الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




العناوين الفقهية - الحسيني المراغي ج 1

العناوين الفقهية

الحسيني المراغي ج 1


[ 1 ]

العناوين تأليف الفقيه المحقق الاصولي المدقق السيد مير عبد الفتاح الحسينى المراغى (قدس سره) المتوفى سنة 1250 ه‍ الجزء الاول مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

العناوين (ج 1) تأليف: السيد مير عبد الفتاح الحسيني المراغي الموضوع: اصول عدد الصفحات: 584 تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي المطبوع: 1000 نسخة التاريخ: 1417 ه‍. ق موسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الصادع بالرسالة محمد المصطفى وعلى أهل بيته امناء الوحي والتنزيل، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين. وبعد، فقد حفلت سيرة علماء الشيعة الأبرار وفقهاء الطائفة الناجية الأخيار رضوان الله عليهم جميعا بالعطاء الوافر في مختلف حقول العلم والماثر بحيث يقصر البيان ويعي اللسان عن وصف الجهود والمتاعب التي تحملها اولئك الأفذاذ في تنقيح المطالب وبلورة الأفكار واستخلاص الجواهر والدرر من بيانات الشرع المقدس كتابا وسنة وتأسيس القواعد وتثبيت الاصول في فنون العلم المختلفة مما سهل على من تأخر عنهم من الباحثين الوصول الى معرفة مذاق الشريعة ومقاصد حملتها وخزانها أهل البيت عليهم السلام، فلله درهم وعلى الله أجرهم. والكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القارئ - مثال صادق لتلكم المساعي والجهود المبذولة، فقد انبرى فقيه الطائفة وفخر الشيعة السيد السند المير عبد الفتاح الحسيني المراغي طيب الله رمسه وقدس الله نفسه لنضد القواعد والاصول المتلقاة من معدن العلم والحكمة ونظم قوانين الفصول التي ينبغي الاستناد إليها في معرفة أحكام الشريعة واستنباط حلالها وحرامها، وسماه

[ 4 ]

ب‍ (العناوين) باسلوب فني متين وبحث استدلالي رصين، الأمر الذي جعل منه المرجع الذي لا يستغني عن النظر فيه كل من تأخر عنه من الباحثين والمحققين والفقهاء والمجتهدين. ونحن - التزاما بالعهد الذي أخذناه على أنفسنا في إحياء تراث علمائنا الأماجد - قررنا طبع هذا الكتاب ونشره بعد إشباعه تحقيقا وتدقيقا وضبطا وتصحيحا وتقويما لمتونه وتخريجا لاياته وأحاديثه وأقواله، وبعد معارضته على النسخ الخطية والحجرية المتوفرة، آملين أن يكون عند حسن ظن المستفيدين منه، سائلين الله عز شأنه للمؤلف الرحمة والغفران، ولمن ساهم في تهيئة هذا الكتاب وتحقيقه - سيما سماحة المحقق حجة الأسلام والمسلمين الشيخ رحمة الله الرحمتي دامت تأييداته والذي كانت له اللمسات الأخيرة على الكتاب مضافا الى ما صدره من ترجمة مختصرة للمؤلف -، المزيد من التوفيق والسداد. وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين. مؤسسة النشر الأسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 5 ]

نبذة من حياة المؤلف: لم يصل إلينا من تاريخ حياته وتفصيل مجاري أحواله - وهكذا نسبه واسرته - إلا ما ذكره بعض أصحاب التراجم والفهرستات، ولم يتيسر لنا مزيد تتبع وفحص، فنكتفي بنقل ما ذكروه: عنونه السيد محسن الأمين في (أعيان الشيعة)، وقال: السيد المير عبد الفتاح الحسيني المراغي: قرأ على أبناء الشيخ جعفر الفقيه النجفي، له العناوين، وتقرير بحث شيخه: الشيخ علي بن الشيخ جعفر الجناجي النجفي تعليقا على الشرائع، وله تقرير بحثه وبحث أخيه الشيخ موسى في الاصول، فرغ منه سنة 1241، وله تقريرات بحث الشيخ موسى على بعض كتب الفقه من الشرائع، وعلى اللمعة وشرحها، تاريخ بعضها سنة (1) 1243. وعنونه العلامة الطهراني في (الكرام البررة) وقال: هو السيد المير عبد الفتاح بن علي الحسيني المراغي، فقيه كبير وعالم جليل، كان من الأجلاء الأعلام والحجج العظام، وهو صاحب (عناوين الاصول) المطبوع الذي ألفه من


(1) أعيان الشيعة 8: 31.

[ 6 ]

تقريرات بحث استاذيه العلمين الشيخ موسى والشيخ علي ابني كاشف الغطاء، وقد فرغ منه في سنة 1246 ه‍، وله من فوائد بحث استاذيه المذكورين مجلدات اخر، منها مجلد في مباحث الألفاظ من الاصول، وآخر في الفقه تعليقا على الشرائع، وثالث في الخيارات والأجارة والغصب وغيرها من الشرائع أيضا، وبعضها على اللمعة وشرحها، وقد فرغ من بعضها في سنة 1243 وفي آخر الأخير - وهو بخطه - مشيخة التهذيب، ورسالة في الموثقين ذكر فيها قرب خمسين رجلا ممن قطع بثقتهم باجتهاده، وبعض فوائد رجالية اخرى، ولذا ترجمناه في (مصفى المقال) قائمة 232 وله رسالة في عمل الدائرة الهندية لتعيين الزوال، وكل هذه المجلدات في (مكتبة الشيخ هادي كاشف الغطاء) في النجف، ومن مجموعها يظهر أن المؤلف من حجج العلم الأثبات، ومعلوم أن وفاته بعد سنة (1) 1246. وعنونه الميرزا المدرس الخياباني في (ريحانة الأدب) وأرخ وفاته في سنة (2) 1250. ومثله الميرزا محمد علي خان تربيت في كتاب (دانشمندان آذربايجان) (3). دراسته وأساتذته: لم يصل إلينا أيضا سير نشأته العلمية بالتفصيل. والمعروف من أساتذته العلمان الفقيهان: (الشيخ موسى) و (الشيخ علي) نجلا الشيخ الكبير كاشف الغطاء - قدس الله أسرارهم - وقد أثنى على الأول في أواسط العنوان الثالث من هذا الكتاب بقوله: (... عند قراءتنا على جناب شيخنا * (وإمامنا الأجل الأوقر والنحرير الأكبر جناب الشيخ موسى بن الشيخ جعفر قدس الله سره). ثم في طليعة العنوان 14 ما يلي: (اشتهر في كلمة الشيخ الوحيد الاستاذ


(1) الكرام البررة، القسم الثاني: 755. (2) ريحانة الأدب 3: 379. (3) دانشمندان آذربايجان: 258.

[ 7 ]

أطال الله بقاه وجعلنا من كل مكروه فداه) والظاهر أن المقصود منه الثاني من استاذيه المعروفين المذكورين. ويبدو من كلام له في أوائل العنوان 35 أنه تتلمذ على الفقيه المجاهد صاحب المناهل المتوفى سنة 1242 ه‍ ق، حيث عبر عنه ب‍ (السيد الأجل الاستاذ السيد محمد الطباطبائي قدس سره). تآليفه القيمة: له مصنفات عميقة ومؤلفات رشيقة: نذكرها بالترتيب حسب ما استفدناه من الذريعة وغيرها. 1 - أخبار إمامة الباقر عليه السلام. 2 - كتاب البيع. 3 - التقريرات. 4 - الحياض المترعة (شرحه على النافع) وقد أشار إليه في هذا الكتاب مكررا، ولم يعنونه العلامة الطهراني مع تضلعه. 5 - رسالة في عمل الدائرة الهندية لتعيين الزوال. 6 - رسالة في الموثقين. 7 - العناوين، وهو الكتاب الحاضر الذي ساعدنا التوفيق بتحقيقه وتنميقه. حول الكتاب: هذا من أبدع تصانيفه وأتقن تآليفه الذي شاع ذكره في محافل العلوم الدينية مدى الزمان وبلغ صيته البلدان، يحتوي على نيف وتسعين عنوانا من القواعد الفقهية المتلقاة عن الصادعين بالشريعة - سلام الله عليهم - المتقنة الاصول، الكثيرة الفروع. ولا يسعنا أن نسطر في تعريف هذا السفر الجليل سطورا أوفى مما أفاده العالم

[ 8 ]

النحرير والمتضلع الخبير الفاضل التنكابني، المقارب لعصر المؤلف، المتوفى: 1302 ه‍ ق. قال قدس سره في (قصص العلماء) في ترجمة الشيخ الكبير كاشف الغطاء - أعلى الله مقامه - ما لفظه بالفارسية: پس از شيخ ولد اكبرش (شيخ موسى) بجاى شيخ نشست وتدريس كرد، كه الحق فقيهى بود فريد ووحيد وتالى وثاني پدرش بود، وتحقيقاتى كه از أو نقل نموده اند در غايت متانت ودقت بود. وچون شيخ موسى عالم فانى را وداع نمود پسر دوم كه (شيخ على) باشد بجاى پدر نشست وتدريس، وتلامذه بسيار در حوزه آن بزرگوار بتحصيل اشتغال داشتند واورا (محقق ثالث) ناميدند. وآنجناب در تأسيس قواعد كليه واستحكام آنها معدوم النظير ودر تفريع فروع مانند پدر بزرگوار وحيد اعصار بود، چنانكه شاهد بر اين مدعا كتاب (عناوين) است كه از تأليفات (سيد فتاح بن على مراغى) است، واو از شاگردان شيخ موسى وشيخ على است، وكتابش مقصور بر تأسيس قواعد كليه فقهيه است وتسجيل آنها را بادله ومواقع جريان آنها وتفريع فروع. وآنكتاب بهتر از (قواعد) شهيد است، چه قواعد شهيد داراى قواعد كليه وتفريع است، ليكن قواعد را بادله اثبات نكرده بلكه بحكم ومصالح انجام داده. وكتاب (عوايد) حاجى ملا احمد نراقى اگر چه داراى قواعد كليه است، اما چند منقصت دارد: اول اينكه تفريع فروع آنكتاب كم است وچندان فروع ندارد. دوم اينكه جميع قواعد را متعرض نشده بلكه گويا داراى نصف قواعد كتاب عناوين است. سوم اينكه بسيار دقايق فلسفيه كرده واكثر قواعد معروفه مسلمه را كه موروثه از اسلاف اشراف فقهاء است بتدقيقات فلسفيه دلالت انداخته واز

[ 9 ]

مذاق فقاهت وفهم عرفى دور افتاده، چنانكه بعضى از اصوليين در اصل برائت واستصحاب وحجيت ظن تدقيقات فلسفيه بسيار كرده واز مذاق فهم عرف بدور افتاده اند، ودر قواعد فقهيه نيز چنين رفتار كرده اند. مجملا كتاب (عناوين) در اين باب امتياز از كتب اتراب دارد، چه قاعده بسيار ذكر كرده، واستحكام آن قواعد بادله بسيار نموده، وتفريع فروع بى شمار كرده، واز مذاق فقاهت وفهم عرف در ادله لفظيه بدور نيفتاده. واكثر تحقيقات آنكتاب از مرحوم (شيخ على) است وبرخى از (شيخ موسى) است چنانكه صاحب عناوين بهمين مضمون اقرار دارد (1). مسلك التحقيق: اعتمدنا في تحقيق الكتاب وتقويم نصه على النسخ التالية: 1 - النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي قدس سره تحت رقم 6966 تاريخ نسخها 1263 وهذه أقدم النسخ كتابة أثبتها نصا وأحفظها من التحريف والتصحيف والزيادة والنقصان. وما يوجد فيها من مسامحات أدبية فالظاهر أنه من قلم المؤلف قدس سره حيث كان مغمورا في المعاني دون الألفاظ. فكان أكثر اعتمادنا على هذه النسخة، ورمزنا إليها ب‍ (ن). 2 - النسخة المطبوعة على الحجر، وعلى رغم ما ادعي في آخرها: (أنها قوبلت مع نسخة الأصل وقد تصدى لتصحيحها جملة من الفقهاء الماهرين في الفن وبذلوا فيه غاية الجهد وسعوا في مقابلتها نهاية السعي) مشحونة بالأغلاط الواضحة والأخطاء المبينة، ومع ذلك قابلنا عليها وتعرضنا لاختلافاتها في غير ما هو المعلوم الخطأ، ورمزنا إليها ب‍ (ف).


(1) قصص العلماء: 183 - 184.

[ 10 ]

3 - النسخة المطبوعة على الحجر تاريخ استكتابها 1297 ه‍ ق، وقد امتازت هذه النسخة بالدقة في التصحيح والصون عن الأغلاط المطبعية إلا ما شذ، لكن في طي المقابلة عليها ظهر لنا: أن أكثر تصحيحاتها كان تبرعيا من المصحح حتى غير بعض العبارات المندمجة التي كانت في الأصل، ولولا أصل الأمانة في التحقيق ولزوم التحفظ على إثبات ما صدر عن قلم المؤلف لجعلناها الأصل في إثبات النص وتقويمه، لكن اقتصرنا منه في مقام الأثبات والترجيح على ما هو المعلوم الخطاء في سائر النسخ، وذكرنا سائر اختلافاتها في ذيل الصفحات، ورمزنا إليها ب‍ (م). 4 - النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة (دانشگاه طهران) المرقمة 831 سمحت لنا بعد إتمام تحقيق الجزء الأول وتنظيم صفحاتها للطبع، فلم نوفق للمقابلة عليها، لكن راجعناها في موارد الاختلاف وجعلنا نصها مؤيدا لما أثبتناه، وهذه النسخة أيضا كثيرة الأغلاط وافرة السقطات، ومع ذلك قابلنا عليها الجزء الثاني بتمامه ورمزنا إليها ب‍ (د). وأما سائر مجهودنا في طريق التحقيق - من بذل السعي البليغ والدقة التامة فيما هو المتداول اليوم: من تقطيع المطالب، ووضع العلائم المستحدثة لتسهيل القراءة والتعاون على الفهم مواضعها، وتخريج المصادر، وتوضيح بعض المبهمات في ذيل الصفحات - يظهر للعالم اللبيب عند المراجعة وللمشتغل الذكي عند المطالعة. ولله الحمد، ولاوليائه المعصومين صلواته وتحياته.

[ 11 ]

صورة الصفحة الاولى من نسخة (ن)

[ 12 ]

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (ن)

[ 13 ]

صورة الصفحة الاخيرة من نسخة " د "

[ 14 ]

صورة الصفحة الاولى من نسخة (م)

[ 15 ]

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة (ف)

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أحمدك على ما ألهمتني سبل السعادة، واصلي واسلم على نبيك محمد خير من نهض بالرسالة [ واستقام في العبادة (1) وعلى آله المخصوصين بالولاية خير أئمة وسادة، وأشهد أن لا إله إلا أنت شهادة تؤدي حق الشهادة ] (2). وبعد فهذه عناوين الاصول المتلقاة التي امرنا أن نفرع عليها، وقوانين الفصول التي ينبغي أن يستند إليها، حررناها امتثالا لأمر الملك (3) المنان، وقضاءا لحق الأخوان من أهل الأيمان، مراعيا في ذلك كلمة الأصحاب (4) [ الذين هم أهل الديار، المتصلون بأهل بيت الحكمة والأسرار ] (5) راجيا من الله أن يجعلها كلمة باقية، وتعيها اذن واعية.


(1) بالعبادة، خ ل. (2) ما بين المعقوفتين لا يوجد في (م). (3) في هامش (م): (تقربا إلى المليك، خ ل). (4) في هامش (م) زيادة: المقتفين للسادة الأطياب، صح. (5) لا يوجد في (م).

[ 19 ]

عناوين المشتركات في أبواب الفقه (العنوان الأول) (في اشتراك التكليف)

[ 20 ]

عنوان [ 1 ] إذا ثبت حكم لأحد المكلفين بخطاب لفظي أو بغيره مفيد للعموم أولا فهل القاعدة تقضي (1) باشتراك سائر المكلفين معه في ذلك الحكم، أولا؟ وهذه من المسائل التي تغلب الحاجة إليها في الفروع، إذ معظم الأدلة لم يرد بعنوان قضية كلية [ حتى ] (2) تشمل الأحوال والأزمان والاشخاص، بل وردت في وقائع خاصة دعت الحاجة للمكلفين على السؤال عنها، فلا عموم فيها. ولا ينفع في ذلك القول بعموم الخطابات الشفاهية - كما ذهب إليه جملة (3) من المحدثين - لأنه أخص من المدعى، إذ في الخطابات ما ورد مختصا بالنبي صلى الله عليه وآله وما ورد مختصا بأهل البيت عليهم السلام وما ورد مختصا بالمؤمنين، أو بالمسلمين، أو بالرجال دون الاناث، وما ورد مختصا بشخص واحد في ظاهر اللفظ كلفظ (افعل) و (افعلي) مما يختص بواحد، كما لا يخفى على المتتبع في الروايات (4) بل الخطابات العامة التي يدعى شمولها للكل أقل قليل في الباب بالنسبة إلى غيرها،


(1) في (م، ن): تقتضي. (2) لم يرد في (ن). (3) في (ن): جماعة. (4) العبارة في (ن) هكذا: (... كلفظ افعل وافعلي في الروايات، كما لا يخفى على المتتبع).

[ 21 ]

مع أن الحق عدم العموم في الخطابات الشفاهية (1) - على ما قرر في الاصول - بل القائل بالعموم (2) خارج عن محل النزاع، كما يظهر للمتأمل. والحق أن الأصل هو الاشتراك، ولنا على ذلك وجوه: أحدها: أنه قد قرر في محله عدم خلو الواقعة المحتاج إليها عن الحكم بمقتضى الأخبار ومصير الأخيار واعتضاد العقل السليم، فإذا ثبت لأحد في واقعة حكم فينبغي ثبوته لغيره أيضا في تلك الواقعة، لعدم إمكان الخلو، واستلزام الحكم الجديد تعدد الجعل والتشريع المشكوك فيه، فالأصل يقضي بعدمه. وهذا في صورة كون الحكم المجعول إباحة لا كلام فيه، لوضوح توقف جعل حكم غيرها على أمر جديد منفي بالأصل. وليس لأحد أن يقول: عموم الأباحة - أيضا - مستلزم لجعل متعدد. لأنا نقول: يلزم ذلك لو لم تكن الأباحة مجعولة بجعل عام، والمفروض ثبوته فيها، فالدخول تحتها لا يحتاج إلى حادث جديد بخلاف الخروج عنها. وكذا لو كان غير الأباحة، وانتفى احتمال الأباحة في غير مورد الدليل، فإن امتناع جعل الحكمين المتضادين بجعل واحد وأصالة عدم جعل آخر يقتضي الاشتراك. وأما في صورة احتمال الأباحة في غيره فنقول أيضا: جعل الأباحة لغيره أمر مشكوك، والأصل عدمه، وعموم دليل الأباحة غير نافع بعد خروج الواقعة عنها في الجملة، ولا ندري أن ذلك على الأطلاق أو لا. اللهم إلا أن يقال بالاقتصار على القدر المتيقن من مورد الدليل، والتمسك في محل الشك بأصالة البراءة. ويمكن دفعه بإثبات الاشتراك هنا بعدم القول بالفصل، وفيه كلامان:


(1) في هامش (ن): الخطاب الشفاهي، صح. (2) كذا في النسخ، والظاهر سقوط كلمة (غير).

[ 22 ]

أحدهما: منع حجيته بضميمة الأصل. وثانيهما: إمكان قلبه بإثبات عدم الاشتراك هنا بالأصل، وإلحاق غيره به بعدم القول بالفصل. ويندفع بضعف الأول، وعدم مقاومة الأصل الحكمي للأصل الموضوعي، فتأمل. قيل: على القول بجواز خلو الواقعة عن الحكم لا يتم هذا الوجه، لأصالة عدم الحكم في غيره. قلنا: أولا لا نسلم القول بخلو الواقعة عن الحكم في مثل الفرض، إذ القائلون به أرادوا خلو الواقعة عنه بالمرة. وأما ثبوته فيها لبعض وخلوها عنه لاخرين فهذا لم نجد من صرح بذلك، فهو منفي بالأجماع المركب. وثانيا نقول: كما يحتمل تعلق الحكم على الواحد مختصا فكذلك يحتمل تعلقه عليها في ضمن الكل بجعل واحد، فنفي أحدهما بالأصل غير ممكن. وثالثا نقول: محل البحث الاشتراك في الأحكام في قبال التغاير، لا في مقابل عدم الحكم كما في أفعال البهائم وغير المكلفين، فالخلو عن الحكم خارج عن محل النزاع حقيقة، فلا وجه لأدراجه فيه. الثاني: الاستصحاب، وتقريره: أن الحكم إذا ثبت لواحد أو لجماعة في زمان وشك (1) في زوال ذلك الحكم بزوال هؤلاء باحتمال كونهم قيدا فيه، وعدمه باحتمال كونهم موردا، إذ الفرض عدم دليل على الاختصاص فمقتضى (2) الاستصحاب بقاء الحكم المجعول، فيلزم من ذلك تعلقه بمن سيجئ بعدهم أيضا، إذ لا معنى لبقاء الشريعة والأحكام إلا جريانها في المتجددين من أهل التكليف، وعلى هذا مدار استصحاب الأديان. ودعوى: أن بقاءها على حسب ما ثبت فيه من الموضوع، ساقطة بما مر من التقرير.


(1) في (ن، ف): فنشك. (2) في (ن، ف): ومقتضى.

[ 23 ]

قيل (1): هذا أخص من المدعى، لعدم استلزامه ثبوت الحكم للمعاصرين لمن ثبت الحكم في حقه، وكذا لجميع من يلحقه في الوجود، لكفاية تكليف واحد من اللاحقين به في بقاء الحكم، فلا يفيد عموم الاشتراك. قلنا: يتم الكلام في غير ذلك: أولا: بعدم القول بالفرق. وثانيا: بعدم تعيين ذلك من الشرع، كما هو الفرض. فالمتجه العموم. وثالثا: بعدم إمكان الترجيح بلا مرجح، وظهور عدم الفارق. الثالث: ظهور اتفاق الأصحاب على ذلك، كما يشهد به استدلالهم بالخطابات الخاصة في إثبات عموم الحكم خلفا بعد سلف. وليس ذلك لقولهم بعموم الخطاب الشفاهي قطعا، لتصريح الأكثر في الكتب الاصولية بعدم العموم، ولتمسكهم بما لا يجئ فيه احتمال العموم. وبهما يندفع ما قيل: إنه لو لم يكن لعموم الخطاب لزمهم التنبيه على دليل الاشتراك، إذ هو العمدة، لمعارضته أولا بما مر، واندفاعه ثانيا باتكالهم على الضرورة أو القاعدة. وهذا مؤيد آخر للاشتراك، فإن سكوتهم عن إقامة الحجة عليه كاشف عن كونه ضروري الدين. قيل (2): لو كان أصحابنا مجمعين على ذلك لما اختلفوا في وجوب صلاة الجمعة ونحوه من الفروع. قلنا: ليس ذلك لمنع الاشتراك، بل لاحتمالهم كونه مشروطا بوجود الأمام أو نائبه الخاص، وورود الأطلاق مورد الغالب من كون المخاطبين واجدين للشرط (3) غالبا أو مطلقا، عملا بالظاهر، إذ الاشتراك فرع اتحاد نوع الواقعة وصنفها (4) بالنظر إلى التكليف وشرائطه. الرابع: الأجماعات المحكية في موارد متعددة على أصالة الاشتراك عدد التواتر.


(1) في (م): فإن قيل. (2) في (م): فإن قيل. (3) في (ن، ف): للشرع. (4) في (ف): صفتها.

[ 24 ]

الخامس: تنقيح المناط القطعي نظرا إلى أن الأحكام التابعة للمفاسد والمصالح النفس الأمرية لا تختلف بحسب أفراد المكلفين، للزوم دفع المضرة وجلب المنفعة اللازمة على الكل. قيل: المفروض تبعيتها للوجوه والاعتبار، ولعل للخصوصية مدخلية. قلنا: قد قرر أن الوجوه والاعتبار يراد بها ما عدا خصوصيات المكلفين من حيث هم كذلك، لأنها أشخاص مختلفة لا يدور مدارها الامور النفس الأمرية، بل مدارها على المفاهيم العامة، كالمريض والصحيح، والمسافر والحاضر، ونحو ذلك من الصفات اللاحقة للمكلفين أو اللاحقة للأفعال. وأما مع اتحاد ذلك كله فخصوص زيد وعمرو لا دخل لها في ذلك. قيل: هذا ينتقض بخصائص النبي صلى الله عليه وآله. قلنا: لا نسلم كون الخصائص لشخصه، بل إنما هو لعنوان كلي، غايته انحصار ذلك في الفرد الواحد، ولو وجد له نظائر في ذلك العنوان لاشترك معه في ذلك. قيل: فلعل في كل مقام اعتبر هناك خصوصية. قلنا: الأصل عدم اعتبارها في الحكم إلا أن يقوم دليل عليه، إذ الاحتمال لا ينفع. ودليلنا على ذلك: طريقة العقلاء، فإنا نراهم إذا وجدوا رجلا فعل فعلا فتضرر به، أو فعل فعلا انتفع به انتفاعا لازما، فإنهم يجتنبون عن الأول، ويرتكبون الثاني ولو مع الشك، ولا يلتفتون إلى أن ذلك لعله لخصوصية في ذلك الرجل لا نعرفها، فتبصر. السادس: الاستقراء، فأنا وجدنا أغلب التكاليف والأحكام مشتركة بين المكلفين كافة، ولم نجد الفرق إلا في مقامات نادرة، فإذا شك في الاشتراك والعدم فينبغي الألحاق بالغالب. السابع: إطباق أهل الأديان كافة على الأخذ بما يصل إليهم ممن سبقهم من الموجودين أو السامعين، من دون سؤال عن أن ذلك هل كان لخصوصية هناك أو

[ 25 ]

لا؟ ولا ريب أن ذلك لما انغرس في أذهانهم من كون التكليف الثابت عاما لكل مكلف، ولا مدخلية للخصوصيات. وهذا كاشف عن كون الواقع كذلك وإن لم نعرف مأخذه. الثامن: ما دل على لزوم التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام من آية أو رواية، وما دل على حجية فعلهم عليهم السلام إذ ليس ذلك إلا لمشاركة الرعية معهم في ذلك. قيل: هذا أخص من المطلوب. قلنا: يتم بوجهين: أحدهما: عدم القول بالفرق. وثانيهما: أن اشتراكنا معهم مع وجود أمارة الاختصاص فيهم ووجود بعض الخواص بهم بحيث يحتمل كون المشكوك فيه من ذلك يدل على اشتراك بعضنا مع بعض بالاولوية. التاسع: الخبر المعروف: (حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد صلى الله عليه وآله حرام إلى يوم القيامة) (1). قيل: لعل معناه: بقاء الحكمين بالنسبة إلى من ثبت في حقه. قلنا: بعد موته لا معنى لبقاء الحل والحرمة بالنسبة إليه. قيل: لعل المراد: لو فرض بقاؤه إلى يوم القيامة. قلنا: هذا فرض نادر لا يراد من العبارة، والمتبادر خلافه، إذ الظاهر بقاء أحكام الشرع، وتكليف كل من يتجدد من الناس بذلك. قيل: لا يشمل غير الحكمين. قلنا: ظاهر الحلال مطلق المأذون فيه، فيشمل غير الحرمة سيما مع مقابلته بها، مع أنه يمكن الأتمام بعدم القول بالفصل.


(1) الكافي 1: 58 باب البدع والرأي والمقائيس ح 19، بلفظ: (حلال محمد حلال أبدا إ لى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة).

[ 26 ]

العاشر: قوله صلى الله عليه وآله: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة) (1). قيل: لعل المراد: جماعة خاصة. قلنا: لا ريب أن المتبادر من العبارة كون الحكم على البعض الحكم على الكل، وهو الحجة. الحادي عشر: رواية أبي عمرو الزبيري (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في باب الجهاد: (حكم الله عزوجل في الأولين والاخرين وفرائضه عليهم سواء، إلا من علة أو حادث يكون، والأولون والاخرون أيضا في منع الحوادث شركاء، والفرائض عليهم واحدة، يسئل الاخرون عن أداء الفرائض كما يسئل عنه الأولون، ويحاسبون به كما يحاسبون به) (3). ووجه الدلالة، لو اريد من الخبر جنس الأول والاخر واضح. نعم، في افراد الأول يجئ احتمال عدم الشمول، لكن العرف يدفعه. وإذا اريد الاستغراق فيكون دالا على اشتراك كل فرد من الأول مع كل فرد من الاخر، وهذا يستلزم اشتراك الأولين بعضهم مع بعض أيضا، لأن الفرد من الأولين يشاركه كل من الاخرين، وكل من الأولين يشاركهم في ذلك، فيشترك الكل. قيل: لا يشمل ما لو ثبت الحكم لواحد من الأولين خاصة، فلا يدل على اشتراك الاخرين معه، لاحتمال إرادته في ضمن العموم، لا وحده. قلت: ظاهر الاستغراق عدم ارتباط الواحد بالكل. الثاني عشر: قوله تعالى: لانذركم به ومن بلغ (4) وهذا يدل على أن الغائب كالحاضر في الحكم وإن لم يشاركه في الخطاب.


(1) عوالي اللئالي 1: 456 / 197. (2) في (ن، ف): ابن أبي عمير، وفي مصححة (م): ابن أبي عمرو الزهري، والصواب ما أثبتناه، كما في الكافي والتهذيب والوسائل. (3) الكافي 5: 18 باب من يجب عليه الجهاد ومن لا يجب، ح 1، والتهذيب 6: 133 با ب من يجب عليه الجهاد، ح 3. (4) الأنعام: 19.

[ 27 ]

الثالث عشر: قوله صلى الله عليه وآله: (فليبلغ الشاهد الغائب) (1). والوجه مثل ما مر، والظاهر شمول الغائب للمعدومين في ذلك الوقت - أيضا - ولو بقرينة المقام. الرابع عشر: الصحيح: (اوصي الشاهد من امتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة: أن يصلوا (2) الرحم) (3). وجه الدلالة: أن هذا كاشف عن عموم التكاليف، فلا وجه للقول بأن هذا خرج بالنص. ونحو ذلك ما دل على العموم في الوقائع الخاصة. الخامس عشر: مفهوم ما دل على الاختصاص في بعض المقامات، كقوله تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك (4) والنصوص في أن الرجل يفعل كذلك والمرأة تفعل كذا، فأنها دالة على أن غير ما نص فيه على الاختصاص شامل للكل. وهذه القاعدة لا يخفى كثرة فروعها، بل قل ما تخلو مسألة في الفقه من الحاجة إليها، فلا يحتاج إلى ذكر الثمرات في المقامات. وهنا تنبيهات: أحدها: أن ميزان الاشتراك كما علم من الأدلة اتحاد العنوان المأخوذ في الحكم، ونصت عليه رواية أبي عمرو الزبيري المتقدمة (5) فكل من ثبت له حكم بعنوان خاص يثبت في غيره كذلك، ولا يتسرى من وصف إلى وصف، ومن مفهوم إلى آخر، وهو المراد باعتبارهم اتحاد الصنف في ذلك في الاصول، وقول الفقهاء: إن الأحكام تتبع العناوين. نعم، لو شك في مدخلية شئ وعدمه فالمرجع القاعدة، ولنذكر لذلك مثالا


(1) الكافي 1: 291 باب ما نص الله عزوجل ورسوله على الأئمة عليهم السلام، ح 6. لكن كلامه صلى الله عليه وآله ورد في مورد ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، نعم قد ورد عن الصادق عليه السلام في الأحكام، انظر التهذيب 4: 143 باب الزيادات بعد الأنفال ح 21. (3) في المصدر: أن يصل. (3) الكافي 2: 151 باب صلة الرحم، ح 5. (4) الأسراء: 79. (5) انظر الصفحة السابقة، الهامش 2.

[ 28 ]

للتوضيح: فلو ورد في رواية: أن رجلا نسي الركوع، قال: يعيد فالعنوان هنا (نسيان الركوع) لا الرجل، ولا المركب منهما، لأن اعتبار الأول ظاهر، والاخيران مشكوكان يرجع فيهما إلى القاعدة من عدم الاعتبار. وثانيها: أن مورد القاعدة إلحاق مكلف بمكلف آخر في تكليفه، لا في سائر أحكامه، فلا يجري في الموارد المشكوكة من أن دية المرأة كالرجل، أولا، وأن الرجل إذا مات يغسل كذا ويكفن كذا، فتكون المرأة كذلك، إذ الأول لازم للجاني، والثاني تكليف للأحياء، وكذا في حكم بول الرجل والمرأة في البئر، أو موتهما فيه (1). ونظائر ذلك في الفقه كثيرة. وثالثها: أن فقهاءنا قد يمنعون إجراء حكم صدر في واقعة في غيرها، ويقولون: إنه قضية في واقعة. وتحقيق القول فيه: أن القضايا الواقعة في مقامات خاصة إن كانت عناوينها معلومة من لفظ المعصوم أو السائل الذي اجيب عنه فهو متبع، يطرد الحكم في مقاماتها كافة، لما مر من القاعدة، إلا إذا عارض ذلك دليل أقوى منه، فيؤول بأحد التأويلات - ومنها: احتمال الخصوصية في ذلك - وإن كان خلاف الظاهر، وأما بدونه فلا وجه لرده بأنه قضية في واقعة. نعم، لو نقله ناقل شاهد الواقعة - كما في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام - فهناك محل البحث، يحتمل أن يقال: إنه يعم الجميع اتباعا للفظ الناقل وعنوانه الذي عبر به، لأصالة عدم مدخلية شئ آخر في ذلك. ويحتمل القول بالمنع، لأن الناقل لا يتمكن غالبا من الالتفات إلى كل ما له مدخل في ذلك الحكم، فيتخيل عدم مدخلية شئ سوى ما ذكره. والذي أراه الوجه الأول ما لم يعارضه معارض أقوى، لأن الثقة لا يعلق الحكم على موضوع إلا مع فهمه كونه المناط في ذلك، ولا يجوز له التعبير بالأعم


(1) في (م): فيها، خ ل.

[ 29 ]

إذا احتمل إرادة الخصوصية، فينحل في الحقيقة إلى الأخبار بنوع الواقعة وحكمها، وخبر الثقة حجة في ذلك. ولعل قولهم: (إنه قضية في واقعة) إنما هو مع قوة المعارض، كما يشهد به تتبع كتب الفاضل العلامة - أعلى الله مقامه - وشيخنا الشهيد قدس روحه السعيد - وإلا فقد نراهم يتمسكون بالوقائع الخاصة، لعموم الحكم في الحدود والتعزيرات كثيرا، وفي غيرها كذلك. واحتمال فهمهم من ذلك عدم الخصوصية بعيد جدا. ورابعها: أن هذه القاعدة قد انخرمت في مواضع: كبطن اليد والظهر في الوضوء للرجل والمرأة، والجهر والاخفات في الصلاة، وكيفيات قيامها وقعودها، وما يجب سترها فيها، وجواز لبس الحرير والذهب لها دونه، وجواز لبس المخيط في الأحرام كذلك، ووجوب التستر عليها دونه، وعدم الجهاد عليها، وقبول توبتها إذا ارتدت عن الفطرة، وعدم الجز والتغريب عليها، وعدم جواز إمامتها للرجال، وعدم رجحان خروجها إلى المسجد، وعدم وجوب الجمعة عليها، وتحريم لبس ما يستر ظهر القدم والتظليل في الأحرام له دونها، وإفاضتها من المشعر قبل الفجر، وفي خصائص النبي صلى الله عليه وآله وفي تحيض القرشي والنبطي في وجه.

[ 31 ]

(العنوان الثاني) (في حكم المكلف الخارج عن العادة)

[ 32 ]

عنوان [ 2 ] في حكم المكلف الخارج عن العادة المشتبه بكله أو بعضه، كمن فيه عضو زائد أو ناقص، والخنثى، وذي الحقوين. فهنا مباحث: الأول: في مسألة الأعضاء فنقول: قد تعلق الحكم في الشرع بالأعضاء في باب الوضوء والغسل وأسبابهما، وفي التيمم كذلك، وفي سجدة الصلاة، وإشارة الأخرس، وثدي الرضاع، والختان، وفي الجنايات، وفي الحدود، وغير ذلك من المباحث. والضابطة في ذلك أن يقال: لما كانت الأدلة تنصرف إلى المتعارف المعتاد، فالعضو الزائد: إما أن يتعلق الحكم به من حيث اسمه، أو من حيث دخوله في ضمن الكل. أما إذا كان الثاني: فلا فرق بين الزائد والأصلي في تعلق الحكم، والوجه في ذلك: أن الاسم لما لم يكن معتبرا فلا وجه لخروج الزائد عن تحت الدليل. فإن قيل: لو لم يعتبر الاسم في الخاص، فلابد من اعتباره في الكل الذي دخل

[ 33 ]

تحته ذلك الزائد، ولا ريب في انصراف لفظ (الكل) أيضا إلى الغالب المتعارف، وهو ما لم يكن فيه ذلك الزائد. قلت: هذا لا ينفع في شئ، لأنه مستلزم لسقوط التكليف عن الكل إذا كان كذلك، لأنه فرد نادر، وحينئذ لا بأس فيه، وكلامنا في حكم العضو الزائد بعد تعلق التكليف قطعا، إذ لا بد بعد ثبوت الحكم على هذا الكل الخاص دخول الجزء أيضا تحته. قيل: يمكن أن يقال بخروج الجزء عن تحت الحكم وإن ثبت في الكل بدعوى انصراف لفظ (الكل) إلى غير الجزء الزائد. قلنا أولا: إن هذا اعتبار، والمدار العرف، وهو على خلاف ما ذكرت، لأنهم بعد ما علموا ثبوت الحكم على هذا المركب الخاص يدخلون الجزء معه. وثانيا: أن هذا تفكيك غير ممكن غالبا، لأن الحكم إن كان إتلافا فإتلاف الكل مستلزم للجزء، وإن كان مثل الغسل والمسح ونحو ذلك، فنقول: إن محل العضو الزائد بمعنى السطح المشغول به يجب غسله - مثلا - لو لم يكن هنا هذه الزيادة، والمفروض تعلق الحكم بالكل الأصلي قطعا، فلو خلينا مكانه غير مغسول - مثلا - لزم عدم الامتثال. قيل: عدم إمكان إيصال الماء - مثلا - تحته دلنا على سقوط هذا التكليف عنه. قلت: لم لا يكون الأمر به - مع علم الامر بأنه مشغول بشئ لا يمكن رفعه - دليلا على قيام الشاغل مقام محله؟ وأحد الأمرين ليس بأولى من الاخر. ومن هنا نقول: يجب في الغسل غسل جميع البدن ولو كان فيه عضو زائد في أي موضع كان. ونقول بلزوم الغسل في الوضوء أيضا لو كانت الزيادة داخلة في الأعضاء المتعلق بها الحكم، كالأصبع في اليد أو اللحمة فيها أو في الوجه ونحو ذلك، ومثله في مسح التيمم. ومن هنا ينقدح صحة مسح الرجل أو الرأس في الوضوء بالأصبع

[ 34 ]

الزائدة لدخولها تحت اليد، ونحوه اللحم الزائد. ونقول بقتل النفس بالنفس، وقطع الطرف بالطرف وإن كان في أحدهما زيادة عن الاخر، وكذا في قطع يد السارق أو رجله، إلا مع إمكان إبقاء الزائد في القصاص، كيد السارق. والضابط ما ذكرناه. وإن كان الأول (1): فإما أن يعلم الأصلي من الزائد بأماراته: من صغر أو اعوجاج أو تغير أو ضعف أو عدم خروج الأخبثين في المخرجين ونحو ذلك، أولا. وعلى الأول: فالحكم يدور مدار الأصلي، لأنه المتبادر، فلا يجب غسل ما نبت فوق المرفق من يد زائدة، ولا يجزي المسح به حيث يجب، ولا يقتص الزائد بالأصلي ولا العكس، ولا يثبت في الزائد دية الأصلي، بل يرجع فيه إلى القاعدة أو النص، ولا يكفي قطع الزائد في الحدود، ولا تتحقق الجنابة بإدخال الزائد في الزائد أو في الأصلي أو بالعكس، ولا خروج المني أو أحد الدماء من الزائد، وكذا في الأحداث الصغار ما لم تتحقق العادة، وإلا فيتحقق الحدث بالخروج لشمول أدلته. وكما لا تثبت الجنابة لا يتحقق الزنا واللواط الموجبان للحد و (2) انتشار التحريم أيضا، لعدم شمول أدلتهما، ولا يثبت بإدخال الزائد المهر، ولا يكفي وضع الزائد في السجود ولا يجب وضعه، ولا ينشر الحرمة الرضاع من ثدي زائد بناءا على تعلق الحكم بالثدي، ولا يجب الختان بالزائد ولا يكفي عن الأصلي، وكذا الحكم في تعلق نذر وشبهه بأحد الأعضاء على الأطلاق. وعلى ذلك جرت (3) فقهاؤنا في الفروع المشار إليها، فعليك بالتتبع في المقام مع التأمل التام. لا يقال: لو كان كذلك لما وجب ستر الفرج الزائد. لأنا نقول: ذلك لأجل صدق العورة بمعنى ما يستقبح إبداؤه (4) لا لصدق


(1) أي: إن تعلق الحكم بالعضو الزائد من حيث اسمه. (2) في (ف، م): أو. (3) كذا في النسخ، وفي هامش (م): جرى، خ. (4) في (ن): إبرازه.

[ 35 ]

الاسم الخاص، كما يظهر بعد التدبر. نعم، هنا كلام في قيام الزائد مقام الأصلي. فنقول: قد أشرنا سابقا أن باب الأحداث بخروج البول والغائط والمني والدماء يتبع فيه العادة، فمتى ما تحقق كفت ولو مع وجود الأصلي، إذ المدار فيها صدق المصادر والأفعال، كقولك: بال أو حاضت، لا خصوص الأعضاء. وأما في غيرها - مما مر عليك ذكر جملة منها - فنقول: مقتضى القاعدة سقوط الحكم بفوات محله الأصلي، فلا بد من الرجوع إلى ما جعل في الشرع بدلا عن ذلك لو كان، فمن قطع أحد أعضاء وضوئه أو تيممه وبقي مقامه عضو زائد غير داخل تحت الأصلي - كما هو محل البحث - فالمتجه سقوط الغسل والمسح عن (1) ذلك والأتيان بالبقية. ودعوى: أن مع فقدان الأصلي يصدق الاسم على الزائد فيلحقه حكمه، ممنوعة. وشمول قاعدة (الميسور) على المقام (2) غير واضح كما يمر عليك في (3) تحقيقها وضبط مواردها - إن شاء الله -. وأطلق الأصحاب عدم ترتب هذه الأحكام على الزائدة في موارد خاصة - كباب (4) القصاص والحدود - وهو شامل لصورتي عدم الأصلي، والوجود. نعم، لهم (5) كلام في جواز القصاص بالناقصة - كاليد الشلاء وناقصة الأصبع - بدل الكامل، كما نص عليه الفاضلان (6) والشهيدان (7) ولكنهم لم ينصوا على قطع الزائد بالأصلية، بل ظاهر كلامهم ثبوت الدية لفوات المحل، وهذا منطبق على ما قررناه، لأن النقصان إن كان لفوات وصف أو جزء من الأصلي فيشمله دليل


(1) في (ف، م): من. (3) كذا في النسخ والمناسب: للمقام. (3) في: لم ترد في (م). (4) في (م): كتاب، وفي هامشه زيادة: من. (5) لهم: لم ترد في (ف، م) والظاهر أن الأصل: نعم، لا كلام. (7) القواعد 2: 303، الشرائع 4: 234. (7) اللمعة: 293، الروضة 10: 77.

[ 36 ]

القصاص، وأما الزائد فلا يشمله الأطلاق في مقام المقابلة. ودعوى الأولوية ممنوعة، إلا مع اتحاد المحل بحيث لا تفاوت بينهما سوى كون الجاني زائدا على الخلقة، فإنه يقطع. وفي الشرائع: لو كانت الأصبع التي ليست أصلية للجاني ثبت القصاص، لأن الناقص يؤخذ بالكامل، ولو اختلف محل الزائدة لم يتحقق القصاص (1). وقال في السن: لا يقلع سن بضرس، ولا بالعكس، ولا أصلية بزائدة، وكذا لا تقلع زائدة بزائدة مع تغاير المحلين (2). ولكن (3) في اللمعة: ولا أصلية بزائدة، ولا زائدة بزائدة مع تغاير المحل (4). وظاهره قطع (5) الزائدة بالأصلية مطلقا. وفي القواعد للعلامة - أعلى الله مقامه - في اليد والرجل: لا يقطع أصلية بزائدة مطلقا، ولا زائدة بأصلية مع تغاير المحل، ويقطع بمثلها وبالاصلية مع التساوي في المحل (6). وفي الأسنان: ولا أصلية بزائدة، ولا بالعكس مع تغاير المحل (7). والحاصل: إجراء حكم الأصلي على الزائد مخالف للقاعدة، محتاج إلى الدليل. ولو اشتبه الزائد والأصلي: ففي باب العبادات كافة يجب الأتيان بالأمرين في الغسل والمسح في الوضوء والتيمم، والسجدة، لوجوب مقدمة العلم وإمكان الامتثال بنفس الأمر. ودعوى التخيير لأصالة البراءة، مدفوعة بما مر من ثبوت التكليف بالواقع في


(1) الشرائع 4: 239. (2) الشرائع 4: 238. (4) لكن: لم ترد في (م). (4) اللمعة: 294. (5) في (م): وظاهرهما قلع. (6) القواعد 2: 304. (7) القواعد 2: 308.

[ 37 ]

الجملة، وإمكان الأتيان عرفا، فتجئ قاعدة الاشتغال. وبذلك يندفع احتمال القرعة أيضا لما سنحقق في بحثها - إن شاء الله تعالى - أن المراد ب‍ (المشكل) ما ليس له مخرج شرعي ولو بالأصل. وأما في الأسباب: فالقاعدة تقضي بعدم تحقق المسبب، إلا مع اجتماعهما جامعين للشرائط حتى يحصل القطع بحصول السبب في نفس الأمر. ودعوى: أن ذلك يكون من باب الشبهة المحصورة فيلزم الاجتناب، مدفوعة بأن الشبهة فرع تحقق محظور في الواقع متيقن، وهنا ليس كذلك، فإن الجماع بآلة مشتبهة أو الرضاع من ثدي مشتبه لا يعلم معه تحقق السبب للغسل، أو الحد، أو التحريم، ونحو ذلك مما (1) أسلفنا لك. وأما في الحدود: فيقطع أحدهما بالقرعة، لأنه مشكل، وإن توقف فيه البعض (2). وأما في القصاص: فإن كان المقتص به أصليا قطع ما يوافق محله، لأنه في الواقع إما أصلي أو زائد، وكلاهما لا بأس بهما (3). وفي القواعد: فيه إشكال، لعدم جواز قطع الزائد مع وجود الأصلي (4). ولا يقطع ما لا يوافق، والوجه واضح. ولو كان زائدا فلا يقتص، لاحتمال مصادفة الأصلية، وللقرعة هنا وجه قوي على ما نقرره في محله. ولو كان مشتبها - كالجاني - ففي جواز القصاص للمماثلة، وعدمه لاحتمال الزيادة في المجني عليه دون الجاني، أو استعلام المجني بالقرعة ثم الجاني كذلك وجوه. وليس في كتب الأساطين في ذلك شئ منقح، والقرعة أوفق بالقاعدة،،


(1) في (ف): بما. (2) كذا، والمناسب: بعض. (3) في (ن): لا بأس به. (4) القواعد 2: 306.

[ 38 ]

والبحث يجري في سائر الحيوانات، كورك العقيقة وما يحرم من أعضاء الذبيحة. الثاني: في الخنثى، وهو الذي له فرج الرجال والنساء والممسوح، وهو الذي ليس له شئ منهما وهل هما طبيعة ثالثة غير الذكر والانثى، أو داخلان في الواقع تحت أحدهما، أو الخنثى طبيعة ثالثة دون الاخر؟ وجوه، بل أقوال: ويدل على الأول (1): قوله تعالى: خلق الزوجين الذكر والانثى (2) وقوله تعالى: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (3) ونحو ذلك، لظهور ذلك كله في انحصار الحيوان في الذكور والأناث. ولقضاء علي عليه السلام في الخنثى بعد الأضلاع، معللا بأن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر (4)، فإنه لا بد من تساوي الأضلاع أو نقصان الأيسر، وذلك كاشف عن الانحصار. وصحيحة الفضيل بن يسار، عن الصادق عليه السلام في فاقد الفرجين - في باب الميراث - أنه يورث بالقرعة (5)، لدلالة ذلك على تعينه في الواقع لأحد الأمرين، ولو كان طبيعة ثالثة لكان ينبغي عدم القرعة، أو جعل السهام ثلاثة، لا اثنين.


(1) كذا في النسخ، والاستدلال مناسب للوجه الثاني، كما لا يخفى. (2) النجم: 45. (3) الشورى: 49. (4) الوسائل 17: 575، الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى، ح 3. (5) الوسائل 17: 580، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى، ح 2.

[ 39 ]

ويدل على الثاني (1): موثقة هشام بن سالم، بأن الخنثى يورث ميراث الرجال والنساء (2) المحمولة على إعطاء نصف النصيبين، لاستحالة الجمع وقاعدة القسمة مع التنازع، وهو ظاهر في كونه واسطة بين الذكر والانثى. وعدم دلالة الايات على الحصر، لورودها مورد الغالب. وعدم لزوم التعيين بعد الأضلاع، فإن في خبر عد الأضلاع أنهم عدوها فوجدوا الأيسر ناقصا عن الأيمن بضلع واحد فحكم عليه بالذكورة. وقال: (أضلاع الرجال أقل من أضلاع النساء بضلع) ومن المعلوم إمكان نقصان الأيسر عن الأيمن بنصف ضلع أو بثلثه، فإن هذا ليس داخلا تحت الرواية، وإن قال في الروضة: وكذا لو تساويا وكان في الأيسر ضلع صغير ناقص (3). ولعله - أيضا - مراد شيخنا المفيد في كتاب الأعلام (4) والسيد المرتضى علم الهدى (5)، وعمدة أهل التأسيس محمد بن إدريس الحلي (6) حيث ذهبوا إلى عد الأضلاع وردوا القول المشهور، بل علل ثالثهم بعدم كونه طبيعة ثالثة، لأن ظاهرهم وضوح الأمر بالعد بحيث لا يبقى اشتباه بعده. وعدم استلزام القرعة أيضا في الممسوح - كما أفتى بها ما عدا ابن الجنيد من أصحابنا وأفتى بها في الخنثى الشيخ في الخلاف (7) - كونه (8) معينا في الواقع، إذ التحقيق - كما يأتي في محله - شمول أدلة القرعة للمقامين بالعموم والخصوص،


(1) كذا في النسخ، والاستدلال يناسب الوجه الأول. (2) الوسائل 17: 575، الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى، ح 1. (3) الروضة 8: 192. (4) مصنفات الشيخ المفيد 9، الأعلام بما اتفقت عليه الأمامية: 62. (6) الانتصار: 306. (6) السرائر 3: 279 - 280. (8) الخلاف 4: 358، كتاب النكاح، المسألة 142. (8) في (ف، م): لكونه.

[ 40 ]

فلعل القرعة أمارة للحكم وإن كان الموضوع في نفس الأمر غير معين. ومما قررنا ظهر وجه التفرقة بينهما أيضا، وهو الذي يساعد عليه الأدلة والاعتبار، أما الأدلة: فلما عرفت من الموثق (1) الدال على جمع الميراثين في الخنثى، وفتوى الأصحاب بنصف الديتين فيه، والصحيح (2) في الممسوح بالقرعة. ولا ريب أن الظاهر من القرعة الكشف عن الواقع في الموضوع. وأما الاعتبار: فلأن الغالب في مراتب الموجودات إنما هو وجود الوسائط بين المرتبتين بحيث يناسب العليا من وجه والسفلى من آخر. وعلى ذلك جرى تقدير العزيز العليم في الموجودات كافة، وبرهانه مذكور في محله، وهو كمال الصنع وتمام القدرة، ولما كان الذكر والانثى مرتبتين متباعدتين جرى لطيف صنعه تعالى على إيجاد واسطة بينهما. لا يقال: فلم لم تجعلهما معا واسطة؟ لأنا نقول: معنى الواسطة: وجود صفة الطرفين فيها، لا فقدانها لهما. وبهذا يظهر الجواب عن سؤال القول بالعكس، مع أن الواسطة مخالف (3) للعمومات وأدلة الحصر والاعتبار الاولى أيضا، فيقتصر فيه على المتيقن من النوع الواحد، لا الاثنين. فإذا دار الأمر بين كون الخنثى واسطة أو الممسوح، فلا ريب أن الأول أولى من وجوه: أحدها: دلالة النصين السابقين. وثانيها: اشتهار الأول بأنه واسطة بين الفريقين في لسان العوام والخواص. وثالثها: وجود أمارة الطرفين فيه، دون الاخر. ورابعها: شيوع نقصان أعضاء البدن بين المخلوقين، فلعل الممسوح أيضا ذكر أو انثى، غايته نقص عضو منه وبقي الثقب أو لم يبق له الثقب، فتخرج الفضلة من


(1) موثقة هشام بن سالم المتقدمة. (2) صحيحة الفضيل بن يسار المتقدمة. (3) في هامش (م): مخالفة، خ.

[ 41 ]

دبره أو بالقئ. فإن قلت: زيادة العضو أيضا شائع بين الناس، فلعل الخنثى من أحدهما وزاد عضو فيه. قلت: الشائع في زيادة الأعضاء زيادته من نوع واحد كيدين ونحوه، وأما النوعان (1) فغير معهود غير الخنثى، وهو محل البحث. إذا عرفت هذا فهنا بحثان: في الخنثى، وفي الممسوح. فنقول: قد سبق في بحث الاشتراك في التكليف الفرق بين الرجل والمرأة في مواضع، ويزيد هنا الفرق بينهما بأحكام: الكفن ونحوه، وبول الرجل أو المرأة، أو موتهما في البئر، وبأن المرأة لا تقتل في الجهاد بخلاف الرجل، والذكر يرث في الأولاد ضعف الانثى، والمرأة لا ينفذ قضاؤها، واثنتان منها في الشهادة في حكم الرجل الواحد، ولا يثبت شئ بشهادتهن منفردات إلا في مواضع، ولا تحتاج الأمة (2) المشتراة منها إلى استبراء، والوطئ في دبرها يعد زنا وفي دبره لواطا، وبأن دية المرأة نصف الرجل، وفي رد دية أطرافها بعد بلوغ الثلث إلى النصف. والنزاع في الألحاق بالرجل أو المرأة آت فيهما (3) في المقامات، والوجوه المتخيلة في النظر امور: أحدها: الرجوع فيهما معا إلى القرعة، لعموم ما دل على (أن القرعة لكل أمر مشكل) كما يأتي في بحثها، وخصوص ما ورد في ميراث الممسوح، وعدم الفرق بينه وبين الخنثى، كعدم الفرق بين الميراث وغيره من الفروع التي حررناها في المقامين، فيعمل على ما أخرجته القرعة في التكاليف وفي الوضعيات كافة، ويطرح ما دل من النصوص في بعض المقامات على خلافها، كميراث الخنثى - كما مر - خلودا إلى القاعدة، كما زعمه شيخ الطائفة في الخلاف، وادعى عليه


(1) في (ن): النوعين. (2) في (ن): ولا يحتاج في الأمة. (3) في (ن): فيها.

[ 42 ]

إجماع الفرقة (1). وثانيها: التزام قاعدة الشغل فيهما، بمعنى أن بعد حصول أحد الأمرين في الواقع فيكون من باب الأجمال في المكلف به، ويلزم إبراء الذمة بالتزام أخس الاحتمالات، فيلتزمان (2) بتكرار الوضوء مع البطن والظهر، والصلاة مع الجهر والاخفات، وكيفيات القيام والقعود والتستر كالمرأة فيها وفي غيرها عن غير المحارم، وعدم لبس الحرير والذهب، وعدم لبس المخيط وما يستر ظهر القدم وعدم التظليل في الأحرام، وعدم الخروج إلى المسجد ترجيحا للكراهة، وعدم الأفاضة قبل الفجر من المشعر، وعدم الأمامة للرجال، ويلزمان (3) بالجز والتغريب، وفعل صلاة الجمعة والجهاد، والقتل عند الارتداد عن فطرة وفي الجهاد مع كفرهما، ويجب الاستبراء مع الشراء منهما، وأكثر الأمرين في مسألة البئر وفي باب الحدود، ويجمع بينهما في الكفن، وحيث تتعارض قاعدة الشغل مع مثله - كما في الميراث والقضاء والشهادة - فالمرجع: إما الدليل الخاص أو الصلح القهري، كما في نظائره. وثالثها: العمل بأصل البراءة في ذلك كله، إلا في موضع التعارض، فكما مر، نظرا إلى أن تعلق الحكم بالرجل والمرأة يوجب خروج المشكوك فيه عن خصوص الحكمين، ومتى ثبت التكليف على الأجمال فيرجع في الخصوصية الزائدة إلى الأصل النافي، فيسقط عنهما الواجب أو (4) المندوب على الرجل أو المرأة، ويباح لهما ما يكره أو يحرم على أحدهما، واللازم منه نفي الخصوصية مع الوحدة والتخيير بدونها، فيتبع في ذلك كله أسهل الامور. ورابعها: تتبع المقامات والرجوع في كل منها (1) إلى ما يقتضيه الأصل فيه


(1) الخلاف 4: 358، كتاب النكاح، المسألة 142. (2) في (ف): فيلزمان. (3) في (ن، م): ويلتزمان. (4) في (ن): و. (5) في (ف): منهما.

[ 43 ]

وجودا أو عدما، ففيما تعلق الحكم فيه بعنوان (الرجل) و (المرأة) كما في الوضوء والصلاة ولزوم التستر ولبس الذهب والحرير والأمامة والكفن، فالأصل في المقام البراءة أو الاشتغال أو بالتفريق، على المذاهب في الاصول. وفيما علق الحكم فيه على (الرجل) فالأصل عدمه فيهما، كالجمعة والقضاء والشهادة والجز والتغريب. وفيما علق الحكم فيه على العموم وخرج (1) منه المرأة، فيدخلان هنا تحت العموم، كما في عموم حرمة الأفاضة قبل الفجر، ولبس المخيط في الأحرام، ووجوب الجمعة والجهاد، وقتل المرتد والمشركين، واستحباب الصلاة في المسجد، ووجوب استبراء الأمة، خرج (2) من ذلك كله المرأة، وبقي الباقي، ومنه الخنثى والممسوح. وخامسها: الرجوع في الممسوح إلى القرعة لما مر، وفي الخنثى إلى قاعدة الاشتغال. وسادسها: القرعة في الممسوح، والبراءة في الخنثى. وسابعها: القرعة في الممسوح، وتبعية الخنثى للاصول. ويتخيل هنا وجوه اخر أيضا لا يخفى على المتدبر، لكنها ضعيفة، كعكس الثلاثة الأخيرة. قال المحقق الثاني في بحث الوضوء: ويتخير الخنثى (3). وفي الدروس (4) واللمعتين كذلك (5). وفي القواعد: ويغسل الخنثى المشكل محارمه من وراء الثياب (6). وفي شرحه للكركي: المراد بالمحرم: من حرم نكاحه مؤبدا، وإنما جاز


(1 و 2) كذا في النسخ، والمناسب: خرجت. (3) جامع المقاصد 1: 230. (5) الدروس 1: 93. (5) اللمعة والروضة 1: 331. (6) القواعد 1: 17.

[ 44 ]

تغسيل المحارم هنا، لأنه موضع ضرورة. ثم قال: والميت المشتبه ذكوريته وانوثيته كالخنثى، مع احتمال القرعة ضعيفا (1). وفي الدروس: الخنثى المشكل يغسله محارمه. ولو وجد صدر ميت (2) أو ميت في دار الأسلام [ مجهول النسب ] (3) خال عن مميز الذكورة والانوثة، فالأقرب انسحاب هذه الأقوال فيه (4) - أي: غسل الأجنبي، أو التيمم، أو الدفن بدونهما - وفي ساتر الصلاة: والخنثى كالمرأة (5). وفي بحث القراءة للكركي: أما الخنثى، فالظاهر وجوب الجهر عليها (6) في موضعه إن لم يسمع الأجنبي، وإلا الأخفات (7). وفي الدروس: والأولى وجوبه على الخنثى حيث لا يسمع أجنبي (8). وفي الروضة جعل ذلك أحوط (9). وظاهره التخيير ما لم يسمع الأجنبي فيخفت. وفي اللمعة أطلق التخيير، وفيها في المكان: والأفضل المسجد (10). وقيده في الشرح لغير المرأة (11). وفيهما: أن مسجد المرأة بيتها (12). وظاهرهما كون الخنثى كالرجل. وفي الدروس والروضة: يتخير الخنثى في أفعال الصلاة بين هيئة الرجل والمرأة (1). وفي الروضة: أن الجمعة تسقط عن الخنثى (2).


(1) جامع المقاصد 1: 361. (2) في المصدر هكذا: لو وجد صدر أو ميت.... (3) أضفناه من المصدر. (4) الدروس 1: 104. (5) الدروس 1: 147. (6) في (ن): عليه. (7) جامع المقاصد 2: 261. (8) الدروس 1: 173. (9) الروضة البهية 1: 600. (01) اللمعة: 30، 33. (21) الروضة 1: 536. (21) اللمعة: 30، الروضة 1: 538. (13) الدروس 1: 184، الروضة 1: 657. (14) الروضة 1: 667.

[ 45 ]

وفي الذكرى: أنه كالمرأة (1). وفي الدروس جعل الذكورة شرطا للوجوب (2). وفي جامع المقاصد: أن تكليف الخنثى لما كان في باب العبادات دائرا مع أحوط الطرفين - وهو: ما يحصل به يقين البراءة، للقطع بثبوته، وتوقف الجزم بالبراءة على ذلك - كان المناسب في هذا الباب (3) إيجاب الجمعة عليها وإن لم ينعقد بها (4). وفي اللمعتين: ولا تؤم الخنثى غير المرأة، لاحتمال انوثيته وذكورية المأموم لو كان خنثى (5). وفي الدروس: لا تؤم الخنثى رجلا ولا خنثى (6). وفي القواعد: والخنثى يؤم المرأة خاصة (7). ومثل ذلك في شرحه (8). وفي إحرام الروضة: ويتخير الخنثى بين وظيفة الرجل والمرأة، فيغطي الرأس أو الوجه. ويجوز لبس الحرير والمخيط للنساء دون الرجال والخناثى (9). وفي الطواف [ في شرح قول الماتن ] (10): (والختان في الرجل) وأما الخنثى، فظاهر العبارة عدم اشتراطه في حقه، واعتباره قوي، لعموم النص (11). وفي الدروس: والخنثى تغطي ما شاءت من الرأس أو الوجه (1) ولم يتعرض للختان في الخنثى واعتبره في الرجل. وفي جامع المقاصد في التغطية: ويتخير الخنثى بين الأمرين وفي شرح قوله: (والختان للرجل خاصة) أي: دون المرأة للرواية، لكن يرد


(1) الذكرى: 232. (2) الدروس 1: 186. (3) في (ن، ف): في هذه الجمعة. (4) جامع المقاصد 2: 418. (5) اللمعة والروضة 1: 794. (6) الدروس 1: 219. (8) القواعد 1: 45. (8) جامع المقاصد 2: 497. (9) الروضة 2: 232، 243. (01) الزيادة من (م). (11) الروضة 2: 247.. (12) الدروس 1: 380.

[ 46 ]

عليه الخنثى والصبي، فإن النص يتناولهما (1). وفي القواعد: لا يجب الجهاد على المرأة ولا الخنثى المشكل (2). واشتراط في الدروس الذكورة (3). وفي الروضة كذلك (4) لكنه فرع عليه عدم وجوبه على المرأة، وسكت عن الخنثى. وفي القواعد واللمعتين: لا يقتل الخنثى المشكل والمرأة والشيخ الفاني (5). وفي القضاء اشترطوا الذكورة (6). وظاهرهم عدم نفوذه من الخنثى. وفي شهادات الروضة: إلحاقه بالمرأة قوي (7). وفي ديات اللمعة: أن دية الخنثى المشكل ثلاثة أرباع الدية (8). وهذه العبارات من هؤلاء الأساطين قابلة لأعمالهم الاحتياط والبراءة، أو التبعية للمقام من نص أو قاعدة. نعم، الذي ينبغي أن يبحث عنه هنا شيئان: أحدهما: تحقيق حكم الخنثى من هذه الوجوه. فنقول: الذي يظهر من فقهائنا في باب العبادات: ملاحظة طريقة الاحتياط بالنسبة إلى الخنثى. وظاهر كلام ثاني المحققين في الجمعة - كما مر - كون هذا مسلما عند الأصحاب، ولذلك أورد عليهم في عدم وجوب الجمعة عليه (9). ويؤيده ما ظهر من فتوى المعظم بأصالة الاشتغال في شرائط العبادات وأجزائها، ولكن التحقيق - على ما قرر في الاصول - عدم لزوم الاحتياط وجواز التمسك بالبراءة في ماهية العبادات.


(1) جامع المقاصد 3: 186، 189. (2) القواعد 1: 100. (4) الدروس 2: 30. (4) الروضة 2: 382. (5) القواعد 1: 103، اللمعة والروضة 2: 393. (6) القواعد 2: 201، اللمعة والروضة 3: 62. (7) الروضة 3: 146. (8) اللمعة: 302. (9) جامع المقاصد 2: 418.

[ 47 ]

فمقتضى القاعدة رجوع الخنثى إلى أصالة البراءة، إلا فيما دل الدليل الخاص عليه، كما أشرنا إليه في مواضع عموم النص، وكون ما خرج منه المرأة، وبه نطق كلام ثاني المحققين والشهيدين في بعض الموارد، كما سمعت. وفتوى الأصحاب بالاحتياط لم يتبين إرادتهم اللزوم، ولم تصل إلى حد الأجماع، بل التتبع يقضي بخلافه، وما يوهمه ظاهر عبارة الكركي (1) ممنوع. وأما في الوضعيات: فتراعى فيه أصالة العدم، وهو الذي يلوح من كلامهم أيضا، فيتبع في ذلك أخس الاحتمالين، عملا بالمتيقن. وأما في الدية والميراث: فعلى ما حققناه من كونه واسطة واقعية، فما أفتى به الأكثر من أنه يورث نصف النصيبين وله نصف الديتين مطابق للقاعدة والاعتبار، فضلا عن ورود دليل خاص، فلا تذهل. وأما في دية الأطراف والجراحات: فحيث إن المرأة تعاقل الرجل إلى الثلث، فإذا بلغه أو تجاوزه ترد إلى النصف، ففي كون الخنثى - أيضا - كذلك في المساواة إلى الثلث والرد إلى ثلاثة أرباع (2) بعده، أو المساواة مطلقا إلا في دية النفس، وجهان، ولا ريب أن الأول مخالف للقاعدة، فلا يرتكب حيث لا دليل عليه. نعم، يقوم وجهان بعد ذلك: أحدهما: مساواته للرجل مطلقا، لعموم أدلة دية الأطراف والجراحات خرج (3) المرأة بالدليل وبقي المقام، إلا إذا بلغ تمام الدية فثلاثة أرباع. وثانيهما: كون الخنثى تعاقل الرجل بنسبته، بمعنى: أن المرأة التي ديتها نصف دية الرجل إذا ساواه إلى الثلث فالخنثى تعاقله إلى النصف، لأن التفاوت بين الثلث والنصف ثلث النصف، فيكون التفاوت بين ثلاثة أرباع الدية ونصفها ثلث الأرباع وهو الربع، ففي قطع خمس أصابع من الخنثى خمسون من الأبل، وفي الستة يرد


(1) جامع المقاصد 2: 418. (2) في النسخ: ثلاثة الأرباع. (3) كذا، والمناسب: خرجت.

[ 48 ]

إلى خمس وأربعين. ويحتمل وجه ثالث، وهو: كون دية الخنثى في الأطراف ثلاثة أرباع دية الرجل من أول الأمر، ففي إصبع منه سبعة ونصف من الأبل على قاعدة التوزيع وأصالة عدم المساواة خرجت المرأة بالدليل. والأخير أوفق بالاعتبار، لكن يرد عليه لزوم كونه أنقص من المرأة فيما لم يبلغ الثلث، مع أن ديته أزيد من ديتها. والأول أوفق بالدليل، لكن يرد عليه مساواته للرجل مع أن ديته أنقص من ديته. والوسط مخالف للقاعدة من وجهين: مساواته للرجل إلى النصف، ورده بعد ذلك إلى حده، مع أنه لا دليل عليه، والقياس باطل. ويمكن تتميم الوجه الأول الذي منعناه: بأن الخنثى في الواقع إما ذكر أو انثى أو واسطة، وعلى التقادير لا ينقص عن المرأة، فتساوي الرجل إلى الثلث بالاولوية، ثم يرد إلى ثلاثة أرباع على قاعدة التوزيع. وهناك وجه خامس (1) وهو: كونه يعاقل المرأة في القدر المساوي للرجل وما فوقه إلى أن يبلغ الدية التامة، فتزيد على دية المرأة بمقدار نصفها، ففي تسع أصابع منه خمسة وأربعون من الأبل، وفي العشرة يرتقي إلى خمسة وسبعين، عملا بالمتيقن في الأول، وبالقاعدة في الثاني، وللبحث مجال واسع. وثانيهما: أن الخنثى - على ما في كتب اللغة - من له ما للرجال وما للنساء، وبه عرفه في ميراث المسالك (2) وكذا غيره من أساطين الفقه، وجعلوا من ليس له الفرجان يورث بالقرعة، كما ذكرناه. فهل مرادهم في سائر المباحث التي حررناها من الخنثى ما ذكروه في الميراث، أو المراد مطلق المشتبه فيشمل الممسوح أيضا، والفرق بينهما ليس إلا


(1) كذا في النسخ، والصواب: وجه رابع. (2) المسالك 2: 340.

[ 49 ]

في الميراث؟ لم أجد في كلامهم في سائر المباحث ما يوضح هذا المعنى. نعم، سمعت ما في كلام الكركي من أن الميت المشتبه كالخنثى مع احتمال القرعة ضعيفا (1)، فيحتمل إرادته ما يعم الممسوح، فيفيد إلحاقه بالخنثى وإن لم يسم بالخنثى. ويحتمل أن يكون مراده: الاشتباه بالعارض - كقطع الأعضاء أو اضمحلالها بحيث لا يتميز - وهذا هو الظاهر بقرينة كلام الدروس، حيث فرضه فيما لو وجد صدر الميت أو ما لا مميز له. فمقتضى الضوابط أن يريدوا بالخنثى ما مر، ويرشد إليه عبارة الشهيد رحمه الله في الدروس في ميراث الخنثى وشبهه (2) ويكون حكم الممسوح مع القرعة في جميع الأحكام، حتى في الدية والشهادة ونحو ذلك. وهذا مقتضى التحقيق الذي ذكرناه - أيضا - من كون الخنثى واسطة في الواقع دون الممسوح، فإنه ناقص العضو، فيقرع له كما ذكروه في باب الميراث، ويجري عليه حكم ما أخرجته القرعة في عبادة أو غيرها على ما يقتضيه النظر القاصر، والله أعلم (3) بالسرائر. الثالث: أنه لا ريب أن ما ذكرناه من الضابط إنما هو مع الاشتباه وعدم الانكشاف بالعلائم، وأما معه فلا بحث. وأما العلامة، فلنقدم الكلام - أولا - فيما ذكره الأصحاب وورد في النصوص، ثم نبين ما يؤدي إليه النظر. قال العلامة - أعلى الله مقامه - في ميراث القواعد: من له الفرجان يرث على


(1) جامع المقاصد 1: 361. (2) الدروس 2: 378. (3) في (ف، م): العالم.

[ 50 ]

الفرج الذي يبول منه، فإن بال منهما فعلى الذي يسبق منه البول، فإن جاء منهما فعلى الذي ينقطع منهما أخيرا، فإن تساويا أخذا وتركا حصل الاشتباه. فقيل: بالقرعة، وقيل: بعد أضلاعه، وقيل: يرث نصف النصيبين. ونبات اللحية، وتفلك (1) الثدي، والحبل، والحيض علامات على الأقرب (2). وقال المحقق نجم الدين أبو القاسم بن سعيد في الشرائع: يرث على الذي يسبق منه البول، فإن جاء منهما اعتبر الذي ينقطع أخيرا. فإن تساويا قال في الخلاف: فيعمل فيه بالقرعة. وفي النهاية والأيجاز والمبسوط: نصف النصيبين. وقال المفيد والمرتضى: تعد أضلاعه (3). وقال شيخنا الشهيد - قدس روحه السعيد - في الدروس: من له ما للرجال وما للنساء يورث بما يبول منه، فإن بال منهما فبالذي يسبق منه البول، فإن سبق منهما معا ورث على الذي يتأخر انقطاعه. وقال القاضي: يورث على الذي يسبق انقطاعه، وهو ضعيف، فإن تساويا فهو المشكل. وقال المفيد والمرتضى وابن إدريس: تعد أضلاعه. وفي الخلاف: يورث بالقرعة. وقال الحسن: إن كان هناك علامة من لحية أو بول أو حيض أو احتلام أو جماع، وإلا ورث ميراث رجل، وهو متروك. والمشهور أن له نصف النصيبين (4). وقال الشهيد الثاني في المسالك: ومن علاماته البول، فإن بال من أحدهما دون الاخر حكم بأنه أصلي، وهذا موضع وفاق، فإن توافقا اعتبر أسبقهما، وهذا أيضا متفق عليه، فإن تساويا فالأكثر على اعتبار ما ينقطع أخيرا. وشذ قول ابن البراج حيث جعل الأصلي ما سبق منه الانقطاع. وذهب جماعة - منهم: الصدوق رحمه الله وابن الجنيد والمرتضى - إلى عدم اعتبار الانقطاع أخيرا. وفي الخلاف بعد ذلك القرعة. وذهب الأكثر إلى نصف النصيبين، والمفيد وابن إدريس


(1) تفلك ثدي الجارية: استدار. (2) القواعد 2: 181. (3) الشرائع 4: 44. (4) الدروس 2: 378.

[ 51 ]

والمرتضى إلى عد الأضلاع (1). وأما الأخبار: ففي موثقة هشام بن سالم: تورث من حيث تبول (2)، فإن خرج منهما جميعا فمن حيث سبق، فإن خرج سواء فمن حيث ينبعث، فإن كانا سواء ورث ميراث الرجال والنساء (3). وفي رواية شريح ذكر الأولين، ثم فيه عد الأضلاع (4). إذا عرفت هذا فنقول: لا ريب أن هذا المقام من مسائل الموضوع الصرف المشتبه، فإذا حصل العلم لنفس المكلف أو للحاكم الشرعي بأحد الطرفين حكم به وعمل بمقتضاه. أما الأول: فلأنه ليس وراء العلم شئ، وهو حجة مطلقا. وأما الثاني: فإنا وإن لم نجوز التقليد في الموضوع، لكن سيأتي في ولاية الحاكم الشرعي أن حكمه في الموضوع نافذ مع اشتباه العرف تبعا للحكم، فيرجع إلى التقليد في الحكم حقيقة، وبيانه موكول إلى محله. وأما لو حصل الظن لنفس المكلف، فالذي اخترناه في الاصول: عدم حجية الظن في الموضوع الصرف، للنواهي الكتابية، وعدم جريان مقدمات الدليل الرابع فيه، لعدم انسداد باب العلم فيه غالبا، فيرجع في المشكوك فيه إلى الاصول بحسب المقامات. وأما حجية ظن المجتهد فيه مع اشتباه أهل العرف، فالذي يقوى في النظر حجيته إذا حكم به كالعلم، لاستتباعه الظن بالحكم وهو حجة، ويأتي هذا أيضا في محله، مع أنه يمكن مع قطع النظر عن ذلك القول بحجية الظن هنا لوجهين: أحدهما: عدم إمكان الاحتياط في مثل الميراث لتعارض الحقين، وعدم


(1) المسالك 2: 340. (2) في المصدر: يورث من حيث يبول. (3) التهذيب 9: 354، ورواه في الوسائل 17: 575 عن الكافي بتفاوت. (4) الوسائل 17: 575، الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى، ح 3.

[ 52 ]

إمكان الرجوع إلى البراءة، وليس هنا أصل موضوعي أيضا، والروايات متعارضة في الجملة، ثم ليس صالحا لتميز مثل هذا الموضوع بحيث يركن إليه النفس، فالأحالة (1) إلى ظن الحاكم الشرعي أولى. وثانيهما: أن الامارات المنصوصة ليس شئ منها هنا مما يفيد القطع، بل كلها ظنية، ومن المعلوم عدم مدخلية خصوصيتها في ذلك، بل اعتبرت كاشفة عن الواقع ولو ظنا، فكل أمارة أفادت ذلك تكون حجة. ويؤيده جعل العلامة اللحية ونحوها أمارة (2) وجعل الحسن (3) العبرة بما نقله [ عنه ] في الدروس (4). فعلي القول باعتبار الظن مطلقا في الترجيح نقول (5). إن مرجحات الذكورية: اللحية، وعدم تفلك الثدي، والاحتلام، وشدة الرغبة بالنساء في الجماع والأحبال، وعفونة المني وغلظته، وخروج عظم الحلقوم، والبول من الذكر أو سبقه منه أو انقطاعه منه أخيرا، ونقص الأضلاع. ومن مرجحات الانوثية: عدم اللحية، والتفلك، والحبل، والحيض، ورقة المني، وتساوي الأضلاع، والبول أو سبقه أو انقطاعه أخيرا من الفرج الاخر، وعدم خروج العظم. فإن وجدت المرجحات في أحد الجانبين دون الاخر فلا كلام، وإن تعارضت فهنا صور: أحدها: تعارض اللحية مع التفلك، والترجيح للحية، لأمكان التفلك في الرجل إمكانا واضحا، دون اللحية في الانثى، فإنه نادر (6) جدا. وثانيها: تعارضها مع الحيض، والترجيح للحيض، لأمكان اللحية في المرأة، بل وجودها، كما حكي في الاثار.


(1) في (ف، م): والأحالة. (3) القواعد 2: 181. (3) أي: ابن أبي عقيل. (5) الدروس 2: 378. (5) في (ن، ف): فنقول. (6) كذا في النسخ، وفي هامش (م): فانها نادرة، خ.

[ 53 ]

وثالثها: تعارضها مع الحبل، والترجيح مع الحبل، لعين ما مر. ورابعها: تعارضها مع الامارات المنصوصة الأربعة إذا كانت للمرأة، والترجيح مع النص المعتضد بالفتوى، بل الاعتبار أيضا، ويكفي في الترجيح وجود الواحد فضلا عن المتعدد. وخامسها: تعارضها مع رقة المني، أو قلة الرغبة، أو عدم العظم، والترجيح للحية. وسادسها: تعارض الاحتلام مع الحيض، والثاني أقوى. وسابعها: تعارضه مع الحبل، والترجيح للحبل. وثامنها: تعارضه مع المنصوصات، والحكم كما مر. وتاسعها: تعارضه مع العدميات، والترجيح للاحتلام. وعاشرها: تعارضه مع التفلك، وفي الترجيح نظر. وحادي عشرها: تعارض الأحبال مع التفلك، والأول أقوى. وثاني عشرها: تعارضه (1) مع الحبل، ولا ترجيح. وثالث عشرها: تعارضه مع الحيض، والثاني أرجح. ورابع عشرها: تعارضه مع المنصوصات، والنص أقوى. وخامس عشرها: تعارض العظم مع التفلك، ولا ترجيح. وسادس عشرها: تعارضه مع الحبل أو الحيض، والترجيح لهما. وسابع عشرها: تعارضه مع أحد المنصوصات، والترجيح كما في غيره (2). وثامن عشرها: تعارض سبق البول مع تأخر الانقطاع، والترجيح للسابق، لتقدمه في النص والاعتبار.


(1) في أكثر النسخ: تعارضها. (2) أي: الترجيح لأحد المنصوصات، كما في غيره من صور تعارض المنصوصات مع سائر الامارات.

[ 54 ]

وتاسع عشرها: تعارض السبق أو البول مع عد الأضلاع، والترجيح للأولين عملا بالموثق (1) والخبر (2) المقدمين لهما عليه. والعشرون: تعارض الانقطاع مع عد الأضلاع، والترجيح للأول، لقوة الموثق سندا وعملا (3). ويعلم تعارض الاثنين والثلاثة والأزيد مع التساوي أو التفاوت بالمقايسة، والمدار على الرجحان في النظر. وأما على القول بالتعبد: فنقول: قد عرفت دعوى الأجماع على العلامتين الاوليين على الترتيب، فلا كلام في اعتبارهما مع دلالة الموثق ورواية شريح عليهما. وأما الانقطاع أخيرا، فمستفاد من قوله: (من حيث ينبعث) في الموثقة، والمراد به ذلك على ما فهمه المشهور، فيكون حجة أيضا. ولكن تضعفه أمور: أحدها: احتمال كونه بمعنى سبق الانقطاع، ولعل ذلك مستند ابن البراج. وثانيها: احتمال كونه بمعنى الخروج بقوة، بل الظاهر من اللفظ ذلك. وثالثها: عدم اعتبار جماعة من القدماء ذلك. ورابعها: دعوى المرتضى رحمه الله الأجماع على عد الأضلاع بعد الامارتين (4). وخامسها: رواية شريح، حيث تركته وذكرت عد الأضلاع. ويؤيده أمران: أحدهما: فتوى الأكثر الكاشف عن معنى الرواية أيضا. وثانيهما: مساعدة الاعتبار، لأن التساوي في الخروج مع تأخر الانقطاع


(2) الظاهر المراد به موثقة هشام بن سالم المتقدمة في ص 54 لكن فيها تقديم البول أو السبق على نصف النصيبين، لا على عد الأضلاع. (2) خبر ميسرة بن شريح المتقدم في ص: 50. (3) في (ن): أو عملا. (4) الانتصار: 306.

[ 55 ]

علامة لكونه أصلا عادة. والظاهر أن الترجيح مع المشهور، والوجه بعد التأمل واضح. وأما عد الأضلاع: فالرواية وإن كانت ضعيفة، لكن تتأيد بالتعليل بأن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر، وبما علم من طريقة أهل التشريح والتجارب كونه كذلك. لكن قد عرفت أنه غير حاسم للأشكال كما زعمه القائلون به، فلو لم يكن التفاوت بضلع تام بقي الأشكال على حاله، فالمرجع الموثق المنطبق على ما قررناه من القاعدة في نصف النصيبين في الأرث، والديتين في الجناية، والاصول المعتمدة في سائر المباحث، كما عرفت. وفي اعتبار تكرر الأمارة كلام يأتي في ذي الحقوين. الرابع: في أحكام ذي الحقوين والمراد به: من له بدنان في حقو واحد، ولم يتعرض له الأصحاب إلا في الميراث. ففي الشرائع: من له رأسان أو بدنان على حقو واحد يوقظ أحدهما (1)، فإن انتبها فهما واحد، وإن انتبه أحدهما فهما اثنان (2). وفي القواعد: يوقظ أحدهما، فإن انتبها فهما واحد، وإن انتبه أحدهما فهما اثنان في الميراث (3). وفي الدروس: يوقظ أحدهما بعد نومهما، فإن انتبها فهما واحد، وإن انتبه


(1) في النسخ بدل (أحدهما): (بعد نومهما) والصواب ما أثبتناه من المصدر. (2) الشرائع: 4: 47. (3) القواعد: 2: 187.

[ 56 ]

أحدهما فهما اثنان، كما قضى به علي عليه السلام. وقال أبو جميلة: رأيت بفارس امرأة رأة لها رأسان وصدران في حقو واحد من وجه يتغايران (1). وفي المسالك: والقول باعتبار تعددهما ووحدتهما بالأيقاظ هو المروي من طرق الأصحاب عن علي عليه السلام: (أنه ولد على عهده مولود له رأسان وصدران في حقو واحد، فسئل علي عليه السلام في أمره في الميراث، فقال: يترك حتى ينام، ثم يصاح به، فإن انتبها معا كان له ميراث واحد، وإن انتبه واحد وبقي الاخر فإنما يورث ميراث اثنين) (2) وفي طريق الرواية ضعف أو جهالة، لكن لا راد لها (3). وهنا مباحث: الأول: أن هذه الأمارة هل هي تعبدية - كما هو ظاهر الأصحاب حيث اقتصروا عليه - أو لا، بل هي أحد الامارات أو أضبطها؟ والكلام هنا كما قررناه في أمارة الخنثى: من كون العبرة بالعلم أولا، ثم بظن الحاكم الشرعي من الامارات. والذي يقتضيه النظر عدم كون الأمارة تعبدية، بل كل ما كشف عن الواقع. فلو تخالفا - مثلا - في الأرادة بحيث كل منهما يريد غير ما يريد الاخر، مثلا: يريد أحدهما القيام ويمسكه الاخر، أو يريد أحدهما المصير إلى الدار والاخر المصير إلى السوق ونحو الذلك من الارادات المتعاكسة التي تظهر آثاراها في البدن [ فهما اثنان ] (4)، ومثل ذلك كون أحدهما فطنا ذكيا والاخر غبيا، وحفظ أحدهما ونسيان الاخر، ونحو ذلك من الامارات. نعم، يمكن أن يقال: إن هذه الامارات معتمدة عند أهل العرف وغيرهم، ومتى


(1) الدروس 2: 381، وما حكاه عن أبي جميلة رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ر، عن أبي جميلة، انظر التهذيب 9: 358. (3) الوسائل 17: 582، الباب 5 من أبواب ميراث الخنثى ح 1. (3) المسالك 2: 342. (4) الزيادة من مصححة (م).

[ 57 ]

ما حصل شئ منها يعلم أو يظن ظنا قريبا منه أنهما متعدد. ومحل البحث ما كان خاليا عن مثل هذه، كما يعطيه ظاهر الرواية: (ولد بعهده مولود فسألوه عن ميراثه) (1) والظاهر أنه لم يبلغ مبلغا يمكن اختباره بهذه العلامات، فلا تدل الرواية على عدم العبرة بما ذكر وإن كان ظاهر الأصحاب ذلك. بل يمكن أن يقال: إن النص والفتوى لا يدلان على انحصار العلامة، نظرا إلى أن غير النوم والانتباه من العلامات فيها أمارة التعدد كثيرة - كما مثلناه - وأما أمارة الوحدة فلا غالبا، مثلا (2) تطابقهما في القيام والقعود والأرادة لا يدل على اتحادهما، لجواز كونهما متواطئين على هذا المعنى اختيارا، أو كون طبيعتهما بشدة المجاورة وتقارب القوى متوافقتين، وكذلك الذكر والنسيان والذكاوة والغباوة، فإن تطابق الاثنين في الفهم والمرتبة (3) في امور خاصة شائع الوقوع وإن تميزا بامور اخر. بخلاف النوم والانتباه، فإنه دائر مع الوحدة والتعدد وجودا وعدما وإن كان فيه أيضا نظر، إذ انتباه اثنين في آن واحد سيما مع تقارب الحواس وتناسب الطبيعة خصوصا بالصياح - كما في الرواية - لا تلازم بينه وبين الوحدة، وليس ذلك إلا كما مثلناه. وبالجملة: لم أجد للجمود على النص وجها يعتمد عليه. نعم، هو أحد العلائم في ذلك. الثاني: أن المراد بالانتباه والنوم - بناء على الاقتصار عليه - هل خصوص ما عبر به في النص، أو هو مثال؟ فلو فرضنا أنه أخذ أحدهما النوم وبقي الاخر مستيقظا، فعلى ما في النص لا يكون هذا علامة، بل يعتبر نومهما جميعا، فيعتبر بالانتباه. بخلاف ما لو قلنا: إن المراد: النوم في أحدهما دون الاخر كيف كان،


(1) إشارة إلى ما هو المروي عن علي عليه السلام الذي تقدم آنفا بلفظ (أنه ولد على عهده مولود...). (2) في (ن، ف): مثل. (3) في (ن): والرتبة.

[ 58 ]

فلا يفترق الحال بين الابتداء والاستدامة. ويمكن أن يقال بالجمود على النص، لأن الانتباه في أحدهما أقوى دلالة على التعدد، لأن عود الروح إلى الشخص الواحد بعد اجتماعه (1) لا يكون إلا بسريانه إلى الأجزاء كافة، بخلاف نوم أحدهما دون الاخر، لأن عروض النوم إنما هو باستيلاء البخار على الحواس، ويمكن استيلاؤه على أحدهما أسبق من الاخر، فإنا نرى أنه يمكن أن تنام إحدى العينين دون الاخرى وأن ينام البصر دون السمع، وذلك لتفاوت الحواس قوة وضعفا، فلعل في البدنين أو الرأسين أيضا تفاوتا مثل هذا التفاوت. ولما لم يمكن غالبا انتباه إحدى الحواس دون الاخرى (2) فعدم انفكاك البدنين أو الرأسين في ذلك أولى. وهو المتجه مع احتمال اعتبار الغالب وكون الأمارة مبنية على الظن، وهو موجود في المقامين. والظاهر أن خصوص (الصياح) لا مدخلية له، بل لو انتبه أحدهما بالدفع (3) بآلة صغيرة لكان كذلك، بل دلالة الانتباه فيهما به (4) على الوحدة أزيد من الصياح. نعم، انتباه أحدهما دون الاخر في الصياح أشد دلالة على التعدد. ومن بعض ما قررنا ظهر ما في كلام الأمام ولي الملك العلام، من اعتبار ما لا يناله فهم آحاد الأنام، مع ما فيه من دقائق اخر، يظهر بعد التأمل. ومن ما مر يظهر أنه لو تعارض سبق النوم إلى أحدهما مع الانتباه دفعة يقوم الأشكال: من أن الانتباه منصوص، ومن أن دلالته على الوحدة أضعف من دلالة النوم على التعدد اعتبارا، مضافا إلى أن ظاهر النص ذكر هذا علامة للتعدد، لا عدمه علامة للاتحاد وإن ذكر في النص، لكنه مسوق لبيان غيره.


(1) كذا في النسخ، والظاهر أنه مصحف: انتباهه. (2) في غير (م): أحد الحواس دون الاخر. (3) كذا في النسخ، ولعله مصحف: بالدق. (4) في هامش (م): بها، خ.

[ 59 ]

الثالث: أن العلامة المنصوصة هنا وعلائم الخنثى هل يعتبر فيها التكرر (1) مرارا بحيث يعلم كون المعتاد ذلك حتى يحكم به، أولا بل يعتبر دفعة واحدة فأيهما تحقق قضي به وإن تخلف بعد ذلك، أو يفترق الحال بين أمارات الخنثى فيعتبر التكرر (2) دون المقام فيعتبر الواحدة (3) أيضا؟ احتمالات لم ينص على شئ منها الأصحاب. وجه الأول: بعد اعتبار المرة الواحدة، نظرا إلى أن الأمارة للكشف لا تعبد صرف، والمرة الواحدة غير كاشفة، لأن هذه الامور عاديات قابلة للتخلف، فربما تكون هذه الدفعة مما تخلفت عن العادة، مضافا إلى أن المرة الثانية إذا حصلت بعكس المرة الاولى لم يبق وثوق بالاولى أصلا، لاستحالة الترجيح من غير مرجح، ومجرد السبق غير كاف، مع أن ظاهر النصوص الأطلاق بحسب الأزمان، مثل قوله: (فبأيهما يبول، أو يسبق، أو ينبعث) أو (إذا انتبه أحدهما) فمتى ما حصل أحدهما في أي زمان كان يشمله النص كما شمله في الأول، فيتعارض الامارتان. ووجه الثاني: أن ظاهر الأخبار الأطلاق، وهو يصدق بالواحدة فيحكم (4) بها، فإن عارضه بعد ذلك وضع آخر فلا عبرة به بعد الحكم، لأن الموضوع ليس مشتبها بعد ذلك حتى يلاحظ أمارة اخرى متعارضة [ أولا ] (5) بل على تقدير التخالف يصير بمنزلة رجل يخرج بوله من ثقب آخر لافة، أو امرأة كذلك. ووجه الثالث: أن موثقة هشام في الخنثى (1) عبر (2) في العلائم بصيغة المستقبل الدالة على التجدد والاستمرار، ورواية الباب عبر (3) بالماضي الدال على كفاية الوقوع مرة، مضافا إلى أن رواية الخنثى عبر (1) بموضوع عام ودل (2) على


(1 و 2) في (ن، ف): التكرار. (3) في (ن، ف): الواحد. (4) في (ف، م): ويحكم. (5) لم يرد في (ن). (2) تقدمت في ص: 50. (2 و 8) كذا في النسخ، والمناسب: عبرت (2 و 10) كذا، والمناسب: عبرت... دلت.

[ 60 ]

حكم كلي يمكن فيه اعتبار الدوام والاستمرار في الأمارة، بخلاف المقام، فإنه قضاؤه عليه السلام في مولود خاص في ميراثه. مع أن دلالة الانتباه على الوحدة والتعد د أقوى بحيث يبعد اختلافه، بخلاف البول ونحوه، كما لا يخفى. والذي يقوى في النظر الوجه الأخير، بل هو الأوفق بالنص والفتوى أيضا، فتدبر. فائدتان: اولاهما: أنه على القول باعتبار الاستمرار، فهل يكفي فيه المرتان أو الثلاث، أو يعتبر ما يصدق به العادة؟ والذي يترجح في النظر كفاية المرتين، لوجود معنى التجدد المستفاد من النص فيه، واستقراء موارد الشرع من اعتبارهم في العادة المرتين، ونصوص الحيض الحاكمة بالعادة بهما، فليكن هنا كذلك. ثم على تقدير تحقق العادة والحكم، فإن انقلبت بعد ذلك العادة وتكررت في خلافه، فهل يعمل بالثانية - كعادة الحيض - فيدور الذكورية والانوثية مدار العادة في خروج البول مثلا، أو لا، بل ينتقل بعد ذلك إلى الأمارة التي بعدها، لتعارض الاولى وسقوطها عن الاعتبار، فإن لم يكن وراءها علامة فهو المشكل الذي يقضي فيه كل على مذهبه، أو لا ينتقض الحكم بالانقلاب مطلقا، استصحابا لما ثبت والشك في كون التغير رافعا له أم لا، ولأطلاق النص في الحكم بذلك الشامل لما لو تجدد ما يغايره؟ وجوه. والذي يقوى في النظر القاصر الوجه الأوسط، إذ لا إطلاق في النص بحيث يشمل هذا الفرض، والحكم مراعى بعدم انكشاف الخلاف، فلا وجه للاستصحاب، فتأمل جدا. وثانيتهما: أن على القول بالمرة فهل العبرة بها كيف اتفق، أو لا، بل ما يتفق بعد

[ 61 ]

حكم الحاكم الشرعي؟ وجهان، ولا يخفى قوة الثاني، إذ العبرة بالمرة مخالفة (1) لظاهر النص والاعتبار في الجملة. ولو سلم دلالة النص فالمتيقن ما حصل منه بعد حكمه، وأما ما وجد سابقا ولو عند نفس المكلف فلا عبرة به. والمسألة محل إشكال، والبحث فيه لا يسعنا المجال. الرابع: أن اعتبار هذه العلامة لا كلام فيه في الميراث. وأما الأحكام الاخر: فهل هي تابعة للميراث في ذلك [ مطلقا ] (2) لعدم الفرق ولأنه أمارة كاشفة عن الواقع لا تعبدية صرفة فمتى ما علم في الواقع الوحدة أو التعدد فيتبع، أو ليست بتابعة نظرا إلى أن النص إنما ثبت فيه، ولعل الفرق هناك موجود، وكونه كاشفا عن الواقع مطلقا غير معلوم؟ وجهان. والتحقيق: أن الأمارة كاشفة مطلقا كما هو ظاهر النص. ومع ذلك لا يستلزم إجراء أحكام الوحدة والتعدد عليه في سائر الأبواب، نظرا إلى أن الأحكام المعلقة على الوحدة والتعدد قد تنصرف إلى الفرد الشائع المتبادر، وقد لا تنصرف، فالنظر في كل واحد من المباحث لا بد منه. قال العلامة رحمه الله في القواعد بعد عبارته السابقة: وكذا التفصيل في الشهادة، أما التكليف فاثنان مطلقا، وفي النكاح واحد وإن كان انثى، ولا قصاص على أحدهما وإن تعمد مطلقا. ولو تشاركا ففي الرد مع الانتباه لا دفعة إشكال، ودفعة أشكل (3). وفي المسالك: وحكمها ورد في الأرث، وينبغي مثله في الشهادة والحجب لو، كان [ له ] (1) أخا. أما في العبادة فاثنان مطلقا، فيجب عليه غسل أعضائه كلها ومسحها، ولو لم يتوضأ أحدهما ففي صحة صلاة الاخر نظر، ويمكن هنا اعتبار الأيقاظ [ أيضا ] (2)، فمن لا ينتبه لتنبه الاخر لا يعتبر طهارته في صحة صلاة الاخر


(1) في (ن، ف): مخالف. (2) الزيادة من (ف). (3) القواعد 2: 187. (1) أثبتناها من المصدر. (2) أثبتناها من المصدر.

[ 62 ]

للحكم بتعددهما. وفي النكاح هما واحد من حيث الذكورة والانوثة. أما من حيث العقد، فالظاهر توقفه على رضاهما معا، وكذا يقع الأشكال في الطلاق. وفي العقود - كالبيع - هما اثنان. وفي الجناية [ هما ] (3) اثنان لا يقتص من أحدهما بجناية الاخر، ولو اشتركا في الجناية اقتص منهما. وهل يحسبان بواحد أو باثنين حيث تكون الجناية في غير المشترك؟ وجهان، ولو كانت جنايتهما في المشترك وهو ما تحت الحقو - اكتفي بواحدة (4). إذا عرفت هذا فالكلام في جهات: الأولى: أنه لا يقوم من هو كذلك مقام اثنين في تراوح البئر وإن قيل بتعدده، إذ المتبادر غير ذلك، ولمعلومية مدخلية القوة فيه، وضعف هذين باشتراك ما تحت الحقو واضح. وينزح من البئر لو وقع فيه ومات نزح الاثنين، نظرا إلى أن الواحد الذي فيه سبعون دلوا لا يشمل إطلاقه ذلك. فإن قلت: التعدد أيضا لا يصدق عليه. قلت: بعد التعارض يقضي الاستصحاب ببقاء النجاسة إلى اليقين بالمزيل. قيل: فأين يعلم اليقين بالمزيل؟ قلنا: ينفى ما زاد على مقدر الاثنين بالاولوية. مع احتمال إلحاقه بما لا نص فيه إن أوجبنا فيه نزح الجميع، وأما على الثلاثين أو الأربعين فلا، إذ لا ينقص عن الواحد قطعا. وفي الوضوء يعتبر غسل جميع الأعضاء إن حكمنا بالوحدة - كالعضو المشتبه في غيره - مقدمة للواجب، فإن لم يمكنه سقط بحسب التعذر كغيره، ويبطل وضوؤه بالحدث. وهل يبطل بنوم أحدهما أو إغمائه أو جنونه بناءا على أن هذه ليست أمارة


(3) أثبتناها من المصدر. (4) المسالك 2: 342.

[ 63 ]

التعدد، أو لا؟ وجهان، مقتضى الاستصحاب الثاني حتى يحصل اليقين بالناقص. وإن قلنا بالتعدد مع الأمارة، فالأقوى أنه يكفي في وضوء كل منهما غسل أعضاء نفسه المختصة أو المشتركة، لشمول أدلة الوضوء، وعدم حصول الاشتباه حتى يجب مقدمة (1) ولا يضره بقاء الحدث في أحدهما في صلاة الاخر، لأصالة عدم المانعية، وليس ذلك إلا كركوب المحدث على المتطهر في الصلاة، فتبصر. ولو تطهرا معا فينتقض طهارتهما بالحدث الحاصل من العضو المشترك كالبول، لشمول أدلة النقض لهما. بخلاف الحدث المختص، كنوم أحدهما دون الاخر، فإنه ينقض طهارة النائم خاصة. وعلى هذا، فلا يجوز للمحدث منهما الصلاة، ولا الطواف الواجب، ولا مس كتابة القرآن [ بعضوه المختص ] (2) ويجوز كل ذلك للمتطهر، ولا يضره اتصال غيره به. وفي العضو المشترك نظر، فيحتمل جواز المس به مطلقا لأنه متطهر من جهة، ويحتمل المنع لأنه محدث من جهة اخرى، ويحتمل لحوق كل حكمه، فإن مس به المحدث عصى دون المتطهر، ولا يزر واحد منهما وزر الاخر لو وقع قهرا، ولو تراضيا على المس فالمحدث عاص. وهل لكل منهما منع الاخر عن المس كالمشتركين في الملك، أم لا لتسلط كل منهما بتمام العضو لا على الأشاعة، أو للمتطهر منع المحدث للنهي عن المنكر دون العكس، أو بالعكس، لأن للمحدث الحذر عن مماسة عضوه المصحف، ولو مس المحدث فإنما عصى على نفسه؟ والأجود الوجه الثالث، إذ لا ضرر على المحدث حتى يمنع عنه. ولو شك أحدهما في الوضوء أو شئ من أفعال الغسل أو الصلاة فعلا أو ركعة أو في أفعال الحج، أو غير ذلك - كالاستبراء ونحوه - وحفظ الاخر. فإن قلنا بالوحدة، فهل يجري حكم الشك أو الذكر؟ وجهان، والأقرب أن مع


(1) في (ف، م): مقدمته. (2) من (م).

[ 64 ]

بقاء الشك مع مخالفة الاخر يعمل بمقتضى الشك، لصدق أدلته الواردة على غيرها إن لم يلزم منه الأبطال، وإلا فالعمل على من يذكر لأصالة الصحة. ولو استلزم كل منهما البطلان - كشك أحدهما بين الواحدة والاثنتين وعلم الاخر بزيادة ركعة عن الفريضة - فلا كلام. وإن كان الشك مصححا دون الذكر، فالترجيح للصحة. ويحتمل في صورة صحتهما معا تقديم قول الذاكر لو وافق الأصل، كذكر أحدهما كون الركعة اثنتين. وشك الاخر بينهما وبين الثلاث (1). ويحتمل تقديمه مطلقا ما لم يبطل، لأصالة البراءة عن أحكام الشك، وانصراف أدلته إلى غير ما عارضه ذكر. وإن قلنا بالتعدد، فلكل حكم نفسه إذا لم يتعارض بزيادة أو نقصان مبطلين، والوجه واضح. وإن تعارض - كالشاك بين الاثنين والثلاث الباني على الثلاث ومن تيقن أنه اثنان، فيتعارضان في قيام الرابعة للثاني - ففي بطلانهما معا لعدم الترجيح، أو لزوم أحدهما إطاعة الاخر كفاية حذرا عن الأبطال فإن تنازعا فالقرعة، وجهان. الأقوى الثاني. وإن أمكن إطاعة أحدهما بحيث لا يلزم الأبطال لصلاته وجبت على الأجود كالصبر بمقدار تشهد أو سلام. وحكم الغسل والتيمم - طهارة ونقضا - مثل الوضوء، مع احتمال وجوب غسل الكل في الغسل وإن قلنا بالتعدد، ولكنه وجه ضعيف. وسطح اتصال البدنين معفو للتعذر على الأصح. ولو اختلفا في الدم المستمر في المضطربة في الرجوع إلى الروايات، فمع الاتحاد يلزمهما الوفاق على معين ولو بحكم الحاكم أو القرعة، ومع التعذر فلكل حكمه، كما في الوضوء. وكما لا يضر حدث أحدهما لا يضر وجود الخبث أيضا في ثوب الاخر


(1) العبارة في (م) هكذا: كون الركعة ثانية وشك الاخر بين الاثنين والثلاث.

[ 65 ]

المختص، وكذا عدم الستر لو كانا انثى مع التعدد. ومع الاتحاد فللمطيع قهر العاصي في وجه، ويسقط مطلقا في وجه آخر، ومع التعذر على الأول. ويجب عليهما معا النية والقراءة والأذكار والأفعال في الصلاة لو صليا دفعة واحدة إن كانا متعددين. ولو صلى واحد منهما فيأتي بما يجب عليه وإن لم يصل الاخر. وإن كانا متحدين فالواجب صلاة واحدة، لكن يجب في أفعال الصلاة المتعلقة بالأعضاء استعمال أعضائهما معا مقدمة للواجب، للشك في الأصلي والزائد. ولو امتنع أحدهما سقط إن لم نجعله علامة التعدد. وأما في الأقوال - من قراءة وذكر - فهل يجب قراءتهما معا كالأفعال صرفا للأدلة إلى (1) الأصلي وهنا مشتبه فيجب مقدماته، أو يكتفى بالواحد لصدق القراءة وحصول الامتثال؟ وجهان. أقواهما (2) الثاني على إشكال، لاستلزامه تعدد السور والقران المبطل للعبادة - كما قرر في محله - بخلاف الأفعال، فإن سجودهما يعد سجودا واحدا وإن تعدد الأعضاء، فتأمل. ولا يحسبان اثنين في انعقاد الجمعة والعيدين وإن تعددا، لانصراف الخمسة إلى المنفصل. مع احتمال الانعقاد، لعموم وجوب الجمعة، خرج ما لم يستجمع الخمسة ولو في حقو واحد بالدليل وبقي الباقي. وعلى الاتحاد فعدم الانعقاد واضح ولو سافر أحدهما قاصدا للمسافة دون الاخر، ففي كفاية قصد أحدهما في القصر مطلقا للقصد في أحدهما والتبعية في الاخر، أو عدمها مطلقا لأن مثل هذا لا يعد تبعية وقصد أحدهما مع عدم قصد الاخر غير نافع، أو كفايته على القول بالاتحاد لأنه مسافر، دون التعدد فلكل حكمه والتبعية ضعيفة، وجوه. أوسطها الأخير..


(1) في (ن): على. (2) في (ف): أقر بهما.

[ 66 ]

ويجئ نظيره في ناوي الأقامة، وإتمام الناوي هنا أوضح، ومثله ناوي المعصية. ولا يجوز ائتمام أحدهما بالاخر مع الاتحاد. وأما مع التعدد ففي جوازه لأن (الاثنان جماعة) (1) وعدمه لعدم دخولهما في الأطلاق ولزوم تقدم الأمام - وهنا غير معقول - وجهان. والحق أنا لو قلنا بجواز صلاتهما دفعة واحدة فلا بأس بالائتمام، والتقدم مع العذر ساقط. نعم، يجئ شبهة في أنهما لو صليا دفعة فاستناد القيام والقعود ووضع الرجلين في السجود إلى أحدهما ليس أولى من الاخر، والمتبادر من الأدلة الاستقلال وهنا مشتركان، واجتماع علتين على معلول واحد ممتنع، والتشريك موجب لعدم الامتثال. قلت: لا مانع من ذلك، لصدق استناد القيام والقعود عليهما عرفا مستقلا وإن كان في الواقع لهما مدخلية، لكن كونهما بحيث لو لم يكن كل منهما لقام الاخر وقعد كاف في ذلك. وسيجئ تحقيقه - إن شاء الله تعالى - في بحث الأسباب. ومن هنا تبين: أن مع عجز أحدهما وقدرة الاخر فإن رضي الشريك بالاستناد إليه في القيام ونحوه صحت صلاته ووجب صلاة المختار، وإن لم يرض صلى معذورا. ومع الاتحاد، لو صام أحدهما صوما واجبا عليه مضيقا - كرمضان - يكره الاخر على الأطاعة إن خالف وأمكنه ذلك. ولو أراد الصوم المندوب أو نذرا جديدا افتقر إلى رضاء الاخر، لأنه إضرار. ولو لم يطع الاخر في الواجب فمع اختلاف المعدة يصوم عملا بالميسور، ومع اتحادها ففيه الأشكال. والحق أن المطيع يصوم وينوي، ولا يضره أكل الاخر وشربه وإن تقوى به


(1) الوسائل 5: 380، الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة، ح 4.

[ 67 ]

كالمكره على الأفطار. والأقوى أنه لا يجب عليه قضاء أيضا، للامتثال وعدم الفوات. وأما مع التعدد فلكل حكمه في الوجوب والكفارة وغير ذلك، لكن مع اتحاد المعدة يجئ الأشكال، ويندفع بما مر. وليس لأحدهما التبرع بالصوم أو العبادة الشاقة أو الحركة الغير محتاج إليها إلا مع إذن الاخر، للزوم الضرر. ولكل منهما السعي في حوائجه (1) واموره على قدر حاله، وليس للاخر ممانعته في ذلك. ولو تعارضا فالأقوى لزوم المهاياة كالعبد المشترك، فيصرف (2) يوما في حاجة أحدهما ويوما في الاخر مثلا. ولو منع أحدهما الاخر عصى، والحق عدم الضمان، لأن منافع الحر لا تدخل تحت اليد فلا يضمن بالفوات. ولو أكره أحدهما الاخر على الأفطار مع اتحاد المعدة فقد أبطل صوم نفسه على الأصح. ولو تضرر أحدهما بالصوم لمرض ونحوه أفطر ويصوم الاخر وإن اتحد المعدة. ولو كان صومه يضر صاحبه في مرضه بشدة ونحوه ففي السقوط مطلقا لأنه إضرار، والعدم مطلقا لأنه واجب وجهان، والسقوط أقوى سيما مع أن ضرر الشريك يعود إليه - أيضا - مطلقا غالبا وإن تخلف في بعض الصور كوجع عين ونحوه. ولو حجا مع التعدد عن استطاعة أو نذر أو نيابة أو مندوب أو ملفق يحتسب الأفعال المشتركة لكل منهما، ويأتي كل منهما بالمختص فيلبسان ثلاثة أثواب للأحرام لاشتراك الواحدة، ويلبي كل منهما ويطوف ويسعى. وخلل كل منهما مع عدم رضا الاخر لازم على نفسه وإن كان بعضو مشترك كالجماع. نعم، في جواز نيابة كل منهما عن واحد نظر، منشأه عدم الاستقلال، وعدم أولوية استناد الطواف والوقوف ونحوهما إلى أحدهما دون الاخر. والأقوى


(1) في (ن) زيادة: وأمواله. (2) في (ف): فينصرف.

[ 68 ]

الجواز لأن كلا منهما آت بالأفعال عرفا، وليس هذا إلا كركوب اثنين على دابة في الطواف قاصدين له، ونحوه في غيره، فتبصر. وكذا لو كان أحدهما أصالة والاخر نيابة. وأما مع الحكم بالاتحاد فلا يجوز النيابة عن اثنين ولا الملفق، وإنما هو حج واحد، وتجب مباشرة جميع الأعضاء مقدمة، كما مر في الصلاة. وأما العبادات المالية - من زكاة أو خمس أو صدقة أو كفارة - فعلى فرض الاتحاد فلا إشكال، وأما مع التعدد فلكل حكمه. ولو ادعى أحدهما على الاخر مالا فمع التعدد يسمع ويقضى بينهما كغيرهما، ومع الاتحاد لا يعقل، لأنهما كالجزءين. نعم، لو ادعى أحدهما على الاخر غصب حق أو إيذاءا أو ظلما (1) في أكل وشرب سمع دعواه مع الأثبات ويتوجه التعزير، أو اليمين (2). الثانية: أنهما لو اتحدا بالأمارة فحكمهما في الشهادة حكم الواحد، سواء كان شهادة إثبات أو شهادة صحة كما في الطلاق عملا بالمتيقن وبمقتضى الأمارة. وأما مع التعدد: ففي قيامهما مقام الاثنين نظر، من كونهما كذلك، ومن أصالة عدم تحقق الشرط أو السبب إلا في المتيقن وهو المنفصل. والأقوى قيامهما مقامهما وفاقا للفاضل (3) وثاني الشهيدين (4) سيما على القول بحجية خبر الواحد مطلقا، ولم يثبت في الشهادة (1) تعدد أزيد من ذلك. وأما في ما عدا النكاح من العقود: فإن قلنا بالتعدد فلا ريب أن لكل حكمه، عقدا ماليا كان: - كالوقف والبيع والصلح والأجارة والجعالة والهبة والعارية - أو بدنيا - كوكالة ومزارعة ومساقاة ووديعة وكفالة ونحوها - فلو كان المال من طرف


(1) في النسخ: أو إيذاء أو ظلم. وهو سهو. (2) في (م): واليمين. (4) القواعد 2: 187. (4) مسالك الأفهام 2: 342. (1) في (ف، م): بالشهادة

[ 69 ]

ذي الحقوين خاصة فلا إشكال، لأنه مسلط على ماله، ولا مدخل لشريكه في ذلك. ولو كان العمل من جانبه - ككونه أجيرا أو وكيلا أو عاملا، ونحو ذلك من العقود العملية - فهنا وجوه: أحدها: عدم جواز مباشرة أحدهما ذلك، لأنه شريك لا يمضى تصرفه إلا بإذن الاخر، كالدابة بين مالكين، فلا يؤجر (2) أحدهما إلا بإذن الاخر. وثانيها: الجواز، لأنه مسلط على نفسه، غايته تسلط الاخر أيضا على ذلك، فله إعماله في ذلك، وللشريك اجرة مثل حصته جمعا بين الحقين، وعدم إمكان قسمته إلا كذلك. ثالثها: لزوم المهاياة كالعبد المشترك، فيقتسمان للأزمان (3) ولو بحكم الحاكم، فكل مسلط في حصته أن يعمل ما يشاء وعلى الاخر تبعيته. ولا ريب في قوة الوجه الأخير. ولو تقبل كل منهما عملا لا ينافي الاخر فلا كلام في الجواز. ولو صارا أجيرين لشخص واحد برضاهما فالاجرة بينهما سواء، وهل يعد هذا من شركة الأبدان فيبطل، أو لا فيصح؟ الأقوى البطلان إلا مع توزع العمل وتقبل كل حصته لنفسه. وأما في الايقاعات المالية - كالفسخ والشفعة والعتق والوصية في وجه والتدبير والأذن والأجازة - يلتزم كل بحكم نفسه وماله، كالشخصين الممتازين. وإن قلنا بالاتحاد، فهل يكفي رضاء واحد (1) منهما في عقد أو إيقاع مما ذكر سابقا لدخوله تحت الأدلة، أو لا بل يعتبر رضاهما معا؟ الأجود الثاني، لأن كلا منهما كالعضو والمال واحد لهما.


. (1) في (ف، م): فلا يوجرها. (3) كذا في (م) وفي هامشه: فيقسمان الأزمان، خ. وفي (ن): فيقسمان للأزمان. (1) في (ن): كل واحد.

[ 70 ]

ويحتمل وجه ثالث، وهو: أنه وإن كان المال واحدا والمالك واحدا وهما كالجزءين [ لكن حيث إن الجزءين ] (2) هنا ليسا كاليدين في الأنسان، بل هما مستقلان في إحداث عقد أو إيقاع، فيكون نسبة المال الواحد إليهما بالأشاعة كما بين الشريكين، فيمضى تصرف كل منهما في نصف المال وإن لم يكن قابلا للقسمة ابتداءا. وهذا في مثل الوصية والتدبير لا إشكال فيه، لأنه يرجع إلى انتقال ما عدا ثلث النصف إلى الوارث. وأما في المعاملات في الحياة، فاللازم منه انتقال حصة من ملكه أو انتقال حصة آخر إلى ملكه كما في الشفعة والفسخ بعد تراضيهما مثلا في البيع، فيلزم كون ذلك مختصا له دون شريكه ثمنا أو مثمنا، وذلك لا وجه له لاستلزامه التعدد، والفرض الاتحاد، ولو عاد ذلك الى الأشاعة فصار معناه المضي من دون رضاء الاخر فليمض في الكل. والذي يرجح (3) في النظر جريان أحكام التعدد مطلقا، لشمول أدلة العقود والايقاعات لكل منهما، ويكون لكل في ذلك مال نفسه، وإعطاؤهما في الميراث حصة الواحد لا يدل على عدم تملك كل منهما شيئا على إشكال. الثالثة: أنهما في عقد النكاح - ذكرا كان أو انثى - حكمه حكم سائر العقود من اعتبار تراضيهما معا، ولو قلنا هناك بالتجزئة مطلقا أو التعدد [ مطلقا ] (1) فهنا لا نقول به، لعدم انفكاك الشخصين، واعتبار رضاء أحدهما دون الاخر تحكم، فيعتبر رضاهما سواء اتحدا في الأرث أو تعددا، فلو كان ذكرا متحدا فلا إشكال، ولو كان انثى وكان في الأرث واحدا يجري عليه في النكاح أيضا حكم الواحد في عدد الزوجات، وفي القسمة وغير ذلك وإن تعدد في الأرث.


(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (م). (3) في مصححة (ن): يترجح. (1) الزيادة من (ف).

[ 71 ]

فهنا كلام من وجوه: أحدها: هل يصح عقدها لعموم دليل النكاح، أو لا لأنه جمع بين الاختين؟ وجهان، وقد صرح الفاضل بأنهما في النكاح واحد وإن كان انثى (1) وكذا في المسالك (2) - كما عرفت - وهو كلام منظور فيه جدا. اللهم إلا أن يقال: إن عموم أدلة النكاح قضى بالجواز، والمتبادر من قوله تعالى: وأن تجمعوا بين الاختين (3) غير هذا الفرض، فيدخل تحت العموم. أو يقال: إن منشأ عدم جواز الجمع بين الاختين ليس إلا من جهة كونه منشأ للتشاجر والتنازع وقطع الرحم، وهذا لا يكون إلا مع تعدد الفرج، فإذا كان الفرج واحدا فلا تنازع. وفيهما نظر. أما الأول: فلأنه كما لا يعلم دخوله في الجمع بين الاختين لا يعلم دخوله في (ما وراء ذلك) (4) والأصل في النكاح بعد الشك في العموم التحريم. وأما الثاني: فلمنع كون العلة ذلك، ولو سلم فالتشاجر موجود أيضا، إذ ليس ذلك لمحض الوطئ، بل لعل لسائر المقدمات والميل ونحوها أيضا مدخل (5) في ذلك، والتفكيك فيها هنا ممكن، فعدم الجواز أولى، بل أقوى. وثانيها: أنه هل يجري عليه (1) في القسمة وعدد الزوجات حكم الواحدة (2) إن قلنا بجواز نكاحه، لاتحاد الفرج - وهو العمدة في ذلك - أو لا، بل هو قائم مقام


(1) القواعد 2: 187. (2) المسالك 2: 342. (3) النساء: 23. (4) قوله تعالى: واحل لكم ما وراء ذلكم النساء: 24. (5) في (ن): مدخلا. (2) كذا في النسخ، والمناسب تأنيث الضمائر هنا كما في الوجه الأول، والتذكير أيضا صحيح باعتبار رجوع الضمائر إلى (من له بدنان). (2) في (ن): الواحد.

[ 72 ]

الاثنتين، فلا يجوز غيره سوى الاثنتين، لظاهر التعدد وشمول الدليل؟ ظاهر كلام من جوز النكاح وقال: إنه واحد كون حكمه أيضا كذلك، وإلا لزم التفكيك المستغرب. ففي مسألة الاختين الالتزام بالاتحاد وفي القسمة والعدد بالتعدد - كالأرث - تحكم بحت، كما أن إجراء حكم الواحدة في حياة الزوج والاثنتين في إرثه بعد موته أيضا مستبعد جدا. فكلام الفاضل والشهيد الثاني هنا لا أعرف مستنده. وثالثها: مع كون الذكر (3) متعددا في الميراث ينبغي عدم جواز تزوجه، لعدم إمكان إباحة زوجين لامرأة واحدة. ودعوى: أن ذلك للزوم اختلاط الأنساب - كما في النصوص - ومع اتحاد الفرج لا يلزم ذلك، مدفوعة بمنع كونه علة، بل هو حكمة، وإلا للزم جواز نكاح رجلين ليائسة في آن واحد ولا يقول به أحد، وغيره من النقوض كثيرة (4). ويمنع عدم لزوم الاختلاط هنا، لأنه إذا ولد هنا ولد يكون له أبوان، والفرض أن لكل منهما أموال أو حقوق، ويلزم من ذلك الهرج والمرج في الامور، مع أن لازم التعدد إذا ماتت زوجته أن يورث ميراث رجلين، وهذا غير معقول سيما مع كثرة الورثة والعول. ويتخرج من ذلك مسائل لا تنحل، مع ما فيه من التفكيك بين الحياة والموت وفيه بعد، فيكون المنع في الذكر أيضا أقوى. ويمكن دفع ذلك كله بأنه وإن لزم ذلك في المقامين، لكن منع هذه النفس من النكاح شئ لا يرضى به الشارع، ومستلزم للعسر والحرج الوكيد المؤدي إلى التلف، إذ اجتماع شهوة شخصين في عضو واحد موجب للتلف السريع لو لم يكن له مدفع، ولا ضرر في الأسلام وهو شريعة سمحة (1). وشمول دليل المانعية لمثله ضعيف، والله أولى بالعذر، فلا وجه لمنعه من ذلك، وهو الأوفق بقاعدة الشريعة


(1) في (ف): مع كون الحكم. (4) في هامش (م): الكثيرة، خ ل. (1) في (ن): سمحة سهلة.

[ 73 ]

ونوع المذهب وإن لم يساعده دليل خاص. والوطئ بالملك كالعقد في هذه الامور، فتدبر. الرابعة: أن بعد التزويج لو أراد الذكر الطلاق فمع الاتحاد في الزوجية يلزم الاتحاد فيه أيضا، لكن ينبغي أن يناط برضاهما كالعقد، فلا يكتفى بطلاق أحدهما. ومثله الكلام في الفسخ بالعيوب من جانبه. ويمكن فرضه لو كان ذو الحقوين انثى، لعدم اختصاص الفسخ بالذكر. ويشكل بأنهما إن كانا في الواقع واحدا، فمتى طلق أحدهما أو فسخ ينبغي أن يؤثر، لصدق الاسم، ولا وجه لترجيح رأي المبقي على الفاسخ. وإن كانا متعددين فمتى ما فسخ أحدهما حرم على الزوجة أو الزوج، فلا يجوز استعمال الالة المشتركة في الوطئ لتلفقه من زنا وحلال. وغاية ما دل الدليل على مخالف القاعدة في صورة تراضيهما وبقائهما على النكاح، دون اختلافهما ابتداءا أو استدامة. اللهم إلا أن يقال: إذا حكم الشرع بالصحة في النكاح واحدا كان أو متعددا من جهة ما مر، فيشك في زواله بطلاق أحدهما في الذكر أو بفسخه مطلقا، فيستصحب الحكم إلى أن يثبت المزيل بتراضيهما. وهو متجه.


وهل يحكم باتحادهما أيضا في أسباب التحريم - كالرضاع ونحوه من أسباب التحريم - وإن تعددا في الأرث، إلحاقا بالنكاح؟ فيحرم عليه من رضعت أحدهما وتوابعها - من امهات وبنات وأخوات - وإن تعددت المعدة، وكذا يحرم عليها من رضع مع إحداهما، أو أرضعته إحداهما ولو مع استقلال الثدي، نظرا إلى حصول شد العظم والانبات في العضو المشترك في الأول وفي الوسط، واستلزام تحريمه على إحداهما الحرمة على الاخرى لاتحاد الفرج، أو لا؟ بل لا يحرم إلا برضاعهما أو إرضاعهما معا، للشك واستصحاب الحل.

[ 74 ]

ومقتضى كلامهم الاتحاد مطلقا. ويلزم نفقتهما معا على زوجها، سواء اتحدا في الميراث أم تعددا، قضاء لحق الزوجية وإن جعلناها في حكم الواحدة، لأن نفقتهما معا نفقة الواحدة. ولو كان زوجا فمع اتحاده فالنفقة في ماله، ومع التعدد فالنصف في مال أحدهما والنصف الاخر في مال الاخر وإن كانا زوجا واحدا، وكذا المهر. ولو نشزت إحداهما بكلام خشن ونحوه ففي سقوط النفقة مطلقا وجهان. والأقوى عدم السقوط سيما مع التعدد في الميراث، لأن النفقة للزوجية، والاخرى لا تقصير لها ولا تسلط لها على رفيقها. وهل تسقط نفقة الناشز مطلقا، أو لا كذلك؟ وجهان. والأقوى أنه فيما لا يضر بالاخر - كاللباس ونحوه - يسقط، وفيما يضر به كقلة الغذاء أو عدمه من أصله فلا، لأنه إضرار بالاخرى. ولو ارتد أحدهما فلا يقتل ولا يحبس ولا يضرب، لأنه إضرار بالاخر، ذكرا كان أو انثى، متحدا أو متعددا. وهل ينفسخ به النكاح ويحرم الزوجة لأنه متى حرم (1) بأحدهما حرمت بالاخر، وهو مقتضى الوحدة في النكاح في كلامهم، أو لا؟ وجهان: يرد على الأول: أنه إذا كان متحدا في النكاح فترجيح المرتد على المسلم ترجيح بلا مرجح، فلم لم يحكم بجانب المسلم؟ مع أن الأصل مع الشك البقاء. ويرد على الثاني: أنه إذا لم ينفسخ مع ارتداد النصف ينبغي حرمانه من الأرث ونحوه، فإذا ماتت الزوجة فينبغي إعطاء نصف إرث الزوج، وهو ينافي الاتحاد - كما قررناه في تجزئة الأموال في المعاملات - وإن أعطيت النصف لهما معا لزم أخذ المرتد الأرث مع وجود المسلم، مضافا إلى عدم داع - حينئذ - إلى تنصيفه.


(1) كذا في النسخ، والظاهر: حرمت.

[ 75 ]

ويحكم بنجاسة الحصة المرتدة مطلقا، ولا يقدح في عبادات الاخر، كما لا يقدح (1) حدثه ولا خبثه مع التعدد. ومع الاتحاد له الأجبار على الأزالة. فإن امتنع اختيارا كما في الخبث العرضي، أو شرعا كما في المرتد عن فطرة - على المشهور - فلا يضر، لأنه معذور. ولو كانا زوجة في كفرهما (2) لكافر فأسلما انفسخ النكاح، وكذلك لو أسلم أحدهما، لقاعدة (نفي السبيل) كما نقررها - ان شاء الله تعالى - إذ السبيل على أحدهما سبيل على الاخر. والبدن تابع لأشرف الطرفين تغليبا للأسلام. ولو كان ذكرا كافرا فأسلما فالنكاح باق، ولو أسلم أحدهما فكذلك. ولو أسلم الزوج (3) حينئذ فالأقوى انفساخ النكاح، لكفر الاخر المانع من السبيل، كما في العكس. ولو ولد له ولد فحق النفقة والولاية مشتركة بينهما، فإن اتحدا فلا كلام. ولا يكفي في التصرف في مال الطفل أو بدنه بنكاح ونحوه رضا الواحد، وقد مر تحقيقه في باب العقود مع كلام فيه. وإن تعددا فالأقوى أن النفقة - كالزوجة - في مال كل من الطرفين بالنصف، والولاية مشتركة. وهل هما حينئذ ارتباطي كما لو أوصى باثنين بشرط الاجتماع، أو لا، بل هما حينئذ كالأب والجد يمضى تصرف كل منهما، ومع التعارض فالسابق وإلا فيبطل؟ وجهان. ومقتضى ما قلنا في باب العقود - من كون كل منهما في المتعدد مستقلا في ماله - أن يكون في مال المولى عليه كذلك، وظاهر الوحدة في باب النكاح الوحدة في لوازمه أيضا، كما قرر في القسمة والنشوز والنفقة وغيرها. وهذا أصح، فولايتهما ولاية واحدة مرتبطة.


(1) في هامش (ف، م): لا ينفع، خ ل. (2) في (ن): ولو كان زوجة في كفرها. (3) كذا في (ف، م)، وفي (ن): ولو أسلم الزوجة، والصواب: ولو أسلمت الزوجة.

[ 76 ]

ولو كان انثى فحق حضانة الولد كالولاية في طرف الأب، ولكل منهما إسقاط الحق بناءا على أن الحضانة ليست إجبارية، كما هو التحقيق ومقتضى القاعدة الاتية في الحقوق إن شاء الله تعالى. ولو امتنع أحدهما فهل للاخر أن يحضنه أو لا؟ وجهان، منشأهما أنه عمل يتبرع به وقد قدمنا أنه لا يجوز إلا مع رضاهما لنفي الضرر، وأنه حق جعله الله تعالى له (والأذن في الشئ إذن في لوازمه) والأصح الجواز مع المهاياة والعدم بدونها. وأما مع عدم كافل غيرهما فالواجب على كل كفاية وعلى المجموع المركب عينا حضانة الولد، ولكل منهما إرضاع الطفل باجرة (1) وتبرعا مع تغاير الثدي. ولا يجوز اجرة واحدة على الاثنين، لأنه شركة أبدان - وقد مر نظيره - ومع الاتحاد فالاجرة الواحدة، ويعتبر (2) رضاهما معا، كباب العقود. ولا يقع الطلاق ولا الظهار ولا الأيلاء على أحدهما، للشك في السبب للفراق، ولأنهما كالجزء في البدن، والمعتبر تعلق هذه الايقاعات على المرأة تامة. ودعوى: أن قولهما (3) لأحداهما: (أنت طالق) أو (علي كظهر امي) أو (لا وطئتك والله) مستلزم للمجموع المركب لاتحاد الفرج، مدفوعة، إذ ليس هذا على التحقيق إلا كقول الرجل مشيرا إلى صدر امرأته: (والله لا وطئتك) وليس له موضع وطئ إلا بالمجموع المركب، وإن كان بينهما فرق من جهة احتمال استناد البطلان هنا بعدم كون العضو قابلا للتخاطب بخلاف المقام، إذ كل منهما قابل لذلك. والحق أن الاتحاد في النكاح كما يقضي برضاهما فوقوع سبب الفراق لا بد أن يقع بكل منهما، قضية للاتحاد. وأما في اللعان: فإن كان بقذف أو نفي ولد فالظاهر كفاية الواحدة منهما،


(1) في (ن): بالاجرة. (2) في (ن): فيعتبر. (3) في هامش (م): قوله، خ. وهذا هو الصواب.

[ 77 ]

لاتحاد الفرج، فقذف أحدهما (1) قذف للاخر، ونفي الولد عن نفسه نسبة لهما إلى مجامعة الغير. مع احتمال أن يقال: إن قذف أحدهما لا يستلزم الاخر لاحتمال الأكراه في حقه، وأما نفي الولد فيتعلق بهما معا. ومتى ما ثبت اللعان - إما بقذفهما معا أو نفي الولد - فالأقوى عدم البينونة إلا مع الأتيان بالشهادات من كل منهما عملا بالأصل، ولأنهما مع التعدد كل منهما مستقل في الأسباب، وجواز النكاح أمر آخر، ومع الاتحاد فالأصلي مشتبه، فينبغي الأتيان مقدمة. ولو أبى أحدهما (2) عن اللعان فلا حد ولا تعزير، لأنه إضرار بالاخر، ولا تحريم. وكذا لو كان أحدهما صماء أو خرساء لا يقع عليها (3) اللعان، فلا يقع التحريم وإن كان متعددا، قضية للوحدة في باب النكاح وتمسكا بالأصل، وكذا لو قذف أحدهما فلا لعان، لعدم إفادته التحريم، وإن لاعنا فغير مثمر. ولو لاعن أحدهما وطلق الاخر لا يحرم، بل هي زوجة (4) وكذا لو ظاهر أحدهما (1) وآلى عن (2) الاخر، لأن كلا منهما جزء سبب لم يجعل الشارع مجموعهما سببا في التحريم، وتحريم كل منهما فرع التحقق بالمجموع. وكذا لو كان زوجا فظاهر أحدهما أو قذف أو آلى، فلا يترتب عليه حكم كما في الطلاق، والوجه قد تقدم فيه. ولو اتفقا على أحد الثلاثة تحقق السبب، متحدا كان أو متعددا، فإن لاعن كل منهما بانت الزوجة، وإلا فلا حد أيضا. ولو رجع أحدهما إلى الكفارة دون الاخر في الظهار أو في الأيلاء، فمع


(1) كذا في النسخ، والمناسب: إحداهما، وكذا فيما يأتي في هذه الفقرة. (2) كذا في النسخ، والمناسب: ولو أبت إحداهما، وكذا فيما يأتي من الأفعال والصفات والضمائر، إلى قوله: وكذا لو كان زوجا... (3) في (ن): عليهما. (4) في (ن): زوجته. (2) في (م): إحداهما. (2) كلمة (عن) زائدة، وإن وردت في النسخ.

[ 78 ]

الحكم بالاتحاد يشكل، من جهة أنهما لا يجبران على الفئة بعينه (3) ولا على الطلاق بخصوصه حتى يجبرا على ذلك، بل يجب عليهما أحد الأمرين، فإن اختار أحدهما الطلاق والاخر الفئة اشكل الأمر. والحق أن هذا الأجبار لما كان لدفع ضرر الزوجة، ولما لم يمكن (4) جمعهما والضرر يندفع بأحدهما اجبر على واحد لا بعينه، وهنا لا يندفع الضرر بالواحد لا بعينه، لأن رجوع أحدهما وطلاق الاخر كلاهما غير مؤثرين - كما قرر - في تحليل ولا في تحريم، فيجبران على اختيار أحدهما مع الاتفاق دفعا لضرر الزوجة. وكذا الحكم مع التعدد أيضا، لأن الحكم في توابع النكاح على الوحدة. الخامسة: أنه لو التقط أحدهما شيئا أو أحيا أرضا أو حاز [ شيئا ] (5) مشتركا أو قبل هبة أو وديعة أو غصب شيئا أو أتلف شيئا من مال الناس: فعلى التعدد: يلزمه حكمه على التعدد على الأقوى: من تعريف وتملك أو استئمان أو ضمان أو غير ذلك من أحكامه، ولا ربط لشئ من ذلك كله على الاخر، لدخول ما ذكر كله في باب الأموال التي قد قررنا استقلال كل من المتعددين في ذلك. وظاهر الخبر في الميراث - حيث حكم له بميراث اثنين - يدل على استقلال كل منهما بحصته. وأما مع الاتحاد: ففي التملك بالعقد أو الاستئمان به - كالهبة والوديعة - لا يتحقق إلا برضاهما معا على كلام سبق، وأما في مثل الأحياء والحيازة فيقوم وجهان:


(3) كذا، والمناسب: بعينها. (4) كذا في نسخة بدل (م) وفي أصل النسخ: لم يكن. (5) الزيادة من (ف).

[ 79 ]

من أنه داخل في عموم (من أحيى أرضا) (1) و (حاز) (2) فينبغي التملك وإن كان بعد ذلك يشتركان في المالية. ومن أن التملك منوط بالنية - على الوجه الأقوى في محله، سيما في الفعل المحتمل - ونية أحدهما غير مغن عن الاخر. والذي يقوى في النظر تحقق التملك قضاءا لحق السبب، إذ المثبت قد تحقق، ومنع الاخر ليس سببا حتى يعارض، على إشكال من أصالة عدم التملك، لكنه يندفع بأن الحق عدم جواز منع أحدهما صاحبه من مصالحه إلا إذا كان مضرا على الاخر، فإذا لم يجز فلا تأثير له في العدم، لأنه فعل محظور. وأما اللقطة: فالأصح أنه لا تثبت الأحكام إلا مع رضاهما، لاحتياجها إلى حفظ وتعريف وغير ذلك من نفقة ونحوه (3) على بعض الوجوه، وضمان مع التملك لو ظهر المالك على وجه قوي، وهذه كلها تتبع الرضا، ولا يدخل شئ من ذلك على الأنسان قهرا، فيد أحدهما مع عدم رضا الاخر كلا يد في ذلك كله. نعم، لو كان التقاطا مملكا - كما دون الدرهم أو المدفون في أرض لا مالك له وليس عليه أثر إسلام - فالأصح كونه كالحيازة في التملك، ومنع الاخر لا ينفع في ذلك. وأما الغصب والأتلاف، فيحتمل فيه وجوه (1): أحدها: تعلق الضمان بتمامه، إذ الحكم الوضعي لا يدور مدار الرضا والعلم، فمتى تحقق الاستيلاء والأتلاف ولو بعضو من أعضاء المكلف ضمنه. وثانيها: عدمه مطلقا، لأن الفرض أنهما واحد ومالهما واحد، ولا يتحقق الغصب للمجموع المركب إلا برضا الكل هنا عرفا، وكذا نسبة الأتلاف، فمتى


(2) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله: (من أحيى أرضا مواتا فهي له) الوسائل 17: 327، الباب 1 من أبواب إحياء الموات ح 5. (2) إشارة إلى قاعدة (من حاز ملك). (3) كذا، والمناسب: نحوها. (1) في (ن): وجوه ثلاثة.

[ 80 ]

تحقق الشك في حصول السبب قضى الأصل بالبراءة. وثالثها: الحكم بضمان النصف، نظرا إلى أن هذا اليد والضرر مع اتحاد الموضوع ينزل (2) منزلة نصف اليد ونصف الأتلاف، لا، بل يدا على النصف وإتلافا للنصف، فينبغي التقسيط دفعا للضررين معا. ويشكل هذا بأن دفع النصف لا يعقل من مال الغاصب، فلا بد من كونه من المال المشترك، فيرجع إلى دفع مال غير الغاصب بدل الغاصب، فإذا جاز ذلك فلم لا يدفع جميع العوض؟ ويندفع بأن هذا وإن كان كذلك، لكنه ارتكاب لأقل الضررين في الطرفين. ودعوى: أنه ينبغي ضمان الكل، لغصب أحدهما وعدم منع الاخر، فيكون بمنزلة صاحب الكلب العقور والدابة الشاردة، فإذا أتلف شيئا ضمن صاحبه إذا لم يمسكه، مدفوعة بالفرق من وجهين: أحدهما: ضعف المباشر هناك دون الفرض. وثانيهما: إمكان المنع هنا (1) وفي المقام قد لا يمكنه منع صاحبه. ومن هنا يتخرج وجه رابع وهو الضمان لو علم الاخر به ولم يمنع، فكأنه أدخل الضرر على نفسه مع قدرته على دفعه وإن لم يرض به في قلبه، دون ما لو لم يطلع أو اطلع ولم يقدر فلا ضمان مطلقا، أو في النصف على الوجهين. والحكم محل إشكال، والأخير أقرب الوجوه جدا. ولو اصطادا صيدا فسمى أحدهما دون الاخر، فعلى التعدد يناط الحكم بتسمية الرامي أو المرسل للكلب، وأما على الاتحاد ففيه وجوه: أحدها: الأباحة مطلقا، لدخوله في (ما ذكر اسم الله عليه) والفرض اتحاد الصياد. وثانيها: المنع مطلقا، لأن مع الاتحاد يكون من باب اشتباه العضو الأصلي،


(2) كذا، والمناسب: ينزلان. (2) كذا، والصواب: هناك.

[ 81 ]

ويعتبر في التسمية كونه بالأصلي، كما في أذكار الصلاة، فيجب - مقدمة لتحقق السبب - الذكر بهما شرطا. وثالثها: اعتبار تسمية المرسل والرامي كما في المتعدد، تنزيلا للمتحد منزلته. والأوسط أوفق بالقاعدة، والأخير أقرب إلى الاعتبار. ولو امتنع الاخر من التسمية - حيث اعتبرنا الكل - ففي سقوطه أو حرمة الصيد وجهان. والذي يقوى الأول، لسقوط مقدمة العلم مع التعذر - على ما يستفاد من موارد الشرع - وإن كان في الحكم الوضعي محل نظر، ولأن هذا ليس بأقل من صورة النسيان التي يحل فيه الصيد بلا كلام. ويجئ هذا الكلام بعينه لو كان أحدهما مسلما والاخر كافرا، فمع التعدد يعتبر الرامي ونحوه، ومع الاتحاد تجئ الوجوه السابقة. والتحريم أوفق بالقاعدة اتباعا لأخس المقدمتين. وهذا الكلام بحذافيره آت في الذبيحة مع كون اليد الذابحة غير مشتركة، وأمإ مع كون اليد مشتركة فمع التعدد أيضا إشكال، للشك في صدق أنه ذبيحة المسلم، ومع الوحدة أشكل. والحق في صورة التعدد الحل، لاستناد الفعل إلى المسلم لو كان هو القاصد والذابح، واشتراك العضو غير قادح، وإن هو إلا كالسكين الذي يذبح به المسلم تارة والكافر اخرى. وأما مع الوحدة: فالمجموع المركب ليس بمسلم ولا كافر، والأصل في الذبيحة التحريم حتى يصدق أنه ذبح المسلم (1) وهو محل شك فيحرم. السادسة: قد مر أنهما في الميراث واحد مع انتباههما دفعة، وإلا فمتعدد، والمراد بالميراث: ميراثه من أبيه أو امه أو أحد أقاربه من إخوة أو عمومة أو خؤولة، لأطلاق النص في ذلك كله، فيكون بمنزلة أخوين أو عمين ونحو ذلك.


(1) في هامش (م): أنها ذبيحة المسلم.

[ 82 ]

وأما ميراث الزوجية: فهل هو أيضا كذلك لأطلاق الرواية في الميراث، أو لا لأن الحكم بوحدته في النكاح قاض بوحدته في الأرث الناشئ منه أيضا، ولأنه لو كان كذلك فينبغي أخذه جميع المال لو كان زوجا بلا ولد لأنه حصة الزوجين، فيلزم حرمان الورثة الاخرين - وقريب منه لو كانت زوجة -؟ وجهان. ويمكن دفع الثاني بأن الحكم بالوحدة - كما مر - ليس إلا للحذر عن لزوم اجتماع الزوجين والجمع بين الاختين، ففرضناه واحدا في ذلك لما مر من التعليل، فراجع. وأما في غيره من الأحكام فلا وجه لفرضه واحدا، فإن (2) المرجع الأدلة، كما قررنا لك في قسمة أو نشوز أو طلاق ونحوه، أو نفقة أو ولاية أو حضانة. نعم، يتجه ورود أخذ الميراث كله، ونحو ذلك. قلت: لا يضر ذلك، غايته كونه كمسألة العول. فإن قلت: لا يمكن جعله من باب العول، إذ في باب العول يأخذ الزوجان سهامهما ويدخل النقص على بعض الباقين في مذهبنا، كما رواه ابن عباس (1) وهنا في الزوجة يمكن ذلك، لعدم استيعاب حصة الاثنين المال مطلقا، غايته كونهما بمنزلة زوج، فيكون كالعول في بعض الموارد. وأما في الزوج: فيمكن ذلك أيضا مع الولد، لأن التعدد غايته يقضي بالنصف، وأما بدونه فيأخذ المال كله ويبقى الباقون، وهذا لا وجه له. قلت أولا: إن كان الزوج يزاحم الورثة مطلقا فلا ضير في ذلك، فإن كان حصته البعض أخذ البعض، وإن كان حصته الكل فالكل، ولا مانع منه. وثانيا نقول: إن المزاحمة في الفرائض تقتضي دخول النقص على جميع الورثة بالنسبة إلى السهام - كما زعمه العامة - وهو الموافق لقاعدة التنازع، قام


(2) في مصححة (ن): وإنما المرجع. (1) الوسائل 17: 426، الباب 7 من أبواب موجبات الأرث، ح 6.

[ 83 ]

النص والأجماع على دخول النقص على البعض دون الاخر في مسألة العول إذا لم يستوعب حصة واحد منهم كل المال. وأما إذا استوعب فلا دليل على التفاوت، فالمرجع القاعدة، وهو دخول النقص على الجميع بالنسبة، وبذلك يندفع الأشكال. ولا دليل على اعتبار الوحدة في ذلك، سيما بعد دعوى شمول دليل الميراث للمقام وإن كان محل تأمل، إذ الظاهر ميراثه من أقاربه، لا من نكاحه. وأما ميراثه من أولاده وفروعه: فهل يأخذ ميراث الأبوين والامين ذكرا أو انثى، أو لا، بل يأخذ ميراث الواحد كصورة الاتحاد؟ والكلام في ذلك كالكلام في ميراث الزوجية، بل هنا يتوجه القول بالتعدد للقاعدة، أو لأطلاق النص، ولا يرد عليه العول مطلقا، ولا دعوى أن الوحدة في النكاح وحدة في لوازمه، إذ قد يقال: إن الابوة والامومة ليس (2) من لواحق النكاح وإن حصلا بعده لا بدونه، إذ ليس كل مترتب على شئ لاحقا له. والنسب غير السبب، سيما في باب الميراث، حيث عدوهما قسمين. والحجب لو كانا (1) أخا يتبع الميراث - كما نص عليه ثاني الشهيدين (2) - لصدق الأخوة مع التعدد، لقيام العلة التي ذكروها في الحجب، واحتمال انصراف الأخوة إلى المتعارف ضعيف. ولو كانا متعددين في الميراث فكون أحدهما ممنوعا من الأرث لكفر أو قتل لا يقضي بمنع الاخر، لتغاير الاستحقاق والمال. وأما مع الوحدة: ففي الاكتفاء بوجود المانع في أحدهما مطلقا، أو الحكم بالأرث لتحقق المقتضي والمانع المشكوك غير قادح، أو يحكم بانتصاف الميراث - على التقريب الذي تقدم في الضمان - وجوه. والذي يقوى في النظر الوجه الأوسط، لأن أدلة الأرث عامة، ولم يعلم من تقييد الموانع إلا الكفر التام وكون المجموع قاتلا، وأما مع التبعيض الموجب للشك في الصدق فالمرجع العموم.


(2) كذا في النسخ، والمناسب: ليستا. (1) في (ف، م): لو كان. (2) المسالك 2: 342.

[ 84 ]

السابعة: أنه لو أتى أحد منهما بما يوجب الحد كالزنا واللواط وشرب الخمر، أو التعزير كما في وطئ البهيمة وأمثاله، فالكلام في ضمان المال الذي يترتب على المعاصي والعقوبات - كغرامة قيمة البهيمة، وتلف المال المسروق، ونحو ذلك مما ذكروه في باب الحدود - يعلم حكمه مما مر في الغصب والأتلاف من الاشتراك مع الرضا، والوجوه السابقة مع العدم. وأما العقوبات: فإن صدر ذلك عن رضاهما معا فلا كلام في ترتب التعزير والعقوبة والحد كغيره، لأنهما إما متحد فيلزم حكمه، أو متعدد فكذلك. ولا يتوجه أن كلا منهما ليس بمستقل في المعصية، فلا وجه للعقوبة. لأنا نقول: قد مر نظيره ويأتي في محله: أن المناط في ذلك الصدق، ويصدق هنا أنهما زنيا أو سرقا عرفا، ولا ربط لمسألة العلتين بالمقام. وثانيا: كما اشتركا في الفعل يشتركان في العقوبة بنحو ذلك، لاتحاد الجثة، وهذا عين العدل والمروة، فلا محذور. ولا فرق بعد ذلك بين صدور الفاحشة من أحدهما حيث يمكن كالاستمناء والسرقة في وجه، أو منهما معا كالزنا ونحوه، لأن التراضي والتواطئ مع اتحاد الجثة يوجب استناد الفعل إليهما معا. مع احتمال أن يقال: في صورة صدور الفعل من الواحد ولو مع رضا الاخر فالمتجه ترتب العقوبة على تلك اليد الجانية. ومجرد رضا صاحبه ما لم يكن معينا لا يكفي في النسبة، غايته أنه فعل حراما بترك النهي عن المنكر، فيلحق هذا بصورة عدم رضا أحدهما أصلا في كون العقوبة على الاخر، وهذا أشبه بالقاعدة. ومتى ما ترتب العقوبة عليهما، فإن كان قتلا بسيف أو برجم فلا كلام في قتلهما معا، وإن كان جلدا أو جزا أو تعزيرا - كيف كان - أو قطعا كما في السرقة، فإن كان كل منهما يتألم بضرب أي عضو كان فلا وجه لاحتمال تعدد الجلد والتعزير وإن كانا متعددين، لصدق جلدهما بجلد واحد وكذا التعزير. وإن لم يكن كذلك، ففي لزوم الضرب في العضو المشترك حذرا من الزيادة، أو التكرار على

[ 85 ]

غير المشترك أداءا على كل واحد حقه، أو التخيير، وجوه. والوسط أنسب بباب الحدود وأوفق بالحكمة إن لم يخف منه حدوث تلف لأحدهما حتى يتضرر الاخر به (1). لكن الاقتصار على العضو المشترك مع تألمهما به بالسوية أجود. ولو لم يتأ لم به أحدهما أو تألم أقل من صاحبه جلد على العضو المختص. وأما القطع: فمع اتحاد الجارحة لا كلام. ولو تعدد، ففي لزوم قطع يد كل منهما مطلقا، أو الاقتصار على اليد الواحدة، وجهان. والأقوى مع الاتحاد في الأرث قطع الواحدة عملا بالمتيقن، وهي الجانية إن علمت واتحدت، ومع (2) التخيير إن تعددت أو جهلت، وللقرعة في المقامين أو مع الجهل وجه قوي. وأما مع التعدد، فإن كان كل منهما باشر الأخراج عن الحرز بالشرائط قطع اليمينان معا، ولو لم يكن لأحدهما يمين فاليسار. وأما لو سرق بعد ذلك أيضا لا يقطع رجله، لأنه مشترك. وأما في الجز: فمع التعدد ورضا الكل بالعمل يجز رأسهما، ومع عدم رضا الواحد يجز رأس الاخر. وأما مع الاتحاد، ففي جواز جزهما معا مقدمة للواجب، أو التخيير، أو سقوط الحد للشبهة، أو القول بالقرعة، وجوه. ولا ريب أن هذا مع تراضيهما، وإلا يقتصر على من رضي بالعمل. وأما في القصاص: فلو قتلهما عمدا أحد، فمع الاتحاد يقوم وجهان: الاقتصار على قتل الجاني لعموم (النفس بالنفس) ويحتمل لزوم رد دية الاخر أيضا، لأنه زائد وهو الأصح. ومع التعدد فلا كلام في قتله بأحدهما ورد دية الاخر على الوارث. ولو قتلا أحدا واشتركا في قتله فلولي الدم قتلهما معا مع رد دية الزائد - كالمشتركين في القتل - على التعدد، ومطلقا على الأصح.


(1) به: (ليس في (م). (2) كذا في النسخ، والظاهر زيادة (مع).

[ 86 ]

ولو قتله أحدهما ففيه الدية دون القصاص، لعدم إمكان أخذ المماثل، ولكونه ضررا على الاخر، وهذا مع التعدد لا كلام فيه. وأما مع الوحدة: فيحتمل جواز قتلهما، لأنه نفس واحدة، داخل (1) تحت العموم، غايته دفع دية الزائد. وهو ضعيف. ولو جنى أحد على عضوهما المشترك: فهما مشتركان في حق القصاص والدية، كما أنهما مشتركان في العضو. ولو عفى أحدهما لم يسقط حق الاخر مع التعدد. وأما مع الاتحاد، فيحتمل عدم جواز العفو إلا مع التراضي، ويحتمل تنصيف العفو كالتعدد، ويحتمل العفو بكله، لأن أحدهما كاف عن المجموع، وقد تقدم نظيره مرارا. ولو جنى على عضو المختص: فإن تألم به كل منهما فالشركة دية وقصاصا على نحو ما مر. لكن مع الاتحاد لا إشكال في ذلك، سواء أخذا دية أو اقتصا منه. ومع التعدد فلو تفاوت نسبة الألم بالنسبة إليهما ففي تساويهما في الدية، أو قسمتهما له بالنسبة إلى الألم وجهان. والثاني أقوى. ولو عفى أحدهما يحتمل هنا قويا سقوطه مع إسقاط صاحب العضو المجني عليه زيادة على الوجوه السابقة، فتدبر. ولو جنيا معا على عضو أحد: فإن كان فيما يساوي المشترك اقتص من عضوهما المشترك على الأصح مع تألم كليهما، وبدونه يرد غير المتألم الدية على المتألم بنسبته. ولو كان فيما يحاذي المختص تخير الولي بين القصاص منهما مع رد دية الواحدة، وبين القصاص عن أحدهما مع رد دية الاخر عليه حصته. هذا مع تعددهما. وأما مع الاتحاد فحكم المشترك، وفي المختص يحتمل عدم جواز القصاص منهما، لأنه نفس واحدة.


(1) كذا في (م)، وفي سائر النسخ: واحد داخل.

[ 87 ]

ولو جنى أحدهما: فإن أمكن الاقتصاص بما لا يضر الاخر - كقطع يد ونحوه - ثبت القصاص مع التعدد، ومع الاتحاد أيضا في وجه قوي. وأما في المضر لاقصاص مع التعدد قطعا، بل الدية في ماله. وأما مع الاتحاد فيحتمل الثبوت، والأقوى المنع أيضا. وفي كون الدية بالتمام أو بالنصف كما مر في ثمن المغصوب (1). الثامنة: أن ما ذكرناه حكم ذي الحقوين من حيث هو كذلك، وقد يكون ذو الحقوين ممسوحا ليس فيه الفرجان، والمتجه فيه أيضا القرعة، كما مر. لكن مع تعددهما في الانتباه يحتمل استعمال قرعة واحدة، فيحكم بالذكورة أو الانوثة فيهما معا. ويحتمل استعمال القرعة لكل منهما، فقد يكون أحدهمإ ذكرا والاخر انثى، وهذا هو الأقوى. فإن أخرجتهما القرعة ذكرين أو انثيين فلا كلام، وصار حكمهما ما فصلناه. وإن أخرجت أحدهما ذكرا والاخر انثى، فهما أخ واخت تجري عليهما أحكام الذكورة والانوثة كل برأسه، وحيث إنهما ممسوحان - كما هو الفرض - فلا إشكال هنا، لعدم جواز النكاح. وقد يكون خنثى له ما للرجال وما للنساء، فمع الاتحاد في الانتباه - كما في الرواية (1) - يكون واحدا خنثى، ويجري عليه ما سلف من أحكامه في العلائم أولا مع ما مر من تعارضاتها. ويزيد هنا وجود العلائم للذكورة في أحدهما والانوثة في الاخرى، فعلى ما اخترناه من كون الامارات وصفية (2) لا تعبدية، فالمدار قوة الرجحان في نظر الحاكم، فإنه وإن كان مقتضى الانتباه دفعة هو الوحدة، لكن قد يوجد اللحية في أحدهما دون الاخر، ولذا (3) لو تعاضدت بغيرها من أمارات الذكورة والاخرى


(1) راجع ص: 78. (1) انظر الوسائل 17: 581، الباب 5 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه. (2) كذا في أكثر النسخ، وفي (ف): وضعية. (3) في (م): وكذا.

[ 88 ]

بأمارات الانوثة، فيرجح في النظر كونهما اثنين، ما للرجال لأحدهما وما للنساء للاخر، ولا منافاة في ذلك. أو يكون الفرجان لكل منهما كسائر العضو المشترك إذا لم تساعده الامارات على الامتياز أو ساعدته أيضا، ولا منافاة في وجود عضو زائد لكل منهما. وإذا حكمنا بكونهما اثنين، فهل نقول به أيضا في باب الميراث ونطرح الرواية، أو لا؟ وجهان. والأقوى مع قوة الامارات الأول، والرواية لا تشمل المقام. ومع التعدد بالانتباه أيضا فلا إشكال في التعدد لكن الأشكال في كونهما معا خنثى حتى يجري عليهما أحكامه في ميراث أو دية أو غير ذلك من المباحث، أو واحد منهما ذكر والاخر انثى، والأصح أن مع وجود أمارات الذكورية في واحد والانوثية في اخرى (1) يحكم على كل واحد بمقتضاه، سيما مع بول أحدهما من آلة الرجولية والاخر من الانثى، فيكونان واضحين. وأما مع عدم وجود أمارات مميزة أو مع تعارضها فهنا إشكال، والحق أن يقال: إن مع البول من أحد الفرجين، أو مع السبق، أو مع تأخر الانقطاع يحكم على كليهما معا بالذكورية لو كان من آلته، وعلى كليهما بالانوثية لو كان من آلتها، ومع عدم تحقق ذلك فعلى المختار من إعطاء نصف النصيبين يعطى كل منهما نصيب الخنثى، ويكون كل منهما في سائر الأحكام كالخنثى، على ما فصل. وعلى ما اختاره الجماعة من عد الأضلاع فإن تساويا معا فهما انثيان، وإن تفاوتا فهما ذكران، وإن تلفقا فهما ملفقان. وعلى فرض كونهما واضحين بأحد القسمين فلهما النكاح على القانون السابق، ولو كان ملفقين أو خنثيين فلا نكاح عليهما مطلقا. وكما يجوز كون الزوج ذا حقوين فيجوز كون الزوجة أيضا كما قررناه. فعلى


(1) كذا في النسخ، والمناسب: آخر.

[ 89 ]

ما أسلفناه من كونهما متعددين في الميراث مطلقا يتركب هنا صور عديدة، وفروض عجيبة غريبة. التاسعة: في فرض أمثلة مختلفة من ذي الحقوين في الميراث من النكاح أو من الأولاد، لا (2) من الاباء والاقرباء، إذ لا إشكال، فهنا أمثلة: أحدها: إذا ماتت الزوجة عن زوج ذي حقوين وبنتين فعلى ما مر للزوج نصف المال لأنه ربعان، وللبنتين الثلثان، فالفريضة من ستة يدخل النقص على البنتين. ولو كان بدل البنتين اختان فللزوج كل المال لأنه نصفان، فإن أعطيناه ذلك فلا إشكال، وإن بنينا على العول فللاختين الثلثان، فنقصت السهام ثلثين، يدخلان على الزوج والاختين أخماسا، ثلاثة أخماس على الزوج وخمسان للاختين، فالفريضة من ثلاثين، للزوج ثمانية عشر تنقص عن حصته بثلث وخمس ثلث، وللاختين اثنا عشر ينقص عن حصتهما أربعة أخماس ثلث. وثانيها: (1) ماتت الزوجة عن زوج ذي حقوين متعددين وأبوين، فلزوجها الكل وللام الثلث، والأب لما كان يرث مع الولد بالفرض وبدونه بالقرابة فيحتمل سقوطه هنا، لعدم وجود المال، فيكون وجوده كعدمه. ويحتمل جعل ما يصل إليه بالقرابة لو لم يتعدد الزوج - وهو السدس الباقي بعد ثلث الام - بمنزلة الفرض، فينحل إلى كل وثلث وسدس، فيكون النقص نصفا يدخل على الثلاثة بنسبتهم أتساعا، ستة على الزوج وواحد على الأب واثنان على الام، فالفريضة من أربع وخمسين، فللزوج ستة وأربعون وللام اثنا عشر وللأب ستة. ولو أسقطنا الأب فالفريضة من إثني عشر، فللزوج تسعة وللام ثلاثة. وثالثها: مات الولد عن أب ذي حقوين، وام ذات حقوين وزوج، فللزوج النصف وللامين الثلثان، والأبوان إما ساقطان - بتقريب ما مر - أولهما السدسان، فالنقص على الأول سدس يدخل على الزوج والامين أسباعا: أربعة للامين


(2) لا: ساقطة من (ف، م). (1) في هامش (م) زيادة: إذا، خ.

[ 90 ]

وثلاثة للزوج، والفريضة عن اثنين وأربعين، للزوج ثمانية عشر، وللامين أربعة (2) وعشرون. وعلى الثاني فالنقص نصف يدخل على الخمسة أتساعا، اثنان على الأبوين وأربعة على الامين وثلاثة على الزوج، والفريضة من أربع وخمسين، للزوج ثمانية عشر، وللامين أربعة (3) وعشرون، وللأبوين اثنا عشر. رابعها: مات الابن عن أب وام وزوجة كلهم ذو حقوين، فللزوجة النصف، وللامين الثلثان، وللأبوين السدسان، أو هما ساقطان، والقسمة كما سبق. ولو ماتت البنت عن أبوين وزوج كلهم ذو حقوين، فللزوج الكل، وللام الثلثان، وللأب السدسان في وجه، والناقص الكل، ينقسم على الستة بجزء من اثني عشر جزءا، والفريضة من اثنين وسبعين، فللزوج ستة وثلاثون، وللأب اثنا عشر، وللام أربعة وعشرون. وهذه اصول الصور، وعليك بتخريج كل فرض يرد عليك على هذا القانون.


(1 و 2) في غير (ن): أربع.

[ 91 ]

(العنوان الثالث) (في أصالة تأخر الحادث)

[ 92 ]

عنوان [ 3 ] قد تقرر في الاصول: أن أصالة تأخر الحادث حجة، لكن الأصحاب لم يتمسكوا بها في صورة ترتب شئ على تقدم أحد الأمرين وتأخر الاخر لو علم تاريخ أحدهما وجهل تاريخ الاخر، ولم يحكموا بتأخر مجهول التاريخ حتى يثبت مقتضاه في كل مقام، وقد اشكل هذا الأمر على جماعة من المتفقهة، حتى زعموا أن أصحابنا لا يقولون بحجية أصالة التأخر مطلقا، أو يقولون به ولم يلتفتوا في بعض المقامات وغفلوا عنه. والحق أن أصالة التأخر - على ما يظهر من كلمتهم - حجة عندهم، وفرعوا عليه فروعا كثيرة، وغفلتهم عن ذلك أيضا (1) في مسألة مجهول التاريخ مستبعدة جدا، بل محال عادة، ونسبتها (2) إليهم غفلة عظيمة [ لكن عدم تمسكهم بها في المسألة المزبورة ] (3) وإنما هو لسر دقيق لا يناله إلا من ورد مشربهم، ولا يعرفه إ لا من عرف مذاقهم.


(1) أيضا: ليس في (م). (2) في (م): ونسبة الغفلة. (3) الزيادة من (م) مع إسقاط (الواو) قبل إنما.

[ 93 ]

فلنقدم أولا أمثلة متفرقة في أبواب الفقه في هذا الباب، ثم نشرع في النقض والأبرام. منها: ما ذكروه في من شك في المتأخر من الطهارة أو الحدث مع تيقنهما (1) وحكموا في ذلك بلزوم الطهارة تحقيقا للشرطية، ولم يفصلوا في صور المسألة بين كونهما مجهولي التاريخ، أو كون تاريخ الطهارة معلوما دون الحدث، أو بالعكس، مع أن في الصورة الأخيرة ينبغي الحكم بالطهارة، لأصالة التأخر، فلا معنى للزوم طهارة جديدة. ومنها: في مسألة الشك في كون وجود الحاجب في حالة الغسل والوضوء أو بعدهما، فمن وجد حاجبا بعد الوضوء والغسل ولا يدري أن الحاجب سابق أو الغسل فحكموا بالصحة بعد الفراغ، مع أن من صورها كون وضع الحاجب معلوم التاريخ والغسل مجهولا، فالأصل تأخر الغسل فيكون حاجبا. وحكموا بلزوم الأيصال لو شك في الأثناء، مع أن في صورة العلم بزمان الغسل والشك في زمان وصول الحاجب الأصل تأخره. ومنها: لو ذكر فوات صلاتين ولم يذكر الترتيب حكم المشهور بالسقوط، مع أن من صوره: كونه عالما بفوات صلاة الصبح في أول الشهر ولا يدري أن صلاة الظهر فاتت قبله أو بعده، فمقتضاه لزوم تقديم الصبح على الظهر، لأصالة تأخر الفوت. ومنها: لو تلف جزء من النصاب وشك في كون تلفه قبل حلول الحول أو بعده، فالحكم فيه البراءة، للشك في حصول الشرط، مع أن من صوره: العلم بتاريخ الحول والشك في تاريخ التلف، فمقتضى أصالة التأخر لزوم الزكاة. ومنها: لو تيقن فوات صلاة لا يدري أنه في سفر أو حضر فالحكم الجمع بين القصر والأتمام لقاعدة الشغل، مع أنه لو علم تاريخ السفر ولم يعلم الفوات


(1) في (ف، م): تيقنها.

[ 94 ]

الأصل تأخره عن السفر. أو علم تاريخ الفوات يوم الجمعة وشك في كون السفر فيه أو في السبت، الأصل تأخر السفر. ومنها: لو أبطل اعتكافه المندوب بمبطل، وشك في وقوع المبطل بعد مضي يومين فيجب قضاؤه، أو قبله فلا يجب، والأصل براءة الذمة، مع أن من صوره: كون الأبطال مجهول التاريخ والاعتكاف معلومه، فالأصل وقوعه بعد اليومين. ومنها: لو تلف مال الاستطاعة وشك في تلفه قبل مضي زمن الأتيان فلا قضاء، أو بعد استقرار الوجوب فيجب القضاء، فالأصل براءة الذمة مع وجود الأصل المزبور لو علم تاريخ الاستطاعة وشك في زمن التلف. ومنها: لو عتق العبد المتلبس بالحج وشك في كونه قبل أحد الموقفين فيجزئ عن حجة الأسلام، أو بعدهما فلا يجزئ، والحكم عدم الأجزاء ولو في صورة العلم بتاريخ العتق والشك في تاريخ الوقوف. ومنها: لو شك في موت الحاج بعد الأحرام ودخول الحرم حتى يجزئ عن الاستنابة مع استقرار الحج في ذمته، أو قبله فيجب الاستنابة، والحكم الوجوب، لأصالة عدم المسقط ولو في صورة العلم بتاريخ دخول الحرم والشك في تاريخ الموت، مع أن الأصل تأخره، وكذا موت النائب في ذلك بالنظر الى براءة المنوب واستحقاقه الاجرة. ومنها: الشك في علوق ام الولد قبل الارتهان أو بعده، أو قبل الأفلاس أو بعده، والأصل عدم جواز البيع وإن علم تاريخ الرهن ولم يعلم تاريخ العلوق. ومنها: لو علم حدوث عيب في المبيع ولم يعلم كونه قبل البيع أو القبض حتى يكون مضمونا على البائع موجبا للخيار، أو بعدهما حتى لا يكون موجبا للخيار، فظاهر الأصحاب وصريح جمع الحكم بلزوم العقد على الأطلاق، مع أن من صوره: العلم بتاريخ العيب والجهل بتاريخ البيع أو القبض، ولو اخرناه بالأصل لثبت الخيار.

[ 95 ]

ومنها: تنازع المأذونين في شراء كل منهما صاحبه في الأسبق، فإنهم حكموا بمسح الطريق أو بالقرعة، ولم يفصلوا بين العلم بالتاريخ والجهل مع جريانه في صورتين من صوره. ومنها: في صورة النزاع في تحقق القبض في الصرف والسلم قبل التفرق أو بعده، فالأصل الصحة - كما نص عليه الفاضل والمحقق الثاني (1) - وإن كان من صوره: العلم بتاريخ التفرق دون القبض الموجب للبطلان إن أخرناه. ومنها: النزاع في تقدم الفسخ على انقضاء زمن الخيار أو تأخره عنه، فالأصل اللزوم ولو في صورة العلم بتاريخ الفسق دون الخيار. ومنها: ما لو ادعى أحد الشريكين على الاخر أنه اشترى بعده فله الشفعة عليه وأنكره الاخر، فإن الحلف هنا على المنكر، مع أن من صوره: العلم بتاريخ شراء المدعي دون المدعى عليه، فيكون قول المدعي موافقا لأصل التأخر. ومنها: حكم الأصحاب في صورة العلم بكون الوصايا مرتبة لكن جهل السابق بالقرعة، مع أن من صوره: العلم بتاريخ أحدهما والجهل بالاخر، فالأصل تأخره فيترتب. ومنها: ما ذكره الأصحاب في بطلان عقد الوكيلين أو الوليين أو الملفقين مع التعارض وعدم العلم بالسابق على الأطلاق، مع أنه لو كان تاريخ أحدهما معلوما والاخر مجهولا لكان ينبغي بطلان مجهول التاريخ. ومنها: ما حكم به العلامة رحمه الله وغيره: من أنه لو شك في وقوع الرضاع في الحولين أو بعده بأن الأصل بقاء الحل وعدم نشر الحرمة (2) مع أن من صوره: العلم بتاريخ الرضاع دون الولادة فالأصل بقاء الحولين، فينشر الحرمة. ومنها: في تنازع الزوجين في كون العيب حادثا بعد العقد أو قبله.


(1) القواعد 1: 138، جامع المقاصد 4: 247. (2) القواعد 2: 11.

[ 96 ]

ومنها: في تنازعهما في وقوع الرجعة في العدة أو بعدها. ومنها: الشك في وقوع الوطئ في الظهار المؤقت قبل خروج الوقت فيجب الكفارة، أو بعده فلا، والأصل البراءة وإن علم تاريخ الوطئ دون المدة. ومنها: حكم الأصحاب في صورة موت المتوارثين، مع اشتباه تقدم أحدهما أو المتقدم منهما بعدم الأرث إلا في الغرقى ونحوه، مع أن الأصل تأخر ما جهل تاريخه، فيرث لو علم الاخر. ومنها: في دعوى ورثة العاقلة موته قبل حلول الدية فلا عقل وإنكار ولي الدم، والأصل البراءة وإن علم تاريخ الموت وجهل تاريخ الأجل. إذا عرفت هذه الموارد، فنقول: الحق عدم العبرة بأصالة التأخر في مثل هذه المقامات. وعلله العلامة والمحقق الثاني بأن أصالة التأخر هنا - مثلا في البيع - معارض بأصالة عدم تقدم العيب، فإنه - أيضا - أمر حادث، والأصل عدمه (1). فإن قلت: لا نقول بتقدم العيب عن زمانه، بل لما كان زمانه معلوما غير قابل للتغيير وزمان البيع مجهولا فتأخر البيع يلزمه (2) تقدم العيب، فليس هذا حادثا آخر حتى ينفى بالأصل. قلنا: هنا امور أربعة: [ 1 ] وقوع العيب مثلا يوم الخميس. [ 2 ] ووقوع البيع منتأخرا، بمعنى كونه في زمان علمنا وقوعه، لاقبله - وهو يوم الجمعة - ومقتضاه: أنه المتيقن من تحقق البيع، لا قبله. [ 3 ] وكون العيب مقدما على البيع. [ 4 ] وكون البيع مؤخرا عنه، فإنهما صفتان وجوديتان لا تثبتان إلا بدليل. وليس معنى تأخر البيع تأخره عن العيب، بل تأخره في نفسه.


(1) لم نقف عليه في كتب العلامة ولا في جامع المقاصد. (2) في (ف، م): يلزم.

[ 97 ]

وتوضيحه: أن لفظ (التأخر) موجب للاشتباه في هذا المقام، وله معنيان: أحدهما: المعنى الأضافي النسبي المحتاج إلى شئ مقدم حتى يتأخر هذا عنه. وثانيهما: التأخر بمعنى عدم وجود هذا الحادث إلا في زمان علمنا بوجوده، ومفاده: إجراء آثار الوجود عليه من آن الثبوت لا قبله، وهذا المعنى لا يستلزم حصول التأخر بالمعنى الأضافي الذي يقابله التقدم حتى يثبت من تأخره تقدم العيب، بل يكون معناه: أن العيب حادث يوم الخميس، والبيع يجري أحكامه من يوم الجمعة، ولا يلزم من ذلك وصف التأخر والتقدم الذي هو المدار في ثبوت الخيار. قيل: أصالة عدم التقدم فرع الشك في التقدم، فإذا جاء أصل التأخر يكون التقدم ثابتا بدليل. قلنا: أولا إنا نقول: إن أصالة التأخر فرع الشك، فإذا جاء أصالة عدم التقدم فلا تأخر، وهو معنى التعارض، فتقديم الأول على الثاني ترجيح بلا مرجح. وثانيا نقول: قد ذكرنا أن التأخر بهذا المعنى لا يفيد التقدم ولو ظنا حتى نقبله، بل يفيد وجود الحادث في هذا الزمان. وثالثا نقول: لو فرضنا حصول الظن (1) من هذا الأصل على تقدم العيب لا نسلم حجية هذا الظن في لوازم (2) الموضوع المستصحب العدم، إذ الموضوع لا بد فيه من العلم حتى يلحق حكمه، أو أصل منقح للموضوع نفسه لا بتوسط ملازمة خارجية، إذ الملازمات الوجودية للاصول غير معتبرة، ويعبرون عنه ب‍ (الأصل المثبت). نعم، هنا إشكال قوي، وهو: أن أصالة العدم أنما تجري إذا شك في حدوث حادث مسبوق بالعدم، أما لو علم وجود حادث في الخارج ولم يعلم أنه أي


(1) في (ن): ظن. (2) في (ن): لازم.

[ 98 ]

شئ فلا يمكن نفي شئ من الأفراد المحتملة بأصالة العدم، إذ الأصل في أحدهما معارض بالأصل في الاخر، ولا يمكن العمل بهما معا، لأنه ترك للقطعي، فيتساقطان. فهنا أيضا نقول: أصالة عدم التقدم لا يجري، لأن العيب والبيع متى ما وجدا في الخارج، فكما أن تقدمه مشكوك، فتأخره واقترانه أيضا مشكوكان، والواقع أحد الثلاثة، فكما أن الأصل عدم التقدم، الأصل عدم التأخر وعدم الاقتران، لأن كلا منهما حادث، فيكون هذا شكا في تعيين الحادث لا في الحدوث، فبعد تعارض الاصول كلها تتساقط، فيبقى أصالة التأخر سليما عن المعارض. فدعوى أنه يعارضه أصالة عدم التقدم في العيب ساقطة. وإشكال آخر، وهو: أن تقدم العيب من توابع تأخر البيع، وقد تقرر أن الاصول الجارية في التوابع لا تعارض الاصول الجارية في المتبوعات، مثلا: إذا شك رجل في أنه هل هو مديون لزيد ألفا من دينار أو لا؟ فلا ريب أن الأصل براءة ذمته من ذلك وإن لزم منه بعد ذلك وجوب الحج عليه، لتحقق الاستطاعة الشرعية. ولا يمكن أن يقال: الأصل عدم الوجوب في الحج وبراءة الذمة منه، فيلزم أن يكون مديونا لزيد. فلزوم التقدم على التأخر لا يقضي بمعارضة أصالة عدم التقدم لأصالة التأخر، لأنه متفرع عليه. والجواب عن الأول: أن الواقع لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: إما تقدم أو اقتران أو تأخر بين هذين الأمرين كما تقرر، وهذه الاحتمالات كما تجئ في العيب تجئ في البيع، لأن الثلاثة كلها من الاضافيات، وكما أن شيئا من ذلك لا يمكن نفيه بالأصل للتعارض لا يمكن إثباته أيضا، وذلك واضح، وهذا الكلام مشترك بين الحادثين. فقولكم: إن الأصل تأخر الحادث البيعي ما معناه؟ إن كان المراد بالتأخر

[ 99 ]

أحد الامور الثلاثة - وهو الهيئة المقتضية لتحقق وصف التقدم في العيب - فأي دليل على إثبات هذا المعنى؟ وإن هو إلا إثبات أحد الامور (1) المشكوكة بالخصوصية المعلومة بالنوع بالأصل، وهذا مما لا يرتكبه أحد، بل تضحك منه الثكلى! فمتى ما لم يمكن نفي أحد الثلاثة بالأصل - على ما قررت - فإثبات أحدها به بالاولوية، وهذه الامور الثلاثة متكافئة متضايفة متساوية النسبة إلى الحادثين. وهذا من أقوى الشواهد على أن أصالة تأخر الحادث ليس معناه التأخر الذي في قبال التقدم، لأنه إثبات لأحدى الصفتين بالأصل، بل المراد بهذا التأخر: وجوده في الان المتيقن، لا في الان المشكوك وليس في ذلك تقدم وتأخر بذلك المعنى مطلقا. فكلام المحقق الثاني وغيره من الأساطين: (أنه يعارضه أصالة عدم التقدم) يريدون به: أن التقدم صفة وجودية لا نعلم تحققها والأصل عدمها، وليس أصالة التأخر مستلزما له، ولا دالا عليه. والمفروض: أن الحكم منوط بالتأخر المقابل للتقدم، لا بمعنى الوجود في الان المتيقن، إذ هو لا يفيد شيئا ما لم يثبت تقدم العيب عليه، وهو غير ثابت، وليس غرضهم نفيه بالأصل، بل الغرض الأصل عدم تحققها إلا بمثبت وهو شرط للحكم، والشك في ثبوته بعد تعارض الاصول كاف. فتأمل بعين الأنصاف تجد الحق من دون اعتساف. والجواب عن الثاني: أنه قياس مع الفارق، وعدم معارضة الاصول التابعة لمتبوعاتها مسلم، والمثال مقبول، لكن المقام ليس من ذلك، لأن التقدم والتأخر في مرتبة واحدة كالسواد والبياض، ونفي أحدهما مثبت للاخر - مثلا - وبالعكس، وليس إجراء الأصل في أحدهما أصليا حتى لا يكافئه الاخر.


(1) في (م) زيادة: الثلاثة. ويلوح أنها مشطوبة.

[ 100 ]

فإن قلت: إن الأمرين ضدان وبينهما واسطة وهو الاقتران، وإذا كان كذلك فإثبات أحدهما ينفي الاخر، ولكن نفي أحدهما لا يثبت الاخر، فإذا ثبت أصالة التأخر ثبت التقدم في ذلك الجانب وانتفى تقدم الأول واقترانه، لاستحالة اجتماع الضدين. بخلاف أصالة عدم تقدم العيب، فإنه لا يثبت تأخره ولا اقترانه، بل يتردد بين الاحتمالين، والمرتبة الواحدة إنما هي لو كان الأصل في كل منهما مثبتا للاخر، والفرض أن أصالة عدم التقدم لا يثبت تأخرا ولا اقترانا. قلت: الغرض من تكافؤ الأصلين كون أحدهما نافيا للاخر، ومن المعلوم: أن أصالة التأخر في هذا مثبت لتقدم ذلك، وأصالة عدم تقدم ذلك ناف لتأخر هذا، فالأصلان متكافئان متناقضان، فجعل أحدهما تابعا للاخر تحكم. هذا ما يتعلق بالمعارضة والنقض تبعا لهؤلاء الأساطين. وأما تمام التحقيق الذي ينكشف به غطاء أبصار أهل النظر والاعتبار أن يقال: إن الأصل الشرعي أو العقلي المعتبر فائدته في مثل المقام إدراج محل البحث تحت مقدمة صغرى ينضم إليها كبرى كلية من الشرع، فينتج المطلوب. فالغرض من استصحاب نجاسة الشئ - مثلا - إثبات أن هذا الشئ نجس، حتى يقال: إن كل نجس لا يصح فيه الصلاة، ولا يجوز أكله، وهو منجس لملاقيه، وهكذا... وحيث إن الموضوع الثابت بالأصل يكون شرعيا تعبديا لا واقعيا حقيقيا، فكل حكم ترتب على هذا الموضوع في الشرع يتفرع عليه، ولكن الحكم المتفرع قسمان: أحدهما: أن يترتب على هذا الموضوع من دون توسط أمر خارجي وواسطة اخرى، كأحكام النجاسة المتقدمة. وثانيهما: ما يترتب عليه بواسطة خارجية، وهذا أيضا قسمان: أحدهما: ما يكون تلك الواسطة - أيضا - لازما شرعيا لذلك الموضوع الثابت

[ 101 ]

بالأصل، مثلا: استصحاب بقاء الزوجية في محل الشك يجعل المشكوك فيه زوجة، ويلزم على هذا وجوب الأنفاق عليه شرعا، ويلزم الوجوب إجبار الزوج لو امتنع من أدائه، ورجوع الزوجة عليه لو استقرضت بالمعروف، وهكذا في سلسلة الأحكام المترتبة بعضها على بعض. وثانيهما: ما يكون تلك الواسطة لازما عقليا لذلك الموضوع، مثلا: إذا قال الشارع: (من أتلف شيئا ضمنه) فألقيت نارا في دار شخص وتدري أن تلك الجمرات إذا بقيت أحرقت قطعا، ولكنك تشك في بقائها وانطفائها، فمقتضى الأصل بقاء الجمرات، ويلزمه الأتلاف ويلزمه الضمان. وكذلك لو قال: (إذا اجتمعت مع أجنبية في دار فكفر صاعا من طعام) وكانت الأجنبية في دار ولا تدري هل هي فيها أو خرجت؟ فدخلت فيها، فالأصل بقاء الأجنبية فيها، ويلزمه الاجتماع، فتجب الكفارة. وكذا إذا قال لامرأة: (إذا سمع صوتك أجنبي فأطعمي مسكينا) وكان أجنبي قاعدا وراء الجدار لا تدري هل هو قاعد (1) أو لا؟ فصاحت (2) بحيث لو كان هناك لسمع، فمقتضى الأصل بقاؤه، ويلزمه سماعه، ويلزمه لزوم الأطعام، ونحو ذلك من اللوازم. فنقول: لا كلام في ترتب ما لا واسطة له على الموضوع الثابت بالأصل، وكذا ماله واسطة شرعية، إذ ترتب أحكام كثيرة على الاصول مترتبة بعضها على بعض مما لا يخفى على من له درية. وأما ماله واسطة عقلية فلا يثبت بالأصل، والسر فيه: أن الحكم حينئذ يتعلق بأمرين: أحدهما: الموضوع الثابت بالأصل، كبقاء الجمرة والأجنبية والأجنبي في الأمثلة المذكورة.


(2) في (ن): لا تدري أنه قاعد كذلك. (2) في (ف) زيادة: بشئ.

[ 102 ]

وثانيهما: ذلك اللازم، وهو الأتلاف والاجتماع والسماع. ولما كان اللازم العقلي لا يترتب إلا على الموضوع الواقعي، إذ من المعلوم أن السماع لا يتحقق إلا مع وجود ذلك الشخص وراء الجدار في الواقع، لا بالاستصحاب التعبدي، وكذا الأتلاف فرع وجود النار واقعا لا استصحابا شرعيا، فإذا كان كذلك فالأصل لا يثبت ذلك اللازم العقلي، والحكم المعلق به يبقى مشكوكا مع الشك في وجود السبب، فلا يؤثر. وبعبارة اخرى: الموضوع الظني التعبدي لا يلزمه الصفات النفس الأمرية حتى يترتب عليه الأحكام الموقوفة على تلك الصفات، وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ الخيار حكم مترتب على تأخر البيع، لكن لا تأخره في نفسه بمعنى كونه في آن اليقين، بل بمعنى تأخره عن العيب، وتأخره عن العيب وإن ثبت بالأصل، لكن لا يترتب عليه حكم إلا إذا ثبت سبق العيب، لأن كون البيع في آن متأخر لا يوجب خيارا بالبديهة (1) بل مع انضمام تقدم عيب، وهو لازم عقلي له لا شرعي، فلو لم يكن البيع في الواقع مؤخرا لا يكون العيب في الواقع مقدما، ومتى لم يثبت التقدم الواقعي المعلق عليه الحكم، فلا خيار في البين. نعم، لو ترتب حكم على تأخر البيع نفسه كانقضاء خيار الحيوان - مثلا - أو خيار الشرط أو أجل السلم ونحو ذلك، فيترتب عليه، لأن نفس الحكم بكون البيع في يوم الخميس مستلزم لبقاء خيار الحيوان إلى يوم السبت، بخلاف خيار العيب، لتوقفه مع ذلك على تقدم العيب على البيع في نفس الأمر، لا على يوم الخميس المتيقن. وهذا هو السر في إعراضهم عن أصالة التأخر في مثل المقام. وهنا كلام، وهو: أن الموضوع إذا حصل الظن به بالأدلة المتلقاة من الشارع المعتبرة عنده - كالاستصحاب مثلا - فإذا شككنا في الخمر المعلوم خمريته


(1) في (ن): بالبداهة.

[ 103 ]

بالأمس المشكوك الان حصل لنا الظن بأنه باق على خمريته بالأصل، وكما يلزمه اللوازم الشرعية من حرمة ونجاسة ونحوهما، فكذلك يحصل منه الظن بالأسكار الذي هو من صفات الخمر الواقعي، وإذن الشارع في الشئ يكون إذنا في لوازمه، ومنه الأسكار. ومعنى قول الشارع: (احكم بأنه خمر) أن كل حكم يترتب على الخمر الواقعي يترتب على هذا، سواء كان ابتداءا أو بواسطة ولو بتوسط أمر عقلي. نعم، لا يحكم بالأسكار الواقعي في صورة ترتب حكم على حقيقة المسكر، من جهة أن الحكم تابع للاسم، والاسم لا ينقح (1) بالأصل، لكن لو تعلق على إسكار هذا الخمر المشكوك حكم شرعي لا حق له بتوسطه (2) نحكم بعد استصحابه بلحوق ذلك الحكم أيضا به، ولا بأس بذلك، وفيما نحن فيه متى ما اعتبر الشارع أصالة تأخر المجهول ترتب جميع أحكام التأخر (3) عليه مطلقا. ولا ريب أن من أحكام تأخر البيع الخيار ولو بعد توسط استلزامه تقدم العيب، وتقدم العيب وإن كان لازما عقليا، لكن الأذن في ملزومه إذن فيه، بمعنى أن الأحكام المترتبة على الملزوم تثبت مطابقة من الأصل، والأحكام المترتبة على التابع واللازم تثبت التزاما، ومنه الخيار، ولا بأس بذلك. وهنا كلام آخر، وهو: أنه على فرض تسليم أن اللازم العقلي لا يترتب على الموضوع الظني بل يترتب على الأمر الواقعي القطعي، نقول: إن ملزوم التقدم هنا أمر قطعي لا ظني، وينبغي بتحقق ملزومه تحققه، ومنشأ الاشتباه: تخيل أن التقدم في العيب من لوازم البيع المتأخر المظنون، وليس كذلك، بل هنا قسمان من اللوازم: أحدهما: لوازم الاستصحاب.


(1) في (ن): لا يتضح. (2) في (ن، ف) زيادة: لكنا. (3) في (ف): (المتأخر).

[ 104 ]

وثانيهما: لوازم المستصحب. ولا ريب أن الثاني ظني، لكن الاستصحاب ليس بظني، إذ لا ريب أن أصالة تأخر البيع استصحاب للعدم قطعا. نعم، المستصحب ظني لثبوته بطريق ظني، وتقدم العيب في مثالنا هذا من لوازم الاستصحاب، لا من لوازم المستصحب، فينبغي القطع به بعد تحقق الاستصحاب، وليس ذلك من قبيل الأسكار، لأن الأسكار ليس من لوازم استصحاب خمريته، بل من لوازم نفس الخمر المستصحب، فلا تذهل. وهذان الكلامان مع جودة مساقهما ودقة مقامهما وصدورهما عن الفاضل المعاصر، بل الاستاذ الماهر: جناب الاخوند ملا محمد علي التبريزي - أيده الله تعالى بتوفيقه - عند قراءتنا على جناب شيخنا وإمامنا الأجل الأوقر والنحرير الأكبر: جناب الشيخ موسى بن الشيخ جعفر قدس سره (1) - غير تامين في النظر المتهم القاصر. أما الأول: فلأن معنى كون الأذن في الشئ إذنا في لوازمه - كما يأتي تحقيقه إن شاء الله في أحكام الأيقاع - أن الشارع إذا أذن في شئ فقال: (لك أن تؤخر صلاة الظهرين إلى المغرب) - مثلا - والمفروض أن أجزاء الوقت تختلف باعتبار قدرة المكلف وعجزه وسفره وحضره، والتأخير معناه: جواز إيقاعهما في أي وقت كان، ويلزمه من ذلك كون كل وقت على مقتضاه، وكذلك الكلام في نظائره. والضابط: أن الأذن في موضوع إذن من الشرع في لوازمه من الجهة المأذون فيها، بمعنى أن يكون اللازم لازما لتلك الجهة التي تعلق بها الأذن وإن تعلق بموضوعات خارجية اخر، ولا يمكن فرض ذلك الشئ المأذون فيه بدون ذلك اللازم، كما أن الأذن في إجارة العين المستأجرة إذن في قبضها، إذ التسليط على المنفعة يلزمه التسليط على العين ولا ينفك عنه.


(1) في (ن): قدس الله لطيفه.

[ 105 ]

ثم إن الأذن في اللازم تابع للأذن في الملزوم، فلو كان قطعيا فهو قطعي، ولو كان تعبديا فهو تعبدي، وهكذا... ولا يمكن مع كون الملزوم فرضيا كون اللازم واقعيا. إذا عرفت هذا نقول: إن الشارع إذا أذن في جعل الشئ المشكوك في وقوعه من آن اليقين والحكم بعدمه قبله، فالذي يترتب على ذلك أن نماء الوقت المشكوك مال البائع، وخيار الحيوان ثلاثة أيام بعد اليقين، ونحو ذلك، لأن هذه لوازم لنفس وجود البيع، ولا معنى لكون البيع من هذا الزمان إلا ترتب هذه الأحكام، ولو فرض انفكاك هذه عنه، فأي فائدة في تأخيره؟ وذلك واضح. وأما تقدم العيب على البيع فليس من لوازم ذلك، إذ معنى تقدم العيب: كون هذا سابقا عليه في أصل الوجود والتحقق، وليس معنى أصالة التأخر: كون البيع موجودا حادثا في هذا الزمان، بل الحكم بحدوثه في هذا الزمان بمعنى أن الشارع قال: (أنت احكم بأن حدوثه من هذا الزمان) لا أنه حادث في هذا الزمان، وتقدم العيب من لوازم الثاني دون الأول، إذ لنا أن نحكم بالأول عملا بقول الشارع في عدم نقض اليقين، ولا نقول بتقدم الاخر، إذ لا ندري به. وبعبارة اخرى: ليس معنى الأصل: كون الشئ حادثا في هذا الزمان، ولو كان كذلك لقبلناه وإن كان ظنيا، كما أنه لو أقام المشتري بينة على أن البيع وقع بعد ذلك العيب حكمنا بالخيار، لأن ذلك إثبات للواقع ولو بطريق ظني بل مشكوك، وليس معنى الأصل هذا وإن قام مقام البينة في إثبات حكم كلي وقام مقام العلم في كل مقام، لكن معنى ذلك: البناء على أنه من حين اليقين، ولا يلزمه التقدم للاخر، لكن يلزمه لوازمه (1) الشرعية، إذ هو معنى المنزلة. فإن قلت: إذا رخصك الشارع في البناء على هذا معناه: أنك إذا علمت وقوع العيب قبل هذا الوقت فاحكم بتقدمه.


(1) في (ن، ف): اللوازم.

[ 106 ]

قلت: من الواضح أن الحكم بتقدم ذلك ليس لازما للبناء على هذا بوجه وإن علمنا وقوع العيب قبله. فإن قلت: لو لم يكن التقدم لازما لهذا فالبناء على التقدم لازم قطعا، فالأذن في البناء على تأخر هذا إذن في البناء على تقدم ذلك، فكل حكم ترتب على التأخر أو على التقدم أو [ على ] (1) المجموع المركب يترتب على ذلك. قلت: ليس كذلك، إذ جعل الشارع شيئا مشكوكا في موضع اليقين ينصرف إلى ترتب أحكامه على نفسه، لا كون جميع الأوضاع والمقادير الخارجية - أيضا - لازما له، فإن التقدم والتأخر وسائر الأوضاع الوجودية لا يبتنى على فرض الموضوع، وليس معنى قول الشارع: (افرض هذا الشئ كذا) إلا أن أحكامه جارية عليه، لا أن الأوضاع التي لو وجد في الخارج لترتبت عليه افرضها موجودة، ولو لحق ذلك الوضع - أيضا - حكم فاحكم بذلك أيضا، مثلا: إذا علم وقوع زيد في أرض كان بحرا سابقا، وكل من وقع عليه (2) مات، ونشك الان في بقاء البحر وعدمه، فالأصل بقاءه، يعني فرضه باقيا في أحكامه، ويلزم من ذلك فرض زيد ميتا، لأنه لازم وجود البحر، فيكون الأحكام تترتب عليه من إرث ونحوه، وهو خلاف البداهة. لا يقال: إن الأصل هنا معارض ببقاء زيد، لأن غرضنا التمثيل للأرشاد إلى المدعى، وإلا فنفرض أحدا نذر أنه إذا وقع زيد في البحر الفلاني أن يتصدق بدرهم، فإذا وصل زيد إلى ذلك المكان يقينا نشك (3) في بقاء البحر وعدمه، فالأصل بقاء البحر، فيكون زيد واقعا فيه، فيلزم التصدق. ولا يعارضه أصالة عدم وقوعه في البحر، لأنه يدفعه أصالة عدم وقوعه في البر، وهو واقع في أحدهما لا محالة


(1) لم يرد في (م) وشطب عليه في (ن). (2) في (م): فيه، خ. (3) كذا في النسخ، والمناسب: فشك.

[ 107 ]

والحاصل: أن فرض شئ موجودا في لسان الشرع معناه: ترتب أحكامه عليه، لا لحوق الأوضاع الخارجية وأحكام الأوضاع، بل ذلك يحتاج إلى دليل آخر، وذلك واضح، مضافا إلى أن البناء على التأخر مستلزم للأحكام، إذ هو معناه، ودليل الخيار قال: إنه لو تقدم العيب ففيه خيار، وهو ينصرف إلى الواقع، ولا يلزم من لزوم البناء عليه من البناء على التأخر لحوق الحكم المنوط بالواقع عليه، لكون اللزوم من قبيل المهملات، بخلاف ما لو دل دليل ابتداء على جعله بمنزلة المتقدم. فإن قلت: إن التأخر والتقدم ليسا أمرين مختلفين متلازمين حتى تقول: إن فرض أحدهما شرعا لا يستلزم فرض الاخر، بل هما شئ واحد، لأن تأخر البيع عبارة عن هذا الوضع الحادث من الوجوديين الكذائيين، وهو بعينه معنى تقدم العيب، ومعناهما الخارجي شئ واحد يختلف تسميته (1) باختلاف منتسبيه كقولك: (أب زيد وابن عمرو) وكلاهما يراد به بكر، فإذا قال الشارع: (افرض أب زيد موجودا) فمعناه فرض وجود ابن عمرو، وذلك واضح. قلت: لنا عن ذلك جوابان: أحدهما: أن الحكم تابع للعنوان، وعنوان (أب زيد) غير عنوان (ابن عمرو) فلو فرضنا أن وجود أب زيد وابن عمرو يترتب عليه حكمان: أحدهما: من حيث الابوة - وهو كون زيد مثلا واجب النفقة عليه غير يتيم ولا فقير، وكون أمواله مالا له، وكذا زوجته - وثانيهما: من حيث البنوة لعمرو - وهو كون ميراث عمرو بينه وبين إخوته - فإذا قال الشارع: (افرض وجود ابن عمرو) معناه: الشركة في الميراث، وإذا قال: (افرض وجود أب زيد) معناه: عدم كونه يتيما، ودليل ذلك العرف. فقول الشارع: (الأصل تأخر البيع) يقتضي أحكام التأخر، لا أحكام تقدم العيب، وإن كان الأمران في الواقع شيئا واحدا، وهو الوضع المعهود، مع أن كونهما في الواقع شيئا واحدا ممنوع، وبيان ذلك ليس هنا محله.


(1) في (م): نسبته.

[ 108 ]

وثانيهما: أنا كما نمنع التقدم في العيب نمنع التأخر في البيع أيضا، لأنا قررنا سابقا أن التأخر له معنيان: أحدهما: الأضافي المحتاج إلى مقدم. وثانيهما: نفس وجود الشئ في آن لاحق من دون إضافة إلى شئ. وأصالة التأخر معناه: الثاني، دون الأول، فينحل المعنى إلى أن البيع موجود في آن لاحق لا سابق، ولا يفيد هذا تأخرا حتى يلزمه تقدم، فيرد الاعتراض. نعم، إذا وجد شئ في آن لاحق ووجد آخر في آن سابق، فأحدهما مقدم والاخر مؤخر وجودا خارجيا، وليس شئ منهما ثابتا من دليل حتى يستلزم الاخر، بل هما لازمان لوجود الشيئين على الفرض المعهود ومنتزعان من ذلك، وهذا لا يثمر شيئا. ومن هنا يتضح فساد ذلك الكلام بحذافيره، إذ نفي وجود الشئ في آن معين كما قضى به الاستصحاب ليس ملازما لتأخر ولا لتقدم، بل هما صفتان خارجتان (1) فقد يكون هناك شئ مقدم فيكون هذا مؤخرا عنه بعد وجوده كذلك، وقد لا يكون هناك شئ أصلا فلا يكون تقدم ولا تأخر. ففي مثالنا هذا لو لم يكن في الواقع عيب لم يلزم من فرض وجود البيع في الان المتيقن لا تقدم ولا تأخر، وإنما هو وجود في آن لاحق، ومعنى اللوازم للشئ عدم انفكاكه (2) في الوجود عن ذلك الشئ كما مثلناه في الأجارة وفي الصلاة، إذ لا يعقل وجود الصلاة في شئ من أجزاء الوقت الموسع إلا لعذر أو اختيار أو سفر أو حضر، وانفكاكه عن ذلك كله غير معقول، بخلاف وجود البيع، فإنه يجوز انفكاكه عن تقدم وتأخر واقتران. وحاصل الكلام في دفع ما ذكره ذلك العلام (3) أن هنا ليس شئ مرخص من


(1) في (ن) خارجيتان. (2) في هامش (م) انفكاكها، خ ل. (3) المقصود به هو (الاخوند ملا محمد علي التبريزي) المتقدم ذكره في 104.

[ 109 ]

الشرع يلزمه شئ آخر حتى يقال: إن (الأذن في الشئ إذن في لوازمه) إذ فرض البيع في الان المتأخر غير ملازم للتأخر ولا للتقدم الذي (1) علق عليهما الخيار، بخلاف خيار الحيوان ونحوه، فإن وجود ماهية البيع في أي زمان كان ملازم لذلك. والذي دعاه إلى هذا الكلام تخيل أن التأخر معناه: ما يستلزم التقدم، وليس كذلك، بل على ما قررنا لا يستلزم تأخر نفسه أيضا، أو تخيل أن اللوازم يراد بها لواحق الموجودات الخارجية ولو في بعض الصور، وهو كما ترى! وصدور هذا الكلام عن مثله بعيد جدا، غريب حقيقة! لكن المقام مزلقة للأقدام إلا من وفقه الله للاستناد إلى عماد، والتنبيه إلى ما في رمته (2) الاستناد (3). وأما الثاني (4): فنقول: دعوى كون تقدم العيب على البيع من لوازم الاستصحاب واضح الفساد بعد ما تلونا عليك من التحقيق، والذي ينبغي أن يقال في فذلكة الكلام: إن الاستصحاب معناه: وجود البيع في الان المتأخر، ولوازمه ما ذكرناه من الفروع السابقة، ولا يلزم من ذلك تقدم الأمر الاخر، إلا على فرض كون معنى الاستصحاب تأخيره عن ذلك، حتى يلزم التقدم التأخير الذي هو الاستصحاب. وهذا لا ينبغي أن يتفوه به من له تدرب في الفن، لما أسلفنا عليك مرارا: أن أصالة التأخر ليس بالمعنى الأضافي، بل بمعنى الوجود في هذا الان دون ما سبقه، ومعنى استصحاب عدم الوجود إلى أن يعلم ارتفاعه [ بوجود ] (5) وأين هذا من تأخير شئ [ عن شئ ] (6) حتى يلزمه التقديم؟! بل قد عرفت أن هذا التقدم ليس من لوازم المستصحب أيضا، فضلا عن الاستصحاب، لأن المستصحب


(1) كذا في النسخ، والصواب: اللذين. (3) الرمة: قطعة من حبل بال، ويقال: أعطاه برمته: أي بجملته. (3) كذا في (م)، والعبارة في (ن) هكذا: إلا من وفقه الله لاستناد إلى عماد والتنبه إلى ما في رمية الاستاد. وفي (ف) للاستناد إلى عماد والتنبيه إلى ما في رمية الاستاد. (4) أي الكلام الثاني للاخوند ملا محمد علي التبريزي، راجع ص: 103. (5) ليس في (ن). (6) ليس في (م).

[ 110 ]

هو العدم، وعدم وجود هذا البيع في ذلك الان غير ملازم للنسبة الأضافية التابعة لوجود الطرفين بأقسامها كما عرفت. ومن ذلك كله ظهر - بعون الله تعالى وحسن تأييده - أن ما أعرض عنه أصحابنا - المسددون من صاحب الشريعة - من الاستناد إلى هذه القاعدة - الضعيفة البنيان الموهونة الأركان - حقيق بأن يعرض عنه أهل التحقيق. ولا يلتفت إلى ما صدر من بعض من يترائى أنهم أهل التدقيق، إذ أصحابنا أدق من ذلك وأحق بالاطلاع على ما هنالك، وأين المدقق من المحقق! والثريا من يد المتناول!. وهنا كلام آخر وهو: أن الاصوليين ذكروا أن (الأمر بالشئ يوجب بطلان ضده) إما للنهي، أو لعدم الأمر واستحالة الأمر بالضدين، ولا ريب أن ضدية الأكل للصلاة ليس عقليا واقعيا، وإنما هو شرعي، وامتناع الأمر بالضدين أو اجتماعهما عقلي لازم ترتب على موضوع شرعي. فلو لم يجز ترتب اللوازم العقلية على الموضوعات الثابتة بالشرع، فلقائل أن يقول: لا يلزم من كونه ضدا شرعيا (1) عدم اجتماعهما وعدم جواز الأمر بهما، لأنه من لوازم الضدين الواقعيين، وهنا ليس كذلك، فإذا لم يثبت هذا اللازم لا يلزم البطلان المستند إلى ذلك، مع أنهم سلموا من هذه الجهة، وناقشوا من جهة اخرى، وعلى ما قررت لزم فساد هذا الكلام من أصله، من دون حاجة إلى ما ذكروه في دفعه من الوجوه. ولنا في دفع هذا الكلام وجوه: أحدها: ما ظهر من طي كلماتنا السابقة أن في مقامنا هذا ليس لازم عقلي حتى يترتب على ما ثبت من الشرع، وكلماتنا الأولية إنما كان (2) على سبيل المماشاة، إذ اللازم العقلي - على ما تخيله - تقدم العيب اللازم لتأخر البيع، وقد قررنا أن التأخر بهذا المعنى الثابت بالأصل لا يلزمه تقدم ولا تأخر ولا اقتران


(1) في (ن): شرعا. (2) كذا في النسخ، والمناسب: كانت.

[ 111 ]

حتى ينازع في أن اللازم العقلي هل يثبت بالأصل أو لا؟ فالكلام ساقط من أصله. وثانيها: أن قياس مسألة الضد إلى محل البحث قياس مع الفارق، لأن الضد هناك واقعي. وبيانه: أن الشارع لم يقل: (أيها الناس جعلت الصلاة والأكل ضدين) بل بين أن طبيعة الصلاة التي وضع اللفظ بإزائها ماهية كذائية لا تجامع الأكل، فكون الصلاة هكذا مستلزم للضدية في الواقع، وليس الضدية شيئا يجعله الشارع، بل الضد مجعول الشارع، لا الضدية، وذلك نظير الأضداد الخارجية بعينها، مثلا: خلق الله سبحانه الماء طبيعة لا تجتمع مع النار في الخارج، فلك أن تقول: إن الضدية جعلية، إذ لو لم يجعل الله الماء هكذا لم يكن ضدا، وهنا أيضا كذلك. وأي فرق بين ضدية القيام والقعود والصلاة والنوم؟ وما يتخيل أن الشارع لو قال: إن الصلاة تجتمع مع النوم لم يجوز المحال. قلت في جوابه: إن هذا إخراج عن الماهية، لا جمع بين الضدين، فلو أخرج الله الماء عن المائية أيضا يجتمع مع النار، ولا بأس به، وهذا كلام في النظر الأولي. وثالثها: (1) من يقول: إن امتناع الاجتماع أو استحالة الأمر بالضدين الشرعيين - على فرض تسليمه - عقلي؟ بل هو أيضا شرعي، إذ معنى الضدية شرعا عدم الاجتماع شرعا، لا عقلا، وعدم الاجتماع العقلي لازم الضدية العقلية، فلم يترتب الحكم على لازم عقلي، وما يترائى في بعض العبارات أن الاستحالة في الاجتماع عقلي (2) وإن كان الضد شرعيا ليس معناه وإن كان الضدية شرعية، بل هو إشارة الى ما ذكرناه في الوجه الثاني من أن الضد الشرعي ماهية شرعية مجعولة على هذا النحو الذي يباين الأكل، فالضدية أيضا عقلي، بل ليس معنى الضدية إلا استحالة الاجتماع، فكيف تكون الضدية شرعية وعدم الاجتماع


(1) في (ف، م) زيادة: ان. (2) كذا، والمناسب: عقلية، وهكذا فيما سيأتي.

[ 112 ]

عقليا؟! والضد غير الضدية، فلا تذهل. وأما حجية أصالة التأخر في نفسه فواضح، بمعنى: أنه إذا كان وجود الشئ في آن سابق له حكم ووجوده في آن لاحق له حكم فالأصل عدمه في السابق، ولا يترتب عليه الأحكام في ذلك الزمان، وأمثلة ذلك منتشرة في أبواب الفقه لا يحتاج إلى تنبيه. ويعلم مما قررناه في البحث جريانه في مقامات متعددة، فراجع (1) وتبصر.


(1) في (ف، م): فارجع.

[ 113 ]

(العنوان الرابع) (في العدول والانقلاب والكشف والنقل)

[ 114 ]

عنوان [ 4 ] في العدول والانقلاب والكشف والنقل: لا كلام في كون الشرائط المقارنة للعمل مؤثرة في تحقق الشئ وانتفائه ولزومه وجوازه ولواحقه وأحكامه، لكن قد (1) يكون وجود المقارنات معلوما، فيتضح الحال من أول الأمر، وقد يكون غير معلوم، فيترقب إلى أن يحصل العلم بوجود الشرط في ذلك الوقت وعدمه، ويتوقف عليه الشئ توقف انكشاف، بمعنى أنه في الواقع إما ذلك الشرط موجود حال العمل أو ليس بموجود، فإما وقع أو لم يقع (2) ولكن المكلف لا يدري به، مثل من طلق زوجته أو باع دابته أو أوصى بشئ من ماله لا يدري بأن شيئا من ذلك موجود في حال العقد أو لا، فيتوقف انكشاف الأمر إلى العلم، وليس في مثل هذه الفروض توقف واقعي، بل في الواقع وقع على ما هو عليه. وكذا لو أبرأ ذمة شخص ولا يدري بكون الحق في ذمته، أو طلق بحضور شخصين لا يدري عدالتهما قاصدا للطلاق بزعم عدم اشتراط العدالة، فإنهما في


(1) في (ن، ف): فقد، بدون (لكن). (2) العبارة في (م) هكذا: إما ذلك الشرط موجود حال العمل والمشروط حاصل، أو ليس بموجود فالمشروط غير حاصل، ولكن...

[ 115 ]

الواقع إما عادلان أم لا، ونحو ذلك غيره، وليس شئ من ذلك محل البحث. وإنما البحث في أن الفعل متى ما وقع على وجه من الوجوه من نوع أو صنف في ذاته أو في أوصافه فهل هو قابل للانقلاب إلى شئ آخر مما يغايره في ذلك أو لا، بل الذي وقع على وجه لا يتغير عن وصفه بعد مضيه؟ فنقول: لا ريب أن مقتضى القاعدة عدم جواز انقلاب ما مضى، لأن الشئ إنما يتحقق بوجود المقتضي وفقد الموانع، وهو المعبر عنه ب‍ (العلة التامة). فإذا وجدت العلة التامة لمعلول معين يوجد في الخارج على مقتضاها، ولا يمكن أن يكون لذلك الشئ المعلول شرط متوقع، أو حادث متأخر يوجب تغيره عما وقع، لأن ذلك موجب لتأثير المعدوم في الموجود وتغير ما وقع، وهو مستحيل عقلا، وذلك من الواضحات التي لا تحتاج إلى إقامة دليل. فإذا وقع عبادة في وجه من وجوهها أو معاملة على كيفية من الكيفيات - مؤثرة أو غير مؤثرة لازمة أو جائزة - فلا يمكن بعد ذلك تبدله من أول الأمر. لا يقال: إن عموم ما دل على أن العمل بالنية (1) يقضي بأن العمل يتبدل بانقلاب النية كيف كان. لأنا نقول: غاية ما دلت عليه هذه الأدلة كون العمل تابعا لها، والظاهر منه العمل التام، لا الأبعاض، فليس كل جزء من العمل إذا تبدل فيه النية ينقلب عما و عليه في ضمن الكل، سلمنا ذلك، لكن لا يلزم من ذلك كون النية اللاحقة مغيرة للعمل السابق، بل إنما تؤثر في ما بعدها من العمل كلا أو بعضا، إذ النية اللاحقة قد (2) تعارضها النية السابقة، فكما أن العمل تابع للاحقة فكذلك تابع للسابقة أيضا، فترجيح الثانية تحكم، غايته تبعية كل جزء منه لما صاحبه من النية، وهكذا الكلام في سائر الموانع اللاحقة، أو الشروط المتأخرة الموجبة لتغير العمل


(1) مثل قوله صلى الله عليه وآله: (إنما الأعمال بالنيات) الوسائل 1: 34، البا ب 5 من أبواب مقدمة العبادات، ح 7. (2) قد: ليس في (ف، م).

[ 116 ]

الماضي عن مقتضاه، فإن غاية تأثيرها إنما هو من حين وقوعها، لا فيما قبلها من الكيفية. لكن قد ورد في الشرع موارد قد انخرمت فيها هذه القاعدة، بمعنى أن ظاهرها انقلاب ما مضى بما سيأتي بجعل الشارع، وتأثير الأمر المتأخر في المتقدم. وفي ذلك مباحث: فلنورد أولا تلك الموارد، ثم نتكلم فيها على مقتضى القواعد، حتى يجعل قانونا كليا في هذا الباب يهتدي به أهل البصيرة واولوا الألباب (1). منها: أيام الاستظهار في الحيض، فإنهم حكموا بأنه لو تجاوز الدم العشرة كشف عن أنه استحاضة، وإذا لم يتجاوز فهو حيض. ومن الواضح أن الدم الموجود إن كان حيضا فلا ينقلب بالتجاوز، وإن لم يكن منه فلا يكون منه بالانقطاع. وليس هذا مثل الأمثلة التي ذكرناها سابقا، إذ هذا يتوقف على شئ متأخر ممكن الحصول والعدم بخلاف ما سبق، فإن ذلك مقارن له وجودا أو عدما، ولكنه غير معلوم للمكلف. ومنها: صوم المستحاضة بالكبرى بناءا على احتياجها بالأغسال الليلية أيضا، فإن الصوم متى تم فلا ربط له بغسل الليل، مع أن مقتضى احتياجها: أنها لو اغتسلت في الليلة الاتية صح الصوم وإن تركت بطل (2). ومنها: في نية القصر والأتمام في محل التخيير، فإنهم يقولون: إذا نوى أحدهما وعدل في الأثناء وبنى على الاخر بني الأمر على الثاني، ويعود القصر تماما، وبالعكس.


(1) في (ن): على البصيرة واولي الألباب. (2) العبارة في (ن) هكذا: (مع مقتضى أنها لو اغتسلت في الليلة الاتية صحت الصوم وإن تركت بطلت) ونحوها عبارة (ف).

[ 117 ]

ومنها: في التخيير بين الزائد والناقص، فإن من يجوزه يقول: إذا أتى بالأقل فهو امتثال، وإذا ألحقه (1) الزائد عاد المجموع امتثالا. ومنها: في العدول من الفرض أو النفل والأداء أو القضاء (2) إلى الاخر ولو مع الترامي والدور، فإن ذلك موجب لانتقال العبادة الواقعة من نوع إلى نوع وانقلابه إليه. ومنها: في عدول من زوحم في صلاة الجمعة عن إدراك ركعة إلى الظهر، فإنه ينقلب بذلك. ومنها: في خروج ناوي الأقامة عن محلها قبل الصلاة تامة، فإنه يقلب (3) الأقامة كلا إقامة، فلو فاتت عنه (4) صلاة في أثنائها يقضيها قصرا، وإن كان يؤديها قبل الخروج تماما (5). ومنها: أنه يتعلق الزكاة على الغلات بالانعقاد، ولكن (6) يستقر بصدق الاسم، فلو تلف قبله فلا زكاة، وعلى الأنعام بهلال الثاني عشر، مع أنه لو انخرم الشرط قبل تمامه لم تجب. ومنها: لو أدى الضيف زكاة الفطرة، فإن لحقه إذن المضيف مضى، وإلا فلا. ومنها: لو كمل الناقص لصغر أو رق أو جنون قبل أحد الموقفين عاد حجة الأسلام وأجزأت. ومنها: أنه لو قصر المال الموصى به لحج أو عتق ونحوه عنه عاد كالأرث. ومنها: أن المفرد إذا عدل الى حج التمتع انقلب. ومنها: أنه إذا لحق إذن الأب في نذر الولد يمضي


(1) في (ن، ف): لحقه. (2) في (ن، ف): في العدول كل من الفرض والنفل والأداء والقضاء. (3) في (م): يصير. (4) في (م): فاتته. (5) العبارة في (ن، ف): هكذا: وإن كان لو صلى في وقته كان يصليه تاما. (6) في (ن) ولكنه.

[ 118 ]

ومنها: إذا وقع عقد يشترط فيه القبض - كالوقف والصرف والسلم - فإذا لم يلحقه بطل، وإلا صح. ومنها: إذن ولي الأمر في فضوليات العقود وقهرياته (1) كما في المكره. ومنها: في إخراج ما هو مجهول واقعا - مثل الطلاق والعتق - بالقرعة، فإنه يعود معتقا ومطلقه من حين الصيغة. ومنها: الصدقة بما جهل مالكه - كالصائغ لما تخلف عنده من تراب الصياغة (2) أو المديون مع اليأس من صاحبه - بشرط الضمان، فإنه يتصدق عن المالك، وإذا ظهر وأخذ العوض يعود للمتصدق، وإلا فيمضي. ومنها: في اختيار المشتري الأرش في باب الصرف لو كان المبيع معيبا بعد التفرق، فإنه يقضى ببطلان ما قابله من النقد في المعاملة. ومنها: قبول الوصية، فإنه موجب لوقوع ما مضى صحيحا، بخلاف ما لو رد. ومنها: في الرواية - في باب الرضاع من لبن ولد الزنا - أنه إذا جعل مولى الجارية الذي فجر بالمرأة في حل يطيب لبنها (3). ومنها: في إجازة الورثة الوصية فيما زاد عن الثلث. ومنها: أنه لو أدى من أعتق نصيبه من العبد قيمة حصة شريكه كان العبد منعتقا من زمن الصيغة. ومنها: أنه يرد دية المرأة إلى النصف بعد بلوغها إلى ثلث الدية ولو تدريجا في وجه. ومنها: أن المرتد إذا لم يتب بانت زوجته من حين ارتداده، وإن تاب فهو باق. ومنها: أنه بعد إسلام الزوجة، لو أسلم الزوج في العدة فالنكاح باق، وإلا فبانت من حين إسلامها وغير ذلك.


(1) في هامش (م): قهرياتها خ ل. (2) في (ن): لما تخلف عنده من الصنعة، وفي (ف): من الصيغة. (3) الوسائل 15: 184، الباب 75 من أبواب أحكام الأولاد، ح 2.

[ 119 ]

إذا عرفت هذا، فنقول: إذا ورد الدليل على مثل هذه الأشياء، فالوجوه المحتملة القابلة للانطباق على القواعد امور: أحدها: القول بالنقل بمعنى الانقلاب من حينه، فإذا لحقه الشئ اللاحق جزءا كان أو شرطا أو وصفا أو معينا اختياريا للمكلف أو اضطراريا - كما في الأمثلة السابقة - يتبدل العمل الواقع - تكليفيا أو غيره - إلى ما يقتضيه الأمر اللاحق من حين لحوقه، بمعنى: أن ما مضى باق على حاله على ما كان سابقا، ويتغير الأمر فيما سيأتي، فيكون الشئ مركبا من طرفين متغايرين في الحكم. وثانيها: القول بالكشف، بمعنى: أنه إذا لحق هذا الشئ اللاحق للعمل كشف عن كونه في الواقع مؤثرا لهذا التأثير الجديد من أول الأمر، ولكن المكلف ما كان يعرف هذا المعنى إلى أن اتضح له الأمر بعد اللحوق والعدم. وثالثها: واسطة بين الأمرين قابل لأن تسميه نقلا وقابل لأن تسميه كشفا، وهو انقلاب الموضوع وتجدد التأثير من حين اللحوق، لكنه من أول الأمر. وتوضيحه: أن الأمر اللاحق مؤثر في الاثار والأحكام، وليس مجرد أمارة، وهو من هذه الجهة كالنقل، ولكن ليس تأثيره من زمان وقوع نفسه، بل من زمان وقوع أول العمل. مثلا: في مثل الوصية إذا لحقها القبول من الموصى له بعد الموت، فمعنى كونه ناقلا: انتقال الملك إلى الموصى له من زمان قبوله. وأما ما بين زمن وقوع الصيغة وزمن القبول فهو باق في مال الموصي أو في حكم ماله والنماء تابع. ومعنى كونه كاشفا: أن قبول الموصى له ليس له تأثير في الانتقال والعدم من زمانه، وإنما هو أمارة يعلم بها صحة الوصية وفسادها، فإذا لحقها القبول تبين صحتها وانتقال المال إليه من حين موت الموصي، والنماء المتخلل بين زمن الموت وزمن القبول مال الموصى له. وأما المعنى الثالث: فهو كشف في الثمرة ونقل في الاعتبار والدليل، لأن مقتضاه: أن قبل وقوع القبول ليس المال مال الموصى له، لا واقعا ولا

[ 120 ]

ظاهرا، وإنما هو في حكم مال الميت، ونماؤه كذلك ولكن (1) إذا لحق القبول ينتقل، لكن لا من حينه، بل من حين الموت، بمعنى: أن الشارع يقول: إذا قبلت الوصية في هذا الزمان يصير المال الموصى به ملكا لك من زمان الموت، ولا بعد في ذلك، لا بحسب الدليل ولا بحسب الاعتبار، كما سينكشف لك. ولما كان هذا التقسيم إنما هو لتحصيل الثمرة وهذا القسم ثمرته ثمرة القسم الثاني سماه بعض مشائخنا (الكشف بالمعنى الثاني) وجعل الكشف له معنيين. ولك أن تسميه (النقل بالمعنى الثاني) وإن وافق الكشف، بل هو في تأدية العبارة بالنقل أولى من الكشف، كما قرر. نعم، في الثمرة كالكشف. ولك أن تسميه وجها ثالثا مغايرا للوجهين واسطة بينهما، بل هو الموافق للتحقيق أيضا، إذ لا يلزم أن يكون ثمرته ثمرة الكشف مطلقا، بل لعل أن يتخرج له ثمرات تغاير الكشف بذلك المعنى، فعده قسما برأسه حينئذ أوجه. والمتبع الان في تحقيق هذه الوجوه الدليل، ولا ريب أن الدليل الخاص في الموارد الدال على هذا التغيير والانقلاب إن كان فيه دلالة على أحد هذه الوجوه الثلاثة فلا كلام في اتباعه. وأما في محل الشك - كما في الغالب بل في الكل على ما تحقق - فيحتمل القول بالنقل، نظرا إلى أن ما وقع من العمل ومضى لا دليل على انقلابه، بمعنى: أن أيام الاستظهار - مثلا - له حكم في الشريعة، إما طهر أو حيض، فإذا فعل المكلف العمل على مقتضى ذلك مضى، وتجاوز الدم صيره استحاضة من زمانه، لأنه المتيقن من الدليل. نعم، إذا دل الدليل على أن هذا يبدل من الأول فذاك كلام آخر. ومثل ذلك في صوم المستحاضة، فإذا حكم بصحته لا يؤثر ترك غسل الليلة الاتية إلا فيما بعدها، وإلا فيما قبلها (1) فقد مضى. وكذلك في مسائل العدول في قصر وإتمام، أو صلاة، أو حج، أو غير ذلك


(1) لكن: ليس في (م). (1) كذا، ولعل الأصل: وأماما قبلها.

[ 121 ]

مما مثلنا، فإن المتيقن من دليل العدول كونه من حين تغير النية، فما مضى مضى على نفليته أو قضائيته (2) أو غير ذلك، وكذا في الأفراد والتمتع، وما يأتي يتبد ل، فيكون العبادة ملفقة من الأمرين، وكذا في انتقال حجه الناقص بأحد الامور إلى حجة الأسلام، وكذا في خروج ناوي الأقامة، فإن الظاهر انتقاضه من حين الخروج، فما فات من الصلاة فات على تماميتها فيقضي كذلك. ومثل ذلك في لحوق إذن من يعتبر إذنه في الضيف، وزنا الجارية، وصوم الولد، وفضوليات العقد وقهرياته، والوصية بما زاد عن الثلث، فإن ما وقع على نحو صحة أو فساد فهو باق على وضعه الأول، غايته التأثير بعد ذلك. ومثل ذلك في أداء المعتق قيمة الشقص، والقرعة المخرجة للمجهول، والأسلام المبقي للزوجية، والتوبة في المرتد كذلك، وعدم رضى المالك بصدقة ما جهل مالكه، فإن المتيقن في ذلك كله كون التأثير من حين الوقوع والحصول فيما بعد ذلك لا فيما قبله، ونحو ذلك القبض فيما يشترط ذلك في صحة، فينبغي الانتقال من حينه. ولأن (3) هذا الأمر اللاحق من إذن أو قبول أو أداء أو فعل مغير إما شرط لوقوع هذا الأمر كذلك، أو جزء للسبب، فإذا كان كذلك فلا يعقل تقدم تأثيره و (4 أثره على نفسه، لأن تقدم المشروط على الشرط محال، وكذا تقدم المعلول على العلة، إذ ليس معنى المشروط والمعلول إلا ما توقف وجودهما عليهما، فلو تقدم شئ منهما على وجودهما فلم يتحقق هناك توقف، إذ الوجود كشف عن وجود تمام العلة، وهذا ينافي الفرض من الشرطية أو (1) السببية.


(2) في (ف، م): نفلية أو قضائية. (3) تعليل ثان لقوله في ما تقدم: فيحتمل القول بالنقل.) (4) في (ن): ولو أثره. (1) في (ن): والسببية.

[ 122 ]

ولأن (2) الكشف يقتضي حصول شئ قهرا على المكلف، مع أن مثل ذلك في الأسباب الاختيارية غير معهود من الشريعة. فإنا لو قلنا مثلا: إن القبول في الوصية كاشف أو الأذن في العقد الفضولي أو الأكراه كاشف يكون معناه: دخول الثمن إن كان بائعا ودخول المثمن إن كان مشتريا - وكذا الموصى به - في ملكه من دون اختياره، فإن الفرض أن كلامه الان كاشف عن وقوعه في ذلك الوقت، فصار الدخول في ملكه في الواقع في ذلك الوقت قهرا عليه. ويجري هذا الكلام في عدول العبادات بنية أو بعروض كمال، وفي مضي الايقاعات والصدقات محسوبا على نفس المكلف، فإنه يلزم في ذلك كله وقوع شئ منه من دون أن ينويه أو يريده، بل مع أنه نوى خلافه، فيلزم أن يكون في الواقع ما هو مشروط بنية أو بغير ذلك من المكلف يقع عليه، ويتحقق وإن لم يطلع عليه إلا بعد الانكشاف. ولأن (3) حصول هذه الأشياء المؤثرة في عبادة أو معاملة ليست في الحقيقة إلا كالقبول في العقود، سيما قبول الوصية، فإنه عين ذلك ومن جملتها. فلو قلنا في ذلك كله بالكشف فلم لا نقول في قبول العقد كذلك؟ بمعنى أن نقول: إن الانتقال حصل في الواقع من زمن الأيجاب، وكذلك ما هو بمنزلة الانتقال من إباحة أو نيابة أو تعلق حق، أو غير ذلك من مقتضيات العقود، ويكون القبول من الطرف الاخر كاشفا عن سبق حصول الأثر المطلوب، مع أنهم أطبقوا على أن الأثر لا يتحقق إلا من آن القبول، حتى أنه لو تعارض عقدان من ولي أو وكيل أو أصيل أو نحو ذلك حكموا بالبطلان مع الاقتران وصحة السابق مع عدمه، وجعلوا معنى السبق والاقتران تساوي الحرف الأخير من القبولين في الوجود، وجعلوا الوجه في ذلك أن العقد هو المؤثر وتماميته إنما هو بالقبول، فمتى ما لم


(2) تعليل ثالث لاحتمال القول بالنقل. (3) التعليل الرابع لاحتمال القول بالنقل.

[ 123 ]

يتم لم يتحقق الأثر. قلت: فليكن في الوصية كذلك، وفي الأجازة كذلك، وفي القبض كذلك، وفي سائر الفروض المغيرة كذلك، فإن معنى الشرطية: توقف المشروط عليه، وأي فرق بين السبب والشرط في الوجود، وإنما الفرق بينهما في الاستلزام وعدمه لو خلي وطبعه. أما (1) في أن وجود الشئ لا يكون إلا بعد ذلك كله فالشرط والجزء سواء، بل ينحل كل منهما إلى الاخر، فعلى القائل بالكشف إبداء الفرق في ذلك. ولأنه (2) على القول بالكشف في بعض الصور يلزم المحال شرعا، بل عقلا في وجه، وهو ما لو باع أو آجر أو صالح أو فعل غير ذلك من الفضوليات في ملك الغير، ثم ملكه قبل إجازة المالك، ثم أجاز، فإن القول ببطلان هذا العقد بعد قضاء العمومات بصحته بعيد عن الصواب، وصدور الأجازة من العاقد ليس بأنقص من إجازة المالك، بل هذا أولى، بل يحتمل الصحة هنا من دون إجازة لاتحاد العاقد حينئذ مع المالك. ومثله ما لو آجر نفسه عبدا فصار حرا وأجاز، وكذا لو اشتري له مصحف أو مسلم وهو كافر فضولا فأسلم وأجاز، وكذا لو تاب المرتد أو أسلم الزوج الوثني أو الكتابي في العدة بعد إسلام الزوجة. ووجه لزوم المحال في ذلك كله: أنه بعد الأجازة والأسلام والتوبة لو جعلنا ذلك كاشفا عن سبق ملك الفضولي حال العقد في العقود المفروضة وإجارة العبد وسبق بقاء الزوجية واتصالها، يلزم اجتماع المالكين وما في حكمهما في مملوك واحد، أو ما في حكمه في الأولين في آن واحد، لأن الان الذي ملك الفضولي المبيع أو ملك العبد منفعة نفسه بالعتق إنما هو من الانات الواقعة بين ا لعقد الفضولي والأجازة، والمفروض أن الأجازة كاشفة عن تملك الطرف الاخر في


(1) في (ف): وأما، وهكذا في (م) أيضا، إلا أن فيه شطب على الواو. (2) التعليل الخامس لاحتمال القول بالنقل.

[ 124 ]

العقد الفضولي من مشتر أو مستأجر من حين العقد، فيلزم كون المشتري والفضولي كليهما مالكين للمبيع في الان المتخلل بين تملك الفضولي وإجازته، وكون المستأجر والعبد مالكين للمنفعة في الان الواقع بين الانعتاق والأجازة، وهذا عين المحال. ويلزم كون الكافر في حال كفره مالكا للمسلم والمصحف في الأوسطين، لأن المفروض أن إجازته كشفت عن سبق ملكه من آن العقد، وهو في ذلك الوقت كافر. ويلزم في الأخيرين (1) كون المسلمة زوجة للكافر في حال كفره، مع أنه مناف لاشتراط الكفاءة ابتداء واستدامة، ومناف لقاعدة (نفي السبيل) كما نقررها في محلها إن شاء الله تعالى، إذ التوبة والأسلام يكشفان عن بقاء الزوجية في آن الكفر والارتداد أيضا، فتبصر. ولأنه (2) على القول بالكشف يلزم المخالفة لعموم ما دل على أن (لكل امرئ ما نوى) (3) ونحو ذلك في جمع من الموارد المذكورة، كما في مقامات عدول الصلاة على اختلافها، وفي مقامات عدول الحج بنية صرفة أو مع اعتبار عروض شئ آخر، وفي عتق السراية وصوم المستحاضة، فإن مقتضى أدلة النية وقوع ما نوى أولا من أول الأمر وحصول ما قصده من نوع أو وصف أو مقدار، فإذا جعلنا عروض العارض كاشفا عن وقوعه عن (4) أول الأمر لزم حصول خلاف ما نوى في الواقع، وهو المخالفة التي ذكرناها. ولأنه (1) على القول بالكشف يلزم تعليق المنجز على الممكن المحتمل وهو باطل. بيان ذلك: أن العقد أو الأيقاع أو العبادة متى وقعت على وجه، فعلى الكشف يلزم وقوعه في الواقع على نحو واحد ثابت غير قابل للتغير والتبدل من صحة أو فساد أو عموم أو خصوص أو زيادة أو نقص وغيرها، وما يأتي بعد ذلك أمارة


(1) في (ن): الأخير. (2) التعليل السادس لاحتمال القول بالنقل. (3) راجع الوسائل 1: 34، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات. (4) عن: ليس في (م). (5) هذا هو التعليل السابع لاحتمال القول بالنقل.

[ 125 ]

كاشفة عما ثبت في اللوح المحفوظ، مثلا مثل إخبار مخبر عن وقوع حادثة ونحوه، وهذا لا يجتمع مع قولهم: إن لحق ذلك اللاحق - كالأجازة مثلا - كشف عن صحته وإن لم يلحق كشف عن بطلانه، لأن كل شئ لم يوجد بعد في الخارج فهو قابل للوجود والعدم، ويمحو الله ما يشاء ويثبت. وليس شئ مما لم يقع لازم الوقوع على الله تعالى، أو على غيره من الفاعل المختار مع اختياره، فيجوز له أن يوقعه ويجوز أن لا يوقعه، فهو في هذا الحال متساوي الاحتمالين. فإذا كان العقد - مثلا - يتوقف صحة وفسادا على هذا ينبغي أن يكون العقد أيضا متزلزلا في الواقع، محتملا للصحة والفساد، والمضي والعدم، ونحو ذلك غيره من الأمثلة التي ذكرناها، إذ الموقوف على الممكن ممكن، فكيف يعقل أن يقال: إن العقد من حين وقوعه مضى على حالة واحدة معينة لا نعرفه إلا بحال الأجازة؟ مع أن الأجازة قابلة للأمرين غير لازمة في أحد طرفيها حتى في علم الله تعالى، فإن علم الله تعالى لا يقلب الممكن واجبا، وإلا لزم الجبر الذي ذكره الأشاعرة. ولا يمكن قياس ذلك على سائر الكواشف، فإن الواقع فيها لا يدور مدار كاشفه، فإن الأخبار عن موت زيد كاشف عنه، وهو لو كان في الواقع ميتا لا يفترق الحال بين أن يوجد الكاشف أو لا يوجد، وبين أن يجئ الكاشف على طبقه أو خلافه، وكذا لو لم يكن ميتا. فتسمية ذلك كاشفا إنما هو مغالطة صرفة، ولا يجتمع القول بتوقف وقوع الصحة والبطلان في أول الأمر على لحوق الأذن القابل للاحتمالين وعدمه مع القول بوقوع أحدهما في العقد من أول الأمر، وإن هذا إلا تناقض صرف. ويحتمل القول بالكشف - بذلك المعنى الذي قررناه أولا - لأن الظاهر من الأمر الحادث في كل الفروض إنما هو تغيره من أول الأمر، فيدل على كون ذلك في الواقع كذلك. بيانه: أن ما دل على توقف صوم المستحاضة على الغسل وحيضية أيام

[ 126 ]

الاستظهار بالتجاوز معناه: أنه لو وقع كذلك فهو في الواقع كذلك. وكذا في مسائل العدول في صلاة أو حج، فإن معناه: كون هذه الصلاة - مثلا - ظهرا لا جمعة، والحج تمتعا لا إفرادا، وليس معناه: أن يكون بعد ذلك تمتعا وقبله إفرادا. ومثله في طريان الكمال على أحد الناقصين، وكذلك في الصلاة، إذ من المعلوم: أن الملفق من القسمين غير مشروع، ولذلك لا ينوي في العدول كون ما بعده كذلك، بل ينوي كون أصل العمل من جنس ما عدل إليه. وكذلك في إذن من يعتبر إذنه وإجازة من يعتبر إجازته، فإن معنى الأذن: إمضاء ما وقع على طريق وقوعه. ولا ريب أن الصوم أو أداء الفطرة بإذن المضيف أو العقد بإذن المجيز ثمرتها (1) حصول الثواب والملك من آن الفعل، والمجيز لا يزيد شيئا على ذلك غير الرخصة فيما أراد وقوعه، ونحو ذلك في أداء السراية والقرعة، فإن غرضه من ذلك ليس عتقا جديدا ولا طلاقا جديدا، بل إبداء المعتق والمطلقة وبيان مورد مضي ذلك الأنشاء. وكذا في قبول الوصية، فإن معناه: قبول ما أوجده الموجب، والذي ذكره ذلك كون هذا الشئ - مثلا - ملكا للموصى له بعد موتي لا بعد سنة من موتي مثلا. ونحوه ما دل على بطلان الأقامة بالخروج قبل صلاة تامة، إذ لو لم يكن معناه الكشف فلا وجه للبطلان، بل يكون صورة الأتيان بالصلاة وعدمه متساوية في ذلك. وقس على ذلك غيره، كالقبض وأخذ المالك عوض الصدقة، فإنه رد لثوابه من أصله. ولأن (1) أغلب هذه الأسباب من باب الأنشاء الغير القابل للتعليق، واللازم ترتب أثرها عليها من حينها، لأنه إما عقد أو إيقاع ومنه النية.


(1) في (ن، ف): ثمرتهما. (1) التعليل الثاني لاحتمال القول بالكشف

[ 127 ]

وأما خطاب أمر تعلق (2) بالمكلف، فالشئ الذي يوجده في الخارج امتثال لذلك الخطاب من أول الأمر، ولا وجه لتأخره إلى مضي زمان، وكذلك الغرض من الصيغة إحداث الأثر من حين صدورها، لا بعد مضي زمان، فلو كان الأثر لا يترتب عليه إلا بعد لحوق ذلك الأمر لكان هذا تعليقا في الأنشاء وترديدا في النية، والتعليق من جملة المبطلات، كما يقرر في مقامه. واللازم على القول بالنقل التعليق في ذلك كله، لأن قوله: (بعت) - مثلا - إن لم يكن انتقالا من حينه يكون معناه: أحدثت النقل في آن الأجازة أو في آن القبض أو نحو ذلك، وهو شئ قابل للوقوع والعدم، فيكون معنى ذلك: إن وقع ذلك يتحقق النقل، وإلا فلا. فإن قلت: ليس هذا التعليق من قصد العاقد وإنما هذا من جعل الشارع، فإن العاقد وإن قصد النقل دفعة من حينه، وكذلك مباشر (3) الأيقاع، لكن الشارع متى أوقفه على شرط متأخر فيكون التأثير منوطا به من الشرع، لا تعليقا. قلت: متى ما لم يكن الانتقال من حينه سواء كان من القصد (4) أو الشارع يكون بظاهره (5) منافيا لظاهر معنى الأنشاء، بخلاف ما لو قلنا بالوقوع من حينه وجعلنا ما اعتبر شرطا كاشفا. ولأن (1) الأدلة الدالة على هذه الأسباب - كعموم (أوفوا بالعقود) وعتق رقبة والطلاق والصدقات والصوم والزكاة - كلها قاضية بكون المطلوب بالأوامر حاصلا بأول الأتيان به، وكذلك كون نفس العقد والأيقاع سببا تاما في حصول (2) الأثر من ملك أو استحقاق أو فك أو ثواب، وبكون ترتب ذلك كله عليه بمجرده من دون الافتقار إلى شئ، فلو لم نجعله كاشفا لكان المؤثر الأمران معا، وهو


(2) في (ف): متعلق. (3) في (ن، ف): مباشرة. (4) أي: قصد العاقد. (5) في (ف، م): ظاهره. (1) التعليل الثالث لاحتمال القول بالكشف. (2) في (ن) زيادة: هذا.

[ 128 ]

خلاف ظاهر الأدلة، وحيث لم يقم دليل قوي على اعتبار الأمر اللاحق بهذه المثابة، فلا وجه لارتكابها (3). ويكفي اعتباره كاشفا في الأخذ بما دل على كونه مؤثرا و (4) مغيرا من النص والفتوى، إذ لم يدل على اعتباره (5) أزيد من ذلك. وستعرف لهذا الكلام مزيد تحقيق. ولأنه (6) لو قلنا بالنقل دون الكشف لزم تأثير الشئ الموجود في المعدوم، لأن العقد أو الأيقاع أو العمل الذي مضى قد انعدم في زمان لحوق هذا الأمر المتأخر المتنازع فيه من إجازة ونحوها، وإذا كان كذلك فيكون هذا الموجود اللاحق يؤثر في ذلك السبب المعدوم تأثيرا يوجب نفاذ سببيته وحصول مقتضاه، وهذا محال. لا يقال: هذا غير مؤثر في السبب المعدوم وإنما هو مؤثر في مقتضاه، ومقتضاه عند تمام السبب ولحوق اللواحق موجود. لأنا نقول: المفروض كون هذا مما يتوقف عليه تأثير ذلك المؤثر، فينبغي وجود ذلك المؤثر عند حصول شرط تأثيره، فإذا انعدم بلا تأثير أثر فلا ينفع بعد ذلك وجود الموقوف عليه في إحداث تأثير في ذلك الشئ المعدوم. ولأن (1) الأدلة الخاصة المتفرقة في خصوصيات هذه الأبواب قضت بالكشف. منها: حديث عروة البارقي في شراء الشاة، فإن قوله صلى الله عليه وآله: (بارك ا لله لك في صفقة يمينك) (2) ظاهر في إمضاء النبي صلى الله عليه وآله معاملة عروة من ذلك الوقت الذي عامل، حيث عبر بصفقة اليمين، ولا ريب في حصوله حال البيع والشراء.


(3) أي: ارتكاب خلاف ظاهر الأدلة، فالمناسب تذكير الضمير. (4) في (ف: أو. (5) في (ف): اعتبار. (6) التعليل الرابع لاحتمال القول بالكشف (1) التعليل الخامس. (2) مستدرك الوسائل 13: 245، الباب 18 من أبواب عقد البيع وشروطه..

[ 129 ]

ومنها: ما نقله بعض مشائخنا من خبر الوليدة (3) حيث لم يرجع السيد عليه بعد الأمضاء والأجازة بشئ من اجرة خدمة أو غيرها، وهو دال على أن الأجازة كاشفة عن الانتقال من حين العقد، وللزم (4) أن يكون لمالك المملوك اجرة الخدمة على ذمة المشتري في الزمن المتخلل بين العقد والأجازة. ومنها: صحيحة أبي عبيدة الحذاء في باب النكاح، قال: سألته - أي الباقر عليه السلام - عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما، وهما غير مدركين؟ فقال: النكاح جائز، وأيهما أدرك كان له الخيار، وإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلا أن يكون قد أدركا ورضيا. قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الاخر؟ قال: يجوز ذلك إن هو رضي. قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي بالنكاح ثم مات قبل أن تدرك الجارية، أترثه؟ قال: نعم، يعزل ميراثها منه حتى تدرك فتحلف بالله ما دعاها إلى الميراث إلا رضاها بالتزويج، ثم يدفع إليها الميراث... الحديث (5). والمراد بالوليين: هما العرفيان لا الشرعيان، بقرينة ذكر التراضي بعد ذلك، وبقرينة ما في ذيلها من السؤال عن تزويج الأب، قال: يمضي ذلك، ولا أقل من كونه أعم فيشمل ما كان فضوليا (1) والمفروض: أن الرواية حكمت بأن بعد إجازة أحدهما وموته لو بلغ الاخر وأجاز صح وورث، ولا يتحقق هذا إلا على القول بالكشف، لأن على القول بالنقل يلزم تحقق التزويج في وقت الأجازة، مع أن أحد الطرفين فيه ميت، وذلك غير معقول. ومنها: ما قرر في الوصية: من أن القبول لو لم يكن كاشفا لزم بقاء المال بعد موت الموصي بلا مالك، لأن الميت بموته خرج عن أهلية المالكية، إذ الميت لا


(3) مستدرك الوسائل 13: 230، الباب 3 من أبواب عقد البيع وشروطه. (4) كذا في النسخ، والظاهر أنه مصحف: وإلا لزم. (5) الوسائل 17: 527، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح 1، مع اختلاف. (1) في (ف، م) زيادة: شرعا.

[ 130 ]

يملك، والوارث يتوقف ملكه على عدم الوصية، لقوله تعالى: من بعد وصية توصون بها أو دين (2) وأما الموصى له فهو أيضا غير مالك على القول بالنقل حتى يقبل، ولا مالك غير الثلاثة، ولا ريب أن هذا غير معقول. بخلاف ما لو قلنا بالكشف، فإن القبول كاشف عن ملكه من حين موت الموصي، وعدمه كاشف عن سبق ملك الوارث. وإذا ثبت هذا في هذه المقامات فيلحق بها غيرها أيضا، لتماثلها مدعى ودليلا. ولا ريب أن هذه الوجوه من الطرفين مدخولة. أما الأول من الأول (3): فلأن مقتضى الأصل وإن كان ذلك كما ذكرته، لكن بعد دلالة العمومات والأدلة الخاصة على خلافه فلا بد من العدول عنه، سيما مع أن المشهور - بل كاد أن يكون إجماعا - القول بالكشف، ولم ينقل النقل إلا عن نادر لا يلتفت إليه. وأما الثاني منه: فلأنا لا نسلم أن الأمر اللاحق من باب جزء السبب، بل السبب ما مضى وتحقق في الخارج. وأما الشرطية، فنقول: دليل الشرطية إما النص أو الأجماع. أما الروايات وعمومات الأدلة: فلم نجد فيها - مع تشتتها وتفرقها في الأبواب - ما يدل على شرطيته (1) بهذا المعنى، بل أكثرها دلت على شرطيته (2) بمعنى الكشف، كما ذكرنا لك نبذة منها، وعليك بمراجعة الموارد التي لا نطيل الكلام بذكرها. وأما الفتوى: فلا ريب أن المتيقن من الشرطية في كلامهم إنما هو كونه كاشفا، وأما التوقف بهذا المعنى فلا.


(2) النساء: 12. (3) أي التعليل الأول من التعليلات المتقدمة لاحتمال القول بالنقل، وهكذا إلى قوله: وأما السابع، راجع ص: 119 - 123. (2 و 4) في (ن): شرطية.

[ 131 ]

قيل: الشرط - على ما قرروه في الاصول - ما يتوقف وجود الشئ عليه، ولا يتحقق بدونه، وفي هذه الموارد أطلقوا الشرط على هذه الامور اللاحقة، فينبغي أن يكون مرادهم ما اصطلحوا عليه. قلنا أولا: إن الأصحاب - مع تصريحهم بالشرطية في الأذن والأجازة والنية وقبول الوصية والقبض ونحو ذلك - نصوا في ذلك كله على الكشف غالبا، ويظهر من مطاوي كلامهم ذلك في الكل، وإرجاع لفظ (الشرط) على (3) هذا المعنى أسهل من إرجاع هذه التصريحات إلى خلافه، بل هذا غير ممكن أصلا. وثانيا نقول: لا يلزم من كونه شرطا عدم جواز تقدم المشروط عليه، لجواز كون شرطيته على هذا النحو، بمعنى أنه لو لم يكن القبض - مثلا - بعد العقد فالعقد باطل، ولو كان القبض هناك فالعقد صحيح من أوله، وهذا أيضا نوع توقف، ولا مانع منه بعد مساعدة الأدلة والفتوى. قال المحقق الثاني في قبول الوصية: إن مدخلية القبول في حصول الملك منفية بالأصل، واعتباره فيه يكفي فيه كونه كاشفا، فليس الملك الثابت في الحال معلقا بشرط مستقبل، بل انكشاف الحال عندنا هو الشرط (1) انتهى (2). وحاصل الجواب: أن بعد قضاء الأدلة بتمامية السبب لا نسلم اشتراط ذلك الأمر المبحوث عنه بأزيد من كونه كاشفا عن ذلك. وأما كونه ناقلا حتى يتوقف الملك والتأثير عليه فلا. وأما الثالث: فنقول: إن ورود شئ على المكلف قهرا إذا دل عليه الدليل لا مانع منه، كما في الأرث ونحوه. وثانيا: نمنع كون الكشف مستلزما للقهر، بل نقول دخول ذلك في ملكه، أو كون عمله الصادر منه نوعا خاصا في علم الله إنما هو باعتبار ما يعلمه من لحوق


(3) كذا، والمناسب: إلى. (2) في المصدر: هو المشروط. (2) جامع المقاصد 10: 27.

[ 132 ]

رضاه، ففي الحقيقة وقع هذا الأمر عليه برضاه وإن لحق، ولا مانع من أن يقول الشارع: (إذا رضيت اليوم يكون ذلك لك من أمس) فدخوله برضاه في الواقع. وثالثا: أن المجيز يرضى اليوم يكون ذلك الداخل في ملكه من زمان السبب داخلا ولا يمتنع منه، وعد مثل ذلك من الدخول القهري ممنوع، وكذلك في نية العدول، فإنه برضاه يقلب ما عمله إلى عمل آخر، وهذا كاشف عن سبق كونه كذلك. وأما الرابع: فلأنا نقول: إن القبول داخل في ماهية العقد المجعول سببا، ومقتضاه: عدم تحقق المعلول بدونه على مقتضى القاعدة، بخلاف الأذن والأجازة والقبض والعدول وتمام الأجل ونحو ذلك ليس جزءا من السبب، إذ مقتضى الأدلة عدم مدخلية ذلك في المتقضى، وبقي ما دل على اشتراطه من نص أو فتوى، وقد مر أن دلالته على أزيد مما ذكرناه منتف، وهذا هو الفارق بينها وبين قبول العقود، وكفى به فارقا. وأما قبول الوصية فالفرق فيه صحة الوصية في جملة من الموارد من دون قبول الكاشفة من كونه إيقاعا لا يؤخذ في مفهومها القبول، ولو ثبت اعتباره فيكون كالقبض في غيره، مضافا إلى ما ذكرناه أن كونه ناقلا يقضي بالملك بلا مالك، فأي فرق أزيد من ذلك؟! وأما الخامس: فنقول: من قال بالكشف لا يصحح مثل هذا البيع المستلزم لاجتماع المالكين فيه، أو يخصص الكشف بغير مثل هذه الصورة. أو نقول في حل هذه الصورة: بأن تملك البائع فضولا لهذا المبيع مع بقاء العقد الفضولي على حاله غير ممكن، لأن المالك إن كان نقل ذلك إليه باطلاعه على العقد الفضولي كان هذا فسخا له، وإن لم يكن باطلاعه فنقول: إن قبول العاقد وتملكه كاشف عن عدم رضاه بذلك العقد الذي عقده، إذ لو كان راضيا لكان هذا ملك المشتري فكيف يملكه؟ فإذا كشف عن عدم رضاه فلا يثمر بعد ذلك الأجازة. لا يقال: إنه لا معنى لقولك: إن تملكه كاشف عن عدم رضاه، لأن عدم رضاه

[ 133 ]

قبل تملكه لا تأثير له، والمفروض أن بعد تملكه أجاز، فيكون تملكه هذا في الحقيقة مقدمة للأجازة. لأنا نقول: ليس كذلك، إذ لا مانع من أنا نقول: يحصل التملك وعدم الرضا في آن واحد، وهو آن تمامية السبب الناقل، فهو في ذلك الوقت متملك، وتملكه هذا هنا بالنظر إلى عقد الفضولي منع [ له ] (1) إذ لو كان عقد الفضولي نافذا لم أن يتملكه هذا في هذا الان، فالاتيان بنقيض الشئ عدم الرضا بذلك قهرا، ولا ينفع بعد ذلك إجازته، فتأمل جدا. أو نقول: إن دليل الأجازة إنما هو في المالك عند العقد، وقد فات ذلك، والعقد بلا إجازة لا يصح، فيلزم بطلان هذا العقد بفوات شرطه. أو نقول - بعد فرض إمكانه وصحته -: ليس هذا بأزيد من حصول الملك والعتق بعقد واحد كما في: (أعتق عبدك عني) مع أنهما متناقضان، والتقدم الاعتباري لا يرفع التناقض، والتقدم الزماني غير معلوم، بل معلوم العدم، إذ ليس هنا إلا صيغة (1) العتق، وهو (2) المملك والمخرج، وليس سبق الملك أولى من سبق الخروج، ولا أقل من اتحادهما زمانا. فنقول هنا أيضا: إن إجازة المالك العاقد في الفرض معناه: سبق ملك المشتري من زمان العقد الفضولي إلى (3) زمان الأجازة على قاعدة الكشف، غايته تملك العاقد الفضولي له في هذا البين بجزء من الزمان مصحح للأجازة، أو ليس هناك جزء من الزمان، وإنما يعتبر تقدم ملك الفضولي على المشتري في نفس الأمر في آن التملك بالذات كتقدم العلة على معلوله (4) تقدما ذاتيا وإن اتحدا في الزمان، ولا مانع من ذلك أصلا، وما ارتكبوه في غير الباب أعظم من ذلك.


(1) لم يرد إلا في (م). (2) في (ن، ف): صفة العتق. (2) كذا في النسخ، والمناسب: وهي. (3) في (ف) بدل (إلى): لا. (4) كذا، والصواب: معلولها.

[ 134 ]

لا يقال: هذا شئ مخالف للأصل لا يرتكب إلا بدليل، وقد دل ذلك في (أعتق عبدك عني) دون المقام. لأنا نقول هنا أيضا: متى ما تعارض أدلة صحة هذه المعاملة مع أدلة امتناع اجتماع المالكين - والمفروض قضاء الأدلة بالكشف - جمعنا بذلك مثل ما هنالك بعينه، مضافا إلى أنا نقول: إن لزوم المحال هنا على الكشف معارض بلزوم المحال في قبول الوصية على القول بالنقل، فما هو جوابكم هناك هو (5) جوابنا هنا، بل ما ذكرناه أولى. وأما في تملك الكافر للمسلم أو المصحف: فنقول: إن هذا العقد باطل، لأن العقد عليهما من قبل الكافر أيضا باطل من أصله، فلا يرد علينا به نقض. وثانيا: نقول: المتبادر من (نفي السبيل) هو كون الكافر مسلطا على ذلك، وما لم يصدر منه إجازة لا يعد مسلطا عرفا، وكون الأجازة كاشفة لا يصحح الصدق العرفي، ولا ريب أن قبل الأجازة لا (سبيل) في العرف، وهو المتبع. فإن قلنا بصحة ذلك أيضا وبالكشف لا يرد علينا محذور. وأما في الأسلام والارتداد: فنجيب بأن رجوع المرتد كما كشف عن سبق بقاء الزوجية كشف عن بقاء الأسلام أيضا في وجه. وثانيا نقول: لو لم يكن الأسلام باقيا لا نسلم شمول أدلة منع الكافر والكفاءة لمثل هذا الفرض، وبمثل ذلك نقول في إسلام الكافر بعد زوجته، مع أنا نقول: لو كان الأسلام أو التوبة ناقلين لعدهما فقهاؤنا من الأسباب، مع أنه خلاف ظاهرهم جميعا. وأما في السادس فنقول: لا يلزم من ذلك مخالفة لأدلة النية، بل هو عين الموافقة، لأن النية - حقيقة - هو ما استقر عليه اعتقاد العامل، لا ما خطر بباله خطور، فمع العدول لم يكن ذلك نية حقيقة، بل النية إنما هو الثاني، وقد وقع في


(5) في (ن، ف): فهذا جوابنا هنا.

[ 135 ]

الواقع العمل على مقتضاه، فلا تذهل. وأما السابع: فلأن هذا ليس تعليقا للمنجز على المعلق. وتنقيحه: أن الممكن وإن كان لا يخرجه شئ عن إمكانه، لكن الأمكان أيضا لا ينافي وقوعه على أحد الاحتمالين، مثلا: إذا رأينا شيئا وقع في الخارج فهو قبل وقوعه كما أنه كان ممكنا بالذات، فبعد وقوعه أيضا ممكن بالذات، ووقع على طريق إمكانه، ولم يخرج عن الأمكان إلى الوجوب. وأما الوجوب بالعرض فهذا لا دخل له في ذلك، لأن قبل الوقوع أيضا واجب العدم بالعرض، لعدم تحقق العلة التامة، فصار الحاصل: أن الشئ الممكن أحد احتماليه موجود ومتحقق لا محالة في كل زمان، مع أنه باق على إمكانه الذاتي، متبدل بين حالتي الوجوب والامتناع العرضيين، والذي يحتاج إليه التنجيز في الخارج كون الشئ موجودا في الخارج ولو على إمكان [ آني ] (1) لا كون الشئ واجب الوجود. فنقول: إذا عقد الفضولي العقد - مثلا - فلا يخلو (2) الواقع بعد ذلك من وقوع الأجازة أو عدمها، وكونه في نظرنا وفي الواقع ذا احتمالين بالذات لا ينافي وقوع أحد طرفيه في الواقع، لما قررنا أن كل ممكن بالذات دائر في كل آن بين وجوب وامتناع، فإن كان في علم الله أن الأجازة تقع بعد ذلك يكفي هذا في كون الصحة منجزة، إذ التنجيز معناه الوقوع، لا لزوم الوقوع بحيث يستحيل خلافه، وهذا (3) خطاء فاحش، فإن علم الله على كل شئ علم منجز، وحكمه بما يأتي حكم غير قابل للتغير، مع أنه لم يخرج شئ مما يأتي من إمكانه إلى مرتبة الوجوب الذي يستحيل عليه العدم.


(1) كذا في (ف)، وفي (ن): الذاتي، لكن شطب عليها، ولم يرد شئ منهما في (م). (2) في (ن، ف) زيادة: في، لكن شطب عليها في الأول. (3) كذا في النسخ، ولعله في الأصل: فهذا.

[ 136 ]

وحله على الأجمال - كما قرر في جواب الأشاعرة - أن تنجز العلم يقتضي كون المعلوم واقعا في الخارج، ووقوعه في الخارج قابل لوقوعه على مقتضى إمكانه الذي لا يخلو من أحد أمرين، أو على كونه قهريا جبريا لا بد من صدوره ولا اختيار فيه، فإذا كان أعم فيكفي في ذلك الاحتمال الأول. فنقول: كون وقوعه في علم الله كاف في تنجيز (4) هذا العقد وإن كان بالذات محتملا، وتمام الكلام موكول إلى محله. وأما الأول من الثاني (5): فلأن كون الأجازة ونحوها من الامارات لأمضاء ما وقع مسلم، لكنه وقع البحث في إمضائه من هذا الوقت أو من أول الأمر، وهذا عين البحث. ثم إن كونه من ذلك الوقت أيضا لا يدل على كونه في الواقع كذلك قبل الأذن والأجازة والقبض والقرعة ونحو ذلك، غايته إرادته وقوع هذا الأمر من أول السبب الان، إذ المجيز يقول: أجزت أن يكون هذا الأمر كذلك، وظاهره وقوعه بعده - وكذلك الكلام في نظائره - ولا يقول: أجزت أنه كان في الواقع وأنا كنت لم أطلع عليه، وإن هذا إلا مجازفة! فالتمسك بظاهر لفظ الأجازة ونحوه غير واضح المأخذ. وأما الثاني منه: فبأن كون الأسباب إنشاءات غير قاض بحصول الأثر من حين ذلك الأنشاء، بل معناه: الأحداث من حينه، وليس كلما قصد وقع، لأمكان ارتباط تأثيره على شئ آخر، فإن الأيجاب في قولك: (بعت) - مثلا - إنشاء قطعا، وليس معناه: بعت بعد قبولك، بل الان، مع أن تأثيره يتوقف على آن القبول، فإذا دل الدليل على شرطية القبض ونحوه صار كذلك.


(4) في هامش (ن): تنجز، صح. (5) أي التعليل الأول من التعليلات المتقدمة لاحتمال القول بالكشف، وهكذا إلى قوله: وأما الخامس، راجع ص: 124 - 127.

[ 137 ]

فإن قلت: لم يدل هنا دليل عليه. قلنا: عاد الكلام إلى دلالة الدليل، لا إلى الانشائية. وأما الثالث: فلأنا لا نمنع من كون ذلك أسبابا تامة على تحقق الاثار، وتخلف أثر المقتضي لوجود مانع غير مستغرب، فيكون المعنى: أنه يجب الوفاء بالعقد، فيفيد الملك بشرط رضا المالك. ولا ريب أن الذي يفهم من ذلك: أن الوفاء بعد الشرط، لا قبله، وهو دليل تأثير العقد في الملك. ودعوى: أن معنى العقد: الملك من حينه، فالوفاء به إبداء الملك من حين العقد، لا من حين الأذن، مدفوعة أولا: بأن هذا على قواعد سائر العلل، فإن تخلف الشرط مانع، ولا ريب أن ورود النار على القطن - مثلا - مقتض للأحراق، لكن بشرط عدم حيلولة الرطوبة الزائدة، فإذا مضى زمان وجفت الرطوبة أحرقت النار حينئذ، لا قبله، مع أنا لا نقول: إن المحرق ليس هو النار بل هو مع عدم الرطوبة. وهنا كذلك متى ما أثر العقد من حين الأجازة صار الوفاء بنفس العقد، لا بشئ آخر، لكن بعد ارتفاع مانعه. وهكذا نقول في كل ما مر من الموارد. وأما الرابع: فلأنا نمنع كون تأثير هذا الأمر المتأخر في السبب المتقدم، فإن زوال المانع لا يؤثر في المقتضي شيئا، وإنما يؤثر في المعلول، لأنه جزء علته التامة. وأما الخامس: فبأن حديث عروة البارقي لم يدل على سبق الصحة في الواقع، وأن قول النبي [ صلى الله عليه وآله ] كاشف عنه، كما لا يخفى على المنصف. نعم، دل على مضي البيع من أول أمره بإجازته الان - كما قررناه في الأجازة - وهو لا يفيد الكشف بهذا المعنى. وخبر الوليدة قضية في واقعة، فلعله عفى عن ذلك، أو لم يكن هناك شئ قابل للاجرة، مع أن هذا أعم من الكشف بهذا المعنى، فلعله إمضاء لما مضى من حين الرضا، لا أنه كان في الواقع فانكشف.

[ 138 ]

وأما رواية تزويج الصبيين فهو أيضا قابل للاحتمالين في معنى الكشف، مضافا إلى أنه يمكن أن يقال على القول بالنقل أيضا: لا مانع من صحته، إذ موت أحد المتعاقدين قبل تمامية الشرط لا نسلم في كونه قادحا، والمسلم من ذلك إنما هو في الأجزاء، لا في الشرائط، فبإجازته يمضي العقد ويكون زوجته عند الأجازة. والفرض أنه ميت فينتقل ميراثه إليه، ولا مانع من ذلك مطلقا. وأما الوصية: فنمنع انتفاء الملك عن الميت، فجاز أن يبقى على ملكه، كما جاز أن يتجدد له الملك لو مات قتلا وجب (1) الدية، فإنها تدخل في ملكه، ويؤدى منها ديونه ووصاياه، وكما لو نصب شبكة حيا فوقع فيها صيد بعد موته، وكما لو كان على الميت دين فإنما يجب صرفه في الدين، فالدين من التركة باق على ملكه، وكذا ما يحتاج إليه من مؤنة تجهيزه ودفنه. ولا مانع أيضا من انتقالها إلى الورثة قبل القبول، بدعوى أن الوصية قبله (1) غير متحققة، لعدم تماميتها إلا بإيجاب وقبول. والاية (2) في قوة أن يقال: (بعد وصية مقبولة) لأنه ظاهر الأطلاق وعدم زوالها عن ملكهم إلا بالقبول لتحقق الوصية - حينئذ - فينتقل. وإن كان يمكن المناقشة في الأول: بأن الملك للميت غير معقول، ولا بد من انتقاله عنه بموته بظاهر الأدلة، وتعلق الدين والوصايا بالدية غير مستلزم لكونها مملوكا (3) للميت. بل نقول: إنها مملوكة للورثة كسائر أمواله بعد موته، لكن لما كان السبب في ذلك الميت ينبغي أن يخرج ما تعلق عليه من حقوق ونحوها، وليس ذلك إلا


(1) كذا في النسخ، ولعله في الأصل: أوجب. (1) في (ف، م) قبل. (2) قوله تعالى: من بعد وصية توصون بها أو دين النساء: 12. (3) كذا في النسخ، والمناسب: مملوكة.

[ 139 ]

كتعلق حق المرتهن على الرهن (4) ونحو ذلك، فإن الملك بتمامه ملك الوارث وإن تعلق به حقوق أشخاص اخر بسبب من المورث، ومثل ذلك في مؤن (5) التجهيز. ولذا، لو فقد الميت أو تلف لعارض أو بذل كفنه باذل بقي الأصل للوارث، وليس هذا عودا إلى الملك، إذ لا سبب له، وإنما هو سبق ملك مع تعلق حق، فإذا سقط بقي الملك. ونقول: إن الصيد يملكه الوارث ابتداء لقيامه مقام المورث وكونه بمنزلة أنه نصبها. ويمكن دفعها: بأن هذه كلها تمحلات، والذي نريده إنما هو على حسب الظواهر، وظاهر هذه الامور عدم خروج هذه الأشياء عن الملك للميت. والمناقشة في الثاني أيضا: بأن ذلك مستلزم لتلقي الموصى له المال من الورثة، وهو خلاف الواقع، إذ الوصية معناه (1): الانتقال إليه من الموصي. ويمكن الدفع: بأن ذلك لا مانع منه، إذ الوارث مالك غير مستقر (2) مراعى بعدم القبول، فإذا حصل القبول انتقل، مضافا إلى أن الثبوت في هذه المقامات بأدلة خاصة لا يستلزم الثبوت في غيرها، مع كون الكشف مخالفا للأصل - على حسب ما قررناه -. ومن هنا تبين وجه ثالث، وهو القول بتحقق ما وقع في نفس الأمر أولا مراعى غير مستقر في جميع هذه الموارد، ويستقر بلحوق هذا الأمر المتأخر. وليس هذا محض القول بالنقل، إذ معناه: الحدوث في الان اللاحق بسبب ما لحق، ولا قولا بالكشف، إذ مقتضاه عدم مدخلية اللاحق في ذلك، بل هو أمارة لحصول العلم به.


(4) في (ن، ف): الراهن. (5) في (ن): مؤنة. (1) كذا في النسخ، والصواب: معناها. (2) في (ف، م): غير مستقل.

[ 140 ]

وهذا الوجه يقتضي كون ذلك الأمر الحادث لاحقا مؤثرا، لكن لا (3) في الأحداث، بل في استقراره، بمعنى: أنه لو لم تلحق زال ذلك الذي وقع في الواقع متزلزلا. ويرد على هذا الوجه ما يرد على القول بالكشف من النقوض والايرادات غالبا، ويزيد عليه بعدم انطباقه على بعض الموارد، كما لا يخفى على من تنبه لما ذكرناه سابقا ونذكره لاحقا، ولا يحتاج التنبيه إلى الأطالة، وإنما الغرض من ذلك إبداء الوجوه حتى يتسرى (1) بذلك إلى ما ينبغي فيه ذلك. فعليك بتطبيق هذا الوجه على الموارد السابقة، وملاحظته مع ما يرد عليك من الأبحاث. وإذا عرفت ضعف هذه الوجوه وانتشار هذه الكلمات - مع ما في كل من هذه النقوض من الايرادات التي لا تخفى بعد الأحاطة بما ذكرناه - فنقول: الذي يقتضيه النظر الثاقب اختيار الكشف بالمعنى الثاني - كما عرفت - لأن ذلك هو الذي ينطبق عليه هذه الوجوه المذكورة في الكشف والنقل معا، ولا يرد عليه شئ من تلك الايرادات (2). وأما توضيح هذا المدعى، فنقول: قد أسلفنا سابقا أن معنى الكشف الثاني عدم تحقق الأمر المقلوب إليه من لزوم أو فك أو ملك أو نحو ذلك إلا من آن لحوق ذلك الأمر اللاحق، لا ما قبله، فإن قبل تحققه ليس في الواقع شئ موجود من ذلك، وإنما يحصل بلحوق هذا الأمر، لكن الأثر ليس من زمن لحوق اللاحق، وإنما هو من أول تحقق الموضوع. مثلا نقول: غسل المستحاضة في الليل مؤثر في صحة الصوم السابق، وعدمه


(1) لفظة (لا) لم ترد في (ف، م). (2) في (ف، م): تيسري - بتقديم التاء - وما أثبتناه من ظاهر (ن) وعلى أي حال: الكلمة لا تخلو عن إبهام. (3) في (ن، ف) زيادة: عليه.

[ 141 ]

مؤثر في بطلانه، بمعنى: أن الواقع قبل آن الغسل وعدمه ليس صحة ولا بطلانا، لكن إذا اغتسلت أثرت في صحتها من حين وقوع الصوم. وكذلك قبل تجاوز الدم عن العشرة لم يكن في الواقع في أيام الاستظهار لا حيضية ولا طهرية، بل إذا تجاوز صيرها طهرا من الأول، وإذا انقطع صيرها حيضا كذلك. وفي عدول العبادات في صلاة أو حج كما أو كيفا، أو انقلاب الحج إلى الأسلامي بطريان كمال من عقل أو تحرير أو بلوغ لم يكن قبل وقوع العدول والكمال في الواقع شئ من لزوم المعدول إليه وعدمه، بل كان على حسب ما وقع من النية، فإذا لحق الأمر اللاحق أثر في الانقلاب من أول الأمر، لا من حينه، ولا أنه كان في الواقع منقلبا، وهذا كشف عنه. وفي خروج المسافر الناوي للأقامة قبل الصلاة تامة نقول: كانت صلاته الفائتة على مقتضى الأقامة، لكن هذا الخروج أثر في ذلك وجعلها قصرا من أول أمرها وزمان فواتها. وكذلك في فضوليات العقود، فإن الواقع لم يكن ملكا قبل تحقق الأجازة، ولحوقها أثرت في الملك من زمان العقد، بمعنى: أن الشارع قال: إذا وقع عقد يوم الخميس وإجازته يوم الجمعة، هذا المجموع المركب له تأثير لا يتحقق في الواقع إلا بالجزء الأخير، وهو يوم الجمعة قضاءا لحق المدخلية، لكن يوم الجمعة يتحقق التأثير في كون المشتري مالكا من يوم الخميس، ويجري عليه هذه الأحكام. وكذلك في إذن من يعتبر إذنه في نذر أو عبادة أو صدقة، كمنع صاحب المال بعد الصدقة بمجهول المالك - كما مثلناه - فإنه حين أخذه عوض ماله من المصدق يؤثر في كون تلك الصدقة له، لا للمالك من زمان وقوع الصدقة، لا أنه يكشف عن وقوعه سابقا، ولا يرده إليه الان حتى يكون ما يترتب على (1) الصدقة إلى الان للمالك وبعد ذلك للمصدق.


(1) في النسخ: إلى، والصواب ما أثبتناه.

[ 142 ]

وكذلك في القبض المعتبر في العقود، فإن لحوق القبض يؤثر في تملك المشتري من حين العقد - كما قررناه في الأجازة - وتمام الحول في الزكاة يؤثر في الوجوب في الحادي عشر، وعدم تماميته يؤثر في السقوط من أول الأمر. والقرعة في المجهول تؤثر بعد وقوعها في العتق والطلاق من حين الصيغة. والحاصل: يرجع هذا الوجه إلى ترتيب آثار الكشف من دون أن يكون ذلك في الواقع قبل وقوع هذا الأمر اللاحق. ولا ينبغي تألم الفطن الذكي مما أطلنا الكلام في تطبيق الأمثلة، فإن عموم النفع شئ (1) مطلوب، وتنقيح العبارة (2) مقدور لكل أحد، سيما مع كون المسألة من المزالق. وهذا الذي نذكره وجها جديدا قل من تنبه لذلك، بل لم يسبقني إلى تنقيحه سابق فيما أجده، ولعلهم أجل من التعرض لمثل ذلك. وبيان انطباق الأدلة على هذا الوجه الوجيه أن نقول: أما ما ذكره أهل النقل من التمسك بالأصل إلى آن المتيقن، فقد عرفت أنا أيضا نلتزم بذلك، ولا نقول بحدوث شئ في الواقع قبل ورود هذا المؤثر. وأما ما ذكروه من الجزئية والشرطية المانعة من تقدم المعلول على العلة والمشروط على الشرط، فنقول: نحن ملتزمون بذلك، ولا نقول بوقوع تأثير إلا بعد حصول تمام السبب والشرط. وأما أن الأثر - مثلا - ملكية أربعة أيام أو خمسة أيام أو انتقال ذلك من يوم الجمعة أو من يوم الخميس فلا يستلزم تقدم الأثر، ولا مانع من أن يقول الشارع: (هذا الأمر في هذا اليوم سبب لحصول ملكية هذه الأرض لك من زمن آدم إلى يومك هذا) بمعنى ترتب آثار ما لو كان كذلك من زمان آدم. نعم، قول الشارع: ب‍ (أن المسبب يتقدم على سببه في الوجود، والمشروط


(2) في (ن، ف): بشئ. (2) في هامش (م) زيادة: غير.

[ 143 ]

يتقدم على شرطه) - كما يلزم هذا على ظاهر كلام أهل الكشف - شئ بعيد، ولذا أولنا الشرط في مقام الجواب ولم التزم (3) بأنه لا مانع منه بعد (4) جعل الشار ع، إذ جعله هذا يكشف عن أنه ليس بشرط، لا أنه شرط جعله هكذا، فتبصر. وليس ما نقوله مبتنيا على شئ من ذلك، وإنما هو أخذ بظاهر الشرطية على ما قرروه في الاصول. نعم، نحن نتوسع في المشروط ونجعل زمانه قبل زمان وقوع شرطه وبعد ذلك، ولا يلزم من ذلك تقدم التأثير على المؤثر فتأمل جدا. وأما ما ذكروه (1) من لزوم دخول شئ على المكلف قهرا من دون أن يريده وينويه بل ينوي خلافه - كما فصلناه في جميع موارده - فأنت بعد ذلك تقدر على جوابه: بأن قبل إرادة المكلف واختياره لم يقع عليه شئ، وإنما يقع ذلك بعد اختياره، فإن الشارع كما قال: (إذا عقدت الان يكون ملكا لك فأنت مختار) (2) قال: إن أجزت الان يكون ملكا لك من أمس، وهذا أثر أنا جعلته لهذه الأجازة، إن شئت فأجز حتى يقع الأثر، وإن شئت فلا تجز. وأما ما ذكروه في عدم التفرقة بينه وبين قبول العقود (3) فنقول: لا فرق في ذلك من وجه وإن حصل الافتراق من آخر، وجه الاجتماع: أنه كما لا يقع الأثر قبل القبول لا يقع في هذه الموارد أيضا قبل ورود الجزء المتمم، كما قررناه في الشرطية. نعم، لما دل الدليل في هذه المواضع على ثبوت الأثر من ذلك الوقت وإن حصل التأثير الان - كما سيمر عليك وجه دلالة الأدلة - جمعنا بين الشرطية وبين الأدلة بسبق زمان الأثر وإن تأخر التأثير، مع أن لنا أن نقول: إن قبول العقود أيضا كاشف بهذا المعنى، بتقريب: أن قبول الأيجاب إمضاء لمقتضاه، ومقتضاه التمليك


(4) كذا في النسخ، والذي يقتضيه السياق: والتزمنا، كما يظهر أيضا بالمراجعة إلى ص: 131. (4) في (ف) زيادة: حصول. (1) في (م): ما ذكره. (2) في (ن): تختار. (3) في (ن): العقد.

[ 144 ]

من حين صدوره، لا من حين تمام القبول. فحينئذ نقول: القبول شرط في ذلك بهذا المعنى، فلا يتحقق ملك قبله، لا واقعا ولا ظاهرا، لكن متى ما جاء القبول يؤثر في الملك من زمن الأيجاب. وهذا شئ غير مستغرب وإن لم يتكلم به متكلم صريحا قبلي، بل ظاهر كلام الكل وصريح ثاني المحققين والشهيدين (1) كون أول زمان الملك آن تمام القبول، وهذا منهم ينب ء عن إجماعهم على ذلك، وهم أهل للاتباع، والفكر القاصر متهم لا يطاع، لكن ما ذكرته من الوجه أوفق بالموارد وموجب لانطباق الوصية - أيضا - على قاعدة العقود من دون حاجة إلى تكلف. ويأتي لذلك مزيد تحقيق إن شاء الله تعالى. وأما لزوم المحال في اجتماع المالكين، ووجود السبيل على مذهب الكشف فنقول: على كلامنا يكون إجازة الفضولي المالك أخيرا مملكا للمشتري من زمن الأجازة في زمان سابق، وليس هذا من اجتماع المالكين في شئ، لأن هذا لازم في جميع الصور. وتوضيحه: أنا لو قلنا بذلك فإذا باع الفضولي مال المالك فهو باق على ملك مالكه في الواقع، فإذا أجاز أثر في خروج الملك عن الملكية من حين العقد، بمعنى ترتب الأحكام كما هو وظيفة الشرع. وهنا أيضا نقول كذلك، فإذا عقد فضولا فهو في ملك المالك، ثم إذا ملك الفضولي فهو في ملك الفضولي كأصل المالك، فإذا أجاز أثر في خروج المال من زمان العقد الفضولي في لحوق الحكم. وتوسط مالكين في هذا الزمان لا دخل له فيما نقول، بل يجوز توسط ألف مالك. ويرجع كلامنا إلى أن يقول الشارع - المالك على الأطلاق -: (إذا عملت هذا العمل اليوم أجعل لك هذا المال من زمان آدم) مع أنه تكرر إليه الأيدي ما لا يحصى، ومفاده: أن كل من انتفع بهذا الملك


(1) انظر جامع المقاصد 10: 23، المسالك 6: 119.

[ 145 ]

يؤدي اليك منافعه، وليس معنى الملك إلا هذا. وأما (السبيل) فنقول: توبة المرتد تؤثر في آن توبته من زمان ردته، وكذا إسلام الكافر يؤثر حين إسلامه في الملك من زمن العقد، والزوجية من زمن الأسلام للزوجة، فتبصر بعين البصيرة. وأما مخالفة أدلة النية على القول بالكشف فلا يلزم على ما قلنا، لأن ما نوى أولا فقد وقع، وما نوى أخيرا من الانقلاب من رأس فقد أثر من حين وقوعه في أول العمل. وأما تعليق المنجز على المعلق، فاندفاعه واضح، إذ لم نقل بتنجز شئ في الواقع، بل ليس فيه شئ حتى يقع ذلك الأمر المحتمل مثل ما يقوله أهل النقل، فإذا وقع حصل الأثر من أول زمان السبب، كما قررناه في الشرط. وأما ما ذكره أهل الكشف من كون ظواهر هذه الامور اللاحقة - من إذن أو إجازة أو عدول أو قبض أو قرعة - إمضاء ما وقع سابقا، فنقول: هذا مسلم عندنا أيضا، لكنه إمضاء لما وقع سابقا في الواقع، أو إيقاع لذلك المطلوب الان من ذلك الزمان. ولا ريب أن معنى الأجازة: الرخصة في الوقوع من ذلك الوقت، فينبغي أن يقع من ذلك الوقت بعد الرخصة، لا أن هذا كان في الواقع وأنا كنت لم أطلع عليه، وكذلك غيره من الكواشف. وأما ما ذكروه من أن تأخر التأثير إلى زمان لحوق ذلك الشرط موجب للتعليق مناف للانشائية، فنقول: ما تقولون في إيجاب العقد وقبوله على ما ذهبتم إليه من حصول الأثر من حين القبول؟ ثم نقول: هذا مقتضى الجمع بين التأثير من حين الأنشاء (1) والشرطية، مع أن هذا ليس تعليقا، إحداث للأسباب جزءا فجزءا (2) ولم يجعل الشارع كل واحد من هذه الأجزاء سببا تاما، فإذا تم حصل الأثر من حين أول السبب.


(1) في (ن، ف): الانشائية. (2) في (م، ف): جزء فجزء.

[ 146 ]

وأما عمومات العقد والأيقاع فمنطبقة على ما قلنا، فإن الوفاء بذلك ليس معناه إلا إجراء حكم الملك - مثلا - من حين وقوع العقد، ونحن نفعله كذلك، غايته بعد حصول شرطه الثابت بالدليل. نعم، ينافي قول أهل النقل المقتصرين في (1) الانتقال من حين الشرط، بل قد ذكرنا أن هذا لا ينافي كلامهم أيضا، إذ تأثير المقتضي بعد زوال المانع لا يعد هذا نقصا في اقتضائه وشركة غيره معه كما أوضحناه في المثال، فراجع. وأما تأثير الموجود في المعدوم فقد قررنا أنه لا يرد على مذهب النقل أيضا في وجه. وأما على المختار فنقول: لم تؤثر الأجازة في العقد - مثلا - وإنما أثر المجموع المركب في حصول هذا الأثر من زمان وقوع العقد، ولا محذور في ذلك. وأما الأدلة الخاصة في الكشف - كحديث عروة وخبر الوليدة وصحيحة أبي عبيدة (2) وما مر في باب الوصية (3) فشئ من ذلك لا ينافي الكشف بالمعنى المختار، بل هو أوضح ارتباطا بحديث عروة وخبر الوليدة، وكذا الصحيح في تزويج الصبيين (4) فإن غاية ما دل عليه كون الميراث للمجيز الحي منهما، وما ذكرناه لا يأبى عن ذلك، بل هو عينه، فإن إجازته تؤثر في حصول الزوجية من زمان العقد، ولازمه التوريث. وأما باب الوصية ففيه خفاء، فإن على ما نقول إذا قبل الموصى له ينتقل إليه من حين الموت، فيلزم أن يكون في هذا الزمان بلا مالك، إذ الميت غير مالك، والوارث كذلك. فنقول: إن ذلك لا مانع منه، فإن الذي يستحيل كون الملك بغير مالك بحيث لا يعود منافعه إلى أحد وهو محال، إذ الملك معناه: عود المنفعة منه إلى مالكه، فعدم


(1) كذا في النسخ، والمناسب: على. (3) تقدمت الأشارة إلى مصادر تلك الاحاديث في ص: 127 - 128. (3) مر في الصفحة: 128. (4) يعني: صحيحة أبي عبيدة.

[ 147 ]

المالك مناقض لمفهوم الملك. وأما كون مالكه مراعى بشرط مترقب فإذا حصل صار ملكا لواحد من ذلك الوقت الأول، وإذا لم يحصل صار لاخر أيضا من الأول، كمسألتنا هذه، إذ بالقبول يكون ملكا للموصى له من حين الموت، وبالعدم للوارث كذلك (1). وثانيا: نقول بانتقاله إلى الوارث كمالك المبيع في الفضولي، وبقائه عنده مراعى، فإذا قبل أثر في الملك من حين الموت، وبهذا يجتمع الأدلة ويقضى حق الشرطية ويندفع اعتراضهم - كما ذكر ثاني المحققين (2) - باستلزامه تلقي الموصى له المال من الوارث، وهو خلاف الواقع، إذ على ما ذكرنا يكون التلقي من زمن الموت، فيكون من الميت، إذ من اتصل تملكه إلى زمن موت الموصي فهو آخذ للمال منه حقيقة، والوارث وإن ملك لكن انسلخ عنه آثار الملك من أول زمان تملكه، فليس مالكا حقيقة، والتلقي (3) منه فرع جريان آثار الملك عليه في زمان ما، والمفروض عدمه. فتدبر بعين البصيرة والأنصاف تجد أن هذا المذهب المختار أخذ بمجامع الكلام، ومتحمل لاندفاع المشكلات وحل الاشكالات بحذافيرها، بحيث لا يبقى بعده كلام إلا لمتعسف و (4) متكلف أو معاند مكابر أو قاصر في النظر غير ماهر. نعم، بقي علينا بقية، وهو: أن ما اخترناه خلاف ظاهر الأصحاب، الذين لا يسع مثلي مخالفة أمثالهم، بل من (5) هو أدون منهم بمراتب، بل لا يعد كلمتي في جنب كلامهم قطرة من بحر، فإن (كلمة الله هي العليا). فنقول - مستعينا بقوة الله، ومستمدا من بركة أنفاسهم الزكية وعقولهم النقية القدسية، سائلا من الله فتح باب (6) وإلهاما إلى الصواب -: إنه لا يخفى على من


(1) الظاهر سقوط جواب (أما)، مثل: فلا مانع منه. (2) جامع المقاصد 10: 27. (3) في (ن، ف): والمتلقى. (4) في (ف): أو. (5) من: ليس في (ن). (6) في مصححة (ن): فتح الباب.

[ 148 ]

عرف طريقتهم، واطلع على نيتهم أن غاية مقصودهم في تحرير هذه المباحث إنما هو تفريع الفروع وتنقيح الثمرات، ولا يلتفتون غالبا إلى مثل هذه المداقة، التي تحتاج إلى استفراغ وسع في تتبع المظان واستقصاء الأدلة واستيفاء ما يرد وما يندفع وغير ذلك، وهم المصيبون في فتاويهم وفي آرائهم وإن لم يذهب أذهانهم في بيان الطريق كل مذهب اشتغالا بما هو أهم. ولما كان ثمرة ما اخترناه من القول في المسائل الفقهية ثمرة الكشف فلذلك لم يحتاجوا إلى إيراد ذلك. بل أقول: إن الذي ينافي ما اخترناه في كلامهم ليس إلا لفظ (الكشف) الدال على كون الأثر في الواقع قبل الأجازة. لكن نقول: لما كان إطلاق هذه العبارة في قبال النقل الموجب لحصول الملك من حين الأجازة وكانوا يريدون الملك من حين العقد - وكذلك في باب الوصية - عبروا عن ذلك بلفظ (الكشف) تفهيما لهذا المعنى في قبال النقل، لأن كون الأثر من زمن سابق يوجب كون هذا الشرط بمنزلة الكاشف، فغرضهم منه نفي النقل. وأما أن ترتب الثمرة على هذا هل هو من زمن وقوع الأجازة، أو كان حاصلا في الواقع فكشف هذا عنه؟ فليس موجودا في كلامهم. ويؤيد ذلك أنهم جعلوا الثمرة في ذلك النماء. وعبارات الأصحاب في هذا الباب لما كانت بمرأى من الطلاب ومسمع منهم فضلا عن المتتبع الفقيه لم نحتج إلى نقل كلامهم، بل نقتصر على تنقيح مرامهم. فنقول: إن قولهم: (وهل الأجازة كاشفة أو ناقلة؟ قولان، وتظهر الفائدة في النماء) لا يدل على أزيد من إرادتهم من الكشف لحوق حكم الملك من زمان العقد، لكن هذا هل هو بتأثير الأجازة أو كان في الواقع والأجازة كشفت عنه بمعنى الأمارة؟ لا يستفاد من كلامهم صريحا ولا ظاهرا إلا من لفظ (الكشف) في الجملة. ويدفعه أمران: أحدهما: إطباقهم على شرطية رضا المالك وبطلان العقد بدونه، وكذلك في

[ 149 ]

شرطية القبض ونحو ذلك. ولا ريب أن معنى الشرطية توقف التأثير، وهو لا ينطبق على الكشف بالمعنى الأول مطلقا، بل يحتاج الى إخراج كلامهم عن ظاهره بالمرة. ولا ريب أن حمل الكشف على هذا المعنى في كلامهم سيما بقرينة مقابلة النقل وقرينة الثمرة أولى من حمل الشرط على الكاشف الذي لا يرتبط به بوجه، لا لفظا ولا معنى إلا بتكلفات. وثانيهما: أن كون الأجازة بحيث يصح العقد بحصولها ويبطل بعدمها لا ينطبق على معنى الكشف الموجود في سائر الكواشف. وقد مر بيانه في أدلة القول بالنقل، إذ المتبادر من الكاشف ما لا مدخلية له في الوجود والعدم للمكشوف عنه، فإذا وجد الكاشف أو لم يوجد ينبغي أن يكون الواقع على ما هو عليه. ولم يعهد جعل وجود شئ كاشفا عن شئ وعدمه كاشفا عن عدمه، إذ لو جعل كذلك - كما في مثل دلوك الشمس ونحوه - فهو بالسبب والشرط أشبه، ولا يطلق حقيقة عليه الكاشف، بل يعد من الشرائط أو الأسباب، كما لا يخفى على من تتبع كلمات الأصحاب في أبواب الفقه بالنظر إلى الشرائط التي ذكروها، إذ يمكن أن يقال: إن ذلك كله كواشف وأمارات، لا شرائط بهذا المعنى كما في الأجازة. فإن قلت: هم يصرحون بأن علل الشرع معرفات لا مؤثرات. قلت: هذا لا يقتضي ما قلنا ذلك من الكشف، فإن الأصحاب يقولون: إن العلة معرف، ومع ذلك يسمون العقد سببا للملك، والطلاق سببا لفك الزوجية (1) ولا يسمون هذه الأشياء كواشفا عن الواقع، مع أن وجودها موجب لوجود المعلول وعدمها موجب لعدمه، ونحو ذلك الأجازة بعينه (2). نعم، تسميتهم له كاشفا دون سائر الشرائط والاسباب من جهة ما ذكرناه من كون أثره في زمان سابق على نفسه بحكم الشرع، بمعنى: إيجاده من حين وقوعه أثرا في زمان سابق عليه، فيكون مشابها للامارات التي يوجد مداليلها قبل أنفسها، كما أنه مشابه للأسباب والشرائط من جهة كون ذلك الأثر الذي يوجد في


(1) في (ن، ف): الزوجة. (2) كذا في النسخ، والمناسب: بعينها.

[ 150 ]

زمان سابق بتأثيره. هذا ما يؤدي إليه النظر القاصر، والاعتماد على فهم الأذكياء المنصفين لا المتعسفين، وعلى تقدير عدم كون ما ذكرنا راجحا في كلامهم بما ذكرناه من القرائن الواضحة المنار اللائحة الاثار، نقول: فلا أقل من الأجمال في كلامهم، بحيث لم يعلم أن مرادهم من الكشف أي الاحتمالين. نعم، علم أن المراد منه: شئ يقابل النقل من حين الأجازة ونحوها، فيوجب ترتب الأثر من حال العقد، وأما أن ذلك على أي الوجهين فلم يعلم من كلامهم، ولم يتبين منهم ما ينبئ عن حقيقة مرامهم. ونحن بحمد الله أوضحنا السبيل، وأتممنا الحجة بالبرهان والدليل، ولا ريب أنهم إلى الصواب أقرب منهم إلى الخطأ، بل هم عين الصواب، وقدوة أهل البصيرة والاداب. وحيث إن الكلام التام الغالب على ما أدى إليه فكري القاصر هو ما حققنا لك، فاللازم علي حمل كلامهم على ذلك، بل هو الظاهر من ملاحظة أطراف كلمتهم، وإن وقع في ذلك خلل فالمتهم نظري الفاتر، واولئك مبرؤون مما أقول. هدانا الله وجميع الطالبين إلى سبيل الرشاد، فإنه ولي التوفيق والسداد. ويتفرع على الكشف والنقل ثمرات منتشرة في أبواب العقود والايقاعات - سيما في البيع والوصية - لا نطيل الكلام بذكرها، فإن صاحب الملكة القوية بعد الاهتداء إلى الموارد لا يعجز عن استخراج الفروع.

[ 151 ]

(العنوان الخامس) (في قاعدة الشك بعد الفراغ والتجاوز)

[ 152 ]

عنوان [ 5 ] الشك في وجود الشئ المسبوق بالعدم يوجب البناء على عدمه - على ما تقرر في علم الاصول - ويلزمه لزوم الأتيان لو كان مأمورا به، ويلزمه عدم تحقق الاثار لو كان شرطا أو سببا أو جزء سبب لحكم آخر. وكذا الشك (1) في زوال المانع المعلوم الوجود في زمان يوجب الحكم ببقائه، عملا بالاستصحاب الثابت بالعقل والنقل. لكن لنا بعد ذلك قاعدة شرعية مستفادة من النصوص، واردة على ذلك المذكور في المقامين، ونعبر (2) عنها ب‍ (قاعدة الشك بعد الفراغ، والشك بعد التجاوز). وتنقيح البحث يقتضي رسم مقدمات: الاولى: أن الشئ المشكوك فيه، إما عمل مستقل يشك في أن المكلف أوقعه على ما هو عليه في وقته ومحله الذي ينبغي أن يؤتى به أو لم يأت به، سواء كان من قبيل الموقتات حقيقة، كما إذا شك (3) بعد خروج وقت الصلاة نفلا أو فرضا يومية أو غيرها - من الكسوف والعيدين وسائر أصناف الصلاة - أو في الصوم


(1) في (ن) زيادة: لو كان. (2) في (ف، م): يعبر. (3) في (م) زيادة: في الصلاة.

[ 153 ]

الموقت بالأصل أو بالعارض، أو في عبادة تعلق بها النذر ونحوه في وقت خاص في إتيانها وعدم إتيانها. أو غير الموقتات، كما إذا شك في فعل الحج، أو أداء الزكاة ونحوه (1) من الحقوق المالية، أو في إيقاع شئ من العقود والايقاعات الموجبة للاثار. أو في صدور شئ من الأفعال التي جعلت (2) في الشرع سببا، كالتقاط وإحياء واصطياد وذباحة وإقرار وغصب وإتلاف وجناية، وشئ من موجبات قصاص أو حد أو تعزير. أو في إيقاع الحدود والتعزيرات. أو جزء (3) لعمل مأمور به، كأجزاء الصلاة والحج والعمرة والوضوء والغسل والتيمم، وأيام الصوم المجموع المركب، كرمضان والعشرة المنذورة وصيام الكفارة، وأجزاء العقود من الأيجاب والقبول والايقاعات كما في لعان ونحوه، وأجزاء مقادير الحدود والتعزيرات. أو شرط للعمل اللاحق له الأحكام، كشرائط الوضوء والغسل والتيمم، وشرائط اللباس والمكان وتطهير الأواني والثياب والأبدان في استنجاء ونحوه، ونفس هذه الأشياء، فإنها أيضا شرائط لغيرها كالوقت والقبلة، وشرائط العقود والايقاعات، وشرائط الحقوق المالية، وشرائط الأسباب من جماع أو دم أو مطلق حدث أو إحياء أو ذباحة أو غصب أو إقرار، أو شئ من موجبات الحد والتعزير والدية والقصاص. وهكذا في أجزاء الأجزاء، والشرائط والاسباب. وفي شرائط الشرائط والأجزاء والاسباب، وفي أسباب الأسباب والشرائط والأجزاء مما يتعلق به شك في الحصول والعدم والوجود والعدم، سواء كان وجوده وحصوله من الاختياريات، أو من الاضطراريات التي لا دخل للمكلف فيها، فتدبر في الموارد حتى تكون على بصيرة.


(1) كذا في النسخ، والمناسب: نحوها. (2) في النسخ: جعل. (3) معطوف على قوله: إما عمل مستقل...

[ 154 ]

الثانية: أن الشك في ذلك الشئ قد يكون مع بقاء وقته في الموقت ومحله فيما هو بحكمه، بمعنى: أنه لم يخرج عن ذلك الشئ ولم يشتغل بشغل آخر، بل هو بعد في مقامه، كالشك في الصلاة في وقته، وفي الوضوء وعدمه كذلك، وفي أداء سائر العبادات، والأتيان بالاسباب كافة كما عددنا كذلك، وفي جزء من أجزاء العبادات، أو شرط من شرائطها قبل الفراغ منه وقبل الانتقال إلى جزء آخر أو شرط آخر. وقد يكون بعد الفراغ من ذلك الجزء والشرط وقبل الشروع في آخر، وقد يكون بعد الشروع في شئ آخر. ثم ذلك الشئ الاخر أقسام: منها: ما يكون مترتبا على الشئ الأول ترتبا (1) شرعيا، كأجزاء الوضوء والغسل الترتيبي والتيمم، ومسحات الاستبراء، وأجزاء غسلات الولوغ المحتاج إلى تراب ونحوه، وأجزاء الصلاة والأذان والأقامة، وأجزاء القراءة والأذكار، وأفعال العمرة والحج وأجزاء أفعالهما المترتبة بعضها على بعض، والعبادات المرتبة بنذر وعهد ويمين، وترتب النوافل على الفرائض وبالعكس، وترتب أجزاء العقود وشرائطها كقبض ونحوه، وترتب سائر ما ورد من أوراد وأذكار وأدعية وتعقيبات متفرقة بعضها إلى بعض (2) فإن كل ذلك ترتيب شرعي لا بد من إتمام أحدهما والخروج إلى الاخر. ومنها: ما كان مرتبا ترتيبا عقليا، كعدد الغسلات في طهارة حدثية أو خبثية، وعدد الركعات والأشواط في الطواف والسعي، ونحو ذلك مما لا يمكن اجتماع اثنين منه في آن واحد في المكلف، ولا يمكن التقديم والتأخير، إذ كل ما قدمت فهو الأول، وما أخرت فهو الثاني.


(1) في (ن، م): ترتيبا. (2) كذا في النسخ، ولعلها في الأصل: مترتبة بعضها على بعض.

[ 155 ]

ومنها: ما يكون ترتيبا عاديا، كما إذا جرت عادة المكلف - مثلا - أولا بالصلاة، ثم بعده إلى التعقيب بكذا، ثم بكذا - وإن لم يرد كذلك من الشرع - ثم إلى تلاوة قرآن، ثم إلى زيارة، ثم إلى مباحثة، ثم إلى الأكل، ثم إلى النوم، ثم إلى كتابة، ثم إلى مصير إلى السوق، ثم إلى تخلي (1) ثم إلى استبراء، ثم إلى استنجاء. وهكذا من العادات للمكلفين من دون ترتب شرعي ولا عقلي. وهذا يختلف بحسب اختلاف زمان ومكان وشخص. ومنها: ما يكون ترتيبا اتفاقيا من دون عادة، كما إذا اتفق أنه - مثلا - بعد الأتيان بالوضوء قام يمشي، أو بعد الغسل استلقى، أو بعد ما فرغ من ذبح الشاة - مثلا - قام يأكل، ونحو ذلك من الأفعال التي تعرض بحسب الحاجة أو التشهي. ثم قد يكون ما دخل فيه فعلا تاما له اسم خاص، وقد يكون جزءا أو مقدمة. الثالثة: أن الشك بعد التجاوز قد يكون ابتدائيا، بمعنى: أنه لم يكن في آن الفعل شاكا، وبعد ذلك عرض له الشك. وبحكمه ما لو شك بعد ذلك ولم يعلم أن شكه كان في وقت الفعل أو لا، إذ الأصل تأخر الشك. وقد يكون شكا مستمرا من الأثناء إلى ما بعد الفراغ والتجاوز. وقد يكون شكا ابتدائيا، لكنه عرض له الشك في الأثناء أيضا فزال، ثم بعد الفراغ عاد. وهذا قد يكون من سنخ الشك الأول، كما لو شك في أثناء الصلاة أنه تشهد أم لا فزال شكه وبنى على الفعل، ثم بعد التجاوز عن المحل أيضا شك في أنه تشهد أم لا. وقد يكون غير مماثل، كما إذا شك في الأثناء في التشهد وبعد الفراغ شك في السجدة. والمماثل أيضا أقسام:


(1) كذا، والصواب: تخل، أو التخلي.

[ 156 ]

تارة يكون عود الشك بسبب زوال ما أزال الشك وظهور وهنه، مثلا بعد الشك في الركعة وجد أمارة دالة على أنها ثلاث - من خاتم أو حصى ونحو ذلك - ثم بعد الفراغ تبين أن الأمارة ليست أمارة وإنما تخيلها كذلك، فعاد الشك، وكان هذا عين الشك الأول. وتارة لا يكون بزوال مزيل الشك، بل يحدث الشك بسبب آخر غير ما أحدث الشك في الأثناء. وتارة يعود الشك من دون علم من المكلف بأن السبب شئ آخر، أو زوال ما أزال الشك في الأثناء. ثم الشك اللاحق الابتدائي قد يكون سببه أيضا عارضا ابتداءا، وقد يكون مسببا من سبب سابق على العمل، أو أثنائي بحيث يدري أنه لو اطلع على هذا السبب في ذلك الوقت لكان شك، لكنه لم يطلع عليه ومضى على يقين، مثل: أنه رأى بعد الوضوء في يده شيئا يشك في أن الماء وصل إلى ما تحته أم لا، لكنه في أثناء الوضوء كان بانيا على أنه يصل وتيقن الوصول من دون التفات إلى ما هو سبب الشك بعد الفراغ، فإذا فرغ التفت إلى شئ لو كان قد التفت إليه في أثناء الوضوء أيضا لشك في الوصول والعدم. والمتحصل من ذلك أقسام: الشك الابتدائي بعد الفراغ أو التجاوز، من سبب حادث. والشك الابتدائي، من سبب سابق. والشك المستمر من الأثناء إلى الفراغ. والشك العائد بعد الفراغ بعد زواله في الأثناء، غير مجانس. والشك العائد مجانسا بسبب زوال المزيل (1).


(1) هذا القسم لم يرد في (ن).

[ 157 ]

والشك المجانس (1) العائد بسبب آخر. والشك المجانس العائد الذي لا يعلم وجهه. وهذه الشكوك: يعقل بعضها في أصل العمل، وقد يكون في جزئه، وقد يكون في شرطه، وقد يكون في مانعه. وكل ذلك قد يكون بعد الفراغ قبل الشروع في آخر، وقد يكون بعد الشروع في شئ مترتب عقلا وقد يكون في شئ مترتب شرعا، وقد يكون في شئ مترتب عادة، وقد يكون في شئ مترتب اتفاقا. ثم قد يكون ذلك المترتب فعلا تاما، وقد يكون جزءا أو مقدمة. ومجموع الصور ترتقي إلى أربعمائة وزيادة. الرابعة: أن الأصل في هذه القاعدة امور: أحدها: ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الأذان وقد دخل في الأقامة، قال: يمضي [ قلت: رجل شك في الأذان والأقامة وقد كبر، قال: يمضي ] (2)، قلت: رجل شك في التكبير وقد قرأ، قال: يمضي، قلت: شك في القراءة وقد ركع، قال: يمضي، قلت: شك في الركوع وقد سجد، قال: يمضي على صلاته، ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ (3). وثانيها: ما رواه الشيخ، عن إسماعيل بن جابر - في الحسن بمحمد بن عيسى الأشعري - قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه (4). وثالثها: ما رواه الشيخ رحمه الله في الصحيح عن ابن بكير - الثقة الذي أجمعت


(1) المجانس: ليس في (ن). (2) أثبتناه من المصدر. (3) التهذيب 2: 352 / 1459. (4) التهذيب 2: 153 / 602.

[ 158 ]

العصابة على تصحيح ما يصح عنه - عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1). ورابعها: ما رواه الكليني بسند صحيح على الأصح - حسن بإبراهيم بن هاشم في المشهور - ورواه الشيخ عنه بإسنادين، عن زرارة وأبي بصير - في الصحيح - قالا: قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه؟ قال: يعيد، قلنا: فإنه يكثر عليه ذلك كلما أعاده (2) شك؟ قال: يمضي في شكه، ثم قال: لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك، قال زرارة: ثم قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم (3). وخامسها: التعليل في بعض الروايات الناهية عن الاعتناء بالشك بأنه [ حين الفعل ] (4) في تلك الحالة أذكر (5). وسادسها: دلالة ظاهر حال المسلم، فإن العبد إذا أراد أن يعمل عملا لا يترك شيئا في محله. ودعوى: أنه لعله يسهو عن ذلك وإنما لا يتركه عمدا، مدفوعة بأن الظاهر والأصل يقضيان بعدم السهو، ومع عدمه فالظاهر عدم الترك. والظاهر وإن كان لا يعارض الأصل - كما قرر في محله - لكنه بعد الاعتضاد بالنصوص وبتعليل الروايات - كما عرفت - يقوم حجة، لأنه كشف عن اتباع هذا الظاهر الخاص، فيكون مما دل الدليل على اعتباره حجة شرعية، فيقدم على الأصل، لا من الظواهر الخالية عن الدليل المبحوث عنه في مسألة تقدم الظاهر على الأصل.


(1) التهذيب 2: 344 / 1426. (2) في التهذيب: أعاد، وفي الكافي: عاد. (3) الكافي 3: 358 / 2، التهذيب 2: 188 / 747. (5) لم يرد في (م). (5) الوسائل 1: 331، الباب 42 من أبواب الوضوء، ح 7.

[ 159 ]

وسابعها: الاستقراء في أحوال العامل، فإنا نرى غالبا أنه إذا أراد إيجاد شئ مترتب بعضه على بعض يوجده (1) على حسب ما هو عليه غالبا، والخلل والترك في جنب ذلك نادر جدا، فإذا شك في الترك والعدم فيرجع إلى الشك في كون هذا العمل من الأفراد الغالبة أو النادرة، ولا ريب أن الألحاق بالغالب أولى. وثامنها: أصالة الصحة في فعل المسلم المدلول عليه بالأجماع والنصوص - كما يقرر في محله - وهو عام لفعل نفس الأنسان وغيره. ودعوى اختصاصه بالغير ممنوعة. قيل: هذا لا يستلزم عدم الالتفات، إذ غايته البناء على الصحة، وقد يكون مع الترك أيضا صحيحا غير موجب لشئ، أو موجبا لقضاء أو سجدة سهو أو كفارة ونحو ذلك. قلنا: نتمسك بالأصل في صورة ما إذا كان الشك في شئ لو لم يبن فيه على الصحة لبطل، كالشك في ترك ركن أو في إحداث مانع أو بقائه ونحو ذلك، ونتممه في بقية الصور بالأجماع المركب أو بعدم القول بالفصل، فتأمل فيما أسلفناه سابقا من عدم حجيته (2) بضميمة الأصل. والجواب: أن ذلك الأصل: الاعتباري العملي العقلي، وأما الأصل الشرعي بمعنى القاعدة المنصوصة فلا بأس بحجيته، وليس مقام بيانه. إذا عرفت هذه المقدمات، فنقول: لا ريب في شمول هذه الأدلة للشك الابتدائي من دون سبب سابق في أجزاء العمل بعد الفراغ من جزء ودخول في جزء آخر مرتب شرعا مستقل في الاسم، بمعنى الشك في إتيانه وعدمه، لأنه المتبادر من (التجاوز) و (المضي) و (الدخول في الغير) سيما بقرينة مورد الروايات في أجزاء الصلاة، كما عرفت.


(1) في (ن، ف) مترتبة بعضها على بعض يوجدها. (2) لم ندر بماذا يرجع الضمير؟ ولعل مراده مما أسلفه، ما أفاده في مدخل العنوان، فراجع.

[ 160 ]

ونظيره الشك في أعضاء الغسل وأفعال الحج المعدود (1) كل منها فعلا في باب الحج - كالذبح والرمي والطواف والسعي - وغير ذلك من المعاملات بدلالة الوجوه الثلاثة الأخيرة، وبعموم (الشئ) في الروايات، وبعموم التعليل بعدم تعويد الخبيث، وبعموم كونه في تلك الحالة أذكر. ودعوى: انصراف عموم (الشئ) في الرواية (2) إلى خصوص أجزاء الصلاة دون غيرها من العبادات وغيرها بقرينة سابقة، مدفوعة بما قرر في الاصول من أن المورد لا يخصص. ودعوى: أن هذا ليس من باب التخصيص بالمورد، بل المتبادر من هذه العبارة بعد ذلك الرجوع إلى نحو مضى (3) فيكون من باب العموم العرفي، مدفوعة - أيضا - بأن ذلك غير جار في موثقة ابن بكير (4) المسوقة للقاعدة، وفي سابقيها أيضا بقرينة الموثقة، وبإشارة نفس الروايات إلى علة الحكم وهي: التجاوز والدخول في الغير، لا أنه لخصوص الصلاة. كما أن احتمال اقتصار التعليل بتعويد الخبيث أو بزيادة الذكر إلى موردهما من كثير الشك ونحو ذلك، مدفوع بأن الرواية ظاهرة في العبرة بالظاهر، مشيرة إلى القاعدة التي يحكم بها الاعتبار والطريقة، والاقتصار على المحل خلاف ظاهرها، فيحتاج إلى دليل. وأما الفرض السابق (5) مع كون ذلك الغير المدخول فيه غير مستقل بالاسم، كالشك في القراءة حين الهوي، وفي الركوع حين الهوي إلى السجود، وفي التشهد


(1) في غير (م): المعدة. (2) رواية إسماعيل بن جابر المتقدمة في ص: 156. (3) كذا في النسخ، والعبارة غير واضحة المراد. (4) تقدمت في ص: 156. (5) يعني الشك الابتدائي من دون سبب سابق في أجزاء العمل بعد الفراغ من جزء ودخو ل في جزء آخر مرتب شرعا.

[ 161 ]

أو السجدة حين النهوض إلى القيام - وقس على ذلك جميع ما مثلنا لك من عبادة أو معاملة، فإن التكرار غير محتاج إليه بعد ما مر - فظاهر الوجوه الثلاثة الأخيرة كونه كذلك، وكذلك ظاهر التعليلين، والذي يقوى شمول ظاهر الموثقة أيضا له، لأنه يصدق (المضي) بالنظر إلى المشكوك وإن لم يكن ذلك الفعل المدخول فيه مسمى باسم مستقل في تلك العبادة أو المعاملة. ودعوى: أن الموثقة على سياق ما تقدمها من الروايتين، وليس المراد بالمضي مطلقه، بل بعد الدخول إلى عمل لأنه المتبادر، مدفوعة: أولا: بأن (المضي) عبارة عن الفراغ عن ذلك الشئ المشكوك، وليس في معناه (الدخول إلى عمل مستقل في الاسم) وكون المتبادر منه ذلك ممنوع. وثانيا: بمنع كون ما قبله قرينة عليه، إذ الذي يمكن أن يقال هنا: إنهما (1) لا يشملان ذلك، والظاهر وحدة السياق، أو أن مفهومهما يدل على أن ما لم يدخل في شئ غيره فالشك شئ، وهما يعارضان منطوق الموثقة. قلنا في دفعه: إن الموثقة بعد تسليم دلالته (2) على الأعم لا يعارضها المفهومان، بل تقدم عليهما. وقد وقع نظير ذلك في مواضع، وسيأتي توضيحه. وثالثا نقول: إن الحق أن الروايتين السابقتين - أيضا - تشملان المقام، إذ ليس فيهما سوى ذكر الدخول في الغير، ولا ريب أن (الغير) من الأسماء المتوغلة في الأبهام يشمل كل شئ، سيما بقرينة عموم (الشئ) إذ الظاهر أن المراد بالغير: غير الشئ المشكوك فيه، وكل ما صدق فيه اسم (الشئ) يصدق على ما عداه أنه غيره، سواء كان من أفعال ذلك العمل، أو من مقدمات أفعاله، أو من أجزاء أفعاله. ودعوى: أن ظاهرهما في أفعال الصلاة - ولا ريب أن زرارة عد الأذان


(1) يعني صحيحة زرارة ورواية إسماعيل بن جابر المتقدمتين في ص 156. (2) كذا، والمناسب: دلالتها.

[ 162 ]

والأقامة والتكبير والقراءة والركوع والسجود ولم يعد بين ذلك أجزاء الأقامة وأجزاء القراءة والهوي ونحو ذلك، وكذلك الخبر الاخر، وهذا يكشف عن كون المراد: الدخول في الجزء المستقل - مدفوعة بأن أجزاء الأذان بالنسبة إلى نفسها والأقامة كذلك بمنزلة أجزاء الصلاة، فلو شك في الشهادتين بعد الدخول في الحيعلات فقد دخل في غيره، وهو جزء مستقل، مع أنه لم يعده زرارة. وثانيا: أن عد زرارة ليس من جهة الحصر، بل ذكر الغالب الوقوع دون النادر. وثالثا: أن عموم الخبر لا يخصصه مورده. ورابعا: أن الخبرين أشارا إلى العلة، وهو (التجاوز) ولا ريب في صدقه بذلك أيضا، فإن من نهض إلى القيام يصدق أنه تجاوز عن التشهد أو عن السجود، وقس على ذلك غيره في كل باب. قيل: ظاهر قوله: (ثم دخلت في غيره) يدل على التراخي، ولا ينطبق إلا على عدم مدخلية المقدمات المتوسطة بين الأفعال في هذا الحكم، وإلا لكان الخروج عن شئ دخولا في آخر، ولا يحتاج إلى عطف. قلت: يرده الموثقة (1) وعطف الحسن (2) بالواو المفيد للجمع بلا تراخ، بل بلا تعقيب من اللفظ. وثالثا: أن هذا اعتبار لغوي لا يستفاد من العرف في هذا المقام، مع أنه دقة حكمية، مع أنه لو كان كذلك لما شمل ما لا مقدمة بينهما كالشك في التكبير بعد الشروع في القراءة، مع أنه داخل في أصل الرواية، ولكان ينبغي إرادة التعدي إلى الفعل الثالث تحقيقا لمعنى الفصل والتراخي. قيل: دلت صحيحة عبد الرحمان (3) على العود إلى السجود لو شك في ذلك


(2) أي موثقة ابن بكير المتقدمة في ص: 156. (2) يعني خبر إسماعيل بن جابر - الحسن بمحمد بن عيسى الأشعري - المتقدم في ص 156. (3) الوسائل 4: 972، الباب 15 من أبواب السجود، ح 6.

[ 163 ]

ولما يستكمل القيام، وهذا ينافي ما ذكرت من كفاية مطلق التجاوز. قلت: قد دل غيرها أيضا في مقامات اخر على العكس، فتتبع أحكام الخلل. وثانيا: العام يخصص. وثالثا: لم يعمل بها فيما وجدته سوى الشهيدين (1)، فلنا أن نمنعها ونركن إلى القاعدة، أو نحملها إلى كونه قاعدا في مكانه. والحاصل: أن منع شمول هذه الأدلة إلى الدخول في فعل آخر لا يعد من أجزاء العبادة مستقلا مكابرة. ونزاع جمع من المتأخرين في فروع ذلك في غير محله، ولا نمنع خروج بعضها بدليل. قيل: مفهوم الرواية - أنه شك في القراءة وقد ركع، ونحوه - أن ذلك قبل الدخول في الجزء الاخر ليس كذلك. قلت أولا: أنه لا مفهوم له، وإنما هو سؤال عن فرض خاص، وبيان لمورد خاص. وثانيا: أنه في كلام السائل، ولا يعتبر مفهوم كلامه في قبال عموم الجواب. وأما الفرض السابق (2) مع كون الجزء مرتبا عقلا أو عادة، أو كون الشك استمراريا أو عائدا بأقسامه (3) فغير متصور، إذ الفرض في إتيانه وعدمه وكونه جزءا، ولا يكون جزء شئ إلا بالشرع في محل البحث. وكذا الشك بعد الفراغ وعدم الدخول في آخر، إذ لا يعقل معه الشك في الأتيان وعدمه. وأما الشك في شرط من شرائط العمل، بمعنى أنه حصل شرطه أم لا، أو في بقاء مانع حالته أم لا، سواء كان العمل مستقلا أو شرطا لاخر أو جزءا له: فإن كان بعد الدخول في جزء أو شرط أو عمل آخر مرتب شرعا مع كونه


(1) البيان: 149، الروضة 1: 698. (2) يعني الشك الابتدائي.... راجع ص: 159، الهامش (5). (3) راجع ص: 154 (المقدمة الثالثة).

[ 164 ]

ابتدائيا - كالشك مثلا في ذكر السجود أو وضع الأعضاء على الأرض أو وجود حائل في الجبهة حالته بعد الدخول في التشهد، أو في شرط أو مانع في صلاة الظهر بعد شروعه في العصر، أو شرط أو مانع في الطواف بعد شروعه في صلاته أو في السعي، أو في شرط أو مانع في إيقاع أو عقد بعد ترتيب آثاره الشرعية عليه من قبض أو رهن أو ضمان، أو نحو ذلك - فالأقوى الدخول في الوجوه الخمسة الأخيرة، وكذا في الروايات الثلاثة (1)، إذ الشك في شئ أعم من الشك في الأتيا ن والعدم، أو الشك في شئ من شرائطه وموانعه الموجبة للشك في صحته وفساده. واحتمال الانصراف إلى الفرض الأول ممنوع أشد المنع، بل هو مكابرة صرفة. وإن كان بعد الدخول في مقدمة جزء أو شرط أو عمل آخر مترتب شرعا فالكلام هنا الكلام فيما سبق في الأجزاء، والمختار المختار. وإن كان الترتب عقليا، كالشك في جزء أو شرط من الركعة الاولى أو الشوط الأول أو نحو ذلك بعد الدخول في الاخر أو في مقدماته كالنهوض في الصلاة والاستلام في الطواف ونحو ذلك - وكذا في وجود مانع - فيحتمل القول بالدخول تحت الأدلة، لعموم التعليلين (2) والوجوه الأخيرة، وعموم لفظ (الشئ) و (الغير) ولأنه داخل في (ما مضى) وصدق عليه (التجاوز) وهو الأقوى. ويحتمل القول بعدم الدخول اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، وهو المرتب الشرعي. وضعفه واضح، بل كل عقلي مرتب في نظر الشرع أيضا. وإن كان الترتب عاديا، كالشك في شرط أو مانع من الصلاة في آن التعقيب، أو في شرط التعقيب الأول في حال الدخول في الثاني، سواء كان بعد الدخول في العمل أو في مقدماته التي جرت عادته بإتيانها بعد العمل الأول، وقس على ذلك غيره من المباحث.


(1) راجع ص: 156. (2) أي التعليل بتعويد الخبيث، والتعليل بالاذكرية، راجع ص: 156.

[ 165 ]

والأشكال هنا في الدخول أشد من الأول. والذي يقوى - أيضا - الدخول تحت الدليل، والوجه ما مر. وإن كان الترتب اتفاقيا، كالشرط والجزء للطواف أو للسعي، أو للذبح في الهدي أو في غيره، أو في الصلاة، أو في الأحرام، أو في أداء الماليات، أو غير ذلك من الأعمال بعد دخوله في شغل آخر اتفق في ذلك الوقت، كالأكل أو الكتابة أو نحو ذلك. وهذا في الأشكال أزيد من الأول. والذي أراه عموم الأدلة. والتفكيك بهذه الاعتبارات ناش عن وسواس في النظر - أعاذنا الله منه - بتخيل أن هذا احتياط في الدين، مع أن الحكم كلا طرفيه محتاج إلى دليل معتمد وحصول الاطمئنان في ذلك، فتبصر. ولو كان الشك ناشئا عن سبب سابق لم يتنبه عليه - كمن وجد حاجبا في يده بعد الغسل أو الوضوء، أو دما في ثوبه بعد الصلاة يشك في كونه قدر العفو، أو رطوبة خارجة منه قبل الصلاة لو التفت إليها سابقا لشك في صحة العبادة، سواء دخل في عمل مستقل أو مقدماته، مرتب شرعا أو عقلا أو عادة أو اتفاقا، فإن ذلك كله لا يتفاوت على ما أسلفناه - فهنا وجهان: أحدهما: القول بعدم الالتفات نظرا إلى أن هذا شك بعد الفراغ، إذ فعلية الشك حدث بعده، ولا عبرة بأنه كان سابقا بالقوة وأنه لو التفت لشك، إذ المدار في النصوص صدق فعلية الشك، والفرض طريانه بعد ذلك. وثانيهما: القول بأنه شك قبل العمل أو في الأثناء، فيجب البناء على أصالة عدم حصول العمل في الخارج عبادة كما مثل. وكذا لو كان عقدا أو إيقاعا أو ذبحا أو صيدا أو غير ذلك، فإن الشك الحاصل بعد العمل مع كونه من سبب سابق معناه: الشك المتقدم، وكأنه من أول الأمر غير متيقن حصول (1) العمل في الخارج مع


(1) في هامش (م): لحصول، خ ل.

[ 166 ]

الشك في فقد شرط أو وجود مانع، ولأن المتبادر من الروايات الشك الابتدائي الذي تأخر سببه أيضا، بقرينة التعليل بتعويد الخبيث الذي يوسوس في الأنسان، وظهور غيره أيضا بكون الوقوع من (1) يقين وطريان الشك بعد المضي، وظاهره عدم تقدم السبب. والمسألة في غاية الأشكال! والذي يترجح في النظر القاصر عموم الأدلة، لأن هذا أيضا من تعويد الشيطان، ولأنه داخل في الشك بعد التجاوز، إذ الظاهر منه حدوث الشك لا عروض سببه، فيشمل ما لو كان السبب سابقا أخذا بظاهر النص المعتبر. ولم أقف في هذا الفرض على كلام من المصنفين، ولا من المشايخ المقاربين لعصرنا. ولو كان الشك مستديما من آن الفعل - كمن ذبح أو طاف أو سعى أو صلى أو عقد أو قرأ أو ركع أو غسل جانبه أو عضوه في الطهارة، أو فعل غير ذلك مما هو سبب أو شرط لأمر دنيوي أو اخروي شاكا في أثنائه في تمامية أجزائه وشرائطه وفي زوال موانعه، واستمر مع ذلك إلى أن فرغ أو دخل في غيره المستقل أو المقدمي شرعا أو عقلا أو عادة أو اتفاقا - فالظاهر عدم دخول هذا القسم في أدلة الشك بعد الفراغ، لوجهين: أحدهما: أن المتبادر من النصوص الشك الحادث لا المستمر، لأن الظاهر من الموثقة (2) كون الشك بعد المضي، ومن الحسن (3) كونه بعد التجاوز، وفي الصحيح (4 كذلك. وثانيهما: أن مع عروض الشك في الأثناء يتعلق به الحكم ببطلان أو نحوه من أحكام، ولا يزول هذا الحكم إلا بدليل، لقضية الاستصحاب. لا يقال: إن قلنا بعدم بقاء الأكوان فهذا الشك شك حادث بعد الفراغ لا قبله، لأن ذلك قد انعدم.


(1) في (ن): عن.) (4، 3، 4) راجع ص: 157.

[ 167 ]

لأنا نقول: المسألة العرفية لا تدور مدار الدقائق الحكمية، ولا ريب في عدم عد هذا شكا حادثا بعده. قيل: إطلاق الصحيح: (يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ) (1) يشمل ما لو بقي ذلك الشك من الأول، أو عرض بعد الدخول والخروج. قلت: أما أولا: فلا إطلاق فيه بعد ملاحظة مورده وسياقه، ولا يحتاج هذا إلى دليل. وثانيا: أن مفهومه دل على أن الشك قبل الخروج شئ يترتب عليه حكم، وتسمية هذا الشك شكا بعد (2) الخروج ليس بأولى من تسميته شكا قبل الدخول والخروج، غايته تعارض الأمرين، فيرجع إلى الأصل الأولي. فإن قلت: لا تعارض هنا، فإنا نقول: قبل الخروج شك له حكم، وبعده ينقلب لأطلاق الدليل. قلنا: هذا تهافت في القول، إذ لا معنى بعد ذلك لترتب الحكم عليه، إذ لا بد من انقلابه، مع أن هذا مخالف للأجماع، بل الضرورة. ولو كان الشك عائدا بعد الزوال بواسطة زوال مزيله وظهور خطأه في عده أمارة بعد الفراغ والدخول في الغير - بأقسامه السابقة التي قررنا عدم الفرق بينها من هذه الجهة - فهنا وجهان: أحدهما: إدراج هذا تحت الشك الأثنائي، فلا يدخل تحت القاعدة، لأن الرجل - مثلا - إذا شك في أثناء وضوئه أو غسله في وجود حاجب في وجهه أو في أثناء طوافه في كون ثوبه ساترا للعورة - مثلا - أم لا، وزال شكه بتخيل أنه رفع الحاجب بالمسح بيده، وأن الثوب ساتر لوجود آخر تحته، فلما فرغ أو دخل في غيره شك أيضا في الحجب والستر من جهة تيقن عدم المسح باليد أو عدم


(1) تقدم في ص: 156. (2) في (ن): في الخروج.

[ 168 ]

كونه مزيلا أو شك في شئ منهما، أو تيقن عدم وجود ساتر آخر تحته أو شك مع ذلك في تحقق الستر لكونهما رقيقين، ونحو ذلك في الشرائط والموانع في عبادة أو معاملة، فهو في الحقيقة عود لذلك الشك الواقع قبل العمل أو في أثنائه، وليس هذا شكا جديدا حتى يدخل تحت دليل الشك بعد الفراغ. وثانيهما: أن يقال: إن الشك الواقع قبل العمل أو في أثنائه قد زال قطعا، لعدم اجتماع المتناقضين، وما حدث بعد ذلك شك آخر لتحقق العلم بينهما، ومجرد كون السبب ما أوجب الشك في الأثناء وإنما عرض هناك مانع عن بقاء الشك وارتفع المانع المتخيل هنا لا يوجب دخوله تحت الشك المستمر اللاحق له الأحكام، كما مر. والمسألة أشكل مما مر من تقدم السبب وتأخر الشك، لأن ذلك منحصر في الفعلية بعد الفراغ، بخلاف المقام، فإن الشك حصل بالفعل في الأثناء أيضا كما حصل بعد الفراغ ولم يستمر متصلا حتى نقول بوحدته. والذي يقوى في النظر دخوله في دليل الشك بعد الفراغ. وكون سببه ذلك السبب وغاية الفرق وجود المانع وعدمه فإذا زال عاد كما كان بعينه، ممنوع الدلالة على الاتحاد، وهو في الحقيقة متعدد. ودعوى: أن إطلاق النص لا يشمل مثل ذلك مدفوعة بالشمول، بل نقول: إن إطلاق الصحيح كاد أن يشمل الشك المستمر - كما ذكرناه - لولا الأجماع والتعارض بينه وبين الأدلة الاخر، لكن المسألة عظيمة الأشكال. ولو كان الشك عائدا غير مجانس فلا كلام في دخوله تحت القاعدة. وكذا لو عاد مجانسا بسبب آخر، فإن هذا ليس في الأشكال مثل ما عاد بزوال المزيل، لأن تعدد السبب والزمان يوجب تعددهما وإن اتحد المتعلق. وإن أمكن أن يقال: هذا شك - مثلا - في الحجب أو في تحقق الستر في الأثناء وبعد الفراغ، غايته أن السبب كان شيئا فزال، ثم التفت إلى سبب آخر فعاد،

[ 169 ]

لكن إشكاله ضعيف، ودخوله تحت القاعدة قوي. وكذا لو عاد ولم (1) يعلم أنه لعود السبب أو لطريان سبب آخر، فإنا متى ما أدرجنا الأقسام تحت القاعدة فالمشكوك لا يخلو منها. نعم، لو قلنا: بأن العائد بسبب زوال المزيل غير داخل تحت القاعدة يجئ البحث هنا في الدخول والعدم من جهة تردده بين فردين متخالفين. والتحقيق: دخول المشكوك تحت القاعدة، للعموم، خرج منه ما علم كونه بسبب زوال المزيل الموجب للعلم باتحادهما المدخل له تحت الشك المستمر، وبقي المشكوك فيه. ولو كان الشك في الجزء أو المانع أو الشرط ابتدائيا أو عائدا بأقسامه - دون المستمر لما بينا خروجه - في عبادة أو معاملة أو إيقاع أو ذبح أو صيد ونحوها (2) بعد الفراغ من دون دخول في شئ آخر مطلقا، ففيه وجهان: أحدهما: منع دخوله تحت القاعدة لوجوه: أحدها: تقييد سؤال الصحيح والحسن (3) بالدخول في الغير. وثانيها: تقييد الصحيح والحسن في الحكم والجواب بكون الشك بعد التجاوز أو الخروج والدخول في الغير، فلا يشمل غير الفرضين. وثالثها: دلالة مفهومها (4) بأنه لو لم يكن تجاوز ودخول فالشك شئ، يعني يترتب عليه الأحكام. وثانيهما: إدخاله تحت القاعدة، لدلالة الظاهر والاستقراء وأصالة الصحة وتعليل الخبرين وظاهر الموثقة - العامة المؤسسة للقاعدة - عليه، إذ فيها: (كلمإ


(1) في (ن): ولا. (2) في (ف، م): نحوه. (3) يعني صحيح زرارة وخبر إسماعيل بن جابر - الحسن بمحمد بن عيسى الأشعري - المتقدمين في ص: 156. (4) في (م): مفهومهما. والصواب ما أثبتناه وإن كان خلاف ظاهر العبارة، لأن المفهوم المذكور مختص بصحيحة زرارة.

[ 170 ]

شككت فيه مما قد مضى فامضه) (1) ولا ريب أن العمل بعد الفراغ منه وإن لم يدخل في شئ آخر فقد مضى. ودعوى: أنه لا يصدق (المضي) إلا بالدخول بشئ (2) آخر، لا يساعده العرف وينكره الوجدان. قيل: غايته أنه مطلق يتقيد بما في الخبرين من القيد، لأن السيد إذا قال لعبده: (إذا رأيت رجلا فسلم عليه، وإذا رأيت رجلا عالما فسلم عليه) يفهم منه التقييد وأن الحكم في الرجل العالم. قلت: ما سمعته من حمل المطلق على المقيد في الاصول لفهم العرف إنما هو بعد العلم باتحاد التكليف، فإن العرف يفهم التقييد، لا حمل الخصوصية على الفضيلة ونحوه. وأما لو كان هناك خطابان قابلان لكونهما مكلفا بهما فلا وجه للتقييد. ويأتي - إن شاء الله - تحقيقه في باب عدم التداخل في الأسباب، فلعل الشارع يكتفي في سقوط حكم الشك بالمضي مطلقا ومع الدخول في غيره، وفهم التقييد في هذا المقام لا مأخذ له. قيل: إطلاق (ما مضى) وارد مورد الغالب من الدخول في شئ آخر، فلا يدل على ما إذا لم يدخل. قلت: إن اكتفيت في (شئ آخر) بمجرد السكون والسكوت والحالة الخارجة عن العمل مطلقا، فنعم الوفاق! وهو الذي نريده من (ما مضى) وغرضنا من عدم الدخول في شئ آخر عدم الدخول في فعل وجودي غير ذلك يعد مستقلا في النظر بالنسبة إلى ما مضى عرفا. وإن أردت من (الغير) المعنى الثاني، فلا نسلم أن الغالب ذلك، فإن الغالب بعد الخروج من العمل عدم الدخول في ما يقابلها عرفا، ولنوضح في مثال، مثلا: إذا فرغ من صلاة أو طواف أو سعي أو ذبح أو صيد أو وضوء أو غسل أو تيمم * (هامش) (1) راجع ص: 158. (2) في نسخة بدل (م): في شئ.

[ 171 ]

فليس الغالب بعد ذلك الشروع في أكل أو شرب أو جماع أو كتابة أو قراءة أو زيارة، أو نحو ذلك مما يعد أفعالا اخر. نعم، يكون بعد ذلك قعود وقيام وسكوت، ونحو ذلك من الامور المستمرة من حال العمل إلى ما بعده، أو الحادثة بعده بطريانه موضع العمل السابق بعد ارتفاعه قهرا. ولو سلم الغلبة في الجملة فليس مما يوجب تشكيكا في الأطلاق أو وهنا فيه. قيل: يعارض إطلاقه مفهوم الصحيح والحسن الحاكم بأنه لو لم يدخل في غيره فالشك شئ. قلت أولا: لا مفهوم لذلك كما أشرنا، ولو سلم له مفهوم فيطرح (1) في قبال المنطوق، كما في مسألة تحديد الكر والمسافة للقصر وتحريم الرضاع ونحوه مما فيه تحديد بنوعين يحصل بينهما تفاوت، فإنه يعمل بالمناطيق ويخصص مفهوم كل بمنطوق الاخر، وهنا أيضا كذلك، فإن مفهوم الصحيح له فردان: أحدهما: ما لم يمض ولم يدخل في شئ آخر، والاخر ما مضى ولكن لم يدخل، خرج الثاني بالموثقة وبقي الأول تحت المفهوم. وهذا الكلام كما يتم في الشك في الجزء أو الشرط أو المانع للعمل المستقل بعد الفراغ عنه، كذلك يشمل (2) الشك في أجزاء الأجزاء وشرائطها وموانعها. فلو شك في جزء من القراءة أو مانع أو فوات شرط مع الفراغ وإن لم يركع، وكذا في التشهد وإن لم يقم، ونحو ذلك من أجزاء العبادات والمعاملات لو شك في شرطها أو مانعها بعد الفراغ من الجزء وإن لم يدخل في الجزء الاخر (3) لأنه شك فيما مضى. وأما سؤال زرارة في الصحيح من هذه الأجزاء بعد الدخول في الغير إنما هو،


(1) في النسخ: فيظهر ح، والصواب ما أثبتناه علما بالتصحيف. (2) في (ن): لم يشمل، وهو سهو. (3) الظاهر سقوط جواب (فلو شك...) مثل: لا يلتفت إليه. (*)

[ 172 ]

سؤال عن الشك في أصل الأتيان وعدمه، لا في اختلال جزء منه أو شرط. قيل: ظاهر العبارة مطلقة، لأنه قال: (شك في الركوع وقد سجد، وفي القراءة وقد ركع) وهو أعم من كونه في أصل القراءة أو في شرطها، فيتقيد كلاهما بالركوع. قلت: إطلاق الموثق قضى بعدم الالتفات، ودلالة الصحيح لو كان فهو مفهوم. مع أنا نقول: هذا التقييد يدل على أن فرض زرارة الشك في أصل الفعل، إذ لما كان الشك في أصل الفعل قبل الشروع في آخر غير معقول، لأنه إذا شك أنه قرأ مع أنه لم يركع لم يكن هذا شكا بعد المضي والفراغ، إذ الفراغ فرع العلم بأصل القراءة (1). نعم، بعد الدخول في آخر يقع الشك في ذلك، وأما الشك في الجزء والشرط والمانع فيتحقق في القراءة، سواء عرض له الشك في آن الفراغ وإن لم يركع أو بعد الركوع، فلا تذهل. وهنا كلام، وهو: أن الصحيح قال: (إذا خرجت من شئ ثم دخلت في شئ آخر) وظاهره العلم بالخروج والدخول، وهذا لا يعقل في الشك في أصل الفعل، فإن من شك بعد الركوع في أنه قرأ أو لم يقرأ فمن أين يعلم أنه خرج من القراءة ودخل في الركوع؟ فانحصر هذا الخبر والحسن، بل الموثق أيضا - إذ ما لم يعرف أصل الأيقاع لم يعرف ما مضى حتى يمضيه - في الشك في الجزء من حيث هو جزء، بمعنى: أنه بعد الخروج من العمل التام أو الجزء أو الشرط - كالصلاة والقراءة والوضوء - يشك في جزء شئ من هذه الأشياء أو شرط من شرائطه أو مانع من موانعه، لا أنه يشك أنه قرأ أو لم يقرأ أو توضأ أو لم يتوضأ. قلنا: الظاهر من (المضي) و (التجاوز) مضي المحل وتجاوز مقام الشئ الذي ينبغي أن يؤتى به، لا مضي نفسه حقيقة. وعلى هذا جرت كلمة الفقهاء في باب الخلل.


(1) العبارة لا تخلو عن قصور.

[ 173 ]

وهذا يدل على وجود ما يفيد هذا المعنى عندهم من هذه النصوص، فإن من دخل في الصلاة وشك أنه توضأ أو لم يتوضأ أو ذبح شاة وشك أنه سمى أو لم يسم شك فيما مضى ولو باعتبار ارتباطه بهذا الشئ الذي هو فيه، فيكون بمعنى فوات مقامه. ومثل ذلك من شك في أنه قرأ أو ركع أو سجد أو تشهد أم لا بعد الانتقال إلى جزء، فإنه يعد شكا فيما مضى عرفا وإن لم يدرك أن الشئ المشكوك فيه مضى أم لا. مع أن بقية الروايات التي وردت في العود والأتيان مع بقاء المحل كلها عبرت بهذه العبارة: (رجل شك في القراءة ولم يركع؟ قال: يقرأ) مثلا، و (رجل شك في السجدة قبل أن يقوم؟ قال: يسجد) وظاهر هذه العبائر الشك في أصل الفعل والعدم، لا في تخلف شرط من القراءة أو وجود مانع أو خلل في جزء، إذ لا تعاد السجدة والركوع ونحوه مع العلم بالخلل في ذكر ونحوه، فضلا عن الشك، فيدل على أن المراد في هذين - الصحيح والحسن - أيضا الشك في أصل الفعل الذي يعتبر فيه الدخول بالغير حتى يصدق (المضي) و (الفراغ) إذ قبله لا يصدق، إذ (المضي) لا يصدق عرفا إلا بإتيان نفس الشئ حتى يمضي، وهو مشكوك في الفرض، أو بمضي محله، وكلاهما حينئذ منتفيان (1). وأما الشك في شرط الجزء أو جزئه أو مانعه في صلاة أو غيرها من عبادة ومعاملة، فلا يلتفت إليه بعد الفراغ وإن لم يدخل في جزء آخر، لعموم الموثقة وشمول (المضي). نعم، بقي الأشكال في شئ، وهو: الشك في الأتيان بأصل الواجبات وعدمه، لا في خلل في ذلك، بمعنى: الشك في العمل المستقل الذي لا ارتباط له بآخر بجزئية أو شرطية أو نحو ذلك، فإنه لو كان له ارتباط فقد ذكرنا أنه مع التجاوز والمضي الذي يتحقق بالدخول في شئ يترتب عليه لا يلتفت إلى الشك في أصل


(1) في (ن): منفيان.

[ 174 ]

الفعل أيضا كالشك في الخلل، وبه يتفرع عدم الالتفات إلى الشك في أصل الوضوء والغسل في أثناء الصلاة أو الطواف ونحو ذلك من الشك في الأتيان بالشرائط في أثناء المشروط المنفصل المتعقب، لا المقارن، لعدم صدق (التجاوز) فيه. وكذا الشك في أصل الأتيان بأحد الأجزاء المترتبة بعد دخول في آخر، لأنه فوات محل. وأما العمل المستقل من حيث هو كذلك، كما لو شك أنه صلى أم لا، أو حج أو كفر أو صام أو أدى الزكاة والخمس أو طلق أو نكح أو نظير ذلك، فنقول: إن هنا صورا: تارة: يكون العمل المشكوك فيه من الموقتان، كاليومية وصوم رمضان. وتارة: يكون من الفوريات، كالحج وأداء الزكاة وأداء الدين ونحو ذلك. وتارة: من الواجبات الموسعة المطلقة ما دام العمر. وتارة: من المباحات التي متى ما أراد المكلف إيجاده يوجده كالعقد والأيقاع ونحوه. وهذا أيضا قسمان: قسم يترتب عليه آثار شرعية ويشك بعد تلبسه بالاثار، وقسم قبل تلبسه. أما الموقت: فإن كان الشك في إتيانه مع بقاء وقته فليس داخلا تحت القاعدة، والأصل عدم الأتيان، لأنه غير ماض، لا لفوات محله إذ محله وقته، ولا للأتيان به إذ المفروض عدم العلم به. وإن كان بعد خروج وقته - كمن شك بعد رمضان أني صمت أم لا؟ أو بعد طلوع الشمس أني صليت الصبح أم لا؟ - فلا يلتفت، عملا بعموم الموثقة (1) لأنه داخل في (ما مضى) والوجه واضح. وفي إلحاق الموقتات العادية بالشرعية - كما لو جرت عادته بالاستبراء بعد البول بلا فصل فبعد (2) التجاوز شك - نظر. ولا أستبعد الألحاق، للتعليل، لكنه مشكل.


(1) موثقة ابن بكير المتقدمة في ص: 157. (2) في (ن): وبعد.

[ 175 ]

وأما الفوريات: فمع بقاء زمن الفور لا كلام في عدم الدخول. وأما مع الفوات - كمن شك بعد مضي سنين من عام الاستطاعة أنه حج أم لا؟ أو بعد أيام من مطالبة الديان أني أديت ديني أم لا؟ - ففي تنزيل ذلك منزلة الموقت وعدمه وجهان. والأقوى أنه لا ينزل منزلته، ولا يصدق عليه (الفوات) إذ الفورية قابلة للتجدد آنا فآنا، كما قرر في محله. وأما الموسعة المطلقة: فعدم دخوله في القاعدة واضح، كمن شك في أداء صلاة الزلزلة، أو قضاء صلاة فائتة على القول بالمواسعة - كما هو الأقوى -. وأما المباحات من العقود والايقاعات: فإن كانت متلبسة بآثارها - كما لو كانت الزوجة في حبالته (1) والمأكول في بيته يأكل منه ونحو ذلك وشك في أنه عقد عليها أو اشتراه أو لا؟ بل هي غير معقودة، والمال مال الغير - الحق في ذلك إدخاله تحت القاعدة، لأنه يعد لهذا الأثر الشرعي مما قد مضى، فلو لم يلتفت لكان فعله صحيحا، وإلا فينبغي كونه فاعلا لما هو خلاف الحق في الواقع. والتعليلات والنصوص آتية في ذلك. وأما بدون آثار - كما لو (2) أتى به في معرض البيع أو الزواج ولم يحدث فيه حدثا وشك في العقد وعدمه - فالأصل العدم، لعدم صدق (المضي) و (الفوات). هذا تمام الكلام في ضبط الأقسام وتنقيح القاعدة حسب ما ساعدنا المجال على الاستعجال، ولم يخرج عن هذه القاعدة سوى باب الوضوء في الأجزاء إذا شك في الأثناء - وفي الشرائط أيضا في وجه - لصحيحة [ ابن ] أبي يعفور (3).


(1) في (ف، م): حباله. (2) لو: ليس في (ن، ف). (3) كذا في النسخ، والصواب: لصحيحة زرارة، فان ما رواه ابن أبي يعفور - في المو ثق - موافق للقاعدة على وجه، انظر الوسائل 1: 330، الباب 42 من أبواب الوضوء، ح 1 و 2.

[ 177 ]

(العنوان السادس) (في تبعية الأحكام للأسماء) (والأشارة إلى المراد من (بقاء الموضوع) في الاستصحاب)

[ 178 ]

عنوان [ 6 ] من الضوابط اللازمة المراعاة في أبواب الفقه: أن الأحكام تتبع الأسماء. وذكر الفقهاء في المطهرات: أن الاستحالة من المطهرات. وذكر الاصوليون: أن الاستصحاب يشترط فيه بقاء الموضوع. وقد اختلط هذه المباحث على طائفة من المتأخرين، ونحن وإن لم نكن في صدد ذلك، لكن نذكر كلمات مختصرة هنا مقدمة على ما نريده من الأشارة إليه من الضوابط. فنقول: معنى قولنا: (إن الأحكام تابعة للأسماء) أن الأدلة الدالة على بيان الأحكام لما كانت لفظية - أو آئلة إلى اللفظ لا محالة - فلا بد من التعبير عن موضوع ذلك الحكم بلفظ من الألفاظ، فإذا عبر عن ذلك بلفظ: فتارة: نعلم أن لخصوص هذا اللفظ مدخلية (1) في هذا الحكم، لا بمعنى أن غيره لا يثبت فيه هذا الحكم، بل أن هذا الشئ متى ما تغير اسمه المخصوص (2) لم يثبت فيه هذا الحكم. وتارة: نعلم أن هذا الاسم لا خصوصية له في أصل الحكم، وإنما الحكم لأمر


(1) في (ن، ف): خصوصية هذا اللفظ له مدخلية. (2) العبارة في (ن، ف): بل هذا الشئ متى ما تغير اسم هذا.

[ 179 ]

كلي وهذا فرد من أفراده، عبر به: إما لأنه موضع الحاجة، أو لأنه غالب الأفراد، أو لمعلومية بيان حكم غيره، أو نحو ذلك. وتارة: نشك في مدخلية الخصوصية وعدمها. ولنوضح ذلك كله في مثال حتى يتضح الأمر، مثلا: إذا قال الشارع: (البول نجس والكلب نجس) علمنا أن هذه النجاسة لهذا الاسم، فلو ازيل عن هذين الجسمين هذان الاسمان - ككون البول ماء بالاستهلاك أو كون الكلب ملحا أو ترابا - فلا نجاسة في ذلك. وأما في قوله: (الناصبي نجس واليهودي نجس والنصراني نجس والمجوسي (1) نجس) علمنا من خارج أن الكافر نجس وهذه كلها من أفراده، فلا مدخلية لخصوص اليهودية في ذلك. فلو انقلب اليهودي نصرانيا أو صار كافرا آخر لا اسم له في عناوين الأخبار لقلنا بأنه أيضا نجس. وكذا لو قال: (إن الثوب إذا لاقى نجسا أو القطن إذا لاقاه أو الطين إذا لاقاه كان نجسا) علمنا أن هذه الأسماء لا مدخل لها في ذلك، وإنما الميزان: كونه جسما لاقى نجاسة، وإن ورد في الروايات بأسام خاصة على حسب الحاجات. وفي قول الشارع: (الماء إذا كان كرا لا ينجس بالملاقاة) نشك في أنه إذا انجمد (2) فصار ثلجا هل هو كذلك أم لا؟ من جهة أنا لا ندري أن الحكم للفظ (الماء) أو لهذا العين الخاص كيف كان، وكذا في عصير العنب وعصير الزبيب ونحو ذلك. فنقول: ما علمنا فيه عنوان الحكم من خارج عاما أو خاصا فهو المتبع، إذ يصير حينئذ الاسم المعلق عليه الحكم ذلك الذي فهمناه - وإن عبر في غير مقام بأخص منه - وبزوال ذلك الاسم يزول الحكم المتعلق به من جهة هذا الاسم وإن لحق من جهة اخرى، فإن الخمر المنقلب خلا يطهر من هذه الحيثية وإن لحقه


(1) في (ن، ف): المجوس. (2) في (ن): تجمد.

[ 180 ]

نجاسة مع (1) ملاقاة نجس ونحوه. وما شككنا فيه فاللازم اتباع ذلك الاسم الذي عبر به في دليل الحكم. وعلى الأقسام الثلاثة فالحكم صار تابعا للاسم، لا أسامي الموجودات والأعيان الخارجة مطلقا، بل الاسم الذي علمنا من خارج أو تعبدا من ظاهر اللفظ أنه موضوع الحكم. إذا عرفت هذا فاعلم: أن ما صرنا إليه من طهارة النجاسات والمتنجسات أيضا بإحالة النار رمادا أو دخانا ليس لقاعدة (2) تبعية الحكم للاسم وإن جاء في بعض أفرادها، ولا لعدم حجية الاستصحاب مع زوال الاسم مطلقا حتى يرجع إلى قاعدة الطهارة وإن كان متجها في بعض الفروض، بل إنما هو لأدلة تعبدية قامت على مطهرية النار، فراجع ما حققناه في مطهرات (الحياض المترعة) - شرحنا على المختصر النافع - حتى تقف على تنقيح المقام بمالا مزيد عليه، وهو الظاهر أيضا من أصحابنا. ولهذا تسرى بعضهم إلى الفحم والخزف والاجر والجص ونحو ذلك، بل تسرى الشيخ رحمه الله إلى خبز العجين النجس (3). وهذا كله مما دل على مطهرية ا لنار، ولا ربط له بمسألة الاسم والاستصحاب والاستحالة. نعم، مطهرية الاستحالة مأخوذة من هذه القاعدة، ومدارها على تغير الاسم الذي هو عنوان الحكم، سواء علم من قرائن خارجية أو اخذ تعبدا من النص. وقد ورد رواية في الخمر أيضا (4) مشيرا إلى هذه القاعدة، ومنبها على العبرة بالخروج


(1) في (م) تطهر ممن هاه الحيثية وان لحقها نجاة من... (2) في (ن، ف) بقاعدة. (3) قال الشيخ في النهاية في باب المياه: (فان استعمل شئ من هذه المياه النجسة في عجين يعجن به ويخبز لم يكن ببهه باس بباككل ذلك الخبز، لان النار قد طهرته) لكنه في يباب الاطعمة افبن بعدم جواز اكل ذكل الخبز، انظر النهاية: 8، 590. (4) الوسائل 17: 297، الباب 31 من ابواب الاشربة المحرمة، ح 5.

[ 181 ]

عن اسم الخمر. وتخيل جماعة ترتب فروع مطهرية النار على الخروج عن الاسم أوقعهم في اضطراب، ولم يتمكنوا من التخلص. والحق معهم، فإنه كيف يصير النجس أو المتنجس رمادا فيطهر؟ مع أنه في الثاني موضوع الحكم (الجسم الملاقي للنجاسة) والرماد جسم كذلك. وإن اريد من ذلك زوال اسم الخشب فما بال الخبز والخزف ونحو ذلك؟ وإن اريد انسلاخ الحقيقة فالضابط فيه أي شئ؟ فإن اريد الاثار والصفات فلم لا يطهر اللبن بصيرورته جبنا ونحو ذلك، والعصير المتنجس بصيرورته دبسا؟ والحل: أن مسألة النار للدليل. نعم، باب الاستحالة على هذه القاعدة، وميزانه انقلاب الاسم الذي هو العنوان في الحكم، وهذا شئ لا يتخلف في مورد حتى يحتاج إلى تعب في ضبطه. وأما الاستصحاب: فنزاع من صرح بعدم العبرة بالاسم فيه تمسكا بأن القطن النجس إذا صار غزلا أو ثوبا أو غير ذلك أو صار العجين خبزا أو الحنطة دقيقا فلا ريب في جريان الاستصحاب، لعموم المقتضي وعدم المانع، ومن صرح باعتبار الاسم فيه، ولذا لا يستصحب (1) نجاسة الكلب بعد الملحية والعذرة بعد الترابية - كالفاضل المعاصر المحقق المدقق الملا أحمد النراقي في عوائده (2) - لفظي (3)، إذ الظاهر من كلام (4) من لم يعتبر الاسم يريد به الأسماء الخاصة التي لا يدور الحكم مدارها - كما نبه عليه ما ذكره من الأمثلة - ومن اعتبر الاسم يريد عنوان الحكم المعلوم من تتبع الأدلة، ولا ينبغي أن يكون مثل ذلك مطرحا بين الفضلاء، إذ بقاء الموضوع في الاستصحاب شرط قطعا


(1) كذا في (م) وفي سائر النسخ: لا تستصحب. (3) عوائد الأيام: 207. (3) هذا خبر لقوله: فنزاع. (4) من كلام: لم يرد في (ف)..

[ 182 ]

وليس المراد بالموضوع إلا ما هو عنوان الحكم الذي ذكرناه في كون الأحكام تابعة للاسم، فليس الاسم شرطا في الاستصحاب بالمعنى الذي ليس بشرط في قاعدة لحوق الحكم، وشرط فيه بالمعنى الذي يشترط فيه، فيكون اشتراط بقاء الموضوع فرعا من فروع كون الحكم تابعا للاسم بالمعنى الذي ذكر. والمراد بموضوع الاستصحاب أيضا ذلك الاسم، والعبارة الجامعة للاسم والموضوع ما نقول في أبواب الفقه: (إن الأحكام تتبع عناوينها) وإن شئت توضيح هذا المدعى فارجع إلى باب النكاح والرضاع، ومستثنيات العلامة عن قاعدة الرضاع (1) وما ذكره في حلها من تأخر عنه، فتدبر وتبصر. وحيث انجر بنا الكلام إلى باب الألفاظ، فنذكر - بعون الله - هنا قواعد كلية مشتركة في أبواب الفقه (2) يعم نفعها لأهل هذا الفن وطالبيه. فنقول: الموضوع الذي تعلق به الحكم من الشارع ابتداءا أو بواسطة أخذ المكلفين له عنوانا في معاملاتهم، إما أن يكون مشتركا مع غيره في شرط أو جزء، أو لا. وعلى التقديرين: قد يكون هذا محدودا من أصل الشرع مضبوطا، وقد يكون غير محدود. وعلى الثاني: قد يكون ما ينبغي أن يرجع إليه في فهمه من العرف والعادة أو اللغويين غير مختلف في ذلك، وقد يكون فيه اختلافا، فيحتاج هنا إلى تحرير أربع ضوابط. الضابطة الاولى: إذا كان الموضوع الذي تعلق به الحكم في الشريعة - تكليفيا أو وضعيا - مشتركا بينه وبين موضوع آخر مغاير له في الحكم، سواء كان هذا الموضوع من الأفعال الصادرة عن المكلفين أو من الأعيان الخارجية، أو ما هو بمنزلة الأعيان


(1) استثنى العلامة قدس سره من ضابط (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) أربع صور، راجع التذكرة 2: 614. (2) في (ف): بين أبواب الفقه.

[ 183 ]

وبعبارة اخرى: الموضوع الخارجي - فهنا يتخيل صور عديدة: أحدها: أن يكون لهذا المشترك ظاهر ينصرف إطلاقه وخلوه عما يغيره إليه، وهو أحد الفردين. وثانيها: أن لا يكون له لنفسه ظاهر كذلك، بل يحتاج تعيينه إلى معين من خارج. والأول أيضا قسمان: أحدهما: أن يكون ذلك الظاهر قابلا للانصراف بمجرد النية والقصد، بحيث إن أهل العرف مع اطلاعهم على هذا القصد يقولون: إنه كذا، ويطلقون عليه عنوان ما خالف ظاهره حقيقة. وثانيهما: أن يكون انصرافه بضميمة شئ خارجي يلحقه بالقسم الاخر وإن لم يكن هناك قصد ونية. وهذا أيضا قسمان: أحدهما: أن يكون المعين الخارجي بحيث لا تعارضه النية، بمعنى أنه لو كان قصد خلافه أيضا لم يؤثر، بل يصرفه ذلك المميز إلى ما يقتضيه. وثانيهما: أن يكون المعين لا يعارض النية، بمعنى: أنهما لو تعارضا يتبع الصدق العرفي النية دون المميز الخارجي. والذي لا ظاهر له أيضا أقسام. أحدها: أن يكتفي بتعينه بالنية، وليس هنا مميز آخر. وثانيها: أن له مميز آخر ولا تنفع فيه النية بدونه. وثالثها: أن يمكن تميزه بالنية وبالمعين الخارجي - أيضا - أيا ما كان. ورابعها: أن لا يتميز إلا باجتماعهما معا، وبدونه مجمل. والثالث أقسام: أحدها: أنه إذا تعارض القصد مع المميز الخارجي غلب النية.

[ 184 ]

وثانيها: أنه مع التعارض يغلب المميز الخارجي. وثالثها: أنهما يتكافئان ويبقى الفعل بعد ذلك مشتركا. فهذه اصول الأقسام المتصورة في المقام. والذي ينبغي أولا ذكر جملة من الموارد حتى يتنبه بذكرها إلى (1) تطبيق الصور والأحكام الاتية: منها: الأعمال المأمور بها من وضوء أو غسل أو تيمم أو تطهير أو نزح بئر أو صلاة أو حج أو شئ من أفعالهما، أو جهاد أو عقد أو إيقاع أو حد أو تعزير - والحاصل: جملة الأعمال الصادرة من المكلف الذي تعلق به الحكم التكليفي أو الوضعي - فإنها غالبا مشتركة بين المأمور به وغيره، إما بنوعه أو بوصفه أو بكمه أو بكيفه، فالذي يريد أن تترتب عليه الاثار من ثواب أو أمر دنيوي فلابد حينئذ من إتيان السبب المجعول بحيث يصدق عليه ذلك الخطاب الجاعل للحكم. وبعبارة اخرى: يندرج تحت العنوان المأخوذ في الشرع، ويجئ في ذلك الأقسام المذكورة، فعليك بالتأمل في تطبيقها حسب ما وافقها من الموارد. ومنها: - مثلا - كتابة القرآن، واسم الله والانبياء ونحو ذلك الذي يحرم على الجنب والمحدث مسه، فإن في الكتابة - مثلا - أشياء مشتركة بين القرآن وغيره، فلابد في تعلق الحكم به من مميز. ومنها: سور العزائم التي يحرم قراءتها على الجنب والحائض، فإن كلماتها مشتركة بينها وبين غيرها. ومنها: البسملة التي هي آية - مثلا - من سورة، فهي مشتركة، فإذا وجبت سورة في الصلاة فهل يجب تعيين البسملة أم لا؟ ثم إنه يتعين بأي شئ؟ ومنها: أواني الفضة والذهب يحرم عملها واستعمالها، فإن من يعمل شيئا من ذلك له أن يغيره فيجعله كرة أو قنديلا ونحو ذلك، وهل يكون تعينه بإتمامه


(1) كذا في النسخ، والصواب: على.

[ 185 ]

ومميزاته، أو بالقصد، أو بهما على ما فصل؟ ومنها: آلات اللهو والقمار وهياكل العبادة التي يجب كسرها وإتلافها، ويحرم عملها واقتناؤها واستعمالها وبيعها ونحو ذلك، والكلام فيه كأواني الذهب. ومنها: الصور المجسمة التي يحرم عملها، ويجب إتلافها على وجه غير بعيد، فإنها أيضا في أول أمرها مشتركة يجئ فيها الكلام السابق. ومنها: التزين بالحناء والخاتم في الأحرام، فإنه في ذاته مشترك بين الزينة والسنة. ومنها: التكبير والتلبية القابلة لكونهما للأحرام وعدمه، وكان هذا داخلا في عموم ما ذكرناه أولا، لكن ذكرناهما بالخصوص لتعلق بعض المباحث بهما. ومثله التسليم المخرج للصلاة. ومنها: الوطن الذي تعلق به الأحكام الشرعية في السفر والاستطاعة ونحو ذلك. ومنها: سفر المعصية والطاعة المنوط بهما الترخص وعدمه، وكذا الحرمة وعدمها. ومنها: كلب الماشية والزرع والصيد الذي تعلق (1) به الأحكام الممتازة عن سائر الكلاب في المعاوضة والاقتناء والتربية. ومنها: الأعانة على الأثم والظلم. ومنها: تعظيم شعائر الله أو الأهانة، فإن الأفعال مع شدة اشتراكها يشكل تميز هذه الموضوعات. ومنها: التدليس المحرم في المعاملات والأنكحة وغيرها. ومنها: الالتقاط والأحياء والحيازة القابلة للتملك وعدمه، وكذا الاصطياد. وقس على ذلك نظائرها الواردة في أبواب الفقه من كل فعل أو عين و (2) نحوه


(1) في (ن): يتعلق. (2) في (ن) أو نحوه.

[ 186 ]

قابل للاحتمالين المختلفي الحكم. فنقول: إذا (1) كان لذلك الفعل أو العين ظاهر ينصرف إليه إطلاقه بحيث لا يصرفه عنه صارف أصلا ورأسا - كإحراق جسد امرء مسلم، أو إلقاء النجاسات على الضرائح والمساجد المعدود عرفا من الأهانة، والكتابة في ديوان الظالمين والرأي لهم في امورهم بحيث يعد عرفا معينا على ظلم - فلا كلام في تعلق الحكم، وهذه المرتبة في الحقيقة خارجة عن المشتركات وإن كان الفعل أو العين في ذاته مشتركا قابلا لغيره أيضا. وقس على ذلك كل مرتبة من المشتركات السابقة لو وصلت إلى هذه المرتبة وإن كان له ظاهر في نفسه. لكن لو كان صارف يصرفه من خارج أو من نية فذلك أيضا يتعلق به الحكم بمقتضى ظاهره، ولا يحتاج إلى مشخص، بل يحتاج إلى عدم وجود مغير. وعلى هذا يتفرع الأتيان بكل مأمور به عند صدور الخطاب به وإن لم ينو به شئ خاص، وكذلك أجزاء كل عبادة وشرائطها من صلاة وحج ووضوء وغسل وتيمم واعتكاف وصيام رمضان، فإن كل جزء من أجزاء هذه العبادات وإن كان قابلا لامور كثيرة ولكن النية الأجمالية المتعلقة بالمجموع المركب في أول الأمر توجب ظهور كل جزء وشرط في محله في كونه من هذه العبادة (2) وإن لم ينو الجزء، فلا يحتاج في الركوع وفي الطواف ونحو ذلك وحركات السعي وغيره نية خصوص الانحناءات والحركات. وبهذا يتفرع بطلان العبادات بزيادة الأركان وإن لم ينو - مثلا - كونه ركوعا، لأن هذه الهيئة في الصلاة ظاهرة في الركوع. ومثل ذلك في وجود الظاهر كون العادة للرجل قراءة سورة التوحيد، فإن إطلاق البسملة ينصرف إليه، وكذا كون الرجل كاتبا للقرآن في عادته، فكل حرف


(1) في مصححة (ن): إن كان. (2) في (م): العبادات.

[ 187 ]

كتب في الورق المعد له وإن ذهل عن القصد فهو قرآن، وكذا المعتاد لعلم آلة اللهو والقمار وعمل الصور المجسمة وهياكل العبادة، أو للسفر على قتل أو نهب للمسلمين، أو للكسب بحيازة أو اصطياد أو إحياء، أو المعتاد على تكبيرة واحدة في صلاته، فإن العادة تصير الشئ المشترك مما له ظاهر وهو ما وافق العادة، ولا يحتاج بعد ذلك إلى انضمام مميز خارجي محقق للاسم أو نية، فإن بمجرد الشروع ولو عاريا عن القصد يصدق الاسم ويلحق أحكامه. ومثل ذلك الاستيجار على عمل أو نذر ذلك، وأمثال ذلك مما يكون موجبا للانصراف. ونحو ذلك مسح شئ من شعائر العبادة - كالتربة الحسينية أو الضريح أو جدار المسجد أو نظائر ذلك مثلا - بذكره، أو جعل شئ من ذلك في مقعده، فإنه ظاهر في الأهانة إلا أن يصرفه صارف. وكذلك عمل شئ من الالات المحرمة بحيث يصدق عليها أسماؤها لو خلي وطبعه، فإنه ظاهر في ذلك محرم، إلا أن يعارضه شئ آخر. ولو عارض هذا الظاهر الحاصل من نية إجمالية أو عادة أو عقد أو صدق صورة عرفية - كما فصلناه - نية مغيرة لذلك فهو المتبع، كمن قصد في صلاته الانحناء لقتل حية أو عقرب، أو قصد المعتاد للعمل خلاف عادته من أول الأمر في جميع الأمثلة المذكورة، أو نوى فيما يصدق بظاهره الاسم شيئا آخر، - كقصد الشفاء من التربة ومسح الضريح بذلك - أو قصد تسوية تلك الالة شيئا آخر وإن كان في أثناء العمل يكون كذلك، فإن عمل القنديل يتركب من عمل آنيتين، وكذلك الكرة - وقس عليه سائر الالات - فلو كان قصد العامل مخالفا لذلك فلا بأس. وكذا الوارد في بلد آخر لو قصد به الاستيطان على الدوام، إذ العرف بعد الاطلاع على قصده لا يسمونه بذلك الاسم حقيقة، لا أن العرف يسمونه بذلك ومع

[ 188 ]

ذلك فلا بأس به، لأنا قدمنا في القسم الأول أن ما يعد إهانة عرفا مطلقا - مثلا - حرام، ولا ينفع فيه تغيير القصد اتباعا لمدلول الدليل وعنوان الحكم. وكذا لو حصل مميز قهري يوجب الخروج عن هذا الظاهر، كمن اشتغل بما يكون صورته جزء عبادة، لكنه غيره بإلحاق شئ آخر به. وكذا لو أتبع البسملة بسورة اخرى، فإن لحوق السورة يجعل البسملة من نفسها صدقا عرفيا، ولا يحتاج إلى أن ينوي البسملة من سورة القدر، ونحو ذلك وصل المشترك من القرآن بما يختص به، فإن المجموع المركب يعود قرآنا يلحقه أحكامه. ووصل الالات المحرمة بما يخرجها عن اسمها، وكذا تخريب شئ من المساجد أو المشاهد إذا اقترن بأمارات التعمير وإن لم ينو به شئ من ذلك، والبقاء في بلد آخر بحيث صدق الاستيطان ولو عاريا عن النية، أو ألحق بالكلب ماشية ونحوها، أو تصرف في المحيى والمحاز تصرفا ظاهرا في الملك، فإن ذلك كله كاف (1) في لحوق الأحكام. ولو تعارض النية والمميز الخارجي - كمن نوى البسملة لسورة وقرأ غيرها، أو قصد عدم الاستيطان لكن طالت المدة، أو قصد تسوية شئ من الالات المحرمة فاتصل بما أخرجه عن الاسم، أو قصد غيرها فصار بعد تمامه يطلق عليه الاسم، أو نوى عدم الملك وتصرف ما يدل على التملك، أو قصد بأفعاله رفع الظلم لكن وقع ما يوجب إعانة على الظلم ونحو ذلك، أو نوى في المشترك عدم القرآنية فكملها بما يوجب صدق القرآن - فالذي يقتضيه النظر: أن في الأعيان الخارجية كالالات والكلاب، ونحوها (2) كالكتابة والقراءة بالنسبة إلى الأحكام الوضعية أو التكليفية المتعلقة بها يغلب جانب المميز الخارجي، وفي نفس الأفعال يغلب النية، فتدبر.


(1) في (ن، ف): كافية. (2) في (ن، ف): ونحوهما.

[ 189 ]

وأما ما لا ظاهر له بذاته، أو بسبب شئ مما مر - كما هو الغالب في الأفعال المشتركة - فلا ريب في اعتبار النية في ذلك إذا لم يكن له مميز خارجي، إذ لا يتحقق الموضوع إلا بذلك. وكثير من الأمثلة التي ذكرناها وأغلب أبواب الأحكام التكليفية يدور مدار هذا، إذ الغالب عدم وجود مميز خارجي للأفعال، فتدبر. وإن كان له مميز خارجي أيضا، كتصرف المحيي كيفية تدل على تملكه كإحداث بناء ونحوه مما يعلم من ملاحظة ما ذكرته في ما له ظاهر - إذ الظاهر الذي فرضناه إنما هو لامور عارضية من عادة ونحوها، وإلا فما ذكر في هذه الموارد كلها داخلة فيما لا ظاهر له - فالظاهر كفاية المميز أيضا في لحوق الأحكام الشرعية، ولا حاجة في ذلك إلى النية لصدق الاسم الموجب للحكم تكليفيا أو وضعيا. والكلام في صورة اجتماعهما متطابقين واضح لوجود المعين ظاهرا وباطنا. وأما مع التعارض فيظهر حكمه مما مر، فتبصر وتدبر في الموارد حتى يتضح لك حقيقة الأمر. الضابطة الثانية: الذي ورد له تحديد في الشرع فهو أقسام: منها: ما حدد بالزمان، كيوم التراوح، والرضاع، ومسافة القصر، وسن البلوغ، وسن اليأس، وأقل الحيض وأكثره، وأقل الطهر، وأكثر النفاس، وثلاثة أيام لمشتبه الموت، وعشرة الأقامة، وثلاثين التردد، وحول الزكاة، وثلاثة الرباط أو أربعينه، واستبراء الأمة خمسة وأربعون يوما، وثلاثة خيار الحيوان والتصرية ومهلة الشفيع وخيار التأخير، وسنة العنين وتعريف اللقطة، وأقل الحمل، وأوقات العدة، ومدة تربص الأيلاء، وأحوال الدية، ونحو ذلك الاجال التي تجعل للديون أو للسلم أو لخيار الشرط، أو غير ذلك من الاجال التي تصدر بجعل المكلفين برخصة الشارع لهم في ذلك.

[ 190 ]

ومنها: ما حدد بالوزن، كالكر بالأرطال، وصاع الغسل، ومد الوضوء، والدينار في كفارة وطئ الحائض، ودراهم الكافور، ومد الصدقات في مواضع، ونصاب النقدين والغلات، وصاع الفطرة وبعض كفارات الحج، وبعض خصال الدية كالدرهم والدينار (1). ومنها: ما حدد بالمساحة، كالكر، وبعد البالوعة بالأذرع، ومساحة أعضاء الوضوء والتيمم، وأوقات الصلاة والنوافل بالمثل والمثلين والأقدام، وبعد الرجل والمرأة بعشرة أذرع في الصلاة، ومسافة القصر، ومسافة حضور مكة والخروج عنها بالنسبة إلى الحج، وتباعد رامي الجمرة، وفراسخ التلقي، وحدود الحريم. ومنها: ما حدد بالعدد، كدلاء البئر، ونصب الشاة والأبل والبقر، وبعض الكفارات، وبعض خصال الدية كالأبل والحلة، وأعداد الرضعة، وأعداد الطواف والسعي، وغير ذلك. وتارة يكون بغير ذلك من التحديد بالهيئة ونحوه، كتحديد الركوع ببلوغ أطراف الأصابع إلى الركبة، ونظائره. وهنا مباحث: الأول: أن السر في هذه التحديدات - كما قررناه في مقامات خاصة في شرحنا على النافع المسمى ب‍ (الحياض المترعة) - ليس لخصوصية في هذه المقادير بأنفسها غالبا، بمعنى: أن الكر مثلا عنوان لكثرة الماء وقوته في عدم الانفعال، والسنة في التعريف من جهة شدة الاهتمام بالوصول إلى المالك، وفي العنين من جهة احتمال القدرة على الجماع في أحد الفصول، والمسافة في القصر لحصول المشقة، والحريم في العامر لأجل عدم الضرر بصاحبه، ونظير ذلك يجئ في أغلب هذه التحديدات.


(1) في (ن، ف): كالدراهم والدنانير.

[ 191 ]

وليس غرضنا من هذا الكلام: أن التحديد غير تعبدي بل المدار على حصول العلة، بل المقصود: أن المصالح الواقعية - على ما يفهم من تتبع الموارد - ليست مقصورة على الحد الخاص، بل شئ (1) يمكن حصولها بالأقل وبالأكثر، كما لا يخفى على المنصف. ومعلوم للفقيه: أن غرض الشارع أولا وبالذات أيضا (2) هذه التحديدات، بل إلغاء الخصوصية وقصر الحكم على الضوابط العامة. ويرشد إلى ذلك تعليل النصوص والفتاوى أيضا في هذه المقامات بملائمات ومناسبات، اتي بها في النصوص بسياق العلة وفي الفتاوى بطريق الحكمة. وسر جعلهم له حكمة - مع استدلالهم به وظهوره من النص من باب التعليل - لما عرفوا من طريقة الشارع عدم إحالة الأحكام على مثل هذه الامور الغير المنضبطة. وقد خالف في هذه التحديدات جماعة من الأصحاب في بعض مقامات الباب، رجوعا إلى (3) ما هو المعلوم من القاعدة والتعليل وطرحا للخصوصية، حتى اجترأ الكاشاني في باب الكر، حيث جعل الميزان في الانفعال التغير والعدم - كما استفيد من النص والأجماع - وجعل الكرية كاشفة عن التغير وعدم التغير (4) فيكون قول الشارع: (لا ينجسه شئ) أي: لا يغيره. وإن شئت تفصيل كلامه فراجع ما كتبناه في المياه. وجعل الفاضل العلامة باب الحريم مبنية على عدم الأضرار (5) وألغى خصوصية الأذرع المحدودة في الشرع (6) المفتى بها عند فقهائنا. ونظير ذلك قاله بعضهم في البئر والبالوعة وفي سنة التعريف، حيث جعل الميزان اليأس من المالك. ولا ريب أنه يمكن إبداء مثل هذا الاعتبار المناسب


(1) كذا في النسخ، والمناسب: أشياء. (2) في (ن) زيادة: ليس، لكن شطب عليها. (3) في (ن): على. (4) مفاتيح الشرائع 1: 83 (مفتاح - 93). (5) القائل بذلك هو ابن الجنيد، واستجوده العلامة في المختلف 6: 208. (6) في (ن) زيادة: و.

[ 192 ]

في هذه التحديدات، سيما فيما وردت العلة في ذلك، كمسألة العدة والاستبراء ونظائرهما فتدبر. ولا ريب أن هذه العلل على ما يتجه في النظر القاصر هو الباعث على هذه الأحكام، ومع ذلك لا نقول بمقالة مثل العلامة في الحريم والكاشاني في الكر ونظائرهما في غيرهما، بل نتعبد بالتحديدات وفاقا للأعيان، نظرا إلى أنا علمنا من الشارع أنه لما رأى أن المكلفين بحسب اختلاف الأمزجة والنفوس يدور أمرهم في الأحكام غالبا بين إفراط وتفريط - والذي يعتدل قواه ويستوي أركانه في ذلك قليل لا تناط الأحكام بمثلهم - جعل الشارع هذه الحدود حسما لمادة التشاجر والتنازع وحفظا للنفوس عن طرفي الوسواس والمسامحة. فإن الشارع - مثلا - لو أناط حريم البئر بعدم الضرر، فواحد يقول: هذا مضر، والاخر يقول: هذا غير مضر، ويصير التنازع، وواحد يكون محتاطا في دينه لا يمكنه إحداث عمارة من وسوسة نفسه بأن ذلك لعله ضرر. ولو أناط غسل الوجه بالعرف فأهل الوسواس (1) كانوا يدخلون آذانهم ونصفا من رؤوسهم ومع ذلك لا يطمئنون به، وأهل المسامحة يقتصرون على العينين والأنف والخدين. فدعت الحكمة إلى أن الشارع يلاحظ أحوال الغالب من الأمزجة والنفوس والأبدان والأراضي، وغير ذلك مما علق عليه الحكم، ويجعل للموضوع حدا محدودا وإن كان السبب النفس الأمري للحكم قد يوجد بأقل منه، وقد لا يوجد بذلك الحد، بل يحتاج إلى الأزيد، لكنه ألغاها الشارع لعدم الانضباط، ولاحظ الغالب وحدده بذلك كي لا يتجاوزه المعتدون ولا يقصر فيه المتسامحون، فصار هذا تعبدا في قاعدة، كما يوجد في أبواب الفقه قاعدة في تعبد صرف تطرد ولا يعلم وجهها، والمقام معلوم الوجه واضح القاعدة، اخذ فيه التعبد بالعرض.


(1) في غير (م): فأهل المحتاج، ولا يبعد أن يكون مصحف: أهل الاحتياط.

[ 193 ]

فتدبر في هذا الكلام تحل لك الاشكالات في أغلب المقامات، منها: درهم الدية ودينارها مع التفاوت الفاحش في زماننا، مع أن المعلوم ملاحظة الشارع كل عشرة بواحدة، وتندفع به شبهة المتأخرين في كثير من موارد التحديدات، والله الهادي. الثاني: أن هذه التحديدات أغلبها بل كلها تحقيق في تقريب أو بالعكس، فإن المراد واحد، والأول أنسب بالتعبير كما يظهر من ملاحظة معانيه. والمراد: أن هذه الحدود مأخوذة على سبيل التحقيق والمداقة، فلو نقص ما حدد بالزمان مثلا - كما في الأمثلة السابقة - بساعة مثلا - فضلا عن يوم، فضلا عن أيام - لم يتعلق به الحكم اتباعا لظاهر التحديدات المحمولة على الواقعية الحقيقية. وكذا لو نقص المحدود بالمساحة بإصبع مثلا، فضلا عن شبر، فضلا عن ذراع، فضلا عن ميل. وكذلك لو نقص المحدود بالوزن بمثقال فضلا عن مد، فضلا عن رطل، فضلا عن صاع. ومثله لو نقص ما حدد بالعدد بنصف أو ثلث، فضلا عن الواحد التام. فإن قلت: لم يؤخذ هذا التحديد إلا من ظاهر اللفظ، ولا ريب أن قوله عليه السلام: (ألف ومائتا رطل) أو (ثمانية فراسخ) أو (عشرون يوما) أو (سبعون دلوا) - ونحو ذلك - يتسامح فيه في العرف بمثل هذه النقائص التي مثلت، فينبغي احتساب الكسور القليلة التي يتسامح فيها العرف تاما، كالساعة من اليوم، واليوم من الشهر (1) والاسبوع بل الشهر من سنة أو سنتين (2) والأصبع من ذراع أو شبر أو أشبار، والذراع والأذرع من الميل، والميل من الفراسخ، والمد من صاع، والواحد من ألف، ونحو ذلك. وأخذ هذه كلها بالدقة والتحقيق لا دليل على ذلك في شئ مما مر بعد فهم العرف واستعمالهم كذلك.


(2) في (ن): الشهور. (2) في (م): سنين.

[ 194 ]

قلت أولا: إن هذا الكلام يتم فيما له أسماء خاصة من المقادير المتدرجة (1) كالأصبع والشبر والذراع والميل والفرسخ واليوم والشهر والسنة والمد والرطل والصاع، ونحو ذلك. وأما ما كانت المراتب بإضافة العدد إلى ذلك المقدار حتى يتزايد، كقولك: عشرون شبرا أو أربعة آلاف ذراع أو أربعة وعشرون إصبعا أو عشرة أمداد أو ألف ومائتا رطل أو خمسون يوما ونحو ذلك، فلا، لأنا نرى العرف لا يطلقون على ما نقص من الأذرع واحد أنه أربعة آلاف وإن أطلقوا عليه الميل، وكذا لو نقص إصبع واحد لا يقال: أربعة وعشرون وإن قيل عليه: الذراع. فدعوى هذا الكلام في المكسورات على إطلاقه في غير محله، إذ طائفة من هذه التحديدات وردت في الشرع من القسم الثاني دون الأول، بل الغالب ذلك، وإذا لم يجر هذا الكلام في نحوه فالباقي يلحق به بعدم القول بالفصل. فإن قلت: إلحاق الموضوع بعدم القول بالفرق لا وجه له. قلت: غرضي أنه لو لم تثبت حقيقة الموضوع من أحد الطرفين ففي الحكم يتمسك بعدم القول بالفرق. فإن قلت: معلوم أن هذا في طرف الملحق به لعدم إمكان المسامحة وعدم جريان طريق أهل العرف به، وفي طرف الملحق معلوم خلافه. قلت: هذا غير قادح في الحكم بالألحاق ما لم يثبت في الثاني الأعمية. وثانيا نقول: لا ريب أن المعنى اللغوي في هذه الألفاظ إنما هو ما يوافق المقدار بالتحقق (2) - كما هو المصرح به في كلام اللغويين، بل الظاهر إطباقهم على ذلك - وهذه التوسعة في العرف إما من باب المجاز أو النقل أو الاشتراك لفظا، إذ الاشتراك المعنوي في اللغة معلوم الانتفاء، بل لا يكاد ينازع فيه منازع، وثبوته


(1) في (ن): المقدر به، وفي (ف): المقدرة به. (2) كذا في النسخ، والظاهر: بالتحقيق.

[ 195 ]

في العرف داخل تحت النقل، إذ يكون من باب نقل اسم الفرد إلى الكلي. ولا ريب أن المجاز - لو قطعنا النظر عن الامارات - أولى من الأخيرين كما قرر في محله. وثالثا نقول: إن الظاهر المجازية، لأصالة عدم النقل والوضع الجديد، وصحة السلب في العرف عن الناقص، وتبادر التام منه، وعدم اطراد إطلاقه على الناقص في كل مقام - وفيه كلام - وشئ من ذلك لا يخفى على المتدبر، فإذا ثبت المجازية فالأصل في الاستعمال الحقيقة حتى يظهر خلافه. فإن قلت: هذا مجاز شائع وفي ترجيح الحقيقة عليه كلام مشهور واختلاف عظيم. قلت: وصوله إلى هذا الحد ممنوع، ثم مكافئته للحقيقة حتى يتوقف مع عدم القرينة غير مسلمة، فضلا عن ترجيحه عليها، بل الحق تقديم الحقيقة، والكلام موكول إلى محله. ورابعا نقول: إن الشارع إذا علق الحكم على شئ محدود فندري يقينا دخول ما يساوي الحد تحقيقا تحت الدليل، فيترتب عليه أحكامه. وأما الناقص فلا أقل من الشك في دخوله، فالمرجع القاعدة أو الأصل بحسب مقامه، نظير التشكيك في المطلقات، بل هو منها. وخامسا: قد قررنا أن سر هذه التحديدات إنما هو الخلاص عن الوسواس، ولا ريب أن انطباقه على التحقيق في أصل المقدار حاسم لهذه المادة، بخلاف الابتناء على التسامحات العرفية، فلا تذهل. وهذا نظير ما قلناه في القراءة بالنسبة إلى هذه التغييرات التي في ألسنة عوام العرب وخواصهم، إذ الترادف ونحو ذلك مقطوع العدم. وأما المراد من أنه تحقيق في تقريب: أن غالب ما يعلم منه هذه المقادير مختلفة، كالأصبع والشبر والذراع والأيام ونحو ذلك، إذ لا يمكن عادة اتفاق الأشبار أو الأصابع أو الأذرع أو الأيام، وكذا أفراد ما اعتبر بالعدد كالأنعام

[ 196 ]

والرضعات والدلاء، ونحو ذلك الأوزان بالنظر إلى اختلاف الأحوال واختلاف كيفية الاستعلام والاستعمال وإن كان التفاوت قليلا، والكيل مما لا يخفى تفاوته على أحد. ولا ينفع في ذلك اعتبار مستوي الخلقة أو نظيره في غير ذلك، لتفاوت أفراد ذلك أيضا عرضا عريضا لا يدخل تحت ضابطة، ولا يقف على رابطة، فإن كون الأبل والبقر ونحو ذلك وكذلك رضعة الطفل متوسطة في الصغر والكبر والزيادة والنقصان من المحالات العادية بل العقلية، لتفاوت أفراد النوع لا محالة، فهي من هذه الجهة تقريب، ومن الجهة الاولى تحقيق، ولذلك سميناه تحقيقا في تقريب ولم نسمه بالعكس. وهذا أيضا من المؤيدات القوية على أن هذه التحديدات تعبد في قاعدة، وليس المدار على الحكم والعلل التي لا تندرج تحت فرد خاص، بل يمكن وجوده فيما هو أقل وأنقص، فلذا اعتبر الشارع التحديد في جهة حسما لمادة الاختلاف بما ذكر، ولم يعتبر في جهة اخرى إرشادا إلى كون ذلك ليس لخصوصية خاصة، بل شئ يوجد في أفراد متقاربة وإن تفاوتت. واختار الشارع التحديد في ذلك والتقريب هنا، لعسر ضبط الثاني، فإن ضبط الكر بالأشبار أسهل من ضبط نفس الشبر مع اختلاف أفراده، مضافا إلى أن ضبط الأسافل يستلزم ضبط جميع الأعالي لتلفقها منه (1) ولا يمكن (2) العكس إلا بتكلف بارد في بعض المقامات، بخلاف الفرق بنحو ما وقع من الحكيم على الأطلاق، فتدبر. الثالث: في تحديد مفاهيم هذه الألفاظ المستعملة في التحديدات على ما ثبت عندي بالنقل أو بالأمارة، فنقول: أما اليوم: فيطلق على معان ثلاثة:


(2) كذا في النسخ، والمناسب: منها. (2) في (ف، م): فلا يمكن.

[ 197 ]

أحدها: من طلوع الشمس من الافق الحسي، بمعنى كون مركزها فوق الافق، أو خروج القرص تاما - والأول أظهر - إلى غروبها فيه على أحد الاحتمالين، والثاني أقرب. وبعبارة اخرى: لا يدخل فيه الليل، ولا ما بين الطلوعين للفجر، ولاله وللشمس، وإن كان في هذا المقام بعد ذلك صور واحتمالات، لكنه كلام آخر. وثانيها: إطلاقه على ذلك المتقدم مع إضافة ما بين طلوع الفجر الصادق وطلوع الشمس إلى ذلك. وثالثها: إطلاقه على مجموع اليوم والليلة من الطلوع إلى الطلوع. ولم أقف على من احتمل الوجه الرابع، وهو كونه من طلوع الفجر الكاذب إلى الغروب، مع أن ما بين الطلوعين عند أهل التنجيم هو من الفجر الكاذب كما صرحوا به، وإنما الكلام في الحقيقة من بين هذه المعاني. والحق أن المعنى الثالث مجاز، لأنه خلاف المتبادر، ويصح السلب عن المجموع المركب، وقرينة التقابل بين اليوم والليلة في العرف واللغة. ومجرد الاستعمال لو ثبت فهو لا يفيد الحقيقة، مع أنه غير ثابت، إذ الظاهر أنه تخيل من دخول الليلة في بعض استعمالات العرف من باب اللزوم أو بالقرينة. والحق أن الاستعمال في مثل ذلك أيضا في النهار، وأما دخول الليلة فيعلم من خارج، ولم يعهد من كتب أهل اللغة غير ما ذكر من الاستعمال. وأما المعنيان الأولان: فالحق أن الثاني حقيقة في العرف واللغة، لأنه متبادر منه، ولا يصح سلبه عنه، ونص أهل اللغة أيضا على ذلك، ومقابلة الليلة المطلقة على ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر. نعم، الكلام في المعنى الأول هل هو حقيقة أم لا؟ وجهان، بل قولان. والذي أراه أنه حقيقة فيه أيضا، لعدم صحة السلب على الأطلاق، ولكنه هل هو على الاشتراك لفظا أو معنى؟ احتمالان، والذي يقوى هو الثاني، فالوضع للقدر المشترك بين الأمرين.

[ 198 ]

ولكن استقراء موارد الشرع قضى بكون المراد باليوم: المعنى الثاني، كما يظهر بالتتبع، حتى اشتهر في ألسنتهم: اليوم الشرعي. ولا يخفى عليك أن هذا في غير ما كان هناك قرينة على الخلاف كالاستيجار على عمل، فإن يوم الأجير من طلوع الشمس، بل لو انكسر منه أيضا في الجملة فلا بأس، نظرا إلى أن الاطلاق - كما يأتي - ينصرف إلى المعتاد، وهو فيه كذلك. وقد يكون يجتمع فيه الجهتان كيوم التراوح، فإن الشرعية تقضي بكونه يوم الصوم، وتعلقه بالعمل يقتضي (1) بكونه يوم الأجير، وقوينا فيه جانب الشرع تغليب للتعبد وعملا بالمتيقن بعد جريان استصحاب النجاسة. وأما اليوم والليلة: فلا خفاء في معناه. وأما الشهر: فاستعمالاته ثلاثة: أحدها: الشهر الشمسي، وهو مدة مسير الشمس في أحد البروج الأثني عشر، فقد يكون ثلاثين، وقد يزيد واحد، وقد يزيد إثنان. وهذا الأطلاق مجاز غير متبادر عن إطلاقه، ويصح سلبه عنه، وليس لهذا المعنى في اللغة والعرف أثر، وإنما هو اصطلاح من أهل التنجيم. وثانيها: إطلاقه على ثلاثين يوما، وهو المسمى بالشهر العددي. وثالثها: إطلاقه على ما بين الهلالين، وافق ثلاثين أو نقص واحد. والكلام في أنه هل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما دون الاخر؟ وعلى الأول هل هو على الاشتراك لفظا أو معنى؟ الذي أراه الاشتراك معنى على سبيل التشكيك، دفعا للمجاز والاشتراك، وتبادر القدر المشترك، وعدم صحة السلب عنهما. لكن الفرد المتبادر منه هو الهلالي، فيحمل إطلاقه عليه ما لم تكن هناك قرينة على العددي أو الأعم. وسيأتي في باب اللوازم والأحكام ما ينقح هذا المطلب.


(1) كذا في النسخ، والظاهر: يقضي.

[ 199 ]

والسنة والعام والحول بمعنى واحد، وإن كان لكل منها مناسبة في الاشتقاق (1) ولا حاجة لنافي ذكرها، وشأن الفقيه تتبع ما قضى به العرف. نعم، السنة في اللغة: من أول يوم عددته إلى مثله. وقيل: إن (العام) لا يكون إلا شتاء وصيفا، فيكون أخص من السنة، ولا فائدة في ذلك، لأنه مهجور في العرف على الظاهر. والمراد بالثلاثة ما عرفت في معنى السنة. نعم، الكلام في أن مثل ذلك اليوم في أي شئ؟ هل هو بالنسبة إلى الشهور؟ بمعنى: أنه من العاشر لشعبان إلى العاشر منه، أو بالنسبة إلى الفصول؟ بمعنى: أن العاشر لفصل الربيع إلى العاشر منه وإن تغير بحسب الشهر، فالأول هو السنة الهلالية، والثاني هو السنة الشمسية. وأما احتمال كون السنة عددية بمعنى: كونه ثلاثمائة وستين يوما لا زائدا ولا ناقصا (2)، فهو قضية الشهر العددي إذا ثبت أن السنة إثنا عشر شهرا، وتعريف السنة بهذه العبارة لم أجد في اللغة. نعم، هو معروف عند الناس، فبناءا على أن الشهر يطلق على معان ثلاثة تكون السنة كذلك، إذ هو إثنا عشر شهرا بأي معنى فرض، فيكون هناك أيضا سنة عددية. وهل هو (3) حقيقة في الكل على الاشتراك، أو التشكيك، أو في بعضها دون الاخر؟ وجوه. والذي أراه أن العددية بخصوصها ليست حقيقة، بل إطلاقه عليها لوجود الهلالي في ضمنها. وأما الأولان: فهو حقيقة فيهما على التشكيك، والمتبادر الهلالي، لغلبة


(1) في (ن): للاشتقاق، لا حاجة... (2) في (ف، م): لا أزيد ولا ناقصا وفي هامش (م): أنقص، خ ل. (3) تذكير الضمير باعتبار رجوعه إلى العام أو الحول.

[ 200 ]

الاستعمال، فينبغي حمل ما خلا عن القرينة - في النصوص أو في المعاملات والشروط - عليه. ولزوم الزكاة بحلول الثاني عشر وإن لم يتم ليس لتغير معنى في الحول، بل إنما هو حكم ثبت بالدليل الخاص، ولا يخلو من مناسبة أيضا لاشتقاقه، فتأمل. والكر - على ما حققناه في الفروع - ألف ومائتا رطل بالعراقي وزنا، واثنان وأربعون شبرا وسبعة أثمان شبر بالمساحة. والمراد ببلوغ تكسيره إلى ذلك اشتماله على ثلاثة وأربعين مجسما مائيا يحيط به ست مربعات متساوية الأضلاع كل منها شبر إلا ثمن واحد منها. ثم إن كل بعد إما صحيح أو كسر أو ملفق منهما، فالاحتمالات سبعة وعشرون، فمع الكسر في الكل لا يبلغ الكر. ومع الصحة مطلقا يضرب أحدهما في الثاني، والحاصل في الثالث، فإن نقص عما ذكر فليس بكر. ومع اشتمال الطرفين على الصحيح والكسر تضرب مجنس أحدهما في مجنس الاخر، ومخرج أحد الكسرين في مخرج الاخر، وتنسب الحاصل من الأقل إلى الثاني، وإن لم يكن أقل فبالقسمة يتم العمل (1). ومع صحة أحدهما فقط وكسر الاخر كذلك تضرب الصحيح في صورة الكسر، وتنسب الحاصل إلى مخرجه أو تقسمه، كما مر. ومع التلفيق في أحدهما والصحة في مقابله تضرب مجنس الأول على الثاني، وتتممه بنسبة أو قسمة (2). ومع الكسر تضرب المجنس منه في صورته والمخرجين أحدهما في الاخر


(1) كذا في النسخ، والظاهر حصول السقط أو التصحيف في العبارة، كما يظهر بالمراجعة إلى عبارة الشيخ البهائي قدس سره في الحبل المتين. (2) في (ن، ف): وتتمه بنسبته أو قسمته.

[ 201 ]

فتقسم أو تنسب بين الحاصلين والخارج هو المطلوب في البين، فتدبر في هذا الضابط. وإن شئت تفصيلا في الكلام في طريقة الضبط والمحاسبة فعليك بالمراجعة إلى ما كتبه شيخنا بهاء الدين محمد العاملي في كتاب (الحبل المتين) (1) فإن فيه ما لا مزيد عليه. والرطل - بالكسر والفتح -: معيار يوزن به، وهو بالعراقي مائة وثلاثون درهما، هي أحد وتسعون مثقالا شرعيا، وثمانية وستون مثقالا صيرفيا وربع مثقال، فالكر أحد وثمانون ألفا وتسعمائة بالصيرفي. وبالمن التبريزي ستمائة مثقال، يكون مائة وستة وثلاثين منا ونصف من. والمدني رطل ونصف بالعراقي، مائة وخمسة وتسعون درهما. والمكي رطلان بالعراقي. والذي افتهمناه من استقراء موارد الفقه: أن الرطل حيث يطلق في الأخبار يراد به العراقي - فعليك بالتتبع - فليحمل عليه ما لم تقم قرينة على خلافه. ويؤيد ذلك الخبر: في الشن الذي ينبذ فيه التمر للشرب والوضوء، وكم قدر الماء؟ قال: ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى فوق ذلك، قلت: بأي الأرطال؟ قال: بأرطال مكيال العراق (2)، فتأمل. والصاع: تسعة أرطال بالعراقي، وستة بالمدني، وأربعة ونصف بالمكي، فيكون ألفا ومائة وسبعين درهما، كل عشرة بسبع مثاقيل شرعية، وخمسة وربع مثقال صيرفي. لكن في مكاتبة جعفر بن إبراهيم إلى أبي الحسن عليه السلام: (وأخبرني أنه - يعني الصاع - يكون بالوزن ألفا ومائتين (3) وسبعين وزنة (4) أي: مرة بالوزن، يعني:


(1) الحبل المتين: 109. (2) الوسائل 1: 147، الباب 2 من ابواب الماء المضاف، ذيل الحديث 2. (3) كذا في النخ والاصل في هذا: الطريحي رحمه الله في ممجمع البحرين 4: 362، لكن الذي ورد (4) الوسائل 6: 236، الباب 7 من ابواب زكاة ة الفطرة ح 1.

[ 202 ]

درهما. والمد - بالضم والتشديد -: ربع الصاع، لأنه أربعة أمداد. وما في الخبر: (أن صاع النبي صلى الله عليه وآله كان خمسة أمداد) (1) محمول على شئ مختص به، وإلا فالصاع المعروف في زمانه أربعة أمداد على ما ثبت بالنقل المعتبر (2). والدينار: واحد الدنانير، وأصله دنار - بالتشديد - فابدل، ومعناه: مثقال من ذهب. وليس المراد في الفقه من المثقال إلا الشرعي وهو عشرون قيراطا، والقيراط ثلاث حبات من شعير، كل حبة عبارة عن ثلاث حبات من الارز، فيكون بالشعيرات ستون حبة، وبالارز مائة وثمانون حبة. ونص ابن الأثير: أن الدينار على هذا الحساب يكون الذهب الصنمي (3) وهو المسمى ب‍ (باجاقلو) (4) على الظاهر. وهو بالاعتبار الصحيح ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي. والدرهم: عشرة منه بسبع مثاقيل شرعية، وهو المضروب (5) من الفضة، وهو ستة دوانيق توازي نصف مثقال وخمسه، وثمانية وأربعين (6) حبة شعيرا، فتدبر. فقيل: إن في الجاهلية كان الدرهم مختلفا خفافا وهي (الطبرية) وبعضها ثقالا كل درهم ثمانية دوانيق، وكانت تسمى (العبدية) والبغلية: نسبة إلى (رأس البغل)


(1) الوسائل 1: 338، الباب 50 من أبواب الوضوء، ح 3 و 4. (2) لم نقف عليه، إلا أن الطريحي رحمه الله بعد نقل الحديث المذكور قال: ولعله كمخصوصا، وإلا فالمشهور: أن الصاع الذي كان في عهده صلى الله عليه وآله أربعة أمداد، انظر مجمع البحرين 4: 362. (3) لم نعثر عليه في النهاية. (4) باج اقلي، باجغلو، باجقلى: قسمي مسكوك طلاى تركان عثماني (لغت نامه دهخدا 9: 169). (5) في (ن): للمضروب. (6) في (ن): ثمانية وأربعون.

[ 203 ]

ملك من الملوك، فجمع الخفيف والثقيل وجعلا درهمين متساويين، كل درهم ستة دوانيق (1). وقيل: إن عمر فعل ذلك حيث طلب جباية الخراج بالوزن الثقيل، فصعب على الرعية (2). والشبر - بالكسر -: مسافة ما بين طرفي الخنصر والأبهام بالتفريج المعتاد. ويراد في التقديرات شبر مستوي الخلقة وإن تفاوتت أفراده أيضا، وقد مر تحقيقه. والذراع: من المرفق إلى أطراف الأصابع وهو ست قبضات، كل قبضة أربع أصابع، كل إصبع سبع شعيرات متلاصقات بالسطح الأكبر في المشهور المنصور - وقيل: ست - عرض كل شعيرة سبع شعرات من شعر البرذون. والقدم: في باب الوقت يراد به: سبع قامة الشاخص، والمثل والمثلان تمامها وضعفها، واخذ ذلك من قدم الأنسان، فإن قامته سبعة أقدام بقدم نفسه في مستوى الخلقة. والمراد ببلوغ الظل ذلك - على ما حققناه في أوقات الحياض المترعة في الشرح (3) - بلوغ الظل الحادث بعد الزوال، سواء كان بعد انعدام أو بعد غاية قصر الى ذلك، لا مجموع الموجود والحادث. والميل: ثلث الفرسخ، أربعة آلاف ذراع على الأصح. وقريب منه تحديده في كلام العرب بقدر مد البصر - كما في المغرب - إذ لو فرض ذلك في أرض خالية عن تلال ووهاد من دون تسطيح عارضي يقارب ذلك جدا. وليس المراد بمد البصر رؤية الشبح، إذ قد يكون ذلك أزيد من أربعة فراسخ، بل ظهور الجسم على الحس بصورته النوعية. وعلى هذا فالفرسخ ثلاثة أميال، إثنا عشر ألف ذراع، أو قدر مد البصر ثلاث مرات.


(1) مجمع البحرين 6: 61. (2) المصدر السابق. (3) في (ن): في الشرع.

[ 204 ]

الرابع: قد تقدم سابقا أن المكسور والناقص لا يعتد به في الشرعيات، لأنه تحقيق من هذه الجهة. لكن الكلام في أن المنكسر من يوم أو شهر أو سنة هل يكون ملغى في الحكم، فيراد القدر المعتبر من الأيام الصحاح؟ أو لا، بل يعتبر التلفيق في جميع ما عددناه من الأحكام المتعلقة بالزمان من أيام الخيار والعدة والاستبراء وأيام الدم والطهر ونظائرها؟ وجهان: ومنشأ المسألة أن يقال: هل اليوم - مثلا - حقيقة في الملفق من الاثنين؟ وكذا الشهر والسنة في وجه، إلا أن الكلام في الأخيرين ضعيف من جهة كون الشهر - على ما قرر - حقيقة في ثلاثين يوما، والسنة في عود مثل كل يوم عددته، ولا يدوران مدار هلال أو سير شمس أو نحو ذلك حتى يلزم فيهما الانكسار والتلفيق بالنسبة إلى أنفسهما. نعم، يدخلهما الكسر باعتبار اليوم، فإن انكساره كسر لهما، فالكلام فيهما الكلام فيه. نعم، لو قلنا: بأن الشهر عبارة عما بين الهلالين يجئ فيه هذا الكلام، كما أنه لو قلنا في السنة باعتبار خصوصية - كما مر الأشارة إليه في العام - جاء فيه أيضا هذا الكلام. ونحوه لو اعتبر الشهر أو السنة ملفقا مع تخلل الفصل بين الشقين، ويجئ لذلك توضيح في اللوازم. والحاصل: هل إطلاق هذه الألفاظ على الملفق من الشقين - على فرض إمكان التلفيق - حقيقة أو مجاز؟ فعلى الأول فهل هو على التواطي أو التشكيك؟ وجوه ثلاثة. فعلى التواطي لا كلام في اعتبار التلفيق في جميع ذلك. وعلى الاخرين (1) لا دليل عليه، وهو على المجازية واضحة (2) وعلى التشكيك من جهة انصراف


(1) في (ن، ف) الاخيرين. (2) كذذا في النسخ، والمناسب: واضح.

[ 205 ]

الألفاظ إلى الفرد المتبادر، كما لا يخفى. والذي أراه: أن مقتضى الامارات وطريقة العرف المجازية، فمقتضى القاعدة اللفظية الافرادية عدم التلفيق، فيسقط المنكسر ويحسب من اليوم التام، ونظيره في الشهر والسنة على فرض ذلك. ولكن الكلام في الهيئات التركيبية المتولدة من إضافة الأفعال وجمع الأيام والشهور ونحو ذلك، ويجئ فيه البحث عن قريب. وعلى تقدير ثبوت التلفيق بحقيقة في وجه أو قرينة على الأصح، فهل المراد بالتلفيق: اعتبار مقدار ما مضى من اليوم المنكسر من اليوم الاخر، أو اعتبار بقاء الزمان من اليوم الاخر كمقدار بقائه من المنكسر، أو ملاحظة مقدار نسبته إلى اليوم الاخر كنسبة ذلك المقدار إلى اليوم المنكسر؟ وجوه ثلاثة. وتظهر الثمرة في نقصان الأيام وزيادتها. ففي ثلاثة أيام لخيار الحيوان - مثلا - لو فرضنا وقوع البيع بعد أربع ساعات من طلوع الشمس في يوم مقداره اثنا عشر ساعة - كليلته - فيكون اليوم الثاني إثنى عشر ودقيقتين، واليوم الثالث إثنى عشر وأربع دقائق، والرابع إثنى عشر وست دقائق. فعلى الوجه الأول: ينبغي بقاء الخيار في اليوم الرابع إلى مضي أربع ساعات من النهار وإن بقي إلى الليل (1) ثمانية وست (2) دقائق. وعلى الوجه الثاني: يبقى (3) الخيار إلى أربع ساعات وست دقائق ليكون الباقي ثمانية (4) كيوم البيع. وعلى الوجه الثالث: يبقى الخيار إلى أربع ساعات ودقيقتين، إذ الذي مضى من يوم البيع أربع ساعات، وهو ثلث بالنسبة إلى اثني عشر، فيعتبر ثلث اليوم


(2) في (م): لليل، وفي (ن): الليلة. (2) كذا في (ن)، وفي (ف، م): ثمانية وستة، والصواب: ثمان ساعات وست دقائق. (3) في (ف): ينبغي بقاء الخيار. (4) أي: ثمان ساعات.

[ 206 ]

الرابع وهو أربع [ ساعات ] (1) ودقيقتان. ونظير ذلك لو كان نقص اليوم ست دقائق، فعلى الأول: إلى أربعة، وعلى الثاني: إلى أربعة إلا ست دقائق، وعلى الثالث: إلى أربعة إلا دقيقتين. وقس على ذلك سائر الفروض في الأيام المختلفة، وتلفيق النهار من الليل أو بالعكس فيما يحتاج إلى ذلك. والذي يساعده العرف اعتبار الوجه الثالث، إذ لا يفهمون من قول القائل: (بقيت ثلاثة أيام في البلد الفلاني) مع انكسار أحدها، أو قول القائل: (خذ من اليوم الاتي بمقدار المنكسر من هذا اليوم) إلا التوزيع بالأشاعة وملاحظة النسبة. ويقولون مثلا: من نصف هذا اليوم إلى نصف ذلك اليوم، أو من ثلثه إلى ثلثه. وليس لأحد أن يقول لو بقي في بلد من نصف نهار إلى نصف نهار: (إني ما بقيت يوما ملفقا تاما) لأنه على تقدير نقص اليوم الثاني صار هذا ينقص بدقيقة، أو (إني بقيت يوما ودقيقة) على تقدير الزيادة، بل يعد هذا يوما ملفقا تاما. والسر فيه: أن إلحاق شقي اليوم باليوم الزائد حتى ينقص، أو إلحاقه باليوم الناقص فيزيد لا دليل عليه، بل لا يفهم من معنى التلفيق إلا ظهور مركب يباين الطرفين من وجه ويناسبهما من آخر، كتركب (2) المز من الحلو والحامض. فاليوم الملفق لا ينقص عن أطولهما ويزيد عن أقصرهما، فتدبر فإنه كلام ليس عليه غبار. الخامس: فيما يلزم هذه الحدود ويلحقها. قد عرفت مما مضى أن اليوم حقيقة في النهار، وليس الليل داخلا في معناه إلا في وجه ضعيف جدا. فلو قال الشارع: ثلاثة أيام كذا - مثلا - أو خمسة وأربعون يوما للاستبراء، فمعناه: اعتبار النهار دون الليالي. لكن اللازم من هذا التركيب دخول الليالي المتوسطة في ذلك، دون الليلة الاولى والأخيرة، فإن المتبادر من قوله: (خيار


(1) الزيادة من هامش (م). (2) في (ف، م): كتركيب.

[ 207 ]

الحيوان ثلاثة أيام للمشتري) دخول الليلتين الواقعتين بعد الأول والثاني ذلك في الحكم، وهذا من لوازم التركيب. ولا يتخيل متخيل أن الخيار في اليوم دون الليلة، ونحو ذلك في ناوي الأقامة، فإن المتبادر من قوله: (إلا أن ينوي عشرة أيام) دخول تسع ليال فيها، وليس المعنى: إقامة أيامها وإن سافر بلياليها. ومن يقول: بأن الليلة داخلة في اللفظ يجئ فيه وجوه ثلاثة: أحدها: إدخاله الليلة السابقة أيضا في ذلك حتى يتم ثلاث ليال. وثانيها: إدخال الليلة اللاحقة لاخر اليوم، لعين ما مر. وثالثها: إدخال السابقة إن قلنا بأن الليل مقدم على النهار عملا بالعرف، وإدخال اللاحقة إن قلنا بالعكس عملا بالشرع، كما حقق في محله. ويحتمل أيضا التخيير، لعدم الترجيح. ويحتمل إدخال السابقة إن اتفق ابتداء الشئ المحدود من الليل، واللاحقة إن ابتدأ من النهار. ويحتمل أيضا سقوط الليلة الواحدة في الثاني. ويجئ على هذا القول التلفيق في الليل - على ما قررناه في النهار - لو اتفق البدأة في وسط الليل. وللبحث في هذا المقام مجال واسع، والعمدة في النظر التنبيه على الضوابط، وللتنقيح مقام آخر. وقد يلزم التركيب أيضا دخول الليالي بعدد الأيام، لا من حاق اللفظ - كما ذكرناه - بل من الوجود الخارجي، كما لو اتفق البيع أو نية الأقامة أو التولد أو الموت أو الطلاق - أو نحو ذلك - في أول الليل، فإنه يدخل الليلة الاولى أيضا في عداد الأيام، لتوقف مضي الأيام المعتبرة حينئذ إلى وجود الليالي في الخارج، وهو منشأ الالتزام. وكما لو اتفق أحد هذه الامور في وسط النهار، وقلنا بالتلفيق

[ 208 ]

فإنه يكون الليالي بعدد الأيام، لكنه يكون الليالي تامة والأيام ملفقة. وقد يدخل نصف الليل، أو أزيد أو أنقص لو وقع شئ من ذلك في الأثناء. ولذلك اعتبر جماعة من الأصحاب في هذه التحديدات الليالي المتوسطة ولم يلتفتوا إلى غيرها، لما عرفت من دخولها في أصل مدلول الخطاب، لعدم الانفكاك عن الماهية، ودخول ما ذكر هنا في بعض المصاديق للزومه للوجود الخارجي في بعض الأحيان. وليس غرضهم من تخصيص الدخول بالمتوسطات إخراج ما عداها عن الحكم وإن فرض كما فرضناه، فلا تذهل. وقد عرفت أيضا أن إطلاق الشهر يحمل على الهلالي، لكن لو وقع ما حدد بالشهور - من أجل مبيع أو عدة أو شرط أو نحو ذلك - في أثناء الشهر فللاصحاب في ذلك وجوه ثلاثة. والسر في ذلك: القطع بعدم احتساب الناقص كاملا، وعدم سقوط هذا الناقص من الاعتبار مطلقا حتى يحتسب بعده شهورا هلالية تامة، إما بقرينة المقام أو كون القاعدة التلفيق، فلا بد (1) من ضم هذا الناقص إلى ما بعده. فمن زعم أن هذا قرينة على عدم إرادة الشهور الهلالية أصلا، لعدم إمكان وجودها من حين وقوع الواقعة في أثناء الشهر، والمعتبر أن إطلاق اللفظ اعتبر كلها عددية ولم يعتبر الهلالي. ومن زعم أن المتبادر الهلالي إلا أن تقوم قرينة على غيره، سواء جعلنا ذلك مجازا أو فردا غير متبادر، وادعى الاقتصار في الخروج عن القاعدة إلى المتيقن ادعى أن الشهور الهلالية التامة الاتية (2) لا دليل على اعتبارها عددية. نعم، هذا المنكسر بعد الدليل على عدم سقوطه بل لزوم انضمامه، عرفنا أنه لا يمكن كونه هلاليا حملناه على معنى آخر، واعتبرنا فيه التلفيق، كما هو طريقة


(1) في (ن، ف): فلا من، وهكذا في أصل (م) أيضا، إلا أنه صحح بما أثبتناه. (2) الاتية: ليست في (ف)، ووردت في هامش (م) نسخة.

[ 209 ]

المشهور، لكن لهم هنا طريقين. أحدهما: تتميم الشهر الناقص من الاخر بمقدار ما مضى منه، فيمكن أن يكون ثلاثين لو هل الهلال الأول بعده، وأن يكون تسعة وعشرين لو نقص بيوم من آخره. ولعل الوجه في ذلك تبادر هذا الفرض من الأطلاق، فإن قول القائل في اليوم الثاني عشر من رجب وقت طلوع الشمس: (آجرتك هذه الدار من يومنا هذا إلى ستة أشهر) لا يفهم منه إلا إلى الثاني عشر من المحرم وقت طلوع الشمس وإن كان شهر رجب ناقصا بيوم. وثانيهما: تكميل الناقص ثلاثين، ففي هذا الفرض يجعل اليوم الثاني عشر أيضا في مدة الأجارة لو كان شهر رجب ناقصا، كما اختاره أساطين أصحابنا. والوجه في ذلك - بعد العلم باحتساب الناقص - الخروج عن ظاهر اللفظ في ذلك الشهر خاصة بحمله على العددي، فإنه إما معنى مجازي أو فرد غير متبادر - كما اخترناه - فمع القرينة على عدم إرادة الهلالي لعدم إمكانه في المنكسر يحمل على العددي، وهو ثلاثون. أما إتمام الناقص بمقدار ما مضى، فقد يكون تسعة وعشرين، مع أنه ليس شهرا هلاليا ولا عدديا، ولا ريب أنه إما مجاز أو أبعد المجازين، ولا يسمى في العرف تسعة وعشرون يوما شهرا مطلقا. وهذا الذي ذكر قوي متين لو لم يعارضه التبادر العرفي في المعاني التركيبية في باب التلفيق، فإنه قد يستفاد من المركب معنى لا ينطبق على قواعد المفردات، كما ذكرناه في جواب ابن جني (1) حيث زعم أن أغلب اللغة مجازات. فنقول: بعد ما قررنا من كون التلفيق على خلاف القاعدة بالنظر إلى اللفظ المفرد هل هناك ضابط كلي من قرينة خارجية على إرادة الملفق من هذه التراكيب؟ مثلا: قول الشارع في التراوح أو الرضاع أو مسافة القصر: ينزحون


(1) لم يذكره فيما سبق من هذا الكتاب، ولعله قدس سره أفاده في مؤلف آخر من مؤ لفاته.

[ 210 ]

يوما أو ترضع يوما أو مسيرة يوم، وكذلك قوله: أقل الحيض والانتظار لمشتبه الموت والرباط وخيار الحيوان والتصرية والتأخير ومهلة الشفيع في إحضار الثمن ثلاثة أيام - ونظير ذلك لو فرض زيادة المدة - وقوله: يعرف اللقطة حولا، أو ينزح عشرون دلوا، أو في خمس من الأبل شاة، أو الدية مائة بعير، هل يشمل النزح أو الرضاع أو مسيرة نصفي يوم، أو اليومين التامين مع نصفي يومين (1) في الثلاثة، أو التعريف نصفي سنة مع انفصالهما، أو كفاية أربعين نصفا من دلو، أو لزوم الشاة في عشرة من الأبل مشتركة بين إثنين، أو كفاية إعطاء النصف المشاع من مائتي بعير؟ - ونحو ذلك فيما تعلق بشئ من ذلك ونحوه نذر وشبهه - أو لا يشمل مطلقا؟ أو يدور مدار القرائن الخاصة؟ والذي يظهر بعد التأمل عدم وجود ما يدل على دخول الملفق على الأطلاق. نعم، لو دل قرينة على عدم خروج المنكسر عن الحكم وعدم زيادة على ذلك - كما هو الظاهر في الحيض والطهر وخيار الحيوان ومهلة الشفيع ونصاب الأنعام بعد التأمل التام - فلا بأس بالدخول، وإلا ففي ما عدا ذلك فالأصل عدم ترتب الاثار بعد عدم الدخول تحت اللفظ. وعليك بملاحظة أدلة المقامات في التحديد حتى يظهر لك جلية الحال، فإن هذا مقام استعجال، ليس لي في البسط مجال. الضابطة الثالثة: ما لم يرد له تحديد في الشرع - سواء كان أصل التعبير من الشارع، أو من المكلفين في معاملاتهم من عقد أو إيقاع - قسمان: أحدهما: ما اعتبر فيه الاعتياد من الشرع، أو لتحقق عنوان الحكم الذي صدر من الشارع.


(1) في (م): نصفي يوم.

[ 211 ]

وثانيهما: ما ليس فيه خصوص الاعتياد. أما الأول: فمنه دلو البئر، ومخرج الأحداث، وتحقق العادة للحيض والنفاس، والمأكول والملبوس في سجود الصلاة، والكيل والوزن في المعاوضات ونحوها، وتوابع متعلقات العقود، كالتوابع للمبيع والعين المستأجرة، ونقود المعاملة والمرض والبول في الفراش والأباق في كونهما (1) عيبا، وفي كون الشئ مكيلا وموزونا في تحقق الربا، ولزوم الاعتياد (2) بذلك في صحة المعاملة وانصراف إطلاق اللفظ إليه، وفيه بحثان: أحدهما: في أن الاعتياد - بعد اعتباره في معنى اللفظ، أو في لحوق الحكم لانصراف الدليل إليه، أو قيام القرينة عليه - بأي شئ يحصل؟ فنقول: لا بحث في أن العادة ليست لها حقيقة في الشرع غير ما هو معناه لغة وعرفا، لأصالة عدم النقل، ولم يدعه أحد أيضا. وما ورد في باب الحيض من التحديد - كما سنذكره - لا يدل أولا على نقل معنى اللفظ، بل إنما هو تحديد لما يلحقه أحكام العادة من الأقراء وإن لم يطلق عليه اسم العادة حقيقة. وبعبارة اخرى نقول: إن تحديد الشارع هناك ليس لتحقق معنى اللفظ وصدقه بمجرد حصول ذلك الحد، بل لما كان حكم المعتادة الرجوع إلى عادتها، وكانت العادة أمرا عرفيا لا تنضبط - سيما مع أن المكلف هناك النساء اللاتي ليس لهن إدراك الماهيات الخفية بالرجوع إلى العرف، كيف وقد اضطرب في مثل ذلك أجلة العلماء المتفحصين! وكان التكليف منوطا بأمهات العبادات: من صلاة وصوم وقراءة ودخول مسجد ونظائر ذلك، مضافا إلى حقوق اخر - أراد الشارع إعطاء ضابط في ذلك للتسهيل، على مقتضى ما قررناه في سر التحديدات في الشرع (3). والحاصل: إن حقيقة الاعتياد كاشفة عن كون ما زاد على العادة حيضا (1) لا


(1) في (ن): كونها. (2) في أكثر النسخ: الاعتبار. (3) راجع ص: 188 - 190. (4) كذا في النسخ، والظاهر: استحاضة.

[ 212 ]

العادة التي جعلت بالشرع، واعتبار ذلك من الشارع تعبد في قاعدة، كما أسسناه سابقا (1). وثانيا نقول: إن هذا تحديد لأيام الأقراء وأيام الحيض، ولفظ (العادة) اصطلاح لم يستعمل إلا نادرا، ولم يسق اللفظ لبيان ماهية العادة. وثالثا نقول: إن كون ذلك معنى العادة في الحيض لا يدل على كونه بهذا المعنى في كل مكان، وكونه كاشفا عن الحقيقة ممنوع. ورابعا نقول: على فرض تسليم هذا المعنى يفيد أن لفظ (العادة) متى ما اطلق في الشرع يراد به: المتكرر مرة، ولا ينفع ذلك فيما جاء فيه اعتبار العادة من إطلاق الألفاظ وانصرافها، فإنه ينصرف إلى المعتاد العرفي، دون ما جعله الشرع عادة. فإذا لم يكن كذلك فنقول: لا كلام في عدم تحقق العادة بالمرة الواحدة، لأن المتبادر خلافه، ويصح سلبه عنه. ويرده مادة اللفظ لاعتبار معنى العود في اشتقاقه. وأما المرتان، فظاهر جماعة من أصحابنا - منهم شيخنا الشهيد رحمه الله في قواعده في عيب البول في الفراش (2) - الحصول به، لأنه عود فيدخل تحت العادة، إذ هو بمعنى ما يعود ويتكرر. ولما دل في باب الحيض أنه لو رأت الدم أياما معلومة مرة، فإذا جاء الدم بعد ذلك عدة أيام سواء فتلك أيامها (3) وليس هذا إلا لتحقق معنى العادة، إذ في النصوص بيان من لها عادة وأيام معلومة بتلك العبارة - فلا تذهل - وخصوصية الحيض في هذا المعنى غير ثابتة. ولأن العرف يطلق العادة بعد المرتين. والذي أراه عدم الصدق عرفا بمجرد المرتين. وكون الحيض كذلك لا يدل،


(1) راجع ص: 194. (2) القواعد والفوائد 1: 149. (3) انظر الوسائل 2: 545، الباب 7 من أبواب الحيض.

[ 213 ]

والفرق ما ذكرناه في صدر البحث. وكون اشتقاقه من العود لا يدل على كون كل عود عادة لجواز اعتبار الملكة والاستعداد في مفهومها. نعم، يدل على عدم صدقه بدون العود، وبه يرد مذهب من قال بأنها تتحقق بالواحدة في الحيض (1). وأما الثلاث، فهو ظاهر الأكثر في تحقق العادة، وهو محتمل لأمرين: أحدهما: كون الثالثة كاشفة عن تحقق العادة بالثانية. وثانيهما: كونها ناقلة من زمان تحققها. والفرق بين الأول والمرتين: أن بمجرد تحقق المرتين لا يحكم بحصول العادة على الكشف، بمعنى: أنه يشترط في صدق العادة بالثانية لحوق الثالثة، وليس للثالثة مدخلية، بل التقيد داخل وإن كان القيد خارجا. وبعبارة اخرى: تعقب الثالثة للثانية (2) شرط في صدق العادة بالثانية. وافتراق الثاني عنه لا يحتاج الى بيان. والذي أراه الصدق العرفي في الثالثة على طريق النقل، وبمجرد الثانية لا أظن صدق العادة، إلا أن ظاهر جمع من فقهائنا الاكتفاء بها. وثانيهما: أن المدار حصول العادة في كل زمان ومكان، أو في مكان واحد في زمن واحد. وعلى الثاني هل يسري الحكم بذلك إلى الكل، أو يتحقق في مورده خاصة؟ وعلى التقادير هل يدور الحكم مدار الاعتياد وجودا وعدما، - فبالحصول يحصل وبالعدم ينعدم - أو يدور مداره وجودا خاصة؟ بمعنى: أنه متى ما تحقق تعلق الحكم ولا يزول بالزوال. وتنقيح البحث: أن العادة بنفسها لو جعلت في كلام الشارع موضوعا لحكم كما في الحيض والنفاس والتوابع في العقود وفي نقود المعاملة وعيبية المرض


(1) هو قول بعض العامة، انظر الخلاف 1: 239، المسألة 206. (2) في (ن): ثالثة لثانية.

[ 214 ]

والبول والأباق وانصراف الكيل والوزن إلى المعتاد ونظائر ذلك - ومرادنا بكونها مناطا لحكم: كونها باعثا على البناء على هذا الحكم وكونها علة في ذلك - فإن تحققها صار سببا للرجوع عليها من أيام الدم، وللحوق مفتاح الدار والبناء والأغلاق في بيعها، وثياب المملوك في بيعه، ولحوق القتب والزمام ونحو ذلك في إجارة البغل، وفي انصراف إطلاق النقد أو البيع به، أو التوكيل في معاملة إلى الغالب، وفي صدق العيب بهذه الأسباب - إذ الواحدة (1) لا تعد عيبا - وفي انصرا ف المن أو القفيز أو نحو ذلك إلى المعتاد، وفي لزوم نفقة المضارب، وكيفية عمل العامل في المساقاة ونحوه (2) وحفظ الودائع. وبعبارة اخرى: نريد كون العادة سببا لجعل حكم أو صرف لفظ إلى معنى، فهناك يدور الحكم مدار الاعتياد في زمانه ومكانه ونوعه وجنسه، فكل امرأة تتبع عادة نفسها، وإن تغيرت فالحكم لللاحقة. وكل لفظ من الألفاظ المذكورة وتابع من التوابع يتبع بلد الأطلاق للفظ وإيقاع المعاملة في ذلك، وكلما تغيرت العادة في شئ من ذلك تغير. ومن طريق تحرير المسألة علم الوجه في ذلك، إذ لا ريب في زوال المعلول بزوال سببه من هذه الحيثية، ووجود سبب آخر لا دخل له في محل البحث. وفي قواعد الشهيد أن: (في اعتبار العرف الخاص تردد، كاعتياد قوم قطع الثمرة قبل الانتهاء) (3). وليس في محله بعد العادة. ولو كان اعتبار الاعتياد في موضوع للحكم بمعنى تعلق الخطاب من الشارع بلفظ وانصرف ذلك اللفظ إلى المعتاد، لا لأن العادة سبب في ذلك الحكم، بل العلة لا نعلمها، أو نعلم أنها غير العادة، لكن تعلق بموضوع شائع معتاد - كقول الشارع: لا تسجدوا على مأكول وعلى ملبوس، أو في نققة الزوجة (1) والاقارب والمملوك:


(1) في (ن، ف): الوحدة. (2) كذا، والمناسب: ونحوها. (3) القواعد والفوائد 1: 149. (4) في (ف، م): الزوجية.

[ 215 ]

أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون، ويحرم الربا في المكيل والموزون، ويجب نزح عشر دلاء عن البئر، وينقض الوضوء ما خرج من المخرجين، وغير ذلك مما علق الشارع عليه الحكم وانصرف إلى المعتاد، ونحوه مسألة مستوى الخلقة المأخوذة من الاطلاقات وانصراف التحديدات إليه - فهنا وجوه: أحدها: ملاحظة المعتاد في زمان الشارع (1) في جميع ما ذكر، نظرا إلى أن عنوان الحكم هو ذلك، ومجرد اعتبار وصف معه قابل للتغير والتبدل بحسب الأزمان والاوقات لا يوجب تقييد الموضوع بالوصف، فكما أن الدينار والدرهم والرطل ونظائر ذلك من الذوات التي لم يؤخذ معها وصف يراد بها ما في زمن الشارع - وكذلك الأوزان - ولا يعتمد على ما في هذا الزمان، فكذلك في الملبوس والمكيل والمخرج ونحو ذلك مما اعتبر بلفظ الوصف، فيعم الحكم في ذلك الموضوع لكل زمان ومكان وإن تبدل الوصف أو لم يكن في ذلك وصف في مكان أصلا. ولا عبرة بما يتجدد فيه الوصف في زمان آخر، أو كان فيه الوصف في مكان آخر. وثانيها: الفرق بين الذوات والموصوفات بأن اعتبار الوصف يشعر بكون ذلك علة في ذلك الحكم في الجملة، فكل ما كان هذا الوصف معتادا فيه ولو في بعض الأمكنة فهو داخل تحت اللفظ سواء كان في زمن الشرع أو غيره، لأن عنوان الحكم إنما هو المشتق والمشتق يصدق على كل فرد وجد منه في الخارج وصار من الأفراد الغالبة، إذ ليس معناه إلا ما تلبس بهذا الوصف في الغالب المعتاد. والفرض تحقق القيدين معا، وكلما زال أحد الأمرين أو انتفى - بأن يكون موصوفا غير غالب، أو غالبا غير موصوف - ينتفي الحكم في ذلك، لانتفاء الاسم والعنوان، ومجرد كونه كذلك في زمن الشارع أو مكانه لا يقضي بالعموم. وثالثها: اعتبار ما وجد من الأفراد في زمان الشارع وإن تغير بعد ذلك


(1) في (م) زيادة: ومكانه.

[ 216 ]

أوصافهم، أخذا بالحكم باعتبار الذات وكون الوصف موردا لا قيدا. واعتبار غير ذلك من الأفراد أيضا إذا تحقق فيها الوصف ما دام فيه الوصف، للعلية المستفادة من تعليق الحكم عليه، جعل (1) الوصف مثبتا في غير ما في زمن الشارع، لا نافيا لما في زمنه إذا تغير وصفه، جمعا بين الموردية في الوصف والعلية، وتعميم الحكم لكل الأمكنة. ورابعها: عموم الحكم في المكان دون الزمان، بمعنى: أن المعتاد في زمن الشرع في أي مقام كان يجري حكمه بالنسبة إلى الجميع، لعموم اللفظ لكل ما تحقق فيه الوصف والاعتياد، وشمول الحكم لكافة المكلفين بالخطاب أو بقاعدة الاشتراك. وأما الزمان فلا، بمعنى: أنه ما حصل فيه الوصف في الأزمنة المتأخرة في مكان خاص أو عام لا يلحقه الحكم عموما ولا خصوصا. نعم، ما ثبت في زمان الشارع لحقه الحكم فيه ما دام الوصف باقيا - ولو في مكان - في كل الأمكنة. وخامسها: عموم الحكم في الزمان، بمعنى: أن كل زمان تجدد فيه الوصف فهو داخل تحت الحكم، لعموم العلة، ولا يعم غير مكان اعتياده. فقول الشارع: (لا تسجد على ملبوس ولا مأكول) معناه: كل ما وجد شئ متصف بأحدهما في أي زمان كان حكمه المنع عن السجود بالنظر إلى المكان الذي حصل فيه الوصف والاعتياد دون غيره، فيكون كل مكلفا بعادة نفسه وجودا وعدما. وسادسها: عموم الحكم لكل زمان وكل مكان، مع عدم دوران الحكم مدار الوصف عدما فكل ما تحقق فيه الوصف في أي زمان [ وأي مكان ] (2) لحقه الحكم


(1) كذذا في النسخ، والصواب - ظاهرا -: بجعل. (2) لم يرد في (ن).

[ 217 ]

وعم المكلفين في الأزمنة وإن زال الوصف بعد ذلك، إثباتا للحكم في ذلك باستنباط العلية في الأثبات فيعم كل زمان، وبقاعدة الاشتراك فيعم كل مكان، وإبقاءا له بعد زوال الوصف بالاستصحاب، لعدم ثبوت العلية في العدم. والظاهر من كلمة الأصحاب: اعتبار الوجه الخامس في النفقات، واعتبار الوجه الثاني في السجدة على المأكول والملبوس، واعتبار الوجه الثالث في الربا في المكيل والموزون. ويظهر من بعضهم وجوه اخر في ذلك. والذي ينبغي تأسيس الضابط في ذلك، وخروج بعض الأفراد بدليل خاص غير قادح. فنقول: أما الذوات - كالدلو واليد والرجل والحنطة ونحو ذلك - فالأقوى اتباع المعتاد الغالب في ذلك بحسب كل زمان ومكان بحسب أهله. واحتمال لزوم النزح بدلو معتاد في زمن الخطاب، وغسل الأعضاء أو المساحة بشبر أو ذراع معتاد في زمن الخطاب - فلا ينفع ما اعتيد في هذا الزمان لو ثبت القصر أو الصغر عن ذلك - بعيد جدا. وليس ذلك لعدم الانصراف إلى المتعارف، بل لأن التكليف بالذات المتعارف، فيكون كل مكلفا على حسب متعارف زمانه ومكانه. ولا يتخيل متخيل: أنه على هذا يلزم مثله في الأرطال والموازين والدرهم (1) ونحو ذلك، لأن كلامنا في الكلي المتعارف الأفراد، لا في اللفظ المختلف المعاني، فإن اشتراك اللفظ أو نقله من معنى إلى آخر لا يوجب إجزاء المعنى الاخر عما أراده الشارع. وبالجملة: الكلام في الذوات بمعنى أسماء الأجناس التي لها أفراد متعارفة في الأزمنة وإن كان المتعارف من أفراد الحنطة والأبل - مثلا - في زمان غير ما هو المتعارف في زمان آخر. ويدل على هذا المعنى طريقة أهل العرف وأصحابنا


(1) في (ن، ف): والدراهم.

[ 218 ]

في أبواب الفقه، حيث داروا مدار التعارف في الذوات، ولم يذكر أحد كونه فردا متعارفا في زمن الشارع. فإن قلت: هذا البناء مفهم اتكال على عدم تغير الأفراد المتعارفة الشائعة في الذوات، ولو ثبت التغير لاعتبروا المعتاد في زمن الشرع. قلت: مع أن ذلك لا يمكن في مثل دلو البئر ونظائره خلاف ظاهر كلامهم، بل ظاهرهم كفاية المتعارف (1) اليوم، والسر تعلق التكليف بالطبائع في ضمن الفرد المتعارف وقد حصل، وتعارف زمن الشرع لا دخل له في ذلك. وأما ما اعتبر فيه الأوصاف التي تختلف بحسب الزمان والمكان، فالحق فيه عموم الحكم لأهل كل مكان بعد صدق الموضوع، فمجرد كون الشئ مأكولا أو ملبوسا أو مكيلا وموزونا معتادا في أحد الأمكنة يوجب صدق هذه الأسماء عليه (2) ما لم يصرفه صارف إلى اعتبار أشخاص مخصوصة أو بلدان كذلك، فإذا صدق هذه الألفاظ تعلق الحكم على كافة المكلفين بقاعدة الاشتراك في التكليف، إلا إذا دل دليل من خارج على التخصيص. وأما بحسب الزمان، فلا كلام في دخول ما وجد فيه الوصف في زمان الخطاب ولو في مكان ما دام باقيا على هذا الوصف، ولا كلام في خروج ما تجدد اتصافه بعد زمن الشارع بعد (3) زوال الوصف عنه، لأن المعتبر إما الذات المدلول عليها بخطاب الشارع وليس إلا المعتاد في زمانه بذلك الوصف، وإما علية الوصف المستفاد من خطابه والمفروض أنه قد زال، فلا وجه لدخول هذا الفرض في الحكم من حيث الدليل. نعم، لو قلنا بدخوله تحت الدليل ما دام الوصف تجئ شبهة الاستصحاب بعد زوال الوصف. والتحقيق عدم جريانه، لما قررنا من اشتراط بقاء الموضوع،


(1) في (ن، م): التعارف. (2) في النسخ: إليه. وهو سهو. (3) في (م): وبعد.

[ 219 ]

وحيث إن ثبوت الحكم للعلة فيكون عنوان الحكم المشتق، لا الذات إذا اتصف. لا يقال: الماء المتغير بعد زوال تغيره يستصحب نجاسته لاحتمال كون الوصف علة محدثة والمبقية غيره، فكذا فيما تجدد فيه الوصف الموجب للحكم بعد زوال الوصف. لأنا نقول: فرق بين كون الموضوع (الماء إذا تغير) وبين كونه (المتغير) وعلى الثاني لا يجري فيه الاستصحاب، كما لا يجري في المشرك إذا أسلم. وفرق بين كون الاسم المأخوذ للحكم الذات إذا اتصف بصفة وبين كونه الموصوف المشتق، فلا تذهل. فإذا كان موضوع الحكم (الحنطة إذا كانت مكيلة) يستصحب حكمها إذا خرجت عن المكيلية، وإذا كان الموضوع (المكيل) لا يستصحب الحكم المتعلق به بعد زوال الوصف، إذ لا موضوع، والحنطة لا دخل له (1) في الحكم بالمرة. فبقي البحث في المتصف في زمن الشارع إذا زال عنه الوصف في الأزمنة المتأخرة، وفي المتجدد فيه الوصف في زمان متأخر ما دام الوصف مع عدم اتصافه في زمن الشارع، ففي دخولهما تحت الحكم أو خروجهما أو دخول الأول دون الثاني أو بالعكس، وجوه، يعلم وجوهها مما سبق. والذي يترجح في النظر القاصر الوجه الأخير، للعلية المستفادة من الوصف، ودخول الأول فرع كون الذات موضوع الحكم ولو بهذا العنوان، وهو خلاف ظاهر اللفظ. وفتوى الأصحاب إن كان إجماعا فهو المعتمد، وإن كان هناك دليل آخر فهو المتبع. وإن جعلنا فتواهم قرينة على إرادة ذلك - كما نتكل عليه في غالب الموار د خلافا للمتأخرين المعرضين عن كلمة أصحابنا المتبحرين - فالأشكال مرتفع، وإلا فلا دليل على شئ من ذلك.


(1) كذا، والمناسب: لها.

[ 220 ]

وأما الثاني: فهو ما لم يؤخذ فيه خصوص العادة ولا التحديد، بل معناه موكول إلى العرف، كما في معنى الغسل والعصر وما لا ينقل في التطهير بالشمس وثوب الكفن والكسوة، ومعنى الدفن والصعيد والعورة في وجه والفعل الكثير والجهر والاخفات وكثير الشك والسهو والسفر وسوم الأنعام والأطعام ومنافيات المروة وبدو الصلاح، ومعنى القبض وضبط الأوصاف بحيث يرتفع الجهالة في كل شئ بحسبه، ومعنى الفورية في الخيارات والشفعة، وفي صدق الجار في الوصية، وفي معنى الأحياء والعيب وحرز السارق، ونظائر ذلك مما لا يحصى. والمرجع في ذلك كله العرف، لانصراف اللفظ إلى ما يسمى في العرف به، وتقدمه على المعنى اللغوي إذا تعارض. والدليل في ذلك: كون الرسالة بلسان القوم. وإلى ذلك يدور كلمة الاصوليين في باب الأوامر والنواهي والمفاهيم والمناطيق والأجمال والبيان والعموم والخصوص والأطلاق والتقييد، إذ ليس في هذه المسائل شئ معتمد سوى ما يستفاد من العرف، وإن أطال جماعة في تحرير الوجوه والأدلة والاعتراضات والشبهات. الضابطة الرابعة: إذا كان المرجع في تحقيق معنى اللفظ إلى كلمة أهل اللغة، بمعنى: المتتبعين للاستعمالات الملاحظين للمقامات الذين صنفوا في ضبط المعاني تصانيف كثيرة، فإن اتحد مفاد كلامهم في معنى اللفظ فلا إشكال في ذلك، وإن اختلفت كلماتهم - كما اتفق ذلك في مثل الكعب والصعيد والطهور، ومعنى السحر والغناء والكهانة ونحوها، ومعنى السلاح، وفي إطلاق اسم الأنساب إلى المراتب اللاحقة، وفي صدق النسبة من طرف الام، ونظائر ذلك - فنقول: إن للاختلاف صورا كثيرة: أحدها: أن يكون التفاوت بالأقل والأكثر المستقل، بمعنى: أن أحدهما ذكر

[ 221 ]

معنى واحدا، والاخر ذكر هذا المعنى مع معنى آخر. وثانيها: التفاوت بالقلة والكثرة في المصداق الراجع إلى التباين في المفهوم، كتفسير أحدهما (اليد) بما دون الكتف، والاخر بما دون المرفق. وتفسير (الجمع) بالأثنين، أو الثلاثة. وثالثها: تخالف التفسيرين بالتباين، كتفسير أحدهما اللفظ لمعنى، وذكر الاخر معنى آخر مباين له. ورابعها: التفاوت بالعموم والخصوص مطلقا، كتفسير أحدهما (الصعيد) بوجه الأرض، والاخر بالتراب. وخامسها: التفاوت بالعموم والخصوص من وجه، كذكر أحدهما في (الغناء) أنه مد الصوت مع الطرب، والاخر مد الصوت مع الترجيع. وقد يجتمع الأقسام، والحكم يعلم من ذلك. ومع ذلك كله: فإما أن يصرح كل منهما بنفي الاخر، أو نفي ما عدا ما ذكره في كتابه، أو سكت عن ذلك، وعلى تقديره: فإما أن يطلع على ما ذكره غيره ولم يلتفت إليه، أو لم يطلع. فنقول: إن كان التفاوت بالقلة والكثرة بالاستقلال، فالمعنى المتفق عليه ثابت. وأما الاخر، فإن كان الساكت نفاه فهو التعارض الاتية أحكامه، وإن سكت عنه مع اطلاعه عليه فيحتمل القول بأن هذا بمنزلة النفي، إذ لو كان حقا لذكره بعد اطلاعه، فالسكوت بيان لعدم كونه بهذا المعنى. ويحتمل أن يقال: إنه كما لم يطلع، فإن فيه أيضا وجهين: أحدهما: أن يقال: بأن عدم الذكر دال على العدم، من جهة أن بناء أهل اللغة على حصر المعاني والاستعمالات ونفي ما عداها، لا مجرد إثبات ما علم عنده وإن كان هناك معان اخر، إذ السكوت في مقام البيان يفيد الحصر. وثانيهما: أن يقال: إن ذلك يفيد الحصر فيما اطلع عليه، فعدم الذكر يدل على

[ 222 ]

أنه لم يقف عليه في استعمال العرب، ولا ينافيه اطلاع غيره على غيره. والحق هو الوجه الثاني، إذ عدم الذكر أعم من النفي، لجواز كونه لعدم وقوفه عليه أو عدم ثبوته عنده والعام لا يدل على الخاص، فإذا لم يدل على ذلك فالمثبت في هاتين الصورتين سليم عن المعارض، فيقبل. وإن كان بدخول الأقل في الأكثر، فهل يؤخذ هنا الأقل لأنه متيقن من المعنيين، أو لا؟ وجهان، والوجه: الثاني، إذ ليس هنا بين المعنيين متيقن في المفهوم الذي هو ميزان الوضع، وليس هذا إلا كالتباين حقيقة. وإن كان بالتباين، فمع نفي كل منهما الاخر يقع التعارض، ويأتي حكمه. وبدونه - مع اطلاع أو بدونه - فالأقوى ثبوت المعنيين معا، لما قرر (1) أن السكوت غير ناف، فكل منهما مخبر بلا معارض. وإن كان بالعموم مطلقا، فربما يتوهم كون هذا التعارض مثل الأخبار، فيحمل المطلق على المقيد، فلو قال أحدهما: (إن الغناء هو مد الصوت) وقال الاخر: (مد الصوت مع الترجيع) وقال ثالث: (مع الطرب أيضا) نقول: إن الغناء عبارة عن مد الصوت مع الترجيع المطرب. وهذا توهم فاسد. أما أولا: فلأن الأطلاق والتقييد فرع كون المطلق غير ناف للمقيد، ولقائل أن يقول: إن الأطلاق في مقام التعريف غير الأطلاق في مقام الحكم، فمن قال: إنه مد الصوت (2) هو ذلك لا غير، فهذا أيضا مقيد بالعدم، فكيف يجعل هذا مطلقا؟ لا يقال: إنك ذكرت أن السكوت غير دال على النفي، فلعله لم يطلع عليه. قلت: هذا في المعنيين حق، وأما المعنى الواحد فالظاهر كون ما ذكره تمام المعنى.


(1) في (ف): لما قررنا. (2) كذا في النسخ والظاهر سقوط كلمة، والأصل: فمن قال: إنه مد الصوت، معناه: هو ذلك لا غير.

[ 223 ]

فإن قلت: تفسير أهل اللغة بالأعم كثير غالب، فيكون التفسير قرينة على إرادة الأخص منه. قلت: التفسير بالأخص أيضا كثير، فيكون ذكر الأعم في القول الاخر قرينة على إرادة الأعم، فترجيح أحدهما على الاخر ترجيح بلا مرجح. وأما ثانيا: فلأن مبنى التقييد فهم العرف، وذلك إنما هو في كلام الشخص الواحد، أو ما هو في حكم الواحد ككلام الله ورسوله وامنائه، لاطلاع كل منهم بما اطلع عليه الاخر وبينه بأي نحو كان، والفرض أن الحكم في الواقع واحد والمراد متحد. وأما تقييد كلام المصنفين بعضهم ببعض فهذا من الأوهام العجيبة! بل إنا نمنع من تقييد كلام المصنف الواحد في مقامين بعضه ببعض، بل نجعله عدولا عن المعنى الأول. وأما ثالثا: فلأن مبنى التقييد العلم باتحاد التكليف، ومع إمكان كونهما تكليفين فلا وجه للتقييد. فنقول هنا: إن احتمال الوضع للمطلق والمقيد قائم، بل ظاهر كلام الناقلين (1) ذلك، فحمل إطلاق أحدهما على الاخر خال عن وجه، مع ما في هذا الكلام من الضعف من وجوه اخر أيضا. فإذا لم يجز التقييد فيكونان معنيين متكافئين كصورة التباين، فإن كان أحدهما نفى الاخر فهو تعارض، وإلا فمقتضى ما قررناه الأخذ بهما معا، لأنهما ناقلان عن الوضع، ولا معارض بشئ منهما. وإن كان بالعموم من وجه: فقد يقال بالأخذ بمادة الاجتماع، ومرجعه تقييد كل من الكلامين بالاخر، فيلزم من ذلك - مثلا - اعتبار الطرب والترجيع كليهما في معنى الغناء في المثال المتقدم. والوجه فيه أيضا نظير ما مر في الأطلاق والتقييد من جهة واحدة: من أصالة عدم الاشتراك، وكون المقيد المتيقن، وشيوع التفسير بالأعم في كلامهم.


(1) في (ن) زيادة: هو.

[ 224 ]

والجواب بعينه ما مر من اندفاع الأصل بظاهر النقل، وعدم وجود المتيقن في عالم المفهوم الذي هو مرجع التعاريف، والمتيقن في الوجود لا دخل له في التحديد - نعم ثمرته في التكاليف - وكما أنهم يفسرون بالأعم يفسرون بالأخص أيضا، والتقييد مع احتمال التعدد وظهوره وكونه في كلام أشخاص متعددين وظهور كلام كل منهما في نفي الاخر - على وجه قررناه - لا وجه له. فيكون هذا كصورة التباين في تحقق التعارض مع النفي لكل منهما الاخر، واقتضاء القاعدة اعتبار المعنيين معا بدونه (1) على حسب ما قررناه في نظيره. وأما صورة التعارض الذي ذكرناه في هذه الفروض، أو غير ما ذكرناه أيضا - بناءا على انحلال اختلاف اللغويين مطلقا على التعارض بدعوى كون عدم الذكر دالا على إرادة العدم، سيما مع اطلاعه على ما ذكره غيره وسكوته عنه في وجه تقدم - ففيه وجوه: أحدها: تقديم المثبت على النافي، فأخذ ما أثبته كل منهما، وعدم الالتفات إلى نفيه، فينحل المعنى إلى الاشتراك في صورة التعارض - في الصور الخمسة - ووجه تقديمه عليه: إما لعدم قبول الشهادة على النفي، كما في باب الدعاوي والحكومات. وإما من جهة انحلاله على قوله: (لا أدري) وإن قال: (أدري لا) فإنه بعد الدقه ينحل إلى عدم العلم - فتدبر - فلا يعارض كلام المثبت، إذ عدم علمه لا ينافي علم غيره. وإما من جهة عدم مقاومة قوله مع قول المثبت في حصول الظن، إذ احتمال خطأ المثبت بعيد جدا، واحتمال عدم اطلاع (2) النافي قريب من العقل والعادة، فالظن بالاثبات أزيد من النفي. وإما من جهة أن كلام النافي مقرر للأصل فيكون كالمنكر، وكلام المثبت


(1) أي: بدون التقييد. (2) في (م): عدم احتمال النافي.

[ 225 ]

مخرج عنه فيكون كالمؤسس المدعي، ولا ريب أن كلام المثبت في الحجية كالبينة، ولا ريب أن بينة المدعي مقدمة في صورة التعارض، فلا تذهل. وثانيها: أخذ القدر المشترك بين المعنيين إن كان بينهما قدر مشترك، نفيا لكل من الخصوصيتين بإنكار الاخر وأخذا للقدر المشترك المتيقن من كلاميهما، وإن لم يكن هناك قدر مشترك فيقدم قول المثبت. وثالثها: العمل على التراجيح المذكورة في باب الأخبار والبينات. فمنها: التعدد، فيقدم المتعدد على الواحد، والأكثر على الأقل. ومنها: الضبط، فيقدم الأضبط على غيره. ومنها: العدالة والوثوق، فإن الأوثق يقدم على غيره. ومنها: العلم وكثرة التتبع، فيقدم الأعلم على غيره. ومنها: الشهرة، فيقدم ما هو المشهور بين أهل اللغة. ونحو ذلك من الامارات الموجبة للترجيح. ومع فقد التراجيح فالتوقف ورمي اللفظ بالأجمال، لعدم وضوح معناه. والتحقيق أن يقال: إن الحق - كما قررناه في علم الاصول - أن الرجوع إلى كلمة أهل اللغة في الموضوع المستنبط ليس من باب التعبد المحض كالبينة، بل حجية كلامهم إنما هو للكشف عن الواقع وحصول الظن منهم بذلك. وحيث إن باب العلم لنا في هذه الموضوعات المشتبهة منسد غالبا فلا بأس بالعمل بالظن، وإنكار جماعة من المقاربين لعصرنا ذلك - بناءا على انفتاح باب العلم في الموضوع المستنبط - غير مسموع، إذ ليس هنا كلام يوجب لنا القطع في شئ من ذلك. نعم، يمكن القول بأن سد باب العلم فرع عدم إمكان الاستكشاف بالعرف بالامارات (1) المجعولة الكاشفة عن الحقيقة والمجاز، وهو ممكن إلا في نادر من


(1) في (ف، م) بالامارة.

[ 226 ]

الألفاظ، ويمكن الرجوع في المشتبهات إلى البراءة من دون لزوم خروج عن الدين، أو الاحتياط من دون لزوم عسر وحرج. والجواب عن ذلك - على حسب ما قررناه في الاصول وفي مقامات من الفقه - أن نفس اللفظ من حيث هو وإن لم ينسد فيه باب العلم، لكن الأحكام قد انسد فيه الباب غالبا، كما هو مسلم المنكر هنا. فكون الظن بالحكم من الدليل حجة في الحكم كاف في إثبات حجية الظن باللفظ، لا من حيث نفسها، بل لأنه مؤد إلى الظن بالحكم، مثلا: اختلاف اللغويين في معنى الصعيد يوجب الشك في جواز التيمم بالحجر والرمل، فإذا حصل الظن بأن معنى الصعيد: هو مطلق وجه الأرض حصل الظن بجواز التيمم بهما من هذا الدليل، فيتبع. وهذا القدر كاف في المرام، إذ شأن الفقيه المبالغة في فهم الألفاظ للثمرات الحكمية الفقهية. ونظير هذا الكلام نذكره في الموضوع الصرف مع اشتباه العرف بالنظر إلى ظن المقلد على إشكال قوي، وإلى حكم الحاكم في وجه قوي. وتمام الكلام في باب الولايات، فانتظر. فعلى هذا، فالمتبع ظن الفقيه، سواء كان بالتراجيح المذكورة، أو بموافقة الأصل أو بمخالفته - على الوجهين - أو بمسألة الأثبات والنفي والوجوه المذكورة فيه، أو قرائن خاصة اخر: ومنها: فتوى الأصحاب على طبق أحد المعاني على الوجه الأقوى، فإنهم أربط بمعاني الألفاظ وفهم الدليل من غيرهم وإن كان في كمال دقة النظر لقاعدة التأييد واللطف المقرر في مسألة الأجماع. وأما مع عدم حصول الظن بأحد المعاني، فالذي أراه: عدم التعبد بشئ من التراجيح وإن قلنا به في الأخبار والبينات لنص أو إجماع، إذ لا دليل على جريانها هنا، وليس ورودها في مطلق الخبر حتى يندرج المقام تحتها. ولا وجه

[ 227 ]

لتقديم قول المثبت أيضا تعبدا. والوجوه الماضية لا تصلح لأثبات التعبد في ذلك. نعم، لو حصل الظن فهو المتبع. ولم نقف على دليل متين يفيد حجية قول أهل اللغة تعبدا، وليس في الباب إلا انحصار الطريق - مثلا - في كلامهم، وقد عرفت أنه ليس كذلك، لأن العرف ينقح أغلب الموضوعات بقوة الامارات. وفي مقام الانحصار أيضا لم يقم دليل قطعي على التعبد بمعنى اللفظ ولو مع هذا الاشتباه حتى يلتجأ (1) إلى كلامهم تعبدا اضطرارا. وإجماع الأصحاب ووفاقهم على العمل بكلامهم خلفا وسلفا لم يثبت في غير صورة حصول الظن، ونحن نقول بذلك. وأخذ القدر المشترك طرح للكلامين معا، ترده الوجوه الماضية في مسألة التقييد وزيادة. فالمعتمد بعد ذلك الرجوع إلى الأصل الحكمي بحسب مقاماته من اشتغال أو براءة، بتقريب: أن المتيقن من التكليف أو المسقط هذا المعلوم من أهل اللغة. وأما المشكوك بالتعارض فلا شئ لنا يثبت الموضوع حتى نقبله، وليس فيه أصل منقح، ففي مقام الحكم يرجع إلى الأصل. ومن ذلك حكمنا في الغناء باعتبار مد الصوت مع الترجيع والطرب، مع اختلاف كلمة اللغويين بإطلاق وتقييد - مطلقا، أو من وجه - وبالتباين في بعض الفروض، ورجعنا (2) في غير الفرد الملخص من كلامهم إلى أصالة البراءة من التحريم، لا من قاعدة التقييد والأطلاق، إذ قد أبطلناها فيما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا ما اقتضاه الحال في بسط المقال، على سبيل التشوش والاستعجال.


(1) في (ن): نلتجأ. (2) في (ف، م): فرجعنا.

[ 229 ]

(العنوان السابع) (في أصالة عدم تداخل الأسباب)

[ 230 ]

عنوان [ 7 ] الحق - وفاقا لأعيان الأصحاب - أن الأصل عدم تداخل الأسباب. وتنقيح البحث يحتاج (1) إلى مقدمات: الاولى: أن المراد بتداخل الأسباب: اشتراكها في التأثير في مسبب واحد، بمعنى: أن كل سبب - مثلا - كان يؤثر في حكم لموضوع، فيجتمع الكل على موضوع واحد وحكم واحد، مثلا: أسباب الوضوء - من نوم وبول وريح - كان كل منها مؤثرا في وجوب الوضوء، ومقتضاها على فرض عدم تداخلها وضوءات ثلاث، ومعنى تداخلها: اجتماعها في وضوء واحد، بمعنى: كون هذا الوضوء الواحد مقتضى كل واحد من الأسباب. وهذه العبارة نظير إطلاق التداخل في الأشياء الاخر كتداخل الأجسام في حيز واحد، وغير ذلك. ولا حاجة بتأويله إلى أن المراد عدم تداخل المسببات اللازم لعدم تداخل الأسباب، لأنه ارتكاب لخلاف ظاهر من دون بيان. ولا ينفع في ذلك كون العدول عن المسبب إلى السبب لأفادة دليل الحكم، بمعنى: إرادتهم الأشارة إلى


(1) في (ف، م): محتاج.

[ 231 ]

أن المسبب لا يتداخل لأن السبب لا يتداخل، بل الموافق لطريقة الفن لمن عرف مذاق أهله كون المراد نفس السبب، إذ هذا الأصل جار مجرى الاصول العقلية التي هي من الأدلة للأحكام الشرعية. فينبغي أن يقال: إن من القواعد الثابتة: أن الأصل عدم تداخل الأسباب، ففي مسألة تكرر الكفارة بتكرر الوطئ - مثلا - في الحيض يتمسك بالأصل وأصالة عدم تداخل المسبب عين المسألة الفرعية وحقيقتها. وطريقة الأصحاب تأسيس الضوابط الفقهية على نهج الأدلة، كما لا يخفى على من لاحظها. والتداخل حيث يثبت - كما في الأغسال والوضوء - محتمل لامور: أحدها: أن يكون الأتيان بالمأمور به بصورته من دون التفات إلى السبب امتثالا للأمر (1) مغنيا عن الجميع، فيكون تداخلا قهريا وإن نوى المكلف حصول البعض دون الاخر. وثانيها: الصورة بحالها، لكن بشرط عدم نية الأخراج عن الفعل، فلو نوى عدم البعض ينتفي، وما نواه أو سكت عنه يدخل في ذلك. وثالثها: أن يدور مدار النية، فما نواه يدخل، وما لم ينوه يخرج. والرابع: أن يكون معناه، أن الأتيان بأحد المسببات يسقط الباقي، لا أنه يمتثل بالجميع في ذلك الواحد، وله صور: أحدها: أن ينوي واحدا معينا، فيسقط الباقي. وثانيها: أن ينوي واحدا لا بعينه، ويسقط غيره. وثالثها: أن ينوي الامتثال للأمر من دون ملاحظة السبب، فيحتسب في نفس الأمر بواحد ويسقط الباقي، ولا يمكن في هذا الفرض قصد الأزيد من الواحد، إذ


(1) في (ف، م): للأوامر.

[ 232 ]

الفرض عدم الامتثال إلا بواحد، فيلغوا النية. الثانية: أنه لا ريب أن للشارع أن يصرح بأحد هذه الصور الستة، ولا مانع في شئ من ذلك. أما الثلاثة الأخيرة فلا إشكال فيها. وأما الاول الثلاث (1) فالأشكال فيها من جهة أن كون الشئ الواحد ثلاثة أشياء محال، والفرض أن كل سبب قاض بلزوم مسبب مستقل، فالواجب على المكلف وضوءات ثلاث، والواحد لا يكون ثلاثا بالبديهة. وحله أن يقال: إن الشارع يقول: (هذا الواحد منزل منزلة الثلاث في ترتب الاثار كافة) فيجوز إعطاء ما نذر للمتوضئ عن ريح أو بول أو نوم لهذا المتوضئ، وكذلك المنذور لمن اغتسل عن جنابة أو حيض أو لجمعة (2) يعطى لهذه المرأة المغتسلة غسلا واحدا، لأنه (3) امتثل الجميع واغتسل عن الكل. وإذا لم يكن تصريح الشارع بذلك، بل إنما صرح بأن الواحد كاف، أو مجز، أو لا تأت بالمتعدد، أو ائت بالواحد - ونحو ذلك - فالظاهر منه أي (4) هذه الصو ر؟ فنقول: لو كان هذه الأسباب مما يشترط قصدها عند الاتحاد، كأسباب الغسل، فإنه لو انفرد الجنابة لا بد للمكلف أن يقصدها، ولا ينفع مجرد الغسل على الأطلاق وإن لم يكن في ذمته غير غسل الجنابة، وكأسباب الحقوق من زكاة أو خمس - أو نحو ذلك - فإن تعيين كون المال المعطى من أي الأقسام لازم على المكلف، فيكون معنى قول الشارع: (الواحد مجز) اعتبار (5) النية جزما، فلا موقع هنا لأطلاق العمل، سواء جعلناه امتثالا للكل، أو إسقاطا للبعض - كما في الوجه الأول والأخير - نظرا إلى أن الواحد مشروعيته على النية، فإذا أتيت به بلا نية فليس واحدا من المسببات، بل هو شئ أجنبي، أو جزء الواحد.


(1) كذا في النسخ. (2) في (ن، م): أو جمعة. (3) كذا، والمناسب: لأنها امتثلت الجميع واغتسلت. (4) في عدا (م): فهل الظاهر منه أي من... (5) في (ن): (الواحد يجزي) باعتبار.

[ 233 ]

وكذلك نية الواحد المردد، فإنه أيضا خارج عن الاحاد، فتدبر، فإنه كلام تام في المقام، ومعيار ليس عليه غبار. لكنه هل الظاهر الأسقاط فيلزم نية الواحد المعين، أو الامتثال للمتعدد حتى ينوي الكل؟ والذي يقوى في النظر القاصر أنه إسقاط، إذ الفرض أن السبب سبب، ورخصة الشارع في الاكتفاء بالواحد لا يفهم منها إلا قيام الواحد مقام المتعدد، نظير الواجب الكفائي في المكلف والتخييري في المكلف به، على ما نراه من الوجوب على الكل وفي الكل، غاية الفرق كون السقوط في المقام رخصة. ولا ينافي ذلك قولنا: بأن الغسل الواحد يجزئ في أصل السنة عن أغسال، إذ نظيره إجزاء (الحمد لله) قبل التشهد عن أذكار كثيرة، وهو منها، بمعنى تأدي أصل السنة بذلك، فمن قال ذلك كمن قال الكل في الثمرة، لا أن كلمة (الحمد لله) اجتمع فيه أذكار كثيرة وأدعية شتى. فإذا كان الظاهر الأسقاط فمقتضى القاعدة نية الواحدة لتغني عن غيرها ويسقط ما عداها، إلا مع قيام دليل على خلاف ذلك من إجماع ونحوه. ولو فهم من رواية زرارة مثلا (يجزئها غسل واحد لجمعتها وحيضها وعيدها) (1) - ونحو ذلك - اعتبار قصد ذلك كله، فهو تعبد، والكلام فيما لم يقم دليل على ذلك. ولو كان مما لا يشترط قصدها مع الاتحاد - كأسباب الوضوء - فقول الشارع مع الاجتماع: (اكتف بالواحد) معناه: الأتيان بصورة العمل المأمور به مرة واحدة، وذلك يسقط المرات الاخر. ومما ذكرنا تبين: أن مسألة النية للسبب وعدمه ليس لها مدخلية في باب التداخل، بل ما ينوى مع الانفراد ينوى مع الاجتماع، وما لا ينوى هناك لا ينوى


(1) الوسائل 1: 525، الباب 43 من أبواب الجنابة ح 1، لفظ الخبر هكذا: وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها وإحرامها وجمعتها، وغسلها من حيضها وعيدها.

[ 234 ]

هنا أيضا، إنما البحث في أن الواحد فيما فيه النية واحد مسقط حتى ينوى الواحد، أو ثلاثة حكما وتداخل الأفعال والغسلات لا يوجب تداخل النيات، وقد ذكرنا أن الظاهر الأسقاط. نعم، هنا كلام وهو: أن المتيقن من كفاية غسل واحد أو صلاة واحدة فيما يعتبر في آحادها النية كفاية العمل الواحد عن الأعمال الاخر، وأما كفاية نيته عن النيات الاخر فلا. وتوضيحه: أن على تقدير عدم التداخل كان المكلف مأمورا بإتيان ثلاثة أغسال بثلاث نيات، ودليل التداخل غاية ما اقتضى أن غسل البدن ثلاث مرات لا يجب، بل يكفي مرة واحدة. وأما أن نية الجمعة تسقط نية التوبة فمن أين يعلم ذلك؟ فمقتضى الأسقاط أيضا اعتبار النيات، لأن الفعل الواحد مسقط عن الباقي دون النية، فيكون مثل تداخل الأغسال مثل الرأسين في بدن واحد، فإن روح كل منهما حل في البدن الواحد. فهذه النيات اللازمة كان حقها تواردها على أفعال متعددة هي كالقوالب للروح، فاجتزأ الشارع بقالب واحد لهذه الأرواح. فالاسقاط أيضا في الأفعال لا في النيات، فما كان يجب فيه النية لو انفرد يجب نيات الكل مع الاجتماع، إلا إذ ا دل دليل آخر على إسقاط النية أيضا. لكن يمكن دفعه: بأن الغسل الواحد ليس اسما لغسل البدن، بل له مع نيته (1)، لأن الغسل عبادة، فإذا قال الشارع: (يجزئ غسل عن أغسال) يكون معناه: غسل البدن بنية يجزئ عن غسلات بنيات، وهو الأسقاط للكل، فتدبر، فإنه محل نظر. فقد علم من ذلك أن المراد: صورة التداخل بمعنى ترتب الاثار، لا حقيقة التداخل، وأن عدم التداخل بقاء كل سبب على مقتضاه وعدم كون واحد مسقطا لغيره.


(1) في (ن، ف): نية.

[ 235 ]

الثالثة: أن مسألة التداخل كثيرة الدوران منتشرة الفروع، لا بد من الأشارة إلى مواردها وضبط أقسامها وتنقيح محل النزاع منها، فنقول: من مواردها: أسباب نزح البئر، وغسل الحدث والخبث، وأسباب الوضوء والغسل، وتعلق نذر ونحوه بأحد الواجبات - كنذر الحج - وتسبيحات الجبر للقصر والتعقيب، وأسباب الكفارات في الصوم والحج والاعتكاف والنذر والظهار ونظائرهما، ورواتب النوافل مع المطلقات، ومطلقات السنة مع خصوصيات شهر رمضان ونظير ذلك، وجناية الأطراف والنفوس، وجلدات الحدود، وضمان الاتلافات، والمستحبات المطلقة في كل يوم أو شهر أو سنة مع ما قيد منها بيوم خاص ونحوه، وأسباب سجود السهو وركعات الاحتياط، وأسباب صلاة الايات، وسلام التحية والصلاة، ومسألة أرش البكارة في الأمة والمهر، وغسل اليد من البول والغائط والريح للوضوء. فنقول: لا كلام في عدم التداخل في صورة طريان السبب الاخر بعد حصول مسبب الأول، كمن وطئ حائضا فكفر ووطئ اخرى، أو توضأ من بول ثم نام، فإنه يجب الكفارة والوضوء بلا كلام، ونحو ذلك لو اغتسلت عن حيض فأجنبت. والوجه في ذلك: أن مبنى القائلين بالتداخل - كما يأتي - حصول الامتثال بالواحد من الخطابين، وهو فرع تأخره عنهما، ولا يعقل تقدم مسبب على سبب، فيبقى الأمر الثاني من دون امتثال. ويظهر من كلام الفاضل المعاصر النراقي في عوائده وجود الخلاف أيضا في هذا الفرض، قال: (ويظهر من كلام بعضهم في مسألة الوطئ في الحيض عدم التكرر مع المسبوقية أيضا، وهو فاسد جدا) (1) هي (2). والظاهر أن ذلك ليس من جهة التداخل، بل من جهة عدم دلالة دليل على الثانية.


(2) عوائد الأيام: 107، العائدة: 31. وليست في آخر كلامه كلمة (جدا). (2) كذا في النسخ، والظاهر أنها علامة اختصارية ل‍ (انتهى) وفي هامش (م) زيادة: هذا، خ.

[ 236 ]

وتوضيحه: أن مسألة التداخل وعدمه إنما هو بعد دلالة دليل على لزوم الفعل، ثم بعد ذلك نقول: هل هما يحصلان بواحد، أم يحتاج إلى متعدد في الامتثال؟ مثلا: إذا قال الشارع: (من بال فليتوضأ) فهنا مسألتان. إحداهما: أنه متى ما تكرر البول أيضا يجب الوضوء، أو أنه في مرة واحدة يجب، وفي الثانية لا يدل على وجوبه. وثانيتهما: أنه على فرض دلالته على الوجوب هل يتأدى الوجوبان بوضوء واحد أو لا بد من وضوءين؟ ومسألة التداخل هي الثانية، والاولى مسألة تكرر المشروط بتكرر الشرط. فمن قال بأن من وطئ الحائض وكفر ثم وطئ لا تجب الكفارة، لا لأن الكفارة السابقة مجزئة عن هذا الوطئ أيضا كما لو كانت لاحقة لهما، بل لأن دليل الكفارة إنما يقتضي وجوب الكفارة لأول فرد من الطبيعة المجعولة سببا. وأما الفرد الثاني فلا وجوب فيه، سواء قدم أو اخر، ومقتضاه: أن الكفارة إذا وقعت بعد المرتين فهي للاولى، والثانية لا كفارة فيها (1) أصلا، لا أن قول الشارع منزل منزلة خطابين: إذا وطئت أولا فكفر، وإذا وطئت ثانيا فكفر، ويحصلان (2) بالكفارة المتوسطة بينهما، فإنه كلام لا يتفوه به متفوه من أصحابنا المؤيدين المسددين! والفرق بين المقامين في غاية الوضوح. والحاصل: أن باب التداخل فرع فهم تعدد الخطاب والامتثال لهما بواحد. وأما لو كان هنا خطاب مجمل لا يعلم منه اللزوم في تحقق السبب مرة ثانية كقوله: (من استطاع فليحج) وقامت القرينة على أن هذا الظاهر (3) غير مراد وشك في أن الاستطاعة الثانية أيضا توجب حجا أم لا؟ فنقول: متى ما حج الرجل بين


(1) في (م): فهي للأول، والثاني لا كفارة فيه. (2) في (م): تحصلان. (3) لا يخفى عدم ملائمة هذه العبارة مع قوله في أول الفقرة: وأما لو كان هنا خطاب مجمل...

[ 237 ]

الاستطاعتين لا يجب عليه الحج في الثانية، لا للتداخل، بل لعدم العلم بسببيتها مطلقا، فليس هنا أسباب حتى تتداخل. ونظير ذلك من يقول بعدم تكرر الكفارة بتكرر الأفطار في رمضان، فإن معناه: عدم دلالة الدليل على أن مطلق الأفطار سبب. ويجئ لذلك توضيح بعد ذلك - إن شاء الله تعالى -. وكذا في صورة كون المسببات مختلفة بالنوع، كقوله: (من جامع فليغتسل، ومن وطئ في الحيض فليتصدق بدينار) ضرورة عدم حصول أحد الأمرين بالاخر، والفرض أن كلا منهما أمر موجب للزوم تحصيل الامتثال. وكذا لو كان المطلوب مع وحدته النوعية معتبرا فيه صفتان متناقضتان قيدا في الخطابين أو في المطلوبين، كقول الشارع: (صل ركعتين وجوبا، وصل ركعتين ندبا) فإن كون الصفتين متناقضتين لا تجتمعان في مورد واحد يمنع من التداخل، وهذا أوضح في المثالية لكون القيد للخطاب. ولا يقال: إن مجرد تغاير الخطابين لا يمنع من التداخل لو لم يعتبر في أصل الصلاة الوصفان. لأنا نقول: إن الطلب الوجوبي يحتاج إلى امتثال، ولا يحصل إلا بركعتين هما واجبتان في الواقع، والندبي لا يمتثل به إلا بركعتين مندوبتين، والوصفان لا يجتمعان، فالوصف في الخطاب يسري إلى المطلوب. ولو قيدهما بالأداء والقضاء كان مأخوذا في المطلوب، إذ الطلب لا يتصف بهما، وإنما البحث في غيرها من الصور الاتية. الرابعة: أن سبب الحكم المتنازع فيه: قد يكون أمر الشارع ابتداءا من دون مدخلية شئ آخر من الخارج أو من نفس المكلف مأخوذ في الخطاب، مع عدم تغاير في الخطابين في وجه من الوجوه، كقوله: (صم يوما، صم يوما) مع عدم قرينة على التأكيد.

[ 238 ]

وقد يكون كذلك مع تغاير في الأطلاق والتقييد، كقوله: (تصدق، تصدق بدينار). وقد يكون مع تغاير في وصفين قابلين للاجتماع في فرد واحد، كقوله: (اغتسل للزيارة، اغتسل للتوبة) أو (صل ركعتين للتحية، صل ركعتين للاستخارة). وقد يكون متغايرا في الزيادة والنقيصة، كقوله: (أطعم عشرة مساكين، أطعم ستين مسكينا). وقد يكون مستندا إلى سبب من المكلف حتى في التعدد، كقوله: (من أفطر فليعتق رقبة) فأفطر مرتين، أو (من بال فليتوضأ) أو (من اصطاد كذا فعليه دم شاة) فكرر السبب. أو إلى سببين فعلهما المكلف، كقوله: (من ظاهر فليعتق رقبة، ومن أفطر فليعتق رقبة) ففعلهما المكلف. أو إلى سبب من الخارج كقوله: (من ولد له ولد فليذبح شاة، ومن تمرض فليذبح شاة) فحصل له الأمران. وقد يكون أحدهما مستندا إلى سبب من الخارج أو من نفسه، والاخر ابتدائيا. ويجئ في هذه الأقسام أيضا اتحاد الكيفية وتغايرها بإطلاق وتقييد، وبوصفين قابلين للاجتماع، وبالقلة والكثرة، ويتشعب من ذلك صور كثيرة لا يخفى على النبيه استخراجها بعد ما ذكرناه. ولا يتوهم مما قرر في الاصول من حمل المطلق على المقيد: أنه لا وجه في صورة التقييد لعدم التداخل، لأن هذا غفلة عن موضوع البحثين، فإن الكلام في الاصول بعد فرض العلم باتحاد التكليف والبحث في وجوب المقيد أو حمله على الاستحباب، ونحو ذلك. وأما المقام فمع عدم العلم بالاتحاد في التكليف، فيحتمل كفاية الواحد، ويحتمل كون التكليف بالمقيد على حدة وبالمطلق كذلك، فيجيب صوم يوم على الأطلاق ويوم الخميس بخصوصه، فتدبر وتبصر. وهذه الصور المذكورة كلها قابلة لنزاع التداخل والعدم ما لم يقم دليل من

[ 239 ]

الخارج أو قرينة في اللفظ على أحد الأمرين، فإن ذلك أيضا خارج عن محل البحث. الخامسة: قال الفاضل المعاصر المدقق الملا أحمد النراقي في عوائده: لا شك أن الأسباب الشرعية علل للأحكام المتعلقة بأفعال المكلف، لا لنفس أفعاله، فوطؤ الحائض علة لوجوب التصدق والبول علة لوجوب الوضوء، لا للتصدق والوضوء. وتعدد الأسباب الشرعية لو اقتضى تعدد مسبباتها لاقتضى تعلق وجوبين بتصدق الدينار والوضوء! والكلام إنما هو في وجوب تعدد التصدق والوضوء، لا تعدد الوجوب، ولا تلازم بينهما، لأمكان تعلق فردين من حكم بفعل واحد من جهتين متغائرتين كوطئ الأجنبية الحائضة، وشرب الخمر والزنا في نهار رمضان، ووجوب قتل زيد المرتد القاتل لغيره عمدا، وهكذا. وعلى هذا، فأصالة عدم تداخلها لو ثبت لا يستلزم أصالة عدم التداخل بالمعنى المتنازع المراد، والكلام في إثبات تعدد الفعل دون تعدد الحكم، وأحدهما غير الاخر (1). وهذا الكلام من ذلك العلام يدل على غفلة أساطين الأصحاب المستدلين لهذا الأصل بالوجوه الاتية عن هذا الوجه الذي ذكره، وعدم التفاتهم إلى أن ما ذكروه من الأدلة لا يؤدي إلى المطلوب بشئ، إذ غاية مفاد أدلتهم الاتية اقتضاء كل سبب مسببا برأسه، وإذا كان المسبب الحكم دون الفعل، فلا نفع في هذا الاستدلال وإتعاب البال. فنقول - مستعينا بقوة الله، ومستمدا من بركات أنفاسهم الزكية -: إن اجتماع الحكمين المتجانسين في موضوع واحد محال، بمعنى: أن يكون طبيعة الصلاة - مثلا - يتحقق فيه وجوبان في نفسها (1) من دون مراعاة جهة اخرى غير ممكن، كيف! واجتماع الأمثال لا شبهة في بطلانه وعدم إمكانه.


(1) عوائد الأيام: 101، العائدة: 31. (1) كذا في النسخ، والمناسب: يتحقق فيها وجوبان في نفسهما.

[ 240 ]

وما ذكر في نذر الواجبات - مع أنه محل كلام معروف - ليس معناه: تعلق النذر بطبيعة واجبة قابلة للحصول في أفراد متعددة، فيجب بالأصالة وبالنذر، ويحصل الامتثال في فرد واحد، فإن من نذر صلاة أو حجا فهو أيضا داخل في محل نزاعنا في باب التداخل. وفتوى الأصحاب - كما لا يخفى على من لا حظها - وجوب حج غير حجة الأسلام وصلاة غير الفرائض الأصلية، فيرجع أيضا إلى نظير تعدد الخطاب المبحوث عنه في المقام ويكون من إحدى الصور المتقدمة. بل معناه: نذر حجة الأسلام - مثلا - وصلاة الظهر كذلك، وصوم رمضان مثلهما، فإن بناءا على صحة النذر عملا بالعمومات الدالة عليه - كما هو خيرة جماعة (2) - ففائدته الكفارة في صورة المخالفة، دون إحداث وجوب في العبادة، فإن حقيقة الوجوب في العمل كونه مطلوبا ممنوعا من تركه، وهذا غير قابل للتعدد، وليس إلا كالبياض في الجسم، وعدم تعدد المأتي به في النذر لعدم إمكانه، إذ ليس حجة الأسلام على هذا المكلف إلا واحدة، فلو أتى بها مرة ثانية فقد أتى بغير المنذور، ونحو ذلك صلاة الظهر. ومن هنا نقول: إن نذر الواجب يرجع إلى الالتزام بالكفارة لو خالف، لا الالتزام بالفعل، لأنه حاصل قبل النذر. وما ذكره (3) في قتل المرتد القاتل لا ربط له بالمقام، إذ نحن لا نمنع من وجود كليين متعلقين للحكم بينهما عموم من وجه في فرد واحد، ولا ريب أن قتل المرتد - مثلا - واجب، وقتل القاتل - مثلا - لو فرضنا واجب، وهما موضوعان مستقلان للحكمين وجدا في ضمن هذا الفرد. وأي مانع من ذلك؟ والكلام في تعلق وجوبين بموضوع واحد. وأما في المتعدد المجتمع، فنحن لا نمنع من وجود متناقضين أيضا -


(2) هذا هو مذهب أكثر المتأخرين، خلافا للمرتضى والشيخ وأبي الصلاح وابن إدريس، ا نظر الجواهر 35: 441. (3) أي: المحقق النراقي في كلامه المتقدم.

[ 241 ]

كالوجوب والتحريم - عقلا، ونحو ذلك ما ذكره من المثالين الاخرين، فإن وطئ الحائض موضوع ووطؤ الأجنبية موضوع آخر، وكذا الزنا وشرب الخمر موضوع وإفطار شهر رمضان موضوع آخر، بينهما عموم من وجه. فلم يتحقق حكمان متجانسان في موضوع واحد. ولا فرق بين المتجانسين والمتناقضين من الأحكام في عدم الاجتماع في موضوع واحد. إذا عرفت هذا، فمتى سلم كون كل من السببين قاضيا بوجوب المأمور به ولم يكن أحدهما تأكيدا للاخر فلا بد من إرادة إتيانه في الخارج مرتين، إذ تعدد الوجوب يقتضي تعدد الأيجاد في الخارج، ولا يمكن وجود واحد محلا لوجوبين، إذ الماهية غير قابلة والخصوصية كذلك، وكون أحدهما للماهية والاخر للخصوصية تهافت في القول ومخالف لظاهر الدليل والفرض، فلا بد من وجودين حتى يصدق الوجوبان بهذا الاعتبار، إذ الطلب للماهية ينحل إلى إرادة وجودها في الخارج، فبتعدد الطلب يتعدد الوجود لا محالة. مضافا إلى أن تخلل المسبب بين السببين - الذي هو خارج عن محل البحث ولا كلام فيه في عدم التداخل - ليس الوجه فيه إلا تعدد الأمر وتعدد الوجوب، لأن مدخلية شئ آخر غير معلوم، بل معلوم العدم، فإذا وجب بالسبب الأول فمعناه: لزوم وجوده في الخارج، فإذا وجد وحصل السبب الثاني ليس معناه أيضا إلا لزوم وجوده، والمفروض أنه وجد في الخارج، فتعدد الوجود أي شئ يقتضيه؟ فإن قلت: السبب يقتضي الوجود بعده وهنا وجد قبله، بخلاف ما لو اجتمع السببان، فإن المسبب يوجد بعدهما مرة واحدة. قلت: كلام جيد! لكن الفرض أن تعدد الوجود للفعل لم ينشأ إلا من نفس تعدد الطلب بعد التأمل الجيد، لا لتأخر السبب الثاني عن المسبب، وليس هذا الأتيان به ثانيا في نظر أهل العرف إلا لتعدد الطلب، لا للتأخر والتقدم، وهذا

[ 242 ]

موجود في صورة التأخر أيضا، وليس ما ذكر من الفرق إلا مداقة لا يفهمه أهل اللسان، كما لا يخفى. وحاصل الكلام: أن تعلق وجوبين بماهية واحدة ليس معناه إلا لزوم تعدد إيجاده، ولا معنى له غير ذلك، فالتلازم في المقامين (1) واضح. ولذا ترى الأصحاب يذكرون أسباب الوضوء والغسل ونحو ذلك، ولا يلتفتون إلى أنه سبب لوجوبه لا لوجوده. إذا عرفت هذا فاعلم: أن المراد بأصالة عدم التداخل قاعدة مستنبطة من أدلة الأسباب ومن فتوى الأصحاب، وإلا فلا ريب أن الأصل الأولي قبل ورود الخطاب عدم تعلق وجوبين وبراءة ذمة المكلف من الأتيان مرتين، وبعد ورود الخطاب أيضا مع قطع النظر عنه كذلك، إذ ليس الأسباب الشرعية إلا معرفات، بمعنى: كونها عللا للوجود الذهني، وذلك قابل لتعدد المسببات واتحادها، والأصل عدم لزوم مؤثر حقيقي واقعي حتى يوجب التعدد. والامارتان لا تقتضيان إلا الواحد متيقنا، فينفي الزائد بالأصل، وبهذا جمد (2) القائلون بالتداخل، وزاد بعضهم: أن في بعض الصور كقوله: (من وطئ حائضا فليتصدق بدينار) لا يكون الواطئ الثاني خارجا عن السبب الأول، إذ الوطؤ شئ صادق على القليل والكثير، وماهيته القابلة للوجود في ضمن ألف فرد موجبة لدينار، فمن أين يجئ التعدد؟ وقس على ذلك نظائره. فنقول: أما قبل ورود الخطاب فذلك خارج عن محل البحث، إذ ليس هناك أسباب حتى تتداخل أولا. وأما بعد الخطاب فتعدد المسبب إن كان حقيقة (1) - كالصوم والحج - فذلك قد تقدم عدم البحث فيه. وأما فيما تغاير بالاعتبار والنسبة - كصلاة تحية وحاجة ودينار وطئ ونذر ونحو ذلك - فلا ريب أن فيها ما


(1) في (ن) ونسخة بدل (ف، م): في المقام. (2) في (ف): عمل. (1) في (ن): حقيقية، والصواب: حقيقيا.

[ 243 ]

لم يتداخل بالاتفاق. فنقول: عدم تداخله لأي سبب؟ هل هو لدليل خاص جاء على أن هذين لا يجتمعان؟ والفرض عدمه، بل ليس موجودا في أبواب الفقه، وليس عدم التداخل إلا من جهة أن كل مسبب مضاف إلى سببه فيمتنع بعد ذلك تداخلهما. وهذا الوجه موجود في جميع صور النزاع. وبتقرير آخر: الأسباب الشرعية وإن كانت معرفات لكنها كاشفة عن علل حقيقية واقعية، وظاهر كل سبب شرعي كشفه عن مؤثر حقيقي، ومجرد احتمال كونهما أمارة للواحدة لا يدفع الظاهر، وهو الحجة، فأصالة عدم المؤثر الحقيقي لا وجه له بعد كشف الظاهر عنه. فإن قلت: على ما ذكرت من العلل الحقيقية يمتنع التداخل، مع أنه وقع في مقامات. قلت: ليس الكشف عن علة واقعية منجزا غير قابل للتأويل، بل هو مقتضى الظاهر، فمتى جاء الدليل على أنه يتداخل علمنا كون الامارات كاشفة عن مصلحة واحدة تفوت بحصول الواحدة، فلا يبقى هناك علة. وهذا معنى قولنا: إن الأصل عدم التداخل حتى يثبت بدليل. فإن قلت: متى ما جاز الكشف عن علة واحدة فكيف تدعي الكشف عن علتين؟ قلت: لا ريب أن كل خطاب يصدر من الشرع لا بد له من علة واقعية، فكونهما معا كاشفين عن علة واحدة خلاف الظاهر قطعا، وهذا معنى المقتضي في كل مقام. فإن قلت: تجدد النسبة إلى دليل آخر لا نعلم كونه مقتضيا للتعدد، بل لعله شئ آخر لا نعلمه، وإثبات العلة بالمناسبة لا نقول به. قلت: هذا إثبات للعلة بالانحصار من الخارج، بمعنى: أنا نجد في مقامات

[ 244 ]

عدم التداخل ليس المنشأ إلا اختلاف النسبة وكون كل كاشفا عن مصلحة اخرى، ونرى أنه موجود في جميع صور البحث. على أن الظاهر إذا اقتضى تعدد العلة - كما هو واضح لمن تدبر - فلا وجه لهذا الكلام. مضافا إلى أن الأدلة الدالة على التداخل دالة على أن الظاهر من الأسباب عدمه (1) من جهات: أحدها: أنه عبر في رواية زرارة: بأنه (إذا اجتمع لله عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد) (2) ونحو ذلك من العبارات. وظاهر جمع (الحقوق) أن مقتضى الأسباب كون ذلك متعددا، لأن ظاهر كونه حقا عليه وجوبه عليه. فعلم من ذلك: أن الأنواع المتداخلة كل منها حق ثابت في ذمة المكلف، والمفروض أنه ليس على ذلك دليل من الشارع سوى الأوامر والاسباب، وليس ذلك من كون العبارة أولا بيانا للأثبات ثم الأسقاط، بمعنى: أن الشارع يقول: إذا تعدد عندك الأسباب فأنت لا تدري هل الحق واحد أو عليك حقوق؟ وأنا ابين لك أنه حينئذ يصير عليك حقوق، لكن أنا أكتفي منك بالواحد، بل المراد: أني لو لم أقل بالاجتزاء بالواحد لكنت بانيا على التعدد، لما فهمته من أدلة الأسباب، لكن ابين لك عدم كونها على ظاهرها كما تخيلت، بل الواحد مجز. على أنا نقول: لو كان هذا مثبتا للتعدد ثم مسقطا لكفانا أيضا، إذ ظاهر النص سقوط التعدد الثابت، فما لم يقم دليل على سقوطه في مقامات اخر الأصل عدم الأجزاء. وثانيها: أن ظاهر لفظ (الأجزاء) في أدلة التداخل قاض بأنه لولا هذا الدليل لكان المسبب متعددا.


(1) أي: عدم التداخل. (2) لفظ الحديث - على نقل الشيخ -: (فإذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد) التهذيب 1: 107 / 279، ورواه الكليني في الكافي (3: 41) بدون لفظ (لله).

[ 245 ]

وثالثها: أن ورود هذه النصوص في مقام التأكيد للأصل الأول - وهو أصالة عدم تعدد المسبب مع عدم ورود دليل على خلافها - مما يكاد يقطع بخلافه، ولا يدعي ذلك إلا مكابر، لوضوح أن هذا ليس كأدلة أصل البراءة، ومن الواضح ورودها في مقام ظن التعدد ولزوم الأتيان بمسببات كثيرة. وهذا الظن لم ينشأ عند من نظر بعين الأنصاف إلا من ظواهر أدلة الأسباب، وليس إلا قوله: (اغتسل للجنابة، اغتسل للزيارة) فإذا كان الظاهر ذلك فعدم ورود دليل من الشارع على التداخل في غير باب الأغسال ونحوه يدل على أن الظاهر متبع، وإلا لزم الأغراء بالجهل وتأخير البيان. وما في العوائد: من عدم دلالة (الأجزاء) على ذلك، غايته دلالته على جواز التعدد، لا على أصالته، ونحن نقول بجواز التعدد، بل أفضليته (1) كما ترى غير ناهض في الجواب، إذ لا شبهة في أن (الأجزاء) إذا نسب إلى العدد كقولك: (يجزئ واحد) معناه: أن هناك تعددا مطلوبا بنحو ما طلب الواحد، لكن هذا يدل على سقوطه بذلك. وما فيه أيضا: من منع دلالة رواية زرارة بأنا لا نقول بالتداخل في كل مورد، بل نقول: إن الأصل ذلك، وكم من موارد لم يتداخل فيها الأسباب الشرعية، فكيف جاز أن يقول: حق واحد (2)؟ أيضا في غاية الوهن، إذ في مقام يثبت (3) فيه التداخل إذا عبر المعصوم بلفظ (الحقوق) فما ظنك بموارد الشك التي هي محل الثمرة لهذا الأصل! وبالجملة: إنكار دلالة قوله: (إذا اجتمع عليك حقوق أجزأك عنها واحد) (1) على كون كل من الأسباب موجبا لحق برأسه من حيث إنه سبب لا ينبغي أن يصدر ممن نظر بعين الأنصاف، وإلا فلا يخلو كل ظاهر من طريق مناقشة لأهل الاعتساف.


(1) عوائد الأيام: 107، العائدة: 31. (3) عوائد الأيام: 107، العائدة: 31. (3) في ظاهر (ن): ثبت. (1) راجع ص: 241.

[ 246 ]

ثم قال: وأما ورود النقل بالتداخل فإنما هو لأجل سؤال الراوي، مع أنه خلط في النزاع، إذ لا نزاع في حصول الامتثال بالتعدد، ولا خفاء لأحد فيه حتى يحتاج إلى السؤال، وإنما الخفاء في الواحد، فهو المحتاج إلى البيان، وأين ذلك من الأصل (2)؟ ولا يخفى على أهل البصيرة، أن صدور مثل هذا الكلام من ذلك المحقق النحرير من الغرابة بمقام! [ ولا يخلو من حط نفسه على مدافعة (3) أساطين أهل الفن عن مثل ذلك ] (4) فإنه إقرار بأصالة عدم التداخل من دون التفات. وتوضيحه بحيث يكون تأسيسا جديدا لهذا الأصل وقلعا لمادة الشبهة: أن حصول الامتثال بالتعدد هل هو لكون ذلك مأمورا به، أو من جهة أن الواجب واحد، ويأتي المكلف بالثاني من عند نفسه؟ لا ريب أن وحدة المأمور به كما هو مقتضى القاعدة - على ما زعمه - يمنع من قصد الامتثال بالثانية، لأنه يكون بدعة وإتيانا بما لم يؤمر به بقصد أنه مأمور به، فمعرفة الكل بالتعدد وعدم الخفاء فيه لأحد عين الفهم من الدليل عدم التداخل لو خلي ونفسه. والذي يمكن أن يقال: إنه يجوز أن يكون الامتثال بالتعدد من باب الاحتياط، بمعنى: أن المكلفين بعد ورود السببين يشكون في وجوب التعدد وعدمه، ولكن يعلمون قطعا أن المتعدد مجز ويشكون في إجزاء الواحد، فلا يكون التعدد من حيث هو مأمور به حتى يلزم به التشريع، بل للاحتياط الذي يكفي فيه الاحتمال، ومن هنا احتاجوا إلى السؤال. قلت أولا: إن هذا الكلام مبني على أن طريقة الناس في مقام الشك في التكليف كانوا يبنون على الاحتياط ويحتاجون في العمل بالبراءة إلى السؤال بخصوصه. وهذا بعيد عن طريقة العوام، فضلا عن أصحاب الأئمة عليهم السلام فضلا عن


(2) عوائد الأيام: 107. (3) في (ف): مداقة. (4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (م).

[ 247 ]

مثل زرارة! وثانيا نقول: هل في الموارد التي هي محل النزاع بيننا (1) مثل زرارة كان بانيا فيه على الاتحاد والتداخل، أو على عدمه، أو كان شاكا؟ فعلى الأوسط: يثبت المدعى، إذ ليس إلا للقاعدة. وعلى الأخير: فلم لم يسأل عن ذلك ولم يتعلم الحكم؟ ومن البعيد تكرر نظر أصحاب الأئمة عليهم السلام الفقهاء سيما مثل زرارة الذي القي إليه أساس الشريعة وعدم التفاته إلى مثل هذا المقام (2) سيما مع كثرة دوران المسألة وفروعها في الفقه. وعلى الأول: فما باله سأل عن هذا المورد الخاص؟ مع أنه على سياق نظائره، ولم يكن طريقة أمثاله السؤال عن الخصوصيات بعد فهم الضابط، مضافا إلى أن بناء أصحاب الأئمة عليهم السلام لو كان على التداخل فكيف صار اتفاق فقها ئنا الأجلاء المقاربين لأعصار الصحابة والتابعين - كما حكاه العلامة الطباطبائي (3) - على عدم التداخل؟ وقطعوا بذلك وأرسلوه إرسال المسلمات، ولم يخرجوا عنه إلا بدليل واضح، بل في مقام ورد به النص الصحيح - كباب الأغسال - أعرض عنه جماعة وأنكروا التداخل، فضلا عما لم يرد فيه دليل، ولم نجد منهم أحدا يطالب بالدليل في عدم التداخل، فلو كان خلاف القاعدة لاحتيج في ذلك إلى دليل دون من قال بالتداخل. وهذا الأطباق والاتفاق كما أنه حجة برأسه في إثبات المدعى كاشف عن طريقة أصحاب الأئمة عليهم السلام وبنائهم على عدم التداخل واحتياجهم في كفاية الواحد إلى الدليل.


(1) في (ن، ف) زيادة: هل. (2) وردت العبارة في (م) مختصرا، هكذا: ومن البعيد عدم التفات مثل زرارة إلى مثل هذا المقام. (3) الظاهر هو السيد بحر العلوم قدس سره، قال المحقق النراقي: ذكره بعض سادة مشائخنا في بعض فوائده، عوائد الأيام: 105، العائدة: 31.

[ 248 ]

وثالثا نقول: لا يخفى على من راجع وجدانه أن عدم الخفاء في إجزاء المتعدد ليس من جهة الاحتياط، بل لأنه ورد به الأمر وإن كان الواحد قد يكون مسقطا عنه، فإنا لو رجعنا الان إلى عوام المتشرعة المقلدين في تداخل الأغسال وسألنا عنهم في ذلك (1) لأجابوا بأن التعدد من جهة أن الشارع يأمر بكل واحد من الأغسال لكنه جعل الواحد مقام الكل تسهيلا وتفضلا، لا أن تعدد الأوامر لا يقتضي إلا غسلا واحدا حتى يثبت التعدد، فإن هذا كلام من مال بدقة نظره وكثرة غوره عن طريقة العادة والعرف. بل لا أظن أحدا ينكر مطلوبية الكل لو أتى بالتعدد، ويأتي لذلك مزيد توضيح. والمناقشة في الاتفاق المدعى - بأن أدلة الأسباب مختلفة، وليست محصورة في نوع، فمنها: ما يظهر منه التعدد، ومنها: ما يظهر منه الاتحاد، ومنها: ما لا يظهر منه شئ منهما. ومع ذلك فالأدلة الخاصة من إجماع أو نص على التداخل وعدمه واردة في كثير من الموارد، فإن اريد اتفاق جماعة منهم أو جميعهم على عدم التداخل في بعض الموارد فهو مسلم لكنه لا يفيد، إذ لعله لاقتضاء دليله التعدد أو لورود دليل خارج عليه. وإن اريد اتفاق الكل في جميع الموارد فهو ممنوع، وكلام جميع القدماء خال عن ذكر هذا الأصل وإن عملوا بمقتضاه في بعض الموارد لاجماع أو دليل آخر، وكفى بذلك شاهدا طرحهم النصوص والظواهر ومصيرهم إلى عدم التداخل في بعض الموارد ولو كان منشأه مجرد الأصل لم يقدم على الظواهر (1) - ناشئة (2) عن عدم التأمل في أطراف الكلام وعدم التنبه لدقيقة المقام. فإن غرض مدعي الأجماع - الذي لم يسمح بمثله الزمان - ليس دعوى


(1) في (م): وسألناهم عن ذلك. (2) في (ن): على الظاهر. (2) في عدا (م) ناش، والصواب ما أثبتناه، فانه خبر لقوله قبل أسطر: والمناقشة في الاتفاق المدعى....

[ 249 ]

تمسك الأصحاب بأصالة عدم التداخل، إذ لا ريب أن أمثال هذه العبارات اصطلاحات نشأت من الطبقة المتوسطة، وليس ادعاء مصيرهم إلى مقتضاها في جميع الموارد حتى يمنع، بل غرضه أنا نرى فتوى الأصحاب من باب الطهارة إلى باب الديات على عدم التداخل، ومن قال بالتداخل يطالبونه بالدليل، ولا يطالبونه ممن بنى على عدم التداخل. ثم إن البناء على عدم التداخل أيضا ليس مقصورا على مورد نص خاص، إذ نجد ذلك فيما لم يرد فيه دليل سوى دليل السبب، ونجد أدلة الأسباب غالبا على نسق واحد قابل للتداخل والعدم. والذي بعد التأمل يظهر أن إجماعهم على عدم التداخل - الذي جعله المورد دليلا خارجيا وقرينة - إنما نشأ من دليل الأسباب، لأنا نراهم لا يستندون في ذلك إلى شئ سوى الدليل الدال على السببية، ولا ينكر ذلك عليهم من خالفهم، بل يدعي رواية أو دليلا آخر على التداخل. ووجود الأدلة الخاصة في بعض المقامات لا يضر في فهم بنائهم على القاعدة، إذ أغلب القواعد منصوصة في بعض جزئياتها، ومدفوعة بدليل أقوى في بعض مواردها. ومن لا خبرة له بالفتوى ولا تسلط له على عبائر الأصحاب ولا تتبع له في مقامات الباب كيف يسعه الاقتحام على منع ما ادعاه ذلك النحرير، مع طول ذراعه وسعة باعه! وما ذكره من الاستشهاد بخروجهم عن ظاهر النص فإنه كاشف عن أن المعتمد ليس الأصل، واضح الفساد، إذ معنى الأصل قاعدة مستنبطة من الظواهر. ولا بعد في طرح أحد الظواهر لما هو أقوى منه وأمتن. وليس هذا الأصل من الاصول العملية التعليقية التي لا تجري في مورد الدليل، بل إنما مثله مثل قواعد الضمان ونحوه الذي ترك الأصحاب لأجلها نصوصا خاصة في أبواب الفقه

[ 250 ]

وخلدوا إلى القاعدة لقوتها وكثرة العمل بها في مواردها ووضوح عمل الأصحاب بها، وبعد خروج المورد الخاص (1) عنها. ولا يخفى ذلك على من له أدنى درية (2) في متون الفقه وكلمات المتأخرين، فضلا عن كتب الاستدلال للأساطين، فإن طرح النصوص الصحيحة غير عزيز في قبال القاعدة، سيما مع عمل شيخ الطائفة وأتباعه بها حتى سمى شيخنا الشهيد الثاني - في مقامات متعددة - من رد هذه الأخبار وأخذ بالقاعدة (المستنبطين) (3) في قبال من عمل بالرواية، مشعرا بأنهم ليسوا من أهل الاستنباط. والمعلوم من كلامه أن الاستنباط: المشي على القواعد (4) المعلومة من المذهب. وهو معيار ليس عليه غبار، وما نحن فيه من جملتها. ولعل المورد تخيل من لفظ (الأصل) ما يذكرونه في الاصول من أن المراد بالأصل: ما يرجع إليه عند عدم الدليل كالبراءة والأباحة. وقد عرفت ضعف ما تخيله، ووهن ما ارتكبه. على أنا نقول: إن من الموارد التي ترك بعضهم فيه النص الصحيح وخلد إلى القاعدة - كما ذكره مدعي الأجماع مؤيدا على كون القاعدة مرعية مسلمة - باب الأغسال. فنقول: أي دليل دل هنا على عدم التداخل حتى تركوا لأجله النص كما زعمه المورد؟ فإن كان إجماعا فلا ريب أن المشهور على التداخل، فكيف بالأجماع على عدمه! وإن كان نصا فقد عرفت أن النصوص دلت على التداخل. وإن كان أدلة الأسباب فلا يخفى عليك أن هذه الأدلة هي ما ذكرنا في أمثلة محل النزاع. فإن كان صراحة هذه الأدلة في التعدد تعارض النص الصحيح المعتضد بفتوى الأكثر والأصل الأولي - على ما زعمه المخالف - فما بال نظائر ذلك لا تقبل فيها


(1) في (ن): مورد الخاص. (2) في (ن): دربة. (3) (4) في (ن): القاعدة.

[ 251 ]

هذه الدلالة؟ فلم فيما عدا ذلك لم يكن الظاهر التعدد مع أنه لم يعارضه نص ولا فتوى؟ وملخص الكلام: أن صدور هذا الأيراد والبحث من مثل ذلك العلام مبني على مجرد فتح باب المناقشة وخروج عن طريقة أهل النظر والسداد. ولا يخفى على أصحاب النظر عدم الوثوق بل عدم الالتفات إلى مثل هذه الشبهات في قبال ما ظهر من الوجوه على كون المعمول به والمعول عليه عدم التداخل فيما لا دليل على خلافه، مضافا إلى أنه غير خفي على المتتبع الماهر أن المدار في أبواب الفقه كافة على تعدد المسببات بتعدد الأسباب غالبا، وليس ما تخلف فيه ذلك في جنبه إلا أقل قليل مستند (1) إلى خصوص دلالة الدليل، ومع ذلك ليس مما اتفق الفتوى فيه، بل قد اختلف فيه الفتاوى اختلافا. قال العلامة الطباطبائي: ولذا ترى أن أسباب الصلاة والزكاة والصوم والحج والأيمان والنذور والديات والحدود وغيرها على كثرتها كثيرا ما تجتمع مع توافق مسبباتها في الجنس والكيفية والوقت، وهي مع هذا متعددة متغايرة، كالصلاة المتوافقة [ من فائتة وحاضرة، والفوائت المتعددة من الفرائض والنوافل الراتبة وغير الراتبة المؤقتة (1) ] (2) وغيرها، وكصلاة الفجر مع الطواف، والزلزلة مع الكسوف، والعيد مع الاستسقاء، وكذا أنواع الصيام من القضاء والكفارة وأفرادهما المتكثرة، وأقسام الزكاة مثل زكاة المال والفطرة وأفرادهما الكثيرة، والديون المستقرة في الذمة بأسباب مختلفة كالبيع والصلح والأجارة [ والقرض ] (3) وغير ذلك من صور اجتماع الأسباب مع توافق المسببات مما لا يمكن حصره [ وضبطه ] (5) فإن البناگ في جميعها على التعدد بحيث لا يحتمل فيه (6) التداخل


(1) في (ف، م): مستندا. (2) في محكي المصدر: الموافقة. (2) ما بين المعقوفتين ورد في (م) فقط. (3 و 5) من (م). (5) كذا في النسخ، والمناسب: فيها، كما في محكي المصدر.

[ 252 ]

والاكتفاء بالواحد عن المتعدد، كصلاة (6) واحدة من ألف صلاة، وصوم يوم عن ألف يوم، أو دفع دينار بدلا عن قنطار، ولو أن أحدا حاول ذلك لكان مخالفا لقانون الشريعة، خارجا عن الدين والملة. ولا ندعي أن الأسباب كلها بهذه المثابة، فإنها تختلف جلاءا وخفاءا، ولكن الفحص والاستقراء وتتبع الجزئيات التي لا تحصى يكشف عن استناد (7) الأمر في ذلك كله على شئ جامع مطرد في الجميع، وليس إلا أصالة عدم التداخل. وهذا من قبيل الاستدلال بالنصوص المتفرقة الواردة في جزئيات المسائل على ثبوت ما اجتمعت عليه من المطالب الكلية. وذلك ليس من الظن والقياس (8) في شئ (9). هذا تمام كلامه، رفع في الخلد مقامه، نقلناه بطوله حتى يتنبه الفطن على رمية الاستاد (1) ويعرف مجامع الكلام المفضي إلى المراد. قال الفاضل المعاصر في عوائده: أنه يرد عليه المعارضة بثبوت التداخل وبنائهم عليه في كثير من الأبواب، بحيث يمكن دعوى مساواتها لما بني فيه على العدم، كأبواب الوضوء والغسل والتطهير من الأخباث، والأيمان والنذور - كمن حلف ألف مرة على فعل واحد أو ترك أمر واحد، أو نذره - والحدود - كمن شرب قبل الحد مرات، أو قذف كذلك أو زنى - فظاهر (2) أنه لا يفيد الاستقراء في مثل ذلك شيئا، وعلى فرض التسليم لا يكون ذلك إلا من باب إلحاق الشئ بالأعم الأغلب، وهو ليس إلا من الظن الغير الثابت حجيته. ألا ترى أن بعد ثبوت أصل الطهارة الأولي في الأشياء (3) لو حكم الشارع


(6) في (م): كالاكتفاء بصلاة. (7) في (م): ابتناء. (9) في (م): وليس ذلك من الظن ولا القياس. (9) لم نقف على مصدره، وقد نقله بتمامه المحقق النراقي في عوائد الأيام: (105) عن بعض فوائد بعض سادة مشائخه، والظاهر أنه السيد بحر العلوم قدس سره. (1) في غير (م): استاد. (2) في (م): فظهر. (3) في المصدر: للأشياء، وهو الأصح.

[ 253 ]

بنجاسة أكثر الأشياء بحيث لم يبق محل الشك إلا قليل لا يحكم بنجاسته؟ وبالجملة: ليس ذلك - لو سلمت الغلبة - إلا من الظنون التي لم يثبت حجيته، وهذا ظاهر جدا (4). أقول أولا: إن هذه المواضع التي عدها للتداخل كما ترى ليس جزءا من ألف جزء من مواقع عدم التداخل، فكيف يدعي منع الغلبة، فضلا عن دعوى المساواة؟ بل في فروع هذه المذكورات ما لا يحصى من مقامات تعدد المسببات، كما لا يخفى على من راجع. وثانيا: أن باب الأغسال محل خلاف معروف، وباب الحدود لا يخفى على الفقيه ما فيه من المسامحة تفضلا من الله تعالى، وباب الأيمان والنذور مبني على أن من حلف ألف مرة فهو التزام بذلك الشئ، فإذا خالف فهو مخالفة واحدة، والكفارة للمخالفة، لا لليمين، ولهذا لو حلف فخالف ثم حلف فخالف تكررت، وذلك واضح لاسترة فيه. وثالثا: أن القائلين بالتداخل في هذه المقامات نراهم يتمسكون في باب الوضوء بأن الحدث لا يتبعض فإذا ارتفع واحد ارتفع الكل، ويتمسكون بالأجماع والضرورة، وفي باب الأغسال بالنص، وفي الحدود على الأجماع والنص. ولو كان هذا على طبق القاعدة فلم لم يتمسكوا بأن الأصل عدم التعدد؟ مع أنه لا نرى للحد مدخلية، فإذا كان الأسباب تتداخل فلم لا تتداخل في قذف جماعة؟ ولم اختص التداخل بقذف واحد مرات قبل الحد ولم يتداخل في قذف أشخاص متعددين قبل الحد؟ وبالجملة: فإنكار الغلبة المتعد بها (1) بحيث لا يلاحظ في جنبه الباقي مما لا ينبغي صدوره عن محصل. وأما إنكار الحجية، فهو أيضا ممن عرف طريقة فقهائنا لا ينبغي صدوره، لأن


(4) عوائد الأيام: 106، العائدة: 31. (1) في (ف، م) زيادة: بل.

[ 254 ]

تأسيس القواعد المتداولة على ألسنتهم - كما يمر عليك في العناوين الاتية إن شاء الله تعالى - غالبا مبني على تتبع المقامات الخاصة التي قام بها (2) الدليل والتسري منها إلى غيرها. بل لا يعد رجل فقيها حتى يعرف مظان الفقه ويتتبع أبوابه، ويطلع على نوع المذهب، ويلاحظ ما لم يرد فيه دليل أو ورد دليل ضعيف، مع ما عرفه من طريق الشرع في مواقع اخر، حتى يكون على بصيرة من أمره. ولا يكفي في الفقاهة تأسيس مسائل الاصول، والغور في البحث عن الأدلة الخاصة التي وردت في كل مسألة مسألة من تعارض وترجيح، والكلام في الرد والطرح والحقيقة والمجاز وتعارض الأحوال، فإن هذا شئ يناله أول من بلغ إلى حد معرفة الدليل والمدلول وشم رائحة ملكة الاجتهاد في الجملة. وثانيا نقول: إن الاستقراء إن قلنا بحجيته من باب حجية الظن المطلق، فلا كلام فيه. وإن قلنا بحجيته لما عرفناه من طريقة أصحابنا من الألحاق في أمثال هذه الموارد، فلا بحث. وإن قلنا بحجيته من جهة الأخبار الخاصة التي وردت ودلت على اعتبار الغلبة، فلا كلام أيضا. وإن قلنا بحجيته من جريان طريقة العقلاء بذلك - كما قلناه في حجية الاستصحاب - وما ورد من الأدلة الاخر مقررة لذلك، فلا بحث أيضا. وعلى تقدير التنزل عن ذلك كله نقول: لا ينبغي التوحش من لفظ (الاستقراء) ولا بد من ملاحظة المراد منه، فإن كان المراد: مجرد إلحاق الشئ بالأغلب ابتداءا، فذلك مورد البحث. ولنا أن نقول: إنه داخل في ظنون الألفاظ، بمعنى: أن الشارع إذا خاطب بأدلة


(2) في (ن): قام فيها.

[ 255 ]

الأسباب في ألف مقام وعرفنا منه إرادة التعدد، فذلك يفيد الظن بالمراد في محل الشك أيضا، فيكون كالقرينة، لا أن الغلبة حجة في الألحاق، بل هي قرينة على الأرادة من اللفظ، ونظير ذلك في العرف كثير. وتمام التحقيق في ذلك موكول إلى علم الاصول، والغرض هنا مجرد الأشارة إلى الوجوه للتنبيه. وبالجملة: فما ذكرناه من الوجوه كافية في تتميم هذا الأصل. وهنا وجوه اخر. أحدها: ما اشير إليه في ضمن المباحث السابقة من أن المتبادر اختصاص كل سبب بمسببه، وهو مقتض للتعدد، إذ المفهوم من قوله: (إذا تكلمت في الصلاة ناسيا فاسجد سجدتي السهو) وجوب السجود لخصوص التكلم، ومن قوله: (إذا شككت بين الأربع والخمس فاسجد) وجوب سجود آخر للشك غير الأول. وكذا (من تعمد الأكل في نهار رمضان فليكفر) و (من وطئ فيه فليكفر) ولا يتفاوت الوقوع في صلاة واحدة أو متعددة، أو في يوم واحد أو أيام متعددة قبل التكفير، أو بعده في ظاهر هذه الأدلة. وقس على ذلك النظائر في سائر الأبواب. ويؤيد هذا التبادر ويشهد له طريقة الأصحاب كما أشرنا إليه سابقا. ولا يخفى هذا التبادر على من راجع محاورات أهل العرف. ولا يقدح في ذلك كون بعض الأدلة غير لفظي كإجماع ونحوه، لأنه أيضا ينتهي غالبا إلى لفظ، وإن لم ينته إلى ذلك فهو يرجع إلى الشك في أنه سبب أم لا، وقد ذكرنا سابقا أن نزاع التداخل فيما دل دليل ظاهر على السببية. كما أنه لا يرد ما قيل: إن انتشار أدلة الأسباب يمنع من دعوى التبادر في الجميع، لأنها مختلفة غاية الاختلاف. لأنا نقول: ليس غرضنا دعوى التبادر من كل دليل لم نجده ولم نعرفه، فإن هذا رجم بالغيب لا يرتكبه أحد، بل غرضنا من ذلك: أن دليل السبب لو خلي

[ 256 ]

ونفسه - بمعنى أن يقال: هذا يوجب كذا وذاك يوجب كذا، أو افعل كذا وافعل كذا - من دون ملاحظة امور خارجية يقضي بذلك. نعم، لو دل قرينة في مقام خاص على خلافه، فلا نتحاشى عن ذلك. وثانيها: أن قضية السببية اختصاص مسببه به، بمعنى: أن يؤتى بمسببه لأجل أنه مسبب من ذلك السبب، وصدق الامتثال عرفا إنما هو بتعيين ما يأتي به لأجله، فإن غسل الجنابة لا يكفي في الامتثال به قصد التوبة، ولا إطلاق النية، فمقتضى وجوب الامتثال لزوم تعيين قصد السبب، فإذا وجب ذلك فلا وجه بعد ذلك للتداخل، إذ هو مبني على إطلاق القصد، أو قيام ما عين مقام غيره، وقد عرفت بطلانهما. ويرد عليه أمران: أحدهما: أنه لا يلزم من السببية قصد خصوصية السبب، بل اللازم قصد كونه مأمورا به وقصد الأتيان لامتثال الأمر تحصيلا للقربة اللازمة. فدعوى: لزوم قصد كل مسبب من جهة السبب الفلاني، ممنوعة أشد المنع. وثانيهما: أنه على تقدير تسليم لزوم القصد والنية كذلك فلا يلزم منه عدم التداخل، لجواز قصد ألف سبب في مسبب واحد، كقوله: (أنوي هذا الغسل للجمعة والعيد والزيارة والجنابة والتوبة) ونحو ذلك، و (اعطي هذا الدينار كفارة لوطئ وزكاة وعوض نذر ودين) ونحو ذلك، وعلى هذا الفرض أيضا يصدق الأتيان بالمسبب لأجل ذلك السبب. والجواب عن الأول: أنه لا ريب في كون المشترك لا ينصرف إلى أحد المحتملات إلا بمعين - وقد حققناه في الضابطة الاولى من ضوابط ما يتعلق بالألفاظ، فراجع (1) - والمعين: إما الأمر الخارجي أو النية على سبيل منع الخلو، فحيث لا معين في الخارج لا بد من النية.


(1) راجع ص: 180.

[ 257 ]

وليس المراد بالمعين الخارجي الواقعي وإن لم يلتفت إليه المكلف - كما تخيله بعضهم - فإن من عليه غسل جنابة لا غيره من الأغسال إذا اغتسل وأطلق في القصد لم يمتثل وإن كان ما في الذمة معينا، لأن المكلف لا بد أن يعلم بالتعين ولو بالأشارة إلى معين خارجي، كنية ما في الذمة عند عدم العلم به في وجه، والمفروض: أن الأفعال التي هي محل البحث في التداخل إنما هي مشتركة بين الامور المتداخلة، فلا يحصل الامتثال عرفا إلا بالتعيين، ولا يتعين إلا بالأضافة إلى سببه، بمعنى: أن يلتفت المكلف إلى أن هذا الدينار مال كفارة، لا مال زكاة، وقصد القربة هو اللازم دون ما عداه - كما ذكره المورد - لكن التقرب ينوى بالمأمور به، والفرض أن المأمور به غسل الجنابة لا مطلق الغسل، وصلاة التحية لا مطلق الصلاة، وقصد السبب ليس شيئا زائدا على تعيين المأمور به، وهو لازم قطعا. والجواب عن الثاني: أن بعد لزوم تعيين المأمور به من بين احتمالاته التي فيه التداخل لو ثبت كيف ينوي ألف سبب في مسبب واحد؟ إذ ليس نية السبب للتعبد اللازم - كما قررناه - حتى يقال: لنا أن ننوي عشرة في واحد، إذ اللازم التعيين، ومعنى التعيين: كون هذا المأتي به ذاك الذي امر به - مثلا -. فإن قلت: هذا مسلم، ولكن نقول: ينوي ذاك السبب وهذا السبب فيتعين، ولا يبقى مشتركا، لتعينه للأسباب المنوية دون ما لم ينو. قلت: ما ندري ما المراد بتعينه لثلاثة أسباب؟ إن كان معناه: كون الواحد ثلاثة فالمكلف أتى بكل من الثلاثة وامتثل، فقد أسلفنا سابقا أن هذا الاحتمال في التداخل ضعيف، والواحد لا يكون ثلاثة، والقصد لا يكفي، وكونه بمنزلتها تعبدا - كما ذكرناه سابقا - فرع ورود الدليل الخاص، والفرض عدمه. وإن كان المراد: أنه واحد مسقط للباقي، فلا ريب أن الواحد المأمور به معين، ليس مطلقا ولا مرددا بين الأفراد - كما أشرنا إلى وجهه سابقا - فلا بد من قصد الواحد المعين حتى

[ 258 ]

يسقط الباقي، فلا وجه لقصد الثلاثة مثلا. ودعوى: كون أحدها بعينه مقصودا والباقي تابعا حتى يتداخل، ترجيح بلا مرجح. فإن قلت: نحن لا نقول بتعدد ذلك حتى يلزم كون الواحد ثلاثة، بل نقول: إن الخطابات الثلاثة - مثلا - أوجبت ماهية الصدقة بدينار، فإعطاء الواحد موجب لحصول الماهية في الخارج، غاية ما أفاده الدليل أن إعطاء الدينار على الأطلاق لا يمكن، للزوم قصد التعيين، فالتزمنا بلزوم قصد الأسباب الثلاثة حذرا من الأطلاق الموجب للاشتراك بين المأمور به وغيره ومن لزوم الترجيح بلا مرجح لو قصدنا أحد الأسباب خاصة، والمفروض كون هذا الدينار محصلا للماهية الموجبة لحصول الامتثال عن الكل، وأين هذا مما تقول (1)؟ قلت: لهذا (2) الكلام وجه متين، لكنه خروج عن مورد المقام، إذ كلامنا في أن بعد لزوم تعيين المأمور به لا بد من استناد كل مسبب إلى سببه الخاص، دون غيره، ودون المجموع - بالتقرير السابق - وكلامك هذا يدل على أن ليس هنا ثلاثة أشياء مأمور بها، حتى يلزم تعين كل منها، فيلزم استناد كل من الثلاثة إلى السبب الخاص. فنقول: لا كلام في أنه لو لم يبن المكلف على التداخل وأتى بكل من الثلاثة على انفراده لقد أتى بالمأمور به - وقد تقدم تأسيس ذلك سابقا (3) - وهذا مسلم بين الفريقين. فلو كان المأمور به الماهية المطلقة تنحل الخطابات إلى تأكيد للحكم الأول، كتعلق ألف أمر بماهية الصلاة. ولا يخفى على من له أدنى درية (4) أنه لو أتى المكلف بالماهية المأور بها بألف أمر مؤكد بعضها ببعض مرة واحدة فقد امتثل، ولو


(1) في غير (م): نقول. (2) في غير (م): هذا. (3) راجع ص: 245. (4) في (ن): دربة.

[ 259 ]

أتى ثانية بقصد الامتثال فقد شرع وأتى بما لم يؤمر به. فلو كان غسل الجنابة والحيض والنفاس وغير ذلك من الموارد التي يبحث فيها عن التداخل كذلك لكان الأتيان بالمتعدد غير جائز، ولكان داخلا في التشريع المحرم. وقد مر البحث في هذا النقض والأبرام بحذافيره. وبالجملة: تعدد المأمور به مما لا يمكن إنكاره، وكون التعيين شرطا في الامتثال - على ما قرر - لا كلام فيه، ولازم هذين الأمرين إضافة كل مسبب إلى سببه حتى يتعين، فلا يمكن إدخال غيره معه، بل يلزمه إما كون المتعدد واحدا وهو محال، أو الترجيح بلا مرجح وهو كذلك. نعم، إذا قال الشارع: هذا الواحد المعين يكفي عن أربعة، أو واحد على الأطلاق كذلك، أو إذا نويت الثلاثة فهي حاصلة، فهذه كلها تعبدات نطالب فيها بالدليل، ولو خلينا ونفس الأسباب والمسببات لكان الأمر على حسب ما قررنا. هذا ما يقتضيه النظر القاصر، والله العالم بالخفيات والسرائر. وثالثها (1): أن السببين إذا وجدا، فإما لا يثبت بهما مسبب، أو يثبت بهما مسبب واحد، أو مسببان. وبطلان الأول واضح، لأنه ترك لدليل السببية من دون داع وعلة. والثاني كذلك، لأن المسبب الواحد إما لواحد منهما معين، أو لغير معين، أولهما على الاشتراك. والأول تحكم وطرح لدليل سببية الاخر، والثاني موجب لترك سببية أحدهما لا على التعيين من دون جهة، والثالث ترك لسببية كل منهما، إذ مقتضاهما (2) الاستقلال، وهذا إثبات السببية للمجموع المركب، وهو غيرهما معا، فلم يبق إلا الوجه الثالث، وهو المطلوب. ورابعها: أن السببين إذا تعاقبا، فلا شبهة في أن السبب الأول موجب


(1) أي: ثالث الوجوه المشار إليها (في ص: 252) بقوله: وهنا وجوه اخر. (2) في (ن): مقتضاها.

[ 260 ]

للمسبب، والثاني إما أن يوجب شيئا أم لا. والثاني واضح الفساد، لتساوي الأمرين في السببية، فكيف يوجب أحدهما المسبب دون الاخر؟ ولعدم الفرق بين التقدم والتأخر في ظاهر الدليل، ولا ريب أن هذا اللاحق لو كان وقع سابقا لثبت به المسبب، فتعين أن الثاني أيضا مثبت. فنقول: إن كان ما يثبت (3) به غير ما ثبت بالأول فهو المطلوب، وإن كان عينه لزم تقدم المسبب على السبب وهو محال. وبعبارة اخرى: السبب المتعاقب مثبت للمسبب، لعموم دليل السببية، ولا بد من كون الثابت به غير الأول، وإلا لزم تقدم الأثر على المؤثر، ولا وجه لذلك. وأورد الفاضل المعاصر هنا إيرادات: أحدها: أن هذا الدليل أخص من المدعى، لاختصاصه بما لو دل دليل السببية على تجدد المسبب وحدوثه بحدوث السبب، كقوله: (البول يوجب الوضوء، والنوم يوجب الوضوء) وأما مثل قوله: (من بال فليتوضأ) فلا، لأن ورود الأوامر المتعددة على شئ واحد جائز، كورود أزيد من ألف أمر بالصلاة والزكاة ونحوهما. وثانيها: أنه على تقدير تسليم إثبات السبب الاخر غير ما أثبته الأول، فإنما يثبت الحكم دون تعدد الفعل، فيرجع الكلام إلى أن الغسل الواحد للجنابة والحيض تعلق به وجوبان، لا أنه يجب تعدد الغسل، وأحدهما غير الاخر من دون تلازم. وثالثها: أن إرادة المسبب المغائر للأول توجب استعمال ألفاظ المسببات في حقيقته ومجازه أو في حقيقتيه في استعمال واحد، ضرورة إرادة الماهية و (1) مطلق الفرد - على اختلاف القولين - عند عدم تعددها، وذلك غير جائز. فإذا قال


(3) في (ن): ثبت. (1) في المصدر: أو.

[ 261 ]

الشارع: (البول يوجب الوضوء والنوم موجب للوضوء) فالمراد بالوضوء عند انفراد كل من السببين إما الماهية أو مطلق الفرد، فلو اريد عند اجتماعهما الفرد المغائر للأول لكان لفظ (الوضوء) مستعملا في معنيين، وهو غير جائز. ورابعها: أنه على القول المشهور من وضع الألفاظ المطلقة للماهية يكون عند التعدد مستعملا في الفرد قطعا، ضرورة عدم تعدد في الماهية، وهو مجاز معارض لتخصيص عموم السبب، والتخصيص إما مقدم على المجاز - كما هو المشهور - أو مكافئ له - كما هو الحق - وعلى التقديرين لا يعلم عموم ما دل على السببية بحيث يشمل المورد، فلا دافع لأصل التداخل الأولي (1). وهذه الوجوه كلها في النظر القاصر ساقطة. أما الأول: فلأن قوله: (من بال فليتوضأ) لا شبهة في دلالته على أن المسبب ينبغي حدوثه بعد حدوث هذا السبب، ولا يفهم أحد من ذلك احتمال كفاية الوضوء السابق على البول عن هذا الخطاب وإن كان انتزاع معنى لفظ من لفظ آخر لا يفيد اشتراكهما في سائر المقتضيات اللفظية، لكن مقامنا لا يحتاج إلى إثبات قضية كلية. بل نقول: إن المثالين اللذين ذكرهما لا يفترقان في الدلالة على حدوث المسبب بعد السبب، كيف! وظاهر اللفظ الشرطية المستلزمة لتقدم حصول الشرط على مشروطه، وكيف يعقل وجوب وضوء حصل قبل البول بعد البول؟ فتبصر. وبالجملة: الفرق بين الموارد في ذلك لا يرتكبه من هو متهم في فهمه مشوب في فكره، فضلا عن الناقد المتفحص (2) أو أهل اللسان المحض. وأما الثاني: فلما قررنا في المقدمات: أن ورود الحكمين المتماثلين من جهة واحدة محال، ومن جهتين متغائرتين موجب لتعدد موضوع الحكم بحسب (هامش) * (1) عوائد الأيام: 103، العائدة: 31. (2) في (ن) ونسخة بدل (ف، م) المتمحض.

[ 262 ]

الماهية وإن وجد (3) في ضمن فرد واحد، وهذا لا ربط له بمقامنا (4) فراجع ما ذكرنا هناك، فإن فيه كفاية، ويجئ له زيادة توضيح عن قريب. وأما الثالث: فلأنا لا نقول بإرادة المسبب المغائر للأول حتى يلزم ذلك، فقول الشارع: (البول موجب للوضوء) يريد كون البول باعثا لوجوب ماهية الوضوء، سواء وقع البول مجتمعا مع النوم أو منفردا عنه. والنوم أيضا موجب لماهية الوضوء في الحالتين، والتغاير من لوازم الوجود الخارجي للوضوء، لا أن الشارع أراد الماهية لو انفرد السبب والفرد المغائر لو اجتمعا. وتوضيح ذلك بحيث لا يؤدي إلى إخلال ولا إلى ملال: أن تعلق الأحكام بالطبائع - كما قرر في علم الاصول - لا ينافي التعدد في المقام، إذ معنى قولك: (اغتسل) ليس إرادة طبيعة الغسل المقررة في ظرف نفس الأمر، لأنها شئ محبوب فيه مصلحة كامنة، وقبل تعلق الخطاب أيضا محبوب كما بعد الخطاب، والمحبوبية هي الداعية إلى الطلب، والطلب لوجودها، لا لذاتها. وبعبارة اخرى: قولك: (اضرب) طلب لوجود الضرب، لا لنفسه، ومراد الامر من قوله: (اضرب) اريد منك إيجاد الضرب، وهو معنى تعلق الطلب بالماهية، وهو الفارق بين المحبوبية وبين الوجوب. ولذا نقول: إن الوجوب طلب الفعل والمنع من الترك. والمراد بالفعل إيجاد المأمور به، لا نفس المأمور، لأن الفعل يضاف إليه، فيقال: الصلاة يثاب فاعلها. والترك إبقاء الشئ على عدمه السابق مع قدرة على إيجاده. فإذا كان معنى تعلق الطلب بالماهية ذلك، فنقول: قول الشارع: (البول يوجب الوضوء) معناه: أن هذا سبب لوجوب الوضوء، ووجوب الوضوء عبارة عن إرادة الامر وجوده في الخارج حتما. فإذا تكرر الخطاب والسبب تكرر الوجوب، فيتكرر الوجود وينحل إلى قوله:


(4) في هامش (م): وجدا خ ل. (4) في (ن) زيادة: هذا.

[ 263 ]

اريد وجود الوضوء حتما واريد وجود الوضوء حتما، ولم يرد من لفظ (الوضوء) إلا الماهية، لكن الطلب للماهية معناه: إرادة وجوده، ووجود الكلي مشخصه في الخارج، وتعدد المشخصات لا ينافي وحدة الكلي الطبيعي. فكما أن الحكيم على الأطلاق - جل شأنه وعز اسمه - قادر على تشخيص الكلي الواحد بمعنى إيجاده في الخارج ألف مرة، ليكون ألف وجود وألف فرد للانسان - مثلا - جعل هذه القدرة للمكلف بالنسبة إلى أفعاله الاختيارية. فإذا قال له: (صل) معناه: اريد منك تشخيص هذه الطبيعة وإيجادها، وإذا قال مرة اخرى: (صل) فليس معناه أيضا إلا إرادة التشخيص والأيجاد لتلك الماهية، فإذا صلى المكلف صلاة فقد امتثل الأمر بالتشخيص والأيجاد، وإذا صلى اخرى فكذلك. وتغائر الشخصين في الخارج لا يوجب إرادة الامر من قوله: (صل) في الثاني فردا من الطبيعة غير ما وجد في الأول، إذ لا نقول بأن المطلوب الفرد، بل نقول: إن المطلوب الماهية، لكن معنى طلبها إرادة إيجادها أي جعلها في ضمن تشخص حتى يتحصل من ذلك فرد، لا إرادة الفرد. وتمام الكلام في علم الاصول. وبالجملة: لا تفاوت بين قول الامر: (صل) فصلى المكلف مرة، وقوله بعد ذلك: (صل) فصلى اخرى، وبين قوله: (صل، صل) فصلى مرتين للخطابين بالنظر إلى معنى لفظ (صل). فنقول: لو أمر بعد امتثال الأمر الأول فهل يريد به الطبيعة، أو يريد به الفرد المغائر للأول؟ فإن أراد الطبيعة فتعلق أمرين بالطبيعة مع تعدد الامتثال لا مانع منه، سواء فرضه دفعة أو مع التعاقب. وإن اريد الفرد المغائر فنقول: تارة يتعاقب السبب الثاني، وتارة لا يتعاقب، فينبغي أن يريد من الأمر الأول: الطبيعة والفرد في استعمال واحد، وهو ما ذكرته من المحذور.

[ 264 ]

ونحن نقول: أراد به الطبيعة، وتعدد الطلبات يوجب تعدد الايجادات، لا كون المراد باللفظ الفرد. ولا ريب أن زيدا وجود للأنسان، وكذلك عمرو وبكر وخالد، بمعنى: أن هذه كلها مشخصات وتحصلات له، فإذا كان الكلي قابلا لألف وجود فهو قابل لتعلق ألف طلب، إذ هو يتقدر بقدر إمكان الوجود. وليس في ذلك ارتكاب مجاز، لأن هذا معنى الطلب للماهية، لا نفس اللفظ الموضوع بإزائه، فلا تذهل. مع أنا نقول: مجرد كون اجتماع السببين في مقام خاص قرينة على إرادة الفرد المغائر - مثلا - لا يستلزم الاستعمال في الفرد، بل يكون هذا من باب القرائن المفهمة في سائر الكليات (1) فإن تفهيم فرد من الكلي من الخارج غير استعماله فيه. ولذا يقولون: بأن استعمال الكلي في الفرد لو لم يرد الخصوصية من اللفظ ليس بمجاز. فنقول: هنا كذلك. وأما على ما قررناه في معنى طلب الماهية، فالاندفاع واضح. وأما الرابع: فالجواب عنه عدم لزوم المجاز في ذلك حتى يفتح فيه باب تعارض الأحوال بالوجهين المذكورين في الثالث، مع النقض بورود مثله في صورة تخلل المسبب بين السببين، فإن الفرق من هذه الجهة منتف، فتدبر جدا. مضافا إلى أنا نقول: قاعدة تعارض الأحوال ليس شأن البحث في مسألة خاصة الرجوع إليها والانجماد عليها، بل لا بد من ملاحظة خصوص المقام أيضا، فلعل المقام فيه خصوصية مانعة عن ذلك، ومجرد أولوية التخصيص أو تساويه مع المجاز لا يوجب اعتراضا في المقام الخاص. فنقول: من الواضح الجلي أن قول الشارع: (إذا بلت فتوضأ، وإذا نمت،


(1) في (م): الكلمات.

[ 265 ]

فتوضأ) يفهم منه إرادته لكل منهما وضوء آخر، ولو فرضنا أن هذا إرادة للفرد من اللفظ ومجاز، لكنه لا يتخيل أحد من أهل العرف هنا (2) أن الوضوء مطلق الطبيعة وهي غير قابلة للتعدد، فلا بد أن يراد: فتوضأ للنوم في غير صورة اجتماعه مع البول، وللبول في غير صورة اجتماعه مع النوم، فإن هذا تخصيص بعيد عن أذهان أهل اللسان بمراتب! ولا يفهم أحد من قوله: (إذا وطئت الحائض فدينار، وإذا ملكت أربعين فدينار) إلا كون كل منهما باعثا لدينار آخر، إن شئت سميته حقيقة وإن شئت سميته مجازا، تقدمه على التخصيص أو تؤخره عنه. هذا ما أدى إليه النظر القاصر ووصل إليه الفكر الفاتر، مع تشويش البال وضيق المجال.


(1) في (ن، ف): هناك.

[ 267 ]

(العنوان الثامن) (في بيان ما اشتهر في ألسنة الفقهاء: من أن علل الشرع معرفات)

[ 268 ]

عنوان [ 8 ] قد اشتهر في ألسنتهم: أن علل الشرع معرفات، لا علل حقيقية. والمراد بالعلة الحقيقية: ما يكون علة للوجود الخارجي، ولايكون إلا واحدة. واجتماع العلتين المستقلتين على معلول واحد محال، لأن الاجتماع إن كان على إيجاد المعلول الواحد لزم من تأثير كل (1) منهما إما إيجاد الموجود لو وجد المعلول بأحدهما، وإما عدم كونهما علة تامة لو وجد بهما، والأول محال بديهة، والثاني خلاف الفرض. وإن كان الاجتماع في الوجود الخارجي بمعنى: وجود شيئين يمكن استناد المعلول إلى كل منهما وهما علتان مستقلتان تامتان، فاللازم تخلف المعلول عن العلة التامة لو كان مستندا إلى أحدهما، وعن كلتا العلتين لو كان مستندا إلى كلتيهما. فاجتماع علتين تامتين في الخارج مع وحدة المعلول محال، ولا بد لكل منهما من معلول برأسه. وأما المعرف: فمعناه: ما كان علة للوجود الذهني.


(1) في (ف) زيادة: واحد.

[ 269 ]

واجتماع المعرفات الكثيرة لموجود ذهني واحد جائز، إذ لا دليل على امتناعه. فإن قلت: ليس الوجود في الذهن إلا كالوجود في الخارج، فإن كان مستندا إلى معرف واحد فيلزم عدم كون الاخر معرفا، وحقيقة المعرف ينحل إلى أنه علة تامة في التعريف، فإذا حصل ولم يفد الوجود الذهني فقد تخلف عن معلوله. وإن كان مستندا إلى كليهما لزم عدم كون شئ منهما معرفا مستقلا، أو تخلف معلولهما عنهما معا، وكلاهما باطلان. وكما أن إيجاد الموجود الخارجي في الخارج محال، فكذلك إيجاد الموجود الذهني في الذهن محال، لأنه تعريف للمعروف، وكل ذلك مشترك في لزوم تحصيل الحاصل. وبالجملة: الفرق بين (العلة) و (المعرف) غير واضح. قال الفاضل المعاصر في عوائده في ضمن كلام له: فرق بين الموجود الخارجي والذهني، حيث إنه لا يمكن صيرورة الشيئين (1) في الخارج شيئا واحدا، بخلاف الموجود الذهني، فإنه يصير ألف موجود ذهني موجودا واحدا، بمعنى: تطابق موجود واحد في الذهن لألف موجود خارجي، فإن الذهن ينتزع من كل من ألف موجود صورة ذهنية كلها منطبقة على موجود ذهني واحد، كالسواد المنتزع من جميع أفراده، ولذا ترى أنه يبطل دليل واحد مما استدل عليه بأدلة كثيرة، ولا يبطل المدلول، بل هو بعينه باق على ما كان، فيستفاد من كل معرف موجود ذهني ويتطابق جميع تلك الموجودات ويتحد في الذهن. وهذا هو المراد من اجتماع المعرفات على أمر واحد، وظاهر أن هذا أمر جائز (2). أقول: ظاهر الأيراد أن المعرف إذا كان علة للوجود الذهني فمتى ما تحقق


(1) في غير (م): المسببين. (2) عوائد الأيام: 100، العائدة: 31.

[ 270 ]

أحد المعرفات حصل الوجود في الذهن، فالمعرف الثاني إما أن يفيد وجودا في الذهن غير الأول، أو يفيد ما أفاد الأول، أو لا يفيد شيئا. والأخير مخالف لقاعدة العلية، والأوسط تحصيل للحاصل، والأول مخالف للوجدان، إذ نحن بعد ما علمنا شيئا بالدليل لا يفيدنا الدليل الثاني شيئا جديدا. ويمكن دفع هذا الكلام - مع قطع النظر عن كلام الفاضل المعاصر وأمثاله - بوجهين: أحدهما: أن يقال: معنى المعرف: الأمارة، ولم يؤخذ في مفهومه حصول معرفة منه بالفعل، وإنما مثله مثل الدليل، فإنه ما يمكن (1) أن يتوصل بالنظر الصحيح فيه إلى المطلوب، ولا يلزم في كونه موصلا عدم وجود موصل غيره، بل المراد كونه بحيث من تنبه له يوصله إلى المراد. والمعرف أيضا معناه: كون الشئ أمارة موصلة لمن لم يكن عنده موصل غير ذلك. فعند الاجتماع نقول: كلاهما معرفان [ بهذا المعنى ] (2) بمعنى: أنه لو ارتفع أحدهما كفى الاخر، لا أن هذه المعرفة قد حصلت منهما معا أو من كل منهما. وهذا هو المتعارف في معنى المعرف والكاشف والدليل، ونحو ذلك. ونظير هذا المعنى يتعقل في العلتين الحقيقيتين، بمعنى أن يقال: مع اجتماعهما يكون المعلول مستندا إلى أحدهما، ومع ذلك فالاخر أيضا علة، بمعنى: أنه لو لم يكن هناك العلة الاخرى لكان هذا كافيا في وجود هذا الشئ. لكن هذا خروج عن معنى العلية، فإن العلة ما لا يتخلف عنه معلوله، وبعد فرضه كذلك يسمى علة، فإذا وجد إحدى العلتين ووجد المعلول فالعلة الاخرى حينئذ لا تسمى علة. وبالجملة: يرجع هذا الكلام إلى أن المعرف يراد به: ما لو لم يكن هناك غيره لأثر تأثيرا بالفعل في التعريف. وبهذا المعنى يمكن اجتماع اثنين وإن كانت المعرفة حاصلة من أحدهما. ولو ظهر بطلان أحدهما أو حصل الذهول عنه قام


(1) في (ف): لا يمكن. (2) لم يرد في (م).

[ 271 ]

الاخر مقامه، كما هو المشاهد في تعدد الأدلة. وثانيهما: أن نقول: يراد بالمعرف ما كان علة تامة للمعرفة مؤثرا في حصولها بالفعل، لكن لما كان الوجود الخارجي للشئ لا يكون إلا واحدا - لأن الشئ في ظرف الخارج ليس له وجودات متعددة، بل هو إما موجود فيه أو معدوم، بخلاف الوجود الذهني، فإن الوجود فيه متعدد بتعدد الأذهان وأهل المعرفة - فيمكن أن يقال: إن اجتماع المعرفات للشئ الواحد معناه: أن الشئ يمكن أن يكون له أمارات يهتدي بكل منها واحد من طالبي المعرفة، فيكون كل من المعرفات علة تامة للتعريف، وإن كان لو اجتمع المعرفان في شئ واحد بالنظر الى شخص واحد لا يفيد اللاحق حينئذ شيئا جديدا، لأنه تعريف للمعروف. وأما الوجود الخارجي فليس له أفراد متعددة وصور متغايرة ممكنة الانفكاك حتى يتعدد العلة الحقيقية للشئ ويكون الشئ في كل من وجوداته مستندا إلى شئ من ذلك، فتدبر. وأما الجواب المذكور، فتوضيحه: أنا نقول بأن المعرف علة تامة للوجود الذهني، ولا نقول بكون كل من المعرفات بالنظر إلى شخص آخر، بل نقول بالنظر إلى شخص واحد يحصل من اجتماع المعرفات معرفات كثيرة وصور ذهنية عديدة. وبعبارة اخرى: كما أن العلة التامة إذا تعددت تعدد معلولها في الخارج فكذلك المعرف إذا تعدد تعدد الصور في الذهن بعداد المعرفات، لكن الاجتماع في المعرف معناه: أن الصور المتعددة الحاصلة من المعرفات تنطبق على صورة وحدانية يتوارد عليه المعرفات كافة. وبتقرير آخر: أن الوجود الخارجي لا يكون إلا الأشخاص الجزئية، وانطباق اثنين منها على موجود واحد محال، لتباين الجزئيين، بخلاف الوجود الذهني، فإنه يلاحظ - مثلا - فيه الخصوصيات ويحصل بكل أمارة صورة خاصة في

[ 272 ]

الذهن، لكن تتحصل من ذلك كله صورة كلية تنطبق عليه هذه الصور الذهنية، كما في مثال السواد، فإن مشاهدة كل واحد من أفراد السواد توجب حصول صورة خاصة في الذهن معلول لتلك الأمارة، ومع ذلك ينطبق هذه المختلفات على ماهية السواد المتصورة في الذهن. وحيث إن للكلي أيضا وجودا ذهنيا كالخصوصيات، فالموجودات المتعددة في الذهن كالخصوصيات تنطبق على موجود واحد كلي، وذلك واضح. ويرد عليه أمران: أحدهما: أن الخصوصيات وإن كان يحصل من كل منها (1) صورة ذهنية مغايرة وتنطبق على الكلي، لكن لا تعد هذه الجزئيات معرفة للكلي، لأنا نقول: إن زيدا من حيث هو زيد ليس معرفا للأنسان، والسواد الموجود في جسم خاص بنحو خاص ليس معرفا لماهية السواد، بل الخصوصية لا مدخل لها للتعريف، والمعرف حقيقة ذلك الشئ الوحداني القدر المشترك الذي يحصل بتوسطه الصورة في الذهن، كالجزئيات بعينها. فكما أن الخصوصية المحسوسة موجبة لحصول صورتها في الذهن، فكذلك القدر المشترك الموجود في الخارج المدرك بالنظر. وثانيهما: أن المراد من انطباق ألف موجود ذهني على شئ واحد، إن كان مع قطع النظر عن الخصوصية، فلا اختصاص لذلك بالموجود الذهني، بل الموجود الخارجي كذلك، فإن بناءا على وجود الكلي الطبيعي في الخارج بوجود الفرد أو في ضمنه - على اختلاف التعبير، أو القول - يكون في الخارج موجودان وإن اتحد الوجود، ولا ريب أن الأفراد للكلي الواحد مختلفة كثيرة والطبيعة الموجودة واحدة، فالخارج أيضا كالذهن في ذلك، ولا ريب أن الأفراد الموجودة في الخارج مع قطع النظر عن خصوصياتها منطبقة على طبيعة موجودة في الخارج.


(1) في النسخ: منهما. وهو سهو أو تصحيف.

[ 273 ]

وإن كان المراد مع ملاحظة الخصوصية، فلا يمكن انطباق ألف على واحد في الذهن أيضا كالخارج، إذ الأفراد المتصورة في الذهن متمايزة متباينة لا يعقل اجتماعها في واحد. ونجيب عن الأول: بأنه يكفي في كون الخصوصية معرفة كونها متضمنة للكلي وأمارة له، إذ لا ريب أن مجرد ملاحظة الفرد يؤدي إلى تصور الفرد الملحوظ، وحصوله في الذهن مستلزم لحصول، إذ ليس تصور زيد إلا الأنسان المتميز بكذا وكذا، وهذا معنى الأمارة والمعرف، كما ذكرنا: من أن المراد به ما كان علة للوجود في الذهن. لا يقال: إن تصور الفرد غير مستلزم لتصور الكلي بكليته، نعم، ينتزع الكلي بعد ملاحظة أفراد كثيرة. لأنا نقول: ليس المراد من حصول الطبيعة في الذهن حصولها في الذهن بقيد أنه كلي، إذ قيد الكلية مباين للجزئية، بل المراد أن حصول الفرد معرف للطبيعة المطلقة، لا للكلي من حيث هو كلي، وبينهما فرق واضح. ونجيب عن الثاني: بأن الأمر كما تقول، لكن ليس المراد بالانطباق ما فهمت وأن هذا يمكن في الخارج وفي الذهن، بل المراد أن الخصوصيات المتصورة يمكن انسلاخها وزوالها عن الذهن مع بقاء الطبيعة، فإن من رأى ألف فرد من السواد له تجريد ذلك كله عن الخصوصية، بحيث لا يبقى في الذهن صورة غير الطبيعة الواحدة، لا أن الخصوصيات ملحوظة والطبيعة معقولة، لكن نرى أنها بعد قطع النظر عن خصوصياتها يرجع إلى ذلك، بل المراد انتفاء ذلك بالمرة مع بقاء الطبيعة في الذهن، فتكون الخصوصيات مفيدة للحصول في الذهن بعددها، مع أول الأمر إلى زوال الخصوصيات وبقاء الطبيعة التي هي المعرف الواحد. وهذا غير ممكن في الخارج، إذ زوال الخصوصيات وانسلاخها مع وجود الطبيعة غير ممكن، وهو المراد بالانطباق المزبور.

[ 274 ]

وفي المقام أنظار وأبحاث تتخرج مما ذكرناه نقضا وحلا، لا نطيل الكلام بذكرها اشتغالا بالأهم. فنقول: لا ريب أن الأحكام الشرعية أيضا ناشئة عن علل حقيقية. ويحتمل أن يكون ما نص عليه الشارع من العلل عللا حقيقيا. ويحتمل كونها كاشفة عن علل واقعية. وعلى الثاني يحتمل تعدد الكواشف مع كون العلة في الواقع واحدة، ويحتمل التعدد في العلة أيضا. لكن إطباقهم على أن علل الشرع معرفات لا بد له من مستند. وليس في النظر القاصر ما يصلح مستندا لذلك، إلا ما وجدوه في بعض الموارد من ورود أسباب متعددة على مسبب واحد، كما مر في بحث التداخل. ولو كانت عللا حقيقية لاستحال ذلك عقلا - كما قررناه - ومن هنا جعلوا عدم التداخل أصلا يخرج عنه بدليل، وأنت خبير بأن هذا بمجرده لا يكفي في إثبات كونه معرفا. إذ لقائل أن يقول: ظاهر كل سبب استقلاله بمسببه، ومقتضاه العلية الحقيقية، وإذا قام دليل على التداخل يكشف عن اتحاد العلة الحقيقية، لا أنه يوجب اجتماع العلتين، إذ القاعدة العقلية غير قابلة للتخصيص، فينحل إلى الأخراج عن الموضوع، والتداخل يكشف عن عدم العلية. وغاية ما يمكن أن يقال: عدم وضوح الفرق بين ما ثبت فيه التداخل وعدمه، بل الظاهر أن الكل من واد واحد. وثبوت التداخل في البعض ينبئ عن كون ذلك كله معرفا، لا علة حقيقية. والحاصل: أن ما يعتمد عليه في البناء على أن هذه الأسباب معرفات غير موجود في النظر، سوى إطباقهم المستفاد من كلماتهم (1) وثبوت التداخل في


(1) العبارة في غير (م) هكذا: سوى ما يستفاد من كلمتهم من إطباقهم على ذلك.

[ 275 ]

بعض الأسباب وعدم وضوح الفرق بينه وبين غيره. نعم، يمكن أن يقال: إن هذه الأسباب إن لم يعلم كونها معرفات فلم يعلم كونها عللا حقيقية، لاحتمال كونها كواشف، والدليل الدال على عدم جواز الاجتماع دل على عدمه في العلل الحقيقية، وأما في الشرعيات فهي مشكوكة، وإذا شك في جواز اجتماعها وعدمه فلا ريب أن القاعدة الجواز حتى يثبت كونها عللا حقيقية. وبهذا الاعتبار يمكن المصير إلى أنها معرفات، فتدبر. إذا عرفت هذا فهنا بحثان: أحدهما: أن السببين الواردين على مسبب كلي قابل لتعدد الوجود في أفراده هل يقتضي التعدد في المسبب، أو يتحقق الصدق والامتثال بالواحد؟ وهذا هو نزاع التداخل المتقدم في العنوان السابق. والأصل الأولي فيه بناءا على المعرفية كفاية الواحد، لكن بمعونة ما ذكرناه من الأدلة يثبت عدم التداخل. وثانيهما: هل يجوز جمع سببين منها على مسبب شخصي واحد غير قابل للتعدد، أم لا؟ فبناءا على المعرفية يكون الأصل الجواز، وكما ورد ذلك في الأسباب القهرية - كموجبات الوضوء والغسل - فكذلك في الاختياريات، فللمكلف أن يجمع بين خمس نواقل من العقود - كالبيع والصلح والهبة، ونحو ذلك - في تمليك واحد، لأنها معرفات لا مانع من اجتماعها، وعلى ذلك يترتب في الفقه فروع كثيرة لا يخفى على الفقيه الماهر. وورود عقود أو إيقاعات على الشئ الواحد لا بأس به بناءا على ذلك، وكذلك المركب من عقد وإيقاع ومن عقد وحكم ونظائر ذلك، إلا فيما دل دليل على المنع، كما سنذكر بعد ذلك. لكن نقول: إذا اجتمع الأسباب على مسبب واحد، فلا يخلو: إما أن يكون مقتضاها واحدا من جميع الوجوه، سواء كان الاتحاد بأصل

[ 276 ]

الشرع، كالصلح والهبة المعوضة - مثلا - فإنهما في جهة لزوم العقد وترتب الأحكام سواء. أو كان الاتحاد بالشرط ونحوه، كالبيع والصلح، فإن مقتضى البيع ثبوت خيار المجلس والحيوان وحق الشفعة ونحو ذلك، دون الصلح، فلو اشترطا سقوط الخيار والشفعة سقطت بأحد الأسباب صار كالصلح. وإما أن يكون مقتضاهما - مثلا - متباينين مختلفين كل الاختلاف، كالوقف والبيع، فإن أحدهما يقتضي الخروج عن الملك مطلقا، والاخر قاض بكونه مملوكا. وإما أن يكون بين السببين عموما مطلقا بالنظر إلى المقتضي، بأن يكون لأحدهما حكم زائد دون الاخر، كالبيع والصلح بالنسبة إلى خيار المجلس والشفعة، والبيعين مع شرط الخيار في أحدهما دون الاخر (1). وإما أن يكون بينهما عموم من وجه باشتمال كل منهما على ما لم يشتمل عليه الاخر، كالبيعين مع اشتراط الخيار في أحدهما، واشتراط درهم - مثلا - في آخر. وإما أن يكون بينهما تناف في بعض الأحكام دون بعض. وتنقيح البحث أن يقال: إنه إذا لم يقع تناف بين المقتضيات مطلقا وأمكن الجمع كما لو باع شخص ووكيله لشخص ووكيله مع اتحاد الأركان واللواحق فلا وجه للبطلان، لجواز اجتماع الأسباب بالذات وعدم وجود تناف بالعرض، وهذا مما لا إشكال فيه. ومع التنافي - بمعنى: عدم إمكان الجمع - كبيع المالك لزيد ووكيله لعمرو مع التقارن، أو بيع كل من الوكيلين لواحد مغاير للاخر، فلا إشكال [ فيه ] (2) في البطلان، لعدم الأمكان، وكذا في مثل الوقف والبيع ونظائرهما. ومع العموم مطلقا - كما في صلح أحد الوليين وبيع الاخر في خيار المجلس


(1) العبارة في غير (م) هكذا: مع الشرط في أحدهما خيارا دون الاخر. (2) من (ن).

[ 277 ]

والشفعة، أو شرط أحدهما خيارا دون الاخر - فيقوم هنا وجوه: أحدها: تقديم جانب الصلح، نظرا إلى أنه ينحل ما ذكر في البيع إلى أنه عقد ناقص غير ممكن للمشتري تمكينا تاما، لجواز أخذ البائع منه بالخيار والشفيع بالشفعة، فالبيع بالنسبة إلى تمكين المشتري سبب ضعيف، والصلح سبب قوي يعمل عمله، بمعنى: أنهما يشتركان في التمليك، ويزيد الصلح في نفي الخيار وإسقاط الشفعة، فيؤثر كل منهما أثرا مستقلا. وثانيها: تقديمه أيضا وإن سلم أن البيع مثبت للأمرين، بمعنى: أنه ليس ذلك لنقص في سببية البيع وعدم كونه قاطعا للسلطنة، بل لأنه حكم لحقه وصار سببا في ثبوت ذلك، وإن كان بحسب أصله كالصلح في التمكين، فيرجع ذلك إلى تعارض مقتضاهما، بمعنى: أن البيع يثبت ما ينفيه الصلح، ومع التعارض يقدم الصلح، إما لموافقة الأصل، أو لتساقطهما والرجوع إلى الأصل. وثالثها: تقديم البيع نظرا إلى أنهما مشتركان في إفادة النقل واللزوم بحسب الأصل، لكن البيع مثبت لحكم آخر من خيار ونحوه، والمثبت يعمل بمقتضاه، وليس في الصلح نفي لذلك حتى يتعارض. فإن قلت: مقتضى الصلح اللزوم وعدم تسلط الشفيع، فكيف تقول بعدم التعارض؟ قلت: ليس عدم الخيار وعدم تسلط الشفيع من مقتضيات الصلح، وإنما هو من لوازم الأصل الأولي، ولا دخل في الصلح في ذلك، بل هو مقرر له، وأدلة الشفعة والخيار واردة عليه. فإن قلت: دليل الخيار والشفعة واردة على الأصل في البيع دون الصلح، والفرض أنهما قد اجتمعا في موضوع واحد، وكما أن أدلة الخيار تثبته فالصلح ينفيه. قلت: بعد اتحاد مورد العقدين وصدق أن هذا مبيع جاء دليل الخيار والشفعة في هذا المبيع الخاص، وكون هذا مصالحا عليه ليس فيه خيار ولا شفعة لا ينفي مإ،

[ 278 ]

ثبت من حيث إنه مبيع. وبعبارة اخرى: ينحل التعارض إلى مثبت وساكت تجئ فيه قضية الأصل، وهذا ليس تعارضا حقيقة. ورابعها: تقديم البيع أيضا ولو سلمنا التعارض، نظرا إلى أنه مثبت، وهو مقدم على النافي. ولا يتوهم أن الصلح أيضا مثبت للدوام والبقاء، إذ يعد الخيار والشفعة شيئا جديدا في العرف، دون اللزوم. وفي صورة العموم من وجه يجئ في كل من مادتي الافتراق ما ذكرناه في العموم المطلق من الوجوه والتخريجات، ولازمها (1) نفي مقتضى كل منهما، أو إثبات كل منهما، وقد عرفت المثال في ذلك، فتبصر جدا. وإن شئت تفصيل الأسباب في الاجتماع، فنقول: السبب إما قول أو فعل أو عقد أو إيقاع أو حكم. والمجتمعان إما متجانسان أو ملفقان، مع اتحاد الأركان - من عاقد ونحوه، وثمن ونحوه، ومثمن ونحوه - أو مع الاختلاف في جنس أو قدر أو وصف. ومع الاتحاد في الأحكام واللواحق - من لزوم وجواز وخيار وقبض ولحوق توابع عرفية وأجل وشروط وكيفيات هذه الأشياء المذكورة - أو مع اختلاف في شئ من ذلك، ولا مانع في شئ من ذلك إلا حصول التنافي. نعم، يقع البحث في بعض الصور في أنه تناف أم لا. قال العلامة - في بيع القواعد في ذكر الأولياء -: ولو باعا - أي الوكيلان أو الوليان مثلا - (2) على شخص ووكيله [ أو على وكيليه دفعة ] (3) فإن اتفق الثمن جنسا [ وقدرا ] (4) صح، وإلا فالأقرب البطلان. ولو اختلف الخيار فالأقرب


(1) في (ن): ولازمهما. (3) التوضيح من المؤلف قدس سره، والصواب: أي الوكيلين أو الوليين. (3 و 4) أضفناهما من المصدر.

[ 279 ]

مساواته، لاختلاف الثمن، إلا أن يجعلاه مشتركا بينهما (1). وهذه العبارة انموذج لمن عرف الفقه ونال المشرب في تنقيح هذا المبحث. قال شيخنا المحقق الثاني علي بن [ الحسين بن ] عبد العال الكركي في وجه صحة الأول: لأنه لا مانع من الصحة إلا كونهما سببين تامين في انتقال الملك، ولا امتناع في اجتماعهما، لأن الأسباب الشرعية معرفات للأحكام. وفي بطلان الثاني: وجه القرب امتناع الجمع بين العقدين، ولا ترجيح فيبطلان، وهو الأصح. وفي اختلاف الخيار: وجه القرب أن الخيار نوع ارتفاق، فإن كان للمشتري كان بمنزلة النقصان في الثمن، أو للبائع فهو بمنزلة الزيادة منه (2). ويحتمل عدم المساواة، لأنه لا يعد مالا، فلا يختلف به العوضان. انتهى (3). ومن صور الاشتباه: اختلاف العقدين نوعا مع اتحاد أثرهما إلا في بعض التوابع، كالخلع والطلاق بعوض، ونحوهما مما أسلفنا. واختلافهما لزوما وجوازا، كالأجارة والجعالة. واختلاف الشرط أو الأجل أو الثمن أو الخيار كما فقط. ويظهر وجه الاشتباه والأشكال في ذلك بمعونة ما مر من الوجوه. وأما مع الاختلاف في المشترى أو في جنس الثمن أو وصفه أو نحو ذلك - بحيث لا يكون هناك قدر جامع، ولا يمكن جمع الحكمين معا - فهو تناف قطعا. وفيما ذكرناه كفاية لمن له ارتباط بالفن وأهله. ويتخرج من ذلك أبحاث شريفة ونكت لطيفة لا نطيل بذكرها. فمقتضى القاعدة جواز جمع السببين، إلا مع وجود ما يدل على المنع. ومنها: ما اشتهر في لسانهم من: (أن التفصيل في الأسباب قاطع للشركة) تمسكوا به في بطلان عقد الأمة باشتراء الزوج لها، وفي بطلان عقدها أيضا باشتراء بعضها، إذ البضع لا يتبعض.


(1) القواعد 1: 125. (2) كذا في النسخ، والصواب: فيه، كما في المصدر. (3) جامع المقاصد 4: 88 - 89.

[ 280 ]

والذي أراه: أن عدم التبعض ليس من انقطاع الشركة بالتفصيل وعدم الاجتماع، بل لعدم شمول الأدلة، إذ إباحة البضع إما للملك أو بالعقد، وكلاهما منتف في الملفق منهما، ولم يدل دليل على جواز العقد على نصف المرأة. وما اشتهر في كلامهم: (أن البضع لا يتبعض) مأخوذ مما ذكرناه من عدم شمول الأدلة، لا من الدليل على عدم جواز الاجتماع. نعم، في شراء الأمة المزوجة بأجمعها يجئ هذا البحث المذكور، ومقتضى القاعدة - كما قررت - جواز اجتماع السببين، فلا مانع (1) من الاستباحة بعقد وملك. لكن التفصيل في قوله تعالى: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم (2) قطع الاشتراك ومنع (3) الاجتماع. فمدرك البطلان هنا فهم الأصحاب من هذه العبارة منع الجمع أيضا، كمنع الخلو. وليس لقولهم: (التفصيل قاطع للشركة) مأخذ غير ظاهر اللفظ في النظر القاصر. ويمكن المناقشة: بكون المتيقن من الاية منع الخلو، بل ظهورها بقرينة قوله تعالى: فمن ابتغى وراء ذلك (4) في منع الخلو، لكن فهم الأصحاب وإجماعهم مع ما اشتهر في كلمة المنطقيين من: (أن الأصل في المنفصلة أن تكون حقيقية) مما يعين إرادة منع الجمع أيضا، فيكون واردا على تلك القاعدة. ونحو ذلك لو وقع نظيره في الأسباب الاخر، ولهذا عبر عنه الأصحاب بعبارة عامة، فتدبر وتبصر.


(1) في (ف، م): ولا مانع. (2) المؤمنون: 6. (3) في (ن): فمنع. (4) المؤمنون: 7.

[ 281 ]

(العنوان التاسع) (في قاعدة العسر والحرج)

[ 282 ]

عنوان [ 9 ] من جملة الاصول المتلقاة عن الشارع: نفي العسر والحرج والمشقة في الدين. قال الله تعالى: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا (1). وقال عز شأنه: وما جعل عليكم في الدين من حرج (2). وقال عز اسمه: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج (3). وقال سبحانه: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (4). والنصوص في الاستدلال بهذه الايات في المقامات كثيرة جدا. ففي صحيحة زرارة في بيان آية التيمم: فلما وضع الوضوء عمن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا، لأنه قال: بوجوهكم ثم وصل بها وأيديكم ثم لأنة يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها، ثم قال: ما يريد الله


(1) البقرة: 286. (2) الحج: 78. (3) المائدة: 6. (4) البقرة: 185.

[ 283 ]

ليجعل عليكم [ في الدين ] (1) من حرج والحرج: الضيق (2). وفي صحيحة الفضيل في الرجل الجنب يغتسل فينضح من الماء في الأناء، فقال: لا بأس، وذكر الاية (3). وفي موثقة أبي بصير في الغدير من المطر يبول فيه الصبي والدابة وتروث: إن الدين ليس بمضيق، فإن الله - عزوجل - يقول: ما جعل عليكم في الدين من حرج (4). وفي رواية عبد الأعلى في من وضع بإصبعه مرارة في الوضوء: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله، قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج وفي حسنة محمد بن الميسر في الماء القليل في الطريق يريد الجنب أن يغتسل منه ويداه قذرتان، قال: يتوضأ ويغتسل، وتلا الاية (5). ونظائر هذه الأخبار كثيرة. وفي رواية حمزة بن طيار: وما امروا إلا بدون وسعهم (6) وكل شئ امر الناس به فهم يسعون له، وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم (7). وفي صحيحة البزنطي - بعد بيان عدم لزوم السؤال عن تذكية ما يشترى من السوق من الفراء -: أن أبا جعفر عليه السلام كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم


(2) الزيادة موجودة في متن الكافي أيضا، وليست في الاية المباركة. (2) الكافي 3: 30 / 4، والوسائل 2: 980، الباب 13 من أبواب التيمم، ح 1. (3) الوسائل 1: 153، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، ح 1. (4) الوسائل 1: 120، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ح 14. (4) الوسائل 1: 327، الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 5. (5) الوسائل 1: 113، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، ح 5. (6) في المصدر: سعتهم. (7) الكافي 1: 164، باب حجج الله على خلقه، ح 4.

[ 284 ]

بجهالة (1)، وإن الدين أوسع من ذلك (2). وفي رواية الاحتجاج - الطويلة - في عد ما رفع الله عن هذه الامة: رفع الخطأ والنسيان وقبول الصلاة في أي مكان، وكون الماء والأرض طهورا، وكون القربان في بطون الفقراء والمساكين وعدم انفكاكه من ثواب اخروي إن قبل وعن رفع عقوبة دنيوية إن لم يقبل، وكون الصلوات في أطراف الليل والنهار، وكونها في خمس أوقات، لا في خمسين كما في الامم السالفة، وكون الحسنة بعشرة، وستر الذنوب وفي الامم السالفة كانت تكتب على أبوابهم، وقبول التوبة بلا عقوبة وفي الامم السالفة كان يحرم عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم (3). وهذه كلها من الاصار التي حملت على الامم السالفة دون هذه الامة. إذا عرفت هذه الجملة، فنقول: لا كلام في امتناع التكليف بما لا يطاق. ويدل عليه قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (4) والوسع: هو الطاقة، نص عليه جماعة من أهل اللغة (5). وقوله تعالى: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به (6). وقوله تعالى في رواية الاحتجاج: وذلك حكمي في جميع الامم أن لا اكلف خلقا فوق طاقتهم (7). ورواية المعلى عن الصادق عليه السلام: إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم (8). والتقريب ما مر في الاية.


(2) في المصدر: بجهالتهم. (2) الوسائل 2: 1071، الباب 50 من أبواب النجاسات، ح 3. (3) الاحتجاج للطبرسي 1: 221. (4) البقرة: 286. (5) في القاموس (3: 93): الوسع - مثلثة -: الجدة والطاقة. وفي الصحاح (3: 1298): الوسع والسعة: الجدة والطاقة. (6) البقرة: 286. (7) الاحتجاج للطبرسي 1: 222. (8) الوسائل 18: 78، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 8.

[ 285 ]

وصحيحة هشام: الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون (1). وقوله عليه السلام: (هذا دين الله الذي أنا عليه وآبائي) عند قول حمزة: إن الله لم يكلف العباد ما لا يستطيعون ولم يكلفهم إلا ما [ يستطيعون، و ] (2) يطيقون (3). والرواية النبوية في التسعة المرفوعة عن هذه الامة، منها: ما لا يطيقون (4). ويدل عليه أيضا العقل القاطع، فإن قبح ذلك مما لا ينكره العقلاء من حيث هم كذلك. وإجماع علمائنا وأكثر المخالفين لنا. ولا كلام أيضا في جواز التكليف بما دون العسر - بمعنى: السعة واليسر والسهولة - بل وقوعه، وقد نطق الكتاب والسنة بوقوع ذلك، كما عرفت. وإنما البحث في الواسطة بينهما، بمعنى: كونه مما يطاق وفوق اليسر والسهولة. وقد ورد التعبير عن هذه المرتبة في النصوص بلفظ: الضيق، والأصر، والحرج، والعسر. وفسر (الأصر) في كلمات أهل اللغة بالضيق والحبس والثقل. وفسر (الحرج) أيضا بالضيق. وفسر (العسر) بالصعوبة والشدة. وهذه كلها متقاربة مفهوما ومصداقا. ويظهر من البعض أن لهذه (5) الواسطة أيضا مرتبتين: مرتبة العسر، ومرتبة الحرج، وهي أشد من الاولى. والحاصل: أن كلامنا في أن مرتبة العسر والحرج هل هو منفي في هذه الشريعة ك‍ (ما لا يطاق) أو واقع ك‍ (ما دون العسر)؟ فعلى الأول: يكون العسر والحرج أيضا من القواعد غير القابلة للتخصيص، ولا يكون من باب الأصل. وعلى الثاني: يكون قابلا لورود دليل عليه يخصصه.


(1) الكافي 1: 160، باب الجبر والقدر، ح 14. (3) لم يرد في المصدر. (3) الكافي 1: 162، باب الاستطاعة، ح 4. (4) الخصال 2: 417، باب التسعة، ح 9. (5) في غير (م): كون هذه.

[ 286 ]

فنقول: هل مقتضى العقل انتفاؤهما أم لا؟ يمكن أن يقال: إن قضية العقل السليم عدم وقوعهما في التكاليف، نظرا إلى أن المتفق عليه عند أصحابنا وجوب اللطف على الله سبحانه، ومعناه: التقريب من الطاعة والتبعيد عن المعصية التي هي المهلكة العظمى. ولا ريب أن التكليف البالغ حد الحرج يبعد عن الطاعة ويكون باعثا إلى كثرة المخالفة، والله سبحانه أرحم بعباده من أن يفتنهم بما يوقعهم في العذاب غالبا. وكما أن التكليف بما لا يطاق ممتنع عليه تعالى، للزوم القبح والخروج عن العدل، فكذلك التكليف بالحرج، فإنه مناف للطف والرحمة. والمناقشة فيه: بمنع كون اللطف بهذا المعنى، ساقطة، إذ ليس المدار على لفظ (اللطف) بل المدار على ما ذكرناه من المعنى، وهو واجب عقلا بالتقريب المتقدم. كما أن منع عموم الوجوب في اللطف لا موقع له بعد ما قررناه من الدليل هنا بالخصوص. نعم، قد يقال: إن الواجب هو اللطف الواقعي، لا ما نتخيل أنه لطف، ولعل التكليف الواصل إلى حد الحرج لطف واقعا ونحن لا نعرفه. وهذا الكلام من الغرابة بمقام! إذ لازمه سد باب حكم العقل، والمفروض أنا جعلنا الموضوع موضوعا موجبا لكثرة المخالفة والهلكة، ومن البديهيات أن هذا شئ غير قابل للخلاف. ولا ندعي في مقام خاص أنه منه أو من غيره، بل نقول: إن الحرج الذي هو عبارة عن هذا الأمر الموجب لهذا الهلاك العظيم هل هو جائز على الرب الرؤوف الرحيم أم لا؟ ومن البديهي أن ذلك بهذا الفرض غير جائز، لقضية اللطف. ودعوى: أن الحرج غير موجب لكثرة المخالفة ينافيها الوجدان والعيان. قال في العوائد: قد يترتب على أمر صعب وضيق سهولة وسعة كثيرة دائمة أعلى وأرفع من هذا الصعب، ومقتضى اللطف التكليف بالصعب الأدنى للوصول

[ 287 ]

إلى السعة الأعلى، كما أن الأب الرؤوف يضيق على ولده بحبسه في المكتب ومنعه عن الأغذية المرغوبة له، لراحته عند الكبر، بل يحتجمه ويقطع أعضاءه لدفع الأمراض (1). قلت: هذا الكلام من ذلك العلام - تبعا لبعض من سبقه - خروج عن محل البحث، وقياس مع الفارق. وبيان ذلك: أنه فرق بين الامور القهرية والاختيارية، فإنا لا نأبى أن يسلط الله على الأنسان المكلف بلايا شديدة صعبة - من مرض، وكسر عظام، والسقوط من جدار، وإهانة ظالم، ولدغ حية - يكون ذلك كله كفارة لما صدر منه من الذنوب، أو باعثا لارتفاع درجته في الاخرة كما في المعصومين، فإن ذلك كله واقع في المكلفين، ونطقت به الأخبار، وهذا الذي يقاس بضرب التأديب والاحتجام ونحو ذلك. وأما لو كان الأمر الصعب اختياريا، مثلا بأن يأمر المولى عبده أو الأب ولده بامور شاقة وكلفه بارتكابه (2) باختياره، وهدده بالعقوبة على المخالفة، ووعده بالثواب على الأطاعة - وكان ذلك الأمر مما لا يتحمل عادة ويشق عليه جدا - فلا ريب أن ذلك مخالف لطريقة العقلاء، ويعد ذلك من المولى والأب مشوبا بالغرض النفساني، ويعد هذا خارجا عن اللطف والابتلاء، بل لا يفعل هذا الفعل إلا من كان يريد العقوبة ويجعل هذا وسيلة إليه، كما نرى وقوع أمثال ذلك من الامراء والسلاطين، فإنهم إذا أرادوا عقوبة أحد من خدامهم ومن تحت يدهم ويطلبون وسيلة لذلك يأمرونه بامور شاقة لا يتحمل مثله لمثلها غالبا وعادة، فيخالف فيأخذونه بذلك. والله سبحانه أجل من ذلك! بل العاقل الذي يريد تربية الطفل والمملوك ونحو ذلك يمرنه بامور سهلة، حتى لا يكون داعيا إلى المخالفة في أول الأمر، إلى أن


(1) عوائد الأيام: 65، العائدة: 19. (2) كذا، والمناسب: بارتكابها.

[ 288 ]

يحصل له من الوسع ما يقدر على ارتكاب ما فوقه من دون ضيق، ثم يأمره بما فوقه، وهكذا. والحاصل: لا نشك في أن التكليف بالامور الصعاب الشداد التي لا تتحمل غالبا لمن يريد التربية والتكميل وليس مشوبا بغرض نفساني وتشه اقتراحي غير مستحسن عند العقل، والامور القهرية لا مدخل لها في ذلك، سيما مع انحصار العلاج فيه، مع ما فيه من كلام آخر ستسمعه بعد ذلك إن شاء الله تعالى. ثم قال: وأما إيجاب ذلك كثرة المخالفة فهو غير مناف للطف، فإنه نقص من جانب المكلف، ولو أوجب ذلك عدم التكليف لزم أن يكون مقتضى اللطف عدم التكليف، لأيجابه المخالفة، ولا فرق فيما بين الكثرة والقلة، مع أنا نرى كثرة المخالفة بحيث تجاوزت عن الحد، ولم يوجبها إلا أصل التكليف (1). قلت: في حل هذا الكلام: أن الفرق بين المقامين في غاية الوضوح، وهذا ناش من عدم التأمل في طريقة العقلاء وأرباب اللطف. فإنا نقول: نقص المكلف إذا كان داعيا إلى المخالفة لا يفترق الحال فيه بين السهل والصعب، وقد نرى أن النفس المطيعة تتحمل من المشاق ما لا تتناهى، والعاصية لا تتحمل - أصلا - أسهل التكاليف وتأبى عن الأطاعة، وتلك مسألة اخرى. ولا شبهة أن التكليف بما فيه مضيق يكون داعيا إلى المخالفة، أو يكون سببا لتهور النفس، والذي نمنعه صدور شئ من صاحب اللطف يكون له مدخلية في المخالفة. وما ذكره من: أنه موجب لارتفاع التكليف، في غير محله، إذ موضوع الأطاعة والمخالفة لا يتحقق إلا بخطاب، ولا يتحقق إعطاء كل أحد ما استحقه بمقتضى اختياره إلا بالتكليف، فهو من مقدمات وجود أحد الأمرين، بخلاف


(1) عوائد الأيام: 65، العائدة: 19.

[ 289 ]

التكليف بالحرج والضيق، فإنه من دواعي المخالفة وأسبابها، ومحال على الحكيم صدور شئ مفض إلى العصيان منه. وإن شئت توضيح ذلك، فانظر إلى طريقة العقلاء في مقام التربية، فإن الأرشاد إلى الحسن والقبح والأمر والنهي من لوازم التربية، ولا يتحقق بدونهما (1) مع أنه لو أمر آمر بأمر مستعصب أو نهى عن شئ يعسر اجتنابه للمأمور جدا فخالف لكان العقلاء يذمون الامر، ويقولون: إن هذا ليس مقتضى اللطف، بل اللائق أن تأمره بما لا يشكل عليه، ولا تأمره بما يوجب خذلانه. وبالجملة: فرق بين كون الداعي مجرد نقص النفس والتمرد عن الأطاعة - أعاذنا الله منه - وبين كون ما يصدر عن الامر له مدخلية في ذلك، لا في تحقق موضوعه، بل في صدوره عن المكلف. ولهذا، لو اعتذر العبد المخالف - حينئذ - عند الناس بأن التكليف - مثلا - بكذا وكذا بهذه المشقة هل هو طريقة المولى؟ وكيف أتحمل أنا هذه المشقة؟ وكيف السبيل في ذلك غير المخالفة؟ يقبله العقلاء ويخطئون المولى، وذلك واضح. ويدل على ذلك أيضا ما نطقت به كلمة أصحابنا في الاستدلال بأن العسر والحرج منفي، ولا يشير أحد منهم إلى جواز التخصيص بقوله: (إلا ما خرج بالدليل) مع أن طريقتهم في العمومات الجارية مجرى القاعدة يذكرون مثل ذلك، ولم أجد إلى الان في كلامهم يذكرون هذا الدليل في مقام ويقولون: (خرج ما خرج بالدليل وبقي الباقي) بل ظاهرهم أن ما ثبت ليس من هذا الباب، وإنما نشأ ذلك من بعض المتأخرين بعد ما عجزوا عن حل بعض ما يرد عليهم، كما يأتي بعد ذلك. مضافا إلى قوله عليه السلام: (دين محمد حنيف) (2) وقوله صلى الله عليه وآله: (بعثت بالحنيفية السهلة السمحة) (3).


(1) كذا، والمناسب: ولا تتحقق بدونها. (2) الوسائل 3: 285، الباب 23 من أبواب لباس المصلي، ح 1. (3) أمالي الطوسي 2: 141، عوالي اللالي 1: 381 / 3، وفيهما: (بعثت بالحنيفية السمحة) نعم =

[ 290 ]

وليس المراد منه أن في هذا الدين أشياء سهلة وأشياء صعبة بالغة حد الحرج، فإن (الدين) إن كان اسما لكل فرد من التكاليف قضى بكون كل منها سهلة، وإن كان اسما للمجموع المركب يقتضي ذلك أيضا، لأن وجود الحرج في الدين يجعل المجموع المركب صعبة (1) إذ انضمام التكاليف السهلة إلى الشديدة لا يوجب سهولة الشديدة، بل يزيد ذلك شدة ويكون ثقلا فوق ثقل، لا كتركيب الماء الحار المغلي بالبارد حتى يعتدل، فإن ذلك ليس من هذا الباب. وقد علم من ذلك: أن وجود ما يصدق عليه الحرج والعسر في هذا الدين مناف للروايتين المشهورتين، بل لم ينكر ذلك أحد. فإن قلت: لعل المراد: كونها سهلة بالنسبة إلى ما فوقها من الصعوبة، فإن مراتب الشدة متفاوتة. قلت: يكفينا في نفي الحرج والعسر، فإن إطلاق (السهل) ينفي ما قابله، وظاهره: أن ما يعد حرجا وعسرا غير موجود في الدين وإن كان فيه أيضا مشقة وشدة ببعض مراتبها، فتدبر. مع أن ما ذكر من الايات والروايات في نفي الحرج والعسر لا يخفى على من لاحظها بعين البصيرة أنها ليست مسوقة على سياق ما ورد من العمومات الاخر التي تتخصص بالدليل. فإنه لو قال قائل: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، إلا فيما ثبت من الشرع) وكذا قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج إلا فيما جعله في بعض الأحكام) لكان هذا مما يشمئز منه النفس، ويفهم منه التناقض، وليس ذلك إلا مثل قوله تعالى: وما الله يريد ظلما للعباد (2) وما ربك بظلام


= في نهاية ابن الأثير (مادة - حنف) زيادة: السهلة. (1) في (ف، م): صعبا. (2) غافر: 31.

[ 291 ]

للعبيد (1) وما كان الله ليظلمهم (2). وليس ما تخيل من كونه من باب العسر والحرج إلا كما يتخيل (3) من كونه من باب الظلم في أشياء لا يدركه عقول الأكثر، ولا ينال سره إلا البالغون مرتبة الاطمئنان والعقل الكامل. ولا يلزم من مجرد ورود النقض - الذي لا يقدر على حله النظر - إخراج الظواهر المقاربة للقطع بل القطعية عن معناها وارتكاب مثل هذا التكلف الذي لا يخفى على المنصف غرابته، والمصير إلى أن ما ثبت مما ظاهره الحرج ليس من ذلك الباب، بل هو كاشف عن الخروج عن الموضوع وإن كنا لم نعرف وجهه أوضح من ذلك، مع أنا نبين الوجه في ذلك إن شاء الله تعالى. والذي أوجب الاضطراب في هذا الباب أمران: أحدهما: أنا نرى التكاليف الشاقة والأحكام الصعبة واردة في الشرع، وأهل العرف يعدونه عسرا وحرجا وضيقا، كالصوم في اليوم الحار الطويل، والحج، والجهاد، ولزوم الثبات في مقابلة الكفار، وحرمة الفرار، والتوضؤ بالماء البارد الشتاء وفي السفر، ومجاهدة النفس، والسعي في طلب العلم في البلاد البعيدة، وعدم الخوف من لومة لائم في بيان أحكام الله وإجراء حدوده، والجهاد في سبيله، ونظائر ذلك. وثانيهما: أن الشارع لم يرض في بعض الامور الجزئية والتكاليف السهلة بالارتكاب، وورد في النصوص الاستدلال في نفيها بأدلة العسر والحرج، فكيف يكون أمثال ما مر في الأخبار عسرا وحرجا، ولا يكون ما ثبت من الامور المتقدمة - التي هي أصعب منها بمراتب - عسرا وحرجا؟ ومن هذين الأمرين تولد الأشكال من وجهين:


(2) فصلت: 46. (2) العنكبوت: 40. (3) في (ن): تخيل.

[ 292 ]

أحدهما: وجود العسر والحرج في الشرع، مع أنه نفاه ما سبق من الأدلة. وثانيهما: عدم إمكان الجمع بين كون هذه الجزئيات السهلة من باب العسر وعدم كون تلك التكاليف الشديدة من ذلك الباب. قال الفاضل المعاصر في عوائده: الأمر في قاعدة العسر والحرج كما في سائر العمومات المخصصة في الكتاب الكريم والأخبار الواردة في الشرع القويم، وأدلة العسر والحرج يدل على انتفائهما كلية، لأنهما لفظان مطلقان واقعان موقع النفي، فيفيدان العموم، وقد ورد في الشرع بعض التكاليف الشاقة، ولا يلزم من وروده إشكال في المقام، كما لا يرد بعد قوله تعالى: واحل لكم ما وراء ذلكم (1) إشكال في تحريم كثير مما وراءه، ولا بعد قوله: قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما إلى آخره (2) تحريم أشياء كثيرة، بل فكما يخصص بأدلة تحريم غيره عموم ذلك فكذا هنا، فإن تخصيص العمومات بمخصصات كثيرة ليس بعزيز، بل هو أمر في أدلة الأحكام شائع، فغاية الأمر كون أدلة نفي العسر والحرج عمومات يجب العمل بها فيما لم يظهر لها مخصص، وبعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص، فلا يرد عليه شئ من الاشكالين. ولعل لذلك لم يتعرض الأكثر لذكر الأشكال، إذ لا إشكال في التخصيص، ولا يلزم تخصيص الأكثر أيضا، فإن الامور العسرة الصعبة غير متناهية والتكاليف محصورة متناهية، وأكثرها مما ليس فيه صعوبة ولا مشقة. وقال في الجواب عن الثاني: أما عدم رضاء الله [ سبحانه ] بأدنى مشقة في بعض الامور، ورضاه بما هو أصعب منه كثيرا في بعض، فلا يعلم أن عدم رضاه بالأول لكونه صعبا وعسرا، بل لعله لأمر آخر، ولو علم أنه لذلك فلا منافاة بين عدم رضاه بمشقة ورضاه بمشقة اخر لمصلحة خفية عنا. وأما احتجاج الأئمة [ الاطياب ] لنفي التكليف في بعض الامور بانتفاء العسر والحرج، فهو كاحجتجاجهم


(1) النساء: 24. (2) الأنعام: 145.

[ 293 ]

بحلية بعض الأشياء بقوله تعالى: قل لا أجد فيما اوحي إلي إلى آخره، ومرجعه إلى الاحتجاج بالعموم وعدم وجود المخصص. ومن ذلك يظهر أيضا الوجه في احتجاج الفقهاء بانتفاء بعض الأحكام الجزئية بنفي العسر والحرج، ولا يلتفتون إليه في أحكام اخر أصعب منه وأشد. ثم قال: الوظيفة في الفحص عن المعارض والترجيح وعدمه في هذه العمومات كغيرها من دون فرق. والوظيفة في تحقيق معنى العسر والحرج العرف (1) ويختلفان باختلاف الزمان والمكان والشخص والأحوال وغير ذلك. وكل ما دخل تحتهما وصدق عليه اسمهما فهو منفي حتى يثبت بالدليل. ولا يرد أن معنى العسر والحرج غير منضبط - بل مجمل - لا ينفع في الاستدلال (2). هذا كلامه - زيد إكرامه - بحذف الزوائد وتنقيح الفوائد. وقد عرفت مما قررنا: أن كون هذه الأدلة من باب الأصل مستبعد جدا، وظواهرها تأبى عن ذلك، وهما (3) بالمعنى المتقدم ينفيهما العقل أيضا بملاحظة ما بيناه، مضافا إلى أن الظاهر من احتجاجات الأئمة عليهم السلام نفي ذلك الشئ الخا ص مثلا لأنه حرج - فراجع الأخبار حتى تعرف هذا المعنى - لا لأنه داخل تحت العموم ولم يقم دليل على خلافه. بل الظاهر من الايات الشريفة: أن هذا الدين المركب من هذه التكاليف التي يدعى كونها حرجا وضيقا لا حرج فيه. وتوضيحه: أن (الدين) اسم لمجموع ما ورد من الأحكام والتكاليف، ولو كان بعض منها حرجا فكيف يقول سبحانه وتعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج (4) مع أنه جعله في التكاليف كثيرا؟ وبالجملة: هذا التوجيه ينافيه ظواهر الأدلة، فتبصر. سيما أن قوله تعالى: من


(1) أي: الرجوع إلى العرف. (2) عوائد الأيام: 63 - 65، العائدة: 19. (3) أي: العسر والحرج. (4) الحج: 78.

[ 294 ]

كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (1) ظاهر، بل صريح في أن الصوم على الصحيح الحاضر ليس بعسر، بل العسر وجوبه على المريض والمسافر، فكيف يقال: إن الصوم في اليوم الحار الطويل عسر مع أن كتاب الله ناطق بخلافه؟! ونظير ذلك من ملاحظة الايات الاخر أيضا، فتدبر. وقال الفاضل المحقق القمي: والذي يقتضيه النظر - بعد القطع بأن التكاليف الشاقة والمضار الكثيرة واردة في الشريعة - أن المراد بنفي العسر والضرر والحرج نفي ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكاليف الثابتة بالنسبة إلى طاقة أوساط الناس، المبرئين عن المرض والعذر الذي هو معيار التكاليف، بل هي منتفية من الأصل إلا فيما ثبت وبقدر ما ثبت. والحاصل: أنا نقول: إن الله سبحانه لا يريد بعباده العسر والحرج، إلا من جهة التكاليف الثابتة بحسب أحوال متعارف الأوساط، وهم: الأغلبون، والباقي منفي، سواء لم يثبت أصله أصلا أو ثبت، ولكن على نهج لا يستلزم هذه الزيادة (2). وهذا الكلام قابل لاحتمالين: أحدهما: أن يكون المراد: أن عمومات العسر والحرج كسائر العمومات تخصص بما يرجح عليها من الأدلة بعد إعمال قواعد الترجيح، فيكون المراد: أن الله لا يريد الحرج إلا ما أراده وأثبته من التكاليف التي علم من الدليل، الراجح على دليل النفي. وثانيهما: أن هذه العمومات تعليقية مقيدة في حد ذاتها بعدم الثبوت من الشرع، بمعنى: أنه كل ما لم يثبت من الشرع فهو عسر منفي، فيكون مؤكدا لأدلة أصل البراءة وجاريا مجراها، ولا يعارض الدليل الوارد على الثبوت، لأنه مقيد بعدم ورود وارد.


(1) البقرة: 185. (2) قوانين الاصول 2: 49 - 50.

[ 295 ]

ويرد على الأول ما أوردناه على ما في العوائد، فإنه مأخوذ من ذلك نقضا وحلا. وعلى الثاني أن هذا مخالف لما نرى من طريقة الفقهاء من تمسكهم بهذه العمومات في مقابل الدليل، ولا يجعلونها جارية مجرى أصل البراءة، مع أنه لا ينفع حينئذ في شئ، إذ كل تكليف مشكوك منفي، سواء كان عسرا أو حرجا أو غيرهما. والذي يقتضيه النظر في بعض أجزاء كلامه أن يكون مراده: عدم كون ما هو ثابت في التكاليف عسرا وحرجا، بمعنى: أن التكليف لا بد أن يكون فيه مشقة وكلفة، لكن المقدار الموجود في هذه التكاليف بالنظر إلى متعارف الأوساط ليس بعسر ولا حرج. وفي هذا المعنى قال العلامة الطباطبائي: وأما ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة - كالحج والجهاد والزكاة بالنسبة إلى بعض الناس، والدية على العاقلة ونحوها - فليس شئ منها من الحرج في شئ، فإن العادة قاضية بوقوع مثلها، والناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف ومن دون عوض - كالمحارب للحمية أو بعوض يسير - كما إذا اعطي على ذلك اجرة، فإنا نرى أن كثيرا يفعلون ذلك بشئ يسير. وبالجملة: فما جرت العادة بالأتيان بمثله والمسامحة [ فيه ] (1 وإن كان عظيما في نفسه - كبذل النفس والمال [ الكثير ] (2) - فليس ذلك من الحرج في شئ. نعم، تعذيب النفس وتحريم المباحات والمنع عن جميع المشتبهات (3) أو نوع منها على الدوام حرج وضيق، ومثله منتف في الشرع (4). هذا كلامه رفع في الخلد مقامه.


) (1) من المصدر. (2) من المصدر. (3) كذا في النسخ، والظاهر: المشتهيات. (4) نقله بتمامه السيد المجاهد قدس سره في مفاتيح الاصول (536) عن (السيد الاستاد) والظاهر أنه (بحر العلوم) قدس الله روحه.

[ 296 ]

ونزيد ذلك توضيحا، ونقول - دفعا لما تخيل بعضهم من المناقشة في هذا الكلام -: إنا نرى بالعيان أن المولى إذا أمر عبده بالحضور في خدمته كل يوم ثلاث مرات - مثلا - وأمره بالأعطاء إلى الفقراء عشرا مما أعطاه مولاه، وأمره - مثلا - مدة قليلة بالامساك عن اللذائذ في كل سنة، وأمره في مدة عمره مرة بالذهاب إلى بلد بعيد لقضاء حوائج لمولاه في تلك البلاد مع إعداد أسباب سفره وإعطائه إياه ما يحتاج إليه في طريقه على حسب شأنه وحاله، وجعل له في كل ما يحتاج إليه من مقتضيات نفسه - من أكل وشرب ولبس ونكاح، ونحوه - من أصل ماله ما يرفع حاجته، بل زاده سعة في ذلك، ومنعه عن التعرض لأموال الناس والخيانة في أعراضهم وأنفسهم، وأغناه بعطائه عن التعرض لذلك كله، وأمره بالمعاشرة مع العبيد بالمعروف بحيث لا يترتب عليه الفساد، وأمره بدفع من كان عدوا له ولمولاه مع إمكانه، لا يعد هذا عسرا وحرجا بالنسبة إلى ذلك العبد، وكيف يكون ذلك حرجا مع أن هذه الطريقة طريقة أحسن الناس نفسا ورتبة وعليه عادة الناس خلفا وسلفا بالنسبة إلى أحبائهم وعشائرهم؟ وكيف يعد إتيان مثل هذه الأشياء حرجا إذا أمر به الحكيم على الأطلاق، ولا يعد حرجا بالنسبة إلى الخلق المحتاج بعضهم لبعض؟ وإنا نرى أن المقدسين المتعبدين بهذا الشرع يباشرون هذه التكاليف ويزيدون عليه من المندوبات إلى ما شاء الله، ومع ذلك هم في قيامهم وقعودهم ومعاشرتهم مع الناس وتزينهم بما أحل الله لهم من الطيبات على أحسن حال وأكمل رفاهية. ولو كان هذا من الضيق والحرج لعم سائر الناس، فإن الضيق معنى معروف عرفا، مضافا إلى أن عوام أهل الشريعة قد رسخ في أذهانهم أن هذه الشريعة أسهل ما يكون من الأعمال بحيث لو فعل هذه الخدمات كلها عبد لمولاه - بل صديق لصديقه - ما يعد في نظرهم مثل هذه الأشياء خدمة وإظهار إخلاص، فكيف في

[ 297 ]

عبادة الرب الكريم؟! ونحن نمثل لك فروعا متفرعة على نفي الحرج والعسر، حتى يتضح عندك الفرق بين المقامين. منها: عدم نجاسة البئر بالملاقاة، والعفو عن دم الجرح والقرح الذي لا يرقى، وعن ما دون البغلي وثوب المربية للصبي، وعن نجاسة ما لا يتم الصلاة به، ومطهرية الأرض، وطهارة آلات البئر - مثلا - كالعصير (1) ورخصة المبطون ومن بحكمه، وعدم لزوم الاحتياط والاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة، وطهارة المخالفين وحل ذبيحتهم، وعدم لزوم الصيغة في كل معاملة، وصحة بيع الصبي فيما جرت به العادة، وعدم لزوم التحرز عما ينفصل من البدن من الأجزاء الصغار، وعدم انفعال العالي، والرخصة لكثير الشك، وجواز التيمم للمتضرر بالماء، وطهارة ماء الاستنجاء وعرق الجنب من الحرام، وعدم لزوم الخمس في الهبات والميراث والزكاة في المعلوفة، وعدم لزوم الترتيب في القضاء، وعدم لزوم العلم بصحة أفعال الناس، وقبول قول الودعي في الرد، وعدم اعتبار الشك بعد الفراغ، ومشروعية القرعة، وجواز الوكالات والنيابات، وإباحة ما يغلب عليه الحاجة، وجواز أخذ الاجرة على الصنائع، وحل النظر إلى المحارم، وشرع التقية، وعدم لزوم الكيل والوزن في النقود في وجه، وشرعية التوبة، والقصر في السفر، وعدم لزوم قضاء الصلاة على الحائض، وإباحة الأفطار للحامل والمرضع والشيخين (2) وذي العطاش، والعفو عن اختبار ما يعسر اختباره في البيع، وشرعية الخيارات والطلاق والرجعة، وشرعية الكفارات والديات، وإباحة المحظورات عند الضرورات، والرخصة في الأكل عن البيوت المخصوصة وفي الأنهار المملوكة والأراضي المتسعة وللزوجة في مال زوجها، وفي قطع الصلاة لامور، وعدم


(1) أي: أواني العصير إذا ذهب ثلثاه - على القول بالنجاسة -. (2) أي: الشيخ والشيخة.

[ 298 ]

بطلان عبادة من عليه دين، وثبوت بعض الحقوق بالشياع، وكفاية الواحدة في الوصية، وعدم لزوم التوكيل على الأخرس، ومشروعية المعاملة على الغسل في الحمام وعلى الرضاع، مع خروجهما عن قاعدة الأجارة، ونظائر ذلك. وهذه الفروع قسمان: منها: ما أثبتناه وحكمنا به من أدلة العسر والحرج، ولو مع وجود معارض لها من العمومات الاخر أو دليل خاص، لكن حيث علمنا تحقق العسر والحرج فيها نفيناه وحكمنا بالرخصة في ذلك كله. ومنها: ما ثبت من الأدلة الاخر من إجماع أو ضرورة أو نص، أو نحو ذلك على طبق قاعدة العسر والحرج. وفي ذلك أيضا نقول: إن هذا من دليل العسر والحرج وإن قيل: إن بعد ثبوت ذلك من الشرع لا فائدة في بيان أنه للعسر والحرج أو لغير ذلك، لكن أنا إذا عرفنا تحقق الحرج بذلك ننفيه ولو لم يكن هناك دليل خاص. وأيضا (1) أغلب النصوص الخاصة إنما هو عن الأئمة الأطهار، ولا ريب أنهم يحكمون على وفق كتاب الله الذي فيه تبيان كل شئ، ولعل ذلك كله حكموا به من جهة نفي الحرج، فيكون الفائدة من هذا الكلام أن الحرج مطلقا منفي. والحاصل: أنه لا يخفى على الفقيه النبيه أن هذه الأشياء لو لم يثبت فيها الرخص لكان ضيقا على الناس في معادهم ومعاشهم. وليس مثل الجهاد ونحو ذلك من هذا الباب. وتوضيح ذلك: أن العسر والضيق غالبا يصير بزيادة الكم ولو في تكليف سهل، مثلا: لو أمره الامر بقراءة القرآن ثلاثة أيام متوالية ولو في مكان راحة عد هذا ضيقا، ولو لم يرخص في الاعتكاف للخروج عن المسجد لحاجة أو لغضاضة (2) أو نحو ذلك عد ضيقا.


(1) في غير (ن): دليل خاص أيضا، وأغلب... (2) كذا؟.

[ 299 ]

والحاصل: الفرق بين ما ذكرناه من موارد العسر والحرج وبين هذه التكاليف الثابتة واضح جدا. فالحق أن ما ورد في الشرع من التكاليف ليس مما يعد عسرا وحرجا عرفا، وكفاك في هذا المعنى ملاحظة الايات في هذا الباب. نعم، بقي علينا الأشكال الثاني، وهو: استدلال الأئمة [ عليهم السلام ] في بعض الامور الجزئية بنفي الحرج، وهو العمدة في هذا المقام. فنقول أولا: إن هذه الاستدلالات غالبا في قبال العامة، والمقصود إسكاتهم بظاهر الكتاب. وثانيا: أن أغلب موارد الاستدلال يعد في العرف حرجا، ولو لم يكن فيه نص خاص لكنا ننفيه أيضا بالعموم. ودعوى: أنها أسهل من إيجاب الزكاة والحج، ممنوعة، بمعنى: أنا لا ننكر صعوبة مثل الجهاد، لكن المدار على صدق الضيق والحرج، دون الصعوبة وزيادة مرتبة العمل ومقداره، ولا بعد في عدم عد الناس وجوب الجهاد - مثلا - ضيقا وحرجا، لوقوعه كثيرا بين الناس بدواعيهم النفسانية، وعدهم نجاسة ماء الاستنجاء حرجا من جهة كثرة وقوعه وقلة المياه، سيما في مكة والحجاز وأمثالهما، فإن الالتزام بتطهير كل ما يصيبه شئ من ذلك يعد حرجا. وبالجملة: لا يدور العسر والحرج مدار شدة التكليف وعظم شأنه وعلو مقامه في الأقطار (1)، بل قد يتخلف عن ذلك كثيرا، ومدارهما غالبا على زيادة الكم، وغلبة الوقوع، وعموم البلوى، وندرة المناص والعلاج وإن كان شيئا لا يعد تكليفا في نظر العقلاء والمكلفين، فتدبر في أطراف الكلام تفز في إبداء الفرق بحظ وافر، فإن المقام لا يخلو من دقة وإن استوحش منه الناظر ابتداءا، ولكن الفقيه يدور مدار صدق اللفظ وتصديق أهل العرف واللسان.


(1) في هامش (م): الأنظار، خ ل.

[ 300 ]

وثالثا نقول: لا يلزم من الاستدلال بنفي الحرج كون ذلك الشئ حرجا بخصوصه، بل لعله لانضمامه إلى التكاليف الاخر، بمعنى: أن الأمام - صلوات الله عليه - يريد أن الله سبحانه كلف بتكاليف معلومة مبينة (1) سهلة ليست على حد العسر والحرج، وهذه الجزئيات - أيضا - لو لم يرخص فيها لزم من انضمام ذلك إلى تلك التكاليف الحرج. ولنوضح ذلك في مثال: فإن المولى إذا أمر عبده - مثلا - بتصعيد مائة من من طعام إلى السطح من درج عال جدا، فلا عسر في ذلك. نعم، لو أضاف إلى ذلك: أن تضع رجلك عند الصعود كذا وعند النزول كذا، وإذا صار بك ألم - مثلا - لا تقعد للاستراحة - ونحو ذلك - عد حرجا وإن كان هذه في جنب أصل التكليف بمنزلة العدم. ونظيره في الشرعيات (2) أن الصلاة لا حرج فيها، ولكن جعل الثقل على القدمين بالسوية موجب للحرج. وبالجملة: المراد: أن بعد ما علمتم من التكاليف التي تعرفون أنه ليس بحرج فلا تثبتوا هذه الامور الجزئية أيضا، فإنه لو اثبتت هذه الامور أيضا لانجر إلى الحرج، والمفروض: أن الله لا يريده، فعليك بالتدبر في أطراف الكلام تجده وافيا في حل إشكال المقام، بعون الله الملك العلام. وربما قيل في رفع الأشكال: إن العسر والحرج في الامور يختلف باختلاف العوارض الخارجية، فقد يكون شئ عسرا وحرجا، ويصير باعتبار أمر خارجي سهلا وسعة، ومن الامور الموجبة لسهولة كل عسر وسعة كل مضيق مقابلته بالعوض الكثير والأجر الجزيل، ولا شك أن كل ما كلف به الله سبحانه يقابله ما لا يحصى من الأجر. وعلى هذا، فلا يكون شئ من التكاليف عسرا وحرجا، وما لم يرض أحد فيه (3) بأدنى مشقة يكون من الامور التي لا يقابلها أجر ولا يستحق


(1) في (ن): بينة. (2) في (ن): في الشرعية. (3) في المصدر: وما لم يرضى الله سبحانه فيه.

[ 301 ]

فاعلها عوض وثواب، وما كلف به من الامور الشاقة ظاهرا فقد ارتفعت مشقتها بما وعد لها من الأجر الجميل والثواب الجزيل (1). وهذا الكلام مؤيد لما ذكرناه، ولكنه محل نظر من وجهين: أحدهما: أنه لا نسلم ارتفاع الحرج بالجزاء الوافر مطلقا، ولا ريب أمر المولى لعبده بأن لا ينام في الليل أبدا ولا يفطر في النهار كذلك، يعد هذا حرجا وإن جعل في مقابله من الأجر ما لا يعد ولا يحصى. نعم، لا ننكر أن له أيضا مدخلية في بعض الفروض، فينحل الكلام إلى: أن تكاليف الشرع ليس في الحرج كالمثال المذكور، بل ليس حرجا أصلا، ولو تخيل فيه المشقة الموجبة للضيق يرفعه ملاحظة النعيم الدائم، فإنه رافع لموضوع العسر والحرج بالنسبة إلى هذه التكاليف الثابتة، وهذا كلام جيد. وثانيهما: أنه ينبغي أن لا يعارض دليل العسر والحرج لشئ (2) إذ كلما ثبت فيقال: لا حرج فيه للثواب، وما لم يثبت فينفي بالحرج، لكنه لا فائدة فيه، إذ المشكوك فيه منفي بالأصل، ولا يحتاج إلى أدلة العسر، أورده المعاصر المحقق في عوائده (3). وأنت خبير بأنه غير وارد، إذ في موارد العسر والحرج - كما عرفت في الفروع المتقدمة - ما لا ينفع في ارتفاعه الأجر والثواب مع ورود عموم أو قاعدة بإثباته، فإنا ننفي مثله بقاعدة الحرج، فإن أدلة الاجتناب عن النجس في العبادة وفي الأكل والشرب - المنصرفة إلى الواقع - يقضي بالاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة، ولا يمكننا أن نقول: مقابلة الأجر والثواب يرفع هذا الحرج الذي في الاجتناب عنه، فننفيه بقاعدة الحرج. والحاصل: بعد التأمل فيما وجهنا به كلامه في دفع الأيراد الأول يسقط هذا الكلام بعد التأمل التام.


(1) ذكره المحقق النراقي قدس سره في عوائد الأيام: 63، العائدة: 19. (2) في محتمل (ن): بشئ. (3) عوائد الأيام: 63، العائدة: 19.

[ 303 ]

(العنوان العاشر) (في قاعدة نفي الضرر والضرار)

[ 304 ]

عنوان [ 10 ] من جملة الاصول المتلقاة من الشريعة (قاعدة الضرر والضرار) وهو من القواعد الكثيرة الدوران العامة النفع، ويبتني عليه كثير من الفروع في الفقه، إلا أن الأجمال المخل إنما هو في معناه وفي كيفية دلالته، ولهم في ذلك كلمات كثيرة، والذي ينبغي البحث في ذلك تنقيح المراد منه بحسب ما يستنبط من كلمة الأصحاب، لأنها المعيار في أمثال الباب. فلا بد أولا من ذكر المقامات التي استندوا فيها إلى (قاعدة نفي الضرر) حتى يتضح من مجموعها ما ينبغي أن يقال في ضبط المعنى والمراد وتحرير الاستدلال، ليكون جامعا بين النص والفتوى. فنقول: من جملة موارد القاعدة ما مر في مسألة العسر والحرج، فإن كل ما فيه عسر وحرج فهو داخل في معنى الضرر - وصرحوا بذلك في طائفة من الموارد - إلا أن العسر ونحوه إنما يتحقق غالبا في حيثية الحكم التكليفي، والضرر أعم منه ومن الوضعي.

[ 305 ]

ويندرج تحته: لزوم دية المتترس (1) المقتول على المجاهدين، وسقوط النهي عن المنكر وإقامة الحدود مع عدم الأمن، وعدم الأجبار على القسمة مع تحقق الضرر، وعدم لزوم أداء الشهادة كذلك، وحرمة السحر والغش والتدليس، ومشروعية التقاص، وجواز بيع ام الولد في مواقع، والتسعير على المحتكر إن أجحف، وحرمة الاحتكار مع حاجة الناس، وتفريق الام عن الولد، وجواز قلع البائع زرع المشتري بعد المدة، وتخير المسلم في الفسخ مع انقطاع المسلم فيه عند الحلول، وتخير المرابح عند الكذب والخديعة، وفي خيار التأخير وما يفسد ليومه والرؤية والغبن، وعدم سقوط خيار الغبن بالخروج عن الملك، وخيار العيب والتدليس والتصرية والشركة وتعذر التسليم وتبعض الصفقة، وحلول الديون بموت المديون، وبيع ما يتسارع إليه الفساد من الرهن، وخيار الغبن في الصلح، وعدم جواز شراء المضارب من ينعتق على المالك، وعدم لزوم دفع الغاصب على الودعي، وجواز دفع الوديعة إلى الحاكم أو الثقة عند الضرورة، وعدم جواز الرجوع في مثل عارية اللوح في السفينة، وتخير المالك مع زراعة ما هو أشد ضررا من المأذون فيه، وفسخ المشتري مع ظهور العين مسلوب المنفعة، والخيار في الأجارة لو عم العذر عقلا أو شرعا، ومهلة الشفيع لو تضرر المشتري، وعدم تبعض الأخذ بالشفعة، وعدم بطلانها بالفسخ بعيب ونحوه، وعدم لزوم الوصاية ما لم يقبل، وتخير المولى عليه لو زوجه الولي بغير الكفو أو بذات العيب، وجواز تزويج الأمة مع العنت، وخيار الزوجة مع فقر الزوج، وحرمة الدخول في السوم والخطبة بعد إجابة الغير، وفسخ النكاح بالعيوب ابتداءا واستدامة في أحد الزوجين، وترك القسمة بأقل من ليلة أو بأكثر، وسقوط قسمة المجنونة، وعدم جواز العضل على أزيد مما وصل منه إليها، وسماع دعوى المقر المواطاة، وعدم


(1) في غير (م): الترس. جواز إحياء مشعر العبادة، وحرمة التطويل أو المانعية في المشتركات -

[ 306 ]

كالمساجد والمشاهد والطرق والأسواق، ونحو ذلك - وعدم جواز القصاص في الطرف مع التغرير (1) بالنفس، وشرعية أصل القصاص والديات وكثير من جزئيات فروعهما، فتدبر. وبعد التأمل في ذلك كله يظهر: أن أصحابنا فاهمين عدم الضرر بما يشمل ذلك كله (2). وتنقيح هذا المطلب من جملة المشكلات، فانتظر. والمستند في هذه القاعدة الأخبار المتواترة على نفي الضرر والضرار، كما ادعاه فخر المحققين في كتاب الرهن (3) على ما حكي عنه (4). ففي (5) الصحيح: من أضر بشئ من طريق المسلمين فهو ضامن له (6). وفي الصحيح الاخر: من أضر بطريق المسلمين شيئا فهو ضامن (7). وفي الخبر: كل شئ يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه (8). وفي رواية عقبة في باب الشفعة: لا ضرر ولا إضرار (9) في الأسلام (10). وفي خبر هارون فيمن شرك في بعير اشتراه غيره بعشرة بدرهمين للرأس والجلد، قال عليه السلام: إن أرادهما فليس له ذلك، هذا الضرار، وحقه الخمس (1 1).


الموجود في باب الشفعة المروى عن عقبة بن خالد: لاضرر ولا ضرار انطر الوسائل 17: 319، الباب 5 من أبواب الشفعة: ح 1. نعم، رواه الصدوق مرسلا في باب ميراث أهل الملل باللفظ المذكور، انظر الفقيه 4: 334، ح 5718. (11) الوسائل 13: 49 الباب 22 من أبواب بيع الحيوان ح 1.

[ 307 ]

وفي حكاية سمرة بن جندب روايات كثيرة: منها: ما رواه ثقة الأسلام والشيخ في الكافي والتهذيب في الموثق لابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، وكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن، فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلما تأبى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا إليه فأخبره الخبر، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وخبر أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله، فأبى أن يبيعه، فقال: لك بها عذق لعذقك في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للأنصاري: اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار (1). وقد روي في كتب الفروع للعلامة وغيره بلفظ (لا ضرر ولا ضرار في الأسلام) (2). إذا عرفت هذا فالبحث في امور: أحدها: قال في المجمع - بعد ذكر رواية الشفعة - يقال: ضره ضرارا، وأضر به إضرارا، الثلاثي متعد والرباعي متعد بالباء، أي: لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه. والضرار: فعال من الضر، أي: لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه. والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين، والضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه. وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار بأن تضره من غير أن تنتفع أنت به. وقيل: هما بمعنى، والتكرار للتأكيد. وفي بعض النسخ (ولا إضرار) ولعله غلط (3).


(1) الكافي 5: 292، باب الضرار، ح 2. التهذب 7: 146 باب بيع الماء و... ح 36. (2) التذكرة 1: 522 مسأله خيار الغبن: وقد رواه الشيخ أيضا معزياد 2 في الاسلام في الخلاف 3: 440 ذيل المسألة 14 من كتاب الشفعة. (3) مجمع البحرين 3: 373.

[ 308 ]

وفي القاموس: ضره وبه وأضره وضاره مضارة وضرارا (1). وعن الصحاح: الضر خلاف النفع، وضر وضار بمعنى، والاسم الضرر (2). وعن النهاية (3) تمام ما نقلناه عن المجمع. وقيل: الضرر الاسم، والأضرار المصدر، فالنفي لهما معا (4). وثانيها: أن الامور المتعلقة بالمكلف أشياء: منها: ما هو ماله من أعيان أو منافع. ومنها: ما هو حقه من استحقاق انتفاع أو فسخ أو إلزام أو مطالبة أو أخذ أو أولوية أو نحو ذلك. ومنها: ما هو من قبيل النفس والبدن. ومنها: ما هو من قبيل العرض. وعلى التقادير كلها: إما ذلك كله موجود بالفعل، أو بالقوة، بمعنى: أن من شأنها الحصول لو لم يكن هناك طرو مانع، فهل يتحقق معنى الضرر في ذلك كله أو لا؟ فنقول: لا ريب في صدق الضرر بالماليات، فإن حدوث نقص مالي في العرف يعد ضررا لصاحبه، وكون شخص سببا لذلك يعد إضرارا، لكنه فيما كان بالفعل. وأما ما هو بالقوة - كثمرة البستان ونماء سائر الأملاك ومنافعها المتجددة على التدريج - فهو كذلك، فإن طريان ما يوجب عدم حصول هذه المنافع مع كون الشأن حصولها عادة يعد ضررا، والتسبيب له إضرارا. وأما الحقوق: فما لم يتحقق شئ من ذلك لا يعد حقا عرفا وشرعا، ولا يعد منع شئ منها منعا للحق ولا إضرارا. وأما بعد تحققها فيعد ذلك إضرارا فيه. فلو


(1) القاموس 2: 75. (2) الصحاح 2: 719. (3) النهاية 3: 81. (4) أورده المحقق القمي بلفظ (الضرر هو الأسم والضرار المصدر...) ولم يسم قائله أيضا، انظر القوانين 2: 53.

[ 309 ]

سبق أحد - مثلا - إلى مكان مشترك فدفعه غيره فقد أضره في حقه. وأما مثل المشاهد والمشاعر التي قد ذكرنا في الموارد أن الممانعة فيها بإحياء أو إطالة أو نحو ذلك إضرار، فلا يتوهم أنه حق لم يتعلق بعد فكيف يعد ذلك ضررا؟ إذ الحق أن تعلق حق المسلمين - مثلا - بعرفة ومنى ومشاهد الزيارة ونحوها متحقق بالفعل، فإن ذلك كله معدود من مصالحهم، ولا يلزم حضورهم في ذلك الوقت، فلو خربها شخص أو عمرها بما يمنع الغرض المقصود فقد غصب [ على ] (1) المسلمين حقوقهم وأضرهم. ونحو ذلك إجابة الخطبة والدخول في السوم، فإن بمجرد المقاولة تعلق حق للسابق وإن لم يتحقق بعد [ فان ] (2) من دفعه عن ذلك فقد أضره. وأما البدن: فلا ريب في كون ما يوجب منقصة في عينه ومنفعته أو هيئته المتعارفة ضررا وإضرارا، سواء كان بجرح أو قطع أو إحداث مرض أو ازدياده أو بطؤ برئه، وكذا ما يوجب حدوث ألم فيه مناف للطبيعة. وأما العرض: فضابطه ما هو داخل في احترام المكلف، ليكون هتكه موجبا لذلته وانكساره بين الناس، فمن تعدى على زوجته أو تطلع على عورته أو دخل على عياله أو ما يتعلق به من المحارم والنساء أو اغتابه أو اتهمه أو طعن عليه في وجهه أو أظهر شيئا مما لا يرضى بظهوره، فهو هتك للعرض، إضرار في الحقيقة، ومثل ذلك يعد ضررا. ودعوى: انصراف (الضرر) إلى المال والبدن أو عدم شموله لمثل ذلك، ممنوع، بل الحق أن ذلك كله ضرر وإضرار، ويجئ توضيحه، ويدل عليه رواية سمرة - كما مرت - (3). ومثل ذلك فعل شئ يوجب الاستخفاف والمهانة ولو بترك بعض التعارفات العادية التي ليس من شأنها أن يترك بالنسبة إليه، فإن ذلك كله داخل في الأضرار بالعرض وإسقاط الاحترام.


(1) و (2) لم يردا في (م). (3) راجع ص: 307.

[ 310 ]

وأنت - بعد التأمل فيما ذكرناه من الموارد - تعرف أن شيئا منها ليس بخارج عن هذه الأقسام التي ذكرناها تفصيلا. وثالثها: أن بعد ملاحظة ما حررناه يظهر: أنه فرق واضح بين (منع النفع) و (الضرر) فإنهما متضادان لا متناقضان، وليس كل ما ليس ينفع ضررا، فقد يكون شئ ليس بنفع ولا ضرر. ففي الامور المذكورة لو لم يكن شئ منها بالفعل ولا بالقوة القريبة لكنه قابل للحصول لو منع عنه مانع فإنما هو مانع عن النفع لا ضار. مثلا: لو كان لشخص أرض يريد عمارتها وإحياءها فمنعه مانع عن ذلك لا يعد مثل ذلك ضررا في المال، إذ لم يكن هناك مال حتى ينقص. نعم، من جهة أنه منعه عما له التسلط عليه فهو مفوت حق تسلطه، وهو كلام آخر. وأما لو كان له ملك معمور فمنعه مانع عن محافظته حتى خرب فهو ضار له في ماله. ولو كان لشخص متاع يريد أن يبيعه بأعلى قيمة فمنعه عن ذلك حتى نقصت القيمة لم يضره في المال، فإن ماله موجود، والنفع الحاصل من البيع لم يكن مالا حتى يلزم الضرر. إذا عرفت هذا فاعلم: أن الضرر والأضرار والضرار كلها مشتركة في إفادة معنى نفي الضرر ولو كان في الأخيرين معنى زائد ننبه عليه، فالروايات كلها دالة على نفي ما يعد ضررا في الأسلام، وظاهر لفظ الرواية: نفي ماهية الضرر والضرار في الدين أصلا ورأسا، لكون (لا) موضوعا لنفي الطبيعة، والخبر هنا (موجود) كما في نظائره، وحاصل المعنى بعد نفي ماهيتهما في الدين ينحل إلى: أن ما يسمى بهما في العرف ليس من الدين، بل هو شئ غير موجود فيه وخارج عنه. فلو فرض حكم يتحقق فيه الضرر على أحد فينبغي بمقتضى الرواية القول بأن هذا ليس من دين الأسلام الذي شرعه الشارع، وإلا لزم انخرام القضية الكلية،

[ 311 ]

ولازمه: أن التدين بهذا الدين يستلزم جريان الأحكام من الشارع وصدور الأفعال من المكلفين بحيث لا يتحقق فيه ما يعد ضررا. وما يقال: إن حمل الخبر على هذا المعنى موجب للكذب لوقوع الضرر والضرار، مدفوع بأن هذا لازم لو لم يقيد بقيد (في الأسلام) إذ بدونه يكون المعنى: نفيهما في الخارج مع أنه واقع وهو مستلزم للكذب، لكنه بعد التقييد يرجع النفي إلى أنهما منتفيان في الدين كالعسر والحرج، ولا يلزم من ذلك كذب. لكن الأشكال وارد على ما ليس فيه قيد (في الأسلام) كما في بعض الأخبار، بل أكثرها، فلا بد: إما من تقييدها بذلك، أو دعوى أن المعلوم من الخارج: أن الشارع يريد بيان صفات الأسلام وكيفية الدين، فينزل كلامه على نفيهما فيه لا مطلقا. والحق: أن سياق الروايات يرشد إلى إرادة النهي من ذلك، وأن المراد: تحريم الضرر والضرار والمنع عنهما، وذلك: إما بحمل (لا) على معنى النهي، وإما بتقدير كلمة (مشروع) و (مجوز) و (مباح) ونحو ذلك في خبره مع بقائه على نفيه، وعلى التقديرين يفيد المنع والتحريم. وهذا هو الأنسب بملاحظة كون الشارع في مقام الحكم من حيث هو كذلك، لا في مقام ما يوجد في الدين وما لا يوجد، وإن كان كل من المعنيين مستلزما للاخر، إذ عدم كونه من الدين أيضا معناه: منعه فيه، ومنعه فيه مستلزم لخروجه عنه. مضافا إلى أن قولنا: (الضرر والضرار غير موجود في الدين) معنى يحتاج تنقيحه إلى تكلفات، فإن الضرر مثلا نقص المال أو ما يوجب نقصه، وذلك ليس من الدين بديهة، إذ الدين عبارة عن الأحكام، لا عن الموضوعات، فيحتاج حينئذ إلى جعل المعنى: أن الحكم الذي فيه ضرر وإضرار ليس من الدين لا أنفسهما (1)


(1) في " ن " لا نفسهما.

[ 312 ]

وهذا تأويل غير متبادر وإن بالغ فيه بعض المعاصرين (1). نعم، هنا كلام وهو: أنه لو كان بمعنى المنع والتحريم اختص بإضرار المكلفين لأنفسهم أو لغيرهم، ولا يشمل ما كان ضررا من الله تبارك وتعالى، مع أن الفقهاء - كما عرفت في الموارد - نفوا كثيرا من التكاليف إذا كان موجبا لضرر في نفس أو مال، ولا وجه لكون ذلك حراما على الله تعالى. ولو قلنا: إن المراد: عدم وجوده في الدين لتم الاستدلال في ذلك أيضا. قلت: الظاهر من سياق الخبر: أن عدم تجويز ذلك ليس محض التعبد الشرعي، بل إنما هو شئ يمنع منه العقل أيضا، ومناف للحكمة كذلك، فكما هو قبيح غير مجوز بالنسبة إلى المكلفين، فكذا الحكيم على الأطلاق، فإنه أيضا لا يصدر منه مثل ذلك، فيصير المعنى: أن الضرر والضرار غير مجوز، بل هو قبيح، ويكون القضية مسوقة مساق قاعدة عقلية. ومن هنا يتجه أن نستدل على هذه القاعدة - مضافا إلى النصوص - بدلالة العقل أيضا، فإن الضرر (2) والأضرار مناف للطف والعدل على ما يفهم من معناهما، ومثل ذلك غير مجوز عقلا أيضا، بتقريب ما أسلفناه في مسألة العسر والحرج. ويرد في هذا الباب الأشكال السابق في العسر والحرج: من أن الظاهر من النصوص عدم ورود ضرر في الأسلام، مع أنا نرى وجوب الجهاد والزكاة والخمس وغير ذلك من التكاليف الموجبة لنقص المال والعرض وتلف النفوس ونحو ذلك، فلا وجه لنفي الضرر مطلقا. ومن أنا نرى في النصوص استدل على نفي الجزئيات بحديث (لا ضرار) مع وجود ما هو أعظم من ذلك في الشرع.


(1) المحقق النراقي - ظاهرا - انظر عوائد الأيام: 18 - 19، البحث الثالث. (2) في (ن): الضرار.

[ 313 ]

قال الفاضل القمي: معناه: أنه تعالى لا يرضى بإضرار بعض عباده بعضا، ولا يفعل ما يضر العباد به، ويجوز لمن يتضرر دفع الضرر عن نفسه، فالمراد بنفي الضرر: نفي ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكليفات الثابتة بالنسبة إلى طاقة أوساط الناس البريئين عن المرض والعذر الذي هو معيار مطلق التكاليف، بل هي منتفية من الأصل، إلا فيما ثبت وبقدر ما سبق، ولا يريد الله الضرر إلا من جهة التكاليف الثابتة بحسب أحوال متعارف الأوساط (1). ويرد على ظاهر كلامه - كما مر في مسألة العسر -: أن قاعدة الضرر لا تعارض دليلا، إذ يكون على كلامه مقيدا بالضرر الذي لم يثبت من الشرع، فكلما دل عليه دليل في الجملة فلا ينفيه قاعدة الضرر، مع أن الفقهاء كثيرا ما ينفون ما عليه دليل - من عموم ونحوه - بقاعدة الضرر، لكن الظاهر أن مراده رحمه الله ليس ذلك، بل الظاهر أن غرضه: أن الضرر منفي، وهو أيضا كأحد العمومات، فما دل على خلافه لا بد فيه من ملاحظة التراجيح وقواعد الألفاظ، ونحو ذلك من قواعد التعارض. ثم بعد ملاحظة الدليل وقوته لو ثبت شئ يوجبه فلا مانع منه، لا أن قاعدة الضرر مقيد بعدم دليل مطلقا، كأصل البراءة ونحوه. ثم لا يخفى: أن مجرد النقص في المال والبدن ونحوه لا يعد ضررا مطلقا، بل إذا لم يكن بإزائه ما يجبره ويدفعه. فإن إعطاء شخص من ماله عشرة دراهم لشخص لأجل تحصيل خمسة عشر أو عشرة مع تعلق غرض بذلك لا يعد ضررا، وكذلك الفصد والحجامة وقلع الضرس ونحو ذلك لدفع ما هو أشد من ذلك لا يعد ضررا، ولا يعد شئ من ذلك لو صدر من شخص آخر بالنسبة إلى شخص إضرارا، بل لو كان في مقابله ما يساويه فليس بنفع ولا ضرر، ولو كان ما هو أهم منه وأعلى فهو يعد نفعا. فقد يقابل ضرر مالي بنفع بدني أو ديني أو عرضي وبالعكس، وقد


(1) هذا مضمون ما قاله المحقق القمي قدس سره، لا نص عبارته، انظر القوانين 2: 50.

[ 314 ]

يقابل كل بمثله. وبالجملة: ماله جابر مقصود للعقلاء في امور معاشهم ومعادهم لا يعد ضررا وإن كان نقصا في أحد المذكورات. فعلى هذا: ما ورد في الشرع من التكاليف بعد وجود النفع الاخروي في الجميع بل النفع الدنيوي من دفع بلية وحفظ مال وزيادة نعمة - كما هو مقتضى الايات والأخبار في الزكاة والصدقة ونظائر ذلك - لا يعد ضررا حقيقة، وذلك واضح، بل هذا في الحقيقة نفع، لأن ما يصل إلى المكلف بذلك من الخير أضعاف ما أصابه من النقص ظاهرا. وما ورد من مثل القصاص ونحوه، فإنما هو جبر لما وقع من الضرر، وكذلك الدية ونحوه على ما قرره الشارع الحكيم. وكل ما فيه تحمل لمنقصة فمقابل بمثوبة لا يخفى على من اعتقد بوعد الحق الغير المكذوب. فلا ينتقض بورود ما هو ضرر في الشريعة. ولا يلزم من ذلك عدم إمكان معارضة دليل بقاعدة الضرر، لأنه كاشف عن نفع دنيوي أو اخروي، فلا وجه لنفيه بقاعدة الضرر، إذ الأصل عدم تحقق ذلك، والمفروض أن كونه ضررا في الظاهر مقطوع ومقابلته بالنفع محتمل، فما لم يقم دليل قوي محكم دال على ثبوته حتى يعلم كونه في الواقع مقابلا لنفع، فينفيه قاعدة الضرر. فإذا تعارض - مثلا - دليل دال على ثبوت ضرر مع دليل نفيه بالعموم من وجه، فلا يعلم من ذلك تخصيص أحد الدليلين بالاخر حتى يعلم أنه ليس من الضرر، فلا بد من دليل راجح مخصص لذلك حتى نعرف أنه خارج عن هذا الموضوع، فتدبر جدا. وتوضيحه: أن الدليل المثبت على قسمين: قسم هو دال على نفس الضرر - كالزكاة والحج ونحوهما - ولا ريب أن بعد دلالة الدليل على ذلك نعرف أنه ليس بضرر.

[ 315 ]

وقسم ليس كذلك، فإن عموم دليل الحج والتوضؤ يشمل ما لو كان فيه ضرر بدني (1) ونحو ذلك، ولا يمكن أن يقال: إنه ليس بضرر، إذ ما ثبت من الدليل العوض على الوضوء والحج، لا على المضار الاخر الموجود في ضمنهما، ووجود المقابل للطبيعة لا يرفع الضرر في اللواحق. وقس على ذلك ما يرد عليك من نظائر ما دفعناه بقاعدة الضرر. فتلخص من ذلك: أن هذه القاعدة أيضا كقاعدة العسر والحرج مما لا يقبل التخصيص، وكل ما هو ظاهر في خلافه - بمعنى: أنه يتخيل كونه ضررا - فهو من باب التخصص والاختصاص والخروج عن الموضوع. والعجب من صاحب العوائد! أنه اعترف هنا بذلك حيث جعل الأجر الاخروي رافعا للضرر، وذهب في مسألة العسر والحرج إلى وجود التخصيص وكونه كسائر العمومات (2) لما ورد عليه من الأشكال الذي مضى في بحثه، وعلى ما قررناه فهما من باب واحد. وأما توهم: أنه من باب الاصول التعليقية التي لا تعارض دليلا بل كلما هو حجة تقدم على هذه القاعدة فهو تفريط بين مناف لظواهر النصوص، بل صريحها، ومناف لما هو المقطوع من (3) الأصحاب من نفي الأدلة بالقاعدة. ومحصل البحث: أن كل ما يعد ضررا في العرف في مال - عينا أو منفعة - أو حق أو بدن أو عرض غير جائز أو غير واقع في الدين، ولا فرق في ذلك بين نفس المالك وذي الحق وغيره، فكما لا يجوز إضرار غيره لا يجوز إضرار نفسه أيضا في شئ من ذلك. وهل هو من الامور الاختيارية القابلة للأسقاط؟ بمعنى: أن الشارع منعه


(1) في (ن): زيادة: مثلا. (2) انظر العوائد: 23، العائدة: 4، وص: 63، العائدة: 19. (3) في (ن): بين الأصحاب.

[ 316 ]

لاحترام ذي الحق، فإذا رخصه في ذلك فلا بأس، أم لا، بل هو حكم منجز من الشارع لا ينفع فيه الرضا؟ مقتضى ما ذكرناه من عدم جواز إضرار الرجل لنفسه أيضا الثاني، لأنه إذا لم يجز له أن يضر (1) نفسه فليس له أن يرخص غيره أيضا في ذلك، فإذا لم يكن له ذلك لم يكن برخصته اعتبار، والرخص لا تناط بالمعاصي. ولا فرق أيضا في عدم الجواز بين الضرر الكثير واليسير بعد صدق اسم الضرر، لدخولهما تحت العموم، إذ هما (2) نكرتان واقعتان في حيز النفي، فيفيدان العموم في عدم الجواز أو في عدم الوجود - على الاحتمالين في معنى الحديث -. وأما ما لا يعد ضررا عرفا، كما كان نقصا في شئ من الامور المذكورة بمقدار لا يعتد به، كحبة من صبرة وسنبلة من مزرعة، أو تعب قليل في البدن، أو ما كان بإزائه نفع (3) يقوم مقامه، أو يزيد عليه، كالضيافة أو بعض التحف والهدايا والحجامة والفصد - ونظائر ذلك مما له داع يعتد به - فذلك جائز غير منفي ولا منهي في نفس المكلف وفي غيره، للأصل من دون دليل على خلافه. وهذا البحث كله في (4) مدلول اللفظ وتحرير القاعدة بحسب ما يستفاد من العبارة. والمهم النظر في فقه القاعدة، بمعنى: أن ما أثبت بها الفقهاء في الموارد التي عرفتها من أحكام مخالفة للضوابط بمعونة هذه القاعدة من الأحكام الوضعية، هل هي مما يستفاد من الرواية أو لا؟ وهذا الذي ينبغي البحث فيه للفقيه. فنقول: إن هنا مقامات: المقام الأول: في أن بعد ثبوت نفي الضرر أو النهي عنه لو ثبت ضرر وحصل من بعض المكلفين لبعض في عقد أو إيقاع أو غصب أو تصرف أو تدليس أو نحو


(1) في (ن): أن يضرر. (2) أي: الضرر والضرار. (3) في غير (م): بإزائه مقابله من نفع. (4) في غير (م): هذا كله بحث إلى.

[ 317 ]

ذلك فما المناص عن ذلك؟ وما الذي يستفاد من الشرع في رفعه كلية أو بحسب المقامات؟ وهذا الذي ينفعنا في الفروع، وإلا فمجرد الحكم التكليفي لا ينبغي أن يبحث عنه، وهذا مما قد خفي على جماعة من فحول المتأخرين، لانقطاعهم عن مشرب أساطين الأصحاب بما استحسنوه وتخيلوه من الطريقة في الباب. قال الفاضل المعاصر في عوائده: نفي الضرر والضرار إنما يصلح دليلا لنفي الحكم إذا كان موجبا للضرر، وأما إثبات حكم وتعيينه فلا، بل التعيين محتاج إلى دليل آخر، ومن هذا يظهر فساد ما ارتكبه بعضهم من الحكم بضمان الضار والمتلف بحديث نفي الضرر، فإن عدم كون ما ارتكبه شرعيا لا يدل على الضمان ولا على الجبران مطلقا، كما قيل. نعم، لو قيل: إن معنى الخبر: (لا ضرر بلا جبران) دل على تحقق الجبران، وهو أيضا لا يثبت ضمان الضار، لأمكان الجبران من بيت المال أو في الاخرة أو في الدنيا من جانب الله سبحانه بأن يفعل ما ينتفع من استضر به بقدر ما استضر أو أزيد. نعم، إذا كان حكم بحيث يكون لولاه لحصل الضرر - أي كان عدمه موجبا للضرر مطلقا - وانحصر انتفاء الضرر بثبوت الحكم الفلاني، يحكم بثبوته بدليل نفي الضرر، ولكن الثبوت حينئذ ليس بنفي الضرر خاصة، بل به وبالانحصار بذلك (1). وهذا الكلام من ذلك العلام من الغرابة بمقام! ولعله مبني على عدم التأمل التام. وإذا أردت التحقيق فاستمع لما يتلى عليك [ مما ينجلي في النظر، مع قصوره وتقصيره، فنقول: ] (2). ما يقابله، فإذا حصل لا يعد ضررا.


(1) عوائد الأيام: 20، العائدة: 4. (2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (م). (3) الزيادة من م. (4) في عدا م في ازائه.

[ 318 ]

لا يقال: إن النقص في المال أو في الحق أو البدن إذا حصل صدق الضرر، وحصول المقابل بعد ذلك لا يرفعه. لأنا نقول: بعد ما كان صدقه منوطا بعدم المقابل يبقى مراعى، فإن علم بعد ذلك وجود ما يقابله ويسد مسده كشف عن أنه لا ضرر من أصله. وغاية ما يمكن أن يقال: إنه كان ضررا واندفع، وهذا لا بأس به، إذ لا يفترق الحال بين ارتفاعه أو عدم صدقه من أصله، فكلما وقع من قبل الله أو نفس المكلف أو من أجنبي ما يعد ضررا ظاهرا، فمقتضى النفي أو النهي أن يكون له في الواقع ما يرفع ضرريته ويسلب هذا الاسم عنه، بمعنى الكشف - كما هو الأقوى في النظر - أو النقل - كما قد يقال أيضا - إذ لو لم يكن له ما يوجب رفعه لزم من ذلك وقوعه وجوازه، والفرض انتفاؤه. وإذا ثبت لزوم الرفع، فينبغي الكلام في تشخيص الرافع له، فنقول: هو (1) من نشأ منه الضرر، لا غيره، ولنا على ذلك وجوه: أحدها: حكم العقل بذلك، إذ بعد ما علمنا أن هذا شئ قبيح، فمتى ما صدر من شخص وكان قابلا لرفع قبحه ولم ينجز بالفعل، يحكم العقل القاطع بلزوم رفع هذا العمل القبيح على فاعله، وليس حقيقة قبيحا قبل الدفع (2) - على ما أراه من الكشف - بل المراد: أنه لو لم يرفع ذلك وأبقاه على هذا الوضع لعد هذا قبيحا. فلو كان هذه المنقصة في مال أو بدن من الله تبارك وتعالى، فمقتضى الحكمة أن يرفعه بما يوجب سد محله وسلب اسمه، بل اللائق عليه أن يزيد من فضله، كما أخبر به في كتابه: ومن أوفى بعهده من الله (3). ولو كان نفس المكلف، فلا مدفع له، إذ كل ما حصل المكلف من النفع لا يقابل


(1) العبارة في غير (م) هكذا: فإذا ثبت لزوم ما يرفع ذلك، فنقول: لا بد من تعيين من يجب عليه الرفع، فنقول: لا بد أن يكون الرافع من نشأ.... (2) كذا في النسخ، والصواب: الرفع. (3) التوبة: 111.

[ 319 ]

ما أضر به نفسه، لأن النفع الحاصل عوض ما أتعب به نفسه في تحصيله أو كان يستحقه، ولو لم يكن قد أضر بنفسه فلا يكون عوضا للمضرة، فتدبر، فإنه لا يخلو من دقة. ولو كان من أجنبي لزمه الرفع أيضا، كما في الحق تعالى. وثانيها: أن النصوص بناءا على كونها بمعنى النهي - كما هو الظاهر - قضت بأنه يحرم الأضرار، والمفروض أن ما صدر من المنقصة لا يعد إضرارا بنفسه، إذ لو عاد كما كان ابتداءا لا يصدق عليه أنه ضرر، فعلم أن ذلك من جهة بقائه على تلك الحالة، وهو في قدرة من نشأ منه ذلك، ومقتضى النواهي تحريم إبقائه على ذلك الوضع، لأنه الأضرار، ولازمه وجوب رفع هذا الضرر على المضر بنفسه ما لم يسده شخص آخر تبرعا - مثلا -. فإن قلت: لازم كلامك: أنه لو خرب واحد بيت آخر ثم بناه جديدا مثل الأول لا يعد هذا إضرارا. قلت: إن عنيت بالنسبة إلى العين فهو كذلك، بل هو نفع، إذ الجديد المماثل من سائر الجهات أولى من العتيق، وإن عنيت بالنظر إلى امور اخر فلا، إذ المنفعة الفائتة في الان المتخلل فائتة لا تستدرك. وبالجملة: لا يخفى على أهل النظر أن إعادة المنقصة على نحو لا يفوت على صاحب الحق منه شئ رافع للضرر، بل لا يعد هذا ضررا أصلا حتى يرتفع، وما ترى من إطلاقه في ذلك إنما هو باعتبار فوات بعض الأوصاف والخصوصيات التي لا تستدرك. فإن قلت: فرفع الضرر غير ممكن، إذ إعادة المعدوم في آنه ممتنعة، وفوات منفعة أو خصوصية لا بد منه، فلا وجه للخطاب بالرفع بعد الوقوع وكونه مسمى بالضرر، عالجه أم لا. قلت: الضرر شئ يصدق على القليل والكثير، وكما يختلف بالجنس والنوع

[ 320 ]

فكذا يختلف بالكم والكيف، والنهي شامل للجميع. فأنت إذا قدرت على دفع ضرر العين وجب عليك، ولا يسقط بتعذر دفع ضرر الوصف أو المنفعة، فلا تذهل. [ فإني غير متمكن من بسط المقال لمكان الاستعجال ] (1) وثالثها: أن المتبادر من هذه النصوص - سواء جعلناها نفيا أو نهيا - لزوم رفع الضرر على من أضر، فإنا نرى أن الموالي إذا خاطبوا عبيدهم أو الحكام إذا كتبوا على منصوبهم ورعيتهم مثل هذه العبارة لا يفهمون منه إلا لزوم رفعه على من صار سببا له، وهذا هو المنشأ أيضا في حكم الأصحاب بذلك في الموارد المذكورة. مع أن في جميع تلك الموارد يمكن أن يقال لهم: إن نفي الضرر لا يدل إلا على عدم هذا الحكم، وأما إثبات ما تجعلونه حكما في المقامات فلا دلالة فيه، بل فهم الأصحاب حقيقة قرينة اخرى على هذا المعنى لو لم يتم دعوى التبادر، فكيف مع ثبوته! كما لا يخفى على من لاحظ العرف وطريقة أصحاب الرئاسة والسياسة. ورابعها: دلالة صحيحة الكناني الحاكمة بضمان من أضر بشئ من طريق المسلمين، ونحو ذلك رواية الحلبي، وقد تقدمتا (2) فإن صريحهما وقوع الضمان - الذي هو الجابر - على المضر. وأما البحث في شمولهما لما هو في رتبة التسبيب أو المباشرة خاصة فذلك كلام آخر. وكذا في رواية سمرة (3)، فإنه دفع ضرر عرض الأنصاري بقلع نخلة سمرة. وفي هذه النصوص دلالة على أن هذا الضمان والضرر الواقع (4) ثانيا من جهة كون الأضرار منه أولا، فيعم جميع الموارد. وخامسها: أن ما هو ضرر، إما أن يقع من الحق الواجب - تبارك وتعالى - من


(1) ما بين المعقوفتين لا يوجد في (م). (2) تقدمتا في ص: 301. (3) تقدمت في ص: 302. (4) في (ن، ف) زيادة: مثلا.

[ 321 ]

تكليف ونحوه، فلا ريب أنه لا يرتفع إلا منه تعالى أيضا بإعطاء نعمة أو دفع نقمة دنيويتين أو اخرويتين، وهذا مما لا ثمرة فيه مع وضوح حكمه. وإن كان من نفس المكلف فلا جابر ولا رافع له أيضا، لأنه كلما يحدث ما يجبره فهو مما كان يستحقه بعمله، فيكون شيئا آخر لا جابرا للأول. وإن كان من غيره من غير النوع الأنساني فهو من الافة السماوية المحسوبة على الله - تبارك وتعالى - كما جرت عادته بالابتلاء بالبليات بتلف المال وغيره بآفات جرى بها قضاؤه الذي لا راد له. وإن كان من أفراد النوع الأنساني فلا يخلو الرافع لهذا الضرر من امور: إما أن يكون نفس المكلف، أو الحق تبارك وتعالى، أو بيت المال، أو نفس من أوجب الضرر، أو غيره من آحاد المكلفين. أما الأول، فقد عرفت أنه لا يمكن كونه رافعا لضرر نفسه فضلا عن ضرر غيره. وأما الواجب تعالى، فلا ريب أن دفعه هذا الضرر بأمر ديني أو دنيوي أو اخروي مشكوك لا نعرفه إلا بدليل واضح، والمفروض أنه لا بد من ارتفاع هذا الضرر بمقتضى الأدلة، ورفعه يحتاج إلى أمر قطعي، ومجرد الاحتمال غير كاف فيه، كما قررناه في نفس التكاليف، فإنه لو شككنا في ثبوت تكليف من الله تعالى ندفعه بنفي الضرر، ولا نكتفي بمجرد احتمال كونه مدفوعا باجرة ومثوبة من الله تعالى حتى يثبت حجة لذلك، فندفعه بالقاعدة، وهنا أولى بذلك، إذ مجرد احتمال اندفاع ما أوصله زيد لعمرو من الضرر بنعمة من الله تبارك وتعالى لا يكفينا في الحكم الشرعي، بل لا بد من طريق مثبت يسكن النفس إليه ويستقر القاعدة به. وأما مثل قولهم: (لكل كبد حراء أجر) (1) لا دلالة فيه على ذلك، على أن (2)


(1) رواه في البحار (74: 370) مرسلا عن النبي صلى الله عليه واله وسلم. (2) في ن، ف لادلالة فيه بدلك وثانيا..

[ 322 ]

حرارة الكبد غير ضرر المال والبدن، وانجبار ضرر حرارة الكبد والألم الواصل للمكلف بمجرد التضرر لا يرفع ضرر المال، ونظائر ذلك مما دل على الأجر للصابرين في البلايا كثيرة، لكنها كلها دالة على وصول الثواب للألم القلبي. وأما تلف المال فهو ضرر آخر، فتدبر. وأما غير المضر - من سائر المكلفين - لو بنينا على اندفاع الضرر منه لزم حدوث الضرر من وجه آخر، إذ جبر هذا الضرر لا يصير إلا بتلف مال أو نحوه من الجابر، فهو ضرر محتاج إلى جابر آخر، فيلزم التسلسل من ذلك أو الدور، وهو مما لا ينفع في ارتفاع الضرر، فتدبر، فإنه تحقيق واف بالمرام. وأما بيت المال، فإن كان بيت مال الأمام فيلزم منه الضرر على الأمام، وهو من جملة المكلفين وسيدهم، ولزوم الضرر عليه من أفحش أفراد الضرر. وإن كان بيت مال المسلمين، فهو ضرر على المسلمين كافة، ولا يرضى به القاصر، فضلا عن الفقيه الماهر! فانحصر الطريق في رفع هذا الضرر إلى نفس من أحدثه لا غيره، وهو المدعى. وليس هذا إثبات الانحصار من دليل خارج، كما تخيله الفاضل المعاصر (1)، بل إنما هو فهم للمدعى من نفس أدلة نفي الضرر لمن رزقه الله الفهم المستقيم وأرشده إلى النهج القويم. ففتوى الأصحاب بضمان الضار والمتلف وغير ذلك في جميع موارد الضرر أو أكثرها - كما عرفت - موافق لنفس قاعدة الضرر كما أوضحنا لك. وهذا هو مقتضى فهم فقه القاعدة لمن كان من أهلها، ومجرد التخيلات الناشئة عن عدم التدبر في أطراف الكلام لا ينبغي أن يصغى إليها في المقام. المقام الثاني: أنه بعد ما وجب رفع الضرر على نفس المضر بمعنى: لزوم ارتفاعه بشئ يرجع إليه - إذ بعد التقابل والتساقط لا يعد هذا ضررا على شئ


(1) انظر عوائد الأيام: 20، العائدة: 4، البحث السادس.

[ 323 ]

منهما كما لا يخفى على المتأمل، إذ من سرق أو غصب أو أتلف عشرة دراهم من مال شخص ثم دفع عوضه من ماله لا يعد هذا ضررا بالنسبة إلى الدافع، ويرتفع به ضرر المتضرر أولا - يقع البحث في أنه لو كان لدفع الضرر طرق متعددة. وأنت إذا راجعت ما أحصينا لك من موارد القاعدة تجد أن طائفة كثيرة من الأحكام منعنا ثبوتها في الشرع، لاستلزامها الضرر، وهو منفي، وهذا مما لا كلام فيه. وطائفة اخرى بعد ثبوت ما هو ضرر - مثلا - من آحاد المكلفين في الموضوعات حكمنا بلزوم رفع الضرر حتى يرتفع، لظاهر القاعدة. وهذا القسم له أقسام: قسم ينحصر طريقه في واحد، بمعنى: أنه لا يمكن ارتفاع هذا الضرر إلا بهذا الطريق كفسخ نكاح العنين، فإن الضرر الوارد على الزوجة من الحرمان عن لذة الوقاع ومصادمة مقتضى الطبيعة وانقطاع النسل والأولاد لا يندفع إلا برفع يد الزوج عنها (1). ونظائر ذلك أيضا في الفروع السابقة كثيرة، فراجع. وقسم لا ينحصر طريقه في واحد، لكن الشارع عين له طريقا، كما في ضمان الجراحات بالدية، وضمان العيب بالأرش، والمال بالمثل والقيمة - لو قلنا باستفادته من دليل الضمان، كما يأتي في محله - وإلا فهو داخل في القسم الأول، لانحصار الطريق عرفا فيهما، وهذا أيضا لا إشكال فيه، إذ بعد تعيين الشارع كيفية رفع الضرر فلا بحث لنا في ذلك. ولو أردنا الكلام في أسرار ما اختاره الشارع ودقائقه - فمع أنه خارج عن وظيفة الفقه من حيث هو كذلك - يحتاج إلى بسط لا مجال لنا فيه. وقسم لم يعين من الشارع طريق فيه، ولكن الفقهاء حكموا فيه بالطريق، ولا


(1) في غير (م): لا يندفع إلا برفع الزوج يده عنه، كما أغره وأضره. دليل لهم غير القاعدة، ومن هذا القبيل أغلب الخيارات في الماليات والأنكحة

[ 324 ]

وغيرها، كما عددنا لك مواردها. ولم يقم دليل خاص على تعين اندفاع الضرر بالخيار إلا في غبن بيع التلقي والعيب - في وجه ضعيف - وبعض عيوب النكاح، مع أن الفقهاء - كما ذكرنا لك الموارد - عينوا في كل مقام اندفاعه بالخيار، فإن ارتفاع ضرر الغبن والتصرية ونحو ذلك كما يمكن بالخيار يمكن ببذل ما به التفاوت من خارج، أو بإرجاعه من الثمن، فلا وجه لتعين الخيار، مع أن أغلب الخيارات الماضية - بل كلها - يمكن أن يجعل لها ما يقوم مقامها في رفع الضررية. فنقول: لو كان حكمهم بالخيار في هذه المقامات من دليل خارج - من إجماع أو عمل برواية واردة في بعض الأفراد وإلحاق غيره به بإلغاء الفارق وتنقيح المناط أو اتحاد الطريق - فلا بحث، لكن الظاهر أنهم يثبتون هذا من نفس قاعدة الضرر، لا مع انضمام أمر خارج. والذي أراه: أنهم يلاحظون اندفاع الضرر الواقع مهما أمكن بحيث لا يلزم منه ضرر آخر في مال أو غيره، إذ لو لزم ذلك لم ينفع ذلك في رفع الضرر، لثبوته من وجه آخر، ويلاحظون إمضاء ما وقع في الجملة مهما أمكن ولا يبادرون إلى الأبطال. فلو فرض الغبن - مثلا - فيمكن الاندفاع بالانفساخ القهري، لكنه مناف لبقاء العقد، ولا داعي إلى رفعه بالمرة. ويمكن ارتفاعه ببذل مقدار الغبن من المال أو من الثمن - مثلا - خاصة، لكنه ضرر وارد على الغابن من جهة أنه غاية ما أضر المالك بأنه أخذ ماله بما هو أقل من قيمته كثيرا حتى ينتفع به، ويمكن رفع ذلك بأن المالك يسترجع ماله، فدفع المال الاخر لا داعي له، لأنه أيضا ضرر جديد لا علة له، وإرجاع شئ من الثمن مناف لما وقع من المعاوضة الصحيحة. فإذا دار الأمر بين التزام دفع مال أو إبطال معاوضة أو ارتكاب ما ينافي مقتضاها من الملك أو رفع حكم من أحكام العقد، فلا ريب أن الأخير أولى وأقدم، لان ما عداه أشد بالنسبة إليه، والضرورة تتقدر بقدرها، والضرر إذا اندفع بمجرد

[ 325 ]

التخير (1) من دون إبطال ولا ارتكاب مناف من خارج فيتعين، مضافا إلى أنا ندعي أن نفس قاعدة الضرر تدل على لزوم رفعه على المضر، وينصرف إلى ما هو المتعارف في رفع مثل هذا الضرر عند المسلمين. ولا ريب أن العقد أو الأيقاع من العهود التي يعهدها الأنسان لنفسه بنفسه، وطريقة الناس: أنه إذا صار بين اثنين منهم معاهدة في أي شئ كان، فإذا تضرر أحدهما وكان الاخر حكيما عادلا يقول: يا أخي هذا ليس بلازم أنا ما اريد الضرر عليك إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل، لا أنه أدفع عوض هذا لك من خارج - مع أنه منة على الاخذ أيضا، فيكون ضررا آخر - ولا أنه يبطل يقينا، إذ لا داعي إليه، وبعد هذا الانصراف فلا يرد عليهم في ذلك بحث ونقض. المقام الثالث: إذا دار الأمر بين ضررين: أحدهما أخف وأقل من الاخر كما أو كيفا، فاللازم ارتكاب الأخف، لنفس قاعدة الضرر والضرار. وقال الفاضل المعاصر في طي كلام له: وما قيل بتعيين أخف الضررين تمسكا بقاعدة الضرر، ساقط، لعدم الدلالة والمشاركة في النفي (2) [ انتهى ] (3). ولكنه ينبغي أن يقال: إن الضرر من الألفاظ التي يطلق على القليل والكثير، بمعنى: أن الضرر العظيم يطلق على كل حصة موجودة في ضمنه أنه ضرر، فما دل على نفي الضرر كما ينفي الأفراد المتباينة المتمايزة، فكذلك الأفراد المتداخلة، ولنمثل لك مثالا حتى يتضح الأمر بعون الله سبحانه. فنقول: إذا قال الشارع: (إن الخمر حرام) والفرض أن القطرة خمر والمن منه خمر والقربة منه خمر، ومقتضى صدق الاسم على كل من الأبعاض حرمة كل جزء بالذات، لا باعتبار وجودها في ضمن الكل، لتساوي الكل والجزء في صدق الطبيعة المرادة من اللفظ المتواطئ فعلى هذا لو وضع مقدار من الخمر في ظرف


(1) في (ن): التخيير. (3) عوائد الأيام: 21، العائدة: 4، البحث السابع. (3) الزيادة من (م).

[ 326 ]

وضعفه في آخر فهذان فردان من الخمر، لكنهما متضمنان لأفراد متداخلة، بمعنى: أن كلا منهما لو وزع على أجزاء صغار توزيعا غير سالب للاسم لكان كل منها خمرا يصدق عليه اللفظ ويلحقه الحرمة، فإذا دار الأمر بين ارتكاب الأقل والأكثر واضطر المكلف إلى أحدهما لا بعينه فلا نشك في لزوم تعيين الأقل، وليس هذا من إجماع قائم عليه بالخصوص ولا نص دال على الفرض كذلك، بل إنما هو من نفس دليل التحريم المستلزم لارتكاب الأقل، وليس لأحد أن يقول: كلاهما خمران والتحريم مشترك. وهذا الذي ذكرناه وإن كان يتخيل له (1) مناقشات، لكنها بعد النظر الدقيق والفحص الحقيق مندفعة. ففيما نحن فيه نقول: متى ما جاز ارتكاب الضرر لعذر - مثلا - ودار الأمر بين الأقل والأكثر، فما الذي أباح لك المقدار الذي هو التفاوت إذ لا داعي إلى ذلك ولا ضرورة؟ ولعله توهم أن إتلاف فرس وحمار كل منهما محرمان منفيان، وهما شيئان متمايزان، وكون أحدهما زائدا في المقدار لا يوجب أولوية دخوله في النفي، بل كل منهما منفي، ومتى ما جاز فأحدهما لا بعينه جائز، والترجيح بكون الفرس زائدا لا دخل له. وتنقيح دفعه (2): أن الكلام ليس في الأموال وما في حكمها بعناوينها وبأساميها حتى يتساوى الصدق على الكل. وفرق بين قول القائل: (لا تتلف لزيد حيوانا ولا بساطا) وبين قوله: (لا تضرره) (3) إذ على الأول لو اضطررنا إلى واحد من الفرس والحمار أو إلى إحراق بساط كبير أو صغير لا نفرق بين المقامين بمحض هذا النهي، نظرا إلى تساويهما في المنع ولو لم يكن دليل


(1) في (م): فيه. (2) في (م) ويتضح رفعه. (3) في (ن): لا تضره.

[ 327 ]

خارجي لم يكن فرق بين إتلاف الأكثر والأقل، إذ في ما جعل عنوانا للحكم - كلفظ الحيوان أو البساط - كلاهما متساويان. وأما لو قال: (لا تضرره) فليس كذلك، لأن الاسم حينئذ لا مدخل له، بل الموضوع المنهي عنه الضرر، وهو شئ سار في جميع أجزاء هذه الأفراد، وصادق على نقص كل جزء مالي من هذين الأمرين، بخلاف لفظ (الحيوان) و (البساط) فإن لفظهما لا يصدق على أجزائهما كما أو كيفا، ومقتضى ذلك المنع عن كل جزء جزء من المجموع المركب في الفرس والحمار، فإذا جاز أحدهما لضرورة لا يجوز ارتكاب الأزيد لعدم ضرورة. فإن قلت: هذان في الحقيقة متباينان، لكون كل منهما متعلقا بشئ آخر، فلا دخل لذلك بمسألة الأقل والأكثر. قلت: هذا اشتباه في موضوع، فإن الموضوع هو (الضرر) ولا كلام في خصوص الفردين، وهذان الفردان من الجهة التي نهي عنهما بها - وهي جهة الضررية - أقل وأكثر وإن كانا نوعين مختلفين. وأظهر في الاختلاف أكل تمرة وقتل بقرة، لكن الضرر الذي نهي عنه وجوده فيهما بطريق الأقل والأكثر، فالمقدار الزائد عن الأقل مع كون الجنس - بمعنى أصل الضررية - واحدا ارتكاب لضرر من دون داع إليه، وهو منفي بالنصوص المذكورة، وهذا الكلام إن شاء الله واضح عند من تدبر. المقام الرابع: في تعارض الضررين بمعنى: دوران الأمر بين فعل شئ موجب للضرر على الغير وتركه الموجب للضرر على نفس المباشر. ومنشأ الأشكال هنا تعارض قاعدة الضرر والضرار مع عموم ما دل على تسلط الناس على أملاكهم وأموالهم (1) ونظائر ذلك من عمومات الرخصة (2).


(1) عوالي اللئالي 1: 222، ح 99. (2) مثل قوله عليه السلام: " إن لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيا... " انظر الوسائل 13 =

[ 328 ]

وينبغي في المقام ذكر جملة من كلمات أساطين الأصحاب ليكون عنوانا في الباب فتتضح (1) المسألة مع عموم البلوى بها. قال المحقق في الشرائع - بعد ذكر مقادير حريم العامر -: وكل ذلك إنما يثبت له حريم إذا ابتكر في الموات، أما ما تعمد (2) في الأملاك المعمورة، فلا (3). وقال العلامة في القواعد - بعد ذكر الحريم -: هذا في الموات، ولا حريم في الأملاك، لتعارضها، ولكل واحد أن يتصرف في ملكه كيف شاء، وإن تضرر صاحبه فلا ضمان، فلو جعل ملكه بيت حداد أو قصار أو حمام - على خلاف العادة - فلا منع (4). وقال في التحرير: للمالك التصرف وإن استضر الجار (5). وقال الشهيد رحمه الله في الدروس: ولا حريم في الأملاك لتعارضها، فلكل أن يتصرف في ملكه بما جرت العادة به، وإن تضرر صاحبه فلا ضمان، كتعميق أساس حائطه وبئره وبالوعته، والأيجاد (6) في منزله دكان حداد أو صفار أو دباغ (7). وقال المحقق الثاني - في شرح عبارة القواعد بعد قوله: (فلا ضمان): لأن الناس مسلطون على أموالهم (8). وبعد قوله: (فلا منع) قال في التذكرة: هذا إذا احتاط وأحكم الجدران بحيث يليق بما يقصده، فإن فعل ما يغلب على الظن أنه يؤدي إلى خلل في حيطان


= 381 الباب 17 من أحكام الوصايا. (1) العبارة في غير (م) هكذا: والذي ينبغي أن يقال في هذا المقام يحتاج إلى ذكر جملة من كلمات أساطين الأصحاب حتى يكون عنوانا في الباب حتى تتضح.... (2) في المصدر: ما يعمل. (3) الشرائع 3: 273، كتاب إحياء الموات. (4) القواعد 1: 220، إحياء الموات. (5) التحرير 2: 131، كتاب إحياء الموات. (6) كذا في النسخ، والأصح: واتخاذ منزله، كما في المصدر. (7) الدروس 3: 60، كتاب إحياء الموات. (8) جامع المقاصد 7: 26، إحياء الموات.

[ 329 ]

جاره ففي منعه تردد. فلو دق دقا عنيفا حدث به نقصان في جدران جاره، أو حبس الماء بحيث انتشرت منه النداوة إليها، أو حصل ذلك من الحمام، ففي الضمان تردد (1). وقال الشهيد الثاني في الروضة: أما الأملاك المتلاصقة، فلا حريم لأحدهما (2) على جاره، لتعارضها، فإن كل واحد منها حريم بالنسبة إلى جاره، ولا أولوية، لأن من الممكن شروعهم في الأحياء دفعة، فلم يكن لواحد على آخر حريم (3). وقال في المسالك: أما إذا كانت الأرض محفوفة بالأملاك فلا حريم لها، لأن الأملاك متعارضة، وليس جعل موضع حريما لدار أو غيرها أولى من جعله حريما للاخرى، ولكل واحد من الملاك التصرف في ملكه كيف شاء، فله أن يحفر بئرا في ملكه وإن كان لجاره بئر قريبة منها وإن نقص ماء الاولى، والفرق: أن الحفر في الموات ابتداءا تملك، فلا يمكن إذا تضرر الغير، بل يقدم السابق بالتملك، وفي الأملاك كل واحد يتصرف في ملكه، فلا يمنع منه، حتى لو حفر في ملكه بئر بالوعة وقاربها بئر الجار لم يمنع منه ولا ضمان عليه بسببه، ولكنه يكون قد فعل مكروها. ومثله لو أعد داره المحفوفة بالمساكن حماما أو خانا أو طاحونة، أو حانوتة (4) حانوت حداد أو قصار على خلاف العادة، لأنه مالك له التصرف في ملكه كيف شاء. نعم، له منع ما يضر بحائطه من البئر والشجر ولو ببروز أصلها إليه والضرب (5) المؤدي إلى ضرر الحائط، ونحو ذلك (6). وقال المحقق السبزواري في الكفاية: المعروف من مذهب الأصحاب: أن لأن


(1) جامع المقاصد 7: 26. (2) في المصدر: لأحدها. (3) الروضة البهية 7: 165، كتاب إحياء الموات. (4) في المصدر زيادة: في جنب العطارين. (6) في (ن): والضرر. (6) المسالك 2: 290، كتاب إحياء الموات.

[ 330 ]

حريم في الأملاك - وساق مضمون عبارة الدروس والمسالك - ثم قال: ويشكل هذا الحكم في صورة تضرر الجار تضررا فاحشا، نظرا إلى ما تضمن الأخبار المذكورة من نفي الضرر والأضرار، وهو الحديث المعمول به بين الخاصة والعامة المستفيض بينهم، خصوصا ما تضمن الأخبار المذكورة من نفي الأضرار الواقع في ملك المضار (1). هذا جملة من عبائرهم في كتاب إحياء الموات، ولهم كلام يرتبط بمقامنا وينحل المقام بملاحظته في كتاب الغصب. فلنذكر جملة من عبائر أساطين الأصحاب في ذلك. قال في الشرائع: ولو أرسل في ملكه ماءا فأغرق مال غيره أو أجج فيه نارا فأحرق لم يضمن ما لم يتجاوز قدر حاجته اختيارا مع علمه أو غلبة ظنه أن ذلك موجب للتعدي إلى الأضرار (2). ومثل ذلك بعينه قال في القواعد (3). وفي الدروس في ذكر أسباب الضمان: أو تجاوز قدر الحاجة من الماء أو النار، أو علم التعدي إلى مال الغير (4). وقال المحقق الثاني في جامع المقاصد: لما كان الناس مسلطين على أموالهم كان للمالك الانتفاع بملكه كيف شاء، فإن دعت الحاجة إلى إرسال ماء أو إضرام نار في ملكه جاز فعله وإن غلب على الظن التعدي إلى الأضرار بالغير. نعم، مع غلبة الظن بالتعدي إن تجاوز قدر الحاجة ضمن، لأنه سبب في التلف لصدق تعريفه عليه، إذا المباشر ضعيف، فحينئذ إنما يتحقق الضمان بالشرطين لا بأحدهما (1).


(1) كفاية الأحكام: 241، كتاب إحياء الموات. (2) الشرائع 3: 237، كتاب الغصب. (3) القواعد 1: 202، كتاب الغصب. (4) الدروس 3: 107، كتاب الغصب.

[ 331 ]

وفي المسالك ما معناه: أن مع عدم تجاوز الحاجة وعدم علم التعدي وظنه (1) لا ضمان اتفاقا، لعموم التسلط على ماله، ولأنه لم يفرط، وسببية الأتلاف ضعيفة بالأذن الشرعي. ومع التجاوز وعلم التعدي أو ظنه فلا شبهة في الضمان للتفريط والسببية. وإن انتفى أحد الأمرين دون الاخر، ففيه قول للمحقق والعلامة في القواعد والأرشاد بعدم الضمان، لأنه مأذون شرعا، ولا يعد مع عدم التجاوز أو مع عدم العلم أو الظن تفريطا، ولأصالة البراءة. وقول للعلامة في التحرير والشهيد في الدروس: بالضمان، للسببية. ثم قال: ويرجح هذا القول في بعض أفراده، وهو ما لو علم التعدي فتركه اختيارا وإن كان فعله بقدر حاجته، لأن ترك قطعه مع علم التعدي إلى الغير وقدرته على قطعه تعد محض. نعم، مع عدم العلم ولا الظن قد يشكل الضمان على تقدير تجاوز الحاجة، لأن فعله مأذون فيه على التقديرين ولا تفريط حينئذ (2). إذا عرفت هذا، فنقول: تصرف المالك في ملكه إما أن يكون لحاجة أو بدونها، والحاجة أيضا قسمان: إما جلب نفع أو دفع ضرر. وعلى التقادير: إما أن يكون الضرر الواقع على الجار من هذا الفعل ضررا عينيا كما إذا حفر بئرا يوجب سقوط جدار الجار ونحو ذلك، أو ضررا حكميا كما إذا على جداره وبنى فوقه غرفة تمنع عن إشراق الشمس والقمر على دار الجار، ويصير سببا لاحتباس الهواء فيها، وذلك مما يوجب نقصا في قيمتها ومنافعها. وعلى التقادير: إما أن يكون هذا الضرر يستند إلى نفس فعل المتصرف في ملكه - كما إذا حفر بئرا أو بالوعة بحيث يكون مجرد الحفر موجبا للضرر وسقوط جدار الجار، أو أرسل ماء، أو أجج نارا بحيث يكون هذا الضرر ناشئا من نفس هذا الفعل - وإما أن يكون ناشئا من شئ آخر ترتب على ذلك، فإنه متى ما جعل داره حماما أو بالوعة فبمرور الأيام واجتماع المياه والأمطار يوجب الضرر على


(1) في (ن): أو ظنه. (2) المسالك 2: 257، كتاب الغصب.

[ 332 ]

الجار بنشر الرطوبة وتخريب البنيان، أو إذا غرس أشجارا - مثلا - إذا كبرت بعد سنين تمنع الشمس والقمر، ويسري عروقها إلى الجدار لا بالفعل. وعلى الصور كلها: إما أن يكون هذا الفعل مما يعلم المتصرف أنه مضر للغير، أو يظن ذلك، أو غافل عن ذلك. وعلى هذا الفرض أيضا: إما أن يكون في العادة يعد مضرا وإن لم يتنبه لذلك المتصرف، أو لا يعد كذلك. فهذه اصول الصور. والتحقيق أن يقال: إن الكلام هنا في مقامين: أحدهما: من جهة الحكم التكليفي، وهو الجواز والعدم. فنقول: ظاهر عموم ما دل على التصرف في المال الجواز مطلقا، من دون فرق بين هذه الصور كلها، وعموم (من أتلف شيئا ضمنه) (1) ونحو ذلك لا دلالة فيه على التحريم. والذي يدل على المنع: عمومات الظلم، وعدم جواز التصرف في مال الغير إلا برضاه أو بطيب نفسه (2). ولا ريب أن هذه الصور إنما هو في صورة لا يصدق عليه (التصرف في مال الغير) وإنما الرجل متصرف في ملك نفسه، ولكنه يلزم من ذلك ضرر على جاره، وبعد ملاحظة الأمثلة والفتاوى يظهر ذلك غاية الظهور، فأدلة التصرف في مال الغير لا دخل لها في المقام. نعم، بقي هنا النهي عن الأضرار، ولا يتخيل أنه مختص بعدم كون الضرر ناشئا من التصرف في ملك نفسه ولا ينصرف إلى هذه الصورة، لعموم أدلة الضرر كما عرفته، ولأن رواية سمرة (3) - التي هي العمدة في الباب - واردة في خصوص


بغير اذنه الوسائل 17: 309 الباب 1 من أبواب العضب ح 4. (3) تقدمت في ص، 307.

[ 333 ]

ما كان الضرر ناشئا من تصرف سمرة في ملكه، وهو عذقه في حائط الأنصاري - كما أشار إليه صاحب الكفاية في عبارتها المتقدمة (1) - وتخصيص مورد العام غير جائز. ولكن لقائل أن يقول: ليس الضرر هنا لتصرف سمرة في ملكه، بل إنما هو لتعديه ودخوله من دون إخبار واستئذان، وهذا مما لا دخل له في التصرف في الملك، فلو كان الضرر ناشئا عن تصرفه في ملكه فلا نسلم شمول أدلة الضرر لذلك. ومجمل الكلام: أن النهي عن الضرر ينصرف إلى غير صورة كونه ناشئا عن تصرفه، في ملكه، فدعوى صراحة بعض النصوص غير مسموعة، ومع ذلك كله فالعموم كاف في الشمول، ودعوى الانصراف في غير محلها. وإن لم يكن ناصة في ذلك أيضا فمقتضاها عدم جواز التصرف فيما يضر بالغير، والتعارض بينه وبين عموم التسلط عموم من وجه، والمتجه تقديم جانب التحريم، لما يظهر من الفتاوى ترجيحه، ودلالة استقراء موارد الشرع بذلك، ولأنه: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال) (2) ولأن قاعدة الضرر سارية مسرى العقليات الغير القابلة للتخصيص - فلا تذهل - وقد أوضحنا سبيله سابقا، فراجع. نعم، بقي البحث في أن الصور المذكورة أيها داخلة في عمومات الضرر وأيها خارجة؟ وحيث إن البحث في الحكم التكليفي، فكلما لم يكن المتصرف عالما بأنه مضر فلا تحريم عليه، لأن التكليف فرع العلم، وما كان عالما به فهو حرام. وأما الظن المعتد به بالأضرار فهل يلحق بالعلم أو بعدمه؟ وجهان، والأقوى إلحاقه بالعلم، لأن مدار أمثال هذه الامور على الظن غالبا، والعلم القطعي بأن وقد يقال: إن الأصل عدم الأضرار، وإذا تعارض الأصل والظاهر يقدم ذلك يكون مضرا نادر جدا.


(1) تقدمت في ص: 324. (2) عوالي اللئالي 3: 466، ح 17.

[ 334 ]

الأصل إلا في مواضع شاذة، ومقتضاه الحكم بالجواز ما لم يعلم. ولكن الأول أوفق بالفتاوى وسليقة الفقاهة. ولو ادعينا جريان السيرة على الاجتناب عما يظن فيه الضرر على الغير ظنا يعتد به لم يكن بعيدا. هذا كله مع قطع النظر عن تضرر نفسه ونحو ذلك. وعلى تقدير العلم والظن، فما كان الضرر فيه مستندا إلى شئ يحدث بعد ذلك ولم يكن بالفعل وكان حكميا أيضا - كغرس أشجار مانعة عن الشمس ونحوه أو سارية عروقها إلى الجدار بعد سنين - فلا يعد هذا إضرارا قطعا بحسب العرف، ولا يكون هذا حراما أيضا. وأما ما كان عينيا - كما لو جعل بيته حماما أو حفر بالوعة يضر بعد مضي مدة - فالذي يستفاد من العرف أن هذا أيضا لا يعد إضرارا، فإن الميزان في الأضرار استناده إلى المتصرف، وأما مثل ذلك فلا يستند إليه - وأمثلة الفقهاء أيضا شاهدة على ما قلناه - بل هذا ضرر يحدث بامور اخر ليست حاصلة من فعل المتصرف. وعليك بالتدبر. وأما ما كان من ذلك بالفعل بحيث يستند إلى نفس الفعل - كالضرب المضر بالجدار، والحفر كذلك، وتعلية البناء المانع عن الشمس والقمر والهواء - فالعينية داخلة تحت الضرر والأضرار المحرم بلا كلام. وأما الحكمية ففيه وجهان، والذي يقوى في النظر: أنه أيضا داخل في الأضرار، لصدقه عليه عرفا، وسيرة الناس في ذلك شاهدة. وهذه الصور الداخلة تحت الأضرار مع العلم أو الظن لا كلام في تحريمها إذا لم يكن للمالك حاجة [ في ذلك ] (1) أو كان وتعدى عن قدر حاجته (2) فإن الزائد * عنها يرجع إلى عدم الحاجة في الحقيقة. (هامش) * (2) لا يوجد في (م). (2) في (م): عن قدرها.

[ 335 ]

وأما مقدار الحاجة: فإن كانت الحاجة دفع ضرر، فلا كلام في الجواز، لا لأنه ليس إضرارا، بل لأن منشأ التحريم تقديم قاعدة الضرر على عمومات التسلط، وكما أن الأضرار بالغير حرام فكذا الأضرار على نفسه، فإذا دار الأمر بين إضرار نفسه وغيره - اللازم أحدهما على تقدير الفعل والترك - يبقى عموم جواز التصرف سليما عن المعارض. وأما لو كانت الحاجة جلب نفع ففيه وجهان: من أن عدم النفع يعد ضررا في الجملة، وتعارض أدلة التسلط مع الضرر، فيبقى عموم دليل الانتفاع سالما عن المعارض. ومن أن كونه ضررا ممنوع فلا يعارض ضرر الغير، وعموم الانتفاع ليس إلا أدلة التسلط، ونفي الضرر مقدم عليها - كما مر - والأقوى فيه أيضا المنع. هذا هو (1) الكلام وبالنظر إلى الحكم التكليفي. والمقام الثاني: في حيثية الضمان، وهو الحكم الوضعي. لا ريب أن أسباب الضمان المستفادة من أدلة الضرر المطلقة - على ما قررناه - أو من خصوص الخبرين الناصين على أن (من أضر بشئ من طريق المسلمين فهو ضامن) (2) أو من عموم (من أتلف شيئا ضمنه) - ونحو ذلك - غير مقيد بالعلم وبالجهل وبالظن وعدمه، فلا مدخل لاعتبار العلم ونحو ذلك فيه، بل إنما الميزان حصول السبب بحيث يشمله الدليل ويصدق الأضرار والأتلاف، والعلم والجهل إنما يعتبران للأثم وعدمه، وهذا شئ غير خفي. ولا يخفى على من مارس الفقه أيضا أن إذن الشارع وعدمه غير ملازم للضمان وعدمه، فقد يتحقق الضمان ولو كان مأذونا من الشارع غير آثم، وقد لا يضمن مع كونه آثما غير مأذون، والمدار على حصول ما جعل سببا للضمان. إذا عرفت هذا فنقول: متى ما صدق الأتلاف والأضرار بحفر بئر أو بالوعة أو


(1) في (م): هذا تمام الكلام. (2) تقدما في ص: 301.

[ 336 ]

إرسال ماء أو تأجيج نار أو نظائر ذلك بحيث صار مستندا إلى فعل المكلف وقيل: (إنه أضره وأتلفه) فهو ضامن بمقتضى الأدلة، وهذا لا يتحقق إلا في الأضرار بالفعل، لا فيما يتحقق بعد مدة بواسطة غلبة الماء في البالوعة أو البئر، أ و تعدي عروق الشجر أو نمائه واستعلائه ونحو ذلك، كما مثلناه. وبعبارة اخرى: لا يصدق الأضرار والأتلاف إلا مع صدور ذلك عن فعله بلا واسطة: كضرب مضر على الجدار في (1) حفر البئر القريب منه، أو مع واسطة غير سالبة لاسم الأتلاف، كإرسال الماء وتأجيج النار بحيث يعد عادة إتلافا لمال الجار وداره. وبتقرير آخر: المناط في ذلك: كون الشئ الصادر من المكلف من الامور المعدة للأتلاف والأضرار لو خلي وطبعه عرفا وعادة، لا مثل جعل البيت حماما أو دكان حداد، أو حفر البئر أو البالوعة، أو غرس الأشجار، أو تأجيج النار وإرسال الماء الذي لا يعد في نظر العرف من ذلك، فإن ذلك كله ليس من الأسباب المعدة للأتلاف وإن علم قطعا أنه بعد تحققه ينشأ من ذلك ضرر. ولهذا عبر الفاضلان والشهيد (2) بقولهم: (وإن تضرر صاحبه) أو (وإن استضر الجار) (3) ولم يعبروا بقولهم: (وإن أضر جاره) فتدبر (4). بل وأوضح من ذلك: لو أوقد في بيته أو في سطحه نارا لا يعد ذلك إضرارا عرفا ولم يكن قاصدا بذلك إتلاف مال الجار، لكنه علم أن هذه النار لو بقيت كذلك لطيرها (5) الهواء إلى متاع الجار فلم يطفه حتى أخذها الهواء كم يكن ضامنا


(1) في نسخة بدل (م): و. (2) في (ن): الشهيدان. (4) تقدمت عبائرهم في ص 323، فراجع. (4) العبارة في (م) هكذا: (إذا لم يريدوا بقولهم: (وإن استضر جاره) الضرر الفعلي، لما عرفت، بل....) والسبب في ذلك - كما ذكره في الهامش - أن العبارة في نسخة الأ صل كانت زائلة في الصحافي، فصححه المصحح من حدسه. والصواب ما أثبتناه من (ن).

[ 337 ]

لأنه ليس مستندا إليه عرفا، ولا يعد ذلك إضرارا وإتلافا منه. نعم، لو كان قاصدا ذلك فهو إتلاف فيضمن، وما لم يصدق الأتلاف فلا ضمان، علم أو ظن أو شك، زاد عن قدر الحاجة أو نقص، إذ لا مدخل لشئ من ذلك في باب الضمان، كما قررناه. وليس كل فعل محرم موجبا للضمان، ولا كل فعل جائز مأذون شرعا غير مستعقب للضمان، فإن موارد التخلف كثيرة. هذا ما تقتضيه الاصول والقواعد في هذا الباب. فلو كان ما ذكروه في باب الغصب - من كون التجاوز عن الحاجة وعلم التعدي أو ظنه أو أحدهما فقط موجبا للضمان - تعبديا مجمعا عليه، فلا بحث لنا فيه. وقد يشعر بذلك عبارة الدروس، حيث عدها بعد ذكر الأتلاف والغصب ونحو ذلك من أسباب الضمان، فراجع (1). وإن كان على القاعدة - كما هو الظاهر من كلامهم وتعليلاتهم - فالمتجه اعتبار إدراجه تحت صدق الأتلاف والأضرار. وعلى ذلك ينزل اختلاف تعبيراتهم في اعتبار العلم والظن، والحاجة وعدمها، وعلو الهواء في النار ونحو ذلك، فينزل كل ذلك على المثال ويتحرى الصدق العرفي. ومع الشك أو عدم الصدق يحكم بأصالة البراءة. وأما البحث في جزئيات تعليلاتهم - سيما ما في عبارة المسالك (2) ونحوها - فلا ينفع بعد ما نقحناه في شئ. هكذا ينبغي أن يفهم المقام، ولاحظ عبارة التذكرة المنقولة سابقا (3) وتبصر. وحيث بنينا في الضمان على صدق الأتلاف، لا نفرق بين الحاجة وعدمها، جلب نفع أو دفع ضرر، حتى لو أضر وأتلف مال الغير لدفع ضرر نفسه - كمن ضرب في حفر البئر ضربا خرب جدار الجار - ضمن ولزمه سد ما أضره به وإن


(1) الدروس 3: 107. (2) راجع ص: 326. (3) تقدم نقل عبارتها عن جامع المقاصد في ص: 323.

[ 338 ]

كان حفر البئر 4 لدفع ضرر عن نفسه، عملا بعموم أدلة الضمان. وللبحث في شقوق المسألة وفروعها مجال واسع، وفي تطبيق عبائر أساطين الأصحاب على هذا المرام ينبغي التأمل التام، وقد نبهنا على ما يدل عليه، فإنا لم نخرج في ذلك عن طريقتهم، ولا خالفناهم في منهجهم، وفيما ذكرنا كفاية لمن أعطى النظر حقه. ونحن خرجنا في المقام عن وضع الرسالة، لكثرة الخلط في المقام وعموم البلوى به في الأعصار والأمصار، والله الموفق. z z z

[ 339 ]

(العنوان الحادي عشر) (في قاعدة القرعة دليلا وموردا)

[ 340 ]

عنوان [ 11 ] من جملة الاصول المتلقاة من الشريعة: إعمال القرعة في الامور المشكلة. وتحقيق الكلام في معنى (المشكل) المراد هنا وضبط موارده وتنقيح كلمة الأصحاب - بحيث ينطبق على ضابطة ويقف على رابطة - من المشكلات. فالذي ينبغي هنا البحث عن جميع ذلك، مضافا إلى أحكام لاحقة لنفس القرعة موضوعا وحكما. فنقول: لا كلام في مشروعية القرعة في الجملة، ويدل على ذلك ضروب من الأدلة نشير إليها على سبيل الأجمال: أحدها: قوله تعالى في أحوال يونس النبي - على نبينا وعليه السلام -: فساهم فكان من المدحضين (1). وقد ورد في الأخبار الاحتجاج من (2) الأئمة على شرعية القرعة بهذه الاية (3) ومن هنا يضعف المناقشة في الدلالة بحذافيرها. والمراد بالمساهمة: المقارعة، والمراد بكونه من المدحضين: صيرورته


(2) الصافات: 141. (2) في (ن): عن. (3) مثل مرسل الفقيه، الاتي عن قريب، وموثقة ابن مسكان ومرسلة ثعلبة بن ميمون، الا تيتان في ص: 339 - 340.

[ 341 ]

معلوما بالقرعة ممتازا عن غيره. وأصل الدحض: الزلق، والأدحاض: الأزالة والأبطال. وأصل المعنى: صار من المقروعين المغلوبين المقهورين، كما في المجمع (1). وصورة الواقعة كما في الخبر: أنه عليه السلام لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله - عزوجل - به، فركب في السفينة، فوقفت السفينة، فقالوا: هنا عبد آبق من مولاه، فأقرعوا، فخرجت القرعة على يونس! فرمى بنفسه في الماء فالتقمه الحوت (2). وثانيها: الأخبار القريبة من التواتر، بل هي على حد التواتر. منها: رواية محمد بن حكيم - المروي (3) في الفقيه والتهذيب - عن الكاظم عليه السلام: كل مجهول ففيه القرعة، قلت له: إن القرعة تخطئ وتصيب، فقا ل: كل ما حكم الله به فليس بمخطئ (4). ومنها: المرسل - في الفقيه -: ما تقارع قوم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج لهم (5) المحق. وقال: أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى الله! وذكر الاية (6). ومنها: مرسلة داود بن أبي يزيد - في الكافي والتهذيب - في تعارض البينتين في امرأة واعتدالهما: يقرع بين الشهود، فمن خرج سهمه فهو المحق وهو أولى بهاء (7)


(1) مجمع البحرين 4: 205. (2) انظر البحار 14: 379، باب قصص يونس وأبيه متى. (3) كذا في النسخ، والمناسب: المروية. (4) الفقيه 3: 92، باب الحكم بالقرعة، ح 3389، التهذيب 6: 240، باب البينتين يتقابلان... ح 24. (5) في المصدر: سهم المحق. (6) الفقيه 3: 92، ح 3390 - 3391. (7) الكافي 7: 420 ح 2 التهديب 6: 235 ح 10.

[ 342 ]

ومنها: رواية زرارة - المذكورة فيهما - في تعارض البينتين في مقدار الوديعة الخاصة، عن الباقر عليه السلام أنه قال: اقرع بينهم (2). ومنها: موثقة سماعة - المروية في الفقيه والتهذيبين - في تعارض البينتين في الدابة وفيها: أن عليا أقرع بينهما بسهمين (3). ومنها: رواية ابن سنان في التهذيبين مثله (4). ومنها: صحيحة الحلبي - في التهذيبين - في البينتين أيضا: يقرع بينهم، فأيهم قرع فعليه اليمين، وهو أولى بالقضاء (5). وصحيحة داود بن سرحان مثله (6). وصحيحة البصري - في الكتب الأربعة - كان علي عليه السلام إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم سواء أقرع بينهم على أيهم يصير اليمين. قال: وكان يقول: (اللهم رب السموات السبع، أيهم كان الحق له فأده إليه) ثم يجعل الحق للذي يصير عليه [ اليمين ] إذا حلف (7). ومنها: صحيحة ابن مسلم - في التهذيب والفقيه - عن الباقر عليه السلام في الرجل يوصي بعتق ثلث مماليكه: كان علي عليه السلام يسهم بينهم (8). ورواية أبي حمزة في رجل أوصى إلى ولده بعتق غلام له وتوريث الاخر مثل نصيب الولد مع عدم امتيازهما: أن الصادق عليه السلام أقرع بينهما وحكم بما أخرجته (8)


(1) الكافي 7: 420، ح 2، التهذيب 6: 235، ح 10. (2) الكافي 7: 420، ح 1، التهذيب 6: 235، ح 9. (3) الفقيه 3: 93 ح 3393، التهذيب 6: 334، ح 7، الاستبصار 3: 40، ح 7. (4) التهذيب 6: 236، ح 13، الاستبصار 3: 41 ح 12. (6) التهذيب 6: 235، ح 8، الاستبصار 3: 40، ح 8، وفيهما: وهو أولى بالحق. (6) التهذيب 6: 233، ح 3، الاستبصار 3: 39، ح 3. (7) الكافي 7: 419، ح 3، الفقيه 3: 94، ح 3397، التهذيب 6: 233، ح 2، الاستبصار 3: 39، ح 2. (8) الفقيه 3: 94، ح 3396، التهذيب 6: 240، ح 21. (8) التهذيب 9: 171 باب الاقرار في المرض ح 46.

[ 343 ]

ومنها: رواية الحسين بن المختار - المروي (2) في الكافي والفقيه والتهذيب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، ما تقول في بيت سقط على قوم وبقي منهم صبيان: أحدهما حر والاخر مملوك لصاحبه فلم يعرف الحر من المملوك؟ فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا ونصف ذاك ويقسم المال بينهما، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليس كذلك، ولكنه يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة فهو والحر، ويعتق هذا ويجعل مولى له (3). ومنها: صحيحة حريز - المروية في التهذيب (4) - عن أحدهما عليهما السلام. وصحيحة حماد بن عيسى - المروية في الكافي (5) - كذلك. ومرسلة حريز - المروية في التهذيب - عن أبي جعفر عليه السلام في قضاء علي باليمن في قوم انهدمت عليهم دار لهم فبقي منهم صبيان: أحدهما مملوك والاخر حر، فأسهم بينهما، فخرج السهم على أحدهما، فجعل المال له وأعتق الاخر (6). ومنها: موثقة محمد بن مسلم - المروية في التهذيب - عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت له: أمة وحرة سقط عليهما البيت وقد ولدتا، فماتت الامان وبقي الابنان كيف يورثان؟ قال: فقال: يسهم عليهما ثلاث ولاءا - يعني ثلاث مرات - فأيهما أصابه السهم ورث [ من ] الاخر (7). ومنها: روايته المروية في التهذيب كذلك (1). ومنها: رواية العباس بن هلال - المروية في التهذيب - عن الرضا عليه السلام في


(1) التهذيب 9: 171، باب الأقرار في المرض، ح 46. (2) كذا في النسخ، والمناسب: المروية. (3) الكافي 7: 138، باب ميراث الغرقى، ح 7، الفقيه 4: 308، باب ميراث الغرقى، ح 5660، التهذيب 9: 361، باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم، ح 10. (4) التهذيب 9: 362، ح 12. (5) الكافي 7: 137، ح 4. (6) التهذيب 6: 239، باب البينتين يتقابلان... ح 18. (7) التهذيب 9: 362، باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم، ح 11. (7) المصدر 363 ح 17.

[ 344 ]

سؤال محمد بن علي عليهما السلام عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة عما يقضيان به إذا فقد الكتاب والسنة، وقولهما: نجتهد رأينا، فقال عليه السلام: رأيكما أنتما! فما تقو لان في امرأة وجارية كانتا ترضعان صبيين في بيت فسقط عليهما، فماتتا وسلم الصبيان؟ فقالا: القافة [ قال: القافة ] (2) تلحقهما بهما (3) قالا: فأخبرنا (4) قال: لا. قال ابن داود مولى له: جعلت فداك! بلغني أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (ما من قوم فوضوا أمرهم إلى الله - عزوجل - وألقوا سهامهم إلا خرج السهم الأصوب) فسكت (5). قيل: القافة: جمع القائف، وهو الذي يحكم في النسب بالقيافة (6). واللغة تشهد بذلك (7). وصحيحة الفضيل بن يسار - المروية في الكافي والتهذيب - وروايته المروية في التهذيب والفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام في مولود ليس له ما للرجال وما للنساء، قال: يقرع الأمام أو المقرع، يكتب على سهم (عبد الله) وعلى سهم (أمة الله) ثم يقول الأمام أو المقرع: (اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، عالم الغيب والشهادة، أ نت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، فبين لنا أمر هذا المولود، كيف يورث ما فرضت له في الكتاب) ثم يطرح السهمان في سهام مبهمة، ثم تجال السهام على ما خرج ورث عليه (8). ومنها: مرسلة ثعلبة - المروية في الكافي والتهذيب - عن أبي عبد الله عليه السلا م قال سئل عن مولود ليس بذكر ولا انثى ليس له الا دبر كيف يورث قال؟


(1) المصدر: 363، ح 17. (4) لم يرد في (ن، ف). (4) كذا في النسخ، لكن في التهذيب والوسائل: القافة يتجهم منه لهما. (4) كذا في (م) والمصدر، وفي (ن): قالا: قد خربنا، وفي (ف): قد خبرنا، وفي نسخة ا خرى: قد ضربنا. (5) التهذيب 9: 363، ح 18. (6) في (م) زيادة: قلت. (7) انظر مجمع البحرين 5: 110 - قوف. (8) الكافي 7: 158، ح 2، التهذيب 9: 356، باب ميراث الخنثى و... ح 7. الفقيه 4: 329، باب ميراث الخنثى، ح 5705، التهذيب 6: 239، باب البينتين يتقابلان... ح 19.

[ 345 ]

يجلس الأمام ويجلس عنده ناس من المسلمين، فيدعون الله، وتجال السهام عليه أي ميراث يورثه، أميراث الذكر أو ميراث الانثى؟ فأي ذلك خرج عليه ورثه. ثم قال: وأي قضية أعدل من قضية تجال عليه؟ - وذكر الاية - قال: وما من أمر يختلف فيه إثنان إلا وله أصل في كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرجال (1). ومنها: موثقة ابن مسكان - المروية في التهذيب - مثل المرسلة، إلى آخر الاية (2). ورواية إسحاق في التهذيب مثل ذلك (3) ورواية السكوني في الكافي كذلك (4). ومنها: صحيحة الحلبي - في التهذيب - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا وقع العبد والحر والمشرك بامرأة في طهر واحد فادعوا الولد اقرع بينهم، وكان الولد للذي يخرج سهمه (5). وصحيحة محمد بن مسلم والحلبي في الكافي مثل ذلك (6). ومنها: ما في صحيحة أبي بصير - المروية في كتب الأخبار - أنه لما أخبر علي عليه السلام بعد قدومه من اليمن بأنه أسهم بين قوم اليمن بأنه أسهم بين قوم ادعوا ولدا وطئوا أمة في ط طهر واحد، قال النبي صلى الله عليه وآله: ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله - عزوجل - إلا خرج سهم المحق (7). ومثله مرسلة عاصم، المروية في التهذيبين (8). ومنها: صحيحة معاوية بن عمار - المروية في الفقيه والتهذيب - عن أبي


(1) الكافي 7: 158، ح 3، التهذيب 9: 357، ح 9. (3) التهذيب 9: 357، ح 10. (3) التهذيب 9: 356، ح 8. (4) لم نقف في الكافي على رواية للسكوني كذلك، بل رواه عن (إسحاق الفزاري) - مثل التهذيب، إلا أن فيه (المرادي) بدل (الفزاري) - انظر الكافي 7: 157، ح 1. (6) التهذيب: 6: 240، باب البينتين يتقابلان... ح 26. (6) الكافي 5: 490. (7) الفقيه 3: 94، باب الحكم بالقرعة، ح 3399. (8) التهذيب 6: 238، ح 16، الاستبصار 3: 369، باب القوم يتبايعون الجارية.. ح 6، رواه مسندا.

[ 346 ]

عبد الله عليه السلام قال: إذا وطئ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعو ه جميعا أقرع الوالي بينهم، فمن قرع كان الولد ولده (1). ومنها: صحيحة سليمان بن خالد - المروية في التهذيب - عن أبي عبد الله عليه السلام قبل أن يظهر الأسلام - فأقرع بينهم وجعل الولد لمن قرع، وجعل عليه ثلثي الدية للاخرين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بدت نواجذه. قال: وما أعلم فيها شيئا إلا ما قضى علي عليه السلام (2). ومنها: صحيحة الحلبي، عن الصادق عليه السلام قال: إذا وقع المسلم واليهودي والنصراني على المرأة في طهر واحد اقرع بينهم، وكان الولد للذي قضته القرعة (3). ومنها: رواية سيابة وإبراهيم بن عمر - في التهذيب - في رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فورث ثلاثة، قال: يقرع بينهم، فمن أصابته القرعة اعتق. قال: والقرعة سنة (4). وصحيحة الحلبي فيمن قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فورث سبعة جميعا، قال: يقرع بينهم، ويعتق الذي خرج سهمه (5). ورواية [ محمد بن ] مروان - في التهذيب والكافي - عن أبي عبد الله (6) قال: إن أبا جعفر عليه السلام مات وترك ستين غلاما وأعتق ثلثهم، فأقرعت بينهم، فأعتقت عشرين (7).


(1) الفقيه 3: 92، ح 3392، التهذيب 8: 169، باب لحوق الأولاد بالاباء، ح 14. (2) التهذيب 8: 169، ح 15. (3) التهذيب 9: 348، باب ميراث ابن الملاعنة، ح 33، وفيه: للذي تصيبه القرعة. (4) التهذيب 6: 239، باب البينتين يتقابلان... ح 20. (5) الفقيه 3: 94، باب الحكم بالقرعة، ح 3395. (6) في المصدرين: عن الشيخ. (7) الكافي 7: 18، باب من أوصى بعتق... ح 11، التهذيب 6: 240، باب البينتين يتقابلان... ح 22، باختلاف في بعض الألفاظ.

[ 347 ]

ومنها: روايته أيضا، عنه عليه السلام مثله (1). ونحوهما رواية اخرى في التهذيب (2). ومنها: صحيحة محمد بن عيسى - في التهذيب - عن الرجل نظر إلى راع نزا على شاة؟ قال: إن عرفها ذبحها وأحرقها، وإن لم يعرفها قسمها نصفين أبدا حتى يقع السهم بها فتذبح وتحرق وقد نجت سائرها (3). ومنها: رواية يونس - المروية في الكافي - في رجل قال لمماليكه: أيكم علمني آية من كتاب الله فهو حر، وعلمه واحد منهم، ثم مات المولى ولم يدر أيهم الذي علمه الاية، هل يستخرج بالقرعة؟ قال: نعم، ولا يجوز أن يستخرجه أحد إلا الأمام، فإن له كلاما وقت القرعة (4) ودعاء لا يعلمه سواه ولا يقتدر عليه غيره (5). ومنها: مرسلة حماد - المروية في التهذيب - عن أحدهما عليهما السلام قال: القرعة لا تكون إلا للأمام (6). ومنها: ما روي أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد في مرض موته ولا مال له غيره، فلما رفعت القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قسمهم بالتعديل وأ قرع بينهم، وأعتق اثنين بالقرعة (7). وروي: أن النبي صلى الله عليه وآله أقرع بالكتابة على الرقاع (8).


(2) انظر الفقيه 4: 215، باب الوصية بالعتق... ح 5503. (2) لعل مراده ما رواه في التهذيب 6: 240، ح 21. (3) التهذيب 9: 43، باب الصيد والزكاة، ح 182. (4) في المصدر: فان له كلام وقت القرعة يقوله. (5) الكافي 6: 197، كتاب العتق والتدبير، ح 14. (6) التهذيب 6: 240، باب البينتين يتقابلان... ح 23. (7) نقله السيد ابن طاووس قدس سره عن حلية أبي نعيم، انظر الأمان: 83. (8) لم نعثر عليها، وقد نقلها المحقق النراقي قدس سره ولم يذكر مأخذها، انظر عوا ئد الأيام: 226.

[ 348 ]

وروي أيضا: أنة أقرع في بعض الغنائم بالبعرة (1) وأنه أقرع مرة اخرى بالنوى (2). ومنها: صحيحة جميل - في التهذيب - قال: قال الطيار لزرارة: ما تقول في المساهمة أليس حقا؟ فقال زرارة: بل هي حق، فقال الطيار: أليس قد ورد (3) أنه يخرج سهم المحق؟ قال: بلى، قال: فقال: تعال حتى أدعي أنا وأنت شيئا، ثم نساهم عليه وننظر هكذا هو! فقال زرارة: إنما جاء الحديث بأنه (ليس قوم فوضوا أمرهم إلى الله تعالى ثم أقرعوا إلا خرج سهم المحق) فأما على التجارب فلم يوضع على التجارب، فقال الطيار: أرأيت إن كانا جميعا مدعيين ادعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم أحدهما؟ فقال زرارة: إذا كان كذلك جعل (4) سهم مبيح، فإن كانا ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح (5). ومنها: رواية أبي بصير - المروية في الكافي والتهذيب - في قضية شاب خرج أبوه مع جماعة، ثم جاؤا وشهدوا بموته - في جملة قضايا أمير المؤمنين عليه السلام - واختلف الفتى والقوم في مقدار المال، فأخذ علي عليه السلام خاتمه وخواتيم من عند ه، ثم قال: أجيلو بهذه السهام، فأيكم أخرج خاتمي فهو صادق في دعواه، لأنه سهم الله، وسهم الله لا يخيب (6). ومنها: رواية أصبغ بن نباتة - المروية في الكافي في قضية الشاب - وهي مثل السابقة (7). وثاليها الاجماعات المنقولة على مشروعيتها (8) في الجملة.


(1 و 2) لم نعثر عليهما، وقد نقلهما المحقق النراقي ولم يذكر مأخذهما، انظر عوائد الأيام: 226. (3) في المصدر: رووا. (4) في المصدر: إذا كان ذلك جعل معه... (5) التهذيب 6: 238، باب البينتين يتقابلان... ح 15. (6) الكافي 7: 371، كتاب الديات باب النوادر، ح 8، التهذيب 6: 316، باب الزيادات في القضايا والأحكام، ح 82. (7) الكافي 7: 373، ح 9. (8) في النسخ مشروعيته والمناسب ما أثبتناه كما في نسخة بدل م

[ 349 ]

وعن الخلاف: الأجماع - ظاهرا - على أن كل أمر مجهول فيه القرعة. وقال في مسألة تقديم الأسبق ورودا من المدعيين - كما حكي عنه -: إن القرعة مذهبنا في كل أمر مجهول (3). وفي قواعد شيخنا الشهيد قدس سره: ثبت عندنا قولهم: كل أمر مجهول فيه القرعة (4). وهو ظاهر في الأجماع. وعن بعض المتأخرين إسناد (أن القرعة في كل أمر مجهول) إلى رواية أصحابنا (5). ورابعها: الأجماع المحصل من تتبع الفتاوى، بحيث لا يبقى فيه شك للفقيه في كون العمل بالقرعة من الاصول الشرعية في المجهولات في الجملة، بل مطلقا. ولنذكر الموارد التي عملوا فيها بالقرعة باتفاق منهم أو خلاف، حتى ينكشف (6) الأمر غاية الانكشاف. فنقول: عمل بها الأصحاب في أئمة الجماعة مع عدم المرجح، وفي اشتباه القبلة عند ابن طاووس (7) وفي قصور المال عن الحجتين - الأسلامية والنذرية - وفي إخراج الواحد من المحرمين للحج نيابة، وفي اختلاف الموتى في الجهاد، وفي تزاحم الطلبة عند المدرس والمستفتي أو المترافعين إلى المجتهد مع عدم السابق، وفي القسمة، وفي التزاحم على مباح أو مشترك - كمعدن ورباط - مع


(1) في النسخ: مشروعيته، والمناسب ما أثبتناه، كما في نسخة بدل (م). (2) المبسوط 8: 306، كتاب الدعاوى والبينات. (3) الخلاف 3: 319، آداب القضاء، المسألة 32. (4) القواعد والفوائد 2: 183، القاعدة 213. (5) نقله المحقق النراقي قدس سره عن بعض متأخري المتأخرين ولم يصرح باسمه أيضا، انظر عوائد الأيام: 227. (6) في (ن، ف): يتضح. (7) الأمان من أخطار الأسفار والأزمان: 81.

[ 350 ]

عدم قبوله القسمة، وفي المأذونين في شراء كل منهما صاحبه، وفي صورة تساوي بينتي الخارجين، وفي تلف واحد من دراهم أحدهما لواحد والباقي للاخر وديعة، وفي تنازع صاحب العلو والسفل في السقف المتوسط وفي الخزانة تحت الدرج، وفي بينتي المتزارعين إذا تعارضتا في المدة والحصة، وفي الوصية بالمشترك اللفظي، وبالثلث من العبيد أو العدد المبهم، وفي الوصية بما لا يسعه الثلث مع العلم بالترتيب والشك في السابق أو مع الشك في السبق والاقتران، وفي ابتداء قسمة الزوجات، وفي حق الحضانة، وفي عوز النفقة على المنفق عليهم، وفي إخراج المطلقة، وفي إخراج المشتبه مطلقا أو إذا مات ولم يعين، وفي إخراج المنذور عتقه بقوله: (أول ما تلده) فولدت جماعة، وفي إخراج مقدار الثلث مع تعدد المدبر، وفي المتداعيين في الالتقاط أو في بنوة اللقيط، أو في الأقرار، وفي تساوي البينتين في اللقطة، وفي اشتباه موطوء الأنسان، وفي تعدد السيف والمصحف في الحبوة، وفي ميراث الخامسة مع المشتبهة بالمطلقة، وفي ميراث الخنثى في قول ومن ليس له فرج على الأشهر، وغير ذلك مما يطلع عليه المتتبع. ولا يبقى مع ذلك شك في كونها متفقا عليه في الجملة، وإنما البحث في عموم حجيتها وضبط موردها. فنقول: الذي يدل على حجيتها بعنوان العموم في كل مجهول الأجماع المنقول عن الشيخ في الخلاف (1) وعن الشهيد في القواعد (2) ورواية ابن حكيم السابقة الدالة على أن القرعة لكل مجهول (3) ومرسلة الفقيه: (ما تقارع قوم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم المحق) (1) ومثله رواية ابن هلال السابقة (2) وصحيحة


(2) الخلاف 3: 356، كتاب الدعاوي والبينات، المسألة 10. (2) القواعد والفوائد 2: 183، القاعدة 213. (3) تقدمت في ص: 336. (4) تقدمت في ص 341. (5) تقدمت في ص 343.

[ 351 ]

أبي بصير (3) ومرسلة عاصم (4) وجواب زرارة للطيار في صحيحة جميل (5). فإن ظاهر ذلك كله: أن كل مقام فرض فيه اختلاف في شئ إذا اقرع فيه فعلى الله أن يبين فيه الواقع ويحكم بالعدل، إذ لا يكون اختلاف بين اثنين إلا ويكون هناك مبطل ومحق لا محالة وإن كان خارجا عن هذين الاثنين، والغرض وجود المحق والمبطل في الجملة لا في خصوص المتنازعين. فإذا تحقق وجودهما، فمقتضى الرواية: كون القرعة مبينة لذلك ومميزة بين الحق والباطل بجعل الحكيم على الأطلاق، وكل ما هو كذلك فهو حجة. ويدل على ذلك ما ينقلونه بطرق العامة: (أن القرعة لكل أمر مشتبه) (6) كما في رواية، أو (لكل أمر مشكل) كما في اخرى (7). ويكفي في إثبات حجية هذه العمومات تلقي الأصحاب لها بالقبول، وتمسكهم بها في هذه الموارد التي عددناها لك وإن كان كثيرا منها غير خال عن النص الخاص. لكن الظاهر من تعليلاتهم كون هذه العمومات مظنونة الصدور بل مقطوعا بها في الجملة من الشارع، وهذا يكفي في حجيتها وإن ضعف السند بحسب رجاله أو إرساله. ويدل على عموم حجيتها لكل مشتبه: أنه لو لم يكن القرعة فيه حجة لم يكن غيرها أيضا حجة قطعا، إذ الفرض أن الواقعة مشكلة، ومعنى الأشكال: عدم وجود مخرج شرعي وسبيل لذلك - كما نوضح ذلك إن شاء الله تعالى - واللازم من ذلك تعطيل الحكم في موارد الاشتباه التي نعمل فيها بالقرعة، وهو مستلزم للهرج والمرج الواضحين المنافيين لحكمة الشارع، فلا بد في ذلك من سبيل واضح،


(2) تقدمت في ص: 336. (2) تقدمت في ص: 338. (5) تقدمت في ص: 340. (5) تقدمت في ص: 340. (5) تقدمت في ص: 343. (6) لم نظفر عليه، والظاهر عدم ورود عنوان (المشتبه) في روايات الخاصة والعامة. (7) لم نظفر عليه أيضا، إلا أن البخاري عبر به في عنوان بابها، قال: (القرعة في المشكلات) انظر صحيح البخاري 3: 237.

[ 352 ]

وليس إلا القرعة. مضافا إلى أن استقراء موارد النصوص المذكورة سابقا وغيرها - مما يقف عليها المتتبع - يرشد إلى أن الوجه في ذلك كله لزوم الأشكال وعدم وجود مخلص في ذلك، وأنه العلة في إعمال القرعة، وأنه لولاها لزم تعطيل الأحكام فيما لا يمكن فيه التعطيل. ولذلك قدم في الروايات كل ما يمكن أن يكون طريقا لبيان الحكم - كما في الخنثى ونظائره - فالقرعة إنما هي بعد انسداد طريق الأمر المجهول وعروض الأشكال والاشتباه، وبعد ذلك لا يتفاوت الأمر بين المنصوص وغيره، إلحاقا للمشكوك بالغالب، أو ادعاءا لتنقيح المناط بينه وبين ما ورد فيه النص. والحاصل: أن المسألة لا إشكال فيها في نظر الفقيه، وإنما الغرض تخريج الوجوه حتى لا يتخيل كونها من دون ضابطة. وإذا عرفت عموم حجيتها في كل أمر مشتبه فلا بد من بيان المراد من ذلك حتى يجعل معيارا في المقام، ثم بعد ذلك نعود إلى ما ذكروه من خروج بعض الموارد عنها وعدم كونها على عمومها. ونبين: أنه هل هو تخصيص للقاعدة أو اختصاص من أول الأمر؟ فنقول - وبالله التوفيق -: إن المراد من (المشكل) و (المشتبه) و (المجهول) واحد، وهو كونه كذلك من حيث هو كذلك، بمعنى: كون الشئ مشتبها لا سبيل إلى رفع ذلك بطريق معتبر شرعا حتى يكون مخرجا للحكم في تلك الواقعة، فمتى كان له سبيل مثبت لم يكن ذلك من الأشكال والاشتباه في شئ، بل هو معلوم بالمآل وإن كان مشكلا ابتداءا، وهذا هو مقتضى النصوص ومؤدى النظر السليم. فنقول: المشتبهات التي لها مدخل في الحكم الشرعي امور: أحدها: شبهة الحكم الشرعي، بمعنى: أن يكون شئ لم يعلم من الشريعة حكمه، لأعواز النصوص بالعموم والخصوص من كتاب أو سنة، ولم يكن مما

[ 353 ]

يستقل به العقل ولا مما انعقد عليه الأجماع، ولا فرق في ذلك بين كون الحكم الشرعي تكليفيا أو وضعيا من سببية أو جزئية أو مانعية أو نحو ذلك. وثانيها: شبهة الموضوع المستنبط من اللغة والعرف، بمعنى: أن يقع لفظ في كلام من يعتبر قوله في الحكم الشرعي ابتداءا - كالكتاب والسنة - أو بواسطة إمضاء الشرع - كما يصدر عن المكلفين في معاملاتهم، وغير ذلك - بحيث يصير الحكم منوطا بمعرفة معنى ذلك اللفظ، كما في الوصية والأقرار والعقود ومتعلقاتها. وبالجملة: شبهة حاصلة في معنى اللفظ لغة أو عرفا أو اصطلاحا، حتى يحمل كلام قائله عليه ويتضح المراد من ذلك ويلحقه حكمه. وثالثها: شبهة الموضوع الصرف، بمعنى: أن بعد ثبوت الحكم من الشارع للعناوين العامة المعلومة بمفاهيمها ومعانيها وقع الاشتباه في أن هذا الفرد الموجود المشخص في الخارج هل هو من أفراد ذلك الكلي أم غيره؟ بحيث لو اتضح اندراجه تحت أحدهما لاتضح الحكم من دون حاجة إلى أمر آخر. ولكل من هذه الصور المفروضة في الاشتباه صور عديدة ليست مناطا في هذا المقام، وإنما الغرض الأشارة إلى ذلك تنقيحا لمورد الدليل. إذا عرفت ذلك فنقول: لا ريب أن شبهة الحكم ليست داخلة تحت (المشكل) المذكور في رواية القرعة، إذ لا إشكال في الأحكام الشرعية بعد ملاحظة أدلتها والاصول المقررة المعتبرة في مقام الشبهات، فإنها رافعة لذلك. فلو كان شئ مشتبها حكمه، فلا ريب أنه إما داخل في عنوان أصالة الأباحة، أو البراءة، أو الاستصحاب، أو أصالة العدم، أو غير ذلك، أو قاعدة الاحتياط على مذهب من يعمل به على الأطلاق أو في مقامات خاصة. وكذلك الأحكام الوضعية، فإنها أيضا منقحة بعد ملاحظة أصالة الفساد، أو أصالة العدم، أو قاعدة الاشتغال، أو نحو ذلك، فإنا لم نجد - بعون الله تعالى - شيئا

[ 354 ]

يشتبه فيه نفس الحكم الشرعي ولا مخرج له من الشرع معتبر حتى يعتمد عليه - وذلك واضح - فلا وجه لأعمال القرعة في ذلك، لأنه ليس بمشكل، فلا تذهل. ومن هنا قال الشهيد في القواعد: ولا يستعمل في الفتاوى والأحكام المشتبهة إجماعا (1). والسر فيه ما ذكرناه، وليس ذلك تخصيصا لقاعدة القرعة، بل إنما هو اختصاص وعدم شمول من أصله. لا يقال: أي فرق بين أدلة أصل البراءة المعلقة للحكم بالبراءة على كون الشئ مجهولا أو مما لا يعلم أو مما لا دليل عليه، وبين أدلة القرعة، بل الحق أنهما من واحد، فكأنه قال: (كل مجهول يبنى فيه على البراءة) و (كل مجهول يعمل فيه بالقرعة) فتقديم دليل البراءة على القرعة حتى يكون ذلك رافعا للأشكال مخرجا للفرض من موضوع مسألة القرعة خال عن الوجه. لأنا نقول: إن هذا الكلام مندفع من وجوه: أحدها: أنه على فرض تسليم كون الحكم معلقا على (المجهول) في المقامين أن أدلة البراءة أخص مطلقا من أدلة القرعة، لعمومها للموضوع والحكم وما هو مورد للبراءة وغيره، ومقتضاه تقديم الخاص على العام، فيصير المعنى: كل مشكل فيه القرعة إلا ما يجري فيه البراءة. ولو فرض ورود هذا الأشكال على دليل القرعة بالنسبة إلى الأدلة والاصول الاخر أيضا - كالاستصحاب وأصالة العدم والاحتياط ونحو ذلك - فيجاب أيضا بذلك، لأن كلا من هذه الاصول المعمولة في موارد الشك والشبهة أخص من عموم دليل القرعة، فلا تذهل. وثانيها: أن الحكم في دليل أصل البراءة لم يعلق على (المشكل) و (المجهول) و (المشتبه) بل إنما علق بما لم يرد فيه أمر ولا نهي أو بما لا يعلمون ونحو ذلك، وهذا غير معنى الأشكال، فنقول في مورد من موارد شبهة الحكم أنه


(1) القواعد والفوائد 2: 23.

[ 355 ]

يصدق عليه أنه مما لم يرد فيه أمر ولا نهي أو مما لا يعلم، فيجري فيه الأصل ويخرج عن الأشكال، فلا وجه للقرعة، وفرق واضح بين كون الحكم معلقا على (المشكل) أو على (كونه مما لا يعلم) ونحو ذلك، وذلك واضح عند من له دربة (1) في فهم العناوين وتبعية الأحكام للأسماء والموضوعات. وثالثها: أن الظاهر من قوله: (كل أمر مشتبه) (2): إرادة الموضوع دون الحكم، فلا يشمل الشبهة في نفس الحكم الشرعي وإن كان لفظ (الأمر) أعم، إلا أن في انصرافه في ذلك المقام إليه تأملا ظاهرا، فتأمل. ورابعها: أن غاية ما يقال: ورود طريقين في بيان الحكم المشتبه، ولا ريب أن العمل بالبراءة أوفق بالشريعة السهلة السمحة. ولو فرض في العمل بالأصل لزوم تكليف - كما يتفق في الاستصحاب وقاعدة الشغل - فنقول: قيام الأجماع على ذلك - كما ذكرناه - يرجح كون الطريق الأصل، لا القرعة. وبالجملة: فالمقام أوضح من أن يحتاج إلى النقض والأبرام، فالاشتغال بالأهم أولى. وأما شبهة الموضوع المستنبط، بمعنى: الأجمال في مؤدى اللفظ، فهو أيضا ليس داخلا تحت (الأمر المشتبه) الذي هو مورد القرعة، لأن لمعرفتها طرقا مقررة من الرجوع إلى العرف أو اللغة وإلى الامارات، وفي مقام التعارض إلى الى القرعة فنحن أيضا كذلك جريا في ذلك على طريقة لسان القوم في معرفة معاني الالفاظ ولا يبقى فيه بعد ملاحظة الاصول المعمولة في مباحث الالفاظ


(1) في محتمل (م): درية. (2) تقدم منا عدم وروده في لسان دليل، راجع ص: 346.

[ 356 ]

المتلقاة من طريقة أهل اللسان مشتبه حتى نحتاج فيه إلى إعمال القرعة، ولو فرض فيه أيضا إجمال مطلق لا يمكن كشفه بأحد من الطرق فالمرجع فيه أيضا الاصول الحكمية الجارية بالنسبة إلى الأحكام المتعلقة بها: من اشتغال أو براءة أو استصحاب أو غير ذلك، وقد حققنا ذلك في ضابطة من ضوابط تبعية الأحكام للأسماء، فراجع (1) وتدبر. وأما شبهة الموضوع الصرف: فلا ريب أنه يتصور لها صور: أحدها: ما يكون من مجاري أصل من الاصول الشرعية من: أصالة الأباحة أو البراءة أو الاستصحاب أو نحو ذلك - كما ذكره الاصوليون في مباحث أصل البراءة وغيرها، ودلت عليه الروايات في ذلك الباب - فلا كلام في خروجه أيضا عن (الأمر المشتبه) نظير ما قررناه في شبهة الحكم الشرعي. ومن ذلك يظهر عدم جريان الحكم بالقرعة في الشبهة المحصورة، لبناء الحكم فيها على قاعدة الاشتغال على ما نختاره، أو على البراءة كما عليه آخرون، وكذلك في غير المحصورة للبناء فيه على البراءة [ مطلقا ] (2). ولا يرد علينا نقض في هذا المقام من حيث الفتوى والنص غالبا، إذ الموارد التي ذكرناها ليس فيها حكم بالقرعة في كلمة الأصحاب ولا في الأخبار في موضع يجري فيه الأصل. والذي يرد علينا في ذلك شئ من جهة النص أو الفتوى هو (3) صحيحة محمد ابن عيسى في التهذيب - المتقدمة (1) - حيث دلت على إعمال القرعة في شاة موطوءة مشتبهة في قطيع، فإن مقتضى القواعد أن يقال: إن كانت القطيع غير محصورة عادة عدم التجنب مطلقا - كما في نظائره - وإن كانت محصورة يجب الاجتناب - كما في سائر الشبه المحصورة - فما معنى القرعة؟


(1) راجع ص: راجع العنوان 6، الضابطة 4 ص: 218 - 225. (2) لم يرد في (م). (3) في (ن): وهو. (4) تقدمت في ص 347.

[ 357 ]

قلت: أولا نقول: إن هذه الرواية محمولة على القطيع الغير المحصور عادة فتنزل على الاستحباب وطيب النفس ودفع النفرة. وثانيا: على فرض الانحصار هذه الرواية أخص من قاعدة الاشتغال وأدلة اجتناب الشبهة المحصورة، فيعمل بها في هذا المورد الخاص، ولا يلزم من ذلك اطراده في سائر المقامات. وثالثا نقول: يمكن دعوى الفرق بين هذه الشبهة المحصورة وغيرها بأن الاحتراز عن القطيع بمجرد العلم بكون واحدة منها (2) موطوءة مستلزم لتضيع المال وموجب للمشقة، وهذا الوجه في الحقيقة بيان لحكمة النص، فلا يلزم من ذلك إعمال القرعة في كل ما هو كذلك. ومن هنا يعلم: أن القول بالقرعة في الشبهة في الموضوع والحلال المختلط بالحرام - كما حكي عن بعض الاصوليين (3) - قول مرغوب عنه جدا، إذ لا دليل على إعمال ذلك بعد قيام الأدلة على لزوم الاجتناب. فإن قلت: قد ذكرت أن ما لم يكن له طريق شرعي فهو داخل تحت (المشكل) والفرض أن الموضوع المشتبه بنفسه لا سبيل إلى معرفته، فينبغي فيه إعمال القرعة، فمتى عملت فيه ذلك تعين الحرام، فخرج عن مجرى قاعدة الشغل ونحوها. قلت: هذا اشتباه في معرفة محل البحث، فإن كلامنا الان في المشتبه الذي لا إشكال في ذاته، ولا داعي إلى تميزه غير معرفة الحكم، ولذا عبرنا في أصل العنوان بكونه من مجاري الاصول، ولا ريب حينئذ أن الموضوع بنفسه ليس


(1) تقدمت في ص: 342. (2) منها: ليست في (ن، ف). (3) لم نقف عليه في الاصوليين، إلا أن المحقق القمي قدس سره بعد أن عدها قولا في ا لمسألة، نقل عن العلامة المجلسي قدس سره كلاما - في أربعينه - يدل على ميله إليه وأنه مختار بعض الأصحاب، راجع القوانين 2: 27.

[ 358 ]

لمعرفته حاجة حتى يدخل في عموم (المشكل) وإنما المقصود معرفة حكمه لامتثال التكليف، وهو منقح بالأصل المعتمد، فلا وجه لأعمال القرعة أصلا. نعم، لو اتفق أن الحاجة دعت إلى معرفة نفس الموضوع بحيث لا يمكن اندفاعها إلا بمعرفتها فنحن نقول في ذلك بإعمال القرعة، ولنوضح ذلك في المثال السابق. فنقول: حكم الشاة الموطوءة - مثلا - لزوم الاجتناب، وكذا المشتبه به إذا كان محصورا، فلا إشكال من هذه الحيثية. نعم، لو نذر أحد الصدقة بإحدى هاتين الشاتين أو كان إحداهما مال الغير فدعى (1) الحاجة إلى تعيين الموطوءة منهما حتى يلزم بقيمتها (2) على قاعدة الضمان ولا يمكن التخلص إلا بالمعرفة، فنقول: يمكن حينئذ إجراء القرعة. وكذا لو اشتبهت أجنبية باخت الرجل، فلا إشكال من حيث الحكم، فلا يجوز عليه نكاح واحدة (3) منهما. ولو مات الرجل والوارث الاخت اعمل القرعة حتى يتميز. وما ذكرناه تنظير حتى يعرف أن المراد من الأشكال في الموضوع أي شئ، والفقيه بعد التنبيه يقدر على استخراج الفروع وتميز (4) المقامات. وثانيها: ما لم يكن مجرى أصل من الاصول العملية، لكنه قام الدليل فيه على الأخذ بأحد الطرفين أو الأطراف، كما ورد في تراجيح (1) أئمة الجماعة، وتقديم السابق في المرافعة أو الاستفتاء، أو في المزاحمة على المباح، وفي تراجيح (2) البينات، وتقديم قول ذي اليد، والعمل ببينة الخارج، وما ورد في تفسير (الشئ) و (الجزء) ونحوهما في الوصية - فإنها وإن لم يكن فيها إشكال من جهة إطلاق


(2) في هامش (م): فدعت، خ ل. (2) في غير (م): تعيين الموطوء حتى يلزم بقيمته. (3) في غير (م): نكاح شئ منهما. (4) كذا في النسخ، والصواب: تمييز. (5 و 3) في م ترجيح.

[ 359 ]

اللفظ، لكن يجئ الأشكال لو علم قصد الموصي بها أمرا معينا عنده مشتبه عندنا، فإن هذه الصورة أيضا داخلة تحت النص والفتوى - وفي أمارات الخنثى ونحوه، والعمل بالأقرار وغيره من المثبتات شرعا، ولا يخفى انتشارها في أبواب الفقه لمن له أدنى تتبع وممارسة. وهذا القسم أيضا خارج عن مورد القرعة، إذ مع وجود الدليل على الأخذ بأحد الجوانب يخرج الموضوع عن حيز الأشكال ويدخل في الواضحات. ووجه تقديم ذلك كله على القرعة كون أدلتها أخص من دليل القرعة مطلقا، فتقدم عليه (3) على القاعدة، وغير ذلك من الوجوه الاخر - التي ذكرناها في وجه تقديم البراءة على القرعة في شبهة الحكم، وغيرها من الاصول - (4) آتية في هذه المقامات لا نطيل بها، وإنما (5) الغرض التنبيه للفقيه النبيه. وثالثها: ما لم يكن فيه دليل قائم على ذلك حتى يتضح به الأمر، سواء لم يرد في أصل الشرع فيه ترجيح وبيان، أو ورد من الشرع علائم وأمارات ومثبتات، ولكن فقدت في الواقعة الخاصة، والمفروض تعلق الغرض بهذا الموضوع (6) المبحوث عنه بحيث يلزم من عدم امتيازه اختلال النظام والهرج والمرج، وينجر بقاؤه في الجهالة إلى تعطيل الأحكام وإثارة الفتنة والفسا المطلوب حسم مادتها في الشريعة، بل ليس المقصود منها في نحو المقام إلا ذلك. فهذا هو (الأمر المشكل) الذي يتبع فيه القرعة ويعمل بها حتى يتبين الحق ويدحض الباطل ويصل كل ذي حق (1) إلى حقه على ما في علم الله تبارك وتعالى. وجعل هذه الطريقة لطف عظيم حاسم لمادة الجدال والنزاع من أصله، إذ لا يرد في ذلك شئ، ولا يمكن أن يتكلم فيه متكلم، لاستلزام الرد في هذا المقام


(1 و 3) في (م): ترجيح. (3) في هامش (م): عليها، ل. (4) في (م) زيادة: فانه. (5) في (م): إذ الغرض. (6) في (ف، م): زيادة: و. (5) في النسخ كل ذو حق وهو سهو.

[ 360 ]

المحادة مع الملك العلام، وهو مخرج لفاعله عن ربقة الأسلام. وأنت إذا تأملت في موارد النصوص السابقة وفي مقامات عمل أصحابنا - قدس الله أنفاسهم الزكية - ترى أن عملهم في مثل المقام على نحو ما حررناه لك (2 وكذلك موارد النصوص. ومن ذلك كله ظهر [ لك ] (3) أن دليل القرعة مما لم يرد عليه تخصيص في مقام من المقامات، وما توهمه بعض القاصرين! من خروج هذه الموارد التي ذكرناها عن عموم دليل القرعة بإجماع أو نحوه ناش عن عدم التأمل في أطراف المقام، فإن ذلك كله خارج عن (الأمر المشكل) وعلى ما ذكرناه فليس أمر مشكل إلا وفيه القرعة، وكل ما فيه مخرج شرعي فهو خارج عن (المشكل). وبقي هنا كلام: وهو أن الأمر المشتبه قسمان: أحدهما: ما كان مشتبها ظاهرا وواقعا كما في إمام (4) الجماعة - إذ لم يدل دليل على استحقاق أحد منهما (5) في الواقع حتى يكون الاشتباه ظاهريا - وقصور المال عن الحجتين، وتعدد المحرمين نيابة عن واحد، وفي المتزاحمين في مباح أو مشترك أو عند مدرس أو حاكم، وفي الوصية بثلث العبيد بالعتق أو العدد المبهم، وفي قسمة الزوجات وعوز النفقة على المنفق عليهم، وتعدد السيف والمصحف في الحبوة، ونظائر ذلك. وثانيهما: ما كان مشتبها ظاهرا معينا واقعا، كما في اختلاط الموتى في الجهاد، والمأذونين في شراء كل منهما صاحبه، وفي تعارض البينتين للخارجين، وفي تلف درهم من الوديعتين، وفي الوصية بما لا يسعه الثلث مع العلم بالسبق دون السابق، وفي إخراج المطلقة أو المنذور عتقه في بعض الصور، وفي


(1) في النسخ: (كل ذو حق) وهو سهو.) (2) العبارة في غير (م) هكذا: ترى أن عملهم إنما هو في مثل المقام حررناه لك. (3) من (م). (4) في (م): أئمة الجماعة. (5) في (م): منها.

[ 361 ]

المتداعيين في بنوة لقيط أو التقاطه، وفي الخنثى والممسوح بناءا على عدم كونهما طبيعة ثالثة - وقد مر فيها تمام البحث في عنوان المكلف المشتبه - ونظائر ذلك. ومن هذا الباب: الوصية بالمشترك اللفظي مع عدم القرينة. وعد ذلك من المشتبه واقعا وظاهرا - كما اتفق لشيخنا الشهيد الثاني قدس سره (1) - خال عن ا لوجه، وقياسه بالمتواطئ بملاحظة اعتبار صدق الطبيعة في الكلي واللفظ في المشترك قياس مع الفارق، إذ استعمال المشترك في أكثر من معنى لا يجوز، و [ كذا ] (2) في الواحد من المعاني لا بعينه [ لا يجوز أيضا ] (3) فيعلم إرادة الموصي منه واحدا معينا من المعاني، لأصالة صحة استعماله، إلا أن المراد مشتبه، لفقد القرينة، والموصى به ما أراده الموصي من اللفظ، لا مطلق ما يصدق عليه اللفظ. فلو لم نقل بجريان القرعة في القسم الأول أيضا لا إشكال في جريان القرعة في المشترك في الوصية، فلا تذهل. فنقول: قد يوجد في كلام بعض الأصحاب وغالبا في كلام شيخنا الشهيد الثاني - كما لا يخفى على من لاحظه (4) - أن المراد بالمشتبه والمشكل في دليل القرعة ما كان معينا واقعا مجهولا ظاهرا، لا ما كان مشتبها فيهما. وبهذا أورد على فتاوى الأصحاب في أغلب المقامات، وإن ترد فيه أيضا في بعض الموارد، وأظنه في (1) مسألة من نذر عتق أول ما تلده الجارية فولدت جماعة [ وليس من كتبه شئ عندي حتى اعين موضعه ] (2) وقال (3) فيه: إن دليل القرعة عام لكل مشتبه، ولم يقم دليل على تخصيصه بالمشتبه الظاهري المعلوم واقعا (4). وكيف كان، فنقول: من خص القرعة بالقسم الثاني إن ادعى أن المشتبه ظاهرا وواقعا لاإشكال فيه حتى نحتاج فيه إلى القرعة - كما في إطلاق الكلي


(1) الروضة البهية 5: 39. (2) من (م). (3) لم يرد في (م). (4) لاحظ المصدر السابق: 39، 45. (5) في م وظني أنه مسألة.. (6) مابين المعقوفتين لم يرد في م. (7) في م فقال. (8) الروضة البهية 6: 292

[ 362 ]

المتواطئ - فيعمل بالتخيير. فنقول: ليس الفرض محصورا في ذلك، فإن الموارد التي مثلناها سابقا أغلبها يرد فيه الأشكال، فلاحظ. ولو فرض ارتفاع الأشكال بطريق معتمد فنحن أيضا نقول به، فلا وجه للقول بأن المشتبه قسمان، فإن ظاهره تخصيص دليل القرعة، وعلى هذا الوجه يصير معناه خروج القسم الأول عن الموضوع، مضافا إلى أن البناء على التخيير لو صح لجرى في القسم الثاني أيضا، والوجه الدال على تقديم القرعة على التخيير في هذا القسم دال عليه في ذلك أيضا. وإن ادعى انصراف (المشكل) إلى ما كان معينا واقعا فنمنع الانصراف، إذ بعد دوران الأمر بين الأمرين وعدم مناص في البين لا شبهة في أنه مشكل وإن كان مجهولا واقعا أيضا. إلا أن يقال: ما لم يعلم التعين في الواقع لا يلزمنا معرفة ذلك حتى نقع في الأشكال. وهذا عود إلى الوجه الأول، وقد عرفت جوابه وعدم إمكانه في صورة التنازع والتداعي. فإن تخلية (5) ذلك المدعى به على حاله مثير للفساد العظيم الذي بنى الشرع على سده (1) فلاحظ. وإن ادعى ورود دليل دال على التخصيص نطالبه بذلك المخصص، وإنا وإن (2) تتبعنا في الموارد لم نجد شاهدا يشهد على ذلك. نعم، لو تم الوجه الذي خرجناه أولا يصير لكلامهم مخرج، لكنه ساقط بعد التأمل في أطراف الكلام، سيما بعد ما قررناه وبينا لك (3) المعنى المراد من (المشكل) فإن بعد فرض كونه مشكلا لا وجه للخروج عن طريق القرعة، إذ الفرض عدم تحقق سبيل غيرها. مضافا إلى أن في مورد النصوص الخاصة ما هو مشتبه ظاهرا وواقعا، كما في


(1) م ترك ذلك. (1) في (م): على رفعه. (2) في (م): على أنا مع تتبعنا الموارد. (3) في (ن، ف) زيادة: من.

[ 363 ]

صحيحة ابن مسلم في الوصية بعتق ثلث المماليك (4). ورواية سيابة وإبراهيم بن عمر فيمن قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فورث ثلاثة (5). ونحوه صحيحة الحلبي (6). وإن أمكن المناقشة في الأول بأنه على الاستحباب، إذ لا إشكال في الثلث، لأنه متواط قاض بالتخيير. فإن قلت: ظاهر ما ورد في الأخبار أنه: (ما من قوم فوضوا أمرهم إلى الله ثم أقرعوا إلا خرج سهم المحق) (7) كون ذلك معينا في الواقع، إذ لا يصدق المحق إلا بذلك. قلت أولا: إن المحق من اختاره الله لذلك وجعل الحق له، وذلك يوجد في المشتبه واقعا، كما في المتزاحمين في مباح ونظائره، ويكون معنى المحق هنا: أولويته في الواقع على هذا الأمر، والكاشف عن هذه الأولوية خروج القرعة واستحالة الترجيح بلا مرجح على الله تعالى - كاستحالة ترجيح المرجوح - فيكون تزاحم الاخر أو توقعه ذلك باطلا، وهذا كاف في المقام. وثانيا: إن هذا ليس دالا على أن كل مورد القرعة كذلك حتى يكون مخصصا، بل معناه: أن ما هو كذلك يعلم بالقرعة، ولا يلزم من ذلك عدم إعمالها في غير ذلك، فيبقى عموم ما دل على العمل بها في كل مشتبه سليما عن المعارض. ومن هنا ظهر: أن القرعة كما تكون كاشفة تكون مثبتة. ويحتملهما رواية ابن حكيم، حيث قال: إن القرعة تخطئ وتصيب؟ فقال عليه السلام: كل ما حكم الله به فليس بمخطئ (1). والمراد على الكشف أن (ما حكم الله به مبين للواقع قطعا ولا يكون مخالفا للواقع) وعلى الأثبات يكون معناه (ما حكم الله به فهو الصواب) فيكون جعلا


(4) تقدمت في ص: 337. (5) تقدمت في ص: 341. (6) تقدمت في ص: 341. (7) راجع ص: 340. (5) راجع ص 341.

[ 364 ]

للحكم ابتداءا، فالفرض أن القرعة ليس بمخطئ، بل إما كاشف عن الواقع لو كان أحدهما معينا في الواقع، أو مثبت ابتداءا، لو لم يكن كذلك، وكلاهما متبع. نعم، هل يستفاد منه أن في صورة تعين الواقع لو أخرجت القرعة خلافه يتبع فيكون كالجعل الابتدائي، أولا، بل الظاهر أن القرعة في هذا المقام لا تخرج إلا الواقع؟ وجهان، والظاهر من قرينة السؤال: الثاني، لأن غرض السائل من الأصابة والخطأ إبراز الواقع وعدمه، لا أنه لو فرض حكم الله بخلاف ما كان معينا قبل القرعة في الواقع لكان هذا خطأ، فيكون قوله عليه السلام: (ليس بمخطئ) أنه لا يقع كذلك، بل لا يخرج إلا نفس الواقع. مع احتمال أن يقال: إن المراد في الجواب تنبيه السائل على أن إصابة الواقع والعدم لا دخل له في الخطأ والصواب، بل الميزان في الصواب والخطأ حكم الله، فكل ما حكم به الله تعالى هو الصواب، ولا دخل لكون شئ معينا في نظرنا في ذلك، فتأمل (1) ويصير الحاصل: أن حكم الله يكشف عن تعين خلافه. وهل القرعة وظيفة الأمام خاصة، أو تعم كل أحد؟ وجهان: مقتضى إطلاق رواية ابن حكيم: الثاني (2) وكذلك ظاهر ما في المرسل (3). وما في كلام ابن داود عن علي عليه السلام (4) وما في صحيحة أبي بصير عن النبي صلى الله عليه وآله (5) ومرسلة عاصم (6) وفي كلام زرارة للطيار: (ما من قو م فوضوا أمرهم إلى الله ثم أقرعوا إلا خرج سهم المحق) (7) عموم جواز الأقراع لكل أحد. ودعوى: أن رواية ابن حكيم مسوقة لأصل شرعية القرعة، وهذه الروايات لبيان إصابتها الواقع ولا ينافي كون المقارعة عند الأمام وبنظره، مدفوعة بأن ظاهر النصوص - كما لا يخفى على من لاحظها - يأبى عن ذلك.


(1) فتأمل: ورد في (م) في آخر الفقرة. (3 و 3) تقدمتا في ص: 336. (4) تقدم في ص: 339 ضمن رواية العباس بن هلال. (6) تقدمت في ص: 340. (6) تقدمت في ص: 340. (7) تقدم في ص: 343.

[ 365 ]

وما في الروايات من نقل فعل الأئمة عليهم السلام في المقارعة أيضا دال على جوازها لكل أحد، إذ ليس المقصود من نقل ذلك إلا المتابعة والفعل كما فعله، وإن أمكن أن يقال: إن غايته إعمال القرعة في نظائر تلك الواقعة وإن اعتبر كونه (8) عند الأمام. ويدل على ذلك صريح صحيحة الفضيل بن يسار في الممسوح، قال في أوله: يقرع الأمام أو المقرع - إلى أن قال - ثم يقول الأمام أو المقرع: (اللهم أنت... الخ) (9). وهذا ظاهر في عدم الاختصاص بالأمام. لا يقال: إن المراد ليس الاختصاص بإمام الأصل بالخصوص، بل لا كلام في كونه وظ النائب عموما أو خصوصا في حضور أو غيبة، فلعل المراد ب‍ (المقرع) من كان مأذونا له في ذلك، فلا يدل على عموم الجواز، وإطلاق المفرد المحلى باللام غير قاض بالعموم إن لم ينزل على العهد وإن لم يكن هناك معهود شخصي، إذ يكفي في ذلك المعهود النوعي. ويدل على ذلك أيضا صحيحة محمد بن عيسى في الشاة الموطوءة (1) فإن ظاهرها بل صريحها أن المقرع غير الأمام. ويمكن الجواب عنها بأن القرعة هنا مندوبة، وقد مر الكلام على هذه الرواية، وأن الطريق غير منحصر فيها في القرعة، فلا يرد النقض بها على حكم القاعدة حيث تتعين. والذي يقوى في النظر القاصر بعد ملاحظة الروايات اختصاص أمر القرعة بالوالي، فإن كان يمكن الرجوع فيه إلى إمام الأصل اختص به، لأنه مورد أكثر الأخبار، وأنها وإن لم تدل على الاختصاص لكنها لا تدل على العموم [ أيضا ] (2) فيقتصر على المتيقن.


(8) في (م) زيادة: كونها، خ ل. (9) تقدمت في ص: 339. (3) تقدمت في ص: 7. (4) من م.

[ 366 ]

ولما في مرسلة ثعلبة في الممسوح، قال: (يجلس الأمام ويجلس عنده ناس) وفي موثقة ابن مسكان وروايتي إسحاق والسكوني كذلك (3). وما في صحيحة معاوية بن عمار، قال: أقرع الوالي بينهم (4). وما في صريح رواية يونس: ولا يجوز أن يستخرجه أحد إلا الأمام، فإن له كلاما وقت القرعة ودعاء لا يعلمه سواه، ولا يقتدر عليه غيره (5). وما في صريح مرسلة حماد: القرعة لا تكون إلا للأمام (1). مضافا إلى أن إطلاق ما مر من الروايات موهون بما مر، مسوق لبيان المشروعية ونحوه، ولو فرض فيه إطلاق تقيده هذه الروايات، وفيها الصحيح والموثق وغيره. ودعوى: أن الصحيح غير صريح الدلالة والموثقة أيضا غير ناف لغير الوالي والروايات الصريحة خالية عن الجابر - إذ لم يعهد من الأصحاب اشتراط القرعة بالأمام حتى ينجبر - مدفوعة: أولا: بأن هذه النصوص وإن لم تكن صالحة للتقييد، لكنها كافية في إفادة التشكيك والوهن في الأطلاق، والأصل الأولي كاف في المنع عن غير المتيقن. وثانيا: أن دلالة الصحيحة والموثقة على التقييد والاختصاص ليس بأضعف من تلك الاطلاقات في التعميم. وثالثا: أن هذه الروايات مروية في الكافي والتهذيب، معللة بما علل، معمول بها في أصل الحكم - فراجعها - وهذا القدر كاف في الظن بالصدور، وهو المعتمد في العمل، وتحقيق ذلك موكول إلى محله. مضافا إلى أن القرعة في هذه المقامات مثبتة للموضوع، مستلزمة لترتب


(3) تقدمت الروايات المذكورة في ص: 340. (4) تقدمت في ص: 340. (5) تقدمت في ص: 342. (4) تقدمت في ص 347.

[ 367 ]

أحكام مخالفة للأصل، والأصل عدم لحقوها إلا بالمتيقن، مع أن الغالب في المثبتات - كالبينة واليمين ونحو ذلك من الشياع ونحوه - عند الحاكم، فكذلك القرعة. وبالجملة: من أعطى النظر حقه في هذا المقام لا يشك في الاختصاص. والذي أراه: أن الظاهر من الأصحاب أيضا ذلك، إذ لم يعهد منهم تعميم القرعة. نعم، كلامهم أيضا غير مقيد بخصوص الوالي في الموارد التي نقلناها عنهم. ومن هنا قد يتوهم الأطلاق، لكنه غير دال على ذلك، إذ الغالب في تلك الموارد المذكورة كونها عند الحاكم، إذ الغالب أنها في باب التنازع والتداعي، ولا يحتاج في ذلك إلى تقييدهم بكونه عند الأمام. وبالجملة: التأمل في النص والفتوى يقضي بالاختصاص. وللحاكم الشرعي ذلك مع غيبة الأمام، لعموم أدلة القرعة، ولفظ (الوالي) ولفظ (المقرع) في صحيحة فضيل (1) لأنه المتيقن من ذلك، ولعموم أدلة نيابته ووكالته، وللأجماع المحصل على ذلك، ولاستلزام عدم جوازها من الحاكم التعطيل في زمن الغيبة، وهو مناف لأصل الغرض من مشروعيتها. وبقي الكلام في جواز التوكيل، وتعذر الحاكم مقتضى عمومات الوكالة وجواز التوكيل في كثير مما هو من وظائف الحاكم جواز التوكيل في القرعة أيضا، إلا فيما دل الدليل على الاختصاص، كما لو كان مرتبطا بنفس الحكومة. واحتمال: أن الوكالة فيما لم يتعلق غرض الشارع بصدوره من مباشر معين وهنا قد ثبت أنه وظيفة الأمام ونائبه - كالقضاء - فلا وجه للوكالة، مدفوع بأن غاية ما ثبت اختصاص الحاكم وعدم جواز استقلال غيره، أما عدم جواز التوكيل


(1) تقدمت في ص: 342.

[ 368 ]

فلا، ولا أقل من الشك في تعلق الغرض بالخصوصية وعدمه، فعموم أدلة الوكالة يجري في المقام، لأصالة عدم اعتبار الخصوصية. مضافا إلى أن عدم جواز التوكيل يوجب العسر والحرج، لأنه أيضا من الامور العامة البلوى، وما هو كذلك يجوز فيه التوكيل. وتنقيح ذلك في باب الوكالة. ولو تعذر الحاكم ووكيله خصوصا وعموما فالنظر في القرعة لعدول * (المسلمين، لعموم والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (1) وما في الخبر: (إن قام رجل ثقة فأسهمه (2) بينهم فلا بأس) - وسيأتي ولاية العدول إن شاء الله في باب الولايات - ولدخوله تحت الأعانة على البر وباب الحسبة، ولاستلزام عدم جوازه حينئذ التعطيل، مع أن مشروعية القرعة لأجله. وبقي البحث في أمرين: أحدهما: في لزوم القرعة وجوازها وفيه مقامان: أولهما: أن القرعة هل هي عزيمة لا يجوز تركها، أو هي رخصة؟ لا ريب أن مورد القرعة - على ما قررناه - ما لم يكن هناك طريق شرعي وكان من المشكلات، فما كان فيه مخرج فليس فيه عزيمة، ولو ورد في النص أيضا فالظاهر الاستحباب، حذرا من الترجيح الاقتراحي. فما في رواية [ محمد ابن ] مروان من فعل أبي عبد الله عليه السلام في عتق أبي جعفر عليه السلام ثلث عبيده (3) محمول على كون الثلث معينا واقعا فعرض الاشتباه، وذلك مما لا مخرج له ظاهرا فيجب القرعة. وأملو كان من المشكلات فالأقوى لزوم القرعة وأنها عزيمة، لظاهر أغلب ما مر من النصوص، فإنها قريبة من الصراحة في لزوم إعمال القرعة، مع أن التوصل إلى الواقع في إجراء الأحكام لازم مقدمة للأتيان بالمأمور به، فاللازم العمل بها، إذ الفرض أنها غير مخطئة بنص الأخبار وكاشفة عن الواقع أو مثبتة لما أراد الله ثبوته، فعدم إعمالها (1) يعد تقصيرا في حكم الله، ومثله إثم قطعا، مضا فا إلى أن مع تركها يلزم أحد الأمرين: إما ترك الحكم والأفتاء ولازمه الهرج والمرج والتعطيل، وهو من أقبح الفساد، ومستلزم لتلف الأموال والنفوس وضياع الحقوق. وإما التهجم على أحد الاحتمالين تشهيا، وهو قول بما لم يعلم ولا قام عليه دليل، وهو - مع قبحه العقلي الناشئ من الترجيح من دون مرجح أو ترجيح المرجوح والفساد المترتب عليه من لزوم التهمة على الحاكم وإثارة الفتنة، لأنه قضاء بغير حجة وبينة - داخل تحت النواهي في الكتاب والسنة، فلا مناص عن لزوم العمل بها (2). مع أن التخيير ونحو ذلك لا يجري في بعض المقامات، لتعذر الحاكم حتى يتخير، وتخير المتنازعين إثارة فتنة بعد فتنة، وذلك لمن تدبر واضح جدا. هامش) * (1) التوبة: 71. (2) في الكافي والفقيه والتهذيب والوسائل: (قاسمهم ذلك) إلا أن في هامش الوسائل (ط - آل البيت): في نسخة: (فأسهم) وفي اخرى: (فأسهمهم) انظر الوسائل 26: 70، الباب 4 من أبواب موجبات الأرث، ح 1. (3) راجع ص: 352

[ 369 ]

محمول على الندب، إذ الثلث كلي متواط متساوي الصدق على الأفراد (4) ومقتضاه التخيير - كما في نظائره من الوصايا والمنجزات - وإن أفتى به جماعة من الأصحاب أيضا في المقام (5) لكن وجوبه محل نظر، والوجه واضح. أو


(4) في (ن، ف): للأفراد. (5) منهم ابن إدريس في السرائر 3: 212، والمحقق في الشرائع 2: 252، والعلامة في ا لقواعد 1: 303، وإن استحسن الثاني التخيير أيضا واحتمله الثالث. (3) في غير م أنه غير مخطى وأنه كاشف.. أو مثبت.. فعدم إعماله. (4) في غير م به.

[ 370 ]

وثانيهما: أن بعد إعمال القرعة هل يجب العمل بها، فلا ينفسخ بعد ذلك إلا مع العلم بالمخالفة للواقع - بمعنى: انكشافه بعد ذلك بقطعي آخر لو اتفق مثل ذلك - أو لا يجب، بل يجوز ترك العمل بها؟ وهذا المقام يتضح مما قررنا سابقا. فنقول: إن لم يكن أصل الأعمال لازما - كما في ثلث العبيد ونظائره - فإذا اعمل فيه بالقرعة فالأصل بقاء التخيير وعدم التعين، مع احتمال أن يقال: إن بعد تفويض الأمر إلى الله دل النص على خروج سهم المحق، فتغيره حينئذ إبطال للحق. ويمكن دفعه: بأن كون الخارج محقا في هذا المقام لا ينافي كون غيره محقا، لأنه من أفراد الكلي المتواطئ، مع أن شموله لمقام لا يلزم فيه أصل الأعمال مشكل. ودعوى: أن المخالفة حينئذ نقض لعهد الله وهو حرام، إذ الفرض أن القارع يفوض أمره إليه تعالى ويجعله الحكم في ذلك، وحكم الله لا ينقض. ولا ريب أن في مثل هذا المقام يكره كراهة شديدة، وفي التحريم نظر. وأما فيما يجب إعمالها: فظاهر النصوص المتقدمة كافة لزوم ترتيب الاثار عليها بعد إعمالها، وهي الحجة، مع أن ظاهر أصحابنا الأجماع عليه، نعم في قسمة الرد اعتبروا رضى المتقاسمين بعد القرعة - وهي (1) مسألة اخرى - ولأن وجوب الأعمال ليس إلا للزوم ترتيب الاثار، وإلا فلا وجه للزومه أصلا، مضافا إلى أنه لو لم يؤخذ بمقتضاها، فإما أن يترك الواقعة بلا حكم فيلزم التعطيل المحرم، أو يؤخذ بخلاف ما أخرجته القرعة فيلزم ترجيح المرجوح، أو تعاد القرعة مرة ثانية فيعود (2) الكلام السابق. وترجيح العمل بالثاني على العمل بالأول فاسد جدا،


(2) في غير (م) هو. (2) العبارة في غير (م): هكذا: فإما أن يترك الواقعة بلا حكم لزم التعطيل المحرم، وإن اخذ بخلاف ما أخرجته القرعة لزم ترجيح المرجوح، وإن اعيدت القرعة مرة ثانية عاد...

[ 371 ]

فتعين العمل عليه بعد إعماله. [ وفي الروايات السابقة (1) الدلالة على للزوم اللعمل بعد الاعمال ما يكفينا عن مؤونة الاستدلال وإكثار القيل ل والقال ] (2)..)). 2 2.) () 3 (ن الروايات فو [ عن مؤونة الاستدلال وإكثار القيل والقال ] (4).


العبارة في غير (م): هكذا: فإما أن يترك الواقعة بلا حكم لزم التعطيل المحرم، وإن اخذ بخلاف ما أخرجته القرعة لزم ترجيح المرجوح، وإن اعيدت القرعة مرة ثانية عاد... وثانيهما: في بيان كيفية القرعة والذي يقتضيه النظر أن يقال: لا ريب في أن المراد بها في عرف المتشرعة العمل المعهود المتعارف الذي يمتاز به الحقوق ويكشف به عن الواقع، أو يتعين أحد الامور، وكل ما يحصل به هذا الأمر يصدق عليه أنه قرعة، فيشمله الاطلاقات ويجتزئ به، والأصل عدم شرطية شئ آخر. ولا إجمال في معناه حتى نلتزم بالأخذ بالمتيقن في صور الشك، كما في العبادة المجملة في وجه. وقد ورد في الكتاب العزيز بإلقاء الأقلام (1). وورد في النصوص بالكتابة على السهم (2) وبالخواتيم من الشركاء أو من الحاكم وغيره (3) وبالكتابة على الرقاع (4) وبالنوى (5) وغير ذلك. ومن تتبع كلمة (6) الأصحاب في الموارد التي عددناها في القرعة يطلع على تفاصيل كيفيتها. ولنذكر جملة من أحكامها التي تضمنتها (7) النصوص.

(3) في (ف): في الدلالة. (4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (م). (3) قوله تعالى: وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم آل عمران: 44. (3) كما ورد في رواية الفضيل المتقدمة في ص: 339. (3) كما ورد في رواية أبي بصير - في قضية شاب خرج أبوه مع جماعة - المتقدمة في ص: 343. (5) كما ورد في رواية عمرو بن أبي المقدام، انظر الوسائل 18: 191، الباب 13 من أ بواب كيفية الحكم، ح 19. (5) لم نظفر عليه، قال المحقق النراقي: (ومنها: ما روي أيضا أنه صلى الله عليه وآله أقرع في بعض الغنائم بالبعرة وأنه أقرع مرة اخرى بالنوى) لكنه أيضا لم يذكر مأخذها، انظر عوائد الأيا م: 226. (6) في (م): كلمات. (7) في غير (م): ونذكر من أحكامها جملة مما تضمنته.

[ 372 ]

فنقول: إن الظاهر اعتبار تفويض الأمر إلى الله تعالى في صحة القرعة بمعنى: أن يوطن المتقارعون أنفسهم على تسليم ما أمر به الله وإطاعته حتى ينكشف لهم الحق، فلو اتفق ذلك منه تجربة أو من دون التفات إلى الله تعالى بطلب البيان فلا عبرة بذلك. ويدل على ذلك قيد التفويض (8) المأخوذ في الروايات، وصرح ببعض ذلك زرارة في جواب طيار، كما عرفت (1). والظاهر وجوب هذا التوكل والتفويض على أهل المقارعة عند تعين القرعة مقدمة للواجب، فإن امتنعوا عن ذلك اجبروا على إعمالها. ويكفي كاشفا (2) عن التفويض إخبارهم عن نفسهم بذلك. ولا يسمع بعد القرعة دعوى أحدهم أنه كان قصدي (3) التجربة، عملا بإطلاق النص والفتوى، واستصحابا للحكم السابق. نعم، لو لم يكن هناك مدع آخر فهو أبصر بنيته، فله أن يقرع مرة ثانية وثالثة، ويجب عليه فيما بينه وبين الله اختيار الواقع. والظاهر اشتراط الدعاء أيضا، لما في رواية يونس: من (أن له كلاما وقت القرعة ودعاء) (4) وظاهره الشرطية. ولو قلنا بالأجمال في معنى القرعة يجئ الشرطية على القاعدة في وجه. ولصحيحة الفضيل في الممسوح المشتملة على الدعاء المخصوص (5) الظاهرة في بيان أصل الكيفية، والظاهر منه الجزئية أو الشرطية - كما هو الظاهر - والظاهر (6) عدم القول بالفرق بعد ثبوت الوجوب.


(1) في ن يدل على ذلك القيد في التفوى وفى ف ويدل على ذلك القيد في النصوص. (2) راجع ص 348. (2) في (م): ويكفي في الكشف. (3) في (م): قصده. (4) تقدمت في ص: 342. (5) تقدمت في ص: 339. (6) وردت العبارة في (م) مختصرا، هكذا: والظاهر منه الشرطية، كما أن الظاهر...

[ 373 ]

ولصحيحة البصري في تعارض البينتين المشتملة على استمرار علي عليه السلام با الفرق بينه وبين غيره. والأجود عدم اعتبار الدعاء المخصوص، لاختلاف النصوص وبعد التخيير، بل الظاهر الدعاء بما يناسب مورد القرعة، ولو اقتصر على ما في صحيحة الفضيل إلى قوله: (يختلفون) (1) ثم يطلب من الله بيان الواقع في ذلك المورد، وما في صحيحة البصري - لو كان التنازع في الحقوق - لكان أحوط. ويستحب حضور جماعة من المسلمين، لما في رواية ثعلبة (2). ويستحب دعاؤهم وطلبهم من الله تعالى إظهار الواقع، للمرسلة السابقة (3). ولا يختص دعاؤهم بلفظ، للأطلاق. ويعتبر في القرعة انحصار الأمر - واقعا، أو بحسب حكم الشرع - في أصحاب السهام، حتى يعمل بالقرعة ويخرج ما هو الواقع، فمتى احتمل احتمال خارج عن أرباب الدعوى فلا بد من جعل (4) سهم لذاك المحتمل الخارج القابل للحكم عليه شرعا. وقد دل على ذلك كلام زرارة في جواب الطيار (5) مع وضوح وجهه في حد ذاته. وفي استحباب استقبال القبلة وجه قوي، خصوصا لو أدرجناه تحت (تفويض الأمر إلى الله) أو أثبتناه من عموم استحباب الاستقبال عند الدعاء، والدعاء مندوب هنا بالخصوص، فكذا الاستقبال.


(6) راجع ص: 337. (1) راجع ص: 339. (2) تقدمت في ص: 339 ففيها: (يجلس الأمام ويجلس عنده ناس من المسلمين، فيدعون الله...). (3) أي: مرسلة ثعلبة. (4) في (ف، م): حمل. (5) ففيه: (فقال زرارة: إذا كان ذلك جعل معه سهم مبيح، فان كانا ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح) راجع ص: 343.

[ 374 ]

ومن ذلك يعلم وجه اشتراط الطهارة أو استحبابها بعد ثبوت الدعاء، وكذا في رجحان كونها في مكان مشرف، كمسجد ومشهد ونحو ذلك، وزمان كذلك، كيوم الجمعة والأعياد. وهل يشترط فيه قصد التقرب بناءا على أنه مأمور به، والأصل فيه أن يكون عبادة - كما سيحقق - ولظاهر الأمر بالتفويض إلى الله، ولما يظهر من استحباب الدعاء ونحو ذلك من الامور من عظم شأنها وكثرة الاعتناء بها - وهو مما يؤيد كونه عبادة - أولا، عملا بالأطلاق وصدق الاسم بدون النية، وكونها من الأسباب التي جعلت للأثبات فلا يشترط فيها قصد التقرب؟ وجهان، لا يبعد اعتبار قصد التقرب استحبابا فيه بالخصوص وإن لم نأخذه شرطا في صحته، ولو قيل بالشرطية أيضا لم يكن بعيدا. وظاهر صحيحة الفضيل (1) اشتراط طرح السهمين المقصودين في سهام مبهمة وإجالة السهام. ولكن ظاهر الأصحاب في المقامات عدم اعتبار ذلك، بل يكتفون بكتابة نفس السهمين أو السهام المقصودة، فإما يقتصر ذلك على مورده من الممسوح أو يحمل (2) على الندب، ولكل وجه، وإن كان الثاني أوجه جدا. والمتعارف عند الفقهاء: الأقراع بالكتابة على الرقاع. والاقتصار عليه أجود. ولهم في ذلك طريقان معروفان ذكروهما في باب القسمة: من إخراج اسم الشركاء على السهام، أو اسم السهام على أسماء الشركاء، ومن أراد التفصيل فليقف على ذلك في محله. وفي اعتبار جعل الرقاع في ساتر من شمع أو طين - كما ادعى أنه المشهور من (3) طريقة الفقهاء في المسالك (4) - لأنه الأضبط وأعرق في الجهالة الخالصة


(1) تقدمت في ص: 339. (2) العبارة في (ن، ف) هكذا: فإما الاقتصار في ذلك على مورده من الممسوح، أو الحمل... (4) في (ن، ف) في طريقة الفقهاء. (4) المسالك 2: 384، كتاب القضاء.

[ 375 ]

عن الريبة، أو عدمه عملا بالأطلاق وخلو أغلب الأخبار عنه، وجهان، أقربهما الثاني. هذا هو الكلام فيما يمكن جعله بعنوان الضابط في الباب، وإلا فالكلام في تفاصيل الجزئيات لا يقف على حد، فعليك بالتتبع التام في كل مقام، وما ذكرناه في المبحث [ فيه ] (1) خلاصة من كلامهم، وسبيل إلى الوصول بغاية مرامهم. هذا تمام الكلام في المشتركات العامة. وبالله التوفيق z z z


(1) لم يرد في م

[ 377 ]

عناوين ما يتعلق بالعبادات (العنوان الثاني عشر) (تأسيس أصالة التعبدية في المأمور به)

[ 378 ]

أصالة التعبدية في المأمور به عنوان [ 21 ] الأصل في كل مأمور به أن يكون عبادة مفتقرة إلى قصد التقرب، صادرة عن مباشر بعينه، غير ساقطة بفعل غيره، نظرا إلى أن تعلق الوجوب يقتضي لزوم الامتثال والخروج عن العهدة حذرا من العقاب، فمتى ما أتى به بنفسه مع قصد التقرب إلى المولى حصل الجزم بالبراءة عن التكليف، بخلاف ما لو أتى به بدون قصد التقرب، أو أتى به شخص آخر، فيقع الشك في سقوط الواجب عن الذمة وعدمه، والاستصحاب يقضي بالبقاء إلى أن يعلم المخرج. مضافا إلى أن المتبادر من اللفظ في العرف أيضا ذلك، فإن ظاهر قوله: (اغسل) لزوم صدور الغسل عن المخاطب، لأنه المأمور بالأتيان به، فيكون قيدا، ومنه يعلم المباشرة. ونرى أن أهل العرف يذمون من أتى بغير قصد أمر المولى، بل لا يفهمون من الخطاب بالفعل إلا الأتيان امتثالا للأمر. لا يقال: إن الغالب في العرف عدم قدح صدور المأمور به عن غير المخاطب وعدم وجود ذم في ذلك، فكيف تدعي اقتضاء العرف المباشرة؟ لأنا نقول: لا يخفى على من لاحظ بعين البصيرة أن ذلك للقرائن الخاصة في المقامات وغلبة كون المأمور به في العرف توصليا يقصد حصوله في الخارج كيف

[ 379 ]

كان، وبهذا الاعتبار لا يجعلون خصوص المخاطب قيدا، بل يجعلونه موردا، ولو اتفق مقام لم تقم قرينة على الأرادة مطلقا، فلا ريب أنهم يحكمون من ظاهر الخطاب بالمباشرة. ولا ينافي ما ذكرناه ما ذكره الفقهاء في باب الأجارة ونحوها: من جواز إعطاء الأجير العمل لغيره [ من متعلقاته وتبعته ] (1) ما لم يشترط المباشرة، إذ لعل ذلك من جهة جريان العادة في الأعمال، والاطلاقات على ذلك (2) كما حققنا ذلك في باب الأجارة. ولو فرض عمل لم يجر له عادة بإعطائه على (3) غير الأجير وكان موردا للشك في الجواز والعدم فلا نسلم فتواهم بجواز التسليم إلى الغير، للأطلاق، وذلك واضح. نعم، رجح الشيخ الوحيد الاستاذ (4) - دام ظله - أن المباشرة مورد لا قيد، ومقتضاه عدم لزومها ما لم يدل عليها دليل من خارج، واللائق إعطاء التأمل حقه حتى يتضح الأمر، فإن الجرأة على مخالفته دونها خرط القتاد! ويؤيد ما ذكرناه اقتضاء اللغة ذلك أيضا، فإن ملاحظة مفردات الأمر بصيغته من هيئة ومادة قاضية باعتبار المباشرة. وما يتوهم من أعميته (5) من اعتبار قصد التقرب يندفع بأن ظاهره في اللغة استحقاق تاركه العقاب، والاتي بالمأمور به لا على قصد الأطاعة وإن لم يكن تاركا حقيقة، لكن يعد تاركا حكما، ويذمه العقلاء باعتبار فهم العقل أن الذم في الترك الحقيقي لعدم الأطاعة فكذلك في الترك الحكمي، والقاعدة الشرعية أيضا على كون المأمور به عبادة مؤسسة (6) - مضافا إلى الأصل اللفظي


(1) لم يرد في (م). (2) في (م): والاطلاقات تحمل عليه. (3) على: ليس في (م). (4) لم يتعين لنا المراد منه، فان أكبر أساتيذه وأكثر من تلمذ عليه هما الفقيهان المحققان: الشيخ موسى والشيخ علي، ابنا الشيخ الكبير كاشف الغطاء قدس الله أسرارهم. (5) في (م): وتوهم أعميته. (6) العبارة في (م) هكذا: والقاعدة الشرعية أيضا تقضي بذلك.

[ 380 ]

والعقلي - ولها وجوه (1): منها: قوله تعالى: وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين (2). وجه الدلالة: أن الاية دلت على أن المكلفين ما امروا بشئ من الأشياء - على ما هو مقتضى حذف المتعلق، فإنه من أسباب العموم - إلا لأجل العبادة مع الأخلاص، فحصر غاية الأوامر كلها على العبادة مع الأخلاص في الدين، أي: في القصد، فإنه المتبادر في المقام، فحصل من [ هذه ] (3) الاية كبرى كلية يندرج تحتها كل ما هو مشكوك في كونه عبادة، وهو المدعى. ودعوى: أن الضمير في (امروا) مجمل لم يتعين المراد منه، وهو حقيقة في الثلاثة وما فوق، ولم يعلم شموله لأي طائفة من المكلفين، مدفوعة برجوع الضمير إلى أهل الكتاب، كما يظهر من صدر الاية. كما أن المناقشة بأن ثبوته في المشركين وأهل الكتاب لا يقتضي ثبوته عندنا، مدفوعة بوجوه (4): أحدها: أن الأصل عدم النسخ، ومجرد العلم الأجمالي بوجود المنسوخات لا يوجب عدم جريان الأصل في ذلك، إذ ما لم يثبت النسخ في الحكم الخاص فالأصل عدمه، ولم نعلم وجود المنسوخ إجمالا بين المشكوكات حتى يصير الشك في الحادث فيعارض بمثله، والمناقشات في هذه المقدمات واضحة الرد لا يعتنى بها. وثانيها: الاستصحاب، لا بمعنى استصحاب كلي الحكم حتى لا يثبت العموم، ولا في خصوص المشكوك حتى يمنع بمنع وجوده في الشرائع السابقة، ولا في كل شئ وكل خطاب حتى يجاب بالقطع بوجود ما ليس بتعبدي في شريعتهم، بل المراد: استصحاب لزوم العمل بالقاعدة المستفادة من الاية، بمعنى: أن الاية لما أفادت أن كل أوامرهم للتعبد مع علمنا بوجود التوصليات عندهم وإرادة


(1) في (م): وهي من وجوه. (2) البينة: 5. (3) ليس في (م). (4) في عدا (م): من وجوه.

[ 381 ]

التخصيص من (1) ذلك بعيد جدا، فيفهم من الاية إرادة كون الضابط عندهم ذلك، بمعنى: أن أهل الكتاب كانوا بانين (2) على حمل كل أمر ورد عليهم على التعبد وجوبا، والأصل بقاء حكم هذه القاعدة، وعدم ارتفاعها [ إلا ] (3) بما يدل على خلافها. وثالثها: أن مع قطع النظر عن ذلك كله نقول: إن العرف لا يفهم من ذكر هذه الاية الشريفة إلا كون شريعتنا مثل شريعتهم في ذلك، وليس المقصود منها الأخبار عن طريقة أهل الكتاب، كما هو واضح (4). ورابعها: أن قوله تعالى بعد ذلك: وذلك دين القيمة يدل على إرادته استمرار هذه الطريقة ولزوم الأخذ بها، والبناء على التعبد في الأوامر، وهو الحجة، فاندفع الأيراد من أصله. وقد يقال: إنه لو كان المراد بالاية منع الأغراض في الأوامر سوى التعبد والأخلاص (5) لكان هذا موافقا لمذهب الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح عقلا (المثبتين لهما شرعا) (6) لاستلزامها كون التعبد والأخلاص تابعا للأوامر غاية لها، مع أن الحق أن الأوامر تابعة للحسن الذاتي وليست لمحض التعبد. وهذا الكلام فاسد، لكون (7) مساق الاية الانحصار في التعبد والأخلاص في مقابلة الشرك والكفر، بمعنى: أن الأمر تعلق لأجل العبادة مع التوحيد دون الشرك، لا لأنه تعلق لمحض التعبد لا للحسن الداعي إليه، مضافا إلى أن غاية ما يستفاد من ذلك أن الأوامر للتعبد، وذلك لا يستلزم كون التعبد لمحض الأمر، لأن من


(1) في عدا (م): عن ذلك. (2) في (م): أن بناء أهل الكتاب على... (3) من (م). (4) العبارة في غير (م) هكذا: وليس المقصود من نزول هذه الاية والأخبار عن طريقة أهل الكتاب في هذا المقام عرفا إلا إرادة كون شريعتنا مثلهم في ذلك، وذلك واضح. (5) والأخلاص: ليس في (م). (6) ما بين القوسين لم يرد في (م). (7) في (م): وفيه: أن مساق الاية...

[ 382 ]

الجائز كون التعبد بذلك المأمور به لحسن فيه ذاتي موجب للتعبد به، وتعلق به الأمر أيضا لغاية التعبد، فانحصار الأوامر في التعبديات لا يدل على عدم الصفات الكامنة الداعية لصدور الأوامر في الأفعال، ولا يمنع كون التعبد بالعمل للحسن الذي كشف عنه الأمر، أو علم قبل صدوره أيضا، فلا تذهل. ولا يعارض الاية خصوص الأوامر الدالة على الخصوصيات - كاغسل وامسح، ونحو ذلك - من جهة أنها أعم من كونها عبادة، فيلزم من ذلك تقديم مقتضى هذه الأوامر الخاصة في الأعمية عن العبادة على عموم الاية في إثبات الاختصاص، لما قررناه من أنه ليس خصوص الأوامر أعم من التعبد، بل بتقريب ما ذكرناه ظهر أنها أيضا تفيد التعبدية لغة وعرفا. ولو سلم الأعمية فلا ريب في ورود عموم الاية عليها عرفا وتقييدها لذلك كله، إذ لا ريب أن المولى إذا أمر عبده بألف أمر مطلق بحسب الزمان - مثلا - قاض بالجواز في أي زمان كان، ثم بعد ذلك قال: (كل ما أمرتك به بهذه الأوامر إنما هو يوم الجمعة) فلا ريب في تقديم هذا العام على تلك الخصوصيات المقيدة للأطلاق، فتدبر. واورد على الاية الشريفة: بأن جعل اللام للغاية حتى يفيد انحصار الأمر في التعبد غير ممكن، لأن قوله تعالى: ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة معطوف على كلمة (يعبدوا) فيلزم أن يكون معناه: (ما امروا إلا للعبادة، ولأقامة الصلاة ولأيتاء الزكاة) وهما داخلان في العبادة، فلا وجه للعطف، مع أنه يلزم كون الأوامر محصورة لأقامة الصلاة والزكاة، وجعلهما غاية لكافة الأوامر غير معقول، فلا بد من صرفه عن ظاهره وجعل (اللام) بمعنى (الباء) وإرادة أنهم ما امروا إلا بأن يعبدوا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فتخرج الاية عن الدلالة. وهو مدفوع بأن [ ذكر بعض أفراد المعطوف عليه وبعبارة اخرى ] (1) عطف


(1) لم يرد في (م).

[ 383 ]

الخاص على العام لمزيد الخصوصية والاهتمام، لا مانع منه، وذكر هذه الثلاثة في مقام الغاية لا يستلزم الانحصار بكل واحد حتى لا يكون له معنى، بل الظاهر الحصر على المجموع، فيصير المعنى: أن الأوامر غايتها هذه الثلاثة، وحيث إن الأخيرين داخلان في التعبد، فينحصر الغاية فيه بالمآل وإن تعدد لفظا. ن م‍ ركذ ام‍ بجوي‍ اضيأ) ءابلا (ى نعمب‍) م لالا (ل عج‍ ن أ ع م‍) 1 (] كلذو [ المحذور، إذ الأمر بالعبادة يشمل الصلاة والزكاة، فلا وجه لذكرهما، مضافا إلى أن ذلك أيضا مثبت للمدعى، إذ معناه: أن المأمور به ثلاثة وكلها تعبديات، فليس مأمور به غير العبادة، مع أنه لا بد أن يراد بالعبادة المأمور بها الأعمال التي يتعبد بها، وإلا فالأمر بالعبادة من دون ما يتعبد به غير معقول، ولا يمكن أن يكون ذلك الصلاة والزكاة، لظاهر المغايرة، فيصير المعنى: ليس المأمور به إلا امور يتعبد بها والصلاة والزكاة، وهو عين المدعى، إذ [ ليس ] (2) المقصود عدم كون المأمور به توصليا - وهو مفاد هذا الحصر - إلا ما خرج بالدليل. واورد أيضا: بأن الحصر إنما هو في الأخلاص وعدم الشرك، لا في جهة التعبدية والتوصلية، بمعنى: أن المراد لم يتعلق بهم أمر إلا للعبادة مع الأخلاص دون الشرك، لا أنه لم يتعلق أمر توصلي. ويندفع: بأنه لو كان هناك أمر توصلي فلازمه جواز الأتيان به ولو من دون إخلاص، إذ المقصود الحصول كيف كان، والمفروض أن الاية نفت ذلك وحصرت الأمر في طلب الأخلاص، وهو مناف لوجود الأمر التوصلي بظاهره. نعم، قد يقال: إن القطع بوجود التوصليات بالأجماع والضرورة يمنع العمل بظاهر الاية، فإما [ أن يلتزم ب‍ ] (3) أن الحصر ليس بمطلق، أو [ أنه ] (4) مخصص بغير التوصليات، وكلاهما لا يمكن المصير [ إليه ] (1) لأن مساق الاية الحصر


(1) لم يرد في (م). (2) لم يرد في (م). (4، 4) الزيادة من (م). (5) الزيادة من (م).

[ 384 ]

المطلق، ولا يمكن جعل ذلك إضافيا، وإخراج التوصليات تخصيص للأكثر مستهجن، فلا بد من حمل كلمة (ليعبدوا) على التعبد بالمعنى الأعم، أي: سواء كان بلا واسطة أو معها، فالتوصليات أيضا داخلة فيه، فتخرج حينئذ عن الدلالة. والجواب عن ذلك: بمنع كون ذلك تخصيصا، وإنما هو تقييد يجوز (1) وإن كان الخارج أكثر من الداخل، مضافا إلى أن حمل (يعبدوا) على هذا المعنى مناف لسياق الاية منافاة واضحة، بعيد عن الفهم غاية البعد، منافر لقوله تعالى: مخلصين له الدين كل المنافرة، فحمل ذلك على معناه وإخراج التوصليات بالتقييد أو كون التخصيص هنا مبنيا على الأنواع دون الأفراد والتعبدي نوعا (2) ليس بأقل من التوصلي - مع أنه الظاهر من الاية بحسب السياق - أولى وأليق، وفي البحث مجال واسع. ومنها: قوله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم (3) بتقريب: أن الأطاعة إتيان للمأمور به على قصد الأطاعة والانقياد، وذلك واجب بمنطوق الاية فكل أمر صدر من الشارع يجب فيه الأطاعة بمعنى الأخلاص، وهو المدعى. ودعوى: أن الأطاعة معناها الأتيان بالمأمور به في الجملة، لا الأتيان به على وجه الأخلاص - كما ترى - يأباها (4) العرف والذوق السليم، كما أن القول بأن الأطاعة: الأتيان به على وجهه إن تعبديا فتعبديا وإن توصليا فتوصليا، ساقط جدا، نظرا إلى أن المراد ليس التمسك بهيئة الأمر في إثبات ذلك حتى يقال: إنه معلق على معلومية حال الأمر، بل الاستدلال إنما هو بمادة (الأطاعة) وهي مثبتة للتعبد بظاهرها، بمعنى: أن الأمر وإن كان أعم، لكن قوله: (يجب الأطاعة) يفيد


(1) في (م): وإنما هو تقييد والتقييد جائز. (2) في (م) ونوع التعبدي. (3) النساء: 59. (4) في (ن، ف): لا بمعنى الأتيان بالأخلاص يأبى عنه...

[ 385 ]

قصد الامتثال، فالبحث في الحقيقة في أن مادة (الأطاعة) هل هي الأتيان بالأخلاص (1) أو الأعم؟ لا ريب أن الظاهر منها الأول، فيكون الأمر بالأطاعة على هذا الفرض مثبتا لوجوب قصد الأخلاص، فلا وجه للترديد بالتعبد والتوصل، وهذا نظير ما سيأتي - إن شاء الله - في عناوين المعاملات في أصالة اللزوم أن أوفوا بالعقود (2) معناه: العمل بمقتضاها، إن لازما فلازما وإن جائزا فجائزا (3) كما ذكره العلامة رحمه الله في أحد وجهيه (4) أو المراد: العمل بمقتضاها دائما، فيفيد اللزوم. وسنحقق (5) أن مادة الوفاء معناه الأبقاء (6) فإذا أمر بها (7) فقد أمر باللزوم، أي: إبقاءه على حاله وعدم فسخه، وكذلك فيما نحن فيه متى ما كان معنى الأطاعة: الانقياد والتعبد بفهم العرف فالأمر بها (8) أمر بالأخلاص في كل أمر، وهو المدعى. وخروج النواهي عن ذلك غير قادح لو سلم حصول الامتثال بمجرد الترك لقيام الدليل عليه، ولا يلزم خروج الأكثر، لقلة النواهي في جنب الأوامر جدا. ولو حمل (أطيعوا) على خلاف ظاهره لا يلزم حمله على القدر المشترك بين التعبد والتوصل - أي: الأتيان مطلقا - لوجود المجاز القريب، وهو التصرف في الهيئة وإرادة قصد التقرب من المادة أعم من الوجوب والندب، فيكون الأول في الأوامر والثاني في النواهي. والحاصل: لا دليل على ارتكاب خلاف الظاهر هنا أبدا. كما أن معارضة الأوامر الخاصة مع عمومها أيضا ممنوعة، لأنها أيضا ظاهرة في التعبد، ومع تسليم الأعمية فعموم الاية وارد عليها كما مر نظيره


(1) في (م): على وجه الأخلاص. (2) المائدة: 1. (4) في (ف، م): إن لازما فلازم وإن جائزا فجائز. (4) المختلف 6: 255 (أوائل السبق والرماية). (7) يأتي تحقيقه في العنوان 29. (7) في (م): مادة الوفاء تقضي بالأبقاء. (7) في (م): به. (8) كذا في (م) وفي سائر النسخ: به.

[ 386 ]

وتحقيقه في الاية السابقة. نعم، يمكن أن يقال: إن هذا على فرض التمامية يثبت وجوب قصد التقرب مستقلا لا شرطا، والمدعى: إثبات كون المأمور به مفتقرا إلى قصد التقرب. ويندفع: بأنه متى ما ثبت الوجوب ثبت الشرطية بعدم القول بالفصل. وما ينقل عن المرتضى (1) غير محقق أو غير قادح. ومنها: الأخبار، نحو (2) (لا عمل إلا بنية) و (لكل امرئ ما نوى) و (إنما الأعمال بالنيات) (3). بتقريب: أن نفي العمل من دون نية التقرب نفي للصحة، فلا يترتب عليه الأثر من سقوط الأمر، وهو معنى الشرطية، وبذلك يثبت أنه عبادة. ولو حمل على نفي الذات فيدل على المدعى من دون إشكال، وكذا لو حمل على نفي الثواب ونفي ارتفاع العقاب. نعم، يرد على إرادة نفي الذات: أن العمل ليس له معنى شرعي، وقد نرى أن العمل يتحقق من دون نية الأخلاص، فلا وجه لنفي الذات. وإن اريد من (النية) القصد والشعور، فمع أنه ليس وظيفة الشارع يتم في الفاعل المختار، وليس الغرض تنقيح وجوه الرواية. ودعوى الأجمال - كما صدر عن بعضهم - ساقطة جدا، إذ نفي الصحة أقرب المجازات، بل يمكن دعوى: أنه لا ينساق إلى الذهن من هذه التراكيب إلا ذلك، ومجرد الاستعمال في بعض المقامات في نفي الكمال غير قادح. وما يقال: إن الأعمال التوصلية تصح من دون قصد التقرب، واللازم من ذلك


(1) إشارة إلى ما ذكره في الانتصار: 17 من أن معنى: قولنا: (إن الصلاة المقصودة بها الرياء غير مقبولة) هو سقوط الثواب، لا وجوب إعادتها. (2) في غير (م): ك‍ - لا عمل... (3) انظر الوسائل 1: 33، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات.

[ 387 ]

لزوم تخصيص الأكثر وهو قبيح، فلا بد إما من الحمل على نفي الثواب، أو نفي الكمال، أو إرادة العبادة من العمل، فلا ينفع في مقام الاستدلال. فقد عرفت الجواب عن ذلك فيما مر، من (1) أن نوع العبادة ليس بأقل من نوع التوصل، مضافا إلى أن مثل هذا التخصيص غير مستهجن، والحمل على تلك المجازات أبعد من ذلك بعد التأمل التام. وهذا المقدار من التنقيح كاف في التمسك بالرواية، على أنا نقول: طريقة الفقهاء خلفا وسلفا الاستدلال في العبادات على اشتراط النية بهذه الروايات، ة للادلل‍ رباج‍ م هلمع‍ ن إف‍، ى نعملا اذه‍ ى لع‍ ة - لاد اهنوك‍ ن ع‍) 3 (فشكت‍) 2 (] كلتو [ كما أنه جابر للسند، وتحقيقه ليس من وظائف المقام، والأشارة إليه إجمالا: أن عملهم إما يجعل كاشفا عن وجود قرينة مفهمة أو معينة أو نحو ذلك، وإما لأن المناط في فهم الخطابات على الظنون وعمل الأصحاب [ تمسكا به في فتاويهم ] (4) من أقوى الامور المحصلة للظن بالموضوع المستنبط ومعنى التركيب، وتنقيح البحث يحتاج إلى إطناب، والكلام فيه في الاصول. ومثل هذه الشبهة لا يعتنى بها في مقابلة ما ذكر، فتدبر. وقد اتضح من ذلك اشتراط النية في كل مأمور به، إلا أن يعلم الخلاف. z z z


(1) كذا في (د)، وفي سائر النسخ: مع أن. (3) الزيادة من (م). (3) كذا في (م)، وفي سائر النسخ: يكشف. (4) لا يوجد في (م).

[ 389 ]

(العنوان الثالث عشر) (في النية وما يتعلق بها من المباحث العامة)

[ 390 ]

عنوان [ 13 ] إذا ثبت أن كل عبادة مشروطة بالنية، فلها مباحث سارية في أبواب العبادات، قد بسطنا الكلام فيه (1) في شرحنا على النافع المسمى ب‍ (الحياض المترعة) في نيات الطهارات والصلاة، وندرج هنا المباحث المشتركة في الكل، ليجعل قانونا كليا، كسائر مباحث الكتاب، ومن أراد البحث عن الخصوصيات فليرجع إلى كلمة الأصحاب على ما يقتضيه كل باب. فنقول: إن هنا مباحث عديدة: أحدها: أن النية ليس المراد بها (2) قصد الفعل، إذ لا يصدر من المختار عمل إلا بقصد وشعور إلى الفعل، بل المراد من النية المأمور بها المعتبرة في العمل إنما هو قصد الأخلاص والعبودية والتقرب، لكن البحث في أن ذلك هو الداعي أو الأخطار بالبال؟ بمعنى: أن العبادة يعتبر فيها أن يتخيل المكلف في ذهنه (أني أفعل هذا الفعل - مثلا - تقربا إلى الله تعالى) ويتصور هذا الأمر، أو لا يحتاج إلى هذا التصور الذهني، بل كون الداعي إلى ذلك قصد التقرب كاف في ذلك، وهذا هو النزاع المعروف في كلامهم، وعبارات قدماء الأصحاب وتفريعاتهم - من المقارنة


(1) كذا، والمناسب: فيها. (2) في النسخ: به.

[ 391 ]

والاستدامة الحكمية ونحو ذلك - كلها مبنية على الأخطار بالبال. لكن جماعة من المتأخرين ممن قاربنا بانين (1) على كفاية الداعي. وهو المتجه. فنقول: إن الوجدان والعيان (2) يحكم بعدم صدور الفعل عن الفاعل المختار إلا بداع يوجب قصده الميل إلى العمل، وهو الغاية التي يفعل لأجلها، ولا يلزم خطورها بالبال في كل حال، لغلبة الواردات القلبية وكثرة الشؤون النفسية [ كما عليه المدار، وهو المشاهد في الأفعال والأطوار ] (3). ومن المعلوم: أن نية العبادة المأمور بها هو جعل المكلف ذلك الداعي إطاعة المولى وحصول القرب والزلفى، وليس إلا كغيره من الدواعي وإن كان حصوله أشكل الامور في العبادات، لكونه خلاف مقتضى النفس المغمورة في العادات. ولكن الأخطار بالقلب حال الشروع أو في الجميع غير مستلزم لحصوله، ولا كاشف عن وصوله (4). كما أن إخطار غيره بالبال ولو في جميع الأحوال لا يقدح في ثبوته. والوجه فيه: أن منبع الدواعي إنما هو الاذنان للقلب السامع بإحداهما دعوة الله إلى دار النعيم الموجب لصدور الأطاعة لتلك الغاية، وبالاخرى دعوة الشيطان إلى الجحيم الباعث على الأتيان لغير وجه الرحمان، وهما أمران سريان، كما يشهد به الخبر المعروف: (إن الرياء أخفى من دبيب النملة) (5) وخفاؤها يستلزم خفاء مقابلها أيضا، وذلك لوجود الألواح الخيالية المنتقشة فيهإ


(1) كذا، والصواب: بانون، والعبارة في (م) هكذا: لكن بناء جماعة من متأخري المتأ خرين على كفاية الداعي. (2) والعيان: ليس في (م). (3) لم يرد في (م). (4) في (م): وجوده. (5) لم نقف عليه في رواياتنا، نعم ورد عن أبي محمد عليه السلام: (الشرك في النا س أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود في الليلة المظلمة) وورد عن الصادق عليه السلام: (ان كل ر ياء شرك) انظر البحار 72: 298، ح 31 وص 302، ح 45، وبمضمونهما روايات كثيرة.

[ 392 ]

صور المدركات الحسية والمنتزعات الذهنية تحت عالم القلب الشاغلة عن حقيقتها وبروز المستكن فيها، فبعروض التسويل والتدليس فيها بين الجنودين يخفى على الأنسان ما هو الكامن في نقطة القلب. فتارة يتخيل التقرب إلى الله بالخيال والحواس، واخرى لشدة الخلط ينجر إلى الوسواس، وثالثة يتوهم الصدور من غير شعور، وإنما الناقد البصير والمجاهد الخبير يطلع على الوفاء والخلف بالاطراد والتخلف بمزاولة الأعمال ومراقبة الأحوال بحسب الخلوة والحضور والأزمنة والأمكنة. فإن أدرك عن نفسه الأخلاص فنعم المفر والمناص، ولا يضره عدم الشعور به عند الشروع فيه، لكمونه في القلب كالروح في الجسد، وهو المراد من التلبس بالنية الحاصل بارتفاع دواعي الجهل عن نظر الفؤاد والتفاته إلى الصدق والسداد. وقد علم أن الداعي أمر واقعي، وليس مجرد الخيال والأخطار بالبال، بل الحق امتناع ذلك بعد الشروع في الأقوال والأفعال، لعدم صدورها إلا عن تصور وشعور وإدراك وحضور، كالعبد المشتغل على السؤال والجواب القائم مقام الخطاب بين يدي المولى بأنواع الخوف والرجاء، حيث لا يلتفت إلى الغاية المقصودة أصلا وإن كان بعد مراجعة القلب يعرف الداعي إليه والغرض منه، وذلك الأمر يحتجب بصور الأعمال والأقوال المخطرة بالبال التفاتا إلى لوح الخيال، وينكشف بعروض المنافيات وتبدل الأوقات. وهذا لو وجد دام حقيقة (1) - كالروح في البدن - ولو عند الذهول أو خطور غيره بعد الدخول ما لم ينشأ المنافي من الطرف المقابل، ولا يفرق حينئذ بين المخطر والذاهل، وهكذا الكلام في كل عمل مع غايته المقصودة في بدايته، وعليه طريقة العباد في أمر المعاش والمعاد. وليس مصب الأدلة في النية إلا هذه الطريقة، لصدق الامتثال بقصد الأفعال لداع معين وإن لم يخطر بالبال.


(1) في (ن): حقيقته.

[ 393 ]

وهذه المسألة في تحقيق معنى الداعي والنية قد اشتبهت على كثير من الناظرين في المقام، لكثرة تشوش العبائر والتعبيرات في بيان المدعى، وبعبارة واضحة: الداعي (1) عبارة عن كون القوة العاقلة المدركة التي تلاحظ الأغراض وتبعث البدن على الأتيان بمقدماتها وأسبابها بانية على غرض التقرب والزلفى في إتيان العبادة، لا على غرض آخر. والأخطار بالبال عبارة عن استحضار هذا العلم أيضا في القلب حتى يحصل العلم بهذا العلم عند العمل، ولم يعلم من أدلة النية اعتبار ذلك، لأنه خلاف ما جرت عليه عادة الناس في أعمالهم، فإنا لم نجد أحدا عند اشتراء اللحم لأهله أن يتصور في ذهنه (أني أشتري هذا اللحم لعيالي ليأكلوه ويسلموا من ألم الجوع ويبرأ ذمتي من وجوب الأنفاق) مع أنه معلوم أنه لو سئل عن الداعي إلى شراء اللحم لأجاب أن السبب هذا، لا شئ آخر، فتدبر جدا. وثانيها: أنه لا يلزم التلفظ بالنية في شئ من المقامات، لعدم دليل على وجوبه، وقد عرفت أن أدلة النية غير دالة على ذلك. وما ورد في باب الحج من التلفظ عند المناسك، كقوله: (اللهم إني أحرمت) (2) ونحوه، وذكره الفقهاء في كتبهم الفقهية (3) فإما هو لازم خارجي دل عليه الدليل، أ و مستحب كما هو الظاهر، وهو أمر زائد على حقيقة النية المبحوث عنها. ومن هنا يعلم: أن التلفظ بها في سائر العبادات ما لم يقم عليه دليل موجب للتشريع لو أتى به بقصد الاستحباب، وبدونه فهو لاغ (4).


(1) هذه الفقرة من أولها إلى هنا وردت في (م) كما يلي: وقد اشتبه على كثير تحقيق معنى الداعي، لاضطراب العبائر في بيانه، والعبارة الواضحة فيه: هي أنه عبارة... (2) لم نقف عليه في الأحاديث باللفظ المذكور، نعم وردت روايات كثيرة بلفظ (اللهم إني اريد...) انظر الوسائل 9: 22، الباب 16 من أبواب الأحرام، والباب 17 منها. (3) التذكرة 1: 298، الدروس 1: 307، المسالك 2: 126. (4) في (م): لغو.

[ 394 ]

وأما الأخطار بالبال: فقد عرفت أنه قد اعتبره جماعة من القدماء، فإن أرادوا أن معنى النية ذلك فقد عرفت أن التحقيق خلافه، وإن أرادوا لزومه تعبدا - وهو شئ زائد على الداعي المعتبر - فلعل الوجه: أن الداعي لما كان أمرا خفيا لا يتميز غالبا - وإنما ينقحه أصحاب الأذهان السليمة والمجاهدات - فاللازم اعتبار أمر واضح يبتني عليه الحكم ويتصف العمل بالصحة والفساد معه، وهو الأخطار بالبال، فيكون معنى كلامهم: أن مع كون الداعي التقرب لا بد من تصوره أيضا حتى يسلم عن الشوائب ويتضح عن غيره، لا أن مجرد الأخطار نية وإن لم يكن المخطر بالبال هو الداعي، إذ القول به مناف لأدلة النية. وهذا وجه جيد. مع أنه يمكن أيضا أن يقال: إن ما ورد في باب الحج وغيره من الروايات في كيفية القصد والشروع في العبادة أيضا يرشد إلى استحضار الداعي عند العمل، مضافا إلى أنه العمدة المميز (1) بين العبادة وغيرها، فالاهتمام بشأنها أزيد من غيرها، مضافا إلى الأجماع المحكي عن المنتهى في الصلاة (2) ورواية العلل: (في وقت رفع اليدين في التكبيرات إحضار النية وإقبال القلب على ما قال وقصد) (3) ولا ريب أن ملاحظة هذه الوجوه مع فتوى أساطين الأصحاب مما يؤيد اعتبار الأخطار تعبدا، وهو أحوط إن لم يكن أولى، بل أقوى (4). وثالثها: أن على القول بالداعي: لا ريب أن استدامته حقيقة (5) والعمل متلبس به من ابتدائه إلى آخره إلا أن يتبدل الداعي بداع آخر، كعروض قصد الرياء ونحوه، وذلك كلام آخر، والغرض (6) أن الداعي موجود دائما حقيقة، ولا يمكن صدور الفعل من دون داع، لأنه أحد أجزاء العلة التامة، وبانتفائه ينتفي المعلول، فهو مستديم حقيقة، مقارن لأول جزء من العمل ووسطه وآخره.


(1) في (م): العمدة في التمييز. (2) المنتهى 1: 266. (3) علل الشرائع: 264، ب 182، ح 9. (4) في (م): وهو أحوط إن لم يكن أقوى. (5) كذا، ولعلها في الأصل: حقيقية. (6) في (ف، م) والفرض.

[ 395 ]

وأما على القول بالأخطار واعتباره: فقضية الأصل فيه أيضا اعتبار دوامه واستمراره، لاعتبار تلبس العمل به، والعمل اسم للمجموع، لكنهم لما رأوا أن ذلك غير ممكن في جميع الأطوار، لضرورة الذهول في البين - إذ ما جعل لرجل في جوفه من قلبين (1) - لم يوجبوا ذلك دائما، واعتبروا المقارنة لأول جزء من أجزاء العمل، إذ المتقدم عليه يكون عزما، والمتأخر عنه موجب لخلو بعض الأجزاء عنه حقيقة وحكما، مع أن الظاهر من أدله النية اعتبارها ابتداءا والتلبس بها حال الفعل، واعتبروا الاستمرار الحكمي إلى الفراغ. والمراد به - كما عن جماعة (2) - عدم نية ما ينافيها، وفسره الشهيد في الذكرى بالعزم على مقتضاها (3) بمعنى: أن كلما يلتفت إليه يعزم على ذلك القصد الأول إتيانا بالميسور. والفرق بينه وبين الاستدامة الفعلية واضح، فلا وجه للرد بأنه التزام بالحقيقة، والثمرة تظهر في حال الذهول عنه. وحيث إن الأخطار - على ما ذكرناه - مستند إلى الوجوه الماضية، وهي لا تقتضي أزيد من اعتباره في أول العمل، فيقتصر عليه، ونفسر الاستدامة بعدم قصد المنافي، كما عليه الأكثر، وهذا هو الأوفق بالقواعد. وحيث إن عدم لزوم استمرار الأخطار للعسر والحرج، فلذلك لا نعتبره في الأذكار والأعمال المترتبة والتعقيبات ونحو ذلك، ويكفي فيها الداعي والخطور في أولها، ولا يحتاج في أول كل ذكر وتعقيب الأخطار بالبال. قال الشهيد في القواعد: وتجزئ نية أعمال متصلة في أولها، ولا يحتاج إلى


(1) كما قال الحكيم في كتابه الكريم: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه الأحزاب: 4. (2) منهم الشيخ في المبسوط 1: 19، والمحقق في المعتبر 1: 139، والعلامة في التذكرة 1: 141، والشهيد الثاني في المسالك 1: 34. (3) الذكرى: 81.

[ 396 ]

تجديد نية [ لأفرادها ] (1) وإن كان كل واحد منها مبائنا لصاحبه، كالتعقيب (2) والسيرة قاضية بذلك. وقد جعل جماعة من المتأخرين أمثال هذه الاشياء ردا على المتقدمين القائلين بالأخطار، والمخلص عنه واضح. ورابعها: أن بعد اعتبار معنى الأخلاص لا ريب في أن قصد الرياء - بمعنى: أن يكون المقصود منه التقرب إلى غير الله تبارك وتعالى للتوصل إلى الأغراض النفسانية - مناف له مبطل للعبادة، لانتفاء شرطها. وحكي عن المرتضى رحمه الله إسقاط الثواب بالرياء، ولم يوجب الأعادة (3) وهو شاذ، وتمام الكلام في الفروع. وأما غير الرياء فالغايات متعددة: 1 - (4) التعبد لله تعالى خالصا عن جميع الشوائب والصفات. و 2 - قصد قربه (5) تعالى والارتباط بالحضرة القدسية، ومعناه باللسان الواضح: تعرية النفس عن النقائص والأدناس، وإرادة ترقيها إلى مدارج مراتب التجرد والتخلص عن التعلقات المعنوية، ولا طريق لذلك إلا الثبات في إطاعة الحضرة الأحدية، وإلى هذا المقام يشير الأمام بالحق علي أمير المؤمنين عليه السلا م: (وخلق الأنسان ذانفس ناطقة إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهت أوائل جواهر عللها (6) وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد) (7). وهذا هو المعنى الذي يقصده أرباب المجاهدة. و 3 - كونه تعالى أهلا للعبادة. قال الشهيد في القواعد: وهو أكمل مراتب الأخلاص، وإليه أشار عليه السلام بقوله: (ما عبدتك طمعا في جنتك، ولا خوفا من


. (2) من المصدر. (2) القواعد والفوائد 1: 116، الفائدة: 24. (3) الانتصار: 17. (4) في (د): أحدها... وثانيها... الخ. (5) في (م) زيادة: إليه. (6) في المصدر: جواهر أوائل عللها. (7) المناقب لابن شهر آشوب 2: 49.

[ 397 ]

نارك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك) (1). و 4 - كون العبد أهلا للخدمة. وهو قريب من الثالث. و 5 - لمالكيته تعالى، أو لمملوكية نفسه. وهما يقربان مما مر. و 6 - للحياء منه تعالى. وهو غرض مقصود، وفي الخبر: (استحيوا من الله حق الحياء) (2). (اعبد الله فكأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (3). وعن علي عليه السلام رضى الله عنه عليهما السلام رحمهم الله (في جواب ذعلب اليماني: (أنا لا أعبد من لا أراه) (4). وهذا مرتبة أهل اليقين. و 7 - لمحبته تعالى، فإن المحب يعبد محبوبه، ولا محبوب إلا الله تبارك وتعالى، لأن كل كمال فيه ومنه. وهذا مرتبة المشتاقين. و 8 - لطلب رضاه تعالى الموجب للنجاة في الدين والدنيا. وهذه مرتبة المخلصين. و 9 - لشكر نعمته (5) واستجلابا للمزيد وطلبا لعلو المرتبة وحذرا من تسافلها الموجب لانسلاخ النعم. وهذه مرتبة الصالحين والمصلحين (6). و 10 - فعلها تعظيما ومهابة وانقيادا وإجابة. وهذه مرتبة الخاشعين. و 11 - فعلها طلبا لعفوه تعالى، واعتذارا عما وقع من التفريط في جنبه تعالى. وهذه مرتبة الراغبين والتائبين. و 12 - ملاحظة الفوز بالثواب والخلاص عن العقاب. وهذه مرتبة الاجراء والناقصين في الرتبة والأدنين في الهمة. وهذه الغايات لا بأس بقصدها.


(1) القواعد والفوائد 1: 77، الفائدة: 2. (3) الكافي 2: 68، باب الخوف والرجاء، ح 2، وفيه: يا إسحاق خف الله كأنك تراه... (4) توحيد الصدوق: 308، الباب 43، ح 2، ولفظ الحديث: ويلك يا ذعلب! ما كنت أعبد ربا لم أره. (5) في (ف، م): لشكر نعمة. (6) والمصلحين: ليس في (م)، وفي (ف): الصادقين والمصلحين.

[ 398 ]

وحكي عن ابن طاووس البطلان بقصد الأخير (1). وقال الشهيد في القواعد: وأما غاية الثواب والعقاب فقد قطع الأصحاب بكون العبادة فاسدة بقصدهما (2). ولعله لمنافاته التعظيم، وكونه معاوضة والعبادة غير ذلك، وللدعاء السابق في الغاية الثالثة (3). ويدفعه لزوم العسر الشديد والحرج الوكيد المنفيين آية ورواية، وظواهر ما دل على الوعد والوعيد المستفاد منه جعلهما غاية، وما دل على الدعاء رغبا ورهبا وخوفا وطمعا، وصدق الامتثال عرفا، ولا ريب أن التخلص عن هذه الأغراض عزيز الوجود بل لا يناله إلا الاحاد في (4) العباد. ولعل مراد الشهيد رحمه الله قصدهما من دون قصد تقرب إلى الله، بل يكون (5) الغرض محض ترتب الثواب، والتخلص عن (6) المهلكة من دون انبعاث في النفس إلى العبادة والقرب، ولا ريب أنه كذلك، فإن مرادنا بالصحة قصد التقرب ليترتب عليه هذان الأمران، بمعن: أنه يريد التقرب إلى الله تعالى للجنة والنار لا لأمر آخر، وأما قصد حصول الجنة واندفاع العقاب بهذا العمل من دون إرادة التقرب إلى الله فذلك مفسد جزما. وخامسها: في أحكام الضمائم والمنافيات الطارئة في الأثناء. لو ضم مملوكا في النية إلى المالك الأصلي متعددا كان أو واحدا، فإما أن يجعل المجموع المركب غاية وداعيا إلى العمل، أو يجعل الخالق أصليا والمخلوق تبعيا، أو بالعكس، أو يجعل كلا منهما علة مستقلة.


(1) حكاه عنه الشهيد الثاني في الروض: 27، والسيد السند في المدارك 1: 187. (2) القواعد والفوائد 1: 77، الفائدة: 2. (3) يعني دعاء أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: ما عبدتك طمعا في جنتك... (4) في (م): من. (5) في (ف، م): بكون. (6) في (ف، م): من.

[ 399 ]

فعلى الأول: يبطل العبادة، لعدم الأخلاص، وللانحصار في ابتغاء وجه رب العزة، ولصدق نواهي الرياء عليه، وسلب (كونه لله) عنه. وعلى الثاني: فالذي يقوى في النظر الصحة، لأن العلة التامة التقرب إلى الخالق، وبه يتحقق العمل مع وجود أجزائها الاخر، ويصدق عليه الأخلاص، ولا يصدق عليه الرياء، والمتبادر من الحصر بابتغاء وجه الله كونه السبب المستقل، ولا ينافيه التوابع. وعلى الثالث: يبطل أيضا، والوجه يتضح من القسم الأول. وعلى الرابع: إشكال، من إتيان الفعل للخالق لو فرض عدم غيره أيضا، ومن تدافعهما وتساقطهما لفقد الأولوية، فكأنه بلا نية، وفوات الانحصار المذكور في الاية الشريفة. والأقوى البطلان. وملاحظة النار والجنة مع التقرب أيضا ينقسم بالأقسام (1) ويجئ فيه الأحكام السابقة، وقد أشرنا إلى ذلك في الغايات. ولو نوى اللوازم (2) للعمل - كالتبرد ونحوه في الوضوء من تنظيف وغيره - ففي القواعد فيه وجهان: من أن نيته كعدمه، للزومه للعمل لا محالة، ولأنه يحصل فيه معنى الأخلاص (3). والحق انقسام ذلك أيضا إلى الأقسام السابقة، والكلام الكلام. ومن هذا الباب ضم ملازمة الغريم إلى القربة في الطواف والسعي والوقوف ونحو ذلك. ولا يضر مجرد حصول المسرة عند حضور الناس في أثناء عمله، كما لا يضر خطور بعض الامور بالقلب بطريق الوسواس وحديث النفس، وفي النصوص


(1) في (م): ينقسم إلى الأقسام المزبورة. (2) في (ن): اللازم. (3) القواعد والفوائد 1: 79، الفائدة: 3.

[ 400 ]

دلالة على ذلك (1). ولو ضم ما ليس بلازم وليس بمناف - كقصد الكون في الدار مع الصلاة، وقصد الخروج إلى 2 السوق مع القربة في الوضوء ونحو ذلك - فإن قصد مشروعية العبادة لهذا الشئ المنوي فقد شرع وأبطل، وإن قصد ذلك من نيته فيمكن القول بالبطلان بمجرد الاشتغال بما لا يحتاج إليه. والأقوى ملاحظة ما مر من الأقسام والأحكام، فإن ضابط مسألة الضمائم ما ذكرناه. وأما المنافي: فلو نوى عملا مقطوعا - كنصف وضوء أو صلاة ونحو ذلك - بطل، لعدم النية إلى المأمور به، ولا ينفع بعد ذلك إتمامه. ولو نوى القطع في الابتداء، بمعنى: أنه نوى العبادة ونوى أنه يقطعها ولا يأتي بها، فكذلك في البطلان، ويؤول إلى نية المقطوع، وكذا لو نوى القاطع ابتداءا، كما لو نوى في أول الوضوء أو الصلاة أن (2) يحدث في أثنائهما، والوجه واضح مما مر. ولو نوى شيئا من ذلك بعد الفراغ من العمل، فلا يبطل قولا واحدا. ولو نوى في أثناء العمل الخروج عنه، فعن جماعة البطلان، وعن آخرين العدم (3). وكذا لو نوى أنه سيخرج فمن المتأخرين من أبطل به، ومن السابقين من لم يبطل، ومنهم من تردد. ولو شك في أنه يخرج أم لا، فتردد بعضهم، وأبطل آخرون، وصححه ثالث. ومنهم من فرق في هذه الفروع بين كون النية جزءا أو شرطا، والعبادة اسما للصحيح أو الأعم، فأبطل على الأول منهما دون الثاني.


(1) انظر الوسائل 1: 44، الباب 8 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 6، وص 55، الباب 15 منها، ح 1 و 2. (2) في النسخ: أو. وهو سهو. (3) إن أردت تفصيل الأقوال ومعرفة قائليها في هذا الفرع والفروع الاتية انظر مفتاح الكرامة 2: 328 - 330.

[ 401 ]

وفي نية القاطع - كالحدث والتكلم في الصلاة - قول بالبطلان، وقول بالعدم، وقول بالتفصيل بين القواطع. ولو نوى أنه خارج عن العبادة، فأبطله في المختلف (1) ووافقه آخرون. وتعليق الخروج بأمر متيقن الوجود كنية الخروج - على ما نصوا عليه - والتردد فيه كالتردد فيه. ولو علق على محال، نصوا على عدم البطلان. ولو علق على ممكن، فقول بالبطلان، وقول بالصحة، وقول بأنه إن حصل بطل، وإلا فلا، وقول بأنه لو علق على مستبعد الوقوع صح وفي المساوي أو الراجح يبطل. هذا (2) صور المنافيات، وليس غرضنا من نقل هذه الأقوال تنقيح هذه المباحث، فإنا قد استوفينا الكلام فيه في الفروع، خصوصا في نية الصلاة، من أرادها فليرجع إلى شرحنا على النافع، والغرض هنا بيان الضابط. فنقول: إن النية إذا جعلناها الداعي علة غائية لا يعقل العمل بدونها. نعم، لا يلزم كون ذلك التقرب، فقد ينقلب الداعي ويتبدل ويستمر العمل على حاله، للزوم غاية ما في وجوده.. والمستفاد من أدلة النية كون الداعي التقرب إلى آخره، فكما أنه متى تبدل بغيره - كالرياء - بطل، لعدم وجود ما اعتبره الشارع غاية، فكذا لو ارتفع أصل الداعي لا يعقل العمل ولا يمكن الاستمرار عليه، فما دام المكلف مستمرا على العمل فالداعي موجود، سواء عزم [ على ] (3) الخروج، أو [ على ] (4) أنه خارج، أو تردد، أو قصد المنافي من حينه، أو بعده، أو علق على ممكن أو محال أو موجود، إذ استمراره على القراءة أو الغسل - مثلا - كاشف عن بقاء الداعي، وهذه


(1) المختلف 2: 139. (2) كذا في النسخ، والمناسب: هذه. (4، 4) الزيادة من (م).

[ 402 ]

كلها تصورات لا تزيل العلة ولا تقدح في الامتثال. ودعوى: أن المتبادر من أدلة النية ما لم يكن ذلك فيها، ممنوعة، إذ الظاهر منها بقاؤها، وقد علمت أنه باق قطعا ولم يتبدل - كما هو المفروض - ولم ينقطع جزما، لدلالة الأثر على مؤثره. فالاستدامة الحقيقية موجودة في الداعي، وما عداه تخيلات، ولا يحتاج إلى استصحاب ونحو ذلك، أو القول بأن الاستدامة غير معتبرة. ولو عرض أحد هذه المنافيات بحيث رفع الداعي ووقف عن العمل، فإن كان من الأعمال المعتبرة فيها الاتصال والموالاة والهيئة المجموعة فمتى فاتت بطل، وإن لم يكن من ذلك القبيل فمتى ما عاد الداعي المقصود - أي التقرب - واشتغل بالعمل صح من دون كلام. ودعوى: أن الجزء السابق قد انقطع عن اللاحق فبطل فلا ينفع لحوق اللاحق، إنما تسلم لو كان هناك الفصل مبطلا، ولو لم يكن مما اعتبر فيه الاتصال فلم يبطل حتى ينقطع. فلو غسل رأسه في الغسل ونوى بعد ذلك أني لا أغتسل بعد ذلك، ثم بعد مدة طويلة عرض له الداعي وخوف الله فقام يغسل يمينه وشماله، صح على ما حققناه (1). وكذلك في الوضوء قبل فوت الموالاة، وفي الصلاة قبل طول الفصل المخل بالهيئة، ونظائر ذلك في أعمال الحج واضحة جدا. وأما على القول بالأخطار: فالظاهر أن هذه الفروع والأقوال كلها مبنية عليه، وقد عرفت أنا لو اعتبرناه - كما قويناه - إنما نعتبره في أول العمل، ولا نعتبر أ زيد من ذلك، لما مر من الوجوه الدالة عليه، ولا نعتبر عدم العزم على المنافي أو العزم على البقاء، ونحو ذلك. فعندنا أيضا لا يبطل بهذه الفروض، إلا بارتفاع الداعي الموجب لتعطيل العمل


(1) في غير (م) زيادة: (من دون).

[ 403 ]

بفصل مخل، أو انقلاب الداعي من التقرب إلى غيره. وهذا هو الضابط في هذا الباب، وإلا فكلمة الأصحاب مما لا يكاد يلتئم في هذا المقام، فعليك بالتأمل التام. ولو نوى جزءا من أجزاء العمل لغيره أو خارجا عن العمل وقصده عبثا أو لأمر خارج فهو خارج عن العبادة، لعدم كون داعيه التقرب، فإن كان العمل مما يبطل بمثل ذلك الفاصل بطل، وإلا أتى بذلك الجزء مرة ثانية لأصل العمل. ومن هنا يعلم: أن من قصد الرياء بجزء من أجزاء عبادته بطل ذلك الجزء ويعيده مرة اخرى بالأخلاص، ويصح عمله، فتدبر فإن المقام من مزالق الأقدام للأعلام. وسادسها: أنه يعتبر في النية تعيين المنوي بمشخصاته ومميزاته: من جنسه ونوعه وصنفه وشخصه. وتوضيحه: أنه لو كان ذلك العمل الصادر من المكلف قابلا في الواقع لاحتمالات، مثل كونه أداءا أو قضاءا، مندوبا أو واجبا، أصالة أو نيابة، ظهرا أو عصرا، ونحوها من الامور المحتملة - ويجري هذا الاحتمال في كثير من العبادات بل كلها - فإنها قابلة للصدور على وجوه كثيرة وأنواع وأصناف وأشخاص، فإذا كان كذلك فلا بد من توجه القصد للمكلف إلى أحد هذه الامور بعينه بحيث يتعين ولا يمكن صرفه إلى شئ آخر، فلو لم يعين كذلك بطل، سواء أطلق أو قصد المردد بين المحتملات. والوجه في ذلك: أن بعد حصوله لا يحسب على الاثنين جزما، لأنه واحد، ولا على واحد بعينه، لأنه ترجيح من دون مرجح، ولا على واحد مردد، لأن المردد ليس مأمورا به، وإنما المكلف به الخصوصيات والعنوانات التي تعلق بها التكليف. وليس غرضي من الخصوصيات الأشخاص، بل خصوص ما تعلق به الخطابات، وإنما البحث فيما يحصل به التعيين.

[ 404 ]

فنقول: قد يحصل التعيين بخلو ذهن المكلف عن الاحتمال الاخر بسهو أو جهل ولا يخطر بباله إلا صورة واحدة فيأتي بها، وبالتفات إلى ذهنه إلى أحد الاحتمالين في الأتيان مع حضورهما في الذهن. وربما يتخيل أن التعين (1) شرعا كاف وإن لم يعين المكلف، بمعنى: أنه ينصرف إلى الواقع وإن لم يعينه. وهو بعيد، لأن المكلف يحتمل أن يريد خلاف ما هو المعين في الواقع عمدا عصيانا، مثلا: له أن ينوي في شهر رمضان (أن صومي في هذا اليوم لا اريده لشهر (2) رمضان، بل اريده صوم نذر، أو صوم آخر، أو صوم نيابة عن آخر) عمدا عصيانا، فإذا احتمل هذا الاحتمال، فمتى ما أهمل بالقصد لم يعلم الامتثال، فلا بد من التفات ذهنه إلى ما هو على ذمته عند الشارع، وهذا هو المراد من التعيين. ومثل ذلك صورة تردد الفائتة بين صلوات، فلا يكفي فيه الأطلاق، بل يجب التفات الذهن على ما في ذمته في الواقع. والتعيين بالمعنى الذي ذكرناه ضابطة قصد ما امر به بالخصوص، لا المردد بين امور مأمور بها. وهذا التعيين قد يتوقف على قصد وجوب أو ندب، وقد يتوقف على أداء وقضاء، وقد يتوقف على اعتبار زمان أو مكان، أو سبب من أسبابه - على اختلاف أنواعها وأقسامها - وقد يحصل من دون ملاحظة شئ من ذلك، كمن أقدم في أول الظهر على الصلاة الواجبة الظهرية التامة الأدائية الواجبة عليه أصالة، مع خلو ذهنه (3) عن سائر الصلوات كافة فريضة أو نافلة، ومع خلو ذهنه عن ملاحظة وصف الظهرية والوجوب والادائية والأصلية والتمامية (4) ونظائر ذلك، بل ليس في ذهنه إلا الصلاة المعهود فعلها في ذلك، فقام وكبر لذلك. وليس في هذه النية جهالة في المنوي بوجه، مع أن شيئا من الصفات غير ملحوظ في


(1) في (ن، ف): التعيين. (2) في (م): لا اريده صوم رمضان. (3) في (م): ذمته. (4) في (م): التامية.

[ 405 ]

الذهن إلا كونه مأمورا به، وعليك مقايسة سائر العبادات بذلك. وسابعها: في لزوم قصد الصفات الخارجية، كالوجوب والندب والأداء والقضاء والقصر والأتمام والاصالية والنيابة والجماعة والانفراد وكون سببها الأمر الفلاني، ونحو ذلك يجئ في جميع أصناف العبادات، ولا يختص بالصلاة. فنقول: إن توقف تعيين المأمور به في نظر المكلف على أحد هذه الامور - بحيث ما لم يقصده لم يتشخص المأتي به على كونه امتثالا لأحد الخطابات - فلا كلام في وجوب القصد، وهو مسألة التعيين، ودليله قد تقدم. وأما لو لم يكن التعيين موقوفا على شئ من ذلك فلا دليل على لزوم قصد شئ من ذلك، إذ اللازم إتيان المأمور به بقصد التقرب. وأما عد صفات المأمور به ولو احقها فلا دخل لها في ذلك، ولا ربط لها في امتثال الأمر، ومجرد كونه في الواقع متصفا بهذه الصفات لا يوجب قصد ذلك كله. ولو قيل: إن التعيين لا يحصل إلا بذلك. قلنا: فرض كلامنا فيما يتعين بدونه، مع أنا نقول: إنكار التعيين بدون تصور هذه الصفات مناف للوجدان، إذ التفات الذهن إلى شئ معين في الواقع من دون ملاحظة أوصافه - وإن كان لو التفت إليها لعلمها وتخيلها - غير عزيز بل هو الغالب في الأفعال وخطابات العرف وقصود المكلفين في امور معاشهم ومعادهم، فمن اعتبر قصد الوجه والأداء والقضاء ونظائر ذلك تفريعا على مسألة التعيين فلا يطرد كلامه في جميع الفروض، وقس عليه سائر الصفات. نعم، ظاهر كلام المتقدمين اعتبار قصد الوجوب والندب تعبدا ونحن نمنعه، سيما مع ورود الخطابات بالطلب من دون تعيين الوجه المستلزم على تقدير اعتباره تأخير البيان عن وقت الحاجة، وعسر تميز الواجب والمندوب في أغلب الأوامر، بل ربما يقال: إن اعتبار الوصفين مناف لغاية العبودية الكاملة، مع

[ 406 ]

أن صدر الأسلام كان تمييز (1) الواجب والمندوب على المكلفين مما لا يستطاع، بل في بالي أن في بعض الروايات دلالة على أن اللائق إتيان المأمور به من دون فحص عن كونه واجبا أو مندوبا، ولم نجد في أدلة المعتبرين لقصد الوجه ما يعتمد عليه، وإذا لم يجب ذلك فالصفات الاخر بالاولوية. فلو نوى إحدى الصفات في مقام الاخر (2) جهلا أو سهوا أو نسيانا أو عمدا فلا يضر بعد تعيين المأمور به، بمعنى: عدم جعل شئ من ذلك قيدا ومشخصا، بل ينويه على أنه مورد، ويقصد أن ما هو المعين في نظري متصف بذلك، فمتى ما خالف الواقع يلغو، وليس ذلك إلا كالمسجد والبيت وغير ذلك من الامور الخارجية لو نوى كون عبادته على إحدى الصفات الخارجية وهو عالم بخلافها أو جاهل. ومن هنا يعلم عدم لزوم تغيير (3) النية من إحدى هذه الصفات إلى الاخرى لو فرض انقلاب الواقع، كالصبي يبلغ في أثناء عمله المجزي عن الواجب. وكذا لا يجب قصد الوجوب والندب الغائيين، ووجه الوجوب والندب: من اللطف، أو ترك المفسدة، أو الشكر، أو مجرد الأمر - على الاختلاف في ذلك - فإن ذلك كله لا دليل عليه. وثامنها: أن الأمر المعتبر في العبادة إما شرط وإما جزء، وقد اختلف في النية. فقيل: إنها جزء (4) لأطلاق كلام الفقهاء بأنه ركن، ومعنى الركن: الجزء العمدة. ودعوى: إرادة ما يبطل العمل بفواته، مدفوعة بأن ذلك مناف لقاعدة النقل، ولأن ذلك موجود في سائر الشرائط، ولعد الأصحاب لها في أفعال الصلاة، ولالتئام الصلاة منها (5) كسائر أجزائها، ولاعتبار شرائط الصلاة من القبلة والقيام


(1) في غير (ف): تميز. (2) كذا، والمناسب: الاخرى. (3) في (ن، م): تغير. (4) نفى عنه البعد الشهيد في الذكرى: 176، وجزم به ابن فهد في الموجز (الرسائل العشر): 73، قال: (وهي جزء نسميه الشرط) ونسبه في المدارك (3: 308) إلى ظاهر الشرائع. (5) في غير (م): عنها.

[ 407 ]

والطهارة فيها، فكذا في غير الصلاة من سائر العبادات، والغرض التمثيل. وقيل: إنها شرط (1) لأنها سابقة على العبادة، والجزء يكون داخلا، وقد كشف عن هذا المعنى تحديد أول الصلاة بالتكبير في النص (2) فغيرها كذلك، ولأن جزئيتها تقضي بافتقارها إلى نية اخرى فيتسلسل، ولأنها تتعلق بالعبادة، وتعلق الشئ بنفسه (3) غير معقول. ويمكن أن يقال: إن عدها من الأركان والأفعال (4) لكونها أشد اتصالا بالعبادة وإن كانت خارجة في الحقيقة، والتئام العبادة منها (5) ممنوع، واعتبار الشرائط فيها غير ملازم للجزئية. كما أنه قد يقال: لا نسلم كون النية سابقة، بل هي أول الأجزاء، والخبر (6) محمول على الأجزاء البدنية الظاهرية، ولا نسلم لزوم النية لكل جزء، أو نقول: إن نية النية نفسها، وتعلق الجزء بالكل لا بأس به، لكفاية المغايرة الاعتبارية، أو نقول بتعلقها بما عدا نفسها، ولكن أدلة النية ظاهرة في خروجها عن العمل. والذي يقتضيه النظر أن يقال: إنه جزء معنوي متصل من أول العمل إلى آخره، كالروح في البدن. فإن شئت قلت: شرط، لأنه خارج عن تركيب البدن، إلا أن بدونه لا يترتب عليه الاثار. وإن شئت قلت: جزء، لأن الأنسان عبارة عن المجموع، لا نفس الهيكل، فلا تذهل. وتاسعها: أن الأصل أن لا يجزئ نية أحد الأمرين عن الاخر، كما أن الأصل


(1) قاله المحقق في المعتبر 2: 149، والعلامة في المنتهى 1: 266، والشهيد الثاني في الروض: 255، والسيد السند في المدارك 3: 308. (2) الوسائل 4: 714، الباب 1 من أبواب تكبيرة الأحرام، ح 7، بلفظ: فان مفتاح الصلاة التكبير. (3) في غير (م): بنفسها. (4) في غير (م): إن عدها للأركان ومن الأفعال. (5) في غير (م): عنها. (6) يعني الخبر المشار إليه آنفا.

[ 408 ]

عدم إجزاء أحد الأعمال عن غيره، لأن كلا منهما مأمور به، والأصل عدم التداخل، وقد تقدم تحقيقه (1). وما ثبت في بعض المقامات فإنما هو بالدليل. والأصل عدم جواز العدول عن نية إلى اخرى، لأن الواقع لا ينقلب، وهو من المستحيلات، إلا إذا قام الدليل الشرعي على ذلك، فيقوم أجزاء ما مضى مقام أجزاء ما سيأتي تعبدا، وقد ثبت ذلك في الفقه في مقامات لا يخفى على من راجعها. والأصل أن تكون النية من نفس المكلف، ولا أثر لنية غيره، لأنه ظاهر أدلة النية، إلا فيما دل الدليل على خلافه، فلو كان عاجزا في وضوء أو غيره فوليه غيره ينوي العاجز دون المباشر، للقاعدة. وفي النية بعد ذلك كله مباحث شريفة وفروع لطيفة ونكات ودقائق، من أرادها فليرجع إلى كتب الفروع بحسب المقامات الخاصة. وقد أورد جملة منها شيخنا الشهيد في قواعده (2) تركناها لئلا يخرج عن وضع الكتاب الموضوع لتنقيح المشتركات خاصة. z z z


(1) تقدم في العنوان السابع. (2) راجع القواعد والفوائد 1: 74 - 122، القاعدة الاولى.

[ 409 ]

(العنوان الرابع عشر) (الأصل في نافلة كل عبادة أن تكون في حكم فريضتها)

[ 410 ]

عنوان [ 14 ] اشتهر في كلمة الشيخ الوحيد الاستاد - أطال الله بقاه، وجعلنا من كل مكروه فداه (1) - أن الأصل في نافلة كل عبادة أن يكون (2) في حكم فريضتها، ويتفرع على ذلك فروع كثيرة. وتنقيح القول في ذلك أن يقال: لا ريب أن الفقهاء لم يعنونوا للنافلة في كل عبادة عنوانا مستقلا، والشرائط والأجزاء التي ذكروها في أبواب العبادات كافة كلها للواجبات، لأنهم يقولون: يجب في الوضوء كذا، وفي الصلاة كذا، وفي الصوم والاعتكاف كذا، وفي الحج والعمرة كذا، ويحرم كذا، ونظائر ذلك. ولا يخفى على المتدرب الفقيه أن ما ذكروه في سائر الأبواب لا ينطبق إلا على الفرائض باعتبار المجموع من حيث المجموع، ولا يمكن اعتبار ذلك في المندوبات، ومن ذلك يعلم أن مرادهم في هذه الأبواب ليس إلا الفرائض والواجبات، وهذا مما لا يخفى على من له الانس بالفقه وأهله. فنحتاج في تنقيح


(2) ليس المقصود منه الوحيد البهبهاني قدس سره المتوفى 1205، فان المؤلف رحمه الله تلمذ على الفقيهين المحققين: الشيخ موسى والشيخ علي، نجلي الشيخ الكبير كاشف الغطاء قدس الله أسرارهم. (2) كذا في النسخ، والمناسب: أن تكون.

[ 411 ]

مندوبات العبادات جزءا وشرطا (1) وأحكاما وغير ذلك إلى تحقيق الضابط. وتحرير البحث أن يقال: إن الحكم المتعلق بالعبادة إما أن يتعلق باسم الماهية الجامعة بين الوجوب والندب، إذ هما من الأوصاف الخارجة، لا المنوعة - كما مر تحقيقه في بحث النية - كأن يقال: يعتبر أو يشترط أو يستحب أو يجب في الغسل أو الصلاة أو الطواف أو العمرة كذا - مثلا - فإن هذه الأسامي أسام لماهية هذه الامور من دون اعتبار وصفي الوجوب والندب. أو يتعلق بالواجب والمندوب بعنوانهما، كأن يقال: يعتبر أو يجب أو يستحب في الصلاة الواجبة كذا، أو يعتبر في الطواف والعمرة المندوبة كذا. أو يتعلق بفرد من أفراد الواجب، كحجة الأسلام، وطواف العمرة، وصلاة الظهر، وصوم رمضان، ونحو ذلك. أو يتعلق بفرد من أفراد المندوب، كصلاة الوتر، وصوم يوم الغدير، وغسل الجمعة، وطواف الوداع، ونحو ذلك. فالبحث يقع بحسب الدليل في مقامات، ثم نبين ما هو الميزان في كلمة الأصحاب. الأول: ما إذا تعلق الحكم بالماهية من دون اعتبار صنف أو شخص، فمقتضى القاعدة اعتبار ذلك جزءا كان أو شرطا أو مانعا، أو أحكاما لاحقة عارضة في الواجب والمندوب معا حتى يثبت الفارق، ولنا على ذلك وجوه: أحدها: أن الألفاظ في العبادات موضوعة للطبائع المعراة عن وصفي الوجوب والندب بمقتضى تصريح أهل الفن والامارات الكاشفة عن الحقيقة الشرعية أو المراد للشارع ولو مجازا. وظاهر تعلق الحكم بالطبيعة سريانه في سائر أفراده، لأن الذاتي لا يتخلف عنه، وظاهر اللفظ كون ذلك الأمر من لوازم الماهية بمقتضى أصالة الحقيقة، ولا يخرج عن الظاهر إلا بدليل.


(1) في (ن): أو شرطا.

[ 412 ]

لا يقال: إن هذه الألفاظ موضوعة للطبيعة اللا بشرط فتكون القضية مهملة، ولازم ذلك كفاية وجود ذلك الحكم في فرد من الأفراد، ولا يلزم من ذلك الاطراد. لأنا نقول: ظاهر ورود الحكم على الماهية من دون قيد جريانه في جميع أفراده، للتبادر العرفي، ولأن ظاهر الجزء والشرط ونحو ذلك للماهية انتفاؤها بدونهما، فلا يعقل وجود فرد يتحقق في ضمنه الماهية من دون هذه الامور، مضافا إلى أن صرف الأحكام إلى فرد معين ترجيح من دون مرجح، والواحد المردد غير مجد، فالعموم متعين. فإن قلت: إن المتبادر من إطلاق ألفاظ العبادات الواجبات، فينصرف الأطلاق إليها [ ويصير الأحكام مصبها ذلك، ولا يلزم من ذلك إلحاق المندوب به ] (1). قلت أولا: إن إطلاق الأسماء على المندوبة ليس بنادر حتى يصير سببا للتشكيك، ولو تخيل هنا ندرة فإنما هو ندرة الوجود، لا ندرة الأطلاق. وثانيا: أن مثل هذا التشكيك غير مضر، إذ لا يكاد يسلم مطلق من مثل هذا التشكيك الابتدائي الذي يزول بعد التأمل. وثالثا: أن رجوع الأحكام إلى الواجب يوجب كونها أجزاءا أو شرائط خارجة عن الماهية ملحقة بالفرد أو الصنف (2)، وظاهر الدليل كونها لاحقة لمسمى اللفظ من دون اعتبار قيد زائد. فإن قلت: بعد انصراف اللفظ إلى الواجب يصير الكلام بمنزلة أن يقال: الصلاة الواجبة، فيمكن أن يكون ذلك الحكم لخصوص الفرد، ويحتمل كونه لأصل الماهية، فالتسري إلى سائر الأفراد لا وجه له. قلت: فرق بين الانصراف والتقييد، فإن التقييد يوجب نفي الحكم عن


(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (م). (2) في (ف، م): الوصف.

[ 413 ]

المخالف، بخلاف الانصراف، فإن غايته عدم تحقق العموم للجميع. فنقول: إذا ثبت في الواجب ثبت في المندوب، لظاهر التعبير باسم الماهية، فلو لم يكن حكما (1) للماهية من حيث هي لم يحسن تعليقه على القدر المشترك، فتدبر. مضافا إلى أنا نقول: إن كون الندب والوجوب خارجين عن الماهية يقتضي أن يكون الأحكام المتعلقة باسم الماهية غير مرتبط بصفة الوجوب، بل يكون حكما لأصل المفهوم فقط، ولو كان لهما مدخلية في أصل الأجزاء والشرائط والموانع لكانا منوعين للماهية الجنسية، ومن الواضح عدم كونه كذلك، وما يترائى من تخلف أحكام الواجبات في المندوبات فهو توسع في المندوب، بمعنى: أنه لو أتى به على طريق الواجب لصح، ولكنه رخص فيه كالقعود ونحوه في الصلاة للتوسعة، وهذا لا يعد من اختلاف النوع. وثانيها: أن من تتبع الأخبار يجد أن أهم الامور في نظر المكلفين والمعصومين إنما كان هو الواجبات، ولم يبحثوا عن المندوبات (2) بسؤال ولا جواب غالبا، مع أن المفروض في كل عبادة أقل قليل بالنسبة إلى المندوب، وورد عن الشارع الخطاب بإتيان النوافل والمندوبات، فلو لم يكن ذلك مثل الواجب (3) لزم في جميع ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة. وثالثها: أن في بعض النصوص بيان التفرقة بين المندوب والواجب في سائر العبادات - كما يطلع عليه أهل التتبع - وهذا قرينة قوية على أن ما لم يرد فيه الدليل على بيان الافتراق فالحكم فيهما واحد، وذلك واضح. ورابعها: أن طريقة المسلمين في زماننا هذا وما قاربه: البناء على أن المندوب كالواجب، فإنهم إذا سمعوا من مجتهد أو عالم: أن الصلاة يعتبر فيها كذإ


(1) في (ف، م): حكم. (2) في غير (م): عن المندوب. (3) في (م): فلو لم يكن تلك مثل الواجبات.

[ 414 ]

أو تبطل الصلاة بكذا، يبنون على جريان الحكم في المندوب أيضا إلى أن يثبت خلافه، وهذا كاشف عن استمرار السيرة على ذلك متصلا بزمان المعصوم، فتقرير المعصوم لهم على ذلك قاض باشتراكهما إلا فيما علم الخلاف. وخامسها: أن الغالب اتحاد حكم المندوب والواجب في الأحكام، فمتى ما شك في الموافقة والمخالفة فمقتضى الاستقراء إلحاق حكم المندوب بالفرض، إلحاقا بالأعم الأغلب. والثاني والثالث (1): ما إذا تعلق الحكم بالواجب أو المندوب، وهو على أقسام: منها: ما يذكر كل منهما في مقابلة الاخر بحيث يعلم منه الافتراق، كما لو قال: (يجب في المكتوبة السورة دون النافلة) أو (يجوز الجماعة فيها دون هذه) فلا كلام حينئذ في أنه لا يسري حكم أحدهما إلى الاخر، لأن التعدي مخالف للدليلين مفهوما ومنطوقا، وموجب للغوية التفرقة والتفكيك بالمرة (2). ومنها: ما يذكر أحدهما خاصة بعنوان القيد، كما لو قال: (من شك في الفريضة بنى على الأقل) ونحو ذلك، فهل يتسرى إلى المندوب إلا أن يثبت خلافة أو لا؟ مقتضى ما قدمناه من ورود الخطابات مورد الأهم الأغلب حاجة للمكلفين - وهي الفرائض - أن يكون هذا القيد واردا مورد الغالب، فلا عبرة بمفهومه النافي للحكم عن النافلة، فيجئ ما قدمناه من الأدلة الدالة على اتحاد الحكم في هذا المقام أيضا كالسابق. ولو فرض لهذا القيد مفهوم أيضا فلا يعارض ما ذكرنا من الوجوه السابقة الدالة على الموافقة في الحكم، فلو شك في موافقة النافلة ومخالفته يحكم بالموافقة، وهو الذي يقتضيه الضوابط. نعم، لو كان هناك مفهوم قوي دال على النفي عن غير المنطوق يرجع الى


(1) أي: المقام الثاني والثالث، تقدم أولهما في ص: 404. (2) بالمرة: لم ترد في (م).

[ 415 ]

صورة التقابل السابق، وقد مر حكمه آنفا. ومنها: ما يكون الوصفان موردا، كما لو سئل عن أفعال الفريضة، فقال عليه السلام: (إنها التكبير والقراءة والركوع والسجود) ونحوها، أو سئل عمن شك في الفريضة، قال: (يبني على الأقل) أو عن الجماعة في المندوب، قال: (لا) أو نحو ذلك بحيث لم يكن التقييد بأحد الوصفين مأخوذا في خطاب الشارع مجعولا عنوانا للحكم. والظاهر في المقام أيضا الحكم باتحاد الحكم، للوجوه الماضية المتقدمة، من دون وجود معارض ظاهر، فلا تذهل. والرابع والخامس: تعلق الحكم بفرد من الواجب والمندوب، وله أيضا صور: أحدها: أن يكون ذكر فرد في قبال فرد آخر، كأن يقال: (الشك في الصبح والمغرب مبطل، دون الرباعيات) و (في صلاة الايات كل ركعة خمس ركوعات، دون اليومية) و (في نافلة الوتر ينبغي الدعاء لأربعين مؤمنا في القنوت، دون الشفع). وفي هذه الصورة لا يتعدى الحكم إلى الأفراد الاخر من الواجب والمندوب، فضلا عن التعدي من الندب إلى الفرض أو بالعكس، لأن ظاهر الاختصاص بهذا الحد ينبئ عن خصوصية في المقام، ولو كان الحكم عاما لما كان للتخصيص معنى. وقد يقال: غاية ما في الباب عدم التعدي إلى الفرد المقابل المذكور، وأما إلى غيره من سائر أفراد نوعه أو إلى أفراد النوع الاخر فلا مانع من ذلك، وما مر من الأدلة قاضية به، فدعوى الاختصاص هنا عدول عما قررت سابقا. قلت: هذا غفلة عن فهم الدليل، فإنه بعد ما ذكر من المقابلة بين الأفراد، فكما يمكن إلحاق الأفراد الاخر من نوعه أو من النوع الاخر إلى الفرد الأول، فكذلك يمكن إلحاقه إلى الفرد المقابل المغائر، فيتعارض قاعدة الألحاق في المقامين بالنسبة إلى الفردين، فلا يبقى بعد ذلك حجة في الألحاق، ولذلك صورة التقابل أخرجناها من جريان قاعدة الموافقة في الحكم، فتبصر.

[ 416 ]

إلا أن يقال: يفرق بين ما كان الحكم المذكور مخالفا لقاعدة العبادة ثابتا في فرد دون آخر، أو موافقا لها، ففي الأول كما لو قيل: (الشفع لا قنوت فيه، دون الوتر) يلحق سائر الأفراد من نوع الندب أو الفرض بالوتر، لأن عدم القنوت مخالف للقاعدة، وفي الثاني يلحق بالفرد الأول، لأنه الموافق. قلت: ليس هذا من جهة أصالة الاتحاد، بل لعموم الدليل الدال على أحد الحكمين، خرج عنه ما خرج وبقي الباقي. وثانيها: تعلق الحكم بالفرد من باب القيد، كقوله عليه السلام: (الشك في المغر ب مبطل) و (الاستغفار في الوتر مستحب) فهل يسري إلى سائر أفراد نوعه أو لا؟ وهل يتعدى إلى غير نوعه أم لا؟ الذي يظهر: أن مقتضى القاعدة الألحاق، للوجوه الماضية السابقة، وليس معارض سوى ذكر القيد الداخل في مفهوم اللقب الغير المعتبر على التحقيق إلا مع قيام قرينة، وهو خلاف الفرض، وعلى تقديرها فهو المتبع مطلقا. والأصل الأولي - من أصالة عدم المانعية أو الشرطية أو نحو ذلك - لا يعارض عموم القاعدة المستفادة من الاستقراء واتحاد الماهية [ فتدبر ] (1). وثالثها: تعلق الحكم بأحد الفردين موردا، كقوله عليه السلام: (تبطل) في جواب (إني شككت في صلاة المغرب بين الاثنين والثلاث) أو قوله عليه السلام: (يصح) في جواب من قال: (تركت السورة في نافلة الصبح). والكلام هنا في التسري إلى سائر الأفراد كالثاني، بل هنا يجئ من دون إشكال متحقق في السابق. وعليك بملاحظة الفروض والأدلة في جميع العبادات واستخراج الحكم من ذلك. وحيث ألحقنا المندوب بالواجب، فإلحاق أفراد الواجب وإضافة بعضهإ X،


(1) لم يرد في (د، م).

[ 417 ]

لبعض - كالأغسال وأفراد الحج وأنواعه ونظائر ذلك - كذلك، بل الأشكال فيه أقل، والصور المفروضة آتية فيه، والكلام الكلام. وأما كلمة الأصحاب: فكلما لم يصرحوا فيه بالمخالفة فالحكم في أفراد الواجب المندوب ونوعهما وأصنافهما سواء، يظهر دليله مما ذكرناه سابقا، ويتضح المرام بعد التأمل التام في كلامهم. فعليك بإعطاء النظر حقه، وللبحث مجال واسع، والعمدة التنبيه في الجملة، فإن النبيه يستغني بالأشارة عن ألف عبارة. z z z

[ 419 ]

(العنوان الخامس عشر) (في بيان قاعدة التسامح)

[ 420 ]

عنوان [ 15 ] اشتهر في كلمة الأصحاب - سيما المتأخرين منهم - التسامح في دليل المستحبات والمكروهات، ويتفرع على هذه القاعدة كثير من الأحكام الشرعية في أبواب الفقه، إذ أغلب المندوبات والمكروهات ليس له دليل قوي، مع أن الفقهاء يفتون به. وظاهر لفظ (التسامح) هنا يدل على أن الأصحاب في دليل الوجوب والتحريم يأخذون بالمداقة، بمعنى: أنهم لا يعتمدون فيهما إلا على ما هو دليل شرعا - أي: ما قام الدليل على حجيته - بخلاف غيرهما، فإنهم يعتمدون فيه على ما لم يقم دليل على حجيته، كالخبر الضعيف، وفتوى الفقيه الواحد، والشهرة المجردة عند من لا يرى حجيتها. وبعبارة اخرى: يدل (1) على اعتمادهم في المندوب ونحوه على ما لا يعتمد عليه في الواجب والحرام. واورد على ذلك بظاهره: أن الأحكام الشرعية توقيفية بلا شبهة، ولا فرق في ذلك بين الواجب والمندوب، فلا يجوز إثبات شئ منها إلا بحجة شرعية، فالدليل


(1) أي: لفظ (التسامح).

[ 421 ]

المثبت للحكم إن قام دليل على حجيته فهو المتبع في الوجوب وفي الندب، وليس هذا مسامحة، وإن لم يقم دليل على اعتباره فلا يمكن الاعتماد عليه في شئ من الأحكام، لأنه اتباع بما لا يعلم وقول على الله بغير حجة، ولا وجه للاعتماد عليه في الاستحباب دون الوجوب. وهذا الكلام مؤاخذة على العبارة وغفلة عن مراد الأصحاب، وليس الغرض الاعتماد على ما لا يعتمد عليه، بل الظاهر أن الغرض: أن الدليل لا ينحصر في قسمين: إما أن يكون حجة في المقامين أو لا يكون في المقامين، بل يجوز كون قسم من أقسامه ما يعتمد عليه في الندب والكراهة دون الوجوب والحرمة، لدليل دل على ذلك، بمعنى: قيام حجة عامة دالة - مثلا - على حجية الخبر الضعيف الذي لم يدل على حجيته شئ من أدلة حجية أخبار الاحاد مطلقا في خصوص المندوب والمكروه، وعدم قيام دليل على حجيته فيما عداهما، فالمتبع إذا الدليل. لا يقال: إنه على هذا لا يسمى تسامحا في دليل المستحب، بل هو أخذ بالحجة، نظير حجية خبر العدل في فروع الدين دون اصوله. لأنا نقول: تسمية ذلك بالتسامح بملاحظة أمرين: أحدهما: ملاحظة الوجوب والتحريم، فإنه إذا لم يكن شئ حجة فيهما وصار حجة في الندب ونحوه، فيكون هذا بعد اتحاد طبقة الأحكام الفرعية في أغلب المآخذ بمنزلة المسامحة، ويكون كأنهم اعتمدوا على ما لا ينبغي أن يعتمد عليه في الحكم الفرعي. وثانيهما: أن الدليل الدال على حجية الدليل الضعيف في المندوب ينبئ عن نوع مسامحة في الباب، فكأن الشارع لم يبن الأمر في الاداب والسنن على المداقة كالأحكام اللازمة، فتدبر. وبعبارة اخرى: لما كان الأصحاب يتتبعون (1) في العمل بالخبر عن أحوال


(1) في (م): يتفحصون.

[ 422 ]

راويه عدالة وضبطا، وعن سنده اتصالا وانقطاعا، وعن معارضاته بأي الأنحاء كانت - وذلك نوع مداقة في الأخذ بدليل الحكم - وتركوا هذا البحث والتفتيش في السنن، وعملوا فيها بالضعاف والمراسيل مع معارضات كثيرة، سمي هذا تسامحا في مقابل تلك المداقة وإن كان دل عندهم دليل على كفاية هذا المقدار من دون فحص، فالمسامحة في الدليل بالنسبة إلى غيره، لا في دليل الدليل. وتنقيح المسألة أن يقال: إن الشبهة في الحكم الشرعي الموجبة للرجوع على قاعدة المسامحة باعتبار الأحكام الشرعية وأدلتها يتصور على صور: أحدها: دوران الاحتمال بين الأباحة والوجوب. و 2 - بينها وبين التحريم. و 3 - بينها وبين الندب. و 4 - بينها وبين المكروه. و 5 - الاحتمال بين الوجوب والتحريم. و 6 - بينه وبين الندب. و 7 - بينه وبين المكروه. و 8 - بين التحريم والندب. و 9 - بين التحريم والكراهة. و 10 - بين الندب والكراهة. وصور الشك الثلاثي ستة، والرباعي أربعة، والخماسية (1) واحدة. ومنشأ الشك: إما تعارض الدليلين أو الأدلة المعتبرة الدالة على هذه الأحكام، كدلالة الخبر الصحيح على إباحة شئ، والاخر على كراهته، والثالث على استحبابه، والرابع على وجوبه، والخامس على تحريمه، وصور الاثنين والثلاث والأربع بالقياس.


(1) كذا في النسخ، والمناسب: الخماسي.

[ 423 ]

أو من جهة دلالة الأصل على الأباحة، وقيام دليل غير معتمد على أحد الأربعة، كالخبر الضعيف. أو من فتوى الفقيه بأحد الأربعة، مع قضاء الأصل بالأباحة. ومع قيام دليل صالح على أحد الخمسة من دون معارض محكوم بحجيته، فهو خارج عن مسألة التسامح. ثم إن المراد من التحريم المذكور في الصور المحتملة يراد به احتمال التحريم من حيث خصوصية محل الشك، لا التحريم التشريعي، إذ احتماله آت في صور الشك كافة، إذ هو عبارة عن: إدخال ما دل الدليل على خروجه من الدين في الدين، سواء كان الدليل اجتهاديا كاشفا عن الواقع أو تعليقيا ظاهريا كالاصول، فإن ما شك كونه من الدين فقضية الأصل عدم كونه منه. وبعبارة اخرى: كلما لم يثبت كونه من الدين فإدخاله في الدين تشريع محرم بالنص والأجماع، وهو في جميع صور الشك متحقق، إذ الشك في أحد الأحكام الأربعة يوجب نفيها بالأصل فيخرج عن الدين، فالأخذ بأحدها تشريع لو لم يكن دليل على جواز الأخذ مع الشك. وبالجملة: احتمال الحرمة التشريعية في موارد قاعدة التسامح كافة متحقق. فنقول: إن هنا مباحث: أحدها: دوران الأمر بين الأباحة والاستحباب، إما لتعارض الدليلين المعتبرين، أو الضعيفين، أو الأصل مع الضعيف، أو الأصل مع فتوى الفقيه، أو الضعيف مع فتوى الفقيه. والأقوى: الحكم بالاستحباب بصورها الخمسة لوجوه، أقواها الاحتياط العقلي. وتقريره: أنه لا ريب أن في هذه الصور نقطع بعدم الضرر في إتيان هذا المشكوك، لدورانه بين إباحة واستحباب، بخلاف تركه، فإنه محتمل لتفويت مإ X،

[ 424 ]

هو مطلوب في نفس الأمر، ولا ريب في ترجيح العقل هنا الأتيان، ولذا نرى: أن العبيد إذا احتملوا كون شئ مطلوبا للمولى وعلموا عدم ترتب ضرر ونقص على الأتيان به يقدمون عليه بهذا الاحتمال، ويستحقون المدح من العقلاء وإن لم يكن ذلك الشئ مطلوبا في نفس الأمر. فإذا ثبت الرجحان عند العقل فهو كاف في الحكم بالندب، غايته: أن ذلك ليس إثباتا للاستحباب في خصوص المشكوك فيه من حيث الخصوصية، بل إثبات لرجحان فعله من جهة أنه محتمل المطلوبية الذي حكم العقل برجحان الأتيان بما هو كذلك. فإن قلت: إن العقل ما لم يقطع بعدم الضرر في الأتيان لا يحكم بالرجحان، واحتمال الضرر هنا قائم، وهو ضرر التشريع، لاحتمال أن [ لا ] (1) يكون في الواقع غير راجح، فإدخاله في المندوبات تشريع موجب للعقاب. قلت: لا يدور التشريع مدار الواقع، بل هو عبارة عن: إدخال ما حكم بخروجه عن الدين فيه، ولم يعلم خروج المشكوك عن الدين حتى يلزم التشريع. لا يقال: إن الأصل عدم الاستحباب، فهو خارج بالدليل، فإدخاله تشريع. فإنا نقول: الأصل حجة ما لم يقم دليل مخرج عنه، فإذا حكم العقل بمجرد الشك في الأباحة والندب بالرجحان - كما أوضحناه - فلا وجه للعمل بالأصل، إذ العقل حجة شرعية - بمعنى: اعتباره شرعا - فإذا لم يكن هنا من مجاري الأصل فلا وجه للتشريع. فإن قلت: إن هذا مستلزم للدور، إذ عدم كونه تشريعا مضرا موقوف على حكم العقل بالرجحان، وحكم العقل بالرجحان موقوف على عدم كونه تشريعا مضرا، إذ ما دام فيه احتمال الضرر لا يحكم العقل برجحانه. قلت: نمنع المقدمة الثانية، إذ مجرد عدم احتمال الضرر فيه بالخصوص


(1) الظاهر كونها زائدة، كما اشير إليها في (م).

[ 425 ]

واحتمال النفع يوجب حكم العقل برجحانه، فيكون رافعا للتشريع وضرره، فتدبر، فإن المقام مزلقة للأقدام. وكم من فقهائنا المتأخرين منعوا [ عن ] (1) قاعدة التسامح في كثير من الفروع في العبادات لشبهة الحرمة، مع أنها ليست في تلك الموارد إلا تشريعية، ولم يلتفتوا إلى هذه الدقيقة، مع أن التشريع لو عارض قاعدة التسامح يلزم عدم إمكان الأخذ بها مطلقا، إذ احتمال التشريع قائم في جميع مواردها، وقد أوضحناه آنفا فراجع. وثانيها (2): الاحتياط الشرعي. بتقريب: أن الأخبار الكثيرة الدالة على الأخذ بالحائطة للدين (3) والعمل بأوثق الاحتمالات (4) كلها دالة على رجحان الأتيان به في هذه الصورة، وظاهرها وإن كان الوجوب، لكنه منتف هنا قطعا، للقطع بعدم الوجوب هنا، أو للقطع بعدم وجوب الاحتياط في ما هو محتمل للندب، مضافا إلى أن مدلول أخبار الاحتياط: أن عند الشك يجب الأخذ بالاحتمال الأوثق، وفيما نحن فيه هو (5)، فيجب الأخذ بالندب، لا بمعنى وجوب إتيانه، فانه مناف للندبية، بل بمعنى: لزوم الحكم بأنه مندوب لا مباح، ولا غائلة فيه. وثالثها: الأجماع المنقول في كلام بعض الأصحاب والمعاصرين في العمل بقاعدة التسامح في الفرض المذكور، وهذه الأدلة شاملة للصور الخمسة.


(1) لم يرد في (م). (2) أي ثاني الوجوه للحكم بالاستحباب في مسألة دوران الأمر بين الأباحة والاستحباب. (3) راجع الوسائل 18: 122، 123، 127، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الاحاديث، 37، 41، 58. (4) لعل نظره إلى بعض ما ورد في علاج الخبرين المتعارضين، مثل مقبولة عمر بن حنظلة، راجع الوسائل 18: 75، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1. (5) في هامش (م) زيادة: متحقق، خ ل.

[ 426 ]

ورابعها: أن الخبر الدال على الاستحباب معتبر، سواء عارضه الضعيف، أو المعتبر، أو الأصل. أما في تعارض المعتبرين: فلأن من جملة المرجحات المنصوصة: الأخذ بالمشتهر بين الأصحاب، ولا ريب أن المشهور في المقام العمل بالاستحباب، لا الأباحة. وفي الضعيفين أو الضعيف مع الأصل نقول: إن المنجبر بالشهرة حجة، لدخوله تحت الخبر المتبين في منطوق آية النبأ (1) ولا فرق بين تبين الخبر بالخصوص لامور لاحقة له بشخصه، أو تبينه لخصوصيات لاحقة لنوعه أو جنسه، ولا ريب أن نوع الخبر الضعيف في مقام الاستحباب منجبر بالشهرة فيكون حجة. وخامسها: ما جاء في المعتبر من الأخبار: من سمع شيئا من الثواب فصنعه كان له أجره وإن لم يكن على ما بلغه. وبمعناه: من بلغه شئ من الثواب على شئ من الخير فعمله كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله (2). وقيل: إن الأخبار بهذا المعنى بالغة حد التواتر أو قريب منه (3). ووجه الاستدلال بهذه الأخبار: أنها دلت على حصول الأجر والثواب بمجرد بلوغ الخبر وإن كان في الواقع غير واقع (4) فإذا تعارض الدليلان المعتبران أو الضعيفان ودل أحدهما على الندب صدق (بلوغ الخبر على الثواب) فيؤخذ به، ولا يبحث عن صحته وفساده، وكذلك في فتوى الفقيه والخبر الخالي عن المعارض. فإن قلت: لا يشمل هذه الأخبار سوى الخبر الخالي عن المعارض، فتعميمه للصور الخمسة لا وجه له.


(1) الحجرات: 6. (2) راجع الوسائل 1: 59 - 60، الباب 18 من أبواب العبادات. (3) لم نظفر على قائله. (4) في (ن): وإن كان في الواقع غيره.

[ 427 ]

قلت: إخراج فتوى الفقيه عن الرواية خال عن الوجه، فإنه إذا ذكر الصدوق مثلا في كتابه: أنه يستحب مثلا كذا، فهذا إخبار، وتخصيصه بما كان عن الحس لا دليل عليه، وكذا تخصيصه بما كان عن أمر مقطوع لا اجتهاد وظن، بل بعض الأخبار - كالخبرين الأولين (1) - ليس فيها ذكر لفظ (الخبر) وإنما هو سماع شئ من الثواب، أو بلوغ شئ من الثواب على شئ من الخير، وأي بلوغ وسماع أزيد من السماع من الفقيه الجامع لشرائط الفتوى! وأما المتعارضان، فنقول: غاية ما في الباب: أنهما متكافئان من حيث نفسهما لا ترجيح لأحدهما على الاخر، ولكن الدال على الاستحباب يترجح بأخبار التسامح ويؤخذ به. ودعوى: أن الظاهر من الأخبار بلوغ بلا معارض فلا يشمل الفرض. قلت: إن كان المعارض نافيا لما أثبته الدال على الندب ومثبتا لخلافه - كشئ دال على الكراهة أو التحريم - فيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى، وإن لم يكن كذلك - كما دل على الأباحة كما هو الفرض - فنقول: لو لم يكن هناك خبر لكان مقتضى الأصل المعتبر أيضا الأباحة، لأصالة عدم جعل الندب وعدم حصول الثواب، فإذا عمل بالخبر الضعيف في مقابلته لأدلة التسامح، فكذا يعمل به في مقابل ما دل على الأباحة. وبعبارة اخرى: لا يكون دليل الاستحباب هو الخبر المعارض بمثله، بل إنما هو موجب لحصول معنى البلوغ والسماع، فيثبت الاستحباب بظاهر هذه الأدلة. ولو استشكل في شمول هذه الأخبار لصورة المعارضة كفانا دليل العقل وما بعده من الأدلة المتقدمة. ويرد على هذه الأخبار وجوه من الأيراد:


(1) لا يخفى أنه قدس سره اكتفى بذكر خبرين من الأخبار الواردة. وقوله: (بل بعض الأخبار ليس فيها ذكر لفظ الخبر) فيه أيضا: أن جملة الأخبار ليس فيها لفظ (الخبر).

[ 428 ]

أحدها: أن غاية ما دلت عليه هذه الأخبار: أن من بلغه عمل قد دل على مشروعيته دليل وبلغ على ذلك العمل جزاء وثواب، فمن أتى به ابتغاء ذلك اوتيه. وهذا لا يدل على المسامحة في مطلق ما بلغ أنه مستحب. والجواب عنه: بأن بلوغ الثواب على عمل لا يدل على كون العمل ثابتا بدليل آخر، بل يشمل ما لو كان ذكر أصل العمل وثوابه في خبر واحد، ولا يقتضي أن يكون العمل ثابتا أولا في الشرع ثم يجئ خبر على أن له كذا ثوابا، لظاهر أعمية اللفظ ومنع انصرافه إلى ما ذكره بحيث يضر بالدلالة. وثانيها: إنها تختص بمستحب يكون له ذكر ثواب وجزاء ولو كان في دليل واحد، ولا يشمل ما دل على الرجحان من دون ذكر ثواب. قلت: يتم أولا في سائر المندوبات بعدم القول بالفصل. وثانيا نقول: إن كلما بلغ أن العمل مستحب فقد بلغ أن له أجرا وثوابا، إذ كل عمل صالح داخل تحت الطاعة له ثواب، فبلوغ الاستحباب بلوغ للثواب التزاما. فإن قلت: إنا نمنع شمول هذه الأخبار على الخبر الالتزامي، فإن الظاهر من البلوغ خلاف ذلك، سيما وفي الخبر الأول: من سمع شيئا من الثواب. قلت: لا ريب أن خصوصية السماع غير معتبرة، فلو رآه مكتوبا في كتاب معتبر لكان ذلك كافيا، وإنما الغرض الوصول إلى العامل بطريق من الطرق العادية، ولا ريب أن بلوغ استحباب شئ يصدق عليه (بلوغ الأجر عليه) إذ لا نعقل من معنى الندب إلا ما يستحق فاعله الثواب والأجر، فتدبر. فإن قلت: ظاهر تنكير الثواب بلوغ ثواب معين عليه، وكذا ظاهر قوله: (كان له أجره). وبعبارة اخرى: المتبادر من الأدلة: بلوغ مقدار خاص من الثواب حتى يعمل العمل لأجله فيثاب به، وهذا لا يشمل ما دل على الندب، وإن دل على الثواب إجمالا التزاما، لكن ليس ثوابه معلوم المقدار، بل غاية إفادته أن هناك ثوابا.

[ 429 ]

قلت: وإن كان في العبارة ظهور ما في ذلك، لكن لا يبلغ مرتبة التشكيك المضر، فانه لو بلغ خبر (أنه من صلى على النبي صلى الله عليه وآله مرة فله أجر كثير - أو - عظيم) أو (لكل كبد حراء أجر) أو (من زار أهل القبور فهو مثاب مأجور) يصدق على ذلك كله (بلوغ شئ من الثواب على شئ من الخير) بلا شبهة، والتشكيك إنما هو في أول النظر، وهو غير قادح في الدلالة. وثالثها: إن هذه الأخبار تشمل بلوغ الثواب على الواجب وعلى ترك الحرام أيضا، فلا وجه لتخصيص المسامحة بالمستحب والمكروه، بل يمكن أن يقال: إن الخبر بظاهره غير معمول به، فيحتمل تخصيص العموم بالمندوب والمكروه، ويحتمل تقييد البلوغ بالبلوغ بدليل معتمد، ويكون المراد: أن الثواب الموعود على عمل ثبت بحجة شرعية يصل إلى العامل وإن كان قد أخطأ في اجتهاده ولم يصب الحق، أو وإن كان ذلك الدليل الذي اعتقد أنه دليل شرعي غير دليل، ولو لم نرجح الاحتمال الثاني فلا أقل من الأجمال المسقط للاستدلال. والجواب، أولا: بأن استعمال البلوغ في الخصوصية مجاز وإن كان من باب التقييد بمقيد منفصل، والتخصيص أولى من المجاز. وثانيا: بأن وجود لفظ (الخير) في الأخبار مما يرشد إلى عدم دخول الواجب والحرام فيه. وثالثا: بأن ذكر الثواب والأجر مما يدل على ذلك، إذ ليس الواجبات مبنية على ذكر الثواب والأجر غالبا. ورابعا: أن مصير المعظم في هذه الأخبار إلى تقديم التخصيص يرجح ذلك، مع أن ملاحظة مجموع الروايات مما يدل على أن هذا اختصاص لا تخصيص، فلا تذهل. ومما ذكر ظهر الجواب عن رابعها، وهو: أن الظاهر من (البلوغ) كونه بدليل معتمد شرعا، وهذا لا يدل على المسامحة، بل يدل على أن المخطئ في الاجتهاد

[ 430 ]

مأجور ومثاب. والوجه: أن البلوغ أعم، وإرادة الخصوصية موجب للمجازية، ولا قرينة عليها. وخامسها: أن هذه الأخبار معارضة بما دل على المنع عن الأخذ بخبر الفاسق ونحو ذلك، وبين الدليلين عموم من وجه، فلو لم يقدم دليل المنع - لأنه ظاهر الكتاب - فلا أقل من التكافؤ وعدم الترجيح، والأصل عدم الحجية. والجواب، أولا: بأن الشهرة مرجحة للأخبار. وثانيا: بأن الروايات أخص وأقل موردا من الاية، فيكون بمنزلة الأخص مطلقا. وثالثا: أن الخبر الضعيف قد مر أن في مقام الندب يجبر (1) بالشهرة فيدخل تحت التبين، فلا تعارض بين المقامين. ورابعا: أن هذه الأخبار موجب للتبين في أمر الخبر الضعيف وأدلة المنع مقيدة بعدم التبين، وهذه الأخبار تدل على أن الخبر الضعيف في مقام الاستحباب مأمون من الضرر. وخامسا: أنه لو قال المولى لعبده: (خبر الفاسق لا تعمل به) ثم قال في مقام الندب: (الخبر حجة وإن كان خبر فاسق) - مثلا - يعمل بالثاني عرفا، والسر في ذلك: أن التصريح بقوله: (وإن لم يكن كما بلغه) يدل على جواز الأخذ في المندوب بما لا يجوز أخذه فيه، فيكون هذا أخص مطلقا مما دل على المنع، فتدبر جدا. وثانيها (2): دوران الأمر بين الأباحة والكراهة بصورها الخمسة المذكورة في القسم الأول. والوجه: العمل بالكراهة، لقاعدة المسامحة.


(1) في (ن): منجبر. (2) أي: ثاني المباحث، تقدم أولها في ص: 415.

[ 431 ]

ويدل على ذلك الاحتياط العقلي، بمعنى: أنه لو علم الأنسان بعدم مضرة في الترك واحتمل وجودها في الأتيان به يحكم العقل برجحان الترك بلا شبهة. وكذلك الاحتياط الشرعي بالتقرير السابق في الندب والكلام ما مر. وكذلك محكي الأجماع، فإنه شامل للكراهة أيضا في كلام ناقله، معتضد بما هو المعلوم من طريقة الأصحاب من عدم تفرقتهم بين الحكمين في هذا الباب. وكذلك الوجه الرابع بتأييد جانب الكراهة بالشهرة، أو بإدخال الخبر الدال عليه تحت الخبر المتبين فيه، على نحو ما مر. وأما الأخبار، فنقول: وإن كان ظاهرها مختصا بالمندوب بقرينة ذكر الخير والثواب ولفظ (العمل) المتبادر منه الفعل، لا الترك. لكن نقول: إن قلنا بأن ترك المكروه مستحب - كما هو أحد الوجهين فيه - فالخبر الدال على الكراهة يفيد استحباب الترك للتلازم، فيفيد الثواب على هذا الخبر أيضا بالتلازم، فيندرج تحت الأخبار ويجئ قاعدة التسامح. غايته: جريان ما مر من الأشكالات المتقدمة هنا، ويجاب بما تقدم، ويزيد هنا بأن اللازم كون لفظ (الخير) و (العمل) ونحو ذلك المذكور في الأخبار شاملين لما هو أعم من الصريح والضمني. والكلام هنا كالكلام في دلالة الاستحباب على الثواب، فتدبر. وإن لم نقل بأن ترك المكروه مستحب كما لا نقول بأن ترك المستحب مكروه، فإدخال هذا تحت لفظ (الخير) و (الثواب) و (العمل) مشكل جدا، إلا أن يقال: إن الخبر الدال على الكراهة - مثلا - يدل على أن تاركه من هذه الجهة مأجور ومثاب، لأنه ترك ما طلب تركه، والأطاعة ملازمة للثواب، والعمل أعم من الفعل والترك، ويصدق الخير بهذا المقدار، أو يقال: إن ضعف الدلالة أيضا ينجبر بفتوى الأصحاب، والشهرة العظيمة قضت بالمسامحة في الكراهة. لكن قد يقال: لا نسلم كون مسامحتهم لهذه الروايات، بل لعله لما مر من الأدلة.

[ 432 ]

ويدل على المسامحة في الكراهة - مضافا إلى ما مر من الأدلة (1) - عدم القول بالفرق بينه وبين الندب، كما هو ظاهر لمن تتبع كلمة الفقهاء في مواردها. وثالثها: دوران الأمر بين الأباحة والوجوب بصورها الخمسة المتقدمة في المقامين السابقين. وفي اقتضاء ذلك الندب لقاعدة المسامحة قولان: قول بالعدم، لأن ظاهر الدليل الوجوب، لكنه لوجود المعارض أو لضعفه وعدم الاعتماد عليه رجعنا إلى الأصل وتركنا العمل به، فلا وجه للقول بالندب، لأنه أمر ثالث لا يقتضيه الأصل ولا يقتضيه الدليل. وأدلة المسامحة من الأخبار المتقدمة قد عرفت اختصاصها بالدليل الدال على الندب وإن كان ضعيفا، ولا يقتضي حمل الوجوب على الندب. وقول بثبوت الندب، نظرا إلى أن دليل المسامحة لا ينحصر في النصوص، وإنما الاحتياط عقلا أو شرعا يقتضي برجحان ما نحن فيه، بل ربما قيل بوجوب الاحتياط وإن لم يكن هنا قولا معروفا. ويمكن إدراج المقام تحت الأخبار أيضا، بأن يقال: بأن ما دل على وجوب الشئ المشكوك فيه دال على الثواب عليه، فمقتضى النصوص: أن من فعله لذلك اوتي الثواب وإن لم يكن في الواقع كذلك، ويثبت بذلك الاستحباب. فان قلت: الثواب المترتب على الواجب غير ما تعلق بالندب، فإن أتى به على أنه مندوب يريد ثوابه فقد أتى بخلاف ما بلغه، وإن أتى بعنوان أنه واجب يريد ثوابه فهو خلاف المدعى، ومستلزم للمسامحة في الوجوب، وقد مر أنه مخالف للأجماع. قلت: لا نسلم لزوم نية الوجوب والاستحباب، بل هي غير لازمة، وإنما يأتي المكلف بهذا الأمر المشكوك قاصدا لما بلغ إليه من أن له ثوابا، ولكن لا يدري أنه * (


(1) في (م): مضافا إلى ذلك.

[ 433 ]

لو تركه فهل عليه عقاب أم لا؟ لضعف الدليل، فيرجع في ذلك إلى الأصل وهذا المقدار هو المستحب. فإن قلت: إذا نفي العقاب عن الترك بالأصل، فقد نفي الوجوب الذي هو مقتضى كون الجنس (1) لا بقاء له مع ذهاب الفصل، وبلوغ ثواب آخر لرجحان في غير جهة الوجوب غير متحقق، فإن أردت بلوغ ثواب في ضمن الوجوب فقد نفيته بالأصل، وإن أردت ثوابا آخر فلم يبلغ. قلت: لا اريد إثبات الرجحان الناشئ عن دليل الوجوب حتى تقول: إن الفصل إذا زال زال الجنس، بل الغرض: إثبات رجحان من أدلة المسامحة، بمعنى: أن عدم العمل بدليل الوجوب والخلود إلى الأصل لضعف الدليل لا يخرج الشئ المشكوك من عنوان أنه مما بلغ على فعله ثواب، فإن عدم العمل غير صدق ذلك المفهوم، ولا تلازم بينهما، فإنا وإن نفينا الوجوب، لكن يصدق على هذا المشكوك أنه بلغ فيه ثواب، فيدل أخبار المسامحة على أن الأتيان به محصل للثواب وإن خالف الخبر الواقع، ولا نعني بالمندوب إلا ما حصل ثواب بفعله ولم يثبت عقاب على تركه، فتأمل في المقام فإنه مزلقة للأقدام. ورابعها: دوران الأمر بين الأباحة والتحريم بصورها الخمسة. وفيه القولان، أقواهما: القول بالكراهة للمسامحة، والكلام فيه بعينه كالكلام في الثالث في تحرير الاستدلال والنقض والحل، وعليك بالتأمل التام وتطبيق المقام، فانه لا يخلو عن نوع دقة وغموض. وخامسها: دوران الأمر بين الوجوب والتحريم بصورها الخمسة (2). وليس هذا من موارد التسامح، لتعارض الأدلة من الجانبين وعدم الترجيح في البين. ولا يمكن الحكم بالكراهة والندب معا، لقضية التضاد.


(1) كذا في (م)، وفي سائر النسخ: مقتضى، والجنس. (2) كذا في نسخة بدل (م) وفي النسخ: الخمس.

[ 434 ]

نعم، على مذهب من يرى: أن دفع المضرة أولى من جلب المنفعة ويجعل الحرام والمكروه مضرة والواجب والمندوب منفعة فإذا تعارضا لا يحكم بالتخيير الصرف وإنما يرجح جانب المنع، فالمتجه أن يقول هنا بالكراهة ترجيحا للترك على الفعل، وهو الذي ترجح في نظري القاصر، وإن أعرض عنه متأخر الاصوليين والاستاذ واستاذ الاستاذ بتقريب: أن ترك الواجب أيضا يرجع إلى الحرام وهو الضرر. قلنا: فرق بين الضرر الموجب للنقصان في استعداد المكلف عن أصل مقتضى الطبيعة الساذج - كما في فعل الحرام - وبين الضرر الناشئ عن فوات أمر زائد على مقتضاها كان لازما تحصيله ودعت الحاجة إليه احتياجا ضروريا، والفرق بين المقامين واضح، وتمام الكلام في الاصول، مع أن مقامنا هذا لا يتوقف على ذلك، إذ بعد ضعف الدليلين لا كلام لنا في الوجوب والتحريم، بل هما منفيان بالأصل. نعم، بقي عندنا بلوغ الثواب على الفعل في دليل الوجوب، وعلى الترك في دليل التحريم. والمسامحة تقضي بالندب نظرا إلى الأول، وفي الثاني تقضي بالكراهة بالتقرير السابق في الأباحة والوجوب. فنقول: الترجيح لجانب الكراهة، لأنه دفع مفسدة ذاتية في هذا العمل محتملة (1) والأتيان به تحصيل لمصلحة محتملة ندبية لا ضرر في تركها، لا دينا ولا دنيا أبدا، وليس كمصلحة الوجوب التي يضر تركها للعقاب عليه، بخلاف المفسدة في الكراهة، فإنها وإن لم توجب العقاب لكنها موجبة لنقص في المكلف مانع عن ترقيه إلى معارج تقوى الله، ومن ارتكب الشبهات وقع في المحرمات (2). فالذي يقوى في النظر: القول بالكراهة، لقاعدة التسامح.


(1) في (د): محتمل. (2) كما ورد الحديث، انظر الوسائل 18: 114، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.

[ 435 ]

ولو قلنا بلزوم الاحتياط لقلنا بتعين الترك، لكن لا نقول به كما زعمه الاخباريون. وسادسها: الدوران بين الوجوب والندب بالصور المتقدمة. ولا خفاء هنا في أن المسامحة قاضية بالندب، سواء قررت الدليل من دليل الوجوب كما في الأباحة والوجوب، أو من دليل الندب كما في الأباحة والندب، بل في صورة ما لو كان الدليلان معتبرين متعارضين يمكن أن يقال: إن ثبوت الرجحان إنما هو بالدليل المعتبر، لا للمسامحة، والأمر سهل. وسابعها: الدوران بين الوجوب والكراهة بصورها السابقة. والظاهر عدم الأشكال في عدم الحكم بالكراهة، لاحتمال الحرمة الأصلية في الترك، وإنما البحث في الحكم بالندب، وفيه قولان: أحدهما: ذلك، نظرا إلى دوران الأمر بين الترك المحتمل للعقاب والضرر والفعل المرجوح الذي لا عقاب فيه، ولا ريب أن العقل هنا يرجح الفعل على الترك، فقاعدة الاحتياط عقلا أو شرعا قاضية بالرجحان في الفعل، لكن إدراجه تحت الأخبار مشكل، لأن المشكوك مما بلغ ثواب على فعله وبلغ ثواب على تركه، ففي جهة الخبر لا ترجيح. نعم، الرجحان من جهة احتمال العقاب في الأول دون الثاني. ويمكن أن يقال في إدراجه تحت الأخبار: بأن الثواب على فعل الواجب أزيد من الثواب على ترك المكروه بلا شبهة، فالمقداران المتساويان في الجانبين يتعارضان ويتساقطان، ويبقى الثواب الزائد الذي بلغنا في الفعل خاليا عن المعارض، وهو يثبت الاستحباب بمدلول الأخبار المتقدمة، فتدبر جدا. وثانيهما: عدم ثبوت الندب، بتقريب: أن الوجوب بمعنى العقاب على الترك منفي بالأصل، ولازم ذلك بقاء الكراهة بلا معارض أصلا، فليحكم بالكراهة، أو الكراهة مع الاستحباب، فيدخل تحت محتمل الكراهة والندب، وقد قررت أن

[ 436 ]

جانب المفسدة أهم، فالحكم بالكراهة متجه. قلت: نفي الوجوب بالأصل لا يوجب ارتفاع احتمال العقاب عن نظر المكلف قطعا، فيعارض المفسدة اللازمة عن فعل محتمل الكراهة. فإن قلت: ليس غرضي إثبات الكراهة، وإنما الغرض نفي الندب، والوجه قد اتضح مما مر، بتقريب: أن الكراهة وإن ترجحت على الندب، لكن يعارضها احتمال الوجوب، فيتساقطان. قلت: حيث إن مفسدة الترك على احتمال الوجوب أقوى من مفسدة الفعل على احتمال الكراهة، فالعقل يرجح الأول، وذلك واضح في نظر المتدبر وإن كان في السبيل إليه نوع خفاء، لكنا أوضحنا بعون الله وحسن توفيقه. وثامنها: الدوران بين التحريم والندب. والترجيح فيه للكراهة، والكلام فيه بصورها الخمس (1) كالكلام في صورة الوجوب والكراهة، وعليك بتعميق النظر في تطبيق النقض والحل. وتاسعها: الدوران بين التحريم والكراهة بصورها. والكلام فيه كالكلام في الوجوب والندب بعينه، فلاحظ. وعاشرها: الدوران بين الندب والكراهة بصورها. وقد ظهر من تضاعيف ما ذكرناه في الوجوب والتحريم وجود القولين فيه، وتعارض أخبار المسامحة. وعلى ما قررنا من ترجيح جانب المفسدة - خصوصا في مقام الندب والكراهة - يتضح لك البناء على الكراهة، لقضية الاحتياط العقلي. وأما صور الثلاثي والرباعي والخماسي بالصور المتقدمة الملفقة التي تزيد على المائة على الظاهر - بملاحظة الخمسة المذكورة في أول الأقسام في الثلاثي وأخويه بالتجانس والتخالف بتراكيبه المختلفة - يعلم حكمه مما ذكرناه في التراكيب الثنائية. والفقيه لا يخفى عليه ذلك بعد التنبيه.


(1) في هامش (م): الخمسة، خ ل.

[ 437 ]

تنبيهات: أحدها: أنه قد عرفت أن فتوى الفقيه أدرجناها تحت بلوغ الثواب في الأخبار، والبلوغ الالتزامي أدخلناه كالمطابقي، والثواب الحاصل في الترك في المكروه والحرام أدخلناه تحت الثواب على العمل مع الأشكال فيه في مقامين. وعلى هذا فيمكن في صور التعارض أن يقول أحد بتقديم الخبر على فتوى الفقيه، فلو دل الأول على الندب والثاني على الكراهة يقدم الأول، لأن دخوله تحت أخبار المسامحة واضح، دون الثاني. وبتقديم البلوغ المطابقي على الالتزامي والثواب على الفعل على الثواب على الترك. ويقع الأشكال في تعارض الجهتين، كما إذا دل الخبر بالكراهة وأفتى الفقيه بالندب، فإن الأول وإن كان من الأفراد الظاهرة للبلوغ، لكنه ترك لا فعل، التزام وتأويل لا صريح، والثاني وإن كان من الأفراد الخفية للبلوغ، لكنه فرد ظاهر للعمل وظاهر في بلوغ الثواب، فيحتاج إلى الترجيح. ولكنا في الصور السابقة سكتنا عن هذه الجهة بعد البناء على دخول الكل تحت قاعدة المسامحة. وثانيها: أن المسامحة هل تجري في صورة ضعف الدليل من حيث الدلالة، أو تختص بضعف السند؟ والظاهر: أن المدرك إن كان الأخبار فلا يجري المسامحة فيه، إذ ما لم يظهر الدلالة لا يصدق عليه أنه مما بلغ في فعله أو تركه ثواب، فلا يجئ المسامحة. وإن كان المنشأ الاحتياط العقلي فالشك كاف في ذلك، والوجه قد اتضح مما مر. وثالثها: أنك قد عرفت أن أخبار المسامحة يعارضها المنع عن العمل بخبر الفاسق، ولكنا قدمناها على دليل المنع، بتقريب: أنه أخص مطلقا من عموم دليل المنع.

[ 438 ]

لكنه قد يتفق المنع عن قسم خاص من الخبر يكون بينه وبين دليل المسامحة عموم من وجه، كالمنع عن العمل بموافق العامة، فإن الرشد في خلافهم (1) وكالمنع عن العمل بالشاذ النادر (2) فلو كان دليل المستحب من أحد القسمين، فهل يؤخذ به عملا بالمسامحة أو يترك عملا بالنهي؟ وجهان. والذي يقوى في النظر: أن المنع عن الشاذ والموافق للعامة إرشاد إلى كون الحق في خلافه، بخلاف المنع عن خبر الفاسق، فانه إرشاد إلى عدم الوثوق به حتى يتبين، فترك العمل بموافق العامة والشاذ أجود، لكونهما كالقياس. ورابعها: هل يشترط في المسامحة كون ذلك العمل مشروعا في أصله بعموم أو إطلاق في زمان أو مكان أو حال وجاء الخبر فيه - مثلا - بخصوصية غير ثابتة، أو لا يشترط فيجوز إحداث عبادة جديدة بقاعدة المسامحة لو جاء بها خبر ضعيف؟ وجهان: ومقتضى إطلاق الأدلة: الثاني، والثمرة بينهما قليلة جدا. z z z


(1 و 2) انظر الوسائل 18: 75، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأول، و...

[ 439 ]

(العنوان السادس عشر) (قاعدة بطلان العبادة بكل زيادة ونقيصة)

[ 440 ]

عنوان [ 16 ] مقتضى القاعدة أن يكون كل زيادة ونقيصة في العبادة مبطلا لها، سواء كان في الطهارات أو الصلاة أو غيرها (1) من العبادات، ولا يفترق الحال بين القول بأن أساميها موضوعة للصحيحة، أو للأعم منها ومن الفاسدة. وتنقيح ذلك يتوقف على مقدمة، وهي: أن العبادات لا ريب في أن كلها مخترعة من قبل الشارع ولو بانضمام شروط وأجزاء إلى ما كانوا يعرفونها. وبعبارة اخرى: هذا المجموع المركب من حيث هو كذلك مما قد جعله الشارع ورتب عليه أحكاما كثيرة دنيوية واخروية، ولا ريب أن انضمام الامور المتعددة بعضها إلى بعض على نسق وترتيب يلزمه هيئة خاصة قهرية، هي الجزء الصوري للمركب، ولا يمكن تحقق مركب من دون هيئة (2) وإنما البحث في أن هذه الهيئة أيضا داخلة في الماهية المطلوبة، أو هي أمر قهري عارض للأجزاء المجعولة عند اجتماعها، وليست هي مطلوبة. فنقول: الظاهر كون الهيئة داخلة في العبادة، وليست عبارة عن مجرد الأجزاء


(1) في (م): في الطهارة أو الصلاة أو غيرهما. (2) كذا في (ن)، وفي (د): من دون هيئته، وفي (ف، م): دون هيئة.

[ 441 ]

المادية. والدليل على ذلك: تبادر المعنى من ألفاظ العبادات، وسلب الاسم عما تغير فيه الهيئة في بعض الأفراد، كالفعل الكثير في الصلاة. فصار معلوما أن الهيئة مطلقا غير خارجة عن الماهية، بل هي جزء صوري للمأمور به. مضافا إلى أنا وجدنا في العبادات: أن الشارع جعل التقديم والتأخير ونحو ذلك منوعا للعبادة، وجعل لكل قسم منهما أحكاما برأسه، فكشف أن الهيئة لها مدخلية في الماهية. على أن الظاهر: أن الشارع في هذا التركيب جرى مجرى طريقة الحكمة المعروفة بين العقلاء، ولا ريب أن ما نراه من طريقة العقلاء في إحداث التراكيب المختلفة في أدوية ومعاجين وأبنية وآلات ونحو ذلك مدخلية الصور والهيئات في آثارها وثمراتها ومطلوبيتها، ومع اختلال تلك الهيئة لا يرتبون تلك الثمرات عليه. مع أن كل موجود خارجي مما خلقه الله تعالى نرى أن لهيئته مدخلا في التسمية، بل الأسماء دائرة مدار الهيئات والصور دون المواد، فمقتضى ذلك كون الهيئة داخلة في مسميات ألفاظ العبادة، ولازم ذلك عدم صدق اللفظ وعدم ترتب الثمرات بدونها، وهو معنى البطلان. فإن قلت: إنا لا ننكر دخول الهيئة في الجملة في الماهية بل ذلك من الواضحات، ولكنه لا يلزم منه أن كل زيادة ونقيصة مبطل، لعدم تغير الهيئة بمطلق الزيادة والنقيصة. قلت: هذا غفلة من المدعى، وبيان ذلك: أن الكلام تارة في أن هيئة العبادة أي شئ هو؟ بمعنى: أنا لا ندري - مثلا - أن القعود في أثناء الطواف مبطل أم لا؟ ونحو ذلك، والكاشف عن ذلك أحد امور:

[ 442 ]

إما الصدق عند المتشرعة فيثبت بذلك أن الهيئة أحد الأمرين، أو الأجماع، أو الأخبار الدالة على الحكم. وهذا هو مقام إثبات أصل الماهية والأجزاء والشرائط والهيئة بطرقها المقررة. والمقام الثاني: أن بعد ثبوت أن الهيئة ذلك - مثلا، كما لو ثبت أن الزائد عن سورة واحدة ليس من الصلاة، أو السورة الواحدة لازمة فيها بالنص، ولكن لا ندري أن الزائد يبطل أو لا؟ ولا ندري أن نقصان السورة مبطل كالركوع أم لا؟ - مقتضى القاعدة: أن نقص كل شئ ثبت أنه داخل في الهيئة وزيادة كل شئ ثبت بالدليل الشرعي أنه ليس مما اعتبر في العبادة مبطل لها، والوجه في ذلك امور: أحدها: ما مر من أن الهيئة بعد ثبوتها داخلة فيما اعتبرها الشارع عبادة. وصدق الاسم بدونها على مذهب من يقول بالأعم لا ينفع في شئ، إذ الأعم ليس مأمورا به بعد قيام دليل على الخصوصية، ولا ريب أن النقص مغير للهيئة، لأن الجزء اللاحق للمتروك يلحق الجزء السابق عنه، وهو هيئة مغايرة، وكذلك في الزيادة، لأن تخلل الزائد مغير لهيئة المتلاحقين، فيغير هيئة المجموع المركب، وذلك واضح. وثانيها: قاعدة الاشتغال، المقررة على مذهب من يقول بكون الأسامي للصحيحة: بأن الشك في كون الزائد والناقص مانعا يوجب الشك في صدق الاسم فلا يقع الامتثال، وعلى مذهب من يقول بالأعم: بأن المانع المشكوك وإن اندفع مانعيته، بمعنى: أن الجزء الناقص - مثلا - وإن نفينا كونه مبطلا بأصالة عدم المانعية، لكن مقتضى الارتباط النفس الأمري في أجزاء العبادات المركبة: أنه لو كان هذا الناقص مبطلا وجزءا مقوما للعمل فالاجزاء الباقية أيضا غير نافعة، لقضية الارتباط، فالبراءة والامتثال لا يحصل إلا بإتيان الناقص وترك الزائد حتى يحصل القطع بالامتثال بما علم ثبوت التكليف به.

[ 443 ]

وثالثها: أن مقامنا هذا غير مرتبط بأصالة الجزئية والشرطية والمانعية ونحو ذلك، إذ الفرض ليس أصل الجزئية في الناقص وعدمها في الزائد مشكوكا، بل هما معلومان، فإذا زاد أو نقص، فنقول: مع قطع النظر عن حكم العقل يحكم العرف بعدم كونه امتثالا للمأمور به، وهو معنى البطلان. ورابعها: الأجماع المحكي على هذه القاعدة في كلام جماعة من أفاضل المتأخرين (1). وخامسها: الأجماع المحصل من تتبع كلمات الأصحاب في العبادات، فانهم بعد ثبوت الزيادة والنقيصة يبنون على البطلان حتى يثبت دليل على عدم المانعية. وسادسها: الصحيح المروي في كتاب الصلاة: (إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها، واستقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا) (2) وهذه الرواية أخص من المدعى من وجهين: أحدهما: اشتماله على حكم الزيادة دون النقيصة. وثانيهما: اختصاصه بالصلاة. لكن الظاهر عدم الفرق بين الزيادة والنقيصة إن لم يكن النقيصة أولى بالبطلان وأقوى في عدم صدق الامتثال عرفا. ولا فرق بين الصلاة وغيرها، لكون الكل توقيفية مبنية على هيئة خاصة متلقاة من الشارع. والحاصل: الفرق بين الصلاة وغيرها في (3) هذه الجهة غير واضح، بل منتف.


(1) لم نظفر على حكاية الأجماع على القاعدة بكلا طرفيها، نعم في طرف النقيصة فقد نفى العلامة الخلاف عن بطلان الصلاة بإخلال شئ من واجباتها عمدا، شرطا كان أو جزءا أو تركا، نهاية الأحكام 1: 527. وقال السيد السند: قد أجمع الأصحاب وغيرهم على أن من أخل بشئ من شرائط الصلاة أو واجباتها عمدا بطلت صلاته، المدارك 4: 211. (2) الكافي 3: 354، باب من سهى في الأربع والخمس... ح 2، وأورده في الوسائل 5: 332، الباب 19 من أبواب الخلل، ح 1، مع زيادة كلمة (ركعة) بعد: (زاد في صلاته المكتوبة). (3) في (م): من.

[ 445 ]

(العنوان السابع عشر) (قاعدة جواز البدار لاولي الأعذار) (وخروج باب التيمم عنها)

[ 446 ]

عنوان [ 17 ] لا ريب أن العبادات الموسعة في وقتها يتخير المكلف في إيقاع المأمور به في كل حصة قابلة للوقوع فيها إذا كان المكلف جامعا للشرائط، فاقدا للموانع، غير معذور بأحد الأعذار التي يوجب سقوط شرط أو جزء، أو نحو ذلك. وأما أصحاب الأعذار: فهل التخيير في حقهم كذلك فلهم الأتيان بالمأمور به في آن العذر بطريق المعذور وإن احتمل أو ظن أو علم زوال العذر في الان الثاني من الوقت أو الأجزاء اللاحقة منه، أو التخيير غير ثابت في حقهم واللازم مراعاة التمكن والصبر إلى آخر أوقات الأمكان، أو يفصل بين راجي الزوال فلا تخير له وبين المأيوس عن زوال العذر فيتخير؟ أقوال للأصحاب: فأكثر القدماء على التخيير مطلقا (1) والمرتضى (2) وابن الجنيد (3) وسلار (4)


(4) الظاهر أن القائل بالتخيير مطلقا من القدماء هو أبو جعفر بن بابويه، على ما نقله عنه العلامة في المختلف (1: 414) والجعفي في ظاهر كلامه، على ما نقله عنه وعن الصدوق الشهيد في الذكرى: 106، إلا أن كلام الصدوق في المقنع: 8 يعطي خلاف ما نسب إليه. (4) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 25. (4) هو قائل بالتفصيل على ما في المختلف 1: 414 - 415. (4) المراسم: 54.

[ 447 ]

على المنع مطلقا، وجماعة من فضلاء من تأخر عن الشهيد رحمه الله على التفصيل (1). والكلام في هذا الباب مضطرب أشد الاضطراب. ولنشر إلى جملة من مواقع المسألة توضيحا للمدعى. ومن جملتها: العذر عن إكمال الوضوء - كالجبيرة ونحوها - وكذلك في الغسل بناءا على الاكتفاء بما يمكن غسله، وكذلك العذر في تطهير الثياب، وكون الساتر على الشرائط والخلو عن الموانع (2)، أو العذر عن أصل الساتر، أو عذر المكان لعدم خلوه عن نجاسة، أو اشتباه القبلة بناءا على التخيير، أو فقد الماء حتى يتوضأ أو يغتسل، أو وجود العذر من استعماله أو الخوف عن تحصيله، أو وجود السلس والبطن اللذين (3) لا تخلو الصلاة - مثلا - من طريان الحدث معهما، أو العجز عن القيام في الصلاة أو الاستقرار أو إتقان الأفعال أو الأذكار (4) وكذلك العذر في أفعال الحج والعمرة وشرائطهما. ولا يختص الكلام بالموسعات المؤقتة بالخصوصية، بل يعمها والموسعة ما دام العمر، كقضاء الصلاة على ما نختاره من المواسعة، والنيابات بإجارة أو تحمل عن ميت، ونظائر ذلك، فإن كل ذلك داخل في محل النزاع. فنقول: كل مكلف بخطاب موسع إذا حصل له عذر ينتقل به الفرض إلى غير ما هو لازم عند الاختيار، هل يلزمه الانتظار لزوال العذر حتى يأتي بالمأمور به الواقعي الاختياري، أو لا يلزمه ذلك بل هو مخير في أوقات زمان التوسعة فله


(1) منهم الشهيد نفسه في اللمعة: 26، والمحقق الثاني في جامع المقاصد (1: 500) نا سبا له إلى أكثر المتأخرين، ونسبه الشهيد الثاني في الروضة (1: 459) إلى أشهر الأقوال بينهم، ونفى عنه البأس السيد في المدارك 2: 212، ثم القول بالتفصيل لا ينحصر على جماعة ممن تأخر عن الشهيد، كما هو ظاهر كلام المصنف قدس سره بل هو منقول عن ابن الجنيد وذ هب إليه العلامة في جملة من كتبه، واستجوده المحقق في المعتبر، انظر الحدائق 4: 356 - 357. (2) في (م): جامعا للشرائط خاليا عن الموانع. (3) في غير (م): الذي. (4) في (ف، م): والأذكار.

[ 448 ]

الأتيان في كل زمان بمقتضى تكليفه في تلك الحالة، أو يفصل بين الرجاء والعدم؟ فالأكثر على التخيير إلا فيما خرج بدليل خاص، لأصالة عدم لزوم التأخير، وعدم تعين الأيقاع في آخر أوقات الأمكان، ولاستصحاب بقاء التخيير مع عدم دليل صالح على رفعه، ولأطلاقات الكتاب والسنة في أصل الواجبات الموسعة، كقوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا... فلم تجدوا ماء فتيمموا (1) وأقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (2) و (من فاتته فريضة فليقضها كما فاتت) (3) ونظائر ذلك من الخطابات الدالة على أن بمجرد دخول وقت المأمور به يكون المكلف مأمورا بالأتيان بالمأمور به أمرا تخييريا بالنسبة إلى أجزاء الوقت، أو بالنسبة إلى مدة العمر فيما وسع فيه كذلك، فمتى ما أتى بالمأمور به على حسب ما هو عليه في أي حالة كان من أجزاء زمن التوسيع فقد أتى بالمأمور به، والأمر الشرعي يقتضي الأجزاء، فلا إعادة عليه ولا قضاء، كما أنه لم يترك بذلك واجبا، ولأن التخيير في شئ والتوسيع فيه تخيير وتوسيع في لوازمه. وبيان ذلك: أن الشارع جعل لواجد الماء الوضوء مثلا، ولفاقده التيمم، وللعاجز القعود، وللقادر القيام، ونظائر ذلك من الأعذار التي جعلت عناوين للأحكام الشرعية، في قبال المختار الخالي عن العذر مثل ذلك (4). ولا ريب أن المكلف قابل لطريان هذه العناوين المختلفة عليه، فتارة هو مريض، وتارة صحيح، ومرة مسافر، ومرة حاضر، ومرة عاجز، واخرى قادر، ونحو ذلك، فيمكن انقلاب العناوين المجعولة موضوعا للأحكام في المكلف في جمع الأحوال والأزمان.


(1) المائدة: 6. (2) الأسراء: 78. (3) الوسائل 5: 359، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، ح 1، لفظ الحديث قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: يقضي ما فاته كما فاته... الحديث. (4) مثل ذلك: لم يرد في (م).

[ 449 ]

فإيجاب الشارع على النائم - مثلا - قضاء صلاة الصبح - مثلا - وتوسيعه ما دام العمر مع العلم منه بانقلاب أحوال المكلفين في مدة عمرهم عجزا وقدرة وصحة ومرضا وغير ذلك يقتضي أن الشارع يرضى بالقضاء في أي وقت أراد المكلف قضاءها على مقتضى عنوان تلك الحالة، فلو أراد القضاء في حالة عجز صلى قاعدا، وفي حالة جبيرة توضأ وضوء الجبيرة، وفي حالة العجز عن تحصيل ساتر طاهر - أو نحو ذلك - صلى مع النجس، ومع عدم ذلك كله يصلي صلاة المختار. وبالجملة: التخيير في الأزمان مع العلم باختلاف المكلف في العنوان بحسب الأوان يقتضي التخيير في كيفيات المأمور به اللاحقة له بحسب اختلاف الأحوال. وقس على ذلك الصلاة اليومية والنيابات، وسائر الموسعات من: صلاة الايات، وأعمال الحج والعمرة، ونحو ذلك. ومن هنا نقول: إن العبرة في صلاة المسافر إذا حضر أو بالعكس بحالة الأداء، لا حالة الوجوب (1). ولأن تكليف ذوي الأعذار بالانتظار مما يوجب العسر الشديد والحرج الوكيد المنفيين آية ورواية، بل كاد أن يلحق في بعض أفراده بتكليف ما لا يطاق، خصوصا في الأوقات التي لا يعلم آخرها غالبا إلا بترصيد وكمال دقة، مع اختلاف أحوال الناس في السفر والحضر، وكثرة وقوع الأمراض والأعذار، كما هو المشاهد في الأعصار والأمصار، فلو لزم في جميع ذلك الانتظار لزم العسر الواضح، وقد تقدم في عناوين المشتركات ما يدل على انتفائه شرعا (2). ولأن الالتزام في جميع ذلك كله بالتأخير مما يكاد يحصل الأجماع على خلافه، بل الظاهر - بل المقطوع - من ملاحظة فتاوي أصحابنا في الأبواب


(1) العبارة في (ن) هكذا: إن العبرة في صلاة المسافر إذا حضر أو بالعكس لا بحالة ا لأداء، لأن المعتبر حالة الوجوب. (2) تقدم في العنوان التاسع.

[ 450 ]

إجماعهم على عدم اللزوم في المعذور مطلقا، فإذا جاز وثبت التخيير في بعض الأعذار فلا نعقل فرقا بينه وبين غيره، لاتحاد الدليل والوجه في التوسعة في الجميع. ولأنا نرى سيرة العلماء والعوام (1) في الأعصار والأمصار على أن أصحاب الأعذار لا ينظرون زوال عذرهم، بل يبادرون إلى الصلوات على ما هم عليه من جبيرة ومرض وقعود وعدم استقرار ونحو ذلك، وهذا كاشف عن كون السلف كذلك، فيكشف عن طريقة أهل زمن الشارع، فيكشف عن تقريره ورضائه بذلك، لأنه بعد عموم بلواه ليس مما يخفى على صاحب الشريعة وخلفائه في المدة الطويلة. ولأن التأخير لو كان لازما لاشتهر وتواتر في الأخبار والفتاوى، لعموم البلوى بالأعذار، وتوفر الدواعي إلى السؤال عنه ونقله، مع أنا لم نجد في النصوص - على كثرتها في باب الأعذار - ما يدل على ذلك، سوى أربع روايات أو خمس في باب التيمم (2) مع وجود معارض لها أيضا. وأفتى بالتأخير هناك (3 مطلقا أو على التفصيل - مشهور الأصحاب. وقد قوينا في طهارة (الحياض) - شرحنا على النافع - لزوم التأخير في المتيمم مطلقا، للنصوص المنجبرة المعتضدة بمؤيدات اخر، كما سنذكره عن قريب. وهذا الباب العظيم لا يكتفى فيه بمجرد هذه الروايات، ولم نجد من الفقهاء من يفتي بلزوم التأخير إلا المرتضى رحمه الله وسلار وابن الجنيد (4) على ما نقل نهم، مع أن العيان غير النقل، ولم يحضرني عبائرهم وكتبهم حتى يعلم أنهم قائلون به


(1) كذا في نسخة بدل (م)، وفي النسخ: العلماء والأعوام.) - (3) أوردها في الوسائل 2: 993 في الباب 22 من أبواب التيمم. (3) في (م): والتأخير هناك. (4) راجع ص: 437 وقد ذكرنا هناك أن ابن الجنيد من القائلين بالتفصيل.

[ 451 ]

مطلقا، أو مع التفصيل في جميع الموسعات، أو في خصوص الصلاة اليومية في جميع الأعذار، أو في أعذار خاصة. والحاصل: خلو النص والفتوى مع عموم البلوى يقضي بالتخيير وعدم لزوم ما زعمه هؤلاء الأساطين من الانتظار، والله العالم. ولأن إطلاق الأدلة الواردة في خصوص أصحاب الأعذار (كما لا يخفى على من لاحظها، ولو لا خوف الأطالة والخروج عن وضع الكتاب لنقلتها) (1) مثل ما في الجبائر والمسلوس والمبطون والعاجز عن القيام والقعود في الصلاة والمشي في الطواف - ونظائر ذلك - قاض بالتخيير والتوسيع للمعذور كالمختار من دون تفاوت، وليس في شئ منها الأمر بالتأخير وانتظار زوال العذر، بل ما اطلعنا عليه منها مطلقة، مثل قوله: (يغسل ما حوله ويمسح على الجبيرة) (2) أو (العاجز يصلي قاعدا) (3) ونحو ذلك، فعليك بالتتبع التام حتى يتضح لك المقام. ولأن ما دل على أفضلية أول الوقت والاهتمام في عدم تأخير الفرائض على حد يكاد يبلغ تاركه حد العاصي. وعموم الأدلة الدالة على المسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير (4) والذم واللوم الواردان في حق من يضيع الصلاة ويؤخرها إلى آخر الوقت (5) كلها مطلقة شاملة لذوي الأعذار وغيرها، ولا دليل يصلح لتقييد هذه الأدلة أو تخصيصها، ومجرد احتمال زوال العذر والأتيان بالصلاة أو غيرها من العبادة على الوجه الأكمل والواقعي الاختياري غير صالح للتقييد، لأن ذلك ترك للقطعي بالمحتمل، فإن حصول أجر أول الوقت متيقن وزوال العذر محتمل، والقطعي لا يترك بما لا يوثق بحصوله. ولأن في لزوم التأخير تغريرا بالواجب وتعريضا له معرض الفوات، لاحتمال


(1) ما بين القوسين لم يرد في (م). (2 و 3) أوردهما مثالا، لا نصا. (4) مثل قوله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم... آل عمران: 133، وقوله تعالى: فاستبقوا الخيرات المائدة: 48. (5) راجع الوسائل 3: 89 - 91، الباب 3 من أبواب المواقيت، ح 13، 17، 20.

[ 452 ]

طريان الموت أو السهو أو الغفلة، أو مانع آخر يمنع المكلف عن الأتيان به، ولاحتمال طريان عذر أزيد من هذا العذر، إذ يحتمل اشتداد المرض بحيث لا يتمكن من القعود، وعروض حادث لا يتمكن من الساتر النجس أيضا، وقس على ذلك نظائره. فالبناء على لزوم الانتظار المحتمل لفوات الواجب عن أصله أو طريان نقصان أزيد مما هو موجود في أول الوقت بمجرد احتمال زوال العذر غير مأنوس بطريقة الشرع، ومستبعد عن الاهتمام بحفظ الحدود المعلوم من أحوال صاحب الشريعة. ومن هنا يعلم: أن القول بلزوم التأخير في صورة لا يرجى زوال العذر بمكان من السقوط والضعف، وعليك بالتزام مشرب الفقاهة والمشي على ما هو المستفاد في نوع المذهب -، فإن الخصوصيات لا تكاد تنضبط. ولأن المستفاد من طريقة الشارع - كما سنقرر لك إن شاء الله تعالى في العنوان الاتي - أن وقت العبادة في نظر الشارع أهم من سائر الشرائط والأجزاء، وكلها تسقط مع التعارض بينها وبين الوقت، فإذا صار الاهتمام على الوقت بهذه المثابة فمن المستبعد جدا إلزام الشارع بالتأخير الى آخر الوقت بمجرد احتمال زوال العذر وحصول الشرط والجزء الناقص، سيما في الأعذار التي جعلت لها أبدال في الشرع [ وليس مجرد نقص ] (1). والظاهر من الاهتمام بالوقت في نوعه: أن الاكتفاء ببدل الأجزاء والشرائط المتعذرة وإدراك أول الوقت أولى، ولا أقل من تساوي الأمرين الموجب للتخيير، فالقول بوجوب التأخير مع ندرة قائله مستبعد جدا. والذي يصلح حجة للقول بالتأخير أمران: أحدهما: أنه لا ريب أن التكليف أولا وبالذات إنما هو على الواقعي


(1) لم يرد في (م).

[ 453 ]

الاختياري، ولا ينتقل منه إلى بدله إلا مع تعذر الاختياري، ولما كان الواجب موسعا يصح إيقاعه في أي جزء من أجزاء زمن التوسيع كان، والمكلف قابل لأن يكون في هذه الانات مختارا ومعذورا، فما لم يستوعب العذر جميع أجزاء الوقت فلا يصدق: أن الاختياري متعذر، حتى ينتقل منه إلى بدله. وذلك في العرف واضح، فلو قال المولى لعبده: (ائتني بماء النهر غدا في أي وقت من أوقات النهار شئت، وإن لم تجد ماء النهر فأت بماء البئر) ولا ريب أن هذا العبد إذا أصبح ولم يجد ماء النهر فأتى بماء البئر معتذرا بأن البدل متعذر لذمه العقلاء، معللين بأنه لم يتعين عليك الأتيان في هذا الوقت حتى تنتقل إلى بدله بالتعذر فيه، فلعلك تتمكن منه في أثناء النهار فتأتي به. وبالجملة: كما أن التكليف المتعلق بالكلي لا يسقط إلا بتعذر جميع أفراده - لأن مع القدرة على فرد واحد يكون الكلي مقدورا فلا وجه للسقوط - فكذلك الواجب الموسع، فإنه ينحل إلى التخيير في أجزاء الوقت، ويصير للمأمور به باعتبار وقوعه في أجزاء الوقت الموسع أفراد اعتبارية ينزل منزلة الأفراد للكلي الطبيعي، فلا يصدق التعذر إلا مع استيعاب العذر للزمان كله حتى لا يتمكن من الأفراد المفروضة مطلقا، ولا يعلم هذا التعذر إلا بالصبر إلى آخر أوقات الأمكان، فإن بقي العذر أتى ببدله، وإن زال أتى بأصل المأمور به. وثانيهما: الروايات الواردة في باب التيمم الدالة على لزوم التأخير مثل قوله عليه السلام: (ليس للمتيمم أن يتيمم إلى أن يضيق الوقت) أو (عليه أن يطلب الماء ما دام في الوقت) (1) ونظائر ذلك، فإن النصوص في ذلك خمسة أو ستة: بين دالة بالطلب، وبين دالة على الصبر مطلقا (2) فإذا وجب في المتيمم ذلك لزم في غيره


(1) أراد النقل بالمعنى فيهما، وإلا فلفظ الاحاديث الواردة في الباب ليس كما نقل، انظر الوسائل 2: 993، الباب 22 من أبواب التيمم. (2) انظر المصدر السابق.

[ 454 ]

أيضا بعدم وضوح الفرق بينه وبين غيره. والجواب عن الأول يظهر مما قررناه في تضاعيف أدلة الأكثرين. وتوضيحه: أن هذا الكلام إنما ينفع لو لم يتعلق خطاب بالبدل، بمعنى: إن (1) تعلق الخطاب بالمأمور به موسعا فلا ريب في عدم سقوطه ما لم يستوعب العذر جميع الوقت، وأما إذا تعلق خطاب بالبدل فلا يخلو: إما أن يكون خطابا عقليا ناشئا من قبح تكليف ما لا يطاق، أو خطابا شرعيا. فإن كان خطابا عقليا فالظاهر جواز الأتيان بالبدل مع التعذر، لكن لا يفيد الأجزاء، فلو اتفق أنه ظهر زوال العذر مع بقاء الوقت وجب الأتيان بأصل المأمور به، وهذا معنى قولنا: إن الأمر العقلي لا يقتضي الأجزاء. وأما الخطاب الشرعي: فإن كان مقيدا بما دام بقاء العذر أو قضية مهملة لا يظهر منها سوى الأتيان بالبدل مع بقاء المعذورية - وبعبارة اخرى: ليس فيه إطلاق يشمل حالة زوال العذر - فهذا الأمر كالأمر العقلي في عدم اقتضائه الأجزاء. وإن كان فيه إطلاق يشمل صورة بقاء العذر وزواله، فظاهر هذا الأمر إفادة الأجزاء وإن زال العذر. وهذه الأوامر المفروضة في أصحاب الأعذار كلها أوامر شرعية مطلقة مفيدة للأجزاء، وبهذا سميناها أبدالا للمأمور به، فإذا أتى المكلف في جزء من أجزاء الوقت بالبدل فظاهر الأمر الأجزاء، وهذا هو المراد من جواز التأخير والتقديم المعبر عنه بالتخيير. والفرق بين أفراد الكلي المخير فيه وأجزاء الواجب الموسع اجتماع أفراد الكلي في وقت واحد، فإذا تمكن المكلف من الأتيان بفرد منه فقد تمكن من الكلي، فلا يصدق التعذر، بخلاف الموسع، فإن بتعذر المأمور به في بعض أجزاء الوقت يصدق أنه متعذر في هذا الحال، فيجئ الخطاب بالبدل، ونظير ذلك في


(1) كذا في (د) وفي سائر النسخ: إنه.

[ 455 ]

الكلي الطبيعي الأفراد الممكنة في الان المتأخر، فإن إمكان بعض الأفراد في الان المتأخر لا يؤثر في وجود الكلي ومقدوريته، بل يصدق عليه أنه متعذر، فلا وجه لقياس المقام بالأمكان في بعض الأفراد بالزمن الأول. والجواب عن الثاني: أن التيمم خرج بالدليل، وقد أفتى به المشهور. فإلحاق غيره به لا دليل عليه، والمناط غير منقح. والفارق: أن مدار مصيرنا على التخيير إطلاق الدليل الدال على البدلية - كما قررناه - وتوجه الخطاب من أول الوقت إن مختارا فمختارا وإن مضطرا فمضطرا، وليس الدليل في التيمم كذلك، فإن إطلاق قوله تعالى: فلم تجدوا ماءا فتيمموا (1) قد تقيد بالنصوص الدالة على أنه لا يتيمم (2) إلا عند الضيق، فيصير المعنى: إن لم تجدوا ماءا في جميع الوقت حتى انتهى إلى آخر أوقات الأمكان عادة فاللازم التيمم، بخلاف سائر الأعذار، إذ ليس فيها ما يقيد الدليل، وإلا لقلنا به. مضافا إلى أنه يمكن الفرق أيضا اعتبارا: من أن غالب الاحتياج إلى التيمم إنما هو لفقد الماء، والأعذار الاخر قليلة الوقوع (3) مثل الخوف ونحوه، والغالب أن فاقد الماء إذا تفحص وانتظر يجد الماء، فلهذا سد الشارع هناك باب التعجيل، ولم يجعله منوطا بزعم المكلف أيضا على ما نختاره من عدم الفرق بين الرجاء وعدمه، نظرا إلى زوال العذر فيه في أغلب الأفراد، بخلاف سائر الأعذار، فإن الابتلاء بها غالب وزوالها في أوقات التوسيع نادر، فرخص في الأتيان من أول الأمر حذرا من فوت الواجب من أصله، وهذا الذي ذكرناه حكمة مقربة للدليل، وإلا فالمتبع النص، فتدبر. ومن هنا ظهر ضعف القول بالتفصيل، حتى في مسألة التيمم - كما ذهب إليه جماعة من أفاضل من تأخر (1) - لأن الذي عللوه به: أن مع عدم الرجاء يسقط عنه


(2) المائدة: 6. (2) في (م): لا تيمم. (3) في غير (د): قليل الوقوع.

[ 456 ]

التكليف الاختياري، للتعذر، بخلاف ما لو كان راجيا، فإنه لا يصدق التعذر حتى ينتقل إلى البدل. وهذا إن دل عليه دليل خاص - كما يدعونه في التيمم جمعا بين الأخبار - فلا كلام فيه بعد وجود المخرج عن القاعدة، وإلا فبحسب القواعد نقول: لا شبهة في أن المراد من التعذر - كعدم وجود الماء، أو العجز عن القيام، أو نحو ذلك - إنما هو التعذر الواقعي، فإما أن يصدق مع التعذر في وقت من أوقات التوسيع أن المأمور به متعذر فلا معنى لعدم جواز الانتقال إلى بدله من أول الأمر، وإما أن لا يصدق حتى يستوعب العذر الوقت فلا معنى للاكتفاء بعدم الرجاء، فإن زعم المكلف لا مدخل له في صدق الدليل واقعا، فإن الاحتمال موجود، سلمنا جواز الأتيان بالبدل على حسب ما يزعمه من التعذر، فإذا انكشف خلافه وزال العذر فأي دليل دل على إجزاء ما فعله عن الأمر الواقعي الأولي؟ فإن كان دليل البدلية فقد اعترفوا بأن البدل فرع التعذر الواقعي في جميع الوقت ولم يتحقق، فظهر أن البدل ليس ببدل، والأجزاء فرع جعل الشارع له بدلا، فتدبر. نعم، لو كان المكلف يعلم قطعا حقيقيا - لو فرض حصوله - أو علما عاديا يوثق به في العادات زوال العذر، فإن كان إزالته من الاختياريات - كذهابه إلى مكان فيه الماء أو غسله الثوب النجس أو تعلمه ما لا يعلم من القراءة الواجبة ونظائرها - فلا كلام في لزوم التأخير وتحصيل المقدمات، وهذا إجماع من أصحابنا. وأما لو لم يكن الأزالة اختياريا بل كان أمرا ليس في قدرة المكلف لكن يعلم زواله عادة إن أمكن حصول العلم به كذلك - كالمسلوس والمبطون اللذين لهما فترات معتادة تسع الصلاة والمريض الذي اعتيد له البرء والأفاقة في وقت يمكنه فيه الأتيان بالعمل كالمختار - فهل يجب عليه التأخير أم لا؟ محل نظر. والفرق بين هذا وبين الأول: أن عدم حصول المقدمات الاختيارية لا يعد

[ 457 ]

اضطرارا (1) ولا يعد مثل ذلك من ذوي الأعذار قطعا، وإلا لم يبق مختار مطلقا، بخلاف الثاني، فإنه وإن كان يعلم الزوال بحسب عادته، لكنه مضطر الان، داخل تحت أدلة ذوي الأعذار، والعلم بالزوال لا دخل له في ذلك. والذي يقوى في النظر القاصر عدم لزوم التأخير في كمن لا يعلم، لأطلاق الأدلة، ولازم القول بلزوم التأخير عدم وجود التكليف الاضطراري بالنسبة إليه، وهذا خلاف مقتضى الأدلة، مع أن العلم بالمستقبل لا يكاد يتحقق، غايته الرجاء والوثوق، وقد عرفت حاله. هذا ما يتعلق بالكلام في نوع المسألة وأساسها، والاستعجال يمنع من ذكر كلمة الفقهاء والأدلة الخاصة في المقامات، وعليك بالتتبع في موارد الفروع حتى يتضح لك حقيقة الحال. z z z


(1) في (م): اضطراريا.

[ 459 ]

(العنوان الثامن عشر) (في تعارض أجزاء العبادة وشرائطها وكون الوقت مقدما على غيره)

[ 460 ]

عنوان [ 18 ] إذا تعارض سقوط أحد الأجزاء و (1) الشرائط الاختيارية الأولية أو الاضطرارية مع الاخر، فالوقت مقدم على الكل، بمعنى: أن مراعاة الوقت لازم وإن سقط بعض الأجزاء أو الشرائط. وقد استفدنا هذه القاعدة من الأدلة الخاصة التي دلت في أصحاب الأعذار على الأتيان بالمقدور، وهي كثيرة لا تكاد تحصى. ولذلك لا يضر نقص الوضوء بجبيرة ونحوها، وسقوط المائية، ووجود النجاسة، وسقوط السورة في الصلاة عند الضيق، واعتبار الشارع ركعة من الوقت وعدم رضاه بالتأخير، وسقوط الأركان في صلاة المطاردة، والقصر في صلاة الخوف، وسقوط الشرائط حيث تعذرت غالبا - كالاستقبال، والاستقرار، والساتر، وإباحة المكان، وشرائط ما يسجد عليه، ونحو ذلك - وسقوط القيام والانتقال إلى المراتب اللاحقة من إيماء ونحوه، بل ربما ينتهي إلى مجرد النية. وهذه كلها دالة على أن الشارع لا يرضى بفوات الوقت ويرضى بسقوط غيره من الشرائط والأجزاء، وإلا فكل معذور ينتهي إلى حالة اختيار غالبا، ولا أقل من


(1) في (ن): أو.

[ 461 ]

الاستنابة بعد موته أو في حياته، فرضا الشارع بنقصان العمل بهذه المثابة اهتمام بحق الوقت فكل عبادة موقتة إذا دار الأمر بين فوات وقتها أو فوت بعض شرائطها وأجزائها فمقتضى القاعدة تقديم الوقت وإن نقص الشرط أو الجزء، إلا ما دل الدليل على سقوطه بتعذر شرط أو جزء (1) أو دل الدليل الخاص على لزوم الأتيان به في خارج وقته، وتركه في وقته. وليس غرضنا من الموقت الوقت الخاص، بل الموقت (2) ما دام العمر كذلك إذا انتهى إلى آخر وقت الأمكان بحسب زعم المكلف، فيأتي بالمقدور حتما. والمرتبة بعضها على بعض - كأفعال الحج والعمرة - وإن لم يعين لها أوقات خاصة في حكم الموقت، فما أمكن من الطواف وصلاته لازم الأتيان قبل الشروع فيما تعقبه من أعماله، وقس عليه سائر الأفعال. والغرض الأشارة إلى الضابط المستفاد من استقراء كلام الشارع وأحكامه المجعولة المتفرقة في أبواب الفقه. ومن هنا أوردنا على من لم يجوز التيمم لضيق الوقت مع وجود الماء معللا بأن التيمم ما يشرع مع وجود الماء وفوات الوقت لم يقم دليل على أنه مسوغ للتيمم - كالفاضل المحقق نجم الدين أبو القاسم بن سعيد قدس الله لطيفه (3) ومن قال بمقالته من أفاضل من تأخر شكر الله مساعيهم (4) بأن فوات الوقت لو لم يكن مسوغا للتيمم فأي داع على شرعية التيمم؟ إذ المكلف إذا لم يجد ماءا في الوقت أو حصل له من استعماله مانع فلا بد من حصول الماء له في وقت من الأوقات، وزوال العذر كذلك، فلم يرض الشارع بترك الصلاة والأتيان بها في خارج الوقت مع الطهارة المائية، وليس الداعي إلى جعل هذه الأبدال إلا إرادة الشارع وقوع


(1) في (ن): شرطه أو جزئه. (2) في غير (م): الموقتة. (3) المعتبر 1: 366. (4) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 1: 467، والفاضل في كشف اللثام 1: 142 واستظهره السيد السند في المدارك 2: 185.

[ 462 ]

العبادة في الوقت. وكيف رضي الشارع بالقعود والاضطجاع وبمجرد التسبيحات في المطاردة ورضي بسقوط الأركان من دون بدل ولم يرض بالتيمم المجعول بدلا لأدراك الوقت؟ مع أن (التراب الطيب طهور المسلم عشر سنين) (1) كما في النص النبوي. وجملة من فحول المتأخرين - رفع الله درجاتهم - عجزوا عن تنقيح المسألة عن (2) مأخذها ولم يتفطنوا لهذه الدقيقة ولم يجدوا دليلا محكما يدل على جواز التيمم لضيق الوقت ولم يعتبروا الشهرة، أقروا بعدم الدليل، فتردد بعضهم، وسلك آخرون مسلك المحقق، مع أن الحكم - بعون الله تعالى - واضح بعد إتقان القاعدة المقررة، فتبصر. z z z


(1) سنن أبي داود 1: 91، ح 332، بلفظ (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين). (2) في (م): من.

[ 463 ]

(العنوان التاسع عشر) (في بيان قاعدة الميسور)

[ 464 ]

عنوان [ 19 ] من جملة القواعد المتلقاة من الشرع - الكثيرة الدوران المتشتة الفروع - قاعدة الميسور ولزوم الأتيان بالمستطاع، ويتمسك بها في لزوم تخفيف النجاسة كما وكيفا - كالغسل مرة وإن لم يطهر - وفي غسلات الولوغ، ومنزوحات البئر، وتباعد البالوعة، وقيام غير التراب مقامه في التطهير (1) ووضوء الأقطع، والجبير ة، وفي أعداد غسلات الوضوء والمضمضة وغسل اليد، والمباشرة في جميع ما تعتبر فيه، وحكاية ما أمكن من الأذان والأتيان بسائر الدعوات المندوبة، وأعداد مسحات الاستبراء وخرطاته، وجلوس الحائض في مصلاها، ومندوبات الاحتضار والموت، والغسل بالقراح مع تعذر الخليط من سدر أو كافور، ومن وراء الثياب وقيام غير الساتر مقامه، والواحد مقام الثلاثة في الكفن، وكفاية التكبيرات في صلاة الميت، والممكن من التربيع للجنازة، وطلب الماء وإن لم يكن غلوة أو غلوتين، والمسح مقام الغسل، وظهر اليد موضع بطنها وإحداهما مقام الاثنتين، والممكن من النوافل، وستر ما أمكن من العورة، ولزوم الصلاة عاريا، وما أمكن من البعد بين المرأة والرجل في الصلاة، وارتكاب أقل


(1) كذا في النسخ، والمناسب وقوع هذه الفقرة بعد فقرة: وفي غسلات الولوغ.

[ 465 ]

المحذورين ولو اعتبارا في تعارض المكروهين أو الحرامين، وقيام الاعتماد والقعود والاضطجاع والاستلقاء مقام القيام، وبعض القراءة والترجمة والملحون والذكر مقام الكل الصحيح، وفي المقدور من انحناء الركوع ونحوه من سائر الأجزاء والشرائط، وأداء المقدور من الحقوق الواجبة المالية كلها، والقيام في المعبر وحركة الرجلين لمن نذر المشي، وفي فرض (1) الكفارات على العدد، ولزوم الكف عن المفطرات وإن أفطر، ولزوم المقدور من الصيام والأطعام، وتقديم المعتكف أقل الطريقين ظلا، واستنابة العاجز عن الحج وكون النائب من الأقرب إلى بلده، وصرف المال القاصر عن الحج الموصى به في وجوه البر، ولزوم الأقرب إلى الميقات لو أمكن، وفي انتقال حكم العضو الأصلي (2) إلى الزائد، وتقدر الضرورة إلى ترك واجب أو فعل محرم بقدرها، وإحياء بعض الليلة، وتباعد الرامي، وصفات الجمار والهدي، وذبح هدي القران وإن لم يبلغ محله، وإمرار فاقد الشعر الموسى على رأسه، والمقدور من الأمر بمعروف أو النهي عن منكر، وإجراء الحدود والأحكام، ومراعاة الوكلاء والامناء والاولياء المصالح درجة بعد درجة، وذبح الواقع في البئر من دون شرائطه، ومسألة فوات الفور، وفوات القيد من زمان أو مكان أو وصف أو حالة ذاتي أو عرضي قابل للتبدل أم لا، ونظائر ذلك مما لا يخفى على المتتبع. وتنقيح المقام بحيث يرتفع عنه غشاوة الأبهام أن يقال: إن المأمور به قد لا يكون امورا متعددة مستقلة غير مجتمعة تحت اسم واحد، كالصوم والصلاة ونحوهما. وقد يكون امورا متعددة مندرجة تحت عنوان بحيث يكون كل منها مأمورا به على طريقة العموم الاصولي، كأيام شهر رمضان والنوافل اليومية - على ما حققناه في محله


(1) كذا في (ن، م)، وفي (د، ف): فض. (2) في (ن، د): الأصيل.

[ 466 ]

وقد يكون المأمور به مركبا من أجزاء يطلق على كل منها اسم الكل، كستر العورة وأداء الدين ونظيرهما مما يطلق على الجزء اسم الكل، كقراءة القرآن. وقد يكون مركبا من أجزاء خارجية تدريجية لا يطلق على كل منها اسم الكل مع ارتباط بعض منها ببعض بحيث لو اختل أحدها اختيارا لاختل الباقي، كالصلاة والصوم وقراءة سورة خاصة والحج ونحو ذلك. وقد يكون المأمور به أمرا مقيدا خاصا، إما بحالة كالركوع والسجود ونحوه، أو بوصف كالمشي الذي هو عبارة عن الحركة من مكان إلى مكان - مثلا - بتحريك الرجلين وبتوسطهما، أو باضافة كماء السدر وماء الكافور، ونظائر ذلك من قيود زمان أو مكان بحيث لو فات تلك الحالة أو الوصف أو الأضافة أو القيد لفات اسم المأمور به وإن بقي هناك بعض من مقدماته أو أجزائه. وقد يكون مركبا من أجزاء عقلية، كالأنواع المركبة من الأجناس والفصول. ثم قد يكون الباقي بعد فوات المتعذر بحيث يصدق عرفا وعادة أنه من أبعاض المجموع المركب ومن بقاياه والمقدور منه، وقد يكون أمرا خارجيا لا يصدق عليه ذلك في نظر العرف. ثم قد يكون هذا المأمور به مطلوبا بأمر تعبدي، وقد يكون مطلوبا بأمر توصلي - كما لو كان سببا لأمر أو شرطا أو رفع مانع ونحو ذلك - وقد يكون مطلوبا بالاعتبارين. فهنا مباحث ينبغي التأمل فيها حتى يتضح الأمر. فنقول: الأصل في هذه المسألة من طريق السنة روايات: أحدها: ما رواه في غوالي اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله ورواه الأصحاب في كتب الفروع، وهو قوله عليه السلام: إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم (1). وثانيها: ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في الغوالي وغيره: الميسور لا يسقط


(1) عوالي اللالي 4: 58، ح 206، بلفظ: إذا امرتم بأمر فأتوا منه بما استطعتم.

[ 467 ]

بالمعسور (1). وثالثها: عنه عليه السلام أيضا: ما لا يدرك كله لا يترك كله (2). إذا عرفت هذا، فاعلم: أنه لا إشكال في لزوم الأتيان بالمقدور في القسم الأول، إذ الواجبات امور مستقلة غير مرتبطة، وتعذر أحدها يوجب سقوط الخطاب عنها، ومقتضى الاستصحاب بقاء الوجوب في المقدور، ولا شبهة في جريانه في هذا المقام عند من قال بحجيته، مضافا إلى أن ذلك مقتضى إطلاق الخطاب، فإن الأوامر تدل على مطلوبية المأمور به سواء تعذر غيره أو أمكن، مع أن هذا القسم محل وفاق، بل محل ضرورة لا يشك فيه مشكك. ولكن الرواية الاولى غير شاملة له، إذ الظاهر من تنكير كلمة (شئ) وقرينة قوله: (منه) إرادة البعض من المأمور به الواحد المركب - كما سيفصل - والمقام ليس منه. فإن قلت: عموم ما دل على الأطاعة يشمل الكل، فيكون كل هذه الامور بعضا من الأطاعة أو فردا منها، فيندرج تحت الرواية بذلك الوجه. قلت أولا: إن المراد من ملاحظة الأوامر الخاصة أنفسها، لا من حيث الأمر العام، وفرق بين المقامين. وثانيا: أن معنى الأطاعة: الاتيان بالمطلوب، فدخول ذلك الخاص تحت العام فرع كونه مأمورا به. وبعبارة اخرى: إذا تعذر أحد الامور المطلوبة، فإن كان الباقي لازم الأتيان - إما لأصل أو إجماع أو إطلاق أو قاعدة جارية في الخصوصية - فيصير الأتيان بالبقية إطاعة جزءا أو فردا، فيأتي فيه عموم دليل الأطاعة وقاعدة الميسور أيضا


(1) عوالي اللالي 4: 58، ح 205، رواه عن النبي صلى الله عليه وآله، بلفظ: لا يترك الميسور بالمعسور. (2) المصدر: ح 207، قال المحقق النراقي قدس سره بعد نقل الأحاديث: والأول مروي عن النبي صلى الله عليه وآله، والثانيان عن علي عليه السلام، انظر عوائد الأيام: 88.

[ 468 ]

بالنسبة إلى الأطاعة، فيمكن أن يقال: قد امرنا بالأطاعة، فيلزم الأتيان بالمستطاع منها. ولو لم يكن الباقي لازم الأتيان مشمولا لأحد الأدلة المذكورة، فلا يكون الأتيان به إطاعة حتى تكون مأمورا بالأتيان بها لأنها مستطاعة، فإدراج المقام تحت الأتيان بالمستطاع من الأطاعة العامة فرع إدراج المقدور تحت الأوامر الخاصة أو إجراء قاعدة المستطاع فيها بالنسبة إلى تلك الأوامر حتى يصير إطاعة فيلحقه الأمر، وليس كذلك، مع ما فيه من أنظار اخر لا يهم ذكرها. ولكنه يشمله الرواية الثانية، إذ لم يعتبر فيها وحدة ولا تعدد، وإنما المراد به: أن تعذر شئ لا يكون سببا لسقوط المقدور الممكن. وأما الثالثة: فقد يتوهم عدم شمولها أيضا، باعتبار أن الظاهر من الكل المجموع المركب. وليس كذلك، بل هو أعم من المركب من الأجزاء باعتبار التركيب أو الموجود في الأفراد باعتبار ذلك. فقوله عليه السلام: (ما لا يدرك كله) أعم من أن يكون امورا مختلفة الشخص كلها مأمور به، أو يكون ملحوظا تركيبها بحيث يكون المجموع المركب مأمورا واحدا. وكلمة الموصول قابل للمعنيين، وقابل لأرادة الأعم من الأمرين، فالتخصيص بالمركب لا معنى له. والحاصل: أن ملاحظة مجموع الرواية يدلك على دخول كلا الأمرين فيه. والكلام في القسم الثاني بعينه كالكلام في الأول، إذ كون الامور المتعددة داخلة تحت عنوان واحد لا مدخل له في ذلك، والعام الاصولي في الحقيقة ينحل إلى خطابات متعددة، فيصير راجعا إلى القسم الأول. ويزيد ذلك على الأول أنه يمكن إدخاله تحت الخبر الأول أيضا (1) مثلا: يمكن أن يقال: إذا تعذر يوم من رمضان ولم يمكن صومه يصدق أن الباقي هو المستطاع من صوم شهر رمضان المأمور به، فالدخول تحت الاسم الواحد يدرجه في الخبر الأول أيضا وإن كان


(1) يعني: قوله صلى الله عليه وآله: (إذا أمرتكم بشئ...) المتقدم في ص: 456.

[ 469 ]

منحلا إلى امور متعددة. والقسم الثالث أيضا يجب الأتيان بالمقدور منه من دون شبهة، ويجئ فيه الأدلة الماضية في وجه. لكن الاستصحاب في جريانه من حيث إنه جزء إشكال، نظرا إلى أنه يمكن ن مضي ف‍ ه لوخد ثيح‍ ن مءزجلا بوجو ن اك‍ ن إ بحصتسملا ن إ:) 1 (] ل اقي‍ ن أ [ الكل - وبعبارة اخرى: الوجوب المقدمي - فلا وجه لاستصحابه، لأن بعد سقوط ذي المقدمة لا يبقى للمقدمة حكم من هذه الجهة، فليس ارتفاع حكم المقدمة مشكوكا حتى يستصحب. وإن كان وجوبه في نفسه، فهو غير مسلم في نفسه حتى يستصحب. لكن الروايات يشملها، والاستقراء بالتقرير الاتي يقضي بها، مع أن المسألة لا تحتاج إلى إجراء قاعدة الميسور، بل الدليل الدال على وجوب الكل هنا (2) دال على أجزائه، لاشتراكهما في الاسم. نعم، لو اريد إثبات اللزوم من حيث إنه بعض من المأمور به المركب لجاء فيه الكلام السابق، وإلا فلا حاجة في ذلك. وأما القسم الرابع: فالذي يقوى في النظر لزوم الأتيان بالمقدور من المأمور به على القاعدة، إلا ما خرج بالدليل، والوجه في ذلك امور: أحدها: الاستصحاب، وقد عرفت المناقشة فيه. ودعوى: أن المستصحب عبارة عن المطلوبية الحتمية أعم من كونها مقدمية أو أصلية، مدفوعة بما مر. وثانيها: الاستقراء، فإنه لا يخفى على المتتبع في الفقه أن الغالب في أمثال هذا المقام لزوم الأتيان بالمقدور، لنص أو إجماع أو غير ذلك، ولا ريب أن المشكوك فيه يلحق بالغالب دون النادر. وقد يقال: إن الاستقراء غير ثابت، إذ لا نسلم كون الغالب في الأوامر لزوم الأتيان بالمستطاع والمقدور بعد تعذر الكل.


(1) من هامش (م). (2) في (د): فيها.

[ 470 ]

ويمكن دفع ذلك: بأنك إن أردت عدم الغلبة في هذا الصنف الخاص من المأمور به - وهو المركب الارتباطي - فعلى فرض تسليمه غير مضر، إذ لا شبهة في أن الغالب عدم سقوط المقدور بالمعسور في نوع الأوامر، كما فصلنا لك بأشخاصها وأنواعها، مع أن الغلبة الصنفية أيضا محققة، كما لا يخفى على من لاحظ أجزاء الصلاة وشرائطها وأعمال الحج ونظائرها. وربما يقال: إنه معارض بمثله، فإنا نرى أيضا سقوط الأبعاض بسقوط الكل في نحو باب الوضوء - مثلا - وفي الغسل ونظائر ذلك، فإما أنه يرجع إلى ما جعل بدلا، أو يسقط التكليف من أصله. وهو واضح الدفع بأن تحقق الاستقراء المعارض لما ذكرناه في غاية البعد، مع أنه لو تحقق له معارض في خصوص أحد الأصناف فيتساقطان، بمعنى: أنه لا يتحقق الغلبة من الجانبين حتى يلحق المشكوك بالغالب، لكن يبقى الغلبة في نوع الأوامر سليما عن معارض. والحاصل: الأشكال في تحقق هذه الغلبة موهون جدا. نعم، يقع الكلام في حجيته، وهو غير مناسب للمقام، وتنقيحه في علم الاصول. وثالثها: الروايات السابقة (1). والطعن فيها من حيث السند أنه غير معتبر في نفسه ولا موجود في أصل معتبر، مدفوع بأن شهرة هذه الأخبار في كتب الفقهاء بل في ألسنة الناس من العوام والخواص مما تورث الظن القوي بصدور هذه الأخبار ظنا أعلى من الخبر الصحيح بالاصطلاح المتأخر. ودعوى: أن الشهرة ليست إلا عند المتأخرين، مدفوعة باشتهار الكلمة عند القدماء أيضا، بل هذا الانتشار بين العوام والخواص مما يكشف عن كون ذلك في الأعصار السابقة كذلك، بل هذا مما يدل على نوع موافقة لحكم العقل، بمعنى: أن


(1) أي: الروايات الثلاث المتقدمة في ص: 456 - 457.

[ 471 ]

ظاهر كلام أهل العرف والعقل أن هذه القضية إنما هو على مجرى عادة العقلاء بحيث أن من خالفها فقد خالف أفعال العقلاء، فيكون النصوص واردة مورد التأكيد لقضية العقل، وهذا أيضا يكون دليلا آخر على اعتبار هذه القاعدة. وبالجملة: الطعن في الرواية من حيث الانجبار ليس في محله، مضافا إلى حكاية جماعة شهرة هذه الروايات وكونها مفتى بها عند الأصحاب، مع أنا نرى في أبواب متفرقة في الفقه أفتى (1) الأصحاب في فروع هذه القاعدة، وليس لهم مستند في ذلك إلا هذه الأخبار، فيكون شهرة في الفتوى وإن لم تكن في الرواية، وهي تصلح جابرا، على ما حقق في محله. نعم، بقي الكلام في الدلالة: فنقول: ظاهر قوله: (أمرتكم) (2) يراد به الطلب الوجوبي، فلا يشمل المندوب، فلو تعذره بعضه لم يستحب الأتيان بالبقية لهذه الرواية. لكن الظاهر عدم القول بالفرق بينهما، مضافا إلى أن المندوب يتسامح فيه بما لا يتسامح في غيره - كما قررناه - ويكفي فيه احتمال الطلب والاحتياط العقلي، فتدبر وراجع. فالظاهر: إرادة القدر المشترك من الأمر، أو إلحاق المندوب في الحكم. و (الشئ) مطلق متوغل في الأبهام يشمل كل مأمور به، وما نحن فيه منه، بل هو أظهر أفراد المأمور به، لأنه مركب من أجزاء ارتباطية يطلق عليها اسم الواحد. وكلمة (من) إما للتبعيض، فمعناه: فأتوا ما استطعتم، ويراد به بعض المأمور به، والضمير يرجع إلى الشئ، فيصير الرواية بيانا لصورة تعذر البعض دون الكل، إذ لو تعذر الكل سقط بلا شبهة، ولو أمكن وجب للأمر، وأما صورة التبعض (3)


(1) في غير م أفتوا (2) في قوله صلى الله عليه واله وسلم إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم المتقدم في ص 466. (3) في د التبعيض.

[ 472 ]

فجعل هذه الرواية قانونا لبيانها. ويحتمل كون (من) بمعنى الباء، فيكون المراد: فأتوا بالشئ، ويكون كلمة (ما): إما زما، أي: ما دام أنتم مستطيعون، أو بدلا عن الشئ، أي: فأتوا بالشئ، أي: المقدور، والمتعلق محذوف، أي: المقدور منه، فيرجع هذا إلى المعنى الأول. ويحتمل أن يكون الموصولة مفعولا و (من) بيانية، فيصير المعنى: فأتوا بالمستطاع الذي هو ذلك الشئ المأمور به. ويحتمل كون (من) ابتدائية، فيكون المعنى: فأتوا بالمستطاع الكائن من ذلك المأمور به. ويحتمل كون الموصولة مفعولا وكلمة (من) تبعيضية بدلا عن الموصولة، والمراد: فأتوا بالمستطاع بعض الشئ المأمور به. ويجئ بعض احتمالات اخر بعيدة. ولا ريب أنه وإن كان في بادئ النظر يمكن أن يقال: إذا دار الأمر بين محتملات بعضها منطبقة على المقام وبعضها خارجة عنه، فلا وجه للتمسك بهذه الرواية. قلت: مع قطع النظر عن إعمال قواعد الاصول في تعارض الأحوال، لا ريب أن هذه الضوابط إنما مع عدم وجود فهم عرفي متيقن في البين، ومع وجوده فلا يضر مخالفة ألف قاعدة. فنقول أولا: لا ريب أن حمل هذه الرواية على اشتراط القدرة في المأمور به - كما هو مقتضى المعنى الثاني والرابع وبعض الوجوه البعيدة - بعيد عن سياق هذه العبارة، إذ لو القي هذه اللفظة على عامي مخ غير مشوب ذهنه بشئ من كلمة الاصوليين والفقهاء لا يفهم منه غير أن المقدور من المأمور به لا بد من الأتيان به وإن تعذر إتيان المجموع المركب، وهذا المقدار من الفهم عرفا يكفينا، ومنكر ذلك

[ 473 ]

مكابر لوجدانه، ومخالفة قواعد الاصول غير قادحة، إذ مجراها عند اشتباه العرف، والمقام ليس منه. وثانيا نقول: إن الحمل على اشتراط القدرة لازمه حمل كلمة (ما) على المصدرية وهو خلاف الأصل، وتأويل الفعل على المصدر وهو كذلك (1). وثالثا: أنه مستلزم لكون الخبر تأكيدا لما دل عليه العقل والنقل من اشتراط القدرة. ودعوى: أنه لعل هذا الخبر مقدم على غيره من النقل، مدفوعة بالظن القوي بتأخره عما دل عليه كتاب الله من ارتفاع تكليف ما لا يطاق (2). كما أن دعوى: احتمال كون كل من هذه الخطابات لطائفة من المكلفين - إذ صدور كل منها في حضور كل منهم معلوم العدم - فلا يكون تأكيدا، مدفوعة بأن الغرض من التأكيد كون هذا الكلام بنوعه مفيدا فائدة ذلك، وظاهر الخبر أنه مفيد تأسيس حكم جديد، ولو كان المراد إفادة ما أفاده غيره لكان إعادة ما في كتاب الله والتعبير بعدم جواز تكليف ما لا يطاق أحسن، ولم يؤد بهذه العبارة الظاهرة في خلاف المراد، كما لا يخفى على المنصف. مع أن هذا لو لم نقل بأن قبح تكليف ما لا يطاق عقلي يعرفه كل أحد، ولو قلنا به - كما هو الظاهر - فيكون تأكيدا صرفا، ويسقط هذه الكلمات من أصله. ولا يضرنا استعمال كلمة (الأتيان) من دون (باء) مع أنه يتعدى به، لأنه لازم على كل احتمال. وجعل كلمة (من) بمعنى (الباء) وارتكاب هذا المجاز البعيد عن ظاهر اللفظ ليس بأولى من إضمار الجار وكونه محذوفا بقرينة المقام، ولا نسلم أولوية المجاز


(1) العبارة في (م) هكذا: لازمه حمل كلمة (ما) على المصدرية وتأويل الفعل بالمصدر، وهما على خلاف الأصل. (2) مثل قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها... البقرة: 286.

[ 474 ]

من الأضمار مطلقا، سيما في المقام. وبالجملة: فهم العرف وذوق أهل اللسان في هذا المقام يكفينا مؤونة النقض والحل في تتميم الدلالة، وتقييد الشئ بالمركب مع اقتضاء سياق الكلام ذلك لا بأس به، وأظن أنه لا يحتاج إلى التقييد بقولنا: إن تعذر الكل. بل لنا أن نقول: ظاهر الرواية: إذا أمرتكم بشئ فأتوا بالمقدور منه، إن كلا فكلا وإن بعضا فبعضا، ولا يحتاج إلى حصر المدلول في التبعيض، وخروج بعض الموارد بالدليل غير مانع من تأسيس القاعدة، إذ ما من عام إلا وقد خص، ومثله المطلق. وبالجملة: دلالة هذه الرواية عند المتأمل في غاية الوضوح. وأما الرواية الثانية (1): فغاية المناقشة في دلالتها: أن الظاهر كون الباء للسببية، ومعناه: أن الحكم الثابت للميسور لا يسقط بسقوط المعسور، وهو مسلم بشرط إثبات الحكم أولا للميسور حتى لا يسقط، والميسور إذا كان جزء الواجب فإن اريد عدم سقوط حكمه المقدمي التابع لوجوب الكل فلا ريب أنه قد زال بزوال وجوب الكل، وإن اريد عدم سقوط وجوبه في نفسه فهو غير مسلم حتى لا يسقط أو يسقط، فالمراد من الرواية: أنه لو ثبت حكم لمعسور وميسور فسقوط المعسور لا يضر بحكم الميسور، وهذا لا ربط له فيما نحن فيه. قلت: ظاهر الرواية إرادة الجنس من الميسور والمعسور، والمراد بالميسور: المقدور، وبالمعسور: المتعذر عقلا أو شرعا، فظاهر العبارة: أن كل ميسور سواء كان جزء عبادة أو عبادة مستقلة لا يسقط بسقوط المعسور. فنقول: أما المستقلة فيلزم الأتيان بها، ولا ربط له بالمتعذر. وأما الجزء فنقول: ظاهر الرواية أنه أيضا لا يسقط بسقوط الجزء الاخر، ويصير المعنى: أنه يصير مستقلا بعد أن كان منضما إلى غيره في الخطاب. وليس في الخبر ذكر حكم حتى


(1) وهي قوله عليه السلام: (الميسور لا يسقط بالمعسور) المتقدم في ص: 456.

[ 475 ]

يقال: إن اريد الوجوب التبعي فسقط، وإن اريد الأصلي فلم يكن، بل ظاهر الخبر عدم سقوط ذلك المقدور، ومعناه في العرف: أنه كما لا بد من إتيانه حال إمكان الكل لا بد من إتيانه حال تعذر غيره، ولا التفات فيه إلى أن هذه اللابدية هل هي كانت لاستقلال أو تبعية؟ وهذا معنى في العرف واضح. فإذا قال الشارع: الجزء المقدور لا يسقط بسقوط الجزء المتعذر، لا يرد على كلامه بحث في أن مرادك بعدم سقوطه أي شئ؟ بل لا يفهم من هذه العبارة إلا جعل الجزء التابع في ضمن الكل مستقلا بعد تعذر غيره، فكأنه قال: إذا تعذر هذا الكل يقوم البعض مقامه، وهذا مما لا غبار عليه أبدا، فتبصر. وأما الرواية الثالثة (1): فغاية المناقشة فيها: أن كلمة (لا يترك) إخبار في موضع إنشاء، ولا نسلم دلالته على التحريم. أو يقال: لا نسلم كونها إنشاءا، لم لا تكون إخبارا عن طريقة الناس لغرض لا نعرفه؟ وكلاهما من الضعف بمكان، لأن كونه إخبارا مخالف للظاهر ولمنصب الشارع، ومناف لما فهمه الأصحاب، مع أنه لو كان إخبارا لكان إخبارا عن طريقة العقلاء، وظاهره التزام العقلاء بذلك، وهو في نفسه كاشف عن لزومه، سيما مع اطلاع المعصوم عليه وتقريره على ما هو عليه، وبعد كونه إنشاءا فاحتمال إرادة مطلق المرجوحية خلاف المتبادر منه. وقد قرر في الاصول: أن الجملة الخبرية المستعملة في الأنشاء يقوم إثباتها مقام الأمر ونفيها مقام النهي في العرف. ولزوم التخصيص في المستحبات غير قادح، مع إمكان إرادة عدم الترك بمعنى البناء على عدم استحبابه، وهو منهي عنه في المستحب أيضا، فلا يلزم هناك تخصيص. وقد قررنا فيما سبق أن كلمة (الكل) ليست مختصة بالمجموعي، ولا


(1) وهي قوله عليه السلام: (ما لا يدرك كله لا يترك كله) المتقدم في ص: 467.

[ 476 ]

بالافرادي، بل يعم الأمرين، ومن جملة أفراده موضع النزاع. ووضوح هذه الروايات وشهرتها وظهور المراد منها كفانا عما لا بد منه من (1) التعرض لتنقيح الدلالة ولكن قد أشرنا إلى بعض الوجوه توضيحا للمرام وتكثيرا للفائدة. وأما القسم الخامس: فالذي يقتضيه النظر في أطراف الكلام أن يقال: إن هذا المقام قابل لوجهين: أحدهما: القول بلزوم الأتيان بالمقدور من القيد والمقيد كيف كان عملا بظاهر الأدلة المذكورة السابقة، وإجراء ما مر في الرابع هنا بعينه. وثانيهما: القول بأن القيود قسمان: قسم منها بحيث يصير المركب منهما (2) بمنزلة المركب من الأجزاء العقلية، كيوم الخميس، وزيد بن عمرو - ونحو ذلك - بحيث لو فات القيد لا يعد ما بقي ميسورا من المأمور به ولا بعضا منه ولا مستطاعا منه، فيوم الجمعة ليس ميسورا من الخميس، وكذا زيد بن بكر بالنسبة إلى زيد بن عمرو، وفي هذا القسم يفوت المركب ويصير بمنزلة تعذر الكل، بل هو من ذلك الباب. وقسم منها ليس كذلك، بل هو كامور ملتئمة خارجية، كماء السدر، فإن حقيقته عبارة عن مزج السدر بالماء، فكأنهما جزءان خارجيان وإن كانا بعد التركب شيئا واحدا، ونظير ذلك الصلاة في اللباس الفلاني، أو القراءة في القرآن الفلاني، ونظائر ذلك من القيود التي لا تعد كالفصول بالنسبة إلى الأجناس في العرف، بحيث يصدق على المقدور أنه ميسور من المأمور به ومستطاع منه، لا أمر خارجي ممكن، وهذا القسم تجئ فيه القاعدة ويشمله الدليل، وهذا هو المتجه. ومن هنا عرض الأشكال في إمرار فاقد الشعر الموسى على رأسه، وتحريك


(1) في (م): وإن كفانا عن التعرض. (2) في (م): منها.

[ 477 ]

الرجلين في المعبر، للشك في أن هذا ميسور من الحلق ومستطاع من المشي، أو أن هذا أمر غير ذلك. ومن هنا تبين: أن القسم السادس لا يجري فيه قاعدة الميسور، إذ الحمار ليس مستطاعا من الفرس باعتبار الحيوان الموجود في ضمنه. والسر في ذلك: أن المركب من الأجزاء العقلية يغلب فيه تبعية الحكم للاسم، باعتبار أن أهل العرف لا يعتبرون الأجزاء التي في ضمن المركب، وفوات الجزء يعدونه فوات الكل، إذ لو بنينا على ذلك لم يتحقق فوات في المأمور به أبدا، إذ الممكنات كلها مشتركة في جنس من الأجناس أو عرض من الأعراض، فيمكن إذا تعذر الفرس إعطاء حجر لأنه جسم، وإذا تعذر الصلاة يقوم أكل الخبز مقامها لأنه فعل، ونحو ذلك مما يقطع بخلافه. وبالجملة: كل مقام صار التركيب عقليا أو كالعقلي يعد فوات القيد فوات الكل لفوات الاسم التابع للحكم (1) وليس مثل هذه الأجزاء في نظر أهل العرف أجزاء حتى يجئ فيه عموم الروايات وتجري فيه القاعدة، مضافا إلى أن المفهوم من هذه الروايات الأتيان بالمقدور والمستطاع نفسه من دون انضمام شئ خارج إليه، ولا ريب أن المركب العقلي ونظائره إذا فات عنه (2) القيد لا يمكن الأتيان بالبقية إلا في ضمن قيد آخر، وهو شئ لم يدل عليه الدليل. فإن قلت: إذا وجب الأتيان بالمقدور يجب الأتيان بالقيد الاخر مقدمة، وأي مانع من ذلك؟ قلت: ظاهر الروايات لزوم الأتيان بالمستطاع من هذا المأمور به، والجنس الموجود تحت نوع آخر ليس مستطاعا من النوع المتعذر، بل إنما هو طبيعة اخرى غير المأمور به. وبعبارة اخرى: انضمام هذا الجزء إلى القيد الاخر المقوم لنوع أو صنف آخر


(1) كذا، وفي التعبير ما لا يخفى. (2) في (م): منه.

[ 478 ]

يخرجه عن كونه مما يستطاع من المأمور به، ويلحقه بماهية اخرى سالبة لأضافة الاولى، والروايات لا تشمل مثل ذلك، فتبصر، فإن في ذلك حل المشكل بما لا مزيد عليه. هذا هو الكلام في جهة الحكم التكليفي. وأما الحكم الوضعي - كالشرطية والسببية والمانعية ونحو ذلك - هل يجري فيه هذا الكلام أم لا؟ فنقول: لو كان الشرط شرطا لأمر تعبدي يجب إتيانه فيجب إتيان الشرط مقدمة، فالظاهر مجئ الكلام في الشرط، إذ لا فرق حينئذ بين الجزء والشرط، فلا يسقط المقدور من الشرائط (1) بتعذر غيره، وكذا لا يسقط أبعاض الشرط إذا كانت مقدورة بتعذر البعض الاخر. وتقرير الاستدلال في هذا المقام يستفاد مما قررناه في رواية الميسور وغيرها فيما سبق. وكذا المانع لو كان مانعا عن أمر لازم واجب الأتيان، فرفع المقدور منه لازم. ومن هنا نقول بلزوم إزالة بعض النجاسة وإن كان الباقي أيضا مانعا من الصلاة، وبلزوم تخفيفها بالغسل مرة إن كان مما يطهر بالمرتين ونحو ذلك من الموانع. وكذا في إزالة فضلات غير مأكول اللحم، والذهب، والحرير عن (2) اللباس، وكذلك الكلام في السبب. والسر في إجراء هذه القاعدة في هذه الامور كونها في الحقيقة راجعة إلى الأتيان بالمقدور من المأمور به، فإن إتيان ما هو المقدور من شرطه وسببه وإزالة مانعه إتيان له في الحقيقة. وبهذا الدليل يثبت شرط (3) ما أمكن إتيانه. وسببية المستطاع ومانعية ما قدر على إزالته


(1) في (م): الشرط. (2) في (ف، م): من. (3) كذا في النسخ، والظاهر: شرطية.

[ 479 ]

وبعبارة اخرى: بعد تعذر الشرط والسبب ورفع المانع بأجمعها وإمكان البعض يقع الشك في كون هذا البعض شرطا أو سببا أو مانعا أم لا، وقاعدة الميسور تقضي بعدم سقوط الممكن من ذلك مع تعلق الخطاب بالمشروط والمسبب (1) وبعد ثبوت عدم السقوط يثبت الشرطية والمانعية والسببية للممكن المقدور ويقوم البعض مقام الكل بهذه القاعدة. وأما لو لم يكن المشروط والمسبب والممنوع - مثلا - مأمورا به - كأسباب المعاملات والضمانات وشرائط العقود وموانعها - فلا كلام في عدم جريان الرواية الاولى في المقام، وأما الرواية الثانية والثالثة فتشملها، بمعنى: أنه إذا تعذر بعض أجزاء شرائط الذباحة أو الاصطياد أو العقد أو نحو ذلك أو وجد بعض موانعه بحيث لا يمكن - كالبعير الواقع في البئر التي لا يمكن الاستقبال فيها، ونظائر ذلك - فمقتضى الخبرين عدم جواز ترك البقية وعدم سقوط الممكن من السبب والشرط ورفع المانع، لكن هذا لا ينفع في كون ما بقي كافيا في الشرطية والسببية، بل يحتاج إلى دليل. نعم، بعد ما قام الدليل على أن الشئ الفلاني - مثلا - بعد التعذر في السبب الاختياري سبب، وشك في لزوم إتيان ما أمكن من شرائط السبب الاختياري وعدمه، فقاعدة الميسور قاضية باللزوم، إلا أن يكون في الدليل الثاني ما ينفيه. ومن هنا: أن الفقهاء بعد تعذر الأسباب والشرائط الاختيارية الابتدائية في المعاملات يحتاجون إلى دليل يدل على سببية شئ في الاضطرار، كإشارة الأخرس والعجمي مقام العربي، والعظم مقام الحديد في الذبح ونحو ذلك، وإذا شكوا في لزوم الأتيان بما يعتبر في السبب الاختياري هنا أيضا فيتمسكون بلزوم الأتيان بالمستطاع والمقدور من ذلك، فتبصر وتدبر حتى لا يختلط عليك الأمر.


(1) في هامش (م): والممنوع، خ ل.

[ 480 ]

ومن هنا علم: أنه لو علم فيه التعبدية والتوصلية جاء فيه اللحاظان ولزم فيه الأتيان وإن لم يترتب عليه الأثر بعد زوال العذر وعروض الأمكان إلا بدليل متقن. هذا تمام المقال على حسب الاستعجال. z z z

[ 481 ]

(العنوان العشرون) (في بيان أصالة الطهارة)

[ 482 ]

عنوان [ 20 ] من جملة الاصول المتلقاة عن الشرع: أصالة الطهارة، وحيث إن الطهارة تطلق في مقابل الحدث وفي مقابل الخبث - وإن كان في كونه حقيقة فيهما أو مجازا في الثانية خلاف معروف - فنقول: قد يقع الشك في الطهارة والحدث، وقد يقع الشك في الطهارة والنجاسة. وعلى التقديرين: إما أن يكون الشبهة في نفس الحكم، أو في الموضوع الصرف والمصداق الخارجي الموجب للشك في حكمه، أو في الموضوع المستنبط، بمعنى: الشك في مفهوم اللفظ. وعلى التقادير الستة: فإما أن يكون بين المشتبهات علم إجمالي بالخلاف، أم لا. وعلى التقادير: إما أن يكون الشك ابتدائيا - أي: من دون سبق علم بأحد الطرفين - أو مسبوقا بالعلم بالطهارة، أو مسبوقا بالعلم بمقابلها من حدث أو خبث. فهذه ستة وثلاثون صورة حاصلة من ضرب الاثنين في الثلاثة، ثم المجتمع في الاثنين، ثم المجتمع في الثلاثة. ومن جملة أمثلة الشبهة الحدثية الحكمية: مس الذكر، ومس باطن الأحليل،

[ 483 ]

ووطئ الغلام والبهيمة، سواء فرضت هذه المشكوكات مع العلم الأجمالي بأن واحدا منها موجب للحدث أم لا، أو فرضت الشك ابتداءا، أو مع سبق طهارة، نظير المتيمم الواجد للماء في أثناء الصلاة الغير المتمكن من استعماله، فإنه يشك في ارتفاع طهارته وطريان حكم الحدث عليه أم لا، وعكس ذلك التيمم في ضيق الوقت مع وجود الماء، فإنه محل شك في أنه رافع لحكم الحدث أم لا - على القولين المعروفين - وقد تقدم منا تحقيقه في تقدم الوقت على غيره (1). ومن أمثلة الشبهة في الموضوع المستنبط: الشك في صدق لفظ (المحتلم) على من خرج منه مذي أو مدي في النوم - كما يصدق على من خرج منه مني - وعدمه، سواء فرضته ابتداءا أو مسبوقا بطهارة أو بحدث. ومن أمثلة الشبهة الخبثية الحكمية: الشك في نجاسة عصير العنب، وعرق الجنب من الحرام، ولعاب المسوخ. ومن أمثلة الموضوع الصرف: الشك في أن الخارج من الذكر هل هو مني أو غيره؟ ويجئ فيه الصور السابقة. ومن الشبهة في الموضوع المستنبط: الشك في الفقاع، وسائر المسكرات المائعة، من جهة الشك في شمول لفظ (الخمر) لها. ومن الموضوع الصرف: الشك في البلل الخارج هل هو بول أم لا؟ أو في جلد مطروح هل هو ميتة أو مذكى؟ أو في فضلة أنها مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل. ويمكن فرض الشك الابتدائي والمسبوق بقسميه، وفرض العلم الأجمالي وعدمه.) 2 (] [ فتبصر ] [ وقد تمسكنا بهذا الأصل في فروع كثيرة. منها: في عدم اشتراط تساوي السطوح في الكر، وعدم اشتراط الامتزاج في التطهير، وفي طهارة البئر ما لم يتغير، وفي المتغير التقديري، وطهارة الملاقي


(1) راجع العنوان 18. (2) لم يرد في (ف، م).

[ 484 ]

للنجس من علو، والمشتبه من أفراد البول والغائط - وفي الدم إشكال سيأتي (1) وجهه - والحيوان الذي لا يلحقه اسم، وعصير غير العنب إذا غلى، والتمر والزبيب إذا غليا، والمسكر اليابس، وطهارة البواطن، وفي وطئ دبر الغلام والبهيمة لولا الأجماع المركب، وفي دخول المجبوب والخنثى، وفي طهارة المسوخ، وعرق الجنب والجلالة من الأبل، والمخالفين، والماء المستعمل في الحدث - وقيل به في الخبث - وفي ماء الاستنجاء، وغسالة الحمام، وسؤر ما لا يؤكل لحمه، وسؤر المسوخ والجلال وآكل الجيف، والملاقي لأحد المشتبهين، والثوب المعار للذمي، وطين الطريق، وخروج الأحداث عن غير المحل المعتاد أو المشتبه به، وفي اشتباه الخارج، وصورة الشك في خروجه عن المعتاد أو غيره، وفي حدثية مس باطن الدبر والأحليل والودي وأخويه، وواجدي المني في الثوب المشترك، والمشتبه الخارج بعد الاجتهاد وإن لم يبل، وفي الدم الفاقد للأوصاف على قول، والمشتبه بالقرحة أو العذرة إذا لم يمكن اختباره في وجه، وفي دم الحامل والشاك في البلوغ، وفي غير المتوالي، وفي المبتدئة ما لم يمض ثلاثة، والولادة من دون دم، ومس الميت على قول ضعيف، وروث الطير وبول الرضيع في قول، وملاقي الميت بيبوسة، والأجزاء الصغار المنفصلة عن الحي، وفأرة المسك، والبري (2) من الكلب والخنزير، والمجبرة، والمفوضة، وولد الزنا، وفي المتولد من الكافر والمسلم، والمجنون من ولد الكافر إذا بلغ عاقلا فجن، ونظائر ذلك. وهنا مقامان: أحدهما: في الشبهات الخبثية وفيه أبحاث:


(1) في (ن، د): يأتي. (2) كذا في النسخ، ولعله من سهو القلم، والمقصود: البحري.

[ 485 ]

الأول: في شبهاتها الحكمية بصورها الست. والذي يقضي بأصالة الطهارة فيها بصورها امور: أحدها: قاعدة الامتنان، وبيانه: أنه تعالى لما كرم بني آدم (1) وجعله أشرف مخلوقاته وأعظمها خلق لانتفاعه ما في الأرض جميعا وأباحه (2) له، وقد حكم العقل بأن ما خلق لأجل الانتفاع لا بد من إباحته، وما لم يبح لا ينتفع به، وكذا يحكم بعد ذلك بأنه ينبغي أن يكون ذلك طاهرا أيضا، إذ لا انتفاع بالنجس، واحتياج الأنسان إليه (3) وعدم المناص عن استعماله (4) يقتضي الانتفاع المستلزم للأباحة والطهارة، وقد دل بهذا الامتنان آيات اخر (5) أيضا في مقامات متعددة، ومن أعظم الامتنان جعله طاهرا غير نجس (6). وقد يستشكل في صورتين: إحداهما: وجود العلم الأجمالي بين المشتبهات بالنجاسة، لمنافاته مع الحكم بالطهارة. وثانيتهما: صورة كون الشك (7) مسبوقا بالعلم بالنجاسة سابقا، فإن الاستصحاب يقضي ببقائها. ويندفع: بأن العلم الأجمالي لو اعتبر في الحكم لأدى إلى ارتفاع الامتنان، لوجود العلم الأجمالي بين المشتبهات غالبا، مع أن الامتنان ثابت بالعقل والنقل. وبأن الغرض ليس الحكم بالطهارة في موضع يجري فيه الاستصحاب لأنه مثبت (1) للنجاسة، كسائر الأدلة الواردة على القاعدة، بل جريانها إنما هو فيما


(1) قال تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا الأسراء: 70. (2) في غير (م): أباحها. (4 و 4) في غير (م): إليها... استعمالها. (5) مثل قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا... البقرة: 29، والايات: 5 إلى 18 من سورة النحل. (6) في غير (م): جعلها طاهرة غير نجسة. (7) في (م): كون الشئ.

[ 486 ]

تعذر الاستصحاب لتغيير موضوع، أو معارضة بمثل، أو نحو ذلك، أو في بعض الصور الذي لا حجية للاستصحاب فيه على قول بعض - كالشك في المزيل، أو حكم الأجماع، أو الحكم الوضعي - أو مطلقا بناءا على عدم حجية الاستصحاب مطلقا، كما زعمه بعض (2). وقد يناقش هنا بأمرين: أحدهما: أن قاعدة الامتنان لا تجري إلا في الامور التي ينتفع بها غالبا، وأما ما كان قليل الانتفاع نادر الاستعمال فلا يجري فيه ذلك، فلم يثبت هنا قضية كلية. ويجاب: بأن الأشياء المخلوقة ليس فيها ما يندر الانتفاع بها، بل كلها غالب الانتفاع، وليس بلازم عموم النفع لقاطبة أفراد الأنسان، بل كل منها غالب الانتفاع لطائفة من الأنسان في برهة من الزمان. وهذا كاف في إثبات الامتنان. وبأن ثبوتها في بعض الأفراد قاض بالثبوت في الجميع، لعدم القول بالفرق. وثانيهما: أن الامتنان يقضي بأن الله تعالى ينبغي أن يجعل الحكم فيما ينتفع به الطهارة، ولا يقضي بأن يكون الأصل ذلك، بل لعله لأدلة خاصة وردت فيما حكم بطهارته. ويجاب: بأن الفرض عدم وجود الأدلة الخاصة في المشكوكات حتى يتمسك بها، وكون الأصل الطهارة هو مقتضى الامتنان. وثانيها: أصالة عدم النجاسة، وتقريره: أن النجاسة حكم شرعي لا بد أن يتلقى من الشارع، ولها أحكام - كوجوب الاجتناب، ووجوب الأزالة عن الثوب والبدن - والأصل عدم كل هذه الأشياء، فيثبت الطهارة، لأنهما ضدان لا ثالث لهما. فإن قلت: كما أن النجاسة حكم لا بد له من دليل، فكذلك الطهارة حكم


(1) في (م): الاستصحاب المثبت للنجاسة. (2) هو مذهب السيد المرتضى ومختار صاحب المعالم وعزاه إلى المعتبر، انظر معالم الدين: 231، 235، وإن أردت تفصيل الأقوال في مسألة الاستصحاب، فراجع القوانين 2: 56 - 57، والفصول الغروية: 367.

[ 487 ]

شرعي لا بد أن يتلقى من الشرع، فكما أن الأصل عدم النجاسة فيثبت الطهارة، الأصل عدم الطهارة فيثبت النجاسة. قلنا: إن التعارض فرع كون الأمرين وجوديين كل منهما يرتفع بالأصل، وأما إذا كان أحدهما وجوديا دون الاخر، فلا. وبيان ذلك: أن الطهارة والنجاسة مثل الحركة والسكون، فكما أن السكون عبارة عن عدم الحركة وعما لا (1) ينبغي أن يكون الشئ عليه أولا قبل طرو علة وسبب يخرجه عما هو عليه، والحركة شئ وجودي حادث يحتاج في وجوده إلى علة وسبب، فنقول: الأصل عدم الحركة فيثبت السكون، ولا يمكن القول بأن الأصل عدم السكون فيثبت الحركة، لأن السكون - كما ذكر - أمر عدمي، ولا معنى لقولنا: عدم العدم، فكذلك في الطهارة والنجاسة، فإن الطهارة لا يتصور في العقل لها معنى إلا عدم النجاسة، والنجاسة أمر وجودي حادث والأصل عدمه، فيثبت الطهارة، ولا يمكن إجراء أصالة العدم فيها، لأنها عدمي، ولا معنى لعدم العدم. وبعبارة اخرى: أن النجاسة الشرعية لا معنى لها سوى وجوب الاجتناب عن الصلاة معها، والأكل والشرب عن ملاقيها برطوبة، أو عن نفس النجس وإزالتها عن المسجد، ونظائر ذلك، ولا شك أن الأصل عدم ورود هذه الأحكام عليه. والطهارة في مقابل النجاسة، فمعناها عدم تعلق الأمر بالاجتناب شرعا، فإذا حكم الأصل بعدم النجاسة تثبت الطهارة، وغاية الأمر عدم ثبوت الطهارة بخصوصها بحكم الشرع، لكن عدم النجاسة يكفي فيما هو المطلوب. وبهذا التقرير يندفع ما يتوهم في المقام: أن غاية الأمر ثبوت عدم النجاسة بالأصل، فيشكل الأمر فيما شرط بالطهارة، فإنه لا بد حينئذ من العلم، على أنا نقول: لم يثبت شرطية الطهارة أزيد من هذا المعنى. وهذه القاعدة تجري في الصور الست أجمع، أما مع سبق الطهارة أو الشك


(1) كذا في النسخ، والظاهر زيادة (لا).

[ 488 ]

الابتدائي مع العلم الأجمالي وعدمه، فلا إشكال. وأما في صورة سبق النجاسة فيعارضها الاستصحاب، فيشكل إجراء القاعدة، وينبغي حينئذ أن يقال: مع حجية الاستصحاب واجتماع شرائطه - من بقاء الموضوع وغيره - يقدم على الأصل، لأنه بمنزلة الدليل الوارد المزيل لحكم الأصل، وأما مع اختلال شرائطه أو عدم حجيته مطلقا أو في خصوص مقام مفروض، فالتمسك على القاعدة. الثالث (1): استصحاب طهارة الملاقي لهذا المشكوك، كما لو كان عندنا أمر معلوم الطهارة ولاقى هذا المشكوك برطوبة، فاستصحاب الطهارة السابقة يقضي بأن المشكوك ليس بنجس، إذ لو كان نجسا لنجس الملاقي بالملاقاة، مع أنه طاهر بالاستصحاب، ونفي اللازم نفي للملزوم. فإن قلت: هذه الملازمة ممنوعة ولا نسلم أن نجاسة المشكوك تستلزم نجاسة الملاقي، فيحكم بطهارة الملاقي بالأصل ويبقى المشكوك على ما كان من الشك. قلت: قد انعقد الأجماع على أن كل نجس منجس وكل جسم لاقى نجسا برطوبة تنجس، فبمعونة هذا الأجماع يثبت الملازمة، واحتمال إبقاء المشكوك على حاله مع طهارة الملاقي آت فيما لو كان في المشكوك أصل يعارض هذا الأصل وبدونه، فالاحتمال مدفوع والملازمة محكمة. وهذا الدليل - كالثاني - يجري في صورة الشك ابتداءا ومسبوقا بطهارة بلا إشكال. وأما في صورة سبق النجاسة فيتعارض استصحاب نجاسة المشكوك مع استصحاب طهارة الملاقي الحاكم بطهارة المشكوك بالتلازم، ويجئ في المقام احتمالات ثلاث: إعمال اللازم وطرح الملزوم، والعكس، والعمل بهما معا، وما عليه العمل في مثل هذه المقامات إنما هو العمل بالملزوم، لأنه استصحاب


(1) أي: الثالث من الامور الدالة على أصالة الطهارة في الشبهات الحكمية. والمناسب للسياق: وثالثها، عطفا على ما تقدم من قوله: وثانيها.

[ 489 ]

المزيل، فيطرح اللازم، لورود الدليل عليه، وإن خالف فيه بعض المدققين من المتأخرين (1)، والكلام في تحقيقه في الاصول. الرابع: أصالة الأباحة، وذلك أن الأجسام التي يتعلق به فعل المكلف على أقسام: منها: ما هو منفعة خالية عن أمارة المفسدة، وقد قرر في الاصول حكم العقل فيها بالأباحة، فإذا أجرينا فيه أصالة الأباحة فلازمها الطهارة، إذ لا شئ من النجس بمباح، وإذا ثبت الطهارة فيها يثبت في غير ما هو مجرى أصالة الأباحة بعدم القول بالفصل. لا يقال: يمكن منع الطهارة في غير ما هو مورد أصل الأباحة بالأصل، ويلحق المقام بعدم القول بالفصل. لأنا نقول: قد تقدم أن أصالة عدم الطهارة غير صحيحة، فلا وجه للقلب بذلك، مضافا إلى أن إلحاق مورد أصل الأباحة بغيره غير ممكن، للقطع بالأباحة فيه، ولازمها الطهارة، فكيف يجوز رفع أصالة الأباحة مع قطعيتها؟ وكيف يمكن تفكيك اللازم عن ملزومه الثابت قطعا؟ فتدبر. الخامس: أصالة البراءة، إذ لا شك أن للنجاسة أحكاما تكليفية إلزامية تتعلق بها كوجوب إزالته (2) عن المسجد والأواني، ووجوب الاجتناب عنه في بعض العبادات والأكل والشرب، وتحريم بيعه ونحو ذلك، بخلاف الطهارة، إذ ليس لها حكم لازم تكليفي، فإذا شك في الطهارة والنجاسة فالأصل براءة الذمة عن هذه التكاليف، فتنتفي النجاسة بانتفاء لازمها، وتثبت الطهارة بارتفاع ما هو بمنزلة نقيضها. فإن قلت: جريان أصل البراءة إنما هو فيما لم يثبت هناك تكليف مشروط


(1) لم نقف عليه. (2) كذا، والمناسب: إزالتها، ولعله باعتبار رجوعه إلى النجس.

[ 490 ]

بالطهارة - كالصلاة مثلا - إذ مع ثبوته لا بد من الاحتراز عن المشكوك للاشتغال بالعبادة المقتضية للقطع بالامتثال المستلزم للاجتناب. قلت أولا: ان حجية أصل البراءة (1) قد تثبت بالأخبار، وقد قررنا في الاصول ورودها على قاعدة الاشتغال، فالشك في المانعية وإن اقتضى عقلا الاحتراز عن المشكوك، لكن أخبار البراءة يدفع هذا التكليف ويرخص في المباشرة ويرفع المانعية، مضافا إلى أن تمامية المطلوب يمكن في مثل هذا الفرض بعدم القول بالفصل، على إشكال قد أشرنا إليه مرارا. وفي المقام كلام طويل أعرضنا عنه مخافة التطويل. السادس: الحصر العقلي، وهو أن يقال: إن الوجوه المتصورة في صورة الشك امور ستة: إما الحكم بالطهارة، أو الحكم بالنجاسة، أو التخيير بين الأمرين، أو التوقف في البين، أو التنصيف بأن يحكم على النصف بالطهارة وعلى النصف الاخر بالنجاسة - كتعارض الامارتين في باب الدعوى - أو القرعة، والخمسة الأخيرة باطلة، فثبت الأول. أما القرعة فليس موردها - كما حررناها - إلا الأمر المشكل، ومعناه: ما لا مناص عنه من شرع أو عقل، ومع وجود المناص هنا لا إشكال، مضافا إلى أن القرعة غير جارية في الأحكام إجماعا كما في بحثها، ولو عمل بها في الأحكام لما احتاج الناس في أمر دينهم إلى نبي ولا إلى وصي. والتنصيف ترجيح بلا مرجح. والتوقف في العمل لا معنى له، للزوم تعطيل الامور، والمقصود التخلص عنه. والتخيير مخالف للأجماع، ومستلزم لكون الشئ الواحد نجسا وطاهرا بالنظر إلى أشخاص متعددة إذا اختار كل منهما خلاف الاخر، وهو بين الفساد. وأما البناء على النجاسة فمخالف للاصول ومخالف للأجماع القطعي، إذ لم يقل أحد بأن المشكوك يحكم بنجاسته.


(1) في (ن) زيادة: كما.

[ 491 ]

السابع: أنه لو كان البناء في المشكوك على النجاسة أو التوقف لاشتهر وتواتر، لعموم البلوى وشدة الحاجة، مع أنه قد انعكس الأمر. لا يقال: لا ملازمة هنا عقلية، لأنا نقول: الملازمة العادية في الشرعيات معتبرة، ولا يزال أصحابنا يستدلون بنحو ذلك. الثامن: الاجماعات المنقولة عن العلماء واحدا بعد واحد، بحيث لا يشك المتتبع في كون أصالة الطهارة معتبرة عندهم. التاسع: سيرة الناس بأجمعهم، فإنهم لا يزالون يباشرون المشكوكات في الطهارة والنجاسة ولا يحتاطون عنها، وليس ذلك إلا لارتكاز (1) أن الأصل الطهارة حتى يعلم النجاسة. العاشر: الأجماع المحصل، فإنه لا يخفى على من راجع كلام الأصحاب في الفقه أنهم يستندون في المشكوكات إلى هذا الأصل من دون نكير. الحادي عشر: الاستقراء، فإنا قد تتبعنا وتفحصنا فوجدنا أن ما هو معلوم الطهارة من الأشياء أكثر مما هو معلوم النجاسة بمراتب، فلو شك في بعض الأشياء فالظن يلحقه بما هو الأعم الأغلب. الثاني عشر: لزوم العسر والحرج لو بني على النجاسة في المشكوكات، فإنها كثيرة، وهما منفيان في شرعنا بالأجماع والنصوص كتابا وسنة، وقد تقدم بيانه في بحثه (1). ولا يعارض هذه الأدلة في جميع صور الشك التي عرفتها سابقا، إلا صورة سبق العلم بالنجاسة، فإن الاستصحاب يقضي ببقائها، وهو وارد على أصالة الطهارة، كما أشرنا. الثالث عشر: موثقة عمار الساباطي وهي: (كل شئ نظيف حتى تعلم أنه


(1) في (م): إلا لمعلومية.

[ 492 ]

قذر) (2) وهذه الرواية دالة على أصالة الطهارة في كل شئ لم يعلم نجاسته. ولا وجه للقول بأنه بيان للحكم الواقعي، إذ ينافيه جعله مغيا بغاية ويدفعه كلمة (حتى). وما يقال: من أن الدلالة فرع كون (النظيف) و (القذر) حقيقة شرعية في المعنى المصطلح ولم يثبت، وبين معناهما لغة مع المعنى الشرعي عموم من وجه، لاجتماعهما في الطاهر النظيف والنجس الوسخ، وافتراقهما في الطاهر الوسخ أو النجس النظيف، فيحتمل إرادة المعنى اللغوي، بل هو الظاهر حيث لا قرينة على المجاز، فلا دلالة فيها على المطلوب. مدفوع أولا: بأنه لو كان المراد المعنى اللغوي لم يكن للعلم والجهل فيها مدخلية، ولا يصح أن يقال: نظيف حتى تعلم (3) أنه وسخ. وثانيا: بأن بيان النظافة ومقابلها ليس وظيفة الشارع، لأنهما أمران محسوسان يعرفهما كل أحد، ومثل هذا الاحتمال مما لا يخطر ببال جاهل، فضلا عن فقيه! ومنع حجيته بضعف السند مدفوع بحجية الموثقة عند المشهور، وبالانجبار بالشهرة والأجماع. وهنا شبه أوردوها في وجه الدلالة: منها: أن هذه الرواية محتملة - بل ظاهرة - فيما علم طهارته وشك في طريان النجاسة عليه، فتدل على استصحاب الطهارة حتى يثبت النجاسة، فتكون من أدلة الاستصحاب، ولا يثبت بها القاعدة (1) كلية. ومنها: أنه يحتمل لأرادة الشبهة الموضوعية وأنت في مقام الاستدلال به على الشبهة الحكمية، والاحتمال مبطل للاستدلال.


(1) الوسائل 2: 1054، الباب 37 من أبواب النجاسات، ح 4. (2) في غير (ن): حتى يعلم. (3) في د للقاعدة.

[ 493 ]

ومنها: أن كلمة (كل) على مقتضى الحقيقة يفيد العموم، فيصير معناه الاستغراق في الأفراد الخارجية الجزئية، فلا تصلح إلا للشبهة الموضوعية، إذ الشبهة الحكمية لا تكون في الكلي دون الأفراد الخاصة. ومنها: أن المتبادر من العلم هو العلم القطعي، لا الظن الحاصل من الدليل، ولا يحصل القطع بالنجاسة إلا في الموضوع، إذ الأحكام مبنية على ما هو ظني سندا أو دلالة أو معا، فالحمل على الشبهة الحكمية غير صحيح. ومنها: أن ظاهر الرواية البناء على الطهارة مطلقا من دون فحص، ولو كان يشمل الشبهة الحكمية للزم التقييد بما بعد الفحص عن الدليل، مع أنه مطلق، ولو حمل على الموضوعية لبقي على إطلاقه، وهو الأصل. ومنها: أن الحمل على الشبهة الحكمية مستلزم لكونها تأكيدا لأدلة البراءة، بخلاف الحمل على الشبهة في الموضوع، ولا ريب أن الحمل على التأسيس أولى من التأكيد. ومنها: أن من عممها لشبهة الحكم قال بشمولها لشبهة الموضوع أيضا، إذ لا أقل من تساويهما لو لم يكن ظاهرا في الثاني، ولازم ذلك أن تكون كلمة (نظيف) مرادا بها ما هو من أفراد الطاهر وما هو طاهر بنفسه، ولفظ (قذر) مرادا به ما هو من أفراد القذر أو هو قذر بنفسه، وكلمة (يعلم) مرادا بها حتى يعلم بالعلم القطعي في الشبهة الموضوعية وبالدليل الشرعي الظني في الشبهة الحكمية، وهو مستلزم لاستعمال هذه الألفاظ في المعنيين، وهو أمر مرغوب عنه عند المحققين. والجواب عن الأول بامور: أحدها: أن المتبادر منها الحكم بالطهارة في كل شئ مطلقا، والحمل على معلوم الطهارة خلاف الأصل والظاهر. وثانيها: أن كلمة (نظيف) - كنظائره - دال (1) على ثبوت الصفة، لا بقائها، كما


(1) في (د): دالة.

[ 494 ]

أن قولك: (ضارب) و (قائم) بمعنى ثبوت الضرب والقيام، لا بقائهما. وثالثها: أن ظاهر كلمة (قذر) كونه قذرا من أصله، لا كونه عرض له القذارة، ولو اريد ذلك ينبغي أن يقال: (حتى تعلم (2) أنه تقذر) أو (تنجس) ونحوهما. ورابعها: أنه موجب لكون الرواية تأكيدا لأدلة الاستصحاب، والتأسيس أولى منه. وخامسها: أن المتبادر من مجموع الخبر عند أهل العرف غيره - وهو المتبع - والاحتمال غير مضر، بل منتف. وعن الثاني: بأن احتمال الورود في شبهة الموضوع غير مضر، إذ غايته العموم والشمول - كما هو ظاهر اللفظ - وبذلك يثبت المطلوب، ونحن لا نقول باختصاصها بالحكمية. وعن الثالث: بأنه كما أن كلمة (كل) لاستغراق الأفراد والجزئيات وهي لا تكون إلا في الموضوعية، فكذلك كلمة (شئ) شاملة للأفراد والأنواع، وكلمة (كل) إنما هو لاستغراق أفراد مدخوله كليا كان أو جزئيا، ولا ريب أنك إذا قلت: (كل نوع) يفيد استغراق الأنواع، لأنها أفراد النوع، فإذا كان الشئ شاملا للفرد وللكلي وكان كلمة (كل) مفيدة للاستغراق فيما شمله مدخوله، فيكون المعنى: كل مشكوك فردا أو نوعا - لشمول (الشئ) لهما - فهو طاهر حتى يعلم أنه نجس، فيشمل المقامين، وهو المطلوب. وعن الرابع: بأن الخروج عن المعنى الحقيقي لا مناص عنه، إذ البينة ونحو ذلك من الأسباب تثبت الموضوع أيضا، وليس تلك (1) بقطعي، فلا يكون المراد بالعلم إلا العلم الشرعي، فلا وجه لأخراج الشبهة الحكمية، إذ يحصل العلم الشرعي فيها أيضا. واحتمال إخراج ما لا يحصل العلم القطعي فيه من عموم (كل شئ) وإرادة


(1) في (م): دالة. (2) في (ن، د): حتى علم.

[ 495 ]

ما يتعلق به العلم القطعي منه وإبقاء العلم على معناه الحقيقي، مدفوع بأنا نقول أيضا بإخراج ما لا يحصل فيه القطع من الشبهات الحكمية عن كلمة (كل شئ) ونبقي العلم على معناه. ودعوى: أن هذا مستلزم لتخصيص الأكثر، مدفوعة بالمنع، لبقاء الشبهة الموضوعية والقطعيات الحكمية تحت العام، وهي أكثر من الخارج بكثير، وأخصية الدليل حينئذ عن المدعى ينجبر بعدم القول بالفرق بين الشبهات الحكمية، مضافا إلى أن الأخراج عن كلمة (كل شئ) غير معقول، إذ قبل حصول العلم بالنجاسة لا يعلم أنه من الأفراد التي يحصل فيها العلم حتى يحكم بالطهارة، أو لا حتى يحكم بالعدم، فتسقط الموثقة عن الحجية في موارد الشك مطلقا. وعن الخامس: بأن الفحص كما هو معتبر في الشبهة الحكمية كذلك معتبر في الموضوعية، غايته: أن الفحص في الاولى عن الأدلة الشرعية، وفي الثانية عن أهل العرف والخبرة، وما ترى في بعض المقامات من عدم الفحص - كالدم المشتبه أو البلل المشتبه في الثوب - فإنما هو لعدم الكاشف له من عرف ونحوه، مع لزوم العسر والحرج، مضافا إلى أن التقييد معارض بتخصيص كلمة (كل شئ) وكلاهما خلاف الأصل، فالتقييد أولى من التخصيص، فنعمم للموضوع والحكم، ونقيد في الثاني بالفحص. وعن السادس: بمنع أولوية التأسيس من (1) التأكيد مطلقا، مضافا إلى أن أدلة البراءة تشمل الموضوعية أيضا، فيصير على الحمل عليها أيضا تأكيدا، مضافا إلى أن مع تسليم عدم التأكيدية في الموضوعي لا نخص الرواية بالحكمي، بل نعممها للموضوعي أيضا على ظاهرها، فتفيد (2) المقامين، مع أن إثبات الطهارة معنى سوى البراءة وإن كان ملزوما لها، ومثل ذلك لا يعد تأكيدا. وعن السابع: بأنا لا نسلم كون كلمتي (نظيف) و (قذر) مستعملتين في


(1) في غير (م): ذلك.

[ 496 ]

معنيين، بل استعملتا (3) في معنى واحد، وهو كونه طاهرا ونجسا وكونه طاهرا أو نجسا بنفسه أو من أفراد الطاهر والنجس من حيثيات الحكم وقيوده، لا أنهما معنيان مستقلان. وأما كلمة (العلم) فاللازم فيها الاستعمال في الظن والعلم، لكنه مدفوع: أولا: بأنه لو اريد الشبهة في الموضوع (4) أيضا للزم ذلك، لأن الظن الحاصل من الحجة الشرعية معتبر في الموضوع أيضا، كما مر. وثانيا: بإمكان إرادة القدر المشترك بين العلم والظن المعتبر، على طريق عموم المجاز، ونظير ذلك شائع في الاستعمالات الشرعية. وهذه الرواية (5) لا شك في شمولها لما لم يكن بين المشتبهات علم إجمالي وكان الشك ابتداءا أو مسبوقا بطهارة. وأما مع العلم الأجمالي أو سبق العلم بالنجاسة فيجئ الأشكال: من حيث إن الرواية مقيدة بعدم العلم بالنجاسة والفرض حصول العلم بين المشتبهات، ومن أن استصحاب النجاسة يفيد علما شرعيا فيعارض أصالة الطهارة. وبعبارة اخرى: بين أدلة الاستصحاب وبين هذه الرواية عموم من وجه، فكما يحتمل العمل بهذه الرواية، يحتمل العمل بالاستصحاب. ولكن نجيب عن الأول: بأن الظاهر من العلم هو العلم التفصيلي، لا الأجمالي، وهو منفي في المقام، مضافا إلى أن الضمير في كلمة (أنه قذر) راجع إلى خصوص المشكوك، فلا بد في ارتفاع الطهارة من العلم بالمشكوك بالخصوص، وهو غير حاصل. وفي الثاني قد يقال: إن الاستصحاب لا يعارض الدليل، ولذا ترى أن الأصحاب قالوا في الخيارات بالفورية، ولم يعملوا بالاستصحاب تمسكا بعموم


(3) في غير (م): استعملا. (4) في (ف، م): بالموضوع. (5) يعني قوله عليه السلام: (كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر) تقدمت في ص: 481.

[ 497 ]

أوفوا بالعقود وإطلاقه في الأزمان، والاستصحاب لا يعارضه، فكذلك في المقام، فإن إطلاق الحكم بالطهارة في المشكوك فيه في الرواية لا يعارضها (1) استصحاب النجاسة السابقة. ولكن الحق تقديم الاستصحاب، لأنه علم شرعي، والرواية مقيدة بعدم العلم. وليس ما نحن فيه من قبيل الخيار، لأن الدليل الاجتهادي الواقعي هناك دل على اللزوم مطلقا من دون تقييد، فلا يعارضه الاستصحاب، وما نحن فيه من الحكم الظاهري التعليقي، فتأمل. مضافا إلى أنا نقول: إن أدلة الاستصحاب لا مدخل لها هنا حتى يحكم بالتعارض بالعموم من وجه ويلتمس المرجحات، فإنها أدلة للاستصحاب، لا نفس الاستصحاب، والمعارض لأصالة الطهارة إنما هو الاستصحابات الخاصة في المقامات الخاصة، وبينها وبين هذه الرواية عموم مطلق، والاستصحاب أخص مطلقا، فينبغي تقديمه، فتأمل. على أن ظاهر الأصحاب الأجماع على تقديم الاستصحاب على هذا الأصل، فلا وجه للتوقف في ذلك. الرابع عشر: - من أدلة أصالة الطهارة - ثبوتها في الماء بقولهم: (كل ماء طاهر حتى يعلم أنه قذر) (1) وبالاجماع على هذا الأصل فيه، ويتم في سائر المشكوكات بعدم القول بالفرق. البحث الثاني: في شبهة الموضوع المستنبط وقد عرفت أن المراد به: الشبهة الناشئة عن عدم العلم بمعنى اللفظ، كما إذا قال: (المني نجس) ولم نعلم أن معناه شامل للمذي أم لا، أو (الميتة نجس) ولم


(1) كذا، والمناسب: لا يعارضه. (2) الوسائل 1: 99، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، ح 2، بلفظ: كل ماء طاهر إلا ما علمت أنه قذر، وفي الحديث 5 من الباب: الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر.

[ 498 ]

نعلم أنها تشمل ما لا نفس له سائلة أم لا، بحيث يكون معنى اللفظ لغة أو عرفا مشتبها. ولا ريب أنه حينئذ يرجع إلى الشبهة الحكمية، إذ كما يكون الاشتباه في الحكم من جهة تعارض الاصول والأدلة وعدم الترجيح أو لعدم وجود دليل على أحد الجانبين، كذلك قد يكون للشك في شمول الدليل للمشكوك (2) - كما مثلناه - فإذا دخل في الشبهة الحكمية يجئ فيه ما أسلفناه من الأدلة في أصل مشتبه الحكم حرفا بحرف، فعليك بالتأمل والأجراء. واحتمال أن يقال: إنه بعد ورود الدليل وإجمال اللفظ يصير المشكوك فيه من باب شبهة محصورة فلعله في الواقع نجس داخل تحت اللفظ، وفرق بينه وبين المشكوك من أصله، فلا يجري فيه الاصول. مدفوع بأن مقتضى الأصل عدم الفرق، إذ لم يثبت النجاسة ظاهرا، فيجري فيه الأدلة، فتدبر. البحث الثالث: في شبهة الموضوع الصرف كدوران اللحم الملقى بين الميتة والمذكى، والبول بين غير المأكول والمأكول، والفضلة كذلك. والأصل فيه أيضا الطهارة، عملا بالاصول والأدلة السابقة. وقد عرفت مصير جماعة إلى انحصار دلالة الموثقة (1) فيه (2) ومنعه بالنسبة إلى المقام الأول (3) فثبوت الأصل هنا أولى من ثبوته في الحكمية، مع أن هنا


(1) في غير (م): على المشكوك. (2) يعني قوله عليه السلام: (كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر) تقدمت في ص: 481. (2) تذكير الضمير باعتبار رجوعه إلى (البحث الثالث). (3) كذا، والمناسب: البحث الأول.

[ 499 ]

أولوية من وجه آخر، وهو: أنه يحتمل مصير جماعة من الاخباريين في الشبهة الحكمية إلى الاحتياط، ولا احتمال هنا، للاتفاق من العلماء على البناء على الأصل في الموضوع، كما هو المشاهد من طريقتهم في الفقه والمعلوم من طريقة المسلمين في الأعصار والأمصار. فإن قلت: ما ذكرت من الاصول والاجماعات ودليل العسر وغير ذلك كلها تجري في الشبهة الغير المحصورة، وأما الشبهة الموضوعية مع العلم الأجمالي بين المشتبهات المحصورة فلا يمكن ذلك، لأن الأصل في كل واحد منها معارض بالأصل في الاخر، ولا حرج في اجتنابه، والأدلة دلت على الاجتناب عن النجس الواقعي، وهو هنا موجود، فيترك الجميع مقدمة. قلنا: في الشبهة المحصورة كلام من وجهين: أحدهما: من جهة الطهارة والنجاسة، والاخرى (4) من جهة الحلية والحرمة والاستعمال. أما الثاني: فالكلام فيه موكول إلى البحث في أصل البراءة، وهو مقرر في الاصول. وأما الأول: فلاريب في البناء على الطهارة في كل فرد فرد، للاصول السابقة، ولهذا لو لاقى واحدا منها شئ لم يحكم بنجاسة الملاقي. نعم، إذا لاقى الجميع أو لاقى بجميع أجزائه شئ إذا كان الشبهة في جزء من مثل الثوب - مثلا - علمنا بأن الملاقي تنجس. ويدل على ذلك الموثقة المذكورة سابقا (1) ولا ريب أن المتبادر منه العلم التفصيلي، والضمير راجع إلى الشئ الخاص، لا بمعنى أنه: حتى يعلم وجود قذر بين الأشياء فيكون كلها نجسة، وذلك واضح.


(1) كذا في النسخ، والصواب: والاخر. (2) راجع ص 491

[ 500 ]

المقام الثاني: في الشك في الطهارة الحدثية وفيه أبحاث: الأول: في شبهة الحكم، كالشك في حدثية المذي، والنعاس، ومس الفرج، ومس اللحم من الميت بلا عظم، ووطئ البهيمة، ووطئ الدبر من الغلام. والحق البناء فيه على أصالة الطهارة بصوره المذكورة في صدر المسألة. ولنا عليه وجوه: أحدها: أصالة البراءة من الأحكام المتعلقة بالمحدث من لزوم الاجتناب عن أشياء والأتيان بأشياء من الوضوء والغسل، سواء قلنا بأنها واجبات نفسية أو غيرية، مقيدة بدخول الوقت أو مطلقة. أما على الأول فواضح، لأنه تكليف صرف ينفى بالأصل. وأما على الثاني، فإنه وإن كان قد يتخيل أن اشتغال الذمة بالغير يقتضي البراءة اليقينية ولا يمكن إلا بالأتيان بالطهارة، لكنا نقول: لا فرق عندنا في ذلك، إذ بعد دلالة الأصل على خلو الذمة من المحرمات على المحدث ونحوه، فلا فرق في أحكامه. وهذا الدليل يجري في صوره الستة كلها، سوى صورة السبق بالحدث، لتقدم الاستصحاب على البراءة، إلا إذا لم نقل بحجيته أو فصلنا فيه - كما قيل - أو عارضه استصحاب آخر، أو منع من جريانه بتغيير موضوع ونحوه. الثاني: أصالة عدم الحدث، إذ من المعلوم أن الحدث هو الأمر المانع عن العبادة، والأصل عدم حصوله. فإن قلت: الأصل عدم الطهر أيضا. قلت: لا يقتضي الطهارة حكما وليس سببا للدخول حتى يمنع، وإنما هو عدم الحدث، نظير ما قررناه في الخبث حرفا بحرف.

[ 501 ]

الثالث: قولهم في تعريف الحدث: بأنه الحالة الحاصلة عند عروض أحد أسبابه، الدال على أن الحدث مسبب عن سبب، ولو لا أن الطهارة أصل لم يكن كذلك. لا يقال (1): إن الطهارة أيضا مسبب عن سبب، كالوضوء والغسل. قلنا: إنهم ذكروا في نيتهما رفع الحدث، ومنه يعلم أنه رفع مانع، وإنما الطهارة شئ أصلي عرضه عارض فيرتفع، فيعود المكلف إلى ما كان عليه من عدم المانع. الرابع: الأجماع على عدم لزوم الغسل إلا بعد أسباب خاصة، ولا ريب أن الشخص قبل عروضها متطهر، فكذا الحدث الأصغر، غايته أن الأنسان عادة لا ينفك عن عروض أحد الأحداث الصغريات، فلو فرض تولد شخص وعدم صدور حدث أصغر عنه إلى أن يبلغ لم يجب في صلاته وضوء - كالغسل بلا جنابة - وهذا لا بعد فيه، فمتى لم يعلم كون الصادر حدثا حكمنا بأصالة الطهارة. وهذه الأدلة أيضا تشمل الصور، إلا في صورة سبق العلم بالحدث فيجئ الاستصحاب، إلا أن يمنعه مانع من معارض أو غيره. الخامس: الأدلة الدالة على كون الوضوء والغسل مقيدين بأسباب خاصة، كالبول والجنابة ونحوهما، الدالة بمفهومها على عدم الوجوب بدون حصول هذه الأسباب، ومتى ما لم يجب ذلك علم أنه متطهر، فما لم يرد دليل فيه على كونه سببا لأحدهما لا يجب فيه ذلك، وهو الطهارة شرعا. السادس: إطلاق الأدلة الدالة على جواز الصلاة والأمر بدخول المساجد وقراءة القرآن وغير ذلك، غاية ما دل الدليل على المنع عن ذلك للمحدث حتى يتطهر، والمشكوك فيه داخل تحت الاطلاقات. السابع: أنا نفرض الشبهة الحكمية بعد طهارة متيقنة، فإذا ورد عليها فلا ريب أن الأصل بقاء الطهارة فلا ينتقض، للاستصحاب، وكل ما لم ينقض الطهارة


(1) في (م): فان قيل.

[ 502 ]

إذا عرض عليها فليس بحدث لو وقع ابتداءا بعدم القول بالفرق. وبعبارة اخرى: ما لا يكون ناقضا لا يكون موجبا إجماعا. الثاني (1): في شبهة الموضوع المستنبط في الحدث، كما مثلناه في أول البحث. وقد مر في الخبثية أن هذه كالحكمية، فيجئ فيه الأدلة بتمامها، فلاحظ واحدا بعد واحد. الثالث: في الموضوع الصرف، وله صور: أحدها: مثل الشك في الشئ الخارج أنه مني أو مذي، والحق فيه العمل بالأصل، لما مر من الأدلة السابقة، بل هنا بالاولوية. وثانيها: القطع بخروج مني والشك بين كونه من زيد أو عمرو، الحق جريان الأصل في كل منهما بما مر من الأدلة. وقاعدة المقدمية إنما هي عند اشتباه المكلف به، لا المكلف. ولهذا المقام فروع لطيفة حررناها في شرح النافع، من أرادها فليرجع إليه. وثالثها: تيقن الطهارة والحدث والشك في المتأخر. وفي جريان الأدلة هنا إشكال تام، كما لا يخفى. وفي جريان البراءة وجه غير وجيه بعد العلم بالشرطية وحصول السبب قطعا وكون الشك في ارتفاعه، ولذا حكم معظم الأصحاب بلزوم التطهر عليه. وهنا قولان آخران، وتمام التحقيق في الفقه. وبالله التوفيق. z z z


(1) أي: البحث الثاني من المقام الثاني.

[ 503 ]

(العنوان الحادي والعشرون) (في أصالة النجاسة في الدم)

[ 504 ]

عنوان [ 21 ] لم يخرج عن الأصل السابق إلا النجاسات المشهورة إذا علمت بعناوينها، والمرجع في الشك فيها أيضا إلى الأصل السابق. نعم، قد ادعي: أن الأصل في الدم النجاسة (1) وقواه بعض المتأخرين (2). فلو شك أن هذا الدم من الدماء الطاهرة أو النجسة فالأصل النجاسة، والوجه في ذلك امور: أحدها: أن المحقق - في المعتبر - قال: كل دم نجس إلا دم غير ذي النفس بإجماع علمائنا (3). وهذه العبارة تدل بعمومها على كون المشكوك فيه داخلا تحت مورد النجاسة، ولا يخرج منه إلا ما علم كونه من غير ذي النفس. فإن قلت: هذا الكلام إنما يتم لو قلنا بأن الألفاظ موضوعة للامور المعلومة أو منصرف إليها، حتى يصير المعنى: حتى يعلم أنه من غير ذي النفس، وكلاهما


(2) نسبه العلامة الوحيد إلى بعض العلماء، وقال: وهو الظاهر من الشيخ وغيره، مصابيح الظلام (مخطوط): 434. (2) لم نقف عليه، إلا أن السيد العاملي قال: وقال الاستاذ الشريف: يبتني ذلك على أن الأصل في الدم الطهارة أو النجاسة؟ ثم مال إلى الثاني، مفتاح الكرامة 1: 138. (3) المعتبر 1: 420.

[ 505 ]

خلاف التحقيق، فإذا كان المراد به نفس الأمر، فإن كان المخصص مجملا سقط حجية العام، وإن كان مبينا ومقيدا بالعلم - كما إذا قيل: إلا ما علم كونه من غير ذ ي النفس - يبقى العام حجة في المشكوك وإن لم يكن مقيدا به، كما في (أكرم بني تميم إلا الطوال) فمتى ما شككنا في فرد أنه طويل أم لا، لا يمكن التمسك بالعام، لأنا ندري أن الطويل في نفس الأمر خارج عنه، فلا نعلم دخوله تحت العام أيضا، فكيف يتمسك بالعموم؟ قلت: في الفرض الأخير هو محل البحث وإن اختلفوا في ذلك، لكن يمكن التمسك بالعام في الشبهة في الموضوع، لأن دخوله تحت العام والمخصص مشكوك في نفس الأمر، فنعمل بالظاهر، للقطع بعدم خروجه عنهما، فنقول: إن شمول العام له ظاهرا مقطوع، لأنه من بني تميم قطعا، ودخوله في المخصص غير معلوم، للشك في طوله، فنأخذ بالمتيقن. والحق أن العمل بالعام في مثل المقام محل نظر، إلا إذا ادعي فهم العرف على ذلك، وهو محل تأمل. مضافا إلى أن ظاهر عبارة المعتبر كونها على سياق غيرها من عبارات الأصحاب، وليس مسوقا لبيان المشكوك والمعلوم، وإنما الغرض بيان الحكم النفس الأمري للموضوع، فلا يعتمد على مثل هذا الأجماع. وثانيها: قوله عليه السلام بعد السؤال عن سؤر الباز والصقر والعقاب -: كل شئ من الطير يتوضأ من سؤره ويشرب (1) إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب (2). وجه الدلالة: أن إطلاق المنع مع رؤية الدم في المنقار يدل على أصالة النجاسة، وإلا لكان ينبغي التقييد بما علم أنه دم نجس.


(1) في الوسائل: يتوضا مما يشرب منه. (2) الوسائل 1: 166، الباب 4 من أبواب الأسئار، ح 2 و 4.

[ 506 ]

ويمكن الكلام فيه من وجوه: أحدها: أن الفرد الغالب والشائع هو الدم من ذي النفس، وما عداه نادر، فإطلاق ذلك ينصرف إلى الفرد المتبادر، على قاعدة المطلقات. وثانيها: أنه وارد في مقام بيان حكم آخر، وهو حكم سؤر الطيور، لا لبيان نجاسة كل دم حتى يدل على نجاسة كل دم مشكوك. وثالثها: أن الباز والصقر والعقاب - غالبا - لما كانوا يأكلون الحيوان الذي له نفس سائلة، فالدم الموجود في منقارها يعلم - غالبا - أنه دم ذي النفس، والأطلاق ينصرف إلى الغالب المعلوم، ولا يشمل ما هو المشكوك. وقد يجاب عن الأول: بمنع الغلبة، وبكونها غلبة وجود، والندرة الموجبة للتشكيك إنما هو ندرة الأطلاق دون الوجود، وبأن الحكمة قاضية هنا بالعموم، إذ ليس هنا فرد معهود، والفرد الغير المعين لا وجه لتعليق الحكم عليه، فينبغي أن يراد الطبيعة السارية في جميع الأفراد. وعن الثاني: بأنه وارد في بيان نجاسة الملاقي للدم من الماء القليل، وهو يستلزم كون الدم بما هو دم نجسا، إلا ما قام الدليل على خروجه. وعن الثالث: بأنه لو كانت الغلبة صارفة لكان ينبغي إرادة خصوص دم الجيفة، لأنه الغالب، فيكون مفهوم الرواية: أنه لو لم يكن دم جيفة يتوضأ منه ويشرب، ولا تدل الرواية على تنجسه بسائر الدماء السائلة غير الجيفة. والتمسك في التعميم إلى الأجماع أو دليل آخر خروج عن الفرض، إذ الكلام في الاستدلال بالرواية، ومتى ما تعديت إلى مطلق الدم السائل فقد أسقطت اعتبار الغلبة الصارفة، فلا دليل على تخصيصه بالسائل، فينبغي التعميم. مضافا إلى أن لفظ الباز والصقر إنما هو في السؤال، والجواب إنما هو عن عموم الطيور، فلا وجه لجعل ذلك قرينة لذلك. الثالث: صحيحة ابن أبي يعفور: الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به، ثم

[ 507 ]

يعلم فنسي أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعد ما صلى؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته، إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا، فيغسله ويعيد الصلاة (1). بتقريب: أن المفرد المحلى باللام يفيد تعريف الطبيعة، فيعم جميع أفراد الدم، خرج عنه ما علم كونه طاهرا، فبقي المشكوك داخلا فيه. واحتمال إرادة العهد فرع كون مدخوله النكرة الدالة (2) على الوحدة حتى يكون لتعريف الفرد، وهو خلاف الوضع والأصل، والوضع التركيبي في العهد غير ثابت. ودعوى: أن ظاهر ترك الاستفصال العموم فيشمل ما كان طاهرا أيضا فلا وجه للعموم فيحمل على العهد، مدفوعة بأن غايته التخصيص، فلا وجه لأخراج ما لم يدل عليه دليل. ودعوى الغلبة في النجس فينصرف إليه، ممنوعة، فتدبر. الرابع: صحيحة إسماعيل الجعفي: في الدم يكون في الثوب؟ إن كان أقل من قدر الدرهم لا يعيد الصلاة (3). والوجه ما تقدم في السابقة. الخامس: حسنة محمد بن مسلم: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة؟ قال: إن رأيت وعليك ثوب غيره، فاطرحه وصل (4). السادس: رواية أبي بصير: إن علم الدم في ثوبه قبل أن يصلي فنسي وصلى، فعليه الأعادة (5). السابع: رواية جميل: لا بأس بأن يصلي الرجل في ثوب وفيه الدم متفرقا... ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم (6).


(1) الوسائل 2: 1026، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 1. (2) في سوى (م): الدال. (3) المصدر: ح 2. (4) المصدر: 1027، ح 6. (5) الوسائل 2: 1060، الباب 40 من أبواب النجاسات، ح 7. (6) الوسائل 2: 1026، الباب 20 من أبواب النجاسات، ح 4.

[ 508 ]

والوجه في الجميع ما مر. الثامن: الاستقراء، إذ الغالب في الدم كونه من ذي النفس، سيما فيما يباشره المكلف، والظن يلحق المشكوك بالغالب. وبهذه الأدلة ينقطع أصالة الطهارة، إلا أن في الاعتماد على هذه الأدلة نظرا بينا، من جهة عدم وضوح الدلالة، كما لا يخفى على من لاحظها حق الملاحظة. مضافا إلى أن صاحب الحدائق ادعى الأجماع على طهارة المشكوك من الدم (1) وإن كان يمكن المناقشة باحتمال كونه من الأجماع على أصالة الطهارة، لا الأجماع الخاص، خصوصا مع ما في كلام جماعة من المحققين من تقوية أصالة النجاسة في الدم (2). والمسألة محل إشكال، وقد قوينا في طهارة شرح النافع أصالة النجاسة، وهو الأوفق بالاحتياط وإن كان الفتوى به مشكلا. z z z


(1) الحدائق 5: 52. (2) راجع ص: 494، الهامش 2.

[ 509 ]

(العنوان الثاني والعشرون) (في بيان قاعدة الأمكان في الحيض)

[ 510 ]

عنوان [ 22 ] من الاصول الواردة على أصالة الطهارة الحدثية (قاعدة الأمكان) في الحيض، فلو شك في كون الدم الخارج حيضا أو لا يعمل بقاعدة الأمكان ويحكم بالحيضية وإن كان الأصل الأولي الطهر. والكلام في هذه القاعدة يحتاج إلى بيان امور: الأول: أن المراد بهذا الأمكان إنما هو الأمكان الشرعي، لا العقلي، فلا يجري فيما ثبت امتناعه شرعا وإن أمكن عقلا، فلا يجري في الدم المشكوك فيه في حالة الصغر، وكذا فيما بعد اليأس، وفي الحامل على القول بامتناعه فيه وإن كان الأقوى خلافه، وفيما زاد على أكثر الحيض ما لم يتخلل أقل الطهر، وكذا فيما فقد فيه التوالي، أو غيره من الشرائط المعتبرة الثابتة شرعا، فإن كل ذلك مما دل الدليل الشرعي على أنه ليس بحيض، فيكون كالمعلوم عدم حيضيته، كدم الجرح والقرح والعذرة وغير ذلك، والأدلة الاتية الدالة على الأمكان لا تشمل مثل ذلك. الثاني: أن مجرى قاعدة الأمكان إنما هو في الافراد من الدم القابلة لكونه حيضا وغير حيض باعتبار نفسه، لا باعتبار حال المرأة، وبعبارة اخرى: فيما كان الشك ناشئا من نفس الدم، لا ناشئا عن حال المرأة وإن كان موجبا للشك في الدم أيضا.

[ 511 ]

وبتقرير ثالث: لا يجري فيما كان الشك بين الأمكان والامتناع بأن يكون أحد طرفي الشك موجبا لامتناع الحيضية، بل في ما كان الشك في الوجود والعدم، فلا يجري في الخنثى، فإن الدم فيه وإن أمكن أن يكون حيضا، لكنه باعتبار إمكان أن يكون امرأة لا رجلا، ففي الحقيقة يكون الشك في هذا الدم من جهتين: إحداهما الشك في كونه انثى وعدمه، وبعد كونه في الواقع انثى أيضا يشك (1) في كون هذا الدم حيضا وعدمه وإن كان يرجع المآل إلى الشك في أن الدم حيض أم لا. وكذلك فيما لو كان الانثى مشكوك البلوغ والعدم أو مشكوك اليأس والعدم، فإن للشك حينئذ (2) مرتبتان: إحداهما في قابلية المكلف للحيض وعدمه، وثانيتهما في كون الدم حيضا وعدمه. فإن اعتبرنا استصحاب الصغر واستصحاب عدم اليأس لحق الأول بالممتنع، إذ مع الصغر ولو شرعا يمتنع الحيض، ولحق الثاني بالممكن، لأن اليأس ما لم يثبت شرعا فهي غير يائسة، فتجري قاعدة الأمكان في الثاني، لزوال الشك في قابلية المكلف بالأصل، ولا تجري في الأول، لثبوت عدم الأهلية. ولو لم نعتبر الاستصحاب في جهة الحيض وإن اعتبرناه بالنسبة إلى الأحكام الاخر - نظرا إلى أن الحيض ممتنع مع الصغر الواقعي وهو مشكوك، وممكن مع عدم اليأس واقعا وهو لم يثبت - صار هذا الشك واقعا بين الأمكان والامتناع، فلا تجري فيه قاعدة الأمكان على ما يقتضيه أدلتها. وهنا كلام بالنسبة إلى الدم المشكوك خروجه من الرحم أو من خارجه، من جهة أنه هل هو من أفراد الدم الممكن، أو دائر بين الأمكان والامتناع كالأمثلة السابقة؟


(1) في (ن، ف): ليشك. (2) في (م): فان الشك حينئذ ل‍ مرتبتان.

[ 512 ]

قوى بعض مشايخنا المعاصرين (1) عدم جريان القاعدة فيه، لأن إمكان الحيضية إنما هو في الدم الخارج من الرحم، وأما الخارج من غيره فهو ممتنع، فلو شك في خروجه من الرحم صار الشك بين الأمكان والامتناع. وهو غير بعيد بالنسبة إلى الاعتبار، لكن الأدلة الدالة على قاعدة الأمكان مطلقة تشمل مثل هذا الفرض، والمعتمد في ذلك إنما هو الدليل وإن كان هو أيضا مثل الأمثلة السابقة في ذلك، والذي يقوى في النظر جريان القاعدة فيه. وقد يسبق إلى بعض الأذهان: أن كل دم شك في كونه حيضا يدور أمره بين الأمكان والامتناع، إذ هو في الواقع لو لم يكن حيضا يمتنع كونه حيضا، فأي فرق بين هذا وبين الأمثلة السابقة؟ وهو ناش عن قصور النظر. وتوضيحه: أن نفس الأمكان إنما هو احتمال الشئ للطرفين، وما أمكن كونه حيضا معناه: أنه يحتمل كونه حيضا في الواقع وعدمه، فأحد طرفيه وجود والاخر نفي، والأول واجب والثاني ممتنع. بخلاف مثل الخنثى، فإن الشك فيه أولا في كونه امرأة وعدمه، فلو لم يكن في الواقع انثى فهو ممتنع، ولو كان انثى فهو ممكن، لا أنه حيض، فالشك في الحيض هنا في مرتبتين: إحداهما في إمكانه وامتناعه، وثانيتهما في كونه حيضا وعدمه، وذلك واضح عند النبيه. والثالث: أن مجرى قاعدة الأمكان ما لم يرد فيه نص على أمارة يعلم بها ذلك، فلو كان مورد الأمارة لم يعمل بقاعدة الأمكان، كما إذا اشتبه الدم بالعذرة، فإن الشارع جعل الميزان في معرفته التطوق وعدمه، أو اشتبه بالقرحة، فإن الميزان فيه إنما هو الجانب كما دل عليه الرواية (2) - على اختلاف في عبارتها - وعمل بها الأصحاب، إذ التعارض بين ما دل على الامارتين وبين أدلة الأمكان


(1) لم نقف عليه. (2) الوسائل 2: 560، الباب 16 من أبواب الحيض، ح 1 و 2.

[ 513 ]

عموم وخصوص مطلق، ودليل الامارتين أخص منها، فيعمل به. نعم، يعتمد على الامارتين في مقدار ما شمله دليلهما، وفيما عدا ذلك أيضا يركن إلى القاعدة. وفي اعتبار العلم بوجود القرحة أو الجرح، وبحصول الافتضاض للبكر، وكون الشك ابتدائيا أو عمومه للشك فيهما أيضا ولمستصحب الحيض أو القرحة، ولصورة العلم بالامتزاج أو التعاقب - وغير ذلك من الاحتمالات المتصورة - كلام طويل. وهنا فروع عميقة لطيفة وشحنا بها شرح النافع، من أرادها فليطلبها، فإن فيها ما لم يسبق إليها سابق. وبالجملة: فما شمله دليل الامارتين من صور المسألة يركن إليهما، وما خرج عنه في نظر الفقيه النبيه فالمرجع القاعدة، كما لو لم يمكن الاختبار بالامارتين من أصله، أو اختبر فلم يتميز، كما لو خرج بعضه منغمسا وبعضه متطوقا، فتعارض المفهومين في الخبر يوجب الركون إلى القاعدة. وفي ما ذكرنا كفاية لمن له درية. وهنا كلام، وهو أن بعد ما ذكرنا من تقدم الأمارة على الأمكان قد يقال: إن الشارع جعل الأوصاف أمارة عند الاشتباه بالاستحاضة كما جعل الامارتين للقرحة والعذرة، فلا يبقى مورد للأمكان، ولذلك ذهب جماعة من مدققي المتأخرين (1) إلى اعتبار الأوصاف والتميز مطلقا ولم يجعله (2) مقصورا على المضطربة وترك العمل بالأمكان، لكثرة الأخبار المطلقة الدالة على اعتبار الأوصاف.


(1) لم نظفر على مصرح بما أفاده: من اعتبار الأوصاف والتميز مطلقا وترك العمل بالقاعدة بالجملة، نعم قال المحقق الثاني: لولا الأجماع لكان الحكم به مشكلا، من حيث ترك ا لمعلوم ثبوته في الذمة تعويلا على مجرد الأمكان (جامع المقاصد 1: 288) وتبعه على ذلك صاحب المدارك، واستظهر أنه إنما يحكم بكونه حيضا إذا كان بصفة دم الحيض (المد ارك 1: 324) وكذا المحقق الاردبيلي تأمل فيه على إطلاقه، انظر مجمع الفائدة 1: 146، 149. (2) كذا في النسخ، والمناسب: ولم يجعلوه.

[ 514 ]

والتحقيق أن يقال: أولا: إن ذلك غير مانع من القاعدة، لوجود مقام لا يمكن فيه التميز بالاوصاف، لتعارضها، أو وجودها في جميع الدم، أو فقدانها في الكل، أو عدم إمكان الملاحظة، ونحو ذلك. وثانيا: قد دل طائفة على كون الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيضا، كما يجئ ذكرها وبيان المراد منها على ما ذكره شيخ الطائفة (1). فأدلة الوصف غير باقية على حالها، مع أن في أدلة قاعدة الأمكان ما يمنع من اعتبار الأوصاف - كما سيمر عليك - فهي لا تعارض القاعدة. مضافا إلى أن التعارض بين أدلة الأوصاف وأدلة قاعدة الأمكان إنما هو بالعموم من وجه، لدلالة قاعدة الأمكان على الحيضية وإن لم يكن وصف، وأدلة الوصف على الحيضية وإن لم يكن إمكان، والترجيح مع القاعدة، لكثرة المرجحات من الفتوى والنص وقوة أدلتها، كما ستسمع. وقد يتخيل: أن ما خرج عن الأمكان قد دل الدليل على عدم حيضيته، فهو خارج عن دليل الوصف بقاعدة التخصيص، فيؤول الأمر بعد ذلك إلى كون دليل الأوصاف أخص مطلقا، لجريان الأمكان فيما لا وصف فيه وعدم جريان الوصف فيما لا إمكان فيه. ولكن نقول: الميزان في التعارض إنما هو ملاحظة الدليلين في نفسهما، لا بعد ورود التخصيص والتقييد على أحدهما، على أنا نقول: إن أدلة الأوصاف مثبتة لا نافية، إذ غاية ما ذكر فيها: أن دم الحيض حار عبيط يخرج بحرقة ولذع (2) ودلالته على عدم كون ما سواه حيضا إنما هو بالمفهوم الضعيف، وليس في الروايات - على ما في بالي مع كثرتها ما يدل على أن ما لم يكن كذلك فهو ليس


(1) يجئ في الدليل العاشر من أدلة القاعدة في ص: 509. (2) انظر الوسائل: 2: 537، الباب 3 من أبواب الحيض.

[ 515 ]

بحيض، فلا مانع من كون الوصف أمارة حيث وجد، والأمكان حجة أيضا فيما لو انتفى الوصف. ودعوى: أن صدور هذه الأوصاف في بيان الماهية فيدل على الحصر من تلك الجهة، مدفوعة بأن المعلوم كونها أغلبية، وإلا فقد يعلم كون الدم حيضا مع فوات الأوصاف، كما هو معلوم من حال النساء، فإن دم الحيض - على ما حققناه - ليس من الموضوعات المجملة، فإن النساء يعرفنه، مع أنه قد تتخلف الأوصاف في الأمزجة، فمن الواضح عدم كون ذلك هو المعيار الكلي. فالقول بأن المشكوك فيه يدور حكمه مدار وجود الأوصاف وعدمه - مع العلم بأن الأوصاف قد تتخلف - بعيد عن مذاق الفقه، سيما مع وجود الأدلة القوية على اعتبار قاعدة الأمكان. الرابع: في الأدلة الدالة على هذه القاعدة، وهي امور: أحدها: الأجماع المنقول في المعتبر والمنتهى على كون ما بين الثلاثة والعشرة حيضا على الأطلاق (1) فيشمل ما في العادة وخارجها أو الملفق منهما، وما اشتمل على الأوصاف أو على مخالفها، بل في عبارة المحقق التعميم للواجد للصفة والفاقد لها. وهذا الأجماع وإن لم يكن عاما، لكن تعميمه بأحد وجهين: أحدهما: أن الظاهر من الحكم بالحيضية هنا إنما هو لكونه قابلا لأن يكون حيضا، ولا وجه له سوى ذلك، فكذلك فيما عدا الفرض من موارد الأمكان. وثانيهما: أن الفاضلين عللا بأنه دم يمكن أن يكون حيضا فيكون حيضا (2). وظاهر هذا التعليل انصباب نقل الأجماع على القاعدة، ولو كان محض تعبد في المقام لما كان لهذا التعليل بعد دعوى الأجماع موقع، فالتسري إلى سائر موارد الامكان لا بأس به.


(1) المعتبر 1: 203، المنتهى 1: 98. (2) راجع المصدرين السابقين.

[ 516 ]

مضافا إلى إجماع الشيخ المحكي في الخلاف على اعتبار الأمكان (1) وإن خالف الوصف، ويأتي لذلك مزيد بيان فيما بعد. وثانيها: الشهرة المحكية في كلام الأصحاب على العمل بالقاعدة، وهي عاضدة للأجماع المحكي، ومرجحة للأخبار الدالة على هذه القاعدة، وهي محصلة، كما لا يخفى على من لاحظ عبائر الأصحاب. وثالثها: أصالة الحيضية في دم النساء، وتقرير هذا الأصل يتم بوجوه: أحدها: الغلبة، إذ لا شبهة في أن الغالب في الدم الخارج من المرأة إنما هو الحيض، والاستحاضة وغيرها نادر بالنسبة إليه، فالمشكوك فيه يلحق (2) بالغالب. وثانيها: أنه دم طبيعي مخلوق بأصل الخلقة زائدا (3) على الدم المتكون في العروق، جعله الله تعالى لاستعداد الرحم ولغذاء الولد ما دام في الرحم، وبعد خروجه أيضا بصيرورته لبنا في ثدي امه، وما عداه يحصل من عارض - من جرح أو قرح أو غير ذلك - وليس مجعولا ابتداءا، فيراد بالأصالة: الطبيعية، وكل ما عداه فهو خلاف الطبيعة، وكون الدم الخارج طبيعيا أرجح في النظر من كونه على خلاف مقتضى الطبيعة. وثالثها: أنه لما كان ما عداه من الدماء يحصل لعلة حادثة، فمتى شك في ذلك فالأصل عدم حدوث هذه العلة، فينفي كونه غير الحيض بنفي علته بالأصل، فيصير حيضا لمكان الانحصار. لا يقال: إن مرجع هذا إلى الوجه الثاني، نظرا إلى كون المناط فيهما الطبيعة وعدمها، فلا وجه لعدهما وجهين في تأسيس الأصل. لأنا نقول: إن المراد من الوجه الأول ليس نفي العلة الحادثة، بل المراد بقاء الطبيعة على حالها، بمعنى: أن طبيعة المرأة لما علم كونها مما يتكون فيها الدم


(1) انظر الخلاف 1: 235، المسألة 201 و 243، المسألة 212. (2) في (ن): يلحقها. (3) في غير (ن): زائد.

[ 517 ]

ويخرج عنها، فالأصل بقاء هذه الطبيعة والاستعداد. فإن قلت: إن كون الدم غير الحيض لا ينفي استعداد المرأة للحيض واستعدادها لا يثبت كون الدم منه، فالدليل على هذا الوجه يصير أعم. قلت: كما أن الطبيعة تقتضي تكون الدم تقتضي خروجها (1) على مقتضى الطبع، فيكون خروج دم الحيض أيضا من مقتضيات الطبيعة، فإذا شك أن هذا الدم من مقتضيات الطبع أم لا تقتضي القاعدة كون الخروج بمقتضى الطبع، فتدبر جدا. ورابعها: (2) - أي الأدلة على القاعدة - ما دل من الروايات على أن الدم إذا تقدم على العادة فهو حيض وإن كان بوصف الاستحاضة، كما هو ظاهر إطلاق بعضها وصريح بعض آخر، مع ما فيها من التعليل بأن العادة قد تتقدم وقد تتأخر، وبأنه ربما يعجل الدم (3). ولو لم يكن الأمكان معتبرا في الحكم بالحيضية لم يكن للحكم بها وجه مع التقدم على العادة، سيما مع معارضة العادة الموجبة (4) للظن بعدم الحيضية، إذ مقتضاها كونها في العادة، لا في خارجها، مع أن في التعليل بالتعجيل دليل على أن احتمال تقدم الدم على العادة كاف في الحيضية، وهو المراد بقاعدة الأمكان، فتدبر. وخامسها: ما دل من الروايات الكثيرة على التحيض بمجرد رؤية الدم: منها: الخبر المعمول به عندهم: أي ساعة رأت الصائمة الدم تفطر (5). ومنها: قوله عليه السلام: إنما فطرها من الدم (6). وهذه النصوص تدل على أن الدم الخارج مبني على أن يكون حيضا حتى يعلم


(1) كذا، والظاهر: خروجه. (2) في (م): ورابع الأدلة. (3) راجع الوسائل 2: 540، الباب 4 من أبواب الحيض، و 560، الباب 15 منها. (4) في غير (م): الموجب. (5) الوسائل 7: 163، الباب 25 من أبواب من يصح منه الصوم، ح 4، بلفظ: أي ساعة ر أت الدم فهي تفطر الصائمة إذا طمثت. (6) الوسائل 7: 162، الباب 25 من أبواب من يصح منه الصوم، ح 1.

[ 518 ]

انتفاؤه باختلال الشرائط ونحوه، فلو لم يكن القاعدة في الحكم بالحيضية مع الأمكان، لكان ينبغي الاستمرار على العبادة حتى يعلم المبطل. وسادسها: الأخبار الدالة في ذات العادة على أنها إذا رأت الدم فيما بعد العادة تترك العبادة وتستظهر حتى ينكشف الخلاف بالتجاوز عن العشرة (1). وليس ذلك إلا لأمكان الحيضية، بل هذا يدل على قوة قاعدة الأمكان، إذ الظن الناشئ عن العادة يقضي بعدم كون ما بعدها حيضا، فألغى الشارع هذه الأمارة القوية في قبال الأمكان، فإذا يتسرى الحكم في غير ذات العادة في العمل بالأمكان بالاولوية، لأنه بلا معارض مناف، فتدبر. وسابعها: ما ورد في الموثق المشهور وغيره: أن الدم قبل العشرة من الحيضة الاولى (2). وليس إلا لمجرد العمل بالأمكان. ودعوى: أن ذلك دليل في ذلك تعبدا فيما بين العشرة، مدفوعة بأنا نفهم من ذلك أن ليس البناء في الدم على الطهر حتى يظهر كونه حيضا، فتأمل. وثامنها: روايات الأمارة في القرحة والعذرة (3) فإنها دلت على أن الدم المتطوق من العذرة والخارج من الجانب الأيسر أو الأيمن - على اختلاف في متن الرواية - دم قرحة، وما سواهما دم حيض، مع أنه لا ملازمة، قد لا يكون متطوقا ولا يكون حيضا، ولا يخرج من الجانب للقرحة، ولا يكون حيضا أيضا، فاكتفاء الشارع في الحيضية بفقدان أمارة الخلاف دال على أن الأمكان كاف في الحيض من غير حاجة إلى أمارة دالة عليه. وتاسعها: الروايات الدالة في الحامل على أن الدم الخارج منها حيض تترك به العبادة، مع التعليل فيها بأن الحبلى ربما قذفت بالدم (4) فإن ظاهرها الحكم


(1) راجع الوسائل 2: 556، الباب 13 من أبواب الحيض. (2) راجع الوسائل 2: 554، الباب 11 من أبواب الحيض، ح 3. (3) الوسائل 2: 535، الباب 2 من أبواب الحيض. و 560، الباب 16 منها. (4) راجع الوسائل 2: 576، الباب 30 من أبواب الحيض.

[ 519 ]

بالحيضية بالاحتمال، سيما مع الحمل الذي لا يتفق معه الحيض غالبا - بل ذهب طائفة من الأصحاب على أن الحيض لا يجتمع مع الحمل (1) وجعلوه كالصغر واليأس - فغيرها يعمل فيه بالأمكان بالاولوية القطعية. وعاشرها: ما دل من الروايات على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض (2). والمراد بأيام الحيض - كما فسره الشيخ في المبسوط (3) - أيام الأمكا ن، لا خصوص أيام العادة، ومع تفسيره بأيام الأمكان على الأطلاق ادعى الشيخ في الخلاف عليه الأجماع (4). مضافا إلى أن روايات الوصف إنما وردت في مقامات خاصة، ومقتضى القاعدة الاقتصار فيها على مواردها، فلو لم يعمل بقاعدة الأمكان لبقي أكثر المقامات خاليا عن البيان، والبناء على الطهارة حتى يعلم الحيضية مما يقطع (5) بفساده. بعد ملاحظة هذه الأدلة وفتاوى الأصحاب، فلا وجه بعد ذلك للمناقشة في الغلبة بأنا نمنع حجيتها، وبأنها معارضة بالظن الحاصل من فقد الصفة، فإن الغلبة في مثل المقام حجة، وعدم الصفة - كما قررناه - ليس أمارة للعدم، بل وجودها أمارة للوجود، بل قد عرفت ثبوت الحيضية بدون الوصف في أيام الأمكان أو في أيام العادة، مع ما هو معلوم من طريقة النساء أنهن قد يعرفن أنه حيض مع الخلو عن الوصف. كما لا عبرة بدعوى: أن إجماع الفاضلين (6) مختص بما بين العشرة وهو


(1) هو اختيار المفيد في المقنعة وأبي علي بن الجنيد - على ما نقله عنهما في المعتبر 1: 200، لكن لم نعثر عليه في المقنعة - وابن إدريس في السرائر 1: 150. (3) راجع الوسائل 2: 540، الباب 4 من أبواب الحيض. (3) المبسوط 1: 44. (4) انظر الخلاف 1: 235، المسألة 201. و 243، المسألة 212. (5) في (ن): نقطع. (6) راجع ص: 505.

[ 520 ]

مسلم، والنصوص دالة عليه أيضا، مع أن المحقق - الذي هو ناقل الأجماع - منع من تحيض المبتدئة بمجرد رؤية الدم، ولم يقل عند فقد أمارة العذرة والقرحة بالحيضية (1) إذ الغرض الاستفادة من التعليل ودعوى عدم الفرق بينها وبين غيرها، ولعل توقفه في المبتدئة لتعارض الأدلة، أو لوجود دليل على عدم التحيض راجح في نظره، كما قال بعدم اجتماع الحيض مع الحمل (2) للدليل، وهذا لا يمنع من اعتباره قاعدة الأمكان. والنظر في أخبار التقدم على العادة: بأن ظاهرها كون الدم واجدا للأوصاف، بدعوى أن لفظ (الدم) ظاهر في الأسود الحار العبيط، وما سواه لا يشمله لفظ (الدم) ساقط جدا، وظهور لفظ (الدم) في المعنى الأعم من واجد الصفة وفاقدها مما لا يمكن إنكاره. وورود أخبار التحيض في الصائمة في مقام بيان حكم آخر - وهو كون الحيض مفطرا للصوم - لا ينافي دلالته على اعتبار التحيض، إذ قوله: (أي ساعة رأت الدم تفطر) (3) شامل لرؤية الدم المشكوك في الحيضية، مع أنه أمر بالأفطار، وليس إلا لأنه حيض شرعا. كما أن وجود المعارض لأخبار الاستظهار غير مناف لدلالتها على الأمكان. وكون الموثقة في مورد الأجماع غير مناف للاستنهاض به على غيره. ودعوى: أن الفرض في صورة الاشتباه بالقرحة والعذرة في صورة الانحصار فإذا انتفى ذلك بفقد الأمارة تعين الحيضية، مدفوعة بأنه خلاف ظاهر الأطلاق في الروايات. ومنع تفسير الشيخ الرواية بأيام الامكان ومنع دعواه الاجماع مما لا ينبغى


(1) انظر المعتبر 1: 199، 204. (2) لم يقل بذلك، بل قال: (فيه روايات) ولم يختر، انظر المعتبر 1: 200. (3) راجع ص: 517.

[ 521 ]

صدوره عن محصل، فإن فهم الشيخ ليس إلا من استنهاضه من النصوص والفتاوى، وأي شئ أوثق من ذلك؟ فالعمل بقاعدة الأمكان بعد دلالة هذه الأدلة القوية متعين، والمناقشة غير مسموعة. الخامس: في بيان جملة من المقامات المستثناة عن قاعدة الأمكان: منها: ما زاد على عادة المرأة أو عن عادة الأنساب والأقران أو على ما في الروايات مع تجاوزه عن العشرة مما نقص من (1) العشرة إلى كمالها، فإن قاعدة الأمكان تقضي بالحيضية، ولكن دل الدليل على الرجوع إلى المقادير المذكورة. ومنها: ما كان فاقدا للأوصاف إذا حصل الاشتباه بالاستحاضة، لقيام الدليل على اعتبار الوصف فيه. ومنها: الدم المستمر تمام الشهر، مع قلة الفواصل بين آحاده عن أقل الطهر، فيحكم فيه بالحيضة الواحدة في وجه وإن اقتضت القاعدة كون ما بعد أقل الطهر حيضا آخر. ومنها: ما زاد عن أقل الطهر من الدم الثاني بثلاثة متوالية فما زاد إلى العشرة مع نقص النقاء عن أقل الطهر الممكن إتمامه من الدماء، فإن القاعدة تقضي بالحيضية (2) ولكنه غير مفتى به لوجوه اخر مذكورة في محلها. وتنقيح هذه المباحث يحتاج إلى بحث طويل، والغرض هنا تأسيس ما يكون بمنزلة القاعدة الكلية، وبهذه القاعدة يتخلص في باب الدماء عن فروع كثيرة غامضة، من أرادها فليلاحظها. فائدة: هي كالتتمة لهذه القاعدة.


(1) في (ن، د): عن. (2) في النسخ: بالحيثية، والصواب ما أثبتناه، كما ورد في هامش (م) نسخة.

[ 522 ]

وهي: أنه بعد القطع بعدم الحيضية إذا شك في كون الدم استحاضة أو غيره من دم القرحة وغيرها، فالظاهر البناء على أنه استحاضة، وهذا أيضا كقاعدة الأمكان وارد على أصل الطهارة. والمدرك في ذلك: كون الاستحاضة طبيعيا بالنسبة إلى غيرها، لخروجه من عرق العاذل وتكونه في أغلب الأمزجة، مضافا إلى غلبته بالنسبة إلى سائر الدماء، فمتى شك فيه يلحق بالغالب المعتاد. مع أن الأصل عدم حدوث علة اخرى من قرحة أو غيرها. مضافا إلى أن المستفاد من الروايات المأثورة في باب الدماء كونه أصلا بالنسبة إلى غيره، وكون الدم المعلوم عدم حيضيته محكوما بأنه استحاضة، من أرادها فليراجعها. وظاهر عبائر الأصحاب أيضا ذلك، فإنه إذا اختل شرائط الحيض يحكمون بأنه استحاضة، ولا يشك أحد في أنه لعله دم جرح فينبغي التمسك بأصل الطهارة، بل يتسالمون على الحكم بالاستحاضة. مع أن كون الحكم بالاستحاضة بعد العلم بعدم الحيضية مركوزا في الأذهان عند النساء وغيرهن أقوى دليل على هذه القاعدة، بل هو واضح عند من له أدنى تثبت. ولا غرابة في عدم التعرض لهذا الأصل في كلمة الفقهاء، والله العالم بحقائق الأحكام. z z z

[ 523 ]

(العنوان الثالث والعشرون) (في بيان حكم من أتى بالعبادة مخالفا للواقع)

[ 524 ]

عنوان [ 23 ] قد اعتبر في العبادات - كما لا يخفى على من لاحظها - أجزاء وشروط كثيرة قد يأتي العامل بها على ما هي عليها، وقد يأتي بها على خلاف ما هي عليها. وينتشر من ذلك فروع كثيرة تعرض لبعضها الأصحاب، وتنقيح الضابط في ذلك حتى يرجع في الفروع إليه من أهم المطالب للفقيه، وفروعها عمدة الفروع المشكلة العامة البلوى. فنقول: الاتي بالعبادة على كيفية مخصوصة تارة يقع الكلام بالنسبة إلى ملاحظتها من حيث الأحكام، واخرى يبحث عنها بالنسبة إلى الموضوعات. فهنا مقامان: المقام الأول في حيثية الحكم لا ريب أن الاتي بالعبادة على هيئة خاصة: إما أن يأتي بها موافقا لحكم الله الواقعي في أجزائه وشرائطه ولواحقه مع اعتقاده بأنها موافقة لذلك.

[ 525 ]

وإما أن يأتي بها مخالفا للحكم الألهي مع اعتقاده المخالفة. وإما أن يأتي بها موافقا للحكم الواقعي غير معتقد بالموافقة. وإما أن يأتي بها مخالفا للواقع مع اعتقاده الموافقة. فهذه أقسام أربعة لا خامس لها، فلنبحث عن الأقسام بما يوضح المرام (1). القسم الأول: هو الاتي بها مطابقا للواقع مع اعتقاد المطابقة، وفيه صور: اوليها: أن يكون الاعتقاد بالمطابقة على طريق العلم القطعي الوجداني الذي لا يحتمل فيه الخلاف عادة، إذ هو الميزان في الأحكام الشرعية وإليه ينصرف إطلاق لفظ (العلم) في الكتاب والسنة، وهذه العبادة صحيحة بمعنى: حصول الامتثال وترتب الثواب، وصحيحة بمعنى: كونه مسقطا للقضاء لو كان لتلك العبادة قضاء، لأنه آت بالعبادة على الوجه المأمور به، فيفيد الأجزاء، وهو إجماعي عند الأصحاب لا أعرف فيه خلافا. ولا يفترق الحال في هذا الفرض بين كون هذا العلم ناشئا عن اجتهاد مصطلح، أو تقليد موصل للعلم، أو لقرائن اخر، إذ ليس وراء العلم شئ، وأدلة التقليد والاجتهاد إنما هو مع عدم حصول العلم القطعي، كما يشهد به تقييد الروايات والايات السؤال عن أهل الذكر والعلم بصورة عدم العلم (2) فلا تذهل. وثانيتها: أن يكون الاعتقاد ناشئا عن اجتهاد ظني معتبر، بمعنى: قيام دليل على حجيته، وهذا أيضا موجب لحصول الثواب وسقوط القضاء لو كان قضاء، إذ الفرض موافقة الواقع فيجزئ. وغاية ما ثبت شرطية الاجتهاد أو التقليد مع عدم العلم وهو حاصل، فقد حصل المأمور به مطابقا للواقع بطريق مجعول من الشرع. وثالثتها: أن يكون الاعتقاد عن تقليد معتبر جامع للشرائط المقررة من


(1) في (ف، م) المراد. (2) مثل قوله تعالى:... فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون النحل: 43، الأنبياء: 7. وانظر الوسائل 18: 12، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، ح 14.

[ 526 ]

حيثية (1) المفتي والمستفتي والواسطة وغير ذلك. وحكم هذه كالثانية، والدليل الدليل. ورابعتها: حصول الاعتقاد الظني من غير طريق معتبر من اجتهاد أو تقليد، كما لو حصل الظن من متابعة الاباء والامهات، أو ملاحظة كلام المعلم، أو مشاهدة طريقة الناس، أو قراءة كتاب من كتب الفقه، ونظائر ذلك، كما هو الغالب في العوام (2) والنساء، بل في كثير من أصحاب المعرفة والبصيرة أيضا، فإنهم ظانون بمطابقة أعمالهم للواقع من دون اجتهاد وتقليد معتبرين، وليس علما قطعيا أيضا، لأنهم يحتملون الخلاف كلما التفتوا إلى ذلك، كما نراهم يترددون ويحتملون الخلاف عند التشكيك، لكنهم لا يلتفتون إلى ذلك غالبا وتطمئن نفوسهم (3) بالمطابقة للواقع. وهذا مفيد للامتثال بمعنى حصول الثواب، لأنه آت بالمأمور به ناويا للتقرب، ولا عقاب أيضا عليه من جهة عدم تعبده بطريق مأمور به، إذ هو لم يلتفت إلى التكليف بالطريق - كما هو المفروض - والتكليف بما لا يطاق غير جائز عقلا ونقلا، والعقاب على ما لم يعلم من دون تقصير قبيح على مقتضى قواعد العدل، فاحتمال ثبوت العقاب عليه ساقط جدا. وأما الصحة بمعنى سقوط القضاء لو كان قضاء، ففيه قولان: ذهب جمع من الأصحاب إلى ثبوته، قيل: وهو ظاهر إطلاقهم بفساد عبادات الجاهل (4) يريدون به من ليس بمقلد ولا بمجتهد، ولا يفصلون بين المطابق للواقع وغيره، ولا بين المقصر وغيره، ولعل هذا بناء منهم على شرطية أحد الأمرين في الصحة بهذا المعنى. والذي يقوى في النظر القاصر: عدم شمول كلامهم لهذا القسم، والفرق بين


(1) في (ف): من حيث. (2) في غير (م): الأعوام. (3) في سوى (د): ويطمئن نفسهم. (4) انظر القوانين 2: 140.

[ 527 ]

مسألة الجاهل وبين قولهم: (لا بد من الاجتهاد أو التقليد) لأنهم يقولون: بأن الجاهل غير معذور، والظاهر من كلمة (المعذور) كون عمله مخالفا للواقع، فالبحث إنما هو في صورة المخالفة، لا في صورة الموافقة. فدعوى: شمول كلام القائلين بعدم معذورية الجاهل للجاهل الغير المقصر المطابق عمله للواقع مشكلة، بل ممنوعة (1). وكيف كان: فالمتبع الدليل، ولنا على صحة ذلك وجوه من الأدلة: أحدها: أنه آت بالمأمور به مطابقا للأمر الواقعي المتعلق به معتقدا مطابقته وقاصدا للامتثال، فينبغي أن يكون مجزئا، والطريق إنما اعتبر للوصول إلى ما هو الواقع، وليس أمرا تعبديا هو شرط للصحة، والأصل عدم شرطية ذلك للصحة، ولم يقم دليل على ذلك، والأجماع عليه ممنوع، بل معلوم العدم. وثانيها: أن الظاهر من طريقة العرف والعادة ذلك، فلو جعل المولى لعبده طريقا إلى معرفة أوامره ونواهيه فاعتقد العبد على صدور أمر منه من غير ذلك الطريق وأتى به وصادف الواقع، لا يحتاج بعد ذلك إلى الأتيان به ثانيا، والسر في ذلك: أنهم يفهمون كون الطريق للوصول، لا شرطا لصحة المأمور به، وهذا طريق لا ينكر، إلا أن يعلم كون الطريق شرطا. وثالثها: ادعاء الأولوية، إذ الشارع متى ما اعتبر طريق الاجتهاد والتقليد اللذين لا يطمئن بهما النفس غالبا - وهو (2) محل للزلل والخطر - وجعلهما كافيين في الامتثال وإسقاط القضاء، فليجعل الوثوق الحاصل من ملاحظة الأمارات والقرائن الحاصلة من ملاحظة طريق المتشرعة كافيا بالأولوية، والفرض أنه وافق الواقع. ورابعها: الأخبار الكثيرة جدا المنتشرة في أبواب الفقه المشتملة على السؤال


(1) في (ن) زيادة: جدا. (2) إفراد الضمير لعله باعتبار رجوعه إلى الاجتهاد فقط.

[ 528 ]

عن إتيان العمل بكيفية اعتقدها السائل، فقال عليه السلام: (لا بأس بذلك) مثل أن يقول: شككت في كذا ففعلت كذا، أو سهوت عن كذا فأتيت بكذا، أو كان في ثوبي كذا ففعلت كذا، فأجاب الأئمة عليهم السلام في أمثال ذلك بالصحة، حيث كان عمل السائل باعتقاده موافقا للواقع، ولو كان العمل بغير طريق تعبدي باطلا وإن وافق الواقع لما كان ينبغي هذا الجواب، وكان ينبغي أن يقول: أعد هذه الصلاة، ولكن بعد ذلك افعل كما فعلت. واحتمال كون السائلين عالمين بالحكم عن طريق معتبر مستبعد جدا، إذ الظاهر أنهم كانوا يعتقدون ذلك من القرائن ومما رأوا غيرهم من المتشرعين يعملون كذلك، وإلا فلا وجه لكونهم عالمين على طبق حجة شرعية ثم كانوا يكررون السؤال. وهذه الروايات وأمثالها كثيرة لا يخفى على من راجع أبواب الفقه. ومما يؤيد ذلك جواب الأئمة عليهم السلام إذا خالف عمله الواقع بالأعادة، فإنه كاشف عن كون عملهم على حسب معتقدهم لا عن حجة شرعية. وخامسها: ما هو المعلوم من ملاحظة الأخبار المذكورة ومن ملاحظة طريقة المسلمين كون بناء المسلمين خلفا وسلفا على ذلك، فلو كان مع ذلك يجب القضاء لانتشر من الأئمة عليهم السلام الأمر بذلك (1) ولاشتهر ذلك بين الأصحاب بل المسلمين قاطبة، لعموم البلوى، وقل ما يتفق شخص يعمل باجتهاد أو تقليد من أول بلوغه، مع أنه لم نجد مما يدل على لزوم القضاء حينئذ عينا ولا أثرا. وسادسها: أن وجوب القضاء مع ذلك موجب للعسر والحرج الشديدين المنفيين في الشرع بالنصوص القطعية وبالأجماع كذلك، وقد تقدم تحريره (2). وسابعها: أن ثبوت القضاء فرع صدق الفوات، ومن أتى به مطباقا للأمر الواقعي فلا فوات حينئذ أصلا


(1) في غير (م): الأمر على ذلك. (2) تقدم في العنوان التاسع.

[ 529 ]

وإذا بنينا في ذلك على الصحة، فنقول: إما أن يصدر منهم هذا العمل ولا يلتفتون إلى الطريق إلى حصول الموت، فالحكم ما ذكرناه: من سقوط القضاء والعقاب وحصول الامتثال والثواب. وإذا عرض عليهم الالتفات والتنبه وحدث لهم التزلزل في اعتبار الطريق، فيجب عليهم تحصيل الاجتهاد أو التقليد بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة، لزوال الاطمئنان. وإنما الكلام في طريق معرفتهم لكيفية الأعمال السابقة أنها هل كانت مطابقة للواقع حتى يدخل في البحث السابق، أولا حتى يدخل فيما سيأتي من حكم المخالف للواقع؟ فنقول: يعلم ذلك بالاجتهاد أو التقليد المعتبرين، أو العلم القطعي لو انفتح بابه، فهنا ثلاث صور: أحدها (1): أنهم بعد ما يحصلون الطريق المعتبر من اجتهاد أو تقليد أو علم قطعي يجدون ما عملوا سابقا مطابقا لذلك، وهذا قد ظهر حكمه من عدم لزوم القضاء، وما ذكرناه سابقا كان حكم المسألة بنفسها، وهذا التقسيم إنما هو بالنسبة إلى نفس العاملين. وثانيها: أنهم يجدونه - أعمالهم السابقة - مخالفا (2) لما فهموه الان من الطريق المعتبر، وهذا هو القسم الاتي الذي نذكر حكمه فيمن اعتقد المطابقة وكان مخالفا للواقع. وثالثها: أنهم يشكون في أنه هل كان مطابقا لهذا أم لا؟ والمراد بالشك هنا أعم من الظن، إذ هو معناه لغة وبعبارة اخرى: لا يعلمون الموافقة ولا المخالفة من جهة نسيانهم كيفية ما عملوا سابقا بمضي الزمان.


(1) كذا في النسخ، والمناسب: إحداها... ثانيتها... ثالثتها. (2) في (م): يجدون أعمالهم السابقة مخالفة.

[ 530 ]

وهنا وجهان: أحدهما: الحكم بلزوم القضاء، لعدم تيقن البراءة مع وجود الخطاب، والمسقط إنما هو الموافقة للواقع ولم يعلم، فالأصل بقاء الأمر، فيجب الأتيان ثانيا، والمراد دليل القضاء لو كان قضاء. وثانيهما: العدم، لأن المفروض كونه آتيا في وقته معتقدا للمطابقة، ولم يحصل العلم الان بالمخالفة، غايته الشك، فيدخل في عموم أدلة عدم العبرة بالشك بعد الفراغ، فلا يوجب هذا بطلانا في العمل الواقع على وجه الصحة. ولظاهر المشهور القائلين بعدم المعذورية لو شمل كلامهم هذا الفرض وجوه: أحدها: أن التكاليف باقية وسبيل (1) العلم إليها مسدود، ولا دليل على العمل بما عدا الاجتهاد أو التقليد، فما عداهما غير موجب للخروج عن عهدة التكليف. والجواب: أن الكلام إن كان في التكليف بالأخذ بأحد الطريقين فهو في المقام غير معقول، إذ الفرض عدم العلم به وعدم خطوره بالبال، فلا وجه للتكليف. وإن كان البحث في الشرطية المستلزمة للبطلان بدونه، فنقول: لم يقم دليل على شرطيتهما، وإنما هما طريقان للوصول إلى المأمور به، فإذا حصل الواقع بدونهما فلا مانع من صحته، بل نقول فيمن تفطن لذلك ولم يأخذ بأحد الطريقين: ليس بطلان عبادته من جهة الشرطية، بل من جهة أنه لا يطمئن بكون ما أتى به مأمورا به، فلا يحصل منه قصد التقرب. وثانيها: قوله تعالى:... فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (2) وما ورد من الأخبار على الأمر بأخذ الأحكام من فقهاء الرواة والعلماء الزاهدين في دنياهم دون غيرهم (3).


(1) في (م): طريق. (2) الأنبياء: 7. (3) راجع الوسائل 18: 98، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

[ 531 ]

والجواب أولا: بأن هذه التكاليف لا تتعلق إلا بالعالم بصدورها، وأما الجاهل الصرف فهو غير مكلف بذلك، لأنه مما لم يعلم. وثانيا: نمنع شموله لمثل هذا الفرض، إذ المتبادر من العلم في أمثال هذه المقامات هو العلم العادي الذي تطمئن به النفس، ومن حصل له هذا الاطمئنان من أبيه أو من معلمه فلا ينصرف إليه هذه الأطلاقات، ويعد مثل ذلك عالما بأحكامه عرفا. وثالثا: غاية ما ثبت من ذلك وجوب الرجوع إلى المجتهد لغير المجتهد، وأما كون ذلك شرطا بحيث تبطل العبادة بدونه وإن فهم العامي حكم الله باعتقاده وأتى به على طبق الواقع، فلم يثبت من هذه الأدلة. وثالثها: ما دل على النهي عن الاتباع بما وراء العلم، مثل قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم (1) ونحوه، فإنها ناهية عن غير العلم، وما نحن فيه منه، فيكون فاسدا. والجواب: بأن هذا التكليف لا يتعلق إلا على العالم به (2) ولو إجمالا، والحكم الوضعي - وهو الفساد - تابع للنهي، فيكون كمن أتى بالصلاة جاهلا بأن المكان غصبي، فيرتفع الحكم الوضعي بزوال متبوعه. وبأن كون هذا الفرض داخلا في الاية ممنوع، والوجه قد تقدم. ورابعها: ما ورد في الروايات من (3) أنه لا عمل إلا بالفقه والمعرفة وبالعلم وبإصابة السنة، ولا عمل إلا بدلالة ولي الله (4) ونظائر ذلك. وظاهر هذه إنما هو الشرطية ومقتضا ها البطلان


(1) الأسراء: 36. (2) في (م): بالعالم به. (3) في سوى (م): على أنه. (4) انظر الوسائل 1: 33، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، ح 3، وص: 90، البا ب 29 منها، ح 2، والوسائل 18، الأبواب 4، 5، 6 من أبواب صفات القاضي.

[ 532 ]

والجواب: أن ما نحن فيه فقه ومعرفة وإصابة سنة، لأنه أخذ الأحكام عن طريقة المتشرعة المتلقاة عن صاحب الشريعة معتقدا كونه المأمور به، وهو في الواقع كذلك على ما هو الفرض، ومثل هذا لا يعد عملا بغير فقه. وبأن الظاهر من كون العمل بدلالة ولي الله وطاعته شرطية الأيمان وعدم كون الحكم مأخوذا من أهل القياس والاستحسان. ولو سلم كون المراد أخذه عن إرشاد ولي الله تعبدا، فنقول: لا ريب أن الأخذ مع الواسطة داخل في دلالة ولي الله وليس خارجا عنه، وليس ما في أيدي الناس من الأعمال إلا بإرشاد الولي، ولم يأخذ منهم المكلف المفروض إلا باعتقاد أنه ما بين ولي الله من التكاليف، فليس عمله إلا بدلالة ولي الله دون غيره، فلا وجه للبطلان. وبالجملة: الحكم ببطلان عبادات من لم يكن مجتهدا ولا مقلدا له مع عدم علمه والتفاته باعتبار أحد الأمرين وزعمه لزوم تعلم أحكام الله واعتقاده أنها إنما هي ما في أيدي الصلحاء والمقدسين وأرباب التدين فأخذ به معتقدا أن ذلك هو المأمور به وصادف الواقع، أو أخذ من المجتهد أيضا لا بعنوان أنه مجتهد، بل لأنه أيضا كسائر العلماء وأصحاب الاطلاع على الدين دونه خرط القتاد! وليس عليه دليل يعتمد عليه، بل ربما يدعى أنه طريقة الناس خلفا وسلفا، ولو لم يكن هذا مسقطا للقضاء لانتشر هذا الحكم أشد الانتشار، وقد اشتهر خلافه. وأما حصول الثواب على عمله ذلك وعدم ترتب العقاب عليه فمما لا شبهة فيه. القسم الثاني: هو الاتي بالعبادة مخالفا للواقع معتقدا للمخالفة. ولا ريب أن هذه العبادة غير موجبة للثواب، لأنه غير مطيع عرفا وغير آت بالمأمور به على وجهه، وفات منه قصد التقرب، إذ مع علمه بالمخالفة لا يمكنه قصد التقرب. وموجب للعقاب أيضا من جهة تقصيره في تحصيل الحكم وتقاعده عن الجهاد في سبيل الله وإتيان أوامره. وغير مسقط للقضاء أيضا،

[ 533 ]

لفوات المأمور به عنه، فيشمله أدلة القضاء، أو بقاء الأمر الأول لو كان موسعا غير موقت أو مع بقاء الوقت، فلازمه الأتيان على نحو مطابق. ومرادنا بالمعتقد للمخالفة: من اعتقد أن هذا العمل غير مأمور به، سواء كان باجتهاد أو تقليد أو باعتقاد من الامور الاخر، فإن كل ذلك سواء في ما مر. وهذه المسألة إن لم تكن من الضروريات فلا شك في كونها إجماعيا، فإقامة الحجج اللفظية أو العقلية غير محتاج إليها. القسم الثالث: هو الاتي بالعبادة مخالفا للواقع معتقدا للمطابقة، وفيه صور: أحدها (1): أن يكون اعتقاده المطابقة علما قطعيا من إجماع أو غيره من أسباب العلم. وثانيها: أن يكون اعتقاده حاصلا عن اجتهاد. وثالثها: أن يكون معتقدا للمطابقة بالتقليد. ورابعها: أن يكون الاعتقاد الظني من غير الطريقين، كاعتقاد أكثر العوام والنسوان (2) وهذه الأشخاص لو لم ينكشف لهم الواقع وبقي لهم اعتقاد المطابقة إلى حال الموت، فلا ريب في حصول الثواب وعدم العقاب، وإنما البحث في القضاء عنهم، ويعلم ذلك من بيان الحكم في صورة الانكشاف. واحتمال ترتب العقاب على القسم الرابع بل القول به - كما نقله بعض المتأخرين (3) - إما مبني على منع الصغرى - وهو كون المكلف قاصرا غير ملتفت إلى لزوم الاجتهاد أو التقليد - وإما مبني على ثبوت العقاب على ما لم يعلم أيضا، والأول خلاف الفرض وخلاف الوجدان، والثاني خلاف طريقة العدل. وبالجملة: لا يهمنا البحث في جهة الثواب والعقاب، ولتفصيل الكلام فيه محل آخر.


(1) كذا في النسخ، والمناسب: إحداها.. ثانيتها... (2) في (م): النساء. (3) ظاهر كلام المحقق القمي قدس سره أنه قول المشهور، انظر القوانين 2: 140 - 150.

[ 534 ]

وأما (1) البحث في القضاء وعدمه، فهنا مباحث أربع: الأول: فيمن علم قطعا وعمل به وانكشف خلافه، أو زال العلم وحصل الشك، ففيه صور: إحداها: صورة طريان الشك في أنها كانت مطابقة أم لا. والحق في هذه الصورة عدم العبرة بهذا الشك، لأنه شك بعد الفراغ، وقد تقدم في العناوين السابقة أدلة دالة على عدم الالتفات إليه (2). هذا بالنسبة إلى ما مضى. وأما بالنسبة إلى ما يأتي، فيجب تحصيل الاطمئنان والاعتقاد المعتبر على (3) الصحة حتى يمكن قصد التقرب، وذلك واضح. ومع عدم الأمكان في تحصيل الاعتقاد من تقليد أو اجتهاد، ففي استصحاب حكم العلم السابق أو لزوم الاحتياط وجهان. وثانيتها: حصول الظن بالمخالفة. والحق: أن هذا أيضا لا عبرة به، إما لأنه من أفراد الشك اللغوي فيندرج تحت أدلة الشك بعد الفراغ، فلا يلتفت إليه. وإما لأن الظن غير مانع عن الاحتمال، فاحتمال المطابقة باق، وقد كان في وقت العمل معتقدا للصحة قاطعا بها، ولا يعارض هذا الظن لذلك القطع وقت العمل، وتقديم هذا على ذلك ترجيح للظن على العلم، فإجراء حكم العلم بالنسبة إلى ما مضى أقوى من إجراء حكم هذا الظن، مضافا إلى أن هذا الظن وإن حصل من طريق معتبر - كالاجتهاد - غاية ما ثبت اعتباره بالنسبة إلى ما بعده من الأعمال، وأما بالنسبة إلى ما مضى مع صحته عند العمل فلا دليل عليه. مع أن العلم السابق حجة، ومقتضاه إجراء ما فعل على طبقه، ولم يعلم كونه مخالفا للواقع. وهذا الظن بالخلاف محتمل للخلاف، بخلاف ذلك العلم، بل احتمال الخطأ في هذا الظن أقوى منه في ذلك العلم، فلا وجه


(1) في (ن، د) وإنما. (2) تقدم في العنوان الخامس. (3) في (د): للصحة، وفي (م): في الصحة.

[ 535 ]

لوجوب قضاء ما فات بتبدل الظن. وثالثتها: حصول القطع بالمخالفة، وفيه وجهان: أحدهما: لزوم القضاء، لانكشاف عدم الامتثال للأمر الواقعي، فهو إما باق فيجب الأتيان به، أو فائت فيجب القضاء للفوات. وثانيهما: أن أحد العلمين ليس بأولى من الاخر، والترجيح من غير مرجح غير جائز، وكما أن احتمال الجهل المركب آت في العلم الأول فكذلك العلم الثاني، ولعل الأول كان مطابقا للواقع والثاني مخالفا له (1). والأقوى: وجوب القضاء كما سبق (2) لما قررناه في محله من ثبوت التكليف بالأحكام واقعا، وجهل المكلف غير مسقط لذلك (3) واعتقاده بخلافه قائم مقامه ما دام هو كذلك، والأمر الاضطراري العقلي الناشئ من جهل المكلف لا يجزئ إلا على حسب مقداره، ولا يجزئ من الأمر الواقعي. وما في كلام بعض من تأخر (4): أنه لم يكن تكليفه إلا ما اعتقده وقد أتى به، ولم يكن مكلفا بالواقع، لقبح التكليف بما لا يطاق، فلا معنى لوجوب قضائه. مدفوع بأن التكليف بالواقع ليس مطلقا حتى يلزم التكليف بما لا يطاق، بل إنما هو مشروط بالعلم به، فما لم يكن علم لم يكن (5) هناك تكليف، فإذا حصل القطع بالواقع صار ما أتى به امتثالا للأمر الثانوي والحكم الاضطراري، وحصل الثواب بقدره، وانكشف كونه مكلفا بالواقع تكليفا معلقا بالعلم وقد حصل، فإن كان الوقت باقيا فهو ممكن فيأتي به، وإن كان خارجا فقد فات عنه ما هو المطلوب الواقعي فيجب القضاء.


(1) في عدا (م): مخالف له. (2) في سوى (ن): لما سبق. (3) في غير (م): عن ذلك. (4) الظاهر أن المراد به المحقق القمي قدس سره، انظر القوانين 2: 151. (5) في (ن): لم يعلم.

[ 536 ]

ولتفصيل الكلام في إثبات التكليف بالواقع وعدم مانعية الجهل والاضطرار عنه محل آخر، والغرض الأشارة إلى المدرك إجمالا، فما أتى به عالما بأنه المأمور به شئ وما هو في الواقع شئ آخر، ولا مانع من اجتماعهما بأمرين. وأما القول بتساوي احتمال الخطأ في المقامين، فنقول: المفروض حصول القطع في نظر المكلف بخطأه في الأول، ولا يحتمل الخلاف بالنظر إلى الثاني، وإلا لم يكن علما في نظره، إذ احتمال الجهل المركب يمنع من كون الاعتقاد علما في خصوص الواقعة، والمعيار إنما هو نظر المكلف نفسه، ومجرد احتمال الخطأ في العلم والقطع مطلقا في نظرنا لا ينفع في ذلك. وبالجملة: فالمكلف القاطع بمخالفة عمله (1) السابق للواقع قاطع بفوت الواقع عنه، فيشمله عموم أدلة الفوات على حسب ما يزعمه، وهو الحجة، واحتمال خطائه في هذا القطع أيضا إنما هو في نظرنا لا في نظره، وهو لا مدخل له في تكليفه، إذ هو مكلف بالقضاء متى ما علم الفوت. فإن قلت: دليل القضاء إنما قضى بوجوبه مع الفوت الواقعي - كما هو ظاهر اللفظ - وهو غير ثابت، لاحتمال إصابة ما أتى به أولا الواقع، لتساوي العلمين بالنسبة إلى احتمال الخطاء. قلت: ليس الميزان في معرفة الفوت الواقعي نظر الفقيه والمفتي. وبعبارة اخرى: لا يشترط في الفتوى بالقضاء كون المفتي عالما بأن هذا المكلف فات عنه العمل واقعا، وإنما هو راجع إلى نفس المكلف، وهو في الفرض عالم بأنه فات عنه الواقع، فنحكم عليه بوجوب القضاء، لأنه يعلم الفوات، وإن كنا نحن إذا لاحظنا العلمين المتعاقبين على ذلك المكلف ليس احتمال الخطاء في الأول أولى من احتماله في الثاني، وذلك واضح. مضافا إلى أن صدق دليل الفوات يغني عن ذلك كله، وهو معلوم من العرف،


(1) في (ن، د): علمه.

[ 537 ]

فإنهم لا يعدون جهل المكلف أو اعتقاده الخلاف مانعا من صدق الفوت بالنظر إلى المطلوب الواقعي، مع أنهم أيضا لا يقولون بالتكليف المنجز حال الجهل، لأنه مما لا يطاق. الثاني (1): في الظن الاجتهادي إذا زال عن المجتهد. وهو إن كان بطريق الشك، فحكمه كما مر من عدم العبرة به بالنسبة إلى ما مضى، وإن كان يجب تحصيل الاعتقاد بالنسبة إلى ما يأتي. وإن كان بطريق الظن الاجتهادي - وهو المسمى بالعدول عن الرأي - فهل يجب عليه قضاء ما سبق أم لا؟ وجهان: أحدهما: الوجوب، لأن الظن السابق كان حجة في الظاهر ما لم ينكشف خلافه، فإذا تبين أن الواقع خلافه حصل الاعتقاد بعدم الأتيان بالواقع، وما أتى به يجزئ على حسبه، فالواقع فائت - كما قررناه سابقا - فيجب القضاء. ولا وجه لنظير الكلام السابق هنا - من أنه لم يكن مكلفا بالواقع لأنه مما لا يطاق، وما كان مكلفا به فقد أتى به - إذ قد عرفت طريق دفعه مما أشرنا إليه. وثانيهما: العدم، لا لعدم التكليف بالواقع، بل لأن الظن السابق كان طريقا إليه، وقد عمل بمقتضاه، ولم ينكشف كونه على خلاف الواقع حتى يعلم صدق دليل الفوات، لأن الثاني أيضا ظن، وهو محتمل للخلاف، فيحتمل في حال الظن الثاني أيضا كون الظن الأول پمطابقا للواقع، ولا يقطع بالفوات، والشارع أناط القضاء بالفوات النفس الأمري وطريقه العلم، وليس الظن بالفوات حجة في ذلك، فلا يعلم من ذلك أنه فائت حتى يجب القضاء، واحتمال الخطاء في الظن آت كالظن الأول. فإن قلت: نسبة الظنين الاجتهاديين المتعاقبين كالقطعين، فكما حكمت في القطع بخلاف القطع بلزوم القضاء، فلم لم تحكم في الظن بخلاف الظن؟


(1) أي: المبحث الثاني من مباحث لزوم القضاء وعدمه.

[ 538 ]

قلت: الفرق أن طريان الظن لا يوجب القطع بخطاء الظن السابق حتى يعلم الفوات فيجب القضاء، بخلاف العلم بعد العلم، فإنه موجب للقطع بمخالفة الواقع، فتدبر. فإن قلت: ظن المجتهد أيضا بعد قيام الدليل على حجيته قطع شرعا، فيكون كالقطعين الوجدانيين. قلت: نعم، ولكن بالنسبة إلى لزوم العمل على طبقه، لا في جميع ماله تعلق بلفظ العلم، وقد عرفت: أن طريق معرفة الفوات الواقعي إنما هو العلم، وكون الظن الثاني بمنزلة العلم في لزوم العمل به بعد ذلك لا يوجب كون فوات الواقع فيما مضى مقطوعا، إذ الظن معتبر بالنسبة الى ما بعده، ولا ربط له بما قبله، إذ هو أيضا كان كالثاني بظن معتبر، والعمل بالأمرين التعبديين لا مانع منه، بخلاف القطع، فإنه موجب للعلم بمخالفة أحدهما للواقع، فتبصر. مضافا إلى أن عدم لزوم القضاء بالعدول مما قد انعقد عليه الأجماع. وإن كان بطريق القطع - كما لو قطع بفساد ما ظنه سابقا بالاجتهاد لظهور إجماع أو وصول خبر متواتر أو محفوف بقرائن - فالأقوى لزوم القضاء، ويعلم حجته مما قررناه في تعاقب العلمين وحصول الظن بعد الظن، بل هنا أولى من تعاقب العلمين، لكونه في الأول ظنا محتملا للخلاف من حينه أيضا، وذلك واضح. الثالث: في الظن التقليدي. وزواله أيضا بالشك يعلم حكمه مما مر: أن الشك بعد وقوع العمل لا عبرة به، سيما وأن التقليد لا يدور مدار الظن بالواقع، بل هو تعبدي لا ينافي الشك، إذ ليس الغرض (1) الشك في وقوع التقليد، بل المراد الشك في كون الفتوى مطابقا للواقع أولا. وإن كان بالظن، لا بمعنى الظن ببطلان التقليد، بل بمعنى الظن ببطلان الحكم


(1) ظاهر (د، ف): الفرض.

[ 539 ]

المقلد فيه بقرينة من خارج أو بعدول المجتهد، فإن المقلد أيضا يتبعه في ذلك ويظن ببطلان ما مضى. والحكم فيه أيضا كعدول المجتهد، والحق عدم لزوم القضاء، والبيان يعلم مما مر. وإن كان بطريق القطع - كما لو بلغ مرتبة اجتهاد وحصل له القطع بمخالفة ما فعل للواقع - فالأقرب لزوم القضاء كما في المجتهد، والكلام الكلام. الرابع: في الظن الخارج (1) عن الطريقين بعد التنبه وانكشاف كون ما فعله مخالفا للواقع إما بالقطع أو بالظن الاجتهادي، كما لو بلغ مرتبة الاجتهاد أو بالتقليد لمجتهد، بمعنى: أنه بعد حصول أحد الطرق المعتبرة حصل العلم أو الظن المعتبر بمخالفة ما فعله للواقع. والحق: لزوم القضاء لجميع ما ذكرناه في العلم بعد العلم والعلم بعد الظن: من بقاء الأمر الواقعي وإجزاء ما فعله بحسبه، واندفاع لزوم تكليف ما لا يطاق مما ذكرناه، وصدق الفوات عرفا. نعم، قد يقال: إنه لو حصل العلم بالخلاف يتجه هذا الكلام - كما في نظائره السابقة - وأما لو حصل ظن اجتهادي أو تقليدي بالخلاف فلا وجه لوجوب القضاء، إذ لم يعلم مخالفة ما فعله للواقع، والشك غير نافع، والظن كالشك في ذلك، لاحتمال المخالفة فيهما معا، فيكون كالظن بعد الظن، وقد ذكرت فيه عدم لزوم القضاء. ولكن نقول: إن الواقع بالنسبة إلى غير المقلد والمجتهد إنما هو أحدهما، إذ هو في الواقع مكلف بما وافق رأي المجتهد، سواء كان نفسه أو غيره، فإذا علم مخالفته لرأي المجتهد فقد علم مخالفته للواقع، لأن الواقع بالنسبة إليه ذلك، إذ هو مكلف بموافقة رأي المجتهد، فمتى ما انكشف أنه لم يأت به فقد بقي ذلك الخطاب في ذمته.


(1) في عدا (ن): الخارجي.

[ 540 ]

وبعبارة اخرى: إن المجتهد والمقلد له واقع واقعي، وواقع اضطراري هو ما فهمه بالاجتهاد أو التقليد، وهو الذي نسميه بالظاهري العقلي، وليس هناك شئ، فإذا انكشف خلاف الواقعي الأولي ثبت ذلك الأمر في ذمته، فلزمه الأتيان. وأما الخارج عنهما فله أوامر ثلاث، أحدها: ما فهمه بمتابعة آبائه ونحوه، فيلزمه الأتيان به، مع أنه كان مكلفا بمطابقة رأي المجتهد، فإذا انكشف مخالفته للواقع - بمعنى رأي المجتهد - فقد بقي هذا الخطاب في ذمته لزم عليه الأتيان به، لأنه فريضة فاتت عنه. نعم، لو أتى بمقتضى التقليد والاجتهاد قضاءا ثم انكشف أنه مخالف لأصل الواقع أيضا، لزمه القضاء ثانيا، والسر في كل ذلك: أن الميزان في لزوم القضاء وجود تكليف في الواقع على غير ما فعله بمقتضى اعتقاده، فإن ما فعله لا يجزئ إلا عما اعتقده مأمورا به، وأما الأمر الواقعي فيبقى بعد حصول العلم إلى أن يمتثل به (1). ومن هنا يعلم: أن الاجتهاد أو التقليد وإن كان بالنسبة إلى ما فعله واقعيا لكن الواقع الأولي الاختياري أيضا ثابت بالنسبة إليه، فلو وجد ما فعله مخالفا لرأي المجتهد وجب القضاء على مقتضى رأيه، فإذا أتى به كذلك يبقى مظنون المطابقة للواقع، فإذا انكشف خطأ المجتهد قطعا وجب القضاء أيضا - كما ذكرناه في المقلد - فإن هذا العامي بعد العمل بقول المجتهد يصير كالمقلد، وقد مر حكمه. ومن ذلك ظهر: أنه لو وجد ما فعله أولا باعتقاده مطابقا للواقع قطعا ووجد فتوى الفقيه مخالفا للواقع ليس عليه قضاء أصلا، لأن المعتبر إنما هو مطابقة أصل الواقع، ومطابقة رأي المجتهد قد اعتبرت من جهة أنه طريق الواقع، فإذا علم فلا حاجة إلى رأي المجتهد، وذلك واضح مما قررناه. القسم الرابع: هو الاتي مطابقا للواقع مع عدم اعتقاده المطابقة، كما لو كان


(1) في (ف، م): يمثل به.

[ 541 ]

شاكا في أن السورة جزء أم لا، فأتى بها فطابقت الواقع، ونظائر ذلك. وبالجملة: كان غير معتقد بأن ما أتى به مطابق للواقع، فأتى به فصادف الواقع. وقد يقال: إن هذا القسم غير معقول، لأنه متى لم يكن معتقدا بالمطابقة فلا يتعقل منه قصد التقرب، فلا يكون مطابقا قطعا، لأنه يكون بدون نية التقرب. لكن يمكن أن يقال: إنه يحتمل أن يعتقد لزوم الأتيان بما لم يعتقد أنه مطابق للواقع، بمعنى: أنه مع كونه لا يدري بمطابقته للأمر الواقعي اعتقد أنه لا بد من إتيانه كذلك فأتى بقصد التقرب. والحق: أن هذا الفرض لو تحقق يرجع إلى من اعتقد أن هذا مأمور به وإن كان شاكا في كونه واقعيا أو ظانا بعدم كونه واقعيا، فيكون قد أتى بالمأمور به على حسب اعتقاده، والتكليف بالواقع أيضا معلق بالعلم، فهذا مجز بحسبه، وبعد العلم بالواقع إن وجده مطابقا فقد أجزأ عنه أيضا ولا قضاء عليه، للأتيان بمقتضاه وعدم فوات شئ عنه. واحتمال أن يقال: إن الأتيان بالواقع لا بد أن يكون باعتقاد أنه واقع مأمور به وإن كان ظنيا، وأما إتيان شئ باعتقاد أنه مأمور به بنفسه وإن لم يكن واقعيا أو مشكوكا في الواقعية، فكونه مجزيا عن الواقع على فرض المطابقة ممنوع. مدفوع بمنع شرطية اعتقاد الواقعية، وإنما اللازم الأتيان بالمأمور به على ما هو عليه في الواقع مع قصد التقرب، وهو حاصل، وأما كونه باعتقاد المطابقة أو غير ذلك فلم يقم دليل على شرطيته، وليس ذلك إلا كالاجتهاد والتقليد المجعولين طريقا إلى الواقع، فمتى صادفه العمل سقط اعتبارهما. ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا من حكم الجاهل بين أن يكون جهلا ابتداءا غير مسبوق بطريق معتبر، أو كان نسيانا، بأن كان مجتهدا أولا أو مقلدا ثم عرض له النسيان عن تلك الأحكام فزعم أن ما أتى به هو الحكم، أو خطئ في معرفة الحكم ابتداءا أو غفله عما فهمه أولا، فإن ذلك كله داخل تحت الأقسام السابقة، فمإ

[ 542 ]

حكمنا بأنه صحيح مسقط للقضاء يجئ في هذه أيضا، وما حكمنا فيه بلزوم القضاء نحكم فيها أيضا كذلك [ والكلام الكلام ] (1). تنبيه: هذا الذي ذكرناه كله إنما هو بناءا على ما قررناه من عدم تبعية الأحكام للعلم والجهل، بل كونها واقعية مشروطة بالعلم - كما عرفت - وقد يتفق في بعض الأحكام الشرعية دليل دال على كونها منوطة بالعلم، بمعنى: كون واقعها كذلك، كما قد اتفق في مسألة الجهر والأخفات، والقصر والأتمام، ولهذا يقولون: بأن الجاهل فيهما معذور لو أتى بخلاف ما هو الواقع. ولعل السر في ذلك: قيام دليل وجوبهما إنما هو على العالم دون الجاهل، فالعلم والجهل فيهما منوعان للمكلف، كأصل السفر والحضر، ووجدان الماء وفقدانه، ونظائرهما من الأحوال الطارئة الموجبة لتغير الموضوع المغير للحكم، وليس في غيرهما العلم والجهل منوعا لأطلاق الأدلة. وليس معنى المعذورية فيهما: كون الواقع هو الوجوب على الجاهل أيضا لكنه سقط الأعادة والقضاء لطفا من الشارع وتخفيفا منه، وإن كان الفرق بين هذين مما لا ثمرة فيه (2) يعتد بها. وبالجملة: الأوفق بالقواعد كون واقعيتهما كذلك، فمن كان جاهلا بالجهر لا يجب عليه واقعا، كالعاجز، فتبصر. وأنت بعد الأحاطة بالضابط الذي ذكرناه تقدر على استنباط الفروع في كل من أخل بشرط من العبادة، أو جزء منها، أو شرط جزء، أو جزء شرط، أو شرط شرط، أو جزء جزء، جاهلا بالحكم، أو ناسيا، أو مخطئا، أو غافلا، فتبين خلافه


(1) لم يرد في (م) ولم يرد (الكلام) الثاني أيضا في سائر النسخ، إلا أنه استدرك في (ن). (2) فيه: لم ترد فيه (ف، م).

[ 543 ]

علما أو ظنا، أو شك في مطابقته، فلا حاجة إلى ذكر الأمثلة، فعليك بالتتبع. المقام الثاني في حيثية الموضوع فنقول: إما أن يأتي بالعبادة بشرائطها وأجزائها بحيث تكون الموضوعات المعتبرة فيها شرطا أو جزءا أو مانعا أو سببا مطابقة للواقع مفهوما ومصداقا مع اعتقاده بالمطابقة، فهذا لا كلام في صحته، للأتيان بالعبادة على ما هي عليه. ولو انتفى اعتقاد المطابقة - كالمتوضئ بماء يشك في إطلاقه، أو المصلي في ثوب يشك في أنه من جنس ما يصلى فيه أم لا، ونظائر ذلك - فإن كان بحيث ينتفي منه قصد التقرب ولا يدري بأنه مأمور به أم لا فعبادته فاسدة. ولو اجتمع معه نية التقرب، كمن زعم لزوم الأتيان بما هو كذلك، فهو يصير كمن اعتقد المطابقة، فإن وافق الواقع فقد أجزأ عن المأمور به، لأنه أتى به على وجهه، وإن خالف الواقع فهنا صور: إذ المخالفة إما أن يكون خطأ، أو جهلا بالمعنى الأعم شاملا للنسيان والغفلة. وعلى التقديرين: إما في أصل العبادة أو في جزئه أو شرطه. وعلى التقادير: إما أن يكون في مفهوم الموضوع، وإما أن يكون في مصداقه. أحدها (1): أن يكون الخطاء في موضوع أصل العبادة بحسب المفهوم، كما لو ظن أن الوضوء عبارة عن غسل تمام البدن، أو الصلاة عبارة عن إعطاء مد من الطعام، أو الحج عبارة عن الأمساك ثلاثة أيام - ونحو ذلك - فأتى به على حسب ما فهمه، أو كان ناذرا عبادة واعتقد أنه الصدقة فتبين أنه كان صوما. وفي هذا القسم إن ظهر خطاؤه والوقت باق فلا كلام في لزوم الاعادة، لأنه غير آت بالمأمور به، وما أتى به إنما هو توهم أمر، لا أمر حقيقة، ولا إجزاء فيه إلا


(1) كذا في النسخ، والمناسب: إحداها... ثانيتها، وهكذا...

[ 544 ]

بحسبه، بمعنى: ترتب الثواب عليه، فيبقى إطلاق أدلة تلك العبادات شاملا له، إذ معنى قوله: (حج) أو (توضأ) أو (تصدق) إتيان ما هو معناه واقعا، سواء أتيت بما اعتقدت أنه هو فلم يصادفه، أو لم تأت بشئ أصلا، وذلك واضح. واحتمال أن المراد الأتيان بما علم المكلف كونه كذلك وقد أتى بما علمه، ساقط بأن اشتراط العلم في التكليف ليس معناه كونه قيدا للمأمور به، بل المأمور (1) هو الواقعي متى ما حصل العلم به، فإذا حصل وهو غير آت به لزم إتيانه. وإن تبين في خارج الوقت، فما لم يثبت من الشرع له قضاء لو فات، الأصل عدمه، لأنه بأمر جديد، ومتى ما ثبت له قضاء بالفوات يجب في هذا الفرض عليه القضاء، لأنه فات منه المأمور به الواقعي، وذلك واضح. وثانيها: الخطاء في مصداق العبادة، كما أنه كان يدري أن الغسل غسل البدن فغسل بعضا وظن أنه غسل كله، أو كان يعرف معنى صلاة العيد فأتى بصلاة جعفر وظن أنه صلى عيدا، ونحو ذلك من اعتقاد ما هو ليس من أفراد المأمور به فردا. وحكمه كما مر في الصورة الاولى، والبيان البيان. وثالثها ورابعها: الجهل أو النسيان أو الغفلة عن مفهوم العبادة أو عن مصداقها، فأتى شيئا آخر مكانها لغفلة عن أصل المراد أو فردية المأتي به عن المأمور به. وحكمهما كصورة الخطاء من دون فرق، والفرق بين الخطاء وغيره اعتبار اعتقاد المخالف في الخطاء دون الباقي. وخامسها: الخطاء في مفهوم الجزء، كمن ظن كون معنى السورة أعم من الاية، أو الركوع مطلق الانحناء، أو ظن أن معنى رمي الجمار أعم من الوضع، ونحو ذلك. فإن ظهر خطاؤه والوقت باق لزمه الأتيان، لأنه غير آت بالمأمور


(1) كذا، والظاهر: المأمور به.

[ 545 ]

به، وما أتى به غير مجز إلا عن أمره الثانوي دون الواقعي. وكذا لو ظهر خطاؤه بعد الوقت فيما ثبت له قضاء بالفوات، لأن العبادة الواقعية فاتت عنه فلزمه التدارك. ومثل ذلك الجهل والنسيان والغفلة. وسادسها: الخطاء في موضوع الجزء - بمعنى مصداقه - كمن اعتقد سورة القدر أنها فاتحة الكتاب، أو اعتقد أن الركوع قد تحقق بهذا الانحناء مع أنه كان يعرف حد انحناء الركوع فزعم حصوله، أو وقف بغير عرفات بزعم أنه وقوف في عرفات، أو قرأ واحدة من سور العزائم في الصلاة بزعم أنها ليست من العزائم، وأمثال ذلك. فالذي يقوى في النظر: عدم وجوب الأتيان ثانيا، لعدم تعدد الأمر، بل الأمر إنما هو واحد بالأتيان بالعبادة مع العلم بأنها مأمور بها، وقد أتى بها كذلك، وليس وراء هذا أمر. وهذا بخلاف الاشتباه في مفهوم الجزء - كما مر - لأن في ذلك قد اشتبه في فهم المراد وزعم المأمور به شيئا آخر فأتى به فبقي أصل الأمر، فهناك أمر آخر وراء ما أتى به ولا يجزئ الثاني عن الأول، بخلاف المقام، فإن المأمور به واحد، وهو الذي فهمه من الخطاب، لكن معرفة مصاديقه محول على نظر المكلف، فكل ما اعتقده أنه هو ذلك يأتي به، وهذا هو امتثال لهذا الأمر، إذ هو مقيد في موضوعاته الخارجية بالعلم، فيصير المعنى: ائت بكذا الذي علمت أنه كذا، وقد أتيت به، وليس أصل التكليف بالماهية المعلومة حتى يجئ هذا الكلام في شبهة المفهوم أيضا، فتدبر. ولا فرق بين ظهور الخطاء في الوقت أو في خارجه، إلا أن يقوم دليل في مورد خاص على ذلك، مع احتمال القول بلزوم الأتيان ثانيا مطلقا. وسابعها: الأتيان بغير مصداق الجزء غفلة أو نسيانا أو جهلا. ويجب حينئذ الأتيان ثانيا في الوقت أو خارجه، لبقاء الأمر وشمول إطلاقه،

[ 546 ]

وما أتى به ليس امتثالا لذلك الأمر، وإنما هو توهم خطاب، لعدم اعتقاده بذلك المصداق بالمأمورية. وثامنها: الخطاء في مفهوم الشرط، كالخطأ في معنى الغروب، أو العدالة في الجماعة، أو في معنى ستر العورة، أو في معنى الأطلاق والأضافة في الماء، أو في كيفية التطهير، ونظائر ذلك مما لا يحصى. فإن ظهر الخطاء في الوقت فالأقوى لزوم الأعادة، وفي الخارج الأقوى لزوم القضاء، لأن ذلك يرجع إلى معرفة معنى الخطاب ومعرفة شرطية شئ آخر غير ما فهمه أولا، فيكون الخطاب خطابين. وبعبارة اخرى: الخطاء في مفهوم الجزء والشرط يرجع إلى الخطاء في الحكم، وقد مر أن مع العلم بالخطاء يجب عليه الأعادة والقضاء، لأطلاق الخطاب الأول وتقيد (1) الثاني بما دام البقاء على هذا الاعتقاد، لأنه اضطراري عقلي. وتاسعها: النسيان عن مفهوم الشرط، أو الغفلة عنه، أو الجهل به. وحكمه كالخطاء، بل أولى. وعاشرها: الخطاء في مصداق الشرط، كمن زعم ارتفاع الحمرة فصلى، أو كون ثوبه غير حرير أو متطهرا طاهرا، أو كون مكانه مباحا أو طاهرا، أو كون وجهه إلى القبلة، ونظائر ذلك مما لا يحصى من الشبهة في مصداق الشرائط. والذي يترجح في ذلك أيضا في النظر: عدم لزوم الأتيان ثانيا، لعين ما ذكرناه في الخطاء في مصداق الجزء - فتدبر جدا - إلا أن يقوم دليل من خارج على الأعادة أو القضاء. وبالجملة: السر في هذين المقامين في عدم اللزوم ثانيا عدم تعدد الأمر، بل كون الأمر واحدا متعلقا بماهية عرفها المكلف، ولكن حيث إن الشرائط والأجزاء ليس بيانها في موضوعها من الشارع وإنما معرفتها وظيفة المكلف،


(1) في (ن): تقييد.

[ 547 ]

والتكليف بما لا يطاق غير جائز، فيصير المعنى: ائت بهذا المأمور به الذي عرفت ماهيته وشرائطه وأجزاءه على نحو تعتقد أنها حصلت في الخارج، والفرض: أن المكلف أتى بها كذلك وإن أخطأ في اعتقاد الحصول، وليس وراء هذا خطاب حتى لا يكون هذا مجزئا عن ذلك، فتبصر، فإن المقام لا يخلو عن إغلاق تام. ومن كثرة الاستعجال في التحرير ضاق علي المجال. z z z

[ 549 ]

(العنوان الرابع والعشرون) (في بيان حرمة إبطال العمل مطلقا)

[ 550 ]

عنوان [ 42 ] إبطال العمل حرام، إلا ما خرج بالدليل. والوجه في ذلك: عموم قوله تعالى: ولا تبطلوا أعمالكم (1) فإن الجمع المضاف مفيد للعموم عند عدم العهد، والنهي ظاهر في التحريم. لا يقال: إنها عامة شاملة لكل الأعمال مع أن أكثرها جائز الأبطال بالأجماع، فيلزم من ذلك تخصيص الأكثر، فلا بد من حمل النهي على الكراهة، أو إرادة أعمال معينة معهودة، أو كون المراد الأبطال بالشرك أو الرياء، ونحو ذلك. لأنا نقول: تخصيص الأكثر جائز، وارتكاب هذا المجاز أولى من غيره، مع أن غير العبادات وإن كان يصدق عليه أنه عمل، لكن المنساق من ظاهر الاية إرادة العبادات، فلا يعم غيرها تحصيلا للعموم في مورده، كما لا يخفى. ولا نسلم كون أكثر العبادات جائز القطع، سيما إذا لوحظ العموم أفراديا لا أنواعيا، فإن أفراد الصلاة الواجبة والحج ونحو ذلك من العبادات التي لا يجوز قطعها كثيرة جدا، بل لو جعل العموم نوعيا أيضا، فإن أنواع ما لا يجوز قطعه أزيد من غيره.


(1) محمد: 33.

[ 551 ]

وأكثر ما يتخيل جواز قطعه - كالو ونحو ذلك - مشكوك لا نسلم جواز القطع فيه. وما يتخيل من القطع في المستحبات - كالأذكار والأدعية وقراءة القرآن والزيارات ونحو ذلك - فنجيب عنها بأن المراد: عدم إبطال ما هو عمل واحد، فإن الأبطال إنما هو في الواحد، وهذه كلها نقول: إن أجزاءها ليست ارتباطية وإنما هي مستقلة، وإن كان المجموع المركب أيضا عبادة فليس ذلك قطعا وإنما هو اقتصار على بعض الأفراد، ولو فرض كون واحد منها ارتباطيا منعنا من قطعه وإبطاله إلا لعذر دل عليه الدليل. فإن قلت: قد ورد المنع عن الأبطال بالرياء والمنة والأذى وغير ذلك، فيكون قرينة على كون المراد هنا أيضا ذلك، لا محض الأبطال، فيحمل على الأبطال بالشرك والارتداد أو العجب ونحو ذلك. قلت: أما أولا: فإن الاية مطلقة، وورود القيد في مقام آخر لا يوجب تقيد (1) إطلاق المنع عن الأبطال هنا. وثانيا: أن هذا حمل للاية الشريفة على ما لا يقول به الأمامية، فإن الأحباط - بمعنى أن تكون المعصية، كالمن والأذى وغير ذلك، إذا لحقت على (2) العمل مبطلة له - لا يقول به أصحابنا، إذ الأحباط له معان ثلاثة: أحدها: ما ذكرناه. وهو لا نقول به. وثانيها: طرح العمل الصالح في مقابل السيئة، بمعنى عدم احتسابها وكتابتها سنخا (3) فقد يكون الرجل له ألف حسنة وألف سيئة فيطرحان فيبقى بلا عمل مطلقا، أو يزيد أحدهما فيؤخذ الزائد، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وهذا أيضا لا نقول به، بل لا بد من مكافاة الأعمال، شرها بالعقاب وخيرها بالثواب، لا طرح


(1) في (د): تقييد. (2) على: ليست في (م). (3) كذا.

[ 552 ]

كل في قبال الاخر وفرضه بلا عمل بحيث لا يكون عليه ثواب ولا عقاب. وثالثها: حبط السيئات بالحسنات بمعنى العفو عنها، أو تبديلها حسنات، كما دل عليه الكتاب المجيد (1). وهو الذي نقول به. وأما العمل الصالح فلا حبط له على مقتضى قواعد الأمامية، ولتحقيق المقام محل آخر. فحمل الاية على الأحباط لا وجه له، وليس ذلك في الحقيقة إبطالا أيضا، وإلا للزم القضاء والأداء ثانيا في الماليات وغيرها بلحوق المنة أو الأذية أو الارتداد، مع أن أصحابنا مطبقون على خلافه، كما لا يخفى على من له اطلاع بالفقه. فإن قلت: إبطال العمل فرع تحققه والقطع في الأثناء ليس إبطالا وإنما هو لجزء العمل، فلا دلالة فيه على مطلوبك. قلت: إبطال العمل عرفا يصدق على ذلك، بل ليس معنى الأبطال إلا عدم الأتمام، مضافا إلى أن البطلان: عدم ترتب الثمرة، والفعل بعد تمامه على وجهه يترتب عليه الثمرة، وليس ذلك بعد في قدرة المكلف، وليس إبطال المكلف إلا منعه عن التمام حتى يلحقه الثمرة. وبالجملة: لا شبهة في صدق الأبطال على القطع في الأثناء. ويمكن أن يستدل في هذا المقام بعموم ما دل على لزوم الوفاء بالعهد، كقوله تعالى: وأوفوا بعهدي اوف بعهدكم (2) بتقريب: أن نية العبادة عهد مع الله تعالى في إتيانها عرفا، فيشمله العموم، وحيث إن المعتبر في العهد إنما هو التأكد (3) فهو أخص من الوعد، ولذا لا نقول بوجوب الأتيان بكل خير منوي،


(1) قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات هود: 114، وقوله تعالى: فاولئك يبدل سيئاتهم حسنات الفرقان: 70. (2) البقرة: 40. (3) في (د) ونسخة من (م): التأكيد.

[ 553 ]

لكن بعد الشروع فيه يصير عهدا مؤكدا فتشمله الاية. وبعموم ما دل على الذم على مخالفة الوعد والعهد، وأن من خالف عهده فهو منافق (1) مع ما دل على ذم النفاق وأهله، مثل قوله تعالى: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه الاية (2) ونظائر ذلك، فتأمل. وفي دلالة آية الأبطال وتنقيحها كلمات تركناها اشتغالا بالأهم واتكالا على وضوحها مما أشرنا إليه. وحيث بنينا على عدم جواز الأبطال بمقتضى القاعدة، فنقول: لا ريب أن الأعذار المسوغة لقطع الصلاة الواجبة - كما وردت في الروايات (3) من متابعة الغريم أو حفظ المال أو غير ذلك - مسوغة في سائر العبادات أيضا بالأولوية، لأن الصلاة أهم العبادات، فمتى جاز فيها جاز في غيرها. وما عداه من الأعذار لا دليل على كونها مسوغا. وكل ما شك من الأعمال في جواز قطعه لعدم وضوح دليل على جوازه غير جائز القطع والأفساد، وكل عذر شك في كونه مسوغا فالأصل عدمه. z z z


(1) انظر سفينة البحار 2: 294 (عهد) و 668 (وعد). (2) الرعد: 25. (3) راجع الوسائل 4: 1271، الباب 21 من أبواب قواطع الصلاة.

[ 555 ]

(العنوان الخامس والعشرون) (حرمة الأهانة بالشعائر ورجحان تعظيمها)

[ 556 ]

عنوان [ 25 ] لا كلام في أن إهانة ما هو المحترم شرعا والاستخفاف به حرام، وقد دل على ذلك العقل، فإن العبد يستحق بالاستخفاف بما هو محترم عند مولاه الذم والعقاب، ويحكم عقله بأن ذلك مبغوض عند مولاه، وكذلك النقل مما دل على المنع من استخفاف المؤمن أو النبي أو القرآن أو نحو ذلك من الكتاب والسنة، وقد انعقد على ذلك الأجماع، بل يمكن دعوى الضرورة أيضا عليه، فإنه شئ يعرفه الصبيان والنساء فضلا عن العوام. وعلى هذا يتفرع فروع كثيرة: من حرمة تلويث المساجد والمشاهد المشرفة وقبور الأولياء والعلماء، وحرمة الاستهزاء بهم والتخفيف عليهم، وإلقاء النجاسة على القرآن أو القائه فيها، وكذلك التربة الحسينية، وأنواع المأكولات المحترمة، ونظائر ذلك كثيرة. والمدار في الأهانة على أمرين: أحدهما: الأعراض بالقلب وعدم الاعتناء به وصدور الفعل المنافي للتعظيم بذلك القصد، وهذا يسمى إهانة ويعد تخفيفا، سواء كان ذلك الفعل الصادر أو

[ 557 ]

الترك يعد إهانة بنفسه من دون حاجة إلى النية، كالأفعال الشنيعة جدا الغالبة الوقوع في مقام الأهانة كإلقاء المصحف على النجاسة، أو إلقاء نجاسة على الضرائح والمساجد، فإن هذا الفعل يعد إهانة وإن لم يكن فاعله قاصدا للأهانة، لتمحضه في ذلك عرفا، أو يكون مشتركا قابلا لأن يكون إهانة أو غيرها أو تعظيما، كالاستدبار لضريح الأمام، أو مد الرجل إلى القرآن، فإنه يمكن كونه لعادة أو لغرض آخر أو استعجال، ويمكن كونه لأهانة، فإن النية لأهانة (1) الأعراض يجعله إهانة كما هو قاعدة المشترك، أو يكون مما ظاهره التعظيم كالمدح، فإن ظاهره التعظيم، لكن النية للتخفيف يجعل ذلك استهزاءا وتهكما محرما. وثانيهما: كون الفعل متمحضا في الأهانة بحيث لا يحتمل فيه غيرها عرفا وعادة - كما مثلنا به سابقا - فإنه وإن عري عن النية لكنه محرم، لأنه استخفاف وإهانة، وكذلك ما كان ظاهره الاستخفاف وإن احتمل فيه شئ آخر، فإنه أيضا محرم ما لم يعلم فيه نية اخرى مخرجة له عن كونه إهانة. فإن الظواهر تصرف إلى غير ظاهرها بالنية، فإن من مسح ظهره أو أليته مستدبرا بالضريح للأمام ظاهر في الأهانة لو خلي ونفسها، ولكن لو قصد به الاستشفاء عن وجع خرج عن ذلك، بل يعد تعظيما، وكذلك وضع شئ من تربة الحسين عليه السلام في الدبر، فإنه إهانة بحسب الظاهر، لكن لو قصد به الشفاء لا يعد إهانة، ونظائر ذلك كثيرة. ومن هنا علم: أن النية تغير حكم الظواهر وتبدله عن مقتضاه، ولكن لو جرد عن نية تعظيم أو إهانة فالمتبع الظاهر، فيكون محرما. وإنما البحث في وجوب التعظيم وعدمه. فنقول: إن قلنا بأنه لا واسطة بين التعظيم والأهانة، بمعنى: أن ترك التعظيم إهانة، فيكون التعظيم واجبا لحرمة تركه، وبيانه بأن يقال: إن ما شأنه التعظيم،


(1) في (ن، ف): لأهانة والأعراض.

[ 558 ]

ترك ذلك بالنسبة إليه فيعد تخفيفا عرفا، إذ ليس الأهانة والتخفيف إلا تنزيل ذلك الشئ عن مرتبته، وعدم ملاحظة شأنه تنزيل له عن مرتبته، فإن المؤمن العارف شأنه إذا ورد مجلسا أن يقام له ويجعل له ما يناسبه من المكان، فإذا ترك ذلك له فهو إهانة بالنسبة إليه وتخفيف، فيكون محرما. والحق: أن ترك التعظيم أعم من الأهانة، إذ قد يكون بعض أفراد التعظيم لو ترك لا يعد إهانة وإن كان فعله تعظيما، فينبغي أن يقال: إن التعظيم قسمان: أحدهما: مراعاة مرتبة الشئ والسلوك معه على مقتضى شأنه ومرتبته عرفا وعادة أو شرعا، وترك هذا يسمى إهانة وهي محرمة. وثانيهما: مراعاته زائدا على ذلك، فإنه أمر مطلوب، فإنه لو جاء عالم فالقيام له وجعل مكان لائق له حفظ لمرتبته، وأما تقبيل يده والقعود عنده في غاية التأدب والكلام معه في غاية الحياء ومشايعته وقت الذهاب وإحضار بعض التعارفات له زيادة تعظيم لو ترك لا يسمى إهانة، فهذا القسم من التعظيم لا يمكن القول بوجوبه باستلزام تركه الأهانة، لما قد عرفت أنه لا يعد تركه إهانة، إلا أن يقوم دليل على وجوب التعظيم. وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (1). والكلام في كيفية دلالته وما ذكر فيه اللغويون والمفسرون طويل لا حاجة إلى ذكره، ونذكر ما هو المحتاج إليه في ضمن الرد والبحث. فنقول: قد اورد على دلالته بوجوه: أحدها: أن الظاهر مما ذكره أهل اللغة والتفسير أن الشعائر محتملة لمعان أربعة: أحدها: أن يراد علامات دين الله وطاعته عموما، فيشمل سائر المحترمات،


(1) الحج: 32.

[ 559 ]

وهذا على كونه جمع الشعار - وهو العلامة والأضافة إلى الله - يكتفى فيه (1) بأدنى مناسبة. وثانيها: أن يراد به البدن خاصة. وثالثها: أن يراد مناسك الحج وأعماله جميعا. ورابعها: أن يراد به مواضع مناسكه ومعالمه. والذي يمكن الاستدلال به على المدعى إنما هو المعنى الأول، وهو أبعد المعاني، لأن الاية الشريفة إنما هي في مقام بيان البدن - كما هو الظاهر من صدرها، وكذلك ذيلها - فإنه قال بعد ذلك: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى (2) والمراد منافع البدن - من لبن وركوب ونحو ذلك - إلى أن ينحر. وكذلك قوله: ثم محلها إلى البيت العتيق (3) أي: محل الشعائر - المراد به البدن - هو الكعبة أو ما يليها من الأماكن، كمنى. مضافا إلى تصريح صاحب القاموس والصحاح وابن الأثير على أن الشعيرة: البدنة، والجمع: شعائر (4). وما عن ابن عباس: أن الشعائر: جمع شعيرة، وهي البدن إذا اشعرت وشق سنامها من الجانب الأيمن ليعلم أنها هدي، وتعظيمه طلب الأسمن والأعظم (5). وكذلك ذكره جماعة من المفسرين. مع ما في الروايات من تفسيرها بالبدن، والتعظيم بمراعاة السمن وعظم الجثة، والمنافع بالركوب من غير عنف واللبن (6). فالحمل على عموم معنى علامات دين الله مخالف للظاهر. والجواب عن ذلك: بأن المفسرين ذكروا أيضا معنى العلائم وإرادة تعظيم معالم دين الله في حج أو غيره، وذكروا كون (المنافع) حينئذ الأجر والثواب الى


(1) في (د): فيها. (2 و 3) الحج: 33. (4) القاموس 2: 60، الصحاح 2: 698، وأما ابن الأثير فلم يصرح بذلك، انظر النهاية 2: 479. (5) أورده الطبرسي في مجمع البيان 7: 83. (6) راجع تفسير البرهان 3: 91.

[ 560 ]

القيامة وكون (البيت العتيق) الجنة أو البيت المعمور، أو يراد رب البيت العتيق على حذف مضاف، كما ذكر ذلك البيضاوي والطبرسي والكاشاني (1) وغيرهم، فهو الامور لا تنافي ذلك. مضافا إلى أن قوله تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله (2) دال على أن المراد بالشعائر: جميع المعالم، لا نفس البدن، لأن كلمة (من) ظاهرة في التبعيض، مع أن ظاهر الاية مطلوبية التعظيم للشعائر من كل أحد، مع أنه جمع مضاف، ولا يراد من المحرم الواحد إلا بدنة واحدة غالبا، وهذا يدل على كون المراد جميع المعالم، لا خصوص البدن. وبعبارة اخرى: تكون هذه الاية بمنزلة كبرى كلية تثبت بها مطلوبية تعظيم البدن أيضا، فإذا انتفى احتمال الاختصاص بالبدن فلا وجه لتخصيصه بمناسك الحج أو محال أعماله، لكونهما أيضا مخالفين لصدر الاية وذيلها. فالحمل على العموم وكون الشعائر بمعنى العلامة أولى وأوفق معنى ولفظا، فتدبر. وبالجملة: لا إجمال في ظاهر الاية بحيث يسقطها عن الاستدلال عند التأمل الصحيح. ورواية عمار (3) الاتية أيضا لا دلالة فيها على أن المراد خصوص البدن من الشعائر، بل تدل على أنه منها، كما في الاية الاخرى. وثانيهما (4): أن الاية على فرض ثبوت العموم في الشعائر لا يثبت الوجوب،


(1) انظر تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) 2: 91 - 92، مجمع البيان 7: 83 - 84، الصافي 2: 123. (2) الحج: 36. (3) بل رواية (ابن عمار) كما ستأتي. (4) أي: الوجه الثاني من وجوه الأيراد على دلالة الاية.

[ 561 ]

بل ظاهرها أن تعظيمها من تقوى القلوب، وأين ذلك من الوجوب؟ والجواب عنه: بأن ذلك إذا علم أنه من التقوى فيمكن إثبات الوجوب بأحد أمرين: أحدهما: أن التقوى إنما هو الحذر عن أمر مخوف، فعلم من ذلك أن هناك شئ يخاف منه، فينبغي الحذر عنه بتعظيم الشعائر، وكل ما هو كذلك فهو واجب، إذ لا خوف في مخالفة (1) المستحب حتى يحذر عنه، فكونه من التقوى والحذر أمارة العقاب على تركه. وثانيهما: أن هذه الاية نجعلها صغرى ونثبت وجوب التقوى بقول مطلق بالايات الكثيرة الامرة بالتقوى، كقوله تعالى: وإياي فاتقون (2) وقوله تعالى: واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (3) وغير ذلك مما لا يحصى. وبما دل على الذم بمخالفة التقوى والعتاب واللوم على غير المتقين في الايات والروايات. فنقول: تعظيم الشعائر من التقوى للاية، وكل تقوى واجب للأطلاق في الأوامر، فتعظيم الشعائر واجب، وهو المطلوب. وثالثها: أنه على فرض إفادته الوجوب لا يفيد إلا وجوب مطلق التعظيم، لا جميع أفراده، والذي ينفع في مقام الاستدلال إنما هو إثبات العموم. والجواب: أن ظاهر الاية كون التعظيم مطلقا من تقوى القلوب، ففي كل فرد من أفراده نقول: هو من التقوى بالاية، وكل تقوى واجب، فيفيد وجوبه، إلا في مقام دل الدليل على عدم وجوبه. وقد يستدل أيضا بما في الكافي عن ابن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إ ذا رميت الجمرة فاشتر هديك إن كان من البدن أو من البقر، وإلا فاجعل كبشا سمينا فحلا، فان لم تجد فموجوءا من الضأن، فإن لم تجد فتيسا فحلا، فإن لم تجد فما تيسر عليك، وعظم شعائر الله... الحديث (4). فإن ظاهر الأمر هو الوجوب.


(1) في (م): مقابلة، وفي هامشها: مخالفة، ل. (2) البقرة: 41. (3) المائدة: 57. (4) الكافي 4: 491، باب ما يستحب من الهدي... ح 14. والوسائل 10: 97، الباب 8 من أبواب الذبح، ح 1.

[ 562 ]

والحق أن يقال: إن التعظيم ظيم الذي له مدخل في حفظ مرتبة ذلك الشئ المحترم وله ربط في احترامه فهو واجب وتركه محرم، وإليه ينصرف إطلاق التعظيم في الاية والرواية، وما زاد على ماهية التعظيم فليس بواجب، بل هو أمر راجح بالعقل والنقل. وهذا المقدار يكفي في استدلال الأصحاب في خصوص المساجد والمشاهد والتربة، وسائر شعائر العبادة، ومواقف الحج، واحترام المؤمن والقرآن، وكيفية الزيارات، وعدم جواز بيع المصحف والمسلم على الكافر أو رهنه عنده، وعدم جواز استيجار الكافر رقبة المسلم - أي: عينه - بخلاف ذمته، ونحو ذلك من الفروع المنتشرة. ولا يخفى على المتتبع الفقيه أن ما حكموا بوجوبه إنما هو ذلك القسم من التعظيم، وما حكموا بتحريمه إنما هو ترك ذلك القسم، وما زاد على ذلك من التعظيمات فجعلوها من المستحبات، كما لا يخفى على من راجع أحكام المسجد والكعبة، وكيفية الدخول والخروج فيهما وفي المساجد. وهذا هو تحقيق هذا المحل، وينتشر من هذه القاعدة فروع لا تحصى. z z z

[ 563 ]

العنوان السادس والعشرون) (في أن الأعانة على الطاعة طاعة، والأعانة على الأثم إثم)

[ 564 ]

عنوان [ 26 ] الأ عانة على الطاعة طاعة، لعموم قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى (1) ويتفرع على ذلك في المستحبات فروع كثيرة. ومن هنا يعلم أن كل عمل مستحب لشخص إذا توقف على شخص آخر، يستحب لذلك القبول، فإرسال الهدية إلى مؤمن أو بذل شئ إليه أو ضيافته (2) أو نحو ذلك مستحب، وقبوله أيضا مستحب للأعانة. نعم، لو تعارض المستحبان من الجانبين يجئ الأشكال، كما أنه يستحب للمشتري أن يأخذ ناقصا وللبائع أن يعطي زائدا، فعلى هذا إذا بنى البائع أن يعطي الزائد للرجحان يستحب للمشتري (3) قبوله للأعانة (4) ولو بنى المشتري أن يأخذ ناقصا للاستحباب فيستحب للبائع أن يعطي ناقصا للأعانة، فيتدافعان. فيحتمل تبعية الحكم للأبراز، فكل من أبرز العمل بتكليفه أولا بلسان أو فعل سقط الاستحباب عن الاخر وبقي رجحان الأعانة. ويحتمل تساقط الاستحباب هنا من أصله، لأن رجحان الأعانة تابع لأصل


(1) المائدة: 2. (2) في غير (م): إضيافه. (4) في غير (د): على المشتري. (4) في (ف، م): إعانة.

[ 565 ]

المستحب، فلا يوجب سقوط المستحب الأصلي، فلا إعانة هنا، والأصليان متدافعان لا يمكن الامتثال فيسقط، لكن هنا بالخصوص دل الدليل على تقديم قول من بيده الميزان (1). وكذلك لو تشاح الأئمة في الأمامة وكل منهم يريد الفوز بثواب الأمامة يستحب على الباقين أيضا طلب الأمامة، للثواب، ويستحب الترك إعانة للاخر على الطاعة. وكذلك لو طلب أحد الأمامة (2) استحب لغيره المأمومية، لأنه إعانة على الطاعة، ولو طلب واحد المأمومية استحب للاخر الأمامة (3) للأعانة. ومقتضى القواعد: أن مع التعارض إن كان هناك ترجيح يقدم الراجح، وإن لم يكن فلا يمكن الجمع بين الاستحبابين، لعدم إمكان الامتثال، وتعيين أحدهما دون الاخر ترجيح من غير مرجح، فالأقوى السقوط مراعى بالأمكان. وتظهر الفائدة فيما إذا بنى أحدهما على ترك المستحب الأصلي عاد على الاخر حكم الاستحباب، وجاء على التارك رجحان الأعانة بشرط القصد والنية، وذلك واضح. والأعانة على الأثم والظلم حرام، لقوله تعالى: ولا تعاونوا على الأثم والعدوان (4) ودل عليه الأجماع، مضافا إلى العقل المستقل، فإن مبغوضية ذلك مما يدركها العقل ابتداءا. وإنما البحث في معناه، فإن ارتباط أفعال المكلفين بعضهم ببعض مما لا يخفى، وتقوم ظلم الظالمين ومعصية العاصين إنما هو بأسباب وامور لا تتحقق إلا بأفعال المكلفين، ولا وجه لعد كل ماله مدخلية في تحقق الظلم والأثم إعانة عليه، ولا يصدق في العرف أيضا عليه، وإلا للزم أن يكون الواجب تعالى


(1) انظر الوسائل 12: 291، الباب 7 من أبواب آداب التجارة، ح 3، 5. (2 و 3) في غير (م): الأمامية. (4) المائدة: 2.

[ 566 ]

معاونا على الأثم والعدوان، فإن الالات والأسباب كلها من الله تبارك وتعالى، وليس من العبد إلا العزم والقصد والعمل.. فليس إلا أن يقال: إن تهيئة الأسباب والالات - كما هو شغل الصانعين - ليس إعانة على الظلم في حد ذاته، بل هو عمل مباح، والظالم هو مكلف بالترك، وليس صانع السيف أو باني الدار ومن خاط الثوب أو من عمل المداد أو من أتى بالقلم من بلاد بعيدة أو من باعه إليهم (1) أو من آجر الدار أو الدابة لشارب الخمر أو من باع إليه (2) العنب أو أعطى الخشب لمن يعمل صنما - أو نظائر ذلك - إعانة في حد أنفسها، والضابط في ذلك أحد أمرين: أحدهما: القصد والنية، فكل من عمل أو باع أو آجر أو قام أو قعد أو صدر عنه فعل من الأفعال بقصد ترتب ظلم أو معصية عليه بحيث بنى نيته عليه سواء شرط ذلك بلسانه أم لا، يعد إعانة للأثم ولو كان بواسطة أو وسائط، وذلك أمر في العرف واضح. فمن بنى لنفسه دكانا بعنوان أنه لو احتاج إلى ذلك الخمارون يؤجره إياهم حتى لا يكون سببا لتعطيل شغلهم، كان أصل بنائه إعانة للأثم وإن كان لا ينتهي إلى المعصية إلا بوسائط. وكذلك من صير نفسه خادما لسلطان بقصد أنه لو أمره بالظلم يفعله أو بقصد أن يصير سببا لشوكة سلطانه وكثرة سواده وقوة أمره، فقد أعان على الأثم وإن لم يصدر من الخادم فعل بعد ذلك. وثانيهما: قرب العمل من الأعانة وتمحضه لذلك بحيث يعد إعانة وإن لم يكن قاصدا، كما مر نظيره في التعظيم والأهانة. وليس كما توهمه بعضهم: أن الأعانة تابعة للقصد مطلقا. نعم، يعتبر ذلك في المشتركات


(1 و 2) كذا في النسخ، والصواب: باعه منهم، باع منه.

[ 567 ]

وقد يكون العمل بحيث يعد ذلك معاونة للظلم وإن لم يكن قاصدا لذلك، كما لو كان مثل الوزراء والعمال والكتاب والجنود، فإن هذه الجماعة وإن لم يكونوا قاصدين من وزارتهم وجنديتهم الأعانة على المعاصي والظلم، لكن هذه الصنعة وهذه المناصب تعد معاونة لقيام الشوكة بهم. وكذلك قد يكون ذهاب شخص إلى عاص أو ظالم يكون سببا لجرأته وشوكته من جهة كون مسيره إليه سببا لبعض قوة له في عمله، فإن هذا المسير إذا كان بهذه المثابة يصير إعانة على المحرم وإن لم يكن بهذا القصد، ونحو ذلك المكاتبة إلى شخص كذلك، كما لا يخفى على المتأمل. وبالجملة: ليس الأمر منحصرا بالقصد، بل قد يكون نفس ذلك العمل يعد إعانة وإن لم يكن فاعله قاصدا لذلك. نعم، منه ما يكون ظاهرا في كونه إعانة، فلو عرض له قصد مغاير - كالتماس مظلوم أو نحو ذلك - يصرفه عن ظاهره. ومنه ما يكون متمحضا لا ينفع فيه نية الخلاف، فتدبر. ثم إنه لا يفترق الحال في صورة قصد الأعانة على المعصية أن يكون هذا سببا مستقلا وداعيا إلى الفعل، أو يكون منضما إلى شئ آخر، كتحصيل مال أو حفظ أمر بحيث يكون كل منهما سببا مستقلا في ذلك، أو يكون المجموع المركب سببا فيه بحيث لو انتفى أحدهما لم يفعله، أو تكون الأعانة مقصودة بالذات والمال - مثلا - تابعا، أو بالعكس، فإن هذه كلها إعانة محرمة. وهل يشترط في تحريم ذلك ترتب المعصية المقصودة عليه، فلو نوى الأعانة وفعل فلم يترتب المعصية لعروض مانع عنه - كمن أعطى سيفا لقتل مظلوم فلم يقتله الظالم، أو آجر دارا للخمار بهذا القصد فلم يتمكن من جعله فيه - لا يعد هذا معصية؟ الحق عدم الاشتراط، فإنه محرم وإن لم يترتب عليه. لكنه هل تحريمه لأنه إعانة، أو تحريم آخر من جهة أن الأعانة على الأثم لا

[ 568 ]

يصدق إلا بحصوله؟ لا أستبعد صدق الأعانة على المحرم بمجرد قصد ذلك عرفا وإن لم يوجد في الخارج، فإن الأعانة عبارة عن تهيئة المقدمات للمحرم، وهي لا تستلزم حصوله وإن كان ظاهر بعض المدققين (1) عدم كونه إعانة، والله العالم. نعم، يشترط العلم أو الظن بحصول المعصية، إذ لا يتحقق القصد إلى الأعانة إلا بذلك. وفي صورة الشك أيضا لا يبعد صدق الأعانة، فإن من أتى بسيف إلى السلطان ليقتل زيدا به معين على المحرم وإن كان شاكا في أنه يقتله أم لا. نعم، ل‍ و علم العدم فلا يكون ذلك إعانة، إذ ليس ذلك القصد في الحقيقة قصدا. ويشترط أيضا علمه أو ظنه أو احتماله بمدخلية عمله في الأثم المقصود، فلو عمل عملا قاصدا ترتب معصية عليه مع علمه بأنه لا مدخل له في ذلك - كمن كان خادما لسلطان بقصد أن يعينه على قتل أحد مع علمه بأن وجوده وخدمته السلطان ليقتل زيدا به معين على المحرم وإن كان شاكا في أنه يقتله أم لا. نعم، ل‍ و علم العدم فلا يكون ذلك إعانة، إذ ليس ذلك القصد في الحقيقة قصدا. ويشترط أيضا علمه أو ظنه أو احتماله بمدخلية عمله في الأثم المقصود، فلو عمل عملا قاصدا ترتب معصية عليه مع علمه بأنه لا مدخل له في ذلك - كمن كان خادما لسلطان بقصد أن يعينه على قتل أحد مع علمه بأن وجوده وخدمته لا مدخل له في قتل ذلك - لا يعد هذا العمل من الأعانة إذا توقفت على القصد، فإنها موقوفة على كون العمل له مدخلية في ذلك مع كون العامل محتملا في نظره ذلك، ولا يحتاج إلى حصول ظن أو علم به. ومما ذكرنا يظهر انطباق ما فرع عليه الأصحاب في كثير من الأبواب، كما أشرنا في ضمن الأمثلة إلى بعضها، فتدبر حتى لا يختلط عليك الأمر. وهذا تمام الكلام في عناوين المشتركات والعبادات. ويتلوه عناوين المعاملات والأحكام بعون الله الملك العلام.


(1) لم نقف عليه.

[ 569 ]

لا يخفى أن النسختين المطبوعتين من الكتاب كانتا مشتملتين على فهرس للموضوعات - في أولهما - وكانت المخطوطتان خاليتين من ذلك، ولعدم الجزم بأن ذاك الفهرس من وضع وتنظيم المؤلف قدس سره ووجود بعض المسامحات فيه، كانت المحاولة للوهلة الاولى أن نبدله فهرسا أكثر منه توسعة وأوفى منه بيانا للمطالب، لكن عند إمعان النظر في طليعته وخاتمته وجدنا بعض العبارات تدل على أنه بقلمه الشريف، فأحببنا أن نورده بعينه وبتمامه في هذي عناوين المشتركات والعبادات. ويتلوه عناوين المعاملات والأحكام بعون الله الملك العلام.


(1) لم نقف عليه.

[ 569 ]

لا يخفى أن النسختين المطبوعتين من الكتاب كانتا مشتملتين على فهرس للموضوعات - في أولهما - وكانت المخطوطتان خاليتين من ذلك، ولعدم الجزم بأن ذاك الفهرس من وضع وتنظيم المؤلف قدس سره ووجود بعض المسامحات فيه، كانت المحاولة للوهلة الاولى أن نبدله فهرسا أكثر منه توسعة وأوفى منه بيانا للمطالب، لكن عند إمعان النظر في طليعته وخاتمته وجدنا بعض العبارات تدل على أنه بقلمه الشريف، فأحببنا أن نورده بعينه وبتمامه في هذا الجزء، وأما الفهرس التفصيلي فسيكون في آخر الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية