الاستحباب هل هو ذات العمل أو العمل المعنون بعنوان البالغ عليه الثواب؟ بحيث يكون من قبيل العنوان الثانوي للعمل، كعنوان الاكراه والاضطرار، فيكون ذات العمل وحدها غير محكوم بالاستحباب، بل كان مباحا في حد نفسه، ولكن بواسطة طرو هذا العنوان وجدت فيه مصلحة صارت سببا لاستحبابه معنونا بهذا العنوان، بمعنى: أنه واسطة في العروض لا انه واسطة في الثبوت فقط. فالدليل على ثبوت الاستحباب - لهذا العمل المعنون بهذا العنوان - هو اخبار من بلغ، لا الخبر الضعيف، وأخبار من بلغ؟ في غاية القوة والصحة، بل ربما ادعي قطعية صدورها. نعم الخبر الضعيف يوجب تعنون العمل بهذا العنوان وبعبارة اخرى: يوجب تحقق موضوع الحجة. فبناء على هذا قول المشهور بالتسامح في أدلة السنن لا ينطبق على هذا، وليس كما ينبغي ان كان مرادهم هذا المعنى. نعم لو قلنا ان مفاد هذه الاخبار حجية خبر الضعيف لاثبات الاستحباب وبعبارة اخرى: ان شرائط الحجية في باب الخبر الدال على الاستحباب ليست عين الشرائط التى اخذت في باب الاحكام الالزامية من لزوم كون الراوي عدلا أو ثقة ولم يعرض الاصحاب عن العمل به إلى غير ذلك من القيود والشرائط. بل لو دل خبر ضعيف على استحباب عمل يكون حجة ومثبتا لذلك الاستحباب وعلى هذا ينطبق ما ذكروه من التسامح في أدلة السنن ولكن عرفت أن

[ 334 ]

مفاد هذه الاخبار غير هذا المعنى. ثم أنه بناء على دلالة هذه الاخبار على حجية الخبر الضعيف في باب السنن فللفقيه أن يفتي باستحباب العمل الذي دل خبر ضعيف على استحبابه فيكون حاله حال سائر الاحكام الشرعية التى قامت حجة معتبرة على ثبوتها فيكون مستحبا في حقه وفى حق مقلديه. ولكن عرفت ان هذه الاخبار لا تدل على حجية الخبر الضعيف بالنسبة إلى ثبوت الاستحباب كي تكون شرائط حجية الخبر في اثبات الواجبات غير شرائط حجيته في باب المستحبات. نعم للفقيه ان يفتي باستحباب ما قام على استحبابه أو وجوبه خبر ضعيف، فيما إذا تعنون بعنوان البلوغ لا بعنوانه الاولي، ولا من جهة ان الخبر الضعيف حجة - كما توهم - بل من جهة دلالة حجة معتبرة وهي اخبار من بلغ على استحباب العمل الذى بلغ عليه الثواب كما استظهرنا هذا المعنى منها. وأما إذا احتمل الاستحباب أو ظن به من فتوى فقيه بل من شهرة أو اجماع منقول أو من غير ذلك مما ليس بحجة شرعا فليس له أن يفتي بالاستحباب من ناحية أخبار من بلغ لعدم صدق البلوغ وعدم دلالة هذه الاخبار على حجية هذه الامور على الفرض بل دلالتها مختصة بحجية الخبر الضعيف. وأما بناء على ما استظهرنا منها من أن مفادها استحباب العمل الذي بلغ إليه من ناحية المعصوم أن عليه الثواب والاجر كي تكون المسألة فقهية بخلاف الصورة السابقة فانها اصولية لان مفادها حجية الخبر الضعيف فيقع كبرى في قياس الاستنباط، وقد تقدم مرارا انه مناط كون المسألة اصولية. فشمولها لفتوى الفقيه والشهرة واجماع المنقول والاستحسانات وغير ذلك مما ليس بحجية شرعا منوط على صدق البلوغ أي: صدق بلوغ الاجر والثواب على

[ 335 ]

ذلك العمل الذي دل أحد هذه الامور على استحبابه فإذا صدق البلوغ يكون مستحبا بأخبار من بلغ وإذ ليس فليس. ولا شك في عدم صدق بلوغ الثواب والاجر عن النبي صلى الله عليه وآله أو الائمة عليهم السلام بالنسبة إلى فتوى الفقيه والشهرة، وذلك لان فتوى الفقيه عبارة: عن الاخبار عن رأيه لا عن المعصوم (ع) والشهرة ايضا كذلك عبارة: عن اخبار جمع كثير من الفقهاء (قدهم) عن آرائهم لا عن النبي صلى الله عليه وآله. فلا يتحقق بهما - أي: الشهرة وفتوى الفقيه - موضوع الاستحباب المستفاد من اخبار من بلغ. وأما الاجماع المنقول ان قلنا بأنه حجة وكاشف عن رأي الامام (ع) فيكون خارجا عن محل البحث، وان قلنا بعدم حجيته كما هو كذلك فيكون حاله حال الشهرة بل هو هو. وأما بناء على أن يكون مفادها أن ثواب الانقياد مثل الاطاعة تفضلا - بدون أن يكون طلب استحبابي في البين - فلا تدل هذه الاخبار على استحباب ما دل على استحبابه خبر ضعيف، فضلا عما إذا كان منشأ احتمال الاستحباب شيئا آخر - غير الخبر الضعيف - مما ذكرنا من مثل الشهرة واجماع المنقول وغيرهما. بل تدل على أن في كل مورد يصدق عنوان بلوغ الثواب - إذا كان البلوغ بسبب حجة على أحد الاحتمالين أو مطلقا على احتمال آخر - ففعله التماس ذلك الثواب، فالله تبارك وتعالى يتفضل عليه بذلك الاجر والثواب وإن لم يكن البلوغ مطابقا للواقع. فليس للفقيه أن يفتي - بناء على هذا الاحتمال - بالاستحباب حتى يقلده العامي ويأتي به بعنوان انه مستحب، وليس له أيضا أن يأتي به بعنوان أنه مستحب، بل له أن يأتي برجاء الواقع والتماس ذلك الاجر والثواب كما أن له أن يرشد العامي إلى ما

[ 336 ]

هو مضمون ومفاد هذه الاخبار، بأن يقول أو يكتب: من بلغه عن المعصوم سلام الله عليه ثواب أو أجر على عمل فأتى بذلك العمل رجاء، يكون له أجر ذلك العمل. وهذا ليس من باب الافتاء واظهار الحكم الشرعي، بل من قبيل الارشاد إلى أمر يترتب عليه الثواب. ثم أنه بناء على استفادة الاستحباب لا فرق بين أن يكون الخبر الضعيف مفاده استحباب الشئ أو وجوبه، لاتحاد المناط فيهما وهو بلوغ الثواب والاجر فيهما، كما انه بناء على سائر الاحتمالات أيضا لا فرق في تحقق الموضوع وصدق البلوغ بينهما. نعم بناء على استفادة حجية الخبر الضعيف في باب الاستحباب - كي تكون المسألة اصولية كما بينا - فالخبر الضعيف الدال على وجوب شئ لا يثبت به مؤداه أعني: وجوب ذلك الشئ، وهل يثبت به الاستحباب؟ بناء على هذا الاحتمال لا يبعد ذلك. أما الاول أي: عدم ثبوت الوجوب به، فمن جهة أن المفروض دلالة هذه الاخبار على حجية الخبر الضعيف بالنسبة إلى الاستحباب، لا فيما إذا كان مفاده الوجوب. وأما الثاني فمن جهة ان الخبر الضعيف الذي دل على وجوب شئ يدل بالدلالة التضمنية على مطلوبيته ورجحانه في ضمن دلالته على وجوبه بالدلالة المطابقية. ويمكن أن يكون حجة باعتبار دلالته التضمنية بواسطة هذه الاخبار وان لم يكن حجة في مدلوله المطابقي، ولا ملازمة في الحجية بين الدلالتين ولكنه لا يخلو عن اشكال. ثم انه هل تدل هذه الاخبار على كراهة ما دل الخبر الضعيف على كراهته أو حرمته؟ فيكون حال الحرمة والكراهة حال الوجوب والاستحباب في التسامح بمعنى: انه تثبت الكراهة بالخبر الضعيف الدال على الكراهة أو الحرمة

[ 337 ]

الظاهر عدم دلالتها على ذلك، فلا يجري التسامح في أدلة المكروهات لان غاية ما يمكن ان يقال في هذا المقام أن الخبر الضعيف الذى قام على كراهة شئ أو حرمته يدل بالدلالة الالتزامية على أن في ترك ذلك الشئ أجر وثواب، كما هو كذلك في تروك الصوم والاحرام، فيدل على استحباب الترك ورجحانه، فيكون الفعل مرجوحا. وهذا معنى الكراهة فيما لا يكون الفعل حراما، كما هو المفروض في المقام، لان الخبر الضعيف إذا كان ظاهرا في الكراهة فلا وجه لحرمة الفعل وإذا كان ظاهرا في الحرمة فلا تثبت الحرمة به لعدم حجيته لضعفه. وانت خبير بأن هذا الكلام - على فرض تماميته وصحته - لا يثبت إلا استحباب الترك، لا كراهة الفعل، لعدم الملازمة بينهما فعلا وتركا، فيمكن أن يكون الفعل أو الترك مستحبا ولا يكون الطرف الآخر مكروها وكذلك يمكن ان يكون الفعل أو الترك مكروها. ولا يكون الطرف المقابل مستحبا. هذا مع انه لو كان الفعل حراما أو مكروها معناه أن فيه مفسدة ملزمة في الاول وحزازة في الثاني، لا أن في الترك مصلحة كي يكون له أجر وثواب. هذا مضافا إلى ان ظاهر هذه الاخبار ترتب الاجر والثواب على عمل عمله التماس ذلك الاجر، والعمل ظاهر في الامر الوجودي ولا يشمل التروك. نعم ربما يكون مفاد الخبر الضعيف استحباب ترك أو وجوبه، كما انه ربما يقع ذلك في باب الصوم وباب الاحرام فحينئذ يمكن التمسك لاستحباب ذلك الترك بهذه الاخبار، لكن هذا خارج عن محل البحث والكلام. ثم انه بناء على ما استظهرنا من هذه الاخبار - من استحباب العمل الذي صار معنونا بعنوان بلوغ الاجر والثواب عليه - فلا بد من صدق البلوغ عرفا لتحقق موضوع الاستحباب به وذلك لا يكون إلا بدلالة الخبر الضعيف عليه باحدى

[ 338 ]

الدلالات اللفظية الوضعية حسب الظهور العرفي. فلو كان الخبر الضعيف غير ظاهر في البلوغ فلا يثبت به الاستحباب. وبناء على هذا لو ورد خبر ضعيف مطلق بالاطلاق الشمولي أو كان عاما اصوليا على اكرام جميع العلماء وجوبا أو ندبا وورد مقيد أو مخصص بالنسبة إلى بعض الحالات أو بعض الافراد أو الاصناف، فان كان المقيد أو المخصص متصلا، حيث انهما يمنعان عن انعقاد الظهور بالنسبة إلى المقدار الخارج عن تحت العام أو المطلق الذي دل على عمومه أو اطلاقه خبر الضعيف، فلا يصدق البلوغ بالنسبة إلى المقدار الخارج، فلا يمكن اثبات استحباب ذلك المقدار باخبار من بلغ، وذلك لعدم تحقق موضوعه أي البلوع. وأما لو كان التقييد أو التخصيص بالمنفصل، فحيث أن الظهور لا ينثلم بالمنفصل يمكن أن يقال حيث أن ظهور المطلق في الاطلاق والعام في العموم باق بعد ورود المقيد والمخصص المنفصلين - فيصدق البلوغ وتشمله أخبار من بلغ. هذا فيما إذا كان المقيد والمخصص خبرا ضعيفا غير حجة، وأما إذا كان مشمولا لدليل الحجية فربما يقال: حيث يسقط ظهور المطلق والعام عن الحجية في تلك القطعة بواسطة تقديم ظهور المقيد والمخصص على ظهورهما فلا يصدق البلوغ بالنسبة إلى الظهور الذى ليس بحجة. ولكن أنت خبير بأن بلوغ شئ عن شخص بواسطة الاخبار عنه ليس إلا أن يكون كلام المخبر واخباره ظاهرا في أنه قال كذا سواء كان صادقا في اخباره أو كاذبا وسواء كان خبره حجة أولا. ولذلك يمكن أن يقال في المتعارضين بعد التساقط أيضا كما إذا كان أحدهما ظاهرا في الوجوب أو الاستحباب والآخر في نفيهما وان كان يسقط ما هو ظاهر في الوجوب أو الاستحباب عن الحجية إلا أن ظهوره في أحدهما باق فباخبار من بلغ

[ 339 ]

يثبت استحبابه. فلا فرق في صدق البلوغ وشمول أخبار من بلغ لتلك القطعة بين أن يكون ظهورهما حجة فيها أو لم يكن. نعم لو كان مفاد دليل المقيد والمخصص المعتبر حكما تحريميا، فلا يمكن القول باستحباب تلك القطعة بأخبار من بلغ. ثم انه هل تشمل أخبار من بلغ فتوى الفقيه باستحباب شئ أو وجوبه فيكون حاله حال الخبر الضعيف أم لا؟ الظاهر عدم الشمول لان الفقيه يخبر عن رأيه بالوجوب أو الاستحباب وربما يكون منشأ رأيه وحدسه شيئا آخر غير الاخبار المروية عنهم عليهم السلام من الاستحسانات وتنقيح المناطات بنظره فلا ربط حينئذ بين الاخبار عن رأيه وفتواه وبين البلوغ عن النبي صلى الله عليه وآله مع انه لو كان منشأ رأيه وفتواه هي الاخبار أيضا لا يفيد لانه فرق بين رأيه المستنبط عن الاخبار وبين نقل ما قاله النبي فالاول ليس اخبارا عن النبي صلي الله عليه وآله ولا يصدق عليه البلوغ عن النبي بخلاف الثاني كما هو واضح. ثم أنه هل تشمل هذه الاخبار مورد الخبر الضعيف الذي مفاده وقوع بعض المصائب لاهل البيت عليهم السلام أو للنبي صلى الله عليه وآله بأن يقال حيث أنه من المسلم والمقطوع أن البكاء على مصائبهم عليهم السلام له أجر وثواب عظيم، فمفاد هذا الخبر الضعيف ينتهي إلى الاجر والثواب على البكاء في هذه المصيبة. ولكن انت خبير بأن هذا الكلام مغالطة عجيبة لان كون البكاء على مصائبهم موجبا للاجر والثواب أمر مسلم مقطوع فالمهم اثبات الصغرى وهي وقوع هذه المصيبة في الخارج وهي حيث أنها من الموضوعات الخارجية فلا يثبت بالخبر الصحيح الواحد فضلا عن الخبر الضعيف. نعم يمكن ان يقال إذا كان البكاء لظن وقوع مصيبة أو احتماله عليهم عليهم الاستحسانات وتنقيح المناطات بنظره فلا ربط حينئذ بين الاخبار عن رأيه وفتواه وبين البلوغ عن النبي صلى الله عليه وآله مع انه لو كان منشأ رأيه وفتواه هي الاخبار أيضا لا يفيد لانه فرق بين رأيه المستنبط عن الاخبار وبين نقل ما قاله النبي فالاول ليس اخبارا عن النبي صلي الله عليه وآله ولا يصدق عليه البلوغ عن النبي بخلاف الثاني كما هو واضح. ثم أنه هل تشمل هذه الاخبار مورد الخبر الضعيف الذي مفاده وقوع بعض المصائب لاهل البيت عليهم السلام أو للنبي صلى الله عليه وآله بأن يقال حيث أنه من المسلم والمقطوع أن البكاء على مصائبهم عليهم السلام له أجر وثواب عظيم، فمفاد هذا الخبر الضعيف ينتهي إلى الاجر والثواب على البكاء في هذه المصيبة. ولكن انت خبير بأن هذا الكلام مغالطة عجيبة لان كون البكاء على مصائبهم موجبا للاجر والثواب أمر مسلم مقطوع فالمهم اثبات الصغرى وهي وقوع هذه المصيبة في الخارج وهي حيث أنها من الموضوعات الخارجية فلا يثبت بالخبر الصحيح الواحد فضلا عن الخبر الضعيف. نعم يمكن ان يقال إذا كان البكاء لظن وقوع مصيبة أو احتماله عليهم عليهم السلام يوجب الاجر والثواب، فكما أن الخبر الصحيح موجب لتحقق موضوع الاجر

[ 340 ]

والثواب - أي الظن أو احتمال وقوع تلك المصيبة - فكذلك الخبر الضعيف.أنها من الموضوعات الخارجية فلا يثبت بالخبر الصحيح الواحد فضلا عن الخبر الضعيف. نعم يمكن ان يقال إذا كان البكاء لظن وقوع مصيبة أو احتماله عليهم عليهم السلام يوجب الاجر والثواب، فكما أن الخبر الصحيح موجب لتحقق موضوع الاجر

[ 340 ]

والثواب - أي الظن أو احتمال وقوع تلك المصيبة - فكذلك الخبر الضعيف. وهذا لا ربط له بأخبار من بلغ، وما قلنا جار في جميع الموضوعات الخارجية التى دل على وجودها خبر ضعيف وان كان العمل المتعلق بذلك الموضوع كان له أجر وثواب وأما جواز نقل ما هو مضمون الخبر الضعيف الوارد في مصائبهم عليهم السلام واستناده إليهم صلوات الله عليهم فأجنبي عن مقامنا. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية