الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الفوائد العلية - السيد علي البهبهاني ج 2

الفوائد العلية

السيد علي البهبهاني ج 2


[ 281 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلوة والسلام على خير البرية اجمعين: محمد والله الطاهرين، واللعنة الدائمة على اعدائهم من الاولين والاخرين. اما بعد فهذا هو الجزء الثاني من الفوائد العلية. (فائدة - 41) في عقد القراض والمضاربة وينبغى التكلم فيها في مقامات: الاول - في تحقيق حقيقته ويلحق به بيان مفهومي اللفظين ووجه انطباقهما على حقيقته وماهيته. والثانى - في انه هل هو من العقود الصحيحة عرفا وشرعا ام لا. والثالث - في انه على فرض صحته جائز ام لازم وبيان شطر من احكامه. اما الاول فهو على ما عرف: " ان يدفع مال ليعمل فيه بحصة معينة من ربحه " وهل يكون ذلك على وجه المعاوضة أو على وجه آخر يوجب الشركة في الربح وجهان اوجههما بل الوجيه منهما هو الثاني وان كان ظاهر التعريف وجملة من

[ 282 ]

كلماتهم هو الاول إذ المعاوضة لا تتم في المقام من وجوه ثلاثة: الاول - ان الربح معدوم عند العقد وحصوله بعد العمل غير معلوم فلا يملكه رب المال حال العقد حتى يملك العامل حصة منه عوضا عن عمله. فان قلت: نعم تمليك الشئ فرع دخوله فيملك المملك ووقوعه تحت سلطنته وهو فرع وجوده في الخارج إذا تعلق الملك به اصالة واما إذا كان تعلقه به تبعا فيكفى في تحققه كون اصله الموجود في الخارج ملكا له ولذا يصح تمليك سكنى الدار وركوب الدابة ولبس الثوب وهكذا من المنافع المعدومة في مدة معلومة بعوض معلوم بعقد الاجارة والصلح وهكذا يصح تمليك حصة من الربح المعدوم باعتبار انه ملك لرب المال تبعا لرأس ماله. قلت: اولا ان مرجع تمليك المنفعة الى تمليك العين في جهة المنفعة لا الى تمليك نفس المنفعة فان ملك الشئ له مراتب ودرجات. اولها - واقواها الملك المطلق المقتضى لنفوذ جميع التصرفات ما لم يمنع عنه مانع وهو المعبر عنه بملك العين والرقبة. وثانيتها - الملك المقيد بجهة من جهات العين من دون تقيد بشخص خاص ذاتا وهو المعبر عنه بملك المنفعة المقتضى لنفوذ التصرفات الراجعة الى الجهة المذكورة نقلا وانتقالا ما لم يمنع عنه مانع. وثالثتها - الملك المقيد بالشخص ذاتا في جهة المنفعة وهو المعبر عنه بملك الانتفاع وهو اضعف المراتب فالملك متعلق بالعين في جميع المراتب غاية الامر انه تختلف مراتبه اطلاقا وتقييدا وشدة وضعفا لا انه يختلف متعلق الملك والتعبير بملك المنفعة والانتفاع تنبيه على ضعف مرتبة الملك وعدم اطلاقه كما ان التعبير يملك العين والرقبة تنبيه على اطلاقه وعدم تقييده. وثانيا لو سلم جواز تعلق الملك بالمنفعة المعدومة تبعا لملك الاصل فهو مقصور على المنافع التى هي اعراض غير مستقلة في الوجود وتكون من شؤن وجود

[ 283 ]

الاصل، واما العين المتجددة من عين اخرى فلا يتطرق فيه ذلك لاستقلال كل منهما في الوجود الخارجي وربح المال عين متجددة من راس المال لا منفعة له. فان قلت: قد يجوز ذلك في عين متجددة من عين اخرى فانه قد روى جواز بيع ثمرة النخل قبل ظهورها عامين فصاعدا. قلت: قد علل ذلك في الرواية بتيقن ظهورها حينئذ فهى منزلة منزلة الثمرة الظاهرة في هذه الصورة ولا يكون حصول الربح متيقنا بالعمل في راس المال الموجود حتى يقال انه منزل حينئذ منزلة الموجود. فان قلت: يمكن ان يقال العوض عن العمل هو صحة من الربح في ذمة رب المال فالعوض هو ما في الذمة في الحقيقة ولكن مقيدا بوفائه من ربحه المعاملة فلا ينافى تحقق المعاوضة حينئذ مع عدم وجود العوض في الخارج، ضرورة جواز صيرورة الكلى حينئذ طرفا للمعاوضة قلت اولا انه لا يصح ان يلتزم الشخص الا بما يكون حصوله معلوما أو موثوقا به ولذا لا يصح الاستيجار على اصطياد صيد بعينه لعدم الوثوق بحصوله، وحصول الربح بالعمل لا يكون معلوما ولا موثوقا به. وثانيا انه لو كان مرجع القراض الى اشتغال ذمة رب المال بما يطابق حصة من الربح مقيدا بوفائه منه لزم ان يختص الربح برب المال وان يكون تعلق حق العمل بحصة منه من قبيل تعلق الحق بالكلى الخارجي فيلزم حينئذ ان يحتسب التالف من الربح على رب المال فلو حصل ربح وكان حصة العامل منه النصف مثلا فتلف نصف منه في يد العامل من غير تعد ولا تفريط لزم ان يحتسب التالف على رب المال ويختص النصف الباقي بالعامل كما هو مقتضى تعلق حقه بالكلى الخارجي، واللازم باطل بالضرورة فكذا الملزوم وثالثا انه يلزم حينئذ ان يختص ربح الربح برب المال ولا يشترك فيه العامل فلو غصب غاصب ربح مال القراض وعمل فيه فحصل منه ربح يلزم حينئذ ان يكون

[ 284 ]

الربح لرب المال إذا امضى معاملات الغاصب وان لا يكون للعامل المضارب فيه نصيب لعدم مشاركته في اصل الربح حينئذ حتى يصير شريكا في ربحه، وبطلان اللازم واضح. والثانى ان الربح على فرض حصوله مجهول القدر وكذا كسره فلا تصح المعاوضة عليه للغرر سواء جعل طرفا للمعاوضة ابتداءا ام جعل قيدا لما في الذمة والثالث انه لو كان كذلك لزم ثبوت اجرة المثل في ذمة رب المال للعامل مع فرض عدم حصول ربح في الخارج إذ مع عدم حصوله في الخارج تفسد المعاوضة لعدم ثبوت العوض، وكل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده فإذا لم يسلم للعامل العوض الذى سمى له يثبت له اجرة مثل عمله من دون تفاوت بين ان يجعل عوض عمله حصة من الربح الخارجي اوما في الذمة مقيدا بوفائه منه، والملازمة واضحة وبطلان اللازم اوضح. فالتحقيق ان رجوع حصة من الربح الى العامل ومشاركته مع رب المال في الربح باعتبار تنزيل العمل منزلة المال فرجوعه الى العامل حينئذ باعتبار انه فائدة عمله ونمائه لا عوضه واجره. توضيح ذلك ان الربح حاصل من العمل والمال معا ولكل منهما دخل فيه كما هو ظاهر غاية الامر انه يختلف دخلهما فيه ويكون دخل المال فيه اقوى من دخل العمل فان منزلة المال من الربح منزلة المقتضى من مقتضاه ومنزلة العمل منه منزلة الشرط ولذا يكون الربح تابعا لرأس المال ذاتا وابتداءا الا ان استقلاله في انفراده بالربح وعدم مشاركة العمل معه انما هي على وجه الاقتضاء لا العلية التامة، فلا ينافى تشريك العمل معه جعلا وتنزيلا. والحاصل ان العمل صالح لان يتبعه الربح والنماء جعلا وتنزيلا وان لم يكن موجبا له اولا وذاتا فلا يقرب منه تمام القرب حتى ذاتا ولا يبعد عنه كل البعد حتى لا يتبعه جعلا، بل هو امر بين الامرين وبرزخ بين العالمين، فحاله حال

[ 285 ]

الظن بالنسبة الى التنجيز والحجية حيث انه لخروجه عن مرتبة التحير المحض والتردد الصرف لم يكن كالشك حتى لا يقبل الحجية بالجعل ولتطرق احتمال الخلاف فيه وعدم بلوغه مرتبة الرجحان التام لم يكن كالعلم حتى يكون حجة بالذات، فحقيقة المضاربة عبارة عن تنزيل العمل من الربح منزلة المال منه وتقديره بقدر المال أو نصفه أو ثلثه وهكذا، فان قدر مقدار راس المال فالربح بينهما انصافا، وان قدر نصف المال فهو بينهما اثلاثا وان قدر ثلث المال فهو بينهما ارباعا، ومن هذا القبيل المزارعة والمساقاة فان مرجعهما الى تنزيل الارض وعمل العامل منزلة البذر والشجرة بالنسبة الى الغلة والثمرة فالمضاربة والمزارعة والمساقاة متحدة في الذات والحقيقة، واختلاف الاسامي باعتبار اختلاف خصوصيات الموارد وكذا اختلافها في بعض الاحكام كاعتبار تعيين المدة فيهما ولزومهما وعدم اعتباره فيها وجوازها فان قلت: إذا لم يكن العمل في عرض رأس المال ذاتا من حيث تبعية الربح له فكيف يتصور جعله سببا عديلا لرأس المال تنزيلا. قلت: تنزيل العمل منزلة المال كسائر الجهات الوضعية التى يعتبرها العرف ويرتب عليها الاثار قابل للجعل واى فرق بين جعل المبادلة بين المالين بعقد البيع وعلقة الازواج بين الرجل والمرئة بعقد النكاح وتنزيل شخص منزلة آخر بالتوكيل وبين المقام، فكما ينفذ التصرفات المذكورة ويترتب عليها الاثار فكذلك تنزيل العمل منزل المال فان مقتضى مرجعية الشخص في جهاته واموره واستقلاله فيها نفوذ تصرفاته وتقلباته الراجعة الى شئونه اقتضاءا ما لم يمنعه من هو اولى به من نفسه، فبطلان تصرفه يحتاج الى الدليل واما نفوذه فهو مقتضى الاصل ما لم تختل شرائطه العرفية وكان جامعا لها. إذا اتضح لك ما حققناه واتقنت ما بيناه من ان مرجع القراض والمضربة الى تنزيل العمل منزلة المال الموجب لاشتراك الربح بين العامل ورب المال اتضح لك امران:

[ 286 ]

الاول: سر عدم جواز جعل حصة من ربح مال آخر للعامل فان دخل العمل ليس الا في ربح المال الذى وقع فيه العمل فلا يصلح جعل ربح مال آخر نماءا للعمل في مال القراض الثاني: عدم كون القراض عقدا متوقفا على انشائين فان تنزيل العمل منزلة المال وجعله دخيلا في ربحه بحيث يوجب الشركة فيه امر يرجع الى المالك ورب المال فيكفى فيه انشائه ولا يتوقف على انشاء من المعامل، فهى نظير الجعالة حيث ترجع الى الجاعل وتتحقق بانشائه ولا حاجة معه الى انشاء من طرف المال، نعم لعمل العامل دخل فيهما في الجملة فان العمل لم يتمحض في العنوانين بانشاء المالك والجاعل وانما صار العنوانان بهما من احد وجوهه وعناوينه بعد ان لم يكونا منه، فللعامل حينئذ ان يقصد بعمله التبرع أو المضاربة والجعالة، فاتصاف العمل باحد الوجهين والعنوانين يتوقف على صدوره من العامل على احد الوجهين ولا تأثير لقبول العامل في هذه الجهة لجواز وقوع العمل منه على وجه التبرع بعد قبوله، وان كان له تأثير في المقام في جهة اخرى مثل وجوب حفظ المال عليه وهكذا، فهى شبيهة بالوكالة من هذا الوجه إذ الوكالة في العمل وصيرورة الشخص وكيلا ومرجعا في الموكل فيه بحيث لو تصرف فيه لوقع تصرفه من قبل الموكل تحصل بمجرد انشائه، وقبول الوكيل انما يؤثر في صيرورته في وثاق العمل وعلى عهدته فالمضاربة كالجعالة والوكالة لا تكون عقدا محضا حتى تتوقف في تحققها على انشاء من الطرفين ولا ايقاعا صرفا حتى لا يكون لقبول العامل وعمله دخل فيه بوجه من الوجوه، فهى امر بين الامرين وبرزخ بين العالمين. وهكذا الحال في جميع العقود الجائزة بالذات من الطرفين المسماة بالعقود الاذنية، فان العقد التحقيقى المتوقف حصوله على عمل الطرفين ووصل الحبلين وشدهما كما لا يتحصل من عمل احدهما فكذا لا ينحل منه ايضا، إذ لو امكن له الحل لامكن له الاثبات فان نسبة القدرة الى الوجود والعدم على حد سواء، فاللزوم من لوازم حقيقة

[ 287 ]

العقد التحقيقى، فالامور الجائزة بالذات خارجة عن سلسلة العقود التحقيقية منتظمة في سلسلة اخرى. فان قلت: مقتضى تحقق القراض والجعالة بايجاب المالك وعدم توقفهما على قبول العامل الحكم باستحقاق العامل الجعل في الجعالة وحصة من الربح في القراض ولو قصد التبرع بعمله، لان المقتضى لاستحقاق العامل حينئذ هو ايجاب المالك وقد حصل ومانعية قصد التبرع غير معلومة كما افاده المحقق جمال الدين (قدس سره) في حاشيته على الروضة البهية في باب الجعالة. قلت: ايجاب المالك انما يقتضى استحقاق العامل الجعل أو حصة من الربح ان عمل بقصد الاستحقاق أو ما لم يقصد التبرع لا انه يقتضى استحقاقه مطلقا حتى نشك في ان قصد التبرع مانع ام لا، ضرورة انه كما تقتضي سلطنة المالك على نفسه وجهاته نفوذ ما اختاره واوجبه فكذلك تقتضي سلطنة العامل على نفسه وجهاته نفوذ ما اختاره من قصد التبرع أو الاستحقاق، فكما يكون للشخص ان يبيح ماله لغيره أو يملكه اياه بعوض أو مجانا فكذلك له ان يبذل عمله لغير تبرعا أو بعوض أو على وجه استحقاق حصة من الربح، فايجاب المالك انما يقتضى استحقاق العامل لو اراد لا استحقاقه مطلقا ولو قصد التبرع والا لزم سلطنة المالك على العامل وسلب سلطنته على نفسه وعمله. وإذا اتضح لك ان العقود الجائزة بالذات لا تكون عقودا تحقيقية، اتضح لك امران: الاول: سر ما اشتهر بينهم من عدم اعتبار التواصل بين الايجاب والقبول فيها فان الحاصل من الايجاب والقبول فيها ليس امرا وحدانيا بسيطا حتى يتوقف حصوله على اجتماعهما وعدم انفصالهما، بل الحاصل من القبول فيها امر آخر مرتب على الحاصل من ايجابه. الثاني: سر قيام الفعل فيها مقام القبول بل قيامه مقامه في الحقيقة عبارة عن

[ 288 ]

استغنائها عن القبول والا لزم عدم نفوذ الفعل من قبل العقد إذ مقتضى كونه قبولا للعقد توقف حصوله وتربته عليه، فلا يجوز نفوذ الفعل من قله ضرورة ان المحقق للشئ لا يعقل ان يتحقق منه، فظهر لك ان توهم عدم الاكتفاء لعمل العامل بعد ايجاب المالك واعتبار التواصل بين الايجاب والقبول في القراض والمضاربة في غير محله لما عرفت من انه ليس من قبيل العقود التحقيقية. هذه جملة مما يتعلق ببيان حقيقتها. فلنذكر ما يتضح به مفهوما اللفظين ووجه انطباقهما عليها. ففى المسالك: " هي مفاعلة من الضرب في الارض لان العامل يضرب فيها للسعى على التجارة وابتغاء الربح بطلب صاحب المال فكان الضرب مسبب عنهما طردا لباب المفاعلة في طرفي الفاعل ومن ضرب كل منهما في الربح بسهم أو لما فيه من الضرب بالمال وتقليبه ويقال للعامل: مضارب بكسر الراء لانه الذى يضرب به في الارض ويقلبه ولم يشتق اهل اللغة لرب المال من المضارب اسما، وهذه لغة اهل العراق، واما اهل الحجاز فيسمونه قراضا اما من القرض وهو القطع ومنه المقراض لانه يقرض به فكأن صاحب المال اقتطع له من ماله قطعة وسلمها للعامل أو اقتطع له قطعة من الربح، أو من المقارضة وهى المساواة والموازنة يقال " تقارض الشاعران " إذا وازن كل منهما الاخر بشعره، ومنه: " قارض الناس ما قارضوك فان تركتهم لم يتركوك " يريد ساوهم فيما يقولون، ووجهه ان المال هنا من جهة مالكه والعمل من جهة العامل فقد تساويا في قوام العقد بهما أو لاشتراكهما في الربح، وتساويهما في اصل استحقاقه وان اختلفا في كميته ويقال: منه للمالك مقارض بالكسر وللعامل مقارض بالفتح " انتهى. والتحقيق: ان القرض له مفهوم واحد مطرد في جميع موارد استعماله وهو القطع والفصل وتقارض الشاعرين عبارة عن قرض كل منهما الكلام مثل ما يقرضه الاخر فان نظم الكلام وصوغه على الوجه الموزون ليس الا بفصل بعضه عن بعض، ولذا سمى الشعر قريضا فمفاده في المقام ليس الا القطع والفصل المستفاد

[ 289 ]

منه في سائر الموارد، والمساواة والموازنة انما تستفاد من هيئة التفاعل، واما قارض الناس ما قارضوك فالمساواة فيه اما مستفادة من هيئة المفاعلة ان قلنا: بافادتها اشتراك الفاعل والمفعول في الفعل في المقام كما هو الحال في اغلب موارد استعمالاتها والا فمن تركيب الكلام وهيئته التركيبية كما يستفاد ذلك من قولك: عاقب الناس ما عاقبوك وآخذهم ما آخذوك وهكذا، فالتعبير بالقراض لا يكون لا بالاعتبار الاول. ولكن الاولى في وجه اخذه منه ان يقال: ان تنزيل العمل منزلة المال لما اوجب قطعه وقرضه عن محله الاصلى من كونه موجبا للاجرة لا الشركة وهو مستتبع لقرض المال عن محله ايضا من تبعية النماء كله له فكل من المالك والعامل مقارض للاخر في المال والعمل، ولما كان الاصل في ذلك المالك فهو مقارض والعامل مقارض، ويمكن ان يكون التعبير بالمضاربة من هذا الباب ايضا فان المالك لما ضرب عمل العامل منزل ماله واستتبع منه ضرب المال وتنزله منزلة غير منزلته الاولية فكل منهما مضارب للاخر في المال والعمل باعتبار تعلقهما بهما، ولكن التعبير بالمضارب بصيغة الفاعل عن العامل لا يلائمه وانما الملائم له اخذه من الضرب في الارض كما ذكره (قدس سره). إذا اتضح لك ذلك اتضح لك ان التعبير بالقراض الذى هو لغة اهل الحجاز أو في بحقيقته من التعبير بالمضاربة التى هي لغة اهل العراق واما المقام الثاني فقد اختلف فيه كلماتهم فالمحكى عن المفيد والشيخ في النهاية و سلار وابن البراج (قدس سرهم) الحكم بعدم صحتها واستحقاق العامل اجرة المثل لا الحصة لجهالة العوض، والمشهور صحتها بل قيل عليه اجماع المسلمين والتحقيق ما ذهب إليه الاكثر من انه صحيح لموافقتها مع الاصل ودلالة الدليل عليها. اما الاصل فلما عرفت من ان مرجعه الى تنزيل العمل منزلة المال وهو امر معقول ممكن الوقوع ولا ينافيه القواعد المعتبرة، فالاصل حينئذ صحته وانعقادة

[ 290 ]

لان الانسان البالغ مرتبة الكمال بالبلوغ والعقل والرشد مسلط على نفسه وجهاته وشئونه فينفذ تصرفاته وتقلباته ما لم يمنعه الشارع منها. واما الدليل على صحتها فهى النصوص الصحيحة الواردة في باب المضاربة السمتفيضة بل المتواترة فان قلت: بناءا على ما ذكرت يصير القراض من قبيل الشركة بين العمل والمال وهو مخالف للاصل المسلم بين الاصحاب من انحصار الشركة الصحيحة في شركة العنان وبطلان ما عداها من شركة الاعمال أو المركب منها ومن الاموال وشركة الوجوه والمفاوضة. قلت: الاشتراك في الربح بسبب تنزيل العمل منزلة رأس المال لا يتوقف على تحقق الشركة بين العمل والمال حتى يقال انه مخالف لما اطبقوا عليه من بطلانها حينئذ، كما ان الاشتراك في المثمن أو الثمن لا يتوقف على تحقق الاشاعة في الثمن أو المثمن فانه إذا بيع متاع واحد بمالين متميزين لشخص صار المبيع مشاعا بينهما بنسبة ماليهما مع عدم اشاعة الثمن بينهما، وإذا اشترى المشترى امتعة متمايزة من اشخاص متعددة كل منها بثمن معين فدفع إليهم ما يفى باثمان الجميع صار الثمن مشاعا بينهم بنسبة حقوقهم. والحاصل ان الاصل المسلم انما هو بطلان الشركة بين الاعمال أو المركب منها ومن الاموال لا بطلان الشركة في الربح الحاصل منها، كيف وحصول الشركة في الربح امر مسلم سواء قلنا بان المضاربة من باب المعاوضة أو من باب تنزيل العمل منزل رأس المال أو حصة منه، مع ان الشركة المنحصرة في شركة العنان انما هي الشركة الحاصلة من امتزاج المالين ومن المعلوم ان الامتزاج لا يتطرق في الاعمال أو المركب منها ومن الاموال، ومجرد البناء على الشركة من دون حصول سببها لا يؤثر في شئ، واما الشركة المستندة الى سبب غير الامتزاج فكما يتطرق في الاموال فكذلك يتطرق في الاعمال والمركب منها ومن الاموال فلو نوى كل من

[ 291 ]

العاملين ايقاع عمل من حيازة أو احياء، أو اصطياد وهكذا عن نفيه وعن صاحبه شاركه الاخر في عمله ويكون كل من العملين مشاعا بينهما. وبعدما اتضح لك ان صحته مما تطابق عليه الاصل والدليل فهل يعتبر في ايجابه اللفظ أو يكفى فيه دفع المال على وجه القراض ظاهر المحكى عن كثير من كلماتهم الاول، ولكن التحقيق خلافه للاصل وعدم الدليل على اعتباره فان تنزيل العمل منزلة المال جهة عرفية واقعية كما اتضح لك، والعرف يرى حصوله من اللفظ وغيره على حد سواء، فالشك لو وقع فهو في الاعتبار الشرعي على خلاف الاصل الاولى فمرجع الشك فيه الى الشك في المانع لا المقتضى، ومن المعلوم ان الاصل حينئذ هو الركون الى المقتضى وعدم الاعتداد باحتمال المانع، فتوهم ان الاصل يقتضى عدم حصول القراض عند الشك في اعتبار اللفظ وعدمه في غير محله، فالاكتفاء بدفع المال بعنوان المضاربة لا يخلو عن قوة واليه يشير التعريف المعروف عنهم المتقدم ذكره ولعله إليه يشير ايضا ما في المالك تبعا للتذكرة حيث قال: " واعلم ان من دفع الى غير مالا ليتجر به فلا يخلو اما ان يشترطا كون الربح بينهما أو لاحدهما اولا يشترط شيئا، فان شرطاه بينهما فهو قراض وان شرطاه للعامل فهو قرض وان شرطا للمالك فهو بضاعة، وان لم يشترطا شيئا فكذلك الا ان للعامل اجرة المثل " ومن هنا ظهر لك اندفاع ما اورده عليه في الجواهر حيث قال: " وفيه منع تحقق القرض مع فرض صدور ذلك بعنوان المضاربة إذ اقصاه كونها من القسم الفاسد لا انها من القرض المحتاج الى انشاء تمليك المال بعوض في الذمة، وقصد كون الربح للعامل اعم من ذلك، وان كان هو من اللوازم الشرعية لملك المال. ودعوى الاكتفاء بقصد ذلك في تحقيقه لفحوى الصحيح عن ابى جعفر عن امير المؤمنين عليه السلام " من ضمن تاجرا فليس له الا رأس المال وليس له من الربح شئ والموثق عن ابى جعفر عليه السلام " من ضمن مضاربة فليس له الا رأس المال وليس له من الربح شئ " إذ كما ان التضمين من لوازم القرض فكذا الاختصاص

[ 292 ]

بالربح يدفعها بعد تسليم مضمونهما وعدم رجحان معارضهما عليهما الاقتصار على ذلك فيما خالف الضوابط الشرعية انتهى " فان غرضه الدفع المجرد عن عنوان خاص كما هو ظاهر كلامه مع ان الدفع بعنوان القراض مع اشتراط الربح للعامل يرجع الى القرض ايضا، غاية الامر انه عبر عنه بالقراض ووجه عدم كونه قراضا حينئذ على ما بنينا عليه واضح، وكذا ان قلنا بانه معاوضة لان رجوع الربح كله إليه موجب لرجوع فائدة عمله الى نفسه فلا معنى لاستحقاق الاجر والعوض عليه واما كونه قرضا فلان حقيقته عبارة عن اعطاء المال للغير والتصدق بشخصه، وارجاع الربح كله إليه لا معنى له الا ذلك إذ لا يمكن رجوع تمام فائدة المال وربحه الى العامل مع بقائه على ملك مالكه. وهكذا الامر في تضمين العامل فان تضمينه لا يكون الا باحد وجهين انتقال المال إليه قرضا أو صيرورة يده يد ضمان ولا يصح الثاني مع بقاء عنوان القراض فينقلب قرضا، و الرواية ناظرة الى هذه الجهة أي عدم مجامعة التضمين مع القراض وهذا الوجه يجرى في اشتراط انفراد العامل بالربح لعدم مجامعته مع القراض وتنزيلها على مجرد التعبد والاقتصار عليها في خصوص التضمين في غاية البعد إذ من الواضح الظاهر انه عليه السلام في مقام بيان ما تقتضيه المعاملة الواقعة بينهما. فان قلت: تضمين العامل أو اشتراط انفراده بالربح مخالف لمقتضى العقد واقصى ما يقتضيه فساد العقد لا نفوذه وانقلابه قرضا. قلت: جعل الربح للعامل أو تضمينه المال من الجهات الراجعة الى المالك ولامانع من وقوعه ونفوذه ابتداء كما هو ظاهر وهكذا الامر في جعله في ضمن عقد جائز بالذات، لما عرفت من ان مرجع العقود الجائزة بالذات من الجانبين المسماة بالعقود الاذنية الى الايقاعات وعدم اعتبار القبول الانشائى في تحققها، فلا يكون تقدمها مانعا عن نفوذه ووقوعه بل تأخره عنها موجب للرجوع عنها. فان قلت: لا يتحقق الرجوع الا مع قصده واما مع عدم قصده وبقائه على

[ 293 ]

القصد الاول فانما يلزم بطلان العقد لان العقد، المشروط الذى هو المقصود لا يقبل الوقوع ووقوع الشرط فقط مخالف للمقصود. قلت: الرجوع عما اوجبه كما يتحقق بقصد الرجوع كذلك يتحقق بفعل ما ينافيه، اترى ان الرجوع عن التوكيل كما يتحقق بقولك: عزلت الوكيل كذلك يتحقق ببيع الموكل فيه سواء قصد الرجوع عن الوكالة ام لا. فان قلت: هذا إذا لم يكن الامر المنافى من قيود العقد وتوابعه واما إذا كان من قيود العقد واقعا في ضمنه فلا مجال للحكم بوقوع دون المقيد، لان المقيد امر واحد لا يجوز التفكيك بينه وبين قيده في الحكم بل لو جاز التفكيك من طرف المقيد، وقيل: بجواز وقوع المقيد دون قيده كما حكم بعضهم بعدم فساد العقد بالشرط الفاسد لم يجز ذلك في القيد لانه تابع للمقيد ولا يجوز الحكم بوقوع التابع دون متبوعه. قلت: بعدما عرفت بان العقود الجائزة بالذات من الجانبين لا يتوقف على القبول الانشائى وانما تحصل وتتحقق بالايجاب، والقبول معتبر في مرحلة متاخرة عن التحقق. ظهر لك ان القيود المتعلق بالايجاب لا تكون واقعة في ضمن العقد حتى تتبعه في الحكم، فما تعقب الايجاب به في العقود الاذنية ان كان منافيا للايجاب ويقبل الاستقلال بالوقوع فهو نافذ لانه مقصود ورجوع عن الايجاب لمنافاته له، وانما يتم ما ذكرت في العقود اللازمة فافهم واغتنم فانه في غاية النفاسة والدقة. ثم انه لو لم يحمل كلام صاحب المسالك على صورة الاطلاق والتجرد عن عنوان خاص لا وجه لتخصيص هذه الصورة بالاشكال لجريانه في الصورتين الاخريين فان اشتراط الربح للمالك أو عدم اشتراطه لاحدهما مناف للقراض فمع فرض صدور الدفع بعنوان القراض ينبغى ان يحكم حينئذ بانه قراض فاسد لا بضاعة فتسليمه البضاعة في الصورتين مع استشكاله تحقق القرض في الصورة الاولى متهافتان

[ 294 ]

بقى الكلام فيما يعطيه صريح كلام صاحب المالك من الفرق بين قسمي البضاعة في استحقاق الاجرة مع عدم اشتراط الربح وعدمه مع اشتراطه فان التحقيق عدم الفرق بينهما من هذه الجهة، إذ الامر بالعمل استيفاء له مع اشتراط الربح وعدمه فمقتضاه استحقاق العامل اجرة عمله في الصورتين، ضرورة ثبوت الاجرة للعمل المستوفى على مستوفيه فهو في وثاق العمل ما لم يظهر منه قصد التبرع ولو لم يظهر منه قصد الاجرة ولم يتبرع به العامل ولو لم ينو الرجوع بها، لان المانع من استحقاق الاجرة هو قصد التبرع بالعمل لا عدم نية الرجوع بها، ولا فرق في ذلك بين كون العامل من المعدين لاخذ الاجرة وغيره مع فرض كون العمل مما له اجرة في العادة فالفرق المذكور غير ظاهر الوجه ولعل الوجه فيه عنده استظهاره (قدس سره) من اشتراط الربح وعدم التعرض لاجرة العمل قصد التبرع، وهو في محل المنع لعدم ظهوره فيه بمجرد ذلك نعم قد يظهر منه ذلك بملاحظة خصوصية المورد كما قد يظهر منه خلافه فالحكم به على اطلاقه في غير محله. ثم انه اتضح لك بما بيناه من عدم كون القراض من العقود ان اعطاء المال ودفعه ليعمل فيه بحصة معينة من ربحه قراض ومضارب حقيقة، لا انه مغاير له في الحقيقة قائم مقامه في الاثر كالمعاطاة، حيث انها معاوضة مستقلة ومبادلة فعلية لا عقدية تقوم مقام البيع الذى هو عقد معاوضة والتزام مبادلة في بعض الاثار، ومن هنا قد يظن انها بيع على سبيل الحقيقة وان البيع نوعان: عقدى لازم وغير عقدى جائز. واذ قد اتضح لك مما حققناه ان صحة القراض ونفوذه موافقة للاصل اتضح لك امور. الاول: انه لا يشترط صحته بوقوع العمل في السفر لان مقتضى الاصل صحته مطلقا، فتضييق دائرته بجعل السفر شرطا والحضر مانعا يحتاج الى الدليل فمع عدم وجود دليل يدل على التقييد يحكم بالاطلاق الذى هو مقتضى الاصل، ولا يقدح فيه ورد اكثر الروايات في مورد المضاربة والاتجار بالسفر، لان تقرير

[ 295 ]

الاصل في مورد ليس ابطالا له في مورد اخر، والمورد لا يكون مخصصا كما هو ظاهر. الثاني: ان دفع قطيعة غنم الى الراعى ليرعاها في مدة معلومة بحصة من نمائها من لبنها وصوفها وشعرها وو برها كما هو المتعارف في بعض البلدان لا اشكال فيه لجواز تنزيل عمل الراعى في مدة معلومة منزلة القطيعة في الاستنماء، وهو موافق للاصل الذى اصلناه ولم يدل دليل على بطلانه في المقام. ومن هذا القبيل دفع دابة الى المكارى ليحمل عليها أو يركب بالاجرة على ان يكون الحاصل بينهما، فان عمل المكارى له دخل في الحمل والركوب وان لم يكن دخله فيهما كدخل الدابة فهو صالح لان ينزل منزلتها بالنسبة اليهما فتعود الاجرة حينئذ الى الدابة وعمل المكارى فيشترك فيها المالك والمكارى. فان قلت: الاجرة انما هي في مقابل الحمل والركوب وهما من منافع الدابة فلا يجوز رجوع حصة منها الى غير المالك. قلت: لا منافاة بين عود حصة من الاجرة الى المكارى باعتبار دخل عمله في الركوب والحمل كما انه لا منافاة بيع عود حصة من الربح اللى العامل باعتبار دخل عمله في حصول الربح من رأس المال. الثالث: انه كما يجوز تنزيل العمل منزلة راس المال أو الشجرة بالنسبة الى الربح أو الثمرة لمكان دخل العمل، فكذلك يجوز تنزيل الالة منزلة العمل إذا كان العمل اصلا لوجود ملاك التنزيل وهو الدخل فلو دفع آلة الصيد كالشبكة الى الصياد بحصة من الصيد جاز واشترك الدافع مع الصائد في صيده لموافقته مع الاصل وعدم دليل قائم على بطلانه. واكثر الاصحاب (قدس سرهم) حكموا بالبطلان وعدم حصول الشركة في الحاصل في هذه الفروع وامثالها ولا باس بنقل شطر من كلماتهم وبيان ما فيها. قال المحقق قدس سره في كتاب القراض من الشرائع: " ولو دفع الة الصيد

[ 296 ]

كالشبكة بحصة فاصطاد كان للصائد، وعليه اجرة الالة ". وفى المالك: " الحكم بكون الصيد للصائد مبنى على عدم تصور التوكيل في تملك المباح والا كان الصيد لهما على حسب مانواه الصائد. وقد سبق الكلام على نظيره، ويبعد بناؤه على ان العامل لم ينو بالتملك الا نفسه لان ظاهر الحال دخوله على الشركة، وحيث يكون الصيد لهما فعلى كل منهما من اجرة مثل الصائد والشبكة بحسب ما اصابه من الملك، ولو كان المدفوع إليه بدل الشبكة دابة لحمل عليها ويركب بالاجرة، والحاصل بينهما فالحاصل باجمعه لصاحب الدابة وعليه اجرة مثل العامل ولم تصح المعاملة ايضا لعين ما ذكر. والفرق بين الشبكة والدابة في كون الحاصل لصاحب الدابة دون مسألة الشبكة ان الاجرة تابعة للعمل والعمل في الدابة حاصل منها وفى الصيد من الصائد والشبكة تبع لعمله كما ان التسبيب بحمل الدابة وعملها تابع لها فيكون الحاصل للعامل ولا مدخل هنا للنية كما ففى مسألة الصيد " انتهى. وقال في كتاب الشركة منها: " ولو دفع انسان دابة وآخر راوية الى السقاء على الاشتراك في الحاصل لم ينعقد الشركة وكان ما يحصل للسقاء وعليه اجرة مثل الدابة والراوية " وفى المالك " بطلان هذه الشركة ظاهر مما سبق لانها مركبة من شركة الابدان وشركة الاموال مع عدم مزجه فيقع باطلة، ولا يكون من صاحب الدابة والراوية اجارة لان الاجرة غير معلومة فالحاصل من العمل للسقاء وللاخران عليه اجرة مثل مالهما لذلك العمل، وهذا يتم مع كون الماء ملكا للسقاء أو مباحا ونوى الملك لنفسه أو لم ينو شيئا اما لو نواه لهم جميعا كان كالوكيل. والاقوى انهم يشتركون فيه ويكون اجرته واجرة الراوية والدابة عليهم اثلاثا فيسقط عن كل واحد ثلث الاجرة المنسوبة ويرجع على كل واحد بثلث، ويكون في سقيه للماء منزلة الوكيل لاذنهم له في التصرف ان قلنا: ببقاء الاذن الضمنى مع فساد المطابقى، والا توقفت المعاوضة على الماء على اجازتهما فان اجازا أو قلنا بعدم الافتقار

[ 297 ]

إليها فالحاصل من العمل بينهم اثلاثا ويرجع كل واحد على الاخرين بثلث اجرة نفسه أو ماله. فلو فرضنا ان السقاء حصل اربعة وعشرين وكانت اجرة مثله خمسة عشر واجرة الدابة اثنى عشر والراوية ثلثة فلملك واحد منهم من الحاصل ثمانية لانه عوض مالهم بناء على ما اخترناه من جواز التوكيل في حيازة المباح وسياتى تحقيقة، ثم يرجع السقاء على كل واحد منهما بخمسة ويرجع صاحب الدابة على كل واحد باربعة وصاحب الراوية بدرهم فيأخذان من السقاء خمسة ويعطيانه عشرة يفضل له ثلاثة عشر وياخذان من صاحب الدابة ستة يعطيانه ثمانية، يبقى معه عشرة، وياخذان من صاحب الراوية تسعة ويعطيانه درهمين يفضل له من المجموع درهم فالمجتمع معهم اربعة وعشرون هي الحاصل من عوض الماء " انتهى. وفى الجواهر " صاحب الراوية والدابة ان كانا قد وكلا السقاء في الحيازة لهما وقد امراه بذلك وقد حازه بنيتهما مع نفسه اتجه حينئذ شركة الجميع بالماء وكان لكل منهم ثلثا الاجرة على الاخرين، فان تساوت لم يرجع احدهم على الاخر والارجع بالتفاوت. وان لم يكن ثم توكيل وقد حازه بنية الجميع ولم نقل بجريان الفضولية في نحوه أو لم تحصل الاجازة اشكل ملكه له ايضا بناء على اعتبار نية التملك في الحيازة ضرورة كون الفرض نية الملك للغير معه فضلا عن نية التملك بل حينئذ باق على الاباحة الاصلية يملكه إذا تجدد النية لملكه " انتهى. اقول: قد عرفت انه لا مانع من تنزيل آلة الصيد منزلة عمل الصياد من الصيد وعمل المكارى منزلة الدابة من الاجرة عرفا وشرعا، ولو منعنا ذلك وقلنا: بعدم نفوذه شرعا فالوجه ان يقال: باشاعة الصيد بينهما ايضا لان ظاهر الحال دخول الصائد على الشركة. والقول بعدم تطرق التوكيل في الحيازة اصلا كما يظهر من كلام المحقق قدس سره حيث قال: " لو حاش صيدا أو احتطب أو احتش بنية انه له ولغيره

[ 298 ]

لم تؤثر تلك النية وكان باجمعه له خاصة " لا وجه له، ضرورة انها ليست من الامور التى لا تتحقق الا بالمباشرة. فان قلت: مجرد دخوله على الشركة لا يكفى في تحققها لعدم بقاء الاذن الضمنى مع فساد المطابقى وتاثير الاجازة اللاحقة فيها غير معلوم. قلت: لا ينافى عدم نفوذ الشركة التى بنيا عليها مع بقاء الاذن (1) فيها، لان البناء على الشركة كسائر العقود الاذنية للا يكون عقدا تحقيقيا متوقفا على الايجاب والقبول حتى يكون الجهات المتعلقة بها قيودا تابعة لها وجودا وعدما فالاذن في الشركة منضمة الى البناء على حصولها بدفع الالة الى الصياد لا ينتفى بانتفاء المنضم إليه لان الضميمة إذا لم تكن في عقد لازم بالذات لا ترجع الى التقييد، فإذا كان المنضم قابلا للاستقلال كما في المقام فلا مانع من وقوعه وتحققه، مع انتفاء ضميمته ولو تنزلنا وقلنا بعدم بقاء الاذن الضمنى مع فساد المطابقى في امثال المقام فهو فضولي يؤثر فيه الاجازة لان الاجازة متحدة مع الوكالة في الحقيقة وانما يختلفان في التقديم والتاخير عن العمل، فالوكالة اجازة متقدمة كما ان الاجازة وكالة متاخرة فكلما تتطرق فيه الوكالة تتطرق فيه الاجازة الا ان يدل دليل على عدم تطرقها فيه كالطلاق والعتق حيث يتطرق فيهما التوكيل ولا يتطرق فيهما الاجازة، وقد عرفت انه لامانع من تطرق التوكيل في الحيازة ولم يدلل دليل على عدم جريان الفضولية فيها. ثم انه لو قلنا: بعدم تطرق التوكيل في الحيازة فما ذكره المحقق (قدس سره) من وقوع الملك للمحيز وعدم قدح نية ايقاع الملك له ولغيره في اختصاص الملك بنفسه في محله.


(1) التحقيق خلافه لان المأذون فيه هي الشركة التى لا يرجع احد المتشاركين فيها على الاخر باجرة، فالشركة التى يرجع فيها كل واحد منهما على الاخر باجرة عمله أو ماله لا تستند الى الاذن المذكور الا ان يلتزم بعدم استحقاق رجوع احدهما على الاخر ولو باعتبار احتساب اجرة الالة في مقابل اجرة العمل على وجه الجعالة.

[ 299 ]

وما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من بقائه على الاباحة الاصلية حينئذ لا يملكه إذا تجدد النية لملكه حينئذ في غير محله، لان نية الملك حينئذ كافية في وقوعه لنفسه، ضرورة ان العمل الصادر عن الشخص ينصرف إليه في حد نفسه ولا ينصرف عنه الا بصارف إذا كان قابلا للانصراف عنه والتملك بالحيازة على فرض عدم تطرق التوكيل فيه لا يقبل الانصراف عنه حتى يقدح فيه نية وقوعه للغير فلا يكون نية وقوعه للغير حينئذ الا لغوا. بل لو قلنا بصلوح وقوعه للغير اما بوكالة سابقة أو باجازة لاحقة كما هو التحقيق واوقعه للغير من دون وكالة سابقة ولم يلحقه اجازة يختص الملك به ايضا لان مجرد نية الغير لا يكفى في انصراف الفعل عن الفاعل الى غيره فمع عدم الوكالة وعدم لحوق الاجازة يستقر الفعل لنفس الفاعل إذ لا يحتاج وقوعه لنفسه الى قصد، والحاصل ان وقوع الملك لنفسه ولغيره لم يكن على حد واحد حتى يتوقف حصول كل منهما على قصد زائد بل وقوعه لنفسه ذاتي لا يحتاج الى نية جديدة. فتبين بما بيناه ان الصياد ودافع الالة يشتركان في الصيد على كلا التقديرين اما لاجل نفوذ تنزيل الالة منزلة عمل الصياد واما لاجل قصده الشركة بعمله، غاية الامر انه على التقدير الثاني يرجع كل منهما على الاخر من اجرة مثل الصائد والشبكة بحسب ما اصابه من الملك كما نبه عليه صاحب المالك (قدس سره). وقد تبين بما بيناه ايضا انه لو كان الماء مباحا يشترك صاحب الدابة والراوية مع السقاء في الماء وثمنه لما عرفت من بقاء الاذن حينئذ وان ظاهر الحال دخول السقاء على الشركة فيصير الحاصل بينهم اثلاثا ويرجع كل منهم على الاخر بثلث الاجرة من مثل عمله أو ماله كما ذكره في المالك، هذا واما ما ذكره من انه لو كان المدفوع إليه بدل الشبكة دابة ليحمل عليها أو يركب بالاجرة والحاصل بينهما فالحاصل باجمعه لصاحب الدابة وعليه اجرة مثل العامل فظاهره ان عليه اجرة مثل العامل مطلقا.

[ 300 ]

وفى القوعد: " لو دفع دابته الى آخر ليحمل عليها والحاصل لهما فالشركة باطلة فان كان العامل قد آجره الدابة فالاجرة لمالكها وعليه اجرة مثل العامل فان قصر الحاصل عنهما تحاصا ان كان بسؤال العامل والا فالجميع ". وفى جامع المقاصد: " ويندرج في قوله: بسؤال العامل ما إذا كان بسئوالهما لانه بسؤال العامل ايضا، وفى الفرق نظر لان الفرض حصول الرضاء بذلك سواء كان بسئواله أو بسؤال المالك أو بسئوالهما فيستوى المسئلتان في التحاص، واحتمل شيخنا الشهيد في بعض حواشيه وجوب اقل الامرين من الحصة المشروطة والحاصلة بالتحاص، اما إذا كانت المشروطة اقل لانه قد رضى بالاقل فلا يستحق الزيادة واما إذا كان الحاصل بالتحاص اقل فلمعارضة حق المالك ولا ترجيح. واحتمل ايضا وجوب الاقل ان كان بسؤال العامل لانه الزم نفسه بذلك بسئواله. ووجوب الاكثر ان كان بسؤال المالك لانه ان كان الاكثر المشروط فقد رضى به المالك وان كان هو الحاصل بالتحاص فلفساد الشرط " انتهى. والتحقيق انه يجوز ان يجعل الاجرة في مقابل منفعة الدابة وعمل المكارى من تسبيب الحمل والركوب وما يتبعهما فلا اشكال في اشتراط الشركة في الاجرة ولا في تحققها بالاجارة حينئذ ولا يكون دفع الدابة الى المكارى على ان يكون الحاصل بينهما مخالفا لقاعدة من القواعد الشرعية، نعم لا تحصل الشركة بمجرد الدفع بل بعد الاجارة، فما ذكره صاحب المالك من اختصاص الاجرة بصاحب الدابة حينئذ ورجوع العامل عليه باجرة مثل عمله لا وجه له. واما ما ذكره في القواعد من انه ان قصر الحاصل عن اجرة مثل عمل المكارى واجرة منفعة الدابة تحاصا فيه ان كان بسؤال العامل ففى غاية الغرابة وباطل من وجوه عديدة: الاول: ان الرجوع الى اجرة مثل العمل ومثل الدابة انما هو على تقدير فساد الشركة والاجازة معا كما هو ظاهر، ومع فسادهما لا يستحق المالك الاجرة

[ 301 ]

المسماة بل يستحق حينئذ اجرة مثل منفعة دابته، فالجمع بين استحقاق اجرة المثل والاجرة المسماة والحكم بمحاصد العامل معه فيها جمع بين المتناقصين. والثانى: ان اجرة مثل عمل العامل انما يتعلق بذمة صاحب اللدبة لا بالحاصل فلا مجال لتحاصهما فيه لان تحاصهما فيه فرع تعلق حقهما به. والثالث: ان التفصيل بين سؤال العامل وعدمه في الحكم مع فرض حصول الرضاء من الجانبين في جميع الصور لا وجه له، واغرب منه ما حكى عن الشهيد قدس سره في بعض حواشيه إذ بعد فرض فساد العقد يستحق العامل اجرة مثل عمله لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، ورضاه بالعقد الفاسد وما لا يسلم له لا يؤثر انقلاب استحقاق اجرة المثل الى اقل أو اكثر. تنبيه: لو دفع الدابة الى المكارى ليحمل عليها أو يركب بالاجرة على ان يكون الحاصل بينهما نصفين أو اثلاثا وهكذا فهو لو دفعها إليه على ان يكون الحاصل بينهما من دون تعيين فحينئذ يقوم كل من اجرة مثل العمل واجرة مثل منفعة الدابة منفردا. وينسب قيمة احدهما الى مجموع القيمتين وياخذ كل منهما من الحاصل بنسبة قيمة عمله أو ماله الى مجموع القيمتين، فلو كان اجرة مثل منفعة الدابة ثلاثة دراهم واجرة مثل العمل درهمان فللمالك ثلاثة اخماس الحاصل وللمكارى خمساه، وليس هذا تحاصا بل طريقا الى معرفة حق كل منهما من الحاصل. وبما بيناه تبين لك الحال في نظائرها من الفروع. واما المقام الثالث - فقد اتضح حاله بما بيناه في المقام الاول من تحقيق حقيقته وشرح ماهيته وانه جائز بالذات، لان اللزوم من لوازم العقد التحقيقى المركب من انشائين، وقد ذكرنا ان القراض كسائر العقود الاذنية لا يتوقف تحققه على انشائين وعملين، وقد اتفق الاصحاب قدس سرهم على انه من العقود الجائزة من الجانبين ويجوز لكل منهما الرجوع فيه سواء نض المال أو كان عرضا، فلو اشترط فيه الاجل

[ 302 ]

لم يلزم وفائدته المنع من التصرف فيما بعده. قال المحقق قدس سره في الشرائع: " ولو اشترط فيه الاجل لم يلزم، لكن لو قال: " ان مرت بك سنة فلا تشتر بعدها وبع صح " لان ذلك من مقتضى العقد وليس كذلك لو قال: " على انى لا املك فيها منعك، لان ذلك مناف لمقتضى العقد ". وفى الجواهر: بل المشهور كما قيل بطلان العقد معه فالتحقيق حينئذ ان يقال ان اريد باشتراط الاجل المعنى الاول صح وان اريد به المعنى الثاني بطل وابطل كما صرح به غير واحد بل لم اجد خلافا هنا في بطلانه. وزاد في القواعد وجامع المقاصد اشتراط ضمان العامل المال أو الزامه بحصة من الخسارة الا انه قد يناقش في ذلك ان اريد بها الكتابة عن اللزوم مثلا بالعارض ولو بالشرط، لا ان المراد به ما ينافى حكمها شرعا فانه لا اشكال في البطلان حينئذ انما المناقشة في الاول بمنع كونها من منافيات مقتضى العقد المراد به ما يعود على العقد بالنقض. ولاريب في عدم منافاة اللزوم لعقد المضاربة إذ هو كالجواز في العقد اللازم الذى لا اشكال في صحة اشتراطه، ومن هنا كان له شرطه أي اللزوم في العقد الجائز بعقد لازم آخر، ولو انه من المنافى لمقتضاه لم يصح ذلك إذ هو كاشتراط عدم الملك في البيع ونظيره هنا عدم ملك العامل الحصة من الربح لا اشتراط اللزوم في المضاربة وكذا الكلام في الضمان الذى لا ينافي كون الشئ امانة فان كثيرا من الامانات مضمونة كعارية الذهب والفضة والعارية المشترط فيها والمقبوض بالسوم وغير ذلك بل ستسمع ضمان العامل في كثير من صور المضاربة بل وكذا الكلام في اشتراط الزام العامل صحة من الخسارة فان جميع هذه الامور من الاحكام أو مما هو مقتضى اطلاق العقد لا انها من منافياة مقتضاه التى تعود عليه بالنقض فتأمل جيدا. بقى شئ وهو انه قد صرح الفاضل وتبعه في جامع المقاصد بصحة شرط المالك

[ 303 ]

على العامل المضاربة في مال آخر أو اخذ بضاعة منه أو قرض أو خدمة في شئ بعينه معللا له الثاني منهما بعموم قوله تعالى: " اوفوا بالعقود " وقوله: " المؤمنون عند شروطهم " لكن عن ابن البراج الجزم بفساد العقد والشرط وكذا عن المبسوط الا انه قال اخيرا: لو قلنا: القراض والشرط جائز لكن لا يلزم الوفاء به كان قويا. ثم انه في جامع المقاصد قد حكى عن السراير عدم لزوم الوفاء به، ثم قال: " وهو حق فان العقد جائز من الطرفين لكن لم يذكروا حكم ما إذا عمل العامل ولم يف بالشرط فظهر ربح، والذى يقتضيه النظر ان للمالك الفسخ بفوات ما جرى عليه التراضي فيكون للعامل اجرة المثل وللمالك الربح " - الى ان قال - ولو شرط ذلك من طرف العامل على المالك فالحكم كما هنا بغير تفاوت الا ان الفسخ هنا بعد العمل إذا لم يحصل الوفاء يكون للعامل لانه انما رضى بالحصة القليلة مع هذا الشرط " انتهى. اقول: وفيما ذكره نظر من وجهين: الاول فيما ذكره من عدم منافاة اشتراط اللزوم في العقود الجائزة بالذات كاشتراط الجواز في العقود اللازمة لان الجواز في العقود الجائزة بالذات من احكام العقد ومن شئون سلطنة الشخص على نفسه وعمله، لما عرفت من ان مرجع العقود الجائزة بالذات المسماة بالعقود الاذنية الى عملين مستقلين مترتبين، فيكون حينئذ لكل واحد من المتعاقدين الرجوع عن عمله ولا يقبل الاسقاط والانقلاب الى اللزوم لاستحالة سلب سلطنة الشخص عن نفسه وعمله، بخلاف لزوم العقود اللازمة بالذات فان مرجعه الى عدم سلطنة احد المتعاقدين على حل عمل الاخر ورفعه لما ظهر لك من ان مرجع العقود اللازمة بالذات الى امر وحداني بسيط في الخارج منتزع عن عملين، فلا يستقل احدهما في رفعه وحله كما لا يستقل في اثباته فمرجع الجواز المجعول حينئذ الى اثبات سلطنة لاحدهما على الاخر في حل عمله، أو بجعل الشارع أو بجعل المتعاقدين وهو امر معقول ويكون من الحقوق فيقبل الجعل والاسقاط.

[ 304 ]

وبما بيناه ظهر ان اشتراط عدم ملك المنع مطلقا مناف لمقتضى العقد سواء اريد به لزوم العقد بالشرط ام لا، كما ظهر ان العقد الجائز لا يصير لازما ولو وقع في ضمن عقد لازم وجعل شرطا فيه لاستحالة سلب سلطنة الشخص على نفسه وعمله، والوكالة المشترطة في الرهن انما تصير لازما من قبل الراهن كنفس الرهن من جهة رجوعها الى اثبات ولاية للمرتهن على العين في بيعها واستيفاء دينه من ثمنها، فهى ولاية لا وكالة وان عبر عنها بالوكالة ومن المعلوم ان الولاية لازمة من طرف من عليه السلطنة وان كانت جائزة من طرف من له السلطنة: والثانى: ان العقد قد يكون علة تامة للايتمان كالوديعة فلا يجوز اشتراط الضمان فيها لمنافاته لمقتضى العقد وقد يكون مقتضيا له كالعارية فيجوز اشتراطه فيها، وقد يلتبس امره كعقد الاجارة ولذا اختلفوا في جواز اشتراط الضمان فيها، فمنهم من جعله في حكم الوديعة ومنهم من جعله في حكم العارية. ومن المعلوم ان لا يحكم في هذا النوع بنفوذ شرط الضمان الا بعد احراز صلاحية العقد وقبوله، وعقد القراض لو لم يكن من قبيل الاول فهو من قبيل القسم الثالث؟؟ فلا يحكم بنفوذ شرط الضمان فيه بمجرد ان بعض الامانات يقبل شرط الضمان ومما بيناه ظهر حال اشتراط الزام العامل حصة من الخسارة. واما ما ذكره من ضمان العامل في كثير من صور المضاربة فانما هو في صورة التعدي أو التقصير، ومن المعلوم انه لا ينافي مع عدم قبوله الضمان بالشرط، ثم ان ما جعله صاحب جامع المقاصد مقتضى النظر من عود الربح الى رب المال واستحقاق العامل الرجوع عليه باجرة مثل عمله بعد الفسخ من جهة عدم وفاء رب المال بالشرط لا يلائم مع النفساخ العقد حين الفسخ لا بطلانه من رأس، ضرورة ان الفسخ انما يوجب زوال العقد من حين الفسخ لا بطلانه من حين وقوعه، ولعله لذا قال صاحب الجواهر: ما جعله مقتضى النظر مما لم يمكن التزام فقيه له.

[ 305 ]

(فائدة - 42) الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة ولم يعلم السبق منهما حكم بنجاسته الا في صورة واحدة وهو العلم بتاريخ الكثرة لان الاصل حينئذ عدم حدوث الملاقاة قبل هذا التاريخ فيكون محكوما بالطهارة. فان قلت: نعم في صورة العلم بتاريخ الملاقاة يحكم بالنجاسة استصحابا للقلة الى هذا التاريخ واما في صورة الجهل بتاريخهما معا فيتعارض استصحاب عدم الملاقاة الى زمان حدوث الكرية مع استصحاب عدم الكرية الى زمان ملاقاة النجاسة فيتساقطان فيجب الحكم بالطهارة حينئذ استنادا الى اصالة الطهارة. قلت انما يرجع الى اصالة الطهارة مع عدم احراز مقتضى الانفعال وهى ملاقاة النجس، واما مع احرازه ووقوع الشك في اقترانه بالمانع يحكم بالانفعال اخذا بالمقتضى المعلوم والغاء للمانع المشكوك وهذه قاعدة شريفة مطردة جارية في جميع الموارد. فان قلت: تحقق المقتضى غير معلوم، اولا لان قلة الماء من شرائط الانفعال وهى مشكوكة غير محرزة. مع الشك في الشرط يكون المقتضى مشكوكا لان المقصود في باب قاعدة الاقتضاء والمنع ما لوجوده دخل في التأثير سواء كان مقتضيا أو شرطا كما ان المراد من المانع ما كان وجوده مخلا سواء كان مزاحما أو مانعا وثانيا ان وجوب الاخذ به والركون إليه ممنوع

[ 306 ]

قلت: القلة عبارة عن عدم الكثرة فهو امر عدمي والعدم لا يكون مؤثرا ولا متاثرا ولو كان مضافا فلا يجوز ان يكون شرطا للانفعال فالماء مطلقا قابل للانفعال في حد نفسه وانما يكون بلوغه حد الكرية دافعة للانفعال على وجه الاقتضاء، ولذا تسقط عن التأثير إذا استولى النجس عليها وصارت مقهورة في جنب النجس الملاقى له بسبب تغير احد اوصافها الثلاثة به. واما اعتبار هذه القاعدة الشريفة فقد اثبتناه في الفائدة الاولى من هذا الكتاب وازحنا الشبهات المتوهم في هذا الباب، بل قد تبين انه لا اصل سواء وان جميع الاصول المعتبرة لفظية أو عملية راجعة إليها. ومما بيناه تبين انه لا فرق في الحكم بالنجاسة مع الجهل بتاريخهما وعدم العلم بتاريخ واحد منهما بين الكر المسبوق بالقلة والقليل المسبوق بالكرية، نعم إذا علم تاريخ الكثرة في الصورة الاولى وجهل تاريخ الملاقاة يحكم بطهارة الماء لان الاصل عدم حدوث الملاقاة قبل هذا التاريخ، كما انه إذا علم تاريخ الملاقاة في الصورة الثانية مع الجهل بتاريخ القلة يحكم بطهارة الماء ايضا استصحابا لبقاء كثرته الى هذا التاريخ، هذا كله إذا علم بملاقاة النجاسة اجمالا ولم يعلم المتقدم والمتأخر من الملاقاة والكرية. واما إذا وجد نجاسة في الكر المسبوق بالقلة واحتمل وقوعها في حال القلة فالحكم فيه الطهارة الا إذا علم تاريخ الوقوع وجهل حدوث الكرية، لاستصحاب القلة الى هذا التاريخ فيحكم بالنجاسة حينئذ. واما في صورة الجهل بتاريخهما أو الجهل بتاريخ الوقوع مع العلم بتاريخ الكرية فيحكم بالطهارة حينئذ لاجل انحلال العلم الاجمالي ورجوعه الى الشك البدوى فان وجود النجاسة في الكر موجب لعلم بملاقاتها في حال الكرية تفصيلا ووقوع الشك في ملاقاتها قبل الكرية والاصل عدم ملاقاتها قبل الكرية حينئذ لعدم العلم بملاقاة اخرى غير الملاقاة الحاصلة حال الكرية بسبب العلم بوجود النجس

[ 307 ]

في الكر، كما هو المفروض بخلاف المسألة السابقة فان ملاقاة النجاسة مع الماء معلوم اجمالا وحصولها في حال القلة أو الكثرة مجهول فلا يرجع الشك في احد طرفيه الى الشك البدوى، لعدم انحلال العلم الاجمالي حينئذ. والحاصل ان العلم التفصيلي بوجود النجس في الكر اخرج احد طرفي الترديد وهى الملاقاة حال الكرية عن الشبهة فتخص الشبهة حينئذ بملاقاتها قبل الكرية ويكون الشك فيها شكا بدويا مجرى لاصالة عدم الملاقاة، بخلاف المسألة السابقة فانه لم يحصل العلم التفصيلي فيها باحد الطرفين حتى تخص الشبهة بالطرف الاخر وينحل العلم الاجمالي. وقد اشتبه الامر في هذا المقام على كثير ممن عاصرناه فزعموا ان هذه المسألة من فروع المسألة السابقة والحكم فيهما واحد. ولقد اجاد من لم يجعله من متفرعات المسألة السابقة وجعله مسألة اخرى وان اشتبه عليه الامر في تشريكهما في الحكم. فان قلت: ملاقاة النجاسة مع الكر من حيث البقاء معلوم تفصيلا ولكن حدوثها غير معلوم الا على وجه الاجمال وكما يحتمل ان يكون في حال كثرة الماء فكذلك يحتمل ان يكون في حال قلته ولا مرجح في البين والكلام انما هو في الحدوث. قلت: إذا كانت الملاقاة مستندة الى وجود النجس في الماء وكان وجوده متيقنا مع الكر ولا اثر لحدوث ملاقاة النجس مع الكر غير ما يترتب على وجوده فيه ينحل العلم الاجمالي حينئذ ويؤخذ بحكم المعلوم تفصيلا ولا يعتد باحتمال الحدوث قبل ذلك. الا ترى انه لو رأى الشخص منيا في ثوبه وعلم بانه احتلم ولم يعلم بانه احتلم في البارحة أو قبلها يقتصر على القدر ولا يعتد باحتمال حدوثه قبل وهكذا الحال في نظائرها. والسر فيه ما بيناه من انحلال العلم الاجمالي ورجوعه الى الشك البدوى حينئذ.

[ 308 ]

(فائدة - 43) قال المحقق (قدس سره): " في الشرائع إذا تزوج العبد بمملوكة ثم اذن له المولى في ابتياعها فان اشترا لمولاه فالعقد باق وان اشتراها لنفسه باذنه أو ملكه اياها بعد ابتياعها فان قلنا العبد يملك بطل العقد ". وفى الجواهر: " كما يبطلل نكاح الحر للامة إذا اشتراها لظهور قوله تعالى: " الا على ازواجهم " وغيره في منع الجمع بين سببي الوطى وانقطاع الشركة بينهما فيكون كل واحد منهما مؤثرا تاما في اباحة الوطى ففى حال الاجتماع اما ان يرتفع تأثيرهما وهو معلوم الفساد أو يكون المؤثر واحدا وليس هو الا الطارى فما في ذلك عن المناقشة في ذلك بان علل الشرع معرفات فلا يضر اجتماعها يدفعه ما عرفته من ظهور الادلة هنا في كونها في الفرض كالعلل العقلية بالنسبة الى ذلك. نعم قد يناقش في ترجيح الطارى بعدم ما يقتضى ترجيحه بل لعل الاول ارجح باعتبار سبق تأثير فلا يصادف الثاني موضوعا للتاثير فيتجه بطلان البيع حينئذ لا النكاح اللهم الا ان يقال الاجماع على صحة البيع يرفع ذلك أو يقال ان السبب نفسه اقوى في التأثير من استدامة الاول أو غير ذلك مما يتجه معه حينئذ بطلان النكاح فيما نحن فيه " انتهى. وفى الجميع نظر لان استظهار منع الجمع من الاية الكريمة ان كان من جهة التعبير باو كما يستفاد من كلام بعضهم ففيه ان التعبير باو كما يصح في المنفصلة

[ 309 ]

الحقيقية وفى مانعة الجمع كذلك يصح في مانعة الخلو ولا ظهور له في احد الوجوه مع قطع النظر عن القرينة فلا يصح الاستدلال به على منع الجمع ولا قرينة في المقام تدل على كون التفصيل بينهما على وجه منع الجمع بل يمكن ان يقال ان القرينة قائمة على ان التفصيل بينهما على وجه منع الخلو فان قوله تعالى: " فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون " ناظر الى ان استباحة الوطى لا تخلو عن احد السببين وان كان من جهة استفادة ان كلا من السببين كاف في استباحة الوطى وعلة تامة لها مطلقا كما يستفاد من كلام بعضهم ولازم كون كل منهما علة تامة لاستباحة الوطى مطلقا عدم جواز اجتماعهما على موضوع واحد إذ مع اجتماعهما على موضوع واحد اما يبطل تأثير كل منهما فيسقطان عن صفة التمامية وكلاهما مناف لكون كل منهما علة تامة لاستباحة الوطى على سبيل الاطلاق. ففيه ان استباحة الوطى بكل من السببين انما توجب ان يكون كل منهما تاما اقتضائا ومستقلا في التأثر في حد نفسه ولا ينافى تمامية كل منهما في حد نفسه مع عدم استقلال كل منهما في التأثير بسبب اجتماعهما على محل واحد مع عدم التنافى بينهما كما لا ينافى سقوطهما عن التأثير رأسا عند اجتماعهما على موضوع واحد وتنافيهما في التأثير مع بقائهما على صفة العلية اقتضاء. فتبين بما بيناه انه لا ضير في اجتماع العلتين سواء كانتا عقليتين أو شرعيتين وما يظهر من صاحب المسالك من التفصيل بين العلل العقلية والشرعية في غير محله مع ان ما ذكره واشتهر بينهم من ان العلل الشرعية معرفات في غير محله ضرورة ان الطهارة والحدث انما يتحصلان باسبابهما لا ان اسبابهما معرفات وعلائم على حصولها بلا سبب مقارنة لاسباب أو متقدمة عليها. وهكذا الحال في سائر الاسباب الشرعية بالنسبة الى مسبباتها. هذا مع انه لو سلم عدم جواز اجتماعهما على محل واحد لزم بطلان الطارى لا السابق، ضرورة ان اثر السابق ثابت قبل طرو الطارى فلا مجال لطروه بعد ثبوت

[ 310 ]

اثر السابق، وما ذكره من انه يمكن ان يقال ان الاجماع على صحة البيع يرفع التزويج في غاية البشاعة إذ بعد فرض عدم جواز اجتماعهما في محل واحد لا يعقل صحة البيع مع ثبوت التزويج حتى يرد صحيحا ويرفع التزويج ولا رافع له غير البيع كما هو المفروض والاجماع لا يصحح الامر الغير المعقول. واما ما ذكره ثانيا من انه يجوز ان يقال ان السبب نفسه اقوى في التأثير من استدامة الاول فابشع: لان اقوائية احد السببين انما يوثر سقوط السبب الآخر عن التأثير إذا تنافيا في الاثر وتقارنا واما إذا لم يتنافيا في الاثر فلا يتعارضان حتى يتقدم اقويهما على اضعفهما فان تقارنا حينئذ اشتركا في التأثير وان ترتبا ينفرد المتقدم بالتأثير ولا اثر للمتأخر لاشتغال المحل بالمثل سواء كان اقوى من المتقدم ام لا فلا مجال لسقوط الاضعف بالاقوى في المقام من وجهين: الاول: عدم تقارنهما في الوجود. والثانى عدم التنافى بينهما في الاثر بل لو فرض التنافى بينهما في المقام لا مجال لتاثير الاقوى، منهما لان الاقوائية انما توثر مع تقارنهما. واما عدم تقارنهما فالاثر للمتقدم على كل حال ولا ينافى ما بيناه تأثير المتأخر من سببي الطهارة والحدث في الارتفاع والانتقاض لان تأثير المتأخر منهما ليس من جهة تعارض السببين وتقديم المتأخر منهما بل جهة اعمال السببين لعدم تعارضهما فان ارتفاع الحدث بسبب الطهارة أو انتقاضها بسبب الحدث لا يعارضه السبب الاول ولا ينافيه، إذ السبب الاول انما يؤثر حدوث الحدث أو الطهارة ولا يستند إليه بقائه وانما يكون باقيا من جهة انه في حد نفسه قار الذات لا يزول الا بمزيل فكل من السببين يؤثر اثره لعدم المعارض والمانع من تأثيره. والتحقيق في وجه بطلان تزويج الامة باشترائها الزوج ما حققناه وفصلنا الكلام فيه في محله، واجماله ان ملك البضع الحاصل بالتزويج من قبيل ملك الانتفاع لا المنفعة ولذا لو وطئت الزوجة شبهة أو اكراها ثبت مهر المثل على الواطى للزوجة

[ 311 ]

لا لزوجها ولو كان من قبيل ملك المنفعة لزم رجوع مهر المثل الى الزوج لا الزوجة ومن شان ملك الانتفاع زواله بتجدد ملك العين والرقبة لمالك الانتفاع فان المستعير أو الودعى أو الوكيل إذا اشترى العين المستعارة أو المودعة أو الموكل فيها تبطل استعارته ووديعته ووكالته إذ لا مجال لكون مالك الرقبة مالكا للانتفاع من العين المشتراة من قبل البائع الذى انتقلت الرقبة والعين مستتبعة للمنفعة عنه، لان مرجع ملك الانتفاع الى الرخصة في الانتفاع لا استحقاق المنفعة فلا يتصور بقاء الرخصة من قبل المالك الذى زال ملكه عينا ومنفعة لمن انتقل الملك إليه. فان قلت: كما ان من شان ملك الانتفاع عدم مجامعته مع ملك الرقبة المستتبع لملك المنفعة كذلك من شانه الجواز وعدم اللزوم ذاتا مع ان عقد التزويج لازم. قلت: نعم من شان ملك الانتفاع الجواز ذاتا ولكن لا ينافيه اللزوم تعبدا ولذا لا يكون اللزوم فيه من قبيل لزوم عقد البيع وسائر عقود المعاوضات مستندا الى نفس العقد قابلا للاسقاط بجعل الخيار فيه، بل لزومه من قبيل لزوم الهبة المعوضة وهبة ذى رحم حكم غير قابل للاسقاط.

[ 312 ]

(فائدة - 44) في الكافي عن ابى على الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن على بن مهزيار قال: " كتبت إليه يعنى الى ابى الحسن عليه السلام يا سيدي رجل نذران يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقى، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو اضحى أو ايام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضائه وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: " قد وضع الله عنه الصيام في هذه الايام كلها ويصوم يوما بدل يوم انشاء الله ". اقول: ويستفاد من هذه الرواية الشريفة الصحيحة الساطعة منها انوار العصمة والامامة انه ينعقد النذر فيما وافق هذه الايام إذا كان النذر متعلقا بكلى يجوز انفكاكه عنها وتكون موافقته معها اتفاقيا وان حرم صومه حينئذ ووجب الافطار، ضرورة ان الحكم بالقضاء وصيام يوم بدل يوم فرع فوت الاصل وفوته فرع ثبوته بالنذر وهو فرع انعقاده. ولعلك تقول ان كان النذر منعقدا بالنسبة الى ما وافق هذه الايام ولا ينحل فمقتضاه وجوب صومه لا حرمته ووجوب افطاره وان انحل ولم يكن منعقدا فيه فمقتضاه عدم ثبوت القضاء لعدم وجوب الاصل حينئذ حتى يجب قضائه. قلت: مستعينا برب الارباب وامنائه الاطياب عليهم السلام ان انعقاد النذر يقتضى وجوب المنذور عليه، واما تنجزه فهو فرع استجماع شرائط التنجز من قدرته على اتيانه وعدم مزاحمته باقوى منه وعدم المانع من تحقق الامتثال، فان لم يقدر عليه

[ 313 ]

أو زوحم باقوى منه أو تحقق مانع من الامتثال يصير معذورا في تركه ويجب عليه القضاء حيث كان له قضاء فان قلت: الموضوع الواحد لا يقبل حكمين مختلفين من وجهين حتى يقع التزاحم بينهما ويتقدم الاقوى منهما، والموضوع واحد في المقام وهو صوم يوم معين اجتمعت فيه جهتان كونه جمعة وعيدا وهكذا. قلت: الموضوع في المقام متعدد وان اجتمعا في مصداق واحد لان يوم الجمعة في حد نفسها مغاير لهذه الايام ومنفك عنها كما انها منفكة في حد نفسها عنه، والحكم في كل منهما متعلق بامر كلى يجوز انفكاك كل منهما عن الاخر فلا يضر اجتماعهما في يوم واحد و تصادقهما عليه في اصل الحكم وانما يتزاحمان في مرحلة التنجز فان تساويا يتخير المكلف بينهما لعدم المرجح والا يتنجز الاقوى منهما ويصير معذورا في الاخر و يترتب عليه القضاء ان كان له قضاء ولما كان حرمة صوم هذه الايام اهم عند الشارع من وجوب الصوم المنذور وتقدم الحكم بالتحريم على وجوب الوفاء بالنذر وصار الناذر معذورا في عدم الوفاء وجب عليه الافطار والقضاء. نعم لو تعلق النذر بيوم معين شخصي ووافق هذه الايام كما لو نذر صوم غد، ووافق احد هذه الايام لا ينعقد نذره لعدم رجحان متعلقه حينئذ. فان قلت: إذا نذر الناذر صوم يوم الجمعة دائما فلا يخلو الامر من احد وجوه ثلاثة الاول جعل يوم الجمعة ظرفا للمنذور مطلقا أي سواء وافق الايام المحرمة الصوم أو لا. والثانى جعله مقيدا بعدم موافقته معها. والثالث اخذه مهملا ولا يجوز اخذه مهملا والا لزم بطلان النذر حينئذ لابهام متعلقه حينئذ، ولا مطلقا والا لزم انعقاد النذر فيما إذا كان المتعلق مرجحا وهو ما وافق الايام المحرمة الصوم، ولجاز نذر صوم يوم العيد بعينه حينئذ إذ لا فرق بين انعقاد نذر صومه بخصوصه اوفى ضمن المطلق الشامل له ولغيره، وإذا لم يجز كونه مهملا ولا مطلقا فلابد من جعله مقيدا فينحل النذر حينئذ

[ 314 ]

بالنسبة الى ما وافق الايام المحرمة ولا يجب قضاء صومه كما اختاره المحقق (قدس سره) حيث قال: والاشبه عدم وجوبه. قلت: إذا كان الكلى راجحا في حد نفسه ولا يلازم امرا مرجوحا يصح جعله منذورا من دون تقييد وينعقد نذره مطلقا ولا ينافيه طرو المرجوحة على افراده احيانا لان الفرد لا يكون متعلقا للنذر ابتداء وانما يتعلق به النذر من جهة انطباق الكلى عليه. ومن المعلوم ان مرجوحية الفرد من جهة اجتماعه مع عنوان موجب للافطار لا يوجب عروض المرجوحية على الكلى الذى هو متعلق النذر فلا يضر بقاء الكلى على رجحانه فلا يوجب تقييد النذر بغير هذا الفرد، نعم إذا تعلق النذر بفرد بعينه يجب ان يكون راجحا بخصوصياته المشخصة فلا ينعقد صوم يوم العيد لانه مرجوح بحسب خصوصياته الشخصية والنذر تعلق بشخصه ابتداء فلا ينعقد ويبطل. والحاصل: ان الحكم العرضى المتعلق بالكلى كالحكم الاصلى المتعلق به فكما لا ينافي تعلق وجوب صوم رمضان بالبالغ العاقل اطلاقا مع حرمة الاتيان به في حال المرض والسفر ولا يوجب عروض المنع من الامتثال في الحالين تقييد وجوب الصوم ولذا بجب قضائه على المريض والمسافر بعد البرء والحضور، فكذلك الامر في الوجوب العرضى الثابت بالنذر. فان قلت: الحكم التكليفى عبارة عن الخطاب الانشائى من اباحة الفعل أو طلبه أو طلب تركه أو معلول عنه ولا يصلح الخطاب الانشائى الا لمن استجمع شرائط التكليف من البلوغ والعقل والقدرة عقلا وشرعا، ضرورة انه لا يجوز طلب الفعل والترك ممن لا يقدر على الفعل عقلا أو شرعا، وقضاء كل من المريض والمسافر والحائض صومه لا يدل على بقاء الامر الاول لان القضاء بامر جديد لا بالامر الاول فلا يمكن تعلق نذر يوم الجمعة بما وافق الايام المحرمة لعدم جواز تعلق

[ 315 ]

خطاب: " فه بنذرك " الا بمن قدر عليه عقلا وشرعا، وإذا وافق يوم الجمعة احد الايام المحرمة الصوم لا يقدر الناذر على وفاء النذر شرعا فكيف ينعقد نذره حينئذ. قلت: الحكم التكليفى سابق على الخطاب والانشاء ضرورة ان استحقاق العقاب الذى هو من آثار مخالفة الحكم لا عن عذر مترتب على مخالفة الارادة النفسية الحتمية الثابتة في نفس المولى وان لم يكن في البين خطاب والانشاء والخطاب انما يؤثر في تنجيز الحكم من جهة كونه احد اسباب العلم بالحكم ورفع العذر عنه بل الحكم المولوي سابق على الارادة النفسية الفعلية لترتب استحقاق العقاب على مجرد تحيث الواقعة بحيثية من الحيثيات الخمسة بالنسبة الى نفس المولى بحيث لو سئل عنها لاراد فعلها أو تركها حتما ام ندبا أو ترخص فيها. فالحكم في الحقيقة عبارة عن اتقان الواقعة وخروجها عن التزلزل بالنسبة الى الحيثيات الخمسة في نظر المولى وان كان غافلا عنها، فلا يدور الحكم التكليفى مدار الارادة الفعلية فضلا عن دورانه مدار الخطاب والانشاء، بل قد يكون الحكم متعلقا بالمكلف مع توجه الخطاب بخلافه إليه كالمريض والمسافر فانهما في هذا الحال معذوران عن الصوم ممنوعان منه مخاطبان بالترك مع وجوبه عليهما تعلقا ولذا يقضيانه. وتوهم ان وجوب القضاء لا يدل على تعلق الحكم به لان القضاء بامر جديد وهم فاحش ضرورة ان القضاء فرع الفوت والفوت فرع التعلق فلا يعقل ثبوت القضاء مع عدم التعلق، ولا ينافى ذلك مع كون القضاء بامر جديد إذ معناه انه اولا الامر الجديد لم يعلم ان له قضاء إذ ليس كل فائت له قضاء لا ان معناه ان القضاء تكليف جديد مستقل بل قد يتنجز الحكم على المكلف مع عدم جواز مخاطبته به كمن توسط ارضا مغصوبة عمرا عصيانا فان تحريم الغصب منجز عليه في هذا الحال

[ 316 ]

ولذا يستحق العقاب عليه ولا يكون معذورا لعجزه لان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار مع عدم جواز صدور لا تغصب بالنسبة إليه. وما قيل: من ان عقابه انما هو على مخالفة الحكم الثابت قبل دخوله المغصوبة في غير محله إذ لا يعقل استحقاق العقاب على ارتكاب امر لم يكن حراما حين ارتكابه. وبما بيناه تبين غاية التبين ان الحكم بالافطار وثبوت القضاء موافق للاصل ومنطبق على القواعد العامة. ومنه يتبين ان من نذر زيارة مولانا ابى عبد الله الحسين عليهم السلام في كل عرفة فاستطاع الحج يجب عليه تقديم لحج وقضاء زيارة يوم عرفة. توضيح الحال فيه ان زيارة الحسين عليها السلام في عرفة راجح في حد نفسه فينعقد نذره مطلقا، وجوب الحج ويتنجز لاهميته عند الشارع من وجوب الوفاء بالنذر فيصير معذورا فيه وعليه قضائه لان القضاء فرع التعلق لا التنجز. وما قيل: من عدم وجوب الحج حينئذ لانعقاد نذر زيارة يوم عرفة مطلقا وانعقاده كذلك مانع عن تعلق وجوب الحج لعدم امكان اجتماع وجوبهما حينئذ وقد حصل المتقدم حيث لامانع فلا يحصل المتأخر في غير محله إذ لامانع من ثبوت وجوب كل منهما في حد نفسه على وجه الاطلاق اقتضاء وانما يتزاحمان في مرحلة التنجز فيقدم الاهم حينئذ ومن المعلوم ان وجوب حجة الاسلام اهم فيقدم ويصير معذورا في الوفاء بالنذر. فان قلت: وجوب حجة الاسلام فرع ثبوت الاستطاعة ومع انعقاد النذر مطلقا لا يكون الناذر مستطيعا للحج فلا يتعلق وجوب الحج به حينئذ. قلت: انعقاد النذر كذلك انما يمنع الاستطاعة للحج إذا كان وجوب الوفاء به لهم من وجوب حجة الاسلام لا مطلقا.

[ 317 ]

وما قيل من انحلال النذر بالنسبة الى عام الاستطاعة لعدم جواز تعلق النذر بزيارة قبر مولانا الحسين (ع) يوم عرفة في عام الاستطاعة في غير محله ايضا لما عرفت من عدم وجود مانع من ثبوت الحكمين على وجه الاطلاق لتغاير موضوعيهما في حد انفسهما وعدم ملازمة احدهما للاخر واجتماعهما في مصداق واحد احيانا لا يؤثر في رفعهما أو رفع احدهما، وانما يقع التزاحم في مرحلة التنجز. وبما حققناه يظهر لك حال سائر الفروع المرتبطة بالمقام فافهم واغتنم.

[ 318 ]

(فائدة - 45) اتفق القوم على ان المعنى الاسمى مستقل والمعنى الحرفى الى غير مستقل لكن اضطربت كلماتهم في تفسير الاستقلال وعدمه. والمعروف بينهم ما ذكره المحقق الشريف من ان المعنى ان لوحظ قصدا وبالذات فهو معنى مستقل اسمى وان لوحظ تبعا وآلة لتعرف حال غير فهو معنى آلى حرفي، فكل مفهوم يجرى فيه اللحاظان كالمعاني النسبية يقبل ان يوضع بازائه اسم باللحاظ الاول وحرف باللحاظ الثاني كمفهوم الابتداء حيث وضع بازائه لفظ الابتداء باللحاظ الاول ولفظة من باللحاظ الثاني. وفيه ان المعاني النسبية وان كانت تابعة في الوجود لوجود المنتسبين ولا وجود لها استقلالا بل وجودها في الخارج عبارة عن خصوصية وجود المنتسبين الا انها في مرحلة القصد مقصودة بالذات بمعانيها الحرفية، فان المقصود بالاصالة في القضايا انما هو افادة الاسناد الثابت فيها ايجابا أو سلبا، وما يتبعه من القيود والموضوع والمحمول مع انهما مفهومان مستقلان لا يتعلق بهما القصد الا باعتبار وصف الموضوعية والمحمولية الراجع الى الاسناد الثابت بينهما. وايضا لو سلم ان قوام المعنى الاسمى بلحاظه قصدا وبالذات، وقوام المعنى الحرفى بلحاظه تبعا وتوطئة للغير لزم ان تكون الفاظ الكنايات حال كونها كنايات حروفا لان معانيها الحقيقية حينئذ ملحوظة لافادة ملزوماتها أو لوازمها.

[ 319 ]

وبعضهم فسر الاستقلال والالية بما فسره المحقق الشريف لكن مع القول بخروجهما عن الموضوع له، والالتزام بهما في مرحلة الاستعمال من جهة اشتراط الواضع حين الوضع ان لا يستعملهما الا كذلك. وفيه مضافا الى ما مر في كلام الشريف انه لا تأثير لاشتراط الواضع مع اطلاق الموضوع له. والتحقيق ان الحروف آلات وادوات متممة لانحاء استعمالات الاسماء ومركبة للكلمات بعضها مع بعض، فهى موجدة لمعاني معتورة في لفظ غيرها. توضيح ذلك ان القضية على اقسام ثلاثة: لفظية وذهنية وخارجية وكل منها يشتمل على اجزاء ثلاثة المسند إليه والمسند به والاسناد، والاسناد اللفظى مغاير للاسناد الذهنى كما ان الاسناد الذهنى مغاير للنسبة الخارجية واللفظ الحاكى عن النسبة الخارجية لا يوجب النسبة اللفظية ولا يتم به امر القضية اللفظية وانما يصلح القضية اللفظية ما يوجد النسبة بين الالفاظ ويتم به امر استعمالها. ولذا ترى ان الاسناد الاختصاصي الاستعلائى والظرفى في القضية اللفظية لا يتحصل الا باللام وعلى وفى، ولا يتحصل بلفظ الاختصاص والاستعلاء والظرفية وهكذا الامر في سائر الموارد، فان القضية اللفظية لا تتم الا بالحروف أو ما بمنزلتها من الهيئة التركيبية أو الاشتقاقية، وهذا معنى ما افاده مهبط الوحى (ع) من ان " الحرف ما اوجد معنى في غيره " على ما رواه في العوالم ونفائس الفنون. واما ما في بعض النسخ من ان " الحرف ما انبا عن معنى ليس باسم ولا فعل " فلعله نقل بالمعنى، لان المعنى الحرفى الموجد في لفظ الاسم أو الفعل يترتب عليه الانباء عن النسبة الذهنية والخارجية. وكيف كان فقد تبين بهذا البيان ان مرجع عدم استقلال المعنى الحرفى الى كونه وجها من وجوه استعمال لفظ غيره، كما ان مرجع استقلال المعنى الاسمى الى كونه مستعملا فيه بنفسه وعدم كونه وجها من وجوه استعمال لفظ آخر

[ 320 ]

وقد اختلط الامر على بعض المعاصرين في المقام فجمع بين ما استفدناه من كلام مولانا امير المؤمنين - عليه وعلى ابنائه الطاهرين سلام الله الملك الامين - وما ذكره المحقق الشريف بل جعل مدار الفرق على ما ذكره الشريف، فقال بعض مقررى بحثه ان " الفرق بين المعنى الاسمى والحرفي يبتنى على اربعة اركان: الاول: ان معاني الحروف باجمعها ايجادية. والثانى: ان لازم كون المعاني الحرفية ايجادية ان لا واقع لها بما هي معان حرفية في غير التراكيب الكلامية. الثالث: عدم الفرق بين الهيئات في الاخبار والانشاء في ان معانيها ايجادية الرابع: ان المعنى الحرفى حاله حال الالفاظ حين استعمالاتها فكما ان المستعمل حين الاستعمال لا يرى الا المعنى وغير ملتفت الى الالفاظ، كذلك المعنى الحرفى غير ملتف إليه حال الاستعمال بل الملتفت إليه هي المعاني الاسمية الاستقلالية. توضيح ذلك انك تارة تخبر عن نفس السير الخاص فتقول: سرت من البصره فالنسبة الابتدائية في هذا المقام مغفول عنها، واخرى عن نفس النسبة فتقول النسبة الابتدائية كذا فهى الملتفت إليها. وهذا الركن هو الركن الركين وبانهدامه ينهدم الاركان كلها، فان المعاني الحرفية لو كانت ملتفتا إليها لكانت اخطارية ولكان لها واقعية سوى التراكيب الكلامية انتهى ما اردناه. وكانه زعم ان لازم كون المعاني الحرفية الموجدة في التراكيب وهى النسب اللفظية توطئة كاللفظ كون ما يقابلها من النسب الذهنية والخارجية كذلك وهو غفلة واضحة، لان كون النسب اللفظية توطئة لا يلازم كون ما يقابلها توطئة بل يستحيل ذلك في النسب النفس الامرية، إذ لا يقابلها شئ حتى يكون توطئة له نعم يتصور ذلك في النسب الذهنية فانها قد تلحظ توطئة لافادة النسبة الخارجية كما هو الشائع الغالب في القضايا الصادرة من المتكلم في مقام الافادة والاستفادة،

[ 321 ]

وقد تلحظ اصالة كمقام الافتاء والشهادة واظهار الحيوة والفضل، بل قد عرفت مما حققناه ان القصد والعناية انما تتعلق بالنسب فان المقصود في القضايا انما هو افادة الاسناد الثابت فيها. واما نفس الموضوع والمحمول فمع قطع النظر عن وصف الاسناد لا يتعلق به غرض اصلا كما هو ظاهر، ولذا خص المعنى الذى هو محل العناية والقصد في كلام مولانا امير المؤمنين (ع) بالحرف وما ذكره من ان النسبة الابتدائية في قولك: سرت من البصرة مغفول عنها لانك تخبر عن السير الخاص حينئذ في غير محله لان الاخبار عن السير الخاص اخبار عن ثبوت السير له على وجه مبدئية البصرة له، فالخاص بخصوصية مقصود للمتكلم فكيف تكون الخصوصية مغفولا عنها. نعم هناك نسبتان تامة وهى مفاد هيئة الفعل وناقصة تقييدية وهى مفاد للفظة من في المثال المزبور والنسبة التامة مقصودة اصالة واما الناقصة فهى مقصودة تبعا لها بمقتضى كونها قيدا للتامة لا انها مغفول عنها وتوطئة لامر آخر. مع انه لو سلم كون النسب الناقصة التقييدية مغفولا عنها وان قوام المعنى الحرفى به لزم ان تكون النسب التامة معاني اسمية، فيلزم ان تكون النسبة المستفادة من هيئة الفعل معنى اسميا إذا كانت تامة ومعنى حرفيا إذا كانت ناقصة كان ضرب مثلا، وان تكون الابتداء والاختصاص والاستعلاء والظرفية في قولك سيرى من البصرة والمال لزيد وزيد على السطح وبكر في الدار معاني اسمية في الامثلة المزبورة لانها حينئذ تامة لا ناقصة، ولذا يكون المجرور بالحرف فيها خبرا عما قبله وبطلان اللوازم بين على انه قد يكون المعنى الحرفى الموجد في عالم اللفظ مقصودا بالاصالة لاتحاد وجوده الخارجي مع وجوده في عالم اللفظ، كمعاني حروف النداء فان النداء مقصود اصالة ولا يكون توطئة لنداء آخر.

[ 322 ]

والحاصل انه لم يحقق ما ذكره اولا ولم يتأمل في مفاد الرواية الشريفة حق التأمل فخلط به ما قرع الاسماع، واشتهر في الافواه من ان المعنى الحرفى ملحوظ تبعا لا قصدا وبالذات. لا يقال: يمكن ان يكون المراد من قوله: فالنسبة الابتدائية في هذا المقام مغفول عنها النسبة الابتدائية المتعلقة باللفظ لا النسبة الخارجية فلا يرد ما ذكرت. قلت: كلامه في المخبر عنه والنسبة الابتدائية فيه انما هي النسبة الخارجية، واما النسبة الابتدائية المتعلقة باللفظ فانما هي متعلقة بالجملة الخبرية ولا ترتبط بالمخبر عنه بوجه. وبعض المتأخرين مع موافقته لما اشتهر وشاع مما فسر به الاستقلال والالية زعم انه لا يمكن ورودهما على معنى واحد باختلاف اللحاظ، وقال: " ان مقتضى النظر الدقيق ان المعنى الحرفى والاسمى متباينان بالذات لا اشتراك لهما في طبيعي المعنى الواحد. والبرهان على ذلك هو ان الاسم والحرف لو كانا متحدي المعنى وكان الفرق بمجرد اللحاظ الاستقلالي والالى لكان طبيعي المعنى الواحد قابلا لان يوجد في الخارج على نحوين كما يوجد في الذهن على طورين مع ان الحرفى كانحاء النسب والروابط لا يوجد في الخارج الا على نحو واحد وهو الوجود لا في نفسه ولا يعقل ان توجد النسبة في الخارج بوجود نفسي والا لم يكن ثبوت شئ لشئ بل ثبوت اشياء ثلثة فنحتاج الى رابطة اخرى " انتهى. وفيه مضافا الى ما مر في كلام المشهور ان تحقق الاختلاف في مرحلة النظر واللحاظ لا يتوقف على قبوله الوجود في الخارج على نحوين فان النسبة الواحدة ترد تامة وناقصة باختلاف لحاظ المتكلم ونظره، ولا اختلاف بينهما في الخارج بالضرورة ومن هنا اشتهر بينهم ان الاوصاف قبل العلم بها اخبار والاخبار بعد العلم بها اوصاف.

[ 323 ]

والسر فيه ان النقص والتمام انما ينتزعان من لحاظ المتكلم النسبة اصالة وتبعا لا من صفة موجودة في الخارج حتى يجب وجود منشاهما في الخارج وهكذا الامر في صفة الاستقلال والالية فانهما منتزعان من لحاظ المتكلم على وجه الالية والاستقلال على المشهور ولا ينافى ما بيناه من قبول اللحاظ الاستقلال والنقص كون النسبة بحيث لو لوحظت في حد نفسها ولو خليت وطبعها تكون تامة غير مستقلة والحاصل ان الامر الواحد يقبل الاتصاف بصفتين متقابلتين إذا كان منشا انتزاعهما اختلاف لحاظ المتكلم والاستقلال والالية بالمعنى الذى ذكروه يرجعان اختلاف لحاظ المتكلم ونظير عروض الالية والاستقلال على المعنى الواحد عروضهما على لفظ واحد باختلاف لحاظه استقلالا وتوطئة لارائة المعنى، غاية الامر ان اللفظ في حد نفسه مستقل والالية عارض عكس النسبة. ثم استشكل على نفسه بانه إذا لم يكن بين الاسم والحرف قدر جامع فما المحكى عنه بلفظ الربط والنسبة والظرفية اشباهها من المعاني الاسمية. فأجاب بانه ليس المحكى عنه بتلك الالفاظ الا مفاهيم وعناوين لا حقيقة الربط والنسبة وبالجملة المعاني على قسمين بالاضافة الى ما في الخارج، فتارة من قبيل الطبيعي وفرده والجامع بين الموجود والخارجى متحقق واخرى من قبيل العنوان والمعنون، والعنوان لا يتعدى عن مرحلة الذهن وهو غير المعنون ذاتا ووجودا انتهى. وفيه اولا انه إذا لم يكن متحدا مع المعنون ذاتا ولا وجودا فكيف يكون عنوانا له وما يتوهم من ان المراد بكونه عنوانا للمعنى الحرفى انه حاك عنه ويجوز التباين بين الحاكى والمحكى عنه فان العلة والمعلول متباينان وكل منهما حاك عن الاخر. ففيه اولا ان تفسير العنوان بالحاكى في غير محله. وثانيا ان حكاية شئ عن شئ اخر، لابد ان يكون لمناسبة ذاتية أو وضعية ولا يعقل الحكاية مع عدمها باحد الوجهين ولا مناسبه ذاتية بين المفهوين حينئذ لعدم العلية ولا وضعية لعدم الوضع.

[ 324 ]

وثانيا يلزم حينئذ ان يكون الربط والظرفية والاختصاص والاستعلاء وهكذا من قبيل المفاهيم الممتنعة الوجود كاجتماع الضدين وارتفاع النقيضين، حيث لا تكون موجودة الا في الذهن كسائر الممتنعات وثالثا ان يلزم عدم صحة قولك، ابتداء سيرى من البصرة مثلا لان المحكوم عليه حينئذ ان كان نفس العنوان فهو كذب لان ما في الذهن لا يتعلق بما في الخارج وهو السير وان كان باعتبار المعنون الذى هو معنى حرفي فهو باطل لان المعنى الحرفى لا يصلح وقوعه محكوما عليه بما هو معنى حرفي وإذا كان اللفظ توطئة للعنوان والعنوان للمعنون لزم كون المعنى الحرفى بما هو معنى حرفي محكوما عليه، وبطلان اللوازم في غاية الوضوح. وبالجملة سخافة هذا الكلام مما لاتخفى بل لا يكاد تحصى مفاسده. وتوهم ان لفظ العدم من هذا القبيل حيث انه لا يحكى الا عما هو موجود في ظرف الذهن لا عما هو عدم بالحمل الشائع وهم، فان للفظ العدم موضوع بازاء نفس العدم مع قطع النظر عن وجوده في الذهن لا بازائه بقيد وجوده في الذهن حتى يصير عنوانا لنفس العدم بزعمه، فلا يكون حاكيا الا عن نفس العدم واعجب منه توهم ان الامر في لفظ الوجود كذلك بناءا على اصالة الوجود لانه ان اراد ان تصور الوجود في الذهن ليس وجودا للوجود فيه فهو صحيح ولكنه لا ينفعه، إذ يكفى في وضع اللفظ للمفهوم تصوره في الذهن ولا يلزم وجوده فيه بل قد بينا في محله ان تصور الشئ في الذهن ليس وجودا للمتصور حقيقة مطلقا وان التعبير بالوجود الذهنى كالتعبير بالوجود اللفظى والكتبي توسع في التعبير. وما توهم من انه وجود ظلى ضعيف للمتصور حقيقة والا لزم عدم صدق القضايا الحقيقية غلط فاحش، وان اراد ان الوجود غير متصور اصلا والمتصور امر اخر وراء الوجود وان الشخص إذا حاول تصور الوجود يقع تصوره على امر اخر لا يكون متحدا مع الوجود ذاتا ووجودا ومع ذلك فهو عنوان للوجود فهو بديهى البطلان وايضا يلزم ان يكون المتصور للوجود متصورا للعدم أو الماهية لانحصار المفاهيم في ثلاثة وليس وراء الوجود الا العدم والماهية وهو اقبح واشنع.

[ 325 ]

(فائدة - 46) قد اشتهر بين الفقهاء قدس الله اسرارهم ان اجازة الاصيل العقد الفضولي كاشفة عن صحة العقد حينه لا ناقلة من حينها وانها انما تؤثر ما لم تسبق بالرد لانه يستقر في البطلان بالرد كما يستقر في الصحة بالاجازة فلا مجال لتاثير الاجازة حينئذ بعد الرد. وقد استشكله بعض الفضلاء المعاصرين سلمه الله تعالى، وقال، ما محصله ان فعل الفاعل لا يمكن ان يستند الى غيره بوجه من الوجوه لعدم صدوره الا عن فاعله فالعقد بالمعنى المصدرى الذى هو فعل المتعاقدين لا يعقل ان يستند الى المالك وانما يستند إليه باجازته معنى اسم المصدر منه وهو المعنى المنتزع من فعل المتعاقدين، وهى المبادلة القائمة بالمالين في عقد البيع، واسناد الاجازة الى العقد بالمعنى المصدرى تسامح بل الامر في الوكالة ايضا كذلك فانها في الحقيقة راجعة الى رضى المالك بوقوع المبادلة مثلا، فالامر المتزلزل الذى يستقر باجازة المالك انما هو الامر المنتزع لا منشأ الانتزاع فانه مستقر في كونه فعلا لفاعله ولا يتطرق التزلزل فيه بوجه وهذا المعنى الانتزاعي المتزلزل انما يستقر في الصحة باجازة المالك لا ستناده إليه ولا يستقر في البطلان برد المالك، لان رده لا يؤثر في بطلان فعل غيره إذ لا سلطنة للمالك على فعل غيره حتى يجعله باطلا، على ان منشا الانتزاع وهو الانشاء علة تامة لحدوث الامر المنتزع، فلا يعقل تخلفه عن الانشاء كما لا يعقل انقلاب حدوث الانشاء

[ 326 ]

الى اللا حدوث ومقتضى بقائه بعد رد المالك نفوذ الاجازة فيه بعد الرد كما يظهر ذلك من صحيحة ابن قيس الواردة في باب البيع. ومن هذا البيان يتبين ايضا ان الاجازة ناقلة لا كاشفة لانها انما تتعلق بالمعنى الانتزاعي الباقي حال الاجازة فيستقر في الصحة من حين لحوق الاجازة ولا تتعلق بمنشأ الانتزاع وهو فعل المتعاقدين حتى وجب استقرار العقد حين صدوره. ثم اعترض على نفسه فقال: " فان قلت: ينافى ما بيناه الرواية الواردة في باب النكاح الدالة على تنفيذ العقد الفضولي بعد موت احد الزوجين فانها تدل على ان الاجازة انما ترتبط بالعقد المصدرى، ضرورة ان العلقة قائمة بالزوحين وبموت احدهما لا مجال لتحققها. قلت: الزوجية قائمة بنفس الزوجين أي الجوهر المجرد المعبر عنه بالنفس الناطقة وبعد موت الشخص لا ينعدم ولذا يحكم بثبوت العدة بعد الموت، وانه لو احيى الميت باحياء الله جل شانه تبقى الزوجية بحالها وانقطاع كل منهما عن الاخر بعد العدة انما هو لتنزيل الشارع العلقة منزلة العدم باعتبار عدم امكان جريان اثارها، والقول بان العلقة امر اعتباري صرف ويكفى في تحققها واعتبارها ثبوت منشا انتزاعها حدوثا ولا دخل لبقائها ثبوت محلها وموضوعها بعيدة جدا ". ثم صرح بانه لا يعتبر كون المجيز مالكا حين العقد لانه بناءا على كونها ناقلة لا بتفاوت بن كون المجيز مالكا حين العقد ام لا انتهى كلامه. اقول بعون الله تعالى ومشيته: ان العقد له نسبتان: نسبة الى المتعاقدين وهى على وجه الصدور ونسبة الى المعقود عليه وبه وهى على وجه الوقوع ولا شبهة في ان النسبة الثانية مستقرة غير متزلزلة ولذا اتفقت كلمات الاصحاب على بطلان العقد إذا وقع في غير محله. وقد اختلفت كلماتهم في النسبة الاولى وهى صدوره من غير اهله، فمنهم

[ 327 ]

من قال بانها مستقرة كالنسبة الوقوعية فحكم ببطلان العقد الفضولي، واختار الاكثر منهم انها غير مستقرة فحكموا بانها تقع موقوفة على امضاء الاصيل ورده، فان امضاه يستند إليه صدوره ويصير العقد صادرا عن المجير بالتسبيب لا بالمباشرة لان صدور العمل من الشخص على نحوين صدور بالمباشرة وصدور بالتسبيب، فحال العقد الفضولي بعد الاجازة حال العقد الصادر عن الوكيل بعينه في استناد صدور العقد الى الاصيل بل الاجازة والوكالة حقيقة واحدة وانما يختلفان في التاخر والتقدم. فما ذكره الفاضل المعاصر من عدم جواز استناد فعل العامل الى غيره وعدم تطرق التزلزل فيه بوجه في غير محله ولو تم لاقتضى الحكم ببطلان العقد الفضولي لان المنتزع كمنشأ انتزاعه فعل للفاعل غاية الامر ان المنتزع فعل توليدى ثانوى للفاعل، ومنشأ انتزاعه فعل ابتدائى له فلا وجه للتفكيك بينهما والقول بتأثير الاجازة في المنتزع دون منشاه، مع ان الفرق بين معنى المصدر واسمه انما هو باشتمال الاول على النسبة دون الثاني فان مدلول اسم المصدر هو الحدث الصرف فلا يفارق مدلوله عن مدلول المصدر الا في النسبة فلا مجال لجعل الاجازة مؤثرة في نفس الحدث دون الحدث المنتسب. فان قلت: تأثير الاجازة استناد الامر المنتزع الى المالك ليس على وجه الصدور بل على وجه اخر فلا يرد ما ذكرت من عدم جواز التفكيك بين المنتزع ومنشاه لكون كل منهما فعلا للفاعل. قلت: نسبة العقد منحصرة في الصدور والوقوع وليس له نسبة ثالثة حتى يتوهم ان استناده الى المجيز على وجه اخر، ومن المعلوم ان نسبة العقد إليه ليس على وجه الوقوع فتكون على وجه الصدور. ثم ان تأثير الاجازة في استناد الامر المنتزع الى المالك دون منشاه محال مناف للانتزاع، ضرورة ان الامر المنتزع على منشأ انتزاعه في الخارج ولا يعقل

[ 328 ]

استناد الامر المنتزع الى شئ ابتداءا بل ينحصر استناده الى شئ في استناد منشاه إليه. وبهذا البيان تبين ان القول بان الاجازة نافلة باطل من وجوه: احدها: ان استناد الامر المنتزع الى الشخص لا يمكن الا بتوسط منشاه ضرورة منافاة الانتزاع لاستناده الى الشخص ابتداءا فلا يعقل تأثير الاجازة في استناد الامر المنتزع الى المجيز ابتداءا بدون منشاه واستناده إليه بتوسط منشا الانتزاع لا يجامع مع النقل لانه انما حصل قبل لا حين الاجازة. وثانيها: انه لو اغمضنا عن ذلك وقلنا بجواز استناده الى الشخص ابتداءا لزم القول بالكشف لا النقل ايضا لان استناد العقد الى المالك المجيز ليس الا على وجه الصدور وصدور الامر المنتزع متحد مع صدور منشاه ولا يعقل التفكيك بينهما. وثالثها ان ما يظهر من كلامه من استقرار منشا الانتزاع وعدم تزلزله في صدوره من غير اهله لا يجامع مع تزلزل المنتزع في صدوره حتى يقال ان الاجازة حينئذ ناقلة ام كاشفة. والحاصل ان الامر المنتزع تابع لمنشا انتزاعه في تزلزله واستقراره، فان كان المنشأ مستقرا في الصحة يكون المنتزع كذلك وان كان مستقرا في البطلان يكون المنتزع كذلك ايضا وان كان متزلزلا موقوفا يكون المنتزع موقوفا متزلزلا ولا يعقل استقرار احدهما مع عدم استقرار الاخر فان قلت: العقد الواحد وان كان له صدور واحد تحقيقا، ولكنه ينحل الى صدورات متعددة حسب تعدد الانات التالية له، فيجوز ان يقال حينئذ ان الاجازة انما تؤثر في استناد صدور العقد الى المجيز في الان الذى وقعت فيه فلا ينافى تأثير الاجازة صدور العقد مع القول بالنقل. قلت: العقد الواحد لا ينحل في صدوره بالنسبة الى الانات الصالح بقائه فيها، ضرورة ان ظرف صدور العقد ليس الازمان حدوثه ولا تعلق له بسائر الازمنة

[ 329 ]

حتى تحليلا، بل وكذا وجوده المستمر فيها فان استمراره وبقائه فيها انما هو باعتبار انه قار في نفسه باق ما لم يطرء عليه المزيل، لا انه باق باعتبار تعلقه بالازمنة التالية بحيث إذا طرء عليه المزيل انقلب بعض ما شمله العقد عما وقع عليه اولا كما هو الظاهر، وهذا بخلاف العقد المتعلق بامور متعددة فانه متعلق بكل واحد منها في ضمن المجموع، ولذا ينحل الى عقود متعددة حسب تعددها. ولا ينافى ما بيناه انحلال عقد الاجارة بالنسبة الى اجزاء زمان الاجارة لان الزمان ليس ظرفا صرفا في عقد الاجارة بل متعلق له ومن جملة اركانه فهو متعلق بكل جزء من اجزاء الزمان الذى اخذ قيدا ومتعلقا له فانحلاله بالنسبة الى اجزاء الزمان انحلال للعقد بالنسبة الى متعلقه. ثم ان القول بالنقل مع مخالفته لما بيناه من الوجوه مخالف للروايات منها الرواية الواردة في باب النكاح التى اشار إليها فان الحكم بوراثة احدهما من الاخر بسبب الاجازة اللاحقة بعد موت المورث لايتم الا على القول بانها كاشف لا ناقلة إذ التزويج اللاحق بعد الموت على فرض تصوره لا يوجب الارث كما هو ظاهر. ومما بيناه تبين لك انه يجب ان بكون للمجيز مرجعا للعقد في زمان صدوره كما يجب ان يكون مرجعا له في حال الاجازة، غاية الامر انه يكفى في المرجعية له في زمان الصدور رجوع متعلق العقد إليه بالملكية ونحوها وان لم يكن تاما نافذ الاقرار في هذا الحال كالصغير والسفيه والمكره وهكذا. واذ قد اتضح لك ما حققناه من ان العقد الفضولي متزلزل في صدوره واستناده الى من إليه الامر. فاعلم ان لمن إليه الامر اخراجه عن التزلزل واقراره في احد طرفيه من الصحة أو البطلان بالامضاء أو الرد ولا ينافى ذلك مع كون الانشاء تاما في نفسه ولا مع حدوث المنشأ به لان المنشا الحادث بالانشاء انما هو امر متزلزل واخراجه عن تزلزله واقراره في احد طرفيه لا ينافى مع حدوثه فالاصل بسلطته على نفسه

[ 330 ]

وعلى جهاته وشئونه يجعل العقد الصادر من غير اهله مستندا الى نفسه بالاجازة والامضاء أو يدفعه تعن نفسه برده وابطاله، ولا مجال لان يقال: لا سلطنة للاصيل على عمل الغير في هدمه وابطاله، إذ كماله السلطنة على جعل عمل الغير عمل نفسه باعتبار تعلقه بما يرجع إليه فكذلك له السلطنة على دفعه عما يرجع إليه باعتبار تعلقه به ولو كان هذا المقدار من التصرف ممنوعا لزم عدم تأثير امضائه في صيرورة عمل الغير عمل نفسه طريق اولى لان الامضاء يقلب عمل الغير الى عمل نفسه. واما الرد فلا يقلبه عما هو عليه وانما يجعله مستقرا في وقوعه عن الغير فسلطنة من إليه الامر على امضاء عمل الغير وهدمه انما هي باعتبار تعلقه بما يرجع إليه لا باعتبار صدوره عن الغير، فلو لم يكن التعلق بما يرجع إليه كافيا في جواز التصرف فيه لزم ان لا يؤثر فيه الامضاء والرد معا، ولا وجه للتفكيك بينهما، وليس مرجع الرد الى قلب الانشاء عن كونه انشائا ولا الى قلب منشا الانتزاع عن كونه منشا له حق يحكم باستحالتهما بل مرجعه الى دفع المنتزع عن التعلق بالاصيل الموجب لاستقراره في البطلان. والحاصل ان السلطنة على العمل تحصل باحد امرين اما لكونه عمل نفسه مع تعلقه بما يرجع ايه، واما لاجل تعلقه بما يرجع إليه فكما له السلطنة على عمل نفسه ابقائا ورفعا، فكذلك له السلطنة على العمل المتعلق بما يرجع إليه ردا وامضائا بل المدار على تعلق العمل بما يرجع إليه، ولذا لا يكون للفضول هدم عمل نفسه بحيث لا يقبل امضاء الاصيل، فما زعمه من ان مرجع الرد الى عدم التقيد والامضاء فقط فيقبل الامضاء بعد الرد في غير محله بل واضح الفساد. ولعله لاجل كمال وضوح الامر فيه لم يخالف احد من الاصحاب (قدس سرهم) في بطلانه بالرد وعدم تأثير الامضاء بعده ولم يعتد احد منهم بما يترائى من رواية محمد بن قيس واولوها بما ينطبق على القواعد.

[ 331 ]

(فائدة - 47) لا شبهة في ان عتق الامة المزوجة يوجب تخيرها في ابقاء التزويج وازالته، كما ان بيعها من غير زوجها يوجب تخير المشترى في ابقائه ورفعه، وهل هو خيار في حل العقد والزامه ثبت تعبدا وسلطنة على امضاء العقد ورده من جهة طرو التزلزل على العقد وانه منطبق على القواعد العامة. تحقيق الكلام في يتوقف على توضيح الحال في مقامين: الاول: في ان ملك البضع الحاصل بعقد النكاح هل هو من قبيل ملك المنفعة أو الانتفاع؟ فاقول بعون الله تعالى ومشيته: لا شبهة في عدم افادته ملك الرقبة ولا ملك المنفعة بحيث يجوز للزوج النقل والانتقال والاسقاط، وما ورد في الخبر من انها خير مستام اشتراها باغلى ثمن مبنى على ضرب من التأويل والتنزيل. وانما الكلام في انه من قبيل ملك المنفعة ذاتا وعدم ترتب الاثار المذكورة من جهة خصوصية المورد، من حيث ان الزوجية واسطة في العروض تدور الاثار مدارها حدوثا وبقائا فليست قابلة للنقل والانتقال والاسقاط بخلاف الاجارة، مثلا فانه يحدث بها استحقاق المنفعة للمستأجر وهو محل للعرض لا عنوان للحكم ولذا يصلح للنقل والانتقال والاسقاط والصلح لولا المانع بخلاف استحقاق الاستمتاع الدائر مدار عنوان الزوجية أو انه من قبيل ملك الانتفاع تذاتا واستقلال الزوج فيه من قبل لزوم العقد.

[ 332 ]

والتحقيق انه من قبيل الثاني لا الاول، والا لزم ضمان الواطى عوض البضع للزوج مع كون الوطى شبهة أو اكراها، مع انه انما يضمنه للزوجة ان كانت حرة ولمولاها ان كانت امة، بل يلزم حينئذ ثبوت المهر مع بغيها للزوج ايضا، لان بغيها لا يوجب سقوط حق مالك البضع وهو الزوج حينئذ، ضرورة ان البغى انما يوجب سقوط عمل البغى عن الاحترام إذا كانت مالكة لبضعها باذلة له في الحرام باختيارها. واما إذا كان البضع مملوكا للغير فلا تأثير لبغيها في سقوط حقه، فكما ان بغى الامة لا يوجب سقوط المهر الرجع الى مولاها على ما حققناه في محله، وتدل عليه النصوص، فكذلك بغى الزوجة لا يوجب سقوط حق زوجها. وما ورد من انه " لا مهر لبغى " لا ينافيه حينئذ لان المهر على هذا التقدير راجع الى الزوج والنفى في الرواية ثبوت المهر للبغي فتختص الرواية حينئذ بغير الزوجة. فاتضح انه من قبيل ملك الانتفاع ذاتا، والاستقلال الحاصل في المقام انما هو من ناحية لزوم عقد الازدواج فتعبير الاصحاب (قدس سرهم) عنه بملك الانتفاع على سبيل التحقيق لا لمجرد مشاركته معه في بعض الاثار. فان قلت: العقود التى ثمرتها ملك الانتفاع كالوكالة والوديعة والعارية يكفى فيها القبول الفعلى ولا تكون لازمة بل جائزة بالذات فلو كان عقد الازدواج من قبيل هذه العقود لزم ان يكون جائزا وان يكتفى فيه بالقبول الفعلى والتالى باطل فكذا المقدم. قلت: وجه عدم الاكتفاء فيه بالقبول الفعلى انما هو من اجل توقف حل الاستمتاع على ثبوت عنوان المطاوجة، وهى لاتتحقق الا بالقبول الانشائى بخلاف جواز التصرف في الموكل فيه، والعين المستعارة والمودعة، فانه يكفى فيه الرخصة الحاصلة من قبل الموكل والمودع والمعير. واما لزومه فتعبدي ولا يكون من قبيل لزوم العقود اللازمة بالذات كعقود

[ 333 ]

المعاوضات ولذا لا يجرى فيه اشتراط الخيار ولا يتطرق فيه الاقالة لان مرجع اللزوم التعبدى الى عدم سلطنة كل من المتعاقدين على رجوعه عن عمل نفسه بسبب المنع الوضعي ممن هو اولى له من نفسه، فلا يؤثر فيه الاشتراط ولا يتطرق فيه التقاول، لمنافاتهما حينئذ مع حكم الشرع، وهذا بخلاف اللزوم الذاتي الثابت بمقتضى العقد فان مرجعه الى عدم استحقاق كل من المتعاقدين حل عمل صاحبه فيؤثر فيه الاشتراط على صاحبه ويتطرق فيه الاقالة، إذ باجتماعهما عليها يحل كل منهما عمل نفسه لا عمل صاحبه. المقام الثاني: في ان العتق والبيع ان طرئا عليهما ملك منفعته بعقد اجارة أو صلح وهكذا من العقود الموجبة لملك المنفعة يقعان مسلوبى المنفعة من دون فرق بين كون ملك المنفعة على وجه اللزوم أو الجواز بان اشترط في العقود المزبورة الخيار في مدة استحقاق المنفعة وان طرءا على ما ملك انتفاعه دون منفعته يقعان تامى المنفعة، ضرورة انه إذا بيع العبد المستعار أو المودع أو الموكل في بيعه أو اعتق يقع تام المنفعة لبقاء منفعته على ملك البائع والمعتق حينئذ ضرورة ان مالك الانتفاع انما يجوز له الانتفاع من دون ان يملك المنفعة لان مرجع ملك الانتفاع الى رخصته في الانتفاع لا الى استحقاقه المنفعة والا لزم رجوعه الى ملك المنفعة لا الانتفاع وهو خلف للفرض وإذا اتضح لك ما حققناه اتضح لك ان العتق والبيع الطاريين على الامة المزوجة يقعان تامى المنفعة، ومقتضى وقوعها تامى المنفعة استقلال الامة في بضعها في صورة العتق واستقلال المشترى فيه في صورة البيع، ومقتضى استقلالها في بضعها تزلزل التزويج وصيرورته موقوفا على امضائها فان امضته نفذ واستقر وان ردته بطل كما ان مقتضى استقلال المشترى في بضعها حينئذ بطلان التزويج فيما إذا اشتراها الزوج، إذ لا مجال للبقاء ملك الانتفاع حينئذ مع استحقاقه المنفعة فكما لا يعقل بقاء الوديعة والعارية والوكالة مع انتقال العين المستعارة أو الموكل فيها

[ 334 ]

المستعير أو الودعى أو الوكيل فكذلك لا يعقل بقاء التزويج مع انتقال الامة الى الزوج وتزلزله وعدم استقراره وصيرورته موقوفا على امضاء المشترى فيما إذا كان المشترى غير الزوج، فان امضاه نفذ واستقر وان رد بطل. فان قلت: إذا كان بضع الامة المزوجة باقيا على ملك مولاها يلزم ان يجوز له وطيها حينئذ. قلت: تزويجها مانع عن جواز وطيها لمولاها وحل الوطى موقوف على مجامعة السبب مع الشرط وعدم المانع فلا يكفى فيه وجود السبب فقط. فان قلت انما يقع البيع أو العتق الطارى على ملك الانتفاع تام المنفعة موجب لزوال ملك الانتفاع أو تزلزله إذا كان ملك الانتفاع جائزا كالعارية والوديعة وهكذا واما مع لزومه كما في المقام فلا يقع الطارى كذلك ضرورة ان للزوم العقد السابق ولو على وجه ملك الانتفاع مانع عن وقوع الطارى تام المنفعة بحيث ينافى مع لزومه قلت لا يعقل تأثير لزوم ملك الانتفاع في صيرورة العتق أو البيع مسلوب المنفعة، والا لزم انقلابه عن حقيقته وصيرورته ملك المنفعة وهو محال. وتوهم ان لزومه مناف لتزلزله فلا يجتمعان في غير محله، إذ المنافى للزوم العقد هو جوازه، واما تزلزل العقد وعدم استقراره في الصحة والبطلان فهو مجامع مع اللزوم والجواز ضرورة ان الفضولي كما يجرى في العقود الجائزة يجرى في العقود اللازمة. فان قلت التحقيق ان الاجازة كاشفة لا ناقلة كما تبين في الفائدة السابقة ومرجع كشفها الى استقرار العقد المتزلزل من حينه لامن حينها الموجب لترتب الاثار عليه كذلك، ولا تزلزل في المقام في حدوث العقد حتى يلحقه الاجازة والتزلزل في البقاء لا يجبر بها لانها انما تتعلق بالعقد لا باثره، ومقتضاه تنفيذ العقد من حين وقوعه وحدوثه وهو في المقام غير معقول لاستحالة تنفيذ النافذ، وتحصيل الحاصل ولذا اشتهر بينهم الحكم ببطلان الاجارة بانقراض البطن الاول في اثناء

[ 335 ]

المدة، إذا كان المؤجر هو الناظر بالنسبة الى البطن الاول فقط، فاللازم الحكم ببطلان التزويج في جميع الصور حينئذ. قلت مقتضى كون الاجازة كاشفة استقرار العقد بها من حين تزلزله ولا ينافى ذلك تعلق الاجازة ابتداءا بمنشا الانتزاع، وهو الايجاب والقبول، لانهما منشا لانتزاع عقد الازدواج بين الامة وزوجها على وجه الاطلاق، فإذا صدر الايجاب من مولاها يستقر في الصحة لاستناده الى اهله، وإذا خرجت الامة عن ملكها بالبيع أو العتق لا يبطل عقد التزويج لان مجرد الخروج عن الملك لا يكون مضادا للازدواج كالطلاق والفسخ، بل يتزلزل حينئذ لعدم استناد منشا الانتزاع الى من وجب استناده إليه وهو نفس الامة ان كانت معتقة أو مشتريها ان كانت مبتاعة فمنشا الانتزاع حينئذ متزلزل بالنسبة الى الامة أو مشتريها ويقع موقوفا على امضائها أو امضاء مشتريها فامضاء كل منهما انما يتعلق بمنشا الانتزاع بالنسبة الى احدهما لا بالنسبة الى المولى الاول. فالصواب عدم بطلان اجارة العين الموقوفة بانقراض البطن الاول ووقوعها موقوفة على امضاء البطن الثاني كما اختاره المحقق قدس سره في الشرائع، بل المشهور هو الحكم بالصحة والوقوف على امضاء البطن الثاني، والمراد من البطلان في عباراتهم صيرورته فضوليا كما نبه عليه في الجواهر. فان قلت: قد مر في الفائدة السابقة انه كما يعتبر ان يكون المجيز مرجعا للعقد في حال اجازته، يعتبر ان يكون مرجعاله في زمان صدوره، ولو جاز اختلافهما لزم نفوذ اجازة الوارث في البيع الفضولي الصادر في زمان مورثه، واللازم باطل بالضرورة عند القائلين بان الاجازة كاشفة لا ناقلة، والمرجع في زمان صدور العقد هو المولى، والمرجع في زمان الاجازة هو الامة أو مشتريها فلا يعقل تأثير اجازة احدهما في تنفيذ العقد على القول بالكشف. قلت: انما يعتبر ان يكون المجيز مرجعا للعقد في حال تزلزله كما يعتبر ان

[ 336 ]

يكون مرجعا له في حال اجازته، فان كان التزلزل مقارنا لحدوث العقد يجب ان يكون مرجعا له في حال حدوثه ولذا لا يعقل تأثير اجازة الوارث في البيع الفضولي الواقع في حيوة مورثه، وان كان متاخرا عن حدوث العقد كما في المقام فانما يعتبر ان يكون مرجعا في حال تزلزله، لان تأثير الاجازة انما هو في صيرورة المتزلزل مستقرا في الصحة وو النفوذ والمرجع في هذا الحال هو المرجع في حال الاجازة في المقام. فان قلت: المولوية كالابوة والجدودة من اسباب الولاية على عقد الزوجية،. مقتضاها نفوذ العقد من اهلها ولو بعد استقلال المولى عليه أو تبدل المولى، الا ترى انه لا يتخير البنت والابن في امضاء العقد الصادر من وليهما ورده بعد بلوغهما ورشدهما. قلت: نفوذ عقد المالك على مملوكه كنفوذ سائر تقلباته فيه من شئون مالكيته، فولايته عليه من اطوار ملكه، بخلاف ولاية سائر الاولياء، فانها راجعة الى تنزلهم منزلة المولى عليه بجعل الشرع، فتصرفهم قائم مقام تصرف الصغير، فهذا النحو من الولاية متحدة مع الوكالة في الحقيقة غاية الامر ان الولاية وكالة شرعية يجب عليه القيام بها ولذا لا ينفذ تصرف سائر الاولياء الا مع ملاحظة المصلحة والغبطة بخلاف تصرف المالك، فعقد غيره من الاولياء انما ينفذ بعد البلوغ والرشد لقيامه مقام عقد المولى عليه، فالولى كالوكيل هو المباشر للعقد من قبل المعقود عليها بخلاف عقد المالك على مملوكه فانما يباشره من قبل نفسه كما هو ظاهر. ومما بيناه ظهر السر في نفوذ عقد الحاكم على الصغير بعد بلوغه ورشده. ان قلنا بولايته عليه في العقد فان الحاكم بالولاية الشرعية يباشر العقد للصغير فحاله كحال سائر الاولياء في هذه الجهة وان كان بينهما فرق من جهات اخر. فان قلت: لو كان الامر كما ذكرت من رجوع الخيار في المقام الى السلطنة على الامضاء والرد، لزم ان يكون حكما لاحقا قابلا للاسقاط ضرورة ان

[ 337 ]

السلطنة على الامضاء، والرد من شئون السلطنة على غير القابلة للاسقاط، مع ان صحيحة مالك بن عطية تدل على جواز اسقاطه قال: " سالت ابا عبد الله (ع) عن رجل كان له اب مملوك، وكان تحت ابيه جارية مكاتبة قد ادت بعض ما عليها فقال لها ابن العبد هل لك ان اعينك في مكاتبتك حتى تؤدى ما عليك، بشرط ان لا يكون لك الخيار بعد ذلك على ابى إذا انت ملكت نفسك، قالت نعم فاعطاها في مكاتبتها على ان لا يكون لها الخيار بعد ذلك قال (ع) لا يكون لها الخيار، والمسلمون عند شروطهم ". قلت الصحيحة وان كانت ظاهرة فيما ذكرت، الا انه يجب صرفها عن ظاهرها لوجوه: الاول - ان الشرط انما يلتزم به إذا وقع في ضمن العقد اللازم والشرط المذكور لم يقع في ضمن العقد فلا وجه لالتزام به. والثانى - ان اشتراط عدم الخيار قبل العتق اسقاط لما لم يحب وهو غير معقول. والثالث - انه لا ينفذ التزام المكاتبة قبل اداء مالك الكتابة بالاشتراط عليها مع عدم اجازة المولى. والرابع - ان الوجوه الدالة على انه حكم اقوى دلالة بل تفيد القطع به فيتعين حينئذ حمل الرواية على استحباب الوفاء بشرطها. قال المحقق الانصاري قدس سره: " والرواية محمولة بقرينة الاجماع على عدم لزوم الشروط الابتدائية على صورة وقوع الاشتراط في ضمن عقد لازم أو المصالحة على اسقاط الخيار المتحقق سببه بالمكاتبة بذلك المال " انتهى. وفيه: ان سبب الخيار وهو العتق انما يترتب على اداء مال الكتابة فبمجرد عقد الكتابة لا يثبت الخيار لا بنفسه ولا بسببه فاسقاطه حينئذ بالصلح عليه أو بجعله شرطا في ضمن عقد لازم اسقاط لما لم يجب واستحالته من اوائل البديهيات فلا مناص

[ 338 ]

الا بحمل الرواية على استحباب الوفاء بالشرط كما يؤمى إليه قوله (ع): " والمسلمون عند شروطهم " فان الشروط اللازمة من قبيل العقود حقوق ثابتة للمتعاقدين أو لاحدهم مطلقا ولا يختص المسلمون بالوفاء بها. فاتضح بما بيناه غاية الاتضاح، ان ملك المنفعة سواء كان لازما ام جائزا لا يزول ولا يتزلزل بطرو العتق أو البيع عليه، بل يقعان مسلوبى المنفعة، وان ملك الانتفاع سواء كان لازما أو جائزا، لا يبقى على حاله من النفوذ والمضى عند طرو العتق أو البيع عليه بل اما يزول أو يتزلزل لانهما يقعان حينئذ تامى المنفعة، فلا ينفذ ملك الانتفاع لان مرجعه الى الرخصة في الانتفاع من قبل مالك المنفعة، ولا تأثير للرخصة، والاذن الا من قبله، فمع طرو العتق أو البيع عليه، وقيام ملك المنفعة تبعا للعين بغير المالك الاول الذى ثبتت الرخصة من قبله في الانتفاع لابد في نفوذه ومضى من استناده الى من تجدد له الاستقلال في المنفعة ولاية أو ملكا ان جاز بقائه، والا فيزول ويبطل. واذ قد تبين لك في المقام الاول ان عقد الازدواج انما يفيد ملك الانتفاع لا ملك المنفعة. وقد اتضح لك غاية الاتضاح، ان الامة المزوجة إذا اعتقت يقع عقدها موقوفة متزلزلة فان امضتها نفذ وان ردته بطل، وإذا بيعت من غير زوجها فكذلك ولكن امضاء العقد ورده موكول الى مشتريها، وإذا بيعت من زوجها يبطل ويزول إذ لا يعقل بقاء ملك الانتفاع لمن ملك الرقبة والمنفعة استتباعا، ضرورة ان مرجع ملك الانتفاع الى الرخصة في الانتفاع ولا يعقل بقاء نفوذ رخصة البائع لزوال ملكه عنها كما انه لا يعقل استناد نفس الرخصة الى المشترى إذ لا معنى لكون المالك مرخصا من قبل نفسه في التصرف في ملكه. وما اشتهر من ان وجه البطلان استباحة البضع بالملك حينئذ فتبطل الزوجية لعدم جواز استباحته بالملك والزوجية، نظرا الى التفصيل بينهما في الاية الشريفة،

[ 339 ]

والتفصيل يقطع الشركة في يغير محله إذ لو سلمنا ان ملك البضع بالزوجية من قبيل ملك الانتفاع لا يحتاج الى الاستدلال على بطلان التزويج بالتفصيل في الاية الشريفة ولو لم نسلمه وجعلناه من قبيل ملك المنفعة لا يلزم الاشتراط حتى يكون منافيا للتفصيل ضرورة ان مقتضى تأخر ملك الرقبة عن الزوجية حينئذ عود الامة الى المالك في غير جهه البضع، كما ان مقنضى تأخر البيع عن الاجارة رجوع المبيعة الى المشترى مسلوب المنفعة فيختص استباحة البضع حينئذ بالزوجية مع انه لو قلنا بحصول الاشتراك حينئذ لا ينافيه التفصيل لا حتمال كونه على سبيل منع الخلو، لا منع الجمع ومجرد الاحتمال يكفى في بطلان الاستدلال، بل قوله عز من قائل: " ومن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون " ظاهر في ان المنظور منع الخلو لا منع الجمع، بل يتعين الحمل على منع خلو، والا اقتضى عدم جواز الجمع بينهما ولو في فردين، لان التفصيل في الاية الشريفة انما هو بين العنوانين الكليين لا بين انطباقهما على مصداق واحد، ومن المعلوم انه يحل للمؤمنين الجمع بين التزويج وملك اليمين. واما اجتماع العنوانين على مصداق واحد فمسكوت عنه لانظر إليه اصلا على ان طرو المالك على التزويج لو كان موجبا للاشتراك الممنوع لزم بطلان الاحق لا السابق. وبما بيناه ظهر فساد ما احتمله سيدنا الاستاذ العلامة (قدس سره) من ان المراد بالبطلان اضمحلال الزوجية في جنب ملك اليمين اضمحلال الضعيف في جنب القوى مع اجتماعهما فان مقتضى تقدم الزوجية على الملك، وعدم زوالها به اختصاص استباحة البضع بها فلا تضمحل حينئذ في جنب الملك مع ان مقتضى بقائها حقيقة ترتب الاثار عليها لو فسخ الطارى، وقد رجع عنه (قدس سره) للوجه الثاني ووجه البطلان ثانيا بان اقدام الزوج على تملك رقبة الزوجة الذى هو اقوى واتم من التزويج اعراض عنه وطلاق لها وهو في غير محله ايضا، لان الاقدام على تملك الرقبة لا يلازم الاعراض مع انه يلزم الحكم بعدم بطلانه في صورة انتقالها إليه قهرا بالارث.

[ 340 ]

وقد تحقق لك مما حققناه ان ما يظهر من الاصحاب (قدس سرهم) من ان تخير الامة المزوجة إذا اعتقت أو مشتريها إذا بيعت من غير زوجها خيار في فسخ العقد والزامه لصيرورته حينئذ جائزا بسبب العتق أو البيع الطارى تعبدا في غير محله. إذ لو قلنا بان ملك البضع الحاصل بالتزويج من قبيل ملك الانتفاع، ويقع العتق أو البيع الطارى تام المنفعة لا يبقى مجال للقول باستقرار العقد حينئذ حتى يحكم بجوازه لا لزومه. ولو قلنا بانه من قبيل ملك المنفعة ويقع العتق أو البيع الطارى مسلوب المنفعة يلزم رجوع البضع عند الفسخ في صورة العتق الى المعتق وفى صورة البيع الى البائع إذ لا وجه لرجوع البضع حينئذ الى الامة أو مشتريها وعلى كل تقدير لا مجال للقول بان الخيار في المقام من قبيل الخيار في حل العقد واقراره. ولا ينافى ما بيناه التعبير بالاختيار أو التخير في النصوص، لان كلا منهما كما يطلق على الخيار المعروف يطلق على الخيار في امضاء العقد ورده بل مجموع الروايات بملاحظة انضمام بعضها ببعض ظاهرة فيما بيناه، بل مصرحة به فان قوله عليه السلام في مرسل ابن بكير " بانها املك بنفسها " ظاهر في ملك الامضاء والرد لا ملك الاقرار والحل، إذ ملك الامة نفسها لا يوجب الاختيار في فسخ حق غيره، فاختيارها في ابقاء التزويج وازالته من قبل انها ملكت نفسها لا يتم الا على ما بيناه من كون التزويج من قبيل ملك الانتفاع الموجب لتزلزله، وعدم استقراره ويصرح بما بيناه خبر الحسن ابن زياد قال: " سالت ابا عبد الله (ع) عن رجل اشترى جارية يطأها فبلغه ان لها زوجا قال: " يطأها فان بيعها طلاقها، وذلك انهما لا يقدران على شئ من امرهما إذا بيعا " وصحيح محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام " طلاق الامة بيعها أو بيع زوجها " وقال في الرجل يزوج امته رجلا حرا ثم يبيعها قال: هو فراق ما بينهما الا ان شاء المشترى ان يدعها "، ويقرب منهما صحيح عبد الرحمن: " سئله عن الامة تباع ولها زوج فقال، صفقتها طلاقها " فان جعل صفقتها

[ 341 ]

وبيعها طلاقها وفراق ما بينهما لا يلائم الا مع زوال العقد أو تزلزله الذى هو في حكمه من حيث عدم ترتب الاثر عليه في حد نفسه، واحتياجه في ترتب الاثر عليه الى امر آخر. واما مجرد تسلط المشترى على حل العقد ببيعها فلا يوجب سقوط العقد عن الاثر، حتى يوجب تنزل بيعها منزلة طلاقها المصحح لحمله عليه، واوضح منه قوله عليه السلام: " هو فراق ما بينهما الا ان شاء المشترى ان يدعها " فان كون البيع فراقا بين المتزاوجين الا مع مشية المشترى بقاء العقد صريح في تزلزل العقد وعدم استقراره الا بامضاء المشترى فلو كان البيع سببا لتسلط المشترى على حل العقد واقراره لكان ازالة العقد بمشيته لابقائه. واصرح منه قوله عليه السلام " فان بيعها طلاقها وذلك انهما لا يقدران على شئ من امرهما إذا بيعا " فان تعليل كون بيعها طلاقها بعدم قدرتهما على تنفيذ شئ من امرهما لا يوجب اثبات حق وسلطنة للمشترى على حل العقد الذى عقده المولى كما هو ظاهر فلا يتم التعليل، الا على ما بيناه من انتقال البضع الى المشترى وعدم كون الازدواج الا تمليك الانتفاع فلو استقر ونفذ حينئذ من دون اجازة المشترى، وامضائه لزم استقلالهما في امرهما لانقطاعه عن البائع ببيعه اياها فلا مجال لنفوذه من قبله، والمفروض عدم استناده الى المشترى فينحصر وجه نفوذه في استقلالهما في امرهما وهو باطل بالضرورة فكذلك النفوذ المستند إليه. والحاصل ان نفوذ عقد الامة حينئذ اما مستند إليها، أو الى بائعها أو مشتريها، والكل باطل. اما الاول فلعدم استقلالها في امرها. واما الثاني: فلانقطاع العقد عنه ببيعه اياها. واما الثالث فلعدم استناده إليه قبل امضائه، فيكون العقد متزلزلا حينئذ لا محالة، ولا ينفذ الا باجازة المشترى وامضائه إذا لم يكن المشترى هو الزوج، والا يزول ويبطل لان الاجازة انما تؤثر فيما إذا كان المحل قابلا للعقد، ومن

[ 342 ]

المعلوم عدم صحة عقد الامة لمولاها ومالكها، فكما لا يصح عقدها لمولاها ابتداءا فكذلك لا يصح استدامته له باجازته وامضائه. فاتضح من الروايات الشريفة الساطعة منها انوار العصمة والامامة امور: الاول: تزلزل عقد نكاح الامة بعتقها أو بيعها من غير زوجها، وانه جهة واقعية موافقة للاصل الاولى نبه عليها الامام (ع) لا انه جهة تعبدية شرعية ثابتة على خلاف الاصل، وان كان انطباقه على الاصل في غاية الدقة بحيث لو لم يكشف عنه المعصوم لم ينكشف لنا، بل مع كشفه وايضاحه عنه بما ينبئ عن عصمته لم ينكشف على الاصحاب (قدس سرهم) زعموا انه من قبيل ملك الحل والاقرار والثانى بطلانه فيما إذا ملكها الزوج. والثالث نفوذه بالاجازة والامضاء ممن ملك الانتفاع تبعا للعين وعدم قدح التزلزل في بقائه مع حدوثه في تأثير الاجازة والامضاء والحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله. وإذا احطت خبرا بما بيناه، فاعلم ان اغلب الفروع المتفرعة على ما بنينا عليه واحكمنا قوائمه تخالف الفروع المتفرعة على ما بنى عليه الاصحاب (قدس سرهم) واختاروه. منها: ان هذا الخيار على ما بنينا عليه حكم لاحق فلا يقبل الاسقاط والصلح عليه ومنها: عدم استحقاق المعتقة النفقة على زوجها قبل امضائها الزوجية لتزلزلها، وعدم استقرارها الا بامضائها، واما على ما بنوا عليه فالزوجية ثابتة مستقرة وانما تفسخ بردها فتستحق النفقة ما لم تفسخ. ومنها: صحة تزويج الزوج اختها قبل تحقق الرد منها، ووقوعه موقوفا، فان ردت المعتقة زوجيتها ينفذ تزويج الاخت وان امضتها يبطل، وهكذا الامر في تزويج الخامسه، واما على مبناهم فلا يجوز تزويج الاخت، والخامسة الا بعد فسخها زوجيتها.

[ 343 ]

ومنها: عدم وراثة كل من الزوجين على الاخر قبل اجازتها وامضائها، فلو ماتت ولم تجز الزوجية ولم تردها لا يرث منها زوجها، ولو مات الزوج ترث منه ان اجازت وحلفت على انه لا يدعو إليها اخذ المال، واما على ما بنوا عليه فيرث كل منها عن الاخر ما لم يتحقق منها رد و ومنها: ثبوت الخيار لها بعتق بعضها على ما بنينا عليه لان استقلالها في بعضها ينافى نفوذ التزويج في حقها بالنسبة الى جميعها كما هو ظاهر، والتبعيض في التزويج بمعنى نفوذه بالنسبة الى سهم المولى ووقوفه فيما استقلت فيه غير معقول فتتخير في تنفيذه ورده واما على ما بنوا عليه، من ان مرجعه الى ملك الاقرار والحل، فهو حكم تعبدي يجب الاقتصار فيه على مورد النص وهو عتق الكل. ومنها: ثبوت الخيار للولى ان كانت قاصرة بالصغر أو الجنون إذ كما له السلطنة على احداث عقد التزويج لهما فكذا له السلطنة على ابقائه بل السلطنة على احدهما عين السلطنة على الاخر لا يعقل التفكيك بينهما. ومنها: عدم جواز الاستمتاع منها قبل امضائها أو امضاء وليها، ضرورة عدم ترتب اثر الصحة على العقد المتزلزل ما لم يستقر بالامضاء. ومنها: ان الانعتاق كالعتق في ايجاب الخيار إذ المناط فيه هو استقلالها في نفسها، وهو حاصل فيهما، واما على ما بنوا عليه فاقتصروا في الحكم على العتق لانه حكم تعبدي عندهم فلا يتجاوز الى الانعتاق. ومنها: عدم اعتبار الفورية في هذا الخيار، إذ بعد ما اتضح لك من ان مرجعه الى السلطنة على امضاء العقد ورده لم يبق لاعتبارها فيه مجال، إذ لا يعقل تحديد دائرة سلطنة الشخص في التقلبات الراجعة الى نفسه، أو الواقعة في ملكه امضاءا وردا والاصحاب قدس سرهم لما خفى عليهم ما حققناه وزعموا انه سلطنة على اقرار العقد وحله لم يظهر منهم خلاف الا التردد عن بعض في اعتبار الفورية فيه حال العلم بالعتق والخيار وفوريته، اختلفت كلماتهم في حال الجهل بواحد منها.

[ 344 ]

ففى الحدائق بعد نقل ظهور اتفاق الاصحاب على اعتبار الفورية والاستشكال فيه بعدم الوقوف على دليل معتمد قال: " وكيف كان، فالظاهر كما صرح به جملة منهم انه لو اخرت الفسخ جهلا بالعتق أو جهلا بالخيار فانه لا يسقط خيارها فتعذر في عدم الفورية وهل تعذر مع الجهل بالفورية احتمالان العدم لاندفاع الضرر مع العلم بالخيار ولاشعاره بالرضا حيث علمت الخيار واخرت، والمعذورية لاحتمال كون التاخير لفائدة التروي ونحوه حيث لا تعلم باشتراط الفورية، والتاخير لا يكون دليلا على الرضا الا مع العلم باشتراط الفورية والا فلا " انتهى. وفيه انه بعد تسليم اعتبار الفورية فيه لا وجه للتأمل في سقوط الخيار في الصورة الاخيرة إذ مرجع اعتبار الفورية فيه على فرض ثبوته الى الوضع لا التكليف، والا لزم ثبوته مطلقا وحرمة التأخير مع العلم فلا محل للعذر وعدمه ضرورة انهما من توابع الاحكام التكليفية لا الوضعية وقد اشتهر اشتهار الضروريات انه لا تختلف الوضعيات باختلاف العلم والجهل. ومن هنا ظهر الامر في صورة نسيانها، ولا يمكن اخذ العلم بفورية الخيار أو الالتفات إليه ماخوذ في ثبوت فوريته، لاستلزامه الدور المحال نعم يمكن اخذ العلم بالعتق وايجابه الخيار ماخوذا في موضوع الحكم بفوريته على مختارهم، من انه حق، ولكنه لم يقم عليه دليل كما لم يقم دليل على اعتبارها اصلا. ومنها: انه لو كان للمالك جارية قيمتها مأة فزوجها بمأة، وهو يملك مأة اخرى ثم اعتقها في مرض موته أو اوصى بعتقها يكون لها رد التزويج مطلقا سواء دخل بها زوجها ام لم يدخل بها، ولا يمنع من الرد عدم الدخول الموجب لسقوط المهر، وعدم نفوذ العتق الا في ثلثيها لما عرفت من ان عتق البعض كعتق الكل في تزلزل العقد، وعدم استقراره ايجاب الخيار في الرد والامضاء فما عن القواعد وغيرها من عدم الفسخ لها قبل الدخول، والا لسقط المهر حينئذ فتصير الجارية نصف ماله، فيبطل عتق بعضها وهو ثلثها فيبطل خيارها المعتبر

[ 345 ]

فيه عتقها اجمع، فيدور الفسخ الى الفساد، ويكون مما يستلزم وجوده عدمه مبنى على كون الخيار في المقام حقا تعبديا مترتبا على عتق الكل، وقد ظهر لك خلافه. ومنها: ان عتق العبد كعتق الامة موجب لتزلزل العقد، وثبوت الخيار إذ بعد ما انكشف لك ان الموجب للخيار تزلزل العقد المسبب عن استقلال احد طرفيه، أو انتقاله عن المالك المزوج الى غيره انكشف لك مساواتهما في الحكم، وعدم الفرق بينهما. ومن هنا يختار مشترى العبد في امضاء التزويج ورده، وليس هذا قياسا لان الحكم ليس تعبديا بل موافق للاصل الجارى في الموردين، فالاقتصار في الخيار على عتق الامة من جهة اختصاصه بالدليل وعدم وروده في عتق العبد كما عن الاكثر في غير محله كما ان التفصيل بين بقاء الزوجة على الملكية حينئذ وعدمه، أو بين اجبار العبد على التزويج واختياره له باثبات الخيار في الصورتين الاوليين دون الاخريين في غير محله ايضا مع ان التفصيل الثاني غير معقول في حد نفسه لان اختيار العبد لو كان موجبا لنفوذ التزويج لكان اكراهه مانعا عنه، فكما ان اكراهه عليه لا يقدح في نفوذه، فكذا اختياره اياه لا يؤثر فيه. والحاصل ان رقبة العبد كما توجب سقوط اكرهه عن تأثير المنع، فكذا توجب سقوط اختياره عن التأثير في النفوذ، ولا يجوز التفكيك بينهما لان الموجب لسقوطهما عن التأثير عدم استقلال الشخص في نفسه، كما ان الموجب لتاثيرهما استقلاله في نفسه فتفكيك احدهما عن الاخر خلف، وتفكيك للشئ عن نفسه. وقد ظهر مما بيناه انه يثبت الخيار لكل واحد من العبد والامة، فيما إذا اعتقا معا دفعة أو ترتيبا كما يثبت الخيار لكل من المشتريين، فيما إذا بيعا كذلك فما شاع من تخصيص الامة بالخيار حينئذ في غى محله، هذه جملة من الفروع المترتبة على ما بنينا عليه المخالفة للفروع المترتبة على ما بنوا عليه، وهناك فروع اخر مترتبة على الاصلين يختلف بعض احكامها باختلافهما، فينبغي التنبيه عليها.

[ 346 ]

منها: انه لا فرق في ثبوت الخيار بين حدوث العتق قبل الدخول وبعده، فلو اعتقت بعد الدخول، يثبت المهر لمولاها مطلقا سواء اختارت القيام مع زوجها ام لا، لاستقراره بالدخول بها حال كونها في ملكه، ولو اعتقت قبله، واختارت الفراق سقط المهر المسمى، لان فراقها عن زوجها، انما ثبت من قبل مولاها، فهو باعتاقه اياها فرقها عن زوجها وازال حبله عنها، ومقتضى ثبوت الحيلولة من قبله سقوط المهر الذى سماه هو. ولا فرق في ذلك بين اختيارها الفراق قبل الدخول بها وبعدها بان لم تعلم بعتقها أو بحكمه حتى دخل بها زوجها، ثم علمت فاختارت الفراق، وان افترقا في ثبوت مهر المثل في الصورة الثانية دون الاولى وان اختارت القيام ثبت المهر المسمى من غير فرق بين اختيارها القيام قبل الدخول، وبعده ولكن المهر المسمى في هذه الصورة، ومهر المثل في الصورة السابقة انما يرجعان الى المعتقة لا مولاها لانقطاعها وانقطاع التزويج عنه بمجرد العتق ونفوذه انما يكون من قبل امضائها، فلا وجه لرجوع المهر المسمى المترتب على التزويج النافذ من قبلها لا قبل مولاها إليه لا إليها كما انه لا وجه لرجوع مهر المثل المترتب على الدخول مع انقطاعها عن مولاها إليه ايضا. وهذا مقتضى ما بنينا عليه، واما على ما بنوا عليه من ان الخيار في المقام سلطنة على حل العقد النافذ واقراره، فاختاروا ثبوت المهر للسيد في صورة وقوع العتق قبل الدخول، واختيارها المقام بناءا على ثبوته بالعقد كما هو التحقيق ولها بناءا على ثبوته بالدخول. واما في صورة اختيارها الفراق بعد الدخول ووقوع العتق قبله بان لم تعلم به أو بحكمه حتى دخل بها، فمقتضى ما بنوا عليه اتحاده مع ما تقدم في الحكم ايضا من ثبوت المسمى للسيد بناءا على وجوبه بالعقد ولها بناءا على وجوبه بالدخول ولكن عن التحرير والمبسوط انه يثبت لها حينئذ مهر المثل لاستناد الفسخ الى العتق

[ 347 ]

ولم يستقر المسمى قبله فالوطي خال عن النكاح، بل لابد ان يكون مهر المثل لها لا للمولى، وهو لايتم الا على الاصل الذى اصلناه، ولذا استشكله في الجواهر بنائا على ما بنوا عليه بان الموجب للانفساخ هو الفسخ لا العتق ومنها: ثبوت الخيار لها إذا اعتقت في العدة الرجعية بناءا على بقاء الزوجية فيها، وعدم زوالها الا بانقضائها كما هو التحقيق، وحينئذ فان اختارت الفراق تبطل الزوجية الباقية الغير المستقرة فتسقط الرجعة ولا تبطل العدة، ولكنها تتم عدة الحرة لصيرورتها كذلك وان اختارت المقام تنفذ الزوجية الغير المستقرة، فتصح الرجعة وليس لها اختيار الفراق بعد اختيارها المقام، وان قلنا بعدم بقاء الزوجية في العدة الرجعية لا خيار لها حينئذ لا ردا ولا امضاءا، فما يظهر من بعضهم من جواز الفسخ دون الاقرار حينئذ لا يرجع الى محصل. ومما بيناه ظهر عدم ثبوت الخيار لها إذا اعتقت في عدة الطلاق البائن، ولو اعتقت ولم تختر القيام ولا الفراق لعدم العلم به أو بحكمه، ثم طلقت رجعيا أو بائنا فمقتضى ما بنينا عليه وقوع الطلاق موقوفا، فان اختارت القيام صح الطلاق، وترتبت عليه اقره من الرجعة أو البينونة، والا بطل ومقتضى ما بنوا عليه صحة الطلاق ونفوذه مطلقا، وثبوت الخيار لها في الرجعى وسقوطه في البائن. فما عن العلامة قده في القواعد، من ايقاف الطلاق البائن، فان اختارت الفسخ بطل والا وقع انما يتم على الاصل الذى اصلناه، ان كان المراد من قوله " والا وقع " اختيار القيام لا عدم اختيار الفراق والا لايتم على الاصلين. واما ما عن المبسوط من احتمال بطلان الطلاق لانها غير معلومة الزوجية، وعدم وقوع الطلاق موقوفا، وانه اللائق بمذهبنا فهو صريح فيما بنينا عليه من تزلزل الزوجية بالعتق ولكن حكمه ببطلان وقوف الطلاق في غير محله لان الممنوع منه انما هو فيما إذا صادف التزويج المستقر، واما وقوفه باعتبار تزلزل موضوعه وعدم استقراره فمما لم يقم دليل على نفيه ومنعه.

[ 348 ]

ومنها: عدم الفرق في ثبوت الخيار لها بين كونها تحت عبد أو تحت حر. اما على ما بنينا عليه من تزلزل العقد، وعدم استقراره بسبب العتق، وحصول الاستقلال فلا يعقل التفصيل بينهما، واما على ما بنوا عليه من كونه حقا شرعيا فالتفصيل معقول ولكن الروايات دلت على ثبوت الخيار في الصورتين، فانها بين مطلقة ومصرحة بالتسوية بينهما وواردة فيما إذا كانت تحت عبد وفيما إذا كانت تحت حر. اما المطلقة، فصحيح الكنانى عن الصدق عليه السلام: " ايما امرئة اعتقت فأمرها بيدها ان شائت اقامت معه، وان شائت فارقته " واما المصرحة بالتسوية فرواية محمد ابن آدم عن الرضا (ع) " إذا اعتقت الامة ولها زوج خيرت ان كانت تحت عبد أو حر " ومثله خبر الشحام عن ابى عبد الله (ع). واما الواردة فيما إذا كان الزوج عبدا فالروايات المتضمنة لقضية بريرة المشهورة، فان زوجها على اكثر الروايات كان عبدا، واما الواردة فيما إذا كان الزوج حرا فموثق ابن بكير عن ابى عبد الله (ع) " في رجل حر نكح امة مملوكة، ثم اعتقت قبل ان يطلقها قال: هي املك بنفسها " فتفصيل بعض الاصحاب قدس سرهم بين الصورتين وقصر الحكم على ما إذا كانت تحت عبد استنادا الى اصالة لزوم العقد، والاقتصار على القدر المتيقن مما خالف الاصل في غير محله. اما على ما بنينا عليه فواضح لعدم المجرى للاصل المزبور حينئذ واما على ما بنوا عليه فلانقطاعه بالروايات المتقدمة، وتضعيفها في غير محله اما على مصطلح المتأخرين، فلصحة خبر الكنانى. واما على مصطلح قدماء الاصحاب قدس سرهم من ان الصحيح ما يصح العمل به لاجل الوثوق والاطمينان بصدوره عن المعصومين عليهم السلام فاخبار الكتب الاربعة كلها صحيحة، وقد حققنا في محله تفصيل الكلام فيها بما لا مزيد عليه.

[ 349 ]

ومنها: انه لا فرق في ثبوت الخيار لها في رد عقد النكاح بين الدائم والمنقطع لاتحاده مع الدائم في الحقيقة، وافادة ملك الانتفاع لا المنفعة فما بيناه الدائم منه جار في المنقطع منه بعينه، فلا يعقل التفصيل بينهما فيما نحن فيه. فان قلت: العقد المنقطع كعقد الاجارة ولذا عبر عن المتمتعات بالمستاجرات وعن مهورهن بالاجور ويلحقه بعض احكامها من وجوب ذكر الاجر، والمدة وتوزيعه عليها فيقرب حينئذ لحوقه بالاجارة في الحكم من حيث استثناء المنفعة المستأجرة عن العتق ووقوعه مسلوب المنفعة. قلت التعبير بالاستيجار والاجر كالتعبير بالاشتراء باغلى ثمن في طرف الدوام مبنى على ضرب من التأويل والتنزيل ووجوب ذكر المدة والمهر، وتوزعه عليها لا يوجب لحوق بالاجارة فيما نحن فيه لان سبب استثناء المنفعة عن العتق بالاجارة المتقدمة كونها من قبيل ملك المنفعة لا الانتفاع، والعقد المنقطع كالدائم من قبيل ملك الانتفاع لا المنفعة كما هو ظاهر. فاحتمال التفصيل بينهما في غير محله مع ان النصوص مطلقة ولا مقيد لها، فالتفصيل بينهما ولو على مبنى الاصحاب في غير محله ايضا. نعم قد يتأمل في توزيع المهر فيه بسبب الفسخ، والظاهر توزعه به هذه جملة من الفروع المشتركة.

[ 350 ]

(فائدة - 48) قال الشهيد قده في اللمعة: " يجوز ابتياع جزء معلوم النسبة مشاعا تساوت اجزائه أو اختلفت، إذا كان الاصل معلوما، فيصح بيع نصف الصبرة المعلومة، ونصف الشاة المعلومة، ولو باع شاة غير معلومة من قطيع بطل ولو باع قفيزا من صبرة صح وان لم يعلم كمية الصبرة فان نقصت تخير المشترى بين الاخذ بالحصة وبين الفسخ " وقال الشهيد الثاني قده في الشرح: " واعلم ان اقسام بيع الصبرة عشرة ذكر المصنف بعضها منطوقا، وبعضها مفهوما وجملتها انها اما ان تكون معلومة المقدار أو مجهولة فان كانت معلومة صح بيعها اجمع وبيع جزء منها معلوم مشاع وبيع مقدار كقفيز تشتمل عليه، وبيعها كل قفيز بكذا لا بيع كل قفيز منها، والمجهولة يبطل بيعها في جميع الاقسام الخمسة الا الثالث وهل ينزل القدر المعلوم في الصورتين على الاشاعة، أو يكون المبيع ذلك المقدار في الجملة وجهان، اجودهما الثاني. وتظهر الفائدة فيما لو تلف بعضها فعلى الاشاعة يتلف من المبيع بالنسبة وعلى الثاني يبقى المبيع ما بقى قدره ". اقول، وفى الصحيح: " رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن في انبار بعضه على بعض من اجمة واحدة وفى الانبار ثلثون الف طن، فقال البائع قد بعتك

[ 351 ]

من هذا القصب عشرة آلاف طن فقال المشترى: قد رضيت واشتريت فهو اعطاه من ثمنه الف درهم ووكل المشترى من يقبضه فاصبحوا وقد وقع في القصب نار فاحترق منه عشرون الف طن فقال: عليه السلام الباقي للمشترى والمحترق من البائع ". والرواية صريحة في عدم الاشاعة، ولكن استشكل بعضهم صحة البيع حينئذ من حيث جهالة عين المبيع فيه الموجبة للغرر المنهى عنه الموجب لفساد المعاملة جزما. اقول: ان كان المبيع هو الفرد الشخصي المردد بين افراد متعددة مع عدم رجوعه الى جزء مشاع لزم الجهالة في عين المبيع على وجه الابهام الموجب لبطلان البيع عقلا وشرعا لا على وجه الغرر المنهى عنه شرعا، وان كان المبيع الكلى المنحصر افراده في جملة معينة المعبر عنه بالكلى الخارجي لا يلزم الجهالة في عين المبيع لا جهالة الابهام ولا جهالة الغرر. فان قلت: ما في الخارج لا يكون الا فردا، ولا يعقل ان يكون مافى الخارج كليا باقيا على عمومه واشتراكه، فان كان المبيع كليا لا يعقل ان يكون خارجيا، وان كان المبيع خارجيا لا يعقل ان يكون كليا، وتوصيف احدهما بالاخر مناقضة محضة. قلت: متعلق البيع حينئذ انما هو الكلى المقيد بوفائه من اعيان خارجية معينة، وتوصيف الكلى بالخارجى باعتبار تقييده من حيث الوفاء بالاعيان المعينة في الخارج، فلا يتنقاضان، فالمبيع حينئذ عند التحقيق هو ما في الذمة لكن بقيد وفائه من اعيان معينة، ولذا يلزم البيع ويبقى المبيع ما بقى مقدار يمكن وفاء المبيع معه على هذا الفرص. ومن جملة الثمرات المترتبة، انه على هذا الفرض يتعين المبيع بتعين البايع.

[ 352 ]

واما على الاشاعة فانما يتعين بالتقسيم المتوقف على اختيار الطرفين. ومن جملتها انه لو عابت بعض الصبرة وما بمنزلتها قبل القبض وبقى منها مقدار المبيع غير معيب وجب على البائع الوفاء منه على هذا الفرض. واما على الاشاعة فيقسم بينهما السالم والمعيب كل حسب حصته وان كان البائع ضامنا للعيب الحادث حينئذ ويتخير المشترى في فسخ البيع وعدمه، واخذ الارش.

[ 353 ]

(فائدة - 49) قال في الشرايع: " من تيقن الحدث وشك في اظهارة أو تيقنهما، وشك في المتأخر منهما تطهر. اقول انما يتم هذا إذا لم يكن تاريخ الطهارة معلوما ولم يعلم بان الحالة السابقة على الحالتين هي الحدث واما إذا علم تاريخ الطهارة فتستصحب الطهارة حينئذ ولا يعارضه العلم الاجمالي بحدوث الحدث لانحلاله، ورجوعه الى الشك البدوى ضرورة انه لا اثر للحدث ان وقع قبل تاريخ الطهارة، فالعلم بالحدث المردد بين ان يكون قبل تاريخ الطهارة أو بعده لم يكن له اثر على كل تقدير حتى يوجب اشتغال الذمة برفعه، فلا مجال لاستصحاب الحدث المعلوم بالاجمال لا ينقلب بالاستصحاب عن كونه معلوما بالاجمال الى كونه معلوما بالتفصيل، بل يبقى على ما كان عليه من الاجمال، فلا يترتب عليه اثر لما ظهر لك من انحلال العلم الاجمالي ورجوعه الى الشك البدوى حينئذ، فلا ينافى استصحاب الظهارة حتى يعارضه مع ان الاستصحاب متقوم بامرين، اليقين بشئ والشك في بقائه وزواله ولا شك هنا في بقاء المعلوم بالاجمال حتى يستصحب بل المعلوم بالاجمال باق على حاله ولم يتطرق فيه شك.

[ 354 ]

فتبين غاية التبين فساد ما يتوهم من جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ ومعارضته مع الاستصحاب الجارى في معلوم التاريخ. فان قلت: انا نعلم قطعا بحدوث حدث في البين، وشككنا في بقائه وزواله من جهة الشك في وقوعه قبل تاريخ الطهارة أو بعده، فيكون زائلا على التقدير الاول وباقيا على التقدير الثاني فيجرى فيه الاستصحاب لتحقق ركنيه وهو اليقين بالحدث والشك في بقائه وزواله. قلت: هذا الشك ليس شكا طاريا على العلم بالحدث بل من لوازم العلم الاجمالي الفعلى بالحدث المردد بين وقوعه قبل تاريخ الطهارة، أو بعده ولو كان شكا طاريا على العلم لزم عدم اجتماعه مع العلم الاجمالي الفعلى، ضرورة ان اجتماع الشك واليقين في باب الاستصحاب ليس على وجه الفعلية بالنسبة الى زمان واحد بل اليقين فيه سابق على الشك ومتعلق بالزمان السابق والشك طار متعلق بالزمان اللاحق لا يجتمع معه اليقين في حال الشك، وانما يؤخذ باثر اليقين السابق، ولا يعتد بالشك الطارى. فانكشف بما بيناه غاية الانكشاف ان الاستصحاب لا يجرى في مجهولي التاريخ لان العلم الاجمالي في كل منهما فعلى، والشك في تأخر كل منهما عن الاخر من لوازم العلم الاجمالي، وانما لا يترتب على العلم بكل منهما كذلك الحكم بالطهارة أو الحدث لتصادم الاحتمالين وعدم رجحان احدهما على الاخر لا لاجل تعارض الاستصحابين وتساقطهما لاجل تكافؤهما كما قد يتوهم. والحكم بلزوم تحصيل الطهارة حينئذ ليس لاجل الحكم بكونه محدثا بل لاجل ان صحة الصلوة وما بمنزلتها تتوقف على الطهارة، فيجب عليه الوضوء لاجل احراز شرط صحة الصلوة، وما بمنزلتها فهو لا محدث ولا متطهر. وكيف كان فقد تبين بما بيناه ان الحكم بالتطهر مطلقا مع الشك في المتأخر

[ 355 ]

منهما كما افاده المحقق (قدس سره) في غير محله. والتحقيق انه يستصحب معلوم التاريخ ان كان كما اوضحنا الكلام فيه والا فان علم بالحالة السابقة على الحالتين بنى على ضدها والا يتطهر، كما اختاره المحقق الثاني وشيخ مشائخنا المحقق الطهراني (قدس الله روحهما) ويظهر من المصنف (قدس سره) الميل إليه في المعتبر، قال فيه: " اما إذا تيقنهما وشك في المتأخر فقد قال الثلثة ومن تبعهم: يعيد الطهارة لعدم اليقين، وعندي في ذلك تردد. ووجه ما قالوا ان يقين الطهارة معارض بيقين الحدث، ولا رجحان فيجب الطهارة لعدم اليقين بحصولها، لكن يمكن ان يقال ينظر الى حاله قبل تصادم الاحتمالين، فان كان حدثا بنى على الطهارة، لانه تيقن انتقاله عن تلك الحالة الى الطهارة، ولم يعلم تجدد الانتقاض وصار متيقنا في الطهارة، وشكا في الحدث " انتهى، وما ذكره (قدس سره) جيد جدا. فان قلت: كما علم ارتفاع الحدث السابق على الحالتين بالطهارة اللاحقة علم حدوث حدث جديد، وشك في المتأخر منهما ولا رجحان لاحد الاحتمالين على الاخر، فيجب التطهر حينئذ كما اختاره الاكثر تحصيلا أو احرازا لشرط صحة الصلوة وما بمنزلتها. قلت: المعلوم حينئذ انما هو حدوث سبب الحدث لا الحدث نفسه إذ الامر مردد بين عروض سبب الحدث عقيب الحدث أو الطهارة، فان فرض عروضه عقيب الحدث فلا اثر له لاشتغال المحل بالمثل وتأثيره الحدث الجديد موقوف على عروضه عقيب الطهارة، وهو غير معلوم فتحقق الطهارة متيقن على كل تقدير، ووجود الحدث الجديد مشكوك فيه، ولا يعارض الشك اليقين. والحاصل ان العلم بعروض سبب الحدث اجمالا إذا لم يكن له اثر على كل

[ 356 ]

تقدير ينحل ويرجع الى الشبهة البدوية. فان قلت: يمكن ان يقال: ان سبب الحدث موجد للحدث على كل تقدير غاية الامر انه إذا كان مسبوقا بالحدث يوجب اشتداد الحدث، لا انه يسقط عن التأثير رأسا. قلت: نعم يمكن ذلك، بل هو كذلك ولكن إذا لم يكن لاشتداد الحدث حكم جديد، فهو في حكم العدم، فان الحدث الاصغر سواء اشتد بسبب عروض اسباب متعددة ام لا، انما يؤثر التكليف بالوضوء مرة واحدة، ولا يؤثر اشتداده ايجاد تكليف آخر. فان قلت: ما ذكرت من ان المعلوم عروض سبب الحدث لا الحدث نفسه، مبنى على كون الحدث امرا معنويا مسببا عن الاسباب المعهودة. واما إذا قلنا: بان الحدث هي نفس الاسباب، فعروض الحدث الجديد متيقن كما ان حصول الطهارة متيقن. قلت: اولا من الواضحات ان الحدث هو المسبب عن الاسباب المعهودة، لان القابل للبقاء والارتفاع بالطهارة انما هو المسبب لا الاسباب. وثانيا بانا لو سلمنا ان الحدث هو نفس الاسباب، فلا يضر بما نحن بصدده، لان الحدث عقيب الحدث لا يؤثر تكليفا جديدا، فهو في حكم العدم، ولذا ترى انهم لا يحكمون بنجاسة الاناء الطاهر بسبب العلم بوقوع قطرة من البول مثلا في احد الانائين اللذين احدهما نجس والاخر طاهر مع التردد بين وقوعه في النجس أو الطهر، بل يحكمون ببقاء الاناء الطاهر على طهارته وعدم وجوب الاجتناب عنه لعدم تأثير العلم الاجمالي تكليفا جديدا، بالنسبة الى الاناء النجس على فرض وقوع البول فيه، فينحل العلم الاجمالي الى الشبهة البدوية حينئذ بالنسبة الى الاناء الطاهر، فيجرى فيه استصحاب الطهارة.

[ 357 ]

فان قلت: ثبوت الحدث عند عروض سببه مقطوع به لانه محدث حينئذ، اما بالحدث السابق أو بالحدث الجديد، فهو متيقن حينئذ بالحدث كما انه متيقن بالطهارة، فيستصحب الحدث المتيقن كما يستصحب الطهارة المتيقنة، فيتعارض الاستصحابان، ويتساقطان لتكافؤهما، فلا بد ان يتطهر حينئذ لاجل احراز شرط صحة الصلوة وما بمنزلتها. قلت: لا مجال لاستصحاب الحدث المردد بين كونه سابقا وحادثا لان السابق قد زال قطعا بالطهارة اللاحقة والحادث مشكوك الحدوث، فلا متيقن حتى يستصحب ضرورة ان الحدث السابق ارتفع بالطهارة ولا شك فيه فالشك انما هو في الحدث الجديد، والشك فيه انما هو في حدوثه لا في بقائه بعد اليقين بحدوثه، والاستصحاب انما يجرى فيما يتيقن حدوثه، وشك في بقائه لا فيما شك في حدوثه. فاتضح بحمد الله غاية الاتضاح ان الحكم بوجوب التطهر مطلقا فيما إذا تيقنهما وشك في المتأخر منهما في غير محله، وان الحق التفصيل كما بيناه وتوهم وقوع الاجماع على وجوب التطهر مطلقا حينئذ باطل من وجهين: الاول وجوب المخالف. والثانى تعليل الحكم به بتعارض اليقينين، وعدم رجحان احدهما لا بالاجماع، ويمكن حينئذ تنزيل اطلاقاتهم على ما بيناه لعدم تعارض اليقينين الا فيما إذا لم يعلم تاريخ احدهما، ولم يعلم الحالة السابقة على الحالتين. وبما بيناه تبين الحال فيما إذا علم بجنابة وغسل وشك في المتأخر منهما، فانه ان علم بتاريخ احدهما اخذ به واستصحبه، وان جهل تاريخهما، فان علم بان حالته السابقة عليهما هي الجنابة بنى على الطهارة، وان علم بان حالته السابقة عليهما هي عدم الجنابة سواء علم بانه متطهرا أو محدث بالحدث الاصغر بنى على الجنابة،

[ 358 ]

وان لم يعلم بالحالة السابقة عليهما فهو لا متطهر ولا مجنب لتعارض اليقينين، وعدم رجحان احدهما فيجوز له اللبث في المساجد وقرائة العزائم لعدم الحكم بكونه جنبا ولا يجوز له الدخول في الصلوة وما بمنزلتها لعدم الحكم بكونه متطهرا، ولا يصح له الدخول فيها الا بالغسل لعدم تأثير للوضوء على كل تقدير. هذا كله إذا كان الغسل غسل جنابة، واما إذا علم بغسل مطلق، فلا يفيده العلم بتاريخه بناء على المشهور من عدم كون مطلق الغسل طهارة، وحينئذ فان علم بان حالته السابقة عليهما هي الجنابة بنى على الطهارة بناء على تداخل الاغسال قهرا. ولو لم ينوها كما هو التحقيق عندنا، وان علم بان حالته السابقة عليهما هي عدم الجنابة أو لم يعلم بها بنى على الجنابة للعلم لها، وعدم العلم بالمزيل. واما بناء على ما اخترناه، وحققناه من كون مطلق الغسل طهارة واجزائه عن الوضوء فلا فرق بين الصورتين. وقد نسب الى العلامة (قدس سره) انه حكم في مورد العلم بالحالة السابقة على الحالتين بالاخذ بالحالة السابقة لا بضدها، وهو اشتباه ناش عن قلة التأمل في اطراف كلامه، فان حكمه (قدس سره) بالبناء على الحالة السابقة انما هو في مورد اليقين بحدوث الحالة المطابقة للحالة السابقة والشك في رافعها. قال في المختلف: " إذا تيقن عند الزوال انه نقض طهارة، وتوضأ عن حدث وشك في السابق فانه يستصحب حاله السابق على الزوال فان كان في تلك الحال متطهرا بنى على طهارته، لانه تيقن انه نقض تلك الطهارة، ونقض الطهارة الثانية مشكوك فيه، فلا يزول اليقين بالشك، وان كان قبل الزوال محدثا فهو الان محدث، لانه تيقن انه انتقل عنه الى الطهارة، ثم نقضها والطهارة بعد نقضها مشكوك فيه " انتهى، فان المفروض في الصورة المذكورة، وهى التوضى عن حدث ونقض طهارة اليقين بما يوافق الحالة السابقة والشك في زواله، فغرضه من استصحاب

[ 359 ]

الحالة السابقة استصحاب الحالة الموافقة للحالة السابقة لا عين الحالة السابقة كما هو صريح كلامه. وقال في القواعد: " ولو تيقنهما متحدين متعاقبين، وشك في المتأخر فان لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر والا استصحبه " انتهى، فان تعاقب الحدث والطهارة عبارة عن وقوع كل منهما عقيب الاخر، ومن المعلوم حينئذ ان الحالة الباقية موافقة للحالة السابقة، واستصحابها عبارة عن الاخذ بها وعدم رفع اليد عنها لا التعويل على الاصل لان موافقة حالته لحالته السابقة حينئذ لا تكون موردا للشك مع فرض اتحادهما وتعاقبهما ومثله ما في المعتبر حيث قال (قدس سره) فيه بعد ان اختار البناء على ضد الحالة السابقة من دون فاصلة: " مسألة: لو تيقن انه تطهر بعد الصبح عن حدث، وتيقن انه احدث، ولم يعلم السابق بنى على الحال التى كان عليها قبل ذلك، لانه ان كان قبل ذلك محدثا، فقد تيقن الطهارة المزيلة للحدث والحدث بعدها وتاخر الطهارة مشكوك فيه، وان كان قبل ذلك متطهرا، فقد تيقن انه نقض تلك الطهارة بالحدث ثم توضأ لان التقدير ان طهارته الثانية عن حدث " انتهى فان غرضه انه احدث عن طهارة، وتطهر عن حدث كما يظهر من تعليله فحينئذ يحصل اليقين بما يوافق الحالة السابقة، ويقع الشك في طرو الرافع عليه. والعجب انه لم ينسب احد الى المحقق (قدس سره) القول بالبناء على وفق الحالة السابقة مع ان عبارة المعتبر كما رأيت كعبارة المختلف بل تعبير المختلف اظهر فيما وجهناه، هذا وقد يتوهم انه اشتهر ان الاصل تأخر الحادث، ومقتضاه الحكم بتأخر مجهول التاريخ عن معلوم التاريخ والبناء عليه دون معلوم التاريخ. وفيه ان التأخر كالتقدم والتقارن مخالف للاصل لانها جهات وجودية والاصل عدمها، وما اشتهر من ان الاصل تأخر الحادث لا اصل له الا ان يراد به ان الاصل

[ 360 ]

تأخر الحادث عن الزمان المشكوك فيه الى الزمان المتحقق وقوعه فيه، يعنى الاصل الاقتصار على القدر المتيقن مثلا إذا علم بانه احتلم اما في هذه الليلة أو الليلة الماضية لا يحكم بوقوعه الا في هذه الليلة لان الاصل عدم وقوعه في الليلة الماضية فيقتصر على القدر المتيقن من ثبوت الجنابة في هذه الليلة ولا قدر متيقن في المقام لا بعد معلوم التاريخ ولا قبله، فلا يحكم بكونه بعده ولا قبله.

[ 361 ]

(فائدة - 50) إذا خرج المقيم عن محل اقامته الى ما دون المسافة وعزم على العود والاقامة الجديدة اتم ذاهبا وآئبا وفى محل الاقامة بلا خلاف معتد به، وإذا عزم على العود من دون اقامة ففيه خلاف، والمسألة كانت ذات قولين بين الاصحاب (قدس سرهم) على ما ذكره في الجواهر. احدهما - التقصير في الا باب ومحل الاقامة والاتمام في الذهاب والمقصد. وثانيهما - التقصير بعد الخروج عن محل الترخص مطلقا، وانما حدث التفصيل في كلمات المتأخرين ومنشا اختلاف القولين على ما ذكره هو وغيره ان القائلين بالتقصير في الاياب زعموا ان الاياب مبدء للسفر الذى من نيته ان يسافر ولا يقيم وجزء منه، والقائلين بالتقصير مطلقا جعلوا الذهاب والخروج عن محل الاقامة مبدءا له وجزء منه، ولم يدعوا نصا في هذا الباب، بل قيل: انه لم تكن المسألة معنونة في كلام من تقدم على الشيخ (قدس سره) واول من تعرض لهذه المسألة الشيخ (قدس سره) في المبسوط، والتحقيق

[ 362 ]

كما اختاره جمع من المحققين الاتمام مطلقا ذهابا وايابا وفى المقصد ومحل الاقامة توضيح الحال فيه يتوقف على تقديم امور: الاول - في ان السفر الموضوع للقصر مفهوم عرفى أو شرعى. والثانى - في ان قصد اقامة العشرة تتوقف على قصد مكان معين ام لا. والثالث - في ان قصد الاقامة هل هو قاطع للسفر أو حكمه. اما الاول - فمن المعلوم ان للسفر حقيقة عرفية واقعية يعرفها اهل العرف، وهو الضرب في الارض أي طى البعد بين المكانين للوصول من احدهما الى الاخر، وتحديد البعد بثمانية فراسخ طولية أو تلفيقية من الذهاب والاياب المنطبق على شغل اليوم ان لم نقل بانه جهة واقعية كشف عنها الشارع. وان خفى على اغلب اهل العرف لدقته وغموضه لا ينافى مع كونه مفهوما عرفيا لان للشارع ان يتصرف في المفاهيم العرفية بالتحديد قلة أو كثرة وجعل شرط أو مانع وهكذا كما تصرف في البيع الذى هو مفهوم عرفى بجعل القبض في المجلس شرطا في خصوص بيع الصرف وجعل الخيار للمشترى الى ثلثة ايام في بيع الحيوان وهكذا. ومن المعلوم ايضا ان موضوع حكم القصر هو هذا المفهوم العرفي قال عز من قائل " وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلوة ". واما الثاني فالتحقيق عدم توقف الاقامة على تحققها في مكان معين، حتى يعتبر في قصدها قصد مكان معين لان الغرض من الاقامه في المقام ضد الارتحال وهو يتحقق بالاعراض عن السفر ورفع اليد عنه، وهو لا يتوقف على الوقوف في مكان معين، بل يكفى فيه البناء على التوقف المضاد للجد المعتبر في السفر عرفا، ومضادة الاقامة للسفر لا تكون امرا تعبديا، وان قلنا بان تحديدها بعشرة ايام تعبد من الشارع، فلا مجال لتوهم اعتبار قصد المكان المعين فيها.

[ 363 ]

واما الثالث فمن المعلوم، ان الاقامة المتحققة عن قصر قاطعة للسفر ضرورة ان مفهوم الاقامة مضادة لمفهوم السفر والارتحال، فالبناء على الاقامة مضاد للبناء على السفر والارتحال، فإذا قصد المسافر الاقامة زال عنه التلبس بالسفر والارتحال، مراعى وانما يستقر بترتيب اثر الاقامة من اقامة صلوة تامة، بل يمكن ان يقال بترتيب اثر الاقامة مطلقا ولو باتيان نافلة الظهر مثلا. وكيف كان فمضادة الاقامة الخارجة عن الحد المتعارف للمسافرين في توقفهم في المنازل والمقصد للسفر امر واضح، لان السفر امر عرفى واقعى يعتبر فيه الجد في الطى طبعا. فإذا توقف المسافر عن السير والطى بحيث خرج عن حد الاشتغال بالسفر عرفا صدق عليه انه مقيم لا راحل ومسافر، غاية الامر ان الكلام في ان الحد المخرج عن صدق السفر هل هو اقامة عشرة ايام في الواقع والشارع كشف عنه، وان خفى على اهل العرف لدقته وغموضه أو يكون التحديد المزبور تعبدا من الشارع وكونه تعبديا لا يوجب صيرورة اقامة عشرة ايام قاطعة للحكم لا الموضوع، وانما يوجب عدم صدق الاقامة المضادة للسفر على اقامة ما دون العشرة واختصاصها باقامة العشرة فما فوقها. إذا اتضح لك ما بيناه اتضح لك ان خروج المقيم الى ما دون المسافة لا يضر بالاقامة بوجه ولا يوجب التقصير مطلقا. توضيح الحال ان الاستشكال في خروج المقيم عن محل اقامته الى ما دون المسافة ان كان من جهة تقوم الاقامة بالمحل الذى نوى الاقامة فيه، وإذا خرج عنه خرج عن كونه مقيما وزال عنه حكم التمام لارتفاع موضوعه فيعود الى التقصير. ففيه ما عرفت من ان الاقامة لا تتقوم بالمحل ولا يعتبر في تحققها قصد مكان

[ 364 ]

معين، مع انه لو سلمنا ذلك فلا وجه لعود حكم التقصير لانقطاع السفر بالاقامة ولا يعود بزوال الاقامة السفر الاول حتى يعود التقصير فهو حينئذ لا مقيم ولا مسافر وحكمه التمام لان فرض التمام لا يحتاج الى بقاء الاقامة، بل يكفى فيه عدم كونه مسافرا سواء صدق عليه عنوان المقيم ام لا، وليس عنوان المقيم والمسافر من قبيل الضدين لا ثالث لهما، حتى يقال انه لا يخلو الشخص من احدهما. وتوهم ان المقيم مسافر في حال الاقامة، وانها قاطعة للحكم لا الموضوع في غاية السخافة ضرورة ان الاقامة مضادة للسفر، ولا تكون من قبيل كثرة السفر مانعة عن الحكم وقاطعة له مع بقاء السفر. فان قلت نعم الاقامة لا تتقوم بالمحل، ولا يعتبر فيها قصد مكان معين، ويجوز له ان يقصد الاقامة من دون تعيين مكان كما يجوز له ان يقصدها في مكان معين، فان قصدها من دون تعيين مكان وقعت مطلقة. وان قصدها مع تعيين مكان وقعت مقيدة. فإذا خرج حينئذ عن محل اقامته الذى نوى الاقامة فيه بطلت اقامته، ورجع الى حكم التقصير لان التمام انما شرع لاجل الاقامة. قلت: بعدان ظهر لك ان الاقامة المضادة للسفر عبارة عن رفع اليد عن السفر والاعراض عنه ظهر لك انها صفة للشخص، ولا تعلق له بالمكان اصلا، فلا يتقيد بمكان مخصوص باعتبار قصد التوقف فيها، ولو كانت الاقامة متعلقة بالمكان لم تتحقق الا بقصد مكان معين، فمع فرض جواز تحققها من دون تعيين محل كاشف عن عدم تعلقها به، فلا مجال للتقييد به حينئذ. ثم انه لو سلم تقييد الاقامة بالمحل، فلا وجه لعود حكم التقصير بسبب خروجه عن محل اقامته، لانه حكم السفر ولا يعود السفر بعد انقطاعه بالاقامة حتى يعود التقصير، وليس الحكم بالتمام لاجل الاقامة بل لاجل زوال السفر بالاقامة.

[ 365 ]

وان كان الاستشكال من جهة توهم ان الخروج عن محل اقامته الى ما دون المسافة أو الاياب عنه مبدءا للسفر الذى من قصده ان ينشاه بعد بعد وصوله الى محل اقامته، فهو في غير محله ايضا ضرورة ان المفروض انه لم ينشا السفر حين الخروج في محل اقامته الى ما دون المسافة مع نية عوده إليه ولا حين ايابه وعوده إليه، فكيف يصير جزا ومبدءا للسفر الذى لم ينشأه بعد. فاتضح بما بيناه غاية الاتضاح ان التحقيق الاتمام مطلقا ذهابا وايابا، وفى المقصد ومحل اقامته، كما انه اتضح ايضا عدم الفرق بين ان يبدو له الخروج الى ما دون المسافة بعد استقرار اقامته باتمام فريضة واحدة أو قبل استقرارها، وبين نية الخروج في حال نية الاقامة أو بعدها. لما اتضح لك انه لا يعتبر في نية الاقامة قصد مكان معين، وانه انما تزول الاقامة بالسفر لا بالخروج الى ما دون المسافة: فما يظهر من كلمات بعضهم ان الخروج الى ما دون المسافة قبل استقرار الاقامة باتمام فريضة واحدة مخل بالاقامة، وقاطع لها سواء نوى اقامة جديدة بعد العود الى محل الاقامة ام لا في غير محله، لان الخروج الى ما دون المسافة ليس مضادا للاقامة حتى تبطل به، ولا يكون مجال لاستقرارها باتمام فريضة وكذا ما يظهر من كلمات بعضهم ايضا من التفصيل بين نية الخروج الى ما دون المسافة في حال الاقامة، وبعدها والحكم بوجوب القصر أو الاحتياط بالجمع في الصورة الاولى إذا كان من نيته المبيت بليلة أو ازيد، لما تبين لك من ان نية الخروج الى ما دون المسافة لاتضاد الاقامة بوجه، فلا مجال للتفصيل بين وقوعها في حال الاقامة وبعدها. وبما بيناه تبين ايضا ان لو كان مترددا في العود وعدمه أو ذاهلا عنه، فالحكم الاتمام لتحقق الاقامة الموجبة للاتمام وعدم مزيل لها.

[ 366 ]

والحاصل ان الحكم في جميع الصور التى ذكروها في هذه المسألة الاتمام، الا إذا رجع متلبسا بالسفر في حال رجوعه، ويكون مروره على محل الاقامة من جهة انه منزل من منازل سفره، وكذا إذا كان في حال خروجه متلبسا بالسفر، ويكون عوده الى محل اقامته من قبيل رجوع المسافر الى بعض منازل سفره لقضاء حاجة له، لكن الاحوط حينئذ الجمع في حال خروجه وفى المقصد.

[ 367 ]

(فائدة - 51) في جواب ما اورده بعض افاضل العصر، فقال (سلمه الله تعالى) ما محصله: ان فعل الفاعل لا يمكن ان يستند الى غيره بوجه من الوجوه، والذى يصح ان يستند إليه هو المعنى المنتزع عن منشا انتزاعه أي المنشا فهو يجيز المبادلة القائمة بالمالين، واسناد الاجازة الى العقد بالمعنى المصدرى تسامح وانما تستند الى العقد بمعنى اسم المصدر والامر المنتزع المتزلزل ثابت ابدا لصدور منشا انتزاعه، ويخرج عن التزلزل باجازة من له الامر وليس له الرد أي ابطال العقد واعدامه، لان منشا الانتزاع علة تامة للامر المنتزع ولا ينقلب منشا الانتزاع عن الوقوع الى اللاوقوع وتفكيك العلة التامة عن المعلول غير معقول. وانما الذى للمالك هو الاجازة وعدمها وبالاجازة يتم العقد ومع عدمها يبقى على تزلزله، والرد لا اثر له ولازم ذلك نفوذ العقد من حين الاجازة من غير فرق بين كون المجيز مالكا حين العقد ام لا. ثم قال: " توضيح الامران العلة الفاعلية للعقد هي الموجب والقابل، والالة هي الصيغة المشتملة على الايجاب والقبول وهى علة تامة لتحقق جسد العقد مطلقا، والعلة المادية هي المعقود عليه وبه، والاصيل انما يرجع إليه تنفيذ جسد العقد، واتمامه لرجوع المعقود عليه أو المعقود به إليه، ولا دخل له في فعل الفاعل بوجه حتى يؤثر رده في ابطاله.

[ 368 ]

وانما المرجع في انشاء جسد العقد هو الموجب والقابل، ولا يعقل تأثير رد الاصيل فيما لا يكون مرجعا فيه مع ان الانشاء لا ينقلب عما وقع عليه، وهو علة تامة لتحقق المنشأ، ولو متزلزلا فلا يعقل زواله مع عدم تطرق خلل في علته، نعم لو عقد الاصيل لغير من عقد الفضول له أو تلف محل العقد قبل اجازة الاصيل، لا يبقى مجال للاجازة، فيصير العقد الفضولي باطلا ". ثم قال: " ويترتب على ما بيناه امور: الاول ثبوت التنفيذ للاجازة من حين تحققها لا من حين العقد. الثاني انه لا سلطنة للاصيل على الرد، وانما له السلطنة على الاجازة وعدمها الثالث نفوذ العقد بالمعنى اسم المصدرى بسبب اجازة الاصيل. الرابع نفوذ العقد بالمعنى المذكور بعد الرد باجازة من له الاجازة كما يدل على ذلك صحيحة محمد ابن قيس الواردة في هذا المقام، وحمل الرواية على المحامل البعيده مبنى على ما التزموا به من بطلان العقد الفضولي بالرد، وبعد ما عرفت يظهر لك انها منطبقة على القواعد، ولا حاجة الى التأويل. فان قلت: ينافى ما بيناه الرواية الواردة في باب النكاح الدالة على تنفيذ العقد الفضولي بعد موت احد الزوجين، فانها تدل على ان الاجازة ترتبط بالعقد بالمعنى المصدرى، ضرورة ان العلقة قائمة بالزوجين وبموت احدهما لا مجال لتحققها. قلت: الزوجية قائمة بنفس الزوجين أي الجوهر المجرد المعبر عنه بالنفس الناطقة، وبعد موت الشخص لا تنعدم ولذا يحكم بثبوت العدة، وانه لو احيى الميت باحياء الله جل شأنه تبقى الزوجية بحالها، وانقطاع كل منهما عن الاخر بعد العدة انما هو لتنزيل الشارع العلقة منزلة العدم باعتبار عدم امكان جريان آثارها " انتهى. اقول بعون الله تعالى ومشيته: ان للعقد نسبة الى المتعاقدين على وجه الصدور والى المعقود عليه وبه على وجه الوقوع، ولا شبهة في نفوذه ومضيه إذا صدر من اهله ووقع في محله، كما نه لا شبهة في بطلانه إذا وقع في غير محله، وانما اختلفت

[ 369 ]

كلماتهم فيما إذا صدر من غير اهله، فقيل يبطل مطلقا، وقيل يقع موقوفا مطلقا على امضاء الاصيل واجازته. وفصل بعضهم بين عقد النكاح وغيره، ولا شبهة ان القول بوقوعه موقوفا على امضاء الاصيل مبنى على عدم استقرار العقد الصادر من غير اهله في صدوره كذلك إذ مع فرض استقراره في صدوره من غير اهله لا مجال لنفوذه، ومضيه بامضاء الاهل والاصيل، والقول بوقوعه موقوفا. ومقتضى ذلك امور: الاول استقرار العقد الفضولي في البطلان بالرد والابطال كاستقراره في النفوذ بالاجازة والامضاء. والثانى كون الاجازة كاشفة لا ناقلة. والثالث عدم تأثير الامضاء في نفوذ الا ممن كان مرجعا للعقد في زمان صدوره وامضائه. توضيح ذلك غاية الايضاح، يتوقف على بيان امور: الاول: ان استناد العقد الى الاهل لا يكون الا على وجه الصدور كما ان استناده الى المحل لا يكون الا على وجه الوقوع، فتأثير اجازة الاصيل وامضائه في استناد العقد الفضولي إليه ليس الا في جعل صادرا عنه، وانقلابه عن كونه فضوليا غاية الامر ان الصدور من الاصيل حينئذ لا يكون بالمباشرة، بل بالتسبيب كاستناد العقد الصادر عن الوكيل الى موكله مع عدم صدوره عنه بالمباشرة بل الوكالة والاجازة في الحقيقة حقيقة واحدة، وانما يختلفان في التاخر والتقدم، فان الاجازة وكالة متاخرة كما ان الوكالة اجازة متقدمة عند النظر الدقيق. الثاني: ان الافعال على قسمين: ابتدائى اولى وتوليدى انتزاعي ولا يعقل استناد الافعال الانتزاعية التوليدية الى الشخص الا بتوسط استناد منشأ انتزاعها إليه، إذ لو جاز استنادها إليه ابتداءا لزم عدم كونه انتزاعيا توليديا، وهو خلف محال. الثالث: ان الامور الانتزاعية التوليدية على قسمين. منها ما ينتزع حدوثها

[ 370 ]

من حدوث منشأ انتزاعها، كالعقود والطهارة عن الحدث والخبث حيث ان العلقة المتولدة من الايجاب والقبول انما يتولد حدوثها من حدوثهما وهكذا الامر في الطهارة فانها تحدث بحدوث اسبابها. ومنها ما ينتزع وجودها من وجود منشأ انتزاعها بحيث يدور مدار منشأ انتزاعه حدوثا وبقاءا كالفوقية والتحتية المنتزعتين من تقابل الجسمين بحيث لو وقع احدهما لوقع على الاخر. والاول على قسمين ايضا: فمنها ما يكون قارا في حد نفسه ويكون باقيا بعد حدوثه من منشا انتزاعه ما لم يطرء عليه مزيل كالعقود المنتزعة من الايجاب والقبول فانها حادثة بحدوثهما وتكون باقيه ما لم يطرء عليها رافع من جهة انها قارة في حد انفسها ولا تكون في بقائها مسندة الى منشأ انتزاعها الا باعتبار حدوثها ضرورة انه لا تأثير للصيغة في بقاء العقد وعدمه وهكذا الامر في الطهارة المنتزعة من الوضوء والغسل فانهما انما يوجبان حدوث الطهارة ولا تأثير لهما في بقائها وعدمه. ومنها مالا يكون قارا في حد نفسه كالتعليم والتدريس المنتزع من القاء الكلام نحو المستمع فانه حادث بحدوث منشا انتزاعه منقضيا بانقضائه. الرابع: ان الامور المنتزعة مطلقا متحدة مع منشا انتزاعها في الخارج ولا وجود لها وراء وجود منشا انتزاعها ولا ينافى ذلك من بقاء الامور المنتزعة القارة من حدوث منشأها الذى لا يكون باقيا لان الانتزاع فيها انما هو بين الحدوثين وهما متحدان في الخارج ولا يكون بقائها منتزعا مستندا الى المنشا بوجه. الخامس: ان رفع الامر لا يتوقف على رفع منشا انتزاعه، إذا كان حدوثه منشا لانتزاع حدوث الامر المنتزع، ضرورة انه ينتقض الطهارة بالحدث، ويرتفع الحدث بالطهارة من دون تطرق خلل في منشا انتزاعهما، ولا ينافى ذلك مع اتحاد الامر المنتزع من منشا انتزاعه، ولا مع كونه علة تامة للانتزاع، لان الاتحاد والعلية لا يكونان الا بين الحدوثين، ولم يتطرق بالنسبة الى حدوث المنتزع حينئذ خلل حتى ينافيه الاتحاد أو العلية التامة، نعم إذا كان الانتزاع في الوجود لا في الحدوث،

[ 371 ]

فان كان الانتزاع على وجه العلية التامة كانتزاع الفوقية والتحتية من تقابل الجسمين يتوقف رفع الامر المنتزع حينئذ على رفع منشأه والا فلا، بل يتحقق بفقد شرط أو وجود مانع أو مزاحم اقوى أو مماثل. السادس: انه إذا كان الامر المنتزع متزلزلا مراعى موقوفا غير مستقر، فان كان حدوثه منتزعا من حدوث منشا انتزاعه فهو متزلزل موقوف في حدوثه، وإذا استقر استقر فيه صحة أو بطلانا، ولا يعقل ان يستقر في بقائه مع عدم استقراره في حدوثه، لانه مع تزلزله في حدوثه لم يحدث، حتى يحكم عليه بالبقاء مستقرا. السابع: ان العقد الواحد لا ينحل في صدوره ولا في وجوده الى عقود متعددة بالنسبة الى اجزاء الزمان الذى يصلح بقائه فيها، كما ينحل العقد الواحد المتعلق باشياء متعددة الى عقود متعددة حسب تعددها، ضرورة ان ظرف صدور العقد ليس الا زمان حدوثه، ولا تعلق له بسائر الازمنة حتى تحليلا، وكذا وجوده، فان العقد انما يبقى في الازمنة التالية باعتبار انه قار في نفسه فهو باق ما لم يطرء عليه رافع، لا انه يبقى باعتبار تعلقه بالازمنة التالية بحيث إذا طرء عليه المزيل انقلب بعض ما شمله العقد عما وقع عليه اولا، كما هو ظاهر، بخلاف العقد المتعلق باشياء متعددة، فانه متعلق بكل واحد منها في ضمن المجموع، ولذا ينحل الى عقود متعددة حسب تعددها، نعم ينحل عقد الاجازة ونحوه باعتيار الازمنة المتعددة، حيث كان الزمان ركنا فيه ومتعلقا له. إذا اتضحت لك هذه الامور فاعلم انه لا يعقل استناد فعل الفاعل الى غيره على وجه المباشرة بالضرورة، سواء كان الفعل ابتدائيا ام توليديا، واما استناده الى غيره على وجه التسبيب، فكما يجرى في الفعل التوليدى كذلك يجرى في الفعل الابتدائي، والتفكيك بينهما بالقول باستحالة الاستناد في الفعل الابتدائي، وتطرق الاستناد في الفعل التوليدى باطل جدا. ثم ان جعل العقد بالمعنى المصدرى منشا للانتزاع، وبالمعنى اسم المصدرى

[ 372 ]

منتزعا منه في غير محله، فان معنى المادة فيهما واحد، وهو الحدث السازج، ولا اختلاف بينهما من حيث المادة لفظا ومعنى، وانما يختلفان في الهيئة فهيئة المصدر تدل على النسبة الناقصة الى الفاعل أو المفعول، ولذا قد يرد المصدر مبنيا للفاعل وقد يرد مبنيا للمفعول، وهيئة اسم المصدر لاتدل على شئ، وانما هي وقاية للمادة. ومن المعلوم انه لا وجه لانتزاع اسم المصدر حينئذ، ضرورة ان الحدث الواحد لا ينتزع من نفسه، ولا من نسبته الى الفاعل أو المفعول، فان كان العقد بالمعنى المصدرى فعلا ابتدائيا، فهو بمعنى اسم المصدرى كذلك، فما ذكره من استحالة الاستناد الى غير الفاعل على فرض تماميته جار فيهما. ثم ان ما ذكره في وجه استحالة تأثير الرد في ابطال المعنى المتزلزل الحاصل بانشاء الفضول - من ان الانشاء علة تامة له، ولا يعقل انقلاب الانشاء عما وقع عليه، ولا انتفاء المعلول الحاصل منه لاستحالة انفكاك المعلول عن علته التامة - قد عرفت ضعفه، لان المعلول من الانشاء انما هو حدوث المنشا لا وجوده، وابطال المنشا بعد حدوثه لا يوجب انقلاب الانشاء عما وقع عليه. ولا تفكيك المعلول عن العلة، اترى ان حل عقد البيع بالاقالة أو الفسخ بالخيار بوجب خللا في الايجاب والقبول؟ أو انفكاك المعلول عن العلة؟ مع ان تأثير الرد في ابطال العقد المتزلزل ليس بحله واعدامه بعد حدوثه، بل بجعله مستقرا في صدوره من غير اهله، ولازم استقراره في صدوره من غير اهله بطلانه وصيرورته بحكم العدم. توضيح ذلك: انه كما ثبت لذى الخيار باعتبار خياره وسلطنته على عمل نفسه، وعمل طرفه السلطنة على حل العقد واقراره، بحيث إذا اقره ليس له حله، وإذا حله لم يكن مجال لاقراره، فكذلك للاصيل ومن الايه الامر باعتبار سلطنته على نفسه وجهاته وشئونه انفاذ التقلب الواقع في ماله، بحيث إذا رده بطل واستقر في

[ 373 ]

البطلان، وإذا امضاء استقر في الصحة والنفوذ، ولا ينافى ذلك مع كون الانشاء تاما في نفسه ولا مع حدوث المنشا به، لان الحادث به انما هو امر متزلزل ولا ينافى خروجه عن التزلزل واستقراره في الصحة أو البطلان بامضاء الاصيل، أو رده. ولا مجال لان يقال انه لا سلطنة للاصيل على عمل الغير في هدمه وابطاله، إذ كما له السلطنة على اسناد عمل الغير الى نفسه، وجعله صادرا عن نفسه تسبيبا باعتبار تعلقه بما يملكه فكذلك له السلطنة على دفعه عما يرجع إليه باعتبار تعلقه به، ولو كان هذا القدر من التصرف ممنوعا لزم عدم تأثير امضائه في صيرورة عمل الغير عمل نفسه بطريق اولى، لان الامضاء يقلب عمل الغير الى عمل نفسه. واما الرد فلا يقلبه عما هو عليه وانما يجعله مستقرا في صدوره عن الغير، فسلطنة من إليه الامر على امضاء عمل الغير وعدمه انما هو باعتبار تعلقه بما يرجع إليه، لا باعتبار صدوره عن الغير، فلو لم يكون التعلق بما يرجع إليه كافيا في جواز التصرف فيه لزم ان لا يؤثر فيه الامضاء، والرد معا، ولا وجه للتفليك بينهما، وليس مرجع الرد الى قلب الانشاء عن كونه انشاءا ولا الى قلب منشا الانتزاع عن كونه منشا له حتى يحكم باستحالتهما، بل مرجعه الى دفع المنتزع عن التعلق بالاصيل الموجب لاستقراره في البطلان. والحاصل ان السلطنة على العمل تحصل باحد امرين، اما لكونه عمل نفسه مع تعلقه بما يرجع إليه، واما لاجل تعلقه بما يرجع إليه، فكما له السلطنة على عمل نفسه ابقاءا ورفعا، فكذلك له السلطنة على العمل المتعلق بما يرجع إليه ردا وامضاءا، بل مدار السلطنة على تعلق العمل بما يرجع إليه، ولذا لم يكن للفضول هدم عمل نفسه، وهذا في غاية الوضوح ولاجل كمال وضوحه لم يخالف احد من الاصحاب (قدس سرهم) في بطلانه بالرد، وعدم تأثير الامضاء بعده، ولم يعتد احد منهم بما يترائى من رواية محمد بن قيس، واولوها بما ينطبق على القواعد. وبما بيناه تبين ان الاجازة كاشفة لا ناقلة، إذ بعد ما ظهر لك انه لا نسبة للعقد الى

[ 374 ]

الاصيل الا صدوره منه، وان اجازة الاصل انما تؤثر في نسبة صدور العقد إليه، وجعل العقد الصادر عن الفضول صادرا " من الاصيل يظهر لك انه لا مجال للقول بالنقل، لان العقد له صدور واحد، ولا تعلق له الا بزمان وقوع العقد. وتوهم انحلال صدور العقد الى صدورات متعددة باعتبار تعدد الازمنة التالية قد عرفت فساده، وايضا استناد الامر المنتزع في الصدور الى الاصيل من دون استناد منشاه إليه غير معقول، ومناف للانتزاع والتوليد، فاستناد الامر المنتزع في الصدور أو الوجود انما يكون باستناد منشاه إليه، ولا استناد لمنشا الانتزاع بزمان الامضاء حتى تصير الاجازة ناقلة. ومنه يظهر لك انه يجب ان يكون المجيز مرجعا للعقد في زمان صدوره، كما يجب ان يكون مرجعا له في حال الاجازة، غاية الامر انه يكفى في المرجعية في زمان الصدور رجوع متعلق العقد إليه بالملكية ونحوها وان لم يكن تاما نافذ الاقرار في هذا الحال كالصغير والسفيه والمكره وهكذا. فان قلت: ما ذكرت من ان الاجازة كاشفة لا ناقلة، وان المجيز يجب ان يكون مرجعا للعقد في زمان صدوره، وامضائه ينافى مع ما اخترته من ان مرجع خيار مشترى الامة المزوجة في حل التزويج وتقريره الى السلطنة على امضاء العقد ورده، وكذا خيار الامة المزوجة بعد عتقها، إذ لا يكون كل منهما مرجعا للعقد الصادر من المولى في زمان صدوره، ولا تكون اجازته كاشفة عن استقراره عقد التزويج في زمان صدوره. قلت: لا منافاة بينهما لان عقد التزويج انما يصير فضوليا، أو في حكم الفضولي بعد عتق الامة أو اشترائها من مولاها، وكل منها مرجع للعقد بعد العتق أو الاشتراء وتكون اجازته كاشفة عن استقرار العقد بعد تزلزله، واما حال صدوره من المولى فهو نافذ تام، ولا يكون متزلزلا حتى يتطرق فيه ما يوجب استقراره في النفوذ أو البطلان فان قلت قد ذكرت ان العقد لا ينحل الى عقود متعددة باعتبار اجزاء الزمان الا إذا كان الزمان ركنا فيه، ومتعلقا له كعقد الاجارة، وعقد التزويج لا تعلق له

[ 375 ]

بالزمان والدوام فيه اقتضائي، ولا يكون قيدا زائدا فلا ينحل باعتبار تعدد اجزاء الزمان ويكون امرا واحدا تحقيقا وتحليلا، فلا يعقل ان يقبل النفوذ والتزلزل، مع بقائه على وحدته وعدم انحلاله الى متعدد. قلت: اتصافه بالنفوذ والتزلزل على وجه التعاقب باعتبار اختلاف الطرف، كاتصافه باللزوم والجواز كذلك لا يتفرع على اوله الى متعدد وانحلاله إليه، وانما لا يقبل اتصافه بهما في زمان واحد لاوله الى التناقض. فان قلت: الاجازة كما ذكرت انما تتعلق بصدور العقد، لانها تجعل العقد الصادر من الفضول صادرا من الاصيل، فلا مجال لتحققها في المقام لانه صادر من الاصيل، ولا ينحل صدوره الى صدورات متعددة حتى يتطرق النفوذ والتزلزل معا باعتبار تعدده تحليلا. قلت: الصادر الواحد مع بقائه على وحدته، وعدم انحلاله الى متعدد إذا تعلق بمرجعين، ولو ترتيبا لا يمتنع ان يتطرق فيه النفوذ بالنسبة الى احد المرجعين، والتزلزل بالنسبة الى الاخر فينفذ باجازته بالنسبة إليه ايضا، فكما ان تزويج الامة المشاعة بين موليين باذن احدهما مع وحدته، وعدم تطرق التعدد فيه، ولو بالكسر نافذ في صدوره بالنسبة الى الاذن منهما ومتزلزل فيه بالنسبة الى الاخر، ولا امتناع في اجتماع النفوذ والتزلزل فيه، باعتبار اختلاف الطرف فكذلك في المقام، فان قلت: الامر في المقام ليس كذلك، لنفوذه في صدوره وعدم التزلزل فيه بوجه، وانما تزلزل في بقائه فلا سبيل لتعلق الامضاء بالصدور حينئذ. قلت مقتضى تزلزل عقد التزويج في بقائه عند تعلقه بالمرجع الثاني صيرورته محلا لامضائه ورده، فبالامضاء يصير صادرا من حين تزلزله من المرجع الثاني على وجه التسبيب لا المباشرة فافهم واغتنم، فانه في غاية الدقة والنفاسة. فان قلت: إذا كان الامر كذلك، فلم لا يجوز تنفيذ عقد البيع من حين الاجازة إذا كان مرجعا له حينها، ولو لم يكن مرجعا له حين وقوعه.

[ 376 ]

قلت: الوجه في عدم جواز كون الاجازة ناقلة من حينها لا من حين العقد، إذا كان مرجعا له حينه انه يلزم حينئذ تزلزل العقد في حال حدوثه واستقراره في بقائه، وهو محال لان البقاء فرع الحدوث، فإذا كان متزلزلا في حدوثه ولم يستقر فيه، فكيف يستقر في ببقائه، ضرورة انه إذا لم يثبت الحدوث،، فكيف يثبت البقاء واما إذا لم يكن مرجعا له من حينه، ثم صار مرجعا له بسبب انتقال المبيع أو الثمن إليه، فالوجه فيه استقرار العقد في البطلان حينئذ لان العقد حين وقوعه من جهات المنتقل عنه، وشئونه، فإذا لم يمضه المنتقل عنه حتى خرج المبيع أو الثمن عن ملكه استقر العقد في البطلان، وإذا بطل العقد في حدوثه بالنسبة الى المنتقل عنه فلا مجال للبقاء حينئذ بالنسبة الى المنتقل إليه، حتى يتطرق فيه الامضاء فلو نفذ العقد حينئذ باجازة من انتقل إليه من حين انتقاله إليه، أو من حين امضائه لزم تأثير الامضاء في انقلاب زمان الصدور وجعل العقد الصادر في زمان صدوره صادرا من حين انتقال المبيع أو الثمن إليه أو من حين اجازته وهو محال. تنبيهان: الاول - انك قد عرفت ان عقد الاجارة ينحل الى عقود متعددة باعتبار اجزاء الزمان لكونه ركنا فيه ومتعلقا له، فلو آجر البطن الاول العين الموقوفة في مدة معينة، وانقرضوا في اثنائها فلا ينبغى الاشكال في صيرورته فضوليا بالنسبة الى البطن الثاني في بقية المدة، ما لم يكن المؤجر ناظرا على البطن الثاني، فالقول ببطلان عقد الاجارة حينئذ باعتبار انه لا محل لامضائه على القول بالكشف لعدم تزلزله حال صدوره في غير محله، لانحلاله الى عقدين، باعتبار زمان استحقاق البطن الاول، وزمان استحقاق البطن الثاني واختلافهما، فاحد العقدين اللذين ينحل اليهما العقد الواحد المتعلق بالزمانين، متزلزل في حدوثه وصدوره، فيستقر في الصحة والنفوذ بامضاء اهله وهو البطن الثاني، كما يستقر البطلان بردهم.

[ 377 ]

والثانى - انه ليس المراد من كون الاجازة كاشفة لا ناقلة، انها تكشف عن ان العقد حال وقوعه، وقع نافذا ولم نعلم به والاجازة كشفت عنه، إذ من المعلوم ان العقد الصادر عن الفضول قبل لحوق الاجازة والرد متزلزل واقعا لا انه مستقر واقعا اما في الصحة أو البطلان، ولحوق الاجازة أو الرد كاشف عنه، ضرورة ان الاجازة انما توجب تتميم السبب من حيث تأثيرها في استناده الى الاصيل، فيؤثر من حين وقوعه، كما ان الرد يوجب بطلان السبب من جهة استقراره في صدوره عن الفضول فلا يؤثر من حين وقوعه، وهذا المعنى دقيق جدا. وقد خفى وجهه على اكثر من تأخر حتى زعم بعضهم ان الكشف بالمعنى الذى بيناه غير معقول، وجمع بين الضدين، من حيث ان تأثير الاجازة في استقرار العقد وخروجه عن التزلزل يوجب الحكم بترتب الاثر من حين وقوعها والحكم بترتيب الاثر من حين وقوعه يوجب الحكم بسبق الاستقرار عليها الموجب للحكم بعد تأثيرها فيه، وهما ضدان لا يجتمعان، فاختار الكشف التعبدى بمعنى انها ناقلة تحقيقا والشارع حكم بترتيب الاثر من حين وقوع العقد تعبدا. وفيه ان مقتضى حدوث السبب وزواله، وصيرورته نافذا تاما بالاجازة اللاحقة ترتب الاثر على السبب الزائل من حين حدوثه، ولا يعقل ترتب الاثر من حينها لعدم وجود سبب في هذا الحال حتى يؤثر، فالقول بكونها ناقلة باطل جدا، والامر دائر بين امرين اماالقول ببطلان العقد الفضولي، واما القول بصحته موقوفا، وتأثير الاجازة فيه على وجه الكشف بالمعنى الذى بيناه. واما الكشف التعبدى فغير معقول لانه فرع القول بالنقل تحقيقا، والالتزام بترتيب الاثر من حين العقد تعبدا. وقد ظهر لك ان القول بالنقل غير متصور، فما دل من الروايات على صحة العقد الفضولي، وان الاجازة كاشفة انما تدل على الكشف تحقيقا، فحملها على الكشف التعبدى بزعم ان الكشف التحقيقى غير متصور في غير محله.

[ 378 ]

والعجب من الفاضل المعاصر، انه انكر دلالة الرواية الواردة في باب النكاح على كون الاجازة كاشفة، فقال: ولا ينافى الرواية الدالة على تأثير الاجازة بعد موت احد الزوجين مع كونها ناقلة، لان الزوجية قائمة بنفس الزوجين القائمة بعد الموت، فان عدم جواز حدوث الزوجية بعد الموت من البديهيات الاولية، نعم لا مانع من بقائها بعد الموت، وفرق بين بين بقائها بعد الموت وحدوثها بعده، مع انه لو سلم جواز حدوثها بعده، فلا يترتب عليها الوراثة. ضرورة ان الارث انما يترتب على السبب الحاصل عند الموت فالرواية الشريفة الدالة على تأثير الاجازة بعد موت احدهما، ووراثة الحى منه بعد الاجازة منافية لكونها ناقلة من وجهين، بل ما ورد في الرواية - من احلافها بالله ما دعاها الى اخذ الميراث الى رضاها بالتزويج ثم يدفع إليها الميراث ونصف المهر - يدل ايضا على انها كاشفة، إذ لو كانت الاجازة ناقلة، وكان الارث مترتبا على الزوجية ولو حدثت بعد الموت لم يكن لاحلافها حينئذ وجه، فالرواية الشريفة تدل على انها كاشفة لا ناقلة من وجوه ثلاثة. ثم اعلم ان الرواية الشريفة تدل على ان موت الزوج قبل الدخول منصف للمهر، بل يستفاد منها ايضا ان الرد مبطل للعقد، إذ لو لم يكن مبطلا له. وكان باقيا على تزلزله لكان الحكم بالعزل بعد الرد الى ان يعرض ما يبطله، فالرواية الشريفة تدل على احكام ثلاثة: كون الاجازة كاشفة، والرد مبطلا، وموت الزوج قبل الدخول منصفا للمهر.

[ 379 ]

(فائدة - 52) قد اشتهر بين الاصحاب (قدس سرهم) اعتبار بلوغ المتعاقدين في صحة العقد، وانه لا اعتبار بعبارة الصبى، وانه مسلوب العبارة كالبهائم. في المسالك في باب النكاح: " لا فرق في ذلك بين الصبى المميز وغيره، ولا بين قوله ذلك لنفسه ولغيره، فان الشارع سلب عبارته بالاصل، وفى باب البيع لا فرق في الصبى بين المميز وغيره، ولا بين كون المال له أو للولى أو لغيرهم اذن مالكه أو لا، فلا يصح التصرف فيما صار إليه وان كان مالكه قد اذن، لانه بيع فاسد فيلزمه الحكم السابق في الرجوع على القابض. نعم ليس له الرجوع على الصبى بعوض ماله لو تلف أو اتلفه، لانه فرط فيه بتسليطه عليه مع عدم اهليته، ولو امره وليه بالدفع إليه، فدفع فان كان مال الولى برئ من ضمانه، وكان هو المفرط وان كان مال الصبى لم يبرء من ضمانه، ولو كان عوض ما ابتاعه من الصبى أو باعه فالمال للدافع وهو المضيع فلا عبرة باذن الولى في ضمانه ولا ضمان الصبى ". وفى المقابيس، في كتاب البيع - بعد ان نسب عدم صحة عقد الصبى مطلقا الى الاكثر - قال: " وهذا هو الاصح، وتمسك له بالاصل السالم من المعارض، وبكونه احد الثالثة الذين رفع عنهم القلم كما روى في النبوى المشهور. وبما رواه الكليني (قده) مستندا عن ابى جعفر عليه السلام في حديث انه قال " ان

[ 380 ]

الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها وجاز امرها في البيع والشراء - الى ان قال - والغلام لا يجوز امره في الشراء والبيع ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك " وبما رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله (ع) انه قال " إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها وجاز امرها في مالها " وبروايات آخر متحدة مع الروايتين في المضمون أو قريبة منهما " انتهى. وفيه ان الاصل صحة العقد وانعقاده، لان الكلام في كلام الصبى العارف بالوضع القاصد للانشاء وعبارته حينئذ معتبرة ذاتا، ومحصلة للعقد، لان العقود كسائر المفاهيم الانشائية من الطلب والتمنى والترجى والاستفهام، وهكذا افعال توليدية وامور اعتبارية، وجهات انتزاعية تحصل بمجرد وجود منشا انتزاعها في الخارج، ولا تكون من قبيل الاحكام الشرعية التكليفية ولا الوضعية حتى يتوقف الحكم بالثبوت على ورود النص. كشف الحال فيه: ان انتزاع فعل من فعل وتولده منه على نحوين. فقد يكون جهة واقعية وامرا عرفيا يعرفه العقل واهل العرف من دون مراجعة الى الشرع، كانتزاع علقة المجاورة والرفاقة والشركة وهكذا، حيث تنتزع من منشاها مع قطع النظر عن جعل الشرع، نعم للشارع هدم هذا الانتزاع وابطاله كما ابطل التوليد الحاصل من السفاح. وقد يكون مجعولا بحيث لا يترتب عليه واقعا كانتزاع الحدث والطهارة من اسبابهما، فان المترتب على الغسل والوضوء، واقعا هي النظافة الظاهرية كما ان المترتب على البول والجناية كذلك هي الخباثة الظاهرية، وانتزاع النظافة والخباثة النفسيتين منها انما هو بجعل الشرع وانتزاع العقود من الانشائات من قبيل الاول. ضرورة ان الانشاء كالاخبار امر عرفى وجهة واقعية، فكما ان ترتب كشف المفهوم على الجملة الخبرية امر واقعى عرفى لا يكون مجعولا لاحد، فكذا ترتب

[ 381 ]

حدوث مفهوم على الانشاء وهذا ظاهر جدا، فما يظهر من بعض ان العقد حكم شرعى لا يحكم به الا بعد قيام الدليل عليه بمكان من الوهن، نعم العقد موضوع للحكم الشرعي من التقرير أو الابطال، وكانه اختلط عليه امر الموضوع بالمحمول. وإذا اتضح لك ان العقود امور واقعية و افعال غير مجعولة تتولد من الايجاب والقبول ذاتا، اتضح لك ان الاصل في العقد الصادر من الصبى الصحة ما لم يعلم ابطاله من الشارع، فمع الشك في انه مسلوب العبارة الاصل فيه الصحة، لان الشك انما هو في تصرف الشارع وجعله مسلوب العبارة تنزيلا ومع عدم الدليل على الابطال الاصل فيه العدم اخذا بالمقتضى المعلوم والغاءا للمانع المحتمل، فتوهم ان الاصل عدم العقد حينئذ، والاخذ بالقدر المحقق منه في غير محله. واما حديث رفع القلم فيختص بالحكم التكليفى، لان القابل للوضع على الشخص والرفع عنه انما هي الاحكام التكليفية المتعلقة به مرة والمرتفعة عنه اخرى واما الاحكام الوضعية فلا تكون طرفا للشخص حتى يوضع عليه مرة ويرفع عنه تارة ولو سلم جواز تعميم رفع القلم اليهما فلا دلالة له على المطلوب ايضا، لما عرفت من ان العقود امور واقعية وافعال توليدية غير مجعولة، فلا تكون من قبيل الاحكام الوضعية حتى تندرج في حديث رفع القلم على فرض شموله لها. واما سائر الروايات فانما تدل على عدم جواز امر الصبى ونفوذه ما لم يبلغ لا على بطلان تعبيره وعدم تأثيره اصلا بحيث يكون كلامه كاصوات البهائم. ثم قال (قدس سره) - بعد حكمه ببطلان عقده مطلقا -: " وقد وقع الخلاف والاشكال في مواضع. الاول: بيع من بلغ عشرا أو شرائه، فحكى فيه قول بالجواز، وعزاه بعضهم الى الشيخ، وذكر العلامة في التذكرة وجها لاصحابنا ويظهر من ظاهر الشرائع وصريح المسالك، ان ذلك فيما إذا بلغ عشرا عاقلا، وعزى في المفاتيح الى الشيخ قال صاحب المسالك - بعد حكاية القول بذلك -: والمراد بالعقل هنا الرشد فغير

[ 382 ]

الرشيد لا يصح بيعه وان كان عاقلا اتفاقا، وفصل الكلام فيه الى ان قال. " الموضع الثاني: بيع المميز مطلقا، أو إذا اذن له الولى أو اجاز بيعه، وكذلك شرائه، والخلاف في ذلك منقول في الخلاف عن ابى حنيفة، حيث قال: " ان كان باذن الولى صح، وان كان بغير اذنه وقف على اجازته " وحكم الشيخ بالمنع، وحكاه عن الشافعي، وحكى ابن زهرة اجماع الاصحاب على البطلان، وهو الذى يظهر من كنز العرفان ايضا كما ياتي " الى ان قال وقال العلامة في حجر القواعد " هل يصح بيع المميز وشرائه مع اذان الولى نظر " وقال ولده في الشرح: الاقوى عندي الصحة ". ثم قال " وقد استدل فخر الاسلام وغيره على الجواز بان العقد إذا وقع باذن الولى كان كما لو صدر منه فيكون صحيحا واحتج والده في التذكرة لابي حنيفة بقوله تعالى: " وابتلوا اليتامى " فان الابتلاء والاختبار انما يتحقق بتفويض التصرف إليهم، فيلزم صحة العقد الصادر منهم باذن الولى، وبان المقتضى لصحة العقد موجود وهو العقل والتمييز، والمانع وهو الحجر يرتفع بالاذن فيكون صحيحا ونقل عن المقدس الاردبيلى (قدس سره) الميل الى جواز بيعه وشرائه مع الرشد واذن الولى مستدلا بالاية المتقدمة، وعموم الايات والاخبار والاصل، مع منع الاجماع وعدم دليل صريح في المنع " ثم قال: " وقال المحقق الكركي: لا يبعد بناء المسألة على ان افعال الصبى واقواله شرعية ام لا وحكم بانها غير شرعية، وان الاصح بطلان العقد " ثم اطال الكلام في النقض والابرام الى ان قال: " الموضع الثالث: بيعه وشرائه إذا اذن له الولى في مقام الاختبار " الى ان قال " الموضع الرابع: بيع المميز وشرائه وكالة، والخلاف فيه مبنى على جواز توكيله وعدمه، والظاهر من اصحابنا اتفاقهم على المنع وعدم خلاف في ذلك يعتد به وهو المنقول عن الشافعية الى ان قال: " الموضع الخامس: بيعه وشرائه فيما جرت العادة منه به الشئ اليسير على

[ 383 ]

وجه الاستقلال، وظاهر الاصحاب عدم الفرق بينه وبين الخطير، ويشهد به ايضا ما سبق عنهم في الاختبار، مع ان الغالب وقوعه في اول الامر في الشئ اليسير، فإذا لم يصح العقد منه في ذلك مع اذن الولى ووقوعه في محل الحاجة فبدون الاذن اولى بالمنع " الى ان قال وقال صاحب المفاتيح: " الاظهر جواز بيعه وشرائه فيما جرت العادة به منه نفى الشئ الدون دفعا للحرج في بعض الاحيان " الى ان قال: " الموضع السادس: بيعه وشرائه فيما كان فيه بمنزلة الالة لمن له الاهلية، وظاهر الاصحاب بطلانه ايضا في هذه الصورة، حتى انهم لم يجوزوا له في مقام الاختبار الا السوم والمماكسة، ولم يجوزوا له اجراء الصيغة، واختار صاحب المفاتيح الجواز كما في المسألة السابقة، وتبعه بعض مشائخنا المعاصرين " انتهى ما اردناه من كلامه (قدس سره). اقول يمكن رجوع هذه التفاصيل الى نفوذ العقد، وعدمه لا الى صحة الصيغة وعدمها، وشاع التعبير عن النافذ بالصحيح، وعن غير النافذ بالباطل بل الظاهر ذلك، فان القائلين بصحة بيع المميز وشرائه، مع اذن الولى أو اجازته مطلقا أو في خصوص مقام الاختبار، ومع وكالته وفيما جرت العادة منه وفيما كان فيه بمنزلة الالة لمن له الاهلية انما يحكمون بصحة بيعه وشرائه ونفوذهما، كما ان القائلين بصحة بيع من بلغ عشرا إذا كان عاقلا، انما يحكمون ايضا بنفوذ بيعه في هذه الصورة. ولذا فسر الشهيد الثاني العقل هنا بالرشد تمسكا بعدم صحة بيع غير الرشيد اتفاقا فان الاتفاق انما هو على عدم نفوذ بيع غير الرشيد، لا على بطلان صيغته فالمفصلون جميعا حاكمون بصحة صيغته مطلقا، ضرورة انه لا يعقل تأثير اذن الولى أو اجازته أو توكيل الغير، أو جريان العادة، أو الالية في صحة الصيغة، وانما يؤثر هذه الامور في نفوذ العقد، ومضيه بعد صحة الصيغة.

[ 384 ]

نعم يمكن التفصيل بين صحة الصيغة وبطلانها في البالغ عشرا وغيره، ولكن اعتبارهم العقل والرشد في الصحة دليل على تفصيلهم في النفوذ وعدمه، فالصحيح جعل المسألة ذات قولين القول باعتبار البلوغ في صحة الصيغة مطلقا، والقول بعدمه كذلك. وإذا وقفت على كلماتهم فاعلم ان التحقيق عدم اعتبار البلوغ في صحة الصيغة لاستصحاب المقتضى وعدم قيام الدليل على خلافه، كما نبه عليه العلامة في التذكرة وولده فخر الاسلام والمقدس الاردبيلى ومن تبعهم (قدس سرهم) وقد خفى وجه الاصل على صاحب المقابيس، فزعم ان الاصل عدم ترتب الاثر وقد ظهر لك ضعفه وفساده. واما ما ذكره المحقق الكركي (قدس سره) من ابتناء المسألة على ان افعال الصبى واقوله هل هي شرعية ام لا، ففيه ان ترتب وجود المنشأ على الانشاء كترتب كشف المدلول على الاخبار امر عرفى لا يرجع الى الشرع ابتداء، وانما للشارع التصرف فيه تقريرا وابطالا، وثانيا ان التحقيق ان افعاله واقواله شرعية كما اوضحنا الكلام فيه في محله، ومن الغريب توهم قيام الاجماع على اعتبار البلوغ في صحة الصيغة، مع ذهاب جماعة كثيرة من الاجلة الى خلافه واغرب منه ادعاء صاحب الجواهر الضرورة فيه. واذ قد اتضح لك ما حققناه، فقد اتضح لك غاية الاتضاح ان صيغته صحيحة في حد نفسها، ولا يمنع من صحتها عدم بلوغه، كما انه اتضح لك عدم الاشكال في نفوذ عقده مطلقا، فيما يرجع إليه مع اذن الولى أو اجازته ولا وجه لاختصاصه بمقام الاختبار، أو بالشئ اليسير أو بما كان فيه بمنزلة الالة لمن له الاهلية، كما انه لا اشكال في نفوذ عقده، فيما يرجع الى غيره وليا كان ام لا مع اذن من إليه الامر في اجراء الصيغة أو اجازته مطلقا، ولا اختصاص له باحدى الصورتين الاخيرتين، بل لا يبعد استقلاله فيما جرت العادة منه للشئ اليسير، كما اختاره صاحب المفاتيح، بل يمكن القول باستقلاله إذا بلغ عشرا عاقلا رشيدا مطلقا.

[ 385 ]

فان قلت: اذن غير الولى له في اجراء الصيغة يرجع الى توكيله فيه، وهو لا يتحقق الا بايجاب الموكل وقبول الوكيل، ولا عبرة بقبول الصبى مع عدم اذن الولى له، فلا ينفذ عقده حينئذ كغيره، ضرورة ان الصبى لا يملك نفسه فلا تتم الوكالة بقبوله مع عدم اذن الولى له، فلا يقع عقده عن الوكالة حينئذ. قلت: الوكالة لا تكون عقدا متوقفا في تحققه على الايجاب والقبول، لان الموكل فيه من شئون الموكل وجهاته ويكفى في وقوعه عن قبله اذنه فيه، ولا يحتاج الى اعمال سلطنة من طرف الوكيل، والقبول انما يعتبر في تعهد الوكيل الوكالة وصيرورته في وثاقها لا في تحققها، وعده من قبيل العقود انما هو باعتبار دخل القبول فيها في الجملة. ولذا اتفق الاصحاب (قدس سره) على الاكتفاء باتيان الموكل فيه عن القبول وعدم احتياجها الى انشاء القبول، والتعبير عنه بالقبول الفعلى انما هو من جهة الاكتفاء به عن القبول، لانه قبول تحقيقا، إذ لو كان كذلك لزم ان يكون جزءا محققا للوكالة كالايجاب، فيلزم حينئذ عدم وقوعه عن وكالة، ضرورة انه لا يعقل ان يكون المحقق للشئ متحققا منه. ولو سلم ان الوكالة عقد تحقيقي متوقف على الايجاب والقبول فتوقف نفوذ المأذون فيه على تحقق الوكالة ممنوع، بل يكفى فيه تحقق الاذن فقط، لان الموجب لنفوذ العمل استناده الى من إليه الامر ويكفى فيه اذنه وترخيصه.

[ 386 ]

(فائدة - 53) ومما يعتبر في نفوذ العقد ومضيه اختيار المتعاقدين، حيث لا يكون الاكراه بحق، ووجه اعتباره في نفوذ العقد ظاهر، ضرورة ان العقد من جملة الافعال الاختيارية للمتعاقدين فلا يتحقق الالتزام به الا باختيارهما وطيب نفسهما به، نعم إذا كان الاكراه بحق لا يعتبر فيه الاختيار، لان العقد حينئذ لازم عليه شرعا ولا يكون مخيرا في فعله وتركه حتى يعتبر فيه الاختيار وطيب النفس به. وكيف كان فاعتباره انما هو في نفوذ العقد لا في صحته وعليه يتفرع ما اشتهر بينهم من الحكم بنفوذ عقد المكره لو رضى به بعد زوال الاكراه، وان كان الظاهر من جملة من كلماتهم انه من شروط الصحة عندهم الا ان تصريحهم بنفوذ عقد المكره بحصول الرضاء بعد زوال العذر، صريح في انه كالعقد الفضولي موقوف على حصول الرضاء وزوال العذر كما ان تعليلهم بعبارة المكره دون غيره صريح في تمامية عقد المكره في مرحلة الصحة، وان قصوره انما هو في مرحلة النفوذ، وايضا استثناء الاكراه بحق يشهد بما بيناه، إذ لو كان الاكراه مانعا عن الصحة مطلقا ورافعا للقصد الى المعنى - كما يظهر من بعضهم - لكان مانعا عن الصحة مطلقا ولوجبت مباشرة اجراء الصيغة ممن تصح مباشرته نيابة عن المكره بحق أو ولاية عليه، بل لا تصح النيابة حينئذ الا لمن الولاية عليه، وحيث اشتبه الامر على بعضهم

[ 387 ]

وزعم ان المكره كالهازل فاقد لما به قوام صحة العقد من قصد المعنى وجب توضيح الكلام فيما به يتقوم صحة العقد حتى يتضح فصل الكلام في المقام. فاقول بعون الله تعالى ومشيته: ان منشا انتزاع العقد اقتضاءا هو اللفظ المستعمل في مفهومه في مقام الانشاء وايجاد المفهوم أو ما بمنزلته من اشارة الاخرس فان جامع الشرط مع قابلية المحل وفقد المانع والمزاحم ترتب عليه المنتزع والا فلا، فصحة الصيغة المترتب عليها النفوذ تتقوم عرفا بامور اربعة يتقوم بها منشا الانتزاع. فلو لم يكن في البين لفظ أو ما بمنزلته، أو كان ولم يستعمل في مفهومه بل صدر ذهولا أو سهوا أو هزلا أو عبثا ولغوا، أو استعمل في مفهومه ولم يكن في مقام الانشاء بل في مقام الاخبار، أو كان في مقام الانشاء ولم يكن في مقام ايجاد المفهوم بل في مقام الاستفهام التمنى أو الترجي وهكذا من وجوه الانشاء، لا تتم الصيغة ولا تصح ولا يعقل النفوذ حينئذ، وإذا اجتمعت الامور الاربعة صحت الصيغة وكانت محلا للنفوذ وعدمه بسبب اجتماع ماله دخل فيه وعدمه. إذا تحقق لك ما حققناه فاعلم ان المراد من الاختيار هو طيب النفس والرضاء بالعقد، كما ان المراد من الاكراه هو عدم طيب النفس والرضاء به، لا ان المراد من الاختيار قصد العقد ومن الاكراه عدمه، ضرورة ان مجرد قصد العقد لا يكون كافيا في النفوذ، فلو كان المراد من الاختيار قصد العقد لزم ذكر الرضاء ايضا في جملة الشروط، فاستكمال العقد عندهم ببلوغ العاقد وعقله واختياره دليل على ان المراد منه الرضاء وطيب النفس، وايضا لو كان المراد به قصد المدلول كما يوهمه ظاهر كلام بعض الاساطين لم يكن لاعتباره بعد اعتبار قصد العقد وجه. فتبين لك ان الهازل حيث لا يكون في مقام الافادة والاستفادة: واستعمال اللفظ لا يكون تامة الصيغة بخلاف المكره فانه في مقام الافادة، غاية الامر انه لا يطيب نفسه بما افاده، واليه يرجع ما ذكره الاساطين من الوثوق بعبارته، فتوهم ان المكره

[ 388 ]

كالهازل في عدم قصد المعنى في غير محله. وقد تبين لك مما بيناه ان تأثير الاختيار والاكراه انما هو بالنسبة الى من إليه الامر لا المباشر، ضرورة ان تأثيرهما انما هو في النفوذ وعدمه: وهما انما يعتبران في من إليه الامر، ويكفى في المباشر صحة صيغته سواء كانت نافذة ام موقوفة كالعقد الفضولي، فتقسيم الاكراه الى اقسام ثلاثة: اكراه من إليه الامر، واكراه المباشر، واكرههما معا، في غير محله، ضرورة عدم تأثير اكراه المباشر في عدم صحة الصيغة ولا في نفوذ العقد. نعم قد يتامل في نفوذ العقد والايقاع حينئذ من جهة ان استناد العقد الى من إليه الامر حينئذ انما هو من جهة صدوره عن وكيله، ومع اكراه المباشر على المباشرة لا يكون وكيلا، لتوقف عقد الوكالة على قبوله اياها اختيارا، ومع تحقق وكالته عمن إليه الامر لاجل اكراهه على القبول لا يقع عقده عن وكالة، فلا يستند الى من إليه الامر حتى يصير نافذا. وفيه ان الوكالة انما تتحقق بايجاب الموكل - كما اشرنا إليه وسنحققه تفصيلا - انشاء الله تعالى - وقبول الوكيل انما يؤثر تعهده الوكالة لا تحققها، مع ان الاستناد الى من إليه الامر يتحقق باذنه وترخيصه ولا يتوقف على تحقق الوكالة. وقد تبين لك بما بيناه ان القدرة على التورية، لا تنافى تحقق الاكراه في المقام، وانه لا تجب التورية على المكره مع قدرته عليها، لان عدم طيب النفس والرضاء بالعقد كاف في عدم النفوذ، فلا حاجة الى التوصل بالتورية وابطال الانشاء وتوهم ان المكروه انما يكره على ايجاد اللفظ لا قصد الانشاء فهو مختار في قصده وعدمه، فقصده اياه لا يكون الا عن اختياره، فينفذ العقد حينئذ مع قصد الانشاء، في غير محله، لان مجرد الاختيار في استعمال اللفظ في مدلوله لا يكفى في النفوذ مع عدم طيب نفسه بوقوعه. وكان المتوهم فسر الاختيار والاكراه في المقام بالقدرة على الفعل والترك

[ 389 ]

وعدم القدرة عليهما، وغفل عن ان المراد من الاختيار والاكراه في المقام طيب النفس والرضاء بالعقد وعدمه، وبما بيناه تستغنى عن القول بان القادر على التورية في حكم المكره شرعا وان لم يكن مكرها حقيقة بل القدرة عليها لا تنافى تحقق الاكراه بمعنى الاجبار في التكلم بكلمات الكفر ونحوها، لان التكلم بما يحكى عن الكفر انما يكون كفرا إذا صدر عن الاختيار، واما إذا صدر لا عن الاختيار فلا يجب ارادة معنى آخر من اللفظ حينئذ. توضيح الحال ان حقيقة الكفر هو الادبار الراجع الى التردد أو الانكار، وهو لا يكون الا بالقلب، واللفظ انما يكون كفرا وانكارا إذا كان اللافظ في مقام الافادة والاخبار عما في الضمير، ومع الاكراه والاجبار لا كشف عما في الضمير فلا كفر ولا انكار حينئذ، فلا يكون صدور الكلام الحاكى عن الكفر في مقام الاكراه وقلبه مطمئن بالايمان كفرا حتى يجب عليه الفرار منه بالتورية. وببيان اوضح للفظ دلالتان تصورية وتصديقية، والاولى تترتب عليه بالوضع مطلقا صدر من اللافظ سهوا، ام عمدا اكراها ام اختيارا، لغوا أو في مقام الافادة، وهى في الحقيقة لا تكون دلالة بل حكاية كما حققناه في محله، واما الثانية فبالتركيب الصادر عن العارف بالوضع في مقام الافادة والاخبار عما في ضميره، وهو انما يكون في مقام الاختيار لا الاجبار، والكفر والانكار كالايمان والاقرار والشهادة وهكذا من العناوين انما تترب على اللفظ باعتبار الدلالة التصديقية لا التصورية الخارجة عن الاختيار المترتبة عليه قهرا كما هو ظاهر، والا لكان نقل الكفر كفرا ولكان التكلم بكلام الكفر سهوا كفرا، فمع انتفاء الكشف التصديقي الذى هو مدار الايمان والكفر في صورة الاجبار لا يترتب على اللفظ عنوان الكفر والانكار باعتبار الدلالة التصورية حتى يجب الفرار منه بالتورية. فان قلت لو كان ترتب عنوان الكفر والانكار والاقرار والشهادة والاخبار وهكذا من العناوين على اللفظ موقوفا على الاختيار لكان ترتب الاسلام على كلمتي

[ 390 ]

الشهادة موقوفا على الاختيار ايضا، وكذا ترتب عنوان الانشاء على اللفظ مع ان الاسلام يتحقق بالتكلم بكلمتي الشهادة اجبارا بالاتفاق بل بالضرورة، وكذا يترتب عنوان الانشاء على اللفظ اكراها والا لزم بطلان عقد المكره رأسا، وهو مناف لما اعترفت به من صحته ونفوذه بالرضاء بعد زوال العذر تبعا لما افتى به اكثر الاصحاب (قدس سرهم). قلت: ايجاد القضية اللفظية في الخارج ان كان على سبيل الاختيار، فالباعث عليه هي احدى الصفات الثلاثة النفسية: من العلم والارادة والكراهة، فان كانت خبرا فالباعث على ايجادها العلم بمضمونها، وان كانت انشاء فالباعث على ايجادها ارادة مضمونها أو كراهته، وان كان على سبيل الاجبار والاكراه فالباعث عليه انما هو دفع المكروه والمحذور. والعناوين المترتبة على الاختيار وثبوت احدى الصفات المذكورة في النفس كالاقرار والشهادة والاخبار عما في الضمير والايمان والكفر والانكار وهكذا لا تترتب على اللفظ الا في حال الاختيار. واما العناوين المشتركة بين الاختيار والاكراه فتترتب على اللفظ في الصورتين، ومنها الاسلام والانشاء. فان الاسلام هو التسليم لدين الاسلام والالتزام به والبناء على الاخذ به دينا، ولا ينافيه التردد في حقيته بل القطع بخلافه، قال عز من قائل " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " فان الباعث على التسليم والالتزام قد يكون العلم بحقيته فيجامع الايمان ويترتب عليه الاثار الدنيوية والاخروية معا. وقد يكون حقن دمه وحفظ ماله أو رجاء الوصول الى الرياسة وغيرها من الفوائد الدنيوية فيفارقه ولا يترتب عليه الا الاثار الدنيوية من طهارة البدن وحل الذبيحة وجواز النكاح والارث من المسلم وهكذا، وليس هذا نفاقا وان شاركه في الحرمان

[ 391 ]

من فوائد الايمان لان المنافق بنائه على الموافقة في ظاهره وعلانيته والمخالفة في باطنه، وسره بخلاف المسلم فان بنائه على الموافقة في الظاهر والباطن ولو خوفا أو طمعا. واما الانشاء فهو جعل الكلام لا في وزان الواقع بل في مقام ايجاد المفهوم أو طلبه أو الاستعلام عنه وهكذا من وجوه الانشاء ومن المعلوم انه قد ينبعث من الارادة النفسية وقد ينبعث من الاكراه والاجبار، ولا تجمع الكراهة والارادة في محل واحد لتضادهما فالمكره على العقد كاره له لا يريده. ولا ينافى ذلك ما ذكرته آنفا من ثبوت قصد المعنى في حال الاكراه لان ثبوت القصد الاستعمالى المتقوم به الانشاء لا ينافى انفكاكه عن الارادة النفسية الباعثة على صدوره عن طيب نفسه به واختياره له، ولعله مراد بعض الاساطين من خلو المكره عن قصد المدلول والا فعدم خلو الانشاء عن القصد الاستعمالى في غاية الوضوح. فان قلت كما ان جعل الكلام لا في وزان الواقع ينبعث تارة من الارادة وبالاختيار ومرة مع الكراهة والاكراه فكذلك في وزان الواقع ينبعث مرة من ثبوته المخبرية في الضمير وتارة بالاكراه مع عدم ثبوته في ضميره فالاخبار كالانشاء من العناوين المشتركة فكيف حكمت بان الاخبار لا يترتب على اللفظ الا في حال الاختيار؟ قلت نعم اتصاف القضية بالخبر والانشاء باعتبار جعلها في وزان الواقع ولا في وزانه لا تختص بحال الاختيار ولكن دلالتها على ما في الضمير مع العلم والارادة والكراهة بالدلالة الانية تختص به كما هو ظاهر والمقصود من ترتب عنوان الاخبار على الاختيار ترتب كشف اللفظ عما في الضمير عليه لا عنوان الخبر المتحقق بمجرد جعل القضية في وزان الواقع في مرحلة الاستعمال. والحاصل ان المقصود من القضية الخبرية وهو الاخبار والكشف عما في الضمير اصالة - كمقام الاقرار والشهادة والايمان والكفر وهكذا - أو توطئته للخارج كما

[ 392 ]

هو الغالب الشائع في القضايا لا يتحقق الا في حال الاختيار، ضرورة عدم ثبوت المخبر به في الضمير حال الاكراه فلا يتحقق الكشف عنه ولا عن الخارج حينئذ. تنبيه: قد استفيد مما بيناه ان زوال الاكراه وحصول الرضاء بمضمون العقد كاف في نفوذه ومضيه من دون حاجة الى انشاء الامضاء، وهو مفارق عن العقد الفضولي في هذه الجهة حيث انه لا يتم ولا ينفذ الا بالامضاء، ولا يكفى فيه ثبوت الرضاء باطنا بمضمون العقد مع عدم امضائه، والسر فيه ان العقد الصادر عن الفضول لا بد في نفوذه من اسناده الى الاصيل ولا يستند إليه الا بامضائه اياه واما العقد الصادر عن المكره فهو صادر عن الاصيل ومستند إليه بصدوره عنه، وانما لايتم بواسطة فقد الاختيار وطيب النفس به، فإذا حصل الرضاء وطيب النفس به تحقق الاختيار وتم العقد ونفذ ولم يتوقف على شئ آخر حتى يصير متزلزلا موقوفا على حصوله.

[ 393 ]

(فائدة - 54) قد ورد عن سيد الانبياء صلى الله عليه وآله وعليهم انه قال " ما عرفناك حق معرفتك " وعن سيد الاوصياء امير المؤمنين عليهم السلام انه قال " لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا " قال السيد الجزائري في حاشيته على شرح الجامى " وما يترائى ظاهرا من لزوم كون معرفة الامام ازيد من معرفة الرسول صلى الله عليه واله فيندفع، اما بحمل طلب النبي صلى الله عليه واله لزيادة المعرفة على اكملية قبول المادة، يعنى لما كان مادة النبي صلى الله عليه واله اكمل من مادة الامام فهى قابلة اذن لزيادة المعرفة. واما مادة الامام فقد كمل كمالها، أو بحمل طلب الزيادة على ايام الحيوة وقبل استكمال المعرفة التى لا يتصور فوقها بالنسبة الى مراتب البشر، لان درجات معرفته بربه كانت تزيد يوما بعد يوم الى ان قبضه إليه واكمل له المعرفة اللائقة بجنابه، وهو قد دفع تلك العلوم باسرها الى الامام، فهو (ع) بذلك العلم الكامل قال هذا القول هذا، والاول مسلكي في حل هذا الخبر، وثانيه مسلك العلامة الحلى ولا يخفى ما فيه " انتهى. اقول: ولا يخفى ما فيهما: اما الاول فلما ثبت بالكتاب والسنة انه عليه السلام نفس الرسول واخوه في الدنيا والاخرة، وهو قاض بمساواتهما في القابلية والكمال بالضرورة. واما الثاني فلان اخبار النورانية تدل على انهما صلى الله عليهما وعلى آلهما كانا في عالم الارواح والاشباح كاملين عالمين بالعلم كله. والصواب في الجواب

[ 394 ]

انه لا منافاة بين الروايتين بوجه، لان العرفان انما يرجع الى ذات الشئ وحقيقته ولا يتصور للممكن الاحاطة بمعرفة ذات الواجب تعالى شانه وكنهه، وكل ما يتصوره المخلوق ويميزه بوهمه بادق معانيه مخلوق مثله مردود إليه، فالكل متحير في معرفة كنه الباري تعالى وتقدس وانما يعرف تعالى شانه بالوجه والاثار، وتختلف معرفة طبقات الناس في هذه المرحلة بمراتب شتى واما اليقين فهو متعلق بوجود الباري تعالى شانه ووجود القيمة والحساب والجنة والنار وعالم البرزخ وكيفياته وهكذا مما غاب عن الابصار واستتر عن الانظار، والوصول الى اعلى مرتبة اليقين بحيث لا يتصور مرتبة فوقها لا ينافى مع عدم معرفة الذات حق المعرفة، فلا منافاة بين الروايتين بوجه، وتوهم المنافاة انما نشا من عدم التدبر في معنى المعرفة و اليقين. هذا، وقد اقتضى منى بعض الاخوان الكشف عما روى في مصباح الشريعة عن مولانا الصادق عليه السلام من انه قال " العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد من العبودية وجد في الربوبية وما خفى من الربوبية اصيب في العبودية ". فاقول: حمل الجوهرة على العبودية على وجه الاستعارة ان قلنا بان الجوهر يختص لغة بالعين ولا يعم الاعيان والاعراض، ضرورة ان العبودية من الاعراض لا الجواهر، والتعبير بالكنه حينئذ ايضا على وجه الاستعارة، إذ كنه الشئ حقيقة عبارة عن الحقيقة والذات التى لا تكون الا في الجواهر. وكيف كان لما كانت العبودية تنتهى الى درجة تحصل معها حكم الربوبية كما في الحديث القدسي " عبدى اطعني حتى اجعلك مثلى، إذا قلت للشئ كن فيكون " جعلت الربوبية كنهها فكما ان الشئ ينتهى في مقام التحديد الى حقيقته وكنهه ليس وراء الحقيقة شئ ظاهر فكذلك العبودية ترتقى وتنتهى في مرحلة الكمال الى الربوبية فما فقد من الكمال في اوائل العبودية اصيب في الربوبية التى هي منتهى درجة العبودية وما خفى عن الربوبية من كمال التذلل والتخضع اصيب في العبودية. هذا ما ظهر لى في معنى الرواية على فرض صحة سندها.

[ 395 ]

(فائدة - 55) اعلم ان القضية مشتملة على عقدين: عقد الوضع وهو اتصاف ذات الموضوع بوصفه، وعقد الحمل وهو اتصافها بوصف المحمول، وقد اتفق اهل المنطق على ان العقد الثاني الصالح لجهات متعددة فقد يكون الاتصاف بوصف المحمول بالامكان عاما أو خاصا، وقد يكون بالضرورة وقد يكون بالدوام وهكذا. واختلفت كلماتهم في العقد الاول، فنسب الى ابى نصر الفارابى انه بالامكان والى الشيخ الرئيس انه بالفعل، فمن اختار الثاني حكم لانه لا عكس للممكنتين قالوا إذ لا يلزم من صدق الاصل صدق العكس - مثلا إذا فرض ان مركوب زيد بالفعل منحصر في الفرس صدق كل حمار مركوب زيد بالامكان ولم يصدق عكسه، وهو ان بعض مركوب زيد بالفعل حمار بالامكان - ومن اختار الاول حكم بثبوت العكس لهما إذ يصدق حينئذ بعض مركوب زيد بالامكان حمار بالامكان. اقول التحقيق انه لا وجه للتفصيل بين العقد لانه ان اريد انه يجب ان يكون اتصاف الموضوع بوصفه ان يكون بالفعل ولا يجوز ان يكون بالامكان فهو خلاف الضرورة، إذ كما يجوز تقييد الاتصاف بالمحمول تارة بالامكان، وتارة بالفعل وهكذا يجوز تقييد الاتصاف بوصف الموضوع تارة بالامكان. فيقال كل كاتب بالامكان متحرك الاصابع بالامكان، وتارة بالفعل فيقال كل كاتب بالفعل متحرك الاصابع بالفعل، وان اريد ان الظاهر من القضية عند اطلاقها

[ 396 ]

هو اتصاف ذات الموضوع بوصفه بالفعل فهو صحيح، ولكنه لا يوجب التفكيك بين العقدين لان عقد المحمول عند الاطلاق وعدم التقييد ايضا ظاهر في انه بالفعل. فما ذكره التفتازانى في تهذيبه من انه لا عكس للممكنتين فاسد جدا، لانه ان اريد ان المحمول إذا جعل موضوعا في عكس القضية يجب ان يكون اتصاف ذات الموضوع به بالفعل وان كان اتصافها في الاصل بالامكان، فهو خلاف الضرورة كما عرفت. وان اريد ان اتصاف الموضوع بوصفه ظاهر في انه بالفعل عند الاطلاق فهو لا ينتج ما حكم به من عدم ثبوت العكس لهما حينئذ، إذ القضية ليست مطلقة حينئذ إذ المفروض تقييد القضية بالامكان. فيجب ان يجعل المحمول المقييد بقيد الامكان موضوعا في العكس. فما ذكره بعض المحشين من انه لما اختار مذهب الشيخ، لانه المتبادر في العرف واللغة حكم بانه لا عكس للممكنتين عليل جدا إذ لا ينافى التبادر مع التقييد بخلافه كما هو المفروض

[ 397 ]

(فائدة - 56) اعلم ان القضية تشتمل على اجزاء ثلاثة: النسبة التامة وطرفاها وهما الموضوع والمحمول، وتنقسم الى اقسام ثلاثة: لفظية، ومعقولة وواقعية أي النفس الامرية، وينقسم كل منها الى موجبة وسالبة ولا بد من وجود الموضوع فيهما في اللفظية والمعقولة إذ كما لا تتحقق الموجبة اللفظية أو المعقولة الا بعد تحقق وجود موضوعها في عالم اللفظ أو الذهن فكذلك السالبة اللفظية أو المعقولة لا تحقق الا بعد وجود موضوعها كذلك، فالسالبة عن الموجبة في القضية النفس الامرية، إذ تعتبر في سالبتها وجود موضوعها إذ كما تصدق السالبة بانتفاء المحمول كذلك تصدق بانتفاء الموضوع، واما الموجبة منها فلا بد من وجود الموضوع فيها، لان الحكم فيها بثبوت شئ لشئ وثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له. ثم ان ملاك الموجبة عند اهل النظر كون النسبة ايجابية في القضية اللفظية ولو لم يكن ثبوت في نفس الامر، اما لاجل امتناع وجود موضوعه في الخارج كاجتماع الضدين محال، وشريك الباري ممتنع، واما لاجل عدم وجوده في الخارج اتفاقا. واما لاجل كون محمولها امرا عدميا فالتجاوا الى جعل الوجود المعتبر فيها اعم من الوجود الخارجي والذهني والخارجى اعم من التحقيقى والتقديري، فان

[ 398 ]

كان الموضوع فيها من الممتنعات اخذوا الوجود المعتبر فيه ذهنيا. وان كان ممكنا ولم يوجد اخذوا وجوده تقديريا، وان كان الحكم فيها على الافراد المحققة في الخارج اخذوا وجوده تحقيقا. قال التفتازانى في تهذيبه: " ولا بد في الموجبة من وجود الموضوع اما محققا وهى الخارجية، أو مقدرا فالحقيقة، أو ذهنا فالذهنية " قال بعض شراح كلامه: " القضايا الموجبة لها ثلاثة اقسام، لان الحكم فيها اما على الموضوع الموجود في الخارج محققا نحو كل انسان حيوان بمعنى ان كل انسان موجود في الخارج حيوان في الخارج. واما على الموضوع الموجود في الخارج مقدرا نحو كل انسان حيوان بمعنى ان كل ما لو وجد في الخارج كان انسانا فهو على تقدير وجوده في الخارج حيوان وهذا الموجود المقدر انما اعتبروه في الافراد الممكنة لا الممتنعة، واما على الموضوع الموجود في الذهن كقولنا شريك الباري ممتنع بمعنى ان كل ما يوجد في العقل ويفرضه العقل شريك الباري فهو موصوف في الذهن بالامتناع في الخارج وهذا انما اعتبروه في الموضوعات التى ليست لها افراد ممكنة التحقق في الخارج " انتهى. اقول: ايجاب القضية في عالم اللفظ لا يكون تابعا لايجاب القضية النفس الامرية وكاشفا عنه حتى نلتزم بانه لابد من وجود الموضوع في القضايا اللفظية الموجبة، ونحكم بعموم الوجود للذهنى والخارجى للتحقيقى والتقديري، فان القضايا الموجبة في عالم اللفظ على اقسام ثلاثة: الاول: ما تكون سالبة في نفس الامر وهى القضايا التى حكم فيها بامتناع وجود موضوعاتها في الخارج، فان مرجع الحكم باستحالة اجتماع الضدين والنقيضين وامتناع شريك الباري ونظائرها الى ان موضوع هذه القضايا لا يقبل الوجود، فهذا القسم من القضايا الحقيقية سالبة وان كانت في الصورة موجبة.

[ 399 ]

وهكذا الامر إذا كان المحمول في القضية اللفظية عدما كقولك الانصاف معدوم في هذا الزمان، أو عدميا كقولك زيد لا بصير، فان القضية اللفظية وان كانت موجبة في الصورتين الا ان القضية النفس الامرية المحكية بهما سالبة، فان مضمون القضيتين عدم الانصاف في هذا الزمان وعدم البصر لزيد. ولا يختلف مضمونهما باختلاف التعبير ايجابا وسلبا، ضرورة انه لا تختلف القضية النفس الامرية سلبا وايجابا باختلاف قولك ليس الانصاف بموجود في هذا الزمان، وقولك الانصاف معدوم في هذا الزمان، وقولك ليس زيد بصيرا وقولك زيد لا بصير، وما ذكره السبزواري في منظومته من ان سالبة المحمول موجبة يلزمها وجود الموضوع إذ ربط سلب ليس سلب ربط فاسد جدا، لان ربط سلب انما يوجب ايجاب القضية اللفظية لا النفس الامرية فلا يلزمها وجود الموضوع. ثم ان ما يظهر من كلامه من ان القضية السالبة هي التى سلب الربط فيها في غير محله، فان سلب الربط انما هو في الاسماء المعدودة والقضية السالبة مشتملة على الربط السلبي، فان الربط على نحوين ايجابي وسلبي، والسلب والايجاب انما يتعلقان بالمحمول لا بالربط. والثانى: مالا تكون قضية في نفس الامر حتى تكون موجبة أو سالبة، وهى القضية المشتملة على حد الشئ فانها وان كانت في الصورة قضية تامة مشتملة على الموضوع والمحمول والنسبة التامة الا انها لا تكون قضية في الحقيقة فان الحد عبارة عن حقيقة الشئ وكنهه، ولا تكون امرا زائدا عليه حتى يكون موضوعا، والحد محمولا عليه. فلا وجه لاعتبار الوجود في المحدود الذى هو صورة موضوع في القضية اللفظية، بل وهكذا الامر في حمل الجنس أو الفصل على النوع، بل على افراده ومصاديقه نحو قولك الانسان حيوان أو ناطق، وكل انسان حيوان أو ناطق، لان الجنس والفصل لا يكونان امرين زائدين على النوع أو مصاديقه، بل هما داخلان

[ 400 ]

في حقيقته فلا يحملان عليه أو على مصاديقه وافراده. والثالث: ما تكون موجبة في نفس الامر وهى على قسمين: الاول: ما يكون ثبوت المحمول للموضوع فيه ربطيا غير اصيل نحو قولك: الاربعة زوج، والانسان كلى، وبحر من الزيبق بارد بالطبع، وهكذا من القضايا التى لا يتوقف صدقها على وجود موضوعاتها في الخارج، فان ثبوت المحمولات للموضوعات في امثال هذه القضايا ثبوت ربطي غير اصيل، والثبوت الربطى لا يقتضى ثبوت طرفيه لا ذهنا ولا خارجا، ضرورة ان الثبوت الربطى في امثال هذه القضايا كثبوت احدى النسب الاربع بين كل كليين ذاتي للمفهومين، فلا يتوقف على وجودهما والا لزم خلف الفرض. والثانى: ما يكون ثبوت المحمول للموضوع اصيلا نحو قولك جاء زيد وقام عمرو وقتل من في العسكر وانهدمت دور البلد وهكذا، وهذا القسم من القضايا الموجبة لابد فيها من وجود الموضوع في الخارج، لان ثبوت شئ لشى فرع ثبوت المثبت له، فالقضية الفرعية تختص بهذا القسم من الموجبة ولا تجرى في غير هذا القسم من الموجبات. وبما بيناه تبين لك ان ما اشتهر بين ارباب النظر والحكمة من القول بالوجود الذهنى للاشياء، والاستدلال عليه بانا نحكم حكما ايجابيا على مالا وجود له في الخارج كقولنا بحر من زيبق بارد بالطبع، واجتماع النقيضين مغائر لاجتماع الضدين، وثبوت شئ للشئ فرع ثبوت المثبت له، واذ ليس المثبت له هنا في الخارج ففى الذهن في غاية السخافة، لما عرفت من ان المحمولات في امثال هذه القضايا اما راجعة الى سلب الوجود عن الموضوعات. واما عوارض للماهيات وصفات وحالات لها، وثبوت صفات الماهيات لها ليس ثبوتا اصيلا بل ثبوتا ربطيا، وليس الثبوت الربطى فرعا لثبوت المثبت له، ضرورة ان كل مفهوم له نسبة الى مفهوم آخر مع قطع النظر عن وجودهما في

[ 401 ]

الخارج أو الذهن، لو توقفت ثبوت صفات الماهيات لها على تصورها في الذهن كما زعموه لزم ان تكون الماهيات عارية عن صفاتها وحالاتها ما لم يتصورها متصور اترى ان الاربعة لا تكون زوجا، واجتماع النقيضين ليس مغايرا لاجتماع الضدين والحجر ليس مباينا للانسان قبل تصورها في الذهن، وحدثت هذه الصفات فيها بعد تصورها كلا ثم كلا. وبالجملة سخافة ما توهموه مما لا ينبغى ان يختفى على من له ادنى دربة. وإذا تبين لك فساد ما توهموه من توقف ثبوت عوارض الماهيات على وجودها تبين لك ان تقسيم العرض الى عرض الماهية وعرض الوجود على سبيل الحقيقة، ولما خفى الامر على اكثرهم ولم يهتدوا الى ما حققناه فسروا عرض الماهية بعرض الوجود اعم من الذهنى والخارجى وعرض الوجود بعرض خصوص الوجود الخارجي أو الذهنى، ومثلوا للاول بزوجية الاربعة، وللثاني باحراق النار، وللثالث بكلية المفاهيم الكلية، فجعلوا الاقسام ثلاثة وهو باطل جدا. نعم عرض الماهية على قسمين: مالا ينافيه الوجود في الخارج كزوجية الاربعة فانها متصفة بالزوجية وجدت في الخارج ام لم توجد وما ينافيه الوجود في الخارج كالكلية العارضة على الماهيات فانها منافية مع وجودها في الخارج، فانها بعد وجودها في الخارچ تصير جزئية. وقد تبين بما بيناه ايضا فساد تقسيم القضايا الموجبة باعتبار موضوعها الى اقسام ثلاثة: ما يعتبر وجود موضوعها ذهنا، وما يعتبر وجود موضوعها مقدرا وما يعتبر وجود موضوعها محققا، فان القسمين الاولين مما لا يعتبر وجود موضوعهما لان المحمول فيهما من عوارض الماهية.

[ 402 ]

(فائدة - 57) اعلم انه لا شبهة في ان التوليد مطلقا سواء حصل من قبل النكاح أو السفاح يقتضى انتساب اطرافه ببعض واقعا، كما انه لا شبهة في ان الشارع قد اسقط الحاصل من السفاح من الاعتبار مطلقا، أو في الجملة، فينبغي التكلم حينئذ في اطراف الاول في انه هل جعل الشارع النكاح شرطا في ترتب الانتساب على التوليد؟ أو جعل السفاح مانعا عنه؟ والثانى في ان السفاح ساقط عن الاعتبار مطلقا، أو بالنسبة الى الاب فقط؟ والثالث في انه هل يكون في البين اصل شرعى أو واقعى يوجب الحاق الولد بالنكاح في صورة احتمال الطرفين ام لا؟ فاقول بعون الله تعالى ومشيته: اما الاول فالتحقيق فيه ان السفاح مانع لترتب آثار الانتساب على التوليد الحاصل من قبل الشبهة بجميع انحائها ولو كان النكاح شرطا لم يترتب الاثار على الشبهة، وايضا ظاهر الروايات من الحكم بكون ولد الزنا لغية لا يورث سقوط الزنا عن الاعتبار لا اعتبار النكاح كما هو ظاهر، مع ان الاصل عند الشك وتردد الامر بينهما وعدم قيام دليل على اشتراط النكاح ترتيب آثار المنع لانه المتيقن. فان عدم ترتب الاثر على التوليد الحاصل من قبل السفاح ثابت على التقديرين، والشك انما هو في التوليد الحاصل من شبهة هل هو ساقط من اجل ان النكاح شرط أو باق على اقتضائه الاصلى من جهة ان السفاح مانع فالمقتضى

[ 403 ]

معلوم والشك انما هو في المانع وهو اشتراط النكاح، فيترتب اثر المقتضى حينئذ للعلم بثبوته وعدم العلم بالمانع. واما الطرف الثاني فالتحقيق فيه سقوط السفاح عن الاعتبار مطلقا، وانقطاع نسبة الولد من الطرفين - كما ذهب إليه اكثر الاصحاب (قدس سرهم). الاولى: رواية على ابن مهزيار عن محمد بن الحسن القمى قال: " كتب بعض اصحابنا على يدى الى ابى جعفر عليه السلام جعلت فداك ما تقول في رجل فجر بامرئة فحملت ثم انه تزوجها بعد الحمل فجائت بولد وهو اشبه خلق الله به؟ فكتب بخطه وخاتمه " الولد لغية لا يورث " فان حمل اللغية المشتقة من اللغو على الولد وجعله ساقطا عن الاعتبار لا يتم الا بانقطاع نسبته من طرفيه، إذ انقطاع نسبة الولد من احد طرفيه لا يوجب صيرورة الولد لغوا ولغية، ولذا لا يصح ان تقول ولد الملاعنة لغية من جهة انقطاعه عن ابيه. ومن هنا تبين لك فساد ما قد يتوهم من ان الرواية مهملة من هذه الجهة أو ناظرة الى انقطاعه عن ابيه بقرينة سوق السؤال. ويدل على ما بيناه ايضا عدوله عليه السلام عن الفعل المعلوم الى المجهول الناظر الى نفس الولد من دون نظر الى خصوص احد طرفيه، ولو كان ناظرا الى خصوص الاب لوجب ان يقال " لا يرثه " الثانية صحيحة عبد الله ابن سنان عن الصادق عليه السلام: " قال قلت فانه مات يشير الى ولد الزنا وله مال من يرثه قال: الامام عليه السلام ". لا يقال لا يرجع ارث ولد الزنا الى الامام عليه السلام الا بعد فقد الولد والزوجة وضامن الجريرة، فكيف يصح الحكم على الاطلاق برجوع ارثه الى الامام فدلالته على المقصود موهومة. لانا نقول: اولا ان تقييد المطلق كتخصيص العام شائع ولا يوجب وهنا في دلالته، وثانيا ان الزنا انما يتعلق باطراف التوليد كما هو ظاهر فالسؤال عن امر الزنا انما يقع عن اطرافه. فالجواب حينئذ برجوع ارث الولد الى الامام عليه السلام لا تقييد فيه بوجه فلا مجال

[ 404 ]

للطعن في الرواية بوجه. الثالثة صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (ع) قال: " ايما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراها فادعى ولدها فانه لا يورث منه شئ، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يورث ولد الزنا الا رجل يدعى ابن وليدته " وجه الدلالة انه عليه السلام نفى ارث ولد الزنا الا لرجل يدعيه ابن وليدته فحصر ارثه فيه يدل على انقطاع نسبته من ابيه وامه، واوضح منه ان الاستثناء المذكور منقطع، ضرورة ان الولد المذكور في صورة ادعائه ابنا لوليدته لم يكن ولد زنا، فاستثناء هذه الصورة مع عدم كونها من افراد المستثنى منه كالصريح فيما بيناه. وقد رويت الرواية باسانيد مختلفة معتبرة هذا. واما مستند مثبتى النسب بالنسبة الى الام فامران، قال في المسالك: " وقال ابن الجنيد وابو الصلاح ترثه امه لرواية اسحاق ابن عمار عن الصادق (ع) " ان عليا (ع) كان يقول ولد الزنا وابن الملاعنة ترثه امه واخوته لامه أو عصبتها ". ورواية يونس قال " ميراث ولد الزنا على نحو ميراث ابن الملاعنة " انتهى ويمكن ان يحتج لهم بالاصل ايضا فان الاصل في صورة الشك في انقطاع نسبته عن الام وعدمه بقائها وعدم انقطاعها في الشرع، ولكن الوجوه كلها في غير محله اما الاصل فلارتفاعه بالروايات المتقدمة فان الاصل دليل حيث لا دليل عليه واما رواية يونس فموقوفة غير مسندة الى احد من الائمة عليهم السلام، ويمكن ان يكون فتوى منه لا رواية فلا حجية فيها، ولعله استنبطه من الرواية المتقدمة، فينحصر الامر حينئذ فيها، وهى مع شذوذها وضعف سندها محتملة للتقية لموافقتها للعامة، مع انه لا تصريح فيها بكونه زنا من الطرفين، فيحتمل الزنا فيه من طرف الاب فقط، على ان مقتضى قواعد العربية ان يقال: يرثهما امهما واخوتهما لامهما، وافراد الضمير في المواضع الاربعة في جميع النسخ ينبئى عن رجوعه الى الاخير فقط، فيحتمل قريبا ان يكون في الرواية سقط وكان الاصل هكذا: كان يقول

[ 405 ]

ولد الزنا لا يورث وابن الملاعنة ترثه امه واخوته لامه، والشاهد عليه افراد الضمير في المواضع كلها. وكيف كان فلا تقاوم هذه الرواية الروايات المتقدمة الصحيحة، فلا سبيل للاخذ بها مع وجود الروايات الصحيحة المعارضة لها. ثم ان هناك روايتين تنافيان الروايات جميعا، عن حنان عن ابى عبد الله عليه السلام: " قال سألته عن رجل فجر بنصرانية فولدت منه غلاما فاقربه ثم مات فلم يترك غيره ايرثه؟ قال نعم ". عنه ايضا عن ابى عبد الله عليه السلام: " قال سألته عن رجل مسلم فجر بامرئة يهودية فأولدها ثم مات ولم يدع وارثا؟ قال: فقال يسلم لولده الميراث من اليهودية قلت فرجل نصراني فجر بامرئة مسلمة فأولدها غلاما ثم مات النصراني وترك مالا لمن يكون ميراثه؟ قال يكون ميراثه لابنه من المسلمة " وحيث ان الروايتين منافيان للروايات المذكورة، والروايات الواردة في باب اولاد الاماء - من لحوقها بالمالك وصيرورتها ارقاء إذا كانت من السفاح، إذ لو لم تنقطع النسبة عن الاب بالزنا لزم صيرورتها احرارا - بل ضرورة المذهب فلا بد من صرفهما عن ظاهرهما فاقول يمكن ان يكون امره عليه السلام بتسليم الميراث الى الابن تبرع منه عليه السلام إذ الميراث في مفروض السؤال راجع الى الامام عليه السلام ولعله لعدم بسط يده صلى الله عليه واله لم يمكنه ارجاعه الى نفسه، مع انه يحتمل ان يكون الغرض من الاقرار في الروياة الاولى اقراره بالولد مع عدم ثبوت فجوره شرعا. وكيف كان فلا مجال للتامل في اصل الحكم. بقى الكلام في الطرف الثالث، فاقول - بعون الله تعالى ومشيته: انه اتفق الاصحاب بل قاطبة اهل الاسلام على لحوق الولد بالناكح عند احتمال لحوقه به والتردد في انتسابه إليه والى الزانى، واحتجوا عليه بقول رسول الله صلى الله عليه واله " الولد للفراش وللعاهر الحجر " وقد استفاضت الرواية الشريفة من طريق الفريقين بل كادت

[ 406 ]

ان تكون متواترة فلا شبهة في صحة سندها: فالمهم تفسيرها وبيان كيفية انطباقها على ما راموه. فاعلم ان (الفراش) بكسر الفاء، وهو عنوان ينطبق على الزوجة أو ما بمنزلتها اتفاقا، قال عز من قائل " وفرش مرفوعة " أي نساء مرتفعة الاقدار، وعن المصباح المنير انه يطبق على الزوج ايضا وفى المجمع: وفى الحديث: " الولد للفراش " أي للزوج فان كل واحد من الزوجين يسمى فراشا للاخر، كما يسمى كل واحد منهما لباسا للاخر. وكيف كان فصدق عنوان الفراش دائر مدار التزويج أو ما بمنزلته، واطلاقه على المرئة مزوجة كانت ام لا مما لم يعهد في العرف ولا في اللغة. فما توهم من ان المراد بالفراش في الرواية الشريفة مطلق المرئة وانها تدل على مختار ابن الجنيد وابى الصلاح من ثبوت نسب الولد للام في مورد السفاح وعدم انقطاعه الا بالنسبة الى الاب في غاية السخافة. إذا اتضح لك ما بيناه فاعلم ان الرواية الشريفة مع قطع النظر عن موردها تحتمل وجوها: الاول: ان يكون المقصود تبعية الولد للفراش وثبوت النسب به لا بالفجور من دون نظر الى صورة الشك. والثانى: ان يكون المقصود تبعية الولد للمرئة المزوجة ولحوقه بها عند احتمال كونه من النكاح أو السفاح من دون ان يكون ملحقا بالزوج، فالرواية الشريفة حينئذ ناظرة الى اصل واقعى ومقررة له، لما عرفت من ان الزنا مانع لا ان النكاح شرط، فعند احتمال الزنا وعدم ثبوته يدفع المانع بالاصل ويرتب اثر المقتضى. والثالث: ان يكون المقصود تبعية الولد للفراش عند احتمال كونه من قبله أو من قبل الزنا بمعنى لحوقه بالمتزاوجين فهى حينئذ اصل شرعى مضروب لبيان حكم الشك في كون الولد من الناكح والعاهر هذا كله ان قلنا باختصاص الزوجة بالفراش

[ 407 ]

واما ان قلنا بانطباقه على الطرفين كانطباق اللباس عليهما كما في المصباح والمجمع فيسقط الوجه الثاني وينحصر الامر في الاخرين، وكيف كان فالظاهر من الرواية الشريفة مع قطع النظر عن موردها هو الوجه الاخير، فان الظاهر من العبارة انه مع تحقق نكاح وفجور واحتمال تكون الولد من ماء الزانى وماء الزوج يلحق الولد بالفراش لا بالفاجر، كما ان الظاهر من اسناد الولد الى الفراش استتباع النسبة الى الزوج ايضا فان اثبات الولد للزوجة بعنوان انها زوجة وفراش كما هو الظاهر بل الصريح لا ينفك عن ثبوته للزوج، بل لحقوق الولد بالزوجة بعنوان انها زوجة عين لحوقه بالزوج وهل هو الا كالحاق النماء بالملك الذى هو عين اثباته للمالك. وتوهم الافتراق بينهما من جهة عدم تصور لحوق النماء بالملك مع عدم ثبوته للمالك، بخلاف المقام لتصور ثبوت الولد للزوجة مع عدم ثبوته للزوج في غير محله، لان الانفكاك انما يتصور إذا لم يكن رجوع الولد الى الزوجة بعنوان انها زوجة، واما إذا كان كذلك كما هو المفروض فان اثبات الولد للفراش ونفيه عن العاهر تصريح بدوران لحوق الولد مداره وكونه عنوانا للحكم فلا مجال للتفكيك فتبين لك غاية التبين ان نسبة الولد الى الفراش مع اطلاقه عل الزوجة يوجب الانتساب الى الزوج من دون حاجة الى تقدير مضاف من الصاحب وما في معناه، هذا كله بناءا على اختصاص الزوجة بالفراش، واما ان قلنا بانطباقه على الطرفين كما في المصباح والمجمع فالامر فيه اظهر، ويؤيد اطلاقه على الزوج في المقام مقابلته بالعاهر. واذ قد اتضح لك ظهور الرواية في الوجه الاخير مع قطع النظر عن مواردها فاعلم انها مع ملاحظتها صريحة فيه، عن سعيد الاعرج عن ابى عبد الله عليه السلام: " قال قلت له الرجل يتزوج المرئة ليست بمامونة تدعى الحمل؟ قال ليصبر لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر " فانه من المعلوم ان المقصود السؤال عن امر الولد بالنسبة الى الزوج من حيث اتهام المرئة، واحتمال كون حملها

[ 408 ]

من غير زوجها، (عليه السلام) بالصبر وعدم نفى الولد، وتعليله بقول رسول الله (ص) صريح فيما بيناه، وستمر عليك اخبار متظافرة في لحوق ولد الامة بمولاها عند احتمال الفجور، أو تحققه معللا بالرواية الشريفة، فلا شبهة في انطباقها على مرام الاصحاب (قدس سره). وانما الكلام في انه هل يختص الفراش بالمعقودة بالعقد الدائم أو يعم المعقودة مطلقا والمملوكة والمحللة بل الموطوئه بالشبهة، والظاهر منهم اختصاصه بالاولى بل قد ادعى الاتفاق على عدم تحققه بمجرد الملك والتحليل وعقد المتعة. وان الخلاف انما وقع في تحققه بالوطى الحاصل من قبل الامور المذكورة ففى الشرائع في باب اللعان: " ولا تصير الامة فراشا بالملك، وهل تصير فراشا بالوطى فيه روايتان اظهر هما انها ليست فرشا ولا يلتحق ولدها الا باقراره، ولو اعترف بوطيها ولو نفاه لم يفتقر الى لعان " وفى اللمعة في باب اللعان: " ولا يلحق ولد المملوكة بمالكها الا بالاقرار به، ولو اعترف بوطيها ولو نفاه انتفى بغير لعان ". وفي الجواهر في ذيل قول المحقق (قدس سرهما): " ولا تصير الامة فراشا بالملك بلا خلاف اجده فيه وان خلت به وخلا بها وامكن تكونه منه بل في المسالك الاجماع عليه، قال: بخلاف النكاح الذى يلحق به الولد بمجرد الامكان، لان المقصود منه الاستمتاع والولد، وملك اليمين قد يقصد به ذلك وقد يقصد به التجارة والاستخدام. ولذا لا يتزوج من لا تحل له. ويملك بملك اليمين من لا تحل له ". ثم قال بعد ذلك: " إذا كان الفراش زوجة دائمة تحقق فراشها من حين العقد وامكان وصوله إليها، ثم لها بالنسبة الى الولد حكمان: احدهما في ظاهر الامر، وهو انه يحكم بالحاق الولد الذى تلده بعد العقد وامكان الوصول إليها فيما بين اقل الحمل واكثره بالزوج وان لم يعترف به ولم يعلم وطؤه لها، سواء كان من اهل الاعتراف كالبالغ العاقل، اولا كالمجنون والصبى الذى يمكن تولده منه قبل ان يحكم ببلوغه على ما سبق ".

[ 409 ]

ثم انه - بعد ان ذكر ان الامة كالحرة بعد الوطى في لحوق الولد - قال: " لكنه يفارق ولد الزوجة في امرين: احدهما انه لا يحكم بلحوقه به الا مع ثبوت وطيه لها اما باقراره أو بالبينة بخلاف ولد الزوجة فانه يكفى فيه امكان الوطى، والوجه فيه ان المعتبر فيهما ثبوت الفراش ولما كان في الزوجة متحققا بالعقد وامكان وصوله الها كان المعتبر ثبوت ذلك. ولما كان فراش الامة لا يتحقق الا بالوطى اعتبر ثبوته، فمرجع الامر فيهما الى شئ واحد وهو ثبوت الفراش الا انه في الزوجة يظهر غالبا بغير الزوج بحضور العقد والعلم بامكان وصوله إليها، وفى الامة لا يظهر غالبا الا منه لان الوطى من الامور الخفية فاعتبر اقراره به ان لم يتفق الاطلاع عليه بالبينة نادرا - الى غير ذلك من كلماته في هذا الشرح الذى اطنب فيه وتبعه عليه في كشف اللثام - لكن قد يناقش بانه مناف لما ذكروه في حكم الحاق الاولاد من اعتبار تحقق الدخول بالزوجة في لحوق الولد بالزوج " انتهى - والتحقيق ان اعتبار الدخول في لحوق الولد بالزوج كاعتبار مضى ستة اشهر من حين الوطى وعدم تجاوز اقصى الحمل انما هو من جهة تحصيل الاحتمال، وثبوت المورد للرواية الشريفة فان مضمونها ان الفراش في نظر الشارع مقتض للحوق الولد به عند الشك والتردد في تكون الولد من النكاح أو الفجور، ومن المعلوم انه يؤخذ بالمقتضى عند عدم العلم بالمانع، فمع العلم بانتفاء الولد عن الفراش بسبب العلم بعدم الدخول من قبل الزوج، أو بعدم مضى ستة اشهر من الوطى أو بتجاوز التولد عن اقصى الحمل لا وجه لالحاقه بالفراش من جهة الرواية الشريفة فيعتبر حينئذ امكان الدخول ولا يلزم حصول العلم بالدخول - كما ذكره في المسالك - فجعل الدخول حينئذ شرطا في غير محله، وان لم يكن فيه ضير بعد وضوح الامر، ولكن يرد عليهم اشكال عظيم لا محيص عن دفعه من جهة اقتصارهم على الدخول والتقييد بغيبوبة الحشفة أو مقدارها، و التعميم بالنسبة الى القبل والدبر

[ 410 ]

والانزال وعدمه، وتوضيحه يتوقف على ذكر شطر كلماتهم. ففى الروضة: " والمراد به - على ما يظهر من اطلاقهم وصرح به المصنف في قواعده - غيبوبة الحشفة قبلا أو دبرا وان لم ينزل، ولا يخلو ذلك من اشكا ان لم يكن مجمعا عليه للقطع بانتفاء التولد عنه عادة في كثير من موارده، ولم اقف على شئ ينافى ما نقلناه ويعتمد عليه " ويقرب منه ما في المسالك. وفي الجواهر: " الدخول بغيبوبة الحشفة أو مقدارها قبلا أو دبرا بل في كشف اللثام، وغيره انزل ام لا، لاطلاق الفتاوى، ونحو قول الباقر (ع) لابي مريم الانصاري " إذا اتاها فقد طلب ولدها " ثم ذكر كلام الروضة - الى ان قال: " وتبعه في الرياض فقال ولد الزوجة الدائمة التام خلقة يلحق بالزوج الذى يمكن التولد عنه عادة، ولو احتمالا مع شروط ثلاثة: احدها الدخول منه بها دخولا يحتمل فيه ذلك ولو احتمالا بعيدا قبلا كان أو دبرا اجماعا، وفى غيره اشكال وان حكى الاطلاق عن الاصحاب واحتمل الاجماع، مع ان المحكى عن ئر، وير عدم العبرة بالوطى دبرا، واستوجهه من المتأخرين جماعة وهو حسن الا مع الامناء واحتمال السبق وعدم الشعور به لا مطلقا. قلت: مع فرض امكان سبق المنى وعدم الشعور به لا سبيل حينئذ للقطع بنفى الاحتمال ولو بعيدا مع تحقق مسمى الدخول، على انه يمكن التولد من الرجل بالدخول وان لم ينزل، ولعله لتحرك نطفة المرئة واكتسابها العلوق من نطفة الرجل في محلها أو غير ذلك من الحكم التى لا يحيط بها الارب العزة، ولذا اطلق ان الولد للفراش - المراد به الافتراش فعلا، لا ما يقوله العامة من الافتراش شرعا بمعنى انه يحل له وطيها، فلو ولدت وان لم يفترشها فعلا الحق به الولد إذ هو مع ما فيه من فتح باب الفساد للنساء اشبهه شئ بالخرافات. وربما يؤمى الى بعض ما قلنا خبر ابى البخترى المروى عن قرب الاسناد عن جعفر ابن محمد عن على عليهم السلام قال: " جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله قال كنت

[ 411 ]

اعزل عن جارية لى فجائت بولد فقال " الوكاء قد ينفلت " والحق به الولد. وفحوى التوقيع المروى عن اكمال الدين و اتمام النعمة - في جملة مسائل منها - استحللت بجارية وشرطت عليها ان لا اطلب ولدها ولم الزمها منزلي فلما اتى لذلك مدة قالت قد حبلت، ثم اتت بولد لم انكره - الى ان قال: فخرج جوابها عن صاحب الزمان صلوات الله عليه " واما الرجل الذى استحل بالجارية وشرط عليها ان لا يطلب ولدها فسبحان من لا شريك له في قدرته شرطه على الجارية شرط على الله تعالى، هذا مالا يؤمن ان يكون وحيث عرض له في هذا شك وليس يعرف الوقت الذى اتاها فليس ذلك يوجب البرائة من ولده " انتهى. وبعد ما ظهر لك من صدق عنوان الفراش على المرئة المزوجة بالعقد الدائم وعدم اعتبار الدخول في صدقه عليها كما يظهر من كلماتهم الاتفاق عليه ظهر لك ان اعتبارهم دخول الزوج بها في لحوق الولد به ليس الا لاجل حصول احتمال الحمل منه وثبوت المجرى للقاعدة المضروبة لحكم الشك، ومن المعلوم ان الاحتمال كما يتحقق بالدخول يتحقق بالانزال على الفرج من دون دخول، فلا وجه للاقتصار على الدخول حينئذ. ويدل على ما بيناه مع وضوحه ما في الوسائل عن قرب الاسناد عن ابى البخترى عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهم السلام: " ان رجلا اتى على ابن ابي طالب (ع) فقال ان امرئتى هذه حامل وهى جارية حدثة وهى عذراء وهى حامل في تسعة اشهر ولا اعلم الا خيرا، وانا شيخ كبير ما افترعتها وانها لعلى حالها فقال له على (ع) " نشدتك الله هل كنت تهريق على فرجها؟ " قال: نعم فقال على (ع) " ان لكل فرج ثقبين: ثقب يدخل فيه ماء الرجل وثقب يخرج منه البول وان افواه الرحم تحت الثقب الذى يدخل فيه ماء الرجل، فإذا دخل في فم واحد من افواه الرحم حملت المرئة بولد، وإذا دخلت من اثنين حملت باثنين وإذا دخلت من ثلاثة حملت بثلثة، وإذا دخل من اربعة حملت باربعة وليس هناك غير ذلك، وقد الحقت بك ولدها "

[ 412 ]

فشق عنها القوابل وجائت بغلام فعاش ". وعن محمد ابن محمد المفيد في الارشاد قال: " روى نقلة الاثار من العامة والخاصة ان امرئة نكحها شيخ كبير فحملت، وزعم الشيخ انه لم يصل إليها وانكر حملها فالتبس الامر على عثمان وسئل المرئة هل افتضك الشيخ؟ وكانت بكرا فقالت: لا، فقال عثمان: اقيموا عليها الحد، فقال امير المؤمنين ع " ان للمرئة سمين: سم البول وسم المحيض، فلعل الشيخ كان ينال منها فسال مائه في سم المحيض فحملت منه، فاسألوا الرجل عن ذلك " فسئل فقال: قد كنت انزل الماء في قبل من غير وصول إليها بالافتضاض فقال امير المؤمنين ع " الحمل حمله والولد ولده وارى عقوبة على الانكار له " فصار عثمان الى قضائه. اقول: إذا كان انزال الماء على فرج البكر موجبا للحمل فانزاله على فرج الثيب يوجبه بطريق اولى، فمع احتمال الحمل من دون دخول وصدق الفراش قبله، وتصريح الروايتين بلحوق الولد بالزوج حينئذ لا وجه لاعتبار خصوص الدخول في الحاق الولد، كما انه لا وجه لتفسيره في المقام بغيبوبة الحشفة أو مقدارها، ضرورة ان احتمال الحمل كما يحصل به يحصل بما دونه، مع انا قد بينا في محله ان المناط في الجنابة والحد وغيرهما مسمى الدخول ايضا لا المقدار المخصوص. وكيف كان فما اشتهر في المقام في غير محله، واعجب منه التعميم الى صورة الانزال وعدمه ضرورة عدم احتمال الحمل مع عدم الانزال نعم مع احتمال الانزال وعدم الشعور به لا سبيل الى نفى الولد. وما ذكر في الجواهر من انه مع تحقق مسمى الدخول لا سبيل للقطع بنفى احتماله في غير محله، ان الانزال لا يكون الا عن كمال الشهوة، واستشهاده بلحوق الولد به في صورة العزل في غير محله ايضا لغلبة السبق في حال العزل كما هو ظاهر، فالرواية الشريفة ناظرة الى عدم حصول اليقين للشخص بعدم السبق في هذا الحال، واغرب منه الاستشهاد بالتوقيع المذكور لعدم ارتباطه

[ 413 ]

بالمقام كما هو واضح. واما ما ذكره من امكان تولد الولد من الرجل مع دخوله وعدم انزاله من جهة تحرك نطفة المرئة واكتسابها العلوق من نطفة الرجل في محلها ففى غاية الغرابة والمهانة، ضرورة عدم خلقة الولد بحسب مجارى العادات الا بعد امتزاج المائين واختلاطهما، قال عز من قائل " انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج " والروايات في هذا الباب كثيرة جدا، نعم يمكن خلق الولد من المرئة فقط أو على الوجه المذكور على سبيل الاعجاز ولكنه غير نافع للمقام. ثم ان ما ذكره من ان المراد من الفراش الافتراش الفعلى فمع انه مخالف لظاهر الرواية بل اتفاق الاصحاب (قدس سرهم) - لما ظهر لك من ظهور اتفاقهم على تحقق الفراش قبل الدخول - لا يفيده ضرورة ان مفاد الرواية المذكورة ليس الا الاصل، وهو انما يتقوم بالاحتمال والشك ومع عدم الانزال لا احتمال ولا شك. ومن هنا ظهر لك ان ما نقله من العامة من لحوق الولد بالفراش مع عدم الدخول وعدم انزال الماء على الفرج من الخرافات المضحكة لا انه اشبه شئ بها بداهة ان الفراش ليس من اسباب الانساب حتى بوجب لحوق ولد غير الزوج به، وانما هو اصل شرعى يؤخذ به في مورد الشك والاحتمال، فالعامة ان تفوهوا بهذه المقالة القبيحة فهو لجهلهم لمورد الرواية الشريفة وانها اصل مضروب لحكم الشك، لا من جهة اشتباههم في تفسير الفراش، لما عرفت من اشتراك اصحابنا (قدس سرهم) معهم في هذا التفسير. فاتضح لك بما بيناه غاية الاتضاح ان المناط في المقام انزال الماء من الزوج سواء كان مع الدخول أو مع اهراقه على الفرج، وسواء كان في القبل أو الدبر، فان الماء في الدبر قد يسرى الى الرحم فيحتمل منه الحمل فجعل الدخول المفسر بغيبوبة الحشفة أو مقدارها مناطا مع التعميم للانزال وعدمه في غاية الغرابة والظاهر ان قدماء الاصحاب انما عبروا بالدخول من باب الغلبة،

[ 414 ]

وقد التبس الامر على غيرهم فزعموا انهم انما عنوا به خصوص الدخول فاقتصروا عليه، وعمموه مجامعة للانزال وعدمه بزعم الاطلاق وغفلوا عن ان ذكره في مقام احتمال الحمل ينافيه. وكيف كان فلا وجه للاقتصار على الدخول فضلا عن تقييده بغيبوبة الحشفة أو مقدارها، وتوهم انعقاد الاجماع على اعتبار خصوص الدخول في غير محله، بعد ما عرفت من اتفاقهم على تحقق الفراش قبل الدخول وعدم اعتباره في صدقه وتحققه. ثم انه ظهر مما بيناه من تحقق الفراش في الزوجة قبل الدخول، وانه انما اعتبر لاجل تحقق الاحتمال وثبوت المجرى للاصل عدم لزوم العلم بالدخول وكفاية احتماله وامكان وقوعه، ضرورة ان احتمال الحمل من الزوج كما يتحقق بالعلم بدخوله يتحقق من احتماله وجواز وقوعه. ومن هنا صرح في المسالك بلحوق الولد بالزوج بعد تحقق عقد الزوجة وامكان وصول الزوج إليها، ولكنه لابد من كون الاحتمال متعارفا عاديا فلا يكفى فيه الاحتمال العقلي الصرف، ومن هنا لا يلحق ولد الزوجة بزوجها الغائب عنها باحتمال قدومه سرا ووصوله إليها. في الوسائل عن يونس: " في المرئة يغيب عنها زوجها فتجئ بولد انه لا يلحق الولد بالرجل ولا تصدق انه قدم فاحبلها إذا كانت غيبته معروفة بذلك " ويمكن ان يكون الوجه فيه ان الغيبة مانعة عن الوصول، ومع الشك في انقلابها بالحضور يستصحب فيحكم في مرحلة الظاهر بعدم امكان الوصول فلا تجرى قاعدة الفراش لاستصحاب الغيبة المانعة عن الوصول. ومن هنا ظهر انه لو اتت الزوجة بولد قبل التصرف والزفاف لا يلحق بزوجها باحتمال وصوله إليها سرا لان الزوج قبل الزفاف لا يمكنه الوصول الى زوجته عرفا وان امكنه عقلا، فاحتمال الدخول منفى حينئذ في مرحلة الظاهر فلا تجرى قاعدة الفراش لترتبها عليه.

[ 415 ]

بل يمكن ان يكون الامر في المقام اظهر من غيبة الزوج، لما قد يقال من عدم تحقق الافتراش قبل الزفاف وهذا المعنى وان كان مخالفا لظاهر كلمات الاكثر على ما يظهر من كلام صاحب المسالك الا انه ليس بعيدا عن التحقيق، فان الافتراش الاستحقاقي وان تحقق بالعقد الا انه لم يتم ما لم يتصرفها الزوج ولم يقبضها، والفراش ينصرف الى ما اتصف بالفراشية على وجه التمام، وبعد تحقق الزفاف يكفى في لحوق الولد بالزوج احتمال الدخول، ولا يجب العلم بالدخول.

[ 416 ]

" فائدة - 58 " إذا تزوج الحرامة بدون اذن المالك فوطئها كذلك كان زانيا وعليه الحدان لم يجز المولى، وهل لها المهر إذا كانت عالمة مطاوعة فيه قولان: احدهما عدمه لما ورد من انه لا مهر لبغى. والثانى ثبوته للمولى لان بضعها منفعة ملكه فلا يؤثر بغيها في سقوط حقه، والاقوى هو الثاني. توضيح الحال يتوقف على تحقيق حقيقة المال وما يتقوم به وما يوجب سقوطه عقلا وشرعا. فاقول مستعينا بالله تعالى: ان المال ما يكون له منفعة يعتد بها في نظر العرف ولا يكون مبذولا بحيث لا يكون مجال لاختصاص بعض دون بعض، فما لا منفعة له اصلا كرطوبات بدن الانسان والاخلاط وهكذا لا يكون مالا، وإذا لا يصح بيعها وبذل المال بازائها وما قلت فائدته بحيث تكون في حكم العدم في نظر العرف لا تعد مالا ولذا لا يضمن من اتلفها كما ان ما يكون مبذولا في الغاية كذلك ولذا لا يضمن من اهرق ماء غيره عند النهر وان اثم، وما يحرم منافعه المقصود في حكم ما لا منفعة له اصلا في عدم المالية ضرورة انه إذا لم يكن سبيل الى الانتفاع به شرعا فهو كعادم المنفعة اصلا ويكفى في سقوط المالية عن الخمر وآلات اللهو والقمار وامثالها حرمة المنافع المقصود منها، ولا يتوقف اثبات عدم المالية لها الى دليل

[ 417 ]

آخر هذا إذا كانت المنفعة المقصودة محرمة. واما إذا كانت المنفعة المقصودة من العين محللة في حد نفسها ولكن يمكن استعمالها في الحرام ايضا فلا يوثر تطرق الانتفاع بها في الحرام في سقوط المالية عن العين. نعم تسقط المنفعة عن المالية إذا يذلها مالكها في الحرام فإذا بذل المالك دابته في خصوص حمل الخمر وآلات القمار واللهو ونحوها من الاعمال المحرمة لا يستحق شيئا على المبذول له إذ لا مالية لها حينئذ ولذا تبطل اجارة الدابة في الاعمال المذكور. واما إذا لم يبذل المالك ما ملكه في العمل المحرم وانما استعمله المتصرف في الحرام يستحق اجرة ما استوفاه المتصرف من المنفعة إذ لا يسقط احترام مال المالك لاجل صرفه اياه في الحرام. فاتضح بما بيناه اختصاص سقوط المهر بالبغى بالحرة لانها إذا بذلت بضعها في الحرام من دون اكراه واجبار اسقطها عن الاحترام باختيارها للحرام واما الامة فلا تملك بضعها فلا يؤثر اختيارها الحرام في سقوط حق المالك فما ورد من انه لا مهر لبغى يختص بالحرة مع ان المهر ظاهر في مهر الحرة فلا يقال لعوض بضع الامة المهر الا مجازا وانما يطلق عليه اسم العقر أو العشر أو نصفه ومن ثم يطلق على الحرة المهيرة. فان قلت: مقتضى ما ذكرت سقوط المهر بالنسبة الى البغى التى لم تكن تحت حبالة غيره لان من كان تحت حبالة غيره بضعها مملوك له فيلزم ثبوت المهر لمالك البضع وهو الزوج: قلت: قد اوضحنا في بعض الفوائد السابقة ان ملك البضع لا يكون من قبيل ملك المنفعة بل من قبيل ملك الانتفاع ولذا لو وطئت الزوجة شبهة أو اكراها يرجع مهر مثلها إليها لا الى زوجها ولزوم عقد التزويج لا ينافى مع كونه من قبيل ملك

[ 418 ]

الانتفاع كما بيناه سابقا وإذا ثبت ان الزوج لا يملك بضعها الا في جهة الانتفاع فمالك منفعة البضع انما هي الزوجة فيؤثر بغيها في سقوط احترام بضعها ثم انه بعد ما تبين ان بغى الامة لا يوجب سقوط مهرها فهل للمولى مهر مثلها أو العشر ان كانت بكرا ونصفه ان كانت ثيبا؟ الظاهر من الروايات هو الثاني، وهو مهر المثل الذى يقدر المهر بقدره، وهو مطابق لمهر السنة في الابكار من الاحرار فان مهر السنة فيها خمسمأة درهم وهو عشر ديتها فان دية المرئة خمسة الاف درهم نصف دية الرجل التى هي عشرة آلاف درهم. ومن هنا يمكن استنباط مهر السنة في الثيبات من الاحرار ايضا وانه نصف عشر ديتها وهو مأتان وخمسون درهما فتفطن. ثم ان الظاهر دخول ارش الجناية وذهاب البكارة في العشر وان نصفه للانتفاع بالوطى المشترك فيه البكر والثيب، وان نصفه ارش الجناية وذهاب البكارة فلو كان المتزوج بالامة عبدا بدون اذن مولاه يتعلق نصفه برقبته، لانه ارش جنايته فتباع رقبته فيها ويتعلق نصفه بذمته يتبع به بعد عتقه، ولو اتت بولد كان الولد رقا لمولاها وعلله في الجواهر بانه نماء ملكه والفرض عدم العقد المقتضى لثبوت النسب فهو كولدها منه زنا، هذا إذا كان الزوج عالما بالحرمة. واما إذا كان جاهلا بالتحريم أو كان شبهة فلا حد قطعا ووجب المهر وكان الولد حرا ويلزمه قيمته لمولى الامة لكونه كالمتلف مال غيره بغير اذنه، لكونه نماء للجارية وتابعا لها هكذا ذكروه. اقول: مقتضى ما ذكروه من تنصيف الولد بين الابوين الا في مورد الزنا المسقط للنسب غرامة نصف قيمة الولد لا تمامها فغرامة تمام القيمة لا يتم الا على مبنى ابى الصلاح (قدس سره): من تبعية الولد للام في الانسان كسائر الحيوانات أو على مبنى آخر استظهرناه من الروايات وسيأتى لك بيانه في الفائدة اللاحقة انشاء الله تعالى.

[ 419 ]

" فائدة - 59 " إذا عقد الحر على امة لدعواها الحرية فمولاها العشر ان كانت بكرا ونصفه ان كانت ثيبا واختلفوا في الولد لو اتت به فقيل انه رق ويجب على الزوج فكه بالقيمة وعلى المولى دفعه إليه وقيل انه حر ويجب على ابيه غرامة القيمة لمولاها وفى المسالك " واظهر فائدة القولين مع اتفاقهما على وجوه دفع القيمة وحريته بدفعها فيما لو لم يدفعها لفقر أو غيره فعلى القول بحريته تبقى دينا في ذمته والولد حر، وعلى القول الاخر تتوقف على دفعها. واما الحكم باستسعاء الاب في القيمة فمبنى على رواية سماعة وسندها ضعيف به، وهو من جملة الديون ولا يجب الاستسعاء فيها بل ينظر الى اليسار " انتهى، وعلى كل حال فان ابى السعي فهل يجب ان يفديه الامام عليه السلام؟ قيل نعم تعويلا على رواية وقيل لا يجب لان القيمة لازمة للاب لانه سبب الحيلولة، ولو قيل بوجوب الفدية على الامام عليه السلام فمن أي شئ يفديه؟ قيل من سهم الرقاب، ومنهم من اطلق ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات في نظرهم. اقول مستعينا بالله تعالى انه لا اختلاف في روايات الباب وانه يفسر بعضها بعضا فلا بد لنا من ذكر روايات الباب اولا ثم توضيح ما فيها حتى يتضح عدم اختلافها ففى صحيح الوليد ابن صبيح عن الصادق عليه السلام " في رجل تزوج امرئة حرة فوجدها امة دلست نفسها له؟ قال ان كان الذى زوجها اياه من غير مواليها فالنكاح

[ 420 ]

فاسد قال قلت كيف يصنع بالمهر الذى اخذت منه؟ قال ان وجد ما اعطاها فيأخذه وان لم يجد شيئا فلا شئ له عليها، وان كان زوجها اياه ولى لها ارتجع على وليها بما اخذت منه ولموليها عشر قيمتها ان كانت بكرا وان كانت غير بكرا فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها وتعتد منه عدة الامة قلت فان جائت منه بولد؟ قال اولادها منه احرارا إذا كان النكاح بغير اذن المولى ". وفى صحيح محمد بن قيس عن ابى جعفر عليه السلام " في رجل تزوج جارية رجل على انها حرة ثم جاء رجل آخر فاقام البينة على انها جاريته؟ قال يأخذها ويأخذ قيمة ولدها ". وفى موثق سماعة " سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن مملوكة اتت قوما وزعموا انها حرة فتزوجها رجل منهم واولدها ولدا ثم ان مولاها اتاهم فاقام عندهم البينة انها مملوكة واقرت الجارية بذلك؟ فقال تدفع الى مولاه هي وولدها، وعلى مولاها ان يدفع ولدها الى ابيه بقيمته اليوم يصير إليه قلت فان لم يكن لابيه ما يأخذ به ابنه؟ قال يسعى ابوه في ثمنه حتى يؤديه ويأخذ ولده قلت فان ابى الاب ان يسعى في ثمنه ابنه؟ قال فعلى الامام عليه السلام ان يفديه ولا يملك ولد حر ". وفى حسن زرارة: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: امة ابقت من موليها فاتت قبيلة غير قبيلتها فادعت انها حرة فوثب عليها رجل فتزوجها فظفر بها مولاها بعد ذلك وقد ولدت اولادا؟ فقال " ان اقام الزوج البينة على انه تزوجها على انها حرة اعتق ولدها وذهب القوم بامتهم، وان لم يقم البينة اوجع ظهره واسترق ولده ". وفى موثق سماعة الاخر: " سئله عن مملوكة اتت قبيلة غير قبيلتها فاخبرتهم انها حرة فتزوجها رجل منهم فولدت له؟ قال ولده مماليك الا ان يقيم البينة انه شهد لها شاهدان انها حرة فلا يملك ولده ويكونون احرارا ". وفى موثق محمد اين قيس الاخر عن ابى جعفر عليه السلام " قضى على عليه السلام في امرئة اتت قوما فاخبرتهم انها حرة فتزوجها احدهم واصدقها صداق الحرة ثم جاء سيدها

[ 421 ]

فقال ترد عليه وولدها عبيد ". هذه روايات الباب، والمستفاد من مجموعها ان الولد يتبع المملوك من ابويه وان جنبة رقية احد الاصلين غالبة على جنبة احدهما بالنسبة الى الولد اقتضاءا، إذ لو لم تكن جنبة الرقية غالبة على جنبة الحرية لم يكن للحكم برقية الولد أو حريته مع غرامة قيمته وجه لان مقتضى عدم غلبة احدى الجنبتين على الاخرى رقية نصف الولد أو غرامة نصف القيمة كما ان مقتضى غلبة الحرية على الرقية الحكم بحرية الولد مع عدم غرامة القيمة فالحكم برقية الولد بتمامه أو غرامة تمام القيمة يكشف عما بيناه: من غلبة جنبة الرقية. ولكن الحكم بتبعية الولد للرق من ابويه لما كان على وجه الاقتضاء فقد يصير الحكم برقية الولد حينئذ فعليا لاجل وجود المقتضى وعدم المانع والمزاحم الاقوى وقد يصير حرا لاجل مزاحم اقوى مع غرامة القيمة وقد يصير حرا مع عدم غرامة القيمة. توضيح الكلام فيه انه اجتماع وصفى الحرية والرقية في الابوين يقتضى اجتماع الوصفين في الولد تبعا لابويه وصيرورة نصفه حرا والنصف الاخر رقا ولكن الشارع ابطل اشتراكه في الوصفين وإذا ابطل اشتراكه فيهما تزاحم المقتضيان في الولد وغلبت الحرية على الرقية في صورة واحدة وهى وقوع التزويج باذن المولى مع علمه بحرية الطرف فان الولد يلحق بالحر في الصورة المذكورة من دون غرامة حسب الاخبار المستفيضة. ولعل السر فيه ان اقدام المالك على التزويج عبده أو امته بالحر اقدام على حرية الولد واسقاط لحقه من النماء فلا يتبعه الغرامة وفى غير هذه الصورة تكون الغلبة للرقية على الحرية ولكنه ينقسم الى قسمين. الاول: ما لم تستقر في رقيته ووجب فكه من الرقية، وهو ما إذا كان الزوج حرا والزوجة امة مدلسة أو مدعية للحرية وحصلت الشبهة للزوج فتزوجها بعنوان

[ 422 ]

انها حرة، وولدت منه ولدا فانه يجب على ابيه فكه من الرقية باداء قيمته يوم سقوطه حيا الى مولاها، كما دلت عليه الاخبار المتقدمة. والثانى: ما تستقر في رقيته، وهو ما إذا كان الزوج حرا والزوجة امة، ولم يكن للزوج بينة على انها ادعت الحرية - كما دلت عليه الاخبار المتقدمة ايضا - أو كان الزوج عبدا مدلسا أو مدعيا للحرية والزوجة حرة - كما تدل عليه رواية العلاء ابن رزين - وحكم به المفيد (قدس سره) وتبعه صاحب الحدائق. العلاء ابن رزين عن مولانا الصادق (ع): " في رجل دبر غلاما فابق الغلام فمضى الى قوم فتزوج منهم ولم يعلمهم انه عبد فولد له اولاد، وكسب مالا ومات مولاه الذى دبر فجائه ورثة الميت الذى دبر العبد فطلبو العبد فما ترى؟ قال العبد وولده لورثة الميت قلت: اليس قد دبر العبد؟ قال انه لما ابق هدم تدبيره ورجع رقا ". واكثر الاصحاب (قدس سرهم) حكموا بان الزوجة الحرة إذا كانت جاهلة بكون الزوج عبدا، أو بحرمة ذلك عليها اولادها احرار ولا يجب عليها دفع قيمتها الى مولى العبد. اقول: رواية العلا ظاهرة قريبة من الصريحة في جهل الزوجة بكون الزوج عبدا، وحمل جهل الزوجة بكون الزوج عبدا على جهل الزوج بكون الزوجة امة، والحكم باتحاد الصورتين في صيرورة الاولاد احرارا تبعا للحر من ابويهما قياس لاختلاف الموضوعين مع ان حمل احديهما على الاخرى يوجب الحكم بوجوب دفع قيمة اولادها منه عليها الى مولى العبد، وهم حاكمون بالحرية مع عدم غرامة القيمة في هذه الصورة. فان قلت: إذا كان لحوق الولد بالحر من ابويه من جهة غلبة جنبة الحرية على جنبة الرقية يلزم اتحاد الصورتين في الحكم، لان ملاك اللحوق بالحر وهى غلبة جنبة الحرية موجود فيهما. قلت: غلبة جنبة حرية الولد على رقيته في غير صورة علم المولى بكون الطرف

[ 423 ]

حرا لا اصل له اصلا، وحرية ولد الحر مع غرامة قيمة الولد فيما إذا كان الزوج حرا والزوجة امة مدلسة أو مدعية للحرمة لا تكشف عن غلبة جنبة الحرية، والا لم تكن لغرامة قيمة الولد ولا للتعبير بالعتق - كما وقع في حسن زرارة - وجه. ولعل الوجه في حرية الولد حينئذ مع غرامة القيمة ان نسبة الولد الى ابيه اقوى من نسبته الى امه، قال عز من قائل " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " فالاب مع مشاركته للام في كون كل منهما منشا لولادة الولد ينفرد عنها بمزيد اختصاص وهو كونه مولودا له، فكما تجب على الاب نفقة ولده يجب عليه فك رقبته بغرامة قيمته لمولى الامة، وكما لا تجب على الام نفقة الولد لا يجب عليها فك رقبته بغرامة القيمة لمولى العبد، فمرجع غنم الولد وغرمه انما هو الاب، والولد رقيق في الصورتين وانما تجب فك رقبته في احدى الصورتين دون الاخرى، فلا مجال لجعله حرا مع عدم غرامة القيمة في هذه الصورة كما ذكروه. فاتضح بما بيناه ان الحرية بغرامة القيمة فك لرقبة الولد وعتق له فلا تنافي الروايات الدالة على ان الولد رقيق حينئذ، ضرورة عدم المنافات بين ثبوت الرقية ووجوب فك رقبته من الرقية، ولو كان المراد بحرية الولد، حينئذ ان التشبث بحرية العبد مقتضيا لحرية الولد ويكون اقوى من المقتضى لرقيته، وهو كونه نماءا لملك المولى وموجبا لعدم ترتب الاثر عليه ودافعا للرقية الاقتضائية، لزم عدم غرامة قيمة الولد على الاب، إذ المفروض حينئذ عدم رجوع الولد الى مولى الامة وعدم دخوله في ملكه حتى يكون الاب متلفا لما له وحائلا بينه وبين ملكه، وانما اللازم حينئذ غرامة اجرة مدة حملها بولده، فغرامة قيمة الولد كاشفة عن ترتب الرقية على مقتضيها وعدم مزاحمة التشبث بالحرمة معها، فحرية الولد حينئذ عتق قهرى بتعهد قيمته - كما يدل عليه حسن زرارة - وحيث ان وجوب فك رقبة الولد على الاب لاجل انه مولود له لا يقتضى في حد نفسه اجبار المولى على قبول القيمة وفك رقبته فالحكم باخذ القيمة وفك الرقبة وعدم

[ 424 ]

استقرار الرقية قهرا حكومة شرعية، فالحكم المزبور مركب من ولايتين: ولاية الاب على ولده، والولاية الشرعية. ومما بيناه يتضح لك سر الاحكام التى تضمنتها رواية سماعة الساطعة منها انوار الامامة والولاية: الاول دفع الولد الى مولى الامة حتى يدفع الاب قيمته. والثانى: دفع قيمة الولد يوم يصير إليه. والثالث، استسعاء الاب في ثمن الولد. والرابع: وجوب الافداء على الامام عليه السلام مع اباء الاب عن الاستسعاء، فان الولد ليس حرا قبل دفع قيمته حتى لا يجوز حبسه في قيمته، بل هو رق محكوم بالحرية بدفع قيمته فيجوز حبسه في ثمنه وقيمته، فحريته انما تستقر بعد دفع قيمته. فظهر سر اعتبار القيمة يوم صيرورته الى الاب، مع انه يمكن ان يكون المراد من يوم يصير إليه يوم الصيرورة الاستحقاقية المتحد مع يوم سقوطه، لا الصيرورة الفعلية المتأخرة عنه احيانا. واما استسعاء الاب في ثمن الولد فهو مقتضى الولاية الموجبة لوجوب الفك الغير المستقر الا بدفع القيمة. واما وجوب الافداء على الامام عليه السلام فلعله لاجل اعمال الولاية الشرعية من الحكم بعدم استقرار الولد في ملك المولى، فمع حكمه (ع) بعتقه عليه قهرا بالولاية الشرعية رعاية لولى الولد يكون جبرانه عليه مع اباء الولى عن السعي أو عدم تمكنه منع، مع ان المراد من وجوب الافداء على الامام (ع) دفع الفدية من بيت المال فهى حينئذ مؤادة من سهم الرقاب. فاتضح بما بيناه غاية الاتضاح ان المستنبط من الروايات حرية الولد بمعنى عدم استقراره في الرقية المترتب عليها المجامع لها، كما ينبئى عنه قوله عليه السلام " فعلى الامام ان يفديه ".

[ 425 ]

ومن الغريب ما في الجواهر حيث قال - بعد ذكر موثق سماعة -: " فانه صريح في كون الولد حرا على ما في جامع المقاصد: من انه ضبطه المحققون بالوصف لا الاضافة، فيكون المراد حينئذ انه ولد حر، والولد الحر لا يكون مملوكا فيجب على الاب أو الامام فدائه. ومنه يعلم حينئذ ان دفع القيمة ودفع الولد لمولى الجارية لا لكونه مملوكا بل لاستحقاقه القيمة على الاب " انتهى، فان افداء الولد صريح في رقيته، وقوله: لا يملك ولد حر، لكونه في مقام التعليل لوجوب الافداء صريح في الاضافة لا التوصيف، وان المراد عدم استقراره في الملكية. وليت شعرى كيف يتفرع وجوب الافداء على الحرية! وكيف يجوز حبس الحر في دين الاب! مع ان استحقاق القيمة على الاب لا وجه له الا رقية الولد. فظهر ان القول بحرية الولد بمعنى كونه حرا ابتداءا في غير محله، كما ان القول برقيته وتوقف زوالها على دفع القيمة من الاب - بحيث لو لم يدفعها لفقر أو غيره استقر في الرقية - في غير محله ايضا، لانه غير مستقر فيها اما بافداء الاب أو الامام (ع) فهو على كل حال يصير حرا ولا يبقى على الرقية، وحيث خفى ما حققناه على كثير منهم - من ان الحرية في المقام عبارة عن عدم استقرار الرقية - خفى عليهم اسرار الاحكام التى تضمنتها رواية سماعة واضطربت كلماتهم فيها. ففى الجواهر: " وعلى كل حال فالخبر المذكور بعد البناء على الحرية لابد من طرح هذه الاحكام فيه أو تأويلها بما يرجع الى القواعد الشرعية والا فانه من الشواذ كما هو واضح " انتهى، وقد اتضح لك بحمد الله تعالى انها منطبقة على الموازين ولا حاجة الى التأويل والرمى الى الشذوذ. وبعد ما اتضح لك ان المستنبط من روايات غلبة الرقية على الحرية مع عدم اذن المولى واجازته في تزويج امته أو عبده اتضح انه لا فرق بين افراد الشبهة في كون الولد رقا، فالتفصيل بين موارد الشبهة بجعل الولد حرا مع غرامة القيمة -

[ 426 ]

إذا كان الزوج جاهلا بالحرمة، أو كان هناك شبهة - وبجعله رقا مع وجوب فكه بدفع القيمة إذا عقد عليها لدعواها الحرية، وبجعله حرا مع عدم غرامة القيمة إذا تزوجت الحرة بعبد؟؟ جاهلة بكونه عبدا أو بحرمة ذلك عليه. نعم افترقت الصورة الاخيرة عن الصورتين الاوليين في استقرار الرقية فيها دونهما كما اوضحنا الكلام فيها غاية الايضاح، ومن الغريب انهم حكموا بحرمة الولد فيها مع عدم الغرامة. ثم انه إذا علم بان الزوج كان جاهلا بالحرمة أو كان هناك شبهة أو عقد عليها لدعواها الحرية فهو، واما إذا لم يعلم ذلك فهل يسمع دعوى الزوج الجهل أو الشبهة أو وقوع العقد عليها لدعواها الحرية؟ الظاهر من الروايات انه لا يسمع قوله الا مع قيام البينة على حريتها، أو على تزويجها بعنوان انها حرة. فان قلت: الشبهة مطابقة للاصل لان الاصل عدم علم الزوج بانها امة أو بحرمتها عليه، وكذا الاصل سماع قوله في فعله الذى هو المرجع فيه. قلت: مطابقة الشبهة للاصل انما هي بالنسبة الى حكم نفس الزوج. واما بالنسبة الى حق الغير فلا، ولذا يرتفع عنه الحد باحتمال الشبهة ولا يحكم بزوال تبعية الولد للمملوك من ابويه الثابتة اقتضاءا بمجرد احتمال الشبهة. وببيان اوضح الحد مرتب على الزنا فمع احتمال الشبهة والشك في تحقق الزنا الاصل عدمه، فيرتفع الحد الذى هو حكمه وهكذا الامر في سائر الحدود الشرعية المترتبة على السرقة واللواط وامثالهما من العناوين التى الاصل عدمها عند الشك فيها، وهذا هو السر فيما اشتهر من ان الحدود تدرء بالشبهات. واما حرية ولد الامة من الحر فهى حكم تزويجها على انها حرة والاصل عدمه في صورة الشك، ومجرد ان الاصل عدم علم الزوج بكونها امة لا يكفى في الحكم بوقوع التزويج على انها حرة الا من باب الاصل المثبت، وعدم اعتباره من الواضحات كما حققناه في محله، وسماع قوله في فعله انما هو فيما يرجع الى نفسه

[ 427 ]

لا فيما يرجع الى غيره، فانه بالنسبة إليه ادعاء لا يثبت الا بالبينة. وبما بيناه اتضح ان الحكم باستقرار الرقية فيما إذا لم يقم بينة على انه شهد لها شاهدان على انها حرة أو انه زوجها على انها حرة حكم ظاهري موافق للاصل وينبغى التنبيه على امور: الاول: ان الشبهة المتحقق معها النسب شرعا لا تكفى في وجوب فك الولد عن الرقية ودفع قيمته الى مولى الامة، لما عرفت من ان الشبهة المتحقق معها النسب المترتب عليه الارث وسائر آثاره الشرعية امر عدمي يكفى في تحققه عدم تحقق المانع وهو الزنا. واما الشبهة الموجبة لوجوب فك الولد عن الرقية فهى امر وجودي منتزع من وقوع العقد عليها على انها حرة أو ما بمنزلته، ولذا لا يصير الولد حرا مع عدم قيام البينة على وقوع العقد على انها حرة اوما بمنزلته بل يستقر على رقيته حينئذ. الثاني: انه لو ادعت المرئة بانها حرة وتزوجها رجل على انها حرة، ثم ادعى مدع انها امته فاقرت بذلك لا يسمع اقرارها لمولاها في ابطال التزويج الا ان يقيم بينة على انها امته، ولو لم تدع المرئة الحرية وتزوجها رجل بزعم انها حرة فأتاها مولاها وادعى انها امته فاقرت المرئة بذلك، فهل يسمع اقرارها لمولاها حينئذ - كما يظهر من موثق سماعة - أو يكون محمولا على ظهور صدقها من الخارج الظاهر ان اقرارها حينئذ مسموع بعدم دعوى منها قبل التزويج على خلاف اقرارها. الثالث: اشتهر عندهم انه إذا تزوج عبد بامة غير مولاه فان اذن الموليان فالولد لهما، وان لم ياذنا فكذلك، ولو اذن احدهما كان الولد لمن لم ياذن، ولو زنى بامة غير مولاه كان الولد لمولى الامة. وفى الجواهر ما محصله فان زنى الحر بامة كان الولد رقا لعدم العقد المقتضى للتشريك في قاعدة النماء في الام، ولو اشتبه العبد والامة بلا نكاح فحصل الولد بينهما فالظاهر التشريك اجراءا للشبهة مجرى الصحيح، ولو كانت مشتبهة والعبد

[ 428 ]

زانيا فالولد لمولى الامة قطعا لقاعدة النماء والشبهة، اما العكس فيحتمل التنصيف اعمالا للشبهة المقتضى للملك للمشتبه وللنمائية المقتضية للملك لمولى الامة، فيثبت التنصيف جمعا بين السببين، ولو اشتبه العبد فوطى حرة مشتبهة ايضا كان الولد حرا قطعا، اما لو كانت زانية فالولد لمولى العبد " انتهى. اقول: تحقيق المقام يتوقف على بيان ان الزنا هل يمنع من لحوق الولد بمولى الزانى في الملك؟ فاقول: لا شبهة في انقطاع نسب الولد عن الزانى شرعا وانه لغية لا يورث وفى انقطاعه عن الزانية خلاف، والاظهر انقطاعه عنها كما بيناه سابقا، فحينئذ نقول: ان كان عده نماءا فرع عدم انقطاعه شرعا يلزم عدم لحوق الولد في صورة زنا العبد والامة بواحد من الموليين ملكا - كما لا يلحق بابويهما ولادة شرعا - وان لم يكن النماء تابعا لتحقق النسب شرعا يلزم لحوقه بالموليين. والتحقيق عدم تفرع النماء على النسب الشرعي بل فرع تكونه منهما، والملكية من متفرعات النماء فلا يسقطها الزنا، وايضا زنا الامة وبغيها كما لا يسقط المهر الراجع الى المولى فكذلك لا يوجب سقوط حق المولى من نماء ملكه عبدا كان أو امة، مع ان الزنا انما يسقط النسب في مورد الارث والنفقة والولاية لا مطلقا، ولذا يحرم على الزانى بنته من الزنا وعلى الزانية ابنها من الزنا بل يحرم الاخت من الزنا على اخيها وهكذا. والحاصل ان السبب من الزنا بمنزلة النسب الصحيح في محرمات النكاح، فانقطاع النسب بالزنا لم يكن بالنسبة الى تمام الاحكام مع ان منع الزنا عن الملكية ان كان باعتبار منعه عن تحقق النسب لزم عدم الفرق بين العبد والامة في لحوق الولد وعدمه. إذا اتضح لك ما بيناه، فاعلم انه ان تحقق الزنا بين العبد والامة فمقتضى ما بيناه لحوق الولد بمولاهما الا على مختار ابى الصلاح من تبعيته للام، وان اشتبها يلحق الولد كذلك، وان اشتبه احدهما دون الاخر فكذلك ايضا، ولو اشتبه العبد فوطى

[ 429 ]

حرة مشتبهة ايضا فالولد ملحق بالعبد ويكون رقا لمالك العبد، لما بيناه من غلبة الرقية على الحرية، والتشبت بها لا يؤثر في حرية الولد في المقام لعدم اقدام المولى على اختيار عبده للنكاح، وعدم ولاية الحرة على الولد المقتضية لفكه، ولو اشتبه دون الحرة فلحوق الولد بالعبد واضح. ولو اشتبه الحرة دون العبد فالظاهر ايضا رقية الولد ورجوعه الى مالك العبد وان انقطع نسبه عن العبد، ولو لم يشتبها فالولد لمالك العبد، ولو اشتبه الحر فوطى، امة مشتبهة فالولد رق لمالك الامة وعلى ابيه فكه بالقيمة - كما فصلناه - ولو اشتبه الحر دون الامة فكذلك. ولو اشتبهت الامة دون الحر فالولد رق ولا فك هنا لعدم الولاية لانقطاع النسب شرعا، ولو زنى الحر امة فالولد رق لمالكها وان انقطع نسبه عن ابويه شرعا. وما بيناه مقتضى القواعد، فان قام الاجماع على خلافه في بعض الفروع فهو المعتمد والا فلا مجال للعدول عما بيناه، وقد تبين مما بيناه ان تزويج العبد بالامة مع اذن المالكين وعدم اذنهما واذن احدهما متحد في الحكم والتفصيل لا مدرك له.

[ 430 ]

(فائدة - 60) قال شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في متاجره في القسم الخامس من المكاسب المحرمة - واعلم ان موضوع هذه المسألة ما إذا كان للواجب على العامل منفعة تعود الى من يبذل بازائه، كما لو كان كفائيا واراد سقوطه منه فاستاجر غيره، أو كان عينيا على العامل ورجع نفعه منه الى باذل المال كالقضاء للمدعى - الخ. اقول: مقتضى الاجارة رجوع العمل الى الباذل وصيرورته ملكا له في قبال ما بذله وحقا من حقوقه لا عود منفعته إليه، الا ترى انه تصح الاجارة على تعمير دار غيره وعلى العبادة عن الميت مع عدم عود منفعتها الى الباذل، نعم إذا اختص العامل بمنفعة عمله لا يصح ايجاره من جهة عدم امكان القبض، فان العمل الذى لا يمكن بذله لغيره لا يمكن اقباضه اياه، فملاك الصحة عدم اختصاص العامل بمنفعة عمله سواء عادت الى الباذل ام الى غيره. إذا تبين لك ما بيناه فاعلم ان الوجوب مطلقا تعبديا ام توصليا عينيا ام كفائيا تعيينيا ام تخييريا مانع عن الاجارة والجعالة، لان تمليك العمل وارجاعه الى غيره بحيث يصير مالكا ومستحقا له موقوف على اجتماع امور اربعة: الاول: كون العمل مملوكا للعامل. والثانى: كون ملكه تاما بحيث يجوز له انحاء التقلبات فيه. والثالث: كونه مما يمكن بذله واقباضه لغيره.

[ 431 ]

والرابع: كونه مما يقبل ان يتملكه باذل الاجرة ويستحقه، فخرج بالقيد الاول: عمل العامل الذى استحقه غيره وعمل العبد بنآه على انه لا يملك شيئا وبالثانى: عمل الصغير ونحوه حيث لا يجوز له التقلب فيه لعدم تماميته في ملكه وعمله وبالثالث: عمل العامل إذا اختص به منفعته لما عرفت وبالرابع: مالا يقبل ان يصير حقا من حقوق المستأجر. إذا اتضح لك ذلك فاعلم انه لا اختيار للشخص فيما وجب عليه، بل يتعين عليه ايجاد فلا يكون مالكا تاما له حتى يصح تقلباته فيه، بل هو مملوك في عمله وذمته مشغولة به، فعمله وان لم يكن مملوكا للشارع بمعنى الجده، حيث انه منزه عن قيام الملك به بمعنى الجده وصيرورته محلا للحوادث، الا ان وجوبه عليه من اطوار المولوية التى هي اقوى من الملك بمعنى الجده، فحبل العمل مشدود بحبل المولوية المانع من نفوذ تقلبات العبد فيه. ولعله يرجع الى ما بيناه ما ذكره بعض الاساطين في شرحه على عد: من ان التنافى بين صفة الوجوب والتملك ذاتي لان المملوك المستحق لا يملك ولا يستحق ثانيا. توضيحه: ان الذى يقابل المال لابد ان يكون كنفس المال مما يملكه المؤجر حتى يملكه المستأجر في مقابل تمليكه المال اياه، فإذا فرض العمل واجبا لله ليس للمكلف تركه، فيصير نظير العمل المملوك للغير، الا ترى انه إذا آجر نفسه لدفن الميت لشخص لم يجز ان يوجر نفسه ثانيا من شخص آخر لذلك العمل، وليس الا لان الفعل صار مستحقا للاول ومملوكا له فلا معنى لتمليكه ثانيا للاخر مع فرض بقائه على ملك الاول، وهذا المعنى موجود فيما اوجبه الله تعالى خصوصا فيما يرجع الى حقوق الغير، حيث ان حاصل الايجاب هنا جعل الغير مستحقا لذلك العمل من هذا العامل، كاحكام تجهيز الميت التى جعل الشارع الميت مستحقا لها على الحى فلا يستحقها غيره ثانيا " انتهى.

[ 432 ]

فان المترائى من كلامه وان كان انتفاء اصل الملكية بالايجاب فيرد عليه ما ذكره شيخنا الانصاري (قدس سره): من ان الاستحقاق المنتزع من ايجاب الفعل ليس من قبيل الاستحقاق، التملكى حتى يصير الفعل بالايجاب خارجا عن تحت تملكه، انه يمكن ارجاعه الى ما بيناه كما لا يخفى. ثم قال شيخنا (قدس سره): بعد تزييف ما ذكروه: والذى ينساق إليه النظر ان مقتضى القاعدة في كل عمل له منفعة محللة مقصودة جواز اخذ الاجرة والجعل عليه وان كان داخلا في العنوان الذى اوجبه الله على المكلف، ثم ان صلح ذلك المقابل بالاجرة، لامتثال الايجاب المذكور أو اسقاطه به أو عنده سقط الوجوب مع استحقاق الاجرة، وان لم يصلح استحق الاجرة وبقى الواجب في ذمته لو بقى وقته والا عوقب على تركه. واما مانعية مجرد الوجوب من صحة المعاوضة على الفعل فلم يثبت على الاطلاق بل اللازم التفصيل، فان كان واجبا عينيا تعيينيا لم يجز اخذ الاجرة لان اخذ الاجرة عليه مع كونه واجبا مقهورا من قبل الشارع على فعله اكل للمال بالباطل، لان عمله هذا لا يكون محترما لان استيفائه منه لا يتوقف على طيب نفس، لانه يقهر عليها مع عدم طيب النفس والامتناع. ومما يشهد بما ذكرنا انه لو فرض ان المولى امر بعض عبيده بفعل لغرض وكان مما يرجع نفعه أو بعض نفعه الى غيره، فاخذ العبد العوض من ذلك الغير على ذلك العمل عد اكلا للمال مجانا بلا عوض ثم انه لا ينافى ما ذكرنا حكم الشارع بجواز اخذ الاجرة على العمل بعد ايقاعه، كما اجاز للوصي اخذ اجرة المثل أو مقدار الكفاية، لان هذا حكم شرعى لامن باب المعاوضة. ثم لا فرق فيما ذكرنا بين التعبدى من الواجب والتوصلى مضافا في التعبدى الى ما تقدم من منافاة اخذ الاجرة على العمل للاخلاص - كما نبهنا عليه سابقا -

[ 433 ]

وتقدم عن الفخر (ره) وقرره عليه بعض من تأخر عنه، ومنه يظهر عدم جواز اخذ الاجرة على المندوب إذا كان عبادة يعتبر فيها التقرب. واما الواجب التخييري فان كان توصليا فلا اجد مانعا من جواز اخذ الاجرة على احد فرديه بالخصوص بعد فرض كونه مشتملا على نفع محلل للمستأجر، والمفروض انه محترم لا يقهر المكلف عليه فجاز اخذ الاجرة بازائه، فإذا تعين دفن الميت على شخص وتردد الامر بين حفر احد موضعين، فاختار الولى احدهما بالخصوص لصلابته أو لغرض آخر، فاستاجر ذلك لحفر ذلك الموضع بالخصوص لم يمنع من ذلك كون مطلق الحفر واجبا عليه مقدمة للدفن. وان كان تعبديا فان قلنا بكفاية الاخلاص بالقدر المشترك وان كان ايجاد خصوص بعض الافراد لداع غير الاخلاص فهو كالتوصلى. وان قلنا بان اتحاد وجود القدر المشترك مع الخصوصية مانع عن التفكيك بينهما في القصد كان حكمه كالتعيينى. واما الكفائي فان كان توصليا امكن اخذ الاجرة على اتيانه لاجل باذل الاجرة فهو العامل في الحقيقة. وان كان تعبديا لم يجز الامتثال به واخذ الاجرة عليه، نعم يجوز النيابة، ان كان مما يقبل النيابة، لكنه يخرج عن محل الكلام لان محل الكلام اخذ الاجرة على ما هو واجب على الاجير لا على النيابة فيما هو واجب على المستاجر فافهم انتهى. وفيه ان مالية العمل تتقوم بالمنفعة المحللة المقصودة، ومن المعلوم ان مجرد تحقق المالية لا يكفى في جواز الاجارة، بل يتوقف على اجتماع امور اربعة - كما بيناه - وما ذكره من عدم مانعية الوجوب على سبيل الاطلاق في غير محله، لان وجوب العمل مطلقا عينيا ام كفائيا تعيينيا ام تخييريا يوجب نقص سلطنة العامل على عمله ومنع نفوذ التقلبات فيه. توضيحه: ان الفعل بالوجوب مطلقا يتعين ويتمحض في الايجاد.

[ 434 ]

اما العينى التعييني فالامر فيه واضح. واما الكفائي فالعمل فيه ايضا متعين للايجاد، وان لم يتعين مكلف معين له ولا تنافى بينهما. واما التخييري فاحد البدلين فيه بعينه، وان لم يتعين على المكلف ايجاده الا انه يتعين كل منهما على وجه التخيير، فبايهما اتى في الخارج يكون مجزيا متمحضا في وقوعه على صفة الوجوب، فملاك نقص الملك والسلطنة وهو تعين العلم للايجاد وتمحضه فيه المانع على نفوذ التقلبات فيه موجود في الجميع. فان قلت تعين الفعل للايجاد وتمحضه فيه انما يمنع ما ينافيه من التقلبات لا مطلقا، والايجار في الواجب وجعله حقا راجعا الى المستاجر انما ينافى الوجوب التعبدى المعتبر فيه الاخلاص وارجاع العمل إليه تعالى خالصا، واما التوصلى المقصود منه الايجاد كيف اتفق، فلا ينافيه استحقاق المستاجر ايجاده على المكلف بل يوافقه ويؤكده. قلت: الواجب تعبديا ام توصليا يكون حقا من حقوق المولى على العبد على وجه اتم و اقوى من الاستحقاق التملكى، فينافى استحقاق الغير اياه وصيرورته حقا من حقوقه فان الاستحقاقين، وان لم يكونا من سنخ واحد الا ان الاول لقوته لا يجامع مع الاخر. هذا واما ما ذكره من ان اخذ الاجرة على الواجب العينى التعييني اكل للمال بالباطل، لانه مقهور من قبل الشارع على ايجاده فلا احترام لعمله، محل نظر مع قطع النظر عما بيناه، لان مجرد المقهورية على ايجاد العمل بمعنى وجوبه عليه شرعا لا يوجب سلب الاحترام عن عمله، وعلى فرض تسلمه يختص بالواجب المضيق إذ لا قهر بالنسبة الى الواجب الموسع لانه مخير في اختيار كل فرد من افراده حال كونه موسعا. ثم ان ما ذكره اولا من جواز اخذ الاجرة على ماله منفعة محللة مقصودة وان

[ 435 ]

كان واجبا، وقوله: باستحقاق الاجرة على كل تقدير سواء صلح فعله لاسقاط الواجب ام لم يصلح، مناف للتفصيل الذى ذكره بعد إذ مقتضى تفصيله دوران استحقاق الاجرة مدار صحة عمله وعدم استحقاقها مع فساد عمله. وايضا ما ذكر اخيرا - من جواز اخذ الاجرة على اتيان الكفائي التوصلى لاجل باذل الاجرة فهو العامل في الحقيقة - في غير محله، لانه ان رجع اتيانه لاجل باذل العلم الى اتيانه بالواجب الكفائي نيابة عنه فهو خارج عن محل الكلام. وان لم يرجع الى نيابته عنه بل هو آت حينئذ بما وجب على نفسه وبما هو وظيفته وان كان الداعي على اتيانه بوظيفته بذل الاجرة فلا يرجع عمل حينئذ الى باذل الاجرة حتى يستحق عليه الاجر. وبما بيناه تبين حال ما ذكره في اتيانه باحد فردي الوجب المخير بخصوصه، فانه ان اتى به بعنوان النيابة عن باذل الاجرة فهو خارج عن محل الكلام، وان اتى به بعنوان انه واجب على نفسه ووظيفته لا يرجع عمله الى الباذل حتى يستحق عليه الاجر. ثم ان الاتيان بقصد النيابة عن الباذل لا يختص بصورة اختيار فرد بخصوصه، كما انه لا يختص قصد الاتيان بوظيفة نفسه بصورة عدم اختيار فرد بخصوصه. وكيف كان فقد تحصل مما بيناه ان المانع عن اخذ الاجرة على الواجب مطلقا عينيا ام كفائيا تعيينيا ام تخييريا امران: الاول: قصور سلطنة العامل في مرجعيته فيما وجب عليه. والثانى: عدم قابلية الباذل لاستحقاقة، ضرورة ان الشخص انما يستحق. مما يصلح ان يصير من جهاته وشئونه، والواجب المأتى به بعنوان انه وظيفته انما يقع عمن اتى به فلا يرجع الى الباذل بوجه، وجواز اخذ الاجرة على الوجب مع قصد النيابة عن باذلها خارج عن محل الكلام، مع ان في صحة النيابة عن الباذل مع وجوب العمل على العامل تأملا. ثم اعلم ان هيهنا اشكالين مشهورين ينبغى التنبيه عليهما وعلى دفعهما.

[ 436 ]

الاول: ان الصناعات التى يتوقف النظام عليها تجب كفاية لوجوب اقامة النظام، بل قد يتعين بعضها على بعض المكلفين عند انحصار المكلف القادر فيه، مع ان جواز اخذ الاجرة عليها مما لا كلام لهم فيه، وكذا يلزم ان يحرم على الطبيب اخذ الاجرة على الطبابة لوجوبها عليه كفاية أو عينا كالفقاهة. والثانى: انه لا شبهة في جواز استيجار الشخص للعبادة عن الميت واخذ الاجرة على التعبد بها عنه وهو مناف للاخلاص المعتبر في صحة العبادة، ضرورة انه لا اخلاص في اتيان العبادة بالاجرة. وقد اجيب عن الاشكالين بوجوه متعددة لا يخلو كثير منها عن النظر. والتحقيق في الجواب عن الاول: ان العقل انما يحكم بوجوب بذل الصناعة في مقابل العوض لان حفظ النظام انما يكون ببذل الصناعة في مقابل المال الموجب لانتظام امر الطرفين، واما ايجابها تبرعا فهو موجب لاختلال النظام. والحاصل ان العقل انما يحكم بوجوب بذل الصنعة بالمعاملة عليها ايجارا أو جعالة أو صلحا وهكذا، فموضوع الوجوب هو المعاملة عليها لا نفس الصناعة حتى يحرم المعاملة واخذ الاجرة عليها وهكذا الامر في الطبابة، دون الفقاهة لانها وظيفة شرعية ولا يجوز اخذ الاجرة على اقامة الوظائف الشرعية وانما يرتزق من بيت المال. وعن الثاني بان الاجرة في العبادة عن الميت انما هو على نيابته عنه في العبادة، وهو لا ينافى الاخلاص المعتبر فيها. توضيحه ان العبادة لها طرفان العابد والمعبود، والاخلاص في العبادة انما يعتبر في ارتباط العبادة بالمعبود. والنيابة في العبادة لا توجب مشاركة المنوب عنه مع المعبود حتى تنافى الاخلاص من العبادة، وهى مؤثرة في طرف الارتباط بالفاعل، فانها تجعل المنوب عنه فاعلا للعبادة فاخذ الاجرة عليها انما هو على جعل نفسه نائبا عن الميت في اتيان العبادة متقربا الى الله تعالى.

[ 437 ]

تنبيه: الحق ان احكام الموتى من الغسل والتكفين والصلوة والدفن واجبة بالوجوب العينى على اولياء الميت، ولذا لا يصح التصدى للاعمال المذكورة من غيرهم الا باذنهم، فعلى هذا يجوز للاجانب اخذ الاجرة من اولياء الميت للاعمال المذكورة، والمشهور انه تجب الاعمال المذكورة على عامة المكلفين كفاية وان اشتراط اذن اولياء الميت في صحة الاعمال المذكورة من غيرهم - كاشتراط صحة الصلوة بالطهارة واستقبال القبلة - لا ينافى مع تحقق الوجوب قبل وجود الشرط. وفيه اولا: ان شرط صحة العمل لا وجوبه لا بدان يكون من الافعال الاختيارية التى يمكن تحصيلها، واذن ولى الميت لا يكون تحت اختيار غيره فلا يعقل ان يقع شرطا في صحة عمله. وثانيا: ان اذن ولى الميت انما يؤثر في جواز تجهيزه لغيره إذا كان مرجعا فيه، ولا يكون مرجعا فيه بحيث لا يجوز العمل الا باذنه الا باختصاص وجوبه به، إذ لا مجال لجعله مرجعا فيه مع مساواته لغيره ومشاركة الجميع في تعلق وجوب العمل والحاصل ان مرجعيته في جواز العمل وصحته كاشفة عن ولايته على الميت واختصاص وجوب تجهيزه به، وان لم يكن للميت ولى يجب على الحاكم تجهيزه من بيت المال ومع عدم بيت المال أو عدم امكان الرجوع الى الحاكم يجب على كافة المسلمين حسبة.

[ 438 ]

(فائدة - 61) في الشرائع في كتاب الحج: " مسائل اربع: الاولى: إذا استقر الحج في ذمته ثم مات قضى عنه من اصل تركته، فان كان عليه دين وضاقت التركة قسمت على الدين واجرة المثل بالحصص ". وفى الحدائق " ويجب ان يلحق بهذه المسألة فوائد: الاولى: قد صرح الاصحاب بانه انما يقضى الحج من اصل التركة متى استقر في الذمة بشرط ان لا يكون عله دين وتضيق التركة عن قسمتها على الدين واجرة المثل ". قال في (ك) بعد ذكر المصنف ذلك: " واما انه مع ضيق التركة يجب قسمتها على الدين واجرة المثل بالحصص فواضح لاشتراك الجميع في الثبوت وانتفاء الاولوية ثم ان قامت حصة الحج من التوزيع أو من جميع التركة مع انتفاء الدين باجرة الحج فواضح ولو قصرت عن الحج والعمرة من اقرب المواقيت ووسعت لاحدهما فقد اطلق جمع من الاصحاب وجوبه، ولو تعارضا احتمل التخيير لعدم الاولوية، وتقديم الحج لانه اهم في نظر الشارع، ويحتمل قويا سقوط الفرض مع القصور عن الحج والعمرة ان كان الفرض التمتع لدخول العمرة في التمتع - على ما سيجئ بيانه - ولو قصر نصيب الحج عن احد الامرين وجب صرفه في الدين ان كان معه والا عاد ميراثا " انتهى.

[ 439 ]

اقول: لا يخفى انه قد تقدمت صحيحة معاوية ابن عمار أو حسنته دالة على ان من عليه خمس مأة درهم من الزكوة وعليه حجة الاسلام ولم يترك الا ثلثماة درهم، فانه يقدم الحج اولا من اقرب الاماكن ويصرف الباقي في الزكوة، ومثلها ما رواه الشيخ في التهذيب عنه ايضا عن ابى عبد الله عليه السلام " في رجل مات وترك ثلثمأة درهم وعليه من الزكوة ستمأة درهم، واوصى ان يحج عنه؟ قال " يحج عنه من اقرب المواضع ويجعل ما بقى في الزكوة " وظاهر الخبرين المذكورين بل صريحهما انه يجب اولا الحج عنه من اقرب الاماكن، ثم يصرف الباقي في الزكوة كائنا ما كان وانه لا تحاصص بينهما. ولا يخفى ما في ذلك من الدلالة على بطلان ما ذكروه من التفصيل، وبيان ذلك من وجوه - وبين وجوها ثلثة، الى ان قال - ولا ريب انهم بنوا في هذه المسألة على مسألة تزاحم الديون وان الحكم فيها التوزيع بالحصص والحج دين، والنص ظاهر في اخرج دين الحج من هذه القاعدة التى بنوا عليها، وهذا مما يؤيد ما قدمناه في اصل المسألة: من انه لا يكفى في اثبات الحكم الشرعي مثل هذه الادلة، لجواز خروج موضوع البحث عنها، وهو مؤيد لما حققناه في غير موضع من توقف الفتوى في المسألة والحكم على النص الصريح الواضح الدلالة، فان الناظر في كلامهم هنا في الموضعين لا يكاد يختلجه الريب في صحة ما ذكروه بناء على القاعدتين المذكورتين، والنصوص كما ترى في الموضعين على خلاف ذلك انتهى. اقول: ان اراد خروج دين الحج عن هذه القاعدة خروجه عن تزاحم الديون وتقدمه على سائر الديون مطلقا، ففيه ان الروايتين الشريفتين لا تدلان على ذلك، وانما تدلان على تقدمه على دين الزكوة. وان اراد خروجه عن هذه القاعدة بالنسبة الى دين الزكوة بمعنى دلالتهما على اهمية دين الحج بالنسبة الى دين الزكوة فنعم، بل يمكن ان يقال دين الحج بالنسبة الى دين الزكوة لايتزاحمان، فان من جملة مصارف الزكوة صرفها في سبيل الله وقضاء الحج من جملة سبيل الله فقضاء الحج

[ 440 ]

من الوجه المزبور جمع بين الحقين لا تقديم لدين الحج على دين الزكوة. فان قلت: لو جاز اتيان الحج عن الميت من دين الزكوة التى وجبت عليه لجاز اتيان الحى ما وجبت عليه من حجة الاسلام من الزكاة التى تعلقت به، مع ان عدم جوازه من البديهيات. قلت: الملازمة ممنوعة لان الحقين بالموت يتعلقان بالتركة لان كال منهما حق مالى، فمع عدم المزاحمة بينهما لابد من اعمالها والجمع بينهما. وقد عرفت بما بيناه طريق الجمع بينهما فحينئذ لا يجوز صرف الزكوة في غير الحج من سائر المصارف الا ما زاد عن مصرف الحج واما في حال الحيوة فكل من الحقين متعلق بذمة الحى فلا اجتماع لهما في محل واحد حتى يجب الجمع بينهما مع الامكان، فلا مجال لصرف الزكوة التى تعلقت بذمته في الحج عن نفسه، مع ان عدم جواز صرف زكوته المتعلقة به في حج نفسه مع عدم التمكن من اتيان الحج من غير الوجه المذكور ممنوع. والحاصل ان تقديم صرف التركة في الحج على صرفها في سائر مصارف الزكوة لا ينافى القاعدة المقررة في تزاحم الحقوق، اما من جهة ان صرفها لا ينافى مع كونها زكوة، كما بيناه ولعله هو الظاهر، واما من جهة ان الحج اهم من الزكوة في نظر الشارع وتقديم الاهم على المهم حكم عقلي مطرد في جميع الموارد، والحكم بالتوزيع انما هو مع تساوى الحقوق. ثم ان ما ذكره من انه لا يكفى في اثبات الحكم الشرعي مثل هذه الادلة الى آخره. ان اراد منه انه لا يكفى في الحكم الشرعي بمجرده من دون مراجعة الى الادلة الشرعية فهو حق متين، إذ يمكن ان يكون في كلام الشارع ما يدل على تقديم احدهما على الاخر لاهميته في نظر الشارع، وان اراد منه انه لا يكفى في اثبات الحكم ولو بعد المراجعة وعدم الظفر على ما يدل على تقديم احدهما على الاخر مع احتماله وخفائه

[ 441 ]

عليه فهو عليل، إذ بعد المراجعة التامة من اهلها وعدم الظفر على ما يدل على اهمية احدهما من الاخر فالاصل هو التساوى وعدم اهمية احدهما من الاخر. والحاصل ان الحكم حينئذ هو التوزيع، سواء علم بتساوي الحقوق أو احتمله ولم يظهر عليه خلافه، غاية الامر ان الحكم بالتوزيع في الصورة الاولى حكم واقعى وفى الصورة الثانية حكم ظاهري فلا يتوقف في الحكم حينئذ لاجل عدم وجود النص على التوزيع، وعلى تقديم احداهما على الاخر.

[ 442 ]

(فائدة - 62) قال المحقق القمى في كتاب القوانين - في ذيل مبحث ان الامر بالامر امر -: " واما الامر بالعلم بالشئ فهل يستلزم حصول ذلك الشئ في تلك الحالة ام لا؟ الاظهر لا، فان الامر طلب ماهية في المستقبل فقد يوجد وقد لا يوجد، فقول القائل: اعلم انى طلقت زوجتى لا يوجب الاقرار بالطلاق بالنظر الى القاعدة، ولكن المتفاهم في العرف في مثله الاقرار وان لم يتم على تلك القاعدة فافهم " انتهى. اقول: ان اراد منه ان الامر بالعلم بالشئ لا يستلزم حصول ذلك الشئ أي المعلوم فهو صحيح في الجملة، لان العلم كما يتعلق بامر موجود حاصل في الخارج كذلك قد يتعلق بامر غير حاصل في الخارج، فانه كما يصح ان تقول اعلم انى تزوجت هندا، كذلك يصح ان تقول اعلم انى ساتزوج هندا فمجرد تعلق العلم بشئ لا يستلزم حصوله في الخارج، فيختلف الموارد باختلاف متعلق العلم. فان كان متعلق العلم امرا مستقبلا لا يستلزم حصوله والا يستلزمه، فإذا تعلق العلم بوقوع الطلاق في الزمان الماضي استلزمه وكان اقرارا به، فالمثال المزبور اقرار بالطلاق بالنظر الى القاعدة والعرف. وتوهم انه ليس اقرار بالطلاق وتعليله بان الامر طلب ماهية في المستقبل فقد يوجد وقد لا يوجد عليل جدا، لان المطلوب في المستقبل هو العلم بوقوع الطلاق وحصول العلم في المسقبل لا ينافى تحقق المعلوم في الماضي، كما ان

[ 443 ]

عدم حصول العلم للمخاطب بمضمون القضية لا ينافى مع ثبوت اقرار المتكلم بمضمونه. وان اراد منه ان الامر بالعلم بالشئ لا يستلزم حصول العلم للمخاطب به أي بمضمون القضية، ففيه انه ان اراد انه لا يستلزم حصول العلم للمخاطب بوقوع مضمون القضية في الخارج فهو مسلم لعدم الملازمة بينهما، ولكنه لا ينافى ثبوت اقرار المتكلم به. وان اراد انه لا يستلزم حصول العلم بمراد المتكلم حتى يثبت الاقرار بمضمونه فهو باطل جدا، لان الكلام الصادر عن المتكلم العارف بالوضع في مقام الافادة والاستفادة منبعث عن ارادته مضمون كلامه وكاشف عنها كشف المعلوم عن علته، وكشفه عن ارادته في المقام يوجب اقراره بمضمونه، فكما ان قولك: طلقت زوجتى، اقرار بوقوع الطلاق من جهة كشفه عن ارادة المتكلم مضمونه. فكذلك قولك: اعلم انى طلقت زوجتى، اقرار بوقوع الطلاق، ولا فرق بين القضيتين من هذه الجهة، بل القضية الثانية تأكيد للقضية الاولى فانها تفيد الاخبار والاعلام بمضمونها بتوسط الهيئة التركيبية التى تفيد مفادها بالنظر الالى كالحروف، بخلاف القضية الثانية الناظرة الى افادة العلم للمخاطب بالنظر الاستقلالي بتوسط مادة الفعل. وبالجملة صدور مثل هذا الكلام من مثله في غاية الغرابة.

[ 444 ]

(فائدة - 63) إذا باع شخص مال غيره وكان راضيا به في نفس الامر، بحيث لو عرض البيع عليه حينئذ لاجازه وامضاه، فهل يكفى رضاه بالبيع في نفوذه ومضيه؟ وهل له ان يرده بعد رضاه به؟. التحقيق انه لا يكفي وله رده، لان العقد انما ينفذ إذا استند الى اهله واستناده الى اهله انما يكون باحد امرين: اما بوكالة متقدمة، أو باجازة لاحقة، ومجرد طيب النفس والرضا بالبيع لا يوجب استناد فعل الفضول إليه فلا يكفى نفوذه ومضيه كما ان الكراهة المقابلة للرضاء وطيب النفس لا توجب البطلان وعدم الصحة، ولو كان الرضاء بالبيع كافيا في نفوذه لكانت الكراهة موجبة لبطلانه، لان حكمي المتقابلين في المقام متقابلان. والحاصل انه لو كان حكم الرضاء حكم الاجازة والامضاء لكان حكم الكراهة حكم الرد، مع ان بيع المكره موقوف متزلزل كالبيع الفضولي. فان قلت: لو لم يكن الرضاء وطيب النفس كافيا في النفوذ والمضى لكان بيع المكره موقوفا على الاجازة والامضاء مع ان كلماتهم صريحة في نفوذه برضائه وطيب نفسه وزوال كراهته. قلت: بيع المكره صادر من اهله وانما المانع من نفوذه كون صدوره منه على

[ 445 ]

وجه الاكراه، فيزول المانع حينئذ بزول الاكراه بسبب حصول الرضاء وطيب النفس به، بخلاف المقام فان المانع من نفوذه صدوره من غير اهله فلا ينفذ حينئذ الا باستناده الى اهله. ولا يتحقق الاستناد الى اهله الا بوكالة متقدمة أو اجازة لاحقة منه، وهذا امر واضح لا شبهة تعتريه.

[ 446 ]

(فائده ء - 64) اعلم انه لا شبهة في ان الاجل شرط في عقد المتعة، وانه لا ينعقد مع الاخلال بذكر الاجل، ولكن الكلام في انه لو اخل به عمدا أو نسيانا، أو جهلا باعتباره فيه ينقلب دائما أو يبطل رأسا. وفصل القول في المقام يتوقف على بيان ان تقابل الدوام والانقطاع هل هو من قبيل تقابل التضاد؟ أو من قبيل تقابل التناقض. فان قلنا: بان تقابلهما من قبيل تقابل التضاد يبطل رأسا، إذ كما يتوقف حينئذ تخصص عقد الازدواج بالانقطاع على ذكر الاجل وقصده، كذلك يتوقف تخصصه بالدوام على قصده بل على ذكره ايضا، لان كلا منهما حينئذ امر وجودي زائد على اصل العقد فلا يعقل تحقق احدهما من دون قيد وقصد، ومجرد انتفاء قصد الاجل لا يكفى في تحقق قصد الدوام حينئذ. وان قلنا: بان تقابلهما من قبيل تقابل التناقض ويكون مرجع الدوام الى اطلاق العقد وعدم كونه مؤجلا، يصح عقد الازدواج ويقع دائما، لان الدوام حينئذ ليس امرا زائدا على نفس العقد حتى يحتاج الى القصد. والتحقيق ان تقابلهما من قبيل تقابل التناقض، ضرورة ان مرجع دوام عقد الازدواج الى عدم تقييده باجل ومدة، فهو منتزع من اطلاق العقد وعدم تقييده، فلا يكون امرا زائدا على نفس العقد والا وجب ذكر الدوام في العقد الدائم كما وجب ذكر الاجل في العقد المنقطع، فاختلافهما ليس في الحقيقة والماهية بل في

[ 447 ]

كيفية الايجاد مع اتحاد الحقيقة والماهية النوعية. فان اوجد عقد الازدواج على وجه الاطلاق فهو دائم. وان اوجد مؤجلا باجل معين فهو منقطع. فما توهمه بعض من ان العقد الدائم والمنقطع حقيقتان مختلفتان لاختلاف احكامهما من ثبوت التوارث والنفقة في الدائم دون المنقطع في غير محله، لان اختلاف الاحكام كما يجوز استناده الى اختلاف الحقيقة كذلك يجوز استناده الى اختلاف كيفية الايجاد اطلاقا وتقييدا، ولا دلالة للاعم على الاخص. وبما بيناه تبين ان وقوع العقد على وجه الدوام في الصور المذكورة مطابق للاصل، وقد قرره الشارع ففى موثق ابن بكير عن الصادق عليه السلام " ان سمى الاجل فهو متعة، وان لم يسم الاجل فهو نكاح ثابت " فانه باطلاقه يشمل الصور الثلثة. وفى خبر ابان ابن تغلب قال له - لما علمه كيفية عقد المتعة -: " انى استحيى ان اذكر شرط الايام فقال: هو اضر عليك قلت وكيف؟ قال انك ان لم تشترط كان تزويج دوام ولزمتك النفقة والعدة وكانت وارثا ولم تقدر على ان تطلقها الا طلاق السنة ". وفى خبر هشام ابن سالم: " قلت لابي عبد الله عليه السلام اتزوج المرئة متعة مرة مبهمة؟ قال فقال ذاك اشد عليك ترثها وترثك ولا يجوز لك ان تطلقها الا على طهر وشاهدين قلت اصلحك الله فكيف اتزوجها؟ قال اياما معدودة بشئ مسمى، الى اخره ". وهاتان الروايتان وان اختصتا بصورة التعمد في ترك الاجل مع قصد المتعة الا انهما تدلان على الانقلاب الى الدائم في صورة نسيان الاجل بطريق اولى، فان الانقلاب الى الدائم مع قصد المتعة والاخلال بالاجل نسيانا اهون من الانقلاب إليه مع قصد المتعة والاخلال بالاجل عمدا، واولى منه الانقلاب إليه مع قصد التزويج و الغفلة عن المتعة والدوام. ولا ينافيها مضمر سماعة " سئلته عن رجل ادخل جارية يتمتع بها ثم انه نسى ان

[ 448 ]

يشترط حتى واقعها يجب عليه حد الزانى؟ قال: لا ولكن يتمتع بها بعد النكاح، ويستغفر الله مما اتى " لاحتمال ان يراد من نسيان الاشتراط نسيان عقد المتعة لا نسيان الاجل، بل يمكن ان يقال انه هو الظاهر من قوله يتمتع بها بعد النكاح. ان قلت: العقود تابعة للقصود لانها افعال اختيارية والفعل الاختياري بما هو اختياري تابع للقصد بالضرورة، فلا يعقل انعقاد العقد دائما مع قصد المتعة، كما انه لا يعقل انعقاده كذلك مع قصد التزويج من دون قصد دوام وانقطاع، والروايات الدالة على انعقاده دائما مع قصد المتعة، اولا مع قصدها والدوام، ضعيفة الاسناد فلا يجوز العمل بها اولا لضعفها، وثانيا لمعارضتها مع القاعدة المسلمة الضرورية. قلت قد عرفت مما بيناه ان الدوام ليس امرا زائدا على العقد حتى يحتاج الى قصد زائد على قصد العقد فمع قصد التزويج من دون قصد دوام وانقطاع يقع دائما لانه مقتضى اطلاقه و عدم تقييده، كما انه مع قصد المتعة وعدم الاتيان بمقتضاه من التقييد بالاجل يقع دائما ايضا، لان مرجع قصد المتعة الى قصد التزويج مقيدا باجل معين فقصد اصل التزويج ثابت وقصد تقييده باجل معين مع عدم الاتيان به عمدا أو نسيانا يقع لغوا ولا يخل بقصد اصل التزويج فيقع مطلقا دائما. والحاصل ان الاتيان بما يقتضى الدوام باطلاقه عن قصد وقصد تقييده باجل محدود مع عدم الاتيان به لا يخل بالمقتضى، بل يقع قصد التقييد لغوا لعدم الوفاء به، فحال دوام عقد التزويج المنتزع عن اطلاقه، وعدم قييده باجل حال لزوم عقد البيع المنتزع عن اطلاقه، فكما انه إذا قصد ايقاع عقد البيع على ان يكون له الخيار في مدة معينة وغفل حال العقد عن الاتيان بالشرط أو تركه عمدا يقع العقد لازما ولا يخل به قصده ايقاعه مشروطا بالخيار في مدة معينة قبل اجراء صيغة العقد فكذلك الامر في المقام، وبيان آخر انه إذا نسى ذكر الاجل فهو قاصدا للتحديد والقصد السابق على اجراء الصيغة لا اثر له، وإذا تركه عمدا فهو قادم باختياره على اجراء

[ 449 ]

العقد مطلقا فيؤخذ بمقتضى اطلاقه لقدومه عليه باختياره. فاتضح بما بيناه غاية الاتضاح انه لا ينافى وقوع العقد على وجه الدوام في الصور الثلثة مع قضية " العقود تابعة للقصود ". واما ما ذكر من ان الروايات ضعيفة الاسناد ففيه ان ضعفها منجبر بالشهرة، مع ان الاولى منها من قبيل الموثق على انها مقررة للاصل فلا يقدح حينئذ فيها ضعف الاسناد مع عدم معارضتها بما ينافى الاصل فلا مجال للقول بالبطلان مطلقا كما عن المسالك ولا التفصيل بانه ان كان الايجاب بلفظ؟؟ التزويج والنكاح انقلب دائما. وان كان بالتمتع بطل العقد، لاجل ان اللفظين الاولين صالحان لهما بخلاف الثالث فانه مختص بالمتعة، كما عن ابن ادريس لان لفظ التمتع يصلح للتزويج الدائم ايضا، وان كان اغلب استعماله في المنقطع.

[ 450 ]

" فائدة - 65 " إذا اقر المريض في مرض موته بدين لوارث أو اجنبي هل يسمع اقراره من الاصل أو الثلث مطلقا أو فيه تفصيل؟ قد حكى فيه اقوال متشتتة ومنشأ اختلاف الاقوال اختلاف الروايات فلا بدلنا من ذكر الروايات الواردة في الباب، وبيان ما يستفاد منها، ففى خبر منصور ابن حازم " سئلت ابا عبد الله (ع) عن رجل اوصى لبعض ورثته ان له عليه دينا فقال ان كان الميت مرضيا فاعطه الذى اوصى له " ونحوه خبر ابى ايوب عنه ايضا، وفى خبر العلا بياع السابرى " سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن امرئة استودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له ان المال الذى دفعته اليك لفلانه وماتت المرئة فاتى اولياؤها للرجل فقالوا له انه كان مال ولا نراه الا عندك فاحلف لنا مالها قبلك شئ أفيحلف لهم؟ فقال ان كانت مأمونه عنده فيحلف لهم وان كانت متهمة فلا يحلف لهم ويضع الامر على ما كان فانما لها من مالها ثلثه " وفى خبر ابى بصير " سئلت ابا عبد الله (ع) عن رجل معه مال مضاربة فمات وعليه دين واوصى ان هذا الذى ترك لاهل المضاربة أيجوز ذلك؟ قال نعم إذا كان مصدقا " وفى صحيح الحلبي " قلت لابي عبد الله (ع) الرجل يقر لوارث بدين؟ فقال " يجوز إذا كان مليا " وخبره الاخر انه " سئل ابا عبد الله (ع) عن رجل اقر

[ 451 ]

لوارث الدين في مرضه أيجوز ذلك؟ قال نعم إذا كان مليا ". وفى مكاتبة محمد ابن عبد الجبار الى العسكري (ع) " عن امرئة اوصت الى رجل واقرت له بدين ثمانية آلاف درهم، وكذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف وشعر وشبه وصفر ونحاس وكل مالها اقرت به للموصى له وشهدت على وصيتها، واوصت ان يحج عنها من هذه التركة حجة ويعطى مولاة لها اربعمأة درهم وماتت المرئة وتركت زوجها، فلم ندر كيف الخروج من هذا واشتبه علينا الامر، وذكر كاتب ان المرئة استشارته فسئلته ان يكتب لها ما يصح لهذا الوصي؟ فقال لها لا تصح تركتك لهذا الوصي الا باقرارك له بدين يحيط بتركتك بشهادة الشهود وتأمر به بعد ان ينفذ من توصيه به، فكتب له بالوصية على هذا واقرت للوصي بهذا الدين فرأيك ادام الله عزك في مسألة الفقهاء قبلك عن هذا، وتعرفنا ذلك لنعمل به انشاء الله؟ فكتب (ع) بخطه ان كان الدين صحيحا معروفا مفهوما فيخرج الدين من رأس المال انشاء الله، وان لم يكن الدين حقا انفذ لها ما اوصت به من ثلثها كفى أو لم يكف ". وفى خبر اسماعيل ابن جابر " سئلت ابا عبد الله (ع) عن رجل اقر لوارث له وهو مريض بدين له عليه؟ قال " يجوز إذا اقر به دون ثلث " وخبر سماعة " سئلته عمن اقر لوارث له بدين عليه وهو مريض؟ قال " يجوز عليه ما اقر به إذا كان قليلا " وخبر ابى ولاد " سئلت ابا عبد الله (ع) عن رجل مريض اقر عند الموت لوارث بدين له عليه؟ قال يجوز ذلك قلت فان اوصى لوارث بشئ قال جائز " وخبر القاسم ابن سليمان سئلت ابا عبد الله (ع) عن رجل اعترف لوارث له بدين في مرضه؟ فقال " لا تجوز وصية لوارث ولا اعتراف له بدين " وخبر السكوني " قال امير المؤمنين في رجل اقر عند موته لفلان وفلان لاحدهما عندي الف درهم ثم مات على تلك الحال " ايهما اقام البينة فله المال فان لم يقم واحد منهما البينة فالمال بينهما نصفان ".

[ 452 ]

وخبر سعد ابن سعد عن الرضا عليه السلام قال " سئلته عن رجل مسافر حضره الموت فدفع مالا الى رجل من التجار فقال له ان هذا المال لفلان ابن فلان ليس لى فيه قليل ولا كثير فادفعه إليه يصرفه حيث شاء فمات ولم يأمر فيه صاحبه الذى جعله له بامر ولا يدرى صاحبه ما الذى حمله على ذلك كيف يصنع حينئذ؟ قال يضعه حيث شاء ". اقول بعون الله تعالى ومشيته: ان الذى يستفاد من مجموع الروايات الشريفة انه ان ثبت الدين باقراره اما بواسطة كون المقر مرضيا مأمونا مصدقا كما تدل عليه الروايات الستة المتقدمة فان الملى في رواية الحلبي راجع الى كونه مصدقا مأمونا، بناء على ما في الصحاح من انه ملا الرجل صار مليا أي ثقة، أو على ان الملائة كناية عن رفع التهمة، واما بواسطة قرائن خارجية كما تدل عليه المكاتبة المذكورة حيث علق فيها النفوذ من الاصل على كون الدين صحيحا معروفا مفهوما، وهو باطلاقه شامل لصحته من الخارج وان لم يثبت به لاتهام المقر وعدم ثبوته من الخارج نفذ من الثلث. توضيح الامر غاية الايضاح ان الاقرار فيه جنبتان جنبة الموضوعية وجنبة الكشف، ونفوذه انما هو من جهة جنبة الموضوعية - كما ينبئى عنه قضية اقرار العقلاء على انفسهم جائز، ومن ملك شيئا ملك الاقرار به (فان نفوذ اقرار العاقل على نفسه واقرار المالك فيما يتعلق بمحل سلطنته وملكه لا يتوقف على احراز صدق اقراره فيما اقر به. واما جهة كشفه فهى ناقصة فلا يكون مثبتا لما اقر به الا بضميمة كونه موثوقا به مصدقا أو بضميمة قرائن خارجية، فإذا ثبت المقر به من طرف كون المقر مصدقا أو من الخارج نفذ من اصل التركة لان الدين مقدم على الارث ومع ثبوته لا مجال لمزاحمة الورثة، وإذا لم يثبت به لاتهام المقر وعدم ثبوت المقر به من الخارج لم يبق الا جنبة الموضوعية، وهى لا تقتضي نفوذه الا من الثلث لانه في

[ 453 ]

مرض موته لا اختيار له الا من ثلث ماله، لتثبت حق الورثة بثلثي ماله حينئذ ولو لم تكن الورثة متشبثة بثلثي ماله حينئذ لم يكن وجه لالغاء اقراره في ثلثى ماله وقصر نفوذه على ثلثه، كما هو ظاهر. وتبين مما بيناه ان المراد بكونه متهما في اقراه عدم كونه مرضيا مصدقا لا امرا زائدا عليه فلا واسطة بينهما، فما لم يحرز كونه مرضيا يكون متهما لا ينفذ اقراره الا في ثلثه، كما تبين انه لا فرق بين الاقرار بدين أو عين ولا بين اقراره لوارث أو اجنبي لان ملاك النفوذ في الجميع وعدمه نفوذه الا في الثلث انما هو كونه مرضيا ومتهما فلا يختلف الحكم باختلاف المقر به أو المقر له. فما حكى عن بعض من التفصيل بين الدين والعين، وعن بعض من التفصيل بين الوارث والاجنبى - مع تصريح الروايات باستواء الدين والعين والوارث و الأجنبي في الحكم وعدم اختلافه الا باختلاف حال المقر من حيث الاتهام وعدمه في غاية التعجب. ثم انه قد تبين مما بيناه ان سبب عدم نفوذ اقرار المريض في مرض موته مع التهمة الا في ثلث ماله تشبث حق الورثة بثلثي ماله حينئذ إذ لو كان المريض تاما في امره بالنسبة الى جميع ماله كالصحيح نفذ اقراره في الجميع، ضرورة ان من ملك شيئا ملك الاقرار له، فمرجع التهمة حينئذ الى احتمال جعل الاقرار - باعتبار كشفه عن حق ثابت - وسيلة الى منع الوارث عن حقه في ثلثى الدين الا فيما ملك امره وهو ثلث ماله. ومنه يظهر ان تبرعات المريض المنجرة في مرض موته لا ينفذ الا في ثلث ماله، ولا مجال للتفصيل هنا بين كونه مأمونا ومتهما، إذ لا يتطرق فيها الكشف عن حق ثابت سابق حتى يتطرق فيها التهمة وعدمه. ومن الغريب ما احتمله في الجواهر من جريان التفصيل بين التهمة وعدمها في سائر المنجزات.

[ 454 ]

فتبين مما بيناه ان عدم نفوذ اقرار المريض بالدين في مرض موته مع التهمة الا في الثلث ما له دليل قاطع على عدم نفوذ تبرعاته المنجزة الا في ثلث ماله من دون احتمال تفصيل. واغرب منه ما توهمه بعض من ان المتجه مع التهمة اخراج ثلث ما اقر به من الدين من ثلثه والامضاء في ثلث العين المقر بهما من دون غرامة قيمة الباقي من ثلثه، لان الدين بعد الموت يتعلق بمجموع التركة، ولذا لو اقر الوارث نفذ في حصته بالنسبة، ولان تعلق حق الورثة يمنع من نفوذ الاقرار في الزائد على الثلث فلا تقصير منه يوجب الضمان للمالك، كما انه لا مقتضى لغرامته للوارث من ثلثه لو اخذها المقر له بالاقرار ". انتهى. وفيه انه مع التهمة لا يثبت الدين حتى يتعلق بمجموع التركة ويوزع على الجميع وانما يغرم المريض ما اقر به من قبل اقراره به فان العاقل مأخوذ باقراره وليس له حينئذ الا ثلث ماله فيخرج ما اقر به من ثلث ماله كفى أو لم يكف، ومقايسة ما نحن فيه باقرار الوارث بدين مورثه في غاية البشاعة، لان اقرار الوارث بدين مورثه اقرار على نفسه وعلى غيره فلا ينفذ تمام ما اقر به على نفسه، بل يوزع عليهما فينفذ في حقه بالنسبة الى سهمه ولا ينفذ بالنسبة الى سائر الورثة لعدم نفوذ الاقرار على غيره، بخلاف المقام فانه اقرار على نفسه فيجب عليه دفع تمام ما اقر به للمقر له وليس له حينئذ الا ثلث ماله فيخرج تمام اقربه من ثلثه ولا يتطرق فيه التوزيع. إذا اتضح لك ما بيناه فقد تلخص لك امور: الاول: ان المدار في نفوذ الاقرار من الاصل وعدم نفوذه الا في الثلث على ثبوت المقر به باقراره وعدم ثبوته به، والتفصيل في النفوذ من الاصل وعدمه باختلاف حال المقر في كونه مأمونا ومتهما انما هو بهذا الاعتبار لا بذاته فلا واسطة بينهما لعدم تصور الثالث حينئذ، فما يظهر من الجواهر من ثبوت الواسطة بينهما و نفوذ الاقرار من الاصل حينئذ في غير محله.

[ 455 ]

والثانى: ان التفصيل في نفوذه من الاصل والثلث باختلاف المقر به دينا و عينا أو باختلاف حال المقر له من حيث كونه وارثا أو اجنبيا في غير محله. والثالث: ان مجرد اقرار المريض في مرض موته بدين أو عين انما يقتضى نفوذه من الثلث، وتنفيذه من الاصل يحتاج الى امر زائد وهو كون المقر مرضيا مصدقا مأمونا. والرابع: ان وجه عدم نفوذ اقراره مع التهمة الا في الثلث تعلق حق الورثة بثلثي ماله حينئذ. ومنه يتبين حينئذ عدم نفوذ تبرعاته المنجزة الا في الثلث من دون تفصيل. والخامس: ان ما قد يتوهم من ان مقتضى تعلق حق الورثة بثلثي ماله نفوذ اقراره في ثلث ما اقربه من ثلثه في غاية السخافة لما ظهر لك من ان اقراره بالدين اقرار على نفسه فينفذ جميع ما اقربه فيخرج من ثلثه إذ لا يملك حينئذ سواء. تنبيه: خبر القاسم بن سليمان الدال على عدم جواز وصية المريض واعترافه بدين لوارث مطلقا وخبر ابى ولاد الدال على جواز وصية واعترافه بدين لوارث مطلقا وخبر سعد بن سعد الدال على جواز اعترافه بمال لاجنبي تتقيد بالاخبار المفصلة لوجوب حمل المطلق على المقيد، فلا منافاة حينئذ بين الاخبار المطلقة، ولا بينها وبين الاخبار المفصلة المقيدة. واما خبر السكوني فلا اطلاق له لانه اخبار عن قضاء مولانا امير المؤمنين (ع) في مورد خاص، والعمل المقر به كان دون الثلث أو المقر كان مرضيا ثم ان قضائه (ع) بتنصيف المقر به بينهما إذا لم يقم احدهما البينة هو من باب قاعدة العدل والانصاف، وهذا احد المواضيع المنصوصة من هذه القاعدة الشريفة التى اوضحنا الكلام فيها في الجزء الاول.

[ 456 ]

" فائدة - 66 " اعلم انه لا شبهة في ان الوكالة من العقود الاذنية الجائزة بالذات من الجانبين، فيجوز للموكل الرجوع عن توكيله كما يجوز للوكيل الرجوع عن قبوله، ولكن اشترطوا في رجوع الموكل اعلامه الوكيل بعزله عن الوكالة، فما لم يعلمه بعزله لم ينعزل، ولم يشترطوا ذلك في رجوع الوكيل بل حكموا بتحقق رجوعه عن قبول الوكالة اعلم الموكل برجوعه ام لا، وحكى عن جماعة من الفقهاء (قدس سرهم) انه ان تعذر اعلام الموكل وكيله بالعزل فاشهد عليه ينعزل الوكيل بالاشهاد، والا فلا ينعزل الا باعلامه اياه بعزله، والروايات تدل على عدم انعزاله الا باعلام. ففى صحيح ابني وهب ويزيد عن الصادق (ع) " من وكل رجلا على امضاء امر من الامور فالوكالة ثابتة ابدا حتى يعلمه بالخروج منها كما اعلمه بالدخول فيها " وصحيح ابن سالم عنه (ع) ايضا " في رجل وكل آخر على وكالة في امر من الامور واشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لامضاء الامر فقال اشهدوا انى قد عزلت فلانا عن الوكالة فقال ان كان الوكيل امضى الامر الذى وكل فيه قبل العزل، فان الامر ماض على ما امضاه الوكيل كره الموكل ام رضى قلت فان الوكيل قد امضى الامر الذى قد وكل فيه قبل ان يعلم بالعزل أو يبلغه انه قد عزل عن الوكالة فالامر على ما امضاه؟ قال نعم قلت فان بلغه العزل قبل ان يمضى ثم ذهب حتى امضاه لم يكن

[ 457 ]

ذلك بشئ؟ قال نعم ان الوكيل إذا ولك ثم قام عن المجلس فأمره ماض ابدا، والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة ". وصحيح العلا ابن سيابة عن الصادق (ع) المتضمن للانكار على من فرق في هذا الحكم بين النكاح وغيره ينعزل في الاول بالاشهاد، بخلاف الثاني فلا ينعزل الا بالعلم والاستدلال عليهم بقضاء امير المؤمنين عليه السلام في الامرئة التى استعدته وقد وكلت اخاها فقال يا امير المؤمنين عليه السلام انها وكلتني ولم تعلمني انها عزلتني عن الوكالة حتى زوجتها كما امرتني فقال لها ما تقولين؟ قالت قد اعلمته يا امير المؤمنين عليه السلام فقال له ألك بينة بذلك فقالت هؤلاء شهودي يشهدون فقال لهم " ما تقولون " قالوا نشهد انها قالت اشهدوا انى قد عزلت اخى فلانا عن الوكالة بتزويجي فلانا وانى مالكة لامرى قبلا ان زوجنى فقال " اشهدتكم على ذلك بعلم منه ومحضره " فقالوا لا فقال " تشهدون انها اعلمته العزل كما اعلمته الوكالة " قالوا لا، قال " ارى الوكالة ثابتة والنكاح واقعا اين الزوج " فجاء فقال " خذ بيدها بارك الله لك فيها " فقالت يا امير المؤمنين احلفه انى لم اعلمه العزل ولم يعلم بعزلي اياه قبل النكاح، قال " وتحلف " قال نعم يا امير المؤمنين (ع) فحلف واثبت وكالته واجاز النكاح. فلا مجال للتأمل في هذا الحكم بعد هذه الروايات الصحيحة الصريحة. وانما الكلام في انه حكم تعبدي على خلاف الاصل، أو انه حكم واقعى موافق للاصل كشف عنه الشارع وان لم يكن مكشوفا لنا قبل كشفه اياه لدقته؟ وقد ذهب سيدنا الاستاد العلامة (قدس سره) الى انه حكم واقعى فقال ان التعبير بان الوكالة ثابتة ابدا حتى يعلمه بالخروج منه كما اعلمه بالدخول فيها، وان الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة وانى ارى الوكالة ثابتة، ظاهر في ان الحكم على طبق الموازين الواقعية الاولية، فقال (قدس سره) في توضيحه " ان الموكل باعلامه الوكيل بالتوكيل نصبه على الوكالة ولا يرتفع النصب الا بطرو ضده وهو العزل.

[ 458 ]

ولا يتحقق العزل الا باعلامه الرجوع عنها، كما لا يتحقق النصب الا بالاعلام بتوكيله اياه وقبوله لها، ولا ينافى هذا جواز الوكالة وعدم لزومها، فان مقتضى جوازها استقلال الموكل في ازالتها ولا ينافى توقف ازالتها ورفعها على الاعلام بالرجوع عنها مع استقلاله في رفعها، ولعله الى هذا المعنى يشير قوله (ع) " حتى يعلمه بالخروج عنها كما اعلمه بالدخول فيها ". وببيان آخر ان هنا مفهومين مختلفين ثبوت الوكالة ونصبه عليها ومقابل ثبوتها الرجوع عنها، ومقابل نصبه عليها عزله عنها، فمع ثبوت الوكالة من دون نصبه عليها كما إذا وكله ولم يعلمهم بتوكيله اياه، تزول الوكالة بمجرد الرجوع عنها، واما مع نصبه عليها كما إذا اعلمه بتوكيله اياه لا تزول الوكالة المنصوب عليها الا بعزله عنها، ولا يتحقق العزل الا باعلامه الرجوع عنها فافهم واغتنم فانه دقيق نفيس جدا.

[ 459 ]

قال المحقق (قدس سره) في كتاب الوقف من الشرائع: " القسم الرابع في شرائط الوقف وهى اربعة: الدوام، والتنجيز، والاقباض واخراجه عن نفسه، فلو قرنه بمدة بطل وكذا لو علقه بصفة متوقعة، كذا لو جعله لمن ينقرض غالبا كان يقفه على زيد ويقتصر أو يسوقه الى بطون تنقرض غلابا أو يطلقه في عقبه ولا يذكر ما يصنع به بعد الانقراض، ولو فعل ذلك قيل يبطل الوقف وقيل يجب ارجائه حتى ينقرض المسمون وهو الاشبه فإذا انقرضوا رجع الى ورثة الواقف وقيل الى ورثة الموقوف عليهم والاول اظهر " وفى المسالك " هنا مسئلتان ": احديهما: ان يقرن الوقف بمدة كسنة مثلا وقد قطع المصنف ببطلانه لان الوقف شرطه التأبيد فإذا لم يحصل الشرط يبطل، وقيل انما يبطل الوقف ولكن يصير حبسا كالثانية لوجود المقتضى وهو الصيغة الصالحة للحبس لاشتراك الوقف والحبس في المعنى فيمكن اقامة كل واحد مقام الاخر. فإذا قرن الوقف بعدم التأبيد كان قرينة ارادة الحبس كما لو قرن الحبس بالتأبيد فانه يكون وقفا كما مر وهذا هو الاقوى ولكن هذا انما يتم مع قصد الحبس فلو قصد الوقف الحقيقي وجب القطع بالبطلان لفقد الشرط والثانية: ان يجعله لمن ينقرض غالبا ولم يذكر المصرف بعده كما لو وقف على اولاده واقتصر على بطون تنقرض غالبا، وفى صحته وقفا أو حبسا أو بطلانه من

[ 460 ]

رأس اقوال، اشار إليها المصنف واختار اولها، ويمكن ان يكون اختار الثاني لان وجوب اجرائه حتى ينقرض المسمون يشمله. ووجه الاول ان الوقف نوع تمليك أو صدقة فيتبع اختيار المملك في التخصيص وغيره، ولاصالة الصحة ولعموم الامر بالوفاء بالعقد، ولان تمليك الاخير لو كان شرطا في تمليك الاول لزم تقدم المعلول، ولرواية ابى بصير عن الباقر (ع) " ان فاطمة عليها السلام اوصت بحوائطها السبعة الى على (ع) ثم الى الحسن (ع) ثم الحسين (ع) ثم الى الاكبر من ولدها، ولعموم ما سلف من توقيع العسكري (ع) " الوقوف حسب ما يوقفها اهلها ". واجيب عن الاول بان التمليك لم يعقل موقتا وكذا الصدقة، واصالة الصحة متوقفة على اجتماع شرائطها وهو عين المتنازع، لان الخصم يجعل منها التأبيد والامر بالوفاء بالعقد موقوف على تحقق العقد وهو موضع النزاع، وكون تمليك الاخير شرطا غير لازم وانما الشرط بيان المصرف الاخير ليتحقق معنى الوقف وفعل فاطمة عليها السلام لا حجة فيه من حيث انها لم تصرح بالوقف بل بالوصية ولا اشكال فيها ولو سلم ارادتها الوقف فجاز علمها عليه السلام بتأبيد ولدها للنص على الائمة عليهم السلام وانهم باقون ببقاء الدنيا وقوله عليه السلام " حبلان متصلان لم يفترقا حتى يردا على الحوض ". وقول العسكري عليه السلام متوقف على تحقق الوقف وهو المتنازع. وفيه نظر لان التمليك الموقت متحقق في الحبس واخويه وهذا منه واشتراط التأبيد متنازع مشكوك فيه، فيجوز التمسك بالاصل وعموم الامر بالوفاء بالعقد إذ لا شبهة في كونه عقدا غايته النزاع في بعض شروطه والاستدلال بعدم افتراق الحبلين الى ان يردا الحوض على بقاء الذرية الى آخر الزمان، فيه ان افتراقهما لازم بعد الموت الى البعث فعدم الافتراق اما كناية عن الاجتماع باعتبار بقاء النفوس الناطقة أو على ضرب من المجاز ومعهما لا يفيد المطلوب والقول بالصحة حسن.

[ 461 ]

ولكن لا يظهر الرفق بين كونه وقفا أو حبسا بدون القصد فالاولى الرجوع إليه فيه، ولا يقدح في الحبس استعماله فيه على وجه المجاز اما لانه شائع في هذا الاستعمال أو لمنع اختصاص كل بصيغة خاصة، بل لما افاده وهو حاصل والقول باستلزام الصحة انتقال الملك عن الواقف والا فهو الحبس فيجب ان لا يعود عين النزاع وبالجملة فالقول بالصحة في الجملة متجه " انتهى. وفصل الكلام في المقام يتوقف على تحقيق حقيقة الوقف وانه يعتبر فيه التأبيد ام لا؟ وانه على فرض اعتباره فيه عرفى قرره الشارع ام مجعول له فالكلام يقع في مقامين: الاول: في تحقيق حقيقة الوقف: فاقول مستمدا برب الارباب وامنائه الاطياب - عليهم صلوات الله الملك الوهاب - ان للوقف حقيقة واحدة ولا تختلف حقيقة الشئ باختلاف الموارد فالقول بان حقيقة الوقف هي تمليك رقبة الموقوفة للموقوف عليه بحيث لا تباع ولا توهب ولا تورث في غير محله، لعدم اطراده في الوقف على المصالح بل الاوقات العامة مطلقا لان المصالح والامور العامة لا تقبل التملك، بل لا يطرد في الوقف على المنقطع الاخر بنائا على كونه وقفا. كما ان القول بانه اخراج المال عن الملك على وجه مخصوص في غير محله ايضا لانه ان اريد بان حقيقته هي الاخراج عن الملك كالاعراض والتحرير لزم ان يكون الوقف كالابراء والعتق ايقاعا لا عقدا: فيلزم حينئذ عدم نفوذ الاشتراط والتقييد فيه لان الشرط انما ينفذ في العقد لا في الايقاع، ونفوذ عتق العبد مشترطا عليه الخدمة في مدة معينة لا ينافى ما بيناه، لان مرجعه الى استثناء منفعة العبد في مدة معينة عن العتق لا الى اشتراط شئ على المعتق في اعتاقه. وان اريد ان حقيقته هي ما يترتب عليه الخروج عن الملك ففيه أو لا انه لا يكون حقيقته حينئذ هي الاخراج عن الملك وثانيا انه لا يجرى في الوقف على

[ 462 ]

المنقطع الاخر وعوده الى الواقف أو ورثته بعد انقطاعه وانقراضه، وثالثا انه يرجع الى القول الاول لان الذى يترتب عليه اخراج الرقبة عن الملك انما هو تمليك الرقبة. وتوهم انه لا ينافى انقطاع الاخر وانقراضه مع تمليك الرقبة أو اخراجها عن الملك وعودها الى الواقف أو ورثته بعد انقطاعه وانقراضه - كما يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) حيث قال ردا على القائل بان التمليك لم يعقل موقتا: " بانه كالاجتهاد في مقابل النص والفتوى " واطال الكلام - الى ان قال - " ان الناقل عن مقتضى الملك انما نقل هذا المقدار وليس هذا من التوقيت في الملك أو الوقف الذى قد حكينا الاجماع على عدم جوازه، ضرورة كون ذلك قد اخذت فيه المدة غاية الا ما إذا جائت تبعا لانقراض الموقوف عليه، فالعود الى الملك بانتهاء سبب النقل كالعود بسبب الفسخ بالاقالة والخيار اللذين ليسا بسبب ملك جديد للمال الذى خرج عن ملك الواقف " انتهى في غاية الضعف. ضرورة ان ملك العين والرقبة لا يقبل التوقيت اصلا ولو تبعا لانقراض الموقوف عليه وما ذكر من ان العود بسبب الفسخ بالاقالة أو الخيار في غاية البشاعة لان سبب النقل انما هي الصيغة المركبة من الايجاب والقبول وهى زائلة بمجرد حدوثها ولا بقاء لها حتى تقبل الانتهاء، والفسخ بالاقالة والخيار لا يتعلق بها لعدم بقائها وانما يتعلق بالعلقة الباقية المتولدة من حدوثها وتعلقه بها عبارة عن ازالتها وحلها فلا يوجب انتهاء النقل وسببه لان النقل الذى هو ملك العين قار ثابت على وجه الاطلاق وهو يقتضى الدوام والفسخ بالاقالة والخيار لا ينافى الثبوت على وجه الاطلاق ولا يوجب تحديد النقل وتوقيته، ضرورة ان الرفع والازالة لا ينافى الثبوت على وجه الاطلاق بل يتوقف عليه إذ لو كان محدودا لكان مرتفعا بنفسه بسبب انتهاء حده ولا يتطرق فيه الرفع والازالة واما الوقف بانقراض الموقوف عليه وعود الموقوفة الى

[ 463 ]

الواقف أو وارثه فهو من قبيل انتفاء المقيد بانتفاء قيده، ولا يكون من قبيل فسخ العقد وحله فجعلهما من قبيل واحد في غير محله. إذا اتضح لك ما بيناه فقد اتضح لك ان التوقيت في الوقف كما يحصل بتقييده بامد معدود كذلك يحصل بتقييده بالمنقطع الاخر. فان قلت: لو كان انقطاع الموقوف عليه لتوقيته وعدم تأبيده لزم ان يكون البيع وسائر العقود الناقلة للعين موقتة لاجل ان المنتقل إليه فيها لا يكون الا منقطع الاخر. قلت: مجرد تعلق العقد بمنقطع الاخر لا يوجب توقيته وانما يوجبه تقييده به، وفرق بين بين التعلق والتقييد. توضيح الكلام فيه ان البيع وسائر العقود الناقلة للعين انما تتعلق بالمنتقل إليه بمعنى صيرورتها ملكا طلقا له، ولا تكون مقيدة به، ولذا يجوز له نقل العين الى غيره كيف شاء وتورث بخلاف الوقف فانه مقيد بالموقوف عليه ولا يكون طلقا، ولذا لا يجوز له بيع الموقوفة وهبتها وسائر التصرفات الناقلة للعين ولا تورث والموجب للتوقيت انما هو التعلق على وجه التقييد الموجب لانتفاء المقيد عند انتفاء قيده لا التعلق فقط. وقد تبين؟؟ ما بيناه ان التوقيت في الوقف يحصل باحد امرين اخذ المدة فيه غاية أو تقييده بمنقطع الاخر، واما في البيع وسائر العقود الناقلة للعين فلا يحصل الا باخذه المدة غاية فدوام عقد البيع وما بمنزلته من العقود منتزع من اطلاقه وعدم تقييده بمدة وفى الوقف منتزع منه ومن التقييد بامر دائم غير منقرض آخره. إذا اتضح لك ما بيناه فاقول: ان الذى يطرد معه الوقف في جميع موارده ولا ينفك عنه ويناسبه التعبير بالوقف هو تحبيس الاصل وتسبيل الثمرة وليس المراد من تحبيس الاصل المنع من التصرفات الناقلة للعين، لان المنع من التصرف

[ 464 ]

قسمان تكليفي ووضعي، والاول ليس مرادا قطعا، والثانى من آثار حقيقة الوقف المتحققة بالتحبيس والتسبيل معا كما هو ظاهر فلا يعقل ان يصير جنسا للوقف. وايضا المنع من التصرفات الناقلة للعين قد يستند الى عدم المقتضى وقد يستند الى وجود المانع فهو من الامور المترتبة واللوازم المستتبعة ولا يكون من المفاهيم الاولية القابلة للانشاء ابتداءا فالمراد منه تقرير الاصل وقصره على امر خاص أو عام بحيث لا يخرج عنه الى غيره ولا ينفك عنه ما دام موجودا مسبلا ثمرته الى المحبوس عليه فتحبيس الاصل بمنزلة الجنس وتسبيل ثمرته بمنزلة الفصل، فان تحبيس العين على وجهين: الاول: تحبيسها في استيفاء الدين ابتداءا كما في الرهن أو تبعا كما في التفليس ولا يترتب عليهما تحبيس الثمرة ولا تسبيلها فيما حبس فيه العين وهو الدين والثانى: تحبيسها بمعنى ارجاعها الى طرف وتخصيصها به مقيدا به بحيث يترتب عليه تسبيل ثمرتها إليه كما هو المقصود في المقام. ثم ان التحبيس المترتب عليه تسبيل ثمرة الاصل يجامع مع دوام الطرف وعدمه كما يجامع مع اطلاقه من حيث المدة وتقييده بها ضرورة ان ارجاع الاصل الى طرف وتقييده به قابل للامرين وصالح لهما في حد ذاته. المقام الثاني في انه هل يعتبر التأبيد فيه بمعنى اطلاقه امدا سواء كان مع دوام الطرف أو انقراضه ام وبمعنى اطلاقه مع دوام طرفه. وقد تبين بما بيناه في المقام الاول عدم اعتباره فيه بكلا المعنيين ذاتا ولم يدل دليل شرعى على اعتباره فيه بل الدليل الشرعي دال على عدم اعتباره فيه فان ثبوت الحبس في الشرع كاشف عنه لانه قسم من الوقف ولا ينافيه التعبير عنه بالحبس وجعله بابا آخر في الفقه لان غرضهم من الوقف هو المؤبد من تحبيس الاصل وتسبيل ثمرته وهو لا يدل على اختصاصه به ذاتا أو شرعا. وتوهم ان حقيقة الوقف هي تمليك رقبة الموقوفة للموقوف عليه أو اخراجها

[ 465 ]

عن ملك الواقف فلا يجامع مع اقترانه بمدة أو تعليقه على منقطع الاخر قد تبين لك فساده كما تبين لك فساد التفصيل بين الاقتران بمدة والتعلق على منقطع الاخر حينئذ كما عن صاحب الجواهر وبعض المعاصرين (قدس سرهما) إذ لو سلم ان حقيقته هي تمليك الرقبة للموقوف عليه أو اخراجها عن ملك الواقف لم يتطرق فيه الاقتران بمدة ولا التعليق على المنقطع الاخر. وإذا اتضح لك مما بيناه حقيقة الوقف وانه لا يعتبر فيه التأبيد ولا يضره الاقتران بمدة ولا التعليق على منقطع الاخر، اتضح لك عدم بطلان الوقف مع اقترانه بمدة ولا مع تعليقه على منقطع الاخر. فالحكم ببطلانه رأسا مع الاقتران بمدة كما ذكره المحقق قدس سره أو الحكم ببطلانه وقفا وصحته حبسا كما حكاه صاحب المسالك عن بعض أو التفصيل بين صورة ارادة الحبس منه فيصح وبين صورة ارادة الوقف الحقيقي فيبطل كما اختاره قدس سره في غير محله لما تبين ان حقيقة الوقف لا تأبى عن التقييد بمدة ولم يدل دليل شرعى على اعتباره الاطلاق فيه امدا وعدم صحته مع التقيد فيه بمدة فلا وجه حينئذ للحكم بالبطلان رأسا. كما انه لا وجه للحكم ببطلانه وقفا وصحته حبسا، لانهما ان كانا حقيقتين مختلفتين لا يعقل مع قصد الوقف وبطلانه صيرورته حبسا، وان لم يكونا حقيقتين مختلفتين وكان الحبس مرتبة من الوقف لا مجال للحكم ببطلانه وقفا. كما ان التفصيل بين قصد الوقف و قصد الحبس والحكم ببطلانه في صورة الاولى وبصحته في الصورة الثانية لا وجه له، مع اتحادهما في الحقيقة وعدم اختلافهما الا في المرتبة، بل في كون الوقف اعم والحبس اخص، لان قصد الوقف حينئذ مع الاقتران بالمدة لا ينافى مع وقوعه حبسا، لان الحبس حينئذ مرتبة من الوقف لا قسيم له. وبما بيناه تبين لك الحال في الوقف على المنقطع الاخر، وانه يصح وقفا

[ 466 ]

لا بمعنى اخراج رقبة الموقوفة عن ملك الواقف، ولا بمعنى تمليكها للموقوف عليه، لما عرفت من عدم اعتبارهما في حقيقة الوقف بل بمعنى تحبيس الاصل على الموقوف عليه المنقرض الاخر مقيدا به، فرقبة الموقوفة حينئذ باقية على ملك الواقف فهو مع كونه وقفا حبس حينئذ، لا بمعنى صيرورته في حكم الحبس كما يظهر من بعض، لعدم اختلافهما في الحقيقة حتى ينافى كونه وقفا مع كونه حبسا حقيقة، لما تبين لك من ان الوقف منه مؤبد ومنه غير مؤبد، وغير المؤبد منه هو الحبس. فظهر انه لا وجه للقول بالبطلان رأسا حينئذ كما ظهرانه لا وجه للحكم بصحته حبسا لا وقفا، أو انه يصح حبسا مع قصد الحبس، واما قصد الوقف فيصح وقفا أو يبطل. وبما بيناه تبين ايضا انه إذا انقرض الموقوف عليهم ترجع الموقوفة الى الواقف أو ورثته، لما ظهر لك ان رقبتها حينئذ باقية على ملك الواقف ولم تخرج عن ملكه، فلا وجه للقول بصرفها حينئذ في وجود البر، كما انه لا وجه للقول برجوعها الى ورثة الموقوف عليهم، مع انه ان قلنا ببقاء الوقف حينئذ فلا مجال للعود الى ورثة الموقوف عليهم ارثا ولا وقفا، بل يتعين حينئذ صرفها في وجوه البر، وان قلنا ببطلان الوقف حينئذ يتعين رجوعها الى ورثة الواقف، فعلى كل تقدير لا وجه لرجوعها الى ورثة الموقوف عليهم. تنبيهات: الاول: انه ان قلنا بتمليك العين للموقوف عليه أو اخراجها عن ملك الواقف في الوقف المؤبد لا ينافى ما بيناه من انه لا يكون احدهما حقيقة للوقف، لان ثبوت تمليك العين أو اخراجها عن ملك الواقف حينئذ على فرض تسليمه انما هو من جهة ملازمته مع تأبيد الوقف، فلا ينافى خروجه عن حقيقة الوقف المشتركة بين المؤبد والمنقطع الاخر. الثاني: ان التأبيد على فرض اعتباره فانما هو في الوقف بمعنى عدم تقييده

[ 467 ]

بمدة وعدم تعليقه على المنقرض الاخر، واما تأبيد العين الموقوفة ودوامها فلا وجه لاعتباره، فاخراج تحبيس الفرس في سبيل الله عن الوقف، ودرجه في الحبس الذى جعلوه قسيما للوقف في غير محله. الثالث ان انقراض الاخر وانقطاعه انما يتصور في الاوقاف الخاصة المتعلقة بالافراد الموجودة، واما الاوقاف العامة المتعلقة بالعناوين الكلية فلا يتصور الانقراض فيها، إذ لا يعتبر فيها الوجود حتى يكون انتفاعها في الخارج موجبا لانقراض الاخر وانقطاعه، وارتباط الوقف بالعناوين الكلية باق حينئذ سواء وجدت افرادها في الخارج ام لم توجد، فان وجدت في الخارج فهو وان لم توجد تصرف ثمرة الموقوفة في وجوه البر مطلقا أو فيما هو اقرب إليها. والحاصل انه ان اعتبر في الموقوف عليه الوجود في الخارج يكون الوقف خاصا ويتطرق فيه انقراض الاخر وانقطاعه بسبب انعدامه وعدم وجوده، وان لم يعتبر فيه الوجود بل تعلق الوقف بامر عام أي بالكلى بعنوان انه كلى لا ينقطع تعلق الوقف عنه بسبب انتفاء مصاديقه في الخارج، لعدم تعلق الوقف بمصاديقه حينئذ حتى ينقطع بانقطاعها. الرابع: قد ظهر مما بيناه ان العين الموقوفة باقية على ملك الواقف قطعا في غير المؤبد منه، إذ لا يعقل التوقيت في تمليك العين والرقبة، فهى عند موت الواقف تنتقل الى ورثته مسلوب المنفعة وتصير طلقا حين انقراض الموقوف عليه، لا انها تنتقل إليهم عند انقراضه. وتظهر الفائدة فيما لو مات الواقف عن ولدين ثم مات احدهما عن ولد قبل الانقراض فعلى ما بيناه يشترك هو وابن اخيه لتلقيه من ابيه، غاية الامر انه تلقاه مسلوب المنفعة. واما لو قلنا بانتقاله الى الوارث حين الانقراض يختص الابن به، ولا حظ لابن اخيه لتأخره عنه في الدرجة، فما في المسالك من ان المعتبر وارثه حين انقراض

[ 468 ]

الموقوف عليه كالولاء عند موته مسترسلا الى ان يصادف الانقراض في غير محله، لانه ان قلنا ببقاء العين الموقوفة على ملك الواقف في الصورة المزبورة كما هو المختار فلا وجه لاعتبار الوارث حين انقراض الموقوف عليه. وان قلنا بخروجها عن ملك الواقف فلا وجه لعودها الى وارثه، لا حين موت الواقف ولا حين انقراض الموقوف عليه، لان انقراض الموقوف عليه ليس من الاسباب الناقلة للعين الموقوفة الى واقف أو وارثه، كما هو ظاهر.

[ 469 ]

(فائدة - 68) يطلق النكاح في اللغة على الوطى كثيرا، وعلى العقد بقلة، وقيل في الشرع بالعكس حتى قيل انه لم يرد في الكتاب العزيز بمعنى الوطى الا في قوله عالى " حتى تنكح زوجا غيره " بل قيل انه فيها بمعنى العقد ايضا واشتراط الوطى انما علم من السنة. وكيف كان فهل هو حقيقة في الوطى ومجاز في العقد، اطلاقا لاسم المسبب على السبب، أو بالعكس اطلاقا لاسم السبب على المسبب لغة أو شرعا، أو فيهما أو مشترك بينهما فيهما، أو في احدهما؟ وقد نسب كل من الوجوه الى قائل. والتحقيق ان النكاح في اصل اللغة يقرب من الضم الدخولى بشهادة الاطراد في موارد الاستعمال، فان قولهم تناكحت الاشجار إذا انضم بعضها الى بعض من هذا الباب، فان انضمام الاشجار بعضها ببعض لا يخلو غالبا من دخول بعض اغصانها في بعض الاخرى، واليه يرجع قولهم: نكح الماء الارض، إذا اختلط بترابها، فلا يكون الاختلاط معنى مغايرا كما توهم. واما استفاده الغلبة منه في قولهم: نكحه الدواء إذا خامره وغلبه، فانما هي من جهة المورد فان جعل الداء ناكحا والشخص منكوحا يقتضى غلبة الدواء عليه، وقولهم: تناكح الجبلان، إذا التقيا، يرجع الى ما بيناه ايضا تحقيقا أو تنزيلا، والا فمجرد الالتقاء لا يسمى تناكحا بالضرورة، إذ لو صح التعبير بالتناكح لاجل مجرد

[ 470 ]

الملاقاة لم يختص الجبلين واطرد في كل ملاقاة. فاتضح بما بيناه ان الوطى احد مصاديق النكاح لا انه حقيقة فيه بخصوصه واطلاق النكح بالضم على بضع المرئة من جهة انه ما به يتحقق انضمام الرجل إليه في الدخول، واما اطلاق النكاح على عقد الازدواج فيمكن ان يكون تحقيقيا، من حيث انه مرتبة من الانضمام في جهة الدخول، ان قلنا بان مفهوم النكاح اعم من الانضمام الحسى والمعنوي وضعا، وتنزيليا من جهة تنزله منزلة الانضمام الحسى ان قلنا باختصاصه به وضعا. فتوهم انه حقيقة في العقد بخصوصه مجاز في الوطى في غاية البشاعة كما ان توهم كونه حقيقة في الوطى مجازا في العقد بعلاقة السببية والمسببية باطل ايضا، والا صح اطلاقه على ملك اليمين ايضا تجوزا، مع ان اطلاق السبب على المسبب وبالعكس انما يصح فيما إذا اتحدا وجودا ويكون احدهما منتزعا من الاخر كما اوضحنا الكلام فيه في محله وسننبه عليه على ان اطلاق احدهما على الاخر بعلاقة السببية لو سلم فانما هو في تسبيب الوجود لا تسبيب الحل والجواز، والعقد انما يكون سببا لحل الوطى وجوازه لا لوجوده وتحققه. وإذا قد اتضح لك ما بيناه فاعلم ان النكاح المنطبق على الوطى انما يحل شرعا باحد امرين التزويج وملك اليمين، قال تعالى شأنه " والحافظون لفروجهم الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين " فالكلام يقع في مقامين: الاول: في عقد التزويج وهو مرتب على الانشاء المترتب على الكلام أو ما بمنزلته والجميع متحد في الوجود الخارجي ضرورة انه لا وجود للعقد في الخارج مغايرا للانشاء، كما انه لا وجود له مغايرا للكلام أو ما بمنزلته، فان الصادر عن الشخص في مقام الانشاء كالاخبار ليس الا الكلام أو ما بمنزلته، فانشاء المنشئ وعقده التزويج في الخارج ليس الا كلامه الصادر عنه أو ما بمنزلته، فهما كسائر الامور الانتزاعية من التاديب والتعليم والتعلم وهكذا متحدان مع منشأ انتزاعهما

[ 471 ]

في الخارج، ويترتب على كل من الترتب والاتحاد مالا يترتب على الاخر. فمن جهة الترتب الطبعى والمغايرة التحليلية يعد الكلام وما بمنزلته آلة وسببا للانشاء والعقد، ومن جهة الاتحاد الخارجي يحملان عليه، وقسموا الكلام الى الاخبار والانشاء وعرفوا العقد بالايجاب والقبول المنطبقين على الكلام وما بمنزلته ومن آثار الترتب والتعدد صحة ادخال اللام على التأديب والجبن ونحوهما وتركيبهما مع الضرب والعقود على وجه التعليل، فتقول: ضربت للتأديب وقعدت عن الحرب للجبن. ومن آثار الاتحاد صحة انتصابهما على التمييز الرافع للابهام الناشئ من ناحية النسبة، فتقول: ضربت تأديبا، وقعدت عن الحرب جبنا، فيميزان ويبينان الضرب والقعود من حيث وجهه ونوعه. وقد خفى هذا المعنى على اهل العربية فزعموا ان الانتصاب في هذا النحو من التركيب على وجه التعليل ووقوع المنصوب مفعولا له، ولم يتنبهوا ان الانتصاب لو كان على وجه التعليل وناظرا إليه لاطرد في كل علة ولم يختص بالمصدر المتحد مع الفعل وقتا وفاعلا، وقد تنبه الزجاج ان الانتصاب من جهة الاتحاد، حيث ادرج ما سموه مفعولا له في المفعول المطلق بحذف مصدر مضاف إليه، ولكن لم يتنبه ان ما سموه مفعولا مطلقا يرجع الى التمييز ايضا وليس عنوانا اخر، وقد اوضحنا الكلام فيه في اساس النحو وشرحه وبينا هناك ان المفعول منحصر فيما سموه مفعولا به. ثم ان العقد قد يستعمل مصدرا دالا على الحدث والنسبة الى الفاعل أي جعل الشيئ ذا عقدة المعبر عنه في الفارسية (بگره بستن) وقد يستعمل اسم مصدر دالا على الحدث الصرف وهو العقدة المعبر عنها في الفارسية (بگره) واتحاده مع الكلام باعتبار الاول اقوى منه باعتبار الثاني، فانه باعتبار الاول دائر مدار الكلام حدوثا وبقاءا ولا انفكاك عنه بوجه، واما باعتبار الثاني فلا يدور مداره بقاءا لانفكاكه عنه في مرحلة البقاء لبقائه بعد انقضاء الكلام كما هو ظاهر.

[ 472 ]

توضيح الكلام فيه ان الامور المنتزعة على نحوين: فمنها ما ينتزع وجوده من وجود منشأ انتزاعه، فيدور الامر المنتزع حينئذ مدار منشأه حدوثا وبقاءا كالفوقية والتحتية المنتزعتين من تقابل الجسمين بحيث لو وقع احدهما لوقع على الاخر ومنها ما ينتزع حدوثه من حدوث منشاه فيدور الامر المنتزع حينئذ مدرا منشاه حدوثا لا بقاءا، كالطهارة المنتزعة من الوضوء والغسل والتيمم والفسق المنتزع من ارتكاب الكبائر. والعقد باعتبار الاول من قبيل الاول كما انه بالاعتبار الثاني من قبيل الثاني فان عقدة النكاح والبيع وهكذا تبقى بعد انقضاء الصيغة. ومن هنا يجوز حل البيع بالفسخ والاقالة وازالة النكاح بالطلاق من دون ان ينقلب المنشا وهو الحدوث الى اللاحدوث. واذ قد اتضح لك ما بيناه فاعلم ان مقسم الاقسام والجامع بين الانواع وموضوع الاثار والاحكام هو المعنى الثاني، ضرورة ان البيع والصلح والنكاح وهكذا من المفاهيم العقدية التى تترتب عليها حلية الوطى وجواز التصرفات انما تكون انواعا واقساما له بهذا المعنى، كما ان الاقالة والفسخ والطلاق انما تلحقه كذلك، فالاثار انما تدور العلقة الباقية حدوثا وبقاءا لامدار الصيغة الزائلة. وإذا اتضح لك ان موضوع الاحكام ومقسم الاقسام هو المعنى الثاني، اتضح لك انه المبحوث عنه ايضا، ضرورة انه انما يبحث عن الشئ لبيان احكامه. وحيث خفى ما حققناه على اكثر المتأخرين من الاصحاب (قدس سرهم) زعموا ان العقد حقيقة هو الايجاب والقبول، وان اضافته الى البيع وسائر الانواع لامية ان قلنا ان الانواع هي الاثار المترتبة عليها، وبيانية ان قلنا انها هي الايجاب والقبول حقيقة. وقد اتضح لك بما بيناه فساد الجميع، فان العقد حقيقة هو الاثر المترتب عليهما وان اتحد معهما في الخارج اتحاد الامر المنتزع مع منشأ انتزاعه، والمبحوث عنه هو المعنى الثاني المفارق عنهما في مرحلة البقاء فاضافته الى الانواع بيانية بناءا على

[ 473 ]

تحديدها بالمعاني المنشئة من الايجاب والقبول كما هو التحقيق ثم توهم الاختلاف في ان حقيقتها هل هي من قبيل المعاني المنشئة أو من قبيل الصيغ المشتملة على الايجاب والقبول من الغرائب، ضرورة ان الانواع هي المفاهيم المنشئة القارة القابلة للحوق الاقرار والحل والاقالة والطلاق، واختلاف تعاريفهم لا يدل على اختلافهم في حقائقها لان الغرض منها تقريب الحقيقة من وجه لا تحقيقها من كل وجه كما هو الشان في غالب التعاريف المتداولة في الكتب المصنفة، فهى شبه التعاريف اللفظية من حيث عدم تعلق الغرض بالكشف منها الا في جملة، فلا يدل اختلاف التعاريف حينئذ على اختلاف الحقيقة، ضرورة جواز اختلاف التقريبات مع وحدة الحقيقة. واعجب منه توهم وقوع النزاع في وضع الفاظ العقود من البيع والصلح وهكذا الايجاب والقبول، أو للمعانى المنشئة، فنسب الى بعض وضعها للاول وان استعماله في الثاني من قبيل استعمال السبب في المسبب والى اخر عكسه، والى ثالث اشتراكهما في المعنيين، فان التعاريف انما هي لبيان حقائق الانواع لا لتفسير الالفاظ وبيان وضعها، وليست الحقيقة النوعية تابعة للحقيقة اللفظية كما هو ظاهر مع ان الفاظ العقود انما تستعمل في معنى واحد وهو المفهوم المنشا من الايجاب والقبول، فلا مجال للتجوز والاشتراك، والاطلاق على الايجاب والقبول لا ينافيه إذ يكفى في صحة الاطلاق الاتحاد في الخارج مع المغايرة في المفهوم، كما يقال: الضرب تأديب وظلم وقصاص، فيحمل المفاهيم المختلفة على الضرب مع بقائه على مفهومه الاصلى، فالتعدد في الصدق والاطلاق، لا في الاستعمال فلا تجوز ولا اشتراك. ثم ان وضع الفاظ العقود للايجاب والقبول واستعمالهما فيهما أو في احدهما غير معقول لاستلزامه اتحاد طرفي الوضع والاستعمال حينئذ، فان الايجاب والقبول عين الفاظ العقود. والالتزام باستعمال - مثل: بعت وصالحت وانكحت.

[ 474 ]

وهكذا في اثار الانواع لا فيها مجازا غير نافع اولا في دفع اشكال اتحاد طرفي الوضع، وباطل ثانيا لان المتعاقدين انما يكونان في مقام انشاء الانواع لا آثارها ولوازمها، ومناف ثالثا لما ذكروه من اعتبار الالفاظ الصريحة الحقيقية في صيغ العقود اللازمة وعدم وقوعها بالكنايات والمجازات، مع ان الالتزام بان الانواع هي الفاظ الايجاب والقبول وان المنشا اثارها لانفسها يوجب الالتزام يعدم ارتفاع نفس الانواع بالاقالة والفسخ بالخيار والطلاق وهو بديهى البطلان. ثم ان الاستعمال بعلاقة السببية والمسببية باطل لا اصل له اصلا والا اطرد في جميع الموارد، وصح اطلاق العقد على العاقد والسرير النجار والتأديب على المؤدب وبالعكس وفساده مما لا يخفى على من له ادنى مسكة. وقد بينا في محله ان علاقة السببية والمسببية كسائر العلائق المرسلة لا يوجب جواز التجوز، وانما التجأوا إليها جهلا بحقيقة الحال ووجه الاستعمال في الموارد التى استنبطوها منها، فالتجوز ينحصر في الاستعارة. بل قد حققنا في كشف الاستار عن وجه اسرار الرواية العلوية عليه وعلى ابنائه الطاهرين آلاف تحية - في تقسيم الكلام الى اقسام ثلثة المنفتح منها ابواب كثيرة المنفتح من كل باب منها ابواب ان التجوز في اللفظ لا اصل له اصلا حتى في الاستعارة، لا كما زعمه السكاكى بل على وجه ادق قد خفى على جميع الاقوام، قد استفدناه من انوار اشاراته عليه السلام. فاتضح بما بيناه غاية الاتضاح ان المستعمل فيه في الفاظ العقود واحد وان اختلف محل الاطلاق، فلا مجال للتجوز والاشتراك. ثم اعلم ان مفهوم العقد حقيقة يختص بالعقدة الحاصلة من شد احد الحبلين بالاخر، واطلاقه على سائر الموارد كناية أو استعارة، فاطلاقه على عقود الاصابع والقصب من جهة ارتباط طرفي العظم والقصب واتصالهما على نحو يوجب تنزله منزلة العقدة الحاصلة بين الحبلين، كما ان اطلاقه على ما يقابل الايقاعات من

[ 475 ]

جهة وجود حبلين تنزيليين من طرف المتعاقدين مشدود احدهما بالاخر، أو حبل واحد شد احد طرفيه بالمعقود عليه، كما سيظهر لك تفصيل الحال في بيان اقسام العقود. وهكذا الامر في اطلاق العقود على العهود الموثقة الالهية المأخوذة في ولاية مولانا امير المؤمنين - صلوات الله عليه وعلى ابنائه الطاهرين - في عشر مواطن المفسر بها قوله عز من قائل " يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود " أو مطلق العهود الالهية أو التكاليف الشرعية، فان حبل الالزام من الله تعالى فيها مشدود بحبل الالتزام من المؤمنين. ومن هذا الباب ايضا اطلاق العقدة على الاشكال لانه إذا اشتكلت جهات في امر وابهم وخفى وجه المطلب يكون حبل الواقع مشدودا بحبل غيره. ومن هذا القبيل ايضا اطلاق الاعتقاد على اذعان النفس بامر علما كان أو اطمينانا، فان النفس إذا سكنت واستقرت في امر يكون حبلها مشدودا بحبله، ومن هنا لا ينطبق على ما دون الاذعان والاطمينان من مراتب الظن، ضرورة عدم حصول الشد والعقد مع عدم الاذعان والاطمينان. وبالتأمل فيما بيناه يظهر لك الحال في سائر الموارد، واذ قد تحقق لك مفهوم العقد لغة وحقيقة المبحوث عنها في الفقه، فلا بد لنا من التكلم في مقامات: الاول: في بيان ان الاصل فيه الصحة والنفوذ، فاقول: ان المفاهيم العقدية كسائر المفاهيم الانشائية من الطلب والتمنى والترجى والاستفهام وهكذا افعال توليدية وامور اعتبارية انتزاعية تحصل بمجرد وجود منشا انتزاعها في الخارج، ولا تكون من قبيل الاحكام الشرعية تكليفية أو وضعية حتى يتوقف الحكم بالثبوت على ورود النص. كشف الحال فيه ان انتزاع فعل وتولده منه على نحوين: فقد يكون امرا واقعيا مجبولا عليه الطباع يعرفه العقل واهل العرف من دون مراجعة الى الشرع كانتزاع علقة المجاورة والرفاقة والشركة وهكذا حيث تنتزع

[ 476 ]

من منشأها مع قطع النظر عن جعل الشرع، نعم للشارع هدم هذا الانتزاع وابطاله كما سنبين لك انشاء الله تعالى. وقد يكون مجعولا بحيث لا يترتب عليه واقعا من دون جعل الشارع، كانتزاع الحدث والطهارة من اسبابها فان المترتب على الغسل والوضوء واقعا انما هي النظافة الظاهرية كما ان المترتب على البول وانزال المنى هي الخباثة الظاهرية، وانتزاع الطهارة الشرعية والحدث الاصغر والاكبر منها انما هو بجعل الشارع، وانتزاع العقود من الانشائات من قبيل الاول، ضرورة ان الانشاء كالاخبار امر عرفى وجهة واقعية، فكما ان ترتب كشف المفهوم على الكلام الخبرى امر واقعى عرفى لا يكون مجعولا لاحد، فكذا ترتب حدوث المفهوم على الكلام الانشائى، وهذا ظاهر جدا. فما يظهر من بعض من ان العقد حكم شرعى لا يحكم به الا بعد قيام الدليل عليه بمكان من الوهن، نعم قد يكون العقد موضوعا للحكم الشرعي وكانه اختلط عليه امر الموضوع بالمحمول وإذا اتضح لك ان العقود واقعية وافعال غير مجعولة تتولد من الايجاب والقبول ذاتا فاعلم ان انعقادها وانتزاعها من منشأها انما يكون بعد وقوعها في المحل واستنادها الى اهلها فالحكم بالصحة والنفوذ انما يكون بعد اجتماع امور ثلثة تحقق منشأ انتزاع العقد ووقوعه في محله وصدوره من اهله. وتوضيح الكلام فيه غاية الايضاح يتوقف على بسط الكلام في كل من الامور الثلثة وبيان ما يعتبر فيها عرفا وشرعا. فاقول بعون الله تعالى ومشيته: يعتبر في الامر الاول عرفا وشرعا الايجاب والقبول ما إذا كان العقد لازما ذاتا، أو كان من قبيل الهبة والنكاح ولا بد من توصلهما وتوليهما حينئذ لانهما بمنزلة امر واحد في مرحلة انتزاع العقد منهما فلا مجال لانتزاعه منهما مع انفصال احدهما عن الاخر بما يخرج عن الاتحاد.

[ 477 ]

واما اللفظ والعربية والماضوية والصراحة وتأخر القبول عن الايجاب وتعدد الموجب والقابل وبلوغهما واختيارهما فلا تعتبر فيه عرفا، ومع عدم قيام الدليل على اعتبارها شرعا ووقوع الشك فيه الاصل عدم الاعتبار ومقتضاه الحكم بالصحة وانعقاد العقد مع وقوعه في محله وصدوره عن اهله: وتوهم ان الاصل عدم تحقق العقد حينئذ والاخذ بالقدر المحقق منه في غير محله لان مرجع الاشتراط الشرعي الى تضييق دائرة منشأ الانتزاع العرفي فمع الشك فيه انما نشك في وجود المانع مع احراز المقتضى فيحكم حينئذ بالصحة اخذا بالمقتضى المعلوم والغاء للمانع المشكوك. نعم يتم ذلك في الشرط العرفي إذ الشرائط العرفية لها دخل في تحقق الاقتضاء فمع الشك في تحققها ولو مع الشك في اصل الاشتراط لا يكون المقتضى محرزا، لان المراد بالمقتضى في باب الاستصحاب ماله دخل في وجود المقتضى مع اتحادهما خارجا اتحاد الامر المتزع مع منشأ انتزاعه لا مجرد السبب. إذا تحقق لك ما بيناه فاعلم انه قد قام الاجماع على اعتبار اللفظ في الايجاب والقبول مع قدرة المتعاقدين على النطق وهو المعتمد. واما العربية والماضوية والصراحة وترتب القبول على الايجاب وتعدد القابل والموجب فلم ينهض على اعتبارها ما يعتمد عليه كما هو ظاهر لمن راجع الى كلماتهم (قدس سره) الا انه لا ينبغى ترك الاحتياط في ما عدا الاخير سيما في الثلثة المتقدمة. واما البلوغ فقد اشتهر اعتباره فيه وانه لا يصح عقد الصبى مطلقا وانه مسلوب العبارة كالبهائم، والتحقق ان عبارته تامة فيصح عقده لنفسه ولغيره وانما لا ينفذ عقده فيما يرجع الى نفسه من دون اذن وليه لعدم ولايته على نفسه وماله فيقع عقده حينئذ فضوليا فان اجازة الولى أو هو بعد بلوغه ورشده نفذ والا فلا. واما عقده لغيره فان كان بأذنه فهو نافذ والا فهو فضولي ايضا موقوف مراعى، يستقر في الصحة بامضائه وفى البطلان برده.

[ 478 ]

" فائدة - 69 " تنقسم العقود الى ما يكون لازما بالذات من الجانبين، وما يكون جائزا كذلك وما يكون جائزا ذاتا من طرف الموجب دون القابل، وما يكون بالعكس والضابط فيه انه ان كانت نسبة العلقة المتكونة والعقدة المنعقدة من انشائي المتعاقدين اليهما على حد سواء، ويكون العقد حينئذ لازما بالذات من الجانبين، إذ كما لم يكن احد المتعاقدين حينئذ منفردا بايجابه لم يستقل احدهما في رفعه وحله والا لزم سلطنة احدهما على الاخر، وذلك كعقد البيع والاجارة والصلح المعاوضى، فان كلا منها يشتمل على بدليتين بدلية المعوض عن العوض وبدلية العوض عن المعوض ومن المعلوم انه لا تأثير لعمل احد المتعاقدين الا في احدى البدليتين لعدم سلطنته الا على احدى المالين فمجموع البدليتين انما يتكون من عملي المتعاقدين فهما متشاركان في ايجاب العلقة ولا يختص الايجاب باحدهما، ومقتضى اشتراكهما في ايجاب العلقة عدم استقلال احدهما في حله ورفعه الا بسلطنة جديدة وهذا معنى اللزوم الذاتي. فان قلت تركيب العقد من بدليتين ممنوع لان بدلية مال عن مال يستلزم بدلية الاخر عنه، ولا مجال لتحقق البدلية من احد الطرفين مع عدم تحققها من الطرف الاخر، فالعلقة لا تكون مركبة من عملين مستندة الى المتعاقدين بل هي عمل واحد

[ 479 ]

وان اشتمل على لازم وملزوم فهى صادرة عن احد المتعاقدين والاخر قابل له. قلت: بدلية احد المالين عن الاخر لا تستلزم بدلية الاخر عنه ألا ترى ان بدل الحيلولة مثلا أو قيمته بدل عن التالف ولا يكون التالف بدلا عنه بل باقيا على ملك صاحبه ولذا لو عاد التالف يرجع البدل الى المتلف ويعود التالف الى صاحبه والحاصل ان بدلية مال عن مال كبدلية شخص عن شخص ونيابته عنه فكما ان نيابة الوكيل عن الموكل لا تقتضي نيابة الموكل عن الوكيل فكذلك بدلية مال عن مال لا تقتضي بدلية الاخر عنه ولا تستلزمه. فان قلت: لو اشترك المتعاقدان في ايجاب العقد وكان العقد صادرا منهما على حد سواء لزم ان يتساويا في نسبة ايجاب العقد اليهما، مع انه يختص احدهما بكونه موجبا والاخر بكونه قابلا وانفراد احدهما بالايجاب والاخر بالقبول دليل على عدم اشتراكهما في الايجاب. قلت: اختلاف المالين في تعلق القصد اصالة باحدهما وتبعا بالاخر من حيث المبادلة اوجب اختلافهما في صيرورة احدهما مثمنا والاخر ثمنا، والعمل المتعلق بأحدهما ايجابا وبالاخر قبولا، وعامل احد العاملين موجبا والاخر قابلا. توضيح الحال ان نظر المتبايعين في البيع ابتداء أو اصالة الى المتاع تسليما وتسلما، وثانيا وتبعا الى النقد من جهة انه وصلة الى المتاع فصار المتاع اصلا في مرحلة ايجاد البيع والنقد تبعا، وان كان قوام البيع بهما في مرحلة انعقاد العلقة فكان البيع حينئذ واقع على المتاع وصادر من صاحبه فبهذه الملاحظة صار المتاع مبيعا وصاحبه بائعا وعمله بيعا وصار النقد ثمنا وصاحبه مبتاعا وعمله قبولا للبيع وهكذا الامر في عقد الاجارة فان نظر المؤجر والمستأجر اصالة الى تمليك المنفعة وتملكها ولا يكون نظرهما الى الاجرة الا تبعا وتوطئة ووصلة الى المنفعة المعقود عليها، ولذا صار صاحب المنفعة موجرا وصاحب الاجرة مستأجرا واما المصالحة فلا يتمحض احد طرفيها في كونه موجبا لا نظر المتعاقدين

[ 480 ]

فيها الى ما صولح عليه وبه على حد سواء، ولذا يجوز لكل منهما ان يوجب المصالحة من قبل نفسه فيقول لصاحبه صالحتك على ما ذكر بما ذكر، ويقول الاخر قبلت هكذا. فان قلت: سلمنا ان عقود المعاوضات تشتمل على بدليتين، ولكن مجرد اشتمالها على بدليتين لا يقتضى لزومها، ولم لا يجوز حينئذ ان يرجع كل منهما عن عمل نفسه قلت: لو كان عمل كل منهما مستقلا وكان متحققا في الخارج مع قطع النظر عن الاخر لاستقل كل منهما في الرجوع عن عمل نفسه واما إذا لم يكن مستقلا بحيث لا يتحقق في الخارج الا مع الاخر وكان المتحقق في الخارج امرا وحدانيا منحلا الى امرين، كما هو الحال في المقام لا يستقل كل منهما في الرجوع عن عمل نفسه لان رجوعه عن عمل نفسه يتوقف على ازالة عمل صاحبه ولا سلطنة له عليه حتى يتمكن من ازالة عمله. نعم إذا اجتمعا على اقالة العقد فلهما حله حينئذ لان كلا منهما يرجع عن عمل نفسه من دون استلزام لازالة عمل صاحبه وان كان العقد مركبا من ايجاب وقبول وكان صدوره من احد الطرفين وهو الموجب له والطرف الاخر مطابق صرف وقابل محض ولا دخل له في ايجاب العقد بوجه كالهبة والرهن لا يقتضى اللزوم من الجانبين وان اقتضاه من احد الطرفين. توضيح الحال: ان عقد الهبة عبارة عن تمليك عين مجانا ومن المعلوم ان التمليك فعل الواهب ولا دخل للمتهب في ايجابه وانما يتوقف تحققه على قبول المتهب ومطاوعته اياه من جهة انه ليس مقهورا على القبول فكما للواهب ايجاب الهبة وعدمه فكذا للمتهب القبول وعدمه. ودخول العين في ملكه يتوقف على قبوله فقبوله انما يعتبر لاجل تتميم المحل من حيث الانفعال لا لاجل تتميم الفاعل في فعله، ضرورة ان حبل العين بيد الواهب والقائه الى المتهب على وجه التمليك انما هو فعله

[ 481 ]

واتهاب المتهب انما هو اخذ الحبل الملقى إليه لا فعل في عرض فعل الواهب فلا تأثير له في الفعل وانما له التأثير في الانفعال من جهة ان دخول العين في ملكه انما يكون باختياره ومطاوعته فرجوع الواهب عن هبته حينئذ انما يكون رجوعا عن عمل نفسه وليس فيه حل وازالة العمل صاحبه. ولذا اتفق الاصحاب (قدس سره) على ان رجوع الواهب عن هبته حكم لاحق قابل للاسقاط بخلاف الخيار الثابت في عقود المعاوضات فانهم اتفقوا على انه حق قابل للاسقاط لرجوعه الى سلطنة ذى الخيار على حل عمل صاحبه وازالته فهى سلطنة جديد ثابته اما بجعل الشرع أو باشتراط المتعاقدين في متن العقد. فان قلت: مجرد كون الهبة فعل الواهب وعلمه لا يقتضى جواز رجوعه عنها لخروج العين الموهوبة عن ملك الواهب ودخولها في ملك المتهب فلا ينفذ تقلب الواهب فيها لعدم سلطنته على المتهب وماله. قلت: سلطنته على الرجوع عنها لا تكون من شئون ملك العين حتى يقال انه لا موضوع لها بعد الهبة الخروج العين الموهوبة عن ملكه بل من شئون سلطنته على عمله وهو التمليك إذ كما له احداثه وايجاده، فكذلك له ابقائه وازالته ما لم يصادف مانعا، وهذه السلطنة أي سلطنته العمل على عمله باقية حتى في العقود اللازمة. ومن هنا تنفذ الاقالة من المتبايعين ولو زالت سلطنتهما على عملهما بلزوم العقد لزم اما بطلان الاقالة أو رجوعها الى عقد الحل لا حل العقد كما نسب الى ابى حنيفة واللازم بكلا شقيه باطل بالضرورة هذا كله بالنسبة الى الواهب. واما المتهب فلا يستقل في الرجوع عنها بمعنى القاء حبل الموهوبة الى الواهب وادخاله في ملكه لعدم سلطنته على الواهب حتى يدخلها في ملكه قهرا فلا تدخل في ملكه الا بايجاب جديد منه وقبول الواهب اياه وهذا معنى لزوم الهبة بالنسبة إليه. واما الرهن فهو كالهبة مركب من ايجاب وقبول محض لانه عبارة عن اعطاء ولاية للمرتهن في استيفاء حقه من العين المرهونة فايجابه من الراهن ولا دخل

[ 482 ]

للمرتهن في ايجابه بوجه، وانما هو مطاوع وقابل له ولكنه بعكس الهبة لازم من طرف الموجب دون القابل ووجهه واضح. اما لزومه من طرف الراهن فلان نفوذ رجوعه عن الرهن مستلزم لسلطنته على المرتهن في اسقاط حقه ومن المعلوم انه لا سلطنة له على ذلك فلا مجال لرجوعه عنه، واما جوازه من قبل المرتهن فلانه مسلط على نفسه وجهاته والرهن من جهاته وحقوقه ومن له الحق مخير في استيفاء حقه واسقاطه وهذا معنى جواز الرهن من قبله. وان كان العقد متحققا من قبل الموجب ولا يتوقف في تحققه على قبول الطرف وان توقف عليه هو باعتبار آخر كالولالة والوديعة والعارية ونظائرها من العقود الاذنية يكون جائزا من الجانبين ويستقل كل منهما في الرجوع عن عمله. توضيح ذلك: ان التوكيل عبارة عن جعل الوكيل قائما مقام الموكل في نفوذ تصرفه فيما وكل فيه. ومن المعلوم انه يتحقق ذلك المعنى بايجاب الموكل ضرورة ان جواز تصرف الوكيل فيما وكل فيه من التزويج والايجار والاستيجار والبيع والشراء، وهكذا من التصرفات والتقلبات التى هي من شئون الموكل انما يحصل باذنه وترخيصه ولا يستلزم التصرف في شئون الوكيل وجهاته حتى يتوقف على قبوله، ولذا ينفذ تصرفه فيما وكل فيه قبل انشائه القبول والاكتفاء بالقبول الفعلى في العقود الاذنية يرجع الى ما بيناه لا الى احتياج التوكيل الى انشاء القبول وقيام اتيان الوكيل بما وكل فيه مقام انشاء القبول والا لزم ترتب الوكالة عليه ترتب العقد على تحقق سببه من الايجاب والقبول فيلزم حينئذ عدم تحقق الفعل عن الوكالة وعدم نفوذه ضرورة انه لا يعقل ان يكون المحقق للشئ متحققا منه. وهكذا الامر في سائر العقود الاذنية فان اذن المعير والمودع كاف في تحقق جواز الانتفاع للمستعير وحفظ الوديعة للودعى، ولا يتوقف جواز الانتفاع بالعين المستعارة وحفظ الوديعة على قبول المستعير والودعى وكذلك الحال في سائر العقود الاذنية من الشركة والمضاربة وهكذا: فالقبول لا تأثير له في العقود

[ 483 ]

الاذنية بوجه وانما له التأثير في غرض الموجب وهو تعهد حفظ الوديعة والعين المستعارة ومباشرة امر الوكالة وهكذا من الاثار المقصودة المترتبة على القبول. ومن هنا لا يعتبر فيها التواصل والتوالي بين الايجاب والقبول باتفاق الاصحاب (قدس سرهم). وبما بيناه ظهر انه لو تصرف الوكيل في مال موكله مثلا قبل وصول خبر التوكيل إليه طبق ما وكله يقع صحيحا غير موقوف على امضاء موكله لان تصرفه حينئذ لم يكن فضوليا حتى يقع موقوفا على امضاء الاصيل.

[ 484 ]

" فائدة - 70 " اعلم انه لا جبر ولا تفويض في افعال العباد بل امر بين الامرين ومنزلة بين المنزلين وتوضيح المرام يتوقف على بيان شبهات الجبرية والمفوضة ودفعهما حتى يتضح فصل القول في المقام ويتحقق انه لا جبر ولا تفويض فاقول: عمدة شبهات الجبرية ترجع الى امور اربعة: الاولى: انه لا يمكن صدور فعل من العبد على خلاف مشية الباري تعالى شأنه والا لزم ان يكون العبد مستقلا في قدرته واستطاعته وهو باطل بالضرورة، فلا يصدر منه فعل الا بمشيته تعالى شأنه ومع مشيته تعالى شأنه تكون ارادة العبد مقهورة تحت ارادته تعالى شأنه، فتكون ارادته حينئذ كلا ارادة فيكون مجبورا في افعاله. والثانية: ان الشئ ما لم يجب لم يوجد وهذه قضية ضرورية لا شبهة فيها ففعل العبد انما يوجد في الخارج بعد وجوبه ومع وجوبه لا يمكنه تركه فيكون مضطرا في فعله. والثالثة ان ما بالغير لا بد ان ينتهى الى ما بالذات وهذه قضية ضرورية ففعل العبد لا بد ان ينتهى الى الواجب بالذات وهو الباري تعالى شأنه، فالفعل صادر منه تعالى شأنه في الحقيقة وان كان محل صدوره العبد والرابعة انه تعالى عالم بافعال العباد قبل صدورها منه ويستحيل تخلف العبد

[ 485 ]

عما علم به الباري تعالى شأنه فيكون مضطرا فيه، ضرورة ان الفعل الاختياري ما يكون الفاعل مختارا في فعله وتركه ويتمكن من اعمال القدرة في كل من الفعل والترك واما ما لا بد من وقوعه فهو اضطرارى. والجواب عن الشبهة الاولى ان مشية الباري تعالى لا تتعلق بفعل العبد اصلا حتى يردد امرها بين تعلقها بايجاد الفعل أو الترك ويلزم ما ذكروه من المحذور، وانما تعلقت بجعل العبد قادرا على ايجاد الفعل والترك وارسال عنانه الى امد معدود في افعال مخصوصة حتى يمتحن ويظهر سريرته ويتم الحجة عليه قال عز من قائل: * (احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) *. ومن المعلوم ان الامتحان لا يتحقق الا مع كونه قادرا مختارا في الفعل والترك ضرورة ان عنوان الطاعة والعصيان لا يتحققان مع كونه مجبورا في فعله، فانكشف بما بيناه ان الطاعة والعصيان مشتركتان في عدم تعلق المشية التكوينية بهما وانه لا يعقل مع تحقق العنوانين في افعال العباد تعلق المشية التكوينية بها وما ورد من انه لا يصدر من العبد طاعة ولا معصية الا بمشية الباري تعالى شأنه وانهما مشتركان في كونهما موردين للمشية لا ينافى ما بيناه، لان المقصود منه ان الطاعة والمعصية لا يصدران من العبد الا بتقدير في الفعل ومهلة في المدة من قبل الرب تعالى ردا على المفوضة الزاعمين ان العبد مرسل ولا تقدير ولا تحديد في افعال العباد من قبله تعالى شأنه هذا بالنسبة الى الارادة التكوينية. واما بالنسبة الى الارادة التشريعية فمختلفان فان الطاعة مأمور بها ومرضاة للرب تعالى والعصيان منهى عنه وسخط له تعالى شأنه. والجواب عن الشبهة الثانية ان مجرد وجوب وجود المعلول لاجل وجود علته التامة في الخارج لا يوجب خروجه عن تحت الاختيار بل يختلف حاله باختلاف علته، فان كانت غير اختيارية فالمعلول كذلك وان كانت اختيارية فكذلك، أترى

[ 486 ]

ان حركة الاصابع الملازمة للكتابة الاختيارية اضطرارية لاجل وجوب وجودها من قبل وجود الكتابة، كلا ثم كلا بل هو مختار في حركة الاصابع كما انه مختار في الكتابة. والمقام من هذا القبيل فان العبد لا اضطرار له في ايجاد الارادة بل يكون مختارا فيه بل هي عين الاختيار فلا يكون مضطرا في الفعل الذى هو معلول عنها وايضا لو كان وجوب وجود المعلول بواسطة وجود العلة التامة موجبا لصيرورة الفاعل مضطرا في فعله لزم ان يكون الباري تعالى مضطرا في فعله لان فعله تعالى مسبوق بمشيته وهى تامة في وجود الفعل واللازم باطل بالضرورة وكذا الملزوم وهذا في غاية الوضوح والظهور. والجواب عن الشبهة الثالثة ان انتهاء ما بالغير الى ما بالذات لا يوجب اضطرار العبد في افعاله إذ مقتضاه عدم وجود ما بالغير من دون انتهائه الى ما بالذات، واما انتهائه إليه على وجه الاضطرار فلا، والفعل الصادر من العبد على وجه الاختيار منته الى الواجب تعالى شأنه ودليل عليه، إذ لو لم يكن الواجب بذاته لم يكن في الخارج ممكن حتى يصدر فعل منه. وقد خفى الامر في المقام على بعضهم فزعم ان الانتهاء الى ما لا بالاختيار ينافى العقاب على فعل العبد من الكفر والعصيان فأجاب " بان العقاب انما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقا وتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما فان السعيد سعيد في بطن امه والشقى شقى في بطن امه والناس معادن كمعادن الذهب والفضة - كما في الخبر - والذاتى لا يعلل فانقطع سؤال انه لم جعل السعيد سعيدا والشقى شقيا فان السعيد سعيد بنفسه والشقى شقى كذلك وانما أو جدهما الله تعالى " وفيه نظر من وجوه: الاول ان الانتهاء الى ما لا بالاختيار لو لم يكن منافيا للاختيار لا حاجة الى هذا التكلف الذى ارتكبه ولو كان منافيا للاختيار في نظره لا يندفع الاشكال بانتهاء كفره وعصيانه الى شقاوته الذاتية اللازمة لذاتهما.

[ 487 ]

والثانى: انه لو كانت الشقاوة ذاتية لزم ان لا يستحق العقاب على ما يلزمها من الكفر والعصيان، لخروجهما عن اختياره حينئذ، ولا يصلحه ان الذاتي لا يعلل والثالث: انه كما يكون وجود الممكن فعلا للواجب تعالى شأنه ومستندا إليه فكذلك الماهيات من الانسانية و الحجرية والشجرية، وهكذا من الماهيات ولوازمها لانها تعينات للوجود ولا يعقل صدور الوجود من دون تعينات فلو كانت السعادة والشقاوة ذاتيتين للسعيد والشقى بحيث لا يمكنهما التخلف عنهما واوجدهما الله تعالى بهاتين الصفتين لزم استنادهما إليه، وان تكونا فعلين له تعالى شأنه فيعود الاشكال وما اشتهر من: " ان الله تعالى لم يجعل المشمشة مشمشة بل اوجدها ". ان اريد منه انها لم تجعل بجعل تأليفي بل جعلت بجعل بسيط فهو كذلك. وان اريد منه انها لا تكون مجعولة اصلا وان الماهيات اعيان ثابتة - كما نسب الى بعض - فهو باطل جدا، و بالجملة ما ذكره زلة فاضحة لا ينبغى الاصغاء إليه. فان قلت: ما معنى الرواية الشريفة حينئذ. قلت الرواية نبوية وقد فسرت في رواية اهل البيت عليه السلام بان المراد منها انه علم الله تعالى انه سيسعد وهو في بطن امه وانه سيشقى وهو في بطن امه. والجواب عن الشبهة الرابعة ان عدم جواز تخلف العبد عن علم الباري تعالى شأنه لا يوجب اضطرار العبد في فعله، لان العلم عبارة عن انكشاف المعلوم على ما هو عليه عند العالم، فلا يعقل تأثيره في المعلوم وصيرورته اضطراريا بواسطة تعلق العلم به فان كان المعلوم مع قطع النظر عن تعلق العلم به اختياريا فهو بلحاظ تعلق العلم به اختياري ايضا ولا يعقل انقلابه الى الاضطراري بواسطة تعلق العلم به والا لزم عدم مطابقة العلم مع المعلوم. واما التفويض بمعنى ارسال عنان العبد واطلاقه بحيث يكون العبد مستقلا بمعنى انه ان شاء فعل سواء شاء الله ذلك أو شاء عدم وقوعه فهو باطل بالضرورة، إذ قدرته انما هي بمشية الباري تعالى شانه فلا يعقل استقلاله فيها، وكذلك التفويض

[ 488 ]

بمعنى اطلاق عنان العبد وارساله بحيث يقدر امضاء ما شاء واراد، من دون تقدير وقضاء في افعاله ولو لم يكن مستقلا في فعله، لانه اهمال للحكمة ومناف لمصلحة نظام الكل، فوجب في الحكمة لاجل امتحانه وافتتانه اطلاق عنانه مع تقديرو قضاء في افعاله، بحيث لا يقدر على ما يتجاوز الى ما يخالف الحكمة ومصلحة نظام الكل، وهذا معنى امر بين الامرين والمنزلة بين المنزلتين. وبما بيناه تبين ان القضاء والقدر جاريان في افعال العباد كما يجريان في سائر شئونهم، ولا يوجبان اجبارهم على فعل ما قدر لهم وانما يوجبان منعهم عما لم يقدر لهم، وما ورد في بعض الادعية من مساعدة القضاء على ما يرتكبه العبد من العصيان انما هي من جهة امهاله واطلاق عنانه وعدم منعه عما قدر له. فان قلت: الارادة من جملة افعال العباد والاشياء الحادثة منه، والشئ ما لم يجب لم يوجد، فما لم تجب الارادة لم توجد في الخارج، وإذا وجبت لم يكن الشخص مختارا في الارادة والفعل المنبعث عنها. قلت: ارادة العبد فعلا من افعاله عبارة عن اعمال اختياره فلا يعقل ان تصير واجبة خارجة عن تحت اختياره، وقضية الشئ ما لم يجب لم يوجد لا تجرى في الارادة كما هو ظاهر، وانما تحدث الارادة في النفس بسبب الدواعى لا بالعلة الموجبة، ضرورة ان الوجوب انما يجرى في المحل القابل له والارادة لا تقبل الوجوب. والحاصل ان كل فعل منبعث عن ارادة الفاعل فهو اختياري وكل فعل لا ينبعث عنها فهو اضطرارى، فمالك اختيارية الفعل هي الارادة فلا يعقل جريان الاضطرار فيها.

[ 489 ]

(فائدة - 71) قد نسب الى بعض المعاصرين ان المفاهيم الانشائية في العقود والايقاعات لا توجد في الخارج بالانشاء، وانما هي معان ذهنية ثابتة في النفس وصيغ الانشائات انما تبرزها وتكشف عنها، لانها امور اعتبارية لا وجود لها في الخارج وانما يعتبرها المنشئ في نفسه قبل الانشاء. غاية الامر انه لا يترتب الاثر على هذا المعنى النفسي الا بعد وجود مبرز في الخارج، فالانشاء كالخبر كاشف وحاك ولا فرق بينهما في هذه الجهة، وانما يفترقان في ان الخبر كاشف عن الخارج والانشاء كاشف عن الامر النفسي من انحاء العلائق والالتزامات. اقول: التحقيق ان المفاهيم الانشائية في العقود والايقاعات امور انتزاعية من صيغ انشائية مترتبة عليها موجدة منها على وجه الانتزاع لا على وجه الاستقلال ولا ينافى كونها امورا اعتبارية عدم انتزاعها الا من الصيغ الموجودة في الخارج كما انه لا ينافى مع انتزاعها منها وترتبها عليها عدم انتزاعها منها الا مع سبق المعنى الذهنى عليها، بحيث لولا تصورها قبل في الذهن لا يتحقق الانتزاع. توضيح الكلام فيه: ان الامور الانتزاعية الاعتبارية على قسمين: احدهما ما ينتزع من منشاه سواء كان فعلا لفاعل أو لا، كالزوجية المنتزعة من الاربعة مثلا والفوقية التحتية المنتزعتين من تقابل الجسمين بحيث لو وقع

[ 490 ]

احدهما لوقع على الاخر، وهذا القسم منتزع من عرض متأصل موجود في الخارج ولا يتوقف انتزاعه منه على اعتبار معتبر وتصور متصور، ومعنى اعتباريته انه لا استقلال له في الوجود لا انه يتوقف تحققه على اعتبار معتبر. وثانيهما ما ينتزع من فعل فاعل وهو على قسمين ايضا: احدهما: ما ينتزع منه قهرا قصده الفاعل ام لا، كتولد الاحراق من القاء الحطب في النار. وثانيهما: مالا ينتزع منه الا مع قصد الفاعل اياه، كالتاديب والقصاص المنتزعين من الضرب ونحوه والتعظيم المنتزع من القيام ونحوه، والامر المنتزع متحد مع منشأ انتزاعه في الخارج ومترتب عليه طبعا، ولذا يصح حمله عليه فيقال الضرب منه تأديب ومنه قصاص ومنه ظلم، وان يجعل المنتزع علة غائية لمنشاه فيقال ضربت للتاديب، ولا منافاة بينهما لاختلاف الاعتبارين، فباعتبار متحد معه وباعتبار علة غائية له يتأخر وجودها عنه. ثم ان الامر المنتزع قد ينتزع حدوثه من حدوث شئ فيتحدان في مرحلة الحدوث وان انفك وجود احدهما من وجود الاخر، كعلقة الازدواج والمبادلة وسائر العلائق المنتزعة من الايجاب والقبول، فان حدوثها منتزع من حدوثهما، فهى متحدة معهما في الحدوث منفكة عنهما في الوجود فانها باقية بعد انقضائهما، وقد ينتزع وجوده من وجود شئ فيدور الامر المنتزع حينئذ مدار منشا انتزاعه وجودا وعدما، كالفوقية والتحتية المنتزعتين من تقابل الجسمين فانهما باقيتان مع بقائه وزائلتان بزواله. فتبين بما بيناه ان المفاهيم الانشائية في العقود و الايقاعات منتزعة من حدوث الانشاء في الخارج وحادثة به على وجه الانتزاع لا على وجه الاستقلال، وانه لا ينافى منه احتياجه الى قصد الفاعل اياها بحيث لولا قصده اياها لا تنتزع منه، كاحتياج انتزاع التأديب من الضرب مثلا على قصد الضارب اياه، فكما ان التأديب لا يتحقق الا بعد تحقق الضرب في الخارج وبتحققه يتحقق على وجه الانتزاع والمعنى النفسي

[ 491 ]

السابق عليه انما يكون مقدمة، فكذلك المفاهيم الانشائية في العقود والايقاعات انما تتحقق بحدوث الانشاء في الخارج على وجه الانتزاع وما في النفس لا يكون الا مقدمة ولو كان الامر كما توهم من انها امور اعتبارية ذهنية لا وجود لها في الخارج اصلا حتى على وجه الانتزاع لزم ان يترتب عليها الاثار، سواء تحقق في الخارج ما يبرزها ويكشف عنها ام لا، وايضا لو تنزلنا وقلنا بلزوم وجود مبرز وكاشف عنها في ترتيب الاثار لزم جواز الاكتفاء بالقضية الخبرية في ترتيب الاثار، إذ لا فرق بينها وبين القضية الانشائية حينئذ في تحقق ابراز ما في الضمير بهما. فان قلت: نعم مقتضى الميزان ترتب الاثار على ما في الضمير مطلقا سواء تحقق مبرز في الخارج ام لا، وسواء كان المبرز انشاءا ام اخبارا ولكن لا مانع من تقييد الشارع ترتيب الاثر عليه على وجود مبرز مخصوص في الخارج. قلت: عدم ترتيب الاثر على ما في الضمير من دون انشاء ليس شرعيا تعبديا حتى ينسب التقييد الى الشارع، بل هو امر عرفى واقعى ثابت في حد نفسه، ومن المعلوم ان الكاشف في حد نفسه طريق الى الواقع ولا موضوعية له، فعدم ترتب الاثر عليه الا بعد تحقق الانشاء في الخارج قولا أو فعلا كاشف عن عدم تماميته الا بالانشاء وعدم تماميته الا به يدل على ما بيناه من انتزاعه منه. ثم ان ما ذكره من الفرق بين الخبر والانشاء - من ان الاول كاشف عن الخارج والثانى كاشف عما في الضمير - ان اريد منه ان الكلام مطلقا ناظر الى الكشف عن مفهومه وينقسم الى قسمين باعتبار اختلاف المكشوف عنه، فان كان كاشفا عنه بقيد كونه في الخارج فهو خبر، وان كان كاشفا عنه بقيد كونه في النفس فهو انشاء، فهو باطل جدا، لان الكلام المجعول في وزان الواقع والناظر الى الكشف عن مفهومه خبر سواء جعل ناظرا الى الكشف عما في الضمير كمقام الافتاء والشهادة واظهار الحيوة، ام الى الخارج كما هو الشائع الغالب في الاستعمالات

[ 492 ]

ولذا يحتمل الصدق والكذب ويتطرق إليه المطابقة وعدمها. بل الخبر مطلقا ناظر الى الكشف عما في الضمير ابتداءا، ولكن قد يكون النظر الاصيل الى الخارج ويكون النظر الى مافى الضمير توطئة للكشف عنه - كما هو الشائع في الاستعمالات - ويكون صدق الكلام وكذبه حينئذ باعتبار مطابقته مع الخارج وعدم مطابقته معه، وقد يكون النظر الاصيل الى الكشف عما في الضمير ولا نظر له الى الخارج كالمقامات المزبورة، ويكون صدق الكلام وكذبه حينئذ باعتبار مطابقته مع ما في الضمير وعدمها. فانقسام الكلام الى الخبر والانشاء باعتبار جعله في وزان الواقع وناظرا الى الكشف عنه، وجعله لا في وزان الواقع، فان جعل وزان الواقع وناظرا إليه فهو خبر سواء طابقه ام لم يطابقه، وان لم يجعل في وزان الواقع وناظرا الى الكشف عنه بل جعل لغرض آخر من طلب مفهومه أو الاستعلام عنه أو تمنيه أو ترجيه أو ايجاده وهكذا من الاغراض فهو انشاء، ولذا لا يكون الكلام حينئذ محتملا للصدق والكذب وموردا للمطابقة وعدمها. ضرورة ان الكلام إذا لم يكن في مقام تطبيقه على الواقع لم يتصف بالمطابقة وعدمها. فالمنشئ في مقام العقد والايقاع ان جعل كلامه ناظرا الى الكشف عما في الضمير فهو حينئذ مخبر عما في ضميره وكلامه خبر لاانشآء، وان لم يجعل كلامه في وزان الواقع والكشف عنه، فان جعله في مقام ايجاد مفهومه واثباته فهو مخالف لما ذكره، وان جعله في مقام غرض آخر من الاغراض المترتبة على الانشاء من الطلب أو التمنى أو الترجي وهكذا لزم عدم تحقق العقد والايقاع حينئذ، وان لم يجعله في مقام غرض معين من الاغراض المترتبة على الانشاء لزم ان يكون كلامه لغوا لا يترتب عليه اثر. والحاصل ان الشخص في مقام العقد والايقاع لا يخلو كلامه عن اربع صور لا يصح منها الا واحدة.

[ 493 ]

الاول: ان يجعله في وزان ما في الضمير والكشف عنه، فيلزم حينئذ ان يكون كلامه خبرا محتملا للصدق والكذب وموردا للمطابقة مع ما في الضمير وعدمها، لا انشاءا وتوهم انه انشاء باعتبار كشفه عما في الضمير لا الخارج باطل بالضرورة - كما عرفت - فيلزم حينئذ ان لا يتحقق عقد ولا ايقاع. والثانى: ان يجعله لا في وزان الواقع، والكشف عنه وحينئذ لا يخلو عن صور ثلث: الاول: ان يجعله في مقام ايجاد مفهومه فيلزمه الرجوع عما اصر على نفيه والاعتراف بما ذكره القوم. والثانى: ان يجعله في مقام سائر الاغراض المترتبة على الانشاء من الاستفهام والطلب أو التمنى أو الترجي وهكذا، فيلزمه حينئذ الالتزام بعدم تحقق العقد والايقاع، ضرورة عدم تحققهما بالامور المذكورة. والثالث: ان لا يجعله لغرض من الاغراض المترتبة على الانشائات فيلزم حينئذ ان يكون كلامه لغوا لا يترتب عليه اثر. فظهر بما بيناه ان الصحيح من الوجوه انما هو الوجه الاول من الوجه الثاني الذى حكم ببطلانه وعدم صحته.

[ 494 ]

(فائدة - 72) إذا علم المكلف بتحريم شئ اجمالا وتردد المحرم بين امور محصورة، وقلنا بتنجز الحكم بالعلم الاجمالي كما هو التحقيق، فهل يجرى اصل العدم في كل من اطراف الشبهة باعتبار انه مجهول الحكم بعينه، وتتساقط الاصول لاستحالة اعمال الجميع مع تنجز الحكم بالعلم، وعدم جواز اعماله في بعض دون بعض لاستحاله الترجيح بلا مرجح؟ أو لا يجرى رأسا لمكان تنجز الحكم وعدم تطرق العذر فيه؟ وجهان: والتحقيق هو الوجه الثاني لان مؤدى الاصول انما هو احد امرين التنجيز أو العذر، وهما امران متقابلان لا يعقل اجتماعهما في محل واحد فمع فرض تنجز الحكم بالعلم الاجمالي يجب الاحتياط في مرحلة الامتثال بالاجتناب عن الجميع، فلا مجال لاجراء اصل العدم النافي لوجوب الاحتياط الموجب لثبوت العذر حينئذ. توضيح الكلام فيه: ان الاحكام الظاهرية التى هي مؤداة الاصول معلولة عن العلم أو الجهل، وتأثيرهما انما هو في تنجز الحكم الواقعي أو الاعذار عنه، لاجعل حكم تكليفي في قبال الحكم الواقعي كما يوهمه التعبير عنها بالوجوب والحرمة والاباحة، وهذا في غاية الوضوح وكمال الظهور، فان مرجع وجوب الاحتياط في مورد العلم الاجمالي الى تنجز الحكم الموجب لوجوب الموافقة القطعية التى

[ 495 ]

لا تحصل الا بالاجتناب عن الجميع، لا انه ثبت حكم جديد للاطراف، وهكذا الامر في اصالة التخيير فانها راجعة الى الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية في مورد الامتثال للعجز عن الموافقة القطعية لاجل عدم امكان الجمع بين الاطراف عقلا أو شرعا، وهكذا الامر في الاستصحاب فانه بناء على اليقين وركون إليه والغاء للشك، ومن المعلوم ان اثر اليقين انما هو التنجيز أو الاعذار، وهذه الاصول الثلثة من اثار العلم. واما اصل العدم والبرائة، فان قلنا انه من اثار الجهل فمرجعه الى ثبوت العذر وعدم تنجز الحكم كما هو ظاهر، وان قلنا انه من اثار العلم بالعدم الازلي كما هو التحقيق حيث ان ترجيح العدم على الوجود والبناء عليه في مشكوك الحدوث والوجود على العدم في مشكوك البقاء ليس الا من قبل العلم فكذلك ايضا، لان تأثير العلم انما هو في التنجيز أو الاعذار، وهكذا الامر في الامارات فانها منزلة منزلة الدليل العلمي فمؤداها العلم التنزيلى الموجب لتنجيز الحكم أو الاعذار عنه. وإذا اتضح لك ما بيناه فقد اتضح لك امور: الاول: ان مؤدى الاصول والامارات المعبر عنه بالحكم الظاهرى ليس من سنخ الحكم التكليفى وان اشترك معه في التعبير عنه بالوجوب والحرمة والاباحة فلا مجال لما يتوهم من انه مع مطابقته مع الحكم الواقعي يلزم اجتماع المثلين ومع مخالفته معه يلزم اجتماع الضدين، ضرورة ان اجتماع المثلين أو الضدين انما يلزم إذا كانا من سنخ واحد،. واما إذا كان الحكم الظاهرى عبارة عن تنجز الحكم التكليفى أو العذر عنه - كما اوضحناه - فهو من لواحق الحكم التكليفى وتوابعه المتفرعة عليه، فمرجعهما الى قضيتين مختلفتين موضوعا ومحمولا، فان موضوع الحكم الواقعي هو فعل المكلف ومحموله الحكم التكليفى المولوي، وموضوع الحكم الظاهرى هو نفس الحكم الواقعي ومحموله تنجزه على المكلف أو العذر عنه.

[ 496 ]

والثانى: ان موافقة الماتى به مع الاصل أو الامارة لا تقتضي الاجزاء عن المأمور به بالامر الواقعي إذا انكشف خلافه، لان موافقة الحكم الظاهرى انما يقتضى العذر مع المخالفة لا الاجزاء والثالث: انه إذا علم بنجاسة احد الانائين مثلا اجمالا ولاقى احدهما شئ اخر فالملاقي (بالكسر) في حكم الملاقى (بالفتح) فهو محكوم بالنجاسة ووجوب الاجتناب عنه في الظاهر، سواء قلنا بان نجاسة الملاقى بالسراية أو انها نجاسة حكمية تعبدية، لما عرفت من ان مقتضى تنجز الحكم بالعلم الاجمالي وجوب الاحتياط والاجتناب عن الاطراف المشتبهة، وعدم جريان الاصل في الاطراف، من دون فرق بين ان يكون الطرف طرفا ابتداءا ام تبعا. وما ذهب إليه شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) من جريان الاصل في الاطراف وتساقط الاصلين في الملاقى وصاحبه، من جهة وقوع كل منهما في عرض الاخر فيتعارض الاصلان الجاريان فيهما ويتساقطان، واما الملاقى (بالكسر) فهو في طول الملاقى (بالفتح) فيبقى الاصل فيه سليما عن المعارض فهو محكوم بالطهارة في غير محله من وجوه: الاول: انه مع تنجز الحكم بالعلم الاجمالي كما هو المفروض يجب الاحتياط، ولا سبيل للاصل الموجب للعذر لافى الطرف الابتدائي ولا التبعى، كما اوضحناه لك. والثانى: ان اصل العدم اصل واحد لان موضوعه هو الكلى الواحد ولا يتعدد بتعدد المجرى حتى يتطرق فيه التعارض، اترى ان اصل البرائة يرجع الى اصول غير متناهية باعتبار عدم تناهى مجارية؟ كلا ثم كلا. والثالث: ان الاصل وظيفة صرفة وهى عبارة عن نفس الحكم الظاهرى من البرائة أو الاحتياط أو التخيير أو البناء على الحالة السابقة، وهى من قبيل المسببات لا يجتمع اثنان منها في محل واحد حتى يقع التعارض بينهما، وانما يقع التعارض بين سببين

[ 497 ]

متنافيين في الاثر إذا اجتمعا على محل واحد، فان تعادلا تساقطا ولم يؤثر واحد منهما وان كان احدهما اقوى من الاخر اختص الاقوى بالتأثير. والرابع: ان التعارض بين شيئين تنافيهما في الاثر ولا تنافى بين الاصول الجارية في اطراف الشبهة بعضها مع بعض، وانما التنافى بينها وبين وجوب الاحتياط الذى هو اثر تنجز الحكم بالعلم الاجمالي، ولا تعارض بينهما، إذ بعد فرض تنجز الحكم الموجب لوجوب الاحتياط لا يكون مجال للعذر حتى يجرى فيها اصالة العدم. فان قلت: التعارض حينئذ بين العلم الاجمالي بالحكم الموجب لتنجزه وجهل المكلف به الموجب للعذر، وهما سببان متعارضان. قلت: اولا ان مطلق الجهل ليس سببا للعذر حتى يعارض مع العلم بالحكم وانما الموجب للعذر هو الجهل التصديقي بالحكم لا الجهل التصورى المتعلق بالمكلف به، والحكم معلوم في المقام بالعلم التصديقي فلا سبيل للعذر فيه لعدم تطرق الجهل فيه بوجه، والجهل بمعنى فقد المعرفة انما هو في المكلف به. لتردده بين امور محصورة، وهو لا يوجب العذر حتى يعارض العلم. وثانيا لو سلم فهو لا يوجب المعارضة بين الاصول الجارية في اطراف العلم الاجمالي بعضها مع بعض. والحاصل: ان توهم جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي ووقوع التعارض بينها في الاطراف الاصلية وتساقطها من اجل عدم ترجيح بعضها على بعض وهم فاحش. ثم انه استثنى (قده) مما ذكره صورة واحدة فحكم فيها بالاجتناب عن الملاقى (بالكسر) فقال: " ولو كان ملاقاة شئ لاحد المشتبهين قبل العلم الاجمالي وفقد الملاقى (بالفتح) ثم حصل العلم الاجمالي بنجاسة المشتبه الباقي أو المفقود قام ملاقيه مقامه في وجوب الاجتناب عنه وعن الباقي، لان اصالة الطهارة في الملاقى (بالكسر) معارضة

[ 498 ]

باصالة الطهارة في المشتبهة الاخر، لعدم جريان الاصل في المفقود حتى يعارضه، لما اشرنا إليه في الامر الثالث من عدم جريان الاصل فيما لا يبتلى به المكلف، ولا اثر له بالنسبة إليه " انتهى. وفيه ان فقد الملاقى لا يوجب وقوع الملاقى (بالكسر) في عرض الباقي حتى يتعارض الاصلان فيهما ويتساقطان، بل اللازم على مبناه انحلال العلم الاجمالي وصيرورة الشبهة بدوية بالنسبة الى الباقي لفقد معارضه وعدم معارضة الملاقى معه لوقوعه في طوله نعم ان قيل بان حصول العلم الاجمالي إذا كان بعد الملاقاة يكون الملاقى (بالكسر) كالملاقي (بالفتح) من اطراف العلم الاجمالي ابتداءا فله وجه. ضرورة انه لا تترتب التبعية على العلم الاجمالي حينئذ وانما تترتب التبعية عليه إذا كانت الملاقاة بعد حصوله ولكن يلزم حينئذ ان يحكم بنجاسة الملاقى مطلقا، سواء فقد الملاقى (بالفتح) ام كان باقيا. ولعل وجه نظره (قدس سره) انه بعد فقد الملاقى ينحصر الشبهة في الطرفين فيجب الاجتناب عنهما معا، إذ لو لم نحكم به، فاما ان نحكم بعدم وجوب الاجتناب (بالفتح) ثم حصل العلم الاجمالي بنجاسة المشتبه الباقي أو المفقود قام ملاقيه مقامه في وجوب الاجتناب عنه وعن الباقي، لان اصالة الطهارة في الملاقى (بالكسر) معارضة

[ 498 ]

باصالة الطهارة في المشتبهة الاخر، لعدم جريان الاصل في المفقود حتى يعارضه، لما اشرنا إليه في الامر الثالث من عدم جريان الاصل فيما لا يبتلى به المكلف، ولا اثر له بالنسبة إليه " انتهى. وفيه ان فقد الملاقى لا يوجب وقوع الملاقى (بالكسر) في عرض الباقي حتى يتعارض الاصلان فيهما ويتساقطان، بل اللازم على مبناه انحلال العلم الاجمالي وصيرورة الشبهة بدوية بالنسبة الى الباقي لفقد معارضه وعدم معارضة الملاقى معه لوقوعه في طوله نعم ان قيل بان حصول العلم الاجمالي إذا كان بعد الملاقاة يكون الملاقى (بالكسر) كالملاقي (بالفتح) من اطراف العلم الاجمالي ابتداءا فله وجه. ضرورة انه لا تترة بالنسبة الى الباقي لفقد معارضه وعدم معارضة الملاقى معه لوقوعه في طوله نعم ان قيل بان حصول العلم الاجمالي إذا كان بعد الملاقاة يكون الملاقى (بالكسر) كالملاقي (بالفتح) من اطراف العلم الاجمالي ابتداءا فله وجه. ضرورة انه لا تترتب التبعية على العلم الاجمالي حينئذ وانما تترتب التبعية عليه إذا كانت الملاقاة بعد حصوله ولكن يلزم حينئذ ان يحكم بنجاسة الملاقى مطلقا، سواء فقد الملاقى (بالفتح) ام كان باقيا. ولعل وجه نظره (قدس سره) انه بعد فقد الملاقى ينحصر الشبهة في الطرفين فيجب الاجتناب عنهما معا، إذ لو لم نحكم به، فاما ان نحكم بعدم وجوب الاجتناب عنهما معا فيلزم مخالفة العلم التفصيلي، واما ان نحكم بوجوب الاجتناب عنهما معا فيلزم مخالفة العلم التحصيلي، واما ان نحكم بوجوب الاجتناب عن احدهما بعينه أو لا بعينه فيلزم الترجيح بلا مرجح، والحكم بعدم وجوب الموافقة القطعية مع امكانها وكيف كان فالتحقيق عندي: ان الملاقى في حكم الملاقى مطلقا سواء حصل العلم الاجمالي قبل الملاقاة أو بعدها، وسواء فقد الملاقى (بالفتح) ام لا، لما عرفت من جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي وان الجهل بالمكلف به لا يكون منشأ للعذر.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية