الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الفوائد العلية - السيد علي البهبهاني ج 1

الفوائد العلية

السيد علي البهبهاني ج 1


[ 1 ]

الفوائد العلية

[ 3 ]

القواعد الكلية مما يبتنى عليه كثير من معضلات مسائل الفقه والاصول تأليف حضرة العلامة المحقق الفقيه مولانا الحاج السيد على البهبهانى قدس سره الطبعة الثانية المطبعة العلمية - قم

[ 4 ]

المؤلف: المحقق الفقيه الحاج السيد على البهباني الناشر: مكتبة دار العلم في الاهواز العدد: 2000 المطبعة العلمية - قم التاريخ: 4 شعبان المعظم 1405

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين. اما بعد فيقول العبد المفتقر الى الله الغنى على بن محمد بن على الموسوي البهبهانى - حشرهم الله تعالى مع آبائهم الطاهرين -: ان هذه فوائد مهمة نفيسة متفرقة حررتها وجمعتها في هذه الاوراق اجابة لالتماس بعض اخواني المؤمنين - شملهم الله تعالى بفضله ووفقهم وايانا لمرضاته -.

[ 6 ]

(فائدة - 1 " (في جواب سؤال بعض الفضلاء وصورته هكذا) مسألة - مولانا ما المراد من قاعدة المقتضى والمانع وما النسبة بينها وبين استصحاب الحال وما الدليل على اعتبارها. بينوا لنا حقيقتها بحيث تتبين كمال التبين ووجه اعتبارها عقلا أو شرعا. ج - اقول مستمدا برب الارباب وامنائه الاطياب عليهم صلوات الله الملك الوهاب ليس المراد من المقتضى في المقام العلة وما يقتضى الوجود ذاتا أو جعلا ولا استعداد البقاء - كما قد يترائى من بعض الكلمات - لجريان القاعدة الشريفة في البرائة العقلية وسائر العدميات مع ان اقتضاء الوجود فيهما غير متصور بل مجرد الاقتضاء بمعنى التأثير فيهما غير معقول لاستحالة ان يكون العدم مؤثرا ومتأثرا. وما يقال من ان عدم المعلول يستند الى عدم علته ليس المقصود منه تأثير العدم للعدم بل المقصود منه بيان دوران وجود المعلول مدار وجود علته الموجب لانتفائه عند انتفائها بل الاقتضاء بمعنى التأثير غير متصور في الحدوث بالنسبة الى البقاء ايضا لانهما طرفان لوجود واحد فلا يعقل ان يؤثر احدهما في الاخر والا لزم تأثير الشيئ في نفسه. واما استعداد البقاء فان كان الغرض منه صلوح البقاء: ففيه اولا انه ليس قيدا زائدا لان الشك في البقاء انما هو فيما يصلح له.

[ 7 ]

وثانيا ان الصلوح للبقاء كما يجامع مع الشك في المانع بجامع مع الشك في المقتضى لان الصلوح للبقاء معتبر في كليهما. وثالثا انه لا تختص قاعدة الاقتضاء بصورة الشك في البقاء حتى يعتبر الصلوح له إذ قد يكون الشك في الحدوث مع العلم بتحقق مقتضيه كما إذا شك في وقوع عقد البيع على وجه اللزوم أو الجواز من جهة احتمال الغبن فيه فانه يحكم فيه باللزوم لاجل تحقق مقتضيه وهو عقد البيع. وان اريد منه ما يرجع الى ما سنبينه فهو صحيح وان كان التعبير قاصرا موهما للخلاف. إذا اتضح لك ذلك فاعلم: ان المراد من الاقتضاء في المقام هو كون المشكوك فيه بحيث يكون ثابتا في حد نفسه لو خلى وطبعه مع قطع النظر عن المانع والمزيل والرافع والدافع سواء كان المشكوك فيه بقائا أو حدوثا وسواء كان الباقي أو الحادث وجودا ام عدما. ويعتبر في القسم الثالث انى إذا كان الشك في الحدوث وكان الحادث وجودا ان لا يكون مستقلا في الوجود بل يكون متحدا في الخارج مع المقتضى المعلوم اتحاد الامر المنتزع مع منشأ انتزاعه ومعدودا من احكامه عقلا أو شرعا فتجرى القاعدة في البرائة الاصلية وساير العدميات عند الشك في طرو سبب الوجود فيحكم ببقائها على حالتها الاولية من العدم وعدم الخروج الى عامل الوجود اخذا بالمقتضى المعلوم هو العدم الاصلى والغائا للمانع المحتمل وهو طرو علة الوجود. وفى الوجوديات الثابتة على وجه الاطلاق مع الشك في طرو الرافع أو رافعية الطارى فيحكم ببقائها على حالتها الاولية من الوجود سواء كان الاطلاق من جهة عدم تطرق التقييد فيه كملك العين والحدث والخبث والطهارة عن احدهما وهكذا أو من جهة ثبوت اطلاقه مع تطرق التقييد فيه كالعقد الدائم

[ 8 ]

والاحكام المؤبدة المجعولة القابلة للتقييد. وفيما علم مقتضى حدوثه مع الشك في المانع والدافع عنه كما إذا علم انعقاد عقد البيع وشك في لزومه وجوازه للشك في اقترانه بغبن في البيع أو عيب في المبيع وهكذا من اسباب الخيار المانعة من اللزوم فيحكم بلزوم العقد اخذا بالمقتضى المعلوم والغائا للمانع المحتمل وفيما علم مقتضى رفعه مع الشك في اقترانه بالدافع عن تأثيره كما إذا اغتسل عن الجنابة مثلا وشك في حدوث الحدث في اثنائه فيحكم برفع حدث الجنابة اخذا بالمقتضى المعلوم والغائا للمانع والدافع المحتمل. وبما بيناه تبين ان ما ذكره بعضهم من ان المراد بالمقتضى والمانع في قاعدة المقتضى والمانع لا يخلوا من احد وجوه ثلثة: الاول ان يكون المراد من المقتضى ما يقتضى وجود الاثر التكويني في عالم التكوين ومن المانع ما يمنع عن تأثير المقتضى. الثاني ان يكون المراد من المقتضى ما يقتضى الاثر الشرعي بحسب جعل الشارع ومن المانع ما يمنع عن ترتب الاثر الشرعي بجعل من الشارع فيكون كل من المقتضى والمانع شرعيا. الثالث ان يكون المراد من المقتضى ما يقتضى تشريع الحكم من الملاكات التى يبتنى عليها الاحكام كما يقال ان العلم مقتض لوجوب الاكرام ومن المانع ما يمنع عن تأثير المقتضى في الجعل كالفسق مثلا في غير محله. لما عرفت من ان المراد بالمقتضى معنى آخر غير الوجوه الثلثة المذكورة وانما يكون المعنى الثاني من مصاديق المعنى الذى ذكرناه وهكذا المعنى الاول إذا لم يكن الاثر التكويني مستقلا في الوجود ويكون متحدا مع منشأه اتحاد الامر المنتزع مع منشأ انتزاعه. ثم زيف الوجه الثاني بوجوه ثلاثة

[ 9 ]

الاول امتناع جعل السببية. والثانى عدم السبيل الى احراز المقتضى بهذا المعنى الا بالوحى. والثالث عدم الدليل على اعتباره على فرض احرازه. والوجه الثالث بالوجهين الاخرين. والوجه اولال بالوجه الاخير فقال بعض مقرر بحثه ان احراز المقتضى بالنسبة الى الاحكام الشرعية أو الجزئية مما لا سبيل إليه إذ لا طريق الى العلم بالمصالح المقتضية لجعل الاحكام الشرعية بالضرورة الا لمن نزل عليه الوحى ثم قال ما محصله وان قيل ان المراد من المقتضى هي السببية المطلقة المحرزة من الادلة الشرعية كسببية البيع أو النكاح أو ملاقاة النجاسة مثلا للملكية أو الزوجية أو النجاسة بنحو الاطلاق فحيثما شك في بقاء المسببات فانما يكون الشك في المانع والرافع من انشاء فسخ أو طلاق أو ايجاد غسل مزيل للنجاسة وهكذا. قلت مضافا الى ان ذلك فرع جعل السببية وهو ممتنع ان احراز بقاء المقتضى بهذا المعنى كاحراز بقاء الملاك في عدم امكانه لغير من نزل عليه الوحى ضرورة ان كل ما يحتمل رافعيته للحكم الشرعي يحتمل دخل عدمه في موضوعه فكما يحتمل ان يكون العقد سببا للملكية بنحو الاطلاق حتى يكون الشك في ارتفاعها بالفسخ من قبيل الشك في الرافع كذلك يحتمل ان يكون سببيته للملكية مقيدة بعدم الفسخ ومع وجوده تكون السببية مشكوكة لا محالة وليس في البين ما يعين احد الاحتمالين انتهى. اقول اما ما ذكره من امتناع جعل السببية فهو باطل لما بيناه في محله من امكانه ووقوعه في الشرع فان الوضوء والغسل سببان للطهارة جعلا لا ذاتا بالضرورة كما ان سببية اسباب الحدث للحدث كذلك مع ان احراز السببية المطلقة من الادلة الشرعية لا يتوقف على الجعل بل يجتمع مع كون السببية ذاتية اقتضائية قد قررها الشارع والامثلة المزبورة كلها أو اكثرها من هذا القبيل.

[ 10 ]

واما ما ذكره من احتمال دخل عدم ما يحتمل رافعيته في موضوع الحكم في الامثلة المزبورة ونحوها فهو باطل من وجوه الاول استحالة دخل عدم شئ في السببية والاقتضاء ضرورة استحالة ان يكون العدم موثرا أو متاثرا ولو كان مضافا وتوهم ان العدم المضاف له حظ من الوجود من الاغلاط. وما يترائى في بعض الموارد من استناد شئ الى عدم شئ آخر مرجعه الى منافاة وجوده لوجود الاخر لا الى تأثير العدم في الوجود والثانى ان التقييد بعدم ما يحتمل رافعيته باطل في الامثلة المزبورة ونحوها مع قطع النظر عما بيناه لانه ان اريد من تقيد السببية بعدم التعقب بما يحتمل كونه فسخا أو طلاقا أو حدثا أو مزيلا للخبث ونحو ذلك تأثيره في اصل السببية بحيث لو تعقب السبب باحد هذه الامور انكشف عدم تأثيره من اول الامر فهو بديهى البطلان ولا يلتزم به احد. وان اريد منه ان التعقب باحد هذه الامور يكشف عن تحديد دائرة السببية وعدم اطلاقها فهو كك ايضا لان ملك العين والحدث والخبث والطهارة عن احدهما لا يقبل التحديد والتزويج الدائم بقيد كونه دائما لا يتطرق فيه التحديد وان كان اصل التزويج قابلا له لا يقال تأثير عدم التعقب بما يحتمل كونه رافعا في السببية لا يتوقف على تحديد المسبب حتى يحكم ببطلانه إذ مقتضى كون الوضوء الغير المتعقب بالحدث موجبا للطهارة دورانها مداره حدوثا وبقائا كما هو مقتضى العلية والمعلولية فإذا انقلب عدم التعقب بالتعقب تنتفى العلة بانتفاء احد جزئيها فينتفى المعلول بانتفاء علته لا لاجل كونه محدودا. لانا نقول انما يصح ذلك إذا كان وجود المسبب معلولا عن وجود السبب دائرا مداره حدونا وبقائا واما إذا كان حدوثه معلولا عن حدوث السبب ولا يستند

[ 11 ]

إليه بقائه كما في المقام فلا مجال لما ذكرت ضرورة ان الطهارة وملك العين وعلقة الزوجية ونحوها انما تحدث بحدوث اسبابها ولا يدور بقائها مدار الاسباب والا لزم ان لا تبقى اصلا إذ لا بقاء لا سبابها وهى الوضوء والصيغة والثالث ان مفهوم الفسخ والطلاق والانتقاض بالحدث وارتفاع الخبث بالغسل مثلا يتوقف على ثبوت مقتضى الدوام والا لا يتحقق فسخ ولا طلاق ولا نقض ولا ازالة اترى ان انقضاء امد الاجارة أو التزويج فسخ أو طلاق كلا ثم كلا فاحتمال تحقق احد هذه الامور عقيب السبب لا يجامع الا مع اطلاقه وعدم تحديده. وبالجملة اطلاق السبب في هذه الموارد وامثالها في غاية الوضوح فكيف يقال انه لا طريق لاستكشافه الا بالوحى وهل هذا الاوسوسة في البديهيات. ثم انه بعد ما زعم ان احراز المقتضى بالنسبة الى الاحكام الشرعية مما لا سبيل إليه فسر المقتضى اللازم احرازه ففى باب الاستصحاب على مختار شيخنا العلامة الانصاري قده بالمقتضى بالنسبة الى نفس الاستصحاب لا مقتضى المستصحب وقال ان اليقين اما يتعلق بامر مرسل في عمود الزمان أو مهمل أو مقيد بزمان معين فان كان مقيدا فلا اشكال في عدم جريان الاستصحاب بعد انقضاء الزمان الذى اخذ قيدا فيه وان كان مهملا كخيار الغبن المردد بين كونه فوريا أو استمراريا فكذلك لان متعلق اليقين مردد بين ان يكون مرسلا أو مقيدا فيقتصر فيه على القدر المتيقن واما الاول فيجرى الاستصحاب فيه لارسال متعلقه من حيث عمود الزمان والشك انما هو في ارتفاعه برافع زماني لا بانقضاء زمانه انتهى اقول مجرد ارسال متعلق اليقين بحسب الزمان مفارقا من اطلاق وجوده كما هو صريح كلامه حيث صرح بان كل ما يحتمل كونه مانعا ورافعا يحتمل دخل عدمه في موضوع الحكم فلا يتحقق معه الاطلاق لا يكفى في اجراء الاستصحاب لان الموضوع مردد حينئذ بين ان يكون مطلقا ومحدودا فيجب الاقتصار حينئذ على ما لم يتعقب بما يحتمل كون وجوده مانعا أو عدمه قيد العدم تعلق اليقين حينئذ الا بالمحدود

[ 12 ]

فيلحق المرسل حينئذ بالمهمل. توضيح ذلك انه قال ايضا حالما ذكره ان المراد من احراز المقتضى في المقام هو احراز المتيقن في نفسه قابل للبقاء في عمود الزمان مع قطع النظر عن حدوث زماني كالملكية والطهارة ونحوهما الى آخر كلامه. فاقول ان اريد من قبول البقاء في حد نفسه ثبوته بحيث لا يرتفع الا برافع فهو عين الاطلاق الذى نفاه وحكم بانه لا سبيل الى العلم به. وان اريد منه قبول الاطلاق مع قبوله التحديد كالتزويج القابل للدوام والانقطاع. ففيه انه اما ان يحرز حينئذ ثبوته على وجه الاطلاق أو لا فان احرز الاطلاق فهو مناف لما ذكره واصر على نفيه وعدم السبيل إليه وان لم يحرز الاطلاق حينئذ فهو مهمل لا مرسل ويجب الاقتصار فيه على القدر المتيقن. ثم انه يظهر من كلام بعض مقررى بحثه ان الارسال بحسب الزمان يكفى في اجراء الاستصحاب ولو مع الشك في الموضوع وعدم احراز المقتضى بالنسبة الى المستصحب حيث مثل لثبوت المقتضى بالنسبة الى الاستصحاب دون المستصحب بالمتيمم الواجد للماء في اثناء الصلوة قال مقتضى الاستصحاب فيه موجود لارسال المتعلق زمانا وان لم يكن المقتضى بالنسبة الى المستصحب موجودا لتبدل حال الفقدان بالوجدان المحتمل دخله في موضوع تأثير التيمم. ومما بيناه ظهر لك ان المراد بالمانع في هذا الباب مطلق الرافع سواء كان الرافع على وجه المنع المصطلح كالخيار المجعول في العقد المانع من لزومه أو على وجه المزاحمة بالاقوى كابتلاء المهم بالاهم الموجب لعدم تنجز المهم اولا على احد الوجهين كطرو علة وجود الشئ الرافع لعدمه الاصلى ضرورة

[ 13 ]

ان سبب الوجود لا يكون مانعا للعدم ولا مزاحما له ومن هذا القبيل جعل كل من اليوم والليل رافعا للاخر ودخول الشهر الاتى رافعا لما حل فيه وانقضاء اجل الشئ رافعا له حيث يستصحب الزمان الذى حل فيه في جميع هذه الموارد مع الشك في انقضاء الاجل ودخول ما يقابله اخذا بالمقتضى المعلوم وهو الوقت الذى حل فيه حيث انه ثابت في حد نفسه ولا يزول الا بطرو مقابله فلا يحكم يزواله الا بعد العلم بطرو ما يقابله. واذ قد اتضحت لك حقيقة قاعدة الاقتضاء والمنع فقد اتضح لك ان النسبة بينها وبين استصحاب الحال هي العموم من وجه فقد يجتمعان وقد يفترقان. اما اجتماعهما ففى صورة العلم بالمقتضى ووقوع الشك في البقاء من جهة احتمال المانع. واما افتراقها عنه ففى صورة العلم بالمقتضى والشك في ترتب المقتضى عليه من جهة احتمال اقترانه بالمانع كما إذا شك في انعقاد البيع لازما ام جائزا بواسطة الشك في اقترانه بغبن فيه أو بعيب في المبيع مثلا. واما افتراقه عنها ففى صورة الشك في القتضى كما إذا شك في البقاء مع الشك في بقاء الاجارة بالنسبة الى السنة الثانية من جهة الشك في وقوع عقد الاجارة على سنة واحدة أو سنتين. واما اعتبارها فهو عقلي ثابت بحكم العقل يعنى انه جهة واقعية مدركة به ويظهر ذلك من بناء العقلاء على العمل بها في كل باب فان بنائهم على امر وركونهم إليه ليس الا بماهم عقلاء فبنائهم على العمل بها يكشف عن تصديق العقل وادراكه اياها وثبوتها عنده ولو على وجه الارتكاز ولا ينافى ذلك عجز بعضهم أو اغلبهم عن تقرير وجهه وكشفه كما هو الحال في اكثر الارتكازيات الثابتة عندهم بالضرورة بل الركون إليه والاعتماد عليه من الضروريات التى جبلت عليه طبائع الحيوانات. وحيث التبس الامر في المقام على بعضهم وزعم ان بناء العقلاء انما هو

[ 14 ]

على الركون الى استصحاب الحال مع العلم بالمقتضى والشك في المانع فالاعتماد على مجموع الامرين لا على مجرد احراز المقتضى ولو كان الشك في الحدوث فلا بد لنا من ذكر موارد يكون الاعتماد فيها على القاعدة الشريفة مفارقة عن استصحاب الحال فاقول مستمدا برب الارباب وامنائه الاطياب عليهم صلوات الله الملك الوهاب. ان اصالة الحقيقة والعموم والاطلاق من الاصول المسلمة التى عليها بناء العقلاء ولا يرتاب فيها احد منهم ولا يتم الامر بها الا بالاعتماد على قاعدة الاقتضاء والمنع. توضيح الحال ان اللفظ بمقتضى وضعه للمعنى الحقيقي مناسب له ابتداءا وللمعنى المجازى ثانيا لاجل مناسبة بينه وبين المعنى الحقيقي فهو صالح لان يراد به معناه الحقيقي المناسب له ابتداءا بمقتضى وضعه له وان يراد به معناه المجازى المناسب له بتبع المعنى الحقيقي ولكن ارادة الاول منه لا تحتاج الى مؤنة زائدة لمناسبته له ابتدائا بخلاف ارادة المعنى الثاني منه فانها تحتاج الى قرينة صارفة تصرفه عن مقتضاه الاولى وما يناسبه ابتداءا وهو المعنى الحقيقي فحيث صدر اللفظ من المتكلم العارف بالوضع في مقام الافادة والاستفادة مع عدم نصب قرينة صارفة من المعنى الحقيقي المناسب له أو لا يحمل عليه ولا يعتد باحتمال وجود المانع والصارف واختفائه على السامع أو غفلة المتكلم عنه ومن المعلوم ان الحمل على المعنى الحقيقي دون المجازى مع التردد في مراد المتكلم وعدم ثبوت القرينة الصارفة ليس الا لاجل الاعتداد على الاقتضاء الثابت بينه وبين اللفظ بمعونة الوضع وعدم الاعتماد باحتمال المانع والصارف وباعتبار هذا الاقتضاء يكون اللفظ ظاهرا في المعنى الحقيقي دون المجازى وحيث ان اعتبار هذا الاقتضاء لا يدور مدار افادة العلم أو الظن الفعلى بالمراد عبر عنه بالسببية المطلقة والتعبد العقلائي فان الركون الى الاصل والحكم بشيئى من غير علم مقتضاه يشبه التعبد فكان العقلاء متعبدون بحمل اللفظ على الاصلى مع عدم العلم

[ 15 ]

بالمراد والتردد فيه لا ان هناك تعبدا منهم حقيقة ضرورة ان التعبد من شئون المولى لا العقلاء. والى ما بيناه ايضا يرجع كون اعتبار الظواهر من باب الظن النوعى فان المقصود منه الظهور الاصلى المستند الى ما يقتضيه نوع اللفظ مع قطع النظر عن المانع لا الظن المقابل للعلم والشك لان اللفظ الملقى في مقام الافادة والاستفادة لو خلى وطبعه مع قطع النظر عن المانع يفيد العلم بالمراد لا الظن به ومع احتمال المانع لا يفيد العلم ولا الظن وانما يعامل معه معاملة العلم بالمراد اعتمادا على وجود المقتضى والغاءا للمانع المحتمل فاصالة الحقيقة انما ترجع الى ان المعنى الحقيقي مقتضى اللفظ المجرد عن القرينة الصارفة الملقى في مقام الافادة والاستفادة فيؤخذ به دون المعنى المجازى واحتمال القرينة مندفع بالاصل فلا يمنع عن تأثير المقتضى. والعجب ان شيخ مشائخنا العلامة الانصاري قده زعم ان اعتبار اصالة الحقيقة يمكن ان يكون من حيث اصالة عدم القرينة ومن جهة الظن النوعى وقال ان تقدم الامارة المعتبرة الظنية القائمة على القرينة الصارفة عليها من باب الحكومة على الاول ومن باب الورود على الثاني فان القرينة الصارفة مانعة عن تأثير المقتضى ولا يترتب المقتضى على مجرد عدم المانع بل يتوقف على احراز المقتضى فالاثر انما يترتب عليه واصالة عدم القرينة انما تدفع المانع عن التأثير فمرجع الامرين الى امر واحد وهو الاعتماد على المقتضى المعلوم وعدم الاعتداد بالمانع المحتمل وبما بيناه يظهر الحال في اصالة العموم والاطلاق فانهما وان لم يستندا الى وضع اللفظ لانهما كيفيتان للحكم المتأخر عن وضع اللفظ الا انهما مقتضى تعلق الحكم بالموضوع من غير تخصيص ولا تقييد فإذا علم بعد مهما يعلم العموم والاطلاق ومع الشك فيها يؤخذ بالمقتضى المعلوم فيحكم بالعموم والاطلاق ولا يعتد باحتمال المانع لاندفاعه بالاصل.

[ 16 ]

فان قلت بناء العقلاء على الاخذ باصالة الحقيقة والعموم والاطلاق لا يكشف عن اعتبار قاعدة الاقتضاء والمنع في جميع الموارد. قلت لا تعبد في بناء العقلاء حتى يجوز اختصاصه بمورد دون مورد وانما بنائهم على ما بنوا عليه في بعض الموارد لاجل جهة واقعية عقلية ثابتة عندهم ومن المعلوم اطراد القواعد العقلية وعدم تطرق التقييد والتخصيص فيها في حد انفسها نعم للشارع قصر اعتبارها على بعض الموارد فما لم يعلم من الشارع التصرف فيها بقصرها على بعض الموارد يحكم باطرادها والظاهر من الاخبار بل صريحها تقريرها كما سننبه عليه انشاء الله تعالى. فان قلت لو كان الامر كذلك لزم ان تكون الاصول المثبتة معتبرة عندهم بل عند الشارع لتقريره القاعدة كما ذكرت مع ان عدم اعتبارها واضح بالغ حد الضرورة. قلت ان اريد من المثبت ما يترتب عليه اثر غير شرعى كما شاع تفسيره به في هذه الاعصار القريبة نلتزم به ولا مانع له. وتوهم ان عدم اعتباره بهذا المعنى ضروري في غير محله إذ المترتب عليه حتى في الموارد الشرعية انما هو الحكم الظاهرى الذى مرجعه الى التنجيز والعذر الثابتين للعلم والجهل ذاتا بل الى التنجيز أو دفعه الذى هو من آثار العلم بالوجود أو العدم كما فصلنا الكلام فيه في محله ولعلنا نشير إليه في المقام ايضا انشاء الله تعالى. وان اريد منه ما يثبت اللوازم العقلية مطلقا سواء كانت من الاحكام والاثار المتحدة مع المقتضى في الخارج ام لا بزعم ان اعتبارها عند العقلاء يكشف عن كونها امارة عندهم فلا يختص الاعتبار حينئذ بالنسبة الى خصوص الاحكام والاثار المتحدة مع المقتضى في الخارج فالملازمة ممنوعة لان الاعتبار العقلي كالاعتبار الشرعي فكما ان الشارع قد ينزل شيئا منزلة الدليل العلمي فيجعله طريقا مثبتا للواقع كالبينة مثلا فيكون امارة يثبت بها اللوازم العقلية والعادية قد يجعل وظيفة للجاهل كاصالة

[ 17 ]

البرائة أو الاحتياط أو الاستصحاب من دون ان يجعله كاشفا عن الواقع فيكون اصلا لا يترتب عليه ثبوت اللوازم العقلية والعادية فكذلك العقلاء قد يرون اعتبار شيئى من جهة كشفه عن الواقع في نظرهم كالخبر الموثوق به الموجب للاطمينان وسكون النفس بحيث يضمحل احتمال الخلاف في نظرهم ويرونه موجبا للعلم العادى فيعتمدون عليه ويرونه مثبتا للواقع ما لم يمنع عنه الشارع وقد يرون اعتبار شيئى بعنوان انه وظيفة للجاهل في مقام العمل كاعتبار البرائة الاصلية عندهم فانها اصل على كل تقدير سواء قلنا ان اعتبارها شرعى ام عقلي. والحاصل ان الاعتبار العقلي لا ينحصر في كون المعتبر في نظره امارة كاشفة عن الواقع فلا مجال لتوهم ان القاعدة حينئذ تكون امارة مثبة للوازم العقلية والعادية مطلقا. ومن الموارد التى لا تنطبق الا عليها حكمهم بلزوم البيع إذا شك في انعقاده لازما أو جائزا من جهة احتمال غبن في البيع أو عيب في المبيع وهكذا استنادا الى اصالة اللزوم إذ ليس للزوم حالة سابقة حتى يستصحب بقائه فالحكم به ليس الا من جهة الاخذ بقاعدة الاقتضاء لان المقتضى للزوم وهو البيع معلوم والمانع مشكوك فيدفع بالاصل. فان قلت يمكن ان يكون الحكم باللزوم مستندا الى استصحاب الحالة السابقة لان تملك البائع للثمن ثابت بالبيع فمع الشك في زوالهما بالفسخ يستصحب الحالة السابقة. قلت اولا استناد الحكم الى اصالة اللزوم يابى عما ذكرت لان ما ذكرت لا يتفرع على كون العقد لازما. وثانيا انه لو صح ما ذكرت لزم الحكم باللزوم ايضا في العقود الجائزة بالذات عند الشك في وقوعها لازمة أو جائزة كما إذا شككنا في وقوع الهبة لازمة ام

[ 18 ]

جائزة من جهة الشك في وقوعها معوضة ام لا أو في كون المتهب ذا رحم ام لا مع انهم يحكمون فيها مع الشك في لزومها بجواز الرجوع استنادا الى اصالة الجواز والحاصل انه لو كان الحكم بعدم جواز الفسخ ونفوذه حينئذ مستندا الى استصحاب بقاء ملك كل من المثمن على حالته السابقة لزم عدم التفكيك بين العقود اللازمة والجائزة بالذات في الحكم وعدم استناد الحكم باللزوم استنادا الى اصالة اللزوم وبطلان اللازم بين. ومنها حكمهم بعدم كون المرئة محرما عند الشك في المحرمية نسبا المانعة من انعقاد التزويج فانه لا يتم الا على جعل المحرمية مانعة والمرئة محلا للتزويج على الاطلاق اقتضاءا فيحكم بصحة التزويح اخذا بالمقتضى المعلوم والغائا للمانع المحتمل ولا يتوهم ان عدم المحرمية معلوم قبل وجود المرئة فيستصحب لانها قبل وجودها لا تكون محرما ولا اجنبية واستصحاب عدم احديهما معارض باستصحاب عدم الاخرى واستصحاب عدمهما معا منقطع بالعلم بوجود احديهما بعد وجودها مع ان استصحاب المحرمية قبل وجود المرئة لا ينفع في اتصافها بعدم المحرمية بعد وجودها لاختلاف الموضوع فلا يتم الاصل الا على ما بيناه من وجود مقتضى الصحة وعدم العلم بالمانع ومنها الحكم بالاتمام مع الشك في السفر إذا كانت الشبهة حكمية فان كون اربعة فراسخ مثلا مسافة شرعية ليس مما علم عدمه في زمان حتى يستصحب ويحكم بالبقاء على ما كان بل من هذا الباب جميع موارد الشك في قدح العارض لا يقال يمكن ارجاع ما ذكر ونحوه الى استصحاب الحالة السابقة باعتبار انه لم يكن مسافرا قبل طيه اربعة فراسخ وبعد الاربعة يشك في زوال الحالة السابقة فيحكم ببقائه على ما كان. لانا نقول مع الشك في ان الاربعة مسافة شرعية لا يكون المقتضى للاتمام وهو الحضور محرزا حتى يستصحب ومجرد الحالة السابقة لا يكفى في الاستصحاب

[ 19 ]

فان قلت موضوع القصر هو المسافر واما الاتمام فلم يؤخذ في موضوعه الحضور بل يكفى فيه عدم السفر. قلت مرجع ذلك الى الاخذ بالمقتضى وعدم الاعتداد باحتمال المانع لا الى استصحاب الحالة السابقة لان الاتمام ليس له حالة سابقة في هذا الحال وكذا عدم السفر لان طى الاربعة ليس له حالة سابقة من السفر وعدمه حتى يستصحب والاخذ بالعدم الازلي راجع الى الاخذ بالمقتضى وتحقق عدم السفر قبل طى الاربعة لا يكفى في الاستصاب مع الشك في الموضوع ضرورة عدم اعتبار بقاء الموضوع في حجية الاستصحاب بناء على عدم اعتباره الا مع احراز المقتضى كما هو المختار وعليه الاكثر بل الامامية قاطبة بل عند المحقيين من العامة. وبالجملة موارد انفكاك القاعدة الشريفة عن استصحاب الحال كثيرة في ابواب الفقه كما لا يخفى على المتتبع مع انه لم يتامل احد منهم في العمل بها والركون إليها وانما حدثت الشبهة لبعض من تأخر. هذا شطر من الموارد التى لا تنطبق الا على القاعدة الشريفة. واما وجه بناء العقلاء على الاخذ بالمقتضى المعلوم وعدم الاعتداد باحتمال وجود المانع أو منع الموجود فتقدم العلم على الجهل وترجحه عليه ذاتا. توضيحه ان المقتضى لاتحاده مع المقتضى في الخارج وعدم اختلافهما الا اعتبارا كما هو المفروض معلوم من جهة ثبوت مقتضيه ومجهول من جهة احتمال وجود المانع عن ترتبه عليه فهو معلوم من وجه ومجهول من وجه فيدور الامر بين الاخذ باحدهما وعدم الاعتداد بالاخر ومن المعلوم ان العلم امر وجودي والجهل عدمي محض ولا يعقل تقدم العدم على الوجود فالاثر عند الاجتماع والتزاحم انما هو للعلم فيؤخذ به ويترك الجهل. فان العلم والجهل متناقضان فلا يجتمعان في محل واحد حتى يقع التزاحم بينهما ويحكم بتقدم احدهما على الاخر.

[ 20 ]

قلت احدهما وهو العلم اقتضائي والاخر وهو الجهل فعلى فلا يتناقضان. فان قلت التقدم حينئذ للفعلى لا الاقتضائى ضرورة ان الاقتضائى لا يزاحم الفعلى في تأثيره. قلت الجهل ليس صفة وجودية فعلية حتى يتقدم على الصفة الموجودة اقتضاءا وليس هنا اجتماع صفتين تحقيقا بل الثابت حينئذ انما هو العلم الاقتضائى فقط وحيث ان العلم الاقتضائى لم يبلغ حد الفعلية حتى يكون علة تامة للتنجيز ودفع العذر يدور الامر بين الاخذ به وترتيب الاثر عليه وعدم الاعتداد بنقصه وبين تركه والاعتداد بنقصه وضعفه وحيث ان ترتيب الاثر على النقص اخذ بالجهل كما ان ترتيب الاثر على العلم الاقتضائى اخذ بالعلم عبر عن دوران الامر بينهما بالتزاحم بين العلم والجهل والعقلاء لما رأوا ان الذى له مدخلية في الوجود وهو المقتضى معلوم وانما الشك في ما ليس له مدخلية في الوجود اصلا وهو المانع لان المانع انما يمنع عن ترتب المقتضى لا ان لعدمه دخلا في التأثير حكموا برجحان الوجود لتمامية السبب وعدم الاعتداد باحتمال المانع لاندفاعه بالاصل وقد قرر هذا المعنى الروايات الشريفة فان قولهم (ع) " لا تنقض اليقين بالشك " (ولا تنقض اليقين الا بيقين مثله) (واياك ان تنقض اليقين بالشك) (ومن كان على يقين فشك فليمض على يقينه) وهكذا من الروايات صريح في الركون الى اليقين وعدم الاعتداد بالشك عند الاجتماع والمعارضة بل التحذير عن نقض اليقين بالشك يكشف عن ان النقض به مما لا يرتكبه العاقل. توضيح ذلك ان المتصور في بدو النظر من الروايات الشريفة احد معان ثلثة الاول ما بيناه والثانى اعتبار استصحاب الحالة السابقة. والثالث الاخذ باليقين مع سريان الشك فيه المسمى بقاعدة اليقين في مصطلحهم ولا شبهة ان عدم نقض اليقين بالشك لا يصدق الا مع بقاء اليقين واما مع زواله وسريان الشك فيه فلا مجال للنقض وعدمه فلا مجال لارادة المعنى الثالث منها واما بقاء الحالة السابقة فمع عدم احراز الموضوع والمقتضى لا يكون مورد اليقين بوجه حتى يصدق

[ 21 ]

عدم نقض اليقين بالشك ضرورة ان اليقين بالحدوث لا يوجب تعلقه بالبقاء مع عدم اتحاد الموضوع وعدم ثبوت المقتضى لعدم الارتباط حينئذ بين الحدوث والبقاء بوجه حتى يقال ان تعلق اليقين باحدهما يوجب تعلقه وتشبثه بالاخر فالحكم بالبقاء (ح) لا يستند الى العلم بوجه حتى يكون تركه نقضا له فلا يصدق النقض الا مع تشبث اليقين وهو يتوقف على بقاء الموضوع وثبوت المقتضى فلا مناص من حمل الروايات الا على ما بيناه. فان قلت توقف صدق عدم نقض اليقين بالشك على بقاء الموضوع وثبوت المقتضى مسلم ولكن القدر المحقق من مدلول الروايات ولو بشهادة المورد انما هو الركون الى اليقين في مورد العلم بالحدوث وثبوت الحالة السابقة فلا تعم صورة الشك في الحدوث وعدم ثبوت الحالة السابقة. قلت ان مجرد تعلق العلم بالحدوث لا يوجب تشبثه بالبقاء ولو مع عدم بقاء الموضوع وعدم ثبوت المقتضى حتى بكون البقاء معلوما من وجه ومشكوكا من وجه ويتقدم العلم على الجهل ولا ينقض اليقين بالشك كما اعترفت به فتعلق العلم بالبقاء وتشبث اليقين به انما يكون إذا كان المقتضى للبقاء ثابتا. ومن المعلوم ان الحكم يدور مدار العلم واليقين ولا يختلف الحكم باختلاف المعلوم والمتيقن فكلما تشبث به العلم واليقين يحكم بثبوته بمقتضى تعلق اليقين به ولا ينقضه الشك سواء كان حدوثا أو بقائا ولا يعقل التفصيل بينهما فلا مجال لتنزيل الروايات على مورد العلم بالحدوث مع اطلاقها وابائها عن التقيد لان المستفاد منها كما يفصح عنه التعبير بالنقض ان لليقين ابراما في حد نفسه لا ينقض الا بيقين مثله ومن المعلوم ان ابرام اليقين لا يتفاوت باختلاف متعلقه فمع تعلق اليقين بالحدوث لثبوت مقتضيه لا يرفع اليد عنه لاجل الشك في المانع والا لزم نقض اليقين بالشك والحاصل ان لليقين ابراما في حد ذاته لا يصلح ان تنقضه الشك والعلم بالحدوث لا يوجب زيادة في ابرام العلم بمقتضى البقاء كما ان الجهل به لا يوجب ضعفا في

[ 22 ]

العلم بمقتضيه وتشبث العلم بالمقتضى ثابت في الموردين وضم الحالة السابقة إليه من قبيل الحجر الموضوع في جنب الانسان فلا مجال للتفصيل والتفكيك بينهما مع ان جميع الروايات ليست واردة في مورد العلم بالحدوث كما لا يخفى على من تتبعها على ان المورد لو كان صالحا للتخصيص والتقييد لزم الاقتصار على مورد الروايات ووجب ان لا يتعدى عنها الى غيرها من الموارد إذ ليس العلم بالحدوث الا كسائر خصوصيات الموارد نعم سبق الاذهان الى استصحاب الحالة السابقة والغفلة عن القاعدة الشريفة اوجب الشبهة لكثير من الناظرين حتى زعموا ان التعدي عن العلم بالحدوث من المنكرات مع انه لا مناص لهم عن العمل بالقاعدة الشريفة في كثير من الموارد. وينبغى التنبيه على امور: الاول ان الشرط لابد من احرازه في مقام لدخله في ترتب المقتضى فالمراد بالمقتضى هنا ماله دخل في ترتب المقتضى عليه فيعم الشرط والمقتضى المصطلح عليه في غير هذا المقام. كما ان المراد بالمانع مطلق الرافع سواء كان مانعا اصطلاحيا أو مزاحما اقوى أو على وجه آخر كما عرفت فلو تردد امر بين كونه مانعا أو ضده شرطا عرفا أو شرعا ولم يظهر من الدليل احد الامرين ولم يكن في البين اصل يقتضى الحكم بالمانعية يتوقف الحكم بثبوت المقتضى على احراز ما يحتمل شرطيته. نعم التردد في شرطية شيئى من قبل الشارع في المعاملات المحكومة بالصحة في نظر العرف لا يضر بالاقتضاء لان مرجع اشتراط الشارع حينئذ الى تضييق دائرة سلطنة الشخص على نفسه وجهاته ومنعه عماله السلطنة عليه اقتضائا فمع التردد في جعل الشرطية تردد في ثبوت وعدمه فيؤخذ بالمقتضى المعلوم ويدفع المانع بالاصل وتوهم انه بناء على هذا لا تجرى القاعدة الا في اقل قليل من الموارد إذ ما من مورد من موارد الشك في وجود المانع الا ويحتمل ان يكون عدمه شرطا فيتردد الامر

[ 23 ]

بين الشرطية والمانعية حينئذ فلا يكون المقتضى حال الشك فيهما محرزا حينئذ حتى تجرى القاعدة في غاية السخافة إذ العدم لا يكون مؤثرا ولا متاثرا فلا يعقل ان يصير شرطا ولو كان مضافا. وتوهم ان العدم المضاف له حظ من الوجود فيجوز ان يكون شرطا من الاغلاط من ان عدم المانع شرط غلط أو توسع في التعبير وكيف كان التردد بين الشرطية والمانعية بالنسبة الى الوجود والعدم غلط محض وانما يتطرق التردد بينهما في الضدين والثانى: انه يعتبر في جريان القاعدة الشريفة احراز بقاء الموضوع والمراد منه موضوع الحكم الشرعي لا معروض المحمولات مطلقا لعدم اعتبار العلم ببقاء المعروض لا في القاعدة الشريفة ولا في استصحاب الحالة السابقة إذا لم يكون موضوعا للحكم الشرعي لان الشك في بقاء المعروض إذا لم يكن موضوعا للحكم الشرعي لا يمنع من جريان القاعدتين غاية الامر انه يستصحب بقاء المعروض كما يوخذ بقاعدة الاقتضاء فيه ويكتفى به ان كان الشك في بقاء المحمول مسببا عن الشك في بقائه والا فيجرى في المحمول ايضا مثلا إذا شككنا في بقاء زوجية هند لزيد فان كان الشك فيه مسببا عن الشك في بقاء زيد تستصحب حيوته ويكتفى به والا يكن كذلك بان احتمل الطلاق على فرض بقائه فيجرى الاصل في زيد اولا وفى الزوجية ثانيا فيحكم ببقائهما معا فهنا اصلان مرتبان حينئذ فالذي يعتبر فيه احراز الموضوع ويعتبر العلم ببقائه انما هو الاخذ بالقاعدة الشريفة إذا كان الشك بالحكم الشرعي. توضيح ذلك ان موضوع الاحكام الشرعية انما هي العناوين الكلية كالحاضر والمسافر والواجد والفاقد وهكذا لا المصاديق الخارجية والمصاديق انما يتعلق الحكم بها بواسطة انطباق العناوين الكلية عليها فهى معروضات لها فإذا وقعت الشبهة الحكمية في بقاء الحكم الشرعي بالنسبة الى مصداق كان معروضا لموضوع الحكم من جهة

[ 24 ]

زوال عرض عنه ووقوع التردد في كونه موضوعا للحكم حتى يزول بزواله ام لا لا تجرى القاعدة حينئذ لعدم احراز المقتضى مع تردد الموضوع بين كونه هو العرض الباقي ام الزائل مثلا إذا شككنا في بقاء حرمة الوقاع بعد النقاء وقبل الغسل من جهة التردد استنادا الى قاعدة الاقتضاء لان الموضوع مردد حينئذ بين ان يكون هو الحيض بمعنى قذف الدم الزائل بالنقاء الذى هو الطهر أو بمعنى الحدث الذى لا يزول الا بالغسل فلا يكون مقتضى التحريم حينئذ محرزا حتى يؤخذ به ولا يعتد باحتمال المانع وان كانت الحالة السابقة هي التحريم. وقد اختلط الامر في المقام على شيخنا العلامة الانصاري (قده) فاعتبر في استصحاب الحالة السابقة بقاء الموضوع وفسره بمطلق المعروض وتكلف فيما إذا كان الشك في بقاء وجود الموجودات الخارجية يجعل وجودها الخارجي عارضا للموجود المتقرر في الذهن وهو باطل جدا لان الوجود الذهنى لا اصل له اولا كما بيناه في محله وعلى تسليم ثبوته لا ينفع ثانيا لان الموجود في الذهن لا يعقل ان يعرضه الوجود الخارجي كما هو ظاهر ثم اضطرب كلماته (قده) في تشخيص موضوع الحكم ولا يسع المقام للتعرض لها ولما يرد عليها. والثالث ان القاعدة الشريفة المعبر عنها في لسان الفقهاء والاصوليين باستصحاب حكم النص والعموم والاطلاق سواء قلنا باعتبارها عقلا أو تعبدا اصل لا امارة كما عرفت لا يثبت شيئا وانما يدفع المانع عما ثبت. وهذا معنى كلام بعضهم ان الاستصحاب حجة في النفى دون الاثبات فهو عبارة عن الاعتماد على اليقين الحاصل بما يقتضيه الشئ وعدم الاعتداد باحتمال المانع فلا يترتب عليه الا ما هو من مقتضياته. واما ما يستقل بالاقتضاء فمقتضى هذا الاصل التعويل على اقتضائه لا ترتيبه

[ 25 ]

على اقتضاء آخر فإذا شك في بقاء حيوة زيد بعد العلم بثبوته يجب البناء على عدم المزيل وهذا انما يترتب عليه ما هو من مقتضياته يعنى مالا يستقل بالاقتضاء كبقاء امواله على ملكه وعدم خروج زوجته عن زوجيته واما اثبات اللحية مثلا فلا لانها مباينة في الوجود للشخص كالثمرة بالنسبة الى الشجر والحمل بالنسبة الى الحامل ومن المعلوم ان اليقين باحد المتلازمين مغاير لليقين بالاخر. والى ما حققناه ينظر ما افاده كاشف الغطاء قده من الاستدلال على نفى الاصل المثبت بتعارض الاصل جانب الثابت والمثبت فكما ان الاصل بقاء الاول كذلك الاصل عدم الثاني فان مرجعه الى ان المثبت ليس من شئون الثابت حتى يكون البناء على بقاء الثابت عبارة عن الالتزام بالمثبت. توضيج ذلك ان الاصل المثبت عندنا عبارة عما يترتب عليه ما يستقل بالوجود أو كان منتزعا من غير ما استصحب وعلم وجوده لا ما ترتب عليه اثر غير شرعى كما شاع في السنة الاواخر فانه على ما بيناه اصل عقلي قرره الشارع بل لو كان اصلا شرعيا لم يكن وجه لاختصاص الاثر الشرعي بالترتب إليه عدا ما يتخيل من ان الحكم بثبوت مالا يرجع الى الشارع في مرحلة الظاهر لا معنى له لان تنزيل شيئى مقام شئ آخر انما يتصور بالنسبة الى ما يرجع الى الشارع وهو وهم. لانه ان اريد منه ان الثابت بالتعبد الشرعي يجب ان يكون من الاثار الشرعية ابتدائا فهو مناقض لاعتبار البينة والامارات لان الثابت بهما لا يجب ان يكون امرا شرعيا ابتدائا بل لا يثبت بالبينة ابتدائا الا الموضوعات وكذلك الاصول الموضوعية وان اريد ان اثر الاعتبار لا يكون الا بالنسب الى الاثار الشرعية فهو كذلك ولا ينافى في اثبات اللوازم بالاصول في مرحلة الظاهر حينئذ كما هو الحال بالنسبة الى البينة والامارات. والحاصل ان مجرد التعبد الشرعي لا ينافى اثبات اللوازم في مرحلة الظن والا لنافاه في البينة والامارات الشرعية مع ان اثبات اللوازم بهما مسلم بل اقول ان الثابت

[ 26 ]

بالاصل دائما انما هو الاثر العقلي لا الشرعي لان الثابت بالاصول انما هو الحكم الظاهرى الراجع الى التنجيز والعذر المترتبين على العلم والجهل ذاتا فان قلت كيف يمكن ان يترتب على جعل الشارع الاثر العقلي مع انه لا يكون الا ذاتيا غير مجعول فهل هذا الا تناقض قلت الغرض انه يترتب على الاصل بالجعل ما كان مترتبا على العلم والجهل ذاتا من التنجيز والعذر فالاثر في حد نفسه من الاثار العقلية التى للشارع التصرف فيها تقريرا وردا فيجعل الشرع ما لم يكن سببا للتنجيز أو العذر ذاتا سببا له تعبدا و جعلا ترتب عليه ما ترتب على الاصل بمقتضى التنزيل. والحاصل ان المدار في الاثبات المنافى للاصل اثبات ما استقل بالوجود من الجواهر والاعراض لان الاثبات بهذا المعنى شان الدليل ولا يترتب على الاصل سواء كان عقليا ام شرعيا لا الاحكام لانه وظيفة للمتحير فلا يثبت شيئا وانما يدفع المانع عما ثبت فيترتب عليه احكامه سواء كان حكما عقليا ام شرعيا وما اشتهر من ان المثبت ما ترتب عليه اثر شرعى وان بعض المتقدمين ذهب الى حجية الاصل المثبت بزعم ان المثبت ما ترتب عليه اثر غير شرعى في غير محله وقد اضطربت كلمات الاواخر في موارد كثير يترتب على الاصل فيها غير الاثار الشرعية ابتدائا ولا شبهة في الركون إليها فزعموا انه لاجل خفاء الواسطة في نظر العرف مع انه لا معنى لخفاء الواسطة أو لا ولا ضابطة له ثانيا وتوضيح المرام غاية الايضاح يحتاج الى بسط في الكلام لا يسعه المقام فاكتفيت بالتنبيه عليه بهذا المقدار والرابع ان الاصل في جميع الموارد لفظية أو عملية انما هو الركون الى العلم بالمقتضى وعدم الاعتداد باحتمال المانع ولا اصل سواه واختلاف الاسامي باختلاف الموارد لا ينافى مع اتحاد الحقيقة كما انه لا ينافيه تقدم بعض على بعض لاجل تقدم بعض المقتضيات على بعض آخر اما الاصول اللفظية فقد ظهر الحال فيها بما بيناه واما الاصول العملية وهى اصالة الاحتياط والتخيير والبرائة واستصحاب

[ 27 ]

المقتضى المعبر عنه باستصحاب حكم النص والعموم والاطلاق فالامر في الاخير منها ظاهر واما الاولى فمرجعها الى الاخذ بالعلم باشتغال الذمة بالتكليف المقتضى للاحتياط ووجوب الموافقة القطعية وعدم الاعتداد باحتمال منع تردد المأمور به بين امرين أو امور عن ايجاب الموافقة القطعية كما هو ظاهر. واما التخيير فكونه اثر الركون الى العلم باشتغال الذمة بالتكليف المقتضى لوجوب الموافق القطعي امر ظاهر غاية الامر انه اكتفى فيه بالموافقة الاحتمالية لاجل؟؟ العجز عن تحصيل الموافقة القطعية عقلا أو شرعا: واما اصالة البرائة فالاخذ بها انما هو لاجل الركون الى العلم بالعدم الازلي المقتضى للعذر وعدم الاعتداد باحتمال حدوث التكليف الموجب لارتفاع العذر فيقبح العقاب حينئذ للعلم بمقتضى العذر وعدم العلم بوجود المنجز وهو اشتغال الذمة بالتكليف. واما ما قيل من ان البرائة حينئذ مترتبة على الشك فقط ويكفى في الحكم بالعدم مجرد الشك في ثبوت التكليف استنادا الى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ففى غير محله لان نسبة الشك وموافقة العدم للاصل حينئذ انما هو باعتبار كونه معلوما والمانع مجهولا ولذا ينقلب الاصل بانقلاب العلم فيصير الوجود موافقا له دون العدم إذا علم بحدوث التكليف وشك في البقاء والزوال من جهة احتمال وجود المزيل من النسخ وغيره فقبح العقاب بلا بيان انما هو من آثار العلم بالعدم والجهل بحدوث التكليف المقتضى لثبوت العذر الذى يقبح معه العقاب لا انه منشأ للاصل مع انه لو قلنا بترتب اثر على الشك ذاتا وفى حد نفسه لا يجوز التعويل عليه واستناد الاصل إليه إذ ما من شك في الحكم الا وهو مجامع اما مع العلم بالعدم الازلي واما مع العلم بحدوث التكليف وفى كلا الصورتين يتقدم العلم على الجهل ويمنع من تأثيره والا لزم نقص اليقين بالشك المنهى

[ 28 ]

عنه عقلا ونقلا فلا يبقى مجال لتأثير الجهل؟؟ وترتيب اثر عليه. واما استصحاب الحال المعبر عنه باستصحاب حال الاجماع وحال الشرع فلم يعمل به احد من اصحابنا (قدهم) وقالوا انه اسراء حكم من موضوع الى موضوع بل لم يعمل به الا شاذ من العامة وإذا اجتمع مع العلم بالمقتضى فانما يوخذ به اعتمادا على العلم بالمقتضى. فتبين بحمد الله تعالى انه لا اصل في البين الا قاعدة الاقتضاء والمنع وان الركون والاعتماد انما هو على العلم واليقين لا على الجهل والشك فافهم واغتنم.

[ 29 ]

" فائدة - 2 " في صحيحة بريد بن معوية العجلى عن مولانا الصادق سلام الله عليه قال: سئلته عن رجل كان عليه عتق رقبة فمات قبل ان يعتق فانطلق ابنه فابتاع رجلا من كسبه فاعتقة عن ابيه وان المعتق اصاب بعد ذلك مالا ثم مات وتركه لمن يكون تركته فقال ان كانت الرقبة على ابيه في ظهار أو شكر واجب عليه فان المعتق سائبة لا ولاء لاحد عليه قال وان كانت الرقبة على ابيه تطوعا وقد كان ابوه امره ان يعتق عنه نسمة فان ولاء المعتق ميراث لجميع ولد الميت من الرجال ويكون الذى اشتراه واعتقه عن ابيه كواحد من الورثة إذا لم يكن للمعتق قرابة من المسلمين احرار يرثونه قال وان كان ابنه الذى اشترى الرقبة فاعتقها عن ابيه من ماله بعد موت ابيه تطوعا من غير ان يكون ابوه امره بذلك فان ولائه وميراثه للذى اشتراه من ماله واعتقه عن ابيه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابته ويستفاد من هذه الرواية الشريفة الساطعة منه انوار العصمة والامامة امور ستة. الاول: عدم توقف وقوع العتق عن غيره على دخول المعتق اولا في ملكه ثم خروجه عن ملكه بالعتق. والثانى: نفوذ وقوع العتق عن غيره إذا كان واجبا عليه في ظهار أو غيره امر به المعتق عنه ام لا.

[ 30 ]

والثالث: كون الرقبة سائبة مع وجوب العتق. والرابع: عدم تأثير التبرع بالعتق الواجب على غيره في ثبوت الولاء للمتبرع به والخامس: توقف وقوع العتق التبرعي عن غيره على الامر به ومع عدم الامر به انما يقع عنه على وجه اهداء ثوابه إليه. والسادس: ثبوت ولاء العتق للذكور من اولاد المعتق عنه إذا نفذ وقوع العتق عنه بامره. توضيح المرام ان انتقال الملك عن شخص الى آخر يتوقف على امرين وجود السبب الناقل واهلية المنتقل إليه للتملك وكلا الامرين منتف في الصورة الاولى وهو نفوذ العتق الواجب عن الميت مطلقا. اما السبب الناقل فلانه على قسمين قهرى كالوراثة و اختياري كالعقود الناقلة وانتفائهما في هذه الصورة واضح. واما انتفاء اهلية الميت للتملك فمسلم عندهم بل واضح ايضا في الجملة وان جاز بقاء المال في ملكه كما إذا اوصى بثلث ماله لنفسه. ويشاركها الصورة الثانية وهو نفوذ العتق التبرعي عن الميت بامره بالعتق عنه في انتفاء الامر الثاني بل الاول ايضا لان مجرد الامر في حال الحيوة بالعتق عنه بعد موته لا يوجب انتقال الرقبة إليه. وتنظيره بالشبكة المنصوبة في حيوته ووقوع الصيد فيها بعد موته في غير محله لان نصب الشبكة من اسباب الحيازة ولكن الامر بالعتق عنه بعد موته ليس من اسباب الانتقال كما هو ظاهر وجعل الامر بالاعتاق عنه بعد موته من قبيل اعتق عبدك عنى حيث حكموا بصحته ووقوع العتق عن الامر وجعلوا الامر بالاعتاق عنه بمنزلة التوكيل في قبول التملك من قبله بعد ايجاب التمليك ثم العتق عنه والاعتاق عنه بمنزلة ايجاب التمليك وقبوله اولا والعتق عنه ثانيا في غير محله لان التوكيل انما هو بالنسبة الى حال الحيوة ولا تطرق له بالنسبة الى بعد الموت ولا مجال لجعله

[ 31 ]

بمنزلة الوصية لان الوصية انما تؤثر فيما يرجع إليه من ثلث ماله وولايته على صغاره. واما مالا يرجع إليه ولا يملكه بوجه فلا اثر لها فيه مع ان حصول التمليك والتملك باعتاقه عنه امر غير معقول إذ بعد ما فرض من تفرع وقوع العتق عنه على تملكه لا يعقل حصوله به والا لدار ولذا تحير القائلون بانتقال الملك الى المعتق عنه بالعتق عنه في وقت الانتقال ورأوا انه على كل تقدير لا يخلو من محذور فحكموا بالانتقال اجمالا من دون تعين لوقته مع ان المحذور لا يندفع بذلك. والذى حملهم على هذا التكلف البارد بل الفساد ما روى من قوله عليه السلام لا عتق الا في ملك وهو انما يدل على ان المعتق لا بد ان يكون مالكا للرقبة واما عدم وقوع عتق المالك عن غيره فمسكوت عنه. والتحقيق انه لا يتوقف وقوع العتق عن غيره على دخول الرقبة في ملكه اولا ثم العتق عنه ثانيا لا عقلا ولا شرعا فانه بمنزلة اداء المالك بماله دين غيره فكما لا يتوقف اداء دين المديون على دخول المال في ملكه اولا ثم الاداء عنه ثانيا فكذلك العتق عنه. والحاصل ان العتق عمل يمكن وقوعه عن العامل وعن غيره والتعين باختيار العامل فان الشخص كما له السلطنة على ماله فيعينه فيما اراد من كونه صدقة أو وفاء دين عن نفسه أو عن غيره أو قرضا وهكذا فكذلك له السلطنة على عمله فله ان يجعل الحيازة والاحياء والكتابة والصياغة عن نفسه وعن غيره ومن جملة اعماله العتق نعم يبقى الشان في بيان وجه الفرق بين العتق الواجب والعتق التبرعي في وقوع الاول عمن وجب عليه باعتاق المعتق عنه مطلقا وعدم وقوع الثاني عمن نوى العتق عنه الا بامره بالعتق عنه. فاقول وبالله التوفيق ان العتق الواجب دين على الشخص فينفذ عتق غيره

[ 32 ]

عنه ويبرء ذمته بذلك ولا يتوقف وقوعه عنه على رضاه وامره به كما لا يتوقف اداء دين المديون على رضاه واذنه بل كما يبرء ذمته بوفائه بنفسه كذلك تبرء ذمته بابراء الدائن وبوفاء غيره عنه رضى به ام لا ولذا يكون الابراء ايقاعا لا عقدا متوقفا على قبول المديون والسر فيه ظاهر لان حبل الدين بيد الدائن وذمة المديون مشدودة به والاختيار في اسقاط الحبل وعدمه انما هو لمن الحبل بيده ولا اختيار لمن ذمته مغفولة به فكذلك العتق الواجب وسائر ما وجب على المكلف من عبادات وغيرها ما لم يكن الامتثال مقيدا بمباشرته بنفسه واما العتق المندوب فلا يكون دينا فايقاعه عن غيره بمنزلة هبة له فكما يتوقف تحقق الهبة على قبول المتهب ورضاه بذلك ولا تتحقق قهرا وبدون قبوله فكذلك العتق المندوب لا يقع عن غيره ولا يتصل به الا بقبوله ورضاه. والحاصل انه كما يكون العامل مختارا في ايقاع العمل عن نفسه وعن غيره ولا يكون مقهورا في احدهما في حد نفسه فكذلك من اوقع العمل عنه مختار في قبوله ورده فلا يتصل العمل به الا بقبوله ورضاه والامر بالعتق عنه بعد موته رضى بذلك وقبول له فيتصل به العمل حينئذ ويلزمه حكمه عن ثبوت الولاء له ولورثته واما مع عدم امره به فلا يتصل العمل به ولا يكون العتق عنه الا اهدائا لثوابه إليه فيرجع الولاء حينئذ الى نفس العامل وهو المعتق. وهكذا الامر في سائر الاعمال الغير الواجبة مندوبة أو مباحة فلا تقع عن غير العامل الا بامره ورضاه. وقد تبين مما بيناه انه لا فرق في وقوع العتق الواجب عمن نوى عنه المعتق بين ان يكون المعتق وارثا للمعتق عنه ام لا وبين ان يكون المعتق عنه حيا ام ميتا كما انه لا فرق بينهما في عدم وقوع العتق المندوب عمن نوى عنه الا بامره فما حكى عن الشيخ قده في الخلاف من انه لو تبرع بالعتق عنه نفذ العتق

[ 33 ]

عن المعتق دون من اعتق عنه سواء كان المعتق عنه حيا أو ميتا نعم لو اعتق الوارث عن الميت من ماله لا من مال الميت يصح في غير محله لان العتق الواجب يقع عمن نوى عنه مطلقا حيا كان المعتق عنه ام ميتا وارثا كان المعتق ام لا والعتق المندوب لا يقع عنه مطلقا الا بامره من دون فرق بين ان يكون المعتق وارثا واجنبيا وبين ان يكون المعتق عنه حيا وميتا و اعلم انه ليس من آثار اتصال العمل بالآمر استحقاق العامل اجرة عمله على الامر إذا كان عمله مما له اجرة في المتعارف ولا ضمان الامر ما ادى عنه العامل بل هما من آثار استيفاء عمل العامل بالامر ولذا يدوران مداره ولا يختلف الامر باختلاف الواجب والمندوب فما تبرع به العامل عن غيره لم يستحق اجرة عمله ولا قيمة ما ادى عنه أو مثله واجبا كان المتبرع به ام مندوبا. ثم اعلم ان العمل ينصرف ذاتا الى العامل إذا كان صالحا لرجوعه إليه ويحتاج في وقوعه عن غيره الى نية ايقاعه عنه ولا يحتاج في وقوعه عن نفسه الى نية ايقاعه عن نفسه ومن هنا تبين لك انه لو نوى العتق المندوب عن غيره من دون امره به وقع عن نفسه ولم يقع باطلا فما ذكره في الجواهر من انه لولا رواية بريد العجلى لكان المتجه بطلان العتق من اصله لقاعدة ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد في غير محله لان البطلان انما يتجه إذا كان نسبة العتق الى وقوعه عن نفسه ووقوعه غيره على حد واحد و يحتاج كل منهما الى القصد. واما إذا اختلفا وكان احدهما ذاتيا لا يحتاج الى قصد زائد على قصد العتق ولم يتم الصارف عن مقتضاه الاصلى وقع العتق على وجهه الاصلى. فان قلت مقتضى وقوع العمل على وجهه الاصلى من وقوعه عن العامل لولا الصارف صحة العتق المجرد عن القيدين ووقوعه على وجهه الاصلى لا صحة العتق المنوي وقوعه عن الغير مع عدم وقوعه عنه لان نية الوقوع عن الغير تصرفه عن

[ 34 ]

وجهه الاصلى فلا مجال لوقوعه على وجهه الاصلى حينئذ قلت الصارف عن وجهه الاصلى انما هي نية وقوعه عن غيره مع امره به فمجرد النية كذلك لا تصرفه عن وجهه الاصلى ولا تقتضي بطلانه لان انشاء العتق يقتضى وجوده في الخارج ووقوعه على وجهه الاصلى الا ان يمنع عنه مانع والمانع لم يتحقق ونية المانع لا توجب الغاء المقتضى عن التأثير ما لم تقترن بوجود المانع ثم اعلم انه كما يتصل العمل الغير الواجب بمن نوى عنه العمل بامره السابق كذلك يتصل به بالاجازة اللاحقة به لان من جملة اسباب اتصال العمل بغير العامل اجازته اللاحقة فكل عمل يقبل الاتصال بغير العامل بامره به أو توكيله فيه يقبل الاتصال بالاجازة بل الاجازة والوكالة في الحقيقة حقيقة واحدة وانما يختلفان باعتبار التقدم والتاخر فالاجازة وكالة متأخر كما ان الوكالة اجازة متقدمة ولا ينافى ذلك عدم جريان الفضولي في العتق والطلاق مع جريان الوكالة فيهما لان المنع انما هو للدليل والا فمقتضى القاعدة جريانه فيهما كجريانه في العقود ولم يدل دليل على المنع في سواهما وان قيل بعدم جريانه في مطلق الايقاعات ولعله لاجل توهم ان مقتضى القاعدة بطلان الفضولي مطلقا فكل مورد لم يدل دليل على صحته بالاجازة يحكم ببطلانه ولم يدل دليل على صحته في غير العقود وهو باطل كما اوضحنا في محله وبينا ان تأثير الاجازة في العمل الفضولي بمقتضى القواعد الاولية ولا تعبد فيه فيجرى مطلقا الا ان يدل دليل على خلافه وكيف كان فقد تبين بما بيناه سر عدم تأثير التبرع بالعتق عمن وجب عليه في ثبوت الولاء وصيرورته سائبة لان وقوع العتق عمن وجب عليه موجب لوقوعه على وجه الوجوب وان وقع التبرع في ايجاده ولا تنافى بينهما والملاك في صيرورة الرقبة سائبة وجوب العتق ومن هنا ظهر انه لو نذرنا ذر عتق رقبة عمن امره بالعتق عنه مع عدم وجوبه عليه فاعتق عنه ثبت الولاء على المعتق للمعتق عنه لوقوعه على وجه الندب وان وجب

[ 35 ]

الاعتاق على المعتق واذ قد اتضح لك ما حققناه فقد اتضح لك ان الاحكام المستفادة من الرواية الشريفة منطبقة على القواعد الاولية وان كانت في غاية الدقة بحيث لم نهتد إليها الا ببيانهم عليهم السلام والحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله بقى الكلام في امرين: الاول ان مقتضى ثبوت الولاء للمعتق عنه بعد موته عدم رجوعه الى ورثته لان ما رجع الى الميت بعد موته انما يصرف في وجوه البر للميت ولذا يصرف دية قطع رأس الميت وشق بطنه في الحج والصدقة عنه وسائر خيراته ولا يكون للوارث حق فيها قلت اولا انه يمكن ان يقال ان ورثة المعتق عنه انما يرثون بولائه لا انهم يرثون الولاء إذ الظاهر انه من الاحكام لا الحقوق وثانيا لا نسلم ان كل ما رجع الى الميت بعد موته لا يرجع الى الورثة والا لزم عدم رجوع دية المقتول الى ورثته لان الدية انما تثبت بالقتل فلا ترجع إليه الا بعد موته والثانى ان الصحيحة تدل على ان الارث بالولاء للذكور من الاولاد وفى جملة من الروايات ان الولاء للعصبة منها انه قضى امير المؤمنين عليه السلام على امرئة اعتقت رجلا واشترطت ولائه ولها ابن فالحق ولائه لعصبتها الذين يعقلون عنها دون ولدها ومنها صحيح يعقوب ابن شعيب سئل الصادق عليه السلام عن امرئة اعتقت مملوكا ثم ماتت قال يرجع الولاء الى بنى ابيها ومنها صحيح ابى ولاد: سئله عن رجل اعتق جارية صغيرة لم تدرك وكانت امه قبل ان تموت سئلته ان يعتق عنها رقبة من ماله فاشتراها فاعتقها بعد ما ماتت امه لمن يكون ولاء العتق قال يكون ولائها لاقرباء امه من قبل ابيها ويكون نفقتها عليهم حتى تدرك وتستغني قال ولا يكون للذى اعتقها عن

[ 36 ]

امه من ولائها شيئى وقد حمل الشيخ (قده) في النهاية وتبعه جماعة صحيحة بريد العجلى وما في معناها على ما إذا كان المعتق رجلا والصحاح المخالفة على ما إذا كان المعتق امرئة اقول يستفاد من مجموع الروايات ان الارث بالولاء لا يكون كالارث بالنسب يشترك فيه كل مناسب ويكون الاقرب منهم مقدما على الا بعد والا لزم عدم اختصاصه بذكور العصبة والاولاد مع ان مجموع الروايات تدل على اختصاصه بالذكور فمنه يعلم ان الارث يدور مدار العقل المختص بالذكور كما يستفاد من توصيف العصبة بانهم يعقلون عنها فانه في مقام التعليل كما هو واضح ولا فرق بين عاقلة الرجل والمرئة حتى يختلف امر الولاء باختلافهما. فالاولى ان يقال انه يستفاد من هذه الروايات الدالة على دوران الولاء مدار العقل دخول الذكور من الاولاد في العاقلة وترتبهم على العصبة فمع وجود العصبة يختص بهم الولاء كما يختص بهم العقل سواء كان المعتق رجلا ام امرئة ومع فقدهم يرجع الولاء الى الذكور من الاولاد كما يعقلون حينئذ فان قلت الروايات الدالة على ثبوت الولاء للذكور من الاولاد مطلقة ولا شاهد لحملها على صورة فقد العصبة قلت الشاهد على التقييد هي الروايات الواردة في المرئة المعتقة الدالة على تقدم العصبة على الذكور من الاولاد توضيح ذلك ان الروايات الدالة على ثبوت الولاء للذكور من الاولاد حينئذ اما ناظرة الى عدم دوران الارث بالولاء مدار العقل إذا كان المعتق رجلا أو الى اختلاف عاقلة الرجل والمرئة أو الى ما بيناه من التقييد لا سبيل الى الاول والا لم يختص الارث بالولاء حينئذ بالذكور ولا الى الثاني للاتفاق على عدم اختلاف العاقلة باختلاف الرجل والمرئة فتعين الثالث.

[ 37 ]

فائدة - 3 (مسألة) لو علم المتطهر بحدوث حدث ولم يعلم بانه اصغر ام اكبر لا يجوز له الدخول في الصلوة ولا مس كتابة المصحف لاشتراطهما بالطهارة ويجوز له المكث في المساجد والعبور من المسجدين الاعظمين وقرائة العزائم لعدم العلم بحدوث الاكبر المانع منها والاصل عدم وجود المانع. لا يقال لا يجرى الاصل في اطراف العلم الاجمالي اما لعدم موضوعه باعتبار وجود العلم الاجمالي كما هو التحقيق واما للتعارض والتساقط كما يظهر من بعضهم فلا مجال لاصالة عدم المانع حينئذ لانا نقول نعم لا يجرى الاصل في كل من الحدثين ومع ذلك لا مانع من جريان اصالة عدم المانع لاستباحة كل من المكث والعبور وقرائة العزائم عليه قبل علمه بحدوث احد الحدثين وبعد العلم الاجمالي بحدوث احدهما لا يحصل له العلم بارتفاع الاستباحة فتستصحب للعلم بمقتضيها وعدم العلم بالمانع ثم انه لا يجوز له الدخول في الصلوة الا بالوضوء والغسل عند من لا يجتزى بمطلق الغسل عن الوضوء كما هو المشهور واما من قال باجزاء مطلق الغسل عنه كما اخترنا فيكتفى بالغسل فقط هذا إذا كان التردد بين الحدث الاصغر والاكبر مطلقا واما إذا تردد بين الاصغر وما عدى الجنابة من الاحداث الكبرى فهل يكتفى بالوضوء فقط بنائا على المشهور من وجوب الغسل والوضوء

[ 38 ]

معا لما عدا الجنابة من الاحداث من جهة انه يعلم باشتغال ذمته حينئذ بالوضوء على كل حال ويشك في وجوب الغسل فينحل العلم الاجمالي حينئذ ويصير الشك في الغسل شكا بدويا. والتحقيق انه لا يكتفى بالوضوء فقط للعلم بالحدث والشك في ارتفاعه بالوضوء فان الحدث المعلوم لا يعلم ارتفاعه الا بالجمع بينهما على المشهور أو بالغسل فقط عند من قال باجزائه عن الوضوء واما الوضوء المجرد فهو غير كاف مطلقا لا يقال المعلوم من الحدث حينئذ انما هو ما يوجب الوضوء والزائد عليه مشكوك الحدوث فيندفع بالاصل. لانا نقول لو كان الشك في التكليف فقط كما إذا علم بفوت واجب غير ركني من صلوته وشك في انه يوجب القضاء مع سجدتي السهو أو يوجب سجدتي السهو فقط لكان ما ذكر موجها لعدم العلم باشتغال ذمته بالزائد عن سجدتي السهو حينئذ واما إذا كان الشك في التكليف مسببا عن حكم وضعي كما في المقام فمع جريان الاصل فيه وهو استصحاب الحدث مع الشك في ارتفاعه لا مجال لاجراء الاصل بالنسبة الى التكليف بل لا تكليف في المقام على التحقيق لا يقال الحدث حقيقة واحدة والاختلاف انما هو في المرتبة شدة وضعفا والمعلوم من الحدث انما هي المرتبة الضعيفة وهى ترتفع بالوضوء فالشك حينئذ يرجع الى الشك في حدوث الحدث الاكبر والاصل عدمه. والحاصل ان الحدث الاصغر والاكبر لا يكونان متباينين حتى لا يجرى الاصل في واحد منهما وتباينها في السبب لا يمنع من جريان الاصل في المسبب فيجرى الاصل بالنسبة الى المرتبة الشديدة للشك في حدوثها لانا نقول اتحاد الحقيقة والاختلاف في المرتبة انما ينفع إذا ترتب على المزيل ارتفاع المرتبة الضعيفة على كل تقدير كما إذا علم اجمالا بان زيدا جنى

[ 39 ]

على عمرو مثلا وتردد جنايته بين ديتين احدهما اقل من الاخر فإذا ادى الاقل علم ببرائة ذمته بالنسبة الى الاقل ولو كان في ضمن الاكثر. اما إذا لم يحصل الارتفاع على كل تقدير كما في المقام فلا فان المرتبة الضعيفة من الحدث انما ترتفع بالوضوء إذا لم يكن في ضمن المرتبة الشديدة واما إذا كان في ضمن المرتبة الشديدة فلا يرتفع الحدث اصلا بالوضوء فقط ضرورة عدم تطرق التبعيض في الحدث بان يرتفع مرتبة منه ويبقى مرتبة اخرى. ومن هنا تبين انه لو تنجس شيئى اما بالبول أو بغيره يجب غسله مرتين ولا يكتفى بغسل واحد لان النجاسة معلومة وارتفاعها بالمرة غير معلوم فيستصحب وليس الشك في التكليف فقط حتى يقتصر على القدر المتيقن منه فلو احتمل نجاسته بولوغ الكلب يجب التعفير ايضا لعدم العلم برفع النجاسة حينئذ ضرورة عدم ارتفاع النجاسة بالمرة ولو في مرتبة ضعيفة منها إذا فرض ان المطهر هو الغسل مرتين ومما بيناه تبين انه لو استبرء عن البول وتطهر فراى بللا مرددا بين كونه بولا أو منيا وجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل بناء على المشهور من عدم اجزاء مطلق الغسل عن الوضوء وما توهمه بعض من ان احد طرفي العلم الاجمالي وهو البول محكوم بعدمه حينئذ لان الاستبراء امارة عدم كونه بولا فينحل العلم الاجمالي ويرجع الى الشك البدوى في كونه منيا والاصل عدمه فلا يجب عليه شيئى من الوضوء والغسل فاسد جدا للعلم بحدوث الحدث وارتفاع الطهارة قطعا. والحكم بعدم كونه بولا انما هو مع التردد بين كونه بولا أو وذيا مثلا واما مع الحكم بكون البلل حدثا وتردده بين ان يكون اصغرا واكبرا فلا مجال للحكم بعدم كونه بولا بعدم جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي اما لعدم المجرى أو للتعارض والتساقط والحكم بعدم كون البلل بعد الاستبراء بولا ان كان لموافقته للاصل حينئذ كما هو التحقيق فلا يجرى في المقام للعلم الاجمالي بحدوث الحدث وان كان من جهة ان الاستبراء امارة على عدم كونه بولا يلزم الحكم

[ 40 ]

بكونه منيا إذ بعد العلم بانحصار البلل في كونه بولا أو منيا وقيام الامارة على عدم كونه بولا يثبت كونه منيا لثبوت اللوازم العقلية والعادية بالامارة وكيف كان ففساد التوهم المذكور في غاية الوضوح نعم لو كان العلم الاجمالي قبل التطهر سواء كان قبل الاستبراء أو بعده لا يجب به شيئى بعدم العلم بحدوث حدث جديد فلا يجب عليه الا الوضوء ان كان محدثا بالاصغر أو الغسل ان كان محدثا بالاكبر.

[ 41 ]

فائده ء - 4 لو علم المكلف بانه فاتت منه فريضة ولم يعلمها بعينها فصلى خمسا أو ثلثا صبحا ومغربا ورباعية مرددة بين الظهر والعصر والعشاء ثم علم ببطلان واحدة منها فهل يجوز الاكتفاء بها لقاعدة الفراغ قيل نعم لانحلال العلم ورجوعه الى الشك البدوى من حيث ان الواجب في الواقع واحدة منها لا الجميع فلا يعلم حينئذ بوقوع الخلل في الفريضة الواجبة فيحكم بصحتها وعدم وقوع الخلل فيها بقاعدة الفراغ إذ لا تأثير لوقوع الخلل في غير الفريضة حتى يحكم بتنجز العلم الاجمالي وعدم جريان قاعدة الفراغ. والتحقيق خلافه لان وجوب اعادة الصلوة خمسا أو ثلثا انما كان لاجل وجوب تحصيل البرائة اليقينية ومع العلم بوقوع الخلل في واحدة منها لا يحصل البرائة اليقينية ولا مجال لجريان قاعدة الفراغ لعدم انحلال العلم الاجمالي إذ المفروض ان الجميع واجب بحسب الحكم الظاهرى وهو وجوب تحصيل البرائة اليقينية بالاتيان بالخمس أو الثلث فالعلم الاجمالي بوقوع الخلل في احديهما مؤثر على كل حال لوقوع الخلل حينئذ في احدى الصلوات الواجبة في الظاهر فلا تحصل البرائة اليقينية التى وجب عليه تحصيلها بحكم العقل الا باعادتها خمسا أو ثلثا. هذا مع ان قاعدة الفراغ انما يختص موردها بما إذا كان الشك لاجل احتمال الغفلة وعدمها كما دل عليه قوله عليه السلام هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك

[ 42 ]

فبقاعدة الفراغ يحكم بعدم الغفلة واما مع العلم بوقوع الغفلة كما في المقام فلا مجرى لها اصلا. والحاصل ان قاعدة الفراغ انما تحكم بعدم وقوع الغفلة من العامل في عمله لا في ان الغفلة الواقعة منه وقعت في محل دون محل آخر فان قلت لو كان الامر كذلك لزم ان لا يحكم بصحة الفريضة إذا علم المصلى بوقوع خلل اما في فريضة الصبح أو نافلته مثلا لا للعلم الاجمالي إذ لا يوجب التكليف بالاعادة على فرض وقوعه في النافلة فلا تأثير له حينئذ بل للشك في وقوع الخلل في الفريضة وعدم جريان قاعدة الفراغ فيها للعلم بوقوع الغفلة اجمالا قلت العلم الاجمالي انما يمنع من جريان قاعدة الفراغ إذا كان مؤثرا على كل تقدير واما إذا لم يؤثر الا على احد التقديرين فحاله حال الشك البدوى فلا فرق بينه وبين الشك في الفريضة فقط من حيث احتمال الخلل للغفلة المندفع بقاعدة الفراغ ومن هنا ذهب العلامة قدس سره في المنتهى الى ان المجدد لوضوئه إذا ذكر انه اخل بعضو من احدى الطهارتين لا يلتفت الى هذا الشك مطلقا لاندراجه تحت الشك في الوضوء بعد الفراغ ونقله الشهيد في (ن) عن السيد جمال الدين بن طاوس (ره) واستوجهه وبما بيناه يندفع ما ذكره في (ك) بانه يمكن الفرق بين الصورتين بان اليقين هنا حاصل بالترك وانما حصل الشك في موضعه بخلاف الشك بعد الفراغ فانه لا يقين فيه بوجه.

[ 43 ]

فائدة - 5 لو كان مجنبا عن حلال ثم اجنب عن حرام فهل يكون عرقه نجسا بنائا على نجاسة عرق الجنب عن حرام قيل لا لان الجنابة لا تتكرر والا لزم اجتماع المثلين في محل واحد فكما لا يصير المتطهر متطهرا ثانيا باغتساله ثانيا فكذلك الجنب لا يصير جنبا ثانيا بالوطى أو الانزال ثانيا عن حلال أو حرام حتى يصير عرقه نجسا إذا كانت الجنابة الثانية عن حرام. والتحقيق ان العرض على قسمين منها بسيط لا مراتب له شدة وضعفا كالعقود والايقاعات فلا يترتب حينئذ على انشائات المتكررة اثر اصلا وانما يتحقق بواحد منها العلقة الحاصلة ولا يترتب على المكرر منها عقد أو ايقاع جديد أو شدة وقوة فيه لعدم اشتداد العلقة بتكرر اسبابها. ومنها ماله مراتب شدة وضعفا كالحدث والخبث والطهارة عن احدهما فيترتب على المتكرر من اسباب الحدث والخبث والطهارة القوة والشدة ولذا ترى انه قد يكتفى في ازالة خبث بغسلة ولا يكفى في ازالة خبث آخر الا بغسلتين وليس هذا الا لكون بعض الاخباث اقوى من آخر فما تنجس بما يكتفى في ازالة خبثه بغسلة لو لاقى خبثا رطبا لا يكتفى في ازالته الا بغسلتين لا يطهر الا بهما ولو لم يتنجس المتنجس ثانيا بملاقاته للنجاسة ولو على وجه الاشتداد لزم ان يكتفى فيه بغسله مرة واحدة مع ان توقف طهارته على الغسلتين حينئذ في غاية الوضوح.

[ 44 ]

وهكذا الحال في الاحداث فان تقسيمه الى الاصغر والاكبر واختلاف الاحداث الكبرى في بعض الاحكام واختلاف الجنابة عن حرام مع الجنابة عن حلال في الحكم المذكور دليل قاطع على اختلاف مراتبه شدة وضعفا وهكذا الحال في الطهارتين فان انقسام الطهارة عن الحدث الى صغرى وكبرى واستحباب تجديد الوضوء وكونه نورا على نور شاهد قاطع على اختلاف مراتبها كما ان استحباب الغسل سبع مرات في بعض الموارد يشهد بان الطهارة عن الخبث كالنظافة عن الكثافات والاقذار تقبل المراتب شدة وضعفا وإذا اتضح لك ان الحدث يقبل الشدة والضعف فقد اتضح لك انه لا مانع من ان يصير الجنب عن حلال جنبا عن حرام ويترتب عليه اثر الجنابة عن حرام من نجاسة عرقه أو عدم جواز الصلوة في الثوب الذى عرق فيه.

[ 45 ]

فائدة - 6 إذا علم بثبوت حق معلوم العين والمقدار اشتبه من له الحق بين اثنين فصاعدا واستوى نسبة كل واحد إليه وتطرق الاشاعة فيه يشترك الكل فيه طبق نسبته إليه ويكون استواء النسبة إليه في مرحلة الظاهر كاستواء النسبة إليه واقعا في الاثار غاية الامر ان الاول حكم ظاهري والثانى واقعى وهذه القاعدة أي قاعدة ترتيب الاثر على كل واحد من الاطراف المشتبهة لاستواء النسبة بعد العلم بثبوت الحق لواحد منها تسمى بقاعدة العدل والانصاف وقد ورد به النص في مواضع كثيرة. منها مالو اودعه واحد دينارين والاخر دينارا فضاع دينار واشتبه فان لصاحب الدينار نصفا وللاخر الباقي كما في رواية السكوني وعمل به الاصحاب قدس سرهم وتقييد المحقق قدس سره موضوع المسألة بما إذا امتزج الجميع حتى يدخل في باب الشركة استخراج من عنده فان الروايات مطلقة مع ان تحصيل الشركة بالامتزاج متفرع على هذه القاعدة ضرورة عدم حصول الاشاعة الواقعية بمجرد الامتزاج الموجب للاشتباه وعدم التميز وانما الحكم بالاشاعة والاشتراك من جهة استواء النسبة في مرحلة الظاهر وعدم سبيل للعلم بتعيين كل جزء من الاجزاء الممتزجة لواحد من الملاك على انه لو حصل الامتزاج الموجب للشركة لزم ان تكون الشركة اثلاثا لا ارباعا فيلزم حينئذ ان يكون لصاحب الدينار ثلثا دينار والباقى لصاحب الدينارين فالتقييد المزبور

[ 46 ]

مخالف للحكم المنصوص. ومنها ما لو طلق من كان عنده اربع زوجات واحدة منها وتزوج خامسة ثم مات واشتبهت المطلقة في الاول فانه تعطى الخامسة ربع الفريضة والباقى للاول بالسوية كما في صحيح ابى بصير وعمل به الاصحاب قدس سرهم ولم يخالف فيه احد منهم الا ابن ادريس فانه حكم فيه بالقرعة. ومنها حصول الشركة بامتزاح احد المالين بالاخر بحيث لا يتميز احدهما من الاخر اختيارا كان المزج أو اتفاقا الذى اتفق عليه الاصحاب قدس سرهم وادعوا دلالة الاخبار عليه فان الامتزاج الرافع للتميز انما يوجب تساوى النسبة في مرحلة الظاهر الموجب للشركة الظاهرية لا التحقيقية كما هو ظاهر. وممن تنبه لذلك صاحب الحدائق قدس سرهم بل استظهره من كلامهم حيث قال في الحدائق: ثم لا يخفى ايضا ان الظاهر من كلامهم ان المراد بالشركة ما امتزج من المالين واشتبه فيه التميز بين الحقوق بحسب الظاهر لا ما كان كذلك بحسب الواقع ونفس الامر بمعنى ان يصير كل جزء جزء من ذلك المال المشترك كذلك في نفس الامر فان الغالب من اسبابها المزج الى ان قال نعم قد يتحقق الاشتراك النفس الامرى في الميراث وشراء شئ بالاشتراك ونحو ذلك انتهى وفصل صاحب الجواهر قدس سره ففرق بين المزج الاختياري والاتفاقى فحكم بان الشركة في الاول تحقيقي دون الثاني والتحقيق ان الشركة في الصورتين ظاهرية ضرورة ان الاشتباه وعدم التميز لا يوجب انقلاب الواقع حتى تحصل الاشاعة تحقيقا هذه جملة من الموارد المنصوصة التى وقفت عليه عاجلا وقد حكم الاصحاب في كثير من المواضع بمقتضى القاعدة المزبورة كما لا يخفى على المتتبع في ابواب الفقه. منها ما إذا ادعى اثنان عينا عند آخر واعترف ذو اليد بانها من احدهما وليس

[ 47 ]

لهما بينة وتحالفا فانه يحكم فيه بالتنصيف بينهما كما اختاره صاحب الجواهر قده واستظهره من الادلة والحكم بالتنصيف فيه ليس الا لاجل تساوى نسبة كل منهما إليه في الظاهر وليس من هذا الباب ما إذا كانت العين في يدهما وادعياها أو ادعيها احدهما والاخر نصفها وليس لهما بينة أو تعارضت بينتها وتساقطتا وتحالفا فان الحكم بالتنصيف في الصورة الاولى وبالربع لمدعى النصف وبالباقي لمدعى الكل من باب الاخذ بمقتضى اليدين لاجل عدم البينة أو سقوطهما لتعارضهما وعدم المرجح وسقوط الدعويين بالتحالف ولذا لا يعتبر حينئذ العلم بصدق دعوى احدهما بل يحكم فيه بذلك ولو احتمل كذب دعواهما معا. والحاصل ان تساوى نسبة كل واحد منهما الى عين في مرحلة الظاهر مع العلم باستحقاق احدهما يوجب الحكم بالاشتراك تنزيلا للتساوي في الظاهر منزلة التساوى واقعا وهذا مورد قاعدة العدل والانصاف واما مع اجتماع سببي الاستحقاق وتساويهما فهو مشارك مع القاعدة في الحكم بالاشتراك الا انه خارح عن تحت القاعدة وان كان الحكم بالاشتراك فيه ظاهريا ايضا لان سببية اليد للاستحقاق انما هو من جهة انه اصل كما هو التحقيق أو من جهة انه امارة عليه كما يظهر من بعضهم وعلى كل تقدير لا يكون موجبا للعلم بالواقع وان اشتبه من عليه الحق بغيره وتردد الامر بين اثنين فصاعدا ينحل العلم بالنسبة الى كل واحد ويجرى اصل العدم في حقه ولا يلتزم بشيئ حتى يصير موردا لقاعدة العدل والانصاف أو القرعة لان كلا منهما لا يكلف الا باداء ما في ذمته فعلم كل واحد بثبوت حق في ذمته أو ذمة صاحبه لا يؤثر في التزامه بشيئ وليس لمن له الحق ان يلزمهما أو احدهما معينا أو مخيرا باداء الحق لما ظهر لك من انتفاء موجب للالتزام بالنسبة اليهما. وايضا الامر دائر بين فوت حقه لعدم العلم بمن عليه الحق حتى يستوفيه منه وبين جعل ذمة البريئ مشغولة بحقه مقدمة لاستيفاء حقه ومن الواضح انه لا ترجيح

[ 48 ]

للثاني على الاول بل لا وجه له فينحصر الامر في الاول وان اشتبه من عليه الحق بمن له الحق وتردد الامر بينهما فهو مورد للقرعة كما ورد به النص في الفقيه عن الحماد عن الحسين ابن مختار قال قال أبو عبد الله عليه السلام لابي حنيفة يا ابا حنيفة ما تقول في بيت سقط على قوم وبقى منهم صبيان احدهما حر والاخر مملوك لصاحبه فلم يعرف الحر من المملوك فقال أبو حنيفة يعتق نصف هذا ويعتق نصف هذا ويقسم المال بينهما فقال أبو عبد الله عليه السلام ليس كذلك ولكنه يقرع بينهما فمن اصابته القرعة فهو حر ويعتق هذا فيجعل مولى له وعن حماد بن حريز عن احدهما (ع) قال قضى امير المؤمنين عليه السلام باليمن في قوم انهدمت عليهم دار لهم فبقى منهم صبيان احدهما مملوك والاخر حر فأسهم بينهما فخرج السهم على احدهما فجعل المال له واعتق الاخر " وعن ابن سماعة عن الحسن ابن ايوب عن العلا عن محمد عن احدهما عليهما السلام قال قلت له امة وحرة وقع عليهما بيت وقد ولدتا فماتت الامان وبقى الابنان كيف يورثان قال فقال اسهم عليهما ثلثا ولاءا يعنى ثلث مرات فايهما اصابه السهم ورث " وقد روى هذا الخبر في التهذيب بطرق آخر ايضا وبالجملة الروايات متطابقة في الحكم بالقرعة حينئذ ولا شبهة فيه وانما الكلام في ان الخبر الثالث المروى بطريقين ساكت عن عتق الاخر وانما حكم فيه بانه يرثه من اصابته القرعة والخبران الاولان يدلان على انه يعتق وهل يكون الاعتاق حينئذ واجبا ام مندوبا فيه وجهان. وجه الوجوب انه لو لم يكن واجبا لما اعتقه الامام مع صغر المولى. ووجه الندب سكوته عن العتق في الرواية الاخيرة والحكم بثبوت ولاء المعتق للاخر في الرواية الاولى لان الولاء انما يثبت للمعتق إذا كان العتق تبرعيا ولعل الوجه في الحكم بالعتق حينئذ ملاحظة مصلحة الوارث الصغير من حيث سقوط نفقة العبد حينئذ عنه ثم ان ما توهمه أبو حنيفة من جريان قاعدة العدل.

[ 49 ]

والانصاف حينئد حيث حكم برقية النصف من كل منهما وحرية النصف كذلك فهو باطل جدا إذ مع التردد في من عليه الحق لا مجال لجعل الحق في ذمتهما لمصلحة المستحق حتى يتمكن من استيفاء حقه بل جعل النصف من كل منهما رقيقا في المقام نقض للغرض ومناف لها لانها انما تجرى في موارده لاجل ايصال الحق الى مستحقه وعدم حرمانه عن حقه ولو عن بعضه وفى المقام لا يعود الى المولى شيئى بهذا الحكم لان الحكم برقية نصف العبد له مع الحكم برقية نصفه لعبده متكافئان فلم يصل الى المولى شيئى بل رقية نصف عبده له لا تعادل رقية نصفه لعبده ويكون الضرر عليه اشد حينئذ كما هو ظاهر. مع ان التبعيض في الحرية والرقية لم يعهد من الشارع الا في عقد الكتابة فلا مجال فيه الا للقرعة ولا ينافى الحكم بالقرعة في المقام مع الحكم بحرية كل من المتداعيين رقية الاخر بعد التحالف مع عدم البينة أو تساقطهما لعدم العلم برقية احدهما للاخر بمجرد التداعي لاحتمال كذب كل منهما نعم لو علم الحاكم برقية احدهما للاخر فهو حينئذ من هذا الباب. ثم ان الحكم بالقرعة حينئذ هل يختص بصورة اشتباه الحر بالمملوك أو يعم جميع موارد اشتباه من له الحق بمن عليه الحق ولو كان دينا - كما إذا علم كل منهما بان احدهما مديون للاخر - وعلى فرض الاختصاص بالصورة الاولى هل يعم جميع موارد التباس الحر بالمملوك ولو كانا بالغين عاقلين أو يختص بالصغيرين الظاهر انه لا يعم الحكم لجميع موارد التردد بينهما لعدم تأثير العلم الاجمالي بثبوت حق في ذمة احدهما للاخر في اشتغال ذمة كل منهما تعيينا أو تخييرا أو احدهما بعينه. كما هو ظاهر فيجرى اصالة العدم بالنسبة الى كل منهما فيجب الاقتصار على مورد النص وهو اشتباه الحر بالمملوك إذا كانا صغيرين ولعل الحكم بالقرعة حينئذ من جهة رجوع ولاية امرهما الى الامام عليه السلام فيصير تشخيص امرهما

[ 50 ]

من وظائفه عليه السلام فيجب عليه القرعة بينهما. والتحقيق انه لا مناص من القرعة في المقام ولا مجال لغيرها لان الامر دائر في كل من الصبيين بين كونه ولد المولى وولد العبد فلا مجال لقاعدة العدل والانصاف لعدم تطرق الاشاعة والاشتراك في الولادة كما انه لا مجال لاصالة عدم كونه ولد العبد للعلم الاجمالي بكونه ولد العبد أو ولد المولى وعدم جريان الاصل في اطرافه اما لعدم المجرى له حينئذ أو للتعارض والتساقط. فان قلت احد طرفي العلم الاجمالي وهو كونه ولدا للمولى لا يؤثر منعا فيسقط العلم الاجمالي حينئذ عن التأثير ويرجع الى الشك البدوى فلا مانع حينئذ من جريان الاصل. قلت الاثر ثابت على كل تقدير لان مقتضى كونه ولدا للمولى انتسابه الى المولى المستتبع لانتسابه الى اطرافه رجالا ونساء وثبوت الارث له ومقتضى كونه ولد العبد انتسابه الى العبد واطرافه وصيرورته ميراثا وثبوت النسبة والقرابة بالنسبة الى قبيلة وانقطاعه عن قبيلة اخرى المستتبع لاحكام كثيرة من المحرمية وحرمة النكاح وثبوت الوراثة وهكذا في غاية الاهمية في نظر الشارع فلا بد من تشخيصها وتعيينها ولا سبيل إليه الا بالقرعة. وان علم بثبوت حق واشتبه عينه وتردد بين عينين فصاعدا وتساوت نسبة كل من العينين الى كل واحد من المالكين ولا مرجح في البين فهو مورد لقاعدة العدل والانصاف لان تساويهما في النسبة موجب للحكم بالاشتراك في مرحلة الظاهر حسب نسبتهما اليهما وقد ورد به النص في بعض مواضعه. روى المشايخ الثلثة (قدس سرهم) عن اسحاق ابن عمار: " عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يبضعه الرجل ثلثين درهما في ثوب وآخر عشرين درهما في ثوب فبعث بالثوبين ولم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه قال يباع الثوبان فيعطى صاحب الثلثين ثلثة اخماس الثمن والاخر خمسى الثمن قلت فان صاحب العشرين قال لصاحب الثلثين اختر ايهما

[ 51 ]

شئت قال قد انصفه وعمل به اكثر الاصحاب (قدس سرهم) وخالفهم ابن ادريس فحكم فيه بالقرعة لانها لكل امر ملتبس وهذا من ذاك. وفيه ان موضوع القرعة هو الاشكال لا مجرد الالتباس ولا اشكال مع وجود النص بل يمكن ان يقال هذه الصورة راجعة الى الصورة الاولى التى ورد فيها النصوص المتعدد على انها مجرى لقاعدة العدل والانصاف إذ كل عين من العينين حينئذ يتردد امره بين اثنين أو اكثر فالنصوص السابقة الدالة على ترتيب آثار الاشاعة والاشتراك في الصورة الاولى دالة على ثبوته في هذه الصورة ايضا لرجوع الصورتين الى صورة واحدة فلا وجه للعدول عنها الى القرعة. وبما بيناه تبين انه لا يختص هذا الحكم بخصوص الثوبين ولا بصورة الاشتباه بين عينين بل يجرى في غير الثوبين وفى اكثر من عينين إذا وقع الاشتباه ولا مرجح في البين فالاقتصار على خصوص الثوبين المشتبهين والحكم بالقرعة في سائر الصور كما ذهب إليه جماعة من الاجلة لا وجه له. فان قلت ورود النصوص المتعددة على الحكم بالاشتراك في العين المرددة بين اثنين أو اكثر لا يدل على جريانه في المقام إذ لعل الحكم بالاشتراك مع وحدة العين من جهة دوران الامر بين تخصيصها باحدهما ولو بالقرعة المحتمل حرمان المستحق به رأسا والحكم باشتراكهما فيها الموجب لوصول بعض الحق الى مستحقه قطعا وتقدم الثاني على الاول وهذا الوجه لا يجرى في المقام لاشتراك القرعة مع الحكم بالاشتراك في عدم حرمان ذى الحق عن بعض حقه قلت تساوى النسبة في مرحلة الظاهر يقتضى ترتيب آثار الاشتراك ذاتا والنصوص الواردة مقررة للقاعدة العقلية ولا تعبد فيها وهذا الوجه موجود بعينه في المقام ولا مانع من الاخذ به ومجرد اشتراك القرعة معه حينئذ في وصول كل من ذوى الحقوق الى بعض حقه لا يوجب العدول عنه الى القرعة. ثم اعلم انه نقل عن العلامة (قدس سره) في " التذكرة " انه فصل في هذا الفرع

[ 52 ]

فقال " ان امكن بيعهما منفردين وجب ثم ان تساويا فلكل واحد ثمن ثوب ولا اشكال وان اختلفا فالاكثر لصاحبه وكذا الاقل بنائا على الغالب وان امكن خلافه الا انه نادر لا اثر له شرعا وان لم يمكن صارا كالمال المشترك شركة اختيارية كما لو امتزج الطعامان فيقسم الثمن على رأس المال وعليه تنزل الرواية اقول الحكم بالشركة الظاهرية ثابت على كل حال والتشريك انما هو في الثوبين لا في الثمن الذى اشترايا به فمع تساويهما في الثمن الذى بيعا به فلكل واحد نصف المجموع ومع اختلافهما فان كان ثمن الاقل ازيد من خمسين فللاقل ذلك إذ يعلم حينئذ بان قيمة ثوبه لا يكون اقل منه والا فله خمسان من المجموع بيعا منفردين أو منضمين والحاصل ان الحكم بالاشتراك اخماسا حكم ظاهري يؤخذ به مع الجهل بنسبة قيمة احدهما من قيمة الاخر واما مع العلم بتساوي النسبة كالصورة الاولى فالحكم هو التنصيف لا محالة وكذا مع العلم بان قيمة ادون الثوبين ازيد من خمسين نعلم بان لصاحب العشرين ازيد من خمسين فيعطى ذلك فالحكم بالاشتراك اخماسا انما هو مع الجهل بالنسبة رأسا أو مع العلم بالنسبة في الجملة وعدم العلم بان سهم الاقل ازيد من خمسين فما حكم به (قده) من الحكم بالتنصيف في صورة تساوى ثمني الثوبين صحيح ولكن لا يتم حكمه بان لصاحب الاقل اقل الثمنين مطلقا. وان علم الحق في الجملة وتردد في مقداره سواء كان ذلك ممن له الحق أو ممن عليه الحق يحكم بالاقل وينفى الزائد بالاصل الا إذا استند جهل من عليه الحق الى تقصيره فيجب عليه الاحتياط حينئذ كما إذا استدان رجل من آخر غير مرة وتساهل في قيده وضبطه مع جريان العادة بثبت المديون في دفتره مثلا ثم شك في مقدار دينه يجب عليه حينئذ الاحتياط بأداء ما يعلم ببرائة ذمته. ومن هذا القبيل من فاتته صلوات كثيرة وتساهل في قضائها وضبطها حتى شك

[ 53 ]

في مقدارها وينبغى ان ينزل على هذه الصورة فتوى اكثر الاصحاب بوجوب تحصيل البرائة اليقينية عند الشك في مقدار الفوائت والا فعدم وجوب تحصيل العلم بالبرائة مع الشك في الاقل والاكثر الغير الارتباطيين مسلم عند الجميع لعدم العلم بالاشتغال حينئذ حتى يجب عليه تحصيل البرائة اليقينية. وان علم باشتراك جماعة في عين واشتبه سهم كل واحد فاما ان يعلم بثبوت مقدار معين لكل واحد بعينه ويشك في الزائد أو لا يعلم به كذلك فان علم به كذلك اعطى كل واحد ما علم بثبوته له ويقسم الزائد بينهم بالسوية مع تساوى نسبة الكل إليه في الظاهر وعدم المرجح عقلا أو شرعا وان لم يعلم به كذلك حكم باشاعة العين بينهم بالسوية مطلقا سواء علم بالتفاوت في الجملة ولم يعلم مقداره ولا من له الزيادة أو علم مقداره واشتبه من له الزائد بمن له الاقل أو لم يعلم بالتفاوت اصلا. توضيح ذلك انه مع العلم بمقدار معين لكل واحد منهما بعينه كما إذا اجتمع ذكر مع الخنثى المشكل يستحق الذكر نصف التركة قطعا والخنثى ثلثها ويتردد الامر في السدس الباقي ويستوى نسبة كل منهما إليه مع عدم العلائم المشخصة الشرعية والعرفية فيحتمل كونه للذكر لاحتمال كون الخنثى انثى وللخنثى لاحتمال كونه ذكرا فيقسم بينهما بالسوية فيثبت للخنثى حينئذ سهم بين السهمين وتوهم ان الاصل عدم استحقاق الخنثى ما زاد عن سهم الانثى في غير محله لمعارضته بان الاصل عدم استحقاق الذكر ما زاد عن سهم ذكر مجامع للذكر والحاصل ان منشأ التردد هو ان الذكر في المورد هل هو مجامع مع ذكر حتى يستحق نصف التركة أو انثى حتى يستحق ثلثيها وكل منهما امر وجودي مخالف للاصل فلا مجال لجريان الاصل في احدهما ولا فرق فيما بيناه من تقسيم الزائد بينهما بالسوية بمقتضى قاعدة العدل والانصاف بين استحقاق كل منهما الجميع اقتضائا مع الشك في مقدار التزاحم كما في المثال فان كلا منهما

[ 54 ]

يستحق جميع التركة لو انفرد وبين عدم استحقاقهما الجميع كذلك كما إذا علم باشتراك عين بين زيد وعمرو وعلم بان لزيد نصفها ولعمرو ثلثها قطعا وشك في السدس هل هو لزيد ام لعمرو. واما مع عدم العلم بمقدار معين لكل واحد منهما بعينه فان لم يعلم بالتفاوت اصلا واحتمل كونهما متساويين فالامر ظاهر لاستواء نسبة كل منهما إليه في الظاهر والاصل عدم زيادة حق كل واحد منهما على الاخر فيشتركان فيه بالسوية. وان علم بالتفاوت في الجملة ولم يعلم مقداره ولا من له الزيادة فكذلك إذ نسبة منهما الى هذه الزيادة المعلومة اجمالا على حد سواء فيشتركان فيها فيتساويان وان علم بمقدار التفاوت كان علم بان لاحدهما ثلثا وللاخر الثلثين واشتبها في العين فلكل واحد منهما ثلث قطعا ويتردد الثلث الاخر بينهما فمع عدم المرجح وتساوى نسبة الثلث الى كل منهما يشتركان فيه بمقتضى قاعدة العدل والانصاف فيتساويان في العين فاتضح بحمد الله تعالى مما بيناه مجرى القاعدة الشريفة المسماة بقاعدة العدل والانصاف وانه هو ما إذا تردد من له الحق المعلوم بين اثنين فصاعدا مع تطرق الاشاعة في الحق وتساوى النسبة في الظاهر وعدم المرجح عقلا أو شرعا. ثم لا يخفى عليك انه لا فرق في هذا الحكم بين ان يكون متعلق الحق عينا خارجيا أو ما في الذمة كان علم زيد بثبوت دين معلوم المقدار في ذمته واشتبه في ان الدين لعمرو أو لبكر مثلا لان تساوى النسبة الى كل منهما كما يقتضى الاشاعة بالنسبة الى العين الخارجي كذلك يقتضى الاشاعة بالنسبة الى ما في الذمة وهو كالعين الخارجي قابل للاشاعة والاشتراك ذاتا ولا مانع من تطرقها فيه عرضا؟؟ فلا مجال للتفصيل بينهما فإذا تحققت الاشاعة بالنسبة الى ما في ذمته في مرحلة الظاهر يلزمه تحقق الوفاء وبرائة الذمة برد المقدار المعلوم اليهما بالسوية ان ادعاه كل واحد منهما وتحالفا

[ 55 ]

أو نكلا والا يختص به الحالف أو لم يدعه وعلم بانه لاحدهما واستويا في نظره وان ادعاه احدهما وحلف اختص به فيدفعه إليه. وان علم بثبوت دين في ذمته ولم يعلم بالدائن لا اجمالا ولا تفصيلا فهو من قبيل المظالم ولا يجب عليه الاحتياط في صورة اشتباه من له الحق في عدد محصور يدفع المقدار المعلوم الى كل واحد منهم لان الاحتياط انما يجب لاجل تردد المأمور به بين امور مع عدم تطرق الاشاعة فينحصر طريق الامتثال في الاتيان بجميع الاطراف المحتملة حينئذ بخلاف المقام المتحقق فيه الاشاعة الظاهرية لوجود المقتضى لها وهو تردد من له الحق بين اثنين فصاعدا وفقد المانع وقبول المحل لها فيجب عليه حينئذ دفع الحق المعلوم اجمالا الى مستحقيه في الظاهر ويبرء ذمته بهذا الدفع ولو لم يبرء ذمته في الظاهر بالدفع إليهم لكان مناقضا مع حصول الاشاعة الظاهرية ومع حصول البرائة في الظاهر لاجل العمل بالوظيفة لا يبقى مجال لوجوب الاحتياط. ومن هنا تبين انه لا يجب المصالحة معهم حينئذ نعم لو صالح مع كل واحد منهم لكان احوط وبما بيناه تبين ان الحكم بالسهم بين السهمين في الخنثى المشكل الذى له ما للرجال وما للنساء إذا تساوى الفرجان في البول سبقا وانقطاعا كما ورد به النص منطبق على القواعد الاولية الجارية في سائر الموارد ولكن الحكم بالقرعة في من ليس له ما للرجال والنساء تعبدي ثبت بالنص الخاص. ومنه يعلم انه لو جهل ذكورة الوارث و انوثته مع عدم التمكن من الفحص عن حاله كما لو ولد حيا في سفينة وغرق في البحر قبل العلم بحاله فمقتضى الميزان الحكم فيه بالسهم بين السهمين لعدم ورود نص فيه على خلافه وتوهم الاقتصار فيه على سهم الانثى للاصل باطل جدا لما عرفت من عدم جريان الاصل في احد من الطرفين ثم اعلم ان الحكم بالسهم بين السهمين في القسم الاول من الخنثى يمكن ان يكون حكما واقعيا من جهة اجتماع الذكورة والانوثة فيه تحقيقا وعدم غلبة احدى

[ 56 ]

الجهتين على الاخرى فهو ذكر وانثى تحقيقا لا انه اما ذكر أو انثى ولا ينافى ذلك من كون اصل الحكم واقعيا ما ورد في النص من الحكم به في صورة موت الولد قبل ان يبول لانه انما يصير حكما ظاهريا حينئذ باعتباره اصالة عدم غلبة احدى الجهتين على الاخرى. ويظهر من النصوص الواردة في المقام ان الاصل لا يجرى قبل الفحص من حال الواقع في المقام مع التمكن منه مع ان الشبهة موضوعية ومن شانها عدم وجوب الفحص فيها والسر في وجوب الفحص هنا شدة اهتمام الشارع بحكم الموضوع في المقام من جهة انه من حقوق الناس وكيف كان فقد ظهر لك ان مجرى قاعدة العدل والانصاف هو العلم بثبوت الحق وتردد من له الحق بين اثنين فصاعدا مع تطرق الاشاعة في الحق وتساوى النسبة في الظاهر وعدم المرجح من دون فرق بين ان يكون متعلق الحق عينا خارجيا أو ما في الذمة وثبوت القرعة في بعض الموارد الذى هو مجرى للقاعدة المزبورة كالخنثى الذى ليس له ما للرجال وما للنساء انما هو بالنص الخاص كما ان الحكم بجريان القاعدة في دية الجنين الذى لم يعلم اذكر ام انثى والحكم بالدية بين الديتين ايضا بالنص الخاص والا فمقتضى الميزان الحكم فيه بدية الانثى لان الزائد عنها مشكوك فيه والاصل عدمه. ولعل الوجه فيه اهتمام الشارع بالحقوق المتعلقة بالدماء فجعل الدية فيه متوسطة بين الديتين رعاية للجانبين لا يقال قد تجرى القاعدة مع تردد الحق بين اعيان متعددة والعلم بمن له الحق كما إذا علم زيد ان لعمرو عنده مالا ولم يعلم انه ثوب أو كتاب أو بساط مخصوص مثلا فان الظاهر انه يحكم بتقويم المجموع ورد ثلث قيمته الى عمرو. لانا نقول تردد الحق بين اعيان متعددة يرجع الى تردد من له الحق في كل عين من الاعيان بين زيد وعمرو فيحكم فيه بالاشاعة الظاهرية ويجرى فيه قاعدة

[ 57 ]

العدل والانصاف وحيث ان لعمرو واحدا منها وتردد الامر بين اعيان ثلثة متباينة فلا بد من تقويم المجموع ورد ثلث قيمته إليه وان تردد العين بين اعيان اربعة فله ربع قيمة المجموع وهكذا فان قلت الحكم بالاشاعة على خلاف الواقع قطعا إذ المفروض ان العين يختص باحدهما في الواقع ولا اشاعة فيه والحكم الظاهرى وظيفة للجاهل بالواقع واما مع العلم بعدم الاشاعة فلا يعقل ان تكون الوظيفة هي الحكم بالاشاعة. قلت يتساوى نسبة الشخصين الى العين في الظاهر حينئذ فيدور الامر بين تخصيص العين باحدهما والحكم بالاشاعة والاول اعمال لاحدى النسبتين والغاء للاخرى مع عدم المرجح وبطلانه ظاهر واما الاشاعة فهى مقتضى اعمال النسبتين ولا ينافى الحكم بها مع العلم بعدمها واقعا كما لا ينافى الحكم بالتخيير في الظاهر مع العلم بعدمه واقعا. والحاصل ان العجز عن تحصيل الموافقة القطعية كما اوجب الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية والحكم بالتخيير فكذلك العجز عن ايصال تمام الحق الى مستحقه اوجب الاكتفاء بايصال بعض الحق الى مستحقه والحكم بالاشاعة لعدم السبيل الى غيره هذا تمام الكلام في قاعدة العدل والانصاف. واما القرعة فمجريها الامر بالمشكل لا المشتبه والا جرت في جميع موارد الاصول لثبوت الاشتباه فيها والاشكال لا يتحقق الا بعدم المجرى لسائر الاصول والقواعد أو بوجود المانع عن جريانها مع ثبوت المجرى اقتضائا فهى متأخرة عن جميع الاصول والقواعد. ومالا يكون مجرى لشيئى من الاصول مثل ما إذا وطئى جماعة الامة المشتركة بينهم في طهر واحد شبهة فحملت وجائت بولد وتداعوه فانه لا يجرى فيه سائر الاصول اما قاعدة العدل والانصاف فلانها انما تجرى فيما يتطرق فيه الاشاعة ولا اشاعة في النسب واما سائر الاصول فعدم جريانها فيه اوضح فينحصر الامر في القرعة والامر في مثله واضح.

[ 58 ]

فان قلت لامانع من اجراء اصالة عدم النسب في المقام لان علم كل واحد من الشركاء بان الولد اما منه أو من شريكه لا يوجب الزامه بشئ قلت لا يجرى اصل العدم في المقام لا لوجود العلم الاجمالي حتى يرد عليه ما ذكرت من عدم تأثيره الالزام حينئذ باعتبار خروج احد طرفيه عن محل الابتلاء بل لاجل وجود مقتضى لحوق الولد بكل منهم لاشتراكهم في الفراش إذ الامة الموطوئة شبهة تصير فراشا لكل منهم فلا مجال لاجراء اصالة عدم لحقوق الولد حينئذ مع وجود ما يقتضى اللحوق في كل منهم ولو اعتبرنا مع ذلك الحالة السابقة في مجرى الاصل لكان الامر اوضح إذ لا حالة سابقة للحوق وعدمه حتى يستصحب (1) واما الموارد التى تجرى القرعة فيها لاجل وجود مانع من جريان سائر الاصول مع ثبوت المجرى لها فقد يشتبه الامر فيها ويحتاج الى تأمل تام في تحقيق وجود المانع وعدمه عقلا أو شرعا هذا إذا كان القرعة لاستخراج امر مجهول واما إذا كان القرعة لتعيين سهام الشركاء فالامر فيه واضح ايضا.


(1) لا يقال ثبوت مقتضى لحوق الولد في كل منهم مع عدم تطرق الاشتراك يوجب التعارض والتساقط كما هو الشان في تعارض المقتضيات مع عدم وجود المرجح. لانا نقول لحوق الولد بواحد منهم معلوم فلا مجال للحكم ببطلان اللحوق اصلا وانما التعارض بين الاسباب في تعين المحق به فإذا لم يتطرق فيه الاشتراك ولا ترجيح في البين يتعين الحكم بالقرعة (منه).

[ 59 ]

" فائدة - 7 " الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب عن عبد الله ابن المغيرة عن غير واحد من اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام " في رجلين كان معهما درهمان فقال احدهما الدرهمان لى وقال الاخر هما بينى وبينك قال فقال أبو عبد الله (ع) اما الذى قال هما بينى وبينك فقد اقر بان احد الدرهمين ليس له فيه شئ وانه لصاحبه يقسم الدرهم الثاني بينهما نصفين ". وعن العلامة قدس سره في التذكره " لو كان في يد شخصين درهمان فادعاهما احدهما وادعى الاخر واحدا منها اعطى مد عيهما معا درهما وكان الاخر بينهما نصفين لان مدعى احدهما غير منازع في الدرهم الاخر فيحكم به لمدعيهما وقد تساويا في دعوى احدهما يدا ودعوى فيحكم به لهما هذا إذا لم يوجد بينة والاقرب انه لابد من اليمين فيحلف كل واحد منهما على استحقاق النصف الاخر الذى تصادمت دعواهما فيه فمن نكل منهما قضى به للاخر ولو نكلا معا أو حلفا معا قسم بينهما نصفين لما رواه عبد الله ابن المغيرة " انتهى. وما استظهره من تنزيل الرواية على صورة عدم البينة أو تعارض البينتين وتحالفهما أو نكولهما عن اليمين في محله فان الظاهر ان الرواية ناظرة الى تساوى اليدين بالنسبة الى احد الدرهمين المقتضى للتقسيم بينهما مع عدم ما يوجب اختصاص احدهما به من البينة أو حلف احدهما ونكول الاخر.

[ 60 ]

وقال الشهيد قدس سره في الدروس " لو كان معهما درهمان فادعاهما احدهما والاخر اشتراكهما ففى الرواية المشهورة للثاني نصف درهم وللاول الباقي ويشكل إذا ادعى الثاني النصف مشاعا فانه يقوى القسمه نصفين ويحلف الثاني للاول وكذا كل مشاع " انتهى وكانه قدس سره زعم ان يد كل منهما متعلق بالنصف المشاع فيصير مدعى الكل مدعيا على صاحبه واما مدعى النصف فلاجل موافقة ادعائه ليده لا يكون مدعيا على صاحبه شيئا وانما ينكر ادعائه عليه فعليه ان يحلف ويترك له مافى يده وهو النصف مشاعا. وما زعمه في غير محله لان يد كل منهما متعلق بالكل والاشاعة في العين انما تتحقق من قبل اجتماع اليدين على محل واحد فمرجع الاشاعة والاشتراك الى عدم تمامية كل من اليدين في تأثير الاستحقاق والتملك من جهة التزاحم بينهما لا الى تعلق كل منهما بكسر مشاع والتعبير بملك النصف أو الثلث وهكذا تنبيه على نقصان الاستحقاق وتقدير مرتبة ضعفه وان تتميمه انما هو بتقسيمه بهذه النسبة. وهكذا الامر في سائر الاسباب الموجبة للاشاعة والاشتراك في العين ضرورة ان تعلق اليد والاستحقاق بالكسر المشاع غير متصور لان مرجع الكسر المشاع اشاعة واقعية حينئذ الى كسر غير معين واقعا وما لم يتعين واقعا مبهم لا يقبل الوجود حتى يصير موردا للاستحقاق واسبابه من اليد وغيرها ضرورة ان الشيئى ما لم يتشخص لم يوجد كما انه ما لم يوجد لم يتشخص ومن هنا يبطل نكاح احدى البنتين وطلاق احدى المرئتين. فان قلت نعم كل من اليدين متعلق بنفس العين لا بكسر منها الا ان مقتضى اجتماع اليدين على عين تنصيفها بينهما لانهما متكافئان ولا ترجيح لاحديهما على الاخرى فاقرار مدعى النصف بالنصف لمدعى الكل اقرار بمقتضى اجتماع اليدين وتقرير له فلا يعقل ان يؤثر في انقلابه عما هو عليه من التنصيف الى التربيع. قلت استحقاق كل منهما نصف العين قبل الاقرار انما هو مقتضى اجتماع

[ 61 ]

اليدين عليها وعدم ترجيح احديهما على الاخرى ورجوع النصف الى مدعى الكل بعد اقرار صاحبه له بالنصف انما هو بالاقرار النافذ عليه لا باعتبار اجتماع اليدين على الكل ولذا ينفذ الاقرار بالنصف سواء اجتمعت ايديهما على العين ام انفردت يد المقر بها فتاثير الاقرار في النصف ليس تقريرا بمقتضى اجتماع اليدين واثر اجتماعهما حينئذ انما يكون في النصف الاخر فيقتسمانه بالسوية فيثبت لمدعى النصف الربع ولمدعى الكل الباقي. فتبين بما بيناه غاية التبين انه لافرق في استحقاق مدعى النصف الربع حينئذ بين ادعائه نصفا مشاعا أو معينا بل الرواية الشريفة الحاكمة بالتربيع ظاهرة في ادعائه النصف مشاعا. ومما حققنا يظهر لك ان ما ذكروه في كتاب القضاء من الاقتسام نصفين إذا ادعى نصفا مشاعا و ارباعا إذا ادعى نصفا معينا في غير محله. في اللمعة في كتاب القضاء " لو تشبثا وادعى احدهما الجميع والاخر النصف اقتسماها بعد يمين مدعى النصف للاخر وقيده الشهيد الثاني (قدس سره) في الشرح بعد تفسير الاقتسام بالتنصيف بما إذا كان المدعى به نصفا مشاعا قال " ولو كان النصف المتنازع معينا اقتسماه بالسوية بعد التحالف فيثبت لمدعيه الربع والفرق ان كل جزء من العين على تقدير الاشاعة يدعى كل منهما تعلق حقه به ولا ترجيح بخلاف المعين إذ لا نزاع في غيره ولم يذكروا في هذا الحكم خلافا والا فلا يخلو من نظر " وقال ابنه الشيخ على (ره) في الحاشية افاد والدى في وجه النظران الغرض وضع يدهما على العين المتنازع فيها مع التعيين ان كانت يد مدعيه عليه وحده حلف لمدعى الكل واخذها لا انه ياخذ الربع وان كانت اليد على المجموع لكن الدعوى على النصف المعين ساوى المشاع في استحقاق النصف ". وفى قواعد العلامة (قدس سره) " لو كان في ايديهما عين فادعاها احدهما وادعى الاخر منهما نصفها ولا بينة فهى بينهما بالسوية وعلى مدعى النصف اليمين

[ 62 ]

لصاحبه ولا يمين على صاحبه " (انتهى). اقول اما ما ذكره من وجه الفرق بين المشاع والمعين بانه في صورة دعوى النصف مشاعا كل جزء من اجزاء العين مورد لتعلق حق كل منهما بحسب دعواه فلا مزية لاحدهما على الاخر دعوى ويدا فتنتصف بينهما ففيه ان اقراره بالنصف مشاعا لمدعى الكل يوجب اخراجه عن محل التعارض فلا يتعارضان الا في النصف الاخر فيقتسمانه بالسوية فيحصل لمدعى النصف الربع ولمدعى الكل الباقي. وتوهم عدم خروج النصف عن مورد التعارض إذا كان المدعى به النصف مشاعا باطل جدا لان مقتضى نفوذ الاقرار خروج المقر به عن مورد التعارض مشاعا كان أو معينا. فان قلت شيوع المقر به فيما بيده وبيد صاحبه موجب لتساوي كل منهما في كلا النصفين وعدم ترجيح احدهما على الاخر فيعمل اليدان حينئذ بالنسبة الى المجموع. قلت شيوع النصف المقر به في العين لا يوجب الغاء الاقرار وعدم نفوذه كما هو ظاهر. فان اردت من تساوى كل منهما في كلا النصفين وعدم ترجيح احدهما على الاخر التساوى في الاستحقاق فهو باطل بالضرورة لاستحقاق مدعى الكل النصف باقرار صاحبه ونصف النصف الاخر باعتبار اشتراك يده. وان اردت من تساويهما في كلا النصفين عدم تميز المقر به عن غيره في الخارج وعدم تعينه فهو مسلم ولكن لا يوجب اعمال اليدين في المجموع المقتضى لاستحقاق كل منهما نصفا من العين كما هو ظاهر فاتضح بما بيناه غاية الاتضاح ان ما ذكر من وجه الفرق غير فارق فيما نحن فيه ولا يجدى اصلا وان مقتضى القواعد العامة الحكم بالتربيع مطلقا سواء كان المدعى به النصف مشاعا أو معينا فما يظهر من كلماتهم ان مقتضى القواعد دعوى النصف المشاع التنصيف وان الرواية المشهورة على خلاف القاعدة فيجب الاقتصار عليها في مورد

[ 63 ]

النص وهو الدرهمان في غير محله مع ان عمومات القواعد غير قابلة للتخصيص نعم قد تقدم جهة على جهة فيتخيل انه من باب التخصيص ومن المعلوم انتفائه في المقام. ومن غرائب الاوهام ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) في المقام فقال ما محصله ان كلا من اليدين يقتضى تملك تمام العين فإذا اجتمعتا على الدرهمين تعارضتا وتساقطتا كتساقط البينتين المتعارضتين المتساويتين فيصير كل منهما كمن لا يد له عليهما فلا يكون احدهما مدعيا والاخر منكرا حتى يرد عليه ان مدعى الكل مدع للدرهم الذى هو تحت يد مدعى النصف ومقتضاه ثبوت النصف لمدعيه بعد حلفه لا الربع وانما حكم فيه بتنصيف احد الدرهمين من جهة استواء نسبتهما إليه قطعا للخصومة بينهما بالعدل والانصاف فهو كالصلح القهري ولعله لذا ذكر الاصحاب هذه المسألة وما شابهها في هذا الكتاب. وهو في غاية الغرابة إذ لا معارضة بين الايدى بوجه ضرورة ان المراد من اليد هو الاستيلاء والاحاطة وله مراتب فالاستيلاء التام موجب للحكم بالاستحقاق التام كما ان الاستيلاء الضعيف بواسطة مجامعة يد اخرى معه موجب للحكم باستحقاق ضعيف حسب مرتبة ضعفه باختلاف تعدد الايدى ولا يكون كل من اليدين المجتمعتين على عين واحدة موجبا للحكم بالتملك التام حتى تتعارضا وتتساقطا ولا ينافى ذلك كون اليد موجبة للحكم بالتملك التام إذا انفردت لان الاستيلاء مع الانفراد تام فيوجب الحكم بالاستحقاق التام وهذا بخلاف البينة فانها تدل على ثبوت ما قامت عليه البينة على حد واحد اجتمعت مع بينة اخرى ام لا ولا تختلف دلالتها عليه باختلاف انفرادها واجتماعها مع بينة اخرى ولذا تتعارضان عند اجتماع المتنافيتين منها ويقدم الاقوى منهما لو كان والا تساقطتا على انه لو صح ما ذكره لزم فيما إذا اجتمعت اليدان على عين وادعياها كل منهما وادعاها ثالث ايضا ان يكون حكم الثالث حكمهما لخروج العين حينئذ عن تحت يد كل واحد منهم لبطلان اليدين وتساقطهما وهو خلاف ضرورة الفقه.

[ 64 ]

(فائدة - 8): قال شيخ مشائخنا العلامة الانصاري في المتاجر. (مسألة) لو باع من له نصف الدار نصف ملك الدار فان علم انه اراد نصفه أو نصف الغير عمل به والا فان علم انه لم يقصد بقوله بعتك نصف الدار الا مفهوم هذا اللفظ ففيه احتمالان حمله على نصفه المملوك له وحمله على النصف المشاع بينه وبين الأجنبي. ومنشا الاحتمالين اما تعارض ظاهر النصف اعني الحصة المشاعة في مجموع النصفين مع ظهور انصرافه في مثل المقام من مقامات التصرف الى نصفه المختص وان لم يكن له هذا الظهور في غير المقام ولذا يحمل الاقرار على الاشاعة كما سيجيئى أو مع ظهور انشاء البيع في البيع لنفسه لان بيع مال الغير لابد فيه اما من نية الغير أو اعتقاد كون المال لنفسه واما من بنائه على تملكه للمال عدوانا كما في بيع الغاصب والكل خلاف المفروض هنا ومما ذكرنا يظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين قول البائع بعت غانما مع كون الاسم مشتركا بين عبده وعبد غيره حيث ادعى فخر الدين الاجماع على انصرافه الى عبده فقاس عليه ما نحن فيه إذ ليس للفظ المبيع هنا ظهور في عبد الغير فبقى ظهور البيع في وقوعه لنفس البايع وانصراف لفظ المبيع في مقام التصرف الى مال المتصرف

[ 65 ]

سليمين عن المعارض فيفسر بها اجمال لفظ المبيع " (انتهى). اقول وفيما ذكره نظر من وجوه: الاول ان المقصود بالبحث هو ما إذا لم يقصد البايع الا مفهوم النصف من دون تعيين في نظره وضميره من حصته أو حصة شريكه أو الحصة المشاعة بينهما كما ذكره (قدس سره) لا ما إذا قصد المعين واشتبه علينا فحينئذ لا وجه للتمسك بالظهور وترجيح احد الظاهرين على الاخر أو تعديلهما لان اعمال الظهور انما هو لكشف مراد المتكلم والمفروض ان المتكلم في المقام لم يقصد الا مفهوم النصف من دون نظر الى التعيين اصلا. فالصواب في وجه الاحتمالين ان يقال عدم ظهور النصف في النصف المختص به أو بشريكه وعمومه لهما يقتضى حمله على النصف المشاع بينهما وانصراف البيع الصادر عن البايع مع قطع النظر عن الصارف الى وقوعه عن نفسه مع صلوح المبيع له يقتضى حمل النصف على النصف المختص به. والثانى انه لا ظهور للنصف مع قطع النظر عما بيناه من انصراف البيع الصادر عن الشخص في حد نفسه الى وقوعه عن نفسه المقتضى تعلقه بحصته المختصة به الا في النصف المشاع المنطبق على حصته وحصة شريكه والحصة المشاعة بينهما على حد واحد لان الجميع مصاديق للنصف المشاع فلا ظهور له في فرد منها غاية الامر ان تخصيصه بحصته أو حصة شريكه يحتاج الى ما يخصصه به وهو غير ظهوره في الحصة المشاعة بينهما حتى يعارض انصراف البيع في حد نفسه الى وقوعه عن البايع. والثالث ان انصراف النصف الى حصة المتصرف انما هو من جهة انصراف البيع والصلح وهكذا من التصرفات العقدية والايقاعية الى التصرف عن نفسه ولنفسه فالترديد لا وجه له. ومما بيناه ظهران ايراده على فخر الدين (قدس سره) بعدم ظهور المبيع في مثاله

[ 66 ]

لعبد الغير دون ما نحن فيه في غير محله فان المبيع في المقامين لا ظهور له في شيئى وان افترقا من وجوه اخر وانما الظهور والانصراف انما هو من قبل المحمول وهو البيع فيشتركان في هذه الجهة. والرابع ان ما ذكره في وجه ظهور البيع في البيع لنفسه من ان بيع مال الغير يتوقف على احد امور ثلثة في غير محله لان بيع مال الغير يقع عن الغير سواء نواه عن الغير ام لا بل ولو نواه عن نفسه ولا حاجة الى نية ايقاعه عن غيره أو اعتقاده كون المال لنفسه أو بنائه على تملكه للمال عدوانا وانما يحتاج الى النية عن الغير إذا كان المبيع مشتركا صالحا للوقوع عن نفسه وعن غيره كما في المقام. فتبين مما بيناه ان انصراف البيع الى وقوع البيع لنفس البايع المقتضى لحمل النصف على حصته المختصة به لا يعارضه ظهور النصف في المشاع لان حصته ايضا مشاعة غير مفروزة ولا ظهور للنصف المشاع في فرد خاص من المشاع وهو المشاع بين الطرفين بمعنى الموزع على السهمين حتى يعارض الانصراف المذكور ولذا تكون المسألة من المسلمات كما في الجواهر وعن غصب جامع المقاصد والمسالك وانه مما لا ينبغى التأمل والتوقف فيها. وانما الشأن في بيان افتراق الاقرار عن البيع وامثاله في هذا الحكم. فاقول بعون الله تعالى ومشيته ان التصرفات الانشائية عقدا كانت أو ايقاعا إذا تعلقت بما يصلح لوقوعها عن نفس المتصرف وعن غيره بقصد الفاعل ايقاعها عن غيره لا تكون نسبتها الى الطرفين على حد واحد بحيث يكون الفعل مبهما مع عدم نية المتصرف ايقاعه عن نفسه أو عن غيره ويصير بالطلا من جهة عدم تعينه في احد وجهيه. ضرورة ان صدور الفعل عن الفاعل يقتضى وقوعه عن نفسه في حد نفسه لان ارتباطه بنفسه مقتضى ذاته ولا ينصرف عنه الى غيره الا بوجود صارف يصرفه عنه فمع عدم وجود الصارف كما هو المفروض لابد من وقوع البيع عن نفسه المقتضى

[ 67 ]

لحمل النصف المشاع على حصته لا حصة شريكه. اما الاقرار فلما كان اخبارا عن ثبوت حق الغير فيما بيده ويد الغير من دون تصرف من المقر فلا انصراف فيه بوجه فينطبق متعلق الاقرار على الحصة المشاعة في المال من دون اختصاص بحصته أو حصة صاحبه فيوزع عليهما لعدم وجود مرجح في احد الطرفين ولا صارف عنه. وقد تبين مما بيناه امور: الاول ان النصف كما يحمل على حصته المختصة به في مورد الاشتراك مع الأجنبي كذلك يحمل عليها في مورد اشتراكه مع المولى عليه والموكل لان المناط انصراف الفعل الى وقوعه عن نفس الفاعل في حد نفسه ما لم يصرفه عنه بصارف وهو موجود في المقامين. والثانى فساد ما ذكره بعضهم من ان حمل النصف على النصف المختص بالبايع انما هو فيما إذا قصد البايع نصفا معينا واشتبه علينا مقصوده وما إذا قصد مفهوم النصف من دون تعيين في ضميره فهو محمول على المشاع بينهما كصورة الاقرار لما اوضحناه لك من ان منشا الانصراف الى حصة البايع هو انصراف البيع الذى هو فعل من افعاله الى وقوعه عن نفسه والا فلا انصراف في لفظ النصف الى حصة معينة بل الحمل على حصة البايع في صورة قصد البايع نصفا معينا واشتباهه علينا انما هو ايضا لاجل انصراف الفعل الى وقوعه عن نفسه ما لم يصرفه عنه صارف. فإذا علمنا انه اراد نصفا معينا ولم نعلم بانه اراد ما هو مقتضاه في حد نفسه ولو خلى وطبعه ام اراد غير منصرفه الاولى ومقتضاه الذاتي فمع الشك في تحقق الصارف عن وجهته الاولية ناخذ بمقتضاه الذاتي اعتدادا بوجود المقتضى والغائا للمانع المشكوك ولولا ذلك لم يكن وجه لحمله على الحصة المختصة بالبايع فحمله على الحصة المختصة به حينئذ ظاهري من جهة العلم بوجود المقتضى

[ 68 ]

والشك في وجود المانع. واما الحمل على الحصة المختصة به في صورة عدم تعيين النصف في ضميره فحكم واقعى تحقيقي للعلم بوجود المقتضى وعدم المانع والصارف معا فلو عكس الامر لكان اولى. والثالث ان انصراف البيع الى البيع الواقع عن نفس البايع انما هو لاجل كونه فعلا له ومقتضى كونه فعله ارتباطه به ابتدائا وصرفه عنه الى غيره مع صلوحه له يحتاج الى صارف يصرفه عنه وهو مطرد في كل فعل. ومن هنا يكفى في وقوع الصلوة والصوم عن نفسه مجرد نية الصلوة والصوم ولا يحتاج الى نية كونه لنفسه كما يحتاج وقوعه عن غيره الى نية النيابة عنه ومقتضاه في المقام حمل النصف على حصته المختصة به لا ان للفظ النصف في هذا المقام ظهورا في الحصة المختصة به كما يظهر من كلام شيخنا (قدس سره). ثم انه (قدس سره) بعد ما زعم ان ما ذكره جماعة من انه لو اصدق المرئة عينا فوهبت نصفها المشاع قبل الطلاق استحق الزوج بالطلاق النصف الباقي لا نصف الباقي وقيمة نصف الموهوب لا يخلو عن منافاة لهذا المقام. قال: " ونظيره في ظهور المنافات لما هنا ما ذكروه في باب الصلح من انه إذا اقر من بيده المال لاحد المدعيين للمال بسبب موجب للشركة كالارث فصالحه المقر له على ذلك النصف كان النصف مشاعا في نصيبهما فان اجاز شريكه نفذ في المجموع والا نفذ في الربع فان مقتضى ما ذكروه هنا اختصاص المصالح بنصف المقر له لانه ان اوقع الصلح على نصفه الذى اقر له به فهو كما لو صالح نصفه قبل الاقرار مع غير المقر أو معه وان اوقعه على مطلق النصف المشاع انصرف ايضا الى حصته فلا وجه لاشتراكه بينه وبين شريكه. ولذا اختار سيد مشائخنا (قدس سره) اختصاصه بالمقر له و فصل في المسالك بين ما لو وقع الصلح على نصفه أو مطلق النصف وبين ما إذا وقع على النصف

[ 69 ]

الذى اقر به ذو اليد فاختار مذهب المشهور في الثالث لان الاقرار منزل على الاشاعة وحكم بالاختصاص في الاولين لاختصاص النصف وضعا في الاول وانصرافا في الثاني الى النصف المختص واعترضه في مجمع الفائدة بان هذا ليس تفصيلا بل مورد كلام المشهور هو الثالث لان غرضهم المصالحة على ذلك النصف المقر به وتمام الكلام في محله انتهى. اقول لا منافاة بوجه بين صدق نصف المهر على النصف الباقي وبين حمل النصف على الحصة المختصة بالبايع في مقام البيع عند الاطلاق كما هو ظاهر وكذلك لا ينافيه ما ذكروه في باب الصلح. توضيح الحال ان اعتراف ذى اليد لاحد المتداعيين بالنصف بسبب موجب للشركة بينهما كالارث يوجب اشتراكهما في النصف واستحقاق كل منهما الربع فإذا صالحه المقر له على النصف فلا ينفذ في النصف الكامل الا باجازة شريكه لا لان النصف حينئذ يحمل على المشاع ولا يحمل على الحصة المختصة بالمصالح بل لانه لا يملك بالاقرار المزبور الا الربع فمصالحته على النصف حينئذ مصالحة على ما يملكه ومالا يملكه فلا ينفذ اصالة الا في الربع ويحتاج نفوذه في الربع الاخر على اجازة مالكه وهو شريكه. ومن الغريب ان صاحب المسالك بعد تقريره كلام الاصحاب. قال وفيه بحث لان هذا لا يتم الا على القول بتنزيل البيع والصلح على الاشاعة كالاقرار وهم لا يقولون به بل يحملون اطلاقه على ملك البايع والمصالح الى ان قال: فاللازم هنا ان ينصرف الصلح الى نصيب المقر له خاصة فيصح في جميع الحصة بجميع العوض وتبقى المنازعة بين الاخر والمتشبث هذا ان وقع الصلح على النصف مطلقا أو النصف الذى هو ملك المقر له. اما لو وقع على النصف الذى اقر به المتشبث توجه قول الجماعة لان الاقرار منزل على الاشاعة والصلح وقع على المقر به فيكون تابعا له فيها وعلى هذا ينبغى

[ 70 ]

حمل كلامهم لئلا ينافى ما ذكروه من القاعدة التى ذكرناها وهذا توجيه حسن لم ينبهوا عليه " (انتهى) وهو من الغرابة منه بمكان. لما تبين لك من ان نصيب المقر له حينئذ انما هو الربع والنصف انما هو للمتداعيين حينئذ بالاشاعة فلا مجال لنفوذ صلح المقر له في النصف الكامل حينئذ الا باجازة شريكه سواء تعلق الصلح بالنصف المقر به أو النصف مطلقا أو النصف الذى هو ملكه فالتفصيل بين الصور باطل كما ان القول بنفوذه في النصف مطلقا كذلك ثم ان عدم نفوذه في النصف في صورة تعلقه بالنصف المقر به انما هو لما بيناه لا لاجل تعلق الاقرار بالمشاع وتعلق الصلح حينئذ بالمشاع ايضا بقرينة تعلقه بالمقر به كما يظهر من كلامه فما ذكره من ان هذا توجيه حسن لم ينبهوا عليه في غير محله لعدم ارتباطه بما ذكروه حتى يكون حسنا. ثم قال شيخنا (قدس سره) وعلى كل حال فلا اشكال في ان لفظ النصف المقر به إذا وقع في كلام المالك للنصف المشاع مجردا عن حال أو مقال يقتضى صرفه الى نصفه يحمل على المشاع في نصيبه ونصيب شريكه. ولهذا افتوا ظاهرا على انه لو اقر احد الرجلين الشريكين الثابت يد كل منهما على نصف العين بان ثلث العين لفلان حمل على الثلث المشاع في النصيبين فلو كذبه الشريك الاخر دفع المقر الى المقر له نصف ما في يده لان المنكر بزعم المقر ظالم للسدس بتصرفه في النصف لانه باعتقاده انما يستحق الثلث فالسدس الفاضل في يد المنكر نسبته الى المقر و المقر له على حد سواء فانه قدر تالف من العين المشتركة فوزع على الاستحقاق الى ان قال: نعم يمكن ان يقال في هذا المقام بان التلف في هذا المقام حاصل باذن الشارع للمنكر الغاصب لحق المقر له باعتقاد المقر والشارع انما اذن له في اخذ ما ياخذه على انه من مال المقر له فالشارع له انما حسب السدس في يد المنكر على المقر له فلا يحسب منه على المقر شئ وليس هذا كاخذ الغاصب جزء معينا من المال عدوانا بدون

[ 71 ]

اذن الشارع حتى يحسب على كلا الشريكين والحاصل ان اخذ الجزء لما كان باذن الشارع وانما اذن له على ان يكون من مال المقر ولعله لذا ذكر الاكثر بل نسبه في الايضاح الى الاصحاب في مسألة الاقرار بالنسب ان احد الاخوين إذا اقر بثالث دفع إليه الزائد عما يستحقه باعتقاده وهو الثلث ولا يدفع إليه نصف ما في يده نظرا الى انه اقر بتساويهما في مال المورث فكل ما حصل كان لهما وكلما توى كان كذلك هذا. ولكن لا يخفى ضعف هذا الاحتمال من جهة ان الشارع الزم بمقتضى الاقرار معاملة المقر مع المقر له بما يقتضيه الواقع الذى اقر به ومن المعلوم ان مقتضى الواقع لو فرض العلم بصدق المقر هو كون ما في يده على حسب اقراره بالمناصفة واما المنكر ظالما فيكون ما في يده مالا مشتركا لا يحل منه الا ما قابل حقه عما في يدهما والزائد حق لهما عليه. واما مسألة الاقرار بالنسب فالمشهور وان صاروا الى ما ذكر وحكاه الكليني عن الفضل ابن شاذان على وجه الاعتماد بل ظاهره جعل فتواه كرواية الا انه صرح جماعة ممن تأخر عنهم بمخالفته للقاعدة حتى قوى في المسالك الحمل على الاشاعة وتبعه سبطه وسيد الرياض في شرحي النافع. والظاهر ان مستند المشهور بعض الروايات الضعيفة المنجبر بعمل اصحاب الحديث كالفضل والكليني بل وغيرهما. فروى الصدوق مرسلا والشيخ مسندا عن وهب بن وهب ابى البخترى عن جعفر بن محمد عن ابيه (ع) قال: " قضى امير المؤمنين عليه السلام في رجل مات وترك ورثة فاقر احد الورثة بدين على ابيه انه يلزم ذلك في حقه بقدر ما ورث ولا يكون ذلك في ماله كله وان اقر اثنان من الورثة وكانا عدلين اجيز ذلك على الورثة وان لم يكونا عدلين الزما في حقهما وكذلك ان اقر احد الورثة باخ أو اخت يلزمه ذلك في حصته.

[ 72 ]

وبالاسناد قال على عليه السلام: " من اقر لاخيه فهو شريك في المال ولا يثبت نسبه فان اقر اثنان فكذلك الا ان يكونا عدلين فيثبت نسبه ويضرب في الميراث معهم " وعن قرب الاسناد رواية الخبرين عن السندي ابن محمد وتمام الكلام في محله من كتاب الاقرار والميراث انشاء الله تعالى انتهى. اقول التحقيق ان مقتضى القواعد العامة والضوابط الاولية ما دلت عليه الروايات في باب الاقرار بالنسب وعمل به اكثر الاصحاب (قدس سرهم) توضيح الحال انه باقرار احد الشريكين لثالث بثلث العين مع انكار الاخر لا يثبت للمقر له الا سدس العين فحقه ينحصر في السدس في الظاهر فلو استحق تنصيف ما في يد المقر لزم ان يستحق الربع وهو خلاف الفرض. والحاصل ان اقرار احد الشريكين بثلث العين مع انكار الاخر انما يوجب استحقاق المقر له سدس العين لا ازيد لان كلا من الاقرار والانكار مسموع ونافذ في المقام ومقتضى سماعهما ثبوت السدس للمقر له وورود النقص واحتساب التالف عليه لا عليه وعلى المقر معا ولو حكمنا بثبوت الربع له لزم نقض الحكم الظاهرى الاتى من قبل اقرار احد الشريكين وانكار الاخر. فان قلت الحكم الظاهرى انما يؤخذ به مع عدم ثبوت الواقع والواقع ثابت في المقام على المقر حسب اقراره فلا مجال لا عمال الحكم الظاهرى بالنسبة إليه قلت ثبوت الثلث للمقر له عند المقر انما يمنع من اشتراء النصف الاخر من المنكر وهكذا من التقلبات لاجل اقراره بان سدسه للمقر له واما احتساب التالف عليه مع وجود المانع الشرعي من ثبوته له فلا. فان قلت مقتضى ثبوت الاشاعة في العين حسب اقرار المقر احتساب التالف عليهما وتوزيع الباقي عليهما. قلت مقتضى الاشاعة في العين احتساب التالف عليهما ما لم يكن في البين ما يقتضى اختصاصه باحدهما واما مع وجود ما يقتضى اختصاصه باحدهما كما في

[ 73 ]

المقام فلا يحتسب التالف عليهما وتوهم ان احتساب التالف على المقر له واختصاصه به يتوقف على خروج العين عن الاشاعة فاسد إذ الاختصاص قد يكون بسبب عدم الاشاعة وقد يكون لوجود المرجح مع بقاء الاشاعة والمقام من هذا القبيل ضرورة ان اقرار احد الشريكين بالثلث وانكار الاخر يوجبان ثبوت السدس له فيحتسب التالف عليه لعدم ثبوت الثلث له بحسب الظاهر. وبما بيناه تبين اندفاع ما ذكره شيخنا (قدس سره) من ان مقتضى نفوذ الاقرار على المقر معاملته مع المقر له بما يقتضيه الواقع الذى اقر به من الاشاعة اثلاثا المقتضى لاحتساب التالف عليهما لما عرفت من ان الاشاعة الحقيقية لا تنافي مع احتساب التالف على احدهما لوجود مرجح عقلي أو شرعى والمرجح في المقام موجود وهو سماع انكار احد الشريكين مع عدم قيام البينة عليه فلا يثبت للمقر له حينئذ الا السدس فالنقص انما رجع إليه وهذا معنى احتساب التالف عليه. فاتضح بما بيناه غاية الاتضاح ان مقتضى اقرار احد الشريكين بسهم لثالث وانكار الاخر احتساب التالف على المقر له سواء تعلق الاقرار بالنسب ابتدائا أو بعين خارجي أو منفعة وان الروايات الشريفة الواردة في باب الاقرار بالنسب على مقتضى القواعد الاولية ولا تعبد فيها حتى يقتصر فيها على ما إذا تعلق الاقرار بالنسب على مقتضى القاعدة دون المقام من جهة ان التلف في المقام مستند الى وقوع يد المنكر على النصف الذى ثلثه مشترك بين المقر والمقر له فيجب ان يحتسب عليهما واما في باب الارث فلا يد لاحد على التركة وانما يستند تلف جزء من سهم المقر له الى مجرد انكار واحد من الورثة. وفيه ان التركة مشاعة بين الورثة قبل القبض والاقرار فإذا اقر واحد من الورثة لثالث بالنسب والارث وانكره الاخر وتصرف نصف التركة جرى فيها ما جرى في سائر الاعيان المشاعة فالتفصيل بينهما مما لا وجه له.

[ 74 ]

(فائدة - 9) في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم والروايات من طريق اهل البيت عليهم السلام مستفيضة بل متواترة على ان الحكم فيها التوارث وانما الكلام في انه مقتضى القواعد الاولية والضوابط العامة حتى يتعدى عنهما الى سائر موارد الاشتباه ام حكم تعبدي ورد في مورد خاص فيجب الاقتصار عليه. توضيح الكلام في المقام يحتاج الى تمهيد مقدمة يذكر فيها امور: الاول ان الحكم على قسمين واقعى ثابت للوقايع من دون مدخلية لعلم المكلف وجهله فيها وظاهرى ثابت باعتبار علم المكلف وجهله ولذا يختلف باختلاف صور العلم وجهله وهو في الحقيقية وظيفة ثابتة للمكلف بالنسبة الى الاحكام الواقعية وليس حكما للوقايع في عرض الاحكام الواقعية بل هو راجع الى المرحلة الثالثة من مراحل الحكم الراجعة الى تنجيز الحكم أو العذر عنه والوظائف المعلولة عنه. والثانى ان الاحكام الواقعية تعبدية لا مسرح للعقل فيها. واما الاحكام الظاهرية فالعقل مستقل فيها وهى راجعة إليه لانها وظائف واقعية مدركة بالعقل ولا يتوقف على جعل المولى ذاتا والا لزم التسلسل في الاحكام الظاهرية ضرورة انه حينئذ حكم مولوى تختلف الوظيفة فيها باختلاف العلم والجهل وهكذا الى غير النهاية نعم للمولى التصرف فيها في الجملة بايجاب الاحتياط في مورد العذر

[ 75 ]

أو الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية في مورد العلم بالحكم المقتضى لوجوب الموافقة القطعية. والثالث ان موت الشخص موجب لتخلية مكانه ورجوع تركته الى مناسبه أو مساببه ووراثته عنه فلو تقارن موتهما لم يرث احدهما من الاخر لان كلا منهما يخلى مكانه حينئذ ويترك تركته لمناسبه أو مساببه فلا يعقل ان يرث كل منهما عن الاخر ولو تقدم موت احدهما على الاخر فالمتأخر يرث المتقدم ولا يعقل ان يرث المتقدم عن المتأخر وهذا امر واضح لاريب فيه ولكن يقع الكلام في ان حيوة الوارث بعد موت المورث شرط لوراثته عنه أو اقتران موتهما أو تقدم موت الوارث مانع عن الارث الظاهر من كلماتهم ان حيوة الوارث بعد موت المورث شرط للوراثة ولذا حكموا بان الحكم بالتوارث على خلاف الاصل إذ مقتضى الشك في الشرط الشك في المشروط والحكم بعدم تحققه. والتحقيق انه لم ينهض على ذلك دليل من العقل أو النقل ومجرد عدم وراثة من تقدم موته عن الاخر وعدم وراثة كل من المتقارنين عن الاخر لا يكشف عن كون حيوة الوارث بعد موت المورث شرطا لانه كما يجامع مع كون حيوة الوارث بعد موت مورثه شرطا كذلك يجامع مع كون تقارن موتهما أو تقدم موت الوارث مانعا ومع التردد بينهما يترتب اثر المنع دون الاشتراط. توضيح الحال ان كلا من المانعية والشرطية خلاف الاصل فلا مجال لاثبات احدهما بالاصل موضوعا ولكن لما كان اثر الشرط زائدا على اثر المانع واثره ثابت على كلا التقديرين دون اثر الشرط يحكم بثبوت حكم المانع دون الشرط فان عدم وراثة كل منهما عن الاخر في صورة العلم بتقارن موتهما وعدم وراثة من علم بتقدم موته اثر الشرط والمانع معا. واما عدم وراثة احدهما عن الاخر في صورة عدم العلم بالتقارن والتقدم والتاخر واشتباه الحال فمبنى على شرطية حيوة الوارث بعد موت مورثه واما على مانعية التقارن

[ 76 ]

والتقدم فالاصل وراثة كل منهما عن الاخر للعلم بوجود المقتضى في كل منهما وعدم العلم بوجود المانع. فان قلت احراز المقتضى في باب قاعدة الاقتضاء والمنع يتوقف على احراز الشرط لان كل ماله دخل في وجود الشيئى جزء للمقتضى في هذا المقام فمع احتمال كون حيوة الوارث بعد موت مورثه شرطا للوراثة أو ضده من التقارن والتقدم مانعا لا يكون المقتضى محرزا لعدم احراز ما يحتمل شرطيته. قلت إذا تحقق موجب الارث من النسب أو السبب وتحقق موت المورث تم المقتضى في نظر العقل والعرف لعدم مدخلية قيد الحيوة في وراثة الوارث عندهما وانما يرى العقل والعرف مقارنة موتهما أو تقدم موت الوارث على موت مورثه حاجزا مانعا فالترديد والاحتمال انما هو من حيث تصرف الشارع في جعل حيوة الوارث بعد موت مورثه شرطا ومن المعلوم ان الاصل عدمه ما لم يدل عليه بل الحكم بالتوارث دليل على تقرير الشارع حكم العقل. وايضا لو كانت حيوة الوارث بعد موت مورثه شرطا لا ضده من تقارن موتهما أو تقدم موت الوارث مانعا لزم ان يكون الحكم بالتوارث تعبدية محضة واعمالا للولاية الشرعية في تقديم غير مستحق الارث على مستحقه وجعل غير المستحق مستحقا وهذا مما لم يعهد من الشارع سيما في حقوق الناس نعم في مقام الالجاء والاضطرار وردت الرخصة في تصرف مال الغير مع التضمين لا مجانا. إذا اتضحت لك هذه الامور، اتضح لك انه إذا اشتبه الحال ولم يعلم انه تقارن موتهما أو ترتب موت احدهما ولم يعلم المتقدم والمتاخر منهما بعينه وكان لكل منهما مال وكان كل منهما وارثا عن الاخر بنسب أو سبب يتوارثان سواء كان الموت مستندا الى سبب من غرق أو هدم أو غيره ام لم يكن مستندا الى سبب وكان الموت حتف الانف لما عرفت من ان الحكم بالتوارث مقتضى الاصل الاولى ولا يكون تعبديا حتى يقتصر فيه على مورد النص بل الظاهر من الروايات طرد الحكم في

[ 77 ]

جميع موارد الاشتباه. وذكر الغرق والهدم في كلام السائل انما هو لاجل بيان سبب الاشتباه لا سبب الموت فالسؤال في الحقيقة عن حكم المشتبه ولو تنزلنا وقلنا ان السؤال عن الاشتباه المسبب عن الغرق والهدم لا يضرنا لان الجواب عام والمورد لا يكون مخصصا فان قلت الموت امر عدمي لانه عبارة عن عدم الحيوة والعدم لا يكون مؤثرا ولا متأثرا فلا يصلح ان يكون تقارنه أو تقدمه مانعا: قلت تقابل الموت مع الحيوة ليس من قبيل تقابل التناقض بل من قبيل تقابل التضاد فانه عبارة عن زهوق الروح فهما امران وجوديان متضادان يجوز ارتفاعهما فان الجنين قبل ولوج الروح فيه لا يكون حيا ولا ميتا ولذا لا يجب غسله لو سقط حينئذ ولا ينافى ذلك اشتراط كونه وارثا بولوج الروح فيه وتولده حيا واما بعد استقرار الصلوح بتولده حيا فكما يحتمل ان يجعل حيوة الوارث بعد موت مورثه شرطا فكذلك يحتمل ان يجعل تقدم موته على موت مورثه أو تقارن موتهما مانعا. فان قلت لو كان الموت عبارة عن زهوق الروح لا مجرد عدم الحيوة لزم ان لا يكون السقط قبل ولوج الروح فيه نجسا لعدم ميتة حينئذ بل يلزم ان لا يكون حراما ايضا لو كان مما يؤكل لحمه. قلت اما حرمته فلاجل انتفاء شرط الحلية وهى التذكية واما النجاسة فان ثبتت كما حكى عن بعض انه لا خلاف فيها فهى اما لاجل صدق كونه عضوا مبانا من حى كما قال به بعض واما لاجل تنزله منزلة الميت في النجاسة لا لكونه ميتا تحقيقا. فان قلت التقارن مقتضى الاصل لان الاصل عدم تقدم موت احدهما على موت الاخر فثبت المانع من الارث بالاصل حينئذ. قلت التقارن كالتقدم والتأخر امر وجودي مندفع بالاصل ولا ينافى ذلك الحكم بتساوي الحقين عند اجتماعهما والواجبين عند تزاحمهما مع الشك في زيادة احد الحقين واهمية احد الواجبين من الاخر لان مرجع التساوى حينئذ الى عدم

[ 78 ]

زيادة احد الحقين واهمية احد الواجبين لا الى امر وجودي فيثبت بالاصل. فان قلت لعل جعل التقارن أو التقدم مانعا يختص بمورد الغرق والهدم. قلت اولا انك قد عرفت ان حكم الشارع بكونه مانعا تقرير لحكم العقل لا امر مجعول حتى يقتصر على مورد النص مع عدم الدليل وحكم العقل يطرد في جميع موارد الاشتباه. وثانيا ان الروايات الشريفة ناظرة الى بيان حكم المشتبه والسؤال عن خصوص الغرق والهدم لا يوجب تخصيص الحكم ضرورة ان المورد لا يكون مخصصا. فان قلت أي دليل دل على اعتبار قاعدة المقتضى والمانع حتى يحكم بالتوارث في جميع موارد الاشتباه. قلت قد اثبتنا لك وجه اعتبار هذه القاعدة في الفائدة الاولى وانها قاعدة عقلية قد اعتمد عليها كافة العقلاء في جميع الموارد وقد عمل بها الاصحاب (قدس سرهم) في كثير من ابواب الفقه والاخبار المستفيضة بل المتواترة مقررة لهذه القاعدة الشريفة المسماة باستصحاب حكم النص. نعم قد خفيت حقيقة هذه القاعدة ووجه اعتبارها على جمع من متأخري المتأخرين حتى بالغ بعضهم فقال انه لا سبيل الى العلم بالمقتضى واحرازه الا لمن نزل عليه الوحى على ما ذكره بعض مقررى بحثه وقد اوضحنا هناك غاية الايضاح بطلان ما زعمه. فان قلت الحكم بوراثة احدهما يستلزم عدم وراثة الاخر عنه فكيف تجرى القاعدة في كل منهما ويحكم بالتوارث المعلوم بطلانه في الواقع. قلت تفكيك المتلازمين في الاحكام الظاهرية التى هي مؤدى الاصول شايع الا ترى انه يحكم في المتوضى بمايع مردد بين كونه بولا أو ماء باستصحاب حدثه وطهارة اعضائه مع جواز اجتماعهما في الواقع بل الامر في المقام اوضح لان كلا منهما موظف بوظيفة نفسه ولا يمنع من اجراء الوظيفتين في حق كل

[ 79 ]

منهما علمه بعدم مطابقة وظيفته أو وظيفة صاحبه للواقع لان وظيفة صاحبه خارج عن محل ابتلائه والعلم الاجمالي انما يؤثر إذا كان كل من طرفيه محلا لابتلائه. واذ قد اتضح لك مما حققناه ان حيوة الوارث بعد موت مورثه لا تكون شرطا وان تقارن موتهما أو تقدم موت الوارث مانع عن الارث اتضح لك غاية الاتضاح ان الصواب هو الحكم بالتوارث في مورد الاشتباه مطلقا فتخصيص الحكم بمورد الغرق والهدم على ما اختاره جماعة في غير محله كما ان طرد الحكم في الموت المستند الى سبب دون الموت حتف الانف بزعم استناد الحكم الى الموت المستند الى السبب وان ذكر الغرق والهدم من باب المثال في غير محله لان الظاهر من ذكر الغرق والهدم في الروايات بيان سبب الاشتباه لا بيان سبب الموت فانه بعيد عن مساق الروايات جدا. وبالجملة بعد ما اتضح لك ان الحكم بالتوارث موافق للاصل اتضح لك انه لا وجه للاقتصار على مورد الغرق والهدم أو على خصوص الموت بسبب من حرق أو قتل وهكذا أو على خصوص الغرق في الماء المطلق وهدم البيت والتامل في الغرق في الماء المضاف أو القير أو الطين أو النفط وهكذا وفى هدم جبل وانكسار شجرة ووقوع بيت شعر وخيمة ونحوها وفيما علم ترتب الغرق أو الهدم ولم يعلم المتقدم من المتأخر وفيما علم ترتب موت بعضهم على بعض مع تحقق الغرق أو الهدم دفعة واشتباه المتقدم منهم بالمتاخر. فان التأمل والاضطراب في حكم هذه الفروع انما نشا من البناء على ان حيوة الوارث بعد موت المورث شرط للارث وان ما حكم به في الروايات الشريفة من التوارث تعبد محض مخالف للاصل فاضطربت كلماتهم في جواز التعدي عن مورد النصوص مع ان الظاهر من الروايات ان الحكم بالتوارث انما هو للمشتبه من دون تقييد بصورة مخصوصة. ولا يعارض هذه الروايات الصحيحة المستفيضة بل المتواترة الا خبر القداح

[ 80 ]

عن مولينا الباقر عليه السلام ماتت ام كلثوم بنت على عليه السلام وابنها زيد ابن عمر ابن الخطاب في ساعة واحدة لا يدرى ايهما هلك قبل فلم يورث احدهما من الاخر وصلى عليهما جميعا وهو على فرض عدم القدح في سنده لا يصلح لمعارضة مع سائر النصوص إذ لا دلالة فيه على انه حكم الواقعة. وانما اخبر (ع) بانه لم يورث احدهما من الاخر ولعله كان ذلك برأى الثاني ونظره فلا دلالة فيه على ان حكم الموت حتف الانف يغاير حكم الموت بسبب. وقد تبين بما بيناه امور: الاول انه يتوارث كل منهما عن الاخر فيما تركه لا فيما ورثه عن الاخر إذ تلقى كل منهما تركة الاخر انما هو اثر خلافة كل منهما عن الاخر في الظاهر لاجل وجود المقتضى وعدم العلم بالمانع فلا يعقل ان يعود الى الاصل بعد تلقيه منه بالخلافة عنه الا بفرض موت آخر وخلافة جديدة لكل منهما عن الاخر وهو منتف قطعا فلا مجال لفرضه. وهذا الحكم مع وضوحه قد ورد به النص ففى مرسل حمران ابن اعين عن امير المؤمنين عليه السلام: " في قوم غرقوا جميعا اهل بيت واحد قال يورث هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء ولا يرث هؤلاء مما ورثوا من هؤلاء ولا يرث مما ورثوا من هؤلاء شيئا ". والثانى انه لو كان لاحدهما مال دون الاخر يكون الارث لمن لا مال له لان التوارث من الجانبين انما كان لاجل وجود المقتضى في كل منهما للوراثة مع ثبوت المحل وعدم العلم بالمانع وإذا لم يخلف احدهما تركة ينتفى وراثة من له تركة ممن لا تركة له لاجل انتفاء المحل وعدم ترتب الوراثة على احد المقتضيين باعتبار انتفاء المحل لا يوجب سقوط المقتضى الاخر عن التأثير مع وجود المحل له كما هو ظاهر. وقد ورد به النص عن البجلى عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " سئلته عن بيت وقع على

[ 81 ]

قوم مجتمعين فلا يدرى ايهم مات قبل فقال يورث بعضهم من بعض قلت فان ابا حنيفة ادخل فيها شيئا قال وما ادخل قلت رجلين اخوين احدهما مولاى والاخر مولى لرجل لاحدهما ماة الف درهم والاخر ليس له شئ ركبا في السفينة فغرقا فلم يدر ايهما مات اولا كان المال لورثة الذى ليس له شئ ولم يكن لورثة الذى له المال شئ قال فقال أبو عبد الله عليه السلام لقد سمعها وهو هكذا. والثالث انه لا ترتيب في التوارث لان كلا منهما يستحق تركة الاخر بسبب وجود المقتضى فيه وعدم العلم باقترانه بوجود مانع فلا مجال لتقدم احد الاستحقاقين على الاخر وما وقع في النصوص من انه يورث المرئة من الرجل ثم يورث الرجل من المرئة لا ينافى ما بيناه فانه امر باعطاء ارث المرئة اولا اهتماما بشأنها كى لا يضيع حقها فان غالب الناس لاستيناسهم بعادة اهل الجاهلية لم يهتموا بشان المرئة ولم يروا لها حقا كما استمرت هذه القاعدة في الاعراب والعشائر الى زماننا هذا. وقد خفى هذا المعنى على اكثر الاصحاب " قدس سرهم " فتحيروا في وجه التقديم مع عدم ترتب ثمرة علية الا على قول المفيد (قدس سره) من ان الثاني يرث مما ورثه الاول الذى حكموا بفساده فمنهم من اوجبه تعبدا ومنهم من قال بانه ندب وطردوا الحكم وجوبا أو ندبا الى كل من كان اضعف في التوريث فحكموا فيما لو غرق اب وابن بانه يورث الابن زعما منهم ان موضوع الحكم هو الاضعف في التوريث والعجب انهم تعدوا هنا عن مورد النص مع اعترافهم بعدم ظهور وجه الحكم. تنبيهان الاول ان الحكم بالتوارث انما هو فيما إذا لم يعلم تاريخ موت احدهما بعينه سواء علم تاريخ موت احدهما لا بعينه اولم يعلم تاريخ الموت اصلا واما إذا علم تاريخ موت احدهما بعينه فالارث انما هو لمجهول التاريخ لجريان استصحاب حيوته الى زمان موت المعلوم تاريخ موته بعينه فلا يرث من مجهول التاريخ حينئذ لانتفاء شرط توريثه وهو موته في هذا الزمان ولا نظر لروايات الباب الى مثل هذه الصورة حتى يؤخذ باطلاقها لان الغالب في صورة الغرق والهدم عدم العلم بتاريخ موت احدهما بعينه مع انك قد عرفت ان الحكم في الروايات ليس تعبديا بل منطبقا على الاصول

[ 82 ]

والموازين الاولية فلا وجه لتعدية الحكم حينئذ الى مثل هذه الصورة. فان قلت نعم إذا علم تاريخ موت احدهما بعينه يجرى استصحاب الحيوة في مجهول التاريخ الى زمان موت معلوم التاريخ لعدم معارضته باستصحاب الحيوة في الاخر ولكن جريان استصحاب الحيوة فيه انما يوجب الحكم بوراثته من معلوم التاريخ واما المنع من وراثة معلوم التاريخ منه فلا الا بالملازمة التى قد عرفت عدم تأثيرها في المقام وانه يجوز التفكيك بين المتلازمين في الاصول فيحكم بوراثته معلوم التاريخ منه لوجود مقتضى الوراثة فيه وعدم العلم بوجود المانع وهو تقدم موته على موت مجهول التاريخ أو تقارنهما. قلت المانع هنا في حكم المعلوم إذ مقتضى جريان استصحاب الحيوة في مجهول التاريخ الى زمان موت من علم بتاريخ موته الحكم بحيوته في هذا الزمان فلا مجال حينئذ للحكم بتوريثه ووراثة من مات في هذا التاريخ عنه. الثاني زعم بعض الاجلة من مشائخنا (قدس سره) " لان تقارن موتهما مستبعد فهو في حكم العدم فيحكم بتقدم موت احدهما على موت الاخر فنعلم حينئذ ان احدهما يرث من الاخر ولا نعلم ان ايهما الوارث من الاخر ولا سبيل الى ايصال سهم الوارث إليه الا بالتوارث إذ لا مجال لنفى الارث عنهما معا للعلم بوراثة احدهما من الاخر ولا للحكم بارث احدهما بعينه من الاخر لعدم المرجح فينحصر السبيل في الحكم بالتوارث " وهو فاسد من وجوه: الاول ان مجرد استبعاد تقارن موتهما لا يوجب الحكم بعدمه. والثانى انه لو سلمنا جريان قاعدة العدل في المقام لزم ان يحكم بتنصيف التركتين بينهما لا التوارث لان نسبة كل من التركتين الى كل منهما على حد سواء فيلزم حينئذ ان يحكم باشتراك كل منهما في مجموع التركتين. والثالث انه يلزم حينئذ ان لا يحكم بوراثة من لا تركة له ممن له تركة لعدم العلم بوراثة احدهما من الاخر حينئذ وهو مخالف للنص كما رأيت.

[ 83 ]

(فائدة - 10) إذا ترافع المجوس الى حكام الاسلام في ارثهم فهل للحاكم ان يحكم بالارث بالنسب والسبب الصحيحين في دين الاسلام أو بالنسب مطلقا والسبب الصحيح أو بهما مطلقا فيه اقوال وقد نسب الاول الى يونس بن عبد الرحمن والثانى الى الفضل بن شاذان والثالث الى الشيخ ابى جعفر قدس الله ارواحهم. اقول مقتضى الاصل هو الثاني ولكن روايات اهل بيت العصمة سلام الله عليهم تدل على الثالث. اما الاول وهو ثبوت الارث مع النسب مطلقا ولو كان فاسدا عندنا فلانه مترتب على النسب والقرابة وهو منتزع من التوليد مطلقا بحسب اللغة والعرف ولو كان ناشئا من زنا الابوين أو احدهما فولد الزنا ولد للزاني حقيقة عند اهل العرف. وانما جعله الشارع لغية في الوراثة والقيمومة ووجوب النفقة لا في حرمة النكاح فتحرم العناوين السبع النسبية ولو من الزنا وجعله لغية في الوراثة وما يتعبها ليس باعتبار جعل السبب المحلل للنكاح من الازدواج وملك اليمين شرطا في انتزاع النسب من التوليد بل باعتبار جعل الزنا مانعا من الانتزاع ولذا تترتب آثار النسب من الوراثة والقيمومة ووجوب النفقة. وهكذا مع الشبهة إذ لو اعتبر وجود السبب المحلل شرطا عند الشارع في انتزاع النسب وتحققه لزم عدم ترتب اثره على الشبهة كما لا يترتب على الزنا إذا تبين لك

[ 84 ]

ذلك وقد تبين لك ان النسب مع عدم الزنا متحقق حقيقة سواء جامع السبب المحلل ام لا لوجود المقتضى وفقد المانع فالتولد الحاصل بين المجوس بازدواجهم الفاسد عندنا موجب لتحقق النسب تحقيقا لعدم الزنا المانع من النسب لوجود الشبهة وهى اعتقادهم بصحة ازدواجهم. فمقتضى الاصل حينئذ ترتب الوراثة على نسب المجوس وان كان فاسدا عندنا بل لا فساد في نسبهم حينئذ لتحققه حقيقة عند الشارع باعتبار عدم المانع وانما يسمى فاسدا باعتبار عدم مجامعته مع السبب المحلل للنكاح فالحكم بالوراثة من طرف النسب حكم بما انزله الله تعالى وقسط وعدل فلا ينافيه الايات والروايات الدالة على انه لا يجوز للحاكم ان يحكم الا بما انزله الله تعالى: واما الثاني وهو عدم ترتب الاثر على السبب الفاسد بمقتضى الاصل فلعدم تحقق علقة الازدواج مع المحارم النسبية ولو مع الجهل لها أو بحكمها والاعتقاد بحلية الازدواج معها انما يوجب الشبهة لا تحقق الازدواج معها حقيقة فلا يترتب على السبب الفاسد الازدواج ولا اثاره من حلية الاستمتاع ووجوب التمكين على المرئة ووجوب النفقة على الرجل وانما يعذر الشخص مع الجهل بالموضوع أو الحكم إذا كان قاصرا فمقتضى الاصل فيه حينئذ عدم الوراثة من قبل السبب الفاسد لانتفاء المقتضى وهى الزوجية ولكن الروايات تدل على ترتب الاثار على ما التزم به كل قوم بحسب معتقدهم. منها خبر محمد بن مسلم " سئلت ابا جعفر عليه السلام عن الاحكام قال يجوز على اهل كل ذى دين بما يستحلون ". ومنها ما رواه الشيخ مرسلا انه قال عليه السلام " ان كل قوم دانوا بشئ يلزمهم حكمه ". ومنها خبر على بن حمزة عن ابى الحسن عليه السلام " الزموهم بما الزموا به انفسهم " وفى الموثق " كل قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز " فهذه الروايات

[ 85 ]

ونظائرها تدل على انهم يقرون بمعتقدهم ويحكم عليهم بما التزاموا به ومما التزموا به الوراثة بالزوجية الثابتة على طريقتهم. وتدل ايضا على ما ذكرناه بالخصوص رواية السكوني عن الصادق عليه السلام عن ابيه عن على عليه السلام انه كان يورث المجوسى إذا تزوج بامه من وجهين من وجه انها امه ومن وجه انها زوجته وتضعيف رواية السكوني لا وجه له على ما اخترناه من صحة روايات الكتب الاربعة المأخوذة من الاصول الاربعماة التى هل محل اعتماد الاصحاب كما بيناه في محله. فان قلت السبب الفاسد لا يؤثر الزوجية كما قررت وترتيب الاثار مع انتفاء الموضوع مستحيل ولو تعبدا لان التعبد انما يجرى في الامور المعقولة. قلت نمنع انحصار الموضوع في الزوجية التحقيقية لان الزواج الصحيح في دينهم وباعتقادهم منزل منزلة الزواج الواقعي فيترتب عليه الاثار فالموضوع للاثار امران الزواج الواقعي والزواج الصحيح عند قوم ملتزمين به في دينهم فالموضوع امر واحد باعتبار ان الثاني انما نزل منزلة الاول وامر ان باعتبار انهما مختلفان ولذا ينفذ طلاق المخالفين ويترتب آثار الطلاق مع بطلانه عندنا. ففى خبر على بن حمزة انه سأل ابا الحسن عليه السلام عن المطلقة على غير السنة ايتزوجها الرجل قال الزموهم من ذلك ما الزموا انفسهم وتزوجوهن فلا باس بذلك وفى الكافي عن جعفر عن محمد ابن عبد الله عن ابيه قال: سمعت ابا الحسن الرضا عليه السلام عن تزويج المطلقات ثلثا فقال لى ان طلاقكم لا يحل لغيركم وطلاقهم يحل لكم لانكم لا ترون الثلث شيئا وهم يوجبونها وبمضمونها روايات كثيرة فالطلاق الصحيح عندهم منزل منزلة الطلاق الصحيح واقعا وان كان باطلا عندنا كما ان الطلاق الرجعى واقعا البائن عندهم ينزل منزلة البائن واقعا وقد ورد في باب الميراث ما يدل على ذلك ايضا. ففى الحدائق: روى عبد الله بن محرز عن ابى عبد الله عليه السلام قال قلت له رجل

[ 86 ]

ترك ابنته واخته لابيه وامه قال المال كله لابنته وليس للاخت من الاب والام شئ قلت فانا قد احتجنا الى هذا والرجل الميت من هؤلاء الناس واخته مؤمنة قال فخذ لها النصف خذوا منهم ما ياخذون منكم في سنتهم وقضائهم واحكامهم قال فذكرت ذلك لزرارة فقال ان على ما جاء به لنور اخذهم بحقك في احكامهم وسنتهم كما يأخذون منكم فيه. والحاصل انه قد وردت الرخصة منهم عليه السلام في المعاملة مع الناس بما يدينون به ويلتزمون به في دينهم طابق الواقع ام لا. تنبيهان: الاول انه يظهر من الروايات انه لا اختصاص لهذه القاعدة بما إذا كان الاختلاف في موضوع الحكم بان يراه المخالف والخارج عن دين الاسلام ثابتا والحال انه غير ثابت في مذهب الحق كالزواج والطلاق وامثالهما لان توريث الاخت مع البنت مخالفة في الحكم فقط وهو عدم استحقاق البنت للرد وعدم حجب الطبقة الاولى الثانية في بعض الصور فلا تنزيل في المقام اصلا فالزام الناس بما الزموا به انفسهم قاعدة جارية في الموضوعات والاحكام نعم يختص بما إذا كان الالزام من دينهم وفى دينهم. والثانى انه هل تختص هذه القاعدة بالمخالف أو الخارج عن دين الاسلام أو تعم اهل الحق إذا اختلفت عقيدتهم باعتبار اختلاف فتويهم أو فتوى مقلديهم. فإذا وهب المريض في مرض موته جميع ما يملكه معتقدا نفوذ تصرفاته من الاصل مطلقا لمن يعتقد عدم نفوذ تصرفاته المحاباتية والمجانية فيما زاد عن الثلث الا بامضاء الورثة فهل يجوز للمتهب حينئذ اخذ الجميع مع عدم امضاء الورثة الزاما للواهب بما الزم به نفسه وان امكن ان يناقش في الامثال بان الهبة لا تتم الا بالقبض ولا يجوز للمتهب حينئذ قبض الجميع واثبات يده عليه الا بعد امضاء الورثة بل القبول الذى هو فعل له وركن للعقد لا يؤثر تملك الجميع عنده بدون اجازة الورثة فلا مجال لجريان القاعدة فيه.

[ 87 ]

نعم إذا تمت الهبة بان يتوافق اعتقادهما فيه فهل يجوز اشتراء الموهوبة من المتهب لمن لا يرى نفوذها من الاصل الزاما لهما بما الزما به انفسهما. والظاهر ان القاعدة عامة ولا اختصاص لها باهل الخلاف أو الخارج عن دين الاسلام. ويمكن ان يقال ان قوله عليه السلام: " ان كل قوم دانوا بشئ يلزمهم حكمه " كما رواه الشيخ مرسلا شامل بعمومه لاهل الحق فتأمل.

[ 88 ]

(فائدة - 11) قال المحقق قدس سره في الشرايع في باب الزكوة: " وفى الغنم خمسة نصب اربعون وفيها شاة ثم ماة واحدى وعشرون وفيها شاتان ثم ماتان وواحدة وفيها ثلث شياة ثم ثلثماة وواحدة فإذا بلغت ذلك قيل يؤخذ من كل ماة شاة وقيل بل يجب اربع شياة حتى تبلغ اربعماة فيؤخذ من كل ماة شاة بالغا ما بلغ وهو الاشهر وتظهر الفائدة في الوجوب والضمان ". وفى المدارك هذا جواب عن سؤال اورده المصنف (ره) في درسه على ما نقل عنه وتقريره انه إذا كان يجب في اربعماة ما يجب في ثلثماة وواحدة فاى فائدة في الزائد. وتقرير الجواب ان الفائدة تظهر في الوجوب والضمان اما الوجوب فلان محله في الاربعماة مجموعها وفيما نقص عنها الثلثماة وواحدة خاصة والزائد عفو واما الضمان فمتفرع على ذلك فإذا تلفت من اربعماة واحدة بعد الحول بغير تفريط سقط من الفريضة جزء من ماة جزء من شاة ولو كانت ناقصة عن الاربعماة ولو واحدة وتلف منها شئ لم يسقط من الفريضة شئ ما دامت ثلثماة وواحدة لما عرفت من ان الزائد عن ذلك ليس محلا للفريضة وانما هو عفو ولو تلفت الشاة من ثلثماة وواحدة سقط من الفريضة جزء من خمسة وسبعين جزء من شاة ان لم تجعل الشاة الواحدة جزء من النصاب والا كان الساقط جزء من خمسة وسبعين جزء وربع جزء فظهرت

[ 89 ]

الفائدة في كثرة الفريضة للفقير في قلة الفائت وللمتصدق في العكس. وذلك كله واضح لكن يمكن المناقشة في عدم سقوط شئ من الفريضة في صورة النقص عن الاربعماة لان مقتضى الاشاعة توزيع التالف على الحقين وان كان الزائد عن النصاب عفوا إذ لا منافاة بينهما كما لا يخفى على المتأمل انتهى. وتبعه عليه في الذخيرة وقال في الجواهر وهو جيد جدا اللهم الا ان يقوم اجماع أو نحوه مما يصلح به الخروج عن مقتضى الضوابط في ملك الكلى الخارجي الذى ليس هو كصفة الوجوب ونحوه مما لا يقدح فيه عدم تعيين المحل لكن الى الان لم اتحققه وان ارسله جماعة ارسال المسلمات بل ربما وقع من الفاضل نسبته الينا مشعرا بدعوى الاجماع عليه بل ربما فسر العفو بذلك. اقول ان كان تعلق الزكوة بعين النصاب عبارة عن كون مقدار الزكوة من النصاب ملكا لارباب الزكوة على وجه الاشاعة بحيث يكون النصاب مشتركا بين المالك وارباب الزكوة اتجه ما ذكره صاحب المدارك لعدم تميز النصاب في الخارج عن العفو فيشيع مقدار الزكوة حينئذ في النصاب والعفو معا فيتجه حينئذ احتساب التالف من المجموع. ولكن التحقيق ان تعلق الزكوة بعين النصاب ليس على وجه الملكية حتى يصير النصاب مشتركا بين المالك وارباب الزكوة ومقدار الزكوة مشاعا ضرورة ان الزكوة انما يتملكها اربابها بعد قبضها مع صلوحها للتملك كالفقراء والمساكين ونحوهما. واما قبل القبض فالنصاب باق على ملك المالك إذ لو فرض صيرورة مقدار الزكوة قبل القبض ملكا لاربابها فلا يخلو من ان يكون ملكا للكلى أو الافراد لا يجوز جعلها ملكا للافراد والا لوجب البسط عليها ولجاز تقلبها فيها بيعا وشراءا وهبة وصداقا وهكذا قبل القبض وبطلان كلا اللازمين في غاية الوضوح ولا يجوز جعلها ملكا للكلى إذا الكلى قبل تشخصه وصيرورته جزئيا لا وجود له في الخارج فلا يعقل ان يصير مالكا.

[ 90 ]

بداهة ان المعدوم لا يقبل التملك توان قلنا بانه يقبل المملوكية بل التحقيق انه لا يقبل المملوكية ايضا ومرجع ملك الكلى الى ملك الذمة واستحقاق شخص على ذمة آخر استيفاء عين أو عمل منها ولذا لا يتصور تحقق ملك الكلى من دون ذمة وايضا لو كان الكلى مالكا لها لزم جواز التقلب فيها قبل القبض وبطلانه واضح بل يلزم البسط ايضا لان كل فرد من افراد الكلى حينئذ مالك للزكوة باعتبار صدق الكلى وانطباقه عليه فلا يجوز تخصيصها بعض لاشتراكها بينهم وقياس ذلك بملك الكلى في الذمة الذى يقتصر فيه على فرد واحد في غير محله لان الذمة انما تشتغل بالكلى لا بالفرد وبوجوده في الخارج تصير الذمة فارغة فلا يتصور حينئذ لما في الذمة افراد حتى يجب الوفاء بها وتشتغل الذمة لها. فمرجع تعلق الزكوة بالنصاب الى وضع حق شرعى على مال المالك إذا بلغ حد النصاب لا جعل النصاب مشتركا بين المالك وارباب الزكوة فالنصاب موضوع للحق ومتعلق له مع بقائه على ملك مالكه. وقوله عزمن قائل (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلوتك سكن لهم) ناطقة بان الصدقة التى هي الزكوة موضوعة على اموالهم لا جعل اموالهم مشاعة بينهم وبين ارباب الزكوة ولذا لا يجب على المالك اخراج الصدقة من عين النصاب بل يكفى دفع المقدار الذى وجب اخراجه من غير النصاب بل لا يعتبر فيها ان يكون المقدار المخرج من جنس النصاب فان الموضوع على كل خمس من الابل الى خمسة وعشرين ابلا شاة بل يجوز للمالك دفع النقدين عوضا عن المقدار المخرج لان نظر الشارع في جعل الحق على النصب انما هو الى ماليته لا عينه بخصوصها ولا يرجع ما بيناه الى تعلق ملك ارباب الزكوة بالكلى الخارجي كما هو الحال في بيع صاع من صبرة والا لزم تعين الوفاء من عين النصاب وعدم سقوط شيئى من الفريضة ما بقى المال بمقدار الفريضة. بل مرجع ما بيناه الى جعل النصاب موضوعا لحق معين وفريضة مخصوصة

[ 91 ]

فان تلف من الموضوع شيئى بغير تفريط يسقط من الفريضة بنسبة التالف من الموضوع والا فلا يسقط من الفريضة شئ. فاتضح بما حققناه امور: الاول ان ما ذكره الاصحاب (قدس سرهم) من عدم توزيع التالف على الفريضة ومال المالك ما دام العفو موجودا في غاية المتانة وكمال الجودة لما عرفت من عدم شيوع الفريضة في المال حتى يحتسب التالف منها ومن بقية المال بنسبته اليهما وانها حق موضوع على النصاب فان انكسر النصاب بغير تفريط سقط من الفريضة بنسبة التالف من النصاب حتى سقط من الفريضة شيئى بنسبة كسره. والثانى انه لو كان للمالك اعيان زكوية واراد تخليص بعضها عن حق الزكوة المتعلقة بها فاخرج الزكوة بنية عين معينة صح ما نوى وزكيت العين وخلصت للمالك. وما يتوهم من ان الفريضة مشاعة في جميع الاعيان لان الاعيان المتعددة بمنزلة عين واحدة والفريضة المتعلقة لها فريضة واحدة فما لم يؤد الفريضة المتعلقة بجميع الاعيان لم يخلص للمالك شئ منها وبقيت الاعيان على الاشاعة في غير محله لما عرفت من ان تعلق الزكوة بالعين ليس على وجه الملكية والاشاعة. والثالث فساد ما ذكره الطباطبائى (ره) من ان الاقوى ان الزكوة متعلقة بالعين لا على وجه الاشاعة بل على وجه الكلى في المعين وحينئذ فلو باع قبل اداء الزكوة بعض النصاب صح إذا كان مقدار الزكوة باقيا بخلاف ما إذا باع الكل فانه بالنسبة الى مقدار الزكوة يكون فضوليا محتاجا الى اجازة الحاكم على ما مر ولا يكفى عزمه على الاداء من غيره في استقرار البيع على الاحوط لان مرجع الكلى في المعين المعبر عنه بالكلى الخارجي الى التزام الذمة بوفاء الحق من العين المعين ومقتضاه حينئذ تعين الوفاء من المعين وعدم سقوط شيئى من الفريضة بتلف بعض النصاب ما بقى مقدار الفريضة وكلاهما ممنوع بل بديهى البطلان. فما فرع عليه من كون العقد فضوليا إذا باع الكل على وجه الاطلاق في غير

[ 92 ]

محله ايضا وحيث كان العقد فضوليا واجازه الحاكم فالثمن كله يرجع الى البايع وعليه ايصال الزكوة الى اربابها لان الحاجة الى الاجازة حينئذ لا تكون من جهة ان مطابق الفريضة خارج عن ملك البايع بل من جهة ان النصاب مورد لتعلق حق ارباب الزكوة فاحتياج نفوذ العقد حينئذ الى اجازة الحاكم نظير احتياج نفوذ بيع الراهن العين المرهونة الى اجازة المرتهن. ومنها انه لو اشترك شخص مع آخر واراد اعطاء زكوة سهمه فله ذلك لان اخراج حق سهمه يرجع الى نفسه ولا تكون الزكوة سهما مشاعا في المال حتى لا يحتسب المخرج الا من المجموع لامن خصوص سهمه فإذا ادى زكوة سهمه فله افراز سهمه عن سهم شريكه ولا يتوقف نفوذ الافراز على دفع شريكه زكوة سهمه أو على اذن الحاكم أو امضائه إذ ليس حق الزكوة في العين على سبيل الاشاعة حتى يتوقف نفوذ الافراز على احد الامور المتقدمة. ومنها انه يجوز للمالك بيع النصاب كلا مع نية الوفاء والعزم على الاداء فان وفى فهو والا فللحاكم التخيير بين رد البيع بمقدار الفريض وامضائه والزام المالك بادائها وكذا إذا باع مع عدم العزم على الاداء فان ادى فهو والا فللحاكم التخيير. وهكذا الامر في الخمس فانه من الحقوق المتعلقة بالعين ولا يكون مشاعا فيها فيجرى فيه ما جرى فيها.

[ 93 ]

(فائدة - 12) قال المحقق (قدس سره) في الشرايع: " ولو مات المرتهن ولم يعلم الرهن كان كسبيل ماله حتى يعلم بعينه " وفى المسالك: " المراد ان الرهن لم يعلم كونه موجودا في التركة ولا معدوما فحينئذ يكون كسبيل مال المرتهن أي بحكم ماله بمعنى انه لا يحكم للراهن في التركة شئ عملا بظاهر حاله من كون ما تركه لورثته واصالة برائة ذمته من حق الراهن إذ الرهن لم يتعلق بذمته لانه امانة ولا بماله لاصالة بقاء ماله على ما كان من عدم استحقاق احد فيه شيئا هذا بحسب الظاهر " ثم قال واعلم ان المصنف وغيره ذكروا هذه المسألة جازمين بحكمها على الوجه المذكور بعبارة متقاربة أو متحدة وذكروا نظيرها في باب الوديعة وباب القراض واستشكلوا حكمها والامر فيه كذلك فان اصالة برائة ذمة المرتهن معارضة باصالة بقاء المال والحال انه في يد المرتهن. وقال (ص): " على اليد ما اخذت حتى تؤدى " فان مات ولم يعلم بعينه فاصالة بقائه وثبوت يده يقتضى كونه في يده فإذا لم يعلم عينه كان كالمعلوم بقائه وان لم يتحقق كونه من جملة التركة لاحتمال كونه في محل آخر الا ان على المرتهن التخلص منه وحيث لم يتعين يكون مضمونا خصوصا إذا امكنه الوصية والاشهاد فلم يفعل. وعلى هذا فيحتمل كون حق الراهن كالمال الموجود فيقدم بقدره على غيره

[ 94 ]

من الديان لانه بمنزلة الشريك حيث حكم ببقاء ماله ويحتمل كونه بمنزلة الديان لعدم العلم ببقاء عين المال واصالة بقائه بحسب الظاهر فيكون بمنزلة الدين. ويمكن ان يقال على اصل هذا الاشكال لا تعارض بين الاصلين السابقين فان اصالة بقاء المال يمكن ان يجامع اصالة البرائة لان المال بيد المرتهن غير مضمون. بل هو امانة ثم يمكن تلفه بغير تفريط فلا يكون مضمونا وحديث " على اليد ما اخذت حتى تؤدى لابد من تخصيصه بالامانات ولم يعلم هنا ما يزيل الامانة فيبقى اصالة برائة الذمة رافعة لاستحقاق الراهن عن المال والذمة لعدم التعارض فيتم ما اطلقوه حيث يشتبه الحال وهذا البحث جار في كل امانة يمكن تلفها قبل الموت بغير تفريط انتهى. وفى الجواهر ضعفه وقال: " ان اصالة بقاء المال وعدم التلف واصل عدم تركة له غير الموجود يقتضى كونه في التركة الموجودة فيجب على الورثة رده من التركة ". اقول وما ذكره واضح الضعف لان الاصل لا يثبت به اللوازم العقلية والعادية فلا يثبت باصالة بقاء المال وعدم تركة غير الموجود كون الرهن في التركة الموجودة فتوهم ان مقتضاهما كون الرهن في المال الموجود فيترتب عليه حكم رد الامانة أو الضمان في غير محله وتنظير الاصل بالبينة في ثبوت اللوازم بها كما وقع في كلامه لا وجه له ضرورة ان البينة قائمة مقام الدليل العقلي كاشفة عن الواقع تنزيلا فيثبت بها اللوازم بخلاف الاصل فانه وظيفة للجاهل في مقام العمل ولا نظر له الى الواقع فلا يثبت به اللوازم العقلية والعادية وانما يؤخذ بمؤداه فقط ويترتب عليه حكمه فما ذكره المحقق وسائر الاصحاب (قدس سرهم) في غاية المتانة وكمال الجودة. فان قلت الاصل بقاء الرهن في المال الذى كان في زمان الحيوة ملكا ورهنا فلا قضاء لليد بالملك بعد العلم بانها كانت اعم فنسبة المال الموجود حينئذ الى

[ 95 ]

الرهن والملك سواء ومقتضى استواء نسبتهما إليه توزيعه عليهما واخراج الرهن من المال الموجود. قلت اليد تقتضي الملكية ما لم يعلم خلافها ومجرد ثبوت اليد على الرهن واصالة بقاء الرهن لا توجب الغاء اليد عن اقتضاء الملكية بالنسبة الى المال الموجود وتوزيعه عليهما كما هو ظاهر. وبما بيناه تبين ان ما ذكره في الجواهر من ان الصور ستة: الاولى علم الرهن في جملة التركة. الثانية ان يعلم انه كان عند الميت ولم يعلم كونه في التركة اولا تلف بغير تفريط اولا. الثالثة ان يعلم كونه عنده (كذلك) ولكن ليس في التركة قطعا. الرابعة ان يعلم تلفه في يده ولم يعلم بتفريط اولا. الخامسة ان يعلم كونه عنده الى ان مات وانه لم يتلف منه الا انه لم يوجد في التركة. السادسة (كذلك) الا انها مع احتمال التلف بعد الموت كل ذلك مع عدم التقصير منه بترك الوصية والاشهاد وان حكم الاولى واضح كحكم ما لو علم الرهن بعينه وانه يقوى الضمان في غير الرابعة مع احتماله فيها وان كان الاقوى خلافه في غير محله لما عرفت من انه لا وجه للحكم بالضمان في الصور الخمسة فلا مجال للتفصيل بين الرابعة وغيرها وان كان الحكم في الرابعة اظهر. والعجب انه قال بعد ذلك: " ويمكن حمل عبارة المصنف وغيره على ما إذا لم يعلم باصل الرهانة ". فانه بعيد عن مساق عباراتهم غاية البعد بل لا يقبل الحمل عليه اصلا.

[ 96 ]

(فائدة - 13) قال المحقق (قدس سره) في الشرايع: " والمرتهن احق باستيفاء دينه من غيره من الغرماء سواء كان الراهن حيا أو ميتا على الاشهر ". وفى المسالك: " يتحقق التعارض في الحى إذا كان مفلسا محجورا عليه إذ بدونه يتخير في الوفاء والخلاف في تقديم المرتهن على غرماء الميت فقد روى انه وغيره حينئذ سواء والاقوى تقديمه مطلقا لسبق تعلق حقه بالعين انتهى. اقول ان كان الرهن عبارة عن جعل الدين متعلقا بالعين المرهونة وجعلها محلا لاستيفائه منها من اول الامر غاية الامر ان زمان الاستيفاء مؤخر عنه ومشروط بحلول الاجل وامتناع المديون من الاداء أو تعذره منه فحق المرتهن حينئذ سابق على حق سائر الغرماء بالنسبة الى العين المرهونة لسبق تعلقه. وان كان عبارة عن جعل العين المرهونة وثيقة للدين و محبوسة على الراهن بحيث إذا حل الاجل وامتنع من الاداء أو تعذر منه ثبت للمرتهن حق الاستيفاء من العين المرهونة فلا يكون تعلق حقه سابقا على تعلق حقوق سائر الغرماء إذ بموت الراهن حلت الديون المؤجلة عليه كلها وتعلق حقوق جميع الديان بتركته سواء فيها العين المرهونة وغيرها. والحاصل انه ان قلنا حق الاستيفاء يترتب على الرهن بعد حلول الاجل وامتناع المديون من الاداء أو تعذره منه فالمرتهن وسائر الغرماء حينئذ سواء لان

[ 97 ]

تعلق الدين بالتركة بمعنى ثبوت حق الاستيفاء لديان منها حينئذ حصل بموت المديون وحلول الدين سواء فيه المرتهن وسائر الغرماء. وان قلنا ان تعلق الدين بالعين بمعنى ثبوت حق استيفائه منها ثبت بالرهن ابتداءا غاية الامر ان زمان الاستيفاء مؤخر عن الرهن ومشروط بحلول الاجل وامتناع الاداء فحق المرتهن سابق على حق سائر الغرماء ولم يدل دليل على تعلق الدين ابتداءا بالعين المرهونة حتى يحكم بتقدم حق المرتهن في العين المرهونة على حقوق سائر الغرماء بل الظاهر ان الرهن وثيقة للدين بمعنى جعله محبوسا على الراهن بملاحظة دين المرتهن بحيث إذا حل الاجل وامتنع الراهن من الاداء ثبت له حق الاستيفاء فحينئذ لا تقدم له على سائر الغرماء لان دين المرتهن وسائر الغرماء انما تعلق في زمان واحد أي بعد موت الراهن الذى حل به الاجل وتعذر اداء الدين منه فلا مجال حينئذ لطرح الرواية الدالة على مساوات المرتهن مع سائر الغرماء وتوهم ان الاجماع قائم على تقدم المرتهن على سائر الغماء حينئذ في غير محله لان المحصل منه غير حاصل والمنقول منه ليس بحجة مع ان المخالف موجود وهو الصدوق (قدس سره) ومن تبعه. لا يقال مقتضى ما ذكرت مساوات المرتهن مع سائر الغرماء في صورة الحجر على المديون بالفلس مع ان الاجماع قائم فيه على تقدم المرتهن على سائر الغرماء. لانا نقول الفرق بين موت المديون والحجر عليه بالفلس واختلافهما في الاثار والاحكام واضح فان الديون المؤجلة تحل بالموت دون الحج عليه بالفلس ويختص الغريم بعين ماله في صورة الحجر على المديون بالفلس دون موته فلا مجال حينئذ لجعل موت المديون مع الحجر عليه سواء في الحكم.

[ 98 ]

(فائدة - 14) قال الشهيد (قدس سره) في اللمعة في كتاب البيع: " لو اختلف مولى ماذون في عبد اعتقه المأذون عن الغير ولا بينة حلف المولى ولا فرق بين كونه ابا للماذون اولا ولا بين دعوى مولى الاب شرائه من ماله وعدمه ولا بين استجاره على حج وعدمه ". قال الشهيد الثاني قدس سره في الشرح: " والاصل في هذه المسألة رواية على ابن اشيم عن الباقر عليه السلام فيمن دفع الى ماذون الفا ليعتق عنه نسمة ويحج عنه بالباقي فاعتق اباه واحجه بعد موت الدافع فادعى وارثه ذلك وزعم كل من مولى المأذون ومولى الاب انه اشتراه بماله فقال ان الحجة تمضى ويرد رقا لمولاه حتى يقيم الباقون بينة وعمل بمضمونها الشيخ، ومن تبعه ومال إليه في (س) والمصنف هنا وجماعة اطرحوا الرواية لضعف سندها ولمخالفتها لاصول المذهب في رد العبد الى مولاه مع اعترافه ببيعه ودعواه فساده ومدعى الصحة مقدم وهى مشتركة بين الاخرين الا ان مولى المأذون اقوى يدا فيقدم واعتذر في (س) عن ذلك بان المأذون بيده مال لمولى الاب وغيره وبتصادم الدعاوى المتكافئة يرجع الى اصالة بقاء الملك على مالكه قال ولا يعارضه فتواهم بتقديم دعوى الصحة على الفساد لانها مشتركة بين متقابلين متكافئين فتساقطا وفيهما نظر لمنع تكافئها مع كون من عدا مولاه خارجا والداخل مقدم فسقطا دونه ولم يتم الاصل. ومنه يظهر عدم تكافؤ الدعويين الاخريين لخروج الامر وورثته عما في يد المأذون

[ 99 ]

التى هي بمنزله يد سيده والخارجة لا تكافؤ الداخلة فتقدم واقرار المأذون بما في يده لغير المولى غير مسموع فلزم اطراح الرواية ولاشتمالها على مضى الحج مع ان ظاهر الامر حجة بنفسه ولم يفعل ومجامعة صحة الحج لعوده رقا وقد حج بغير اذن سيده فما اختاره هنا واضح. ونبه بقوله ولا بين دعوى مولى الاب شرائه من ماله وعدمه على خلاف الشيخ ومن تبعه حيث حكموا بما ذكر مع اعترافهم بدعوى مولى الاب فساد البيع وعلى خلاف العلامة حيث حملها على انكار مولى الاب لافساده هربا من تقديم مدعى الفساد والتجأ الى تقديم منكر بيع عبده وقد عرفت ضعف تقديم مدعى الفساد ويضعف الثاني بمنافاته لمنطوق الرواية الدالة على دعوى كونه اشترى بماله هذا كله مع عدم البينة ومعها تقدم ان كانت لواحد وان كانت للاثنين أو للجميع بنى على تقديم بينة الداخل والخارج عند التعارض فعلى الاول الحكم كما ذكر وعلى الثاني يتعارض الخارجان ويقوى تقديم ورثة الامر بمرجح الصحة انتهى. ويستفاد من كلامه ان الوجوه التى زعموا مخالفتها لاصول المذهب اربعة الاول تقديم قول مدعى الفساد وهو مولى الاب على مدعى الصحة مع ان تقديم قول مدعى الصحة مطلقا أو في خصوص المعاملات مما لا ينكر. والثانى تقديم قول الخارج على قول ذى اليد لان يد العبد بمنزلة يد سيده فتقديم قول مولى الاب عليه تقديم لقول الخارج على قول ذى اليد من دون بينة وهو مخالف لضرورة الفقه. والثالث ان ظاهر الامر حج المأذون بنفسه ولم يفعل فلا معنى لمضى الحجة حينئذ. والرابع الحكم بصحة العبد المحكوم بكونه رقا مع عدم الاذن من سيده وهما متنافيان فان الرق لا يصح حجه الا باذن مولاه. والتحقيق عدم مخالفتها لاصول المذهب لوجه.

[ 100 ]

اما الاول فلان الصحة انما تكون اصلا في المعاملات ويقدم دعويها على دعوى الفساد إذا تحقق مقتضى الصحة فيها وشك في وجود المانع الموجب لفسادها واما إذا لم يحرز مقتضى الصحة فالاصل عدم تحققه ويقدم " ح " دعوى الفساد على دعوى الصحة. وممن نبه على ما بيناه المحقق الثاني قده في جامع المقاصد قال في باب الاجارة لاشك في انه إذا حصل الاتفاق على حصول جميع الامور المعتبرة في العقد من الايجاب والقبول من الكاملين وجريانهما على العوضين المعتبرين ووقع الاختلاف في شرط مفسد فالقول قول مدعى الصحة بيمينه لانه الموافق للاصل لان الاصل عدم ذلك المفسد والاصل في فعل المسلم الصحة. واما إذا حصل الشك في الصحة والفساد في بعض الامور المعتبرة وعدمه فان الاصل لا يثمر هنا فان الاصل عدم السبب الناقل ومن ذلك ما لو ادعى انى اشتريت العبد فقال بعتك الحر. وقال في باب الضمان فيما لو اختلف الضامن والمضمون له فقال الضامن ضمنت وانا صبى بعد ما رجح تقديم قول الضامن. " فان قلت ان للمضمون له اصالة الصحة في العقود وظاهر حال المسلم انه لا يتصرف باطلا. قلنا ان الاصل في العقود الصحة بعد استكمال اركانها لتحقق وجود العقد اما قبله فلا وجود له فلو اختلفا في كون المعقود عليه هو الحر أو العبد حلف منكر وقوع العقد على العبد وكذا الظاهر انما يتم مع الاستكمال المذكور لا مطلقا ". وقال في باب الاجارة في ذيل قول المصنف وكذا الاشكال في تقديم قول المستأجر لو ادعى اجرة معلومة أو عوضا معينا وانكر المالك التعيين فيهما بعد توضيح مراده يمكن ان يرد عليه امران الثاني ان تقديم قول مدعى الصحة انما يتحقق على ما بيناه حيث يتفقان على حصول اركان العقد ويختلفان في وقوع المفسد

[ 101 ]

فان التمسك لنفيه بالاصل هو المحقق لكون مدعى الصحة منكرا دون ما إذا اختلفا في شئ من اركان العقد فانه لا وجه للتقديم حينئذ وبهذا تبين ان مدعى الصحة لا يقدم قوله على حال من الاحوال لان الاختلاف وقع في ركن العقد وهو تعيين الاجرة فيكون ادعائه كادعاء اصل العقد انتهى. إذا تحقق لك ما حققناه فقد تحقق لك ان الصحة في المقام لا تكون موافقة للاصل لان الاختلاف انما هو في ركن العقد فان مولى الاب انما يدعى فساد العقد من جهة فقد ما يتقوم به البيع وهو مغايرة مالك الثمن. والحاصل ان اصالة الصحة لا تكون اصلا مستقلا ولا دليل على اعتباره كذلك وانما هي راجعة الى قاعدة الاقتضاء والمنع والاخذ بالمقتضى مع الشك في وجود المانع دفعا أو رفعا أو قطعا فان مرجع الجميع الى المنع من تأثير المقتضى اثره فلا تكون الرواية الشريفة من هذه الجهة مخالفة لاصل المذهب. واما الثاني فلان يد مولى المأذون على ابيه الذى اشتراه هو من سيده بادعائه مسبوقة بيد مولى الاب ومقر بسبق يده لادعائه ان عبده المأذون اشتراه بماله من مولاه وقد اتفق الاصحاب " قدس سرهم " على تقديم اليد السابقة على اللاحقة مع اقرارها بسبق اليد السابقة عليها بل التحقيق عندي انه تتقدم اليد السابقة على اللاحقة مطلقا سواء ثبت السبق بالبينة أو باقرار ذى اليد اللاحقة وقد اوضحنا الكلام فيه في رسالة مستقلة. فاتضح بما بيناه ان الرواية الشريفة من هذه الجهة ايضا لا تكون مخالفة لاصل المذهب: واما الثالث فلان الامر بالحج وان كان ظاهرا في مباشرة المأذون بنفسه الا ان القرينة قائمة على ارادة الاعم وهى عدم دعوى ورثة الامر خلافه مع ان المراد بمضي الحجة ان كان وقوعها عن الامر ولو مع عدم استحقاق الاجرة عليها فهو لا يتوقف على تحقق الامر لان الحج وغيره من العبادات يقع عمن نوى عنه العامل امر به ام لا ان كان واجبا فيبرء ذمته به وان كان مندوبا يقع عمن نوى عنه هو مع الامر

[ 102 ]

به والا فيرجع إليه ثوابه كما اوضحناه لك في الفائدة الثانية فلا ترد الحجة على كل حال واما الرابع وهو الحكم بصحة الحجة لا ينافي مع الحكم بعود العبد رقا لان كلا منهما حكم ظاهري مطابق للاصل والتفكيك بين المتلازمين شايع في مؤدى الاصول فباعتبار الشك في تحقق السبب الناقل يعود العبد رقا وباعتبار وقوع الشك في صحة الحجة بعد الفراغ عنها يحكم بصحته بمقتضى (1) قاعدة الفراغ بل لا حاجة في المقام الى اعمال قاعدة الفراغ لان العبد إذا اتى بالحج لنفسه أو لغيره بزعم حريته واستكماله في نفسه صحت حجته ولو ظهر انه رق واقعا. وهذا الوجه هو الظاهر من الرواية حيث حكم فيها بمضي الحجة مطلقا ولم يستثن صورة قيام البينة على رقيته. فان قلت هذان الوجهان انما تدلان على صحة الحجة واما استحقاق الوجه الذى صرفه في الحج عن الامر فلا. قلت نعم والرواية لا تدل على ازيد من مضى الحجة وصحتها فاتضح بحمد الله تعالى ان الرواية الشريفة لا تخالف شيئا من اصول المذهب وانها منطبقة على الضوابط العامة فلا مجال لطرحها. وقد تبين بما بيناه ان ما ذكره الشهيد الثاني قدس سره من انه لو اقام البينة الجميع وقلنا بتقديم بينة الخارج يقوى تقديم ورثة الامر بمرجح الصحة في غير محله لما عرفت من ان اصالة الصحة لا تكون اصلا مستقلا وانما ترجع الى الاخذ بالمقتضى المعلوم وعدم الاعتداد بالمانع المشكوك ولا مجرى له في المقام حتى يترجح به احد الوجهين. وقد تبين بما بيناه ايضا انه لو اختلف مولى المأذون مع ورثة الامر فالقول


(1) والتحقيق انه لا مجرى لقاعدة الفراغ في المقام لما نبهنا عليه سابقا من ان قاعدة الفراغ انما تنظر الى صحة العمل إذا كان احتمال الخلل لاجل احتمال الغفلة لا مطلقا - منه.

[ 103 ]

قول المولى حينئذ لسماع قوله بالنسبة الى ما تحت يده فما ذكره الشهيد قدس سره من انه لا فرق في سماع قول المولى بين دعوى مولى الاب شرائه من ماله وعدمه في غير محله لانه مع دعوى مولى الاب شرائه من ماله لا يعلم تحقق البيع فيعود رقا لمولاه. واما مع عدم دعوى مولى الاب شرائه من ماله فالبيع محقق وينحصر التعارض بين قول المولى وورثة الامر فيقدم قول المولى حينئذ لان العبد وما في يده تحت يده فيسمع قوله فيه فما اعاده الشيخ ومن تبعه (قدس سرهم) من الفرق بين الصورتين في غاية المتانة وكمال الجودة. ومما بيناه ظهر انه لو انحصر النزاع بين مولى المأذون ومولى الاب يقدم قول مولى الاب حينئذ لان الاصل معه وعلى مولى المأذون اقامة البينة على طبق دعواه. تنبيه هل لورثة الدافع الرجوع بمطابق اجرة الحجة من الالف على الاب حينئذ فان قلنا بان لهم الرجوع عليه ورجعوا عليه فهو يرجع على المأذون لانه الذى غره والمغرور يرجع على من غره وان رجعوا على المأذون فهو لا يرجع على احد ثم ان الرجوع على المأذون أو ابيه انما هو بعد فك رقبتهما بالعتق أو الانعتاق.

[ 104 ]

(فائدة - 15) اتفق الاصحاب " قدس سرهم " على عدم ثبوت النسب بالاقرار الا في الاقرار بالولد من صلبه بلا واسطة بقيود ثلثة. الاول كون البنوة ممكنة. والثانى كون المقربه مجهولا. والثالث ان لا ينازعه فيه منازع ولا يعتبر تصديق الولد ان كان صغيرا اتفاقا وهل يعتبر تصديقه ان كان كبيرا ظاهر كلام الشيخ في النهاية العدم وفى المبسوط يعتبر ولا يثبت النسب في غير الولد الا بتصديق المقر به وإذا اقر بغير الولد للصلب ولا ورثة له وصدقه المقر به توارثا بينهما ولا يتعدى التوارث الى غيرهما وهل يثبت نسب الولد باقرار الام ام يختص باقرار الاب فيه خلاف فالاكثر حكموا بالاول واقتصر جماعة على اقرار الاب استنادا الى انه خلاف الاصل فيقتصر فيه على موضع اليقين. تحقيق الامر يتوقف على بيان وجه الفرق بين الاقرار بالولد ووجه نفوذه والتعدى عنهما الى الحواشى والاطراف وبين الاقرار بغيره من الارحام ووجه عدم نفوذه الا مع تصادقهما وعدم التعدي عنهما الى غيرهما الا مع التصادق. فاقول مستعينا بالله تعالى ان الاقرار بالولد الاقرار بالولادة ولها اطراف ثلثة الوالد والوالدة والولد ومن المعلوم اختلافها في الطرفية فان الاولين منشأ للولادة وهى صادرة منهما صدور الفعل من فاعله دون الاخير فانه متعلق للولادة وهى واقعة عليه

[ 105 ]

وقوع الفعل على المفعول فهى فعل للوالد والوالدة دون الولد فيسمع قولهما فيه وينفذ اقراهما به ضرورة ان الشخص مرجع في فعله وينفذ اقراره به فان الفعل مما لا يستعلم الا من قبل فاعله. واما اقرار الولد بابوة رجل وامومة امرئة مما لا يسمع بدون تصديقهما لان مرجع اقراره بهما الى ادعاء صدور فعل الولادة منهما ومن المعلوم ان المدعى به لا يثبت بادعاء المدعى بل يحتاج ثبوته الى قيام البينة عليه أو اقرار المدعى عليه به وبما بيناه تبين ان ثبوت النسب بالاقرار بالولد منطبق على الموازين الاولية والضوابط العامة وانه لا فرق بين الاب والام في هذه الجهة إذ الولادة كما تكون فعلا للاب تكون فعلا للام ولذا يكون الاب والدا والام والدة فلا مجال للفرق بينهما مع ان النصوص مطلقة كما تبين سر عدم نفوذ الاقرار الا في الولد من صلبه بلا واسطة إذ الاقرار بالولد بالواسطة ادعاء على صدور الولادة من ولده فلا يثبت الا بالبينة أو تصديق المدعى عليه. ومنه تبين سر عدم نفوذ الاقرار بغير الولد من الارحام الا مع تصديق المقر به فان مرجع اقرار الشخص باخ له أو عم أو خال مثلا الى صدور ولادة المقر به من ابيه أو امه أو جده أو جدته فاقراره بذلك ادعاء على صدور الفعل من غيره فلا يسمع الا مع تصادقهما عليه. كما تبين انه حينئذ لا يتعدى عن المتصادقين الى غيرهما من الفروع والاصول والحواشي لان تصادقهما عليه يوجب ترتيب آثار النسب على انفسهما بمقتضى اقراهما لا ثبوت النسب واقعا أو ظاهرا بخلاف اقراره بالولد من صلبه بلا واسطة فانه اقرار بصدور الفعل من نفسه فيسمع قوله فيه وتثبت الولادة بمجرد اقراره من دون حاجة الى تصديق المقر به ضرورة نفوذ اقرار الشخص فيما هو مرجع فيه ويتبعه ثبوت النسب بالنسبة الى الاطراف من الاصول والفروع والحواشي. فان قلت الولادة جهة قائمة بطرفيها ومن شانها عدم ثبوتها باقرار احد الطرفين

[ 106 ]

الا بالنسبة الى المقر ولذا لا يسمع اقرار احد المتزاوجين مع انكار الاخر الا بالنسبة الى المقر. قلت التوليد فعل الوالد فقط وان كان له تعلق بالولد بخلاف التزويج فانه مركب من فعلى المتزاوجين فلا ينفذ اقرار احدهما الا بالنسب الى نفسه إذ لا وجه لنفوذ اقرار احدهما بالنسبة الى الاخر واما مجرد التعلق بالاخر مع صدور الفعل من احدهما فلا يوجب توقف نفوذ اقرار الفاعل على تصديق الاخر فان العتق والاطلاق والابراء وهكذا من الايقاعات مع تعلقها بالطرف الاخر لا يتوقف نفوذ اقرار المولى والزوج والدائن بالعتق والطلاق والابراء على تصديق العبد والزوجة والمدين. فان قلت ثبوت النسب بالاقرار حكم ظاهري لا واقعى ومقتضاه ان لا يثبت به اللوازم العقلية والعادية فكيف يثبت بالاقرار بالولد الانتساب بالنسبة الى الاطراف والتوابع من الاصول والفروع والحواشي. قلت الانتساب بالنسبة الى الاطراف ليس امرا زائدا على ثبوت نسبة الولد بالنسبة الى والده فان الجدودة والعمومة والخئولة والاخوة وهكذا منتزعة من امرين ثبوت الولادة بين المقر والمقر به وثبوت نسبة الاطراف الى احدهما والاولى ثابتة باقرار الوالد بالولد كما هو المفروض والثانية ثابتة تحقيقا فلا مجال لنفيها مع ثبوت منشا انتزاعها كما انه لا مجال لتوقيفها على تصديق الاطراف. ومن هذا القبيل ثبوت المصاهرة بالتزويج الثابت بين المتزاوجين وعدم اعتبار تصديق والد الزوج وبنت الزوجة وولد الزوج في ثبوتها لان التزويج انما يرجع الى المتزاوجين ولا يرجع الى غيرهما حتى ينفذ اقراره فيه مع ان الاقرار ليس اصلا محضا بل فيه جنبة الكشف ايضا فهو برزخ بين الاصل والامارة بل يغلب عليه جهة الكشف ولذا يكون قائما مقام البينة غالبا ويثبت به اللوازم. فان قلت يلزم حينئذ التعدي الى الاطراف في صورة التصادق ايضا. قلت لا يثبت النسب بتصادقهما حتى يتعدى عنهما الى سائر الاطراف وانما يلزمان حينئذ بترتيب آثار النسب بالنسبة الى انفسهما حسب اقرارهما.

[ 107 ]

والسر فيه ان اقرار الشخص انما ينفذ فيما هو مرجع فيه ولا مرجعية لاحد الاطراف في صدور الولادة لعدم كونها فعلا له ولا في طرفية سائر الاطراف اصالة ولا تبعا لان كلا منهما في عرض الاخر من حيث الطرفية فلا ينفذ اقرار المتصادقين الا في حق انفسهما لعدم ثبوت الولاة باقرارهما حتى يتبعه ثبوت النسب النسبة الى سائر الاطراف وعدم ثبوت طرفية الاطراف غير المتصادقين به لان كلا منهما في عرض الاخر فلا ينفذ باقرار احد الاطراف طرفية سائر الاطراف اصالة كما هو ظاهر ولا تبعا لعدم تبعية طرفية بعضها على طرفية الاخر. واذ قد اتضح لك ما حققناه فقد اتضح لك وجه الفرق بين الاقرار بالولد من صلبه بلا واسطة وبين الاقرار بسائر الارحام وسر ثبوت التعدي الى الاطراف والتوابع في الصورة الاولى وعدم التعدي في سائر الصور. بقى الكلام في وجه اعتبار القيود الثلثة. اما الاول فوجه اعتباره واضح. واما الثاني فلان الولد إذا لم يكن مجهول النسب وكان نسبه معلوما لم يبق محل لتأثير الاقرار بولادته. واما الثالث فلانه مع المنازعة فيه مع صغره يكون نسبة الولد الى كل من المتنازعين سواء فلا يترجح احدهما على الاخر الا بالبينة ان كانت والا فبالقرعة وقد تبين مما بيناه انه لا يعتبر تصديق الولد وان كان كبيرا نعم لا يبعد ان يكون تكذيبه حينئذ قادحا لانه مستقل في نفسه فينفذ انكاره ولا ينافى سماع انكاره مع نفوذ اقرار شخص بولادته منه لان مسماع اقرار المقر مقتض للحوق الولد به فيترتب عليه الاثر ما لم يوجد مانع من طرف الولد وهو انكاره بالغا رشيدا. ولذا اتفقوا على ثبوت النسب باقراره بالولد بعد موته مطلقا وحال صغره وجنونه ويمكن ان يكون مراد الاكثر من اعتبار تصديق الولد البالغ العاقل حينئذ عدم تكذيبه.

[ 108 ]

وبهذا البيان تبين انه لا ينافى اعتبار تصديق الولد حينئذ مع حكمهم بتعدى التوارث الى الاطراف فبان بهذا البيان وجه الفرق بين حكمهم بتعدى التوارث في المقام مع اعتبارهم التصادق وحكمهم بعدم تعدى التوارث في المتصادقين على نسب غير التولد. والحاصل ان مرجع اعتبار التصادق في المقام الى عدم التكذيب فقط فيتعدى التوارث عنهما الى الاطراف بخلاف اعتبار التصادق في غير التولد فان اعتباره انما هو بحسب نفسه لا باعتبار اوله الى عدم التكذيب والانكار. فاندفع بما بيناه ما اورده قدس سره في الروضة من ان الفرق بينه وبين غيره من الانساب مع اشتراكهما في اعتبار التصادق غير بين مع انه لو قلنا باعتبار التصادق في المقام تحقيقا فوجه الفرق ظاهر ايضا لان تصادقهما على التولد موجب لثبوت الولادة إذ لا مرجع لها غيرهما فيتعدى عنهما الى الاطراف واما التصادق في غير التولد فلا يوجب ثبوت النسبة لعدم مرجعيتهما الا في الطرفية الثابتة لانفسهما كما اوضحناه لك فلا يتعدى عنهما الى سائر الاطراف التى كل منهما في عرض الاخر ولا يتبع بعضها بعضا. ثم اعلم انهم قالوا إذا اقر بغير الولد للصلب وصدقه المقر به صح وتوارثا إذا لم يكن لهما ورثة مشهورون وهو كذلك لان نفوذ اقرارهما على انفسهما انما يقتضى توارث كل منهما عن الاخر بالنسبة الى حقوق انفسهما دون حقوق ورثتهما فلا يؤثر تصادقهما في التوارث الا مع عدم ورثة لهما.

[ 109 ]

(فائدة - 16) القطع قد يكون طريقا أي لا مدخلية له في حكم متعلقه كما هو شانه الذاتي. وقد يؤخذ قيدا للموضوع بحيث لا يترتب الحكم على متعلقه الا بعد القطع به كما إذا فرض ان الخمر المقطوع بخمريته حرام ولا شبهة في جوازه كما انه يجوز اخذ العلم بالحكم في موضوع حكم آخر كوجوب الحد على شارب الخمر العالم بانه حرام. واما اخذه موضوعا بالنسبة الى نفس الحكم الذى تعلق العلم به فهو محال مستلزم للدور الموجب لتقدم الشيئى على نفسه بمرتبتين وتاخره عن نفسه كذلك. وقد يتوهم انه مما يمكن بنتيجة التقييد قال مقرر بحثه بعد ما حكم بجوازه: " وتوضيح ذلك هو ان العلم بالحكم لما كان من الانقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن فيه الاطلاق والتقييد اللحاظى لاستلزامه الدور كما اوضحناه في مبحث التعبدى والتوصلى وقلنا ان اخذ العلم قيدا جزئا أو شرطا أو مانعا مما لا يمكن في مرتبة الجعل والتشريع كما هو الشان في الانقسامات اللاحقة للمتعلق باعتبار تعلق الحكم به كقصد التقرب في العبادات وإذا امتنع التقييد امتنع الاطلاق ايضا لان التقابل بين الاطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة. ولكن الاهمال الثبوتي ايضا لا يعقل بل لابد اما من نتيجة الاطلاق أو من نتيجة التقييد فان الملاك الذى اقتضى تشريع الحكم اما ان يكون محفوظا في

[ 110 ]

كلتا حالتى الجهل العلم فلا بد من نتيجة الاطلاق واما ان يكون محفوظا في حالة العلم فقط فلا بد من نتيجة التقييد وحيث لم يمكن ان يكون الجعل الاول متكفلا لبيان ذلك فلا بد من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الاطلاق والتقييد وهو المصطلح عليه بمتمم الجعل فاستكشاف كل من نتيجة الاطلاق والتقييد يكون من دليل آخر ". انتهى وهو فاسد من وجوه: الاول ان اخذ العلم بالحكم شرطا في تحقق هذا الحكم مستحيل ذاتا لاستلزامه تقدم العلم على الحكم المتقدم عليه تقدم المعلوم على العلم فلا يختص استحالته بالجعل الاول حتى تندفع باخذه شرطا له بالجعل الثاني. والثانى ان اختصاص مصلحة الحكم بحالة العلم به فقط موجب لتاثير العلم بالحكم في مصلحة الحكم وهو مستلزم للدور المحال ايضا لان الحكم منبعث عن المصلحة ومعلول عنها فلا يعقل ان تكون مصلحة الحكم منبعثة عن العلم به المتأخرة عنه والثالث انه يلزمه الاهمال الثبوتي في جعل الحكم وان زعم انه تخلص منه بعدم تطرق الاطلاق والتقييد اللحاظى في الجعل الاول لان الحاكم ان لاحظ الخمر في حد نفسها مثلا واثبت الحرمة لها من حيث هي يلزمه اطلاق الحكم بالنسبة الى الحالات الطارية والا فان قيدها بقيد فالحكم مقيد به حينئذ والحاكم لا يخلو من احد اللحاظين حتى يحتاح الى الجعل الثاني والاحتياج إليه انما يتم إذا كان الحاكم في حال الجعل الاول معرى عن اللحاظين وهو الاهمال الذى فر منه. والرابع ان الدليل ان كان كاشفا عن اخذ العلم بالحكم شرطا في تحققه فهو مأخوذ في موضوع الحكم بالجعل الاول ويستحيل حينئذ ان لا يعقل اخذه في الموضوع بالجعل الاول وان دل الدليل على اخذه كذلك في جعل اخر مترتب عليه فهو ماخوذ في موضوع حكم آخر يترتب على الاول. وكيف كان فما ذكره امر مستحيل من وجوه عديدة وما زعمه من ان وجوب الجهر والاخفات في مواضعهما ووجوب القصر على المسافر من هذا الباب لاشتراطهما

[ 111 ]

بالعلم بهما في غير محله إذ صحة الصلوة جهرا في موضع الاخفات وبالعكس وصحة الاتمام في موضع القصر جاهلا بالحكم لا يتوقف على اخذ العلم بالحكم قيدا في موضوعه بل يصلح بجعل العلم بالحكم كالبلوغ والعقل شرطا في تعلق الحكم كما عليه المصوبة في جميع الاحكام فلا يكشف عن اخذ العلم بالحكم شرطا في تحققه مع ان الاتمام في موضع القصر انما يصح إذا كان الجاهل قاصرا لا مطلقا وهو مبنى على اصل اخر كما بيناه في محله. واما كون المأمور به عبادة فهو سابق على الامر ولذا قد تكون العبادة مامورا بها وقد تكون منهيا عنها كصلوة الحائض وصومها ولو سلمنا عدم تحقق التعبد بدون الامر فهو ماخوذ في نفس الامر بالجعل الاول لان الغرض من الامر قد يكون التعبد بالمأمور به وقد يكون التوصل به. توضيح ذلك ان قيود القضية خبرية ام انشائية اما معتبرة في الموضوع أو المحمول أو النسبة ولا رابع لها كما هو ظاهر فان كان عروض الحكم على المعروض متوقفا على اعتبار قيد في المعروض فهو قيد في المعروض فهو قيد للموضوع كتوقف استحقاق الزكوة على الفقر مثلا وقبول الشهادة على العدالة وان كان ثبوت الحكم للموضوع مقيدا بخصوصية مرتبطة بالمحمول كقولك زيد عالم بالفقه أو بالنحو وهكذا فهو قيد للمحمول وان كان ثبوت النسبة موقوفا على اعتبار خصوصية فيها فهى قيد لها كقولك ان قدم زيد من السفر فتصدق درهما فان اعتبار قدوم زيد في وجوب تصدق درهم ليس تقييدا للموضوع ولا للمحمول وانما هو تقييد للنسبة. ومن هذا الباب كل ما اعتبر في القضية ولا يكون صفة للموضوع ولا للمحمول فان قدوم زيد ليس صفة للمتصدق ولا للصدقة واعتبار قصد التعبد في الامر من هذا القبيل فان مطلوبية المأمور به قد تكون مقيدة بايجاده بعنوان التعبد لله تعالى شأنه كاغتسل وصل مثلا فيكون الامر تعبديا وقد تكون بايجاده كيف اتفق كاغتسل ثوبك وبدنك عن الخبث فيكون الامر توصليا فانقسام الامر الى التعبدى

[ 112 ]

والتوصلى انما هو باختلاف غرض الامر وإذا انحصر غرض الامر في التعبد بالمأمور به لا يصلح الامتثال الا بقصد التقرب به ولا يصلح اخذ العلم بالحكم أو جهله به معتبرا فيه لا موضوعا ولا محمولا ولا نسبة كما هو واضح وانما يتصور اعتباره في مرحلة تعلق الحكم التى هي المرحلة الثانية من مراحل الحكم بالجعل الاول وان كان باطلا مستلزما للتصويب. واغرب منه ما ذكره من تصور جعل العلم بالحكم من سبب خاص مانعا مزيلا للحكم ورافعا له وهو في غاية الغرابة وكيف يتصور ان يكون طريق العلم بالحكم واثباته رافعا مزيلا له.

[ 113 ]

(فائدة - 17) لا شبهة في ان الخيار في عقد البيع من الحقوق لا الاحكام لانه سلطنة لاحد المتعاقدين على الاخر وقد بينا في محله ان كل سلطنة على الغير من قبيل الحقوق وسلطنة الشخص على نفسه وجهاته من قبيل الاحكام. توضيح الحال ان عقد البيع ينحل الى بدليتين بدلية الثمن عن المثمن وبدلية المثمن عن الثمن فهو مركب من ايجابين في مرحلة تكوين العلقة فهو مبايعة في هذه المرحلة وكل من المتعاقدين موجب للبيع ويكون في عرض الاخر من حيث ايجاد العلقة القائمة بالمالين فهما متبايعان ولكن باعتبار ان المثمن اصل في مرحلة قصد البدلية والثمن تابع له صار احد العملين ايجابا والاخر قبولا واحد المتبايعين بايعا والاخر مبتاعا فظهر بهذا البيان ان عقد البيع لازم ذاتا ولا يستقل احدهما في حله كما لا يستقل في عقده واثباته نعم لهما الاجتماع على حله كما لهما الاجتماع على عقده واثباته فالسلطنة على الاقالة كالسلطنة على ايجاد العقد من شئون سلطنة الشخص على نفسه وجهاته فهى حكم لاحق ولذا لا تقبل الاسقاط. واما الخيار المجعول شرعا أو بجعل المتعاقدين فهو سلطنة جديدة ثبتت لاحدهما أو لكل منهما على الاخر في حل عمله بجعل الشرع أو بجعل المتعاقدين فهو حق ولذا يقبل الاسقاط باتفاق الاصحاب بخلاف السلطنة على رد العقد الفضولي وامضائه وجواز الرجوع في الهبة وسائر العقود الجائزة بالذات المسماة

[ 114 ]

بالعقود الاذنية فانها كالاقالة احكام غير قابلة للاسقاط لان مرجع السلطنة في الجميع الى سلطنة الشخص على نفسه وجهاته. إذا اتضح لك ذلك فاعلم ان الخيار في عقد البيع كما يقبل الاسقاط يقبل الانتقال الى الورثة لان موضوعه وهو عقد البيع لا يتقوم بالمورث بل ينتقل اثر البيع الى الوارث فلا مانع حينئذ من انتقال الخيار الثابت فيه الى الوارث ايضا وهذا بخلاف الخيار الثابت في عقد التزويج بسب احد العيوب المجوزة لفسخه فانه لا ينتقل الى الوارث لتقوم موضوعه وهو عقد التزويج بالمورث وقد ظهر بما بيناه من ان الحق انما هو سلطنة على الغير ان حق الجلوس في السوق والمسجد وحق التولية والنظارة لا تكون حقا اصطلاحا وان عبر عنها بالحق لغة إذ لا يكون شيئى منها سلطنة على الغير فان مرجع الاولين الى ملك الانتفاع بسبب سبق الجلوس ومرجع الاخيرين الى ولاية على العين الموقوفة واستصواب امر القيم لا ولاية وسلطنة على الغير. واما الخيار المجعول للاجنبي فلا يكون حقا للاجنبي لعدم عود فائدة الخيار إليه وانما حكمه حكم الوكيل فهو منصوب من قبل المتعاقدين في اعمال الخيار فسخا والزاما فعدم انتقال هذه الامور المعبر عنها بالحق ليس لاجل تقومها بموضوعها كما ذكره شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في متاجره بل من اجل عدم كونها حقا بقى الكلام في امرين الاول في ان ارث الخيار هل يتبع ارث المال قال شيخ مشائخنا العلامة الانصاري قدس سره: " ارث الخيار ليس تابعا لارث المال فعلا فلو فرض استغراق دين الميت لتركته لم يمنع انتقال الخيار الى الوارث " الى ان قال: " ولو كان حرمانه من المال لتعبد شرعى كالزوجة بالنسبة الى العقار وغير الاكبر من الاولاد بالنسبة الى الحبوة ففى حرمانه من الخيار المتعلق بذلك المال مطلقا أو عدم حرمانه كذلك وجوه بل اقوال: ثالثها التفصيل بين كون ما يحرم الوارث عنه منتقلا الى الميت أو عنه فيرث

[ 115 ]

في الاول صرح به فخر الدين في الايضاح وفسر به عبارة والده كالسيد العميد وشيخنا الشهيد في الحواشى ورابعها عدم الجواز في تلك الصورة والاشكال في غيرها صرح به في جامع المقاصد انتهى ". وفيه ان استغراق دين الميت لتركته لا يكون مانعا من ارث المال ايضا إذ اعيان التركة حينئذ منتقلة الى الورثة ولا ينافيه تأخر الارث عن الدين لان المراد منه انه ما لم يؤدوا الورثة ديون الميت لا يرجع إليهم التركة طلقا لا انهم لا يرثونها اصلا ما لم يؤدوا الدين. والتحقيق ان ارث الخيار تابع لارث المال لان الخيار انما ثبت للمورث باعتبار انه حقه ويعود فائدته إليه فلو ثبت للوارث من دون ان يرث المال لزم عدم عود فائدته إليه وان يكون رجوع الخيار إليه حينئذ من قبيل رجوع الخيار الى الأجنبي المجعول له الخيار حيث يكون مرجعا في اعمال الخيار فسخا والزاما للغير من دون ان يكون له حق فيه وهذا مناف لكونه وارثا لحق الخيار الثابت لمورثه ولكن تبعيته لارث المال انما يقتضى منعه من ارث الخيار إذا كان ما انتقل الى الميت مما يحرم عنه الزوجة كما إذا ترك ارضا مشتراة بخيار فان الزوجة محرومة عن ارث الارض وثمنها. اما الثاني فلخروجه عن ملك الميت فلا يكون تركة له. واما الاول فلحرمان الزوجة عنه فلا مجال لارث الخيار حينئذ بالنسبة الى الزوجة إذ لو قلنا بان لها الخيار حينئذ لزم ان يكون لها اعمال الخيار لسائر الورثة لا نفسها إذ لاحق لها في الثمن بعد الفسخ ايضا إذ الفسخ حل للعقد من حين الفسخ لامن حين العقد فلا يرجع الثمن حينئذ بالفسخ الى الميت حتى يصير تركة له وترث منها الزوجة وانما يرجع بالفسخ كل من الثمن والمثمن مكان الاخر فيقوم الثمن مقام الارض التى صارت ملكا لغير الزوجة من الورثة فلا سهم للزوجة فيه كما لاسهم لها في الارض.

[ 116 ]

واما إذا كان ما انتقل عن الميت مما يحرم عنه الوارث كما إذا باع ارضا بخيار وترك ثمنها فالزوجة حينئذ كسائر الورثة ترث منه ولها خيار الفسخ وإذا اختارت الفسخ تنتقل إليها من الارض في مقابل سهمها من الثمن لان الفسخ حل للعقد من حين الفسخ فتملك قسطا من الارض بالفسخ ولا يكون ابطالا للعقد من راس حتى ترجع الى الميت وتنتقل عنه الى الورثة ارثا فتحرم عنها الزوجة وما يظهر من كلماتهم انه لو قلنا بثبوت الخيار للزوجة في الصورتين واختارت الفسخ فلا ترث في الصورة الاولى من الارض وترث من الثمن في الصورة الثانية في غير محله إذ لا محال لهذا الحكم بعد الالتزام بان الفسخ حل للعقد من حين الفسخ لا ابطال له من راس. فان قلت مقتضى ما ذكرت حرمان الزوجين عن الدية في قتل العمد لان الحكم حينئذ ابتدائا هو القصاص المحروم عنه الزوجان والدية تثبت بدلا عنه مع ان الاجماع قائم على انهما يرثان من الدية سواء ثبتت اصالة أو صلحا. قلت الدية بدل عن دم المقتول عمدا أو خطا غاية الامر ان له في الصورة الاولى بدلين القصاص والدية مع تقدم الاول على الثاني ولذا إذا هرب قاتل العمد الى ان مات يؤخذ الدية من ماله فلا تكون الدية بدلا عن القصاص حتى يحرم عنها الزوجان وانما تكون بدلا عن دم المقتول فيرثها من يرث المال ومنهم الزوجان. والثانى في كيفية استحقاق كل من الورثة للخيار مع انه حق واحد غير قابل للتجزية والتقسيم وقد ذكر شيخ مشائخنا الانصاري قدس سره في متاجره فيه وجوها فقال: الاول ما اختاره بعضهم من استحقاق كل منهم خيارا مستقلا كمورثه بحيث يكون له الفسخ في الكل وان اجاز الباقون نظير حد القذف الذى لا يسقط بعفو بعض المستحقين وكذلك حق الشفعة على المشهور واستند في ذلك الى ان ظاهر النبوى المتقدم وغيره ثبوت الحق لكل وارث لتعقل تعدد من لهم الخيار بخلاف المال الذى لا بد من تنزيل مثل ذلك على ارادة الاشتراك لعدم تعدد الملاك شرعا لمال واحد

[ 117 ]

بخلاف محل البحث. الثاني استحقاق كل منهم خيارا مستقلا في نصيبه فله الفسخ فيه دون باقى الحصص غاية الامر مع اختلاف الورثة في الفسخ والامضاء تبعض الصفقة على من عليه الخيار فيثبت له الخيار ووجه ذلك ان الخيار لما لم يكن قابلا للتجزية وكان مقتضى ادلة الارث كما سيجئ اشتراك الورثة فيما ترك مورثهم تعين تبعضه بحسب متعلقه فيكون نظير المشتريين لصفقة واحدة إذا قلنا بثبوت الخيار لكل منهما. الثالث استحقاق مجموع الورثة لمجموع الخيار فيشتركون فيه من دون ارتكاب تعدده بالنسبة الى جميع المال لا بالنسبة الى حصة كل منهم لان مقتضى ادلة الارث في الحقوق الغير القابلة للتجزية والاموال القابلة لها امر واحد وهو ثبوت مجموع ما ترك لمجموع الورثة الا ان لتقسيم في الاموال لما كان امرا ممكنا كان مرجع اشتراك المجموع في المجموع الى اختصاص كل منهم بحصة مشاعة بخلاف الحقوق فانها تبقى على حالها من اشتراك مجموع الورثة فيها فلا يجوز لاحدهم الاستقلال بالفسخ لا في الكل ولا في حصته فافهم. وهنا معنى آخر لقيام الخيار بالمجموع وهو ان يقوم بالمجموع من حيث تحقق الطبيعة في ضمنه لامن حيث كونه مجموعا فيجوز لكل منهم الاستقلال بالفسخ ما لم يجز الاخر لتحقق الطبيعة في الواحد وليس له الاجازة بعد ذلك كما انه لو اجاز الاخر لم يجز الفسخ بعده لان الخيار الواحد إذا قام بماهية الوارث واحدا كان أو متعددا كان امضاء الواحد كفسخه ماضيا فلا عبرة بما يقع متاخرا عن الاخر لان الاول قد استوفيه ولو اتحدا زمانا كان ذلك كالفسخ والامضاء من ذى الخيار بتصرف واحد لا ان الفاسخ مقدم كما سيجئ في احكام التصرف " انتهى. اقول اما ما ذكر مستندا للوجه الاول فلا ريب في فساده لعدم تعقل رجوع الحق الواحد الى متعدد على ان يكون كل منهم مستقلا فيه والا لزم اول الحق الواحد الى حقوق متعددة وهو خلف للفرض

[ 118 ]

والحاصل ان الحق الواحد مع بقائه على وحدته يستحيل رجوعه الى متعدد على سبيل الاستقلال فلا مناص حينئذ الا عن الالتزام بالاشاعة والاشتراك وما توهمه بعض من ان الاشتراك انما يتطرق فيما يقبل التجزى والانقسام لان مرجع اشتراك اشخاص متعددة في عين الى اختصاص كل منهم بحصة مشاعة منها فعند اجتماع اسباب متعددة على حق واحد واعمال كل منها يدور الامر بين امرين استقلال كل منها في التأثير واشتراك الجميع في الاثر والثانى باطل لعدم تطرق الاشتراك فيه لعدم تجزيه فتعين الاول في غير محله. لما بيناه مرارا في الفوائد السابقة من ان مرجع الاشتراك الى ضعف تعلق حقوق الشركاء وعدم استحقاق كل منهم العين المشاعة على وجه التمام لا الى تعلق حق كل منهم بكسر مشاع حتى لا يتطرق فيما لا يقبل التجزى والانقسام مع انه لو سلم عدم تطرق الاشتراك فيه لزم سقوط الاسباب المتعددة المجتمعة على محل واحد حينئذ ان تساووا في التأثير أو تقدم الاقوى منها ان كان لا استقلال كل منها في التأثير. ضرورة ان الاسباب المتعددة إذا اجتمعت على محل واحد تشترك في التأثير ان كان المحل قابلا للاشتراك والا تتعارض وتتساقط مع تكافؤها والا يتقدم الاقوى منها وكيف كان فلا وجه لاستقلال كل منها في التأثير على كل حال. ومن غرائب الاوهام ما ذكره السيد الطباطبائى في تعليقته على متاجر شيخنا الانصاري (قدس سرهما) من تعقل تعدد الملاك لمال واحد على سبيل الاستقلال فقال في ذيل قوله بخلاف المال. " اقول قد عرفت ان في المال ايضا يعقل تعدد الملاك والوجه في التنزيل على الاشاعة ليس عدم معقولية التعدد على وجه الاستقلال بل ظهور الادلة فيه بمساعدة حكم العرف وفهمهم وهذا الوجه موجود في الحق ايضا كما سيأتي بيانه " انتهى واشار بذلك الى ما ذكره في اول المسألة فقال في ذيل كلام المصنف

[ 119 ]

في كيفية استحقاق كل من الورثة (الخ) انه لا باس هنا بالاشارة الى امور فذكر الاول ثم قال: " الثاني يجوز اشتراك جماعة في حق واحد على نحو الاستقلال بان يكون لكل منهم استيفائه مستقلا " وذكر له امثلة منها حق القذف ومنها حق القصاص ومنها الخيار المجعول لاثنين مستقلا ومنها الوليين والوصيين والمتوليين المستقلين الى ان قال: " ثم الاشتراك على الوجه المذكور قد يكون بحيث يجوز لكل واحد اعمال الحق اسقاطا واستيفاءا بمعنى انه لو اسقط يسقط عن الجميع ولو استوفى لا يبقى حق للبقية كما في حق الخيار المجعول لاثنين والموكل والوكيل والوليين للصبى أو المجنون بالنسبة الى خياره ونحو ذلك وقد يكون بحيث يجوز لكل واحد الاستيفاء لكن لا يسقط باسقاطه الا بالنسبة الى نفسه كما في حق القصاص والقذف والرهن ونحوها. وهذا المعنى الذى ذكرنا يمكن تعقله في المال ايضا بان يكون مال واحد لشخصين بحيث يكون لكل واحد منهما التصرف في كله باى نحو اراد من غير حاجة الى اذن الاخر أو اجازته إذ لا مانع منه عقلا ولا نقلا ولذا قلنا بجواز اجتماع يدين لشخصين على مال واحد على وجه الاستقلال بحيث يعد كل منهما صاحب يد على تمام العين فيكون نظير تعارض الامارتين في الدلالة على الملكية ويجوز تضمين كل منهما لتمام المال إذا كانتا على وجه الغصب. والحاصل ان هذا المعنى معقول في المال ايضا الا انه لا مورد له في الفقه " انتهى. اقول ان اراد من تعقل تعدد الملاك لمال واحد على سبيل الاستقلال جواز تعدد ملك رقبة المال لكل منهم على سبيل الاستقلال فهو بديهى البطلان لاستحالته عقلا بالضرورة وان اراد منه جواز تعدد ملك التقلب لمال واحد فهو معقول واقع في الفقه فان كلا من الاب والجد للاب يملك التقلب في مال الصغير ولا ينافى مع ما ذكر من عدم تعقل تعدد الملاك لمال واحد فان غرضه من الملك ملك الرقبة أو

[ 120 ]

المنفعة لا ملك التقلب والوجه في جواز تعدده استقلالا دون ملك الرقبة واضح لان ملك التقلب عبارة عن الولاية ويجوز ان يتعدد الولى بالنسبة الى شئ واحد وشخص واحد ولا تكون الولاية حينئذ ولاية واحدة قائمة بكل واحد من الوليين على سبيل الاستقلال حتى يعود المحذور بل الولاية حينئذ متعددة قائم كل ولاية منها بولي ولذا قد تكون احدى الولايتين اقوى من الاخرى كولاية الجد بالنسبة الى عقد الصغيرة بل وهكذا بالنسبة الى تصرف في المال على الاقوى. وبما بيناه ظهر ان ما ذكره من جواز اجتماع يدين على سبيل الاستقلال على مال واحد امر غير معقول وتنظيره بالامارتين المتعارضتين في غير محله بل لو سلم ما ذكره لزم الحكم بثبوت الملك لكل منهما على سبيل الاستقلال لعدم التعارض بينهما حينئذ فلا وجه لتنظيره بالامارتين المتعارضتين حينئذ كما انه ظهر بما بيناه الحال في كثير من الامثلة التى ذكرها فان الوصيين والمتوليين المستقلين والاجنبيين المجعول لهما الخيار مستقلا من هذا القبيل ومقتضى استقلال كل منهما نفوذ امره حلا والزاما واسقاطا. واما وجه عدم سقوط حق القصاص فليس من اجل استقلال كل من الورثة في حق القصاص بل انما هو لاجل انه مشترك بين الورثة ولا يسقط بعفو بعضهم الا سهمه منه وللباقين استيفاء سهمهم من القصاص وحيث لم يتطرق التبعيض في قصاص النفس رخص الشارع لولى الدم الاخذ بالقصاص مع غرامته من الدية مقدار الفاضل عن سهمه من القصاص اهتماما به ولذا لو اشترك جماعة في قتل واحد عمدا جاز لولى الدم قتل الجميع قصاصا بعد رد الفاضل عن دية المقتول إليهم كما جاز له قتل بعضهم مع رد الباقين دية جنايتهم. والحاصل ان جواز الاخذ بالقصاص حينئذ ليس باعتبار عدم سقوطه بعفو البعض رأسا بل باعتبار بقاء سهم الاخذ منه فيأخذ به بعد غرامة ما زاد عن سهمه من الدية جمعا بين الحقين واهتماما بامر القصاص.

[ 121 ]

واما حق القذف فعلى فرض تسليم عدم سقوط بعض الحد بعفو بعضهم كما ادعى عليه الاجماع فلعله لاجل ان حد القذف لا يورث بل يبقى للميت وانما يكون لكل من الورثة الولاية في اعماله واستيفائه فالعافى منهم انما يعفو عن حقه من المباشرة لا عن نفس الحد لانه لم يكن حقا له حينئذ والحاصل ان عدم سقوط بعض حد القذف حينئذ تعبد محض والا فمقتضى القاعدة سقوط سهمه من الحد لو قلنا بانه من الحقوق الموروثة. وكيف كان فلا مجال للقول باستقلال كل من الورثة في حق الخيار ثم انه لو سلمنا ذلك لم يكن للقول بثبوت خيار الفسخ لكل منهم مع اجازة الباقين وجه وتنظيره بحد القذف الذى لا يسقط بعفو بعض المستحقين في غير محله إذ فرق بين الاجازة والعفو فان عدم السقوط بالعفو انما هو لاجل ان العفو يرجع الى اسقاط حقه على اعمال الحد فلا ينافى مع بقاء حق الاخر على اجرائه واما الاجازة فهى الزام وتثبيت للعقد فلا مجال لبقاء التزلزل في العقد حينئذ حتى يتطرق فيه الفسخ والحل. والحاصل ان الاجازة اعمال للحق لا اسقاط له فان ذا الخيار يملك حل العقد والزامه فبالاجازة يلزم العقد كما انه بالفسخ يحله فكما يؤثر فسخ كل واحد من الورثة في تمام العقد على هذا التقدير بحيث لا يبقى مجال لامضاء العقد واجازته بعده فكذلك يؤثر اجازة كل واحد منهم لزوم العقد وخروجه عن التزلزل بحيث لا يبقى مجال لفسخ العقد وحله بعده. واذ قد تبين مما بيناه انه لا مجال للقول باستقلال كل من الورثة في الخيار بحيث ينفذ فسخ كل منهم وان اجاز الباقون. تبين لك بطلان الوجه الرابع ايضا لان المقتضى في كل من الوراثة وان كان تاما بحيث لو انفرد لرجع إليه تمام التركة عينا كان أو حقا الا ان مقتضى اجتماعها على محل واحد مع صلوح المحل للاشتراك اشتراكها في الاثر مطلقا فلا مجال للتفصيل بين المال والحق حينئذ كما انه لا مجال للقول باستقلال كل من

[ 122 ]

الورثة في مطلق التركة عينا كان أو حقا فلم يبق من الوجهين الا الثاني والثالث. والظاهر حينئذ انما هو الوجه الثاني لان البيع باعتبار اشتراك الورثة في الثمن أو المثمن ينحل الى بيوع متعددة حسب تعدد سهام الورثة فينحل الخيار المتعلق به الى خيارات متعددة حسب تعدد البيع فيستقل حينئذ كل واحد من الورثة بالنسبة الى سهمه من المال في حل البيع والزامه. ولا يخفى ان التعدد التحليلي لا ينافى مع بقائه على وحدته تحقيقا ولذا يجرى فيه خيار تبعض الصفقه مع عدم اتفاق الورثة على الفسخ أو الامضاء فالبيع حينئذ واحد تحقيقا متعدد تحليلا وكذا الخيار ويترتب اثر كل منهما عليه.

[ 123 ]

(فائدة - 18) قال المحقق (قدس سره): " ولا تصح الوصية لمملوك الأجنبي ولا لمدبره ولا لام ولده ولا لمكاتبه المشروط والذى لم يؤد من مكاتبه شيئا ولو لجاز مولاه وتصح لعبد الموصى ولمدبره ومكاتبه وام ولده ويعتبر ما يوصى به لمملوكه بعد خروجه من الثلث فان كان بقدر قيمته اعتق وكان الموصى به للورثة ان كانت قيمته اقل اعطى الفاضل وان كانت اكثر سعى للورثة فيما بقى ما لم تبلغ قيمته ضعف ما اوصى له به فان بلغت ذلك بطلت الوصية وقيل تصح ويسعى في الباقي كيف كان وهو حسن. وإذا اوصى بعتق مملوكه وعليه دين فان كانت قيمة العبد بقدر الدين مرتين اعتق المملوك ويسعى في خمسة اسداس قيمته وان كانت قيمته اقل الوصية بعتقه والوجه ان الدين يقدم على الوصية فيبدء به ويعتق منه الثلث مما فضل عن الدين اما لو نجز عتقه عند موته كان الامر كما ذكرنا اولا عملا برواية عبد الرحمن عن ابى عبد الله عليه السلام ". اقول لا تصح الوصية للمملوك الأجنبي سواء قلنا بانه لا يملك أو يملك ولا استقلال له في ملكه كما لا استقلال له في نفسه. اما على الاول فواضح. واما على الثاني فلان للمولى حينئذ ان يتملك الموصى به لان العبد وما في يده لمولاه فيصير العبد حينئذ قنطرة الى رجوع الموصى به الى مولاه وهو خلاف

[ 124 ]

مقصود الموصى ولا مجال لان يقال بصحة الوصية حينئذ وصيرورة الموصى به متمحضا في ثمن رقبته فيصير العبد حينئذ عتقا على مولاه من قبل الوصي والا لزم ان يكون للموصى ولاية (1) على المولى بجعل عبده معتقا بالوصية له واللازم باطل بالضرورة فلا سبيل الى صحة الوصية على كل تقدير فتبطل. واما الوصية لعبده فهى جائزة لانه كما يجوز للمولى عتق عبده فكذلك يجوز له اختيار ما هو وسيلة الى عتقه بان يوصى له بشئ مشاعا أو معينا فيتمحض في ثمن رقبته فتصح الوصية وتعتق رقبة العبد من قبل الوصية فان ساوى الموصى به ثمن الرقبة فهو وان زاد عليه تعتق من معادل ثمنها من الموصى به وتعطى الفاضل وانما الكلام فيما إذا لم يف الموصى به بثمن رقبته فقيل تصح مطلقا ويعتق العبد ويسعى في الباقي وقيل تصح إذا كان الموصى به اكثر من سهم الورثة في العبد وان تعادلا أو زاد سهم الورثة على الموصى به بطلت الوصية والتحقيق انه إذا بلغ الموصى به ثلثة ارباع قيمة العبد تصح الوصية فيعتق العبد من قبل الوصية ويسعى في الربع الباقي للورثة لرواية الحسن ابن صالح عن ابي عبد الله عليه السلام: " في رجل اوصى لمملوكه بثلث ماله قال فقال يقوم المملوك بقيمة عادلة ثم ينظر ما ثلث الميت فان كان الثلث اقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة وان كان الثلث اكثر من قيمة العبد اعتق العبد ودفع إليه ما فضل من الثلث بعد القيمة فانها تدل على ان الحد الذى تصح معه الوصية ويصير سببا لعتق العبد وسعيه في الباقي للورثة هو بلوغ الموصى به ثلثة ارباع قيمة العبد. وحمل الحد المزبور على سبيل المثال لما زاد عن النصف حتى ينطبق على


(1) فان قلت هذا إذا لم يكن الوصية للعبد باجازة المولى. قلت مجرد اجازة المولى في الوصية لعبده لا تستلزم الاذن في عتقه حتى يكون عتقه بسبب الوصية التى باجازة المولى مستندا إليه (منه)

[ 125 ]

مختار الشيخين (قدس سرهما) أو على سبيل المثال لما زاد عن الموصى به مطلقا حتى ينطبق على مختار من اطلق القول بصحة الوصية له والسعى في البقية من دون تحديد لا وجه له مع ظهور الرواية في التحديد بحد معين. والحاصل ان المتصور في المقام في بادى النظر صور: الاولى نفوذ الوصية وصحتها مطلقا مع بقاء العبد على رقيته. والثانية بطلان الوصية مطلقا والثالثة نفوذ الوصية مطلقا وصيرورة العبد معتقا بمقدار ما وفى الموصى به بقيمته مبعضا في الحرية والرقية مشتركا بينه وبين الورثة. والرابعة نفوذ الوصية مطلقا وصيرورة العبد معتقا بكله من قبل الوصية مع وجوب السعي عليه للورقة بمقدار سهمهم منه. والخامسة نفوذ الوصية إذا بلغ الموصى به حدا محدودا من قيمة العبد وصيرورته معتقا حينئذ مع وجوب السعي عليه للورثة بمقدار ما يبقى من حقهم عليه رعاية للحقين مع تزاحمهما وتواردهما على محل واحد وقد استفيد من الروايات بطلان الصور الثلث الاول واتفقت كلمات الاصحاب (قدس سرهم) عليه ايضا. اما الاولى فلرجوعها الى صيرورة العبد قنطرة لرجوع الموصى به الى الورثة وهو خلاف مقصود الموصى فيبطل. واما الثانية فلوجود مقتضى الصحة وانتفاء المزاحم الا في بعض صوره فلا مجال للحكم ببطلانها مطلقا. واما الثالثة فلبطلان التبعيض في الحرية والرقية الا في المكاتب فيدور امر العبد مع عدم بلوغ الموصى به قيمة رقبته بين امرين تقديم حق الموصى على حق الورثة المقتضى لعتق العبد وسعيه بالنسبة الى سهم الورثة وتقديم حق الورثة المقتضى لبطلان الوصي فجعل الشارع لذلك حدا محدودا فإذا بلغ الموصى به مقدار ثلثة ارباع قيمة العبد قدم حق الموصى فيعتق العبد حينئذ ويسعى في سهم الورثة وان

[ 126 ]

لم يبلغ ذلك تقدم حق الورثة فتبطل الوصية حينئذ. وبهذا البيان تبين ان حق الورثة مع حق الموصى يتزاحمان في العبد الموصى له ولا اصل في البين يقتضى تقدم احدهما على الاخر فلا بد من الحكم بتقديم احدهما على الاخر من المراجعة الى كلمات اهل العصمة سلام الله عليهم اجمعين فيجب الاقتصار في الحكم بصحة الوصي ونفوذها وتقديمها على حق الورثة على الحد الذى ذكر في الروايات وعدم التجاوز عنه. وقد تبين ايضا مما بيناه عدم الفرق بين كون الموصى به جزء مشاعا من التركة أو جزء معينا لان الموصى به يتمحض في ثمن رقية العبد حينئذ فرجوع الموصى به مشاعا أو معينا الى الورثة حينئذ ليس تبديلا للوصي حتى يحكم ببطلانه بل انفاذ لها لان مقتضى تمحضه في ثمن رقبة العبد به عتق العبد ورجوعه الى الورثة بدلا عن رقبة العبد. فما حكى عن العلامة قدس سره في المختلف من الحكم ببطلان الوصية فيما لو كانت بجزء معين كدار أو بستان أو جزء مشاع ملك العبد والتخطى الى رقبة العبد يقتضى تبديل الوصية في غير محله لان عموم الخبر لو سلم فهو مخصص ولا امتناع في ملك العبد وانما يمتنع استقلاله فيه بل يستقل فيه في بعض الموارد ولو سلم فهو مشترك بين المشاع والمعين فلا وجه للتفصيل بينهما والتخطى الى رقبة العبد ليس تبديلا للوصية بل انفاذ لها لما عرفت من انه مقتضى رجوع الموصى به الى العبد وتمحضه في ثمن رقبته فالموصى به يرجع اولا الى العبد فيملكه ثم يعتق به رقبته لتمحضه في ثمن رقبته حينئذ. ومن هنا ظهران العتق في المقام قهرى ولا يحتاج الى انشاء عتق كما قد يترائى من التعبير باعتق. هذا إذا اوصى بثلث ماله أو بما دونه لعبده ولم يكن عليه دين. وان كان عليه دين فالحد الذى ينفذ معه الوصية ويزاحم به الدين وحق الورثة

[ 127 ]

هو بلوغ الموصى به سدس قيمة العبد. يدل على ذلك صحيح عبد الرحمن ابن الحجاج عن ابي عبد الله عليه السلام: " قال سئلني أبو عبد الله عليه السلام هل يختلف ابن ابى ليلى وابن شبرمة فقلت بلغني انه مات مولى لعيسى ابن موسى وترك عليه دينا كثيرا وترك مماليك يحيط دينه باثمانهم فاعتقهم عند الموت فسئلهما عيسى ابن موسى عن ذلك فقال ابن شبرمة ارى ان يستسعيهم في قيمتهم فيدفعها الى الغرماء فانه قد اعتقهم عند موته. وقال ابن ابى ليلى ارى ان ابيعهم وادفع اثمانهم الى الغرماء فانه ليس له ان يعتقهم عند موته وعليه دين يحيط بهم وهذا اهل الحجاز اليوم يعتق الرجل عبده وعليه دين كثير فلا يجيزون عتقه إذا كان عليه دين كثير فرفع ابن شبرمة يده الى السماء فقال سبحان الله يابن ابى ليلى متى قلت هذا القول والله ما قلته الا طلب خلافى فقال أبو عبد الله عليه السلام عن راى ايهما صدر قال قلت بلغني انه اخذ براى ابن ابى ليلى وكان له في ذلك هوى فباعهم وقضى دينه قال فمع ايهما من قبلكم قلت له مع ابن شبرمة وقد رجع ابن ابى ليلى الى راى ابن شبرمة بعد ذلك فقال اما والله ان الحق لفى الذى قال ابن ابى ليلى وان كان قد رجع عنه فقلت له هذا ينكر عندهم في القياس فقال هات قايسنى فقلت انا اقايسك فقال لتقولن باشد ما يدخل فيه من القياس فقلت له رجل ترك عبد الم يترك مالا غيره وقيمة العبد ستمأة درهم ودينه خمسمأة درهم فاعتقه عند الموت كيف يصنع قال يباع العبد فيأخذ الغرماء خمسمأة درهم وياخذ الورثة مأة درهم قلت اليس قد بقى من قيمة العبد ماة درهم من دينه فقال بلى. قل اليس للرجل ثلثه يصنع به ما شاء قال بلى قلت اليس قد اوصى للعبد بالثلث من المأة حين اعتقه فقال ان العبد لا وصية له انما امواله لمواليه فقلت له فان كان قيمة العبد ستمأة درهم ودينه اربعمأة قال كذلك يباع العبد فيأخذ الغرماء اربعمأة درهم ويأخذ الورثة مأتين ولا يكون للعبد شيئى قلت له فان كان قيمة العبد ستمأة درهم ودينه ثلثمأة درهم فضحك وقال من ههينا اتى اصحابك جعلوا الاشياء شيئا واحدا

[ 128 ]

ولم يعلموا السنة إذ استوى مال الغرماء ومال الورثة أو كان مال الورثة اكثر من مال الغرماء ولم يتهم الرجل على وصيته اجيزت وصيته على وجهها فالان يوقف هذا فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة ويكون له السدس. " وصحيح زرارة عن احدهما (ع): " في رجل اعتق مملوكه عند موته وعليه دين قال ان كان قيمته مثل الذى عليه ومثله جاز عتقه والا لم يجز " وفى صحيح: " آخر إذا ملك المملوك سدسه استسعى ". وجه الدلالة ان الروايات الشريفة وان وردت في مورد العتق المنجز عند موته الا انها تدل على حكم الوصية بالطريق الاولى لان عدم نفوذ المنجزات التبرعية في مرض الموت الامن الثلث كما يدل عليه صحيح عبد الرحمن انما هو من جهة انها في حكم الوصية بل يستفاد من الصحيحة ان كونها في حكم الوصي وبمنزلتها امر واضح عند الاصحاب فان تعبيره بقوله اليس قد اوصى للعبد بالثلث من الماة حين اعتقه. وتقريره الامام (ع) عليه ينادى بذلك باعلى صوت فالتأمل في حكم اجتماع الوصية مع الدين مع تسليم الحكم في اجتماع الدين مع العتق المنجز في مرض الموت مما لا ينبغى فان المنجزات التبرعية في مرض الموت عنوانها الوصية عند الاصحاب ولا تكون موضوعا آخر كما صرحت به الصحيحة المذكورة. وقد تبين لك مما بيناه غاية التبين. ان الحد الذى يصح معه الوصي مع المزاحمة بين الموصى والورثة هو بلوغ الموصى به ثلثة ارباع قيمة العبد ومع المزاحمة بين الديان والموصى والورثة هو بلوغ الموصى به سدس قيمة العبد وهذا التحديد في الحقيقة انما هو بلحاظ المزاحمة بين الديان والموصى والورثة حينئذ تابعة للديان والا فمع مزاحمتها استقلالا مع الموصى انما كان التحديد ببلوغ الموصى به ثلثة ارباع قيمة العبد وقد استنبط شيخ مشائخنا العلامة الطهراني (قدس سره) من التحديد في هذا الباب ان الامر في الارث كذلك فذكر انه مع وفاء التركة بثلاثة ارباع قيمة العبد يعتق العبد قهرا على مولاه في

[ 129 ]

في معادل التركة ويسعى في الربع الباقي لمولاه. وهو محل نظر لان المزاحمة في مسألة الوصية انما هي بين مولى العبد الذى اوصى بعتقه المقتضى لنفوذ ما اوصى به بحق مولويته وورثة المولى التى لا تنفذ الوصية في ثلثى التركة الا باجازتهم وامضائهم والمزاحمة في باب الارث غير متحققة إذ لم يعلم من الروايات ان العبد يستحق على مولاه الانعتاق عليه قهرا مع عدم وفاء التركة بثمن رقبته حتى يزاحم حق المولوية المتعلق برقبته. والحاصل ان لكل من المولى ووارثه حقا في صورة الوصية فيتزاحمان ويتقدم حق الاول على الثاني إذا بلغ حقه ثلثة ارباع قيمة العبد ولا يتقدم حق الثاني واما في مورد الارث فلم يعلم استحقاق العبد انعتاقه على المولى مع عدم وفاء التركة بثمن رقبته حتى يزاحم حق المولى إذ الرقية مانعة عن رجوع التركة إليه وارتفاع المانع في غير صورة وفاء التركة بثمن رقبته غير معلوم. ومن غرائب الاوهام ما ذكره بعض الافاضل من المعاصرين (قدس سره) من رجوع الحدين الى حد واحد فقال في تقريب ما ذكره ما محصله ان الميزان في نفوذ الوصية وسرايتها الى ما زاد عن الثلث هو السدس فان زاحمت الورثة في سدس حقهم صحت الوصية ونفذت وان زاحمت الزائد عن سدس حقهم بطلت فان كانت المزاحمة مع الورثة فقط لا تصح الوصية الا إذا بلغ الثلث الموصى به ثلثة ارباع قيمة العبد لان الربع الباقي حينئذ مطابق لسدس سهم الورثة وان شئت توضيح ذلك فافرض قيمة العبد اثنى عشر درهما فإذا بلغ ثلث التركة تسعة دراهم وهو ثلثة ارباع قيمة العبد يكون ثلثاها ثمانية عشر درهما ونسبة ربع قيمة العبد وهو ثلثة دراهم الى ثمانية عشر نسبة السدس فتصح الوصية حينئذ وان لم يبلغ الثلث ثلثة ارباع قيمة العبد لا تصح الوصي لثبوت المزاحمة حينئذ في الزائد عن سدس سهم الورثة. هذا إذا لم يكن على الموصى دين. واما إذا كان عليه دين فان كان الثلث الموصى به بالغا سدس قيمة العبد تصح الوصية حينئذ لاجل ان المزاحمة حينئذ انما تقع في السدس ايضا وان شئت

[ 130 ]

توضيحه بمثال لا يوجد فيه كسر في الانصاب فافرض قيمة العبد اثنين وتسعين درهما فثلث العبد كله مطابق لاربعة وعشرين درهما ولا تنفذ الوصية الا في نصفه وهو سدس العبد لوجود الدين المحيط بنصف قيمة العبد فيبقى نصف الثلث المطابق لاثنى عشر درهما غير نافذ فيه الوصية ونسبته الى سهم الغرماء البالغ ستة وثلثين في المثال نسبة الثلث كما ان نسبته الى سهم الورثة لولا الوصية كذلك فينتصف بينهما وتصح الوصية فيه لان مزاحمة الموصى حينئذ مع كل من الغرماء والورثة بمقدار سدس حقهم انتهى ملخص ما افاده. وهو واضح الفساد من وجوه عديدة. الاول انه ان كان المقصود من السدس الذى ادار صحة الوصية وانعتاق العبد مداره وجودا وعدما هو الزائد عن الثلث الذى صار بتبع الثلث معتقا على الورثة فهو انما يتم في الصورة الاولى. واما الصورة الثانية فالذي اصار بتبع الثلث فيها معتقا هو تام حق الغرماء وسهم الورثة لا السدس من حقهما وتوهم ان الذى صار معتقا بتبع الثلث انما هو سدس حق كل منهما ثم يسرى العتق الى البقية في غاية الغرابة لان العتق التبعى انما هو العتق بالسراية ولا معنى لجعلهما مختلفين مترتبا احدهما على الاخر بل ما ذكره مناف لصريح الروايات من استسعاء العبد في خمسة اسداسه إذا ملك سدسه بالوصية والثانى ان الزائد عن الثلث في الصورة الاولى انما يكون سدسا للثلثين اللذين هما سهم الورثة وفى الصورة الثانية لا يكون سدسا للثلثين بل ربعا لهما وانما يكون سدسا بالنسبة الى تمام التركة الذى هو سهم الورثة لولا الوصية فلا يلتئمان والثالث ان السدس في الصورة الاولى هو ما زاد عن الثلث وفى الصورة الثانية هو خصوص ما انحط عن ثلث الاصل بواسطة الدين فكيف يلتئمان. وبالجملة فما ذكره في غاية الضعف وان زعم انه اتى بتحقيق المقام قد غفل عنه غيره.

[ 131 ]

(فائدة - 19) قال المحقق (قدس سره) " لو اوصى بعتق رقبة بثمن معين فلم يجدبه لم يجب شرائها وتوقع وجودها بما عين له ولو وجدها باقل اشتراها واعتقها ودفع إليها ما بقى " انتهى والظاهر ان مستند الحكم موثق سماعة قال سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اوصى ان يعتق عنه نسمة من ثلثه بخمسماة درهم فاشترى الوصي باقل من خمسمأة درهم وفضلت فضلة فما ترى في الفضلة قال تدفع الى النسمة من قبل ان تعتق ثم تعتق عن الميت ". وفى الجواهر بعد ذكر الرواية قال: " وهى محمولة على صورة تعذر الموصى به ولو بقرينة حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح فلا يكون ترك الاستفصال فيه دليلا على العموم ومع التسليم يخص بظاهر اتفاق الاصحاب على عدم الجواز الا مع التعذر ترجيحا لعموم من بدله عليه وسماعة وان كان واقفيا الا انه ثقة فيكون الخبر من الموثق الذى قد فرغنا من اثبات حجيته في الاصول على انه منجبر بالشهرة أو عدم الخلاف. ولعل في قوله (ع) من قبل ان تعتق اشارة الى ما ذكرناه من قرب ذلك الى الموصى به باعتبار صيرورة دفع بقية المال إليها بمنزلة شرائها بالثمن المعين فتأمل جيدا.

[ 132 ]

اقول موثق سماعة صريح في تقديم دفع ما بقى على العتق ومجرد احتمال ان يكون دفعه الى المعتق من باب صرفه في وجه البر ولا يتفاوت الامر حينئذ بتقديم الدفع أو العتق لا يجوز القول بجواز تأخير الدفع عن العتق والا لجاز دفعه الى غيره من المستحقين إذ لا ينحصر وجه البر فيه. والتحقيق انه يجب تقديم دفع الباقي على العتق لصدق صرف الموصى به في العتق حينئذ دون ما إذا تقدم العتق عليه. وتوضيح ذلك يتوقف على تقديم مقدمة وهى ان الانسان في حد نفسه قابل للتملك والرقية لا توجب الا الحجر وعدم الاستقلال بل لا تمنع من حصول الاستقلال في بعض الاموال وفى بعض الصور كما سيظهر لك انشاء الله تعالى وهذا المعنى مع وضوحه في حد نفسه قد دلت عليه روايات اهل بيت العصمة سلام الله عليهم اجمعين ومن جملتها الروايات الواردة في عتق العبد وبيعه. ففى صحيح زرارة عن مولانا الباقر (ع) في طريق وعنه وعن مولانا الصادق عليهما السلام في طريق آخر وعن احدهما في طريق ثالث: " سئله عن رجل اعتق عبد الله وللعبد مال لمن المال فقال ان كان يعلم ان له مالا تبعه ماله والا فهو للعتق ". وموثقة الاخر عن ابى عبد الله (ع) إذا كاتب الرجل مملوكه أو اعتقه وهو يعلم ان له مالا ولم يكن السيد استثنى المال حين اعتقه فهو للعبد ". ونحوه الموثق الاخر. وفى حسنة زرارة قلت: " لابي عبد الله الرجل يشترى المملوك وله مال لمن ماله قال ان كان علم البايع ان له مالا فهو للمشترى وان لم يكن علم فهو للبايع " فان التفصيل بين علم المولى بان للعبد مالا وجهله به كاشف عما بيناه من ثبوت الملك للعبد وعدم استقلاله فيه إذ لو كان مال العبد مالكا للمولى كسائر املاكه لرجع المال الى المولى في صورة العلم وجهله به سواء استثناه ام لا ولو استقل العبد فيه ولم يكن للمولى حق فيه لرجع ماله الى نفسه علم المولى به ام لا فالتفصيل دليل على انه مالك لماله غير مستقل فيه يعنى ان المولى كما يملك رقبة العبد يملك جهاته وشئونه فهو

[ 133 ]

غير مستقل في ماله حينئذ و محجور عليه لا كحجر الصغير. فان الولى انما يتصرف في مال الصغير لمصلحته فهو كالوكيل من قبله. واما المولى فله التصرف في مال العبد لنفسه لا لمصلحة العبد. وهذا معنى: " العبد وما في يده لمولاه " فان علم المولى بان للعبد مالا و اعتقه ولم يستثنه تبعه ماله واستقل فيه وان لم يعلم بان له مالا واعتقه فللمولى ان يجعل ماله لنفسه لان اختيار ماله كان بيده ولم يتحقق حينئذ ما يوجب سلب اختياره عنه لان مباشرة عتقه مع عدم العلم بان تحت يده مالا لا يوجب ان يتبعه ماله حتى يستقل فيه وهذا معنى ان ماله لمولاه حينئذ. ومن هنا تبين وجه التفصيل في البيع ايضا فان علم المولى بان له مالا ولم يستثنه إذا باعه تبعه ماله فيثبت الاختيار الذى كان لبايعه لمشتريه بمقتضى عبوديته له وان لم يعلم بان له مالا إذا باعه لم يتبعه ماله ولم ينقطع اختيار بايعه عن ماله حينئذ و يكون اختيار ماله بيد البايع حينئذ وهذا معنى ان ماله للبايع حينئذ. وبما بيناه تبين اندفاع ما ذكر من ان التفصيل بين العلم والجهل لا يوافق قواعد الملك ولا قواعد عدمه إذ على القول بعدم مالكية العبد لا وجه لانتقال المال إليه بالعتق ولا الى المشترى بالبيع وعلى القول بالمالكية لا وجه لانتقال ماله الى مولاه بالعتق أو البيع لما اتضح لك من ان الملك لا يكون منفيا عن العبد رأسا حتى يكون ماله لمولاه ابتدائا ولا يتطرق فيه الانتقال بالعتق أو البيع الى المعتق أو المشترى مع العلم بان للعبد مالا وعدم استثنائه ولا يكون ثابتا له على وجه الاستقلال حتى لا يتطرق رجوعه الى المولى بالعتق أو البيع مع الجهل بان للعبد مالا بل يكون ثابتا له على وجه يكون للمولى تملكه لنفسه فعند العتق والبيع مع العلم بان للعبد مالا وعدم استثنائه يتبعه ماله فيرجع الى المعتق أو المشترى ومع الجهل به لا يتبع العتق والبيع فيرجع الى مولاه يعنى له ان يتملكه حينئذ كما كان له ذلك قبل العتق والبيع.

[ 134 ]

وقد تبين بما بيناه سر وجوب تقديم دفع الباقي على العتق حينئذ إذ بعد ما تعذر صرف الموصى به تماما في ثمن العبد فلا وجه اقرب إليه من صرف الباقي في عتقه ولا سبيل إليه الا بدفعه اولا الى العبد المشترى اولا ثم عتقه إذ يستقل العبد فيه حينئذ يتبع العتق. واما إذا اعتقه ثم دفع إليه الباقي فلا يكون الباقي حينئذ مصروفا في العتق بل ايصالا له الى مصرف البر. وبهذا البيان ظهر انه لا حاجة الى ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من ان تقديم الدفع على العتق فلعله باعتبار صيرورة دفع بقية المال إليها بمنزلة شرائها بالثمن المعين بل لا وجه له ضرورة ان مجرد دفع مال الى العبد لا يوجب تنزيله بمنزلة ثمنه أو بعض ثمنه. تنبيه مال العبد مع قطع النظر عن العوارض يكون بهذه المثابة ولذا ورد: " ان العبد وما في يده لمولاه " وقد يستقل فيه مع تمحضه في ثمن رقبته كالاموال التى اكتسبها مدة كتابته فانها متمحضة في وفاء ثمن رقبته وليس للمولى اخذها منه من غير احتسابها من اقساطه وليس للمكاتب صرفها في وجه آخر وكالمال الموصى به من قبل مولاه إذا بلغ ثلثة ارباع قيمة العبد أو سدسه كما عرفت وكالمال الراجع إليه ارثا مع انحصار الوارث فيه ووفائه بثمن رقبته فانه يعتق على مولاه قهرا في معادل قيمته من تركته ثم يعطى الفاضل منها ان كان. وقد يستقل فيه مع بقائه على رقيته كارش الجناية وفاضل الضريبة في موثق اسحاق ابن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع) ما تقول في رجل يهب لعبده الف درهم أو اكثر فيقول حللني من ضربي اياك ومن كل ما كان منى اليك ومما اخفتك وارهبتك ويحلله ويجعله في حل رغبة فيما اعطاه ثم ان المولى بعد ان اصاب الدراهم التى اعطاه في موضع وضعها فيه العبد فاخذها السيد حلال هي له قال فقال لا تحل له لانه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيمة قال فقلت له فعلى العبد ان يزكيها إذا حال عليها الحول قال لا الا ان يعمل له فيها ولا يعطى من الزكوة شيئا ".

[ 135 ]

وفى صحيح عمر بن يزيد: " سئلت ابا عبد الله عن رجل اراد ان يعتق مملوكا له وقد كان مولاه يأخذ ضريبة ضربها عليه في كل سنة ورضى بذلك المولى فاصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يأخذ مولاه من ضريبة قال فقال إذا ادى الى سيده ما كان فرض عليه فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك. ثم قال أبو عبد الله (ع) اليس قد فرض الله تعالى على العباد فرائض فإذا ادوها إليه لم يسألهم عما سواها قلت فللمملوك ان يتصدق مما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التى كان يؤديها الى سيده قال نعم واجر ذلك له قلت فان اعتق مملوكا مما اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء العتق قال فقال يذهب فيتولى الى من احب فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه ووارثه قلت اليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله الولاء لمن اعتق قال فقال هذا سائبة لا يكون ولائه لعبد مثله قلت فان ضمن العبد الذى اعتقه جريرته وحدثه ايلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه قال فقال لا يجوز ذلك ولا يرث عبد حرا ".

[ 136 ]

(فائدة - 20) قال المحقق (قدس سره) في الشرايع في كتاب القصاص: الخامسة " لو شهد اثنان انه قتل واخر ان على غيره انه قتله سقط القصاص ووجبت الدية عليهما نصفين ولو كان خطاءا كانت الدية على عاقلتهما ولعله احتياط في عصمة الدم لما عرض من الشبهة بتصادم البينتين ويحتمل هذا وجها آخر وهو تخير الولى في تصديق ايهما شاء كما لو اقر اثنان كل واحد منهما بقتله منفردا والاول اولى ". وفي المسالك: " القول بسقوط القود في العمد وثبوت الدية عليهما في العمد وشبهه وعلى العاقلة في الخطاء للشيخين وجماعة منهم العلامة محتجا على الاول بانها بينتان تصادما وليس قبول احديهما في نظر الشارع اولى من قبول الاخرى ولا يمكن العمل بهما لاستلزامه وجوب قتل الشخصين معا وهو باطل اجماعا ولا العمل باحديهما دون الاخرى فلعدم الاولوية فلم يبق الا سقوطهما بالنسبة الى القود لانه تهجم على الدماء المحقونة في نظر الشارع بغير سبب معلوم ولا مظنون إذ كل من الشهادتين يكذب الاخرى ولان القتل حد يسقط بالشبهة. واما الثاني وهو ثبوت الدية عليهما فلئلا يطل دم امرء مسلم وقد ثبت ان قاتله احدهما وجهل عينه فيجب عليهما لانتفاء المرجح والوجه الاخر الذى ذكره المصنف مذهب ابن ادريس محتجا عليه بقوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا ونفى القتل عنهما

[ 137 ]

ينافى اثبات السلطان وان البينة ناهضة على كل منهما بوجوب القود فلا وجه لسقوطه وبانا قد اجمعنا على انه لو شهد اثنان على واحد بانه القاتل فاقر آخر بالقتل يتخير الولى في التصديق والاقرار كالبينة في حق الادمى. واجيب بان الاية تدل على اثبات السلطان للولى مع علم القاتل لا مطلقا وهو منتف هنا والبينة انما تنهض مع عدم المعارض وهو موجود والاجماع على المسألة المبنى عليها ممنوع ". الى ان قال: " وللمصنف في النكت تفصيل حسن وهو ان الاولياء اما ان يدعوا القتل على احدهما أو يقولوا لا نعلم فان كان الاول قتلوه لقيام البينة بالدعوى وتهدر الاخرى وان كان الثاني فالبينتان متعارضتان على الانفراد لا على مجرد القتل فيثبت القتل من احدهما ولا يتعين والقصاص يتوقف على تعيين القاتل فيسقط وتجب الدية لعدم اولوية نسبة القتل الى احدهما دون الاخر. واعلم ان مقتضى عبارة الشيخين في الكتابين يدل على ان بالحكم الاول رواية وبه صرح العلامة في النهاية ولم نقف عليها فوجب الرجوع الى القواعد الكلية في الباب " انتهى. اقول مقتضى الرجوع الى القواعد الكلية المطردة في جميع الابواب سقوط القصاص والدية معا لانهما فرع ثبوت القتل والبينتان إذا تعارضتا وتكافئتا تساقطتا عن التأثير لان تأثيرهما معا اجتماع للضدين وتأثير احديهما بعينها ترجيح بلا مرجح وتأثير احديهما لا بعينها تأثير للشيئ قبل وجوده لان الشيئ قبل تعينه واقعا مبهم والشيئ ما لم يتشخص لم يوجد كما انه ما لم يوجد لم يتشخص فبطل القولان معا. اما الاول فلرجوعه الى ثبوت القتل بالبينتين وعدم ثبوته بهما وهو اجتماع للنقيضين وتعليل ثبوت الدية حينئذ بثبوت القتل على احدهما وجهالته بعينه فيجب الدية عليهما لئلا يطل دم امرء مسلم في غير محله. لانه ان اريد بثبوت القتل على احدهما مجهول العين ثبوته بالبينتين فقد عرفت

[ 138 ]

ما فيه من لزوم الترجيح بلا مرجح أو تأثير الشيئى قبل وجوده. وان اريد بثبوت القتل على احدهما ثبوته بالعلم الاجمالي المتولد من اجتماع البينتين المتعارضتين على واحد. ففيه اولا ان تولد العلم الاجمالي من اجتماعهما ممنوع إذ كما علم عدم صدقهما معا يحتمل كذبهما معا. وثانيا انه لا يوجب الزامهما بالدية ضرورة ان مجرد علم صاحب الحق باشتغال ذمة زيد أو صاحبه بالحق لا يجوز استيفاء حقه منهما أو من احدهما كما هو ظاهر بل لو فرض ان كلا منهما يعلم بصدور القتل اما منه أو من صاحبه فكذلك لان احد طرفي العلم الاجمالي إذا خرج عن محل ابتلاء العالم به لا يؤثر العلم شيئا وعدم طل دم امرء مسلم لا يوجب الحكم باخذ الدية ممن لا يثبت عليه القتل فيؤخذ الدية حينئذ من بيت المال الا ان يدل دليل شرعى على خلافه. واما الثاني فلان الحكم بتخير الولى في تصديق ايهما شاء فرع ثبوت تأثير البينتين وقد عرفت عدم تطرق التأثير فيهما أو في احدهما حينئذ وتنظيره بالاقرارين المتعارضين في غير محله لان الاقرار فيه جنبتان جنبة السببية و الموضوعية وجنبة الطريقية والعمدة فيه الجنبة الاولى ولذا ينفذ اقرار العقلاء على انفسهم مطلقا ولا يعتبر في نفوذه الوثوق بصدق المقر فإذا اقر شخصان كل واحد بالقتل منفردا عن الاخر يلزمان بحكم القتل فيتخير الولى في التصديق. ومن هنا ظهر سر تخير الولى في التصديق إذا اقر واحد بالقتل منفردا وقامت البينة على صدوره من آخر كذلك كما وردت به الرواية إذا البينة انما تعارضها بينة اخرى واما الاقرار الذى ينفذ على المقر ويلزم به من جهة الموضوعية والسببية لا من جهة الطريقية فلا يعارض البينة التى هي طريق محض فيتخير الولى في تصديق ايهما شاء فان قلت لا نسلم ان الاقرار سبب وموضوع لانه اخبار عن نفسه والخبر مطلقا يكون طريقا محضا سواء كان اخبارا عما يرجع الى غيره أو الى نفسه لنفسه أو على

[ 139 ]

نفسه ولو سلمنا فمجرد كونه موضوعا لا طريقا لا يوجب تطرق التخيير فيه لان المقتضيين إذا اجتمعا على محل واحد سواء كانا موضوعين ام طريقين ان لم يتنافيا وتطرق تعدد الاثر في المحل اثر كل واحد منهما اثره والا فان تقارنا اشتركا في التأثير وان تعاقبا فالاثر للمتقدم الا ان يقبل المحل اشتداد الاثر فيؤثران وان تنافيا وتقارنا تعارضا وتساقطا ان لم يكن احدهما اقوى والا فالاثر للاقوى وان تعاقبا فالاثر للمتقدم وعلى كل تقدير لا مجال لتطرق التخيير فيهما. قلت نعم الاقرار اخبار على نفسه والخبر طريق الى المخبر به وكاشف عنه ولكن الاثر في المقام وهو نفوذه عليه والتزامه بما اقر به انما هو من اثار اخباره على نفسه لا المخبر به بخلاف البينة فان الاثر انما يترتب على ثبوت مضمونها بها فيكون طريقا محضا فبالاقرار يلتزم المقر بما اقر به فيلزم به وبالبينة يثبت المشهود به فيلزم المشهود عليه به ولا يعقل ثبوت القتل انفراد الكل منهما فتتعارض البينتان حينئذ وتتساقطان مع تكافئوهما. واما الالتزام الذى هو اثر الاقرار فلا ينافى تعدده مع وحدة الملتزم به كما لا ينافى تعدد الضمان مع وحدة المضمون في تعاقب الايدى المغصوبة على عين واحدة فلا يتعارض الاقراران حينئذ وكما ان اثر تعدد الضمان مع وحدة المضمون تخير المضمون له في الرجوع على كل واحد فكذلك في المقام (1). فان قلت مقتضى ما ذكرت عدم تطرق التخيير في المتعارضين مطلقا ومع تكافؤهما يتساقطان مع انا نرى ان اثر التعارض في بعض الموارد هو التخيير كالخبرين المتعارضين والواجبين المتزاحمين والمجتهدين المتساويين فان الحكم في جميع الصور المذكورة هو التخيير.


(1) ولا ينافى ما بيناه ان ترتب الضمان على اليد وتعدده بتعدد الايدى حكم واقعى وترتب الالتزام على الاقرار وتعدده بتعدد الاقرار حكم ظاهري كما هو ظاهر (منه).

[ 140 ]

قلت اما الخبران المتعارضان فمقتضى القاعدة هو سقوطهما كما هو الشأن في سائر الموارد والتخيير الذى ورد فيهما ان كان المراد به التخيير الظاهرى فهو خارج عن مقتضى القاعدة بالدليل الشرعي. وان كان المراد منه التخيير الواقعي كما احتمله بعض الاساطين (قدس سره) فهو خارج عن الموضوع لعدم التعارض بين الخبرين حينئذ لثبوت مدلوليهما حينئذ على سبيل التخيير لا التعيين فلا يتناقضان حتى يصير الخبران متعارضين. واما الواجبان المتزاحمان لضيق الوقت عن امتثالهما فهما خارجان عن الموضوع ايضا لان التعارض انما هو بين الاسباب لتنافى مسبباتها والمسببان وهما الواجبان ثابتان حينئذ في مرحلتي التحقق والتعلق وانما يتزاحمان في المرحلة الثالثة وهى مرحلة تنجز الحكم فلا يتنجز احدهما بعينه مع عدم اهمية احدهما فيتخير المكلف في مرحلة الامتثال إذ العذر انما هو عن الجمع بينهما فلا عذر له في تركهما وهكذا الحال في المجتهدين المتساويين إذ يجب التقليد على العامي ولو على سبيل التخيير بينه وبين الاحتياط مع تمكنه منه فان اتحد المجتهد فهو وان تعدد ولم يترجح احدهما على الاخر باحد الوجوه المرجحة لا يتعين عليه الرجوع الى احدهما بعينه لعدم المرجح كما انه لا يمكنه ترك التقليد رأسا لوجوبه عليه ولا تقليدهما معا للتنافى بين اقوالهما فيتعين عليه الرجوع الى احدهما على سبيل التخيير. والحاصل ان الحكم في هاتين الصورتين ثابت وانما وقع التزاحم بين الحكمين في الاثر المترتب عليهما وحيث لا يمكن الجمع بينهما يتخير في الامتثال بخلاف المتعارضين فانهما لتعارضهما وتكافؤهما يسقطان عن التأثير فلا يثبت الحكم رأسا كما عرفت.

[ 141 ]

(فائدة - 21) لو كان المصلى في صلوة العصر مثلا وعلم بنقص ركعة من احدى صلوتيه فشك في انه هل سلم الظهر على اربع فيكون في ثالثة العصر أو على ثلث فيكون في رابعة العصر فهل له سبيل الى تصحيحهما أو تصحيح احديهما. التحقيق انه لا سبيل الى تصحيحهما معا لان العلم بنقص ركعة من احدى صلوتيه يوجب اشتغال ذمته باتيان هذه الركعة المرددة بين كونها من الظهر أو من العصر ولا سبيل الى اتيانها موصولة ولا مفصولة إذ لو اتى بها موصولة لم تحتسب من الظهر فلا تكون جابرة لما فات عنها ولاحتمل زيادتها خامسة في العصر فتكون مخلة لا جابرة إذ الاتيان بركعة يحتمل زيادتها في الصلوة مخلة عند الشارع والا لم يكن حاجة الى البناء على الاكثر والتحلل بالتسليم والجبر بصلوة الاحتياط في مواضعه ولو اتى بها مفصولة بعد التحلل بالتسليم لم يعلم احتسابها من الظهر ولا من العصر اما من الظهر فللفصل بالعصر واما من العصر فلعدم الامر بالتحلل بالتسليم حينئذ حتى يصح عصره ويجبر منها بصلوة الاحتياط لان جواز التحلل انما هو في مورد الشك الخالص. واما مع العلم الاجمالي باشتغال ذمته بركعة مرددة فلم يرد جواز التسليم على ما بيده وصحة صلوته حينئذ نعم له سبيل الى تصحيح صلوة الظهر بعدوله من العصر إليها والتسليم على ما بيده فتصح له صلوة ظهر تامة اما السابقة واما اللاحقة وعلمه بنقص

[ 142 ]

احديهما لا يؤثر؟؟ في شيئى لان الامر انما هو بظهر واحدة وقد صحت له ظهر واحدة فان قلت انما يصح العدول من صلوة صحيحة الى فائتة قبلها واما إذا لم تكن صحيحة مع قطع النظر عن العدول واريد تصحيحها بالعدول فلا يعقل الاجتزاء بها عن المعدول إليها لان صحة الصلوة حينئذ فرع العدول المتوقف على صحتها. قلت انما لا يجوز العدول عن صلوة مستقرة في البطلان لوقوع خلل فيها اما بزيادة ركن أو نقصه بحيث لا سبيل له الى تداركه. واما إذا لم تستقر في البطلان ويكون الحكم به حينئذ من جهة عدم سبيل له الى الاتيان بما يجب عليه في هذه الحالة مع بقائه على النية الاولى فلا مانع حينئذ من تحصيل طريق للصحة ولو بالعدول بل هذا احتيال من المصلى لصحة صلوته المعدود من فقهه وقد حكم السيد الطباطبائى (قدس سره) ببطلان الصلوتين ووجوب استينافهما معللا بعدم امكان اعمال قاعدة الفراغ مع قاعدة البناء على الاكثر حينئذ لان مقتضى قاعدة الفراغ كون الظهر تامة وما بيده ثالثة ومقتضى البناء على الاكثر كون ما بيده رابعة وكون الظهر ناقصة فيجب اعادة الصلوتين لعدم الترجيح في اعمال احدى القاعدتين فتسقطان. اقول وهذا التعليل عليل جدا إذ لو قلنا بان الاصول لا تجرى في اطراف العلم من جهة ان مقتضى تنجيز العلم الاجمالي كون اطرافها محكومة بحكم العلم فيجب فيها الاحتياط كما هو التحقيق واوضحنا الكلام فيه في محله بما لا مزيد عليه فلا مجال لتعارض القاعدتين وتساقطهما ضرورة ان تعارضهما فرع جريانهما وان قلنا بجريان الاصول في اطرافها وتساقطها عن الاثر لمعارضتها بمثلها فاللازم حينئذ الحكم بجريانهما في المقام وترتيب الاثر عليهما لعدم التعارض بينهما. وما ذكره من وقوع التعارض بينهما باعتبار استلزام كل منهما نفى الاخر فاسد من وجهين.

[ 143 ]

الاول ان اللوازم العقلية والعادية لا تثبت بالاصول حتى يتعارض القاعدتان باعتبار لازمهما وتفكيك المتلازمين شايع في الاصول فان مؤداها انما هي وظائف المكلف في مرحلة العمل لا ثبوت الواقع ولو تنزيلا حتى تثبت بها اللوازم فيقتصر في العمل على نفس مؤداها وقد نبه عليه الاصحاب (قدس سرهم) في مواضع كثيرة. منها مالو شك المصلى بعد صلوة الظهر مثلا في انه تطهر لصلوته ام غفل عنها فحكموا بانه متطهر بالنسبة الى صلوة الظهر لقاعدة الفراغ ومحدث يجب عليه التطهير بالنسبة الى صلوة العصر لاستصحاب الحدث مع ان الجمع بين الحكمين مع عدم تخلل الحدث جمع بين الضدين بالنظر الى الواقع. ومنها مالو شك بعد الفراغ عن الوضوء في تطهير اعضائه فحكموا بصحة الوضوء ونجاسة الاعضاء عملا بقاعدة الفراغ في الاولى وبالاستصحاب في الثانية مع استحالة اجتماعهما في الواقع. ومنها مالو تطهر بمايع مردد بين كونه بولا أو ماء فحكموا ببقاء الحدث وطهارة الاعضاء عملا بالاستصحاب في كل منهما مع استحالة اجتماعهما واقعا الى غير ذلك من الموارد التى لا تخفى على المتتبع. والثانى انه لا تنافى بين القاعدتين حتى باعتبار لازمهما إذ مرجع البناء على الاكثر الى المعاملة مع المشكوك معاملة الاكثر في جواز التسليم عليه والاتيان بالمحلل لا المعاملة معاملة التمام والاجتزاء به والا لم يجب الاحتياط بما هو جابر للفائت فمرجع البناء على الاكثر مع وجوب الاحتياط الى البناء على الاقل والتسليم عليه والاتيان بالركعة الاخرى مفصولة لا موصولة دفعا لتطرق الزيادة في الصلوة محسوبة مع فصلها مقام الموصولة حينئذ والا لم تكن احتياط فبناء العصر على الاكثر الراجع الى البناء على الاقل لا ينافى مع بناء الظهر على التمام المجتزى به كما هو ظاهر.

[ 144 ]

والحاصل انه لامانع من اعمال القاعدتين من جهة التعارض والتدافع بعد فرض تحقق المجرى لهما هذا مع انه لو سلمنا التعارض لا نسلم تساقطهما في المقام لوجود المرجح فان قاعدة الفراغ اصل برزخى فيه جهة كشف في الجملة حتى توهم انه امارة واما البناء على الاكثر فهو اصل سازج لا كشف فيه اصلا كما هو ظاهر فيتقدم عليه قاعدة الفراغ.

[ 145 ]

(فائدة - 22) لو شك المصل قبل السلام من العصر بعد العلم بانه صلى الظهرين ثمانى ركعات في انه صلى الظهر اربع فالتى بيده رابعة العصر أو صلاها خمسا فالتى بيده ثالثة العصر فقد حكم السيد الطباطبائى قدس سره ايضا ببطلانهما معللا بانه لا وجه لاعمال قاعدة الشك بين الثلاث والاربع في العصر لانه ان صلى الظهر اربعا فعصره ايضا اربعة فلا محل لصلوة الاحتياط وان صلى الظهر خمسا فلا مجال للبناء على الاربع في العصر وصلوة الاحتياط فيتدافع القاعدتان أي قاعدة الفراغ وقاعدة البناء على الاكثر فتتساقطان فيجب على المصلى اعادتهما نعم لو عدل بالعصر الى الظهر ويأتى بركعة اخرى واتمها يحصل له العلم بتحقق ظهر صحيحة مرددة بين الاولى والثانية. والتحقيق انه تصح الصلوتان حينئذ لعدم العلم بزيادة ركعة أو نقصها حينئذ فلا مانع من اعمال القاعدتين فيحكم بصحة الظهر لقاعدة الفراغ وبالبناء على الاكثر والاتيان بركعة الاحتياط جبرا للفائت المحتمل. وما ذكره من ان الحكم بصحة الظهر لقاعدة الفراغ يستلزم الحكم بكون العصر اربعا من دون حاجة الى الجابر وهو مناف لقاعدة البناء على الاكثر قد اندفع بما بيناه آنفا من جواز تفكيك الملازمين في الوظائف العملية المعبر عنها بالاحكام الظاهرية ثم لو سلم ما ذكره من تدافع القاعدتين والحكم ببطلان الصلوتين فلا وجه للتفصيل بين المسئلتين من جواز العدول في هذه المسألة والحكم بصحة الظهر فيها دون الاولى.

[ 146 ]

(فائدة - 23) اعلم ان من شأن شرايط الوجوب تعلقا أو تنجزا عدم وجوب تحصيلها ابتدائا ولا استدامة ولذا لا يجب على مسافر شهر رمضان الحضور ولا على حاضره استدامة بل يجوز له انشاء السفر بعد دخوله في الصوم والافطار بعد خروجه عن حد الترخص. ومن المعلوم انه حكم مطلق شرايط الوجوب ولا يعقل فيه الاختصاص ومقتضاه جواز السفر بعد الزوال يوم الجمعة قبل ادراك صلوتها من المكلف بها لان الحضور من شرائط وجوبها لا صحتها ولذا لا يجب على المسافر الحضور فيها وتنعقد منه كذلك فالقول بحرمة السفر حينئذ وتعليلها باستقرار الوجوب بحصول الشرط عليل لان مقتضى شرطية الحضور للوجوب عدم وجوب استدامته وعدم استقرار الوجوب بمجرد حصوله. فان قلت يمكن ان يقال حدوث الحضور شرط لا وجوده فيستقر الوجوب بمجرد حصوله ويجب عليه استدامته. قلت اولا لا دليل على ما ذكرت. وثانيا انه لا يوجب وجوب الاستدامة بل يحرم السفر حينئذ لمن لم يتمكن من اقامتها فيه مع ان الاكثر حكموا باطلاق التحريم اطلاقا ونصا. وببيان اوضح ان كان السفر مانعا عن وجوبها دفعا ورفعا كما هو الحال فيه بالنسبة الى صوم شهر رمضان فاللازم جواز السفر بعد الزوال مطلقا لعدم حرمة ايجاد الرافع كالدافع وان

[ 147 ]

كان مانعا عنه دفعا لارفعا فاللازم جوازه في صورة التمكن من اقامتها فيه مع ان مرجع التحريم في صورة عدم التمكن منها الى تحريم تفويت الواجب الراجع الى تنجزه وتحتم امتثاله فلا تحريم في البين اصلا وتوهم ان تجويز السفر على تقدير تمكنه من اقامتها فيه دورى يتأدى وجوده الى عدمه حيث ان جواز السفر سبب لسقوط وجوب الجمعة عنه في غير محله لان تعليق الجواز على تقدير التمكن مبنى على عدم كونه رافعا فلا يوجب سقوط الجمعة حينئذ حتى يتأدى وجوده الى عدمه. ويرد ما ذكرناه فيما حكموا به من تعين صرف ما يستطاع به في نفقة الحج عند سير الوفد وحرمة بذله في نفقة النكاح وغيرها من الوجوه المحللة له لولا الحج. ويمكن دفعه بجعل حدوث الاستطاعة شرطا لوجوب الحج ولكن يلزم حينئذ استقرار وجوبه مع زوالها قبل ادراك المناسك في العام الاول. والتحقيق في حل الاشكال ان يقال ان الاستطاعة لا تزول بصرف المال في غير نفقة الحج اختيارا توضيحه ان الاستطاعة هي المرتبة التامة من القدرة المتقابلة مع العجز تقابل التناقض ومن المعلوم ان ارتفاع احد النقيضين لا يكون الا بوجود الاخر فارتفاع القدرة التامة انما يكون بتحقق خلافها وهو المرتبة الخاصة من العجز المنافى للاختيار ضرورة عدم مجامعة احدهما مع الاخر ولا يزول الاختيار بالامتناع المستند إليه. وقد اشتهر اشتهار الضروريات ان " الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار " فكما لا يزول اصل القدرة بالعجز المستند الى اختياره فكذلك المرتبة الخاصة منها لا تزول بالمرتبة الخاصة من العجز المستند الى اختياره فصرف المستطيع ماله في غير نفقة الحج باختياره لا يوجب زوال استطاعته وقدرته عليه حتى يوجب عدم التنجز أو عدم التعلق بخلاف السفر فانه فعل اختياري وهو بوصف انه اختياري مانع عن تنجز

[ 148 ]

وجوب الصوم وموجب لقصر الصلوة فلا يكون وقوعه عن اختيار قادحا في جواز الافطار بل يتقوم حقيقة السفر بالاختيار وقصد المسافة فلا يعقل تقييده بعدم الاختيار. فان قلت كما ان وجوب الحج مشروط بالاستطاعة فكذلك مشروط بدخول وقته ايضا إذ لا يعقل وجوب الشيئى قبل دخول وقته ووجوب تحصيل مقدمات الوجود ابتدائا واستدامة فرع وجوب ذيها فلا يعقل وجوبها قبل وجوبه ومقتضاه جواز بذل ما يستطاع به في سائر النفقات قبل دخول وقت الحج ولو عند سير الوفد. قلت انما يمتنع ايجاد الشيئى قبل وقته. واما ايجابه قبله فلا فان الوقت كما يصلح ان يجعل سببا للوجوب فقط كذلك يصلح ان يجعل ظرفا للعمل كذلك بل هذا شأنه الاولى وقد يجتمع فيه الاعتبار ان وإذا اعتبر ظرفا فقد تعتبر ظرفيته على وجه بحيث لا يكون مجال للعمل الا فيه وقد تعتبر على وجه بحيث يمكن قضاء العمل في غيره لعذر أو مطلقا فالظرفية قد تكون تامة وقد تكون ناقصة واوقات الصلوات المكتوبة مما اجتمع فيها الاعتبار ان السببية والظرفية الناقصة ولذا لا تجب قبل دخول اوقاتها ويصح قضائها بعد خروج اوقاتها. واما اوقات المناسك فانما اعتبرت ظرفا لها على وجه التمام ولم تعتبر سببا لوجوبها ولذا يجب الحج على المستطيع قبل دخول وقته ولا يصح ايقاعه الا في وقته. فان قلت الاستطاعة والقدرة على ايجاد الواجب لا تتحقق الا بعد دخول وقته فلا يعقل وجوب الشيئى على الشخص تعلقا أو تنجزا قبل دخول وقته من جهة فقد القدرة التى هي من شرائط الوجوب. قلت ايجاد العمل في الوقت يتوقف على دخول الوقت واما القدرة على ايجاده فيه فلا إذ كما لا يتوقف قدرة الشخص على ايجاد العمل في مكان مخصوص على كونه فيه فكذلك لا تتوقف قدرته على ايجاده في وقت مخصوص على دخوله وحلوله نعم لا مجال لاعمال قدرته قبل كونه في الوقت والمكان اللذين ضربا

[ 149 ]

ظرفين للعمل لا انه غير قادر على ايجاد العمل فيهما قبل دخولهما. فان قلت دخول الوقت لا يكون فعلا للمكلف وخارج عن تحت اختياره وجودا وعدما فلا يقدر على تحصيله فلا يكون ايجاد العمل فيه مقدورا الا بعد حصوله بخلاف كونه في مكان مخصوص فانه تحت اختياره وقدرته فهو قادر على ايجاد العمل فيه بتحصيل الكون فيه. قلت خروجه عن اختياره مع وجوب حصوله في حكم وقوعه تحت اختياره وقدرته فلا يمنع تعلق القدرة بايجاد العمل العمل المقيد به قبل حصوله نعم لو جاز حصوله وعدمه لم يكن ايجاد العمل فيه مقدورا الا بعد حصوله. فان قلت لو تحققت الاستطاعة الى الحج سبيلا قبل دخول وقته ووجب قبله لكونه ظرفا له فقط لزم استقرار وجوبه مع زوال الاستطاعة قبل ادراك وقته ووجوب القضاء عمن مات في العام الاول قبل حلول وقته. قلت استقرار الوجوب انما هو ببقاء الاستطاعة واستقرارها الى الوقت المضروب للمناسك فلو زالت قبله يزول الوجوب ولا مجال لاستقراره فان قلت سبق الوجوب على الوقت غير مستقر الا بادراكه باقيا على استطاعته لو كان مانعا من بذل مؤنة الحج في سائر النفقات لكان مانعا منه في طول عام الاستطاعة لعدم اختصاصه بزمان سير الوفد مع ان جوازه قبل سيرها واضح لا ريب فيه قلت يمكن ان يقال الاستطاعة على العمل لا تتحقق في نظر العرف الا عند وقت العمل أو وقت ايجاد مقدماته واما قبله فلا تعد استطاعة في نظرهم وان ابيت عن ذلك نقول ان جواز بذل المال في غير نفقة الحج من الوجوه المحللة في عام الاستطاعة قبل سير الوفد توسعة من الشارع على المكلف كما ان اعتبار الاستطاعة التى هي المرتبة التامة من القدرة في مرحلة التنجيز أو التعلق كذلك والا فيقتضى الميزان الاكتفاء بالقدرة المطلقة. فان قلت لو لم تزل الاستطاعة مع صرف مؤنة الحج في سائر النفقات لعدم

[ 150 ]

ارتفاعها بالامتناع المستند الى الاختيار لزم حصولها لمن تمكن من تحصيلها واهمل ضرورة ان الامتناع بالاختيار كما لا يرفعها فكذلك لا يدفعها. قلت المقصود من بقائها حينئذ بقائها حكما لا تحقيقا بمعنى ان العجز الطارى المستند الى اختياره في حكم العدم فلا يؤثر زوال اثرها لا انها باقية تحقيقا فهى بعد حصولها لا تزول الا بالعجز المستند الى اختياره واما مع عدم حصولها وامكان تحصيلها فهى غير متحققة لا تحقيقا ولا حكما وانما الثابت حينئذ القدرة المطلقة التى لا يترتب عليها اثر في المقام. فان قلت لو لم تزل القدرة حكما بالامتناع المستند الى اختياره لزم عدم الاكتفاء بالتيمم في صحة صلوته لمن اهراق ماء وضوئه أو غسله في الوقت باختياره ولم يتمكن من تحصيل الماء لان بدلية التيمم عنهما انما هي بعد العجز عنهما وهو في هذا الحال في حكم المتمكن. قلت حكم القدرة والتمكن من التنجز وعدم العذر باق في المقام فانه لا يكون معذورا في ترك الطهارة المائية حينئذ والاكتفاء بالتيمم حينئذ انما هو لترتبه على نفس العجز عن الطهارة المائية لا على حكمه من العذر عنها والعجز في حكم العدم بالنسبة الى حكمه من العذر لا مطلقا فلا ينافى جواز الاكتفاء بالتيمم المترتب على مجرد العجز عنهما والوجه في بدلية التيمم عن الطهارة المائية عند الشارع فلو لم يجز التيمم حينئذ لمكان عدم عذره عن اراقة الماء لزم تقديم رعاية الطهارة المائية على ادراك الصلوة في الوقت. والحاصل انه مع عدم وجود الماء في الوقت يدور الامر بين فوت الوقت وفوت الطهارة المائية فان كان رعاية الطهارة المائية اهم عند الشارع من الوقت لزم عدم شرع التيمم والامر بقضاء الصلوة في خارج الوقت بالطهارة المائية فشرع التيمم كاشف عن اهمية الوقت عنده من الطهارة المائية فحينئذ يجب التيمم بدلا عنها مع العجز عنها ولو مع عدم العذر والا لزم خلف الفرض.

[ 151 ]

(فائدة - 24) (سؤال) قد ضرب الله الحق والباطل في سورة الرعد بالماء المنزل من السماء والزبد الرابى عليه وبالفلز الموقد عليه في النار وزبده فقال عز من قائل (انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حيلة أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فاما الزبد فيذهب جفاء. واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال). ولابد في المثال من الشباهة التامة الموجبة لبلاغته وكلما ازداد شباهة ازداد بلاغة. وقد سمعت ان بعض مدعى العلم من النصارى اورد بانه لا بلاغة في المثالين لفقد الشباهة التامة وان المثال البليغ هو النور والظلمة والمسئول منكم ان توضحوا لنا وجه بلاغة المثالين كمال الايضاح بحيث لم يبق مجال الريب للمرتابين هكذا صورة السؤال. اقول بعون الله تعالى ومشيته انه قد شبه في الاية الكريمة كلمة الحق بالماء المنزل من السماء وكلمة الباطل بالزبد والقلوب بالارض وفى هذه المرحلة التشبيه بالماء والزبد ابلغ من النور والظلمة من جهات عديدة وهو يتوقف على بيان صفات الماء وشان الزبد وموازنتهما بصفات كلمة الحق وشان كلمة الباطل. فاعلم ان من صفات الماء التى يمتاز بها عن سائر الموجودات ان حيوة كل

[ 152 ]

حيوان بالماء بل حيوة كل ما فيه الروح النباتي من الاشجار والنباتات به بل حيوة الارض التى هي جماد ايضا به قال عز من قائل (واحيينا به بلدة ميتا) وكلمة الحق حيوة للقلوب وانما تحيى باستيلاء كلمة الحق عليها كما انه تموت باستيلاء كلمة الباطل عليها وهذا من اظهر صفات كلمة الحق ويكفى في بلاغة التشبيه بل كمال بلاغته وجود هذه الصفة في الماء وكونها من اظهر صفاته. وهذا هو الوجه الاول من الوجوه الموجبة لبلاغة المثال بلاغة تامة. والثانى ان من صفات الماء التى يمتاز بها عن سائر الموجودات ايضا كونه موجبا للطهارة والنظافة من الاقذار والادناس وهذا ايضا من اظهر صفات كلمة الحق الموجبة لكمال البلاغة فان استيلاء كلمة الحق على القلب يطهره من ارجاس الشبهات واقذار العقائد الباطلة كما ان استيلاء كلمة الباطل عليه تدنسه بالارجاس والاقذار. والثالث ان الماء المنزل من السماء الذى ضرب به المثل لا يكون الا عذبا والماء العذب اكمل من ساير المياه في الاحياء والتطهير. والرابع ان الماء المنزل من السماء يختص بكمال النفع والتركة من بين المياه العذبة كما لا يخفى فيؤكد بهما البلاغة ويشتد بهما الشباهة حتى يصح ان يقال كانه هو. والخامس ان الماء المنزل من السماء انزاله بمشية الحق تعالى شانه من جميع الوجوه انزالا وزمانا ومكانا ومقدارا ولا يكون للخلق دخل فيه بوجه واكد تعالى شأنه هذا الوجه باتيان الفعل بصيغة المعلوم فنسب انزاله الى نفسه جلت آلائه وهذا ايضا من اظهر شباهات كلمة الحق به فان الدين اصوله وفروعه مما لا تناله يد الخلق فليس لهم تحليل حلال ولا تحريم حرام ولا ترخيص من عند انفسهم كما انه لا سبيل ولا حيلة لهم في انزال الماء من السماء. وبهذا البيان تبين ان الاية الكريمة تدل على ابطال نصب الخلق خليفة لله تعالى

[ 153 ]

والرسوله صلى الله عليه واله ببيعتهم معه بالخلافة والامامة فكما لا ينزل الماء من السماء بمشية الخلق واختيارهم فكذلك لا يصير شخص خليفة عن الرسول بانتخاب الامة بل خليفة الرسول صلى الله عليه واله من نصبه الله تعالى وانتخبه واختاره وانزل خلافته من سماء الوحى كيف وهو من اهم الامور الدينية. والسادس انه تعالى شأنه اتى بماء منكرا لا معرفا بلام الجنس تنبيها على ان المقصود فرد منه وهو النافع المبارك كما دل عليه قوله عز من قائل (واما ما ينفع الناس) معبرا عنه واتى بالنفع بصيغة المضارع مع ان مقتضى السياق الاتيان به بصيغة الماضي تنبيها على استمراره وعدم انقطاعه كما دل عليه الجزاء وهو قوله عزو جل (فيمكث في الارض) صريحا فدل على ان كلمة الحق لا انقطاع لها ابدا ولو استتر في الظاهر وغاب مركز دائرتها عن الانظار وهذا ايضا من اقوى وجوه الشباهة والبلاغة والسابع ان الماء المنزل من السماء انزاله على جميع صنوف الارض من الجبال والاودية والبر وهكذا سواء فكذلك انزال كلمة الحق على قلوب الناس سعيدهم وشقيهم سواء وهداية الحق تعالى شانه تعم جميع الخلق فمن تكبر وصار جبلا كابى جهلا واضرابه ينحدر عنه الماء الى الاودية التى تعيه فتسيل كل بقدره كسلمان وابى ذر ومقداد وعمار رضى الله عنهم واضرابهم وهذا ايضا من اقوى وجوه البلاغة. والثامن ان الماء المنزل من السماء مع كمال لطافته في حد نفسه إذا ورد على الارض تكدر بواسطة اختلاط الاجزاء الارضية معه فكذلك كلمة الحق مع كمال نورانيتها وظهورها تتكدر في انظار السفهاء من الناس بواسطة رسوخ العقائد الجاهلية الناشئة من هوى نفوسهم حتى انهم تعجبوا من اظهر كلمات الحق وهى كلمة التوحيد فقالوا: (اجعل الالهة الها واحدا ان هذا لشئ عجاب). وهذا ايضا من اقوى وجوه البلاغة. التاسع ان انزال الماء من السماء على سبيل التدريج قطرة فقطرة كما يكون

[ 154 ]

على وفق الحكمة ويكون التربية به اكمل واتم من نزول الماء دفعة على الارض بل ربما يكون في نزوله دفعة ضرر فكذلك انزلت كلمات الحق من سماء الوحى تدريجا حتى يكون نفعها اكمل واثبت في القلوب وهذا ايضا من اقوى وجوه الشباهة. والعاشر انه كما يكون الماء المنزل من السماء اكمل نفعا وابرك من مياه الانهار والعيون والقنوات التى استخرجها الخلق حيث لا ينتفع بها الا اصول الاشجار والنبات واما الماء المنزل من السماء فينتفع به من جميع الوجوه فيصفى به الهواء ويرفع به الغبار عن الاوراق وينتفع به اصول النبات كما ينتفع الرضيع باللبن من ثدى امه فكذلك كلمة الحق بمنزلته لا بمنزلة ماء النهر والعين والقناة فهى نافعة للناس من جميع الوجوه ولا يمتص بوجه واحد فهو تنبيه على ان كلمة الحق المنزلة من السماء تحتوى على كمال الحكمة فهى من القرن الى القدم نافعة فوجب على العاقل ان يتبعها ويعرض عما استخرجه الخلق بانظارهم القاصرة. والحادي عشر انه كما جاء الزبد من قبل السيل ولولاه لم يظهر زبد فكذلك ظهرت الدعاوى الباطلة بعد كلمة الحق ولولا طلوع كلمة الحق لم يعارض اهل الباطل مع اهل الحق إذ بعد بعث الانبياء سلام الله عليهم لدعوة الخلق الى الحق وامرهم بعبادة الخالق تعالى شانه وتصديق الرسل والاعتراف بولاية اولى الامر من قبله تعالى شانه واطاعتهم ظهرت سائر الاشقياء من الناس فاستكبوا عن ان يتذللوا وينقادوا للحق فمنهم من ادعى الالوهية كنمرود وفرعون واضرابهما ومنهم من ادعى الرسالة كسجاح ومسيلمة وامثالهما ومنهم من ادعى ولاية الامر والخلافة عن الرسول صلى الله عليه وآله من غير استحقاق كابى بكر وعمر وعثمان واضرابهم. وهكذا الى آخر طبقات اهل الضلال وكما ان الزبد يذهب جفاء ولا يبقى فكذلك كلمة الباطل لا تدوم وتذهب هباء ولعله لذا صيغ كلامه تعالى شانه على وجه اللف والنشر المشوش تنبيها على ان الابتداء من كلمة الحق والعود إليها واما الباطل فيظهر في البين ويذهب وقد ورد ان للحق دولة وللباطل جولة.

[ 155 ]

والثانى عشر ان الزبد كما يربى فوق الماء بواسطة خفته فكذلك كلمة الباطل لموافقة هوى الناس معها يكون فوق كلمة الحق في الظاهر ويكون اتباع كلمة الباطل اكثر من اتباع كلمة الحق فان الحق ثقيل والباطل خفيف ولذا يكون اهل الحق اقل قال عز من قائل (وقليل من عبادي الشكور). والثالث عشر انه كما يكون للزبد جلوة في الظاهر بحيث يزعم الجاهل الغافل انه احسن وانفع من الماء فكذلك كلمة الباطل له جلوة في الظاهر عند السفهاء من الناس الذين لا يتدبرون الايات المحكمات والرابع عشر انه كما يكون الزبد شبيها بالماء بحيث يشتبه امره على الغافل ويزعم انه ماء حقيقة فكذلك كلمة الباطل غالبا تشبه كلمة الحق بحيث تشتبه امرها على الغافل فلا بد للعاقل من التدبر التام في هذا المقام حتى يتميز الحق من الباطل والخامس عشر ان الزبد كما جاء من قبل السيل واتصل به بحيث يزعم الجاهل الغافل باتصالها بكلمة الحق فيحسبها حقا وتعجبه فان الاول والثانى لو لم يكونا من قريش ومن المهاجرين لم يمكنهما ادعاء الخلافة فاشتبه امرهما على الغفلة من جهة اتصالهما في الظاهر بالرسول صلى الله عليه وآله فهو تنبيه على ان الناس لابد ان يلجئوا الى ركن وثيق ولا يغتروا بامثال هذه الامور كما اغتر به اكثرهم. والسادس عشر انه كما يكون تكدر الماء المنزل من السماء بواسطة اختلاط الاجزاء الارضية موافقا للحكمة ومقويا للمزارع التى يجرى عليها فكذلك انزال كلمة الحق بواسطة الانبياء الذين لا يكونون من الاغنياء ولا من السلاطين بحيث يشق على ابناء الدنيا متعابعتهم وتتكدر كلمة الحق في نظرهم لمخالفتها مع هواهم موافق للحكمة وصلاح لهم إذ مع هذه الحالة يمهلهم الله تعالى شانه حتى يتدبروا آياته ويستأنسوا بالحق ويرجع إليه من كان اهلا له ويتم الحجة على اهل الشقاء ولو نزلت كلمة الحق في كمال الظهور والبهاء بحيث لا تكون في الظاهر متكدرة واستكبروا عنها وجب

[ 156 ]

في الحكمة ان يؤاخذهم الله تعالى من دون امهال قال تعالى شانه: (ولو انزلنا ملكا لقضى الامر). والسابع عشر انه كما لا يختص نفع الماء المنزل من السماء بمحل نزوله بل ينتفع به ايضا غير محل النزول من الاقطار التى يسيل الماء إليها فكذلك نزول كلمة الحق في مكة المعظمة والمدينة المنورة زادهما الله عظمة ونورا لا يختص نفعها باهاليهما بل ينتفع بها كل من بلغت إليه. والثامن عشر انه كما لا ينافى احتمال الزبد الرابى على الماء المنزل من السماء بواسطة السيل وشدته الذى يذهب جفاء مع حكمة انزال الماء الذى نفعه عام ولا يزاحمها بوجه فكذلك ظهور كلمة الباطل من الاشقياء بواسطة خبث سريرتهم واستنكافهم عن متعابعة اهل الحق عند قيامهم بحقهم وشدتهم في الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يكون مانعا عن حكمة قيام اهل الحق بحقهم وشدتهم في اجرائه فان مصلحة الشيئى إذا كانت عامة توجب في الحكمة ايجاد ذيها ولا يخل بها عروض مثل هذه الامور بل ظهور الزبد المستتر في سرائر الاشقياء من جهة اختيارهم الشقاء موافق للحكمة في حد نفسه حتى يتميزوا عن السعداء ويتم الحجة عليهم في يوم الجزاء فيعطى كل ذى حق حقه: (ففريق في الجنة وفريق في السعير). والتاسع عشر انه كما قد يتفق ان محل نزول الماء لا ينتفع به اصلا اولا ينتفع به على وجه الكمال ويجرى الماء منه الى المواضع المستعدة فتنتفع به على وجه الكمال فكذلك كلمة الحق قد لا ينتفع بها حاملها على وجه الكمال أو اصلا وينتفع بها من بلغت إليه من قبل الحامل ولذا اوصى النبي صلى الله عليه وآله بضبط كلماته الشريفة كما هي فقال صلى الله عليه واله: " رحم الله امرء سمع مقالتي فوعاها واداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه الى من هو افقه منه ". والعشرون ان الماء المنزل من السماء مع لطافته في حد نفسه ونزوله من سحاب الرحمة كما يترتب عليه باختلاف المحل اثران مختلفان متضادان نظم:

[ 157 ]

باران كه در لطافة طبعش خلاف نيست * * در باغ لاله رويد در شوره زار خس كذلك الكلمات الحقة " هدى للمتقين " وموجب لفوزهم وفلاحهم وفتنة للظالمين الذين اختاروا الشقاء على السعادة " واستحبوا العمى على الهدى ". والحادي والعشرون ان ماء المطر كما ذكره اهل الزراعة يدفع مكروب الارض وموذياتها دون غيره من المياه وهذا امر زائد على التطهير المشترك فيه جميع المياه وكذلك الكلمات الحقة تدفع امراض القلوب الناشئة من ممارستها الاباطيل التى استحكمت عليها شبه الملكة. هذه الوجوه التى قد ظهرت لى بحمد الله تعالى في بلاغة المثالين وربما يكون في المثل المضروب اسرار اخر مودعة وإذا وقفت على ما بيناه عرفت انه لا مثل ابلغ من المثالين كيف وقال تعالى شانه كذلك يضرب الله الحق والباطل فهو مثل الهى لا يقدر البشر على الاتيان بمثله بل على الاحاطة بتمام اسراره والغافل المعترض قد راى تشبيه الحق بالنور في اية النور وانه تشبيه تام فوق التمام فزعم انه يجرى في هذا المورد ولم يلتفت الى ان النور ابلغ من الماء في مرحلة تشبيه حججه وخلفائه في ارضه كما ضرب به المثل في آية النور والماء ابلغ من النور في مرحلة تشبيه كلمة الحق المنزلة من سماء الوحى على ارض القلوب. قل للذى يدعى في العلم فلسفة * * حفظت شيئا وغابت عنك اشياء بل اشياء واشياء والحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.

[ 158 ]

(فائدة - 25) قال عز من قائل في سورة المؤمنون (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله احسن الخالقين ثم انكم بعد ذلك لميتون ثم انكم يوم القيمة تبعثون. اسئولة الاول انه من المعلوم انه تعالى شأنه في مقام الاستدلال بخلقة الاطوار المختلفة للانسان على وجود الصانع تبارك وتعالى شانه وان الانسان لم يترك سدى وانه مبعوث بعد الموت ولعل الطبيعي يقول الاستدلال بالاطوار المختلفة على وجود الصانع شبه مصادرة على المطلوب لان الطبيعي يقول اختلاف الاطوار ثابت بالطبيعة والموحد يقول لا يحصل الا بتدبير الصانع وتصويره وخلقته والمسئول منكم ان تشرحوا لنا وجه دلالة الاطوار المختلفة على الخلقة وبطلان الطبيعة. والثانى وجه العدول عن خلقنا الى جعلنا في خصوص الفقرة الثانية مع التعبير بالخلقة في صدر الاية وفى جميع الفقرات الاخر سواها. والثالث وجه التعبير بكلمة ثم في مواضع ثلثة والتعبير بالفاء في ثلثة آخر مع ان الظاهران الجملة الثالثة مثل الجمل التالية المعطوفة بالفاء والرابع وجه التعبير بصيغة الجمع في قوله عز من قائل: (فتبارك الله احسن الخالقين) مع انه لا خالق غير الله بينوا لنا مشروحا ما يرتفع به الحجاب عن وجه المطلوب توجروا.

[ 159 ]

اقول مستمدا برب الارباب وامنائه الاطياب عليهم صلوات الله الملك الوهاب الظاهر ان ضمير جعلناه راجع الى مبدء خلق الانسان المدلول عليه في الجملة الاولى والمعنى هكذا ولقد خلقنا الانسان اولا وهو أبو البشر عليه السلام من سلالة من طين فكان مبدئه الطين في الخلق الاول ثم قدرنا مبدء خلقته من نطفة في قرار مكين فعدل تعالى شانه عن التعبير بالخلقة الى التعبير بالجعل باعتبار ان المقصود منه التقدير والتعبير المناسب له هو الجعل لا الخلقة. واما وجه التعبير كلمة ثم في الفقرة الاولى والاخيرة فواضح وانما الشان في وجه التعبير بها في الفقرة الثانية مع انها في الظاهر مثل الفقرات التالية لها. فاقول لعل وجه التعبير فيها بثم دون الفقرات التالية ان ترتب الفقرات التالية كل تالية منها على سابقتها واضح وكل صورة سابقة منها ينتظر منها تاليها لان كل مرتبة منها مستعدة للمرتبة التالية فناسب التعبير عن ترتبها بالفاء واما ترتب العلقة على النطفة فلا تكون كذلك لان النطفة بالنسبة الى صورة العلقية وسائر الصور بمنزلة الهيولى التى لم تتصور بصورة نوعية وانما لها صلاحية التصور بالصور فقط فلا تكون مستعدة للصور كاستعداد الصور التالية بعضها لبعض والحاصل ان مبدء ظهور نشو الانسان انما هو من العلقة واما في مرحلة النطفة فلا يظهر انه مبدء نشو انسان ولعله من هذا الوجه جعل تعالى شانه مبدء الانسان العلقة في سورة اقرء فقال عز من قائل (خلق الانسان من علق) فناسب التعبير حينئذ بثم لعدم انتظار صورة العلقية من النطفة كانتظار صورة المضغية من العلقة. واما وجه التعبير بصيغة الجمع فيظهر بتقديم مقدمة وهى ان الخلقة على قسمين خلق انشاء وخلق تصوير وتركيب. والقسم الاول يختص بالبارى تعالى شانه فانه منشئى الاشياء لا من شيئ والقسم الثاني يشترك فيه الخالق والمخلوق قال تعالى شأنه حكاية عن عيسى (ع): (واذ تخلق من الطين كهيئة الطير) ولما اجتمع في خلق الانسان القسمان عبر تعالى شانه بالخالق بصيغة الجمع تنبيها على ان خلق تصوير

[ 160 ]

الانسان بالصور المتطورة في قرار مكين وخلق الانشاء المتعلق بنفخ الروح في جسده بعد تمام تصويره من صنع الحق لا يقدر غيره عليه فتبارك الله احسن الخالقين. واما وجه دلالة الاية الكريمة على ان الانسان مدبر مصنوع وكل صورة منها يشهد بان لها خالقا منزها عنها ولم يكن وجوده بالطبيعة فمن وجوه: الاول انه لو كان الانسان موجودا بالطبيعة لاستمر تكوينه من سلالة من طين ولم يتغير مبدئه الى النطفة لان ما كان طبيعيا يدوم ولا يعقل فيه الزوال والتبدل الى غيره فتغيير التقدير والجعل فيه كاشف قطعي عن وجود خالق مقدر للانسان خلقه اولا من سلالة من طين ثم قدر مبدء تكوينه من نطفة في قرار مكين. والثانى ان الطبيعي ان اراد من ان تكون الانسان من النطفة بالطبيعة ان قبول النطفة للصور المختلفة التى تتطور بها الى ان يكمل خلق الانسان طبيعي أي جرت عادة الطبيعة به فهذا المعنى في الجملة مسلم ولكن مجرد وجود المادة القابلة لا يكفى في افاضة الصور اترى ان وجود التراب يكفى في صيرورته خزفا وآجرا وهكذا ومجرد وجود الخشب يكفى في تصوره بصورة السرير والشباك وهكذا ومجرد وجود الحبر يكفى في تحقق الكتابة ونقوشها البديعة وهكذا كلا ثم كلا فافاضة الصور على المواد القابلة يدل دلالة واضحة قطعية على وجود مصور صورها بهذه الاطوار وان لها خالقا خلقها على هذه الصور البديعة وان اراد ان النطفة فيها مثلا قوتان قابلة وفاعلة فبطلانه اظهر لان كل مرتبة سابقة ادون واضعف وامهن من المرتبة التالية ولا يعقل ان يكون الضعيف معطيا كمال نفسه فتبدل كل مرتبة منها من حضيض نقص الى ذروة كمال دليل على ان كمالها من كامل مكمل لها ومدبر دبر امرها حسب مشيته وارادته. والثالث ان لبس كل صورة منها انما هو بعد خلع اخرى فهذه الطبيعة الثابتة في النطفة بزعم الطبيعي تتبدل بتطور كل صورة الى طبيعة اخرى فالصور والطبائع المتجددة من قبيل المعدات لا يثبت شيئ منها الا بعد زوال الاخرى فلا يعقل ان

[ 161 ]

تكون موجدة للصور اترى ان الاقدام المتتابعة التى لا يثبت التالى منها الا بزوال المقدم منها يكون بعضها موجدا لبعض اخر كلا ثم كلا ضرورة ان الفعل يتوقف على وجود فاعله فلا يعقل توقف ثبوته على انعدام فاعله فلا تكون الصور المرتبة الا من قبيل المعدات ويكون الكل كاشفا عن فاعل موجد لها وصانع صنعها اتقن صنعة ومصور صورها احسن تصوير. والرابع ان طبيعة المنوية مثلا لو كانت موجدة للصورة العقلية مثلا لما جاز خلعها منها ابدا ولاستمر عليها إذ لا يعقل انتفاء وجود العلة من قبل وجود معلولها ضرورة ان العلة والمعلول متناسبان متلازمان فلا يعقل ان يوجب المعلول انتفاء علته وصيرورته علة لحدوث طبيعة منافرة له موجبة لانقلابه الى طور آخر فاختلاف الصور والاطوار كاشف قطعي عن عدم علية صورة منع لصورة اخرى وان الكل انما يكون من آثار تدبير المدبر الذى دبرها بمشيته. والخامس انه لو كانت النطفة علة لارتقائها عن حضيض النقص الى اوج الكمال تدريجا حتى صار حيا سويا وكان ذلك بالطبيعة الذاتية كما يزعمه الطبيعي لكان ابدا في العروج الى الكمال حتى يصل الى اعلى مرتبته ويثبت ويدوم عليها ولاستحال عليه الموت والعود الى النقصان والضعف بالشيب وغيره فعوده الى النكس والضعف بعد الصعود على اوج الكمال دليل على ان شروعها في الارتقاء من حضيض النقص الى اوج الكمال انما يكون بمشية خالقها تعالى شانه وان الطبايع المتجددة فيه طبايع مودعة اودعها فيه باريها تعالى شأنه حسب تدبيره ومشيته. والسادس ان نفخ الروح فيه الذى هو خلق اخر انشاه باريه تعالى شانه لا يرتبط بوجه من الوجوه بمبدء تكوينه فكيف يعقل استناده الى النطفة القذرة المهينة. وهذه الوجوه كلها ضرورية تشهد بها كل فطرة سليمة غير سقيمة فتبا للطبيعي كيف يتوهم البراهين الساطعة مصادرة ولا يتدبر فيها حتى يتضح له الحق كمال الاتضاح فهل بيان ابين من بيان الباري تعالى شأنه نعوذ بالله تعالى من الغواية والعمى

[ 162 ]

(ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) والحمد لله الذى هدانا الى توحيده وتصديق رسله وسفرائه عليهم السلام (وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله) ثم ان عروج الانسان في اطوار خلقته الى مرتبة قال تعالى شانه عقيب كمال خلقته (فتبارك الله احسن الخالقين) دليل على انه مخلوق لغرض مهم وامر خطير فلو لم يكن له بعث ولا نشور بعد موته حتى يثاب على طاعته ويعاقب على معصيته مع كونه مختارا في دار الدنيا في الطاعة والعصيان لكان خلقه على هذا الوجه من الكمال لغوا عبثا (تعالى الله عن ذلك علوا) كبيرا. وقد اشار الى ذلك جل ذكره بقوله عز من قائل (ثم انكم يوم القيمة تبعثون).

[ 163 ]

(فائدة - 26) (سؤال) قد حصر العلماء سبيل التصديق بالمجهولات النظرية لغير الانبياء والائمة المعصومين سلام الله عليهم اجمعين في انتهائها الى المعلومات البديهية التى لا يتطرق الخطاء فيها وقد بينوا طريق انتهاء النظريات الى الضروريات في علم المنطق وحصروها في الاشكال الاربعة المعروفة وذكروا ان الضرورى منها انما هو الشكل الاول وسائر الاشكال انما تنتج بسبب رجوعها إليه وفيما ذكروه اشكال من وجهين. الاول ما ذكره الاسترابادي من ان علم المنطق انما يتكفل ما يتميز به بالنظر الصحيح من سقيمه من حيث ترتيب الاشكال وهيئته واما الخطاء في المادة فلم يتكفل له قانون يتميز به صحيح النظر من خطاه فيها فلا يحصل حينئذ من صحة ترتيب الاشكال العلم بصحة النتيجة مع عدم السبيل الى تشخيص المواد الصحيحة من غيرها. والثانى ما ذكره أبو سعيد الخير من ان الاستدلال بالشكل الاول الراجع إليه سائر الاشكال دورى من جهة اشتراط كلية الكبرى فيه والعلم بالكلية الكبرى فرع العلم بالنتيجة التى هي من جزئياتها ضرورة عدم العلم بكلية ما لم يعلم جزئياتها وما ذكره الشيخ الرئيس في دفعه من ان العلم بكلية الكبرى يتوقف على العلم بالنتيجة اجمالا والعلم بالنتيجة تفصيلا متوقف على العلم بكلية الكبرى التى هي احدى المقدمتين فيختلف طرفا التوقف فيندفع الدور لا محصل له لان التفصيل

[ 164 ]

لا يحصل من الاجمال الا بعد زواله ورجوعه الى التفصيل فينحصر طريق العلم بالمجهولات النظرية في الكشف والشهود الذى ادعته الصوفية قال شاعرهم: پاى استدلاليان چو بين بود * * پاى چو بين سخت بى تمكين بود بينوا لنا ما ينحل به الاشكال عن الاشكال توجروا. اقول بعون الله تعالى ومشيته الجواب عن الاشكالين في غاية الوضوح. اما عن الاول فبان علم المنطق كما يتكفل ميزان الخطاء في النظر من حيث ترتيب الاشكال كذلك يتكفل ميزان الخطا في المواد إذ قد بين فيه ان المقدمتين الصغرى والكبرى لا بد ان تكونا ضروريتين أو منتهيتين اليهما وان الضروريات تنحصر في ست الاوليات والمشاهدات والتجربيات والحدسيات والمتواترات والفطريات وبهذا البيان يحصل التحرز عن الخطأ في المواد بالضرورة مع رعايتها وانما اشتبه الامر على الاسترابادي. واما عن الثاني فبان العلم بكلية الكبرى لا يتوقف على العلم بالنتيجة اصلا لا اجمالا ولا تفصيلا وانما يتوقف على العلم بالملازمة بين الوسط والمحمول الناشئة من كون الوسط علة للمحمول أو معلولا عنه أو اشتراكهما في العلة ولذا انحصر الدليل في الانى واللمى ومن المعلوم ان العلم بالملازمة لا يتوقف على العلم بالنتيجة باحد الوجهين مثلا إذا علمت بان الفقر سبب لاستحقاق الزكوة والعلم بالاحكام الشرعية من ادلتها التفصيلية سبب للمرجعية وجواز التقليد تحكم بان كل فقير يستحق الزكوة وكل فقيه ينفذ حكمه ويجوز تقليده سواء علمت بوجود فقير وفقيه اجمالا أو تفصيلا ام لم تعلم به كذلك بل مع العلم بعدمه في الدنيا فعلا تحكم بالقضية الكلية. ولا يتوقف صدق القضية الكلية على وجود افرادها في الخارج ويسمى القضية حينئذ بالحقيقة وابو سعيد زعم ان العلم بالقضية الكلية انما يحصل من استقراء جزئياتها وافرادها وهو خطأ منه بل استقراء الجزئيات لا يكفى في الحكم بالقضية الكلية العامة للافراد الموجودة ولما لم توجد بعد مع قطع النظر عن العلم بالملازمة

[ 165 ]

نعم قد حصل العلم بالملازمة من قبل استقراء اكثر الافراد بل كثير منها مثل انا إذا رجعنا الى استعمالات اهل اللسان ورأينا كلمات متعددة واقعة في التركيب على وجه الفاعلية مرفوعة في لسانهم بحيث علمنا عدم اختصاصه بكلمات معدودة نعلم من استقراء هذه الموارد ان استعمال اللفظ على وجه الفاعلية عندهم سبب لاستحقاق الرفع ونحكم بان كل فاعل مرفوع. فتبين بما بيناه غاية التبين انه لا حاجة لنا في دفع الدور الى ما ذكره الشيخ الرئيس بل لا محصل لما ذكره الا ان يرجع الى ما بيناه بتقريب ان يقال العلم بكلية الكبرى على وجه الحقيقة (1) متفرع على العلم بالجزئيات اجمالا بمعنى ان معنى القضية الحقيقية يرجع الى ان كل ما لو وجد في الخارج متصفا بالوسط فهو متصف بالمحمول لا محالة فالجزئيات معلومة حينئذ على وجه الاجمال بهذا المعنى. وكيف كان فقد ظهر لك بما بيناه ان مرجع الشكل الاول الى الاستدلال بوجود العلة على ثبوت المعلول أو العكس أو باحد معلولي علة واحدة على الاخر وحجيته ذاتية عقلية وهو مسلك العقلاء في استكشاف المجهولات بالنظر ولا دليل سواه فان ما بالغير لا بد ان ينتهى الى ما بالذات فالمطالب المجهولة لا يحصل العلم بها الا بانتهائها الى الامور المعلومة بالذات وهى الضروريات وطريق الانتهاء إليها ليس الا باحد الاشكال الاربعة فما توهمه أبو سعيد في غاية السخافة فانه غفلة عن اوائل البديهيات واعتراض على العقل والعقلاء حتى على نفسه حيث استدل على بطلان الشكل الاول بطريق الاستدلال المركب من صغرى وكبرى فان محصل كلامه ان الاستدلال بالشكل الاول مستلزم للدور المحال وكل مستلزم للمحال باطل فالاستدلال بالشكل الاول باطل بل اعتراض على الله تعالى شأنه وعلى انبيائه وسفرائه عليهم السلام من حيث لا يشعر حيث ان الكتاب المجيد مشحون بالاستدلال


(1) والتحقيق ان العلم بكلية الكبرى حينئذ ملازم للعلم بالجزئيات متفرع عليه (منه).

[ 166 ]

بالحجج والبراهين كما ان مسلك الانبياء عليهم السلام في مقام ارشاد الامم وهدايتهم الى حقائق الدين الحنيف ليس الا الاستدلال بالحجج والبراهين الساطعة. فان قلت لو تم طريق الاستدلال كما ذكرت لزم ان لا يختلف العقلاء في المسائل النظرية مع انه ما من مسألة نظرية الا وقد اختلف انظارهم فيه وكل منهم يتمسك بقياس برهانى في نظره فمنهم من قال بحدوث العالم وتمسك بما اشتهر من القياس وهو ان " العالم متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث " ومنهم من قال بقدمه وتمسك بقياس آخر وهو ان العالم مستغن عن المؤثر وكل مستغن عن المؤثر قديم " فالعالم قديم. قلت اختلافهم في الانظار ليس من جهة عدم تمامية ميزان القياس بل من جهة عدم مراعاة المخطئ منهم الميزان فان القائل بالقدم لم يراع الميزان فجعل صغرى قياسه عين مدعاه الذى هو مجهول ولذا يكون قياسه باطلا والنتيجة فاسدة وقد عرفوا المنطق بانه " آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر ". ثم ان ما ادعته الصوفية من الكشف و الشهود لا دليل على اعتباره في حد نفسه عقلا ولا شرعا إذا الكشف والشهود المدعى كما يمكن ان يكون من قبل الرحمن كذلك يمكن ان يكون من قبل الشيطان فان للشياطين وحيا وشهودا قال عز من قال: " ان الشياطين ليوحون الى اوليائهم " على ان المدعين للكشف والشهود يختلفون غاية الاختلاف واكثرهم من العامة العمياء اتباع ائمة الضلال فلا يكون تمام مكاشفاتهم حقا للمناقضة فلا بد من ميزان يوزن به مكاشفاتهم لتمييز صحيحها عن باطلها ولا ميزان في البين الا طريق الاستدلال فتوازن بما ثبت في الشرع بالدليل فما وافقه الدليل فهو صحيح والا فباطل فالمكاشفة لا تتم الا بالدليل فحينئذ ينبغى ان يقال في جواب شاعرهم. پاى استدلاليان زرين بود * * پاى زرين سخت باتمكين بود

[ 167 ]

پاى استكشافيان چوبين بود * * پاى چوبين سخت بى تمكين بود والعجب ان ابا سعيد مع انه من اهل الكشف والشهود خفى عليه امر الشكل الاول الذى هو مدار استدلال جميع العقلاء فزعم انه دورى ولم يهده كشفه وشهوده الى ما هو الصواب فيه مع وضوحه وظهوره فإذا كان حكم الكشف في هذه المسألة التى هي ضرورية خطأ فكيف يطمئن بحكمه في النظريات.

[ 168 ]

(فائدة - 27) قال المحقق قد سره في الشرايع في مبحث الخلل. الثاني أي ما يتدارك من غير سجود: " من نسى قرائة الحمد حتى قرء سورة استانف الحمد وسورة وكذا لو نسى الركوع وذكر قبل ان يسجد قام فركع ". وفى الجواهر " والمراد بالقيام في المتن وغيره الانتصاب لكن قيده بعضهم بما إذا حصل النسيان حاله فهوى الى السجود فانه يجب حينئذ ان يركع محافظة على الهوى للركوع إذ ذلك كان للسجود فلا يكتفى به اما إذا حصل النسيان بعد الوصول الى حد الراكع فلا يقوم منتصبا بل يقوم منحنيا الى حد الراكع والمراد على الظاهر انه وصل الى حد بحيث لو تجاوزه صدق عليه اسم الراكع لا انه وصل الى حد الراكع حقيقة إذ لا يتصور حينئذ نسيان الركوع بل هو نسيان الرفع والطمأنينة مثلا ولعل ما ذكره المصنف وغيره من وجوب القيام والركوع بعده مطلقا اولا محافظته على القيام الذى يكون عنه الركوع. واما الانحناء الاول فهو وان كان للركوع الا انه لم يتحقق معه مسمى الركوع فلا يكتفى به اللهم الا ان يقال ان القيام كاف وما وقع في الاثناء انما وقع سهوا فلا تكون قادحا بل هو بمنزلة ما لم يقع فيحصل القيام المتصل بالركوع وان قام منحنيا وهو لا يخلو من نظر وتأمل " انتهى. والتحقيق انه يجب القيام منتصبا مطلقا لان الركوع لا يتحقق الا عن قيام لانه

[ 169 ]

لغة عبارة عن الانتقال من مرتبة عليا الى دنيا قال الشاعر: لا تهين الفقير علك ان تركع * * يوما والدهر قد رفعه والشارع انما تصرف فيه بقصره على مصداق مخصوص منه لا انه اخرجه عن معناه اللغوى اصلا وما ذكره بعض من انه يصدق الراكع عرفا على من كان منحنيا سواء انحنى عن قيام أو نهض عن قعود في غير محله لان العرف انما يريه ركوعا بالنسبة الى حال القيام واما بالنسبة الى حال القعود فيريه نوعا من القيام فلا يتحقق الركوع لغة وشرعا الا عن قيام والقيام السابق قد زال بتبدله بالقعود المقابل له فلا يعقل الاكتفاء به في تحقق الركوع عنه ولا يتفاوت ذلك بالعمد والسهو إذ لا يعقل بقاء القيام المتخلل بالقعود المضاد له سهوا حتى يتحقق الركوع عنه. فان قلت القيام المتصل بالركوع من جملة اركان الصلوة وقد تحقق في هذه الصورة فلو قام ثم ركع لزم زيادة القيام المتصل بالركوع فتبطل الصلوة حينئذ. قلت اولا ان القيام المتصل بالركوع لم يتحقق في هذه الصورة على ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من ان المراد الوصول الى حد لو تجاوز عنه لوصل حد الراكع. وثانيا لو وصل حد الركوع ولم يستقر في الجملة بحيث يتميز عن الهوى للسجود لم يتحقق القيام المتصل بالركوع ايضا لعدم تحقق الركوع حينئذ إذ يتقوم صدق الركوع باستقرار وطمأنينة في الجملة. وثالثا انه لم يدل دليل على كونه ركنا مستقلا في الصلوة وانما حكموا ببطلان الصلوة بزيادته ونقصه من حيث ان زيادته ونقصه يدوران مدار زيادة الركوع ونقصه كما صرح به الشهيد الثاني (قدس سره) في الروضة فقال: " واما القيام فهو ركن في الجملة اجماعا على ما نقله العلامة (ره) ولولاه لامكن القدح في ركنيته لان زيادته ونقصانه لا يبطلان الا مع اقترانه بالركوع ومعه يستغنى عن القيام لان الركوع كاف في البطلان وحينئذ فالركن منه اما ما اتصل بالركوع ويكون اسناد الابطال

[ 170 ]

إليه لسبب كونه احد المعرفين له " انتهى ما اردناه. ورابعا لو سلمنا ذلك لزم الحكم ببطلان الصلوة في هذه الصورة لا الحكم برجوعه منحنيا إذ مع رجوعه منحنيا لا يتحقق الركوع ومع قيامه منتصبا يلزم زيادة الركن في الصلوة حينئذ فتبطل الصلوة فالتفصيل على كل حال باطل. والصواب انه يجب القيام منتصبا حينئذ لعدم تحقق الركوع الا عنه وعدم قدح زيادة الانحناء عن القيام مع عدم الاتصال بالركوع بحيث لا يزيد معه الركوع فتقييد اطلاق المتن وغيره من عبارات الاصحاب (قدس سرهم) بما إذا حصل النسيان حال القيام في غير محله.

[ 171 ]

(فائدة - 28) قال الشهيد الثاني (قدس سره) في الروضة في ذيل قول المصنف (ره): " ولا ينعقد الجمعتان في اقل من فرسخ ولو وصلوا ازيد من جمعة فيما دون الفرسخ صحت السابقة خاصة ويعيد اللاحقة ظهرا وكذا المشتبهة مع العلم به في الجملة اما لو اشتبه السبق والاقتران وجب اعادة الجمعة مع بقاء وقتها خاصة على الاصح مجتمعين أو متفرقين بالمعتبر والظهر مع خروجه ". وقال في الشرايع: " فان اتفقتا بطلتا وان سبقت احديهما ولو بتكبيرة الاحرام بطلت المتأخرة ولو لم تتحقق السابقة اعادا ظهرا " اقول وفى الجميع نظر فان مقتضى القواعد عدم الاعادة ظهرا ولا جمعة الا في مورد العلم بالمتأخرة لان تقارن الجمعتين في اقل من فرسخ مانع عن صحتهما كما ان تأخر احديهما عن الاخرى مانع عن صحة المتأخرة فعند اشتباه السبق والاقتران أو العلم بسبق احديهما واشتباه السابقة باللاحقة لا يعلم كل من الطائفتين بفساد صلوتهم ووجود المانع فيها فيحكمون بصحة صلوتهم في مرحلة الظاهر اخذا بمقتضى الصحة المعلوم والغائا للمانع المحتمل. فان قلت كل من الطائفتين يعلمون اجمالا اما ببطلان الجمعتين أو احديهما في الصورة الاولى وببطلان احديهما في الصورة الثانية ومقتضى تنجز العلم الاجمالي عدم الاكتفاء بكل منهما في مرحلة الامتثال.

[ 172 ]

قلت لا اثر للعلم الاجمالي في المقام لخروج احد طرفيه عن محل الابتلاء فان علم كل من الطائفتين اما تبطلان صلوتهم أو صلوة الطائفة الاخرى لا يوجب اشتغال ذمة كل منهما بشئ لان بطلان صلوة احد الفريقين لا يوجب تكليفا في حق الفريق الاخر فيحكم بصحة كل من الصلوتين في الظاهر الا ترى انهم يحكمون بعدم وجوب الغسل على واجدى المنى في الثوب المشترك مع علم كل منهما بجنابة احدهما فان قلت نعم لا اثر للعلم الاجمالي في المقام لما ذكرت ولكن مجرد الشك في صحة الصلوة كاف في الحكم بالبطلان لعدم العلم بالحالة السابقة في كل منها الطهارة فتستصحب. قلت قد بينا في الفائدة الاولى ان الاصل انما هو الاخذ بالمقتضى المعلوم مع الشك في وجود المانع سواء علم بالحالة السابقة ام لا ولا اعتبار للحالة السابقة اصلا لا منفردة عن المقتضى ولا مجتمعة معه. فان قلت نمنع كون التقارن أو التاخر مانعا بل نقول ان تقدم احدى الجمعتين على الاخرى شرط لصحة المتقدمة فما لم يحرز التقدم في احديهما بعينها يحكم ببطلانهما. قلت من الواضح ان التقدم ليس شرطا والا لزم الحكم ببطلان صلوة الجمعة إذا لم تجتمع مع جمعة اخرى لعدم التقدم حينئذ. لا يقال التقدم شرط في مورد اجتماعها مع جمعة اخرى. لانا نقول مرجع ذلك الى مانعية التقارن والتاخر مع ان مضمون النص انما هو النهى عن الجمع بين جمعتين في اقل من فرسخ وهو صريح أو كالصريح في كون الاجتماع مانعا لافى كون التقدم معتبرا. ثم انا لو تنزلنا عما بيناه وحكمنا ببطلان الجمعتين في الصورتين لعدم احراز المتقدمة منهما لزم الحكم باعادة الجمعة في الصورتين مع بقاء الوقت إذ المفروض

[ 173 ]

ان الجمعة وجبت على الفريقين وبطلت صلوة كل منهما في الظاهر فيجب عليهما الاجتماع في جمعة واحدة أو بالتفريق على الوجه المعتبر فلا وجه للحكم باعادتهما ظهرا مطلقا كما حكم به المحقق قدس سره ولا للتفصيل بين صورة العلم بسبق احديهما واشتباهه باللاحقة واشتباه السبق والاقتران كما حكم به الشهيد الثاني قدس سره لا يقال في صورة العلم بسبق احديهما واشتباهه باللاحقة نعلم بوقوع جمعة صحيحة فلا مجال لايقاع جمعة اخرى. لانا نقول وقوع جمعة صحيحة من احديهما لا بعينهما لا يكفى في فراغ ذمة كل منهما ولا احديهما من الامر بصلوة الجمعة فيجب عليهما ان يعيدا الجمعة تحصيلا لفراغ ذمتهما عما علم اشتغالها به غاية ما يمكن ان يقال انه يجب عليهما الاحتياط بالاتيان بالجمعة بالتفريق على الوجه المعتبر وعدم اجتماعهما في جمعة واحدة لئلا يجتمع في جمعة واحدة من كان مامورا بها واقعا ومن سقطت عنه كذلك لتحققها منه صحيحة واحوط منه ان يقيم الجمعة كل من الفريقين على رأس فرسخ الذى صلوا فيه مع حفظ مسافة الفرسخ بين الجمعتين المتجددتين فان لم يمكنهما ذلك اعادا ظهرا لا ان وظيفتهما ابتدائا ان يعيدا ظهرا

[ 174 ]

(فائدة - 29) قد اشتهر القياس المعروف وهو قولهم العالم متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث. وهنا سؤال وهو انه ما المراد من التغير فان كان المراد منه اختلاف الاحوال وتبدلها فهو دليل على حدوث الاحوال لا على حدوث ذيها لجواز حدوث الاحوال الطارية مع قدم ذيها وان كان المراد منه امر آخر فمن علينا ببيانه مع وجه دلالته على الحدوث بينوا توجروا. فاقول بعون الله تعالى ومشيته التغير من باب التفعل ومفاده مطاوعة التفعيل كما يشهد به موارد الاستعمالات وصرح به اهل العربية فمعنى التغير مطاوعة التغير وهو على قسمين حسى وتحليلي وينقسم كل منهما الى قسمين ايضا. اما الحسى فاحد قسميه عبارة عن تركب كل جسم من الاجسام جمادها ونباتها وحيوانها من اجزاء متغايرة فكل جزء منها متغير عما هو عليه من عدم التركب والانضمام. وثانيهما عبارة عن اختلاف الاحوال الطارية فكل واحد منها متغير عن حال الى حال. واما التحليلي فاحد قسميه عبارة عن تركب كل موجود من موجودات العالم مجردها وماديها من الوجود والماهية فكل ممكن زوج تركيبي كما ان كل زوج

[ 175 ]

تركيبي ممكن فكل من الوجود والماهية متغير عما هو عليه من عدم تركبه مع الاخر وثانيهما عبارة عن تركب كل ماهية وحقيقة نوعية من جنس وفصل فكل منهما متغير عما هو عليه من عدم تركبه مع صاحبه. توضيح الحال انه لا شبهة في ان التغير في القسمين الاولين حسى ضروري ضرورة ان تركب كل جسم من الاجسام من اجزاء متعددة امر محسوس وسبق التركيب بالعدم ايضا ضروري قريب الى الحس لقبوله الزوال والانحلال كما ان تبدل حالات الاجسام بعضها الى بعض امر محسوس مشهود فهذان القسمان من التغير حسيان لا يحتاج اثباتهما الى مقدمة وترتيب قياس. واما التغير التحليلي فهو وان لم يكن محسوسا ابتدائا من جهة ان الجزئين التحليلين متحدان لا يتمايز احدهما عن الاخر في الخارج ولا يكون كل منهما موردا للاشارة الحسية الا انه ينكشف عند العقل بواسطة انتهائه الى الحس فان اختلاف كل موجود من موجودات العالم ومغايرته مع الاخر مع اشتراكها في الوجود والخروج عن كتم العدم امر محسوس وليس ذلك الا باعتبار جهة اخرى غير الوجود ضرورة استحالة حصول الاختلاف من قبل القدر الجامع والجهة المشتركة ولا تكون تلك الجهة الا الماهية والحقيقة النوعية من الشجرية والانسانية والفرسية والبقرية وهكذا. فكل موجود من موجودات العالم زوج تركيبي مشتمل على انية ومائية والا لم يعقل اختلافها وهكذا الامر في انحلال الحقيقة النوعية الى جنس وفصل فانه مستنبط من الاختلاف الحسى الثابت في انواع الموجودات مع اتحادها في الجنس واشتراكها فيه فان الانواع المندرجة تحت الحيوان من الانسان والفرس والبقر والغنم والحمار وهكذا لها اتحاد سوى اتحادها مع الاشجار والنباتات والجمادات وليس ذلك الا باعتبار اشتراكها في الجنس القريب ومع ذلك يتميز بعضها عن بعض وتكون انواعا متقابلة وليس ذلك الا باعتبار المائز الذاتي المعبر عنه بالفصل فكل حقيقة نوعية تنحل

[ 176 ]

الى جامع ومائز ذاتيين فكل من قسمي التغير التحليلي راجع الى التغير الحسى ومأخوذ منه. إذا اتضح لك ما حققناه فاعلم ان كل قسم من الاقسام الاربعة دليل على الحدوث والافتقار اما التغير الحسى الاحوالي فلان الانتقال عن حال الى حال لا يكون الا مع حدوث الاحوال وعدم وجوبها ضرورة ان الزوال والتجدد لا يجامع الوجوب والقدم مع ان الاحوال عوارض لذيها وتابعة لمعروضاتها فلا يتعقل الوجوب والاستغناء فيها مع قطع النظر عن تطرق التغير فيها وحدوث الاحوال لا ينفك عن حدوث ذيها فان المشتمل على الاحوال المتبادلة وما يتطرق فيه الاعراض لا ينفك وجوده عن حال من الاحوال وعرض من الاعراض ضرورة انه مع قطع النظر عنها يكون منهما والشيئى ما لم يتشخص لم يوجد كما انه ما لم يوجد لم يتشخص فلا يعقل وجوب وجود الشيئى مع حدوث احواله التى لا يعقل وجوده الا معها وبها ولا فرق في ذلك من دلالة تغير الاحوال على حدوث المتغير بها وافتقاره بين الانتقال عن الضعف الى الكمال وبالعكس نعم الانتقال عن الكمال الى الضعف اظهر دلالة على افتقار المتغير وتطرق الزوال فيه وبطلان الازلية وتنزله عن مقام الوجوب والقدم. ومن هنا استدل خليل الرحمن صلى الله على نبينا وآله كما صلى الله عليه وآله في مقام الاحتجاج على حدوث الكواكب وتنزلها عن مقام الربوبية بافولها وغروبها الذى هو نقص فيها والا فالطلوع والظهور كالا فول والغروب في الدلالة على الحدوث والامكان كما ان الترقي عن مرتبة النقص الى درجة الكمال الذى هو وجود جديد اقوى دلالة على وجود المدبر والصانع ولعله الى هذا ينظر استدلال الباري جل شانه في كلامه المجيد بالاطوار الست في خلق الانسان على وجود المدبر والصانع. فان كل طور من الاطوار خلق جديد وتصوير حادث وتدبير آخر يدل على وجود الصانع والمصور والمدبر فان الضعيف وان كان قابلا للبس الكمال الا انه ليس فاعلا له ضرورة ان القوة والكمال لا يحصلان من قبل الضعف والنقصان

[ 177 ]

فخلع مرتبة الضعف والصعود على درجة الكمال ليس الا بتدبير مدبر قادر على اعطاء الكمال. وما توهمته الزنادقة من اقتضاء الطبيعة ذلك فانما هي راجعة الى القابلية لا الفاعلية ضرورة استحالة عطاء الكمال من الضعف مع ان المنوية والعلقية والمضغية والعظيمة مراتب اعدادية لا يحصل طور منها الا بعد زوال الطور الاول فلا يمكن ان يكون المرتبة السابقة علية للاحقة والا لزم حصول المعلول من دون علة. ومما بيناه ظهر الامر في التغير الحسى الحاصل من تركب الجسم من اجزاء متكاثرة فان كل جزء منها فاقد للجزء الاخر في حد نفسه والا لم يكن التركب قابلا للانحلال والزوال فقبوله الزوال والانحلال دليل على حدوث التركب والانضمام وحدوثه لا ينفك عن حدوث نفس الاجزاء التى هي معروضة له ويتبادل عليها حال التركب وعدمه كما تبين. ومنه يظهر الامر في التغير التحليلي بقسميه فان كلا من طرفي التركيب التحليلي فاقد للاخر في حد ذاته كما هو ظاهر وحدوثه لا يجامع مع قدم الجزئين كما بيناه بل الامر هنا اظهر فان الجزء التحليلي لا يكون شيئا مع قطع النظر عن التركيب حتى يكون حادثا أو قديما ويكون نسبته الى الاخر على وجه الوجوب أو الحدوث وانما الحادث هو مجموع الجزئين ضرورة ان الوجود المحدود مع قطع النظر عن الماهية مفهوم محض كما ان الماهية مع قطع النظر عن الوجود كذلك فان الوجود وجود الماهية والماهية ماهية الوجود ولا يعقل استقلال احدهما مع انفكاكه عن الاخر كما ان الجنس مع قطع النظر عن الفصل والفصل مع قطع النظر عن الجنس كذلك فالوجود لا يتم الا بالماهية والماهية لا تتم الا بالجنس والفصل بخلاف اجزاء المركب الخارجي الحسى فان وجودها لا يتقوم بالتركب والانضمام وان تقوم باحد النقيضين من الاتصال أو الانفصال. إذا انكشف لك ما حققناه ظهر لك ان القياس المعروف يدل على حدوث

[ 178 ]

العالم من وجوه اربعة دلالة انية كما يدل عى حدوثه من واجب غنى بالذات لا يتطرق فيه باقسامه وانحائه ضرورة ان ما بالغير لابد ان ينتهى الى ما بالذات ولا حاجة لنا في اثبات الصانع الى ابطال الدور والتسلسل فهو تعالى شأنه اجل من ان يحيط به الاوهام وان يكون له حد محدود ونعت موجود فصفاته تعالى ليست كصفات المخلوقين مغايرة للموصوف زائدة على الذات بل عين الذات لا بمعنى العينية الخارجية المجامعة للمغايرة التحليلية والا عاد المحذور من تطرق التغيير الملازم للحدوث وعدم القدم بل بمعنى نفى الصفات عنه تعالى كما هو منصوص كلمات اهل العصمة سلام الله عليهم اجمعين فاثبات صفات الكمال له تعالى من العلم والقدرة والحيوة كناية عن سلب نقائضها وترتب غاياتها من انكشاف الاشياء عليه وتمكينها من ارادته تعالى من دون وساطة صفة قائمة بالذات فهو جل شانه عالم قبل العلم بغير علم وقادر قبل القدرة بغير قدرة ولعله الى هذا يشير قول بعضهم: " خذ الغايات واترك المبادى ". ومنه ظهر ان صفاته تعالى لا تكون متغايرة متفاوتة والا لزم التغير في الذات الذى هو آية الحدوث فعلمه تعالى عين قدرته وقدرته عين حيوته وحيوته عين سمعه وسمعه عين بصره. مرجعه الى نفى الصفات عنه تعالى واثبات الكمال له بذاته فلا يوجب نفى الصفات عنه تعالى التعطيل في الذات كما زعمه بعض من لا بضاعة له بل نفى الصفات عنه تعالى بالمعنى الذى بيناه تنزيه عن ان يكون ناقصا بذاته مستكملا بصفاته. وبما بيناه تبين ان وحدته تعالى لا تكون من قبيل الوحدة الجنسية والنوعية والشخصية والا لزم التغير الملازم للحدوث وعدم القدم بل بمعنى آخر وهو تفرده تعالى عن الاشباه والنظائر فهو تعالى واحد لا بتأويل عدد وبالجملة كلما يوجد في الخلق من الجوهر والاعراض لا يوجد في خالقه والا عاد الخالق مخلوقا والصانع مصنوعا وهو تعالى خالق الجواهر والاعراض وهو

[ 179 ]

منزه عن ان يكون جوهرا أو عرضا وبتجهيزه الجواهر عرف ان لا جوهر له وبتشعيره المشاعر عرف ان لا مشعر له وهو مذوت الذوات ومحقق الحقائق فهو ارفع واجل من ان يكون له حقيقة وذات. وما ذكره بعض من انه تعالى لم يجعل المشمشة مشمشة بل اوجدها ان اريد به ان المشمشة وسائر الحقائق اعيان ثابتة تظهر بالوجود في الخارج فهو غلط فاحش ضرورة ان الحقائق والماهيات حدود للوجود وتعينات له ولا يتصور ثبوتها قبل الوجود كما لا يتصور تحقق الوجود المحدود من دون حدوده وتعيناته بداهة ان الشئ ما لم يتشخص لم يوجد كما ان انه ما لم يوجد لم يتشخص فهو تعالى ممشمش المشمشة مشمشة وان اريد به ان الحقائق والذوات لم تجعل بجعل تأليفي بل مجعولة بجعل بسيط فهو في محله. وكيف كان فقد تبين مما بيناه ان القياس المعروف مثبت لحدوث العالم ومبين لاساس التوحيد كله فهو ماخوذ من كلمات اهل بيت النبوة وامناء الوحى ومعادن التنزيل سلام الله عليهم اجمعين. ولا بأس ان نذيل الكلام بنقل مناظرة وقعت بين بعض الطبيعيين وبعض علماء الاسلام وملخص كلام الطبيعي انه قد استقر رأينا على ان للعالم اصلين قديمين الذرات وحركاتها وان اول موجود برز الى الوجود بواسطة الحركات الموجبة لاجتماع الذرات وتركبها كرة الشمس ثم تحركت الكرة بحركات كثيرة حتى انفصل منها شبه الزبد المنفصل من الحديد المحماة في الكورة وهو كرة الارض فحدث فيها انواع المعادن وبذور النباتات ومواد الحيوانات بواسطة حرارتها الى ان قال والانسان احدث الحيوانات إذ لم نجد له مادة في الطبقات السافلة ونظن انه بالانتخاب الطبيعي ماخوذ من القردة وعين في كل دور مبدء الحركات ومنتهاها بمدة طويلة. وقد ابطل العالم المناظر رأيه السخيف بوجهين.

[ 180 ]

الاول ان تعيين المدة للحركات الموجبة لاجتماع الذرات وتشكلها بشكل كرة الشمس مناقض للقول بقدم الذرات وحركاتها إذ القديم لا ينتهى الى امد فتحديد الحركات مبدءا ومنتهى كاشف عن حدوثها. والثانى ان كل ذرة من الذرات لابد من ان تكون متشكلة بشكل مخصوص إذ الجسم الموجود في الخارج صغيرا كان أو كبيرا لا بد له من ذلك ولو كانت الذرات قديمة لكانت الاشكال قديمة فزوال الاشكال الاولية وتشكلها بشكل كرة الشمس دليل على حدوثها وحدوث الذرات فافحم الطبيعي اقول يرد عليه مضافا الى ما ذكره العالم المناظر وجوه اخر. الاول ان الحركات دائما في الزوال والتجدد فلا يتصور فيها القدم والوجوب مع انها محتاجة في وجودها الى محل تقوم به ولا يعقل مع الحاجة الا الحدوث. والثانى ان الحركات الاضطرارية الطبيعية القديمة الثابتة للذرات بزعمه اما متماثلة أو متخالفة فان كانت متخالفة لم يعقل اجتماعها على كرة واحدة وهى كرة الشمس وان كانت متماثلة لم يعقل تبدل بعضها بكرة اخرى وهى كرة الارض الا بعد زوال الحركات الاولية وتجددها بحركات اخرى مناسبة للكرة الجديدة وتجدد الحركات الجديدة وزوال الحركات الاولية دليل على حدوثها بل هو عين الحدوث. والثالث انه على فرض تحدد حركات جديدة يلزم ان يتبدل تمام كرة الشمس إذ لا يعقل اجتماع حركتين مختلفتين في كرة واحدة يتعلق كل حركة منهما ببعض منها وبالجملة فهذه التبدلات التى اعترف بها مناقض للقول بالقدم واعترف بالحدوث من حيث لا يشعر. ثم ان ما ذكره من اخذ الانسان من القردة بالانتخاب الطبيعي مستحيل بالضرورة إذ لا يعقل الانتخاب من الطبيعة المضطرة التى لا شعور لها وليت شعرى أي داع دعاه الى نسج هذه المخيلات الواهمية واى مانع منعه عن التدبر في اياته الواضحة المنيرة نعوذ بالله تعالى من الغواية والعمى.

[ 181 ]

(فائدة - 30) الطهارة الشرعية ضربان طهارة عن حدث وعن خبث وقد يتوهم انها حقيقة شرعا اوفقها في القسم الاول استنادا الى تعريفهم الطهارة باستعمال طهور مشروط بالنية وما في معناه وهو في غير محله لان اقتصارهم على تعريف الطهارة عن الحدث من جهة انهم في مقام بيان العبادات لانهم انما ابتدئوا بكتب العبادات فعرفوا الطهارة عن الحدث التى هي من العبادات وبحثوا عنها قصدا وبالذات وذكروا الطهارة عن الخبث في الكتاب تبعا واستطرادا: وكيف كان فالطهارة عن الخبت امر عدمي ويكون تقابلهما من قبيل تقابل التناقض ولذا لا يتصور لهما ثالث وتكون مطابقة للاصل عند الشك ولو كانا وجوديين لتصور لهما ثالث وهو عدمهما ولكانا مخالفين للاصل. فان قلت يمكن ان يكونا من قبيل الضدين اللذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون. قلت مرجع الضدين اللذين لا ثالث لهما الى النقيضين. واما الطهارة عن الحدث فهى كالحدث امر وجودي ويكون تقابلهما من قبيل تقابل التضاد ويدل عليه امور. الاول تسببها من اسباب مخصوصة وجودية كالحدث إذ لو كانت عدمية لم ينحصر حصولها في اسباب وجودية وكفى في انتزاعها عدم وجود سبب الحدث والثانى تقسيمها الى صغرى وكبرى مستفادتين من الاخبار.

[ 182 ]

والثالث التعبير عنها في الاخبار بالنور وعن الوضوء على الوضوء بنور على نور إذ لو كانت عدميا لم يتصور لها مراتب شدة وضعفا ولم يكن للتعبير عنها بالنور ونور على نور الكاشف عن كونها وجوديا مجال والرابع مخالفتها للاصل كالحدث الا ترى ان الشاك في انه متطهر أو مجنب مع عدم علمه بحالته السابقة لا يجوز له الدخول في الصلوة إذ الاصل عدم الطهارة ويجوز له المكث في المساجد وقرائة العزائم إذ الاصل عدم الجنابة. لا يقال الطهارة لها مفهوم واحد وهو اما وجودي واما عدمي ولا يعقل ان يختلف باختلاف مقابلها وجودا وعدما. لانا نقول اولا لا مانع من ان يكون للطهارة مفهوم واحد وهى النظافة والنزاهة مترتبة على مراتب ينتزع بعضها من عدم القذارة كالطهارة عن الخبث وينتزع بعضها من وجود جهة نورية موجبة لرفع ما يقابلها كالطهارة عن الحدث. وثانيا لو سلمنا امتناعه وقلنا بان الطهارة تتحقق بعدم القذارة حسية كانت أو معنوية فلا ينافى ذلك مع اعتبار الشارع في بعض منها مع التخلي عنها التحلى بامر وجودي نوري مسبب عن سبب وجودي وترتيب الاثار الشرعية عليه كما انه لا ينافى ملازمتها في بعض الموارد لامر وجودي ذاتا كما هو الشان في الطهارة عن الذنب والخطأ والسهو والنسيان الملازمة لقوة قدسية ملكوتية وهى العصمة واذ قد تبين لك ذلك فاعلم ان الطهارة عن الحدث هي الاثر المترتب على الوضوء والغسل والتيمم كما ان الطهارة عن الخبث هي زوال الخبث المترتب على الغسل فتعريف الطهارة بالوضوء أو الغسل أو التيمم أو بما في معناه انما هو لاجل اتحادها معها اتحاد الامر المنتزع مع منشأ انتزاعه في مرحلة الحدوث. وما توهم من اشتراك الطهارة بين المسبب والسبب أو كونه حقيقة في المسبب مجازا في السبب أو العكس في غير محله ضرورة ان آثار الطهارة من الشرطية الكمال انما تدور مدار الاثر المترتب على الاسباب المنتزع من حدوثها واطلاقها على الاسباب

[ 183 ]

انما هو لاجل اتحادها معها في الخارج فلم تستعمل الا في معناها الاصلى غاية الامر انه قد اطلق المفهوم الاصلى على منشأ انتزاعه من جهة صدقه عليه واتحاده معه خارجا فلا يكون مجازا مرسلا من قبيل استعمال المسبب في السبب كما توهم بل لا حقيقة لهذا التجوز وكل ما توهم من هذا القبيل فهو من هذا الباب والا فعدم صحة استعمال المسبب في السبب وبالعكس مع عدم انتزاع المسبب من السبب وجودا أو حدوثا وعدم اتحادهما في الخارج من الواضحات. وإذا اتضح لك ما بيناه فاعلم ان الطهارة عن الحدث انما تنتزع في الشرع عن افعال تعبدية وهى الوضوء والغسل والتيمم ومقدمتها للصلوة وغيرها من الغايات اباحة أو كمالا انما هي باعتبار الطهارة المتحصلة منها ولذا تدور الاثار مدارها حدوثا وبقائا فما دامت باقية ولم تنتقض بالحدث يترتب عليها الاثار ولو دارت الاثار مدار الاسباب حدوثا لزم ترتبها عليها مطلقا إذ الحدوث لا ينقلب الى اللاحدوث ولا ينتقض بالحدث لعدم بقائه حتى ينتقض ولو دارت مدار وجودها لزم عدم ترتب اثر عليها مطلقا لانها تنعدم بمجرد؟؟ وجودها ولا بقاء له حتى يترتب عليه اثر فالشرط في الحقيقة الطهارة لا اسبابها والامر التبعى الايجابي أو الندبى الحاصل من طرف الغايات انما يتعلق بالعمل التعبدى لان المقدمة للطهارة عن الحدث التى هي مقدمة للصلوة انما هو العمل التعبدى من الوضوء أو الغسل أو التيمم لا الغسلات والمسحات كيف اتفقت ولا يعقل ان يكون اعتبار التعبدية فيها من قبل الامر التبعى والا لزم الدور المحال ضرورة ان المعتبر في الصلوة وغيرها من الغايات انما هي الطهارة عن الحدث وهى لا تتحصل الا من الغسلات والمسحات التعبدية فالامر التبعى متفرع عليها فلو جائت التعبدية من قبله لزم تأخر الموضوع عن المحمول مع ان الامر التبعى توصلي دائما فلا يعقل تأثيره في اعتبار التعبد. ولا يتوهم ان الامر التبعى الحاصل من قبل الامر النفسي التعبدى لا يكون الا تعبديا والا لزم اعتبار التعبد في جميع مقدمات الصلوة مع ان سائر مقدماتها من

[ 184 ]

ازالة الخبث عن البدن واللباس وهكذا لا يكون الا توصلية بالضرورة فان قلت التعبد فرع الامر المولوي ولا يعقل التعبد بشئ من دون امر ولا امر بها الا الامر التبعى المقدمى فوجب القول بكونه تعبديا قلت أو لا نمنع تفرع التعبدية على الامر إذ قد يكون بعض الاعمال عبادة ذاتا كالصلوة أو جعلا كالهرولة مثلا قبل تعلق الامر بها بل لا ينافى كونه عبادة مع تعلق النهى بها كصلوة الحائض وصومها نعم يجوز ان يصير المأمور به تعبديا من قبل الامر ايضا كما حققناه في محله لا انه ينحصر السبيل فيه. وثانيا لو سلم ذلك وجب القول بانها مندوبة بالامر النفسي التعبدى فرارا عن المحذورين المزبورين بل يظهر ذلك من الاخبار. لا يقال لا يجتمع الوجوب والندب لاستحالة اجتماعهما على محل واحد فإذا وجب الفعل ولو تبعا يزول الندب الاصلى فلا يبقى التعبدية التى هي من شئونه. لانا نقول اولا ان الامر الندبى الاصلى متعلق بنفس الماهية والوجوب الطارى متعلق بايجادها فلا يجتمعان على محل واحد حتى يتنافيا. وثانيا ان الامر التبعى ليس امرا تكليفيا مولويا عندنا حتى يستحيل اجتماعه مع الامر الندبى الاصلى. فاتضح بما بيناه غاية الاتضاح ان ترتب الطهارة ورفع الحدث على الاسباب المعهودة لا يدور مدار الامر التبعى ولا يعقل تأثيره فيه واختلاف الحال باختلاف الاوامر التبعية وترتب رفع الحدث عليها بالاتيان بها لاجل بعض الغايات دون بعض فما عن بعض من التفصيل في الوضوئات المندوبة بين اتيانه لما لا يستباح بدونه واتيانه لما يستباح بدونه بالقول برفع الحدث في الاول دون الثاني أو التفصيل بين ان يكون استحبابه لاجل الحدث كالوضوء لقرائة القرآن وان يكون مستحبا لا لاجله كالتجديد بالقول بالرفع في الاول دون الثاني وهكذا من التفاصيل في غاية الوضوح من الفساد لما عرفت من ان سببية الاعمال التعبدية للطهارة ورفع الحدث سابقة

[ 185 ]

على الاوامر التبعية فلا يعقل تأثيرها في حصول الطهارة وعدمه وحقيقة الوضوء لا تختلف باختلاف الاوامر حتى تختلف الاثار باختلافها والاخبار صريحة في ان الوضوء طهور مطلقا من دون تقييد بمورد دون مورد. ثم ان ترتب الطهارة على اسبابها لا يحتاج الى قصدها أو قصد رفع الحدث أو الاباحة منها ضرورة انه مع الاتيان باحد الاسباب متقربا به يترتب عليه الطهارة قهرا ولا تأثير لنية الشخص في حصولها وعدمه ولا دليل على توقف تأثيرها للطهارة على قصد احد الامور المذكورة بل الدليل قائم على خلافه فما يظهر من بعضهم من توقف ترتب الطهارة عليه على قصد احد هذه الامور في غير محله. وإذا اتضح لك ما بيناه فقد اتضح لك امور: الاول: انه لو توضأ قبل دخول وقت الصلوة لاجلها صح وضوئه لما عرفت من ان اتيانه على وجه التعبد لا يدور مدار الامر التبعى وكون الداعي على التوضوء متقربا به استباحة صلوة الفريضة التى لم يدخل وقتها لا ينافى مع التعبد بالامر النفسي كما هو ظاهر. وتوهم ان مرجع اتيان الوضوء لاجل الصلوة الى تقييد التعبد به بالامر التبعى المقدمى الذى لم يكن حاصلا قبل الوقت فيبطل لعدم وقوع المقيد والمطلق غير منوى في غير محله إذ قصر النظر على غاية مخصوصة لا ينافى مع اطلاق العمل ضرورة ان تقييد الفعل بقيد امر مباين مع تخصيص غرض الفعل بغاية مخصوصة ولذا اشتهر انه لا يقدح تخلف الداعي ولا يؤثر بطلان العمل بخلاف تخلف القيد بل التحقيق ان تقييد الوضوء بالنسبة الى غاياته غير معقول لعدم اختلاف حقيقته باختلاف غاياته وعدم تأثيرها في تنويعه أو تقييده وانما يختلف المنوي باختلاف الخصوصيات المنظورة إذا كانت منوعة كالظهرية والعصرية بالنسبة الى الصلوة مثلا مع ان الروايات ناطقة بصحة الوضوء قبل الوقت تأهبا للصلوة والتاهب ليس غاية مخصوصة في قبال سائر الغايات بل مرجعه الى تقديم الوضوء

[ 186 ]

على الوقت لاجل الصلوة والثانى: انه لو توضأ لاجل صلوة الاداء بزعم بقاء الوقت فظهر خروج الوقت صح وضوئه ويصح له الدخول به في القضاء وما توهم من عدم صحة وضوئه حينئذ مطلقا وإذا كان مقيدا به لا إذا كان داعيا عليه وهم لما عرفت من عدم دوران تعبدية الوضوء مدار الامر التبعى وعدم تطرق التقييد في المقام فلا مجال للتفصيل أو القول بالبطلان مطلقا. والثالث: انه لو توضأ بزعم اتساع الوقت له فظهر ضيق الوقت صح وضوئه وما يتوهم من انه مأمور بالتيمم حينئذ لا الوضوء فلا يكون مشروعا ومجرد ظنه باتساع الوقت لا يوجب الامر به بل يوجب العذر في غير محله لما عرفت من عدم دوران تعبدية اسباب الطهارة ومشروعيتها مدار الامر التبعى حتى تنتفى بانتفائه بل لو توضأ مع العلم بعدم اتساع الوقت صح وضوئه ايضا وان كان آثما في ترك التيمم وتفويت الوقت. وتوهم ان الامر بالتيمم حينئذ موجب للنهى عن الوضوء لمضادته له باطل لعدم اقتضاء الامر بالشيئى النهى عن ضده الخاص بل العام بل التحقيق ان الامر التبعى ليس امرا تكليفيا مولويا حتى يقتضى النهى عن ضده على القول باقتضائه اياه كما حققناه في محله. والرابع: ان الاضطرار ليس شرطا لصحة التيمم بل شرط لجواز الاكتفاء بالطهارة الضعيفة المتحصلة منه لان الاضطرار انما يوجب تعلق الامر التبعى بالتيمم المترتب على مشروعيته وتعبديته في حد نفسه أو بالامر الندبى النفسي فلا تدور صحته مدار الامر التبعى. ويؤيد ما بيناه الروايات المجوزة للتيمم لصلوة الميت والنوم مع وجود الماء لعدم اختلاف حقيقة التيمم باختلاف حكمه وجوبا أو ندبا أو الغايات المترتبة عليه اباحة أو كمالا فتأثيره الطهارة في الموردين يدل على ان سببيته لها لا تختص

[ 187 ]

بحال الاضطرار وحيث ان الطهارة في الموردين لا تعتبر في اباحتهما بل في كمالهما اكتفى بالطهارة الضعيفة لتحصيل ادنى مرتبة الكمال. ولكن ينافى ذلك ما يظهر من بعض الروايات من انتقاض التيمم بوجدان الماء ووجوب اعادته لمن تمكن التطهر بالماء ولم يتطهر به ثم تعذر عليه وان كان الاخذ بظاهر هذه الروايات مشكل لانه يوجب الحكم بكون وجدان الماء حدثا إذ لا ينقض الطهارة الا الحدث وهو مناف للاجماع بل الضرورة على عدم كونه حدثا ويمكن حملها على استحباب اعادة التيمم وحدوث ضعف في التيمم بوجدان الماء مصحح للتعبير بالنقض. ولا يتوهم انه يمكن ان يحكم بانتقاض التيمم بوجدان الماء تحقيقا من دون الحكم بكونه حدثا المنافى للاجماع والضرورة من جهة ان تأثير التيمم انما هو في موضوعه وهو المضطر الفاقد للماء فإذا انقلب الموضوع وارتفع الاضطرار بسبب وجدان الماء ارتفع الاثر ولا يعود بعود الاضطرار لانه موضوع جديد. لانا نقول ان الاضطرار موضوع للاستباحة المترتبة على الطهارة الضعيفة المتحصلة من التيمم وهى باقية مع الوجدان وانما تنتفى الاباحة حينئذ لانتفاء شرط تأثير الطهارة لها والمحل لتاثيرها اياها لا لانتفاء مقتضيها حتى يصدق النقض حقيقة نعم قد ادعى الاجماع على النقض فان تم فهو والا فللكلام فيه مجال. وكيف كان لا ينبغى التأمل في عدم النقض إذا اصاب الماء وتلف قبل مضى زمان يتمكن من فعل الطهارة المائية فيه لان الاخبار الظاهرة في النقض انما تدل عليه في صورة القدرة على التطهر به والاجماع لو تم فهو في صورة القدرة عليه ايضا. والخامس انه يجوز التيمم في سعة الوقت مطلقا وان لم يكتف به الا في ضيق الوقت أو مع اليأس بوجود الماء في الوقت لما ظهر لك من ان التيمم في نفسه مشروع وان الاضطرار انما يوجب الامر التبعى المقدمى به الذى لا يدور مداره التعبد به وكونه عبادة فالضيق أو اليأس بوجود الماء في الوقت انما يعتبر في استباحة الصلوة بالطهارة

[ 188 ]

الضعيفة المتحصلة منه. وبما بيناه تبين ان ما اختاره الشيخ والمرتضى (قدهما) من عدم صحة التيمم الا عند ضيق الوقت مطلقا وما اختاره جماعة من التفصيل بين الياس بوجود الماء في الوقت وعدمه وجوازه مع الياس في السعة وعدم جوازه مع الرجاء الا عند الضيق في غير محله كما ان ما اختاره بعضهم من جوازه في السعة مطلقا وجواز الاكتفاء به كذلك في غير محله. ومن هنا تبين ان ما ذكره في الروضة تبعا للشيخ قدس سرهما من ان هذا في التيمم المبتداء اما المستدام كما لو تيمم لعبادة عند ضيق وقتها ولو بنذر ركعتين في وقت معين يتعذر فيه الماء أو عبادة راجحة بالطهارة ولو ذكر اجاز فعل غيرها به مع السعة في غير محله لما عرفت من ان الموجب للاكتفاء بالتيمم انما هو الاضطرار ولا اضطرار مع السعة وما استدل به من الاخبار بجواز الصلوات الكثيرة بتيمم واحد لا دلالة فيها على جواز الاكتفاء به في السعة كما لا يخفى. وينبغى التنبيه على امور الاول ان الاضطرار المجوز للتيمم أو الموجب للاكتفاء به هل يتحقق بمجرد فقدان الماء فيستباح به جميع ما يستباح بالطهارة المائية مما يكون الحدث مانعا عنه أو الطهارة شرطا له اولا يتحقق الا به وبوجوب ما يعتبر فيه الطهارة. المشهور الاول قال في الحدائق: " المشهور بين الاصحاب رضى الله عنهم من غير خلاف يعرف ان التيمم مبيح لما تبيحه الطهارة المائية من الصلاة ومن الطواف ومس كتابة القرآن ونحو ذلك مما الطهارة شرط لحصوله أو كماله. ويدل عليه عموم الاخبار من قوله صلى الله عليه وآله لابي ذر رضى الله عنه: " يكفيك الصعيد عشر سنين " وقول الصادق (ع) في صحيحة حماد " هو بمنزلة الماء " وفى صحيحة جميل ان الله جعل التراب طورا كما جعل الماء " طهورا وفى صحيحة محمد بن مسلم وغيرها: " ان رب الماء رب الصعيد " كما في بعض أو " رب الارض " كما في آخر ثم قال " وقع

[ 189 ]

الخلاف هنا في موضعين: الاول ما نقل من فخر المحققين ابن العلامة طاب ثراهما من انه منع من استباحة اللبث بالتيمم في المساجد لقوله تعالى (الا عابرى سبيل حتى تغتسلوا) حيث جعل نهاية التحريم الغسل فلا يستباح بغيره والا لم تكن الغاية غاية والحق به مس كتابة القرآن لعدم فرق الامة بينهما " ثم شرع في الرد عليه الى ان قال: " الثاني ما ذكره في (ك) حيث اورد على ما ذكره الاصحاب بما ظاهرهم الاتفاق عليه من ان التيمم يبيح كلما تبيحه الطهارة المائية وبعبارة اخرى ان التيمم يجب لما تجب له الطهارتان بان ذلك مشكل لانتفاء الدليل عليه قال والا ظهران التيمم يبيح كلما تبيحه الطهارة المائية لقوله (ع) في صحيحة جميل: " ان الله تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا وفى صحيح حماد " هو بمنزلة الماء ". وفى صحيحة محمد بن مسلم " قد فعل احد الطهورين فما ثبت توقفه على مطلق الطهارة من العبادات يجب له التيمم وما ثبت توقفه على نوع خاص منها كالغسل في صوم الجنب فالاظهر عدم وجوب التيمم له مع تعذره إذ لا ملازمة بينهما فتأمل انتهى اقول مقتضى تنزل التيمم منزلة الطهارة المائية من دون تقييد بمورد دون مورد ايجاده الطهارة في جميع الموارد. واما جواز الاكتفاء به مطلقا فلا. لا يقال افادته الطهارة مطلقا ملازمة لجواز الاكتفاء به كذلك. لانا نقول انما ملازمته كذلك ان كانت طهارة تحقيقية اختيارية واما إذا كانت طهارة تنزيلة اضطرارية غير رافعة للحدث فانما تلازمه مع تحقق الاضطرار ولا اضطرار الا مع وجوب العمل الذى لا مناص عن اتيانه. فان قلت الاضطرار الى البدل انما يتحقق مع العجز عن المبدل. قلت هذا إذا كان المبدل واجبا واما إذا لم يكن كذلك فلا. ويدل على ما بيناه الروايات الدالة على اعتبار ضيق الوقت في الفريضة إذ لو جاز الاكتفاء به في المندوبات

[ 190 ]

مع العجز عن الطهارة المائية لجاز الاكتفاء به للمحافظة على ادراك فضيلة الوقت التى هي من اهم المندوبات حتى مع العلم بوجدان الماء في الوقت. واما ما اجاب به في الحدائق منانه استدلال بطريق الاولوية وهى غير معتبرة عندنا في الاحكام الشرعي الا في نادر الصور ففيه ان عدم اعتبار الاولوية انما هو مع عدم وضوح المناط واما مع وضوحه كما في المقام فهى معتبرة. والحاصل ان الروايات انما تدل على ان التيمم سبب للطهارة وانه بدل عن الغسل أو الوضوء في ايجاد الطهارة واما ثبوت الاضطرار بمجرد فقدان الماء أو جواز الاكتفاء به مع الفقدان في جميع الموارد حتى في المندوبات فلا نظر لها إليه فلا وجه للتمسك بعموم الاخبار عليه. نعم يجوز الاكتفاء به فيما يعتبر فيه الطهارة على وجه الكمال لتحصيل مرتبة منه كقرائة القران لما عرفت من ان ايجاده الطهارة لا يتقيد بحال الاضطرار بل يمكن القول بجواز الاكتفاء به حينئذ لتحصيل ادنى مرتبة الكمال حتى مع التمكن من تحصيل الطهارة المائية كما ورد به النص في صلوة الميت والنوم وليست التعدية عنهما الى سائر الموارد قياسا بعد ما عرفت من انطباقه على القاعدة ثم اعلم انا لو قلنا بان الاخبار ناظرة الى انه يستباح بالتيمم كل ما يستباح بالطهارة المائية فلا مجال للمنع من استباحة اللبث في المساجد به كما نقل عن فخر المحققين قدس سره إذ لا منافاة بين تحديد المنع بالغسل مع استباحته بالتيمم بدلا عنه عند فقدان الماء وليس هذا تخصيصا لعموم الاية كما يظهر من بعض بل تقديم مفاد الروايات على العموم من باب الحكومة لانها شارحة للاية وتبين ان عمومها يختص بحال وجدان الماء. بل التحقيق ان بدلية التيمم من الغسل في التأثير لا ينافى عموم الاية بوجه حتى يكون التقديم تخصيصا أو تحكيما إذ اثبات التأثير للتيمم بعنوان البدلية عن الغسل عند العجز عنه يحقق العموم ويؤكده إذ لو لم يكن الغسل ثابتا حتى عند فقدان

[ 191 ]

الماء لم يكن لبدلية التيمم عنه مجال. ويمكن ان يقال غرضه (قدس سره) ان تحديد حرمة اللبث الى الاغتسال ثابت بنص الاية الكريمة وبدلية التيمم عنه غير معلومة لعدم ثبوت عموم البدلية من الروايات فيرد عليه حينئذ انه يلزمه الحكم بعدم استباحة مطلق المندوبات به لعدم استفادة العموم بالنسبة إليها كما بيناه. نعم في بعض الروايات دلالة على جواز الاكتفاء بتيمم واحد لفريضة واحدة ونافلتها ولعل الحكم يختص بها من جهة كمال الاهتمام بها في الشرع وانها مكملة للفريضة فلا يتعدى عنها الى سائر النوافل مع ان تمام مدلول الرواية مما لا يجوز العمل به لمنافاته لسائر الروايات المعتبرة بل ضرورة المذهب فان الرواية هكذا: " لا يتمتع بالتيمم الا صلوة واحدة ونافلتها " هذا. واما ما ذكره صاحب المدارك (قدس سره) فان اراد ان التيمم لا يوجب الطهارة في الصورة المزبورة ان ايجاده الطهارة التنزيلية القائمة مقام الطهارة المائية لا يتقيد في الاخبار بمورد دون مورد ولا اهمال في الادلة من جهة التنزيل. وان اراد ان اشتراط صحة الصوم بخصوص الغسل لا يدل على اشتراط صحته بالتيمم عند العجز عنه حتى يجب تحصيله ففيه انه بعد ثبوت بدلية التيمم لكل من نوعي الطهارة المائية لا مجال للتأمل في وجوب تحصيله عند العجز عنها سواء كانت اعتبارها في العمل من حيث هي أو من حيث نوع مخصوص منها. والثانى ان بدلية التيمم عن الطهارة المائية وجواز الاكتفاء به عنها فيما يعتبر فيه الطهارة انما ثبتت بالادلة الشرعية للعذر المستند الى القدرة والعجز عن تحصيلها عقلا أو شرعا لا لمطلق العذر ولو كان لنسيان الماء أو الحكم به أو للجهل به عن قصور فلو نسى الماء في رحله وتيمم وصلى ثم ذكر ان معه ماء قبل ان يخرج الوقت فعليه ان يتوضأ ويعيد كما تدل عليه رواية ابى بصير بل يجب عليه اعادة الصلوة متيمما لو تذكر

[ 192 ]

في ضيق الوقت وكذا يجب عليه القضاء لو لم يتذكر الا خارج الوقت فما عن علم الهدى والمحقق (قدس سرهما) من الاجتزاء به مطلقا لعموم حديث الرفع ولانه صلى بتيمم مشروع فلم يلزمه الاعادة ولان النسيان لا طريق الى ازالته فصار كعدم الوصلة وما عن الشيخ (قدس سره) من انه ان اجتهد وطلب لم يعد والا اعاد وما في الحدائق من الاجتزاء به لو تذكر في ضيق الوقت في غير محله لان حديث الرفع انما يثبت العذر لا البدلية وكون التيمم مشروعا بمعنى الاجتزاء به حينئذ اول الكلام ومجرد عدم السبيل الى ازالة النسيان لا يصحح العجز تحقيقا والتفصيل بين الطلب وعدمه انما يصح مع عدم النسيان والاجتزاء بالصلوة مع التذكر في ضيق الوقت لا وجه له بعد ان لم تقع صحيحة واما تضعيف الرواية بان في سندها عمار بن موسى فانما هو على اصطلاح المتأخرين (ره) واما على اصطلاح المتقدمين (ره) من ان الصحيح ما يصح الاعتماد عليه ولو من جهة القرائن فهى صحيحة لوجودها في الكتب الاربعة المأخوذة من الاصول الاربعمأة المعتمد عليها مع ان ضعفها على فرض تسليمه منجبر بالشهرة على ان مدلولها موافق للقواعد الاولية لما عرفت من ان الادلة انما تدل على بدلية التيمم عن الطهارة المائية في صورة العجز لا مطلق العذر ولو للنسيان أو الجهل بالحكم فلا وجه لردها. والثالث ان المشهور بين الاصحاب قدس سرهم انه لو ضاق الوقت عن تحصيل الماء مع وجوده أو عن طلبه مع احتماله أو عن استعماله في الغسل أو الوضوء يتيمم ويصلى ويكون صلوته مجزية وقد وقع الخلاف في مواضع: الاول لو اخل بالطلب حتى ضاق الوقت: ففى الشرايع: " اخطأ وصح تيممه وصلوته على الاظهر " وفى المدارك: " قال الشيخ في (ط) و (ف) لو اخل بالطلب لم يصح تيممه ويلزم على قوله لو تيمم و

[ 193 ]

صلى ان يعيد الصلوة وبه قطع الشهيد في س ون واستشكله المصنف في المعتبر بانه مع ضيق الوقت يسقط الطلب ويتحتم التيمم فيكون مجزيا وان اخل بالطلب وقت السعة لانه يكون مؤديا فرضه بطهارة صحيحة وصلوة مامور بها وهو حسن انتهى. الثاني عن المنتهى: " انه لو كان بقرب المكلف ماء وتمكن من استعماله واهمل حتى ضاق الوقت فصار لو مشى إليه خرج الوقت فانه يتيمم وفى الاعادة وجهان اقربهما الوجوب ". الثالث لو كان الماء موجودا عنده فاخل باستعماله حتى ضاق الوقت من الطهارة المائية والاداء فهل يتطهر ويقضى أو يتيمم ويؤدى قال في المدارك: " فيه قولان اظهرهما الاول وهو خيرة المصنف في المعتبر لان الصلوة واجب مشروط بالطهارة والتيمم انما يسوغ مع العجز عن استعمال الماء والحال ان المكلف واجد للماء متمكن من استعماله غاية الامر ان الوقت لا يتسع لذلك ولم يثبت كون ذلك مسوغا للتيمم. وقال العلامة في المنتهى يجب التيمم والاداء لقوله (ع) في صحيحة حماد بن عثمان: " هو بمنزلة الماء " وانما يكون بمنزلته لو ساواه في احكامه ولا ريب في انه لو وجد الماء وتمكن من استعماله وجب عليه الاداء فكذا لو وجد ما ساواه قلت ويدل عليه فحوى قول الصادق (ع) في صحيحة الحلبي: " ان رب الماء هو رب الارض " وفى صحيحة جميل ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا وهذا القول لا يخلوا من رجحان ولا ريب ان التيمم والاداء ثم القضاء بالطهارة المائية احوط. الرابع لو اخل بالطلب وضاق الوقت فتيمم وصلى ثم وجد الماء في محل الطلب ففى المدارك " قيل بوجوب الاعادة هنا تعويلا على رواية ابى بصير قال " سألته عن رجل كان في سفر وكان معه ماء فنسيه وتيمم وصلى ثم ذكر ان معه ماء قبل ان

[ 194 ]

يخرج الوقت قال عليه يتوضا ويعيد الصلوة. اقول بعون الله تعالى ومشيته انه مع ضيق الوقت عن الطهارة المائية والاداء يدور الامر بين احد امرين ادراك الوقت أو الطهارة المائية ولا يخلو الامر حينئذ عن احدى صور ثلث. كون الوقت اهم عند الشارع من الطهارة المائية أو العكس أو كونهما متساويين. فان قلنا بالاخير لزم الحكم بالتخيير بين الطهارة المائية والترابية والاتيان بالصلوة اداء أو قضائا وبطلانه واضح ضرورة ان التيمم بدل طولى عن الطهارة المائية لاعرضى كما ان القضاء بدل عن الاداء كذلك وان قلنا بالثاني لزم الحكم بوجوب الطهارة المائية ابدا وعدم تشريع التيمم إذ مع فقد الماء والضرر باستعماله في الوقت حينئذ بتعين عليه الاتيان بالصلوة قضائا مع الطهارة المائية عند وجدان الماء وعدم الضرر باستعماله وهو باطل بالضرورة فلم يبق الا الصورة الاولى وهى اهمية رعاية الوقت في نظره وانما شرعت التيمم لاجل عدم فوت الوقت. واذ قد تبين لك ما بيناه فقد تبين لك انه عند ضيق الوقت عن الطهارة المائية والاداء يتعين الاداء متيمما محافظة على الوقت سواء كان معذورا في ترك الطهارة المائية ام لم يكن معذورا اما بواسطة اخلال في الطلب أو اهمال في الاستعمال مع الالتفات بصيرورة الوقت مضيقا. فما عن المحقق في المعتبر من عدم جواز التيمم مع وجود الماء عنده واخلاله باستعماله حتى ضاق الوقت في غاية الغرابة من مثله فان ايجاب الطهارة المائية عليه حينئذ محافظة على المقدمة وتفويت لذى المقدمة وهو اداء الصلوة في وقتها. وما يتوهم من ان وجوب طلب الماء أو استعماله كان ثابتا قبل ضيق الوقت ونشك في سقوطه عنه مع اخلاله واهماله فيستصحب وهم فاحش لعدم الشك حينئذ

[ 195 ]

لان طلب الماء أو استعماله انما وجب مقدمة لاداء الصلوة فلا مجال لاستصحاب وجوبه إذا كان الاتيان به مفوتا لذى المقدمة ضرورة ان المقدمة انما تجب لتوقف وجود ذى المقدمة عليها واما إذا كانت سببا لفوته فلا يعقل ايجابها عليه بل ينقلب الحكم حينئذ فيحرم ايجادها من جهة انه سبب لفوت الواجب. وبهذا البيان تبين فساد ما ذكره الشيخ في ط وف من عدم صحة تيمم المخل بالطلب عند ضيق الوقت وما قطع به الشهيد (قدس سره) في س ون من وجوب اعادة صلوته حينئذ وكذا مما قربه في هي من وجوب اعادة الصلوة مع الاهمال في الاستعمال حتى ضاق الوقت وكذا ما حكاه صاحب المدارك عن بعضهم من وجوب اعادة المخل بالطلب حتى ضاق الوقت ثم وجد الماء في محل الطلب تمسكا برواية ابى بصير فان الرواية انما هي في صورة النسيان لا الاخلال بالطلب ووقوع التيمم والصلوة في سعة الوقت بل الظهر ان تذكره بوجود الماء في رحله ايضا في سعة الوقت فلا ترتبط الوراية على كل حال بما ذكره من صورة الاخلال بالطلب. والرابع انهم حكموا بوجوب تحصيل الماء مقدمة للغسل أو الوضوء ولو بالشراء باضعاف ثمنه مع القدرة عليه وعدم التضرر ببذله وبوجوب التيمم عند الخوف على ضياع ماله المحترم ولو كان قليلا لا يتضرر به. وقد اشكل الفرق بينهما حسب القاعدة حتى قال الشهيد الثاني (قدس سره) بان الفارق بينهما انما هو النص يعنى انه لا فرق بينهما حسب القاعدة ويكون الفرق بينهما تعبديا مخالفا للقاعدة. والتحقيق ان وجه الفرق بينهما ظاهر لان بذل المال مجانا أو بعوض امر مباح في حد نفسه فيجب مقدمة للواجب الا ان يمنع عنه الاجحاف المضر بحاله واما تعريضه معرض الضياع والتلف فمحرم في حد نفسه فلا يجب مقدمة للواجب الا إذا كان اهم من المحرم في نظر الشارع واهمية الواجب غير معلومة وان كان

[ 196 ]

العكس كذلك ايضا ومقتضى الاصل التعادل والاجتزاء بالتيمم وتعينه في خصوص المقام إذ لا مجال للتخيير في المقام لان بدلية التيمم عن الطهارة المائية طولية لا عرضية مع ان الحرمة ثابتة في حد نفسها فتستصحب عند الشك في اهمية الطارى من صيرورته مقدمة للواجب على ان الواجب وهو الغسل أو الوضوء لما كان متداركا بالبدل ترجح المحرم عليه فيجب التيمم تعيينا. لا يقال التعادل امر وجودي والاصل عدمه فيجب الاحتياط بالجمع بين الوضوء أو الغسل والتيمم. لانا نقول انما ينتزع التعادل من عدم اهمية احدهما من الاخر فهو عدمي وان كان التعبير وجوديا ولذا لا يتصور لهما ثالث وهكذا الامر في كل ضدين لا ثالث لهما فان مرجعهما الى النقيضين والا لتصور لهما ثالث وهو عدمهما مع ان الجمع بينهما لا وجه له في المقام إذ الوضوء محصل للطهارة حينئذ ومجرد احتمال اهمية حفظ ماله من الوضوء لا يوجب بطلانه وان اوجب الاثم بواسطة ترك الاهم فلا مجال لضم التيمم إليه.

[ 197 ]

(فائدة - 31) إذا احدث المغتسل عن الجنابة مرتبا في اثنائه بالحدث الاصغر فهل ينتقض الغسل به فيجب عليه الاستيناف اولا ينتقض به فيتمه. وعلى الثاني فهل يكون غسله حينئذ مجزيا عن الوضوء ام لا فقد ذهب الى كل من الوجوه قائل والاقوى الاول وتحقيق الحق يتوقف على تقديم امور: الاول ان الطهارة عن الحدث مقابلة للحدث كما ان الطهارة عن الخبث مقابلة للخبث فلا يعقل اجتماعهما في محل واحد كما هو شأن المتقابلين. الثاني ان الطهارة عن الحدث صغرى كانت ام كبرى هي الاثر المترتب على الوضوء والغسل والتيمم كما ان الحدث اصغر كان أو اكبر هو الاثر المترتب على ما خرج عن السبيلين والدخول والانزال وهكذا ولا يكونان عين الاسباب المذكورة تحقيقا والا لزم انعدامهما بانعدامها وان يكونا من الامور الغير القارة ولا عن حدوثها والا لزم ان لا يرتفعا ابدا لان الحدوث لا ينقلب الى اللاحدوث. وتوهم ان حقيقتها هي الاسباب المعهودة فيزولان ولا يكون لهما قرار ولكن يبقى حكم كل منهما الى حدوث الاخر المقابل له في غاية البشاعة والا لزم ان لا يكون المتطهر عن الحدث متطهرا واقعا ولا المحدث بالحدث محدثا كذلك وان يترتب حكم كل منهما من دون تحقق موضوعه وان لا يكون الحدث ناقضا للطهارة ولا الطهارة رافعة للحدث وبطلان اللوازم بين كما ان توهم ان حقيقتهما هي حدوث الاسباب

[ 198 ]

فلا يرتفعان ابدا وانما يرتفع حكم كل منهما بحدوث الاخر المقابل له في غاية الشناعة والا لزم ان يكون من اغتسل عن الجنابة مجنبا تحقيقا لحدوث الدخول أو الانزال منه متطهرا عنها كذلك لحدوث الغسل منه فيلزم اجتماع الضدين في محل واحد وبطلانه غنى عن البيان فلا تكون الطهارة والحدث الا الاثرين المترتبين على اسبابهما المنتزع حدوثهما من حدوث اسبابهما فيبقى كل منهما الى ان ينتقض ويرتفع بحدوث الاخر. الثالث ان كلا منهما مقول بالتشكيك ولكل منهما مرتبتان عليا ودنيا يعبر عنهما في لسان الفقهاء (قدس سرهم) بالكبرى والصغرى والاكبر والاصغر ولكل من المرتبتين مراتب كمالا وضعفا وينبه على ذلك ما ورد من ان: " الوضوء على الوضوء نور على نور " والاختلاف في المرتبة لا يوجب الاختلاف في الحقيقة ضرورة ان اختلاف المراتب اختلاف في وجود الشئ شدة وضعفا لافى حقيقته وماهيته بل متوقف على اتحاد الحقيقة. ولا ينافى ما بيناه انتزاع كل من المرتبتين من سبب خاص واختلاف الاسباب في الحقيقة لان اختلافها لا يوجب اختلاف المسبب بالضرورة الا ترى ان القتل له حقيقة واحدة ويتولد من اسباب مختلفة الحقيقة كالضرب بالسيف وشرب السم ونحوهما. فتبين بما بيناه فساد ما يتوهم من انه يختلف حقيقة كل من الطهارتين مع حقيقة الاخرى باعتبار اختلاف مقابلها من الحدث الاصغر والاكبر كما تختلف حقيقة الطهارة عن الحدث مع حقيقة الطهارة عن الخبث باعتبار اختلاف مقابليها لما ظهر لك من ان اختلاف الحدثين انما هو في المرتبة لا في الحقيقة فلا يختلف مقابلاهما حينئذ الا في المرتبة ولو كان اختلاف كل من الحدثين مع الاخر في الحقيقة كاختلافه مع الخبث لجاز اجتماع كل منهما مع الطهارة عن الاخر كما جاز اجتماعه مع الطهارة عن الخبث والملازمة واضحة وبطلان اللازم بين ضرورة

[ 199 ]

انه لا يجوز ان يكون المحدث بالاكبر متطهرا عن الحدث الاصغر وقد اتفقوا على انتقاض الوضوء بالحدث الاكبر كانتقاضه بالاصغر بل وكذا انتقاض الطهارة الكبرى بالحدث الاصغر مما لا ريب فيه ولذا لا يترتب حينئذ الا اثر الحدث وما يتوهم من ترتب اثر الطهارة والحدث معا حينئذ من جهة ان الجنب كان ممنوعا من الدخول في الصلوة ومس المصحف وقرائة العزائم واللبث في المساجد والجواز في المسجدين الاعظمين وإذا اغتسل وتطهر بالطهارة الكبرى ابيح له جميع هذه الامور وان احدث بعد ذلك بالحدث الاصغر منع منه الدخول في الصلوة ومس المصحف وبقى الباقي على الاباحة وليس ذلك الا من اثر بقاء الطهارة الكبرى وعدم انتقاضها بالحدث الاصغر فهو حينئذ متطهر بالطهارة الكبرى محدث بالحدث الاصغر فاجتمعت الطهارة الكبرى حينئذ مع الحدث الاصغر في غير محله ضرورة ان حرمة قرائة العزائم واللبث في المساجد والجواز في المسجدين الاعظمين كانت من احكام الجنابة وابيحت بعد الغسل من جهة ارتفاع حدث الجنابة لامن جهة حصول الطهارة إذ لا يعتبر في اباحتها الطهارة بالضرورة وبعد ان احدث بالحدث الاصغر ارتفعت الكبرى وانتقضت به ولكن لم تعد الجنابة فلم تعد آثارها. واما الدخول في الصلوة ومس المصحف فهما يترتبان على الطهارة دائران مدارها ولذا لا يجوزان من المحدث مطلقا فإذا اغتسل الجنب ابيح له الامر ان باعتبار انه متطهر وإذا انتقضت طهارته بالاصغر عاد المنع منهما باعتبار انه غير متطهر فاتضح غاية الاتضاح عدم اجتماع الطهارة الكبرى مع الحدث الاصغر. الرابع ان تقابلهما من قبيل تقابل التضاد لا التناقض لان كلا منهما انما تنتزع من اسباب وجودية محصورة عند الشارع ولو كان احدهما عدميا لانتزع من عدم سبب الاخر ولم يتصور لهما ثالث ولكان احدهما موافقا للاصل مع ان الاصل عدمهما فمن شك في انه جنب ام متطهر مع عدم العلم بحالته السابقة يجوز له المكث في المساجد وقرائة العزائم والجواز في المسجدين الاعظمين لان الاصل عدم الجنابة

[ 200 ]

ولا يجوز له الدخول في الصلوة لان الاصل عدم الطهارة ويدل على ذلك ايضا اشتمال كل منهما على مرتبتين صغرى وكبرى واصغر واكبر إذ العدم لا يقبل الشدة والضعف والتعبير بالاصغر والاكبر موجود في الروايات وبالصغرى والكبرى مقتبس منها. فان قولهم عليهم السلام: " أي وضوء اطهر من الغسل " أو " انقى " أو " ابلغ " يدل على ان الغسل منشأ لانتزاع المرتبة الكاملة من الطهارة كما يدل على اتحاد الحقيقة إذ لو كانت الطهارة الحاصلة من كل منهما مباينة للاخرى في الحقيقة لم يكن للتعبير بصيغة التفضيل مجال ويدل ايضا على ان الطهارة امر وجودي التعبير عنها في الاخبار بانها نور الكاشف عن انها امر وجودي بل التعبير عن زوالها بالحدث بالانتقاض يدل عليه ايضا لان النقض مقابل للابرام فلا يتحقق الانتقاض الا بالنسبة الى الموجود المبرم وبالجملة كونهما امرين وجوديين من الواضحات التى لا ينبغى الارتياب فيها. الخامس ان الطهارة والحدث امران بسيطان غير قابلين للتوزيع والانقسام ذاتا كما هو ظاهر ولا باعتبار المحل لانهما صفتان قائمتان بالنفس لا بالجوارح وهى امر بسيط لا انقسام فيه حتى يجرى التوزيع والانقسام في العرض القائم بها فلا يجوز ان يكون الشخص متطهرا أو محدثا في حال واحد والا لزم اجتماع المتقابلين في محل واحد. ولا ينافى ما بيناه انتزاع الطهارة من الغسلات الثلثة أو الغسلتين والمسحتين أو الضرب على الارض والمسحتين التى هي افعال مركبة عارضة على الجوارح ضرورة جواز انتزاع الصفة القائمة بالنفس من فعل الجارحة والبسيط من المركب الا ترى ان التعظيم والتاديب مع قيامهما بالنفس ينتزعان من فعل الجارحة والعلقة الوحدانية البسيطة منتزعة من الايجاب والقبول ولا ينافى اتحاد الامر المنتزع مع منشأ انتزاعه في الخارج اختلاف موضوعهما لمغايرتهما اعتبارا واتحادهما خارجا فهما متغايران من وجه ومتحدان من وجه.

[ 201 ]

ولذا يختلف باختلافهما الاثار ومن جملة آثار المغايرة بقاء المنتزع واستمراره الى ان يزول بطرو مقابله مع عدم تصور البقاء في المنشا وهو حدوث السبب. إذا اتضح لك ما بيناه فقد اتضح لك ان مقتضى المقابلة بين الحدث والطهارة وعدم تطرق التوزيع والانقسام فيهما ولا في محلهما واتحاد حقيقة كل منهما وعدم اختلاف الحقيقة باختلاف المراتب بطلان الغسل بحدوث الحدث في اثنائه مطلقا كما يبطل بحدوث الحدث بعده مطلقا توضيح الحال ان الطهارة الكبرى منتزعة ومتولدة من مجموع الغسلات الثلثة فمع حدوث الحدث في اثنائها ان اوجبت الطهارة الرافعة للجنابة المتقدمة والحدث الطارى في الاثناء لزم ارتفاع الحدث بالغسل المتقدم بعض اجزائه عليه وهو غير معقول لان اللاحق منهما انما يرفع السابق فلا يعقل ارتفاع اللاحق بالسابق مع ان بطلان الغسل وانتقاضه بعد كماله بالحدث الطارى عليه لا يجامع القول بعدم انتقاضه بحدوثه في الاثناء لان الرفع والدفع والقطع من آثار كون الشئ مانعا ومنافيا فلا يعقل التفكيك بينها. أترى ان شرب القابض في ضمن شرب المسهل لا يمنع من تأثيره ولا يبطله كلا ثم كلا الا ان يفرض استقلال المشروب بعد القابض في التأثير. والحاصل انه لا فرق بين الاسباب الشرعية والعادية في بطلانها بطرو المنافى في الاثناء أو بعده فالقول بايجابه الطهارة حينئذ يرجع الى احد امرين اما عدم انتقاض الغسل بالحدث الطارى في اثنائه أو استقلال الباقي منه في التأثير و كلاهما باطل. اما الاول فلما عرفت. واما الثاني فلان المفروض ان المنشأ لانتزاع الطهارة انما هي الغسلات الثلثة بتمامها وان اوجبت الطهارة الرافعة للجنابة فقط مع ثبوت الحدث الطارى في الاثناء لزم مع بعض ما تقدم ان يجتمع المتقابلان في محل واحد في حال واحد ولا يدفع

[ 202 ]

ذلك اختلافهما في المرتبة لان الطهارة في حد نفسها سواء كانت كبرى ام صغرى مقابلة للحدث سواء كان اكبر ام اصغر فلا يجتمع كل مرتبة مع الطهارة مع كل مرتبة من الحدث. لا يقال ان الغسل انما يوجب الطهارة عن الجنابة وهى مقابلة لها فتجتمع مع الحدث الاصغر كما تجتمع مع الطهارة الصغرى. لانا نقول ان اريد ان الطهارة عن الجنابة ليست الا عدم الجنابة فتجتمع مع الحالين. ففيه انك قد عرفت ان الطهارة المتحصلة من الغسل أو الوضوء امر وجودي ملازم لرفع الحدث لاعينه حتى لا ينافى اجتماع رفع مرتبة خاصة منه مع تحقق مرتبة اخرى منه مع ان الحدث حقيقة واحدة لا يتعدد باجتماع الاسباب المختلفة على محل واحد حتى يصح ارتفاع بعضه دون بعض لان الموضوع مشخص للعرض فلا يعقل تعدده مع وحدة الموضوع وان اريد ان الطهارة الكبرى مباينة مع الصغرى في الحقيقة والماهية لا في المرتبة والدرجة فقط فتقابل الحدث الاكبر لا مطلق الحدث لاختلافهما في الحقيقة والماهية ايضا. ففيه انك قد عرفت ان الاختلاف انما هو في الدرجة لا في الحقيقة مع انه يلزم حينئذ ان يجوز مجامعة الحدث الاكبر مع الصغرى لعدم المقابلة بينهما حينئذ فيلزم عدم انتقاض الوضوء بالحدث الاكبر مع ان الانتقاض به ضروري عندهم. فاتضح بما بيناه ان القول باكمال الغسل مع الحاجه الى الوضوء لرفع الحدث الطارى في الاثناء يؤل الى الحكم باجتماع المتقابلين كما ان الحكم باكماله والاجتزاء به موجب للحكم بارتفاع الحدث اللاحق بالغسل المتقدم بعض اجزائه عليه أو استقلال الباقي في التأثير وكلاهما واضح البطلان فتعين القول الاول لعدم تصور وجه رابع. والى ما ذكرناه من استلزام انتقاض الطهارة بطرو المنفى بعد كمالها وحصولها

[ 203 ]

لانتقاضها بطرو المنافى في اثنائها وان التفكيك بينهما غير متصور في الاسباب العادية والشرعية ينظر ما استدل به العلامة (قدس سره) على ما اختاره واخترناه بان الحدث الاصغر ناقض للطهارة بكمالها فلابعاضها اولى ووجه الاولوية ان الدفع اهون من الرفع ولعله الى هذا يشير كلام الشهيد (قدس سره) في كرى محتجا عليه بامتناع خلو الحدث عن اثره مع تأثيره بعد الكمال ويؤيد ما بيناه ما في الفقه الرضوي: " ولا باس بتبعيض الغسل تغسل يدك وفرجك وراسك وتاخر غسل جسدك الى وقت الصلوة ثم تغسل ان اردت ذلك فان احدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح بعد ما غسلت رأسك من قبل ان تغسل جسدك فاعد الغسل من اوله " بل قيل انه مروى عن الصادق عليه السلام في عرض المجالس للصدوق وان قيل انه لم تكن موجودة في الكتاب المذكور. وكيف كان لا ينبغى التأمل في انتقاض الغسل ووجوب الاستيناف بعدما حققناه وبما بيناه ظهر ان ما في ك من ان: " القول بالاعادة للشيخ ره في يه وط وابن بابويه وجماعة ولا وجه له من حيث الاعتبار وما استدل به عليه من ان الحدث الاصغر ناقض للطهارة بتمامها فلابعاضها اولى فان الحدث المتخلل قد ابطل تأثير ذلك البعض في الرفع والباقى من الغسل غير صالح للتاثير ففساده ظاهر لمنع كونه ناقضا ومبطلا. وانما المتحقق وجوب الوضوء خاصة " (انتهى) واضح الفساد إذ لو لم ينتقض الغسل بالحدث الاصغر لزم كونه حينئذ متطهرا بالطهارة الكبرى ومحدثا بالحدث الاصغر في حالة واحدة مع ان الانتقاض به مجمع عليه بين الاصحاب (قدس سرهم) كما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) بل يمكن عده من ضروريات الفقه وبما بيناه من اتحاد حقيقة كل من الطهارة والحدث وعدم اختلاف حقيقتهما باختلاف مراتب الاسباب تبين لك انه لا فرق بين غسل الجنابة وسائر الاغسال الواجبة في الانتقاض بحدوث الحدث في الاثناء وبعدها سواء كان الحدث مماثلا للسابق ام لا

[ 204 ]

وسواء كان الحدث اكبر ام اصغر لان الاغسال الواجبة اسباب للطهارة بالاجماع بل بالضرورة إذ لو لم تكن كذلك لما ارتفع حدث الحيض والاستحاضة والنفاس وهكذا بها ومقتضى كونها اسبابا للطهارة انتقاضها بحدوث الحدث في اثنائها من دون فرق بينها وبين الاحداث فما ذكره السيد الطباطبائى في رسالته من انه إذا احدث بالاكبر في اثناء الغسل فان كان مماثلا للحدث السابق كالجنابة في اثناء غسلها أو المس في اثناء غسله فلا اشكال في وجوب الاستيناف وان كان مخالفا له فالاقوى عدم بطلانه فيتمه وياتى بالاخر ويجوز الاستيناف بغسل واحد لهما ويجب الوضوء بعده ان كانا غير الجنابة أو كان السابق هو الجنابة حتى لو استانف وجمعهما بنية واحدة على الاحوط وان كان اللاحق جنابة فلا حاجة الى الوضوء سواء اتمه واتى للجنابة بعده أو استانف وجمعهما بنية واحدة بمكان من البطلان فلا مجال للتفصيل بين طرو الحدث المماثل للحدث السابق وعدمه في الانتقاض وعدمه الحكم بحصول الطهارة الرافعة لحدث دون حدث آخر والا لزم اجتماع المتقابلين في محل واحد. ثم ان الحكم بوجوب الوضوء بعد الغسل ان كان السبق جنابة في غاية الغرابة لان غسل الجنابة بزعمه صحيح تام فلا يعقل معه الحاجة الى الوضوء ومجرد ايجاب غسل آخر غير مجز للوضوء عليه للحدث اللاحق لا يوجب الغاء غسل الجنابة عن الاثر الا ان يقال ان الحدث اللاحق لا يرتفع الا بالغسل والوضوء معا وهو في غاية البشاعة إذ لا مجال لتوقيف ارتفاع الحدث الاكبر على الطهارة الصغرى واغرب منه حكمه بايجاب الوضوء إذا استانف غسلا واحدا لهما ضرورة عدم الفرق في الاجتزاء بالغسل عن الوضوء مع التداخل بين تقدم الجنابة وتاخرها. فان قلت أي مانع من زوال حدث وبقاء حدث آخر إذا لم يكونا متماثلين كحدث الجنابة وحدث الحيض مثلا واختصاص كل منهما بمزيل ومجرد كون الغسل موجبا للطهارة لا يوجب عدم جواز التفكيك بين الحدثين في الرفع وعدمه إذ الطهارة

[ 205 ]

عن الحدث كالطهارة عن الخبث فكما يجوز زوال خبث دون آخر إذا لم يتماثلا واختلفا في الاثر مثل ان يجب لاحدهما الغسل ثلاث مرات وللاخر مرتين فيطهر بالمرتين عن احد الخبثين دون الخبث الاخر فكذلك يجوز التفكيك بالنسبة الى الاحداث المتخالفة. قلت بعد ما عرفت اتحاد حقيقة كل من الطهارة والحدث وعدم اختلافهما باختلاف المراتب والاسباب لا مجال لما ذكرت لان الحدث لا يصير متعددا باجتماع اسبابه المختلفة على محل واحد حتى يجوز زوال بعضه دون بعض ولذا تتداخل الاحداث في صورة اجتماع الاسباب ولا يجب الا غسل واحد فهو حكم واقعى منطبق على القواعد الاولية لا انه تعبدي فمع حصول الطهارة لا مجال لبقاء حدث كما انه مع حدوث الحدث لا مجال لبقاء الطهارة. وهكذا الامر في الخبث فإذا تنجس المحل باسباب متعددة مختلفة الاثر لا يعقل زوال خبث منه دون خبث آخر لان الخبث العارض على محل واحد خبث واحد وان تعدد اسبابه فلا يعقل التفكيك فيه فالمحل في المثال المزبور لا يطهر الا بالغسلات الثلثة مع ان تنظير الطهارة عن الحدث بالطهارة عن الخبث في غير محله لما عرفت من ان الاولى امر وجودي والثانية امر عدمي. وقد اتضح بما بيناه فساد ما ذكر صاحب المدارك حيث قال: " لو تخلل الحدث لغير غسل الجنابة من الاغسال الواجبة والمندوبة فان قلنا باجزائه عن الوضوء اطرد الخلاف والا تعين اتمامه والوضوء لما ظهر لك من ان سائر الاغسال الواجبة اسباب للطهارة بالاتفاق بل الضرورة فلا يعقل بقائها على الصحة وعدم انتقاضها مع حدوث الحدث في اثنائها وان كان الحكم بعدم اجزائها عن الوضوء حينئذ مناقضة منهم إذ لازم القول بكونها طهارات اجزائها عن الوضوء وانما يتم ما ذكره في الاغسال المندوبة حيث انها لا تكون اسبابا للطهارة عند الاكثر القائلين بعدم اجزائها عن الوضوء.

[ 206 ]

وإذا انجر الكلام الى هذا المقام فلا بأس بالتنبيه على ما هو المختار عندي في هذه المسألة. فاقول بعون الله تعالى ومشيته ان المستفاد من اخبار اهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم اجمعين اجزاء جميع الاغسال عن الوضوء واجبة كانت أو مندوبة من وجوه: الاول ان جميع الاغسال عند الشارع اسباب للطهارة ولا يختص ذلك بغسل الجنابة اما سببية سائر الاغسال الواجبة لها ففى غاية الوضوح ضرورة ان كلا منها انما يجب بملاحظة رفع حدث اكبر به فلو لم يوجب الطهارة لم يرتفع به حدث اصلا واما كون الاغسال المندوبة كذلك فيظهر من الروايات الدالة على انتقاض غسل الاحرام والطواف والزيارة بل مطلق الغسل المندوب للفعل بالحدث الاصغر إذ لو لم تكن من موجبات الطهارة لم يكن وجه لانتقاضها به. فان قلت انما يتم هذا الوجه في بعض الاغسال المندوبة وهو المندوب للفعل واما المندوب للوقت أو المكان فلا مع ان في روايات الاغسال المندوبة للوقت ما ينافى ذلك فان الاجتزاء بالغسل الليلى لليل وباليومى لليوم كما هو صريح الاخبار لا يجامع مع انتقاضها بالحدث الاصغر. قلت يتم ما ذكرناه بعدم القول بالفصل إذ لا قائل بايجاب بعضها الطهارة دون بعض مع رجوع الغسل المكانى الى المندوب للفعل لان المغيا بالغسل الدخول في المكان واما ما ذكرت من ان الاجتزاء بالغسل الليلى لليل وباليومى لليوم مناف لما ذكرناه ففى غير محله لان وظيفة كل من اليوم والليل تتأدى بالغسل الواحد فلا دلالة للرواية على بقائه الى اخر الليل حتى ينافى ما بيناه. والحاصل ان كلا من اليوم والليل ملحوظ بلحاظ وحدته وبساطته فيكفى له غسل واحد لا انه باق ببقاء الوقت ومن هنا ذكر بعض الفقهاء (قدس سرهم) ان الافضل الاتيان بغسل الجمعة قريب الزوال ليكون صلوته مع الغسل إذ لو لم ينتقض

[ 207 ]

بالحدث مع بقاء الوقت لم يكن لما ذكره مجال. وإذا اتضح ان جميع الاغسال عند الشارع موجبة للطهارة فلا مجال للقول بايجاب الوضوء معها لاستحالة بقاء الحدث الاصغر مع حصول الطهارة والا لزم اجتماع المتقابلين في محل واحد في حالة واحدة. لا يقال الاغسال انما توجب الطهارة الكبرى والصلوة ونحوها مشروطة بالصغرى فلا يجتزى بها فيما يشترط بالصغرى الا في غسل الجنابة لثبوت الاجتزاء به بالنص. لانا نقول ان شرط الصلوة ونحوها انما هي نفس الطهارة الجمعة بين الصغرى والكبرى لا خصوص الكبرى بل لا معنى لاشتراط الطهارة الصغرى الا جواز الاجتزاء بها وعدم وجوب تحصيل الكبرى إذ لا مجال لجعل خصوص المرتبة الضعيفة شرطا الا إذا كانت المرتبة الكاملة قادحة ومن الواضح البين عدم قدح المرتبة الكاملة في الصلوة ونحوها مما يجتزى فيه بالصغرى فلا مجال حينئذ لعدم الاكتفاء بالكبرى لانها الفرد الاكمل من الشرط حينئذ والى ذلك يشير الرواية " أي وضوء اطهر من الغسل " أو " انقى وابلغ ". والثانى الاخبار الصريحة في ان مطلق الغسل واجبا ام مندوبا مجز عن الوضوء. منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام قال: " الغسل يجزى عن الوضوء واى وضوء اطهر من الغسل " واللام فيه للجنس لعدم العهد ويؤكده التعليل المذكور إذ لا مدخلية لخصوص غسل الجنابة في هذا الوصف. وقد ورد هذا التعليل بعينه في غسل الجمعة في مرسلة حماد ابن عثمان عن ابى عبد الله (ع) " في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك ايجزيه عن الوضوء فقال (ع) واى وضوء اطهر من الغسل ". وفى الصحيح عن حكم ابن حكيم قال: " سالت ابا عبد الله (ع) عن غسل الجنابة ثم وصفه قال قلت ان الناس يقولون نتوضأ وضوء الصلوة قبل الغسل فضحك (ع)

[ 208 ]

وقال أي وضوء انقى من الغسل وابلغ ". وتقريب الاستدلال ما بيناه فانه وان كان في خصوص غسل الجنابة الا انه بملاحظة الاخبار المتقدمة وانه لا مدخلية لخصوص غسل الجنابة في هذا الوصف يعلم ان المراد منه العام. وروى الشيخ في عدة اخبار: " ان الوضوء بعد الغسل بدعة ". وروى في الموثق عن عمار الساباطى قال: " سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل إذا اغتسل عن جنابة أو في يوم جمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده فقال لا ليس عليه قبل ولا بعد قد اجزئه الغسل والمرئة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل ولا بعد قد اجزئها الغسل ". ولا يعارض هذه الروايات ولا يقاومها ما رواه ابن ابى عمير عن رجل عن ابى عبد الله (ع) " كل غسل قبله وضوء الا غسل الجنابة " لتعين حملها على التقية بعد موافقته لمذهب العامة ومخالفة الروايات المتقدمة لمذهبهم بل لا تصريح في الرواية على وجوب الوضوء قبل وانما تثبت الجواز فلا تنافى الروايات النافي المتقدمة مع انه لو وجب الوضوء فيما عدا غسل الجنابة بملاحظة عدم ارتفاع الحدث الاصغر به لم يكن وجه للفرق بين تقديمه وتأخيره عن الغسل. والثالث تداخل الاغسال الواجبة والمندوبة المصرح به في الروايات إذ لو اختلفت حقيقة الاغسال باختلاف الاحداث أو الغايات ولم يكن عنوان الجميع الطهارة لم تتداخل بعضها في بعض فثبوت التداخل فيها علم ان الغسل كالوضوء ليس له الا حقيقة واحدة وان الاختلاف انما هو في موجباته وغاياته. والرابع ان اختلاف الاغسال في الاثار اما من جهة اختلاف الحقيقة النوعية وعدم اندراج الجميع تحت نوع واحد موجب للطهارة واما من جهة اختلاف مراتب الطهارة فيها مع اندراج الجميع تحت عنوان الطهارة إذ مع اتحاد الحقيقة النوعية

[ 209 ]

وعدم الاختلاف في المرتبة لا يعقل التفصيل بينها في الاثار ولا سبيل لشئ منهما في المقام. اما اختلاف الحقيقة فان كان باعتبار اختلاف الاحداث فهو غير معقول لان الغسل مزيل لها فلا يعقل ان يتنوع بها لان التنوع انما هو بالفصل المجامع مع الجنس في الوجود المتحد معه في الخارج المغاير معه في مرحله التحليل والمزال لا يجتمع مع المزيل حتى يتحد معه في الخارج وان كان باعتبار الغايات فذلك لانها مترتب على وجود الغسل لا متحددة معه وليس في المقام امر آخر صالح لتنويعه الى انواع مختلفة. واما الاختلاف في المرتبة مع الالتزام بحصول الطهارة بمطلق الغسل فالامر فيه اوضح لان الطهارة عن الحدث ليس لها في الشرع الامر تبتان صغرى وكبرى وان كان كل منهما يقبل النقص والكمال ايضا فمع تسليم حصول الطهارة منها لابد من اندراجها تحت احدى المرتبتين وعلى كل تقدير يوجب الاجتزاء بمطلق الغسل عن الوضوء. فاتضح بما بيناه غاية الاتضاح ان الغسل كالوضوء له حقيقة واحدة توجب الطهارة الكبرى سواء كان مسبوقا بحدث اكبر أو اصغر ام لا ومجز عن الوضوء مطلقا فينتقض بحدوث الحدث في اثنائه مطلقا اصغر كان ام اكبر مماثلا للحدث السابق ام مخالفا له ومن الغريب ما فصله السيد الطباطبائى في المقام فقال: " إذا احدث بالاصغر في اثناء غسل الجنابة الاقوى عدم بطلانه نعم يجب عليه الوضوء بعده " ثم قال: " وكذا إذا احدث في سائر الاغسال " ثم قال: " مسألة الحدث الاصغر في اثناء الاغسال المستحبة ايضا لا يكون مبطلا لها نعم في الاغسال المستحبة لاتيان فعل كغسل الزيارة والاحرام لا يبعد البطلان كما ان حدوثه بعده وقبل الاتيان بذلك الفعل كذلك كما سيأتي " انتهى فان البطلان بحدوث الحدث بعد الغسل لو اوجب البطلان في الاثناء لم يكن وجه للتفصيل بين الواحب والمندوب

[ 210 ]

ثم التزامه بالانتقاض في خصوص الاغسال المندوبة للفعل لا وجه له مع ان الاغسال المندوبة للمكان ترجع الى المندوبة للفعل لانها انما تستحب لاجل الدخول في الامكنة الشريفة. وينبغى التنبيه على امور: الاول ان المقصود بالذات من الغسل والوضوء والتيمم هي الطهارة المتحصلة منها المتحدة معها اتحاد الامر المنتزع مع منشا انتزاعه فمرجع اعتبارها شرطا أو كما لا الى اعتبار الطهارة المتولدة كذلك لا الى اعتبارها بنفسها كذلك فالاوامر المتعلقة بها انما تتعلق في الحقيقة بايجاد الطهارة عن الحدث وحيث ان وسيلة تحصيلها في الخارج لا تكون الا بالاسباب المذكورة بعث عليها مقدمة لتحصيل ما يتسبب عنها وبهذا البيان يتبين لك امور: الاول وجه تداخل الاغسال والوضوئات لان الطهارة عن الحدث كالحدث لا تقبل التعدد بان يتطهر الشخص عن الحدث ثم يتطهر مرة اخرى من دون تخلل حدث حتى يستقل كل سبب منها في ايجاب طهارة منفردة عن الاخرى فإذا اجتمعت اسباب متعددة موجبة للغسل أو الوضوء يجزى عنها غسل أو وضوء واحد كما هو الحال في الطهارة عن الخبث فانه إذا اجتمعت اسباب متعددة لحصول الخبث في محل واحد يكفى عن الجميع غسل واحد مزيل لخبث مطهر عنه ولا يجب ان يغسل المحل متعددا حسب تعدد سبب الخبث. فظهر بما بيناه ان تداخل الاغسال منطبق على القواعد الاولية ولا يكون مخالفا للاصل تعبديا ثابتا بالنصوص كما قد يتوهم ومنه ظهر ايضا ان تداخل الاغسال والوضوئات قهرى لا رخصة كما احتمله بعض وانه لا حاجة في حصول التداخل الى نية الجميع كما انه لا يقدح فيه نية بعضها دون بعض وانه لا فرق فيه بين ان يكون الكل واجبا أو مندوبا أو مختلفا كما انه لا فرق في صورة الاختلاف ونية البعض بين ان ينوى الواجب أو الندب كما انه لا فرق بين ان يكون الوجب غسل الجنابة أو

[ 211 ]

غيره لما ظهر لك من ان الغسل كالوضوء له حقيقة واحدة فلا يتفاوت الامر حينئذ بعد نية الغسل على وجه القربة بين نية جميع الاسباب الموجبة له أو بعضها وبين نية السبب الموجب له ايجابا أو ندبا فما قيل من انه إذا نوى غسل الجنابة اجزء عن غيره ولو نوى غيره لم يجز عنه في غاية السخافة. الثاني انه لو اغتسل قبل الوقت وبقيت طهارته حتى دخل الوقت فالظاهر اجزائه عن الغسل المندوب للوقت لان المقصود من الغسل للوقت صيرورته متطهرا بالطهارة الكبرى في الوقت ولو آناما وقد حصلت الطهارة في الوقت حينئذ وما اشتهر بينهم من ان الاغسال المندوبة للوقت لا تتادى الوظيفة الا باتيانها في الوقت مما لم يقم عليه دليل بعدما عرفت ان المقصود منه الطهارة لا مجرد ايجاد السبب. الثالث ان الطهارة المتحققة في كل من مرتبتيها صغرى وكبرى قد اعتبرت في الشرع على وجهين. الاول اشتراط جواز العمل وصحته بها كالصلوة ومس المصحف فانهما لا يباحان الا بالطهارة صغرى كانت أو كبرى والثانى اشتراط كمال العمل بها كما في غيرهما من المواضع التى اعتبرت فيها على وجه الكمال كتلاوة القران ونحوها. واما الطهارة الكبرى فلم تعتبر في الشرع الا على وجه الكمال كالاغسال المندوبة للفعل والوقت والمكان. واما الاغسال الواجبة فانما تجب لاجل رفع الحدث الاكبر لها حيث كانت مسبوقة به لا لاجل اعتبار الطهارة الكبرى في حد نفسها في صحة عمل من الاعمال كما هو ظاهر ولذا لا يقدح في صحة الاعمال المباحة بعد الغسل انتقاضه بالحدث الاصغر واما الصلوة ومس المصحف فعدم اباحتهما عليه بعد انتقاض غسله بالحدث الاصغر فانما هو لاجل اشتراطهما بنفس الطهارة لا بالطهارة الكبرى.

[ 212 ]

(فائدة - 32) قد اشتهر بين الاصحاب قدس سرهم ان الجنب إذا تيمم بدلا عن الغسل ثم احدث اعاد التيمم بدلا عن الغسل ما دام العذر باقيا سواء كان حدثه اصغر ام اكبر. واحتجوا عليه بان التيمم لا يرفع الحدث وانما يستباح به الدخول في الصلوة فإذا انتقض بالحدث رجع الى الحالة الاولى فيجب عليه التيمم حينئذ كما وجب عليه اولا. وقد نسب الى علم الهدى قدس سره في شرح الرسالة ان المجنب إذا تيمم ثم احدث حدثا اصغر ووجد ماء يكفيه للوضوء توضأ به لان حدثه الاول قد ارتفع وجاء ما يوجب الصغرى وقد وجد من الماء ما يكفيه لها فيجب عليه استعماله وقد اختار بعض المتأخرين وجوب الوضوء عليه حينئذ مع التمكن منه والتيمم بدلا عنه مع عدم التمكن منه سواء قلنا بكون التيمم رافعا أو مبيحا. واستدل عليه بان التيمم الذى هو بدل عن الغسل لا ينتقض بالحدث الاصغر فقال ما محصله والاظهر عدم انتقاضه بالحدث الاصغر الا بالنسبة الى ما يعتبر فيه الطهارة الصغرى كالصلوة ونحوها خلافا للمشهور من انه ينتقض به فيجب عليه اعادته مستدلا عليه بانه مقتضى قاعدة بدلية التيمم عن الغسل المستفادة من الاخبار زاعما ان عدم انتقاض المبدل وهو الغسل الا بالنسبة الى ما يعتبر فيه الطهارة الصغرى مسلم لا ريب فيه محتجا عليه ببقاء اباحة المكث في المساجد وقرائة العزائم والاجتياز من المسجدين الاعظمين التى هي من آثار الغسل بعد تعقبه بالحدث الاصغر.

[ 213 ]

ثم قال لا فرق فيما بيناه بين القول بكون التيمم رافعا أو مبيحا فلا وجه لما قيل من ان قول السيد مبتنى على القول بكونه رافعا وهو باطل ان يلزمه كون وجدان الماء حدثا أو حصول الجنابة من دون سبب وكلاهما خلاف الاجماع وذلك لانا نمنع الابتناء اولا لما عرفت من امكان بقاء الاستباحة بالنسبة الى آثاره وان انتقضت بالنسبة الى كفايته عن الوضوء وثانيا الاشكال انما يرد إذا قيل بالرفع مطلقا والى الابد. واما إذا قيل بكونه رافعا ما داميا فلا يرد إذ بعد حصول الغاية يظهر اثر المقتضى الاول فلا يلزم كون وجدان الماء حدثا ولا حصول الغاية من غير سبب إذ هي مستندة الى السبب الاول والتيمم رفع اثرها رفعا الى زمان وجدان الماء. والحاصل ان الابتناء المذكور ممنوع كما ان ابتناء مذهب المشهور على القول بالاستباحة ايضا ممنوع إذ يمكن اختيار كونه رافعا ما داميا مع اختيار كون الحدث الاصغر مبطلا له وناقضا بدعوى ان الناقض له مطلق الحدث ولذا ترى ان صاحب المدارك مع اختياره الناقضية يظهر منه اختيار مذهب السيد في تلك المسألة اعني كونه رافعا ومحصلا للطهارة انتهى. وفيه ان انتقاض الغسل بالحدث الاصغر امر ظاهر عند الاصحاب (قدس سرهم) وما زعمه من ان جواز المكث في المساجد وقرائة العزائم والاجتياز من المسجدين الاعظمين يدل على بقاء الطهارة بالنسبة إليها باطل لان الافعال المزبورة انما تحرم على الجنب فلا يكون جوازها مشروطا بالطهارة حتى يدل بقائه على بقائها وارتفاعها بالحدث الاصغر لا يوجب عود الجنابة حتى يوجب عود احكامها فمقتضى قاعدة البدلية حينئذ انتقاض التيمم به كانتقاض الغسل به مع ان توهم عدم انتقاض الغسل بالحدث الاصغر الا في بعض الاثار باطل من وجوه: الاول ان الطهارة الكبرى والصغرى حقيقة واحدة وان اختلفتا في المرتبة شدة وضعفا كما ان الحدث الاكبر والاصغر كذلك والاختلاف في السبب لا ينافى مع

[ 214 ]

اتحاد المسبب في الحقيقة كما هو ظاهر فالطهارة والحدث امران متقابلان في حد انفسهما فيستحيل اجتماع الطهارة في أي مرتبة كانت مع الحدث مطلقا ولا يتوهم ان التقابل انما هو بين الكبرى والاكبر والصغرى مع الاصغر إذ لو لم يتقابل الطهارة والحدث في حد انفسهما لم يعقل التقابل بين المراتب وجاز اجتماع الكبرى مع الاكبر ايضا. وتوهم اختلاف مرتبتي الطهارة والحدث في الحقيقة مع وضوح فساده ومنافاته مع التعبير بالكبرى والصغرى والاكبر والاصغر الصريح في الاختلاف في المرتبة دون الحقيقة موجب لعدم انتقاض الطهارة الكبرى بالحدث الاصغر رأسا لعدم المقابلة بينهما مع التزامه بالانتقاض به في الجملة كما انه يوجب حينئذ عدم انتقاض الطهارة الصغرى بحدث الحيض والاستحاضة والنفاس ومس الميت وجواز الدخول في الصلوة لمن كان متطهرا بالصغرى قبل الاحداث المذكورة بالغسل عنها عند من لا يرى الاجتزاء بغسل غير الجنابة عن الوضوء وهو بديهى البطلان. والثانى ان الطهارة عن الحدث كالحدث امر بسيط قائم بالنفس لا يتطرق فيه التوزيع والتبعيض في الرفع وعدمه وشدة الطهارة وكبرويتها انما هي عين الطهارة في الخارج لامن احكامها فلا تستقل بالارتفاع. والثالث انه لو سلمنا جواز استقلالها في الانتقاض والزوال لزم انقلابها الى الصغرى حينئذ لانها كالحدث لها مرتبتان ولا ثالث لهما شرعا فيلزم حينئذ جواز الاكتفاء بها للدخول في الصلوة وانقلابها الى مرتبة اثلثة خلف للفرض. فان قلت لو كان الحدث والطهارة متقابلان في حد انفسهما لزم ارتفاع الحدث الاكبر بالطهارة الصغرى كما ترفع الطهارة الكبرى بالحدث الاصغر. قلت تحصيل الطهارة الصغرى مع الحدث الاكبر غير متصور لان تشريع الوضوء انما هو لمن لم يكن محدثا بالحدث الاكبر.

[ 215 ]

توضيحه ان الوضوء مقتض للطهارة الصغرى ومحلها شرعا هو غير المحدث بالحدث الاكبر فلا يؤثر اثره الا مع وجود المحل له واما سبب الحدث فعلة تامة له ولا يختص تأثير بمحل خاص فيؤثر اثره في جميع الموارد. فان قلت لو انتقض الغسل بالحدث الاصغر راسا لزم عود الحالة الاولى وهو الحدث الاكبر لانهما متقابلان ومقتضى ارتفاع احد المتقابلين ثبوت الاخر فعدم عوده كاشف عن عدم انتقاض الغسل رأسا. قلت هذا شأن الضدين اللذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون فإذا ارتفع احدهما ثبت الاخر لا محالة واما إذا كان لهما ثالث فلا والمقام من هذا القبيل لان المكلف له حالات اربعة في الشرع كونه محدثا بالحدث الاكبر وكونه متطهرا بالطهارة الكبرى وكونه محدثا بالحدث الاصغر وكونه متطهرا بالطهارة الصغرى فإذا ارتفعت الطهارة الكبرى بالحدث الاصغر ثبت الحدث الاصغر ولا مجال لعود الحدث الاكبر كما انه إذا انتقضت الطهارة الصغرى بالحدث الاكبر ثبت الحدث الاكبر ولا مجال لعود الحدث الاصغر. فان قلت لا نقول بالتبعض والتوزيع في انتقاض الطهارة حتى يرد بعدم تطرقه فيها بل نقول بان الطهارة الكبرى تقتضي الاجزاء عن الوضوء والحدث الاصغر مانع عنه. قلت ان اثر السبب اثره وحدث الحدث الاصغر بحدوث سببه فلا مجال لبقاء الطهارة حينئذ لاستحالة اجتماع المتقابلين وان الغى السبب ولم يؤثر اثره لم يكن للمنع عن الاجزاء مجال لوجود المقتضى وعدم المانع حينئذ مع انه بديهى البطلان ضرورة ان سبب الحدث علة تامة لحدوثه. فتبين مما بيناه ان مختار السيد (قدس سره) مبنى على القول بكون التيمم رافعا كما ذكر في شرح الرسالة حيث علل حكمه بايجاب الوضوء بان حدثه الاول قد ارتفع وجاء ما يوجب الصغرى واما ما ذكره هذا المتأخر من انه لا ينتقض التيمم

[ 216 ]

البدل عن الغسل بالحدث الاصغر كما لا ينتقض مبدله وهو الغسل به فلم يحتمله احد لوضوح فساده. واذ قد عرفت ذلك فاعلم ان التحقيق ما ذكره اكثر الاصحاب (قدس سرهم) من وجوب اعادة التيمم بدلا عن الغسل ما دام العذر عن الغسل باقيا لتفرع الحكم بالوضوء على القول بالرفع المستلزم لاحد امرين باطلين من عود الجنابة بلا سبب أو كون وجدان الماء حدثا. واما ما ذكره من دفع المحذور بالقول بكون الرفع ما داميا وهو امر معقول فهو فاسد ايضا لما سنبين لك من عدم تطرق الرفع المادامى في المقام ولا باس بنقل بقية كلامه والتنبيه على مواقع الانظار فيه. قال: " ثم لا يخفى ان القول بكون التيمم رافعا للحدث وموجبا للطهارة كما اختاره السيد المرتضى وتبعه صاحب المدارك ليس بعيدا من الصواب بل هو ظاهر اخبار التنزيل منزل الوضوء والغسل خصوصا مثل قوله عليه السلام " التراب طهور المؤمن عشر سنين " وقوله عليه السلام " التيمم احد الطهورين وقوله صلى الله عليه وسلم " جعلت لى الارض مسجدا وطهورا بل يدل عليه في تعريف الفقهاء قولهم الطهارة اسم للوضوء والغسل والتيمم. ودعوى انه مستلزم لكون وجدان الماء حدثا مع انه خلاف الاجماع مدفوعة بانه انما يلزم إذا قلنا بكونه رافعا مطلقا واما إذا قلنا بكونه موجبا للطهارة ما دام عدم وجدان الماء فلا مانع منه. وما قد يتخيل من ان هذا راجع الى القول بكونه مبيحا إذ على هذا يكون المرفوع مانعية الجنابة لانفسها إذ مع رفع نفس الجنابة لا معنى لكونه مغيا بغاية وهذا عين القول بالمبيحية إذ عليه ايضا يكون المرفوع مانعي الحدث مدفوع بان القائل بالرفع يقول ان الحالة الحدثية وهى الكثافة المعنوية زائلة حقيقة غاية الامر مع بقاء مقتضيها فبعد مجئ الغاية يؤثر المقتضى اثره والقائل بالاستباحة يقول ان الحالة باقية والكثافة المعنوية حاصلة بعينها الا ان الشارع رفع

[ 217 ]

مانعيتها وحكم بصحة العمل معها والحاصل ان خروج المنى يوجب حالة حدثية وكثافة نفسانية الغسل يرفعها بالمرة بحيث لا يبقى لها اثر ولا مقتضى والتيمم على القول بالرفع المادامى يرفعها لكن مع بقاء مقتضيها وعلى القول بالاباحة لا يرفعها ولكن يرفع حكمها الشرعي وهو المنع من الدخول فيما يشترط فيه الطهارة هذا كله إذا قلنا ان الطهارة والحدث حالتان معنويتان. واما إذا منعنا ذلك وقلنا ليست الطهارة الا حكم الشرع بجواز الصلوة وليس الحدث الا حكمه بعدم الجواز فالامر اوضح والله العالم " انتهى. اقول بعون الله تعالى ومشيته كون التيمم احد اسباب الطهارة امر واضح اظهر من ان يستدل عليه وانما الكلام في انه سبب للطهارة التنزيلية المجامعة مع الحدث المانعة من ترتب اثاره في حال الاضطرار وعدم التمكن من تحصيل الطهارة المائية كما حكم به اكثر الاصحاب فانه المراد من كونه مبيحا لا رافعا أو للطهارة التحقيقية الرافعة للحدث كما اختاره علم الهدى (قدس سره). والاخبار لا تدل على ازيد من التنزيل ولو سلمنا ظهورها فيه يجب صرفها عنه بما ذكره الاصحاب من استلزام الرفع احد امرين باطلين فان المتصور منه في مورد الحدث انما هو الرفع المطلق وحصوله بالتيمم مستلزم للمحذور المذكور وما ذكره من تصور الاقسام الثلثة في مورد الحدث الرفع مطلقا وماداميا. وتفسير الاول برفع الحدث مع مقتضيه. والثانى برفعه مع بقاء مقتضيه الثالث بارتفاع مانعيته مع بقائه في غير محله لان موجب الحدث ليس الا الدخول أو الانزال ولا بقاء لهما والحدث انما ينتزع من حدوث احدهما فلا يتطرق فيه البقاء حتى يرفع مع الحدث مرة ويبقى تارة فالرفع المطلق عبارة عن رفع

[ 218 ]

الحدث فقط فالمتصور في المقام قسمان الرفع المطلق والاباحة والرفع لا يتحقق الا بالغسل إذ لو فرض حصوله بالتيمم لزم المحذور المذكور فتعين القول بالاباحة. توضيح الامر فيه ان الامور الانتزاعية على قسمين. احدهما ما ينتزع من وجود منشاها بحيث يدور المنتزع مدار منشاه حدوثا وبقائا كالفوقية والتحتية المنتزعتين من محاذاة الجسمين بحيث لو وقع احدهما لوقع على الاخر. وثانيهما ما ينتزع من حدوث منشاها بحيث يبقى المنتزع بعد زوال منشاه كالفسق المنتزع من ارتكاب المعصية الكبيرة ورفع المنتزع موقتا لوجود المانع وعوده بعد زواله استنادا الى وجود مقتضيه انما يتصور في القسم الاول. ومن هذا القبيل ارتفاع اللزوم في مدة الخيار العائد بعد انقضائها استنادا الى بقاء مقتضيها وهو البيع مثلا مقرونا بعدم المانع وارتفاع استحقاق النفقة ايام نشوز الزوجة العائد بعد تمكينها استنادا الى بقاء مقتضيها وهو الازدواج الدائم مقرونا بعدم المانع أو بوجود الشرط. واما القسم الثاني فلا يتصور فيه ذلك ضرورة استحالة تأثير السبب الزائل في حصول مسببه ولذا لا يعقل حل العقود المنتزعة من الايجاب والقبول موقتا إذ بعد تحقق الحل يستحيل انعقادها بالصيغ الزائلة وما نحن فيه من هذا القبيل فان الجنابة كالطهارة انما تنتزع من حدوث سببها فكما لا يعقل ارتفاع الطهارة موقتا وعودها بالسبب الزائل فكذا لا يعقل ارتفاع الجنابة كذلك وعودها بالسبب الزائل. فان قلت منشأ الانتزاع حينئذ هو حدوث الانزال أو الدخول مثلا والحدوث لا ينقلب الى اللا حدوث فهو باق فلا مانع حينئذ من عود الامر المنتزع مستند إليه. قلت نعم منشأ الانتزاع حينئذ هو الحدوث كما ان الامر المنتزع حينئذ هو الحدوث ايضا ولكنه لا يعقل ان يصير حدوث شئ منشأ لانتزاع حدوث شئ آخر الا حين حدوثه فلا يجوز ان يستند إليه الحدوث المتأخر عنه كما هو ظاهر.

[ 219 ]

فاتضح غاية الاتضاح ان المتصور في المقام انما هو الرفع المطلق أو الاباحة ولا مجال لاحتمال الرفع الموقت. و يوضح ما بيناه ايضا ان الوجه في ارتفاع الحدث بالغسل بالمرة بحيث لا يبقى له اثر ولا مقتضى، ايجابه الطهارة التحقيقية المضادة للحدث الملازم وجودها لارتفاعه فلو فرض ايجاب التيمم الطهارة التحقيقية ايضا لزم ارتفاع الحدث به بالمرة فالتفكيك بينهما مع القول بكونه طهارة تحقيقية كالغسل غير معقول مع ان مقتضى الحدث وهو حدوث الانزال أو الدخول لا يقبل الانقلاب والارتفاع حتى يقال بارتفاعه بالغسل دون التيمم. واغرب منه قوله واما إذ منعنا ذلك الخ إذ من الواضح بطلان تفسير الطهارة بجواز الدخول في الصلوة وتفسير الحدث بعدمه والا لزم بطلان شرطية الطهارة للصلوة لان المشروط بها انما هي صحة الصلوة وجواز الدخول فيها فتفسيرها به يستلزم اتحاد الشرط والمشروط وهو غير معقول وايضا يلزم على ذلك ان يكون الحدث امرا عدميا مع انه امر وجودي بالضرورة والتقابل بينه وبين الطهارة من قبيل تقابل التضاد وايضا لا يستقيم على ذلك تقسيم الطهارة الى صغرى وكبرى وتقسيم الحدث الى اصغر واكبر مع ان ترتب رجحان بعض العبادات وكماله عليها من دون توقف جواز الدخول فيه عليها ينا في التفسير المزبور. وايضا مطلوبية الطهارة نفسا مع قطع النظر عن الغايات المرتبة عليها كمالا أو جوازا توجب القطع بفساده وايضا الاسباب المانعة عن الدخول في الصلوة لا تنحصر في اسباب الحدث فان منها نجاسة بدن المصلى أو لباسه ومنها كون مكانه أو لباسه مغصوبا ومنها كون لباسه من غير ماكول اللحم أو حريرا إذا كان رجلا فلو كان الحدث عبارة عن عدم جواز الدخول في الصلوة لا الحالة المنتزعة من الاسباب المعهودة المترتب عليها عدم جواز الدخول في الصلوة لزم ان يكون كل

[ 220 ]

مانع عن الدخول في الصلوة من موجبات الحدث ونواقض الطهارة هذا. وقد نسب الى بعض المتأخرين اختيار كون التيمم رافعا للحدث مطلقا لكن مع تقييد الموضوع بالاضطرار. فقال على ما حكى عنه: " ان التيمم طهور للمضطر ورافع للحدث بالنسبة الى خصوص المضطر فرفعه للحدث في مورد الاضطرار على وجه الاطلاق والتقييد انما هو للموضوع فيتبدل الموضوع وصيرورة المضطر متمكنا من الغسل يرتفع حكم الموضوع السابق وينقلب الى حكم الموضوع الجديد فلا يلزم القول بعود الجنابة بلا سبب أو الحكم بكون وجدان الماء حدثا ". اقول وفيه ان الطهارة الحاصل بالتيمم ان كانت طهارة تحقيقية رافعة لحدث الجنابة في حال الجنابة لا يلزم من تقيد موضوعه بحال الاضطرار ثبوت الجنابة لمن زال اضطراره وتمكن من استعمال الماء بل اللازم حينئذ ارتفاع حدث الجنابة والطهارة معا لان الحدث ارتفع بطرو الطهارة التحقيقية كما هو المفروض وانتفت الطهارة الطارية بانتفاع موضوعها فيصير المتمكن من استعمال الماء حينئذ غير محدث ولا متطهر فلا وجه لعود الجنابة ووجوب الغسل. فان قلت الحدث الحاصل بالجنابة حصل مطلقا غير مقيد بحال الاضطرار والتيمم انما رفع حدثها في مورد الاضطرار فلم يرتفع بالنسبة الى المتمكن من اول الامر فلا يلزم عود الجنابة حتى يقال ان عودها بلا سبب مستحيل. قلت عدم تقيد حدث الجنابة بحال الاضطرار لا يوجب صيرورة المتمكن جنبا بعد زوال حدث الجنابة في حال اضراره تحقيقا نعم مقتضى عدم تقيده بحال الاضطرار استمراره الى حال التمكن ما لم يرتفع في حال الاضطرار تحقيقا كيف والحدث حدث واحد فكيف يتصور ثبوته بعد ارتفاعه والا لزم تخلل العدم بين الحدث الواحد مع ان تقيد الطهارة التحقيقية بحال الاضطرار غير معقول لانها تقابل الحدث والمتقابلان انما يردان على محل واحد والا لم يتقابلا فكما ان الحدث لا يتقيد بحال الاضطرار

[ 221 ]

فكذلك الطهارة التحقيقية المقابلة له فالمقيد بحال الاضطرار انما هي الطهارة التنزيلية المجامعة للحدث الراجعة الى الاباحة كما عرفت. فاتضح بحمد الله تعالى غاية الاتضاح ان القول بالرفع غير متصور وان الحق ما ذهب إليه اكثر الاصحاب قدس سرهم من وجود اعادة التيمم بدلا عن الغسل ما لم يمكنه الغسل.

[ 222 ]

(فائدة - 33) مسألة هل تصح الصلوة في اللباس المشكوك كونه من ماكول اللحم اقول اختلفت فيه كلمات الاصحاب قدس سرهم فقد نسب الى الاكثر الحكم ببطلان الصلوة حينئذ معللا بان مقتضى بطلان الصلوة في اجزاء مالا يوكل لحمه اشتراط صحتها بوقوعها فيما يؤكل لحمه ومقتضى الشك فيه الشك في المشروط المقتضى لعدم الاجزاء والحكم بالبطلان. والاقوى عندي عدم البطلان حينئذ كما اختاره جماعة من المحققين إذ التحقيق ان حرمة اكل اللحم مانعة عن صحة الصلوة لا ان حليته شرط في صحتها فلا يجب احرازها بل يكفى في الحكم بالصحة عدم العلم بوجود المانع وهى حرمة الاكل لان الاصل عدمه عند الجهل به. توضيح الحال ان كون اللباس من ماكول اللحم ليس شرطا لصحة الصلوة ضرورة صحة الصلوة مع عدم كون اللباس من اجزاء الحيوان وتوهم شرطية كون اللباس مما يؤكل لحمه إذا كان من اجزاء الحيوان في غير محله لان مرجع اعتبار حلية اكل اللحم حينئذ الى مانعية الضد وهى حرمة اكل اللحم. إذ بعد ما تبين انه لا يعتبر في مطلوبية الصلوة وصحتها كون اللباس من اجزاء الحيوان. تبين عدم تأثير صفته حينئذ في المطلوبية والصحة

[ 223 ]

فمرجع اعتبار حلية الاكل حينئذ الى كون ضدها مانعا وهو كونه مما لا يؤكل. فان قلت يمكن ان يقال الشرط في صحة الصلوة عدم كون اللباس مما لا يؤكل لحمه فيكون الشرط عدميا. قلت لا يعقل جعل العدم شرطا لان العدم لا يؤثر ولا يتاثر ولو كان مضافا وتوهم ان العدم المضاف له حظ من الوجود فيقبل التأثير وكونه شرطا من هذه الجهة وهم إذ لا يعقل اتصاف الشيئى بنقيضه والا لزم اجتماع النقيضين كما ان توهم امكان ارجاعه الى الوجودى يجعل الشرط كونه من غير مالا يؤكل لحمه كذلك إذ الكون حينئذ ربطي مجامع مع السلب والايجاب لا اصيل نفسي فلا فرق حينئذ بين عدم كونه مما لا يؤكل لحمه وكونه من غير ما لا يؤكل لحمه الا في التعبير فلا فرق بينهما في الواقع ونفس الامر. فان قلت علل الشرع معرفات لا مؤثرات فلا مانع من جعل الشرط عدميا إذ لا يستحيل كون عدم شيئى علامة لوجود شئ آخر أو عدمه. قلت ان اريد بذلك انها معرفات وعلائم لاسباب ذاتية تكوينية من جهة عدم تصور جعل السببية. ففيه ان الاحكام الوضعية كالاحكام التكليفية احكام مولوية قابلة للجعل ضرورة انه يجوز للمولى ان يجعل مجيئي زيد عنده سببا لاستحقاق اكرامه واحسانه فيأمر عبده بذلك ويقول ان جائنى زيد فأكرمه مع ان الكشف عن السبب الواقعي الذاتي لا يتصور فيما إذا كان المسبب من المجعولات الشرعية كالحدث والخبث والطهارة عنهما وهكذا إذ السبب الذاتي انما يتصور بالنسبة الى ما يكون امرا واقعيا غير مجعول. ثم انه ان اريد بكونها معرفات انها كاشفة عن سبق وجود المسببات عليها كما يظهر مما ذكره بعضهم في مسألة اجازة العقد الفصولى حيث علل كونها كاشفة عن صحة العقد من حينه لا مؤثرة من حينها بان علل الشرع معرفات فاظهر فساداوالا لزم ان تكون اسباب الطهارة من الغسل والوضوء والتيمم كاشفة عن طهارة متقدمة عليها

[ 224 ]

واسباب الحدث الاكبر والاصغر كاشفة عن ثبوت الحدث قبلها وهكذا وهو مع انه خلاف الضرورة مستلزم لاجتماع الحدث والطهارة في آن واحد. وان اريد من كونها معرفات انها راجعة الى احكام تكليفية ومعرفات لها لانتزاعها عنها فلا حقيقة لها سوى الحكم التكليفى ففى غير محله ايضا. ضرورة استقلال الاحكام الوضعية في كثير من المقامات وعدم تصور رجوعها الى الاحكام التكليفية فهل يمكن ارجاع سببية النسب والسبب للوراثة وسببية الزوجية لاستحقاق تمتع الزوج من زوجته وثبوت نفقتها عليه مع التمكين وسببية الوضوء والغسل للطهارة عن الحدث والغسل بالماء لازالة الخبث وهكذا الى مجرد التكليف كلا ثم كلا. وقد اشبعنا الكلام في محله في بطلان انتزاع الاحكام الوضعية من الاحكام التكليفية. وان اريد من كونها معرفات لا مؤثرات انه يجوزان يكون بعض ما هو علة في ظاهر الدليل معرفا لا علة فلا كلام فيه ولا يختص به العلل الشرعية بل يجرى ذلك في الاسباب العرفية ايضا فانه يجوز ان يكون العلة في قول المولى لعبده ان اتاك زيد فاعطه دينارا أو درهمان ثبوت دين له عليه ولكن الحكم به موقوف على قيام الدليل عليه ولا يحكم به بمجرد الاحتمال مع ظهور الدليل في خالفه مع ان ظاهر قولهم العلل الشرعية معرفات عدم اختصاصها ببعض العلل الشرعية وجريانها في جميع الموارد على انه لا يصلح بذلك ما نحن فيه لان الكلام في المقام ليس في جواز جعل عدم كون اللباس مما لا يؤكل لحمه شرطا في ظاهر الدليل بل في كونه شرطا في الواقع فان قلت كون شئ شرطا لشئ امر اعتباري يجوز قيامه بالامر العدمي: قلت مجرد كونها امر اعتباريا لا يجوز قيامها بالامر العدمي إذ الشرطية ذاتية ام جعلية عبارة عن تأثير ما هو شرط في وقوع المشروط ودخله فيه ولا يعقل ثبوت التأثير للعدم مطلقا. إذا اتضح لك ما بيناه فقد اتضح لك غاية الاتضاح انه لا سبيل الى جعل عدم

[ 225 ]

كون لباس المصلى مما لا يؤكل لحمه أو كونه من غير مالا يؤكل لحمه أو كونه مما لا يؤكل لحمه شرطا في صحة الصلوة فلم يبق في البين الا جعل كونه مما لا يؤكل لحمه مانعا وليس في الروايات ما يدل بظاهره على خلافه بل هي ظاهرة فيه كما لا يخفى والعجب من بعض الافاضل انه قال قدس سره في رسالته المعمولة في هذا الباب: " ربما يستظهر من الاخبار المتقدمة من حيث تعلق المنع وعدم الجواز بالصلوة في غير المأكول أو الارانب كون حرمة الاكل مانعة من حيث انطباق مفهوم المانع عليها الا ان التأمل الصادق يشهد بان المنع فيما لا يؤكل من جهة انتفاء حل الاكل لان غير المأكول عنوان انتفاء حل الاكل حقيقة. ويشهد لما ذكرنا موثقة عبد الله ابن بكير فانه مع تعلق الحكم في صدرها على مالا يؤكل من حيث ان الامثلة في السؤال كانت مصاديق العنوان المذكور تعلق قبول الصلوة بعده على عنوان حل الاكل بقوله: " لا يقبل الله تلك الصلوة حتى يصلى في غيره مما احل الله اكله " ودعوى كون تعلق الحكم عليه من حيث كونه مصداقا لعدم المانع لا كونه مقصودا بعنوانه كما ترى " انتهى. فان جعل غير المأكول عنوان انتفاء حل الاكل كجعل المأكول عنوان انتفاء حرمة الاكل ولا ترجيح لاحدهما على الاخر ولا شهادة في موثقة ابن بكير على ما زعمه ضرورة ان تعلق قبول الصلوة بعده على حل الاكل من باب المثال بداهة صحة الصلوة فيما لم يكن مما لا يؤكل لحمه سواء كان من اجزاء الحيوان الذى حل اكله ام لا. ثم ان الفاضل المذكور زعم انه لا يجدى القول بكون حرمة اللحم مانعة في جريان الاصل والحكم بصحة الصلوة فقال بعد ان حكى عن بعض مشائخ معاصريه التفصيل بين جعل حل اللحم شرطا وضده مانعا والحكم بالصحة على الثاني دون الاول استنادا الى اصالة عدم المانع: " وانت خبير بما فيه فان مجرى الاصل لا يخلوا ما ان يجعل عنوان المانع ومفهومه

[ 226 ]

أو مصداقه اعني اللباس فان تجعل الاول يتوجه عليه ان اثبات مفهوم عدم المانع بالاصل لا يجدى في اثبات كون اللباس من المأكول ومتصفا بعدم المانع الاعلى القول باعتبار الاصول المثبتة وهذا نظير اثبات كرية ماء الحوض باستصحاب وجود الكرلا باستصحاب كرية الماء. وبالجملة الاصل في المتصف لا يثبت اتصاف المحل بالوصف المشكوك والمقصود في المقام اثبات كون اللباس من المأكول ضرورة كون الحكم مترتبا عليه وان نجعل الثاني يتوجه عليه عدم الحالة السابقة للباس بالفرض فالفرق بين الشرط والمانع في امثال المقام لا معنى له اصلا نعم من قال بالاصول المثبتة كما حكى عن الشيخ المعاصر لزمه الفرق بين الامرين لكنه في كمال الضعف والسقوط والتحقيق في مسألة الاستصحاب " انتهى. وما ذكره في غاية الضعف وكمال السقوط لان جريان الاصل في مفهوم المانع كاف في الحكم بصحة الصلوة من دون حاجة الى اثبات كون اللباس من المأكول أو متصفا بعدم المانع لان الصحة حينئذ مترتبة على عدم المانع ولا يحتاج معه الى امر آخر لان المفروض حينئذ كون اللباس من غير المأكول مانعا لا كونه من المأكول شرطا فلا يلزم كون الاصل مثبتا فما ذكره من ان المقصود اثبات كون اللباس من المأكول في غير محله نعم ما ذكره انما يتم بنائا على جعل اللباس من المأكول شرطا وهو خلاف المفروض. ثم انه يمكن ان يقال بجريان اصالة عدم المانع على الوجه الثاني ايضا باعتبار تحقق المقتضى لان وجود كل حادث مسبوق بالعدم ذاتا فيستصحب العدم الازلي عند الشك في وجود المانع ولا يضره انتفاء الحالة السابقة لان المدار على وجود المقتضى لا على الحالة السابقة. فان قلت حدوث احدى الخصوصيتين من حلية اللحم أو حرمته معلومة اجمالا ولا مجال لجريان الاصل في احديهما دون الاخرى كما انه لا مجال لجريان اصالة العدم

[ 227 ]

في كليهما فلا مجال للحكم بنفى احديهما دون اخرى كما انه لا مجال للحكم بنفيهما معا لمنافاته للعلم الاجمالي. قلت إذا كان الامر مرددا بين خصوصيتين يترتب على احديهما اثر دون الاخرى يكون الخصوصية التى لم يترتب عليها اثر في حكم العدم فكان الامر حينئذ دائر بين حدوث ما ترتب عليه اثر وعدمه فينفي بالاصل لان حدوثه مشكوك والمقام من هذا القبيل لان الاثر وهو المنع من صحة الصلوة انما يترتب على حرمة اللحم واما حليته فلا اثر لها بوجه في المقام فهو في حكم العدم. واما إذا علم اجمالا بحدوث احد امرين يترتب على كل منهما اثر فان كان بينهما جامع ذو اثر يترتب اثره دون اثر كل منهما بخصوصه لانه مشكوك فيه كما إذا علم بحدوث الحدث اجمالا ولم يعلم انه اصغر ام اكبر فيمنع من الدخول في الصلوة لترتبه عليه على كل تقدير. ولا يمنع من قرائة العزائم واللبث في المساجد لعدم العلم بكونه اكبر ولا يرتفع حدثه بالوضوء فقط لعدم العلم بكونه اصغر ولا بالغسل فقط لعدم العلم بكونه اكبر فيجب عليه الغسل والوضوء معا بنائا على عدم اجزاء مطلق الغسل عن الوضوء وان علم بحدوث احد امرين يترتب على كل منهما اثر ولم يكن بينهما جامع ذو اثر فان ثبت التكليف على كل تقدير يجب الاحتياط مع التمكن منه والتخيير مع عدمه والا ينحل العلم الاجمالي ويرجع الى الشك البدوى. فان قلت حجية قاعدة الاقتضاء والركون الى المقتضى وترتيب الاثر عليه عند الشك في وجود المانع ما لم تجامع مع الحالة السابقة ممنوعة واى دليل دل على اعتباره بل ذكر بعض الاواخر انه لا يعلم المراد من المقتضى ما هو اولا ولا سبيل الى احرازه ثانيا ولا دليل على اعتباره ثالثا قال بعض مقرر بحثه ان المراد من المقتضى لا يخلو من احد امور ثلث ولا رابع. العلة التكوينية

[ 228 ]

والمصالح المقتضية للحكم الشرعي. والسببية المطلقة المحرزة من الادلة الشرعية كسببية البيع أو النكاح أو ملاقاة النجاسة مصلا للملكية أو الزوجية أو النجاسة بنحو الاطلاق فحيثما شك في بقاء المسببات فانما يكون الشك في المانع والرافع من انشاء فسخ أو طلاق أو ايجاد غسل مزيل للنجاسة وهكذا ثم قال ما محصله: ان المعنى الاول لا يجرى في الاحكام الشرعية التى هي محل البحث والنظر. واما المعنى الثاني فلا سبيل الى احرازه لغير من نزل عليه الوحى. واما المعنى الثالث ففيه مضافا الى ان ذلك فرع جعل السببية وهو ممتنع ان احراز بقاء المقتضى بهذا المعنى كاحراز بقاء الملاك والمصلحة المقتضية في عدم امكانه لغير من نزل عليه الوحى ضرورة ان كل ما يحتمل رافعيته للحكم الشرعي يحتمل دخل عدمه في موضوعه فكما يحتمل ان يكون العقد مثلا سببا للملكية بنحو الاطلاق حتى يكون الشك في ارتفاعها بالفسخ من قبيل الشك في الرافع كذلك يحتمل ان يكون سببيته للملكية مقيدة بعدم الفسخ ومع وجوده تكون السببية مشكوكة لا محالة. وليس في البين ما يعين احد الاحتمالين وهكذا الامر في سائر الموارد التى زعموا فيها السببية المطلقة قلت قد بينا لك في الفائدة الاولى ان هذه القاعدة الشريفة حجة عند العقلاء يعتمدون عليها في جميع الموارد وقد قررها الشارع واطبق الفقهاء قدس سرهم على العمل بها في ابواب الفقه بل لا اصل يركن إليه عندهم سوى هذا الاصل وانما يختلف اساميها باختلاف الموارد فيشتبه الامر على من لا اطلاع له على حقيقة الامر. وما توهمه بعض الاواخر قد اوضحنا لك فساده ونشير إليه في هذا المقام على وجه الايجاز. فاقول المراد من المقتضى في المقام هو كون المشكوك فيه ثابتا في حد نفسه

[ 229 ]

لو خلى وطبعه مع قطع النظر عن المانع سواء كان المنع على وجه الدفع أو القطع أو الرفع وسواء كان المشكوك فيه وجودا ام عدما فهو رواء الا مور الثلثة التى تخيلها نعم السببية المطلقة ذاتا أو جعلا من جملة مصاديقه وما ذكره من امتناع جعل السببية اولا وعدم السبيل الى احراز المطلقة منها ثانيا في غير محله. اما الاول فلما اشرنا إليه آنفا من امكانه ووقوعه في الشرع فان الوضوء والغسل والتيمم اسباب للطهارة جعلا لا ذاتا كما ان اسباب الحدث الاصغر والاكبر اسباب لهما كذلك مع ان احراز السببية من الادلة الشرعية لا يتوقف على الجعل بل يجتمع مع كون السببية ذاتية اقتضائية قد قررها الشارع كما هو الحال في سببية العقود والايقاعات بالنسبة الى مسبباتها فانها جهات عرفية قد قررها الشارع الا ما حكم بابطالها. واما الثاني وهو احراز السببية المطلقة من الادلة الشرعية فالسبيل إليه في غاية الوضوح والظهور وما توهمه من انسداده الاعلى من نزل عليه الوحى لا حتمال دخل عدم ما يحتمل رافعيته في موضوع الحكم وعدم قيام دليل يعين احد الاحتمالين في غاية البطلان من وجوه. الاول عدم احتمال اخذ عدم شئ في موضوع الحكم لاستحالة ان يكون العدم مؤثرا ومتأثرا ولو كان مضافا وتوهم ان العدم المضاف له حفظ من الوجود من الاغلاط لا يقال اخذ عدم شئ في موضوع الحكم على وجه الجزئية مستحيل لما ذكر واما اخذه قيدا في الموضوع فلا مانع له لان التأثير والتاثر حينئذ انما هو للموجود المقيد بعدم شئ آخر لا للموجود والعدم حتى يلزم المحذور لانا نقول كما يستحيل تأثير العدم وتاثره يستحيل دخل تقيده فيهما. والثانى ان التقييد بعدم ما يحتمل رافعيته في الامثلة المزبورة ونحوها باطل مع قطع النظر عما بيناه لانه ان اريد من تقيد السببية بعدم التعقيب بما يحتمل كونه فسخا أو طلاقا أو حدثا أو مزيلا للخبث ونحو ذلك تأثيره في اصل السببية بحيث

[ 230 ]

لو تعقب السبب باحد هذه الامور انكشف عدم تأثيره من اول الامر فهو بديهى البطلان. ولا يلتزم به من له ادنى دربه. وان اريد منه ان التعقيب باحد هذه الامور يكشف عن تحديد دائرة السببية وعدم اطلاقها فكذلك لان ملك العين والطهارة عن الحدث والخبث كالحدث والخبث لا يقبلان التحديد والتزويج وان كان قابلا للتحديد الا ان المفروض وقوع الدائم منه فلا مجال لتوهم رجوعه الى الانقطاع عند تعقبه بالطلاق أو بما يحتمل كونه طلاقا. فان قلت عدم بقاء المقتضى عند التعقب بما تحتمل رافعيته لا يتوقف على تحديد المسبب حتى يقال انه غير معقول في بعض الموارد ومخالف للمفروض في بعض آخر بل المقصود ان العلة مركبة من امر وجودي وعدمي وهو عدم ما يحتمل رافعيته فإذا انقلب العدم الى الوجود انتفت العلة بانتفاء بعض اجزائه فينتفى المقتضى. قلت التركيب في المقام غير معقول لان العلة في المقام علة للحدوث لا الوجود وتركب العلة من الامر الوجودى والعدمي مع بطلانه في نفسه انما يتصور إذا كانت العلة علة للوجود بحيث يدور المعلول مداره حدوثا وبقائا. والثالث ان مفهوم الفسخ والطلاق والانتقاض بالحدث وازالة الخبث بالغسل مثلا يتوقف على ثبوت مقتضى الدوام والا لا يتحقق فسخ ولا طلاق ولا نقض ولا ازالة اترى ان انقضاء امد الاجارة أو التزويج فسخ أو طلاق كلا ثم كلا فطرو هذه المفاهيم ونحوها على الاسباب المذكورة وامثالها لا يجامع الا مع اطلاقها والحاصل ان اطلاق السبب في هذه الموارد وامثالها في غاية الوضوح فكيف يقال بانه لا طريق لاستكشافة الا بالوحى وهل هذا الا وسوسة في البديهيات الاولية واذ قد اتضح لك ما حققناه فقد اتضح لك انه لامانع من جريان اصالة عدم المانع بالنسبة الى اللباس المشكوك مفهوما ومصداقا وانه يترتب على كل منهما الحكم بصحة الصلوة هذا. وقد استدل لما اخترناه من صحة الصلوة في اللباس

[ 231 ]

المشكوك بوجوه مدخولة. منها اصالة البرائة والحالية وفيه ان الشك في المقام انما هو في الصحة والبطلان وتحقق الامتثال وعدمه واصالة البرائة والحل انما هو في الشك في التكليف والاصل الجارى في المقام انما هو بقاء الاشتغال لو اغمضنا عما بيناه. ومنها ان اعتبار الشرط المذكور انما هو مع العلم بالموضوع اما لاجل وضع الالفاظ للمعانى المعلومة أو لاجل انصرافها إليها ولو في مقام التكليف أو لاجل دعوى صراحة اخبار الباب في ذلك أو لاجل قبح توجيه التكليف الى الجاهل والكل باطل. اما الاول فلوضوح وضع الالفاظ للمعانى النفس الامرية. واما الثاني فلانتفاء ما يوجب الانصراف كما هو ظاهر. واما الثالث فاظهر فسادا كما لا يخفى على من راجع اخبار الباب. واما الرابع ففيه اولا ان الشك ليس في التكليف حتى يقال ان توجيهه الى الجاهل قبيح لما عرفت من ان الشك انما هو في الصحة والبطلان. وثانيا انه لا يقبح توجيه الامر أو النهى الى الجاهل الملتفت ولو على وجه التنجيز بان يوجب الشارع عليه اللاحتياط حينئذ. وثالثا لو تنزلنا فانما يقبح تنجيز التكليف عليه لا تعلقه به والفساد يدور مدار التعلق لا التنجز كما هو ظاهر. ومنها اطلاق أو امر الصلوة وفيه انه لا نظر للاوامر الى مرحلة الامتثال حتى يؤخذ باطلاقها مع ان الترديد انما هو في المصداق من جهة صدق المطلق عليه أو المقيد واندراجه تحت الاول أو الثاني ومن المعلوم ان العام أو المطلق لا ظهور له اصلا عند الشك في المصداق من حيث كونه داخلا في موضوع الحكم أو خارجا عنه من جهة الشبهة الموضوعية والمصداقية بحيث لا ترجع الى الشك في المراد من اللفظ اصلا.

[ 232 ]

نعم يتم ما ذكر بضميمة ما بيناه من ان الشك انما هو في المانع فيندفع بالاصل فيندرج المصداق المشكوك تحت العام والمطلق من جهة ان شمول العمومات والمطلقات للافراد انما هو على وجه الاقتضاء والمقتضى ثابت في المقام حينئذ وانما الشك في وجود المانع المندفع بالاصل. ومنها الايات الدالة بعمومها واطلاقها على تحليل العنوانات العامة مثل ما خلق والزينة واللباس الى غير ذلك وكذا الاخبار الواردة بمساقها فانها تقتضي جواز لبس المشكوك في الصلوة. وفيه ما قد عرفت ان الشك ليس في التحليل والتحريم بل في الصحة والبطلان بل التمسك بها اوهن من التمسك باخبار الحل واصالة البرائة فانها عمومات أو اطلاقات اجتهادية ناظرة الى الواقع لا تعرض لها لحكم الشبهة الموضوعية اصلا بخلاف عمومات اخبار الحلية واصالة البرائة فانها ناظرة الى بيان الحكم الظاهرى في المشتبهات وان توجه على كل منهما بان الشك في المقام انما هو في الوضع لافى التكليف. ومنها الاخبار الواردة في باب اليد وسوق المسلمين وفيه ان اليد والسوق دليلان على التذكية لا كونه من مأكول اللحم فلا مجال للاستدلال بهما عليه. ومنها حصر المحرمات وفيه اولا ان الترديد ليس في التحليل والتحريم حتى يستدل بحصر المحرمات على تحليله وخروجه عن المحرمات بل في الصحة والبطلان وثانيا ان الحصر انما ينفع لو تم إذا كانت الشبهة في الحكم من جهة الترديد في انه من العناوين المحرمة فيستدل بحصر المحرمات وعدم انطباق احد العناوين المحرمة عليه وعدم تحريمه. واما المصداق المشتبه فلا دلالة لحصر انواع المحرمات على انه من غير المحصور أو المحصور. ومنها الحرج الشديد والسيرة والاجماع العملي وفسادهما بمكان من الوضوح

[ 233 ]

وينبغى التنبيه على امور: الاول انه قد يتوهم ان استصحاب العدم الازلي لا ينفع بالنسبة الى المصداق لان استصحابه لا يوجب جعل المصداق متصفا بعدم الحرمة لان الاتصاف بعدم الحرمة كالاتصاف بها امر حادث والاصل عدمه فلا يثبت باصالة العدم الازلي بالحرمة حال المصداق فلا يجرى فيه وانما ينفع هذا الاصل بالنسبة الى مفهوم المانع. وهذا التوهم في غير محله فانه على تقدير مانعية حرمة اللحم لا يتوقف الحكم بالصحة على ثبوت الاتصاف بعدم الحرمة بل يكفى في الحكم بالصحة عدم ثبوت الاتصاف بالحرمة اخذا بالمقتضى المعلوم والغائا للمانع المحتمل بل التحقيق ان مرجع الاتصاف بعدم الحرمة الى عدم الاتصاف بالحرمة وانما يختلفان في التعبير. لا يقال العلم الاجمالي بثبوت الاتصاف اما بالحرمة أو الحلية ينافى مع الحكم بعدم الاتصاف باحدهما. لانا نقول لا اثر للعلم الاجمالي في المقام لعدم ترتب اثر على الاتصاف بالحلية فينحل العلم الاجمالي ويرجع الى الشك البدوى حينئذ هذا كله بنائا على اعتبار قاعدة المقتضى والمانع كما هو التحقيق. واما بنائا على عدم اعتباره مفارقا عن الحالة السابقة وان المدار على احراز الحالة السابقة فلا ينفع الاستصحاب المزبور بالنسبة الى المصداق إذ لا حالة سابقة له حينئذ حتى يستصحب وعدم الاتصاف الثابت قبل وجوده بمعنى انتفائه بانتفاء موضوعه مغاير لعدم اتصاف المصداق الموجود الخارجي فلا يكون الحكم به استصحابا واستمرارا للحالة السابقة قبل وجوده كما هو واضح. والثانى ان المانع من صحة المأمور به ووقوع الامتثال على وجهه كما يجوز ان يكون فعلا اختياريا كذلك يجوز ان يكون امرا غير اختياري لان المانعية من الاحكام الوضعية لا التكليفية فلا تدور مدار افعال الاختيارية. وما يتوهم من ان المانع

[ 234 ]

لو كان امرا غير اختياري لكان مانعا عن الوجوب لا مانعا عن صحة الوجب في غير محله إذ لا ينافي كون المانع امرا خارجا عن الاختيار مورد للفعل الاختياري لكون اللباس مما لا يؤكل لحمه فان كون الحيوان من ماكول اللحم أو مما لا يؤكل لحمه خارج عن الاختيار مورد للفعل الاختياري وهو لبس اجزائه في الصلوة فلا داعى على جعل المانع وقوع الصلوة في مالا يؤكل لحمه. والثالث ان ما ذكرنا من الحكم بصحة الصلوة في للباس المشكوك كونه من غير مأكول اللحم يجرى في اللباس المشكوك كونه حريرا خالصا فان كون اللباس حريرا مانع عن صحة صلوة الرجل فيه فمع الشك في كونه حريرا خالصا يؤخذ بمقتضى الصحة ولا يعتد باحتمال المانع. وتوهم اشتراط صحة صلوة الرجل بكون لباسه من غير الحرير أو بعدم كونه من الحرير قد اندفع بما بيناه مع ان الروايات الواردة في الحرير انما تدل على المانعية لا الاشتراط. والرابع ان المستفاد من الروايات كراهة الصلوة في اجزاء مالا يؤكل لحمه ولولا الاجماع المدعى على بطلان الصلوة فيها لكان للمنع منه مجال فان تم الاجماع فهو المعتمد والا فالاوجه القول بالكراهة.

[ 235 ]

(فائدة - 34) اعلم انه لا اشكال في اعتبار اليد ونفوذ قول ذى اليد في ادعاه الملكية وانما الاشكال في ان اليد امارة منصوبة عليها ان اصل من الاصول وعلى التقديرين هل هي مقدمة على الاستصحاب في مورد المعارض مطلقا أو الاستصحاب مقدم عليها كذلك مطلقا أو يفصل بين ثبوت الملك السابق أو اليد السابق باقرار ذى اليد وبالبينة فيحكم لتقدم الاستصحاب عليه في الاول دون الثاني. ففى الشرائع: " لو ادعى دارا مثلا في يد انسان واقام بينة انها كانت في يده امس أو منذ شهر قيل لا تسمع هذه البينة وكذا لو شهدت له بالملك امس لان ظاهر اليد الان الملك فلا يدفع بالمحتمل وفيه اشكال ولعل الاقرب القبول ". وعن الفاضل (قدس سره) في القواعد: " ولو شهد انه كانت في يد المدعى بالامس قبل وجعل المدعى صاحب يد وقيل لا يقبل لان ظاهر اليد الان الملك فلا تدفع بالمحتمل ". وفى القواعد ايضا: " ولو شهد البينة بان الملك له بالامس ولم يتعرض للحال لم تسمع الا ان يقول وهو ملكه في الحال ولا نعلم له مزيلا ولو قال اعتقد انه ملكه بالاستصحاب ففى قبوله اشكال اما لو شهد بانه اقر له بالامس ثبت الاقرار واستصحب موجبه وان لم يتعرض الشاهد للملك الحالى ولو قال المدعى عليه كان ملكك بالامس انتزع من يده فيستصب بخلاف الشاهد فانه عن تخمين وكذا يسمع من الشاهد

[ 236 ]

لو قال هو ملكه بالامس اشتراه من المدعى عليه أو اقر به المدعى عليه بالامس لانه استند الى تحقيق ". ويوافقه ما في الارشاد. وقد صرح في المختلف بما اختاره المحقق (قدس سرهما) من دون تردد على ما نقل عنه. وفى تمهيد القواعد: " ومنها ما إذا ادعى عينا فشهدت له بينة بالملك في وقت سابق أو انه كان ملكه ففى قبوله وجهان من ان ثبوت الملك سابقا يوجب استصحاب حكمه فيحصل الغرض منها ومن عدم منافاة الشهادة لملك غير له إذ يصدق ما ذكره الشاهد وان كان الان ملكا لغيره مع علم الشاهد به وعدمه. فمن ثم احتاط المتأخرون واوجبوا ضميمة انه باق الى الان ولا نعلم له مزيلا لينتفي احتمال علمها بملك غير المشهود له ظاهرا وعلى القاعدة يجوز للشاهد ان يشهد باستمرار الملك الى الان حيث لا يعلم له مزيلا عملا بالاستصحاب كما له ان يشهد بانه لا يعلم له مزيلا وقد حكموا بانه لو قال لا ادرى زال ام لا لا يقبل وينبغى عدم الفرق بينه وبين السابق لانتفاء المانع المذكور مع الحكم بالاستصحاب واما الفرق بين الصيغتين بان الثاني يشتمل على تردد مع اشتراط الجزم في الشهادة بخلاف الاقرار فمما لا يجدى لتحقق الجزم فيهما باصل الملك الشك في استمراره ولا يزول بكونه لا يعلم المزيل والاستصحاب يجرى فيهما. ويتفرع عليه ايضا ما لو قال المدعى عليه كان ملك بالامس أو قال المقر بذلك ابتدائا فقيل لا تؤخذ به كما لو قامت بينة بانه كان ملكه بالامس والاقوى انه يؤخذ كما لو شهدت البينة انه اقر امس والفرق على هذا بين ان يقول كان ملكه بالامس وبين ان يقوم البينة بذلك ان الاقرار لا يكون الا عن تحقيق والشاهد قد يخمن حتى لو استندت الشهادة الى تحقيق بان قال هو ملكه بالامس اشتراه منه قبلت ". انتهى. وفى الجواهر مستدلا لمختار المحقق (قدس سرهما) قال: " لان اليد الحاضرة وان كانت دليل الملك لكن السابقة المستصحبة والملك السابق اولى لمشاركتهما

[ 237 ]

لها في الدلالة على الملك الان وانفرادهما بالزمن السابق فيكونان ارجح والحكم باستصحابها اوجب المطابقة بين الدعوى والشهادة لان الثابت من اقتضاء اليد الملكية فعلا حال عدم ما يعارضها ولو استصحاب يدعيه الخصم. ولذا صرح غير واحد بانتزاع العين من يد من اقر بانها ملك المدعى امس بل في الكفاية: " وفى كلامهم القطع بان صاحب اليد لو اقر امس ان الملك له أو شهدت البينة باقرار له امس أو اقر بان هذا له امس قضى به " وان استشكل هو في اطلاق ذلك ودعوى ظهور الفرق بين ثبوت الملك بالاقرار وبين ثبوته بالبينة كما سمعته سابقا من كشف اللثام كما ترى. ثم نقل كلمات الفاضل (قدس سره) في الكتب الثلثة وشطر من كلام الشهيد الثاني في المسالك ومع ذلك اختار تقديم اليد الحالية وقال: " واما ما سمعته من الفرق بين الاقرار وغيره فالمسلم منه ان لم يكن اجماعا ما إذا بقيت العين في يد المقر ولم يعلم تجديد اخرى له فان الظاهر حينئذ اخذه باقراره الرافع لحكمها استدامة يده السابقة مع فرض عدم العلم بتجديد غيرها والاصل عدمها. اما لو كان قد اقر بها ودفعها الى المقر له ثم وجدت في يده المقتضية كونه مالكا لها فان انتزاعها من يده لاستصحاب الاقرار السابق محل اشكال بل محل منع ضرورة عدم الفرق بينه وبين انتزاعها باستصحاب الملك السابق الثابت بالبينة الذى قد عرفت عدمه ولذلك يظهر لك الوجه بانتزاعها منها باقراره الغصبى أو الاستيجار أو نحوهما لاصالة عدم يد اخرى غير التى صادفت اقراره " انتهى. اقول بعون الله تعالى ومشيته لا ينبغى الاختلاف بل لا خلاف في تقدم قول المالك السابق إذا شهدت البينة على ان حدوث اليد اللاحقة كان على العدوان أو الايتمان وان لم تشهد باستمرارها الى زمان اداء الشهادة بل مع التصريح بعدم العلم بحال اليد زمان الشهادة واحتماله حدوث سبب ناقل أو تجديد اخرى إذ الاصل حينئذ بقاء اليد الاولى واستمرار حالتها الاولى وهكذا الامر لو شهدت له بالملك امس مع كون

[ 238 ]

العين تحت اليد اللاحقة حينئذ إذ مرجع شهادته حينئذ الى ان وقوع اليد اللاحقة على المتنازع فيه لم يكن عن استحقاق. والحاصل ان تقدم اليد على الاستصحاب من جهة انها امارة أو اصل مقدم عليه انما هو بالنسبة الى استصحاب الملكية السابقة واما الاستصحاب الراجع الى نفس اليد اللاحقة فلا يعقل معارضتها له وتقدمها عليه ضرورة انه إذا ثبت ابتناء اليد على عدم الاستحقاق ولم يعلم تجديد اخرى أو زوالها عن الحالة الاولى يستصحب بقائها على حالها الاولى ولا معنى لالغاء الاستصحاب حينئذ بهذه اليد المستصحبة ولا يعقل التفصيل في الركون الى الاستصحاب وعدمه بين ثبوت ابتناء اليد بالاقرار وثبوته بالبينة ومن هنا ظهر لك ضعف ما في الجواهر حيث قال: " واما ما سمعته من الفرق بين الاقرار وغيره فالمسلم منه ان لم يكن اجماعا ما إذا بقيت العين في يد المقر ولم يعلم تجدديد؟ اخرى له فان الظاهر حينئذ اخذه باقراره الرافع لحكمها استدامة يده السابقة مع فرض عدم العلم بتجدديد؟؟ غيرها " انتهى لما عرفت من انه مع ثبوت ابتناء اليد على عدم الاستحقاق سواء كان بالاقرار أو البينة يوجب استدامتها ما لم يعلم خلافها فلا وجه لما ذكره من ان المسلم ثبوت الفرق بين الاقرار وغيره في هذه الصورة. والعجب انه صريح بعد ذلك بعدم الفرق فقال في شرح كلام المصنف: " ما لو شهدت بينة المدعى بان صاحب اليد غصبه أو استاجره منه حكم بها لانها شهدت بالملك وسبب يد الثاني والاصل عدم تجدديد؟؟ اخرى غير الاولى كما ان الاصل عدم تجدد سبب غير حكم الاستدامة للابتداء وهو واضح " انتهى فانه تصريح بما بيناه من عدم الفرق. وقد اتضح لك مما نقلنا من كلماتهم ان المشهور بينهم تقدم قول المالك السابق مع اقرار ذى اليد بسبق ملكه أو قيام البينة على اقراره بل يظهر من الكفاية عدم الخلاف فيه وان حكى الشهيد الثاني قدس سره الخلاف فيه في تمهيد القواعد

[ 239 ]

وكيف كان فالمهم بيان وجه الفرق بين ثبوت الملك السابق بالبينة وثبوته بالاقرار والمستفاد من كلام العلامة والشهيد الثاني قدس سرهما كما رأيت ان وجه الفرق صراحة الاقرار في الملك دون البينة ولذا الحقاها به في الحكم إذا استندت الى تحقيق. وقال المحقق القمى قدس سره في جامع شتاته بعد اختياره تقديم اليد الحالية على الملك السابق الثابت بالبينة: " واما ترجيح البينة على اليد في صورة الشهادة على اقراره بالامس فلانه شهادة على ما يتفق بانقطاع يد ذى اليد عنه على فرض صدقه فيصير استصحابه اقوى من استصحاب الشهادة على الملك لانه لا يحصل معه الا الظن بانقطاع اليد. واما في صورة اقرار المدعى عليه فالامر اوضح لكون الاستصحاب حينئذ ناشئا من امر موجب لقطع جزما ومفيد لانقطاع يده عنه ومالكية خصمه يقينا بل يوجب ذلك اعتراف ذى اليد بكونه مدعيا وظيفته الاثبات بخلاف شهادة الشاهد فانه لما كان غالبا مبنيا على الظن مثل اليد والاشتراء من ذى اليد ونحو ذلك انتهى ما اردناه. ويقرب منه ما ذكره المحقق الانصاري قدس سره في فرائده فقال: " واما حكم المشهور بانه لو اعترف ذو اليد بكونه سابقا ملكا للمدعى انتزع منه العين الا ان يقيم البينة على انتقالها إليه فليس من تقديم الاستصحاب بل لاجل ان دعويه الملكية في الحال إذا انضمت الى اقراره بكونه قبل ذلك للمدعى ترجع الى دعوى انتقالها إليه فينقلب مدعيا والمدعى منكرا ولذا لو لم يكن في مقابله مدع لم يقدح هذه الدعوى منه في الحكم بملكيته أو كان في مقابله مدع ولكن اسند الملك السابق الى غيره كما لو قال في جواب زيد المدعى اشتريته من عمرو. بل يظهر مما ورد في محاجة على (ع) مع ابى بكر في امر فدك المروية في

[ 240 ]

الاحتجاج انه لم يقدح ثشبث فاطمة سلام الله عليها دعويها (ع) تلقى الملك من رسول الله صلى الله عليه وآله مع انه قد يقال انها عليها السلام حينئذ صارت مدعية لا تنفعها اليد وكيف كان فاليد على تقدير كونها من الاصول التعبدية ايضا مقدمة على الاستصحاب وان جعلناه من الامارات الظنى لان الشارع نصبها في مورد الاستصحاب " انتهى. والجميع في غير محله. اما ما ذكره العلامة والشهيد (قدس سرهما) من صراحة الاقرار دون الشهادة فلان المعارضة انما هي بين الاستصحاب واليد لا بينها وبين الشهادة والاقرار والا وجب تقديمهما عليها من غير خلاف ضرورة تقدم البينة على اليد كتقدم الاقرار عليها واستناد الاستصحاب الى الاقرار الذى هو اقوى من الشهادة لا يوجب تقدمه على اليد بعد فرض تقدمها عليه من جهة انها امارة كاشفة عن الملكية أو اصل مقدم عليه واما ما ذكره المحقق القمى (قدس سره) من ان الشهادة على الاقرار شهادة على ما يتفق بانقطاع يد ذى اليد عنه على فرض صدقه فان اراد منه الشهادة على اقراره الراجع الى زمان وقوع يده عليه فهو كذلك الا انه لا يوجب الفرق بينها وبين الشهادة على الملك لما عرفت من ان الشهادة على الملك السابق المستمر الى زمان وقوع يد ذى اليد عليه ترجع الى الشهادة على ابتناء اليد على عدم الاستحقاق الموجب لاستصحاب بقاء اليد وبقائها على حالها الاولى ما لم يعلم خلافها وان اراد منه الشهادة على اقراره الراجع الى ما قبل يده عليه فلا توجب انقطاع يد ذى اليد عنه على فرض صدقه كما هو ظاهر ضرورة عدم تأثير الاقرار المتعلق بما قبل يده فيها. ومن هنا ظهر ضعف ما ذكره من ان اعتراف ذى اليد بسبق ملك المدعى يوجب صيرورته مدعيا وظيفته الاثبات لانه ان اراد الشق الاول فهو كذلك الا انه تشاركه الشهادة بالملك فالتفصيل بينهما في غير محله. وان اراد الثاني فلا وجه له بعد فرض تقدم اليد على الاستصحاب. وببيان آخر ان صيرورة ذى اليد حينئذ مدعيا ان كان باعتبار مخالفة دعويه

[ 241 ]

لاستصحاب الملك السابق فهو جار في الشهادة بالملك والاقرار معا وان كان باعتبار مخالفة دعويه للاستصحاب الجارى في اليد فهما مشتركان فيه ايضا فالتفصيل بينهما لا وجه له على كل حال. واما ما ذكره المحقق الانصاري من ان دعويه الملكية في الحال إذا انضمت الى اقراره بكونه قبل ذلك للمدعى ترجع الى دعوى انتقالها إليه فينقلب مدعيا والمدعى منكرا فغير تام ايضا إذ غاية ما ذكره بعضهم في تقريره ان اقراره بسبق الملك للمدعى باعتبار رجوعه الى دعوى انتقاله من المقر له اليد مبطل لحكم يده مناف للتشبث به واذ بطل حكم اليد يصير ذو اليد مدعيا للانتقال الذى هو مخالف للاصل فلا بد حينئذ من اثباته بالبينة. واما مع قيام البينة على سبق الملك له من دون اقرار ذى اليد به فلا مبطل لليد في حد نفسها ولا يكون في البين ما يتقدم عليها اما بالبينة فلعدم معارضتها معها من جهة عدم تعرضها للملك الحالى المتعرض له اليد واما الاستصحاب فلعدم صلوحه للتقدم عليها بعد ان كانت امارة أو اصلا مقدما عليه فيؤخذ باليد حينئذ. وهو باطل من وجهين. الاول ان بطلان حكم اليد لا يكون الا بثبوت ما ينافيه بسبب الاقرار أو البينة ومجرد اقرار ذى اليد بسبق الملك للمدعى ودعويه الانتقال منه إليه لا يكون منافيا لليد ولا للتشبث بها حتى يوجب بطلان حكمها. توضيح ذلك ان لليد شأنين: الاول سببيتها لحصول الملك وتحققه واقعا ومن هذه الحيثية تكون في عرض سائر الاسباب المملكة من البيع والصلح والوراثة وهكذا. والثانى سببيتها للحكم به في مرحلة الظاهر امارة كانت أو اصلا سواء كان حصوله من اليد أو سائر الاسباب وهى باعتبار شانها الاول تختص بالمباحات الاصلية وما في حكمها من الاموال المعرض عنها وباعتبار شأنها الثاني تعم ما علم

[ 242 ]

بسبق ملكه لغيره وما اشتبه حاله سبقا وابتدائا والاقرار بسبق الملك للمدعى انما ينافى الحيثية الاولى لا الثانية التى كلامنا فيها. ضرورة ان تشبث ذى اليد بيده على الملكية من الحيثية الثانية من قبيل تشبث المستدل بالدليل على ثبوت مدلوله فلا ينافيه استناد ملكه من حيث التسبب الى الشراء ونحو من الاسباب المملكة وانما ينافيه التشبث بها من الحيثية الاولى من جهة مقابلتها حينئذ مع سائر الاسباب. والحاصل ان منزلة اليد من الملك باعتبار الحيثية الثانية منزلة البينة منه فكما ان البينة تكشف عن الملك وتجامع مع دعوى الملك ابتدائا وانتقالا فكذلك اليد سبب للحكم به ومجامعة معهما فالتشبث باليد من هذه الحيثية لا ينافى دعوى الانتقال بل تشبث بما يصدقه ويحققه لان اعتبارها امارة أو اصلا لا يختص بما لم يعلم حاله من حيث سبق الملك لغيره عدمه كما هو ظاهر فلا يختص اعتبارها وكشفها عن الاستحقاق والملك ابتدائا بل يعم الملك ابتدائا وانتقالا بمعنى ان اليد سبب للحكم بتحقق الملك لذى اليد في الظاهر سواء علم بسبق الملك لغيره ام لا. فإذا اتضح ان اليد كما تكشف عن الملك ابتدائا فكذلك تكشف عنه انتقالا فدعوى ذى اليد انتقال الملك من المدعى حينئذ دعوى بما تشهد به يده وتصدقه ومن المستحيل بطلان حكم اليد بادعاء ما توافقه وتساعده هي بل لا تكون دعوى الانتقال حينئذ دعوى بنائا على كون اليد اصلا لان موافقة قوله للاصل الذى هو اليد يكفى في خروجه عن الدعوى ولا يضر مخالفته للاستصحاب الملغى اثره باعتبار تقدم اليد عليه وكيف كان فلا وجه لالغاء يد المقر بسبق الملك للمدعى والزامه باقامة البينة على الانتقال إليه لان اليد ان كانت اصلا فاقراره بسبق الملك للمدعى لا يوجب رفع اليد عن يده وصيرورته مدعيا كما عرفت. وان كانت امارة فاقراره به وان كان مستلزما لادعاء الانتقال المخالف للاصل الا انه لا يتوجه عليه اقامة البينة لاقتران دعويه بالامارة المصدقة لها.

[ 243 ]

والثانى ان دعوى ذى اليد انتقال الملك إليه لو كانت مبطلة لحكم يده ومنافية للتشبث لها لزم الغاء يده في صورة دعويه انتقال الملك إليه من غير المدعى ووجوب الاثبات عليه وانتزاع الحاكم المال من يده حتى يقيم البينة فيلزم حينئذ ان يكون المدعى به في حكم الخارج عن يد المتنازعين ويكون الباب من باب التداعي ومجرد عدم معارضة من اسند إليه الملك السابق لا يوجب عدم صيرورته مدعيا لان تحقق الدعوى من الشخص لا يكون فرع معارضة آخر معه. ضرورة ان الدعوى على قسمين دعوى بلا معارض ودعوى مع المعارضة وسماع دعويه بالنسبة الى من اسند إليه الملك السابق لعدم معارضته معه لا يوجب تصديق دعواه بالنسبة الى من عارضه. وبما بيناه تبين ان ما استشهد به من عدم قدح دعوى الانتقال من غيره في الحكم بملكيته في غير محله إذ لو كان اقتران اليد بدعوى الانتقال موجبا لصيرورته مدعيا ساقطة يده عن الاثر لزم استواء الصورتين في الحكم لان عدم الغاء اليد حينئذ ان كان باعتبار عدم انقلاب ذى اليد مدعيا لعدم معارضة من اسند إليه الملك السابق معه فقد عرفت ان الدعوى لا يتقوم بالمعارضة. وان كان باعتبار سماع دعويه بالنسبة الى من اسند إليه الملك السابق فقد تبين لك انه لا يوجب تصديقه بالنسبة الى المعارض. والحاصل ان اليد لو سقطت عن التأثير باعتبار اقترانها بالدعوى وصيرورة ذى اليد حينئذ مدعيا لم يعقل التفصيل بينهما. ومن الغريب ما اضرب به كلامه في محاجة مولانا امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وعلى ابنائه الطاهرين مع ابى بكر في امر فدك بزعم ان يستنبط منها نفوذ قول ذى اليد مع صيرورته مدعيا بسبب وجود المعارضة فانها من قبيل الصورة الثانية التى حكم فيها بعدم كون ذى اليد مدعيا حينئذ فان المسلمين بزعم ابى بكر مصارف لما تركه رسول الله صلى الله عليه واله صدقة لا انهم ورثته صلى الله عليه واله دون قرابته واهل بيته

[ 244 ]

واستيلاء الصديقة الطاهرة سلام الله عليها كان في زمانه صلى الله عليه وآله لابعده. وابو بكر بزعمه الفاسد كان ولى المسلمين وليس لولى المسلمين التفتيش عما وقع في زمان من قبله وعن التصرف الذى وقع في زمن رسول الله صلى الله عليه واله بتسليطه صلى الله عليه واله من دون وجود مدع لان المسلمين لم يكونوا مدعين للمال وراثة وانما ادعوا بزعمهم الفاسد انهم مصارف الصدقة ومجرد المصرفية لا توجب الولاية وولى المسلمين وهو أبو بكر بزعمهم الفاسد لم يدع العلم بفساد التصرف بل كان عالما بانه بتسليط رسول الله صلى اله عليه واله فالصديقة الطاهرة سلام الله عليها كانت مدعية للانتقال عن رسول الله صلى الله عليه واله ومتصرفة ولم يكن لها عليها السلام معارض من الورثة ومجرد استصحاب بقاء المال على ملك رسول الله صلى الله عليه واله لا يوجب انتزاعه من المتصرف الذى تصرفه في زمانه صلى الله عليه واله بلا معارض حين حيوته وبعد وفاته صلى الله عليه واله ومعارضة المسلمين لها بزعمهم انهم مصارف الصدقة لا توجب المعارضة للفرق الواضح بين مصرف المال ومرجعه وعدم جواز معارضة المصرف للمرجع المتصرف فلو كان لرسول الله صلى الله عليه واله وارث غيرها (ع) وعارضها لكان لما ذكره وجه. فاتضح ان القضية الواقعة من قبيل الصورة الثانية وسماع الدعوى فيها اوضح من ان يبين فان تقدم اليد على الاستصحاب مع عدم معارضة المالك السابق من اوضح الواضحات نتيجة وان خفى وجهه على الاكثر وسيظهر لك وجهه انشاء الله تعالى فتبين ان من توهم ان الصديقة الطاهرة سلام الله عليها حينئذ صارت مدعية لا تنفعها اليد فقد كذب امامه عليه السلام من حيث لا يشعر جهلا منه بالقواعد الواضحة ضرورة ان صاحب اليد لا يكون مدعيا قبل معارضة المالك السابق وانما يصير مدعيا بعد معارضته ولم يكن لها سلام الله عليها معارض ولكن الغاصب الجاهل فعل ما فعل بعد اتمام الحجة عليه من خليفة الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى ابنائه الطاهرين كفرا وعنادا. لا يقال لعل وجه الغاء اليد حينئذ هو ان ذا اليد إذا اقر بسبق الملك للمدعى

[ 245 ]

وادعى انتقاله منه بسبب خاص كلف باقامة البينة عليه لان باليد لا تفيد السبب الخاص والاصل عدمه فمع عدم قيام البينة على السبب الخاص يبطل تملكه لحصره باقراره في السبب الخاص فتلغى يده حينئذ. لانا نقول اولا ان هذا الوجه انما يجرى فيما إذا اسند تملكه الى سبب خاص. وثانيان ان عدم ثبوت السبب الخاص باليد لا توجب الغائها بالنسبة الى اصل الملك وحصر المقر اياه في السبب الخاص انما يوجب بطلانه إذا انكشف بطلان السبب لا إذا لم يثبت السبب فيحكم حينئذ بالملك المطلق المجامع مع جميع الاسباب من دون الحكم بسبب خاص فحال اليد حينئذ بالنسبة الى مدعى السبب الخاص حال البينة القائمة على الملك المطلق بالنسبة الى مدعى التملك من سبب خاص فكما لا تبطل البينة بسبب عدم ثبوت السبب المدعى فكذلك اليد. فقد اتضح بما ذكرناه ضعف جميع ما ذكروه في وجه الفرق بين ثبوت الملك السابق بالبينة وثبوته بالاقرار. والتحقيق انه ينفذ قول المالك السابق مطلقا. توضيح الامر يتوقف على تحقيق حقيقة اليد وبيان وجه اعتبارها. فاقول بعون الله تعالى ومشيته ان حقيقتها هي الاحاطه والاستيلاء وهو متقوم بالطرفين المستولي والمستولى عليه فان كان المستولي سلطان نفسه وولى امره والمستولى عليه قابلا لنفوذ الاستيلاء عليه ولم يكن تحت سلطان غيره ينتزع من الاستيلاء والاحاطة اختصاص المستولي عليه بالمستولى ومرجعيته فيه بالرجوع التام المساوق للملك التام ولذا يملك الانسان المباحات الاصلية والاموال المعرض عنها الراجعة الى الاباحة الاصلية بالاعراض المزيل لمنشا انتزاع اختصاص المالك الاول بالحيازة. ومن خواص الملك التام رجوع غنم المملوك وغرمه الى المالك فهو مرجع للغنم والغرم بحسب الاقتضاء الاولى ولذا يستدل باحدهما على الاخر.

[ 246 ]

كما استدل في الرواية على رجوع منافع المبيعة في البيع بالخيار الى المشترى بانها لو احترقت لكان منه واليه ينظر النبوى الخراج بالضمان فان الضمان هي العهدة والمراد ان خراج المال تابع لعهدته وغنمه يرجع الى من يرجع إليه غرمه لا ان الخراج تابع لتعهد المال للغير الذى هو الضمان المصطلح وان كان المستولي عليه قابل لنفوذ الاستيلاء فيه بوجه كالانسان فلا تأثير لليد فيه بوجه ولذا لا يملك الانسان الحر باستيلائه عليه ولا يضمن نفسه ولا منافعه الا إذا استوفاها نعم إذا كان كافرا أو تابعا له يصح استرقاقه ويملكه بالاستيلاء عليه لتنزله منزلة سائر الحيوانات وان كان مشغولا باستحقاق الغير يمنع عن تأثير اليد اثرها الاولى من الملك التام المقتضى لمرجعية ذى اليد في الغنم والغرم معا ولكن حيث لا يمنع من تأثيرها المرجعية في الغرم المعبر عنها بالضمان اثر المقتضى اثره واوجبت اليد الضمان. وحيث خفى معنى النبوى على ابى حنيفة وزعم ان المراد بالضمان الضمان المصطلح وهو تعهد للغير حكم بعدم ضمان الغاصب منفعة البغلة بعد ان كانت مضمونة عليه. وبما بيناه ينكشف سر كون المبيع مضمونا على البايع قبل قبضه وعدم انتقال الضمان الى المشترى الا بالاقباض مع تملكه له بالعقد الموجب لرجوع غنمه إليه من زمان وقوع العقد. توضيحه ان البايع قبل ايجاده البيع كان مالكا للمبيع ومرجعا في غنمه وغرمه بعد ايجاده البيع الموجب لانتقاله عنه استحقه المشترى فترتب عليه رجوع غنمه إليه ولكن حيث ان المقصود من عقد البيع ليس مجرد الاستحقاق بل التسلط عليه فعلا الذى لا يتحقق الا باقباض المبيع لا يخرج البايع من ضمانه وعهدته ما لم يقبضه المشترى ولا ينتقل الضمان إليه الا بعد قبضه. وهكذا الحال في الاجارة بالنسبة الى المنفعة فلا يستحق الاجرة الا بالاقباض

[ 247 ]

فان رجوع المال الى الشخص انما هو بكونه تحت يده وسلطانه فالملك والاستحقاق يتحقق بالعقد ولكن لا يرجع امر المال إليه الا بالاستيلاء. فتحصل لك مما بيناه ان الاستقلال باثبات اليد في الاموال يوجب مرجعيته في الغنم والغرم معا أو في الغرم خاصة واليد التابعة لعدم استقلالها ليست احاطة واستيلاء بل المستولي والمحيط انما هو المتبوع ولذا لا يترتب عليها المرجعية فيهما ولا في احدهما. واما الامين فيده يد المالك و رجوع المال إليه عين الرجوع الى المالك وهذا هو السر في منافاة الايتمان للضمان وبطلان اشتراطه في الوديعة والوكالة وامثالهما واما العارية فباشتراط الضمان فيها يخرج عن كونها ايتمانا لانه مقتضى اطلاقها لاذاتها والتفصيل موكول الى محله. وبما بيناه ظهر سر نفوذ قول ذى اليد في تعيين كيفية يده من الملكية والولاية والوكالة وهكذا فان الرجوع على انحاء يتعين بتعيين المرجع فان من ملك شيئا ملك الاقرار به وايضا مقتضى سلطنة الشخص على نفسه المنتزعة من كونه نفسه استقلاله في اموره وجهاته ونفوذ تقلباته وتصرفاته واقاريره فيها فكما ان نفوذ اقرار الشخص بالرقية والدين راجع الى نفسه ابتدائا والاقرار المتعلق بما في يده راجع إليها ثانيا. فقد اتضح مما حققناه ان اليد مقتضية لاختصاص ما وقعت عليه من الاموال بذى اليد واستحقاق الغير مانع عن التأثير في الملكية المقتضية للمرجعية في الغنم والغرم معا. فان علم بانتفاء المانع يحصل العالم بالملك واقعا وتكون اليد حينئذ موجبة له وان شك في وجود المانع يحكم العالم بالملك ظاهرا اعتمادا على المقتضى المعلوم والغائا للمانع المحتمل فايجابها للملك واقعا وللحكم به في الظاهر مستند الى امر واحد وهو تحقق المقتضى غاية الامر ان اثره يختلف باختلاف العلم بعدم المانع والشك في وجوده فاختلاف شان اليد انما هو باختلاف الحالين فالشأن الثاني انما هو من شئون الشأن الاول المترتب على المقتضى المعلوم مع العلم بعدم المانع.

[ 248 ]

فان قلت فعلى هذا يلزم عدم اعتبار اليد فيما علم سبق استحقاق الغير لاستصحاب المانع المعلوم حدوثه وتقدمه على المقتضى فيلزم حينئذ عدم الحكم باستحقاقه الا مع احراز رضى المالك السابق ان كان الانتقال اختياريا وموته ان كان الانتقال قهريا مع ان حجية اليد ضرورية سواء علم بسبق استحقاق الغير ام لا. قلت لا شبهة في عدم الحكم بوقوع الانتقال ببيع أو هبة أو ارث وهكذا لان الشك فيه شك في المقتضى والاصل عدمه وكذا إذا احتمل اعراض المالك السابق فالاصل بقاء ملكه وعدم تأثير اليد اللاحقة الا ان الحكم بالملكية لذى اليد من جهة اخرى لا تنافى ذلك في مرحلة ترتيب الاثار ولا تقدح المنافاة الواقعية في جريان الاصول فان الاصول كثيرا ما توجب التفكيك بين اللازم والملزوم. فنقول ان اليد تقتضي مرجعية ذى اليد واستحقاقه لما وقع تحت يده واستيلائه فحيث شككنا في ان رجوع المال إليه هل هو بارجاع المالك الاول ووقوع احد الاسباب الناقلة حتى يكون من شئونه وفى طوله أو انه ينافيه لاستقلاله باثبات اليد عليه فيكون عاديا فالاصل يقتضى الحكم بعدم العدوان وعدم منافاته للملك السابق كما ان الاصل عدم موافقته له وعدم وقوعه في طوله ومقتضى اصالة عدم الموافقة والمخالفة الاخذ بظاهر اليد ومقتضاه حتى يعلم خلافه. ان قلت الاخذ بمقتضى اليد وهو اختصاص ذى اليد بالمال عبارة اخرى عن انه لا مالك له سواه وهذا عين الحكم بزوال الملك عن المالك السابق. قلت فرق بين اثبات الاختصاص بالمقتضى واصالة عدم المانع وبين اثباته بزوال الملك عن المالك السابق وانتقاله منه الى ذى اليد والاشتراك في الاثر لا ينافى التغاير بحسب الذات فالركون الى اليد وتقديمها على الاستصحاب انما هو لتاخرها عنه فهى في الحقيقة مقتضى متاخر عن آخر يتقدم عليه لتأخره عنه ما لم يعلم المنافاة وامكن كونه مترتبا عليه ولهذا يقدم قول المالك السابق في مقام التعارض لان الاخذ

[ 249 ]

بمقتضى اليد انما يكون مع عدم العلم بوجود المانع والمنافي وقد ثبت بقول المالك السابق فان من ملك شيئا ملك الاقرار به. والحاصل انا لا نحكم بزوال الملك عن المالك السابق وانتقاله الى ذى اليد وانما حكمنا بكونه مالكا له لوجود المقتضى وعدم العلم بالمانع وان لم ينفك هذا في الواقع عن زوال الملك عن غيره واثبات اللازم بحسب الاصل ينفك عن ثبوت الملزوم لما عرفت من جواز التفكيك بينهما في مرحلة العمل واعطاء الوظيفة التى هي مؤداة الاصول. فاستصحاب الملك لا اثر له ما لم تسقط اليد عن التأثير وبانكار التسليط والارجاع تبطل اليد لان انكار المالك السابق التسليط والارجاع حيث انه من شئون سلطنته على ملكه نافذ مسموع فبقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به يثبت المانع والمنافي لتأثير اليد فتصير ملغاة فهى قبل ظهور المعارضة والمخاصمة اصل يركن إليه ويعتمد عليه للعلم بتحقق المقتضى وعدم العلم بوجود المانع المندفع بالاصل وبعد ظهور المعارضة والمخاصمة تسقط عن الاثر للعلم بتحقق المانع فقبل العلم بالمخاصمة ذو اليد منكر من حيث موافقة قوله للاصل وبعده ينقلب مدعيا لمخالفة قوله لاستصحاب بقاء الملك السابق مع عدم العلم بالمزيل والناقل واستصحاب بقاء الملك وان كان جاريا قبل ظهور المخاصمة الا انه لم يترتب عليه اثر للعلم بالمقتضى المتأخر وهى اليد المتممة باصالة عدم المخاصمة والمنافاة. فاتضح بما بيناه ان اعتبار اليد من جهة ان حقيقتها هي الاحاطه المقتضية لاختصاص المحاط بالمحيط لو لم يمنع عنه مانع فهى انما تنظر الى اختصاص المحاط بالمحيط ولا نظر الى نفى الملك وزواله عن غيره بوجه من الوجوه. وانما يترتب عليها الاختصاص الفعلى المتحد مع الملكية في مورد العلم بسبق الملك لغيره باصالة عدم المنافاة لا بسبب كشفها عن زوال الملك السابق وانتقاله من المالك السابق الى ذى اليد فهى استصحاب المقتضى لا امارة ولا اصل آخر وتقدمها

[ 250 ]

على استصحاب الملك السابق من جهة انه مقتضى متاخر عن آخر فيؤخذ به ما لم يعلم منافاته للاول من جهة انها امارة كاشفة عن زوال الملك السابق وقاطعة للاستصحاب والا لزم تقدمها على الاستصحاب مطلقا عارضها المالك السابق ام لا ثبت سبق الملك باقراره ام بالبينة مع ان سماع قول المالك السابق في صورة اقرار ذى اليد بل البينة المستندة الى تحقيق في حدود المسلمات عند الاصحاب قدس سرهم بل لزم بنائا على كونها امارة عدم توجه اليمين على ذى اليد كما لا يتوجه في مورد قيام البينة بل يلزم ان تعارض البينة وملاحظة وجود المرجح في تقديم احديهما على الاخرى مع ان تقدمها على اليد من الضروريات قال المحقق الانصاري قدس سره بعد شطر من كلامه الذى قد عرفت ضعفه هذا مع ان الظاهر من الفتوى والنص الوارد في اليد مثل رواية حفص ابن غياث ان اعتبار اليد امر كان مبنى عمل الناس في امورهم وقد امضاه الشارع ولا يخفى ان عمل العرف عليها من باب الامارة لا من باب الاصل بالتعبدى واما تقديم البينة وعدم ملاحظة التعارض بينهما اصلا فلا يكشف عن كونها من الاصول لان اليد انما جعلت امارة على الملك عند الجهل بسببها والبينة مبينة لسببها والسر في ذلك ان مستند الكشف في اليد هي الغلبة والغلبة انما توجب الحاق المشكوك بالاعم الاغلب فإذا كان مورد الشك امارة معتبرة تزيل الشك فلا يبقى مورد للالحاق وحال اليد مع البينة حال اصالة الحقيقة في الاستعمال على مذهب السيد مع امارات المجاز بل حال مطلق الظاهر والنص فافهم انتهى. وفيه ان عدم كون اعتبار اليد من باب التعبد في غاية الوضوح ولكن ذاتية اعتبارها لا يستلزم كونها امارة كما هو ظاهر وكيف يمكن سقوط الامارة عن الاعتبار باصالة عدم الانتقال المسلم عنده وعند الاكثر بل الجميع في صورة اقرار ذى اليد بسبق الملك للمدعى مع انها لو كانت امارة لم يكن وجه لتقدم البينة عليها مطلقا ويلزم ان تكون معارضة لها وما اجاب به عن هذا الاشكال في غاية الغرابة لان اليد

[ 251 ]

بنائا على كونها امارة قاطعة للاستصحاب لا معنى له الا كونها دالة على وجود المزيل والمزيل انما هو السبب الرافع للملك السابق فمع قيام البينة على خلافها الدالة على بقاء الملك السابق وعدم تحقق المزيل يتعارضان لان كلا منهما ناظر الى الواقع وكاشف عنه ومزيل للشك تنزيلا ولا يكون احدهما في طول الاخر. فما ذكره من ان اليد امارة على المسبب والبينة على السبب وان اليد دليل للجاهل بالواقع دون البينة لانها مزيلة له في غير محله لان كلا منهما دليل للجاهل بالواقع مزيل له تنزيلا وما ذكره سرا لما زعمه مناف لما بنى عليه من كون اليد امارة كاشفة لان الغلبة بنائا على انها مستند الكشف في اليد توجب الظن بلحوق الفرد المردد بالاغلب وزوال الشك تنزيلا فكما ان البينة تزيل الشك تنزيلا فكذلك الغلبة بنائا على انها امارة فمع التنافى يتعارضان لا محالة ولا وجه لتقدم جميع الامارات على الغلبة حينئذ. نعم ما ذكره من بقاء الشك مع الغلبة وعدم زواله تنزيلا انما يتم بنائا على كونها اصلا لا امارة. وكيف كان فقد اتضح بما بيناه ان المقدم على اليد قاعدة من ملك المتحققة في مورد معارضة المالك السابق لذى اليد لا مجرد الاستصحاب وان المشهور عند الاصحاب تقدمها على اليد فان تقدم قول المالك السابق على ذى اليد في صورة اقراره بسبق الملك له أو قيام البينة المستندة الى تحقيق مما لم يخالف فيه احد ممن يعتد به. وانما وقع الاشتباه في صورة قيام البينة على سبق الملك من دون استناد الى تحقيق لاحتمال استناد شهادتها حينئذ الى مجرد اليد واليد السابقة الزائلة لا تكون اقوى من اليد اللاحقة الحالية وهو ليس كذلك لان اليد السابقة كاليد اللاحقة مقتضية للملكية ومقتضى سبقها على اليد الفعلية سماع قولها بقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به ما لم يعلم زوالها وانتقال الملك عنه الى الثاني

[ 252 ]

فما زعمه بعض من ان المشهور عند الاصحاب تقدم قول ذى اليد ما لم تشهد البينة على استمرار ملك المالك السابق الى زمان تصرف ذى اليد في غير محله. ومن الغريب ما توهمه بعض طلبة العصر من عدم سماع قول المالك السابق ما لم تشهد البينة على استمرار ملكه الى زمان المعاوضة والمخاصمة وان شهدت على استمرار ملكه الى زمان وقوع يد المتصرف عليه فانك قد عرفت ان تقدم اليد على الاستصحاب حينئذ مستحيل لجريان الاستصحاب في نفس اليد ولا يعقل الغاء الاستصحاب الجارى في اليد بهذه اليد المستصحبة. تنبيهان - الاول لو علم بان ما في يد زيد كان وقفا واحتمل انتقاله إليه باحد الاسباب المجوزة لبيع الوقف لا يكتفى باليد حينئذ لترتيب اثار الملكية لان الوقفية تقتضي تحبيس الاصل وعدم تطرق الانتقال فيه باحد الاسباب الناقلة ومجرد احتمال طرو جهة مقدمة على الوقف في التأثير موجبة لجواز النقل والانتقال لا يكفي لان الاصل عدمه فتلغى اليد حينئذ عن الاعتبار لتحقق المانع المعلوم عن تأثيرها والشك في زواله فيؤخذ به. والثانى ان مجرد بيع المال أو الصلح عليه أو اجارته وهكذا من التصرفات العقدية ما لم يعلم وقوعه تحت يده واستيلائه ليس من التصرف الذى توهم تقدمه على استصحاب الملك السابق.

[ 253 ]

(فائدة - 35) الضمان عبارة عن صيرورة الشخص في وثاق دين أو عين ولازم كونه نفى وثاق عين كون دركها على عهدته لا ان حقيقة الضمان عبارة عن ثبوت الدرك على الضامن ضرورة ان للضمان حقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الموارد ولا يجرى هذا المعنى في ضمان الدين فتفسير الضمان بكون درك العين على عهدته تفسير باللازم وهل يتوقف تحقق الضمان في الدين على اشتغال ذمته به وصيرورته مديونا الاقوى العدم فان الايدى المتعاقبة يضمن كل منها العين ولا يختص به من تلفت في يده وانما يستقر الضمان عليه ولا معنى لاستقرار الضمان عليه لا صيرورته مديونا لمثل التالف أو قيمته ولذا لا يرجع على سائر الايدى لو رجع المالك عليه وترجع سائر الايدى عليه لو رجع المالك عليها. والحاصل ان استقلال كل منها في الضمان بحيث يتخير المالك في الرجوع على كل منها لا يجامع مع ملازمة الضمان لاشتغال ذمة الضامن بالدين إذ لا يعقل استقلال كل منها في اشتغال ذمته بدين واحد فصيرورة الشخص في وثاق الدين كما يجامع مع كون الدين في ذمته يجامع مع كون الدين في ذمة آخر وفى هذه الصورة انما يفى بما في ذمة الاخر لو رجع المالك على غير من استقر عليه التلف لا بما في ذمته والا لم يكن له الرجوع على الاخر حينئذ بل قد ينفك الدين عن الضمان فان عقد الضمان انما يؤثر انتقال الضمان الى الضامن مع بقاء الدين في ذمة المضمون عنه.

[ 254 ]

وما اشتهر من ان عقد الضمان يوجب انتقال الدين عن ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن استنادا الى عدم استحقاق الدائن الرجوع على المضمون عنه في غير محله لان استحقاق المطالبة من فروع الضمان لا الدين وعقد الضمان انما ينتقل الضمان عن ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن فلا يستحق المطالبة الا عن الضامن. ويدل ايضا على بقاء الدين في ذمة المضمون عنه وعدم انتقاله الى ذمة الضامن عدم استحقاق المطالبة عن المضمون عنه إذا لم يتبرع بالضمان عنه الا بما ادى فلو ابرئه الدائن لا يرجع على المضمون عنه بشئ. وجه الدلالة انه لو اوجب الضمان انتقال الدين عن ذمة المضمون عنه فمع عدم التبرع بالضمان اما يوجب اشتغال ذمة المضمون عنه للضامن في مقابل اشتغال ذمته للدائن اولا يوجبه كصورة التبرع. فان قلنا بالاول لزم جواز رجوع الضامن عليه مطلقا سواء ادى الدين ام ابرئه الدائن. وان قلنا بالثاني لزم عدم جواز رجوع الضامن عليه مطلقا كصورة التبرع بالضمان فاستحقاق الرجوع عليه بما ادى وعدم استحقاقه الرجوع بما ابرئه الدائن يكشف عن بقاء الدين في ذمة المضمون عنه فان اداه الضامن فله الرجوع عليه إذا كان الضمان باذنه وقبوله وان ابرء الدائن الدين أو كان الضمان تبرعا فلا رجوع له على المضمون عنه لعدم المقتضى للرجوع عليه في الصورتين. فظهر بهذا البيان ان النسبة بين الضمان والدين هي العموم والخصوص من وجه فقد يجتمعان وقد يفترقان. واذ قد اتضح ما حققناه اتضح لك ان المديون من الايدى المتعاقبة هو من استقر عليه الضمان سواء كان استقرار الضمان عليه بسبب تلف المال في يده أو بسبب الغرور أو الاكراه. وهل تكون سائر الايدى حينئذ مكلفة باداء بدل التالف مثلا أو قيمة قبل مطالبة المالك منها أو لا يجب عليهم الاداء الا بعد رجوع المالك عليها.

[ 255 ]

الاقرب انه لا يجب عليه المبادرة بالاداء الا بعد تخير المالك الرجوع عليها بل لو بادر بعض الايدى بالاداء قبل تخير المالك الرجوع عليها يشكل جواز رجوعها على من استقر عليه الضمان لانه حينئذ كالمتبرع باداء دين غيره. لا يقال لو كان مجرد الضمان لا يوجب وجوب مبادرة الضامن بالاداء قبل تخير الدائن الرجوع عليه لزم ان لا يجب على الضامن في عقد الضمان المبادرة قبل رجوع الدائن عليه والمطالبة منه. لانا نقول قبول الدائن ضمان الضامن الموجب لسقوط الضمان عن ذمة المديون بمنزلة تخيره الرجوع عليه بل هو عينه فلا يتوقف وجوب مبادرة الضامن بالاداء حينئذ على امر آخر نعم يجب المبادرة على من استقر عليه الضمان لانه ضامن ومديون وليس ضمان سائر الايدى مسقطا لضمانه فالمقتضى للمبادرة فيه موجود والمانع مفقود. ثم اعلم ان الضامن في عقد الضمان انما يضمن عن المديون فيجعل نفسه في وثاق دينه بدلا عنه وليس في البين الا عهدة واحدة فتقول هذه العهدة بالضامن وتسقط عن المضمون عنه لانه مقتضى نفوذ عقد الضمان فلا مجال لاستقلال كل منها في الضمان حينئذ وهذا بخلاف الايدى المتعاقبة حيث ان كلا منها تستقل بالضمان لان كلا منها في عرض الاخرى ولا تكون اليد اللاحقة ضامنة عن اليد السابقة ضرورة ان تأثير اليد اللاحقة لا يتوقف على تأثير اليد السابقة حتى تكون بدلا عنها وقد خفى هذا المعنى على العامة وجعلوهما من باب واحد وحكموا بان الضمان في عقد الضمان ضم ذمة الى ذمة اخرى نظير الايدى المتعاقبة ولم يقتبسوا العلم من اهله ولم يأتوا المدينة من بابها وهم اهل بيت النبوة سلام الله عليهم فافهم واغتنم والحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.

[ 256 ]

(فائدة - 36) قد ذكرنا في الفائدة الاولى ان من موارد انفكاك قاعدة المقتضى والمانع من استصحاب الحالة السابقة حكم الاصحاب (قدس سرهم) باصالة عدم النسب في المرئة المشكوكة تفى كونها من المحارم النسبية وجواز تزويجها ولا مدرك لهذا الحكم الا الاعتماد على المقتضى المعلوم وعدم الاعتداد باحتمال المانع إذ لا حالة سابقة لها حتى تستصحب. وقد يتوهم ان حكمهم بصحة التزويج وترتيب آثار عدم النسب المحرم انما هو باعتبار اطلاق ادلة جواز التزويج وعدم اعتبار قيد الأجنبي فيها وانما المقيد هو ادلة تحريم التزويج فينفي بالاصل عند الشك في تحققه فمدرك الحكم حينئذ هو الرجوع الى المطلقات لا الاعتماد على القاعدة المزبورة فوجب علينا دفع هذا التوهم وازاحة الشبهة تشييدا لما بيناه. فاقول بعون الله تعالى ومشيته ان كان المراد من اطلاق الادلة المجوزة للتزويج اطلاق موضوعها و سريان حكم الجواز اقتضائا حتى في مورد النسب ولا ينافيها طرو عدم الجواز باعتبار وجود المانع إذ لا منافاة بين وجود المقتضى مع وجود المانع فالاخذ بالاطلاق حينئذ اخذ بالمقتضى المعلوم مع الشك في وجود المانع. وان كان المراد الاطلاق اللفظى فهو غير كاف في تعيين حال المصداق لان

[ 257 ]

التقييد ثابت حينئذ والشك انما هو في المصداق من جهة اندراجه تحت المطلق أو المقيد ومن المعلوم ان اطلاق اللفظ لا يكفى في تعيين حال المصداق فان قلت نعم مجرد اطلاق اللفظ لا يوجب درج المصداق المشتبه تحت المطلق ولكن لا مانع من درجه تحته بمعونة استصحاب عدم المحرمية ازلا فاستصحاب العدم الازلي يعين حال المصداق فيندرج تحت المطلق. قلت ان كان المراد من استصحاب العدم الازلي استصحاب الحالة السابقة فهو باطل لان الحالة السابقة هي انتفاء الموضوع لا انتفاء المحمول عن الموضوع والحالة اللاحقة المشكوكة هي اتصاف الموضوع الموجود في الخارج بالمحرمية وعدمها وليس له حالة سابقة حتى تستصحب. وما توهم من انه ان اخذ عدم المحرمية من قبيل العدم النعتى لا يجرى فيه الاستصحاب لانتفاء الحالة السابقة وان اخذ من قبيل العدم المحمولي يجرى فيه الاستصحاب وهم لان سلب المحرمية عن المصداق سواء اخذ على وجه التقييد أو على وجه الحمل لم يكن له حالة سابقة وان كان الغرض منه الاخذ بمقتضى العدم الازلي من حيث اقتضائه البقاء على حاله ما لم يثبت علة الوجود فهو عين ما بيناه من الركون الى المقتضى المعلوم وعدم الاعتداد باحتمال المانع. والحاصل ان ارجاع هذا الفرع ونحوه الى استصحاب الحالة السابقة غير معقول وما ذكر في ارجاعه الى استصحاب الحالة السابقة لا يرجع الى محصل مع انه ان قلنا بان مرجع التقييد حينئذ الى ان القيد مانع ويكون المطلق باقيا على اطلاقه في مرحلة الاقتضاء لعدم المنافاة بين سريان حكم المطلق في جميع افراده اقتضائا وعدم ترتب اثر عليه فعلا لوجود المانع فهو اعتراف بما بيناه واخترناه. وان قلنا بان المقيد موضوع لحكم التحريم ابتدائا ولا يسرى فيه حكم المطلق حتى على وجه الاقتضاء كما هو مختاره و زعمه فالمطلق حينئذ لا يكون باقيا على اطلاقه والا لزم اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد فلا محالة يكون المطلق مقيدا بغير مورد

[ 258 ]

القيد فيكون عدم القيد حينئذ قيدا للموضوع فيكون العدم حينئذ نعتيا لا محموليا فالفرق بين العدم النعتى والمحمولي لوتم لا ينفعه في المقام وامثاله. فان قلت ذات الموضوع و خصوصيته من المحرمية وهكذا امران كانا منتفيين سابقا وبانقلاب عدم ذات الموضوع الى الوجود لا نعلم بانقلاب عدم خصوصيته الى الوجود فنستصحبه. قلت ان اريد منه استصحاب عدم المحرمية من دون اضافة الى الموضوع الموجود في الخارج فهو صحيح ويترتب عليه اثره ان كان له اثر وان اريد استصحاب عدم محرمية هذا الموجود الخارجي فلا سابقة له حتى يستصحب نعم عدم محرمية هذا الموجود من اللوازم العقلية لعدم المحرمية المستصحب من دون اضافة ولا يثبت بالاستصحاب اللوازم العقلية بالضرورة. وما يتوهم من ان الشخص قبل وجوده في الخارج متشخص بخصوصياته المشخصة من المحرمية أو الاجنبية وهكذا ثم يعرضه الوجود استنادا الى صحة قولك وجد اخت لزيد أو لم توجد له مثلا وهم فاحش لاستحالة ثبوت التشخص قبل الوجود وقد اشتهر اشتهار الضروريات الازلية ان: " الشيئ ما لم يتشخص لم يوجد " كما انه ما لم يوجد لم يتشخص فالتشخص مساوق للوجود ومن لوازمه واسناد الوجود الى الشخص في القضية اللفظية انما هو باعتبار مقارنة الوجود مع التشخص لا باعتبار عروضه على المشخص والالزم ان تكون المشخصات من الاجنبية والمحرمية من عوارض الماهية لا الوجود ولزم اتصاف المرئة قبل وجودها في الخارج باحديهما إذ لا يجوز ارتفاع الضدين اللذين لا ثالث لهما عن محلهما مع ان عدم اتصافها قبل وجودها في الخارج بانها مناسبة أو اجنبية من البديهيات الاولية وليس هذا الا لانهما من عوارض الوجود لا الماهية وهكذا الامر في نظائرهما من المشخصات. فان قلت لا حاجة الى استصحاب عدم المحرمية في الحكم بجواز تزويج المرئة المشكوكة إذ مع اطلاق ادلة جواز التزويج والشك في المحرمية نشك في

[ 259 ]

ثبوت التقييد فنحكم بمقتضى الاطلاق ما لم نعلم المحرمية قلت الشك ليس في اصل التقييد حتى نحكم باطلاق الدليل بل الشك في المصداق مع ثبوت اصل التقييد فلا مجال للرجوع الى اطلاق الدليل مع ان الحكم بالاطلاق في صورة الشك في اصل التقييد إذا كان الشك في التقييد من اول الامر لا يتم الا على قاعدة الاقتضاء والمنع كما اوضحنا الكلام فيه في الفائدة الاولى. فتلخص مما بيناه ان اطباق الاصحاب قدس سرهم على الاخذ بالعدم الاصلى في الفرع المزبور وامثاله لايتم الا على قاعدة الاقتضاء والمنع وكاشف عن ان هذه القاعدة الشريفة من المسلمات المركوزة في الاذهان بل المجبول عليها الطبايع وانما حدثت الشبهة لبعض الاواخر فزعم انه لا دليل على اعتبارها بل لا سبيل الى احراز المقتضى والمانع وقد تقدم كلامه واوضحنا فساد ما زعمه تم الجزء الاول من كتاب الفوائد العلية مع اشتغال البال وضيق المجال ثالث عشر ذى الحجة الحرام سنة احدى وسبعين بعد الالف وثلثمأة على يد مؤلفه العبد المفتقر الى عفو ربه الغنى على بن محمد بن على الموسوي البهبهانى حامدا مصليا مسلما.

[ 260 ]

(فائدة) سؤال در بستان السياحه در حرف راء در ذيل ذكر رشت وحالات شيخ زاهد گيلانى كه از حمله صوفيه است ذكر مينمايد وكلماتي راجع بمشرب عرفان از أو نقل ميكند وميگويد روزى ميفرمود كه مردم روزگار توهم نموده اند كه اين مراتب عليه ومناصب سنيه وقف قومي است كه در ازمنه ماضيه بوده اند بلكه نه چنين است. بيت: فيض روح القدس ارباز مدد فرمايد * * ديگران هم بكنند آنچه مسيحا ميكرد ونوبتى بيان نمود كه دانستن اصول وصول وقواعد عقائد يا بطريق فكر است وآن مسلك متكلمين وحكماء مشائين ناست يا بطريق رياضت نو آن مسلك صوفيه وحكماء اشراقيين است كه ايشانرا رواقيين هم گويند (مثل الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا افلا تذكرون) در طريق اول خار شبهه بسيار است وقدم عقل از رهگذر افكار افكار بيت. پاى استدلاليان چوبين بود * * پاى چوبين سخت بى تمكين بود گر كسى از عقل باتمكين بدى * * فخر رازى راز دان دين بدى غاية دليل مناقشه وخلاف است واساس بر ظن وقياس وبر تخمين وگزاف (وما يتبع اكثرهم الا ظنا لا يغنى من الحق شيئا) بعضى در مدرسه ميان اهل وسوسه بسيار جان كنده اند وكمندى چند از تقليد در گردن عقل افكنده اند نه در ميخانه

[ 261 ]

تحقيق باده عرفان نوشند ونه در قدم پير مغان بتهذيب كوشند ارباب عرفان مدعى علم ومشاهده اند وعلماء ظاهر مدعى ظن وگمان وقياس واستحسانند زير كان دانند كه مرتبه مدعى علم ودانش فوق مرتبه مدعى ظن وگمان است. وآيه (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولو الالباب) ترجمه اش اين تاست آيا مساويند آنها كه ميدانند وانها كه نميدانند بتحقيق كه ياد آورى ميكنند صاحبان لب واهل تحقيق اين آيه را بشنو (لاتتبع اهواء الذين لا يعلمون) يعنى تابع مشو البته رأى آنها را كه علم ندارند (وماذا بعد الحق الا الضلال) يعنى غير از علم گمراهى است وكسى كه بدون علم حكم كند بدبخت وشقي است بمصداق (وان تقولوا على الله مالا تعلمون) وصلى الله على محمد وآله. شيخ مذكور در تنقيد طريق فكر واستدلال وتشييد طريق كشف وشهود كلام خود را بنهاية رسانيده است بنحويكه موجب حيرت وشبهه جمعى گرديده لذا مستدعى جواب شافي از جضرتعالى هستم كه كاملا رف شبهه نمائيد. جواب بسم الله تعالى شانه وله الحمد بسيار شگفت وتعجب است از كسيكه ادعاء فضل وكمال نمايد وخود را از اهل وجد وحال داند وگمان نمايد كه پايه فكر واستدلال برظن وگمان وتخمين وجزاف است چه واضح وروشن است كه مرجع استدلال وفكر بكشف مجهولات نظريه از معلومات بديهيه است وبديهى است كه كشف مجهولي از معلومى صورت نگيرد مگر اينكه وجود هريك ملازم وجود ديگرى باشد وملازمه ميان وجود هريك باديگرى بيكى از دو وجه است ياباينكه احدهما علت ديگرى باشد خواه معلوم معلول باشد كه از أو پى بوجود علت برد مثل پى بردن از وجود مصنوعات بوجود صانع حكيم وخواه معلوم علت باشد كه از أو پى بوجود معلول برد مثل پى بردن از حكمت حكيم على الاطلاق باينكه افعال أو همه بر طبق حكمت وصواب است اگر چه عارف فعلى أو نباشد يا باينكه هر دو معلول يك علت باشد مثل پى بردن از ديدن دود بحرارت هواء

[ 262 ]

مجاور آن ولذا منحصر نموده اند اهل نظر دليل را درانى يعنى از معلول پى بردن بعلت ولمى يعنى از علت پى بردن بسوى معلول وپى بردن از احد معلولي علت واحده بمعلول ديگر مركب از ان ولم است وخالى از هر دو نيست وبديهى است كه از علت پى بردن بسوى معلول وبالعكس موجب علم ويقين است نه ظن وتخمين وهرگاه پايه فكر واستدلال برظن وتخمين بود خداوند عزو جل مدح تفكر وتدبر را در كلام مجيد خود نميفرمود وحال اينكه در ايات بسيار امر بتفكر نموده است ومدح فرموده است اهل تفكر وتدبر را وذم نموده است كسانى را كه تفكر وتدبر نمينمايند ونهايت عجب وشگفتى اين است كه باكثرت آيات كريمه واخبار شريفه در مدح تفكر هيچكدام بنظر شريف ايشان نرسيده با ادعاء مرتبه جليله ازكشف وشهود وترنم بشعر حافظ ودعوى برابرى با حضرت مسيح عليه السلام. پس از اين بيانات منكشف گرديد كه مثل اهل فكر واستدلال مثل بصير وسميع است نزد خداوند متعال والا مدح آنها را نمى فرمود واعمى واصم مثل تاركين تفكر وتدبر است وايات ديگرى را كه در اين باب استشهاد نموده است بهيچوجه ارتباط باهل استدلال ندارد بلى آيات مزبوره صادق بر اهل قياس واستحسان ميباشد واحدى از علماء امامية عامل بآنها نيست. شايد كسى از طرف شيخ زاهد گيلانى اعتراض نمايد وبگويد هرگاه پايه استدلال بر علم ويقين است نه ظن وتخمين اين اختلافات در ميان مردم از كجا پيدا شده بعضى قائل بجبر وبعضي قائل بتفويض وبعضي قائل باختيار وامر بين الامرين بعضى مجسمه اندو بعضى حلوليه الى غير ذلك از اختلافات ميانه فرق مسلمين وغيرهم از اهل كتاب ومشركين وطبيعيين. ميگويم در جواب معترض: اولا - اختلاف مشارب ومسالك اختصاص باهل استدلال ندارد بلكه اهل استدلال ومدعين كشف وشهود هر دو در اختلافات مذكوره شريكند بسيارى از

[ 263 ]

گويند گان اقاويل باطله از جبر وتفويض وتجسم وحلول ووحدة وجود مدعى كشف وشهودند. وثانيا - اختلاف مذاهب ومسالك ناشى از عدم رعاية قاعده استدلال است نه از فساد فكر واستدلال چه قاعده استدلال بطوريكه مبين گرديد آنفا وسابقا مبنى بر اساس متين وپايه رزين است واختلاف وتخلف در أو راه ندارد چه بديهى است كه وجود علت تامه كاشف از وجود معلول است كما اينكه وجود معلول كاشف از وجود علت است پس ناچار اختلاف ناشى از عدم رعايت قاعده استدلال است. مثل قاعده استدلال مثل قواعد حساب است از ضرب وجمع وتفريق وجبر. مقابله وهكذا كما اينكه قواعد مزبوره در غايت متانت واستحكام است واشتباه محاسب احيانا كاشف از فساد قاعده نيست بلكه ناشى از عدم رعايت قاعده است همچنين راجع بقاعده استدلال. وچنانچه معترض اعتراض از وجه ديگر نمايد وبگويد علماء ظاهر ادعاء فوق ظن وگمان در مسائل ندارند ومعترفند كه علم قطعي بمسائل ندارند واعتراف آنها بعدم علم قطعي بمسائل كاشف از اين است كه پايه استدلال آنها بر ظن وگمان است. ميگويم راجع باصول دين واصول مذهب وقواعد عقائد كه مورد بحث ونظر است جميع علما ادعاء علم در انها مينمايند وسواى علم ويقين را كافى نيمدانند وتحصيل علم ويقين را واجب ميدانند واحدى اكتفا بظن در اصول ننموده بلى راجع بفروع احكام بما دون علم قطعي اكتفا مينمايند در صورتيكه اعتبار آن بعلم قطعي ثابت شده باشد مثل بينه وسائر امارات واصول معتبره وبديهى است كه اخذ بامور بعلم قطعي اتباع علم وركون بيقين است نه ركون بظن وتخمين. باز هرگاه معترض نمايد از وجه ديگر وبگويد خبر شريف: " العلم

[ 264 ]

ليس بكثرة التعليم والتعلم بل نور يقذفه الله في قلب من يشاء ". دليل بر اين است كه علم از مقدمات استدلال حاصل نمى شود وقذفي واشراقى وموهوبى است از جانب حضرت حق پس معلوم ميشود كه علم حاصل نميشود مگر بكشف وشهود. ميگويم معنى حديث شريف اين است كه عطاء علم كه طعام ورزق روحاني روح است مثل رزق جسم است كه عطاء آن بمشية وتقدير حضرت حق است وتكثير مقدمات موجب ازدياد نتيجه نيست بلكه كافى است در حصول آن ترتيب مقدمات بمقدار متعارف وعمده چيزيكه موجب ازدياد نتيجه است اخلاص وتوجه بمبدأ فياض على الاطلاق است. پس حديث شريف ناظر است باينكه طالب علم بايد توفيق وتاييد را از پروردگار عالم طلب نمايد نه اينكه پايه استدلال بر ظن وگمان است واز اين بيانات متبين گرديد كه پايه استدلال بحكم صريح عقل بر اساس محكم ومستحكم استوار است وبهيچوجه خلل پذير نيست ومير داماد (قدس سره) در جواب ملاى رومى بنظم در آورده. بيت: أي كه گفتى پاى چوبين شد دليل * * ورنه بودى فخر رازى بى بديل فرق ناكرده ميان عقل ووهم * * طعنه بر برهان مزن أي كج بفهم هست در تحقيق برهان أو ستاد * * داده خاك خرمن شبهه بباد در كتاب حق اولوا الالباب بين * * وان تدبر را كه كرده است آفرين زاهن تثبيت فياض مبين * * پاى استدلال كردم آهنين پاى برهان آهنين خواهى براه * * از صراط المستقيم ما بخواه وكمال تعجب وشگفتى از سيد قطب الدين نيريزى است كه بعضى أو را از اكابر عرفاء واقطاب سلسله ذهبيه شمرده اند ومع ذلك متنبه بكلام مير داماد نشده وپاسخ داده أو را وبنظم آورده. بيت: أي كه طعنه ميزنى برمولوى * * أي كه محرومي زفيض مثنوى

[ 265 ]

گر تو فهم مثنوى ميداشتى * * كى زيان طعنه مى افراشتى گر چه سستيهاى استدلال عقل * * مولوى در مثنوى كرده است نقل ليك مقصودش نبوده عقل كل * * زانكه أو هادى است در كل سبل بلكه قصدش عقل جزئي فلسفي است * * زانكه أو بى نور حسن يوسفى است وجواب قطب اولا مربوط بمطلب نيست چون كلام در پايه استدلال است كه بر يقين استوار است يا بر ظن نه در صحت حكم عقل وادراك أو است كه فرق گذاشته شود ميانه عقل كلى وجزئي. وثانيا حكم عقل مطلقا مطابق با واقع است وصحيح است خواه جزئي وخواه كلى وآنچه باطل است حكم وهم است وميزان مائز ميان حكم عقل ووهم نيست مگر قانون استدلال پس هر ادراك وحكميكه عرضه شد برقانون استدلال ومطابق در آمد صحيح است وحكم عقل است والا حكم وهم است وباطل پس اسناد وملاك صحت وبطلان نيست مگر برهان كما اينكه مير (قدس سره) تنبيه بر آن فرموده اين تمام كلام است در رفع تنقيد از طريق استدلال بر گرديم ببيان حال كشف وشهودي كه شيخ زاهدى گيلانى مدح فائقي از آن نموده، ميگويم: بعون الله تعالى ومشيته هرگاه پايه كشف وشهود بر علم ويقين باشد بايد تمام مكاشفات اهل كشف بصواب وبر حق باشد وحال اينكه ادعا كنندگان كشف وشهود در كشف وشهود خود مختلفند مثل اختلاف اهل استدلال پس ناچار بايد ميزاني در بين باشد كه صواب را از خطا امتياز دهد بديهى است كه نفس كشف ميزان صحت وبطلان نخواهد بود چون هريك بمصداق آيه كريمه (كل حزب بما لديهم فرحون) از كشف خود خوشنود ميباشند پس بايد طرفين مراجعه نمايند بحكمى كه معتمد طرفين باشد. وبديهى است كه حكمي كه مورد تصديق واعتماد طرفين باشد نيست مگر عقل كه حجت در أو بين است وحكومت وفيصله عقل نيست مگر بتطبيق بر برهان ودليل

[ 266 ]

پس هر كشفي مطابق با دليل آمد حكم بصحت آن مينمايد والا فلا پس ظاهر شد بحمد الله تعالى كه امر كشف استقامت پيدا نخواهد نمود مگر بمراجعه بطريق استدلال فعلى هذا سزاوار است كه گفته شود. پاى استكشافيان چوبين بود * * پاى چوبين سخت بى تمكين بود وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

[ 267 ]

(فائدة - 38) طبيعي - تصديق بوجود غير محسوسات نداريم وموجودات را منحصر ميدانيم در محسوسات. موحد - عقلا وحكما طبق حكم عقل ميزاني مقرر نموده اند از براى تشخيص قول صحيح وفكر صائب از قول باطل وفكر خطا وعلم متكفل شرح اين ميزانرا علم منطق وعلم ميزان ناميده اند آيا جماعت طبيعيين اين ميزانرا تصديق دارند يا عقيده آنها اين است كه ميزان صواب وخطائى نيست. طبيعي - ساكت ماند: موحد - هر طرفرا بگيريد وملتزم شويد منافى بانظر شما است هرگاه بگوئيد ميزاني از براى تشخيص صواب وخطاء افكار واقوال نيست بايد توقف در جميع مسائل نظريه نمائيد واختيار راى واظهار نظر در آنها ننمائيد واز جمله آنها ظهور موجودات از طبيعت يا از تدبير مدبر حكيم است وحصر موجودات در محسوسات فعلى هذا بايد در مرحله اعتقاد توقف نمائيد وانكار اعتقاد موحد ننمائيد وعملا تابع عقيده موحد باشيد چه وجوب تحرز از ضرر وخطر محتمل از جمله مستقلات عقليه بل مجبول طباع است. وهر گاه ميزان صواب وخطاء افكار وانظار را تصديق داريد وهر عاقلي ناچار

[ 268 ]

است از تصدبق آن چه مرجع آن بملازمه ميان علت ومعلول وعدم جواز انفكاك احدهمااز ديگرى است وبديهى هر صاحب فطرتي است ثبوت ملازمه بلكه مرجع ثبوت ملازمه بثبوت علية. معلولية است وخلاف فرض است. فعلى هذا بايد تصديق نمائيد وجود صانع حكيم را چون وجود عالم معلول از مشية وجود صانع حكيم است وروا نيست كه بگوئيد ما بنا گذاشته ايم براينكه تصديق نكنيم وجود غير محسوس را چه عقل مجبور مينايد بواسطة وجود معلول باينكه تصديق نمايد بوجود علت خواه محسوس باشد وخواه غير محسوس وغلط است بنا گذاشتن بر خلاف حكم عقل وايضا قول بطبيعت واستناد وجود اشياء بطبيعت مناقض است با التزام بحصر موجود در محسوس زيرا كه طبيعت هم مثل مدبر حكيم محسوس نيست بنفسهاو محسوس آثارى است در خارج كه طبيعي أو را مستند بطبيعت ميدانند وموحد بتدبير مدير حكيم. وايضا مقصود از محسوس خصوص مبصرات است يا مطللق محسوس بحواس خمس ظاهره. هر گاه خصوص مبصرات مقصود باشد لازم ميايد كه انكار وجود اصوات وطعوم وروائح وحرارت وبرودت نمايد زيرا كه هيچكدام محسوس بحس بصر نيست وهرگاه مطلق محسوس بحواس خمس ظاهره مقصود باد لازم ميايد كه صفات نفسيه از قبيل علم وعدالت وشجاعت وامانت واضداد آنها را انكار نمايد زيرا كه هيچكدام محسوس بحواس خمس ظاهره نيست وانكار هر يك انكار اوائل بديهيات است بلكه فطرة مجبول است بر تصديق وجود صفات نفسيه بسبب وجود آثار آنها در خارج. طبيعي - حكم عقل مارا مجبور مينمايد براينكه ميزان صواب وخطا را تصديق نمائيم ووجود غير محسوس راهم تصديق نمائيم در صورت وجود آثار آن در خارج لكن ناچار نيستيم از اينكه تصديق نمائيم وجود مدبر حكيم را از براى عالم چه جائز است كه بروز وجود اشياء از طبيعت باشد كما اينكه جائز است از مشية خالق حكيم باشد.

[ 269 ]

موحد - اولا پس از تسليم احتمال امرين عقل وفطرت حكم مينمايد بوجوب تحرز از ضرر وخطر محتمل ومقتضاي تحرز از ضرر محتمل اين است كه انكار صانع عالم ننمايد وعملا تابع موحد باشد ودر طلب تحصيل علم ويقين باشد وتكبر نورزد از ملاقات موحدين واستماع براهين آنها وتدبر وتفكر در كلام آنها ومسلم است كه در اينصورت هدايت خواهد يافت وهر كدام كه ترك وظائف مذكوره نمايد وبر الحاد خود باقى باشد معذور نيست. وثانيا بطلان بروز وجود اشياء از طبيعت در كمال وضوح است زيرا كه طبيعت قائم بمواد اشيااست ووجود أو تابع وجود اشياء است ومعقول نيست طبيعت كه وجود أو فرع وجود اشياء است موجد آنها باشد والا دور صريح لازم ميآيد وبطلان دور از ابده بديهيات واوضح واضحات است. طبيعي - ما نميگوئيم طبيعت مواد اشياء را وجود ميدهد تا دور لازم آيد بلكه ميگوئيم مواد اشياء كه عبارت از ذرات باشد قديم است ووجود آنها ذاتي است ومستند بغير نيست واز براى اين عالم دو اصل قديم قائل شده ايم ذرات وطبايع آنها وصور مختلفه ذرات حادثند واز طرف طبيعت پيدا خواهند شد. مثلا ميگوئيم ذرات منى قديم است وصورت منويه از طرف طبيعت پيدا ميشود أو لا وپس از آن بسبب طبيعت منويه صورت علقيه وپس از آن بسبب طبيعت علقيه صورت مضغيه وپس از آن بسبب طبيعت مضغيه متبدل بعظام ميگردد وگوشت بر آنها پوشيده ميشود وهكذا تا بحد كمال خود برسد پس از آن باز بتصرف طبيعت بر ميگردد بحالت نكس وضعف. موحد - عقيده شما از چند وجه فاسد است. اول اينكه تغير واختلاف صور ذرات علامت حدوث ذرات وپيدايش آنها از كتم عدم است چه واضح است كه هر جسمي چه صغير وچه كبير وجود ندارد مگر با خصوصيات مشخصه از حيث صورت وشكل وسائر خصوصيات چه بديهى

[ 270 ]

است كه " الشئ ما لم يتشخص لم يوجد " كما انه ما لم يوجد لم يتشخص فعلى هذا هرگاه ذرات قديم باشد بايد خصوصيات مشخصه هم قديم باشد وتغير وتبدل واختلاف در أو راه نداشته باشد وهرگاه خصوصيات مشخصه حادث باشد ذرات هم كه وجود آنها بوجود مشخصات بسته است حادث است وتفكيك بين ذرات وصور آنها در قدم وحدوث تصور ندارد پس حدوث صور بسبب تغير آنها دليل بر حدوث ذرات است. پس از اينكه واضح گرديد حدوث ذرات مجالي نمى ماند از براى قدم طبايع قائمه بانها چه واضح وظاهر است كه ممكن نيست قيام قديم بحادث واحتياج أو بوجود حادث بلكه احتياج وجود شيئى بوجود ديگرى باقدم وذاتي بودن وجود أو جمع نميشود خواه محتاج إليه حادث باشد يا قديم چه واضح است كه وجود محتاج تابع وفرع وجود محتاج إليه ميباشد وقديم وجود أو از خود است وتابع وجود غير نيست. دوم - اختلاف طبائع ذرات باختلاف صورت منويه وعلقيه ومضغيه وهكذا منافى با قدم طبيعت است چه ذاتي وقديم اختلاف وتخلف در أو راه ندارد وفارق ميان حادث وواجب وممكن وقديم همين است كه اختلاف وتخلف از خواص حادث وممكن است ودر واجب وقديم راه ندارد. اگر گفته شود كه ذرات بر طبيعت اصليه خود باقى است ولكن باختلاف صور مختلفه آثار أو مختلف ميگردد. ميگويم اختلاف صور در اين صورت تصور ندارد مثلا هرگاه طبيعت اوليه ذرات كه اقتضاء منويه دارد باقى باشد محال است تبدل صورت منويه بصورت علقيه زيرا كه معقول نيست كه طبيعت واحده مقتضى حدوث صورت منويه وزوال وتبدل آن بصورت علقيه باشد. سوم - اينكه جائز نيست كه طبيعت منويه را علت صورت علقيه وطبيعة علقيه

[ 271 ]

را علت صورت مضغيه وهكذا قرار دهيم چون لبس هر صورتي پى از خلع صورت سابقه است ومحال است حدوث معلول پس از انعدام علت پس توهم عليت ميان صور متعاقبه باطل است وصور متعاقبه كه لبس هر صورتي پس از خلع صورت ديگرى است از قبيل معدات است نظير اقدام متتابعه كه وجود تالى آن موقوف بر انعدام سابق آن است ولا حق آن معلول از سابق نيست بلكه وجود جميع مستند بمؤثر ديگرى است. چهارم اينكه قطع نظر از محذور سابق باز معقول نيست كه طبيعت منويه مثلا علت موجده صورت علقيه وطبيعت علقيه علت موجده صورت مضغيه وهكذا باشد چون هر مرتبه لاحقه كمالي است نسبة بمرتبه سابقه ومعقول نيست كه مرتبه ضعيفه كه فاقد كمال مرتبه لاحقه است معطى مرتبه لاحقه باشد. ذات نا يافته هستى بخش * * كى تواند كه شود هستى بخش بلى مرتبه ضعيفه قبول لبس كمال را دارد ومجرد قبول لبس كمال موجب حدوث كمال نخواهد بود مثلا فلز طلا كه قابل صور زيودهاى گوناگون است وفلز آهن كه قابل صور آلات متعدده است جائز است كه بگوئيم مجرد صلاحيت وقابليت آنها لبس صور مختلفه را موجب حدوث صورتي از صور زيور والات شده است بدون عمل زرگر وآهنگر كلاثم كلا حاشا ثم حاشا پس لبس كمال پس از نقص وضعف مستند بكامل بالذاتي است كه عطا مينمايد كمال اشياء را حسب حكمت ومشيت واراده خود. پنجم عروج انسان وحيوانات ونباتات وسائر موجودات از حضيض نقص باوج كمال متدرجا وهبوط آنها از ذروه كمال بحضيض نقص متدرجا ايضا منافى باقدم طبيعت وذاتي بودن آن است زيرا كه هرگاه طبيعت قديم باشد زوال در أو راه ندارد وبابقاء طبيعت وعدم زوال آن عود بضعف ونقص تصور ندارد زيرا طبيعتي كه مقتضى كمال است محال است كه موجب ضد آن گردد.

[ 272 ]

پس عروج باوج كمال وهبوط بحضيض ضعف ونقصان دليل بر اين است كه طبائع متعدده متدرجا در موجودات پيدا ميشود وودائعى است از طرف حضرت بارى جل جلاله كه بحسب حكمت طبيعتي را ايجاد ميفرمايد پس از طبيعتي ودائما موجودات در خلع ولبس ميباشند وخلع طبيعتي ولبس طبيعتي شاهد است روشن بر اينكه پيدايش اين عالم مسبوق به نيستى است وبمشية صانع حكيم وجود يافته ومسخر تدبير حضرت حق است جلت آلائه. ششم اينكه دميدن روح وروان در انسان وحيوانات مربوط بذرات واختلاف صور آنها بهيچوجه نيست بلكه خلق اخرى است كه انشاء فرموده آنرا خداوند متعال پس از تكميل جسد انسان وحيوان وتاثيرى ندارد در أو طبع ذرات ومواد فتبارك الله احسن الخالقين.

[ 273 ]

(فائدة - 39) مناظره باشخص هندي در نبوت خاصه سيد انبياء صلى الله عليهم وآله قبل ازملاقات أو شخصي كه از طرف أو آمده بود بجهة اجازه گرفتن ملاقات اظهار داشت كه منظور أو اين است كه نبوت خاصه را بدليل عقلي اثبات نمائيد وبدليل نقلى قناعت نمينمايد وكافى نميداند. لذا در وقت ملاقات بجهت رفع اين شبهه قبل از اينكه أو سئوالى نمايد اظهار داشتم كه درك اشياء نسبت بحواس خمس ظاهره مختلف است درك بعضى اختصاص بحس باصره دارد وبعضي بحس سامعه وبعضي بحس ذائقه وبعضي بقوه شامه وبعضي بقوه لامسه هرگاه بنائى در حسن تركيب وكمال زيبائى است مثلا وشخصي فاقد بصر است يا انكه چشم خود رامى بندد وميگويد حسن تركيب اين بنيان بقوه سامعه يا ذائقه يا شامه بمن برسانيد وتصديق حسن بناء نمى نمايم مگر اينكه بيكى از حواس سه گانه درك نمايم ايا مورد ايراد بيوجه گرفته يا طرف عجز از اثبات آن دارد گفت مورد ابرام بيمورد گرفته. وهمچنين گفتم صدائى بلحن خوش شنوده ميشود وطرف فاقد قوه سامعه است يا پنبه در گوش ميگذارد وميگويد صدا را ميخواهم بقوه باصره يا ذائقه يالامسه برسانيد آيا ايراد أو بيجا است يا اينكه طرف عجز از اثبات دارد گفت أو ايراد بيجا گرفته همچنين مثلهاى ديگر بجهة توضيح ذكر نمودم در همگى اعتراف نمود كه ايراد

[ 274 ]

بيجا از طرف مورد است سپس گفتم بعض اشياء كه بهيچكدام از حواس خمس ظاهره درك ميشود مثل علم وعدالت وشجاعت وامثال آن از صفات نفسيه ودرك آنها بتوسط آثارى است كه بيكى از حواس پنجگانه محسوس ميشود مثل علم زيد بفقه يا بصنعتي مثلا كه درك نميشود مگر بقوه باصره باعتبار ديدن مؤلفات أو يا صنعت أو يا بقوه سامعه باعتبار شنيدن جواب أو از مسائل معضله وهمچنين راجع بسائر صفات نفسيه. پس هرگاه بگوئيم كه زيد عالم بعلم فقه است يا فلان صنعت وعمر وبگويد كه من تصديق نميكنم مگر اينكه علم اورا بحس بصر يا سمع يا ذوق ياشم يا لمس درك كنم وبتوسط آثار تصديق نميكنم آيا أو ازاد بيمورد گرفته وعجز در طرف است كه نميتواند اورا بحواس ظاهره أو برساند گفت أو ايراد بيوجه گرفته وعجز در طرف نيست گفتم همچنين نبوت خاصه كه مرتبه رفيعه وشان الهى است كه خداوند عزو جل اورا مرحمت فرموده بكسيكه اورا لايق اين شان واين مرتبه ديده ومثل أو مثل علم است كه بهيچ يك از حواس خمس ظاهره درك نميشود ولكن درك ميشود بتوسط قوه باصره بسبب ديدن معجزات صادره از أو يابتوسط قوه سامعه باعتبار شنيدن اخبار متواتره راجعه بصدور معجزات وخوارق عادات ازاو. وهرگاه كسى بگويد كه نبوت خاصه را تصديق نيمكنم مگر اينكه عقل تصديق نمايد بدون توسط معجزات محسوسه بحس بصريا بحس سمع آيا ايراد بيموردى گرفته يا ما عجز از اثبات آن داريم. گفت نه أو ايراد بيموردى گرفته گفتم پس چرا شما ايراد گرفته ايد كه نبوت خاصه را ميخواهم بدليل عقلي ثابت نمائيد با اينكه دليل نقلى هم راجع بدليل عقلي است ومقابله دليل نقلى با دليل عقلي نه باعتبار اين است كه عقل دليل نقلى را تصديق ندارد بلكه باعتبار اين است كه دليل نقلى محتاج بمقدمات نقليه است در مقابل دليلى كه محتاج بمقدمات نقليه ندارد والا هر دو مورد تصديق عقل است خلاصه اينكه عقل

[ 275 ]

درك ميكند كليات را بدون توسط مقدمان ولذا حكم مينمايد بوجوب نبوت مطلقه بر خداوند حكيم بمقتضاى حكمت ولكن شخص نبى را نميتواند معين نمايد مگر بتوسط آثار مشهوره از معجزات وخوارق عادات وسائر شواهد نبوة. گفت من همچه ايرادي نگرفته ام ولكن گفته ام فصاحت وبلاغت وقران مجيد را كه حجت نبوت قرار داده اند كافى نيست گفتم چرا كافى نيست گفت بجهت اينكه اعراب يا معرفت فصاحت وبلاغت قران مجيد را داشتند كه تصديق نمودند يا نداشتند هرگاه معرفت انرا داشتند چگونه عاجز شدند از اتيان بمثل آن چون عارف بصنعت عاجز نيست از اظهار صنعت خود وهرگاه عارف نبودند تصديق بدون تصور ومعرفت حجت نيست. گفتم جواب از اين شبهه خيلى سهل واسان است تصديق آنها با معرفت بوده ولكن با معرفت اجمالي نه تفصيلي لذا قادر بر اتيان بمثل قران مجيد نبودند وهنچنين است تصديق در سائر صنايع وعلوم هرگاه شخصي دو بنا را مشاهده نمايد كه يك بناء آن در كمال حسن وزيبائى است وبناء ديگر مطابق آن نيست بالضرورة ترجيح ميدهد بناء احسن را برديگرى با اينكه خود بنا نيست وهمچنين دو منسوج را مى بيند كه نسج يكى در كمال است ونسج ديگرى ضعيف است بالبداهة منسوج كامل را ترجيح ميدهد با اينكه ترجيح دهنده نساج نيست وقدرت برنسج ندارد. وهمچنين شعر فردوسي وسعدى وحافظ را كه موازنه نمائي با شعر فلان كه شعريت أو ناقص است بالفطره درك ميكنى كه شعر فردوسي يا سعدى يا حافظ رديف شعر فلان نيست ومع ذلك اهل شعر نيستى كه قدرت بر انشاء شعر مثل شعر فلان داشته باشى. واين شبهه بسيار شبهه واهيه است ودر زمان سيد مرتضى علم الهدى اعلى الله مقامه اين شبهه عرضه برسيد (قدس سره) شده است وجواب از آن بنحويكه عرض كرديم داده است وعجب است از شما كه اين شبهه واهيه را بزرك شمرده ايد

[ 276 ]

سپس گفتم با اينكه معجزه بودن فصاحت وبلاغت قران مجيد در كمال وضوح وظهور است وشبهه مذكوره در كمال وهن وضعف است بنحويكه قابل توجه نيست ثبوت نبوت خاتم انبياء (ص) موقوف بر آن نيست وطرق اثبات نبوت بسيار است وفصاحت وباغت قران مجيد يكى از آن طرق است واز جمله طرق دستورات دين اسلام در ابواب عبادات. معاملات از عقود وايقاعات واحكام وسياسات از مواريث وحدود وديات وهكذا ميباشد كه هر عاقلي نظر در آن نمايد تصديق ميكند كه در كمال اتقان واحكام است وچيزى در أو فروگذار نشده وبديهى است كه تأسيس همچه دستور كاملى از شخص امى كه از احدى فرا نگرفته علمي راونشو ونماء أو در مشركين مكه بوده كه عارى از علم وادب بوده اند حجة واضحه ودليل روشنى است بر اينكه نيست اين مگر از خداوند متعال والا بشر عادى امى چگونه ميتواند تأسيس دستوراتى در هر باب نمايد بطوريكه حكماء اعصار اعتراف بكمال حكمت اتقان آن دستورات نمايند واظهار عجز از احاطه بتمام حكم آن نمايند. گفت امى بودن پيغمبر (ص) را ثابت نمائيد از غير تواريخ مسلمين وتواريخ مسلمين را در اين باب قبول ندارم. گفتم اولا امى بودن آن جناب كالشمس في رابعة النهار است از براى كسيكه بسير وتواريخ حالات آن جناب از زمان تولد تا زمان بعثت رجوع نمايد وهرگاه اختلافي در امى بودن پيغمبر (ص) بود هر آينه كسانيكه در مقام معارضه بودند از مشركين واهل كتاب خلاف آنرا اظهار ميكردند وحال آنكه نقل خلاف از احدى از آنها نشده. وثانيا اثبات مينمايم امى بودن آنجناب را از كلام اعدا عدو آن جناب كه مشركين مكه باشند آيه كريمه (ولقد نعلم انهم يقولون انما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين) كه جزء سوره نحل است وسوره

[ 277 ]

نحل مكيه است دلالت ميكند بر اينكه مشركين مكه گفتند ديگرى تعليم ميدهد پيغمبر را واز طرف پروردگار نيست هرگاه پيغمبر امى نبود نزد آنها وتحصيل از علماء كرده بود نسبت تأليف قرانرا بخودش ميداند ومحتاج نبودند كه نسبت بديگرى بدهند ونيست اين مگر بجهت علم واطلاع آنها براينكه پيغمبر (ص) امى است واز احدى تحصيل نكرده است وخداوند عزوجل رد گفته آنها فرمود باينكه لسان ان كسى كه تعليم قرآنرا باو نسبت ميدهند عجمى است وقران عربي آشكار است در كمال فصاحت وبلاغت وهرگاه اين نسبت را نداده بودند خلاف انرا اظهار ميكردند قطعا. وايضا دليل ديگر بر ثبوت نبوت آن جناب اخبار متواتره بر ظهور معجزات بسيار از آن جناب از قبيل تسبيح سنگريزه در كف مبارك آن جناب وتكلم حيوانات با آن جناب واحياء موتى وسائر معجزات مشهوره كه فوق حد احصاء است وعلاوة بر اخبار متواتره شاهد وحجت قاطعه بر ظهور معجزات بسيار از آن جناب ذكر قصص انبياء سلف در كتاب مجيد واثبات معجزات از براى آنها بل معجزات متعدده از براى بعضى آنها مثل حضرت موسى وعيسى سلام الله عليهما. توضيح اين مطلب اينكه شبهه نيست كه آن جناب دعوى نبوت ورسالت نمود وادعا نمود كه قران مجيد كلام پروردگار است كه بتوسط امين وحى بر أو نازل شده ودر كتاب مجيد قصص جمعى از آن ها را مشروحا بيان فرموده با معجزات ظاهره باهره از آنها وبديهى است كه هرگاه صاحب معجزات باهره نبود وقدرت بر اظهار آنها نداشت وبكذب ادعاء نبوت نموده بود تصديق معجزات انبياء سلف را در كتاب مجيد خود نمى نمود كه موجب افتضاح أو شود كما اينكه طائفه بابيه خذلهم الله بادعاء نبوت انكار صدور معجزه از انبيا نموده اند. خلاصه اينكه تصديق معجزات انبياء سلف على نبينا وآله وعليهم السلام در

[ 278 ]

كتاب مجيد كه معجزه خود قرار داد كاشف قطعي است از قدرت آن جناب بر اظهار معجزات وصدور آنها از آن جناب وفى الحقيقة ذكر حالات واوصاف انبياء سلف در كلام مجيد معرف شان پيغمبر خاتم (ص) است كما اينكه ذكر اوصاف اوصياء انبياء سلف در قران مجيد معرف شان اوصياء آن جناب است بيت خوشتر آن باشد كه وصف دلبران * * گفته آيد در حديث ديگران وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

[ 279 ]

(فائدة - 40) سؤال - مولانا اهل عرفان واصحاب سير وسلوك ميگويند كه اگر انسان از راه خرد وفكر بواقع برسد تازه دانش است نه بينش وعمده آن است كه انسان بمقام بينش برسد وبينش حاصل نميشود مگر بطريق رياضت وتصفيه نفس كه طريقه صوفيه است پس طريق صوفيه در تحقيقي حقائق وتكميل نفوس اكمل واتم وارفع واعلى از طريق اهل استدلال است مثنوى هر كه در خلوت به بينش يافت راه * * شحنه بيچاره در كنجى خزيد عشق آمد عقل أو آواره شد * * صبح آمد شمع أو بيچاه شد وحاصل نميشود مقام عشق وجذب در شخص مگر بتوسط رياضت وتصفيه نفس بنحويكه اشتباه در أو راه نداشته باشد مثل بينش حس بصر كه در أو اشتباه راه ندارد ادعائي است جزاف چه واضح وروشن است كه اهل رياضت وادعاء كنندگان كشف در هر مذهبي وملتى هست وهر يك دعوى بينش مينمايند بر طبق

[ 280 ]

مرام خود وممكن نيست كه همه بصواب ديده باشند. پس بينش كشفي مثل بينش فكرى است كه خطا واشتباه در أو راه دارد كما اينكه دستگاه علم ووهم در افكار راه دارد همچنين در كشف كشف رحماني وشيطانى وخيالات نفساني راه دارد وناچار است از اينكه ميزان صواب وخطائى در بين باشد كه صواب را از خطا وصحيح را از باطل تمييز دهد واين ميزان نيست مگر برهان ودليل كما اينكه توضيح أو را در جواب سؤال سابق داده ايم فعلى هذا ماداميكه بينش اهل كشف عرضه بر برهان داده نشده ومطابقت آن بار برهان معلوم نشده حكم بصحت آن نميشود. پس معلوم شد كه عمده علم حاصل از برهان ناست كه ميزان حق وقسطاس مسقيم است نه درك حاصل از رياضت كه مثل أو مثل خواب است كه گاهى خواب رحماني است وصدق است وگاهى خيالي وخيال محض است وگاهى شيطاني وكذب است پس اعتمادي بر كشف نيست مگر آنچه راست ومطابق با برهان ودليل آيد واما مقام عشق پس آنچه بر خلاف ميزان عقل است جهل است وباطل وآنچه وفق عقل است مرتبه فعليت وكمال عقل است نه اينكه مقابل با عقل است وفوق اواست تا مزاحم عقل گردد وگفته شود كه حاصل نمى شود اين مرتبه مگر از رياضت وتصفيه راه ندارد ادعائي است جزاف چه واضح وروشن است كه اهل رياضت وادعاء كنندگان كشف در هر مذهبي وملتى هست وهر يك دعوى بينش مينمايند بر طبق

[ 280 ]

مرام خود وممكن نيست كه همه بصواب ديده باشند. پس بينش كشفي مثل بينش فكرى است كه خطا واشتباه در أو راه دارد كما اينكه دستگاه علم ووهم در افكار راه دارد همچنين در كشف كشف رحماني وشيطانى وخيالات نفساني راه دارد وناچار است از اينكه ميزان صواب وخطائى در بين باشد كه صواب را از خطا وصحيح را از باطل تمييز دهد واين ميزان نيست مگر برهان ودليل كما اينكه توضيح أو را در جواب سؤال سابق داده ايم فعلى هذا ماداميكه بينش اهل كشف عرضه بر برهان داده نشده ومطابقت آن بار برهان معلوم نشده حكم بصحت آن نميشود. پس معلوم شد كه عمده علم حاصل از برهان ناست كه ميزان حق وقسطاس مسقيم است نه درك حاصل از رياضت كه مثل أو مثل خواب است كه گاهى خواب رحماني است وصدق است وگاهى خيالي وخيال محض است وگاهى شيطاني وكذب است پس اعتمادي بر كشف نيست مگر آنچه راست ومطابق با برهان ودليل آيد واما مقام عشق پس آنچه بر خلاف ميزان عقل است جهل است وباطل وآنچه وفق عقل است مرتبه فعليت وكمال عقل است نه اينكه مقابل با عقل است وفوق اواست تا مزاحم عقل گردد وگفته شود كه حاصل نمى شود اين مرتبه مگر از رياضت وتصفيه نفس بلى اخلاص در عمل كه اشد مراتب عبوديت واكمل درجات بندگى است تأثير تامى رد مقام جذب دارد كه تعبير از أو در لسان صوفيه بمقام عشق شده است عصمنا الله وإياكم من الزلل في القول والعمل وصلى الله على محمد وآله الطاهرين حرره الاحقر علي الموسوي البهبهانى

مكتبه اشد مراتب عبوديت واكمل درجات بندگى است تأثير تامى رد مقام جذب دارد كه تعبير از أو در لسان صوفيه بمقام عشق شده است عصمنا الله وإياكم من الزلل في القول والعمل وصلى الله على محمد وآله الطاهرين حرره الاحقر علي الموسوي البهبهانى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية