الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1

فقه السنة

الشيخ سيد سابق ج 1


[ 3 ]

فقه السنة تأليف السيد السابق المجلد الاول الاجزاء الاول والثاني والثالث والرابع والخامس الناشر دار الكتاب العربي بيروت - لبنان

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قرآن كريم

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الاولين والاخرين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين). أما بعد: فهذا الكتاب يتناول مسائل من الفقه الاسلامي مقرونة بأدلتها من صريح الكتاب وصحيح السنة، ومما أجمعت عليه الامة. وقد عرضت في يسر وسهولة، وبسط واستيعاب لكثير مما يحتاج إليه المسلم، مع تجنب ذكر الخلاف إلا إذا وجد ما يسوغ ذكره فنشير إليه. وهو بهذا يعطي صورة صحيحة للفقه الاسلامي الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، ويفتح للناس باب ألفهم عن الله ورسوله، ويجمعهم على الكتاب والسنة، ويقضي على الخلاف وبدعة التعصب للمذاهب، كما يقضي على الخرافة القائلة: بأن باب الاجتهاد قد سد. وهذه محاولات أردنا بها خدمة ديننا، ومنفعة إخواننا نسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. السيد السابق

[ 8 ]

تمهيد رسالة الاسلام وعمومها والغاية منها أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، والشريعة الجامعة التي تكفل للناس الحياة الكريمة المهذبة والتي تصل بهم إلى أعلى درجات الرقي والكمال. وفي مدى ثلاثة وعشرين عاما تقريبا، قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوة الناس إلى الله، تم له ما أراد من تبليغ الدين وجمع الناس عليه. عموم الرسالة ولم تكن رسالة الاسلام رسالة موضعية محددة، يختص بها جيل من الناس دون جيل، أو قبيل دون قبيل، شأن الرسالات التي تقدمتها، بل كانت رسالة عامة للناس جميعا إلى أن يرث الارض ومن عليها، لا يختص بها مصر دون مصر، ولا عصر دون عصر. قال الله تعالى: (تبارك الله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1)) وقال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) (2) وقال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا، الذي له ملك السموات والارض، لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (3) وفي الحديث الصحيح: (كان كل نبي يبعث في قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود). (هامش) (1) الاية 1 من سورة الفرقان. (2) الاية 28 من سورة سبأ. (3) الاية 158 من سورة الاعراف. (.)

[ 9 ]

ومما يؤكد عموم هذه الرسالة وشمولها ما يأتي: 1 - أنه ليس فيها ما يصعب على الناس اعتقاده، أو يشق عليهم العمل به قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (1) وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (2) وقال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (3) وفي البخاري من حديث أبي سعيد المقبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه). (هامش) (1) (1، 2) من سورة البقرة. (3) بعض من آية 78 من سورة الحج. (.) وفي مسلم مرفوعا: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة). 2 - أن ما لا يختلف باختلاف الزمان والمكان، كالعقائد والعبادات، جاء مفصلا تفصيلا كاملا، وموضحا بالنصوص المحيطة به، فليس لاحد أن يزيد فيه أو ينقص منه، وما يختلف باختلاف الزمان والمكان، كالمصالح المدنية، والامور السياسية والحربية، جاء مجملا، ليتفق مع مصالح الناس في جميع العصور، ويهتدي به أولو الامر في إقامة الحق والعدل. 3 - أن كل ما فيها من تعاليم إنما يقصد به حفظ الدين، وحفظ النفس وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وبدهي أن هذا يناسب الفطر وبساير العقول، ويجاري التطور ويصلح لكل زمان ومكان. قال الله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون. قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والاثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (4)) وقال جل شأنه: (ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون، ويؤت ون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم (هامش) (4) سورة الاعراف آية 32 - 33 (.)

[ 10 ]

في التوراة والانجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأولئك هم المفلحون) (1). (هامش) (1) سورة الاعراف. بعض آية 156 وآية 157. الغاية منها والغاية التي ترمي إليها رسالة الاسلام، تزكية الانفس وتطهيرها عن طريق المعرفة بالله وعبادته، وتدعيم الروابط الانسانية وإقامتها على أساس الحب والرحمة والاخاء والمساواة والعدل، وبذلك يسعد الانسان في الدنيا والاخرة، قال الله سبحانه (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (2) وقال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (3)). وفي الحديث: (أنا رحمة مهداة). (هامش) (2) سورة الجمعة الاية 2. (3) سورة الانبياء الاية 107. (.) التشريع الاسلامي أو: الفقه والتشريع الاسلامي ناحية من النواحي الهامة التي انتظمتها رسالة الاسلام، والتي تمثل الناحية العملية من هذه الرسالة. ولم يكن التشريع الديني المحض - كأحكام العبادات - يصدر إلا عن وحي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، من كتاب أو سنة، أو بما يقره عليه من اجتهاد. وكانت مهمة الرسول لا تتجاوز دائرة التبليغ والتبيين (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) (4). (هامش) (4) سورة النجم الايتان 3، 4. (.)

[ 11 ]

أما التشريع الذي يتصل بالامور الدنيوية، ومن قضائية وسياسية وحربية، فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمشاورة فيها، وكان يرى الرأي فيرجع عنه لرأي أصحابه، كما وقع في غزوة بدر وأحد، وكان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إليه صلى الله عليه وسلم يسألونه عما لم يعلموه، ويستفسرونه فيما خفي عليهم من معاني النصوص، ويعرضون عليه ما فهموه منها، فكان أحيانا يقرهم على فهمهم، وأحيانا يبين لهم موضع الخطأ فيما ذهبوا إليه. والقواعد العامة التي وضعها الاسلام، ليسير على ضوئها المسلمون هي: 1 - النهي عن البحث فيما لم يقع من الحوادث حتى يقع، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم عفا الله عنها، والله غفور حكيم) (1) وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن الاغلوطات، وهي المسائل التي لم تقع. 2 - تجنب كثرة السؤال وعضل المسائل، ففي الحديث: (إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال) وعنه صلى الله عليه وسلم: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) وعنه أيضا: (أعظم الناس جرما، من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته). 3 - البعد عن الاختلاف والتفرق في الدين، قال الله تعالى: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة) (2) وقال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (3)). وقال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ذيحكم) (4) وقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ (5) (هامش) (1) سورة المائدة آية: 101. (2) سورة المؤمنون آية: 52. (3) سورة آل عمران آية: 103. (4) سورة الانفال آية: 46. (5) سورة الانعام آية: 159. (.)

[ 12 ]

وقال تعالى: (وكانوا شيعا) (1) وقال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم) (2). 4 - رد المسائل المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة. عملا بقول الله تعالى: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول (3)) وقوله تعالى: (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) (4) وذلك لان الدين قد فصله الكتاب، كما قال الله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) (5) وقال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (6) وبينته السنة العملية، قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم (7)). وقال تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) (8) وبذلك تم أمره، ووضحت معالمه، قال الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الاسلام دينا) (9). وما دامت المسائل الدينية قد بينت على هذا النحو، وما دام الاصل الذي يرجع إليه عند التحاكم معلوما، فلا معنى للاختلاف ولا مجال له، قال الله تعالى: (وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) (10) وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (11) على ضوء هذه القواعد، سار الصحابة ومن بعدهم من القرون المشهود لها بالخير، ولم يقع بينهم اختلاف، إلا في مسائل معدودة، كان مرجعه التفاوت في فهم النصوص وأن بعضهم كان يعلم منها ما يخفي على البعض الاخر. (هامش) (1) سورة الروم آية: 32. (2) سورة آل عمران آية 105. (3) سورة النساء آية: 59. (4) سورة الشورى آية: 100 (5) سورة النحل آية: 89. (6) سورة الانعام آية: 38. (7) سورة النحل آية: 44. (8) سورة النساء آية: 105. (9) سورة المائدة آية: 3. (10) سورة النساء آية: 105. (11) سورة النساء آية: 66. (.)

[ 13 ]

فلما جاء أئمة المذاهب الاربعة تبعوا سنن من قبلهم، إلا أن بعضهم كان أقرب إلى السنة، كالحجازيين الذين كثر فيهم حملة السنة ورواة الاثار، والبعض الاخر كان أقرب إلى الرأي كالعراقيين الذين قل فيهم حفظة الحديث) لتنائي ديارهم عن منزل الوحي. بذل هؤلاء الائمة أقصى ما في وسعهم في تعريف الناس بهذا الدين وهدايتهم به، وكانوا ينهون عن تقليدهم ويقولون: لا يجوز لاحد أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا، صرحوا أن مذهبهم هو الحديث الصحيح، لانهم لم يكونوا يقصدون أن يقلدوا كالمعصوم صلى الله عليه وسلم، بل كان كل قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله. إلا أن الناس بعدهم قد فترت هممهم، وضعفت عزائمهم وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه، ويعول عليه، ويتعصب له، ويبذل كل ما أوتي من قوة في نصرته، وينزل قول إمامه منزلة قول الشارع، ولا يستجيز لنفسه أن يفتي في مسألة بما يخالف ما استنبطه إمامه، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الائمة حتى قال الكرخي: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ. وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الامة الهداية بالكتابة والسنة، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، واعتبر كل ما يخرج عن أقوال الفقهاء مبتدعا لا يوثق بأقواله، ولا يعتد بفتاويه. وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية، ما قام به الحكام والاغنياء من إنشاء المدارس، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة، فكان ذلك من أسباب الاقبال على تلك المذاهب، والانصراف عن الاجتهاد، محافظة على الارزاق التي رتبت لهم! سأل أبو زرعة شيخه البلقيني قائلا: ما تقصير الشيخ تفي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته؟ فسكت البلقيني، فقال أبو زرعة: فما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قدرت للفقهاء على المذاهب الاربعة وأن من خرج عن ذلك لم ينله شئ من ذلك، وحرم

[ 14 ]

ولاية القضاء، وامتنع الناس عن إفتائه، ونسبت إليه البدعة فابتسم البلقيني ووافقه على ذلك. وبالعكوف على التقليد، وفقد الهداية بالكتاب والسنة، والقول بانسداد باب الاجتهاد وقعت الامة في شر وبلاء ودخلت في جحر الضب الذي حذرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان من آثار ذلك أن اختلف الامة شيعا وأحزابا، حتى إنهم اختلفوا في حكم تزوج الحنفية بالشافعي، فقال بعضهم: لا يصح، لانها تشك (1) في إيمانها، وقال آخرون، يصح قياسا على الذمية، كما كان من آثار ذلك انتشار البدع، واختفاء معالم السنن، وخمود الحركة العقلية، ووقف النشاط الفكري)، وضياع الاستقلال العلمي، الامر الذي أدى إلى ضعف شخصية الامة، وأفقدها الحياة المنتجة، وقعد بها عن السير والنهوض، ووجد الدخلاء بذلك ثغرات ينفذون منها إلى صميم الاسلام. مرت السنون، وانقضت القرون، وفي كل حين يبعث الله لهذه الامة من يجدد لها دينها، ويوقظها من سباتها، ويوجهها الوجهة الصالحة، إلا أنها لا تكاد تستيقظ حتى تعود إلى ما كانت عليه، أو أشد مما كانت. وأخيرا انتهى الامر بالتشريع الاسلامي، الذي نظم الله به حياة الناس جميعا، وجعله سلاحا لمعاشهم ومعادهم، إلى دركة لم يسبق لها مثيل، ونزل إلى هوة سحيقة، وأصبح الاشتغال به مفسدة للعقل والقلب، ومضيعة للزمن، لا يفيد في دين الله، ولا ينظم من حياة الناس. وهذا مثال لما كتبه بعض الفقهاء المتأخرين: عرف ابن عرفة الاجارة فقال، بيع منفعة ما أمكن نقله، غير سفينة ولا حيوان، لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها، بعضه يتبعض بتبعيضها. فاعترض عليه أحد تلاميذه، بأن كلمة بعض تنافي الاختصار، وأنه لا ضرورة لذكرها، فتوقف الشيخ يومين، ثم أجاب بما لا طائل تحته. (هامش) (1) لان الشافعية يجوزون أن يقول المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله. (.)

[ 15 ]

وقف التشريع عند هذا الحد ووقف العلماء لا يستظهرون غير المتون، ولا يعرفون غير الحواشي وما فيها من إيرادات واعتراضات وألغاز، وما كتب عليها من تقريرات، حتى وثبت أو رويا على الشرق تصفعه بيدها، وتركله رجلها. فكان أن تيقظ على هذه الضربات، وتلفت ذات اليمين وذات الشمال. إذا هو متخلف عن ركب الحياة الزاحف، وقاعد بينما القافلة تسير. وإذا هو مام عالم جديد، كله الحياة والقوة والانتاج، فراعه ما رأى، وبهره ما شاهد، فصاح الذين تنكروا لتاريخهم وعقوا آباءهم، ونسوا دينهم وتقاليدهم: أن ها هي ذي أوروبا يا معشر الشرقيين، فاسلكوا سبيلها، وقلدوها في خيرها وشرها، وإيمانها وكفرها، وحلوها ومرها، ووقف الجامدون موقفا سلبيا، يكثرون من الحوقلة والترجيع، وانطووا على أنفسهم، ولزموا بيوتهم، فكان هذا برهانا آخر على أن شريعة الاسلام لدى المغرورين لا تجاري التطور، ولا تتمشى مع الزمن. ثم كانت النتيجة الحتمية، أن كان التشريع الاجنبي الدخيل هو الذي يهيمن على الحياة الشرقية، مع منافاته لدينها وعاداتها وتقاليدها وأن كانت الاوضاع الاوروبية هي التي تغزو البيوت والشوارع والمنتديات والمدارس والمعاهد، وأخذت موجتها تقوى وتتغلب على كل ناحية م ن النواحي حتى كاد الشرق ينسى دينه وتقاليده ويقطع الصلة بين حاضره وماضيه، إلا أن الارض لا تخلو من قائم لله بحجة، فهب دعاة الاصلاح يهيبون بهؤلاء المخدوعين بالغربيين، أن: خذدوا حذركم، وكفوا عن دعايتكم، فإن ما عليه الغربيون من فساد الاخلاق لابد وأن ينتهي بهم إلى العاقبة السوآى، وأنهم ما لم يصلحوا فطرهم بالايمان الصحيح ويعدلوا طباعهم بالمثل العليا من الاخلاق، فسوف تنقلب علومهم أداة تخريب وتدمير، وتتحول مدنيتهم إلى نار تلتهمهم وتقضي عليهم القضاء الاخير (ألم تر كيف فعل ربك بعاد؟ إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الاوتاد. الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد. فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد) (1). ويصيحون بهؤلاء الجامدين دونكم لنبع الصافي، (هامش) (1) سورة الفجر من آية: 6 - 14. (.)

[ 16 ]

والهدى الكريم: لنبع الكتاب وهدى السنة، خذوا منهما دينكم وبشروا بهما غيركم، فعند ذلك تهتدي بكم هذه الدنيا الحائرة، وتسعد بكم هذه الانسانية المعذبة (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا) (1). وكان من فضل الله أن استجاب لهذه الدعوة رجال بررة، وتلقتها قلوب مخلصة، واعتنقها شباب وهبها أعز ما يملك من الاموال والانفس. فهل أذن الله لنوره أن يشرق على الارض من جديد؟ وهل أراد للانسان أن يحيا حياة طيبة، يسودها الايمان والحب والاحسان والعدل؟ هذا ما تشهد به الايات: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا) (2). (سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد؟) (3). (هامش) (1) سورة الاحزاب آية: 21. (2) سورة الفتح آية: 28. (3) سورة فصلت آية: 53. (.)

[ 17 ]

الطهارة المياه وأقسامها القسم الاول من المياه: الماء المطلق وحكمه أنه طهور: أي أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره ويندرج تحته من الانواع ما يأتي: 1 - ماء المطر والثلج والبرد لقول الله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (1) وقوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (2) ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة، فقلت: يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: (أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) رواه الجماعة إلا الترمذي. (هامش) وهي اما حقيقية كالطهارة بالماء أو حكمية كالطهارة بالتراب في التيمم. (1) سورة الانقال آية: 11. (2) سورة الفرقان آية 48. (.) 2 - ماء البحر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطينا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور (3) ماؤه، الحل ميتته) رواه الخمسة. (هامش) (3) لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوابه (نعم) ليقرن الحكم بعلته، وهو الطهورية المتناهية في بابها، وزاده حكما لم يسأل عنه، وهو حل الميتة، إتماما للفائدة، وإفادة لحكم آخر غير المسؤول عنه، ويتأكد عند ظهور الحاجة الى الحكم، وهذا من محاسن الفتوى. (.)

[ 18 ]

وقال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح، وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: حديث صحيح. 3 - ماء زمزم، لما روي من حديث علي رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بسجل (1) من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ) رواه أحمد. (هامش) (السجل) الدلو المملوء. (.) 4 - الماء المتغير بطول المكث، أو بسبب مقره، أو بمخالطة ما لا ينفك عنه غالبا، كالطحلب وورق الشجر، فإن اسم الماء المطلق يتناوله باتفاق العلماء. والاصل في هذا الباب أن كل ما يصدق عليه اسم الماء مطلقا عن التقييد يصح التطهر به، قال الله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (2). (هامش) (2) سورة المائدة بعض الاية 6. (.) القسم الثاني: الماء المستعمل وهو المنفصل من أعضاء المتوضئ والمغتسل، وحكمه أنه طهور كالماء المطلق، سواء بسواء، اعتبارا بالاصل، حيث كان طهورا، ولم يوجد دليل يخرجه عن طهوريته، والحديث لربيع بنت معوذ في وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (ومسح رأسه بما بقي من وضوء في يديه) رواه أحمد وأبو داود، ولفظ أبي داود (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه من فضل ماء كان بيده) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، فانخنس منه فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: (أين كنت يا أبا هريرة؟) فقال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس) رواه الجماعة: ووجه دلالة الحديث، أن المؤمن إذا كان لا ينجس، فلا وجه لجعل الماء فاقدا للطهورية بمجرد مماسته له، إذ غايته التقاء طاهر بطاهر وهو لا يؤثر. قال ابن المنذر: روي عن علي وابن عمر وأبي أمامة وعطاء والحسن ومكحول والنخعي: أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد بللا في لحيته: يكفيه.

[ 19 ]

مسحه بذلك، قال: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرا، وبه أقول: وهذا المذهب إحدى الروايات عن مالك والشافعي، ونسبه ابن حزم إلى سفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر. القسم الثالث: الماء الذي خالطه طاهر كالصابون والزعفران والدقيق وغيرها من الاشياء التي تنفك عنها غالبا. وحكمه أنه طهور مادام حافظا لاطلاقه، فإن خرج عن إطلاقه بحيث صار لا يتناوله اسم الماء المطلق كان طاهرا في نفسه، غير مطهر لغيره، فعن أم عطة قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته (زينب) فقال: (إغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك - إن رأيتن - بماء وسدر واجعلن في الاخيرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغن آذناه، فأعطانا حقوه فقال: (أشعر نها إياه) تعني: إزاره، رواه الجماعة. والميت لا يغسل إلا بما يصح به التطهير للحي، وعند أحمد والنسائي وابن خزيمة من حديث أم هانئ: أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد: قصعة فيها أثر العجين، ففي الحديثين وجد الاختلاط، إلا أنه لم يبلغ بحيث يسلب عنه إطلاق اسم الماء عليه. القسم الرابع: الماء الذي لاقته النجاسة وله حالتان: (الاولى) أن تغير النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه وهو في هذه الحالة لا يجوز التطهر به إجماعا، نقل ذلك ابن المنذر وابن الملقن. (الثانية) أن يبقي الماء على إطلاقه، بأن لا يتغير أحد أوصافه الثلاثة. وحكمه أنه طاهر مطهر. قل أو كثر، دليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء، أو

[ 20 ]

ذنوبا (1) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه الجماعة إلا مسلما وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ (2) فقال صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شئ) رواه أحمد والشافعي وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه، وقال أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح وصححه يحيى بن معين وأبو محمد بن حزم. وإلى هذا ذهب ابن عباس وأبو هريرة والحسن البصري، وابن المسيب وعكرمة وابن أبي ليلى والثوري وداود الظاهري والنخعي ومالك وغيرهم، وقال الغزالي: وددت لو أن مذهب الشافعي في المياه كان كمذهب مالك. وأما حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) رواه الخمسة، فهو مضطرب سندا، ومتنا. قال ابن عبد البر في التمهيد: ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين، مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الاثر. (هامش) (1) السجل أو الذنوب: وعاء به ماء. (2) (بئر بضاعة) بضم أوله: بئر المدينة. قال أبو داود. وسمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء الى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه. هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون، (ذرعته)، قسته بالذراع. (.) السؤر السؤر هو: ما بقي في الاناء بعد الشرب وهو أنواع: (1) سؤر الادمي: وهو طاهر من المسلم والكافر والجنب والحائض. وأما قول الله تعالى: (إنما المشركون نجس) فالمراد به نجاستهم المعنوية، من جهة اعتقادهم الباطل، وعدم تحرزهم من الاقذار والنجاسات، لا أن أعيانهم وأبدانهم نجسة، وقد كانوا يخالطون المسلمين، وترد رسلهم ووفودهم على النبي صلى الله عليه وسلم

[ 21 ]

ويدخلون مسجده، ولم يأمر بغسل شئ مما أصابته أبدانهم، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع في) (1) رواه مسلم. (هامش) (1) المراد أنه صلى الله عليه وسلم كان يشرب من المكان الذي شربت منه. (.) (2) سؤر ما يؤكل لحمه: وهو طاهر، لان لعابه متولد من لحم طاهر فأخذ حكمه. قال أبو بكر بن المنذر. أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه والوضوء به. (3) سؤر البغل والحمار والسباع وجوارح الطير: وهو طاهر، لحديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال نعم. وبما أفضلت السباع كلها) أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي، وقال: له أسانيد إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة له (2) فقال عمر رضي الله عنه: أولغت السباع عليك الليلة في متكلف!، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما قي شراب وطهور) رواه الدار قطني، وعن يحيى بن سعيد (أن عمر خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا) رواه مالك في الموطأ. (هامش) (2) (المقراة): الحوض الذي يجتمع فيه الماء. (.) (4) سؤر الهرة: وهو طاهر، لحديث كبشة بنت كعب، وكانت تحت أبي قتادة، أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له.. فجاءت هرة تشرب منه فأصغى (3) لها الاناء حتى شربت منه، قالت كبشة: فرآني أنظر فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقالت: نعم. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست (هامش) (3) (أصغى) أي أمال. (.)

[ 22 ]

بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات) رواه الخمسة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه البخاري وغيره. (5) سؤر الكلب والخنزير: وهو نجس يجب اجتنابه. أما سؤر الكلب، فلما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا) ولاحمد ومسلم (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)، وأما سؤر الخنزير فلخبثه وقذارته.

[ 23 ]

النجاسة النجاسة هي القذارة التي يجب على المسلم أن ينتزه عنها ويغسل ما أصابه منها. قال الله تعالى: (وثيابك فطهر) وقال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الايمان). ولها مباحث نذكرها فيما يلي: أنواع النجاسات (1) (1) الميتة: وهي ما مات حتف أنفه: أي من غير تذكية (2)، ويلحق بها ما قطع من الحي، لحديث أبي واقد الليثي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما قط من البهيمة وهي حية فهو ميتة) رواه أبو داود والترمذي وحسنه، قال: والعمل على هذا عند أهل العلم. (هامش) (1) النجاسة اما أن تكون حسية مثل البول والدم، واما أن تكون حكمية كالجنابة. (2) أي من غير ذبح شرعي، ذكى الشاة: أي ذبحها. (.) ويستثنى من ذلك: 1 - ميتة السمك والجراد، فإنها طاهرة، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحل لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت (3) والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) رواه أحمد والشافعي وابن ماجة والبيهقي والدار قطني، والحديث ضعيف، لكن الامام أحمد صحح وقفه، كما قاله أبو زرعة وأبو حاتم، ومثل هذا له حكم الرفع، لان قول الصحابي: أحل لنا كذا وحرم علينا كذا. مثل قوله: أمرنا ونهينا، وقد تقدم قول الرسول صلى الله عليه وسلم في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). (هامش) (3) (الحوت) السمك. (.)

[ 24 ]

ب - ميتة ما لا دم له سائل كالنمل والنحل ونحوها، فإنها طاهرة إذا وقعت في شئ وماتت فيه لا تنجسه. قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا في طهارة ما ذكر إلا ما روي عن الشافعي والمشهور من مذهبه أنه نجس، ويعفى عنه إذا وقع في المائع ما لم يغيره. ح‍ - عظم الميتة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها وجلدها، وكل ما هو من جنس ذلك طاهر، لان الاصل في هذه كلها الطهارة، ولا دليل على النجاسة. قال الزهري: في عظام الموتى نحو الفيل وغيره: أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها، لا يرون به بأسا، رواه البخاري، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (وهلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعم به؟. فقالوا: إنها ميتة، فقال: (إنما حرم أكلها) رواه الجماعة إلا أن ابن ماجة قال فيه: عن ميمونة، وليس في البخاري ولا النسائي ذكر الدباغ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ هذه الاية: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة (1)) إلى آخر الاية، وقال: إنما حرم ما يؤكل منها وهو اللحم، فأما الجلد والقد (2) والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال)، رواه ابن المنذر وابن حاتم. وكذلك أنفحة الميتة ولبنها طاهر، لان الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا من جبن المجوس، وهو يعمل بالانفحة، مع أن ذبائحهم تعتبر كالميتة، وقد ثبت عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه سئل عن شئ من الجبن والسمن والفراء، فقال: الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه. ومن المعلوم أن السؤال كان عن جبن المجوس، حينما كان سلمان ائب عمر بن الخطاب على المدائن. (هامش) (1) سورة الانعام: 145. (2) (القد) بكسر القاف: إناء من جلد ا ه‍. قاموس. (.) (2) الدم: سواء كان دما مسفوحا - أي مصبوبا - كالدم الذي يجري من المذبوح،

[ 25 ]

أم دم حيض، إلا أنه يعفى عن اليسير منه، فعن ابن جريج في قوله تعالى: (أو دما مسفوحا) قال: المسفوح الذي يهراق. ولا بأس بما كان في العروق منها، أخرجه ابن المنذر، وعن أبي مجلز في الدم، يكون في مذبح الشاة أو الدم يكون في أعلى القدر؟ قال: لا بأس، إنما نهى عن الدم المسفوح، أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر، وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم، ذكره البخاري، وقد صح أن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه ينعب دما (1)، قاله الحافظ في الفتح: وكان أبو هريرة رضي الل هعنه لا يرى بأسا بالقطرة والقطرتين في الصلاة. وأما دم البراغيث وما يتشرح من الدمامل فإنه يعفى عنه لهذه الاثار وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب؟ فقال: ليس بشئ، وإنما ذكر الله الدم ولم يذكر القيح. وقال ابن تيمية: ويجب غسل الثوب من المدة والقيح. والصديد، قال: ولم يقم دليل على نجاسته، انتهى والاولى أن يتقيه الانسان بقدر الامكان. (3) لحم الخنزير: قال الله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس (2)): أي فإن ذلك كله خبيث تعافه الطباع السليمة، فالضمير راجع إلى الانواع الثلاثة، ويجوز الحرز بشعر الخنزير في أظهر قولي العلماء. (4، 5، 6) قئ الادمي وبوله ورجيعه: ونجاسة هذه الاشياء متفق عليها، إلا أنه يعفى عن يسير القئ ويخفف في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام فيكتفى في تطهيره بالرش لحديث أم قيس رضي الله عنها (أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، وأن ابنها ذاك بال في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله (هامش) (1) (ينعب) أي يجري. (2) (الرجس) النجس الاية بعض من آية 145 من سورة الانعام. (.)

[ 26 ]

عليه وسلم بماء فنضحه (1) على ثوبه ولم يغسله غسلا) متفق عليه، وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بول الغلام ينضح عليه، وبول الجارية يغسل) قال قتادة: وهذا ما لم يطعما فإن طعما غسل بولهما، ورواه أحمد - وهذا لفظه - وأصحاب السنن إلا النسائي. قال الحافظ في الفتح: وإسناده صحيح، ثم أن النضح إنما يجزئ مادام الصبي يقتصر على الرضاع. أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف. ولعل سبب الرخصة في الاكتفاء بنضحه ولوع الناس بحمله المفضي إلى كثرة بوله عليهم، ومشقة غسل ثيابهم، فخفف فيه ذلك. (هامش) (1) والنضح: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء، وتردده تقاطره، وهو المراد بالرش في الروايات الاخرى. (.) (7) الودي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول وهو نجس من غير خلاف. قالت عائشة: وأما الودي فإنه يكون بعد البول فيغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ ولا يغتسل، ورواه ابن المنذر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: المني والودي والمذي، أما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي فيهما إسباغ الطهور) رواه الاثرم والبيهقي ولفظه: (وأما الودي والمذي فقال: اغسل ذكرك أو مذاكيرك وتوضأ وضوءك في الصلاة). (8) المذي: وهو ماء أبيض لزج يخرج عند التفكير في الجماع أو عند الملاعبة، وقد لا يشعر الانسان بخروجه، ويكون من الرجل والمرأة إلا أنه من المرأة أكثر، وهو نجس باتفاق العلماء، إلا أنه إذا أصاب البدن وجب غسله وإذا أصاب الثوب اكتفي فيه بالرش بالماء، لان هذه نجاسة يشق الاحتراز عنها، لكثرة ما يصيب ثياب الشاب العزب، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام. وعن علي رضي الله عنه قال: (كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، لمكان ابنته فسأل، فقال: توضأ واغسل ذكرك) رواه البخاري وغيره، وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: (كنت ألقى من المذي شدة

[ 27 ]

وعناء، وكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنما يجزيك من ذلك الوضوء فقلت يا رسول الله، كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال (يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك حيث أنه قد أصاب منه) رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي الحديث محمد بن إسحاق، وهو ضعيف إذا عنعن، لكونه مدلسا، لكنه هنا صرح بالتحديث. ورواه الاثرم رضي الله عنه بلفظ: (كنت ألقى من المذي عناء فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك. فقال: يجزئك أن تأخذ حفنة من ماء فترش عليه.) (9) المني: ذهب بعض العلماء إلى القول بنجاسته والظاهر أنه طاهر، ولكن يستحب غسله إذا كان رطبا، وفركه إن كان يابسا. قالت عائشة رضي الله عنها: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسا وأغسله إذا كان رطبا) رواه الدار قطني وأبو عوانة والبزار وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب؟ فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة) رواه الدار قطني والبيهقي والطحاوي، والحديث قد اختلف في رفعه ووقفه. (10) بول وروث ما لا يؤكل لحمه: وهما نجسان، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: (هذا رجس) رواه البخاري وابن ماجة وابن خزيمة، وزاد في رواية (إنها ركس (1) إنها روثة حمار) ويعفى عن اليسير منه، لمشقة الاحتراز عنه. قال الوليد بن مسلم: قلت للاوزاعي: فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه كالبغل، والحمار (هامش) (1) (انها ركس): الركس النجس. (.)

[ 28 ]

والفرس؟ فقال: قد كانوا يبتلون بذلك في مغازيهم فلا يغسلونه من جسد أو ثوب. وأما بول وروث ما يؤكل لحمه، فقد ذهب إلى القول بطهارته مالك وأحمد وجماعة من الشافعية. قال ابن تيمية: لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته، بل القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة. انتهى. قال أنس رضي الله عنه: (قدم أناس من عكل أو عريته (1) فاجتووا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها) رواه أحمد والشيخان دل هذا الحديث على طهارة بول الابل. وغيرها من مأكول اللحم يقاس عليه. قال ابن المنذر: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الاقوام لم يصب، إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل قال: وفي ترك أهل العلم بيع بعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الابل في أدويتهم قديما وحديثا من غير نكير، دليل على طهارتها. وقال الشوكاني: الظاهر طهارة الابوال والازبال من كل حيوان يؤكل لحمه، تمسكا بالاصل، واستصحابا للبراءة الاصلية، والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الاصل والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا لذلك. (هامش) (1) (عكل وعرينة) بالتصغير: قبليتان. (اجتووا): أصابهم الجوى، وهو مرض داء البطن إذا تطاول. (لقاح): جمع لقحة، بكسر فسكون، هي الناقة: ذات اللبن. (.) (11) الجلالة: ورد النهي عن ركوب الجلالة وأكل لحمها وشرب لبنها. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرب لبن الجلالة) رواه الخمسة إلا ابن ماجة، وصححه الترمذي وفي رواية: (منهي عن ركوب الجلالة) رواه أبو داود. وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الاهلية، وعن الجلالة: عن ركوبها وأكل لحومها، رواه أحمد والنسائي وأبو داود. والجلالة: هي التي تأكل العذرة، من الابل والبقر والغنم والدجاج والاوز وغيرها، حتى يتغير ريحها. فإن حبست بعيدة عن العذرة زمنا،

[ 29 ]

عفلت طاهرا فطاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها حلت، لان علة النهي والتغيير، وقد زالت. (12) الخمر: وهي نجسة عند جمهور العلماء، لقول الله تعالى (إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس (1) من عمل الشيطان) وذهبت طائفة إلى القول بطهارتها، وحملوا الرجس في الاية على الرجس المعنوي، لان لفظ (رجس) خبر عن الحمر، وما عطف عليها، وهو لا يوصف بالنجاسة الحسية قطعا، قال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان) فالاوثان رجس معنوي، لا تنجس من مسها: ولتفسيره في الاية بأنه من عمل الشيطان، يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وفي سبل السلام: (والحق أن الاصل في الاعيان الطهارة، وأن التحريم لا يلازم النجاسة، فإن الحشيشة محرمة وهي طاهرة، وأما النجاسة فيلازمها التحريم، فكل نجس محرم ولا عكس، وذلك لان الحكم في النجاسة هو المنع عن ملامستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها، بخلاف الحكم بالتحريم، فإنه يحرم لبس الحرير والذهب وهما طاهران ضرورة وإجماعا) إذا عرفت هذا فتحريم الخمر والخمر الذي دلت عليه النصوص لا يلزم منه نجاسهما، بل لابد من دليل آخر عليه، وإلا بقيا على الاصول المتفق عليها من الطهارة، فمن ادعى خلافه فالدليل عليه. (هامش) (1) (الرجس) معناه: النجس. (13) الكلب: وهو نجس ويجب غسل ما ولغ فيه سبع مرات، أولاهن بالتراب، حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (2)) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والبيهقي: ولو ولغ في إناء فيه طعام جامد ألقي ما أصابه وما حوله، وانتفع بالباقي على طهارته السابقة. أما شعر الكلب فالاظهر أنه طاهر، ولم تثبت نجاسته. (هامش) (2) معنى الغسل بالتراب، أن يخلط في الماء حتى يتكدر. (.)

[ 30 ]

تطهير البدن والثوب الثوب والبدن إذا أصابتهما نجاسة يجب غسلهما بالماء حتى تزول عنهما إن كانت مرئية كالدم، فإن بقي بعد الغسل أثر يشق زواله فهو معفو عنه، فإن لم تكن مرئية كالبول فإنه يكتفى بغسله ولو مرة واحدة، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به؟ فقال: (تحته) ثم تقرضه بالماء، ثم تنضحه (1) ثم تصلي فيه) متفق عليه، وإذا أصابت النجاسة ذيل ثوب المرأة تطهره الارض، لما روي، أن امرأة قالت لام سلمة رضي الله عنهما: (إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت لها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يطهره ما بعده) رواه أحمد وأبو داود. (هامش) (1) (الحت والقرض) الدلك بأطراف الاصابع. النضح: الغسل بالماء. (.) تطهير الارض تطهر الارض إذا أصابتها نجاسة بصب الماء عليها، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابي فبال في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه الجماعة إلا مسلما. وتطهر أيضا بالجفاف هي وما يتصل بها اتصال قرار، كالشجر والبناء. قال أبو قلابة: جفاف الارض طهورها، وقالت عائشة رضي الله عنها: (زكاة الارض يبسها) رواه ابن أبي شيبة. هذا إذا كانت النجاسة مائعة، أما إذا كان لها جرم فلا تطهر إلا بزوال عينها أو بتحولها. تطهير السمن ونحوه عن ابن عباس عن ميمونة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: ألقوها، وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم) رواه البخاري. قال الحافظ: نقل ابن عبد البر الاتفاق على أن

[ 31 ]

الجامد إذا وقعت فيه ميتة طرحت وما حولها منه، إذا تحقق أن شيئا من أجزائها لم يصل إلى غير ذلك منه، وأما المائع فاختلفوا فيه فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله بملاقاته النجاسة، وخالف فريق منهم الزهري والاوزاعي. (1) (هامش) مذهبهما أن حكم المائع مثل حكم الماء، في أنه لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة، فان لم يتغير فهو طاهر، وهو مذهب ابن عباس وابن مسعود والبخاري، وهو الصحيح. (.) تطهير جلد الميتة يطهر جلد الميتة ظاهرا وباطنا بالدباغ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دبغ الاهاب فقد طهر) رواه الشيخان. تطهير المرآة ونحوها تطهير المرآة والسكبن والسيف والظفر والعظم والزجاج والانية وكل صقيل لا مسام له بالمسح الذي يزول به أثر النجاسة، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يصلون وهم حاملو سيوفهم وقد أصابها الدم، فكانوا يمسحونها ويجتزئون بذلك. (2) (هامش) يرون المسح كافيا في طهارتها. (.) تطهير النعل يطهر النعل المتنجس والخف بالدلك بالارض إذا ذهب أثر النجاسة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا وطئ أحدكم بنعله الاذى فإن التراب له طهور) رواه أبو داود. وفي رواية. (إذا وطئ الاذى بخفيه فطهورهما التراب) وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما، فإن رأى خبثا فليمسحه بالارض ثم ليصل فيهما) رواه أحمد وأبو داود، ولانه محل تتكرر ملاقاته للنجاسة غالبا، فأجزأ مسحه بالجامد كمحل الاستنجاء بل هو أولى، فإن محل الاستنجاء يلاقي النجاسة مرتين أو ثلاثا.

[ 32 ]

فوائد تكثر الحاجة إليها 1 - حبل الغسيل ينشر عليه الثوب النجس ثم تجففه الشمس أو الريح، لا بأس بنشر الثوب الطاهر عليه بعد ذلك. 2 - لو سقط شئ على المرء لا يدري هل هو ماء أو بول لا يجب عليه أن يسأل، فلو سأل لم يجب على المسئول أن يجيبه ولو علم أنه نجس، ولا يجب عليه غسل ذلك. 3 - إذا أصاب الرجل أو الذيل بالليل شئ رطب. لا يعلم ما هو، لا يجب عليه أن يشمه ويتعرف ما هو، لما روى: أن عمر رضي الله عنه مر يوما، فسقط عليه شئ من ميزاب، ومعه صاحب له فقال: يا صحب الميزاب ماؤك طاهرا أو نجس فقال عمر: يا صاحب الميزاب لا تخبرنا، ومضى. 4 - لا يجب غسل ما أصابه طين الشوارع. قال كميل بن زياد. رأيت عليا رضي الله عنه يخوض طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل رجليه. 5 - إذا انصرف الرجل من صلاة رأى على ثوبه أو بدنه نجاسة لم يكن عالما بها، أو كان يعلمها ولكنه نسيها أو لم ينسها ولكنه عجز عن إزالتها فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، لقوله تعالى. (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به (1). وهذا ما أفتى به كثير من الصحابة والتابعين. (هامش) (1) سورة الاحزاب آية: 5. (.) 6 - من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله، لانه لا سبيل إلى العلم بتيقن الطهارة إلا بغسله جميعه، فهو من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). قضاء الحاجة لقاضي الحاجة آداب تتلخص فيما يلي: 1 - أن لا يستصحب ما فيه اسم الله إلا إن خيف عليه. الضياع أو كان

[ 33 ]

حرزا، لحديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس خاتما نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء (1) وضعه، رواه الاربعة. قال الحافظ في الحديث إنه معلول، وقال أبو داود: إنه منكر، والجزء الاول من الحديث صحيح. (هامش) (1) (الخلاء): المرحاض. (.) 2 - البعد والاستار عن الناس لا سيما عند الغائط، لئلا يسمع له صوت أو تشم له رائحة، لحديث جابر رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكان لا يأتي البراز (2) حتى يغيب فلا يرى) رواه ابن ماجة، ولابي داود (كان إذا أرك البراز انطلق حتى لا يراه أحد) وله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد). (هامش) (2) (البراز): مكان قضاء الحاجة. (.) 3 - الجهر بالتسمية والاستعاذة عند الدخول في البنيان وعند تشمير الثياب في الفضاء. لحديث أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: (بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث (3) والخبائث) رواه الجماعة. (هامش) (الخبث) بضم الباء جمع خبيث، و (الخبائث) جمع خبيثة، والمراد ذكران الشياطين وإناثهم. (.) 4 - أن يكف عن الكلام مطلقا، سواء كان ذكرا أو غيره، فلا يرد سلاما ولا يجيب مؤذنا إلا لما لا بد منه، كإرشاد أعمى يخشى عليه من التردي، فإن عطس أثناء ذلك حمد الله في نفسه ولا يحرك به لسانه، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما (أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه) رواه الجماعة إلا البخاري، وحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط (4) كاشفين عن عورتيهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحديث بظاهره يقيد حرمة الكلام، إلا أن الاجماع صرف النهي عن التحريم إلى الكراهة. (هامش) (يضربان الغائط) أي يمشيان إليه. (.) 5 - أن يعظم القبلة فلا يستقبلها ولا يستدبرها، لحديث أبي هريرة

[ 34 ]

رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) رواه أحمد ومسلم، وهذا النهي محمول على الكراهة، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (رقيت يوما بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) رواه الجماعة، أو يقال في الجمع بينهما: أن التحريم في الصحراء والاباحة في البنيان (1) فعن مروان الاصغر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن... أليس قد نهي عن ذلك؟ قال: بلى... إنما نهي عن هذا في الفضاء. فإذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس) رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم، وإسناده حسن، كما في الفتح. (هامش) (1) وهذا الوجه أصح من سابقه. (.) 6 - أن يطلب مكانا لينا منخفضا ليحترز فيه من إصابة النجاسة، لحديث أبي موسى رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكان دمث (2) إلى جنب حائط فبال. وقال: إذا بال أحدكم فليرتد (3) لبوله) رواه أحمد وأبو داود والحديث وإن كان فيه مجهول، إلا أن معناه صحيح. (هامش) (2) (دمث) كسهل وزنا ومعنى. (3) (فليرتد) أي فليختر. (.) 7 - أن يتقي الجحر لئلا يكون فيه شئ يؤذيه من الهوام، لحديث قتادة عن عبد الله بن سرجس قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الجحر، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: إنها مساكن الجن) رواه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم والبيهقي، وصححه ابن خزيمة وابن السكن. 8 - أن يتجنب ظل الناس وطريقهم ومتحدثهم، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا اللاعنين (4)!) قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: (الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلتهم) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. (هامش) (4) المراد (باللاعنين): ما يجلب لعنة الناس. (.) 9 - أن لا يبول في مستحمه، ولا في الماء الراد أو الجاري، لحديث عبد

[ 35 ]

الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه) رواه الخمسة، لكن قوله (ثم يتوضأ فيه) لاحمد وأبي داود فقط، وعن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الماء الراكد) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وعنه رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الماء الجارى)، قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله ثقات فإن كان في المغتسل نحو بالوعة فلا يكره البول فيه. 10 - أن لا يبول قائما، لمنافاته الوقار ومحاسن العادات ولانه قد يتطاير عليه رشاشة، فإذا أمن من الرشاش جاز. قالت عائشة رضي الله عنها: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالسا) رواه الخمسة إلا أبا داود. قال الترمذي: (هو أحسن شئ في هذا الباب وأصح) انتهى، وكلام عائشة مبني على ما علمت، فلا ينافي ما روي عن حذيفة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سباطة قوم (1) فبال قائما فتنحيت فقال: (أدنه) فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ ومسح على خفيه) رواه الجماعة، قال النووي: البول جالسا أحب إلي، وقائما مباح، وكل ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (هامش) (السباطة) بالضم، (ملقى التراب والقامة). (.) 11 - أن يزيل ما على السبيلين من النجاسة وجوبا بالحجر وما في معناه من كل جامد طاهر قالع للنجاسة ليس له حرمة أو يزيلها بالماء فقط، أو بهما معا، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب (2) بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه) رواه أحمد والنسائي وأبو داود والدار قطني. وعن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة (3) من (هامش) (2) (الاستطابة): الاستنجاء، وسمي استطابة لما فيه من إزالة النجاسة وتطهير موضعها من البدن. (3) (الاداوة): إناء صغير كالابريق، (عنزة): حربه. (.)

[ 36 ]

ماء وعنزه فيستنجي بالماء) متفق عليه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير (1) أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول (2) وأما الاخر فكان يمشي بالنميمة رواه الجماعة. وعن أنس رضي الله عنه مرفوعا: (تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه). (هامش) (1) (وما يعذبان في كبير): أي يكبر ويشق عليهما فعله لو أرادا أن يفعلاه. (2) (لا يستنزه): أي لا يستبرئ ولا يتطهر ولا يستبعد منه. (.) 12 - أن لا يستنجي بيمينه تنزيها لها عن مباشرة الاقذار لحديث عبد الرحمن بن زيد قال: (قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم كل شئ حتى الخراءة (3). فقال سلمان: أجل... نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول، أو نستنجي باليمين (4)، أو يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، وأن لا يستنجي برجيع (5) أو بعظم) رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وعن فحصة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لاكله وشربه وثيابه وأخذه وعطائه، وشماله لما سوى ذلك)، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي. (هامش) (3) (الخراءة): العذرة. (4) هذا نهي تأديب وتنزيه. (5) (الرجيع) النجس. (.) 13 - أن يدلك يده بعد الاستنجاء بالارض، أو يغسلها بصابون ونحوه ليزول ما علق بها من الرائحة الكريهة، لحديث، أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة (6) فاستنجى ثم مسح يده على الارض) رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وابن ماجة. (هامش) (6) (التور) إناء من نحاس، (والركوة) إناء من جلد. (.) 14 - أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا بال ليدفع عن نفسه الوسوسة، فمتى وجد بللا قال: هذا أثر النضح، لحديث الحكم بن سفيان، أو سفيان بن الحكم رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بال توضأ وينتضح) وفي رواية: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم نضح

[ 37 ]

فرجه) وكان ابن عمر ينضح فرجه حتى يبل سراويله. 15 - أن يقدم رجله اليسرى في الدخول، فإذا خرج فليقدم رجله اليمنى ثم ليقل: غفرانك. فعن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: (غفرانك (1)) رواه الخمسة إلا النسائي. وحديث عائشة أصح ما ورد في هذا الباب كما قال أبو حاتم وروي من طرق ضعيفة انه صلى الله عليه وسلم كان يقول: (الحمد لله الذي أذهب عني الاذى وعافاني)، وقوله: (الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه). (هامش) (1) (غفرانك): أي أسألك غفرانك. (.) سنن الفطرة قد اختار الله سننا للانبياء عليهم السلام، وأمرنا بالاقتداء بهم فيها، وجعلها من قبيل الشعائر التي يكثر وقوعها ليعرف بها أتباعهم، ويتميزوا بها عن غيرهم. وهذه الخصال تسمى سنن الفطرة وبيانها فيما يلي: 1 - الختان: وهو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، لئلا يجتمع فيها الوسخ، وليتمكن من الاستبراء من البول، ولئلا تنقص لذة الجماع، هذا بالنسبة إلى الرجل. وأما المرأة فيقطع الجزء الاعلى من الفرج بالنسبة لها (2) وهو سنة قديمة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقدوم (3)) رواه البخاري، ومذهب الجمهور أنه واجب، ويرى الشافعية استحبابه يوم السابع. وقال الشوكاني: لم يرد تحديد وقت له ولا ما يفيد وجوبه. (هامش) أحاديث الامر بختان المرأة ضعيفة لم يصح منها شئ. (2) (القدوم) آلة النجار، أو موضع بالشام. (.) 2، 3: الاستحداد (4)، ونتف الابط، وهما سنتان يجزئ فيهما الحلق والقص والنتف والبؤرة.

[ 38 ]

4، 5: تقليم الاظافر وقص الشارب أو إحفاؤه، وبكل منهما وردت روايات صحيحة، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خالفوا المشركين: وفسروا اللحى، وأحفوا الشوارب) رواه الشيخان، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (خمس من الفطرة: (الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الابط، وتقليم الاظافر) رواه الجماعة فلا يتعين منهما شئ وبأيهما تتحقق السنة، فإن المقصود أن لا يطول الشارب حتى يتعلق به الطعام والشراب ولا يجتمع فيه الاوساخ. وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) رواه أحمد والنسائي، والترمذي وصححه، ويستحب الاستحداد ونتف الابط وتقليم الاظافر وقص الشارب أو إحفاءه كل اسبوع استكمالا للنظافة واسترواحا للنفس، فإن بقاء بعض الشعور في الجسم يولد فيها ضيقا وكآبة، وقد رخص ترك هذه الاشياء إلى الاربعين، ولا عذر لتركه بعد ذلك، لحديث أنس رضي الله عنه قال: (وقت لنا النبي صلى الله عليه وسلم في قص الشارب، وتقليم الاظافر، ونتف الابط، وحلق العانة، ألا يترك أكثر من أربعين ليلة)، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. 6 - إعفاء اللحية وتركها حتى تكثر، بحيث تكون مظهرا من مظاهر الوقار، فلا تقصر تقصيرا يكون قريبا من الحلق ولا تترك حتى تفحش، بل يحسن التوسط فإنه في كل شئ حسن، ثم إنها من تمام الرجولة، وكمال الفحولة فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خالفوا المشركين: وفروا اللحى (1)، وأحفوا الشوارب)، متفق عليه، وزاد البخاري (وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه). (هامش) (1) حمل الفقهاء هذا الامر على الوجوب وقالوا بحرمة حلق اللحية بناء على هذا الامر. (.) 7 - إكرام الشعر إذا وفر وترك بأن يدهن ويسرح، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له شعر فليكرمه) رواه أبو داود، وعن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: أتى رجل النبي

[ 39 ]

صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس (1) واللحية فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل ثم رجع، فقال صلى الله عليه وسلم: (أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان) رواه مالك. وعن أبي قتادة رضي الله عنه (أنه كان له جمة ضخمة. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يحسن إليها، وأن يترجل كل يوم). رواه النسائي، ورواه مالك في الموطأ بلفظ: (قلت: يا رسول الله إن لي جمة (2) أفأرجلها؟ قال (نعم... وأكرمها) فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قوله صلى الله عليه وسلم (وأكرمها). وحلق شعر الرأس مباح وكذا توفيره لمن يكرمه، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احلقوا كله أو ذروا كله) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وأما حلق بعضه وترك بعضه فيكره تنزيها، لحديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع، فقيل لنافع: ما القزع؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه)، متفق عليه، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق. (هامش) (1) (ثائر الرأس): أي شعث غير مدهون ولا مرجل. (2) (الجمة) الشعر إذا بلغ المنكبين. (.) 8 - ترك الشيب وإبقاؤه سواء كان في اللحية أو في الرأس، والمرأة والرجل في ذلك سواء، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتف الشيب فإنه نور المسلم، ما من مسلم يشيب شيبة في الاسلام إلا كتب الله له بها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. وعن أنس رضي الله عنه قال: (كنا نكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته) رواه مسلم. 9 - تغيير الشيب بالحناء والحمرة والصفرة ونحوها، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) رواه الجماعة، ولحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء

[ 40 ]

والكتم (1)) رواه الخمسة. وقد ورد ما يفيد كراهة الخضاب، ويظهر أن هذا مما يختلف باختلاف السن والعرف والعادة. فقد روي عن بعض الصحابة أن ترك الخضاب أفضل، وروي عن بعضهم أن فعله أفضل، وكان بعضهم يخضب بالصفرة، وبعضهم بالحناء والكتم وبعضهم بالزعفران، وخضب جماعة منهم بالسواد. ذكر الحافظ في الفتح عن ابن شهاب الزهري أنه قال: كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه حديدا، فلما نفض الوجه والاسنان تركناه. وأما حديث جابر رضي الله عنه قال: جئ بأبي قحافة (والد أبي بكر) يوم الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكأن رأسه ثغامة (2) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اذهبوا به إلى بعض نسائه فلتغيره بشئ وجنبوه السواد) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، فإنه واقعة عين، ووقائع الاعيان لا عموم لها. ثم أنه لا يستحسن لرجل كأبي قحافة، وقد اشتعل رأسه شيبا، أن يصبغ بالسواد، فهذا مما لا يليق بمثله. (هامش) (1) (الكتم) نبات يخرج الصبغة أسود مائل الى الحمرة. (2) (الثغامة) نبت يشبه بياضه بياض الشعر. (3) (الالوة) العمود الذي يتبخر به، (غير مطرأة) غير مخلوطة بغيرها من الطيب. (.) 10 - التطيب بالمسك وغيره من الطيب الذي يسر النفس، ويشرح الصدر، وينبه الروح، ويبعث في البدن نشاطا وقوة، لحديث أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حبب إلي من الدنيا النساء الطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه أحمد والنسائي، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة) رواه مسلم والنسائي وأبو داود، وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المسك: (هو أطيب الطيب) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة، وعن نافع قال: كان ابن عمر يستجمر بالالوة (3) غير مطراة، وبكافور يطرحه مع الالوة ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم والنسائي.

[ 41 ]

الوضوء الوضوء معروف من أنه: طهارة مائية تتعلق بالوجه واليدين والرأس والرجلين، ومباحثه ما يأتي: (1) دليل مشروعيته: ثبتت مشروعيته بأدلة ثلاثة: (الدليل الاول) الكتاب الكريم، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (1). (الدليل الثاني) السنة، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي. (الدليل الثالث) الاجماع، انعقد إجماع المسلمين على مشروعية الوضوء من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، فصار معلوما من الدين بالضرورة. (هامش) (1) سورة المائدة آية 6. (.) (2) فضله: ورد في فضل الوضوء أحاديث كثيرة نكتفي بالاشارة إلى بعضها: (أ) عن عبد الله الصنابجي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال إذا توضأ العبد فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنشر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر يديه. فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظافر رجليه. ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة) رواه مالك والنسائي وابن ماجه والحاكم.

[ 42 ]

(ب) وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الخصلة الصالحة تكون في الرجل يصلح الله بها عمله كله، وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنوبه وتبقى صلاته له نافلة) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الاوسط. (ج) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط (1) فذلكم الرباط فذلكم الرباط) رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي. (د) وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون، وددت لو أنا قد رأينا إخواننا) قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال (أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: (أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم (2) ألا يعرف خيله؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هلم، فيقال: (إنهم بدلوا بعدك) فأقول: سحقا سحقا) رواه مسلم. (هامش) (1) (الرباط): المرابطة والجهاد في سبيل الله، أي إن المواظبة على الطهارة والعبادة تعدل الجهاد في سبيل الله. (2) (دهم بهم): سود، (فرطهم على الحوض): أتقدمهم عليه، (سحقا): بعدا. (.) (3) فرائضه: للوضوء فرائض وأركان تتركب منها حقيقته، إذا تخلف فرض منها لا يتحقق ولا يعتد به شرعا، وإليك بيانها: (الفرض الاول): النية، وحقيقتها الارادة المتوجهة نحو الفعل، ابتغاء رضا الله تعالى وامتثال حكمه، وهي عمل قلبي محض لا دخل للسان فيه،

[ 43 ]

والتلفظ بها غير مشروع، ودليل فرضيتها حديث عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الاعمال بالنيات (1) وإنما لكل امرئ ما نوى...) الحديث رواه الجماعة. (الفرض الثاني) غسل الوجه مرة واحدة: أي إسالة الماء عليه، لان معنى الغسل الاسالة. وحد الوجه من أعلى تسطيح الجبهة إلى أسفل اللحيين طولا، ومن شحمة الاذن إلى شحمة الاذن عرضا. (الفرض الثالث) غسل اليدين إلى المرفقين، والمرفق هو المفصل الذي بين العضد والساعد، ويدخل المرفقان فيما يجب غسله وهذا هو المضطرد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه ترك غسلهما: (الفرض الرابع) مسح الرأس، والمسح معناه الاصابة بالبلل، ولا يتحقق إلا بحركة العضو الماسح ملصقا بالممسوح فوضع اليد أو الاصبع على الرأس أو غيره لا يسمى مسحا، ثم إن ظاهر قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) لا يقتضي وجوب تعميم الرأس بالمسح، بل يفهم منه أن مسح بعض الرأس يكفي في الامتثال، والمحفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذاك طرق ثلاث: (ا) مسح جميع رأسه: ففي حديث عبد الله بن زيد (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه) رواه الجماعة. (ب) مسحه على العمامة وحدها: ففي حديث عمرو بن أمية رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه)، رواه أحمد والبخاري وابن ماجة. وعن بلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (امسحوا على الخفين والحمار (2)) رواه أحمد. وقال عمر رضي الله عنه: (من لم يطهره المسح على العمامة لا طهره الله)، (هامش) (1) (إنما الاعمال بالنيات): أي إنما صحتها بالنيات، فالعمل بدونها لا يعتد به شرعا. (2) (الخمار) الثوب الذي يوضع على الرأس كالعمامة وغيرها. (.)

[ 44 ]

وقد ورد في ذلك أحاديث رواها البخاري ومسلم وغيرهما من الائمة. كما ورد العمل به عن كثير من أهل العلم. (ج) مسحه على الناصية والعمامة، ففي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين) رواه مسلم. هذا هو المحفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه الاقتصار على مسح بعض الرأس، وإن كان ظاهر الاية يقتضيه كما تقدم، ثم إنه لا يكفي مسح الشعر الخارج عن محاذاة الرأس كالضفيرة. (الفرض الخامس): غسل الرجلين مع الكعبين، وهذا هو الثابت المتواتر من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله. قال ابن عمر رضي الله عنهما: تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا (1) العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: (ويل للاعقاب (2) من النار) مرتين أو ثلاثا، متفق عليه، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل العقبين. وما تقدم من الفرائض هو المنصوص عليه في قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (3). (هامش) (1) (أرهقنا) أخرنا. (2) (العقب) العظم الناتئ عند مفصل الساق والقدم. (3) سورة المائدة آية 6. (.) (الفرض السادس): الترتيب، لان الله تعالى قد ذكر في الاية فرائض الوضوء مرتبة مع فصل الرجلين عن اليدين - وفريضة كل منهما الغسل - بالرأس الذي فريضته المسح، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة. وهي هنا الترتيب، والاية ما سبقت إلا لبيان الواجب، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ابدأوا بما بدأ الله به) ومضت السنة العملية على هذا الترتيب بين الاركان فلم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه

[ 45 ]

توضأ إلا مرتبا، والوضوء عبادة ومدار الامر في العبادات على الاتباع، فليس لاحد أن يخالف المأثور في كيفية وضوئه صلى الله عليه وسلم، خصوصا ما كان مضطردا منها. سنن الوضوء أي ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل من غير لزوم ولا إنكار على من تركها. وبيانها ما يأتي: (1) التسمية في أوله: ورد في التسمية للوضوء أحاديث ضعيفة لكن مجموعها يزيدها قوة تدل على أن لها أصلا، وهي بعد ذلك أمر حسن في نفسه، ومشروع في الجملة. (2) السواك: ويطلق على العود الذي يستاك به وعلى الاستياك نفسه، وهو دلك الاسنان بذلك العود أو نحوه من كل خشن تنظف به الاسنان، وخير ما يستاك به عود الاراك الذي يؤتي به من الحجاز، لان من خواصه أن يشد اللثة، ويحول دون مرض الاسنان، ويقوي على الهضم، ويدر البول، وإن كانت السنة تحصل بكل ما يزيل صفرة الاسنان وينظف الفم كالفرشة ونحوها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل وضوء،) رواه مالك والشافعي والبيهقي والحاكم. وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) رواه أحمد والنسائي والترمذي. وهو مستحب في جميع الاوقات ولكن في خمسة أوقات أشد استحبابا (1) عند الوضوء. (2) وعند الصلاة. (3) وعند قراءة القرآن (4) وعند الاستيقاظ من النوم (5) وعند تغير الفم. والصائم والمفطر في استعماله أول النهار وآخره سواء، لحديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي، يتسوك وهو صائم) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وإذا استعمل السواك، فالسنة غسله بعد الاستعمال تنظيفا له، لحديث عائشة

[ 46 ]

رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك فيعطيني السواك، لاغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه) رواه أبو داود والبيهقي. ويسن لمن لا أسنان له أن يستاك بإصبعه، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: (نعم) قلت: كيف يصنع؟ قال: (يدخل إصبعه في فيه) رواه الطبراني. (3) غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء: لحديث أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فاستوكف ثلاثا) (1) رواه أحمد والنسائي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في إناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده) رواه الجماعة. إلا أن البخاري لم يذكر العدد. (هامش) (1) (فاستوكف): أي غسل كفيه. (.) (4) المضمضة ثلاثا: لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت فمضمض (2)) رواه أبو داود والبيهقي. (هامش) (المضمضة): إدارة الماء وتحريكه في الفم. (.) (5) الاستنشاق والاستنثار ثلاثا: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر) رواه الشيخان وأبو داود. والسنة أن يكون الاستنشاق باليمنى والاستنثار باليسرى، لحديث علي رضي الله عنه (أنه دعا بوضوء (3) فتمضمض واستنشق (4) ونثر بيده اليسرى، ففعل هذا ثلاثا، ثم قال: هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم) رواه أحمد والنسائي. وتتحقق المضمضة والاستنشاق إذا وصل الماء إلى الفم والانف بأي صفة، إلا أن الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصل (هامش) (3) الوضوء بفتح الواو: اسم الماء الذي يتوضأ به. (4) (الاستنشاق): إدخال الماء في الانف و (الاستنثار) اخراجه منه بالنفس (.)

[ 47 ]

بينهما، فعن عبد الله بن زيد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا) وفي رواية (تمضمض واستنثر بثلاث غرفات) متفق عليه، ويسن المبالغة فيهما لغير الصائم، لحديث لقيط رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: (أسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) رواه الخمسة، وصححه الترمذي. (6) تخليل اللحية: لحديث عثمان رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته) رواه ابن ماجة والترمذي وصححه. وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء، فأدخله تحت حنكه فخلل به، وقال: (هكذا أمرني ربي عزوجل) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم. (7) تخليل الاصابع: لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة، وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل أصابع رجليه بخنصره) رواه الخمسة إلا أحمد. وقد ورد ما يفيد استحباب تحريك الخاتم ونحوه كالاساور، إلا أنه لم يصل إلى درجة الصحيح، لكن ينبغي العمل به لدخوله تحت عموم الامر بالاسباغ. (8) تثليث الغسل: وهو السنة التي جرى عليها العمل غالبا وما ورد مخالفا لها فهو لبيان الجواز. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثلاثا وقال: (هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. وعن عثمان رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا) رواه أحمد ومسلم والترمذي، وصح أنه صلى الله عليه وسلم

[ 48 ]

توضأ مرة مرة ومرتين مرتين، أما مسح الرأس مرة واحدة فهو الاكثر رواية. (9) التيامن: (أي البدء بغسل اليمين قبل غسل اليسار من اليدين والرجلين، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في تنعله (1) وترجله وطهوره، وفي شأنه كله) متفق عليه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا لبستم وإذا توضأتم فأبدءوا بأيمانكم (2)،. رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. (هامش) (1) (التنعل: ليس النعل. والترجل: تسريح الشعر. والطهور: يشمل الوضوء والغسل. (2) ايمانكم جمع يمين، والمراد اليد اليمنى أو الرجل اليمنى. (.) (10) الدلك: وهو إمرار اليد على العضو مع الماء أو بعده، فعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بثلث مد فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه) رواه ابن خزيمة، وعنه رضي الله عنه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فجعل يقول هكذا: يدلك، رواه أبو داود الطيالسي وأحمد وابن حبان وأبو يعلى. (11) الموالاة: (اي تتابع غسل الاعضاء بعضها إثر بعض) بألا يقطع المتوضئ وضوءه بعمل أجنبي، يعد في العرف انصرافا عنه وعلى هذا مضت السنة، وعليها عمل المسلمين سلفا وخلفا. (12) مسح الاذنين: والسنة مسح باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بالابهامين بماء الرأس لانهما منه. فعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (مسح في وضوئه رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصبعه في صماخي أذنيه) رواه أبو داود والطحاوي، وعن ابن عامر رضي الله عنهما في وصفه

[ 49 ]

وضوء النبي صلى الله عليه وسلم (ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة)، رواه أحمد وأبو داود. وفي رواية (مسح رأسه وأذنيه وباطنهما بالمسبحتين) (1) وظاهرهما بإبهاميه. (هامش) (1) (بالمسبحتين) أي السبابتين. (.) (13) إطالة الغرة والتحجيل: أما إطالة الغرة فبأن يغسل جزءا من مقدم الرأس، زائدا عن المفروض في غسل الوجه وأما اطالة التحجيل، فبأن يغسل ما فوق المرفقين والكعبين لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين (2) من آثار الوضوء) فقال أبو هريرة: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل. رواه أحمد والشيخان، وعن أبي زرعة (أن أبا هريرة رضي الله عنه دعا بوضوء فتوضأ وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفقين، فلما غسل رجليه جاوز الكعبين إلى الساقين، فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا مبلغ الحلية) رواه أحمد واللفظ له، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. (هامش) (2) أصل الغرة: بياض في جبهة الفرس و (التحجيل، بياض في رجله والمراد من كونهم يأتون غرا محجلين، أن النور يعلو وجوههم وأيديهم وأرجلهم يوم القيامة وهما من خصائص هذه الامة. (.) (14) الاقتصاد في الماء وإن كان الاغتراف من البحر: لحديث أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع (3) إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد)، متفق عليه، وعن عبيدالله بن أبي يزيد أن رجلا قال لابن عباس رضي الله عنهما: (كم يكفيني من الوضوء؟ قال مد، قال كم يكفيني للغسل؟ قال صاع، فقال الرجل: لا يكفيني، فقال: لا أم لك قد كفى من هو خير منك: رسول الله صلى الله عليه وسلم)، رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات، وروي عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ (هامش) (3) (الصاع): أربعة أمداد و (المد) 128 درهما وأربعة أسباع الدرهم 404 سم 3. (.)

[ 50 ]

فقال. (ما هذا السرف يا سعد؟! فقال: وهل في الماء من سرف؟ قال: (نعم وإن كنت على نهر جار) رواه أحمد وابن ماجة وفي سنده ضعف، والاسراف يتحقق باستعمال الماء لغير فائدة شرعية، كأن يزيد في الغسل على الثلاث، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا، قال: (هذا الوضوء، من زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة بأسانيد صحيحة، وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه سيكون في هذه الامة قوم يعتدون في الطهور والدعاء) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. قال البخاري: كره أهل العلم في ماء الوضوء أن يتجاوز فعل النبي صلى الله عليه وسلم. (15) الدعاء أثناء: لم يثبت من أدعية الوضوء شئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير حديث أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ فسمعته يقول يدعو: (اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي) فقلت: يا نبي الله سمعتك تدعو بكذا وكذا قال: (وهل تركن من شئ؟) رواه النسائي وابن السني بإسناد صحيح، لكن النسائي أدخله في (باب ما يقول بعد الفراغ من الوضوء) وابن السني ترجم له (باب ما يقول بين ظهراني وضوئه)، قال النووي وكلاهما محتمل. (16) الدعاء بعده: لحديث عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) رواه مسلم، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم

[ 51 ]

جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) رواه الطبراني في الاوسط، ورواته رواة الصحيح، واللفظ له ورواه النسائي وقال في آخره: (ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة) وصوب وقفه. وأما دعاء: (أللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فهي في رواية الترمذي، وقد قال في الحديث وفي إسناده اضطراب، ولا يصح فيه شئ كبير. (17) صلاة ركعتين بعده: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الاسلام إني سمعت دف نعليك (1) بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي من اني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي). متفق عليه، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة) رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه، وعن خمران مولى عثمان: أنه رأى عثمان بن عفان رضي الله عنه دعا بوضوء فأفرغ عى يمينه من إنائه فغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم غسل رجليه ثلاثا، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا)، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وما بقي من تعاهد موقي العينين وغضون الوجه، ومن تحريك الخاتم، ومن مسح العنق، لم نتعرض لذكره، لان الاحاديث فيها لم تبلغ درجة الصحيح، وإن كان يعمل بها تتميما للنظافة. (هامش) (1) (الدف) بالضم: صوت النعل حال المشي. (.)

[ 52 ]

مكروهاته يكره للمتوضئ أن يترك سنة من السنن المتقدم ذكرها، حتى لا يحرم نوابها، لان فعل المكروه يوجب حرمان الثواب، وتتحقق الكراهية بترك السنة. نواقض الوضوء للوضوء نواقض تبطلة وتخرجه عن إفادة المقصود منه، نذكرها فيما يلي: 1 - كل ما خرج من السبيلين: (القبل والدبر). ويشمل ذلك ما يأتي: (1) البول (2) والغائط، لقول الله تعالى: (... أو جاء أحد منكم من الغائط..) وهو كناية عن قضاء الحاجة من بول وغائط. (3) ريح الدبر: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فقال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: (فساء أو ضراط). متفق عليه، وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) رواه مسلم. وليس السمع أو وجدان الرائحة شرطا في ذلك، بل المراد حصول اليقين وبخروج شئ منه. (4، 5، 6) المني والمذي والودي، لقول رسول الله في المذي: (فيه الوضوء) ولقول ابن عباس رضي الله عنهما: (أما المني فهو الذي منه الغسل، وأما المذي والودي فقال: (أغسل ذكرك أو مذاكيرك، وتوضأ وضوءك للصلاة)، رواه البيهقي في السنن. 2 - النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك مع عدم تمكن المقعدة من الارض، لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى

[ 53 ]

الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. فإذا كان النائم جالسا ممكنا مقعدته من الارض لا ينتقض وضوءه، وعلى هذا يحمل حديث أنس رضي الله عنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الاخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون). رواه الشافعي ومسلم وأبو داود والترمذي، ولفظ الترمذي من طريق شعبة: (لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظون للصلاة حتى لاسمع لاحدهم غطيطا، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون) قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس. 3 - زوال العقل، سواء كان الجنون أو بالاغماء أو بالكسر أو بالدواء. وسواء قل أو كثر، وسواء كانت المقعدة ممكنة من الارض أم لا، لان الذهول عند هذه الاسباب أبلغ من النوم، وعلى هذا اتفقت كلمة العلماء. 4 - مس الفرج بدون حائل، لحديث يسرة بنت صفوان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ) رواه الخمسة وصححه الترمذي وقال البخاري وهو أصح شئ في هذا الباب، ورواه أيضا مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وقال أبو داود: قلت لاحمد: حديث يسرة ليس بصحيح؟ فقال: بل هو صحيح، وفي رواية لاحمد والنسائي عن يسرة: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ويتوضأ من مس الذكر) وهذا يشمل ذكر نفسه وذكر غيره، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أفضى بيده إلى ذكر ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء) رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه هو وابن عبد البر، وقال ابن السكن: هذا الحديث من أجود ما روي في هذا الباب، وفي لفظ الشافعي (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، ليس بينها وبينه شئ فليتوضأ)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ). رواه أحمد، قال ابن القيم: قال الحازمي: هذا إسناد صحيح، ويرى الاحناف أن مس الذكر لا ينقض الوضوء لحديث طلق: (أن رجلا سأل النبي عن رجل

[ 54 ]

يمس ذكره، هل عليه الوضوء؟ فقال: (لا، إنما هو بضعة منك) رواه الخمسة، وصححه ابن حبان، قال ابن المديني: هو أحسن من حديث يسرة. ما لا ينقض الوضوء أحببنا أن نشير إلى ما ظن أنه ناقض للوضوء وليس بناقض، لعدم ورود دليل صحيح يمكن أن يعول عليه في ذلك، وبيانه فيما يلي: (1) لمس المرأة بدون حائل: فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلها وهو صائم وقال: (إن القبلة لا تنقض الوضوء ولا تفطر الصائم) أخرجه إسحاق ابن راهويه، وأخرجه أيضا البزار بسند جيد. قال عبد الحق: لا أعلم له علة توجب تركه. وعنها رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من الفراض فالتمسته، فوضعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: (اللهم اني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) رواه مسلم والترمذي وصححه، وعنها رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ)، رواه أحمد والاربعة، بسند رجاله ثقات، وعنها رضي الله عنها قالت: (كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي) وفي لفظ (فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي) متفق عليه. (2) خروج الدم من غير المخرج المعتاد، سواء كان بجرح أو حجامة أو رعاف، وسواء كان قليلا أو كثيرا: قال الحسن رضي الله عنه: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) (رواه البخاري، وقال: وعصر ابن عمر رضي الله عنهما بثرة وخرج منها الدم فلم يتوضأ. وبصق ابن أبي أوقى دما ومضى في صلاته، وصلى عمر

[ 55 ]

ابن الخطاب رضي الله عنه وجرحه يثعب دما (1). وقد أصيب عباد بن بشر بسهام وهو يصلي فاستمر في صلاته، رواه أبو داود وابن خزيمة والبخاري تعليقا. (هامش) (1) (يثعب دما): أي يجري. (.) (3) القئ: سواء أكان مل ء الفم أو دونه، ولم يرد في نقضه حديث يحتج به. (4) أكل لحم الابل: وهو رأي الخلفاء الاربعة وكثير من الصحابة والتابعين، إلا أنه صح الحديث بالامر بالوضوء منه. فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟.. قال: (إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ)، قال: أنتوضأ من لحوم الابل؟ قال: (نعم توضأ من لحوم الابل)، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: (لا) رواه أحمد ومسلم، وعن البراء ابن عازب رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الابل؟ فقال: (توضئوا منها) وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: (لا تتوضئوا منها) وسئل عن الصلاة في مبارك الابل؟ فقال: (لا تصلوا فيها، فإنها من الشياطين) وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: (صلوا فيها فإنها بركة) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وقال ابن خزيمة: لم أر خلافا بين علماء الحديث في أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل، لعدالة ناقليه، وقال النووي: هذا المذهب أقوى دليلا، وإن كان الجمهور على خلافه، إنتهى. (5) شك المتوضئ في الحدث: إذا شك المتطهر، هل أحدث أم لا؟ لا يضره الشك ولا ينتقض وضوءه سواء كان في الصلاة أو خارجها، حتى يتيقن أنه أحدث. فعن عباد بن تميم عن عمه

[ 56 ]

رضي الله عنه قال: شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشئ في الصلاة؟ قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) رواه الجماعة إلا الترمذي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وجد أحدكم في نفسه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا؟ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) رواه مسلم وأبو داود والترمذي، وليس المراد خصوص سماع الصوت ووجدان الريح، بل العمدة اليقين بأنه خرج منه شئ، قال ابن المبارك: إذا شك في الحدث فإنه لا يجب عليه الوضوء حتى يستيقن استيقانا يقدر أن يحلف عليه، أما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. (6) القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء، لعدم صحة ما ورد في ذلك. (7) تغسيل الميت لا يجب منه الوضوء لضعف دليل النقض. ما يجب له الوضوء يجب الوضوء لامور ثلاثة: (الاول) الصلاة مطلقا، فرضا أو نفلا، ولو صلاة جنازة لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم، وأرجلكم إلى الكعبين): أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول (1)) رواه الجماعة إلا البخاري. (هامش) (1) (الغلول): السرقة من الغنيمة قبل قسمتها. (.) (الثاني) الطواف بالبيت، لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) رواه الترمذي والدار قطني وصححه الحاكم، وابن السكن وابن خزيمة. (الثالث) مس المصحف، لما رواه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم

[ 57 ]

عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهله اليمن ك تابا وكان فيه: (لا يمس القرآن إلا طاهر). رواه النسائي والدار قطني والبيهقي والاثرم، قال ابن عبد البر في هذا الحديث: إنه أشبه بالتواتر، لتلقي الناس له بالقبول، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمس القرآن إلا طاهر) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: (رجاله موثقون) فالحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف، إلا لمن كان طاهرا ولكن (الطاهر) لفظ مشترك، يطلق على الطاهر من الحدث الاكبر، والطاهر من الحدث الاصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولابد لحمله على معين من قرينة. فلا يكون الحديث نصا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف، وأما قول الله سبحانه: (لا يمسه إلا المطهرون) (1) فالظاهر رجوع الضمير إلى الكتاب المكنون، وهو وهو اللوح المحفوظ، لانه الاقرب، والمطهرون الملائكة، فهو كقوله تعالى: (في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة) (2) وذهب ابن عباس والشعبي والضحاك وزيد بن علي والمؤيد بالله وداود وابن حزم وحماد بن أبي سليمان: إلى أنه يجوز للمحدث حدثا أصغر من المصحف وأما القراءة له بدون مس فهي جائزة اتفاقا. (هامش) (1) سورة الواقعة آية: 29. (2) سورة عبس آية 13 - 16. (.) ما يستحب له يستحب الوضوء ويندب في الاحوال الاتية: (1) عند ذكر الله عزوجل: لحديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه (أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى توضأ فرد عليه، وقال: (إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على الطهارة)، قال قتادة (فكان الحسن من أجل هذا يكره أن يقرأ أو يذكر الله عزوجل حتى يطهر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وعن أبي جهيم بن الحارث رضي الله عنه

[ 58 ]

قال: (أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل (1) فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أقبل على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وهذا على سبيل الافضلية والندب. وإلا فذكر الله عزوجل يجوز للمتطهر والمحدث والجنب والقائم والقاعد، والماشي والمضطجع بدون كراهة، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) رواه الخمسة إلا النسائي، وذكره البخاري بغير إسناد، وعن علي كرم الله وجهه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء فيقرئنا ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجزه عن القرآن شئ ليس الجنابة) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن السكن. (هامش) (1) بئر جمل: موضع يقرب من المدينة. (.) (2) عند النوم: لما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الايمن، ثم قل اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به،) قال فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت: (اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت: ورسولت، قال: لا... ونبيك الذي أرسلت) رواه أحمد والبخاري والترمذي، ويتأكد ذلك في حق الجنب، لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال يا رسول الله أينام أحدنا جنبا؟ قال: (نعم إذا توضأ). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة) رواه الجماعة. (3) يستحب الوضوء للجنب: إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يعاود الجماع، لحديث عائشة رضي

[ 59 ]

الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ)، وعن عمار بن ياسر (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام، أن يتوضأ وضوءه للصلاة)، رواه أحمد والترمذي وصححه، وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ) رواه الجماعة إلا البخاري، ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وزادوا (فإنه أنشط للعود). (4) يندب قبل الغسل، سواء كان واجبا أو مستحبا: لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، الحديث رواه الجماعة. (5) يندب من أكل ما مسته النار: لحديث إبراهيم بن عبد الله بن قارظ قال: مررت بأبي هريرة وهو يتوضأ فقال: أتدري مم أتوضأ؟ من أثوار أقط (1) أكلتها، لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)، رواه أحمد ومسلم والاربعة، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. والامر بالوضوء محمول على الندب لحديث عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة فاكل منها فأكل منها فدعى إلى الصلاة فقام وطرح السكين وصلى ولم يتوضأ) متفق عليه، قال النووي: فيه جواز قطع اللحم بالسكين. (هامش) (1) (من أثوار أقط): هي قطع من اللبن الجامد. (.) (6) تجديد الوضوء لكل صلاة: لحديث بريدة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر. يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله!

[ 60 ]

فقال: (عمدا فعلته يا عمر) رواه أحمد ومسلم وغيرهما، وابن عمرو بن عامر الانصاري رضي الله عنه قال، كان أنس بن مالك يقول: (كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث)، رواه أحمد والبخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لامرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك) رواه أحمد بسند حسن، وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات). رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة. فوائد يحتاج المتوضئ إليها 1 - الكلام المباح أثناء الوضوء مباح، ولم يرد في السنة ما يدل على منعه. 2 - الدعاء عند غسل الاعضاء باطل لا أصل له. والمطلوب الاقتصار على الادعية التي تقدم ذكرها في سنن الوضوء. 3 - لو شك المتوضئ في عدد الغسلات يبني على اليقين وهو الاقل. 4 - وجود الحائل مثل الشمع على أي عضو من أعضاء الوضوء يبطله، أما اللون وحده، كالخضاب بالحناء مثلا، فإنه لا يؤثر في صحة الوضوء، لانه لا يحول بين البشرة وبين وصول الماء إليها. 5 - المستحاضة، ومن به سلس بول أو انفلات ريح، أو غير ذلك من الاعذار يتوضئون لكل صلاة، إذا كان العذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يمكن ضبطه، وتعتبر صلاتهم صحيحة مع قيام العذر. 6 - يجوز الاستعانة بالغير في الوضوء. 7 - يباح للمتوضئ أن ينشف أعضاءه بمنديل ونحوه صيفا وشتاء. المسح على الخفين (1) دليل مشروعيته: ثبت المسح على الخفين بالسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه

[ 61 ]

وسلم، قال النووي: أجمع من يعتد به في الاجماع على جواز المسح على الخفين - في السفر والحضر، سواء كان لحاجة أو غيرها - حتى للمرأة الملازمة والزمن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم، وقال الحافظ بن حجر في الفتح: وقد صرح جمع من الحفاظ، بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة. انتهى، وأقوى الاحاديث حجة في المسح، ما رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن همام النخعي رضي الله عنه، قال: (بال جرير بن عبد الله ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا وقد بلت؟ قال: نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه)، قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث لان إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، أي أن جريرا أسلم في السنة العاشرة بعد نزول آية الوضوء التي تفيد وجوب غسل الرجلين، فيكون حديثه مبينا أي المراد بالاية إيجاب الغسل لغير صاحب الخف، وأم ا صاحب الخف ففرضه المسح فتكون السنة مخصصة للاية. (2) مشروعية المسح على الجوربين: يجوز المسح على الجوربين، وقد روي ذلك عن كثير من الصحابة. قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء ابن عازب وأنس بن مالك وأبو امامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي أيضا عن عمر بن الخطاب وابن عباس، انتهى، وروي أيضا عن عمار وبلال بن عبد الله بن أبي أوفى وابن عمر، وفي تهذيب السنن لابن القيم عن ابن المندر: أن أحمد نص على جواز المسح على الجوربين، وهذا من إنصافه وعدله، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وصريح القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر، يصح أن يحال الحكم عليه، والمسح عليهما قول أكثر أهل العلم، انتهى. وممن أجاز المسح عليهما سفيان الثوري وابن المبارك وعطاء والحسن وسعيد بن المسيب، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز المسح عليهما إذا كانا ثخينين لا يشفان عما تحتهما، وكان أبو حنيفة لا يجوز المسح على الجورب الثخين ثم رجع إلى الجواز قبل موته بثلاثة أيام أو بسبعة، ومسح على جوربيه الثخينين في مرضه وقال لعواده: فعلت ما كنت

[ 62 ]

أنهى عنه، وعن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين (1) رواه أحمد والطحاوي وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، (وضعفه أبو داود). والمسح على الجوربين كان هو المقصود، وجاء المسح على النعلين تبعا. (هامش) (1) (النعل) ما وقيت به القدم من الارض وهو يغاير الخف، ولقد كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيران يضع أحدهما بين ابهام رجله والتي تليها ويضع الاخر بين الوسطى والتي تليها ويجمع السيرين الى السير الذي على وجه قدمه وهو المعروف بالشراك، (والجورب): لفافة الرجل وهو المسمى بالشراب. (.) وكما يجوز المسح على الجوربين يجوز المسح على كل ما يستر الرجلين كاللفائف ونحوها، وهي ما يلف على الرجل من البرد أو خوف الحفاء أؤ لجراح بهما ونحو ذلك، قال ابن تيمية: والصواب أنه يمسح على اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، فإن اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضرر: إما إصابة البرد، وإما التأذي بالحفاء، وإما التاذي بالجرح، فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين، فعلى اللفائف بطريق الاولى، ومن ادعى في شئ من ذلك إجماعا فليس معه إلا عدم العلم، ولا يمكنه أن ينقل المنع عن عشرة من العلماء المشهورين، فضلا عن الاجماع، إلى أن قال: فمن تدبر ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطى القياس حقه علم أن الرخصة منه في هذا الباب واسعة، وأن ذلك من محاسن الشريعة، ومن الحنيفية السمحة التي بعث بها، انتهى. وإذا كان بالخف أو الجورب خروق فلا بأس بالمسح عليه، مادام يلبس في العادة، قال الثوري: كانت خفاف المهاجرين والانصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ذلك حظر لورد ونقل عنهم. (3) شروط المسح على الخف وما في معناه: يشترط لجواز المسح أن يلبس الخف وما في معناه من كل ساتر على وضوء، لحديث المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في مسير فأفرغت عليه من الاداوة فغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه ثم أهويت لانزع خفيه فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) فمسح عليهما) رواه

[ 63 ]

أحمد والبخاري ومسلم. وروى الحميدي في مسنده عنه قال: قلنا يا رسول الله أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: (نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان) وما اشترطه بعض الفقهاء من أن الخف لا بد أن يكون ساترا لمحل الفرض، وأن يثبت بنفسه من غير شد مع إمكان متابعة المشي فيه. قد بين شيخ الاسلام ابن تيمية ضعفه في الفتاوي. (4) محل المسح: المحل المشروع في المسح ظهر الخف، لحديث المغيرة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر الخفين، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه. وعن علي رضي الله عنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه) رواه أبو داود والدار قطني، وإسناده حسن أو صحيح، والواجب في المسح ما يطلق عليه اسم المسح لغة، من غير تحديد، ولم يصح فيه شئ. (5) توقيت المسح: مدة المسح على الخفين للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، قال صفوان بن عسال رضي الله عنه: أمرنا (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما إلا من جنابة، رواه الشافعي وأحمد وابن خزيمة، والترمذي والنسائي وصححاه، وعن شريح بن هاني رضي الله عنه قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت: سل عليا، فإنه أعلم بهذا مني، كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسألته فقال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة)، رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، قال البيهقي: هو أصح ما روي في هذا الباب، والمختار أن ابتداء المدة من وقت المسح، وقيل من وقت الحدث بعد اللبس.

[ 64 ]

(6) صفة المسح: والمتوضئ بعد أن يتم وضوءه ويلبس الخف أو الجورب يصح له المسح عليه كلما أراد الوضوء، بدلا من غسل رجليه، يرخص له في ذلك يوما وليلة، إذا كان مقيما، وثلاثة أيام ولياليها إن كان مسافرا، إلا إذا أجنب فإنه يجب عليه نزعه، لحديث صفوان المتقدم. (7) ما يبطل المسح: يبطل المسح على الخفين: (1) انقضاء المدة. (2) الجنابة. (3) نزع الخف. فإذا انقضت المدة أو نزع الخف وكان متوضئا قبل غسله رجليه فقط. الغسل الغسل معناه: تعميم البدن بالماء، وهو مشروع، لقول الله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (1)). وله مباحث تنحصر فيما يأتي: (هامش) (1) سورة البقرة آية: 222. (.) يجب الغسل لامور خمسة: (الاول) خروج المني بشهوة في النوم أو اليقظة من ذكر أو أنثى وهو قول عامة الفقهاء. لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الماء من

[ 65 ]

الماء (1) رواه مسلم، وعن أم سلمة رضي الله عنها: أن أم سليم قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: (نعم، إذا رأت الماء) رواه الشيخان وغيرهما. (هامش) (1) الماء من الماء: أي الاغتسال من الانزال، فالماء الاول الماء المطهر، والثاني المني. وهنا صور كثيرا ما تقع، أحببنا أن ننبه عليها للحاجة إليها: ا - إذا خرج المني من غير شهوة، بل لمرض أو برد فلا يجب الغسل. ففي حديث علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (فإذا فضخت الماء (2) فاغتسل)، رواه أبو داود. قال مجاهد: بينا نحن أصحاب ابن عباس - حلق في المسجد: - (طاووس، وسعيد بن جبير، وعكرمة - وابن عباس قائم يصلي) إذا وقف علينا رجل فقال: هل من مفت؟ فقلنا: سل، فقال إني كلما بلت تبعه الماء الدافق؟ قلنا الذي يكون منه الولد؟ قال: نعم، قلنا: عليك الغسل، قال: فولى الرجل وهو يرجع، قال: وعجل ابن عباس في صلاته، ثم قال لعكرمة علي بالرجل، وأقبل علينا فقال: أرأيتم ما أفتيتم به هذا الرجل، عن كتاب الله؟ قلنا: لا. قال: فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: لا، قال: فعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا لا، قال: فعمه؟ قلنا: عن رأينا، قال: فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد) قال: وجاء الرجل فأقبل عليه ابن عباس فقال: أرأيت إذا كان ذلك منك، أتجد شهوة في قبلك؟ قال: لا، قال: فهل تجد خدرا في جسدك؟ قال: لا، قال إنما هذه إبردة، يجزيك منها الوضوء). (هامش) (2) (الفضخ) خروج المني بشدة. (.) ب - إذا احتلم ولم يجد منيا فلا غسل عليه، قال ابن المنذر. أجمع على هذا كل من أحفط عنه من أهل العلم، وفي حديث أم سليم المتقدم فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: (نعم إذا رأت الماء) ما يدل على أنها إذا لم تره فلا غسل عليها، لكن إذا خرج بعد الاستيقاظ وجب عليها الغسل. ح - إذا انتبه من النوم فوجد بللا ولم يذكر احتلاما، فإن تيقن أنه مني فعليه الغسل، لان الظاهر أن خروجه كان لاحتلام نسيه، فإن شك ولم يعلم،

[ 66 ]

هل هو مني أو غيره؟ فعيله الغسل احتياطا. وقال مجادة وقتادة: لا غسل عليه حتى يوقن بالماء الدافق، لان اليقين بقاء الطهارة، فلا يزول بالشك. د - أحس بانتقال المني عند الشهوة، فأمسك ذكره فلم يخرج فلا غسل عليه، لما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم علق الاغتسال على رؤية الماء. فلا يثبت الحكم بدونه، لكن إن مشى فخرج منه المني فعليه الغسل. ه‍ - رأى في ثوبه منيا، لا يعلم وقت حصوله، وكان قد صلى، يلزمه إعادة الصلاة من آخر نومة له، إلا أن يرى ما يدل على أنه قبلها، فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها. (الثاني): إلتقاء الخنانين: أي تغييب الحشفة في الفرج وإن لم يحصل إنزال، لقول الله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) قال الشافعي: كلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن فيه إنزال، قال: فإن كل من خوطب بأن فلانا أجنب عن فلانة عقل أنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يختلف أحد أن الزنا الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إنزال ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها الاربع (1) ثم جهدها فقد وجب الغسل. أنزل أم لم ينزل) رواه أحمد ومسلم، وعن سعيد ابن المسيب: أن أبا موسى الاشعري رضي الله عنه قال لعائشة: إني أريد أن أسألك عن شئ وأنا استحي منك، فقالت: سل ولا تستحي فإنما أنا أمك، فسألها عن الرجل يغشى ولا ينزل فقالت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أصاب الختان الختان فقد وجب الغسل)، رواه أحمد ومالك بألفاظ مختلفة. ولا بد من الايلاج بالفعل، أما مجرد المس من غير إيلاج فلا غسل على واحد منهما إجماعا. (هامش) (1) (الشعب الاربع): يداها ورجلاها. (والجهد) كناية عن معالجة الايلاج. (.) (الثالث): انقطاع الحيض والنفاس: لقول الله تعالى (ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث

[ 67 ]

أمركم الله)، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها (دعي الصلاة قدر الايام التي كنت تحيضين فيها، اغتسلي وصلي) متفق عليه، وهذا، وإن كان واردا في الحيض، إلا أن النفاس كالحيض بإجماع الصحابة، فإن ولدت ولم ير الدم فقيل عليها الغسل، وقيل لا غسل عليها، ولم يرد نص في ذلك. (الرابع) الموت: إذا مات المسلم وجب تغسيله إجماعا، على تفصيل يأتي في موضعه. (الخامس): الكافر إذا أسلم: إذا أسلم الكافر يجب عليه الغسل، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن ثمامة الحنفي أسر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إليه فيقول: ما عندك يا ثمامة؟ فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن ترد المال نعطك منه ما شئت، وكان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يحبون الفداء ويقولون: ما نصنع بقتل هذا؟ فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فحله وبعث به إلى حائط أبي طلحة (1) وأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد حسن إسلام أخيكم) رواه أحمد وأصله عند الشيخين. (هامش) (1) (الحائط): البستان. (.) ما يحرم على الجنب يحرم على الجنب ما يأتي: 1 - الصلاة. 2 - الطواف: وقد تقدمت أدلة ذلك في مبحث ما يجب له الوضوء. 3 - مس المصحف وحمله، وحرمتهما متفق عليها بين الائمة ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة، وجوز داود ابن حزم للجنب مس المصحف وحمله ولم يريا بهما بأسا، واستدلالا بما جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى هرقل كتابا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم... إلى أن قال

[ 68 ]

(يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون) (1)، قال ابن حزم: فهذا رسول الله بعث كتابا، وفيه هذه الاية إلى النصارى وقد أيقن أنهم يمسون هذا الكتاب، وأجاب الجمهور عن هذا بأن هذه رسالة ولا مانع من مس ما اشتملت عليه من آيات من القرآن كالرسائل وكتب التفسير والفقه وغيرها، فإن هذه لا تسمى مصحفا ولا تثبت لها حرمته. 4 - قراءة القرآن: يحرم على الجنب أن يقرأ شيئا من القرآن عند الجمهور. لحديث علي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يحجبه عن القرآن شئ ليس الجنابة) رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي وغيره. قال الحافظ في الفتح: وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن، يصلح للحجة، وعنه رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال: (هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا. ولا آية) رواه أحمد وأبو يعلى وهذا لفظه، قال الهيتمي: رجاله موثقون، قال الشوكاني: فإن صح هذا صلح للاستدلال به على التحريم. أما الحديث الاول فليس فيه ما يدل على التحريم. لانه غايته أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك القراءة حال الجنابة، ومثله لا يصلح متمسكا للكراهة، فكيف يستدل به على التحريم؟. انتهى. وذهب البخاري والطبراني وداود وابن حزم إلى جواز القراءة للجنب. قال البخاري: قال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الحائض الاية، ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. قال الحافظ تعليقا على هذا، لم يصح عند المصنف (يعني البخاري) شئ من الاحاديث الواردة في ذلك: أي في منع الجنب والحائض من القراءة، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره لكن أكثرها قابل للتأويل. 5 - المكث في المسجد: يحرم على الجنب أن يمكث في المسجد، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجوه (هامش) (1) سورة آل عمران آية: 64. (.)

[ 69 ]

بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال (وجهوا هذه البيوت عن المسجد) ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئا، رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) رواه أبو داود، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم صرحة هذا المسجد (1) فنادى بأعلى صوته: (ان المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب) رواه ابن ماجة والطبراني. والحديثان يدلان على عدم حل اللبث في المسجد والمكث فيه للحائض والجنب، لكن يرخص لهما في اجتيازه لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (2) وعن جابر رضي الله عنه قال: (كان أحدنا يمر في المسجد جنبا مجتازا) رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور في سننه. وعن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب، رواه ابن المنذر. وعن يزيد بن حبيب: أن رجالا من الانصار كانت أبوابهم إلى المسجد، فكانت تصيبهم جنابة فلا يجدون الماء، ولا طريق إليه إلا من المسجد، فأنزل الله تعالى (ولا جنبا إلا عابري سبيل) رواه ابن جرير. قال الشوكاني عقب هذا. وهذا من الدلالة على المطلوب بمحل لا يبقى بعده ريب، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخمرة من المسجد) فقلت: إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك) رواه الجماعة إلا البخاري، وعن ميمونة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض) رواه أحمد والنسائي وله شواهد. (هامش) (1) (الصرحة) بفتح وسكون: عرصة الدار والممتد من الارض. (2) سورة النساء آية: 43. (.) الاغسال المستحبة أي التي يمدح المكلف على فعلها ويثاب، وإذا تركها لا لوم عليه ولا عقاب، وهي ستة نذكرها فيما يلي:

[ 70 ]

(1) غسل الجمعة: لما كان يوم الجمعة يوم اجتماع للعبادة والصلاة أمر الشارع بالغسل وأكده ليكون المسلمون في اجتماعهم على أحسن حال من النظافة والتطهير. فعن أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأم يمس من الطيب ما يقدر عليه) رواه البخاري ومسلم. والمراد بالمحتلم البالغ، والمراد بالوجوب تأكيد استحبابه، بدليل ما رواه البخاري عن ابن عمر: (أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الاولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عثمان، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل؟). قال الشافعي: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل ذلك على أنهما قد علما أن الامر بالغسل للاختيار. ويدل على استحباب الغسل أيضا، ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام). قال القرطبي في تقرير الاستدلال بهذا الحديث عن الاستحباب: ذكر الوضوء وما معه مرتبا عليه الثواب المقتضي للصحة، يدل على أن الوضوء كاف. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل للجمعة، والقول بالاستحباب بناء على أن ترك الاغتسال لا يترتب عليه حصول ضرر، فإن ترتب على تركه أذى الناس بالعرق والرائحة الكريهة ونحو ذلك مما يسئ، كان الغسل واجبا وتركه محرما، وقد ذهب جماعة من العلماء، إلى القول بوجوب الغسل للجمعة وإن لم يحصل أذى بتركه، مستدلين بقول أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما. يغسل فيه رأسه وجسده) رواه البخاري ومسلم وحملوا الاحاديث الواردة في هذا الباب على ظاهرا وردوا ما عارضها.

[ 71 ]

ووقت الغسل يمتد من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، وإن كان المستحب أن يتصل الغسل بالذهاب، وإذا أحدث بعد الغسل يكفيه الوضوء. قال الاثرم: سمعت أحمد سئل عمن اغتسل ثم أحدث، هل يكفيه الوضوء؟ فقال نعم، ولم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى. انتهى، يشير أحمد إلى ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، وله صحبة: أنه كان يغتسل يوم الجمعة ثم يحدث فيتوضأ ولا يعيد الغسل ويخرج وقت الغسل بالفراغ من الصلاة فمن اغتسل بعد الصلاة لا يكون غسلا للجمعة، ولا يعتبر فاعله آتيا بما أمر به، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) رواه الجماعة، ولمسلم (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) وقد حكى ابن عبد البر الاجماع على ذلك. (2) غسل العيدين: استحب العلماء الغسل للعيدين، ولم يأت في ذلك حديث صحيح، قال في البدر المنير: أحاديث غسل العى 6 ين ضعيفة، وفيها آثار عن الصحابة جيدة. (3) غسل من غسل ميتا: يستحب لمن غسل ميتا أن يغتسل عند كثير من أهل العلم، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم. وقد طعن الائمة في هذا الحديث. قال علي بن المدايني وأحمد وابن المنذر والرافعي وغيرهم: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئا، لكن الحافظ ابن حجر قال في حديثنا هذا: قد حسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وهو - بكثرة طرقه - أقل أحواله أن يكون حسنا، فإنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض، وقال الذهبي: طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء، والامر في الحديث محمول على الندب، لما روي عن عمر رضي الله عنه قال: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل. رواه الخطب بإسناد صحيح، ولما غسلت أسماء بنت عميش زوجها أبا

[ 72 ]

بكر الصديق رضي الله عنه حين توفي خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إن هذا يوم شديد البرد، وأنا صائمة، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا، رواه مالك. (4) غسل الاحرام: يندب الغسل لمن أراد أن يحرم بحج أو عمرة عند الجمهور، لحديث زيد ابن ثابت (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجرد لاهلاله واغتسل، رواه الدار قطني والبيهقي والترمذي وحسنه، وضعفه العقيلي. (5) غسل دخول مكة: يستحب لمن أراد دخول مكة أن يغتسل، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذى طوى حتى يصبح ثم يدخل مكة نهارا)، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله، رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ مسلم، وقال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء. (6) غسل الوقوف بعرفة: يندب الغسل لمن أراد الوقوف بعرفة الحج، لما رواه مالك بن نافع: (أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان يغتسل لاحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة). أركان الغسل لا تتم حقيقة الغسل المشروع إلا بأمرين: (1) النية: إذ هي المميزة للعبادة عن العادة، وليست النية إلا عملا قلبيا محضا. وأما ما درج عليه كثير من الناس واعتادوه من التلفظ بها فهو محدث غير مشروع، ينبغي هجره والاعراض عنه وقد تقدم الكلام على حقيقة النية في الوضوء.

[ 73 ]

(2) غسل جميع الاعضاء: لقول الله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) أي اغتسلوا، وقوله: (يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن): أي يغتسلن. والدليل على أن المراد بالتطهر الغسل، ما جاء صريحا في قول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) وحقيقة الاغتسال، غسل جميع الاعضاء. سننه يسن للمغتسل مراعاة فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في غسله فيبدأ (1) بغسل يديه ثلاثا (2) ثم يغسل فرجه (3) ثم يتوضأ وضوءا كاملا كالوضوء للصلاة، وله تأخير غسل رجليه إلى أن يتم غسله، إذا كان يغتسل في طست ونحوه (4) ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثا مع تخليل الشعر، ليصل الماء إلى أصوله (5) ثم يفيض الماء على سائر البدن بادئا بالشق الايمن ثم الايسر مع تعاهد الابطين وداخل الاذنين والسرة وأصابع الرجلين وذلك ما يمكن دلكه من البدن. وأصل ذلك كله ما جاء عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أنه قد استبرأ (1) حفن على رأسه ثلاث حثيات، ثم أفاض على سائر جسده)، رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لهما: (ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات)، ولهما عنها أيضا قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشئ نحو الحلاب (2) فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الايمن ثم الايسر، ثم أخذ بكفيه فقلبهما على رأسه) وعن ميمونة رضي الله عنها قالت: وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالارض ثم مضمض (هامش) (1) (أنه قد استبرأ): أي أوصل الماء إلى البشرة. (2) (الحلاب): الماء. (.)

[ 74 ]

واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه، قالت: فأتيته بخرقة فلم يردها (1) وجعل ينفض الماء بيده رواه الجماعة. (هامش) (1) لم يردها (بضم الياء وكسر الراء من الارادة، لا من الرد كما جاء في رواية البخاري) ثم أتيته بالمنديل فرده. (.) غسل المرأة غسل المرأة كغسل الرجل، إلا أن المرأة لا يجب عليها أن تنقض ضفيرتها، إن وصل الماء إلى أصل الشعر، لحديث أم سلمة رضي الله عنها، أن امرأة قالت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: (إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت) رواه أحمد ومسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، وعن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: بلغ عائشة رضي الله عنها أن عبد الله ابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: (يا عجبا لابن عمر، يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات) رواه أحمد ومسلم، ويستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيض أو نفاس، أن تأخذ قطعة من قطن ونحوه، وتضيف إليها مسكا أو طيبا ثم تتبع بها أثر الدم، لتطيب المحل وتدفع عنه رائحة الدم الكريهة. فعن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت يزيد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض قال: (تأخذ إحداكم ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور (2) ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها) قالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ قال: (سبحان الله! تطهري بها) فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك. تتبعي أثر الدم: وسألته عن غسل الجنابة فقال: (تأخذي ماءك (هامش) (2) (تطهر فتحسن الطهور) أي تتوضأ فتحسن الوضوء. (شؤون رأسها): أي أصول شعر الرأس. (فرصة ممسكة). بكسر فسكون: أي قطعة قطن أو صوفة مطيبة بالمسك. (تخفي ذلك): تسر به إليها. (.)

[ 75 ]

فتطهرين فتحسنين الطهور أو أبلغي الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء) فقالت عائشة: (نعم النساء نساء الانصار. لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) رواه الجماعة إلا الترمذي. مسائل تتعلق بالغسل 1 - يجزئ غسل واحد عن حيض وجنابة، أو عن جمعة وعيد، أو عن جنابة وجمعة، وإذا نوى الكل، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإنما لكل امرئ ما نوى). 2 - إذا اغتسل من الجنابة، ولم يكن قد توضأ يقوم الغسل عن الوضوء، قالت عائشة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل). وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لرجل - قال له: إني أتوضأ بعد الغسل - فقال له: لقد تغمقت، وقال أبو بكر ابن العربي: لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث وتقضي عليها، لان موانع الجنابة أكثر من موانع الحدث، فدخل الاقل في نية الاكثر، وأجزأت نية الاكبر عنه. 3 - يجوز للجنب والحائض إزالة الشعر، وقص الظفر والخروج إلى السوق وغيره من غير كراهية. قال عطاء يحتجم الجنب، ويقلم أظافره، ويحلق رأسه، وإن لم يتوضأ رواه البخاري. 4 - لا بأس بدخول الحمام، إن سلم الداخل من النظر إلى العورات، وسلم من نظر الناس إلى عورته. قال أحمد: إن علمت أن كل من في الحمام عليه إزار فادخله، وإلا فلا تدخل. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة). وذكر الله في الحمام لا حرج فيه، فإن ذكر الله في كل حال حسن، ما لم يرد ما يمنع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكر الله على كل أحيانه. 5 - لا بأس بتنشيف الاعضاء بمنديل ونحوه، في الغسل والوضوء، صيفا وشتاء.

[ 76 ]

6 - يجوز للرجل أن يغتسل ببقية الماء الذي اغتسلت منه المرأة والعكس، كما يجوز لهما أن يغتسلا معا من إناء واحد. فعن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له يا رسول الله: إني كنت جنبا! فقال: (إن الماء لا يجنب). رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح. وكانت عائشة تغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، فيبادرهما وتبادره، حتى يقول لها: دعي لي، وتقول له: دع لي (1). (هامش) (1) المراد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول لعائشة أبقي لي ماء وهي تقول كذلك. (.) 7 - لا يجوز الاغتسال عريانا بين الناس، لان كشف العورة محرم، فإن استتر بثوب ونحوه فلا بأس. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره فاطمة بثوب ويغتسل، أما لو اغتسل عريانا بعيدا عن أعين الناس فلا مانع منه، فقد اغتسل موسى عليه السلام عريانا، كما رواه البخاري فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أيوب عليه السلام يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه. فناداه ربه تبارك وتعالى: (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك) رواه أحمد والبخاري والنسائي. التيمم 1 - تعريفه: المعنى اللغوي للتيمم: القصد. والشرعي: القصد إلى الصعيد، لمسح الوجه واليدين، بنية استباحة الصلاة ونحوها. 1 - دليل مشروعيته: ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فلقول الله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) (2). (هامش) (2) سورة النساء آية 43. (.)

[ 77 ]

وأما السنة، فلحديث أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (جعلت الارض كلها لي ولامتي مسجدا وطهورا، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده طهوره) رواه أحمد. وأما الاجماع، فلان المسلمين أجمعوا على أن التيمم مشروع، بدلا من الوضوء والغسل في أحوال خاصة. 3 - اختصاص هذه الامة به: وهو من الخصائص التي خص الله بها هذه الامة. فعن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي. نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث في قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة). رواه الشيخان. 4 - سبب مشروعيته: روت عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي. فأقام النبي صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ فجاء أبو بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم على فخذي قد نام، فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده خاصرتي فما يمنعني من التحرك إلا مكان النبي صلى الله عليه وسلم على فخذي، فنام حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم (فتيمموا) قال السيد بن حضير: ما هي أول (1) بركتكم يا آل أبي بكر!! فقالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته). رواه الجماعة إلا الترمذي. (هامش) (1) ما: بمعنى ليس - أي ليست هذه أول بركة لكم، فان بركاتكم كثيرة. (.) 5 - الاسباب المبيحة له: يباح التيمم للمحدث حدثا أصغر أو أكبر، في الحضر والسفر، إذا وجد سبب من الاسباب الاتية: ا - إذا لم يجد الماء، أو وجد منه ما لا يكفيه للطهارة، لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر،

[ 78 ]

فصلى بالناس، فإذا هو رجل معتزل فقال: (ما منعك أن تصلي؟) قال: أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) رواه الشيخان. وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين) رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. لكن يجب عليه - قبل أن يتيمم - أن يطلب الماء من رجله، أو من رفقته، أو ما قرب منه عادة، فإذا تيقن عدمه، أو أنه بعيد عنه، لا يجب عليه الطلب. ب - إذا كان به جراحة أو مرض، وخاف من استعمال الماء زيادة المرض أو تأخر الشفاء، سواء عرف ذلك بالتجربة أو بإخبار الثقة من الاطباء، لحديث جابر رضي الله عليه قال، خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا حجر، فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال (1). إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده) رواه أبو داود وابن ماجة والدار قطني، وصححه ابن السكن. (هامش) (1) (العي) الجهل. (.) ج - إذا كان الماء شديد البرودة، وغلب على ظنه حصول ضرر بإستعماله بشرط أن يعجز عن تسخينه ولو بالاجر، أولا يتيسر له دخول الحمام، لحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتملت في ليلة شديدة البرودة، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟). فقلت: ذكرت قول الله عزوجل: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (2) فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ولم يقل شيئا. رواه أحمد وأبو داود والحاكم والدار قطني وابن حبان، وعلقه البخاري. وفي هذا إقرار، والاقرار حجة لانه صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل. (هامش) (2) سورة النساء آية: 39. (.)

[ 79 ]

د - إذا كان الماء قريبا منه، إلا أنه يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله أو فوت الرفقة، أو حال بينه وبين الماء عدو يخشى منه، سواء كان العدو آدميا أو غيره، أو كان مسجونا، أو عجز عن استخراجه، لفقد آلة الماء، كحبل ودلو، لان وجود الماء في هذه الاحوال كعدمه، وكذلك من خاف إن اغتسل أن يرمي بما هو برئ منه ويتضرر به، جاز التيمم (1). (هامش) (1) كالصديق يبيت عند صديقه المتزوج فيصبح جنبا. (.) ه‍ - إذا احتاج إلى الماء حالا أو مآلا لشربه أو شرب غيره، ولو كان كلبا غير عقور، أو احتاج له لعجن أو طبخ وإزالة نجاسة غير معفو عنها، فإنه يتيمم ويحفظ ما معه من الماء. قال الامام أحمد رضي الله عنه: عدة من الصحابة تيمموا وحبسوا لماء لشفاههم. وعن علي رضي الله عنه أنه قال - في الرجل يكون في السفر، فتصيبه الجنابة، ومعه قليل من الماء، يخاف أن يعطش -: يتيمم ولا يغتسل. رواه الدار قطني. قال ابن تيمية: ومن كان حاقنا عادما للماء، فالافضل أن يصلي بالتيمم غير حاقن من أن يحفظ وضوءه ويصلي حاقنا. و - إذا كان قادرا على استعمال الماء، لكنه خشي خروج الوقت باستعماله في الوضوء أو الغسل، فأنه يتيمم ويصلي، ولا اعادة عليه. 6 - الصعيد الذي يتيمم به: يجوز التيمم بالتراب الطاهر وكل ما كان من جنس الارض، كالرمل والحجر والرجص. لقول الله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) وقد أجمع أهل اللغة، على أن الصعيد وجه الارض، ترابا كان أو غيره. 7 - كيفية التيمم: على المتيمم أن يقدم النية (2). وتقدم الكلام عليها في الوضوء، ثم يسمي الله تعالى، ويضرب بيديه الصعيد الطاهر، ويمسح بهما وجهه ويديه إلى الرسغين. ولم يرد في ذلك أصح ولا أصرح من حديث عمار رضي الله عنه قال: اجنبت فلم أصب الماء فتمعكت في الصعيد (3) وصليت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إنما كان يكفيك هكذا) وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الارض (وتنفخ فيهما) ثم مسح بهما (هامش) (2) وهي فرض في التيمم أيضا. (3) (تمعكت) تمرغت وزنا ومعنى. (.)

[ 80 ]

وجهه وكفيه). رواه الشيخان. وفي لفظ آخر: (إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين) رواه الدار قطني. ففي هذا الحديث، الاكتفاء بضربة واحدة، والاقتصار في مسح اليدين على الكفين، وان من السنة لمن تيمم بالتراب، أن ينفض يديه وينفخهما منه، ولا يعفر به وجهه. 8 - ما يباج به التيمم: التيمم بدل من الوضوء والغسل عند عدم الماء فيباح به ما يباح بهما، من الصلاة ومس المصحف وغيرهما، ولا يشترط لصحته دخول الوقت، وللمتيمم أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل، فحكمه كحكم الوضوء، سواء بسواء، فعن أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصعيد طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) رواه أحمد والترمذي وصححه. 9 - نواقضه: ينقض التيمم كل ما ينقض الوضوء، لانه بدل منه، كما ينقضه وجود الماء لمن فقده، أو القدرة على استعماله، لمن عجز عنه. لكن إذا صلى بالتيمم، ثم وجد الماء، أو قدر على استعماله بعد الفراغ من الصلاة، لا تجب عليه الاعادة، وإن كان الوقت باقيا، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الاخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الاجر مرتين) رواه أبو داود والنسائي. أما إذا وجد الماء وقدر على استعماله بعد الدخول في الصلاة، وقبل الفراغ منها، فإن وضوءه ينتقض، ويجب عليه التطهر بالماء، لحديث أبي ذر المتقدم. وإذا تيمم الجنب أو الحائض لسبب من الاسباب المبيحة للتيمم وصلى، لا تجب عليه إعادة الصلاة. ويجب عليه الغسل متى قدر على استعمال الماء، لحديث عمر رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو

[ 81 ]

برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: (ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) قال: أصابتني جنابة ولم أجد ماء. قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) ثم ذكر عمران: أنهم بعد أن وجدوا الماء أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أصابته الجنابة إناء من ماء وقال: (إذهب فأفرغه عليك)، رواه البخاري. المسح على الجبيرة ونحوها مشروعية المسح على الجبيرة والعصابة: يشرع المسح على الجبيرة ونحوها مما يربط به العضو المريض. لاحاديث وردت في ذلك، وهي وإن كانت ضعيفة، إلا أن لها طرقا يشد بعضها بعضا. وتجعلها صالحة للاستدلال بها على المشروعية. من هذه الاحاديث حديث جابر: أن رجلا أصابه حجر، فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتمم ويعصر أو يعصب على جرحه، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده)، رواه أبو داود وابن ماجة والدار قطني وصححه ابن السكن. وصح عن ابن عمر، أنه مسح على العصابة. حكم المسح: حكم المسح على الجبيرة الوجوب، في الوضوء والغسل، بدلا من غسل العضو المريض أو مسحه. متى يجب المسح: من به جراحة أو كسر وأراد الوضوء أو الغسل، وجب عليه غسل أعضائه، ولو اقتضى ذلك تسخين الماء، فإن خاف الضرر من غسل العضو المريض، بأن ترتب على غسله حدوث مرض، أو زيادة ألم، أو تأخر شفاء، انتقل فرضه إلى مسح العضو المريض بالماء، فإن خاف الضرر من المسح وجب

[ 82 ]

عليه أن يربط على جرح عصابة، أو يشد على كسره جبيرة، بحيث لا يتجاوز العضو المريض إلا لضرورة ربطها، ثم يمسح عليها مرة تعمها. والجبيرة أو العصابة لا يشترط تقدم الطهارة على شدها، ولا توقيت فيها بزمن، بل يمسح عليها دائما في الوضوء والغسل، ما دام العذر قائما. مبطلات المسح: يبطل المسح على الجبيرة، بنزعها من مكانها أو سقوطها عن موضعها عن برء أو براءة موضعها، وإن لم تسقط. صلاة فاقد الطهورين من عدم الماء والصعيد بكل حال يصلي على حسب حاله ولا إعادة عليه. لما رواه مسلم عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير. جزاك الله خيرا، فو الله ما نزل بك أمر قط، إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين منه بركة، فهؤلاء الصحابة صلوا حين عدموا ما جعل لهم طهورا، وشكوا ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينكره عليهم، ولم يأمرهم بالاعادة: قال النووي: وهو أقوى الاقوال دليلا. الحيض (1) تعريفه: أصل الحيض في اللغة: السيلان، والمراد به هنا: الدم الخارج من قبل المرأة حال صحتها، من غير سبب ولادة ولا افتضاض. (2) وقته: وقته يرى كثير من العلماء أن وقته لا يبدأ قبل بلوغ الانثى تسع سنين (1) فإذا رأت الدم قبل بلوغها هذا السن لا يكون دم حيض، بل دم علة (هامش) (1) تسع سنين: أي قمرية، وتقدر السنة القمرية بنحو من: 354 يوما. (.)

[ 83 ]

وفساد، وقد يمتد إلى آخر العمر، ولم يأت دليل على أن له غاية ينتهي إليها، فمتى رأت العجوز المسنة الدم، فهو حيض. (3) لونه: يشترط في دم الحيض أن يكون على لون من ألوان الدم الاتية: 1 - السواد، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان دم الحيضة أسود يعرف (1) فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الاخر فتوضي وصلي فإنما هو عرق) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان والدار قطني. وقال: رواته كلهم ثقات ورواه الحاكم وقال: على شرط مسلم. ب - الحمرة: لانها أصل لون الدم. ح - الصفرة: وهي ماء تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار. د - الكدرة: وهي التوسط بين لون البياض والسواد كالماء الوسخ، لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمه مرجانة مولاة عائشة رضي الله عنها قالت: (كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة (2) فيها الكرسف فيه الصفرة، فتقول. لا تعجلن حتى ترين القصة (3) البيضاء) رواه مالك ومحمد بن الحسن وعلقه البخاري. وإنما تكون الصفرة والكدرة حيضا في أيام الحيض، وفي غيرها لا تعتبر حيضا، لحديث أم عطية رضي الله عنها قالت: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا) رواه أبو داود والبخاري ولم يذكر بعد الطهر. (هامش) (1) (يعرف) بضم الاول وفتح الراء: أي تعرفه النساء، أو بكسر الراء: أي له عرف ورائحة. (2) (بالدرجة) بكسر أوله وفتح الراء والجيم جمع درج بضم فسكون وعاء تضع المرأة فيه طيبها ومتاعها، أو بالضم ثم السكون تأنيث درج وهو ما تدخله المرأة من قطن وغيره، لتعرف هل بقي من أثر الحيض شئ أم لا. والكرسف، القطن. (3) (القصة) القطنة: أي حتى تخرج القطنة بيضاء نقية لا يخالطها صفرة. (.)

[ 84 ]

(4) مدته (1): لا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره. ولم يأت في تقدير مدته ما تقوم به الحجة. ثم إن كانت لها عادة متقررة تعمل عليها، لحديث أم سلمة رضي الله عنها: أنها استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة تهراق الدم فقال: (لتنظر قدر الليالي والايام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر، فتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر (2) ثم تصلي) رواه الخمسة إلا الترمذي، وإن لم تكن لها عادة متقررة ترجع إلى القرائن المستفادة من الدم لحديث فاطمة بنت أبي حبيش المتقدم، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف) فدل الحديث على أن دم الحيض متميز عن غيره، معروف لدى النساء. (هامش) (1) اختلف العلماء في المدة فقال بعضهم لا حد لاقله وقال آخرون: أقل مدته يوم وليلة، وقال غيرهم ثلاثة أيام، وأما أكثره فقيل عشرة أيام، وقيل خمسة عشر يوما. (2) (ولستثفر): أي تشد خرقة على فرجها. (.) 5 - مدة الطهر بين الحيضتين: اتفق العلماء على أنه لا حد لاكثر الطهر المتخلل بين الحيضتين. واختلفوا في أقله، فقدره بعضهم بخمسة عشر يوما، وذهب فريق منهم إلى أنه ثلاثة عشر. والحق أنه لم يأت في تقدير أقله دليل ينهض للاحتجاج به. النفاس (1) تعريفه: هو الدم الخارج من قبل المرأة بسبب الولادة وإن كان المولود سقطا. (2) مدته: لا حد لاقل النفاس، فيتحقق بلحظة فإذا ولدت وانقطع دمها عقب الولادة، أو ولدت بلا دم وانقضى نفاسها، لزمها ما يلزم الطاهرات من الصلاة والصوم وغيرهما، وأما أكثره فأربعون يوما. لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله

[ 85 ]

عليه وسلم أربعين يوما). رواه الخمسة إلا النسائي وقال الترمذي - بعد هذا الحديث -: قد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي، فإن رأت الدم بعد الاربعين، فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الاربعين. ما يحرم على الحائض والنفساء تشترك الحائض والنفساء مع الجنب في جميع ما تقدم مما يحرم على الجنب، وفي أن كل واحد من هؤلاء الثلاث يقال له محدث حدثا أكبر ويحرم على الحائض والنفساء - زيادة على ما تقدم - أمور: (1) الصوم: فلا يحل للحائض والنفساء أن تصوم، فإن صامت لا ينعقد صيامها، ووقع باطلا، ويجب عليها قضاء ما فاتها من أيام الحيض والنفاس في شهر رمضان، بخلاف ما فاتها من الصلاة، فإنه لا يجب عليها قضاؤه دفعا للمشقة، فإن الصلاة يكثر تكرارها، بخلاف الصوم، لحديث أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: (يا معشر النساء تصدقن فإني أيتكن أكثر أهل النار) فقلن: ولم يا رسول الله؟ قال: (تكترن اللعن وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن!) قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال (فذلك من نقضان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟) قلن: بلى. قال. (فذلك نقصان دينها) رواه البخاري ومسلم. وعن معاذة قالت: (سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. رواه الجماعة. (2) الوطء: وهو حرام بإجماع المسلمين، بنص الكتاب والسنة، فلا يحل وطء

[ 86 ]

الحائض والنفساء حتى تطهر، لحديث أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها. ولقد سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزوجل (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شئ إلا النكاح)، وفي لفظ (إلا الجماع) رواه الجماعة إلا البخاري،، قال النووي: ولو اعتقد مسلم حل جماع الحائض في فرجها صار كافرا مرتدا، ولو فعله غير معتقد حله ناسيا أو جاهلا الحرمة أو وجود الحيض، فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن فعله عامدا عالما بالحيض والتحريم مختارا فقد ارتكب معصية كبيرة، يجب عليه التوبة منها. وفي وجوب الكفارة قولان: أصحهما أنه لا كفارة عليه، ثم قال: النوع الثاني أن يباشرها فيما فوق السرة وتحت الركبة وهذا حلال بالاجماع، والنوع الثالث أن يباشرها فيما بين السرة والركبة، غير القبل والدبر. وأكثر العلماء على حرمته. ثم اختار النووي الحل مع الكراهة، لانه أقوى من حيث الدليل، انتهى ملخصا. والدليل الذي أشار إليه، ما روي عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها شيئا. رواه أبو داود. قال الحافظ: إسناده قوي. وعن مسروق بن الاجدع، قال: سألت عائشة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: (كل شئ إلا الفرج) رواه البخاري في تاريخه. (هامش) (1) سورة البقرة آية: 222. (.) الاستحاضة (1) تعريفها هي استمرار نزول الدم وجريانه في غير أوانه.

[ 87 ]

(2) أحوال المستحاضة: المستحاضة لها ثلاث حالات: ا - أن تكون مدة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة، وفي هذه الحالة تعتبر هذه المدة المعروفة هي مدة الحيض، والباقي استحاضة، لحديث أم سلمة: أنها استفتت النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة تهراق الدم فقال: (لتنظر قدر الليالي والايام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشعر، فتدع الصلاة، ثم لتغتسل ولتستثفر ثم تصلي) رواه مالك والشافعي والخمسة إلا الترمذي قال النووي: وإسناده على شرطهما. قال الخطابي: هذا حكم المرأة يكون لها من الشهر أيام معلومة تحيضها في أيام الصحة قبل حدوث العلة ثم تستحاض فتهريق الدم، ويستمر بها السيلان أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدع الصلاة من الشهر قدر الايام التي كانت تحيض، قبل أن يصيبها ما أصابها، فإذا استوفت عدد تلك الايام، اغتسلت مرة واحدة، وحكمها حكم الطواهر. ب - أن يستمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة، إما لانها حسبت عادتها، أو بلغت مستحاضة، ولا تستطيع تمييز دم الحيض. وفي هذه الحالة يكون حيضها ستة أيام أو سبعة، على غالب عادة النساء، لحديث جمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بن جحش، قالت فقلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، وقد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال: (أنعت لك الكرسف (1) فإنه يذهب الدم) قالت: هو أكثر من ذلك، قال (فتلجمي) قالت: إنما أثج ثجا فقال: (سآمرك بآمرين) أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الاخر، فان قويت عليها فأنت أعلم، فقال لها: (إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام إلى سبعة في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد (هامش) (1) (أنعت لك الكرسف): أصف لك القطن. (شدي خرقة مكان الدم على هيئة اللجام، (والثج): شدة السيلان. (.)

[ 88 ]

طهرت واستنقيت، فصلي أربعا وعشرين ليلة، أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، فتغسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء وتجمعين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، فكذلك فافعلي وصلي وصومي إن قدرت على ذلك...) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهذا أحب الامرين إلي) رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح. قال: وسألت عنه البخاري فقال: حديث حسن. وقال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح. قال الخطابي - تعليقا على هذا الحديث -: إنما هي امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام، ولا هي مميزة لدمها، وقد استمر بها الدم حتى غلبها، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها إلى العرف الظاهر والامر الغالب من أحوال النساء كما حمل أمرها في تحيضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عادتهن. ويدل على هذا قوله: (كما تحيض النساء ويطهرن بميقات حيضهن وطهرهن) قال: وهذا أصل في قياس أمر النساء بعضهن على بعض، في باب الحيض والحمل والبلوغ، وما أشبه هذا من أمورهن. ح - أن لا تكون لها عادة، ولكنها تستطيع تمييز دم الحيض عن غيره وفي هذه الحالة تعمل بالتمييز، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الاخر فتوضئي وصلى فإنما هو عرق) وقد تقدم. (3) أحكامها: للمستحاضة أحكام نلخصها فيما يأتي: ا - أنه لا يجب عليها الغسل لشئ من الصلاة ولا في وقت من الاوقات إلا مرة واحدة، حينما ينقطع حيضها. وبهذا قال الجمهور من السلف والخلف. ب - أنه يجب عليها الوضوء لكل صلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم

[ 89 ]

- في رواية البخاري -: (ثم توضئي لكل صلاة). وعند مالك يستحب لها الوضوء لكل صلاة، ولا يجب إلا بحدث آخر. ح - أن تغسل فرجها قبل الوضوء وتحشوه بخرقة أو قطنة دفعا للنجاسة، وتقليلا لها، فإذا لم يندفع الدم بذلك شدت مع ذلك على فرجها وتلجمت واستثفرت، ولا يجب هذا، وإنما هو الاولى. د - ألا تتوضأ قبل دخول وقت الصلاة عند الجمهور إذ طهارتها ضرورية، فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة. ه‍ - أنه يجوز لزوجها أن يطأها في حال جريان الدم، عند جماهير العلماء لانه لم يرد دليل بتحريم جماعها. قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت الصلاة، أعظم رواه البخاري ليعني إذا جاز لها أن تصلي ودمها جار، وهي أعظم ما يشترط لها الطهارة، جاز جماعها. وعن عكرمة بنت حمنة، أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها. رواه أبو داود والبيهقي، وقال النووي: إسناده حسن. و - أن لها حكم الطاهرات: تصلي وتصوم وتعتكف وتقرأ القرآن وتمس المصحف وتحمله وتفعل كل العبادات. وهذا مجمع عليه (1). (هامش) (1) دم الحيض دم فساد، أما دم الاستحاضة فهو دم طبيعي، لذا منعت من العبادات في الاول دون الثاني. (.)

[ 90 ]

الصلاة الصلاة عبادة تتضمن أقوالا وأفعالا مخصوصة، مفتتحة بتكبير الله تعالى، مختتمة بالتسليم. منزلتها في الاسلام وللصلاة في الاسلام منزلة لا تعدلها منزلة أية عبادة أخرى. فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأس الامر الاسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، تولى إيجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج من غير واسطة. قال أنس: (فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودي يا محمد: إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين). رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. وهي أول ما يحاسب عليه العبد. نقل عبد الله بن قرط قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة) فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) رواه الطبراني. وهي آخر وصية وصي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عند مفارقة الدنيا، جعل يقول - وهو يلفظ أنفساه الاخيرة -: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم) وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس قبالتي تليها. فأولهن نقضا الحكم. وآخرهن الصلاة) رواه ابن حبان من حديث أبي أمامة. والمتتبع لايات القرآن الكريم يرى أن الله سبحانه يذكر الصلاة ويقرنها بالذكر تارة: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) (1). (قد أفلح (هامش) (1) سورة العنكبوت آية: 45. (.)

[ 91 ]

من تزكى وذكر اسم ربه فصلى (1) (وأقم الصلاة لذكري (2)) وتارة يقرنها بالزكاة: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (3)) ومرة بالصبر (واستعينوا بالصبر والصلاة (4)، وطورا بالنسك (فصل لربك والنحر (5) (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) (6). وأحيانا يفتتح بها أعمال البر ويختتمها بها، كما في سورة، سأل (المعارج) وفي أول سورة المؤمنين: (قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون) إلى قوله: (والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (7)). وقد بلغ من عناية الاسلام بالصلاة، أن أمر بالمحافظة عليها في الحضر والسفر، والامن والخوف، فقال تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين، فإن خفتم فرجالا أو ركبانا، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) (8) وقال مبينا كيفيتها في السفر والحرب والامن: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقتصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا. وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم، إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا، فإذا قضيتم (هامش) (1) سورة الاعلى آية 14 و 15. (2) سورة طه آية 14. (3) سورة البقرة آية: 110. (4) سورة البقرة آية: 45. (5) سورة الكوثر آية: 2. (6) سورة الانعام آية: 162، 163 (7) سورة المؤمنون: 1، 2، 9، 10، 11. (8) سورة البقرة آية 238، 239. (.)

[ 92 ]

الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (1). وقد شدد النكير على من يفرط فيها، وهدد الذين يضيعونها. فقال جل شأنه: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا (2) وقال: (فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون) (3). ولان الصلاة من الامور الكبرى التي تحتاج إلى هداية خاصة، سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يجعله هو وذريته مقيما لها فقال: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء) (4). (هامش) (1) سورة النساء: 102، 103. (2) سورة مريم آية: 59. (3) سورة الماعون آية: 404، 405. (4) إبراهيم آية: 40. (.) حكم ترك الصلاة ترك الصلاة جحودا بها وإنكارا لها كفر وخروج عن ملة الاسلام، بإجماع المسلمين. أما من تركها مع إيمانه بها واعتقاده فرضيتها، ولكن تركها تكاسلا أو تشاغلا عنها، بما لا يعد في الشرع عذرا فقد صرحت الاحاديث بكفره ووجوب قتله. أما الاحاديث المصرحة بكفره فهي: 1 - عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة). رواه أحمد ومسلم، وأبو داود والترمذي وابن ماجة. 2 - وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر). رواه أحمد وأصحاب السنن. 3 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ذكر الصلاة يوما فقال: (من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم

[ 93 ]

القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) رواه أحمد والطبراني وابن حبان، وإسناده جيد. وكون تارك المحافظة على الصلاة مع أئمة الكفر في الاخرة يقتضي كفره. قال ابن القيم: تارك المحافظة على الصلاة، إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته. فمن شعله عنها ماله فهو مع قارون ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف. 4 - وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: (كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الاعمال تركه كفر غير الصلاة) رواه الترمذي والحاكم على شرط الشيخين. 5 - قال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق يقول: (صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن تارك الصلاة كافر) كان رأي أهل العلم، من لدن محمد صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. 6 - وقال ابن حزم: وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة (أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد) ولا نعلم لهؤلاء الصحابة مخالفا. ذكره المنذري في الترغيب والترهيب. ثم قال: قد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة، متعمدا تركها، حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء رضي الله عنهم. ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة وأبو أيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وغيرهم رحمهم الله تعالى. أما الاحاديث المصرحة بوجوب قتله فهي:

[ 94 ]

1 - عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عرى الاسلام وقواعد الدين ثلاثة. عليهن أسس الاسلام، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم. شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان) رواه أبو يعلى بإسناد حسن. وفي رواية أخرى: (من ترك منهن واحدة بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل) (1). وقد حل دمه وماله). 2 - وعن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام وحسابهم على الله عزوجل). رواه البخاري ومسلم. 3 - وعن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع) قالوا يا رسول الله: ألا نقاتلهم؟ قال: (لا، ما صلوا) رواه مسلم. جعل المانع من مقاتلة أمراء الجور الصلاة. 4 - وعن أبي سعيد قال: بعث علي - وهو على اليمن - إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل يا رسول الله: اتق الله. فقال: (ويلك!! أو لست أحق أهل الارض أن يتقي الله!) ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال لا: (لعله أن يكون يصلي) فقال خالد: وكم من رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) مختصر من حديث للبخاري ومسلم. وفي هذا الحديث أيضا، جعل الصلاة هي المانعة من القتل، ومفهوم هذا، أن عدم الصلاة يوجب القتل. (هامش) (1) لا يقبل منه صرف ولا عدل: لا يقبل منه فرض ولا نقل. (.) رأي بعض العلماء الاحاديث المتقدمة ظاهرها يقتضي كفر تارك الصلاة وإباحة دمه، ولكن كثيرا من علماء السلف والخلف، منهم أبو حنيفة، مالك، والشافعي، على

[ 95 ]

أنه لا يكفر، بل يفسق ويستتاب، فإن لم يتب قتل حد أعند مالك والشافعي وغيرهما. وقال أبو حنيفة: لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي، وحملوا أحاديث التكفير على الجاحد أو المستحل للترك، وعارضوها ببعض النصوص العامة كقول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). (1) وكحديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل نبي دعوة مستحابة. فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئا) وعنه، عند البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه). (هامش) سورة النساء آية: 116 (.) مناظرة في تارك الصلاة ذكر السبكي في شبقات الشافعية أن الشافعي وأحمد رضي الله عنهما تناظرا في تارك الصلاة. قال الشافعي: يا أحمد أتقول: إنه يكفر؟ قال: نعم. قال: إذا كان كافرا فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه. قال: يسلم بأن يصلي. قال: صلاة الكافر لا تصح، ولا يحكم له بالاسلام بها. فسكت الامام أحمد، رحمهما الله تعالى. تحقيق الشوكاني قال الشوكاني: والحق أنه كافر يقتل. أما كفره، فلان الاحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الاطلاق، ولا يلزمنا شئ من المعارضات التي أوردها المعارضون، لانا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة، ككفر أهل

[ 96 ]

القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرا، فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها. على من تجب؟ تجب الصلاة على المسلم العاقل البالغ، لحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاث (1): عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم (2)، وعن المجنون حتى يعقل) رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وحسنه الترمذي. (هامش) (1) (رفع القلم) كناية عن عدم التكليف. (2) يحتلم. يبلغ. (.) صلاة الصبي والصبي وإن كانت الصلاة غير واجبة عليه، إلا أنه ينبغي لوليه أن يأمره بها، إذا بلغ سبع سنين، ويضربه على تركها، إذا بلغ عشرا، ليتمرن عليها ويعتادها بعد البلوغ. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا، وفرقوا بينهم في المضاجع) رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. عدد الفرائض الفرائض التي فرضها الله تعالى في اليوم والليلة خمس: فعن ابن محيريز، أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي، سمع رجلا بالشام يدعى أبا محمد، يقول: الوتر واحد قال: فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته، فقال عبادة: كذب أو محمد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له). رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وقال فيه: (ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئا

[ 97 ]

استخفافا بحقهن). وعن طلحة بن عبيدالله أن اعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الشعر فقال: (يا رسول الله أخبرني ما فرض الله علي من الصلوات؟ فقال: (الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا) فقال: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام؟. فقال: (شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا). فقال: أخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الاسلام كلها. فقال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق). رواه البخاري ومسلم. مواقيت الصلاة للصلاة أوقات محدودة لا بد أن تؤدى فيها، لقول الله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (1) أي فرضا مؤكدا ثابتا ثبوت الكتاب. وقد أشار القرآن إلى هذه الاوقات فقال تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار (2) وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين (3)). وفي سورة الاسراء: (أقم الصلاة لدلوك الشمس (4) إلى غسق الليل، وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (5)). وفي سورة طه: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (6)) (هامش) (1) (موقوتا) أي منجما في أوقات محدودة، سورة النساء: 103. (2) قال الحسن: (صلاة طرفي النهار): الفجر والعصر و (زلف الليل) قال: هما زلفتان، صلاة المغرب وصلاة العشاء. (3) سورة هود آية: 114. (4) (دلوك الشمس) زوالها، اي أقمها لاول وقتها هذا، وفيه صلاة الظهر، منتهيا إلى غسق الليل، وهو ابتداء ظلمته، ويدخل فيه صلاة العصر والعشاءين. (وقرآن الفجر): أي وأقم قرآن الفجر: أي صلاة الفجر، (مشهودا) تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. (5) الاسراء آية: 18. (6) سورة طه آية: 12. (.)

[ 98 ]

يعني بالتسبيح قبل طلوع الشمس: صلاة الصبح، وبالتسبيح قبل غروبها: صلاة العصر، لما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ هذه الاية). هذا هو ما أشار إليه القرآن من الاوقات: وأما السنة فقد حددتها وبينت معالمها فيما يلي: 1 - عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، وقت العشاء إلى نصف الليل الاوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر وما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان)، رواه مسلم. 2 - وعن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل عليه السلام فقال له: (قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غ اب الشفق، ثم جاءه الفجر حين برق الفجر، أو قال: (سطع الفجر) ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شئ مثله، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثليه، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: (ثلث الليل) فصلى العشاء. ثم جاءه حين أسفر جدا فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: (ما بين هذين الوقتين وقت) رواه أحمد والنسائي والترمذي. وقال البخاري: هو أصح شئ في المواقيت، يعني إمامة جبريل. (هامش) (1) (وجبت الشمس) غربتو سقطت. (.)

[ 99 ]

وقت الظهر تبين من الحديثين المتقدمين، أن وقت الظهر يبتدئ من زوال الشمس عن وسط السماء، ويمتد إلى أن يصير ظل كل شئ مثله سوى فئ الزوال، إلا أنه يستحب تأخير صلاة الظهر عن أول الوقت عند شدة الحر، حتى لا يذهب الخشوع، والتعجيل في غير ذلك. دليل هذا: 1 - ما رواه أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة) رواه البخاري. 2 - وعن أبي ذر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال: أبرد، مرتين أو ثلاثا، حتى رأينا في التلول (1) ثم قال: (إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)، رواه البخاري ومسلم. (هامش) (1) (الفئ): الظل الذي بعد الزوال. (التلول) جمع تل: ما اجتمع على الارض من تراب أو نحو ذلك. (.) غاية الابراد قال الحافظ في الفتح: واختلف العلماء في غاية الابراد. فقيل حتى يصير الظل ذراعا بعد ظل الزوال. وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها. وقيل: نصفها، وقيل غير ذلك. والجاري على القواعد، أنه يختلف باختلاف الاحوال ولكن بشرط أن لا يمتد إلى آخر الوقت. وقت صلاة العصر وقت صلاة العصر يدخل بصيرورة ظل الشئ مثله بعده فئ الزوال، ويمتد إلى غروب الشمس. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر). رواه الجماعة، ورواه البيهقي بلفظ: (من صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس ثم صلى ما تبقى بعد غروب الشمس لم يفته العصر).

[ 100 ]

وقت الاختيار ووقت الكراهة وينتهي وقت الفضيلة والاختيار باصفرار الشمس، وعلى هذا يحمل حديث جابر وحديث عبد الله بن عمر والمتقدمين. وأما تأخير الصلاة إلى ما بعد الاصفرار فهو وإن كان جائزا إلا أنه مكروه إذا كان لغير عذر. فعن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا. لا يذكر الله إلا قليلا) رواه الجماعة، إلا البخاري، وابن ماجة. قال النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا للعصر خمسة أوقات: (1) وقت فضيلة. (2) واختيار. (3) وجواز بلا كراهة. (4) وجواز مع كراهة. (5) ووقت عذر، فأما وقت الفضيلة فأول وقتها. ووقت الاختيار، يمتد إلى أن يصير ظل الشئ مثليه، ووقت الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة حال الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر، وهو وقت الظهر في حق من يجمع بين العصر والظهر، لسفر أو مطر، ويكون العصر في هذه الاوقات الخمسة أداء، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاء. تأكيد تعجيلها في يوم الغيم عن بريدة الاسلمي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقال: (بكروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإن من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله) رواه أحمد وابن ماجة. قال ابن القيم: الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبدا، فهذا يحبط العمل جميعه، وترك معين، في يوم معين، فهذا يحبط عمل اليوم). صلاة العصر هي صلاة الوسطى قال الله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين). وقد جاءت الاحاديث الصحيحة مصرحة بأن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى.

[ 101 ]

1 - فعن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الاحزاب: (ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) رواه البخاري ومسلم. ولمسلم وأحمد وأبي داود: (شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر). 2 - وعن ابن مسعود قال: حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس واصفرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملا الله أجوافهم وقبورهم نارا)، (أو حشا أجوافهم وقبورهم نارا) رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. وقت صلاة المغرب يدخل وقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس وتوارت بالحجاب، ويمتد إلى مغيب الشفق الاحمر، لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق) رواه مسلم. وروي أيضا عن أبي موسى: أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة، فذكر الحديث، وفيه فأمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس، فلما كان اليوم الثاني. قال: ثم أخر حتى كان عند سقوط الشفق (1) ثم قال: الوقت ما بين هذين. قال النووي في شرح مسلم: (وذهبت المحققون من أصحابنا إلى رجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت). وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره. وأما ما تقدم في حديث إمامة جبريل: أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس، فهو يدل على استحباب التعجيل بصلاة المغرب، وقد جاءت الاحاديث مصرحة بذلك. (هامش) (1) الشفق كما في القاموس: هو الحمرة في الافق من الغروب إلى العشاء أو إلى قريبها، أو إلى قريب العتمة. (.)

[ 102 ]

1 - فعن السائب بن يزيد أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجوم) رواه أحمد والطبراني. 2 - وفي المسند ان ابن أبي أيوب الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا المغرب لفطر الصائم وبادروا طلوع النجوم). 3 - وفي صحيح مسلم عن رافع بن خديج: (كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وانه ليبصر مواقع نبله). 4 - وفيه عن سلمة بن الاكوع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب.. وقت العشاء يدخل وقت صلاة العشاء بمغيب الشفق الاحمر، ويمتد إلى نصف الليل. فعن عائشة قالت: (كانوا يصلون العتمة (1) فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الاول) رواه البخاري. وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لامرتهن أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه)، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه. وعن أبي سعيد قال: انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بصلاة العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل قال: فجاء فصلى بنا ثم قال: (خذوا مقاعدكم فإن الناس قد أخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة، لاخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والنسائي وابن خزيمة وإسناده صحيح. هذا وقت الاختيار. وأما وقت الجواز والاضطرار فهو ممتد إلى الفجر، لحديث أبي قتادة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الاخرى) رواه مسلم. والحديث المتقدم في المواقيت يدل على أن وقت كل صلاة ممتد إلى دخول وقت (هامش) (1) (العتمة): العشاء. (.)

[ 103 ]

الصلاة الاخرى، إلا صلاة الفجر فإنها لا تمتد إلى الظهر، فإن العلماء أجمعوا أن وقتها ينتهي بطلوع الشمس. استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها والافضل تأخير صلاة العشاء إلى آخر وقتها المختار، وهو نصف الليل، لحديث عائشة قالت: أعتم (1) النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، حتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال: (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) رواه مسلم والنسائي. وقد تقدم حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وهما في معنى حديث عائشة، وكلها تدل على استحباب التأخير وأفضليته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك المواظبة عليه لما فيه من المشقة على المصلين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاحظ أحوال المؤتمين، فأحيانا يعجل وأحيانا يؤخر. فعن جابر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة (2)، والعصر، والشمس نقية، والمغرب، إذا وجبت الشمس، والعشاء، أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر، والصبح كانوا أو كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس (3))، رواه البخاري ومسلم. (هامش) (1) (أعتم): أي أخر صلاة العشاء. (عامة الليل) أي كثير منه، وليس المراد أكثره بدليل قوله: إنه لوقتها. قال النووي: ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول إلى ما بعد نصف الليل، لانه لم يقل أحد من العلماء إن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. (2) (الهاجرة) شدة الحر نصف النهار عقب الزوال. (3) (الغلس) ظلمة آخر الليل. (.) النوم قبلها والحديث بعدها يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، لحديث أبي برزة الاسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. ورواه الجماعة. وعن ابن مسعود قال:

[ 104 ]

جدب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم السمر بعد العشاء، ورواه ابن ماجة قال: جدب: يعني زجرنا ونهانا عنه. وعلة كراهة النوم قبلها والحديث بعدها: أن النوم قد يفوت على النائم الصلاة في الوقت المستحب أو صلاة الجماعة، كما أن السمر بعدها يؤدي إلى السهر المضيع لكثير من الفوائد، فإن أراد النوم وكان معه من يوقظه أو أو تحدث بخير فلا كراهة حينئذ. فعن ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في أمر من أمور المسلمين، وأنا معه) رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعن ابن عباس قال: (رقدت في بيت ميمونة ليلة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها، لانظر كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، فتحدث النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد). رواه مسلم. وقت صلاة الصبح يبتدئ الصبح من طلوع الفجر الصادق ويستمر إلى طلوع الشمس، كما تقدم في الحديث. استحباب المبادرة لها يستحب المبادرة بصلاة الصبح بأن تصلي في أول وقتها، لحديث أبي مسعود الانصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد أن يسفر. رواه أبو داود والبيهقي، وسنده صحيح. وعن عائشة قالت: (كن نساء مؤمنات يشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن (1) ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس). رواه الجماعة. وأما حديث رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لاجوركم)، وفي رواية: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للاجر). رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان، فإنه أريد به الاسفار (هامش) (1) (متلفعات بمروطهن): ملتحفات بأكسيتهن. (.)

[ 105 ]

بالخروج منها، لا الدخول فيها: أي أطيلوا القراءة فيها، حتى تخرجوا منها مسفرين، كما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يقرأ فيها الستين آية إلى المائة آية، أو أريد به تحقق طلوع الفجر، فلا يصلي مع غلبة الظن. ادراك ركعة من الوقت من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت فقد أدرك الصلاة، لحديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). رواه الجماعة. وهذا يشمل جميع الصلوات، وللبخاري: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته) والمراد بالسجدة الركعة، وظاهر الاحاديث أن من أدرك الركعة من صلاة الفجر أو العصر لا تكره الصلاة في حقه عند طلوع الشمس وعند غروبها وإن كانا وقتي كراهة، وأن الصلاة تقع أداء بإدراك ركعة كاملة، وإن كان لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت. النوم عن الصلاة أو نسيانها من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها، لحديث أبي قتادة قال: ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة فقال: (إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها)، رواه النسائي والترمذي وصححه. وعن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)، رواه البخاري ومسلم. وعن عمران بن الحصين قال: سربنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس. فجعل الرجل منا يقوم دهشا إلى طهوره، قال: فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكتوا، ثم ارتحلنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضأ ثم أمر بلال فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر. ثم أقام فصلينا فقالوا:

[ 106 ]

يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: (أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم). رواه أحمد وغيره. الاوقات المنهي عن الصلاة فيها ورد النهي عن صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى ترتفع قدر رمح، وعند استوائها حتى تميل إلى الغروب، وبعد صلاة العصر حتى تغرب، فعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس). رواه البخاري ومسلم. وعن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا نبي الله أخبرني عن الصلاة؟ قال: (صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة (1) حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإن (2) حينئذ تسجر جهنم (3) فإذا أقبل الفي فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب، فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار)، رواه أحمد ومسلم. وعن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا (4): حين تطلع الشمس بازغة (5) (هامش) (1) (أقصر): كف. (تطلع بين قرني شيطان) قال النووي. يدني رأسه إلى الشمس في هذه الاوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة وحينئذ يكون له ولشيعته تسلط ظاهر وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها كما كرهت في الاماكن التي مأوى الشياطين. (مشهودة محضورة). تشهدها الملائكة ويحضرونها. (يستقل الظل بالرمح): المراد به أن يكون الظل في جانب الرمح فلا يبقى على الارض منه شئ وهذا يكون حين الاستواء. (2) (فإن)، وفي رواية فانه. (3) (تسجر جهنم): أي يوقد عليها. (4) النهي عن الدفن في هذه الاوقات معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الاوقات، فأما إذا وقع الدفن بلا تعمد في هذه الاوقات فلا يكره. (5) (بازغة): ظاهرة. (تضيف) تميل. (.)

[ 107 ]

حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف للغروب حتى تغرب. رواه الجماعة إلا البخاري. رأي الفقهاء في الصلاة بعد الصبح والعصر يرى جمهور العلماء جواز قضاء الفوائت بعد صلاة الصبح والعصر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)، رواه البخاري ومسلم. وأما صلاة النافلة فقد كرهها من الصحابة: علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وابن عمر وكان عمر يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير، كما كان خالد ابن الوليد يفعل ذلك. وكرهها من التابعين الحسن، وسعيد ابن المسيب، ومن أئمة المذاهب أبو حنيفة، ومالك. وذهب الشافعي إلى جواز صلاة ما له سبب (1) كتحية المسجد، وسنة الوضوء في هذين الوقتين، استدلالا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الظهر بعد صلاة العصر، والحنابلة ذهبوا إلى حرمة التطوع ولو له سبب في هذين الوقتين، إلا ركعتي الطواف، لحديث جبير بن مطعم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء، من ليل أو نهار). رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة والترمذي. (هامش) (1) هذا أقرب المذاهب إلى الحق. (.) رأيهم في الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واستوائها يرى الحنفية عدم صحة الصلاة مطلقا في هذه الاوقات، سواء كانت الصلاة مفروضة أو واجبة أو نافلة، قضاء أو أداء، واستثنوا عصر اليوم وصلاة الجنازة (إن حضرت في أي وقت من هذه الاوقات، فإنها تصلى فيها بلا كراهة) وكذا سجدة التلاوة، إذا تليت آياتها في هذه الاوقات، واستثنى أبو يوسف التطوع يوم الجمعة وقت الاستواء. ويرى الشافعية كراهة النفل الذي لا سبب له في هذه الاوقات. أما الفرض مطلق، والنفل الذي له سبب، والنقل وقت

[ 108 ]

الاستواء يوم الجمعة، والنفل في الحرم المكي، فهذا كله مباح لا كراهة فيه. والمالكية يرون في وقت الطلوع والغروب حرمة النوافل، ولو لها سبب، والمنذورة وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، إلا إذا خيف عليها التغير فتجوز، وأباحوا الفرائض العينية، أداء وقضاء في هذين الوقتين، كما أباحوا الصلاة مطلقا، فرضا أو نفلا وقت الاستواء. قال الباجي في شرح الموطأ: وفي المبسوط عن ابن وهب: سئل مالك عن الصلاة نصف النهار فقال: أدركت الناس وهم يصلون يوم الجمعة نصف النهار، وقد جاء في بعض الاحاديث نهي عن ذلك، فأنا لا أنهى عنه للذي أدركت الناس عليه، ولا أحبه للنهي عنه. وأما الحنابلة فقد ذهبوا إلى عدم انعقاد النفل مطلقا في هذه الاوقات الثلاثة سواء كان له سبب أو لا، وسواء كان بمكة أو غيرها، وسواء كان يوم جمعة أو غيره، إلا تحية المسجد يوم الجمعة، فإنهم جوزوا فعلها بدون كراهة وقت الاستواء وأثناء الخطبة، وتحرم عندهم صلاة الجنازة في هذه الاوقات، إلا إن خيف عليها التغير فتجوز بلا كراهة. وأباحوا قضاء الفوائت، والصلاة المنذورة، وركعتي الطواف ولو نفلا في هذه الاوقات الثلاثة (1). (هامش) (1) ذكرنا آراء الائمة هنا لقوة دليل كل. (.) التطوع بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح عن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد ما طلع الفجر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الساعة فقال: (ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين). رواه أحمد وأبو داود. والحديث وإن كان ضعيفا، إلا أن له طرقا يقوي بعضها بعضا، فتنهض للاحتجاج بها على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر. أفاده الشوكاني، وذهب الحسن والشافعي وابن حزم إلى جواز التنفل مطلقا بلا كراهة، وقصر مالك الجواز لمن فاتته صلاة الليل لعذر، وذكر أنه بلغه: أن عبد الله بن عباس والقاسم بن محمد وعبد الله بن عامر بن ربيعة أوتروا بعد الفجر، وأن عبد الله بن مسعود قال: ما أبالي لو أقيمت صلاة الصبح وأنا أوتر. وعن يحيى بن سعيد أنه قال: كان عبادة بن الصامت يؤم

[ 109 ]

قوما فخرج يوما إلى الصبح، فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عبادة حتى أوتر، ثم صلى بهم الصبح. عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس رقد ثم استيقظ ثم قال لخادمه: انظر ما صنع الناس، وهو يومئذ قد ذهب بصره، فذهب الخادم ثم رجع فقال: قد انصرف الناس من الصبح. فقام ابن عباس فأوتر ثم صلى الصبح. التطوع أثناء الاقامة إذا أقيمت الصلاة كره الاشتغال بالتطوع. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وفي رواية: (إلا التي أقيمت). رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن. وعن عبد الله بن سرجس قال: دخل رجل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة (1)، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا فلان بأي الصلاتين اعتددت، بصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا)؟ رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم، مع عدم أمره بإعادة ما صلي، دليل على صحة الصلاة وإن كانت مكروهة، وعن ابن عباس قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الاقامة، فجذبني نبي الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (أتصلي الصبح أربعا؟). رواه البيهقي والطبراني وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين. وعن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يؤذن، فغمز منكبه وقال: (ألا كان هذا قبل هذا). رواه الطبراني. قال العراقي: إسناده جيد. (هامش) (1) (في صلاة الغداة): أي الصبح. (.)

[ 110 ]

الاذان (1) الاذان: هو الاعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. ويحصل به الدعاء إلى الجماعة وإظهار شعائر الاسلام، وهو واجب أو مندوب. قال القرطبي وغيره. الاذان - على قلة ألفاظه - مشتمل على مسائل العقيدة، لانه بدأ بالاكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لانها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الاشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدا.. (2) فضله: ورد في فضل الاذان والمؤذنين أحاديث كثيرة نذكر بعضها فيما يلي: 1 - عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في الاذان والصف الاول (1) ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا) رواه البخاري وغيره. 2 - وعن معاوية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة)، رواه أحمد ومسلم وابن ماجه. 3 - وعن البراء بن عازب: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له مد صوته، ويصدقه (هامش) (1) أي لو يعلم ما في الاذان والصف الاول من الفضيلة وعظيم المثوبة لحكموا القرعة بينهم، لكثرة الراغبين فيها (والتهجير) التكبير الى صلاة الظهر. (والعتمة) صلاة العشاء. (وحبوا) من حبا الصبي: إذا مشى على أربع. (.)

[ 111 ]

من سمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه). قال المنذري: رواه أحمد والنسائي بإسناد حسن جيد. 4 - وعن أبي الدرداء قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة لا يؤذنون، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان) رواه أحمد. 5 - وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الامام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الائمة واغفر للمؤذنين). 6 - وعن عقبة بن عامر قال، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يعجب ربك عزوجل من راعي غنم في شظية (1) بجبل يؤذن الصلاة ويصلي، فيقول الله عزوجل: انظروا لعبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني! قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. (هامش) (الشظية): القطعة تنقطع من الجبل ولا تنفصل عنه. (.) (3) سبب مشروعيته: شرع الاذان في السنة الاولى من الهجرة. وكان سبب مشروعيته لما بينته الاحاديث الاتية: 1 - عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون يجتمعون فيتحينون الصلاة (2) وليس وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: بل قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بلال قم فنادي بالصلاة) رواه أحمد والبخاري. 2 - وعن عبد الله بن عبد ربه قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس ليضرب به الناس في الجمع للصلاة، وفي رواية، وهو كاره لموافقته للنصارى، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده. فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ماذا تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة

[ 112 ]

قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. قال: تقول: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) ثم استأخر غير بعيد ثم قال: (تقول إذا أقيمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله). فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت. فقال: (إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى (1) صوتا منك) قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال: فسمع بذلك عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول. والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي أرى. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم (فلله الحمد) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة والترمذي وقال: حسن صحيح. (هامش) (أندى صوتا منك) أي أرفع أو أحسن. فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع صوت وحسنه. وعن أبي محذورة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه صوته فعلمه الاذان، ولو ابن خزيمة. (.) (4) كيفيته: ورد الاذان بكيفيات ثلاث نذكرها فيما يلي: أولا: تربيع التكبير الاول وتثنية باقي الاذان بلا ترجيع ما عدا كلمة التوحيد، فيكون عدد كلماته خمس عشرة كلمة. لحديث عبد الله بن زيد المتقدم. ثانيا: تربيع التكبير، وترجيع كل من الشهادتين، بمعنى أن يقول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، يخفض بها صوته، ثم يعيدها مع الصوت. فعن أبي محذورة: أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الاذان تسع عشرة كلمة. رواه الخمسة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

[ 113 ]

ثالثا: تثنية التكبير مع ترجيع الشهادتين فيكون عدد كلماته سبع عشرة كلمة، لما رواه مسلم عن أبي محذورة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه هذا الاذان: (الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله). (5) التثويب: ويشرع للمؤذن التثويب، وهو أن يقول في أذان الصبح - بعد الحيعلتين -: (الصلاة خير من النوم) قال أبو محذورة: يا رسول الله: علمني سنة الاذان؟ فعلمه وقال (فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) رواه أحمد وأبو داود. ولا يشرع لغير الصبح. (6) كيفية الاقامة: ورد للاقامة كيفيات ثلاث. وهي: أولا: تربيع التكبير الاول مع تثنية جميع كلماتها، ما عدا الكلمة الاخيرة لحديث أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الاقامة سبع عشرة كلمة: الله أكبر أربعا، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.) رواه الخمسة وصححه الترمذي. ثانيا: تثنية التكبير الاول والاخير وقد قامت الصلاة، وإفراد سائر كلماتها فيكون عددها إحدى عشرة كلمة. وفي حديث عبد الله زيد المتقدم: ثم تقول إذا أقمت: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.

[ 114 ]

ثالثا: هذه الكيفي كسابقتها ما عدا (كلمة قد قامت الصلاة) فيها لا تثنى، بل تقال مرة واحدة، فيكون عددها عشر كلمات وبهذه الكيفية أخذ مالك لانها عمل أهل المدينة، إلا أن ابن القيم قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إفراد كلمة قد قامت الصلاة البتة، وقال ابن عبد البر: هي مثناه على كل حال. (7) الذكر عند الاذان: يستحب لمن يسمع المؤذن أن يلتزم الذكر الاتي: 1 - يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين، فإنه يقول عقب كل كلمة: لا حول ولا قوة إلا بالله. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول الموذن) رواه الجماعة. وعن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر)، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال: أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قبله، دخل الجنة) رواه مسلم وأبو داود. قال النووي: قال أصحابنا: وإنما استحب للمتابع أن يقول مثل المؤذن في غير الحيعلتين فيدل على رضاه به وموافقته على ذلك أما الحيعلة فدعاء إلى الصلاة، وهذا لا يليق بغير المؤذن، فاستحب للمتابع ذكر آخر، فكان لا حول ولا قو إلا بالله، لانه تفويض محض إلى الله تعالى. وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الاشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز الجنة.) قال أصحابنا: ويستحب متابعته لكل سامع، من طاهر ومحدث، وجنب وحائض، وكبير وصغير، لانه ذكر، وكل هؤلاء من أهل الذكر. ويستثنى من هذا المصلي، ومن هو على الخلاء، والجماع، فإذا فرغ من الخلاء تابعه فإذا سمعه وهو في قراءة أو ذكر

[ 115 ]

أو درس أو نحو ذلك، قطعه وتابع المؤذن ثم عاد إلى ما كان عليه إن شاء، وإن كان في صلاة فرض أو نفل، قال الشافعي والاصحاب: لا يتابعه، فإذا فرغ منها قاله، وفي المغني: دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره، ليفرغ ويقول مثل ما يقول جمعا بين الفضيلتين، وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة فلا بأس، نص عليه أحمد. 2 - أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الاذان بإحدى الصيغ الواردة، ثم يسأل الله له الوسيلة، لما رواه عبد الله بن عمرو: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي) رواه مسلم. وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة) رواه البخاري. (8) الدعاء بعد الاذان: الوقت بين الاذان والاقامة، وقت يرجى قبول الدعاء فيه فيستحب الاكثار فيه من الدعاء. فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يرد الدعاء بين الاذان والاقامة) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وزاد (قالوا: ما ذا نقول يا رسول الله؟ قال: (سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والاخرة)، وعن عبد الله بن عمرو: أن رجلا قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه) رواه أحمد وأبو داود. وعن سهل بن سعد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثنتان لا تردان - أو قال ما تردان - الدعاء عند النداء، وعند البأس، حين يلحم بعضهم بعضا) رواه أبو داود بإسناد صحيح. وعن أم سلمة قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أذان المغرب: (اللهم إن هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك فاغفر لي).

[ 116 ]

(9) الذكر عند الاقامة: يستحب لمن يسمع الاقامة أن يقول مثل ما يقول المقيم. إلا عند قوله: قد قامت الصلاة، فإنه يستحب أن يقول: أقامها الله وأدامها، فعن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن بلالا أخذ في الاقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أقامها الله وأدامها) إلا الحيعلتين، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. (10) ما ينبغي أن يكون عليه المؤذن: يستحب للمؤذن أن يتصف بالصفات الاتية: 1 - أن يبتغي بأذانه وجه الله فلا يأخذ عليه أجرا. فعن عثمان بن أبي العاص قال قلت يا رسول الله: اجعلني إمام قومي (1) قال (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم (2) واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، لكن لفظه: إن آخر ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم (أن اتخذ مؤذنا لا يتخذ على أذانه أجرا) قال الترمذي عقب روايته له - حديث حسن، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، كرهوا أن يأخذ على الاذان أجرا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه. 2 - أن يكون طاهرا من الحدث الاصغر والاكبر، لحديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إنه لم يمنعني أن أرد عليه (3) إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة. فإن أذن على غير طهر جاز مع الكراهة، عند الشافعية، ومذهب أحمد والحنفية وغيرهم عدم الكراهة. 3 - أن يكونقائما مستقبل القبلة. قال ابن المنذر: الاجماع على أن القيام في الاذان من السنة، لانه أبلغ في الاسماع، وأن من السنة أن يستقبل القبلة بالاذان. وذلك أن مؤذني رسول (هامش) (1) فيه جواز سؤال الامامة في الخبر. (2) (واقتد بأضعفهم): أي اجعل صلاتك بهم خفيفة كصلاة أضعفهم. (3) (أن أرد عليه): أي أرد عليه السلام. (.)

[ 117 ]

الله صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة، فإن أخل باستقبال القبلة كره له ذلك وصح. 4 - أن يلتفت برأسه وعنقه وصدره يمينا، عند قوله: حي على الصلاة، حي الصلاة، ويسارا عند قوله: حي على الفلاح، حي على الفلاح. قال النووي في هذه الكيفية: هي أصح الكيفيات. قال أبو جحيفة: وأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا، يمينا وشمالا، حي على الصلاة، حي على الفلاح. رواه أحمد والشيخان. أما استدارة المؤذن فقد قال البيهقي: إنها لم ترد من طرق صحيحة، وفي المغني عن أحمد: لا يدور إلا إن كان على منارة يقصد إسماع أهل الجهتين. 5 - أن يدخل أصبعيه في أذنيه، قال بلال: فجعلت أصبعي في أذني فأذنت. رواه أبو داود وابن حبان، وقال الترمذي: استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن اصبعيه في أذنيه في الاذان. 6 - أن يرفع صوته بالنداء، وإن كان منفردا في صحراء. فعن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه، أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجة. 7 - أن يترسل في الاذان: أي يتمهل ويفصل بين كل كلمتين بسكتة، ويحذر الاقامة: أي يسرع فيها. وقد روي ما يدل على استحباب ذلك من عدة طرق. 8 - أن لا يتكلم أثناء الاقامة: أما الكلام أثناء الاذان فقد كرهه طائفة من أهل العلم، ورخص فيه الحسن وعطاء وقتادة. وقال أبو داود: قلت لاحمد: الرجل يتكلم في أذانه؟ فقال: نعم. فقيل: يتكلم في الاقامة؟ قال: لا. وذلك لانه يستحب فيها الاسراع.

[ 118 ]

(11) الاذان في أول الوقت وقبله: الاذان يكون في أول الوقت، من غير تقديم عليه ولا تأخير عنه، إلا أذان الفجر فإنه يشرع تقديمه على أول الوقت. إذ أمكن التمييز بين الاذان الاول والثاني، حتى لا يقع الاشتباه. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) (1) متفق عليه. والحكمة في جواز تقديم أذان الفجر على الوقت ما بينه الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن، أو قال: ينادي، ليرجع قائمكم وينبه نائمكم) ولم يكن بلال يؤذن بغير ألفاظ الاذان. وروى الطحاوي والنسائي: أنه لم يكن بين أذانه وأذان ابن أم مكتوم إلا أن يرقى هذا وينزل هذا. (هامش) (1) (ابن أم مكتوم) كان أعمى، ويؤخذ منه جواز أذانه إذا استطاع معرفة الوقت. كما يجوز أذان الصبي المميز. (.) (12) الفصل بين الاذان والاقامة: يطلب الفصل بين الاذان والاقامة بوقت يسع التأهب للصلاة وحضورها لان الاذان إنما شرع لهذا. وإلا ضاعت الفائدة منه. والاحاديث الواردة في هذا المعنى كلها ضعيفة. وقد ترجم البخاري: باب (كم بين الاذان والاقامة، ولكن لم يثبت التقدير. قال ابن بطال: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين. وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن ثم يمهل فلا يقيم، حتى إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج، أقام الصلاة حين يراه. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. (13) من اذن فهو يقيم: يجوز أن يقيم المؤذن وغيره باتفاق العلماء، ولكن الاولى أن يتولى المؤذن الاقامة. قال الشافعي: وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الاقامة. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، أن من أذن فهو يقيم.

[ 119 ]

(14) متى يقام إلى الصلاة: قال مالك في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة حدا محدودا، إني أرى ذلك على طافة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف. وروى ابن المنذر عن أنس، أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة. (15) الخروج من المسجد بعد الاذان: ورد النهي عن ترك إجابة المؤذن، وعن الخروج من المسجد بعد الاذان إلا بعذر، أو مع العزم على الرجوع، فعن أبي هريرة قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي) رواه أحمد وإسناده صحيح. وعن أبي الشعثاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: خرج رجل من المسجد بعدما أذن المؤذن فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم وأصحاب السنن، وعن معاذ الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الجفاء كل الجفاء، والكفر والنفاق، من سمع منادي الله ينادي يدعو إلى الفلاح ولا يجيبه) رواه أحمد والطبراني. قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم قالوا: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له). وقال بعض أهل هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لاحد في ترك الجماعة إلا من عذر. (16) الاذان والاقامة للفائتة: من نام عن صلاة أو نسيها فإنه يشرع له أن يؤذن لها ويقيم حينما يريد صلاتها، ففي رواية أبي داود في القصة التي نام فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، أنه أمر بلالا فأذن وأقام وصلى، فإن تعددت الفوائت استحب له أن يؤذن (1) ويقيم للاولى ويقيم لكل صلاة إقامة، قال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يقضي صلاة: كيف يصنع في الاذان؟ فذكر حديث هشيم عن أبي الزبير عن نافع بن جبير عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه: أن المشركين شغلوا النبي عن أربع صلوات (هامش) (1) (أن يؤذن) أي أذانا لا يشوش على الناس ولا يلبس عليهم. (.)

[ 120 ]

يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله. قال: فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر، ثم أمره فأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأقام فصلى العشاء. (17) أذان النساء واقامتهن: قال ابن عمر رضي الله عنهما: ليس على النساء أذان ولا إقامة. رواه البيهقي بسند صحيح وإلى هذا ذهب أنس، والحسن، وابن سيرين، والنخعي والثوري، ومالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي وإسحاق: إن أذن وأقمن فلا بأس. وروي عن أحمد: إن فعلن فلا بأس، وإن لم يفعلن فجائز. وعن عائشة: (أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء، وتقف وسطهن) رواه البيهقي. (18) دخول المسجد بعد الصلاة فيه: قال صاحب المغني: ومن دخل مسجدا قد صلي فيه، فإن شاء أذن وأقام، نص عليه أحمد لما روى الاثرم وسعيد بن منصور عن أنس: أنه دخل مسجدا قد صلوا فيه فأمر رجلا فأذن بهم وأقام. فصلى بهم في جماعة. وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة، فإن عروة قال: إذا انتهيت إلى مسجد قد صلى فيه ناس أذنوا وأقاموا، فإن أذانهم وإقامهتم تجزئ عمن جاء بعدهم، وهذا قول الحسن والشعبي والنخعي، إلا أن الحسن قال: كان أحب إليهم أن يقيم، وإذا أذن فالمستحب أن يخفي ذلك ولا يجهر به، لئلا يغر الناس بالاذان في غير محله. (19) الفصل بين الاقامة والصلاة: يجوز الفصل بين الاقامة والصلاة بالكلام غيره. ولا تعاد الاقامة وإن طال الفصل. فعن أنس بن مالك قال: أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلا في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم. رواه البخاري. وتذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوما أنه جنب بعد إقامة الصلاة، فرجع إلى بيته فاغتسل ثم عاد وصلى بأصحابه بدون إقامة.

[ 121 ]

(20) أذان غير المؤذن الراتب: لا يجوز أن يؤذن غير المؤذن الراتب إلا بإذنه، أو أن يتخلف فيؤذن غيره مخافة فوات وقت التأذين. (21) ما أضيف إلى الاذان وليس منه: الاذان عبادة، ومدار الامر في العبادات على الاتباع. فلا يجوز لنا أن نزيد شيئا في ديننا أو ننقص منه. وفي الحديث الصحيح: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد): أي باطل. ونحن نشير هنا إلى أشياء غير مشروعة درج عليها الكثير، حتى خيل للبعض أنها من الدين، وهي ليست منه في شئ، من ذلك: 1 - قول المؤذن حين الاذان أو الاقامة: أشهد أن سيدنا محمدا رسول الله. رأى الحافظ ابن حجر أنه لا يزاد ذلك في الكلمات المأثورة، ويجوز أن يزاد في غيرها. 2 - قال الشيخ اسماعيل العجلوني في كشف الخفاء مسح العينين بباطن أنملتي السبابتين بعد تقبيلهما عند سماع قول المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله، مع قوله: أشهد أن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. رواه الديلمي عن أبي بكر، أنه لما سمع قول المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله، قاله وقبل باطن أنملتي السبابتين ومسح عينيه فقال صلى الله عليه وسلم: من فعل فعل خليلي فقد حلت له شفاعتي. قال في المقاصد: لا يصح وكذا لا يصح ما رواه أبو العباس بن أبي بكز الرداد اليماني المتصوف في كتابه (موجبات الرحمة وعزائم المغفرة) بسند فيه مجاهيل مع انقطاعه، عن الخضر عليه السلام أنه قال: من قال حين يسمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، مرحبا بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقبل إبهاميه ويجعلهما على عينيه لم يعم، ولم يرمد أبدا، ونقل غير ذلك. ثم قال: ولم يصح في المرفوع من كل ذلك. 3 - التغني في الاذان واللحن فيه بزيادة حرف أو حركة أو مد، وهذا

[ 122 ]

مكروه، فإن أدى إلى تغيير معنى أو إبهام محذور فهو محرم. وعن يحيى البكاء: قال رأيت ابن عمر يقول لرجل إني لابغضك في الله، ثم قال لاصحابه: إنه يتغنى في أذانه، ويأخذ عليه أجرا. 4 - التسبيح قبل الفجر: قال في الاقناع وشرحه، من كتب الحنابلة: وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك في المآذن، فليس بمسنون، وما من أحد من العلماء قال إنه يستحب، بل هو من جملة البدع المكروهة لانه لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أصحابه. وليس له أصل فيما كان على عهدهم يرد إليه، فليس لاحد أن يأمر به ولا ينكر على من تركه، ولا يعلق استحقاق الرزق به لانه إعانة على بدعة ولا يلزم فعله، ولو شرطه الواقف لمخالفته السنة. وفي كتاب تلبيس إبليس لعبد الرحمن بن الجوزي: وقد رأيت من يقوم بليل كثير (1) على المنارة فيعظ ويذكر ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع، فيمنع الناس من نومهم ويخلط على المتهجدين قراءتهم، وكل ذلك من المنكرات، وقال الحافظ في الفتح: ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ليس من الاذان لا لغة ولا شرعا. (هامش) (1) بليل كثير: أي بجزء كبير من الليل. (.) 15 - الجهر بالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الاذن غير مشروع، بل هو محدث مكروه، قال ابن حجر في الفتاوى الكبرى: قد استفتى مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم بعد الاذن على الكيفية التي يفعلها المؤذنون، فأفتوا بأن الاصل سنة، والكيفية بدعة، وسئل الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية عن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الاذان؟ فأجاب: (أما الاذان فقد جاء في (الخانية) أنه ليس لغير المكتوبات، وأنه خمس عشرة كلمة وآخره عندنا، لا إله إلا الله، وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة، ابتدعت للتلحين لا لشئ آخر ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين، ولا عبرة بقول من قال: إن شيئا من ذلك بدعة حسنة، لان كل بدعة في

[ 123 ]

العبادات على هذا النحو فهي سيئة، ومن ادعى أن ذلك ليس فيه تلحين فهو كاذب.) شروط الصلاة (1) الشروط التي تتقدم الصلاة ويجب على المصلي أن يأتي بها بحيث لو ترك شيئا منها تكون صلاته باطلة هي: (1) العلم بدخول الوقت، ويكفي غلبة الظن، فمن تيقن أو غلب على ظنه دخول الوقت أبيحت له الصلاة، سواء كان ذلك باختيار الثقة، أو أذان المؤذن المؤتمن، أو الاجتهاد الشخصي أو أي سبب من الاسباب التي يحصل بها العلم. (هامش) (1) الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كالوضوء للصلاة، فإنه يلزم من عدمه عدم الصلاة ولا يلزم من وجوده وجودها ولا عدمها. (.) (2) الطهارة من الحدث الاصغر والاكبر لقول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) (2) رواه الجماعة إلا البخاري. (هامش) (2) (الغلول): السرقة من الغنيمة قبل قسمتها. (.) (3) طهارة البدن والثوب والمكان الذي يصلى فيه من النجاسة الحسية، متى قدر على ذلك، فإن عجز عن إزالتها صلى معها، ولا إعادة عليه. أما طهارة البدن فلحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه) رواه الدار قطني وحسنه. وعن علي رضي الله عنه قال: كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فسأل فقال: (توضأ واغسل ذكرك) رواه البخاري وغيره. وروى أيضا عن عائشة، أنه صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة:

[ 124 ]

(اغسلي الدم عنك وصلي). وأما طهارة الثوب، فلقوله تعالى: (وثيابك فطهر (1)) وعن جابر بن سمرة قال: سمعت رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قال: (نعم إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله) رواه أحمد وابن ماجة بسند رجاله ثقات، وعن معاوية قال: (قلت لام حبيبة: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم إذا لم يكن فيه أذى) رواه أحمد وأصحاب السنن، إلا الترمذي. وعن أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم صلى فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: (لم خلعتم)؟ قالوا رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: (إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالارض ثم ليصل فيهما) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان وابن خزيمة وصححه. وفي الحديث دليل على أن المصلي إذا دخل في الصلاة وهو متلبس بنجاسة غير عالم بها أو ناسيا لها، ثم علم بها أثناء الصلاة، فإنه يجب عليه إزالتها ثم يستمر في صلاته ويبني على ما صلى، ولا إعادة عليه. وأما طهارة المكان الذي يصلي فيه فلحديث أبي هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به. فقال صلى الله عليه وسلم: (دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا (1) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه الجماعة إلا مسلما. قال الشوكاني - بعد أن ناقض أدلة القائلين باشتراط طهارة الثوب - إذا تقرر ما سقناه لك من الادلة، وما فيها، فاعلم أنها لا تقصر عن إفادة وجوب تطهير الثياب. فمن صلى وعلى ثوبه نجاسة كان تاركا لواجب، وإما أن صلاته باطلة - كما هو شأن فقدان شرط الصحة - فلا. وفي الروضة الندية: وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تطهير الثلاثة: البدن، والثوب، والمكان للصلاة، وذهب جمع إلى أن ذلك شرط لصحة الصلاة، وذهب آخرون إلى أنه سنة. والحق الوجوب، فمن صلى ملابسا لنجاسة عامدا فقد أخل بواجب، وصلاته صحيحة. (هامش) (1) سورة المدثر آية: 4. (2) السجل: هو الدلو إذا كان فيه ماء. والذنوب: الدلو العظيمة الممتلئة ماء. (.)

[ 125 ]

(4) سترة العورة: لقول الله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) (1) والمراد بالزينة ما يستر العورة، والمسجد: الصلاة، أي استروا عورتكم عند كل صلاة. وعن سلمة بن الاكوع رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله. أفأصلي في القميص؟ قال: (نعم زرره ولو بشوكة) رواه البخاري في تاريخ وغيره. (هامش) (1) سورة الاعراف آية: 31. (.) حد العورة من الرجل: العورة التي يجب على الرجل سترها عند الصلاة، القبل والدبر، أما ما عداهما من الفخذ والسرة والركبة فقد اختلفت فيها الانظار تبعا لتعارض الاثار فمن قائل بأنها ليست ومن ذاهب إلى أنها عورة. حجة من يرى أنها عورة: استدل القائلون بأن السرة والفخذ والركبة ليست بعورة بهذه الاحاديث: 1 - عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا كاشفا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو على حاله ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه. فلما قاموا قلت: يا رسول الله استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما. وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك؟ فقال: (يا عائشة ألا أستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه) رواه أحمد، وذكره البخاري تعليقا. 2 - وعن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم يوخ خيبر حسر الازار عن فخذه، حتى إني لانظر إلى بياض فخذه) رواه أحمد والبخاري. قال ابن حزم: فصح أن الفخذ ليست عورة، ولو كانت عورة لما كشفها الله عزوجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المطهر المعصوم من الناس، في حال النبوة والرسالة ولا أراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى قد عصمه من كشف العورة، في حال الصبا وقبل النبوة، ففي الصحيحين عن جابر، أن

[ 126 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له عمه العباس: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة؟ قال فحله وجعله على منكبه فسقط مغشيا عليه، فما رئي بعد ذلك اليوم عريانا. 3 - وعن مسلم عن أبي العالية البراء قال: إن عبد الله ابن الصامت ضرب فخذي وقال: إني سألت أبا ذر فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال: إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال: (صل الصلاة لوقتها) إلى آخر الحديث. قال ابن حزم: فلو كانت الفخذ عورة لما مسها رسول الله، من أبي ذر أصلا بيده المقدسة؟ ولو كانت الفخذ عورة عند أبي ذر، لما ضرب عليها بيده، وكذلك عبد الله بن الصامت وأبو العالية. وما يستحل لمسلم أن يضرب بيده على قبل إنسان، على الثياب ولا على حلقة دبر إنسان على الثياب، ولا على بدن امرأة أجنبية على الثياب، البتة. 4 - ثم ذكر ابن حزم بإسناده إلى حبير بن الحويرث، أنه نظر إلى فخذ أبي بكر وقد انكشفت، وأن أنس بن مالك أتى قس بن شماس، وقد حسر عن فخذيه. حجة من يرى أنها عورة: واستدل القائلون بأنها عورة بهذين الحديثين: 1 - عن محمد بن جحش قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معمر، وفخذاه مكشوفتان فقال (يا معمر غط فخذيك فإن الفخذين عورة) رواه أحمد والحاكم والبخاري في تاريخه، وعلقه في صحيحه. 2 - وعن جرهد قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بردة وقد انكشفت فخذي فقال: (غط فخذيك فإن الفخذ عورة) رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن: وذكره البخاري في صحيحه معلقا.

[ 127 ]

هذا هو ما استدل به كل من الفريقين، وللناظر في هذا أن يختار أي الرأيين، وإن كان الاحوط في الدين أن يستر المصلي ما بين سرته وركبته ما أمكن ذلك. قال البخاري. حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط: أي حديث أنس المتقدم أصح إسنادا. حد العورة من المرأة: بدن المرأة كله عورة يجب عليها ستره، ما عدا الوجه والكفين قال الله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها)، أي ولا يظهرن مواضع الزينة، إلا الوجه والكفين، كما جاء ذلك صحيحا عن ابن عباس وابن عمر وعائشة، وعنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة حائض (1) إلا بخمار) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة والحاكم وقال الترمذي: حديث حسن. وعن أم سلمة: أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أتصلي المرأة في درع (2) وخمار بغير إزار؟ قال: (إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها) رواه أبو داود وصحح الائمة وقفه (3). وعن عائشة أنها سئلت. (في كم تصلي المرأة من الثياب، فقالت للسائل: سل علي بن أبي طالب ثم ارجع إلي فأخبرني، فأتى عليا فسأله فقال: في الخمار والدرع السابغ. فرجع إلى عائشة فأخبرها فقالت: صدق). (هامش) (1) (الحائض): أي البالغة، والخمار غطاء الرأس. (2) الدرع القميص. (3) صحح الائمة وقفه لانه ليس من كلام أم سلمة ومثل هذا له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. (.) ما يجب من الثياب وما يستحب منها: الواجب من الثياب ما يستر العورة، وإن كان الساتر ضيقا يحدد العورة، فإن كان خفيفا يبين لون الجلد من ورائه فيعلم بياضه أو حمرته لم تجز الصلاة فيه، ويجوز الصلاة في الثوب الواحد، كما تقدم في حديث سلمة بن الاكوع، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال: (أو لكلكم ثوبان؟) رواه مسلم ومالك وغيرهما.

[ 128 ]

ويستحب أن يصلي في ثوبين أو أكثر، وأن يتجمل ويتزين ما أمكن ذلك. فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم (1) فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له، فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود) رواه الطبراني والبيهقي. وروى عبد الرازق: (أن أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود اختلفا فقال أبي: الصلاة في الثوب الواحد غير مكروهة وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك وفي الثياب قلة. فقام عمر على المنبر فقال: القول ما قال أبي ولم يأل (2) ابن مسعود، إذا وسع الله فأوسعوا: جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص. في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص. في سراويل وقباء، في تبان وقباء. في تبان وقميص قال وأحسبه قال: في تبان ورداء، وهو في البخاري بدون ذكر السبب. وعن بريدة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل في لحاف (3) واحد لا يتوشح به، ونهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء. رواه أبو داود والبيهقي. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنه كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه فسئل عن ذلك فقال: إن الله جميل يحب الجمال فأتجمل لربي، وهو يقول: (خذوا زينتكم عند كل مسجد). (هامش) (1) (إذا صلى أحدكم) أي أراد أن يصلي. (2) (يأل): أي يقصر. (والقباء): القفطان. (والتبان) سراويل من جلد ليس له رجلان، وهو لبس المصارعين. (3) (في لحاف) أي في ثوب يلتحف به. (.) كشف الرأس في الصلاة: روى ابن عساكر عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه. وعند الحنفية أن ه لا بأس بصلاة الرجل حاسر الرأس، واستحبوا ذلك إذا كان للخشوع. ولم يرد دليل بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة. (5) استقبال القبلة: اتفق العلماء على أنه يجب على المصلي أن يستقبل المسجد الحرام عند الصلاة. لقول الله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد

[ 129 ]

الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (1) وعن البراء قال: صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا نحو بيت المقدس ثم صرفنا نحو الكعبة) رواه مسلم. (هامش) (1) سورة البقرة آية 144. (.) حكم المشاهد للكعبة، وغير المشاهد لها: المشاهد للكعبة يجب عليه أن يستقبل عينها، والذي لا يستطيع مشاهدتها يجب عليه أن يستقبل جهتها، لان هذا هو المقدور عليه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح، وقرأه البخاري، هذا بالنسبة لاهل المدينة، ومن جرى مجراهم كأهل الشام والجزيرة والعراق. وأما أهل مصر فقبلتهم بين المشرق والجنوب، وأما اليمن فالمشرق يكون عن يمين المصلي والمغرب عن يساره، والهند يكون المشرق خلف المصلي والمغرب أمامه. وهكذا. بم تعرف القبلة؟ كل بلد له أدلة تختص به يعرف بها القبلة. ومن ذلك المحاريب التي نصبها المسلمون في المساجد، وكذلك بيت الابرة (البوصلة). حكم من خفيت عليه: من خفيت عليه أدلة القبلة، لغيم أو ظلمة مثلا وجب عليه أن يسأل من يدله عليها، فإن لم يجد من يسأله اجتهد وصلى إلى الجهة التي إليها اجتهاده، وصلاته صحيحة ولا اعادة عليه، حتى ولو تبين له خطؤة بعد الفراغ من الصلاة، فإن تبين له الخطأ أثناء الصلاة استدار إلى القبلة ولا يقطع صلاته. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الله قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، متفق عليه. ثم إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة لزمه إعادة الاجتهاد إذا أراد

[ 130 ]

صلاة أخرى، فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني، ولا يعيد ما صلاة بالاول. متى يسقط الاستقبال: استقبال القبلة فريضة، لا يسقط إلا في الاحوال الاتية: (1) صلاة النفل للراكب: يجوز للراكب أن يتنفل على راحلته، يومي بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وقبلته حيث اتجهت دابته. فعن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به. رواه البخاري ومسلم، وزاد البخاري: يومئ، والترمذي: ولم يكن يصنعه في المكتوبة (1). وعند أحمد ومسلم والترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به، وفيه نزلت: (فأينما تولوا فثم وجه الله). وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يصلون في رحالهم ودوابهم حيثما توجهت، وقال ابن حزم: وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين، عموما في الحضر والسفر. (هامش) (1) (المكتوبة): الفريضة. والايماء الاشارة بالرأس إلى السجود. (.) (2) صلاة المكره والمريض والخائف: الخائف والمكره والمريض يجوز لهم الصلاة لغير القبلة إذا عجزوا عن استقبالها، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). وفي قول الله تعالى: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) قال ابن عمر رضي الله عنهما: مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، رواه البخاري. كيفية الصلاة جاء الاحاديث عن سول الله صلى الله عليه وسلم مبينة كيفية الصلاة وصفتها. ونحن نكتفي هنا بإيراد حديثين: الاول من فعله صلى الله عليه وسلم، والثاني من قوله:

[ 131 ]

1 - عن عبد الله بن غنم: أن أبا مالك الاشعري جمع قومه فقال: يا معشر الاشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي لنا بالمدينة فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم، فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ. فأحصى الوضوء إلى (1) أماكنه حتى أفاء الفئ وانكسر الظل قام فأذن. فصف الرجال في أدنى الصف، وصف الولدان خلفهم. وصف النساء خلف الولدان، ثم أقام الصلاة، فتقدم فرفع يديه فكبر، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسرها. ثم كبر فركع فقال: سبحان الله وبحمده ثلاث مرات، ثم قال: سمع الله لمن حمده واستوى قائما، ثم كبر وخر ساجدا، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فانتهض قائما. فكان تكبيرة في أول ركعة ست تكبيرات. وكبر حين قام إلى الركعة الثانية. فلما قضى صلاته، أقبل إلى قومه بوجهه فقال: احفظوا تكبيري وتعلموا ركوعي وسجودي، فإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي لنا كذا الساعة من النهار، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى صلاته أقبل إلى الناس بوجهه فقال (يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن الله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الانبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله، فجاء رجل من الاعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله. ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الانبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله؟ انعتهم لنا (2) فسر وجه النبي صلى الله عليه وسلم لسؤال الاعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهم ناس من أفياء الناس ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن، والحاكم وقال: صحيح الاسناد. 2 - عن أبي هريرة قال: دخل رجل المسجد فصلى، ثم جاء إلى النبي (هامش) (1) (فأحصى الوضوء إلى أماكنه): أي غسل جميع الاعضاء. (2) (انعتهم لنا): أي صفهم لنا. (.)

[ 132 ]

صلى الله عليه وسلم يسلم. فرد عليه السلام وقال: (إرجع فصل فإنك لم تصل) فرجع، ففعل ذلك ثلاث مرات. قال فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، قال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) رواه أحمد والبخاري ومسلم. وهذا الحديث يسمى (حديث المسئ في صلاته). هذا جملة ما ورد في صفة الصلاة من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله، ونحن نفعل ذلك مع التمييز بين الفرائض والسنن.

[ 133 ]

فرائض الصلاة للصلاة فرائض وأركان تتركب منها حقيقتها، حتى إذا تخلف فرض منها لا تتحقق ولا يعتد بها شرعا. وهذا بيانها: (1) النية (1): لقول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (2) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله (3). ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (4) رواه البخاري. وقد تقدمت حقيقتها في الوضوء. التلفظ بها: قال ابن القيم في كتابه (إعانة اللهفان): (النية هي القصد والعزم على الشئ، ومحلها القلب لا تعلق بها باللسان أصلا، ولذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة في النية لفظ بحال، وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة، قد جعلها الشيطان معتركا لاهل الوسواس (5) يحبسهم عندها ويعذبهم فيها، ويوقعهم في طلب تصحيحها. فترى أحدهم يكررها، ويجهد نفسه في التفظ، وليست من الصلاة في شئ.) (هامش) (1) ويرى البعض أنها شرط ولا ركن. (2) سورة البينة آية: 5. (3) فهجرته إلى الله ورسوله: أي هجرته رايحة. (4) فهجرته إلى ما هاجر إليه: أي هجرته خسيسة حقيرة. (5) (الوسواس): الوسوسة. (.) (2) تكبيرة الاحرام: لحديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) رواه الشافعي وأحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي، وقال: هذا أصح شئ في هذا الباب وأحسن، وصححه الحاكم وابن السكن، ولما ثبت من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله، كما ورد

[ 134 ]

في الحديثين المتقدمين. ويتعين لفظ (الله أكبر) لحديث أبي حميد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه ثم قال: (الله أكبر)، رواه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. ومثله ما أخرجه البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن علي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال: (الله أكبر). وفي حديث (المسئ في صلاته) عند الطبراني ثم يقول (الله أكبر). (3) القيام في القرض: وهو واجب بالكتاب والسنة والاجماع لمن قدر عليه قال الله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين) (1). وعن عمر بن حصين قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؟ فقال: (صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعل جنب) رواه البخاري. وعلى هذا اتفقت كلمة العلماء، كما اتفقوا على استحباب تفريق القدمين أثناءه. (هامش) (1) (قانتين): أي خاشعين منذلين. والمراد بالقيام القيام للصلاة. (.) القيام في النفل: أما النفل، فإنه يجوز أن يصلي من قعود مع القدرة على القيام، إلا أن ثواب القائم أتم من ثواب القاعد، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة) رواه البخاري ومسلم. العجز عن القيام في الفرض: ومن عجز عن القيام في الفرض صل على حسب قدرته، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وله أج ره كاملا غير منقوص. فعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمله وهو صحيح مقيم) رواه البخاري.

[ 135 ]

(4) قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفروض والنفل: قد صحت الاحاديث في افتراض قراءة الفاتحة في كل ركعة، وما دامت الاحاديث في ذلك صحيحة صريحة فلا مجال للخلاف ولا موضع له ونحن نذكرها فيما يلي: 1 - عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، رواه الجماعة. 2 - وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن - وفي رواية: بفاتحة الكتاب - فهي خداج (1) هي خداج غير تمام) رواه أحمد والشيخان. 3 - وعنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) رواه ابن خزيمة بإسناد صحيح، ورواه ابن حبان وأبو حاتم. 4 - وعند الدار قطني بإسناد صحيح (لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). 5 - وعن أبي سعيد (أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر) رواه أبو داود، قال الحافظ وابن سيد الناس: إسناده صحيح. 6 - وفي بعض طريق حديث المسئ في صلاته: (ثم اقرأ بأم القرآن) إلى أن قال له: (ثم افعل ذلك في كل ركعة). 7 - ثم الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل، ولم يثبت عنه خلاف ذلك، ومدار الامر في العبادة على الاتباع. فقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري. (هامش) (1) (خداج): قال الخطابي: هي خداج: ناقصة نقص بطلان وفساد. (.) البسملة: اتفق العلماء على أن البسملة بعض آية في سورة النمل، واختلفوا في البسملة الواقعة في أول السور إلى ثلاثة مذاهب مشهورة.

[ 136 ]

الاول: أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة وعلى هذا فقراءتها واجبة في الفاتحة وحكمها حكم الفاتحة في السر والجهر، وأقوى دليل لهذا المذهب حديث نعيم المجمر، قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن) الحديث وفي آخره قال: والذي نفسي بيده أني لاشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان. قال الحافظ في الفتح: وهو أصح حديث ورد في الجهر بالبسملة. الثاني: أنها آية مستقلة أنزلت للتيمن والفصل بين السور، وأن قراءتها في الفاتحة جائزة بل مستحبة، ولا يسن الجهر بها. لحديث أنس قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) رواه النسائي وابن حبان والطحاوي بإسناد على شرط الصحيحين. الثالث: أنها ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها، وأن قراءتها مكروهة سرا وجهرا في الفرض دون النافلة، وهذا المذهب ليس بالقوي. وقد جمع ابن القيم بين المذهب الاول والثاني فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر (ببسم الله الرحمن الرحيم) تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يجهر بها دائما في كل يوم وليلة خمس مرات أبدا، حضرا وسفرا، ويخفي ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الاعصار الفاضلة من لم يحسن فرض القراءة. من لم يحسن فرض القراءة: قال الخطابي: الاصل أن الصلاة لا تجزئ، إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ومعقول أن قراءة فاتحة الكتاب على من أحسنها دون من لا يحسنها، فإذا كان المصلي لا يحسنها ويحسن غيرها من القرآن، كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات، لان أولى الذكر بعد الفاتحة ما كان مثلها من القرآن، وإن كان ليس في وسعه أن يتعلم شيئا من القرآن، لعجز في طبعه أو سوء في حفظه، أو عجمة في لسانه. أو عاهة تعرض له، كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم، من التسبيح والتحميد والتهليل. وقد روي عنه صلى الله عليه

[ 137 ]

وسلم. أنه قال: (أفضل الذكر بعد كلام الله، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) انتهى. ويؤيد ما ذكره الخطابي من حديث رفاعة بن رافع، أن النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا الصلاة فقال: (إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمده وكبره وهلله ثم اركع). رواه أبو داود والترمذي وحسنه. والنسائي والبيهقي. (5) الركوع: وهو مجمع على فرضيته، لقول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا (1)...). (هامش) (1) سورة الحج آية 77. (.) بم يتحقق: يتحقق الركوع بمجرد الانحناء، بحيث تصل اليدان إلى الركبتين، ولا بد من الطمأنينة فيه، لما تقدم في حديث المسئ في صلاته (ثم اركع حتى تطمئن راكعا) وعن أبي قتادة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته. فقالوا: يا رسول الله وكيف يسرق من صلاته؟ قال: (لا يتم ركوعها ولا سجودها) أو قال: (لا يقيم صلبه في الركوع والسجود) رواه أحمد والطبراني وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح الاسناد. وعن أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود) رواه الخمسة وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والبيهقي، وقال: إسناده صحيح. وقال الترمذي: حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، يرون أن يقيم الرجل صلبه (2) في الركوع والسجود. وعن حذيفة: أنه رأى رجلا لا يتم الركوع والسجود فقال له: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة (3) التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري. (2) الصلب: الظهر. والمراد أن يستوي قائما. (3) (الفطرة): الدين. (.)

[ 138 ]

(6) الرفع من الركوع والاعتدال قائما مع الطمأنينة: لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإذا رفع رأسه استوى قائما حتى يعود كل فقار (1) إلى مكانه). رواه البخاري ومسلم. وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (ثم ارفع حتى تعتدل قائما) متفق عليه. وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينظر إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده) رواه أحمد، قال المنذري: إسناده جيد. (هامش) (الفقار). جمع فقارة، وهي عظام الظهر. (.) (7) السجود: وقد تقدم ما يدل على وجوبه من الكتاب وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله للمسئ في صلاته: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا). فالسجدة الاولى والرفع منها. ثم السجدة الثانية مع الطمأنينة في ذلك كله فرض في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل. حد الطمأنينة: الطمأنينة المكث زمنا ما بعد استقرار الاعضاء، قدر أدناها العلماء بمقدار تسبيحة. أعضاء السجود: أعضاء السجود: الوجه، والكفان، والركبتان، والقدمان. فعن العباس ابن عبد المطلب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب (2): وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه) رواه الجماعة إلا البخاري. وعن ابن عباس قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعرا ولا ثوبا: الجبهة، واليدين والركبتين (هامش) (2) (سبعة آراب) أي أعضاء، جمع إرب. (.)

[ 139 ]

والرجلين. وفي لفظ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين) متفق عليه. وفي رواية: (أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر (1) ولا الثياب، الجبهة، والانف، واليدين، والركبتين، والقدمين) رواه مسلم والنسائي. وعن أبي حميد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الارض، رواه أبو داود والترمذي وصححه، وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم: أن يسجد الرجل على جبهته وأنفه. فإن سجد على جبهته دون أنفه، فقال قوم من أهل العلم: يجزئه، وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والانف. (هامش) (1) (الكفت والكف). الضم، والمراد أن لا يجمع ثيابه ولا شعره ولا يضمهما في حال الصلاة عند السجود. (.) (8) القعود الاخير وقراءة التشهد فيه: الثابت المعروف من هدى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقعد القعود الاخير يقرأ فيه التشهد، وأنه قال للمسئ في صلاته: (فإذا رفعت رأسك من آخر سجدة وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك). قال ابن قدامة: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا: السلام على الله، ولكن قولوا: التحيات لله)، وهذا يدل على أنه فرض بعد أن لم يكن مفروضا. أصح ما ورد في التشهد: أصح ما ورد في التشهد تشهد ابن مسعود، قال: (كنا إذا جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا السلام على الله قبل عباده، السلام على فلان وفلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن إذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والارض. أو بين السماء والارض. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن

[ 140 ]

محمدا عبده ورسوله، ثم ليختر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به) رواه الجماعة. قال مسلم: أجمع الناس على تشهد ابن مسعود، لان أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا، وغيره قد اختلف أصحابه. وقال الترمذي والخطابي وابن عبد البر وابن المنذر: تشهد ابن مسعود أصح حديث في التشهد، ويلي تشهد ابن مسعود في الصحة تشهد ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن، وكان يقول (التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) رواه الشافعي ومسلم وأبو داود والنسائي. قال الشافعي: ورويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان هذا أحب إلي، لانه أكملها. قال الحافظ: سئل الشافعي عن اختياره وتشهد ابن عباس فقال: لما رأيته واسعا وسمعته عن ابن عباس صحيحا، وكان عندي أجمع وأكثر لفظا من غيره أخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح. وهناك تشهد آخر اختاره مالك، ورواه في الموطأ عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات والصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال النووي: (هذه الاحاديث في التشهد كلها صحيحة، وأشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود ثم ابن عباس. قال الشافعي: وبأيها تشهد أجزأه، وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها. (9) السلام: ثبتت فرضية السلام من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله. فعن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم). رواه أحمد والشافعي وأبو داود وابن ماجة والترمذي. وقال: هذا أصح شئ في الباب وأحسن. وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: (كنت أرى النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن

[ 141 ]

يساره حتى يرى بياض خده) - ورواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. وعن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته). وعن شماله: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام. رواه أبو داود بإسناد صحيح. وجوب التسليمة الواحدة واستحباب التسليمة الثانية: يرى جمهور العلماء أن التسليمة الاولى هي الفرض، وأن الثانية مستحبة. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمه واحدة جائزة. وقال ابن قدامة في المغني: (وليس نص أحمد بصريح في وجوب التسليمتين، إنما قال: (التسليمتين أصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجوز أن يذهب إليه في المشروعية لا الايجاب، كما ذهب إلى ذلك غيره، وقد دل عليه قوله في رواية: وأحب إلي التسليمتان، ولان عائشة وسلمة بن الاكوع وسهل بن سعد قد رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة، وكان المهاجرون يسلمون تسليمة واحدة) وفيما ذكرناه جمع بين الاخبار وأقوال الصحابة في أن يكون المشروع والمسنون تسليمتين، والواجب واحدة، وقد دل على صحة هذا الاجماع الذي ذكره ابن المنذر، فلا معدل عنه. وقال النووي: مذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أن يسن تسليمتان. وقال مالك وطائفة: إنما يسن تسليمة واحدة، تعلقوا بأحاديث ضعيفة لا تقاوم هذه الاحاديث الصحيحة، ولو ثبت شئ منها حمل على أنه فعل ذلك لبيان جواز الاقتصار على تسليمة واحدة. وأجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة، فإن سلم واحدة استحب له أن يسلمها تلقاء وجهه، وإن سلم تسليمتين جعل الاولى عن يمينه والثانية عن يساره. ويلتفت في كل تسليمة، حتى يرى من عن جانبه خده. هذا هو الصحيح إلى أن قال: (ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء وجهه، أو الاولى عن يساره والثانية عن يمينه، صحت صلاته، وحصلت تسليمتان، ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما).

[ 142 ]

سنن الصلاة للصلاة سنن، يستحب للمصلي أن يحافظ عليها لينال ثوابها. نذكرها فيما يلي: (1) رفع اليدين: يستحب أن يرفع يديه في أربع حالات: الاولى، عند تكبيرة الاحرام. قال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم في أنه صلى الله عليه وسلم، كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. وقال الحافظ ابن حجر: إنه روى رفع اليدين في أول الصلاة خمسون صحابيا، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة. وروى البيهقي عن الحاكم قال: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلفاء الاربعة، ثم العشرة المشهود لهم بالجنة فمن بعدهم من أصحابه، مع تفرقهم في البلاد التاسعة، غير هذه السنة. قال البيهقي: هو كما قال أستاذنا أبو عبد الله. صفة الرفع: ورد في صفة رفع اليدين روايات متعددة. والمختار الذي عليه الجماهير، أنه يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذكيه، وراحتاه منكبيه. قال النووي: وبهذا جمع الشافعي بين روايات الاحاديث فاستحسن الناس ذلك منه. ويستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع. فعن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا. رواه الخمسة إلا ابن ماجة. وقت الرفع: ينبغي أن يكون رفع اليدين مقارنا لتكبيرة الاحرام أو متقدما عليها. فعن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه،

[ 143 ]

ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري والنسائي وأبو داود. وعنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حين يكبر حتى يكونا حذو منكبيه أو قريبا من ذلك. الحديث رواه أحمد وغيره. وأما تقدم رفع اليدين على كبيرة الاحرام فقد جاء عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه ثم يكبر، رواه البخاري ومسلم. وقد جاء في حديث مالك بن الحويرث بلفظ: (كبر ثم رفع يديه) رواه مسلم. وهذا يقيه تقدم التكبيرة على رفع اليدين، ولكن الحافظ قال: لم أر من قال بتقديم التكبيرة على الرفع. الثانية والثالثة: ويستحب رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. وقد روى اثنان وعشرون صحابيا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو (1) منكبيه ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. رواه البخاري ومسلم والبيهقي. وللبخاري: ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود. ولمسلم: ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود، وله أيضا: ولاى رفعهما بين السجدتين: وزاد البيهقي: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى. قال ابن المدايني: هذا الحديث عندي حجة على الخلق. كل من سمعه فعليه أن يعمل به، لانه ليس في إسناده شئ، وقد صنف البخاري في هذه المسألة جزءا مفردا، وحكى فيه عن الحسن وحميد بن هلال: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، يعني الرفع في الثلاثة المواطن، ولم يستثن الحسن أحدا. وأما ما ذهب إليه الحنفية، من أن الرفع لا يشرع إلا عند تكبيرة الاحرام استدلالا بحديث ابن مسعود أنه قال: لاصلين لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة، فهو مذهب غير قوي، لان هذا قد طعن فيه كثير من أئمة الحديث. قال ابن حبان هذا أحسن. (هامش) (1) حذو منكبيه أي مساوية لمنكبيه تماما. (.)

[ 144 ]

خبر. روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، وهو في الحقيقة أضعف شئ يعول عليه، لان له عللا تبطله، وعلى فرض التسليم بصحته، كما صرح بذلك الترمذي، فلا يعارض الاحاديث الصحيحة التي بلغت حد الشهرة. وجوز صاحب التنقيح أن يكون ابن مسعود نسي الرفع كما نسي غيره. قال الزيلعي في نصب الراية - نقلا عن صاحب التنقيح -: ليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب: فقد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف فيه المسلمون بعد، وهما المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه، كالتطبيق، ونسي كيف قيام الاثنين خلف الامام، ونسي ما لا يختلف العلماء فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر في وقتها ونسي كيفية جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الارض في السجود، ونسي كيف يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم (وما خلق الذكر والانثى) وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة، كيف لا يجوز أن ينسى مثله في رفع اليدين؟ الرابعة عند القيام إلى الركعة الثالثة: فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان إذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري وأبو داود والنسائي. وعن علي في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا قام من السجدتين رفع يديه حذو منكبيه وكبر. رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححه: والمراد بالسجدتين الركعتان. مساواة المرأة بالرجل في هذه السنة: قال الشوكاني: واعلم أن هذه السنة يشترك فيها الرجال والنساء، ولم يرد ما يدل على الفرق بينهما فيها، وكذا لم يرد ما يدل على الفرق بين الرجل والمرأة في مقدار الرفع. (2) وضع اليمين على الشمال: يندب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة. وقد ورد في ذلك عشرون

[ 145 ]

حديثا، عن ثمانية عشر صحابيا وتابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن سهل ابن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، قال أبو حازم: لا أعلم أنه ينمى (1) ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري وأحمد ومالك في الموطأ. قال الحافظ: وهذا حكمه الرفع، لانه محمول على أن الامر لهم بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنا معشر الانبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا، ووضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة). وعن جابر قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وهو يصلي، وقد وضع يده اليسرى على اليمنى فانتزعها، ووضع اليمنى على اليسرى) رواه أحمد وغيره، قاله النووي: إسناده صحيح. وقال ابن عبد البر: لم يأت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين وذكره مالك في الموطأ وقال: لم يزل مالك يقبض حتى لقي الله عزوجل. (هامش) (1) (ينمي): يرفع. (.) موضع وضع اليدين: قال الكمال بن الهمام. ولم يثبت حديث صحيح يوجب العمل في كون الوضع تحت الصدر، وفي كونه تحت السرة، والمعهود عند الحنفية هو كونه تحت السرة وعند الشافعية تحت الصدر. وعن أحمد قولان كالمذهبين، والتحقيق المساواة بينهما. وقال الترمذي: أن أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة، ورأى بعضهم فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة، وكل ذلك واقع عندهم. انتهى. ولكن قد جاءت روايات تفيد أنه صلى الله عليه وسلم، كان يضع يديه على صدره، فعن هلب الطائي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع اليمنى على اليسرى على صدره فوق المفصل، رواه أحمد، وحسنه الترمذي. وعن وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره) رواه ابن خزيمة وصححه ورواه أبو داود والنسائي بلفظ: ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه

[ 146 ]

اليسرى والرسغ (1) والساعد. أي أنه وضع يده اليمنى على ظهر اليسرى ورصغها وساعدها. (هامش) (1) (الرسغ): المفصل بين الساعد والكف. (.) (3) التوجه أو دعاء الاستفتاح: يندب للمصلي أن يأتي بأي دعاء من الادعية التي كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم ويستفتح بها الصلاة، بعد تكبيرة الاحرام وقبل القراءة. ونحن نذكر بعضها فيما يلي: 1 - عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة (2) قبل القراءة فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، أللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، أللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد.) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن. إلا الترمذي. 2 - وعن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين: أللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لاحسن الاخلاق، لا يهدي لاحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك (3)، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، وأنا بك وإليك تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.) رواه أحمد ومسلم (هامش) (2) وقتا قصيرا. (3) (لبيك): هو من ألب بالمكان إذا أقام به، أي أجبك إجابة بعد إجابة، قال النووي قال العلماء: ومعناه أنا مقيم على طاعتك اقامة بعد إقامة (سعديك) قال الازهري وغيره: معناه مساعدة لامرك بعد مساعدة، ومتابعة لدينك بعد متابعة، (الشر ليس اليك): أي لا يتقرب به اليك أو لا يضاف اليك تأدبا، أو لا يصعد إليك، أو أنه ليس شرا بالنسبة إليك فانما خلقته لحكمة بالغة، وانما هو شر بالنسبة للمخلوقين. (.)

[ 147 ]

والترمذي وأبو داود وغيرهم. 3 - وعن عمر: أنه كان يقول بعد تكبيرة الاحرام: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك (1)، ولا إله غيرك) رواه مسلم بسند منقطع. والدار قطني موصولا وموقوفا على عمر. قال ابن القيم: صح عن عمر أنه كان يستفتح به في مقام النبي صلى الله عليه وسلم، ويجهر به ويعلمه الناس، وهو بهذا الوجه في حكم المرفوع، ولذا قال الامام أحمد: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلا استفتح ببعض ما روي كان حسنا. 4 - وعن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة بأي شئ كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟ فقالت لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبر عشرا (2) وحمد الله عشرا، وسبح الله عشرا، وهلل عشرا، واستغفر عشرا وقال: (اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. 5 - وعن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة، بأي شئ كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل يفتتح صلاته: (أللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك: إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. 6 - وعن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في التطوع: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات، والحمد لله كثيرا، ثلاث مرات، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ثلاث مرات. اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفثه ونفخه) قلت: يا رسول الله (هامش) (1) ومعنى (تعالى جدك) علا جلالك وعظمتك. (2) كان إذا قام كبر عشرا: أي بعد تكبيرة الاحرام. (.)

[ 148 ]

ما همزه ونفثه ونفخه؟ قال: أما همزة فالموتة (1) التي تأخذ بني آدم، أما نفخه: الكثير، ونفثه: الشعر) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان مختصرا. 7 - وعن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: (اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والارض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والارض ومن فيهن، ولك الحمد أنت مالك السموات والارض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق ومحمد حق، والساعة حق. أللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك. وفي أبي داود عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في التهجد يقوله بعدما يقول الله أكبر. (هامش) (1) (المؤتة): الصراع. (.) 8 - الاستعاذة: يندب للمصلي بعد دعاء الاستفتاح وقبل القراءة، أن يأتي بالاستعاذة، لقول الله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (2). وفي حديث نافع بن جبير المتقدم، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم) إلخ. وقال ابن المنذر: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل القراءة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). (4) الاسرار بها: ويسن الاتيان بها سرا. قال في المغني: ويسر الاستعاذة ولا يجهر بها، لا أعلم فيه خلافا. انتهى: لكن الشافعي يرى التخيير بين الجهر بها والاسرار في الصلاة الجهرية، وروي عن أبي هريرة الجهر بها عن طريق ضعيف. (هامش) (2) أي إذا أردت القراءة فاستعذ: كقول الله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم). (.)

[ 149 ]

مشروعيتها في الركعة الاولى دون سائر الركعات: ولا تشرع الاستعاذة إلا في الركعة الاولى. فعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض في الركعة الثانية، افتتح القراءة ب الحمد لله رب العالمين، ولم يسكت. رواه مسلم. قال ابن القيم: اختلف الفقهاء، هل هذا موضع استعاذة أو لا؟ بعد اتفاقهم على أنه ليش موضع استفتاح، وفي ذلك قولان، هما رواية عن أحمد، وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كل ركعة مستقلة برأسها؟ ولا نزاع بينهما في أن الاستفتاح لمجموع الصلاة. والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر للحديث الصحيح، وذكر حديث أبي هريرة ثم قال: وإنما يكفي استفتاح واحد، لانه لم يتخلل القراءتين سكوت بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمد الله، أو تسبيح أو تهليل، أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك. وقال الشوكاني: الاحوط الاقتصار على ما وردت به السنة وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الاولى فقط. (5) التأمين: يسن لكل مصل، إماما أو مأموما أو منفردا، أن يقول آمين، بعد قراءة الفاتحة، يجهر بها في الصلاة الجهرية، ويسر بها في السرية. فعن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ (ولا الضالين) فقال آمين، وقال الناس: آمين. ثم يقول أبو هريرة بعد السلام: والذي نفسي بيده إني لاشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره البخاري تعليقا (1) ورواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن السراج. وفي البخاري قال ابن شهاب: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين. وقال عطاء، آمين دعاء، أمن ابن الزبير ومن وراء حتى إن للمسجد للجة (2) وقال نافع. كان ابن عمر لا يدعه ويحضهم، وسمعت منه في ذلك خ برا. وعن أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه (هامش) (1) أي من غير ذكر السند. (2) (لجة): أي صوت مرتفع. (.)

[ 150 ]

وسلم إذا تلا: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الاول، رواه أبو داود وابن ماجه وقال: حتى يسمعها أهل الصف الاول فيرتج بها المسجد. ورواه أيضا الحاكم وقال: صحيح على شرطهما، والبيهقي وقال حسن صحيح. والدار قطني وقال: إسناده حسن. وعن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال: آمين، يمد بها صوته. رواه أحمد وأبو داود، ولفظه، رفع بها صوته. وحسنه الترمذي وقال: وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها. وقال الحافظ: سند هذا الحديث صحيح. وقال عطاء: أدركت مائتين من الصحابة في هذا المسجد، إذا قال الامام: ولا الضالين، سمعت لهم رجة آمين. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما حسدتكم اليهود على شئ، ما حسدتكم على السلام والتأمين خلف الامام.) رواه أحمد وابن ماجة. استحباب موافقة الامام فيه: ويستحب للمأموم أن يوافق الامام، فلا يسبقه في التأمين ولا يتأخر عنه فعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الامام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري. وعنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الامام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا آمين (1) فإن الملائكة يقولون: آمين وإن الامام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمن الامام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه الجماعة. (هامش) (1) قال الخطابي: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الامام ولا الضالين) فقولوا (آمين): أي مع الامام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معا. وأما قوله: (إذا أمن أمنوا) فانه لا يخالفه ولا يدل على أنهم يؤخرونه عن وقت تأمينه، وإنما هو كقول القائل: إذا رحل الامير فارحلوا: يعني إذا أخذ الامير في الرحيل فتهيأوا للارتحال، لتكون رحلتكم مع رحلته. وبيان هذا في الحديث الاخر (أن الامام يقول آمين) إلى آخر الحديث. (.)

[ 151 ]

معنى آمين: ولفط (آمين) يقصر ألفه ويمد مع تخفيف الميم، وليس من الفاتحة، وإنما دعاه معناه: اللهم استجب. (6) القراءة بعد الفاتحة: يسن للمصلي أن يقرا سورة أو شيئا من القرآن بعد قراءة الفاتحة في ركعتي الصبح والجمعة، والاوليين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وجميع ركعات النفل. فعن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر، في الاوليين، بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الاخريين، بأم الكتاب، ويسمعنا الاية أحيانا، ويطول في الركعة الاولى ما لا يطول في الثانية. وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح. رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وزاد: قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الاولى. وقال جابر بن سمرة: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر فعزله، واستعمل عليهم عمارا فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحق إن هؤلاء يزعمون أنك تصلي، قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أخرم عنها (1): أصلي صلاة العشاء فأركد في الاوليين (2) وأخف في الاخريين قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحق، فأرسل معه رجلا أو رجالا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة فقال: أما إذا ناشدتنا الله، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لادعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، وكان بعد يقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فإنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق (هامش) (1) (ما أخرم عنها): أي أنقص. (2) (فأركد في الاوليين) أي أطول فيهما القراءة. (.)

[ 152 ]

يغمزهن. رواه البخاري وقال أبو هريرة: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفي عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير، رواه البخاري. كيفية القراءة بعد الفاتحة: والقراءة بعد الفاتحة تجوز على أي نحو من الانحاء. قال الحسين: (غزونا خراسان ومعنا ثلثمائة من الصحابة فكان الرجل منهم يصلي بنا فيقرأ الايات من السورة ثم يركع). وعن ابن عباس: أنه قرأ الفاتحة وآية من البقرة في كل ركعة. رواه الدار قطني بإسناد قوي. وقال البخاري: (باب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة). ويذكر عن عبد الله بن السائب: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون) في الصبح حتى إذا ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع. وقرأ عمر في الركعة الاولى بمائة وعشرين آية من البقرة، وفي الثانية بسورة من المثاني. وقرأ الاحنف بالكهف في الاولى، وفي الثانية بيونس أو يوسف، وذكر: أنه صلى مع عمر الصبح بهما، وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الانفال وفي الثانية بسورة من المفصل. وقال قتادة فيمن قرأ سورة واحدة في ركعتين، أو يردد سورة في ركعتين -: كل كتاب الله. وقال عبد الله بن ثابت عن أنس: كان رجل من الانصار يؤمهم في مسجد قباء. وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح ب (قل هو الله أحد) حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها. إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره. فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم، أخبروه الخبر فقال: (يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني أحبها. فقال: (حبك إياها أدخلك الجنة). وعن رجل من جهينة: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح: (إذا زلزلت الارض) في الركعتين كلتيهما قال:

[ 153 ]

فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا؟ رواه أبو داود، وليس في إسناده مطعن. هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في القراءة بعد الفاتحة: نذكر هنا ما لخصه ابن القيم من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفاتحة (1) قال: فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها وكان يطيلها تارة، ويخففها لعارض من سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالبا. (هامش) (1) العناوين ليست لابن القيم. (.) قراءة الفجر: وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية. وصلاها بسورة (ق)، وصلاها ب (الروم) وصلاها ب (إذا الشمس كورت) وصلاها ب (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما، وصلاها بالمعوذتين وكان في السفر، وصلاها فافتتح بسورة (المؤمنون) حتى بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الاولى فأخذته سعلة فركع، وكان يصليها يوم الجمعة ب (ألم تنزيل (السجدة) وسورة (هل أتى على الانسان) كاملتين، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه. وأما ما يظنه كثير من الجهال أن صبح يوم الجمعة فضلت بسجدة، فجهل عظيم، ولهذا كره بعض الائمة قراءة سورة (السجدة) لاجل هذا الظن. وإنما كان صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين، لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم ودخول الجنة والنار، وغير ذلك، مما كان ويكون في يوم الجمعة. فكان يقرا في فجرها، ما كان ويكون في ذلك اليوم، تذكيرا للامة بحوادث هذا اليوم، كما كان يقرأ في المجامع العظام، كالاعياد والجمعة، بسورة (ق) و (اقتربت) و (يسبح) (2) و (الغاشية). (هامش) (2) (يسبح) أي سورة الاعلى المبدوءة: (سبح اسم ربك الاعلى). (.) القراءة في الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانا، حتى قال أبو سعيد: كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الاولى، مما يطيلها، رواه مسلم،

[ 154 ]

وكان يقرأ فيها تارة بقدر (الم تنزيل) وتارة (سبح اسم ربك الاعلى) (والليل إذا يغشى) وتارة ب (والسماء ذات البروح)، (والسماء والطارق). القراءة في العصر: وأما العصر فعلى النصف من قراءة صلاة الظهر إذا طالت. وبقدرها إذا قصرت. القراءة في المغرب: وأما المغرب فكان هديه فيها خلاف عمل اليوم، فإنه صلاها مرة ب (الاعراف) في الركعتين ومرة ب (الطور) ومرة ب (المرسلات) قال أبو عمر ابن عبد البر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب ب (المص) (الاعراف) وأنه قرأ فيها ب (الصافات) وأنه قرأ فيها ب (حم) الدخان، وأنه قرأ فيها ب (سبح اسم ربك الاعلى) وأنه قرأ فيها ب (والتين والزيتون)، وأنه قرأ فيها بالمعوذتين وأنه قرأ فيها ب (المرسلات)، وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل. وقال: وهي كلها آثار صحاح مشهورة، انتهى كلام ابن عبد البر. وأما المداومة فيها على قصار المفصل دائما، فهو فعل مروان بن الحكم، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت وقال مالك تقرا في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين؟ قال قلت: وما طولى الطوليين؟ قال: الاعراف. وهذا حديث صحيح، رواه أهل السنن. وذكر النسائي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بسورة (الاعراف) فرقها في الركعتين. فالمحافظة فيها على الاية والسورة من قصار المفصل خلاف السنة، وهو فعل مروان بن الحكم، القراءة في العشاء: وأما العشاء الاخرة: فقرأ فيها صلى الله عليه وسلم ب (والتين والزيتون) ووقت لمعاذ فيها ب (والشمس وضحاها) (وسبح اسم ربك الاعلى) (والليل إذا يغشى) ونحوها. وأنكر عليه قراءته فيها (البقرة) بعد ما صلى معه، ثم ذهب إلى بني عمرو ابن عوف فأعادها لهم بعد ما مضى من الليل ما شاء الله،

[ 155 ]

وقرأ (البقرة) ولهذا قال له: (أفان أنت يا معاذ؟) فتعلق النقادون بهذه الكلمة، ولميلتفتوا إلى ما قبلها ولا إلى ما بعدها. القراءة في الجمعة: وأما الجمعة فكان يقرا فيها بسورة (الجمعة) و (المنافقين) أو (الغاشية) كاملتين وسورة (سبح) و (الغاشية). وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من (يأيها الذين آمنوا) إلى آخرها، فلم يفعله قط. وهو مخالف لهديه الذي كان يحافظ عليه. القراءة في العيدين: وأما القراءة في الاعياد فتارة يقرأ سورة (ق) و (اقتربت) كاملتين وتارة سورة (سبح) و (الغاشية) وهذا هو الهدي الذي استمر عليه إن أن لقي الله عزوجل، لم ينسخه شئ، ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده. فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في الفجر سورة (البقرة) حتى سلم منها قريبا من طلوع الشمس فقالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وكان عمر رضي الله عنه يقرأ فيها ب (يوسف) و (النحل) و (هود) وبني إسرائيل، ونحوها من السور. ولو كان تطويله صلى الله عليه وسلم منسوخا لم يخف على خلفائه الراشدين ويطلع عليه النقادون. وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر (ق والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعد تخفيفا فالمراد بقوله بعد: أي بعد الفجر، أي أنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها وصلاته بعدها تخفيفا. ويدل على ذلك قول أم الفضل وقد سمعت ابن عباس يقرأ (والمرسلات عرفا) فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءة هذه السورة، إنها لاخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرأ بها في المغرب، فهذا في آخر الامر إلى أن قال: وأما قوله صلى الله عليه وسلم، يقرأ بها في المغرب، فهذا في آخر الامر إلى أن قال: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (أيكم أم بالناس فليخفف) وقول أنس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في تمام) فالتخفيف أمر نسي، يرجع إلى ما فعله

[ 156 ]

النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه وقد علم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة. فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به، فأنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها. وهديه الذي واظب عليه، هو الحاكم على كل ما تنازع عليه المتنازعون. ويدل ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا ب (الصافات)، فالقراءة ب (الصافات) من التخفيف الذي كان يأمر به. قراءة سورة بعينها: وكان صلى الله عليه وسلم لا يعين سورة في الصلاة بعينها، لا يقرأ إلا بها، إلا في الجمعة والعيدين، وأما في سائر الصلوات فقد ذكر أبو داود، في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة. وكان من هديه قراءة السور الكاملة، وربما قرأها في الركعتين وربما في أول السورة. وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه. وأما قراءة السورتين في الركعة فكان يفعله في النافلة، وأما في الفرض فلم يحفظ عنه، وأما حديث ابن مسعود: إني لاعرف النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن السورتين في الركعة. (الرحمن) (والنجم) في ركعة. (واقتربت) و (الحاقة) في ركعة، و (والطور) (والذاريات) في ركعة، (إذا وقعت) و (نون) في ركعة. الحديث. فهذا حكاية فعل لم يعين محله. هل كان في الفرض أو في النفل؟ وهو محتمل. وأما قراءة سورة واحدة في ركعتين معا فقلما كان يفعله. وقد ذكر أبو داود عن رجل من جهينة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما قال: فلا أدري. أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا. إطالة الركعة الاولى في الصبح: وكان صلى الله عليه وسلم يطيل الركعة الاولى على الثانية من صلاة الصبح،

[ 157 ]

ومن كل صلاة وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقع قدم، وكان يطيل صلاة الصبح أكثر من سائر الصلوات. وهذا، لان قرآن الفجر مشهود، يشهده الله تعالى وملائكته. وقيل: يشهده ملائكة الليل والنهار. والقولان مبنيان على أن النزول الالهي، هل يدوم إلى انقضاء صلاة الصبح أو إلى طلوع الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا. وأيضا، فإنها لما نقص عدد ركعاتها جعل تطويلها عوضا عما نقصته من العدد، وأيضا فإنها تكون عقيب النوم والناس مستريحون، وأيضا فإنهم لم يأخذوا بعد في استقبال المعاش وأسباب الدنيا، وأيضا فإنها تكون في وقت تواطأ السمع واللسان والقلب، لفراغه وعدم تمكنه من الاشتغال فيه. فيفهم القرآن ويتدبره، وأيضا فإنها أساس العمل وأوله، فأعطيت فضلا من الاهتمام بها وتطويلها، وهذه أسرار إنما يعرفها من له التفات إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها. صفة قراءته صلى الله عليه وسلم: وكانت قراءته مدا، يقف عند كل آية، ويمد بها صوته. انتهى كلام ابن القيم. ما يستحب أثناء القراءة: يسن أثناء القراءة، تحسين الصوت وتزيينه: ففي الحديث. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زينوا أصواتكم بالقرآن) وقال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) وقال: (إن أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه وحسبتموه يخشى الله) وقال: (وما أذن الله شئ (1) ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن). قال النووي: يسن لكل من قرأ في الصلاة أو غيرها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ به من النار، أو من العذاب، أو من الشر، أو من المكروه، أو يقول: اللهم إني أسألك العافية، أو نحو ذلك، وإذا مر بآية تنزيه لله سبحانه وتعالى نزه الله فقال: (سبحانه (هامش) (1) ما أذن الله (أذن): استمع. (.)

[ 158 ]

وتعالى، أو تبارك الله رب العالمين؟ أو جلت عظمة ربنا، أو نحو ذلك. وروينا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فاتتح (البقرة) فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح (آل عمران) فقرأها ثم افتتح (النساء فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، رواه مسلم. قال أصحابنا: يستحب هذا، والتسبيح السؤال والاستعاذة للقارئ في الصلاة وغيرها، وللامام والمأموم والمنفرد، لانه دعاء، فاستووا فيه، كالتأمين، ويستحب لكل من قرأ (أليس الله بأحكم الحاكمين) أن يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وإذا قرأ (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) قال: بلى أشهد، وإذا قرأ (فبأي حديث بعده يؤمنون) قال آمنت بالله. وإذا قال (سبح اسم ربك الاعلى) قال: سبحان ربي الاعلى. ويقول هذا في الصلاة وغيرها. مواضع الجهر والاسرار بالقراءة: والسنة أن يجهر المصلي في ركعتي الصبح والجمعة، والاوليين من المغرب والعشاء، والعيدين والكسوف والاستسقاء، ويسر في الظهر والعصر، وثالثة المغرب والاخريين من العشاء. وأما بقية النوافل، فالنهارية لا جهر فيها، والليلية يخير فيها بين الجهر والاسرار. والافضل التوسط: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بأبي بكر وهو يصلي، يخفض صوته، ومر بعمر وهو يصلي رافعا صوته، فلما اجتمعا عنده قال: (يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك؟) فقال: يا رسول الله قد أسمعت من ناجيت، وقال لعمر: (مررت بك وأنت تصلي رافعا صوتك) فقال: يا رسول الله، أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان. فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئا) وقال لعمر: (اخفض من صوتك شيئا) رواه أحمد وأبو داود. وإن نسي فأسر في موضع الجهر، أو جهر في موضع الاسرار فلاشئ عليه، وإن تذكر أثناء قراءته بنى عليها.

[ 159 ]

القراءة خلف الامام: الاصل أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة سورة الفاتحة، في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل كما تقدم في فرائض الصلاة إلا أن المأموم تسقط عنه القراءة ويجب عليه الاستماع والانصات في الصلاة الجهرية، لقول الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون). ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كبر الامام فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا) صححه مسلم وعلى هذا يحمل حديث (من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة): أي إن قراءة الامام له قراءة في الصلاة الجهرية، وأما الصلاة السرية فالقراءة فيها على المأموم وكذا تجب عليه القراءة في الصلاة الجهرية، إذا كان بحيث لا يتمكن من الاستماع للامام. قال أبو بكر بن العربي: والذي نرجحه وجوب القراءة في الاسرار. لعموم الاخبار (1)، أما الجهر فلا سبيل إلى القراءة فيه لثلاثة أوجه: أحدها: أنه عمل أهل المدينة، الثاني أنه حكم القرآن قال الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) وقد عضدته السنة بحديثين. أحدهما حديث عمران بن حصين (قد (2) علمت أن بعضكم خالجنيها (3)). الثاني: قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا). الثالث: الترجيح، إن القراءة مع الامام لا سبيل إليها، فمتى يقرأ؟ فإن قيل يقرأ في سكتة الامام قلنا. السكوت لا يلزم الامام، فكيف يركب فرض على ما ليس بفرض؟ لا سيما وقد وجدنا وجها للقراءة مع الجهر، وهي قراءة القلب بالتدبر والتفكر، وهذا نظام القرآن والحديث وحفظ العبادة. ومراعاة السنة، وعمل بالترجيح انتهى. وهذا اختيار الزهري وابن المبارك، وقول لمالك وأحمد وإسحاق، ونصره ورجحه ابن تيمية. (هامش) (1) أدلة وجوب القراءة التي تقدم الكلام عليها في فرائض الصلاة. (2) قال له النبي صلى الله عليه وسلم، لما سمع رجلا يقرأ خلفه (سبح اسم ربك الاعلى). (3) (خالجنيها) نازعنيها. (.)

[ 160 ]

(7) تكبيرات الانتقال: يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود، إلا في الرفع من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، فعن ابن مسعود قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود. رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. ثم قال والعمل عليه عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة الفقهاء والعلماء، انتهى، فعن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم. ثم يكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في اثنتين، ثم يفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، قال أبو هريرة: كانت هذه صلاته حتى فارق الدنيا. رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود. وعن عكرمة قال قلت لابن عباس: صليت الظهر بالبطحاء خلف شيخ أحمق، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة، يكبر إذا سجد، وإذا رفع رأسه. فقال ابن عباس: تلك صلاة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والبخاري. ويستحب أن يكون ابتداء التكبير حين يشرع في الانتقال. (8) هيئات الركوع: الواجب في الركوع مجرد الانحناء، بحيث تصل اليدان إلى الركبتين، ولكن السنة فيه تسوية الرأس بالعجز، والاعتماد باليدين على الركبتين مع مجافاتهما على الجنبين، وتفريج الاصابع على الركبة والساق، وبسط الظهر. فعن عقبة بن عامر (إنه ركع فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وعن أبي حميد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع اعتدل، ولم يصوب رأسه ولم يقنعه (1)، (هامش) (1) (يصوب) يميل به إلى أسفل. (يقنعه): يرفعه إلى أعلى. (.)

[ 161 ]

ووضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، رواه النسائي. وعند مسلم عن عائشة رضي الله عنها: كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه. ولكن بين ذلك. وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع، لو وضع قدح من ماء على ظهره لم يهرق (1). رواه أحمد وأبو داود في مراسيله وعن مصعب بن سعد قال: صليت إلى جانب أبي، فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي. فنهاني عن ذلك وقال: كنا نفعل هذا، فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب. رواه الجماعة. (9) الذكر فيه: يستحب الذكر في الركوع بلفظ (سبحان ربي العظيم). فعن عقبة بن عامر قال: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم (اجعلوها في ركوعكم) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد جيد. وعن حذيفة قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) رواه مسلم وأصحاب السنن. وأما لفظ (سبحان ربي العظيم وبحمده) فقد جاء من عدة طرق كلها ضعيفة. قال الشوكاني: ولكن هذه الطرق تتعاضد، ويصح أن يقتصر المصلي على التسبيح، أو يضيف إليه أحد الاذكار الاتية: 1 - عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع قال: (أللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي خشع سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم. 2 - عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: (سبوح قدوس (2) رب الملائكة والروح). 3 - وعن عوف بن مالك الاشجعي قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقام فقرأ سورة (البقرة) إلى أن قال فكان يقول في ركوعه: (هامش) (1) (يهرق): يصب منه شئ، لاستواء ظهره. (2) (سبوح قدوس) الفصيح منها، ضم الاول، وهما خبر لمبتدأ محذوف أنت؟ تقدير معناهما أنت منزه ومطهر عن كل ما لا يليق بجلالك. (.)

[ 162 ]

وسبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة) رواه أبو داود والترمذي والنسائي. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن (1) رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم. (هامش) (1) (يتأول القرآن): أي يعمل بقبول الله تعالى (فسبح بحمد ربك واستغفره). (.) (10) أذكار الرفع من الركوع والاعتدال: يستحب للمصلي - إماما أو مأموما أو منفردا - أن يقول عند الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده، فإذا استوى قائما فليقل: ربنا ولك الحمد، أو: اللهم ربنا ولك الحمد، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، رواه أحمد والشيخان. وفي البخاري من حديث أنس: وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد. يرى بعض العلماء. أن المأموم لا يقول (سمع الله لمن حمده) بل إذا سمعها من الامام يقول: اللهم ربنا ولك الحمد. لهذا الحديث. ولحديث أبي هريرة عند أحمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) ولكن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يقتضي أن يجمع كل مصل بين التسبيح والتحميد، وإن كان مأموما ويجاب عما استدل به القائلون (بأن المأموم لا يجمع بينهما) بل يأتي بالتحميد فقط، بما ذكره النووي قال: قال أصحابنا، فمعناه قولوا: (ربنا لك الحمد) مع ما قد علمتموه من قول سمع الله لمن حمده، وإنما خص هذا بالذكر، لانهم كانوا يسمعون جهر النبي صلى الله عليه وسلم (سمع الله لمن حمده) فإن السنة فيه الجهر ولا يسمعون قوله: ربنا لك الحمد، لانه يأتي به سرا. وكانوا يعلمون قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) مع قاعدة التأسي به صلى الله عليه وسلم مطلقا، وكانوا يوافقون في (سمع الله لمن حمده) فلم

[ 163 ]

يحتج إلى الامر به، ولا يعرفون (ربنا لك الحمد) فأمروا به. هذا أقل ما يقتصر عليه في التحميد حين الاعتدال ويستحب الزيادة على ذلك بما جاء في الاحاديث الاتية: 1 - عن رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي يوما وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركعة وقال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: (ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه) فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من المتكلم آنفا)؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيت بضعة (1) وثلاثين ملكا يبتدرونها، أيهم يكتبها أولا) رواه أحمد والبخاري ومالك وأبو داود. وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع من الركعة قال: (سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد مل ء (2) السموات والارض وما بينهما، ومل ء ما شئت من شئ بعد) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. 3 - وعن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وفي لفظ: يدعو، إذا رفع رأسه من الركوع: (اللهم لك الحمد مل ء السماء ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد: اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب ونقني منها كما ينقى الثوب الابيض من الوسخ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة. ومعنى الدعاء: طلب الطهارة الكاملة. 4 - وعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: (سمع الله لمن حمده) قال: (اللهم ربنا لك الحمد مل ء السموات ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد أهل الثناء والمجد (3) أحق ما قال (هامش) (1) (البضع) من الثلاثة إلى العشرة. (2) (مل ء) بفتح الهمزة، هذا هو المشهور أي لو جسم الحمد لملا السموات والارض وما بينهما لعظمه. (3) (أهل الثناء والمجد) أهل منصوب على النداء أو الاختصاص) أي يا أهل الثناء! أو مدح أهل الثناء. (الجد) بفتح الجيم على المشهور! الحظ والعظمة. والغني: أي لا ينفعه ذلك، وإنما ينفعه العمل الصالح! (.)

[ 164 ]

العبد، وكلنا لك عبد: لا مانع لما أعطيت. ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) رواه مسلم وأحمد وأبو داود. 5 - وصح عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول بعد (سمع الله لمن حمده) (لربى الحمد، لربي الحمد) حتى يكون اعتداله قدر ركوعه. (11) كيفية الهوي إلى السجود والرفع منه: ذهب الجمهور إلى استحباب وضع الركبتين قبل اليدين، حكاه ابن المنذر عن عمر النخعي ومسلم بن يسار وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال: وبه أقول، انتهى. وحكاه أبو الطيب عن عامة الفقهاء. وقال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يضع ركبتيه قبل يديه ثم يديه بعدهما ثم جبهته وأنفه هذا هو الصحيح الذي رواه شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه. عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك، انتهى. وذهب مالك والاوزاعي وابن حزم إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين، وهو رواية عن أحمد. قال الاوزاعي: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم. وقال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث. وأما كيفية الرفع من السجود حين القيام إلى الركعة الثانية، فهو على الخلاف أيضا، فالمستحب عند الجمهور أن يرفع يديه ثم ركبتيه، وعند غيرهم يبدأ برفع ركبتيه قبل يديه. (12) هيئة السجود: يستحب للساجد أن يراعي في سجوده ما يأتي: 1 - تمكين أنفه وجبهته ويديه على الارض، مع مجافاتهما عن جنبيه، فعن وائل بن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه. رواه أبو داود. وعن أبي حميد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الارض، ونحى يديه عن

[ 165 ]

جنبيه، ووضع كفيهحذو منكبيه، رواه ابن خزيمة والترمذي وقال: حسن صحيح. 2 - وضع الكفين حذو الاذنين أو حذو المنكبين، وقد ورد هذا وذاك، وجمع بعض العلماء بين الروايتين، بأن يجعل طرفي الابهامين حذو الاذنين، وراحتيه حذو منكبيه. 3 - أن يبسط أصابعه مضمومة، فعند الحاكم وابن حبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع فرج بين أصابعه. وإذا سجد ضم أصابعه. 4 - أن يستقبل بأطراف أصابعه القبلة فعند البخاري من حديث أبي حميد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع يديه غير مفترشهما ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. (13) مقدار السجود وأذكاره: يستحب أن يقول الساجد حين سجوده: (سبحان ربي الاعلى). فعن عقبة بن عامر قال: لما نزلت (سبح اسم ربك الاعلى) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوها في سجودكم) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم، وسنده جيد. وعن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: (سبحان ربي الاعلى) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن. وقال الترمذي: حسن صحيح. وينبغي أن لا ينقص التسبيح في الركوع والسجود عن ثلاث تسبيحات. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود عن ثلاث تسبيحات، انتهى. وأما أدنى ما يجزئ فالجمهور على أن أقل ما يجزئ في الركوع والسجود قدر تسبيحة واحدة. وقد تقدم أن الطمأنينة هي الفرض وهي مقدرة بمقدار تسبيحة. وأما كمال التسبيح فقدره بعض العلماء بعشر تسبيحات لحديث سعيد بن جبير عن أنس قال: (ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الغلام، يعني عمر بن عبد العزيز فحزرنا في الركوع عشر تسبيحات (1) (هامش) (1) (حزرنا): أي قدرنا. (.)

[ 166 ]

وفي السجود عشر تسبيحات). رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد جيد. قال الشوكاني: قيل: فيه حجة لمن قال: إن كمال التسبيح عشر تسبيحات. والاصح أن المفرد يزيد في التسبيح ما أراد وكلما زاد كان أولى. والاحاديث الصحيحة في تطويله صلى الله عليه وسلم ناطقة بهذا. وكذا الامام إذا كان المؤتمون لا يتأذون بالتطويل. انتهى. وقال ابن عبد البر: ينبغي لكل إمام أن يخفف، لامره صلى الله عليه وسلم، وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري ما يحدث لهم من حادث، وشغل عارض وحاجة وحدث وغير ذلك. وقال ابن المبارك: استحب للامام أن يسبح خمس تسبيحات، لكي يدرك من خلفه ثلاث تسبيحات. والمستحب ألا يقتصر المصلي على التسبيح، بل يزيد عليه ما شاء من الدعاء. ففي الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون أحدكم من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء)، وقال: (ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن (1) أن يستجاب لكم) رواه أحمد ومسلم. وقد جاءت أحاديث كثيرة في ذلك نذكرها فيما يلي: 1 - عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يقول: (اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه فصوره فأحسن صوره، فشق سمعه وبصره: فتبارك الله أحسن الخالقين) رواه أحمد ومسلم. 2 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما يصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التهجد قال: ثم خرج إلى الصلاة فصلى وجعل يقول في صلاته أو في سجوده: (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، واجعلني نورا، قال شعبة: أو قال: (اجعل لي نورا) رواه مسلم وأحمد وغيرهما، وقال النووي: قال العلماء: (هامش) (1) (قمن) بفتح أوله وثانية أو كسر ثانيه. أي حقيق وجدير. (.)

[ 167 ]

سأل النور في جميع أعضائه وجهاته، والمراد بيان الحق والهداية إليه. فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه، وتصرفاته وتقلباته وحالته وجملته، في جهاته الست. حتى لا يزيغ شئ منها عنه. 3 - وعن عائشة: أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم من مضجعه فلمسته بيدها، فوقعت عليه وهو ساجد، وهو يقول: (رب أعط نفسي تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) رواه أحمد. 4 - وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده (اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله (1) وأوله وآخره، وعلانيته وسره) رواه مسلم وأبو داود والحاكم. 5 - وعن عائشة قالت: فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلمسته في المسجد، فإذا هو ساجد وقدماه منصوبتان، وهو يقول: (أللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) رواه مسلم وأصحاب السنن. 6 - وعنها أنها فقدته صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فظنت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسسته فإذا هو راكع أو ساجد يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت) فقالت: (بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن وإنك لفي شأن آخر) رواه أحمد ومسلم والنسائي. 7 - وكان صلى الله عليه وسلم يقول وهو ساجد: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت. أنت إلهي لا إله إلا أنت). (14) صفة الجلوس بين السجدتين: السنة في الجلوس بين السجدتين، أن يجلس مفترشا. وهو أن يثني رجله (هامش) (1) دقه وجله: (دقه) بكسر أوله: صغيره. (جله): بضم أوله أو بكسره: أي كبيره. (.)

[ 168 ]

اليسرى فيبسطها ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى، جاعلا أطراف أصابعها إلى القبلة. فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى. رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى، رواه النسائي. وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى استقبل القبلة بكل شئ حتى بنعليه، رواه الاثرم. وفي حديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم ثنى رجله اليسرى وقعد علهيا، ثم اعتدل حتى رجع كل عظم موضعه، ثم هوى ساجدا. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وقد ورد أيضا استحباب الافعاء، وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه. قال أبو عبيدة: هذا قول أهل الحديث. فعن أبي الزبير أنه سمع طاووسا يقول: قلنا لابن عباس في الاقعاء على القدمين. فقال: هي السنة، قال: فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل. فقال: هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الاولى يقعد على أطراف أصابعه، ويقول: إنه من السنة. وعن طاووس قال: رأيت العبادلة يعني عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير يقعون رواهما البيهقي: قال الحافظ: صحيحة الاسناد وأما الاقعاء - بمعنى وضع الاليتين على الارض ونصب الفخذين - فهذا مكروه، باتفاق العلماء. فعن أبي هريرة قال: (نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كاقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب)، رواه أحمد والبيهقي والطبراني وأبو يعلى. وسنده حسن، ويستحب للجالس بين السجدتين أن يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى، بحيث تكون الاصابع مبسوطة موجهة جهة القبلة، مفرجة قليلا، منتهية إلى الركبتين. الدعاء بين السجدتين: يستحب الدعاء في السجدتين بأحد الدعاءين الاتيين ويكرر إذا شاء. روى

[ 169 ]

النسائي وابن ماجه عن حذيفة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: (رب اغفر لي) وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين (اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني (1). (هامش) (1) رواه الترمذي، وفيه: (واجبرني) بدل وعافني. (.) (15) جلسة الاستراحة: هي جلسة خفيفة يجلسها المصلي بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الاولى، قبل النهوض إلى الركعة الثانية، وبعد الفراغ من السجدة الثانية، من الركعة الثالثة، قبل النهوض إلى الركعة الرابعة. وقد اختلف العلماء في ذلك حكمها، تبعا لاختلاف الاحاديث. ونحن نورد ما لخصه ابن القيم في ذلك قال: واختلف الفقهاء فيها، هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكل أحد أن يفعلها، أو ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد رحمه الله قال الخلال: (رجع أحمد إلى حديث مالك ابن الحويرث في جلسة الاستراحة وقال: أخبرني يوسف بن موسى: أن أبا أمامة سئل عن النهوض فقال: على صدور القدمين، على حديث رفاعة. وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روى عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم، لم يذكر هذه الجلسة وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث. ولو كان هديه صلى الله عليه وسلم فعلها دائما، لذكرها كل واصف لصلاته صلى الله عليه وسلم، ومجرد فعله دائما، لذكرها كل واصف لصلاته صلى الله عليه وسلم، ومجرد فعله صلى الله عليه وسلم لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا علم أنه فعلها سنة فيقتدى به فيها وأما إذا قدر أنه فعلها للحاجة: لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة. (16) صفة الجلوس للتشهد: ينبغي في الجلوس للتشهد مراعاة السنن الاتية: (أ): أن يضع يدبه على الصفة المبينة في الاحاديث الاتية: 1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان

[ 170 ]

إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى وعقد ثلاثا وخمسين (1) وأشار بأصبعه السبابة. وفي رواية: وقبض أصابعه كلها. وأشار بالتي تلي الابهام. رواه مسلم. 2 - وعن وائل بن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع كفه اليسى على فخذه، وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الايمن على فخذه الايمن، ثم قبض بين أصابعه فحلق حلقة. وفي رواية: حلق بالوسطى والابهام وأشار بالسبابة، ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها، رواه أحمد، قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الاشارة بها. لا تكرير تحريكها، ليكون موافقا لرواية ابن الزبير: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بإصبعه إذا دعا لا يحركها. رواه أبو داود بإسناد صحيح. ذكره النووي. 3 - وعن الزبير رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، ولم يجاوز بصره إشارته) رواه أحمد ومسلم والنسائي. ففي هذا الحديث الاكتفاء بوضع اليمنى على الفخذ بدون قبض. والاشارة بسبابة اليد اليمنى، وفيه: أنه من السنة أن لا يجاوز بصر المصلي إشارته. فهذه كيفيات ثلاث صحيحة، والعمل بأي كيفية جائز. (ب): أن يشير بسبابته اليمنى مع انحنائها قليلا حتى يسلم. فعن نمير الخزاعي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد في الصلاة قد وضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، رافعا إصبعه السبابة، وقد حناها شيئا وهو يدعو. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة بإسناد جيد: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يدعو بأصبعين فقال: (أحد يا سعد) (2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم. وقد سئل ابن عباس عن الرجل يدعو يشير بإصبعه؟ فقال: هو الاخلاص. وقال أنس بن مالك: ذلك التضرع، وقال مجاهد: مقمعة للشيطان. ورأى الشافعية أن يشير بالاصبع مرة واحدة عند قوله (إلا الله) من (هامش) (1) (عقد ثلاثا وخمسين): أي قبض أصابعه، وجعل الابهام على الفصل الاوسط من تحت السبابة. (2) (أحد): أشر باصبع واحد. (.)

[ 171 ]

الشهادة، وعند الحنفية يرفع سبابته عند النفي (1). ويضعها عند الاثبات، وعند المالكية، يحركها يمينا وشمالا إلى أن يفرغ من الصلاة، ومذهب الحنابلة يشير بإصبعه كلما ذكر اسم الجلالة، إشارة إلى التوحيد، لا يحركها. (ح): أن يفترش في التشهد الاول (2) ويتورك في التشهد الاخير. ففي حديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا جلس في الركعتين (3) جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الاخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الاخرى وقعد على مقعدته) رواه البخاري. (هامش) (1) يرفع سبابته عد النفي): عند قوله لا، (ويضعها عند الاثبات) أي عند قوله (إلا الله) من الشهادة. (2) تقدم بيان معناه في صفة الجلوس بين السجدتين. (والتورك) أن ينصب رجله اليمنى مواجها أصبعه الى القبلة، ويثني رجله اليسرى تحتها ويجلس بمقعدته على الارض. (3) (فإذا جلس في الركعتين): أي للتشهد الاول. (.) (17) التشهد الاول: يرى جمهور العلماء، أن التشهد الاول سنة، لحديث عبد الله ابن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين، يكبر في كل سجدة وهو جالس، قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه، فكان ما نسي من الجلوس، رواه الجماعة. وفي سبل السلام الحديث دليل على أن ترك التشهد الاول سهوا يجبره سجود السهو. وقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يدل على وجوب التشهد الاول، وجبرانه عند تركه، دل على أنه وإن كان واجبا فإنه يجبره سجود السهو، والاستدلال على عدم وجوبه بذلك لا يتم حتى يقوم الدليل على أن كل واجب لا يجزئ عنه سجود السهو إن ترك سهوا. وقال الحافظ في الفتح. قال ابن بطال: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب، إنه لو نسي تكبيرة الاحرام لم تجبر، فكذلك التشهد، ولانه ذكر لا يجهر فيه بحال فلم يجب، كدعاء الاستفتاح، واحتج غيره بتقريره صلى الله عليه وسلم الناس على متابعته، بعد أن علم أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر. وممن قال بوجوبه، الليث بن سعد، وإسحاق وأحمد في المشهور، وهو قول الشافعي،

[ 172 ]

وفي رواية عند الحنفية. واحتج الطبراني لوجوبه، بأن الصلاة فرضت أولا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبا، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الوجوب. استحباب التخفيف فيه: ويستحب الخفيف فيه. فعن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الركعتين الاوليين كأنه على الرضف (1) رواه أحمد وأصحاب السنن: وقال الترمذي: حسن إلا أن عبيدة (2) لم يسمع من أبيه. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن لا يطيل الرجل في القعود في الركعتين، لا يزيد على التشهد شيئا. وقال ابن القيم: لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وعلى آله في التشهد الاول، ولا كان يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب النار وفتنة المحيا وفتنة الممات وفتنة المسيح الدجال، ومن استحب ذلك فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات، قد صح تبيين موضعها وتقييدها بالتشهد الاخير. (هامش) (1) (الرضف). جمع رضفة: وهي الحجارة المحماة، وهو كناية عن تخفيف الجلوس. (2) عبيدة بن عبد الله بن مسعود الذي روى الحديث عن أبيه ابن مسعود. (.) (18) الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: يستحب للمصلي أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الاخير، بإحدي الصيغ التالية: 1 - عن أبي مسعود البدري قال: (قال بشير بن سعد: يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت ثم قال: (قولوا: اللهم صل على محمد (3) وعلى آل محمد (4) كما صليت على آل إبراهيم. وبارك (هامش) (3) (اللهم): أي يا الله. (صلاة الله على نبيه) ثناؤه عليه وإظهار فضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه. (4) (آله) قيل: هم من حرمت عليهم الصدقة من بني هاشم وبني المطلب. وقيل هم ذريته وأزواجه، وقيل هم أمته وأتباعه إلى يوم القيامة، وقيل: هم المتقون من أمته، قال: ابن القيم: الاول هو الصحيح، ويليه القول الثاني وضعف الثالث والرابع، وقال النووي: أظهرها، وهو اختيار الازهري وغيره من المحققين أنهم جميع الامة. (.)

[ 173 ]

على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد (1) مجيد، والسلام كما علمتم) رواه مسلم وأحمد. 2 - وعن كعب بن عجزة قال: قلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: (فقولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد: اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) رواه الجماعة. وإنما كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مندوبة وليست بواجبة، لما رواه الترمذي وصححه، وأحمد وأبو داود عن فضالة بن عبيد قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته، فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (وعجل هذا)، ثم دعاه فقال له أو لغيره: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء الله) قال صاحب المنتقى: وفيه حجة لمن لا يرى الصلاة عليه فرضا، حيث لم يأمر تاركها بالاعادة ويعضده قوله في خبر ابن مسعود بعد ذكر التشهد: (ثم يتخير من المسألة ما شاء) وقال الشوكاني: لم يثبت عندي ما يدل للقائلين بالوجوب. (هامش) (الحميد) هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه. (والمجيد) من كمل في العظمة والجلال. (.) (19) الدعاء قبل التشهد الاخير وقبل السلام: يستحب الدعاء بعد التشهد وقبل السلام بما شاء من خيري الدنيا والاخرة. فعن عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم، علمهم التشهد ثم قال في آخره: (ثم لتختر من المسألة ما تشاء) رواه مسلم. والدعاء مستحب مطلقا، سواء كان مأثورا أو غير مأثور إلا أن الدعاء بالمأثور أفضل. ونحن نورد بعض ما ورد في ذلك. 1 - عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الاخير فليتعوذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن

[ 174 ]

شر فتنة المسيح الدجال) رواه مسلم. 2 - وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات: اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم (1) متفق عليه. 3 - وعن علي رضي الله عنه قال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة، يكون آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر: لا إله إلا أنت) رواه مسلم. 4 - وعن عبد الله بن عمرو: (أن أبا بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم. علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) متفق عليه. 5 - وعن حنظلة بن علي: أن محجن بن الادرع حدثه قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا هو برجل قد قضى صلاته (2) وهو يتشهد ويقول: اللهم إني أسألك يا الله الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، فقال النبي صلى الله عه وسلم. (قد غفر) ثلاثا. رواه أحمد وأبو داود. 6 - وعن شداد بن أوس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته: اللهم إني أسألك الثبات في الامر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما. ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم) رواه النسائي. (هامش) (1) المأثم: الاثم، والمغرم: الدين. (2) (قد قضى صلاته): قارب أن ينتهي منها. (.)

[ 175 ]

7 - وعن أبي مجلز قال: صلى بنا عمار بن ياسر رضي الله عنهما صلاة فأوجز فيها، فأنكروا ذلك فقال: (ألم أتم الركوع والسجود؟... قالوا: بلى. قال: أما إني دعوت فيها بدعاء كان رسول اله صلى الله عليه وسلم يدعو به: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغني، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة، ومن فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الايمان، واجعلنا هداة مهديين) رواه أحمد والنسائي بإسناد جيد. 8 - وعن أبي صالح عن رجل من الصحابة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: (كيف تقول في الصلاة؟) قال: أتشهد، ثم أقول. اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة (1) معاذ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حولها ندندن). رواه أحمد وأبو داود. 9 - وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول هذا الدعاء: اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها وقابليها وأتمها علينا) رواه أحمد وأبو داود. 10 - وعن أنس قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل قائم يصلي، فلما ركع وتشهد قال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والارض يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قيوم إني أسألك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه: (أتدرون بم دعا؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (والذي نفس محمد بيده لقد دعا (هامش) (1) الدندنة: الكلام الغير المفهوم. (.)

[ 176 ]

الله باسمه العظيم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). رواه النسائي. 11 - عن عمير بن سعد قال: كان ابن مسعود يعلمنا التشهد في الصلاة ثم يقول: إذا فرغ أحدكم من التشهد فليقل اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار. قال: لم يدع نبي ولا صالح بشئ إلا دخل في هذا الدعاء. رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور. (20) الاذكار والادعية بعد السلام: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة أذكار وأدعية بعد السلام، يسن للمصلي أن يأتي بها، ونحن نذكرها فيما يلي: 1 - عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال: (أللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام، رواه الجماعة إلا البخاري. وزاد مسلم: قال الوليد: فقلت للاوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. 2 - وعن معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده يوما ثم قال: (يا معاذ إني لاحبك) فقال له معاذ: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك) قال: (أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتحبون أن تجتهدوا في الدعاء؟ قولوا: أللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أحمد بسند جيد. (هامش) (1) (اللهم أنت السلام ومنك السلام) السلام الاول اسم من أسماء الله تعالى. ولا ثاني بمعنى السلامة. (تباركت) كثر خيرك. (.)

[ 177 ]

3 - وعن عبد الله بن الزبير قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم في دبر الصلاة يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون). رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. 4 - وعن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير: أللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) رواه أحمد والبخاري ومسلم. 5 - وعن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة. ولفظ أحمد وأبي داود بالمعوذات (1) رواه أحمد والبخاري ومسلم. 6 - وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) رواه النسائي والطبراني. وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله (2) إلى الصلاة الاخرى). رواه الطبراني بإسناد حسن. 7 - وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين تلك تسع وتسعون. ثم قال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زيد البحر (3)) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود. 8 - وعن كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هامش) (1) (قل هو الله أحد) من المعوذات. (2) (ذمة الله): حفظه. (3) (الزبد): الرغوة فوق الماء، والمراد بالخطايا: الصغائر. (.)

[ 178 ]

(معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاثا وثلاثين تسبيحة، وثلاثا وثلاثين تحميد وأربعا وثلاثين تكبيرة) رواه مسلم. 9 - وعن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الثور (1) بالدرجات العلا والنعيم المقيم قال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة) فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع اخواننا أهل الاموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) قال سمي: فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث فقال: وهمت، إنما قال لك تسبح ثلاثا وثلاثين، وتحمد ثلاثا وثلاثين، وتكبر أربعا وثلاثين. فرجعت إلى أبي صالح فقلت له ذلك، فأخذ بيدي فقال: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، (وسبحان الله، والحمد لله، حتى يبلغ من جميعهن ثلاثا وثلاثين) متفق عليه. 10 - وصح أيضا، أن يسبح خمسا وعشرين ويحمد مثلها ويكبر مثلها، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير مثلها. 11 - عن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خصلتان من حافظ عليهما أدخلتاه الجنة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل، قالوا: وما هما يا رسول الله؟ قال: (أن تحمد الله، وتكبره وتسبحه في دبر كل صلاة مكتوبة عشرا عشرا وإذا أتيت إلى مضجعك، تسبح الله وتكبره وتحمده مائة. فتلك خمسون ومائتان باللسان، وألفان (2) وخمسمائة (هامش) (1) الدثور: المال الكثير. (2) لان الحسنة بعشرة أمثالها. (.)

[ 179 ]

في الميزان. فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة قالوا: كيف من يعمل بها قليل؟ قال: يجئ أحدكم الشيطان في صلاته فيذكره حاجة كذا وكذا فلا يقولها، ويأتيه عند منامه فينومه فلا يقولها) قال: ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن بيده (1) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. 12 - وعن علي - وقد جاء هو وفاطمة - رضي الله عنهما يطلبان خادما يخفف عنهما بعض العمل، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم عليهما، ثم قال لهما: (ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى. فقال: (كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام: تسبحان في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثين وثلاثين: وأحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبر أربعا وثلاثين) وقال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. 13 - وعن عبد الرحمن بن غنم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير. عشر مرات كتب له بكل واحدة عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكانت حرزا من كل مكروه، وحرزا من الشيطان الرجيم، ولم يحل لذنب يدركه (2) إلا الشرك فكان من أفضل الناس عملا إلا رجلا يفضله. يقول أفضل مما قال) رواه أحمد وروى الترمذي نحوه بدون ذكر (بيده الخير). 14 - وعن مسلم بن الحارث عن أبيه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا صليت الصبح فقل قبل أن تكلم أحدا من الناس: اللهم أجرني من النار، سبع مرات، فإنك إن مت من يومك كتب الله عزوجل لك جورا من النار، وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تكلم أحدا من الناس: اللهم إني أسألك الجنة: أللهم أجرني من النار، سبع مرات، فإنك إن مت من ليلتك (هامش) (1) (يعقدهن بيده): أي يعدهن. (2) (يدركه): أي يهلكه. (.)

[ 180 ]

كتب الله عزوجل لك جوارا من النار)، رواه أحمد وأبو داود. 15 - وروى أبو حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند انصرافه من صلاته: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح دنياي التي جعلت فيها معاشي: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك. وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد، منك الجد). 16 - وروى البخاري والترمذي: أن سعد بن أبي وقاص كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة. ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد الى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر). 17 - وروى أبو داود والحاكم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر كل صلاة: (اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري. اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت). 18 - وروى الامام أحمد وأبو داود والنسائي، بسند فيه داوند الطفاوي، وهو ضعيف، عن زيد بن أرقم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر صلاته: (اللهم ربنا ورب كل شئ أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شئ، أنا شهيد أن محمدا عبدك رسولك: اللهم ربنا ورب كل شئ، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة: اللهم ربنا ورب كل شئ، اجعلني مخلصا لك وأهلي (1) في كل ساعة من الدنيا والاخرة، يا ذا الجلال والاكرام، اسمع واستجب، الله الاكبر الاكبر، نور السموات والارض، الله الاكبر الاكبر، حسبي الله ونعم الوكيل. الله الاكبر الاكبر). 19 - وروى أحمد وابن شيبة وابن ماجه، بسند فيه مجهول، عن أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: (اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وعملا متقبلا). (هامش) (1) (وأهلي): أي وأهلي مخلصين لك. (.)

[ 181 ]

التطوع (1) مشروعيته: شرع التطوع ليكون جبرا لما عسى أن يكون قد وقع في الفرائض من نقص، ولما في الصلاة من فضيلة ليست لسائر العبادات. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا لملائكته، وهو أعلم أنظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال: أنظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الاعمال على ذلك) رواه أبو داود. وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما أذن الله لعبد في شئ أفضل من ركعتين يصليهما، وإن البر ليذر (1) فوق رأس العبد مادام في صلاته) الحديث رواه أحمد والترمذي وصححه السيوطي. وقال مالك في الموطأ، بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) وروى مسلم عن ربيعة ابن مالك الاسلمي قال، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (سل) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (أو غير ذلك؟) قلت: هو ذاك قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود). (هامش) صلاة غير واجبة، والمراد بها السنة أو النفل. (1) أي ينثر. (.) (2) استحباب صلاته في البيت: 1 - روى أحمد ومسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإن الله عز وجل جاعل في بيته من صلاته خيرا. 2 - وعند أحمد عن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة

[ 182 ]

الرجل في بيته تطوعا نور، فمن شاء نور بيته). 3 - وعن عبد الرحمن بن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوا قبورا (1)) رواه أحمد وأبو داود. 4 - روى أبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة). وفي هذه الاحاديث دليل على استحباب صلاة التطوع في البيت، وأن صلاته فيه أفضل من صلاته في المسجد. قال النووي: إنما حث على النافلة في البيت لكونه أخفى وأبعد عن الرياء وأصون من محبطات الاعمال، وليتبرك البيت بذلك وتنزل فيه الرحمة والملائكة، وينفر منه الشيطان. (3) أفضلية طول القيام على كثرة السجود في التطوع: روى الجماعة إلا أبا داود عن المغيرة بن شعبة أنه قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقوم ويصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، فقال له؟ فيقول: (أفلا أكون عبدا شكورا). وروى أبو داود عن عبد الله بن حبشي الخثعمي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الاعمال أفضل؟ قال: (طول القيام) قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: (جهد المقل) قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: (من هجر ما حرم الله عليه) قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: (من جاهد المشركين بماله ونفسه) قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: (من أهريق دمه وعقر جواده). (4) جواز صلاة التطوع من جلوس: يصح التطوع من قعود مع القدرة على القيام كما يصح أداء بعضه من قعود وبعضه من قيام، لو كان ذلك في ركعة واحدة فبعضها يؤدى من قيام وبعضها من قعود سواء تقديم القيام أو تأخر كل ذلك جائز من غير كراهة (هامش) (1) لانهل يس في القبور صلاة. (.)

[ 183 ]

ويجلس كيف شاء والافضل التربع. فقد روى مسلم عن علقمة قال قلت لعائشة: كيف كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين وهو جالس؟ قال كان يقرأ فيهما فإذا أراد أن يركع قام فركع. وروى أحمد وأصحاب السنن عنهما قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في شئ من صلاة الليل جالسا قط حتى دخل في السن (1) فكان يجلس فيها فيقرأ حتى إذا بقي أربعون أو ثلاثون آية قام فقرأها ثم سجد. (هامش) (1) أي كبر. (.) (5) أقسام التطوع: ينقسم التطوع إلى تطوع مطلق، وإلى تطوع مقيد. والتطوع المطلق يقتصر فيه على نية الصلاة. قال النووي: فإذا شرع في تطوع ولم ينو عددا فله أن يسلم من ركعة وله أن يزيد فيجعلها ركعتين أو ثلاثا أو مائة أو ألفا أو غير ذلك. ولو صلى عددا لا يعلمه ثم سلم صح بلا خلاف، اتفق عليه أصحابنا ونص عليه الشافعي في الاملاء. وروى البيهقي بإسناده أن أبا ذر رضي الله عنه صلى عددا كثيرا فلما سلم قال له الاحنف بن قيس رحمه الله: هل تدري انصرفت على شفع أم على وتر؟ قال: إن لا أكن أدري فإن الله يدري، إني سمعت خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول ثم بكى. ثم قال: إني سمعت خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة) رواه الدارمي في مسنده بسند صحيح إلا رجلا اختلفوا في عدالته. والتطوع المقيد ينقسم إلى ما شرع تبعا للفرائض ويسمي السنن الراتبة، ويشمل سنة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وإلى غيره، وهاك بيان كل. سنة الفجر (1) فضلها: وردت عدة أحاديث في فضل المحافظة على سنة الفجر نذكرها فيما يلي:

[ 184 ]

1 - عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الركعتين قبل صلاة الفجر، قال: (هما أحب إلي من الدنيا جميعا) رواه أحمد ومسلم والترمذي. 2 - وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والطحاوي. ومعنى الحديث لا تتركوا ركعتي الفجر مهما اشتد العذر حتى ولو كان مطاردة العدو. 3 - وعن عائشة قالت: (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شئ من النوافل أشد معاهدة (1) من الركعتين قبل الصبح). رواه الشيخان وأحمد وأبو داود. 4 - وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي. 5 - ولاحمد ومسلم عنها، قالت: ما رأيته إلى شئ من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر. (هامش) معاهدة: مواظبة. (2) (ولتستشفر): أي تشد خرقة على فرجها. (.) (2) تخفيفها: المعروف من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخفف القراءة في ركعتي الفجر. 1 - فعن حفصة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر قبل الصبح في بيتي يخففهما جدا. قال نافع: وكان عبد الله (يعني ابن عمر) يخففهما كذلك. رواه أحمد والشيخان. 2 - وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الركعتين قبل الغداة فيخففهما حتى إني لاشك أقرأ فيهما بفاتحة الكتاب أم لا؟ رواه أحمد وغيره. 3 - وعنها قالت: كان قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين

[ 185 ]

قبل صلاة الفجر قدر ما يقرأ فاتحة الكتاب: رواه أحمد والنسائي والبيهقي ومالك والطحاوي. (3) ما يقرأ فيها: يستحب القراءة في ركعتي الفجر بالوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ورد عنه فيها ما يأتي: 1 - عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر: (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) وكان يسر بها. رواه أحمد والطحاوي. وكان يقرأهما بعد الفاتحة، لانه لا صلاة بدونها كما تقدم. 2 - وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (نعم السورتان هما) وكان يقرأ بهما في الركعتين قبل الفجر (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد). رواه أحمد وابن ماجه. 3 - وعن جابر أن رجلا قام فركع ركعتي الفجر فقرأ في الاولى: (قل يأيها الكافرون) حتى انقضت السورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا عبد عرف ربه) وقرأ في الاخرة: (هذا عبد آمن بربه) قال طلحة: فأنا أحب أن أقرأ بهاتين السورتين في هاتين الركعتين، رواه ابن حبان والطحاوي. 4 - وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) والتي في آل عمران (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) رواه مسلم. أي أنه كان يقرأ في الركعة الاولى بعد الفاتحة هذه الاية: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) وفي الركعة الثانية (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من

[ 186 ]

دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون). 5 - وعنه في رواية أبي داود أنه كان يقرأ في الركعة الاولى (قولوا آمنا بالله) وفي الثانية (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، آمنا بالله، وأشهد بأنا مسلمون). 6 - ويجوز الاقتصار على الفاتحة وحدها، لما تقدم عن عائشة أن قيامه كان قدر ما يقرأ فاتحة الكتاب. (4) الدعاء بعد الفراغ منها: قال النووي في الاذكار: روينا في كتاب ابن السني عن أبي المليح واسمه عامر بن أسامة عن أبيه أنه صلى ركعتي الفجر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قريبا منه ركعتين خفيفتين ثم سمعه يقول وهو جالس: (اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بك من النار) ثلاث مرات وروينا فيه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال صبيحة يوم الجمعة قبل صلاة الغداة: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات غفر الله تعالى ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر). (5) الاضطجاع بعدها: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع ركعتي الفجر اضطجع على شقه الايمن. رواه الجماعة. ورووا أيضا عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت نائمة اضطجع وإن كنت مستيقظة حدثني. وقد اختلف في حكمه اختلافا كثيرا، والذي يظهر أنه مستحب في حق من صلى السنة في بيته دون من صلاها في المسجد. قال الحافظ: في الفتح: وذهب بعض السلف إلى استحبابها في البيت دون المسجد وهو محكي عن ابن عمر، وقواه بعض شيوخنا بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله في المسجد. وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى وسئل عنه الامام أحمد فقال: ما أفعله، وإن فعله رجل فحسن.

[ 187 ]

(6) قضاؤها: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يصل ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلها) رواه البيهقي، قال النووي: وإسناده جيد. وعن قيس بن عمر أنه خرج إلى الصبح فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام حين فرغ من الصبح فركع ركعتي الفجر فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما هذه الصلاة؟) فأخبره، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا. رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان وأصحاب السنن إلا النسائي. قال العراقي: إسناده حسن. وروى أحمد والشيخان عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير له فناموا عن صلاة الفجر فاستيقظوا بحر الشمس فارتفعوا قليلا حتى استقلت الشمس (1) ثم أمر مؤذنا فأذن. فصلى ركعتين قبل الفجر، ثم أقام ثم صلى الفجر. وظاهر الاحاديث أنها تقضى قبل طلوع الشمس وبعد طلوعها، سواء كان فواتها لعذر أو لغير عذر وسواء فاتت وحدها أو مع الصبح. (هامش) (1) أي تحولوا حتى ارتفعت الشمس. (.) سنة الظهر ورد في سنة الظهر أنها أربع ركعات أو ست أو ثمان، وإليك بيانها مفصلا: ما ورد في أنها أربع ركعات: 1 - عن ابن عمر قال: حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح. رواه البخاري. 2 - وعن المغيرة بن سليمان قال: سمعت ابن عمر يقول: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يدع ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الصبح. رواه أحمد بسند جيد.

[ 188 ]

ما ورد في أنها ست: 1 - عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان يصلي قبل الظهر أربعا واثنتين بعدها. رواه أحمد ومسلم وغيرهما. 2 - وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة: أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، ورواه مسلم مختصرا. ما ورد في أنها ثمان ركعات: 1 - عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى أربعا قبل الظهر وأربعا بعدها حرم الله لحمه على النار، رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي. 2 - عن أبي أيوب الانصاري: (أنه كان يصلي أربع ركعات قبل الظهر، فقيل له: إنك تديم هذه الصلاة فقال: إني رأيت رسول الله يفعله، فسألته فقال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحببت أن يرفع لي فيها عمل صالح) رواه أحمد وسنده جيد. فضل الاربع قبل الظهر: 1 - عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الفجر على كل حال. رواه أحمد والبخاري. وروى عنها أنه كان يصلي قبل الظهر أربعا يطيل فيهن القيام ويحسن فيهن الركوع والسجود. ولا تعارض بين ما في حديث ابن عمر من أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبين باقي الاحاديث الاخرى من أنه كان يصلي أربعا. قال الحافظ في الفتح: والاولى أن يحمل على حالين فكان تارة يصلي اثنتين وتارة يصلي أربعا. وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين وفي بيته يصلي أربعا، ويحتمل أنه كان يصلي إذا كان في بيته ركعتين ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين فرأى ابن عمر ما في المسجد دون

[ 189 ]

ما في بيته واطلعت عائشة على الامرين. ويقوي الاول ما رواه أحمد وأبو داود في حديث عائشة كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج، قال أبو جعفر الطبري: الاربع كانت في كثير من أحواله والركعتان في قليلها. وإذا صلى أربعا قبلها أو بعدها الافضل أن يسلم بعد كل ركعتين، ويجوز أن يصليها متصلة بتسليم واحد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) رواه أبو داود بسند صحيح. قضاء سنتي الظهر: عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها. رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وروى ابن ماجه عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الاربع قبل الظهر صلاهن بعد الركعتين بعد الظهر (1). هذا في قضاء الراتية القبلية أما قضاء الراتبة البعدية فقد جاء فيه ما رواه أحمد عن أم سلمة قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، وقد أتي بمال، فقعد يقسمه حتى أتاه المؤذن بالعصر، فصلى العصر ثم انصرف إلي، وكان يومي، فركع ركعتين خفيفتين، فقلنا: ما هاتان الركعتان يا رسول الله، أمرت بهما؟ قال: (لا.. ولكنهما ركعتان كنت أركعهما بعد الظهر فشغلني قسم هذا المال حتى جاء المؤذن بالعصر فكرهت أن أدعهما (2)) رواه البخاري ومسلم وأبو داود بلفظ آخر. (هامش) (1) السنن القبلية يمتد وقتها إلى آخر وقت الفريضة. (2) في بعض الروايات فقلت: يا رسول الله أتمضيهما إذا فاتا؟ قال: (لا) قال البيهقي: هي رواية ضعيفة. (.) سنة المغرب يسن بعد صلاة المغرب صلاة ركعتين لما تقدم عن ابن عمر أنهما من الصلاة التي لم يكن يدعها النبي صلى الله عليه وسلم.

[ 190 ]

ما يستحب فيها: يستحب في سنة المغرب أن يقرأ فيها بعد الفاتحة ب (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد). فعن ابن مسعود أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر ب (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه. وكذا يستحب أن تؤدى في البيت. فعن محمود بن لبيد قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد الاشهل فصلى بهم المغرب، فلما سلم قال (اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم). رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يصليهما في بيته. سنة العشاء تقدم من الاحاديث ما يدل على سنية الركعتين بعد العشاء. السنن غير المؤكدة ما تقدم من السنن والرواتب يتأكد أداؤه وبقيت سنن أخرى راتبة يندب الاتيان بها من غير تأكيد، نذكرها فيما يلي: (1) ركعتان أو أربع قبل العصر: وقد ورد فيها عدة أحاديث متكلم فيها ولكن لكثرة طرقها يؤيد بعضها بعضا، فمنها حديث ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه، وكذا صححه ابن خزيمة. ومنها حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر أربعا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه. وأما الاقتصار على ركعتين فقط فدليله عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة).

[ 191 ]

(2) ركعتان قبل المغرب: روى البخاري عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب) ثم قال في الثالثة: (لمن شاء) كراهية أن يتخذها الناس سنة. وفي رواية لابن حبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين. وفي مسلم عن ابن عباس قال: كنا نصلي ركعتين قبل غروب الشمس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا. قال الحافظ في الفتح: ومجموع الادلة يرشد إلى استحباب تخفيفها كما في ركعتي الفجر. (3) ركعتان قبل العشاء: لما رواه الجماعة من حديث عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة) ثم قال في الثالثة: (لمن شاء). ولابن حبان من حديث ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان). استحباب الفصل بين الفريضة والنافلة بمقدار ختم الصلاة: عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر فقام رجل يصلي فرآه عمر فقال له اجلس فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحسن ابن الخطاب) رواه أحمد بسند صحيح. الوتر (1) فضله وحكمه: الوتر سنة مؤكدة حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب فيه. فعن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الوتر ليس بحتم (1) كصلاتكم المكتوبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر، ثم قال: (يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر (2) يحب الوتر) (هامش) (1) حتم: أي لازم. (2) أي أنه تعالى واحد يحب صلاة الوتر ويثيب عليها. قال نافع: وكان ابن عمر لا يصنع شيئا إلا وترا. (.)

[ 192 ]

رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي ورواه الحاكم أيضا وصححه. وما ذهب إليه أبو حنيفة من وجوب الوتر فمذهب ضعيف. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافق أبا حنيفة في هذا. وعند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة أن المخدجي (رجل من بني كنانة) أخبره رجل من الانصار يكنى أبا محمد أن الوتر واجب، فراح المخدجي إلى عبادة بن الصامت فذكر له أن أبا محمد يقول: الوتر واجب. فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد (1) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (خمس صلوات كتبهن الله تبارك وتعالى على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله تبارك وتعالى عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) وعند البخاري ومسلم من حديث طلحة بن عبيدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة) فقال الاعرابي: هل علي غيرها؟ قال: (لا. إلا أن تطوع). (هامش) (1) كذب أبو محمد: أي أخطأ. (.) (2) وقته: أجمع العلماء على أن وقت الوتر لا يدخل إلا بعد صلاة العشاء وأنه يمتد إلى الفجر. فعن أبي تميم الجيشاني رضي الله عنه أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم جمعة فقال: إن أبا بصرة حدثني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر) قال أبو تميم: فأخذ بيدي أبو ذر فسار في المسجد إلى أبي بصرة رضي الله عنه فقال: أنت سمعت رسول الله يقول ما قال عمرو؟ قال أبو بصرة: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد بإسناد صحيح. وعن أبي مسعود الانصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر أول الليل وأوسطه وآخره. رواه أحمد بسند صحيح. وعن عبد الله بن أبي قيس قال سألت عائشة رضي الله عنها عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ربما أوتر أول الليل وربما أوتر من آخره، قلت: كيف كانت قراءته، أكان يسر

[ 193 ]

بالقراءة أم يجهر؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، وربما أسر وربما جهر، وربما اغتسل فنام وربما توضأ فنام (تعني في الجنابة) رواه أبو داود. ورواه أيضا أحمد ومسلم والترمذي. (3) استحباب تعجيله لمن ظن أنه لا يستيقظ آخر الليل، وتأخيره لمن ظن أنه يستيقظ آخره: يستحب تعجيل الصلاة الوتر أول الليل لمن خشي أن لا يستيقظ آخره، كما يستحب تأخيره إلى آخر الليل لمن ظن أنه يستيقظ آخره. فعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ظن منكم أن لا يستيقظ آخره (أي الليل) فليوتر أوله ومن ظن منكم أنه يستيقظ آخره فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل محضورة (1) وهي أفضل) رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه. وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي بكر: (متى توتر؟). قال: أول الليل بعد العتمة (2) قال: (فأنت يا عمر) قال: آخر الليل. قال (أما أنت يا أبا بكر فأخذت بالثقة (3) وأما أنت يا عمر فأخذت بالقوة) (4) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وانتهى الامر برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه كان يوتر وقت السحر لانه الافضل كما تقدم. قالت عائشة رضي الله عنها: من كل الليل قد أوتر النبي صلى الله عليه وسلم من أول الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر. رواه الجماعة. ومع هذا فقد وصى بعض أصحابه بألا ينام إلا على وتر أخذا بالحيطة والحزم. وكان سعد بن أبي وقاص يصلي العشاء الاخرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يوتر بواحدة ولا يزيد عليها. فقيل له: أتوتر بواحدة لا تزيد عليها يا أبا اسحق؟ قال: نعم.. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الذي لا ينام حتى يوتر حازم) رواه أحمد ورجاله ثقات. (هامش) (1) أي تحضرها الملائكة. (2) أي العشاء. (3) أي الحزم والحيطة. (4) أي العزيمة على القيام آخر الليل. (.) (4) عدد ركعات الوتر: قال الترمذي: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الوتر بثلاث عشرة ركعة،

[ 194 ]

وتسع، وسبع، وخمس، وثلاث، وواحدة. قال إسحق بن إبراهيم: معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث عشرة ركعة أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، يعني من جملتها الوتر فنسبت صلاة الليل إلى الوتر. ويجوز أداء الوتر ركعتين (1)، ثم صلاة ركعة بتشهد وسلام، كما يجوز صلاة الكل بتشهدين وسلام، فيصل الركعات بعضها ببعض من غير أن يتشهد إلا في الركعة التي هي قبل الاخيرة فيتشهد فيها ثم يقوم إلى الركعة الاخيرة فيصليها ويتشهد فيها ويسلم، ويجوز أداء الكل بتشهد واحد وسلام في الركعة الاخيرة، كل ذلك جائز وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن القيم: وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة، وسبع متصلة. كحديث أم سلمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بسلام ولا بكلام. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بسند جيد، وكقول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن. متفق عليه، وكحديث عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ثم يقعد ويتشهد ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الاول. وفي لفظ عنها: فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة. وفي لفظ: صلى سبع ركعات لا قعد إلا في آخرهن. أخرجه الجماعة، وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها سوى قوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى) وهو حديث صحيح، لكن الذي قاله هو الذي أوتر بالسبع والخمس، وسننه كلها حتى يصدق بعضها بعضا. فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب السائل عن صلاة الليل بأنها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر. وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها، وللخمس والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاثة المتصلة، فإن (هامش) (1) أي يسلم على رأس كل ركعتين. (.)

[ 195 ]

انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالاحدى عشرة كان الوتر اسما للركعة المفصولة وحدها. كما قال صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما قد صلى) فاتق فعله صلى الله عليه وسلم وقوله وصدق بعضه بعضا. (5) القراءة في الوتر: يجوز القراءة في الوتر بعد الفاتحة بأي شئ من القرآن، قال علي: ليس من القرآن شئ مهجور فأوتر بما شئت. ولكن المستحب إذا أوتر بثلاث أن يقرأ في الاولى بعد الفاتحة (سبح اسم ربك الاعلى) وفي الثانية (قل يأيها الكافرون) وفي الثالثة (قل هو الله أحد، والمعوذتين). لما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعة الاولى ب (سبح اسم ربك الاعلى) وفي الثانية ب (قل يأيها الكافرون) وفي الثالثة ب (قل هو الله أحد، المعوذتين). (6) القنوت في الوتر: يشرع القنوت في الوتر في جميع السنة، لما رواه أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي رضي الله عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لاى ذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، وصلى الله على النبي محمد). قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال: ولا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت شئ أحسن من هذا. وقال النووي: إسناده صحيح، وتوقف ابن حزم في صحته، فقال هذا الحديث وإن لم يكن مما يحتج به فإنا لم نجد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم غيره والضعيف من الحديث أحب إلينا من الرأي، قال ابن حنبل وهذا مذهب ابن مسعود، وأبي موسى، وابن عباس، والبراء، وأنس، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وابن المبارك، والحنفية، ورواية عن أحمد. قال النووي: وهذا الوجه قوي في الدليل. وذهب الشافعي وغيره إلى أنه لا يقنت في الوتر إلا في النصف الاخير من

[ 196 ]

رمضان، لما رواه أبو داود أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن كعب وكان يصلي لهم عشرين ليلة ولا يقنت إلا في النصف الباقي من رمضان. وروى محمد بن نصر أنه سأل سعيد بن جبير عن بدء القنوت في الوتر فقال: بعض عمر بن الخطاب جيشا فتورطوا متورطا خاف عليهم، فلما كان النصف الاخر من رمضان قنت يدعو لهم. (7) محل القنوت: يجوز القنوت قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة، ويجوز كذلك بعد الرفع من الركوع، فعن حميد قال: سألت أنسا عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال كنا نفعل قبل وبعد. رواه ابن ماجة ومحمد بن نصر. قال الحافظ في الفتح: إسناده قوي. وإذا قنت قبل الركوع كبر رافعا يديه بعد الفراغ من القراءة وكبر كذلك بعد الفراغ من القنوت، روي ذلك عن بعض الصحابة. وبعض العلماء استحب رفع يديه عند القنوت وبعضهم لم يستحب ذلك. وأما مسح الوجه بهما فقد قال البيهقي: الاولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف رضي الله عنهم من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة. (8) الدعاء بعده: يستحب أن يقول المصلي بعد السلام من الوتر: سبحان الملك القدوس ثلاث مراتى رفع صوته بالثالثة ثم يقول: رب الملائكة والروح، لما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي بن كعب قال: كانر سول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر ب (سبح اسم ربك الاعلى) و (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد). فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، يمد بها صوته في الثالثة ويرفع. وهذا لفظ النسائي. زاد الدار قطني، ويقول: رب الملائكة والروح، ثم يدعو بما رواه أحمد وأصحاب السنن عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره. (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).

[ 197 ]

(9) لا وتران في ليلة: من صلى الوتر ثم بدا له أن يصلي جاز ولا يعيد الوتر. لما رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا وتران في ليلة). وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، رواه مسلم. وعن أم سلمة: أنه صلى الله عليه وسلم كان يركع ركعتين بعد الوتر وهو جالس، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم. (10) قضاؤه: ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية قضاء الوتر لما رواه البيهقي والحاكم وصححه على شرط الشيخين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر). وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره) قال العراقي إسناده صحيح. وعند أحمد والطبراني بسند حسن: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصبح فيوتر. واختلفوا في الوقت الذي يقضى فيه، فعند الحنفية يقضى في غير أوقات النهي، وعند الشافعية يقضى في أي وقت من الليل أو من النهار، وعند مالك وأحمد يقضى بعد الفجر ما لم تصل الصبح. القنوت في الصلوات الخمس يشرع القنوت جهرا في الصلوات الخمس عند النوازل، فعن ابن عباس قال: قنت الرسول صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا. في الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الاخيرة: يدعو عليهم، على حي من بني سليم وعل رعل وذكوان وعصية (1) ويؤمن من خلفه. رواه أبو داود وأحمد، وزاد: أرسل إليهم يدعوهم إلى الاسلام فقتلوهم. قال عكرمة: كان هذا مفتاح القنوت: وعن أبي هريرة (هامش) (1) رعل وذكوان وعصية: قبائل من بني سليم زعموا أنهم أسلموا فطلبوا من الرسول أن يمدهم من يفقههم فأمدهم بسبعين فقتلوهم، فكان ذلك سبب القنوت. (.)

[ 198 ]

أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لاحد قنت بعد الركوع. فربما قال، إذا قال سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك (1) على مضر واجعلها عليهم سنين كسني (2) يوسف) قال يجهر بذلك ويقولها في بعض صلاته، وفي صلاة الفجر (اللهم ألعن فلانا وفلانا) حيين من أحياء العرب حتى أنزل الله تعالى: (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) رواه أحمد والبخاري. (هامش) (1) الوطأة: الضغطة والاخذة الشديدة. (2) هي السنن المذكورة في القرآن. (.) القنوت في صلاة الصبح: القنوت في صلاة الصبح غير مشروع إلا في النوازل ففيها يقنت فيه وفي سائر الصلوات كما تقدم. روى أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي وصححه. عن أبي مالك الاشجعي قال: كان أبي قد صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست عشرة سنة، وأبي بكر وعمر وعثمان. فقلت أكانوا يقنتون؟ قال: لا: أي بني محدث. وروى ابن حبان والخطيب وابن خزيمة وصححه، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقنت في صلاة الصبح إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم (3). وروى الزبير والخلفاء الثلاثة أنهم كانوا لا يقنتون في صلاة الفجر. وهو مذهب الحنفية والحنابلة وابن المبارك والثوري وإسحاق. ومذهب الشافعية أن القنوت في صلاة الصبح بعد الركوع من الركعة الثانية سنة، لما رواه الجماعة إلا الترمذي عن ابن سيرين أن أنس بن مالك سئل: هل قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح؟ فقال: نعم. فقيل له: قبل الركوع أو بعده؟ قال: بعد الركوع. ولما رواه أحمد والبزار والدار قطني والبيهقي والحاكم وصححه عنه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. (هامش) (3) هذا لفظ ابن حبان، ولفظ غيره بدون ذكر (في صلاة الصبح). (.)

[ 199 ]

وفي هذا الاستدلال نظر، لان القنوت المسؤول عنه هو قنوت النوازل كما جاء ذلك صريحا في رواية البخاري ومسلم. وأما الحديث الثاني ففي سنده أبو جعفر الرازي وهو ليس بالقوي، وحديثه هذا لا ينهض للاحتجاج به، إذ لا يعقل أن يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفجر طول حياته ثم يتركه الخلفاء من بعده، بل إن أنسا نفسه لم يكن يقنت في الصبح كما ثبت ذلك عنه، ولو سلم صحة الحديث فيحمل القنوت المذكور فيه على أنه صلى الله عليه وسلم كان يطيل القيام بعد الركوع للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، فإن هذا معنى من معاني القنوت وهو هنا أنسب. ومهما يكن من شئ فإن هذا من الاختلاف المباح الذي يستوي فيه الفعل والترك وإن خير الهدي محمد صلى الله عليه وسلم. قيام الليل (1) فضله: 1 - أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا). وهذا الامر وإن كان خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن عامة المسلمين يدخلون فيه بحكم أنهم مطالبون بالاقتاء به صلى الله عليه وسلم. 2 - بين أن المحافظين على قيامه هم المحسنون المستحقون لخيره ورحمته فقال: (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالاسحار هم يستغفرون). 3 - ومدحهم وأثنى عليهم ونظمهم في جملة عباده الابرار فقال: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما). 4 - وشهد لهم بالايمان بآياته فقال: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا (هامش) (1) يهجعون: أي ينامون. (.)

[ 200 ]

ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون). 5 - ونفى التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم فقال: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجو رحمة ربه. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الالباب). هذا بعض ما جاء في كتاب الله، أما ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهاك بعضه. 1 - قال عبد الله بن سلام: أول ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأملت وجهه واستبنته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. قال: فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: (أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الارحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) رواه الحاكم وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. 2 - وقال سلمان الفارسي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة لكن إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الاثم، ومطردة للداء عن الجسد). 3 - وقال سهل بن سعد: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس). 4 - وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل. فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله عزوجل ويكفيه فيقول: انظروا إلى

[ 201 ]

عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه. والذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن فيقوم من الليل فيقول: يذر شهوته ويذكرني، ولو شاء رقد. والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام من السحر في ضراء وسراء). (2) آدابه: يسن لمن أراد قيام الليل ما يأتي: 1 - أن ينوي عند نومه قيام الليل. فعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه) رواه النسائي وابن ماجه بسند صحيح. 2 - أن يمسح النوم عن وجهه عند الاستيقاظ ويتسوك وينظر في السماء ثم يدعو بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: (لا إله إلا أنت سبحانك، أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، ثم يقرأ الايات العشر من أواخر سورة آل عمران: (إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولى الالباب) إلى آخر السورة ثم يقول: (اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والارض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السموات والارض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق. اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، ما أسررت وما أعلنت، أنت الله لا إله إلا أنت). 3 - أن يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين ثم يصلي بعدهما ما شاء، فعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين. عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين) رواهما مسلم.

[ 202 ]

4 - أبن يوقظ أهله. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله امرء قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء). وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتب في الذاكرين والذاكرات) رواهما أبو داود وغيره بإسناد صحيح. وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال: (سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات، يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) رواه البخاري. عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة، فقال: (ألا تصليان؟) قال فقالت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله. فإن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: (وكان الانسان أكثر شئ جدلا) متفق عليه. 5 - أن يترك الصلاة ويرقد إذا غلبه النعاس حتى يذهب عنه النوم، فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع) رواه مسلم. وقال أنس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال: (ما هذا؟) قالوا: لزينب تصلي، إذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: (حلوه، ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر فليرقد) متفق عليه. 6 - أن لا يشق على نفسه بل يقوم من الليل بقدر ما تتسع له طاقته، ويواظب عليه ولا يتركه إلا لضرورة. فعن عائشة قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا من الاعمال ما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا) (1) رواه البخاري ومسلم. ورويا عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: (أدومه وإن قل). وروى مسلم عنها قالت: كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة. وكان إذا عمل عملا أثبته. وعن عبد الله بن عمر (هامش) (1) معنى الحديث: أن الله لا يقطع الثواب حتى تقطعوا العبادة. (.)

[ 203 ]

قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) متفق عليه. ورويا عن ابن مسعود قال: (ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام حتى أصبح قال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) أو قال (في أذنه) ورويا عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابيه: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا. (3) وقته: صلاة الليل تجوز في أول الليل ووسطه وآخره ما دامت الصلاة بعد صلاة العشاء. قال أنس رضي الله عنه في وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنا نشاء أن نراه من الليل مصليا إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه، وكان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئا ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئا. رواه أحمد والبخاري والنسائي. قال الحافظ: لم يكن لتهجده صلى الله عليه وسلم وقت معين بل بحسب ما يتيسر له القيام. (4) أفضل أوقاتها: الافضل تأخيرها إلى الثلث الاخير: 1 - فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا عزوجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الاخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فعطيه، من يستغفرني فأغفر له) رواه الجماعة. 2 - وعن عمرو بن عبسة قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل الاخير فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) رواه الحاكم وقال: على شرط مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه أيضا النسائي وابن خزيمة. 3 - وقال أبو مسلم لابي ذر: أي قيام الليل أفضل؟ قال سألت رسول

[ 204 ]

الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: (جوف الليل الغابر (1) وقليل فاعله) رواه أحمد بإسناد جيد. 4 - وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما) رواه الجماعة إلا الترمذي. (هامش) (1) الغابر: الباقي أو نصف الليل. (.) (5) عدد ركعاته: ليس لصلاة الليل عدد مخصوص ولا حد معين، فهي تتحقق ولو بركعة الوتر بعد صلاة العشاء. 1 - فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي من الليل ما قل أو كثر ونجعل آخر ذلك وترا. رواه الطبراني والبزار. 2 - وروى عن أنس رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي تعدل بعشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام تعدل بمائة ألف صلاة. والصلاة بأرض الرباط (2) تعدل بألفي ألف صلاة، وأكثر من ذلك كله الركعتان يصليهما العبد في جوف الليل) رواه أبو الشيخ وابن حبان في كتابه (الثواب) وسكت عليه المنذري في (الترغيب والترهيب). 3 - وعن إياس بن معاوية المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا بد من صلاة بليل ولو حلب (3) شاة، وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل) رواه الطبراني ورواته ثقات إلا محمد بن إسحق. 4 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ذكرت قيام الليل فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نصفه، ثلثه، ربعه، (هامش) (2) المكان الذي ينتظر فيه المجاهدون. (3) أي قدر الوقت الذي تحلب الشاة فيه. (.)

[ 205 ]

فواق (1) حلب ناقة، فواق حلب شاة). 5 - وروى عنه أيضا قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الليل ورغب فيها حتى قال: (عليكم بصلاة الليل ولو ركعة) رواه الطبراني في الكبير والاوسط. والافضل المواظبة على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وهو مخير بين أن يصليها وبين أن يقطعها. قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره عن إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: (يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) رواه البخاري ومسلم. ورويا أيضا عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة. (هامش) (1) قال المنذري: الفواق هنا: قدر ما بين رفع يديك عن الضرع وقت الحلب وضمهما. (.) (6) قضاء قيام الليل: روى مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة. وروى الجماعة إلا البخاري عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن حزبه أو عن شئ منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل). قيام رمضان (1) مشروعية قيام رمضان: قيام رمضان أو صلاة التراويح (2) سنة الرجل والنساء (3) تؤدى بعد (هامش) (2) جمع ترويحة، تطلق في الاصل على الاستراحة كل أربع ركعات ثم أطلقت على كل أربع ركعات. (3) عن عرفجة قال: كان علي يأمر بقيام رمضان ويجعل للرجال إماما وللنساء إماما، فكنت أنا إمام النساء (.)

[ 206 ]

صلاة العشاء. وقبل الوتر ركعتين ركعتين، ويجوز أن تؤدى بعده ولكنه خلاف الافضل، ويستمر وقتها إلى آخر الليل. روى الجماعة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فيقول: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا (1) غفر له ما تقدم من ذنبه) ورووا إلا الترمذي عن عائشة قالت: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فصلى بصلاته ناس كثير ثم صلى من القابلة فكثروا، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: (قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم) وذلك في رمضان. (2) عدد ركعاته: روى الجماعة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. وروى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن جابر: أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم ثماني ركعات والوتر، ثم انتظروه في القابلة فلم يخرج إليهم. وروى أبو يعلى والطبراني بسند حسن عنه قال: جاء أبي بن كعب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه كان مني الليلة شئ، يعني في رمضان، قال: (وما ذاك يا أبي؟) قال: نسوة في داري قلن: إنا لا نقرأ القرآن فنصلي بصلاتك؟ فصليت بهن ثماني ركعات وأوترت، فكانت سنة الرضا ولم يقل شيئا. هذا هو المسنون الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه شئ غير ذلك، وصح أن الناس كانوا يصلون على عهد عمر وعثمان وعلي عشرين ركعة، وهو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة وداود، قال الترمذي: وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ركعة، وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي، وقال: هكذا أدركت الناس بمكة يصلون عشرين ركعة (2) (هامش) (1) إيمانا: تصديقا. واحتسابا: يريد به وجه الله. (2) وذهب مالك الى أن عددها ست وثلاثون ركعة غير الوتر. قال الزرقاني: وذكر ابن حبان أن التراويح كانت أولا إحدى عشرة ركعة، وكانوا يطيلون القراءة فثقل عليهم فخففوا القراءة وزادوا في عدد الركعات فكانوا يصلون عشرين ركعة غير الشفع والوتر بقراءة متوسطة، ثم خففوا القراءة وجعلوا الركعات ستا وثلاثين غير الشفع والوتر، ومضى الامر على ذلك. (.)

[ 207 ]

ويرى بعض العلماء أن المسنون إحدى عشرة ركعة بالوتر والباقي مستحب. قال الكمال ابن الهمام: الدليل يقتضي أن تكون السنة من العشرين ما فعله صلى الله عليه وسلم ثم تركه خشية أن يكتب علينا، والباقي مستحب. وقد ثبت أن ذلك كان إحدى عشرة ركعة بالوتر كما في الصحيحين، فإذن يكون المسنون على أصول مشايخنا ثمانية منها والمستحب اثنى عشرة. (3) الجماعة فيه: قيام رمضان يجوز أن يصلى في جماعة كما يجوز أن يصلى على انفراد، ولكن صلاته جماعة في المسجد أفضل عند الجمهور. وقد تقدم ما يفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بالمسلمين جماعة ولم يداوم على الخروج خشية أن يفرض عليهم ثم كان أن جمعهم عمر على إمام. قال عبد الرحمن ابن عبد القاري: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل (1) ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه في ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعمت البدعة هذه (2) والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل (3). وكان الناس يقومون أوله. رواه البخاري وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم. (4) القراءة فيه: ليس في القراءة في قيام رمضان شئ مسنون، وورد عن السلف أنهم كانوا يقومون المائتين ويعتمدون على العصي من طوم القيام، ولا ينصرفون إلا قبيل بزوغ الفجر فيستعجلون الخدم بالطعام مخافة أن يطلع عليهم. وكانوا يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قرئ بها في اثنتي عشرة ركعة عد ذلك تخفيفا. (هامش) (1) أمثل: أي أفضل. (2) أي: جمعهم على إمام واحد. (3) أي: أن صلاتها آخر الليل أفضل. (.)

[ 208 ]

قال ابن قدامة: قال أحمد: (يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخفف على الناس ولا يشق عليهم، ولا سيما في الليالي القصار (1)) وقال القاضي: لا يستحب النقصان من ختمة في الشهر ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة على من خلفه، والتقدير بحال الناس أولى، فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل كان أفضل، كما قال أبو ذر: (قمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، يعني السحور. وكان القارئ يقرأ بالمائتين). (هامش) (1) كليالي الصيف. (.) صلاة الضحى (1) فضلها: ورد في فضل صلاة الضحى أحاديث كثيرة، نذكر منها ما يلي: 1 - عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يصبح على كل سلامي (2) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحمية صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من (3) ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. 2 - ولاحمد وأبي داود عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (في الانسان ستون وثلاثمائة مفصل عليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة) قالوا فمن الذي يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: (النخامة في المسجد يدفنها أو الشئ ينحيه عن الطريق، فإن لم يقدر فركعتا الضحى تجزئ عنه). قال الشوكاني: (والحديثان يدلان على عظم فضل الضحى وكبر موقعها وتأكد مشروعيتها وأن ركعتيها تجزيان عن ثلثمائة وستين صدقة، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة والمداومة. ويدلان أيضا على مشروعية الاستكثار من التسبيح والتحميد والتهليل، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ودفن (هامش) (2) عظام البدن ومفاصله. (3) يجزي - بفتح أوله - بمعنى يكفي، أو بضمنه ويكون من الاجزاء. (.)

[ 209 ]

النخامة، وتنحية ما يؤذي المار عن الطريق وسائر أنواع الطاعات لنسقط بذلك ما على الانسان من الصدقات اللازمة في كل يوم). 3 - وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عزوجل: ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره) رواه الحاكم والطبراني ورجاله ثقات. رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن نعيم الغطفاني بسند جيد. ولفظ الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى: (إن الله تعالى قال: (ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره). 4 - عن عبد الله بن عمرو قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية (1) فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم (2) وكثرة غنيمتهم وسرعة رجعتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة وأوشك (3) رجعة؟ من توضأ ثم غدا إلى المسجد لسبحة الضحى فهو أقرب مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة) رواه أحمد والطبراني. وروى أبو يعلى نحوه. 5 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: (بصيام ثلاثة أيام في كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام). رواه البخاري ومسلم. 6 - وعن أنس رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات فلما انصرف قال: (إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته ألا يبتلي أمتي بالسنين (4) ففعل، وسألته ألا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته ألا يلبسهم شيعا فأبى علي) رواه أحمد والنسائي والحاكم وابن خزيمة وصححاه. (هامش) (1) فرقة من الجيش. (2) انتهاء الغزو بسرعة. (3) قرب. (4) ألا يبتلي أمتي بالسنين: أي بالقحط. (.)

[ 210 ]

(2) حكمها: صلاة الضحى عبادة مستحبة فمن شاء ثوابها فليؤدها وإلا فلا تثريب عليه في تركها، فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (كان صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها) رواه الترمذي وحسنه. (3) وقتها: يبتدى أ وقتها بارتفاع الشمس قدر رمح وينتهي حين الزوال ولكن المستحب أن تؤخر إلى أن ترتفع الشمس ويشتد الحر. فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أهل قباء (1) وهم يصلون الضحى فقال: (صلاة الاوابين (2) إذا رمضت الفصال (3) من الضحى). رواه أحمد ومسلم والترمذي. (هامش) (1) قباء: مكان بينه وبين المدينة نحو من ميلين. (2) الاوابين: الراجعين إلى الله. (3) رمضت: احترقت. والفصال جمع فصيل وهو ولد الناقة: أي إذا وجدت الفصال حر الشمس، ولا يكون ذلك إلا عند ارتفاعها. (.) (44) عدد ركعاتها: أقل ركعاتها اثنتان كما تقدم في حديث أبي ذر وأكثر ما ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني ركعات، وأكثر ما ثبت من قوله اثنتا عشرة ركعة. وقد ذهب قوم - منهم أبو جعفر الطبري وبه جزم المليمي والروياني من الشافعية - إلى أنه لاحد لاكثرها. قال العراقي في شرح الترمذي: لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين أنه حصرها في اثنتي عشرة ركعة. وكذا قال السيوطي. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه سئل: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلونها؟ فقال: نعم.. كان منهم من يصلي ركعتين، ومنهم من يصلي أربعا، ومنهم من يمد إلى نصف النهار. وعن إبراهيم النخعي أن رجلا سأل الاسود بن يزيد: كم أصلي الضحى؟ قال: كما شئت. وعن أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى سبحة الضحى ثماني ركعات

[ 211 ]

يسلم من كل ركعتين. رواه أبو داود بإسناد صحيح. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله) رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. صلاة الاستخارة يسن لمن أراد أمرا من الامور المباحة (1) والتبس عليه وجه الخير فيه أن يصلي ركعتين من غير الفريضة ولو كانتا من السنن الراتبة أو تحية المسجد في أي وقت من الليل أو النهار يقرأ فيهما بما شاء بعد الفاتحة، ثم يحمد الله ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بالدعاء الذي رواه البخاري من حديث جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الامور كلها (2) كما يعلمنا السورة من القرآن بقول: (إذا هم أحدكم بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: (اللهم أستخيرك (3) بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الامر (4) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله (5) فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الامر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به) قال: ويسمي حاجته: أي يسمي حاجته عند قوله: (اللهم إن كان هذا الامر). ولم يصح في القراءة فيها شئ مخصوص، كما لم يصح شئ في استحباب تكرارها. قال النووي: ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له، فلا (هامش) (1) الواجب والمندوب مطلوب الفعل، والمحرم والمكروه مطلوب الترك، ولهذا لا تجرى الاستخارة إلا في أمر مباح. (2) قال الشوكاني: هذا دليل على العموم وأن المرء لا يحتقر أمرا لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه مما قرب أمر يستخف بأمره فيكون في الاقدام عليه ضرر عظيم أو في تركه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليسأل أحدكم ربه حتى في شسع نعله). (3) أستخيرك: أي أطلب منك الخيرة أو الخير. (4) يسمي حاجته هنا. (5) يجمع بينهما. (.)

[ 212 ]

ينبغي أن يعتمد على انشراح كان فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسا وإلا فلا يكون مستخيرا لله، بل يكون غير صادق في طلب الخيرة وفي التبري من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة ومن اختياره لنفسه. صلاة التسبيح عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس ابن عبد المطلب: (يا عباس يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك (1)، ألا أفعل بك عشر خصال (2)، إذا أنت فعلت ذلك غفر الله ذنبك أوله وآخره، وقديمه وحديثه، وخطأه وعمده، وصغيره وكبيره، وسره وعلانيته. عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة (3)، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة فقل وأنت قائم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة، ثم تركع فتقول وأنت راكع عشرا (4) ثم ترفع رأسك من الركوع. فتقولها عشرا، ثم تهوي ساجدا فتقول وأنت ساجد عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد فتقولها عشرا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا (5). فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات. وإن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تستطع ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة). رواه أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه والطبراني. قال الحافظ: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وعن جامعة من الصحابة. وأمثلها حديث عكرمة هذا، وقد صححه جماعة: منهم الحافظ أبو بكر الاجري، وشيخنا أبو محمد عبد الرحيم المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي رحمهم الله. وقال ابن المبارك: صلاة التسبيح مرغب فيها، يستحب أن يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها. (هامش) (1) أي أخصك. (2) أي أعلمك ما يكفر عشر أنواع من ذنوبك. (3) أي سورة دون تقييد. (4) أي بعد ذكر الركوع، وكذا في كل الحالات يأتي المصلى بالذكر بعد الاتيان بذكر كل ركن. (5) أي في جلسة الاستراحة قبل القيام. (.)

[ 213 ]

صلاة الحاجة روى أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلا أو مؤخرا). صلاة التوبة عن أبي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي (1) ثم يستغفر الله إلا غفر له. ثم قرأ هذه الاية: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟... ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) (2) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال: حديث حسن. وروى الطبراني في الكبير بسند حسن عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربعا مكتوبة أو غير مكتوبة يحسن فيهن الركوع والسجود ثم استغفر الله غفر له). (هامش) (1) أي ركعتين: لرواية ابن حبان والبيهقي وابن خزيمة. (2) سورة آل عمران: الاية 135، 136. (.) صلاة الكسوف (3) اتفق العلماء على أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة في حق الرجال والنساء، وأن الافضل أن تصلى في جماعة وإن كانت الجماعة ليست شرطا فيها، وينادى لها: (الصلاة جامعة) والجمهور من العلماء على أنها ركعتان، في كل ركعة ركوعان، فعن عائشة قالت: خسفت الشمس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقام فكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءد طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من القراءة (هامش) (3) أي: كسوف الشمس والقمر. (.)

[ 214 ]

الاولى، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الاولى، ثم كبر فركع ركوعا هو أدنى من الركوع الاول ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم سجد، ثم فعل في الركعة الاخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات (1) وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب (2) الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عزوجل لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم. ورويا أيضا عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الاول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الاول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا، وهو دون القيام الاول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الاول. ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الاول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الاول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله). قال ابن عبد البر: هذان الحديثان من أصح ما روي في هذا الباب. وقال ابن القيم: السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صلاة الكسوف تكرار الركوع في كل ركعة، لحديث عائشة وابن عباس وجابر وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي موسى الاشعري. كلهم روى عن النبي صلى الله عليه وسلم تكرار الركوع في الركعة الواحدة، والذين رووا تكرار الركوع أكثر عددا وأجل وأخص برسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين لم يذكروه. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أن صلاة الكسوف ركعتان على هيئة صلاة العيد والجمعة، لحديث النعمان بن بشير قال: صلى (هامش) (1) الركعة الاولى المقصود بها الركوع. (2) استدل الشافعي بهذا على أن الخطبة من شروط الصلاة. وقال أبو حنيفة ومالك: لا خطبة في صلاة الكسوف، وإنما خطب الرسول ليرد على من زعم أن الشمس كسفت بسبب موت إبراهيم. (.)

[ 215 ]

بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكسوف نحو صلاتكم، يركع ويسجد ركعتين ركعتين ويسأل الله، حتى تجلت الشمس. وفي حديث قبصة الهلالي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة) رواه أحمد والنسائي. وقراءة الفاتحة واجبة في الركعتين كلتيهما ويتخير المصلي بعدها ما شاء من القرآن. ويجوز الجهر بالقراءة والاسرار بها، إلا أن البخاري قال: إن الجهر أصح. ووقتها من حين الكسوف إلى التجلي. وصلاة خسوف القمر مثل صلاة كسوف الشمس. قال الحسن البصري: خسف القمر، وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين (1) ثم ركب وقال: إنما صليت كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي. رواه الشافعي في المسند. ويستحب التكبير (والدعاء والتصدق والاستغفار) لما رواه البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا). ورويا عن أبي موسى قال: خسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى وقال: (إذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره). (هامش) (1) ركعتين: أي ركوعين. (.) صلاة الاستسقاء الاستسقاء: طلب سقي الماء، ومعناه هنا طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب وانقطاع المطر على وجه من الاوجه الاتية: 1 - أن يصلي الامام بالمأمومين (2) ركعتين في أي وقت غير وقت الكراهة: يجهر في الاولى بالفاتحة و (سبح اسم ربك الاعلى). والثانية بالغاشية بعد الفاتحة، ثم خطبة بعد الصلاة أو قبلها. فإذا انتهى من الخطبة حول المصلون جميعا أرديتهم بأن يجعلوا ما على أيمانهم على شمائلهم ويجعلوا على ما شمائلهم على أيمانهم ويستقبلوا القبلة، ويدعوا الله عزوجل رافعي أيديهم مبالغين في (هامش) (2) من غير أذان ولا إقامة. (.)

[ 216 ]

ذلك، فعن ابن عباس قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعا، متبدلا متخشعا، مترسلا (1) متضرعا فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه) رواه الخمسة وصححه الترمذي وأبو عوانة وابن حبان. وعن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط (2) المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب (3) الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: (إنكم شكوتم جدب دياركم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم) ثم قال: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد: اللهم لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغا إلى حين) ثم رفع يديه فلم يزل (يدعو) حتى رؤي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله تعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى فلم يأت مسجده حتى سألت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن (4) ضحك حتى بدت نواجذه فقال: (أشهد أن الله على كل شئ قدير وأني عبد الله ورسوله) رواه الحاكم وصححه وأبو داود وقال. هذا حديث غريب وإسناده جيد. وعن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد المازني: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، الحديث أخرجه الجماعة. وقال أبو هريرة: (خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم يوما يستسقي وصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الايمن على الايسر والايسر على الايمن) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي. 2 - أن يدعو الامام في خطبة الجمعة ويؤمن المصلون على دعائه لما رواه البخاري ومسلم عن شريك عن أنس أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت (هامش) (1) متبدلا: لابسا ثياب العمل. مترسلا: متأليا. (2) قحوط المطر: أي احتباسا. (3) حاجب الشمس أي ضوءها. (4) الكن: البيت. (.)

[ 217 ]

الاموال، وانقطعت السبل (1) فادع إلينا يغيثنا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة (2). وما بيننا وبين سلع (3) من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس (4)، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتا (5) ثم دخل رجل (6) من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الاكام (7) والظراب (8)، وبطون الاودية ومنابت الشجر) فأقلعت (9)، وخرجنا نمشي في الشمس. 3 - أن يدعو دعاء مجردا في غير يوم الجمعة وبدون صلاة في المسجد أو خارجه، لما رواه ابن ماجة وأبو عوانة أن ابن عباس قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم لا يتزود لهم راع ولا يخطر لهم فحل (10) فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فحمد الله. ثم قال: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا (11) مريئا مريعا طبقا غدقا عاجلا غير رائث) ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا قد أحيينا) رواه ابن ماجه وأبو عوانة ورجاله ثقات، وسكت عليه الحافظ في التلخيص. وعن شرحبيل بن السمط أنه قال لكعب بن مرة: يا كعب، حدثنا عن (هامش) (1) أي لا يجدون ما يحملونه إلى السوق. (2) السحاب المتفرق. (3) سلع: جبل. (4) أي في استدارتها. (5) أسبوعا. (6) السائل الذي طلب الدعاء أو لا، دخل بعد أسبوع يطلب من الرسول أن يدعو الله أن يمسك المطر لكثرته. (7) الاكام: جمع أكمة، وهي ما ارتفع من الارض. (8) الظراب: الروابي. (9) أقلعت: أمسكت عن المطر. (10) لا يجد الراعي زادا بسبب الجدب. ولا يحرك الفحل ذنبه هزالا. (11) غيثا مغيثا: مطرا منقذا. مريئا: محمود العاقبة. مريعا: مخصبا. طبقا: مطرا عاما. غدقا: كثيرا. رائث: مبطئ. أحيينا: أمطرنا. (.)

[ 218 ]

رسول الله. قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وجاءه رجل فقال: استسق الله لمضر - فقال: (إنك لجرئ.. المضر؟) قال يا رسول الله استنصرت الله عزوجل فنصرك، ودعوت الله عزوجل فأجابك. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يقول: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريعا مريئا، طبقا غدقا، عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار،) فأجيبوا فما لبثوا أن أتوه فشكوا إليه كثرة المطر فقالوا: قد تهدمت البيوت، فرفع يديه وقال: (اللهم حوالينا ولا علينا) فجعل السحاب يتقطع يمينا وشمالا. رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي وابن شيبة والحاكم. وقال: حديث حسن صحيح إسناده على شرط الشيخين. وعن الشعبي قال: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار فقالوا: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح (1) السماء الذي يستنزل مدارا). (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) الاية. رواه سعيد في سننه وعبد الرزاق والبيهقي وابن أبي شيبة. وهذه بعض الادعية الواردة. 1 - قال الشافعي: وروي عن سالم بن عبد الله عن أبيه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا استسقى قال: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا غدقا مجللا عاما، طبقا سحا، ائما، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين: اللهم إن بالعباد والبلاد، والبهائم، والخلق من اللاواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع. وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الارض: اللهم ارفع عنا الجهد، والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك: اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا) قال الشافعي. وأحب أن يدعو الامام بهذا. 2 - وعن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في الاستسقاء (اللهم (هامش) (1) مجاديح السماء: أنواؤها. والمراد بالانواء: النجوم التي يحصل عندها المطر عادة، فشبه الاستغفار بها. (.)

[ 219 ]

جللنا (1) سحابا كثيفا، قصيفا دلوقا، ضحوكا تمطرنا منه رذاذا، قطقطا، سجلا، يا ذا الجلال والاكرام) رواه أبو عوانة في صحيحه. 3 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استسقى قال: (اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، واحي بلدك الميت) رواه أبو داود. (هامش) (1) جللنا: عمنا: كثيفا: متراكما. قصيفا: قويا. دلوقا: مندفعا. ضحوكا: ذا برق. رذاذا: مطر خفيفا. قطقطا: أقل من الرذاذ. (2) فيه ويستحب عند الدعاء في الاستسقاء رفع ظهور الاكف. فعند مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه الى السماء (2). ويستحب عند رؤية المطر أن يقول: اللهم صيبا نافعا (3). ويكشف بعض بدنه ليصيبه، ويقول إذا زادت المياه وخيف من كثرة المطر اللهم سقيا رحمة، ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق. اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا) فكل ذلك صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. (هامش) (2) فيه دليل على أنه إذا أريد بالدعاء رفع البلاء فإنه يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء: وإذا دعا بسؤال شئ وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء. (3) صيبا: مطرا. (.) سجود التلاوة من قرأ آية سجدة أو سمعها يستحب له أن يكبر ويسجد سجدة ثم يكبر للرفع من السجود، وهذا يسمى سجود التلاوة ولا تشهد فيه، ولا تسليم. فعن نافع عن ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرا علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. وقال أبو داود: قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبه هذا الحديث وقال أبو داود: يعجبه لانه كبر. وقال عبد الله ابن مسعود: إذا قرأت سجدة فكبر واسجد، وإذا رفعت رأسك فكبر. (1) فضله: عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ ابن

[ 220 ]

آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر (1) بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه. (هامش) (1) الويل: الهلاك، يقصد نفسه: أي يا حزن الشيطان ويا هلاكه. (.) (2) حكمه: ذهب جمهور العلماء إلى أن سجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع لما رواه البخاري عن عمر أنه قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس إنا لم نؤمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وفي لفظ إن الله لم يفرض علينا السجود الا أن نشاء. وروى الجماعة إلا ابن ماجه عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم (والنجم) فلم يسجدها فيها. رواه الدار قطني وقال: فلم يسجد منا أحد. ورجح الحافظ في الفتح أن الترك كان لبيان الجواز، وبه جزم الشافعي. ويؤيده ما رواه البزار والدار قطني عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في سورة (النجم) وسجدنا معه. قال الحافظ في الفتح: ورجاله ثقات. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (والنجم) فسجد فيها وسجد من كان معه، غير أن شيخا من قريش أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا، رواه البخاري ومسلم. (3) مواضع السجود: مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا. فعن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمسة عشر سجدة في القرآن، منهما ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان. رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والدار قطني وحسنه المنذري والنووي، وهي: 1 - إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون. (206 - الاعراف)

[ 221 ]

2 - (ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والاصال). (15 - الرعد. 3 - (ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون) (49 - النحل) 4 - (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا (107 - الاسراء) 5 - إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) (58 - مريم) 6 - (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فماله من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء). (18 - الحج) 7 - (يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (77 - الحج) 8 - (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا، وزادهم نفورا). (60 - الفرقان) 9 - (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخب ء في السموات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون). (25 - النمل) 10 - (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا به خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) (15 - السجدة) 11 - (وظن داود أنما فتناه، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) (1) (24 - ص) (هامش) (1) عن أبي سعيد قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر (س) فلما بلغ السجدة نزل وسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن (تهيأ) الناس للسجود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود) فنزل وسجد وسجدوا. رواه أبو داود. رجاله رجال الصحيح. (.)

[ 222 ]

12 - ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون). (37 - فصلت) 13 - (فاسجدوا لله واعبدوا) (62 - النجم) 14 - (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) (21 - الانشقاق) 15 - (واسجد واقترب) (19 - العلق). (4) ما يشترط له: اشترط جمهور الفقهاء لسجود التلاوة ما اشترطوه للصلاة، من طهارة واستقبال قبلة وستر عورة. قال الشوكاني: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئا، وقد كان يسجد معه صلى الله عليه وسلم من حضر تلاوته ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعا متوضئين، وأيضا قد كان يسجد معه المشركون، وهم أنجاس لا يصح وضوءهم. وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء، وكذلك روى عنه ابن أبي شيبة، وأما ما رواه البيهقي عنه بإسناد - قال في الفتح: إنه صحيح - أنه قال: (لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر) فيجمع بينهما بما قاله الحافظ من حمله على الطهارة الكبرى. أو على حالة الاختيار، والاول على الصرورة، وهكذا ليس في الاحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان، وأما ستر العورة والاستقبال مع الامكان فقيل: إنه معتبر اتفاقا. قال في الفتح: لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي. أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح. وأخرج أيضا على أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة وهو يمشي ويومئ إيماء. ومن الموافقين لابن عمر من أهل البيت

[ 223 ]

(5) الدعاء فيه: من سجد سجود التلاوة دعا ما شاء، ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك إلا حديث عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن (1) الخالقين) رواه الخمسة إلا ابن ماجة. ورواه الحاكم وصححه الترمذي وابن السكن، وقال في آخره (ثلاثا) على أنه ينبغي أن يقول في سجوده: سبحان ربي الاعلى، إذا سجد سجود التلاوة في الصلاة. (هامش) (1) هذه الزيادة من رواية الحاكم. (.) (6) السجود في الصلاة: يجوز للامام والمنفرد (2) أن يقرأ آية السجدة في الصلاة الجهرية والسرية ويسجد متى قرأها. روى البخاري ومسلم عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة صلاة العتمة أو قال صلاة العشاء فقرأ: (إذا السماء انشقت) فسجد فيها فقلت يا أبا هريرة ما هذه السجدة؟ فقال سجدت فيها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجدها حتى ألقاه. وروى الحاكم وصححه على شرط الشيخين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الركعة الاولى من صلاة الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ (الم تنزيل) السجدة. قال النووي: لا يكره قراءة السجدة عندنا للامام كما لا يكره للمنفرد، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، ويسجد متى قرأها. وقال مالك: يكره مطلقا. وقال أبو حنيفة: يكره في السرية دون الجهرية. قال صاحب البحر: وعلى مذهبنا يستحب تأخير السجود حتى يسلم لئلا يهوش على المأمومين. (هامش) (2) وعلى المؤتم أن يتابع إمامه في السجود إذا سجد وإن لم يسمع إمامه يقرأ آية السجدة فإذا قرأها الامام ولم يسجد لا يسجد المؤتم، بل عليه متابعة إمامه، وكذا لو قرأها المؤتم أو سمعها من قارئ ليس معه في الصلاة فإنه لا يسجد في الصلاة، بل يسجد بعد الفراغ منها. (.) (7) تداخل السجدات: تتداخل السجدات ويسجد سجدة واحدة إذا قرأ القارئ آية السجدة

[ 224 ]

وكررها أو سمعها أكثر من مرة في المسجد الواحد بشرط أن يؤخر السجود عن التلاوة الاخيرة، فإن سجد عقب التلاوة الاولى فقيل: تكفيه (1) وقيل: يسجد مرة أخرى لتجدد السبب (2). (هامش) (1) هذا مذهب الحنفية. (2) عند أحمد ومالك والشافعي. (.) (8) قضاؤه: يرى الجمهور أنه يستحب السجود عقب قراءة آية السجدة أو سماعها. فإن أخر السجود لم يسقط ما لم يطل الفصل. فإن طال فإنه يفوت ولا يقضى. سجدة الشكر ذهب جمهور العلماء إلى استحباب سجدة الشكر لمن تجددت له نعمة تسره أو صرفت عنه نقمة. فعن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به خر ساجدا شكرا لله تعالى، رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه. وروى البيهقي بإسناد على شرط البخاري أن عليا رضي الله عنه لما كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام همذان خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: (السلام على همذان، السلام على همذان). وعن عبد الرحمن ابن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فاتبعته حتى دخل نخلا فسجد فأطال السجود حتى خفت أن يكون الله قد توفاه، فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: (ما لك يا عبد الرحمن؟) فذكرت ذلك له فقال: (إن جبريل عليه السلام قال لي: ألا أبشرك؟ إن الله عزوجل يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله عز وجل شكرا). رواه أحمد، ورواه أيضا الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا، وروى البخاري أن كعب ابن مالك سجد لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه. وذكر أحمد أن عليا سجد حين وجد ذا الثدية (3) في قتلى الخوارج. وذكر سعيد بن منصور أن أبا بكر سجد حين جاءه قتل مسيلمة. وسجود الشكر يفتقر إلى سجود الصلاة، وقيل لا يشترط له ذلك لانه (هامش) (3) رجل من الخوارج. (.)

[ 225 ]

ليس بصلاة. قال في فتح العلام: وهو الاقرب. وقال الشوكاني: وليس في أحاديث الباب ما يدل على اشتراط الوضوء وطهارة الثياب والمكان لسجود الشكر. وإلى ذلك ذهب الامام يحيى وأبو طالب وليس فيه ما يدل على التكبير في سجود الشكر. وفي البحر أنه يكبر. قال الامام يحيى: ولا يسجد للشكر في الصلاة قولا واحدا إذ ليس من توابعها. سجود السهو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو في الصلاة، وصح عنه أنه قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني). وقد شرع لامته في ذلك أحكاما نلخصها فيما يلي: (1) كيفيته: سجود السهو سجدتان يسجدهما المصلي قبل التسليم أو بعده، وقد صح الكل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى، ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم). وفي الصحيحين في قصة ذي اليدين أنه صلى الله عليه وسلم سجد بعد ما سلم. والافضل متابعة الوارد في ذلك فيسجد قبل التسليم فيما جاء فيه السجود قبله، ويسجد بعد التسليم فيما ورد فيه السجود بعده، ويخير فيما عدا ذلك. قال الشوكاني: وأحسن ما يقال في هذا المقام أنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب السجود مقيدا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيدا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيرا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص، لما أخرجه مسلم في صحيحه عن

[ 226 ]

ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين). (2) الاحوال التي يشرع فيها: يشرع سجود السهو في الاحوال الاتية: 1 - إذا سلم قبل إتمام الصلاة لحديث ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي (1) فصلى ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان (2) من أبواب المسجد فقالوا قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: (لم أنس ولم تقصر) فقال: (أكما يقول ذو اليدين؟) فقالوا: نعم.. فقدم فصلى ما ترك (3) ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه) الحديث رواه البخاري ومسلم. وعن عطاء أن ابن الزبير صلى المغرب فسلم في ركعتين فنهض ليستلم الحجر فسبح القوم فقال ما شأنكم؟. قال فصلى ما بقي وسجد سجدتين. قال: فذكر ذلك لابن عباس فقال ما أماط (4) عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والبزار والطبراني. 2 - عند الزيادة على الصلاة، لما رواه الجماعة عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خمسا فقيل له. أزيد في الصلاة؟ فقال: (وما ذلك؟) فقالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعد ما سلم. وفي هذا الحديث دليل على صحة صلاة من زاد ركعة وهو ساه - ولم يجلس في الرابعة. (هامش) (1) الظهر أو العصر. (2) جمع سريع، وهم أول الناس خروجا. (3) في هذا دليل على جواز البناء على الصلاة التي خرج منها المصلي قبل تمامها ناسيا من غير فرق بين من سلم من ركعتين أو أكثر أو أقل. (4) أي ما أبعد. (.)

[ 227 ]

3 - عند نسيان التشهد الاول أو نسيان سنة من سنن الصلاة، لما رواه الجماعة عن ابن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فقام في الركعتين فسبحوا به فمضى، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم (1). وفي الحديث أن من سها عن القعود الاول وتذكر قبل أن يستتم قائما عاد إليه، فإن أتم قيامه لا يعود. ويؤيد ذلك ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، وإن استتم قائما فلا يجلس وسجد سجدتي السهو). 4 - السجود عند الشك في الصلاة، فعن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها ثنتين وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين) رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه. وفي رواية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى صلاة يشك في النقصان فليصل حتى يشك في الزيادة) وعن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لاربع كانتا ترغيما للشيطان) رواه أحمد ومسلم. وفي هذين الحديثين دليل لما ذهب إليه الجمهور من أنه إذا شك المصلي في عدد الركعات بنى على الاقل المتيقن له ثم يسجد للسهو. (هامش) (1) في الحديث: أن المؤتم يسجد مع إمامه لسهو الامام، وعند الحنفية والشافعية: أن المؤتم يسجد لسهو الامام ولا يسجد لسهو نفسه. (.) صلاة الجماعة صلاة الجماعة سنة مؤكدة (2) ورد في فضلها أحاديث كثيرة نذكر بعضها فيما يلي: (هامش) (2) هذا في الفرض، وأما الجماعة في النفل فهي مباحة سواء قل الجمع أم كثر. فقد ثبت أن النبي صلى ركعتين تطوعا وصلى معه أنس عن يمينه كما صلت أم سليم وأم حرام خلفه، وتكرر هذا ووقع أكثر من مرة. (.)

[ 228 ]

1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) متفق عليه. 2 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت لها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم صل عليه اللهم ارحمه. ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة) متفق عليه وهذا لفظ البخاري. 3 - وعنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال له: (هل تسمع النداء في الصلاة؟) قال: نعم. قال: (فأجب) رواه مسلم. 4 - وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالفه إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم) متفق عليه. 5 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (من سره أن يلقى الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). رواه مسلم. وفي رواية له قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى: الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه.

[ 229 ]

6 - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية رواه أبو داود بإسناد حسن. (1) حضور النساء الجماعة في المساجد وفضل صلاتهن في بيوتهن: يجوز للنساء الخروج إلى المساجد وشهود الجماعة بشرط أن يتجنبن ما يثير الشهوة ويدعو إلى الفتنة من الزينة والطيب، فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن). وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله (1) مساجد الله، وليخرجن تفلات (2)) رواهما أحمد وأبو داود. وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الاخرة.) رواه مسلم وأبو داود والنسائي بإسناد حسن. والافضل لهن الصلاة في بيوتهن، لما رواه أحمد والطبراني عن أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. فقال صلى الله عليه وسلم: (قد علمت، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجد الجماعة.) (هامش) (1) إماء الله: جمع أمة. (2) تفلات: أي غير متطيبات. (.) (2) استحباب الصلاة في المسجد الابعد والكثير الجمع: يستحب الصلاة في المسجد الابعد الذي يجتمع فيه العدد الكثير، لما رواه مسلم عن أبي موسى قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم الناس في الصلاة أجرا أبعدهم إليها ممشى). ولما رواه عن جابر قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا

[ 230 ]

قرب المسجد)؟! قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك. فقال: (يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم). ولما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة المتقدم. وعن أبي بن كعب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده (1). وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه ابن السكن والعقيلي والحاكم. (3) استحباب السعي الى المسجد بالسكينة: يندب المشي إلى المسجد مع السكينة والوقار. ويكره الاسراع والسعي، لان الانسان في حكم المصلي من حين خروجه إلى الصلاة، فعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال (ما شأنكم)؟ قالوا استعجلنا إلى الصلاة قال: (فلا تفعلوا.. إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (2) رواه الشيخان. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا سمعتم الاقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا (3)) رواه الجماعة إلا الترمذي. (4) استحباب تخفيف الامام: يندب للامام أن يخفف الصلاة بالمأمومين، لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء) رواه الجماعة. ورووا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لادخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد (هامش) (1) أزكى من صلاته وحده: أي أكثر أجرا وأبلغ في تطهير المصلي من ذنوبه. (2) السكينة والوقار بمعنى واحد. وفرق بينهما النووي: فقال إن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث، والوقار في الهيئة بغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات. (3) يؤخذ منه أن ما أدركه المؤتم مع الامام يعتبر أول صلاته فيبني عليه في الاقوال والافعال. (.)

[ 231 ]

أمه من بكائه). وروى الشيخان عنه قال ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر بن عبد البر، التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه إلا أن ذلك إنما هو أقل الكمال (1) وأما الحذف والنقصان فلا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن نقر الغراب. ورأى رجلا يصلي فلم يتم ركوعه فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل) وقال: (لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده) ثم قال: لا أعلم خلافا بين أهل العلم في استحباب التخفيف لكن من أم قوما على ما شرطنا من الاتمام. فقد روى عمر أنه قال: لا تبغضوا الله إلى عباده. يطول أحدكم في صلاته حتى يشق على من خلفه. (هامش) (1) أقل الكمال: ثلاث تسبيحات. (.) (5) إطالة الامام الركعة الاولى وانتظار من أحس به داخلا ليدرك الجماعة: يشرع للامام أن يطول الركعة الاولى انتظارا للداخل ليدرك فضيلة الجماعة كما يستحب له انتظار من أحس به داخلا وهو راكع، أو أثناء القعود الاخير. ففي حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطول في الاولى. قال فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الاولى. وعن أبي سعيد قال: لقد كانت الصلاة تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الاولى مما يطولها. رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي. (6) وجوب متابعة الامام وحرمة مسابقته: تجب متابعة الامام وتحرم مسابقته (2): لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الامام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون) رواه الشيخان. وفي رواية أحمد وأبي داود (إنما الامام ليؤتم به: (هامش) (2) اتفق العلماء على أن السبق في تكبيرة الاحرام أو السلام يبطل الصلاة. واختلفوا في السبق في غيرهما فعند أحمد يبطلها. قال: ليس لمن يسبق الامام صلاة. أما المساواة فمكروهة. (.)

[ 232 ]

فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يحول الله صورته صورة حمار) رواه الجماعة، وعن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالقعود ولا بالانصراف) (1) رواه أحمد ومسلم. وعن البراء ابن عازب قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي صلى الله عليه وسلم جبهته على الارض. رواه الجماعة. (هامش) (1) ولا بالانصراف: أي الانصراف من السلام. (.) (7) انعقاد الجماعة بواحد مع الامام: تنعقد الجماعة بواحد مع الامام ولو كان أحدهما صبيا أو امرأة. وقد جاء عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه (2) رواه الجماعة. وعن أبي سعيد وأبي هريرة قالا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استيقظ من الليل فأيقظ أهله فصليا ركعتين جميعا كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات) رواه أبو داود. وعن أبي سعيد أن رجلا دخل المسجد وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يتصدق على ذا فيصلي معه؟) فقام رجل من القوم فصلى معه. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه. وروى ابن أبي شيبة: أن أبا بكر الصديق هو الذي يصلي معه وقد استدل (هامش) (2) في الحديث دليل على جواز الائتمام بمن لم ينو الامامة وانتقاله إماما بعد دخوله منفردا لا فرق في ذلك بين الفريضة والنافلة. وفي البخاري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في حجرته وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله‌صلى الله عليه وسلم فقام ناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الليلة الثانية فقام ناس يصلون بصلاته. (.)

[ 233 ]

الترمذي بهذا الحديث على جواز أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلي فيه. قال: وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال آخرون من أه ل العلم يصلون فرادى وبه يقول سفيان ومالك وابن المبارك والشافعي (1). (هامش) (1) وأما تعدد الجماعة في وقت واحد ومكان واحد فإنه من المجمع على حرمته لمنافاته لغرض الشارع من مشروعية الجماعة ولوقوعه على خلاف المشروع. (.) (8) جواز انتقال الامام مأموما: يجوز للامام أن ينتقل مأموما إذا استخلف فحضر الامام الراتب، لحديث الشيخين عن سهل بن سعد: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم. قال فصلى أبو بكر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه رسول الله: أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ثم انصرف، فقال: (يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟) فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من نابه شئ في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء (2)). (هامش) (2) في الحديث دليل على أن المشي من صف إلى صف يليه لا يبطل الصلاة. وأن حمد الله تعالى لامر يحدث والتنبيه بالتسبيح جائزان، وأن الاستخلاف في الصلاة لعذر جائز من طريق الاولى لان قصاراه وقوعها بإمامين، وفيه جواز كون المرء في بعض صلاته إماما وفي بعضها مأموما، وجواز رفع اليدين في الصلاة عند الدعاء والثناء. وجواز الالتفات للحاجة، وجواز مخاطبة المصلي بالاشارة، وجواز الحمد والشكر على الوجاهة في الدين، وجواز إمامة المفضول الفاضل، وجواز العمل القليل في الصلاة... أفاده الشوكاني. (.)

[ 234 ]

(9) إدراك الامام: من أدرك الامام كبر تكبيرة الاحرام (1) قائما ودخل معه على الحالة التي هو عليها (2)، ولا يعتمد بركعة حتى يدرك ركوعها سواء أدرك الركوع بتمامه مع الامام أو انحنى فوصلت يداه إلى ركبتيه قبل رفع الامام، فعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا (3) ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة) رواه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال صحيح. والمسبوق يصنع مثل ما يصنع الامام فيقعد معه العقود الاخير، ويدعو ولا يقوم حتى يسلم، ويكبر إذا قام لاتمام ما عليه.. (هامش) (1) وأما تكبيرة الانتقال فإن أتى بها فحسن وإلا كفته تكبيرة الاحرام. (2) وتحقق له فضيلة الجماعة وتوابها بإدراك تكبيرة الاحرام قبل سلام الامام. (3) ولا تعدوها شيئا: أي أن من أدرك الامام ساجدا وافقه في السجود ولا يعد ذلك ركعة، ومن أدرك الركعة: أي الركوع مع الامام، فقد أدرك الصلاة: أي الركعة وحسبت له. (.) (10) أعذار التخلف عن الجماعة: يرخص التخلف عن الجماعة عند حدوث حالة من الحالات الاتية: 1 و 2 - البرد أو المطر، فعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر المنادي فينادي بالصلاة. ينادي: (صلوا في رحالكم، في الليلة الباردة المطيرة في السفر) رواه الشيخان. وعن جابر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمطرنا فقال (ليصل من شاء منكم في رحله) (4) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، وعن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير إذا قلت: أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة قل: صلوا في بيوتكم قال: فكأن الناس استنكروا ذلك. فقال: أتعجبون من ذا؟ فقد فعل ذا من هو خير مني: النبي صلى الله عليه وسلم. إن الجماعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. رواه الشيخان، ولمسلم: أن ابن عباس أمر مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطير. (هامش) (4) في رحله: أي في منزله. (.)

[ 235 ]

ومثل البرد الحر الشديد والظلمة والخوف من ظالم. قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعة في شدة المطر والظلمة والريح وما أشبه ذلك، مباح. 3 - حضور الطعام، لحديث ابن عمر قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة) رواه البخاري. 4 - مافعة الاخبثين. فعن عائشة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الاخبثين) (1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. 5 - وعن أبي الدرداء قال: (من فقه الرجل إقباله على حاجته، حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ). رواه البخاري. (هامش) (1) وهو يدافع الاخبثين: أي البول والغائط. (.) (11) الاحق بالامامة: الاحق بالامامة الاقرأ لكتاب الله، فإن استووا في القراءة فالاعلم بالسنة، فإن استووا، فالاقدم هجرة، فإن استووا، فالاقدم هجرة، فإن استووا، فالاكبر سنا. 1 - فعن أبي سعيد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالامامة اقرؤهم) رواه أحمد ومسلم والنسائي. والمراد بالاقرأ الاكثر حفظا لحديث عمرو بن سلمة، وفيه: (ليؤمكم أكثركم قرآنا). 2 - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم، بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنا ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته (2) إلا بإذنه). وفي لفظ: (لا يؤمن الرجل الرجل في أهله ولا (هامش) (2) التكرمة: ما يفرش لصاحب المنزل ويبسط له خاصة. (.)

[ 236 ]

سل 4 انه) رواه أحمد ومسلم، ورواه سعيد بن منصور، لكن قال فيه: (لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه، ومعنى هذا أن السلطان وصاحب البيت والمجلس وإمام المجلس أحق بالامامة من غيره، ما لم يأذن واحد منهم. فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الاخر أن يؤم قوما إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم) رواه أبو داود. (12) من تصح إمامتهم: تصح إمامة الصبي المميز، والاعمى، والقائم بالقاعد، والقاعد بالقائم، والمفترض بالمتنفل، والمتنفل بالمفترض والمتوضئ بالمتيمم، والمتيمم بالمتوضئ والمسافر بالمقيم، والمقيم بالمسافر، والمفضول بالفاضل فقد صلى عمرو بن سلمة بقومه وله من العمر ست أو سبع سنين، واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم، وهو أعمى، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أب ي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا، وصلى في بيته جالسا وهو مريض وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: (إنما جعل الامام ليؤتم به: فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا وراءه) (1) وكان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الاخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، فكانت صلاته له تطوعا ولهم فريضة العشاء. وعن محجن بن الادرع قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فحضرت الصلاة، فصلى ولم أصل فقال لي: (ألا صليت)؟ قلت يا رسول الله إني قد صليت في الرحل ثم أتيتك. قال: (إذا جئت فصل معهم واجعلها نافلة). ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي وحده فقال: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه) وصلى عمرو بن العاص إماما وهو متيمم وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم. على ذلك، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس بمكة زمن الفتح ركعتين ركعتين (هامش) (1) مذهب إسحاق والاوزاعي وابن المنذر والظاهرية أنه لا يجوز اقتداء القادر على القيام بالجالس لعذر، بل عليه أن يجلس تبعا له، لهذا الحديث. وقيل إنه منسوخ. (.)

[ 237 ]

إلا المغرب وكان يقول: (يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر.) وإذا صلى المسافر خلف المقيم أتى الصلاة أربعا ولو أدرك معه أقل من ركعة، فعن ابن عباس أنه سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة. وفي لفظ أنه قال له موسى بن سلمة: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا وإذا رجعنا صلينا ركعتين؟. فقال تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد. (13) من لا تصح إمامتهم: لا تصح إمامة معذور (1) لصحيح ولا لمعذور مبتلى بغير عذره (2) عند جمهور العلماء. وقالت المالكية تصح إمامته للصحيح مع الكراهة. (هامش) (1) كمن به انطلاق البطن أو سلس البول أو انفلات الريح. (2) كاقتداء من به سلس بمن به انفلات ريح. (.) (14) إستحباب إمامة المرأة للنساء: فقد كانت عائشة رضي الله عنها تؤم النساء وتقف معهن في الصف، وكانت أم سلمة تفعله، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ورقة مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها في الفرائض. (15) إمامة الرجل النساء فقط: روى أبو يعلى والطبراني في الاوسط بسند حسن أبي بن كعب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله عملت الليلة عملا. قال: (ما هو) قال: نسوة معي في الدار قلن إنك تقرأ ولا نقرأ فصل بنا، فصليت ثمانيا والوتر. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم قال: فرأينا سكوته رضا. (16) كراهة إمامة الفاسق والمبتدع: روى البخاري ان ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج. وروى مسلم أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد، وصلى ابن مسعود خلف الوليد ابن عقبة بن أبي معيط - وقد كان يشرب الخمر، وصلى بهم يوما الصبح أربعا

[ 238 ]

وجلده عثمان بن عفان على ذلك - وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن عبيد، وكان متهما بالالحاد وداعيا إلى الضلال، والاصل الذي ذهب إليه العلماء أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، ولكنهم مع ذلك كرهوا الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، لما رواه أبو داود وابن حبان وسكت عنه أبو داود والمنذري عن السائب بن خلاد أن رجلا أم قوما فبصق في القبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يصلي لكم) (1) فأراد بعد ذلك أن يصلي بهم، فمنعوه وأخبروه يقول النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك للنبي فقال: (نعم، إنك آذيت الله ورسوله). (هامش) (1) لا يصلي لكم: نفي بمعنى النهى. (.) (17) جواز مفارقة الامام لعذر: يجوز لمن دخل الصلاة مع الامام أن يخرج منها بنية المفارقة ويتمها وحده ذا أطال الامام الصلاة. ويلحق بهذه الصورة حدوث مرض أو خوف ضياع مال أو تلفه أو فوات رفقة أو حصول غلبة نوم، ونحو ذلك. لما رواه الجماعة عن جابر قال: كان معاذ يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم، فأخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء فصلى معه ثم رجع إلى قومه فقرأ سورة البقرة فتأخر رجل فصلى وحده فقيل له. نافقت يا فلان، قال: ما نافقت، ولكن لاتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال: (أفتان أنت يا معاذ، أفتان أنت يا معاذ، اقرأ سورة كذا وكذا). (18) ما جاء في إعادة الصلاة مع الجماعة: عن يزيد الاسود قال: صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم الفجر بمنى فجاء رجلان حتى وقفا على رواحلهما، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فجئ بهما تريد فرائصهما (2) فقال لهما: (ما منعكما أن تصليا مع الناس... ألستما مسلمين؟) قالا: بلى يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا. فقال لهما: (إذا صليتما في حالكما ثم أتيتما الامام فصليا معه فإنها لكما نافلة). (هامش) (2) أي يضطرب اللحم الذي بين الجنب والكتف من الخوف. (.)

[ 239 ]

رواه أحمد وأبو داود. ورواه النسائي والترمذي بلفظ: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة) قال الترمذي: حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن السكن. ففي هذا الحديث دليل على مشروعية إعادة الصلاة بنية التطوع لمن صلى الفرض في جماعة أو منفردا إذا أدرك جماعة أخرى في المسجد: وقد روى أن حذيفة أعاد الظهر والعصر والمغرب، وقد كان صلاهما في جماعة، كما روي عن أنس أنه صلى مع أبي موسى الصبح في المربد (1) ثم انتهيا إلى المسجد الجامع فأقيمت الصلاة فصليا مع المغيرة بن شعبة. وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) فقد قال ابن عبد البر: اتفق أحمد وإسحاق أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه ثم يقوم بعد الفراغ فيعيدها على الفرض أيضا. وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة اقتداء بالنبي في أمره بذلك فليس ذلك من إعادة الصلاة في اليوم مرتين لان الاولى فريضة والثانية نافلة، فلا إعادة حينئذ. (هامش) (1) المربد: موضع تجفيف الحبوب والتمر (الجرن). (.) (19) استحباب انحراف الامام عن يمينه أو شماله بعد السلام ثم انتقاله من مصلاه (2): لحديث قبيضة بن وهب عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمنا فينصرف على جانبيه جميعا، على يمينه وعلى شماله. رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن. وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أي جانبيه شاء. وقد صح الامران عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم لم يقعد الا مقدار ما يقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام). رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة، وعند أحمد والبخاري عن أم سلمة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه وهو يمكث (هامش) (2) وبعد المغرب والصبح لا ينتقل حتى يقول (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير) عشرا، لان الفضيلة المترتبة على الفعل مقيدة بقولها قبل أن يثني رجله. (.)

[ 240 ]

في مكانه يسيرا قبل أن يقوم. قالت: فنرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال. (20) علو الامام أو المأموم: يكره أن يقف الامام أعلى من المأموم، فعن أبي مسعود الانصاري قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم الامام فوق شئ والناس خلفه) يعني أسفل منه، رواه الدار قطني وسكت عنه الحافظ في التلخيص. وعن همام ابن الحارث أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان (1) فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه (2) فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، فذكرت حين جذبتني. رواه أبو داود والشافعي والبيهقي وصححه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان. فإن كان للامام غرض من ارتفاعه على المأموم فإنه لا كراهة حينئذ، فعن سهل بن سعد الساعدي قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر أول يوم وضع فكبر وهو عليه ثم ركع ثم نزل القهقهري (3) وسجد في أصل المنبر ثم عاد فلما فرغ أقبل عن الناس فقال: (أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتتعلموا صلاتي) رواه أحمد والبخاري ومسلم. وأما ارتفاع المأموم على الامام فجائز، لما رواه سعيد بن منصور والشافعي والبيهقي وذكره البخاري تعليقا عن أبي هريرة أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الامام. وعن أنس أنه كان يجمع في دار أبي نافع عن يمين المسجد في غرفة قدر قامة منها لها باب مشرف على مسجد بالبصرة فكان أنس يجمع فيها ويأتم بالامام، وسكت عليه الصحابة. رواه سعيد بن منصور في سننه. قال الشوكاني: وأما ارتفاع المؤتم فإن كان مفرطا بحيث يكون فوق ثلاثمائة ذراع على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الامام فهو ممنوع بالاجماع من غير فرق بين المسجد وغيره، وإن كان دون ذلك المقدار فالاصل الجواز حتى يقوم (هامش) (1) المدائن: مدينة كانت بالعراق، دكان. مكان مرتفع. (2) جبذه: أخذه بشدة. (3) القهقرى: المشي إلى الخلف. (.)

[ 241 ]

دليل على المنع، ويعضد هذا الاصل فعل أبي هريرة المذكور ولم ينكر عليه. (21) اقتداء المأموم بالامام مع الحائل بينهما: يجوز اقتداء المأموم بالامام وبينهما حائل إذا علم انتقالاته برؤية أو سماع (1). قال البخاري، قال الحسن: لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر. وقال أبو مجلز: يأتم بالامام وان كان بينهما طريق أو جدار إذا سمع تكبيرة الاحرام. انتهى. وقد تقدم حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون به من وراء الحجرة يصلون بصلاته. (22) حكم الائتمام بمن ترك فرضا: تصح إمامة من أخل بترك شرط أو ركن إذا أتم المأموم وكان غير عالم بما تركه الامام، لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصلون بكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وان أخطأوا فلكم وعليهم) رواه أحمد والبخاري. وعن سهل قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الامام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه) يعني ولا عليهم، رواه ابن ماجة. وصح عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب، ولم يعلم، فأعاد ولم يعيدوا. (23) الاستخلاف: إذا عرض للامام وهو في الصلاة عذر كأن ذكر أنه محدث، أو سبقه الحدث فله أن يستخلف غيره ليكمل الصلاة بالمأمومين. فعن عمرو بن ميمون قال: إني لقائم ما بيني وبين عمر - غداة أصيب - إلا عبد الله بن عباس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه وتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فقدمه فصلى بهم صلاة خفيفة. رواه البخاري. وعن أبي رزين قال: صلى علي ذات يوم فرعف فأخذ بيد رجل فقدمه ثم انصرف، رواه سعيد بن منصور. وقال أحمد: ان استخلف الامام فقد استخلف عمر وعلي، وإن صلوا وحدانا فقد طعن معاوية وصلى الناس وحدانا من حيث طعن، وأتموا صلاتهم. (هامش) (1) أفتى العلماء بعدم الصحة خلف الراديو. (.)

[ 242 ]

(24) من أم قوما يكرهونه: جاءت الاحاديث تحظر أن يؤم رجل جماعة وهم له كارهون، والعبرة بالكراهة الكراهة الدينية التي لها سبب شرعي، فعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط. وأخوان متصارمان) رواه ابن ماجه، قال العراقي: إسناده حسن. وعن عبد الله ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قوما وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا (1) ورجل اعتبد محرره (2)) رواه أبو داود وابن ماجه. قال الترمذي: وقد كره قوم أن يؤم الرجل قوما وهم له كارهون، فإذا كان الامام غير ظالم فإنما الاثم على من كرهه. (هامش) (1) الدبار: أن يأتيها بعد أن تفونه. (2) اتخذ عبده المعتق عبدا. موقف الامام والمأموم (1) استحباب وقوف الواحد عن يمين الامام والاثنين فصاعدا خلفه: لحديث جابر، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فجئت فقمت على يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه، رواه مسلم وأبو داود. وإذا حضرت المرأة الجماعة وقفت وحدها خلف الرجال ولا تصف معهم فإن خالفت صحت صلاتها عند الجمهور. قال أنس: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأمي أم سليم خلفنا، وفي لفظ: فصففت أنا واليتيم خلفه، والعجوز من ورائنا. رواه البخاري ومسلم. (2) استحباب وقوف الامام مقابلا لوسط الصف وقرب أولي الاحلام والنهي منه: لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وسطوا الامام

[ 243 ]

وسدوا الخلل (1) رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليليني (2) منكم أولوا الاحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإياكم وهيشات الاسواق (3)) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه المهاجرون والانصار ليأخذوا عنه. رواه أحمد وأبو داود. والحكمة في تقديم هؤلاء ليأخذوا عن الامام ويقوموا بتنبيهه إذا أخطأ ويستخلف منهم إذا احتاج إلى استخلاف. (هامش) (1) الخلل: مابين الاثنين من الاتباع. (2) ليليني: أي ليقرب مني. والنهي جمع نهية وهي العقل. والاحلام والنهي بمعنى واحد. (3) هيشات الاسواق: اختلاط الاصوات كما يقع في الاسواق. (.) (3) موقف الصبيان والنساء من الرجال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان (4)) رواه أحمد وأبو داود. وروى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها). وإنما كان خير صفوف النساء آخرها لما في ذلك من البعد عن مخالطة الرجال بخلاف الوقوف في الصف الاول فإنه مظنة المخالطة لهم. (هامش) (4) وإذا كان صبي واحد دخل مع الرجال في الصف. (.) (4) صلاة المفرد خلف الصف: من كبر للصلاة خلف الصف ثم دخله وأدرك فيه الركوع مع الامام صحت صلاته، فعن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (زادك الله حرصا ولا تعدد) (5) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي. وأما من صلى منفردا عن الصف فإن الجمهور يري صحة صلاته (هامش) (5) قيل لا تعد في تأخير المجئ إلى الصلاة، وقيل لا تعد إلى دخولك في الصف وأنت راكع، وقيل لا تعد إلى الاتيان إلى الصلاة مسرعا. (.)

[ 244 ]

مع الكراهة. وقال أحمد وإسحاق وأحمد وابن أبي ليلى ووكيع والحسن بن صالح والنخعي وابن المنذر: من صلى ركعة كاملة خلف الصف بطلت صلاته. فعن وابصة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة. رواه الخمسة إلا النسائي. ولفظ أحمد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل صلى خلف الصف وحده؟ فقال (يعيد الصلاة) وحسن هذا الحديث الترمذي، وإسناد أحمد جيد. وعن علي بن شيبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له: (استقبل صلاتك فلا صلاة لمفرد خلف الصف). رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي، قال أحمد: حديث حسن، وقال ابن سيد الناس: رواته ثقات معروفون. وتمسك الجمهور بحديث أبي بكرة قالوا لانه أتى ببعض الصلاة خلف الصف ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالاعادة فيحمل الامر بالاعادة على جهة الندب مبالغة في المحافظة على ما هو الاولى. قال الكمان بن الهمام: وحمل أئمتنا حديث وابصة على الندب وحديث علي بن شيبان على نفي الكمال ليوافقا حديث أبي بكرة، إذ ظاهره عدم لزوم الاعادة لعدم أمره بها. ومن حضر ولم يجد سعة في الصف ولا فرجة فقيل: يقف منفردا ويكره له جذب أحد، وقيل يجذب واحدا من الصف عالما بالحكم بعد أن يكبر تكبيرة الاحرام. ويستحب للمجذوب موافقته. (5) تسوية الصفوف وسد الفرج: يستحب للامام أن يأمر بتسوية الصفوف وسد الخلل قبل الدخول في الصلاة. فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: (تراصوا واعتدلوا) رواه البخاري ومسلم. ورويا عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة). وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوينا في الصفوف كما يقوم القدح (1) حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه وفقهنا أقبل ذات يوم بوجهه إذا رجل منتبذ بصدره (2) فقال: (لستون (هامش) (1) الغرض من ذلك المبالغة في تسوية الصفوف. (2) منتبذ: بارز. (.)

[ 245 ]

صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) (1) رواه الخمسة وصححه الترمذي، وروى أحمد والطبراني بسند لا بأس به عن أبي أمامة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سووا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم (2) لينوا في أيدي إخوانكم وسدوا الخلل فإن الشيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف) (3) وروى أبو داود والنسائي والبيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر) وروى البزار بسند حسن عن ابن عمر قال: (ما من خطوة أعظم أجرا من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها، وروى النسائي والحاكم وابن خزيمة عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله) وروى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا تصفون كما تصفت الملائكة عند ربها؟) فقلنا: يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصف الاول ويتراصون في الصف). (هامش) (1) والمراد من مخالفة الوجوه: حصول العداوة والتنافر والبغضاء. (2) أي اجعلوا بعضها حذاء بعض بحيث يكون منكب كل واحد من المصلين محاذيا وموازيا لمنكب الاخر. (3) الحذف: أولاد الضأن الصغار. (.) (6) الترغيب في الصف الاول وميامن الصفوف: تقدم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليهما لاستهموا) الحديث. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا عن الصف الاول فقال لهم: (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من وراءكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عزوجل) رواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه، وروى أبو داود وابن ماجه عن عائشة قالت، قالت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون على ميامن الصفوف) وعند أحمد والطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الاول) قالوا: يا رسول الله وعلى

[ 246 ]

الثاني؟ قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الاول) قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال (وعلى الثاني). (7) التبليغ خلف الامام: يستحب التبليغ خلف الامام عند الحاجة إليه بأن لم يبلغ صوت الامام المأمومين: أما إذا بلغ صوت الامام الجماعة فهو حينئذ بدعة مكروهة باتفاق الائمة. المساجد 1 - مما اختص الله به هذه الامة أن جعل لها الارض طهورا ومسجدا فأيما رجل من المسلمين أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته. قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الارض أولا؟ قال: (المسجد الحرام). قلت: ثم أي؟ قال: (ثم المسجد الاقصى) قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون سنة) ثم قال: (أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد) وفي رواية: (فكلها مسجد) رواه الجماعة. (2) فضل بنائها: 1 - عن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة) متفق عليه. 2 - وروى أحمد وابن حبان والبزار بسند صحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها (1) بنى الله له بيتا في الجنة). (هامش) المفحص: الموضع الذي تبيض فيه القطاة. والقطاة: طائر. (2) (ولتستثفر) أي تشد خرقة على فرجها. (.) (3) الدعاء عند التوجه إليها: يسن الدعاء حين التوجه إلى المسجد بما يأتي: 1 - قالت أم سلمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من

[ 247 ]

بيته قال: (بسم الله (1) توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي). رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي. 2 - وروى أصحاب السنن الثلاثة وحسنه الترمذي عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقال له: حسبك!.. هديت، وكفيت، ووفيت، تنحى عنه الشيطان). 3 - روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وخلفي نورا وفي عصبي نورا، وفي لحمي نورا، وفي دمي نورا، وفي شعري نورا، وفي بشري نورا). وفي رواية لمسلم: (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، واجعل في سمعي نورا، وفي بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا: اللهم أعطني نورا). 4 - وروى أحمد وابن خزيمة وابن ماجه حسنه الحافظ عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال: أللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا (2) ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته). (هامش) (1) يصح الدعاء بهذا سواء كان خارجا إلى المسجد أو إلى غير المسجد. (2) الاشر والبطر: جحود النعم وعدم شكرها. (.) (4) الدعاء عند دخولها وعند الخروج منها: يسن لمن أراد دخول المسجد أن يدخل برجله اليمنى ويقول: أعوذ بالله

[ 248 ]

العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم. بسم الله: أللهم صل على محمد: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا أراد الخروج خرج برجله اليسرى ويقول: بسم الله: اللهم صل على محمد: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم. (5) فضل السعي إليها والجلوس فيها: 1 - روى أحمد والشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له الجنة نزلا كلما غدا وراح) (1). 2 - وروى أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والترمذي وحسنه والحام وصححه، عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان) قال الله عزوجل: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر). 3 - وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والاخرى ترفع درجته). 4 - وروى الطبراني والبزار بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسجد بيت كل تقي وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله: إلى الجنة). 5 - وتقدم حديث: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات). (هامش) (1) من غدا إلى المسجد وراح: أي ذهب ورجع: والنزل: ما يعد للضيف. (.) (6) تحية المسجد: روى الجماعة عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء أحدكم المسجد فليصل سجدتين من قبل أن يجلس).

[ 249 ]

(7) أفضلها: 1 - روى البيهقي (1) عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي ألف صلاة، وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة). 2 - وروى أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في ما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة). 3 - وروى الجماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الاقصى). (هامش) (1) حسنه السيوطي. (.) (8) زخرفة المساجد: 1 - روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد). ولفظ ابن خزيمة: (يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد (2) ثم لا يعمرونها إلا قليلا). 2 - وروى أبو داود وابن حبان وصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أمرت بتشييد المساجد (3)) زاد أبو داود: قال ابن عباس لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. 3 - وروى ابن خزيمة وصححه: أن عمر أمر ببناء المساجد فقال: أكن الناس من المطر (4)، وإياك أن تحمر أو تصرف فتفتن الناس (5). رواه البخاري معلقا. (هامش) (2) يتباهون: يتفاخرون. (3) ما أمرت بتشييد المساجد: أي برفع بنائها زيادة على الحاجة. (4) أكن الناس من المطر: أي استرهم. (5) فتفتن الناس: أي تلهيهم. (.) (9) تنظيفها وتطييبها: 1 - روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند جيد

[ 250 ]

عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المساجد في الدور، وأمر بها أن تنظف وتطيب. ولفظ أبي داود: (كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في دورنا ونصلح صنعتها ونطهرها، وكان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر). 2 - وعن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل إلى المسجد) رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة. (10) صيانتها: المساجد بيوت العبادة فيجب صيانتها من الاقذار والروائح الكريهة. فعند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن). وعند أحمد بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تنخم أحدكم فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه) وروى هو والبخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبزقن أمامه فإنه يناجيه الله تبارك وتعالى مادام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها) وفي الحديث المتفق على صحته عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل الثوم والبصل والكراث (1) فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم). وخطب عمر يوم الجمعة فقال: إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين (البصل والثوم) لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلها فليمتهما طبخا. رواه أحمد ومسلم والنسائي. (هامش) (1) أكل هذه الاشياء مباح إلا أنه يتحتم على من أكلها البعد عن المسجد ومجتمعات الناس حتى تذهب رائحتها. ويلحق بها الروائح الكريهة كالدخان والتجشؤ والبخر. (.) (11) كراهة نشد الضالة (2) والبيع والشراء والشعر: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سمع (هامش) (2) نشد الضالة: طلب الشئ الضائع. (.)

[ 251 ]

رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم. وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا له: لا أربح الله تجارتك) رواه النسائي والترمذي وحسنه، وعن عبد الله بن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الاشعار وأن تنشد فيه الضالة، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) رواه لا خمسة وصححه الترمذي. والشعر المنهي عنه ما اشتمل على هجو مسلم أو مح ظالم أو فحش ونحو ذلك. أما ما كان حكمة أو مدحا للاسلام أو حثا على بر فإنه لا بأس به، فعن أبي هريرة أن عمر مر بحسان ينشد في المسجد فلحظ إليه (1) فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله (2) أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أجب عني، اللهم أيده بروح القدس (3)؟ قال نعم) متفق عليه. (هامش) (1) فلحظ إليه: أي نظر إليه شزرا. (2) أنشدك بالله: أي أسألك بالله. (3) روح القدس: جبريل. (.) (12) السؤال فيها: قال شيخ الاسلام ابن تيمية: أصل السؤال محرم في المسجد وغيره إلا لضرورة فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدا كتخطية الرقاب ولم يكذب فيما يرويه ولم يجهر جهرا يضر الناس كأن يسأل والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علما يشغلهم به، جاز. (13) رفع الصوت فيها: يحرم رفع الصوت على وجه يشوش على المصلين ولو بقراءة القرآن. ويستثنى من ذلك درس العلم. فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: (إن المصلي يناجي ربه عزوجل فلينظر بم يناجيه؟ ولا يجهر بعضكم على بعض القرآن) رواه أحمد بسند صحيح، وروى عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: (ألا أن

[ 252 ]

كلكم مناج ربه فلا يوذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة)، رواه أبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. (14) الكلام في المسجد: قال النووي: يجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحا: لحديث جابر ابن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام. قال: وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم. أخرجه مسلم. (15) إباحة الاكل والشرب والنوم فيها: فعن ابن عمر قال: كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ننام في المسجد نقيل فيه (1) ونحن شباب. وقال النووي: ثبت أن أصحاب الصفة والعرنبين وعليا وصفوان بن أمية وجماعات من الصحابة كانوا ينامون في المسجد. وأن ثمامة كان يبيت فيه قبل إسلامه. كل ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الشافعي في الام: وإذا بات المشرك في المسجد فكذا المسلم. وقال في المختصر: ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام. وقال عبد الله بن الحارث: كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الخبز واللحم، رواه ابن ماجه بسند حسن. (هامش) (1) نقيل فيه: أي ننام وقت القيلولة. (.) (16) تشبيك الاصابع: يكره تشبيك الاصابع عند الخروج إلى الصلاة وفي المسجد عند انتظارها ولا يكره فيما عدا ذلك ولو كان في المسجد. فعن كعب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وعن أبي سعيد الخدري قال: دخلت المسجد مع رسول الله صلى الله عليه

[ 253 ]

وسلم إذا رجل جالس وسط المسجد محتبيا مشبكا أصابعه بعضها على بعض فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفطن لاشارته. فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه) رواه أحمد. (17) الصلاة بين السواري: يجوز للامام والمنفرد الصلاة بين السواري، لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة صلى بين الساريتين). وكان سعيد بن جبر وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الاساطين. وأما المؤتمون فتكره صلاتهم بينها عند السعة بسبب قطع الصفوف ولا تكره عند الضيق. فعن أنس قال: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها. رواه الحاكم وصححه، وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طردا. رواه ابن ماجه وفي إسناده رجل مجهول. وروى سعيد بن منصور في سننه النهي عن ذلك من ابن مسعود وابن عباس وحذيفة. قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة. المواضع المنهى عن الصلاة فيها ورد النهي عن الصلاة في المواضع الاتية: (1) الصلاة في المقبرة (1): فعند الشيخين وأحمد والنسائي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). وعند أحمد ومسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها). وعندهما أيضا عن جندب بن عبد الله (هامش) (1) النهي عن اتخاذ القبر مسجدا من أجل الخوف من المبالغة في تعظيم الميت والافتتان به فهو من غاب سد الذريعة. (.)

[ 254 ]

البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: (إن من اكن قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك). وعن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرت له ما رأته فيها من الصور، فقال صلى الله عليه وسلم (أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) رواه البخاري ومسلم والنسائي. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج). وحمل كثير من العلماء النهي على الكراهة سواء كانت المقبرة أمام المصلي أم خلفه. وعند الظاهرية النهي محمول على التحريم، وأن الصلاة في المقبرة باطلة (1). وعند الحنابلة كذلك إذا كانت تحتوي على ثلاثة قبور فأكثر، أما ما فيها قبر أو قبران فالصلاة فيها صحيحة مع الكراهة إذا استقبل القبر وإلا فلا كراهة. (هامش) (1) هذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه بحال، فالاحاديث صحيحة وصريحة في تحريم الصلاة عند القبر سواء أكان قبرا واحدا أم أكثر. (.) وقد صلى أبو موسى الاشعري وعمر بن عبد العزيز في الكنيسة. ولم ير الشعبي وعطاء وابن سيرين بالصلاة فيها بأسا. قال البخاري: كان ابن عباس يصلي في بيعة إلا بيعة فيها تماثيل. وقد كتب إلى عمر من نجران أنهم لم يجدوا مكانا أنظف ولا أجود من بيعة، فكتب: (انضحوها بماء وسدر وصلوا فيها) وعند الحنفية والشافعية القول بكراهة الصلاة فيهما مطلقا. (3) الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وأعطان الابل والحمام وفوق ظهر بيت الله: فعن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في سبعة مواطن: (في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي أعطان الابل وفوق ظهر بيت الله). رواه

[ 255 ]

ابن ماجه وعبد بن حميد والترمذي وقال: إسناده ليس بالقوي. وعلة النهي في المجزرة والمزبلة كونهما محلا للنجاسة فتحرم الصلاة فيهما من غير حائل ومع الحائل تكره عند جمهور العلماء، وتحرم عند أحمد وأهل الظاهر. وعلة النهي عن الصلاة في مبارك الابل كونها خلقت من الجن، وقيل غير ذلك. وحكم الصلاة في مبارك الابل كالحكم في سابقه، وعلة النهي عن الصلاة في قارعة الطريق ما يقع فيه عادة من مرور الناس وكثرة اللغط الشاغل للقلب والمؤدي إلى ذهاب الخشوع. وأما في ظهر الكعبة فلان المصلي في هذه الحالة يكون مصليا على البيت لا إليه، وهو خلاف الامر، ولذلك يرى الكثير عدم صحة الصلاة فوق الكعبة، خلافا للحنفية القائلين بالجواز مع الكراهة لما فيه من ترك التعظيم. وأما الكراهة في الحمام فقيل لانه محل للنجاسة والقول بالكراهة قول الجمهور إذا انتفت النجاسة. وقال أحمد والظاهرية وأبو ثور: لا تصح الصلاة فيه. الصلاة في الكعبة الصلاة في الكعبة صحيحة لا فرق بين الفرض والنفل. فعن ابن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم الباب فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته: هل صلى رسول الله؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين. واه أحمد والشيخان. السترة أمام المصلي (1) حكمها: يستحب للمصلي أن يجعل بين يديه سترة تمنع المرور أمامه وتكف بصره عما وراءها، لديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها) رواه أبو داود وابن ماجه. وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه. وكان يفعل ذلك في السفر

[ 256 ]

ثم اتخذها الامراء. رواه البخاري ومسلم وأبو داود، ويرى الحنفية والمالكية أن اتخاذ السترة إنما يستحب للمصلي عند خوف مرور أحد بين يديه فإذا أمن مرور أحد بين يديه فلا يستحب، لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء وليس بين يديه شئ. رواه أحمد وأبو داود ورواه البيهقي وقال: وله شاهد بإسناد أصح من هذا عن الفضل بن عباس. (2) بم تتحقق: وهي تتحقق بكل شئ ينصبه المصلي تلقاء وجهه ولو كان نهاية فرشه. فعن صبرة بن معبد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته ولو بسهم) رواه أحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح. وعن أبي هريرة قال، قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا ولا يضره ما مر بين يديه) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان وصححه، كما صححه أحمد وابن المديني، وقال البيهقي لا بأس بهذا الحديث في هذا الحكم إن شاء الله، وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى إلى الاسطوانة التي في مسجده وأنه صلى إلى شجرة وأنه صلى إلى السرير وعليه عائشة مضطجعة (1) وأنه صلى إلى راحلته كما صلى إلى آخرة الرحل، وعن طلحة قال: كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (مؤخرة الرحل (2) تكون بين يدي أحدكم ثم لا يضره ما مر عليه) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح. (هامش) (1) يؤخذ منه جواز الصلاة الى النائم وقد جاء نهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، ولم يصح. (2) مؤخرة بضم أوله وكسر الخاء وفتحها: الخشبة التي في آخر الرحل. (.) (3) سترة الامام سترة للمأموم: وتعتبر سترة الامام سترة لمن خلفه، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: هبطنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية أذاخر (3) (هامش) (3) الثنية: الطريق المرتفع. وأذاخر: موضع قرب مكة. (.)

[ 257 ]

فحضرت الصلاة فصلى إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه فجاءت بهمة (1) تمر بين يديه فما زال يدارئها (2) حتى لصق بطنه بالجدار ومرت من ورائه. رواه أحمد وأبو داود، وعن ابن عباس قال: أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام (3) والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى فمررت بين يدي بعض الصف فأرسلت الاتان ترتع (4) ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد. رواه الجماعة. ففي هذه الاحاديث ما يدل على جواز المرور بين يدي المأموم وأن السترة إنما تشرع بالنسبة للامام والمنفرد. (هامش) (1) البهمة: ولد الضأن. (2) يدارئها: يدافعها. (3) ناهزت الاحتلام: أي قاربت البلوغ. (4) الرتع: الرعي. (.) (4) استحباب القرب منها: قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف، وفي الحديث المتقدم: (وليدن منها). وعن بلال أنه صلى الله عليه وسلم صلى وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع. رواه أحمد والنسائي. ومعناه للبخاري. وعن سهل بن سعد قال: كان بين مصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ممر الشاة. رواه البخاري ومسلم. (5) تحريم المرور بين يدي المصلي وسترته: الاحاديث تدل على حرمة المرور بين يدي المصلي وسترته وأن ذلك يعتبر من الكبائر، فعن بسر بن سعيد قال: إن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه (5)) رواه الجماعة. وعن زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم المار (هامش) (5) قال أبو النصر عن بسر: لا أدري قال أربعين يوما أو شهرا أو سنة. وفي الفتح: وظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقا ولو لم يجد مسلكا بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، ويؤيده قصة أبي سعيد الاتية. ومعنى الحديث أن المار لو علم مقدار الاثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الاثم. (.)

[ 258 ]

بين يدي المصلي ماذا عليه كان لان يقوم أربعين خريفا خير له من أن يمر بين يديه) رواه البزار بسند صحيح. قال ابن القيم: قال ابن حبان وغيره: التحريم المذكور في الحديث إنما هو إذا صلى الرجل إلى سترة فأما إذا لم يصل إلى سترة فلا يحرم المرور بين يديه. واحتج أبو حاتم (1) على ذلك بما رواه في صحيحه عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ من طوافه أتى حاشية المطاف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطوافين أحد. قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على إباحة مرور المرء بين يدي المصلي إذا صلى إلى غير سترة، وفيه دليل واضح على أن التغليظ الذي روي في المار بين يدي المصلي إنما أريد بذلك إذا كان المصلي يصلي إلى سترة دون الذي يصلي إلى غير سترة يستتر بها. قال أبو حاتم: ذكر البيان بأن هذه الصلاة لم تكن بين الطوافين وبين النبي صلى الله عليه وسلم سترة. ثم ساق من حديث المطلب قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حذو الركن الاسود والرجال والنساء يمرون بين يديه ما بينهم وبينه سترة. وفي الروضة لو صلى إلى غير سترة أو كانت وتباعد منها، فالاصح أنه ليس له الدافع لتقصيرة ولا يحرم المرور حينئذ بين يديه ولكن الاولى تركه. (هامش) (1) أبو حاتم: هو ابن حبان. (.) (6) مشروعية دفع المار بين يدي المصلي: إذا اتخذ المصلي سترة يشرع له أن يدفع المار بين يديه إنسانا كان أو حيوانا أما إذا كان المرور خارج السترة فلا يشرع الدفع ولا يضره المرور. فعن حميد بن هلال قال: بينا أنا وصاحب لي نتذاكر حديثا إذ قال أبو صالح السمان: أنا أحدثك ما سمعت عن أبي سعيد ورأيت منه قال: بينما أنا مع أبي سعيد الخدري نصلي يوم الجمعة إلى شئ يستره من الناس إذ دخل شاب من بني أبي معيط أراد أن يجتاز بين يديه فدفعه في نحره فنظر فلم يجد مساغا (2) إلا بين يدي أبي سعيد فعاد ليجتاز فدفعه في نحره أشد من الدفعة الاولى فمثل قائما ونال من أبي سعيد (3) ثم تزاحم الناس فدخل على مروان فشكا إليه ما لقي، ودخل أبو سعيد (3) ثم تزاحم الناس فدخل على مروان فشكا إليه ما لقي، ودخل أبو سعيد على مروان فقال: مالك ولابن أخيك جاء يشكوك؟ فقال (هامش) (2) فلم يجد مساغا: أي ممرا. (3) أي أصاب من عرضه بالشتم. (.)

[ 259 ]

أبو سعيد: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان) رواه البخاري ومسلم. (7) لا يقطع الصلاة شئ: ذهب علي وعثمان وابن المسيب والشعبي ومالك والشافعي وسفيان الثوري والاحناف إلى أن الصلاة لا يقطعها شئ، لحديث أبي داود عن أبي الوداك قال: مر شاب من قريش بين يدي أبي سعيد وهو يصلي فدفعه ثم عاد فدفعه ثم عاد فدفعه، ثلاث مرات. فلما انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شئ، ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا ما استطعتم فإنه شيطان). (ما يباج في الصلاة) يباج في الصلاة ما يأتي: 1 - البكاء والتأوه والانين سواء أكان ذلك من خشية الله أم كان لغير ذلك كالتأوه من المصائب والاوجاع ما دام عن غلبة بحيث لا يمكن دفعه: لقول الله تعالى: (إذا نتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا). والاية تشمل المصلي وغيره. وعن عبد الله بن الشخير قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء (1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه. وقال علي: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الاسود، ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. رواه ابن حبان. وعن عائشة رضي الله عنها في حديث مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، قالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق لا يملك دمعه وإنه إذا قرأ القرآن بكى: قالت: وما قلت ذلك إلا كراهية أن (هامش) (1) أي أن صدره صلى الله عليه وسلم يغلي من البكاء من خشية الله فيسمع له صوت كصوت القدر حين يغلي فيه الماء. (.)

[ 260 ]

يتأثم الناس بأبي بكر (1) أن يكون أول من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صواحب يوسف) (2) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والترمذي وصححه. وفي تصميم الرسول صلى الله عليه وسلم على صلاة أبي بكر بالناس مع أنه أخبر أنه إذا قرأ غلبه البكاء دليل على الجواز. وصلى عمر صلاة الصبح وقرأ سورة يوسف حتى بلغ إلى قوله تعالى (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) فسمع نشيجه (3) رواه البخاري وسعيد بن منصور وابن المنذر. وفي رفع عمر صوته بالبكاء رد على القائلين بأن البكاء في الصلاة مبطل لها إن ظهر منه حرفان سواء أكان من خشية الله أم لا. وقولهم إن البكاء إن ظهر منه حرفان يكون كلاما غير مسلم فالبكاء شئ والكلام شئ آخر. (هامش) (1) أن يتشاءم الناس به ويتجنبونه كما يتجنبون الاثم. (2) أي أن عائشة مثل صاحبة يوسف في كونها أظهرت خلاف ما في الباطن فكما أن صاحبة يوسف دعت النسوة وأظهرت أنها تريد إكرامهن بالضيافة مع أن قصدها الحقيقي هو أن ينظرن إلى جمال يوسف فيعذرنها في محبته فكذلك عائشة فإنها أظهرت أن صرف الامامة عن أبيها أنه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه مع أن مرادها الحقيقي ألا يتشاءم الناس به. (3) النشيج: رفع الصوت بالبكاء. (.) (2) الالتفات عند الحاجة: فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي يلتفت يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره. رواه أحمد. وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يصلي وهو يلتفت إلى الشعب. قال أبو داود: وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس. وعن أنس بن سيرين قال: رأيت أنس بن مالك يستشرف لشئ (4) وهو في الصلاة، ينظر إليه. رواه أحمد. فإن كان الالتفات لغير حاجة كره تنزيها، لمنافاته الخشوع والاقبال على الله، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التلفت في الصلاة فقال: (اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) (5) رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود. وعن أبي الدرداء (هامش) (4) يستشرف لشئ: أي يرفع بصره إليه. (2) الاختلاس: أخذ الشئ بسرعة، أي إن الشيطان يأخذ من الصلاة بسبب الالتفات. (.)

[ 261 ]

رضي الله عنه مرفوعا: (يأيها الناس إياكم والالتفات فإنه لا صلاة للملتفت، فإن غلبتم في التطوع فلا تغلبن في الفرائض) رواه أحمد. وعن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة فإن كان ولا بد ففي التطوع لا في الفريضة) رواه الترمذي وصححه. وفي حديث الحارث الاشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فيه: (.. وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت) رواه أحمد والنسائي. وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه) رواه أحمد وأبو داود وقال: صحيح الاسناد. هذا كله في الالتفات بالوجه أما الالتفات بجميع البدن والتحول به عن القبلة فهو مبطل للصلاة اتفاقا، للاخلال بواجب الاستقبال. (3) قتل الحية والعقرب والزنابير ونحو ذلك من كل ما يضر وإن أدى قتلها إلى عمل كثير: فعن أبي هريرة أن النبي صلى لاله عليه وسلم قال: (اقتلوا الاسودين (1) في الصلاة: الحية والعقرب) رواه أحمد وأصحاب السنن. الحديث حسن صحيح. (هامش) (1) اقتلوا الاسودين: يطلق على الحية والعقرب لفظ الاسودين تغليبا، ولا يسمى بالاسود في الاصل إلا الحية. (.) (4) المشي اليسير لحاجة: فعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في البيت والباب عليه مغلق فجئت فاستفتحت فمشى ففتح لي ثم رجع الى مصلاه. ووصفت أن الباب في القبلة. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه. ومعنى أن الباب في القبلة، أي جهتها. فهو لم يتحول عن القبلة حينما تقدم لفتح الباب وحينما رجع إلى مكانه. ويؤيد هذا ما جاء عنها أنه كان صلى الله عليه

[ 262 ]

وسلم يصلي فإذا استفتح إنسان الباب فتح الباب ما كان في القبلة أو عن يمينه أو عن يساره ولا يستدبر القبلة. رواه الدار قطني. وعن الازرق بن قيس قال: كان أبو برزة الاسلمي بالاهواز (1) على حرف نهر وقد جعل اللجام في يده وجعل يصلي، فجعلت الدابة تنكص (2) وجعل يتأخر معها. فقال رجل من الخوارج: اللهم اخز هذا الشيخ كيف يصلي؟ قال: فلما صلى قال: قد سمعت مقالكم. غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستا أو سبعا أو ثمانيا فشهدت أمره وتيسيره فكان رجوعي مع دابتي أهون علي من تركها فتنزع إلى مألفها (3) فيشق علي. وصلى أبو برزة العصر ركعتين (4). رواه أحمد والبخاري والبيهقي. وأما المشي الكثير فقد قال الحافظ في الفتح: أجمع الفقهاء على أن المشي الكثير في الصلاة المفروضة يبطلها، فيحمل حديث أبي برزة على القليل. (هامش) (1) الاهواز: بلدة بالعراق. (2) تنكص: أي ترجع. (3) فتنزع: أي تعود إلى المكان الذي ألفته. (4) لسفره. (.) حمل الصبي وتعلقه بالمصلي: فعن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وأمامة بنت زينب (5) ابنة النبي صلى الله عليه وسلم على رقبته فإذا ركع وضعها وإذا قام من سجوده أخذها فأعادها على رقبته فقال عامر ولم أسأله: أي صلاة هي؟ قال ابن جريج: وحدثت عن زيد بن أبي عتاب عن عمرو بن سليم: أنها صلاة الصبح. قال أبو عبد الرحمن (6) جوده (أي جود ابن جريج إسناد الحديث الذي فيه أنها صلاة الصبح) رواه أحمد والنسائي وغيرهما. قال الفاكهاني: وكأن السر في حمله صلى الله عليه وسلم أمامة في الصلاة دفعا لما كانت العرب تالفه من كراهة البنات بالفعل قد يكون أقوى من القول. وعن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاة العشي (الظهر أو العصر) وهو حامل (حسن أو حسين) فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها، قال: (هامش) (5) هي ابنة أبي العاص بن الربيع. (6) هو عبد الله بن الامام أحمد. (.)

[ 263 ]

إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فرجعت في سجودي. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك؟ قال: (كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) رواه أحمد والنسائي والحاكم. قال النووي: هذا يدل لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان الطاهر في صلاة الفرض وصلاة النفل، ويجوز ذلك للامام والمأموم. وحمله أصحاب مالك رضي الله عنه على النافلة ومنعوا جواز ذلك في الفريضة. وهذا التأويل فاسد لان قوله يؤم الناس صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة، وقد سبق أن ذلك كان في فريضة الصبح. قال: وادعى بعض المالكية أنه منسوخ وبعضهم أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم أنه كان لضرورة. وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، لان الادمي طاهر وما في جوفه معفو عنه لكونه في معدته، وثياب الاطفال تحمل على الطهارة ودلائل الشرع متظاهرة على هذا. والافعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بيانا للجواز وتنبيها به على هذه القواعد التي ذكرتها. وهذا يرد ما ادعاه الامام أبو سليمان الخطابي أن هذا الفعل يشبه أن يكون كان بغير تعمد فحملها في الصلاة لكونها كانت تتعلق به صلى الله عليه وسلم فلم يرفعها فإذا قام بقيت معه. قال: (ولا يتوهم أنه حملها مرة أخرى عمدا لانه عمل كثير ويشغل القلب، وإذا كان علم الخميصة شغله فكيف لا يشغله هذا؟) هذا كلام الخطابي رحمه الله تعالى، وهو باطل ودعوى مجردة. ومما يردها قوله في صحيح مسلم: فإذا قام حملها. وقوله: فإذا رفع من السجود أعادها، وقوله في رواية غير مسلم: خرج علينا حاملا أمامة فصلى فذكر الحديث. وأما قضية الخميصة فلانها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب وإن شغله فيترتب عليه فوائد

[ 264 ]

وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فأصل ذلك الشغل لهذه الفوائد، بخلاف الخميصة فالصواب الذي لا معدل عنه أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين، والله أعلم. (6) إلقاء السلام على المصلي ومخاطبته وأنه يجوز له أن يرد بالاشارة على من سلم عليه أو خاطبه: فعن جابر بن عبد الله قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى بني المصطلق فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال بيده هكذا، ثم كلمته فقال بيده هكذا (أشار بها) وأنا أسمعه يقرأ ويومئ برأسه. فلما فرغ قال: (ما فعلت في الذي أرسلتك فإنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي؟) رواه أحمد ومسلم. وعن عبد الله بن عمر عن صهيب أنه قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت فرد علي إشارة، وقال: لا أعلمه إلا قال إشارة بإصبعه: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده. رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة. رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وهو صحيح الاسناد. ويستوي في ذلك الاشارة بالاصبع أو باليد جميعها أو بالايماء بالرأس فكل ذلك وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (7) التسبيح والتصفيق: يجوز التسبيح للرجال والتصفيق للنساء إذا عرض أمر من الامور، كتنبيه الامام إذا أخطأ وكالاذن للداخل أو الارشاد للاعمى أو نحو ذلك. فعن سهل ابن سعد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من نابه شئ في صلاته فليقل: سبحان الله، إنما التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

[ 265 ]

(8) الفتح على الامام: إذا نسي الامام آية يفتح عليه المؤتم فيذكره تلك الاية، سواء كان قرأ القدر الواجب أم لا. فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فقرأ فيها فالتبس عليه فلما فرغ قال لابي: (أشهدت معنا؟) قال: نعم. قال: (فما منعك أن تفتح علي؟) رواه أبو داود وغيره ورجاله ثقات. (9) حمد الله عند العطاس أو عند حدوث نعمة (1): فعن رفاعة بن رافع قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطست فقلت الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من المتكلم في الصلاة؟) فلم يتكلم أحد، ثم قال الثانية فلم يتكلم أحد، ثم قال الثالثة فقال رفاعة: أنا يا رسول الله، فقال: (والذي نفس محمد بيده لقد ابتدرها بضع وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها) رواه النسائي والترمذي ورواه البخاري بلفظ آخر. (هامش) (1) أما كظم التثاؤب فإنه مستحب، ففي البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع ولا يقل (ها) فإن ذلك من الشيطان، يضحك منه) (.) (10) السجود على ثياب المصلي أو عمامته لعذر: فعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الارض وبردها. رواه أحمد بسند صحيح. فإن كان لغير عذر كره. (11) تلخيص بقية الاعمال المباحة في الصلاة: لخص ابن القيم بعض الاعمال المباحة التي كان يعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فقال: وكان صلى الله عليه وسلم يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة فإذا سجد غمزها بيده فقبضت رجلها وإذا قام بسطتها، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي فجاءه الشيطان ليقطع عليه صلاته فأخذه فخنقه حتى

[ 266 ]

سأل لعابه على يده، وكان يصلي على المنبر (1) ويركع عليه فإذا جاءت السجدة نزل القهقرى فسجد على الارض ثم صعد عليه، وكان يصلي إلى جدار فجاءت بهيمة تمر بين يديه فما زال يدارئها (2) حتى لصق بطنه بالجدار، ومرت من ورائه، وكان يصلي فجاءته جاريتان من بني عبد المطلب قد اقتتلنا فأخذهما بيده فنزع إحداهما من الاخرى وهو في الصلاة. ولفظ أحمد فيه: فأخذتا بركبتي صلى الله عليه وسلم فنزع بينهما أو فرق بينهما ولم ينصرف، وكان يصلي فمر بين يديه غلام فقال بيده وهكذا (3) فرجع، ومرت بين يديه جارية فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسلو الله صلى الله عليه وسلم قال: (هن أغلب) ذكره الامام أحمد وهو في السنن. وكان ينفخ في صلاته وأما حديث (النفخ في الصلاة كلام) فلا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما رواه سعيد في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله - إن صح - وكان يبكي في صلاته، وكان يتنحنح في صلاته. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة آتيه فيها، فإذا أتيته استأذنت فإن وجدته يصلي تنحنح فدخلت وإن وجدته فارغا أذن لي. ذكره النسائي وأحمد، ولفظ أحمد: كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخل من الليل والنهار وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح. رواه أحمد وعمل به فكان يتنحنح في صلاته ولا يرى النحنحة مبطلة للصلاة، وكان يصلي حافيا تارة ومنتعلا أخرى. كذا قال عبد الله بن عمر، وأمر بالصلاة بالنعل مخالفة لليهود، وكان يصلي في الثوب الواحد وفي الثوبين تارة، وهو أكثر. (هامش) (1) كان لمنبره صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات، وكان يفعل ذلك ليراه المصلون خلفه فيتعلمون الصلاة منه. (2) يدارئها: أي يدافعها. (3) فقال بيده هكذا: أي أشار بها ليرجع. (.) (12) القراءة من المصحف: فإن ذكوان مولى عائشة كان يؤمها في رمضان من المصحف، رواه مالك. وهذا مذهب الشافعية. قال النووي: ولو قلب أوراقه أحيانا في صلاته لم

[ 267 ]

تبطل، ولو نظر في مكتوب غير القرآن وردد ما فيه في نفسه لم تبطل صلاته وإن طال، لكن يكره. نص عليه الشافعي في الاملاء. (13) شغل القلب بغير أعمال الصلاة: فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الاذان، فإذا قضى الاذان أقبل، فإذا ثوب بها (1) أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظن الرجل لا يدري كم صلى، فإن لم يدر أحدكم ثلاثا صلى أم أربعا فليسجد سجدتين وهو جالس) رواه البخاري ومسلم وقال البخاري: قال عمر: إني لاجهز جيشي وأنا في الصلاة. ومع أن الصلاة في هذه الحالة صحيحة مجزئة (2) فإنه ينبغي للمصلي أن يقبل بقلبه على ربه ويصرف عنه الشواغل بالتفكير في معنى الايات والتفهم لحكمة كل عمل من أعمال الصلاة فإنه لا يكتب للمرء من صلاته إلا ما عقل منها. فعند أبي داود والنسائي وابن حبان عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته. تسعها ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها) وروى البزار عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عزوجل: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي (3) ولم يستطل بها على خلقي (4)، ولم يبت مصرا على معصيتي (5) وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والارملة، ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي (6)، واستحفظه ملائكتي، أجعل له في الظلمة نورا وفي الجهالة حلما، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة). وروى أبو داود عن زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه). وروى مسلم عن عثمان بن أبي العاص قال، قلت: يا رسول الله إن الشيطان (هامش) (1) فإذا ثوب بها: أي أقيمت. (2) ولا ثواب إلا بقدر الخشوع. (3) خفض جناحه لجلالي. (4) لم يترفع عليهم. (5) لم يقض ليلة مصرا على المعصية. (6) أكلؤه بعزتي: أي أرعاه وأحفظه. (.)

[ 268 ]

قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي، فقال صلى الله عليه وسلم: (ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا) قال. ففعلت فأذهبه الله عني. وروى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عزوجل: (قسمت الصلاة (1) بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل) فإذا قال (الحمد لله رب العالمين) قال الله عزوجل: حمدني عبدي، وإذا قال (الرحمن الرحيم) قال عزوجل: أثنى علي عبدي، وإذا قال (مالك يوم الدين) قال مجدني عبدي وفوض إلي عبدي، وإذ قال (إياك نعبد وإياك نستعين) قال هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). (هامش) (1) قسمت الصلاة: أي الفاتحة. (.) مكروهات الصلاة يكره للمصلي أن يترك سنة من سنن الصلاة المتقدم ذكرها، ويكره له أيضا ما يأتي: (1) العبث بثوبه أو ببدنه إلا إذا دعت إليه الحاجة فإنه حينئذ لا يكره: فعن معيقب قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن مسح الحصى في الصلاة فقال: (لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لابد فاعلا فواحدة: تسوية الحصى) رواه الجماعة. وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى) أخرجه أحمد وأصحاب السنن، وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغلام له يقال له يسار، وكان قد نفخ في الصلاة: (ترب وجهك لله) رواه أحمد بإسناد جيد. (2) التخصر في الصلاة: فعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختصار في الصلاة. رواه أبو داود وقال: يعني يضع يده على خاصرته.

[ 269 ]

(3) رفع البصر إلى السماء: فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أون لتخطفن أبصارهم) رواه أحمد ومسلم والنسائي. (4) النظر إلى ما يلهي: فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في حميصة لها أعلام (1) فقال: (شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم (2) واتوني بأنبجانيته) (3) رواه البخاري ومسلم. وروى البخاري عن أنس قال: كان قرام لعائشة (4) سترت به جانب بيتها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أميطي قرامك، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي). وفي هذا الحديث دليل على أن استثبات الخط المكتوب في الصلاة لا يفسدها. (هامش) (1) الحميصة: هي كساء من خز أو صوف معلم. (2) أبو جهم: هو عامر بن حذيفة. (3) الانبجانية: كساء غليظ له وبر ولا علم له. وأبو جهم كان قد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم الحميصة وطلب أنبحانيته بدلها جبرا لخاطره. (4) كان قرام لعائشة: أي ستر رقيق. (.) (5) تغميض العينين: كرهه البعض وجوزه البعض بلا كراهة، والحديث المروي في الكراهة لم يصح. قال ابن القيم: والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه فهناك لا يكره التغميض قطعا والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة. (6) الاشارة باليدين عند السلام: فعن جابر بن سمرة قال: كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس (5) إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يقول: السلام عليكم السلام عليكم) رواه النسائي وغيره وهذا لفظه. (هامش) (5) الشمس: جمع شموس، النفور من الدواب. (.)

[ 270 ]

(7) تغطية الفم والسدل: فعن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه). رواه الخمسة والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. قال الخطابي: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الارض، وقال الكمال بن الهمام: ويصدق أيضا على لبس القباء من غير إدخال اليدين في كمه. (8) الصلاة بحضرة الطعام: فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء) (1) رواه أحمد ومسلم. وعن نافع أن ابن عمر كان يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه يسمع قراءة الامام. رواه البخاري. قال الخطابي: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بالطعام لتأخذ النفس حاجتها منه فيدخل المصلي في صلاته وهو ساكن الجأش لا تنازعه نفسه شهوة الطعام فيعجله ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها وإيفاء حقوقها. (هامش) (1) قال الجمهور: يندب تقديم تناول الطعام على الصلاة إن كان الوقت متسعا وإلا لزم تقديم الصلاة. وقال ابن حزم وبعض الشافعية: يطلب تقديم الطعام وإن ضاق الوقت. (.) (9) الصلاة مع مدافعة الاخبثين ونحوهما مما يشغل القلب: لما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث لا تحل لاحد أن يفعلهن: لا يؤم رجل قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فإن فعل فقد خانهم (2) ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل فقد دخل (3) ولا يصلي وهو حاقن (4) حتى يتخفف). وعند أحمد ومسلم وأبي داود عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يصلي أحد بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الاخبثان). (هامش) (2) هذا في الدعاء الذي يجهر فيه الامام ويشارك فيه المؤتمون، بخلاف دعاء السر الذي يخص به الامام نفسه فإنه لا يكره. (3) فقد دخل، أي حكمه حكم الداخل بلا إذن. (4) وهو حاقن: أي حابس للبول. (.)

[ 271 ]

(10) الصلاة عند مغالبة النوم: عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نعس أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه) رواه الجماعة. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه (1) فلم يدر ما يقول فليضطجع) رواه أحمد ومسلم. (هامش) (1) فاستعجم القرآن على لسانه: أي اشتد عليه النطق لغلبة النوم. (.) (11) التزام مكان خاص من المسجد للصلاة فيه غير الامام: فعن عبد الرحمن بن شبل قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل الماكن في المسجد كما يوطن البعير) (2) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه. (هامش) (2) يجعل له مكانا خاصا كالبعير لا يبرك إلا في مكان خاص اعتاده. (.) مبطلات الصلاة تبطل الصلاة ويفوت المقصود منها بفعل من الافعال الاتية: (1 و 2) الاكل والشرب عمدا: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أكل أو شرب في صلاة القرض عامدا (3) أن عليه الاعادة، وكذا في صلاة التطوع عند الجمهور لان ما أبطل الفرض يبطل التطوع (4). (هامش) (3) قالت الشافعية والحنابلة: لا تبطل الصلاة بالاكل أو الشرب ناسيا أو جاهلا، وكذا لو كان بين الاسنان دون الحمصة فابتلعه. (4) عن طاووس وإسحاق أنه لا بأس بالشرب لانه عمل يسير. وعن سعيد بن جبير وابن الزبير أنهما شربا في التطوع. (.) (3) الكلام عمدا في غير مصلحة الصلاة: فعن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت

[ 272 ]

ونهينا عن الكلام، رواه الجماعة. وعن ابن مسعود قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ فقال: (إن في الصلاة لشغلا) (1) رواه البخاري ومسلم. فإن تكلم جاهلا بالحكم أو ناسيا فالصلاة صحيحة، فعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت (2). فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه. فو الله ما كهرني (3) ولا ضربني ولا شتمني قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. فهذا معاوية بن الحكم قد تكلم جاهلا بالحكم فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم باعادة الصلاة. وأما عدم البطلان بكلام الناس فلحديث أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر فسلم فقال له ذو اليدين (4): أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم تقصر ولم أنس) فقال: بل قد نسيت يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحق ما يقول ذو اليدين؟) قالوا: نعم. فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين. رواه البخاري ومسلم. وجوز المالكية الكلام لاصلاح الصلاة بشرط ألا يكثر عرفا وألا يفهم المقصود بالتسبيح. وقال الاوزاعي: من تكلم في صلاته عامدا بشئ يريد به إصلاح الصلاة لم تبطل صلاته. وقال في رجل صلى العصر فجهر بالقرآن (هامش) (1) إن في الصلاة لشغلا: مانعا من الكلام. (2) لكني سكت: أي أرادوا أن أسكت فأردت أن أكلمهم لكني سكت. (3) فوالله ما كهرني: أي ما انتهرني أو عبس في وجهي. (4) ذو اليدين: صحابي سمي بذلك لطول كان في يديه. (.)

[ 273 ]

فقال رجل من ورائه: إنها العصر، لم تبطل صلاته. (4) العمل الكثير عمدا: وقد اختلف العلماء في ضابط القلة والكثرة، فقيل: الكثير هو ما يكون بحيث لو رآه إنسان من بعد تيقن أنه ليس في الصلاة، وما عدا ذلك فهو قليل. وقيل: هو ما يخيل للناظر أن فاعله ليس في الصلاة. وقال النووي: إن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إن كان كثيرا أبطلها بلا خلاف وإن كان قليلا لم يبطلها بلا خلاف، هذا هو الضابط. ثم اختلفوا في ضبط القليل والكثير على أربعة أوجه ثم اختار الوجه الرابع فقال: (وهو الصحيح المشهور) وبه قطع المصنف والجمهور أن الرجوع فيه إلى العادة، فلا يضر ما يعده الناس قليلا كالاشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة، ووضعها ولبس ثوب خفيف ونزعه، وحمل صغير ووضعه، ودفع مار ودلك البصاق في ثوبه وأشباه خذا (1). وأما ما عده الناس كثيرا كخطوات كثيرة متوالية وفعلات متتابعة فتبطل الصلاة. قال: ثم اتفق الاصحاب على أن الكثير إنما يبطل إذا تولى فإن تفرق بأن خطا خطوة، ثم سكت زمنا، ثم خطا أخرى، أو خطوتين، ثم خطوتين بينهما زمن إذا قلنا لا يضر الخطوتان وتكرر ذلك مرات كثيرة حتى بلغ مائة خطوة فأكثر، لم يضر بلا خلاف. قال: فأما الحركات الخفيفة كتحريك الاصابع في سبحة أو حكة أو حل أو عقد فالصحيح المشهور أن الصلاة لا تبطل به وإن كثرت متوالية، لكن يكره. وقد نص الشافعي رحمه الله: أن لو كان يعد الايات بيده عقدا لم تبطل صلاته، لكن الاولى تركه. (هامش) (1) وقد سبق في مباحث الصلاة ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاته أو أمر به كقتل الاسودين ونحو ذلك. (.) (5) ترك ركن أو شرط عمدا وبدون عذر: لما رواه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للاعرابي الذي لم يحسن صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، وقد تقدم. قال ابن رشد: اتفقوا على أن من صلى بغير طهارة أنه يجب عليه الاعادة،

[ 274 ]

عمدا كان ذلك أو نسايانا. وكذلك من صلى لغير القبلة عمدا كان ذلك أو نسيانا. وبالجملة فكل من أخل بشرط من شروط صحة الصلاة وجبت عليه الاعادة (1). (هامش) (1) فائدة: يحرم على المصلي أن يفعل ما يفسد صلاته بدون عذر، فإن وجد سبب كإغاثة ملهوف أو انقاذ غريق ونحو ذلك فإنه يجب عليه أن يخرج من الصلاة. ويرى الحنفية والحنابلة أنه يباح له قطع الصلاة لو خاف ضياع مال له ولو كان قليلا أو لغيره أو خافت أو تألم ولدها من البكاء أو فار القدر أو هربت دابته ونحو ذلك. (.) (6) التبسم والضحك في الصلاة: نقل ابن المنذر الاجماع على بطلان الصلاة بالضحك. قال النووي: وهو محمول على من بان منه حرفان. وقال أكثر العلماء: لا بأس بالتبسم، وإن غلبه الضحك ولم يقو على دفعه فلا تبطل الصلاة به إن كان يسيرا، وتبطل به إن كان كثيرا، وضابط القلة والكثرة والعرف. قضاء الصلاة اتفق العلماء على أن قضاء الصلاة واجب على الناسي والنائم لما تقدم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسى أحد صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها). والمغمى عليه لا قضاء عليه إلا إذا أفاق في وقت يدرك فيه الطهارة والدخول في الصلاة. فقد روى عبد الرزاق عن نافع: أن ابن عمر اشتكى مرة غلب فيها على عقله حتى ترك الصلاة ثم أفاق فلم يصل ما ترك من الصلاة. وعن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه إذا أغمي على المريض ثم عقل لم يعد الصلاة. قال معمر: سألت الزهري عن المغمى عليه فقال: لا يقضي. وعن حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين أنهما قالا في المغمى عليه: لا يعيد الصلاة التي أفاق عندها. وأما التارك للصلاة عمدا فمذهب الجمهور أنه يأثم وان القضاء عليه واجب. وقال ابن تيمية: تارك الصلاة عمدا لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه، بل يكثر من التطوع وقد وفي ابن حزم هذه المسألة حقها من البحث فأوردنا ما ذكره فيها ملخصا، قال وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها هذا لا يقدر على قضائها أبدا،

[ 275 ]

فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوع ليثقل ميزاته يوم القيامة وليتب وليستغفر الله عزوجل. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يقضيها بعد خروج الوقت حتى إن مالكا وأبا حنيفة قالا من تعمد ترك صلاة أو صلوات فإنه يصليها قبل التي حضر وقتها إن كانت التي تعمد تركها خمس صلوات فأقل سواء خرج وقت الحاضرة أو لم يخرج فإن كانت أكثر من خمس صلوات بدأ بالحاضرة، برهان صحة قولنا (1) قول الله تعالى: (فويل للمصلمين الذين هم عن صلاتهم ساهون) وقوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا). فلو كان العامد لترك الصلاة مدركا لها بعد خروج وقتها لما كان له الويل ولا لقي الغي كما لا ويل ولا غي لمن أخرها إلى آخر وقتها الذي يكون مدركا لها. وأيضا فإن الله تعالى جعل لكل صلاة فرض وقتا محدود الطرفين يدخل في حين محدود ويبطل ي وقت محدود فلا فرق بين من صلاها قبل وقتها وبين من صلاها بعد وقتها لان كليهما صلى في غير الوقت. وليس هذا قياسا لاحدهما على الاخر بل هما سواء في تعدي حدود الله تعالى، وقد قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وأيضا فإن القضاء إيجاب شرع، والشرع لا يجوز لغير الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. فنسأل من أوجب على العامد قضاء ما تعمد تركه من الصلاة أخبرنا عن هذه الصلاة التي تأمره بفعلها أهي التي أمره الله بها أم هي غيرها؟ فإن قالوا: هي هي قلنا لهم: فالعامد لتركها ليس عاصيا: لانه قد فعل ما أمره الله تعالى ولا إثم على قولكم ولا ملامة على من تعمد ترك الصلاة حتى يخرج وقتها وهذا لا يقوله مسلم). وإن قالوا: ليست هي التي أمر الله تعالى بها قلنا: صدقتم وفي هذا كفاية إذ أقروا بأنهم أمروه بما يأمره به الله تعالى. ثم نسألهم عمن تعمد ترك الصلاة بعد الوقت أطاعة هي أم معصية؟ فإن قالوا طاعة خالفوا إجماع أهل الاسلام كلهم المتيقن وخالفوا القرآن والسنن الثابتة، وإن قالوا هي معصية صدقوا ومن الباطل أن تنوب المعصية عن الطاعة. وأيضا فإن الله تعالى قد حدد أوقات الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل لكل وقت (هامش) (1) أي ابن حزم. (.)

[ 276 ]

صلاة منها أو لا ليس ما قبله وقتا لتأديتها وآخرا ليس ما بعده وقتا لتأديتها، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الامة فلو جاز أداؤها بعد الوقت لما كان لتحديده عليه السلام آخر وقتها معنى، ولكان لغوا من الكلام وحاشا لله من هذا. وأيضا فان كل عمل علق بوقت محدود فإنه لا يصح في غير وقته ولو صح في غير ذلك الوقت لما كان ذلك الوقت وقتا له وهذا بين وبالله التوفيق. ثم قال بعد كلام طويل: ولو كان القضاء واجبا على العامد لترك الصلاة حتى يخرج وقتها، لما أغفل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ذلك ولا نسياه ولا تعمدا إعناتنا بترك بيانه: (وما كان ربك نسيا) وكل شريعة لم يأت بها القرآن ولا السنة فهي باطلة. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) فصح أن ما فات فلا سبيل إلى ادراكه ولو أدرك أو أمكن أن يدرك لما فات كما لا تفوت المنسية أبدا، وهذا لا إشكال فيه، والامة أيضا كلها مجمعة على القول والحكم بأن الصلاة قد فاتت إذا خرج وقتها فصح فوتها بإجماع متيقن ولو أمكن قضاؤها وتأديتها لكان القول بأنها فاتت كذبا وباطلا فثبت يقينا أنه لا يمكن القضاء فيها أبدا، وممن قال بقولنا في هذا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وابن مسعود والقاسم بن محمد بن أبي بكر وبديل العقيلي ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. قال: وما جعل الله تعالى عذرا لمن خوطب بالصلاة في تأخيرها عن وقتها بوجه من الوجوه ولا في حالة المطاعنة والقتال والخوف وشدة المرض والسفر، وقال الله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فتلقم طائفة منكم معك) الاية. وقال تعالى: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا). ولم يفسح الله في تأخيرها عن وقتها للمريض المدنف بل أمر إن عجز عن الصلاة قائما أنه يصلي قاعدا فان عجز عن القعود فعلى جنب وبالتيمم إن عجز عن الماء وبغير تيمم إن عجز عن التراب. فمن أين أجاز من أجاز تعمد تركها حتى يخرج وقتها ثم أمره أن يصليها بعد الوقت وأخبره بأنها تجزئه كذلك من غير قرآن ولا سنة لا صحيحة ولا سقيمة ولا قول لصاحب ولا قياس. ثم قال: وأما قولنا أن يتوب من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها ويستغفر الله ويكثر من التطوع فلقول الله

[ 277 ]

تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) ولقوله تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) وقال الله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وقال تعالى: (ونضع الموازين القسط كيوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا) وأجمعت الامة وبه وردت النصوص كلها على أن للتطوع جزءا من الخير الله أعلم بقدرة للفريضة أيضا جزء من الخير الله أعلم بقدره. فلا بد ضرورة من أن يجتمع من جزء التطوع إذا كثر ما يوازي جزء الفريضة ويزيد عليه وقد أخبر الله تعالى أنه لا يضيع عمل عامل وأن الحسنات يذهبن السيئات. صلاة المريض من حصل له عذر من مرض ونحوه لا يستطيع معه القيام في الفرض يجوز أن يصلي قاعدا، فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه يومئ بالركوع والسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. لقول الله عزوجل: (فاذكروا الله قياما). (وقعودا وعلى جنوبكم). وعن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؟ فقال: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك) رواه الجماعة إلا مسلما، وزاد النسائي، فإن لم تستطع فمستلقيا (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وعن جابر قال: عاد النبي صلى الله عليه وسلم مريضا فرآه يصلي على وسادة فرمى بها وقال: (صل على الارض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك) رواه البيهقي وصحح أبو حاتم وقفه. والمعتبر في عدم الاستطاعة هو المشقة أو خوف زيادة المرض أو بطئه أو خوف دوران الرأس. وصفة الجلوس الذي هو بدل القيام أن يجلس متربعا. فعن عائشة قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا. رواه النسائي وصححه الحاكم. ويجوز أن يجلس كجلوس التشهد. وأما صفة صلاة من عجز عن القيام

[ 278 ]

والقعود فقيل يصلي على جنبه، فإن لم يستطع صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة على قدر طاقته، واختار هذا ابن المنذر. ورد في ذلك حديث ضعيف عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصلي المريض قائما إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الايمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الايمن صلى مستلقيا رجلاه مما يلي القبلة) رواه الدار قطني. وقال قوم يصلي كيفما تيسر له. وظاهر الاحاديث أنه إذا تعذر الايماء من المستلقي لم يجب عليه شئ بعد ذلك. صلاة الخوف اتفق العلماء على مشروعية صلاة الخوف (1) لقول الله تعالى: (وإذ كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم (2) فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) قال الامام أحمد: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز. وقال ابن القيم: أصولها ست صفات وأبلغها بعضهم أكثر. وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها فصارت سبعة عشر. لكن يمكن أن تتداخل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من اختلاف الرواة. قال الحافظ: وهذا هو المعتمد. وإليك بيانها: 1 - أن يكون العدو في غير جهة القبلة فيصلي الامام في الثنائية بطائفة ركعة ثم ينتظر حتى يتموا لانفسهم ركعة ويذهبوا فيقوموا وجاه العدو. ثم (هامش) (1) سواء كان الخوف من عدو أو حراق أو نحوهما، وسواء كانت في الحضر أو السفر. (2) الجمهور على أن حمل السلاح أثناء الصلاة مستحب، وقال بعضهم بالوجوب. (.)

[ 279 ]

تأتي الطائفة الاخرى فيصلون معه الركعة الثانية ثم ينتظر حتى يتموا لانفسهم ركعة ويسلم بهم. فعن صالح بن نحوات عن سهل بن أبي خيثمة أن طائفة صفت مع النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثبت قائما فأتموا لانفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الاخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا فأتموا لانفسهم ثم سلم بهم. رواه جماعة إلا ابن ماجة. 2 - أن يكون العدو في غير جهة القبلة فيصلي الامام بطائفة (1) من الجيش ركعة والطائفة الاخرى تجاه العدو ثم تنصرف الطائفة التي صلت معه الركعة وتقوم تجاه العدو وتأتي الطائفة الاخرى فتصلي معه ركعة ثم تقضي كل طائفة لنفسها ركعة، فعن ابن عمر قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الاخرى مواجهة للعدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. رواه أحمد والشيخان. والظاهر أن الطائفة الثانية تتم بعد سلام الامام من غير أن تقطع صلاتها بالحراسة فتكون ركعتاها متصلتين وأن الاولى لا تصلي الركعة الثانية إلا بعد أن تنصرف الطائفة الثانية من صلاتها إلى مواجهة العدو، فعن ابن مسعود قال: ثم سلم وقام هؤلاء (2) فصلوا لانفسهم ركعة ثم سلموا. 3 - أن يصلي الامام بكل طائفة ركعتين فتكون الركعتان الاوليان له فرضا والركعتان الاخريان له نفلا. واقتداء المفترض بالمتنفل جائز، فعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم صى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم. رواه الشافعي والنسائي. وفي رواية لاحمد وأبي داود والنسائي قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم ثم تأخروا وجاء الاخرون فكانوا في مقامهم فصلى بهم ركعتين (هامش) (1) قال في الفتح: والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف جاز لاحدهم أن يصلي بواحد ويحرس بواحد ثم يصلي الاخر وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة. (2) الطائفة الثانية. (.)

[ 280 ]

ثم سلم فصار للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان. وفي رواية أحمد والشيخين عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الاخرى ركعتين فكان النبي صلى الله عليه وسلم أربع وللقوم ركعتان. 4 - أن يكون العدو في جهة القبلة فيصلي الامام بالطائفتين جميعا مع اشتراكهم في الحراسة ومتابعتهم له في جميع أركان الصلاة إلى السجود فنسجد معه طائفة وتنتظر الاخرى حتى تفرغ الطائفة الاولى ثم تسجد، وإذا فرغوا من الركعة الولى تقدمت الطائفة المتأخرة مكان الطائفة المتقدمة وتأخرت المتقدمة. فعن جبار قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصفنا صفين خلفه، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم فكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف الاخر في نحر (1) العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا ثم رفع رأسه ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي كان مؤخرا في الركعة الاولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي. 5 - أن تدخل الطائفتان مع الامام في الصلاة جميعا، ثم تقوم إحدى الطائفتين بإزاء العدو وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة ثم يذهبون فيقومون في وجاه العدو، ثم تأتي الطائفة الاخرى فتصلي لنفسها ركعة والامام قائم ثم يصلي بهم الركعة الثانية، ثم تأتي الطائفة القائمة في وجاه العدو فيصلون لانفسهم ركعة والامام والطائفة الثانية قاعدون ثم يسلم الامام ويسلمون جميعا. فعن أبي هريرة قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف عام غزوة نجد (هامش) (1) تواجه. (.)

[ 281 ]

فقام إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبر فكبروا جميعا - الذين معه والذين مقابل العدو - ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والاخرون قيام مقابل العدو ثم قام وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما هو، ثم قاموا فركع ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعا، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ولكل طائفة ركعتان). رواه أحمد وأبو داود والنسائي. 6 - أن تقتصر كل طائفة على ركعة مع الامام فيكون للامام ركعتان ولكل طائفة ركعة: فعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين صفا خلفه وصفا موازي العدو فصلى الذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء دور أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة. رواه النسائي وابن حبان وصححه. وعنه قال: (فرض الله الصلاة على نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة). رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن ثعلبة بن زهدم قال: (كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا). رواه أبو داود والنسائي. صلاة المغرب لا يدخلها قصر ولم يقع في شئ من الاحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب. ولهذا اختلف العلماء: فعند الحنفية والمالكية يصلي الامام بالطائفة الاولى ركعتين ويصلي بالطائفة الثانية ركعة: وأجاز الشافعي وأحمد أن يصلي بالطائفة الاولى ركعة وبالثانية ركعتين لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه فعل ذلك.

[ 282 ]

الصلاة أثناء اشتداد الخوف: إذا اشتد الخوف والتحمت الصفوف، صلى كل واحد حسب استطاعته راجلا أو راكبا مستقبلا القبلة أو غير مستقبلها يومئ بالركوع والسجود كيفما أمكن، ويجعل السجود أخفض من الركوع ويسقط عنه من الاركان ما عجز عنه. قال ابن عمر: وصف النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف وقال: (فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا وركبانا) وهو في البخاري بلفظ: (فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) وفي رواية لمسلم أن ابن عمر قال: فإن كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء. صلاة الطالب والمطلوب من كان طالبا للعدو وخاف أن يفوته صلى بالايماء ولو ماشيا إلى غير القبلة، والمطلوب مثل الطالب في ذلك ويلحق بهما كل من منعه عدو عن الركوع والسجود أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله من عدو أو لص أو حيوان مفترس فإنه يصلي بالايماء إلى أي جهة توجه إليها. قال العراقي: ويجوز ذلك في كل هرب مباح من سيل أو حريق إذا لم يجد معدلا عنه، وكذا المدين المعسر إذا كان عاجزا عن بينة الاعسار ولو ظفر به المستحق لحبسه ولم يصدقه، وكذا إذا كان عليه قصاص يرجو العفو عنه إذا سكن الغضب بتغيبه. وعن عبد الله ابن أنيس قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرفات فقال: (اذهب فاقتله) قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر فقلت: إني لاخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك. فقال: إني لقي ذلك. فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد. رواه أحمد وأبو داود. وحسن الحافظ إسناده.

[ 283 ]

صلاة السفر صلاة الطالب والمطلوب (1) قصر الصلاة الرباعية: قال الله تعالى: (وإذا ضربتم (1) في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا). والتقييد بالخوف غير معمول به. فعن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر بن الخطاب أرأيت (2) إقصار الناس الصلاة وإنما قال عزوجل: (إن خفتم أن يقتنكم الذين كفروا) فقد ذهب ذلك اليوم؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته). رواه الجماعة. وأخرج ابن جرير عن أبي منيب الجرشي أنه قيل لابن عمر قول الله تعالى (وإذا ضربتم في الارض) الاية لا فنحن آمنون لا نخاف فتقصر الصلاة؟ فقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). وعن عائشة قالت: قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا في المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر لطول قراءتها، وكان إذا سافر صلى الصلاة الاولى (أي التي فرضت بمكة). رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وابن خزيمة ورجاله ثقات. قال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يقصر الصلاة الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة ولم يثبت عنه أنه أتم الصلاة الرباعية ولم يختلف في ذلك أحد من الائمة وإن كانوا قد اختلفوا في حكم القصر فقال بوجوده عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وجابر وهو مذهب الحنفية (3). وقالت المالكية القصر (هامش) (1) الضرب في الارض: عبارة عن السفر فيها والبروز عن محل الاقامة. والجناح: الاثم. وقصر الصلاة: ترك شئ منها. (2) أي أخبرني عن سبب القصر وقد زال الخوف الذي هو سببه كما هو صريح الاية. (3) يرى الحنفية أن من صلى الفرض الرباعي أربعا فإن قعد في الثانية بعد التشهد صحت صلاته مع الكراهة لتأخير السلام وما زاد على الركعتين، نفل، وإن لم يقعد في الركعة الثانية لا يصح فرضه. (.)

[ 284 ]

سنة مؤكدة آكد من الجماعة فإذا لم يجد المسافر مسافرا يقتدي به صلى مفردا على القصر ويكره اقتداؤه بالمقيم. وعند الحنابلة أن القصر جائز وهو أفضل من الاتمام، وكذا عند الشافعية إن بلغ مسافة القصر. (2) مسافة القصر: المتبادر من الاية أن أي سفر في اللغة طال أم قصر تقصر من أجله الصلاة وتجمع ويباح فيه الفطر، ولم يرد من السنة ما يقيد هذا الاطلاق. وقد نقل ابن المنذر وغيره في هذه المسألة أكثر من عشرين قولا ونحن نذكر هنا أصح ما ورد في ذلك: روى أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي عن يحيى بن يزيد قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ يصلي ركعتين. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه. والتردد بين الاميال والفراسخ يدفعه ما ذكره أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة. رواه سعيد بن منصور وذكره الحافظ في التلخيص وأقره بسكوته عنه. ومن المعروف أن الفرسخ ثلاثة أميال فيكون حديث أبي سعيد رافعا للشك الواقع في حديث أنس ومبينا أن أقل مسافة قصر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة كانت ثلاثة أميال والفرسخ 5541 مترا والميل 1748 مترا. وأقل ما ورد في مسافة القصر ميل واحد رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر. وبه أخذ ابن حزم، وقال محتجا على ترك القصر فيما دون الميل: بأنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة ولم يقصر. وأما ما ذهب إليه الفقهاء من اشتراط السفر الطويل وأقله مرحلتان عند البعض وثلاث مراحل عند البعض الاخر فقد كفانا مئونة الرد عليهم الامام أبو القاسم الخرقي قال في المغني: قال المصنف: ولا أرى لما صار إليه الائمة حجة. لان أقوال الصحابة متعارضة مختلفة ولا حجة فيها مع الاختلاف. وقد روي عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا، ثم لو لم يوجد

[ 285 ]

ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله. وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين أحدهما أنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي رويناها ولظاهر القرآن لان ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الارض لقوله تعالى: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية فبقي ظاهر الاية متناولا كل ضرب في الارض، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (يمسح المسافر ثلاثة أيام) جاء لبيان مدة المسح فلا يحتج به ههنا، وعلى أنه يمكن قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم سفرا فقال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم). والثاني أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد سيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الاجماع على خلافه. ويستوي في ذلك السفر في الطائرة أو القاطرة كما يستوي سفر الطاعة وغيره. ومن كان عمله يقتضي السفر دائما مثل الملاح والمكاري فإنه يرخص له القصر والفطر لانه مسافر حقيقة. (3) الموضع الذي يقصر منه: ذهب جمهور العلماء إلى أن قصر الصلاة يشرع بمفارقة الحضر والخروج من البلد وأن ذلك شرط ولا يتم حتى يدخل أو بيوتها، قال ابن المنذر: ولا أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة. وقال أنس: صليت الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين. رواه الجماعة. ويرى بعض السلف أن من نوى السفر يقصر ولو في بيته. (4) متى يتم المسافر: المسافر يقصر الصلاة ما دام مسافرا فإن أقام لحاجة ينتظر قضاءها قصر الصلاة كذلك لانه يعتبر مسافرا وإن أقام سنين، فإن نوى الاقامة مدة معينة فالذي اختاره ابن القيم أن الاقامة لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم

[ 286 ]

قصرت ما لم يستوطن المكان الذي أقام فيه. وللعلماء في ذلك آراء كثيرة، لخصها ابن القيم وانتصر لرأيه فقال: (أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ولم يقل للامة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفق إقامته هذه المدة). وهذه الاقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الاقامة بذلك الموضع، وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافا كثيرا. ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: (أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا). وظاهر كلام أحمد ان ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح فإنه قال: (أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثماني عشرة يوما من الفتح لانه أراد حنينا ولم يكن ثم أجمع المقام) وهذه إقامته التي رواها ابن عباس. وقال غيره بل أراد ابن عباس مقامه بتبوك كما قال جابر ابن عبد الله: (أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة). رواه الامام أحمد في مسنده ز وقال المسور بن مخرمة: (أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها). وقال نافع: (أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول). وقال حفص بن عبيدالله: (أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر). وقال أنس: أقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة). وقال الحسن: (أقمت مع عبد الرحمن ابن سمرة بكابل سنتين يقصر الصلاة ولا يجمع). وقال إبراهيم: (كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك وسجستان السنتين). فهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما ترى وهو الصواب. وأما مذهب الناس فقال الامام أحمد: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر. وحمل هذه الاثار على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يجمعوا (1) الاقامة ألبتة بل كانوا يقولون اليوم نخرج غدا نخرج. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، وهي ما هي، وأقام فيها يؤسس قواعد (هامش) (1) يعزموا: يقصدوا. (.)

[ 287 ]

الاسلام ويهدم قواعد الشرك ويمهد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعا أن هذا يحتاج إقامة أيام ولا يتأتى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل تحتاج إلى أيام وهو يعلم أنهم لا يوافقون في أربعة أيام، وكذلك إقامة عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة من أجل الثلج. ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ويذوب في أربعة أيام بحيث تفتح الطريق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برام هرمز سبعة أشهر يقصرون. ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد لا ينقضي في أربعة أيام. وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد عدو، أو حبس سلطان، أو مرض قصر، سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة. وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة، فقالوا شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر وهي ما دون الاربعة الايام. فقال من أين لكم هذا الشرط والنبي صلى الله عليه وسلم لما أقام زيادة على أربعة أيام يقصر الصلاة بمكة وبتبوك لم يقل لهم شيئا ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته، ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته فلم يقل لهم حرفا واحدا لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيان هذا من أهم المهمات، وكذلك اقتداء الصحابة به بعده ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئا من ذلك. وقال مالك والشافعي: إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم وإن نوى دونها قصر. وهو مذهب الليث بن سعد. وروى عن ثلاثة من الصحابة عمر وابنه وابن عباس. وقال سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعا فصل أربعا، وعنه كقول أبي حنيفة رحمه الله. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن أقام عشرا أتم وهو رواية عن ابن عباس. وقال الحسن: يقصر ما لم يقصر مصرا. وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد. والائمة الاربعة رضوان الله عليهم متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول اليوم أخرج فإنه يقصر أبدا إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية

[ 288 ]

عشر يوما ولا يقصر بعدها. وقد قال ابن المنذر في إشرافه: أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون. (5) صلاة التطوع في السفر: ذهب الجمهور من العلماء إلى عدم كراهة النفل لمن يقصر الصلاة في السفر لا فرق بين السنن الراتبة وغيرها. فعند البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل في بيت أم هانئ يوم فتح مكة وصلى ثماني ركعات. وعن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه. وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها إلا من جوف الليل، ورأى قوما يسبحون (1) بعد الصلاة فقال: لو كنت مسبحا لاتممت صلاتي، يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين، وذكر عمر وعثمان وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) رواه البخاري. وجمع ابن قدامة بين ما ذكره الحسن وبين ما ذكره ابن عمر بأن حديث الحسن يدل على أنه لا بأس بفعلها وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها. (هامش) (1) يسبحون: أي يصلون. (.) (6) السفر يوم الجمعة: لا بأس بالسفر يوم الجمعة ما لم تحضر الصلاة. فقد سمع عمر رجلا يقول: لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجت. فقال عمر: اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن السفر. وسافر أبو عبيدة يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة، وأراد الزهري السفر ضحوة يوم الجمعة فقيل له في ذلك فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سافر يوم الجمعة. الجمع بين الصلاتين يجوز للمصلي أن يجمع بين الظهر والعصر تقديما وتأخيرا (2) وبين المغرب (هامش) (2) جمع التقديم: أداء الصلاتين في وقت الاول منهما، وجمع التأخير أداؤهما في وقت الثانية. (.)

[ 289 ]

والعشاء كذلك (1) إذا وجدت حالة من الحالات الاتية: (هامش) (1) لا خلاف بين العلماء في أنه لا جمع إلا بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء. (.) (1) الجمع بعرفة والمزدلفة: اتفق العلماء على أن الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم في وقت الظهر بعرفة، وبين المغرب والعشاء جمع تأخير في وقت العشاء بمزدلفة سنة لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. (2) الجمع في السفر: الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما جائز في قول أكثر أهل العلم لا فرق بين كونه نازلا أو سائرا. فعن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل العشاء ثم نزل فجمع بينهما. رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن. وعن كريب عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر؟ قلنا: بلى. قال: كان إذا زاغت له الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما. رواه أحمد والشافعي في مسنده بنحوه، وقال فيه: إذا سار قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر. رواه البيهقي بإسناد جيد وقال: الجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الامور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين. وروى مالك في الموطأ عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة في غزوة تبوك يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب

[ 290 ]

والعشاء جميعا، قال الشافعي: قوله (ثم دخل ثم خرج لا يكون إلا وهو نازل). وقال ابن قدامة في المغني بعد ذكر هذا الحديث: قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الاسناد. وقال أهل السير إن غزوة تبوك كانت في سنة تسع. وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قال لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جد به السير، لانه كان يجمع وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه يخرج فيصلي الصلاتين جمعا ثم ينصرف إلى خبائه. وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه قال: فكان يصلي الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا. والاخذ بهذا الحديث متعين لثبوته وكونه صريحا في الحكم ولا معارض له، ولان الجمع رخصة من رخص السفر فلم يختص بحالة السير، كالقصر والمسح، ولكن الافضل التأخير. انتهى. ولا تشترط النية في الجمع والقصر، قال ابن تيمية: وهو قول الجمهور من العلماء، وقال: والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يصلي بأصحابه جمعا وقصرا لم يكن يأمر أحدا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر ولم يكونوا نووا لاجمع وهذا جمع تقديم وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر. وأما الموالاة بين الصلاتين فقد قال: والصحيح أنه لا يشترط بحال، لا في وقت الاولى ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولان مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة، وقال الشافعي: لو صلى المغرب في بيته بنية الجمع ثم أتى المسجد فصلى العشاء جاز. وروي مثل ذلك عن أحمد. (3) الجمع في المطر: روى الاثرم في سننه عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنه قال: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة. وخلاصة المذاهب في ذلك أن الشافعية تجوز للمقيم الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم فقط بشرط وجود المطر عند الاحرام بالاولى والفراغ منها وافتتاح الثانية.

[ 291 ]

وعند مالك أنه يجوز جمع التقديم في المسجد بين المغرب والعشاء لمطر واقع أو متوقع، وللطين مع الظلمة إذا كان الطين كثيرا يمنع أواسط الناس من لبس النعل، وكره الجمع بين الظهر والعصر للمطر. وعند الحنابلة يجوز الجمع بين المغرب والعشاء فقط تقديما وتأخيرا بسبب الثلج والجليد والوحل والبرد الشديد والمطر الذي يبل الثياب، وهذه الرخصة تختص بمن يصلي جماعة بمسجد يقصد من بعيد يتأذى بالمطر في طريقه فأما من هو بالمسجد أو يصلي في بيته جماعة أو يمشي إلى المسجد مستترا بشئ أو كان المسجد في باب داره فإنه لا يجوز له الجمع. (4) الجمع بسبب المرض أو العذر: ذهب الامام أحمد والقاضي حسين والخطابي والمتولي من الشافعية إلى جواز الجمع تقديما وتأخيرا بعذر المرض لان المشقة فيه أشد من المطر. قال النووي: وهو قوي في الدليل. وفي المغني: والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه به بتأدية كل صلاة في وقتها مشقة وضعف. وتوسع الحنابلة فأجازوا الجمع تقديما وتأخيرا لاصحاب الاعذار وللخائف. فأجازوه للمرضع التي يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة، وللمستحاضة ولمن به سلس بول، وللعاجز عن الطهارة ولمن خاف على نفسه أو ماله أو عرضه قال ابن تيمية: وأوسع المذاهب في الجمع مذهب أحمد فإنه جوز الجمع إذا كان شغل كما روى النسائي ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: يجوز الجمع أيضا للطباخ والخباز ونحوهما ممن يخشى فساد ماله. (5) الجمع للحاجة: قال النووي في شرح مسلم: ذهب جماعة من الائمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن يتخذه عادة. وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي وعن أبي إسحاق المروزي وعن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر،

[ 292 ]

ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته فلم يعلله بمرض ولا غيره. اه‍ وحديث ابن عباس الذي يشير إليه ما رواه مسلم عنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. وروى البخاري ومسلم عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعا (1) وثمانيا: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وعند مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة قال: فجاءه رجل من بني تيم لم يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك! ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شئ، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته. (هامش) (1) أي سبعا جمعا، وثمانيا جمعا كما في رواية البخاري. (.) فائدة قال في المغني: وإذا أتم الصلاتين في وقت الاولى ثم زال العذر بعد فراغه منهما قبل دخول وقت الثانية أجزأته ولم تلزمه الثانية في وقتها، لان الصلاة وقعت صحيحة مجزئة عما في ذمته وبرئت ذمته منها فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك، ولانه أدى فرضه حال العذر فلم يبطل بزواله بعد ذلك، كالمتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة. الصلاة في السفينة والقاطرة والطائرة تصح الصلاة في السفينة والقاطرة والطائرة بدون كراهية حسبما تيسر للمصلي. فعن ابن عمر قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في السفينة؟ قال: (صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق) رواه الدار قطني والحاكم على شرط الشيخين، وعن عبد الله بن أبي عتبة قال: صحبت جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة في سفينة فصلوا قياما في جماعة، أمهم بعضهم وهم يقدرون على الجد (2)، رواه سعيد بن منصور. (هامش) (2) الجد: الشاطئ. (.)

[ 293 ]

أدعية السفر يستحب للمسافر أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي. ثم يتخير من الادعية المأثورة ما يشاء، وهاك بعضها: 1 - عن علي بن ربيعة قال: رأيت عليا رضي الله عنه أتى بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله: فلما استوى عليها قال: الحمد لله (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (1) وإنا إلى ربنا لمنقلبون) ثم حمد الله ثلاثا وكبر ثلاثا. ثم قال سبحانك لا إله إلا أنت، قد ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك. فقلت: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ما فعلت ثم ضحك فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: (يعجب الرب من عبده إذا قال رب اغفر لي ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري) رواه أحمد وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. 2 - وعن الازدي: أن ابن عمر علمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى: اللهم هون علينا سفرنا هذا واطولنا بعده: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الاهل: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر (2) وكآبة المنقلب (3)، وسوء المنظر في الاهل والمال (4) وإذا (هامش) (1) وما كنا له مقرنين: أي مطيقين قهرة. (2) وعثاء السفر: مشقته. (3) وكآبة المنقلب: العودة. أي الحزن عند الرجوع. (4) مرضهم مثلا. (.)

[ 294 ]

رجع قالهن وزاد فيهن: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) أخرجه أحمد ومسلم. 3 - وعن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى سفر قال: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الاهل: اللهم إني أعوذ بك من الضبنة (1) في السفر والكآبة في المنقلب: اللهم اطو لنا الارض، وهون علينا السفر) وإذا أراد الرجوع قال: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) وإذا دخل على أهله قال: (توبا توبا (2) لربنا أوبا لا يغادر علينا حوبا) رواه أحمد والطبراني والبزار بسند رجاله رجال الصحيح. 4 - وعن عبد الله بن سرجس كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج في سفر قال: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب. والحور بعد الكور (3)، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في المال والاهل) وإذا رجع قال مثله إلا أنه يقول: (وسوء المنظر في الاهل والمال) فيبدأ بالاهل رواه أحمد ومسلم. 5 - وعن ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: (يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما دب عليك، أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود (4)، وحية وعقرب، ومن شر ساكن البلد، ومن شر والد وما ولد) رواه أحمد وأبو داود. 6 - وعن خولة بنت حكيم السليمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم يضره شئ حتى يرتحل من منزله ذلك) رواه الجماعة إلا البخاري وأبو داود. 7 - وعن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالذي فلق (هامش) (1) الضبنة: الرفاق الذين لا كفاية لهم. أي أعوذ بك من سبهم في السفر. (2) توبا مصدر تاب. وأوبا مصدر آب، وهما بمعنى رجع. والحوب: الذنب. (3) والحور بعد الكور: أي أعوذ بك من الفساد بعد الصلاح. (4) الاسود: العظيم من الحيات. (.)

[ 295 ]

البحر لموسى أن صهيبا حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: (اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الارضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها) رواه النسائي وابن حبان والحاكم وصححاه. 8 - وعن ابن عمر قال: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رأى قرية يريد أن يدخلها قال: (اللهم بارك لنا فيها (ثلاث مرات): اللهم ارزقنا جناها، وحببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا) رواه الطبراني في الاوسط بسند جيد. 9 - وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال: (اللهم إني أسألك من خير هذه وخير ما جمعت فيها، اللهم ارزقنا جناها (1) وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا) رواه ابن السني. 10 - وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر وأسحر يقول: (سمع سامع (2) بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذا بالله من النار) (3) رواه مسلم. الجمعة (1) فضل يوم الجمعة: ورد أن يوم الجمعة خير أيام الاسبوع: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها. ولا تقوم الساعة (هامش) (1) اللهم ارزقنا جناها: أي ما يجتنى منها من ثمار. (2) سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه عليان: أي شهد شاهد بحمدنا لله وحمدنا لنعمته ولحسن فضله علينا. والبلاء: الفضل والنعمة. (3) هذا دعاء لله أن يكون صاحبا لنا عاصما لنا من النار وأسبابها. (.)

[ 296 ]

إلا في يوم الجمعة) رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وعن أبي لبانة البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيد الايام يوم الجمعة وأعظمها عند الله تعالى، وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الاضحى، وفيه خمس خلال: خلق الله عزوجل فيه آدم عليه السلام، وأهبط الله تعالى فيه آدم إلى الارض، وفيه توفى الله تعالى آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا آتاه الله تعالى إياه ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا هن يشفقن من يوم الجمعة). رواه أحمد وابن ماجه، قال العراقي إسناده حسن. (2) الدعاء فيه: ينبغي الاجتهاد في الدعاء عند آخر ساعة من يوم الجمعة. فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قلت - ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس: إنا لنجد في كتاب الله تعالى في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عزوجل فيها شيئا إلا قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، (أو بعض ساعة). فقلت: صدقت، أو بعض ساعة. قلت أي ساعة هي؟ قال: (آخر ساعة من ساعات النهار) قلت: إنها ليست ساعة صلاة قال: (بلى: إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة) رواه ابن ماجه. وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عزوجل فيها خبرا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر) رواه أحمد. قال العراقي: صحيح. وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئا إلا آتاه إياه: والتمسوها آخر ساعة بعد العصر) رواه النسائي وأبو داود والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم، وحسن الحافظ إسناده في الفتح. وعن أبي سلمة ابن عبد الرحمن رضي الله عنه: أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا فتذكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. رواه سعيد في سننه وصححه الحافظ في الفتح. وقال أحمد بن حنبل: أكثر الاحاديث في الساعة التي يرجى فيها إجابة الدعاء أنها بعد صلاة

[ 297 ]

العصر ويرجى بعد زوال الشمس. وأما حديث مسلم وأبي داود عن أبي موسى رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ساعة الجمعة: (هي ما بين أن يجلس الامام) يعني على المنبر (إلى أن تقضي الصلاة) فقد أعل بالاضطراب والانقطاع. (3) استحباب كثرة الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة ويومها: فعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي) قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ (1) فقال: (إن الله عزوجل حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء) رواه الخمسة إلا الترمذي. قال ابن القيم: يستحب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلته لقوله. (أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة) ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الانام ويوم الجمعة سيد الايام فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والاخرة فإنها نالته على يده فجمع الله لامته بين خيري الدنيا والاخرة فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة. فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة. وهو عيد لهم في الدنيا، ويوم يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده فمن شكره وحمده، وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم أن يكثروا من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته. (هامش) (1) وقد أرمت: أي بليت. (.) (4) استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلته: فعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه النسائي والبيهقي

[ 298 ]

والحاكم. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضئ له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين) رواه ابن مردويه بسند لا بأس به. كراهة رفع الصوت بها في المساجد: أصدر الشيخ محمد عبده فتوى جاء فيها: وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة جاء في عبارة الاشباه عند تعداد المكروهات ما نصه: ويكره إفراده بالصوم (1) وإفراد ليلته بالقيام، وقراءة الكهف فيه خصوصا وهي لا تقرأ إلا بالتلحين، وأهل المسجد يلغون ويتحدثون ولا ينصتون، ثم إن القارئ كثيرا ما يشوش على المصلين فقراءتها على هذا الوجه محظورة. (هامش) ويكره إفراده بالصوم: يعني يوم الجمعة. (.) (5) الغسل والتجمل والسواك والتطيب للمجتمعات ولا سيما الجمعة: يستحب لكل من أراد حضور صلاة الجمعة (2) أو مجمع من مجامع الناس سواء كان رجلا أو امرأة، أو كان كبيرا أو صغيرا، مقيما أو مسافرا، أن يكون على أحسن حال من النظافة والزينة: فيغتسل ويلبس أحسن الثياب ويتطيب بالطيب ويتنظف بالسواك وقد جاء في ذلك: 1 - عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب مس منه) رواه أحمد والشيخان. 2 - وعن ابن سلام رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر يوم الجمعة: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته) (3) رواه أبو داود وابن ماجه. 3 - وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه (هامش) (2) أما من لم يرد الحضور فلا يسن الغسل بالنسبة له، لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء) قال النووي رواه البيهقي بهذا اللفظ بإسناد صحيح. (3) المهنة: الخدمة، روى البيهقي عن جابر أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم برد يلبسه في العيدين والجمعة. وفي الحديث استحباب تخصيص يوم الجمعة بملبوس غير ملبوس سائر الايام. (.)

[ 299 ]

وسلم: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدهن (1) من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للامام إذا تكلم إلا غفر له من الجمعة إلى الجمعة الاخرى) رواه أحمد والبخاري. وكان أبو هريرة يقول: (وثلاثة أيام زيادة، إن الله جعل الحسنة بعشرة أمثالها). وغفران الذنوب خاص بالصغار. لما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة (ما لم يغش الكبائر). 4 - وعند أحمد بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة). 5 - وعند الطبراني في الاوسط والكبير بسند رجاله ثقات عن ابي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: (يا معشر المسلمين هذا يوم جعله الله لكم عيدا فاغتسلوا وعليكم بالسواك). (هامش) (1) يزيل شعث الرأس ويتزين. (.) (6) التبكير إلى الجمعة: يندب التبكير إلى صلاة الجمعة لغير الامام. قال علقمة: خرجت مع عبد الله ابن مسعود إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة من الله ببعيد، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر ترواحهم إلى الجمعات الاول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد) رواه ابن ماجه والمنذري. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة (2) ثم راح فكأنما قرب بدنة (3)، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن (4) ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجه، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستعمون الذكر) رواه الجماعة إلا ابن ماجه. وذهب الشافعي وجماعة من العلماء إلى أن هذه الساعات هي ساعات (هامش) (2) غسل الجنابة: أي كغسل الجنابة. (3) ناقة. (4) فكأنما قرب كبشا أقرن: أي له قرون. (.)

[ 300 ]

النهار فندبوا إلى الرواح من أول النهار (1) وذهب مالك إلى أنها أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال وبعده، وقال قوم هي أجزاء ساعة قبل الزوال. وقال ابن رشد: وهو الاظهر لوجوب السعي بعد الزوال. (هامش) (1) فندبوا إلى الرواح من أول النهار: أي من طلوع: أي من طلوع الفجر. (.) (7) تخطي الرقاب: حكى الترمذي عن أهل العلم أنهم كرهوا تخطي الرقاب يوم الجمعة وشددوا في ذلك، فعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجلس فقد آذيت وآنيت) (2) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وغيره. ويستثنى من ذلك الامام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام منه لضرورة بشرط أن يتجنب أذى الناس. فعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال: (ذكرت شيئا من تبر (3) كان عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته) رواه البخاري والنسائي. (هامش) (2) وآنيت: أي أبطأت وتأخرت. (3) التبر: الذهب الذي لم يضرب. (.) (8) مشروعية التنفل قبلها: يسن التنفل قبل الجمعة ما لم يخرج الامام فيكف عنه بعد خروجه إلا تحية المسجد فإنها تصلى أثناء الخطبة مع تخفيفها إلا إذا دخل في أواخر الخطبة بحيث ضاق عنها الوقت فإنها لا تصلى. 1 - فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. رواه أبو داود.

[ 301 ]

2 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له. ثم أنصت حتى يفرغ الامام من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى وفضل ثلاثة أيام) رواه مسلم. 3 - وعن جابر رضي الله عنه قال: دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: (صليت؟) قال لا قال: (فصل ركعتين) رواه الجماعة. وفي رواية (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وفي رواية: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الامام فليصل ركعتين) متفق عليه. (9) تحول من غلبه النعاس عن مكانه: يندب لمن بالمسجد أن يتحول عن مكانه إلى مكان آخر إذا غلبه النعاس: لان الحركة قد تذهب بالنعاس وتكون باعثا على اليقظة، ويستوى في ذلك يوم الجمعة وغيره. فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وجوب صلاة الجمعة أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة فرض عين، وأنها ركعتان لقول لله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله (1) وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون). 1 - ولما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نحن الاخرون (2) السابقون يوم القيامة، بيد (3) أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي (هامش) (1) فاسعوا إلى ذكر الله: امضوا. وذروا: اتركوا. (2) نحن الاخرون: أي زمنا: السابقون: أي الذين يقضى لهم يوم القيامة قبل الخلائق. (3) بيد أنهم أوتوا الكتاب: أي التوراة والانجيل. (.)

[ 302 ]

فرض عليهم (1) فاختلفوا فيه فهدانا الله. فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد) (2). 2 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) رواه أحمد ومسلم. 3 - وعن أبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات (3) أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) رواه مسلم ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس. 4 - وعن أبي الجعد الضمري، وله صحبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك ثلاثا جمع تهاونا طبع الله على قلبه) رواه الخمسة ولاحمد وابن ماجه من حديث جابر نحوه، وصححه ابن السكن. (هامش) (1) الذي فرض عليهم: أي فرض عليهم تعظيمه. (2) اليهود غدا والنصارى بعد غد: أي أن اليهود يعظمون غدا يوم السبت، والنصارى بعد غد يعني يعظمون يوم الاحد. (3) ودعهم: أي تركهم. يختم على قلوبهم: أي يطبع على قلوبهم ويحول بينهم وبين الهدى والخير. (.) من تجب عليه ومن لا تجب عليه: تجب صلاة الجمعة على المسلم الحر العاقل البالغ المقيم القادر على السعي إليها الخالي من الاعذار المبيحة للتخلف عنها وأما من لا تجب عليهم فهم: 1 و 2 - المرأة والصبي، وهذا متفق عليه. 3 - المريض الذي يشق عليه الذهاب الى الجمعة أو يخاف زيادة المرض أو بطأه وتأخيره. ويلحق به من يقوم بتمريضه إذا كان لا يمكن الاستغناء عنه، فعن طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة

[ 303 ]

أو صبي أو مريض) قال النووي: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال الحافظ: صححه غير واحد. 4 - المسافر وإذا كان نازلا وقت إقامتها فإن أكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه: لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة فصلى الظهر والعصر جمع تقديم ولم يصل جمعته، وكذلك فعل الخلفاء وغيرهم. 5 و 6 - المدين المعسر الذي يخاف الحبس، والمختفي من الحاكم الظالم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر) قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: (خوف أو مرض) رواه أبو داود بإسناد صحيح. 7 - كل معذور مرخص له في ترك الجماعة، كعذر المطر والوحل والبرد ونحو ذلك. فعن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة. قل صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا فقال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض (1). وعن أبي مليح عن أبيه أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم جمعة وأصابهم مطر لم تبتل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالهم. رواه أبو داود وابن ماجة. وكل هؤلاء لا جمعة عليهم وإنما يجب عليهم أن يصلوا الظهر، ومن صلى منهم الجمعة صحت منه وسقطت عنه فريضة الظهر (2) وكانت النساء تحضر المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصلى معه الجمعة. (هامش) (1) إن الجمعة عزمة: أي فريضة. والدحض: الزلق. (2) لا تجوز اتفاقا لان الجمعة بدل الظهر فهي تقوم مقامه والله لم يفرض علينا ست صلوات، ومن أجاز الظهر بعد الجمعة فإنه ليس له مستند من عقل أو نقل لا عن كتاب ولا عن سنة ولا عن أحد من الائمة. (.) وقتها: ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين إلى أن وقت الجمعة هو وقت الظهر. لما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والبيهقي عن أنس رضي الله عنه

[ 304 ]

أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة إذا مالت الشمس. وعند أحمد ومسلم أن سلمة بن الاكوع قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفئ (1). وقال البخاري: وقت الجمعة إذا زالت الشمس. وكذلك يروى عن عمر وعن علي والنعمان بن بشير وعمر بن حريث رضي الله عنهم. وقال الشافعي صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان والائمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال. وذهبت الحنابلة وإسحاق إلى أن وقت الجمعة من أول وقت صلاة العيد إلى آخر وقت الظهر، مستدلين بما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس. وفي هذا تصريح بأنهم صلوها قبل زوال الشمس. واستدلوا أيضا بحديث عبد الله بن سيدان السلمي رضي الله عنه قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زوال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره، رواه الدار قطني والامام أحمد في رواية ابنه عبد الله واحتج به، وقال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوها قبل الزوال فلم ينكر عليهم. فكان الاجماع. وأجاب الجمهور عن حديث جابر بأنه محمول على المبالغة في تعجيل الصلاة بعد الزوال من غير إبراد، أي انتظار لسكون شدة الحر، وأن الصلاة وإراحة الجمال كانتا تقعان عقب الزوال. كما أجابوا عن أثر عبد الله بن سيدان بأنه ضعيف، قال الحافظ ابن حجر: تابعي كبير غير معروف العدالة. وقال ابن عدي: يشبه المجهول. وقال البخاري: لا يتابع على حديثه وقد عارضه ما هو أقوى منه. فروى ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس، وإسناده قوي. لا خلاف بين العلماء في أن الجماعة شرط من شروط صحة الجمعة، (هامش) (1) الفئ: الظل.

[ 305 ]

لحديث طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة). واختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة إلى خمسة عشر مذهبا ذكرها الحافظ في الفتح. والرأي الراجح أنها تصح باثنين فأكثر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الاثنان فما فوقهما جماعة)، قال الشوكاني: وقد انعقدت سائر الصلوات بهما بالاجماع، والجمعة صلاة فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها. وقد قال عبد الحق: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث، وكذلك قال السيوطي: لم يثبت في شئ من الاحاديث تعيين عدد مخصوص. اه‍ وممن ذهب إلى هذا الطبري وداود والنخعي وابن حزم. مكان الجمعة: الجمعة يصح أداؤها في المصر والقرية والمسجد وأبنية البلد والفضاء التابع لها، كما يصح أداؤها في أكثر من موضع. فقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أهل البحرين: (أن جمعوا حيثما كنتم). رواه ابن أبي شيبة، وقال أحمد: إسناده جيد. وهذا يشمل المدن والقرى. وقال ابن عباس: (إن أول جمعة جمعت في الاسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لجمعة جمعت ب (جوائى): قرية من قرى البحرين). رواه البخاري وأبو داود. وعن الليث بن سعد أن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون على عهد عمر وعثمان بأمرهما وفيها رجال من الصحابة. وعن ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعتب عليهم. رواه عبد الرزاق بسند صحيح. مناقشة الشروط التي اشترطها الفقهاء تقدم الكلام على أن شروط وجوب الجمعة: الذكورة والحرية والصحة والاقامة وعدم العذر الموجب للتخلف عنها، كما تقدم أن الجماعة شرط لصحتها. هذا هو القدر الذي جاءت به السنة والذي كلفنا الله به. وأما ما وراء ذلك من الشروط التي اشترطها بعض الفقهاء فليس له أصل يرجع إليه ولا مستند يعول

[ 306 ]

عليه. ونكتفي هنا بنقل ما قاله الروضة الندية قال: (هي كسائر الصلوات لا تخالفها لكونه لم يأت ما يدل على أنها تخالفها. وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل من أنه يشترط في وجوبها الامام الاعظم والمصر الجامع والعدد المخصوص، فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها فضلا عن وجوبها فضلا عن كونها شروطا، بل إذا صلى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة فقد فعلا ما يجب عليهما، فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط. ولولا حديث طارق بن شهاب المقيد للوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة ومن عدم إقامتها في زمنه صلى الله عليه وسلم في غير جماعة لكان فعلها فرادى مجزئا كغيرها من الصلوات. وأما ما يروى (من أربعة إلى الولاة) فهذا قد صرح أئمة الشأن بأنه ليس من كلام النبوة ولا من كلام من كان في عصرها من الصحابة حتى يحتاج إلى بيان معناه أو تأويله) وإنما هو من كلام الحسن البصري. ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة - التي افترضها الله عليهم في الاسبوع وجعلها شعارا من شعائر الاسلام، وهي صلاة الجمعة - من الاقوال الساقطة والمذاهب الزائفة والاجتهادات الداحضة (1) قضى من ذلك العجب فقائل يقول الخطبة كركعتين وإن من فاتته لم تصح جمعته وكأنه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا، ويشد بعضها عضد بعض: أن من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته، ولا بلغه غير هذا الحديث من الادلة. وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاثة مع الامام، وقائل يقول بأربعة، وقائل يقول بسبعة، وقائل يقول بتسعة، وقائل يقول باثني عشر، وقائل يقول بعشرين، وقائل يقول بثلاثين، وقائل يقول لا تنعقد إلا بأربعين، وقائل يقول بخمسين، وقائل يقول لا تنعقد إلا بسبعين وقائل يقول فيما بين ذلك، وقائل يقول بجمع كثير من غير تقييد وقائل يقول إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع. وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من الالاف. وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمام، وآخر قال أن يكون فيه كذا وكذا وآخر قال إنها لا تجب إلا مع الامام الاعظم فإن لم يوجد (هامش) (1) الداحضة: الباطلة. (.)

[ 307 ]

أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه لم تجب الجمعة ولم تشرع، ونحو هذه الاقوال التي ليس عليها أثارة من علم ولا يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حرف واحد يدل على ما ادعوه من كون هذه الامور المذكورة شروطا لصحة الجمعة أو فرضا من فرائضها أو ركنا من أركانها. فيا لله للعجب مماى فعل الرأي بأهله، وما يخرج من رؤوسهم من الخزعبلات الشبيهة بما يتحدث الناس به في مجامعهم وما يخبرونه في أسمارهم من القصص والاحاديث الملفقة وهي عن الشريعة المطهرة بمعزل، يعرف هذا كل عارف بالكتاب والسنة وكل متصف بصفة الانصاف وكل من ثبت قدمه ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال، ومن جاء بالغلط فغلطه رد عليه مردود في وجهه. والحكم بين العباد هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). فهذه الايات ونحوها تدل أبلغ دلالة وتفيد أعظم فائدة أن المرجع مع الاختلاف هو حكم الله ورسوله. وحكم الله هو كتابه، وحكم رسوله بعد أن قبضه الله تعالى هو سنته ليس غير ذلك، ولم يجعل الله تعالى لاحد من العباد وإن بلغ في العلم أعلى مبلغ وجمع منه ما لا يجمع غيره أن يقول في هذه الشريعة بشئ لا دليل عليه من كتاب ولا سنة. والمجتهد، وإن جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل، فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان. وإني، كما علم الله، لا أزال أكثر التعجب من وقوع مثل هذا للمصنفين وتصديره في كتب الهداية وأمر العوام والمقصرين باعتقاده والعمل به وهو على شفا جرف هار، ولم يختص بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الاقطار ولا بعصر من العصور: بل تبع فيه الاخر الاول كأنه أخذه من أم الكتاب وهو حديث خرافة. وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الاشارة إليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع ولا عقل.

[ 308 ]

خطبة الجمعة حكمها: ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب خطبة الجمعة واستدلوا على الوجوب بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم بالاحاديث الصحيحة ثبوتا مستمرا أنه كان يخطب في كل جمعة، واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقول الله عزوجل (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) وهذا أمر بالعي إلى الذكر فيكون واجبا لانه لا يجب السعي لغير الواجب وفسروا الذكر بالخطبة لاشتمالها عليه. وناقش الشوكاني هذه الادلة فأجاب عن الدليل الاول بأن مجرد الفعل لا يفيد الوجوب، وعن الدليل الثاني بأنه ليس فيه إلا الامر بإيقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليها والخطبة ليست بصلاة، وعن الثالث بأن الذكر المأمور بالسعي إليه هو الصلاة، غاية الامر أنه متردد بينها وبين الخطبة وقد وقع الاتفاق على وجوب الصلاة، والنزاع في وجوب الخطبة فلا ينتهض هذا الدليل للوجوب ثم قال: فالظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري وداود الظاهري والجويني (1) من أن الخطبة مندوبة فقط. (هامش) (1) وكذا عبد الملك بن حبيب وابن الماجشون من المالكية. (.) استحباب تسليم الامام إذا رقي المنبر والتأذين إذا جلس عليه واستقبال المأمومين له: فعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم. رواه ابن ماجه وفي إسناده ابن لهيعة وهو للاثرم في سننه عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وفي مراسيل عطاء وغيره أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: (السلام عليكم). قال الشعبي: كان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك. وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الامام على المنبر، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذن غير واحد. رواه

[ 309 ]

البخاري والنسائي وأبو داود. وفي رواية لهم: فلما كانت خلافة عثمان وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالاذان الثالث وأذن به على الزوراء فثبت الامر على ذلك. ولاحمد والنسائي: كان بلال يؤذن إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ويقيم إذا نزل. وعن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم، رواه بان ماجه. والحديث وإن كان فيه مقال إلا أن الترمذي قال: العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يستحبون استقبال الامام إذا خطب. استحباب اشتمال الخطبة على حمد الله تعالى والثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم والموعظة والقراءة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم (1)) رواه أبو داود وأحمد بمعناه. وفي رواية (الخطبة التي ليس فيها شهادة (2) كاليد الجذماء) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال (تشهد) بدل (شهادة). وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال: (الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا بين يدي الساعة. من يطع الله تعالى ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله تعالى شيئا). عن ابن شهاب رضي الله عنه أنه سئل عن تشهد النبي صلى الل عليه وسلم يوم الجمعة فذكر نحوه وقال: ومن يعصهما فقد غوى. رواهما أبو داود. وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب دائما ويجلس بين الخطبتين. ويقرأ آيات ويذكر الناس. رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعنه أيضا رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يطيل الموعظة (هامش) (1) الجذام: الداء المعروف، شبه الكلام الذي لا يبتدأ فيه بحمد الله تعالى بإنسان مجذوم تنفيرا عنه وارشادا إلى استفتاح الكلام بالحمد. (2) ليس فيها شهادة: أي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. (.)

[ 310 ]

يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات. رواه أبو داود. وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنهما قالت: ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود، وعن يعلى بن أمية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: (ونادوا يا مالك) متفق عليه. وعن ابن ماجه عن أبي أن الرسول قرأ يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم يذكر بأيام الله. وفي الروضة الندية: ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده صلى الله عليه وسلم من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة روح الخطبة الذي لاجله شرعت. وأما اشتراط الحمد لله أو الصلاة على رسوله أو قراءة شئ من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاق مثل ذلك في خطبته صلى الله عليه وسلم لا يدل على أنه مقصود متحتم وشرط لازم، ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وقد كان عرف العرب المستمر أن أحدهم إذا أراد أن يقوم مقاما ويقول مقالا شرع بالثناء على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وما أحسن هذا وأولاه، ولكن ليس هو المقصود، بل المقصود ما بعد، ولو قال: إن من قام في محفل من المحافل خطيبا ليس له باعث على ذلك إلا أن يصدر منه الحمد والصلاة لما كان هذا مقبولا، بل كان طبع سليم يمجه ويرده. إذا تقرر هذا عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث فإذا فعله الخطيب فقد فعل الامر المشروع إلا أنه إذا قدم الثناء على الله وعلى رسوله أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتم وأحسن). مشروعية القيام للخطبتين والجلوس بينهما جلسة خفيفة: فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ثم يقوم كما يفعلون اليوم. رواه الجماعة. وعن جابر ابن سمرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما، فمن قال انه يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة (1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وروى ابن (هامش) (1) المراد بها الصلوات الخمس. (.)

[ 311 ]

أبي شيبة عن طاوس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية. وروى أيضا عن الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدا لما كثر شحم بطنه ولحمه. وبعض الائمة أخذ وجوب القيام أثناء الخطبة ووجوب الجلوس بين الخطبتين استنادا إلى فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب. استحباب رفع الصوت بالخطبة وتقصيرها والاهتمام بها: فعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقه (1) فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة) (2) رواه أحمد ومسلم. (وإنما كان قصر الخطبة وطول الصلاة دليلا على فقه الرجل لان الفقيه يعرف جوامع الكلم فيكتفي بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى) وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيل الصلاة ويقصر الخطبة. رواه النسائي بإسناد صحيح. وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم (4) رواه مسلم وابن ماجه. قال النووي: يستحب كون الخطبة فصيحة بليغة مرتبة مبينة من غير تمطيط ولا تقعير، ولا تكون ألفاظا مبتذلة ملفقة فإنها لا تقع في النفوس موقعا كاملا، ولا تكون وحشية لانه لا يحصل مقصودها، بل يختار ألفاظا جزلة مفهمة. وقال ابن القيم: (وكذلك كانت خطبه صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير الاصول (هامش) (1) المئنة: العلامة والمظنة. (2) الأمر بإطالة الصلاة بالنسبة للخطبة لا التطويل الذي يشق على المصلين. (3) القصد: التوسط والاعتدال. (4) صبحكم ومساكم: أي أتاكم العدو وقت الصباح أو وقت المساء. (.)

[ 312 ]

الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار وما أعد الله لاوليائه وأهل طاعته وما أعد لاعدائه وأهل معصيته فيملا القلوب من خطبته إيمانا وتوحيدا ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورا مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانا بالله ولا توحيدا له ولا معرفة خاصة ولا تذكيرا بأيامه ولا بعثا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي التراب أجسامهم، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا وأي توحيد وعلم نافع يحصل به؟! ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد وذكر صفات الرب جل جلاله وأصول الايمان الكلية والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه والامر بذكره، وشكره الذي يحببهم إليه فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه فينصرف السامعون قد أحبوه وأحبهم. ثم طال العهد وخفي نور النبوة وصارت الشرائع والاوامر رسوما تقوم من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها وزينوها بما، زينوها به فجعلوا الرسوم والاوضاع سننا لا ينبغي الاخلال بها وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الاخلال بها فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع، فنقص، بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها. قطع الامام الخطبة للامر يحدث: وعن أبي بريدة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال (صدق الله ورسوله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما) رواه الخمسة. وعن أبي رفاعة العدوي رضي الله عنه قال: (انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقلت: يا رسول الله: رجل غريب يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ فأقبل علي وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي من خشب

[ 313 ]

قوائمه حديد فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله تعالى، ثم أتى الخطبة فأتم آخرها). رواه مسلم والنسائي. قال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يقطع خطبته للحاجة تعرض والسؤال لاحد من أصحابه فيجيبه، وربما نزل للحاجة ثم يعود فيتمها كما نزل لاخذ الحسن والحسين، وأخذهما ثم رقي بهما المنبر فأتم خطبته، وكان يدعو الرجل في خطبته تعال اجلس يا فلان، صل يا فلان، وكان يامرهم بمقتضى الحال في خطبته. حرمة الكلام أثناء الخطبة: ذهب الجمهور إلى وجوب الانصات وحرمة الكلام أثناء الخطبة ولو كان أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر سواء كان يسمع الخطبة أم لا، فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت لا جمعة له (1): رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزار والطبراني. قال الحافظ في بلوغ المرام: إسناده لا بأس به. وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يحضر لجمعة ثلاثة نفر: فرجل حضرها يلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل الله دعا إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة الت تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك أن الله عزوجل يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والامام يخطب أنصت فقد لغوت) (2) رواه الجماعة إلا ابن ماجه. وعن أبي الدرداء قال: جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وخطب الناس وتلا آية وإلى جنبي أبي بن كعب فقلت له: يا أبي متى أنزلت هذه الاية؟ فأبى أن يكلمني، ثم سألته فأبى أن يكلمني، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي أبي: (هامش) (1) لا جمعة له: أي كاملة للاجماع على إسقاط فرض الوقت وأن جمعته تعتبر ظهرا. (2) فقد لغوت: اللغو: السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره. (.)

[ 314 ]

مالك بن جمعتك إلا ما لغوت. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم جئته فأخبرته فقال: (صدق أبي، إذا سمعت إمامك يتكلم فانصت حتى يفرغ) رواه أحمد والطبراني. وروي عن الشافعي وأحمد انهما فرقا بين من يمكنه السماع ومن لا يمكنه فاعتبرا تحريم الكلام في الاول دون الثاني وإن كان الانصات مستحبا. وحكى الترمذي عن أحمد وإسحق الترخيص في رد السلام وتشميت العاطس والامام يخطب. وقال الشافعي: لو عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لان التشميت سنة، ولو سلم رجل على رجل كرهت ذلك ورأيت أن يرد عليه، لان السلام سنة ورده فرض.. أما الكلام في غير وقت الخطبة فإنه جائز. فعن ثعلبة بن أبي مالك قال: كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين كلتيهما، فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا. رواه الشافعي في مسنده. وروى أحمد بإسناد صحيح أن عثمان ابن عفان كان وهو على المنبر والمؤذن يقيم يستخبر الناس عن أخبارهم وأسعارهم. ادراك ركعة من الجمعة أو دونها: يرى أكثر أهل العلم أن من أدرك ركعة من الجمعة مع الامام فهو مدرك لها وعليه أن يضيف إليها أخرى، فعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته). رواه النسائي وابن ماجه والدار قطني. قال الحافظ في بلوغ المرام: إسناده صحيح لكن قوى أبو حاتم إرساله. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها كلها) رواه الجماعة. وأما من أدرك أقل من ركعة فإنه لا يكون مدركا للجمعة ويصلي ظهرا أربعا (1) في قول أكثر العلماء. قال ابن مسعود: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا. رواه الطبراني بسند حسن. وقال ابن عمر: إذا أدركت من الجمعة ركعة فأضف إليها أخرى، وإن أدركتهم جلوسا فصل أربعا. رواه البيهقي. (هامش) (1) ينوي الجمعة ويتمها ظهرا. (.)

[ 315 ]

وهذا مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: من أدرك التشهد مع الامام فقد أدرك الجمعة فيصلي ركعتين بعد سلام الامام وتمت جمعته. الصلاة في الزحام: روى أحمد والبيهقي عن سيار قال: سمعت عمر وهو يخطب يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بني هذا المسجد ونحن معه، المهاجرون والانصار، فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه. ورأى قوما يصلون في الطريق فقال: صلوا في المسجد. التطوع قبل الجمعة وبعدها: يسن صلاة أربع ركعات أو صلاة ركعتين بعد صلاة الجمعة، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا) رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الجمعة ركعتين في بيته. رواه الجماعة. قال ابن القيم: (وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة دخل منزله فصلى ركعتين وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا. قال شيخنا ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعا وإن صلى في بيته صلى ركعتين. قلت: وعلى هذا تدل الاحاديث. وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه إذا صلى في المسجد صلى أربعا، وإذا صلى في بيته صلى ركعتين. وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته). انتهى. وإذا صلى أربع ركعات قبل يصليها موصولة وقيل يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعتين، والافضل صلاتها بالبيت. وإن صلاها بالمسجد تحول عن مكانه الذي صلى فيه الفرض. أما صلاة السنة قبل الجمعة فقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الاذان شيئا ولا نقل هذا عنه أحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على

[ 316 ]

المنبر، ويؤذن بلال ثم يخطب النبي صلى الله عليه وسلم الخطبتين، ثم يقيم بلال فيصلي بالناس فما كان يمكن أن يصلي بعد الاذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه صلى الله عليه وسلم، ولا نقل عنه أحد أنه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقت بقوله صلاة مقدرة قبل الجمعة، بل ألفاظه صلى الله عليه وسلم فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت كقوله: (من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما كتب له) وهذا هو المأثور عن الصحابة.. كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر. فمنهم من يصلي عشر ركعات ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة ومنهم من يصلي ثمان ركعات ومنهم من يصلي أقل من ذلك، ولهذا كان جماهير الائمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد لان ذلك إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله، وهو لم يسن في ذلك شيئا، لا بقوله ولا فعله. اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد سقطت الجمعة عمن صلى العيد، فعن زيد بن أرقم قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم رخص في الجمعة فقال: (من شاء أن يصلي فليصل) رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة والحاكم. وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون) رواه أبو داود. ويستحب للامام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإنا مجمعون). وتجب صلاة الظهر على من تخلف عن الجمعة لحضوره العيد عند الحنابلة. والظاهر عدم الوجوب، لما رواه أبو داود عن ابن الزبير أنه قال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر.

[ 317 ]

صلاة العيدين شرعت صلاة العيدين في السنة الاولى من الهجرة، وهي سنة مؤكدة واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليها وأمر الرجال والنساء أن يخرجوا لها. ولها أبحاث نوجزها فيما يلي: (1) استحباب الغسل والتطيب، ولبس أجمل الثياب: فعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس برد حبرة (1) في كل عيد. رواه الشافعي والبغوي. وعن الحسن السبط قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجود ما نجد وأن نتطيب بأجود ما نجد وأن نضحي بأثمن ما نجد. الحديث رواه الحاكم وفيه إسحاق ابن برزخ، ضعفه الازدي ووثقه ابن حبان. وقال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يلبس لهما أجمل ثيابه وكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة. (هامش) (1) برد حبرة: نوع من برود اليمن. (.) (2) الاكل قبل الخروج في الفطر دون الاضحى: يسن أكل تمرات وترا قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر وتأخير ذلك في عيد الاضحى حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته إن كان له أضحية. قال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا (2) رواه. أحمد والبخاري. وعن بريدة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الاضحى حتى يرجع. رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وزاد: فيأكل من أضحيته. وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب: أن الناس كانوا يؤمرون بالاكل قبل الغدو يوم الفطر. وقال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب تعجيل الاكل يوم الفطر اختلافا. (هامش) (2) ويأكلهن وترا: أي ثلاثا أو خمسا أو سبعا، وهكذا. (.)

[ 318 ]

(3) الخروج إلى المصلى: صلاة العيد يجوز أن تؤدى في المسجد، ولكن أداءها في المصلى خارج البلد أفضل (1) ما لم يكن هناك عذر كمطر ونحوه لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيدين في المصلى (2) ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة لعذر المطر. فعن أبي هريرة أنهم أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد في المسجد. رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وفي إسناده مجهول. قال الحافظ في التلخيص: إسناده ضعيف. وقال الذهبي: هذا حديث منكر. (هامش) (1) خارج البلد أفضل ما عدا مكة فإن صلاة العيد في المسجد الحرام أفضل. (2) المصلى: موضع بباب المدينة الشرقي. (.) (4) خروج النساء والصبيان: يشرع خروج الصبيان والنساء في العيدين للمصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض، لحديث أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج العواتق (3) والحيض في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى. متفق عليه. وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج نساءه وبناته في العيدين. رواه ابن ماجه والبيهقي. وعن ابن عباس قال: خرجت مع النبي (4) صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فصلى ثم خطب ثم أتى النساء فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة. رواه البخاري. (هامش) (3) العواتق: البنات الابكار. (4) خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم: وكان يومئذ صغيرا. (.) (5) مخالفة الطريق: ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق والرجوع في طريق آخر سواء كان إماما أو مأموما، فعن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق. رواه البخاري. وعن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى العيد يرجع في غير الطريق الذي خرج فيه. رواه أحمد ومسلم والترمذي.

[ 319 ]

ويجوز الرجوع في الطريق الذي ذهب فيه، فعند أبي داود والحاكم والبخاري في التاريخ عن بكر بن مبشر. قال: كنت أغدو مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يوم الفطر ويوم الاضحى فنسلك بطن بطحان (1) حتى نأتي المصلى فنصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نرجع من بطن بطحان إلى بيوتنا. قال ابن السكن: إسناده صالح. (هامش) (1) بطحان: واد بالمدينة. (.) (6) وقت صلاة العيد: وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر ثلاثة أمتار إلى الزوال، لما أخرجه أحمد بن الحسن البناء من حديث جندب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الفطر والشمس على قيد رمحين (2) والاضحى على قيد رمح. قال الشوكاني، في هذا الحديث: إنه أحسن ما ورد من الابحاث في تعيين وقت صلاة العيدين. وفي الحديث استحباب تعجيل صلاة عيد الاضحى وتأخير صلاة الفطر. قال ابن قدامة: ويسن تقديم الاضحى ليتسع وقت الضحية وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر، ولا أعلم فيه خلافا. (هامش) (2) قيد رمحين: أي قدر رمحين. والرمح يقدر بثلاثة أمتار. (.) (7) الاذان والاقامة للعيدين: قال ابن القيم: كان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول: الصلاة جامعة. والسنة أن لا يفعل شئ من ذلك. انتهى. وعن ابن عباس وجابر قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الاضحى. متفق عليه. ولمسلم عن عطاء قال: أخبرني جابر أن لا أذان الصلاة يوم الفطر حين يخرج الامام ولا بعدما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شئ، لا نداء يومئذ ولا إقامة. وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلسة. رواه البزار.

[ 320 ]

(8) التكبير في صلاة العيدين: صلاة العيد ركعتان يسن فيهما أن يكبر المصلي قبل القراءة في الركعة الاولى سبع تكبيرات بعد تكبيرة الاحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، مع رفت اليدين مع كل تكبيرة (1). فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الاولى وخمسا في الاخرة. ولم يصل قبلها ولا بعدها. رواه أحمد وابن ماجه. وقال أحمد: وأنا أذهب إلى هذا. وفي رواية أبي داود والدار قطني قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التكبير في الفطر سبع في الاولى وخمس في الاخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما). وهذا القول هو أرجح الاقوال وإليه ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والائمة. قال ابن عبد البر: (روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق حسان أنه كبر في العيدين سبعا في الاولى وخمسا في الثانية من حديث عبد الله بن عمرو وابن عمر وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني. ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا، وهو أول ما عمل به (2)) انتهى. وقد كان صلى الله عليه وسلم يسكت بين كل تكبيرتين سكنة يسيرة ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات، ولكن روى الطبراني والبيهقي بسند قوي عن ابن مسعود من قوله وفعله أنه كان يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم (3). وروي كذلك عن حذيفة وأبي موسى. والتكبير سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا. وقال ابن قدامة: ولا أعلم فيه خلافا، ورجح الشوكاني أنه إذا تركه سهوا لا يسجد للسهو. (هامش) (1) رفع اليدين مع كل تكبيرة: روى ذلك عن عمر وابنه عبد الله. (2) وعند الحنفية يكبر في الاولى ثلاثا بعد تكبيرة الاحرام قبل القراءة وفي الثانية ثلاثا بعد القراءة. (3) استحب أحمد والشافعي الفصل بين كل تكبيرتين بذكر الله مثل أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقال أبو حنيفة ومالك يكبر متواليا من غير فصل بين التكبير بذكر. (.)

[ 321 ]

(9) الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها: لم يثبت أن لصلاة العيد سنة قبلها ولا بعدها، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه يصلوم إذا انتهوا إلى المصلي شيئا قبل الصلاة ولا بعدها. قال ابن عباس: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما. رواه الجماعة. وعن ابن عمر أنه خرج يوم عيد فلم يصل قبلها ولا بعدها وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وذكر البخاري عن ابن عباس أنه كره الصلاة قبل العيد. أما مطلق النفل فقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح إنه لمى ثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة في جميع الايام. (10) من تصح منهم صلاة العيد: تصح صلاة العيد من الرجال والنساء مسافرين كانوا أو مقيمين جماعة أو منفردين، في البيت أو في المسجد أو في المصلى. ومن فاتته الصلاة مع الجماعة صلى ركعتين، قال البخاري: (باب) إذا فاته العيد يصلي ركعتين وكذلك النساء ومن في البيوت والقرى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (هذا عيدنا أهل الاسلام). وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم. وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كام يصنع الامام. وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين. (11) خطبة العيد: الخطبة بعد صلاة العيد سنة والاستماع إليها كذلك. فعن أبي سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والاضحى إلى المصلى. (1) وأول شئ يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثا (2) أن يأمر بشئ أمر به ثم ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك (هامش) (1) المصلى: موضع بينه وبين المسجد ألف ذراع. (2) أن يقطع بعثا: أي يخرج طائفة من الجيش إلى جهة. (.)

[ 322 ]

حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة. فقلت له: غيرتم والله. فقال: أبا سعيد!... قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة. متفق عليه. وعن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال: (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليهذب) رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه. وكل ما ورد في أن للعيد خطبتين يفصل بينهما الامام بجلوس فهو ضعيف. قال النووي: لم يثبت في تكرير الخطبة شئ. ويستحب افتتاح الخطبة بحمد الله تعالى، ولم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا. قال ابن القيم: كان صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في سننه عن سعيد، مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة ويكثر التكبير في خطبة العيدين. وهذا لا يدل على أنه يفتتحها به. وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء فقيل: يفتتحان بالتكبير، وقيل تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل يفتتحان بالحمد. قال شيخ الاسلام تقي الدين: هو الصواب، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم) (1) وكان صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، وأما قول كثير من الفقهاء: أنه يفتتح خطب الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم البتة، والسنة تقضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله. (هامش) (1) فهو أجذم: أي ناقص. (.) (12) قضاء صلاة العيد: قال أبو عمير بن أنس: حدثني عمومتي من الانصار من أصحاب رسول

[ 323 ]

الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أغمي علينا هلال شوال وأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالامس فأمرهم رسول الله أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بسند صحيح. وفي هذا الحديث حجة للقائلين بأن الجماعة إذا فاتتها صلاة العيد بسبب عذر من الاعذار أنها تخرج من الغد فتصلي العيد. (13) اللعب واللهو والغناء والاكل في الاعياد: اللعب المباح، واللهو البرئ، والغناء الحسن، ذلك من شعائر الدين التي شرعها الله في يوم العيد، رياضة للبدن وترويحا عن النفس، قال أنس: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما قال: (قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرا منهما يوم الفطر والاضحى) رواه النسائي وابن حبان بسند صحيح. وقالت عائشة: إن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت رواه أحمد والشيخان. ورووا أيضا عنها قالت: دخل علينا أبو بكر في يوم عيد وعندنا جاريتان تذكران يوم بعاث (1) يوما قتل فيه صناديد الاوس والخزرج، فقال أبو بكر: عباد الله أمزمور الشيطان (قالها ثلاثا) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وإن اليوم عيدنا): ولفظ البخاري قالت عائشة: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم! فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (دعهما) فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق (2) والحراب فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم وإما قال: (تشتهين تنظرين؟) فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده (هامش) (1) بعاث: اسم حصن للاوس ويوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب كانت فيه مقتلة عظيمة للاوس على الخزرج. (2) الدرق: التروس. (.)

[ 324 ]

وهو يقول: (دونكم يا بني أرفدة) (1) حتى إذا ملك قال (حسبك؟) قلت: نعم. قال: (فاذهبي) قال الحافظ في الفتح وروى ابن السراج من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: (لتعلم يهود المدينة أن في ديننا فسحة، إني بعثت بحنيفية سمحة). وعند أحمد ومسلم عن نبيشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله عزوجل). (14) فضل العمل الصالح في أيام العشر من ذي الحجة: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله عزوجل من هذه الايام) (يعني أيام العشر): قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع بشئ من ذلك) رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي. وعند أحمد والطبراني عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إلى الله العمل فيهن من هذه الايام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) وقال ابن عباس في قوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) هي أيام العشر. وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. رواه البخاري. وكان سعيد ابن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه. وقال الاوزاعي: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة. قال الاوزاعي: حدثني بهذا الحديث رجل من بني مخزوم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر.) رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي. (هامش) (1) أرفده: لقب الحبشة. (.)

[ 325 ]

(15) استحباب التهنئة بالعيد: عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: (تقبل منا ومنك). قال الحافظ إسناده حسن. (16) التكبير في أيام العيدين: التكبير في أيام العيدين سنة. ففي عيد الفطر قال الله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) وفي عيد الاضحى قال: (واذكروا الله في أيام معدودات) (1). وقال: (كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم)، وجمهور العلماء على أن التكبير في عيد الفطر من وقت الخروج إلى الصلاة إلى ابتداء الخطبة. وقد روي في ذلك أحاديث ضعيفة وإن كانت الرواية صحت بذلك عن ابن عمر وغيره من الصحابة. قال الحاكم: هذه سنة تداولها أهل الحديث. وبه قال مالك وأحمد وإسحق وأبو ثور. وقال قوم التكبير من ليلة الفطر إذا رأوا الهلال حتى يغدوا إلى المصلى وحتى يخرج الامام. ووقته في عيد الاضحى من صحيح يوم عرفة إلى عصر أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. قال الحافظ في الفتح: ولم يثبت في شئ من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام منى. أخرجه ابن المنذر وغيره. وبهذا أخذ الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وهو مذهب عمر وابن عباس. والتكبير في أيام التشريق لا يختص استحبابه بوقت دون وقت، بل هو مستحب في كل وقت من تلك الايام. قال البخاري: وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل السوق حتى يرتج منى تكبيرا. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الايام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الايام جميعا، وكانت ميمونة تكبر يوم (هامش) (1) قال ابن عباس: هي أيام التشريق، رواه البخاري. (.)

[ 326 ]

النحر، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد، قال الحافظ: وقد اشتملت هذه الاثار على وجود التكبير في تلك الايام عقب الصلوات وغير ذلك من الاحوال وفيه اختلاف بين العلماء في مواضع، فمنهم من قصر التكبير على أعقاب الصلوات ومنهم من خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل ومنهم من خصه بالرجال دون النساء وبالجماعة دون المنفرد وبالمؤداة دون المقتضية وبالمقيم دون المسافر وبساكن المدن دون القرية: وظاهر اختيار البخاري شمول ذلك للجميع والاثار التي ذكرها تساعده. وأما صيغة التكبير فالامر فيها واسع. وأصح ما ورد فيها ما رواه عبد الرزاق عن سلمان بسند صحيح قال: كبروا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كيرا. وجاء عن عمر وابن مسعود: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

[ 327 ]

الزكاة (1) تعريفها: الزكاة اسم لما يخرجه الانسان من حق الله تعالى إلى الفقراء. وسميت زكاة لما يكون فيها من رجاء البركة، وتزكية النفس وتنميتها بالخيرات. فإنها مأخوذة من الزكاة، وهو النماء والطهارة والبركة. قال الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (1). وهي أحد أركان الاسلام الخمسة، وقرنت بالصلاة في اثنتين وثمانين آية. وقد فرضها الله تعالى بكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع أمته. 1 - روى الجماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن (2) قال: (إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله عزوجل افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم (3) أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). 2 - وروى الطبراني في الاوسط والصغير، عن علي كرم الله وجهه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا (هامش) (1) سورة التوبة. (2) أي واليا وقاضيا سنة عشر من الهجرة. (3) (كرائم) نفائس. (.)

[ 328 ]

إلا بما يصنع أغنياؤهم (1)، ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا، ويعذبهم عذابا أليما) قال الطبراني: تفرد به ثابت بن محمد الزاهد. قال الحافظ: وثابت: ثقة صدوق. روى عنه البخاري وغيره، وبقية رواته لا بأس بهم. وكانت فريضة الزكاة بمكة في أول الاسلام مطلقة، لم يحدد فيها المال الذي تجب فيه، ولا مقدار ما ينفق منه، وإنما ترك ذلك لشعور المسلمين وكرمهم. وفي السنة الثانية من الهجرة - على المشهور - فرض مقدارها من كل نوع من أنواع المال، وبينت بيانا مفصلا. 1 - قال الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). أي خذ - أيها الرسول - من أموال المؤمنين صدقة معينة كالزكاة المفروضة، أو غير معينة، وهي التطوع (تطهرهم وتزكيهم بها) أي تطهرهم بها من دنس البخل والطمع، والدناءة والقسوة على الفقراء والبائسين، وما يتصل بذلك من الرذائل، وتزكي أنفسهم بها. أي تنميها وترفعها بالخيرات والبركات الخلقية والعملية، حتى تكون بها أهلا للسعادة الدنيوية والاخروية. 2 - وقال الله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالاسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم). جعل الله أخص صفات الابرار الاحسان، وأن مظهر إحسانهم يتجلى في القيام من الليل، والاستغفار في السحر تعبدا لله وتقربا إليه. كما يتجلى في إعطاء الفقير حقه، رحمة وحنوا عليه. 3 - وقال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (هامش) (1) أي إن الجهد والمشقة من الجوع والعري لا يصيب الفقراء إلا ببخل الاغنياء. (.)

[ 329 ]

يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله). أي إن الجماعة التي يباركها الله ويشملها برحمته، هي الجماعة التي تؤمن بالله، ويتولى بعضها بعضا بالنصر والحب، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتصل ما بينها وبين الله بالصلاة، وتقوي صلاتها ببعضها، بإيتاء الزكاة. 4 - وقال الله تعالى: (الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور). جعل الله إيتاء الزكاة غاية من غايات التمكين في الارض. 1 - وروى الترمذي عن أبي كبشة الانماري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا فتح عبد باب مسألة، إلا فتح الله عليه باب فقر). 2 - وروى أحمد والترمذي، وصححه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عزوجل يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها لاحدكم كما يربي أحدكم مهرة أو فلوه، أو فصيله (1) حتى أن اللقمة لتصير مثل جبل أحد). قال وكيع: وتصديق ذلك في كتاب الله قوله: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات). (يمحق الله الربا ويربي الصدقات). 3 - وروى أحمد - بسند صحيح - عن أنس رضي الله عنه قال: أتى رجل من تميم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إني ذو مال كثير، وذو أهل ومال وحاضرة (2). فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك وتعرف حق المسكين والجار والسائل). (هامش) (1) (المهر والفلو والفصيل): ولد الفرس. (2) الجماعة تنزل عنده للضيافة. (.)

[ 330 ]

4 - وروى أيضا عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث أحلف عليهن، لا يجعل الله من له سهم في الاسلام كمن لا سهم له، وأسهم الاسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة، ولا يتولى الله عبدا في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة، ولا يحب رجل قوما إلا جعله الله معهم. والرابعة لو حلفت عليها رجوت أن لا آثم لا يستر الله عبدا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة). 5 - وروى الطبراني في الاوسط، عن جابر رضي الله عنه قال، قال رجل يا رسول الله: أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدى زكاة ماله ذهب عنه شره). 6 - وروى البخاري، ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. (3) الترهيب من منعها: 1 - قال الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون). 2 - وقال: (لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون (1) ما بخلوا به يوم القيامة). 1 - وروى أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب كنز (2) لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فتكوى بها جنباه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، (هامش) (1) يجعل ما بخلوا به من مال طوقا من نار في أعناقهم. (2) (الكنز) مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد، وأما ما أخرجت زكاته فليس بكنز مهما كثر. (.)

[ 331 ]

إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح (1) لها بقاع قرقر (2) كأوفر (3) ما كانت، تسنن (4) عليه، كلما مضى (5) عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطؤه بأظلافها (6)، وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء (7) ولا جلحاء (8)، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار.) قالوا: فالخيل يا رسول الله؟ قال: (الخيل في نواصيها)، أو قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الخيل ثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما التي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا، ولو رعاها في مرج (9) فما أكلت من شئ إلا كتب الله له بها أجرا، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر، حتى ذكر الاجر في أبوالها وأرواثها ولو استنت شرفا (10) أو شرفين كتب له بكل خطوة يخطوها أجر. وأما التي هي له ستر، فالرجل يتخذها تكرما وتجملا، لا ينسى حتى ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها. وأما التي هي عليه وزر، فالذي يتخذها أشرا (11) وبطرا (12) وبذخا (13)، ورياء الناس فذلك الذي عليه الوزر) قالوا: فالخمر يا رسول الله؟ قال: (ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الاية الجامعة (14) الفاذة (15): (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).) (هامش) (1) (بطح) أي بسط ومد. (2) (القرقر) المستوي الواسع من الارض. (3) كأوفر الخ) أي كأعظم ما كانت. (4) (تستن) أي تجري. (5) (مضى) أي مر. (6) الظلف للغنم كالحافر للفرس. (7) (عقصاء) أي ملتوية القرنين. (8) (جلحاء) أي التي لا قرن لها. (9) (المرج) أي المرعى. (10) (الشرف) أي العالي من الارض. (11) (الاشر) أي البطر. (12) (البطر) شدة المرح. (13) (وبذخا) أي تكبرا. (14) (الجامعة) أي المتناولة لكل خير وبر. (15) (الفاذة) أي القليلة النظير. (.)

[ 332 ]

2 - وروى الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له (1) يوم القيامة شجاعا أقرع (2) له زبيبتان (3) يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا كنزك، أنا مالك). ثم تلا هذه الاية: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الاية.) 3 - وروى ابن ماجه، والبزار، والبيهقي - واللفظ له - عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر المهاجرين خصال خمس - إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن -: لم تظهر الفاحشة (4) في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الاوجاع (5) التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين (6) وشدة المؤنة وجور السلطان. ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر (7) من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل بأسهم (8) بينهم). 4 - وروى الشيخان عن الاحنف بن قيس قال: (جلست إلى ملا من قريش فجاء رجل (9) خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ثم قال: بشر الكانزين برضف (10) يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض (11) كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثدية فيتزلزل). ثم ولى فجلس إلى سارية. وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو - فقلت: لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت. (هامش) (1) (مثل) صور. (2) (الشجاع) الذكر من الحيات و (الاقرع) الذي ذهب شعره من كثرة السم. (3) (زبيبتان) أي نكتتان سوداوان فوق عينه. (4) (الفاحشة) أي الزنا. (5) (الاوجاع) أي الامراض. (6) (السنين) أي الفقر. (7) (القطر) أي المطر. (8) (بأسهم) أي حربهم. (9) هو أبو ذر رضي الله عنه. (10) (الرضف) أي الحجارة المحماة. (11) (نغض) أي أعلى الكتف. (.)

[ 333 ]

قال: إنهم لا يعقلون شيئا، قال لي خليلي، قلت: من خليلك؟ قال: النبي صلى الله عليه وسلم. أتبصر أحدا؟ قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار، وأنا أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسلني في حاجة له، قلت: نعم: قال: ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير، وإن هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون الدنيا، لا والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله عزوجل. (4) حكم مانعها: الزكاة من الفرائض التي أجمعت عليها الامة واشتهرت شهرة جعلتها من ضروريات الدين، بحيث لو أنكر وجوبها أحد خرج عن الاسلام، وقتل كفرا، إلا إذا كان حديث عهد بالاسلام، فإنه يعذر لجهله بأحكامه. أما من امتنع عن أدائها - مع اعتقاده وجوبها - فإنه يأثم بامتناعه دون أن يخرجه ذلك عن الاسلام، وعلى الحاكم أن يأخذها منه قهرا ويعزره، ولا يأخذ من ماله أزيد منها، إلا عند أحمد والشافعي في القديم، فإنه يأخذها منه، ونصف ماله، عقوبة له (1) لما رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون لا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا (2) فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة (3) من عزمات ربنا تبارك وتعالى لا يحل لال محمد منها شئ). وسئل أحمد عن إسناده فقال: صالح الاسناد. وقال الحاكم في بهز: حديثه صحيح (4). ولو امتنع قوم عن أدائها - مع اعتقادهم وجوبها، وكانت لهم قوة ومنعة فإنهم يقاتلون عليها حتى يعطوها. لما رواه البخاري، ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس (هامش) (1) ويلحق به من أخفى ماله ومنع الزكاة ثم انكشف أمره للحاكم. (2) (مؤتجرا) أي طالبا الاجر. (3) (عزمة) أي حقا من الحقوق الواجبة. (4) روى البيهقي أن الشافعي قال: هذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت قلنا به. (.)

[ 334 ]

حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام وحسابهم على الله). ولما رواه الجماعة عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: كيف تقاتل الناس (1)؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى؟ فقال: والهل لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا (2) كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. ولفظ مسلم، وأبي داود، والترمذي: لو منعوني عقالا (3) بدل (عناقا). (5) على من تجب؟: تجب الزكاة على المسلم الحر المالك للنصاب، من أي نوع من أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة. ويشترط في النصاب: 1 - أن يكون فاضلا عن الحاجات الضرورية التي لا غنى للمرء عنها، كالمطعم، والملبس، والمسكن، والمركب، وآلات الحرفة. 2 - وأن يحول عليه الحول الهجري، ويعتبر ابتداؤه من يوم ملك النصاب، ولابد من كماله في الحول كله. فلو نقص أثناء الحول ثم كمل اعتبر ابتداء الحول من يوم كماله. (هامش) (1) المراد بهم بنو يربوع وكانوا جمعوا الزكاة وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم. فهؤلاء هم الذين عرض الخلاف في أمرهم ووقعت الشبهة لعمر في شأنهم مما اقتضى مناظرته لابي بكر واحتجاجه على قتالهم بالحديث. وكان قتاله لهم في أول خلافته سنة إحدى عشرة من الهجرة. (2) (عناقا) أي أنثى المعز التي لم تبلغ سنة. (3) التحقيق أنه الحبل الذي يعقل به العبير، وأن الكلام وارد على وجه المبالغة. (.)

[ 335 ]

قال النووي: مذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، والجمهور: أنه يشترط في المال الذي يجب الزكاة في عينه - ويعتبر فيه الحول، كالذهب، والفضة والماشية - وجود النصاب في جميع الحول، فإن نقص النصاب في لحظة من الحول انقطع الحول. فإن كمل بعد ذلك استؤنف الحول من حين يكمل النصاب. وقال أبو حنيفة: المعتبر وجود النصاب في أول الحول وآخره، ولا يضر نقصه بينهما، حتى لو كان معه مائتا درهم، فتلفت كلها في أثناء الحول إلا درهما، أو أربعون شاة، فتلفت في أثناء الحول إلا شاة، ثم ملك في آخر الحول تمام المائتين وتمام الاربعين، وجبت الزكاة الجميع (1). وهذا الشرط لا يتناول زكاة الزروع والثمار فإنها تجب يوم الحصاد قال الله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده (2)). وقال العبدري: أموال الزكاة ضربان، أحدهما ما هو نماء في نفسه، كالحبوب، والثمار، فهذا تجب الزكاة فيه، لوجوده. والثاني ما يرصد للنماء كالدراهم، والدنانير، وعروض التجارة، والماشية، فهذا يعتبر فيه الحول، فلا زكاة في نصابه حتى يحول عليه الحول، وبه قال الفقهاء كافة، انتهى، من المجموع للنووي. (هامش) (1) لو باع النصاب في أثناء الحول أو أبدله بغير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف حولا آخر. (2) سورة الانعام. (.) (6) الزكاة في مال الصبي والمجنون: يجب على ولي الصبي والمجنون أن يؤدي الزكاة عنهما من مالهما، إذا بلغ نصابا. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ولي يتيما له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة (3)) وإسناده ضعيف، قال الحافظ: وله شاهد مرسل عند الشافعي. وأكده الشافعي بعموم الاحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة مطلقا. وكانت عائشة رضي الله عنها تخرج زكاة أيتام كانوا في حجرها. (هامش) (3) أي الزكاة. (.)

[ 336 ]

قال الترمذي: اختلف أهل العلم في هذا: فرأى غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مال اليتيم زكاة، منهم عمر، وعلي، وعائشة، وابن عمر، وبه يقول مالك، والشافعي وأحمد، وإسحق. وقالت طائفة: ليس في مال اليتيم زكاة، وبه يقول سفيان وابن المبارك. (7) المالك المدين: من كان في يده مال تجب الزكاة فيه - وهو مدين أخرج منه ما يفي بدينه وزكى الباقي، إن بلغ نصابا، وإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، لانه في هذه الحالة فقير والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صدقة إلا عن ظهر غني) رواه أحمد. وذكره البخاري معلقا. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم). ويستوي في ذلك الدين الذي عليه لله، أو للعباد، ففي الحديث: (فدين الله أحق بالقضاء) وسيأتي. (8) من مات وعليه الزكاة: من مات وعليه الزكاة، فإنها تجب في ماله (1) وتقدم على الغرماء (2) والوصية والورثة، لقول الله تعالى في المواريث: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) والزكاة دين قائم لله تعالى. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟!) قال: نعم. قال: (فدين الله أحق أن يقضى). رواه الشيخان. (هامش) (1) هذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. (2) (الغرماء) أي الدائنون. (.) (9) شرط النية في أداء الزكاة: الزكاة عبادة، فيشترط لصحتها النية، وذلك أن يقصد المزكي عند أدائها

[ 337 ]

وجه الله، ويطلب بها ثوابه ويجزم بقلبه أنها الزكاة المفروضة عليه. قال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين). وفي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى). واشترط مالك والشافعي: النية عند الاداء. وعند أبي حنيفة: أن النية تجب عند الاداء أو عند عزل الواجب. وجوز أحمد تقديمها على الاداء زمنا يسيرا. (10) أداؤها وقت الوجوب: يجب إخراج الزكاة فورا عند وجوبها، ويحرم تأخير أدائها عن وقت الوجوب، إلا إذا لم يتمكن من أدائها فيجوز له التأخير حتى يتمكن. لما رواه أحمد والبخاري عن عقبة بن الحارث قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فلما سلم، قام سريعا فدخل على بعض نسائه. ثم خرج، ورأى ما في وجوه القوم من تعاجبهم لسرعته، قال: (ذكرت وأنا في الصلاة تبرأ (1) عندنا، فكرهت أن يمسى أو يبيت عندنا، فأمرت بقسمته) (2). وروى الشافعي، والبخاري في التاريخ عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما خالطت الصدقة مالا قط إلا أهلكته). رواه الحميدي وزاد، قال: (يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها، فيهلك الحرام الحلال). (هامش) (1) التبر: قال الجوهري: لا يقال إلا للذهب وقد قاله بعضهم في الفضة. (2) قال ابن بطال: فيه أن الخير ينبغي أن يبادر به فإن الافات تعرض والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود. (.) (11) التعجيل بأدائها: يجوز تعجيل الزكاة وأداؤها قبل الحول ولو لعامين. فعن الزهري: أنه كان لا يرى بأسا أن يعجل زكاته قبل الحول. وسئل الحسن عن رجل أخرج ثلاث سنين، يجزيه؟ قال: يجزيه.

[ 338 ]

قال الشوكاني: وإلى ذلك ذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وبه قال الهادي، والقاسم، قال المؤيد بالله: وهو أفضل. وقال مالك، وربيعة، وسفيان الثوري، وداود، وأبو عبيد بن الحارث، ومن أهل البيت، الناصر: إنه لا يجزئ حتى يحول الحول. واستدلوا بالاحاديث التي فيها تعلق الوجوب بالحول وقد تقدمت، وتسليم ذلك لا يضر من قال بصحة التعجيل لان الوجوب متعلق بالحول فلا نزاع، وإنما النزاع في الاجزاء قبله. انتهى. قال ابن رشد: وسبب الخلاف، هل هي عبادة أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنها عبادة، وشبهها بالصلاة، لم يجز إخراجها قبل الوقت، ومن شبهها بالحقوق الواجبة المؤجلة، أجاز إخراجها قبل الاجل على جهة التطوع. وقد احتج الشافعي لرأيه بحديث علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه ومسلم استسلف صدقة العباس قبل محلها، انتهى. (12) الدعاء للمزكي: يستحب الدعاء للمزكي عند أخذ الزكاة منه. لقول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل (1) عليهم إن صلاتك سكن لهم). وعن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتي بصدقة قال: (اللهم صل عليهم). وأن أبي أتاه بصدقة فقال (اللهم صل على آل أبي أوفى). رواه أحمد وغيره. وروى النسائي عن وائل بن حجر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة -: (اللهم بارك فيه وفي إبله). قال الشافعي: السنة للامام - إذا أخذ الصدقة - أن يدعو للمتصدق، ويقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت. (هامش) (1) (وصل عليهم) أي أدع لهم. (.)

[ 339 ]

الاموال التي تجب فيها الزكاة أوجب الاسلام الزكاة في الذهب، والفضة، والزروع، والثمار وعروض التجارة. والسوائم، والمعدن، والركاز. زكاة النقدين: الذهب، والفضة وجوبها: جاء في زكاة الذهب والفضة، قول الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون). والزكاة واجبة فيهما، سواء أكانا نقودا، أم سبائك، أم تبرأ، متى بلغ مقدار المملوك من كل منهما نصابا، وحال عليه الحول، وكان فارغا عن الدين، والحاجات الاصلية. نصاب الذهب ومقدار الواجب: لا شئ في الذهب حتى يبلغ عشرين دينارا، فإذا بلغ عشرين دينارا، وحال عليها الحول، ففيها ربع العشر، أو نصف دينار، وما زاد على العشرين دينارا يؤخذ ربع عشره كذلك، فعن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس عليك شئ - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار. فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.) رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقي، وصححه البخاري، وحسنه الحافظ. وعن زريق مولى بني فزارة: أن عمر بن عبدالعزز كتب إليه - حين استخلف -: خذ ممن مر بك من تجار المسلمين - فيما يديرون من أموالهم - من كل أربعين دينارا: دينارا، فما نقص فبحساب ما نقص حتى يبلغ عشرين، فإن نقصت ثلث دينار فدعها، لا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم براءة بما تأخذ

[ 340 ]

منهم، إلى مثلها من الحول، رواه ابن أبي شيبة. قال مالك في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا كما تجب في مائتي درهم. والعشرون دينارا تساوي 28 درهما وزنا بالدرهم المصري. نصاب الفضة ومقدار الواجب: وأما الفضة، فلا شئ فيها حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها ربع العشر، وما زاد فبحسابه، قل أم كثر، فإنه لا عفو في زكاة النقد بعد بلوغ النصاب. فعن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة (الفضة) من كل أربعين درهما: درهم، وليس في تسعين ومائة شئ، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم.) رواه أصحاب السنن. قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: صحيح. قال: والعمل عند أهل العلم، ليس فيما دون خمسة أوراق صدقة، والاوقية أربعون درهما، وخمس أوراق مائتا درهم. والمائتا درهم 9 / 27 7 ريالا و 5 / 555 قرشا مصريا. ضم النقدين: من ملك من الذهب أقل من نصاب، ومن الفضة كذلك لا يضم أحدهما إلى الاخر، ليكمل منهما نصابا، لانهما جنسان: لا يضم أحدهما إلى الثاني، كالحال في البقر والغنم، فلو كان في يده 199 درهما وتسعة عشر دينارا، لا زكاة عليه. زكاة الدين: للدين حالتان: 1 - الدين إما أن يكون على معترف به، باذل له، وللعلماء في ذلك عدة آراء:

[ 341 ]

(الرأي الاول) أن على صاحبه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى، وهذا مذهب علي، والثوري، وأبي ثور، والاحناف والحنابلة. (الرأي الثاني) أنه يلزمه إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقبضه، لانه قادر على أخذه والتصرف فيه، فلزمه إخراج زكاته كالوديعة، وهذا مذهب عثمان، وابن عمر، وجابر، وطاووس، والنخعي، والحسن، والزهري، وقتادة، والشافعي. (الرأي الثالث) أنه لا زكاة فيه، لانه غير نام فلم تجب زكاته، كعروض القنية، وهذا مذهب عكرمة، ويروى عن عائشة، وابن عمر. (الرأي الرابع) أنه يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة. وهذا مذهب سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح. 2 - وإما أن يكون الدين على معسر، أو جاحد، أو مماطل به. فإن كان كذلك، فقيل: إنه لا تجب فيه الزكاة وهذا قول قتادة، وإسحاق وأبي ثور، والحنفية، لانه غير مقدور على الانتقاع به. وقيل: يزكيه إذا قبضه لما مضى. وهو قول الثوري وأبي عبيد، لانه مملوك يجوز التصرف فيه، فوجبت زكاته لما مضى كالدين على الملئ، وروي عن الشافعي الرأيان. وعن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، والاوزاعي، ومالك: يزكيه إذا قبضه، لعام واحد. زكاة أوراق البنكنوت والسندات: أوراق البنكنوت والسندات: هي وثائق بديون مضمونة تجب فيها الزكاة، إذا بلغت أول النصاب 27 ريالا مصريا لانه يمكن دفع قيمتها فضة فورا. زكاة الحلى: اتفق العلماء على أنه لا زكاة في الماس، والدر، والياقوت، واللؤلؤ،

[ 342 ]

والمرجان، والزبرجد، ونحو ذلك من الاحجار الكريمة إلا إذا اتخذت للتجارة ففيها زكاة. واختلفوا في حلي المرأة، من الذهب والفضة. فذهب إلى وجوب الزكاة فيه، أبو حنيفة، وابن حزم، إذا بلغ نصابا، استدلالا بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأتان في أيديهما أساور من ذهب: فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتحبان أن يسوركما (1) الله يوم القيامة أساور من نار؟) قالتا: لا، قال: (فأديا حق (2) هذا الذي في أيديكما). وعن أسماء بنت يزيد قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا: (أتعطيان زكاته؟) قالت: فقلنا: لا. قال: (أما تخافان أن يسور كما الله أسورة من نار؟ أديا زكاته) قال الهيثمي رواه أحمد وإسناده حسن. وعن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات (3) من ورق (4)، فقال لي: ما (هذا يا عائشة؟) فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله؟ فقال: (اتؤدين زكاتهن؟) قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: (هو حسبك من النار) (5) رواه أبو داود، والدار قطني، والبيهقي وذهب الائمة الثلاثة إلى أنه لا زكاة في حلى المرأة، بالغا ما بلغ. فقد روى البيهقي أن جابر بن عبد الله سئل عن الحلي: أفيه زكاة؟ قال جابر: لا. فقيل: وإن كان يبلغ ألف دينار؟ فقال جابر: أكثر. وروى البيهقي: أن أسماء بنت أبي بكر كانت تحلي بناتها بالذهب، ولا تزكيه، نحوا من خمسين ألفا. وفي الموطأ، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: أن عائشة كانت تلي بنات أخيها، يتامى في حجرها، لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة، (هامش) (1) (أن يسوركما) أي أن يلبسكما. (2) (حق هذا) أي زكاته. (3) (فتخات) أي خواتم. (4) (ورق) أي فضة. (5) يعني لو لم تعذب في النار إلا من أجل عدم زكاته لكفاها. (.)

[ 343 ]

وفيه أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. قال الخطابي: الظاهر من الكتاب (1) يشهد لقول من أوجبها، والاثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب الى النظر، ومعه طرف من الاثر. والاحتياط أداؤها. هذا الخلاف بالنسبة للحلي المباح، فإذا اتخذت المرأة حليا ليس لها اتخاذه - كما إذا اتخذت حلية الرجل، كحلية السيف - فهو محرم، وعليها الزكاة، وكذا الحكم في اتخاذ أواني الذهب والفضة. زكاة صدقة المرأة: ذهب أبو حنيفة إلى أن صداق المرأة لا زكاة فيه، إلا إذا قبضته، لانه بدل عما ليس بمال، فلا تجب فيه الزكاة قبل القبض، كدين الكتابة. ويشترط بعد قبضه أن يبلغ نصابا، ويحول عليه الحول، إلا إذا كان عنها نصاب آخر سوى المهر، فإنها إذا قبضت من الصداق شيئا ضمته إلى النصاب، وزكته بحوله. وذهب الشافعي إلى أن المرأة يلزمها زكاة الصداق، إذا حال عليه الحول، ويلزمها الاخراج عن جميعه آخر الحول، وإن كان قبل الدخول ولا يؤثر كونه معرضا للسقوط بالفسخ، بردة أو غيرها، أو نصفه بالطلاق. وعند الحنابلة: أن الصداق في الذمة دين للمرأة، حكمه حكم الديون عندهم، فإن كان على ملئ (2) به فالزكاة واجبة فيه، إذا قبضته أدت لما مضى، وإن كان على معسر أو جاحد، فاختيار الخرقي وجوب الزكاة فيه. ولا فرق بين ما قبل الدخول أو بعده. فإن سقط نصفه بطلاق المرأة قبل الدخول، وأخذت النصف، فعليها زكاة ما قبضته، دون ما لم تقبضه. وكذلك لو سقط كل الصداق قبل قبضه، لانفساخ النكاح بأمر من جهتها، فليس عليها زكاته. (هامش) (1) يشير إلى عموم قول الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) الاية. (2) (ملئ) أي غني. (.)

[ 344 ]

زكاة أجرة الدور المؤجرة: ذهب أبو حنيفة ومالك، إلى أن المؤجر لا يستحق الاجرة بالعقد، وإنما يستحقها بانقضاء مدة الاجارة. وبناء على هذا، فمن أجر دارا لا تجب عليه زكاة أجرتها حتى يقبضها، ويحول عليها الحول، وتبلغ نصابا. وذهبت الحنابلة إلى أن المؤجر يملك الاجرة من حين العقد، وبناء عليه، فإن من أجر داره تجب الزكاة في أجرتها إذا بلغت نصابا وحال عليها الحول، فإن المؤجر يملك التصرف في الاجرة بأنواع التصرفات، وكون الاجارة عرضة للفسخ لا يمنع وجوب الزكاة، كالصداق قبل الدخول، ثم إن كان قد قبض الاجرة أخرج الزكاة منها، وإن كانت دينا فهي كالدين، معجلا كان أو مؤجلا (1). وفي المجموع للنووي: وأما إذا أجر داره أو غيرها بأجرة حالة، وقبضها، فيجب عليه زكاتها بلا خلاف. (هامش) (1) أي أنه يؤدي زكاتها حين يقبضها لما مضى من حين العقد إن اكن مضى عليها حول أو أكثر. (.) زكاة التجارة حكمها: ذهب جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى وجوب الزكاة في عروض (2) التجارة. لما رواه أبو داود البيهقي عن سمرة بن جندب قال: أما بعد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع. وروى الدار قطني والبيهقي عن أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الابل صدقتها، وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها، وفي البز (3) صدقته) وروى الشافعي، وأحمد وأبو عبيد، والدار قطني والبيهقي وعبد الرزاق (هامش) (2) (العروض) جمع عرض: وهو غير الاثمان من المال. (3) (البز) متاع البيت. (.)

[ 345 ]

عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: كنت أبيع الادم والجعاب (1) فمر بي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أد صدقه مالك، فقلت يا أمير المؤمنين، إنما هو الادم. قال: قومه، ثم أخرج صدقته. قال في المغني وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم تنكر، فيكون إجماعا. وقالت الظاهرية: لا زكاة في مال التجارة. قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم في وجوب الزكاة بالقياس. واختلافهم في تصحيح حديث سمرة، وحديث أبي ذر. أما القياس الذي اعتمده الجمهور، فهو أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الاجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق - أعني الحرث، والماشية، والذهب، والفضة. وفي المنار: جمهور علماء الملة يقولون بوجوب زكاة عروض التجارة، وليس فيها نص قطعي من الكتاب أو السنة وإنما ورد فيها روايات، يقوي بعضها بعضا، مع الاعتبار المستند إلى النصوص، وهو أن عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقود، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التي هي أثمانها إلا في كون النصاب يتقلب ويتردد بين الثمن وهو النقد، والمثمن وهو العروض، فلو لم تجب الزكاة في التجارة لامكن لجميع الاغنياء، أو أكثرهم أن يتجروا بنقودهم، ويتحروا أن لا يحول على نصاب من النقدين أبدا، وبذلك تبطل الزكاة فيهما عندهم. ورأس الاعتبار في المسألة: أن الله تعالى فرض في أموال الاغنياء صدقة لمواساة الفقراء ومن في معناهم، وإقامة المصالح العامة، وأن الفائدة في ذلك للاغنياء، تطهير أنفسهم من رذيلة البخل، وتزكيتها بفضائل الرحمة بالفقراء وسائر أصناف المستحقين، ومساعدة الدولة والامة في إقامة المصالح العامة، والفائدة للفقراء وغيرهم، إعانتهم على نوائب الدهر، مع ما في ذلك من سد ذريعة المفاسد، في تضخم الاموال، وحصرها في أناس معدودين، وهو المشار إليه بقوله تعالى في حكمة قسمة الفئ (كي لا يكون دولة بين

[ 346 ]

الاغنياء منكم) فهل يعقل أن يخرج من هذه المقاصد الشرعية كلها، التجار الذين ربما تكون معظم ثروة الامة في أيديهم؟ متى تصير العروض للتجارة؟: قال صاحب المغني (1): (ولا يصير العرض للتجارة، إلا بشرطين: الاول: أن يملكهب فعله كالبيع، والنكاح، والخلع، وقبول الهبة، والوصية، والغنيمة، واكتساب المباحات، لان ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه، لا يثبت بمجرد النية، كالصوم، ولا فرق بين أن يملكه بعوض أم بغير عوض، لانه ملكه بفعله، فأشبه الموروث. والثاني: أن ينوي عند تملكه، أنه للتجارة، فإن لم ينو عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة، وإن نواه بعد ذلك. وإن ملكه بإرث، وقصد أنه للتجارة، لم يصر للتجارة، لان الاصل القنية، والتجارة عارض، فلا يصير إليها بمجرد النية، كما لو نوى الحاضر السفر، لم يثبت له حكم السفر بدون الفعل، وإن اشترى عرضا للتجارة فنوى به الاقتناء صار للقنية، وسقطت الزكاة منه. (هامش) (1) وما في المهذب لا يخرج عن معناه. (.) كيفية تزكية مال التجارة: من ملك من عروض التجارة قدر نصاب، وحال عليه الحول قومه آخر الحول، وأخرج زكاته، وهو ربع عشر قيمته. وهكذا يفعل التاجر في تجارته كل حول، ولا ينعقد الحول حتى يكون القدر الذي يملكه نصابا (2)، فلو ملك عرضا، قيمته دون النصاب، فمضى جزء من الحول، وهو كذلك، ثم زادت قيمة النماء به، أو تغيرت الاسعار، فبلغ نصابا، أو باعه بنصاب، أو ملك في أثناء الحول عرضا آخر، أو أثمانا، تم بها النصاب، ابتدأ الحول من حينئذ ولا يحتسب بما مضى. (هامش) (2) يرى الامام مالك أن الحول ينعقد على ما دون النصاب، فإذا بلغ في آخره نصابا زكاه. (.)

[ 347 ]

وهذا قول الثوري والاحناف، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر. ثم إذا نقص النصاب أثناء الحول، وكمل في طرفيه، لا ينقطع الحول عند أبي حنيفة، لانه يحتاج إلى أن تعرف قيمته في كل وقت، ليعلم أن قيمته فيه تبلغ نصابا، وذلك يشق. وعند الحنابلة: أنه إذا نقص أثناء الحول، ثم زاد حتى بلغا نصابا، استأنف الحول عليه، لكونه انقطع بنقصه في أثنائه. زكاة الزروع والثمار وجوبها: أوجب الله تعالى زكاة الزروع والثمار فقال: (يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) والزكاة تسمى نفقة، قال تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أمثر وءاتوا حقه يوم حصاده). قال ابن عباس: حقه، الزكاة المفروضة. وقال: العشر، ونصف العشر. الاصناف التي كانت تؤخذ منها الزكاة على عهد الرسول: وقد كانت الزكاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤخذ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. فعن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الاربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.

[ 348 ]

رواه الدار قطني، والحاكم، والطبراني، والبيهقي، وقال: رواته ثقات وهو متصل. قال ابن المنذر وابن عبد البر: وأجمع العلماء: على أن الصدقة واجبة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. وجاء في رواية ابن ماجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة. وفي إسناد هذه الرواية، محمد بن عبيدالله العرزمي وهو متروك.. الاصناف التي لم تكن تؤخذ منها: ولم تكن تؤخذ الزكاة من الخضروات، ولا من غيرها من الفواكه إلا العنب والرطب. فعن عطاء بن السائب: ان عبد الله بن المغيرة أراد أن يأخذ صدقة من أرض موسى بن طلحة من الخضروات فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (ليس في ذلك صدقة). رواه الدار قطني، والحاكم، والاثرم في سننه. وهو مرسل قوي. وقال موسى بن طلحة: جاء الاثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسة أشياء: الشعير، والحنطة، والسلت (1) والزبيب، والتمر، وما سوى ذلك مما أخرجت الارض فلا عشر فيه. وقال: إن معاذا لم يأخذ من الخضر صدقة. قال البيهقي: هذه الاحاديث كلها مراسيل، إلا أنها من طرق مختلفة، فيؤكد بعضها بعضا، ومعها من أقوال الصحابة عمر وعلي وعائشة. وروى الاثرم: أن عامل عمر كتب إليه في كروم فيها من الفرسك (2) والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافا؟ فكتب إليه: إنه ليس عليها عشر، هي من العضاه. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل (3) العلم: أنه ليس في الخضروات صدقة. وقال القرطبي: إن الزكاة تتعلق بالمقتات، دون الخضروات وقد (هامش) (1) (السلت) نوع من الشعير. (2) (الفرسك) الخوخ. (3) يقصد: أكثرهم. (.)

[ 349 ]

كان بالطائف الرمان والفرسك والاترج فما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منها زكاة، ولا أحد من خلفائه. قال ابن القيم: ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل والرقيق، ولا البغال، ولا الحمير، ولا الخضروات، ولا الاباطخ والمقاتي، والفواكه التي لا تكال ولا تدخر إلا العنب والرطب فإنه يأخذ الزكاة منه جملة، ولم يفرق بين ما يبس وما لم ييبس. رأي الفقهاء: لم يختلف أحد من العلماء في وجوب الزكاة في الزروع والثمار، وإنما اختلفوا في الاصناف التي تجب فيها، إلى عدة آراء نجملها فيما يلي: 1 - رأي الحسن البصري والشعبي أنه لا زكاة إلا في المنصوص عليه، وهو الحنطة، والشعير والذرة، والتمر، والزبيب. لان ما عداه لا نص فيه، واعتبر الشوكاني هذا، المذهب الحق. 2 - رأي أبي حنيفة: أن الزكاة واجبة في كل ما انبته الارض، لا فرق بين الخضروات وغيرها، واشترط أن يقصد بزراعته استغلال الارض ونماؤها عادة، واستثنى الحطب، والقصب الفارسي (1) والحشيش، والشجر الذي لا ثمر له. واستدل لذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم. (فيما سقت السماء العشر) وهذا عام يتناول جميع أفراده، ولانه يقصد بزراعته نماء الارض فأشبه الحب. 3 - رأي أبي يوسف ومحمد: أن الزكاة واجبة في الخارج من الارض، بشرط أن يبقى سنة بلا علاج كثير، سواء أكان مكيلا كالحبوب، أو موزونا كالقطن والسكر. فإن كان لا يبقى سنة، كالقثاء والخيار، والبطيخ، والشمام ونحوها من الخضروات والفواكه، فلا زكاة فيه. (هامش) (1) (القصب الفارسي) هو البوص في اللغة العامية المصرية. (.)

[ 350 ]

4 - مذهب مالك: أنه يشترط فيما يخرج من الارض أن يكون مما يبقي وييبس ويستنيته بنو آدم، سواء أكان مقاتا كالقمح والشعير، أو غير مقتات، كالقرطم والسمسم، ولا زكاة عنده في الخضروات والفواكه، كالتين، والرمان والتفاح. 5 - وذهب الشافعي: إلى وجوب الزكاة فيما تخرجه الارض. بشرط أن يكون مما يقتات ويدخر، ويستنبته الادميون، كالقمح والشعير. قال النووي: مذهبنا: أنه زكاة في غير النخل والعنب من الاشجار. ولا في شئ من الحبوب إلا فيما يقتات ويدخر، ولا زكاة في الخضروات. وذهب أحمد: إلى وجوب الزكاة في كل ما أخرجه الله من الارض، من الحبوب، والثمار، مما ييبس، ويبقى، ويكال ويستنبته الادميون في أراضيهم (1) سواء أكان قوتا: كالحنطة، أو من القطنيات (2)، أو من الاباريز، كالكسبرة: والكراويا، أو من البذور: كبذر الكتان، والقثاء، والخيار، أو حب البقول: كالقرطم والسمسم. وتجب عنده أيضا، فيما جمع هذه الاوصاف من الثمار اليابسة كالتمر، والزبيب، والمشمش، والتين واللوز والبندق والفستق. ولا زكاة عنده في سائر الفواكه كالخوخ، والكمثرى والتفاح، والمشمش والتين، اللذين لا يجففان ولا في الخضروات كالقثاء، والخيار، والبطيخ، والباذنجان واللفت والجزر. (هامش) (1) وإن اشترى زرعا بعد بدو صلاحه أو ثمرة بدا صلاحها أو ملكها بجهة من جهات الملك لم تجب فيها الزكاة. (2) (القطنيات) هي الحبوب سوى البر والشعير سميت بذلك لانها تقطن في البيوت أي تخزن وهي كالعدس، والحمص، والبسلة، والجلبان، والترمس واللوبيا، والفول. (.) زكاة الزيتون: قال النووي: وأما الزيتون، فالصحيح عندنا أنه لا زكاة فيه: وبه قال الحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وأبو عبيد. وقال الزهري والاوزاعي، والليث، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة

[ 351 ]

وأبو ثور: فيه الزكاة. قال الزهري، والليث، والاوزاعي: يخرص فتؤخذ زكاته زيتا. وقال مالك: لا يخرص، بل يؤخذ العشر بعد عصره وبلوغه خمسة أوسق. انتهى. سبب الخلاف ومنشؤه: قال ابن رشد: وسبب الخلاف: أما بين من قصر الزكاة على الاصناف المجمع عليها، وبين من عداها إلى المدخر المقتات، فهو اختلافهم في تعلق الزكاة بهذه الاصناف الاربعة، هل هو لعينها، أو لعلة فيها، وهي الاقتيات؟ فمن قال: لعينها، قصر الوجوب عليها. ومن قال: لعلة الاقتيات، عدى الوجوب لجميع المقتات. وسبب الخلاف بين من قصر الوجوب على المقتات، وبين من عداه إلى جميع ما تخرجه الارض - إلا ما وقع عليه الاجماع من الحشيش، والحطب، والقصب - معارضة القياس لعموم اللفظ: أما اللفظ الذي يقتضي العموم، فهو قوله عليه الصلاة والسلام: (فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) و (ما) بمعنى الذي، و (الذي) من الفاظ العموم. وقوله تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات) الاية إلى قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده). وأما القياس فهو أن الزكاة إنما المقصود بن سد الحلة، وذلك لا يكون غالبا إلا فيما هو قوت. فمن خصص العموم بهذا القياس، أسقط الزكاة مما عدا المقتات. ومن غلب العموم، أوجبها فيما عدا ذلك، إلا ما أخرجه الاجماع. والذين اتفقوا على المقتات، اختلفوا في اشياء، من قبل اختلافهم فيها، هل هي مقتاتة أم ليست بمقتاتة، وهل يقاس على ما اتفق عليه أو ليس يقاس؟ مثل اختلاف مالك، والشافعي، في الزيتون، فإن مالكا ذهب إلى وجوب الزكاة فيه ومنع الشافعي ذلك في قوله الاخير بمصر.

[ 352 ]

وسبب اختلافهم، هل هو قوت، أو ليس بقوت. نصاب زكاة الزروع والثمار: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الزكاة لا تجب في شئ من الزروع والثمار، حتى تبلغ خمسة أوسق بعد تصفيتها من التبن والقشر، فإن لم تصف، بأن تركت في قشرها (1) فيشترط أن تبلغ عشرة أوسق. 1 - فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة). رواه أحمد، والبيهقي بسند جيد. 2 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة). والوسق، ستون صاعا بالاجماع، وقد جاء ذلك في حديث أبي سعيد، وهو حديث منقطع. وذهب أبو حنيفة ومجاهد إلى وجوب الزكاة في القليل والكثير، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر)، ولانه لا يعتبر له حول، فلا يعتبر له نصاب. قال ابن القيم - مناقشا هذا الرأى - وقد وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق، بالمتشابه من قوله: (فيما سقت السماء العشر وما سقي بنضح أو غرب فنصف العشر). قالوا. وهذا يعم القليل والكثير وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص وإذا تعارضا قدم الاحوط، وهو الوجوب. فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالاخر، وإلغاء أحدهما بالكلية، فإن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فرض في هذا، وفي هذا، ولا تعارض بينهما - بحمد الله تعالى - بوجه من الوجوه فإن قوله (فيما سقت السماء العشر) إنما أريد به التمييز، بين ما يجب فيه العشر، وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين، مفرقا بينهما في مقدار الواجب. وأما (هامش) (1) كالارز إذا ترك في قشره. (.)

[ 353 ]

مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبينه نصا في الحديث الاخر، فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما أول عليه ألبتة، إلى المجمل المتشابه، الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يقصدوا بيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصصها من النصوصين؟ اه وقال ابن قدامة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) متفق عليه: هذا خاص يجب تقديمه وتخصيص عموم ما رووه به كما خصصنا قوله: (في كل سائمة من الابل الزكاة) بقوله: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة) وقوله: (في الرقة ربع العشر) بقوله: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) ولانه مال تجب فيه الصدقة، فلم تجب في يسيره، كسائر الاموال الزكوية. وانما لم يعتبر الحول، لانه يكمل نماؤه باستحصاده، لا ببقائه. واعتبر الحول في غيره، لانه مظنة لكمال النماء في سائر الاموال. والنصاب اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه، فلهذا اعتبر فيه. يحققه: أن الصدقة إنما تجب على الاغنياء ولا يحصل الغني بدون النصاب، كسائر الاموال الزكوية. هذا، والصاع قدح وثلث. فيكون النصاب خمسين كيلة فإن كان الخارج لا يكال، فقد قال ابن قدامة: (ونصاب الزعفران والقطن، وما ألحق بهما من الموزونات، ألف وستمائة رطل بالعراقي، فيقوم وزنه مقامه. (1) قال أبو يوسف: إن كان الخارج مما لا يكال، لا تجب فيه الزكاة إلا إن بلغ قيمة نصاب من أدنى ما يكال. فلا تجب الزكاة في القطن إلا إذا بلغت قيمته خمسة أوسق، من أقل ما يكال، كالشعير ونحوه. لانه لا يمكن اعتباره بنفسه، فاعتبر بغيره، كالعروض يقوم بأدنى النصابين من الاثمان. (هامش) (1) الخمسة الاوسق تساوي ألفا وستمائة رطل عراقي والرطل العراقي 130 درهما تقريبا. (.)

[ 354 ]

وقال محمد: يلزم أن يبلغ خمسة أمثال من أعلى ما يقدر به نوعه، ففي القطن لا تجب فيه الزكاة إن بلغ خمسة قناطير، لان التقدير بالوسق فيما يوسق كان باعتبار أنه أعلى ما يقدر به نوعه. مقدار الواجب: يختلف القدر الذي يجب إخراجه، باختلاف السقي: فما سقي بدون استعمال آلة - بأن سقي بالراحة - ففيه عشر الخارج، فإن سقي بآلة أو بماء مشترى، ففيه نصف العشر. 1 - فعن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت السماء والبعل (1)، والسيل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) رواه البيهقي، والحاكم، وصححه. 2 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت السماء والعيون، أو كان عشريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) رواه البخاري، وغيره. فإن كان يسقى تارة بآلة، وتارة بدونها، فإن كان ذلك على جهة الاستواء ففيه ثلاثة أرباع العشر. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا، وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الاقل تابعا للاكثر، عند أبي حنيفة، وأحمد، والثوري، وأحمد قولي الشافعي. (هامش) (1) البعل والعثري: الذي يشرب بعرقه دون سقي، والنضح: السقي من ماء بئر أو نهر بساقية. (.) وتكاليف الزرع من خصاد وحمل ودياسة، وتصفية، وحفظ، وغير ذلك من خالص مال المالك، ولا يحسب منها شئ من مال الزكاة. ومذهب ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنه يحسب ما اقترضه من أجل زرعه وثمره. عن جابر بن زيد: عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما - في الرجل

[ 355 ]

يستقرض فينفق على ثمرته وعلى أهله - قال: قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيقضيه ويزكي ما بقي. قال (1) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يقضي ما أنفق على الثمرة، ثم يزكي ما بقي (2) رواه يحيى بن آدم في الخراج. وذكر ابن حزم عن عطاء: أنه يسقي مما أصاب النفقة فإن بقي مقدار ما فيه الزكاة زكي، وإلا فلا. (هامش) (1) قوله: (قال الخ) أي قال جابر. (2) اتفق ابن عباس وابن عمر على قضاء ما أنفق على الثمرة وزكاة الباقي واختلفا في قضاء ما ما أنفق على أهله. (.) الزكاة في الارض الخراجية: تنقسم الارض إلى: 1 - عشرية (3) وهي الارض التي أسلم أهلها عليها طوعا، أو فتحت عنوة وقسمت بين الفاتحين، أو التي أحياها المسلمون. 2 - وخراجية، وهي الارض التي فتحت عنوة، وتركت في أيدي أهلها، نظير خراج معلوم. والزكاة كما تجب في أرض العشر، تجب كذلك في أرض الخراج، إذا أسلم أهلها، أو اشتراها المسلم، فيجتمع فيها العشر والخراج، ولا يمنع أحدهما وجوب الاخر. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر العلماء. وممن قال به، عمر بن عبد العزيز، وربيعة، والزهري، ويحيى الانصاري ومالك، والاوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، والليث، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة، والمعقول - أي القياس -. أما الكتاب فقول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) فأوجب الانفاق من الارض (هامش) (3) (عشرية) أي التي تجب فيها زكاة العشر. (.)

[ 356 ]

مطلقا، سواء كانت الارض خراجيه، أو عشرية. وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: (فيما سقت السماء العشر) وهو عام يتناول العشرية والخراجية. وأما المعقول، فلان الزاكة والخراج حقان بسببين مختلفين لمستحقين فلم يمنع أحدهما الاخر، كما لو قتل المحرم صيدا مملوكا. ولان العشر وجب بالنص، فلا يمنعه الخراج الواجب بالاجتهاد. وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا عشر في أرض الخراجية، وإنما الواجب فيها الخراج فقط كما كانت، وإن من شروط وجوب العشر أن لا تكون الارض خراجية. أدلة أبي حنيفة ومناقشتها: استدل الامام أبو حنيفة لمذهبه: 1 - بما رواه ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم). وهذا الحديث مجمع على ضعفه، انفرد به يحيى بن عنبسة، عن أبي حنيفة، عن حماد عن إبراهيم النخعي عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي في معرفة السنن والاثار: (هذا المذكور إنما يرويه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم من قوله، فرواه يحيى هكذا مرفوعا. ويحيى بن عنبسة مكشوف الامر في الضعف لروايته عن الثقات، الموضوعات. قاله أبو أحمد ابن عدي الحافظ فيما أخبرنا به أبو سعيد الماليني عنه). وضعفه كذلك الكمال بن الهمام من أئمة الحنفية (1). 2 - وربما رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، قالها (هامش) (1) رجح الكمال مذهب الجمهور، وناقش مذهبه بما لا يخرج عن مضمون هذا النقاش. (.)

[ 357 ]

ثلاثا، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه) (1). وليس في هذا الحديث دلالة على عدم أخذ الزكاة من الارض الخراجية، فقد أوله العلماء على معنى أنهم سيسلمون، وتسقط الجزية عنهم. أو أنه إشارة إلى الفتن التي تقع آخر الزمان، المؤدية إلى منع الحقوق الواجبة عليهم، من زكاة، وجزية، وغيرهما. قال النووي - عقب التأويلين -: لو كان معنى الحديث ما زعموه، للزم أن لا تجب زكاة الدراهم والدنانير والتجارة، وهذا لا يقول به أحد. 3 - وروى: (أن دهقان بهر الملك، لما أسلم، قال عمر بن الخطاب: سلموا إليه الارض، وخذوا منه الخراج. وهذا صريح في الامر بأخذ الخراج، دون الامر بأخذ العشر). وهذه القصة يقصد بها أن الخراج لا يسقي بإسلامه، ولا يلزم من ذلك سقوط العشر، وإنما ذكر الخراج، لانه ربما يتوهم سقوطه بالاسلام كالجزية، وأما العشر، فمعلوم أنه واجب على الحر المسلم فلم يحتج إلى ذكره. كما أنه لم يذكر أخذ زكاة الماشية منه. وكذك زكاة النقدين، وغيرها، أؤ لان الدهقان لم يكن له ما يجب فيه العشر. 4 - (وأن عمل الولاة والائمة على عدم الجمع بين العشر والخراج). وهذا ممنوع بما نقله ابن المنذر من أن عمر بن عبد العزيز جمع بينهما. 5 - (وأن الخراج يباين العشر: فإن الخراج وجب عقوبة بينما العشر وجب عبادة، ولا يمكن اجتماعهما في شخص واحد فيجبا عليه معا. وهذا صحيح في حالة الابتداء، ممنوع في حالة البقاء وليس كل صور الخراج أساسها العنوة والقهر، بل يكون في بعض صورة مع عدم العنوة، كما في الارض القريبة من أرض الخراج، أو التي أحياها وسقاها بماء الانهار الصغار. 6 - (أن سبب كل من الخراج والعشر واحد، وهو الارض النامية، (هامش) (1) وجه الدلالة في الحديث: أنه إخبار عما يكون من منع الحقوق الواجبة وبين هذه الحقوق، وأنها عبارة عن الخراج، فلو كان العشر واجبا لذكره معه. (.)

[ 358 ]

حقيقة، أو حكما، بدليل أنها لو كانت سبخة لا منفعة لها، لا يجب فيها خراج ولا عشر، وإذا كان السبب واحدا، فلا يجتمعان معا في أرض واحدة، لان السبب الواحد لا يتعلق به حقان من نوع واحد، كما إذا ملك نصابا من السائمة للتجارة سنة، فإنه لا يلزمه زكاتان). والجواب: أن الامر ليس كذلك، فإن سبب العشر الزرع الخارج من الارض، والخراج يجب على الارض، سواء زرعها أم أهملها. وعلى تسليم وحدة السببية، فلا مانع من تعلق الوظيفتين بالسبب الواحد، الذي هو الارض. كما قال الكمال ابن الهمام.. يرى جمهور العلماء أن من استأجر أرضا فزرعها فالزكاة عليه، دون مالك الارض. وقال أبو حنيفة: الزكاة على صاحب الارض. قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم، هل العشر حق الارض أو حق الزرع؟ فلما كان عندهم أنه حق لاحد الامرين، اختلفوا في أيهما أولى أن ينسب إلى موضع الانفاق. وهو كون الزرع والارض لمالك واحد. فذهب الجمهور: إلى أنه ما تجب فيه الزكاة، وهو الحب. وذهب أبو حنيفة: إلى أنه ما هو أصل الوجوب، وهو الارض. ورجح ابن قدامة رأي الجمهور فقال: (إنه واجب في الزرع، فكان على مالكه، كزكاة القيمة، فيما إذا أعده للتجارة، وكعشر زرعه في ملكه، ولا يصح قولهم: إنه من مؤنة الارض لانه لو كان من مؤنتها، لوجب فيها، وإن لم تزرع، كالخراج، ولوجب على الذمي، كالخراج، ولتقدر بقدر الارض لا بقدر الزرع، ولوجب صرفه إلى مصارف الفئ، دون مصرف الزكاة. تقدير النصاب في النخيل والاعناب بالخرص (1) دون الكيل: إذا أزهى النخيل والاعناب، وبدا صلاحها، اعتبر تقدير النصاب فيها (هامش) (1) (الخرص) الحزر والتخمين. (.)

[ 359 ]

بالخرص دون الكيل، وذلك بأن يحصي الخارص الامين العارف، ما على النخيل، والاعناب، من العنب والرطب، ثم يقدره تمرا وزبيبا، ليعرف مقدار الزكاة فيه، فإذا جفت الثمار أخذ الزكاة التي سبق تقديرها منها. فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى، إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اخرصوا، وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، فقال لها: أحصي ما يخرج منها) رواه البخاري. هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل أصحابه من بعده وإليه ذهب أكثر أهل العلم (1). وخالف في ذلك الاحناف: لان الخرص ظن وتخمين، لا يلزم به حكم. وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى، فإن الخرص ليس من الظن في شئ، بل هو اجتهاد في معرفة قدر الثمر، كالاجتهاد في تقويم المتلفات. وسبب الخرص، أن العادة جرت بأكل الثمار رطبا، فكان من الضروري إحصاء الزكاة قبل أن تؤكل وتصرم (2) ومن أجل أن يتصرف أربابها بما شاءوا، ويضمنوا قدر الزكاة. وعلى الخارص، أن يترك في الخرص الثلث، أو الربع، توسعة على أرباب الاموال، لانهم يحتاجون إلى الاكل منه، هم وأضيافهم وجيرانهم. وتنتاب الثمرة النوائب من أكل الطير والمارة وما تسقطه الريح، فلو أحصي الزكاة من الثمر كله، دون استثناء الثلث، أو الربع، لاضر بهم. فعن سهل بن أبي حثمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع (3)) رواه أحمد، وأصحاب السنن، إلا ابن ماجه. ورواه الحاكم، وابن حبان وصححاه. قال الترمذي: والعمل على حديث سهل، عند أكثر أهل العلم. (هامش) (1) يرى مالك أنه واجب. وعند الشافعي وأحمد: سنة. (2) (تصرم) تقطع. (3) يتبع ذلك كثرة الاكلة وقلتهم فالثلث إذا كثروا، والربع إذا قلوا. (.)

[ 360 ]

وعن بشير بن يسار قال: بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا حثمة الانصاري على خرص أموال المسلمين، فقال: إذا وجدت القوم في نخلهم قد خرفوا (1) فدع لهم ما يأكلون، لا تخرصه عليهم. وعن مكحول قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص قال: (خففوا على الناس، فإن في المال العرية والواطئة والاكلة) رواه أبو عبيد. وقال: الواطئة (السابلة) سموا بذلك، لوطئهم بلاد الثمار مجتازين. والاكلة: أرباب الثمار، وأهلوهم، ومن لصق بهم. (هامش) (خرفوا) اي أقاموا في نخلهم وقت الخريف. (.) الاكل من الزرع: يجوز لصاحب الزرع أن يأكل من زرعه، ولا يحسب عليه ما أكل منه قبل الحصاد، لان العادة جارية به، وما يؤكل شئ يسير. وهو يشبه ما يأكله أرباب الثمار من ثمارهم فإذا حصد الزرع، وصفى الحب، أخرج زكاة الموجود. سئل أحمد عما يأكل أرباب الزروع من الفريك؟ قال: لا بأس أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه. وكذلك قال الشافعي، والليث، وابن حزم (2). (هامش) (2) قال مالك وأبو حنيفة: يحسب على الرجل ما أكل من زرعه قبل الحصاد من النصاب. (.) ضم الزروع والثمار اتفق العلماء على أنه يضم أنواع الثمر بعضه إلى بعض، وإن اختلف في الجودة، والرداءة واللون، وكذا يضم أنواع الزبيب بعضها إلى بعض وأنواع الحنطة، بعضها إلى بعض، وكذا أنواع سائر الحبوب (3). واتفقوا أيضا على أن عروض التجارة تضم إلى الاثمان وتضم الاثمان إليها، إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما اشتريت به، لان نصابها معتبر به. واتفقوا على أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر، في تكميل النصاب، في غير الحبوب والثمار. (هامش) (3) إن ضم الجيد إلى الردئ أخذت الزكاة بحسب قدر كل واحد منهما، فإن كان الثمر أصنافا أخذ من وسطه. (.)

[ 361 ]

فالماشية لا يضم جنس منها إلى جنس آخر. فلا يضم الابل إلى البقر في تكميل النصاب، والثمار لا يضم جنس إلى غيره، فلا يضم التمر إلى الزبيب. واختلفوا في ضم الحبوب المختلفة، بعضها إلى بعض. وأولى الاراء وأحقها: أنه لا يضم شئ منها في حساب النصاب، ويعتبر النصاب في كل جنس منها قائما بنفسه، لانها أجناس مختلفة، وأصناف كثيرة، بحسب أسمائها فلا يضم الشعير إلى الحنطة، ولا هي إليه، ولا التمر إلى الزبيب، ولا هو إليه، ولا المحص إلى العدس. وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وإحدى الروايات عن أحمد، وإليه ذكب كثير من علماء السلف. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه لا تضم الابل إلى البقر، ولا إلى الغنم، ولا البقر إلى الغنم، ولا التمر إلى الزبيب، فكذا لا ضم في غيرها، وليس للقائلين بضم الاجناس دليل صحيح صريح فيما قالوه. متى تجب الزكاة في الزروع والثمار: تجب الزكاة في الزروع إذا اشتد الحب وصار فريكا، وتجب في الثمار إذا بدا صلاحها، ويعرف ذلك باحمرار البلح، وجريان الحلاوة في العنب (1). ولا تخرج الزكاة إلا بعد تصفية الحب وجفاف الثمر. وإذا باع الزارع زرعه بعد اشتداد الحب، وبدو صلاح الثمر فزكاة زرعه وثمره عليه، دون المشتري، لان سبب الوجوب العقد، وهو في ملكه. (هامش) (1) هذا مذهب الجمهور، وعند أبي حنيفة ينعقد سبب الوجوب بخروج الزروع وظهور الثمر. (.) إخراج الطيب في الزكاة: أمر الله سبحانه المزكي بإخراج الطيب من ماله، ونهاه عن التصدق بالردئ، فقال: (يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا (2) الخبيث (3) منه تنفقون ولستم (هامش) (2) (تيمموا) أي تقصدوا. (3) (الخبيث) أي الردئ غير الجيد. (.)

[ 362 ]

بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه (1) واعملوا أن الله غني حميد). روى أبو داود والنسائي، وغيرهما، عن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لونين من التمر: الجعرور (2)، ولون الحبيق (3). وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم فيخرجونها في الصدقة. فنهوا عن ذلك، ونزلت: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون). وعن البراء قال: في قوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) نزلت فينا معشر الانصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو، والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة (4) ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع، أتى القنو فضربه بعصاه فسقط البسر والتمر، فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص، والحشف والقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل الله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه). قال: لو أن أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض وحياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب. قال الشوكاني: فيه دليل على أنه لا يجوز للمالك أن يخرج الردئ عن الجيد الذي وجبت فيه الزكاة، نصا في التمر، وقياسا في سائر الاجناس التي تجب فيها الزكاة وكذلك لا يجوز للمصدق أن يأخذ ذلك. (هامش) (1) (تغمضوا) أي تتغاضوا في أخذه. (2 و 3) (الجعرور والحبيق) نوعان رديئان من التمر. (4) (أهل الصفة) أي فقراء المهاجرين. (.) ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا زكاة في العسل. قال البخاري: ليس في زكاة العسل شئ يصح. (5) (هامش) (5) أي عن النبي صلى الله عليه وسلم. (.)

[ 363 ]

وقال الشافعي: واختياري ألا يؤخذ منه، لان السنن والاثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست ثابتة فيه، فكان عفوا. وقال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت، ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وهو قول الجمهور. وذهب الحنفية، وأحمد: إلى أن في العسل زكاة، لانه وإن لم يصح في إيجابه حديث، إلا أنه جاء فيه آثار يقوي بعضها بعضا، ولانه يتولد من نور الشجر، والزهر، ويكال ويدخر، فوجبت فيه الزكاة، كالحب والتمر، ولان الكلفة فيه دون الكلفة في الزروع والثمار. واشترط أبو حنيفة في إيجاب الزكاة في العسل، أن يكون في أرض عشرية ولم يشترط نصابا له، فيؤخذ العشر من قليله وكثيره. وعكس الامام أحمد، فاشترط أن يبلغ نصابا، وهو عشرة أفراق، والفرق ستة عشر رطلا عراقيا (1). وسوى بين وجوده في الارض الخراجية، أو العشرية. وقال أبو يوسف: نصابه عشرة أرطال. وقال محمد: بل هو خمسة أفراق. والفرق، ستة وثلاثون رطلا. (هامش) (1) الرطل العراقي 130 درهما. وهذا ظاهر كلام أحمد. (.) زكاة الحيوان جاءت الاحاديث الصحيحة، مصرحة بإيجاب الزكاة في الابل، والبقر، والغنم، وأجمعت الامة على العمل. ويشترط لايجاب الزكاة فيها: (1) أن تبلغ نصابا (2) وأن يحول عليها الحول (3) وأن تكون سائمة، أي راعية من الكلا المباح أكثر العام (2). والجمهور على اعتبار هذا الشرط، ولم يخالف فيه غير مالك، والليث فإنهما أوجبا الزكاة في المواشي مطلقا: سواء أكانت سائمة، أو معلوفة، (هامش) (2) هذا رأيي أبي حنيفة وأحمد. وعند الشافعي: إن علفت قدرا تعيش بدونه وجبت فيها الزكاة وإلا فلا، وهي تصبر على العلف يومين لا أكثر. (.)

[ 364 ]

عاملة (1) أو غير عاملة. لكن الاحاديث جاءت مصرحة بالتقييد بالسائمة، وهو يفيد بمفهومه: أن المعلوفة لا زكاة فيها، لانه لا بد للكلام عن فائدة، صونا له عن اللغو. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بقول مالك، والليث، من فقهاء الامصار. (هامش) (1) (عاملة) أي معدة للحمل وغيره. (.) زكاة الابل: لا شئ في الابل حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغت خمسا، سائمة، وحال عليها الحول، ففيها شاة (2). فإذا بلغت عشرا، ففيها شاتان، وهكذا كلما زادت خمسا زادت شاة. فإذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها بنت مخاض (وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية) أو ابن لبون (3) (وهو الذي له سنتان ودخل في الثالثة). فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون. وفي ست وأربعين حقه (وهي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة). وفي إحدى وستين جذعة (وهي التي لها أربع سنين ودخلت في الخامسة) وفي ست وسبعين بنتا لبون. وفي إحدى وتسعين حقتان، إلى مائة وعشرين. فإذا زادت، ففي كل أربعين، ابنة لبون. وفي كل خمسين حقة. فإذا تباين أسنان الابل في فرائض الصدقات، فمن بلغت عنده صدقة الجذعة - وليست عنده جذعة، وعنده حقة - فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة الحقة - وليست عنده إلا جذعة - فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين. (هامش) (2) (شاة) أي جذع من الضأن، وهو ما أتى عليه أكثر السنة. أو ثني من المعز، وهو ما له سنة. (3) لا يؤخذ الذكور في الزكاة إذا كان في النصاب إناث غير ابن اللبون عند عدم وجود بنت المخاض، فإذا كانت الابل كلها ذكور جاز أخذ الذكور. (.)

[ 365 ]

ومن بلغت عنده صدقة الحقة - وليست عنده. وعنده ابنة لبون - فنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا له، أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون - وليست عنده الاحقة - فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون - وليست عنده ابنة لبون، وعنده ابنة مخاض - فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا له أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض - وليس عنده إلا ابن لبون ذكر - فإنه يقبل منه، وليس معه شئ. ومن لم تكن معه إلا أربع من الابل، فليس فيها شئ، إلا أن يشاء ربها (1). هذه فريضة صدقة الابل، التي عمل بها الصديق رضي الله عنه، بمحضر من الصحابة، ولم يخالفه أحد. فعن الزهري عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب الصدقة، ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي فأخرجها أبو بكر رضي الله عنه فعمل بها حتى توفي، ثم أخرجها عمر رضي الله عنه من بعده فعمل بها، قال: فلقد هلك عمر يوم هلك، وإن ذلك لمقرون بوصيته. (هامش) (1) قال الشوكاني: ذلك ونحوه يدل على أن الزكاة واجبة في العين ولو كانت القيمة هي الواجبة لكان ذكر ذلك عبثا، لانها تختلف باختلاف الازمنة والامكنة. (.) زكاة البقر (2): وأما البقر فلا شئ فيها، حتى تبلغ ثلاثين سائمة، فإذا بلغت ثلاثين سائمة، وحال عليها الحول ففيها تبيع، أو تبيعة (وهو ما له سنة) ولا شئ فيها غير ذلك حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة (3) (وهي ما لها سنتان) ولا شئ فيها حتى تبلغ ستين، فإذا بلغت ستين، ففيها تبيعان. (هامش) (2) يشمل الجاموس. (3) مذهب الاحناف أنه يجوز إخراج المسنة والمسن. وقال غيرهم: يلزم في الاربعين مسنة أنثى، فقط إلا إذا كانت كلها ذكورا فإنه يجوز الاخراج منها اتفاقا. (.)

[ 366 ]

وفي السبعين مسنة، وتبيع، وفي الثمانين، مسنتان، وفي التسعين، ثلاثة أتباع. وفي المائة، مسنة، وتبيعان، وفي العشرة والمائة، مسنتان، وتبيع. وفي العشرين والمائة، ثلاث مسنات، أو أربعة أتباع وهكذا ما زاد ففي كل ثلاثين، تبيع، وفي كل أربعين مسنة. زكاة الغنم (1): لا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين سائمة وحال عليها الحول، ففيها شاة، إلى مائة وعشرين، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، إلى مائتين، فإذا بلغت مائتين وواحدة، ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإذا زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة شاة. ويؤخذ الجذع من الضأن، والثني من المعز. هذا ويجوز إخراج الذكور في الزكاة اتفاقا، إذا كان نصاب الغنم كله ذكورا. فإن كان إناثا، أو ذكورا وإناثا، جاز إخراج الذكور عند الاحناف وتعينت الانثى عند غيرهم. (هامش) (1) يشمل الضأن والمعز، وهما جنس واحد، يضم أحدهما إلى الاخر بالاجماع، كما قال ابن المنذر. (.) حكم الاوقاص: الاوقاص: جمع وقص، وهي ما بين الفريضتين، وهو باتفاق العلماء عفو لا زكاة فيه. فقد ثبت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة الابل: (فإذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستا وثلاثين، إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى). وفي صدقة البقر يقول: (فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع، جذع أو جذعة، حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين، ففيها بقرة مسنة). وفي صدقة الغنم يقول: (وفي سائمة الغنم، إذا كانت أربعين، ففيها شاة، إلى عشرين ومائة).

[ 367 ]

فما بين الخمس والعشرين، وبين الست والثلاثين من الابل وقص، لا شئ فيها. وما بين الثلاثين، وبين الاربعين من البقر وقص كذلك. وهكذا في الغنم. ما لا يؤخذ في الزكاة: يجب مراعاة حق أرباب الاموال عند أخذ الزكاة من أموالهم، فلا يؤخذ من كرائمها وخيارها، إلا إذا سمحت أنفسهم بذلك. كما يجب مراعاة حق الفقير. فلا يجوز أخذ الحيوان المعيب، عيبا يعتبر نقصا عند ذي الخبرة بالحيوان، إلا إذا كانت كلها معيبة وإنما تخرج الزكاة من وسط المال. 1 - ففي كتاب أبي بكر: (ولا تؤخذ في الصدقة هرمة (1)، ولا ذات عوار (2)، ولا تيس). وعن سفيان بن عبد الله الثقفي: (أن عمر رضي الله عنه نهى المصدق أن يأخذ الاكولة (3)، والربى (4)، والماخض (5) وفحل الغنم (6)). 3 - عن عبد الله بن معاوية الغاضري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الايمان: من عبد الله وحده، وأن لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله، طيبة بها نفسه. رافدة عليه (7) كل عام، ولا يعطى الهرمة، ولا الدرنة (8) ولا المريضة، ولا الشرط (9) ولا اللئيمة (10)، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره) رواه أبو داود، والطبراني، بسند جيد. (هامش) (1) (هرمة) أي التي سقطت أسنانها. (2) (ذات عوار) أي العوراء. (3) (الاكولة) أي العاقر من الشاة. (4) (الربى) أي الشاة تربى في البيت للبنها. (5) (الماخض) أي التي حان ولادها. (6) فحل الغنم) أي التيس المعد للنزو. (7) من الرفد، وهو الاعانة، أي معينة له على أداء الزكاة. (8) (الدرنة) أي الجرباء. (9) (الشرط) أي صغار المال وشراره. (10) (اللئيمة) أي البخيلة باللبن. (.)

[ 368 ]

زكاة غير الانعام: لا زكاة في شئ من الحيوانات غير الانعام. فلا زكاة في الخيل والبغال والحمير، إلا إذا كانت للتجارة. فعن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق، ولا صدقة فيهما) رواه أحمد وأبو داود بسند جيد. وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الحمر، فيها زكاة؟ فقال: (ما جاء فيها شئ إلا هذه الاية الفذة (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)) رواه أحمد. وقد تقدم جميعه. وعن حارثة بن مضرب: أنه حج مع عمر فأتاه أشراف الشام، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا أصبنا رقيقا، ودواب، فخذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، وتكون لنا زكاة، فقال: هذا شئ لم يفعله اللذان قبلي (1) ولكن انتظروا حتى أسأل المسلمين. أورده الهيثمي، وقال: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. وروى الزهري عن سلمان بن يسار: أن أهل الشام قالوا لابي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: (خذ من خيلنا ورقيقنا صدقه، فأبى، ثم كتب إلى عمر فأبى، فكلموه أيضا، فكتب إلى عمر. فكتب إليه عمر: (إن أحبوا فخذها منهم، وارددها عليهم (2) وارزق رقيقهم) رواه مالك والبيهقي. (هامش) (1) يقصد النبي عليه الصلاة والسلام، وأبا بكر رضي الله عنه. (2) أي على الفقراء منهم. (.) زكاة الفصلان والعجول والحملان (3): من ملك نصابا من الابل، أو البقر، أو الغنم، فنتجت في أثناء الحول، وجبت زكاة الجميع، عند تمام حول الكبار وأخرج عن الاصل وعن النتاج، زكاة المال الواحد، في قول أكثر أهل العلم. (هامش) (3) جمع فصيل وعجل وجمل: وهي الصغار التي لم يتم لها سنة. (.)

[ 369 ]

لما رواه مالك، والشافعي، عن سفيان بن عبد الله الثقفي أن عمر بن الخطاب قال: تعد عليهم السخلة (1) يحملها الراعي، ولا تأخذها، ولا تأخذ الاكولة، ولا الربى، ولا الماخض ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء (2) المال وخياره. ويرى أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور: أنه لا يحسب النتاج ولا يعتد به، إلا أن تكون الكبار نصابا. وقال أبو حنيفة أيضا: تضم الصغار إلى النصاب، سواء كانت متولدة منه، أم اشتراها، وتزكى بحوله. واشترط الشافعي: أن تكون متولدة من نصاب، في ملكه قبل الحول. أما من ملك نصابا من الصغار، فلا زكاة عليه، عند أبي حنيفة، ومحمد، وداود، والشعبي، ورواية عن أحمد. لما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والدار قطني، والبيهقي، عن سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: (إن في عهدي أن لا تأخذ من راضع لبن) الحديث وفي إسناده هلال بن حباب، وقد وثقه غير واحد، وتكلم فيه بعضهم. وعند مالك، ورواية عند أحمد: تجب الزكاة في الصغار كالكبار، لانها تعد مع غيرها، فتعد منفردة. وعند الشافعي وأبي يوسف: يجب في الصغار واحدة صغيرة منها. (هامش) (1) (السخلة) اسم يقع على الذكر والانثى، من أولاد الغنم، ساعة ما تضعه الشاة، ضأنا كانت، أو معزا. (.) (2) (غذاء) جمع غذي كفي. وهي الدخان. (.) ما جاء في الجمع والتفريق: 1 - عن سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: (إنا لا نأخذ من راضع لبن، ولا نفرق بين مجتمع، ولا نجمع بين متفرق. وأتاه رجل بناقة كوماء (3) فأبى أن يأخذها) رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. (هامش) (3) (ناقة كوماء) أي عظيمة السنام. وأبي أن يأخذها، لانها من خيار الماشية. (.)

[ 370 ]

2 - وحدث أنس (أن أبا بكر كتب إليه: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين) وفيه: (ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) (1) رواه البخاري. قال مالك في الموطأ: معنى هذا أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة، وجبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحد (2) أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقونها، حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة (3). وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة، وللساعي من جهة، فأمر كل منهما أن لا يحدث شيئا، من الجمع والتفريق خشية الصدقة. فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة، فيجمع، أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة، فيجمع أو يفرق لتكثر (4) فمعنى قوله: خشية الصدقة، أي خشية أن تكثر، أو تقل، فلما كان محتملا للامرين، لم يكن الحمل على أحدهما أولى من الاخر، فحمل عليهما معا. وعند الاحناف: أن هذا نهي للسعاة أن يفرقوا ملك الرجل الواحد، تفريقا يوجب عليه كثرة الصدقة، مثل رجل له عشرون ومائة شاة، فتقسم عليه إلى أربعين، ثلاث مرات، لتجب فيها ثلاث شياه، أو يجمعوا ملك رجل واحد إلى ملك رجل آخر، حيث يوجب الجمع كثرة الصدقة. مثل أن يكون لواحد مائة شاة وشاة، ولاخر مثلها، فيجمعها الساعي ليأخذ ثلاث شياه، بعد أن كان الواجب شاتين. (هامش) (1) قال الخطابي: معناه، أن يكون بينهما أربعون شاة مثلا، لكل واحد منهما عشرون، قد عرف كل منهما عين ماله، فيأخذ المصدق من أحدهما فيرجع المأخوذ من ماله على شريكه بقيمة نصف شاة. (2) مثال الجمع بين المفترق. (3) تمثيل للتفريق بين المجتمع (4) كأن يكون لكل واحد من الخليطين أربعون شاة، فيفرق الساعي بينهما، ليأخذ منهما شاتين، بعد أن كان عليهما شاة واحدة، أو يكون لشخص عشرون شاة، ولاخر مثلها، فيجمع بينهما، ليأخذ شاة، بعد أن كان لا يجب على واحد منهما. (.)

[ 371 ]

هل للخلطة تأثير؟: ذهب الاحناف: إلى أنه لا تأثير للخلطة، سواء كانت خلطة شيوع (1) أو خلطة جوار (2) فلا تجب الزكاة في مال مشترك إلا إذا كان نصيب كل واحد يبلغ نصابا على انفراد. فإن الاصل الثابت المجمع عليه، أن الزكاة لا تعتبر إلا بملك الشخص الواحد. وقالت المالكية: خلطاء الماشية كمالك واحد في الزكاة ولا أثر للخلطة، إلا إذا كان كل من الخليطين يملك نصابا، بشرط اتحاد الراعي، والفحل، والمراح - المبيت - ونية الخلطة، وأن يكون مال كل واحد متمايزا عن الاخر، وإلا كانا شريكين، وأن يكون كل منهما أهلا للزكاة. ولا تؤثر الخلطة إلا في المواشي. وما يؤخذ من المال يوزع على الشركاء بنسبة ما لكل، ولو كان لاحد الشركاء مال غير مخلوط اعتبر كله مخلوطا. وعند الشافعية: أن كل واحدة من الخلطتين تؤثر في الزكاة، ويصير مال الشخصين، أو الاشخاص كمال واحد. ثم قد يكون أثرها في وجوب الزكاة، وقد يكون في تكثيرها، وقد يكون في تقليلها. مثال أثرها في الايجاب: رجلان لكل واحد عشرون شاة، يجب بالخلطة شاة، ولو انفردا لم يجب شئ. ومثال التكثير: خلط مائة شاة وشاة بمثلها، يجب على كل واحد شاة ونصف، ولو انفردا، وجب على كل واحد شاة فقط. ومثل التقليل، ثلاثة، لكل واحد أربعون شاة خلطوها. يجب عليهم جميعا شاة، أي أنه يجب ثلث شاة على الواحد، ولو انفرد لزمه شاة كاملة. واشترطوا لذلك: 1 - أن يكون الشركاء من أهل الزكاة. 2 - وأن يكون المال المختلط نصابا. (هامش) (1) هي ما كان المال مشتركا ومشاعا بين الشركاء. (2) هي ما كانت ماشية كل من الخلطاء متميزة، ولكنها متجاورة مختلطة في المراح والمسرح الخ. (.)

[ 372 ]

3 - وأن يمضي عليه حول كامل. 4 - وأن لا يتميز واحد من المال عن الاخر في المراح (1) والمسرح (2) والمشرب والراعي والمحلب (3). 5 - وأن يتحد الفحل إذا كانت الماشية من نوع واحد. وبمثل ما قالت الشافعية، ذهب أحمد، إلا أنه قصر تأثير الخلطة على المواشي، دون غيرها، من الاموال. (هامش) (1) (المراح) أي مأواها ليلا. (2) (المسرح) أي المرتع الذي ترعى فيه. (3) (المحلب) أي الموضع الذي تحلب فيه. (.) زكاة الركاز والمعدن معنى الركاز: الركاز مشتق من ركز يركز: إذا خفي، ومنه قول الله تعالى: (أو تسمع لهم ركزا) أي صوتا خفيا. والمراد به هنا: ما كان من دفن الجاهلية (4). قال مالك: الامر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمعت أهل العلم يقولون: ان الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية، ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه نفقة ولا كبير عمل، ولا مؤونة. فأما ما طلب بمال، وتكلف فيه كبير عمل، فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز. وقال أبو حنيفة: هو اسم لما ركزه الخالق، أو المخلوق. (هامش) (4) (دفن) أي المدفون من كنوز الجاهلية، ويعرف ذلك بكتابة أسمائهم، ونقش صورهم ونحو ذلك، فإن كان عليه علامة الاسلام فهو لقطة، وليس بكنز وكذلك إذا لم يعرف، هل هو من دفن الجاهلية أو الاسلام. (.) معنى المعدن وشرط زكاته عند الفقهاء: والمعدن: مشتق من عدن في المكان، يعدن عدونا، إذا أقام به إقامة، ومنه قوله تعالى (جنات عدن) لانها دار إقامة وخلود.

[ 373 ]

وقد اختلف العلماء في المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة. فذهب أحمد: إلى أنه كل ما خرج من الارض مما يخلق فيها من غيرها، مما له قيمة، مثل الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، والياقوت، والزبرجد، والزمرد، والفيروزج، والبلور، والعقيق، والكحل والزرنيخ، والقار (1) والنفط (2) والكبريت، والزاج، ونحو ذلك. واشترط فيه، أن يبلغ الخارج نصابا بنفسه، أو بقيمته. وذهب أبو حنيفة: إلى أن الوجوب يتعلق بكل ما ينطبع ويذوب بالنار، كالذهب، والفضة، والحديد والنحاس. أما المائع، كالقار، أو الجامد الذي لا يذوب بالنار، كالياقوت، فإن الوجوب لا يتعلق به، ولم يشترط فيه نصابا، فأوجب الخمس، في قليله، وكثيره. وقصر مالك، والشافعي، الوجوب على ما استخرج من الذهب والفضة، واشترطا - مثل أحمد - أن يبلغ الذهب عشرين مثقالا، والفضة مائتي درهم، واتفقوا على أنه لا يعتبر له الحول، وتجب زكاته حين وجوده، مثل الزرع. ويجب فيه ربع العشر عند الثلاثة. ومصرفه مصرف الزكاة عندهم. وعند أبي حنيفة مصرفه مصرف الفئ. (هامش) (1) (القار) أي الزفت. (2) (النفط) أي البترول. (.) مشروعية الزكاة فيهما: الاصل في وجوب الزكاة في الركاز، والمعدن: ما رواه الجماعة عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العجماء جرحها جبار (3) والبئر جبار (4)، والمعدن جبار. وفي الركاز الخمس). قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خائف هذا الحديث، إلا الحسن، فإنه فرق بين ما وجد في أرض الحرب وأرض العرب فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخمس، وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة. (هامش) (3) أي إذا انفلتت بهيمة فأتلفت شيئا فهو جبار: أي هدر. (4) (والبئر جبار): معناه إذا حفر إنسان بئرا فتردى فيه آخر، فهو هدر. (.)

[ 374 ]

وقال ابن القيم: وفي قوله: (المعدن جبار) قولان: (أحدهما) أنه إذا استأجر من يحفر له معدنا، فسقط عليه، فقتله، فهو جبار. ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: البئر جبار، والعجماء جبار. (والثاني) أنه لا زكاة فيه. ويؤيد هذا القول، اقترانه بقوله: (وفي الزكاة الخمس) ففرق بين المعدن، والركاز، فأوجب الخمس في الركاز، لانه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب، وأسقطها عن المعدن، لانه يحتاج إلى كلفة، وتعب، في استخراجه. صفة الركاز الذي يتعلق به وجوب الزكاة: الركاز الذي يجب فيه الخمس، هو كل ما كان مالا، كالذهب والفضة، والحديد، والرصاص، والصفر، والانية، وما أشبه ذلك. وهو مذهب الاحناف، والحنابلة، وإسحق، وابن المنذر، ورواية عن مالك، وأحد قولي الشافعي. وله قول آخر: أن الخمس لا يجب إلا في الاثمان: الذهب والفضة. مكانه: لا يخلو موضعه من الاقسام الاتية: 1 - أن يجده في موات، أو في أرض لا يعلم لها مالك، ولو على وجهها، أو في طريق غير مسلوك، أو قرية خراب، ففيه الخمس بلا خلاف، والاربعة الاخماس له. لما رواه النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال: (ما كان في طريق مأتي (1): أو قرية عامرة، فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فلك (2)، وما لم يكن في طريق مأتي، ولا قرية عامرة: ففيه وفي الركاز الخمس). (هامش) (1) (مأتي): أي مسلوك. (2) أي إن لم يعرف صاحبها، فهي لمن وجدها إن كان فقيرا، وإلا تصدق بها. (.)

[ 375 ]

2 - أن يجده في ملكه المنتقل إليه، فهو له، لان الركاز مودع في الارض، فلا يملك مملكها وإنما يملك بالظهور عليه فينزل منزلة المباحات، من الحشيش، والحطب، والصيد الذي يجده في أرض غيره، فيكون أحق به إلا إذا ادعى المالك الذي انتقل الملك عنه: أنه له، فالقول قوله: لان يده كانت عليه، لكونها على محله. وإن لم يدعه فهو لواجده، وهذا رأي أبي يوسف والاصح عند الحنابلة. وقال الشافعي: هو للمالك قبله، إن اعترف به وإلا فهو لمن قبله كذلك، إلى أول مالك. وإن انتقلت الدار بالميراث حكم أنه ميراث، فإن اتفقت الورثة على أنه لم يكن لمورثهم، فهو لاول مالك. فإن لم يعرف أول مالك، فهو كالمال الضائع الذي لا يعرف له مالك. وقال أبو حنيفة ومحمد: هو لاول مالك للارض، أو لورثته، إن عرف، وإلا وضع في بيت المال. 3 - أن يجده في ملك مسلم، أو ذمي، فهو لصاحب الملك عند أبي حنيفة ومحمد، ورواية عن أحمد. ونقل عن أحمد أنه لواجده، وهو قول الحسن بن صالح وأبي ثور واستحسنه أبو يوسف، لما تقدم من أن الركاز لا يملك بملك الارض، إلا إن ادعاه المالك، فالقول قوله، لان يده عليه تبعا للملك، وإن لم يدعه فهو لواجده. وقال الشافعي: هو للمالك ان اعترف به وإلا فهو لاول مالك. الواجب في الركاز: تقدم أن الركاز هو ما كان من دفن الجاهلية، وأن الواجب فيه الخمس، وأما الاربعة الاخماس الباقية، فهي لاقدم مالك للارض إن عرف، وإن كان ميتا فلورثته، إن عرفوا، وإلا وضع في بيت المال. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ومحمد.

[ 376 ]

وقال أحمد وأبو يوسف: هو لمن وجده، هذا ما لم يدعه مالك الارض. فإن ادعى أنه ملكه، فالقول قوله اتفاقا. ويجب الخمس في قليله وكثيره، من غير اعتبار نصاب فيه. عند أبي حنيفة، وأحمد، وأصح الروايتين عن مالك، وعند الشافعي في الجديد: يعتبر النصاب فيه. وأما الحول، فإنه لا يشترط بلا خلاف. على من يجب الخمس: جمهور العلماء: على أن الخمس واجب على من وجده، من مسلم، وذمي، وكبير، وصغير، وعاقل، ومجنون، إلا أن ولي الصغير والمجنون هو الذي يتولى الاخراج عنهما. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الذمي في الركاز يجده: الخمس، قاله مالك، وأهل المدينة، والثوري، والاوزاعي وأهل العراق، وأصحاب الرأي، وغيرهم. وقال الشافعي: لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة لانه زكاة. مصرف الخمس: مصرف الخمس - عند الشافعي - مصرف الزكاة. لما رواه أحمد، والبيهقي عن بشر الخثعمي، عن رجل من قومه قال: سقطت علي جرة من دير قديمبالكوفة، عند جباية بشر، فيها أربعة آلاف درهم، فذهبت بها إلى علي رضي الله عنه، فقال: اقسمها خمسة أخماس، فقسمتها، فأخذ علي منها خمسا، وأعطاني أربعة أخماس، فلما أدبرت دعاني فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ قلت: نعم، قال: فخذها، فاقسمها بينهم. ويرى أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، أن مصرفه مصرف الفئ، لما رواه الشعبي: (أن رجلا وجد ألف دينار مدفونة، خارجا من المدينة فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخذ منها الخمس، مائتي دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر رضي الله عنه يقسم المائتين، بين من حضره

[ 377 ]

من المسلمين، إلى أن أفضل منها فضلة، فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه، فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك). وفي المغني: ولو كانت زكاة لخص بها، أهلها، ولم يرده على واجده، ولانه يجب على الذمي، والزكاة لا تجب عليه. زكاة الخارج من البحر الجمهور: على أن ه لا تجب الزكاة في كل ما يخرج من البحر، من لؤلؤ، ومرجان، وزبرجد، وعنبر، وسمك، وغيره إلا في إحدى الروايتين عن أحمد: إذا بلغ ما يخرج من ذلك نصابا، ففيه الزكاة. ووافقه أبو يوسف، في اللؤلؤ، والعنبر. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في العنبر زكاة، وإنما هو شئ دسره (1) البحر. وقال جابر: ليس في العنبر زكاة، إنما هو غنيمة لمن أخذه. (هامش) (1) (دسره) أي قذفه البحر. (.) المال المستفاد من استفاد مالا، مما يعتبر فيه الحول - ولا مال له سواه - وبلغ نصابا، أو كان له مال من جنسه ولا يبلغ نصابا، فبلغ بالمستفاد نصابا، انعقد عليه حول الزكاة من حينئذ. فإذا تم حول وجبت الزكاة فيه. وإن كان عنده نصاب لم يخل المستفاد من ثلاثة أقسام. 1 - أن يكون المال المستفاد من نمائه، كربح التجارة، ونتاج الحيوان، وهذا يتبع الاصل في حوله، وزكاته. فمن كان عنده من عروض التجارة، أو الحيوان، ما يبلغ نصابا، فربحت العروض، وتوالد الحيوان أثناء الحول، وجب إخراج الزكاة عن الجميع: الاصل، والمستفاد. وهذا لا خلاف فيه.

[ 378 ]

2 - أن يكون المستفاد من جنس النصاب، ولم يكن متفرعا عنه أو متولدا منه - بأن استفاده بشراء أو هبة أو ميراث - فقال أبو حنيفة يضم المستفاد إلى النصاب، ويكون تابعا له في الحول، والزكاة، وتزكى الفائدة مع الاصل. وقال الشافعي وأحمد: يتبع المستفاد الاصل في النصاب، ويستقبل به حول جديد، سواء كان الاصل نقدا، أم حيوانا. مثل أن يكون عنده مائتا درهم، ثم استفاد في أثناء الحول أخرى فإنه يزكي كلا منهما، عند تمام حوله. ورأي مالك مثل رأي أبي حنيفة، في الحيوان، ومثل رأي الشافعي وأحمد في النقدين. 3 - أن يكون المستفاد من غير جنس ما عنده. فهذا لا يضم إلى ما عنده في حول، ولا نصاب، بل إن كان نصابا استقل به حولا، وزكاه آخر الحول، وإلا فلا شئ فيه، وهذا قول جمهور العلماء. وجوب الزكاة في الذمة لا في عين المال مذهب الاحناف، ومالك، ورواية عن الشافعي وأحمد: أن الزكاة واجبة في عين المال. والقول الثاني للشافعي، وأحمد: أنها واجبة في ذمة صاحب المال لا في عين المال. وفائدة الخلاف تظهر، فيمن ملك مائتي درهم مثلا، ومضى عليها حولان دون أن تزكى. فمن قال: إن الزكاة واجبة في العين، قال: إنها تزكى لعام واحد فقط، لانها بعد العام الاول، تكون قد نقصت عن النصاب قدر الواجب فيها، وهو خمسة دراهم. ومن قال: إنها واجبة في الذمة، قال إنها تزكى زكاتين، لكل حول زكاة، لان الزكاة وجبت في الذمة، فلم تؤثر في نقص النصاب. ورجح ابن حزم وجوبها في الذمة، فقال: لا خلاف بين أحد من الامة - من زمننا إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم - في أن من وجبت

[ 379 ]

عليه زكاة بر، أو شعير، أو تمر، أو ذهب، أو إبل، أو بقر، أو غنم، فأعطى زكاته الواجبة عليه، من غير ذلك الزرع، ومن غير ذلك التمر، ومن غير ذلك الذهب، ومن غير تلك الفضة، ومن غير تلك الابل، ومن غير تلك البقر، ومن غير تلك الغنم، فإنه لا يمنع ذلك، ولا يكره ذلك له، بل سواء أعطى من تلك العين، أو مما عنده من غيرها، أو مما يشترى، أو مما يوهب، أو مما يستقرض. فصح يقينا: أن الزكاة في الذمة، لا في العين، إذ لو كانت في العين، لم يحل له ألبتة، أن يعطي من غيرها، ولوجب منعه من ذلك كما يمنع من له شريك في شئ من كل ذلك أن يعطي شريكه، من غير العين، التي هم فيها شركاء، إلا بتراضيهما، وعلى حكم البيع. وأيضا فلو كانت الزكاة في عين المال، لكانت لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما. وذلك إما أن تكون الزكاة في كل جزء من أجزاء ذلك المال، أو تكون في شئ منه بغير عينه. فلو كانت في كل جزء منه لحرم عليه أن يبيع منه رأسا، أو حبة فما فوقها، لان أهل الصدقات في ذلك الجزء شركاء ولحرم عليه أن يأكل منها شيئا لما ذكرناه، وهذا باطل بلا خلاف، وللزمه أيضا أن لا يخرج الشاة إلا بقيمة مصححة مما بقي، كما يفعل في الشركات ولا بد. وإن كانت الزكاة في شئ منه بغير عينه فهذا باطل. وكان يلزم أيضا مثل ذلك، سواء سواء. لانه كان لا يدري، لعله يبيع أو يأكل الذي هو حق أهل الصدقة؟ فصح ما قلنا يقينا. هلاك المال بعد وجوب الزكاة وقبل الاداء إذا استقر وجوب الزكاة في المال، بأن حال عليه الحول، أو حان حصاده، وتلف المال قبل أداء زكاته، أو تلف بعضه، فالزكاة كلها واجبة في ذمة صاحب المال سواء كان التلف بتفريط منه، أو بغير تفريط. وهذا معنى، على أن الزكاة واجبة في الذمة، وهو رأي ابن حزم، ومشهور مذهب أحمد.

[ 380 ]

ويرى أبو حنيفة: أنه إذا تلف المال كله، بدون تعد من صاحبه، سقطت الزكاة، وإن هلك بعضه، سقطت حصيته، بناء على تعلق الزكاة بعين المال، أما إذا هلك بسبب تعد منه، فإن الزكاة لا تسقط. وقال الشافعي والحسن بن صالح، وإسحق، وأبو ثور، وابن المنذر: إن تلف النصاب قبل التمكن من الاداء سقطت الزكاة، وإن تلف بعده لم تسقط. ورجح ابن قدامة هذا الرأي فقال: والصحيح - إن شاء الله - أن الزكاة تسقط بتلف المال، إذا لم يفرط في الاداء، لانها تجب على سبيل المواساة، فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم المال، وفقر من تجب عليه ومعنى التفريط، أن يتمكن من إخراجها فلا يخرجها، وإن لم يتمكن من إخراجها، فليس بمفرط، سواء كان ذلك لعدم المستحق، أو لبعد المال عنه، أو لكون الفرض لا يوجد في المال، ويحتاج إلى شرائه فلم يجد ما يشتريه أو كان في طلب الشراء، أو نحو ذلك. وإن قلنا بوجوبها بعد تلف المال فأمكن المالك أداؤها أداها، وإلا أنظر بها إلى ميسرته، وتمكنه من أدائها، من غير مضرة عليه، لانه لزم إنظاره بدين الادمي، فبالزكاة التي هي حق الله تعالى، أولى. ضياع الزكاة بعد عزلها لو عزل الزكاة ليدفعها إلى مستحقيها، فضاعت كلها، أو بعضها، فعليه إعادتها، لانها في ذمته حتى يوصلها إلى من أمره الله بإيصالها إليه. قال ابن حزم: وروينا من طريق ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، وجرير، والمعتمر بن سليمان التيمي، وزيد بن الحباب، وعبد الوهاب بن عطاء. قال حفص: عن هشام بن حسان، عن الحسن البصري. وقال جرير: عن المغيرة عن أصحابه. وقال المعتمر: عن معمر عن حماد، وقال زيد: عن شعبة عن الحكم. وقال عبد الوهاب: عن ابن أبي عروبة، عن حماد عن إبراهيم النخعي.

[ 381 ]

ثم اتفقوا كلهم فيمن أخرج زكاة ماله، فضاعت: أنها لا تجزئ عنه. وعليه إخراجها ثانية. قال: وروينا عن عطاء: أنها تجزئ عنه. تأخير الزكاة لا يسقطها من مضى عليه سنون، ولم يرد ما عليه من زكاة، لزمه إخراج الزكاة عن جميعها، سواء علم وجوب الزكاة، أم لم يعلم، وسواء كان في دار الاسلام أو في دار الحرب (1). وقال ابن المنذر: لو غلب أهل البغي على بلد، ولم يؤد أهل ذلك البلد الزكاة أعواما، ثم ظفر بهم الامام، أخذ منهم زكاة الماضي، في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور. دفع القيمة بدل العين: لا يجوز دفع القيمة بدل العين المنصوص عليها في الزكوات إلا عند عدمها، وعدم الجنس. وذلك لان الزكاة عبادة، ولا يصح أداء العبادة إلا على الجهة المأمور بها شرعا، وليشارك الفقراء الاغنياء في أعيان الاموال. وفي حديث معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، فقال: " خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الابل، والبقرة من البقر ". رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، والحاكم. وفيه انقطاع، فإن عطاء لم يسمع معاذا. قال الشوكاني: (الحق أن الزكاة واجبة من العين، لا يعدل عنها إلى القيمة إلا لعذر). وجوز أبو حنيفة إخراج القيمة، سواء قدر على العين أم لم يقدر، فإن الزكاة حق الفقير، ولا فرق بين القيمة والعين عنده. وقد روى البخاري - معلقا بصيغة الجزم - ان معاذا قال لاهل اليمن: ايتوني بعرض ثياب. (هامش) (1) هذا مذهب الشافعي. (.)

[ 382 ]

خميص (1). أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم. وخير لاصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. الزكاة في المال المشترك إذا كان المال مشتركا بين شريكين، أو أكثر، لا تجب الزكاة على واحد منهم، حتى يكون لكل واحد منهم نصاب كامل، في قول أكثر أهل العلم. هذا في غير الخلطة في الحيوان التي تقدم الكلام عليها والخلاف فيها. الفرار من الزكاة ذهب مالك، وأحمد، والاوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد إلى أن من ملك نصابا، من أي نوع من أنواع المالك، فباعه قبل الحول، أو وهبه، أو أتلف جزءا منه، بقصد الفرار من الزكاة لم تسقط الزكاة عنه، وتؤخذ منه في آخر الحول إذا كان تصرفه هذا، عند أقرب الوجوب، ولو فعل ذلك في أول الحول لم تجب الزكاة، لان ذلك ليس بمظنة للفرار. وقال أبو حنيفة والشافعي: تسقط عنه الزكاة، لانه نقص قبل تمام الحول، ويكون مسيئا وعاصيا لله، بهروبه منها. استدل الاولون بقول الله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (2) ولا يستثنون (3) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم) (4) فعاقبهم الله بذلك، لفرارهم من الصدقة. ولانه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه فلم يسقط، كما لو طلق امرأته، في مرض موته. ولانه لما قصد قصدا فاسدا، اقتضت الحكمة معاقبته بنقيض مقصوده، كمن قتل مورثه، لاستعجال ميراثه، عاقبه الشارع بالحرمان. (هامش) (1) " الخميص " الثوب من الخز له علمان. (2) (ليصر منها) يقطعون ثمارها وقت الصباح. (3) يقولون: إن شاء الله. (4) (الصريم) الليل المظلم. (.)

[ 383 ]

مصارف الزكاة مصارف الزكاة ثمانية أصناف، حصرها الله في قوله: " إنما الصدقات للفقراء (1) والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ". وعن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال: " إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء. فإن كنت من تلك الاجزاء أعطيتك " رواه أبو داود. وفيه عبد الرحمن الافريقي متكلم فيه. وهذا هو بيان الاصناف الثمانية المذكورة في الاية: (1 و 2) - الفقراء والمساكين: وهم المحتاجون الذين لا يجدون كفايتهم، ويقابلهم الاغنياء المكفيون ما يحتاجون إليه. وتقدم أن القدر الذي يصير به الانسان غنيا، هو قدر النصاب الزائد عن الحاجة الاصلية، له ولاولاده، من أكل وشرب، وملبس، ومسكن، ودابة، وآلة حرفة، ونحو ذلك، مما لا غنى عنه. فكل من عدم هذا القدر، فهو فقير، يستحق الزكاة. ففي حديث معاذ: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم). فالذي تؤخذ منه، هو الغني المالك للنصاب. والذي ترد إليه هو المقابل له وهو الفقير الذي لا يملك القدر الذي يملكه الغني. (هامش) (1) اللام للملك، أو الاستحقاق، أو بتقدير مفروضة، كمنا يدل عليه آخر الاية وهو " فريضة من الله ". (.)

[ 384 ]

وليس هناك فرق بين الفقراء، وبين والمساكين، من حيث الحاجة والفاقة ومن حيث استحقاقهم الزكاة، والجمع بين الفقراء والمساكين في الاية، مع العطف المقتضي للتغاير، لا يناقض ما قلناه، فإن المساكين - وهم قسم من الفقراء - لهم وصف خاص بهم، وهذا كاف في المغايرة. فقد جاء في الحديث، ما يدل على أن المساكين هم الفقراء الذين يتعففون عن السؤال، ولا يتفطن لهم الناس فذكرتهم الاية، لانه ربما لا يفطن إليهم، لتجملهم. فعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرءوا إن شئتم: " لا يسألون الناس إلحافا " وفي لفظ: " ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه، ولا يفطن له، فيصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس ". رواه البخاري، ومسلم. مقدار ما يعطى الفقير من الزكاة: من مقاصد الزكاة كفاية الفقير وسد حاجته، فيعطى من الصدقة، القدر الذي يخرجه من الفقر إلى الغني، ومن الحاجة إلى الكفاية، على الدوام، وذلك يختلف باختلاف الاحوال والاشخاص. قال عمر رضي الله عنه: إذا أعطيتم فأغنوا. يعني في الصدقة. وقال القاضي عبد الوهاب: لم يحد مالك لذلك حدا، فإنه قال: يعطي من له المسكن، والخادم، والدابة الذي لا غنى له عنه. وقد جاء في الحديث ما يدل على أن المسألة تحل للفقير حتى يأخذ ما يقوم بعيشه، ويستغني به مدى الحياة. فعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة (1) فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: " أقم حتى تأتينا الصدقة، فتأمر لك بها "، ثم قال: " يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لاحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة (هامش) (1) " حمالة " أي دينا لاصلاح ذات البين. (.)

[ 385 ]

فحلت له المسألة حتى يصيبها تم يمسك، ورجل أصابته جائحة (1) اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش " أو قال: سدادا (2) من عيش، ورجل أصابته فاقة (3) حتى قول ثلاثة من ذوي الحجا (4) من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش " أو قال سدادا من عيش، " فما سواهن من المسألة - يا قبيصة - فسحت، يأكلها صاحبها سحتا (5) ". رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. هل يعطى القوي المكتسب من الزكاة؟: القوي المكتسب لا يعطى من الزكاة مثل الغني. 1 - فعن عبيد الله بن عدي الخيار، قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين (6) فقال: " إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب (7) ". رواه أبو داود، والنسائي. قال الخطابي: هذا الحديث أصل، في أن من لم يعلم له مال فأمره محمول على العدم. وفيه دليل على: أنه لم يعتبر في أمر الزكاة ظاهر القوة والجلد، دون أن يضم إليه الكسب، فقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه، ويكون مع ذلك أخرق اليد لا يعتمل، فمن كان هذا سبيله لم يمنع من الصدقة، بدلالة الحديث. 2 - وعن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي (8) ". رواه أبو داود والترمذي، وصححه. (هامش) (1) " الجائحه " أي ما أتلف المال كالحريق. (2) " سدادا " أي ما تقوم به حاجته ويستغنى به، وهو بمعنى السداد. (3) فاقة " أي الفقر والحاجة. (4) " الحجا " أي العقل. (5) " السحت " أي الحرام. (6) " جلدين " أي قويين. (7) أي يكتسب قدر كفايته، قاله الشوكاني. (8) المرة: شدة أسر الخلق، وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكد والتعب. " وسوي ": سليم الاعضاء.

[ 386 ]

وهذا مذهب الشافعي، وإسحق، وأبي عبيد، وأحمد. وقال الاحناف: يجوز للقوي أن يأخذ الصدقة إذا لم يملك مائتي (1) درهم فصاعدا. قال النووي: سئل الغزالي عن القوي من أهل البيوتات الذين لم تجر عادتهم بالتكسب بالبدن، هل له أخذ الزكاة من سهم الفقراء؟ قال: نعم. وهذا صحيح جار على أن المعتبر حرفة تليق به. المالك الذي لا يجد ما يفي بكفايته: ومن ملك نصابا، من أي نوع من أنواع المال - وهو لا يقوم بكفايته، لكثرة عياله، أو لغلاء السعر - فهو غني، من حيث إنه يملك نصابا، فتجب الزكاة في ماله، وفقير من حيث إن ما يملكه لا يقوم بكفايته فيعطى من الزكاة كالفقير. قال النووي: ومن كان له عقار، ينقص دخله عن كفايته، فهو فقير، يعطي من الزكاة تمام كفايته، ولا يكلف بيعه. وفي المغني قال الميمون: ذاكرت أبا عبد الله - أحمد بن حنبل - فقلت: قد يكون للرجل الابل والغنم، تجب فيها الزكاة وهو فقير، وتكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة لا تكفيه، فيعطى الصدقة؟ قال: نعم، وذلك، لانه لا يملك ما يغنيه، ولا يقدر على كسب ما يكفيه، فجاز له الاخذ من الزكاة، كما لو كان ما يملك، لا تجب فيه الزكاة. (3) العاملون على الزكاة: وهم الذين يوليهم الامام أو نائبه، العمل على جمعها، من الاغنياء، وهم الجباة، ويدخل فيهم الحفطة لها، والرعاة للانعام منها، والكتبة لديوانها. ويجب أن يكونوا من المسلمين، وأن لا يكونوا ممن تحرم عليهم الصدقة، من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: بنو عبد المطلب. (هامش) (1) أي أقصاه. (.)

[ 387 ]

فعن المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: أنه، والفضل بن العباس انطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم تكلم أحدنا، فقال: يا رسول الله، جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات، فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة، ونؤدي إليك ما يؤدي الناس، فقال: " إن الصدقة لا تنبغي لمحمد، ولا لال محمد، إنما هي أوساخ الناس " رواه أحمد، ومسلم. وفي لفظ: " لا تحل لمحمد، ولا لال محمد ". ويجوز أن يكونوا من الاغنياء. فعن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين، تصدق عليه منها فأهدى منها لغني " رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأن أخذهم من الزكاة، إنما هو أجر نظير أعمالهم. فعن عبد الله بن السعدي: أنه قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الشام، فقال: ألم أخبر أنك تعمل على عمل من أعمال المسلمين فتعطى عليه عمالة (1) فلا تقبلها؟ قال: أجل، إن لي أفراسا واعبدا، وأنا بخير، وأريد أن يكون عملي صدقة على المسلمين، فقال عمر: إني أردت الذي أردت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني المال فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، وإنه أعطاني مرز مالا، فقلت له: أعطه من هو أحوج إليه مني، فقال: " ما آتاك الله عزوجل من هذا المال، من غير مسألة، ولا إشراف فخذه فتموله أو تصدق به، ومالا، فلا تتبعه نفسك " رواه البخاري والنسائي. وينبغي أن تكون الاجرة بقدر الكفاية. فعن المستورد بن شداد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادما، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال " رواه أحمد، وأبو داود، وسنده صالح. قال الخطابي: هذا يتأول على وجهين: (هامش) (1) رزق العامل على عمله. (.)

[ 388 ]

أحدهما: أنه إنما أباح اكتساب الخادم والمسكن، من عمالته، التي هي أجر مثله وليس له أن يرتفق بشئ سواها. والوجه الثاني: أن للعامل السكنى والخدمة، فإن لم يكن له مسكن، ولا خادم استؤجر له من يخدمه، فيكفيه مهنة مثله، ويكترى (1) له مسكن يسكنه، مدة مقامه في عمله. (4) والمؤلفة قلوبهم: (2) وهم الجماعة الذين يراد تأليف قلوبهم وجمعها على الاسلام أو تثبيتها عليه، لضعف إسلامهم، أو كف شرهم عن المسلمين، أو جلب نفعهم في الدفاع عنهم. وقد قسمهم الفقهاء إلى مسلمين وكفار. اما المسلمون فهم اربعة: 1 - قوم من سادات المسلمين وزعمائهم، لهم نظراء من الكفار، إذا أعطوا رجي إسلام نطرائهم، كما أعطى أبو بكر رضي الله عنه عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر، مع حسن إسلامهما، لمكانتهما في قومهما. 2 - زعماء ضعفاء الايمان من المسلمين، مطاعون في أقوامهم يرجى بإعطائهم تثبيتهم، وقوة إيمانهم، ومناصحتهم في الجهاد وغيره، كالذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم العطايا الوافرة من غنائم هوازن. وهم بعض الطلقاء من أهل مكة، الذين أسلموا، فكان منهم المنافق، ومنهم ضعيف الايمان، وقد ثبت أكثرهم بعد ذلك، وحسن إسلامه. 3 - قوم من المسلمين في الثغور، وحدود بلاد الاعداء يعطون، لما يرجى من دفاعهم، عما وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو. قال صاحب المنار: وأقول: إن هذا العمل هو المرابطة وهؤلاء الفقهاء يدخلونها في سهم سبيل الله، كالغزو المقصود منها: وأولى منهم بالتأليف في زماننا، قوم من المسلمين يتألفهم الكفار ليدخلوهم تحت حمايتهم، أو في دينهم. (هامش) (1) " يكترى " أي يستأجر. (2) هذا الكلام منقول من تفسير المنار. (.)

[ 389 ]

فإننا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جميع المسلمين، وفي ردهم عن دينهم يخصصون من أموال دولهم سهما، للمؤلفة قلوبهم من المسلمين، فمنهم من يؤلفونه لاجل تنصيره، وإخراجه من حظيرة الاسلام، ومنهم من يؤلفونه لاجل الدخول في حمايتهم ومشاقة الدول الاسلامية، والوحدة الاسلامية، أفليس المسلمون أولى بهذا منهم؟ 4 - قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجبابة الزكاة، وأخذها ممن لا يعطيها إلا بنفوذهم وتأثيرهم - إلا أن يقاتلوا، فيختار بتأليفهم وقيامهم بهذه المساعدة للحكومة أخف الضررين، أرجح المصلحتين. وأما الكفار فهم قسمان: 1 - من يرجى إيمانه بتأليفه، مثل صفوان بن أمية، الذي وهب له النبي صلى الله عليه وسلم الامان يوم فتح مكة، وأمهله أربعة أشهر لينظر في أمره ويختار لنفسه، وكان غائبا، فحضر وشهد مع المسلمين غزوة حنين قبل إسلامه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم استعار سلاحه منه لما خرج إلى حنين، وقد أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إبلا كثيرة محملة، كانت في واد فقال: هذا عطاء من لا يخشى الفقر. وقال: والله لقد أعطاني النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لابغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لاحب الناس إلي. 2 - من يخشى شره، فيرجى بإعطائه كف شره. قال ابن عباس: إن قوما كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أعطاهم، مدحوا الاسلام، وقالوا: هذا دين حسن، وإن منعهم، ذموا، وعابوا. وكان من هؤلاء أبو سفيان بن حرب، والاقرع بن حابس، وعيينة ابن حصن، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد من هؤلاء، مائة من الابل. وذهبت الاحناف: إلى أن سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط بإعزاز الله لدينه، فقد جاء عيينة بن حصن، والاقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، وطلبوا من أبي بكر نصبهم، فكتب لهم به، وجاءوا إلى عمر، وأعطوه الخط، فأبى ومزقه، وقال: هذا شئ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيكموه،

[ 390 ]

تأليفا لكم على الاسلام، والان قد أعز الله الاسلام، وأغنى عنكم، فإن ثبتم على الاسلام، وإلا فبيننا وبينكم السيف (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فرجعوا إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: الخليفة أنت أم عمر؟ بذلت لنا الخط فمزقه عمر، فقال: هو إن شاء. قالوا: إن أبا بكر وافق عمر، ولم ينكر أحد من الصحابة كما أنه لم ينقل عن عثمان وعلي أنهما أعطيا أحدا من هذا الصنف. ويجاب عن هذا: بأن هذا اجتهاد من عمر، وأنه رأى أنه ليس من المصلحة إعطاء هؤلاء، بعد أن ثبت الاسلام في أقوامهم، وأنه لا ضرر يخشى من ارتدادهم عن الاسلام. وكون عثمان وعلي لم يعطيا أحدا من هذا الصنف، لا يدل على ما ذهبوا إليه، من سقوط سهم المؤلفة قلوبهم، فقد يكون ذلك لعدم وجود الحاجة إلى أحد من الكفار، وهذا لا ينافي ثبوته، لمن احتاج إليه من الائمة، على أن العمدة في الاستدلال هو الكتاب والسنة فهما المرجع الذي لا يجوز العدول عنه بحال. وقد روى أحمد، ومسلم عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسأل شيئا على الاسلام إلا أعطاه، فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشاء كثير، بين جبلين، من شاء الصدقة، فرجع إلى قومه فقال، يا قوم أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة. قال الشوكاني: وقد ذهب إلى جواز التأليف العترة والجباني، والبلخي، وابن مبشر (1). وقال الشافعي: لا تتألف كافرا، فأما الفاسق فيعطى من سهم التأليف. وقال أبو حنيفة وأصحابه: قد سقط بانتشار الاسلام وغلبته، واستدلوا على ذلك، بامتناع أبي بكر من إعطاء أبي سفيان، وعيينة، والاقرع، وعباس ابن مرداس. والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه. فإذا كان في زمن الامام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته إلا بالقسر (2) والغلب (هامش) (1) وكذا مالك، وأحمد، ورواية عن الشافعي. (2) القهر. (.)

[ 391 ]

فله أن يتألفهم، ولا يكون لفشو الاسلام تأثير، لانه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة. وفي المنار: " وهذا هو الحق في جملته، وإنما يجئ الاجتهاد في تفصيله من حيث الاستحقاق، ومقدار الذي يعطى من الصدقات، ومن الغنائم إن وجدت، وغيرها من أموال المصالح. والواجب فيه الاخذ برأي أهل الشورى، كما كان يفعل الخلفاء في الامور الاجتهادية، وفي اشتراط العجز عن إدخال الامام إياهم تحت طاعته بالغلب نظر، فإن هذا لا يطرد، بل الاصل فيه ترجيح أخف الضررين. وخير المصلحتين ". (5) وفي الرقاب: ويشمل المكاتبين، والارقاء فيعان المكاتبون بمال الصدقة لفك رقابهم من الرق، ويشترى به العبيد، ويعتقون. فعن البراء قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال، دلني على عمل يقربني من الجنة، ويبعدني من النار، فقال: " أعتق النسمة وفك الرقبة " فقال: يا رسول الله، أو ليسا واحدا؟ قال: " لا، عتق الرقبة، أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين بثمنها " رواه أحمد، والدارقطني ورجاله ثقات. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة كلهم حق على الله عونه: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الاداء، والناكح والمتعفف (1) " رواه وأحمد، وأصحاب السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الشوكاني: " قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: " وفي الرقاب " فروي عن علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، والليث، والثوري، والعترة، والحنفية، والشافعية، وأكثر أهل العلم: أن المراد به المكاتبون، من الزكاة على الكتابة. وروي عن ابن عباس، والحسن البصري، ومالك، وأحمد بن حنبل، (هامش) (1) الذي يريد العفاف بالزواج (.)

[ 392 ]

وأبي ثور، وأبي عبيد - وإليه مال البخاري، وابن المنذر -: أن المراد بذلك أنها تشترى رقاب لتعتق. واحتجوا بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين، لانه غارم، وبأن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعناة المكاتب، لانه قد يعان ولا يعتق، لان المكاتب عبد، ما بقي عليه درهم، ولان الشراء يتيسر في كل وقت، بخلاف الكتابة. وقال الزهري: إنه يجمع بين الامرين، وإليه أشار المصنف (1) وهو الظاهر، لان الاية تحتمل الامرين. وحديث البراء المذكور، فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها، وعلى أن العتق، وإعانة المكاتبين على مال الكتاب، من الاعمال المقربة إلى الجنة والمبعدة من النار. (6) والغارمون: وهم الذين تحملوا الديون، وتعذر عليهم أداؤها، وهم أقسام: فمنهم من تحمل حمالة، أو ضمن دينا فلزمه، فأجحف بماله أو استدان لحاجته إلى الاستدانة، أو في معصية تاب منها، فهؤلاء جميعا يأخذون من الصدقة ما بقي بديونهم. 1 - روى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه، عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحل المسألة إلا لثلاث، لذي فقر مدقع (2) أو لذى غرم (3) مفظع (4)، أو لذي دم موجع (5) " 2 - وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: أصيب (هامش) (1) مؤلف كتاب منتفى الاخبار. (2) " مدقع " أي شديد، أي ملصق صاحبه بالدقعاء، وهي الارض التي لا نبات فيها. (3) " غرم " أي ما يلزم أداؤه تكلفا، لا في مقابلة عوض. (4) " مفظع " أي شديد: شنيع، مجاوز للحد. (5) هو الذي يتحمل دية عن قريبه، أو صديقه القاتل، يدفعها إلى أولياء المقتول، وإن لم يدفعها قتل قريبه، أو صديقه القاتل، الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه. (.)

[ 393 ]

رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها (1)، فكثر دينه، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: " تصدقوا عليه "، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه. " خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك (2) " 3 - وتقدم حديث قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: " أقم حتى تأتينا الصدقة فتأمر لك بها " الحديث. قال العلماء: والحمالة، ما يتحمله الانسان، ويلتزمه في ذمته بالاستدانة، ليدفعه في إصلاح ذات البين، وقد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة، اقتضت غرامة في دية، أو غيرها: قام أحدهما فتبرع بالتزام ذلك والقيام به، حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك أن هذا من مكارم الاخلاق. وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته، وأعطوه ما تبرأ به ذمته، وإذا سأل في ذلك لم يعد نقصا في قدره، بل فخرا. ولا يشترط في أخذ الزكاة فيها، أن يكون عاجزا عن الوفاء بها، بل له الاخذ، وإن كان في ماله الوفاء. (7) وفي سبيل الله: سبيل الله، الطريق الموصل إلى مرضاته من العلم، والعمل. وجمهور العلماء، على أن المراد به هنا الغزو، وأن سهم (سبيل الله) يعطى للمتطوعين من الغزاة، الذين ليس لهم مرتب من الدولة. فهؤلاء لهم سهم من الزكاة، يعطونه، سواء كانوا من الاغنياء أم الفقراء. وقد تقدم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة. الغازي في سبيل الله.. الخ ". (هامش) (1) أي من أجل ثمار اشتراها. (2) أي ليس لكم الان إلا الموجود وليس لكم حبسه ما دام معسرا فليس فيه إبطال حق الغرماء فيما بقي. (.)

[ 394 ]

والحج ليس من سبيل الله. التي تصرف فيها الزكاة، لانه مفروض على المستطيع، دون غيره. وفي تفسير المنار: " يجوز الصرف من هذا السهم على تأمين طرق الحج، وتوفير الماء، والغذاء وأسباب الصحة للحجاج، إن لم يوجد لذلك مصرف آخر. " وفيه: " وفي سبيل الله " وهو يشتمل سائر المصالح الشرعية العامة، التي هي ملاك أمر الدين، والدولة: وأولها، وأولاها بالتقديم، الاستعداد للحرب، بشراء السلاح، وأغذية الجند، وأدوات النقل، وتجهيز الغزاة. ولكن الذي يجهز به الغازي يعود بعد الحرب إلى بيت المال، إن كان مما يبقى، كالسلاح، والخيل، وغير ذلك، لانه لا يملكه دائما، بصفة الغزو التي قامت به، بل يستعمله في سبيل الله، ويبقى بعد زوال تلك الصفة منه في سبيل الله، بخلاف الفقير، والعامل عليها، والغارم والمؤلف، وابن السبيل، فإنهم لا يردون ما أخذوا، بعد فقد الصفة التي أخذوا بها. ويدخل في عمومه إنشاء المستشفيات العسكرية، وكذا الخيرية العامة، وإشراع الطرق، وتعبيدها، ومد الخطوط الحديدية العسكرية، لا التجارية، ومنها بناء البوارج المدرعة، والمناطيد، والطيارات الحربية، والحصون، والخنادق. ومن أهم ما ينفق في سبيل الله، في زماننا هذا، إعداد الدعاة إلى السلام، وإرسالهم إلى بلاد الكفار، من قبل جمعيات منظمة تمدهم بالمال الكافي، كما يفعله الكفار في نشر دينهم. ويدخل فيه النفقة على المدارس، للعلوم الشرعية، وغيرها مما تقوم به المصلحة العامة. وفي هذه الحالة يعطى منها معلمو هذه المدارس، ما داموا يؤدون وظائفهم المشروعة، التي ينقطعون بها عن كسب آخر ولا يعطى عالم غني لاجل علمه، وإن كان يفيد الناس به. انتهى.

[ 395 ]

(8) وابن السبيل: اتفق العلماء على أن المسافر المنقطع عن بلده يعطى من الصدقة، ما يستعين به على تحقيق مقصده، إذا لم يتيسر له شئ من ماله، نظرا لفقره العارض. واشترطوا أن يكون سفره في طاعة، أو في غير معصية. واختلفوا في السفر المباح. والمختار عند الشافعية: أنه يأخذ من الصدقة، حتى لو كان السفر للتفرج، والتنزه.. وابن السبيل عند الشافعية قسمان: (1) من ينشئ سفرا من بلد مقيم به، ولو كان وطنه. (2) غريب مسافر، يجتاز بالبلد. وكلاهما له الحق في الاخذ من الزكاة، ولو وجد من يقرضه كفايته، وله ببلده، ما يقتضي به دينه. وعند مالك، وأحمد: ابن السبيل المستحق للزكاة، يختص بالمجتاز دون المنشئ ولا يعطى من الزكاة من إذا وجد مقرضا يقرضه وكان له من المال ببلده، ما يفي بقرضه. فإن لم يجد مقرضا، أو لم يكن له مال يقضى منه قرضه، أعطي من الزكاة. توزيع الزكاة على المستحقين، كلهم، أو بعضهم: الاصناف الثمانية، المستحقون للزكاة، المذكورون في الاية هم: الفقراء والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والارقاء، والغارمون وأبناء السبيل، والمجاهدون. وقد اختلف الفقهاء في توزيع الصدقة عليهم: فقال الشافعي واصحابه: إن كان مفرق الزكاة هو المالك أو وكيله، سقط نصيب العامل، ووجب صرفها إلى الاصناف السبعة الباقين، إن وجدوا

[ 396 ]

وإلا فللموجود منهم، ولا يجوز ترك صنف منهم، مع وجوده، فإن تركه ضمن نصيبه. وقال إبراهيم النخعي: إن كان المال كثيرا، يحتمل الاجزاء قسمه على الاصناف. وإن كان قليلا جاز أن يوضع في صنف واحد. وقال أحمد بن حنبل: تفريقها أولى، ويجزئه أن يضعه في صنف واحد. وقال مالك: يجتهد ويتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الاولى فالاولى، من أهل الخلة (1) والفاعة، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام، أكثر قدمهم، وإن رآهم في أبناء السبيل في عام آخر، حولها إليهم. وقالت الاحناف. وسفيان الثوري: هو مخير يضعها في أي الاصناف شاء. وهذا مروي عن حذيفة، وابن عباس، وقول الحسن البصري، وعطاء ابن أبي رباح. وقال أبو حنيفة: وله صرفها إلى شخص واحد، من أحد الاصناف. سبب اختلافهم ومنشؤه: قال ابن رشد: " وسبب اختلافهم معارضة اللفظ للمعنى، فإن اللفظ يقتضي القسمة بين جميعهم، والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة، إذ كان المقصود بها سد الخلة، فكان تعديدهم في الاية عند هؤلاء إنما ورد لتمييز الجنس - أعني أهل الصدقات - لا تشريكهم في الصدقة. فالاول أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من جهة المعنى. " ومن الحجة للشافعي، ما رواه أبو داود عن الصدائي: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لم يرض أن يحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الاجزاء أعطيتك حقك ". (هامش) (1) " الخلة " بفتح الخاء: الحاجة (.)

[ 397 ]

ترجيح رأي الجمهور على رأي الشافعي: قال في الروضة الندية: " وأما صرف الزكاة كلها في صنف واحد، فهذا المقام خليق بتحقيق الكلام. والحاصل: أن الله سبحانه وتعالى جعل الصدقة مختصة بالاصناف الثمانية، غير سائغة لغيرهم. واختصاصها بهم لا يستلزم أن تكون موزعة بينهم على السوية، ولا أن يقسط كل ما حصل من قليل أو كثير عليهم. بل المعنى أن جنس الصدقات، لجنس هذه الاصناف. فمن وجب عليه شئ من جنس الصدقة، ووضعه في جنس الاصناف، فقد فعل ما أمره الله به، وسقط عنه ما أوجبه الله عليه، ولو قيل: إنه يجب على المالك - إذا حصل له شئ تجب فيه الزكاة - تقسيطه على جميع الاصناف الثمانية، على فرض وجودهم جميعا، لكان ذلك - مع ما فيه من الحرج والمشقة - مخالفا لما فعله المسلمون، سلفهم، وخلفهم. وقد يكون الحاصل شيئا حقيرا، لو قسط على جميع الاصناف لما انتفع كل صنف بما حصل له ولو كان نوعا واحدا، فضلا عن أن يكون عددا. إذا تقرر لك هذا، لاح لك عدم صلاحية ما وقع منه، صلى الله عليه وسلم من الدفع إلى سلمة بن صخر (1) من الصدقات للاستدلال بها. ولم يرد ما يقتضي إيجاب توزيع كل صدقة على جميع الاصناف. وكذلك لا يصلح للاحتجاج حديث أمره صلى عليه وسلم لمعاذ: أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن ويردها في فقرائهم، لان تلك أيضا صدقة جماعة من المسلمين وقد صرفت في جنس الاصناف. وكذلك حديث زياد بن الحارث الصدائي. وذكر الحديث المتقدم، ثم قال: لان في إسناده عبد الرحمن بن زياد الافريقي، وقد تكلم فيه غير واحد، وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج، فالمراد بتجزئة مصارفها، كما هو ظاهر الاية التي قصدها صلى الله عليه وسلم: ولو كان (هامش) (1) كان عليه كفارة لم يجدها. فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأخذها من صاحب صدقة بني زريق ويؤدي كفارته منها. (.)

[ 398 ]

المراد تجزئة الصدقة نفسها، وأن كل جزء لا يجوز صرفه في غير الصنف المقابل له، لما جاز صرف نصيب ما هو مغدوم من الاصناف إلى غيره، وهو خلاف الاجماع من المسلمين. وأيضا لو سلم ذلك، لكان باعتبار مجموع الصدقات التي تجتمع عند الامام، لا باعتبار صدقة كل فرد، فلم يبق ما يدل على وجوب التقسيط بل يجوز إعطاء بعض المستحقين بعض الصدقات، وإعطاء بعضهم بعضا آخر. نعم إذا جمع الامام جميع صدقات أهل قطر من الاقطار، وحضر عنده جميع الاصناف الثمانية، كان لكل صنف حق في مطالبته بما فرضه الله، وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية ولا تعميمهم بالعطاء، بل له أن يعطي بعض الاصناف أكثر من البعض الاخر، وله أن يعطي بعضهم دون بعض، إذا رأى في ذلك صلاحا عائدا على الاسلام وأهله. مثلا إذا جمعت لديه الصدقات، وحضر الجهاد، وحقت المدافعة عن حوزة الاسلام من الكفار، أو البغاة، فإن له إيثار صنف المجاهدين بالصرف إليهم، وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات، وهكذا إذا اقتضت المصلحة إيثار غير المجاهدين (1) " من يحرم عليهم الصدقة ذكرنا فيما سبق مصارف الزكاة، وأصناف المستحقين، وبي أن نذكر أصنافا لا تحل لهم الزكاة، ولا يستحقونها وهم: 1 - الكفرة والملاحدة، وهذا مما اتفقت عليه كلمة الفقهاء. ففي الحديث " تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم ". والمقصود بهم أغنياء المسلمين وفقراؤهم دون غيرهم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الاموال شيئا. ويستثنى من ذلك المؤلفة قلوبهم كما تقدم بيانه. (هامش) (1) هذا هو أرجح الاراء وأحقها. (.)

[ 399 ]

ويجوز أن يعطوا (1) من صدقة التطوع، ففي القرآن: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ". وفي الحديث: " صلي أمك " وكانت مشركة. 2 - بنو هاشم: والمراد بهم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الصدقة لا تنبغي لال محمد، إنما هي أوساخ الناس " رواه مسلم. وعن أبي هريرة قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كخ كخ، لطرحها، أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة " متفق عليه. واختلف العلماء في بني المطلب، فذهب الشافعي: إلى أنه ليس لهم الاخذ من الزكاة، مثل بني هاشم. لما رواه الشافعي، وأحمد، والبخاري، عن جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر، وضع النبي صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب، وترك بني نوفل، وبني عبد شمس، فأتيت أنا، وعثمان ابن عفان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم، لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا واحدة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنا وبني المطب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شئ واحد، وشبك بين أصابعه. قال ابن حزم: فصح أنه لا يجوز أن يفرق بين حكمهم، في شئ أصلا، لانهم شئ واحد بنص كلامه، عليه الصلاة والسلام، فصح أنهم آل محمد، وإذ هم آل محمد، فالصدقة عليهم حرام. (هامش) (1) أن يعطوا " الخ " أي يجوز إعطاء صدقة التطوع للذميين. (.)

[ 400 ]

وعن أبي حنيفة، أن لبني المطلب أن يأخذوا من الزكاة، والرأيان روايتان عن أحمد. وكما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على بني هاشم، حرمها كذلك على مواليهم (1). فعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال: أصحبني كيما تصيب منها، قال: لا، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسأله، وانطلق فسأله فقال: " إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم " رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح. واختلف العلماء في صدقة التطوع، هل تحل لهم أم تحرم عليهم؟. قال الشوكاني: ملخصا الاقوال في ذلك - واعلم أن ظاهر قوله: " لا تحل لنا الصدقة " عدم حل صدقة الفرض والتطوع، وقد نقل جماعة، منهم الخطابي، الاجماع على تحريمهما عليه، صلى الله عليه وسلم. وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولا. وكذا في رواية عن أحمد. وقال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة. وأما آل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال أكثر الحنفية وهو الصحيح عن الشافعية، والحنابلة، وكثير من الزيدية - إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لان المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس، وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع. وقال في البحر: إنه خصص صدقة التطوع القيلس على الهبة، والهدية والوقف. وقال أبو يوسف، وأبو العباس، إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض، لان الدليل لم يفصل (2). (هامش) (1) " مواليهم " أي الارقاء الذين أعتقوهم. (2) هذا هو الراجح. (.)

[ 401 ]

(3 و 4) الاباء والابناء: اتفق الفقهاء: على أنه لا يجوز إعطاء الزكاة إلى الاباء والاجداد، والامهات، والجدات، والابناء، وأبناء الابناء، والبنات وأبنائهن، لانه يجب على المزكي أن ينفق على آبائه وإن علوا، وأبنائه، وإن نزلوا، وإن كانوا فقراء، فهم أغنياء بغناه، فإذا دفع الزكاة إليهم فقد جلب لنفسه نفعا، بمنع وجوب النفقة عليه. واستثنى مالك الجد، والجدة، وبني البنين، فأجاز دفعها إليهم لسقوط نفقتهم (1). هذا في حالة ما إذا كانوا فقراء، فإن كانوا أغنياء، وغزوا متطوعين في سبيل الله، فله أن يعطيهم من سهم سبيل الله، كما له أن يعطيهم من سهم الغارمين، لانه لا يجب عليه أداء ديونهم، ويعطيهم كذلك من سهم العاملين، إذا كانوا بهذه الصفة. (5) الزوجة: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة. وسبب ذلك، أن نفقتها واجبة عليه، تستغنى بها عن أخذ الزكاة، مثل الوالدين، إلا إذا كانت مدينة فتعطى من سهم الغارمين، لتؤدي دينها. (6) صرف الزكاة في وجوه القرب: لا يجوز صرف الزكاة إلى القرب التي يتقرب بها إلى الله تعالى، غير ما ذكره في آية: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " فلا تدفع لبناء المساجد والقناطر، وإصلاح الطرقات، والتوسعة على الاضياف، وتكفين الموتى وأشباه ذلك. قال أبو داود: سمعت أحمد - وسئل - يكفن الموتى من الزكاة؟ (هامش) (1) يرى ابن تيمية أنه يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين، إذا كان لا يستطيع أن ينفق عليهم وكانوا هم في حاجة إليها.

[ 402 ]

قال: لا، ولا يقضى من الزكاة دين الميت (1) وقال: يقضى من الزكاة دين الحى، ولا يقضى منها دين الميت. لان الميت لا يكون غارما. قيل: فانما يعطى أهله. قال: إن كانت على أهله فنعم. من الذي يقوم بتوزيع الزكاة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث نوابه، ليجمعوا الصدقات، ويوزعها على المستحقين، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك. لا فرق بين الاموال الظاهرة والباطنة (2) فلما جاء عثمان، سار على النهج زمنا، إلا أنه لما رأى كثرة الاموال الباطنة، ووجد أن في تتبعها حرجا على الامة وفي تفتيشها ضررا بأربابها، فوض أداء زكاتها إلى أصحاب الاموال. وقد اتفق الفقهاء على أن الملاك هم الذين يتولون تفريق الزكاة بأنفسهم، إذا كانت الزكاة زكاة الاموال الباطنة. لقول السائب بن يزيد: سمعت عثمان بن عفان يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان منكم عليه دين فليقض دينه، حتى تخلص أموالكم فتؤدوا منها الزكاة. رواه البيهقي بإسناد صحيح. وقال النووي: ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين. وإذا كان للملاك أن يفرقوا زكاة أموالهم الباطنة فهل هذا هو الافضل؟ أم الافضل أن يؤدوها للامام ليقوم بتوزيعها؟. المختار عند الشافعية: أن الدفع إلى الامام، إذا كان عادلا أفضل. وعند الحنابلة: الافضل أن يوزعها بنفسه، فإن أعطاها للسلطان فجائز (هامش) (1) لان الغارم هو الميت، ولا يمكن الدفع إليه وإن دفعها للغريم صار الدفع إلى الغريم، لا إلى الغارم. (2) الاموال الظاهرة هي الزروع والثمار والمواشي والمعادن، والباطنة، هي عروض التجارة والذهب والفضة والركاز. (.)

[ 403 ]

أما إذا كانت الاموال ظاهرة، فإمام المسلمين ونوابه هم الذين لهم ولاية الطلب، والاخذ، عند مالك، والاحناف. ورأي الشافعية والحنابلة في الاموال الظاهرة كرأيهم في الاموال الباطنة. براءة رب المال بالدفع إلى الامام مع العدل والجور: إذا كان للمسلمين إمام يدين بالاسلام دفع الزكاة إليه عادلا كان أم جائرا، وتبرأ ذمة رب المال بالدفع إليه. إلا انه إذا كان لا يضع الزكاة موضعها، فالافضل له أن يفرقها بنفسه على متسحقيها إلا إذا طلبها الامام أو عامله عليها (1). فعن أنس قال: أتى رجل من بني تميم، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حسبي يا رسول الله، إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها ". رواه أحمد. 2 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنها ستكون بعدي أثرة (2)، وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا، قال: " تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم ". رواه البخاري، ومسلم. 3 - وعن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يسأله - فقال: أرأيت ان كان علينا أمراء يمنعوننا حقهم؟ فقال: " اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم " رواه مسلم. قال الشوكاني: والاحاديث المذكورة في الباب، استدل بها الجمهور على جواز دفع الزكاة إلى سلاطين الجور، وإجزائها. هذا بالنسبة لامام المسلمين في دار الاسلام. وأما إعطاء الزكاة للحكومات المعاصرة. فقال الشيخ رشيد رضا: (هامش) (1) هذا، ولا يشترط أن يقول المعطي للزكاة - سواء أكان الامام أم رب المال - أن يقول للفقير: إنها زكاة، بل يكفي مجرد الاعطاء. (2) " الاثرة " استئثار الاناسن بالشئ دون إخوانه. (.)

[ 404 ]

" ولكن أكثر المسلمين لم يبق لهم في هذا العصر حكومات إسلامية، تقيم الاسلام بالدعوة إليه، والدفاع عنه والجهاد الذي يوجبه وجوبا عينيا، أو كفائيا، وتقيم حدوده، وتأخذ الصدقات المفروضة، كما فرضها الله، وتضعها في مصارفها التي حددها - بل سقط اكثرهم تحت سلطة دول الافرنج، وبعضهم تحت سلطة حكومات مرتدة عنه، أو ملحدة فيه. ولبعض الخاضعين لدون الافرنج رؤساء من المسلمين الجغرافيين، اتخذهم الافرنج آلات لاخضاع الشعوب لهم، باسم الاسلام حتى فيما يهدمون به الاسلام، ويتصرفون بنفوذهم وأموالهم الخاصة بهم، فيما له صفة دينية، من صدقات الزكاة، والاوقاف وغيرهما. فأمثال هذه الحكومات، لا يجوز دفع شئ من الزكاة لها، مهما يكن لقب رئيسها، ودينه الرسمي. وأما بقايا الحكومات الاسلامية، التي يدين أئمتها ورؤساؤها بالاسلام، ولا سلطان عليهم للاجانب في بيت مال المسلمين، فهي التي يجب أداء الزكاة الظاهرة لائمتها. وكذا الباطنة، كالنقدين إذا طلبوها، وإن كانوا جائرين في بعض أحكامهم، كما قال الفقهاء ". انتهى. استحباب اعطاء الصدقة للصالحين الزكاة تعطى للمسلم، إذا كان من أهل السهام، وذوي الاستحقاق، سواء أكان صالحا أم فاسقا (1) إلا إذا علم أنه سيستعين بها على ارتكاب ما حرم الله، فإنه يمنع منها، سدا للذريعة، فإذا لم يعلم عنه شئ، أو علم أنه سينتفع بها، فإنه يعطى منها. وينبغي أن يخص المزكي بزكاته أهل الصلاح والعلم، وأرباب المروءات، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثل المؤمن، ومثل الايمان، كمثل الفرس في آخيته (2) يجول، ثم يرجع إلى (هامش) (1) الفاسق: هو المرتكب للكبيرة، أو المصر على الصغيرة. (2) " الاخية " عروة أو عود يغرز في الحائط لربط الدواب، يعني العبد يبعد يترك أعمال الايمان ثم يعود إلى الايمان الثابت نادما على تركه متداركا ما فاته، كالفرس يبعد عن آخيته ثم يعود إليها. (.)

[ 405 ]

آخيته. وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الايمان. فأطعموا اطعامكم الاتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين " رواه أحمد، بسند جيد، وحسنه السيوطي. وقال ابن تيمية: فمن لا يصلي من أهل الحاجات، لا يعطى شيئا حتى يتوب، ويلتزم أداء الصلاة. وهذا حق، فإن ترك الصلاة إثم كبير، لا يصح أن يعان مقترفه، حتى يحدث لله توبة. ويلحق بتارك الصلاة، العابثون، والمستهترون الذين لا يتورعون عن منكر، ولا ينتهون عن غي، والذين فسدت ضمائر هم، وانطمست فطرهم، وتعطلت حاسة الخير فيهم. فهؤلاء لا يعطون من الزكاة إلا إذا كان العطاء يوجههم الوجهة الصالحة ويعينهم على صلاح أنفسهم، بإيقاظ باعث الخير، واستثارة عاطفة التدين. نهي المزكي أن يشتري صدقته نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المزكي ان يشتري زكاته حتى لا يرجع فيما تركه لله عزوجل، كما نهى المهاجرين عن العودة إلى مكة، بعد أن فارقوها مهاجرين. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: " أن عمر رضى الله عنه حمل (1) على فرس في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يبتاعه (2)، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك " رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي. قال النووي: هذا نهي تنزيه، لا تحريك فيكره لمن تصدق بشئ أو أحوجه في زكاته، أو فكفارة نذر، ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه. أو يهبه، أو يتملكه باختياره، فأما إذا ورثه منه فلا كراهة فيه. (هامش) (1) أي حمل عليه رجلا في سبيل الله. ومعناه أن عمر أعطاه الفرس وملكه إياه، ولذلك صح له بيعه. (2) يبتاعه: أي يشتريه (.)

[ 406 ]

وقال ابن بطال: كره أكثر العلماء شراء الرجل صدقته لحديث عمر هذا. وقال ابن المنذر: رخص في شراء الصدقة الحسن، وعكرمة وربيعة، والاوزاعي. ورجع هذا الرأي ابن حزم، واستدل بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني ". استحباب اعطاء الزكاة للزوج والاقارب إذا كان للزوجة مال، تجب فيه الزكاة، فلها أن تعطي لزوجها المستحق من زكاتها، إذا كان من أهل الاستحقاق، لانه لا يجب عليه الانفاق عليه. وثوابها في إعطائه أفضل من ثوابها إذا أعطت الاجنبي. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن زينب امرأة ابن مسعود قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلى، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده، أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم " صدق ابن مسعود، زوجك، وولدك أحق من تصدقت به عليهم " رواه البخاري. وهذا مذهب الشافعي، وابن المنذر، وأبي يوسف، ومحمد، وأهل الظاهر، ورواية عن أحمد. وذهب أبو حنيفة، وغيره: إلى أنه لا يجوز لها أن تدفع له من زكاتها، وقالوا: إن حديث زينب ورد في صدقة التطوع، لا الفرض. وقال مالك إن كان يستعين بما يأخذه منها على نفقتها فلا يجوز. وإن كان يصرفه في غير نفقتها جاز. وأما سائر الاقارب كالاخوة، والاخوات، والاعمام والاخوال،

[ 407 ]

والعمات. والخالات، فإنه يجوز دفع الزكاة إليهم، إذا كانوا مستحقين، في قول أكثر أهل العلم. لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " الصدقة على المسكين صدقة (1)، وعلى ذي القرابة اثنتان: صلة، وصدقة (2) " رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه. اعطاء طلبة العلم من الزكاة دون العباد قال النووي: ولو قدر على كسب يليق بحاله، إلا أنه مشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية، بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل، حلت له الزكاة، لان تحصيل العلم فرض كفاية. وأما من لا يتأتى منه التحصيل فلا تحل له الزكاة إذا قدر على الكسب، وإن كان مقيما بالمدرسة هذا الذى ذكرناه هو الصحيح المشهور. قال: " وأما من أقبل على نوافل العبادات - والكسب يمنعه منها، أو من استغراق الوقت بها - فلا تحل له الزكاة بالاتفاق، لان مصلحة عبادته قاصرة عليه، بخلاف المشتغل بالعلم ". اسقاط الدين عن الزكاة قال النووي في المجموع: " لو كان على رجل معسر دين، فأراد أن يجعله عن زكاته وقال له: جعلته عن زكاتي فوجهان: أصحهما، لا يجزئه، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة، لان الزكاة في ذمته، فلا يبرأ إلا بإقباضها. والثاني: يجزئه، وهو مذهب الحسن البصري. وعطاء، لانه لو دفعه إليه، ثم أخذه منه جاز، فكذا إذا لم يقبضه. كما لو كانت له دراهم وديعة، ودفعها عن الزكاة، فإنه يجزئه، سواء قبضها، أم لا. (هامش) (1) أي فيها أجر الصدقة. (2) أي فيها أجران، أجر صلة الرحم، وأجر الصدقة. (.)

[ 408 ]

أما إذا دفع الزكاة، بشرط أن يردها إليه عن دينه فلا يصح الدفع، ولا تسقط الزكاة بالاتفاق. ولا يصح قضاء الدين بذلك بالاتفاق، ولو نويا ذلك، ولم يشترطاه، جاز بالاتفاق، وأجزأه عن الزكاة، وإذا رده إليه عن الدين، برئ. نقل الزكاة أجمع الفقهاء على جواز نقل الزكاة إلى من يستحقها، من بلد إلى أخرى إذا استغنى أهل بلد المزكي عنها. أما إذا لم يستغن قوم المزكي عنها، فقد جاءت الاحاديث مصرحة بأن زكاة كل بلد تصرف في فقراء أهله، ولا تنقل إلى بلد آخر، لان المقصود من الزكاة، إغناء الفقراء من كل بلد، فإذا أبيح نقلها من بلد - مع وجود فقراء بها - أفضى إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين. ففي حديث معاذ المتقدم " أخبرهم ": أن عليهم صدقد تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ". وعن أبي جحيفة قال: قدم علينا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا، فكنت غلامايتيما، فأعطاني قلوصا. رواه الترمذي وحسنه. وعن عمران بن حصين: أنه أستعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعناه حيث كنا نضعه. رواه أبو داود، وابن ماجه. وعن طاوس قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته. رواه الاثرم في سننه. وقد استدل الفقهاء بهذه الاحاديث: على أنه يشرع صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله، واختلفوا في نقلها من بلدة إلى بلدة أخرى، بعد إجماعهم على أنه يجوز نقلها إلى إلى من يستحقها إذا استغنى أهل بلده عنها، كما تقدم.

[ 409 ]

فقال الاحناف: يكره نقلها، إلا أن ينقلها إلى قرابة محتاجين لما في ذلك من صلة الرحم، أو جماعة هم أمس حاجة من أهل بلده، أو كان نقلها أصلح للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الاسلام، أو إلى طالب علم، أو كانت الزكاة معجلة قبل تمام الحول، فإنه في هذه الصور جميعها، لا يكره النقل. وقالت الشافعية: لا يجوز نقل الزكاة، ويجب صرفها في بلد المال، إلا إذا فقد من يستحق الزكاة، في الموضع الذي وجبت فيه. فعن عمرو بن شعيب: أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند - إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدم على عمر، فرده على ما كان عليه، فبعث إليه بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فترد على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت اليك بشئ وأنا أجد أحدا يأخذه مني. فلما كان العام الثاني بعث إليه بشطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه، فقال معاذ: ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا. رواه أبو عبيد. وقال مالك: لا يجوز نقل الزكاة، إلا أن يقع بأهل بلد حاجة، فينقلها الامام إليهم، على سبيل النظر والاجتهاد. وقالت الحنابلة: لا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى مسافة القصر. ويجب صرفها في موضع الوجوب أو قربه، إلى ما دون مسافة القصر. قال أبوداود: سمعت أحمد، سئل عن الزكاة يبعث بها من بلد إلى بلد؟ قال: لا. قيل: وإن كان قرابته بها؟ قال: لا. فإن استغنى عنها فقراء أهل بلدها جاز نقلها، واستدلوا بحديث أبي عبيد المتقدم. قال ابن قدامة: فإن خالف ونقلها أجزأته، في قول أكثر أهل العلم. فإن كان الرجل في بلد، وماله في بلد آخر، فالمعتبر ببلد المال، لانه سبب الوجوب ويمتد إليه نظر المستحقين. فإن كان بعضه حيث هو، وبعضه في بلاد أخرى، أدى زكاة كل مال، حيث هو.

[ 410 ]

هذا في زكاة المال، أما زكاة الفطر، فإنها تفرق في البلد الذي وجبت عليه فيه، سواء كان ماله فيه، أم لم يكن لان الزكاة تتعلق بعينه - وهو سبب الوجوب - لا المال. الخطا في مصرف الزكاة: تقدم الكلام على من تحل لهم الصدقة، ومن تحرم عليهم. ثم إنه لو أخطأ المزكي، وأعطى من تحرم عليه، وترك من تحل له دون علمه، ثم تبين له خطؤه، فهل يجزئه ذلك، وتسقط عنه الزكاة، أم أن الزكاة لا تزال دينا في ذمته، حتى يضعها موضعها؟ اختلفت أنظار الفقهاء في هذه المسألة: فقال أبو حنيفة، ومحمد، والحسن، وأبو عبيدة: يجزئه ما دفعه ولا يطالب بدفع زكاة أخرى. فعن معن بن يزيد قال: كان أبي أخرج دنانير، يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت. فخاصمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن ". رواه أحمد، والبخاري. والحديث، وإن كان فيه احتمال كون الصدقة نفلا، إلا أن لفظ: " ما " في قوله: " لك ما نويت " يفيد العموم. ولهم أيضا في الاحتجاج حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: " قال رجل (1): لاتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق (2) فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق فقال: اللهم لك الحمد (3) لا تصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لاتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على غني فقال. اللهم لك الحمد على زانية، وعلى سارق، وعلى (هامش) (1) من بني إسرائيل. (2) وهو لا يعلم. (3) حمد الله على تلك الحال، لانه لا يحمد على مكروه سواه. (.)

[ 411 ]

غني، فأتي (1) فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته. وأما الزانية، فلعلها أن تستعف به عن زناها. وأما الغني، فلعله أن يعتبر، فينفق مما آتاه الله عزوجل ". رواه أحمد، والبخاري، ومسلم. ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي سأله الصدقة: " إن كنت من تلك الاجزاء أعطيتك حقك " وأعطى الرجلين الجلدين، وقال: " إن شئتما أعطيتكما منها، ولاحظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب ". قال في المغني، ولو اعتبر حقيقة الغني، لما اكتفى بقولهم. وذهب مالك، والشافعي، وأبو يوسف، والثوري، وابن المنذر: إلى أنه لا يجزئه دفع الزكاة، إلى من لا يستحقها، إذا تبين له خطؤه وأن عليه أن يدفعها مرة أخرى إلى أهلها، لانه دفع الواجب إلى من لا يستحقه فلم يخرج من عهدته، كديون الآدميين. ومذهب أحمد: إذا أعطى الزكاة من يظنه فقيرا، فبان غنيا، ففيه روايتان: رواية بالاجزاء، ورواية بعدمه. فأما إن بان الآخذ عبدا، أو كافرا، أو هاشميا، أو ذا قرابة للمعطي، ممن لا يجوز الدفع إليه لم يجزئه الدفع إليه، رواية واحدة، لانه يتعذر معرفة الفقير من الغني دون غيره " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ". اظهار الصدقة يجوز للمتصدق أن يظهر صدقته، سواء أكانت الصدقة صدقة فرض، أم نافلة، دون أن يرائي بصدقته، وإخفاؤها أفضل. قال الله تعالى: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ". وعند أحمد، والشيخين، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سبعة يظلهم الله في ظله وم لاظل إلا ظله: الامام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله عزوجل، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، (هامش) (1) " فأتى " أي رأى في منامه. (.)

[ 412 ]

حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. ورجل دعته امرأة ذات منصب، وجمال، إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله عزوجل. زكاة الفطر زكاة الفطر: أي الزكاة التي تجب بالفطر من رمضان. وهي واجبة على كل فرد من المسلمين، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد، والحر، والذكر، والانثى، والصغير، والكبير. من المسلمين. حكمتها: شرعت زكاة الفطر في شعبان، من السنة الثانية من الهجرة لتكون طهرة للصائم، مما عسى أن يكون وقع فيه، من اللغو، والرفث، ولتكون عونا للفقراء، والمعوزين. روى أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة (1) للصائم، من اللغو (2) والرفث (3) وطعمة (4) للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات ". على من تجب؟: تجب على الحر المسلم، المالك لمقدار صاع، يزيد عن قوته وقوت عياله، يوما (5) وليلة. (هامش) (1) " طهرة " تطهيرا. (2) " اللغو " هوما لا فائدة فيه من القول أو الفعل. (3) " الرفث " فاحش الكلام. (4) " طعمة " طعام. (5) هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، قال الشوكاني: وهذا هو الحق. وعند الاحناف لابد من ملك النصاب. (.)

[ 413 ]

وتجب عليه، عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته، كزوجته، وأبنائه، وخدمه الذين يتولى أمورهم، ويقوم بالانفاق عليهم. قدرها: الواجب في صدقة الفطر صاع (1) من القمح، أو الشعير، التمر، أو الزبيب، أو الاقط (2)، أو الارز، أو الذرة أو نحو ذلك مما يعتبر قوتا. وجوز أبو حنيفة إخراج القيمة. وقال: إذا أخرج المزكي من القمح، فإنه يجزئ نصف صاع. قال أبو سعيد الخدري: " كنا، إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نخرج زكاة الفطر عن كل صغير، وكبير، حر، ومملوك، صاعا من من طعام، أو صاعا من أقط، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجا، أو معتمرا، فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس، أن قال: إني أرى أن مدين (3) من سمراء (4) الشام، تعدل صاعا من تمر، فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد: فأما أنا، فلا أزال أخرجه أبدا ما عشت " رواه الجماعة. قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون من كل شئ صاعا، وهو قول الشافعي، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: من كل شئ صاع إلا البر فإنه يجزئ نصف صاع وهو قول سفيان، وابن المبارك، وأهل الكوفة. متى تجب؟: اتفق الفقهاء على أنها تجب في آخر رمضان، واختلفوا في تحديد الوقت، الذي تجب فيه. (هامش) (1) الصاع أربعة أمداد. والمد حفنة بكفي الرجل المعتدل الكفين ويساوي قدحا وثلث قدح أو قدحين. (2) " الاقط " لبن مجفف لم تنزع زبدته. (3) المدان: نصف صاع. (4) " سمراء " أي قمح. (.)

[ 414 ]

فقال الثوري، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في الجديد، وإحدى الروايتين عن مالك: إن وقت وجوبها، غروب الشمس، ليلة الفطر، لانه وقت الفطر من رمضان. وقال أبو حنيفة، والليث، والشافعي، في القديم، والرواية الثانية عن مالك: إن وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد. وفائدة هذا الاختلاف، في المولود يولد قبل الفجر، من يوم العيد، وبعد مغيب الشمس، هل تجب عليه أم لا تجب؟ فعلى القول الاول لا تجب، لانه ولد بعد وقت الوجوب، وعلى الثاني: تجب، لانه ولد قبل وقت الوجوب. تعجيلها عن وقت الوجوب: جمهور الفقهاء على أنه يجوز تعجيل صدقة الفطر قبل العيد بيوم، أو بيومين. قال ابن عمر رضي الله عنهما: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر، أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. قال نافع: وكان ابن عمر يؤديها، قبل ذلك، باليوم، أو اليومين. واختلفوا فيما زاد على ذلك. فعند أبي حنيفة: يجوز تقديمها على شهر رمضان. وقال الشافعي: يجوز التقديم من أول الشهر. وقال مالك ومشهور مذهب أحمد: يجوز تقديمها يوما أو يومين. واتفقت الائمة على أن زكاة الفطر لا تسقط بالتأخير بعد الوجوب، بل تصير دينا في ذمة من لزمته، حتى تؤدى، ولو في آخر العمر. واتفقوا: على أنه لا يجوز نأخيرها عن يوم العيد (1) إلا ما نقل عن ابن سيرين، والنخعي، أنهما قالا: يجوز تأخيرها عن يوم العيد، (هامش) (1) وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر. (.)

[ 415 ]

وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال ابن رسلان: إنه حرام بالاتفاق، لانها زكاة، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم، كما في إخراج الصلاة عن وقتها. وقد تقدم في الحديث: " من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات (1) " مصرفها: مصرف الزكاة، أي أنها توزع على الاصناف الثمانية المذكورة في آية: " إنما الصدقات للفقراء ". والفقراء هم أولى الاصناف بها، لما تقدم في الحديث: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم، من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. ولما رواه البيهقي، والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر وقال: " أغنوهم في هذا اليوم " وفي رواية للبيهقي: " أغنوهم عن طواف هذا اليوم ". وتقدم الكلام على المكان الذي تؤدى فيه، عند الكلام على نقل الزكاة. إعطاؤها للذمي: أجاز الزهري، وأبو حنيفة، ومحمد، وابن شبرمة، إعطاء الذمي من زكاة الفطر لقول الله تعال: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). هل في المال حق سوى الزكاة؟ ينظر الاسلام إلى المال نظرة واقعية، فهو في نظرة عصب الحياة، وقوام نظام الافراد والجماعات. قال الله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) (هامش) (1) أي التي يتصدق بها في سائر الاوقات. (.)

[ 416 ]

وهذا يقتضي أن يوزع توزيعا يكفل لكل فرد كفايته من الغذاء، والكساء، والمسكن، وسائر الحاجات الاصلية، التي لاغنى عنها، حتى لا يبقى فرد مضيع، لاقوام له. وأمثل وسيلة، وأفضلها لتوزيع المال، وللحصول على الكفاية، وسيلة الزكاة، فهي في الوقت الذي لا يضيق بها الغني، ترفع مستوى الفقير إلى حد الكفاية، وتجنبه شظف العيش، وألم الحرمان. والزكاة ليست منة يهبها الغني للفقير، وإنما هي حق استودعه الله يد الغني، ليؤديه لاهله، وليوزعه على مستحقيه ومن ثم تتقرر هذه الحقيقة الكبرى وهي: أن المال ليس وقفا على الاغنياء دون غيرهم، وإنما المال للجميع: أي للاغنياء، والفقراء، على السواء يوضح هذا قول الله تعالى - في حكمه تقسيم الفئ (كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم) أي هذا التقسيم، لئلا يكون المال متداولابين الاغنياء، بل يجب توزيعه على الاغنياء والفقراء. والزكاة، هي الحق الواجب في المال، متى قامت بحاجة الفقراء وسدت خلة المعوزين، وكفت البائسين، وأطعمتهم من جوع وأمنتهم من خوف. فإذا لم تكف الزكاة، ولم تف بحاجة المحتاجين، وجب في المال حق آخر سوى الزكاة وهذا الحق لا يتقيد ولا يتحدد إلا بالكفاية، فيؤخذ من مال الاغنياء القدر الذي يقوم بكفاية الفقراء. قال القرطبي: قوله تعالى: " وآتى المال على حبه " استدل به من قال: إن في المال حقا، سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: المراد الزكاة المفروضة، والاول أصح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في المال حقا سوى الزكاة " تم تلا هذه الآية " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب " إلى آخرها. وأخرجه ابن ماجه، في سننه، والترمذي في جامعه، وقال: هذا حديث

[ 417 ]

ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة، ميمون الاعور، يضعف. وروى بيان، وإسماعيل بن سالم هذا الحديث، عن الشعبي من قوله، وهو أصح. قلت: والحديث، وإن كان فيه مقال، فقد دل على صحته معنى ما في هذه الآية نفسها، من قوله تعالى: (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) مع الصلاة، وذلك دليل. على أن المراد بقوله: (وآتى المال على حبه) ليس الزكاة المفروضة فإن ذلك يكون تكرارا، والله أعلم. واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة، بعد أداء الزكاة، فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء اسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وهذا إجمال أيضا، وهو يقوي ما اخترناه، وبالله التوفيق. وفي تفسير المنار، في قوله تعالى: " وآتى المال على حبه " قال: أي وأعطى المال لاجل حبه تعالى، أو على حبه إياه أي المال. قال الاستاذ الامام (1): " وهذا الايتاء، غير إيتاء الزكاة الآتي، وهو ركن من أركان البر، وواجب كالزكاة وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل، في غير وقت أداء الزكاة، بأن يرى الواجد مضطرا، بعد أداء الزكاة، أو قبل تمام الحول. وهو لا يشترط فيه نصاب معين، بل هو على حسب الاستطاعة. فإذا كان لا يملك إلا رغيفا، ورأى مضطرا إليه، في حال استغنائه عنه، بأن لم يكن محتاجا إليه لنفسه، أو لمن تجب عليه نفقته، وجب عليه بذله. وليس المضطر وحده، هو الذي له الحق في ذلك، بل أمر الله تعالى المؤمن أن يعطي من غير الزكاة " ذوي القربى " وهم أحق الناس بالبر، والصلة، فإن الانسان إذا احتاج - وفي أقاربه غني - فإن نفسه تتوجه إليه بعاطفة الرحم. ومن المغروز في الفطرة أن الانسان يألم لفاقة ذوي رحمه وعدمهم، (هامش) (1) الشيخ محمد عبده. (.)

[ 418 ]

أشد مما يألم لفاقة غيرهم، فإنه يهون بهوانهم، ويعتز بعزتهم، فمن قطع الرحم ورضي بأن ينعم وذو وقرباه بائسون، فهو برئ من الفطرة والدين، وبعيد من الخير والبر، ومن كان أقرب رحما، كان حقه آكد، وصلته أفضل. " واليتامى " فإنه لموت كافلهم تتعلق كفايتهم بأهل الوجد واليسار من المسلمين، كيلا تسوء حالهم، وتفسد تربيتهم، فيكونوا مصابا على أنفسهم وعلى الناس. " والمساكين " فإنهم لما قعد بهم العجز عن كسب ما يكفيهم، وسكنت نفوسهم للرضا بالقليل عن مد كف الذليل وجبت مساعدتهم، ومواساتهم على المستطيع. " وابن السبيل " المنقطع في السفر، لا يتصل بأهل ولا قرابة كأن السبيل أبوه، وأمه، ورحمه، وأهله. وهذا التعبير بمكان من اللطف، لا يرتقي إليه سواه. وفي الامر بمواساته، وإعانته في سفره، ترغيب من الشرع في السياحة، والضرب في الارض. " والسائلين " الذين تدفعهم الحاجة العارضة، إلى تكفف الناس. وأخرهم لانهم يسألون، فيعطيهم هذا، وهذا. وقد يسأل الانسان لمواساة غيره - والسؤل محرم شرعا، إلا لضرورة، يجب على السائل أن لا يتعداها. " وفي الرقاب " أي في تحريرها، وعتقها، وهو يشمل ابتياع الارقاء، وعتقهم وإعانة المكاتبين على أداء نجومهم (1) ومساعدة الاسرى على الافتداء. وفي جعل هذا النوع من البذل، حقا واجبا في أموال المسلمين، دليل على رغبة الشريعة في فك الرقاب، واعتبارها أن الانسان خلق ليكون حرا، إلا في أحوال عارضة، تقضي المصلحة العامة فيها، أن يكون الاسير رقيقا، وأخر هذا عن كل ما سبقه، لان الحاجة في تلك الاصناف، قد تكون لحفظ الحياة، وحاجة الرقيق الى الحرية حاجة إلى الكمال. ومشروعية البذل لهذه الاصناف، من غير مال الزكاة، لا تتقيد بزمن. (هامش) (1) " بحومهم " أي الاقساط. (.)

[ 419 ]

ولا بامتلاك نصاب محدود، ولايكون المبذول مقدارا معينا بالنسبة الى ما يملك، ككونه عشرا، أو ربع عشر، أو عشر العشر مثلا، وإنما هو أمر مطلق بالاحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى. ووقاية الانسان المحترم من الهلاك، والتلف، واجبة على من قدر عليها، وما زاد على ذلك، فلا تقدير له. وقد أغفل الناس أكثر هذه الحقوق العامة، التي حث عليها الكتاب العزيز لما فيها من الحياة الاشتراكية المعتدلة الشريفة فلا يكادون يبذلون شيئا لهؤلاء المحتاجين إلا القليل النادر لبعض السائلين، وهم في هذا الزمان أقل الناس استحقاقا، لانهم اتخذوا السؤال حرفة، وأكثرهم واجدون. انتهى. وقال ابن حزم: وفرض على الاغنياء من أهل كل بلد، أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف، والشمس، وعيون المارة. برهان ذلك: قول الله تعالى: " وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل " وقال تعالى: " وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب (1)، والصاحب بالجنب (2)، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم ". فأوجب تعالى حق المسكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين من حق ذي القربى، وافترض الاحسان إلى الابوين، وذي القربى والمساكين، والجار وما ملكت اليمين، والاحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك. وقال تعالى: (ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين). فقرن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم - من طرق كثيرة، في غاية الصحة أنه قال: " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ". (هامش) (1) " الجار الجنب " أي الجار البعيد. (2) " الصاحب بالجنب " أي الزوجة. (.)

[ 420 ]

ومن كان على فضلة (1) ورأى المسلم أخاه جائعا عريان ضائعا فلم يغثه. فما رحمه بلاشك. وعن عثمان النهدي: أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حدثه: " أن أصحاب الصفة، كانوا ناسا فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس ". وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ". ومن تركه يجوع، ويعرى - وهو قادر على إطعامه وكسوته - فقد أسلمه. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد، فليعد به على من زاد له. قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لاحق لاحد منا في فضل ". وهذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم يخبر بذلك أبو سعيد الخدري رضي رضي الله عنه، وبكل ما في هذا الخبر نقول: ومن طريق أبي موسى الاشعري رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني (2) ". والنصوص من القرآن، والاحاديث الصحاح في هذا كثيرة جدا. وقال عمر رضي الله عنه: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لاخذت فضول أموال الاغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين " وهذا إسناد في غاية الصحة، والجلالة. وقال علي رضي الله عنه: " إن الله تعالى فرض على الاغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا، أو عروا، وجهدوا فبمنع الاغيناء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم (هامش) (1) " فضلة " أي زيادة عن الحاجة. (2) " العاني " أي الاسير. (.)

[ 421 ]

يوم القيامة، ويعذبهم عليه (1) ". وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه قال: " في مالك حق سوى الزكاة ". وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن علي، وابن عمر رضي الله عنهم، أنهم قالوا كلهم لمن سألهم: " إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، فقد وجب حقك ". وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلثمائة من الصحابة رضي الله عنهم أن زادهم فني، فأمرهم أبو عبيدة. فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء. فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم منهم. وصح عن الشعبي، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم، كلهم يقول: في المال حق، سوى الزكاة. ثم قال: ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة، أو لحم خنزير وهو يجد طعاما، فيه فضل عن صاحبه لمسلم، أو لذمي، لانه يجب فرضا على صاحب الطعام إطعام الجائع. فإذا كان ذلك كذلك فليس بمضطر إلى الميتة، ولا إلى لحم الخنزير، وله أن يقاتل على ذلك، فإن قتل، فعلى قاتله القود (2)، وإن قتل المانع فإلى لعنة الله، لانه منع حقا، وهو من الطائفة الباغية، قال تعالى: " فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ". ومانع الحق باغ على أخيه، الذي له الحق. وبهذا قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، مانع الزكاة. وبالله تعالى التوفيق. انتهى وإنما سردنا هذه النصوص، وأكثرنا القول في هذه المسألة لنبين مدى ما في الاسلام من رحمة، وحنان، وأنه سبق المذاهب الحديثة سبقا بعيدا، وأنها في جانبه كالشمعة المضطربة أمام الضوء الباهر، والشمس الهادية. (هامش) (1) تقدم الحديث في أول الكتاب مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. (2) " فعلى قاتله القود " أي يقتل به. (.)

[ 422 ]

صدقة التطوع دعا الاسلام إلى البذل، وحض عليه في أسلوب يستهوي الافئدة، ويبعث في النفس الاريحية، ويثير فيها معاني الخير والبر، والاحسان. 1 - قال الله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم). 2 - وقال: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم). 3 - وقال (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير). 1 - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء " رواه الترمذي، وحسنه. 2 - وروى كذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء (1) ويذهب الله بها الكبر والفخر ". 3 - وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الاخر: الله أعط ممسكا تلفا " رواه مسلم. 4 - وقال صلى الله عليه وسلم " صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة حفيا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الاخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الاخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف " رواه الطبراني في الاوسط، وسكت عليه المنذري. أنواع الصدقات: وليست الصدقة قاصرة على نوع معين من أعمال البر بل القاعدة العامة، (هامش) (1) " ميتة السوء " أي سوء العاقبة. (.)

[ 423 ]

أن كل معروف صدقة. وإليك بعض ما جاء في ذلك: 1 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على كل مسلم صدقة " فقالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: " يعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدق ". قالوا: فإن لم يجد؟ قال: " يعين ذا الحاجة الملهوف (1) ". قالوا: فإن لم جيد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر، فإنها (2) له صدقة " رواه البخاري، وغيره. 2 - وقال صلى الله عليه وسلم: " كل نفس كتب عليها الصدقة كل يوم طلعت فيه الشمس، فمن ذلك أن يعدل (3) بين الاثنين صدقة، وأن يعين الرجل على دابته فيحمله عليها صدقة، ويرفع متاعه عليها صدقة، ويميط الذى عن الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشي إلى الصلاة صدقة " رواه أحمد وغيره. 3 - وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال (4)، (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم): " على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه ". قلت: يا رسول الله من أين أتصدق، وليس لنا أموال؟ قال: " لان من أبواب الصدقة: التكبير، وسبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوك عن طريق الناس، والعظم، والحجر، وتهدي الاعمى وتسمع الاصم والبكم، حتى يفقه، المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة، منك على نفسك، ولك في جماع زوجتك أجر " الحديث، رواه أحمد واللفظ له، ومعناه أيضا في مسلم. وعند مسلم قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ". (هامش) (1) " الملهوف " أي المستغيث سواء أكان مظلوما أم عاجزا. (2) أي إن هذه الخصلة. (3) " يعدل " أي يصلح بين متخاصمين بالعدل. (4) ما بين القوسين ليس في مسند الامام أحمد وإنما آثرنا إثباته هنا لان ما بعده إلى قوله " على نفسه " في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. (.)

[ 424 ]

3 - وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس من نفس ابن آدم عليها صدقة. في كل يوم طلعت فيه الشمس ". قيل: يا رسول الله. من أين لنا صدقة نتصدق بها كل يوم؟ فقال: " إن أبواب الخير لكثيرة. التسبيح والتحميد، والتكبير، والتهليل، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الاذى عن الطريق، وتسمع الاصم، وتهدي الاعمى، وتدل المستدل على حاجاته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف. فهذا كله صدقة منك على نفسك " رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي مختصر اوزاد في رواية: " وتبسمك في وجه أخيك صدقة وإماطتك الحجر، والشوكة والعظم عن طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة صدقة ". 5 - وقال: " من استطاع منكم أن يتقي النار فليتصدق ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " رواه أحمد، ومسلم. 6 - وقال: " إن الله عزوجل، يقول يوم القيامة: يا ابن آدم: مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت، أن عبدى فلانا مرض فلم تعده؟. " أما لوعدته لوجدتني عنده. يا ابن آدم: استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم: استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب كيف أسقيك وانت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي. " رواه مسلم. 7 - وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شئ إلا كانت له صدقة " رواه البخاري. 8 - وقال عليه الصلاة والسلام: " كل معروف صدقة، ومن المعروف (هامش) (1) " شق تمرة " أي نصف تمرة، وهذا يفيد أنه لا ينبغي أن يستقل الانسان الصدقة. (.)

[ 425 ]

أن تلقى أخاك بوجه طلق، وان تفرغ من دلوك في إنائه " رواه أحمد والترمذي وصححه. أولى الناس بالصدقة: أولى الناس بالصدقة أولاد المتصدق وأهله وأقاربه. ولا يجوز التصدق على أجنبي وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته ونفقة عياله. 1 - فعن جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان احدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، وإن كان فضل فعلى عياله، وإن كان فضل فعلى ذوي قرابته، أو قال: ذوي رحمه، وان كان فضل فهاهنا وهاهنا " رواه أحمد ومسلم. 2 - وقال صلى الله عليه وسلم: " تصدقوا ": قال رجل. عندي دينار. قال " تصدق به على نفسك ". قال: عندي دينار آخر. قال: تصدق به على زوجتك ". قال: عندي دينار آخر. قال: " تصدق به على ولدك ". قال: عندي دينار آخر. قال: " تصدق به على خادمتك ". قال: عندي دينار آخر. قال: " أنت به أبصر ". رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وصححه. 3 - وقال عليه الصلاة والسلام: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ". رواه مسلم وابو داود. 4 - وقال صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح. " رواه الطبراني، والحاكم وصححه. إبطال الصدقة: لقول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. " قال أبو ذر رضى الله عنه: (هامش) (1) " الكاشح " أي الذي يضمر العداوة. (.)

[ 426 ]

خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: " المسبل (1) والمنان (2)، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ". التصدق بالحرام: لا يقبل الله الصدقة، إذا كانت من حرام. 1 - قال رسول الله صلى عليه وسلم: " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال عز وجل، (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال (يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له " رواه مسلم. 2 - وقال صلى الله عليه وسلم: " من تصدق بعدل (3) تمرة، من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " رواه البخاري. صدقة المرأة من مال زوجها: يجوز للمرأة تتصدق من بيت زوجها، إذا علمت رصاه، ويحرم عليها إذا لم تعلم. فعن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها - غير مفسدة - كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا. " رواه البخاري. (هامش) (1) " المسبل " أي الذي يجر ثوبه خيلاء. (2) المن ذكر الصدقة والتحدث بها، أو استخدام المتصدق عليه، أو التكبر عليه لاجل إعطائه. والاذى إظهار الصدقة، قصد إيلام المتصدق عليه، أو توبيخه. (3) " العدل " بكسر العين، معناه في اللغة: المثل. والمراد به هنا ما يساوي قيمة تمرة. (.)

[ 427 ]

وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول - في خطبة عام حجة الوداع - " لا تنفق المرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها " قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: " ذلك أفضل أموالنا " رواه الترمذي، وحسنه. ويستثنى من ذلك النزر اليسير، الذي جرى به العرف فإنه يجوز لها أن تتصدق به، دون أن تستأذنه. فعن أسماء بنت أبي بكر أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن الزبير رجل شديد، ويأتيني المسكين فأتصدق عليه من بيته، بغير إذنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارضخي (1) ولا توعي (2) فيوعي الله عليك ". رواه أحمد، والبخاري، ومسلم. جواز التصدق بكل المال: يجوز للقوي المكتسب أن يتصدق بجميع ماله (3). قال عمر: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن (4) سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أبقيت لاهلك؟ " فقلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ماله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أبقيت لاهلك؟ " فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أسابقك إلى شئ أبدا " رواه أبو داود، والترمذي، وصححه. وقد اشترط العلماء لجواز التصدق بجميع المال أن يكون المتصدق قويا مكتسبا صابرا غير مدين، ليس عنده من يجب الانفاق عليه، فإذا لم تتوفر هذه الشروط، فإنه حينئذ يكره. فعن جابر رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه. (هامش) (1) " ارضخي " أي أعطي القليل، الذي جرت به العادة. (2) " لاتوعي " أي لا تدخري المال في الوعاء فيمنعه الله عنك. (3) قال أبو جعفر الطبري: ومع جوازه فالمستحب ان لا يفعل وأن يقتصر على الثلث. (4) " إن " حرف نفي: أي ما سبقته. (.)

[ 428 ]

وسلم. إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال يا رسول الله: أصبت هذه من معدن فخذها، فهي صدقة، ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من قبل ركنه الايمن فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الايسر (1) فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه (2) بها، فلو أصابته لاوجعته، أو عقرته (3) الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى " رواه أبو داود، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وفيه محمد بن إسحق. جواز الصدقة على الذمي والحربي: تجوز الصدقة على الذمي والحربي ويثاب المسلم على ذلك، وقد أثنى الله على قوم فقال: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) والاسير حربي. وقال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة، فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: " نعم، صلي أمك ". الصدقة على الحيوان: 1 - روى البخاري ومسلم: أن رسول الله عليه وسلم قال: " بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر، فملا خفه (هامش) (1) " ركنه " أي جانبه. (2) " فحذفه " أي رماه بها. (3) " عقرته " أي جرحته. (4) " يتكفف " أي يمد كفه. (.)

[ 429 ]

ماء. ثم أمسكه بفيه حتى رقي (1) فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له. " قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: " في كل كبد رطبة أجر ". 2 - ورويا: أنه صلى الله عليه وسلم قال: " بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني اسرائيل فنزعت موقها (2)، فاستقت له به، فسقته فغفر لها به ". الصدقة الجارية: روى أحمد ومسلم أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: " إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ". شكر المعروف: 1 - روى أبو داود والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ". 2 - وروى أحمد عن الاشعث بن قيس - بسند رواته ثقات -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يشكر الله من لا يشكر الناس ". 3 - وروى الترمذي - وحسنه - عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من صنع معه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء ". (هامش) (1) " رقي " أي صعد. (2) " الموق " أي الخف. (.)

[ 431 ]

الصيام الصيام، يطلق على الامساك. قال الله تعالى: (إني نذرت للرحمن صوما) أي إمساكا عن الكلام. والمقصود به هنا، الامساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع النية فضله: 1 - عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله عزوجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي (1)، وأنا أجزي به (2)، والصيام جنة (3)، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث (4)، ولا يصخب (5)، ولا يجهل (6)، فإن شاتمه أحد، أو قاتله، فليقل: إني صائم، مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف (7) فم الصائم، أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه ". رواه أحمد، ومسلم، والنسائي. 2 - ورواية البخاري، وأبى داود: " الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله، أو شاتمه فليقل، إني صائم، مرتين، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشرة أمثالها ". (هامش) (1) إضافته إلى الله إضافة تشريف. (2) هذا الحديث بعضه قدسي وبعضه نبوي. فالنبوي. من قوله: والصيام جنة إلى آخر الحديث. (3) " جنة " أي مانع من المعاصي. (4) " الرفث " أي الفحش في القول. (5) " لا يصخب " أي لا يصيح. (6) " لا يجهل " أي لا يسفه. (7) " الخلوف " تغير رائحة الفم بسبب الصوم. (.)

[ 432 ]

3 - وعن عبد الله بن عمرو. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أي (1) رب منعته الطعام والشهوات، بالنهار، فشفعني به. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه فيشفعان (2) " رواه أحمد بسند صحيح. 4 - وعن أبي أمامة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: مرني بعمل يدخلني الجنة، قال: " عليك بالصوم فإنه لا عدل له " (3) ثم أتيته الثانية، فقال: " عليك بالصيام ". رواه أحمد، والنسائي، والحاكم، وصححة. 5 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يصوم عبد يوما في سبيل الله الا باعد الله بذلك اليوم النار عن وجهه، سبعين خريفا " رواه الجماعة، إلا أبا داود. 6 - وعن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن للجنة بابا، يقال له: الريان، يقال يوم القيامة: أين الصائمون؟ فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب ". رواه البخاري ومسلم. أقسامه: الصيام قسمان: فرض، وتطوع. والفرض ينقسم ثلاثة أقسام: 1 - صوم رمضان. 2 - صوم الكفارات. 3 - صوم النذر. والكلام هنا ينحصر في صوم رمضان، وفي صوم التطوع. أما بقية الاقسام، فتأتي في مواضعها. صوم رمضان حكمه: صوم رمضان، واجب بالكتاب، والسنة والاجماع. (هامش) (1) " أي " حرف نداء بمعنى " يا " أي: يا رب. (2) أي تقبل شفاعتهما. (3) " لا عدل له " أي لا مثل له. (.)

[ 433 ]

فأما الكتاب: فقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب (1) عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وقال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد (2) منكم الشهر فليصمه). وأما السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: " بني الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان وحج البيت ". وفي حديث طلحة بن عبيد الله، " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله. أخبرني عما فرض الله علي من الصيام؟ قال: " شهر رمضان ". قال: هل علي غيره؟ قال: " لا. إلا أن تطوع ". وأجمعت الامة: على وجوب صيام رمضان. وأنه أحد أركان الاسلام، التي علمت من الدين بالضرورة، وأن منكره كافر مرتد عن الاسلام. وكانت فرضيته يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شعبان، من السنة الثانية من الهجرة. فضل شهر رمضان، وفضل العمل فيه: 1 - عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حضر رمضان " قد جاءكم شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم " رواه أحمد، والنسائي، والبيهقي. 2 - وعن عرفجة قال: كنت عند عتبة بن فرقد وهو يحدث عن رمضان قال: فدخل علينا رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رآه عتبة هابه، فسكت، قال: فحدث عن رمضان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في رمضان، " تغلق أبواب النار وتفتح أبواب الجنة، وتصفد فيه الشياطين، قال: وينادي فيه ملك: يا باغي الخير أبشر، ويا (هامش) (1) " كتب " أي فرض. (2) شهد: حضر. (.)

[ 434 ]

باغي الشر أقصر، حتى ينقضي رمضان. " رواه أحمد، والنسائي وسنده جيد. 3 - وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر ". رواه مسلم. 4 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من صام رمضان وعرف حدوده، وتحفظ مما كان ينبغي أن يتحفظ منه كفر ما قبله " رواه أحمد، والبيهقي، بسند جيد. 5 - وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صام رمضان إيمانا واحتسابا (1) غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه أحمد، وأصحاب السنن. الترهيب من الفطر في رمضان: 1 - عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عرى الاسلام، وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الاسلام، من ترك واحدة منهن، فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان " رواه أبو يعلى، والديلمي، وصححه الذهبي. 2 - وعن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أفطر يوما من رمضان، في غير رخصة رخصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر كله، وإن صامه " رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال البخاري: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: " من أفطر يوما من رمضان، من غير عذر، ولا مرض، لا يقضه صوم الدهر، وإن صامه ". وبه قال ابن مسعود. قال الذهبي: وعند المؤمنين مقرر: أن من ترك صوم رمضان بلا مرض، أنه شر من الزاني، ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه، ويظنون به الزندقة، والانحلال. (هامش) (1) " احتسابا " أي طالبا وجه الله وثوابه. (.)

[ 435 ]

بم يثبت الشهر: يثبت شهر رمضان برؤية الهلال، ولو من واحد عدل أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما. 1 - فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود، والحاكم، وابن حبان، وصححاه. 2 - وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صوموا لرؤيته (1) وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما. " رواه البخاري ومسلم.. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد، في الصيام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي، وأحمد. وقال النووي: وهو الاصح. وأما هلال شوال، فيثبت بإكمال عدة رمضان ثلاثين يوماو لا تقبل فيه شهادة العدل الواحد، عند عامة الفقهاء. واشترطوا أن يشهد على رؤيته، اثنان ذوا عدل، إلا أبا ثور فإنه لم يفرق في ذلك بين هلال شوال، وهلال رمضان، وقال: يقبل فيهما شهادة الواحد العدل. قال ابن رشد: " ومذهب أبي بكر بن المنذر، هو مذهب أبي ثور، وأحسبه مذهب أهل الظاهر. وقد احتج أبو بكربن المنذر، بانعقاد الاجماع على وجوب الفطر، والامساك عن الاكل، بقول واحد، فوجب أن يكون الامر كذلك، في دخول الشهر وخروجه، إذ كلاهما علامة، تفصل زمان الفطر من زمان الصوم ". وقال الشوكاني: وإذا لم يرد ما يدل على اعتبار الاثنين في شهادة الافطار من الادلة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه قياسا على الاكتفاء به في الصوم. (هامش) (1) المراد بالرؤية: الرؤية الليلية. (.)

[ 436 ]

وأيضا، التعبد بقبول خبر الواحد، يدل على قبوله في كل موضع، إلا ما ورد الدليل بتخصيصه، بعدم التعبد فيه بخبر الواحد، كالشهادة على الاموال ونحوها، فالظاهر ما ذهب إليه أبو ثور. اختلاف المطالع: ذهب الجمهور: إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع. فمتى رأى الهلال أهل بلد، وجب الصوم على جميع البلاد لقول الرسول صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته ". وهو خطاب عام لجميع الامة فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعا. وذهب عكرمة، والقاسم بن محمد، وسالم، وإسحاق، والصحيح عند الاحناف، والمختار عند الشافعية: أنه يعتبر لاهل كل بلد رؤيتهم، ولا يلزمهم رؤية غيرهم. لما رواه كريب قال: قدمت الشام، واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة. ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس - ثم ذكر الهلال - فقال: متى رأيتهم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا... هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد، ومسلم والترمذي. وقال الترمذي: حسن، صحيح، غريب، والعمل على هذا الحديث، عند أهل العلم، أن لكل بلد رؤيتهم. وفي فتح العلام شرح بلوغ المرام: الاقرب لزوم أهل بلد الرؤية، وما يتصل بها من الجهات التي على سمتها (1). (هامش) (1) هذا هو المشاهد، ويتفق مع الواقع. (.)

[ 437 ]

من رأى الهلال وحده: اتفقت أئمة الفقه على أن من أبصر هلال الصوم وحده أن يصوم. وخالف عطاء فقال: لا يصوم إلا برؤية غيره معه. واختلفوا في رؤيته هلال شوال، والحق أنه يفطر كما قال الشافعي، وأبو ثور. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب الصوم والفطر للرؤية، والرؤية حاصلة له يقينا، وهذا أمر مداره الحس، فلا يحتاج إلى مشاركة. أركان الصوم: للصيام ركنان تتركب منهما حقيقته: 1 - الامساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. لقول الله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل). والمراد بالخيط الابيض، والخيط الاسود بياض النهار وسواد الليل. لما رواه البخاري ومسلم: أن عدي بن حاتم قال: لما نزلت (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود) عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال: " إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار ". 2 - النية: لقول الله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ". وقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ". ولابد أن تكون قبل الفجر، من كل ليلة من ليالي شهر رمضان. لحديث حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لم يجمع (1) (هامش) (1) " يجمع " من الاجماع، وهو إحكام النية والعزيمة. (.)

[ 438 ]

الصيام قبل الفجر، فلاصيام له. " رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان. وتصح في أي جزء من أجزاء الليل، ولا يشترط التلفظ بها فإنها عمل قلبي، لادخل للسان فيه، فإن حقيقتها القصد إلى الفعل امتثالالامر الله تعالى، وطلبا لوجهه الكريم. فمن تسحر بالليل، قاصدا الصيام، تقربا إلى الله بهذا الامساك، فهو ناو. ومن عزم على الكف عن المفطرات، أثناء النهار، مخلصا لله، فهو ناو كذلك وإن لم يتسحر. وقال كثير من الفقهاء: إن نية صيام التطوع تجزئ من النهار، إن لم يكن قد طعم. قالت عائشة: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: " هل عندكم شئ؟ قلنا: لا. قال: " فإني صائم ". رواه مسلم، وأبو داود. واشترط الاحناف أن تقع النية قبل الزوال وهذا هو المشهور من قولي الشافعي. وظاهر قولي ابن مسعود، وأحمد: أنها تجزئ قبل الزوال، وبعده، على السواء. على من يجب: أجمع العلماء: على أنه يجب الصيام على المسلم العاقل البالغ، الصحيح المقيم، ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض، والنفاس. فلا صيام على كافر، ولا مجنون، ولاصبي ولا مريض، ولا مسافر، ولا حائض، ولانفساء، ولاشيخ كبير، ولا حامل، ولا مرضع. وبعض هؤلاء لا صيام عليهم مطلقا، كالكافر، والمجنون، وبعضهم يطلب من وليه أن يأمره بالصيام، وبعضهم يجب عليه الفطر والقضاء، وبعضهم يرخص لهم في الفطر وتجب عليه الفدية، وهذا بيان كل على حدة.

[ 439 ]

صيام الكافر، والمجنون: الصيام عبادة إسلامية، فلاتجب على غير المسلمين، والجنون غير مكلف لانه مسلوب العقل الذي هو مناط التكاليف، وفي حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم ". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. صيام الصبي: والصبي - وإن كان الصيام غير واجب عليه - إلا أنه ينبغي لولي أمره أن يأمره به، ليعتاده من الصغر، مادام مستطيعا له، وقادرا عليه. فعن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم - صبيحة عاشوراء - إلى قرى الانصار: من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليصم بقية يومه، فكنا نصومه بعد ذلك، ونصوم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن (1) فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه إياه، حتى يكون عند الافطار رواه البخاري، ومسلم. من يرخص لهم في الفطر، وتجب عليهم الفدية: يرخص الفطر للشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه، وأصحاب الاعمال الشاقة، الذين لا يجدون متسعا من الرزق، غير ما يزاولونه من أعمال. هؤلاء جميعا يرخص لهم في الفطر، إذا كان الصيام يجهدهم، ويشف عليهم مشقة شديدة في جميع فصول السنة. وعليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكينا، وقدر ذلك بنحو صاع (2) أو نصف صاع، أو مد، على خلاف في ذلك، ولم يأت من السنة ما يدل على التقدير. (هامش) (1) العهن: الصوف. (2) " الصاع " قدح وثلث. (.)

[ 440 ]

قال ابن عباس: رخص للشيخ الكبير أن يفطر: ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه. رواه الدارقطني والحاكم وصححاه. وروى البخاري عن عطاء: أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " قال ابن عباس ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يتسطيعان أن يصوما، فيطعمان (1) مكان كل يوم مسكينا. والمريض الذي لا يرجى برؤه، ويجهده الصوم، مثل الشيخ الكبير، ولافرق. وكذلك العمال الذين يضطلعون بمشاق الاعمال. قال الشيخ محمد عبده: فالمراد بمن " يطيقونه " في الآية، الشيوخ الضعفاء والزمني (2) ونحوهم كالفعلة الذين جعل الله معاشهم الدائم بالاشغال الشاقة كاستخراج الفحم الحجري من مناجمه. ومنهم المجرمون الذين يحكم عليهم بالاشغال الشاقة المؤبدة إذا شق الصيام عليهم، بالفعل، وكانوا يملكون الفدية. والحبلى، والمرضع - إذا خافتا على أنفسهما، أو أولادهما (3) أفطرتا - وعليهما الفدية، ولاقضاء عليهما، عند ابن عمر، وابن عباس. روى أبو داود عن عكرمة، أن ابن عباس قال، في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه)، كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى، والمرضع - إذا خافتا (يعني على أولادهما) - أفطرتا، وأطعمتا. رواه البزار. وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لام ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذي لا يطيقه، فعليك الفداء، ولاقضاء عليك. وصحح الدارقطني إسناده. وعن نافع أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال: تفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكينا مدا (4) من حنطة. رواه مالك، والبيهقي. (هامش) (1) مذهب مالك وابن حزم أنه لاقضاء ولا فدية. (2) المرضى مرضا مزمنالايبرأ. (3) معرفة ذلك بالتجربة أو بإخبار الطبيب الثقة أو بغلبة الظن. (4) " المد " ربع قدح من قمح. (.)

[ 441 ]

وفي الحديث: " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم ". وعند الاحناف وأبي عبيد وأبي ثور: أنهما يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما. وعند أحمد، والشافعي: أنهما - إن خافتا على الولد فقط وأفطرتا - فعليهما القضاء والفدية، وإن خافتا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما وعلى ولدهما، فعليهما القضاء، لا غير. من يرخص لهم في الفطر، ويجب عليهم القضاء: يباح الفطر للمريض الذي يرجى برؤه، والمسافر، ويجب عليهما القضاء. قال الله تعالى: (ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). وروى أحمد، وأبو داود، والبيهقي، بسند صحيح، من حديث معاذ، قال: " إن الله تعالى فرض على النبي صلى الله عليه وسلم الصيام، فأنزل: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) إلى قوله: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) فكان من شاء صام. ومن شام أطعم مسكينا. فأجزأ ذلك عنه. ثم إن الله تعالى أنزل الآية الاخرى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فأثبت صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الاطعام للكبير الذي لايستطيع الصيام ". والمرض المبيح للفطر، هو المرض الشديد الذي يزيد بالصوم، أو يخشى تأخر برئه (1). قال في المغني: " وحكى عن بعض السلف: أنه أباح الفطر بكل مرض، حتى من وجع الاصبع والضرس، لعموم الآية فيه، ولان المسافر يباح له الفطر، وإن لم يحتج إليه، فكذلك المريض " وهذا مذهب البخاري، وعطاء، وأهل الظاهر. (هامش) (1) يعرف ذلك، إما بالتجربة أو بإخبار الطبيب الثقة أو بغلبة الظن. (.)

[ 442 ]

والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام، يفطر، مثل المريض وكذلك من غلبه الجوع أو العطش، فخاف الهلاك، لزمه الفطر وإن كان صحيحا مقيما وعليه القضاء. قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما). وقال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج). وإذا صام المريض، وتحمل المشقة، صح صومه، إلا أنه يكره له ذلك لاعراضه عن الرخصة التي يحبها الله، وقد يلحقه بذلك ضرر. وقد كان بعض الصحابة يصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يفطر، متابعين في ذلك فتوى الرسول صلى الله عليه وسلم. قال حمزة الاسلمي: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل علي جناح؟ فقال: هي " رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها، فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " رواه مسلم، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة - ونحن صيام - قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم " فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: " إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم " فأفطروا، فكانت عزمة، فأفطرنا، ثم رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في السفر " رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر (1) ولا المفطر على الصائم ثم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر، فإن ذلك حسن. رواه أحمد ومسلم. وقد اختلف الفقهاء في أيهما أفضل؟. فرأى أبو حنيفة، والشافعي، ومالك: أن الصيام أفضل، لمن قوي (هامش) (1) " فلا يجد الصائم على المفطر " أي لا يعيب عليه. (.)

[ 443 ]

عليه، والفطر أفضل لمن لا يقوى على الصيام. وقال أحمد: الفطر أفضل. وقال عمر بن عبد العزيز: أفضلهما أيسرهما، فمن يسهل عليه حينئذ، ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في حقه أفضل. وحقق الشوكاني، فرأى أن من كان يشق عليه الصوم، ويضره، وكذلك من كان معرضا عن قبول الرخصة، فالفطر أفضل وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء - إذا صام في السفر - فالفطر في حقه أفضل. وما كان من الصيام خاليا عن هذه الامور، فهو أفضل من الافطار. وإذا نوى المسافر الصيام بالليل، وشرع فيه، جاز له الفطر أثناء النهار. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم (1)، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغه: أن ناسا صاموا، فقال: " أولئك العصاة " (2) رواه مسلم والنسائي، والترمذي وصححه. وإذا ما نوى الصوم - وهو مقيم - ثم سافر في أثناء النهار فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الفطر له، وأجازه أحمد وإسحاق. لما رواه الترمذي - وحسنه - عن محمد بن كعب قال: أتيت في رمضان أنس بن مالك، وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب (3). وعن عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط (4) في رمضان، فدفع، ثم قرب غداءه ثم قال: اقترب، فقلت (هامش) (1) " الغميم " اسم واد أمام عسفان. (2) لانه عزم عليهم، فأبوا، وخالفوا الرخصة. (3) في سنده عبيد بن جعفر وهو ضعيف. (4) " الفسطاط ": مصر القديمة. (.)

[ 444 ]

ألست بين البيوت فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)؟. رواه أحمد، وأبو داود، ورجاله ثقات. قال الشوكاني: والحديثان يدلان على أن للمسافر أن يفطر قبل خروجه، من الموضع الذي أراد السفر منه. وقال: قال ابن العربي: وأما حديث أنس، فصحيح، يقتضي جواز الفطر، مع أهبة السفر. وقال: وهذا هو الحق. والسفر المبيح للفطر، هو السفر الذي تقصر الصلاة بسببه، ومدة الاقامة التي يجوز للمسافر أن يفطر فيها، هي المدة التي يجوز له أن يقصر الصلاة فيها. وتقدم جميع ذلك في مبحث قصر الصلاة ومذاهب العلماء وتحقيق ابن القيم. وقد روى أحمد، وأبو داود، والبيهقي، والطحاوي. عن منصور الكلبي: أن دحية بن خليفة خرج من قرية، من دمشق مرة، إلى قدر عقبة (2) من الفسطاط، في رمضان، ثم إنه أفطر، وأفطر معه ناس. وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته، قال: والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك. من يجب عليه الفطر والقضاء معا: وجميع رواة الحديث ثقات، إلا منصور الكلبي، وقد وثقه العجلي. اتفق الفقهاء على أنه يجب الفطر على الحائض، النفساء ويحرم عليهما الصيام، وإذا صاتا لا يصح صومهما، ويقع باطلا، وعليهما قضاء ما فاتهما. روى البخاري، ومسلم، عن عائشة، قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. (هامش) (1) استفهام إنكاري. (2) أي أن المسافة التي قطعها من القرية التي خرج منها تعدل المسافة التي بين مصر القديمة وميت عقبة المجاورة لا مبالغة، وقدرت هذه المسافة بفرسخ. (.)

[ 445 ]

الايام المنهي عن صيامها جاءت الاحاديث مصرحة بالنهي عن صيام أيام نبينها فيما يلي: (1) النهي عن صيام يومي العيدين: أجمع العلماء على تحريم صوم يومي العيدين، سواء أكان الصوم فرضا، أم تطوعا. لقول عمر رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين. أما يوم الفطر، ففطركم من صومكم (1)، وأما يوم الاضحى، فكلوا من نسككم (2) ". رواه أحمد، والاربعة. (2) النهي عن صوم أيام التشريق: لا يجوز صيام الايام الثلاثة، التي تلي عيد النحر. لما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذاقة يطوف في منى: " أن لا تصوموا هذه الايام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عزوجل. رواه أحمد بإسناد جيد. وروى الطبراني في الاوسط، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل صائحا يصيح: أن لا تصوموا هذه الايام فإنها أيام أكل، وشرب، وبعال (3) " وأجاز أصحاب الشافعي، صيام أيام التشريق، فيما له سبب، من نذر، أو كفارة، أو قضاء. أمامالا سبب له، فلا يجوز فيها بلا خلاف. وجعلوا هذا نظير الصلاة التي لها سبب في الاوقات المنهي فيها عن الصلاة. (3) النهي عن صوم يوم الجمعة منفردا: يوم الجمعة عيد أسبوعي للمسلمين، ولذلك نهى الشارع عن صيامه. وذهب الجمهور: إلى أن النهي للكراهة (4) لا للتحريم إلا إذا صام يوما (هامش) (1) أي الفطر من صيام رمضان. (2) " النسك " الاضاحي. (3) " بعال " أي جماع الرجل زوجته. (4) وعن أبي حنيفة ومالك: لا يكره، والادلة المذكورة عليهما. (.)

[ 446 ]

قبله، أو يوما بعده، أو وافق عادة له، أو كان يوم عرفة، أو عاشوراء. فإنه حينئذ لا يكره صيامه. فعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على جويرية بنت الحارث وهي صائمة، في يوم جمعة فقال لها: " أصمت أمس "؟ فقالت. لا، قال: " أتريدين أن تصومي غدا "؟ قالت: لا. قال: " فأفطري إذن " رواه أحمد، والنسائي، بسند جيد. وعن عامر الاشعري قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن يوم الجمعة عيدكم فلا تصوموه. إلا أن تصوموا قبله أو بعده " رواه البزار بسند حسن. وقال علي رضي الله عنه: من كان منكم متطوعا، فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام، وشراب وذكر رواه ابن أبي شيبة بسند حسن. وفي الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لاتصوموا يوم الجمعة، إلا وقبله يوم، أو بعده يوم ". وفي لفظ لمسلم: " ولاتخصوا ليلة الجمعة، بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة، بصيام من بين الايام، إلا أن يكون في صوم، يصومه أحدكم ". (4) النهي عن إفراد يوم السبت بصيام: عن بسر السلمي، عن أخته الصماء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم (1) وإن لم يجد أحدكم إلا لحا (2) عنب، أو عود شجرة فليمضغه ". رواه أحمد، وأصحاب السنن، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم وحسنه الترمذي، وقال: ومعنى الكراهة في هذا، أن يختص الرجل يوم السبت بصيام، لان اليهود يعظمون يوم السبت. (هامش) (1) ويشتمل القضاء والنذور والنفل، إذا وافق عادته، أو كان يوم عرفة، ونحو ذلك... (2) " لحاء " أي قشر. (.)

[ 447 ]

وقالت أم سلمة: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت، ويوم الاحد، أكثر مما يصوم من الايام، ويقول: إنهما عيد المشركين، فأنا أحب ان أخالفهم ". رواه أحمد والبيهقي، والحاكم وابن خزيمة، وصححاه. ومذهب الاحناف، والشافعية والحنابلة، كراهة الصوم يوم السبت، منفردا، لهذه الادلة. وخالف في ذلك مالك، فجوز صيامه منفردا، بلا كراهة، والحديث حجة عليه. (5) النهي عن صوم يوم الشك: قال عمار بن ياسر رضي الله عنه: من صام اليوم الذي شك فيه فقد عصى أبا القاسم، صلى الله عليه وسلم، رواه أصحاب السنن. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه. ورأى أكثر هم إن صامه وكان من شهر رمضان، أن يقضي يوما مكانه (1) فإن صامه لموافقته عادة له جاز له الصيام حينئذ بدون كراهة. فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقدموا (2) صوم رمضان، بيوم، ولا يومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل، فليصم ذلك اليوم " رواه الجماعة. وقال الترمذي: حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل، بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. وإن كان رجل يصوم صوما، فوافق صيامه ذلك، فلا بأس به عندهم. (هامش) (1) وعند الحنفية: إن ظهر أنه من رمضان وصامه أجزأه عنه. (2) " تقدموا " أي تتقدموا. (.)

[ 448 ]

(6) النهي عن صوم الدهر: يحرم صيام السنة كلها، بما فيها الايام التي نهى الشارع عن صيامها. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاصام، من صام الابد " رواه أحمد، والبخاري، ومسلم. فأن أفطر يومي العيد، وأيام التشريق، وصام بقية الايام انتفت الكراهة، إذا كان ممن يقوى على صيامها. قال الترمذي: وقدكره قوم من أهل العلم صيام الدهر. إذا لم يفطر يوم الفطر، ويوم الاضحى، وأيام التشريق. فمن أفطر في هذه الايام، فقد خرج من حد الكراهة، ولايكون قد صام الدهر كله. هكذا روي عن مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحق. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم حمزة الاسلمي على سرد الصيام، وقال له: " صم إن شئت وأفطر إن شئت ". وقد تقدم. والافضل أن يصوم يوما، ويفطر يوما، فإن ذلك أحب الصيام إلى الله، وسيأتي. (7) النهي عن صيام المرأة، وزوجها حاضر، إلا بإذنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تصوم، وزوجها حاضر حتى تستأذنه. فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تصم المرأة يوما واحدا، وزوجها شاهد إلا بإذنه، إلا رمضان " رواه أحمد، والبخاري ومسلم. وقد حمل العلماء هذا النهي على التحريم، وأجازوا للزوج أن يفسد صيام زوجته لو صامت، دون أن يأذن لها، لافتياتها (1) على حقه، وهذا في غير رمضان كما جاء في الحديث، فإنه لا يحتاج إلى إذن من الزوج: (هامش) (1) " لافتياتها " أي لتعديها على حقه. (.)

[ 449 ]

وكذلك لها أن تصوم من غير إذنه، إذا كان غائبا، فإذا قدم، له أن يفسد صيامها. وجعلوا مرض الزوج، وعجزه من مباشرتها، مثل غيبته عنها. في جواز صومها، دون أن تستأذنه. النهي عن وصال الصوم (1): 1 - عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إياكم والوصال " - قالها ثلاث مرات - قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: " إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني (2) ربي ويسقيني، فاكلفوا من الاعمال ما تطيقون " رواه البخاري ومسلم. وقد حمل الفقهاء النهي على الكراهة. وجوز أحمد، وإسحق وابن المنذر، الوصال إلى السحر، ما لم تكن مثقة على الصائم. لما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل حتى السحر ". صيام التطوع رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيام هذه الايام الاتية: صيام ستة أيام من شوال: روى الجماعة - إلا البخاري والنسائي - عن أبي أيوب الانصاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر (3) ". (هامش) (1) وصل الصوم متابعة بعضه بعضا دون فطر أو سحور. (2) " يطعمني الخ " أي يجعل الله له قوة الطاعم والشارب. (3) هذا لمن صام رمضان كل سنة، قال العلماء: الحسنة بعشر أمثالها ورمضان بعشرة شهور. والايام الستة بشهرين. (.)

[ 450 ]

وعند أحمد: أنها تؤدى متتابعة وغير متتابعه، ولا فضل لاحدهما على الاخر. وعند الحنفية، والشافعية، الافضل صومها متتابعة، عقب العيد. صوم عشر ذي الحجة وتأكيد يوم عرفة لغير الحاج: 1 - عن أبي قتادة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صوم يوم عرفة، يكفر سنتين، ماضية، ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية ". رواه الجماعة إلا البخاري، والترمذي. 2 - عن حفصة قال: أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صيام عاشوراء والعشر (1)، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة. رواه أحمد، والنسائي. 3 - عن عقبة بن عامر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا - أهل الاسلام - وهي أيام أكل وشرب ". رواه الخمسة، إلا ابن ماجه. وصححه الترمذي. 4 - عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات. رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وابن ماجه. قال الترمذي، قد استحب أهل العلم، صيام يوم عرفة إلا بعرفة. 5 - عن أم الفضل: أنهم شكوا في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب، وهو يخطب الناس بعرفة. متفق عليه. صيام محرم، وتأكيد صوم عاشوراء ويوما قبلها، ويوما بعدها: 1 - عن أبي هريرة قال، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: " الصلاة في جوف الليل ". قيل: ثم أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: " شهر الله (2) الذي تدعونه المحرم " رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود. (هامش) (1) أي من ذي الحجة. (2) الاضافة للتشريف. (.)

[ 451 ]

2 - عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء فليفطر " متفق عليه. 3 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش، في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه، وأمر الناس بصيامه. فلما فرض رمضان قال: " من شاء صامه ومن شاء تركه ". متفق عليه. 4 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء. فقال: " ما هذا؟ " قالوا: يوم صالح، نجى الله فيه موسى. وبني السرائيل من عدوهم، فصامه موسى فقال صلى الله عليه وسلم: " أنا أحق بموسى منكم " فصامه، وأمر بصيامه. متفق عليه. 5 - عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: كان يوم عاشوراء، تعظمه اليهود، وتتخذه عيدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صوموه أنتم " متفق عليه. 6 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى.. فقال: " إذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع "، قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم، وأبو داود. وفي لفظ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن بقيت إلى قابل لاصومن التاسع ": يعني مع يوم عاشوراء. رواه أحمد ومسلم. وقد ذكر العلماء: أن صيام يوم عاشوراء على ثلاث مراتب: المرتبة الاولى: صوم ثلاثة أيام: التاسع، والعاشر، والحادي عشر. المرتبة الثانية: صوم التاسع، والعاشر. المرتبة الثالثة: صوم العاشر وحده.

[ 452 ]

التوسعة يوم عاشوراء: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من وسع على نفسه، وأهله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر سنته ". رواه البيهقي في الشعب، وابن عبد البر. وللحديث طرق أخرى، كلها ضعيفة. ولكن إذا ضم بعضها إلى بعض، ازدادت قوة: كما قال السخاوي. صيام أكثر شعبان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر شعبان. قالت عائشة: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط، إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان. رواه البخاري، ومسلم. وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: " ذلك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الاعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ". رواه أبو داود، والنسائي وصححه ابن خزيمة. وتخصيص صوم يوم النصف منه ظنا أن له فضيلة على غيره، مما لم يأت به دليل صحيح. صوم الاشهر الحرم: الاشهر الحرم ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب ويستحب الاكثار من الصيام فيها. فعن رجل من باهلة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله. أنا الرجل الذي جئتك عام الاول، فقال: " فما غيرك، وقد كنت حسن الهيئة؟ " قال: ما أكلت طعاما إلا بليل منذ فارقتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. " لم عذبت نفسك؟ " ثم قال: " صم شهر الصبر،

[ 453 ]

ويوما من كل شهر ". قال: زدني، فإن بي قوة. قال: " صم يومين ". قال: زدني. قال: " صم من الحرم واترك. صم من الحرم واترك. صم من الحرم واترك " وقال بأصابعه الثلاثة، فضمها، ثم أرسلها (1). رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه والبيهقي، بسند جيد. وصيام رجب، ليس له فضل زائد على غيره من الشهور، إلا أنه من الاشهر الحرم. ولم يرد في السنة الصحيحة: أن للصيام فيه فضيلة بخصوصه، وأن ما جاء في ذلك مما لا ينتهض للاحتجاج به. قال ابن حجر. لم يرد في فضله، ولا في صيامه، ولا في صيام شئ منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة منه، حديث صحيح يصلح للحجة. صوم يومي الاثنين والخميس: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم الاثنين، والخميس، فقيل له (2) فقال: " إن الاعمال تعرض كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل مسلم، أو لكل مؤمن، إلا المتهاجرين، فيقول: أخرهما " رواه أحمد، بسند صحيح. وفي صحيح مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: " ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه " أي نزل الوحي علي فيه صيام ثلاثة أيام، من كل شهر: قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام، البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. وقال: هي " كصوم الدهر " رواه النسائي، وصححه ابن حبان. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصوم من الشهر، السبت (هامش) (1) " أرسلها " أي أشار إليه بصيام ثلاثة أيام وفط ثلاثة أخرى. (2) " فقيل له " " أي سئل عن الباعث على صوم يومي الخميس، والاثنين. (.)

[ 454 ]

والاحد، والاثنين، ومن الشهر الاخر، الثلاثاء، والاربعاء، والخميس، وأنه كان يصوم من غرة كل هلال، ثلاثة أيام، وأنه كان يصوم. الخميس، من أول الشهر، والاثنين الذي يليه، والاثنين الذي يليه. صيام يوم وفطر يوم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أخبرت أنك تقوم الليل وتصوم النهار " قال: قلت: يا رسول الله نعم، قال: " فصم، وافطر، وصل، ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك (1) عليك حقا، وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام. " قال: فشددت فشدد علي. قال: فقلت، يا رسول الله إني أجده قوة. قال: " فصم من كل جمعة ثلاثة أيام. " قال فشددت فشدد علي. قال فقلت: يا رسول الله إني أجد قوة. قال: " صم صوم نبي الله داود، ولا تزد عليه ". قلت: يا رسول الله. وما كان صيام داود عليه الصلاة والسلام؟ قال: كان يصوم يوما، ويفطر يوما ". رواه أحمد، وغيره. وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصفه، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما ". جواز فطر الصائم المتطوع 1 - عن أم هانئ رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الفتح، فأتي بشراب، فشرب، ثم ناولني، فقلت. إني صائمة فقال: " إن المتطوع أمير على نفسه، فإن شئت فصومي، وإن شئت فأفطري. " رواه أحمد والدارقطني، والبيهقي. ورواه الحاكم وقال صحيح الاسناد. ولفظه: " الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر. " (هامش) (1) " زورك " أي ضيفك. (.)

[ 455 ]

وعن أبي جحيفة قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم، بين سلمان، وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء، ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاما، فقال: كل فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل، وذهب أبو الدرداء يقوم قال: نم، فنام، ثم ذهب. فقال: نم، فلما كان في آخر الليل، قال: قم الان، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولاهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان. رواه البخاري، والترمذي. 3 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما، فأتاني هو وأصحابه، فلما وضع الطعام، قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعاكم أخوكم وتكلف لكم " ثم قال: " أفطر، وصم يوما مكانه، إن شئت ". رواه البيهقي بإسناد حسن، كما قال الحافظ. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الفطر، لمن صام متطوعا، واسحبوا له قضاء ذلك اليوم، استدلالا بهذه الاحاديث الصحيحة الصريحة. آداب الصيام يستحب للصائم أن يراعي في صيامه الاداب الاتية: (1) السحور: وقد أجمعت الامة على استحبابه، وأنه لا إثم على من تركه، فعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تسحروا فإن في السحور (1) بركة ". رواه البخاري، ومسلم. وعن المقدام بن معد يكرب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم (هامش) (1) السحور بالفتح المأكول، وبالضم المصدر والفعل. (.)

[ 456 ]

بهذا السحور، فإنه هو الغذاء المبارك ". رواه النسائي، بسند جيد. وسبب البركة: أنه يقوي الصائم، وينشطه، ويهون عليه الصيام. بم يتحقق: ويتحقق السحور بكثير الطعام وقليله، ولو بجرعة ماء. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " السحور بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ". رواه أحمد. وقته: وقت السحور من منتصف الليل إلى طلوع الفجر، والمستحب تأخيره. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما:؟ قال: خمسين آية. رواه البخاري، ومسلم. وعن عمرو بن ميمون قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعجل الناس إفطارا وأبطأهم سحورا. رواه البيهقي بسند صحيح. وعن أبي ذر الغفاري رضي الله مرفوعا: " لا تزال أمتي بخير، ما عجلوا الفطر، وأخروا السحور ". وفي سنده سليمان بن أبي عثمان، وهو مجهول. الشك في طلوع الفجر: ولو شك في طلوع الفجر، فله أن يأكل، ويشرب، حتى يستيقن طلوعه، ولا يعمل بالشك، فإن الله عزوجل جعل نهاية الاكل والشرب التبين نفسه، لا الشك، فقال: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ". وقال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني أتسحر فإذا شككت أمسكت، فقال ابن عباس: كل، ما شككت حتى لا تشك.

[ 457 ]

وقال أبو داود، قال أبو عبد الله (1): " إذا شك في الفجر يأكل حى يستيقن طلوعه ". وهذا مذهب ابن عباس، وعطاء، والاوزاعي، وأحمد. وقال النووي: وقد اتفق أصحاب الشافعي على جواز الاكل للشاك في طلوع الفجر. (2) تعجيل الفطر: ويستحب للصائم أن يعجل الفطر، متى تحقق غروب الشمس. فعن سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزال الناس بخير، ما عجلوا الفطر ". رواه البخاري ومسلم. وينبغي أن يكون الفطر على رطبات وترا، فإن لم يجد فعلى الماء. فعن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن، حسا حسوات (2) من ماء ". رواه أبو داود، والحاكم وصححه، والترمذي وحسنه. وعن سليمان بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان أحدكم صائما، فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء، فإن الماء طهور ". رواه أحمد، والترمذي، وقال: حسن صحيح. وفي الحديث دليل على أنه يستحب الفطر قبل صلاة المغرب بهذه الكيفية، فإذا صلى تناول حاجته من الطعام بد ذلك، إلا إذا كان الطعام موجودا، فإنه يبدأ به، قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم ". رواه الشيخان. (3) الدعاء عند الفطر وأثناء الصيام: روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد ". وكان عبد الله إذا أفطر (هامش) (1) هو أحمد بن حنبل. (2) " حسا " أي شرب. (.)

[ 458 ]

يقول: " اللهم إني أسألك - برحمتك التي وسعت كل شئ - أن تغفر لي ". وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: " ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الاجر إن شاء الله تعالى ". وروي مرسلا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: " اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت ". وروى الترمذي - بسند حسن - أنه صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر (1)، والامام العادل، والمظلوم ". (4) الكف عما يتنافى مع الصيام: الصيام عبادة من أفضل القربات، شرعه الله تعالى ليهذب النفس، ويعودها الخير. فينبغي أن يتحفظ الصائم من الاعمال التي تخدش صومه، حتى ينتفع بالصيام، وتحصل له التقوى التي ذكرها الله في قوله: " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ". وليس الصيام مجرد إمساك عن الاكل والشرب، وإنما هو إمساك عن الاكل، والشرب، وسائر ما نهى الله عنه. فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس الصيام من الاكل والشرب، إنما الصيام من اللغو، والرفث، فإن سابك أحد، أو جهل عليك، فقل إني صائم، إني صائم ". رواه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وروى الجماعة - إلا مسلما - عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من لم يدع (2) قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (3) ". (هامش) (1) يستفاد منه استحباب الدعاء طول مدة الصيام. (2) " يدع " أي يترك. (3) أي ليس لله إرادة في قبول صيامه، أي إن الله لا يقبل صيامه. (.)

[ 459 ]

وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ". رواه النسائي، وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري. (5) السواك: ويستحب للصائم أن يتسوك أثناء الصيام، ولا فرق بين أول النهار وآخره. قال الترمذي: " ولم ير الشافعي بالسواك، أول النهار وآخره بأسا ". وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتسوك، وهو صائم. وتقدم ذلك في هذا الكتاب فليرجع إليه. (6) الجود ومدارسة القرآن: الجود ومدارسة القرآن مستحبان في كل وقت، إلا أنهما آكد في رمضان. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة (1). (7) الاجتهاد في العبادة في العشر الاواخر من رمضان: 1 - روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان إذا دخل العشر الاواخر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر ". وفي رواية لمسلم: " كان يجتهد في العشر الاواخر ما لا يجتهد في غيره ". 2 - وروى الترمذي وصححه، عن علي رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الاواخر، ويرفع المئزر ". (هامش) (1) أي في الاسراع والعموم. (.)

[ 460 ]

مباحات الصيام يباح في الصيام ما يأتي: 1 - نزول الماء والانغماس فيه: لما رواه أبو بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه حدثه فقال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب على رأسه الماء وهو صائم، من العطش أو من الحر. رواه أحمد، ومالك، وأبو داود، بإسناد صحيح. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يصبح جنبا، وهو صائم، ثم يغتسل ". فإن دخل الماء في جوف الصائم من غير قصد قصومه صحيح. 2 - الاكتحال: والقطرة ونحوهما مما يدخل العين، سواء أوجد طعمه في حلقه أم لم يجده، لان العين ليست بمنفذ إلى الجوف. وعن أنس: " أنه كان يكتحل وهو صائم ". وإلى هذا ذهبت الشافعية، وحكاه ابن المنذر، عن عطاء، والحسن، والنخعي، والاوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور. وروي عن ابن عمر، وأنس وابن أبي أوفى من الصحابة. وهو مذهب داود. ولم يصح في هذا الباب شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الترمذي. 3 - القبلة: لمن قدر على ضبط نفسه. فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم (1)، وكان أملككم لاربه ". وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: " هششت (2) يوما، فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله عليه وسلم: " أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت (هامش) (1) والمقصود المداعبة (2) " هششت " أي نشطت. (.)

[ 461 ]

صائم؟ " قلت: لا بأس بذلك؟، قال: " ففيم (1) ". قال ابن المنذر رخص في القبلة عمر وابن عباس وأبو هريرة وعائشة، وعطاء، والشعبي، والحسن، وأحمد، وإسحاق. ومذهب الاحناف والشافعية: أنها تكره على من حركت شهوته، ولا تكره لغيره، لكن الاولى تركها. ولا فرق بين الشيخ والشاب في ذلك، والاعتبار بتحريك الشهوة، وخوف الانزال، فإن حركت شهوة شاب، أو شيخ قوي، كرهت. وإن لم تحركها لشيخ أو شاب ضعيف، لم تكره، والاولى تركها. وسواء قبل الخد أو الفم أو غيرهما. وهكذا المباشرة باليد والمعانقة لهما حكم القبلة. 4 - الحقنة: مطلقا، سواء أكانت للتغذية، أم لغيرها، وسواء أكانت في العروق، أم تحت الجلد، فإنها وإن وصلت إلى الجوف، فإنها تصل إليه من غير المنفذ المعتاد. 5 - الحجامة (2): فقد احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم (3)، إلا إذا كانت تضعف الصائم فإنها تكره له، قال ثابت البناني لانس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. رواه البخاري وغيره. والفصد (4) مثل الحجامة في الحكم. 6 - المضمضة والاستنشاق: إلا أنه لا تكره المبالغة فيهما، فعن لقيط ابن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فإذا استنشقت فأبلغ، إلا أن تكون صائما ". رواه أصحاب السنن. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد كره أهل العلم السعوط (5) للصائم، ورأوه: أن ذلك يفطر، وفي الحديث ما يقوي قولهم. (هامش) (1) " ففيم " أي ففيم السؤال. (2) " الحجامة " أخد الدم من الرأس. (3) رواه البخاري. (4) " الفصد " أي أخذ الدم من أي عضو. (5) " السعوط " أي وضع الدواء في الانف (.)

[ 462 ]

قال ابن قدامة: وإن تمضمض، أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه، من غير قصد ولا إسراف فلا شئ عليه، وبه قال الاوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه، وروي ذلك عن ابن عباس. وقال مالك، وأبو حنيفة: يفطر، لانه أوصل الماء إلى جوفه، ذاكرا لصومه، فأفطر، كما لو تعمد شربه. قال ابن قدامة - مرجحا الرأي الاول - ولنا أنه وصل الماء إلى حلقه، من غير إسراف ولا قصد، فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه (1) وبهذا فارق المتعمد. 7 - وكذا يباح له ما لا يمكن الاحتراز عنه كبلع الريق وغبار الطريق، وغربلة الدقيق والنخالة ونحو ذلك. وقال ابن عباس: لا بأس أن يذوق الطعام الخل، والشئ يريد شراءه. وكان الحسن يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم، ورخص فيه إبراهيم. وأما مضغ العلك (2) فإنه مكروه، إذا كان لا يتفتت منه أجزاء. وممن قال بكراهته: الشعبي، والنخعي، والاحناف، الشافعي، والحنابلة. ورخصت عائشة وعطاء في مضغه، لانه لا يضل إلى الجوف، فهو كالحصاة، يضعها في فمه. هذا إذا لم تتحلل منه أجزاء، فإن تحللت منه أجزاء ونزلت إلى الجوف، أفطر. قال ابن تيمية: وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم. وقال: أما الكحل، والحقنة، وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطر بشئ من ذلك، ومنهم من فطر بالجمع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع، لا بالتقطير، ومنهم من لا يفطر بالكحل، ولا بالتقطير، ويفطر بما سوى ذلك. (هامش) (1) قال ابن عباس: دخول الذباب في حلق الصائم لا يفطر. (2) " العلك " أي اللبان. (.)

[ 463 ]

فإن الصيام من دين الاسلام، الذي يحتاج إلى معرفته الخاص، والعام. فلو كانت هذه الامور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة، وبلغوه الامة، كما بلغوا سائر شرعه. فلما لم ينقل أحد من أهل العلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، لا حديثا صحيحا، ولا ضعيفا، ولا مسندا، ولا مرسلا علم أنه لم ينكر شيئا من ذلك. قال: فإذا كانت الاحكام التي تعم بها البلوى، لابد ان يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما، ولابد أن تنقل الامة ذلك. فمعلوم أن الكحل، ونحوه لمما تعم به البلوى، كماتعم بالدهن، والاغتسال، والبخور، والطيب. فلو كان هذا مما يفطر، لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، كما بين الافطار بغيره، فلما لم يبين ذلك، علم أنه من جنس الطيب، والبخور، والدهن. والبخور قد يتصاعد إلى الانف ويدخل في الدماغ، وينعقد أجساما. والدهن يشربه البدن، ويدخل إلى داخله ويتقوى به الانسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة. فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطيبه، وتبخره، وادهانه، وكذلك اكتحاله. وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يجرح أحدهم، إما في الجهاد، وإما في غيره، مأمومة، وجائفة، فلو كان هذا يفطر، لبين لهم ذلك. فلما لم ينه الصائم عن ذلك، علم أنه لم يجعله مفطرا. ثم قال: فإن الكحل لا يغذي البتة، ولا يدخل أحد كحلا إلى جوفه، لامن أنفه، ولا من فمه. وكذلك الحقنة (1) لاتغذي، بل تستفرغ ما في البدن، كما لوشم شيئا من (هامش) (1) يقصد الحقنة الشرجية، فإنها لا تفطر الصائم. (.)

[ 464 ]

المسهلات، أو فزع فزعا، أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة. والدواء الذي يصل إلى المعدة، في مداواة الجائفة (1) والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه. والله سبحانه قال: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم). وقال صلى الله عليه وسلم: (الصوم جنة)، وقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والصوم). فالصائم نهي عن الاكل والشرب، لان ذلك سبب التقوى، فترك الاكل والشراب الذي يولد الدم الكثير، الذي يجري فيه الشيطان، إنما يتولد من الغذاء، لاعن حقنة، ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكر، ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة " انتهى. 8 - ويباح للصائم، أن يأكل، ويشرب، ويجامع، حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر، وفي فمه طعام، وجب عليه أن يلفظه، أو كان مجامعا وجب عليه أن ينزع. فإن لفظ أو نزع، صح صومه، وإن ابتلع ما في فمه من طعام، مختارا، أو استدام الجماع، أفطر. روى البخاري، ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم ". 9 - ويباح للصائم أن يصبح جنبا، وتقدم حديث عائشة في ذلك. 10 - والحائض والنفساء إذا انقطع الدم من الليل، جاز لهما تأخير الغسل إلى الصبح، وأصبحتا صائمتين، ثم عليهما أن تتطهرا للصلاة. (هامش) (1) " الجائفة " أي الجراحة التي تصل إلى الجوف " والمأمومة " أي الشجة في الرأس تصل إلى أم الدماغ ومداواتهما ليست تغذية. (.)

[ 465 ]

ما يبطل الصيام ما يبطل الصيام قسمان: 1 - ما يبطله، ويوجب القضاء. 2 - وما يبطله، ويوجب القضاء، والكفارة. فأماما يبطله، ويوجب القضاء فقط فهو ما يأتي: (1 و 2) الاكل، والشرب عمدا: فإن أكل أو شرب ناسيا، أو مخطئا، أو مكرها، فلا قضاء عليه ولا كفارة. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من نسي - وهو صائم - فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه ". رواه الجماعة. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وروى الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال - صحيح على شرط مسلم. عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أفطر في رمضان - ناسيا - فلا قضاء عليه، ولا كفارة ". قال الحافظ ابن حجر: اسناده صحيح. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ". رواه ابن ماجه والطبراني والحاكم. (3) القئ عمدا: فإن غلبه القئ، فلا قضاء عليه ولا كفارة. فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ذرعه (1) القئ (هامش) (1) " ذرعه " أي غلبه. (.)

[ 466 ]

فليس عليه قضاء، ومن استقاء (1) عمدا فليقض ". رواه أحمد وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، وصححه. قال الخطابي: لا أعلم خلافا بين أهل العلم، في أن من ذرعه القئ، فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامدا، فعليه القضاء. (4، 5) الحيض، والنفاس، ولو في اللحظة الاخيرة، قبل غروب الشمس، وهذا مما أجمع العلماء عليه. (6) الاستمناء (2)، سواء، أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمها إليه، أو كان باليد، فهذا يبطل الصوم، ويوجب القضاء. فإن كان سببه مجرد النظر، أو الفكر، فإنه مثل الاحتلام نهارا في الصيام لا يبطل الصوم، ولا يجب فيه شئ. وكذلك المذي، لا يؤثر في الصوم، قل، أو كثر. (7) تناول ما لا يتغذى به، من المنفذ المعتاد، إلى الجوف، مثل تعاطي الملح الكثير، فهذا يفطر في قول عامة أهل العلم. (8) ومن نوى الفطر - وهو صائم - بطل صومه، وإن لم يتناول مفطرا. فإن النية ركن من أركان الصيام، فإذا نقضها - قاصدا الفطر ومعتمدا له - انتقض صيامه لا محالة. (9) إذا أكل، أو شرب، أو جامع - ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر، فظهر خلاف ذلك - فعليه القضاء، عند جمهور العلماء، ومنهم الائمة الاربعة. وذهب إسحاق، وداود، وابن حزم، وعطاء، وعروة، والحسن البصري، ومجاهد: إلى أن صومه صحيح، ولاقضاء عليه. لقول الله تعالى: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم). ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ الخ... ". وتقدم. (هامش) (1) " استقاء " أي تعمد القئ واستخرجه، بثم ما يقيئه، أو بإدخال يده. (2) " الاستمناء " أي تعمد إخراج المني بأي سبب من الاسباب. (.)

[ 467 ]

وروى عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن الاعمش، عن زيد بن وهب قال: " أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب، فرأيت عساسا (1) أخرجت من بيت حفصة فشربوا ثم طلعت الشمس من سحاب فكأن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: لم؟ والله ما تجانفنا لاثم " (2). وروى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: أفطرنا يوما من رمضان، في غيم، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس. قال ابن تيمية: وهذا يدل على شيئين: (الاول): يدل على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة - مع نبيهم - أعلم وأطوع لله ولرسوله، ممن جاء بعدهم. (والثاني): يدل على أنه لا يجب القضاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء، لشاع ذلك كما نقل فطرهم فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به. وأماما يبطله ويوجب القضاء، والكفارة، فهو الجماع، لاغير، عند الجمهور. فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكت يا رسول الله، قال: " وما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان. فقال: " هل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال: لا، قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين "؟ قال: لا. قال: " فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا "؟ قال: لا. قال: ثم جلس فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق (3) فيه تمر، فقال: " تصدق بهذا ". قال: فهل على أفقر منا؟ فما بين لابتيها (4) (هامش) (1) " عساسا " أي أقداحا ضخاما، قيل: إن القدح نحو ثمانية أرطال. (2) " ما تجانفنا " التجانف: الميل. أي لم نمل لارتكاب الاثم. (3) " العرق " مكيال يسع 15 صاعا. (4) " لابتيها " جمع لاية. وهي الارض التي فيها حجارة سود. والمراد ما بين أطراف المدينة أفقر منا. (.)

[ 468 ]

أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه، وقال: " اذهب فأطعمه أهلك (1) ". رواه الجماعة. ومذهب الجمهور: أن المرأة، والرجل سواء، في وجوب الكفارة عليهما ما داما قد تعمدا الجماع، مختارين، في نهار رمضان (2) ناويين الصيام. فإن وقع الجماع نسيانا، أو لم يكونا مختارين، بان أكرها عليه، أو لم يكونا ناويين الصيام، فلا كفارة على واحد منهما. فإن أكرهت المرأة من الرجل، أو كانت مفطرة لعذر وجبت الكفارة عليه دونها. ومذهب الشافعي: أنه لا كفارة على المرأة مطلقا، لافي حالة الاختيار، ولافي حالة الاكراه. وإنما يلزمها القضاء فقط. قال النووي: والاصح - على الجملة - وجوب كفارة واحدة عليه خاصة، عن نفسه فقط، وأنه لاشئ على المرأة، ولا يلاقيها الوجوب، لافه حتى مال مختص بالجماع، فاختص به الرجل، دون المرأة، كالمهر. قال أبو داود: سنل أحمد (3) عمن أتى أهله في رمضان، أعليها كفارة؟ قال: ما سمعنا أن على امرأة كفارة. قال في المغني: ووجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشئ، مع علمه بوجود ذلك منها " اه‍. والكفارة على الترتيب المذكور في الحديث، في قول جمهور العلماء. فيجب العتق أولا، فإن عجز عنه صام شهرين متتابعين (4)، فإن عجز (هامش) (1) إستدل بهذا، من ذهب إلى سقوط الكفارة بالاعسار، وهو أحد قولي الشافعي، ومشهور مذهب أحمد، وجزم به بعض المالكية والجمهور على أن الكفارة لا تسقط بالاعسار. (2) فإن كان الصيام قضاء رمضان، أو نذرا وأفطر بالجماع، فلا كفارة في ذلك. (3) هذه إحدى الروايتين، عن أحمد. (4) ليس فيهما رمضان ولا أيام العيدين والتشريق. (.)

[ 469 ]

عنه، أطعم ستين مسكينا من أوسط ما يطعم منه أهله (1)، وانه لا يصح الانتقال من حالة إلى أخرى، إلا إذا عجز عنها. ويذهب المالكية، ورواية لاحمد: أنه مخير بين هذه الثلاث فأيها فعل أجزأ عنه. لما روى مالك، وابن جريج، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. رواه مسلم و " أو " تفيد التخيير. ولان الكفارة بسبب المخالفة، فكانت على التخيير، ككفارة اليمين. قال الشوكاني: وقد وقع في الروايات، ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر، ومعهم الزيادة. وجمع المهلب، والقرطبي، بين الروايات، بتعدد الواقعة. قال الحافظ: وهو بعيد، لان القصة واحدة، والمخرج متحد، والاصل عدم التعدد. وجمع بعضهم بحمل الترتيب على الاولوية، والتخيير على الجواز. وعكسه بعضهم. انتهى. ومن جامع عامدا في نهار رمضان ولم يكفر، ثم جامع في يوم آخر منه فعليه كفارة واحدة، عند الاحناف، ورواية عن أحمد لانها جزاء عن جناية تكرر سببها، قبل استيفائها، فتتداخل. وقال مالك والشافعي، ورواية عن أحمد: عليه كفارتان، لان كل يوم عبادة مستقلة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين. وقد أجمعوا على أن من جامع في نهار رمضان، عامدا وكفر، ثم جامع في يوم آخر، فعليه كفارة أخرى. (هامش) (1) مذهب أحمد لكل مسكين مدمن قمح، أو نصف صاع من تمر أو شعير ونحوهما. وقال أبو حنيفة: من القمح نصف صاع ومن غيره صاع. وقال الشافعي ومالك: يطعم مدا من أي الانواع شاء. وهذا رأي أبي هريرة وعطاء والاوزاعي، وهو أظهر. فإن العرق الذي أعطي للاعرابي يسع 15 صاعا. (.)

[ 470 ]

وكذلك أجمعوا، على أن من جامع مرتين، في يوم واحد ولم يكفر عن الاول، أن عليه كفارة واحدة. فإن كفر عن الجماع الاول لم يكفر ثانيا، عند جمهور الائمة. وقال أحمد: عليه كفارة ثانية. قضاء رمضان قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوبا موسعا في أي وقت، وكذلك الكفارة. فقد صح عن عائشة: أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان (1) ولم تكن تقضيه فورا عند قدرتها على القضاء. والقضاء مثل الاداء، بمعنى أن من ترك أياما، يقضيها دون أن يزيد عليها. ويفارق القضاء الاداء، في أنه لا يلزم فيه التتابع، لقول الله تعالى: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ". أي ومن كان مريضا، أو مسافرا فأفطر، فليصم عدة الايام، التي أفطر فيها، في أيام أخر، متتابعات أو غير متتابعات، فإن الله أطلق الصيام ولم يقيده. وروى الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - في قضاء رمضان -: " إن شاء فرق، وإن شاء تابع ". وإن أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر، صام رمضان الحاضر، ثم يقضي بعده ما عليه، ولا فدية عليه، سواء كان التأخير لعذر، أم لغير عذر. وهذا مذهب الاحناف، والحسن البصري. ووافق مالك والشافعي، وأحمد، وإسحق، والاحناف: في أنه لافدية عليه، إذا كان التأخير بسبب العذر. وخالفوهم فيما إذا لم يكن له عذر في التأخير، فقالوا: عليه أن يصوم رمضان الحاضر. ثم يقضي ما عليه بعده ويفدي عما فاته عن كل يوم مدا من طعام. (هامش) (1) رواه أحمد ومسلم. (.)

[ 471 ]

وليس لهم في ذلك دليل يمكن الاحتجاج به. فالظاهر ما ذهب إليه الاحناف، فانه لاشرع إلا بنص صحيح. من مات وعليه صيام أجمع العلماء: على أن من مات - وعليه فوائت من الصلاة - فإن وليه لا يصلي عنه، هو ولا غيره، وكذلك من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحد أثناء حياته. فإن مات وعليه صيام وكان قد تمكن من صيامه قبل موته فقد اختلف الفقهاء في حكمه. فذهب جمهور العلماء، منهم أبو حنيفة، ومالك، والمشهور عن الشافعي إلى أن وليه لا يصوم عنه ويطعم عنه مدا، عن كل يوم (1). والمذهب المختار عند الشافعية: أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى طعام عنه. والمراد بالولي، القريب، سواء كان عصبة، أو وارثا، أو غيرهما. ولو صام أجنبي عنه، صح، إن كان بإذن الولي، وإلا فإنه لا يصح. واستدلوا بما رواه أحمد، والشيخان، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " زاد البزار لفظ: إن شاء (2). وروى أحمد. وأصحاب السنن: عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: " لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم. قال: " فدين الله أحق أن يقضى " قال النووي: وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الاحاديث الصحيحة الصريحة. (هامش) (1) يرى الحنيفة أن الواجب نصف صاع من قمح، وصاعا من غيره. (2) سندها حسن. (.)

[ 472 ]

التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها: اختلف الفقهاء في التقدير، في البلاد التي يطول نهارها، ويقصر ليلها، والبلاد التي يقصر نهارها، ويطول ليلها، على أي البلاد يكون؟ فقيل: يكون التقدير على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع، كمكة والمدينة، وقيل: على أقرب بلاد معتدلة إليهم ليلة القدر فضلها: ليلة القدر أفضل ليالي السنة لقوله تعالى: (إنا أنزلناه (1) في ليلة القدر. وما أدراك ماليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر) أي العمل فيها، من الصلاة والتلاوة، والذكر. خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر. استحباب طلبها: ويستحب طلبها في الوتر من العشر الاواخر من رمضان فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في طلبها في العشر الاواخر من رمضان. وتقدم، أنه كان إذا دخل العشر الاواخر أحيى الليل وأيقظ أهله، وشد المئزر (2) أي الليالي هي؟: للعلماء آراء في تعيين هذه الليلة، فمنهم من يرى أنها ليلة الجادي والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين ومنهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين، ومنهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين، ومنهم من قال: إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الاواخر. وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين. روى أحمد - بإسناد صحيح - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال (هامش) (1) أي القرآن: " شهر رمضان " الذي أنزل فيه القرآن. (2) أي اعتزل النساء واشتد في العبادة. (.)

[ 473 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين ". وروى مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي - وصححه عن أبي ابن كعب أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان - يحلف ما يستثني - ووالله إني لاعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها، بيضاء، لاشعاع لها. قيامها والدعاء فيها: 1 - روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه ". 2 - وروى أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله. أرأيت إن علمت، أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ".

[ 475 ]

الاعتكاف (1) معناه: الاعتكاف لزوم الشئ وحبس النفس عليه، خيرا كان أم شرا. قال الله تعالى: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) أي مقيمون متعبدون لها. والمقصود به هنا لزوم المسجد والاقامة فيه بنية التقرب إلى الله عزوجل. (2) مشروعيته: وقد أجمع العلماء على أنه مشروع، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما. رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه، وقد اعتكف أصحابه وأزواجه معه وبعده، وهو إن كان قربة، إلا أنه لم يرد في فضله حديث صحيح. قال أبوداود: قلت لاحمد رحمه الله: تعرف في فضل الاعتكاف شيئا؟ قال: لا، إلا شيئا ضعيفا. (3) أقسامه: الاعتكاف ينقسم إلى مسنون وإلى واجب، فالمسنون ما تطوع به المسلم تقربا إلى الله، وطلبا لثوابه، واقتداء بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويتأكد ذلك في العشر الاواخر من رمضان لما تقدم، والاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه، إما بالنذر المطلق، مثل أن يقول: لله علي أن أعتكف كذا، أو بالنذر المعلق كقوله: إن شفا الله مريضي لاعتكفن كذا. وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه " وفيه: أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: " أوف بنذرك ".

[ 476 ]

(4) زمانه: الاعتكاف الواجب يؤدى حسب ما نذره وسماه الناذر، فإن نذر الاعتكاف يوما أو أكثر وجب الوفاء بما نذره. والاعتكاف المستحب ليس له وقت محدد، فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر. ويثاب ما بقي في المسجد، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدد النية إن قصد الاعتكاف، فعن يعلى بن أمية قال: إني لامكث في المسجد ساعة ما أمكث إلا لاعتكف. وقال عطاء: هو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف. وإلا فلا. وللمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء، قبل قضاء المدة التي نواها. فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه. وأنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الاواخر من رمضان فأمر ببنائه (1) فضرب. قالت عائشة: فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب، وأمر غيري من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ببنائه فضرب. فلما صلى الفجر نظر إلى الابنية، فقال: ما هذه؟ " آلبرتردن " (2) قالت: فأمر ببنائه فقوض (3)، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الاول " يعني من شوال " فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه بتقويض أبنيتهن وترك الاعتكاف بعد نيته منهن دليل على قطعه بعد الشروع فيه. وفي الحديث أن للرجل أن يمنع زوجته من الاعتكاف (هامش) (1) في هذا دليل على جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعا من المسجد ينفرد فيه مدة اعتكافه ما لم يضيق على الناس، وإذا اتخذه يكون في آخر المسجد ورحابه لئلا يضيق على غيره وليكون أخلى له وأكمل لانفراده. (2) " البر " الطاعة، في شرح مسلم سبب إنكاره أنه خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه أو غيرته عليهن فكره ملازمتهن المسجد مع أنه يجمع الناس ويحضره الاعراب والمنافقون. وهن محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهن فيبتذلن بذلك. أو لانه صلى الله عليه وسلم رآهن عنده في المسجد وهو في المسجد فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه وذهب المهم من مقصود الاعتكاف، وهو التخلي عن الازواج ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك، أو لانهن ضيقن المسجد بأبنيتهن. انتهى. (3) أزيل وهدم. (.)

[ 477 ]

بغير إذنه، وإليه ذهب عامة العلماء، واختلفوا فيما لو أذن لها، هل له منعها بعد ذلك؟ فعند الشافعي وأحمد وداود: له منعها وإخراجها من اعتكاف التطوع. (5) شروطه: ويشترط في المعتكف أن يكون مسلما، مميزا طاهرا من الجنابة والحيض والنفاس، فلا يصح من كافر ولا صبي غير مميز ولاجنب ولاحائض ولا نفساء. (6) أركانه: حقيقة الاعتكاف المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى، فلو لم يقع المكث في المسجد أو لم تحدث نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف. أما وجوب النية فلقول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " وأما أن المسجد لا بد منه فلقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) ووجه الاستدلال، أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لانها منافية للاعتكاف، فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد. (7) رأي الفقهاء في المسجد الذي ينعقد فيه الاعتكاف: اختلف الفقهاء في المسجد يصح الاعتكاف فيه فذهب أبو حنيفة واحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه يصح في كل مسجد يصلى فيها الصلوات الخمس وتقام فيه الجماعة، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح " رواه الدارقطني. وهذا حديث مرسل ضعيف لا يحتج به. وذهب مالك والشافعي وداود، إلى أنه يصح في كل مسجد لانه لم يصح في تخصيص بعض المساجد شئ صريح. وقالت الشافعية الافضل أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع، لان

[ 478 ]

الرسول صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد الجامع، ولان الجماعة في في صلواته اكتر، ولا يعتكف في غيره إذا تخلل وقت الاعتكاف صلاة جمعة حتى لا تفوته. وللمعتكف أن يؤذن في المئذنة إن كان بابها في المسجد أو في صحنه. ويصعد على ظهر المسجد لان كل ذلك من المسجد، فإن كان باب المئدنة خارج المسجد بطل اعتكافه إن تعمد ذلك، ورحبة المسجد منه عند الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد. وعن مالك ورواية عن أحمد، أنها ليست منه، فليس للمعتكف أن يخرج إليها. وجمهور العلماء على أن المرأة لا يصح لها أن تعتكف في مسجد بيتها، لان مسجد البيت لا يطلق عليه اسم مسجد، ولا خلاف في جواز بيعه، وقد صح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن في المسجد لنبوي. صوم المعتكف المعتكف إن صام فحسن، وإن لم يصم فلا شئ عليه. روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال: " أوف بنذرك " ففي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالوفاء بالنذر دليل على ان الصوم ليس شرطا في صحة الاعتكاف، إذ أنه لا يصح الصيام في الليل. وروى سعيد بن منصور عن أبي سهل. قال، كان على امرأة من أهلي اعتكاف. فسألت عمر بن عبد العزيز، فقال ليس عليها صيام، إلا أن تجعله على نفسها. فقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم. فقال له عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: لا. قال: واظنه قال عن عثمان؟ قال: لا. فخرجت من عنده فلقيت عطاء وطاووسا فسألتهما؟ فقال طاووس: كان فلان لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها. وقال عطاء: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها. قال الخطابي، وقد اختلف الناس في هذا، فقال الحسن البصري: إن اعتكف من غير صيام أجزأه، وإليه ذهب الشافعي. وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا: إن شاء صام

[ 479 ]

وإن شاء أفطر. وقال الاوزاعي ومالك: لا اعتكاف إلا بصوم، وهو مذهب أهل الرأي وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وهو قول سعيد ابن المسيب وعروة بن الزبير والزهري وقت دخول المعتكف والخروج منه تقدم أن الاعتكاف المندوب ليس له وقت محدد. فمتى دخل المعتكف المسجد ونوى التقرب إلى الله بالمكث فيه صار متعكفا حتى يخرج، فإن نوى اعتكاف العشر الاواخر من رمضان، فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس. فعند البخاري عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الاواخر ". والعشر اسم لعدد الليالي، أول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين أو ليلة العشرين. وما روي أنه صلى الله عليه وسلم: كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه. فمعناه أنه كان يدخل المكان الذي أعده للاعتكاف في المسجد. أما وقت دخول المسجد للاعتكاف فقد كان أول الليل. ومن اعتكف العشر الاواخر من رمضان فإنه يخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من الشهر عند أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك وأحمد: إن خرج بعد غروب الشمس أجزأه، والمستحب عندهما أن يبقى في المسجد حتى يخرج إلى صلاة العيد. وروى الاثرم بإسناده عن أبي أيوب عن أبي قلابة: أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر، ثم يغدو كما هو إلى العيد، وكان - يعنى في اعتكافه - لا يلقى له حصير ولا مصلى يجلس عليه، كان يجلس كأنه بعض القوم، قال: فأتيته في يوم الفطر فإذا في حجره جويرية مزينة، ما ظننتها إلا بعض بناته، فإذا هي أمة له، فأعتقها، وغدا كما هو إلى العيد. وقال إبراهيم. كانوا يحبون لمن اعتكف الشعر الاواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد ومن نذر اعتكاف يوم أو أيام مسماة، أو أراد ذلك تطوعا فإنه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبين له طلوع الفجر، ويخرج إذا غاب جميع قرص الشمس

[ 480 ]

سواء أكان ذلك في رمضان أم في غيره، ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليال مسماة، أو أراد تطوعا، فإنه يدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس ويخرج إذا تبين له طلوع الفجر. قال ابن حزم: لان مبدأ الليل إثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، واتمامه بغروب الشمس، وليس على أحد إلا ما التزم أو نوى. فإن نذر اعتكاف شهر أو أراده تطوعا بدأ الشهر من أول ليلة منه. فيدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس، ويخرج إذا غابت الشمس كلها من آخر الشهر سواء رمضان وغيره. ما يستحب للمعتكف وما يكره له يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات، ويشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبي صلوات الله وسلامه عليه والدعاء، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى وتصل المرء بخالقه جل ذكره. ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم واستذكار كتب التفسير والحديث، وقراءة سير الانبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين، ويستحب له أن يتخذ خباء في صحن المسجد انتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويكره له أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل، لما رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي بسرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " ويكره له الامساك عن الكلام ظنا منه أن ذلك مما يقرب إلى الله عزوجل، فقد روى البخاري وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم فسأل عنه؟ فقالوا: أبو اسرائيل. نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه. " وروى أبو داود عن على رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل " (1) (هامش) (1) أي لا يسمى من فقد أباه يتيما بعد بلوغه، والصمات: السكوت. (.)

[ 481 ]

ما يباح للمعتكف يباح للمعتكف ما يأتي: 1 - خروجه من معتكفه لتوديع أهله، قالت صفية، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني (1)، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد. فمر رجلان من الانصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " على رسلكما، إنها صفية بنت حيي "، قالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: " إن الشيطان يجري من الانسان مرجى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا " أو قال " شرا (2) " رواه البخاري ومسلم وأبو داود. 2 - ترجيل شعره وحلق رأسه، وتقليم أظفاره وتنظيف البدن من الشعث والدرن ولبس أحسن الثيات والتطيب بالطيب. قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة، فأغسل رأسه - " وقال مسدد فأرجله (3) " وأنا حائض. رواه البخاري ومسلم وأبو داود. 3 - الخروج للحاجة التي لا بد منها، قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان. رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول، لان هذا مما لا بد منه. ولا يمكن فعله في المسجد، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه، وإن بغته القئ فله أن يخرج ليقئ (هامش) (1) يردها لبيتها قال الحطامي وفيه انه خرج من المسجد معها ليبلغها منزلها، وفي هذا حجة لمن رأى أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب وأنه لا يمنع المعتكف من اتيان معروف. (2) حكي عن الشافعي: ان ذلك كان منه شفقة عليهما، لانهما لو ظنا به ظن سوء كفرا فبادر إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا. وفي تاريخ ابن عساكر عن ابراهيم بن محمد قال كنا في مجلس ابن عيينة والشافعي حاضر حدث بهذا الحديث. وقال للشافعي: ما فقهه؟ فقال: إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم ظن السوء، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم اكهمهم، وهو أمين الله في أرضه. فقال ابن عيينة جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله ما يجيئنا منك إلا كلام تحبه. (3) تصليحه بالمشط. (.)

[ 482 ]

خارج المسجد، وكل ما لا بد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله خروجه إليه، ولا يفسد اعتكافه ما لم يطل. انتهى. ومثل هذا الخروج للغسل من الجنابة وتطهير البدن والثوب من النجاسة. روى سعيد بن منصور قال: قال علي بن أبي طالب: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليحضر الجنازة، وليعد المريض وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم. وأعان رضي الله عنه ابن أخته بسبعمائة درهم من عطائه أن يشتري بها خادما، فقال: إني كنت معتكفا، فقال له علي: وما عليك لو خرجت إلى السوق فابتعت؟ وعن قتادة: أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة ويعود المريض ولا يجلس. وقال إبراهيم النخعي كانوا يستحبون للمعتكف أين يشترط هذه الخصال - وهن له وإن لم يشترط - عيادة المريض، ولا يدخل سقفا، ويأتي الجمعة: ويشهد الجنازة، ويخرج إلى الحاجة. قال: ولا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة. قال الخطابي: وقالت طائفة للمعتكف أن يشهد الجمعة ويعود المريض، ويشهد الجنازة. روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وهو قول سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي. وروى أبو داود عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه وما روي عنها من أن السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا فمعناه أن لا يخرج من معتكفه، قاصدا عيادته، وأنه، لا يضيق عليه أن يمر به فيسأل غير معرج عليه. 4 - وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه، مع المحافظة على نظافته وصيانته، وله أن يعقد العقود فيه كعقد النكاح وعقد البيع والشراء، ونحو ذلك. ما يبطل الاعتكاف يبطل الاعتكاف بفعل شئ مما يأتي: 1 - الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا وإن قل، فإنه يفوت المكث فيه، وهو ركن من أركانه.

[ 483 ]

2 - الرده. لمنافاتها للعبادة، ولقول الله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك). 3، 4، 5 - ذهاب العقل بجنون أو سكر. والحيض والنفاس، لفوات شرط التمييز والطهارة من الحيض والنفاس. 6 - الوطء لقول الله تعالى: (ولا تقربوهن وأنتم عاكفون في المساجد، تلك حدود الله فلا تقربوها) ولا بأس باللمس بدون شهوة، فقد كانت إحدى نسائه صلى الله عليه وسلم ترجله وهو معتكف، أما القبلة واللمس بشهوة فقد قال أبو حنيفة وأحمد أنه قد أساء، لانه قد أتى بما يحرم عليه، ولا يفسد اعتكافه إلا أن ينزل، وقال مالك: يفسد اعتكافه لانها مباشرة محرمة فتفسد كما لو أنزل، وعن الشافعي روايتان كالمذهبين. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم، هل الاسم المشترك، بين الحقيقة والمجاز له عموم أم لا وهو أحد أنواع الاسم المشترك. فمن ذهب إلى أن له عموما قال: إن المباشرة في قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد،) يطلق على الجماع وعلى ما دونه، ومن لم ير له عموما - وهو الاشهر الاكثر - قال: يدل إما على الجماع، وإما على ما دون الجماع، فإذا قلنا: إنه يدل على الجماع بإجماع، بطل أن يدل على غير الجماع، لان الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معا. ومن أجرى الانزال بمنزلة الوقاع، فلانه في معناه، ومن خالف فلانه يطلق عليه الاسم حقيقة. قضاء الاعتكاف من شرع في الاعتكاف متطوعا ثم قطعه استحب له قضاءه وقيل: يجب. قال الترمذي: واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى. فقال مالك: إذا انقضى اعتكافه وجب عليه القضاء، واحتجوا بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشرا من شوال. وقال الشافعي: إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شئ أوجبه على نفسه وكان متطوعا، فخرج فليس عليه قضاء، إلا أن يحب ذلك اختيارا منه.

[ 484 ]

قال الشافعي: وكأن علم لك أن لا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه وخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة. أما من نذر أن يعتكف يوما أو أياما ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه متى قدر عليه باتفاق الائمة، فإن مات قبل أن يقضيه لا يقضى عنه. وعن أحمد: أنه يجب على وليه أن يقضي ذلك عنه. روى عبد الرزاق عن عبد الكريم بن أمية قال: سمعت عبد الله بن عبد الله بن عتبة يقول: إن أمنا ماتت وعليها اعتكاف، فسألت ابن عباس فقال: اعتكف عنها وصم. وروى سعيد ابن منصور: ان عائشة اعتكفت عن أخيها بعد ما مات. المعتكف يلزم مكانا من المسجد، وينصب فيه الخيمة: 1 - روى ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الاواخر من رمضان. قال نافع: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. 2 - وروي عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف طرح له فراش، أو يوضع له سرير وراء اسطوانة التوبة (1). 3 - وروى عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية على سدتها (2) قطعة حصير. نذر الاعتكاف في مسجد معين من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الاقصى وجب عليه الوفاء بنذره في المسجد الذي عينه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا " أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة فلا يجب عليه الاعتكاف (هامش) (1) هي أسطوانة ربط بها رجل من الصحابة نفسه حتى تاب الله عليه. (2) " سدتها " أي بابها وإنما وضع الحصير على بابها حتى لا ينظر فيها أحد. (.)

[ 485 ]

في المسجد الذي عينه، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء، لان الله تعالى لم يجعل لعبادته مكانا معينا ولانه لا فضل لمسجد من المساجد على مسجد آخر إلا المساجد الثلاثة، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاز في مسجدي هذا بمائة صلاة ". وإن نذر الاعتكاف في المسجد النبوي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لانه أفضل منه.

[ 487 ]

الجنائز (1) أدب السنة في المرض والطب المرض: جاءت الاحاديث مصرحة بأن المرض يكفر السيئات ويمحو الذنوب. نذكر بعضها فيما يلي: 1 - روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من يرد الله به خيرا يصب منه ". 2 - ورويا عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ". 3 - روى البخاري عن ابن مسعود، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا، قال أجل: " إني أوعك كما يوعك (2) رجلان منكم. " قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: " أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ". 4 - وروى عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفا بالبلاء، والفاجر كالارزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء ". الصبر عند المرض على المريض أن يصبر على ما ينزل به من ضر، فما أعطى العبد عطاء خيرا وأوسع له من الصبر. (هامش) (1) الجنائز: جمع جنازة. من جنزه إذا ستره. (2) الوعك: حرارة الحمى وألمها. يقال: وعكه المرض وعكا ووعكة فهو موعوك، أي اشتد به. (.)

[ 488 ]

1 - روى مسلم عن صهيب بن سنان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " عجبا لامر المؤمن إن أمره كله خير - وليس ذلك لاحد إلا للمؤمن - إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ". 2 - وروى البخاري عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة " يريد عينيه. 3 - وروى البخاري ومسلم عن عطاء بن رباح عن ابن عباس قال: ألا أريك امرأة من أهل الجنة فقلت: بلى، فقال هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله تعالى لي. فقال: " إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك؟ " فقالت: أصبر، ثم قالت، إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. شكوى المريض يجوز للمريض أن يشكو للطبيب والصديق ما يجده من الالم والمرض ما لم يكن ذلك على سبيل التسخط وإظهار الجزع. وقد تقدم قول الرسول صلى الله عليه وسلم، " إني أوعك كما يوعك رجلان منكم " وشكت عائشة فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وارأساه، فقال: " بل أنا، وارأساه " وقال عبد الله بن الزبير لاسماء - وهي وجعة - كيف تجدينك؟ قالت: وجعة. وينبغي أن يحمد المريض ربه قبل ذكر ما به. قال ابن مسعود: إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك والشكوى إلى الله مشروعة، قال يعقوب: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) وقال الرسول: " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي " الخ. المريض يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح: وروى البخاري عن أبي موسى الاشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا ".

[ 489 ]

عيادة المريض من أدب الاسلام أن يعود المسلم المريض ويتفقد حاله تطبيبا لنفسه ووفاء بحقه، قال ابن عباس: عيادة المريض أول يوم سنة وبعد ذلك تطوع. وروى البخاري عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أطعموا الجائع وعودوا المريض: وفكوا العاني (1) ". وروى البخاري ومسلم " حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده. وإذا مات فاتبعه ". فضلها: 1 - روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عاد مريضا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا ". 2 - وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت ان عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني؟ قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ". 3 - وعن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع ". قيل يا رسول الله: وما خرفة الجنة؟ قال: " جناها (2) ". 4 - وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (هامش) (1) العاني: الاسير. (2) " الجنى " ما يجنى من الثمر. (.)

[ 490 ]

وسلم يقول: " ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف (1) في الجنة " رواه الترمذي وقال: حديث حسن. آداب العيادة: يستحب في العيادة أن يدعو العائد للمريض بالشفاء والعافية وأن يوصيه بالصبر والاحتمال، وأن يقول له الكلمات الطيبة التي تطيب نفسه، وتقوي روحه، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا دخلتم على المريض فنفسوا له (2) في الاجل، فإن ذلك لا يرد شيئا، وهو يطيب نفس المريض. " وكان صلوات الله وسلامه عليه إذا دخل على من يعود قال: " لا بأس طهور إن شاء الله ". ويستحب تخفيف العيادة وتقليلها من أمكن حتى لا يثقل على المريض إلا إذا رغب في ذلك. عيادة النساء الرجال قال البخاري: باب: عيادة النساء الرجال " وعادت أم الدرداء رجلا من أهل المسجد من الانصار. وروى عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر، وبلال رضي الله عنهما. قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر إذا اخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل قالت عائشة: فجئت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: (هامش) (1) " الخريف " الثمر المخروف أي المجتنى. (2) " فنفسوا له " أي طمعوه في طول أجله. (.)

[ 491 ]

" اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. اللهم وصححها وبارك في مدها وصاعها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة ". عيادة المسلم الكافر لا بأس بعيادة المسلم الكافر. قال البخاري: " باب عيادة المشرك " وروي عن أنس رضي الله عنه أن غلاما ليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده. فقال: " أسلم "، فأسلم. وقال سعيد بن المسيب عن أبيه، لما حضر أبو طالب جاءه النبي صلى الله عليه وسلم. العيادة في الرمد روى أبو داود عن زيد بن أرقم. قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني. طلب الدعاء من المريض روى ابن ماجة عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك. فان دعاءه كدعاء الملائكة " (1) قال في الزوائد: واسناده صحيح ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع. التداوي أمر الشارع بالتداوي في أكثر من حديث. 1 - روى أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي عن أسامة بن شريك. قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كأن على رؤوسهم الطير (2) فسلمت ثم قعدت فجاء الاعراب من ههنا وههنا. فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال " تداووا فان الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد، الهرم.. " (هامش) (1) أي في قرب الاستجابة. (2) من السكون والوقار. (.)

[ 492 ]

2 - روى النسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن ابن مسعود: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا. " 3 - وروى مسلم عن جابر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ باذن الله. " التداوي بالمحرم: ذهب جمهور العلماء إلى حرمة التداوي بالخمر وغيرها من المحرمات، واستدلوا بالاحاديث الاتية: 1 - روى مسلم وابو داود والترمذي عن وائل بن حجر الحضرمي، أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر يصنعها للدواء؟. فقال: " إنها ليست بدواء، ولكنها داء ". فأفاد الحديث حرمة التداوي بها، وأخبر بأنها داء. 2 - وروى البيهقي وصححه ابن حبان، عن أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " وذكره البخاري عن ابن مسعود. 3 - وروى أبو داود عن أبي الدرداء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أنزل الداء والدواء. وجعل لكل داء دواء.، فتداووا، ولا تتداووا بحرام. " وفي سنده إسماعيل بن عياش. وهو ثقة في الشاميين، ضعيف في الحجازيين. 4 - وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث - يعني السم. والقطرات القليلة غير الظاهرة، والتي لا يكون من شأنها الاسكار، إذا اختلطت بالدواء المركب لا تحرم، مثل القليل من الحرير في الثوب، أفاده في المنار. الطبيب الكافر وفي كتاب الاداب الشرعية لابن مفلح: وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عند الانسان جاز له ان يستطب (1) كما (هامش) (1) يجعل طبيبا. (.)

[ 493 ]

يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله، كما قال الله تعالى: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما). وفي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر استأجر رجلا مشركا هاديا خريتا (1) وائتمنه على نفسه وماله. وكانت خزاعة عينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمهم وكافرهم، وقد روى: ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ان يستطب الحارث بن كلدة، وكان كافرا، وإذا أمكنه أن يستطب مسلما، فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله، فلا ينبغي ان يعدل عنه، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي، أو أستطبابه فلم ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها، وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنا، فان الله تعالى يقول: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ". اه‍ وذكر أبو الخطاب في حديث صلح الحديبية وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عينا له من خزاعه وقبوله خبره: أن فيه دليلا على جواز قبول المتطبب الكافر فيما يخبر به من صفة العلة ووجه العلاج إذا كان غير متهم فيما يصفه. وكان غير مظنون به الريبة. جواز استطباب المرأة يجوز للرجل أن يداوي المرأة، ويجوز للمرأة أن تداوي الرجل عند الضرورة. قال البخاري: هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل. ثم روى عن ربيع بنت معوذ بن عفراء. قالت: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسقي القوم، ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة. وقال الحافظ في الفتح: يجوز مداواة الاجانب عند الضرورة، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك. وقال ابن مفلح في كتاب الآداب الشرعية: فإن مرضت امرأة ولم يوجد من يطبها غير رجل، جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منها حتى الفرجين، وكذا الرجل مع الرجل. قال ابن حمدان: وان لم يوجد من يطبه سوى امرأة، فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظرها منه حتى فرجيه. قال القاضي: يجوز للطيب (هامش) (1) الخريت: الماهر بالهداية. (.)

[ 494 ]

أن ينظر من المرأة إلى العورة عند الحاجة، وكذلك يجوز للمرأة والرجل، أن ينظرا إلى عورة الرجل عند الضرورة. انتهى. العلاج بالرقي (1) والادعية يشرع العلاج بالرقى والادعية إذا كانت مشتملة على ذكر الله، وكانت باللفظ العربي المفهوم لان مالا يفهم، لا يؤمن أن يكون فيه شئ من الشرك فعن عوف بن مالك. قال: كنا نرقى في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال اعرضوا علي رقاكم. لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك " رواه مسلم وأبو داود، وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن ترقى بكتاب الله، وبما تعرف من ذكر الله قلت: أيرقى أهل الكتاب المسلمين؟ قال نعم، إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله. بعض الادعية الواردة في ذلك 1 - روى البخاري ومسلم عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: " اللهم رب الناس أذهب البأس (2) أشف وأنت الشافي، لاشفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما ". 2 - وروى مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا بحدة في جسده. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: باسم الله، وقل: سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " قال ففعلت ذلك مرارا فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلى وغيرهم. 3 - وروى الترمذي عن محمد بن سالم قال: قال لى ثابت البناني: يا محمد إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي، ثم قل: بسم الله أعوذ بعزة الله من شر ما أجد من وجعي هذا، ثم ارفع يدك، ثم أعد ذلك وترا، فان أنس بن مالك حدثني: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه بذلك. (هامش) (1) الرق: جمع رقية، مثل مدى جمع مدية: وهي الادعية التي يدعى بها للمريض. (2) البأس: الشدة. (.)

[ 495 ]

4 - وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك. إلا عافاه الله من ذلك المرض ". رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. 5 - وروى البخاري عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين: " أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة. ومن كل عين لامة (1) ويقول: " إن أباكما (2) كان يعوذ بهما إسماعيل و اسحاق ". 6 - وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده في مرضه فقال: " اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا ". النهي عن التمائم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التمائم. 1 - فعن عقبة بن عامر، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من علق تميمة فلا أتم الله له. ومن علق ودعة فلا أودع الله له " رواه أحمد والحاكم. وقال: صحيح الاسناد. والتميمة: هي الخرزة التي كان العرب يعلقونها على أولادهم يمنعون بها العين في زعمهم، فأبطله الاسلام ونهى عنه. ودعا رسول الله على من علق تميمة بعدم التمام، لما قصده من التعليق. 1 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه دخل على امرأته، وفي عنقها شئ معقود، فجذبه فقطعه. ثم قال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك " قالوا: يا أبا عبد الله هذه التمائم والرقى قد (هامش) (1) " الهامة ": كل ذات سم قاتل تجمع على هوام، وقد تطلق على ما يدب من الحيوان، كالق. " واللامة ": التي تصيب بسوء. (2) يقصد إبراهيم عليه السلام. (.)

[ 496 ]

عرفناها، فما التولة؟ قال: شئ يصنعه النساء يتحببن الى أزواجهن (1). رواه الحاكم وابن حبان وصححاه. 3 - وعن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر على عضد رجل حلقة أراه قال: " من صفر " (2)، فقال: " ويحك ما هذه؟ " قال: من الواهنة. قال " أما إنها لا تزيد إلا وهنا، انبذها عنك، فانك لومت وهي عليك ما أفلحت ابدا " رواه أحمد. والواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها، وقيل: مرض يأخذ في العضد. وقد علق الرجل حلقة من نحاس، ظنا منه أنها تعصمه من الالم، فنهاه الرسول عنها، وعدها من التمائم. 4 - وروى أبو داوود عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن حكيم وبه حمرة، فقلت ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من علق شيئا وكل إليه ". هل يجوز تعليق الادعية الواردة في الكتاب والسنة؟ روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: اعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، من همزات الشياطين وأن يحضرون فانها لن تضره " وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبها في صك ثم علقها في عنقه. رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن غريب، والحاكم وقال: صحيح الاسناد. وإلى هذا ذهبت عائشة ومالك وأكثر الشافعية ورواية عن أحمد. وذهب ابن عباس وابن مسعود، وحذيفة والاحناف وبعض الشافعية ورواية عن أحمد: إلى أنه لا يجوز تعليق شئ من ذلك لما تقدم من النهي العام في الاحاديث السابقة. منع المريض من السكن بين الاصحاء ومن كان مبتلى بأمراض معدية، يجوز منعه من السكن بين الاصحاء ولا (هامش) (1) قيل: هي خيط يقرأ فيه من السحر أو قرطاس فيه شئ يتحبب به النساء إلى قلوب الرجال، أو الرجال إلى قلوب النساء. (2) " صفر " نحاس. (.)

[ 497 ]

يجاور الاصحاء، فان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يوردن ممرض على مصح " فنهى صاحب الابل المراض أن يوردها على صاحب الابل الصحاح مع قوله " لا عدوى ولا طيرة " وكذلك روي انه لما قدم رجل محذوم ليبايعه، أرسل إليه بالبيعة، ولم يأذن له في دخول المدينة. النهي عن الخروج من الطاعون أو الدخول في أرض هو بها: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخروج من الارض التي وقع بها الطاعون أو الدخول فيها، لما في ذلك من التعرض للبلاء. وحتى يمكن حصر المرض في دائرة محددة، ومنعا لانتشار الوباء. وهوما يعبر عنه بالحجر الصحي. روى الترمذي وقال: حسن صحيح. عن أسامة بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال: " بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها " وروى البخاري عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الاجناد، أبو عبيدة ابن الجراح وأصحابه. فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام. قال ابن عباس فقال عمر: ادع لي المهاجرين الاولين، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا. فقال بعضهم قد خرجنا لامر ولا نرى أن نرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الانصار. فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم نفر من قدر الله‌إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة، والاخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجاته، فقال: إن عندي في هذا علما. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " قال فحمد الله عمر ثم انصرف.

[ 498 ]

استحباب ذكر الموت والاستعداد له بالعمل: رغب الشارع في تذكر الموت والاستعداد له بالعمل الصالح، وعدذلك من دلائل الخير. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة، فقام رجل من الانصار فقال: يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس؟ قال: " أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الاكياس. ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة ". وعنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكثروا من ذكر هاذم (1) اللذات " رواهما الطبراني بإسناد حسن. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام. " قال: " إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا: هل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: " الانابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت ". رواه ابن جرير، وله طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا. كراهة تمني الموت يكره للمرء أن يتمنى الموت أو يدعو به، لفقر أو مرض أو محنة أو نحو ذلك، لما رواه الجماعة عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنيا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرالي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ". وحكمة النهي عن تمني الموت ما جاء من حديث أم الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على العباس، وهو يشتكي فتمنى الموت فقال: " يا عباس يا عم رسول الله لاتتمن الموت إن كنت محسنا تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئا فإن تؤخر تستعتب (2) خير لك. فلا تمن (هامش) (1) هاذم: قاطع والمراد به الموت. (2) تستعتب: تسترضي الله بالاقلاع عن الاساءة والاستغفار منها. " والاستعتاب " طلب إزالة العتاب. (.)

[ 499 ]

الموت " رواه أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. فإن خاف أن يفتن في دينه يجوز له تمني الموت دون كراهة، فمما حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله في دعائه: " اللهم إني أسألك فعل الخيرات. وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قومي فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك " رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وفي الموطأ عن عمر رضي الله عنه دعا. فقال: " اللهم كبرت سني وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط " فضل طول العمر مع حسن العمل 1 - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: " من طال عمره وحسن عمله ". قال: فأي الناس شر. قال: " من طال عمره وساء عمله " رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح. 2 - وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أنبئكم بخيركم؟ " قالوا: نعم يا رسول الله قال: " خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا " رواه أحمد وغيره بسند صحيح. العمل الصالح قبل الموت دليل على حسن الختام: روى أحمد والترمذي والحاكم وابن حبان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله " قيل: كيف يستعمله؟ قال " يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه ". استحباب حسن الظن بالله ينبغي أن يذكر المريض سعة رحمة الله ويحسن ظنه بربه، لما رواه مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث (1): (هامش) (1) أي بثلاث ليال. (.)

[ 500 ]

" لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ". وفي الحديث استحباب تغليب الرجاء وتأميل العفو ليلقى الله تعالى على حالة هي أحب الاحوال إلى الله سبحانه إذ هو الرحمن الرحيم، والجواد الكريم، يحب العفو والرجاء. وفي الحديث " يبعث كل أحد على ما مات عليه ". وروى ابن ماجة والترمذي بسند جيد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهوفي الموت فقال: " كيف تجدك؟ " قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال صلى الله عليه وسلم: " لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وأمنه مما يخاف ". استحباب الدعاء والذكر لمن حضر عند الميت: يستحب أن يحضر الصالحون من أشرف على الموت فيذكروا الله. 1 - روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أم سلمة قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ". قالت: فلما مات أبو سلمة، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات، قال: " قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة " فقلت: فأعقبني الله من هو خير منه " محمدا صلى الله عليه وسلم ". 2 - وفي صحيح مسلم عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: " إن الروح إذا قبض تبعه البصر " فضج ناس من أهله فقال: " لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون "، ثم قال: " اللهم اغفر لابي سلمة وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبة الغابرين (1) واغفر لنا وله يا رب العالمين. وأفسح له في قبره، ونور له فيه ". (هامش) (1) الغابرين: الباقين: أي كن خليفة له في إصلاح من يعقبه من ذريته حال كونهم في الباقين من الناس. (.)

[ 501 ]

ما يسن عند الاحتضار يسن عند الاحتضار مراعاة السنن الآتية: 1 - تلقين المحتصر " لا إله إلا الله " لما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لقنوا موتاكم (1): لا إله إلا الله " وروى أبو داود، وصححه الحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان آخر كلامه لاإله إلا الله دخل الجنة ". والتلقين إنما يكون في حالة ما إذا كان لا ينطق بلفظ الشهادة. فإن كان ينطق بها فلا معنى لتلقينه. والتلقين إنما يكون في الحاضر العقل القادر على الكلام فإن شارد اللب لا يمكن تلقينه، والعاجز عن الكلام يردد الشهادة في نفسه. قال العلماء: وينبغي أن لا يلح عليه في ذلك. ولا يقول له: قل لا إله إلا الله، خشية أن يضجر، فيتكلم بكلام غير لائق، ولكن يقولها بحيث يسمعه معرضا له، ليفطن له فيقولها. وإذا أتى بالشهادة مرة لا يعاود التلقين ما لم يتكلم بعدها بكلام آخر فيعاد التعريض له به ليكون آخر كلامه. وجمهور العلماء على أن المحتضر يقتصر في تلقينه على لفظ " لا إله إلا الله " لظاهر الحديث، ويرى جماعة أنه يلقن الشهادتين لان المقصود تذكر التوحيد وهو يتوقف عليهما. 2 - توجيهه إلى القبلة مضطجعا على شقه الايمن، لما رواه البيهقي والحاكم وصححه عن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، سأل عن البراء بن معرور؟ فقالوا: توفي، وأوصى بثلث ماله لك، وأن يوجه للقبلة لما احتضر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أصاب الفطرة، وقد رددت ثلث ماله على ولده ". ثم ذهب فصلى عليه وقال: " اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك وقد فعلت (2) " قال الحاكم: ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره. (هامش) (1) أي المحتضرين الذين هم في سياق الموت من المسلمين، أما غيرهم فيعرض عليهم الاسلام. (2) فعلت: أي استجبت الدعاء (.)

[ 502 ]

وروى أحمد: أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها. وهذه الصفة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم النائم أن ينام عليها، والتي يكون عليها الميت في قبره. وفي رواية عن الشافعي: أن المحتضر يستلقي على قفاه وقدماه إلى القبلة وترفع رأسه قليلا ليصير وجهه إليها والاول الذي ذهب إليه الجمهور أولى. 3 - قراءة سورة يس، لما رواه أحمدو أبو داود والنسائي والحاكم وابن حبان وصححاه، عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له. واقرؤوها على موتاكم (1) ". قال ابن حبان: أراد به من حضرته المنية، لا أن الميت يقرأ عليه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه أحمد في مسنده عن صفوان قال: كانت المشيخة (2) يقولون: إذا قرئت " يس " عند الموت خفف عنه بها، وأسنده صاحب مسند الفردوس إلى أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مامن ميت يموت فتقرأ عنده يس إلا هون الله عليه ". 4 - تغميض عينيه إذا مات، لما رواه مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة، وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: " إن الروح إذا قبض تبعه البصر ". 5 - تسجيته صيانة له عن الانكشاف وسترا لصورته المتغيرة عن الاعين. فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببرد حبره (3) رواه البخاري ومسلم. ويجوز تقبيل الميت إجماعا فقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ابن مظعون وهو ميت، وأكب أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته فقبله بين عينيه وقال: يا نبياه، يا صفياه. (هامش) (1) أعل هذا الحديث ابن القطان بالاضطراب والوقف وجهالة بعض الرواة. ونقل عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث مضطرب الاسناد مجهول المتن ولا يصح. (2) جمع شيخ. (3) سجي: غطي. " حبرة ": ثوب فيه أعلام. (.)

[ 503 ]

6 - المبادرة بتجهيزه متى تحقق (1) موته، فيسرع وليه بغسله ودفنه مخافة أن يتغير، والصلاة عليه، لما رواه أبو داود وسكت عنه. عن الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال: " إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فأذنوبي به (2) وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله ". ولا ينتظر به قدوم أحد إلا الولي: فإنه ينتظر ما لم يخش عليه التغير. روى أحمد والترمذي عن علي رضي الله عنه: أن النبي قال له، " يا علي: ثلاث لا تؤخرها الصلاة: إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والايم (3) إذا وجدت كفئا ". 7 - قضاء دينه، لما رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. وحسنه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه " أي أمرها موقوف لا يحكم لها بنجاة ولا بهلاك أو محبوسة عن الجنة، وهذا فيمن مات وترك ما لا يقضى منه دينه. أما من لامال له ومات عازما على القضاء، فقد ثبت أن الله تعالى يقضي عنه، ومثله من مات وله مال وكان محبا للقضاء ولم يقض من ماله ورثته فعند البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ". وروى أحمد وأبو نعيم والبزار والطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عزوجل فيقول: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع، ولكن أتى علي إما حرق وإما سرق، وإما وضيعة، فيقول الله صدق عبدي، وأنا أحق من قضى عنك، فيدعو الله بشئ فيضعه في كفة ميزانه، فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل رحمته ". (هامش) (1) لابد من تحقق الموت بواسطة الاطباء وغيرهم من العارفين المشهود لهم في المعرفة، ولا سيما من توقع أن يغمى عليه. (2) آذونوني: أعلموني. (3) الايم: من لا زوج لها. (.)

[ 504 ]

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يمتنع عن الصلاة على المديون، فلما فتح الله عليه البلاد، وكثرت الاموال صلى على من مات مديونا وقضى عنه، وقال في حديث البخاري: " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين، ولم يترك وفاء، فعلينا قضاؤه. ومن ترك ما لا فلورثته ". وفي هذا ما يدل على أن من مات مدينا استحق أن يقضى عنه من بيت مال المسلمين، ويؤخذ من سهم الغارمين " أحد مصارف الزكاة " وأن حقه لا يسقط بالموت. استحباب الدعاء والاسترجاع (1) عند الموت: يستحب أن يسترجع المؤمن ويدعو الله عند موت أحد أقاربه بالآتي. 1 - روى أحمد ومسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرا منها " قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرا منه " رسول الله صلى الله عليه وسلم ". 2 - وفي الترمذي عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد " قال: حديث حسن. 3 - وفي البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ". 4 - وعن ابن عباس في قول الله تعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم (هامش) (1) الاسترجاع قول: " إنا لله وإنا إليه راجعون ". (.)

[ 505 ]

ورحمة. وأولئك هم المهتدون " قال: أخبر الله عزوجل: أن المؤمن إذا سلم لام الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى. استحباب اعلام قرابته وأصحابه بموته استحب العلماء إعلام أهل الميت وقرابته وأصدقائه وأهل الصلاح بموته ليكون لهم أجر المشاركة في تجهيزه، لما رواه الجماعة. عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف أصحابه، وكبر عليه أربعا. وروى أحمد والبخاري عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا، وجعفرا وابن رواحة، قبل أن يأتيهم خبرهم، قال الترمذي: لا بأس بأن يعلم الرجل قرابته وإخوانه بموت الشخص. وقال البيهقي: وبلغني عن مالك بن أنس أنه قال: لاأحب الصياح لموت الرجل على أبواب المساجد، ولو وقف على حلق المساجد فأعلم الناس بموته لم يكن به بأس. وأما ما رواه أحمد والترمذي وحسنه عن حذيفة، قال: إذا مت فلا تؤذني بي أحدا، فإني أخاف أن يكون نعيا. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي (1) فإنه محمول على النعي الذي كانت الجاهلية تفعله. وكانت عادتهم إذا مات منهم شريف بعثوا راكبا إلى القبائل، يقول: نعاء فلانا أي هلكت العرب بمهلك فلان، ويصحب ذلك ضجيج وبكاء. البكاء على الميت أجمع العلماء، على أنه لا يجوز البكاء على الميت، إذا خلا من الصراخ والنوح، ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم " وأشار إلى لسانه. وبكى لموت ابنه إبراهيم وقال: " إن العين تدمع، والقلب يحزن. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " وبكى لموت (هامش) (1) النعي: الاخبار بموت الشخص. (.)

[ 506 ]

أميمة بنت ابنته زينب، فقال له سعد بن عبادة يا رسول الله أتبكي؟ أو لم تنه زينب، فقال: " إنما هي رحمة فجعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء " وروى الطبراني عن عبد الله بن زيد قال: رخص في البكاء من غير نوح. فإن كان البكاء بصوت ونياحة، كان ذلك من أسباب ألم الميت وتعذيبه. فعن ابن عمر قال: لما طعن عمر أغمي عليه، فصيح عليه فلما أفاق قال: أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميت ليعذب ببكاء الحي ". وعن أبي موسى قال: لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: واأخاه، فقال له عمر: يا صهيب أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميت ليعذب ببكاء الحي " وعن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه " روى هذه الاحاديث البخاري ومسلم. ومعنى الحديث، أن الميت يتألم ويسوءه نوح أهله عليه، فإنه يسمع بكاءهم وتعرض أعمالهم عليه، وليس معنى الحديث أنه يعذب ويعاقب بسبب بكاء أهله عليه، فإنه لاتزر وازرة وزر أخرى. فقد روى ابن جرير عن أبي هريرة قال: إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم فإن رأوا خيرا فرحوا به. وإذا رأوا شرا كرهوا. وروى أحمد والترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الاموات، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا. " وعن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واحبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي: أأنت كذلك. رواه البخاري. النياحة النياحة مأخوذة من النوح، وهو رفع الصوت بالبكاء. وقد جاءت الاحاديث مصرخة بتحريمها، فعن أبي مالك الاشعري: أن النبي صلى الله عليه

[ 507 ]

وسلم قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الاحساب (1)، والطعن في الانساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة " وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب (2) " رواه أحمد ومسلم. وعن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لاننوح. رواه البخاري ومسلم. وروى البزار بسند رواته ثقات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، وزنة عند مصيبة " وفي الصحيحين عن أبي موسى أنه قال: " أنا برئ ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة، والحالقة والشاقة (3) ". وروى أحمد عن أنس قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن، أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية. افنسعدهن في الاسلام؟ فقال: " لا إسعاد (4) في الاسلام ". الاحداد على الميت يجوز للمرأة أن تحد (5) على قريبها الميت ثلاثة أيام ما لم يمنعها زوجها، ويحرم عليها أن تحد عليه فوق ذلك، إلا إذا كان الميت زوجها، فيجب عليها أن تحد عليه مدة العدة. وهي أربعة أشهر وعشر. لما رواه الجماعة إلا الترمذي عن أم عطية، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لاتحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا. ولا تلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب (6)، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا، ولا تختضب، ولا تمتشط (هامش) (1) الفخر في الاحساب: التعاظم بمناقب الآباء. " الطعن في الانساب " نسبة الرجل المرء لغير أبيه. " الاستسقاء بالنجوم ": اعتقاد أنها المؤثرة في نزول المطر. (2) السربال: القميص. والجرب: تقرح الجلد، والقطران: يقوي شعلة النار، فيكون عذاب النائحة بالنار بسبب هذين القميصين أشد عذاب. (3) الصالقة: التي ترفع صوتها بالندب والنياحة - الحالقة: التي تحلق رأسها عند المصيبة - الشاقة: أي التي تشق. (4) الاسعاد: المساعدة في النياحة. (5) تحد: من باب نصر وضرب. (6) عصب: برود يمانية. (.)

[ 508 ]

إلا إذا ظهرت، تمس نبذة من قسط، أو اظفار (1) ". والاحداد ترك ما تتزين به المرأة من الحلي والكحل والحرير والطيب والخضاب. وإنما وجب على الزوجة ذلك مدة العدة، من أجل الوفاء للزوج، ومراعاة لحقه. استحباب صنع الطعام لاهل الميت عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اصنعوا لآل جعفر طعاما، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي. وقال: حسن صحيح. واستحب الشارع هذا العمل، لانه من البر والتقرب إلى الاهل والجيران. قال الشافعي: وأحب لقرابة الميت أن يعملوا لاهل الميت في يومهم وليلتهم طعاما يشبعهم، فإنه سنة وفعل أهل الخير. واستحب العلماء الالحاح عليهم ليأكلوا، لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع. وقالوا: لا يجوز اتخاذ الطعام للنساء إذا كن ينحن لانه إعانة لهن على معصية. واتفق الائمة على كراهة صنع أهل الميت طعاما للناس يجتمعون عليه، لما في ذلك من زيادة المصيبة عليهم وشغلا لهم إلى شغلهم وتشبها بصنع أهل الجاهلية لحديث جرير قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وذهب بعض العلماء إلى التحريم. قال ابن قدامه: فإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز، فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والاماكن البعيدة. ويبيت عندهم، ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه ". (هامش) (1) القسط والاظفار: نوعان من العود الذي يتطيب به. و " النبذة " القطعة: أي يجوز لها وضع الطيب عند الغسل من الحيض لازالة الرائحة الكريهة. (.)

[ 509 ]

جواز اعداد الكفن والقبر قبل الموت قال البخاري: باب من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه، وروى عن سهل رضي الله عنه أن امرأة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة، فيها حاشيتها (1) أتدرون ما البردة (2)؟ قالوا: الشملة. قال: نعم. قالت: نسجتها بيدي، فجئت لاكسوها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فخرج إلينا، وإنها إزارة، فحسنها فلان فقال: اكسنيها. ما أحسنها. قال القوم: ما أحسنت، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها، ثم سألته، وعلمت أنه لايرد، قال: إني والله ما سألته لالبسها، إنما سألته لتكون كفني، قال سهل فكانت كفنه. قال الحافظ معلقا على الترجمة: وإنما قيد " أي البخاري " الترجمة بذلك. أي بقوله: " فلم ينكر ليشير إلى أن الانكار وقع من الصحابة، كان على الصحابي في طلب البردة، فلما أخبرهم بعذره لم ينكروا ذلك عليه، فيستفاد منه جواز تحصيل ما لابد منه للميت من كفن ونحوه في حال حياته، وهل يلتحق بذلك حفر القبر؟ ثم قال: قال ابن بطال: فيه جواز إعداد الشئ قبل وقت الحاجة إليه. قال: وقد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت، وتعقبه الزين بن المنير: بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة، قال: ولو كان مستحبا لكثر فيهم. وقال العيني: لا يلزم من عدم وقوعه من أحد من الصحابة عدم جوازه. لان ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، ولاسيما إذا فعله قوم من العلماء الاخيار. قال أحمد: لا بأس أن يشتري الرجل موضع قبره، ويوصي أن يدفن فيه. وروي عن عثمان وعائشة وعمر بن عبد العزيز رضيا لله عنهم أنهم فعلوا ذلك. (هامش) (1) حاشيتا الثوب: ناحيتاه اللتان في طرفهما الهدب. (2) مقول سهل. (.)

[ 510 ]

استحباب طلب الموت في أحد الحرمين يستحب طلب الموت في أحد الحرمين: الحرم المكي، والحرم المدني، لما رواه البخاري عن حفصة رضي الله عنها أن عمر رضي الله عنه قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم. فقلت: أنى هذا؟ فقال: يأتيني به الله إن شاء الله. وروى الطبراني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من مات في أحد الحرمين بعث آمنا يوم القيامة " وفيه موسى بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في الثقات وعبد الله ابن المؤمل ضعفه أحمد ووثقه ابن حبان. موت الفجأة (1) روى أبو داود عن عبيد بن خالد السلمي - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال مرة: عن عبيد. قال: " موت الفجأة أخذة آسف (2) ". وقد روي هذا الحديث من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وأبي هريرة وعائشة، وفي كل منها مقال. وقال الازدي: ولهذا الحديث طرق، وليس فيها صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث عبيد هذا الذي أخرجه أبوداود، رجال إسناده ثقات. والوقف فيه لا يؤثر، فإن مثله لا يؤخذ بالرأي، فكيف وقد أسنده الراوي مرة. ثواب من مات له ولد 1 - روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مامن الناس من مسلم يتوفى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث (3) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ". (هامش) (1) أي الموت بغتة. (2) آسف: غضبان وإنما كان موت الفجأة يكرهه الناس لانه يفوت ثواب المرض الذي يكفر الذنوب والاستعداد بالتوبة والعمل الصالح. (3) الحنث: الاثم: أي لم يبلغوا سن التكليف فيكتب عليهم الاثم. (.)

[ 511 ]

2 - وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النساء قلن للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا يوما. فوعظهن وقال: " أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجابا من النار "، قالت امرأة: واثنان قال: " واثنان ". أعمار هذه الامة روى الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين (1) وأقلهم من يجوز (2) ذلك ". الموت راحة روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة، فقال: " مستريح ومستراح منه (3) "، فقالوا: يا رسول الله، ما المستريح وما المستراح منه؟ فقال: " العبد المؤمن يستريح من نصب (4) الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد (5) والبلاد والشجر والدواب ". تجهيز الميت يجب تجهيز الميت فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن، وتفصيل ذلك فيما يلي: غسل الميت يرى جمهور العلماء أن غسل الميت المسلم فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن جميع المكلفين، لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ولمحافظة المسلمين عليه. (هامش) (1) السبعين: أي السبعين سنة. (2) يجوز: أي يتجاوز. (3) أي هذا البيت إما مستريح وإما مستراح منه. (4) نصب الدنيا: تعبها. (5) من أذاه. (.)

[ 512 ]

(2) من يجب غسله ومن لا يجب: يجب غسل الميت المسلم الذي لم يقتل في معركة بأيدي الكفار. (3) غسل بعض الميت: واختلف الفقهاء في غسل بعض الميت المسلم. فذهب الشافعي وأحمد وابن حزم إلى أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وقال الشافعي: بلغنا أن طائرا ألقى يدا بمكة في وقعة الجمل (1)، فعرفوها بالخاتم، فغسلوها وصلوا عليها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة. وقال أحمد: صلى أبو أيوب على رجل، وصلى عمر على عظام. وقال ابن حزم: ويصلى على ما وجد من الميت المسلم، ويغسل ويكفن إلا أن يكون من شهيد. قال: وينوى بالصلاة على ما وجد منه، الصلاة على جميعه: جسده وروحه. وقال أبو حنيفة ومالك: إن وجد أكثر من نصفه غسل وصلي عليه، وإلا فلا غسل ولا صلاة. (4) الشهيد لا يغسل: الشهيد الذي قتل بأيدي الكفرة في المعركة لا يغسل ولو كان جنبا (2)، ويكفن في ثيابه الصالحة للكفن، ويكمل ما نقص منها، وينقص منها ما زاد على كفن السنة، ويدفن في دمائه، ولا يغسل شئ منها. روى أحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تغسلوهم فإن كل جرح، أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة "، وأمر صلوات الله وسلامه عليه بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم. قال الشافعي: لعل ترك الغسل والصلاة لان يلقوا الله بكلومهم (3) لما جاء أن ريح دمهم ريح المسك، واستغنوا بإكرام الله لهم عن الصلاة عليهم، مع التخفيف على من بقي من المسلمين، لما يكون فيمن قاتل من جراحات وخوف (هامش) (1) كانت عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد. (2) الشهيد الجنب: لا يغسل عند المالكية والاصح من مذهب الشافعية. ورأي محمد وأبي يوسف، ويشهد لهذا، أن حنظلة استشهد جنبا فلم يغسله النبي صلى الله عليه وسلم. (3) " كلومهم " جروحهم. (.)

[ 513 ]

عبودة العدو، رجاء طلبهم وهمهم بأهلهم، وهم أهلهم بهم. وقيل: الحكمة في ترك الصلاة عليهم: أن الصلاة على الميت، والشهيد حي، أو أن الصلاة شفاعة، والشهداء في غنى عنها لانهم يشفعون لغيرهم. (5) الشهداء الذين يغسلون ويصلى عليهم: أما القتلى الذين لم يقتلوا في المعركة بأيدي الكفار، فقد أطلق الشارع عليهم لفظ الشهداء، وهؤلاء يغسلون، ويصلى عليهم، فقد غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات منهم في حياته. وغسل المسلمون بعده عمر وعثمان وعليا، وهم جميعا شهداء، ونحن نذكر هؤلاء الشهداء فيما يلي: 1 - عن جابر بن عتيك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون (1) شهيد، والغرق (2) شهيد، وصاحب ذات الجنب (3) شهيد، والمبطون (4) شهيد، وصاحب الحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع (5) شهيدة ". رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح. 2 - وعن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما تعدون الشهيد فيكم؟ " قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: " إن شهداء أمتي إذا لقليل "، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: " من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله (6) فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد ". رواه مسلم. 3 - وعن سعيد بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ". رواه أحمد والترمذي وصححه. (هامش) (1) المطعون: من مات بالطاعون (2) الغرق: الغريق. (3) ذات الجنب: القروح تصيب الانسان داخل جنبه وتنشأ عنها الحمى والسعال. (4) المبطون: من مات بموت البطن. (5) بجمع: أي التي تموت عند الولادة (6) في سبيل الله: أي في طاعة الله. (.)

[ 514 ]

(6) الكافر لا يغسل: ولا يجب على المسلم أن يغسل الكافر، وجوزه بعضهم. وعند المالكية والحنابلة: أنه ليس للمسلم أن يغسل قريبه الكافر ولا يكفنه، ولا يدفنه، إلا أن يخاف عليه الضياع فيجب عليه أن يواريه، لما رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي، أن عليا رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: " اذهب فوار أباك، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني ". قال: فذهبت، فواريته، وجئته، فأمرني فاغتسلت فدعا لي. قال ابن المنذر: ليس في غسل الميت سنة تتبع. صفة الغسل الواجب في غسل الميت أن يعمم بدنه بالماء مرة واحدة ولو كان جنبا أو حائضا، والمستحب في ذلك أن يوضع الميت فوق مكان مرتفع ويجرد من ثيابه (1) ويوضع عليه ساتر يستر عورته ما لم يكن صبيا، ولا يحضر عند غسله إلا من تدعوا الحاجة إلى حضوره. وينبغي أن يكون الغاسل ثقة أمينا صالحا، لينشر ما يراه من الخير، ويستر ما يظهر له من الشر. فعند ابن ماجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليغسل موتاكم المأمونون ". وتجب النية عليه، لانه هو المخاطب بالغسل، ثم يبدأ فيعصر بطن الميت عصرا رفيقا، لاخراج ما عسى أن يكون بها، ويزيل ما على بدنه من نجاسة، على أن يلف على يده خرقة يمسح بها عورته فإن لمس العورة حرام، ثم يوضئه وضوء الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها " ولتجديد سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل، ثم يغسله ثلاثا بالماء والصابون، أو الماء القراح، مبتدئا باليمين، فإن رأى الزيادة على الثلاث بعدم حصول الانقاء بها أولشئ آخر غسله خمسا، أو سبعا، ففي الصحيح: (هامش) (1) رأى الشافعي أن يغسل في قميصه أفضل إذا كان رقيقا لايمنع وصول الماء إلى البدن لان النبي صلى الله عليه وسلم غسل في قميصه. والاظهر أن هذا خاص به صلوات الله وسلامه عليه فان تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهورا. (.)

[ 515 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اغسلنها وترا: ثلاثا أو خمسا أو سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن (1) ". قال ابن المنذر: إنما فرض الرأي اليهن بالشرط المذكور وهو الايثار، فإذا كان الميت امرأة ندب نقض شعرها وغسل وأعيد تضفيره وأرسل خلفها، ففي حديث أم عطية: أنهن جعلن رأس ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة قرون. قلت: نقضنه وجعلنه ثلاثة قرون (2) قالت: نعم. وعند مسلم: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون: قرنيها وناصيتها. وفي صحيح ابن حبان الامر بتضفيرها من قوله صلى الله عليه وسلم: " واجعلن لها ثلاثة قرون ". فإذا فرغ من غسل الميت جفف بدنه بثوب نظيف، لئلا تبتل أكفانه، ووضع عليه الطيب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أجمرتم (3) الميت فأوتروا ". رواه البيهقي والحاكم وابن حبان وصححاه. وقال أبو وائل: كان عند علي رضي الله عنه مسك، فأوصى أن يحنط به، وقال: هو فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجمهور العلماء على كراهة تقليم أظفار الميت وأخذ شئ من شعر شاربه، أو إبطه أو عانته، وجوز لك ابن حزم. واتفقوا فيما إذا خرج من بطنه حدث بعد الغسل وقبل التكفين، على أنه يجب غسل ما أصابه من نجاسة، واختلفوا في إعادة طهارته فقيل: لا يجب (4). وقيل: يجب الوضوء. وقيل: يجب إعادة الغسل. والاصل الذي بنى عليه العلماء أكثر اجتهادهم في كيفية الغسل ما رواه الجماعة عن أم عطية، قالت: " دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك - إن رأيتن - بماء وسدر واجعلن في الاخيرة كافورا، أو شيئا من كافور، فإذا (هامش) (1) قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بمجاوزة السبع، وكره المجاوزة أحمد وابن المنذر. (2) قرون: أي ضفائر. (3) أجمرتم: بخرتم. (4) هذا مذهب الاحناف والشافعية ومالك. (.)

[ 516 ]

فرغتن فآذنني (1) " فلما فرغن آذناه، فأعطانا حقوه فقال: " أشعرنها (2) إياه ". يعني إزاره. وحكمة وضع الكافور ما ذكره العلماء من كونه طيب الرائحة، وذلك وقت تحضر فيه الملائكة. وفيه أيضا تبريد، وقوة نفود، وخاصة في تصلب بدن الميت، وطرد الهوام عنه ومنع إسراع الفساد إليه، وإذا عدم قام غيره مقامه مما فيه هذه الخواص أو بعضها. التيمم للميت عند العجز عن الماء ان عدم الماء يمم الميت، لقوله تعالى: (فإن لم تجدوا ماء فتيمموا)، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا ". وكذلك لو كان الجسم بحيث لو غسل لتهرى. وكذلك المرأة تموت بين الرجال الاجانب عنها، والرجل يموت بين النساء الاجنبيات عنه. روى أبو داود في مراسيله والبيهقي عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ماتت المرأة مع الرجال، ليس معهم امرأة غيرها، والرجل مع النساء، ليس معهن رجل غيره، فإنهما ييممان ويدفنان، وهما بمنزلة من لم يجد الماء ". وييمم المرأة ذو رحم محرم منها بيده، فإن لم يوجد يممها أجنبي بخرقة يلفها على يده. هذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وعند مالك والشافعي: إن كان بين الرجال ذو رحم محرم منها غسلها، لانها كالرجل بالنسبة إليه في العورة والخلوة. قال في المروي عن الامام مالك: إنه سمع أهل العلم يقولون: إذا ماتت المرأة وليس معها نساء يغسلنها ولا من ذوي المحرم أحد يلي ذلك منها، ولا زوج يلي ذلك، يممت، يمسح بوجهها وكفيها من الصعيد. (هامش) (1) آذنني: أي أخبرنني. (2) أشعرنها: اجعلنه شعارا " والشعار " الثوب الذي يلي الجسد. " والحقو " الازار. وهوفي الاصل: معقد الازار. (.)

[ 517 ]

قال: وإذا هلك الرجل، وليس معه أحد إلا نساء يممنه أيضا (1). غسل أحد الزوجين الآخر اتفق الفقهاء على جواز غسل المرأة زوجها، قالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه. رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه. واختلفوا في جواز غسل الزوج امرأته فأجازه الجمهور. لما روي من غسل علي فاطمة رضي الله عنها. رواه الدارقطني والبيهقي، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: " لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك ". رواه ابن ماجه. وقال الاحناف: لا يجوز للزوج غسل زوجته، فإن لم يكن إلا الزوج يممها، والاحاديث حجة عليهم. غسل المرأة الصبي قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي الصغير. الكفن (1) حكمه: تكفين الميت بما يستره ولو كان ثوبا واحدا فرض كفاية. روى البخاري عن خباب رضي الله عنه قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه إلابردة، إذا (هامش) (1) يرى ابن حزم أنه إذا مات رجل بين نساء لارجل معهن، أو امرأة بين رجال لا نساء معهم غسل النساء الرجل وغسل الرجال المرأة على ثوب كثيف. يصب الاء على جميع الجسد دون مباشرة اليد، ولا يجوز أن يعوض التيمم عن الغسل عند فقد الماء. (.)

[ 518 ]

غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الاذخر (1). (2) ما يستحب فيه: يستحب في الكفن ما يأتي: 1 - أن يكون حسنا، نظيفا، ساترا للبدن. لما رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه ". 2 - وأن يكون أبيض، لما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " البسوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم ". 3 - وأن يجمر، ويبخر، ويطيب، لما رواه أحمد والحاكم وصححه عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا ". وأوصى أبو سعيد وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: أن تجمر أكفانهم بالعود. 4 - أن يكون ثلاث لفائف للرجل، وخمس لفائف للمرأة، لما رواه الجماعة عن عائشة، قالت: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد ليس فيها قميص ولاعمامة. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. قال: وقال سفيان الثوري: يكفن الرجل في ثلاثة أثواب، إن شئت في قميص ولفافتين، وإن شئت في ثلاث لفائف. ويجزئ ثوب واحد إن لم يجدوا ثوبين. والثوبان يجزيان، والثلاثة لمن وجد أحب إليهم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق. وقالوا: تكفن المرأة في خمسة أثواب. (هامش) (1) الاذخر: حشيشة طيبة الرائحة، تسقف بها البيوت فوق الخشب. (.)

[ 519 ]

وعن أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم ناولها إزارا، ودرعا (1)، وخمارا (2) وثوبين (3). وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب. (3) تكفين المحرم: إذا مات المحرم غسل كما يغسل غيره ممن ليس محرما وكفن في ثياب إحرامه، ولا تغطى رأسه ولا يطيب لبقاء حكم الاحرام، لما رواه الجماعة عن ابن عباس قال: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفه إذ وقع عن راحلته فوقصته (4) فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه (5)، ولا تحنطوه (6) ولا تخمروا (7) رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا ". وذهبت الحنفية والمالكية إلى أن المحرم إذا مات انقطع إحرامه، وبانقطاع إحرامه يكفن كالحلال، فيخاط كفنه ويغطى رأسه ويطيب. وقالوا: إن قصة هذا الرجل واقعة عين لا عموم لها فتختص به، ولكن التعليل بأنه يبعث يوم القيامة ملبيا ظاهر أن هذا عام في كل محرم. والاصل أن ما ثبت لاحد الافراد من الاحكام يثبت لغيره، ما لم يقم دليل على التخصيص. (4) كراهة المغالاة في الكفن: ينبغي أن يكون الكفن حسنا دون مغالاة في ثمنه، أو أن يتكلف الانسان في ذلك ما ليس من عادته. قال الشافعي: إن عليا كرم الله وجهه قال: لاتغال لي في كفن، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لاتغالوا في الكفن فإنه يسلب (هامش) (1) الدرع: القميص. (2) الخمار: غطاء الرأس. (3) تلف فيهما. (4) وقصته: أي دقت عنقه. (5) - في ثوبيه: إزاره ورداءه. (6) تحنطوه: تطيبوه بالحنوط: وهو الطيب الذي يوضع الميت. (7) تخمروه: تستروه. (.)

[ 520 ]

سلبا سريعا ". رواه أبو داود وفي إسناده أبو مالك، وفيه مقال: وعن حذيفة، قال: لاتغالوا في الكفن، اشتروا لي ثوبين نقيين. وقال أبو بكر: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهم. قالت عائشة: إن هذا خلق (1). قال: إن الحي أولى بالجديد من الميت. إنما هو للمهلة (2). (5) الكفن من الحرير: لا يحل للرجل أن يكفن في الحرير ويحل للمرأة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرير والذهب: " إنهما حرام على ذكور، أمتي حل لاناثها ". وكره كثير من أهل العلم للمرأة أن تكفن في الحرير لما فيه من السرف، وإضاعة المال، والمغالاة المنهي عنها، وفرقوا بين كونه زينة لها في حياتها، وكونه كفنا لها بعد موتها. قال أحمد: لا يعجبني أن تكفن المرأة في شئ من الحرير. وكره ذلك الحسن وابن المبارك وإسحق. قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم. (6) الكفن من رأس المال: إذا مات الميت وترك مالا، فتكفينه من ماله، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، فإن لم يكن له من ينفق عليه، فكفنه من بيت مال المسلمين، وإلا فعلى المسلمين أنفسهم. والمرأة مثل الرجل في ذلك. وقال ابن حزم: وكفن المرأة وحفر قبرها من رأس مالها، ولا يلزم ذلك زوجها، لان أموال المسلمين محظورة إلا بنص قرآن أو سنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام "، وإنما أوجب الله تعالى على الزوج النفقة والكسوة والاسكان، ولا يسمى في اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها الكفن كسوة، ولا القبر إسكانا. (هامش) (1) الخلق: غير الجديد. (2) " المهلة " القيح السائل من الميت. (.)

[ 521 ]

الصلاة على الميت (1) حكمها: من المتفق عليه بين أئمة الفقه، أن الصلاة على الميت، فرض كفاية، لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، ولمحافظة المسلمين عليها. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل هل ترك لدينه فضلا؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى، وإلا، قال للمسلمين: " صلوا على صاحبكم ". (2) فضلها: 1 - روى الجماعة عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من تبع جنازة وصلى عليها، فله قيراط (1). ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد " أو (2) " أحدهما مثل أحد ". 2 - وروى مسلم عن خباب رضي الله عنه، قال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أحد. ومن صلى عليها ثم رجع (3) كان له مثل أحد. " فأرسل ابن عمر رضي الله عنهما خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة فقال ابن عمر رضي الله عنهما: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. (3) شروطها: صلاة الجنازة يتناولها لفظ الصلاة، فيشترط فيها الشروط التي تفر ض في سائر الصلوات المكتوبة من الطهارة الحقيقية والطهارة من الحدث الاكبر والاصغر واستقبال القبلة وستر العورة. (هامش) (1) القيراط 16 / 1 من الدرهم. وقيل في معناه: إن العمل يتجسم على قدر جرم الجبل المذكور تثقيلا للميزان. (2) أو: للشك. (3) في هذا دليل على أنه لا استئذان عند الانصراف من صاحب الجنازة. (.)

[ 522 ]

روى مالك عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول: لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر. وتختلف عن سائر الصلوات المفروضة، في أنه لا يشترط فيها الوقت، بل تؤدى في جميع الاوقات متى حضرت، ولو في أوقات النهي (1). عند الاحناف والشافعية. وكره أحمد وابن المبارك وإسحاق الصلاة على الجنازة وقت الطلوع والاستواء والغروب، إلا إن خيف عليها التغير. (4) أركانها: صلاة الجنازة لها أركان تتركب منها حقيقتها ولو ترك منها ركن بطلت ووقعت غير معتد بها شرعا، نذكرها فيما يلي: 1 - النية لقول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ". وتقدم حقيقة النية وأن محلها القلب وأن التلفظ بها غير مشروع. 2 - القيام للقادر عليه: وهو ركن عند جمهور العلماء، فلا تصح الصلاة على الميت لمن صلى عليه راكبا أو قاعدا من غير عذر. قال في المغني: لا يجوز أن يصلي على الجنائز وهو راكب لانه يفوت القيام الواجب، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأبي ثور: ولا أعلم فيه خلافا، ويستحب أن يقبض بيمينه على شماله أثناء القيام كما يفعل في الصلاة، وقيل: لا. والاول أولى. 3 - التكبيرات الاربع. لما رواه البخاري ومسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكبر أربعا. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وهو قول سفيان ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. رفع اليدين عند التكبير: والسنة عدم رفع اليدين في صلاة الجنازة، إلا في أول تكبيرة فقط، لانه (هامش) (1) يراجع " فقه السنة " بصدد " أوقات النهي ". (.)

[ 523 ]

لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع في شئ من تكبيرات الجنازة إلا في أول تكبيرة فقط. قال الشوكاني: بعد ذكر الخلاف ومناقشة أدلة كل: والحاصل أنه لم يثبت في غير التكبيرة الاولى شئ يصلح للاحتجاج به عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأفعال الصحابة وأقوالهم لاحجة فيها، فينبغي أن يقتصر على الرفع عند تكبيرة الاحرام لانه لم يشرع في غيرها، إلا عند الانتقال من ركن إلى ركن كما في سائر الصلوات، ولا انتقال في صلاة الجنازة. 4 و 5 - قراءة الفاتحة سرا والصلاة والسلام على الرسول (1)، لما رواه الشافعي في مسنده عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الامام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخلص الدعاء في الجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شئ منهن، ثم يسلم سرا في نفسه (2). قال في الفتح: وإسناده صحيح. وروى البخاري عن طلحة بن عبد الله قال: صليت مع ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: إنها من السنة. ورواه الترمذي وقال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم يختارون أن يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق. وقال بعضهم: لايقرأ في الصلاة على الجنازة، إنما هو الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، والدعاء للميت، وهو قول الثوري وغيره من أهل الكوفة. ومن حجج القائلين بفرضية القراءة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم سماها صلاة بقوله: " صلوا على صاحبكم "، وقال: " لاصلاة لمن لايقرأ بأم القرآن ". صيغة الصلاة والسلام على رسول الله وموضعها: وتؤدى الصلاة والسلام على رسول الله بأي صيغة، ولو قال اللهم صل (هامش) (1) مذهب أبي حنيفة ومالك أنها لها ركنين وسيأتي كلام الترمذي في ذلك. (2) رأي الجمهور أن القراءة والصلاة على النبي والدعاء والسلام يسن الاسرار بها إلا بالنسبة للامام فانه يسن له الجهر بالتكبير والتسليم للاعلام. (.)

[ 524 ]

على محمد، لكفى. واتباع المأثور أفضل مثل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كمال باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. ويؤتى بها بعد التكبيرة الثانية كما هو الظاهر، وإن لم يرد ما يدل على تعيين موضعها. 6 - الدعاء: وهو ركن باتفاق الفقهاء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ". رواه أبو داود والبيهقي وابن حبان وصححه. ويتحقق بأي دعاء مهما قل، والمستحب فيه أن يدعو بأية دعوة من الدعوات المأثورة الآتية: 1 - قال أبو هريرة: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة فقال: " اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للاسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء له، فاغفر له ذنبه ". 2 - وعن وائلة بن الاسقع قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين فسمعته يقول: " اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل (1) جوارك. فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق. اللهم فاغفر له وارحمه فإنك أنت الغفور الرحيم ". رواهما أحمد وأبو داود. 3 - عن عوف بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد صلى على جنازة - يقول: " اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار ". رواه مسلم. 4 - عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة (هامش) (1) الذمة: الحفظ، والحبل: العهد. (.)

[ 525 ]

فقال: " اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الاسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الايمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده ". رواه أحمد وأصحاب السنن. فإذا كان المصلى عليه طفلا استحب أن يقول المصلي: اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وذخرا. رواه البخاري والبيهقي من كلام الحسن. قال النووي: وإن كان صبيا أو صبية اقتصر على ما في حديث: " اللهم اغفر لحينا وميتنا.. الخ "، وضم اليه: " اللهم اجعله فرطا لابويه وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده، ولاتحرمهما أجره ". موضع هذه الادعية: قال الشوكاني: وأعلم أنه لم يرد تعيين موضع هذه الادعية فإذا شاء المصلي جاء بما يختار منها دفعة، إما بعد فراغه من التكبير أو بعد التكبيرة الاولى أو الثانية أو الثالثة، أو يفرقه بين كل تكبيرتين، أو يدعو بين كل تكبيرتين بواحد من هذه الادعية، ليكون مؤديا لجميع ما روي عنه صلى الله عليه وسلم. قال: والظاهر أنه يدعو بهذه الالفاظ الواردة في هذه الاحاديث، سواء كان الميت ذكرا، أو أنثى، ولا يحول الضمائر المذكرة إلى صيغة التأنيث، إذا كان الميت أنثى، لان مرجعها الميت، وهو يقال عن الذكر والانثى. (7) الدعاء بعد التكبيرة الرابعة: يستحب الدعاء بعد التكبيرة الرابعة، وإن كان المصلي دعا بعد التكبيرة الثالثة، لما رواه أحمد عن عبد الله بن أبي أوفى أنه ماتت له ابنة فكبر عليها أربعا، ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو. ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في الجنازة هكذا. وقال الشافعي: يقول بعدها: اللهم لا تحرمنا أجره، ولاتفتنا بعده. وقال ابن أبي هريرة: كان المتقدمون يقولون بعد الرابعة: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

[ 526 ]

(8) السلام: وهو متفق على فرضيته بين الفقهاء ما عدا أبا حنيفة القائل بأن التسليمتين يمينا وشمالا واجبتان وليستا ركنين، استدلوا على الفرضية بأن صلاة الجنازة صلاة، وتحليل الصلاة التسليم. وقال ابن مسعود: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. وأقله: السلام عليكم، أو سلام عليكم. وذهب أحمد إلى أن التسليمة الواحدة هي السنة، يسلمها عن يمينه، ولا بأس إن سلم تلقاء وجهه، استدلالا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبفعل الاصحاب الذين كانون يسلمون تسليمة واحدة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. واستحب الشافعي تسليمتين، يبدأ بالاولى ملتفتا إلى يمينه ويختم بالاخرى ملتفتا إلى يساره، قال ابن حزم: والتسليمة الثانية ذكر وفعل خير. كيفية الصلاة على الجنازة أن يقف المصلي بعد استكمال شروط الصلاة ناويا الصلاة على من حضر من الموتى رافعا يديه مع تكبيرة الاحرام، ثم يضع يده اليمنى على اليسرى ويشرع في قراءة الفاتحة، ثم يكبر و يصلي على النبي، ثم يكبر ويدعو للميت، ثم يكبر ويدعو، ثم يسلم. موقف الامام من الرجل والمرأة من السنة أن يقوم الامام حذاء رأس الرجل، ووسط المرأة لحديث أنس، أنه صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه فلما رفعت، أتي بجنازة امرأة، فصلى عليها فقام وسطها (1)، فسئل عن ذلك وقيل له: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه. قال الطحاوي وهذا أحب إلينا فقد قوته الآثار التي رويناها عن النبي صلى الله عليه وسلم. (هامش) (1) روي أنه كان يقوم عند عجيزتها ولا منافاة بين الروايتين لان العجيزة يصدق عليه أنها وسط. (.)

[ 527 ]

الصلاة على أكثر من واحد إذا اجتمع أكثر من ميت وكانوا ذكورا أو إناثا صفوا واحدا بعد واحد بين الامام والقبلة ليكونوا جميعا بين يدي الامام ووضع الافضل مما يلي الامام، وصلى عليهم جميعا صلاة واحدة. وإن كانوا رجالا ونساء جاز أن يصلي على الرجال وحدهم والنساء وحدهن، وجاز أن يصلي عليهم جميعا، وصفت الرجال أمام الامام، وجعلت النساء مما يلي القبلة. وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الامام، وجعل النساء مما يلي القبلة، وصفهم صفا واحدا. ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر، وابن لها - يقال له زيد - والامام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس يومئذ ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة. فوضع الغلام مما يلي الامام قال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة، وأبي سعيد وأبي قتادة. فقلت: ما هذا؟. قالوا: هي السنة. رواه النسائي والبيهقي. قال الحافظ: وإسناده صحيح. وفي الحديث: أن الصبي إذا صلي عليه مع امرأة كان الصبي مما يلي الامام، والمرأة مما يلي القبلة. وإن كان فيه رجال ونساء وصبيان كان الصبيان مما يلي الرجال. استحباب الصفوف الثلاثة وتسويتها يستحب أن يصف المصلون على الجنازة ثلاثة صفوف (1) وأن تكون مستوية، لما رواه مالك بن هبيرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مؤمن يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له " فكان مالك ابن هبيرة يتحرى إذا قل أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه. (هامش) (1) أقل صف اثنان. (.)

[ 528 ]

قال أحمد: أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة صفوف. قالوا: فإن كان وراءه أربعة كيف يجعلهم؟ قال: يجعلهم صفين، في كل صف رجلين، وكره أن يكونوا ثلاثة فيكون في صف رجل واحد. استحباب الجمع الكثير ويستحب تكثير جماعة الجنازة لما جاء عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة. كلهم يشفعون (1) له إلا شفعوا " (2) رواه أحمد ومسلم والترمذي. وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه. " رواه أحمد ومسلم وأبو داود. المسبوق في صلاة الجنازة من سبق في صلاة الجنازة بشئ من التكبير استحب له أن يقضيه متتابعا فإن لم يقض فلا بأس. وقال ابن عمر والحسن وأيوب السختياني والاوزاعي: لا يقضي ما فات من تكبير الجنازة، ويسلم مع الامام. وقال أحمد: إذا لم يقض لم يبال. ورجح صاحب المغني هذا المذهب فقال: ولنا قول ابن عمر، ولم يعرف له في الصحابة مخالف. وقد روي عن عائشة أنها قالت: " يا رسول الله إني أصلي على الجنازة ويخفى علي بعض التكبير. قال: " ما سمعت فكبري، وما فاتك فلا قضاء عليك " وهذا صريح. ولانها تكبيرات متواليات فلا يجب ما فاته منها كتكبيرات العيدين. من يصلى عليهم ومن لا يصلى عليهم اتفق الفقهاء على أن يصلى على المسلم ذكرا كان أم أنثى، صغيرا كان أم كبيرا قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته (هامش) (1) يخلصون له الدعاء ويسألون له المغفرة. (2) قبلت شفاعتهم. (.)

[ 529 ]

واستهل يصل عليه (1). فعن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها، والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة " رواه أحمد وأبو داود. وقال فيه: " والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها ويسارها قريبا منها. " وفي رواية: " الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه " رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. الصلاة على السقط (2) السقط إذا لم يأت عليه أربعة أشهر فإنه لا يغسل. ولا يصلى عليه، ويلف في خرقة، ويدفن من غير خلاف بين جمهور الفقهاء. فإن أتى عليه أربعة أشهر فصاعدا واستهل غسل وصلي عليه باتفاق. فإذا لم يستهل فإنه لا يصلى عليه عند الاحناف ومالك والاوزاعي والحسن، لما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه والبيهقي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا استهل السقط صلي عليه وورث " ففي الحديث اشتراط الاستهلال في الصلاة عليه. وذهب أحمد وسعيد وابن سيرين وإسحاق إلى أنه يغسل ويصلى عليه للحديث المتقدم. وفيه: " والسقط يصلى عليه " ولانه نسمة نفخ فيه الروح، فيصلى عليه كالمستهل. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ينفخ فيه الروح لاربعة أشهر، وأجابوا عما استدل به الاولون بأن الحديث مضطرب. وبأنه معارض بما هو أقوى منه، فلا يصلح للاحتجاج به. الصلاة على الشهيد الشهيد هو الذي قتل في المعركة بأيدي الكفار. وقد جاءت الاحاديث الصحيحة المصرحة بأنه لا يصلى عليه. 1 - روى البخاري عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن (هامش) (1) الاستهلال: الصياح أو العطاس أو حركة يعلم بها حياة الطفل. (2) السقط: الولد ينزل من بطن أمه قبل مدة الحمل وبعد تبين خلقه. (.)

[ 530 ]

شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلهم ولم يصل عليهم. 2 - وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن أنس: أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم. وجاءت أحاديث أخرى صحيحة مصرحة بأنه يصلى عليه: 1 - روى البخاري عن عقبة بن عامر، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين كالمودع للاحياء والاموات. 2 - وعن أبي مالك الغفاري قال: كان قتلى أحد يؤتى منهم بتسعة وعاشرهم حمزة، فيصلي عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يحملون، ثم يؤتى بتسعة فيصلي عليهم، وحمزة مكانه حتى صلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البيهقي وقال: هو أصح ما في الباب. وهو مرسل. وقد اختلفت آراء الفقهاء تبعا لاختلاف هذه الاحاديث، فأخذ بعضهم بها جميعا، ورجح بعضهم بعض الروايات على بعض. فممن ذهب مذهب الاخذ بها كلها " ابن حزم " فجوز الفعل والترك قال: فإن صلي عليه فحسن. وإن لم يصل عليه فحسن. وهو إحدى الروايات عن أحمد، واستصوب هذا الرأي ابن القيم فقال: والصواب في المسألة انه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجئ الآثار بكل واحد من الامرين، وهذه إحدى الروايات عن أحمد، وهو الاليق بأصول مذهبه. قال: والذي يظهر من أمر شهداء أحد: أنه لم يصل عليهم عند الدفن. وقد قتل معه بأحد سبعون نفسا، فلا يجوز أن تخفى الصلاة عليهم. وحديث جابر بن عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ. فله من الخبرة ما ليس لغيره، ويرجح أبو حنيفة والثوري والحسن وابن المسيب روايات الفعل. فقالوا بوجوب الصلاة على الشهيد. ورجح مالك والشافعي وإسحاق وإحدى الروايات عن أحمد العكس وقالوا بأنه لا يصلى عليه. قال الشافعي في " الام " مرجحا ما ذهب إليه: جاءت الاخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد، وما روي أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة

[ 531 ]

لا يصح، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الاحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه. قال: وأما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث: أن ذلك كان بعد ثمان ستين. قال: وكأنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم واستغفر لهم حين علم قرب أجله مودعا لهم، بذلك، ولا يدل على نسخ الحكم الثابت. من جرح في المعركة وعاش حياة مستقرة من جرح في المعركة وعاش حياة مستقرة ثم مات، يغسل ويصلى عليه. وإن كان يعتبر شهيدا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم غسل سعد بن معاذ، وصلى عليه بعد أن مات بسبب إصابته بسهم قطع أكحله (1) فحمل إلى المسجد فلبث فيه أياما ثم انفتح جرحه فمات شهيدا رحمه الله. فإن عاش عيشة غير مستقرة فتكلم أو شرب ثم مات، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه. قال في المغني. وفي فتوح الشام: إن رجلا قال: أخذت ماء لعلي أسقي به ابن عمي إن وجدت به حياة. فوجدت الحارث بن هشام. فأردت أن أسقيه. فإذا رجل ينظر إليه، فأومأ لي أن أسقيه، فذهبت إليه لاسقيه، فإذا رجل ينظر إليه، فأومأ لي أن أسقيه، فذهبت إليه لاسقيه، فإذا آخر ينظر إليه. فأومأ لي أن أسقيه حتى ماتوا كلهم. ولم يفرد أحد منهم بغسل ولا صلاة، وقد ماتوا بعد انقضاء الحرب. الصلاة على من قتل في حد من قتل في حد غسل وصلي عليه، لما رواه البخاري عن جابر: أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا، فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال: " أبك جنون؟ " قال: لا. قال: " أحصنت (2)؟ " قال: نعم. فأمر به فرجم بالمصلى (3) فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات. فقال له - أي عنه - النبي صلى الله عليه وسلم خيرا (هامش) (1) الاكحل: عرق في اليد. (2) أحصنت: أي تزوجت. (3) المصلى: المكان الذي كان يصلى فيه العيد. (.)

[ 532 ]

وصلى عليه. وقال أحمد: ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقاتل نفسه. الصلاة على الغال وقاتل نفسه وسائر العصاة ذهب جمهور العلماء إلى أنه يصلى على الغال (1) وقاتل نفسه وسائر العصاة قال النووي: قال القاضي " مذهب العلماء كافة: الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا " وما روي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على الغال وقاتل نفسه. فلعله للزجر عن هذا الفعل كما امتنع عن الصلاة على المدين وأمرهم بالصلاة عليه. قال ابن حزم: ويصلى على كل مسلم، بر، أو فاجر، مقتول في حد أو حرابة أو في بغي، ويصلي عليهم الامام وغيره، وكذلك على المبتدع ما لم يبلغ الكفر وعلى من قتل نفسه وعلى من قتل غيره. ولو أنه شر من على ظهر الارض، إذا مات مسلما، لعموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " صلوا على صاحبكم " والمسلم صاحب لنا، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) وقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض) فمن منع الصلاة على مسلم، فقد قال قولا عظيما، وإن الفاسق لاحوج إلى دعاء إخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم!! وصح أن رجلا مات بخيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلوا على صاحبكم إنه قد غل في سبيل الله " قال: ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا لا يساوي درهمين. وصح عن عطاء أنه يصلى على ولد الزنا، وعلى أمه، وعلى المتلاعنين، وعلى الذي يقاد منه (2)، وعلى المرجوم، وعلى الذي يفر من الزحف فيقتل. قال عطاء: لا أدع الصلاة على من قال: " لا إله إلا الله " قال تعالى: (من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم). وصح عن إبراهيم النخعي أنه قال: لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد (هامش) (1) الغال: الذي سرق من الغنيمة قبل القسمة. (2) يقاد منه: أي يقتص منه. (.)

[ 533 ]

من أهل القبلة، والذي قتل نفسه يصلى عليه، وأنه قال: السنة أن يصلى على المرجوم. وصح عن قتادة أنه قال: ما أعلم أحدا من أهل العلم اجتنب الصلاة عمن قال " لا إله إلا الله "، وصح عن ابن سيرين: ما أدركت أحدا يتأثم من الصلاة على أحد من أهل القبلة. وعن أبي غالب: قلت لابي أمامة الباهلي: الرجل يشرب الخمر، أيصلى عليه؟ قال: نعم. لعله اضطجع مرة على فراش فقال " لا إله إلا الله " فغفر له. وصح عن الحسن أنه قال: يصلى على من قال: " لا إلا إلا الله " وصلى إلى القبلة. إنما هي شفاعة. الصلاة على الكافر لا يجوز لمسلم أن يصلي على كافر، لقول الله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله) وقال: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه). وكذلك لا يصلى على أطفالهم لان لهم حكم آبائهم إلا من حكمنا بإسلامه بأن يسلم أحد أبويه أو يموت أو يسبى منفردا من أبويه أو من أحدهما. فإنه يصلى عليه. الصلاة على القبر تجوز الصلاة على الميت بعد الدفن في أي وقت، ولو صلي عليه قبل دفنه، وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين. وعن زيد بن ثابت قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه؟ فقيل: فلانة، فعرفها، فقال: " ألا آذنتموني (1) بها؟ " قالوا: يارسول الله، كنت قائلا (2) صائما، فكرهنا أن (هامش) (1) آذنتموني: أي أعلمتموني. في هذا دليل على جواز إعادة الصلاة على الميت لمن فاتته الصلاة عليه. (2) قائلا: من القيلولة وهو النوم وقت الظهيرة. (.)

[ 534 ]

نؤذيك. فقال: " لا تفعلوا، لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي عليه رحمة. " ثم أتى القبر فصفنا خلفه وكبر عليه أربعا. رواه أحمد والنسائي والبيهقي والحاكم وابن حبان وصححاه. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق، وفي الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على القبر بعد ما صلى عليها أصحابه قبل الدفن، لانهم ما كانوا ليدفنوها قبل الصلاة عليها. وفي صلاة الاصحاب معه على القبر ما يدل على أن ذلك ليس خاصا به صلوات الله عليه. قال ابن القيم: ردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها " وهذا حديث صحيح، والذي قاله هو الذي صلى على القبر فهذا قوله وهذا فعله، ولا يناقض أحدهما الاخر، فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر، فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان، بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه، فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه، فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين، ولا فرق بين كونه على النعش، وعلى الارض وبين كونه في بطنها بخلاف سائر الصلوات، فإنها لم تشرع في القبور، ولا إليها لانها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك، فأين ما لعن فاعله وحذر منه؟ وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد " إلى ما فعله صلى الله عليه وسلم مرارا متكررة. الصلاة على الغائب تجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر، سواء أكان البلد قريبا أم بعيدا، فيستقبل المصلي القبلة، وإن لم يكن البلد الذي به الغائب جهة القبلة، ينوي الصلاة عليه، ويكبر ويفعل مثل ما يفعل في الصلاة على الحاضر، لما رواه الجماعة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف أصحابه وكبر أربع تكبيرات

[ 535 ]

قال ابن حزم: ويصلى على الميت الغائب بإمام وجماعة، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على " النجاشي " رضي الله عنه، ومات بأرض الحبشة، وصلى معه أصحابه صفوفا، وهذا إجماع منهم لا يجوز تعديه. وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك، وليس لهما حجة يمكن أن يعتد بها. الصلاة على الميت في المسجد لا بأس بالصلاة على الميت في المسجد، إذا لم يخش تلويثه، لما رواه مسلم عن عائشة قالت: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد. وصلى الصحابة على أبي بكر وعمر في المسجد بدون إنكار من أحد لانها صلاة كسائر الصلوات. وأما كراهة ذلك عند مالك وأبي حنيفة استدلالا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ له (1) " فهي معارضة بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه من جهة، ولضعف الحديث من جهة أخرى. قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف، تفرد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف. وصحح العلماء هذا الحديث فقالوا: إن الذي في النسخ الصحيحة المشهورة من سنن أبي داود يلفظ: " فلا شئ عليه " أي من الوزر. قال ابن القيم: ولم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الراتب الصلاة على الميت في المسجد. وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، إلا لعذر، وربما صلى أحيانا على الميت كما صلى على ابن بيضاء، وكلا الامرين جائز، والافضل الصلاة عليها خارج المسجد. الصلاة على الجنازة وسط القبور كره الجمهور الصلاة على الجنازة في المقبرة بين القبور. روي ذلك عن علي وعبد الله بن عمرو وابن عباس. وإليه ذهب عطاء والنخعي والشافعي وإسحق وابن المنذر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الارض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام ". (هامش) (1) أي لا شئ له من الثواب. (.)

[ 536 ]

وفي رواية لاحمد: أنه لا بأس بها، لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر وهو في المقبرة. وصلى أبو هريرة على عائشة وسط قبور البقيع. وحضر ذلك ابن عمر وفعله عمر بن عبد العزيز. جواز صلاة النساء على الجنازة يجوز للمرأة أن تصلي على الجنازة مثل الرجل، سواء أصلت منفردة أو صلت مع الجماعة: فقد انتظر عمر أم عبد الله حتى صلت على عتبة. وأمرت عائشة أن يؤتى بسعد بن أبي وقاص لتصلي عليه. وقال النووي: وينبغي أن تسن لهن الجماعة كما في غيرها، وبه قال الحسن بن صالح وسفيان الثوري وأحمد والاحناف، وقال مالك: يصلين فرادى. أولى الناس بالصلاة على الميت اختلف الفقهاء فيمن هو أولى وأحق بالامامة في صلاة الجنازة. فقيل: أحق الناس الوصي، ثم الامير، ثم الاب وإن علا، ثم الابن وإن سفل، ثم أقرب العصبة، وإلى هذا ذهبت المالكية والحنابلة، وقيل: الاولى الاب، ثم الجد، ثم ابن ثم ابن الابن، ثم الاخ، ثم ابن الاخ، ثم العم، ثم ابن العم على ترتيب العصبات. وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف. ومذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن أن الاولى: الوالي إن حضر، ثم القاضي، ثم إمام الجهة، ثم ولي المرأة الميت، ثم الاقرب فالاقرب على ترتيب العصبة، إلا الاب فإنه يقدم على الابن إذا اجتمعا. حمل الجنازة والسير بها يشرع في حمل الجنازة والسير بها أمور نذكرها فيما يلي: 1 - يشرع تشييع الجنازة وحملها، والسنة أن يدور على النعش، حتى يدور على جميع الجوانب. روى ابن ماجة والبيهقي وأبو داود الطيالسي عن ابن مسعود. قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من

[ 537 ]

السنة (1) ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع. وعن أبي سعيد: أن النبي قال: " عودوا المريض، وامشوا مع الجنازة تذكركم الاخرة " رواه أحمد ورجاله ثقات. 2 - الاسراع بها، لما رواه الجماعة عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ". وروى أحمد والنسائي وغيرهما عن أبي بكرة قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا (2). وروى البخاري في التاريخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرع حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ. قال في الفتح: والحاصل أنه يستحب الاسراع بها، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة الميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا يتنافى المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم. وقال القرطبي: مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن. لان التباطؤ ربما أدى إلى التباهي والاختيال. 3 - المشي أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو شمالها قريبا منها، وقد اختلف العلماء في أيهما. فاختار الجمهور وأكثر هل العلم المشي أمامها وقالوا: إنه الافضل، لان الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمامها. رواه أحمد وأصحاب السنن. ويرى الاحناف أن الافضل للمشيع أن يمشي خلفها، لان ذلك هو المفهوم من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنازة، والمتبع هو الذي يمشي خلف. ويرى أنس بن مالك أن ذلك كله سواء. لما تقدم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها ". والظاهر ان الكل واسع، وأنه من الخلاف المباح الذي ينبغي التساهل فيه. فعن عبد الرحمن بن أبزى: أن أبا بكر وعمر كانا يمشيان أمام الجنازة وكان (هامش) (1) قول الصحابي: من السنة كذا يعطي حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. (2) الرمل: المشي السريع مع هز الكتفين. (.)

[ 538 ]

علي يمشي خلفها، فقيل لعلي: إنهما يمشيان أمامها. فقال: إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا، ولكنهما سهلان يسهلان للناس. رواه البيهقي وابن أبي شيبة. قال الحافظ: وسنده حسن. وأما الركوب عند تشييع الجنازة فقد كرهه الجمهور إلا لعذر، وأجازوه بعد الانصراف بدون كراهة. لحديث ثوبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: " إن الملائكة كانت تمشي، فلم أكن لاركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت " رواه أبو داود والبيهقي والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس. رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. ولا يعارض القول بالكراهة ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم " الراكب يمشي خلفها " فإنه يمكن أن يكون لبيان الجواز مع الكراهة. ويرى الاحناف أنه لا بأس بالركوب، وإن كان الافضل المشي إلا من عذر، والسنة للراكب أن يكون خلف الجنازة للحديث المتقدم. قال الخطابي في الراكب: لا أعلمهم اختلفوا في أنه يكون خلفها. ما يكره مع الجنازة يكره في الجنازة الاتيان بفعل من الافعال الاتية: 1 - رفع الصوت بذكر أو قراءة أو غير ذلك. قال ابن المنذر: روينا عن قيس بن عباد أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال. وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والنخعي وأحمد وإسحاق قول القائل خلف الجنازة: استغفروا له. قال الاوزاعي: بدعة. قال فضيل بن عمرو: بينا ابن عمر في جنازة إذ سمع قائلا يقول: استغفروا له غفر الله له. فقال ابن عمر: لا غفر الله لك. وقال النووي: واعلم ان الصواب ما كان عليه السلف من السكوت حال

[ 539 ]

السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة، ولا ذكر ولا غيرهما، لانه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال. فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة ما يخالفه، وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام بالاجماع. وللشيخ محمد عبده فتوى في رفع الصوت بالذكر قال فيها: وأما الذكر جهرا أمام الجنازة ففي " الفتح " في باب الجنائز يكره للماشي أمام الجنازة رفع الصوت بالذكر، فإن أراد أن يذكر الله فليذكره في نفسه. وهذا أمر محدث لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعين ولا تابعيهم، فهو مما يلزم منعه. 2 - أن تتبع بنار، لان ذلك من أفعال الجاهلية. قال ابن المنذر: يكره ذلك كل من يحفظ عنه من أهل العلم. قال البيهقي: وفي وصية عائشة وعبادة بن الصامت وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم: أن لا تتبعوني بنار. وروى ابن ماجه: أن أبا موسى الاشعري حين حضره الموت قال: لا تتبعوني بمجمر (1). قالوا: أو سمعت فيه شيئا؟ قال: نعم من رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). فإن كان الدفن ليلا واحتاجوا إلى ضوء فلا بأس به، وقد روى الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج. وقال: حديث ابن عباس حديث حسن. 3 - قعود المتبع لها قبل أن توضع على الارض. قال البخاري: من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال. فإن قعد أمر بالقيام. ثم روى عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا. فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع ". وروى عن سعيد المقبري عن أبيه قال: كنا في جنازة. فأخذ أبو هريرة رضي الله عنه بيد مروان فجلسا قبل أن توضع، فجاء أبو سعيد رضي الله عنه فأخذ بيد مروان (هامش) (1) المجمر: على وزن متبر: ما يوضع فيه الجمر والبخور. (2) في اسناده أبو حريز مولى معاوية وهو مجهول. (.)

[ 540 ]

فقال: قم. فوالله لقد علم هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك، فقال أبو هريرة: صدق. رواه الحاكم. وزاد: أن مروان لما قال له أبو سعيد: قم، قام. ثم قال له: لم أقمتني؟ فذكر له الحديث. فقال لابي هريرة: فما منعك أن تخبرني؟ فقال: كنت إماما فجلست فجلست. وهذا مذهب أكثر الصحابة والتابعين والاحناف والحنابلة والاوزاعي وإسحاق. وقالت الشافعية: لا يكره الجلوس لمشيعها قبل وضعها على الارض. واتفقوا على أن من تقدم الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه. قال الترمذي: روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم كانوا يتقدمون الجنازة ويقعدون قبل أن تنتهي إليهم، وهو قول الشافعي. فإذا جاءت وهو جالس لم يقم لها. وعن أحمد قال: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس. 4 - القيام لها عندما تمر: لما رواه أحمد عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ. قال: شهدت جنازة في بني سلمة، فقمت فقال لي نافع بن جبير: اجلس فإني سأخبرك في هذا بثبت (1). حدثني مسعود بن الحاكم الزرقي أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة. ثم جلس بعد ذلك: وأمرنا بالجلوس. ورواه مسلم بلفظ: رأينا النبي صلى الله عليه وسلم قام فقمنا، فقعد فقعدنا. يعني في الجنازة، قال الترمذي: حديث علي حسن صحيح وفيه أربعة من التابعين بعضهم عن بعض، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. قال الشافعي: وهذا أصح شئ في هذا الباب. وهذا الحديث ناسخ للحديث الاول: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا ". وقال أحمد: إن شاء قام وإن شاء لم يقم، واحتج بان النبي صلى الله عليه وسلم قد روي عنه أنه قام ثم قعد. وهكذا قال إسحق بن إبراهيم. ووافق أحمد وإسحق ابن حبيب وابن الماجشون من المالكية. قال النووي: والمختار: إن القيام مستحب، وبه قال المتولي وصاحب المذهب. (هامش) (1) ثبت: حجة. (.)

[ 541 ]

قال ابن حزم: ويستحب القيام للجنازة إذا رآها المرء. وإن كانت جنازة كافر حتى توضع أو تخلفه، فإن لم يقم فلا حرج. استدل القائلون بالاستحباب بما رواه الجماعة عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع " ولاحمد: وكان ابن عمر إذا رأى جنازة قام حتى تجاوزه. وروى البخاري ومسلم عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد أنهما كانا قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما. فقيل لهما: إنها من أهل الارض - أي من أهل الذمة - فقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي. فقال: " أو ليست نفسا ". وللبخاري عن أبي ليلى قال: كان ابن مسعود وقيس يقومان للجنازة. والحكمة في القيام، ما جاء في رواية أحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا " إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس "، ولفظ ابن حبان " إعظاما لله تعالى الذي يقبض الارواح ". وجملة القول: إن العلماء اختلفوا في هذه المسألة فمنهم من ذهب إلى القول بكراهة القيام للجنازة، ومنهم من ذهب إلى استحبابه، ومنهم من رأى التخيير بين الفعل والترك، ولكل حجته ودليله. والمكلف إزاء هذه الاراء له أن يتخير منها ما يطمئن له قلبه. والله أعلم. 5 - اتباع النساء لها: لحديث أم عطية قالت: نهينا أن نتبع الجنائز، ولم يعزم (1) علينا. رواه أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه. وعن عبد الله ابن عمرو قال: بينما نحن نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ بصر بامرأة (هامش) (1) أي لم يوجب علينا. قال الحافظ في الفتح: " ولم يعزم علينا " أي لم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. وقال القرطبي: ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم، ومال مالك إلى الجواز، وهو قول أهل المدينة، ويدل على الجواز ما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جنازة، ورأى عمر امرأة فصاح بها، فقال: " دعها يا عمر.. " الحديث: وأخرجه ابن ماجه والنسائي من هذا الوجه ومن طريق أخرى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الازرق عن أبي هريرة. ورجاله ثقات. وقال المهلب: في حديث أم عطية دلالة على أن النهي من الشارع على درجات. ا. ه‍. (.)

[ 542 ]

لا نظن أنه عرفها، فلما توجهنا إلى الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة رضي الله عنها. فقال: " ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ " قالت: أتيت أهل هذا البيت، فرحمت إليهم ميتهم، وعزيتهم. فقال: " لعلك بلغت معهم الكدى (1)؟ " قالت: معاذ الله أن أكون قد بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر. قال: لو بلغتها ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك " رواه أحمد والحاكم والنسائي والبيهقي، وقد طعن العلماء في هذا الحديث وقالوا إنه غير صحيح لان في سنده ربيعة بن سيف وهو ضعيف الحديث، عنده مناكير. وروى ابن ماجه والحاكم عن محمد بن الحنفية عن علي رضى الله عنه. قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا نسوة جلوس، فقال: " ما يجلسكن؟ " قلن: ننتظر الجنازة قال: " هل تغلسن؟ " قلن: لا. قال: " هل تحملن؟ " قلن: لا. قال: " هل تدلين (2) فيمن يدلي؟ " قلن: لا. قال: " فارجعن مأزورات (3) غير مأجورات ". وفي إسناده دينار بن عمر، قال أبو حاتم: ليس بالمشهور. وقال الازدي: متروك. وقال الخليلي في الارشاد: كذاب. وهذا مذهب ابن مسعود وابن عمر وأبو أمامة وعائشة ومسروق والحسن والنخعي والاوزاعي وإسحاق والحنفية والشافعية والحنابلة. وعند مالك: أنه لا يكره خروج عجوز لجنازة مطلقا، ولا خروج شابة في جنازة من عظمت مصيبته عليها بشرط أن تكون مستترة ولا يترتب على خروجها فتنة. ويرى ابن حزم أن ما استدل به الجمهور غير صحيح، وأنه يصح للنساء اتباع الجنازة. فيقول: ولا نكره اتباع النساء الجنازة، ولا نمنعهن من ذلك. جاءت في النهي عن ذلك آثار ليس شئ منها يصح، لانها إما مرسلة، وإما عن مجهول. وإما عمن لا يحتج به. ثم ذكر حديث أم عطية المتقدم وقال فيه: لو صح مسندا لم يكن فيه حجة، بل كان يكون كراهة فقط، بل قد صح خلافه كما روينا من طريق (هامش) (1) الكدى: القبور. (2) تنزلن الميت في القبر. (3) مأزورات: آثمات. (.)

[ 543 ]

شعبة: عن وكيع عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو ابن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جنازة، فرأى عمر امرأة، فصاح بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعها يا عمر. فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب (1) ". قال: وقد صح عن ابن عباس أنه لم يكره ذلك. ترك الجنازة من أجل المنكر قال صاحب المغني: فإن كان مع الجنازة منكر يراه أو يسمعه، فإن قدر على إنكاره وإزالته أزاله، وإن لم يقدر على إزالته ففيه وجهان: أحدهما ينكره ويتبعها فيسقط فرضه بالانكارو لا يترك حقا لبالطل. والثاني يرجع لانه يؤدي إلى استماع محظور ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك. الدفن (1) حكمه: أجمع المسلمون على أن دفن الميت ومواراة بدنه فرض كفاية، قال الله تعالى: (ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا). يرى جمهور العلماء أن الدفن بالليل كالدفن بالنهار سواء بسواء. فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر ليلا، ودفن علي فاطمة رضي الله عنها ليلا، وكذلك دفن أبو بكر وعثمان وعائشة وابن مسعود. وعن ابن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلا فأسرج له بسراج فأخذه من قبل القبلة وقال: " رحمك الله. إن كنت لاواها تلاء للقرآن " وكبر عليه أربعا. رواه الترمذي وقال: حديث حسن قال: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل. وإنما يجوز ذلك إذا كان لا يفوت بالدفن ليلا شئ من حقوق الميت (هامش) (1) إسناد هذا الحديث صحيح. (.)

[ 544 ]

والصلاة عليه. فإذا كان يفوت به حقوقه والصلاة عليه وتمام القيام بأمره، فقد نهى الشارع عن الدفن بالليل وكرهه، روى مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل ودفن ليلا، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. وروى ابن ماجه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا ". (3) الدفن وقت الطلوع والاستواء والغروب: اتفق العلماء على أنه إذا خيف تغير الميت فإنه يدفن في هذه الاوقات الثلاثة بدون كراهة. أما إذا لم يخش عليه من التغير، فإنه يجوز دفنه في هذه الاوقات عند الجمهور ما لم يتعمددفنه فيها فإنه حينئذ يكون مكروها، لما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عقبة قال: " ثلاث ساعات كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيها أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف (1) الشمس للغروب حتى تغرب ". وقالت الحنابلة يكره الدفن في هذه الاوقات مطلقا للحديث المذكور. (4) استحباب إعماق القبر: القصد من الدفن أن يوارى الميت في حفرة تحجب رائحته، وتمنع السباع والطيور عنه، وعلى أي وجه تحقق هذا المقصود تأدى به الفرض وتم به الواجب، إلا أنه ينبغي تعميق القبر قدر قامة، لما رواه النسائي والترمذي وصححه عن هشام بن عامر. قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد. فقلنا: يا رسول الله، الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد " فقالوا: فمن نقدم يا رسول الله؟ قال: " قدموا أكثرهم قرآنا " وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد.. (هامش) (1) تضيف: تميل وتجنح. (.)

[ 545 ]

وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر أنه قال: أعمقوا إلى قدر قامة وبسطة. وعند أبي حنيفة وأحمد يعمق قدر نصف القامة. وإن زاد فحسن. (5) تفضيل اللحد على الشق: اللحد هو الشق في جانب القبر جهة القبلة، ينصب عليه اللبن (1) فيكون كالبيت المسقف. والشق حفرة في وسط القبر تبنى جوانبها باللبن يوضع فيه الميت ويسقف عليه بشئ، وكلاهما جائز، إلا أن اللحد أولى، لما رواه أحمد وابن ماجه عن أنس قال: " لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل يلحد، وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيما سبق تركناه، فأرسلوا إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا له ". وهذا يدل على الجواز. أما ما يدل على أولوية اللحد، فما رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللحد لنا، والشق لغيرنا ". (6) صفة إدخال الميت القبر: من السنة في إدخال الميت القبران يدخل من مؤخره إذا تيسر، لما رواه أبو داود وابن أبي شيبة والبيهقي من حديث عبد الله بن زيد: أنه أدخل ميتا من قبل رجليه القبر وقال: هذا من السنة. فان لم يتسر فكيفما أمكن. قال ابن حزم: ويدخل الميت القبر كيف أمكن، إما من القبلة، وامامن دبر القبلة، واما من قبل رأسه. واما من قبل رجليه، إذ لانص في شئ من ذلك. (7) استحباب توجيه الميت في قبره الى القبلة والدعاء له وحل أربطة الكفن: السنة التي جرى عليها العلم، ان يجعل الميت في قبره على جنبه الايمن ووجهه تجاه القبلة. ويقول واضعه: " بسم الله وعلى ملة رسول الله، أو وعلى سنة رسول الله " ويحل أربطة الكفن. فعن ابن عمر - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان إذا وضع الميت في القبر، قال: " بسم الله وعلى ملة رسول الله، أو، وعلى سنة رسول الله " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، (هامش) (1) اللبن: الطوب النئ. (.)

[ 546 ]

ورواه النسائي مسندا وموقوفا. (8) كراهة الثوب في القبر: كره جمهور الفقهاء وضع ثوب أو وسادة أو نحو ذلك للميت في القبر. ويرى ابن حزم أنه لا بأس ببسط ثوب في القبر تحت الميت، لما رواه مسلم عن ابن عباس، قال: بسط في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء، قال وقد ترك الله هذا العمل في دفن رسوله المعصوم من الناس ولم يمنع منه، وفعله خيرة أهل الارض في ذلك الوقت باجماع منهم، لم ينكره احد منهم. واستحب العلماء أن يوسد رأس الميت بلبنة أو حجر أو تراب، ويفضى بخده الايمن إلى اللبنة ونحوها، بعد ان ينحى الكفن عن خده، ويوضع على التراب، قال عمر: إذا انزلتموني الى اللحد فأفضوا بخدي الى التراب. واوصى الضحاك ان تحل عنه العقد ويبرز خده من الكفن، واستحبوا ان يوضع شئ خلفه من لبن أو تراب يسنده، لا يستلقى على قفاه. واستحب أبو حنيفة ومالك واحمد، أن يمد ثوب على المرأة عند إدخالها في القبر دون الرجل، واستحب الشافعية ذلك في الرجل والمرأة على السواء. (9) استحباب ثلاث حثيات على القبر: ويستحب أن يحثو من شهد الدفن ثلاث حثيات بيديه على القبر من جهة رأس الميت، لما رواه ابن ماجه: " ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا " واستحب الائمة الثلاثة أن يقول في الحثية الاولى: " منها خلقناكم " وفي الثانية: " وفيها نعيدكم " وفي الثالثة: " ومنها نخرجكم تارة أخرى " لما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لما وضعت أم كلثوم بنته في القبر. وقال أحمد: لا يطلب قراءة شئ عند حثو التراب لضعف الحديث. (10) استحباب الدعاء للميت بعد الفراغ من الدفن: يستحب الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه وسؤال التثبيت له، لانه يسأل في هذه الحالة. فعن عثمان قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: " استغفر والاخيكم وسلواله التثبيت فانه الآن يسأل " رواه أبو داود والحاكم وصححه، والبزار وقال: لا يروى عن النبي صلى الله

[ 547 ]

عليه وسلم إلا من هذا الوجه. وروى رزين عن علي: أنه كان إذا فرغ من دفن الميت قال: اللهم هذا عبدك نزل بك واتت خير منزول به فاغفر له ووسع مدخله. واستحب ابن عمر قراءة أول سورة البقرة و خاتمتها على القبر بعد الدفن. رواه البيهقي بسند حسن. (11) حكم التلقين بعد الدفن: استحب بعض أهل العلم والشافعي ان يلقن الميت (1) بعد الدفن، لما رواه سعيد بن منصور عن راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحكيم بن عمير (2) قالوا: إذا سوي على الميت قبره، وانصرف الناس عنه كانوا يستحبون ان يقال للميت عند قبره: يا فلان قل: لاإله إلا الله، أشهد ان لا إله إلا الله " ثلاث مرات " يا فلان قل: ربي الله، وديني الاسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. ثم ينصرف. وقد ذكر هذا الاثر الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وروى الطبراني من حديث أبي أمامة أنه قال: " إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فانه يستوي قاعدا. ثم يقول: يا فلان بن فلانة. فانه يقول: ارشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون. فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة ان لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فان منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد بيد صاحبه، ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته " فقال رجل: يا رسول الله فان لم يعرف أمه؟ قال: " ينسبه إلى أمه حواء: يا فلان ابن حواء ". قال الحافظ في التلخيص: واسناده صالح، وقد قواه الضياء في أحكامه. وفي إسناده عاصم بن عبد الله، وهو ضعيف. وقال الهيثمي بعد أن ساقه: في إسناده جماعة لم أعرفهم. قال النووي: هذا الحديث وان كان ضعيفا فيستأنس به، وقد اتفق علماء (هامش) (1) الميت: أي المكلف. أما الصغير فلا يلقن. (2) هؤلاء تابعيون. (.)

[ 548 ]

المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد كحديث " واسألوا له التثبيت " ووصية عمرو بن العاص وهما صحيحان، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يقتدى به والى الان. وذهبت المالكية في المشهور عنهم، وبعض الحنابلة الى ان التلقين مكروه. وقال الاثرم: قلت لاحمد: هذا الذي يصنعونه، إذا دفن الميت، يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة... قال: ما رأيت أحدا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة. يروى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم: أنهم كانوا يفعلونه، وكان إسماعيل بن عياش يرويه، يشير إلى حديث أبي أمامة. السنة في بناء المقابر من السنة ان يرفع القبر عن الارض قدر شبر، ليعرف أنه قبر، ويحرم رفعه زيادة على ذلك. لما رواه مسلم وغيره عن هرون: أن ثمامة بن شفى حدثه. قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم " برودس " فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها. وروي عن ابي الهياج الاسدي. قال: قال لي علي بن أبي طالب: الا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: الا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته. قال الترمذي: " والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يكرهون ان يرفع القبر فوق الارض إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه ". وقد كان الولاة يهدمون ما بني في المقابر - مما زاد على المشروع - عملا بالسنة الصحيحة. قال الشافعي: " وأحب الا يزاد في القبر تراب من غيره، وإنما أحب ان يشخص على وجه الارض شبرا أو نحوه وأحب أن لايبنى ولايجصص، فان ذلك يشبه الزينة والخيلاء. وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والانصار مجصصة. وقد رأيت من الولاة من يهدم ما بني في المقابر، ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك. " قال الشوكاني: والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك اصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلانكير - كما قال الامام يحيى والمهدي في الغيث - لا يصح، لان غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك والسكوت

[ 549 ]

لا يكون دليلا إذا كان في الامور الظنية، وتحريم رفع القبور ظن. ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القباب والمشاهد المعمورة على القبور، وايضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك.. وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها مفاسد يبكي لها الاسلام. منها اعتقاد الجهلة فيها كاعتقاد الكفار في الاصنام، وعظموا ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأل العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا. وبالجملة: إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالاصنام إلا فعلوه. فانا لله وإنا إليه راجعون.... ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع، لاتجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لاعالما، ولا متعلما، ولا أميرا ولاوزيرا ولاملكا. وقد توارد إلينا من الاخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه، حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك: بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الادلة الدالة على ان شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك الاسلام أي رزء للاسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟. لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد وقد أفتى العلماء بهدم المساجد والقباب التي بنيت على المقابر. قال ابن حجر في الزواجر (1): وتجب المبادرة لهدم المساجد والقباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار، لانها أسست على معصية رسول الله (هامش) (1) كانت هذه الفتوى في عهد الملك الظاهر حين عزم على هدم كل ما في القرافة في البناء، فاتفق علماء عصره على أنه يجب على ولي الامر هدم ذلك كله. (.)

[ 550 ]

صلى الله عليه وسلم، لانه نهى عن ذلك وأمر بهدم القبور المشرفة. وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. تسنيم القبر وتسطيحه اتفق الفقهاء على جواز تسنيم القبر وتسطيحه. قال الطبري: لاأحب أن يتعدى في القبور أحد المعنيين من تسويتها بالارض، أو رفعها مسنمة قدر شبر على ما عليه عمل المسلمين، وتسوية القبور ليست بتسطيح. وقد اختلف الفقهاء في الافضل منها، فنقل القاضي عياض عن أكثر أهل العلم: ان الافضل تسنيمها، لان سفيان النمار حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما، رواه البخاري. وهذا رأي أبي حنيفة ومالك واحمد والمزني وكثير من الشافعية. وذهب الشافعي إلى أن التسطيح أفضل لامر الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالتسوية. تعليم القبر بعلامة يجوز أن يوضع على القبر علامة، من حجرة أو خشب يعرف بها، لما رواه ابن ماجة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم " أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة " أي وضع عليه الصخرة ليتبين به. وفي الزوائد: هذا إسناد حسن رواه أبو داود من حديث المطلب بن أبي وداعة. وفيه: أنه حمل الصخرة فوضعها عند رأسه وقال: " أتعلم بها قبر أخي، وادفن إليه من مات من أهلي ". وفي الحديث استحباب جمع الموتى الاقارب في أماكن متجاورة لانه أيسر لزيارتهم وأكثر للترحم عليهم. خلع النعال في المقابر ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا بأس بالمشي في المقابر بالنعال. قال جرير بن حازم: رأيت الحسن وابن سيرين يمشيان بين القبور بنعالهم. وروى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. أنه قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه اصحابه. إنه ليسمع قرع نعالهم " وقد استدل العلماء بهذا الحديث على جواز المشي في المقابر بالنعل: إذ لا يسمع قرع

[ 551 ]

النعل إلا إذا مشوا بها. وكره الامام أحمد المشي بالنعال السبتية (1) في المقابر، لما رواه أبو داودو النسائي وابن ماجة عن بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل يمشي في القبور عليه نعلان. فقال: " يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك " فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلعهما فرمى بهما. قال الخطابي: يشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيه من الخيلاء، وذلك أن نعال السبت من لباس أهل الترفه والتنعم. ثم قال: فأحب صلى الله عليه وسلم أن يكون دخوله المقابر على زي التواضع ولباس اهل الخشوع. والكراهة عند أحمد عند عدم العذر. فإذا كان هناك عذر يمنع الماشي من الخلع كالشوكة أو النجاسة انتفت الكراهة. النهي عن ستر القبور لا يحل ستر الاضرحة، لما فيه من العبث وصرف المال في غير غرض شرعي، وتضليل العامة، روى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزاة، فأخذت نمطا (2) فسترته على الباب، فلما قدم رأى النمط، فجذبه حتى هتكه، ثم قال: " إن الله لم يأمرنا ان نكسو الحجارة والطين ". تحريم المساجد والسرج على المقابر جاءت الاحاديث الصحيحة الصريحة بتحريم بناء المساجد في المقابر واتخاذ السرج عليها. 1 - روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " 2 - روى أحمد واصحاب السنن إلا ابن ماجه، وحسنه الترمذي، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. 3 - وفي صحيح مسلم عن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون (هامش) (1) السبتية: أي النعال المدبوغة بالقرظ. (2) " النمط " ضرب من البسط له خمل رقيق. (.)

[ 552 ]

لي منكم خليل، فان الله عزوجل قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، وان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور انبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك. " 4 - وفيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". 5 - وروى البخاري ومسلم عن عائشة، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة - رأتاها بالحبشة فيها تصاوير - لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ". قال صاحب المغني: ولايجوز اتخاذ المساجد على القبور لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لعن الله زوارات القبور والمتخذات عليهن المساجد والسرج " رواه أبو داود والنسائي ولفظه: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم... الخ " ولو أبيح لم يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله، ولان فيه تضييعا للمال في غير فائدة وافراطا في تعظيم القبور اشبه تعظيم الاصنام، ولايجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا. متفق عليه. وقالت عائشة: إنما لم يبرز قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يتخذ مسجدا، ولان تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الاصنام لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الاصنام تعظيم الاموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عليها (1). (هامش) (1) قال معلقه: يشير إلى ما رواه البخاري عن ابن عباس من سبب اتخاذ قوم نوح للاصنام: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وحاصله أن هذه أسماء رجال صالحين اتخذ الناس لهم صورا بعد موتهم ليتذكروا بها فيقتدوابهم، فلما ذهب العلم زين لهم الشيطان عبادة صورهم وتماثيلهم بتعظيمها والتمسح بها والتقرب إليها، ومسحها: إمرار اليد عليها تبركا وتوسلا بها، وكذلك فعل الناس بقبور الصالحين، وسرى ذلك من الوثنيين إلى أهل الكتاب فالمسلمين، فالاصنام في ذلك سواء. (.)

[ 553 ]

كراهية الذبح عند القبر نهى الشارع عن الذبح عند القبر تجنبا لما كانت تفعله الجاهلية، وبعدا عن التفاخر والمباهاة. فقد روى أبو داود عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لاعقر في الاسلام " قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. قال الخطابي: كان أهل الجاهلية يعقرون الابل على قبر الرجل الجواد، يقولون: نجازيه على فعله، لانه كان يعقرها في حياته، فيطعمها الاضياف، فنحن نعقرها عند قبره لتأكلها السباع والطير: فيكون مطعما بعد مماته كما كان مطعما في حياته قال الشاعر: عقرت على قبر النجاشي ناقتي بأبيض عضب أخلصته صياقله على قبر من لو أنني مت قبله لهانت عليه عند قبري رواحله ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنه حشر راجلا، وكان على مذهب من يرى البعث منهم بعد الموت. النهي عن الجلوس على القبر والاستناد إليه والمشي عليه: لا يحل القعود على القبر ولا الاستناد إليه، ولا المشي عليه، لما رواه عمرو بن حزم قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم متكثا على قبر. فقال: " لا تؤذ صاحب هذا القبر. " أو " لاتؤذه "، رواه أحمد بإسناد صحيح. وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر. " رواه أحمد، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. والقول بالحرمة مذهب ابن حزم، لما ورد فيه من الوعيد، قال: وهو قول جماعة من السلف، منهم أبو هريرة. ومذهب الجمهور: أن ذلك مكروه. قال النووي: عبارة الشافعي في الام، وجمهور الاصحاب في الطرق كلها: أنه يكره الجلوس، وأرادوا به كراهة التنزيه، كما هو المشهور في استعمال الفقهاء، وصرح به كثير منهم، قال: وبه قال جمهور العلماء منهم

[ 554 ]

النخعي والليث وأحمد وداود، قال: ومثله في الكراهة الاتكاء عليه والاستناد إليه. وذهب ابن عمر من الصحابة وأبو حنيفة ومالك إلى جواز القعود على القبر. قال في الموطأ: إنما نهى عن القعود على القبور فيما نرى " نظن " للذاهب يقصد لقضاء حاجة الانسان من البول أو الغائط. وذكر في ذلك حديثا ضعيفا. وضعف أحمد هذا التأويل. وقال: ليس هذا بشئ. وقال النووي: هذا تأويل ضعيف أو باطل، وأبطله كذلك ابن حزم من عدة وجوه. وهذا الخلاف في غير الجلو س لقضاء الحاجة، فاما إذا كان الجلوس لها، فقد اتفق الفقهاء على حرمته، كما اتفقوا على جواز المشي على القبور إذا كان هناك ضرورة تدعو إليه، كما إذا لم يصل إلى قبر ميته إلا بذلك. النهي عن تجصيص القبر والكتابة عليه عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه. رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه. ولفظه: " نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها وأن يبني عليها وأن توطأ (1) " وفي لفظ النسائي: " أن يبني على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه ". والتجصيص معناه الطلاء بالجص، وهو الجير المعروف. وقد حمل الجمهور النهي على الكراهة، وحمله ابن حزم على التحريم، وقيل: الحكمة في ذلك إن القبر للبلى لا للبقاء، وإن تجصيصه من زينة الدنيا، ولا حاجة للميت إليها. وذكر بعضهم أن الحكمة في النهي عن تجصيص القبور كون الجص أحرق بالنار، ويؤيده ما جاء عن زيد بن أرقم أنه قال لمن أراد أن يبني قبر ابنه ويجصصه: جفوت ولغوت، لا يقربه شئ مسته النار. ولا بأس بتطيين القبر. قال الترمذي: وقد رخص بعض أهل العلم - منهم الحسن البصري - في تطيين القبور. وقال الشافعي: لا بأس به أن يطين القبر. (هامش) (1) توطأ: تداس. (.)

[ 555 ]

وعن جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره من الارض شبرا وطين بطين أحمر من العرصة وجعل عليه الحصباء. رواه أبو بكر النجاد وسكت الحافظ عليه في التلخيص. وكما كره العلماء تجصيص القبر، كرهوا بناءه بالآجر أو الخشب أو دفن الميت في تابوت إذا لم تكن الارض رخوة أو ندية، فإن كانت كذلك جاز بناء القبر بالآجر ونحوه وجاز دفن الميت في تابوت من غير كراهة. فعن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الآجر، ويستحبون القصب ويكرهون الخشب. وفي الحديث النهي عن الكتابة على القبور، وظاهره عدم الفرق بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها. قال الحاكم بعد تخريج هذا الحديث: الاسناد صحيح وليس العمل عليه. فإن أئمة المسلمين من الشرق والغرب يكتبون على قبورهم، وهو شئ أخذه الخلف عن السلف. وتعقبه الذهبي: بأنه محدث ولم يبلغهم النهي. ومذهب الحنابلة: أن النهي عن الكتابة الكراهة سواء أكانت قرآنا، أم كانت اسم الميت. ووافقهم الشافعية إلا أنهم قالوا: إذا كان القبر لعالم أو صالح ندب كتابة اسمه عليه وما يميزه ليعرف. ويرى المالكية: أن الكتابة إن كانت قرآنا حرمت. وإن كانت لبيان اسمه أو تاريخ موته فهي مكروهة وقالت الاحناف: إنه يكره تحريما الكتابة على القبر إلا إذا خيف ذهاب أثره فلا يكره. وقال ابن حزم: لو نقش اسمه في حجر لم نكره ذلك. وفي الحديث: النهي عن زيادة تراب القبر على ما يخرج منه، وقد بوب على هذه الزيادة البيهقي فقال: " باب لا يزاد على القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع ". قال الشوكاني: وظاهره أن المراد بالزيادة عليه، الزيادة على ترابه. وقيل: المراد بالزيادة عليه أن يقبر على قبر ميت آخر. ورجح الشافعي المعنى الاول فقال: يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه. وإنما استحب ذلك لئلا يرتفع القبر ارتفاعا كثيرا قال: فإن زاد فلا بأس.

[ 556 ]

دفن أكثر من واحد في قبر هدي السلف الذي جرى عليه العمل أن يدفن كل واحد في قبر، فإن دفن أكثر من واحد كره ذلك إلا إذا تعسر إفراد كل ميت بقبر لكثرة الموتى وقلة الدافنين أو ضعفهم. فإنه في هذه الحالة يجوز دفن أكثر من واحد في قبر واحد. لما رواه أحمد والترمذي وصححه: أن الانصار جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. فقالوا: يا رسول الله أصابنا جرح وجهد. فكيف تأمرنا؟ فقال: " احفروا وأوسعوا وأعمقوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. " قالوا: فأيهم نقدم؟ قال: " أكثرهم قرآنا ". وروى عبد الرزاق بسند حسن عن واثلة بن الاسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل وتجعل المرأة وراءه. الميت في البحر قال في المغني: إذا مات في سفينة في البحر، فقال أحمد رحمه الله: ينتظر به إن كانوا يرجون أن يجدوا له موضعا يدفنونه فيه حبسوه يوما أو يومين ما لم يخافوا عليه الفساد. فإن لم يجدوا غسل، وكفن، وحنط، ويصلى عليه، ويثقل بشئ ويلقى في الماء. وهذا قول عطاء والحسن. قال الحسن: يترك في زنبيل. ويلقى في البحر. وقال الشافعي: يربط بين لوحين ليحمله البحر إلى الساحل، فربما وقع إلى قوم يدفنونه، وإن ألقوه في البحر لم يأثموا، والاول أولى، لانه يحصل به الستر المقصود من دفنه، وإلقاؤه بين لوحين تعريض له للتغير والهتك. وربما بقي على الساحل مهتوكا عريانا وربما وقع إلى قوم من المشركين، فكان ما ذكرناه أولى. وضع الجريدة على القبر لايشرع وضع الجريد ولا الزهور فوق القبر، وأما ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: " إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا

[ 557 ]

فكان يمشي بالنميمة، ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا، وقال: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " فقد أجاب عنه الخطابي بقوله: وأما غرسه شق العسيب على القبر، وقوله: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه صلى الله عليه وسلم جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس. والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه وجه. وما قاله الخطابي صحيح، وهذا هو الذي فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه وضع جريدا ولا أزهارا على قبر سوى بريدة الاسلمي، فإنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان. رواه البخاري. ويبعد أن يكون وضع الجريد مشروعا ويخفى على جميع الصحابة ما عدا بريدة. قال الحافظ في الفتح: وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه، ولم يره خاصا بذينك الرجلين. قال ابن رشيد: ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر حين رأى فسطاطا على قبر عبد الرحمن: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله. وفي كلام ابن عمر ما يشعر بأنه لا تأثير لما يوضع على القبر، بل التأثير للعمل الصالح. المرأة تموت وفي بطنها جنين حي إذا ماتت المرأة وفي بطنها جنين حي وجب شق بطنها لاخراج الجنين إذا كانت حياته مرجوة، ويعرف ذلك بواسطة الاطباء الثقات. المرأة الكتابية تموت وهي حامل من مسلم تدفن وحدها روى البيهقي عن واثلة بن الاسقع: أنه دفن امرأة نصرانية في بطنها ولد مسلم في مقبرة ليست بمقبرة النصارى ولا المسلمين، واختار هذا الامام أحمد

[ 558 ]

لانها كافرة لا تدفن في مقبرة المسلمين، فيتأذوا بعذابها، ولافي مقبرة الكفار لان ولدها مسلم فيتأذى بعذابهم. تفضيل الدفن في المقابر قال ابن قدامة: والدفن في مقابر المسلمين أحب إلى أبي عبد الله من الدفن في البيوت، لانه أقل ضررا على الاحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الاخرة وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحارى. فإن قيل: فالنبي صلى الله عليه وسلم قبر في بيته، وقبر صاحباه معه. قلنا: قالت عائشة: إنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجدا. رواه البخاري. ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره، وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك. ولانه روى " يدفن الانبياء حيث يموتون " وصيانة له عن كثرة الطراق، وتمييزا له عن غيره. وسئل أحمد عن الرجل يوصي أن يدفن في داره؟ قال يدفن في المقابر مع المسلمين. النهي عن سب الاموات لا يحل سب أموات المسلمين ولاذكر مساويهم، لما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لاتسبوا الاموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " وروى أبو داود والترمذي بسند ضعيف عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم "، أما المسلمون المعلنون بفسق أو بدعة، أو عمل فاسد فإنه يباح ذكر مساويهم إذا كان فيه مصلحة تدعو إليه، كالتحذير من حالهم والتنفير من قولهم وترك الاقتداء بهم، وإن لم تكن فيه مصلحة فلا يجوز. وقد روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: " مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وجبت. " ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: " وجبت "، فقال عمر

[ 559 ]

رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: " هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الارض ". ويجوز سب أموات الكفار ولعنهم. قال الله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل... " وقال: " تبت يدا أبي لهب وتب) ولعن فرعون وأمثاله، وسبه مشهور في كتاب الله. وفيه: (ألا لعنة الله على الظالمين). قراءة القرآن عند القبر اختلف الفقهاء في حكم قراءة القرآن عند القبر، فذهب إلى استحبابها الشافعي ومحمد بن الحسن لتحصيل للميت بركة المجاورة، ووافقهما القاضي عياض والقرافي من المالكية، ويرى أحمد: أنه لا بأس بها. وكرهها مالك وأبو حنيفة لانها لم ترد بها السنة. نبش القبر اتفق العلماء على أن الموضع الذي يدفن المسلم فيه وقف عليه ما بقي شئ منه من لحم أو عظم، فإن بقي شئ منه فالحرمة باقية لجميعه، فإن بلي وصار ترابا جار الدفن في موضعه وجاز الانتفاع بأرضه في الغرس والزرع والبناء وسائر وجوه الانتفاع به، ولو حفر القبر فوجد فيه عظام الميت باقية لايتم الحافر حفره. ولو فرغ من الحفر، وظهر شئ من العظم جعل في جنب القبر وجاز دفن غيره معه. ومن دفن من غير أن يصلى عليه أخرج من القبر - إن كان لم يهل عليه التراب - وصلي عليه، ثم أعيد دفنه. وإن كان أهيل عليه التراب حرم نبش قبره وإخراجه منه عند الاحناف والشافعية ورواية عن أحمد، وصلي عليه وهو في القبر، وفي رواية عن أحمد أنه ينبش، ويصلى عليه. وجوز الائمة الثلاثة نبش القبر لغرض صحيح مثل إخراج مال ترك في القبر، وتوجيه من دفن إلى غير القبلة إليها، وتغسيل من دفن بغير غسل، وتحسين الكفن، إلا أن يخشى عليه أن يتفسخ فيترك. وخالف الاحناف في النبش من أجل هذه الامور واعتبروه مثلة، والمثلة

[ 560 ]

منهى عنها. قال ابن قدامة: إنما هو مثلة في حق من تغير وهولا ينبش. قال: وإن دفن بغير كفن ففيه وجهان: أحدهما يترك، لان القصد بالكفن ستره وقد حصل ستره بالتراب، والثاني ينبش ويكفن، لان التكفين واجب، فأشبه الغسل. قال أحمد: إذا نسي الحفار مسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها. وقال في الشئ يسقط في القبر - مثل الفأس والدراهم - ينبش. قال: إذا كان له قيمة - يعني ينبش - قيل: فإن أعطاه أولياء الميت؟ قال: إن أعطوه حقه أي شئ يريد. وقد ورد في ذلك ما رواه البخاري عن جابر. قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل في حفرته فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصا، وروى عنه أيضا. قال: دفن مع أبي رجل فلم تطب نفسي حتى أخرجته (1) فجعلته في قبر على حدة. وقد بوب البخاري لهذين الحديثين. فقال: " باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ ". وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا إلى الطائف، فمررنا بقبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك: أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه، فابتدره الناس، فاستخرجوا الغصن ". قال الخطابي: فيه دليل على جواز نبش قبور المشركين إذا كان فيه أرب أو نفع للمسلمين. وأنه ليست حرمتهم في ذلك كحرمة المسلمين. نقل الميت يحرم عند الشافعية نقل الميت من بلد إلى بلد إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فإنه يجوز النقل إلى إحدى هذه البلاد لشرفها وفضلها. (هامش) (1) كان إخراجه له بعد مضي ستة أشهر على وفاته (.)

[ 561 ]

ولو أوصى بنقله إلى غير هذه الاماكن الفاضلة لا تنفذ وصيته لما في ذلك من تأخير دفنه وتعرضه للتغير. ويحرم كذلك نقله من القبر إلا لغرض صحيح، كأن دفن من غير غسل، أو إلى غير القبلة، أو لحق القبر سيل أو ندوة. قال في المنهاج: ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلا لضرورة، كأن دفن بلا غسل أو في أرض، أو ثوب مغصوبين، أو وقع مال، أو دفن لغير القبلة. وعند المالكية: يجوز نقله من مكان إلى مكان آخر، قبل الدفن وبعده لمصلحة، كأن يخاف عليه أن يغرقه البحر أو يأكله السبع، أو لزيارة أهله له، أو لدفنه بينهم، أو رجاء بركته للمكان المنقول إليه ونحو ذلك. فالنقل حينئذ جائز ما لم تنتهك حرمة الميت بانفجاره أو تغيره أو كسر عظمه. وعند الاحناف: يكره النقل من بلد إلى بلد، ويستحب أن يدفن كل في مقبرة البلد التي مات بها، ولا بأس بنقله قبل الدفن نحو ميل أو ميلين لان المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار، ويحرم النقل بعد الدفن إلا لعذر كما تقدم. ولو مات ابن لامرأة ودفن في غير بلدها وهي غائبة ولم تصبر، وأرادت نقله، لاتجاب إلى ذلك. وقالت الحنابلة: يستحب دفن الشهيد حيث قتل. قال أحمد: أما القتلى، فعلى حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ادفنوا القتلى في مصارعهم " وروى ابن ماجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم. فأما غيرهم فلا ينقل الميت من بلد إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح، وهذا مذهب الاوزاعي وابن المنذر. قال عبد الله بن ملكيه: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبش فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره. ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك. لان ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغير، فأما إن كان فيه غرض صحيح جاز. قال أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأسا. وسئل الزهري عن ذلك؟ فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة.

[ 562 ]

التعزية العزاء: الصبر. والتعزية التصبير والحمل على الصبر بذكر ما يسلي المصاب ويخفف حزنه ويهون عليه مصيبته. حكمها: التعزية مستحبة ولو كان ذميا، لما رواه ابن ماجة والبيهقي بسند حسن عن عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عزوجل من حلل الكرامة يوم القيامة " وهي لا تستحب إلا مرة واحدة. وينبغي أن تكون التعزية لجميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار والرجال والنساء (1). سواء أكان ذلك قبل الدفن أم بعده، إلى ثلاثة أيام، إلا إذا كان المعزي أو المعزى غائبا، فلا بأس بالتعزية بعد الثلاث. ألفاظها: والتعزية تؤدى بأي لفظ يخفف المصيبة ويحمل الصبر والسلوان، فإن اقتصر على اللفظ الوارد كان أفضل. روى البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما. قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه إن ابنا لي قبض فأتنا. فأرسل يقرئ السلام ويقول: " إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شئ عنده بأجل مسمى، فلتصبر، ولتحتسب (2) " وروى الطبراني والحاكم وابن مردويه بسند فيه رجل ضعيف عن معاذ (هامش) (1) استثنى العلماء الشابة الفاتنة. فقالوا: لامعز بها الا محارمها. (2) قال النووي: هذا الحديث من أعظم قواعد الاسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه وآدابه والصبر على النوازل كلها والهموم والاسقام، وغير ذلك من الاعراض. ومعنى أن لله تعالى ما أخذ: أن العالم كله ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية. ومعنى له ما أعطى، أن ما وهبه لكم ليس خارجا عن ملكه، بل هو له سبحانه يفعل فيه ما يشاء، وكل شئ عنده بأجل مسمى، فلا تجزعوا، فان من قبضه قد انقضى أجله المسمى، فمحال تأخره أو تقدمه، فإذا علمتم هذا كله، فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم (.)

[ 563 ]

ابن جبل رضي الله عنه، أنه مات ابن له فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزيه بابنه، فكتب إليه: " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فأعظم الله لك الاجر وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر فإن أنفسنا وأموالنا وأهلنا من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى، إن احتسبته فاصبر، ولا يحبط جزعك أجرك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد ميتا، ولا يدفع حزنا، وما هو نازل فكأن قد (1). والسلام ". وروى الشافعي في مسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده. قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب. وإسناده ضعيف. قال العلماء فإن عزى مسلما بمسلم قال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. وإن عزى مسلما بكافر قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك. وإن عزى كافرا بمسلم قال: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك. وإن عزى كافرا بكافر قال: أخلف الله عليك. وأما جواب التعزية فيؤمن المعزى ويقول للمعزي: آجرك الله. وعند أحمد إن شاء صافح المعزي وإن شاء لم يصافح، وإذا رأى الرجل شق ثوبه على المصيبة عزاه ولا يترك حقا لباطل. وإن نهاه فحسن. الجلوس لها السنة أن يعزى أهل الميت وأقاربه ثم ينصرف كل في حوائجه دون أن يجلس أحد سواء أكان معزى أو معزيا. وهذا هو هدي السلف الصالح. قال الشافعي في الام: أكره الماتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك (هامش) (1) هذه رواية ضعيفة لا تثبت فان ابن معاذ مات بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين. " فكأن قد " أي فكأن قد وقع ما هو نازل (.)

[ 564 ]

يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الاثر. قال النووي: قال الشافعي وأصحابه رحمهم الله: يكره الجلوس للتعزية. قالوا: ويعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم. ولافرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها. صرح به المحاملي ونقله عن نص الشافعي رضي الله عنه. وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة - كما هو الغالب منها في العادة - كان ذلك حراما من قبائح المحرمات، فإنه محدث وثبت في الحديث الصحيح " أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ". وذهب أحمد وكثير من علماء الاحناف إلى هذا الرأي. وذهب المتقدمون من الاحناف إلى أنه لا بأس بالجلوس في غير المسجد ثلاثة أيام للتعزية، من غير ارتكاب محظور. وما يفعله بعض الناس اليوم من الاجتماع للتعزية، وإقامة السرادقات، وفرش البسط، وصرف الاموال الطائلة من أجل المباهاة والمفاخرة من الامور المحدثة والبدع المنكرة التي يجب على المسلمين اجتنابها، ويحرم عليهم فعلها، لاسيما وأنه يقع فيها كثير مما يخالف هدي الكتاب ويناقض تعاليم السنة، ويسير وفق عادات الجاهلية، كالتغني بالقرآن وعدم التزام آداب التلاوة، وترك الانصات والتشاغل عنه بشرب الدخان وغيره. ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل تجاوزه عند كثير من ذوي الاهواء فلم يكتفوا بالايام الاول: جعلوا يوم الاربعين يوم تجدد لهذه المنكرات وإعادة لهذه البدع. وجعلوا ذكرى أولى بمناسبة مرور عام على الوفاة وذكرى ثانية، وهكذا مما لا يتفق مع عقل ولانقل. زيارة القبور زيارة القبور مستحبة للرجال. لما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها. فإنها تذكركم الاخرة " وكان النهي ابتداء لقرب عهدهم بالجاهلية، وفي الوقت الذي لم يكونوا يتورعون فيه عن

[ 565 ]

هجر الكلام وفحشه، فلما دخلوا في الاسلام واطمأنوا به وعرفوا أحكامه، أذن لهم الشارع بزيارتها: وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " استأذنت ربي أن استغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروها، فإنها تذكر الموت " رواه احمد ومسلم وأهل السنن إلا الترمذي. ولما كان المقصود من الزيارة التذكر والاعتبار، جاز زيارة قبور الكفرة لهذا المعنى نفسه، فإن كانوا ظالمين وأخذهم الله بظلمهم، استحب البكاء واظهار الافتقار إلى الله عند المرور بقبورهم وبمصارعهم، لما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه - يعني لما وصلوا الحجر - ديار لثمود - " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم ". صفة الزيارة إذا وصل الزائر إلى القبر استقبل وجه الميت وسلم عليه ودعا له، وقد جاء في ذلك: 1 - عن بريدة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: " السلام عليكم أهل (1) الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم فرطنا ونحن لكم تبع، ونسأل الله لنما ولكم العافية. " رواه احمد ومسلم وغيرهما. 2 - وعن ابن عباس: ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: " السلام عليكم يا أهل القبور. يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالاثر " رواه الترمذي. 3 - وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها، يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم (هامش) (1) " أهل " منصوب على الاختصاص أو النداء (.)

[ 566 ]

ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد " رواه مسلم. 4 - وروى عنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: " قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ". وأما ما يفعله بعض من لاعلم لهم، من التمسح بالاضرحة وتقبيلها والطواف حولها، فهو من البدع المنكرة، التي يجب اجتنابها ويحرم فعلها، فإن ذلك بالكعبة زادها الله شرفا. ولا يقاس عليها قبر نبي ولا ضريح ولي والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع. قال ابن القيم: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا زار القبور يزورها للدعاء لاهلها والترحم عليهم والاستغفار لهم. فأبى المشركون إلا دعاء الميت والاقسام على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به، والتوجه إليه، بعكس هديه صلى الله عليه وسلم، فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام إما أن يدعوا للميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبين له الفرق بين الامرين. زيارة النساء رخص مالك وبعض الاحناف ورواية عن أحمد وأكثر العلماء، في زيارة النساء للقبور، لحديث عائشة: كيف أقول لهم يارسول الله - أي عند زيارتها للقبور -. وقد تقدم عن عبد الله بن أبي مليكة، أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت نعم. كان نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها. رواه الحاكم والبيهقي وقال: تفرد به بسطام بن مسلم البصري. وقال الذهبي: صحيح.

[ 567 ]

وفي الصحيحين عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بامرأة عند قبر تبكي على صبي لها، فقال لها: " اتقي الله، واصبري "، فقالت: وما تبالي بمصيبتي. فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يارسول الله، لم أعرفك. فقال: " إنما الصبر عند الصدمة الاولى. " ووجهة الاستدلال أن الرسول صلى الله عليه وسلم رآها عند القبر فلم ينكر عليها ذلك. ولان الزيارة من أجل التذكير بالاخرة، وهو أمر يشترك فيه الرجال والنساء، وليس الرجال بأحوج إليه منهن. وكره قوم الزيارة لهن لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله زوارات القبور " رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة. ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج. وما ينشأ من الصياح، ونحو ذلك. وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الاذن لهن، لان تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء. قال الشوكاني - تعليقا على كلام القرطبي -: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر. الاعمال التي تنفع الميت وهل يجوز إهداء الثواب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ من المتفق عليه: أن الميت ينتفع بما كان سببا فيه من أعمال البر في حياته، لما رواه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " وروى ابن ماجة عنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره، أو ولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه. أو مسجدا بناه، أو بيتا بناه

[ 568 ]

لابن السبيل أو نهرا أكراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلخه من بعد موته. " وروى مسلم عن جرير بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم، ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من يعمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ " أما ما ينتفع به من أعمال البر الصادرة عن غيره فبيانها فيما يلي: 1 - الدعاء والاستغفار له، وهذا مجمع عليه لقول الله تعالى: (والذين جاؤا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم)، وتقدم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء " وحفظ من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اغفر لحينا وميتنا " ولا زال السلف والخلف يدعون للاموات ويسألون لهم الرحمة والغفران دون إنكار من أحد. 2 - الصدقة: وقد حكى النووي الاجماع على أنها تقع عن الميت ويصله ثوابها سواء كانت من ولد أو غيره، لما رواه أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات وترك مالا ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: " نعم ". وعن الحسن عن سعد ابن عبادة. أن امه ماتت. فقال: يارسول الله: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: " نعم ". قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: " سقي الماء " قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة. رواه أحمد والنسائي وغيرهما. ولا يشرع إخراجها عند المقابر، ويكره إخراجها مع الجنازة. 3 - الصوم: لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: " لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها "؟ قال: نعم. قال: " فدين الله أحق أن يقضى ". 4 - الحج: لما رواه البخاري عن ابن عباس: أن امرأة من جهينة جاءت

[ 569 ]

إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: " حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا فالله أحق بالقضاء ". 5 - الصلاة: لما رواه الدار قطني أن رجلا قال: يارسول الله، إنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك ". 6 - قراءة القرآن: وهذا رأي الجمهور من أهل السنة. قال النووي: المشهور من مذهب الشافعي: أنه لا يصل. وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل. فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته إلى فلان. وفي المغني لابن قدامة: قال أحمد بن حنبل، الميت يصل إليه كل شئ من الخير، للنصوص الواردة فيه، ولان المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرءون ويهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعا. والقائلون بوصول ثواب القراءة إلى الميت، يشترطون أن لا يأخذ القارئ على قراءته أجرا. فإن أخذ القارئ أجرا على قراءته حرم على المعطي والاخذ ولا ثواب له على قراءته، لما رواه أحمد والطبراني والبيهقي عن عبد الرحمن ابن شبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اقرءوا القرآن، واعملوا... ولا تجفوا عنه ولا تغفلوا فيه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ". قال ابن القيم: والعبادات قسمان: مالية وبدنية، وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية، فالانواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار. اشتراط النية ولابد من نية الفعل على الميت. قال ابن عقيل: إذا فعل طاعة من

[ 570 ]

صلاة صيام وقراءة قرآن وأهداها، بأن جعل ثوابها للميت المسلم، فإنه يصل إليه ذلك وينفعه، بشرط أن تتقدم نية الهدية على الطاعة وتقارنها. ورجح هذا ابن القيم. أفضل ما يهدى للميت قال ابن القيم: قيل الافضل ما كان أنفع في أنفسه، فالعتق عنه، والصدقة أفضل من الصيام عنه، وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصدقة سقي الماء " وهذا في موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش، وإلا فسقي الماء على الانهار والقنى لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة، وكذلك الدعاء والاستغفار له إذا كان بصدق من الداعي وإخلاص وتضرع، فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه كالصلاة على الجنازة، والوقوف للدعاء على قبره. وبالجملة: فأفضل ما يهدى إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار والدعاء له والحج عنه. اهداء الثواب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن القيم: قيل: من الفقهاء المتأخرين من استحبه، ومنهم من لم يستحبه ورآه بدعة، فإن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شئ لانه الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعا إلى هدي فله من الاجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم، وكل هدي وعلم، فإنما نالته أمته على يده، فله مثل أجر من اتبعه، أهداه إليه أو لم يهده. أولاد المسلمين وأولاد المشركين من مات من أولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم فهو في الجنة، لما رواه البخاري عن عدي بن ثابت: أنه سمع البراء رضي الله عنه قال: لما توفي

[ 571 ]

ابراهيم عليه السلام (1)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن له مرضعا في الجنة " قال الحافظ في الفتح: وإيراد البخاري له في هذا الباب، يشعر باختيار القول: " إلى أنهم في الجنة ". وروى عن أنس بن مالك قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ". ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن من يكون سببا في دخول الجنة أولى، بأن يدخلها هو، لانه أصل الرحمة وسببها. وأما أولاد المشركين فهم مثل أولاد المسلمين، في دخولهم الجنة. قال النووي: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلان لا يعذب غير العاقل من باب أولى. ولما رواه أحمد عن خنساء بنت معاوية بن صريم عن عمتها قالت: قلت يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: " النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة " قال الحافظ: إسناده حسن. سؤال القبر اتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان يسأل بعد موته، قبر أم لم يقبر، فلو أكلته السباع أو احرق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو غرق في البحر لسئل عن أعماله، وجوزي بالخير خيرا وبالشر شرا، وأن النعيم أو العذاب على النفس والبدن معا. قال ابن القيم: مذهب سلف الامة وائمتها ان الميت إذا مات، يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن، منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الارواح إلى الاجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين. ومعاد الابدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى. (هامش) (1) ابن النبي عليه السلام (.)

[ 572 ]

وقال المروزي: قال أبو عبد الله يعني الامام أحمد -: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل. وقال حنبل: قلت لابي عبد الله في عذاب القبر. فقال: هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها، وكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد جيد أقررنا به، فإنا إذا لم نقر بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ودفعناه ورددناه، رددنا على الله أمره قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه). قلت له: وعذاب القبر حق؟ قال: حق. يعذبون في القبور. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: نؤمن بعذاب القبر، وبمنكر ونكير، وأن العبد يسأل في قبره: ف‍ (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) في القبر. وقال أحمد بن القاسم: قلت: يا أبا عبد الله، تقر بمنكر ونكير، وما يروى في عذاب القبر؟ فقال: سبحان الله... نعم نقر بذلك ونقوله. قلت هذه اللفظة تقول: منكر ونكير هكذا. أو تقول: ملكين؟ قال منكر ونكير. قلت: يقولون: ليس في حديث منكر ونكير. قال: هو هكذا يعني أنهما منكر ونكير. قال الحافظ في الفتح: وذهب أحمد بن حزم وابن هبيرة إلى أن السؤال يقع على الروح فقط، من غير عود إلى الجسد. وخالفهم الجمهور فقالوا: تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث، ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه. لان الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال. كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه. والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط، أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه، من إقعاد ولاغيره ولاضيق في قبره ولاسعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب. وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة: بل له نظير في العادة. وهو النائم. فإنه يجد لذة، وألما لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألما ولذة لما يسمعه أو يفكر فيه، ولا يدرك ذلك جليسه وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله. والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم

[ 573 ]

عن مشاهدة ذلك وستره عنهم، إبقاء عليهم لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا من شاء الله. وقد ثبتت الاحاديث بما ذهب إليه الجمهور، كقوله: " إنه ليسمع خفق نعالهم " وقوله: " تختلف أضلاعه لضمة القبر، وقوله: " يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق " وقوله: " يضرب بين أذنيه " وقوله: " فيقعدانه " وكل ذلك من صفات الاجساد ونحن نذكر بعض ما ورد في ذلك من الاحاديث الصحيحة: 1 - روى مسلم عن زيد بن ثابت قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط (1) لبني النجار على بغلته ونحن معه إذ حادت (2) به فكادت تلقيه فإذا قبر ستة، أو خمسة، أو أربعة، فقال: " من يعرف أصحاب هذه القبور؟ " فقال رجل: أنا. قال: " فمتى مات هؤلاء "؟ قال: ماتوا في الاشراط. فقال: " ان هذه الامة تبتلى في قبورها. فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " ثم أقبل علينا بوجهه. فقال: " تعوذوا بالله من عذاب النار. " قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، قال: " تعوذوا بالله من عذاب القبر ". قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: " تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ". قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: " تعوذوا بالله من فتنة الدجال. " قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. 2 - وروى البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاد ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ - لمحمد - فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال: فيقولان: أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا. وأما الكافر، والمنافق، فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقولان. لادريت ولاتليت (3)، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة فيسمعها فيسمعها من يليه، غير الثقلين. " (هامش) (1) " الحائط ": البستان. (2) " حادت ": مالت. (3) لادريت ولاتليت: دعاء عليه: أي لا كنت داريا ولا تاليا، أو إخبار بحاله فانه لم يكن قد علم بنفسه ولا سأل غيره من العلماء (.)

[ 574 ]

3 - وروى البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " المسلم إذا سئل في قبره فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قول الله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة) وفي لفظ: نزلت في عذاب القبر. يقال له: من ربك؟ فيقول: الله ربي، ومحمد نبيي، فذلك قول الله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة) ". 4 - وفي مسند الامام أحمد وصحيح أبي حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه. فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة، والصلة، والمعروف والاحسان، عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل ثم يؤتى من يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من يسارد، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل. ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والاحسان: ما قبلي مدخل فيقال له: اجلس فيجلس، قد مثلت له الشمس وقد أخذت للغروب، فيقال له: هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولان: إنك ستصلي، أخبرنا عما نسألك عنه؟ أرأيتك (1) هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وما تشهد به عليه؟ فيقول: محمد. أشهد أنه رسول الله جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب إلى الجنة. فيقال له: هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها. فيزداد غبطة وسرورا. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدئ منه، وتجعل نسمته (2) في النسيم الطيب، وهي طير معلق في شجر الجنة، قال: فذلك قول الله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة). وذكر في الكافر ضد ذلك إلى أن (هامش) (1) أرأيتك: أخبرنا. (2) نسمته: روحه (.)

[ 575 ]

قال: " ثم يضيق عليه في قبره إلى أن تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضنك التي قال الله تعالى: (فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) ". 5 - وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: " من رأى منكم الليلة رؤيا؟ " قال: فإن رأى أحد رؤيا قصها، فيقول: " ما شاء الله " فسألنا يوما، فقال: " هل رأى أحد منكم رؤيا؟ " قلنا: لا. قال: " لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي، وأخرجاني إلى الارض المقدسة، فإذا رجل جالس. ورجل قائم بيده كلوب من حديد، يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بصخرة أو فهر (1) فيشدخ بها رأسه. فإذا ضربه تدهده (2) الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه. قلت: ماهذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا إلى نقب مثل التنور، أعلاه ضيق، وأسفله واسع، يوقد تحته نار. فإذا فيه رجال ونساء عراة فيأتيهم اللهب من تحتهم فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا يخرجوا فإذا خمدت رجعوا. فقلت: ماهذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر، فرجع كما كان. فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا وأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها. فيها شيوخ وشبان، ثم صعداني، فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل، قلت: طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت؟ قالا: نعم، الذي رأيته يشق شدقه كذاب يحدث بالكذبة. فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه، فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة. وأما الذي رأيته في النقب فهم الزناة، والذي رأيته في النهر فآكل الربا، (هامش) (1) الفهر: حجر مل ء الكف. (2) " تدهده " تدحرج (.)

[ 576 ]

وأما الشيخ الذي في أصل الشجرة فإبراهيم، وأما الصبيان حوله فأولاد الناس، والذي يوقد النار، فمالك خازن النار، والدار الاولى دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا قصر مثل السحابة، قالا: ذلك منزلك، قلت دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته أتيت منزلك " قال ابن القيم: وهذا نص في عذاب البرزخ، فإن رؤيا الانبياء وحي مطابق لما في نفس الامر. 6 - وروى الطحاوي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلا قبره عليه نارا فلما ارتفع عنه أفاق، قال: علام جلدتموني؟ قالوا إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره ". 7 - وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا من قبر، فقال: " متى مات هذا؟ " فقالوا: مات في الجاهلية فسر بذلك وقال: " لولا أن لاتدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر " رواه النسائي ومسلم. 8 - وعن ابن عمر رضي عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هذا الذي تحرك له العرش (1) وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضم ضمة (2)، ثم فرج عنه " رواه البخاري ومسلم والنسائي. مستقر الارواح عقد ابن القيم فصلا ذكر فيه أقوال العلماء في مستقر الارواح ثم ذكر القول الراجح فقال: قيل: الارواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم التفاوت. فمنها: أرواح في أعلى عليين في الملا الاعلى، وهي أرواح الانبياء (هامش) (1) هو سعد بن معاذ (2) ضمه القبر (.)

[ 577 ]

صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء. ومنها: أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت (1). وهي أرواح بعض الشهداء لاجميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه أو غيره كما في المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: " الجنة " فلما ولى، قال: " إلا الدين، سارني به جبريل آنفا. " ومنهم من يكون محبوسا على باب الجنة، كما في الحديث الاخر: " رأيت صاحبكم محبوسا على باب الجنة. " ومنهم من يكون محبوسا في قبره كحديث صاحب الشملة التي غلها (2) ثم استشهد، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارا في قبره ". ومنهم من يكون مقره باب الجنة كما في حديث ابن عباس " الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا " رواه أحمد وهذا بخلاف جعفر بن أبي طالب، حيث أبدله الله من يديه جناحين يطير بهما، في الجنة حيث شاء. ومنهم من يكون محبوسا في الارض، لم تعل روحه إلى الملا الاعلى، فإنها كانت روحا سفلية أرضية، فإن الانفس الارضية لا تجامع الانفس السماوية، كما لا تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره والانس به والتقرب إليه، بل هي أرضية سفلية، ولا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة الله وذكره، والتقرب إليه، والانس به، تكون بعد المفارقة مع الارواح العلوية المناسبة لها، فالمرء مع من أحب في البرزخ ويوم القيامة، والله تعالى يزوج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد ويجعل روحه " يعني المؤمن " (هامش) (1) هذا نص الحديث. (2) " غلها " أي سرقها من الغنيمة قبل القسمة (.)

[ 578 ]

مع القسم الطيب " يعني الارواح الطيبة المشاكلة لروحه " فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وإخوانها وأصحاب عملها فتكون معهم هناك. ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم، تسبح فيه، وتلقم الحجارة، فليس للارواح - سعيدها وشقيها - مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الارض. وأنت إذا تأملت السنن والاثار في هذا الباب، وكان لك بها فضل اعتناء عرفت حجة ذلك. ولا تظن أن بين الاثار الصحيحة في هذا الباب تعارضا، فإنها كلها حق يصدق بعضها بعضا، لكن الشأن في فهمها ومعرفة النفس وأحكامها وأن لها شأنا غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنة فهي في السماء وتتصل بفناء القبر وبالبدن فيه، وهي أسرع شئ حركة وانتقالا وصعودا وهبوطا، وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة وعلوية وسفلية، ولها بعد المفارقة صحة ومرض، ولذة ونعيم وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس والالم والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذة والراحة والنعيم والانطلاق، وما أشبه حالها في هذا البدن بحال البدن في بطن أمه! وحالتها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار، فلهذه الانفس أربع دور، كل دار أعظم من التي قبلها. الدار الاولى: في بطن الام، وذلك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث. والدار الثانية: هي الدار التي نشأت فيها وألفتها واكتسبت فيها الخير والشر وأسباب السعادة والشقاوة. والدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع من هذه الدار وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة هذه الدار إلى الاولى. والدار الرابعة: دار القرار وهي الجنة والنار فلا دار بعدهما. والله ينقلها في هذه الدور طبقا بعد طبق حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها ولا يليق بها سواها وهي التي خلقت لها وهيئت للعمل الموصل لها إليها.

[ 579 ]

ولها في كل دار من هذه الدور حكم وشأن غير شأن الدار الاخرى، فتبارك الله فاطرها ومنشئها ومميتها ومحييها ومسعدها ومشقيها، الذي فاوت بينها في درجات سعادتها وشقاوتها كما فاوت بينها في مراتب علومها وأعمالها وقواها وأخلاقها، فمن عرفها كما ينبغي، شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الامر كله، وله القوة كلها، والقدرة كلها والعز كله، والحكمة كلها، والكمال المطلق من جميع الوجوه، وعرف بمعرفة نفسه صدق أنبيائه ورسله، وأن الذي جاءوا به هو الحق الذي تشهد به العقول وتقر به الفطر وما خالفه فهو الباطل... وبالله التوفيق. الذكر الذكر: هو ما يجري على اللسان والقلب، من تسبيح الله تعالى وتنزيهه وحمده والثناء عليه ووصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال. 1 - وقد أمر الله بالاكثار منه فقال: (يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا). 2 - وأخبر أنه يذكر من يذكره فقال: (فاذكروني أذكركم) وقال في الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم: " أنا عند ظن عبدي بي (1) وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة. " (2) 3 - وأنه سبحانه اختص أهل الذكر بالتفرد والسبق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبق المفردون ". قالوا: وما المفردون يا رسول الله قال: " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " رواه مسلم. 4 - وأنهم هم الاحياء على الحقيقة، فعن أبي موسى، أن النبي صلى الله (هامش) (1) أي إن ظن أن الله يقبل دعاءه وهو يدعوه قبله، ومن استغفره وظن أن الله يغفر له وهكذا. (2) أي أنه كلما زاد إقبال العبد على ربه كان الله له بكل خير أسرع. (.)

[ 580 ]

عليه وسلم قال: " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت " رواه البخاري. 5 - والذكر رأس الاعمال الصالحة، من وفق له فقد أعطي منشور الولاية، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. ويوصي الرجل الذي قال له: إن شرائع الاسلام قد كثرت علي. فأخبرني بشئ أتشبث (1) به؟ فيقول له: " لا يزال فوك رطبا من ذكر الله " ويقول لاصحابه " ألا انبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق (2) وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله قال: " ذكر الله ". رواه الترمذي وأحمد والحاكم وقال: صحيح الاسناد. 6 - وأنه سبيل النجاة، فعن معاذرضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما عمل آدمي قط أنجى له من عذاب الله، من ذكر الله عز وجل. " رواه أحمد. 7 - وعند أحمد، أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إن ما تذكرون من جلال الله عزوجل من التهليل والتكبير والتحميد يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن، أفلا يحب أحدكم أن يكون له ما يذكر به؟ ". حد الذكر الكثير أمر الله جل ذكره، بأن يذكر ذكرا كثيرا، ووصف أولي الالباب الذين ينتفعون بالنظر في آياته بأنهم: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم). (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما.) وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا. وسئل ابن الصلاح عن القدر الذي يصير به من الذاكرين الله كثيرا (هامش) (1) أتشبث: أي أتمسك به. (2) الورق: الفضة (.)

[ 581 ]

والذاكرات فقال: إذا واظب على الاذكار المأثورة المثبتة صباحا ومساء في الاوقات والاحوال المختلفة ليلا ونهارا كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآيات، قال: إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما وعذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه. ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على تركه فقال: (اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرو العلانية، وعلى كل حال. شمول الذكر كل الطاعات قال سعيد بن جبير: كل عامل لله بطاعة لله فهو ذاكر لله، وأراد بعض السلف أن يخصص هذا العام، فقصر الذكر على بعض أنواعه، منهم عطاء حيث يقول: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلق وتحج وأشباه ذلك. وقال القرطبي: مجلس ذكر يعني مجلس علم و تذكير، وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله، وأخبار السلف الصالحين، وكلام الائمة الزهاد المتقدمين المبرأة عن التصنع والبدع والمنزهة عن المقاصد الردية والطمع. أدب الذكر المقصود من الذكر تزكية الانفس وتطهير القلوب، وإيقاظ الضمائر. وإلى هذا تشير الآية الكريمة: (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر) أي أن ذكر الله في النهي عن الفحشاء والمنكر أكبر من الصلاة، وذلك أن الذاكر حين ينفتح لربه جنانه ويلهج بذكره لسانه يمده الله بنوره فيزداد إيمانا إلى إيمانه، ويقينا إلى يقينه، فيسكن قلبه للحق ويطمئن به " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ". وإذا اطمأن القلب للحق اتجه نحو المثل الاعلى، وأخذ سبيله إليه، دون أن

[ 582 ]

تلفته عنه نوازع الهوى، ولادوافع الشهوة، ومن ثم عظم أمر الذكر، وجل خطره في حياة الانسان، ومن غير المعقول أن تتحقق هذه النتائج بمجرد لفظ يلفظه اللسان، فإن حركة اللسان قليلة الجدوى ما لم تكن مواطئة للقلب، وموافقة له، وقد أرشد الله إلى الادب الذي ينبغي أن يكون عليه المرء أثناء الذكر. فقال: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغد والآصال، ولا تكن من الغافلين.) والآية تشير إلى أنه يستحب أن يكون الذكر سرا، لا ترتفع به الاصوات، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الناس رفعوا أصواتهم بالدعاء في بعض الاسفار، فقال: " يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ". كما تشير إلى حالة الرغبة والرهبة التي يحسن بالانسان أن يتصف بها عند الذكر. ومن الادب أن يكون الذاكر نظيف الثوب طاهر البدن طيب الرائحة، فإن ذلك مما يزيد النفس نشاطا، ويستقبل القبلة ما أمكن، فإن خير المجالس ما استقبل به القبلة. استحباب الاجتماع في مجالس الذكر يستحب الجلوس في حلق الذكر. وقد جاء في ذلك ما يأتي: 1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا " قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: " حلق الذكر، فإن لله تعالى سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر. فإذا أتوا عليهم حفوا بهم ". 2 - وروى مسلم عن معاوية أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال: " ما أجلسكم؟ " قالوا جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للاسلام ومن به علينا. قال: " الله. ما أجلسكم إلا ذاك، أما إني لم استحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة ".

[ 583 ]

3 - وروى أيضا عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ". فضل من قال: لا اله الا الله مخلصا 1 - عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصا إلا فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلى العرش (1) ما اجتنبت الكبائر ". رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. 2 - وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " جددوا إيمانكم ". قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: " أكثروا من قول: لا إله إلا الله ". رواه أحمد بإسناد حسن. 3 - وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله ". رواه النسائي وابن ماجة والحاكم. وقال: صحيح الاسناد. فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وغير ذلك 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ". رواه الشيخان والترمذي. 2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لان أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ". رواه مسلم والترمذي. 3 - عن أبي ذررضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله؟ " قلت: أخبرني يا رسول الله. قال: " إن (هامش) (1) يفضي إلى العرش: أي يصل هذا القول إليه، وهذا كقول الله تعالى: " إليه يصعد الكلم الطيب ". (.)

[ 584 ]

أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده ". رواه مسلم والترمذي. ولفظه " أحب الكلام إلى الله عزوجل ما اصطفى الله لملائكته: سبحان ربي وبحمده، سبحان ربي وبحمده ". 4 - عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة ". رواه الترمذي وحسنه. 5 - وعن أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " استكثروا من الباقيات الصالحات ". قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: " التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولاحول ولاقوة إلا بالله ". رواه النسائي والحاكم وقال: صحيح الاسناد. 6 - عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: " يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان (1)، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ". رواه الترمذي والطبراني، وزاد " ولا حول ولاقوة إلا بالله ". 7 - وعند مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أحب الكلام إلى الله أربع - لا يضرك بأيهن بدأت -: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ". 8 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ". رواه البخاري ومسلم. أي " أجزأتاه عن قيام تلك الليلة ". وقيل: كفتاه ما يكون من الآفات تلك الليلة. وقال ابن خزيمة في صحيحه " باب ذكر أقل ما يجزئ من القراءة في قيام الليل ". ثم ذكره. (هامش) (1) قيعان: جمع قاع أي مستوية منبسطة واسعة. (.)

[ 585 ]

9 - وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة "؟ فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " الله الواحد (1) الصمد ثلث القرآن ". رواه البخاري ومسلم والنسائي. 10 - وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بافضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك ". رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن ماجه. وزاد مسلم والترمذي والنسائي: " ومن قال سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر. " فضل الاستغفار عن أنس رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك - على ماكان منك - ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان (2) السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب (3) الارض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لاتيتك بقرابها مغفرة ". رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: " من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح الاسناد. (هامش) (1) يقصد سورة الاخلاص. (2) العنان: السحاب (3) القراب: ما يقارب ملاها. (.)

[ 586 ]

الذكر المضاعف وجوامعه 1 - عن جويرة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: " ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لووزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ". رواه مسلم وأبو داود. 2 - ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى، تسبح الله به فقال: " أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا، أو أفضل " فقال: " سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الارض، وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك ". رواه أصحاب السنن والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. 3 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم " أن عبدا من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك فعضلت (1) بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها "، فصعدا إلى السماء فقالا: يا ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكبتها؟ قال الله - وهو أعلم بما قال عبده - ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قد قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها ". رواه أحمد وابن ماجه. عد الذكر بالاصابع وأنه أفضل من السبحة 1 - عن بسيرة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه (هامش) (1) فعضلت: اشتدت وعظمت. (.)

[ 587 ]

وسلم: " عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالانامل فإنهن مسئولات، ومستنطقات (1) ". رواه أصحاب السنن والحاكم بسند صحيح. 2 - وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه. رواه أصحاب السنن. الترهيب من أن يجلس الانسان مجلسا لا يذكر الله فيه ولا يصلي عن نبيه صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. رواه الترمذي وقال: حسن، ورواه أحمد بلفظ: " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة (2) وما من رجل يمشي طريقا فلم يذكر الله تعالى إلا كان عليه ترة، وما من رجل آوى إلى فراشه فلم يذكر الله عزوجل إلا كان عليه ترة. " وفي رواية " إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة للثواب. " وفي فتح العلام: الحديث دليل على وجوب الذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس، لاسيما مع تفسير الترة بالنار أو العذاب، فقد فسرت بهما، فإن التعذيب لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محظور، وظاهره أن الواجب هو الذكر والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم معا. " ذكر كفارة المجلس 1 - عن أبي هريرة قال، فال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه (3) فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك (هامش) (1) في هذا دليل على أن التسبيح على الاصابع أفضل من السبحة وإن كان يجوز العد عليها. (2) الترة: معناها الحسرة أو النقص، أو التبعة. (3) لغط: من باب نقع. واللغط: كلام فيه جلبة واختلاط. (.)

[ 588 ]

اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب اليك، إلا كفر (1) الله له ما كان في مجلسه ذلك ". ما يقوله من اغتاب أخاه المسلم روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إن كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته، تقول اللهم اغفر لنا وله ". والمذهب المختار أن الاستغفار لمن اغتيب وذكر محامده يكفر الغيبة ولا يحتاج ألا إعلامه أو استسماحه. الدعاء (1) الامر به: أمر الله الناس أن يدعوه ويضرعوا إليه، ووعدهم أن يستجيب لهم ويحقق لهم سؤلهم. 1 - فقد روى أحمد وأصحاب السنن عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: (ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين). 2 - وروى عبد الرازق عن الحسن: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه: أين ربنا؟ فأنزل الله: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ". 3 - وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس شئ أكرم على الله من الدعاء ". 4 - وروى الترمذي عنه: أنه صلوات الله عليه وسلامه قال: " من سره أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء ". 5 - وروى أبو يعلى عن أنس بن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه (هامش) (1) كفر: أي ستر. (.)

[ 589 ]

عن ربه عزوجل، قال: " أربع خصال: واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي. فأما التي لي، لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك، فما عملت من خير جزيتك عليه، وأما التي بيني وبينك، فمنك الدعاء وعلي الاجابة. وأما التي بينك وبين عبادي، فارض لهم ما ترضى لنفسك ". 6 - وثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله: " من لم يسأل الله يغضب عليه ". 7 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان (1) إلى يوم القيامة ". رواه البزار والطبراني والحاكم وقال: صحيح الاسناد. 8 - وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لايرد القضاء إلا الدعاء. ولا يزيد في العمر إلا البر ". رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. 9 - وروى أبو عوانة وابن حبان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، فإنه لا يتعاظم عن الله شئ ". (3) آدابه للدعاء آداب ينبغي مراعاتها، نذكرها فيما يلي: 1 - تحري الحلال: أخرج الحافظ بن مردويه عن ابن عباس، وقال: تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا)، فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يارسول الله: ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: " يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به ". (هامش) (1) يعتلجان: يتصارعان ويتدافعان. (.)

[ 590 ]

وفي مسند الامام أحمدو صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا. إني بما تعملون عليم). وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، فأنى يستجاب لذلك. " 2 - استقبال القبلة إن أمكن: فقد خرج النبي يستسقي، فدا واستسقى واستقبل القبلة. 3 - ملاحظة الاوقات الفاضلة والحالات الشريفة: كيوم عرفة، وشهر رمضان، ويوم الجمعة، والثلث الاخير من الليل، ووقت السحر، وأثناء السجود، ونزول الغيث، وبين الاذان والاقامة، والتقاء الجيوش، وعند الوجل، ورقة القلب. (ا) فعن أبي أمامة قال: قيل: يارسول، أي الدعاء أسمع؟ قال " جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات ". رواه الترمذي بسند صحيح. (ب) وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ". رواه مسلم. وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة منثورة في ثنايا الكتب. 4 - رفع اليدين حذو المنكبين: لما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، أو نحوهما، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعا. وروي عن مالك بن يسار أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها ". وروي عن سلمان، أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إن ربكم تبارك

[ 591 ]

وتعالى حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا ". 5 - أن يبدأ بحمد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه، ويصلي على النبي، لما رواه أبو داودو النسائي والترمذي وصححه عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على النبي، فقال: " عجل هذا " ثم دعاه، فقال له - أو لغيره - " إذا صلى (1) أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما يشاء ". 6 - حضور القلب وإظهار الفاقة والضراعة إلى الله جل شأنه وخفض الصوت بين المخافته والجهر: قال الله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك (2) ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا). وقال: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين). قال ابن جرير: تضرعا: تذللا واستكانة لطاعته، وخفية: أي بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهار مراءاة. وفي الصحيحين عن أبي موسى الاشعري، قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لاحول ولاقوة إلا بالله ". وروى أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله - أيها الناس - فاسألوه وأنتم موقنون بالاجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل ". 7 - الدعاء بغير إثم أو قطيعة رحم: لما رواه أحمد عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مسلم يدعو الله عزوجل بدعوة ليس (هامش) (1) صلى: أي دعا. (2) صلاتك: أي بدعائك. (.)

[ 592 ]

فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. " قالوا: إذا نكثر؟ قال: " الله اكبر ". 8 - عدم استبطاء الاجابة: لما رواه مالك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يستجاب لاحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي ". 9 - الدعاء مع الجزم بالاجابة: لما رواه أبو داود عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ". 10 - اختيار جوامع الكلم: مثل: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار "، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك. وفي سنن ابن ماجة: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ قال: " سل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة " ثم أتاه في اليوم الثاني، والثالث، فسأله هذا السؤال، وأجيب بذلك الجواب. ثم قال صلى الله عليه وسلم: " فإذا أعطيت العفو والعافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت ". وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من دعوة يدعو بها العبد أفضل من: " اللهم إني أسألك المعافاة في الدنيا الآخرة ". 11 - تجنب الدعاء على نفسه وأهله وماله: فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تدعو ا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم. لا توافقوا من الله تبارك وتعالى ساعة نيل عطاء فيستجاب لكم ". 12 - تكرار الدعاء ثلاثا: فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه أن يدعو ثلاثا ويستغفر ثلاثا. رواه أبو داود. 13 - إذا دعا لغيره أن يبدأ بنفسه: قال الله تعالى: (ربنا اغفر لنا

[ 593 ]

ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان). وعن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه. رواه الترمذي بإسناد صحيح. 14 - مسح الوجه باليدين عقب الدعاء وحمد الله وتمجيده والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد روي مسح الوجه باليدين من عدة طرق كلها ضعيفة، وأشار الحافظ إلى أن مجموعها تبلغ به درجة الحسن. دعاء الوالد والصائم والمسافر والمظلوم روى أحمد وأبو داود والترمذي بسند حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم ". وروى الترمذي بسند حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والامام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لانصرنك ولو بعد حين ". دعاء الاخ لاخيه بظهر الغيب 1 - روى مسلم وأبو داود عن صفوان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ قلت: نعم. قالت: فادع الله لنا بخير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " دعوة المسلم لاخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لاخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل (1) ". قال فخرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء، فقال لي مثل ذلك (هامش) (1) بمثل: أي أدعو لك بمثل ذلك. (.)

[ 594 ]

عن النبي صلى الله عليه وسلم. 2 - ولابي داود والترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب. " 3 - ورويا عن عمر قال: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن لي، وقال: " لا تنسنا يا أخي من دعائك. " فقال عمر: كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. بعض ما ورد فيما ينبغي أن يستفتح به الدعاء رجاء أن يقبل 1 - عن بريدة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لاإله إلا أنت الاحد الصمد (1) الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا (2) أحد، فقال: " لقد سألت الله بالاسم الاعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب ". رواه أبو داود والترمذي وحسنه. قال المنذري: قال شيخنا أبو الحسن المقدسي: إسناده لا مطعن فيه، ولم يرد في هذا الباب حديث أجود إسنادا منه. 2 - وعن معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا، وهو يقول: يا ذا الجلال (3) والاكرام، فقال: " قد استجيب لك فسل ". رواه الترمذي وقال: حسن. 3 - وعن أنس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي عياش زيد بن الصامت الزرقي، وهو يصلي ويقول: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، يا حنان يا منان، يا بديع السموات والارض، يا ذا الجلال والاكرام، يا حي يا قيوم، فقال رسوال الله صلى الله عليه وسلم: " لقد سألت الله باسمه الاعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى ". رواه أحمد وغيره، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. 4 - وعن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (هامش) (1) الصمد: الذي يقصد في الحوائج. (2) كفوا: شبيها. (3) الجامع لصفات العظمة. (.)

[ 595 ]

" من دعا بهؤلاء الكلمات الخمس، لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه: لا إله الا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ". رواه الطبراني بإسناد حسن. أذكار الصباح والمساء أذكار الصباح يبتدئ وقتها من الفجر إلى طلوع الشمس، وأذكار المساء ما بين العصر والغروب. 1 - روى مسلم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قال حين يصبح، وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه ". 2 - وروى أيضا عن ابن مسعود قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال: " أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر " وإذا أصبح قال ذلك أيضا: " أصبحنا وأصبح الملك لله ". 3 - وروى أبو داود عن عبد الله بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قل ". قلت: يارسول الله ما أقول؟ قال: " قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شئ ". قال الترمذي حديث حسن صحيح. 4 - وروى أيضا عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه، يقول: " إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور. وإذا أمسى فليقل: اللهم بك أمسينا وربك أصبحنا، وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير ". قال الترمذي حديث حسن صحيح.

[ 596 ]

5 - وفي صحيح البخاري عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك (1) بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي. فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة، ومن قالها حين يصبح فمات من يومه دخل الجنة ". 6 - وفي الترمذي عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مرنى بشئ أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: " قل: اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والارض، رب كل شئ ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن نقترف سوءا على أنفسنا أو نجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. 7 - وفي الترمذي أيضا عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الارض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شئ ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. 8 - وفيه أيضا عن ثوبان وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال حين يمسي وإذا أصبح: رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، كان حقا على الله أن يرضيه ". وقال: حديث حسن صحيح. 9 - وفي الترمذي أيضا عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم اني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، أعتق الله ربعه من النار، فمن (هامش) (1) أبوء: أي اعترف. (.)

[ 597 ]

قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار، ومن قالها ثلاثا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، ومن قالها أربعا أعتقه الله من النار ". 10 - وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن غنام، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي، فقد أدى شكر ليلته ". 11 - وفي السنن وصحيح الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: " اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والاخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ". قال وكيع: يعني الخسف. 12 - وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أنه قال لابيه: يا أبت إني أسمعك تدعو كل غداة: " اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري. لا إله إلا أنت " تعيدها ثلاثا حين تصبح، وثلاثا حين تمسي فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن، فأنا أحب أن أستن بسنته. رواه أبو داود. وروى ابن السني عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال إذا أصبح: اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأتم نعمتك علي وعافيتك وسترك في الدنيا والاخرة، ثلاث مرات إذا أصبح وإذا أمسى، كان حقا على الله أن يتم عليه ". وروى عن أنس، أنه صلى الله عليه وسلم قال: " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم "؟ قالوا: ومن أبو ضمضم يا رسول الله؟ قال: " كان إذا أصبح قال: اللهم وهبت نفسي وعرضي لك. فلا يشتم من شتمه ولا يظلم من ظلمه ولا يضرب من ضربه ". وروي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

[ 598 ]

" من قال في كل يوم حين يصبح وحين يمسي: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، كفاه الله تعالى ما أهمه من أمر الدنيا والاخرة ". وروى عن طلق بن حبيب قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: يا أبا الدرداء قد احترق بيتك. فقال: ما احترق - لم يكن الله عزوجل ليفعل ذلك - بكلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قالها أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالها آخر النهار لم تصبه مصيبة حتى يصبح: " اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شئ قدير، وأن الله قد أحاط بكل شئ علما، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم ". وفي بعض الروايات أنه قال: انهضوا بنا، فقام، وقاموا معه، فانتهوا إلى داره، وقد احترق ما حولها، ولم يصبها شئ. أذكار النوم 1 - روى البخاري عن حذيفة وأبي ذر رضي الله عنهما، قالا: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: " باسمك اللهم أحياء وأموت " وإذا استيقظ قال: " الحمدلله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ". وكان من هديه أن يضع يده اليمنى تحت خده ويقول: " اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك " ثلاثا، ويقول: " اللهم رب السموات ورب الارض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شئ، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والانجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الاول فليس قبلك شئ، وأنت الاخر فليس بعدك شئ، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ، وأنت الباطن فليس دونك شئ، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ". وكان يقول: " الحمدلله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا، وآوانا، فكم ممن

[ 599 ]

لا كافي ولا مؤوي ". وكان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث (1) فيهما فقرأ فيهما: " قل هو الله أحد " و " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. وأمر أن يقول المضطجع: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين. وقال لفاطمة: " سبحي الله ثلاثا وثلاثين، واحمديه ثلاثا وثلاثين، وكبريه أربعا وثلاثين. وأوصى بقراءة الدعاء المتقدم ذكره: " اللهم فاطر السموات والارض... ألخ، " كما أوصى بقراءة آية الكرسي، وأخبر بأن من يقرأها لا يزال عليه من الله حافظ. وقال للبراء: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الايمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك. لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ثم قال: فإن مت، مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول " (2) دعاء الانتباه من النوم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المستيقظ من نومه أن يقول: " الحمد لله الذي رد علي روحي. وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره ". وكان إذا استيقظ قال: " لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. (هامش) (1) النفث: نفخ لطيف بلا ريق. (2) ذكرنا الاحاديث المتقدمة بدون تخريج اختصارا، وكلها صحيحة. (.)

[ 600 ]

وصح أنه قال: " من تعار (1) من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شئ قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا. استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته. " الذكر عند الفزع والارق والوحشة عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون، فإنها لن تضره. " قال: وكان ابن عمر يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ منهم كتبها في صك وعلقها في عنقه. وإسناده حسن. عن خالد بن الوليد رضي الله عنه: أنه أصابه أرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن نمت، قل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت ورب الارضين وما أقلت. ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا. أن يفرط علي أحد منهم أو أن يبغي علي عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك ". أو " لا إله إلا أنت. " رواه الطبراني في الكبير والاوسط، وإسناده جيد. إلا أن عبد الرحمن ابن سابط لم يسمع من خالد، ذكره الحافظ المنذري. روى الطبراني وابن السني عن البراء بن عازب: أن رجلا اشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحشة فقال: " قل: سبحان الله الملك القدوس رب الملائكة والروح، جللت السموات والارض بالعزة والجبروت " فقالها الرجل، فأذهب الله عنه الوحشة. ما يقوله ويفعله من رأى في منامه ما يكره 1 - عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: " إذا رأى أحدكم (هامش) (1) " التعار " السهر والتقلب على الفراش ليلا مع كلام. ا ه‍ قاموس والمراد: من استيقظ بالليل ولا يستطيع العود إلى النوم. (.)

[ 601 ]

الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه. " رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. 2 - وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بما رأى، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لاحد فإنها لا تضره. " رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. الذكر عند لبس الثوب 1 - وروى ابن السني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لبس ثوبا، أو قميصا، أو رداء، أو عمامة يقول: " اللهم إني أسألك من خيره وخير ما هو له، وأعوذ بك من شره وشر ما هو له. " 2 - روي عن معاذ بن أنس، أنه صلى الله عليه وسلم قال: " من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه " وتستحب التسمية كذلك، فإن كل شئ لا يبدأ فيه ببسم الله فهو ناقص. الذكر إذا لبس ثوبا جديدا 1 - عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه - عمامة أو قميصا أو رداء - ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له " رواه أبو داود والترمذي وحسنه. 2 - وروى الترمذي عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري (1) به عورتي، وأتجمل به في حياتي. ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به (هامش) (1) أواري: أي أستر. (.)

[ 602 ]

كان في حفظ الله وفي كنف الله عزوجل، وفي سبيل الله حيا وميتا ". ما يقول لصاحبه إذا رأى عليه ثوبا جديدا: 1 - صح أنه صلى الله عليه وسلم قال لام خالد - بعد أن ألبسها خميصة: " أبلي وأخلفي " وكانت الصحابة تقول: تبلي ويخلف الله. 2 - ورأى على عمر رضي الله عنه ثوبا فقال: " البس جديدا وعش حميدا، ومت شهيدا سعيدا " رواه ابن ماجه وابن السني. الذكر عند طرح الثوب روى ابن السني عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم، أن يقول الرجل المسلم إذا أراد أن يطرح ثيابه: بسم الله الذي لا إله إلا هو ". أذكار الخروج من المنزل 1 - روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال - يعني إذا خرج من بيته -: بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقال له كفيت ووقيت وهديت، وتنحى عنه الشيطان فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي. " 2 - وفي مسند أحمد عن أنس: " بسم الله آمنت بالله، اعتصمت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله " حديث حسن. 3 - وروى أهل السنن عن أم سلمة قالت: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: " اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل، أو يجهل علي " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. أذكار دخول المنزل 1 - في صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله

[ 603 ]

عليه وسلم يقول: " إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء. " 2 - وفي سنن أبي داود عن أبي مالك الاشعري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا ولج الرجل بيته فليقل اللهم إني أسألك خير المولج (1) وخير المخرج، بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على أهله. 3 - وفي الترمذي عن أنس قال، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم تكن بركة عليك وعلى أهل بيتك " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. الذكر عند رؤية ما يعجبه من ماله ينبغي للمرء إذا رأى ما يعجبه من أهله أو ماله أو يقول: " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " فإنه لا يرى بها سوءا. فإن رأى ما يسوءه فليقل: الحمد لله على كل حال قال الله تعالى " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ". وروى ابن السني عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ومال وولد فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيها آفة دون الموت. " وعنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى ما يسره قال: " الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات " وإذا رأى ما يسوءه قال: " الحمد لله على كل حال " رواه ابن ماجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد. الذكر عند النظر في المرآة 1 - روى ابن السني عن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه (هامش) (1) المولج: كموعد الدخول. (.)

[ 604 ]

وسلم كان إذا نظر في المرآة قال: " الحمد لله. اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي. " وروى عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظر وجهه في المرآة قال: " الحمد لله الذي سوى خلقي فعدله، وكرم صورة وجهي فحسنها، وجعلني من المسلمين. " ما يقال عند رؤية أهل البلاء روى الترمذي وحسنه عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من رأى مبتلى فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء ". قال النووي: قال العلماء: ينبغي أن يقول هذا الذكر سرا بحيث يسمع نفسه، ولا يسمعه المبتلى، لئلا يتألم قلبه بذلك. إلا أن تكون بليته معصية، فلا بأس أن يسمعه ذلك إن لم يخف من ذلك مفسدة. الذكر عند صياح الديكة والنهيق والنباح روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا، وإذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا. " وعند أبي داود " إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير بالليل فتعوذوا بالله منهن، فإنهن يرين مالا ترون ". الذكر عند الريح إذا هاجت روى أبو داود باسناد حسن عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الريح من روح (1) الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها ". (هامش) (1) روح: رحمة. (.)

[ 605 ]

وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به ". ما يقول عند سماع الرعد روى الترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: " اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك " وسنده ضعيف. الذكر عند رؤية الهلال 1 - روى الطبراني عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: " الله أكبر، اللهم أهله علينا بالامن والايمان، والسلامة والاسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله ". 2 - عند أبي داود مرسلا عن قتادة: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: " هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالله الذي خلقك " ثلاث مرات، ثم يقول: " الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا. " اذكار الكرب والحزن 1 - روى البخاري ومسلم عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الارض، ورب العرش الكريم ". 2 - وفي الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر (1) قال: " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ". (هامش) (1) حزبه: نزل به أمر مهم. (.)

[ 606 ]

3 - وفيه عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمه الامر رفع رأسه إلى السماء فقال: " سبحان الله العظيم " وإذا اجتهد في الدعاء قال: " يا حي يا قيوم ". 4 - وفي سنن أبي داود عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت ". 5 - وفيه أيضا عن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب أو في الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئا " وفي رواية: أنها تقال سبع مرات. 6 - وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت " لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين " لم يدع بها رجل مسلم في شئ قط إلا استجيب له. " وفي رواية له: " إني لاعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس عليه السلام. " 7 - وعند أحمد وابن حبان عن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن امتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا ". الذكر عند لقاء العدو وعند الخوف من الحاكم روى أبو داود والنسائي عن أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما قال: " اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. " وروى ابن السني: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة فقال: " يا مالك يوم

[ 607 ]

الدين إياك أعبد وإياك أستعين " قال أنس: فلقد رأيت الرجال تصرعها الملائكة من بين يديها ومن خلفها. وروى أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا خفت سلطانا أو غيره فقل لا إله إلا الله الحكيم الكريم سبحان الله ربي، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت عز جارك، وجل ثناؤك. " وروى البخاري عن ابن عباس قال: " حسبنا الله ونعم الوكيل " قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: " إن الناس قد جمعوا لكم ". وعن عوف بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين. فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبنا الله ونعم الوكيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس (1) فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل. " ما يقول إذا استصعب عليه أمر روى ابن السني عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا. وانت تجعل الحزن (2) سهلا ". ما يقول إذا تعسرت معيشته روى ابن السني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم " ما يمنع أحدكم إذا عسر عليه أمر معيشته أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله على نفسي ومالي وديني، اللهم رضني بقضائك، وبارك لي فيما قدر حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت ". (هامش) (1) الكيس: العمل. (2) الحزن: غليظ الارض وخشنها. (.)

[ 608 ]

الذكر عند الدين 1 - روى الترمذي وحسنه عن علي رضي الله عنه، أن مكاتبا جاءه. فقال: إني عجزت عن كتابتي فأعني. فقال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان عليك مثل جبل صبر (1) دينا إلا أداه الله عنك، قل: " اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك ". 2 - وقال أبو سعيد: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل من الانصار، يقال له أبو أمامة، فقال: " يا أبا أمامة مالي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة؟ " قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله. قال: " أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال: " قل إذا أصبحت وأذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، واعوذ بك من العجز والكسل، واعوذ بك من الجبن والبخل، واعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. " قال، ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني. ما يقول إذا نزل به ما يكره أو غلب على أمره روى ابن السني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليسترجع احدكم في كل شئ حتى في شسع نعله فانها من المصائب ". يسترجع: يقول إذا نزل به ما يسوءه حتى ولو انقطع الشسع: " إنا لله وإنا إليه راجعون ". والشسع: أحد سيور النعل التي تشد إلى زمامها. وروى مسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شئ، فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ". (هامش) (1) جبل صبر: جبل لطي. (.)

[ 609 ]

ما يقول له من نزل به الشك 1 - روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك، فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ". 2 - وفي الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله ورسله. ما يقول عند الغضب روى البخاري ومسلم عن سليمان بن صرد قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يستبان: أحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لاعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه ". من جوامع أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم 1 - قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الجوامع من الدعاء ويدع ما بين ذلك. ونحن نذكر من هذه الادعية مالا غنى للمرء عنه... عن أنس رضي الله عنه قال، كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذا ب النار ". 2 - وروى مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد خفت (1) فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل كنت تدعو بشئ أو تسأله إياه؟ " قال نعم. كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الاخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هامش) (1) خفت: ضعف وهزل حتى صار مثل ولد الطائر. (.)

[ 610 ]

سبحان الله، لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار ". 3 - وروى أحمد والنسائي، أن سعدا سمع ابنا له يقول: اللهم إني أسألك الجنة وغرفها وكذا وكذا، واعوذ بك من النار وأغلالها وسلاسلها. فقال سعد لقد سألت الله خيرا كثيرا، وتعوذت به من شر كثير. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سيكون قوم يعتدون في الدعاء. بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم اعلم، واعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم. " ورويا عن ابن عباس قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " رب اعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي وانصري على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارا، لك ذكارا، لك رهابا (1) لك مطواعا، لك (2)، مخبتا أواها (3) إليك منيبا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، (4)، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لساني واهد قلبي، واسلل سخيمة (5) صدري " وروى مسلم عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، زكها انت خير من زكاها، إنك وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها. " وفي صحيح الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء؟ " قالوا: نعم يا رسول الله قال: " قولوا: اللهم اعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ". (هامش) (1) رهابا: كثير الرهبة والخوف. (2) الاخبات: الخشوع. (3) التأوه: شدة الحرقة " والمنيب ": كثير الرجوع إلى الله. (4) الحوبة: الاثم. (5) السخيمة: الغلل والحقد. (.)

[ 611 ]

وعند أحمد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألظوا (1) بيا ذا الجلال والاكرام. " وعنده أيضا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " والميزان بيد الرحمن عزوجل، يرفع أقواما ويضع آخرين. وعن ابن عمر رضى الله عنهما، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك وجميع سخطك. " وروى الترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كل حال، واعوذ بالله من حال أهل النار. " روى مسلم: ان فاطمة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما. فقال لها: " قولي: اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شي، منزل التوراة والانجيل والقرآن، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شئ أنت آخذ بناصيته، أنت الاول فليس قبلك شئ وأنت الاخر فليس بعدك شئ، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ، وأنت الباطن فليس دونك شئ اقض عني الدين وأغنني من الفقر. " وروى أيضا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: " اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ". روى الترمذي، وحسنه، والحاكم عن ابن عمر قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الكلمات لاصحابه " اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل تأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا ". (هامش) (1) ألظوا: أي الزموا هذه الدعوة وداوموا عليها. (.)

[ 612 ]

الصلاة والسلام على رسول الله قال الله تعالى: " إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ". معنى الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البخاري: قال أبو العالية: " صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء ". وقال أبو عيسى الترمذي، وروى عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: " صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار ". قال ابن كثير: والمقصود من هذه الاية، أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملا الاعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وان الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين، العلوي والسفلي جميعا. وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة، ونذكر بعضها فيما يلى. 1 - روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ". 2 - وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة " قال الترمذي: " حديث حسن " اي أحقهم بشفاعته واقربهم مجلسا منه. 2 - وروى أبو داود باسناد صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم ". 4 - وروى أبو داود والنسائي عن أوس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من

[ 613 ]

الصلاة فيه، فان صلاتكم معروضة علي ". فقالوا يارسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت: أي: بليت؟. قال: " إن الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء ". 5 - وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه باسناد صحيح: - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مامن أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ". 6 - روى الامام أحمد عن أبي طلحة الانصاري قال: " أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما طيب النفس يرى في وجهه البشر " قالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر. قال: " أجل: أتاني آت من ربي عزوجل فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها " قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد. 7 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سره أن يكال له بالمكيال الاوفى - إذا صلى علينا أهل البيت - فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ". رواه أبو داود والنسائي. 8 - عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: " يا ايها الناس اذكروا الله. اذكروا الله. جاءت الراجفة (1) تتبعها الرادفة (2) جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه " قلت: يارسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: " ما شئت ". قلت: الربع؟ قال: " ما شئت، فان زدت فهو خير لك " قلت: النصف؟ قال: " ما شئت، فان زدت فهو خير لك ". قلت: فالثلثين؟ قال: " ما شئت، فان زدت فهو خير لك ". قلت: أجعل لك صلاتي كلها (3) قال: " إذن تكفي همك ويغفر لك ذنبك " رواه الترمذي. (هامش) (1) الراجفة: النفخة الاولى. (2) الرادفة: النفخة الثانية. (3) أي: أجعل مجالسي كلها في الصلاة والسلام عليك. (.)

[ 614 ]

هل تجب الصلاة والسلام عليه كلما ذكر اسمه ذهب إلى وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذكر طائفة من العلماء، منهم الطحاوي والحليمي واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذي وحسنه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل ان يغفر له، ورغم أنف رجل ادرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة ". ولحديث أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي ". وذهب آخرون إلى وجوب الصلاة عليه في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحب. لحديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة (1) يوم القيامة، فان شاء عذبهم، وان شاء غفر لهم " رواه الترمذي وقال: حسن. استحباب كتابة الصلاة والسلام عليه كلما ذكر اسمه استحب العلماء الصلاة والسلام عليه - صلوات الله وسلامه عليه - كلما كتب اسمه، إلا أنه لم يرد في ذلك حديث يصح الاحتجاج به. وذكر الخطيب البغدادي قال: رأيت بخط الامام أحمد بن حنبل رحمه الله كثيرا ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابة. قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظا. الجمع بين الصلاة والتسليم قال النووي: إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، ولا يقتصر على احدهما فلا يقل: صلى الله عليه فقط، ولا عليه السلام فقط. (هامش) (1) الترة: النقص. (.)

[ 615 ]

الصلاة على الانبياء تستحب الصلاة على الانبياء والملائكة استقلالا. واما غير الانبياء فانه يجوز الصلاة عليهم تبعا باتفاق العلماء وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم صل على محمد النبي وازواجه أمهات المؤمنين إلخ ". وتكره الصلاة عليهم استقلالا، فلا يقال: عمر صلى عليه وسلم. صيغة الصلاة والسلام عليه (1) وروى مسلم عن أبي مسعود الانصاري أن بشير بن سعد قال: أمرنا الله أن نصلي عليك يارسول الله. كيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم. " وروى ابن ماجة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة فانكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قالوا له فعلمنا قال: قولوا، اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقدمين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما يغبطه به الاولون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ما جاء في السفر عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سافروا تصحوا، واغزوا تستغنوا " رواه أحمد، وصححه المناوي. (هامش) (1) تقدم بعض الصيغ الواردة في ذلك. (.)

[ 616 ]

الخروج لما يحبه الله: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من خارج يخرج من بيته إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله عزوجل اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك، حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله، اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان، حتى يرجع إلى بيته " رواه أحمد والطبراني، وسنده جيد. الاستشارة والاستخارة قبل الخروج: ينبغي للمسافر أن يستشير أهل الخير والصلاح في سفره قبل خروجه. لقوله تعالى " وشاورهم في الامر ". وقوله تعالى في وصف المؤمنين: " وأمرهم شورى بينهم ". قال قتادة: ما شاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم. وأن يستخير الله تعالى: فعند أحمد، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سعادة ابن آدم استخارة الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله ". قال ابن تيمية: " ما ندم من استخار الخلق وشاور المخلوقين ". وصفة الاستخارة: أن يصلي ركعتين من غير الفريضة، ولو كانتا من السنن الراتبة، أو تحية المسجد، في أي وقت من الليل أو النهار، يقرأ فيهما بما شاء بعد الفاتحة، ثم يحمد الله ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بالدعاء الذي رواه البخاري، من حديث جابر رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الامور كلها (1) كما (هامش) (1) قال الشوكاني: هذا دليل على العموم، وأن المرء لا يحتقر أمرا لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه، فرب أمر يستخف بأمره فيكون في الاقدام عليه أو في تركه ضرر عظيم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم. " ليسأل أحدكم ربه، حتى شسع نعله ". (.)

[ 617 ]

يعلمنا السورة من القرآن يقول: " إذا هم أحدكم بالامر، فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني استخيرك (1) بعلمك، وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الامر (2) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، (3) فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الامر شر لي، في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال - عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به " قال: ويسمي حاجته - أي يسمى حاجته عند قوله: " أللهم ان كان هذا الامر ". ولم يصح في القراءة فيها شئ مخصوص، كما لم يصح شئ في استحباب تكرارها. قال النووي: ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسا، وإلا فلا يكون مستخيرا لله، بل يكون غير صادق في طلب الخيرة، وفي التبري من العلم والقدرة، وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة، ومن اختياره لنفسه ". استحباب السفر يوم الخميس: روى البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما كان يخرج، إذا أراد سفرا، إلا يوم الخميس. استحباب الصلاة قبل الخروج: عن المطعم بن المقدام رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرا " رواه الطبراني وابن عساكر وسنده معضل، أو مرسل. (هامش) (1) أستخيرك: أي أطلب منك الخيرة أو الخير. (2) يسمى حاجته هنا. (3) يجمع بينهما. (.)

[ 618 ]

استحباب اتخاذ الاصحاب والرفقاء: 1 - روى أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوحدة: أن يبيت الرجل وحده، أو يسافر وحده. 2 - وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب ". استحباب توديع أهله وأقاربه وطلب الدعاء منهم، ودعائه لهم: 1 - روى ابن السني، وأحمد، عن أبي هريرة، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " من أراد أن يسافر فليقل لمن يخلف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ". 2 - وروى أحمد عن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله إذا استودع شيئا حفظه ". 3 - ويروى عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أراد أحدكم سفرا فليودع إخوانه، فإن الله تعالى جاعل في دعائهم خيرا ". 4 - والسنة أن يدعو الاهل والاصحاب والمودعون للمسافر بهذا الدعاء المأثور. قال سالم: كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول للرجل - إذا أراد سفرا - أدن مني اودعك، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا، فيقول: " استودع الله دينك، وأمانتك (1) وخواتيم عملك ". وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ودع رجلا، أخذ بيده، فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر الحديث المتقدم. قال الترمذي: حسن صحيح. (هامش) (1) قال الخطابي: الامانة - هنا - أهله، ومن يخلفه، وماله الذي عند أمينه، وذكر الدين هنا، لان السفر مظنة المشقة، فربما كان سببا لاهمال بعض أمور الدين. (.)

[ 619 ]

- وعن أنس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أريد سفرا فزودني، فقال: " زودك الله التقوى " قال: زدني، قال: " وغفر ذنبك ". قال: زدني، قال: " ويسر لك الخير حيثما كنت ". قال الترمذي: حديث حسن. 6 - وعن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله صلى إني أريد أن أسافر فأوصني، قال: " عليك بتقوى الله عز وجل، والتكبير على كل شرف (1) " فلما ولى الرجل قال: " اللهم اطو (2) له البعد وهون عليه السفر ". قال الترمذي: حديث حسن. طلب الدعاء: من المسافر في موطن الخير: قال عمر رضي الله عنه: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة، فأذن لي، وقال: " لا تنسنا يا أخي من دعائك " فقال: كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. أدعية السفر يستحب للمسافر أن يقول - إذا خرج من بيته -. " بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوز إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي ". ثم يتخير من الادعية الامأثورة ما يشاء. وهاك بعضها: 1 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى سفر قال: " اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الاهل، اللهم إني أعوذ بك من الضبنة (3) في السفر، والآبة في المنقلب، اللهم اطولنا الارض، وهون علينا السفر. " وإذا أراد الرجوع قال: " آيبون تائبون (هامش) (1) الشرف: المكان المرتفع. (2) الطو: قرب. (3) " الضبنة " مثلثة الضاد: الرفاق الذين لا كفاية لهم: أي أعوذ بك من صحبتهم في السفر. (.)

[ 620 ]

عابدون لربنا حامدون. " وإذا دخل على أهله قال: " توبا توبا (1) لربنا أوبا، لا يغادر علينا حوبا " رواه أحمد، والطبراني، والبزار، بسند رجاله رجال الصحيح. 2 - وعن عبد الله بن سرجس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج في سفر قال: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب. والحور بعد الكور (2)، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في المال والاهل ". وإذا رجع قال مثلها، إلا أنه يقول: " وسوء المنظر في الاهل والمال ". فيبدأ بالاهل. رواه أحمد، ومسلم. ما يقول المسافر عند الركوب: عن علي بن ربيعة قال: رأيت عليا رضي الله عنه أتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى عليها قال: الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا مقرنين (3) وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم حمد الله ثلاث، وكبر ثلاثا، ثم قال: سبحانك، لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك. فقلت: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ما فعلت، ثم ضحك، فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: يعجب الرب من عبده إذا قال رب اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري. رواه أحمد وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وعن الازدي: ان ابن عمر رضى الله عنهما علمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال، " سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم (هامش) (1) " توبا " مصدر تاب. و " أوبا " مصدر آب، وهما بمعنى رجع. " والحوب ": الذنب. (2) " والحور بعد الكور ": أي أعوذ بك من الفساد بعد الصلاح. (3) " وما كنا له مقرنين ": أي مطيقين قهره. (.)

[ 621 ]

هون علينا سفرنا هذا، واطوعنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الاهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر (1)، وكآبة المنقلب (2)، وسوء المنظر في الاهل والمال (3) " وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: " آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون " أخرجه أحمد، ومسلم. ما يقوله المسافر إذا أدركه الليل: عن ابن عمر رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: " يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما دب عليك، أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود (4)، وحية وعقرب، ومن شر ساكن البلد، ومن شر والد وما ولد " رواه أحمد وأبو داود. ما يقوله المسافر إذا نزل منزلا: عن خولة بنت حكيم السلمية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات (5) كلها من شر ما خلق، لم يضره شئ حتى يرتحل من منزله ذلك " رواه الجماعة إلا البخاري، وأبا داود. ما يقوله المسافر إذا أشرف على قرية أو مكان وأراد أن يدخله: عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه: أن كعبا حلف له بالذي فلق البحر لموسى: أن صهيبا حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: " اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الارضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح (هامش) (1) " وعثاء السفر ": مشقته. (2) " كآبة " أي حزن. " المنقلب " العودة: والمعنى أي أعوذ بك من الحزن عند الرجوع. (3) وسوء المنظر في الاهل والمال " أي مرضهم " مثلا. (4) " الاسود ": العظيم من الحيات. (5) " التامات " أي الكاملات، والمراد بالكلمات الله: القرآن. (.)

[ 622 ]

وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك ما شرها وشر أهلها وشر ما فيها ". رواه النسائي وابن حبان، والحاكم وصححاه. وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا رأى قرية يريد أن يدخلها قال: " اللهم بارك لنا فيها - ثلاث مرات - اللهم ارزقنا جناها (1) وحببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا " رواه الطبراني في الاوسط بسند جيد. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال، " اللهم إني أسألك من خير هذه وخير ما جمعت فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما جمعت فيها اللهم ارزقنا جناها وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا " رواه ابن السني. ما يقوله المسافر وقت السحر: عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر وسحر (2) يقول: " سمع سامع (3) بحمد لله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذا بالله من النار (4) " رواه المسلم. ما يقول المسافر إذا علا شرفا، أو هبط واديا أو رجع: 1 - روى البخاري عن جابر رضى الله عنه قال: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا. 2 - وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله (هامش) (1) " اللهم ارزقنا جناها ": أي ما يجتنى منها من ثمار. (2) " أسحر " أي انتهى في سيره إلى السحر، وهو آخر الليل. (3) " سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا ": أي شهد شاهد لناا بحمدنا الله، وحمدنا لنعمته، ولحسن فضله علينا " والبلاء ": الفضل والنعمة. (4) هذا دعاء لله أن يكون صاحبا لنا، وعاصما لنا من النار ومن أسبابها. (.)

[ 623 ]

عليه وسلم كان إذا قفل (1) من الحج أو العمرة " ولا أعلمه إلا قال: الغزو " كلما أوفى (2) على ثنية (3) أو " فدفد (4) كر ثلاثا " ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده ". ما يقوله المسافر إذا ركب سفينة: 1 - رسو ابن السني عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمان أمتي من الغرق - إذا ركبوا - أن يقولوا: " بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم "، " وما قدروا الله حق قدره، والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ". ركوب البحر عند اضطرابه: لا يجوز ركوب البحر عند اضطرابه. لحديث أبى عمران الجوني قال: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من بات فوق بيت ليس له إجار (5) فوقع فمات فقد برئت منه الذمة (6) ومن ركب البحر عند ارتجاجه (7) فمات فقد برئت منه الذمة " رواه أحمد، بسند صحيح. (هامش) (1) " قف ": أي عاد. (2) " أوفى ": أي أشرف. (3) " الثنية ": الطريق العالي في الجبل. (4) " الفدفد ": أي الموضع الذي فيه اغلظ وارتفاع. والمراد الطريق الوعر. (5) " أجار ": سور. (6) الذمة ": حفظ الله له، والمراد: أن الله يتخلى عن حفظه. (7) " ارتجاجه ": اضطرابه (.)

[ 625 ]

الحج قال الله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة (1) مباركا وهدى للعالمين - فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا - ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فزن الله غني عن العالمين ". تعريفه: هو قصد مكة، لان عبادة الطواف، والسعي والوقوف بعرفة، وسائر المناسك، استجابة لامر الله، وابتغاء مرضاته. وهو أحد أركان الخمسة، وفرض من الفرائض التي علمت من الدين بالضرورة. فلو أنكر وجوبه منكر كفر وارتد عن الاسلام. والمختار لدى جمهور العلماء، أن إيجابه كان سنة ست بعد الهجرة، لانه نزل فيها قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله). وهذا مبني على أن الاتمام يراد به ابتداء الفرض. ويؤيد هذا قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم النخعي: " وأقيموا " رواه الطبراني بسند صحيح. ورجح ابن القيم، أن افتراض الحج كان سنة تسع أو عشر. فضله: رغب الشارع في أداء فريضة الحج، وإليك بعض ما ورد في ذلك: (هامش) (1) " ببكة " أي بمكة. (.)

[ 626 ]

ما جاء في أنه من أفضل الاعمال: عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الاعمال أفضل؟ قال: " إيمان بالله ورسوله " قيل: ثم ماذا؟ قال: " ثم جهاد في سبيل الله " قيل: ثم ماذا؟ قال: " ثم حج مبرور ". والحج المبرور هو الحج الذي لا يخالطه إثم. وقال الحسن: أن يرجع زاهدا في الدنيا، راغبا في الاخرة. وروي مرفوعا - بسند حسن - إن بره إطعام الطعام، ولين الكلام. ما جاء في أنه جهاد: 1 - عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني جبان، وإني ضعيف، فقال: " هلم إلى جهاد لا شوكة فيه: الحج " رواه عبد الرزاق، والطبراني، ورواته ثقات. 2 - وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جهاد الكبير، والضعيف، والمرأة، الحج " رواه النسائي بإسناد حسن. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، ترى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: " لكن أفضل الجهاد: حج مبرور " رواه البخاري، ومسلم. 4 - ورويا عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ قال: " لكن أحسن الجهاد وأجمله: الحج، حج مبرور " قالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما جاء في أنه يمحق الذنوب: 1 - عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حج فلم يرفث (1) ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " رواه البخاري، ومسلم. 2 - وعن عمرو بن العاص قال: لما جعل الله الاسلام في قلبي أتيت (هامش) (1) " يرفث ": يجامع. " يفسق " يعصى. " كيوم ولدته أمه ": أي بلا ذنب. (.)

[ 627 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ابسط يدك فلا بايعك. قال: فبسط فقبضت يدي فقال: " مالك يا عمرو؟ " قلت: أشترط، قال: " تشترط ماذا؟ " قلت: أن يغفر لي؟ قال: " أما علمت أن الاسلام يهدم ما قبله. وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله " رواه مسلم. 3 - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تابعوا (1) بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب. كما ينفي الكير خبث (2) الحديد، والذهب، والفضلة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة " رواه النسائي، والترمذي وصححه. ما جاء في أن الحجاج وفد الله: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " " الحجاج، والعمار، وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم "، رواه النسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، ولفظهما: " وفد الله ثلاثة، الحجاج والمعتمر، والغازي ". ما جاء في أن الحج ثوابه الجنة: 1 - روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة ". 2 - وروى ابن جريج - بإسناد حسن - عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا البيت دعامة الاسلام، فمن خرج يؤم (3) هذا البيت من حاج أو معتمر، كان مضمونا على الله، إن قبضه أن يدخله الجنة " وإن رده، رده بأجر وغنيمة ". فضل النفقة في الحج: عن بريدة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " النفقة في الحج (هامش) (1) " تابعوا " أي والوا بينهما وأتبعوا أحد النسكين الاخر، بحيث يظهرا. (2) " خبث ": وسخ " الكير ": الالة التي ينفخ بها الحداد والصائغ النار. (3) " يؤم " أي يقصد. (.)

[ 628 ]

كالنفقة في سبيل الله: الدرهم بسبعمائة ضعف " رواه ابن أبي شيبة، وأحمد، والطبراني، والبيهقي، وإسناده حسن. الحج يجب مرة واحدة: أجمع العلماء على أن الحج لا يتكرر، وأنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة - إلا أن ينذره فيجب الوفاء بالنذر - وما زاد فهو تذوع. فعن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا أيها الناس، إن الله كتب (1) عليكم الحج فحجوا "، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ثم قال صلى الله عليه وسلم " لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم " ثم قال: " ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فزذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه " رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا أيها الناس كتب عليكم الحج " فقام الاقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله " فقال: " لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع ". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، وصححه. وجوبه على الفور أو التراخي: ذهب الشافعي، والثوري، والاوزاعي، ومحمد بن الحسن إلى أن الحج واجب على التراخي، فيؤدى في أي وقت من العمر، ولا يأثم من وجب عليه بتأخيره متى أداه قبل الوفاة، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الحج إلى سنة عشرة، وكان معه أزواجه وكثير من أصحابه، مع أن إيجابه كان سنة ست فلو كان واجبا على الفور لما أخره صلى الله عليه وسلم. قال الشافعي: فاستدللنا على أن الحج فرضه مرز في العمر، أوله البلوغ، (هامش) () " كتب " أي فرض. (.)

[ 629 ]

وآخره أن يأتي به قبل موته. وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي، وأبو يوسف إلى أن الحج واجب على الفور. لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أراد الحج فليعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتكون الحاجة ". رواه أحمد، والبيهقي، والطحاوي، وابن ماجه. وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " تعجلوا الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له " رواه أحمد، والبيهقي، وقال ما يعرض له من مرض أو حاجة. وحمل الاولون هذه الاحاديث على الندب، وأنه يستحب تعجيله والمبادرة به متى استطاع المكلف أداءه. شروط وجوب الحج اتفق الفقهاء على أنه يشتررط لوجوب الحج، الشرط الاتية: 1 - الاسلام. 2 - البلوغ. 3 - العقل. 4 - الحرية. 5 - الاستطاعة. فمن لم تتحقق فيه هذه الشروط، فلا يجب عليه الحج. وذلك أن الاسلام، والبلوغ، والعقل، شرط التكليف في أية عبادة من العبادات. وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل (1). والحرية شرط لوجوب الحج، لانه عبادة تقتضي وقتا، ويشترط فيها (هامش) (!) تقدم الحديث في الاجزاء السابقة. (.)

[ 630 ]

الاستطاعة، بينما العبد مشغول بحقوق سيده وغير مستطيع. وأما الاستطاعة، فلقول الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (1).) بم تتحقق الاستطاعة؟ تتحقق الاستطاعة التي هي شرط من شروط الوجوب بما يأتي: 1 - أن يكون المكلف صحيح البدن، فإن عجز عن الحج لشيخوخته، أو زمانة، أو مرض لا يرجى شفاؤه، لزمه إحجاج غيره عنه إن كان له مال، وسيأتي في " مبحث الحج عن الغير " 2 - أن تكون الطريق آمنة، بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله. فلو خاف على نفسه من قطاع الطريق، أو وباء، أو خاف على ماله من أن يسلب منه، فهو ممن لم يستطع إليه سبيلا. وقد اختلف العلماء فيما يؤخذ في الطريق، من المكس والكوشان، هل يعد عذرا مسقطا للحج أم لا؟. ذهب الشافعي وغيره، إلى اعتباره عذرا مسقطا للحج، وإن قل المأخوذ. وعند المالكية: لا يعد عذر، إلا إذا أجحف بصاحبه أو تكرر أخذه. 3، 4 - أن يكون مالكا للزاد، والراحلة. والمعتبر في الزاد: أن يملك ما يكفيه مما يصح به بدنه، ويكفي من يعوله كفايز فاضلة عن حوائجه الاصلية، من ملبس ومسك، ومركب، وآلة حرفة (2) حتى يؤدي الفريضة ويعود. والمعتبر في الراحلة أن تمكنه من الذهاب والاياب، سواء أكان ذلك عن طريق البر، أو البحر، أو الجو. وهذا بالنسبة لما لا يمكنه المشي لبعده عن مكة. (هامش) (1) أي فرض الله على الناس حج البيت من استطاع منهم إليه سبيلا. (2) لا تباع الثياب التي يلبسها، ولا المتاع الذي يحتاجه، ولا الدار التي يسكنها، وإن كانت كبيرة، تفضل عنه، من أجل الحج. (.)

[ 631 ]

فأما القريب الذي يمكنه المشي، فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه، لانها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها. وقد جاء في بعض روايات الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسر السبيل بالزاد والراحلة. فعن أنس رضي الله عنه، قال: قيل يا رسول الله ما السبيل (1)؟ قال: " الزاد والراحلة " رواه الدارقطني وصححه. قال الحافظ: والراجح إرساله: وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أيضا، وفي إسناده ضعف. وقال عبد الحق: طرقه كلها ضعيفة. وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندا، والحصيح رواية الحسن المرسلة. وعن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا، وذلك أن الله تعالى يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) رواه الترمذي، وفي إسناده " هلال " ابن عبد الله، وهو مجهول، و " الحارث " وكذبه الشعبي وغيره. والاحاديث، وإن كانت كلها ضعيفة، إلا أن أكثر العلماء يشترط لايجاب الحج الزاد والراحلة لمن نأت داره فمن لم يجد زادا ولا راحلة فلا حج عليه. قال ابن تيمية: فهذه الاحاديث - مسندة من طرق حسان، ومرسلة، وموقوفة - تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة، مع علم النبي صلى الله عليه وسلم أن كثيرا من الناس يقدرون على المشي. وأيضا فإن الله قال: في الج: " من استطاع إليه سبيلا " إما أن يعني القدرة المعتبرز في جميع العبادات - وهو مطلق المكنة - أو قدرا زائدا على ذلك، فإن كان المعتبر الاول لم تحتج إلى هذا التقييد، كما لم يحتج إليه في آية الصوم والصلاة فعلم أن المعتبر قدر زائدا على ذلك، وليس هو إلا المال. (هامش) (1) أي ما معنى " السبيل " المذكور في الاية. (.)

[ 632 ]

وأيضا فإن الحج عبادة مفتقرة إلى مسفاة فافتقر وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة، كالجهاد. ودليل الاصل (1) قوله تعالى: (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) إلى قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم، قلت لا أجد ما أحملكم عليه). وفي المهذب: وإن وجد ما يشتري به الزاد والراحلة وهو محتاج إليه لدين عليه، لم يلزمه، حالا كان الدين ومؤجلا، لان الدين الحال على الفور، والحج على التراخي، فقدم عليه، والمؤجل يحل عليه، فإذا صرف ما معه في الحج لم يجد ما يقضي به الدين. قال: وإن احتاج إليه لمسكن لا بد من مثله، أو خادك يحتاج إلى خدمته. لم يلزمه. وإن احتاج إلى النكاح - وهو يخاج العنت - قدم النكاح، لان الحاجة إلى ذلك على الفور. وإن احتاج إليه في بضاعة يتجر فيها، ليحصل منها ما يحتاج إليه للنفقة، فقد قال أبو العباس، ابن صريح: لا يلزمه الحج، لانه محتاج إليه، فهو كالمسكن والخادم. وفي المغني: إن كان دين على ملئ باذل له يكفيه للحج لزمه، لانه قادر، وإن كان على معسر، أو تعذر استيفاؤه عليه لم يلزمه. وعند الشافعية: أنه إذا بذل رجل لاخر راحلة من غير عوض لم يلزمه قبولها، لان عليه في قبول ذلك منة، وفي تحمل المنة مشقة، إلا إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج لزمه، لانه أمكنه الحج من غيره منة تلزمه. وقالت الحنابلة: لا يلزمه الحج ببذل غيره له، ولا يصير مستطيعا بذلك، سواء كان الباذل قريبا أو أجنبيا. وسواء بذل له الركوب والزاد، أو بذل له مالا. 5 - أن لا يوجد ما يمنع الناس من الذهاب إلى الحج كالحبس والخوف من سلطان جائر يمنع الناس منه. (هامش) (1) " الاصل " أي الجهاد المقيس عليه، فإنه أصل يقاس عليه الفرع. وهو الحج. (.)

[ 633 ]

حج الصبي والعبد لا يجب عليهما الحج، لكنهما إذا حجا صح منهما، ولا يجزئهما عن حجة الاسلام: قال ابن عباس رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أيما صبى حج ثم بلغ الحنث (1) فعليه أن يحج حجة أخرى. أيما عبد حج ثم أعتق، فعليه أن يحج حجة أخرى " رواه الطبراني بسند صحيح. وقال السائب بن يزيد: حج أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأنا ابن سبع سنين. رواه أحمد والبخاري، والترمذي، وقال: قد أجمع أهل العلم: على أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا أدرك، وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم أعتق فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة رفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيا. فقالت: ألهذا حج؟ قال: " نعم (2) ولك أجرا (3) ". وعن جابر رضي الله عنه: قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم. رواه أحمد، وابن ماجه. ثم إن كان الصبي مميزا أحرم بنفسه وأدى مناسك الحج، وإلا أحرم عنه وليه (4) ولبى عنه وطاف به وسعى، ووقف بعرفة، ورمى عنه. ولو بلغ قبل الوقوف بعرفة، أو فيها: أجزأ عن حجة الاسلام، كذلك العبد إذا أعتق. (هامش) (1) الحنث: الاثم، أي بلغ أن يكتب عليه إثمه. (2) أكثر أهل العلم على أن الصبي يثاب على طاعته وتكتب له حسناته دون سيئاته، وهو مروي عن عمر. (3) أي فيما تتكلفين من أمره بالحج، وتعليمه إياه. (4) قال النووي: الولي الذي يحرم عنه إذا كان غير مميز هو ولي ماله وهو أبوه أو جده أو الوصي من جهة الحاكم. اما الام فلا يصح احرامها الا إذا كانت وصيز أو منصوبة من جهة الحاكم. وقيل: يصح إحرامها وإحرام الوصية وإن لم يكن لهما ولاية. (.)

[ 634 ]

وقال مالك، وابن المنذر: لايجزئهما، لان الاحرام العقد تطوعا، فلا ينقلب فرضا. حج المرأة يجب على المرأة الحج، كما يجب على الرجل، سواء بسواء، إذا استوفت شرائط الوجوب التي تقدم ذكرها، ويزاد عليها بالنسبة للمرأة أن يصحبها زوج أو محرم (1). فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقام رجل، فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة وكذا وكذا فقال: " انطلق فحج (2) مع امرأتك " رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم. وعن يحيى بن عباد قال: كتبت امرأة من أهل الري إلى إبراهيم النخعي: إني لم أحج حجة الاسلام، وأنا موسرة، ليس لي ذو محرم، فكتب إليها: " إنك ممن لم يجعل الله له سبيلا ". وإلى اشتراط هذا الشرط، وجعله من جملة الاستطاعة، ذهب أبو حنيفة وأصحابه، والنخعي، والحسن، والثوري، وأحمد، وإسحق. قال الحافظ: والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات، وفي قول: تكفي امرأة واحدة ثقة، وفي قول - نقله الكرابيسي وصححه في المهذب - تسافر وحدها، إذا كان الطريق آمنا. وهذا كله في الواجب من حج أو عمرة. (هامش) (1) قال الحافظ في الفتح: وضابط المحرم عند العلماء: من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد: أخت الزوجة وعمتها، وبالمباح: أم الموطوءة بشبهة وبنتها، وبحرمتها: الملاعنة. (2) هذا الامر للندب، فإنه لا يلزم الزوج أو المحرم السفر مع المرأة، إذا لم يوجد غيره، لما في الحج من المشقة، ولانه لا يجب على أحد بذل منافع نفسه، ليحصل غيره ما يجب عليه. (.)

[ 635 ]

وفي " سبل السلام ": قال جماعة من الائمة: يجوز للعجوز السفر من غير محرم. وقد استدل المجيزون لسفر المرأة من غير محرم ولازوج - إذا وجدت رفقة مأمونة، أو كان الطريق آمنا - بماروه البخاري عن عدي بن حاتم قال: " بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: " يا عدي هل رأيت الحيرة (1) " قال: قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: " فإن طالت بك حياة لترين الظعينة (2) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله ". واستدلوا أيضا بأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم حججن بعد أن أذن لهن عمر في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن ابن عوف. وكان عثمان ينادي: ألا لا يدنو أحد منهن، ولا ينظر إليهن، وهن في الهوادج على الابل. وإذا خالفت المرأة وحجت، دون أن يكون معها زوج أو محرم، صح حجها. وفي سبل السلام قال ابن تيمية: إنه يصح الحج من المرأة بغير محرم، ومن غير المستطيع. وحاصله: أن من لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة، مثل المريض، والفقير، والمعضوب، والمقطوع طريقه، والمرأة بغير محرم، وغير ذلك، إذا تكلفوا شهود المشاهد، أجزأهم الحج. ثم منهم من هو محسن في ذلك، كالذي يحج ماشيا، ومنهم من هو مسئ في ذلك، كالذي يحج بالمسألة، والمرأة تحج بغير محرم. وإنما أجزأهم، لان الاهلية تامة، والمعصية إن وقعت، في الطريق، لا في نفس المقصود. (هامش) (1) " الحيرة " قرية قريبة من الكوفة. (2) " الظعينة " أي الهودج فيه امرأة أم لا - اه‍. قاموس. (.)

[ 636 ]

وفي المغني: لو تجشم غير المستطيع المشقة، سار بغير زاد وراحلة فحج، كان حجه صحيحا مجزئا. استئذان المرأة زوجها: يستحب للمرأة أن تستأذن زوجها في الخروج إلى الحج الفرض، فإن أذن لها خرجت، وإن لم يأذن لها خرجت بغير إذنه، لانه ليس للرجل منع امرأته من حج الفريضة، لانها عبادة وجبت عليها، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولها أن تعجل به لتبرئ ذمتها، كمالها أن تصلي أول الوقت، وليس له منعها، ويليق به الحج المنذور، لانه واجب عليه كحجة الاسلام. وأما حج التطوع فله منعها منه. لما رواه الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - في امرأة كان لها زوج ولها مال، فلا يأذن لها في الحج - قال: " ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها ". من مات وعليه حج من مات وعليه حجة الاسلام، أو حجة كان قد نذرها وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من ماله، كما أن عليه قضاء ديونه. فعن ابن عباس رضي الله عنهما ان امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ان أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: " نعم، حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء " رواه البخاري. وفي الحديث دليل على وجوب الحج عن الميت، سواء أوصى أم لم يوص، لان الدين يجب قضاؤه مطلقا، وكذا سائر الحقوق المالية من كفارة، أو زكاة، أو نذر. وإلى هذا ذهب ابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، والشافعي، ويجب إخراج الاجرة من رأس المال عندهم. وظاهر أنه يقدم على دين الآدمي إذا كانت التركة لا تتسع للحج والدين،

[ 637 ]

لقوله صلى الله عليه وسلم: " فالله أحق بالوفاء ". وقال مالك: إنما يحج عنه إذا أوصى. أما إذا لم يوص فلا يحج عنه، لان الحج عبادة غلب فيه جانب البدنية، فلا يقبل النيابة. وإذا أوصى حج من الثلث. لحج عن الغير من استطاع السبيل إلى الحج ثم عجز عنه، بمرض أو شيخوخة، لزمه إحجاج غيره عنه، لانه أيس من الحج بنفسه لعجزه، فصار كالميت فينوب عنه غيره. ولحديث الفضل بن عباس: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخا كبيرا لايستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: " نعم " وذلك في حجة الوداع: رواه الجماعة، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الترمذي أيضا: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب غير حديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، يرون أن يحج عن الميت. وبه يقول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحق. وقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه، حج عنه. وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحي إذا كان كبيرا وبحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك والشافعي. (1) وفي الحديث دليل على أن المرأة يجوز لها أن تحج عن الرجل والمرأة، والرجل يجوز له أن يحج عن الرجل والمرأة، ولم يأت نص يخالف ذلك. إذا عوفي المعضوب (2) إذا عوفي المريض بعد أن حج عنه نائبه فإنه‌يسقط الفرض عنه ولا تلزمه (هامش) (1) وهذا قول أحمد والاحناف. (1) " المعضوب " الزمن الذي لاحراك له. (.)

[ 638 ]

الاعادة، لئلا تقضي إلى إيجاب حجتين، وهذا مذهب أحمد. وقال الجمهور: لايجزئه، لانه تبين أنه لم يكن ميئوسا منه، وأن العبرة بالانتهاء. ورجح ابن حزم الرأي الاول، فقال: إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحج عمن لايستطيع الحج، راكبا، ولا ماشيا، وأخبر أن دين الله يقضى عنه، فقد تأدى الدين بلاشك وأجزأ عنه. وبلا شك إن ما سقط وتأدى فلا يجوز أن يعود فرضه بذلك إلا بنص. ولا نص ههنا أصلا بعودته. ولو كان ذلك عائدا لبين عليه الصلاة والسلام ذلك. إذ قد يقوى الشيخ فيطيق الركوب. فإذا لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلا يجوز عودة الفرض عليه بعد صحة تأديته عنه. شرط الحج عن الغير يشترط فيمن يحج عن غيره، أن يكون قد سبق له الحج عن نفسه. لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: " فحج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة " رواه أبو داود، وابن ماجه. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح ليس في الباب أصح منه. قال ابن تيمية: إن أحمد حكم - في رواية ابنه صالح عنه - أنه مرفوع على أنه وإن كان موقوفا فليس لابن عباس فيه مخالف. وهذا قول أكثر أهل العلم: أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه مطلقا، مستطيعا كان أولا، لان ترك الاستفصال، والتفريق في حكاية الاحوال، دال على العموم.

[ 639 ]

من حج لنذر وعليه حجة الاسلام أفتى ابن عباس وعكرمة، بأن من حج لوفاء نذر عليه ولم يكن حج حجة الاسلام أنه يجزئ عنهما. وأفتى ابن عمر، وعطاء: بأنه يبدأ بفريضة الحج، ثم يفي بنذره. لاصرورة في الاسلام عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاصرورة في الاسلام " رواه أحمد وأبو داود. قال الخطابي: الصرورة تفسير تفسيرين. (أحدهما) أن الصرورة، هو الرجل الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل، على مذهب رهبانية النصارى، ومنه قول النابغة: لو أنها عرضت الاشمط راهب - عبد الاله صرورة متعبد أدنا لبهجتها وحسن حديثها - ولخالها رشدا وإن لم يرشد (والوجه الآخر) أن الصرورة هو الرجل الذي لم يحج. فمعناه على هذا: أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج، فلا يكون صرورة في الاسلام. وقد يستدل به من يزعم أن الصرورة لا يجوز له أن يحج عن غيره. وتقدير الكلام عنده أن الصرورة إذا شرع في الحج عن غيره صار الحج عنه، وانقلب عن فرضه ليحصل معنى النفي، فلا يكون صرورة. وهذا مذهب الاوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك والثوري: حجه على مانواه. وإليه ذهب أصحاب الرأي. وقد روي ذلك عن الحسن البصري، وعطاء، والنخعي. الاقتراض للحج عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سألت رسول الله صلى الله‌عليه وسلم

[ 640 ]

عن الرجل لم يحج، أو يستقرض للحج؟ قال: " لا "، رواه البيهقي. الحج من مال حرام ويجزئ الحج وإن كان المال حراما ويأثم عند الاكثر من العلماء. وقال الامام أحمد: لايجزئ، وهو الاصح لما جاء في الحديث الصحيح: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ". وروى عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا خرج الحاج حاجا بنفقة طيبة (1)، ووضع رجله في الغرز (2) فنادى: لبيك اللهم ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك (3) زادك حلال، وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور (4) وإذاخرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك، ناداه مناد من السماء: لالبيك ولاسعد يك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مأجور ". قال المنذري: رواه الطبراني في الاوسط، ورواه الاصبهاني من حديث أسلم مولى عمر بن الخطاب مرسلا مختصرا. أيهما أفضل في الحج: الركوب أم المشي؟ قال الحافظ في الفتح: قال ابن المنذر: اختلف في الركوب والمشي للحجاج أيهما أفضل؟ قال الجمهور: الركوب أفضل، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولكونه أعون على الدعاء والابتهال، ولما فيه من المنفعة. وقال إسحق بن راهويه: المشي أفضل لما فيه من التعب. ويحتمل أن يقال: يختلف باختلاف الاحوال والاشخاص. روى البخاري عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادى (5) بين ابنيه فقال: " ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: (1) طيبة: حلال. (2) الغرز. ركاب من جلد يعتمد عليه الراكب حين يركب. (3) لبيك: أجاب الله حجك إجابة بعد إجابة. (4) مبرور: مقبول، لا يخالطه وزر. مأزور: جالب للوزر والاثم. (5) يهادى: يعتمد عليهما في المشي. (.)

[ 641 ]

إن الله عزوجل عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب ". التكسب والمكاري في الحج لا بأس للحاج أن يتاجر، ويؤاجر ويتكسب، وهو يؤدي أعمال الحج والعمرة. قال ابن عباس: إن الناس في أول الحج (1) كانوا يتبايعون بمنى وعرفة، وسوق ذي المجاز (2) ومواسم الحج، فخافوا البيع وهم حرم. فأنزل الله تعالى: (ليس عليكم جناح (3) أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج) رواه البخاري، ومسلم، والنسائي. وعن ابن عباس أيضا، في قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) قال: كانوا لا يتجرون بمنى فأمروا أن يتجروا إذا أفاضوا من " عرفات " رواه أبو داود: وعن أبي أمامة التيمي: أنه قال لا بن عمر: إني رجل أكري (4) في هذا الوجه وإن ناسا يقولون لي: أنه ليس لك حج فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجار، قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجا، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مثل ما سألتني، فسكت عنه حتى نزلت هذه الآية: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)، فأرسل إليه وقرأ عليه هذه الآية، وقال: " لك حج " رواه أبو داود، وسعيد بن منصور. وقال الحافظ المنذري أبو أمامة لايعرف اسمه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا سأله فقال: أؤجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك، ألي أجر؟ قال ابن عباس: نعم (هامش) (1) أي في الاسلام. (2) " ذو المجاز " موضع بجوار عرفة. (3) أي لا إثم عليكم، وإن تبتغوا فضلا من ربكم مع سفركم لتأدية ما افترضه الله عليكم من الحج، فالاذن في التجارة رخصة، والافضل تركها. (4) " أكري " أي أؤجر الرواحل للركوب. (.)

[ 642 ]

أولئك لهم نصيب مما كسبوا، والله سريع الحساب ". رواه البيهقي، والدراقطني. حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم روى مسلم قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحق بن إبراهيم جميعا، وعن حاتم، قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسمعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: " دخلنا على جابر بن عبد الله رضي الله عنه فسأل عن القوم حتى انتهى إلي؟ فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زري الاعلى، ثم نزع زري الاسفل، ثم وضع كفه بين ثديي، وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك يا بن أخي، سل عما شئت؟ فسألته - وهو أعمى - وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجة ملتحفا بها (1)، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب (2). فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بيده: فعقد تسعا. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع (3) سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله. فخرجنا معه حتى أتينا ذا الخليفة: فولدت " أسماء " بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع، قال: " اغتسلي واستثفري (4) بثوب وأحرمي ". فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ثم ركب " القصواء " (5) (هامش) (1) نساجة: ثوب كالطيلسان. (2) مشجب: اسم لاعواد يوضع عليها الثياب ومتاع البدن " الشماعة ". (3) " مكث تسع سنين ". أي بالمدينة. (4) " الاستثفار ". أن تشد في وسطها شيئا، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك الشدود في وسطها لمنع سيلان الدم. (5) " القصواء " اسم لناقة النبي صلى الله عليه وسلم. (.)

[ 643 ]

حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شئ عملنا به. فأهل (1) بالتوحيد: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته. قال جابر رضي الله عنه: لسنا ننوي إلا الحج: لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام، فقرأ " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ". فجعل المقام بينه وبين البيت. فكان يقرأ في الركعتين " قل هو الله أحد " و " قل يأيها الكافرون " ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا. فلما دنا من الصفا قرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده (2)، "، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا. حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال. " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه (هامش) (1) " أهل " من الاهلال: وهو رفع الصوت بالتلبية. (2) هزم الاحزاب وحده: معناه: هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم. والمراد بالاحزاب: الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق. (.)

[ 644 ]

هدي فليحل، وليجعلها عمرة ". فقام سراقة بن مالك بن جعثم، فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لابد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه، واحدة في الاخرى، وقال: " دخلت العمرة في الحج مرتين، لابل لابد أبد ". وقدم علي من اليمن ببدن للنبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا (1) على فاطمة للذي صنعت، مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: " صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟. " قال: قلت: " اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ". قال: " فإن معي الهدي فلانحل. " قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن؟ والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية (2)، توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر. ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شععر تضرب له بنمرة. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تشك قريش ألا أنه واقف (هامش) (1) " التحريش " الاغراء. والمراد هنا أن يذكر له ما يقضي عتابها. (2) " يوم التروية " هو اليوم الثامن من ذي الحجة. (.)

[ 645 ]

عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية (1). فأجاز (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت (3) له. فأتى بطن الوادي (4) فخطب الناس، وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته هذيل - وربا الجاهلية موضوع (5) وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: بإصبعه السبابة (6) يرفعها إلى السماء ينكتها إلى الناس، اللهم اشهد، اللهم فاشهد ثلاث مرات. تم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما (هامش) (1) كانت قريش في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام، وهو جبل بالمزدلفة يقال له فرح. وقيل: إن المشعر الحرام كل المزدلفة، وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات، فظنت قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه. فتجاوزه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفات، لان الله تعالى أمره بذلك في قوله تعالى: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " أي سائر الناس العرب، غير قريش وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة لانها من الحرم، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه. (2) فأجاز: أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها، بل توجه إلى عرفات. (3) " فرحلت " أي جعل عليها الرحل. (4) " بطن الوادي " هو وادي عرفة. (5) " موضوع " أي باطل. (6) " فقال بإصبعه السبابة " أي يقلبها و يرددها إلى الناس مشيرا إليهم. (.)

[ 646 ]

شيئا (1) ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة (2) بين يديه واستقبل القبلة. فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه. ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شنق (3) للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رجله (4) ويقول بيده اليمنى (5): " أيها الناس، السكينة السكينة " كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا. ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. ثم ركب القصواء، حتى أتى الشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا. فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما (6) فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ظعن (7) يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر. فحرك قليلا، ثم سلك الطريق (هامش) (1) " فصلى الظهر ثم قام فصلى العصر ولم يصل بينهما الخ ": فيه دليل على أنه يشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الامة عليه، واختلفوا في سببه: فقيل: بسبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحاب الشافعي: هو بسبب السفر. (2) " جبل المشاة " أي مجتمعهم. (3) " شنق " أي ضم وضيق. (4) " المورك " الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه. قدام واسطة الرحل، إذا مل من الركوب. (5) " يقول بيده " أي يشير بها قائلا: الزموا السكينة. وهي الرفق والطمأنينة. (6) " وسيما " أي جميلا. (7) " الظعن " جمع ظعينة - وهي البعير الذي عليه امرأة، ثم سميت به المرأة مجازا لملابسها البعير. (.)

[ 647 ]

الوسطى (1) التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الحذف، رمى من بطن الوادي (2). ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (3) وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة (4) فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاض إلى البيت (5) فصلى بمكة الظهر. فأتى بني عبد الملك يسقون على زمزم، فقال: " انزعوا (6) بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم (7) لنزعت معكم ". فناولوه دلوا فشرب منه. قال العلماء: واعلم أن هذا حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، قال القاضي عياض: قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه. وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا أخرج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا. قال: ولو تقصى لزيد على هذا العدد قريب منه. قالوا: وفيه دلالة على أن غسل الاحرام سنة للنفساء والحائض ولغيزهما (1) قوله " ثم سلك الطريق الوسطى " فيه دليل على أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة. وهو غير الطريق الذي ذهب به إلى عرفات. وكان قد ذهب إلى عرفات من طريق " ضب " ليخالف الطريق كما كان يعمل في الخروج إلى العيدين في مخالفته طريق الذهاب والاياب. (2) قوله: " رمى من بطن الوادي " أي بحيث تكون " منى " و " عرفات " و " المزدلفة " عن يمينه و " مكة " عن يساره. (3) قوله: " فنحر ثلاثا وستين الخ " فيه دليل على استحباب تكثير الهدي وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السنة مائة بدنة و " غبر " أي بقي. (4) البضعة: أي القطعة من اللحم. (5) " فأفاض إلى البيت " أي طاف بالبيت طواف الافاضة، ثم صلى الظهر. (6) " انزعوا " أي استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء (الحبال). (7) " فلولا أن يغلبكم الناس على الخ. معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء. (.)

[ 648 ]

بالاولى. على استثفار الحائض والنفساء وعلى صحة إحرامهما، وأن يكون الاحرام عقب صلاة فرض أو نفل، وأن يرفع المحرم صوته بالتلبية، ويستحب الاقتصار على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا زاد فلا بأس، فقد زاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوبا منك ومرغوبا إليك. وأنه ينبغي للحاج القدوم أولا إلى مكة ليطوف طواف القدوم وأن يستلم الركن - الحجر الاسود - قبل طوافه ويرمل في الثلاثة الاشواط الاولى، والرمل أسرع المشي مع تقارب الخطا وهو الخبب، وهذا الرمل يفعله ما عدا الركنين اليمانيين. ثم يمشي أربعا على عادته وأنه يأتي بعد تمام طوافه مقام إبراهيم ويتلو " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ". ثم يجعل المقام بينه وبين البيت ويصلي ركعتين. ويقرأ فيهما في الاولى - بعد الفاتحة - سورة " الكافرون " وفي الثانية - بعد الفاتحة - سورة " الاخلاص ". ودل الحديث أنه يشرع له الاستلام عند الخروج من المسجد كما فعله عند الدخول. واتفق العلماء: على أن الاستلام سنة. وأنه يسعى بعد الطواف ويبدأ من الصفا ويرقى إلى أعلاه ويقف عليه مستقبل القبلة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر ويدعو ثلاث مرات ويرمل في بطن الوادي وهو الذي يقال له " بين الميلين " وهو - أي الرمل - مشروع في كل مرة من السبعة الاشواط لا في الثلاثة الاول كما في طواف القدوم بالبيت، وأنه يرقى أيضا على المروة كما رقي على الصفا ويذكر ويدعو. وبتمام ذلك تتم عمرته. فإن حلق أو قصر صار حلالا. وهكذا فعل الصحابة الذين أمرهم صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج إلى العمرة. وأما من كان قارنا، فإنه لا يحلق ولا يقصر، ويبقى على إحرامه ثم في

[ 649 ]

يوم التروية - وهو الثامن من ذي الحجة - يحرم من أراد الحج ممن حل من عمرته ويذهب هو ومن كان قارنا إلى منى، والسنة أن يصلي بمنى الصلوات الخمس، وأن يبيت بها هذه الليلة - وهي ليلة التاسع من ذي الحجة. ومن السنة كذلك أن لا يخرج يوم عرفة من منى إلا بعد طلوع الشمس، ولا يدخل " عرفات " إلا بعد زوال الشمس. وبعد صلاة الظهر والعصر جميعا ب‍ " عرفات " فإنه صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة وليست من عرفات. ولم يدخل صلى الله عليه وسلم الموقف إلا بعد الصلاتين. ومن السنة أن يصلي بينهما شيئا، وأن يخطب الامام الناس قبل الصلاة، وهذه إحدى الخطب المسنونة في الحج. والثانية - أي من الخطب المسنونة - يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر. والثالثة - أي من الخطب المسنونة - يوم النحر. والرابعة - يوم النفر الاول. وفي الحديث سنن وآداب منها: أن يجعل الذهاب إلى الموقف عند فراغه من الصلاتين. وأن يقف - في عرفات - راكبا أفضل. وأن يقف عند الصخرات، عند موقف النبي صلى الله عليه وسلم، أو قريبا منه. وأن يقف مستقبل القبلة. وأن يبقي في الموقف حتى تغرب الشمس. ويكون في وقوفه داعيا لله عزوجل، رافعا يديه إلى صدره، وأن يدفع بعد تحقق غروب الشمس بالسكينة، ويأمر الناس بها إن كان مطاعا. فإذا أتى المزدلفة نزل وصلى المغرب والعشاء جمعا بأذان واحد وإقامتين، دون أن يتطوع بينهما شيئا من الصلوات. وهذا الجمع متفق عليه بين العلماء. وإنما اختلفوا في سببه. فقيل: أنه نسك، وقيل: لانهم مسافرون، أي السفر هو العلة لمشروعية الجمع.

[ 650 ]

ومن السنن: المبيت بمزدلفة، وهو مجمع على أنه نسك وإنما اختلفوا في كونه - أي المبيت - واجبا أو سنة. ومن السنة، أن يصلي الصبح في المزدلفة ثم يدفع عنها بعد ذلك. فيأتي المشعر الحرام فيقف به، ويدعو. والوقوف عنده من المناسك: ثم يدفع منه عند إسفار الفجر إسفارا بليغا، فيأتي بطن محسر فيسرع السير فيه، لانه محل غضب الله فيه على أصحاب الفيل. فلاينبغي الاناة فيه. ولا البقاء فيه. فإذا أتى الجمرة - وهي جمرة العقبة - نزل ببطن الوادي رماها بسبع حصيات، كل حصاة كحبة الباقلاء - أي الفول - يكبر مع كل حصاة. ثم ينصرف بعد ذلك إلى النحر فينحر - إن كان عنده هدى ثم يحلق بعد نحره. ثم يرجع إلى مكة فيطوف طواف الافاضة - وهو الذي يقال له طواف الزيارة. ومن بعده يحل له كل ما حرم عليه بالاحرام، حتى وطء النساء. وأما إذا رمى جمرة العقبة. ولم يطف هذا الطواف فإنه يحل له كل شئ ماعد النساء. هذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه والآتي به مقتد به، صلى الله عليه وسلم، وممتثل لقوله: " خذوا عني مناسككم " وحجه صحيح. وإليك تفصيل هذه الاعمال وبيان آراء العلماء، ومذهب كل منهم، في كل عمل من أعمال الحج. المواقيت المواقيت جمع ميقات. كمواعيد وميعاد، وهي مواقيت زمانية ومواقيت مكانية.

[ 651 ]

المواقيت الزمانية هي الاوقات التي لا يصح شئ من أعمال الحج إلا فيها، وقد بينها الله تعالى في قوله: (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وقال: (الحج أشهر معلومات) أي وقت أعمال الحج أشهر معلومات. والعلماء مجمعون: على أن المراد بأشهر الحج شوال، وذو القعدة. واختلفوا في ذي الحجة. هل هو بكماله من أشهر الحج، أو عشر منه؟ فذهب ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، والاحناف والشافعي، وأحمد، إلى الثاني. وذهب مالك إلى الاول. ورجحه ابن حزم فقال: قال تعالى: (الحج أشهر معلومات). ولا يطلق على شهرين، وبعض آخر أشهر. وأيضا، فإن رمي الجمار - وهومن أعمال الحج - يعمل يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وطواف الافاضة - وهو من فرائض الحج - يعمل في ذي الحجة كله بلا خلاف منهم، فصح أنها ثلاثة أشهر. وثمرة الخلاف تظهر، فيما وقع من أعمال الحج بعد النحر. فمن قال: إن ذا الحجة كله من الوقت، قال لم يلزمه دم التأخير. ومن قال: ليس إلا العشر منه قال: يلزمه من التأخير. الاحرام بالحج قبل أشهره: ذهب ابن عباس، وابن عمر، وجابر، والشافعي: إلى أنه لا يصح الاحرام بالحج إلا في أشهره (1). قال البخاري: وقال ابن عمر رضي الله عنهما: أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من السنة (2) أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يصح أن يحرم أحد بالحج، إلا في أشهر الحج. (هامش) (1) وقالوا فيمن أحرم قبلها أحل بعمرة ولا يجزئه عن إحرام الحج. (2) قول الصحابي: من السنة كذا. يعطي حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. (.)

[ 652 ]

ويرى الاحناف، ومالك، وأحمد: أن الاحرام بالحج قبل أشهره يصح مع الكراهة. ورجح الشوكاني الرأي الاول، فقال: إلا أنه يقوي المنع من الاحرام قبل أشهر الحج، أن الله - سبحانه - ضرب لاعمال الحج أشهرأ معلومة. والاحرام عمل من أعمال الحج. فمن ادعى أنه يصح قبلها فعليه الدليل. المواقيت المكانية المواقيت المكانية: هي الاماكن التي يحرم منها من يريد الحج أو العمرة. ولا يجوز لحاج أو معتمر أن يتجاوزها، دون أن يحرم. وقد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجعل ميقات أهل المدينة " ذا الحليفة " (موضع بينه وبين مكة 450 كيلومتر يقع في شمالها). ووقت (1) لاهل الشام " الجحفة " (موضع في الشمال الغربي من مكة بينه وبينها 187 كيلومتر، وهي قريبة من " رابغ " و " رابغ " بينها وبين " مكة " 204 كيلومتر: وقد صارت " رابغ " ميقات أهل مصر والشام، ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم " جحفة "). وميقات أهل نجد " قرن المنازل " (جبل شرقي مكة يطل على عرفات، بينه وبين مكة 94 كيلومتر). وميقات أهل اليمن " يلملم " (جبل يقع جنوب مكة، بينه وبينها 54 كيلومتر). وميقات أهل العراق " ذات عرق " (موضع في الشمال الشرقي لمكة، بينه وبينها 94 كيلومتر). وقد نظمها بعضهم فقال: وقد نظمها بعضهم فقال: عرق العراق يلملم اليمن - وبذي الحليفة يحرم المدني (هامش) (1) " وقت ": أي حدد. (.)

[ 653 ]

والشام جحفة إن مررت بها - ولاهل نجد قرن فاستبن هذه هي المواقيت التي عينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مواقيت لكل من مر بها، سواء كان من أهل تلك الجهات أم كان من جهة أخرى (1). وقد جاء في كلامه صلى الله عليه وسلم قوله: " هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن لمن أراد الحج أو العمرة ". أي إن هذه المواقيت لاهل البلاد المذكورة ولمن مربها. وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة فإنه يحرم منها إذا أتى مكة قاصدا النسك. ومن كان بمكة وأراد الحج، فميقاته منازل مكة. وإن أراد العمرة، فميقاته الخل، فيخرج إليه ويحرم منه وأدنى ذلك " التنعيم ". ومن كان بين الميقات وبين مكة، فميقاته من منزله. قال ابن حزم: ومن كان طريقه لاتمر بشئ من هذه المواقيت فليحرم من حيث شاء، برا أو بحرا. الاحرام قبل الميقات: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل: نعم، لان قول الصحابة " وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل المدينة ذا الحليفة " يقضي بالاهلال من هذه المواقيت، ويقضي بنفي النقص والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرمة، فلا أقل من أن يكون تركها أفضل. الاحرام تعريفه: هونية أحد النسكين: الحج، أو العمرة، أو نيتهما معا: وهو ركن، (هامش) (1) فإذا أراد الشامي الحج فدخل المدينة فميقاته، ذو الحليفة، لاجتيازه عليها ولا يؤخر حتى يأتي " رابغ " التي هي ميقاته الاصلي، فإن أخرأساء ولزمه دم عند الجمهور. (.)

[ 654 ]

لقول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ". وقد سبق الكلام على حقيقة النية (1) وأن محلها القلب: قال الكمال ابن الهمام: ولم نعلم الرواة لنسكه صلى الله عليه وسلم. روى واحد منهم: أنه سمعه صلى الله عليه وسلم يقول: " نويت العمرة، أو نويت الحج ". آدابه: للاحرام آداب ينبغي مراعاتها، نذكرها فيما يلي: (1) النظافة: وتتحقق بتقليم الاظافر، وقص الشارب ونتف الابط، وحلق العانة، والوضوء، أو الاغتسال، وهو أفضل، وتسريح اللحية، وشعر الرأس. قال ابن عمر رضي الله عنهما: من السنة أن يغتسل (2) إذا أراد الاحرام، وإذا أراد دخول مكة. رواه البزار، والدارقطني، والحاكم، وصححه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن النفساء والحائض تغتسل (3) وتحرم، وتقضي المناسك كلها، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر ". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وحسنه. (2) التجرد: من الثياب المخيطة ولبس ثوبي الاحرام، وهما رداء يلف النصف الاعلى من البدن، دون الرأس، وإزار يلف به النصف الاسفل منه. (هامش) (1) " باب الوضوء " من هذا الكتاب. (2) أي يغتسل بنية غسل الاحرام. (3) قال الخطابي: في أمره عليه الصلاة والسلام الحائض والنفساء بالاغتسال: دليل على أن الظاهر أولى بذلك. وفيه دليل على أن المحدث إذا أحرم، أجزأه أحرامه. (.)

[ 655 ]

وينبغي أن يكونا أبيضين، فإن الابيض أحب الثياب إلى الله تعالى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجل، وادهن، ولبس إزاره ورداءه، هو وأصحابه. الحديث رواه البخاري. (3) التطيب: في البدن والثياب، وإن بقي أثره عليه بعد الاحرام (1). فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كأني أنظر إلى وبيض (2) الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. رواه البخاري، ومسلم. ورويا عنها أنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه قبل أن يحرم، ولحله (3) قبل أن يطوف بالبيت. وقالت: " كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فننضح جباهنا بالمسك عند الاحرام، فإذا عرقت إحدانا، سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا، رواه أحمد، وأبو داود. (4) صلاة ركعتين: ينوي بهما سنة الاحرام، يقرأ في الاولى منهما بعد الفاتحة سورة " الكافرون " وفي الثانية سورة " الاخلاص ". قال ابن عمر رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة (4) ركعتين. رواه مسلم. وتجزئ المكتوبة عنهما، كما أن المكتوبة تغني عن تحية المسجد. أنواع الاحرام الاحرام أنواع ثلاثة: 1 - قران. 2 - وتمتع. 3 - وإفراد. (هامش) (1) كرهه بعض العلماء، والحديث حجة عليهم. (2) " وبيض " أي بريق. (3) " المراد بالاحلال، بعد المرمى " الذي يحل به الطيب وغيره ولا يمنع بعده الا من النساء كما سيأتي. (4) " ذو الحليفة " أي المكان الذي أحرم منه النبي صلى الله عليه وسلم. (.)

[ 656 ]

وقد أجمع العلماء: على جواز كل واحد من هذه الانواع الثلاثة. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع. فمنا من أهل بعمرة، ومنامن أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج. وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج. فأما من أهل بعمرة، فحل عند قدومه، وأما من أهل بحج، أو جمع بين الحج والعمرة، فلم يحل، حتى كان يوم النحر، رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، ومالك. معنى القران (1): أن يحرم من عند الميقات بالحج والعمرة معا. ويقول عند التلبية: " لبيك بحج وعمرة ". وهذا يقتضي بقاء المحرم على صفة الاحرام إلى أن يفرغ من أعمال العمرة والحج جميعا. أو يحرم بالعمرة، ويدخل عليها الحج قبل الطواف (2) معنى التمتع: والتمتع: هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم يحج من عامه الذي اعتمر فيه. وسمي تمتعا، للانتفاع بأداء النسكين في أشهر الحج، في عام واحد، من غير أن يرجع إلى بلده. ولان المتمتع يتمتع بعد التحلل من إحرامه بما يتمتع به غير المحرم من لبس الثياب، والطيب، وغير ذلك. وصفة التمتع: أن يحرم من الميقات بالعمرة وحدها، ويقول عند التلبية " لبيك بعمرة ". وهذا يقتضي البقاء على صفة الاحرام حتى يصل الحاج إلى مكة، فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق شعره أو يقصره، ويتحلل فيخلع (هامش) (1) سمي بذلك، لما فيه من القران والجمع بين والعمرة، بإحرام واحد. (2) يطلق على هذا لفظ " تمتع " في الكتاب والسنة. (.)

[ 657 ]

ثياب الاحرام ويلبس ثيابه المعتادة ويأتي كل ما كان قد حرم عليه بالاحرام، إلى أن يجئ يوم التروية، فيحرم من مكة بالحج. قال في الفتح: والذي ذهب إليه الجمهور: أن التمتع أن يجمع الشخص الواحد بين الحج والعمرة في سفر واحد في أشهر الحج، في عام واحد، وأن يقدم العمرة وأن يكون مكيا. فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم يكن متمتعا. معنى الافراد: والافراد أن يحرم من يريد الحج من الميقات بالحج وحده، ويقول في التلبية: " لبيك بحج " ويبقى محرما حتى تنتهي أعمال الحج، ثم يعتمر بعد أن شاء. أي أنواع النسك أفضل؟ اختلف الفقهاء في الافضل من هذه الانواع (1). فذهبت الشافعية إلى أن الافراد والتمتع أفضل من القران، إذ أن المفرد، أو المتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله. والقارن يقتصر على عمل الحج وحده. وقالوا - في التمتع والافراد - قولان: أحدهما أن التمتع أفضل، والثاني أن الافراد أفضل. وقالت الحنفية: القران أفضل من التمتع والافراد والتمتع، أفضل من الافراد. وذهبت المالكية إلى أن الافراد أفضل من التمتع والقران. وذهبت الحنابلة إلى أن التمتع أفضل من القران، ومن الافراد. وهذا هو الاقرب إلى اليسر، والاسهل على الناس (2). (هامش) (1) هذا الاختلاف مبني على اختلافهم في حج رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصحيح أنه كان قارنا لانه كان قد ساق الهدي. (2) لا سيما نحن - المصريين - وأمثالنا ممن لا يسوق معه هديا، فإن ساق الهدي كان القران أفضل.

[ 658 ]

وهو الذي تمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه وأمر به أصحابه. روى مسلم عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أهللنا - أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا وحده، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل. قال: " حلوا وأصيبوا النساء " ولم يعزم عليهم (1)، ولكن أحلهن لهم. فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة، تقطر مذاكيرنا المني؟. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا، فقال: " قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبركم ولو لا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا " فحللنا، وسمعنا، وأطعنا. جواز اطلاق الاحرام من أحرم إحراما مطلقا، قاصدا أداء ما فرض الله عليه، من غير أن يعين نوعا من هذه الانواع الثلاثة، لعدم معرفته بهذا التفصيل، جاز وصح إحرامه. قال العلماء: ولو أهل ولبى - كما يفعل الناس - قصدا للنسك، ولم يسم شيئا بلفظه، ولا قصد بقلبه، لاتمتعا ولاإفرادا، ولاقرانا، صح حجه أيضا. وفعل واحدا من الثلاثة. طواف القارن والمتمتع وسعيهما وانه ليس لاهل الحرم الا الافراد عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون، والانصار، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، واهل لنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجعلوا إهلالكم عمرة إلا من قلد الهدي " فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء ولبسنا الثياب. وقال: " من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله "، ثم (هامش) (1) " لم يعزم عليهم ": أي لم يوجبه. (.)

[ 659 ]

أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، فقدتم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) إلى أمصاركم (1) الشاة تجزي. فجمعوا نسكين في عام، بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام). وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال، وذو القعدة وذو الحجة. فمن تمتع في هذه الاشهر فعليه دم أو صوم. رواه البخاري. 1 - وفي هذا الحديث دليل على أن أهل الحرم لا متعة لهم ولا قران (2)، وأنهم يحجون حجا مفردا ويعتمرون عمرة مفردة. وهذا مذهب ابن عباس وأبي حنيفة لقول الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام). واختلفوا في من هم حاضر والمسجد الحرام. فقال مالك: هم أهل مكة بعينها، وهو قول الاعرج واختاره الطحاوي، ورجحه. وقال ابن عباس وطاوس وطائفة: هم أهل الحرم. قال الحافظ: وهو الظاهر. وقال الشافعي: من كان أهله على أقل مسافة تقصر فيها الصلاة. واختاره ابن جرير. وقالت الاحناف من كان أهله بالميقات أو دونه. والعبرة بالمقام لا بالمنشأ. 2 - وفيه: أن على المتمتع أن يطوف ويسعى للعمرة أولا: ويغني هذا عن طواف القدوم الذي هو طواف التحية ثم يطوف طواف الافاضة بعد الوقوف بعرفة، ويسعى كذلك بعده. (هامش) (1) " أمصاركم " أي أوطانكم. (2) يرى مالك، والشافعي، وأحمد: أن للمكي أن يتمتع ويقرن، بدون كراهة، ولاشئ عليه. (.)

[ 660 ]

أما القارن فقد ذهب الجمهور من العلماء: إلى أنه يكفيه عمل الحج، فيطوف طوافا واحدا (1) ويسعى سعيا واحدا للحج والعمرة، مثل الفرد (2). 1 - فعن جابر رضي الله عنه، قال: قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة. وطاف لهما طوافا واحدا. رواه الترمذي وقال: حديث حسن. 2 - وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أهل بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد وسعي واحد ". رواه الترمذي. وقال: حسن صحيح غريب، وخرجه الدارقطني وزاد: " ولا يحل منهما حتى يحل منهما جميعا ". 3 - وروى مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة " طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك ". وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لابد من طوافين وسعيين. والاول أولى لقوة أدلته. 4 - وفي الحديث: أن على التمتع والقارن هديا، وأقله شاة، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. والاولى أن يصوم الايام الثلاثة في العشر من ذي الحجة قبل يوم عرفة. ومن العلماء من جوز صيامها من أول شوال. منهم: طاوس، ومجاهد. ويرى ابن عمر رضي الله عنهما أن يصوم قبل يوم التروية ويوم التروية، ويوم عرفة. فلولم يصمها، أو يصم بعضه قبل العيد، فله أن يصومها في أيام التشريق لقول عائشة وابن عمر رضي الله عنهما: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لا يجد الهدي. رواه البخاري. وإذا فاته صيام الايام الثلاثة في الحج، لزمه قضاؤها. (هامش) (1) أي طواف الافاضة بعد الوقوف بعرفة. (2) والفرق بينهما أنه في حالة القرن يقرن بينهما في نيته عند الاحرام. (.)

[ 661 ]

وأما السبعة الايام. فقيل: يصومها إذا رجع إلى وطنه. وقيل إذا رجع إلى رحله. وعلى الرأي الاخير يصح صومها في الطريق. هو مذهب مجاهد، وعطاء. ولا يجب التتابع في صيام هذه الايام العشرة. وإذا نوى وأحرم شرع له أن يلبي. التلبية (1) حكمها: أجمع العلماء على: أن التلبية مشروعة. فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا آل محمد، من حج منكم فليهل (2) في حجه " أو (3) " حجته " رواه أحمد، وابن حبان. وقد اختلفوا في حكمها، وفي وقتها، وفي حكم من أخرها. فذهب الشافعي، وأحمد: إلى أنها سنة، وأنه يستحب اتصالها بالاحرام. فلو نوى النسك ولم يلب، صح نسكه، دون أن يلزمه شئ لان الاحرام عندهما ينعقد بمجرد النية. ويرى الاحناف: أن التلبية، أو ما يقوم مقامها - مما هو في معناها كالتسبيح، وسوق الهدي - شرط من شروط الاحرام، فلو أحرم، ولم يلب أو لم يسبح، أو لم يسق الهدي فلا إحرام له. وهذا مبني: على أن الاحرام عندهم مركب من النية وعمل من أعمال الحج. فإذا نوى الاحرام وعمل عملا من أعمال النسك، فسبح، أو هلل، أو ساق الهدي ولم يلب، فإن إحرامه ينعقد، ويلزمه بترك التلبية دم. (هامش) (1) التلبية: من " لبيك " بمنزلة التهليل من " لا إله إلا الله " (2) " فليهل " أي ليرفع صوته بالتلبية. (3) أو (للشك) (.)

[ 662 ]

ومشهور مذهب مالك: انها واجبة، يلزم يتركها أو ترك اتصالها بالاحرام مع الطول دم. لفظها: روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لبيك (1) اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد لك والنعمة لك والملك، لا شريك لك ". قال نافع: وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يزيد فيها " لبيك، لبيك، لبيك وسعديك (2) والخير بيديك، لبيك والرغباء (3) إليك، والعمل "، وقد استحب العلماء الاقتصار على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا في الزيادة عليها. فذهب الجمهور: إلى أنه لا بأس بالزيادة عليها، كما زاد ابن عمروكما زاد الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ولا يقول لهم شيئا، رواه أبو داود، والبيهقي. وكره مالك، وأبو يوسف: الزيادة على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فضلها: 1 - روى ابن ماجة عن جابر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مامن محرم يضحي يومه (4) يلبي حتى تغيب الشمس، إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه ". 2 - وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " منا (هامش) (1) قال الزمخشري: معنى لبيك: أي دواما على طاعتك، وإقامة عليها مرة بعد أخرى، من " لب " بالمكان، و " ألب ". إذا أقام به. (2) وسعديك: أي إسعاد بعد إسعاد، من المساعدة والموافقة على الشئ. (3) " الرغباء " أي الطلب والمسألة. والمعنى الرغبة إلى من بيده الخير. وهو المقصود بالعمل. (4) " يضحي " أي يظل يومه (.)

[ 663 ]

أهل مهل قط، إلا بشر، ولاكبر مكبر قط إلا بشر ". قيل: يا نبي الله: بالجنة؟ قال: " نعم ". رواه الطبراني، وسعد بن منصور. 3 - وعن سهل بن سعد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مسلم يلبي إلا لبي من عن يمينه وشماله، من حجر، أو شجر، أو مدر (1) حتى تنقطع الارض من هاهنا وهاهنا ". رواه ابن ماجه، والبيهقي، والترمذي والحاكم، وصححه. استحباب الجهر بها: 1 - عن زيد بن خالد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " جاءني جبريل عليه السلام فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج ". رواه ابن ماجة، وأحمد، وابن خزيمة، والحاكم، وقال: صحيح الاسناد. 2 - وعن أبي بكر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الحج أفضل؟ فقال: " العح (2) والثج (3) ". رواه الترمذي، وابن ماجه. 3 - وعن أبي حازم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحرموا، لم يبلغوا الروحاء حتى تبح (4) أصواتهم. وقد استحب الجمهور رفع الصوت بالتلبية، لهذه الاحاديث: وقال مالك: لا يرفع (الملبي) الصوت في مسجد الجماعات بل يسمع نفسه ومن يليه، إلا في مسجد منى والمسجد الحرام، فإنه يرفع صوته فيهما. وهذا بالنسبة للرجال: أما المرأة فتسمع نفسها ومن يليها، ويكره لها أن ترفع صوتها أكثر من ذلك. (هامش) (1) " المدر " أي الحصى. (2) " العج " رفع الصوت بالتلبية. (3) " الثج " نحر الهدي. (4) " تبح " أي تغلظ وتخش (.)

[ 664 ]

وقال عطاء: يرفع الرجال أصواتهم. وأما المرأة فتسمع نفسها، ولا ترفع صوتها. المواطن التي تستحب التلبية فيها: تستحب التلبية في مواطن: عند الركوب، أو النزول، وكلما علا شرفا (1) أو هبط واديا (2)، أو لفي ركبا، وفي دبر كل صلاة، وبالاسحار. قال الشافعي: ونحن نستحبها على كل حال. وقتها: يبدأ المحرم بالتلبية من وقت الاحرام، إلى رمي جمرة العقبة يوم النحر، باول حصاة ثم يقطعها. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة. رواه الجماعة. وهذا مذهب الثوري، والاحناف، والشافعي وجمهور العلماء. وقال أحمد، وإسحاق: يلبي حتى يرمي الجمرات جميعها، ثم يقطعها. وقال مالك: يلبي حتى تزول الشمس من يوم عرفة ثم يقطعها. هذا بالنسبة للحج. وأما المعتمر فيلبي حتى يستلم الحجر الاسود. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم (3). استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء بعدها: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال: يستحب للرجل - إذا فرغ من تلبينه - أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه، واستعقه من الناس. رواه الطبراني وغيره. (هامش) (1) " الشرف " المكان المرتفع. (2) " الوادي " المكان المنخفض. (3) قال إذا أحرم من الميقات قطع التلبية بدخول الحرم. وإن أحرم من الجعرانة أو التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة (.)

[ 665 ]

ما يباح للمحرم. (1) الاغتسال وتغيير الرداء والازار: فعن إبراهيم النخعي قال: كان أصحابنا إذا أتوا بئرا ميمون اغتسلوا، ولبسوا أحسن ثيابهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه دخل حمام الجحفة وهو محرم. قيل له: أتدخل الحمام وأنت محرم؟ فقال: إن الله ما يعبأ (1) بأوساخنا شيئا. وعن جابر رضي الله عنه قال: يغتسل المحرم، ويغسل ثوبه. وعن عبد الله بن حنين: أن ابن عباس، والمسور بن مخرمة اختلفا بالابواء (2) فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الانصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين (3)، وهو يستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين. أرسلني اليك ابن عباس يسألك: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل، وهو محرم؟ قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه (4) حتى بدا لي رأسه ثم قال: الانسان يصب عليه الماء: أصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيده، فأقبل بهما، وأدبر فقال: هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل. رواه الجماعة، إلا الترمذي. وزاد البخاري في رواية: فرجعت اليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك (5) أبدا. قال الشوكاني: والحديث يدل على جواز الاغتسال للمحرم، وتغطية الرأس باليد حاله - أي حال الاغتسال. قال ابن المنذر: أجمعوا: على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك. (هامش) (1) " ما يعبأ ": أي لا يصنع. (2) " الابواء ": اسم مكان. (3) " القرنين " قرني البئر. (4) " طأطأ ": أي أزاله عن رأسه. (5) " أماريك " أي أجادلك (.)

[ 666 ]

وروى مالك في الموطأ عن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يغسل رأسه وهو محرم، إلا من الاحتلام. وروي عن مالك: أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء. ويجوز استعمال الصابون وغيره من كل ما يزيل الاوساخ، كالاشنان والسدر (1) والخطمي. وعند الشافعية والحنابلة، يجوز أن يغتسل بصابون له رائحة، وكذلك يجوز نقض الشعر وامتشاطه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة فقال: " انقضي رأسك وامتشطي ". رواه مسلم. قال النووي: نقض الشعر والامتشاط جائزان عندنا في الاحرام بحيث لا ينتف شعرا، ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، ولا بأس بحمل متاعه على رأسه. (2) لبس التبان: وروى البخاري، وسعيد بن منصور عن عائشة: أنها كانت لا ترى بالتبان بأسا للمحرم (2) (3) تغطية وجهه: روى الشافعي، وسعيد بن منصور، عن القاسم، قال: كان عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، ومروان بن الحكم يخمرون (3) وجوههم وهم محرمون. وعن طاوس: يغطي المحرم وجهه من غبار، أو رماد. وعن مجاهد قال: كانوا إذا هاجت الريح غطوا وجوههم، وهم محرمون. (هامش) (1) " السدر ": ورق النبق. (2) " التبان " سروال قصير، قال الحافظ: هذا رأي رأته عائشة، والاكثرون على أنه لا فرق بين التبان والسراويل، في منعه للمحرم. (3) " يخمرون " أي يسترون (.)

[ 667 ]

(4) لبس الخفين للمرأة: لما رواه أبو داود، والشافعي عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان رخص للنساء في الخفين. (5) تغطية رأسه ناسيا: قالت الشافعية: لا شئ على من غطى رأسه ناسيا، أو لبس قميصه ناسيا. وقال عطاء: لاشئ عليه، ويستغفر الله تعالى. وقالت الاحناف: عليه الفدية. وكذلك الخلاف فيما إذا تطيب ناسيا، أو جاهلا. وقاعدة الشافعية: أن الجهل والنسيان، عذر يمنع وجوب الفدية في كل محظور، ما لم يكن إتلافا كالصيد، وكذلك الحق والقلم (1)، على الاصح عندهم. وسيأتي ذلك في موضعه. (6) الحجامة، وفق ء الدمل، ونزع الضرس، وقطع العرق: قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم وسط رأسه (2) وقال مالك: لا بأس للمحرم أن يفقأ الدمل، ويربط الجرح، ويقطع العرق إذا احتاج. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المحرم ينزع ضرسه، ويفقأ القرحة. قال النووي: إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام، لقطع الشعر، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك. وعن الحسن: فيها الفدية، وإن لم يقطع شعرا. وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر وتجب الفدية. وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس. (هامش) (1) " القلم ": أي قص الاظافر. (2) قال ابن تيمية: لا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر (.)

[ 668 ]

(7) حك الرأس والجسد: فعن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عن المحرم يحك جسده؟ قالت: نعم، فليحككه وليشدد. رواه البخاري، ومسلم، ومالك. وزاد: ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت. وروي مثل ذلك عن ابن عباس، وجابر وسعيد بن جبير، وعطاء، وإبراهيم النخعي. (8، 9) النظر في المرآة وشم الريحان: روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المحرم يشم الريحان وينظر في المرآة، ويتداوى بأكل الزيت والسمن. وعن عمربن عبد العزيز: أنه كان ينظر فيها وهو محرم، ويتسوك وهو محرم. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن، وعلى أن المحرم ممنوع من استعمال الطيب في جميع بدنه. وكره الاحناف والمالكية المكث في مكان فيه روائح عطرية، سواء أقصد شمها أم لم يقصد. وعند الحنابلة والشافعية: إن قصد حرم عليه، وإلا فلا. وقال الشافعية: ويجوز أن يجلس عند العطار في موضع يبخر، لان في المنع من ذلك مشقة، ولان ذلك ليس بطيب مقصود. والمستحب أن يتوقى ذلك إلا أن يكون في موضع قربة، كالجلوس عند الكعبة وهي تجمر، فلا يكره ذلك، لان الجلوس عندها قربة، فلا يستحب تركها لامر مباح. وله أن يحمل الطيب في خرقة أو قارورة ولا فدية عليه. (10، 11) شد الهميان في وسط المحرم ليحفظ فيه نقوده ونقود غيره ولبس الخاتم. قال ابن عباس: لا بأس بالهميان، والخاتم، للمحرم.

[ 669 ]

(12) الاكتحال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يكتحل المحرم بأي كحل إذا رمد، ما لم يكتحل بطيب، ومن غير رمد. وأجمع العلماء على جوازه للتداوي لاللزينة. (13) تظلل المحرم بمظلة أو خيمة أو سقف ونحو ذلك: قال عبد الله بن عامر: خرجت مع عمر رضي الله عنه فكان يطرح النطع على الشجرة، فيستظل به وهو محرم، أخرجه ابن أبي شيبة. وعن أم الحصين رضي الله عنها قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة بن زيد، وبلالا، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والاخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة. أخرجه أحمد، ومسلم. وقال عطاء: يستظل المحرم من الشمس، ويستكن من الريح والمطر. وعن ابراهيم النخعي: أن الاسود بن يزيد، طرح على رأسه كساء يستكن، به من المطر، وهو محرم. (14) الخضاب بالحناء: ذهبت الحنابلة إلى أنه لا يحرم على المحرم، ذكرا كان أو انثى، الاختضاب بالحناء، في أي جزء من البدن ما عدا الرأس. وقالت الشافعية: يجوز للرجل الخضاب بالحناء حال الاحرام في جميع أجزاء جسده، ما عدا اليدين والرجلين، فيحرم خضبهما بغير حاجة، وكذا لا يغطي رأسه بحناء ثخينة. وكرهوا للمرأة الخضاب بالحناء حال الاحرام إلا إذا كانت معتدة من وفاة، فيحرم عليها ذلك، كما يحرم عليها الخضاب إذا كان نقشا، ولو كانت معتدة.

[ 670 ]

وقالت الاحناف والمالكية: لا يجوز للمحرم أن يختضب بالحناء في أي جزء من البدن سواء أكان رجلا أم امرأة، لانه طيب، والمحرم ممنوع من التطيب. وعن خولة بنت حكيم عن أمها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لام سلمة " لا تطيبي وأنت محرمة، ولا تمسي الحناء فإنه طيب ". رواه الطبراني في الكبير، والبيهقي في المعرفة، وابن عبد البر في التمهيد. (15) ضرب الخادم للتأديب: فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجا، حتى إذا كنا بالعرج (1)، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلنا، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست إلى جنب أبي بكر، وكانت زمالة (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمالة أبي بكر واحدة، مع غلام لابي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع الغلام، فطلع، وليس مع بعيره، فقال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. فقال ابو بكر: بعير واحد تضلله؟ فطفق يضربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم، ويقول: " انظروا لهذا المحرم ما يصنع "؟ فما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقول: " انظروا لهذا المحرم ما يصنع ". ويبتسم. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. (16) قتل الذباب والقراد والنمل: فعن عطاء: أن رجلا سأله عن القرادة والنملة تدب عليه وهو محرم، فقال: ألق عنك ما ليس منك. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا بأس أن يقتل المحرم القرادة والحلمة (3). ويجوز نزع القراد من البعير للمحرم. (هامش) (1) " العرج ": اسم موضع بين مكة والمدينة. (2) " الزمالة ": أداة المسافر وما يكون معه من السفر. (3) " الحلمة " أكبر القراد (.)

[ 671 ]

فعن عكرمة: أن ابن عباس أمره أن يقرد (1) بعيرا وهو محرم، فكره ذلك عكرمة، قال: قم فانحره، فنحره، قال: لا أم لك (2)، كم قتلت فيها من قرادة، وحلمة، وحمنانة (3) (17) قتل الفواسق الخمس وكل ما يؤذي: فعن عائشة قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خمس من الدواب كلهن فاسق (4) يقتلن في الحرم (5): الغراب، والحدأة، والعقرب. والفأرة، والكلب العقور ". رواه مسلم، والبخاري، وزاد " الحية ". وقد اتفق العلماء على إخراج غراب الزرع، وهو الغراب الصغير الذي يأكل الحب. ومعنى الكلب العقور: كل ما عقر الناس وأخافهم، وعدا عليهم، مثل الاسد، والنمر، والفهد والذئب. لقول الله تعالى: " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح (6) مكلبين (7) تعلمونهن مما علمكم الله " فاشقها من الكلب. وقالت الاحناف: لفظ " الكلب " قاصر عليه، لا يلحق به غيره في هلا الحكم سوى الذئب. قال ابن تيمية: وللمحرم أن يقتل ما يؤذي - بعادته - الناس، كالحية، والعقرب، والفأرة، والغراب، والكلب العقور. (هامش) (1) " يقرد " أي ينزع. (2) " لا أم لك: سب وذم، وقد يكثر على الالسنة ولا يقصد به الذم. (3) " الحمنانة ": أقل من الحلمة. (4) سميت بهذا الاسم لخروجها عن حكم غيرها من الحيوانات، في تحريم قتل المحرم لها، فإن الفسق معناه الخروج. وقيل: إنما وصفت بهذا الوصف لخروجها عن غيرها من الحيوانات، في حل أكله، أو لخروجها عن حكم غيرها بالايذاء، والافساد، وعدم الانتفاع. (5) والحل أيضا. وهو رواية مسلم. (6) " الجوارح ": الكواسب التي تصاد، وهي سباع البهائم والطير كالكب، والصقر. (7) " مكلبين ": أي معلمين.

[ 672 ]

وله أن يدفع ما يؤذيه من الادميين، والبهائم، حتى ولو صال عليه أحد ولم يندفع إلا بالقتال قاتله. فأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد ". قال: وأذا قرصته البراغيث والقمل، فله إلقاؤها عنه، وله قتلها، ولا شئ عليه، وإلقاؤها أهون من قتلها. وكذلك ما يتعرض له من الدواب فينهى عن قتله، وإن كان في نفسه محرما، كالاسد، والفهد، فإذا قتله فلا جزاء عليه في أظهر قولي العلماء. وأما التفلي بدون التأذي، فهو من الترفه فلا يفعله، ولو فعله فلا شئ عليه. محظورات الاحرام حظر الشارع على المحرم أشياء، وحرمها عليه، نذكرها فيما يلي: 1 - الجماع ودواعيه، كالتقبيل، واللمس لشهوة، وخطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالوطء. 2 - اكتساب السيئات، واقتراف المعاصي التي تخرج المرء عن طاعة الله. 3 - المخاصمة مع الرفقاء والخدم وغيرهم. والاصل في تحريم هذه الاشياء، قول الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال (1) في الحج). وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حج ولم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ". (هامش) (1) الجدال المنهي عنه هنا: هو الجدال بغير علم، أو الجدال في باطل، أما الجدال في طلب الحق فهو مستحب أو واجب (وجادلهم بالتي هي أحسن.)

[ 673 ]

4 - لبس المخيط (1) كالقميص والبرنس والقباء (2) والجبة والسراويل، أو لبس المحيط كالعمامة، والطربوش ونحو ذلك مما يوضع على الرأس. وكذلك يحرم لبس الثوب المصبوغ بما له رائحة طيبة، كما يحرم لبس الخف والحذاء (3). فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس (4) ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس (5)، ولا زعفران، ولا الخفين، إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ". رواه البخاري، ومسلم. وقد أجمع العلماء على أن هذا مختص بالرجل. أما المرأة فلا تلحق به، ولها أن تلبس جميع ذلك، ولا يحرم عليها إلا الثوب الذي مسه الطيب والنقاب (6) والقفازان (7). لقول ابن عمر رضي الله عنهما: نهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر (8) أو خز (9)، أو حلي (10)، أو سراويل أو قميص، أو خف. رواه أبوه داود، والبيهقي، والحاكم ورجاله رجال الصحيح. قال البخاري: ولبست عائشة الثياب المعصفرة وهي محرمة، وقالت: لا تلثم، ولا تتبرقع، ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران. وقال جابر: لا أرى المعصفر طيبا. ولم تر عائشة بأسا بالحلي، والثوب الاسود، والمورد، والخف للمرأة وعند البخاري، وأحمد عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هامش) (1) المخيط: ما لبس على قدر العضو. (2) " القباء ": القفطان. (3) " الحذاء " في اللغة العامية المصرية: الجزمة، أو الكندرة. (4) " البرنس ": كل ثواب رأسه منه. (5) " الورس ": نبت أصفر طيب الريح يصبغ به. (6) " النقاب ": ما يستر الوجه كالبرقع. (7) " القفازان ": الجوانتي. (8) " المعصفر ": المصبوغ بالعصفر. (9) " الخز ": نوع من الحرير. (10) " حلي " ما تتزين به المرأة (.).

[ 674 ]

" لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين ". وفي هذا دليل على أن إحرام المرأة في وجهها وكفيها: قال العلماء: فإن سترت وجهها بشئ فلا باس (1). ويجوز ستره عن الرجل بمظلة ونحوها، ويجب ستره إذا خيفت الفتنة من النظر. قالت عائشة: كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبانها (2) على وجهها، فإذا جاوزوا بنا كشفناه. رواه أبو داود، وابن ماجه. وممن قال بجواز سدل الثوب: عطاء، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. الرجل الذي لا يجد الازار ولا الرداء ولا النعلين: من لم يجد الازار والرداء، أو النعلين لبس ما وجده. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات وقال: " إذا لم يجد المسلم إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين (3) ". رواه أحمد، والبخاري، ومسلم. وفي رواية لاحمد، عن عمرو بن دينار: أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب - يقول: " من لم يجد إزارا ووجد سراويل فليلبسها، ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما ". قلت: ولم يقل ليقطعهما؟ قال: لا. وإلى هذا ذهب أحمد فأجاز للمحرم لبس الخف والسراويل، للذي لا يجد النعلين والازار، على حالهما، استدلالا بحديث ابن عباس وأنه لافدية (4) عليه. (هامش) (1) اشتراط المجافاة عن الوجه ضعيف لا أصل له، أفاده ابن القيم. كذلك حديث: إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها. (2) " الجلباب " الملحفة. (3) أي إذا لم يجد هذه الاشياء تباع، أو وجدها، ولكن ليس معه ثمن فاضل عن حوائجه الاصلية. (4) رجح هذا ابن القيم (.)

[ 675 ]

وذهب جمهور العلماء: إلى اشتراط قطع الخف دون الكعبين لمن لم يجد النعلين، لان الخف يصير بالقطع كالنعلين. لحديث ابن عمر المتقدم، وفيه " إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ". ويرى الاحناف شق السراويل وفتقها لمن لا يجد الازار، فإذا لبسها على حالها لزمته الفدية. وقال مالك والشافعي: لا يفتق السراويل، ويلبسها على حالها، ولا فدية عليه، لما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا لم يجد إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ". رواه النسائي بسند صحيح. فإذا لبس السراويل، ووجد الازار لزمه خلعه. فإذا لم يجد رداء لم يلبس القميص، لانه يرتدي به ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل. 5 - عقد النكاح لنفسه أو لغيره، بولاية، أو وكالة. ويقع العقد باطلا، لا تترتب عليه آثاره الشرعية. لما رواه مسلم وغيره، عن عثمان بن عفان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب ". رواه الترمذي وليس فيه " ولا يخطب ". وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحق، ولا يرون أن يتزوج المحرم، وإن نكح فنكاحه باطل. وما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم: " تزوج ميمونة وهو محرم " فهو معارض بمارواه مسلم " أنه تزوجها وهو حلال ". قال الترمذي: اختلفوا في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة، لانه صلى الله عليه وسلم تزوجها في طريق مكة، فقال بعضهم: تزوجها وهو حلال، وظهر أمر تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال بسرف، في طريق مكة.

[ 676 ]

وذهب الاحناف إلى جواز عقد النكاح للمحرم، لان الاحرام لا يمنع صلاحية المرأة للعقد عليها، وإنما يمنع الجماع، لاصحة العقد. (6، 7) تقليم الاظفار وإزالة الشعر بالحلق، أو القص أو بأية طريقة، سواء أكان شعر الرأس أم غيره لقول الله تعالى: " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ". وأجمع العلماء: على حرمة قلم الظفر للمحرم، بلا عذر، فإن انكسر، فله إزالته من غير فدية. ويجوز إزالة الشعر، إذا تأذى ببقائه، وفيه الفدية إلا في إزالة شعر العين إذا تأذى به المحرم فإنه لافدية فيه (1). قال الله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ". وسيأتي بيان ذلك. (8) التطيب في الثوب أو البدن، سواء أكان رجلا أم امرأة: فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر وجد ريح طيب من معاوية، وهو محرم. فقال له: ارجع فاغسله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الحاج الشعث التفل ". رواه البزار بسند صحيح. ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما الطيب الذي بك فاغسله عنك، ثلاث مرات ". وإذا مات المحرم لا يوضع الطيب في غسله ولافي كفنه (2) لقوله صلى الله عليه وسلم - فيمن مات محرما -: " لا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ". وما بقي من الطيب الذي وضعه في بدنه، أو ثوبه، قبل الاحرام، فإنه لا بأس به. (هامش) (1) قالت المالكية: فيه الفدية. (2) جوز ذلك أبو حنيفة (.)

[ 677 ]

ويباح شم ما لا ينبت للطيب، كالتفاح والسفرجل، فإنه يشبه سائر النبات، في أنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه. وأما حكم ما يصيب المحرم من طيب الكعبة فقد روى سعيد بن منصور، عن صالح بن كيسان، قال: رأيت أنس بن مالك، وأصاب ثوبه - وهو محرم - من خلوق الكعبة، فلم يغسله. وروى عن عطاء، قال: لا يغسله ولا شئ عليه. وعند الشافعية من تعمد إصابة شئ من ذلك، أو أصابه، وأمكنه غسله، ولم يبادر إليه فقد أساء، وعليه الفدية. (9) لبس الثوب مصبوغا بماله رائحة طيبة: اتفق العلماء على حرمة لبس الثوب المصبوغ بما له رائحة طيبة، إلا أن يغسل، بحيث لا تظهر له رائحة. فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تلبسوا ثوبا مسه ورس، أو زعفران، إلا أن يكون غسيلا " يعني في الاحرام، رواه ابن عبد البر، والطحاوي. ويكره لبسه لمن كان قدوة لغيره، لئلا يكون وسيلة لان يلبس العوام ما يحرم، وهو المطيب. لما رواه مالك عن نافع: أنه سمع أسلم - مولى عمر بن الخطاب - يحدث عبد الله بن عمر: أن عمربن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم، فقال عمر: ماهذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر (1). فقال عمر: إنكم - أيها الرهط - أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الاحرام، فلا تلبسوا - أيها الرهط - شيئا من هذه الثياب المصبغة. وأما وضع الطيب في مطبوغ، أو مشروب، بحيث لم يبق له طعم ولا لون ولاريح، إذا تناوله المحرم فلا فدية عليه. (هامش) (1) " مدر ": أي مصبوغة بالمغرة. وهو الدر الاحمر الذي تصبغ به الثياب (.)

[ 678 ]

وإن بقيت رائحته، وجبت الفدية بأكله عند الشافعية. وقالت الاحناف: لافدية عليه، لانه لم يقصد به الترفه بالطيب. (10) التعرض للصيد: يجوز للمحرم أن يصيد صيد البحر، وأن يتعرض له، وأن يشير إليه، وأن يأكل منه. وأنه يحرم عليه التعرض لصيد البر (1) بالقتل أو الذبح، أو الاشارة إليه، وإن كان مرئيا، أو الدلالة عليه، إن كان غير مرئي، أو تنفيره. وأنه يحرم عليه إفساد بيض الحيوان البري، كما يحرم عليه بيعه وشراؤه وحلب لبنه. الدليل على هذا قول الله تعالى: " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة (2) وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ". (11) الاكل من الصيد: يحرم على المحرم الاكل من صيد البر الذي صيد من أجله أو صيد بإشارته إليه، أو بأعانته عليه. لما رواه البخاري ومسلم عن عن أبي قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم - فيهم أبو قتادة - فقال: " خذوا ساحل البحر حتى نلتقي " فأخذوا ساحل البحر. فلما انصرفوا، أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون، إذا رأوا حمر وحش، (هامش) (1) " البري ": هو ما يكون توالده وتناسله في البر، وإن كان يعيش في الماء " والبحري " بخلافه عند الجمهور. وعند الشافعية: البري ما يعيش في البر فقط، أو في البر والبحر. و " البحري " ما لا يعيش إلا في البحر. (2) قصر الشافعية والحنابلة: الحرمة على الصيد المأكول من الوحش والطير، فقالوا بحرمة قتله دون غيره من حيوانات البر، فإنه يجوز قتلها عندهم. والجمهور يرى تحريم قتلها جميعا، سواء أكانت مأكولة أم غير مأكولة إلا ما استثناء الحديث: خمس يقتلن في الحل والحرام.. الخ. (.)

[ 679 ]

فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا (1)، فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الاتان فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا، يارسول الله: إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانا فنزلنا، فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: " أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ " قالوا: لا. قال: " فكلوا ما بقي من لحمها ". ويجوز له أن يأكل من لحم الصيد الذي لم يصده هو، أو لم يصد من أجله، أو لم يشر إليه، أو يعين عليه. لما رواه المطلب عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم " رواه أحمد والترمذي وقال: حديث جابر مفسر، والمطلب لا نعرف له سماعا من جابر. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لا يرون بأكل الصيد للمحرم بأسا إذا لم يصده أو يصد من أجله. قال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب. وأقيس. وهو قول أحمد وإسحق وبمقتضاه قال مالك أيضا والجمهور. فإن صاده أو صيد له فهو حرام، سواء، صيد له بإذنه أم بغير إذنه. أما إن صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم، أو باعه، لم يحرم عليه. وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: خرجنا مع طلحة بن عبيد الله، ونحن حرم، فأهدي له طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع. فلما استيقظ طلحة وفق (2) من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد ومسلم. وما جاء من الاحاديث المانعة من أكل لحم الصيد كحديث الصعب بن (هامش) (1) " الاتان ": الانثى من الحمير الوحشية. (2) " وفق ": صوب، أو دعا له بالتوفيق. (.)

[ 680 ]

جثامة الليثي أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا - بالابواء أو بودان - فرده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهه، قال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ". فهي محمولة على ما صاده الحلال من أجل المحرم، جمعا بين الاحاديث. قال ابن عبد البر: وحجة من ذهب هذا المذهب، أنه عليه تصح الاحاديث في هذا الباب. وإذا حملت على ذلك لم تضاد، ولم تختلف، ولم تتدافع. وعلى هذا يجب تحمل السنن، ولا يعارض بعضها بعض ما وجد إلى استعمالها سبيل. ورجح ابن القيم هذا المذهب وقال: آثار الصحابة كلها في هذا إنما تدل على هذا التفصيل. حكم من ارتكب محظورا من محظورات الاحرام: من كان له عذر، واحتاج إلى ارتكاب محظور من محظورات الاحرام، غير الوطء (1)، كحلق الشعر، ولبس المخيط اتقاء لحر، أو برد، ونحو ذلك، لزمه أن يذبح شاة، أو يطعم سنة مساكين، كل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام. وهو مخير بين هذه الامور الا ثلاثة. ولا يبطل الحج أو العمرة بارتكاب شئ من المحظورات سوى الجماع. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به زمن الحديبية فقال: " قد آذاك هوام رأسك " قال: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " احلق، ثم اذبح شاة نسكا، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين ". رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود. (هامش) (1) سيأتي حكمه. (.)

[ 681 ]

وعنه في رواية أخرى، قال: أصابني هوام في رأسي، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حتى تخوفت على بصري، فأنزل الله سبحانه وتعالى: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. " فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: " احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقا (1) من زبيب. أو انسك شاة، فحلقت رأسي ثم نسكت ". وقال الشافعي غير المعذور على المعذور في وجوب الفدية، وأوجب أبو حنيفة، الدم، على غير المعذور إن قدر عليه لا غير، كما تقدم. ما جاء في قص بعض الشعر: عن عطاء قال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات فصاعدا، فعليه دم (2). رواه سعيد بن منصور. وروى الشافعي عنه: أنه قال في الشعرة مد، وفي الشعرتين مدان. وفي الثلاثة فصاعدا دم. حكم الادهان: قال في المسوى: ان الادهان إذا كانت بزيت خالص، أو خل خالص، يجب الدم عند أبي حنيفة في أي عضو كان. وعند الشافعية: في دهن شعر الرأس واللحية بدهن غير مطيب، الفدية، ولا فدية في استعماله في سائر البدن. لا حرج على من لبس، أو تطيب ناسيا، أو جاهلا: إذا لبس المحرم أو تطيب - جاهلا بالتحريم، أو ناسيا الاحرام - لم تلزمه الفدية. فعن يعلى بن أمية قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل (هامش) (1) " الفرق ": مكيال يسع ستة عشر رطلا عراقيا. (2) والمراد بالدم - هنا - شاة، وإليه ذهب الشافعي. (.)

[ 682 ]

بالجعرانة، وعليه جبة، وهو مصفر لحيته ورأسه. فقال: يارسول الله، أحرمت بعمرة، وأنا كما ترى فقال: " غسل عنك الصفرة، وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعا في حجك فاصنع في عمرتك. " رواه الجماعة إلا ابن ماجه. وقال عطاء: إذا تطيب، أو لبس - جاهلا أو ناسيا - فلا كفارة عليه. رواه البخاري. وهذا بخلاف ما إذا قتل صيدا - ناسيا أو جاهلا بالتحريم - فإنه يجب عليه الجزاء، لان ضمانه ضمان المال. وضمان المال يستوي فيه العلم والجهل، السهو والعمد، مثل ضمان مال الادميين. بطلان الحج بالجماع أفتى علي، وعمر، وأبو هريرة رضي الله عنهم رجلا أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفذان لوجههما، حتى يقضيا حجمها، ثم عليهما حج قابل، والهدي. وقال أبو العباس الطبري -: إذا جامع المحرم قبل التحلل الاول فسد حجه، سواء أكان ذلك قبل الوقوف بعرفة أو بعده. ويجب عليه أن يمضي في فاسده، ويجب عليه بدنة، والقضاء من قابل. فإن كانت المرأة محرمة مطاوعة فعليها المضي في الحج والقضاء من قابل. وكذا الهدي عند أكثر أهل العلم. وذهب بعضهم إلى أن الواجب عليهما هدي واحد، وهو قول عطاء. قال البغوي في شرح السنة: وهو أشهر قولي الشافعي، ويكون على الرجل كما قال في كفارة الجماع، في نهار رمضان. وإذا خرجا في القضاء تفرقا (1) حيث وقع الجماع حذرا من مثل وقوع الاول. وإذا عجز عن البدنة وجب عليه بقرة، فإن عجز فسبع من الغنم، فإن (هامش) (1) وجوبا عند أحمد ومالك، وندبا عند الحنفية والشافعية. (.)

[ 683 ]

عجز قوم البدنة بالدراهم، والدراهم طعاما، وتصدق به، لكل مسكين مد، فإن لم يستطع صام عن كل مد يوما. وقال أصحاب الرأي: إن جامع قبل الوقوف فسد حجه، وعليه شاة، أو سبع بدنة، وإن جامع بعده لم يفسد حجه، وعليه بدنة. والقارن إذا أفسد حجه، يجب عليه ما يجب على المفرد، ويقضي - قارنا - ولا يسقط عنه هدي القران. قال: والجماع الواقع بعد التحلل الاول لا يفسد الحج. ولا قضاء عليه، عند أكثر أهل العلم. وذهب بعضهم إلى وجوب القضاء، وهو قول ابن عمر، وقول الحسن، وإبراهيم، ويجب به الفدية. وتلك الفدية بدنة أو شاة؟ اختلف فيه. فذهب ابن عباس وعطاء إلى وجوب البدنة وهو قول عكرمة، وأحد قولي الشافعي (1). والقول الاخر: يجب عليه شاة. وهو مذهب مالك. وإذا احتلم المحرم، أو فكر، أو نظر فأنزل: فلا شئ عليه عند الشافعية. وقالوا: فيمن لمس بشهوة أو قبل: يلزمه شاة، سواء أنزل، أم لم ينزل. وعند ابن عباس رضي الله عنهما: أن عليه دما. قال مجاهد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أحرمت، فأتتني فلانة في زينتها، فما ملكت نفسي أن سبقتني شهوتي؟ فضحك ابن عباس حتى استلقى، وقال: إنك لشبق (2)، لا بأس عليك... أهرق دما، وقد تم حجك. رواه سعيد بن منصور. (هامش) (1) واختاره صاحب المبسوط، والبدائع من الاحناف. (2) " الشبق ": شدة الغلمة والرغبة في النكاح. (.)

[ 684 ]

جزاء قتل الصيد قال الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم، هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما، ليذوق وبال أمره، عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام). قال ابن كثير: الذي عليه الجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. وقال الزهري: دل الكتاب على العامد، وجرت السنة على الناسي. ومعنى هذا: أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه، بقوله تعالى: (ليذوق وبال أمره) الاية. وجاءت السنة من أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دل الكتاب عليه في العمد وأيضا، فإن قتل الصيد إتلاف، والاتلاف مضمون في العمد وفي النسيان. لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ماوم. وقال في المسوى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم). معناه - على قول أبي حنيفة - يجب على من قتل الصيد جزاء هو مثل ما قتل (أي مماثله في القيمة) بحكم - بكونه مماثلا في القيمة، ذوا عدل: إما كائن من النعم، حال كونه هديا بالغ الكعبة، وإما كفارة طعام مساكين. ومعناه - على قول الشافعي - يجب على من قتل الصيد جزاء. إما ذلك الجزاء مثل ما قتل في الصورة والشكل، يكون هذا المماثل من جنس النعم يحتم بمثليته ذوا عدل، يكون جزاء حال كونه هديا. وإما ذلك الجزاء كفارة، وإما عدل ذلك صياما.

[ 685 ]

حكومة عمر وما قضى به السلف عن عبد الملك بن قرير عن محمد بن سيرين: أن رجلا جاء إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين إلى ثغرة ثنية (1) فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فما ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت. قال: فحكما عليه بعنز، فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي، حتى دعا رجلا يحكم معه، فسمع عمر قول الرجل، فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟. قال: لا، قال، فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟، قال: لا. فقال عمر: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لاوجعتك ضربا. ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: (يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة). وهذا عبد الرحمن بن عوف. وقد قضى السلف في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش، وبقر الوحش، والايل (2) والاروى (3) في كل واحد من ذلك ببقرة، وفي الوبر والحمامة والقمري والحجل (4) والدبسي (5) في كل واحدة من هذه بشاة. وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الارنب بعناق (6) وفي الثعلب بجدي، وفي اليربوع (7) بجفرة (8). العمل عند عدم الجزاء روى سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (هامش) (1) " ثغرة ثنية ": أي ثغرة في الطريق. (2) " الايل ": ذكر الوعول. (3) " الاروى ": أنثى الوعل. (4) " الحجل ": الدجاج الوحشي. (5) " الدبسي ": نوع من الطيور. (6) " عناق ": العنز التي زاد ت على أربعة أشهر. (7) " اليربوع ": حيوان على شكل الفأر. (8) " جفرة ": العنز التي بلغت أربعة أشهر. (.)

[ 686 ]

(فجزاء مثل ما قتل من النعم) قال: إذا أصاب المحرم صيدا حكم عليه بجزائه. فإن كان عنده جزاء ذبحه وتصدق بلحمه. وإن لم يكن عنده جزاؤه قوم جزاؤه دراهم ثم قومت الدراهم طعاما، فصام عن كل نصف صاع يوما. فإذا قتل المحرم شيئا من الصيد، حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيا أو نحوه، فعليه شاة، تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام. فإن قتل أيلا أو نحوه، فعليه بقرة، فإن لم يجد، أطعم عشرين مسكينا، فإن لم يجد، صام عشرين يوما. وإن قتل نعامة أو حمار وحش، أو نحوه، فعليه بدنة من الابل. فإن لم يجد، أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير. وزادوا: الطعام مد... مد يشبعهم. كيفية الاطعام والصيام قال مالك: أحسن ما سمعت - في الذي يقتل الصيد، فيحكم عليه فيه - أن يقوم الصيد الذي أصاب، فينظر: كم ثمنه من الطعام؟ فيطعم كل مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد يوما وينظر: كم عدة المساكين؟ فإن كانوا عشرة، صام عشرة أيام، وإن كانوا عشرين مسكينا، صام عشرين يوما، عددهم ما كانوا. وإن كانوا أكثر من ستين مسكينا. الاشتراك في قتل الصيد إذا اشترك جماعة في قتل صيد عامدين لذلك جميعا، فليس عليهم إلا جزاء واحد. لقول الله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم). وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن جماعة قتلوا ضبعا، وهم محرمون؟

[ 687 ]

فقال: اذبحوا كبشا. فقالوا عن كل إنسان منا؟ فقال: بل كبشا واحدا عن جميعكم. صيد الحرم وقطع شجره يحرم على المحرم والحلال (1) صيد الحرم، وتنفيره وقطع شجره الذي لم يستنبته الادميون في العادة، وقطع الرطب من النبات، حتى الشوك إلا إلاذخر (2) والسنا، فإنه يباح التعرض لهما بالقطع، والقلع، والاتلاف ونحو ذلك. لما رواه البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة - " إن هذا البلد حرام، لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه (3) ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف " فقال العباس: إلا الاذخر، فإنه لا بد لهم منه، فإنه للقيون (4) والبيوت! فقال: " إلا الاذخر ". قال الشوكاني: قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عنه بما ينبته الله تعالى، من غير صنيع آدمي. فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه: فالجمهور على الجواز. وقال الشافعي: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الاول. فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وقال الشافعي: في العظيمة (5) بقرة، وفيما دونها شاة. (هامش) (1) " الحلال ": غير المحرم. (2) " الاذخر ": نبت طيب الرائحة. و " السنا ": السنامكي. (3) " لا يختلي خلاه " أي لا يقطع الرطب من النبات. (4) " القيون " جمع قين، وهو الحداد. (5) العظيمة: أي الشجرة العظيمة. (.)

[ 688 ]

واستثنى العلماء الانتفاع بما انكسر من الاغصان. وانقطع من الشجر من غير صنيع الادمي، وبما يسقط من الورق. قال ابن قدامة: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم، من بقل، وزرع، ومشموم، وأنه لا بأس برعيه واختلائه. وفى الروضة الندية: ولا يجب على الحلال في صيد حرم مكة ولا شجره شئ، إلا مجرد الاثم. وأما من كان محرما فعليه الجزاء الذي ذكره الله عزوجل، إذا قتل صيدا. وليس عليه شئ في شجر مكة، لعدم ورود دليل تقوم به الحجة. وما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في الدوحة الكبيرة إذا قطعت من أصلها بقرة " لم يصح. وما روي عن بعض السلف لا حجة فيه. ثم قال: والحاصل أنه لا ملازمة بين النهي عن قتل الصيد، وقطع الشجر، وبين وجوب الجزاء، أو القيمة. بل النهي يفيد بحقيقته التحريم. والجزاء والقيمة، لا يجبان إلا بدليل. ولم يرد دليل إلا قول الله تعالى، (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) الاية. وليس فيها إلا ذكر الجزاء فقط، فلا يجب غيره. حدود الحرم المكي للحرم المكي حدود تحيط بمكة، وقد نصبت عليها أعلام في جهات خمس. وهذه الاعلام أحجار مرتفعة قدر متر، منصوبة على جانبي كل طريق. فحده - من جهة الشمال " التنعيم " وبينه وبين مكة 6 كيلو مترات. وحده من جهة الجنوب " أضاه " بينها وبين مكة 12 كيلومترا. وحده من جهة الشرق " الجعرانة " بينها وبين مكة 16 كيلو مترا. وحده من جهة الشمال الشرقي " وادي نخلة " بينه وبين مكة 14 كيلو مترا.

[ 689 ]

وحده من جهة الغرب " الشميسي " (1) بينها وبين مكة 15 كيلو مترا. قال محب الدين الطبري: عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة قال: نصب إبراهيم أنصاب الحرم يريه جبريل عليه السلام. ثم لم تحرك حتى كان قصي، فجددها. ثم لم تحرك حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم. فبعث عام الفتح تميم بن أسيد الخزاعي فجددها. ثم لم تحرك حتى كان عمر، فبعث أربعة من قريش. محرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزى، وأزهر ابن عبد عوف. فجد دوها ثم جددها معاوية. ثم أمر عبد الملك بتجديدها. حرمة المدينة وكما يحرم صيد حرم مكة وشجره، كذلك يحرم صيد حرم المدينة وشجره. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها (2) ولا يصاد صيدها ". رواه مسلم. وروى أحمد، وأبو داود، عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: " لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، إلا لمن أشاد بها (3)، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن تقطع فيها شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره ". وفي الحديث المتفق عليه: " المدينة حرم، ما بين عير إلى ثور ". وفيه عن أبي هريرة: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى. " واللابتان " مثنى لابة. و " اللابة " الحرة، وهي الحجارة السود. (هامش) (1) كانت تسمى الحديبية، وهي التي وقعت عندها بيعة الرضوان. فسميت الغزوة باسمها. (2) " عضاهها " العضاه: واحدتها عضاهة: وهي الفجوة التي فيها الشوك الكثير. (3) " أشاد بها ": رفع صوته بتعريفها. (.)

[ 690 ]

والمدينة تقع بين اللابتين: الشرقية، والغربية. وقدر الحرم باثني عشر ميلا، يمتد من عير إلى ثور و " عير " جبل عند الميقات، و " ثور " جبل عند أحد، من جهة الشمال. ورخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل المدينة قطع الشجر لاتخاذه آلة للحرث، والركوب، ونحو ذلك مما لا غنى لهم عنه، وأن يقطعوا من الحشيش ما يحتاجون إليه لعلف دوابهم. روى أحمد، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حرام ما بين حرتيها، وحماها كلها، لا يقطع شجرة إلا أن يعلف منها ". وهذا بخلاف حرم مكة، إذ يجد أهله ما يكفيهم. وحرم المدينة لا يجد أهله ما يستغنون به عنه. وليس في قتل صيد الحرم المدني، ولا قطع شجره جزاء، وفيه الاثم. روى البخاري عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المدينة حرم، من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". ومن وجد شيئا في شجره مقطوعا حل له أن يأخذه. فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنه ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه، فسلبه. فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم ما أخذ منه. فقال: معاذ الله، أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرد عليهم. رواه مسلم. وروى أبو داود، والحاكم، وصححه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه ". هل فيه حرم آخر؟ قال ابن تيمية: وليس في الدنيا حرم، لا بيت المقدس، ولا غيره، إلا هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما " حرما " كما يسمي الجهال فيقولون:

[ 691 ]

حرم المقدس، وحرم الخليل، فإن هذين وغيرهما، ليسا بحرم، باتفاق المسلمين. والحرم المجمع عليه: حرم مكة. وأما المدينة فلها حرم أيضا عند الجمهور كما استفاضت بذلك الاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث، إلا وجاء، وهو واد بالطائف. وهو عند بعضهم (1) حرم، وعند الجمهور ليس بحرم. تفضيل مكة على المدينة ذهب جمهور العلماء: إلى أن مكة أفضل من المدينة. لما رواه أحمد، وابن ماجه والترمذي، وصححه، عن عبد الله بن عدي ابن الحمراء، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ". وروى الترمذي، وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: " ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ". دخول مكة بغير احرام يجوز دخول مكة بغير إحرام، لمن لم يرد حجا ولا عمرة، سواء أكان دخوله لحاجة تتكرر - كالحطاب والحشاش والسقاء والصياد وغيرهم - أم لم تتكرر، كالتاجر والزائر، وغيرهما، وسواء أكان آمنا أم خائفا. وهذا أصح القولين للشافعي، وبه يفتي أصحابه. وفي حديث مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء، بغير إحرام. (هامش) (1) وهو الشافعي وقد رجح الشوكاني رأيه. (.)

[ 692 ]

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه رجع من بعض الطريق فدخل مكة غير محرم. وعن ابن شهاب قال: لا بأس بدخول مكة بغير إحرام. وقال ابن حزم: دخول مكة بلا إحرام جائز. لان النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل المواقيت لمن مر بهن، يريد حجا أو عمرة. ولم يجعلها لمن لم يرد حجا ولا عمرة. فلم يأمر الله تعالى قط، ولا رسوله عليه الصلاة والسلام، بأن لا يدخل مكة إلا بإحرام. فهذا إلزام ما لم يأت في الشرع إلزامه. ما يستحب لدخول مكة والبيت الحرام يستحب لدخول مكة ما يأتي: 1 - الاغتسال: فعن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان يغتسل لدخول مكة. 2 - المبيت بذي طوى في جهة الزاهر. فقد بات رسول الله صلى الله عليه وسلم بها. قال نافع: وكان ابن عمر يفعله، رواه البخاري، ومسلم. 3 - أن يدخلها من الثنية العليا (ثنية كداء). فقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم من جهة المعلاة. فمن تيسر له ذلك فعله، وإلا فعل ما يلائم حالته، ولا شئ عليه. 4 - أن يبادر إلى البيت بعد أن يدع أمتعته في مكان أمين، ويدخل من باب بني شيبة - باب السلام - ويقول في خشوع وضراعة: " أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، اللهم صل على محمد وآله وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ".

[ 693 ]

5 - إذا وقع نظره على البيت، رفع يديه وقال: " اللهم زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه، أو اعتمره، تشريفا وتكريما وتعظيما، وبرا " (1). " اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام ". 6 - ثم يقصد إلى الحجر الاسود، فيقبله بدون صوت. فإن لم يتمكن استلمه بيده وقبله. فإن عجز عن ذلك، أشار إليه بيده. 7 - ثم يقف بحذائه ويشرع في الطواف. 8 - ولا يصلي تحية المسجد، فإن تحيته الطواف به، إلا إذا كانت الصلاة المكتوبة مقامة، فيصليها مع الامام. لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ". وكذلك إذا خاف فوات الوقت، يبدأ به فيصليه. الطواف كيفيته: 1 - يبدأ الطائف طوافه مضطبعا محاذيا الحجر الاسود مقبلا له أو مستلما أو مشيرا إليه، كيفما أمكنه، جاعلا البيت عن يساره، قائلا: " بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ". 2 - فإذا أخذ في الطواف، استحب له أن يرمل في الاشواط الثلاثة الاولى، فيسرع في المشي. ويقارب الخطا، مقتربا من الكعبة. ويمشي مشيا عاديا في الاشواط الاربعة الباقية. فإذا لم يمكنه الرمل، أو لم يستطع القرب من البيت لكثرة الطائفين، ومزاحمة الناس له، طاف حسبما تيسر له. (هامش) (1) رواه الشافعي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله عمر. (.)

[ 694 ]

ويستحب أن يستلم الركن اليماني. ويقبل الحجر الاسود أو يستلمه في كل شوط من الاشواط السبعة. 3 - ويستحب له أن يكثر من الذكر والدعاء، ويتخير منهما ما ينشرح له صدره، دون أن يتقيد بشئ أو يردد ما يقوله المطوفون. فليس في ذلك ذكر محدود، الزنا الشارع به. وما يقوله الناس: من أذكار وأدعية في الشوط الاول والثاني، وهكذا، فليس له أصل. ولم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ من ذلك، فللطائف أن يدعو لنفسه، ولاخوانه بما شاء، من خيري الدنيا والاخرة. واليك بيان ما جاء في ذلك من الادعية: 1 - إذا استقبل الحجر قال: " اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك، بسم الله والله أكبر " (1). 2 - فإذا أخذ في الطواف قال: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ". رواه ابن ماجه. 3 - فإذا انتهى إلى الركن اليماني دعا فقال: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار ". رواه أبو داود، والشافعي عن النبي صلى الله عليه وسلم. 4 - قال الشافعي: وأحب - كلما حاذى الحجر الاسود - أن يكبر، وأن يقول في رمله: " اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وسعيا مشكورا ". ويقول في الطواف عند كل شوط: " رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم وأنت الاعز الاكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الاخرة حسنة، وقنا عذاب النار ". وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يقول بين الركنين: " اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف علي كل غائبة بخير " (2). رواه سعيد بن منصور، والحاكم. (هامش) (1) هذا الدعاء روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. (2) " أخلف علي " اي اجعل لي عوضا حاضرا عما فاتني. (.)

[ 695 ]

قراءة القرآن للطائف: لا بأس للطائف بقراءة القرآن أثناء طوافه. لان الطواف إنما شرع من أجل ذكر الله تعالى، والقرآن ذكر. فعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة ورمي الجمار، لاقامة ذكر الله عزوجل ". رواه أبو داود والترمذي. وقال: حسن صحيح. فضل الطواف روى البيهقي - بإسناد حسن - عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل الله كل يوم على حجاج بيته الحرام، عشرين ومائة رحمة: ستين للطائفين وأربعين للمصلين، وعشرين للناظرين " 5 - فإذا فرغ من الاشواط السبعة صلى ركعتين عند مقام إبراهيم، تاليا قول الله تعالى: " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى ". وبهذا ينتهي الطواف. ثم إن كان الطائف مفردا سمى هذا الطواف طواف القدوم. وطواف التحية، وطواف الدخول. وهو ليس بركن. ولا واجب. وإن كان قارنا، أو متمتعا، كان هذا الطواف طواف العمرة، ويجزئ عن طواف التحية والقدوم. وعليه أن يمضي في استكمال عمرته. فيسعى بين الصفا والمروة. أنواع الطواف (1) طواف القدوم (2) وطواف الافاضة (3) وطواف الوداع، وسيأتي الكلام عليها في مواضعها (4) وطواف التطوع. وينبغي للحاج أن يغتنم فرصة وجوده بمكة ويكثر من طواف التطوع، والصلاة في المسجد الحرام.

[ 696 ]

فإن الصلاة فيه خير من مائة الف، فيما سواه من المساجد. وليس في طواف التطوع رمل ولا اضطباع. والسنة أن يحيي المسجد الحرام بالطواف حوله كلما دخله، بخلاف المساجد الاخرى، فإن تحيتها الصلاة فيها. وللطواف شروط وسنن وآداب نذكرها فيما يلي: شروط الطواف 1 - الطهارة من الحدث الاصغر والاكبر والنجاسة (1) لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الطواف صلاة... إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير ". رواه الترمذي والدار قطني، وصححه الحاكم وابن خزيمة وابن السكن. وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تبكي، فقال: " أنفست؟ (2) " - يعني الحيضة - قالت، نعم. قال: " إن هذا شئ كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي ". رواه مسلم. وعنها قالت: إن أول شئ بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة - أنه توضأ ثم طاف بالبيت. رواه الشيخان. ومن كان به نجاسة، لا يمكن إزالتها، كمن به سلس بول وكالمستحاضة التي لا يرقا دمها، فإنه يطوف ولا شئ عليه باتفاق. روى مالك: ان عبد الله بن عمر جاءته امرأة تستفتيه، فقالت: إني أقبلت أريد أن أطوف بالبيت، حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، (هامش) (1) يرى الحنفية أن الطهارة من الحدث ليست شرطا وإنما هي واجب يجبر بالدم. فلو كان محدثا حدثا أصغر وطاف صح طوافه ولزمه شاة. وإن طاف جنبا أو حائضا، صح ولزمه بدنة، ويعيده ما دام بمكة. وأما الطهارة من النجاسة في الثوب أو البدن، فهي سنة عندهم فقط. (2) " أنفست " أي أحضت. (.)

[ 697 ]

فرجعت، حتى ذهب ذلك عني، ثم أقبلت، حتي إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، فرجعت، حتى ذهب ذلك عني، ثم أقبلت، حتى إذا كنت عند باب المسجد، هرقت الدماء. فقال عبد الله بن عمر: إنما ذلك ركضة من الشيطان، فاغتسلي، ثم استثفري بثوب، ثم طوفي. 2 - ستر العورة: (1) لحديث أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع، في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: " لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ". رواه الشيخان. 3 - أن يكون سبعة أشواط كاملة. فلو ترك خطوة واحدة، في أي شوط، لا يحسب طوافه. فإن شك بنى على الاقل، حتى يتقن السبع. وإن شك بعد الفراغ من الطواف فلا يلزمه شئ. 4 - أن يبدأ الطواف من الحجر الاسود، وينتهي إليه. 5 - أن يكون البيت عن يسار الطائف. فلو طاف، وكان البيت عن يمينه، لا يصح الطواف. لقول جابر رضي الله عنه: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتى الحجر الاسود فاستلمه، تم مشى عن يمينه فرمل (2) ثلاثا ومشى أربعا (3). رواه مسلم. 6 - أن يكون الطواف خارج البيت. فلو طاف في الحجر لا يصح طوافه، فإن الحجر (4)، والشاذ روان (5) من البيت. (هامش) (1) عند الاحناف واجب، فمن طاف عريانا صح طوافه وعليه الاعادة إلا خرج من مكة، فإنه يلزم دم. (2) " الرمل ": الا سراع مع هز الكتفين. (3) عند الاحناف أن ركن الطواف أربعة أشواط، والثلاثة الباقية واجب يجبر بالدم. (4) الحجر: هو حجر إسماعيل، ويقع شمال الكعبة، يحوطه سور على شكل نصف دائرة وليس الحجر كله من البيت، بل الجزء الذي هو من البيت قدره ستة أذرع: نحو ثلاثة أمتار. (5) " الشاذروان " البناء الملاصق لاساس الكعبة الذي توضع به حلق الكسوة. (.)

[ 698 ]

والله أمر بالطواف بالبيت، لا في البيت، فقال: (وليطوفوا بالبيت العتيق). ويستحب القرب من البيت، إن تيسر. 7 - موالاة السعي: عند مالك وأحمد. ولا يضر التفريق اليسير، لغير عذر، ولا التفريق الكثير، لعذر. وذهبت الحنفية، والشافعية: إلى أن الموالاة سنة. فلو فرق بين أجزاء الطواف تفريقا كثيرا، بغير عذر، لا يبطل. ويبني على ما مضى من طوافه. روى سعيد بن منصور، عن حميد بن زيد قال: رأيت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، طاف بالبيت ثلاثة أطواف أو أربعة، ثم جلس يستريح، وغلام له يروح عليه، فقام فبنى على ما مضى من طوافه. وعند الشافعية والحنفية: لو أحدث في الطواف، توضأ وبنى ولا يجب الاستئناف، وإن طال الفصل. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يطوف بالبيت، فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم، ثم قام، فبنى على ما مضى من طوافه. وعن عطاء: أنه كان يقول - في الرجل يطوف بعض طوافه، ثم تحضر الجنازة - قال: يخرج يصلي عليها، ثم يرجع فيقضي ما بقي من طوافه. سنن الطواف للطواف سنن نذكرها فيما يلي: 1 - استقبال الحجر الاسود، عند بدء الطواف مع التكبير والتهليل، ورفع اليدين: كرفعهما في الصلاة، واستلامه بهما بوضعهما عليه، وتقبيله بدون صوت، ووضع الخد عليه، إن أمكن ذلك، وإلا مسه بيده وقبلها أو مسه بشئ معه وقبله، أو أشار إليه بعصا ونحوها. وقد جاء في ذلك أحاديث، واليك بعضها: قال ابن عمر رضي الله عنهما: استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر واستلمه، ثم وضع شفيته يبكي طويلا، فإذا عمر يبكي طويلا.

[ 699 ]

فقال: " يا عمر، هنا تسكب العبرات (1) ". رواه الحاكم، وقال: صحيح الاسناد. وعن ابن عباس: ان عمر أكب على الركن (2) فقال: إني لاعمل أنك حجر، ولو لم أر حبيبي صلى الله عليه وسلم قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). رواه أحمد، وغيره، بألفاظ مختلفة متقاربة. وقال نافع: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما استلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. رواه البخاري ومسلم. وقال سويد بن غفلة: رأيت عمر رضي الله عنه قبل الحجر، والتزمه وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا (3) " رواه مسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي البيت، فيستلم الحجر ويقول: " بسم الله والله أكبر ". رواه أحمد. وروى مسلم عن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم بمحجن معه ويقبل المحجن. وروى البخاري، ومسلم، وأبو داود عن عمر رضي الله عنه أنه جاء إلى الحجر فقبله. فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر، ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. قال الخطابي: فيه من العلم، أن متابعة السنن واجبة وإن لم يوقف لها على علل معلومة، وأسباب معقولة. وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها. إلا أنه معلوم في الجملة أن تقبيله الحجر، إنما هو إكرام له، وإعظام لحقه، وتبرك به. وقد فضل الله بعض الاحجار على بعض، كما فضل بعض البقاع والبلدان، وكما فضل بعض الليالي والايام والشهور. (هامش) (1) " العبرات ": أي الدموع. (2) " الركن ": المراد به هنا الحجر الاسود. (3) " حفيا ": أي مهتما ومعنيا. (.)

[ 700 ]

وباب هذا كله التسليم. وهذا وقد روى أمر سائغ في العقول جار فيها، غير ممتنع ولا مستنكر. في بعض الاحاديث: " الحجر يمين الله في الارض ". والمعنى أن من صافحه في الارض كان له عند الله عهد. فكان كالعهد الذي تعقده الملوك بالمصافحة، لمن يريد موالاته، والاختصاص به. وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة. وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء. فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه به. وقال المهلب: حديث عمر يرد على من قال: إن الحجر يمين الله في الارض، يصافح بها عباده. ومعاذ الله، أن تكون لله جارحة، وإنما شرع تقبيله اختبارا، ليعلم - بالمشاهدة - طاعة من يطيع. وذلك شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجود لادم. هذا، ولا يعلم - على وجه اليقين - أنه بقي حجر من أحجار الكعبة. من وضع إبراهيم إلا الحجر الاسود. المزاحمة على الحجر ولا بأس في المزاحمة على الحجر على أن لا يؤذي أحدا. فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يزاحم حتى يدمى أنفه. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: " يا أبا حفص إنك رجل قوي، فلا تزاحم على الركن، فإنك تؤذي الضعيف، ولكن إن وجدت خلوة فاستلم، وإلا فكبر وامض ". رواه الشافعي في سننه. (1) الاضطباع: فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فاضطبعوا أرديتهم تحت آباطهم، وقذفوها على عواتقهم اليسرى. رواه أحمد وأبو داود. (هامش) (1) " الاضطباع " هو جعل وسط الرداء تحت الابط الايمن، وطرفيه على الكتف الايسر. (.)

[ 701 ]

وهذا مذهب الجمهور. وقالوا في حكمته: إنه يعين على الرمل في الطواف. وقال مالك: لا يستحب، لانه لم يعرف ولم ير أحدا يفعله ولا يستحب في صلاة الطواف اتفاقا. 2 - الرمل (1) فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الاسود إلى الحجر الاسود ثلاثا، ومشى أربعا. رواه أحمد، ومسلم. ولو تركه في الثلاث الاول لم يقضه في الاربعة الاخيرة. والاضطباع والرمل خاص بالرجال في طواف العمرة، وفي كل طواف يعقبه سعي في الحج. وعند الشافعية: إذا اضطبع ورمل في طواف القدوم ثم سعى بعده، لم يعد الاضطباع والرمل في طواف الافاضة. وإن لم يسع بعده، وأخر السعي إلى ما بعد طواف الزيارة اضطبع ورمل في طواف الزيارة. أما النساء، فلا اضطباع عليهن - لوجوب ستزهن - ولا رمل، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: ليس على النساء سعي (2) بالبيت، ولا بين الصفا والمروة. رواه البيهقي. حكمة الرمل: والحكمة فيه ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد وهنتهم (3) حمى يثرب (4) فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شرا، فأطلع الله سبحانه نبيه (هامش) (1) " الرمل ": الاسراع في المشي مع هز الكتفين وتقارب الخطا. وقد شرع إظهارا للقوة والنشاط. (2) أي رمل. (3) " وهنتهم ": أي أضعفتهم. (4) " يثرب " أي المدينة المنورة. (.)

[ 702 ]

صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا الاشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم رملوا، قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد منا (1). قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولم يأمرهم أن يرملوا الاشواط كلها إلا إبقاء (2) عليهم. رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، واللفظ له. ولقد بدا لعمر رضي الله عنه أن يدع الرمل بعد ما انتهت الحكمة منه، ومكن الله للمسلمين في الارض، إلا أنه رأى إبقاءه على ما كان عليه في العهد النبوي. لتبقى هذه الصورة ماثلة للاجيال بعده. قال محب الدين الطبري: وقد يحدث شئ من أمر الدين لسبب ثم يزول السبب ولا يزول حكمه. فعن زيد بن أسلم. عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: فيم الرملان اليوم، والكشف عن المناكب؟ وقد أطأ (3) الله الاسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. 3 - استلام (4) الركن اليماني: لقول ابن عمر رضي الله عنهما: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يمس من الاركان إلا اليمانيين. وقال: ما تركت استلام هذين الركنين - اليماني، والحجر الاسود - منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما، في شدة، ولا في رخاء. رواهما البخاري، ومسلم. وإنما يستلم الطائف هذين الركنين، لما فيهما من فضيلة، ليست لغيرهما. ففي الركن الاسود ميزتان، إحداهما: أنه عل قواعد إبراهيم عليه السلام. (هامش) (1) " أجلد " أي أقوى وأشد. (2) " إبقاء عليهم ": هذا تعليل الرمل في جميع الاشواط حتى لا يجهدوا أو يصابوا بضرر. (3) " أطأ ": أي ثبت. (4) " الاستلام ": المسح باليد. (.)

[ 703 ]

وثانيتهما: أن فيه الحجر الاسود الذي جعل مبدءا للطواف ومنتهى له. وأما الركن اليماني المقابل له، فقد وضع أيضا على قواعد إبراهيم عليه السلام. روى أبو داود عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه أخبر بقول عائشة رضي الله عنها: " إن الحجر بعضه من البيت ". فقال ابن عمر: والله إني لاظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني لاظن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك استلامهما، إلا أنهما ليسا على قواعد البيت، ولا طاف الناس وراء الحجر إلا لذلك. والامة متفقة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، وعلى أنه لا يستلم الطائف الركنين الاخرين. وروى ابن حبان في صحيحه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الحجر والركن اليماني يحط الخطايا حطا ". صلاة ركعتين بعد الطواف (1) يسن للطائف صلاة ركعتين بعد كل طواف (2)، عند مقام إبراهيم، أو في مكان من المسجد. فعن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، طاف بالبيت سبعا، وأتى المقام فقرأ: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى). فصلى خلف المقام ثم أتى الحجر فاستلمه. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. والسنة فيهما قراءة سورة " الكافرون " بعد " الفاتحة " في الركعة الاولى، وسورة " الاخلاص " في الركعة الثانية. فقد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه مسلم، وغيره. وتؤديان في جميع الاوقات، حتى أوقات النهي. (هامش) (1) وهي واجبة عند أبي حنيفة. (2) أي سواء كان الطواف فرضا أو نقلا. (.)

[ 704 ]

فعن جبير بن مطعم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء، من ليل، أو نهار ". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصححه. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد. وكما أن الصلاة بعد الطواف تسن في المسجد، فإنها تجوز خارجه. فقد روى البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها: أنها طافت راكبة، فلم تصل حتى خرجت. وروى مالك عن عمر رضي الله عنه، أنه صلاهما بذي طوى. وقال البخاري: وصلى عمر رضي الله عنه خارج الحرم. ولو صلى المكتوبة بعد الطواف أجزأته عن الركعتين، وهو الصحيح عند الشافعية والمشهور من مذهب أحمد. وقال مالك والاحناف: لا يقوم غير الركعتين مقامهما. المرور أمام المصلي في الحرم المكي يجوز أن يصلي المصلي في المسجد الحرام، والناس يمرون أمامه، رجالا ونساء، بدون كراهة، وهذا من خصائص المسجد الحرام. فعن كثير بن كثير بن المطلب بن وداعة، عن بعض أهله، عن جده: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي مما يلي بني سهم، والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة. قال سفيان بن عيينة: " ليس بينه وبين الكعبة سترة ". رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. طواف الرجال مع النساء روى البخاري عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف تمنعهن، وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال؟ قال: قلت: أبعد الحجاب أقبله؟

[ 705 ]

قال: أي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن الرجال، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة (1) من الرجال لا تخالطهم. فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين. قالت: انطلقي... عنك، وأبت. فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت، قمن، حتى يدخلن وأخرج الرجال. وللمرأة أن تستلم الحجر عند الخلوة، والبعد عن الرجال. فعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت لامرأة: لا تزاحمي على الحجر، إن رأيت خلوة فاستلمي، وإن رأيت زحاما فكبري وهللي إذا حاذيت به، ولا تؤذي أحدا. ركوب الطائف يجوز للطائف الركوب، وإن كان قادرا على المشي، إذا وجد سبب يدعو إلى الركوب. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (2). رواه البخاري، ومسلم. وعن جابر رضي الله عنه قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبالصفا والمروة، ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس غشوه (3). كراهة طواف المجذوم مع الطائفين روى مالك عن ابن أبي مليكة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى امرأة مجذومة، تطوف بالبيت، فقال لها: يا أمة الله، لا تؤذى الناس، لو (هامش) (1) " حجرة " أي ناحية منفردة. (2) " المحجن ": عود معقود الرأس يكون مع الراكب يحرك به راحلته. (3) " غشوه ": ازدحموا عليه. (.)

[ 706 ]

جلست في بيتك!؟ ففعلت. ومر بها رجل بعد ذلك فقال لها: إن الذي نهاك قد مات، فاخرجي. فقالت: ما كنت لاطيعه حيا وأعصيه ميتا. استحباب الشرب من ماء زمزم: وإذا فرغ الطائف من طوافه، وصلى ركعتيه عند المقام، استحب له أن يشرب من ماء زمزم. ثبت في الصحيحين: أن رسول صلى الله عليه وسلم، شرب من ماء زمزم، وأنه قال: " إنها مباركة. إنها طعام طعم وشفاء سقم (1) ". وأن جبريل عليه السلام غسل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائها ليلة الاسراء. وروى الطبراني في الكبير، وابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير ماء على وجه الارض ماء زمزم، فيه طعام الطعم، وشفاء السقم ". الحديث. قال المنذري: ورواته ثقات. آداب الشرب منه: يسن أن ينوي الشارب عند شربه الشفاء ونحوه، مما هو خير في الدين والدنيا. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ماء زمزم لما شرب له ". وعن سويد بن سعيد قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى ماء زمزم واستسقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ماء زمزم لما شرب له، وهذا أشربه لعطش يوم القيامة، ثم شرب ". رواه أحمد بسند صحيح، والبيهقي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ماء زمزم لما شرب له، إن شرته تستشفي شفاك الله، وإن شربته لشبعك، الله (هامش) (1) الزيادة لابي داود الطيالسي. وقيل هي في إحدى نسخ مسلم. ومعنى " طعام طعم ": أي أنه يشبع من شربه. (.)

[ 707 ]

أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمة (1) جبرائيل وسقيا (2) الله إسماعيل ". رواه الدار قطني، والحكم، وزاد: " وإن شربته مستعيذا، أعاذك الله ". ويستحب أن يكون الشرب على ثلاثة أنفاس، وأن يستقبل به القبلة، ويتضلع منه (3)، ويحمد الله، ويدعو بما دعا به ابن عباس. فعن أبي مليكة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: من أين جئت؟.. قال: شربت من ماء زمزم. قال ابن عباس: أشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ذاك يا ابن عباس؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر الله، وتنفس ثلاثا، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم ". رواه ابن ماجه، والدار قطني والحاكم. وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا شربت من ماء زمزم قال: اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء. أصل بئر زمزم: روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن " هاجر " لما أشرفت على على المروة حين أصابها وولدها العطش سمعت صوتا، فقالت: صه - تريد نفسها - ثم تسمعت، فسمعت أيضا، فقالت: قد اسمعت، إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا - تغترف من الماء في سقائها - وهو يفور بعد ما تغترف. قال ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغترف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا ". قال: فشربت، وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: (هامش) (1) " هزمة ": أي حفرة. (2) أي أخرجه الله لسقي إسماعيل في اول الامر. (3) " تضلع ": أي امتلا شبعا وريا حتى بلغ الماء أضلاعه. (.)

[ 708 ]

لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت الله، يبتني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مثل الرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله. استحباب الدعاء عند الملتزم: وبعد الشرب من ماء زمزم، يستحب الدعاء عند الملتزم. فقد روى البيهقي عن ابن عباس، أنه كان يلزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: ما بين الركن والباب يدعى الملتزم، لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إياه. وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم. وقيل: إن الحطيم هوالملتزم. ويرى البخاري أن الحطيم الحجر نفسه. واحتج عليه بحديث الاسراء فقال: بينا أنا نائم في الحطيم، وربما قال في الحجر. قال: وهو حطيم: بمعنى محطوم، كفتيل، بمعنى مقتول. استحباب دخول الكعبة وحجر إسماعيل: روى البخاري، ومسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة (1)، هو وأسامة بن زيد، وعثمان ابن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا، أخبرني بلال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في جوف الكعبة، بين العمودين اليمانيين. وقد استدل العلماء بهذا على أن دخول الكعبة، والصلاة فيها سنة. وقالوا: وهو وإن كان سنة، إلا أنه ليس من مناسك الحج، لقول ابن عباس رضي الله عنهما: أيها الناس إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شئ. رواه الحاكم بسند صحيح. (هامش) (1) كان ذلك عام الفتح. (.)

[ 709 ]

ومن لم يتمكن من دخول الكعبة، يستحب له الدخول في حجر إسماعيل والصلاة فيه فإن جزءا منه من الكعبة. روى أحمد بسند جيد، عن سعيد بن جبير، عن عائشة قالت: يا رسول الله، كل أهلك قد دخل البيت غيري! فقال: " أرسلي إلى شيبة (1) فيفتح لك الباب "، فأرسلت إليه. فقال شيبة: ما استطعنا فتحه في جاهلية، ولا إسلام، بليل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " صلي في الحجر فإن قومك استقصروا (2) عن بناء البيت، حين بنوه ". السعي بين الصفا والمروة أصل مشروعيته: روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبراهيم عليه السلام ب‍ " هاجر " وبابنها " إسماعيل " عليه السلام، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم، فوضعهما تحتها وليس بمكة يومئذ من أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شئ؟ فقالت له ذلك مرارا، فجعل لا يلتفت إليها، فقالت: الله أمرك بهذا؟.. قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. وفي رواية: فقالت له: إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله. فقالت: قد رضيت. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات، رفع يديه وقال: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، (هامش) (1) ابن عثمان بن طلحة كان بيده مفتاح الكعبة. (2) " استقصروا ": أي تركوا منه جزءا وهو الحجر. (.)

[ 710 ]

ربنا ليقيموا لصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون). وقعدت أم إسماعيل تحت الدوحة، ووضعت ابنها إلى جنبها وعلقت شنها تشرب منه، وترضع ابنها، حتى فني ما في شنها، فانقطع درها، واشتد جوع ابنها حتى نظرت إليه يتشحط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا - وهو أقرب جبل يليها - ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدا؟.. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا. حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي إنسان مجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت، هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فلذلك سعى الناس بينهما ". حكمه: اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة، إلى آراء ثلاثة: (أ