جواهر العقود ومعين القضاة والموقعين والشهود تأليف الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن أحمد المنهاجي الاسيوطي القرن التاسع الهجري حققها وخرج أحاديثها مسعد عبد الحميد محمد السعدني الجزء الثاني دار الكتب العلمية
[ 2 ]
بيروت - لبنان الطبعة الاولى 1417 ه - 1996 م
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب النكاح وما يتعلق به من الاحكام النكاح جائز. والاصل في جوازه: الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) * وقوله تعالى: * (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) *. وأما السنة: فقوله (ص): تناكحوا تناسلوا. فإني أباهي بكم الامم يوم القيامة، حتى بالسقط وفي السقط ثلاث لغات: بفتح السين، وضمها وكسرها - وهذا يدل على الجواز.
وأجمعت الامة على جواز النكاح. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانت مناكح الجاهلية على أربعة أقسام: أحدها. تناكح الرايات، وهو أن المرأة كانت تنصب على بابها راية، فيعرف أنها عاهر. فيأتيها الناس. والثاني: أن الرهط من القبيلة والناحية كانوا يجتمعون على وطئ امرأة لا يخالطهم غيرهم. فإذا جاءت بولد ألحق بأشبههم. والثالث: نكاح الاستحباب، وهو أن المرأة كانت إذا أرادت أن يكون ولدها كريما، بذلت نفسها لعدة من فحول القبائل، ليكون ولدها كأحدهم. والرابع: النكاح الصحيح: وهو الذي قال النبي (ص): ولدت من نكاح لا من سفاح وتزوج النبي (ص) خديجة بنت خويلد قبل النبوة من ابن عمها ورقة بن نوفل. وكان الذي خطبها له عمه أبو طالب، فخطب وقال: الحمدلله الذي جعل بلدا حراما، وبيتا محجوجا، وجعلنا سدنته، وهذا محمد قد علمتم مكانه من العقل والنبل، وإن كان المال قل، إلا أن المال ظل
[ 4 ]
زائل، وعارية مستردة، وما أردتم من المال فعلي، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك. فزوجها منه ابن عمها. وروي أن النبي (ص) تزوج بنساء كثير. ومات عن تسع. وسأل رجل عمر عن النكاح؟ فقال: كان خيرنا أكثرنا نكاحا يعني النبي (ص). والنكاح في اللغة: الضم والجمع. يقال: تناكحت الاشجار، إذا انضم بعضها إلى بعض. ويطلق على الوطئ، لاشتماله على الضم. وفي الشرع: عبارة عن استباحة الوطئ بإيجاب وقبول وشاهدي عدل. ويستحب النكاح لمن يحتاج إليه إذا وجد أهبته، وإن لم يجدها. فالاولى أن لا ينكح، ويكسر شهوته بالصوم. ويكره النكاح لمن لا يحتاج إليه، إن لم يجد أهبته. وإن وجدها فلا يكره له، لكن الاشتغال بالعبادة أفضل.
والاحب نكاح البكر النسيبة، والتي ليست لها قرابة قريبة. وتكون من ذوات الدين. وإذا رغب الرجل في نكاح امرأة استحب له النظر إليها قبل الخطبة، أذنت أو لم تأذن. وله تكرير النظر إليها. ولا ينظر إلا إلى الوجه والكفين ظهرا وبطنا. ويحرم نظر الفحل البالغ إلى الوجه والكفين من الحرة الكبيرة الاجنبية عند خوف الفتنة، وكذا عند الامن في أولى الوجهين. ولا خلاف في تحريم النظر إلى ما هو عورة منها. وللرجل أن ينظر من المحرم إلى ما يبدو عند المهنة، ولا ينظر إلى ما بين السرة والركبة. وفيما بينهما وجهان. أظهرهما: الحل. والاظهر حل النظر إلى الامة، إلا ما بين السرة والركبة. وإلى الصغيرة، إلا الفرج. وإن نظر العبد إلى سيدته فله ذلك. ونظر الممسوح: كالنظر إلى المحارم. ونظر المراهق: كنظر البالغ، لا كنظر الطفل الذي لا يظهر على العورات. وأما نظر الرجل إلى الرجل: فهو جائز في جميع البدن، إلا ما بين السرة والركبة، ويحرم النظر إلى الامرد بالشهوة.
[ 5 ]
ونظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى الرجل، إلا أن في نظر الذمية إلى المسلمة وجهان. أحوطهما: المنع. والاصح: أن للمرأة النظر إلى بدن الرجل الاجنبي، سوى ما بين السرة والركبة، إلا عند خوف الفتنة. ونظرها إلى الرجال المحارم كنظر الرجال إلى نساء المحارم. وحيثما يحرم النظر يحرم المس. ويباحان للفصد، والحجامة، والمعالجة.
وللزوج أن ينظر إلى ما شاء من بدن زوجته. ويخطب الخلية عن النكاح والعدة. ويحرم التصريح بخطبة المعتدة. وكذا التعريض إن كانت رجعية. ولا يحرم في المتوفى عنها زوجها. وفي البائنة قولان. أصحهما: الجواز. وتحرم الخطبة للغير بعد صريح الاجابة، إلا أن يأذن المجاب للغير. والظاهر أنه لا تحرم الخطبة، إذا لم توجد إجابة ولا رد. ومن استشير في حال الخاطب فله أن يصدق في ذكر مساويه. ويستحب تقديم الخطبة على الخطبة وعلى العقد. والاصح: أنه إذا قال الولي: الحمد لله والصلاة على رسول الله. زوجت منك فقال الزوج: الحمد لله والصلاة على رسول الله. قبلت يصح النكاح، بل يستحب ذلك. والخلاف فيما إذا لم يطل الذكر بين الايجاب والقبول. وإن طال لم يصح. ولا يصح النكاح إلا بإيجاب، أو بقول الولي: زوجتك، أو أنكحتك والقبول بأن يقول الزوج: تزوجت، أو نكحت، أو قبلت نكاحها، أو تزويجها ويجوز أن يتقدم لفظ الزوج على لفظ الولي. وغير الانكاح والتزويج من الالفاظ، كالبيع والهبة والتمليك، لا يقوم مقامهما. ولا يصح انعقاد النكاح بمعنى اللفظين بسائر اللغات. ولا ينعقد النكاح بالكنايات. وفي معناها إذا قال: زوجتكها فقال: قبلت واقتصر عليه على الاصح. وإذا قال: زوجني فقال: زوجتك صح النكاح. وكذا لو قال الولي: تزوجتها فقال: تزوجت. ولا يصح النكاح إلا بحضور شاهدين. ويعتبر فيهما الاسلام، والتكليف والحرية،
[ 6 ]
والعدالة، والذكورة والسمع. فلا ينعقد بحضور الاصم. وكذا الاعمى
في أصح الوجهين. وفي الانعقاد بحضور ابني الزوجين وعدويهما خلاف، رجح منهما الانعقاد. وينعقد بحضور مستوري العدالة، دون مستوري الاسلام والحرية. ولو بان كون الشاهد فاسقا عند العقد، فالاصح أنه يتبين بطلان النكاح. وطريق التبين: قيام البينة، أو إقرار الزوجين. والاعتبار بقول الشاهدين: كنا فاسقين يومئذ. ولو اعترف به الزوج وأنكرت المرأة فرق بينهما. ولا يقبل قوله عليها في المهر، بل يجب نصفه إن لم يدخل بها، وتمامه إن كان بعد الدخول. ويستحب الاشهاد على رضى المرأة حيث يعتبر رضاها، ولا يشترط. والمرأة لا تزوج نفسها بإذن الولي ودونه، ولا غيرها بوكالة ولا ولاية. ولا تقبل النكاح لاحد. والوطئ في النكاح بلا ولي يوجب مهر المثل، ولا يوجب الحد. ويقبل إقرار الولي بالنكاح إن كان مستقلا بالانشاء، وإن لم يكن لم يقبل إقراره عليها. ويقبل إقرار البالغة العاقلة بالنكاح على الجديد. وللاب تزويج ابنته البكر، صغيرة كانت أو كبيرة. ولا يعتبر إذنها ومراجعتها. ويستحب أن يراجعها. وليس له تزويج الثيب إلا بإذنها، وإن كانت صغيرة لم تزوج حتى تبلغ. والجد كالاب عند عدمه. ولا فرق بين أن تزول البكارة بالوطئ الحلال أو غيره، ولا أثر لزوالها بعد الوطئ. ومن على حاشية النسب - كالاخ والعم - لا يزوجون الصغيرة بحال. ويزوجون الثيب البالغة بصريح الاذن. والحكم في البكر كذلك، أو بالسكوت بعد المراجعة. ويقدم من الاولياء: الاب، ثم الجد، ثم أبوه، ثم الاخ من الابوين، أو من الاب، ثم ابنه وإن سفل، ثم العم، ثم سائر العصبات على ترتيبهم في الميراث. والاخ من الابوين يقدم على الاخ من الاب في أصح القولين. ولا ولاية للابن بالبنوة. فإذا كان ابن ابن عم، أو معتقا، أو قاضيا، لم تمنعه البنوة من التزويج.
وإذا لم يوجد أحد من الاقارب. فالولاية للمعتق، ثم لعصباته على ترتيب الميراث. ويزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة ما دامت حية. وإذا ماتت فالتزويج لمن له
[ 7 ]
الولاء. وأصح الوجهين: أنه لا حاجة إلى رضا المعتقة إن كان التزويج في حياتها. وإذا لم يوجد للمعتق عصبات فالولاية للسلطان. وكذلك يزوج السلطان إذا عضل القريب أو المعتق. وإنما يحصل لعضل إذا طلبت العاقلة البالغة تزويجها من كف ء فامتنع. ولو عينت كفئا، وأراد الاب تزويجها من غيره فله ذلك في أظهر الوجهين. ولا يتعين من عينته. ولا ولاية للرقيق، ولا الصبي، ولا المجنون، ومختل النظر بالهرم أو الخبل. وكذا السفيه المحجور عليه على الاظهر. ومهما كان الاقرب ببعض هذه الصفات، فالولاية للابعد. والاغماء إن كان مما لا يدوم غالبا، كالنوم، تنتظر إفاقته. وإن كان مما يدوم أياما. فأقرب الوجهين: أن الحكم كذلك. والثاني: أنه تنتقل الولاية إلى الابعد. ولا يقدح العمى في أصح الوجهين. والظاهر من أصل المذهب: أنه لا ولاية للفاسق. والكافر يلي نكاح ابنته الكافرة. وإحرام المرأة يمنع صحة النكاح، لكن لا تنسلب به الولاية في أظهر الوجهين. ويزوج السلطان عند إحرام الولي، لا الابعد. وإذا غاب الاقرب إلى مسافة القصر زوجها السلطان. وإن كانت الغيبة إلى دونها. فأظهر الوجهين: أنها لا تزوج حتى يرجع الولي فيحضر أو يوكل. وللولي المجبر التوكيل بالتزويج من غير إذن المرأة. وأصح القولين: أنه لا يشترط
تعيين الزوج. والوكيل يحتاط. فلا يزوج من غير كف ء. وأما غير المجبر: فإن نهته عن التوكيل لم يوكل. وإن أذنت له وكل. وإن قالت له: زوجني فهل له التوكيل؟ فيه وجهان. أصحهما: نعم. ولا يجوز له التوكيل من غير استئذانها في النكاح، في أصح الوجهين. ويقول وكيل الولي: زوجت بنت فلان منك ويقول الولي لوكيل الخاطب: زوجت بنتي من فلان فيقول وكيله: قبلت نكاحها له. ويجب على المجبر تزويج المجنونة البالغة، وتزويج المجنون عند ظهور الحاجة ولا يجب عليه تزويج البنت الصغيرة، ولا التزويج للصغير. وعليه وعلى غير المجبر - إن
[ 8 ]
كان متعينا - الاجابة إذا التمست المرأة التزويج، وإن لم يكن متعينا - كإخوة وأعمام - والتمست التزويج من بعضهم. فكذلك تجب الاجابة في أظهر القولين. والاولى إذا اجتمع الاولياء في درجة واحدة أن يزوجها أفقههم وأقرؤهم وأسنهم، برضا الآخرين. وإن تزاحموا أقرع بينهم. ومع ذلك فلو زوج غير من خرجت له القرعة، وقد أذنت لكل واحد منهم. فأصح الوجهين: صحته. وإذا زوجها واحد من زيد، وآخر من عمرو، ولم يعرف السابق. فهما باطلان. ولو عرف سبق واحد على التعيين، ثم التبس، وجب التوقف إلى أن يتبين الحال. فإن ادعى كل واحد من الزوجين على المرأة أنها تعلم سبق نكاحه سمعت دعواها بناء على الصحيح. وهو قبول إقرارها بالنكاح. وحينئذ فإن أنكرت حلفت. وإن أقرت لاحدهما ثبت له النكاح. وهل تسمع دعوى الثاني عليها؟ وهل له تحليفها؟ ينبني على القولين، فيما إذا قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو. وللجد أن يتولى طرفي العقد في تزويج بنت ابنه من ابن ابن آخر.
وابن العم لا يزوج من نفسه، ولكن يزوجها ابن عم في درجته. فإن لم يكن في درجته زوجها القاضي. وإن كان الراغب القاضي زوجها من فوقه من الولاة، أو خليفته. وكما لا يجوز للواحد تولى الطرفين، لا يجوز أن يوكل وكيلا بأحد الطرفين، أو وكيلين بالطرفين في أصح الوجهين. وإذا زوج الولي موليته من غير كف ء برضاها، أو بعض الاولياء المستوين برضاها ورضا الباقين. صح النكاح. ولو زوجها الاقرب منه برضاها، لم يكن للابعد اعتراض. ولو زوجها أحد الاولياء برضاها دون رضى الآخرين. فهل يبطل النكاح، أو يصح، ولهم الاعتراض بالفسخ؟ فيه قولان. أصحهما: الاول. ويجري القولان في تزويج البكر الصغيرة والبالغة من غير كف ء بغير رضاها. فيبطل في أصحهما، ويصح في الآخر. وللبالغة الخيار. وللصغيرة إذا بلغت في القول الثاني. والتي يلي أمرها السلطان إذا التمست تزويجها من غير كف ء، فأظهر الوجهين: أنه لا يجيبها إليه.
[ 9 ]
وخصال الكفاءة: هي السلامة من العيوب التي يثبت بها الخيار. فمن به بعضها لا يكون كفئا للسليمة منها. والحرية. فالرقيق ليس بكف ء لحرة، أصلية كانت أو عتيقة. والعتيق ليس كفئا للحرة الاصلية. والنسب فالعجمي ليس كفئا للعربية وغير القرشي ليس كفئا للقرشية، وغير الهاشمي ليس كفئا للهاشمية، والمطلبي للهاشمية والمطلبية. والظاهر اعتبار النسب في العجم، كما يعتبر في العرب.
والعفة. فالفاسق ليس كفئا للعفيفة. والحرفة. فأصحاب الحرفة الدنيئة ليسوا بأكفاء للاشراف وسائر المحترفة. والكناس والحجام وقيم الحمام والحارس لا يكافئون ابنة الخياط. والخياط لا يكافئ ابنة التاجر والبزاز. وهما لا يكافئان ابنة العالم والقاضي. وأظهر الوجهين: أن اليسار لا يعتبر في خصال الكفاءة. فإن بعض الخصال لا يقابل ببعض. ولا يجوز للاب أن يقبل لابنه الصغير نكاح الامة. والاظهر: أنه لا يقبل نكاح المعيبة أيضا، وأنه لا يجوز أن يقبل نكاح من لا تكافئه من سائر الوجوه. والمجنون الصغير لا يزوج ألبتة. وكذا الكبير، إلا أن تدعو الحاجة إلى التزويج منه. وإذا جاز التزويج منه فلا يزاد على واحدة. ويجوز أن يزوج من الصغير العاقل أكثر من واحدة. والمجنونة يزوجها الاب والجد، صغيرة كانت أو كبيرة، بكرا أو ثيبا. ويكفي في تزويجها ظهور المصلحة. ولا تشترط الحاجة. والتي لا أب لها ولا جد لا تزوج إن كانت صغيرة. وإن كانت بالغة. فالاظهر أنه لا يزوجها إلا السلطان. وإنما يزوجها للحاجة دون المصلحة في أظهر الوجهين. والمحجور عليه بالسفه لا يستقل بالنكاح، بل يتزوج بإذن الولي، أو يقبل له الولي النكاح. فإذا أذن له وعين امرأة لم ينكح غيرها. وينكحها بمهر المثل، أو بما دونه، فإن زاد صح النكاح على الاصح، ورد إلى مهر المثل. ولو قال: انكح بألف، ولم يعين امرأة بالذات ولا بالنوع. نكح امرأة بأقل الامرين من مهر المثل.
[ 10 ]
ولو أطلق الاذن فالاصح صحته. وينكح بمهر المثل من تليق به، ولو قبل الولي
النكاح له. فيحتاج إلى استئذانه في أصح القولين، ويقبل بمهر المثل، أو بما دونه. فإن زاد بطل في أحد القولين. وصح بمهر المثل في أصحهما. وإن نكح السفيه بغير إذن الولي فالنكاح باطل. وإذا دخل بها فيجب مهر المثل، أو أقل ما يتمول، أو لا يجب شئ؟ فيه وجوه. رجح منها الثالث. والمحجور عليه بالفلس له أن ينكح، لكن لا يصرف ما في يده إلى مؤن النكاح، بل يتعلق بكسبه. ونكاح العبد بغير إذن السيد باطل، وبإذنه صحيح. ويجوز أن يطلق الاذن، وأن يقيد بامرأة بعينها، أو بواحدة من القبيلة أو البلدة. ولا يعدل العبد عما أذن له فيه. وليس للسيد إجبار العبد على النكاح في أصح القولين. ولا تلزمه الاجابة إذا طلب العبد النكاح في أصح الوجهين. وله إجبار أمته على النكاح، صغيرة كانت أو كبيرة، بكرا كانت أو ثيبا. ولا يلزمه التزويج إذا طلبته، إن كانت ممن تحل له. وكذا إن لم تكن في أصح الوجهين. وإذا زوج السيد أمته، فيزوجها بالملك أو بالولاية؟ فيه وجهان. أظهرهما: الاول، حتى يزوج الفاسق أمته. ولو سلبناه الولاية بالفسق. ويزوج المسلم أمته الكتابية، ويزوج المكاتب أمته. فائدة: يقال: زوج للرجل والمرأة. وأما زوجة فقليل. ونقل الفراء أنها لغة تميم. وأنشد قول الفرزدق: وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستميلها وفي الحديث عن عمار بن ياسر في حق عائشة رضي الله عنها: والله إني لاعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ذكره البخاري. واختاره الكسائي. فرع: يجوز للمسلم أن يزوج الكافر كافرة في ثلاثة مواضع: إذا لم يكن لها ولي من النسب يزوجها الحاكم. وإذا كان لمسلم أمة كارة يزوجها وليها المسلم من كافر.
لغز: امرأة يزوجها الحاكم مع حضور الاخ الرشيد، وهو غير عاضل ولا محرم. وهي المجنونة البالغة. مسألة: رجل زوج أمه وهي بكر بولاية صحيحة. ما صورته؟
[ 11 ]
الجواب: هذا صغير له أخت بالغة نزل لها لبن. فرضع منه أخوها. فلما كبر الابن زوج أخته. الخلاف المذكور في مسائل الباب: الاجماع منعقد على أن النكاح من العقود الشرعية المنسوبة بأصل الشرع. واتفق الائمة على أن من تاقت نفسه إليه، وخاف العنت - وهو الزنا - فإنه يتأكد في حقه، ويكون أفضل له من الجهاد والحج وصلاة التطوع وصوم التطوع. والنكاح مستحب لمحتاج إليه يجد أهبته عند الشافعي ومالك. وقال أحمد: متى تاقت نفسه إليه وخشي العنت وجب. وقال أبو حنيفة: باستحبابه مطلقا بكل حال. وهو عنده أفضل من الانقطاع للعبادة. وقال داود: بوجوب النكاح على الرجل والمرأة، مرة في العمر مطلقا. وإذا قصد نكاح امرأة سن نظره إلى وجهها وكفيها بالاتفاق. وقال داود: بجوازه إلى سائر جسدها، سوى السوأتين. والاصح من مذهب الشافعي: جواز النظر إلى فرج الزوجة والامة وعكسه. وبذلك قال أبو حنيفة ومالك وأحمد. ومملوك المرأة: نص الشافعي على أنه محرم عليها. فيجوز نظره إليها. وهذا هو الاصح عند جمهور أصحابه. وقال الشيخ أبو حامد: الصحيح عند أصحابنا: أن العبد لا يكون محرما لسيدته.
وقال النووي: هذا هو الصواب، بل ينبغي أن لا يجري فيه خلاف، بل يقطع بتحريمه. والقول بأنه محرم لها: ليس له دليل ظاهر. فإن الصواب في الآية أنها في الاماء. ولا يصح النكاح إلا من جائز التصرف. عند عامة الفقهاء. وقال أبو حنيفة: يصح نكاح الصبي والسفيه موقوفا على إجازة الولي. ويجوز للولي - غير الاب - أن يزوج اليتيم قبل بلوغه، إذا كان مضطرا له، كالاب عند الثلاثة. ومنع الشافعي من هذا.
[ 12 ]
ولا يصح نكاح العبد بغير إذن مولاه عند الشافعي وأحمد. وقال مالك: يصح وللولي فسخه عليه. وقال أبو حنيفة: يصح موقوفا على إجازة الولي. فصل: ولا يصح النكاح عند الشافعي وأحمد إلا بولي ذكر. فإن عقدت المرأة النكاح لا يصح. وقال أبو حنيفة: للمرأة أن تتزوج بنفسها، وأن تؤكل في نكاحها إذا كانت من أهل التصرف في مالها، ولا اعتراض عليها، إلا أن تضع نفسها في غير كف ء فيعترض الولي عليها. وقال مالك: إن كانت ذات شرف وجمال يرغب في مثلها، لم يصح نكاحها إلا بولي. وإن كانت بخلاف ذلك. جاز أن يتولى نكاحها أجنبي برضاها. وقال داود: إن كانت بكرا لم يصح نكاحها بغير ولي. وإن كانت ثيبا صح. وقال أبو ثور وأبو يوسف: يصح إن تزوجت بإذن وليها، وإن تزوجت بنفسها، أو ترافعا إلى حاكم حنفي حكم بصحته: نفذ. وليس للشافعي نقضه، إلا عند أبي سعيد الاصطخري. فإن وطئها قبل الحكم فلا حد عليه. إلا عند أبي بكر الصيرفي إن اعتقد تحريمه.
وإن طلقها قبل الحكم لم يقع إلا عند أبي إسحاق المروزي احتياطا. فإن كانت المرأة في موضع ليس فيه حاكم ولا ولي. فوجهان. أحدهما: تزوج نفسها. والثاني: ترد أمرها إلى رجل من المسلمين يزوجها. وقال المستظهري: وهذا لا يجئ على أصلنا. وكان الشيخ أبو إسحاق يختار في مثل هذا: أن يحكم فقيها من أهل الاجتهاد في ذلك، بناء على التحكيم في النكاح. فصل: وتصح الوصية بالنكاح عند مالك، ويكون الوصي أولى من الولي بذلك. وقال أبو حنيفة: إن القاضي يزوج. وقال الشافعي: لا ولاية لوصي مع ولي، لان عارها لا يلحقه. وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: وهذا الاطلاق في القليل فاسد. فالحاكم إذا زوج المرأة لا يلحقه ما قاله. فصل: وتجوز الوكالة في النكاح. وقال أبو ثور: لا تدخل الوكالة فيه. والجد أولى من الاخ. وقال مالك: الاخ أولى من الاب، والام أولى من الاخ للاب عند أبي حنيفة والشافعي في أصح قوليه. وقال مالك: هما سواء. ولا ولاية للابن على أمه بالبنوة
[ 13 ]
عند الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: تثبت له الولاية. وقدمه مالك وأبو يوسف على الاب. وقال أحمد: الاب أولى. وفي الجد عنه روايتان. وهو قول أبي حنيفة. فصل: ولا ولاية للفاسق عند الشافعي وأحمد. ومن أصحابه من قال: إن كان الولي أبا أو جدا فلا ولاية له مع الفسق، وإن كان غيرهما من العصبات تثبت له الولاية مع الفسق. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: إن كانت العصبة منقطعة، انتقلت الولاية إلى الابعد. وإن كانت غير منقطعة لم تنتقل. والمنقطع عند أبي حنيفة وأحمد: هو الغيبة في مكان لا تصل إليه القافلة في السنة إلا مرة واحدة. وإذا غاب الولي عن البكر وخفي خبره، ولم يعلم له مكان. قال مالك: يزوجها أخوها بإذنها. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه خلافا للشافعي.
فصل: وللاب والجد تزويج البكر بغير رضاها، صغيرة كانت أو كبيرة. وبه قال مالك في الاب. وهو أشهر الروايتين عن أحمد والجد. وقال أبو حنيفة: تزويج البكر البالغة العاقلة بغير رضاها. لا يجوز لاحد بحال. وقال مالك وأحمد في إحدى الروايتين: لا يثبت للجد ولاية الاجبار. ولا يجوز لغير الاب تزويج الصغيرة حتى تبلغ وتأذن. وقال أبو حنيفة: يجوز لسائر العصبات تزويجها، غير أنه لا يلزم العقد في حقها. فيثبت لها الخيار إذا بلغت. وقال أبو يوسف: يلزمها عقدهم. فصل: والبكر إذا ذهبت بكارتها بوطئ ولو حراما، لم يجز تزويجها إلا بإذنها إن كانت بالغة. وإن كانت صغيرة فمتى تبلغ وتأذن. فعلى هذا إذا زالت البكارة قبل بلوغها لم تتزوج عند الشافعي حتى تبلغ، سواء كان المزوج أبا أو غيره. وقال أحمد: إذا بلغت تسع سنين: صح إذنها في النكاح وغيره. والرجل إذا كان هو الولي للمرأة إما بنسب أو ولاء أو حكم. كان له أن يزوج نفسه منها عند أبي حنيفة ومالك على الاطلاق. وقال أحمد: يوكل غيره كيلا يكون موجبا قابلا. وقال الشافعي: لا يجوز له القبول بنفسه، ولا يوكل غيره. بل يزوجه حاكم غيره ولو خليفته. وعن بعض أصحابه: الجواز. وبه عمل أبويحيى البلخي قاضي دمشق. فإنه تزوج امرأة ولي أمرها من نفسه. وكذلك من أعتق أمته ثم أذنت له في نكاحها من نفسه جاز له عند أبي حنيفة
[ 14 ]
ومالك أن يلي نكاحها من نفسه. وكذلك من له بنت صغيرة يجوز له أن يوكل من خطبها منه في تزويجها من نفسه عند مالك وأبي حنيفة وصاحبيه. فصل: وإذا اتفق الاولياء والمرأة على نكاح غير الكف ء: صح العقد عند الثلاثة وقال أحمد: لا يصح.
وإذا زوجها أحد الاولياء برضاها من غير كف ء: لم يصح عند الشافعي. وقال مالك: اتفاق الاولياء واختلافهم سواء. وإذا أذنت في تزويجها المسلم. فليس لواحد من الاولياء الاعتراض على ذلك. وقال أبو حنيفة: يلزم النكاح. فصل: والكفاءة عند الشافعي في خمسة: الدين، والنسب، والصنعة، والحرية، والخلو من العيب. وشرط بعض أصحابه اليسار. وقول أبو حنيفة كقول الشافعي، لكنه لم يعتبر الخلو من العيب. ولم يعتبر محمد بن الحسن الديانة في الكفاءة، إلا أن يكون يسكر ويخرج، فيسخر منه الصبيان. وعند مالك أنه قال: الكفاءة في الدين لا غير. قال ابن أبي ليلى: الكفاءة في الدين والنسب والمال. وهي رواية عن أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: والمكسب. وهي رواية عن أبي حنيفة. وعن أحمد رواية كمذهب الشافعي. وأخرى: أنه يعتبر الدين والصنعة. ولاصحاب الشافعي رحمه الله في السن وجهان. كالشيخ مع الشابة. وأصحهما: أنه لا يعتبر. وهل فقد الكفاءة يؤثر في بطلان النكاح أم لا؟ قال أبو حنيفة: يوجب للاولياء حق الاعتراض. وقال مالك: يبطل النكاح. وللشافعي قولان. أصحهما: البطلان، إلا إذا حصل معه رضى الزوجة والاولياء. وعن أحمد روايتان. أظهرهما: البطلان. وإذا طلبت المرأة التزويج من كف ء بدون مهر مثلها: لزم الولي إجابتها، عند الشافعي ومالك وأحمد وأبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك. ونكاح من ليس بكف ء في النسب: غير محرم بالاتفاق. وإذا زوج الاب والجد الصغيرة بدون مهر مثلها، بلغ به مهر المثل عند الشافعي. وقال [ قع أبو حنيفة ومالك وأحمد: يلزم ما سماه.
[ 15 ]
وإذا كان الاقرب من أهل الولاية موجودا، فزوجها الابعد: لم يصح عند الثلاثة. وقال مالك: يصح، إلا في الاب في حق البكر والوصي. فإنه يجوز عند الاربعة التزويج. وإذا زوج المرأة وليان بإذنها من رجلين، وعلم السابق. فالثاني: باطل عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد. وقال مالك: إن دخل بها الثاني مع الجهل بحال الاول. بطل الاول. وصح الثاني. وإن لم يعلم السابق بطلا. وإذا قال رجل: فلانة زوجتي وصدقته: ثبت النكاح باتفاقهما عند الثلاثة. وقال مالك: لا يثبت النكاح، حتى يرى داخلا وخارجا من عندها، إلا أن يكون في سفر. فصل: ولا يصح النكاح إلا بشهادة عند الثلاثة. وقال مالك: يصح من غير شهادة، إلا أنه اعتبر الاشاعة وترك التواصي على الكتمان، حتى لو عقد في السر واشترط كتمان النكاح فسخ عند مالك. وعند أبي حنيفة والشافعي وأحمد: لا يضر كتمانهم مع حضور الشاهدين ولا يثبت النكاح عند الشافعي وأحمد إلا بشاهدين عدلين ذكرين. وقال أبو حنيفة: ينعقد برجل وامرأتين، وبشهادة فاسقين. وإذا تزوج مسلم ذمية لم ينعقد النكاح إلا بشهادة مسلمين عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: ينعقد بذميين. والخطبة في النكاح ليست بشرط عند جميع الفقهاء، إلا داود. فإنه قال باشتراط الخطبة عند العقد، مستدلا بفعل النبي (ص). فصل: ولا يصح النكاح عند الشافعي وأحمد إلا بلفظ: التزويج، والانكاح. وقال أبو حنيفة: ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأييد في حال الحياة، وقد روي عنه في لفظ: الاجارة روايتان. وقال مالك: ينعقد بذلك مع ذكر المهر.
وإذا قال: زوجت بنتي من فلان، فبلغه. فقال: قبلت النكاح، لم يصح عند عامة الفقهاء. وقال أبو يوسف: يصح، ويكون قوله: زوجت فلانا جميع العقد. ولو قال: زوجتك بنتي فقال: قبلت فللشافعي قولان. أصحهما: أنه لا يصح حتى يقول: قبلت نكاحها. والثاني: يصح. وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
[ 16 ]
ولا يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية بولاية كتابي عند أحمد. وأجازه الثلاثة. فصل: وللسيد إجبار عبده الكبير على النكاح عند أبي حنيفة ومالك، وعلى القديم من قولي الشافعي. ولا يملك ذلك عند أحمد، وعلى الجديد من قولي الشافعي، ويجبر السيد على بيع العبد أو إنكاحه إذا طلب منه الانكاح فامتنع عند أحمد. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجبر. وللشافعي قولان، كالمذهبين، أصحهما لا يجبر. ولا يلزم الابن إعفاف أبيه، وهو إنكاحه إذا طلب النكاح عند أبي حنيفة ومالك. وأظهر الروايتين عن أحمد: أنه يلزمه. وهو نص الشافعي. قال محققو أصحابه: بشرط حرية الاب. وكذلك عنده يلزم إعفاف الاحرار من جهة الاب وكذا من جهة الام. فصل: ويجوز للولي أن يزوج أم ولده بغير رضاها عند أبي حنيفة وأحمد. وللشافعي في ذلك أقوال. أصحها: كمذهب أبي حنيفة ولاحمد روايتان: ولو قال: أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها بحضرة شاهدين. فعند أبي حنيفة ومالك والشافعي: النكاح غير منعقد. وعن أحمد روايتان. إحداهما: كمذهب الجماعة. والثانية: الانعقاد. وثبوت العتق صحيح بالاجماع. ولو قالت الامة لسيدها: أعتقني على أن أتزوجك، ويكون عتقي صداقي فأعتقها. قال الاربعة: يصح العتق. وأما النكاح: فقال أبو حنيفة والشافعي: هي بالخيار، إن شاءت تزوجته وإن
شاءت لم تتزوجه. ويكون لها إن اختارت صداق مستأنف. فإن كرهته فلا شئ عليها عند أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: له قيمة نفسها. وقال أحمد: تصير حرة. ويلزمها قيمة نفسها. وإن تراضيا بالعقد كان العتق مهرا، ولا شئ لها سواء. انتهى. باب ما يحرم من النكاح يحرم نكاح الامهات. وكل أنثى ولدتك أو ولدت من ولدتك فهي أمك. ويحرم نكاح البنات. وكل أنثى ولدتها أو ولدت من ولدها فهي بنتك إلا البنت المخلوقة من ماء الزنا. وإذا ولدت من الزنا لم يحل لها نكاح ولدها. ونكاح الاخوات وبنات الاخوة والاخوات ونكاح العمات. وكل أنثى هي أخت ذكر
[ 17 ]
ولدك فهي عمتك. ونكاح الخالات. وكل أنثى هي أخت أنثى ولدتك. فهي خالتك. وهؤلاء السبع يحرمن من الرضاع كما يحرمن من النسب. وكل امرأة أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو من ولدك أو ولدت مرضعتك أو من لبنها منه، فهي أم من الرضاع. وعلى هذا: قياس سائر الاصناف. وإذا أرضعت أجنبية أخاك لم تحرم عليك. وإن حرمت أم الاخ في النسب، وكذلك إذا أرضعت أجنبية ولدك لم تحرم أمها ولا بنتها عليك. وإن كانت تحرم جدة الولد وأخته في النسب. ولا تحرم أخت الاخ في النسب ولا في الرضاع. وصورتها: أن ترضعك امرأة وترضع صغيرة أجنبية منك يجوز لاخيك نكاحها. ويحرم من جهة المصاهرة بالنكاح الصحيح: أمهات الزوجة من الرضاع والنسب. والوطئ في ملك اليمين يحرم الموطوءة على ابن الواطئ وأبيه، وأمها وبنتها على الواطئ.
وكذلك الحكم في الوطئ بالشبهة إذا شملت الشبهة الرجل والمرأة. وإن اختصت بأحدهما فكذلك في أحد الوجهين. والاعتبار بالرجل في أصحهما، حتى يثبت التحريم إذا اشتبه الحال عليه. والزنا لا يثبت حرمة المصاهرة. ولا يلحق سائر المباشرات بالوطئ على الاصح. وإذا اختلطت محرم بأجنبيات معدودات لم ينكح واحدة منهن. وإذا اختلطت بنساء بلدة أو قرية كبيرة لم يحرم عليه النكاح منهن. وما يثبت التحريم المؤبد إذا طرأ على النكاح قطعه. وذلك كما إذا وطئ منكوحة الرجل ابنه أو أبوه بالشبهة. والجمع بين الاختين من النسب والرضاع حرام. فإذا نكح أختين معا فالنكاحان باطلان. وإن نكحهما على الترتيب فالثاني باطل. وكذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها من النسب والرضاع. وكل امرأتين يحرم الجمع بينهما في النكاح يحرم الجمع بينهما في الوطئ بملك اليمين. ولا يحرم الجمع في الملك. وإذا ملك أختين فوطئ إحداهما حرمت الاخرى إلا أن يحرم الاولى، إما بإزالة الملك بالبيع أو غيره، أو إزالة الحل بالتزويج والكتابة. ولو عرض الحيض أو الاحرام لم
[ 18 ]
يكف. وكذا الرهن في أصح الوجهين. وإذا ملك إحدى الاختين ثم نكح الاخرى: صح النكاح. وحلت المنكوحة وحرمت الاولى. ولو كان في نكاحه إحداهما، ثم ملك الاخرى: فهي حرام عليه. والمنكوحة حلال كما كانت. ولا يجمع الحر في النكاح بين أكثر من أربع نسوة، ولا العبد بين أكثر من اثنتين.
فلو نكح الحر خمسا معا بطل نكاح الحر، أو نكحهن على الترتيب بطل نكاح الخامسة. إذا طلقهن أو بعضهن طلاقا بائنا. ولا يجوز إذا كان رجعيا حتى تبين. وكذا نكاح الاخت فرع: لما خص الله تعالى رسوله (ص) في عدة الاخت بوحيه. وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء خففها على خلقه، ليزيده بها إن شاء الله تعالى قربة. وأباح له أشياء حظرها على غيره زيادة في كرامته، وتبيينا لفضله. وقد صح أنه (ص) خص بأحكام في النكاح وغيره، لم يشاركه غيره فيها. منها: أنه (ص) أبيح له أن ينكح من النساء أي عدد شاء. وحكى الطبري في العدة وجها آخر: أنه لم يبح له أن يجمع بين أكثر من تسع. والاول هو المشهور. وروي أن النبي (ص) نكح ثمان عشرة امرأة. وقيل: بل خمس عشرة، وجمع بين أربع عشرة. وقيل: بين إحدى عشرة. ومات عن تسع: عن عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم سلمة بنت أبي أمية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب، وزينب بنت جحش الكلبية. فهؤلاء ثمان نسوة. وكان يقسم لهن إلى أن مات. والتاسعة: سودة بنت زمعة. كانت وهبت ليلتها لعائشة. وكان (ص) إذا رغب في نكاح امرأة مزوجة. وعلم زوجها بذلك، وجب عليه أن يطلقها. كامرأة زيد بن حارثة. انتهى. وإذا طلق الحر زوجته ثلاثا قبل الدخول أو بعده لم يحل له نكاحها، حتى تنكح زوجا غيره، ويدخل بها، وتنقضي عدتها منه بعد أن يفارقها. والطلقتان من العبد كالثلاث من الحر. ويشترط للحل أن يصيب منها الثاني في نكاح صحيح في أصح القولين.
[ 19 ]
وفي الثاني: يحصل الحل بالاصابة في الفاسد أيضا. والمعتبر تغييب الحشفة، أو
مقدارها من مقطوع الحشفة. وأصح الوجهين: أنه يشترط انتشار الآلة. فلا يكفي إصابة الطفل. فلو نكحها الزوج الثاني بشرط أن لا نكاح بينهما وإذا أصابها بانت منه. فالنكاح باطل. وكذا إذا نكحها على شرط أن يطلقها حينئذ في أصح الوجهين. ولا ينكح الرجل التي يملكها كلها أو بعضها. ولو ملك زوجته أو بعضها انفسخ النكاح. وكذلك لا تنكح المرأة من تملك كله أو بعضه. ولا ينكح مملوكة الغير، إلا بشروط. أحدها: أن لا يكون تحته حرة. والاحوط المنع. وإن كانت لا تصلح للاستمتاع. والثاني: أن لا يقدر على نكاح حرة، إما لانه لا يجد صداقها، أو لانه لا يجد امرأة ينكحها. ولو قدر على نكاح حرة غائبة. فله نكاح الامة إن كانت تلحقه مشقة ظاهرة بالخروج إليها، أو كان لا يأمن من الوقوع في الزنا في مدة قطع المسافة، وإلا لم ينكحها. ولو قدر على نكاح حرة رتقاء أو صغيرة، فعلى الخلاف المذكور فيما إذا كانت تحته حرة لا تصلح للاستمتاع. والاصح: أنه لا يملك نكاح الامة إن وجد حرة ترضى بمهر مؤجل. والثالث: أن يخاف الوقوع في الزنا. فإن قدر على شراء جارية يتسراها لم ينكح الامة في أصح الوجهين. والرابع: أن تكون الامة التي ينكحها مسلمة. ولا يحل له نكاح الامة الكتابية. والاصح: أنه يجوز أن ينكح الحر والعبد الكتابيان الامة الكتابية. وأن العبد المسلم لا ينكحها. والتي تبعض فيها الرق والحرية فهي كالرقيقة، حتى لا ينكحها الحر إلا بالشرائط المذكورة.
ولو نكح الحر الامة، ثم أيسر، أو نكح حرة: لم ينفسخ نكاح الامة. ولو جمع من لا يحل له نكاح الامة بين حرة وأمة في عقد واحد: بطل نكاح الامة. وأصح القولين: صحة نكاح الحرة.
[ 20 ]
وقال صاحب التتمة: إذا طلق زوجته الامة ثلاثا ثم اشتراها. هل تحل له بملك اليمين أم لا؟ فيه وجهان. أصحهما: أنه لا يحل له وطؤها، لان الله تعالى قال: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون) * وذلك اقتضى التحريم على الاطلاق. وروي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال - في الرجل يطلق الامة ثلاثا ثم يشتريها - إنها لا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره. والثاني: يحل. لان حكم ملك اليمين أوسع من حكم النكاح. ولهذا لم ينحصر العدد في ملك اليمين. ولهذا قلنا: إن الامة الكتابية لا تحل بالنكاح، وتحل بملك اليمين. والامة محمولة على الاستباحة بحكم النكاح. فائدة: من تحرير التنبيه. قال الواحدي: أكثر استعمال العرب في الآدميات الامهات وفي غيرهن من الحيوانات الامات بحذف الهاء. وجاء في الآدميات الامات بحذفها. وفي غيرهن إثباتها. ويقال في الام: أمة والهاء في أمة، وأمهات زائدة عند الجمهور. وقيل: أصلية. قال ابن الانباري: الاصل أم ثم يقال في الندا: يا أماه. فيدخلون هاء السكت عليها. وبعض العرب يسقط الالف. ويشبهون هاء السكت بتاء التأنيث. فيقولون: يا أمة. كما قالوا: يا أبت. ومنه أيضا: السرية بضم السين. قال الازهري وغيره: هي فعلية من السر. وهو الجماع. سمي سرا لانه يفعل سرا. وقالوا: سرية بالضم ولم
يقولوها بالكسر ليفرقوا بين الزوجة والامة. كما قالوا للشيخ الذي أتت عليه دهور دهري بالضم. وللملحد دهري بالفتح. وكلاهما نسبة إلى الدهر. وقال أبو الهيثم: هي مشتقة من السر، وهو السرور. لان صاحبها يسر بها. قال الازهري: هذا القول أحسن. قال: والاول أكثر. وقال الجوهري: هي مشتقة من السر، وهو الجماع. ومن السر، وهو الاخفاء. لانه يخفيها عن زوجته. ويسترها أيضا من ابتذال غيرها من الاماء. قال ويقال: تسررت جارية وتسريت. كما قالوا: تظننت وتظنيت من الظن. الخلاف المذكور في مسائل الباب: أم المرأة تحرم على التأبيد بمجرد العقد على البنت بالاتفاق. وحكي عن علي
[ 21 ]
وزيد بن ثابت رضي الله عنهما: إن طلقها قبل الدخول كان له أن يتزوج بأمها. وإن ماتت قبل الدخول لم يجز له تزوج أمها. فجعل الموت كالدخول. وتحرم الربيبة بالدخول بالام بالاتفاق، وإن لم تكن في حجر زوج أمها. وقال داود: يشترط أن تكون الربيبة في كفالته. وتحريم المصاهرة يتعلق بالوطئ في ملك. فأما المباشرة فيما دون الفرج بشهوة: فهل يتعلق بها التحريم؟ قال أبو حنيفة: يتعلق بالتحريم بذلك، حتى قال: إن النظر إلى الفرج كالمباشرة في تحريم المصاهرة. فصل: والزانية: يحل نكاحها عند الثلاثة: وقال أحمد: يحرم نكاحها حتى تتوب. ومن زنى بامرأة لم يحرم عليه نكاحها، ولا نكاح أمها وبنتها عند مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يتعلق تحريم المصاهرة بالزنا. وزاد عليه أحمد، فقال: إذا تلوط بغلام، حرمت عليه أمه وبنته. ولو زنت امرأة لم ينفسخ نكاحها بالاتفاق. وروي عن علي والحسن البصري: أنه
ينفسخ. ولو زنت امرأة ثم تزوجت حل للزوج وطؤها عند الشافعي وأبي حنيفة من غير عدة، لكن يكره وطئ الحامل حتى تضع. وقال مالك وأحمد: يجب عليها العدة. ويحرم على الزوج وطؤها حتى تنقضي عدتها. وقال أبو يوسف: إذا كانت حاملا حرم نكاحها، حتى تضع. وإن كانت حائلا لم تحرم ولم تعتد. وهل يحل نكاح المتولدة من زنا؟ قال أبو حنيفة وأحمد: لا تحل. وقال الشافعي: تحل مع الكراهة. وعن مالك روايتين كالمذهبين. فصل: والجمع بين الاختين في النكاح حرام. وكذا بين المرأة وعمتها أو خالتها، وكذا يحرم الوطئ بملك اليمين. وقال داود: لا يحرم الجمع بين الامتين في الوطئ بملك اليمين، وهو رواية عن أحمد. وقال أبو حنيفة: يصح نكاح الاخت، غير أنه لا يحل له وطئ المنكوحة حتى يحرم الموطوءة على نفسه. فصل: إنما يجوز للحر نكاح الامة بشرطين: خوف العنت، وعدم الطول لنكاح
[ 22 ]
حرة. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك مع عدم الشرطين. وإنما المانع من ذلك عنده أن يكون تحته زوجة حرة، أو معتدة منه. ولا يحل للمسلم نكاح الكتابية عند الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: يحل. ولا يجوز لمن لا يحل له نكاح الكفار وطئ إمائهم بملك اليمين بالاتفاق. وقال أبو ثور: إنه يحل وطئ جميع الاماء بملك اليمين على أي دين كن. ولا يجوز للحر أن يزيد في نكاح الاماء على أمة واحدة عند الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز له أن يتزوج من الاماء أربعا، كما يتزوج من الحرائر
أربعا. والعبد يجوز له أن يجمع بين زوجتين فقط عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك: هو كالحر في جواز جمع الاربع. ويجوز للرجل عند الشافعي أن يتزوج بامرأة زنى بها. ويجوز له وطؤها من غير استبراء. وكذا عند أبي حنيفة، ولكن لا يجوز وطؤها له، حتى يستبرئها بحيضة أو بوضع الحمل إن كانت حاملا. وكره مالك التزوج بالزانية مطلقا. وقال أحمد: لا يجوز أن يتزوجها إلا بشرطين: وجوب التوبة منها. واستبراؤها بوضع الحمل، أو بالاقراء، أو بالشهور. وأجمعوا على أن نكاح المتعة باطل، لا خلاف بينهم في ذلك. وصفته: أن يتزوج امرأة إلى مدة. فيقول: تزوجتك إلى شهر أو سنة. ونحو ذلك. وهو باطل منسوخ بإجماع العلماء بأسرهم قديما وحديثا. وورد جواز ذلك عن ابن عباس. والصحيح عنه: القول ببطلانه. ولكن حكى زفر عن الحنفية: أن الشرط يسقط، ويصح النكاح على التأبيد إذا كان بلفظ التزويج. وإن كان بلفظ المتعة فهو موافق للجماعة. ونكاح الشغار باطل عند الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: العقد صحيح والمهر فاسد. وصفته: أن يقول أحد المتعاقدين للآخر: زوجتك أختي على أن تزوجني ابنتك بغير صداق، أو زوجتك مولاتي على أن تزوجني مولاتي بغير صداق. وهو باطل عند الشافعي، إلا أنه لا يكون شغارا عنده حتى يقول: وبضع كل واحدة مهر الاخرى.
[ 23 ]
وإذا تزوج امرأة على أن يحلها لمطلقها ثلاثا، وشرط أنه إذا وطئها، فهي طالق، أو فلا نكاح بينهما.
فعند أبي حنيفة: يصح النكاح دون الشرط. وفي حلها للاول عنده روايتان. وعند مالك: لا تحل للاول إلا بعد حصول نكاح صحيح يصدر عن رغبة من غير قصد التحليل، ويطؤها حلالا وهي طاهرة غير حائض. فإن شرط التحليل أو نواه: فسد العقد، ولا تحل للثاني. وللشافعي في المسألة قولان. أصحهما: أنه لا يصح. وقال أحمد: لا يصح مطلقا. فإن تزوجها ولم يشرط ذلك، إلا أنه كان في عزمه. صح النكاح عند أبي حنيفة وعند الشافعي مع الكراهة. وقال مالك وأحمد: لا يصح. ولو تزوج امرأة وشرط على نفسه أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرى عليها، أو لا ينقلها من بلدها أو دارها، أو لا يسافر بها. فعند أبي حنيفة ومالك والشافعي: أن العقد صحيح. ولا يلزم هذا الشرط، ولها مهر المثل. لان هذا شرط يحرم الحلال. وكان كما لو شرط أن لا تسلمه نفسها. وعند أحمد: هو صحيح، يلزم الوفاء به. ومتى خالف شيئا من ذلك فلها الخيار في الفسخ. انتهى. باب نكاح المشرك مناكحة الكفار لا تحل. وهم الذين لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب، كعبدة الاوثان، والشمس والزنادقة. وكذا مناكحة المجوس. ويحل مناكحة أهل الكتاب، سواء كانت الكتابية حربية أو ذمية، لكن يكره نكاح الحربية. وكذا نكاح الذمية على الاظهر.
[ 24 ]
ونعني بأهل الكتاب: اليهود والنصارى، دون الذين يتمسكون بالزبور وغيره. ثم الكتابية: إن كانت إسرائيلية فذاك. وإلا فأصح القولين: جواز نكاحها أيضا، إن
كانت من قوم يعلم دخولهم بعد التحريف والنسخ فلا ينكح. وكذا إن دخلوا فيه بعد التحريف وقبل النسخ على الاظهر، وإن لم يعلم متى دخلوا فيه، فكذلك لا تنكح. والكتابية إذا نكحت: فهي كالمسلمة في النفقة والقسم والطلاق. وللزوج إجبارها على الغسل من الجنابة، ومنعها من أكل لحم الخنزير. ولا خلاف في أنه إذا تنجس عضو من أعضائها أجبرها على غسله، وكذلك في المسلمة. والاصح: أنه لا يحل له مناكحة من أحد أبويه كتابي والآخر وثني. والسامرة من اليهود، والصائبون من النصارى إن كانوا يخالفونهم في أصول الدين لم يناكحوا، وإن كانوا يخالفونهم في الفروع فلا بأس بمناكحتهم. وإذا تنصر يهودي أو تهود نصراني. فأصح القولين: أنه لا يقر عليه بالجزية. ولو كان هذا الانتقال من امرأة لم ينكحها المسلم. ولو كانت المنتقلة منكوحة مسلم كان كما لو ارتدت المسلمة. وأن لا يقبل منه إلا الاسلام فيما رجح من القولين. وفي الثاني: أنه لو عاد لما كان عليه. قبل منه. ولو توثن يهودي أو نصراني لم يقر. وفيها يقبل منه القولان. ولو ارتد مسلم فلا يخفى أنه لا يقبل منه إلا الاسلام. ولا يجوز نكاح المرتدة للمسلمين، ولا للكفار. ولو ارتد في دوام نكاح أحد الزوجين. أو كلاهما معا. فإن كان قبل الدخول تنجزت الفرقة. وإن كان بعده توقف النكاح. فإن جمعهما الاسلام قبل انقضاء مدة العدة استمر النكاح، وإلا تبين الفراق من وقت الردة. ولا يجوز الوط في مدة التوقف. ولا يجب الحد لو جرى الوطئ. ولو أسلم كافر، كتابي أو غير كتابي، وتحته كتابية. استمر النكاح. وإن كان تحته وثنية أو مجوسية وتخلفت عن الاسلام، فإن كان ذلك قبل الدخول تنجزت الفرقة. وإن كان بعده، فإن أسلمت قبل انقضاء مدة العدة، استمر النكاح وإلا بانت الفرقة من وقت
إسلام الزوج. ولو أسلمت المرأة وأصر الزوج على الكفر - أي كفر كان - فهو كما لو أسلم الزوج
[ 25 ]
وأصرت هي على التوثن. ولو أسلم الزوجان معا، استمر النكاح بينهما. والاعتبار في الترتيب والمعية بآخر كلمة الاسلام لا بأولها. وحيث يحكم باستمرار النكاح لم يضر اقتران ما يفسد النكاح بالعقد الجاري في الكفر، إذا كان ذلك المسند زائلا عند الاسلام. وكانت بحيث يجوز له أن ينكحها حينئذ. وإن كان المسند باقيا وقت الاسلام اندفع النكاح. فيقر على النكاح الجاري في الكفر بلا ولي ولا شهود، وفي عدة الغير إن كانت منقضية عند الاسلام. وإن كانت باقية فلا يقرون على نكاح المحارم. ويقرون على النكاح المؤقت إن اعتقدوه مؤبدا، وإن اعتقدوه مؤقتا لم يقروا عليه. ولو كانت وقت الاسلام معتدة عن الشبهة، فالظاهر استمرار النكاح. وكذلك لو أسلم الرجل وأحرم، ثم أسلمت المرأة - وهو محرم - فله إمساكها. ولو نكح في الكفر حرة وأمة، ثم أسلم وأسلمتا معه. فظاهر المذهب: أن الحرة تتعين للنكاح، ويندفع نكاح الامة. وأما الانكحة الجارية في الكفر: هل هي صحيحة أو فاسدة، أولا نحكم فيها بصحة ولا فساد فيما يتقرر تبين صحته وما لا يتبين فساده فيه ثلاثة أوجه، أو ثلاثة أقوال. أصحها: الاول. حتى إذا طلق الكافر زوجته ثلاثا ثم أسلما، لم تحل له إلا بمحلل. والتي يقرر نكاحها بعد الاسلام فتستحق المهر المسمى إن كان صحيحا. وإن كان فاسدا كخمر أو خنزير فإن أسلما بعد قبضه فلا شئ لها، وإن أسلما قبله فلها مهر المثل. وإن كانت قد قبضت بعضه دون بعض، استحقت من مهر المثل بقسط ما لم تقبض.
والتي يندفع نكاحها بالاسلام إن كانت مدخولا بها وصححنا أنكحتهم. فإن كان الاندفاع بإسلام الزوج: وجب نصف المسمى إن كان صحيحا، ونصف مهر المثل إن كان فاسدا، وإن كان الاندفاع بإسلامها: لم يكن لها شئ. وإذا ترافع إلينا أهل الذمة فنقرهم على ما نقرهم عليه لو أسلموا، أو نبطل ما نبطله لو أسلموا. ويجب الحكم إذا ترافع إلينا ذميان على أظهر القولين. وإن كان أحد الخصمين مسلما فلا خلاف في وجوب الحكم. وإذا أسلم وتحت أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه، أو تخلفن وهن كتابيات: اختار
[ 26 ]
أربعا منهن واندفع نكاح الباقيات. وكذا الحكم لو تخلفن وهن مجوسيات مدخول بهن، ثم أسلمن قبل انقضاء عدتهن من وقت إسلامه. ولو أسلمت أربع معه، أو كان قد دخل بهن واجتمع إسلام أربع منهن لا غير، مع إسلام الزوج في العقد بعين النكاح. ولو أسلم وتحته أم وبنتها وأسلمتا معه، أو لم تسلما وهما كتابيات، فإن كان قد دخل بهما فهما محرمتان على التأبيد. وإن لم يدخل بواحدة منهما. فأوجه القولين: أن البنت تتعين، ويندفع نكاح الام. والثاني: أنه مخير بينهما، فيمسك من شاء منهما. فإن كان قد دخل بالبنت دون الام فيقر نكاح البنت، وتحرم الام على التأبيد. وكذا الام على الاظهر. ولو أسلم وتحته أمة وأسلمت معه، فله إمساكها إن كان ممن يحل له نكاح الاماء، وإلا فلا يمسكها. وكذا لو تخلفت - وهي مدخول بها - ثم أسلمت في العدة. وإن لم يكن مدخولا بها تنجزت الفرقة. ولو أسلم وتحته إماء وأسلمن معه، أو كان قد دخل بهن وجمعت العدة إسلامه وإسلامهن. فله أن يختار واحدة منهن، إن كان ممن يحل له نكاح الاماء.
ولو أسلمت الحرة معه، أو كانت مدخولا بها فأسلمت في العدة. تعينت واندفعت الاماء. ولو لم تسلم الحرة إلى انقضاء عدتها، فيختار واحدة منهن ويجعل كأن الحرة لم تكن. ولو أسلمت الحرة، وعتقت الاماء ثم أسلمن في العدة، كان كما لو أسلم على حرائر. فيختار أربعا منهن. والاختيار في النكاح بأن يقول: اخترتك، أو قررت نكاحك، أو أمسكتك، أو ثبتك. ومن طلقها فقد عينها للنكاح. وأما الظهار والايلاء فليس تعيينا في أصح الوجهين. ولو علق الاختيار للنكاح، أو الفراق بدخول الدار ونحوه. لم يصح. ولو حصر المختارات في خمس أو ست زال بعض الابهام. فيندفع نكاح غيرهن. ويؤمر بالتعيين منهن. ويجب عليه نفقتهن جميعا إلى أن يختار. وإذا امتنع من الاختيار عزر بالحبس. ولو مات قبل التعيين اعتدت الحامل بوضع الحمل، وغير المدخول بها بأربعة أشهر وعشر. وكذا المدخول بها من ذوات الاشهر والاقراء بأقصى الاجلين، من أربعة أشهر وعشر، أو ثلاثة أقراء. ويوقف لهن نصيب الزوجات إلى أن يصطلحن.
[ 27 ]
وإذا أسلم الزوجان معا، استمرت النفقة باستمرار النكاح. وإن أسلم الزوج أولا وهي غير كتابية. فإن أصرت إلى انقضاء العدة فلا نفقة لها. وإن أسلمت في العدة فلها النفقة من وقت الاسلام. والجديد: أنها لا نفقة لها للزمان المتخلف. وإن أسلمت الزوجة أولا: نظر. إن أسلم الزوج قبل انقضاء مدة العدة. فلها النفقة مدة تخلفه وما بعدها. وفي مدة التخلف وجه. إن أصر حتى انقضت عدتها، استحقت نفقة مدة العدة على الوجه الراجح. وإن ارتدت المرأة فلا نفقة لها في مدة الردة. وإن عادت إلى الاسلام في مدة
العدة. وإن ارتد الزوج لزمته النفقة لمدة العدة. فائدة: من سيره مغلطاي: لما أسلم أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله (ص) - وكانت زينب هاجرت قبله وتركته على شركه - وردها عليه السلام له بالنكاح الاول بعد سنتين. وقيل: بعد ست سنين. وقيل: قبل انقضاء العدة فيما ذكره ابن عقبة. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ردها بنكاح جديد سنة سبع. وذكر عن مغلطاي: أنها لما هاجرت لم ينقطع النكاح، ولم يكن موقوفا على انقضاء العدة. لان ذلك الحكم لم يكن شرع، حتى نزلت آية تحريم المسلمات على المشركين بعد صلح الحديبية. فلما نزلت الآية توقف نكاحها على انقضاء عدتها. ولم تلبث إلا يسيرا، حتى جاء أبو العاص، وأظهر إسلامه. فلم يكن بين توقف نكاحها على انقضاء العدة إلا اليسير. وكان بين ذلك وهجرتها ست سنين. وهو الصواب. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اختلفوا فيمن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة. فقال مالك والشافعي وأحمد: يختار منهن أربعا، ومن الاختين واحدة. وقال أبو حنيفة: إن كان العقد وقع عليهن في حالة واحدة، فهو باطل. وإن كان في عقود: صح النكاح في الاربعة الاوائل، وكذلك الاختين. ولو ارتد أحد الزوجين. قال أبو حنيفة ومالك: يتعجل الفرقة مطلقا، سواء كان الارتداد قبل الدخول أو بعده. وقال الشافعي وأحمد: إن كان الارتداد قبل الدخول: تعجلت الفرقة. وإن كان بعده: وقفت على انقضاء العدة. ولو ارتد الزوجان المسلمان معا، فهو بمنزلة ارتداد أحدهما. وقال أبو حنيفة: لا تصح فرقة.
[ 28 ]
وأنكحة الكفار صحيحة تتعلق بها الاحكام المتعلقة بأنكحة المسلمين عند أبي
حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك: هي فاسدة. انتهى. باب الخيار والاعفاف ونكاح العبد إذا وجد أحد الزوجين بالآخر جنونا أو جذاما أو برصا: فله الخيار في فسخ النكاح وكذا لو وجدت المرأة الزوج مجبوبا أو عنينا، أو وجد الزوج الزوجة رتقاء أو قرناء، والاصح: أنه لا خيار إذا وجد أحدهما الآخر خنثى، وأنه لا فرق بين أن يكون الفسخ مثل يفسخ به أو لا يكون. ولو وجدت بعض هذه العيوب بالزوج قبل الدخول، ثبت لها الخيار، وكذا بعده، إلا أن تحدث العنة. وإن وجدت بالزوجة، فالجديد أن له الخيار. ولا خيار للاولياء بالعيوب الحادثة بالزوج، ولا في المقارنة بالجب والعنة. وتثبت بالجنون. وكذا بالجذام والبرص في أشبه الوجهين. وهذا الخيار على الفور. وإذا اتفق الفسخ قبل الدخول فلا شئ لها من المهر. وإن اتفق بعده. فالاصح أنه كان الفسخ بعيب مقارن، فالواجب مهر المثل دون المسمى، وإن كان بعيب حادث بعد العقد. وإن حدث قبل الدخول ثم دخل بها وهو غير عالم بالحال. وإن وجدت بعد الدخول فالواجب المسمى، ولا يرجع الزوج بالمهر. والمغرور عند الفسخ على من غره ودلس عليه في الجديد. ولا بد في العنة من الرفع إلى الحاكم. وكذلك في سائر العيوب في أقرب الوجهين. ولا ينفرد الزوجان بالفسخ. وزوجة العنين ترفعه إلى القاضي وتدعي عنته. فإن أقر بها أو أقامت البينة على إقراره بها ثبتت. وإن أنكر حلف. وإن نكل فأصح الوجهين: ترد اليمين عليها. ثم القاضي بعد ثبوت العنة: يضرب للزوج مدة سنة يمهله فيها. وإنما يضرب بطلب الزوجة. فإذا تمت المدة رفعت ثانيا إلى القاضي. فإن ادعى الاصابة حلف. وإن نكل ردت اليمين عليها. فإن حلف أو أقر الزوج بأنه لم يصبها في السنة فقد جاء وقت الفسخ.
وهل يستقل حينئذ بالفسخ أو يحتاج إلى إذن القاضي في مباشرة الفسخ؟ فيه وجهان. أظهرهما الاول. وإذا رضيت بالمقام تحته سقط حقها من الفسخ. وكذا لو قالت بعد مضي المدة: أجلته شهرا أو سنة أخرى على الصحيح.
[ 29 ]
وإذا شرط في النكاح إسلام المنكوحة فبانت ذمية. أو شرط في أحد الزوجين نسب أو حرية أو صفة أخرى، فبان خلاف الشروط، ففي صحة النكاح. قولان أصحهما: الصحة. ثم نظر فإن بان خيرا مما شرط فيه فلا خيار، وإن بان دونه فإن كان الشرط فيه فلها الخيار. وإن كان فيها فله الخيار في أظهر الوجهين. ولو نكح امرأة على ظن أنها مسلمة فخرجت كتابية، أو حرة فخرجت رقيقة، وهو ممن يحل له نكاح الاماء. فأظهر القولين: أن لا خيار. ولو أذنت في تزويجها ممن تظنه كفؤا لها فبان فسقه، أو دناءة نسبه، أو حرفته فلا خيار لها. وحكم المهر إذا فسخ النكاح بالخلف في الشرط والرجوع بالمهر المغرور على الغار، كما ذكرنا في الفسخ بالعيب. وإنما يؤثر التغرير إذا كان مغرورا بالعقد، فأما التغرير السابق فلا عبرة به. وإذا غر بحرية امرأة فبانت أمة، وصححنا النكاح، فالولد الحاصل قبل العلم بالحال حر. وعلى المغرور قيمته لسيد الامة، ويرجع بها على من غره. ولا يتصور التغرير بالحرية من السيد. وإنما يكون ذلك من وكيله، أو من الامة نفسها. وإذا كان منها فيتعلق المقرر بذمتها. وإن انفصل الولد ميتا بلا جناية فلا يجب فيه شئ. وإذا عتقت الامة تحت رقيق فلها الخيار في فسخ النكاح. ولو عتق بعضها أو دبرت أو كوتبت أو عتق العبد وتحت أمة، فلا خيار. وأظهر القولين: أن خيار العتق على
الفور. وإن ادعت الجهل بالعتق ولم يكذبها ظاهر الحال، بأن كان السيد غائبا صدقت بيمينها. وإن كذبها فالمصدق الزوج. وإن ادعت الجهل بأن العتق يثبت الخيار فتصدق في أصح القولين. وإذا فسخت بالعتق قبل الدخول، سقط المهر. وإن كان بعده والعتق متأخر عن الدخول وجب المسمى. وإن كان العتق متقدما، وكانت هي جاهلة، فالاظهر وجوب مهر المثل. فصل: ويجب على الولد إعفاف الاب في ظاهر المذهب، والجد كالاب. والمراد من الاعفاف: أن يهيئ له مستمتعا، بأن يعطيه مهر حرة، حتى ينكحها.
[ 30 ]
أو يقول له: انكح وأنا أعطي المهر. أو يباشر النكاح عن إذن الاب فيعطي المهر، أو بأن يملكه أمة ويعطيه ثمنها. ثم عليه القيام بنفقة منكوحته أو أمته ومؤنتهما. وليس للاب أن يعين النكاح ولا يرضى بالتسري، ولا إذا اتفقا على النكاح أن يعين امرأة رفيعة المهر. وإذا اتفقا على قدر المهر. فتعيين المرأة إلى الاب. وعلى الابن التجديد إذا ماتت زوجة الاب أو أمته، أو انفسخ النكاح بردة أو فسخ بعيب. وكذا لو طلقها بعذر في أظهر الوجهين. ولا يجب إذا طلقها بغير عذر. وإنما يجب الاعفاف إذا كان الاب فاقدا للمهر وإذا احتاج إلى النكاح، ويصدق إذا ظهرت الحاجة بلا يمين. ويحرم على الاب وطئ جارية الابن، لكن الاصح أنه لا حد عليه، وأنه يجب المهر. ولو أحبلها فالولد حر نسيب، وأصح القولين: أن الجارية تصير مستولدة، وأنه
يجب عليه قيمة الجارية مع المهر. ولا يجب قيمة الولد على الاظهر. فإن كانت الجارية مستولدة الابن لم تصر مستولدة الاب بلا خلاف. وليس للسيد أن ينكح جارية مكاتبه. ولو ملك المكاتب زوجة سيده فالاشبه انفساخ النكاح. فصل: والسيد إذا أذن في نكاح العبد لا يضمن المهر والنفقة على الجديد، لكنهما يتعلقان باكتسابه، إن كان مكتسبا مأذونا له في التجارة. فيتعلقان بربح ما في يده، وكذا برأس المال في أظهر الوجهين. وإن لم يكن مكتسبا ولا مأذونا له في التجارة فيتعلقان بذمته. ولا يلزمان السيد في أصح القولين. وللسيد أن يسافر بعبده وإن فاته الاستمتاع، لكن إذا لم يسافر به فعليه تخليته ليلا للاستمتاع. وكذا استخدامه نهارا إن تكفل بالمهر والنفقة. وإلا فيخليه ليكتسب. وإذا استخدمه ولم يلتزم شيئا. فعليه الغرم بما استخدم. والغرم في أصح الوجهين: أقل الامرين من أجرة المثل وكمال المهر والنفقة. والثاني: كمال المهر والنفقة.
[ 31 ]
ولو نكح العبد نكاحا فاسدا، ودخل بالمنكوحة: فمهر المثل يتعلق بذمته لا برقبته في أصح القولين. وإذا زوج السيد أمته، فله استخدامها نهارا ويسلمها إلى الزوج ليلا، لكن لا نفقة على الزوج حينئذ على الاظهر. وأظهر الوجهين: أنه ليس له أن يهيئ للزوج بيتا في داره، ويكلفه دخولها. ولو سافر السيد بها لم يمنع. فإن أراد الزوج سافر معها. والظاهر: أن السيد إذا قتل أمته المزوجة قبل الدخول: يسقط المهر، ولا خلاف أنه لا أثر لهلاك المنكوحة بعد الدخول.
ولو باع الامة المزوجة: فالمهر للبائع. ولو طلقها الزوج بعد البيع وقبل الدخول، فنصف المهر. وإذا زوج أمته من عبده لم يجب المهر. فائدة: من تحرير التنبيه: الجذام معروف بأكل اللحم وبتناثره، قال الجوهري: وقد جذم الرجل - بضم الجيم - فهو مجذوم، ولا يقال: أجذم. والبرص - بالفتح - بياض معروف، وعلامته: أن يعصر فلا يحمر. وقد برص - بفتح الباء وكسر الراء - فهو أبرص. فرع: قال ابن عباس: كان زوج بريرة عبدا أسود. يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة. وإنه كلم العباس ليكلم فيه النبي (ص) قال السبكي: وأنا أعجب من قول ابن عباس هذا، مع ما جاء في قصة الافك من قول علي بن أبي طالب: سل الجارية تصدقك وقول النبي (ص): أي بريرة كذا في البخاري وغيره في جميع طرق حديث الافك. واحتمال كون: بريرة هذه أخرى بعيد، وقصة الافك قبل الفتح في توبة الاسارى، فلعل بريرة كانت تخدم عائشة قبل شرائها إياها، وأنها اشترتها وتأخر عتقها، أو دام حزن زوجها عليها هذه المدة الطويلة. حكاه الدميري في شرحه على المنهاج.
[ 32 ]
الخلاف المذكور في مسائل الباب: العيوب المثبتة للخيار تسعة، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، وهي: الجنون، والجذام، والبرص. وإثنان يختصان بالرجل، وهما: الجب، والعنة. وأربعة تختص بالنساء. وهي: القرن، والرتق، والفتق، والعفل. والجب قطع الذكر. والعنة العجز عن الجماع بعد الانتشار. والقرن عظم يكون في الفرج، فيمنع الوطئ. والرتق انسداد الفرج. والفتق انخراق ما بين محل الوطئ ومخرج البول. والعفل لحم يكون في الفرج. وقيل: رطوبة تمنع لذة الجماع.
قال أبو حنيفة: لا يثبت للرجل الفسخ في شئ من ذلك. ويثبت الخيار للمرأة في الجب والعنة فقط. ومالك والشافعي يثبتانه في ذلك كله، إلا في الفتق، وأحمد يثبته في الكل. فإن حدث ذلك في الزوج بعد العقد وقبل الدخول، خيرت المرأة عند مالك والشافعي وأحمد. وكذا بعد الدخول، إلا العنة عند الشافعي. وإن حدث بالزوجة فله الفسخ على الراجح من مذهب الشافعي، وهو مذهب أحمد. وقال مالك والشافعي، في أحد قوليه: لا خيار لها. فصل: وإذا عتقت المرأة وزوجها رقيق، ثبت لها الخيار عند أبي حنيفة ما دامت في المجلس الذي علمت بالعتق فيه. ومتى علمت ومكنته من الوطئ فهو رضى. وللشافعي أقوال، أصحها: أن لها الخيار على الفور. والثاني: إلى ثلاثة أيام. والثالث: ما لم تمكنه من الوطئ. ولو عتقت وزوجها حر، فلا خيار لها عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يثبت لها الخيار مع حريته. انتهى.
[ 33 ]
كتاب الصداق وما يتعلق به من الاحكام الصداق هو ما تستحقه المرأة بدلا في النكاح. وله سبعة أسماء: الصداق، والنحلة، والاجر، والفريضة، والمهر، والعلقة، والعقر. لان الله تعالى سماه الصداق، والنحلة، والاجر، والفريضة. وسماه النبي (ص): المهر والعلقة وسماه عمر رضي الله عنه: العقر يقال: أصدقت المرأة ومهرتها. ولا يقال: أمهرتها. والاصل في قوله تعالى: * (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) * وقوله تعالى: * (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) * وقوله تعالى: * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) * وقال
النبي (ص): فإن مسها المهر بما استحل من فرجها وقال النبي (ص): أدوا العلائق، قيل: وما العلائق؟ قال: ما تراضى عليه الاهلون وقال عمر رضي الله عنه: لها عقر نسائها. فإن قيل: لم سماه نحلة. والنحلة: العطية بغير عوض. والمهر: ليس بعطية، وإنما هو عوض عن الاستمتاع؟ ففيه ثلاث تأويلات. أحدها: أنه لم يرد بالنحلة العطية. وإنما أراد به النحلة من الانتحال وهو التدين. لانه يقال: انتخل فلان مذهبك، أي تدين به. فكأنه قال: * (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) * أي تدينا. والثاني: أن المهر يشبه العطية، لانه يحصل للمرأة من اللذة في الاستمتاع ما يحصل للزوج وأكثر، لانها أغلب شهوة، والزوج ينفرد ببذل المهر، فكأنها تأخذه بغير عوض.
[ 34 ]
والثالث: أنه عطية من الله للنساء في شرعنا. وكان في شرع من قبلنا المهر للاولياء. ولهذا قال الله تعالى قي قصة شعيب وموسى عليهما الصلاة والسلام، قال: * (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) *. وما يجوز أن يكون عوضا في البيع يجوز أن يكون صداقا. وليس الصداق ركنا في النكاح، بل يجوز إخلاؤه من المهر، لكن المستحب تسميته. لما روي أن النبي (ص) لم يتزوج أحدا من نسائه، ولا زوج أحدا من بناته، إلا بصداق سماه في العقد وروي أن امرأة أتت النبي (ص). فقالت: يا رسول الله، قد وهبت نفسي منك، فصعد النبي (ص) بصره إليها، ثم صوبه. ثم قال: مالي اليوم في النساء من حاجة. فقام رجل من القوم، فقال: زوجنيها يا رسول الله. فقال له: ما تصدقها؟ قال: إزاري. قال: إن أصدقتها إزارك جلست ولا إزار لك. فقال: ألتمس شيئا. فالتمس شيئا، فلم يجد. فقال:
التمس ولو خاتما من حديد. فالتمس ولم يجد شيئا. فقال النبي (ص): أمعك شئ من القرآن؟ قال: نعم. سورة كذا وسورة كذا. فقال: زوجتكها بما معك من القرآن ولانه إذا زوجه بالمهر كان أقطع للخصومة. وروى عقبة بن عامر: أن النبي (ص) زوج رجلا بامرأة، ولم يفرض لها صداقا. فلما حضرته الوفاة. قال: إني تزوجتها بغير مهر. وإني قد أعطيتها عن صداقها سهمي بخيبر. فباعته بمائة ألف ولان المقصود في النكاح: اعتبار الزوجين، دون المهر. ولهذا يجب ذكر الزوجين في العقد. وإنما العوض فيه تبع. بخلاف البيع. فإن المقصود فيه العوض. ولهذا لا يجب ذكر البائع والمشتري في العقد إذا وقع بين وكيليهما. فائدة: قال الرافعي: روى القفال الشاشي عن أحمد بن عبد الله السجستاني أنه سأل المتولي: هل يجوز النكاح على تعليم الشعر؟ فقال: يجوز إذا كان مثل قول الشاعر: يريد المرء أن يعطى مناه ويأبى الله إلا ما أراد يقول: العبد: فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفاد
[ 35 ]
قال الاسنوي: والبيتان لأبي الدرداء رضي الله عنه. كذا ذكر أبو الطيب في تعليقه. مسأله: قال الرافعي: لو ادعت المرأة التسمية وأنكر الزوج. تحالفا في الاصح ولو ادعاها الزوج وأنكرت. فالقياس التخالف أيضا. ولو ادعى أحدهما التفويض، وقال الآخر: لم يذكر المهر. فالاشبه قبول قول النافي. وجزم البغوي في تعليقه بتحالفهما. وقال القاضي حسين: ولو ادعت عليه مائة صداقا. فإن قال: قبلت نكاحها بخمسين، تحالفا. والقول قوله في مهر المتلف، لانه المتلف. فلو قالت: قبل نكاحي على مائة. فقال: لا يلزمني إلا خمسون. فيحتمل أنه ما قبل إلا على خمسين. ويحتمل
أنه قبله على المائة. ودفع إليها خمسين. فيحلف أنه لا يلزمه مائة وتأخذ منه الخمسين. ولو قالت في الدعوى: لي عليه مائة صداقا. فقال: لا يلزمني إلا خمسون. فالقول قوله مع يمينه. وذكر في النكاح أنه لو ادعى نكاح امرأة. فإن أقرت له ثبت النكاح. قال العبادي: ولا مهر، لان هذا استدامة. وذكر هنا أنها لو ادعت على رجل ألفا من جهة الصداق، فأنكر. صدق بيمينه. ولا يلزمه أن ينفي الجهة التي تدعيها، ويكفيه الحلف على رضى وجوب التسليم. فلو قالت للقاضي: سله، هل أنا زوجته أم لا؟ فله سؤاله. وليس للقاضي سؤاله قبل ذلك. الخلاف المذكور في مسائل الباب: لا يفسد النكاح بفساد الصداق عند أبي حنيفة والشافعي. وعن مالك وأحمد روايتان. وأقل الصداق: مقدر عند أبي حنيفة ومالك. وهو ما تقطع به يد السارق، مع اختلافهما في قدر ذلك. فعند أبي حنيفة: عشرة دراهم، أو دينار. وعند مالك: ربع دينار، أو ثلاثة دراهم. وقال الشافعي وأحمد: لا حد لاقل المهر، وكل ما جاز أن يكون ثمنا في البيع: جاز أن يكون صداقا في النكاح.
[ 36 ]
وتعليم القرآن يجوز أن يكون مهرا عند مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، وقال أبو حنيفة وأحمد، في أظهر روايتيه: لا يكون مهرا. وتملك المرأة الصداق بالعقد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك: لا تملكه إلا بالدخول، أو بموت الزوج، بل هي مراعي، لا تستحقه
كله بمجرد العقد، وإنما تستحق نصفه. وإذا أوفاها مهرها سافر بها حيث شاء عند أبي حنيفة. وقيل: لا يخرجها من بيتها إلى بلد غير بلدها. لان الغربة تؤذي. هذا لفظ الهداية. وقال في الاختيار للحنفية: إذا وفاها مهرها نقلها إلى حيث شاء. وقيل: لا يسافر بها. وعليه الفتوى، لفساد أهل الزمان. وقيل: يسافر بها إلى قرى المصر القريبة. لانها ليست بغربة. ومذهب مالك والشافعي وأحمد: أن للزوج أن يسافر بزوجته حيث شاء. فصل: والمفوضة: إذا طلقت قبل المسيس والفرض. فليس لها إلا المتعة عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، في أصح روايتيه. قال في الكافي: إنه المذهب. وقال أحمد: في رواية أخرى: لها نصف مهر المثل. وقال مالك: لا يجب لها المتعة بحال، بل تستحب. ولا متعة لغير المفوضة في ظاهر مذهب أحمد. وعنه رواية: أنها تجب لكل مطلقة. وهو مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعي: إنها واجبة على كل حي للمطلقة قبل الوطئ لم يجب لها شطر مهر. وكذا الموطوءة بكل فرقة ليست بسببها. واختلف موجبو المتعة في تقديرها. فقال أبو حنيفة: المتعة ثلاث أثواب: درع، وخمار، وملحفة. بشرط أن لا تزيد قيمة ذلك عن نصف مهر المثل. وقال الشافعي في أصح قولين، وأحمد في إحدى روايتيه: إنه مفوض إلى اجتهاد الحاكم، يقدرها بنظره. وعند الشافعي، وهو قول أحمد: إنها مقدرة بما يقع عليه الاسم، كالصداق. فيصح بما قل وجل. والمستحب عنده: أن لا تنقص عن ثلاثين درهما. وعن أحمد رواية أخرى: أنها مقدرة بكسوة تجزئ فيها الصلاة. وذلك ثوبان: درع وخمار، لا تنقص عن ذلك. واختلفوا في اعتبار مهر المثل.
[ 37 ]
فقال أبو حنيفة: هو معتبر بقراباتها من العصبات خاصة. فلا مدخل في ذلك لامها ولا لخالتها، إلا أن يكونا من غير عشيرتها. وقال مالك: هو معتبر بأحوال المرأة في جمالها وشرفها ومالها، دون أنسابها. إلا أن تكون من قبيلة لا يزدن في صدقاتهن ولا ينقصن. وقال الشافعي: يعتبر بعصباتها. فيراعي أقرب من تنتسب إليها. فأقربهن: أخت لابوين، ثم لاب، ثم بنات أخ، ثم عمات كذلك. فإن فقد نساء العصبات أو جهل مهرهن فأرحام. كجدات وخالات. ويعتبر سن وعقل. ويسار، وبكارة. وما اختلف فيه غرض. فإن اختصت بفضل أو نقص، زيد أو نقص لائق بالحال. وقال أحمد: هو معتبر بقراباتها النساء من العصبات ومن ذوي الارحام. فصل: إذا اختلف الزوجان في قبض الصداق. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: القول قول الزوجة مطلقا. وقال مالك: إن كان ببلد العرف فيه جار بدفع المعجل قبل الدخول فما كان بالمدينة فالقول بعد الدخول قول الزوج، وقبل الدخول قولها. واختلفوا في الذي بيده عقدة النكاح من هو؟ فقال أبو حنيفة: هو الزوج. وهو الجديد الراجح من مذهب الشافعي. وقال مالك: هو كولي، وهو القديم من قولي الشافعي. وعن أحمد روايتان. فصل: والزيادة على الصداق بعد العقد تلحق به. قال أبو حنيفة: هي ثابتة إن دخل بها، أو مات عنها. فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف الزيادة مع نصف المسمى. وإن مات قبل الدخول وقبل القبض بطلت، وكان لها المسمى بالعقد على المشهور عنده. وقال الشافعي: هي هبة مستأنفة، إن قبضتها مضت وإن لم تقبضها بطلت. وقال أحمد: حكم الزيادة حكم الاصل.
فصل: والعبد إذا تزوج بغير إذن سيده ودخل بالزوجة وقد سمى لها مهرا. قال أبو حنيفة: لا يلزمه شئ في الحال. فإن عتق لزمه مهر مثلها. وقال مالك: لها المسمى كاملا. وقال الشافعي: لها مهر المثل. والجديد الراجح من مذهبه: أنه يتعلق بذمة العبد. وعن أحمد روايتان: إحداهما: كمذهب الشافعي. والاخرى: يلزمه خمسا المسمى،
[ 38 ]
ما لم يزد على قيمته. فإن زاد لم يلزم سيده إلا قيمته أو تسليمه، لان مذهبه أن المسمى يتعلق برقبة العبد. فصل: وإذا سلمت المرأة نفسها قبل قبض صداقها فدخل بها الزوج وخلا بها، ثم امتنعت بعد ذلك. وقال أبو حنيفة وأحمد: لها ذلك حتى تقبض صداقها. وقال مالك والشافعي: ليس لها ذلك بعد الدخول. ولها الامتناع بعد الخلوة. واختلفوا في المهر، هل يستقر بالخلوة التي لا مانع فيها، أو لا يستقر بالدخول؟ فقال الشافعي في أظهر قوليه: لا يستقر إلا بالوطئ. وقال مالك: إذا خلا بها وطالت مدة الخلوة استقر المهر، وإن لم يطأ. وحد ابن القاسم طول الخلوة بالعام. وقال أبو حنيفة وأحمد: يستقر المهر بالخلوة التي لا مانع فيها، وإن لم يحصل وطئ. بموت أحد الزوجين يستقر المهر بالاتفاق. فصل: وليمة العرس سنة على الراجح من مذهب الشافعي، ومستحبة عند الثلاثة. والاجابة إليها مستحبة على الاصح عند أبي حنيفة، وواجبة على المشهور عند مالك وهو الاظهر من قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد. والنثار في العرس والتقاطه. قال أبو حنيفة: لا بأس به. ولا يكره أخذه. وقال مالك والشافعي بكراهته. وعن أحمد روايتان كالمذهبين.
وأما وليمة غير العرس - كالختان ونحوه - فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: تستحب. وقال أحمد: لا تستحب. فائدة: قال النووي رضي الله عنه، قال أصحابنا وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع: الوليمة للعرس. والخرس - بضم الخاء، وبالسين، وبالصاد - للولادة والاعذار - بالعين المهملة والذال المعجمة - للختان. والوكيرة - بالراء - للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر، مأخوذ من النقع، وهو الغبار. ثم قيل: إن المسافر يصنع الطعام، قيل: يصنعه غيره له. والعقيقة: يوم سابع الولادة. والوضيمة - بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة - الطعام الذي يصنع عند المصيبة. والمأدبة - بضم الدال وفتحها - الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب. انتهى.
[ 39 ]
باب القسم والنشوز: إذا تزوج الرجل امرأة كبيرة أو صغيرة يجامع مثلها - بأن تكون ابنة ثمان سنين، أو تسع سنين - وسلم مهرها، وطلب تسليمها وجب تسليمها إليه. لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله (ص) وأنا ابنة ست سنين، وبنى بي وأنا ابنة تسع. فإن طلبت المرأة أو ولى الصغيرة الامهال لاصلاح حال المرأة، فقال الشافعي: تؤخر يوما ونحوه. ولا يجاوز بها الثلاث. وحكى القاضي أبو حامد: أن الشافعي قال في الاملاء: إذا دفع مهرها ومثلها يجامع، فله أن يدخل بها ساعة دفع إليها المهر، أحبوا أو كرهوا. وإذا كان له زوجتان أو أكثر، لم يجب عليه القسم ابتداء، بل يجوز له أن ينفرد عنهن في بيت. لان المقصود بالقسم الاستمتاع، وهو حق له. فجاز له تركه. وإن أراد أن يقسم بينهن جاز. لان النبي (ص) كان يقسم بين نسائه.
ولا يجوز أن يبدأ بواحدة منهن بغير رضى الباقيات إلا بالقرعة. لقوله تعالى * (فلا تميلوا كل الميل) * وروى أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: من كانت له امرأتان يميل إلى إحداهما عن الاخرى. جاء يوم القيامة وشقه ساقط وفي ابتدائه بإحداهن من غير قرعة ميل. فإن كان له زوجتان أقرع بينهما مرة واحدة. وإن كن ثلاثا: أقرع مرتين، وإن كن أربعا: أقرع ثلاث مرات، لانهن إذا كن ثلاثا فخرجت القرعة لواحدة قسم لها، ثم أقرع بين الباقيتين. وكذلك في الاربع. وإن أقام عند واحدة منهن من غير قرعة، لزمه القضاء للباقيات. لانه إن لم يقض صار مائلا. ويقسم للمريضة والرتقاء والقرناء والحائض والنفساء والمحرمة، والتي آلى منها أو ظاهر. لان المقصود الايواء والسكن. وذلك موجود في حقهن. وأما المجنونة: فإن كانت يخاف منها سقط حقها من القسم كالعاقلة.
[ 40 ]
ويقسم المريض والمجنون والعنين والمحرم، لان الانس يحصل به. وإن كان مجنونا يخاف منه لم يقسم له الولي. لانه لا يحصل به الانس. وإن كان لا يخاف منه. نظر. فإن كان قد قسم، لواحدة في حال عقله، ثم جن قبل أن يقضي لزم الولي أن يقضي للباقيات قسمهن. كما لو كان عليه دين. وإن جن قبل أن يقسم لواحدة منهن، فإن لم ير الولي مصلحة له في القسم لم يقسم لهن. وإن رأى المصلحة له في القسم قسم لهن، لانه قائم مقامه. وكان بالخيار بين أن يطوف به على نسائه وبين أن ينزله في منزل، ويستدعيهن واحدة بعد واحدة إليه. وإن طاف به على البعض واستدعى البعض، جاز. فإن قسم الولي لبعضهن ولم يقسم للباقيات أثر الولي. وإن سافرت المرأة مع زوجها فلها النفقة والقسم، لانهما في مقابلة الاستمتاع.
وذلك موجود وكذلك إذا أشخصها من بلد إلى بلد للنقلة أو لحاجة فلها النفقة والقسم، وإن لم يكن معها. وإن سافرت من بلد إلى بلد وحدها لحاجة لها بغير إذنه. فلا نفقة لها ولا قسم، لانها ناشز عنه. وإن سافرت لحاجة لها وحدها بإذنه فلا نفقة لها ولا قسم على الاصح من القولين. وإن كان عنده مسلمة وذمية سوى بينهما في القسم. وإن كان طلب معاش الرجل بالنهار فعماد قسمه الليل، وبالعكس. والمستحب أن يقسم مياومة، وهو أن يقيم عند كل واحدة يوما، ثم عند الاخرى يوما. لان النبي (ص) كان يقسم هكذا. ولانه أقرب إلى إيفاء الحق. ويدخل في النهار في القسم، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله (ص) يقسم لنسائه لكل واحدة يومها وليلتها، غير أن سودة وهبت ليلتها لعائشة. وإذا ظهرت من المرأة أمارات النشوز - بقول أو فعل - وعظها الزوج، فإن تكرر نشوزها هجرها. فإن تكرر نشوزها ضربها ضربا غير مبرح. ولا مدم ويتقى الوجه والمواضع المخوفة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولا يبلغ به الحد. وإن ادعى كل واحد من الزوجين على الآخر النشوز بمنع ما يجب عليه لصاحبه أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة عدل كي يشرف عليهما، فإذا عرف الظالم منهما منعه من الظلم. وإن بلغ بينهما إلى الشتم أو الضرب وتمزيق الثياب بعث الحاكم حكمين ليجمعا
[ 41 ]
بينهما أو يفرقا، لقوله تعالى: * (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا) *. فائدة: قال القاضي عياض، قال الطبري وغيره من العلماء: الغيرة يتسامح للنساء فيها. فإنها لا عقوبة عليهن بسببها، لما جبلن عليه من ذلك. ولهذا لم يزجر النبي عليه
السلام عائشة حين قالت في خديجة: عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين قال القاضي: وعندي أن ذلك تجرؤ من عائشة، لصغر سنها وأول شبيبتها، ولعلها لم تكن قد بلغت. الخلاف المذكور في مسائل الباب: القسم: إنما يجب للزوجات بالاتفاق. ولا قسم لغير زوجة ولا لاماء. فمن بات عند واحدة لزمه المبيت عند من بقي. ولا تجب التسوية في الجماع بالاجماع، ويستحب ذلك. ولو أعرض عنهن أو عن واحدة لم يأثم. ويستحب أن لا يعضلهن. ونشوز المرأة حرام بالاجماع يسقط النفقة. ويجب على كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف، وبذل ما يجب عليه من غير مطل، ولا إظهار كرامة. فيجب على الزوجة طاعة زوجها وملازمة المسكن. وله منعها من الخروج بالاجماع. ويجب على الزوج المهر والنفقة. فصل: والعزل عن الحرة، ولو بغير إذنها جائز على المرجح من مذهب الشافعي، لكن نهى عنه. فالاولى تركه. وعند الثلاثة لا يجوز إلا بإذنها. والزوجة الامة تحت الحر. قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا يجوز العزل عنها إلا بإذن سيدها. وجوزه الشافعي بغير إذنه. فصل: وإن كانت الجديدة بكرا: أقام عندها سبعة أيام، ثم دار بالقسمة على نسائه. وإن كانت ثيبا: أقام ثلاثا عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: لا يفضل الجديدة في القسم، بل يسوى بينها وبين اللاتي عنده. وهل للرجل أن يسافر من غير قرعة، وإن لم يرضين؟ قال أبو حنيفة: له ذلك. وعن مالك روايتان. إحداهما كقول أبي حنيفة، والاخرى: عدم الجواز إلا برضاهن، أو بقرعة. وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
[ 42 ]
وإن سافر من غير قرعة ولا تراض: وجب عليه القضاء لهن عند الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب. المصطلح: ويشتمل على صور. منها: ما هو مصدر بخطبة، ومنها: ما هو مصدر بغير خطبة. واعلم أن للنكاح قواعد، يبدأ بذكرها قبل ذكر المصطلح: كونها يستعمل في كل صورة من الصور الآتي ذكرها. وهي البداءة بذكر الزوج وأبيه وجده وما يعرف به، ثم بالزوجة كذلك، ثم بالصداق. وذكر تأجيله، أو حلوله - وإن كان عبدا، أو جارية، أو خاتما، أو سيفا، أو عقارا، أو قماشا، أو غير ذلك - فيصفه وصفا تاما يخرجه به عن الجهالة، أو كانت بغير صداق، كالمفوضة. والصداق: تقبضه الزوجة إن كانت بالغة عاقلة رشيدة، أو من يحجر عليها كالاب أو الجد أو الوصي، أو أمين الحكم، ليشتري به أعيانا برسم جهازها. وقد جرت العادة في أمين الحاكم: أن يكتب قصة على لسانها، وترفع إلى حاكم شرعي يكتب عليها: لتجب إلى سؤالها يؤرخ بيوم الاجابة. ثم ذكر الولي المزوج إن كان أبا أو جدا، أو غيرهما من الاولياء، وذكر بلوغ الزوجة، وأنها معصر غير ثيب. فهذه يجبرها الاب والجد على مذهب الشافعي، ويزوجها كل منهما بغير إذنها. وإن كان الولي - والحالة هذه - غير الاب والجد من العصبات، أو ممن يزوج بالولاء أو الحاكم. فلا يجوز أن يزوج إلا البكر البالغ، أو الثيب البالغ بإذنها ورضاها إلا السيد، فإنه يزوج مملوكته بالملك جبرا بغير إذنها. وغير الشافعي من الائمة: يزوج البكر المعصر. وكذلك الثيب المعصر. ومملوكة الخنثى يزوجها بإذنه، وكذلك مملوكة المرأة يزوجها بإذن المالكة صريحا بالنطق. ولا يكفي السكوت إذا كانت السيدة بكرا، بخلاف الامر في تزويجها نفسها،
فيكفي السكوت، إلا إذا ظهر منها ما يقتضي عدم الرضا. فإذا كان الولي أبا كتب: وولى تزويجها منه بذلك - أو عقده بينهما، أو زوجها منه بذلك - والدها المذكور، بحق أبوته لها وولايته عليها شرعا، بعد أن أوضح خلوها من كل مانع شرعي. وأنها بكر بالغ - أو بكر معصر - حرة مسلمة، صحيحة العقل والبدن، لم يتقدم عليها عقد نكاح. وأن والدها المذكور مستحق الولاية عليها شرعا، وأن الزوج كف ء لها. وأن الصداق المعين فيه مهر مثلها على مثله.
[ 43 ]
وإن كان الولي ممن يرى تزويج المعصر غير الاب والجد، والبنت المعصر. كتب: وذلك على قاعدة مقتضى مذهبه واعتقاده - ويذكر مذهبه - وقبول الزوج النكاح لنفسه، أو وكيله الشرعي في ذلك، وهو فلان الفلاني. وأقر أن الزوج واجد للصداق، إذا كان غير مقبوض، أو قبض منه البعض وتأخر البعض، وأنه ملئ وقادر على ذلك. ومعرفة الشهود بهم والتاريخ. ومن الصور: صورة صداق بنت خليفة على شريف: الحمد لله الذي شرف الاقدار بتأهيلها للاصطفا، واختارها لارتقاء درجات الوفا، واختصها بما تنقطع دونه الآمال، حمدا تنفذ في شكر موليه الاقوال، وتستصغر عنده الاقدار وإن سمت، وتتضاءل دون عظمته وإن اعترب إلى الشرف وانتمت. وله الحمد في شرب الخؤلة والعمومة، ووهب خصوص التشريف وعمومه. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مخلص في اعتقاده، متحر رشدا فيما صرف نفسه فيه واستقام على اعتماده. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث من أشرف العرب نسبا، وأتمهم حسبا، اصطفاه من قريش المصطفين من كنانة، المصطفاة من ولد إسماعيل. فهو صفوة الصفوة، المنزه صميما عن شين القسوة والجفوة. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين ناصروه وصاهروه. فأحسنوا المناصرة والمصاهرة. وظاهروه على عدوه من حين الظهور، فأجملوا المظاهرة.
ورضي الله عن العباس بن عبد المطلب عمه وصنو أبيه، والباقية كلمة الخلافة في عقب بنيه، المخصوصين بإمرة المؤمنين، كما عهد به سيد المرسلين قياسا ونصا، فيما ورد عنه وفيما به وصى. قاموا بأعباء الخلافة، ووقفوا عند أوامر النبوة المحمدية واجتنبوا خلافه، فما مضى منهم سيد إلا وأقامت السلالة العباسية بالاستحقاق سيدا، ولا ذهب سند إلا واستقبلت الامة منهم سندا فسندا. وأدام الله أيام مولانا أمير المؤمنين، الامام الحاكم بأمر الله، الناصر لدين الله. الواجب الطاعة على كل مسلم، المتعين الامامة على كل منازع ومسلم، المنوط بخلافته حل وعقد، الواقف عند إمامته كل حر وعبد. فلا تتم قضية إلا بنافذ قضائه، وشريف إمضائه، إذ كان الامام الذي به يقتدى، وبهديه يهتدى، والخليفة المنصوص عليه، وأمير المؤمنين أبو فلان فلان، المشار بنان النبوة إليه رضي الله عنه. وعن آبائه الخلفاء الراشدين، والائمة المهديين، الذين ورثوه الامامة. فوجدت شروطها المجموعة فيه مجتمعة، ونفثوا في روعه كلها ورقوه درجتها المرتفعة، اللهم فأيد إمامته، واعضد خلافته، مولانا المقام الاعظم والملك المعظم، السلطان الملك الفلاني الذي عهد بالملك إليه. ونص في كتاب تفويضه الشريف عليه، وفوض إليه ما وراء سريره. وألقى إليه
[ 44 ]
مقاليد الامور. فسقط على الخبير بها، ولا ينبئك بالامر مثل خبير. وبعد، فإن النكاح من سنن المرسلين، وشعائر المتقين، ودثار الائمة المهتدين. لم تزل الانبياء بسننه متسننة، وبكلمته العلية معلنة، ولم تبرح لاحاديثه الحسنة الاولية معنعنة. وتزوج رسول الله (ص) وزوج. وشرف الاقدار بتأهيله فأصبح كل بصهارته متوج، واتبعت أصحابه آثاره بذلك، وسلكوا في اتباعه والعمل بسنته أوضح المسالك. ولم يزالوا على ذلك صاحبا بعد صاحب، وذاهبا بعد ذاهب، وخليفة بعد خليفة، وأميرا بعد أمير، سنة مألوفة. اقتفى أمير المؤمنين - أدام الله أيامه - سننها الجلي، ورقي مكانها
العلي، وتزوج وزوج البنات والبنين. واقتدى في ذلك بابن عمه سيد المرسلين. ووقف عند ما ورد عنه من سديد الاحكام. وانتهى بنهيه في قوله عليه السلام: لا رهبانية في الاسلام وضم إلى نسبه الشريف نسبا ثابتا شرفه. وقد سمت باختيار أشرف الجواهر صدفه. وكان من ثمرة الشجرة النبوية الدانية القطاف، الهينة الاقتطاف، اليانعة الثمار، السريعة الاثمار، وهو المولى السيد الشريف الحسيب النسيب، الطاهر الذكي، الاصيل العريق التقي النقي، فرع الشجرة النبوية، والمستخرج من العناصر الزكية المصطفوية، أبو فلان فلان ابن السيد الشريف الحسيب النسيب، الطاهر الزكي الاصيل فلان ابن فلان - ويذكر أباءه وأجداده واحدا بعد واحد إلى أمير المؤمنين: الحسن أو الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم - الذي طلع في سماء الاختيار بدرا منيرا، وتجلى لعيان الاختبار فلم يكن بسحب الشكوك مستورا. وقد كملت بالشرف أوصافه، وحمد بالقيام بحقوق كتاب الله العزيز اختتامه واستئنافه، مع ماله من فضيلة علم الانساب التي تفرد فيها بالنسبة والاضافة والانضمام. هذه السنة الشريفة إلى بيت الخلافة. وأما الدين: فبهاؤه في وجهه الوجيه. وأما بره: فلائحة على أحواله، فلا غرو أن يوليه الله ما يرتجيه. تشهد له الاشجار بحسن الاذكار، والامثال بأشرف الخصال. وحين ظهر لمولانا أمير المؤمنين سره المصون، وبان له نفيس جوهره المكنون. قدم خيرة الله في تأهيله وعمد إلى ما يستصعب من ارتقاء رتبة الخلافة المعظمة، فأخذ في تيسيره بالتواضع لله ورسوله. وأجاز خطبته. وباشر بنفسه الشريفة إيجاب عقده وخطبته. وقلده عقد عقد لا ينتهي المبالغ فيه إلى قيمة. وزينه من سلالته الطاهرة بالدرة إلا أنها اليتيمة، وزوجه بالجهة المعظمة المفخمة المبجلة المحجبة المكرمة، السيدة المصونة العصيمة، فلانة ابنة مولانا السلطان السعيد الشهيد المقدس الطاهر الولي، المعتصم بالله أبي فلان، فلان ابن مولانا وسيدنا وإمامنا، وخليفة عصرنا الامام الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين فلان ابن مولانا فلان ابن مولانا فلان - ويذكر أجدادها الخلفاء واحدا بعد واحد إلى حبر الامة عبد الله ابن
[ 45 ]
العباس عم النبي (ص) - تزويجا صحيحا شرعيا، معتبرا ماضيا مرضيا، بالايجاب والقبول على الوجه الشرعي بشهادة واضعي خطوطهم في هذا الكتاب المرقوم، ومن شهد مشهده المشتط السوم على من يسوم، على صداق اقتدى في بذله بالسنة والكتاب. وراعى في قبوله ما للتخفيف من ثواب. وإلا فالقدر أعظم من أن يقابل بمقدار وإن جل، والرتبة أسنى لمولانا المقصود العقد، لما كان يقال: حل مبلغه من الذهب المعين المصري كذا وكذا دينارا فينا حالة. وولى تزويجها إياه بذلك مولانا أمير المؤمنين حرسه الله وتولاه. ملك به الزوج المشار إليه عصمتها. واستدام صحبتها. وجمعها الله تعالى به على التوفيق والسداد، وخار لهما فيما أراده من تزويجهما والخيرة فيما أراد. ويكمل. خطبة نكاح عالم، اسمه علي: على ابنة عالم خطيب، اسمه محمد. واسم الزوجة أم هانئ الحمد لله الذي منح عليا سعادة الاتصال بأعز مصونات بنات محمد. وعقد ألوية عقده بالعز الدائم والسؤدد المؤبد. وأرشده في طريق السنة الشهباء إلى بيت علم أوتاده بالعمل قوية، وأشكال النصرة باجتماع الافراح فيه تتولد. والسعادة على ساكني أفقه المحمدي عائدة الصلة بجميل العوائد والعود أحمد. نحمده أن جعل جواهر عقود هذا العقد السعيد ثمينة وحصون عقيلته حصينة وجوهرته النفيسة في حجر العلم مصونة. وزين هذا الكتاب منها بخير قرينة. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي جعل لكل شئ قدرا. وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي جلى بشريعته المطهرة حنادس ألغى وأزاح. وكتب بقلمها المحقق بذات الرقاع ما نسخ الباطل الفضاح. وجعل النكاح سنة تؤلف بين المتباعدين تأليفا يقضي بلطف تمازج الارواح، وعصمة تستملك بها عصم المحصنات وتستباح. صلى الله عليه وعلى آله
وصحبه الذين تمسكوا من هديه بالكتاب والسنة. وقلدوا جيد الزمان من تقرير أحكام شرعه الشريف أعظم منة، صلاة تفتح لقائلها أحمد أبواب التهاني، وتجيره من ريب
[ 46 ]
الزمان، حتى يناديه منها لسان الاشتقاق: قد أجرنا من أجرت يا أم هاني. وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإن النكاح سبب التحصين والعفة، وجامع أشتات المودة والالفة على سلوك نهجه القويم درج المرسلون. وعلا على درج فضله الافضلون. وهو مما جاء الكتاب والسنة بفعله، وأباحه الله على ألسنة أنبيائه ورسله. فقال عز من قائل: * (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) * وقال: وهو أصدق القائلين، تبيانا لفضائله الجمة وإظهارا لشعار هذه الامة: * (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) * وفيه من الحكم السنية، ما شهدت به الاخبار المروية، والآثار الشريفة النبوية. منها: قوله (ص) - مشيرا إلى ما اقتضاه النكاح من لطيف المعاني: من تزوج. فقد ستر شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني وقال سيد تهامة المظلل بالغمامة: تناكحوا تناسلوا تكاثروا. فإني أباهي بكم الامم يوم القيامة. وكان فلان ابن فلان الفلاني: هو الذي سمت أوصافه الزكية بعفافه، ويحل من عقود هذه السنة الحسنة بجميل أوصافه. وظهرت عليه آثار السيادة، من سن التمييز فانتصب على الحال. وحل من المحل الاسني في أرفع المحال. وافتخر بعرافة بيته الذي خيم السعد بفنائه. وعقد العز بلوائه، وشأنه أن يفتخر بذلك على من افتخر. وأن يباهي بكرم أصله الزاكي العروس ونمو فرعه الذي أورق بكمال الافضال وأثمر، وانتمى منه إلى مكارم جمة لم تعرف إلا لجعفر وأبي جعفر فهو بهذه الجملة الاسمية على الرتب جعفري الحسب، أحمدي النسب، عديم النظير بكل وجه وسبب.
وكانت الرغبة منه، ومثله من يرغب في إجابته إلى ما طلب، وهو أحق من وجب الاصغاء إليه إذا علا على منبر العلياء وخطب، مخطوبته الجهة المصونة. والدرة المكنونة، فلانة ابنة فلان، وبحسن الاختيار أحرزها وحازها، مغتبطا بالانتماء إلى كنف والدها، الذي لم يدع خطة فضل إلا وجاوزها، ولا بدع لانه شمس الاسلام المضيئة،
[ 47 ]
وإمام علم التوحيد، وبحره الوافر الطويل المديد. وهو العالم العامل العلامة، الذي ما درس إلا أحيا ما درس من العلوم بدرسه. ولا خيمت على العلماء ظلمة إشكال إلا أزالها بشعاع شمسه. ولا حج إلى بيته المعمور متمتع إلا أمتعه بفرائده وفوائده ولطيف أنسه. مع منزله واعترافه تواضعا بحقارة نفسه. وهو القائم في الحقيقة بالحجة البالغة، والفصيح الذي يذعن لفصاحته كل نابغة، وفي تسليك أهل الطريق العلم الفرد الذي يأثم به الهداة، وتحف السعادة الاخروية برقائق وعظه وهداه. ما نطق إلا وكان لعذوبة لفظه في طريق الفصاحة سلوك. ولا جلس بين يديه ذو ملكة في نفسه من السلاطين والملوك، إلا وخاطبه: بأقل العبيد والمملوك. سل عنه وانطق به وانظر إليه، تجدمل ء المسامع والافواه والمقل وعلى الجملة: فهو ذو الباع الاطول، والبحر الذي اندرج النهر في ضمنه اندراج الجدول. فنفع الله هذا الشاب ببركة هذا الشيخ الولي. وزاد في علو شرف بيته الجعفري، الذي هو في الشرف علي. ثم لما صحح كل من الخاطب والمخطوب إليه النية وعزم. وكمل بدر الاتفاق وتم. فتناسق جوهر عقد هذا العقد السعيد وانتظم. صدر التفويض الشرعي، والاذن من والدها المشار إليه على وضعه المحرر المرعي، لسيدنا ومولانا قاضي القضاة فلان الدين، أنفذ الله حكمه وأمضاه: أن يزوجها من خاطبها المشار إليه، أسبغ الله عليه ظله، وقرن بالتوفيق عقده وحله. فأجابه إلى ذلك متبركا بقبول إذنه الكريم، وشرف خطيب
هذه الحضرة العلية الاسماع، تاليا بعد انتظام عقده النظيم. وإتمام انسجامه ببديع التكميل والتتميم. بفضل بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا ما أصدق فلان المشار إليه - أفاض الله نعمه عليه - مخطوبته فلانة ابنة فلان، المسمى أعلاه، أدام الله رفعته وعلاه، على كتاب الله وسنة رسوله (ص)، وشرف وكرم وبجل وعظم. صداقا يحلى جيد الزمان بدرر عقوده. وشملت البركة المحمدية جميع حاضريه وعاقده وشهوده. جملته من الذهب كذا وكذا. زوجها منه بذلك بإذنها ورضاها. وأذن والدها المشار إليه الآذن المرتب الشرعي، سيدنا ومولانا قاضي القضاة المشار إليه. أدام الله أيامه الزاهرة. وأسبغ عليه نعمه باطنة وظاهرة. وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة. تزويجا شرعيا، معتبرا مرضيا، بعد وضوحه شرعا، وخلوها من كل مانع شرعي. هنالك هبت نسمات التوفيق قبولا. وتعاطفت جملتاه إيجابا وقبولا. ونظمت أسلاك الفرح بحباتها، وأخرجت حواري السعود مخبآتها، وابتهجت بلبد ماح هذه
[ 48 ]
المطابقة اللازمة النفوس وحارت العقول، وطفق لسان الاحسان يقول: اللهم ألف بينهما، كما ألفت بين العين وسناها، والنفس ومناها، وأمطر عليهما من سحائب رحمتك الصيبة، وهب لهما من لدنك ذرية طيبة، إنك سميع الدعاء. ويؤرخ. خطبة نكاح، واسم الزوج شهاب الدين أحمد: الحمد لله الذي جعل عاقبة الحب باتباع سنة النكاح أحمد العواقب. ومنحه من عز السنة الشريفة النبوية ما يقضي الكريم ذاته بالاتصاف بأزكى المناقب وأحله مع أهل الحل والعقد محلا به يسمو شهابه المضئ على الشهب الثواقب. نحمده حمد من أحكم في الولاء عقد ولائه. وهداه نور العفاف إلى سلوك سنن أنبياء الله وأولايائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبد لم يزل يجتني ثمرات
الاقبال من يانع غرسها. ويجتلي في حضرات الجلال عروس أنسها، ويطرد ساعة كل هم بيوم عرسها. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي ميز حلال الدين وحرامه. وخص من الشرف الصميم بخصائص. منها: أن الله وفى من مشروعية النكاح أقسامه. ولذلك قال: تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني أباهي بكم الامم يوم القيامة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حازوا من شرف بيت النبوة ما رفع لهم في العالمين ذكرا. وطاب نشرهم بريحانيته وزها. وجد قربهم القمر بالزهرا. وعلا علي عليهم بعد العمرين وذي النورين فافتخر حين دعي بأبي تراب على من على الغبرا. وإذا ذكرت الانساب المحمدية، فما منهم إلا من بينه وبينه نسبا وصهرا، صلاة تنطق لسان كل بليغ بالمبالغة فيها، وتشرق أنوار الصدق من مغارب غايتها ومطالع مباديها، ما أنضى القلم في مهارق الطروس ركابا. وما أطلعت السماء في أفق العلياء شهابا. وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإن النكاح من أهم ما قدمه بين يدي نجواه من احتاط لدينه. وأحكم عقد يقينه. وشمر ذيله لتحصيل تحصينه. جعله الله وسيلة إلى حصول العصمة والعفاف. وذريعة إلى وجود تمازج الارواح بين الازواج بسرعة الائتلاف. فبه تحفظ الانساب،
[ 49 ]
وتصان الاحساب. وبه يجمع الله الشتات، ويخرج من كامن سر غيبه ما يقدر خلقه من البنين والبنات، وتساق به الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات، وهو لا يخلو من فوائد فيها للمؤمنين فوائد جمة. منها: أنه من أعظم شعار هذه الامة. نصبه الله دليلا على وحدانيته ما تضمنته الحكمة. فقال عز من قائل: * (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) *. وقد جاء في مشروعيته وحكمه وتوكيد سنته والتحريض على فعله. قوله تعالى: * (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) *. وهو أجل من أن ينبه على إيضاح
سره وبيان معانيه. والمفهوم من تعظيم هذه الاشارة فيه: لمن استن بهذه السنة الحسنة ما يكفيه. وكان فلان ممن أشرق في مطالع أفق الفضائل شهاب مجده، وأزهرت في سماء البلاغة نجوم سعده. وأتى في فن الادب بما يحير اللبيب، ويدهش سواطع أنواره الاحمدية الفطن الاريب، طوالع إقباله مراتبها سعيدة، ومبادي أموره لم تزل عواقبها حميدة. وما هو إلا أن استخار واستشار. فحصل له من حسن الاختيار: حصوله على جهة مباركة، هي له في الصفات الحسنى مشاركة. ظفر بها بديعة الجمال. عزيزة المثال، محجوبة عن عين شمس الافق، تروى أحاديث أصالتها وسيادتها من عدة طرق. فأحرزها إحرازا أصبح توقيع القدرة الالهية به منشورا. وسطرت الالفة الرحمانية كتابها تسطيرا، وحق له أن يكون لله على ما أولاه من إحرازها شكورا. وأن يعاملها بما هو مأمور به شرعا، إذا أودع مشكاة نبيه منها نورا، فطالما أسبلت العيون عليها ستورا. وأحسن التأديب تأديبها لحائزها، فقيل لحاسده: كفى تعبا من يحسد الشمس نورها، وهي مع ذلك تفخر بوالدها الذي أصبح ذو فضل يروى. وحاز سيادتي فتوة وفتوى. وله بنقل العلم خبرة عالم هدى صحيح النقل للمتعلم. كم حل للطلاب من درس على رأي ابن إدريس الامام الاعظم. لا جرم أنه إمام فضل تشرفت بنعوته الاقوال. وحسنت بمحاسن وقته الافعال. وهو ذو ديانة يعد فيها سريا، وصاحب معروف وبشر. أصبح بها وليا، وبانتساب إلى بيت طيب الاعراق، زاكي المغارس والاخلاق. وكان مما قدره الله وأراده، وأجرى به من القدم قلم التوفيق والسعادة. أن هذا الخاطب قد زاد محاسنه من بيت هذا الخطيب البارع بما يرفع له في العالمين ذكرا، ونحوه إذا ذكرت أنسابه العلية نسبا وصهرا. وحيث صحح كل منهما النية، وأيقن أن قد ظفر ببلوغ الامنية. أجاب هذا الولي
[ 50 ]
الحميد داعيه ولبى، وأقبل بوجه بشره إليه وما تأبى. وحين هبت نسمات القبول بالايجاب. قال الذي عنده علم من الكتاب: تعين أن يرقم طرس هذا العقد الذي توفر من المسرات قسطا. وأن يسطر في هذا الرقيم حفظا له وضبطا. هنالك استخدم راقما للقلم وأعمل، وكتب بعد أن بسمل: هذا ما أصدق فلان، أدام الله توفيقه. وسهل إلى كل خير طريقه، مخطوبته الجهة المصونة والدرة المكنونة المحجبة المخدرة الاصيلة، العريقة الجليلة، فلانة بنت فلان الفلاني، على بركة الله تعالى وعونه، وحسن توفيقه، ويمنه وسنة نبيه محمد (ص) وشرف وكرم وبجل وعظم، صداقا جملته من الذهب كذا وكذا، على حكم الحلول - أو مقبوضا، أو مقسطا - زوجها منه بذلك بإذنها ورضاها، والدها المشار إليه، أفاض الله نعمه عليه، تزويجا شرعيا بعد وضوحه شرعا، وخلوها من كل مانع شرعي. وقبل الزوج المذكور النكاح لنفسه على المسمى فيه قبولا شرعيا - أو وكيله الشرعي في ذلك فلان الفلاني - بشهادة شهوده، ويكمل. ويؤرخ. خطبة نكاح، واسم الزوج محمد، والزوجة عائشة: الحمد لله الذي أكد بالنكاح حقوق القرابة، وميز به بين الحلال والحرام. وحفظ به الانساب على أن تختلط أو تتشابه، وأثبت لدواعي همم متعاطيه الدخول وحكم لرأيه بالاصابة. وقرن بالتوفيق عقده وحله وقبوله وإيجابه. نحمده على نعمه التي جمعت لنا الخيرات جمع كثرة. ونشكره على ما وفره لنا من أقسام المسرة. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة شمس الدين بها في أفق سماء الايمان طالعة. وبروق اليقين في الاكوان المحمدية لامعة ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي سن النكاح وشرعه. وجرد سيف شريعته المطهرة لعنق السفاح فقطعه. ولانف الغيرة فجدعه. وما أعلى قدر من سلك منهاجه القويم واتبعه. واتبع النور الذي أنزل معه. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين انتهوا بنواهيه وامتثلوا أوامره. وكانوا بسلوك هديه في الهداية مثل
النجوم الزاهرة. وحازوا برؤيته والرواية عنه خيري الدنيا والآخرة، صلاة تنتظم في عقودها جواهر الحكمة، ويجعل الله بها بين هذين الزوجين إن شاء الله مودة ورحمة. ما قبلت شفاه الاقلام وجنات الطروس، واجتليت على منصات الدفاتر محاسن عروس، واجتنيت من رياض الافكار أزهار غروس. وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإن النكاح من أخص خصائص السنن المحمودة المآثر والخصال، المعدودة من نفائس الاعمال، التي تزدان بازدواجها عقود المفاخر. وتتزين بانتساجها لحمة النسب
[ 51 ]
بالحديث الصحيح المتواتر، الوارد عن صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، واللواء المعقود، أنه قال: إني مكاثر بكم الامم، فتزوجوا الولود الودود أخرجه بمعناه عن معقل بن يسار النسائي وأبو داود. وكان فلان ممن رغب في هذه السنة الشريفة وجعلها شعاره، وترقى إلى أفقها المحمدي. واستجلى شموسه وأقماره. وأحب أن يسعى في تكميل ذاته، ويزين ما حصله من كريم أدواته. فعمد إلى إحصان فرجه. وتمام هديه الذي شرع في سلوك نهجه. وخطب إلى فلان - أدام الله معاليه - فما احتاج مع المنهاج إلى تنبيه. ولا افتقر في مؤاخاة الرشد إلى كاف تشبيه: عقيلته التي هي الشمس والحلال لها دارة، والبدر وخدمها النجوم السيارة، والمحجبة التي لا تقرب الاوهام لها ستارة، والمصونة التي لا تمر بحماها النسمات الخطارة. فأجاب قصده وما رده، وسمح له بهذه الجوهرة التي زيد بها عقده. وأكرم نزل قصده وآواه، وحباه بخير زوجة وحماة. وخصه بذات دين. تربت يدا من كانت له وديعة وزينة تقوى طاعتها للخيرات طليعة. ورأى أن لا تمسي سهام قصده عن الغرض المقصود طائشة، وآثر أن يكون في كنف محمد فمحمد أولى الناس بعائشة. فما كل ذي مجد يليق به العلاولا كل برق للنوال يشام ولا كل ذي فضل له يشهد الورى ولا كل بدر في الانام تمام
وكان مما قدره الله، الذي لا موفق للخير إلا من وفق، ولا انتظام لامر من أمور الدنيا والآخرة إلا إذا جرى به قلم قدرته المحقق. وحرك به في فم الاقبال لسان المسرة وأنطق. فيا لله ما أصدق قوله هذا، ما أصدق. ويجري الكلام إلى آخره. ويؤرخ. صورة صداق دوادار، أعتق جاريته وتزوج بها: الحمد لله الذي خلق الخلائق من نفس واحدة. وجعل منها زوجها ليسكن إليها، ولتكون على عبادته متعاضدة، وألف بين قلوب قدر في الازل أن تكون على منهل الصفا متواردة. وخص من شاء من خلقه بما أوتيه من محاماة في الدين ومجاهدة. وفضله على كثير من عباده بما حازه في حالتي سلمه وحربه من مجادلة ومجالدة. وجعله سيفا مسلولا على الاعداء، وسببا مبذولا للاولياء. وأطاب مصادره وموارده. نحمده أن جعلنا خير أمة أخرجت للناس. وعضد منها من قام على أفضلية البرهان
[ 52 ]
وعضده القياس. وشرف منها من يستصغر عنده علم أحنف وذكاء إياس. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة متمسك بالكتاب والسنة، مقتف آثار نبيه في عتق الرقاب فأكرم بها من سنة. مقتديا بهديه الذي من اهتدى بأنواره فقد سلك سبيلا يبلغه الجنة. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي جعل النكاح من شرعته، وحث عليه ليباهي الامم يوم القيامة بأمته، وندب إليه فليس منه من رغب عن سنته. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين اقتدوا بجميل آثاره. واهتدوا بسنا أنواره. واعتدوا من حماة دينه وأنصاره صلاة لا تزال الالسنة تقيمها، والاخلاص يديمها. وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإنه يتعين على كل مؤمن أن يثابر على ما يتقرب به إلى مولاه، ويبادر إلى اتباع أوامره في سره ونجواه، ويقتفي في سيره آثار نبيه المصطفى، ويسلك من سبله ما يكسبه في الدارين شرفا، لا سيما في أمر كان مما حبب إليه وندب إلى فعله، وحث عليه، وجعله الله سبحانه سببا للنمو في هذا العالم. وحكمه في وجود بني آدم. وقد
خصت هذه الامة بأن لا رهبانية في الاسلام وليس فيها من رغب عن سنة سيد الانام. وقد ذكره الله في محكم كتابه، الذي أشرق منه السنا. فقال عز من قائل: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) * إلى غير ذلك من الآيات الصريحة والنص في هذا المعنى. فمن ابتغى ذلك فقد اتبع الكتاب والسنة، واتخذ باتباعهما وقاية من المكاره وجنة. ومن أضاف إليه ما ندب إلى فعله في محكم التنزيل، واستغنى بالتصريح فيه عن التأويل: من فك الرقاب، وإنقاذها من ربقة الرق. فقد أتى بالمحاب. فإن الله عزوجل قد نزله منزلة اقتحام العقاب. فقال جل اسمه: * (فلا اقتحم العقبة ئ وما أدراك ما العقبة ئ فك رقبة) * ومن فعل ذلك ابتغاء رضوان الله، فقد استمسك بالسبب الاقوى. ومن أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله منه بكل عضو منها عضوا منه وكان الجمع بين هاتين المرتبتين، والخلتين الجليلتين، من الامور التي لا يفعلها إلا من شرح الله صدره للايمان، فهو على نور من ربه. ومن أطلع الله نور الهدى في قلبه، فهو من الشبهات في أمان، إذ هو من المنن التي لا تعد، والنعم التي لا تحد، والمنح التي لا يقدر قدرها، والاجور التي يجب شكر موليها وشكرها. ولما كان المقر الشريف - أعزه الله بنصره، وجعل مناقبه الغراء حلية دهره وزينة عصره - جامع أشتات الفضائل، وقرة عين أرباب الوسائل، عين الدولة ومعينها، ولسان المملكة ويمينها، سيد الامراء، كهف المساكين والفقراء، المشار إليه بأن ما بينه وبين ما
[ 53 ]
ماثله، إلا كما بين الثريا والثرى. فكم عائل أغنى، وكم مارد أفنى. وكم أقاليم مهدها بقلمه، وممالك طهرها بآرائه وبدامغ حكمه. وكم مظلمة ردها بسفارته، وظلمة أعادها نورا بحسن إشارته. وكم مكروب أزال كربه، ومرعوب أزال رعبه. مع رغبة فيما عند الله، وما كان لله فهو باق، وسيرة سرية سارت بها الرفاق. وإرشاد إلى الخير، وكف كفا كف المعتدين. وتفقه في دين الله، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وسوابق فضل، بها
بلغ ما أمله المؤملون، ولهو أحق خير تلا عليها إخلاصه * (لمثل هذا فليعمل العاملون) *. ولما علم ما في التخلص من ربقة الرق من المزية العظمى عند خالق الخلق، عمد إلى عتق ما ملكه اليمين، واستمسك بحبل الله المتين، وسرحه من حصر الاسترقاق إلى بحبوحة التحرير. ومن ضيق الملكية إلى سعة العتق الصريح، المستغنى به عن التدبير، واستخار الله تعالى، فخار له في هذين الامرين، وأنهضه إلى إتمامهما فحاز بهما الاجرين. هنالك أشار بتنظيم عقد هذا العقد الميمون. وتقرير هذا الامر الذي حقق في حسن صحبته وكريم وقايته الظنون. وعند ذلك بلغ الكتاب أجله. وأدرك المؤمل ما أمله. وأشرقت كواكب سعده إشراق الزمن بمفاخره، وتهللت وجوه السرور، كما تهللت الايام بمآثره. وود مسطره لو اتخذ أديم السما طرسا، وحلاه بكواكب الجوزاء واستعار الليل نقشا، لا بل لرقم مسطوره على سطور صفحات النهار، ولولا إشراق نوره لاستعاذ من سنا البدر وسنا الشمس بأنوار. وإنما علم أن قدره الكريم، لا يقابل من الاجلال والتكريم، إلا بأشرف أسماء الله العلي العظيم. فرقم في مفتتح عقده النظيم: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أصدق مولانا المقر الشريف العالي الفلاني، عتيقته الجهة الكريمة، العالية المصونة المحجبة، زينة الستات، شرف مجالس الخواتين والخوندات فلانة. صان الله حجابها، ووصل بأسباب السعادات أسبابها، المرأة المسلمة البالغ العاقل الايم، الخلية عن الموانع الشرعية. أصدقها - على بركة الله تعالى العظيم، وسنة نبيه الكريم، سيدنا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم - صداقا مبلغه كذا على حكم الحلول. زوجها منه بذلك بإذنها الكريم، ورضى نفسها النفيسة لعدم الاولياء والصدقات.
[ 54 ]
سيدنا ومولانا فلان الدين، تزويجا شرعيا. وقبل لمولانا المقر الشريف المشار إليه من مولانا قاضي القضاة المشار إليه عقد هذا التزويج، وكيله الشرعي في ذلك فلان الفلاني -
أو يكون هو القابل لنفسه - بحضور من تم العقد بحضوره. وذلك بعد أن ثبت عند سيدنا فلان المزوج المشار إليه، عتق الزوجة المذكورة، وخلوها عن جميع الموانع الشرعية، وعدم عصيانها، وإذنها في التزويج على الصداق المعين أعلاه، الثبوت الشرعي. وبعد استيفاء الشرائط الشرعية، واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. ويكمل التاريخ. خطبة نكاح حاجب الملك: الحمد لله مؤيد الدين بسيفه المهند، ومؤبد التمكين لدى من ألهمه الرأي المسدد، ومسهل الاسباب إلى سلوك طرق النجاة والنجاح، وحافظ الانساب بما شرعه من التمسك بسنة النكاح. نحمده حمدا يوافي نعمه، ويدافع نقمه، ويكافئ مزيده، ونشكره شكرا لا أحد يحصى وافره ومديده. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الخالق البارئ المصور، الرزاق الهادي المقدر. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المنعوت بأفضل الشيم، المبعوث إلى كافة العرب والعجم، المتوج بتاج الكرامة، المنفرد يوم العرض بالسيادة والخطابة والامامة، القائل (ص)، وضاعف على آله وصحبه صلاته وسلامه تناكحوا تناسلوا أباهي بكم الامم يوم القيامة صلى الله عليه وعلى آله نجوم الهدى، وصحبه الذين لو أنفق غيرهم مل ء الارض ذهبا ما بلغ معشار ما نال أحدهم طول المدى، صلاة تجمع لقائلها بين جوامع الكلم وبدائع الحكمة، وتسلك به طرق الهداية والعصمة، وشرف وبجل وكرم وعظم. ونجاها الله بمحبته ومحبة آل بيته الطيبين الطاهرين في الدارين. وسلم. وبعد، فإن أحسن قران ما اقترن به الكواكب بالسعود، وأمنن امتنان ما اتصل به حبل السيادة، فنظمت به جواهر العقود: ما كان ممتزجا بما يناسبه، منتظما بما يقاربه. ولما كان المصدق الآتي ذكره، رفع الله قدره، وأطال في طي الطروس نشره، مجملا
[ 55 ]
للمحافل، مكملا للجحافل، مدركا - وهو الآخر - ما لم تدركه الاوائل، حاجب الملك، وواسطة عقد نظام الترك. قمر فلك السعادة، قطب رحى الامارة والسيادة. من نظر في العواقب وأنار كوكب رأيه السعيد إنارة يقصر عنها نور الكواكب، فاختار لقمره أسعد المنازل، وأصاب جود مطره للروض الآهل. وانتقى من الدرر كبارها، واستمطر من السحائب الصيبة غزارها. واجتبى واجتنى من الاصول الطيبة ثمارها. وخطب الجهة المعظمة والجوهرة التي هي في أحسن تاج منظمة. فهي الدرة اليتيمة الفاخرة، ونافجة المسك العاطرة، وبديعة الجمال التي لا يكاد يرى مثل جمالها، إلا في الطيف، ولا يدرك شبابة مثالها إلا بالسيف. فأجيب - وهو الحقيق بالاجابة - أحسن جواب لاحسن سؤال، وآل أمرهما إلى أكرم مآب وأفضل مآل، ونالت الافراح والسرور باقترانهما خير منال. وتم الهناء بهذا الاملاك المبارك، وكمل نظامه على التمام والكمال. فهو بهذا العقد السعيد قد بلغ غاية قصده، وتفرد بالسؤدد الذي لا ينبغي لاحد من بعده، وأنار ضياء قمره، وافتخرت الطروس بوشي قلمه وعقود درره. وقر عين الزمان لما حصل على ثنية عمره، وحين جرى قلم السعادة في رقم ما يتلى في هذا الرقيم، واستمد من مداد التوفيق وكتب بفضل: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أصدق - ويكمل على نحو ما سبق. خطبة نكاح لقاضي لقبه جمال الدين: الحمد لله الذي جعل رتب الجمال أرفع ما يرتقى، ومجد أهل الفضل مما يعوذ من عين الحسود بالرقى. وخص من شاء بمزية العلم فلم يخل ذكرهم من البقاء، وجبلهم على الطاعة لامره، فحفق لواءهم باللواء. وسكنت أغراضهم الحمى. ونزلت صحائفهم بالنقا. نحمده على نعمه التي جمع بها شمل هذه الامة على التقى. ونشكره على ما منح
من التوفيق لاتباع هذه السنة. فلا موفق للخير إلا من وفق، ولا موقى من الشبه إلا من وقى. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تحل قائلها من مراتب الاخلاص مواضعها. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي قرر أحكام الملة الحنيفية وشرعها. وحول من وجه وجهه إلى ابتغائها أمرأ الرياض وأمرعها. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، أنجى هذه الامة وأنجعها. المخصوصين منه بالصحبة والتأهيل. فحين آووه
[ 56 ]
ونصروه آواهم إلى أحصن الحجب وأمنعها، صلاة لا تزال الالسن بها ناطقة. وأصول المحصول من الكلام تشهد بأنها صادقة، ومناسبة التسليم والتكريم لها موافقة. وبعد، فإن التخير للنطف مما جاءت به الاوامر النبوية، ونص عليه أئمة الهدى في تقرير الاحكام الشرعية، وكيف لا؟ وقد جعله الله تعالى لكل من الزوجين أشرف لباس، وأحصن كهف تحصن به الناس. وقد خص الله ذوي الديانة بالارتداء بجلبابه، والتحلي بشريف مذهبه، والعلم بفواصله وأسبابه، إذ هو ستر شطر الدين، وصيانة المتقين عن يقين. قد جعل الله هذه الشريعة المطهرة رياضا، والمحافظة على صيانة الانساب أزهارها النافحة، وسمى النكاح بروقها اللامحة، والحياة طيفا تشبه الليلة فيه البارحة، والدنيا متاعا وخير متاعها المرأة الصالحة وكان فلان ممن تمسك بعصم هذه السنة، وتنسك بما يعظم عليه في الدارين المنة، وأخذ بما ندب الشارع إليه، وحض من النكاح عليه، لا جرم أنه ممن لا يقرع في درجة علم وعمل. وخص ببديع الجمال من الله عزوجل. وظهرت أمارات النجابة عليه، وأشارت أنامل الفراسة من المؤمنين بالفلاح إليه. قد أحرز مادة من العلم وافرة، وحصل من الادوات الجميلة جملة أحرز بها الجواهر الفاخرة. فما احتاج مع المنهاج إلى تنبيه، ولا افتقر في مؤاخاة الرشد إلى كاف تشبيه. ولما وضح لهذه الحركة المباركة السبيل،
ورد من مائها العذب السلسبيل، وتقدم أمر الله لهذا الخاطب، حيث قدم الاستخارة بالتقديم، ثم استفتح راقع هذا الرقيم. وقال: بفضل: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أصدق فلان الفلاني - ويكمل على نحو ما سبق. خطبة نكاح عالم من علماء المسلمين: الحمد لله الذي أعلى منازل العلماء بالعلم والفتوى، وجعلهم ورثة الانبياء وميزهم بالدين والتقوى، وجملهم بمن إذا هز قلم فتاويه عنت له وجوه الاحكام في السر والنجوى. وسمعت منه أحاديث العلوم الصحيحة كما عنه أخبار الفضائل تروى، وإذا جرى بحث سبق بالجواب، وبلغ من قول الصواب الغاية القصوى. نحمده على نعمه التي نظمت جوهر العقد السعيد في أجل العقود، وجمعت بين النيرين في أفق السعود. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يبدأ فيها بالمهم المقدم، ونقدمها في الاعمال الصالحة بين يدي من علم وعلم. ونشهد أن سيدنا
[ 57 ]
محمدا عبده ورسوله خير من اقتضى وقضى، وأشرف الخلق بخلقه الرضي. وحكمه المرتضي. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ما منهم إلا من اتبع شرعه، وأمضى أحكامه، وخاف مقام ربه فشكر الله مقامه، صلاة تمنح قائلها السرور النقد عند أخذ الكتاب، وترجح ميزان حسناته يوم تطيش الالباب، وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإن النكاح مندوب إليه بالامر المطاع الواجب الاتباع، لقوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) * وهو سنة مؤكدة حسنة الاوضاع. ضامنة لمن وفقه الله للمحافظة عليها حسن الاستيداع، لقوله (ص): النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني وهذا حديث صحيح ليس فيه نزاع، ونفوس العالم مائلة إلى العمل به على ما يسر القلوب ويشنف الاسماع. وهو شفاء من داء العصيان، وسبب
لحفظ أنساب الانسان. كم أعرب عن فضله لحن خطيب، وانتظم بسلكه شمل بيت نسيب. يشتمل على المصافاة التي صقلت الالفة الرحمانية رونق صفائها، والموافاة التي تشرفت باقترابها إلى السنة الشريفة النبوية وانتمائها. وكان فلان ممن رغب في هذه السنة السنية، والطريقة الحسنة المرضية. ودلت محاسنه العلمية، وصفاته العملية، على التمسك من كل فضل بأطرافه، والتنسك بهذه العبادة التي تكمل بها جميل أوصافه، مع ما فيه من شواهد العلوم التي بلغ بها من العلو الوطر، ودلائل الفضائل التي تكفلت له بحسن الادوات في كل ورد وصدر. ولقد والله جمل البيوت التي ينسب إليها، وإن كانت طباقها عالية، ومنازلها من أنواع المآثر غير خالية. كم شهد العقل والسمع بعموم فضله المطلق، واعترف أهل القياس خصوصا والناس عموما بالمفهوم من منطوقه المحكم المحقق. وكم سلم المقتدي بعلومه من فساد الوضع والاعتبار، ورجح المجتهد في بيان حقيقة أهليته للاستنباط أنه في سائر الفنون حسن الاختيار، وأنه الموفق الرشيد. ومن توفيقه ورشده خصوص هذه الحركة الكاملة، وعموم البركة الشاملة، وحصول هذا العقد المبارك السعيد، وسريان سره في الكون معطرا بنفحات أمره السديد. وحين دنا من صاحبه سفوره، وأشرق على صفحات الدهر نوره، ضربت بشائر التهاني والاقبال، وقام اليراع خطيبا على منبر الطروس. وقال: هذا ما أصدق فلان الفلاني، ويكمل على نحو ما سبق. خطبة نكاح. والزوج لقبه شجاع الدين: الحمد لله الذي أيد عصابة الدين المحمدي بشجاعة، ووفقه لاقتفاء سنن الشرع
[ 58 ]
الشريف واتباعه، وقرن بالحلال بين النفوس والقلوب، وسهل بالشريعة المطهرة كل مطلوب. نحمده على ما عم من فضله وغمر، ونشكره والشكر يضاعف المزيد لمن شكر.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. شهادة انبلج بإخلاصها نور الهدى وظهر، وتألق سنا برقها في الآفاق فبهر. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أعز الله به الدين ونصر، وأذل به من جحد وكفر. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر، ما جرى بالامور قدر، وهمع ذيل الغمام على الاكمام ودر. صلاة تسفر عن وجوه المسرة والهنا، وتتكفل لقائلها في الدارين ببلوغ المنى. وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإن أفخر العقود قدرا وقيمة، وأنقى النقود ما بذل فاستخرج به من حجب السعد كريمة، وأبرك المحافل ما هيئت له الاسباب. وهنئت به الانساب، وحصل الاجتماع به على سنة وكتاب. وهو مما أمر المرء أن يتخير فيه لنطفه، وما يستخرج به الدر المكنون من صدفه. وكان فلان - رفع الله قدره في الاملاك، وأدار بسعادته الافلاك - ممن تزينت به الجواهر في الاسلاك، وعقدت ذوائب الجوزاء بمعاقد مناسبه، وتقابلت في بيت السعد سعوده وافتخرت بمناقبه، ونظمت في جيد المعاني عقود درره، وأطلعت في سماء الاماني نجوم بره، فاختار لقمره أشرف المنازل. وآوى في الناس إلى بيت فيه طالع السعد نازل. وخطب العقيلة التي تقف الجواري الكنس دون حجابها. فكانت أولى به وكان هو أولى بها. وكان من شرف هذا المحل الذي حلا جوهر جمعه، وكرم هذا الجمع الذي أغنت وجوه ساداته عن أضواء شمعه. وفخر هذا المقام الذي لم يكن فيه وليجة وأرجاء بناته طيبة أريجة. وعن هذا العقد الذي شمله بركة أول عقد كان للنبي (ص) على خديجة، وهي التي مثلها في نساء العالمين لم يصب، وهي المبشرة بعد بيتها هذا إن شاء الله ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. وهذه سعادة مؤبدة مرقومة في أذيال برودها، ونسيمة فاح ثناؤها العاطر فسرت نفحات ورودها. فأمتع الله بوجودها وأمتع بحياة والدها، الذي حاز من كل وصف أحسنه، ونطقت بشكره الاقلام والالسنة. فأنعم به وما
برح معلنا، وأحسن وما زال ثوب السيادة به معلما. وأجاب لعلمه بموافقة التوفيق إن شاء الله بهذا المرام. وأن السعد والاقبال توافيا فيه على أكمل نظام. ولبى داعيه لما له من الحقوق الجمة، وأسند العقد فيه إلى خير الامة، وملك الائمة. سيدنا ومولانا قاضي
[ 59 ]
القضاة شيخ الاسلام، حسنة الليالي والايام. علامة العلماء الاعلام، أبي فلان فلان. أدام الله رفع لواء الشرع الشريف بدوامه، وثبت بوجوده قواعد نظامه، وجمع الكلمة المحمدية على إمضاء نقضه وإبرامه، فعند ذلك أشرقت شمس السعادة في أفق هذا العقد النظيم، وبرقت وجوه المحاسن من كل جانب واتسمت بكل معنى وسيم، وافتتح القلم لصون هذا الرقيم. بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أصدق فلان الفلاني - ويكمل على نحو ما سبق. خطبة نكاح شريف اسمه علي: وأبو الزوجة من أكابر الرؤساء، واسمه أحمد. الحمد لله الذي جعل قدر من اتبع السنة عليا، وقدر لمن سلك منهاجها أن رأى الخير منهاجا سويا. وأحسن نشأة من كان برا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا، وأهل أهل الطاعة لمراضيه حتى ادخر لهم الجنة، لا يسمعون فيها لغوا إلى سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا. نحمده أن جعل بيت الشرف عليا، وخلد فيه السيادة أحمد تخليد. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يتجدد بها عن العصابة المحمدية آكد تجديد. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي عقد العقد لامته، وأخد عليهم العهدين. أحدهما: العمل بكتاب الله وسنته، وثانيهما: موالاة أهل بيته وعترته. فسر النفوس المؤمنة هداه وأقر العيون من أهل بيته وأسرته، بكل ولي سرى تبرق أنوار النبوة من أسرته. صلى الله عليه وعلى آله حبل النجاة للمتمسك وسبل الهداية للمتنسك، وعلى
جميع أصحابه نجوم الهدى، ورجوم العدى، وأئمة الخيرات لمن اقتدى. صلاة تشنف أذن سامعها، وتنير بالايمان وجه رافعها، ما تطرزت حلل الغمائم بالبروق اللوامع، وشرع أهل السعادة في إتمام أمورهم على أيمن طائر وأسعد طالع. وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإن النكاح سنة أمر الشارع عليه السلام باتباعها، وأفهم العقلاء عدم الانتفاء من انتفاعها. ولذلك قال: الدنيا متاع، والمرأة الصالحة خير متاعها والنكاح يحفظ ما انساب من الانساب، وهو سبب في عود ما انجاب عن الايجاب كم برع فيه بدر تم
[ 60 ]
وكمل؟ وكم طلع نجم سعد ببلوغ قصده وأمل؟ وكم بشر حمله بأن الشمس به في شرف الحمل. وكان من فضلت سلوك هذه السطور بدرر مفاخره، واستفتح بأم الكتاب في استهلال كتابه المتضمن ذكر جميل مآثره، اللاحقة من السلف بالخلف، وكم علا بها علوي ذوي شرف، وهو السيد الشريف الحسيب النسيب الطاهر الاصيل العفيف، المعتزي من أبوة النبوة إلى من أعلت نسبتها قدره، وأجلسته من علو شأن الحسب والنسب صدره، وشرفت الزهراء زهرة أبوة النسبة المحمدية، ولا شبهة في شرف الزهرة. ضاعف الله نعمته، وقرن بالتوفيق عزمته - ممن نبت غصنه في روض السيادة، وربى في حجر الشرف والسعادة. وقد حسن سمة وسمتا وسلك من طهارة الشيم طريقا لا عوج فيها ولا أمتا. وراق منظرا وشاق خبرا وخبرا، وأسرى بغرض شريف الانتماء المعروف بالبشر فحمد عند صباحه عاقبة السرى، وهو ممن قدم في السيادة بيته، وارتفع بخفض العيش لقرابته بديانته وصيانته صيته. وتنزه كل شين. وانتمى بنسبة الشريف إلى مولانا الامام سيد الشهداء الحسين، وتضلع مع ذلك من الفضائل الادبية، واتصف من نهاية الشرف بما فات به وفاق على كثير من أرباب الرتب العلية، ورغب - وما أسعدها رغبة - زادته رتبة إلى رتبته، واقتضى بها من شوارد المودات نهاية معينة، وحسبك بها من رغبة،
سارت بها أحاديث أصالته ببيت مرغوبته كالمثل، وتناقلت الرواة عن سلفها وخلفها عوارف العلم ومعارف العمل، وحوى سترها الرفيع، وحجابها المنيع ما عدا شأوه من المسامع والافواه والمقل. وما أشار إلا وتلقيت إشارته بالتكريم. وحين استفهم والدها - أسبغ الله ظله - مسألته قدمها على كل مهم. لعلمه أن الاستفهام دينه القديم. وكان مما قدره العزيز العليم. ما سيذكر في هذا الرقيم. وهو بفضل: بسم الله الرحمن الرحيم. صورة عقد نكاح والزوج اسمه طاهر. ووالد الزوجة لقبه كمال الدين: الحمد لله الذي نسب إلى الكمال كل طاهر المناقب، وجعل النكاح من السنن المحمودة العواقب، ووهب به من اتفاق الاهل واجتماع الشمل أحسن المواهب. وبه ذهبت بنا شريعة الاسلام إلى أحسن المسالك وأشرف المذاهب، وأرسل إلينا محمدا (ص). فحض على المكارم ونهى عن المعايب، وأوضح لنا سنته التي من اتبعها فهو غير خائب. نحمده على مواهب إحسانه وهو خير واهب، ونشكره شكر معترف بنعمته غير جاحد ولا ذاهب. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يقوم بها قائلها من الايمان بكل واجب.
[ 61 ]
ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي زلزل الكفار بما له من مواكب وكتائب، وصدع بنور نبوته دجى الشرك فبدت لوامعه منيرة في المشارق والمغارب. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين طلعوا في أفق سماء الاسلام كالكواكب، وتبادروا لنصرته ما بين ماش وراكب. صلاة يرقى بها قائلها من مراتب العلياء إلى أعلى المراتب. ويبلغ بها في الدارين أقصى المآرب. وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإن النكاح سنة ذوي الاهتداء، وأحد مسالك الشريعة المستحقة الاتباع والاقتداء، لا يأخذ به إلا كل من ركن إلى التقوى، وعمل بالسنة التي تتشرف بها النفوس
وتقوى. ولما كان فلان ممن كساه العلم أثوابه، وفتح التوفيق له أبوابه. فلبس من التقوى أحسن شعار. وسار من اتباع السنة على أوضح آثار. ورغب في سنة النكاح التي هي كمال الدين، وطريقة من ارتضع ثدي اليقين. وعلم أن هذه السنة لا تحصل إلا عند حصول الاكفاء، وحصول القصد من التخير والاصطفاء، وبلوغ الامنية من كيفية الاكتفاء. فخطب من هو في علو القدر نظيرها، ومصيره من الاصل الطيب إلى حيث استقر مصيرها. فقد نشأت في حجر الحلال، وأودعها الصون في خلال ستائر الكمال. ولما كان الخاطب كفوءا لسلوك هذه الطريقة، وطاهر الصفات على الحقيقة. خطب فأجيبت خطبته بنعم، وتلقى بحسن القبول تلقى النعم، وانعقد هذا العقد المبارك على أتم حال، وأنعم بال، ووافقه أنواع المسرة بالتمام والكمال. وتبسم قلم السعادة وقال. فيا لله ما أصدق ما قال. هذا ما أصدق فلان الفلاني - ويكمل على نحو ما سبق. خطبة نكاح، والزوج لقبه: شهاب الدين: الحمد لله الذي زين سماء المعاني بشهابها المنير، وأعلى دوحة السعادة بنمو فرعها النضير، وشد بيت الرياسة بمن رفع قواعد الفضل الغزير. ونحمده على نعمه التي شملت الغني والفقير، وعمت الصغير والكبير. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل ولا نظير، ولا صاحبة ولا ولد ولا وزير ولا مشير. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الشاهد البشير النذير، الداعي إليه بإذنه
[ 62 ]
السراج المنير، الآمر بالتناكح والتناسل لفائدة التكثير. صلى الله عليه وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وأكرمهم بالتطهير، وعلى أصحابه الذين سار على طريقته المثلى
المأمور منهم والامير، صلاة دائمة باقية لا يخالطها ملل ولا يشوب استمرارها تقصير. وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فالنكاح سنة ساطعة السنا، يانعة الجنى، جامعة لانواع السرور والهنا، بها يرغم أنف الشيطان، ويتوصل إلى رضى الرحمن، وهو سبب يتمسك به أهل التقوى والديانة، ومنهل عذب يرده أهل العفة والصيانة. وكان فلان ممن نشأ في حجر السيادة، وارتضع ثدي الزهادة. وتعبد بالاخلاص. فظهرت على وجهه المنير آثار العبادة. وجلت صفات محاسنه اللائقة، وحلت في الافواه موارد سجاياه الرائقة. وها قد أضاء هذا الكتاب بنور شهابه، وتعطر بذكر اسمه الرفيع وجنابه. وحين سلك منهج الحق المستقيم، واتبع سنن الانبياء عليهم أفضل الصلاة والتسليم. فاح في مجلس عقده عرف الفلاح. ولاح علم التوفيق والنجاح. وأقبلت طلائع السعد والاقبال. وقام القلم على منبر الطرس خطيبا وقال، فيالله ما أصدق قوله: هذا ما أصدق إلخ. خطبة نكاح شريف على شريفة: الحمد لله الذي رفع ذوات الشرف العلي من منازل العلا أعلاها، وخص الخيرات من إمائه الصالحات هذه المنزلة الرفيعة وفي أحصن الحجب آواها. نحمده حمدا يستوعب من موجبات الشكر أقصاها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يحلنا الله بها من مراتب الاخلاص أسماها. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي أدى أفصح الاوامر الدينية وجلاها، وخلصها من معضلات ظلمات الشرك وحماها. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ذوي المجد الذي لا يتناهى، والفضل الذي لا يضاهى، صلاة لا يدرك مداها، ولا يلحق منتهاها. وسلم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن النكاح سنة ما برح نورها بصلات أنساب هذه الامة يتبلج، وعقودها تنتظم في أسلاكها كل يتيمة نشرها بحسن هذه الواسطة من روض الانس يتأرج، وناهيك
[ 63 ]
أن النبي (ص) قال: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج وأهل بيته (ص) أحق من تمسك بسنته الواضحة، وظهر بالمآثر الصالحة. فمن دوحة حسبه ظهر ذلك الفرع. ومن ذروة نسبه تفجر ذلك النبع، ومن مزن كرمه لمع ذلك البرق، ومن تقرير أحكام شريعته وضح ذلك الفرق. ولا عجب لمن كان من هذا البيت الشريف، وعلا به شرف ذلك الحسب المنيف، أن يقوم من اتباع هذه السنة النبوية بالاوجب، ويضم إليه من حصل لكل منه ومنها لصاحبه الفخار والتشريف، فهما أصل كل فخار سما، وفرع نجاء نما، وغيث فضل همى. ورثا السيادة كابرا عن كابر كالرمح أنبوبا على أنبوب وكان فلان ممن اقتفى آثار بيته الطاهر في العمل بالكتاب والسنة. فأعظم الله عليه المنة. وقد كمل هذا العقد السعيد المبارك في الحال والمال. فحينئذ قام اليراع خطيبا على منبر الطرس. وقال حين أطرق. هذا ما أصدق المجلس العالي، السيدي الشريفي الحسيبي النسيبي الطاهري الاصيلي، العريقي الاثيلي. فخر العترة الزاكية العلوية، شرف السلالة الطاهرة النبوية، فلان الفلاني، بخطوبته الجهة الكريمة السيدة الشريفة الحسيبة النسيبة الناشئة في أعلا درجات الشرف، وديعة الصون في حجر السعادة والترف، فلانة الفلانية، الذي هو في القدر نظيرها، ومصيره من الاصل الطيب مصيرها. فهو وهي من شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهما من سلالة قوم شرفوا بالانتماء إلى العظماء، فنسبهما متصل بنسب أهل الصدق والوفاء، وجوهرهما إذا اعتزى فهو من جوهر منه النبي المصطفى، أصدقها المصدق المشار إليه على كتاب الله وسنة (ص) صداقا مبلغه كذا.
ويكمل على نحو ما تقدم شرحه. خطبة نكاح أخرى: الحمد لله الذي فصل بين الحلال والحرام وفرق، وجمع بالنكاح ما تشتت من شمل عباده وتمزق، وجعلهم شعوبا وقبائل ليحصل التعارف ويتحقق، وقال تعالى: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) *. ليعلم أن أكرمنا من يتحلى بتقوى الله
[ 64 ]
ويتخلق، وجعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، إذ هو أسكن للنفوس وأرفق. وخيركم حيث قال: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) *. ليكون العمل بما هو أليق وأوفق. وسن النكاح لنبيه (ص). فلسنته الواضحة ينهض ويسبق. نحمده على نعمه التي ظهر نور عمومها على العامة والخاصة وأشرق. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد لمع برق إيمانه في كون الاخلاص وأبرق. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق المصدق، والناطق المسدد والعامل الموفق. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ذوي الفضل المطلق، والمجد المحقق صلاة لا يدرك شأوها ولا يلحق، وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإن الله تعالى جعل النكاح سنة نبيه الذي ما خلق بشر مثله ولا يخلق، وكف به الابصار والفروج عن مآثم السفاح ووثق، وانتدب إلى ذلك من هو أنهض الناس فأسبق. فابتدر إلى التزويج ابتداء من تحلى بالسنة الشريفة وتخلق وأخذ بقوله (ص): تخيروا لنطفكم والآخذ بسنته يرشد ويسعد ويوفق وخطب العقيلة التي تضوع عرف ثنائها بين الناس وعبق، وما هما إلا قرينان جمعهما أشأم في الفضل وأعرق. فأجيب إلى ذلك إذ هو الكف ء الذي تبين فضله وتحقق. وانتظم بينهما عقد نكاح تنظم على السنة الشريفة وتنسق. وانعقد بينهما. ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أصدق فلان الفلاني - ويكمل على نحو ما سبق. خطبة أخرى: الحمد لله الذي ليس لسهام الاوهام في عجائب صنعته مجرى، ولا تزال لطائف مننه على العالمين تترى. فهي تتوالى عليهم سرا وجهرا. وتصوب في أرجاء ساحاتهم برا وبحرا * (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) * سلط على الخلق شهوة اضطرهم بها إلى الحراثة فانجروا إليها جرا، واستبقى بها نسلهم اقتهارا وقسرا. نحمده على ما من به من تعظيم الانساب التي أطاب لها ذكرا، وعظم لها قدرا.
[ 65 ]
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك شهادة تكون لقائلها حجابا من النار وسترا. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المبعوث بالانذار والبشرى، والمخصوص بعموم الرسالة والذكرى. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين جردوا لنصرة دينه القويم، واعتقلوا لقتال أعدائه بيضا وسمرا، صلاة لا يطيق أحد لها حصرا، ولا تنفد ولا تبيد شهرا ولا دهرا. وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فإن الله جل اسمه أحل النكاح وندب إليه، وحث عليه استحبابا وأمرا. وحرم بمشروعيته السفاح، وبالغ في تقبيحه ردعا وزجرا. وجعل اقتحامه جريمة كبرى، وفاحشة وإمرا، وبت بأدرار النطف في الارحام النسم. وأنشأ منها خلقا. وبأرزاقهم وآجالهم في بطون أمهاتهم أقلام قدرته أجرى. وكان من نضدت جواهر هذا الطرس باسمه، ورسمت برسمه، ممن سلك من اتباع هذه السنة النبوية سبيل الرشاد، فما كان سلوكه سدى. واهتدى بنجومها الزاهرة، وبأئمتها الاعلام اقتدى. واختار من تغار الاقمار من محاسنها المجلوة، وتكتب في
صحف الاصول الزكية آيات فضلها المتلوة. فأجيب - وكان حقيقا بالاجابة - ووافقت سهام عرضه مرامي التسديد والاصابة. وكان من خصوص هذه الحركة المباركة، التي هي باليمن محكمة العقود، ممنوحة من وعود السعود، بأهنأ النقود، ودوام النفوذ. وكان مما قدره الله وأراده، ووعد عليه الحسنى وزيادة: ما سيذكر في هذا الرقيم، بفضل: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أصدق فلان الفلاني مخطوبته فلانة على نحو ما تقدم شرحه. خطبة أخرى: الحمد لله الذي أحسن كل شئ خلقه، وبدأ خلق الانسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه. فتبارك الله أحسن الخالقين. نحمده حمد عبد تمسك بالكتاب والسنة، ونشكره شكر من أرشد إلى طريق الجنة. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلج نور الهدى بإخلاصها، وتألق سنا برق بركاتها في الآفاق. فعم هذه الامة تشريف اختصاصها. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أعز الله بشرعه الشريف دينه الحنيف،
[ 66 ]
وجعله خير نبي أرسله. وعلى جميع الانبياء والمرسلين فضله. وجعل من سنته: أن أحل النكاح لامته. وشرعه عند الحاجة لواجد أهبته. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أئمة الاسلام وجنده القائمين بسنته، والموفين بعهده. وسلم وعظم وشرف وكرم. وبعد، فإن النكاح من سنن الانبياء وشعار الاولياء، ودثار الاتقياء، وزينة الاصفياء. اقتربت به الاباعد، واتصلت به الانساب اتصال العضد بالساعد. وهو لا تخفى مشروعيته. ولا ينكر بين أهل الاسلام فضيلته. وكان فلان ممن تحلى من الفضائل بما تحلى، وتجلى له من مسالك السنة الشريفة ما تجلى، وخطب من ذوات الفضل من هي كالشمس بين الكواكب. ورغب فيمن هي
غاية الامل للراغب، ومنتهى القصد للخاطب. فهي ذات أصل ثابت، وفرع نابت، وصيانة شاملة، ونعمة كاملة، وذكر جميل، وحسب ظل ظليل. وما هي إلا دوحة أصلها الملوك الكرام، ورئيسة خفقت على رؤوس آبائها العلماء الاعلام. فأجابوا خطبته، ولبوا دعوته. وبادر ولي هذا الامر إليه مجيبا. وقال القلم على منبر الطرس خطيبا. فأسفر له وجه القبول وأشرق. فيا لله ما أصدق قوله: هذا ما أصدق فلان الفلاني مخطوبته فلانة - ويكمل على نحو ما سبق. وأما صور الاصدقة: فمنها: ما هو جائز عند أبي حنيفة، باطل عند الباقين. منها: أصدق فلان فلانة صداقا مبلغه كذا - إلى آخره - وقد وكلت الزوجة المذكورة في تزويج نفسها من الزوج المذكور على الصداق المعين أعلاه. وقبل الزوج المذكور منها عقد هذا التزويج. وخاطبها عليه شفاها بمحضر من تم العقد بحضورهم شرعا. ويندرج الخلاف تحت قوله: بمحضر من تم العقد بحضورهم شرعا فإن مذهب أبي حنيفة: انعقاد العقد بحضور فاسقين وكافرين كتابيين. إذا كان الزوج والزوجة كتابيين. وصورة أخرى: أصدق فلان فلانة صداقا مبلغه كذا. وولى تزويجها منه بإذنها ورضاها فلان الاجنبي، مع وجود الاولياء أو الحاكم. فهذا العقد صحيح عنده وحده. وصورة أخرى: أصدق فلان فلانة صداقا جملته كذا، زوجته منها بإذنها ورضاها فلانة ابنة فلان، تزويجا شرعيا. وقبل الزوج المذكور من الزوجة المذكورة عقد هذا التزويج.
[ 67 ]
وهذه الصور الثلاثة إذا اتفق شئ منها، وكان القصد تصحيحه. فطريقه: أن يرفع إلى حاكم حنفي يثبته، ويحكم بموجبه، مع العلم بالخلاف.
صورة نكاح متفق على صحته: أصدق فلان فلانة البكر البالغ العاقل الحرة المسلمة صداقا مبلغه كذا من الدراهم، أو الدنانير أو غيرهما، من كل طاهر جائز بيعه عند الشافعي - احترازا من أن يصدقها شيئا من النجاسات أو المعازف، الجائز بيعها عند أبي حنيفة. فإن القاعدة الشرعية: أن ما جاز أن يكون ثمنا جاز أن يكون صداقا. وهذا ممنوع عند الشافعي. جائز عند أبي حنيفة - زوجها منه بذلك بإذنها ورضاها والدها المذكور. وقبل الزوج المذكور منه عقد هذا التزويج. وخاطبه عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل. ويكمل إلى آخره. صورة نكاح مختلف فيه: أصدق فلان فلانة البكر البالغ صداقا مبلغه كذا. وولي تزويجها منه إجبارا والدها المذكور، أو جدها لابيها. وقبل الزوج المذكور من المزوج عقد هذا التزويج. وخاطبه عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل. فهذه الصورة صحيحة عند الشافعي. وإن كانت ثيبا ولها ابن وأولاد ابن: زوجها أبوها مع وجود ابنها وابن ابنها، خلافا لمالك. فإن عنده يقدمان على الاب والجد. وهو صحيح عند أحمد في إحدى الروايتين عنه. والرواية الاخرى: متى بلغت تسع سنين فلا تزوج بغير إذنها. وهو صحيح عند أبي حنيفة. وغير صحيح عند الشافعي. فإنها إذا كانت بالغة لا تزوج إجبارا، ولا بد من إذنها. صورة مختلف فيها: أصدق فلان فلانة المرأة النصف العانس البكر التي بلغت من العمر أربعين سنة - أو البنت البكر البالغ العاقل الحرة المسلمة، التي زوجت وخلا الزوج بها وعرفت مضارها ومنافعها، وطلقت بعد الخلوة وقبل الاصابة - صداقا مبلغه كذا. وولي تزويجها منه والدها المذكور أعلاه إجبارا، وقبل الزوج المذكور منه عقد هذا التزويج. وخاطبه عليه شفاها، بمحضر من ذوي عدل، بعد الاعتبار الشرعي. فهذه الصورة باطلة عند مالك وأبي حنيفة. وفي أظهر روايتي أحمد. صورة مختلف فيها أيضا: أصدق فلان فلانة البنت البكر، التي وافت تسع سنين،
صداقا مبلغه كذا. وولي تزويجها منه بإذنها ورضاها والدها - أو غيره من العصبات على الترتيب السابق تعيينه في العصبات في مذهب أحمد - وقبل الزوج المذكور منه عقد هذا التزويج، وخاطبه عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل.
[ 68 ]
فهذا العقد صحيح عند الشافعي إجبارا، إذا كان الولي أبا أو جدا، وإذنها وقع لغوا. وكذلك وقع عند أبي حنيفة. ولا يحتاج عنده إلى إذنها أيضا. وكذلك عند مالك. وإنما اعتبرنا إذنها لرواية عن أحمد. فإنه قال: إذا بلغت تسع سنين لم تزوج إلا بإذنها في حق كل ولي، أبا كان أو غيره. صورة مختلف فيها: أصدق فلان فلانة بنت عبد الله، الجارية في رق فلانة المرأة المسلمة البالغ الايم، المعترفة لفلانة المذكورة بالرق والعبودية - وإن كانت الزوجة معتقة. فيقول: المرأة المسلمة البالغ العاقل الايم، عتيقة فلانة ابنة فلان - صداقا مبلغه كذا. ووليت تزويجها منه بذلك بإذنها ورضاها سيدتها المذكورة أعلاه. وقبل الزوج منها عقد هذا التزويج. وخاطبته عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل - وإن كانت معتقة. فيقول: بإذنها ورضاها - معتقتها المذكورة، ويكمل على العادة في كتب الاصدقة. فهذه الصورة صحيحة عند أبي حنيفة في الرقيقة، مع عدم وجود الشرطين: خوف العنت، وأن لا يجد صداق حرة. وفي الرواية الثانية من مذهب أحمد باطلة عند مالك والشافعي. وفي أظهر الروايات عن أحمد، وهي التي اختارها الخرقي وأبو بكر. وصورة تزويج البنت الصغيرة: أصدق فلان فلانة البنت الصغيرة الثيب التي لم تبلغ الاحتلام. صداقا مبلغه كذا. وولي تزويجها منه والدها المذكور، وقبل الزوج المذكور عقد هذا التزويج من المزوج المذكور. وخاطبه عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل، ويكمل على نحو ما سبق. فهذه الصورة جائزة عند أبي حنيفة. وفي أحد الوجهين لاصحاب أحمد رحمه الله
تعالى. صورة تزويج الصغيرة البكر: أصدق فلان فلانة الصغيرة البكر، التي هي في حجر والدها المذكور بحكم الابوة شرعا، صداقا مبلغه كذا. زوجها منه بذلك والدها المذكور - أو جدها لابيها فلان الفلاني - تزويجا شرعيا. وقبل الزوج المذكور النكاح لنفسه على المسمى فيه قبولا شرعيا. وخاطبه عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل. فإن زوج الاب كان صحيحا إجماعا. وإن زوج الجد كان صحيحا عند الشافعي وأبي حنيفة. غير صحيح عند مالك وأحمد. صورة أخرى في تزويج الصغيرة: أصدق فلان فلانة البنت الصغيرة التي لم تبلغ الحلم - أو المعصر - صداقا مبلغه كذا. وولي تزويجها منه أخوها لابيها فلان، لعدم ولي
[ 69 ]
أقرب منه، أو أحد الاولياء على ترتيبهم عند أبي حنيفة، منهم الام. وقبل الزوج المذكور منه عقد هذا التزويج. وخاطبه عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل. ويكمل على نحو ما سبق. فهذا العقد صحيح عند أبي حنيفة، خلافا للباقين، مع أنه موقوف عنده على إمضائها إذا بلغت. صورة تزويج الوصي بما استفاد من الولاية الشرعية بالوصية تزويج إجبار: أصدق فلان فلانة البكر البالغ العاقل ابنة فلان صداقا مبلغه كذا. وولي تزويجها منه إجبارا وصيها الشرعي فلان بما آل إليه في ذلك من الوصية الشرعية المفوضة إليه من والد الزوجة المذكورة، المؤرخة بكذا، الثابت مضمونها بمجلس الحكم العزيز الفلاني الثبوت الشرعي. المؤرخ بكذا وقبل الزوج منه عقد هذا التزويج - إلى آخره - ويكمل على نحو ما سبق. وهذا العقد صحيح عند مالك وحده إجبارا، مع تعيين الزوج. وظاهر مذهب
أحمد: صحته على الاطلاق، وإن لم يكن ثم شهود. وعقد الوصي العقد إجبارا بغير شهود، فهو أيضا صحيح عند مالك. فإن الشاهدين ليسا عنده شرطا في صحة العقد. فهذا عقد عقده الوصي إجبارا على بنت بكر بالغ بغير شهود، خلافا للباقين من الائمة. ثم إذا كان القصد إمضاؤه وتصحيحه: فيرفع إلى حاكم مالكي يثبته ويحكم بموجبه، مع العلم بالخلاف. وإن كان القصد إبطاله: فيرفع إلى حنفي أو شافعي، فيثبته ويحكم ببطلانه، مع العلم بالخلاف. وعند أحمد: هو صحيح. ولا بد من شاهدين عدلين يحضرانه. ولا بد عنده من تقدم إذنها أيضا للوصي. صورة تزويج الوصي البنت البكر الصغيرة التساعية العمر بإذنها على مذهب الامام أحمد رضي الله عنه وحده: أصدق فلان فلانة البنت البكر الصغيرة التي لها من العمر تسع سنين. ابنة فلان، صداقا مبلغه كذا. وولي تزويجها منه بإذنها ورضاها المعتبر الشرعي فلان، بمقتضى الوصية الشرعية المفوضة إليه من والدها المذكور، المؤرخة بكذا، الثابت مضمونها بمجلس الحكم العزيز الفلاني المؤرخ بكذا. وقبل الزوج المذكور عقد هذا التزويج لنفسه. وخاطبه عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل. ويكمل على نحو ما سبق.
[ 70 ]
صورة تزويج موقوف على الاجازة: أصدق فلان فلانة البكر البالغ العاقل. ابنة فلان صداقا مبلغه كذا. وولي تزويجها منه بإذنها ورضاها فلان الفلاني، ليشاور والدها المذكور على ذلك. ويطلب منه الاجازة للعقد المذكور. وقبل الزوج منه عقد هذا التزويج - إلى آخره - بعد الاعتبار الشرعي. ويكمل على نحو ما تقدم شرحه. وصورة أخرى في ذلك: أصدق فلان فلانة المرأة الكامل ابنة فلان عن فلان. صداقا مبلغه كذا. وولي تزويجها من المصدق عنه فلان بإذنها ورضاها والدها، أو
جدها، أو أحد العصبات، بشرط إجازة المصدق عنه فلان المذكور ورضاه بذلك، وقبل المصدق المذكور للمصدق عنه المذكور عقد هذا التزويج. وخاطبه عليه شفاها بمحضر من تم العقد بحضورهم شرعا بعد الاعتبار الشرعي. فهذه الصور الثلاثة صحيحة عند أبي حنيفة على الاطلاق، موقوفة على الاجازة من الولي وفي الصورة الاولى، ومن الزوجة في الصورة الثانية. وهي ما إذا أصدق رجل امرأة غائبة، وزوجها الولي من المصدق بغير إذنها ولا حضورها. وسيأتي مثل هذه الصورة في تزويج الفضولي. ومن الزوج في الصورة الثالثة. وكذلك عند مالك رحمه الله، بشرط أن تكون الاجازة عقب العقد، قريبة منه في غير تراخ كثير. وفي الرواية الثانية عن أحمد: أن ذلك صحيح مع الاجازة، كمذهب أبي حنيفة وذلك باطل عند الشافعي على الاطلاق. وفي إحدى الروايتين عن مالك. وفي الرواية المختارة لاحمد. وقد يتصور صورة رابعة جارية مجرى الصور الثلاث المذكورات، وهي أن يقوم فضوليان أجنبيان بحضور عدلين، ويزوج أحدهما امرأة غائبة من رجل غائب على صداق معلوم. ويقبل الآخر للرجل الغائب العقد. قال أبو حنيفة: إن ذلك يقع صحيحا. وإذا أجاز الزوجان ذلك. ثبت. ويبنى على ذلك: صور أخرى. وهي ما إذا كان فضوليا من جهة، ووكيلا من جهة، أو فضوليا من جهة. ووليا من الجهة الاخرى. وصوره جائزة عند أبي حنيفة وحده. وهي أن يزوج الرجل ابنة أخيه من ابن أخيه، وهما صغيران. ويقبل ويوجب. وكذا إن قال رجل لرجل: زوجت فلانة منك. فقال: تزوجت، أو قبل منه العقد، ثم بلغها الخبر فأجازت. جاز بالاتفاق بين أبي حنيفة وأصحابه. وقال أبو يوسف: إذا زوجت المرأة نفسها من غائب، فبلغه الخبر، فأجاز يجوز عنده، خلافا لابي حنيفة ومحمد.
[ 71 ]
وعلى هذا الخلاف: إذا قال الفضولي: اشهدوا علي: أني قد زوجت فلانة من فلان. فبلغهما الخبر، فأجازا. صح عند أبي يوسف خلافا لهما. فالحاصل: أن الواحد يصلح أن يكون وكيلا وأصيلا من الجانبين، حتى ينعقد العقد. وعند أبي يوسف يجوز أن يكون الواحد فضوليا من الجانبين، أصيلا من جانب، فضوليا من جانب. ووكيلا من جانب، فضوليا من جانب. ويتوقف الامر في هذه الصور كلها على الاجازة، خلافا لاصحابه. صورة تزويج الولي الفاسق موليته: أصدق فلان فلانة، ابنة فلان ضامن الاسواق، أو جابي المكوس مثلا، والدها، المرأة البالغ العاقل الثيب. صداقا مبلغه كذا. وولى تزويجها منه بإذنها ورضاها والدها المذكور. وقبل الزوج منه عقد هذا التزويج. وخاطبه عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل، بعد الاعتبار الشرعي. ويكمل. فهذه الصورة جائزة عند أبي حنيفة ومالك. وينعقد النكاح عندهما. وفي إحدى الروايتين عن أحمد. وهو باطل عند الشافعي غير منعقد. وممنوع في إحدى الروايتين عن أحمد. صورة تزويج الولي موليته بإذنها ورضاها بغير شهود، إما لعدم مسلمين حاضرين في ذلك الوقت، أو إهمالا لحضور شهود: أصدق فلان فلانة البنت البكر البالغ العاقل، الحرة المسلمة ابنة فلان، ما مبلغه كذا. زوجها منه بذلك بإذنها ورضاها والدها المذكور، أو ولي شرعي على ترتيب الاولياء عند مالك. وقبل الزوج المذكور منه عقد هذا التزويج، وخاطبه عليه شفاها بغير حضور شهود. ويكمل. فهذا العقد جائز عند مالك، صحيح منعقد، لان الشهود ليسوا بشرط عنده. وفي رواية عن أحمد. وهو باطل عند أبي حنيفة والشافعي. وعند أحمد في أظهر الروايتين عنه.
وصورة التزويج مع الوصية بكتمان النكاح. وهو كثيرا ما يقع فيه الناس. وهو أن يتزوج الرجل على زوجته بامرأة أخرى. فيخفي التزويج ويوصي بكتمانه، مع كونه يشتمل على ولي مرشد وشاهدي عدل، وإذن الزوجة ورضاها، وهو باطل عند مالك وحده. وصورة ما إذا زوج الولي، وعقد العقد بحضرة فاسقين. فقد قال أبو حنيفة: بانعقاده، وهو منعقد عند مالك أيضا. لان الاصل عنده: أن الشهادة ليست ركنا في العقد. وهو غير منعقد عند الشافعي وأحمد.
[ 72 ]
وصورة ما إذا عقد الولي العقد بحضور رجل وامرأتين: فهو صحيح عند مالك، على أصله في عدم اشتراط الشهود. وعند أبي حنيفة يثبت. ويصح بالتداعي إلى حاكم حنفي. فيدعي ويؤدي الرجل والمرأتان الشهادة. فيحكم بموجبه، مع العلم بالخلاف. وكذلك في إحدى الروايتين عن أحمد. وهو باطل عند الشافعي. وفي إحدى الروايتين عن أحمد. وصورة ما إذا عقد الولي النكاح بحضرة أعميين: انعقد النكاح عند أبي حنيفة وأحمد فقط. وصورة ما إذا عقد الولي الكتابي النكاح، والزوج مسلم، بحضور كتابيين: انعقد عند أبي حنيفة وحده. وصورة ما إذا عقد الولي الكتابي نكاح موليته على مسلم بحضور شاهدين مسلمين. فهو صحيح عند أبي حنيفة ومالك والشافعي خلافا لاحمد. وصورة ما إذا زوج المسلم أمته الكافرة. فهو جائز عندهم، إلا في أحد قولي الشافعي. هكذا ذكره صاحب الافصاح، وقال الامام الرافعي: ويزوج المسلم أمته الكتابية. ولم يذكر فيه القولين للشافعي. وصورة ما إذا زوج السيد عبده البالغ إجبارا، انعقد عند أبي حنيفة ومالك، وفي
القول القديم للشافعي. وعند الشافعي على الجديد وأحمد: أنه لا يملك الاجبار. وصورة ما إذا تزوج العبد إجبارا لسيده مع طلب العبد، وامتناع السيد من التزويج. فيصح العقد عند أحمد. وفي أحد قولي الشافعي، وهو باطل عند أبي حنيفة ومالك والشافعي في القول الآخر. وقد تقدم بيان الخلاف في ذلك في مسائل الباب بما فيه الكفاية. صورة إعفاف الوالد بالتزويج، وإجبار ولده على إعفافه عند أحمد في أظهر الروايتين عنه. وفي قول عن الشافعي: أصدق فلان ابن فلان لوالده فلان المذكور فلانة صداقا مبلغه كذا في ذمته عن والده المذكور. وولى تزويجها من والده المذكور وليها فلان بإذنها ورضاها. وقبل هو لوالده عقد هذا التزويج. وخاطبه عليه شفاها مجبرا على ذلك - أو باختياره ورضاه - برا بوالده المذكور، وعليه القيام بما تحتاج إليه الزوجة المذكورة من نفقة مثلها وكسوة مثلها عن والده المذكور بالطريق الشرعي. وذلك بحضور من تم العقد بحضورهم شرعا. وصورة ما إذا زوج السيد أم ولده إجبارا بغير رضاها: أصدق فلان فلانة أم ولده
[ 73 ]
فلان صداقا مبلغه كذا. زوجها منه بذلك سيدها المشار إليه إجبارا. وقبل الزوج المذكور عقد هذا التزويج بمحضر من تم العقد بحضورهم شرعا. ويكمل. فهذا العقد صحيح عند أبي حنيفة وأحمد. وفي رواية عن مالك وفي أحد القولين عن الشافعي. صورة ما إذا أعتق الرجل جاريته، وجعل عتقها صداقها: أعتق فلان جاريته فلانة - ويذكر جنسها ونوعها - وجعل عتقها صداقها. وانعقد بينهما بذلك النكاح انعقادا شرعيا. وصارت زوجا له. وصار عتقها صداقها. وذلك بحضور شاهدي عدل، من غير اعتبار رضاها في ذلك. ووقع الاشهاد على المعتق المذكور بذلك في تاريخ كذا وكذا.
فهذه الصورة تصح عند أحمد وحده في إحدى الروايتين عنه، باطلة عند الباقين. وفي الرواية الاخرى عن أحمد. وصورة أخرى في ذلك: أصدق فلان عتيقته فلانة صداقا هو عتقها، بمقتضى أنها قالت له: أعتقني على أن أتزوجك، ويكون عتقي صداقي عليك. فأعتقها على ذلك. فقبلت ورضيت، وأذنت في إيجاب العقد منه على صداق هو العتق، فزوجها ولي شرعي من المعتق. وقبله منه قبولا شرعيا بحضور من تم العقد بحضورهم شرعا. فهذه الصورة جائزة عند أحمد وحده. صورة صداق محجور عليه في الشرع الشريف: أصدق فلان المحجور عليه بمجلس الحكم العزيز الفلاني - أو المستمر يومئذ تحت حجر الشرع الشريف - بمدينة كذا عند ما رغب هذا الزوج في التزويج، ودعت حاجته إلى النكاح. وتاقت نفسه إليه بإذن صدر له في ذلك من سيدنا فلان الدين الناظر في الحكم العزيز، الاذن الصحيح الشرعي بخطوبته فلانة البكر البالغ - أو المرأة الكامل المطلقة من فلان الفلاني طلاقا بائنا، أو المفسوخ نكاحها من فلان الفلاني، أو مختلعة فلان الفلاني - أصدقها المصدق المذكور بالاذن المذكور من ماله الذي تحت حوطة الحاكم المشار إليه - أو المستقر بمودع الحكم العزيز المشار إليه - صداقا مبلغه كذا. قبضت منه الزوجة المذكورة - أو والدها، أو جدها، أو وليها الشرعي - على يد القاضي فلان الدين الآذن المشار إليه من مال الزوج المذكور كذا، قبضا شرعيا تاما وافيا. وباقي ذلك - وهو كذا - مقسطا عليه من استقبال كل سنة كذا. ويكمل إلى آخره، ثم يقول: وشهدت البينة الشرعية أن الصداق المعين أعلاه صداق مثله على مثلها. ويؤرخ. تنبيه: الصداق على محجور عليها، أو من محجور عليه: يكتب كما تقدم. غير أن
[ 74 ]
ذكر القبض لا يكون إلا من الوصي، أو الحاكم أو أمينه. فيقول: عجل لها من ذلك
كذا. فقبض لها سيدنا فلان الدين ليصرفه في مصالحها - ويذكر الوصية وثبوتها، وأهلية الموصى إليه وحكم الحاكم بذلك - ويقول في آخر الكتاب: وذلك بعد أن شهدت البينة الشرعية أن المهر المسمى أعلاه مهر مثلها على مثله. ويؤرخ. فإن لم يكن في البلد حاكم، أو امتنع الولي من تزويج المحجور عليه. فهل يستقل بالتزويج، كما لو امتنع من الانفاق عليه، أو من استيفاء دينه؟ قد تقدم أن الرافعي ومن وافقه من أصحاب الشافعي لا يجوزون ذلك. وذهب صاحب البحر الصغير وصاحب التهذيب إلى الجواز. انتهى. صورة تزويج محجور عليه بامرأة محجور عليها: أصدق فلان المحجور عليه بمجلس الحكم العزيز الفلاني عندما دعت حاجته إلى النكاح، وأبى الولي من تزويجه. وتاقت نفسه إليه، مخطوبته فلانة ابنة فلان المحجور عليها في الحكم العزيز بمدينة كذا - أو المستمرة تحت حجر والدها المذكور - صداقا مبلغه كذا. قبض ذلك والدها المذكور - أو أمين الحكم العزيز - من مال المصدق الذي تحت يده ليصرفه في مصالح الزوجة المذكورة، ويصلح به شأنها. وضمن الدرك في ذلك من قبلها في حال بلوغها وقبله وبعده في ماله وذمته، ضمانا شرعيا. وولى تزويجها إياه بذلك والدها المذكور بحق ولايته عليها شرعا. ويكمل على نحو ما سبق، ويقول: وذلك بعد أن شهدت البينة الشرعية أن المهر المذكور مهر المثل لكل منهما على الآخر. ويقبل النكاح بإذن الوصي أو الحاكم. ويؤرخ. صورة ما إذا أصدق رجل امرأة عن موكله، بعد أن سمى له الزوجة على صداق عينه له، وعرفها الوكيل: أصدق فلان عن موكله فلان - ويشرح الوكالة وثبوتها - فلانة بنت فلان البكر البالغ صداقا مبلغه كذا. عجل لها من مال موكله المذكور كذا وكذا. فقبضته وصار بيدها وحوزها قبضا شرعيا. وباقي الصداق على ما يتفقان عليه في التقسيط، يقوم به الموكل في سلخ كل شهر كذا، وقبل الوكيل المسمى أعلاه عقد هذا
النكاح لموكله فلان المذكور على الصداق المعين فيه قبولا شرعيا. ويكمل. صورة صداق حر لمملوكة لعدم الطول: أصدق فلان مخطوبته فلانة، مملوكة فلان، المعترفة له بالرق والعبودية، عند ما خشي على نفسه العنت والوقوع في المحظور، لعدم الطول. ولم يكن في عصمته زوجة، ولا يقدر على صداق حرة. بعد أن وضح ذلك لدى سيدنا فلان الدين بشهادة فلان وفلان، وأن الزوج المذكور فقير من فقراء
[ 75 ]
المسلمين، عادم الطول، ليس في عصمته زوجة، ولا يقدر على نكاح حرة، بخبرة البينة الشرعية الشاهدة له بذلك بباطن حاله. وثبت ذلك عند الحاكم المشار إليه. وحكم به حكما شرعيا صداقا مبلغه كذا. وولى تزويجها إياه بذلك سيدها المذكور بحق ولايته عليها شرعا - أو مولاها مالك رقبتها فلان المذكور، ولا يحتاج إلى إذنها - وقبل الزوج المذكور النكاح المذكور على الصداق المعين أعلاه قبولا شرعيا. واعترف بمعرفة معنى هذا التزويج، وما يترتب عليه شرعا. ويؤرخ. وقد تقدم القول في اختلاف العلماء، وأن مذهب أبي حنيفة: يجوز تزوج الامة مع القدرة على الحرة. صورة صداق مملوك تزوج حرة برضاها ورضى سائر أوليائها: أصدق فلان المسلم الدين - ويذكر جنسه وحليته - مملوك فلان الحاضر معه عند شهوده، المعترف لسيده المذكور بالرق والعبودية بسؤال منه لسيده المذكور وأذن سيده له في ذلك الاذن الشرعي، فلانة الحرة. أصدقها بإذن مولاه المذكور صداقا مبلغه كذا. دفعه من مال مولاه المذكور، لهذه الزوجة المذكورة - أو يقوم به الزوج المذكور من كسبه دون سيده في كل سنة كذا - وأذن له سيده في السعي في ذلك، والتكسب والبيع والشراء والاخذ والعطاء إذنا شرعيا، وولى تزويجها إياه بذلك وليها الشرعي فلان - أو وكيله فلان - بإذنها في ذلك، بعد أن علمت هي ووليها فلان المذكور أن الزوج المذكور مملوك لفلان. ورضيا
بذلك وأسقطا حقهما من الدعوى بما ينافي ذلك إسقاطا شرعيا. وقبل الزوج المذكور التزوج على الصداق المعين أعلاه بإذن مولاه المذكور قبولا شرعيا. صورة صداق مملوك تزوج بمملوكة: أصدق فلان المسلم الدين - ويذكر جنسه وحليته - مملوك فلان بإذن من مولاه في ذلك مخطوبته فلانة البكر البالغ، أو الثيب البالغ، مملوكة فلان بإذنه لها في ذلك. أصدقها كذا وكذا. دفع ذلك من مال مولاه بإذنه لولي الزوجة، أو لمولاتها فلانة. فقبضته لتصلح به شأنها. وولي تزويجها إياه بذلك مولاها فلان المذكور بحق ملكه وولايته عليها. ويكمل على نحو ما سبق. وإن كان المملوكان لشخص واحد. فيكتب بغير صداق، لان الصداق راجع إلى السيد. وجميع ما يملكه العبد والامة للسيد. فلا يعتبر الصداق جملة كافية، كما ذهب إليه العلماء رحمهم الله تعالى. ومنهم من يذكر الصداق تبركا. وصورة ذلك: أنكح فلان - أو زوج فلان - مملوكه فلان المسلم الدين البالغ - ويذكر جنسه وحليته - من مملوكته فلانة المسلمة الدينة البالغة - ويذكر جنسها وحليتها -
[ 76 ]
على صداق قدره كذا. دفعه من ماله عن مملوكه فلان لمملوكته فلانة. فقبضت ذلك منه. وأذن لها أن تصرفه في مصالحها. وعقد نكاحها عليه عقدا صحيحا شرعيا. وقبل فلان هذا النكاح من سيده المذكور على الصداق المعين أعلاه بإذنه له في ذلك قبولا شرعيا. وأقر كل واحد من الزوجين المذكورين أعلاه أنه مملوك لفلان المسمى أعلاه ملكا صحيحا شرعيا. وبمضمونه أشهد السيد والزوجان عليهم في صحة منهم وسلامة. ويؤرخ. صورة صداق أخرس له إشارة مفهمة: أصدق فلان، وهو يومئذ أخرس لا يتكلم، أصم لا يسمع، بصير عاقل عارف بتدبير نفسه، وبالمضرة والمنفعة، والبيع والشراء، والاخذ والعطاء. ويعارض الناس ويخالطهم ويفاوضهم. ويعرف من له نسب منهم وولاء
ممن ليس له نسب منهم ولا ولاء. كل ذلك بإشارة مفهمة مفهومة. قائمة منه مقام النطق. وصارت كاللغة. لا يجهلها من عرفها، ولا ينكرها من علمها. وساغ للشهود الشهادة عليه لمعرفتهم مقصوده، مخطوبته فلانة. أصدقها بالاشارة المذكورة صداقا مبلغه كذا، دفعه من ماله لهذه الزوجة المذكورة وأقبضها إياه. فقبضته منه قبضا شرعيا وقبل الزوج المذكور النكاح لنفسه بالاشارة المذكورة قبولا شرعيا. ويكمل. وإن كانت الزوجة أيضا خرساء كتب: مخطوبته فلانة، وكل منهما أخرس أبكم، لا ينطق بلسانه، أصم لا يسمع بآذانه، صحيح العقل والبصر. عالم بما يجب عليه شرعا. كل ذلك بالاشارة المفهمة التي يعلمها منه شهوده، ولا ينكرها من يعلمها عنه، صداقا مبلغه كذا. ويكمل. ويكتب الاشارة بالاذن والقبول. ويؤرخ على نحو ما سبق. صورة صداق مجبوب: أصدق فلان المحبوب - الذي لا ذكر له - مخطوبته فلانة البكر البالغ - أو الثيب - صداقا مبلغه كذا. ويكمل، ثم يقول في آخره: وذلك بعد أن علمت الزوجة أن الزوج مجبوب، لا قدرة له على النكاح، ورضيت بذلك الرضا المعتبر الشرعي، ويؤرخ. كما تقدم. وصورة صداق نصرانية على نصراني، أو يهودية على يهودي: أصدق فلان النصراني أو اليهودي، مخطوبته فلانة النصرانية أو اليهودية. وهما ذميان مقران بمذهبهما، داخلان بقلبهما وذمتهما تحت ظلال الدولة الطاهرة الزكية، والخلافة العباسية، راتعان في عدلها، مغموران بإحسانها، ملتزمان الوفاء بعهدها أصدقها عند تزوجه بها كذا وكذا دينارا - إن كان حالا كتب، أو منجما كتب - وولي تزويجها منه أبوها أو أخوها. ويكمل على ما جرت به العادة في أنكحة المسلمين.
[ 77 ]
صورة دائرة بين الاولياء في تقديم الابن وابنه على الاب والجد عند مالك ويقدم الاب والجد على الابن وابن الابن وغيرهما من الاولياء، بل لا يكون للابن وابن الابن
ولاية عند الشافعي، إلا إذا كان ابن معتق لام عند الشافعي، وتقديم الابن على الجد عند أبي حنيفة. وتقديم الجد على الاخ عنده. وتقديم الجد على بقية الاولياء غير الاب عند أحمد. وتقديم الاخ للابوين على الاخ للاب عندهم خلافا لاحمد، فإنهما عنده سواء. فهذه الصور الخلافية جميعها قد تقدم ذكرها في الخلاف في مسائل الباب. فإذا اتفق وقوع شئ منها فليرفع إلى حاكم تكون تلك الصورة عنده صحيحة، فيثبتها ويحكم بموجبها، مع العلم بالخلاف. وكذا لو كان القصد البطلان، فيرفع إلى حاكم يرى ذلك. فيحكم بالبطلان، مع العلم بالخلاف. وكذلك يفعل فيما عدا ذلك من الصور المختلف فيها. مثل أن يزوج الولي الابعد، مع وجود الاقرب وقدرته على أن يعقد، وهو من غير تشاح ولا عضل. فإن هذا العقد باطل عند الشافعي وأحمد. ويكون موقوفا عند أبي حنيفة على الاجازة من الولي الاقرب، أو إن كانت الزوجة صغيرة، فإلى أن تبلغ وتجيز. وعند مالك إذا زوج الابعد من غير تشاح حصل من الولي الاقرب، صح العقد. وأما الكفاءة: فقد تقدم ذكر الخلاف فيها بين العلماء رحمهم الله تعالى، ويترتب عليها صور كثيرة، الحاذق يعرفها ويدرك ما يكون فيها من الصحة والبطلان، ويرفع كل صورة إلى حاكم يرى ما يقصده صاحب الواقعة فيها من الصحة والبطلان. وكذلك فيما إذا زوجها بعض الاولياء بغير كف ء بإذنها ورضاها. فعند مالك والشافعي وأحمد: لا يبطل النكاح، ولبقية الاولياء الاعتراض. وعند أبي حنيفة يسقط حقهم. فإن كان القصد تصحيحه. فيرفع إلى حاكم حنفي يثبته ويحكم بصحته، مع العلم بالخلاف. وكذلك إذا زوجت المرأة بدون مهر مثلها، فلا اعتراض للاولياء عليها، إلا عند أبي حنيفة. فإن لهم الاعتراض. ولنا ثلاث صور:
الاولى: أصدق فلان فلانة بنت عمه أخي أبيه لابويه فلان ابن فلان صداقا مبلغه كذا. تولى المصدق المذكور الايجاب من نفسه لنفسه بإذنها ورضاها وقبل من نفسه لنفسه عقد هذا التزويج قبولا شرعيا، لعدم ولي أقرب منه، أو مناسب، بحضور من تم العقد بحضورهم شرعا.
[ 78 ]
الثانية: أصدق فلان فلانة بنت عبد الله، عتيقته يوم تاريخه، صداقا مبلغه كذا. تولى المصدق المذكور الايجاب من نفسه بإذنها ورضاها. وقبل من نفسه لنفسه عقد هذا التزويج قبولا شرعيا، لعدم عصبات معتقته المذكورة، بحضور من تم العقد بحضورهم شرعا. الثالثة: أصدق فلان ابن فلان، الحاكم بالبلد الفلاني، فلانة بنت عبد الله المرأة البالغ العاقل الايم، صداقا مبلغه كذا. تولى المصدق المشار إليه تزويج المرأة المذكورة من نفسه بإذنها له في ذلك ورضاها. وقبل من نفسه لنفسه العقد المذكور على الصداق المعين أعلاه قبولا شرعيا، بحضور من تم العقد بحضورهم شرعا. فهذه العقود جائزة عند أبي حنيفة ومالك على الاطلاق، خلافا للشافعي وأحمد. فرع: لا يصح العقد عند الشافعي، إلا باجتماع أربع: زوج، وولي، وشاهدين. ولنا صورة يصح فيها العقد باجتماع أقل من العدد المذكور: وهي ما إذا زوج الجد للاب ابنة ابنه بابن ابنه الآخر، وهما صغيران. فالجد في هذه الصورة يتولى الطرفين، ويقبل من نفسه لابن ابنه. فهذه الصورة صحيحة عند الشافعي مع اجتماع أقل من العدد المشروط في الصحة عنده. صورة جمع المملوك بين زوجتين فأكثر: أصدق فلان ابن عبد الله، الجاري في رق فلان بن عبد الله الفلاني، الذي تحته يومئذ زوجتان أو ثلاثة، فلانة بنت عبد الله صداقا مبلغه كذا. زوجها منه بذلك بإذنها ورضاها سيدها فلان المذكور، لعدم عصباتها. وقبل
الزوج المذكور عقد هذا التزويج قبولا شرعيا بإذن سيده المذكور، بحضور من تم العقد بحضورهم شرعا، وصار تحته يومئذ ثلاث زوجات، أو أربع زوجات. فهذه الصورة صحيحة عند مالك وحده. فإن العبد كالحر عنده في الجمع بين الزوجات. صورة تزويج باغية من غير توبة ولا استبراء: أصدق فلان فلانة الباغية صداقا مبلغه كذا، وولي تزويجها منه بذلك وليها فلان الفلاني من غير توبة صدرت منها ولا استبراء. قبل الزوج المذكور ذلك لنفسه قبولا شرعيا ويؤرخ. فهذا العقد صحيح عند أبي حنيفة والشافعي. وكذلك الوطئ جائز عند الشافعي وحده من غير استبراء، وعند أبي حنيفة: لا يطأ إلا بعد الاستبراء بحيضة، أو بوضع الحمل إن كانت حاملا. وأما مالك وأحمد: فقد تقدم ذكر مذهبهما في هذه المسألة. صورة ما إذا تزوج الحر أربع إماء، من سيد واحد في عقد واحد، أو عقود، أو كل واحدة من سيد: أصدق فلان ابن فلان، فلانة وفلانة وفلانة وفلانة، النساء البالغات
[ 79 ]
العاقلات الرقيقات، إماء فلان، الجاريات في رقه وولايته شرعا، لكل واحدة منهن صداقا مبلغه كذا. زوجهن منه في عقود متعددة سيدهن فلان المشار إليه - أو زوج كل واحدة منهن بعقد واحد مستقل سيدها فلان - وقبل الزوج المذكور منه عقد هذا التزويج. وخاطبه على ذلك شفاها بحضور من تم العقد بحضورهم شرعا. وذلك مع عدم الشرطين. وليس تحته حرة، ولا هي في عدة منه. صورة تزوج الرجل جارية ابنه على مذهب الامام أبي حنيفة، خلافا للباقين: أصدق فلان فلانة رقيقة ولده لصلبه صداقا مبلغه كذا. وزوجها منه ولده المذكور. وقبل منه عقد هذا التزويج. وخاطبه عليه شفاها بحضور من تم العقد بحضورهم شرعا، لكون أن المصدق المذكور ليس تحته حرة، ولا في عدته حرة، ويكمل. صورة صداق، والمزوج الحاكم بإذن الولي:
أصدق فلان فلانة البكر البالغ العاقل، الخالية عن الازواج والموانع الشرعية صداقا مبلغه كذا. زوجها منه بذلك بإذنها ورضاها، أو إذن أخيها لابويها فلان الآذن المرتب الشرعي سيدنا الحاكم الفلاني تزويجا شرعيا. وقبل الزوج المذكور عقد هذا التزويج. وخاطبه عليه شفاها بمحضر من ذوي عدل، بعد الاعتبار الشرعي وبعد أن ثبت عند الحاكم المشار إليه خلو الزوجة المذكورة عن الازواج والموانع الشرعية، وأنها بكر بالغ، وأنها أذنت في التزويج من الزوج المذكور على الصداق المعين أعلاه، وأن الآذن المذكور أخوها لابويها، وعدم ولي أقرب منه، وإذن الآذن المرتب على إذن الزوجة المذكورة. وبعد استيفاء الشرائط الشرعية، واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. فإذا كان الولي أبا أو جدا: فله أن يوكل في التزويج. وإن كان غير أب أو جد: فلا يجوز له أن يوكل وكيلا، بل يأذن للحاكم أو نائبه في التزويج. وإن كان الزوج غير كف ء في النسب أو غيره من أصناف الكفاءة. فيقول: وقد علمت الزوجة ووليها - أو وجميع أوليائها، وهم فلان وفلان - أن الزوج المذكور غير كف ء في النسب، أو غيره، مما يظهره الحال. ورضيا - أو ورضوا - به. وأسقطوا حقهم من الكفاءة بسببه. وإن كانت الزوجة قد علمت ورضيت هي وولي واحد، والباقون غير راضين فيرفع إلى حاكم حنفي يثبته ويحكم بموجبه مع العلم بالخلاف. وإن دعت المرأة إلى كف ء. وعضل الولي ودعته إلى حاكم. فأمره بالتزويج. فإن
[ 80 ]
أصر على العضل زوجها الحاكم، أو نائبه. وكتب آخر كتاب الصداق: وذلك بعد أن طلب الحاكم المزوج - أو الحاكم الآذن المشار إليه - والد الزوجة المذكورة أو وليها فلان، وأمره بالتزويج. وأعلمه أنه ثبت عنده: أن الزوج المذكور كف ء للزوجة المذكورة كفاءة مثله لمثلها، فعضل وامتنع من التزويج. فوعظه وأخبره بماله من
الاجر في إجابتها، وما عليه من الاثم إن امتنع من تزويجها. فلم يصغ إلى وعظه، وأصر على الامتناع، وعضلها العضل الشرعي. وقال بحضرة شهوده والحاكم: عضلتها ولا أزوجها. وثبت عضله لدى الحاكم المشار إليه الثبوت الشرعي، وبعد استيفاء الشرائط الشرعية، واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. وقد تقدم ذكر الخلاف في غيبة الولي، وأن الولاية تنتقل إلى السلطان كالعضل، وهو مذهب الامام الشافعي. فإذا حصل التزويج، وكان الولي الاقرب غائبا: فإن كان العاقد شافعيا فلا يلتفت إلى الولي الابعد، بل يزوج هو بإذنها. وإن كان العاقد حنفيا فيزوج بإذن الولي الابعد. ويقول إذا كان شافعيا: وولي تزويجها منه بإذنها ورضاها لغيبة وليها الاقرب، ولعدم مناسب له حاضر، فلان الشافعي. وإن كان حنيفيا فيقول: وولي تزويجها منه بإذنها ورضاها، وإذن ابن أخيها لابويها فلان، لغيبة والد أخيها لابويها الغيبة الشرعية، ولعدم ولي أقرب من الغائب أو مناسب له، فلان الحنفي. فصل: الزوجة إما أن تكون بكرا. فيكتب في صداقها: البكر البالغ، أو تكون زالت بكارتها بعارض. فهي في حكم البكر، ويكتب في صداقها: التي زالت بكارتها. أو تكون طلقها زوجها ثلاثا، أو واحدة بائنا، أو ثنتين بائنا أو رجعيا، وبانت بانقضاء العدة. أو توفي عنها زوجها، أو فسخ نكاحها من زوجها. أو زوجها ممسوح أو صغير لا يتصور منه إنزال ولا جماع، أو غير ذلك. فيكتب في كل واحدة بحسبها. ويستشهد في المطلقة بمحضر الطلاق. وفي المفسوخ نكاحها بمحضر الفسخ. ويذكر السبب ويحكي خصمه. وإن كانت رجعية، وصيرها بها بائنا كتب: على مذهب من يرى ذلك. وإن كانت الزوجة مشركة وأسلمت، ولم يسلم زوجها في العدة، وحصل التفريق بينهما. فيكتب: وذلك بحكم أن الزوجة المذكورة كانت مشركة. وهي في عصمة زوجها
فلان المشرك، وأسلمت وهي في عصمته، وهي مدخول بها قبل الاسلام. وحصل التفرق
[ 81 ]
الشرعي، ولم يسلم زوجها المذكور. فبحكم ذلك بانت من عصمة زوجها المذكور. وحلت للازواج. فإن كانت غير مدخول بها والحالة هذه، وتعجلت الفرقة. فيكتب: وذلك بحكم أن الزوجة مشركة، وهي في عصمة زوجها فلان المشرك، ولم يدخل بها، ولم يصبها وأسلمت، وتعجلت الفرقة لها منه بذلك. صورة نكاح الموقوفة: تزوج فلان بفلانة، موقوفة فلان التي وقفها على فلان، بمقتضى كتاب الوقف المحضر لشهوده، المؤرخ بكذا، بصداق مبلغه كذا، يستحقه الموقوف عليه على الزوج المذكور في كذا وكذا سنة. عقده بينهما الحاكم الفلاني بإذن الموقوف عليه، بعد الوضوح الشرعي. وقبله الزوج المذكور لنفسه قبولا شرعيا. وعلم الزوج المذكور فيه: أن أولاده الحادثون من الزوجة بحكم هذا النكاح يستحقهم الموقوف عليه فيه. ورضي بذلك الرضى الشرعي. ويؤرخ. تنبيه: الموقوف عليه يستحق نتاجا وصوفا وأجرا ومهرا وثمرا وولد جارية. لا وطئا. وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الوقف. انتهى. صورة تزويج المبعضة: أصدق فلان فلانة المبعضة، التي نصفها حر ونصفها الآخر رقيق جار في ملك فلان الفلاني - صداقا مبلغه كذا وكذا، يستحق مولاها النصف من ذلك بنظير ما يملكه منها استحقاقا شرعيا. زوجها منه بذلك مولاها المذكور إجبارا فيما يملكه منها، ومعتقها الذي أعتق الجزء الحر منها فلان، أو ولده أو الحاكم، بإذنها له في ذلك الاذن الشرعي. وقبل الزوج المذكور النكاح لنفسه على المسمى فيه قبولا شرعيا. وعلم حكم الولد الحادث، وأن مالك النصف يستحق نصفه. ورضي بذلك الرضى الشرعي.
صورة نكاح المبعض: أصدق فلان المبعض، الذي نصفه حر، ونصفه رقيق جار في ملك فلان الفلاني. بإذن مولاه فلان المذكور: فلانه. صداقا مبلغه كذا، ويكمل. ويكتب في القبول: وقبله الزوج لنفسه على ذلك بإذن مالك نصفه المذكور الاذن الشرعي، ورضيه. صورة نكاح المجنون: أصدق فلان عن ولده فلان المجنون المطبق الذي هو تحت حجره وولاية نظره، لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة والغبطة من مال ولده المذكور، أو من مال الوالد، أو من المال الذي يخلفه له والده المذكور، فلانة ابنة فلان، صداقا مبلغه كذا. وقبله لمحجوره المذكور على ذلك قبولا شرعيا ورضيه.
[ 82 ]
وعلمت الزوجة ووليها الشرعي بذلك ورضيا به. واعترف المصدق أن الصداق مهر مثله لمثلها، إذا كان من مال الولد، وإن من مال الوالد كتب: برا به وحنوا عليه. صورة تزويج المجنونة المطبقة: تزوج فلان فلانة المرأة، أو البكر، أو المعصر المجنونة الزائلة العقل، التي رأى لها والدها في تزويجها الحظ والمصلحة، بصداق مبلغه كذا. ويكمل. ويكتب - بعد التكملة والقبول - وعلم المصدق المسمى أعلاه: أن الزوجة المذكورة أعلاه مجنونة مطبقة زائلة العقل. ورضي بذلك. وإن كان السلطان ولي المجنونة كتب الصدر، ثم يقول: عقده بينهما فلان الحاكم لوجود الحاجة، وبسبب توقع الشفاء لها، أو غلبة الشهوة، ويكتب في آخره: وشاور الاقارب لها - وهم فلان وفلان - ورضوا بذلك. صورة نكاح التي تجن وتفيق: تزوج فلان بفلانة البالغة، التي زال عقلها، أو التي تجن وتفيق، وهي الآن مفيقة، بصداق مبلغه كذا. عقده بينهما بإذنها ورضاها الصادر منها في حال الافاقة، وهي مستمرة على ذلك إلى الآن، فلان. ويكمل إلى آخره. ويكتب: علم الزوج بما يعرض لها، وبكل شئ يوجب الفسخ بسببه، ورضي بذلك،
حتى ينقطع التنازع. صورة نكاح المكاتب: تزوج فلان مكاتب فلان بمقتضى الكتابة الصادرة منه في حقه قبل تاريخه باعترافهما بذلك لشهوده - أو بمقتضى ورقة أحضرها لشهوده متضمنة لذلك - مؤرخ باطنها بكذا، وأذن لمكاتبه في تعاطي ذلك، وقبوله على الحكم الذي سيعين فيه بفلانة. بصداق مبلغه كذا. وقبله الزوج لنفسه على ذلك ورضيه. وذلك بإذن مولاه المذكور. فإن كانت الزوجة حرة كتب: وعلمت أنه مكاتب، ورضيت به الرضا الشرعي وكذلك وليها. فإن كان وليها الحاكم. فالشافعي لا يرى تزويجها إلا من كف ء، وغيره يرى تزويجها برضاها. وإن كان لها ولي - والحالة هذه - فالشافعي يزوجها برضاها ووليها. وإن كانت معصرا. وزوجها من يرى تزويجها غير الاب والجد: فيصح، ولها الخيار إذا بلغت. صورة نكاح المكاتبة: تزوج فلان بفلانة، مكاتبة فلان الكتابة الشرعية - ويحكى ما تقدم، وإقرار الولي والزوجة بذلك - بصداق مبلغه كذا. زوجها منه بذلك بإذنها ورضاها مكاتبها المذكور. ويكتب القبول وعلم الزوج المذكور أن الزوجة إن عجزت نفسها وعادت إلى الرق فالولد يتبعها، وإن صارت حرة فالولد يتبعها. ورضي بذلك. ويؤرخ.
[ 83 ]
صورة نكاح المفوضة: زوج فلان بفلانة الرشيدة، التي قالت لوليها الشرعي: زوجني بلا مهر. فامتثل مقالتها. وزوجها من المصدق المذكور بلا مهر بالاذن الشرعي، تزويجا صحيحا شرعيا. قبله الزوج المذكور لنفسه قبولا شرعيا. وعلم الزوج المذكور أن بالوطئ لها تستحق عليه مهر مثلها أكثر مهر من يوم العقد إلى يوم الوطئ، ورضي بذلك. تنبيه: إذا جرى تفويض، فالاظهر: أنه لا يجب شئ بنفس العقد. فإذا وطئ فمهر مثل، ويعتبر أكثر مهر من يوم العقد إلى يوم الوطئ. وللمفوضة قبل الوطئ مطالبة
الزوج بأن يفرض مهرا، وحبس نفسها ليفرض وكذا ليسلم المفروض في الاصح. ويشترط رضاها بما يفرضه الزوج، لا علمها بقدر مهر المثل في الاظهر. ويجوز بمؤجل وفوق مهر المثل. ولو امتنع من الفرض، أو تنازعا فيه فرض القاضي نقد البلد حالا. ولو رضيت بمؤجل لم يؤجل. وقيل: لها التأخير، ولا يزيد على مهر المثل ولا ينقص. انتهى. صورة نكاح الولد وجعل الوالد أمه صداقا له: أصدق فلان عن ولده لصلبه فلان، الذي هو تحت حجره وولاية نظره. ورأى له في ذلك الحظ والمصلحة والغبطة، فلانة. صداقا هو والدة الزوج المذكور فلانة التي هي في ملك والده المذكور، وهي معترفة له بسابق الرق والعبودية إلى الآن. وقبله لولده المذكور على ذلك قبولا شرعيا. فبحكم ذلك: عتقت الوالدة المذكورة بدخولها في ملك الابن، لانها لا تصير صداقا حتى يقدر دخولها في ملك الابن. فإذا دخلت في ملك الابن عتقت عليه. وإذا عتقت عليه وجب للزوجة - والحالة هذه - مهر المثل على الزوج المسمى أعلاه. وهو كذا وكذا. واعترفت الزوجة ووالد الزوج: أن مهر المثل القدر المعين أعلاه. وذلك على مذهب من يرى ذلك من السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين، وإن لم يعلم مقدار مهر المثل، فيفرض ما تقدم، إما بأن يتوافق الزوجة ووالد الزوج على فرضه، أو يفرضه الحاكم. صورة نكاح جارية من مال القراض: تزوج فلان الذي فيه شروط نكاح الاماء من خوف العنت، وعدم طول حرة، ولم يكن تحته حرة - بفلانة التي هي من جملة مال القراض، الذي هو من جهة فلان، والعامل في ذلك فلان، بصداق مبلغه كذا، يستحقه عليه رب المال المذكور دون العامل. عقده بينهما رب المال المذكور، وقبله الزوج لنفسه قبولا شرعيا. وذلك بعد اعتراف رب المال والعامل المذكورين أعلاه: أن ذلك قبل القسمة، وأن مال القراض باق بغير قسمة الربح.
[ 84 ]
وإن كان الزوج حرا، فيكتب: وعلم الزوج المسمى أعلاه: أن الولد الحادث له من الجارية المذكورة بحكم هذا الترويج: يفوز به رب المال، ويكون رقيقا. ورضي بذلك. وإن كان الزوج عبدا، فيعلم مولاه والعبد بذلك. وقد تقدم في كتاب القراض: أن العامل لا يملك على الصحيح إلا بعد القسمة، لا بظهور الربح، وثمار الاشجار والنتاج وكسب الرقيق، ومهر الجارية الواقعة من مال القراض والولد، وبذل المنافع يفوز بها المالك. وصورة نكاح رب المال. وجعله مهرا جارية القراض صداقا للمرأة التي يتزوج بها: تزوج فلان بفلانة على صداق مبلغه كذا، والباقي منجم لها عليه في سلخ كل سنة تمضي من تاريخه كذا. عقده بينهما فلان وليها الشرعي. وقبله الزوج لنفسه قبولا شرعيا، ثم بعد ذلك: أحال الزوج المذكور أعلاه زوجته فلانة المذكورة معه أعلاه على ذمة زوج جارية القراض الذي المزوج رب المال وفيه وعامله فلان بمبلغ الصداق الذي هو في ذمة الزوج المذكور، ويستحقه رب المال المذكور عليه دون العامل، الشاهد به كتاب الزوجية بينهما، المحضر لشهوده، ويكتب عليه ما ينبغي كتابته شرعا، وهو نظير ما للزوجة المذكورة في ذمة زوجها فلان، وهو رب المال المذكور، الموافق له في القدر والجنس والصفة والحلول والتأجيل، حوالة صحيحة شرعية. قبلتها منه قبولا شرعيا. وذلك بحضور زوج جارية القراض ورضاه بذلك، حتى يخرج من الخلاف. وإذا لم يشهد عليه زوج جارية القراض بالرضى أو لم يتيسر ذلك، فيثبته عند حاكم يرى صحة ذلك، حتى لا ينقض. وإن كانت الزوجة محجورة قبل لها الحوالة وليها الشرعي، ويرضاه لها إذا كانت المصلحة لها في ذلك. صورة ما يكتب على كتاب جارية القراض: صار جميع مبلغ الصداق المعين باطنه. وجملته كذا وكذا لفلانة التي تزوجها فلان رب المال المذكور باطنه بالسبب الذي سيعين فيه، وهو أن
فلان رب المال المذكور تزوج بفلانة المذكورة تزويجا شرعيا على صداق جملته كذا، وهو نظير مبلغ الصداق المعين باطنه حاله ومؤجله. وحصلت الحوالة منه للزوجة المذكورة على ذمة زوج الجارية المذكورة باطنه بحكم توافق ذلك جنسا وقدرا وصفة وحلولا وتأجيلا. وحصل القبول الشرعي من فلانة، أو من وليها الشرعي فلان، بذلك ورضي الزوج المحال عليه بذلك - إن كان حصل الاشهاد برضاه - وكتب ذلك بظاهر صداق المحتالة المذكورة على رب المال المحيل المذكور، الشاهد بينهما بأحكام الزوجية. فبحكم ذلك: صار الصداق المعين باطنه ملكا لفلانة
[ 85 ]
زوج رب المال المذكور دونه ودون كل أحد بسببه. وبرئت ذمة رب المال من مبلغ الصداق المذكور، بحكم انتقال ذلك من ذمته بالحوالة إلى ذمة المحال عليه المذكور. تنبيه: الاحسن أن يفعل ذلك بعد أن يدخل رب المال بزوجته ويصيبها، وبعد أن يدخل زوج جارية القراض بها ويصيبها، حتى يتقرر المهر. فإذا طلق كل منهما قبل الدخول: تقرر النصف من ذلك لكل من زوجة رب المال، وتصير الحوالة باقية على حكمها في النصف. وإن طلق رب المال، فيتقرر النصف من الصداق الذي كان في ذمته، وصار في ذمة المحال عليه. ويبقى النصف الثاني من الصداق الذي هو في ذمة زوج جارية القراض. فيتقرر النصف الذي في ذمته لزوجة رب المال بحكم الحوالة المذكورة. ويسقط النصف الثاني. ويطالب زوجة رب المال زوجها المذكور بالنصف الثاني لفساد الحوالة فيه بحكم الدخول وتقرير الصداق جميعه. انتهى. فصل: إذا اعترف رجل وامرأة أنهما زوجان متناكحان، وأن صداق الزوجة عدم وأرادوا تجديد صداق يشهد بينهما بأحكام الزوجية: فالطرفين في ذلك على أربعة أنواع: الاول: أقر فلان أن في ذمته بحق صحيح شرعي لزوجته التي اعترف أنها الآن في عصمته وعقد نكاحه، ودخل بها وأصابها، واستولدها أولادا - ويسميهم - وهي فلانة من
الذهب كذا حالا أو مؤجلا، أو بعضه حال وبعضه منجم. وأن ذلك مبلغ صداقها عليه، الشاهد به كتاب الزوجية بينهما الذي ادعت الزوجة المذكورة عدمه عدما لا يقدر على وجوده، وحلفت على ذلك اليمين الشرعي، وأقر بالملاءة والقدرة على ذلك، ويكمل إلى آخره. وقد سبق ذكر هذه في كتاب الاقرار لتعلقها به. الثاني: أشهد عليه فلان وفلانة أنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي بولي مرشد، وشاهدي عدل، من قبل تاريخه على الوضع الشرعي. دخل الزوج منهما بالزوجة وأصابها، واستولدها على فراشه أولادا - ويسميهم إن كانوا - وأقر الزوج منهما: أن مبلغ صداق زوجته المذكورة عليه وقدره كذا وكذا، حالا أو منجما، أو بعضه حال وبعضه منجم، لها عليه في سلخ كل سنة تمضي من تاريخ جريان عقد النكاح الشرعي بينهما كذا وكذا، باق لها في ذمته، ولا يسقط ذلك ولا شئ منه عن ذمته بوجه من الوجوه، ولا بسبب من الاسباب إلى يوم تاريخه وأن الزوجة المذكورة لم تبن من عصمته بطلاق رجعي ولا بائن ولا فسخ، ولا غيره منذ تزوجها إلى الآن، وأن أحكام الزوجية باقية بينهما إلى يوم تاريخه. وتصادقا على ذلك كله تصادقا شرعيا، ويؤرخ.
[ 86 ]
الثالث: أقرت فلانة أنها مواصلة من زوجها بذكرهما فلان بكسوتها ونفقتها الواجبتين لها عليه شرعا، من حين بنى بها وإلى يوم تاريخه، مواصلة شرعية، وأنها عارفة بقدر الكسوة ونوعها وجنسها، وبما وصل إليها من ذلك المعرفة الشرعية النافية للجهالة. وذلك بحضور زوجها المذكور، وتصديقه لها على ذلك، واعترافه أن مبلغ صداق زوجته المذكورة أعلاه الشاهد بينهما بأحكام الزوجية، الذي ادعت الزوجة المذكورة عدمه عدما لا يقدر على وجوده. وقدره كذا وكذا باق في ذمته لها إلى يوم تاريخه، وأنه ملك عليها الطلقات الثلاث، وأن أحكام الزوجية قائمة بينهما إلى تاريخه. وذلك بعد اعترافهما بالدخول والاصابة والاستيلاد، وتصادقا على ذلك كله تصادقا
شرعيا. ويؤرخ. الرابع: وهو أقوى الطرق باعتبار ما يثبت عند الحاكم. وصورة ذلك. لا يخلو إما أن تكون قبل الموت أو بعد موت الزوج. فإن كانت قبل موت الزوج. فيكتب على لسان الزوجة سؤال صورته: المملوكة فلانة تقبل الارض، وتنهي أن شخصا يسمى فلان تزوج بها تزويجا صحيحا شرعيا بصداق جملته كذا حالا أو منجما، وأن صداقها الشاهد بينهما بالزوجية عدم - أو لم يكتب لها ما يشهد به - ولها بينة شرعية تشهد بذلك. وسؤالها من الصدقات العميمة: إذن كريم بكتابة محضر شرعي بذلك، صدقة عليها وإحسانا إليها. أنهت ذلك، ثم ترفع السؤال إلى الحاكم. فيكتب عليه بالاذن على العادة في ذلك، ثم يكتب الشهود تحت السؤال المشروح أعلاه - بعد البسملة الشريفة - شهوده الواضعون خطوطهم - إلى آخره - يعوقون فلانا وفلانة المذكورين أعلاه، معرفة صحيحة شرعية جامعة لاسمهما وعينهما ونسبهما. ويشهدون مع ذلك أنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي، صدر العقد بينهما بولي مرشد، وشاهدي عدل، ورضاها بشرطه المعتبر الشرعي، وأن مبلغ صداقها عليه، الذي صدر عليه العقد بينهما: جملته كذا وكذا، إما على حكم الحلول أو التنجيم، ويشهدون على إقرار الزوج المذكور: أنه دخل بزوجته المذكورة وأصابها، واستولدها على فراشه أولادا - ويسميهم - وأنها لم تبن منه بطلاق رجعي ولا بائن، ولا فسخ ولا غيره، وأن أحكام الزوجية قائمة بينهما إلى الآن، يعلمون ذلك ويشهدون به، مسؤولين بسؤال من جاز سؤاله شرعا. وكتب في تاريخ كذا بالاذن الكريم العالي الحاكمي الفلاني. ويكتب الشهود رسم شهادتهم فيه. شهد بمضمونه فلان ورفيقه كذلك.
[ 87 ]
وإن كان المحضر بعد الموت. فإن كان الشهود يشهدون بمهر المثل. فيكتب بعد
الصدر المتقدم - ويشهدون مع ذلك: أنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي بولي مرشد، وشاهدي عدل، دخل الزوج منهما بالزوجة وأصابها - وإن كان ثم أولاد فيذكرهم - وأن الزوج منهما توفى إلى رحمة الله تعالى قبل تاريخه، وأن مهر مثلها على مثله كذا وكذا، وأن ورثته المستحقين لميراثه المستوعبين لجميعه فلان وفلان وفلان، من غير شريك لهم في ذلك ولا حاجب. وإن كانت البينة تشهد على إقرار الزوج أن مبلغ الصداق كذا وكذا. فيكتبه. وإن كانت تشهد بمبلغ الصداق، فيكتب: وأن مبلغ صداقها عليه كذا وكذا. ويكمل على نحو ما سبق. ويثبت عند الحاكم، ويصير هذا المحضر مستند الزوجة في الزوجية. وفي مبلغ الصداق. وصورة فسخ الزوجية بالجنون، أو المرض، أو الجذام، أو الرتق، أو القرن: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلانة، وادعت على زوجها فلان لدى الحاكم المشار إليه: أنه تزوج بها تزويجا صحيحا شرعيا، بولي مرشد وشاهدي عدل وصداق شرعي. ولم تعلم به عيبا يثبت لها خيار فسخ، وأنها وجدت به برصا أو غير ذلك، وهو به الآن، وأنها حين علمها بذلك اختارت فراقه والفسخ لنكاحه. وسألت سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه عن ذلك؟ فأجاب بصحة دعواها. ثم سألت الحاكم أن يفرق بينهما، ويحكم بتحريمها عليه، وانقطاع عصمة الزوجية بينهما بحكم الفسخ المذكور الواقع بشرطه الشرعي. وذلك بعد ثبوت الزوجية بينهما عند الحاكم المشار إليه، أن يحكم لها بذلك. فأجابها إلى سؤالها. وحكم لها بذلك حكما صحيحا شرعيا، تاما معتبرا مرضيا بالموجب الشرعي، أو حكم بموجب ذلك. ويكمل. وإن كان العيب بالزوجة، فتقع الدعوى من الزوج. ويكتب ما يوافق ذلك من هذا الانموذج.
وإن كان الفسخ بوكيل الزوج، أو وكيل الزوجة، أو بوكيليهما، فيكتب ذلك بعد ثبوت عقد النكاح، أو يكون التوكيل جرى بمجلس الحكم العزيز فيكتب في إسجال الحاكم: وثبت صدور التوكيل المذكور أعلاه بمجلس الحكم العزيز المشار إليه، بحكم صدوره فيه، واعتراف الموكل به لدى الحاكم المشار إليه، ولا يكون الفسخ إلا عند الحاكم.
[ 88 ]
فرع: قالت: وطئت عالما بالعيب. فأنكر العمل. أو قالت: مكنت وأنت عالم بعيبي. صدق المنكر في الاصح. والفسخ قبل الدخول يسقط المهر والمتعة، وبعده يجب مهر المثل إن فسخ بمقارن، أو بحادث بعد العقد، والوطئ جهله الواطئ. والمسمى إن حدث بعد وطئ. وإذا طلق قبل الدخول، ثم علم بعيبها، لم يسقط حقها من النصف. ومن فسخ نكاحها بعد دخول فلا نفقة ولا سكنى لها في العدة، وإن كانت حاملا، مع الخلاف في ذلك. وإن أراد أن يسكنها حفظا لمائه. فله ذلك، وعليها الموافقة. ولو فسخ بعيب، ثم بان أن لا عيب، بطل الفسخ على الصحيح من الوجهين. ولو رضي أحدهما بعيب الآخر، ثم حدث عيب آخر ثبت الفسخ فيه. لا إن زاد الاول على الصحيح. مسألة: شرط بكارتها، فوجدت ثيبا. فقالت: زالت عندك. فأنكر، فالقول قولها مع يمينها لرفع الفسخ. وقوله بيمينه، لرفع كمال المهر. فرع: ظنها مسلمة أو حرة، فبانت كتابية أو أمة، وهي تحل له فلا خيار في الاظهر. وصورة القسم بين الزوجات: أشهد عليه فلان: أن في عصمته وعقد نكاحه من الزوجات: فلانة وفلانة وفلانة الحرائر. وقسم لهن بالقرعة على الوجه الشرعي. فصارت
نوبة فلانة كذا، ونوبة فلانة كذا، ونوبة فلانة كذا. وعليه العمل في ذلك بتقوى الله وطاعته وخشيته ومراقبته، ووفاء حقهن بما قسم لهن، من غير ضرر ولا ضرار بهن، ولا حيف ولا شطط ولا مشقة عليهن، ولا إيلام قلب، والطلب من الله تعالى الاعانة له، والتوفيق للقيام بالعدل بينهن، والانصاف على الحكم المشروح أعلاه. وذلك بحضورهن وإشهادهن على أنفسهن بالرضا بذلك، على حكم الطواعية والاختيار، من غير إكراه ولا إجبار. وكان الحظ والمصلحة لهن في ذلك على ما نص وشرح فيه. وتصادقوا على ذلك تصادقا شرعيا. ويؤرخ. والله سبحانه وتعالى أعلم.
[ 89 ]
كتاب الخلع وما يتعلق به من الاحكام سمي الخلع خلعا، لان المرأة تخلع نفسها منه، وهي لباس له، لقوله تعالى: * (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) * وسمي الافتداء لانها تفتدي نفسها منه بما تبذله له من العوض. والخلع ينقسم على ثلاثة أقسام. قسمان مباحان، وقسم محظور. فأحد المباحين: إذا كرهت المرأة خلق الزوج أو خلقه أو دينه، وخافت أن لا تؤدي حقه، فبذلت له عوضا ليطلقها. جاز ذلك، وحل له أخذه بلا خلاف. لقوله تعالى: * (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * وروى الشافعي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن حبيبة بنت سهل أن النبي (ص) خرج إلى صلاة الصبح، وهي على بابه. فقال: من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة بنت سهل. فقال: ما شأنك؟ فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت - تعني زوجها ثابت بن قيس - فلما جاء ثابت، قال له رسول الله (ص): هذه حبيبة تذكر ما شاء الله أن تذكر. فقالت: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي. فقال النبي (ص) لثابت: خذ منها. فأخذ منها.
وجلست في أهلها. وفي رواية عن الشافعي رضي الله عنه: أنها اختلعت من زوجها وقال الشيخ أبو إسحاق: جميلة بنت سهل. وروي أن الربيع بنت بن معوذ بن عفراء: اختلعت على عهد رسول الله (ص). القسم الثاني من المباح: أن تكون الحالة مستقيمة بين الزوجين، ولا يكره أحدهما الآخر. فيتراضيا على الخلع. فيصح. ويحل للزوج ما بذلت له. لقوله تعالى: * (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) *. القسم الثالث: وهو أن يضربها، أو يخوفها بالقتل، أو يمنعها نفقتها أو كسوتها
[ 90 ]
ليخالعها. فهذا المحظور. لقوله تعالى: * (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) * والعضل: المنع، فإن خالعته في هذه الحالة. وقع الطلاق. ولا يملك الزوج ما بذلته له على ذلك. فإن كان بعد الدخول كان رجعيا، لان الرجعة إنما سقطت لاجل ملكه المال، فإذا لم يملك المال كان له الرجعة. فإن ضربها للتأديب في النشوز. فخالعته عقب الضرب: صح الخلع، لان ثابت بن قيس كان قد ضرب زوجته فخالعته، مع علم النبي (ص) بالحال، ولم ينكر عليهما. ولان كل عقد صح مع الضرب صح بعده. كما لو حد الامام رجلا، ثم اشترى منه شيئا عقبه. قال الطبري: وهكذا لو ضربها لتفتدي منه فافتدت نفسها منه عقبه طائعة صح، لما ذكرناه. وإن زنت فمنعها حقها لتخالعه فخالعته، ففيه قولان: أحدهما: أنه من الخلع المباح، لقوله تعالى: * (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) * فدل على أنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز عضلها. والثاني: أنه من الخلع المحظور، لانه خلع أكرهت عليه بمنع حقها. فهو كما لو
أكرهها على ذلك من غير زنا. وأما الآية، فقيل: إنها منسوخة بالامساك في البيوت، وهو قوله تعالى: * (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) * ثم نسخ ذلك بالجلد والرجم. وهو فرقة بعوض بلفظ طلاق أو خلع وعلى التقديرين: فيشترط لصحتهما من الزوج: أن يكون ممن ينفذ طلاقه، فلا يصح خلع الصبي والمجنون. ويصح خلع المحجور عليه بالفلس والسفه. وإذا خالع السفيه على مال فلا يسلم المال إليه، بل إلى وليه. ويصح خلع العبد، ويسلم المال إلى السيد. ويشترط فيمن يقبل الخلع: أن يكون مطلق التصرف في المال. فإن كانت الزوجة المختلعة أمة، واختلعت بغير إذن السيد، حصلت البينونة، سواء اختلعت بعين مال السيد أو بدين. وهل يستحق الزوج في ذمتها مهر المثل، أو قيمة العين إذا اختلعت بعين ومهر المثل، أو المسمى في صورة الدين؟ فيهما قولان. الاظهر: الاول. وإن اختلعت بإذن السيد: فإن عين مالا من أمواله يختلع عليه، وامتثلت أمره،
[ 91 ]
صح الخلع. وكذا إن قدر دينا، فامتثلت، ويتعلق المال بكسبها. فإن أطلق الاذن: اقتضى الاختلاع بمهر المثل. ولو خالع السفيه زوجته، أو قال: طلقتك على كذا. فقبلت: وقع الطلاق رجعيا، وإن لم تقبل لم يقع الطلاق. واختلاع المريضة في مرض الموت بمهر المثل أو بما دونه: نافذ. ولا يعتبر من الثلث. فإن زادت: اعتبرت الزيادة من الثلث. ولا يصح خلع البائنة. وأصح القولين: صحة خلع الرجعية. ويجوز أن يكون عوض الخلع قليلا وكثيرا، أو عينا أو دينا. وسبيله سبيل الصداق. ولو جرى الخلع على
مجهول، نفذت البينونة، وكان الرجوع إلى مهر المثل. وإن جرى على خمر أو خنزير: فالرجوع إلى مهر المثل في أصح القولين. ويجوز التوكيل بالخلع من الجانبين. وإذا قال الزوج لوكيله: خالعها بمائة، فلا ينقص عن المائة. وإن أطلق، فلا ينقص عن مهل المثل. فإن نقص عن القدر، أو عن مهر المثل في صورة الاطلاق. فأصح القولين: أنه لا يقع الطلاق. والثاني: يقع ويجب مهر المثل. وإن قالت الزوجة لوكيلها: اخلعني بمائة، فاختلع بها، أو بما دونها بالوكالة نفذ. وإن اختلع بأكثر، وقال: اختلعت بكذا في مالها بوكالتها حصلت البينونة. وأصح القولين: أن الواجب على المرأة مهر المثل. والثاني: أكثر الامرين من مهر المثل وما سمته هي. وهل الفرقة بلفظ الخلع طلاق أو فسخ لا ينقص به عدد الطلاق؟ فيه قولان. أصحهما: أنه لا طلاق. وإن قلنا به: فلفظ الفسخ كناية فيه. الخلاف المذكور في مسائل الباب: الخلع: مستمر الحكم بالاجماع. ويحكى عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: الخلع منسوخ وهذا ليس بشئ. واتفق الائمة على أن المرأة إذا كرهت زوجها لقبح منظر، أو سوء عشرة: جاز لها أن تخالعه على عوض، وإن لم يكن شئ من ذلك، وتراضيا على الخلع من غير سبب: جاز ولم يكره. وحكي عن الزهري وعطاء وداود: أن الخلع لا يصح في هذه الحالة. والخلع طلاق بائن عند أبي حنيفة ومالك. وفي إحدى الروايتين عن أحمد.
[ 92 ]
والصحيح الجديد من أقوال الشافعي الثلاثة. وقال أحمد، في أظهر الروايتين: هو فسخ لا ينقص عددا. وليس بطلاق. وهو القديم من قولي الشافعي. واختاره جماعة من متأخري أصحابه، بشرط أن يكون ذلك مع الزوجة، وبلفظ الخلع، ولا ينوي به الطلاق.
وللشافعي قول ثالث: أنه ليس بشئ. فصل: وهل يكره الخلع بأكثر من المسمى؟ قال مالك والشافعي: لا يكره ذلك. وقال أبو حنيفة: إذا كان النشوز من قبلها: كره أخذ أكثر من المسمى. وإن كان من قبله: كره أخذ شئ مطلقا. وصح مع الكراهة. وقال أحمد: يكره الخلع على أكثر من المسمى مطلقا. فصل: وإذا طلق المختلعة منه. قال أبو حنيفة: يلحقها طلاقه في مدة العدة، وقال مالك: إن طلقها عقب خلعه طلقة متصلة بالخلع طلقت. وإن انفصل الطلاق عن الخلع لم تطلق. وقال الشافعي وأحمد: لا يلحقها الطلاق بحال. ولو خالع زوجته على إرضاع ولدها سنتين جاز. فإن مات الولد قبل الحولين. قال أبو حنيفة وأحمد: يرجع عليها بقيمة الرضاع للمدة المشروطة. وعن مالك روايتان. إحداهما يسقط الرضاع، ولا يقوم غير الولد مقامه. والثانية: لا يسقط الرضاع، بل يأتيها بولد مثله ترضعه. وإذا قلنا بالقول الاول، فإلام ترجع؟ قولان. الجديد: إلى مهر المثل. والقديم: إلى أجرة الرضاع. فصل: ليس للاب أن يخلع ابنته الصغيرة بشئ من مالها عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك: يستحق عليها الالف، سواء طلقها ثلاثا أو واحدة، لانها تملك نفسها بالواحدة. كما تملك بالثلاث. وقال الشافعي: يستحق ثلث الالف في الحالتين. وقال أحمد: لا يستحق شيئا في الحالتين. ولو قالت: طلقني واحدة بألف. فطلقها ثلاثا. فقال مالك والشافعي وأحمد: تطلق ثلاثا. ويستحق الالف. وقال أبو حنيفة: لا يستحق شيئا. وتطلق ثلاثا. فصل: ويصح الخلع من غير زوجته بالاتفاق، وهو أن يقول أجنبي للزوج: طلق امرأتك بألف. وقال أبو ثور: لا يصح. انتهى. فائدة: من فتاوى البغوي. لو قالت لوكيلها: اخلعني على ما استصوبت، كان له اختلاعها على ماله في ذمتها، وعلى مالها من الصداق في ذمة الزوج، ولا تخالع على
عين من أعيان أموالها، لان ما يفوض إلى الرأي ينصرف إلى الذمة عادة.
[ 93 ]
قال القاضي تاج الدين في الطبقات: وهو فرع غريب. مسألة: رجل له امرأتان. إذا خالع إحداهما، انفسخ نكاح الاخرى. صورتها: هذا الرجل كان قد تزوج بأمة المختلعة، ثم أيسر. فتزوج بسيدتها، ثم خالع السيد بهذه الامة. انفسخ نكاح الامة، لان ملك اليمين والنكاح لا يجتمعان. المصطلح: وهو يشتمل على صور: وللخلع عمد: ذكر الزوجة، والزوج، وأسمائهما، وطلب المختلعة منه أن يخلعها على بدل معلوم القدر والصفة، إن كان مما يوصف. وذكر إجابة الخالع إلى ما سألت عليه، وخوفهما أن لا يقيما حدود الله. وذكر دفع البدل إلى الزوج. وذكر قبضه منها، وذكر خلعه إياها على ما اتفقا عليه من عدد الخلع، وذكر الدخول بها إن كانت مدخولا بها، وصحة العقل والبدن، وجواز الامر، وإقرارهما بذلك. ومعرفة الشهود بهما. والتاريخ باليوم والشهر والسنة. والخلع تارة يكون مع الزوجين. وتارة يكون من وكيليهما. وتارة يكون من وكيل أحدهما مع الآخر. وتارة يكون مع الاجنبي. وتارة يكون مع الزوجة. والزوج سفيه. وتارة يكون مع والد الزوجة أو جدها إذا كانت تحت حجرهما. وتارة يكون بعد الدخول. وتارة يكون قبل الدخول. وصورة خلع الزوجين على المسمى وحده، وهو غير مكروه: خالع فلان زوجته فلانة، على جميع صداقها المعين باطنه - إن كتب ذلك في فصل بظاهر كتاب الصداق - وقدره كذا وكذا، خلعا صحيحا شرعيا. بسؤالها إياه في ذلك، وقد بانت منه بذلك. وملكت نفسها عليه. فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. وتصادقا على الدخول بها والاصابة. فبمقتضى ذلك: برئت ذمة المخالع المذكور من جميع مبلغ الصداق
المعين فيه، البراءة الشرعية. وتصادقا على ذلك كله تصادقا شرعيا. ويؤرخ. وصورة أخرى في ذلك: سألت فلانة، الزوجة المذكورة باطنه، زوجها فلان المذكور معها باطنه: أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه، على نظير مبلغ صداقها عليه المعين باطنه. وجملته كذا وكذا. فأجابها إلى سؤالها وخلعها على البدل المذكور، خلعا صحيحا شرعيا. ملكت به نفسها عليه، فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. وتصادقا على الدخول بها والاصابة. ويؤرخ. وصورة أخرى في ذلك: سألت فلانة زوجها فلان أن يخلعها من عصمته وعقد
[ 94 ]
نكاحه على نظير مبلغ صداقها عليه المعين باطنه، وعلى مبلغ ألف درهم في ذمتها له على حكم الحلول. فأجابها إلى سؤالها، وخلعها الخلع المذكور على العوض المذكور، خلعا صحيحا شرعيا. بانت منه بذلك وملكت نفسها عليه. فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. وتصادقا على الدخول بها والاصابة، وبرئت ذمة المخالع المذكور من جميع مبلغ الصداق المعين فيه، واستحق هو عليها الالف المذكورة استحقاقا شرعيا. وطالبها بها فدفعتها إليه، فقبضها منها قبضا شرعيا برئت به ذمتها من المبلغ المذكور، ومن كل جزء منه براءة شرعية. ويذيل بالاقرار بعدم الاستحقاق. ويؤرخ. وصورة الخلع على الرضاع: سألت فلانة زوجها فلان أن يخلعها عن عصمته وعقد نكاحه الخلع الشرعي، على أن ترضع له ولده لصلبه منها فلان، المقدر عمره يومئذ بكذا، بقية أمد الرضاع الشرعي، وهو كذا وكذا من تاريخه. فأجابها إلى سؤالها، وخلعها على ذلك خلعا صحيحا شرعيا، ملكت به نفسها عليه. ولا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. واستحق هو عليها إرضاع ولده المذكور المدة المذكورة استحقاقا شرعيا، وسلم إليها الولد المذكور لترضعه بالمكان الفلاني. فتسلمته منه تسلما شرعيا. وشرعت في إرضاعه بحكم السؤال المشروح أعلاه. والقيام بمصالحه بحق مالها من
الحضانة، إن كانت الحضانة لها. وذلك بعد اعترافهما بالدخول والاصابة والاستيلاد، وهو الولد المذكور. وإن كان استولدها غيره: ذكره. ويؤرخ. وصورة الخلع بسؤال أبي الزوجة على مذهب مالك رحمه الله، خلافا للباقين: سأل فلان فلانا أن يخلع ابنته الصغيرة فلانة، التي هي تحت حجره وولاية نظره بالابوة الشرعية من عصمته وعقد نكاحه، على جميع صداقها الذي تزوجها عليه المسؤول المذكور. وجملته كذا وكذا. فأجابه إلى سؤاله وخلع ابنته المذكورة على البدل المذكور خلعا صحيحا شرعيا. بانت منه بذلك. فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. وبرئت بذلك ذمة المسؤول المذكور من جميع الصداق المعين فيه البراءة الشرعية. ويؤرخ. صورة الخلع على مذهب الامام أحمد رحمه الله تعالى: سأل فلان - أو سألت فلانة الزوجة المسماة باطنه - زوجها المذكور باطنه: أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه خلعا عاريا عن لفظ الطلاق ونيته، على مذهب الامام الرباني أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رضي الله عنه وأرضاه، على درهم واحد في ذمتها - أو على نظير مبلغ صداقها عليه. وقدره كذا وكذا، أو على ما يتفقان عليه - فأجابها إلى سؤالها. وخلعها الخلع
[ 95 ]
المذكور على العوض المذكور. وبانت منه بذلك وملكت نفسها عليه، فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. وتصادقا على الدخول بها والاصابة والاستيلاد، إن كان بينهما أولاد. ويؤرخ. وهذا الخلع لا ينقص عدد الطلاق الثلاث. فإذا أراد المختلع أن يجدد نكاح مختلعته. فالاحسن أن يستحكم بالخلع حاكم حنبلي، لا سيما إن كان من ثالثة. كيلا يحكم ببطلان ذلك على مذهب من يرى أن الفسخ طلاق. وإذا كان لها ولي يأذن الولي لحاكم حنبلي، أو لعاقد حنبلي. والاحسن أن يكون حاكما، حتى يحكم بصحته، وأنه
فسخ لا ينقص عدد الطلاق الثلاث. وإن عقده عاقد حنبلي. فيحكم به حاكم آخر حنبلي. حتى يخرج من الخلاف ويأمن من تعرضه للبطلان. صورة الخلع مع السفيه بمباشرة الزوجة: سألت فلانة زوجها فلان أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه على مبلغ كذا وكذا في ذمتها على حكم الحلول. فأجابها إلى سؤالها، وخلعها خلعا صحيحا شرعيا على العوض المذكور. وبانت منه بذلك، وملكت نفسها عليه، فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية، ثم بعد ذلك تسلم فلان وصي المخالع المذكور أعلاه - ويشرح الوصية - جميع ما استحقه لمحجوره المخالع المذكور أعلاه بحكم هذا السؤال والخلع المعين أعلاه - وهو كذا وكذا - تسلما شرعيا، ليكون تحت يده لمحجوره المذكور. وعليه الخروج من ذلك على الوجه الشرعي. ولا يخفى على الحاذق ما يكتب إذا كان السؤال من وكيل الزوجين، ولا ما يكتب إذا كان التوكيل من جهة الزوجة، أو من جهة الزوج. صورة سؤال الاجنبي: سأل فلان فلانا أن يخلع زوجته فلانة من عصمته وعقد نكاحه على كذا وكذا في ذمته على حكم الحلول. فأجابه إلى سؤاله وخلعها خلعا صحيحا شرعيا على العوض المذكور. ثم يحيلها المخالع على ذمة الاجنبي بما وقع السؤال عليه. فيقول: ثم بعد حصول ذلك ولزومه شرعا، أحال المخالع المذكور مختلعته المذكورة على ذمة فلان السائل المذكور بما ترتب له في ذمته بالحكم المشروح أعلاه. وهو كذا وكذا، في نظير مبلغ صداقها عليه، الموافق لذلك في القدر والجنس والصفة والحلول، حوالة شرعية مشتملة على الايجاب والقبول. فإن قبلت الحوالة على الاجنبي، صرح بقبولها ورضاها بذلك. وإن كانت محجورة. فيقبل لها وليها الشرعي، وإن لم يقبل: فالمخالع يطالب الاجنبي، والمختلعة تطالب المخالع. وفي التخالع مع والد الزوجة: يكتب سؤاله والحوالة على والدها، ويقبلها لها، إن
[ 96 ]
كانت تحت حجره وولاية نظره، وإن لم تكن تحت حجره فلا يكتب حوالة، ويبقى الصداق في ذمة المخالع. ويبقى القدر المسؤول عليه في ذمة والد المختلعة للمخالع. وكذلك يفعل في سؤال الجد للاب. وإن وقع بلفظ الطلاق كتب ما سيأتي ذكره في الصورة الآتية في كتاب الطلاق. فصل في الفسخ: وهو تارة يكون بغيبة الزوج. فذلك على مذهب مالك وأحمد. وتارة يكون فسخ نكاح الصبي، الذي لا يتصور منه إنزال ولا جماع. وتارة يكون الفسخ في الغيبة أو الحضور بالاعسار بالنفقة أو الكسوة بعد الدخول، أو بالمهر قبل الدخول على مذهب الشافعي. وقد سبق ذكر الفسخ بوجود العيب في أحد الزوجين. وأما فسخ الغيبة على مذهب مالك: فتسأل الزوجة القاضي في كتابة محضر. فإذا أذن في ذلك، كتب بحضور شهود يعرفون فلانة وفلانا، معرفة صحيحة شرعية، ويشهدون مع ذلك أنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي بولي مرشد، وشاهدي عدل بشرائطه الشرعية، دخل الزوج منهما بالزوجة وأصابها. ثم غاب عنها مدة تزيد على كذا وكذا - من الحكام من لا يفسخ إلا بعد مضي سنة. ولكن ماله مدة معينة إلا على سبيل الاحتياط من الحاكم. وأقل المدة عند أحمد: ستة أشهر - وتركها بلا نفقة ولا كسوة، ولا ترك عندها ما تنفقه على نفسها في حال غيبته، ولا متبرعا بالانفاق عليها في حال غيبته، ولا أرسل لها شيئا، فوصل إليها، ولا مال لها تنفقه على نفسها، وترجع به عليه. وهي مقيمة على طاعته بالمكان الذي تركها فيه. وهي متضررة بفسخ نكاحها منه. يعلمون ذلك ويشهدون به مسؤولين - إلى آخره. وتقام الشهادة عند الحاكم، ثم يمهلها على مقتضى رأيه واجتهاده، ثم يكتب المحضر لتحلف، ثم يكتب فصل الحلف. وصورته: أحلفت فلانة الزوجة المذكورة فيه بالله العظيم الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم. يمينا شرعية جامعة لمعاني الحلف شرعا، أن زوجها
المذكور غاب عنها من مدة تزيد على كذا. وتركها بلا نفقة ولا كسوة - وتعدد الشروط المذكورة في المحضر كلها إلى آخرها - ثم تقول: وأن من شهد لها بذلك صادق في شهادته. وأنها مقيمة على طاعته، متضررة بفسخ نكاحها منه فحلفت كما أحلفت بالتماسها لذلك. ويؤرخ. وتقام الشهادة فيه عند الحاكم. ثم إن الزوجة تسأل الحاكم الفسخ. فيعظها الحاكم، ويقول لها: إن صبرت فلك الاجر. فتأبى إلا الفسخ. فيمكنها من الفسخ. فتقول بصريح لفظها: فسخت نكاحي من
[ 97 ]
زوجي فلان الفلاني المذكور بطلقة واحدة رجعية. وإن كان عند الحنبلي: فلفظ الفسخ كاف. وقد تقدم القول: أنه إذا حضر في العدة كان أحق برجعتها، لكنها تبين عند الحنبلي بالفسخ. فلا يراجعها إلا بإذنها. ثم تسأل الحاكم الحكم لها بذلك على مقتضى مذهبه واعتقاده. فيكتب على المحضر ليسجل بثبوته. والحكم بموجبه، ثم يكتب على ظهره: لما قامت البينة عند سيدنا فلان الدين الحاكم الفلاني بمضمون المحضر المسطر باطنه، وجريان الحلف المشروح باطنه، وبمعرفة الزوجين المذكورين فيه. وثبت ذلك عنده الثبوت الشرعي بالشرائط الشرعية، المعتبرة في ذلك شرعا. سألت الزوجة المذكورة فيه سيدنا الحاكم المشار إليه فيه - أو المسمى فيه - أن يمكنها من فسخ نكاحها من عصمة زوجها المذكور معها في المحضر المسطر باطنه. فوعظها، فأبت إلا ذلك. وحصل الامهال الشرعي. فكرر عليها الوعظ، وقال لها: إن صبرت فلك الاجر. فأبت إلا ذلك. فاستخار الله تعالى وأجابها إلى سؤالها، ومكنها من فسخ نكاحها من عصمة زوجها المذكور بطلقة واحدة رجعية. فقالت، بعد ذلك بصريح لفظها: فسخت نكاحي من عصمة زوجي فلان المذكور بكيب أو كيت - أو تقول: أوقعت على نفسي طلقة واحدة أولى رجعية، فسخت بها
نكاحي من عصمة زوجي فلان المذكور - أو فسخت نكاحي من عصمة زوجي المذكور فسخا شرعيا - ثم بعد ذلك سألت الحاكم أن يحكم لها بذلك. فأجابها إلى سؤالها، وأشهد على نفسه الكريمة بثبوت ذلك عنده، والحكم بموجبه حكما صحيحا شرعيا إلى آخره على مقتضى مذهبه واعتقاده. ورأى إمامه الامام مالك بن أنس رضي الله عنه وأرضاه، أو الامام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، مع العلم بالخلاف. ويؤرخ. وإن كان الفسخ من الحاكم، فيكتب: ثم سألت الحاكم فسخ نكاحها المذكور. وأصرت على ذلك، وزالت الاعذار من قبلها. فحينئذ استخار الله تعالى وأجابها إلى ذلك، وفسخ نكاحها من زوجها المذكور الفسخ الشرعي. وفرق بينهما في مجلس حكمه وقضائه. ويكمل على نحو ما سبق. وصورة الفسخ على مذهب الامام الشافعي رضي الله عنه، وهو لا يفسخ إلا بالاعسار بالنفقة والكسوة أو المهر قبل الدخول: بين يدي سيدنا فلان الدين، الحاكم الفلاني: ادعت فلانة على زوجها فلان، أنه تزوج بها تزويجا صحيحا شرعيا ودخل بها وأصابها، واستحقت عليه كسوتها ونفقتها لمدة كذا وكذا، ولم يدخل بها ولم يصبها،
[ 98 ]
وأنها تستحق عليه مهرها. وهو كذا وكذا، وطالبته بذلك. وسألت سؤاله عن ذلك. فسئل. فأجاب: إنه فقير معسر، عاجز عن نفقتها وكسوتها، أو عن مهرها المذكور. وبصحة دعواها في التزويج والدخول بها والاصابة، أو عدم الدخول. فعند ذلك: سألت الزوجة المذكورة الحاكم المشار إليه: أن يفسخ نكاحها من عصمته بمقتضى ما ادعاه من الاعسار، الثابت اعترافه به لديه الثبوت الشرعي، لجوازه عنده شرعا، أو يمكنها من ذلك، فأمهلها الحاكم المسمى أعلاه ثلاثة أيام. أولها يوم تاريخه. ثم في اليوم الرابع من الدعوى المذكورة، حضرا بين يديه، وأعادت الزوجة السؤال المتقدم ذكره للحاكم المشار إليه. فوعظها ووعدها بالاجر إن صبرت. فأبت إلا
ذلك. فحينئذ استخار الله تعالى الحاكمة المشار إليه، ومكنها من فسخ نكاحها من عصمة زوجها المذكور. فقالت بصريح لفظها: فسخت نكاحي من عصمة زوجي المذكور. ثم سألت الحاكم أن يحكم لها بذلك. فأجاب سؤالها، وأشهد على نفسه الكريمة بثبوت ذلك عنده والحكم بموجبه. ويكمل على نحو ما سبق. ثم يقول: وذلك بعد أن قامت البينة الشرعية عنده بجريان عقد النكاح بين المتداعيين المذكورين، ومعرفتهما المعرفة الشرعية - أو تشخيصهما عنده التشخيص الشرعي - فإن صدق الزوج على ذلك فلا حلف. وإن قامت بينة على ذلك وطلب حلفها فتحلف، كما سبق ذكره في محضر الغيبة على وفق الدعوى. وإن كان الفسخ في غيبته بالاعسار: فتحلف بعد إقامة البينة بالزوجية بينهما والاعسار. وفي حال الغيبة: إن نصب الحاكم مسخرا فيعذر إليه. وصورة أخرى: وهي أن يكتب محضرا: أنهما زوجان متناكحان، دخل الزوج منهما بالزوجة وأصابها، وأن الزوج المذكور معسر بنفقتها، كنفقة المعسرين، أو كسوة المعسرين، أو بالمهر قبل الدخول. فيكتب: وأنه تزوجها على كذا وكذا. وأنه عاجز عن ذلك بحكم أنه اعترف أنه لم يدخل بها ولم يصبها وصدقته على ذلك. ويكمل على نحو ما سبق. وإن كان قبيل الدخول، وكان قد دفع المهر إليها، وأرادت الفسخ بالنفقة، أو الكسوة، فطريقه: أن تعرض نفسها عليه ليدخل بها ويأبى. وصورة ذلك: أن يكتب الدعوى، أو المحضر إلى عند النفقة أو الكسوة فيقول: وأن الزوجة عرضت نفسها - أو الولي عرضها - على الزوج المذكور ليدخل بها. فأبى.
[ 99 ]
ويكمل على نحو ما سبق في الفسخ بالنفقة والكسوة وذلك يجب على الزوج بالدخول والاصابة أو الاعراض.
وصورة فسخ نكاح الصبي: الذي لا يتصور منه إنزال ولا جماع، يفسخ بالاعسار كما تقدم، وتقع الدعوى على ولي الصبي. وكذلك ما يترتب على الدعوى من الجواب والاعذار للولي، إذا كان ذلك بالبينة. فإن ثبت بالدعوى على الولي وتصديقه في ذلك فلا يعذر إليه. وتحلف الزوجة احتياطا، إن كانت من أهل الحلف. وعلى هذا الانموذج تفسخ محاضر الفسوخ على اختلاف حالاتها في كل مذهب من مذاهب أئمة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين. مع مراعاة الوقائع، وإجرائها على مقتضى ذلك المذهب. ولا يخفى ذلك على ممارسي هذه الصناعة من المشتغلين بالعلم الشريف. والله سبحانه وتعالى أعلم.
[ 100 ]
كتاب الطلاق وما يتعلق به من الاحكام الطلاق: ملك للازواج. والاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع. وأما الكتاب: فقوله تعالى: * (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) * وقوله تعالى: * (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) *. وأما السنة: فروي: أن النبي (ص) طلق حفصة بنت عمر، ثم راجعها. وروي عن ابن عمر أنه قال: كان تحتي امرأة أحبها. وكان أبي يكرهها. فأمرني أن أطلقها. فأتيت النبي (ص) بذلك. فأمرني أن أطلقها. وأجمعت الامة على جواز الطلاق. وهو على خمسة أضرب: واجب، وهو طلاق لمولي بعد التربص، يؤمر أن يفئ أو يطلق، وطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأياه.
ومكروه، وهو الطلاق من غير حاجة. لما روي ابن عمر أن النبي (ص) قال: أبغض الحلال إلى الله الطلاق. ومباح، وهو عند الحاجة إليه لضرورة واقعة بالمقام على النكاح. فيباح له دفع الضرر عن نفسه. ومستحب، وهو عند تضرر المرأة بالنكاح، إما لبغضه أو غيره. فيستحب إزالة الضرر عنها وعنه، وكونها مفرطة في حقوق الله تعالى الواجبة، كالصلاة ونحوها، وعجز
[ 101 ]
عن إجبارها عليه. وكونها غير عفيفة، لان في إمساكها نقصا ودناءة. وربما أفسدت فراشه وألحقت به ولدا من غيره. ومحظور، وهو طلاق المدخول بها في الحيض، أو في طهر أصابها فيه، ويسمى طلاق البدعة. وروى ابن عمر: أنه طلق امرأته. وهي حائض. فسأل عمر النبي (ص)، فقال له: مرة فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، ثم إن شاء أمسك بعده، وإن شاء طلق قبل أن يمسكها. فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء متفق عليه. ويصح طلاق المكلف وإن هزل، وإن ظنها غير زوجته. وصريحه: الطلاق، والسراح، والفراق. وخالعت، وفاديت. وأنت طالق ومطلقة. ومسرحة، ومفارقة، ويا طالق، وحلال الله على حرام، ونعم لمن قال: أطلقت زوجتك؟ لطلب الانشاء، وترجمتها بأي لسان. وكناياته: بنية الطلاق. كأنت خلية، وبرية، وبائن وبتة، وبتلة، وحرة، ومعتقة، واعتدي، ولو قبل الطلاق واستبرئي رحمك، والحقي بأهلك، وحبلك على غاربك، وأمرك بيدك، واغربي، واذهبي، واخرجي، وتجرعي، وذوقي، وتزودي، وكلي، واشربي.
ولا تقع الكناية إلا إذا قرنت بالنية في أولها. وإن غربت قبل التمام. فلو قال لزوجته أو أمته: أنت حرام. فإن أطلق وقصد تحريم العين: وجبت كفارة يمين. وإن عين الطلاق أو الظهار في الزوجة، أو العتق في الامة: صح ما نواه. وإشارة الاخرس في كل عقد وحل كإشارة الناطق في كل عقد وحل. وصريحها ما يفهمه الكل. وكنايتها ما يفهمه الفطن. ويعتد بإشارة أخرس في الطلاق وفي جميع العقود والحلول والاقارير والدعاوى. وفي شهادته خلاف. فلو أشار في صلاته بطلاق أو غيره نفذ. والصحيح: أن صلاته لا تبطل.
[ 102 ]
وإن قال لزوجته: أنت حرام، أو محرمة، أو حرمتك. فإن نوى الطلاق وقع رجعيا، وإن نوى عددا: وقع ما نوى. وإن كتب ناطق طلاقا، فإن تلفظ بما كتب، وقرأه حالة الكتابة أو بعدها طلقت، وإلا فإن لم ينو الطلاق لم تطلق على الصحيح. وإن نواه وقع في الاظهر. وللزوج تفويض الطلاق لزوجته. وهو تمليك. ويتضمن القبول. ويشترط لوقوعه تطليقها على الفور، إلا أن يقول: طلقي نفسك متى شئت. وله الرجوع قبل تطليقها على الصحيح. والثاني: لا. والتصرفات القولية من المكره عليها باطلة. كالردة والنكاح والطلاق وتعليقه وغيرها، وحق كاستسلام المرتد والحربي، لا الذمي في الاصح. وينفذ طلاق مول أكرهه الحاكم عليه بولاية، ليس بإكراه حقيقة. وشرط الاكراه: المقدرة من الكره على تحقيق ما هدد به بولاية، أو تغلب، وفرط هجوم، وعجز المكره عن الدفع بفرار، أو غيره. وظنه أنه إن امتنع حققه. ومن زال عقله بسبب يعذر فيه، كجنون أو إغماء، أو أوجر خمرا، أو أكره عليها، أو لم يعلم أن المشروب من جنس ما يسكر، أو شرب دواء يزيل العقل بقصد التداوي.
ونحو ذلك: لم يقع طلاقه. ولو تعدى بشرب مسكر، أو دواء مجنن بغير غرض صحيح. فزال عقله: وقع طلاقه على المذهب. وقال الامام الشافعي رحمه الله في حد السكران: إنه هو الذي اختل منه المنظوم. وانكشف سره المكتوم. والاقرب الرجوع فيه إلى العادة. وطلاق المريض كالصحيح. ويتوارثان في عدة رجعي لا بائن. وفي القديم: ترثه. فإن برئ من ذلك المرض لم ترث قطعا. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة على أن الطلاق في استقامة حال الزوجين مكروه. بل قال أبو حنيفة بتحريمه. وهل يصح تعليق الطلاق والعتق بالملك أم لا؟ وصورته: أن يقول لاجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو يقول لعبد: إن ملكتك فأنت حر، أو كل عبد اشتريته فهو حر. قال أبو حنيفة: يصح التعليق، ويلزم الطلاق والعتق، سواء أطلق أو عمم، أو خصص.
[ 103 ]
وقال مالك: يلزم إذا خصص، أو عين من قبيلة أو بلدة أو امرأة بعينها، لا إن أطلق أو عمم. وقال الشافعي وأحمد: لا يلزم مطلقا. فصل: والطلاق. هل يعتبر بالرجال أم بالنساء؟ قال مالك والشافعي وأحمد: يعتبر ذلك بالرجال. وقال أبو حنيفة: يعتبر بالنساء. وصورته عند الجماعة: أن الحر يملك ثلاث تطليقات، والعبد تطليقتين. وعند أبي حنيفة: الحرة تطلق ثلاثا، والامة اثنتين، حرا كان زوجها أو عبدا. فصل: وإذا علق طلاقها بصفة، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم أبانها ولم تفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم تزوجها، ثم دخلت. فقال أبو حنيفة ومالك:
إن كان الطلاق الذي أبانها به دون الثلاث، فاليمين باقية في النكاح الثاني لم تنحل. فيحنث بوجود الصفة مرة أخرى. وإن كان ثلاثا: انحلت اليمين. وللشافعي ثلاثة أقوال. أحدها: كمذهب أبي حنيفة. والثاني: لا تنحل اليمين وإن بانت بالثلاث. والثالث - وهو الاصح - أنه إن طلقها طلاقا بائنا، ثم تزوجها وإن لم يحصل فعل المحلوف عليه، انحلت اليمين على كل حال. وقال أحمد: تعود اليمين بعود النكاح. واتفقوا على أن الطلاق في الحيض لمدخول بها، أو في طهر جامع فيه: محرم إلا أنه يقع. وكذلك جميع الطلاق الثلاث محرم ويقع. واختلفوا بعد وقوعه. هل هو طلاق سنة، أو طلاق بدعة؟ فقال أبو حنيفة ومالك: هو طلاق بدعة. وقال الشافعي: هو طلاق سنة. وعن أحمد روايتان كالمذهبين. واختيار الخرقي: أنه طلاق سنة. واختلفوا فيما إذا قال: أنت طالق عدد الرمل والتراب. فقال أبو حنيفة: يقع طلقة تبين المرأة بها. وقال مالك والشافعي وأحمد: يقع به الطلاق الثلاث. واتفق أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد: على أن من قال لزوجته: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم طلقها بعد ذلك، وقع طلقة منجزة. ويقع بالشرط تمام الثلاث في الحال. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك. فالاصح في الرافعي والروضة: وقوع المنجز فقط، دفعا للدور، وعليه الفتوى. وقال المزني، وابن سريج، وابن الحداد، والقفال، والشيخ أبو حامد، وصاحب
[ 104 ]
المهذب وغيرهم: لا يقع طلاق أصلا. وحكي ذلك عن نص الشافعي. ومن أصحابه من يقول بوقوع الطلاق الثلاث، كمذهب الجماعة. واختلفوا في الكنايات الظاهرة. وهي: خلية، برية، وبائن، وبتة، وبتلة وحبلك
على غاربك، وأنت حرة، وأمرك بيدك، واعتدي، والحقي بأهلك، هل تفتقر إلى نية؟ فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يفتقر إلى نية، أو دلالة حال. وقال مالك: يقع الطلاق بمجرد اللفظ. ولو انضم إلى هذه الكنايات دلالة حال، من الغضب أو ذكر الطلاق، فهل تفتقر إلى النية أم لا؟ قال أبو حنيفة: إن كانا في ذكر الطلاق، وقال: لم أرده: لم يصدق في ثلاثة ألفاظ: اعتقدي، واختاري، وأمرك بيدك ويصدق في غيرها. وقال مالك: جميع الكنايات الظاهرة، متى قالها مبتدئا أو مجيبا لها على سؤالها الطلاق: كانت طلاقا، ولا يقبل قوله: لم أرده. وقال الشافعي: جميع ذلك يفتقر إلى النية مطلقا. وعن أحمد روايتان، إحداهما: كمذهب الشافعي، والاخرى: لا يفتقر. ويكفي دلالة الحال. واتفقوا على أن: الطلاق والفراق والسراح صريح، لا يفتقر إلى نية، إلا أبا حنيفة. فإن الصريح عنده لفظ واحد، وهو الطلاق وأما لفظا: السراح والفراق فلا يقع بهما طلاق عنده. واختلفوا في الكنايات الظاهرة إذا نوى بها الطلاق، ولم ينو عددا، أو كانت جوابا عن سؤالها الثلاث، كم يقع بها من العدد؟ فقال أبو حنيفة: يقع واحدة مع نيته، وقال مالك: إن كانت الزوجة مدخولا بها، لم يقبل منه إلا أن يكون في خلع. فإن كانت غير مدخول بها قبل ما يدعيه مع يمينه. ويقع ما ينوي به أي إلا في ألبتة فإن قوله اختلف فيها. فروي عنه: أنه لا يصدق في أقل من الثلاث، وروي عنه: أنه يقبل قوله مع يمينه. وقال الشافعي: يقبل منه كل ما يدعيه في ذلك من أصل الطلاق وأعداده. وقال أحمد: متى كان معها دلالة حال، أو نوى الطلاق، وقع الثلاث، نوى ذلك
أو دونه، مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها. واختلفوا في الكنايات الخفية - كاخرجي، واذهبي، وأنت مخلاة، ونحو ذلك -
[ 105 ]
فقال أبو حنيفة: هي كالكنايات الظاهرة. إن لم ينو عددا وقعت واحدة. وإن نوى الثلاث وقعت. وإن نوى اثنتين لم يقع إلا واحدة. وقال الشافعي وأحمد: إن نوى بها طلقتين كانت طلقتين. واختلفوا في لفظ: اعتدي، واستبرئي رحمك إذا نوى بها ثلاثا. فقال أبو حنيفة: يقع واحدة رجعية. وقال مالك: لا يقع هذا الطلاق، إلا إذا وقعت ابتداء، وكانت في ذكر طلاق، أو في غضب، فيقع ما نواه. وقال الشافعي: لا يقع الطلاق بها، إلا أن ينوي بها الطلاق. ويقع ما نواه من العدد في المدخول بها، وإلا فطلقة. وعند أحمد روايتان. إحداهما: يقع الثلاث. والاخرى: أنه يقع ما نواه. واختلفوا فيما إذا قال لزوجته: أنا منك طالق، أو رد الامر إليها. فقالت: أنت مني طالق. فقال أبو حنيفة وأحمد: لا يقع. وقال مالك والشافعي: يقع واحدة. وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: يقع الثلاث. ولو قال لزوجته: أمرك بيدك، ونوى الطلاق، وطلقت نفسها ثلاثا. قال أبو حنيفة: إن نوى الزوج ثلاثا وقعت، أو واحدة لم يقع شئ. وقال مالك: يقع ما أوقعت من عدد الطلاق إذا أقرها عليه. فإن ناكرها: أحلف، وحسب من عدد الطلاق ما قاله. وقال الشافعي: لا يقع الثلاث، إلا أن ينويها الزوج. فإن نوى دون ثلاث وقع ما
نواه. وقال أحمد: يقع الثلاث، سواء نوى الزوج ثلاثا أو واحدة. ولو قال لزوجته: طلقي نفسك. فطلقت نفسها ثلاثا. فقال أبو حنيفة ومالك: لا يقع شئ. وقال الشافعي وأحمد: يقع واحدة. واتفقوا على أن الزوج إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، بألفاظ متتابعة. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لا يقع إلا واحدة. وقال مالك: يقع الثلاث. فإن قال ذلك للمدخول بها. وقال: أردت إفهامها بالثانية والثالثة. فقال أبو حنيفة
[ 106 ]
ومالك: يقع الثلاث. وقال الشافعي وأحمد: لا يقع إلا واحدة. ولو قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق. فقال أبو حنيفة والشافعي: يقع واحدة. وقال مالك: يقع الثلاث. واختلفوا في طلاق الصبي الذي يعقل الطلاق. فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يقع. وعن أحمد روايتان. أظهرهما: أنه يقع. واختلفوا في طلاق السكران. فقال أبو حنيفة ومالك: يقع. وعن الشافعي قولان. أصحهما: يقع. وعن أحمد روايتان. أظهرهما: يقع. وقال الطحاوي والكرخي من الحنفية، والمزني، وأبو ثور من الشافعية: إنه لا يقع. واختلفوا في طلاق المكره وإعتاقه. فقال أبو حنيفة: يقع الطلاق، ويحصل الاعتاق. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقع إذا نطق به مدافعا عن نفسه. واختلفوا في الوعيد الذي يغلب على الظن حصول ما توعد به. هل يكون إكراها؟ فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: نعم. وعن أحمد ثلاث روايات. إحداهن:
كمذهب الجماعة. والثانية: لا. اختارها الخرقي. والثالثة: إذا كان بالقتل، أو بقطع طرف: فإكراه، وإلا فلا. واختلفوا في الاكراه، هل يختص بالسلطان أم لا؟ فقال مالك والشافعي: لا فرق بين السلطان وغيره، كلص أو متغلب. وعن أحمد روايتان. إحداهما: لا يكون إلا الاكراه إلا من السلطان. والثانية: كمذهب مالك والشافعي. وعن أبي حنيفة روايتان كالمذهبين. فصل: واختلفوا فيمن قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله. فقال مالك وأحمد: يقع الطلاق. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقع. واختلفوا فيما إذا شك في الطلاق. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يبني على اليقين. وقال مالك في المشهور عنه: يغلب الايقاع. واختلفوا في المريض إذا طلق امرأته طلاقا بائنا، ثم مات من مرضه الذي طلق فيه.
[ 107 ]
فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: ترث، إلا أن أبا حنيفة يشترط في إرثها أن لا يكون الطلاق عن طلب منها. وللشافعي قولان. أظهرهما: الارث. وإلى متى ترث على قول من يورثها؟ قال أبو حنيفة: ترث ما دامت في العدة، فإن ماتت بعد انقضاء عدتها لم ترث. وقال أحمد: ترث ما لم تتزوج. وقال مالك: ترث، وإن تزوجت. واختلفوا فيمن قال لزوجته: أنت طالق إلى سنة. فقال أبو حنيفة ومالك: تطلق في الحال. وقال الشافعي: لا تطلق حتى تنسلخ السنة. واختلفوا فيمن طلق واحدة من زوجاته لا بعينها، أو بعينها ثم أنسيها طلاقا رجعيا. فقال أبو حنيفة وابن أبي هريرة من الشافعية: لا يحال بينه وبين وطئها، وله وطئ أيتهن
شاء. فإذا وطئ واحدة انصرف الطلاق إلى غير الموطوءة. ومذهب الشافعي: أنه إذا أبهم طلقة بائنة، تطلق واحدة منهن مبهما. ويلزمه التعيين. ويمنع من قربانهن إلى أن يعين. ويلزمه ذلك على الفور. فلو أبهم طلقة رجعية، فالاصح أنه لا يلزمه التعيين في الحال، لان الرجعية زوجته. وتستحب عدة من عينها من حين اللفظ، لا من وقت التعيين. وقال مالك: يطلقهن كلهن. وقال أحمد: يحال بينه وبينهن، ولا يجوز له وطئهن، حتى يقرع بينهن، فأيتهن خرجت عليها القرعة كانت هي المطلقة. واتفقوا على أنه إذا قال لزوجته: أنت طالق نصف طلقة. لزمه طلقة. وقال القاضي عبد الوهاب، وحكي عن داود: إن الرجل إذا قال لزوجته: نصفك طالق، أو أنت طالق نصف طلقة: إنه لا يقع عليها الطلاق، والفقهاء على خلافه. واختلفوا فيمن له أربع زوجات، فقال: زوجتي طالق، ولم يعين. فقال أبو حنيفة والشافعي: تطلق واحدة منهن. وله صرف الطلاق إلى من شاء منهن. وقال مالك وأحمد: يطلقن كلهن. واختلفوا فيما إذا شك في عدد الطلاق. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يبني على الاقل، وقال مالك في المشهور من مذهبه: يغلب الايقاع. واختلفوا فيما إذا أشار بالطلاق إلى ما ينفصل من المرأة في السلامة: كاليد، فقال أبو حنيفة: إن أضافه إلى أحد خمسة أعضاء - الوجه والرأس والرقبة والظهر والفرج - وقع. وفي معنى ذلك عنده الجزء الشائع، كالنصف والربع. قال: وإن أضافه إلى ما
[ 108 ]
ينفصل في حال السلامة - كالسن والظفر والشعر - لم يقع. وقال مالك والشافعي وأحمد: يقع الطلاق بجميع الاعضاء المتصلة، كالاصبع وأما المنفصلة - كالشعر - فيقع بها عند مالك والشافعي. ولا يقع عند أحمد. انتهى.
وينبني على هذا الخلاف مسائل. الاولى: رجل قال لامرأته: نساء العالمين طوالق وأنت يا زوجتي، لا يقع عليه الطلاق. لانه عطف طلاقها على طلاق نسوة لا يقع طلاقهن قطعا. الثانية: إذا قال لامرأته: أنت طالق عند موتي، لم تطلق. ولو قال لعبده: أنت حر عند موتي، عتق. والفرق: أن للزوجية حدا ينتهي إليه، وهو الموت. فلا تطلق، كما لو قال: أنت طالق بعد موتي. وليست الحرية كذلك. فإنه لو قال لعبده: أنت حر بعد موتي، عتق. الثالثة: طلقة حرمت حلالا، وأحلت حراما، وأبطلت مطالبة، وأسقطت نفقة، وأوجبت نفقة، وأفادت مالا. وأفادت نكاحا. فذلك: الرجل يطلق زوجته قبل الدخول، وهي ذمية فقيرة وأختها مملوكة. وكان الزوج آلى منها، وانقضت مدة الايلاء. فبطلاقه إياها بطلت المطالبة بالفيئة وسقطت نفقتها عنه. ووجبت نفقتها على الموسر من ولدها، وحرمت على زوجها، وحل وطئ أختها، وأبيح له تزوج أختها الحرة، وأفادت الزوجة نصف صداقها. الرابعة: شخص تكلم بكلام مرة، لم يؤثر في الحال. وإذا كرره أثر في الحال. وهو ما إذا قال لزوجته: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، لم يقع به شئ. فإذا قاله مرتين: وقع عليه طلقة واحدة. وإن قاله ثلاثا: وقع طلقتان، وإن قاله أربعا: وقع ثلاث. الخامسة: لو قال: أنت طالق بعد شهور، ونوى عددا. فذاك، وإلا فبعد ثلاثة أشهر. ولو قال: بعد الشهور، ونوى. فعلى ما نوى من العدد. وإن لم ينو. فقيل: تطلق بعد اثني عشر شهرا. لقوله تعلى: * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) *. ولو قال: أنت طالق بعد أيام، فعلى ما نوى من العدد. وإن لم ينو: طلقت بعد ثلاثة أيام. وقيل: تطلق بعد سبعة، لقوله تعالى: * (وتلك الايام نداولها بين الناس) *. ولو قال: أنت طالق بعد ساعات، ونوى. فعلى ما نوى، وإن لم ينو: فبعد ثلاث
[ 109 ]
ساعات. ولو قال: بعد الساعات، ونوى عددا. فعلى ما نوى، وإن لم ينو، قيل: تطلق بعد أربع وعشرين، لان ذلك كمال ساعات اليوم والليلة. السادسة: قال رجل لامرأته: إن كان في كمي دراهم أكثر من ثلاثة فأنت طالق. وكان في كمه أربعة. قال أبو عبد الله البوشنجي: حدثني الربيع بن سليمان أن الشافعي رضي الله عنه قال: لا يقع، لانه ليس في كمه دراهم هي أكثر من ثلاثة، إنما الزائد على الثلاثة في كمه درهم لا دراهم. السابعة: وقع حجر من سطح. فقال: إن لم تخبريني من رماه الساعة فأنت طالق. قال القاضي حسين: فتقول: رماه مخلوق، ولا تطلق. قال: وإن قالت: رماه آدمي طلقت، لاحتمال كونه كلبا أو ريحا. كذا نقله الرافعي. وأقول: قد لا يكون رماه مخلوق، بل وقع بنفسه بإرادة الله تعالى. فقد يقال: الخلاص أن تقول: رماه الله تعالى، ولا يمتنع إطلاق هذا اللفظ، لقوله تعالى: * (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) *. الثامنة: رجل حلف بالطلاق لا أكلم امرأتي قبل أن تكلمني. فقالت: إن كلمتك فعبدي حر. كيف تصنع؟ قيل: إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى سئل عن هذه المسألة. فقال للحالف: اذهب فكلمها ولا حنث عليكما. فإنها لما قالت لك: إن كلمتك فعبدي حر، شافهتك بالكلام. فانحلت يمينك. وذهب أصحابنا إلى هذا مع الموافقة عليه. وخرجوا عليه، ما لو قال لرجل: إن بدأتك بالسلام فعبدي حر. فقال الآخر: إن بدأتك بالسلام فعبدي حر. فسلم كل منهما على الآخر دفعة واحدة، لم يعتق عبد واحد منهما، لعدم ابتداء كل واحد. وتنحل اليمينان. فإذا سلم أحدهما على الآخر ولم يعتق واحد من عبديهما. نقله الرافعي عن الامام.
التاسعة: مسلم قال لزوجته: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق. هذه المسألة وقعت لهارون الرشيد، فاحتجبت عنه زوجته. فاستفتى علماء عصره، فقالوا: لا يقع عليك طلاق. فقالت: لا أسمع إلا فتيا الليث بن سعد. فسئل الليث. فقال: يا أمير المؤمنين. هل هممت بمعصية، فذكرت الله، فخفته، فتركتها؟ فقال: نعم. فقال: يا أمير المؤمنين، ليس جنة واحدة، بل جنتان. قال الله تعالى: * (ولمن خاف مقام ربه جنتان) *.
[ 110 ]
وفي الرافعي: أنها لو قالت لزوجها: أنت من أهل النار. فقال: إن كنت من أهل النار فأنت طالق، لم تطلق إن كان الزوج مسلما، لانه من أهل الجنة ظاهرا. العاشرة: رجل قال: إن لم يكن الشافعي أفضل من أبي حنيفة فامرأتي طالق. فقال آخر: إن لم يكن أبو حنيفة أفضل من الشافعي فامرأتي طالق، لم تطلق امرأة واحد منهما، لان الامر في ذلك ظني. والاصل بقاء النكاح. ولو قال معتزلي: إن كان الخير والشر من الله فامرأتي طالق. وقال الاشعري إن لم يكونا من الله فامرأتي طالق، طلقت امرأة المعتزلي. لان خطأه قطعي، بخلاف المسألة التي قبلها. الحادية عشرة: رجل قال: إن مضت امرأتي مع أمتي إلى السوق فهي طالق طلاقا، وإن مضت أمتي مع امرأتي إلى السوق فهي حرة. فمضتا جميعا في حالة واحدة. قال الجيلي: إذا مضت المرأة والامة في خدمتها، أو مرافقتها في الطريق حصلت الصفتان. فتطلق وتعتق، وإن اتفق خروجهما معا من غير توافق واستخدام، بل على سبيل الاتفاق، لم يقع الطلاق. الثانية عشرة: قال لامرأته: إن دخلت الدار والحمام فأنت طالق. فدخلت الاولى، وقعت طلقة وانحلت اليمين، فلا يقع بالثانية شئ. ولو قال: أنت إن دخلت الدار طالقا. واقتصر عليه.
قال في التهذيب: إن قال: نصبت على الحال، ولم أتم الكلام. قبل منه، ولم يقع شئ. وإن أراد ما يراد عن الرفع ولحن. وقع الطلاق إن دخلت الدار. ولو قال: أنت طالق مريضة - بالنصب - لم تطلق إلا في حال المرض. فلو رفع. فقيل: تطلق في الحال، حملا على أن مريضة صفة. واختار ابن الصباغ الحمل على الحال النحوي. وإن كان لحنا في الاعراب. قال الاسنوي: وتعليل الاول بكونه صفة ضعيف، بل الاقرب جعله خبرا آخر. الثالثة عشرة: امرأة قالت لزوجها: سمعت، أو قال لي شخص: إنك فعلت كذا. فقال: إن لم تقولي لي من قال لك فأنت طالق. ولم يكن قال لها أحد. ولا سمعت من أحد، لا يقع الطلاق. لانه يعتقد أن أحدا قال لها، فعلق على محال. الرابعة عشرة: رجل قال لامرأته، وهي في نهر جار: إن خرجت من هذا الماء
[ 111 ]
فأنت طالق. لم تطلق سواء خرجت أو لم تخرج، لانه جرى وانفصل. الخامسة عشرة: ملك كان يلعب بالكرة. فوقعت في جوزته. فحلف لا يخرجها هو ولا غيره، ولا بد أن تخرج كيف يصنع؟ الجواب: يصب الماء في تلك الجوزة، فيفيض الماء فتخرج الكرة بنفسها ولا حنث عليه. السادسة عشرة: لو قال لزوجته: إن لم أقل لك مثل قولك فأنت طالق ثلاثا، فقالت المرأة لزوحها: أنت طالق ثلاثا. فالحيلة فيه كيلا يقع الطلاق: أن يقول لها: أنت قلت لي أنت طالق ثلاثا. وبذلك لا يقع عليه الطلاق، لانه ذكره على وجه الحكاية. وإن كانت المرأة تخرج من دارها. وحلف الزوج بطلاقها أن لا تخرج إلا بإذنه، وخشي أن تخرج بغير إذنه عند الغضب، فلو احتال وأذن لها من حيث لا تعلم، فخرجت بعد ذلك لم يحنث. فإن كان الحلف عند شهود. فيأذن عند الشهود ويشهدهم على إذنه. فإن كان قال: كلما خرجت إلا بإذني، يقول: قد أذنت لها أن تخرج كلما أرادت.
نكتة: حكى أن رجلا حلف بالطلاق الثلاث أنه لا بد أن يزن فيلا كان قد قدم إلى البصرة. فعجز عن وزنه. فسأل عليا عن ذلك؟ فقال: أنزلوا الفيل إلى سفينة كبيرة. وعلموا أين يصل الماء من جانبيها، ثم أخرجوا الفيل واطرحوا في السفينة حجارة حتى يلحق الماء العلامة، فما كان وزن الحجارة فهو وزن الفيل. فائدة: روي عن جعفر بن محمد عن أبيه، أنه جئ برجل إلى علي رضي الله عنه حلف، فقال: امرأته طالق إن لم يطأها في شهر رمضان نهارا. فقال: يسافر بها، ثم يطؤها نهارا. استدراك: اعلم أن الحروف التي تستعمل في تعليق الطلاق بالصفات سبعة: إن، وإذا، ومتى، ومتى ما، وأي وقت، وأي حين، وأي زمان دخلها العوض أو لم يدخل. وإن، وإذا على طريقين وإن دخلها العوض - أعني هذه الاحرف. ف إن فورية، ومتى متراخية، وإذا على وجهين. ويجمعهما بيتان: قالوا: التعاليق في الاسباب واسعة إلا بخلع، وإلا بالمسيئات أو مازجت حرف نفي، فهي فورية إلا بإن، فهي في نفي كإثبات المصطلح: وهو يشتمل على صور: وللطلاق عمد: ذكر المطلق، و المطلقة، وأنسابهما. وإقرار المطلق أنه طلقها مواجها لها إذا كانت حاضرة، وتعيين الطلاق، واحدة أو اثنتين، أو ثلاثا. وصحة العقل
[ 112 ]
والبدن، وذكر الدخول بها، والاصابة إن كان كذلك. وذكر عدم الدخول والاصابة، إن كانت غير مدخول بها. ومعرفة الشهود بهما. والتاريخ. وأما الصور، فمنها: صورة إيقاع طلاق على غير عوض: أشهد عليه فلان: أنه أوقع على زوجته فلانة الطلاق الثلاث في يوم تاريخه، بعد الدخول بها والاصابة، حرمت عليه بذلك. فلا تحل
له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. وصدقته على ذلك التصديق الشرعي. ويؤرخ. وصورة الطلاق الرجعي: أقر فلان: أنه في يوم تاريخه، أوقع على زوجته فلانة طلقة أولى - أو ثانية - رجعية من غير عوض - أو رجعية تكون فيها في عدة منه إلى انقضائها - وهو مالك رجعتها ما لم تنقض عدتها. فإذا انقضت ملكت نفسها عليه. وصارت بعد ذلك لا سبيل له عليها، ولا يملك رجعتها إلا بأمرها وإذنها ورضاها. وصدقته على ذلك. وأقرت أنها في طهر، ويؤرخ. وصورة الطلاق المسند: أشهد عليه فلان أنه من مدة شهر - أو شهرين أو ثلاثة، أو أقل من ذلك أو أكثر - تقدم على تاريخه، أوقع على زوجته فلانة طلقة واحدة أولى - أو ثانية مسبوقة بأولى رجعية - من غير عوض. بعد الدخول بها والاصابة، وأنها بمقتضى مضي المدة المذكورة، الواقع طلاقه عليها في ابتدائها، بانت منه بذلك، وملكت نفسها عليه، فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. واعترف أنه لم يراجعها من ذلك الوقت إلى الآن. وصدقها عل انقضاء عدتها التصديق الشرعي - أو وهي مدينة بانقضاء عدتها بالاقراء الثلاث - يحلفها على ذلك إذ لا يعرف ذلك إلا من قبلها، على ما يقتضيه الشرع الشريف ويوجبه، ويؤرخ. وصورة الطلاق على العوض، ويكتب على ظهر الصداق: سألت فلانة الزوجة المذكورة فلان المذكور معها باطنه: أن يطلقها طلقة واحدة أولى - أو ثانية مسبوقة بأولى، أو ثالثة - على نظير مبلغ صداقها. وقدره كذا وكذا، على مبلغ كذا من جملة صداقها عليه. فأجابها إلى سؤالها، وطلقها الطلقة المسؤولة على العوض المذكور. بانت منه بذلك، فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. وإن كانت ثالثة، فيقول: حرمت عليه بذلك. فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. وتصادقا على الدخول بها والاصابة. ويذيل بإقرار بعدم استحقاق. ويؤرخ. وإن كان الطلاق قبل الدخول بها والاصابة والخلوة، كتب: وأن شطر صداقها
عليه، الشاهد به كتاب الزوجية بينهما، المعين باطنه، الذي سلم لها عليه بحكم الطلاق
[ 113 ]
المشروح فيه، وعدم الدخول بها والاصابة والخلوة، وجملته كذا وكذا - باق لها في ذمته إلى يوم تاريخه، لم تبرأ ذمته من ذلك، ولا من شئ منه، وتصادقا على ذلك كله تصادقا شرعيا. وإن كانت الزوجة قبضت الصداق جميعه قبل الطلاق. فتعيد إليه النصف منه. ويكتب بعد صدور الطلاق: ثم بعد ذلك ولزومه شرعا، أعادت فلانة المطلقة المذكورة فيه لمطلقها فلان المذكور معها فيه ما سلم له من مبلغ الصداق المعين باطنه، قبل الدخول بها والاصابة وبعد الطلاق، وهو كذا وكذا. فاستعاده منها استعادة شرعية. وصار ذلك إليه وبيده وحوزه. وأقر كل منهما أنه لا يستحق على الآخر بعد ذلك حقا ولا دعوى ولا طلبا - إلى آخره. وصورة الطلاق قبل الدخول: سألت فلانة زوجها فلان أن يطلقها طلقة واحدة أولى. قبل الدخول بها والاصابة والخلوة - أو ثانية مسبوقة بأولى - على شطر صداقها السالم لها عليه قبل الدخول. فأجابها إلى سؤالها، وطلقها الطلقة المسؤولة على العوض المذكور. بانت منه بذلك، أو حرمت عليه بذلك. وحلت للازواج. فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. ويكمل على نحو ما سبق. والطلقة إذا وقعت قبل الدخول وقعت بائنا. لا يملك رجعتها إلا بإذنها وإذن وليها الشرعي. وصورة الطلقة الرجعية إذا صيرها بها بائنا على مذهب أبي حنيفة: أشهد عليه فلان أنه طلق زوجته فلانة، التي اعترف أنها الآن في عصمته وعقد نكاحه، الطلقة الرجعية الفلانية بعد الدخول بها والاصابة والخلوة، ثم بعد ذلك أشهد عليه أنه صيرها بائنا على مذهب من يرى ذلك من السادة العلماء فإذا أراد أن يراجعها من ذلك بغير إذنها
على مذهب الشافعي. فلا بد من استئذانها لحاكم شافعي، يعقده بإذنها وإذن وليها الشرعي، ويتلفظ الزوج بالرجعة ويحصل الاقرار بها. ويحكم الحاكم الشافعي بصحة ذلك على مقتضى مذهبه، خوفا من بطلانه عند من يرى بطلانه. وصورة ما يكتب في ذلك: لما قامت البينة الشرعية بجريان عقد النكاح المشروح باطنه، والرجعة من الطلقة المشروحة باطنه، وصدورها من المطلق المذكور في زمن العدة عند سيدنا الحاكم الفلاني، وقبلها القبول الشرعي، وحلف الزوج المراجع المذكور: أن ذلك صدر على الحكم المشروح فيه، وأن الرجعة صدرت قبل انقضاء العدة على الوجه الشرعي. وثبت ذلك جميعه عند سيدنا الحاكم المشار إليه فيه، سأله
[ 114 ]
من جاز سؤاله شرعا: الاشهاد على نفسه الكريمة بثبوت ذلك عنده، والحكم بموجبه، وبصحة الرجعة من المطلقة المذكورة، بغير إذن الزوجة. فأجاب سؤاله. وحكم - أيد الله أحكامه - بموجب ذلك، وبصحة الرجعة من المطلقة المذكورة، بغير إذن الزوجة حكما شرعيا - إلى آخره - ويكمل على نحو ما تقدم شرحه. وإن حكم بذلك حاكم حنفي، فلا تبقى رجعة، ولا يعمل في ذلك إلا على مقتضى مذهب أبي حنيفة. وصورة الحكم بذلك على مقتضى مذهبه: لما قامت البينة الشرعية بجريان عقد النكاح بين الزوجين المذكورين باطنه، وبالطلاق المشروح فيه على الحكم المشروح فيه عند سيدنا الحاكم الفلاني. وقبلها القبول الشرعي. سأله من جاز سؤاله شرعا: الاشهاد على نفسه الكريمة، بثبوت الطلقة المذكورة، وصيرورتها بائنا، بحيث لا تحل له إلا بإذنها بالشرائط الشرعية. وأجراها من الطلاق البائن غير الطلاق الثلاث. فأجاب السائل إلى ذلك. وأشهد على نفسه الكريمة بثبوت ذلك عنده ثبوتا صحيحا شرعيا. وحكم أيد الله أحكامه بموجب ذلك. ومن موجبه: صيرورتها بائنا على مقتضى مذهبه، حكما
شرعيا، مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف. وإذا عقده عاقد حنفي من غير حكم. فيحتاط ويعقد بالاذن بالشرائط. ويراجع بينهما. كما سبق. ويحتاط العاقد الشافعي. فيراجع بينهما، ثم يجدد النكاح بالاذن من الزوجة بالشرائط الشرعية، وأن يكون ذلك في زمن العدة. أما إذا انقضت العدة من غير رجعة. فقد صارت بائنا على كل حال. وارتفع الخلاف. وصورة الطلاق بسؤال من غير الزوجة، من أب أو غيره: سأل فلان فلانا أن يطلق ابنته فلانة على نظير مبلغ صداقها عليه، وقدره كذا وكذا. فأجاب إلى سؤاله وطلقها الطلقة المسؤولة على العوض المذكور. بانت منه بذلك. وملكت نفسها عليه. فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. واعترف بالدخول بها والاصابة. فإن اتفقوا على الحوالة كتب كما تقدم في الخلع. وإن كانت بالغة رشيدة قبلت الحوالة لنفسها. وإن كانت محجورة أبيها. فيقبل لها الحوالة. واستيفاء ألفاظها المعتبرة في صحتها، برئت بذلك ذمة المحيل المذكور من جميع مبلغ الصداق المعين فيه. وذمة المحال عليه من القدر المسؤول عليه. واستقر في ذمة السائل لابنته المذكورة استقرارا شرعيا.
[ 115 ]
هذا إذا كانت المطلقة بالغة عاقلة حاضرة. فإن كانت غائبة. فيقول: قبلها لها من جاز قبوله شرعا، أو قبلها لها وكيلها الشرعي فلان قبولا شرعيا. ويؤرخ. وصورة ما إذا كانت الزوجة في سؤال الزوج في الطلاق على الصداق. ووكل الزوج في إجابة سؤال السائل، وإيقاع الطلاق، وقبل العوض: سأل فلان وكيل فلانة فيما ينسب إليه فعله فيه، بمقتضى كتاب التوكيل المتضمن لذلك ولغيره، المحضر بشهوده المؤرخ باطنه بكذا، الثابت مضمونه عند سيدنا الحاكم الفلاني الثبوت الشرعي المؤرخ
بكذا، فلانا وكيل زوج الموكلة المذكورة، هو فلان، فيما ينسب إليه فعله فيه بمقتضى الوكالة الشرعية، كما تقدم - ثم يقول: أن يطلق الموكلة المذكورة أعلاه طلقة واحدة - أولى أو ثانية أو ثالثة - على جميع مبلغ صداقها عليه، وقدره كذا وكذا، بعد الدخول بها والاصابة، أو على نصف صداقها السالم لها عليه، وهو كذا وكذا، قبل الدخول بها والاصابة. فأجابه إلى سؤاله، وطلق الموكلة المذكورة عن موكله المذكور على العوض المذكور. وقبل القدر المسؤول عليه لموكله المذكور قبولا شرعيا، بانت منه بذلك وملكت نفسها عليه. فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. ويؤرخ. فصل: في التعليق - وهو جائز. ولا يجوز الرجوع فيه. ولا يقع قبل الشرط. ولا يحرم الوطئ قبله. ولو قال: عجلت تلك الصفة المعلقة، لم يعجل. كما لو نذر صوم يومين معينين. وإذا علقه بصفة مستحيلة عرفا، كإن صعدت السماء، أو عقلا. كإن أحييت ميتا: لم يقع في الاصح. وقد سبق ذكر أدوات التعليق. ومنها مهما، وكلما ولا تكرير إلا في كلما. وصورة تعليق الطلاق بصفة: قال فلان: متى غبت عن زوجتي فلانة مدة كذا وكذا، وتركتها بلا نفقة ولا كسوة. وحضرت إلى شاهدين من شهداء المسلمين، أو تعينهما أو غيرهما من العدول، وأحضرت معها مسلمين، وأخبرت أني غبت عنها المدة المعلق طلاقها عليها. وهي كذا وكذا، وتركتها بلا نفقة ولا كسوة، وصدقها المسلمان على ذلك، وأبرأت ذمتي من كذا وكذا من جملة صداقها علي، كانت إذ ذاك طالقا طلقة واحدة أو ثانية، تملك بها نفسها، واعترف بالدخول بها والاصابة. وصدقته على ذلك تصديقا شرعيا. قال ذلك بصريح لفظه. ويؤرخ. أو يقول: علق فلان طلاق زوجته فلانة، بأن قال بصريح لفظه: متى حضرت زوجتي فلانة إلى شاهدين عدلين، وأبرأتني من صداقها علي. وهو كذا وكذا. كانت إذ ذاك طالقا طلقة واحدة، أو ثانية أو ثالثة. واعترف بالدخول بها والاصابة. ويكمل على
نحو ما سبق.
[ 116 ]
أو يقول: قال فلان بصريح لفظه: متى سافرت عن زوجتي فلانة إلى فوق مسافة القصر، وعلمت بسفري، وحضرت إلى شاهدين عدلين، وأخبرتهما بذلك وأحضرت معها مسلمين، وصدقاها على ذلك. وأبرأتني من مبلغ صداقها علي. وهو كذا وكذا، أو من درهم واحد من مبلغ صداقها علي. كانت إذ ذاك طالقا طلقة واحدة أولى أو ثانية. أو متى سافرت عن زوجتي فلانة من بلد كذا، واستمرت غيبتي عنها مدة كذا وكذا من ابتداء سفري عنها. وتركتها بلا نفقة ولا منفق شرعي. وحضرت إلى شاهدين عدلين، وأحضرت معها من يصدقها على ذلك، وأبرأتني من كذا وكذا. كانت إذ ذاك طالقا طلقة واحدة أولى أو ثانية. أو متى تزوجت على زوجتي فلانة، أو تسريت عليها أو غير ذلك من الانواع التي يقع اتفاق الزوجين عليها. وصورة ما إذا وقعت الصفة المعلق عليها. وجاءت المرأة تطلب الاشهاد عليها بالابراء، وتختار وقوع الطلاق. بعد أن علق الزوج المذكور باطنه طلاق زوجته فلانة المذكورة معه باطنه على الصفة المشروحة في فصل التعليق المسطر فيه: حضرت الزوجة المذكورة فيه إلى شاهديه الواضعين خطهما آخره. وأحضرت معهما كل واحد من فلان وفلان. وصدقاها على وجود الصفة المعلق عليها من السفر أو الغيبة، أو غير ذلك. وأبرأته من جميع صداقها عليه، المعين فيه، أو من كذا وكذا، من جملة مبلغ صداقها عليه المعين فيه، براءة شرعية، براءة عفو وإسقاط. طلقت منه بذلك، وملكت نفسها عليه. فلا تحل له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية. والامر في ذلك محمول على ما يوجبه الشرع الشريف. وفي صورة تعليق الطلاق على الغيبة لا بد من ثبوت الزوجية والغيبة خاصة عند
حاكم. وصورة الثبوت في ذلك: لما قامت البينة بجريان عقد النكاح بين الزوجين المذكورين باطنه - وهما فلان وفلانة - على الحكم المشروح باطنه، وغيبة الزوج المذكور المدة المعلق عليها، المذكورة باطنه، وتصديق المسلمين، وبلفظ الزوجة بالبراءة المعلق عليها الطلاق المشروح فيه عند سيدنا الحاكم الفلاني. وقبلها القبول الشرعي سأله من جاز سؤاله شرعا الاشهاد على نفسه بثبوت ذلك عنده، والحكم بموجبه. فأجاب إلى ذلك. وأشهد على نفسه الكريمة بثبوت ذلك عنده، والحكم بموجبه حكما صحيحا شرعيا - إلى آخره - أو تثبت الزوجية والغيبة خاصة، ويكمل التعليق من غير ثبوت
[ 117 ]
حاكم. لانه لا يحتاج إلا إلى ثبوت الزوجية والغيبة خاصة. وما تثبت الغيبة حتى يثبت جريان عقد النكاح، لينبني على صحة لفظ الزوج وتعليقه. لان التعليق فرع الزوجية. تنبيه: إذا طلق الرجل زوجته، دون الطلقات الثلاث، وتزوجت بغيره. ثم طلقها وعادت للاول. فعلى مذهب الشافعي: تعود إليه بما بقي من عدد الطلاق فإن كان قد طلقها واحدة فتعود إليه بطلقتين. ومذهب الغير: تعود، ويملك عليها الطلاق الثلاث، كالنكاح الاول. لان النكاح عنده بغير المطلق يهدم. وما رأيت في زماننا هذا من يعمل في هذه المسألة إلا على مذهب الامام الشافعي. مسألة: إذا عتقت تحت عبد، لها الفسخ، إلا في مسألة واحدة. وهي أن سيدها يملكها، وقيمتها مائة، وصداقها على زوجها مائة، وسيدها يملك مائة، ووصى سيدها بعتقها. والزوج لم يدخل بها. ومات سيدها. فإن اختارت الفسخ سقط المهر، لان الفسخ من جهتها. وإذا سقط المهر صار بعضها رقيقا. فلا يجوز لها الفسخ. وهذه من مسائل الدور.
فإذا آل الامر إلى ثبوت بقائها تحت الزوج والحالة هذه، كتب: لما قامت البينة بجريان عقد النكاح بين الزوجين المذكورين فيه - وهما فلان وفلانة - ووصية فلان سيد الزوجة المذكورة بعتقها. ووفاة الموصي المذكور إلى رحمة الله تعالى. وقيمة الزوجة المذكورة وهي مائة درهم، وأن المخلف عن الموصي المذكور جميعه مائة درهم، عند سيدنا الحاكم الفلاني. وثبت ذلك عنده الثبوت الشرعي بشرائطه الشرعية، وأعذر في ذلك لمن له الاعذار. وثبت الاعذار لديه على الوجه الشرعي. وتصادق الزوجان المذكوران فيه على عدم الدخول والاصابة بالطريق الشرعي ثبوتا صحيحا شرعيا. سأله من جاز سؤاله شرعا: الاشهاد بثبوت ذلك. والحكم بموجبه، وإبقاء الزوجة المذكورة في عصمة زوجها المذكور من غير جواز فسخ بحكم صدور ما شرح فيه. فأجاب السائل لذلك. وأشهد على نفسه الكريمة بذلك. ويكمل على نحو ما تقدم شرحه. وإذا عتقت الجارية في غير هذه الصورة. وهي متزوجة بعبد. وأرادت فسخ نكاحها من عصمته بحكم العتق. حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان معتق الزوجة فلانة، والزوجة المعتقة المذكورة وزوجها فلان. وادعت الزوجة على زوجها المذكور: أنه تزوج بها تزويجا
[ 118 ]
شرعيا، وهي رقيقة، وأنها عتقت. وصارت حرة من حرائر المسلمات. وأن زوجها رقيق إلى الآن، ولم ترض بالمقام معه. واختارت فسخ نكاحها من عصمته وعقد نكاحه. وتسأل سؤاله. فسأله الحاكم المشار إليه عن ذلك؟ فأجاب بصحة دعواها، وسأل المعتق المذكور عن العتق؟ فاعترف بصحته ثم خيرها الحاكم بين الاقامة معه من غير فسخ. ووعظها ووعدها الاجر إن صبرت. فأبت إلا ذلك. فحينئذ مكنها الحاكم من فسخ نكاحها من
عصمة زوجها المذكور. فقالت بصريح لفظها: فسخت نكاحي من عصمة زوجي فلان المذكور فسخا شرعيا. ثم بعد ذلك سألت الحاكم أن يحكم لها بذلك. فأجاب سؤالها وحكم بموجب ذلك حكما صحيحا شرعيا. ويكمل. وإن كان ذلك في غيبة المعتق. فتقوم البينة بجريان عقد النكاح وبالعتق والاعذار لمن له الاعذار. وحلف الزوجة: أنها لم ترض بالاقامة في صحبة زوجها المذكور بعد العتق. وأنها اختارت فسخ نكاحها من عصمة زوجها المذكور بهذا المقتضى. ويثبت ذلك جميعه عند الحاكم، ويحكم بموجبه. وإن كان الفسخ بعيب حدث بعده، وإلا فمهر المثل. فصل: إذا جعل طلاق زوجته بيدها: فهو تمليك، وشرطه الفورية. وصورته: قال فلان لزوجته المذكورة باطنه: جعلت طلاقك بيدك. فطلقي نفسك بما اخترت من عدد الطلاق الثلاث، أو يعين لها طلقة بعينها. فأجابت سؤاله على الفور. وقالت بصريح لفظها: طلقت نفسي طلقة واحدة أولى أو أكثر بحكم أنك جعلت إلى ذلك، أو ملكتني إياه. وقد حصل لي بذلك الفراق من عصمتك وعقد نكاحك. وصرت بمقتضى ذلك أجنبية منك، لا نكاح بيننا ولا زوجية. وذلك بعد اعترافهما بالدخول والاصابة - وإن كان ثم أولاد فيذكرهم. أو كان الامر قبل الدخول فيكتب كذلك - ثم يقول: والامر بينهما في ذلك محمول على ما يوجبه الشرع الشريف. وإذا قال: طلقي نفسك متى شئت. فذلك لا يقتضي الفورية. وله الرجوع قبل التطليق منها. فصل: والاستثناء يضر فيه تخلل يسير على الصحيح، لا سكتة تنفس وعي. ويشترط نية الاستثناء بأول الكلام في الاصح. لان هذا هو العرف في الاستثناء. فإن انفصل لضيق نفس كان كالمتصل، لانه انفصال بعذر. ومتى تعتبر النية فيه؟ وجهان:
[ 119 ]
أحدهما: تعتبر من أول الكلام إلى آخره. لان الطلاق يقع بجميع اللفظ. والثاني: إذا نوى قبل الفراغ من الكلام. صح، لان النية قد وجدت منه قبل الاستثناء متصلا به. وسواء فيما ذكر في الاستثناء: إلا وأخواتها، والتعليق بمشيئة الله تعالى وسائر التعليقات. ويشترط عدم استغراقه. فإذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين طلقت واحدة، أو قال: ثلاثا إلا ثلاثا طلقت ثلاثا. تذييل: سئل الامام العلامة شيخ الاسلام عالم الحجاز جمال الدين بن ظهيرة القرشي المكي، الشافعي رحمه الله تعالى عن قول الرجل لامرأته: متى وقع عليك طلاقي، أو إذا وقع عليك طلاقي، فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها: أنت طالق. وهذه مسألة الدور المشهورة بالسريجية. وهل له مخلص منها إذا قلنا بصحة الدور؟ فأجاب: بأن مآخذ الخلاف في هذه المسألة ثابتة البنيان، واضحة البرهان، مشيدة الاركان. ولكل مسلك محجة، ولعمري لقد دارت فيها الرؤوس، وانفحمت فيها أكباد الفحول في الدروس، وسئمت من دورانها النفوس. فإذا قال لامرأته: إذا طلقتك، أو مهما طلقتك. فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم طلقها. فالمذهب في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: لا يقع عليها شئ، وهو المشهور عن ابن سريج، وإليه ذهب ابن الحداد، والقفال الشاشي، والقفال المروزي، والشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو علي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي. والروياني. وبه أجاب المزني، والمتتور. وحكاه صاحب لافصاح عن نص الشافعي رحمه الله تعالى. قال الامام: وعليه معظم الاصحاب. ونقل في البحر عن القاضي أبي الطيب: أن للشافعي مصنفا، اقتصر فيه على عدم الوقوع.، واقتصر عليه أيضا أبو حامد القزويني في كتاب الحيل. وصححه الشاشي في المعتمد. وكان ابن الخليل شارح التنبيه يفتي به ببغداد، كما نقل عنه ابن خلكان في تاريخه، وعملوا بصحة الدور، لانه لو وقع المنجز لوقع قبله ثلاثا، وإذا وقع الثلاث قبله
لا يقع المنجز للبينونة. الوجه الثاني: يقع المنجز فقط، ولا يقع المعلق ولا شئ منه. وهو اختيار صاحب التلخيص، والشيخ أبي مزيد، وابن الصباغ. وصاحب التتمة، والشريف ناصر الدين العمري، واختاره الغزالي. وصنف فيه مصنفا. سماه: علية الغور في دراية الدور ثم رجع عنه. وصنف تصنيفا في إبطاله سماه: الغور في الدور واختار فيه وقوع المنجز. قال الرافعي في الشرح الكبير: ويشبه أن يكون به أولى. وصححه في الشرح الصغير.
[ 120 ]
وكلام الفقيه نجم الدين بن الرفعة في الكفاية والمطلب يميل إليه. وبه أفتى المتأخرون. والعمل عليه في هذا الزمان. وصححه النووي في التصحيح. وفي المنهاج تبعا للمحرر. ونقل عن ابن سريج تصحيحه في نظير المسألة. وعللوه بأنه لو وقع المعلق لمنع وقوع المنجز. فإذا لم يقع المنجز فيقع. وقد يتخلف الجزاء عن الشرط بأسباب. وشبه بما إذا أقر الاخ بابن للميت، ثبت النسب دون الارث. قال في التتمة: وإنما لم يقع المعلق لاستحالته لفظا ومعنى. أما اللفظ: فلان قوله: متى وقع عليك طلاقي شرط. وقوله: فأنت طالق قبله جزاء والجزاء يجب أن يكون مرتبا على الشرط. وبيانه: أنه لو قال: لو جئتني أكرمتك قبل أن تجئ لم يكن كلاما. ومن جهة المعنى: أن المشروط لا يثبت قبل شرطه. وإذا أوقعنا الذي قبله أوقعنا المشروط قبل شرطه. وأيضا: فإن ما قبل الزمان الذي يتلفظ فيه بالطلاق زمان ماض. والزوج لا يملك إيقاع الطلاق فيما مضى، حتى لو قال لزوجته: أنت طالق أمس. فإنه يقع الطلاق في الحال. والجمع بين الجزاء والشرط شرط. وهو منتف هنا، لانهما لا يجتمعان هنا. كالمتضادين تبطل التعليق ضرورة. وإذا بطل التعليق وقع المنجز. وهذا.
قال أبو الفتح البجلي: لو صح هذا التعليق وقع منه محال، وتمليك أربع طلقات، لانه علق ثلاث طلقات على وجود طلقة. والثلاث غير تلك الواحدة. ولا بد أن يكون الشرط والجزاء كلاهما مملوكان له. وهنا لا يملكهما. فأشبه ما لو علق طلاق زوجته على نكاحها. ووجهه ابن الصباغ: بأن وقوع المنجز شرط في وقوع الثلاث، ولا يجوز تقديم المشروط على الشرط. ولو كان كذلك لبطل كونه شرطا. وقد ذكر أصحابنا ما يدل عليه. فقالوا: لو قال لها: أنت طالق اليوم إذا جاء غد. فإنها لا تطلق، إذ لا يصح وقوعه قبل الشرط. فلزم من ذلك بطلان التعليق ووقوع المنجز. الوجه الثالث: وهو اختيار أبي بكر الاسماعيلي -: أنه يقع عليه ثلاث طلقات وفيه تنزيلان. أظهرهما: تقع الطلقة المنجزة، وطلقتان من الثلاث المعلقة. والثاني: يقع الثلاث المعلقات، ولا تقع المنجزة، فكأنه قال: متى تلفظت بأنك طالق. فأنت طالق قبلها ثلاثا. وإذا تقرر ذلك. فاعلم أن باب الطلاق لا ينسد على القول الثاني، ولا على القول
[ 121 ]
الثالث. وإنما ينسد على القول الاول. فإذا أراد الزوج التخلص من التعليق وأراد أن يقع الطلاق، وقلنا بصحة الدور: أنه لا يقع عليه طلاق منجز، ولا معلق، نظر. فإن كان صيغة التعليق إن طلقتك، أو مهما طلقتك، فأنت طالق قبله ثلاثا فطريقه أن يوكل شخصا في طلاقها. فإذا طلقها وكيله وقع، لان طلاق الوكيل وقوع لا تعليق. وكذا لو كان قال لها قبل ذلك: إن فعلت كذا فأنت طالق فإذا أراد الوقوع يتحيل في وقوع الصفة. فإذا وجدت الصفة وقع الطلاق، لان وجودها وقوع، لا تطليق. ولا ينفعه في التخلص أن يوقع طلاقها على صفة، بعد أن قال لها: إذا طلقتك فأنت
طالق قبله ثلاثا لان وجود الصفة والحالة هذه: تطليق وإيقاع ووقوع، وإن لم يكن التعليق بلفظ الوقوع، كما مثل به الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في التنبيه. كقوله: متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا فإنه إذا وكل في طلاقها لم يقع الطلاق، أو علق طلاقها على صفة، ثم قال لها ذلك، لا يخلصه ولا يحصل له مقصوده. انتهى والله أعلم.
[ 122 ]
كتاب الرجعة وما يتعلق بها من الاحكام إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها، ولم يستوف ما يملكه عليها من عدد الطلاق، وكان الطلاق بغير عوض. فله أن يراجعها قبل انقضاء عدتها. والاصل فيه قوله تعالى: * (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا) * فقوله: بردهن يعني: رجعتهن وقوله: إن أرادوا إصلاحا أي إصلاح ما تشعث من النكاح بالرجعة. وقوله تعالى: * (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) * فأخبر أن من طلق طلقتين، فله الامساك. وهو الرجعة. وله التسريح: وهي الثالثة. وقوله تعالى: * (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) * ووله تعالى: * (لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * فالامساك: هو الرجعة. وقوله: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يعني الرجعة. وروي أن النبي (ص) طلق حفصة وراجعها وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض. فأمره النبي (ص) أن يراجعها وروي أن ركانة ابن عبد يزيد قال: يا رسول الله، طلقت امرأتي سهيمة ألبتة. وما أردت إلا واحدة. فقال النبي (ص): والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة. فردها النبي (ص) والرد: هو الرجعة. وأجمعت الامة على جواز الرجعة في العدة، لا في الردة.
وتحصل بقوله: رجعت، وراجعت، وارتجعت إلى نكاحي. وأمسكت وما في معناها. وبكناية كتزوجت، وأعدت الحل، ورفعت التحريم. ولا تحصل بإنكار الطلاق، ولا بالوطئ. ويحرم وطئ رجعية. ولا حد، ويوجب مهر المثل، بخلاف مرتدة عادت إلى الاسلام. ولا يشترط فيها الاشهاد، وللزوج أن
[ 123 ]
يطلق الرجعية في عدتها، وبولي منها ويظاهر. والمختلعة لا يلحقها طلاقه، لا في العدة ولا بعدها. لانقطاع أحكام الزوجية بينهما. ولان الخلع للتحريم. وهي محرمة عليه بالخلع. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على جواز الطلقة الرجعية. واختلفوا في الرجعية، هل تحرم أم لا؟ قال أبو حنيفة وأحمد في أظهر روايتيه: لا تحرم. وقال مالك والشافعي وأحمد في الرواية الاخرى: تحرم. واختلفوا: هل يصير بالوطئ مراجعا أم لا؟ فقال أبو حنيفة وأحمد في أظهر روايتيه: نعم. ولا يحتاج معه إلى لفظ، نوى الرجعة أو لم ينوها. وقال مالك في المشهور عنه: إن نوى حصلت الرجعة. وقال الشافعي: لا تحصل الرجعة إلا بلفظ. وهل من شرط الرجعة الاشهاد أم لا؟ قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه: ليس من شرطها الاشهاد، بل هو مستحب. وللشافعي قولان. أصحهما: الاستحباب. والثاني: أنه شرط، وهو رواية عن أحمد. وما حكاه الرافعي من أن الاشهاد شرط عند مالك، لم أره في مشاهير كتب المالكية، بل صرح القاضي عبد الوهاب والقرطبي في تفسيره: بأن مذهب مالك الاستحباب، ولم يحكيا فيه خلافا عنه، وكذلك ابن هبيرة من الشافعية في الافصاح. واتفقوا على أن من طلق امرأته ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ويطؤها في
نكاح صحيح، وأن المراد بالنكاح هنا: الوطئ. وأنه شرط في جواز حلها للاول، وأن الوطئ في النكاح الفاسد: لا يحل إلا في قول للشافعي. واختلفوا هل يحصل حلها بالوطئ في حال الحيض والاحرام أم لا؟ فقال مالك: لا. وقال الثلاثة: نعم. واختلفوا في الصبي الذي يمكن جماعه، هل يحصل بوطئه في نكاح صحيح الحل أم لا؟ فقال مالك: لا. وقال الثلاثة: نعم. انتهى. المصطلح: وهو يشتمل على صور منها: صورة ما إذا طلقها طلاقا رجعيا، ثم أراد رجعتها: بعد أن طلق فلان زوجته فلانة طلقة واحدة أولى - أو ثانية مسبوقة بأولى - من غير عوض من مدة كذا وكذا يوما، أو في أمس تاريخه، راجعها إلى عصمته وعقد نكاحه من الطلقة المذكورة مراجعة شرعية. وأقر
[ 124 ]
أن مبلغ صداقها عليه، الشاهد بينهما بأحكام الزوجية وقدره كذا وكذا باق ذلك في ذمته لها، لم تبرأ ذمته من ذلك، ولا من شئ منه إلى تاريخه. وصدقته على ذلك التصديق الشرعي. ويؤرخ. وإلا فيكتب: راجع فلان زوجته فلانة إلى عصمته وعقد نكاحه من الطلقة الرجعية الصادرة منه في أمس تاريخه، مراجعة شرعية. وقال بصريح لفظه: راجعتها وارتجعتها وأمسكتها، وأبقيتها على ما كانت عليه من أحكام الزوجية. ويكمل على نحو ما سبق. وكذلك يفعل إذا حلف وحنث في طلقة أو طلقتين. ويذكر في كل صورة من هذه الصور، تصادقهما على الدخول والاصابة، وصدور المراجعة في العدة. وصورة المراجعة من الطلقة الرجعية، إذا صيرها بها بائنا: سبق ذكرها في كتاب الطلاق: وإذا طلق الزوج زوجته ثلاثا. وتزوجت بعده برجل أحلها له. وانقضت عدتها من الزوج الثاني، وأرادت العودة إلى الاول. فالاحسن أن يكتب:
عادت فلانة إلى عصمة مطلقها الاول فلان ويكمل - ثم يذكر بعد تمام العقد - بشرائطه الشرعية: وهذه الزوجة كانت زوجا للمصدق المذكور أعلاه. وبانت منه بالطلاق الثلاث، أو بطلقة واحدة مكملة لعدد الطلاق الثلاث. وانقضت عدتها منه الانقضاء الشرعي بالاقراء الثلاث، يحلفها على ذلك. وتزوجت بعده بفلان تزويجا شرعيا. ودخل بها وأصابها، ثم أبانها من عصمته وعقد نكاحه بالطلاق الثلاث بشهادة شهوده، أو بمقتضى الفصل المسطر بظاهر صداقها - الخرقة أو الكاغد - المتضمن لذلك، مؤرخ الفصل المذكور بكذا وكذا. وانقضت عدتها من الثاني المذكور الانقضاء الشرعي بالاقراء الثلاث. وحلفت على ذلك اليمين الشرعية. ويكمل على نحو ما سبق في الانكحة. فائدة: إذا طلق الرجل زوجته، ثم علق طلاقها على عودها. وهو أن يقول لمطلقته بعد أن تبين من عصمته: متى أعدتك كنت طالقا ثلاثا. أو متى أعدت مطلقتي فلانة المذكورة إلى عصمتي كانت طالقا ثلاثا. أو كلما أعدتها بنفسي أو بوكيلي، كانت طالقا ثلاثا. فالطريق في ذلك: أن تستأذن لوليها الشرعي، إن كان لها من الاولياء من يزوجها ويأذن الولي لحاكم شافعي يعيدها إلى مطلقها. ويقع الحكم من الحاكم الشافعي قبل الدخول، وبعد تمام العقد. وصورة ذلك: أن يصدر بالعود على العادة في ذلك، فإذا انتهى ذكر ذلك يقول:
[ 125 ]
عقده بينهما بإذنها ورضاها وإذن وليها الشرعي فلان، الآذن المرتب الشرعي، أو بإذنها ورضاها، وإن لم يكن لها ولي، سيدنا الحاكم الفلاني الشافعي بعد وضوحه وقبول الزوج النكاح لنفسه القبول الشرعي، ثم يقول: ولما تكامل ذلك حكم سيدنا فلان الدين الشافعي الحاكم المسمى أعلاه بصحة العقد المذكور أعلاه. وباستمرار العصمة بين الزوجين المذكورين أعلاه، وبعدم تأثير التعليق الصادر من الزوج المذكور أعلاه على
زوجته المذكورة في حال بينونتها منه في استمرار العصمة المذكورة حكما صحيحا شرعيا، مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف. ويؤرخ. وصورة العمل في ذلك على مذهب الامام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: بعد أن أذنت فلانة لوليها فلان أن يعيدها لمطلقها فلان على صداق مبلغه كذا وأذنت له أن يأذن في عودها لمطلقها المذكور على الصداق المذكور لكل قاض من قضاة السادة الحنفية، ولكل عاقد من عقادهم، ولكل رسول متصرف في الشرع الشريف ولكل مسلم. وأذن فلان المأذون له المذكور لكل ممن ذكر في عود أخته أو ابنة أخيه، أو ابنة عمه المذكورة، لمطلقها فلان المذكور بالصداق المعين أعلاه على حكمه، الاذن الشرعي. وثبت ذلك لدى سيدنا فلان الحاكم الفلاني الثبوت الشرعي، بشهادة شهوده. فعند ذلك: زوج فلان المتصرف في مجلس الشرع الشريف المشار إليه فلانا المذكور مطلقته المذكور بالصداق المذكور، على حكم حاله ومنجمه، بحضرة شهوده بمجلس الحكم العزيز المشار إليه بين يدي سيدنا الحاكم المسمى أعلاه. أدام الله علاه. وقبله لفلان المذكور فضولي - هو فلان الفلاني - على الصداق المعين أعلاه من غير حضوره، ولا إذنه، ولا توكيله إياه في ذلك. وعقداه على ذلك العقد الشرعي بالايجاب والقبول الشرعيين. ثم بعد تمام العقد المذكور على الحكم المشروح أعلاه: حضر فلان المذكور بين يدي سيدنا الحاكم المشار إليه - أيد الله أحكامه - بصحة التزويج على الحكم المشروح أعلاه ولزومه، ولا أثر لما علقه فلان المذكور حين طلاقه لها قبل تاريخه، من أن قال: كلما أعدت فلانة المذكورة إلى عصمتي تكون طالقا ثلاثا بمقتضى أنه لم يعقد ولم يوكل حكما صحيحا شرعيا. مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف. ويكمل على نحو ما سبق. والله سبحانه وتعالى أعلم.
[ 126 ]
كتاب الايلاء
وما يتعلق به من الاحكام الايلاء في اللغة: هو الحلف لا يتعلق بمدة مخصوصة. بقول الرجل: آليت لافعلن كذا، أو لا فعلت كذا. أولي إيلاء وألية. والالية: اليمين. قال الشاعر: ولا خير في مال عليه ألية ولا في يمين عقدت بالمآثم وأما الايلاء في الشرع: فهو أن يحلف أن لا يطأ امرأته مطلقا، أو مدة معلومة. وقد كان ذلك فرقة مؤبدة في الجاهلية. وقيل: إنه عمل به في أول الاسلام. والاصح أنه لم يعمل به في الاسلام. والاصل فيه قوله تعالى: * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فآءوا فإن الله غفور رحيم) *. والايلاء: يصح من كل زوج بالغ عاقل، قادر على الوطئ. فلو قال لاجنبية. والله لا وطئتك. فيمين محضة. فلو نكحها: فلا إيلاء على الصحيح. ويصح إيلاء مريض وخصي، ومن بقي له قدر الحشفة، وإيلاء عربي بالعجمية. وعكسه إن عرف المعنى. وإن وطئ بعد المطالبة لزمه كفارة يمين. وصريحه: الايلاج، وتغييب الحشفة في الفرج، والنيك، والوطئ، والجماع، والاصابة، وافتضاض البكر. ولو قال: لم أرد بها الوطئ: يدين في غير الثلاثة الاول. وكنايته: المباضعة، والمباشرة، والملامسة، والقربان، والغشيان، والاتيان، وأن تجمع رأسهما وسادة، وأبعد عنك، وحتى ينزل عيسى ابن مريم، أو يخرج الدجال. فلو قال: إن وطئتك فعبدي حر، فمات العبد أو عتق: لم ينحل الايلاء، أو زال ملكه ببيع أو هبة ونحوهما فكذلك. فإن عاد الملك، أو دبره، أو كاتبه. فلا.
[ 127 ]
والايلاء المعلق: كإن دخلت الدار فوالله لا وطئتك، ويصير موليا بالدخول. ولو
علق بمستحيل كطيرانها في السماء فمول، أو بمستبعد في أربعة أشهر، كنزول عيسى ابن مريم. فكذلك على الصحيح. ويمهل أربعة أشهر من الايلاء بلا قاض. وفي رجعته من الرجعية والمدخول بها. ولها المطالبة بأن يفي أو يطلق، وما لم يطالب لا يؤمر بشئ. وليس لولي مراهقة ومجنونة مطالبته، ولا لسيد أمة أيضا. فإن أبا الفيئة والطلاق. فالقاضي يطلق عليه، ولا يشترط حضوره. ولو استمهل - كإن كان صائما - بفطر ونحو ذلك. فيمهل يوما فما دونه. والاظهر: لا يمهل. وإنما يطالب إذا لم يكن مانع. فلو آلى وغاب، أو وهو غائب، حسبت المدة. فإذا انقضت طالبته بالفيئة أو الطلاق. فإن لم يفعل حتى مضت مدة الامكان، ثم قال: أرجع لم يمكن، ويطلق عليه القاضي. وهو الاصح. وعليه التفريع. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أن من حلف بالله عزوجل أنه لا يجامع زوجته مدة أكثر من أربعة أشهر كان موليا، أو أقل لم يكن موليا. واختلفوا في الاربعة الاشهر، هل يحصل بالحلف عن الامتناع الوطئ فيها إيلاء أم لا؟ قال أبو حنيفة: نعم. ويروى مثل ذلك عن أحمد. وقال مالك والشافعي في المشهور وعنه: لا. فإذا مضت الاربعة أشهر، هل يقع الطلاق بمضيها أم يوقف؟ قال مالك والشافعي وأحمد: لا يقع بمضي المدة طلاق، بل يوقف الامر ليفئ أو يطلق. وقال أبو حنيفة: متى مضت المدة وقع الطلاق. واختلف من قال بالايقاف إذا امتنع الولي من الطلاق. هل يطلق عليه الحاكم أم لا؟
فقال مالك وأحمد: يطلق الحاكم عليه. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يضيق عليه حتى يطلق. وعن الشافعي قولان. أظهرهما: أن الحاكم يطلق عليه. والثاني: أنه يضيق عليه. واختلفوا فيما إذا آلى بغير يمين بالله عز وجل، كالطلاق والعتاق وصدقة المال وإيجاب العبادات. هل يكون موليا أم لا؟
[ 128 ]
فقال أبو حنيفة: يكون موليا، سواء قصد الاضرار بها أو دفعه عنها، كالمرضعة والمريضة، أو عن نفسه. وقال مالك: لا يكون موليا، إلا أن يحلف حال الغضب، أو إذا قصد الاضرار بها. فإن كان للاصلاح أو لنفعها فلا. وقال أحمد: لا يكون موليا إلا إذا قصد الاضرار بها. وعن الشافعي قولان أصحهما: كقول أبي حنيفة. وإذا فاء المولى لزمته كفارة يمين بالله عزوجل بالاتفاق، إلا في قول قديم للشافعي. واختلفوا فيمن ترك وطئ زوجته للاضرار بها من غير يمين أكثر من أربعة أشهر. هل يكون موليا أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي: لا. وقال مالك: في إحدى روايتيه: نعم. واختلفوا في مدة إيلاء العبد. فقال مالك: شهران، حرة كانت زوجته أو أمة. وقال الشافعي: مدته أربعة أشهر مطلقا. وقال أبو حنيفة: الاعتبار في المدة بالنساء. فمن تحته أمة فشهران، حرا كان أو عبدا. ومن تحته حرة فأربعة أشهر، حرا كان أو عبدا. وعن أحمد روايتان. إحداهما: كمذهب مالك. والثانية: كمذهب الشافعي.
واختلفوا في إيلاء الكافر. هل يصح أم لا؟ فقال مالك: لا يصح. وقال الثلاثة: يصح. وفائدته: مطالبته بعد إسلامه. انتهى. فائدة: لا تطالب المرأة زوجها بالجماع إلا في ثلاثة مواضع. الاول: إذا آلى منها ومضت. الثاني: إذا أقر بالعنة. الثالث: إذا جامع زوجته في ليلة غيرها. فعليه أن يجامعها في ليلة أخرى. المصطلح: وهو يشتمل على صور: منها: إذا حلف الرجل بالله العظيم أنه لا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر. وانقضت المدة ولم يفئ، وأحضرته إلى الحاكم، والتمست منه الفيئة أو الطلاق. وهو لا يخلو إما أن يصدقها على الحلف والايلاء منها أم لا. فإن صدقها على الحلف وانقضاء المدة وطلق، كتب:
[ 129 ]
حضرت إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلانة وادعت بين يدي الحاكم المشار إليه على زوجها فلان: أنه كان حلف بالله العظيم الذي لا آله إلا هو اليمين الشرعية: أنه لا يطؤها إلى انقضاء أربعة أشهر كوامل، أولها اليوم الفلاني، وأنه تمادى على الايلاء حتى انقضت المدة المذكورة. ولف واستمر على ذلك إلى يوم تاريخه، وأنها التمست منه الفيئة أو الطلاق، وسألت سؤاله عن ذلك. فسئل؟ فأجاب بصحة دعواها، وذكر: أنه لم يفئ، ولم يعتذر بعذر يمنعه من الوطئ، فعند ذلك: خيره في الفيئة أو الطلاق، فامتنع من الفيئة، وطلق زوجته المذكورة طلقة واحدة رجعية، تكون بها جارية في عصمته إلى انقضاء عدتها. فإذا انقضت فلا سبيل له عليها إلا بإذنها ورضاها، وعقد جديد بشروطه الشرعية. وإن طلقها طلاقا بائنا، أو اختلعت من عصمته بشئ كتب على نحو ما تقدم في
صورة الخلع. وإن امتنع من الفيئة ومن الطلاق وعظه الحاكم. فإن امتنع من ذلك وأصر على الامتناع، عرض الحاكم على الزوجة الصبر، فإذا أبت سألت الحاكم انفصالها بموجب الشرع الشريف ومقتضاه، ثم يقول: فأجابها الحاكم إلى ذلك، وطلقها على زوجها المذكور طلقة واحدة أولى رجعية تكون بها جارية في عصمته إلى انقضاء عدتها، وهو أملك لرجعتها ما لم تنقض عدتها. وحكم لها بذلك حكما صحيحا شرعيا، وأشهد على نفسه الكريمة بذلك، ويؤرخ. وإذا حلف الرجل على عدم وطئ زوجته مدة تزيد على أربعة أشهر، فإن وطئ قبل انقضائها: بطل حكم الايلاء، وعليه الكفارة. وإن انقضت ولم يف ورفعته إلى القاضي وادعت عليه بذلك، فأقر بالزوجية ولم يصدقها على الايلاء، ولا على تقضي مدته ولم يفئ، وحلف بالله العظيم أنه لا يطؤها مدة يكون موليا منها، فيقول بعد تمام الدعوى وحلفه: فعند ذلك التمست الزوجة المذكورة من زوجها المذكور: أن يضرب لها أجلا مدة أربعة أشهر، أولها كذا وآخرها كذا، فيضرب لها المدة المذكورة. وأشهد عليه بذلك من حضره من العدول. والامر محمول بينهما في ذلك على ما يوجبه الشرع الشريف، ويؤرخ. فإذا انقضت المدة ولم يفئ كتب:
[ 130 ]
حضرت إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلانة، وادعت على فلان بين يدي سيدنا الحاكم المشار إليه: أنه تزوج بها تزويجا صحيحا شرعيا، بولي مرشد وشاهدي عدل، وبإذنها ورضاها، ودخل بها وأصابها، وأنه حلف بالله العظيم - أو بعتق أو غير ذلك مما ينعقد به الايلاء -: أنه لا يطؤها مدة يكون موليا فيها إلا بعد انقضاء أربعة أشهر،
وانقضت المدة، ولم يفئ، وأنها دعته إلى الحاكم الفلاني وتنازعا في ذلك. وأنكر الايلاء. وحلف أنه لا يطؤها مدة يكون موليا فيها، وضرب لها مدة أربعة أشهر، وقد انقضت ولم يفئ. وسألت سؤاله عن ذلك. فسئل؟ فأجاب بصحة دعواها، واعترف لديه بذلك، وأن مدة الاجل الذي ضربه لها انقضت، ولم يفئ لزوجته هذه. ولم يعتذر بعذر يمنعه عن الوطئ. فحينئذ أعلمه الحاكم أن الخيار له في الفيئة أو الطلاق، فإن اختار الطلاق كما تقدم. وإن امتنع وأصر على الامتناع وعظها، وطلق عليه الحاكم كما تقدم شرحه. وهذا الطلاق واجب. وصورة ما إذا تنازع الزوجان وخيف شقاق بينهما: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان وفلانة، وتصادقا أنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي. وثبت عنده صحة الزوجية على الاوضاع الشرعية، وتكلم كل منهما في حق الآخر. وزعم أنه لا يقيم معه حدود الله. وأشكل عليه أمرهما واختلاف حالهما. وهو أنهما وعدا بوفاء كل منهما في حق الآخر بما يجب عليه من الحقوق الشرعية والاحوال المرضية، وخيف شقاق بينهما. فأمرهما الحاكم المشار إليه بتقوى الله وطاعته، وسلوك المنهج القويم، والصراط المستقيم، على ما جاء به نص القرآن العظيم، وسنة النبي الكريم. وكرر ذلك عليهما وزاد في وعظهما. فلم يرجع كل منها عما قاله في حق الآخر. وتمادى الامر بينهما، واستمر حالهما على ذلك. فأنفذ الحاكم المشار إليه رجلين حرين مسلمين عدلين، عالمين بحالهما، عارفين بوجه الحكم، للنظر بينهما والاصلاح ما استطاعا، والتسديد ما قدرا - وهما فلان وفلان - أحدهما - وهو فلان - من أهل الزوج. والآخر - وهو فلان - من أهل الزوجة. وأمرهما بالكشف عن حالهما، بعد أن أخبرهما الحاكم بما جرى لديه منهما، وبما وعظهما به وخوفهما، وما أمرهما به من تقوى الله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فامتثلا أمر الحاكم المشار إليه بذلك. وإلا فيفرقا بينهما إذا رأيا ذلك، أو يجمعا، وأن يأخذا مما لكل واحد منهما لصاحبه ما يره. وصارا والزوجان بصحبتهما إلى
مكانهما وكشفا عن حالهما، وبحثا عن أمرهما. وخوفاهما وحذراهما، وأمراهما بتقوى الله وطاعته، وأعلماهما بما يجب على كل واحد منها للآخر على الوجه الشرعي، والسنن
[ 131 ]
المرضي، مما جاء به الكتاب والسنة. وطال الخطب بينهما في ذلك. فلم يذعنا للصلح، ولا رغبا فيه. ولم يرجع كل منهما عما قاله في حق الآخر. وأشكل أمرهما عليهما. فإن كانا حكمين، اعتمدا في حق الزوجين ما يجب اعتماده، إما بإقرارهما على الزوجية، أو انفصالهما بالطلاق. ثم يقول: وأنهما ألزما أنفسهما بما قضى به الحكمان لهما وعليهما. وقبلا ذلك منهما، ورضيا ما جعلاه إلى كل واحد منهما. ما اختاره القاضي بمخاطبتهما على ذلك. وإن كانا وكيلين عنهما اختلعا عن الزوجة، وطلقا على الزوج بإذنهما. ويكتب ذلك، كما تقدم ذكره في صورة وكيل الزوج. ووكيل الزوجة. وإن رغب الزوج في طلاق زوجته على عوض تقوم به الزوجة، فيفعل في ذلك كما تقدم في صورة الخلع، ويحصل التفريق بينهما. تذييل: إذا تنازع الزوجان، وظهر من تنازعهما بطلان النكاح، أو وطئ شبهة، أو نكاح فاسد. وطالت الخصومة بينهما، وصارا إلى قبيح وفحش من القول والفعل، وآل أمرهما إلى تفريق الحاكم بينهما. كتب: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان وفلانة. وادعى فلان المذكور على فلانة المذكورة - ويذكر الصيغة الواقعة بينهما المؤدية إلى فساد النكاح، ويشرحها على حكم ما وقعت بينهما على أي وجه مفسد كان من مفسدات النكاح - ثم يقول: وأنه تمادى به وبها الامر بسبب ذلك إلى كثرة التنازع. وطالت الخصومة بينهما. وصار الامر بينه وبينها إلى قبيح وفحش من القول والفعل. وسأل سؤالها عن ذلك. فسألها الحاكم؟ فأجابت بعدم صحة دعواه. فتبين الحاكم أثر الريبة المفهمة بفساد
أصل العقد الجاري بينهما، وعدم حقيقته، وفقدان وجوده. ووجد تناقض دعواهما، وتكذيب أحدهما الآخر في دعواه، واختلاف قولهما بظهور الريبة الواقعة منه، القادحة في تزويجها إياه، ومعاشرته لها بغير مسوغ شرعي. فعند ذلك أمر بإيداعهما السجن لينظر في أمرهما، تحريا في الثبوت قبل بت الحكم بالاحتياط الذي لا يضر مثله في الامور الشرعية. ثم أحضرهما بعد ذلك، وسألهما عن حقيقة الحال الجاري بينهما؟ فاعترفا بترتب دعواهما الزوجية على أصل كاذب. وتصادقا على أن لا نكاح بينهما ولا زوجية. فحينئذ سأل سائل شرعي ثبوت ذلك عنده. والتفريق بينهما، لوجود المسوغ الشرعي المقتضي لذلك.
[ 132 ]
فتأمل الحاكم ذلك وتدبره. وروى فيه فكره، وأمعن فيه نظره. واستخار الله كثيرا. واتخذه هاديا ونصيرا. وأجاب السائل إلى سؤاله. وفرق بين المذكورين أعلاه تفريقا شرعيا، تكون به في عدة منه إلى حين انقضائها شرعا. وأمره بترك التعرض لها بموجب النكاح المذكور، إلا بمستند شرعي بطريقه الشرعي. وألزمه لها بمهر مثلها بمقتضى ثبوت إقرارهما بالوطئ الموجب لدرء الحد عنهما، بمقتضى قيام الشبهة في نفس الوطئ وقوتها. وأمرهما بتقوى الله تعالى وطاعته وخشيته ومراقبته، وحذرهما من الوقوع في المحذور. وتوعدهما على تعاطي ما يخالف ذلك في مشروعية النكاح. وفي سائر الامور. وأشهد على نفسه الكريمة بذلك. ويكمل ويؤرخ. والله أعلم.
[ 133 ]
كتاب الظهار وما يتعلق به من الاحكام الظهار مشتق من الظهر. وإنما خصوا الظهر من بين أعضاء الام، لان كل مركوب يسمى ظهرا. لحصول الركوب على الظهر. فشبهت به الزوجة.
وقد كان الظهار في الجاهلية طلاقا. ثم نقل في الشرع إلى التحريم والكفارة. وقيل: إنه كان طلاقا في أول الاسلام. والاول أصح. والاصل فيه قوله تعالى: * (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور) * وقوله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير) *. وروي أن خولة بنت مالك بن ثعلبة - وقيل: اسمها خويلة - قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت. فجئت رسول الله (ص)، أشكو إليه، وذكرت أمورا، وقلت: قدمت معه صحبتي، ونثرت له كنانتي. ولي منه صبية إن ضمهم إليه ضاعوا، وإن ضمتهم إلي جاعوا. أشكو إلى الله عجري وبجري، ورسول الله (ص) يجادلني فيه، يقول: اتق الله، فإنه ابن عمك. فما برحت حتى نزل القرآن: * (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) * الآيات فقال رسول الله (ص): يعتق رقبة. قلت: لا يجد. قال: فيصوم شهرين متتابعين. قلت: يا رسول الله، شيخ كبير ما به صيام. قال: فليطعم ستين مسكينا. قلت: ما عنده شئ يتصدق به. قال: فأتى بعرق من تمر. قلت: يا رسول الله، وأنا أعينه بعرق آخر. قال: قد أحسنت، اذهبي فأطعمي عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك قال الاصمعي: العرق - بفتح العين والراء - ما نسج من خوص، كالزنبيل الكبير.
[ 134 ]
وروى سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: كنت رجلا أصيب من النساء ما لا يصيبه غيري. فلما دخل شهر رمضان خشيت أن أصيب من امرأتي شيئا، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان. فبينا هي تحدثني ذات ليلة، انكشف لي شئ منها. فلم ألبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر، وقلت: امشوا
معي إلى رسول الله (ص) قالوا: لا والله. فانطلقت إلى رسول الله (ص) فأخبرته الخبر. فقال: حرر رقبة، فقلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها - وضربت صفحة رقبتي - قال: فصم شهرين متتابعين. قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم وسقا من تمر ستين مسكينا. قلت: والذي بعثك بالحق نبيا لقد بتنا ما لنا طعام. قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها. فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي. ووجدت عند رسول الله (ص) السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم. والظهار محرم لقوله تعالى: * (وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) * ومعنى ذلك: أن الزوجة لا تكون محرمة كالام. ويصح الظهار من كل زوج يصح طلاقه. حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، وخصي ومجبوب. وظهار السكران كطلاقه. وصريحه: أنت علي - أو مني، أو معي، أو عندي، أو لي - كظهر أمي، وكذلك أنت كظهر أمي على الصحيح، وقوله: جملتك، أو نفسك، أو ذاتك أو جسمك، أو بدنك كبدن أمي، أو جسمها أو ذاتها: صريح. ومتى أتى بصريح وقال: أردت غيره، لم يقبل على الصحيح. ويصح تعليقه. ويصير بوجود الصفة مظاهرا. فصل: وعلى المظاهر كفارة بالعود، وهو أن يمسكها بعد ظهاره زمان إمكان فرقة على المشهور. ويحرم قبل التكفير وطئ، لا لمس ونحوه بشهوة في الاظهر. وأقصى التلذذ في الانزال. وفيما بين السرة والركبة: الاحتمالات.
[ 135 ]
وإذا عاد ووجبت الكفارة لم تسقط بفرقة، وإن جدد النكاح فالتحريم مستمر حتى
يكفر. والكفارة: عتق رقبة مؤمنة سليمة، أو صوم شهرين متتابعين، أو تمليك ستين مسكينا كل مسكين مد بمد رسول الله (ص) من جنس الفطرة. والاظهر: اعتبار اليسار بوقت الاداء. فإن كان موسرا ففرضه الاعتاق، أو معسرا فالصوم. فإن تكلف الاعتاق باستقراض أو غيره، أجزأه على الصحيح، أو صام ثم أيسر في أثنائه لم يلزمه على الصحيح، وبعد فراغه لم يلزمه قطعا. فإن أعتق كان، ووقع الصوم تطوعا. وكذا لو أطعم البعض ثم قدر على الصوم لم يلزمه. والعبد يكفر في الظهار بالصوم. وليس للسيد منعه إلا في العتق والاطعام. فإن عتق وأيسر قبل الكفارة لزمه الاعتاق في الارجح. وتجب النية في الصوم لكل يوم، وكذا نية التتابع في الاصح. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أن المسلم إذا قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي أنه مظاهر منها، لا يحل له وطؤها حتى يقدم الكفارة، وهي عتق رقبة إن وجدها. فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. واختلفوا في ظهار الذمي. فقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح. وقال الشافعي وأحمد: يصح. ولا يصح ظهار السيد من أمته إلا عند مالك. واتفقوا على ظهار العبد، وأنه يكفر بالصوم وبالاطعام عند مالك إن ملكه السيد. واختلفوا فيمن قال لزوجته أمة كانت أو حرة: أنت علي حرام فقال أبو حنيفة: إن نوى الطلاق كان طلاقا. فإن نوى ثلاثا فهو ثلاث. وإن نوى واحدة أو اثنتين فواحدة بائنة. وإن نوى التحريم ولم ينو الطلاق، أو لم يكن له نية. فهو يمين وهو مول، إن تركها أربعة أشهر وقعت طلقة بائنة، وإن نوى الظهار: كان مظاهرا. وإن نوى اليمين
كانت يمينا. ويرجع إلى نيته: كم أراد بها، واحدة أو أكثر؟ سواء المدخول بها أو غيرها. وقال مالك: هو طلاق ثلاث في المدخول بها، وواحدة في غير المدخول بها. وقال الشافعي: إن نوى الطلاق أو الظهار: كان ما نواه. وإن نوى اليمين، لم يكن يمينا، ولكن عليه كفارة يمين. وإن لم ينو شيئا فقولان: أحدهما - وهو الراجح - لا
[ 136 ]
شئ عليه. والثاني: عليه كفارة يمين. وعن أحمد روايتان: أظهرهما: أنه صريح في الظهار نواه أو لم ينوه. وفيه كفارة الظهار. والثانية: أنه يمين وعليه كفارة. والثالث: أنه طلاق. واختلفوا في الرجل يحرم طعامه وشرابه، أو أمته. فقال أبو حنيفة وأحمد: هو حالف. وعليه كفارة يمين بالحنث. ويحصل الحنث عندهما بفعل جزء منه، ولا يحتاج إلى أكل جميعه. وقال الشافعي: إن حرم الطعام أو الشراب أو اللباس فليس بشئ ولا كفارة. وإن حرم الامة فقولان. أحدهما: لا شئ عليه. والثاني: لا تحرم. ولكن عليه كفارة يمين. وهو الراجح. وقال مالك: لا يحرم عليه شئ من ذلك على الاطلاق. ولا كفارة عليه. واختلفوا: هل يحرم على المظاهر القبلة واللمس بشهوة أم لا؟ فقال أبو حنيفة ومالك: يحرم. وللشافعي قولان. الجديد: الاباحة، وعن أحمد روايتان. أظهرهما: التحريم. واختلفوا فيما إذا وطئ المظاهر منها. فقال أبو حنيفة ومالك في أظهر روايتيه: يستأنف الصيام إن وطئ في خلال الشهرين ليلا كان أو نهارا، عامدا كان أو ناسيا. وقال الشافعي: إن وطئ بالليل مطلقا لم يلزمه الاستئناف، وإن وطئ بالنهار
عامدا فسد صومه وانقطع التتابع. ولزمه الاستئناف لنص القرآن. واختلفوا في اشتراط الاثمان في الرقبة التي يكفر بها المظاهر. فقال أبو حنيفة وأحمد، في إحدى روايتيه لا. وقال مالك والشافعي وأحمد في الرواية الاخرى: يشترط. واختلفوا فيما إذا شرع في الصيام ثم وجد الرقبة. فقال الشافعي وأحمد: إن شاء مضى على صومه، وإن شاء أعتق. وقال مالك: إن صام يوما أو يومين أو ثلاثة عاد إلى العتق. وإن كان قد مضى في صومه أتمه، وقال أبو حنيفة: يلزم العتق مطلقا.
[ 137 ]
واتفقوا على أن لا يجوز له الوطئ حتى يكفر، وأنه لا يجوز دفع شئ من الكفارات إلى الكافر والحربي. واختلفوا في الدفع إلى الذمي، فقال أبو حنيفة: يجوز. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز. ولو قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي. فلا كفارة عليها بالاتفاق إلا في رواية عن أحمد. اختارها الخرقي. انتهى. المصطلح: وهو يشتمل على صور. منها: إذا قال الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أنت طالق وواصل كلامه كان مطلقا مظاهرا. وسقطت الكفارة عنه. وكان الطلاق رجعيا، إن كان قد دخل بها. صورة ما يكتب في ذلك: أشهد عليه فلان - أو أقر فلان - أنه كان في التاريخ الفلاني قال لزوجته فلانة التي دخل بها وأصابها: أنت علي كظهر أمي، أنت طالق، بكلام متصل غير منفصل، وصدقته على ذلك، وترافعا إلى حاكم من حكام المسلمين. وتحاكما عنده بسبب ذلك، وحكم عليه بالطلقة المذكورة. تكون بها جارية في عصمته
إلى انقضاء عدتها، فإذا انقضت فلا سبيل له عليها إلا بإذنها ورضاها، وعقد جديد بشروطه الشرعية. ويؤرخ. وصورة إشهاد المظاهر عليه بالظهار ولزوم الكفارة له: أشهد عليه فلان أنه قال لزوجته فلانة في تاريخ كذا: أنت علي كظهر أمي أو لفظا من صرائح الظهار المتقدم ذكرها، وأنه أمسكها عقب قوله ذلك إلى الآن. وأنه قادر على الكفارة التي تلزمه شرعا، وهو ممتنع عن الوطئ حتى يكفر، وملتزم أحكام ذلك الشرعية. وعليه الخروج من الكفارة على مقتضى ما يجب عليه شرعا، وصدقته زوجته المذكورة على ذلك كله تصديقا شرعيا. وصورة ما إذا ترافعا إلى حاكم شرعي بسبب ذلك: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان وزوجته فلانة. وادعت فلانة الزوجة المذكورة على زوجها فلان المذكور: أنه تزوج بها تزويجا صحيحا شرعيا بنكاح صحيح شرعي، بولي مرشد وشاهدي عدل، بشرائطه الشرعية، ودخل بها وأصابها - أو لم يدخل بها ولم يصبها - وأنه قال لها بصريح لفظه: أنت علي كظهر أمي أو لفظ من صرائح الظهار المقدم ذكرها، وأمسكها عقيب ذلك، وأن الكفارة واجبة عليه. وأنه دعاها للوطئ فامتنعت حتى يكفر. وسألت سؤاله عن ذلك.
[ 138 ]
فسئل فأجاب بصحة دعواها، وأنه قال ذلك بلفظه في المجلس المشار إليه، فأمره الحاكم بعدم الوطئ حتى يكفر، واعترف لديه - أحسن الله إليه - أن الواجب عليه من الكفارة كذا وكذا. وإن لم يصدقها على الظهار وصدقها على الزوجية، فيأمرها الحاكم بإقامة البينة، ثم يقول: فحينئذ قامت بينتها الشرعية على الظهار. وهما فلان وفلان. ولا ينقص عن اثنين من الشهداء. وأقام كل من الشاهدين المذكورين شهادته عند الحاكم المشار إليه
بذلك، وقبلهما لما رأى معه قبولهما. وأمره الحاكم بعدم الوطئ، حتى يكفر. فإن فعل الكفارة. كتب: أشهد عليه فلان أنه فعل ما وجب عليه من الكفارة الشرعية بسبب الظهار المذكور، ويعين ذلك - إما بعتق أو صوم، أو إطعام - وصدقته زوجته المذكورة على ذلك تصديقا شرعيا، وإن لم تصدقه على الكفارة فترفعه إلى الحاكم وتقع الدعوى كما تقدم، وتقدم البينة بذلك. ويكمل على نحو ما تقدم شرحه. والله تعالى أعلم.
[ 139 ]
كتاب اللعان وما يتعلق به من الاحكام اللعان مشتق من اللعن. واللعن: هو الطرد والابعاد. وسمي المتلاعنان بذلك لان في الخامسة اللعنة، ولما يتعقب اللعان من المأثم والطرد، لانه لا بد أن يكون أحدهما كاذبا. فيكون ملعونا. والاصل فيه قوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) * الآية. ولاعن رسول الله (ص) بين عويمر العجلاني وبين امرأته كما روى سهل بن سعد الساعدي قال: أتى عويمر العجلاني النبي (ص). فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال النبي (ص): قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك ما في هلال بن أمية وامرأته - يعني: قوله * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) * لانها عامة. ولاعن النبي (ص) هلال بن أمية، كما روى ابن عباس: أن هلال ابن أمية قذف زوجته بشريك بن سحماء، فقال النبي (ص): البينة أو حد في ظهرك. فقال: والذي بعثك بالحق إني لصادق. ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد. فأنزل الله
تعالى * (والذين يرمون أزواجهم) * الآية. فدعاه النبي (ص)، وقال: أبشر يا هلال، وقد جعل الله لك فرجا ومخرجا. قال: قد كنت أرجو ذلك من ربي. فإذا رأى الرجل امرأته تزني، أو أقرت عنده بالزنا، أو أخبره بذلك ثقة، أو استفاض في الناس أن رجلا يزني بها، ثم وجده عندها، ولم يكن هناك نسب يلحقه من
[ 140 ]
هذا الزنا، فله أن يقذفها بالزنا. لانه إذا رآها فقد تحقق زناها. وإذا أقرت عنده، أو أخبره ثقة، أو استفاض في الناس ووجد الرجل عندها، غلب على ظنه زناها. فجاز له قذفها. ولا يجب عليه قذفها: لما روي أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس - تعريضا منه بزناها - فقال النبي (ص): طلقها. فقال: إني أحبها. قال: أمسكها. وروى عبد الله بن مسعود: أن رجلا أتى النبي (ص). فقال: يا رسول الله، إن وجد رجل مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ. فقال النبي (ص): اللهم افتح. فنزلت آية اللعان فظهر أنه يتكلم أو يسكت، ولم ينكر عليه النبي (ص). وأما إذا لم يظهر على المرأة بينة بالزنا ولا سبب، حرم عليه قذفها. لقوله تعالى: * (إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) *. ولما روي أن النبي (ص) قال: من قذف محصنة أحبط الله عمله ثمانين عاما. وإن أخبره بزناها من لا يثق بقوله حرم عليه قذفها. لانه لا يغلب على الظن إلا قول الثقة. وإن وجد عندها رجلا ولم يستفض في الناس أنه يزني بها، حرم عليه قذفها، لجواز أن يكون دخل إليها هاربا، أو لطلب الزنا ولم تجبه، فلا يجوز قذفها بأمر
محتمل. واللعان يمين مؤكدة بلفظ شهادة. وقيل: فيها ثبوت شهادة. ويشترط في الملاعن أهلية اليمين والزوجية. فلا يصح لعان صبي ومجنون. ويصح من ذمي ورقيق ومحدود في القذف. فإذا نفى الرجل حمل زوجته ولم يقر به، ترافعا إلى الحاكم ولاعن لاسقاط الحد عن نفسه ونفي ذلك النسب عنه.
[ 141 ]
الخلاف المذكور في مسائل الباب: أجمع الائمة رحمهم الله تعالى على أن من قذف امرأته، أو رماها بالزنا، أو نفى حملها. وأكذبته ولا بينة له: أنه يجب عليه الحد، وله أن يلاعن وهو أن يكرر اليمين أربع مرات بالله: إنه لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة: إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإذا لاعن لزمها حينئذ الحد. ولها درؤه باللعان. وهو أن تشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، ثم تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فإن نكل الزوج عن اللعان لزمه الحد عند مالك والشافعي، إلا أن الشافعي يقول: إذا نكل فسق، ومالك يقول: لا يفسق حتى يحد. وقال أبو حنيفة: لا حد عليه، بل يحبس حتى يلاعن أو يقر. وإن نكلت الزوجة حبست حتى تلاعن أو تقر عند أبي حنيفة، وفي أظهر الروايتين عن أحمد. وقال مالك والشافعي: يجب عليها الحد. واختلفوا هل اللعان بين كل زوجين، حرين كانا أو عدين أو أحدهما، عدلين كانا أو فاسقين، أو أحدهما؟ فعند مالك: إن كل مسلم صح طلاقه صح لعانه، حرا كان أو عبدا، عدلا كان أو فاسقا. وبه قال الشافعي وأحمد، غير أن الكافر يجوز طلاقه ولعانه
عند الشافعي وأحمد. والكافر عند مالك لا يقع طلاقه. لان أنكحة الكفار عنده فاسدة، فلا يصح لعانه. وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة. فمتى قذف، وليس هو من أهل الشهادة، حد. وهل يصح اللعان لنفي الحمل قبل وضعه؟ قال أبو حنيفة وأحمد: إذا نفى حمل امرأته فلا لعان بينهما. ولا ينتفي عنه. فإن قذفها بصريح الزنا لا عن القذف، ولم ينف نسبه، سواء ولدته لستة أشهر أو لاقل. وقال مالك والشافعي: يلاعن لنفي الحمل، إلا أن مالكا اشترط أن يكون استبراؤها بثلاث حيضات أو بحيضة، على خلاف بين أصحابه. فصل: وفرقة التلاعن بين الزوجين بالاتفاق. واختلفوا بماذا تقع؟ فقال مالك: تقع بلعانها خاصة من غير تفرقة الحاكم، وهي رواية عن أحمد. وقال أبو حنيفة وأحمد أظهر روايتيه: لا تقع إلا بلعانهما وحكم الحاكم. فيقول: فرقت بينهما. وقال الشافعي: تقع بلعان الزوج خاصة، كما ينتفي النسب بلعانه، وإنما لعانهما يسقط الحد عنهما.
[ 142 ]
واختلفوا: هل ترتفع الفرقة بتكذيب الزوج نفسه أم لا؟ فقال أبو حنيفة: ترتفع. فإذا كذب نفسه جلد الحد. وكان له أن يتزوجها. وهي رواية عن أحمد. وقال مالك والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه: هي فرقة مؤبدة لا ترفع بحال. واختلفوا: هل فرقة اللعان فسخ أو طلاق؟ فقال أبو حنيفة: طلاق بائن. وقال مالك والشافعي وأحمد: فسخ. وفائدته: أنه إذا كان طلاقا لم يتأبد التحريم. وإن أكذب نفسه جاز له أن يتزوجها. وعند مالك والشافعي: هو تحريم مؤبد كالرضاع، فلا تحل له أبدا. وبه قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وعطاء والزهري والاوزاعي والثوري.
وقال سعيد بن جبير: إنما يقع باللعان تحريم الاستمتاع. فإذا أكذب نفسه ارتفع التحريم، وعادت زوجته إن كانت في العدة. فصل: ولو قذف زوجته برجل بعينه، فقال: زنى بك فلان فقال أبو حنيفة ومالك: تلاعن الزوجة، ويحد للرجل الذي قذفه، إن طلب الحد. ولا يسقط باللعان. وللشافعي قولان. أحدهما: يحد حدا واحدا لهما، وهو الراجح. والثاني: يحد لكل واحد منهما حدا. فإن ذكر المقذوف في لعانه سقط الحد. وقال أحمد: عليه حد واحد لهما، ويسقط بلعانهما. ولو قال لزوجته: يا زانية وجب عليه الحدإن لم يثبته. وليس عند مالك في المشهور عنه أن يلاعن حتى يدعي رؤيته بعينه وقال أبو حنيفة والشافعي: له أن يلاعن، وإن لم يذكر رؤية. فصل: لو شهد على المرأة أربعة، منهم الزوج. فعند مالك والشافعي وأحمد: لا يصح. وكلهم قذفة. يحدون، إلا الزوج، فيسقط حده باللعان. وعند أبي حنيفة: تقبل شهادتهم، وتحد الزوجة. ولو لاعنت المرأة قبل الزوج: اعتد به عند أبي حنيفة. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يعتد به. فصل: والاخرس: إذا كان يعقل الاشارة، ويفهم الكتابة، ويعلم ما يقوله. فإنه يصح لعانه وقذفه عند مالك والشافعي وأحمد. وكذلك الخرساء. وقال أبو حنيفة: لا.
[ 143 ]
وإذا بانت زوجته منه، ثم رآها تزني في العدة: فله عند مالك أن يلاعن. وكذا إن تبين بها حمل بعد طلاقه، ولو قال: كنت استبرأتها بحيضة. وقال الشافعي: إن كان هناك حمل أو ولد: فله أن يلاعن وإلا فلا. وقال أبو حنيفة وأحمد: ليس له أن يلاعن أصلا.
ولو تزوج امرأة وطلقها عقب العقد من غير إمكان وطئ، وأتت بولد لستة أشهر من العقد، لم يلحق به عند مالك والشافعي وأحمد، كما لو أتت به لاقل من ستة أشهر. وقال أبو حنيفة: إذا عقد عليها بحضرة الحاكم، ثم طلقها عقب العقد، فأتت بولد لستة أشهر لحق به، وإن لم يكن هناك إمكان وطئ. وإنما يعتبر أن تأتي به لستة أشهر فقط، لا أكثر منها ولا أقل. لانها إن أتت به لاكثر من ستة أشهر يكون الولد حادثا بعد الطلاق الثلاث، فلا يلحقه. وإن أتت به لاقل من ستة أشهر كان الولد حادثا قبل العقد، فلا يلحق به. وقال أيضا: لو تزوج امرأة وغاب عنها السنين الطوال فأتاها خبر وفاته فاعتدت. ثم تزوجت وأتت بأولاد من الثاني، ثم قدم الاول. فإن الاولاد يلحقون بالاول، وينتفون من الثاني. وعند مالك والشافعي وأحمد: يكونون للثاني. وقال أيضا: لو تزوج وهو بالمشرق امرأة وهي بالمغرب، وأتت بولد لستة أشهر من العقد. كان الولد ملحقا به، وإن كان بينهما مسافة لا يمكن أن يلتقيا أصلا، لوجود العقد. انتهى. فائدة: قال ابن عبد السلام في القواعد: إذا قال الرجل: أنت أزنى الناس أو أنت أزنى من زيد فظاهر هذا اللفظ: أن زناه أكثر من زنا سائر الناس، أو من زنا زيد. وقال الشافعي: لا حد عليه، حتى يقول: أنت أزنى زناة الناس أو فلان زان وأنت أزنى منه وفي هذا بعد، من جهة أن المجاز قد غلب على هذا اللفظ. فيقال: فلان أشجع الناس، وأسخى الناس، وأعلم الناس. والناس كلهم يفهمون من هذا اللفظ: أنه أشجع شجعان الناس، وأسخى أسخياء الناس. والتعبير الذي وجب الحد لاجله حاصل من هذا اللفظ حصوله بقوله: أنت زان. فرع: كل حد أو تعزير ثبت بطلب شخص سقط بعفوه بشرط أهليته. المصطلح: وما يشتمل عليه من الصور.
صورة ما إذا نفى الرجل حمل زوجته، وكان حملا ظاهرا، وترافعا إلى الحاكم. فإن كان بينهما كتاب يشهد بالزوجية كتب محضرا صورته: حضر شهود يعرفون فلانا
[ 144 ]
وفلانة معرفة صحيحة شرعية، ويشهدون - مع ذلك - أنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي، دخل الزوج منهما بالزوجة وأصابها. يعلمون ذلك ويشهدون به، مسؤولين بسؤال من جاز سؤاله شرعا، ويؤرخ. وكتب: حسب الاذن الكريم العالي الحاكمي الفلاني. ثم يثبت هذا المحضر عند الحاكم بشهادة من شهد فيه، ثم يكتب على ظهر كتاب الزوجة، أو على ظهر هذا المحضر: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني - هذا الحاكم أو غيره - فلان وفلانة. واعترفا أنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي - إن كان ذلك على ظهر كتاب الزوجة - ثم يقول: على الحكم المشروح باطنه. وإن كان على ظهر المحضر، فيقول: لما قامت البينة الشرعية في المحضر المسطر باطنه عند سيدنا الحاكم المشار إليه باطنه. وثبت ذلك عنده الثبوت الشرعي على الحكم المشروح باطنه. وإن كان الثبوت عند غير الحاكم الذي أثبت المحضر: فتقع الدعوى عنده. ولا بد من إيصال ثبوت النكاح به: ادعى الزوج المذكور أعلاه أن زوجته فلانة المذكورة معه فيه حامل، وليس هذا الحمل منه. وإنما زنت به، ونفى الحمل المذكور. وادعت الزوجة: أن الحمل منه، ولم يصدقها عليه. فخوفهما الحاكم المشار إليه بالله تعالى ووعظهما، وزاد في تخويفهما وتحذيرهما. فأصر كل منهما على ما قاله ولم يرجع، واستمرا على ذلك. فاقتضى الحال الحكم بينهما بما تقتضيه الشريعة المطهرة. وبرز أمر الامام الاعظم بذلك. فقضى الحاكم المشار إليه باللعان بين هذين الزوجين المذكورين. وأمر بتحليفهما
بالمسجد الجامع بحضور جماعة من الفقهاء العدول المتميزين والصلحاء والاخيار، ومن حضر من المسلمين. على نص كتاب الله العظيم. فتقدم الزوج المذكور. وقام قائما على قدميه بالجامع في دبر صلاة العصر، من يوم الجمعة من شهر كذا سنة كذا، عند المنبر، واستقبل القبلة بحضرة زوجته، ومن حضر بالمجلس المذكور من المسلمين. وحلف أربعة أيمان بالله، كما أوجب الله أن يحلف به في الوقت المذكور، وهو يشير إلى زوجته المذكورة: أنه فيما قاله لمن الصادقين. وقال في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وحلفت الزوجة في الموضع المذكور عقيبه، وهي مستقبلة القبلة، أربعة أيمان بالله إنه لمن الكاذبين. وقالت في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
[ 145 ]
وتثبت أيمان كل منهما على ما نص في كتاب الله العزيز عند سيدنا المشار إليه، وتشخيصهما عنده الثبوت الشرعي. فبحكم ذلك وقضيته: وقعت الفرقة بين هذين المتلاعنين، بمقتضى اللعان الواقع بينهما على الحكم المشروح أعلاه، وحرم عليهما أن يتناكحا أبدا. وأسقط هذا اللعان نسب حمل الزوجة المذكورة من فلان المذكور. وحكم الحاكم المشار إليه - أحسن الله إليه - بموجب هذا اللعان وقضيته، وقضى بذلك وأمضاه. وألزم العمل بمقتضاه، حكما شرعيا تاما، معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية. وإبقاء كل ذي حجة معتبرة على حجته، إن كانت. وأسقط القذف عن فلان فيما رمى به فلانة من لعانه، وأسقط الحد عنها فيما رماها به موضع لعانها. واعترف المحكوم عليهما أن لا دافع لهما فيما حكم به عليهما. وثبت ذلك عند الحاكم المشار إليه. وأشهد على نفسه الكريمة من حضر مجلس حكمه وقضائه، وهو نافذ القضاء والحكم ماضيهما. وذلك في اليوم المبارك، ويكتب القاضي التاريخ والحسبلة بخطه. صورة الاقرار بنفي ولد جاريته مملوكته بعد الوطئ والاستبراء، وعدم الوطئ بعد:
أشهد عليه فلان - أو أقر فلان - أنه كان قبل تاريخه وطئ مملوكته فلانة - ويذكر جنسها - المسلمة المقرة له بالرق والعبودية، ثم استبرأها بعد الوطئ استبراء صحيحا شرعيا، وأنه لم يطأها بعد الاستبراء، وأنها بعد ذلك أتت بولد وسمته فلانا، وأنه الآن في قيد الحياة. وأن هذا الولد المذكور ليس هو من صلبه، ولا نسب بينه وبينه. وأشهد على نفسه بذلك بحضور جاريته المذكورة. ويؤرخ. وصورة ما إذا أقر بولد رزقه من جاريته: سبق في كتاب الاقرار. والله أعلم.
[ 146 ]
كتاب العدد وما يتعلق بها من الاحكام الاصل في وجوب العدة قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) *. وجملة ذلك: أن الزوجة يجب عليها العدة بطلاق الزوج أو بوفاته. فأما عدة الطلاق: فينظر فيها. فإن طلقها قبل الدخول بها والخلوة لم تجب العدة، لقوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا) * (الاحزاب: 94). وإن طلقها بعد أن دخل بها، وجبت عليها العدة. لان الله تعالى لما لم يوجب عليها العدة إذا طلقت قبل الدخول، دل على أنها تجب عليها العدة بعد الدخول. لان رحمها قد صار مشغولا بماء الزوج. فوجبت عليها العدة لبراءته منه. وإن طلقها بعد الخلوة وقبل الدخول. فقد نص الشافعي، في الجديد، على أن الخلوة لا تأثير لها في استقرار المهر، ولا في إيجاب العدة، ولا في قوة قول من يدعي الاصابة. وسيأتي الخلاف بين العلماء رضي الله عنهم في ذلك. وعدة النساء قسمان. أحدهما: يتعلق بفرقة تحصل بعد الدخول، كما تقدم. فإذا وجبت العدة على المطلقة، فلا يخلو: إما أن تكون حاملا أو حائلا. فإن
كانت حاملا لم تنقض عدتها إلا بوضع الحمل، حرة كانت أو أمة. لقوله تعالى: * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (الطلاق: 4) ولان العدة تراد لبراءة الرحم. وبراءة الرحم تحصل بوضع الحمل، لقوله (ص) في السبايا: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض.
[ 147 ]
والحرة التي تطهر وتحيض: تعتد بعد الطلاق بثلاثة قروء. والقرء الطهر، فإذا طلقت وهي طاهرة فحاضت، ثم طهرت ثم حاضت، ثم طهرت ثم حاضت: فقد مضت العدة. والاصح: أنه لا حاجة إلى مضي يوم وليلة من الحيضة الثالثة، أو الرابعة. وهل يحسب طهر التي لم تحض أصلا قرءا؟ فيه قولان. بناء على أن المعتبر في القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، أو الطهر المحتوش بين دمين. والاظهر الثاني. والمستحاضة تعتد بأقرائها المردودة إليها من العادة، أو الاقل، أو الغالب. والناسية المأمورة بالاحتياط: تنقضي عدتها بثلاثة أشهر، على أصح الوجهين. والثالث: أنها تتربص إلى سن اليأس، ثم تعتد بثلاثة أشهر. وأما الامة: فإنها تعتد بقرأين. والمكاتبة والمستولدة ومن بعضها رقيق كالقنة. وإن عتقت الامة في العدة فإن كانت رجعية. فالجديد وأحد قولي القديم: أنها تكمل عدة الحرائر. وإن كانت بائنة. فالقديم وأحد قولي الجديد: إنها تعتد بقرأين. والحرة التي لا ترى الدم، لصغر أو يأس إذا طلقت: تعتد بثلاثة أشهر هلالية. فإن طلقت في أثناء الشهر وانكسر ذلك الشهر، فيعتبر بعده شهران بالهلال. ويكمل المنكسر ثلاثين. ولو كانت تعتد بالاشهر فحاضت قبل تمامها انتقلت إلى الاقراء.
والامة التي لا ترى الدم، هل تعتد بثلاثة أشهر أيضا، أو بشهرين، أو بشهر ونصف؟ فيه ثلاثة أقوال. أولاها: الثالث. وللواتي انقطع دمهن لعلة معروفة، كرضاع ومرض، يتربصن إلى أن يحضن، فيعتددن بالاقراء، أو يئسن فيعتددن بالاشهر. واللواتي انقطع دمهن لا لعلة تعرف كذلك حكمهن على الجديد. وفي القديم لا يكلفن التربص إلى سن اليأس، بل يتربصن تسعة أشهر في أظهر القولين، وأربع سنين في الثاني، ثم يعتددن بالاشهر.
[ 148 ]
وعلى الجديد: لو رأت إحداهن الدم بعد سن اليأس قبل تمام الاشهر، انتقلت إلى الاقراء. وإن رأت بعد تمام الاشهر، فأشبه الاقوال بالترجيح: أنها إن لم تنكح بعد، فتنتقل إلى الاقراء، وإن نكحت لم تؤثر رؤية الدم. وهل النظر في سن اليأس إلى جميع النساء، أو إلى نساء العشيرة؟ قولان. الثاني: أقرب إلى الترجيح. وهذا جميعه في الحائل. وأما الحوامل: فأجلهن أن يضعن حملهن. ويشترط في انقضاء العدة بوضع الحمل شرطان. أحدهما: أن يكون الحمل منسوبا إلى من يعتد منه، ظاهرا أو احتمالا، كما في النفي باللعان. أما إذا لم يتصور أن يكون الولد منه، فلا تنقضي العدة منه بالوضع. والثاني: أن ينفصل الحمل بتمامه. فلو كانت حاملا بتوأمين لم تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بكماله. ومهما كان الزمن المتخلل بين الولدين دون ستة أشهر فهما توأمان. ولا فرق في انقضاء العدة بين أن يكون الولد ولد حيا أو ميتا. ولا تنقضي بإسقاط العلقة. وتنقضي بإسقاط المضغة إن ظهرت فيها صورة
الآدميين. إما بينة، كيد أو إصبع يراها كل من ينظر إليها، أو خفية يختص بمعرفتها القوابل. وإن لم يظهر فيها صورة بينة ولا خفية، وقالت القوابل: إنها أصل الآدمي، فكذلك. ولو كانت تعتد بالاقراء أو الاشهر، فظهر بها حمل من الزوج، فعدتها بالوضع. وإن ارتابت فليس لها أن تنكح حتى تزول الريبة. وإن عرضت الريبة بعد تمام الاقراء أو الاشهر، أو بعدما نكحت زوجا آخر، فلا يحكم يبطلان النكاح إلا إذا تحققنا كونها حاملا يوم النكاح، بأن ولدت لاقل من ستة أشهر من يومئذ. وإن كانت قبل نكاح زوج آخر. فالاولى الصبر إلى زوال الريبة. فإن لم تصبر ونكحت: فالاصح أنه لا يحكم ببطلانه في الحال، فإن تحقق الحاكم ما يقتضيه، حكم حينئذ بالبطلان. ومن أبان زوجته بالخلع أو غيره، ثم أتت بولد لاربع سنين فما دونها، لحقه. وإن كان لاكثر من هذه المدة، لم يلحقه. ولو طلقها طلاقا رجعيا فالمدة تحسب من وقت انصرام العدة، أو من وقت الطلاق؟ فيه قولان. رجح منهما الثاني.
[ 149 ]
ولو نكحت بعد انقضاء العدة وأتت بولد لما دون ستة أشهر فكأنها لم تنكح. وإن كان لستة أشهر فأكثر فالولد للثاني. وإن نكحت المطلقة نكاحا فاسدا، بأن نكحت في العدة وأتت بولد. فإن أتت به لزمان الامكان من الاول دون الثاني. فيلحق بالاول. وتنقضي العدة بوضعه، ثم تعتد عن الثاني. وإن كان الامكان من الثاني دون الاول. فيلحق بالثاني. وإن وجد الامكان منهما جميعا، فيعرض على القائف. فإن ألحقه بأحدهما فالحكم كما لو كان الامكان منه خاصة.
وإذا اجتمع على المرأة عدتان من شخص واحد من جنس واحد - بأن طلقها ثم وطئها وهي في عدتها بالاقراء أو الاشهر جاهلا إن كان الطلاق بائنا، وعالما أو جاهلا إن كان الطلاق رجعيا - فتتداخل العدتان. ومعنى التداخل: أنها تعتد بثلاثة أقراء، أو بثلاثة أشهر من وقت الوطئ. فيندرج فيه منها ما بقي من عدة الطلاق. وإن كان في إحدى العدتين بالحمل والاخرى بالاقراء - بأن طلقها وهي حائل ثم وطئها في الاقراء وأحبلها، أو طلقها وهي حائل، ثم وطئها قبل الوضع - ففي دخول الاقراء في الحمل وجهان. أشبههما الدخول وانقضاء العدتين جميعا بالوضع. وله الرجعة إلى أن تضع إن طرأ الوطئ، وهي تعتد بالحمل. وكذا إن وجد الحمل وهي تعتد بالاقراء عن الطلاق، في أظهر الوجهين. وإن كانت العدتان من شخصين - كما إذا كانت في عدة عن زوج، أو وطئ شبهة، فوطئها آخر بالشبهة، أو في نكاح فاسد، أو كانت المنكوحة في عدة وطئ شبهة فطلقها زوجها - فلا تداخل. وتعتد عن كل واحد منهما عدة كاملة ثم تنظر. فإن لم يكن حمل وسبق الطلاق وطئ الشبهة. أتمت عدة الطلاق. فإذا فرغت استأنفت العدة الاخرى. وللزوج الرجعة في عدته إن كان الطلاق رجعيا، فإذا راجع تنقطع عدته. وتشرع في عدة الوطئ بالشبهة. ولا يستمتع الزوج بها إلى أن تنقضي العدة. وإن سبق الوطئ بالشبهة الطلاق فتقدم عدة الوطئ، أو عدة الطلاق؟ فيه وجهان. أظهرهما: الثاني. وإن كان هناك حمل. فتقدم عدة الحمل منه، سابقا كان الحمل أو لاحقا.
[ 150 ]
وإذا هجر الزوج المطلقة أو غاب عنها، انقضت عدتها بالاقراء أو الاشهر. ولو كان يخالطها أو يعاشرها معاشرة الازواج. فالذي رجحه المعتبرون: أنه إن
كان الطلاق رجعيا لم تنقض العدة. وإن كان بائنا انقضت. قالوا: وليس له الرجعة إلا في الاقراء أو الاشهر، وإن لم يحكم بانقضاء العدة في الرجعية. ولو نكح معتدة على ظن الصحة ووطئها، لم تحسب زمان استفراشه إياها من مدة الطلاق. ومن أي وقت يحكم بانقطاع العدة؟ فيه قولان، أو وجهان. أحدهما: من وقت العقد. وأصحهما: من وقت الوطئ. ولو راجع المطلقة ثم طلقها، نظر. إن أصابها بعد الرجعة فلا بد من استئناف العدة، وإن لم يصبها فكذلك على الجديد. هذا إذا كانت حائلا. فإن كانت حاملا فطلقها بائنا قبل الوضع. انقضت العدة بالوضع، أصابها أو لم يصبها. وإن وضعت ثم طلقها وجب استئناف العدة إن أصابها. وكذا إن لم يصبها على الاصح. ولو جامع المدخول بها. ثم جدد نكاحها وأصابها، ثم طلقها أو خالعها ثانيا. فعليها استئناف العدة. وتدخل فيها بقية العدة السابقة. عدة الوفاة: وأما القسم الثاني: فهو عدة الفراق بوفاة الزوج. ومدتها في حق الحرة: أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها. وفي حق الامة: شهران وخمسة أيام، لا فرق في وجوبها بين ذوات الاقراء وغيرهن، والمدخول بهن وغير المدخول بهن. وتعتبر المدة بالهلال ما أمكن. فإن انطبق الموت على أول الهلال: حسبت أربعة أشهر بالاهلة، وضمت إليها عشرة أيام من الشهر الخامس. وإن مات الزوج في خلال شهر هلال، وكان الباقي دون العشرة، فتعد وتحسب أربعة أشهر بعده بالاهلة، ثم تكمل العشرة.
ولو مات الزوج والمرأة في عدة الطلاق. فإن كانت رجعية. انتقلت إلى عدة الوفاة. وإن كانت بائنا أكملت عدة الطلاق ولم تنتقل إلى عدة الوفاة.
[ 151 ]
هذا إذا لم تكن المتوفى عنها حاملا. فإن كانت حاملا: فعدتها بوضع الحمل بتمامه. ويشترط أن يكون الحمل منه ظاهرا أو احتمالا، كما ذكرناه آنفا في عدة الطلاق. أما الصبي الذي لا ينزل إذا مات وامرأته حامل: فعدتها بالاشهر لا بالوضع وكذا الحكم في الممسوح الذي لم يبق ذكره ولا أنثياه. فلا يلحقه الولد على ظاهر المذهب. والمجبوب الذكر الباقي الانثيين: يلحقه الولد، فتعتد امرأته عن الوفاة بوضع الحمل، وكذا المسلول الخصيتين الباقي الذكر على الاظهر. ولو طلق إحدى امرأتيه وماتت قبل البيان أو التعيين، فإن لم يكن قد دخل بواحدة منهما اعتدتا عدة الوفاة. وإن كان قد دخل بهما وهما من ذوات الاقراء، وكان الطلاق رجعيا: اعتدتا عدة الوفاة. وإن كان الطلاق بائنا: فتعتد كل واحدة منهما بأقصى الاجلين: من عدة الوفاة، ومن ثلاثة أقراء من أقرائها. وتحسب الاقراء من وقت الطلاق. وعدة الوفاة من وقت الوفاة. وأما الغائب المنقطع الخبر: فلا يجوز لزوجته أن تنكح زوجا آخر حتى تتيقن موته أو طلاقه. وفي القديم: أنها تتربص أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة، ثم تنكح. ولو حكم بمقتضى القديم حاكم، فهل ينقض حكمه تفريعا على الجديد؟ فيه وجهان. أظهرهما: نعم ينقض. ولو نكحت بعد التربص والعدة وبان أن المفقود كان ميتا حينئذ، ففي صحة النكاح على الجديد وجهان، بناء على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه على ظن حياته، فبان أنه
كان ميتا. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أن عدة الحامل مطلقا بالوضع، المتوفى عنها زوجها والمطلقة. وعلى أن عدة من لم تحض أو يئست: ثلاثة أشهر. وعلى أن عدة من لم تحض: ثلاثة أقراء إذا كانت حرة. فإن كانت أمة فقرآن بالاتفاق. وقال داود: ثلاثة.
[ 152 ]
والاقراء: الاطهار عند مالك والشافعي. وعند أبي حنيفة: الاقراء الحيض. وعن أحمد روايتان. واختلفوا في المرأة التي مات زوجها في طريق الحج. فقال أبو حنيفة: يلزمها الاقامة على كل حال، إن كانت في بلد أو ما يقاربه. وقال مالك والشافعي وأحمد: إن خافت فوات الحج بالاقامة لقضاء العدة جاز لها السفر. واختلفوا في زوجة المفقود. فقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد الراجح، وأحمد في إحدى روايتيه: لا تحل للازواج حتى تمضي عليها مدة لا يعيش في مثلها غالبا. وحدها أبو حنيفة بمائة وعشرين سنة. وحدها الشافعي وأحمد بتسعين سنة. فعلى الجديد: للزوجة طلب النفقة من مال الزوج أبدا. فإن تعذرت كان لها الفسخ لتعذر النفقة على أظهر قولي الشافعي. وقال مالك والشافعي في القديم - واختاره جماعة من متأخري أصحابه وهو قوي، فعله ولم تنكره الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وأحمد في الرواية الاخرى -: تتربص أربع سنين. وهي أكثر مدة الحمل، وأربعة أشهر وعشرا مدة الوفاة. ثم تحل للازواج. واختلفوا في صفة المفقود. فقال الشافعي في الجديد: هو الذي اندرس أثره.
وانقطع خبره. وغلب على الظن موته. وقال مالك والشافعي في القديم: لا فرق بين أن ينقطع خبره بسبب ظاهره الهلاك أم لا. وقال أحمد: هو الذي ينقطع خبره بسبب ظاهره الهلاك، كالمفقود بين الصفين، أو يكون في مركب فتغرق المركب. فيسلم قوم ويغرق قوم. أما إذا سافر بتجارة وانقطع خبره، ولم يعلم أحي هو أو ميت؟ فلا تتزوج زوجته حتى تتيقن موته، أو يأتي عليه زمان لا يعيش مثله فيه. وقال أبو حنيفة: المفقود هو من غاب ولم يعلم خبره. واختلفوا فيما لو قدم زوجها الاول وقد تزوجت بعد التربص. فقال أبو حنيفة: يبطل العقد. وهي للاول، فإن كان الثاني وطئها فعليه مهر المثل. وتعتد من الثاني وترد إلى الاول. وقال مالك: إن دخل بها الثاني صارت زوجته. ووجب عليه دفع الصداق الذي أصدقها الاول، وإن لم يدخل بها فهي للاول. وعند مالك رواية أخرى: أنها للاول بكل حال. وعن الشافعي قولان أصحهما:
[ 153 ]
بطلان نكاح الثاني. والآخر: بطلان نكاح الاول بكل حال. وقال أحمد: إن لم يدخل بها الثاني فهي للاول. وإن دخل بها فالاول بالخيار بين إمساكها ودفع الصداق إليه، وبين تركها على نكاح الثاني وأخذ الصداق الذي أصدقها منه. واختلفوا في عدة أم الولد إذا مات سيدها أو أعتقها. فقال أبو حنيفة: عدتها ثلاث حيضات، سواء أعتقها أو مات عنها. وقال مالك والشافعي: عدتها حيضة واحدة في الحالين. وعن أحمد روايتان. إحداهما: حيضة. واختارها الخرقي. والثانية: من العتق حيضة، ومن الوفاة عدة الوفاة. واتفقوا على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. واختلفوا في
أكثرها. فقال أبو حنيفة: سنتان. وعن مالك: روايتان، أربعة سنين، وخمس سنين، وسبع سنين. وقال الشافعي: أربع سنين. وعن أحمد: روايتان. المشهورة كمذهب الشافعي، والاخرى: كمذهب أبي حنيفة. واختلفوا في المعتدة إذا وضعت علقة أو مضغة. فقال أبو حنيفة وأحمد في أظهر روايتيه: لا تنقضي عدتها بذلك. ولا تصير أم ولد. وقال مالك والشافعي في أحد قوليه: تنقضي عدتها بذلك. وتصير أم ولد وبذلك قال أحمد في الرواية الاخرى. فصل: والاحداد واجب في عدة الوفاة بالاتفاق. وهو ترك الزينة وما يدعو إلى النكاح. وحكي عن الحسن والشعبي: أنه لا يجب. وفي المعتدة المبتوتة للشافعي قولان. قال في القديم: يجب عليها الاحداد. وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال الشافعي في الجديد: الاحداد عليها، وبه قال مالك. وهي الرواية الاخرى عن أحمد. وهل للبائن أن تخرج من بيتها نهارا لحاجتها؟ قال أبو حنيفة لا تخرج إلا لضرورة. وقال مالك وأحمد: لها الخروج مطلقا. وللشافعي قولان كالمذهبين. أصحهما: كمذهب أبي حنيفة. والكبيرة والصغيرة في الاحداد سواء، عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: الاحداد على الصغيرة والذمية إذا كانت تحت مسلم وجبت عليها العدة والاحداد.
[ 154 ]
وإذا كان زوج الذمية ذميا وجب عليها العدة والاحداد عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة:
لا يجب عليها الاحداد ولا العدة. فصل: واختلفوا في المبتوتة. فقال أبو حنيفة: لها السكنى والنفقة. وقال مالك والشافعي: لها السكنى دون النفقة. وعن أحمد: روايتان، رواية كقولهما. والثانية: لا سكنى لها ولا نفقة، إلا أن تكون حاملا. وهي أظهر الروايتين. انتهى. ويتفرع على الخلاف المذكور مسائل: الاولى: مطلقة قبل الدخول يجب عليها العدة. وهي المرأة التي طلقها زوجها بعد الدخول طلقة أو طلقتين بعوض، فشرعت في العدة، ثم راجعها قبل انقضائها ثم طلقها قبل الدخول: أتت بما بقي عليها من العدة. الثانية: امرأة طلقها زوجها. فوجب عليها ثلاث عدد. صورتها: أمة صغيرة تحت حر طلقها. فعليها الاعتداد بشهر ونصف. فلما دنت مدة انقضاء العدة بلغت بالحيض. فانتقلت إلى الحيض. فلما قرب فراغها مات عنها. فانتقلت إلى عدة الوفاة. الثالثة: رجل تزوج امرأة وولدت في الحال: لحقه. صورتها: وطئها بشبهة ثم تزوجها. وكذا لو خالعها وهي حامل. ثم تزوجها في العدة. الرابعة: معتدة من زوج لا سكنى لها عليه. صورتها: امرأة ادعت على زوجها: أنه وطئها وأنكر الزوج. فالقول قوله مع يمينه. ويجب عليها العدة مؤاخذة لها بقولها، ولا سكنى لها على الزوج. المصطلح: ويشتمل على صورة على حالات: وهي ما إذا كانت المرأة ثيبا. فيعتبر الحاكم أو العاقد حالها وعدتها. وهل هي عدة الوفاة، أو الطلاق، أو اللعان، أو الفسخ، أو المرتد زوجها؟ وهل هي منقضية بوضع الحمل، أو بالاقراء، أو بالشهور، أو بالسنين، أو بأقصى الاجلين من وضع الحامل، أو أقرائها. وفي هذا النظر خلاف كبير بين الائمة رحمهم الله.
فإن كانت قد انقضت عدتها بوضع الحمل وفراغها من النفاس، فيقول: وذلك بعد تقضي عدتها من مطلقها فلان الفلاني التقضي الشرعي بوضع الحمل الذي كانت مشتملة عليه منه. وإن لم تكن حاملا وتوفى عنها زوجها، فيقول:
[ 155 ]
المتوفى عنها زوجها فلان الفلاني من مدة تزيد على عدة الوفاة. وهي أربعة أشهر وعشر. وإن كانت مطلقة فيقول: المرأة الكاملة المطلقة من فلان طلاقا بائنا - أو البائن من عصمة مطلقها فلان بطلقة واحدة أولى، أو ثانية مسبوقة بأولى، أو واحدة مكملة لعدد الطلاق الثلاث أو بالطلاق الثلاث بمقتضى فصل الطلاق المكتتب بظاهر صداقها على المطلق المذكور. الشاهد بذلك المؤرخ الفصل المذكور بكذا. وانقضت عدتها التقضي الشرعي بالاقراء الثلاث بحلفها على ذلك اليمين الشرعية. وإن كانت مطلقة قبل الدخول فلا عدة لها. وفيها يقول: مطلقة فلان الفلاني قبل الدخول بها والاصابة. ويستشهد بفصل الطلاق، ويقول: وحلفها على انقضاء عدتها من الزوج الذي كان قبله. وهذا الحلف لا يكون إلا على سبيل الاحتياط. وإن كان بفسخ، فيقول: المحضرة من يدها كتاب فسخ شرعي، مكتتب من مجلس الحكم العزيز الفلاني. يشهد لها بفسخ نكاحها من زوجها فلان الفلاني، الغائب عن مدينة كذا الغيبة الشرعية. وهو مؤرخ بكذا. وهي مدة محتملة لانقضاء العدة شرعا. وإن كانت تعتد بالاشهر، فيقول: وأقرت: أن عدتها الشرعية انقضت من الطلاق المشروح أعلاه بالاشهر الثلاثة، بحكم أنها لم تحض أبدا - أو بحكم أنها آيسة - وأنها الآن تحل للازواج بالشرائط الشرعية. وصدقها المطلق المذكور على ذلك. والامة: يشهد عليها بإذن مولاها. والصغيرة: يشهد على وليها.
وإن كانت في العدة وآل الامر إلى كتابة فرض بسبب العدة. فإن كان بسبب الحمل كتب: فرض قرره على نفسه فلان لمطلقته فلانة، لما تحتاج إليه في زمن عدتها، بسبب حملها المشتملة منه عليه إلى حين الوضع، في ثمن طعام وإدام وماء وزيت وصابون، وأجرتي حمام ومسكن وكسوة، وأرش غطاء ووطاء ولوازم شرعية، في غرة كل يوم يمضي من تاريخه كذا وكذا، تقريرا شرعيا، حسبما اتفقا وتراضيا على ذلك. وأقر بالملاءة والقدرة على ذلك. وأذن لها في الاقتراض والانفاق عند تعذر الاخذ منه، والرجوع بنظير ذلك عليه، إذنا شرعيا. وإن كان الفرض بسبب العدة بالاقراء، أو بالاشهر، كتب على حكم ذلك. فيكتب كما تقدم. ثم يقول في آخره: على مذهب من يرى ذلك من السادة العلماء رضي الله عنهم. وفي المحجور عليها يكتب: حسبما اتفق هو ووليها فلان على ذلك، وتراضيا
[ 156 ]
عليه. وأذن لوليها المذكور في الاقتراض والانفاق - إلى آخره. وإذا خالعها على مبلغ الصداق، وعلى ما سيجب لها عليه بعد الطلاق، من نفقة وكسوة، وأرش غطاء ووطاء، ومتعة ونفقة عدة إلى حين انقضائها شرعا بالاقراء أو بالاشهر، أو بوضع الحمل، وأجرة منزل ولوازم شرعية. كتب ذلك إلى آخره في السؤال. ويكتب في آخره: على مذهب من يرى ذلك من السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين، ليمتنع بذلك إلزامه بتقرير فرض عدة عند من يرى إلزامه. والله تعالى أعلم.
[ 157 ]
كتاب الاستبراء وما يتعلق به من الاحكام وهو واجب بسببين. أحدهما: حصول الملك. فمن ملك جارية بشراء، أو إرث،
أو اتهاب، أو سبي: لزمه الاستبراء. وكذا لو زال الملك ثم عاد بالرد بالعيب، أو بالتخالف، أو الاقالة. ولا فرق بين البكر والثيب، ولا بين أن يستبرئها البائع قبل البيع أو لا يستبرئها، ولا بين أن يكون الانتقال من صبي أو امرأة، أو ممن يتصور اشتغال الرحم بمائه. ولو كاتب جارية ثم عجزت. وجب الاستبراء. وإن حرمت بصوم، أو اعتكاف، أو إحرام، ثم حلت. لم يجب الاستبراء. وفي الاحرام وجه أنه يجب. ولو ارتدت ثم أسلمت. فوجهان أصحهما: وجوب الاستبراء. ولو اشترى زوجته. فالاظهر: أنه لا يجب الاستبراء. ويدوم الحل. وإن كانت الجارية المشتراة مزوجة أو معتدة، وهو عالم بحالها أو جاهل، واختار إمضاء البيع. فلا استبراء في الحال. فإذا زال المحرم فأظهر القولين: وجوب الاستبراء. والثاني: زوال الفراش عن الامة الموطوءة والمستولدة بالاعتاق، أو بموت السيد يوجب الاستبراء. ولو مضت مدة الاستبراء على المستولدة، ثم أعتقها أو مات عنها: وجب الاستبراء على الاصح. ولا يعتد بما مضى. ولا يجوز تزويج الجارية الموطوءة قبل الاستبراء. وكذا المستولدة إذا جوزنا تزويجها. والاصح: أنه إذا عتق مستولدة جاز له أن ينكحها قبل تمام الاستبراء. ولو أعتق مستولدته، أو مات عنها وهي مزوجة. فلا استبراء عليها. والاستبراء في ذوات الاقراء: بقرء واحد. والجديد: أن الاعتبار فيه بالحيض، لا كالعدة. ولا يكفي بقية الحيض، بل يعتبر حيضة واحدة كاملة.
[ 158 ]
وذات الاشهر تستبرأ بشهر واحد، أو بثلاثة أشهر؟ فيه قولان. أصحهما: الاول. فإذا زال الفراش عن أمته أو مستولدته وهي حامل فاستبراؤها بالوضع.
وإن ملك أمة بالسبي وهي حامل. فكذلك. وإن ملكها بالشراء فقد تقدم أنه لا استبراء في الحال. بل إذا كانت مزوجة أو معتدة وهو عالم بحالها أو جاهل، واختار إمضاء البيع. فلا استبراء في الحال. فإذا زال المحرم، فأظهر القولين: وجوب الاستبراء. وإن اشترى أمة مجوسية فحاضت ثم أسلمت. لم يعتد بتلك الحيضة، بل استبراؤها من حين إسلامها. وكما يحرم وطئ الامة التي ملكها قبل الاستبراء كذلك يحرم سائر الاستمناعات، إلا في المسبية. فأظهر الوجهين: أنه لا يحرم. وإذا قالت الامة المتملكة: حضت، اعتد بقولها. ولو اعتزلت عن السيد، فقال: أخبرتني بتمام الاستبراء. فهو المصدق. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أن من ملك أمة ببيع، أو هبة، أو سبي، أو إرث: لزمه استبراؤها. إن كانت حائلا تحيض: فبقرء. وإن كانت ممن لا تحيض، لصغر أو كبر: فبشهر. ولو باع أمة من امرأة أو خصي، ثم تقايلا. لم يكن له وطؤها حتى يستبرئها عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: إذا تقايلا قبل القبض فلا استبراء، أو بعده لزمه الاستبراء. ولا فرق في الاستبراء بين الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك: إن كانت ممن يوطأ مثلها، لم يجز وطؤها قبل الاستبراء. وإن كانت ممن لا يوطأ مثلها. جاز وطؤها من غير استبراء. وقال داود: لا يجب استبراء البكر. ومن ملك أمة جاز له بيعها قبل الاستبراء، وإن كان قد وطئها عند أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. وقال النخعي والثوري والحسن وابن سيرين: يجب الاستبراء على البائع كما يجب على المشتري. وقال عثمان البتي: الاستبراء يجب على البائع دون
المشتري. فصل: ولو كان لرجل أمة، فأراد أن يزوجها - وقد وطئها - لم يجز حتى يستبرئها. وكذلك إذا اشترى أمة قد وطئها البائع، لم يجز له أن يزوجها حتى يستبرئها.
[ 159 ]
وكذا إذا أعتقها قبل أن يستبرئها، لم يجز له تزويجها حتى يستبرئها عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يتزوجها قبل أن يستبرئها. ويجوز عنده أن يتزوج أمته التي اشتراها وأعتقها قبل أن يستبرئها. وقال الشافعي في الحلية: وهذه مسألة القاضي أبي يوسف مع الرشيد. فإنه اشترى أمة وتاقت نفسه إلى جماعها قبل أن يستبرئها. فجوز له أبو يوسف أن يعتقها ويتزوجها ويطأها. وإذا أعتق أم ولده، أو عتقت بموته: وجب عليها الاستبراء عند مالك والشافعي وأحمد بقرء. وهو حيضة. وقال أبو حنيفة: تعتد بثلاثة أقراء. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إذا مات عنها الولي اعتدت بأربعة أشهر وعشرة أيام. ويروى ذلك عن أحمد وداود. فائدة: إذا وطئ أمته، ثم استبرأها بقرء، ثم أتت بولد لتسعة أشهر من حين الوطئ: فإنه لا يلحقه عند الشافعي. وهذا مشكل من جهة أن الامة فراش حقيقي، وهذه مدة غالبة. فكيف لا يلحق الولد بفراش حقيقي مع غلبة المدة، ويلحق بإمكان الوطئ من الزوجة، مع قلة المدة، وندرة الولادة في مثلها؟ وقد قاله بعض الاصحاب. وهو متجه. كذا ذكره ابن عبد السلام في قواعده. ويتفرع عن الخلاف المذكور مسائل: الاولى: ظهر بالمستبرأة حمل، فقال البائع: هو مني. فإن صدقه المشتري فالبيع
باطل. وهي أم ولد للبائع. وإن كذبه، ولم يقر البائع بوطئها عند البيع ولا قبله: لم يقبل منه، كما لو قال بعد البيع: كنت أعتقته، لكن له تحليف المشتري: أنه لا يعلم كونه منه. وفي ثبوت نسبه من البائع خلاف. الثانية: لو أعتق مستولدة، أو مات وهي في نكاح أو عدة زوج. فلا استبراء على المذهب. ومتى انقضت عدة الزوج عادت فراشا للسيد. إن كان حيا. ولو أعتقها أو مات عقيب انقضائها، فالصحيح وجوب الاستبراء. فلو مات بعد ذلك لزمها الاستبراء. الثالثة: مات سيد المستولدة، ثم مات زوجها. فلا استبراء على المذهب. لكن تعتد عدة حرة بعد موت الزوج. وكذا لو طلقها. وإن مات الزوج أولا اعتدت عدة أمة. ثم إن مات السيد فيها كملت عدة أمة في
[ 160 ]
الاظهر. ولا استبراء على المذهب، أو بعدها لزمها الاستبراء في الاصح. وإن ماتا في الاستبراء فهل تعتد كحرة أو أمة؟ وجهان. الرابعة: لو قالت المرأة: حضت صدقت بلا يمين. وهل للجارية أن تمتنع من سيدها إذا كان أبرص أو مجذوما؟ فيه خلاف. ولو ادعت وطئا واستيلادا. فأنكر أصل الوطئ. لم يحلف على الصحيح. وقطعا إن لم يكن ولد. ولو قال: كنت أطأ وأعزل. لحقه في الاصح، أو في الدين فلا، على الصحيح، أو فيما دون الفرج. فكذا في الاصح. المصطلح: وهو يشتمل على صور: أحدها: أشهد عليه فلان: أنه ابتاع جميع الجارية المدعوة فلانة - ويذكر نوعها وجنسها - ابتياعا صحيحا شرعيا، مشتملا على الايجاب والقبول - أو يذكر الملك - وأنه استبرأها بعد ذلك بحيضة كاملة، يحصل بها الاستبراء الشرعي على الوجه الشرعي - وإن كان ذلك بوضع الحمل، فيذكره، أو بشهر: فيذكره - ثم يقول: وذلك بحضورها،
وتصديقها على ذلك التصديق الشرعي. ويؤرخ. الصورة الثانية: أشهدت عليها فلانة بإذن مولاها فلان: أنها لما حصلت في ملك مولاها فلان المذكور - ويذكر جهة الملك - استبرأت بعد ذلك بحيضة كاملة - أو بشهر كامل، أو بوضع الحمل - استبراء شرعيا على الوجه الشرعي، وأنها صارت في حق مولاها فلان المذكور خالية من كل الموانع الشرعية، وصدقها مولاها على ذلك تصديقا شرعيا. ويؤرخ. الصورة الثالثة: صارت فلانة بإقرار مولاها فلان وإقرارها بإذنه بريئة الرحم بالاستبراء الشرعي، بحكم حصولها بعد دخولها في ملك مولاها فلان المذكور. وهي حيضة واحدة كاملة - أو بشهر كامل هلالي، أو بوضع الحمل، وهو كذا - وصارت بمقتضى ذلك خالية من الموانع الشرعية في حق مولاها المذكور. وحل له وطؤها والاستمتاع بها. وتصادقا على ذلك كله تصادقا شرعيا. والله تعالى أعلم.
[ 161 ]
كتاب الرضاع وما يتعلق به من الاحكام للرضاع تأثير في تحريم النكاح. وفي ثبوت الحرمة وفي جواز النظر والخلوة. والاصل فيه: قوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) *. فذكر الله تعالى في جملة النساء المحرمات: الامهات من الرضاعة، والاخوات من الرضاعة. فدل على أن له تأثيرا في التحريم. وروت عائشة رضي الله عنها: أن النبي (ص) قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة وروى سعيد بن المسيب عن علي رضي الله عنه قال، قلت: يا رسول الله، هل لك في ابنة عمك حمزة. فإنها أجمل فتاة في قريش؟ فقال: أما علمت أن حمزة أخي
من الرضاعة. وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب؟. ويدل على ثبوت الحرمة: ما روي أن وفد هوازن قدموا على النبي (ص)، فكلموه في سبي أوطاس: فقال رجل من بني سعد: يا محمد، إنا لو كنا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منزلك هذا منا لحفظ ذلك لنا. وأنت خير المكفولين، فاحفظ ذلك وإنما قالوا له ذلك لان حليمة التي أرضعت النبي (ص) كانت من
[ 162 ]
بني سعد بن بكر بن وائل. ولم ينكر النبي (ص) قولهم. ومعنى قوله: ملحنا أي أرضعنا، والملح: هو الرضاع. وروى الساجي في كتابه عن أبي الطفيل أنه قال: رأيت النبي (ص) بالجعرانة، وهو يقسم لحما. فجاءته امرأة فدنت منه. ففرش لها النبي (ص) إزاره، فجلست عليه. فقلت: من هذه؟ فقالوا: هذه أمه التي أرضعته وإنما أكرمها لاجل الحرمة التي حصلت بينهما بالرضاع. فدل على أن الحرمة تثبت به. وأركان الرضاع ثلاثة: مرضع، وشرطه: امرأة حية، بلغت تسع سنين. ولو بكرا على الصحيح. ولبن الخنثى: لا يقتضي أنوثته على المذهب، ويوقف. فإن بان أنثى حرم فيمن أرضعته، وإلا فلا. ولبن الميتة لا يثبت الحرمة، كما لا يثبت المصاهرة بوطئها، وكما يسقط حرمة الاعضاء بالموت، حتى لا يضمن قاطعها، ولا حلب من حية وأوجر بعد موتها. الثاني: اللبن، ولا يشترط بقاؤه على صفته. فلو تغير بحموضة، أو انعقاد، أو غليان. وصار جبنا، أو أقطا، أو زبدا، أو مخيضا، أو ثرد فيه طعام، حرم، أو عجن به دقيق وخبز. فكذلك على الصحيح. ولو خلط بمائع حرم إن غلب. وإن غلب وشرب الكل حرم على الاظهر. ويشترط أن يكون قدر أن يشرب منه خمس مرات لو انفرد، في أحد الوجهين،
وصححه السرخسي. والصحيح: أن المراد بالغلبة: الصفات، من لون، أو طعم، أو ريح. فإن ظهر منها شئ في المخلوط فاللبن غالب، وإلا فمغلوب. والثالث: المحل. وهي معدة حي أو ما في معناه، سواء ارتضع، أو حلب وأوجر. ولو حقن اللبن، أو قطر في إحليله. فوصل شئ منه، أو صب على جراحة في بطنه فوصل جوفه، لم يحرم في الاظهر. وإن وصل المعدة بخرق في الامعاء، أو صب في مأمومة. فوصل دماغه. حرم قطعا. أو في أنفه فوصل دماغه حرم، أو في عينه فلا، أو في أذنه فخلاف. ولو ارتضع وتقيأ في الحال حرم على الصحيح. وشرط الصبي: أن لا يبلغ حولين بالاهلة. فإن انكسر الشهر الاول حسب الباقي بالاهلة، وكمل المنكسر ثلاثين من الشهر الخامس والعشرين. ولو ارتضع قبل انفصال جميعه فوجهان، ولا أثر للرضاع بعد الحولين.
[ 163 ]
وشرطه: خمس رضعات على الصحيح. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. واختلفوا في العدد المحرم. فقال أبو حنيفة ومالك: رضعة واحدة. وقال الشافعي: خمس رضعات. وعن أحمد ثلاث روايات: خمس، وثلاث، ورضعة. واتفقوا على أن التحريم بالرضاع يثبت إذا حصل وللطفل سنتان. واختلفوا فيما زاد على الحولين. فقال أبو حنيفة: يثبت إلى حولين ونصف. وقال زفر: إلى ثلاث سنين.
وقال مالك والشافعي وأحمد: الامد الحولان فقط واستحسن مالك أن يحرم ما بعدهما إلى الشهر. وقال داود: رضاع الكبير يحرم. وهو مخالف لكافة الفقهاء. ومحكي عن عائشة. واتفقوا على أن الرضاع المحرم إذا كان من لبن أنثى، سواء كانت بكرا أو ثيبا، موطوءة أو غير موطوءة، إلا أحمد. فإنه يقول: إنما يحصل التحريم بلبن امرأة ثار لها لبن من الحمل. واتفقوا على أن الرجل إذا در له لبن فأرضع منه طفلا. لم يثبت به تحريم. واتفقوا على أن السعوط والوجور يحرم، إلا في رواية عن أحمد. فإنه شرط الارتضاع من الثدي. واتفقوا على أن الحقنة باللبن لا تحرم، إلا في قول قديم للشافعي. وهو رواية عن مالك. واختلفوا في اللبن إذا خلط بالماء واستهلك بطعام. فقال أبو حنيفة: إن كان اللبن غالبا حرم، أو مغلوبا فلا. وأما المخلوط بالطعام: فلا يحرم عنده بحال، سواء كان غالبا أو مغلوبا. وقال مالك: يحرم اللبن المخلوط بالماء لم يستهلك. فإن خلط اللبن بماء استهلك اللبن فيه، من طبيخ أو دواء أو غيره، ما لم يحرم عند جمهور أصحابه، ولم يوجد لمالك فيه نص. وقال الشافعي وأحمد: يتعلق التحريم باللبن المشوب بالطعام والشراب إذا سقيه المولود خمس مرات، سواء كان اللبن مستهلكا أو غالبا. انتهى. ويتفرع على الخلاف المذكور مسائل: الاولى: إذا ظهر للخنثى المشكل لبن وارتضع منه طفل، وقلنا بالصحيح: إن اللبن لا يدل على الانوثة، لم يثبت شئ من الآثار المترتبة على الرضاع. نعم لو كان الرضيع
[ 164 ]
ذكرا فبلغ. جاز له الخلوة بالخنثى، لانه إن كان رجلا فواضح. وإن كان أنثى فهو أمه، بخلاف ما لو كان الرضيع أنثى. فإنه لا يجوز. ولو أراد المذكور - وهو الذكر بعد البلوغ - الخلوة بأم الخنثى وأختها لم يجز،
لاحتمال أن يكون رجلا. الثانية: شخص مأمور بفعل إذا أتى به يتضرر بفعله، وهو أن الحاكم إذا حكم على مورثه بالقتل وقتله. سقط حقه من الارث. وكذلك المرضعة إذا كانت لها ضرة صغيرة، ولم توجد مرضعة سواها، يجب عليها للزوج نصف مهر الصغيرة. وفي قول كله، ويسقط مهر الكبيرة إن كان الارضاع قبل الدخول. فائدة: قال ابن الملقن في عامة السؤال. قال أصحابنا: الامومة ثلاثة. وأحكامها مختلفة. أمومة الولادة: يثبت فيها جميع أحكام الامومة. وأمومة أزواجه عليه الصلاة والسلام: ولا يثبت فيها إلا تحريم النكاح. وأمومة الرضاع: وهي متوسطة بينهما. فصل: الرضاع يثبت بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو أربع نسوة، لا دونها. ولا يثبت الاقرار به إلا برجلين. ولا تقبل شهادة المطلقة، إن كان بينهما رضاع، أو حرمة رضاع، أو أخوة أو بنوة عند الاكثرين. بل يشترط التفصيل، وذكر الشروط. ويحسن بقول فقيه موثوق بمعرفته دون غيره. ولا يكفي أن يشهد على فعل الرضاع أو الارضاع. كذا في الاقرار، بل يجب ذكر وقت وعدد. وكذا وصول اللبن جوفه. وللقاضي أن يستفصله، ويعرف وصول اللبن الجوف بمشاهدة حلب وإيجار وازدرار وقرائن. كالتقام ثدي ومصه، وحركة حلقه بتجرع وازدراد، بعد علمه أنها لبون، لا إن جهل في الاصح. ولا يكفي رؤية الطفل تحت ثيابها. وتحريم الرضاع يتعلق بالمرضعة، والفحل الذي له اللبن، والرضيع. وتسري الحرمة إلى غيرهم.
فائدة: ما معنى قوله (ص) لما مات ولده إبراهيم: إن له مرضعا في الجنة تتم
[ 165 ]
رضاعه؟ هل ذلك له خاصة، أو لكل من مات من أطفال المسلمين قبل تمام الرضاع؟ الجواب: هو له خاصة. وهذا القول منسوب إلى الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى من غير فتاويه المشهورة. المصطلح وهو يشتمل على صور. منها: صورة استئجار المطلقة لارضاع ولده منها، أو غير المطلقة لارضاع الطفل، أو الجد للاب لارضاع ولد ابنه، أو الوصي أو أمين الحكم. وما في معنى ذلك سبق ذكرها في كتاب الاجارة. وصورة ما إذا تبرعت مرضعة بالارضاع: أشهدت عليها فلانة: أنها تبرعت بإرضاع فلان، وغسل خروقه - إلى آخره - بقية مدة الرضاع الشرعي. وهو كذا وكذا من تاريخه من غير أجرة، تبرعا صحيحا شرعيا. لما علمت لنفسها في ذلك من الحظ والمصلحة. وذلك مع ولدها فلان، وبحضور زوجها فلان والد الطفل المذكور، ورضاه بذلك. قبل ذلك منها فلان والد الرضيع المتبرع بإرضاعه المذكور قبولا شرعيا. ويؤرخ. وصورة الاقرار بالرضاع وتحريمه: أشهدت عليها فلانة: أنها أرضعت فلانا الارضاع الشرعي. وهو خمس رضعات كاملات من غير مانع شرعي يمنع الطفل المذكور من استكمالها، بالشرائط الشرعية. وسنه دون الحولين. وأن الرضعات المذكورات وصلت إلى جوفه من فمه الوصول الشرعي. وذلك مع ولدها فلان، ارتضاعا صحيحا شرعيا. يحصل به التحريم من الرضاع، كما يحرم لمثله. ويؤرخ. وصورة ما إذا احتاج الامر إلى كتابة محضر بذلك: شهوده يعرفون فلانة زوج فلان وفلانا ابن فلان معرفة صحيحة شرعية، ويشهدون مع ذلك: أن فلانا المذكور ارتضع من فلانة الارتضاع الشرعي، وهو خمس رضعات متفرقات. وسنه يوم ذلك دون الحولين،
في وقت كذا. ووصل اللبن منها إلى جوفه من فمه، بمصه وتجرعه وازدراده بحركة منه على العادة في مثل ذلك وأن المرضعة المذكورة حين ذاك كانت لبونا. وأن ذلك صدر على الاوضاع الشرعية. المعتبرة في ذلك على الوجه الشرعي، وأن المرضعة المذكورة أمه من الرضاع. يعلمون ذلك ويشهدون به، مسؤولين بسؤال من جاز سؤاله شرعا. ويؤرخ. ثم يقول: وكتب حسب الاذن الكريم العالي الحاكمي الفلاني. فإن كانت المرضعة تزوجت بمن أرضعته. ولم يعلم كل منهما ذلك. وتبين بعد ذلك. فإما أن يكون دخل بها أولا. فإن توافقا على أنه دخل بها وتصادقا عليه، فلا
[ 166 ]
كلام. وفرق بينهما. وإن كان ثم أولاد: فنسب الاولاد لاحق بنسبهما والحالة هذه. وإن لم يكن دخل بها فلا مهر لها. وإن كانت قد دخل بها: فالواجب لها عليه مهر المثل، لانه وطئ بشبهة، وإن أقر بالرضاع وكذبته. وجب لها عليه نصف المهر قبل الدخول. وتمامه بالدخول. وإن أقرت هي وكذبها، فلا فسخ. وأ وإن ترافعا إلى الحاكم في ذلك كتب المحضر المقدم ذكره. وتقام بينة جريان عقد النكاح بينهما عند الحاكم الآذن في كتابة هذا المحضر وتقام عنده البينة في المحضر، ثم يعذر إلى المنكر من الزوجين. ويشهد عليه بعدم الدافع والمطعن لذلك ولشئ منه. وتقام بينة الاعذار عند الحاكم، ثم يحلف المعترف بذلك. ويقول في حلفه: إن الارتضاع صدر كما نص وشرح في المحضر المذكور على الحكم المشروح فيه، وأن من شهد بذلك صادق في شهادته. وتقام البينة فيه عند الحاكم. وصورة ما يكتب: من مجلس الحكم العزيز في ذلك على ظهر المحضر: لما قامت البينة الشرعية عند سيدنا فلان الحاكم المسمى باطنه، بجميع ما شرح في المحضر المسطر باطنه، من جريان عقد النكاح بين الزوجين المسميين باطنه وصدور الارتضاع
المشروح باطنه، على الحكم المشروح باطنه، وجريان الحلف والاعذار المشروح باطنه على حكمه المنصوص عليه باطنه. وباطنه مؤرخ بكذا. وثبت صدور ذلك جميعه لديه الثبوت الشرعي. وتكامل عنده بطريقه المعتبر المرعي، بالبينة العادلة المرضية، التي تثبت بمثلها الحقوق الشرعية. سأل سيدنا المسمى فيه من جاز سؤاله شرعا الاشهاد على نفسه الكريم بثبوت الارتضاع المذكور. وفسخ النكاح المشروح فيه. والتفريق بين الزوجين المذكورين بذلك التفريق الشرعي. فاستخار الله كثيرا. واتخذه هاديا ونصيرا. وأجاب السائل إلى سؤاله. وأشهد على نفسه الكريمة بذلك. وبالحكم بموجبه. وأمر بالتفريق بين فلان وفلانة المذكورين فيه التفريق الشرعي، لوجود المسوغ الشرعي المقتضي لذلك. وأن فلانة المذكورة صارت أم فلان المذكور من الرضاع، حكما صحيحا شرعيا. وأذن لفلانة المذكورة أن تمضي لوفاء عدتها الشرعية، إن كانت مدخولا بها. وإن كان ثم أولاد. فيكتب: وثبت أيضا عنده - ثبت الله مجده - اعتراف فلان وفلانة المذكورين فيه: أن بينهما أولادا - ويذكرهم - وأن نسبهم لاحق بنسبهما.
[ 167 ]
وإن تعرض للمهر. فإن اتفقا عليه فلا كلام، وإن لم يتفقا عليه فتقوم البينة عند الحاكم بمهر المثل. ويحكم به حالا بنقد البلد. كما تقدم. وإن لم يدخل بها ولم يصبها. فيكتب: وأن فلانة المذكورة لم يجب عليها عدة لعدم الدخول بها والاصابة والخلوة وكذلك يفعل في كل واقعة تتعلق بمثل ذلك في كل ما يحرم الرضاع. تنبيه: يثبت الرضاع بشهادة المرضعة مع ثلاث نسوة، أو مع امرأة ورجل أضافت الارضاع إلى نفسها. وإنما لم تقبل إذا لم تطلب أجرة. قال الفوراني: وصيغتها أن تقول: ارتضع مني ولا تقول: أرضعته. وصورة ما إذا وقعت الدعوى بالرضاع المحرم عند الحاكم من أحد الزوجين أو من
مدعي حسبة: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان وزوجته فلانة، أو فلان، وادعى بطريق الحسبة، بقصد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بين يدي سيدنا الحاكم المشار إليه: أن فلانا الحاضر بحضوره تزوج فلانة الحاضرة بحضورهما. وعقدها أنه يحل لها وتحل له بعقد النكاح. ثم علمت أنه أخوها من الرضاع، ارتضع من لبنها وهو صغير، له دون الحولين، كذا وكذا رضعة متفرقات - ويعين قدر الرضعات على قدر اختلاف الناس في ذلك، ورأى القاضي المدعي عنده في ذلك - ثم يقول: وأنه مقيم على حاله في نكاحها غير ممتنع منها، ولا ملتزم لما يقتضيه حكم التحريم بالرضاع بينهما، وسألت سؤاله - أو سأل سؤاله. يعني مدعي الحسبة - عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه عن ذلك. فأجاب: إن فلانة الحاضرة معه زوجته. ولا علم له بسوى ذلك مما ادعته من الرضاع - أو مما ادعي عليه به من الرضاع - فذكرت - أو فذكر المدعي المذكور - أن له بينة على ما ادعاه من ذلك. وسأل الاذن له في إحضار البينة. فأذن له الحاكم المشار إليه في ذلك فأحضرت - أو فأحضر - من النسوة الثقات العدلات الامينات المقبولات فلانة وفلانة - حتى يأتي على عددهن - وأقمن شهادتهن عند الحاكم المشار إليه: أن فلان ابن فلان الذي عرفنه بعينه واسمه ونسبه، معرفة صحيحة شرعية، ارتضع من فلانة بنت فلان والدة فلانة، التي أحضرتهن لهذه الشهادة أو الحاضرة، وهو صغير طفل لم يبلغ الحولين، خمس رضعات متفرقات بحضورهن. وصل اللبن به إلى جوفه من فمه بمصه وتجرعه وازدراده بحركة منه، على العادة في مثل ذلك، وأن المرضعة المذكورة حين ذاك كانت لبونا. وثبت ذلك عند الحاكم المشار إليه الثبوت الشرعي.
[ 168 ]
فعند ذلك: سألته فلانة المذكورة - أو سأله سائل شرعي - إنفاذ القضاء بما ثبت عنده من ارتضاع فلان وفلانة في صغره الرضعات الخمس، التي ثبت بهن حكم الرضاع
وتحريمه، حسبما قامت به البينة الشرعية عنده، والحكم بفسخ النكاح بينه وبين فلانة المذكورة. فأجاب السائل إلى سؤاله. وحكم أيد الله أحكامه بموجب ذلك. ومن موجبه: فسخ النكاح بين فلان وفلانة المذكورين أعلاه، حكما صحيحا شرعيا - إلى آخره. فإن كان قد دخل بها أوجب لها مهر المثل، وأوجب عليها العدة. كما تقدم. وإن كان لم يدخل بها فعل كما تقدم شرحه. وإن تضمنت الدعوى أنهما يرومان النكاح، ويريدان إيقاعه، وإن لم يكن بين الزوجين نكاح، فسخ على منوال هذه الصورة. وأتى بما يليق بهذا المحل من الالفاظ المقتضية لتعليق الفرقة إذا وقع النكاح، وهو بعد عقد النكاح أولى وأقوى. والله أعلم.
[ 169 ]
كتاب النفقات وما يتعلق بها من الاحكام الاصل في وجوب نفقة الزوجات: الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) *. والمولود له: هو الزوج. وإنما نص على وجوب نفقة الزوجة حال الولادة، ليدل على أن النفقة تجب لها حال اشتغالها عن الاستمتاع بالنفاس، لئلا يتوهم متوهم أنها لا تجب لها. وقوله تعالى: * (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) * قال الشافعي: معناه أن لا تكثر عيالكم ومن تمونونه. وقال: إن أكثر السلف قال: إن معنى: أن لا تعولوا أن لا تجوروا. يقال: عال يعول. إذا جار، وأعال يعيل: إذا كثرت عياله، إلا زيد بن أسلم. فإنه قال: معناه أن لا تكثر عيالكم. وقول النبي (ص) يشهد لذلك حيث قال: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.
ويدل على وجوب نفقة الزوجات قوله تعالى: * (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) * وقوله تعالى: * (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا) * وقوله: ومن قدر عليه رزقه أي ضيق عليه. ومن السنة: ما روى حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه. قال: قلت: يا رسول الله، ما حق الزوجة؟ فقال (ص): أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت.
[ 170 ]
وروى جابر: أن النبي (ص) خطب الناس وقال: اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله. واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وروى أبو هريرة: أن رجلا أتى النبي (ص). فقال: يا رسول الله عندي دينار. فقال أنفقه على نفسك. فقال: عندي آخر. فقال: أنفقه على ولدك. فقال: عندي آخر. فقال: أنفقه على أهلك. فقال: عندي آخر. فقال: أنفقه على خادمك. فقال: عندي آخر. فقال: أنت أعلم به. والمراد بالاهل ههنا: الزوجة. بدليل ما روى أبو سعيد المقبري أن أبا هريرة كان إذا روى هذا الحديث: ولدك يقول: أنفق علي. إلى من تكلني؟ وزوجك تقول: أنفق علي أو طلقني، وخادمك يقول: أنفق علي أو بعني. وروت عائشة رضي الله عنها: أن هند امرأة أبي سفيان جاءت إلى النبي (ص). فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني وولدي إلا ما أخذته منه سرا، ولا يعلم. فهل علي في ذلك شئ؟ فقال (ص): خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. قال أصحابنا: في هذا الخبر فوائد.
أحدها: وجوب نفقة الزوجة. الثانية: وجوب نفقة الولد.
[ 171 ]
الثالثة: أن نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الولد، لانه قدم في الحكم نفقتها على نفقة الولد. الرابعة: أن نفقة الولد على الكفاية. الخامسة: أن للمرأة أن تخرج من بيتها لحاجة لا بد منها، لان النبي (ص) لم ينكر عليها الخروج. السادسة: أن للمرأة أن تستفتي العلماء. السابعة: أن صوت المرأة ليس بعورة. الثامنة: إن تأكيد الكلام جائز لانها قالت: إن أبا سفيان رجل والشحيح: من منع حقا عليه. التاسعة: أنه يجوز أن يذكر الانسان بما فيه. لانها قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح. العاشرة: أن الحكم على الغائب جائز. لان النبي (ص) حكم على أبي سفيان وهو غائب. وهذا قول أكثر الاصحاب. قال ابن الصباغ والاشبه: أن هذا فتيا. وليس بحكم. لانه لم ينقل أن أبا سفيان كان غائبا. الحادية عشرة: أنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه. لان النبي (ص) لم يسألها البينة. وإنما حكم لها بعلمه. الثانية عشرة: أن من له حق على غيره فمنعه. جاز له أخذه من ماله. الثالثة عشرة: أن له أخذه، من ماله. وإن كان من غير جنس حقه. لان النبي (ص) لم يفصل.
الرابعة عشرة: أنه إذا أخذه، وكان من غير جنس حقه. فله بيعه بنفسه. الخامسة عشرة: أنه يستحق الخادم على الزوج إن كانت ممن تخدم، لانه روى أنها قالت: إلا ما يدخل علي. السادسة عشرة: أن للمرأة أن تقبض نفقة ولدها. وتتولى الانفاق على ولدها. ولان الزوجة محبوسة على الزوج وله منعها من التصرف. فكانت نفقتها واجبة عليه. كنفقة العبد على سيده. ونفقة الزوجة تختلف باختلاف حال الزوج في اليسار والاعسار. فعلى الموسر في
[ 172 ]
كل يوم مدان من الطعام. وعلى المعسر مد. وعلى المتوسط مد ونصف. وقدر المد: مائة درهم وثلاثة وسبعون درهما وثلث درهم. والنظر في الجنس إلى غالب قوت البلد. فهو الواجب. ويجب فيها مع الطعام الادام. وجنسه: غالب إدام البلد على اختلاف الفصول. وتقدير النفقة إلى القاضي بالاجتهاد. ويجب اللحم أيضا على عادة البلد، كما سبق، بيسار الزوج وإعساره. وتجب النفقة على الزوج الصغير، ولا تجب للزوجة الصغيرة. وتجب نفقة البائن الحامل إلى أن تضع. ويجب عليه كسوتها على قد كفايتها، حتى تحتلف بطولها وقصرها، وهزالها وسمنها. وكسوتها في الصيف: القميص والسراويل والخمار. وتزيد في الشتاء: الجبة. وجنسها المتخذ من القطن. فإن جرت عادة البلد بالكتان والحرير لمثله. فأظهر الوجهين: لزومه. ويلزمه لها: ما تفرشه للقعود، وفراش النوم، ولحاف ومخدة. وما تتنظف به من الاوساخ، كالمشط والدهن. وما تغسل به رأسها. ويجب عليه إخدام التي لا يليق بها أن تخدم نفسها بحرة أو أمة. والنفقة تجب
بالتمكين، دون العقد. حتى لو اختلفا في أنها هل مكنت؟ فالقول قول الزوج. وعليها البينة. ويجب تسليم النفقة إلى الزوجة. ولو سلمها نفقة مدة فماتت قبل انقضائها رجع فيما بقي. ويجب تسليم الكسوة إلى المرأة في أول الفصل. فإن سلمها كسوة فصل ثم ماتت قبل انقضائه لم يرجع. وقيل: يرجع. والاول: أصح. فصل: والنشوز يسقط النفقة. والخروج من بيت الزوج بغير إذنه نشوز. وبإذنه في حاجتها وهو معها لا تجب لها النفقة. ولو نشزت فغاب الزوج فعادت إلى الطاعة. فأظهر الوجهين: أنه لا يعود الاستحقاق، حتى ترفع الامر إلى القاضي. وإذا أحرمت بغير إذنه فهي ناشزة. والمعتدة الرجعية: تستحق النفقة وسائر المؤنات، إلا مؤنة التنظيف. فصل: وإذا أعسر الزوج بالنفقة، فأصح القولين: أن المرأة بالخيار بين أن تصبر وترضى، وتكون النفقة دينا في ذمته، وبين أن تطلب الفسخ.
[ 173 ]
وقدرة الزوج على الكسب كقدرته على المال. والاعسار بالكسوة كالاعسار بالنفقة. فيثبت الخيار له. وتجب النفقة للولد على الوالد، وللوالد على الولد. والوالدة والاجداد والجدات كالولد. والاحفاد كالاولاد. ويستوي في الاستحقاق الذكر والانثى والوارث وغيره. والقريب من الاحفاد والاجداد كالبعيد. وتجب على القريب الموسر. ويباع في نفقة القريب ما يباع في الدين. وتسقط نفقة القريب بمضي الزمان. وفيه قول: إنه يجب نفقة الاصل على الفرع دون العكس. ولا تصير دينا في الذمة إلا أن يفرض القاضي، أو يأذن في الاستقراض، لغيبة أو امتناع. وصفة من تجب نفقتهم من الوالدين: أن يكونوا فقراء زمنى، أو فقراء مجانين. فإن كانوا أصحاء، ففيه قولان. أصحهما: أنها لا تجب نفقتهم.
ومن الاولاد: أن يكونوا فقراء زمنى، أو فقراء مجانين. أو فقراء أطفالا. فإن كانوا أصحاء بالغين لم تجب نفقتهم. ومن وجبت نفقته وجبت نفقة زوجته. ويجب على المكاتب نفقة ولده. ولا تجب نفقة الاقارب. ولا يلزم عبد نفقة ولده. وإن كانت أمه حرة فهو حر، ونفقته عليها أو رقيقة والولد رقيق، فعلى مالكه، أو حر ففي بيت المال. والظاهر: أن من نصفه حر يلزمه نفقة القريب تامة أو نصفها؟ وجهان أصحهما الاول. ولو كان محتاجا هل تلزمه نفقة قريبه الحر نفقة الحرية؟ وجهان. أرجحهما: نعم. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على وجوب النفقة لمن تلزم نفقته، كالزوجة والاب، والولد الصغير. واختلفوا في نفقة الزوجات، هل هي مقدرة بالشرع، أو معتبرة بحال الزوجين؟ فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: تعتبر بحال الزوجين. فيجب على الموسر نفقة الموسرين. وعلى المعسر للفقيرة أقل الكفايات، وعلى الموسر للفقيرة نفقة متوسطة بين النفقتين. وعلى الفقير للموسرة أقل الكفاية، والباقي في ذمته. وقال الشافعي: هي مقدرة بالشرع، لا اجتهاد فيها، معتبرة بحال الزوج وحده. فعلى الموسر مدان. وعلى المتوسط مد ونصف، وعلى المعسر مد. واختلفوا في الزوجة إذا احتاجت إلى خادم. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لا يلزمه إلا خادم واحد. وإن احتاجت إلى أكثر. وقال مالك في المشهور عنه: إن احتاجت إلى خادمين وثلاثة لزمه ذلك. واختلفوا في نفقة الصغيرة
[ 174 ]
التي لا يجامع مثلها إذا تزوجها كبير. فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا نفقة لها. وللشافعي قولان. أصحهما: أن لا نفقة لها.
فلو كانت الزوجة كبيرة والزوج صغير لا يجامع مثله، وجبت عليه النفقة عند أبي حنيفة وأحمد. وقال مالك: لا نفقة عليه. وللشافعي قولان. أصحهما: الوجوب. فصل: الاعسار بالنفقة والكسوة، هل يثبت للزوجة الفسخ معها أم لا؟ قال أبو حنيفة: لا يثبت لها الفسخ. ولكن ترفع يده عنها لتكتسب. وقال مالك والشافعي وأحمد: نعم، يثبت لها الفسخ بالاعسار عن النفقة والكسوة والمسكن. فإذا مضى زمان ولم ينفق على زوجته. فهل تستقر النفقة عليه أم تسقط بمضي الزمان؟ قال أبو حنيفة: تسقط ما لم يحكم بها حاكم، أو يتفقان على قدر معلوم. فيصير ذلك دينا باصطلاحهما. وقال مالك والشافعي وأحمد، في أظهر روايتيه: لا تسقط نفقة الزوجة بمضي الزمان، بل تصير دينا عليه. لانها في مقابلة التمكين والاستمتاع. واتفقوا على أن الناشز لا نفقة لها. واختلفوا في المرأة إذا سافرت بإذن زوجها في غير واجب عليها. فقال أبو حنيفة: تسقط نفقتها. وقال مالك والشافعي: لا تسقط. فصل: والمبتوتة إذا طلبت أجرة مثلها في الرضاع لولدها: فهل هي أحق من غيرها؟ قال أبو حنيفة: إن كان ثم متطوع، أو من يرضع بدون أجرة المثل، كان للاب أن يسترضع غيرها، بشرط أن يكون الارضاع عند الام. لان الحضانة لها. وعن مالك روايتان. إحداهما: أن الام أولى. والثانية: كمذهب أبي حنيفة. وللشافعي قولان. أحدهما، وهو قول أحمد: أن الام أحق بكل حال وإن وجد من يتبرع بالرضاع. فإنه يجبر على إعطاء الولد لامه بأجرة مثلها والثاني: كقول أبي حنيفة رحمه الله. واتفقوا على أنه يجب على المرأة أن ترضع ولدها اللبأ. وهل تجبر الام على إرضاع ولدها بعد شرب اللبأ؟ قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لا تجبر إذا وجد غيرها.
وقال مالك: تجبر ما دامت في زوجية أبيه، إلا أن يكون مثلها لا يرضع، لشرف أو عز وإيسار، أو لسقم بها، أو لفساد في اللبن. فلا تجبر. واختلفوا في الوارث: هل يجبر على نفقة من يرثه بفرض أو تعصيب؟ قال أبو
[ 175 ]
حنيفة: يجبر على نفقة كل ذي رحم محرم، فيدخل فيه الخالة عنده والعمة. ويخرج منه ابن العم، ومن ينسب إليه بالرضاع. وقال مالك: لا تجب النفقة إلا للوالدين الآدميين وأولاد الصلب. وقال الشافعي: تجب النفقة على الاب وإن علا، وعلى الابن وإن سفل ولا يتعدى عمودي النسب. وقال أحمد: كل شخصين جرى بينهما الميراث بفرض أو تعصيب من الطرفين لزمه نفقة الآخر. كالابوين وأولاد الاخوة والاخوات والعمومة وبنيهم رواية واحدة. فإن كان الارث جاريا بينهم من أحد الطرفين - وهم ذوو الارحام - كابن الاخ مع عمته وابن العم مع بنت عمه، فعن أحمد روايتان. واختلفوا هل يلزم السيد نفقة عتيقه؟ فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزمه. وعن مالك روايتان. إحداهما: كمذهب أبي حنيفة والشافعي. والاخرى: إن أعتقه صغيرا، لا يستطيع السعي لزمه نفقته إلى أن يسعى. واختلفوا فيما إذا بلغ الولد معسرا ولا حرفة له. فقال أبو حنيفة: تسقط نفقة الغلام إذا بلغ صحيحا. ولا تسقط نفقة الجارية إلا إذا تزوجت. وقال مالك كذلك، إلا أنه أوجب نفقة الجارية حتى يدخل بها الزوج. وقال الشافعي: تسقط نفقتهما جميعا. وقال أحمد: لا تسقط نفقة الولد عن أبيه وإن بلغ، إذا لم يكن له مال ولا كسب. وإذا بلغ الابن مريضا تستمر نفقته على أبيه بالاتفاق. فلو برأ من مرضه، ثم عاوده المرض. عادت نفقته عند الثلاثة، إلا مالكا. فإن عنده لا تعود.
ولو تزوجت الجارية ودخل بها الزوج، ثم طلقها. قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: تعود نفقتها على الاب. وقال مالك: لا تعود. فصل: ولو اجتمع ورثة - مثل أن يكون للصغير أم وجد. وكذلك إن كانت بنت وابن، أو بنت وابن ابن، أو كان له أم وبنت - فعلى من تكون النفقة؟ قال أبو حنيفة وأحمد: النفقة للصغير: على الام والجد بينهما أثلاثا. وكذلك البنت والابن. فأما ابن
[ 176 ]
الابن والبنت: فقال أبو حنيفة: النفقة على البنت دونه. وقال أحمد: النفقة بينهما نصفان. وأما الام والبنت: فقال أبو حنيفة وأحمد: النفقة على الام والبنت بينهما. الربع على الام والباقي على البنت. وقال الشافعي: النفقة على الذكور خاصة، الجد والابن وابن الابن، دون البنت، وعلى البنت دون الام. وقال مالك: النفقة على ابن الصلب الذكر والانثى، بينهم سواء إذا استويا في الجدة. فإن كان أحدهما واجدا والآخر فقيرا. فالنفقة على الواجد. فصل: من له حيوان لا يقوم بنفقته، هل للحاكم إجباره عليها أم لا؟ قال أبو حنيفة: يأمره الحاكم على طريق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير إجبار. وقال مالك والشافعي وأحمد: للحاكم أن يجبر مالكها على نفقتها أو بيعها. وزاد مالك وأحمد فقالا: ويمنعه من تحميلها ما لا تطيق. انتهى. ويتفرع على الخلاف المذكور مسائل. الاولى: إذا اختلف الزوجان في النفقة، مع اجتماعهما وملازمتهما ومشاهدة ما ينقله الزوج إلى مسكنهما من الاطعمة والاشربة. فالشافعي يجعل القول قول المرأة. لان الاصل عدم قبضها، كسائر الديون. لانه الغالب في العادة. وقوله ظاهر. والفرق بين النفقة وسائر الديون: أن العادة الغالبة مثيرة للظن بصدق الزوج، بخلاف الاستصحاب في
الديون. فإنه لا معارض له، ولو جعل له معارض - كالشاهد واليمين - لاسقطناه مع أن الظن المستفاد من الشاهد واليمين أضعف من الظن المستفاد من العادة المطردة في إنفاق الازواج على نسائهم مع المخالطة الدائمة. نعم، لو اختلفا في نفقة يوم أو يومين لم يبعد، كما قاله الشافعي. الثانية: نفقة زوجات النبي (ص) واجبة عليه بعد موته. لان زوجيتهن لم تنقطع. ولم يجز لهن نكاح غيره، لبقاء زوجيتهن. فلم تسقط نفقتهن بموته. وليس كون ما خلفه صدقة مختصا به، بل هو عام لجميع الانبياء. فلا حاجة إلى أن يقفوا ذلك. لان مغله ومنافعه جارية عليهم ما دام باقيا. وهذا مما ميز به الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم. كذا ذكره ابن عبد السلام في قواعده. وقال أيضا في القواعد: فائدة: إذا ملك حيوانا يؤكل، وحيوانا لا يؤكل، ولم يوجد إلا نفقة أحدهما وتعذر بيعهما. احتمل أن يقدم نفقة ما لا يؤكل. ويذبح المأكول. واحتمل أن يسوى بينهما.
[ 177 ]
فإن كان المأكول يساوي ألفا وغيره يساوي درهما. ففي هذا نظر واحتمال. فرع: قالت الزوجة: أنا أخدم نفسي وآخذ الاجرة أو نفقة الخادم. لم يلزمه على المذهب. أو قال: أنا أخدمها لتسقط عني مؤنة الخادم. فليس له ذلك في الاصح. وقيل: له ذلك فيما لا يستحيي منه، كغسل ثوب، واستقاء ماء. وكنس البيت والطبخ، دون ما يختص بها، كصب الماء على يدها، وحمله إلى المستحم ونحو ذلك. وتستحق النفقة يوما فيوما. ولها المطالبة بطلوع الفجر. وقيل: بطلوع الشمس. ولو قبضت نفقة يوم، ثم نشزت في أثناء النهار. استردها، بخلاف الموت والبينونة على الصحيح. ولو لم تقبضها فهي دين عليه. ولو أبان زوجته بطلاق، ثم ظهر بها حمل فلاعن لنفسه. سقطت النفقة. وهذه أولى بالسكنى.
والمذهب: أن النفقة للحامل مقدرة. كصلب النكاح. ولا تجب نفقتها قبل ظهور حمل. فإذا ظهر وجبت يوما فيوما. وقيل: حتى تضع. فلو ادعت وأنكر فعليها البينة. وتقبل فيه النساء. ولو اتفق على ظن حمل. فبان خلافه. رجع عليها. ولا تسقط بمضي الزمان. ولو مات الزوج قبل الوضع سقطت في أحد الوجوه. وصححه الامام. وعلى الاظهر: لو أبرأت الزوج من النفقة صحت، أو أعتق أم ولده وهي حامل منه لم تلزمه نفقتها. ولو مات وترك أباه وامرأته حبلى، لم يكن لها مطالبة الجد بالنفقة. ولو أنفق على زوجته، فبان فساد النكاح. لم يسترد ما أنفق، سواء كانت حاملا أو حائلا. ولو نشزت الحامل البائن سقطت نفقتها. المصطلح: وهو يشتمل على صور. منها: صورة فرض حمل: فرض قرره على نفسه برضاه فلان - أو فرض فلان على نفسه لمطلقته الطلقة الواحدة الاولى، أو الثانية البائن، أو الثلاث - فلانة المشتملة منه على حمل ظاهر بتصادقهما على ذلك، لما تحتاج إليه المطلقة المذكورة في ثمن طعام وإدام وماء وزيت وصابون، وأجرتي حمام ومنزل، ولوازم شرعية، وما لا بد لها منه، في غرة كل يوم يمضي من تاريخه كذا وكذا إلى حين وضعها، حسبما اتفقا وتراضيا على ذلك. وأقر بالملاءة والقدرة على ذلك. وأذن لها في الاقتراض والاتفاق عند تعذر الاخذ منه، والرجوع بنظير ذلك عليه، إذنا شرعيا. ويؤرخ. صورة فرض عصمة: فرض قرره على نفسه برضاه فلان الفلاني لزوجته فلانة، التي
[ 178 ]
اعترف أنها في عصمته وعقد نكاحه، وأن أحكام الزوجية باقية بينهما إلى تاريخه. وصدقته على ذلك تصديقا شرعيا، لما تحتاج إليه الزوجة المذكورة أعلاه في ثمن طعام وإدام وماء وزيت وصابون، وأجرتي حمام ومنزل، وكسوة - إن كانا اتفقا عليها - ولوازم شرعية في غرة كل يوم يمضي من تاريخ كذا وكذا، ما دامت في عصمته وعقد نكاحه،
تقريرا شرعيا، حسبما اتفقا وتراضيا على ذلك، وأقر بالملاءة والقدرة على ذلك. وأذن لها في الاقتراض والانفاق عند تعذر الاخذ منه، والرجوع بنظير ذلك عليه إذنا شرعيا. ويؤرخ. وإن كانت الكسوة خارجة عن فرض العصمة واتفقا عليها. فيكتب بها فرض مستقل. صورة فرض بنفقة الولد: فرض قرره على نفسه برضاه فلان، لولده لصلبه فلان الصغير، أو لولد ولده الصغير، أو لولد ولده لصلبه فلان الدارج والده بالوفاة إلى رحمة الله تعالى، أو لولده لصلبه فلان البالغ، الفقير العاجز عن الكسب الزمن. فإن كان صغيرا، أو له أم مطلقة من أبيه، وهو في حضانتها، فيقول: الذي في حضانة والدته فلانة المطلقة من والده، المقرر المذكور لما يحتاج إليه الصغير المذكور، في ثمن طعام وإدام، وماء وزيت وصابون، وأجرتي حمام ومنزل، وكسوة وأجرة حضانة ولوازم شرعية، في غرة كل يوم من تاريخه كذا وكذا. ما دام الولد المذكور في حضانة والدته المذكورة، متصفة بصفات الحاضنات، أو لمدة كذا وكذا سنة من تاريخه، أو ما دام الولد المذكور صغيرا إلى أن يبلغ أشده، أو إلى أن يتصف المفروض له المذكور بصفة الغني والقدرة على الكسب، ويبرأ مما به من الزمانة. وإن قدر ذلك بمدة. فهو أجود في حق الصغير ثم يقول: حسبما اتفق المقر المذكور ووالدة ولده، أو والدة ولد ولده المذكور أعلاه على ذلك. وتراضيا عليه، تقريرا شرعيا. وأوجب ذلك لولده المفروض له المذكور - أو لولد ولده المذكور - على نفسه في ماله إيجابا شرعيا. وأذن للحاضنة المذكورة أعلاه في الاقتراض والانفاق عند تعذر الاخذ منه، والرجوع بنظير ذلك عليه إذنا شرعيا. قبلت ذلك منه قبولا شرعيا. وأقر بالملاءة والقدرة على ذلك. وإن كان الفرض للبالغ العاجز الزمن. فيكون الاذن في الاستدانة للمفروض له.
صورة فرض الرجل لابيه، أو لامه، أو لجده، أو لمن هو أعلى من الابوين من
[ 179 ]
أصولهما: فرض فلان ابن فلان لوالده المذكور - أو لجده المذكور - أو أبيه الفقير الزمن المجنون، أو العاجز عن الكسب، أو لوالدته فلانة بنت فلان، أو لواحد من أصوله أو فروعه - بحكم عجزه وفقره وفاقته وزمانته، أو لكونه أشل أو مجنونا، لما يحتاج إليه الوالد المذكور، أو الجد أو الوالدة المذكورة، في ثمن طعام وإدام وماء وزيت وصابون وسكر وشراب وأدوية، وأجرتي حمام ومنزل، وكسوة ولوازم شرعية وما لا بد له منه شرعا، في غرة كل يوم يمضي من تاريخه كذا وكذا. فرضا شرعيا. وأوجب له ذلك في مال نفسه إيجابا شرعيا. وأذن له في الاقتراض والانفاق عند تعذر الاخذ منه، والرجوع بنظير ذلك عليه إذنا شرعيا. وأقر بالملاءة والقدرة على ذلك. ويؤرخ. وإن كانت النفقة للزوجة التي هي في العصمة ولاولاده منها: كتب كما تقدم وأضاف الاولاد إلى الزوجة في التقرير. ويأذن لها في الاقتراض والانفاق على نفسها وعلى أولادها المذكورين. ويكمل على نحو ما سبق. وصورة إشهاد الزوجة بالانفاق لترجع على الزوج: حضر إلى شهوده فلانة. وأشهدت عليها: أن فلانا تزوج بها تزويجا صحيحا شرعيا، ودخل بها وأصابها، واستولدها على فراشه ولدا يدعي فلان - أو أولادا، ويسميهم - ثم إنه سافر عنها وغاب الغيبة الشرعية. ولم يترك عندها نفقة ولا أرسل إليها شيئا فوصل إليها، وأنها من حين غاب عنها تنفق على نفسها وعلى ولدها منه المذكورين ما يحتاجون إليه، في ثمن طعام وإدام - إلى آخره - وأنها مستمرة في الانفاق على نفسها - أو على نفسها وولدها لا المذكور، أو على أولادها المذكورين - وأن جميع ما أنفقته وما تنفقه على نفسها وعلى ولدها المذكور بنية الرجوع على زوجها المذكور أعلاه عند إيابه من سفره، ورجوعه إليها، غير متبرعة بذلك ولا بشئ منه. وأشهدت على نفسها بذلك، فوقع الاشهاد عليها
به على الوجه المشروح أعلاه. ويؤرخ. وهذه الصورة صحيحة عند مالك وأحمد. صورة فرض حاكم شرعي لايتام لهم مال من والدهم وإقطاع بأيديهم. وفي حضانة والدتهم. فرض سيدنا فلان الدين لاولاد المرحوم فلان. وهم فلان وفلان وفلان الصغار الذين هم في حجر الشرع الشريف في حضانة والدتهم فلانة، في مالهم المخلف لهم عن والدهم المذكور - أو في مالهم مطلقا - برسم طعامهم وشرابهم وإدامهم وحمامهم وزيتهم وصابونهم، وما لا بد لهم منه شرعا من اللوازم الشرعية، ولمن يخدمهم عند والدتهم الحاضنة المذكورة. لكل واحد منهم جارية وخادم ملك له، مبتاع من ماله، في كل شهر يمضي من تاريخه كذا وكذا بالسوية أثلاثا، إن كانوا ثلاثة، أو أرباعا إن كانوا أربعة، أو
[ 180 ]
نصفين إن كانوا اثنين. وفرض لهم ولخدامهم في مالهم برسم كسوتهم لفصلي الشتاء والصيف في كل سنة كذا وكذا، لكل صبي وخادميه كذا وكذا، ما هو لنفسه خاصة كذا ولخادميه كذا. وفرض - أسبغ الله ظله، ورفع محله - في متحصل إقطاعهم الشاهد به مناشيرهم الشريفة، لكل واحد منهم برسم كلفة خيله من جوامك الغلمان وجراياتهم، وعليق الخيل، لكل واحد منهم فحل وحجرة وإكديش، أو إكديشان خصيان - وبغل وعليق جماله وهي قطار كامل ستة أجمال، وجامكية تبعه في الامرة للذي يخرج في البياكير والمهمات السلطانية عوضه وسد مسده مثله من الامراء العشراوات والعشرينات، في كل شهر من شهور الاهلة كذا وكذا. فمن ذلك: ما هو جامكية الركبدار كذا في كل شهر، وجامكية السايس في كل شهر كذا، وجامكية الجمال والمهمرد في كل شهر كذا، وجامكية التبع المذكور في كل شهر كذا. والباقي، وهو كذا، في كل شهر برسم شعير وتبن برسم عليق الخيل والجمال المذكورة، يصرف ذلك من خاص الامرة، خارجا عما هو معين من الاقطاع لعشر مماليك ملازمين الخدمة والخروج في البياكير والمهمات السلطانية، حسبما يشهد به ديوان
الجيوش المنصورة. فرضا صحيحا شرعيا. وأوجب لهم ذلك في مالهم إيجابا شرعيا. وأذن لوصيهم الشرعي فلان، الثابت إيصاؤه وأهليته للوصية عليهم عنده شرعا، المتكلم في مالهم وإقطاعهم بالطريق الشرعي: أن يصرف إلى حاضنتهم المذكورة ما هو مفروض لهم، مما دخل تحت يده من مالهم، المنتقل إليهم بالارث الشرعي عن مورثهم المشار إليه أعلاه كل شهر في أوله، لتصرفه في مصرفه الشرعي على التفصيل المشروح أعلاه. وأذن له: أن يصرف من متحصل إقطاعهم ما هو مفروض فيه برسم ما ذكر أعلاه، في كل شهر من شهور الاهلة على حكم التفصيل المعين أعلاه. وإذا حصلت الكفاية للكراع المذكور بأقل مما عين أعلاه: صرف الاقل وأضرب عن الزائد. وأن يصرف خارجا عن ذلك ما يحتاج إليه من قيام ناموس الامرة، من عدة وبرك ولبوس وسروج ولجم ومقاود وعبى، وغير ذلك مما لا بد منه، ولا يقوم دست الامرة إلا به، إذنا صحيحا شرعيا. وذلك بعد أن ثبت عند سيدنا الحاكم المشار إليه: أن ضرورة المفروض لهم داعية إلى مثل ذلك، وأن هذا القدر المفروض لقيام دست الامرة وناموسها هو أقل ما يفرض لمثل المفروض لهم فيه، وأن حالهم لا يقوم بأقل من ذلك، مع الاحتياط الكافي،
[ 181 ]
والاجتهاد الوافي، ومراعاة جانب الايتام، وحصول الحظ والمصلحة لهم في ذلك. وأن المفروض من الجوامك لمن فرضت: أجرة المثل لمثلهم وبعد استيفاء الشرائط الشرعية. واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. وحضر الوصي المشار إليه إلى مجلس الحكم العزيز المشار إليه. واعترف عند الحاكم المسمى أعلاه - أدام الله علاه - بالاحتياط على أموال الايتام المذكورين أعلاه. وأنه تسلمها وأحرزها تحت يده. وجملتها - حسبما تشهد به أوراق الحوطة والمبيع
المشمولة بخطوط السادة العدول، المندوبين لذلك من مجلس الحكم العزيز المشار إليه، المخلدة بديوان نظر الايتام. وعند الوصي المشار إليه نسخة بذلك - كذا وكذا. وذلك خارج عن الاملاك وريعها. وعن ريع الاقطاعات مما ذلك متوقف على محاسبة الوصي المشار إليه في انقضاء كل سنة بعد ذلك. وأشهد سيدنا المشار إليه على نفسه الكريمة بما نسب إليه أعلاه من الفرض والاذن وثبوت ما ثبت لديه على الحكم المشروح أعلاه، والوصي المشار إليه أعلاه في تاريخ كذا. ويثبت الحاكم التاريخ والحسبلة بخطة، ويتوج أعلا الفرض بالاذن والحمدلة بخطه، ويكمل بالاشهاد عليه بشهود المجلس. فإن رأى الحاكم أن يكتب بهذا الفرض نسخة ويخلدها في مجلس الحكم. كان ذلك ضابطا حسنا. صورة فرض ليتيم واحد: فرض سيدنا فلان الدين لفلان اليتيم الصغير، الذي هو في حجر الشرع الشريف - أو في حجر الحكم العزيز، أو في حضانة والدته فلانة أو جدته أم أبيه، أو أم أمه فلانة، أو خالته فلانة - أو غيرهن من الحاضنات الشرعيات على ترتيب استحقاق الحضانة - برسم طعامه وشرابه، إلى آخره - في كل شهر كذا. وفرض له أيضا برسم كسوته في كل شهر من تاريخه كذا وكذا لفصلي الشتاء والصيف، وثمن أقباع ونعال، وأجرة المؤدب، ما مبلغه كذا، فرضا صحيحا شرعيا. وأوجب له ذلك في ماله إيجابا شرعيا. وأذن لمن في يده شئ من ماله في صرف ذلك إلى حاضنته المذكورة في أول كل شهر، لتصرفه عليه بطريقه الشرعي، إذنا شرعيا ويكمل. ويكتب التاريخ والحسبلة بخط الحاكم. ويشهد عليه بذلك. صورة فرض ليتيم. ليس له حاضنة من أقاربه، ولا من أقارب أبيه، ولا وصي: فرض سيدنا فلان الدين لفلان اليتيم الصغير الذي هو في حجر الشرع الشريف، الذي أقام له الحاكم المشار إليه امرأة مخدرة صينة، تحضنه وتربية، وتطعمه إذا جاع، وتسقيه الماء إذا عطش، وتغير ثيابه إذا اتسخت بثياب نظيفة، وتغسل الوسخة، وتدهن رأسه وبدنه في
[ 182 ]
البيت وفي الحمام، وتفرش تحته وتغطيه إذا نام. وهي فلانة بنت فلان، لعدم وجود حاضنة شرعية من أقارب أمه، ولا من أقارب أبيه، ولا وصي شرعي - برسم طعامهما وشرابهما وصابونهما وزيتهما وحمامهما، وأجرة مسكنهما، وأجرة الحاضنة المذكورة، وتمريض الصغير المذكور، وما لا بد له منه من لوازم شرعية - في كل شهر من استقبال يوم تاريخه كذا وكذا فرضا صحيحا شرعيا. وأوجب له ذلك في ماله إيجابا شرعيا، وأذن للقاضي فلان الدين أمين الحكم العزيز - أو الناظر في أمر الايتام - بالبلد الفلاني أن يدفع إلى الحاضنة المذكورة أعلاه القدر المفروض أعلاه من مال اليتيم المذكور، المستقر تحت يده بديوان الايتام، في كل شهر بشهره إذنا شرعيا. بعد أن ثبت عنده - ثبت الله مجده - أن القدر المفروض أعلاه: هو فرض المثل لليتيم المذكور أعلاه. وحاضنته المسماة معه أعلاه. وأن ذلك ما يفرض لمثل اليتيم المذكور وحاضنته، الثبوت الشرعي. وبعد استيفاء الشرائط الشرعية. واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. وأشهد على نفسه الكريمة بذلك في تاريخ كذا. ويكتب الحاكم التاريخ والحسبلة بخطه. ويكمل: صورة فرض لاولاد رجل سأل الفرض لهم في مالهم، أو في ريع ملكهم المنتقل إليهم من أمهم، أو في ريع وقفهم الآيل إليهم من أمهم، أو فيما يكسبه لهم وينميه من أموالهم: فرض سيدنا فلان الدين لفلان وفلان وفلانة - ويذكر عمر كل واحد منهم - أولاد فلان في مالهم الحاصل لهم تحت يد والدهم المذكور، الذي جره الارث الشرعي إليهم من والدتهم فلانة - أو فيما في ذمته لهم من صداق والدتهم فلانة، أو من دين والدتهم الذي هو في ذمته، أو من أجور ملكهم المخلف لهم عن والدتهم فلانة، أو من ريع ما هو وقف عليهم - برسم طعامهم وشرابهم، إلى آخره - في كل شهر كذا. فرضا صحيحا
شرعيا بالتماس والدهم المذكور منه ذلك، وسؤاله إياه فيه. وقرر ذلك لهم في مالهم تقريرا شرعيا. وأوجبه فيه إيجابا شرعيا، لازما معتبرا مرضيا. وأذن لوالدهم المذكور في صرف ذلك عليهم نفقة وكسوة من مالهم المعين أعلاه، حسبما عين أعلاه، إذنا شرعيا. وذلك بعد اعتراف والدهم المذكور: أن تحت يده من مالهم، ومن جهات استحقاقهم: ما يصرف منه ذلك، الاعتراف الشرعي. ووقع الاشهاد بذلك. ويكمل على نحو ما سبق. صورة فرض لايتام تحت حجر وصي شرعي: فرض سيدنا فلان الدين لفلان وفلان وفلان أيتام فلان - ويذكر أعمارهم - الجارين تحت نظر فلان ووصيته، بمقتضى الوصية
[ 183 ]
الشرعية، المسندة إليه من والدهم المذكور. المتقدم تاريخها على تاريخه، الثابت مضمونها شرعا بمجلس الحكم العزيز الفلاني. وهم الآن في حضانة والدتهم فلانة، برسم طعام وشرابهم - إلى آخره - في كل شهر كذا. فرضا صحيحا شرعيا. وأذن لوصيهم المذكور في دفع ذلك من مالهم الحاصل تحت يده إلى والدتهم الحاضنة المسماة أعلاه، لتصرفه عليهم وعلى خادمهم نفقة وكسوة، حسبما عين أعلاه، إذنا شرعيا. وإن كان الوصي هو الذي يصرف عليهم بنفسه. فيقول: وأذن لوصيهم المذكور في صرف ذلك عليهم بنفسه. وبمن هو أهل لذلك. وإن كان القبض والصرف للحاضنة. فيقول: وأذن للحاضنة المذكورة في الاقتراض والانفاق على الصغار المذكورين أعلاه عند تعذر الاخذ من الوصي المذكور، والرجوع به في مال الايتام المذكورين أعلاه، إذنا شرعيا. واعترف الوصي المذكور أعلاه: أن تحت يده من مال الايتام المذكورين أعلاه، ما يصرف منه ذلك. ويكمل على نحو ما تقدم. صورة فرض غيبة لزوجة وأولاد: فرض سيدنا فلان الدين لفلانة زوجة فلان الغائب يومئذ عن مدينة كذا الغيبة الشرعية، الثابتة عند الحاكم المشار إليه الثبوت الشرعي
وأولادها منه فلان وفلان في مال زوجها الغائب المذكور أعلاه - برسم طعامهم وشرابهم إلى آخره - في كل يوم من تاريخه كذا وكذا. وقرر لهم ذلك في ماله تقريرا شرعيا تاما، لازما معتبرا مرضيا. وأذن للزوجة المذكورة في قبض ذلك من ماله ممن هو في يده. وفي الاقتراض والانفاق عند تعذر وصولها إلى ذلك، وإنفاقه على نفسها وعلى أولادها المذكورين. والرجوع بنظير ذلك في مال زوجها الغائب المذكور، إذنا شرعيا. وذلك بعد ثبوت ما ذكر ثبوته أعلاه، وثبوت الزوجية بينهما عنده الثبوت الشرعي. وبعد إحلاف الزوجة: أن الزوج المذكور لم يترك عندها نفقة ولا واصلها بنفقة. وبعد استيفاء الشرائط الشرعية، واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. ويكمل على نحو ما سبق. وإن كانت الزوجة ليس لها أولاد: أفردها القاضي بالفرض. وكتب لها بذلك. وإن كانوا أولادا محضا. كتب لهم بذلك. وذكر حاضنتهم على حسب الحال. وما اتفق عليه الامر. صورة فرض لبالغ تحت نظر متكلم في ماله: فرض سيدنا فلان الدين لفلان البالغ المستمر على حجر الصبي الذي هو تحت نظر فلان، المتكلم في أمره وماله بالاذن الكريم العالي الفلاني، لما يحتاج إليه في ثمن طعام وإدام - إلى آخره - في كل شهر
[ 184 ]
كذا، فرضا صحيحا شرعيا. وقرر ذلك في ماله تقريرا شرعيا، لازما معتبرا مرضيا. وأذن للمتكلم في ماله المذكور أعلاه في صرف القدر المفروض المعين أعلاه من ماله عليه وعلى خادمه نفقة وكسوة على الحكم المشروح أعلاه إذنا شرعيا. ويكمل على نحو ما سبق. صورة فرض حكمي إجباري على مذهب أبي حنيفة، لمن يجوز الفرض له عنده. وهو على كل ذي رحم بالرحم. فتدخل فيه الخالة والعمة، خلافا للباقين. فرض سيدنا فلان الدين الحنفي على فلان لعمته - أو خالته مثلا - فلانة الفقيرة
الكبيرة السن، العاجزة عن تحصيل ما تسد به الرمق. ويقوم بأودها، أو لقيمات يقمن صلبها، الثابت وصفها بالصفة المذكورة أعلاه عند سيدنا الحاكم المشار إليه الثبوت الشرعي، لما تحتاج إليه من ثمن طعام وإدام - إلى آخره - في كل يوم، أو في كل شهر كذا. فرضا صحيحا شرعيا. وأوجب لها ذلك في ماله إيجابا شرعيا، وأذن لها في الاقتراض والانفاق عند تعذر الاخذ منه والرجوع بنظير ذلك عليه إذنا شرعيا. وحكم - أيد الله أحكامه. وسدد نقضه وإبرامه - لها بذلك حكما شرعيا تاما مرضيا، مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية مع العلم بالخلاف. وذلك بعد أن ترافع المفروض عليه والمفروض لها، المذكور أعلاه، إلى مجلس الحكم العزيز المشار إليه، وتصادقا على اتصال القرابة بينهما، وأنها من ذوي رحمه وطلبها من الحاكم المشار إليه الفرض لها عليه. واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. وأشهد على نفسه الكريمة بذلك. ويكمل على نحو ما سبق. صورة فرض على مذهب الامام أحمد لمن يجوز له الفرض عنده. وهو كل شخصين جرى بينهما الميراث بفرض أو تعصيب من الطرفين، كالابوين والاولاد، والاخوة والاخوات. كما تقدم ذكره في مسائل الخلاف. فرض سيدنا فلان الدين الحنبلي على فلان التاجر لابن عمته أخت أبيه لابويه فلان الفقير، المعسر الذي لا مال له، العاجز عن الاكتساب لكبر سنه، في ماله، برسم ابن عمته المذكور، لما يحتاج إليه في ثمن طعام وإدام - إلى آخره - في كل يوم كذا - إلى آخره. فرضا صحيحا شرعيا. وأوجب له ذلك في ماله إيجابا شرعيا. وأذن له في الاقتراض والانفاق على نفسه عند تعذر الاخذ منه والرجوع على المفروض عليه بنظير ذلك إذنا شرعيا. وذلك بعد أن ترافعا إليه ومثلا بين يديه، واعترفا باتصال القرابة بينهما. وتصادقا عليها تصادقا شرعيا.
[ 185 ]
وإن كان المفروض عليه أنكر القرابة، وأقام المفروض له بينة فيقول: وذلك بعد أن ترافعا إليه، وادعى المفروض له على المفرض عليه: أنه ابن عمته أخت أبيه لابويه. وأنه فقير معسر لا مال له، وأنه عاجز عن الاكتساب. وأنكر المفروض عليه ذلك. وأقام المفروض له بينة شهدت بذلك، وبتشخيصهما عنده التشخيص الشرعي. وسمع الحاكم المشار إليه البينة، وقبلها لما رأى معه قبولها. وبعد أن ثبت عنده فقر المفروض له، وعجزه عن الاكتساب الثبوت الشرعي. ولما تكامل ذلك عنده. وثبت لديه - أحسن الله إليه - الثبوت الشرعي. وفرض الفرض المذكور، سأله المفروض له الحكم بذلك، والاجازة له والاشهاد على نفسه الكريمة بثبوت ذلك عنده، والحكم به. فاستخار الله وأجابه إلى سؤاله لجوازه عنده شرعا. وحكم بذلك حكما صحيحا شرعيا. تاما معتبرا مرضيا، مع العلم بالخلاف. وبعد استيفاء الشرائط الشرعية، واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. ويكمل على نحو ما سبق. صورة فرض لمعتوق على عتيقه. على مذهب الامام أحمد رضي الله عنه، سواء كان العتيق بالغا ساعيا، أو صغيرا لا يستطيع السعي: فرض سيدنا فلان الدين الحنبلي لفلان ابن عبد الله. البالغ أو الصغير عتيق فلان على معتقه المذكور، برسم طعامه وشرابه - إلى آخره - في كل يوم، أو في كل شهر كذا، فرضا صحيحا شرعيا. وأوجب له ذلك في مال معتقه المذكور إيجابا شرعيا وأذن له أن يستدين وينفق على نفسه، ويرجع على معتقه بنظير ذلك، إذنا شرعيا. وهذا إذا كان المفروض له بالغا. أما في الصغير. فيقول: وجعل الحاكم المشار إليه المفروض له عند معتقه المذكور. فإن كان معتقه غائبا أو أبي أن يجعله عنده. فيقول: الذي وضعه الحاكم عند ثقة أمين. وهو فلان. وأذن له أن ينفق القدر المفروض عليه إلى أن يسعى، إذنا شرعيا، بعد أن ثبت عند سيدنا الحاكم المشار إليه أن المفروض له المذكور عتيق المفروض عليه - أو
بعد أن اعترف المفروض عليه المذكور أن المفروض له عتيقه - اعترافا شرعيا. وحكم - أيد الله أحكامه - بصحة الفرض المذكور حكما شرعيا، مسؤولا فيه. مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف. وأشهد على نفسه الكريمة بذلك. ويكمل على نحو ما سبق. صورة فرض على مذهب الامام أحمد للولد البالغ على أبيه. فإنه قال: لا تسقط نفقة الولد عن أبيه وإن بلغ، ذكرا كان أو أنثى، إذا لم يكن له كسب ولا مال، خلافا
[ 186 ]
لابي حنيفة والشافعي في الذكر والانثى، وخلافا لمالك في الذكر. فإنه قال: لا تسقط نفقة الجارية عن أبيها، وإن تزوجت حتى يدخل بها الزوج. ويتفرع على ذلك صور. وهي: فرض الصغير إذا كانت له قرابة، مثل أم وجد. فالنفقة تفرض له على الام والجد أثلاثا. وإن كان شيخا كبيرا وله ابن وبنت. فالفرض له عليهما أثلاثا. وأما إذا كان له بنت وابن ابن. فقال أبو حنيفة: الفرض على البنت وحدها. وقال أحمد: هو عليهما بالسوية. وإن كان له أم وبنت. فقالا: النفقة عليهما أرباعا، الربع على الام والباقي على البنت. خلافا للشافعي، فإن النفقة عنده على الذكور خاصة من الاصول والفروع. وعند مالك: أن النفقة على أولاد الصلب، الذكر والانثى منهم سواء إذا استويا في اليسار. فإن كان أحدهما واجدا والآخر فقيرا. فالنفقة على الواجد. وقد تقدم هذا التفريق في مسائل الخلاف من هذا الباب مبسوطا. فإذا أراد العمل في صورة من هذه الصور المتفرعة، نسخ على المنوال السابق. وأتى في كل صورة بصيغها التي تعتبر فيها وتليق بها. صورة فرض على مباشرة نظر، أو تدريس أو غير ذلك. فرض سيدنا فلان الدين، أو هذا فرض فرضه سيدنا فلان الدين، أو هذا ما أشهد به على نفسه الكريمة سيدنا فلان
الدين: أنه فرض لفلان الدين على مباشرة وظيفة النظر في المدرسة الفلانية المنسوب إيقافها إلى فلان على مذهب الامام فلان، وقيامه بالوظيفة المذكورة، أسوة أمثاله: من النظار من عمل مصالحها وعمارتها وعمارة أوقافها، وتنمية ريعها، وصرفه في مصارفه الشرعية على مستحقيه، من مدرس ومعيدين وفقهاء، وأرباب الوظائف بها أوان الوجوب والاستحقاق، واعتبار أحوال المرتبين بها، والتزام كل واحد منهم بالقيام بوظيفته وملازمتها، وأدائها على الوجه المعتبر في مثلها بنفسه، أو بنوابه العدول الثقات: الثمن كاملا من ريع أوقافها - أو السدس أو الربع أو أقل أو أكثر - في كل سنة من السنين بعد صرف ما تحتاج إليه المدرسة المذكورة في عمارتها وعمارة أوقافها. فرضا صحيحا شرعيا. وأذن له في تناول ذلك من ريع وقف المدرسة المذكورة لنفسه على قيامه بالوظيفة المشار إليها، إذنا شرعيا، مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية. وواجباته المعتبرة المرضية.
[ 187 ]
وإن كان الفرض للمدرس فيقول: على مباشرة وظيفة التدريس بالمدرسة الفلانية، وإلقاء الدرس بها على الفقهاء والمتفقهة، كذا وكذا في كل سنة من متحصل أوقاف المدرسة المذكورة، من أجور مسقفات وثمن مغلات، وغير ذلك. وأشهد على نفسه الكريمة بذلك في تاريخ كذا. ويكتب التاريخ والحسبلة بخطه، ويكتب في أعلا الطرة على يسار البسملة: فرضت ذلك. وأذنت فيه على الوجه الشرعي. ويكمل بالاشهاد على نحو ما سبق. والله أعلم.
[ 188 ]
كتاب الحضانة وما يتعلق بها من الاحكام الحضانة حفظ من لا يستقل بنفسه، وتربيته بما يصلحه، ووقايته عما يؤذيه.
وهي ولاية. لكنها بالاناث أليق. وأولاهن الام. وشرطها: العدالة، والحرية، والاسلام للمسلم. فلو كان مسلما والام كافرة. فحضانته لاقاربه المسلمين. فإن لم يكن فعلى المسلمين، والمؤنة في ماله. فإن لم يكن فعلى أمه إن كانت موسرة. وإلا فهو من محارم المسلمين. وولد الذميين أمه أحق بحضانته. فإن وصف بالاسلام نزع منهم. والمحضون: من لا يستقل بمراعاة نفسه، ولا يهتدي لمصالحه، لصغر، أو جنون أو خبل، وقلة تمييز. فإذا بانت الزوجة وبينهما ولد. نظرت، فإن كان بالغا رشيدا، لم يجبر على الكون مع أحدهما، بل يجوز له أن ينفرد عنهما. إلا أن المستحب له: أن ينفرد عنهما، كيلا ينقطع بره وخدمته عنهما. وهل يكره له الانفراد عنهما؟ ينظر فيه. فإن كان رجلا: لم يكره له الانفراد عنهما. وإن كانت امرأة: فإن كانت بكرا، كره لها الانفراد عنهما. لانها لم تجرب الرجال ولا يؤمن أن تخدع. وإن كانت ثيبا فارقها زوجها: لم يكره لها الانفراد عنهما. لانها قد جربت الرجال ولا يخشى عليها أن تخدع. وقال مالك: يجب على الابنة أن لا تفارق أمها حتى تتزوج ويدخل بها الزوج. وموضع الدليل: أنها إذا بلغت رشيدة: ارتفع الحجر عنها. فكان لها أن تنفرد بنفسها ولا اعتراض عليها، كما لو تزوجت من بانت منه. وإن كان الولد صغيرا - لا يميز - وهو الذي له دون سبع أو أكثر، إلا أنه مجنون أو مختلط العقل - وجبت حضانته. لانه إذا ترك منفردا ضاع.
[ 189 ]
والحضانة هي كفالة الطفل. والاصل فيها قوله تعالى: * (وكفلها زكريا) * والنبي (ص) كفله أبو طالب، وحضنته حليمة مدة رضاعه (ص).
ونتيجة الحضانة: حفظ من لا يستقل بأموره كما تقدم، والام أولى بها، ثم أمهاتها المدليات بالاناث. ويقدم منهم: القربى، فالقربى. والجديد: أنه يقدم بعدهن أم الاب، ثم أمهاتها المدليات بالاناث، ثم أم أب الاب كذلك، ثم أم أب الجد كذلك. وتقدم الاخوات على الخالات، والخالات على بنات الاخوات. وتقدم بنات الاخوة وبنات الاخوات على العمات. وتقدم الاخت من الابوين على الاخت من الاب والاخت من الام. وتقدم الاخت من الاب على الاخت من الام. وتقدم الخالة والعمة من الاب على الخالة والعمة من الام. وأما الذكور: فالمحرم الوارث، كالاب والجد والاخ وابن الاخ والعم، لهم الحضانة. كترتيب العصبات. والوارث الذي ليس بمحرم كابن العم له الحضانة، لكن إن كانت صغيرة في حد تشتهى: لم تسلم إليه، بل إلى بنته، أو امرأة ثقة بعينها. والاظهر: أن المحرم الذي ليس بوارث، كالخال وأبي الام، والقريب الذي ليس بوارث ولا محرم، كابن الخال وابن العمة: لا حضانة لهما. وإذا اجتمع الذكور والاناث من أهل للحضانة. فإن كانت فيهم الام فهي أولى من غيرها، وأم الام عند فقدها في معناها. والاب أولى من الجدات من قبله، وكذا من الخالة والاخت المدلية بالام. وتقدم الاصول على الاقارب الواقعين على حواشي النسب. فإذا فقدت الاصول فالاظهر تقدم الاقرب فالاقرب. فإن استوى اثنان في القرب فالتقديم للانوثة. فإن استويا من كل وجه فيقطع النزاع بالقرعة. ويشترط في ثبوت حق الحضانة: الاسلام، والعقل، والحرية، والعدالة، كما تقدم. فلا حضانة للمجنونة والرقيقة والكافرة، ولا الفاسقة. ولو نكحت أم الطفل بعد فراق أبيه أجنبيا: بطلت حضانتها. ولا أثر لرضى الزوج.
ولو نكحت عم الطفل، أو ابن أخيه، أو ابن عمته، فالاشبه: أنه لا يبطل حقها من الحضانة. وهل يشترط لاستحقاقها الحضانة: أن ترضع الولد إذا كان رضيعا؟ فأجاب الاكثرون بالاشتراط.
[ 190 ]
وإذا أسلمت الكافرة، أو أفاقت المجنونة، أو عتقت الامة، أو حسن حال الفاسقة. ثبت لها حق الحضانة. وإذا طلقت المرأة بعد ما سقط حقها من الحضانة بالنكاح عاد استحقاقها للحضانة. ولو غابت الام، أو امتنعت من الحضانة. انتقل حق الحضانة إلى الجدة. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أن الحضانة تثبت للام ما لم تتزوج. وإذا تزوجت ودخل بها الزوج سقطت حضانتها. واختلفوا فيما إذا طلقت بعد طلاقا بائنا، هل تعود حضانتها؟ فقال أبو حنيفة والشافعي: تعود. وقال مالك في المشهور عنه: لا تعود بالطلاق. وإذا افترق الزوجان وبينهما ولد. قال أبو حنيفة في إحدى روايتيه: الام أحق بالغلام، حتى يستقل بنفسه في مطعمه ومشربه وملبسه ووضوئه واستنجائه، ثم الاب أحق. والام أحق بالانثى إلى أن تبلغ، ولا يجبر واحد منهما. وقال مالك: الام أحق بالانثى إلى أن تتزوج، ويدخل بها الزوج، وبالغلام أيضا في المشهور عنه إلى البلوغ. وقال الشافعي: الام أحق بهما إلى سبع سنين، ثم يخيران. فمن اختاراه كانا عنده. وعن أحمد روايتان. إحداهما: الام أحق بالغلام إلى سبع ثم يخير، والجارية بعد السبع تجعل مع الام بلا تخيير. والرواية الاخرى: كمذهب أبي حنيفة. والاخت من الاب: هل هي أولى بالحضانة أم لا؟ قال أبو حنيفة: الاخت من الام
أولى من الاخت للاب ومن الخالة للام. والخالة أولى من الاخت. وقال مالك: الخالة أولى منهما. والاخت من الام أولى من الاخت للاب. وقال الشافعي وأحمد: الاخت للاب أولى من الاخت للام ومن الخالة. فصل: وإذا أخذت الام الطفل بالحضانة، فأراد الاب السفر بولده بنية الاستيطان في بلد آخر. فهل له أخذ الولد منها أم لا؟ قال أبو حنيفة: ليس له ذلك. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: له ذلك. فإذا كانت الزوجة هي المنتقلة بولدها. قال أبو حنيفة: لها أن تنتقل بشرطين. أحدهما: أن تنتقل إلى بلدها. والثاني: أن يكون العقد ببلدها الذي تنتقل إليه. فإذا فات أحد الشرطين منعت إلا بوضع يمكن لابيه المضي إليه ويعود قبل الليل. فإن كان انتقالها إلى دار حرب أو من مصر إلى سواد وإن قرب. منعت أيضا.
[ 191 ]
وقال مالك والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه: الاب أحق بولده، سواء كان المنتقل هي أو هو. وعن أحمد رواية أخرى: أن الام أحق به ما لم تتزوج. اه. المصطلح: وما يشتمل عليه من الصور. صورة حضانة أهلية صادرة بالتراضي بين والد الطفل وبين الحاضنة الشرعية: حضر إلى شهوده في يوم تاريخه فلان ومطلقته الطلقة الواحدة الاولى البائن - أو الثانية المسبوقة بأولى البائن، أو الطلقة الثالثة المكملة لعدد الطلاق الثلاث - فلان. وأشهد عليه: أنه كان قد تزوج بفلانة المذكورة من قبل تاريخه تزويجا شرعيا. ودخل بها وأصابها. وأولدها على فراشه ولدا ذكرا يسمى فلان - أو أنثى تسمى فلانة - المقدر عمره أو عمرها يومئذ كذا وكذا سنة - أو المرضع أو الفطيم - وبانت منه بالطلاق المعين أعلاه. وأن والدته المذكورة أهل للحضانة، وأنه سلم إليها ولده المذكور لتحضنه، ما دامت متصفة بصفات الحاضنات. وتقوم بمصالحه، وغسل ثيابه ورأسه ودهنه وكحله وتنظيفه،
وتغيير ثيابه والفرش له، وتغطيته إذا نام. والقيام بمصالحه وتربيته، مقيمة به في المسكن الفلاني، لما يعلم من خيرها ودينها وعفتها وسدادها وشفقتها. فتسلمته بمقتضى مالها من حضانته على الوجه الشرعي بحكم اتصافها بها الاتصاف الشرعي، تسلما شرعيا. وتصادقا على ذلك كله تصادقا شرعيا. وإن كان فرض للولد فرضا. فيقول: وفرض والد الطفل المذكور لولده المذكور على نفسه برضاه، لما يحتاج إليه في ثمن طعام وإدام - إلى آخره - وبرسم حضانة حاضنته المذكورة. وخادمه القائم بقضاء حوائجه، وشراء ما يحتاج إلى شرائه من الطعام والشراب وغير ذلك من اللوازم الشرعية، وما لا بد له ولخادمه منه شرعا في كل يوم كذا لمدة كذا، فرضا شرعيا، حسبما اتفق والد الطفل المذكور ووالدته المذكورة على ذلك وتراضيا عليه. وأقر بالملاءة والقدرة على ذلك. وأذن لها في الاقتراض والانفاق - إلى آخره. ويكمل. ويؤرخ على نحو ما سبق. وكذلك يكتب في جميع الحضانات على الترتيب المعين في استحقاق الحضانة من الامهات والجدات والاخوات والخالات. هذا إذا اتفقا على أهلية الحضانة. وأما إذا اختلفا فيها فلا بد من ترافعهما إلى حاكم شرعي، وتدعي عنده على والد الطفل. وتقيم البينة عنده: أنها سالكة الطريق الحميدة والمناهج السديدة، وأنها مواظبة على الصلوات الخمس في أوقاتها. أهل لحضانة ولدها فلان الذي رزقته من مطلقها فلان المدعي عليه المذكور، متصفة بصفة الاهلية المعتبرة شرعا، من الخدمة والشفقة والرعاية
[ 192 ]
والسداد والقيام بمصلحة الولد المذكور ليلا ونهارا. وتقول في دعواها: وأنه أراد انتزاع الولد منها. وقد آلت الحضانة إليها. وتسأل إبقاء ولدها عندها، وفي حضانتها. فإن أجاب بصحة دعواها. وإلا فتقيم البينة عنده. وتثبت لديه. ويبقى الولد عند الام، ويأمره الحاكم بعدم التعرض لها في أخذ ولده منها.
وتسأل الحاكم أن يحكم لها بذلك بعد الاعذار إليه. وإن حصلت الدعوى ولم تحضر والدة الطفل شهودا يشهدون بأهليتها، وأحضر الوالد شهودا يشهدون بعدم أهليتها. فتكون الدعوى من الوالد على الوالدة، ويذكر في دعواه قصد انتزاعه منها بحكم أنها لم تكن أهلا لحضانة الولد المذكور. فإن صدقته انتزعه منها. وإن كذبته أقام البينة: أنها مفرطة فيما يجب عليها من حقوق الكفالة لولدها فلان المذكور، من الصيانة والنظر في أحواله في الليل والنهار والخدمة، وأنها تتركه في البيت والباب مغلق عليه وحده وهو صارخ، وتغيب عنه في قضاء حوائجها عند الجيران في أكثر الاوقات. وهي غير مواظبة على الصلوات الخمس في أوقاتها، مرتكبة ما يخرجها عن أهلية الحضانة لولدها المذكور. وتقام الشهادة بذلك بحضورها. ويعذر إليها الحاكم. ويسأل القاضي الحكم له بذلك، وبسقوط حضانتها للولد وانتزاعه منها، وتسليمه له بمقتضى ما ثبت عليها من عدم أهليتها لذلك. فيحكم له الحاكم بموجب ذلك. ويسلم الولد له بعد انتزاعه من والدته. فإذا حسن حالها وصارت أهلا للحضانة فلا بد من كتابة محضر. صورته: شهوده يعرفون فلانة معرفة صحيحة شرعية. ويشهدون - مع ذلك - أنها قد حسنت سيرتها، وصارت مواظبة على الصلوات الخمس، مسددة في أفعالها وأقوالها وأحوالها، مقيمة في بيتها، لا تخرج منه إلا لضرورة شرعية وتعود سريعا. أهلا للحضانة لولدها فلان، وللنظر في أحواله وتربيته، كغيرها من الحاضنات الجيدات، مع سلوك الطريق الحميدة، والمناهج السديدة. والعمل بتقوى الله وطاعته. وأنها صارت متصفة بصفات حميدة توصلها إلى أهليتها لحضانة ولدها المذكور، اتصافها بها الاتصاف الشرعي. وثبت هذا المحضر عند الحاكم. ويدعي على الولد، وينزع الولد منه. ويسلم إليها، ويحكم لها بذلك. ويكمل على نحو ما سبق.
صورة حضانة أهلية، وتقرير فرض لمطلقة عازبة أو مزوجة، مسافرة أو مقيمة، على مذهب الامام مالك رحمه الله تعالى. قرر فلان لولده فلان الذي رزقه على فراشه
[ 193 ]
قبل تاريخه من مطلقته فلانة المقدر عمره يومئذ كذا، أو الرضيع أو الفطيم، الذي هو في حضانة والدته المطلقة المذكورة أعلاه، لما يحتاج إليه الولد المذكور، في ثمن طعام وإدام وماء وزيت وصابون. وأجرتي حمام ومنزل وكسوة، ولوازم شرعية، لمدة كذا وكذا سنة من تاريخه في غرة كل يوم يمضي من تاريخه من الفلوس الجدد عشرة دراهم مثلا، تقريرا شرعيا حسبما اتفق هو ومطلقته المذكورة على ذلك وتراضيا عليه. وأقر بالملاءة والقدرة على ذلك. وأذن المقرر المذكور أعلاه لمطلقته المذكورة أعلاه في الاقتراض والانفاق عند تعذر الاخذ منه، والرجوع بنظير ذلك عليه إذنا شرعيا. ثم بعد ذلك ولزومه شرعا، التزمت المطلقة المذكورة أعلاه بالقيام لولدها المذكور أعلاه عن والده المقرر المذكور أعلاه في غرة كل يوم يمضي من تاريخه بما مبلغه خمسة دراهم مثلا، أو أقل من جملة التقرير المعين أعلاه. وذلك في نظير إبقاء الولد المذكور أعلاه بيدها. وفي حضانتها، تحضنه وتكفله لطول المدة المعينة أعلاه، عزبا كانت أو متزوجة، مسافرة كانت أو مقيمة. مسافرا كان هو أو مقيما، التزاما شرعيا على مذهب من يرى ذلك من السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين. ورضي المقرر المذكور أعلاه بذلك. وأقر الولد المذكور بيد والدته المطلقة المذكورة، تكفله وتحضنه على الحكم المشروح أعلاه، لطول المدة المعينة أعلاه، لما علم لنفسه ولولده المذكور في ذلك من الحظ والمصلحة. وأسقط حقه من طلب الولد المذكور ومن السفر به من بلد كذا إلى بلد كذا، وإلى غيره من الجهات عند قصده السفر بنفسه وبوكيله، لطول المدة المعينة أعلاه، إسقاطا شرعيا. قبلت ذلك منه قبولا شرعيا. وأقرت بالملاءة والقدرة على ذلك. وبمعرفة معنى الالتزام المشروح أعلاه وما يترتب عليه شرعا. واعترف المطلق المذكور
أن مطلقته المذكورة أهل للحضانة. متصفة بصفات الحاضنات. ولما تكامل ذلك ادعى به بمجلس الحكم العزيز الفلاني المالكي، وثبت اعتراف كل منهما بذلك لديه. أحسن الله إليه، بشهادة شهوده الواضعين خطوطهم آخره بالشهادة عليه، الثبوت الشرعي، وتشخيصها عنده التشخيص الشرعي. واعتراف كل منهما بعدم الدافع، والمطعن لذلك وبشئ منه، الاعتراف الشرعي. وحكم - أيد الله أحكامه - بموجب ذلك، حكما شرعيا، تاما معتبرا مرضيا. مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية، واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. مع العلم بالخلاف فيما فيه الخلاف من ذلك. وبه تم الاشهاد في تاريخ كذا. صورة حضانة للجدة أم الام، إذا كانت متزوجة بالجد أبي الام، على مذهب الامام
[ 194 ]
أبي حنيفة رحمه الله تعالى: حضرت إلى مجلس الحكم العزيز بين يدي سيدنا فلان الدين الحنفي فلانة، وأحضرت معها ابنتها لبطنها فلانة بنت فلان، زوج المدعية المذكورة أعلاه يومئذ وادعت عليها لدى الحاكم المشار إليه: أنها تزوجت التزويج الشرعي بأجنبي، وأنها سقطت حضانتها لولدها الصغير الفطيم فلان ابن فلان، وأنها الآن هي المستحقة لحضانة الصغير المذكور. وسألت سؤال ابنتها المذكورة عن ذلك. فسألها الحاكم المشار إليه عن ذلك. فأجاب بالاعتراف. فسألت المدعية المذكورة سيدنا الحاكم المشار إليه الحكم لها بحضانة الصغير المذكور مع كونها مزوجة بالجد أبي الام، لموافقة ذلك مذهبه ومعتقده. فأجابها إلى سؤالها. وحكم لها بحضانته، حكما شرعيا تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية. واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. مع العلم الخلاف فيما فيه الخلاف من ذلك من استحقاق الجدة الحضانة مع كونها متزوجة بأبي الام. وأمرها بتسليم الصغير المذكور أعلاه لجدته المذكورة. فسلمته لها. فتسلمته منها تسلما شرعيا. ويكمل على نحو ما سبق.
صورة حضانة المرأة ولدها بعد سقوط حقها من الحضانة بالنكاح وطلاقها من الزوج، وعود الاستحقاق إليها بالطلاق. خلافا لمالك. حضرت إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني بين يدي سيدنا فلان الدين الشافعي، أو الحنفي، أو الحنبلي فلانة. وأحضرت معها مطلقها فلان. وادعت عليه: أنه تزوج بها تزويجا صحيحا شرعيا. ودخل بها وأصابها. وأولدها على فراشه ولدا يدعي فلان، الثلاثي العمر أو الرباعي. وبانت منه بالطلاق الفلاني من قبل تاريخه. وأنها تسلمت ولدها المذكور منه بعد الطلاق بمالها من حق الحضانة الشرعية. ثم إنها بعد ذلك نكحت رجلا آخر يدعي فلان. وسقط حقها من الحضانة لولدها المذكور بمقتضى ذلك. وأن والده المذكور انتزعه من يدها بعد ما نكحت فلانا المذكور. ثم إنها طلقت من الناكح المذكور طلاقا بائنا. وأنها حال الدعوى خالية عن الزوج، وأنها تستحق حضانة ولدها المذكور. وانتزاعه من يد والده المذكور وتسليمه إليها، وأنه ممتنع من تسليمها الولد المذكور. وسألت سؤاله عن ذلك. فسئل. فأجاب بصحة الدعوى. وصدقها على جميع ما ذكرته، غير أنه لا يعلم طلاقها من زوجها الثاني المذكور. فذكرت المدعية المذكورة: أن لها بينة شرعية، تشهد لها بالطلاق البائن من المطلق الثاني المذكور. وسألت الاذن في إحضارها. فأذن لها. فأحضرت شاهدين عدلين، هما فلان وفلان، واستشهدتهما. فشهدا لدى الحاكم المشار إليه بالطلاق البائن الثاني
[ 195 ]
المذكور. عرفهما سيدنا الحاكم المشار إليه. وسمع شهادتهما، وقبلها بما رأى معه قبولها. وثبت الطلاق عنده. وتبين له استحقاقها لحضانة ولدها المذكور. فحينئذ سألت المدعية المذكورة سيدنا الحاكم المشار إليه الحكم لها بحضانة ولدها المذكور، وتسليمه إليها. والعمل بمقتضى مذهب إمام الائمة محمد بن إدريس الشافعي، أو الامام الاعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت، أو الامام الرباني أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رضي الله
عنهم وأرضاهم. فاستخار الله وأجابها إلى سؤالها. وحكم لها بحضانة ولدها المذكور، وإبقائه في يدها وفي حضانتها. ما دامت متصفة بصفات الحاضنات، حكما شرعيا تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه مستوفيا شرائطه الشرعية. واعتبار ما يجب اعتباره شرعا، مع العلم بالخلاف فيما فيه الخلاف من ذلك. وأمره سيدنا الحاكم المشار إليه بتسليم الولد المذكور إليها. فسلمه إليها. فتسلمته منه تسلما شرعيا. والتزمت القيام بحضانته وتربيته، وإصلاح شأنه، وملازمة الاقامة معه في مسكن شرعي يليق به، وتولى إطعامه الطعام والادام، وغسل ثيابه وتنظيفها وتغييرها، وغسله في الحمام، وعمل مصالحه كلها بما هو مفروض له ولها ولمن يخدمها. وهو في غرة كل يوم كذا خارجا عن الكسوة بتصادقهما على ذلك. وانفصلا عن مجلس الحكم العزيز المشار إليه على ذلك. ويكمل على نحو ما سبق. وإن سبقها المطلق إلى المالكي، وادعى عليها عنده بسقوط حضانتها بالتزويج وعدم عود استحقاقها عنده. فيقلب هذه الصيغة. وتكون الدعوى منه، ويحكم الحاكم المالكي للمطلق. صورة إبقاء الحضانة للمرأة بعد التداعي، على مذهب الامام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني بين يدي سيدنا فلان الدين الحنفي فلان. وأحضر معه مطلقته فلانة. وادعى عليها لدى الحاكم المشار إليه: أنه تزوج بها تزويجا صحيحا شرعيا، ودخل بها وأصابها وأولدها على فراشه ولدين توأمين ابنا وبنتا. أحدهما يدعي فلان. والاخرى فلانة. وأنه أبانها بالطلاق. واستمر الولدان بيدها وحضانتها إلى الآن. وأنهما بلغا من العمر سبع سنين. وأنه قصد انتزاعهما بالتخيير، وأنهما مختاران له، وأنهما يستقلان بالمطعم والمشرب والملبس والوضوء والاستنجاء، ولبس السراويل. وسأل سؤالها عن ذلك.
فسئلت. فأجابت: أنه تزوجها وأولدها الولدين المذكورين. وأنهما بلغا سبع سنين، وأنهما يختاران الرجوع إليه والاقامة عنده، لكنهما لا يستقلان بجميع ما ذكر
[ 196 ]
أعلاه. وطلبت المطلقة المذكورة من الحاكم المشار إليه امتحان الصغيرين المذكورين. وأحضرهما بين يديه. فسألهما عن ذلك وامتحنهما فيه. فلم يأتيا بجميعه. وتبين عنده عدم استقلالهما بهذه الامور. فحينئذ سألت المطلقة المذكورة الحاكم المشار إليه العمل بما يعتقده من مذهب الامام أبي حنيفة رضي الله عنه. فاستخار الله سبحانه وتعالى، وأجابها إلى سؤالها. وحكم لها بحضانة الصغيرين المذكورين إلى حين بيان استقلالهما بما عين أعلاه من الابن وبلوغ البنت، لجواز ذلك عنده. وموافقته لمذهب مقلده الامام أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، حكما صحيحا شرعيا - إلى آخره، مع العلم بالخلاف. ويكمل على نحو ما سبق. وتقلب هذه الصورة بعينها عند الشافعي بدعوى الاب. وينزع ولديه لكونهما بلغا سبع سنين، واختاراه بين يدي الحاكم الشافعي. صورة إبقاء الولد في حضانة أمه إلى حين التزويج، ودخول الزوج بالبنت على مذهب الامام مالك رضي الله عنه: حضر إلى مجلس الحكم العزيز المالكي بين يدي سيدنا فلان الدين فلان، وأحضر معه مطلقته فلانة. وادعى عليها لدى الحاكم المشار إليه: أنه تزوجها تزويجا صحيحا شرعيا، ودخل بها وأصابها. وأولدها على فراشه بنتا تدعى فلانة. وأنها جاوزت سبع سنين، وميزت واستقلت بالطعام والشراب والوضوء والاستنجاء وطلب انتزاعها من يدها وتسليمها إليه. وسأل سؤالها عن ذلك. فسألها الحاكم المشار إليه: فأجابت بالاعتراف بما ادعاه. وطلبت منه العمل بمذهبه، وبما يعتقده من صحة الحضانة لها إلى حين تزويج البنت، ودخول الزوج بها، والحكم لها بذلك، والقضاء به والالزام بمقتضاه.
فأجابها إلى سؤالها. وحكم لها بذلك لجوازه عنده شرعا، حكما شرعيا تاما معتبرا مرضيا مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية. وواجباته المعتبرة المرضية، مع العلم بالخلاف فيما فيه الخلاف من ذلك. ويكمل على نحو ما سبق. وإن كان الاب قد وضع يده على البنت وأخذها بيده من يد أمها. فتدعي الام عليه عند الحاكم، ويحكم لها بها، ويلزمه بتسليمها لها، ويقع التسليم. ويكمل. صورة انتزاع البنت من أمها عند إدراك سبع سنين، على مذهب الامام أحمد رضي الله عنه: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني بين يدي سيدنا فلان الدين الحنبلي فلان، وأحضر معه مطلقته فلانة، وادعى عليها لدى الحاكم المشار إليه: أنه تزوج بها تزويجا
[ 197 ]
صحيحا شرعيا. ودخل بها وأصابها. وأولدها على فراشه بنتا تدعى فلانة، وأنها بلغت من العمر سبع سنين ودخلت في الثامنة. وطلب من الحاكم المشار إليه العمل بمذهبه على معتقد مقلده الامام أحمد بن حنبل الشيباني رضي الله عنه وأرضاه، والحكم بابنته المذكورة وتسليمها إليه. فأجابه إلى سؤاله. وحكم له بذلك حكما شرعيا، تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف. وبعد أن ثبت عنده أن البنت المذكورة بلغت سبع سنين، باعتراف والدتها المذكورة أعلاه، وبالبينة الشرعية الثبوت الشرعي. ويكمل على نحو ما سبق. صورة حضانة الاخت للام. إذا وصل استحقاق الحضانة إليها، على الخلاف في ذلك، أو إلى الاخت للاب، أو إلى الخالة، على مذهب الامام أبي حنيفة رضي الله عنه: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني بين يدي سيدنا فلان الدين الحنفي فلانة وفلانة وفلانة. وادعت الحاضرة المبدي بذكرها على الحاضرتين المثني بذكرهما، بحضور فلان
والد الطفل الآتي ذكره: أن فلانا الحاضر المذكور تزوج أختها لامها فلانة أخت الحاضرة المثني بذكرها لابيها. وهي بنت أخت الحاضرة الثالثة لابويها، تزويجا صحيحا شرعيا. ودخل بها وأصابها وأولدها على فراشه ولدا ذكرا يدعى فلان الفطيم. وأنها درجت بالوفاة إلى رحمة الله تعالى، وأن ليس أحد من أقرباء المتوفاة المذكورة موجودا، مستحقا للحضانة سواها. وسألت سؤال والد الصغير المذكور وأخت أمه لابيها وخالتها لابويها المذكورين أعلاه عن ذلك. فسأل الحاكم المشار إليه والد الطفل المذكور؟ فأجاب بالتصديق. ولكنه لا يعلم من المستحقة للحضانة من هؤلاء النسوة الثلاث المذكورات أعلاه. فسأل الحاكم المشار إليه النسوة الثلاث المذكورات أعلاه عن ذلك؟ فقالت الاخت من الاب: أنا أولى بالحضانة على مذهب الامام الشافعي وأحمد. وقالت الخالة: أنا أولى بالحضانة على مذهب الامام مالك. وقالت الاخت للام: أنا أحق بالحضانة على مذهب الامام أبي حنيفة. وسألت الحاكم المشار إليه العمل معها بما يعتقده من مذهبه، والحكم لها بالحضانة على مقتضى مذهبه ومعتقده. فاستخار الله، وأجابها إلى سؤالها. وحكم لها بحضانة الطفل المذكور، لجواز ذلك عنده شرعا، حكما شرعيا تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف. وتسلمت الاخت من الام المذكورة الولد المذكور من والده المذكور
[ 198 ]
بمجلس الحكم العزيز المشار إليه تسلما شرعيا، ملتزمة بخدمته وتربيته والقيام بمصالحه على مقتضى الشرع الشريف المطهر، ويكمل على نحو ما سبق. وإن كانت النسوة المذكورات. إحداهن أخت الطفل لامه. والاخرى أخته لابيه. والاخرى خالته أخت أمه لابويها. فالصورة عند الحنفي: الحضانة لاخته لامه. وعند الشافعي وأحمد: لاخته لابيه. وعند مالك: لخالته.
فإذا تنازعت النسوة الثلاث في ذلك، وترافعن إلى حاكم الشرع الشريف. فإن ترافعن إلى شافعي أو حنبلي: حكم بالحضانة للاخت من الاب. وإن ترافعن إلى مالكي: حكم بها للخالة. أو إلى حنفي: حكم بها للاخت من الام. والصورة في ذلك كالصورة في التي قبل هذه. والدعوى على والد الطفل. وجوابه: التصديق على ما ادعته المدعية من التزويج والاستيلاد، وأن من كانت المستحقة لحضانة ولده شرعا سلمه إليها. وتذكر أخت الصغير المذكور لابيه: أنها هي المستحقة للحضانة. وتقول خالته: إنها هي المستحقة للحضانة. فيعلمها الحاكم: أن الحضانة عنده للاخت للام. وتسأل المدعية الحكم لها بذلك. فيحكم لها به. مع الخلاف. والكاتب يتصرف في هذه الصورة على الوجه السائغ عند كل من أصحاب المذاهب الاربعة على ما يقتضيه مذهبه. صورة انتزاع الولد من أمه والسفر به بنية الاستيطان في بلد آخر على مذهب الائمة الثلاثة، خلافا لابي حنيفة: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الشافعي - أو المالكي أو الحنبلي - بين يدي سيدنا فلان الدين فلان. وأحضر معه مطلقته فلانة. وادعى عليها لدى الحاكم المشار إليه: أنه تزوجها تزويجا صحيحا شرعيا. ودخل بها وأصابها. واستولدها على فراشه ولدا ذكرا يدعى فلان، الرباعي العمر، أو الخماسي. ثم إنه أبانها بالطلاق الفلاني. وأنه الآن قد عزم على السفر بولده إلى مدينة كذا بنية الاقامة والاستيطان، وطالبها بتسليم الولد إليه. وسأل سؤالها عن ذلك. فسألها الحاكم المشار إليه عن ذلك. فأجابت بالتصديق على صحة دعواه، غير أنها لا تقدر على فراق ولدها. ورضيت أن تحضنه متبرعة بكل ما يحتاج إليه. فأبى إلا أن يتسلمه ويسافر به. وسأل الحاكم المشار إليه الحكم له بمذهبه، وتسليم ولده إليه. فاستخار الله وأجابه إلى سؤاله. وحكم له بتسليم ولده المذكور إليه، والسفر به إلى البلد المذكور، والاستيطان، حكما صحيحا شرعيا تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه،
مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف. وأمرها بتسليم الولد المذكور إليه عند
[ 199 ]
قصده السفر على الحكم المشروح أعلاه. ويكمل على نحو ما سبق. وصورة الحكم بمنع الوالد من السفر بولده على مذهب الامام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وعلى الرواية الثانية عن أحمد رضي الله عنه: حضرت إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني بين يدي سيدنا فلان الدين الحنفي فلانة أو فلان، وهو متكلم شرعي جائز كلامه، مسموعة دعواه عن فلانة. وأحضرت معها - أو أحضر معه - فلانا. وادعت عليه، أو ادعى عليه، لدى الحاكم المشار إليه. أنه تزوج بها، أو أنه تزوج بموكلته المذكورة، تزويجا صحيحا شرعيا. ودخل بها وأصابها. وأولدها على فراشه ولدا ذكرا يدعى فلان، الرباعي، أو الخماسي. ثم إنه أبانها بالطلاق. وسألت الحاكم - أو سأل الحاكم - المشار إليه الحكم باستمرار الولد المذكور بيد والدته، وبمنع والده المذكور من السفر به عند قصده السفر من مدينة كذا، وإلى غيرها من الجهات على مقتضى مذهبه ومعتقده. فاستخار الله تعالى وأجابها - أو وأجاب السائل إلى سؤاله - وحكم لها بذلك حكما صحيحا شرعيا تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف فيما فيه الخلاف من ذلك. ويكمل على نحو ما سبق. والله سبحانه وتعالى أعلم.
[ 200 ]
كتاب الجراح وما يتعلق بها من أحكام الجنايات وتحريم القتل، ومن يجب عليه القصاص، ومن لا يجب عليه القتل بغير حق حرام. والاصل فيها: الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: * (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) *
وقوله تعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا) * فأخبر أنه ليس للمؤمن أن يقتل مؤمنا. وقوله: إلا خطأ لم يرد أن قتله خطأ يجوز، وإنما أراد: أنه إذا قتله خطأ، فعليه الكفارة والدية. وقوه تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) *. وأما السنة: فما روى عثمان أن النبي (ص) قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس. وروي أن النبي (ص) قال: من أعان على قتل مسلم، ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله تعالى. وروي أن النبي (ص) قال: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق. وروى أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: لو أن أهل السماء والارض اشتركوا في قتل مؤمن لكبهم الله في النار. وروى ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي (ص) قال: لو أن أهل السماء والارض
[ 201 ]
اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله، إلا أن يشاء ذلك. وروى عبد الله بن مسعود الواسطي عن ابن وائل الواسطي رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: أول ما يقضى بين العباد في الدماء. وأما الاجماع: فإنه لا خلاف بين الائمة في تحريم القتل بغير حق. وجماع ذلك: أن من قتل مؤمنا متعمدا بغير حق فسق. واستوجب النار، إلا أن يتوب. والنص: أن قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر. وقيل: إنه أكبر الكبائر بعد الكفر. وتقبل التوبة منه. وإن مات قبلها لم يتجه دخوله النار، بل هو تحت المشيئة. وإن دخل لم يخلد. ويتعلق به القصاص، أو الدية والكفارة، والتعزير في صور. ويجري في طرف
وغيره. والقتل: هو كل فعل عمد محض مزهق للروح عدوانا من حيث كونه مزهقا. والعمد: هو قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبا بجارح أو مثقل. فإن فقد قصد أحدهما، بأن رمى شجرة فأصابه. فخطأ. وإن قصدهما بما لا يقتل غالبا، فشبه عمد. ومنه الضرب بالسوط والعصى، غرز الابرة. في المقتل، كالدماغ والحلق. يقتضي القصاص. وكذا في غير المقتل، إن تورم الموضع وبقي متألما إلى أن مات، وإن لم يظهر منه أثر ومات في الحال. فأقوى الوجهين: أنه لا يتعلق به القصاص. وعلى هذا: فالاشبه أنه شبه عمد. والغرز في جلدة العقب وما لا يؤلم، لا أثر له بحال. ولو حبسه في بيت، ومنعه من الطعام والشراب، ومنعه من الطلب، حتى مات. فإن مضت مدة يموت مثله فيها
[ 202 ]
غالبا من الجوع والعطش. تعلق به القصاص. وإلا فإن لم يكن جوع ولا عطش سابق. فهو شبه عمد. فإن كان به بعض الجوع والعطش وعلم الحابس الحال. فعليه القصاص. وإلا فالاصح المنع. وإذا أكره إنسان إنسانا على قتل آخر بغير حق فقتله، وجب على المكره القصاص. ولو شهد اثنان على إنسان بوجب القصاص. فحكم القاضي بشهادتهما وقتل. ثم رجعا وقالا تعمدنا الكذب. لزمهما القصاص، إلا إذا اعترف الولي أنه كان عارفا بكذبهما فلا قصاص عليهما. ولو أضافه على طعام مسموم فأكله ومات، لزمه القصاص. وإذا أمسك إنسانا حتى قتله آخر، أو حفر بئرا فردي فيها غيره. قالقصاص على القاتل والمردي، دون الممسك والحافر. ولو رمى إنسانا من شاهق فتلقاه متلق فقده نصفين. فالقصاص على المتلقي دون الملقي. ولو ألقاه في ماء فغرق، أو فالتقمه الحوت. وجب القصاص على الملقي. ولو
لم يكن الماء مغرقا فالتقمه حوت. فلا قصاص. وإذا قتل جماعة واحدا: قتلوا به. وللولي أن يقتل بعضهم، ويأخذ حصة الباقين من الدية. وتوزع الدية على قدر رؤوسهم. وإن كان أحد القاتلين مخطئا سقط القصاص عن الباقين. ويجب القصاص على شريك الاب، وعلى العبد إذا شارك الحر في قتل العبد. وعلى الذمي إذا شارك المسلم في قتل الذمي. وعلى شريك الحربي في قتل المسلم الذمي. وعلى شريك الجارح قصاصا. وعلى شريك دافع الصائل. وإذا جرح حربيا أو مرتدا بقطع عضو أو غيره فأسلم، ثم مات من تلك الجراحة. فلا قصاص ولا دية. ولا ضمان على من جرح عبد نفسه، ثم أعتقه فمات بالسراية. ولو رمى حربيا أو مرتدا فأسلم قبل وصول الرمية إليه، ثم أصابه ومات فلا قصاص. ولكن تجب دية مسلم. ولو جرح عبدا لغيره فعتق ثم مات بالسراية. وجب فيه دية حر مسلم. فإذا كانت قيمة العبد نظير دية مسلم أو أقل. فهي للسيد جميعها. وإن كانت الدية أكثر. فللسيد قيمة العبد. والباقي لورثة العبد. فصل: ويجب القصاص من الشجاج. وهي: جراحات الوجه والرأس. فالموضحة: التي توضح العظم، لا قصاص فيما بعدها من الهاشمة التي تهشم العظم،
[ 203 ]
أي تكسره. والمنقلة التي تنقل العظم. والمأمومة: وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي خريطة الدماغ المحيطة به. والدامغة: وهي التي تخرق الخريطة، وتصل إلى الدماغ. ولا قصاص على الاظهر في الحارصة وهي التي تشق الجلد قليلا، أي تقطعه. والمتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم ولا تبلغ الجلدة الرقيقة التي بين اللحم
والعظم. والسمحاق: وهي التي تبلغ الجلدة الفاصلة بين العظم واللحم. وفي وجوب القصاص بقطع بعض المارن والاذن من غير إبانة وجهان. أظهرهما: الوجوب. ويجب في القطع من المفاصل القصاص. ويجب في فق ء العين، وقطع الاذن والجفن، والشفة واللسان، والذكر والانثيين والشفرين، والاليتين: القصاص. ولا قصاص في كسر العظام، لكن للمجني عليه أن يقطع أقرب مفصل إلى موضع الكسر، ويأخذ الحكومة للباقي. ولو أوضح رأسه من الهشم، فله أن يقتص في الموضحة. ويأخذ ما بين أرش الموضحة والهاشمة، وهو خمس من الابل. وإذا أوضح رأسه فذهب ضوء عينيه: وجب القصاص في الضوء والموضحة جميعا. وكذلك لو زال بطشه، أو ذوقه أو شمه. ولا يقطع اليمنى باليسرى، ولا الشفة العليا بالسفلى، ولا السبابة بالوسطى. ولا بالعكس، ولا أنملة إصبع بأنملة أخرى من تلك الاصابع، ولا إصبع زائدة بزائدة أخرى. وإذا اشترك جماعة في موضحة. فيوزع عليهم. ويوضح من كل واحد بالقسط في وجه. والثاني: يوضح من كل واحد منهم مثل تلك الموضحة. ولا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء. ولو خالف المجني عليه، وقطع الصحيحة. لم يقع فرضا. وعليه ديتها. ولو سرى فعليه قصاص النفس. وحكم الذكر الاشل والصحيح حكم اليد الصحيحة والشلاء. ويقطع الانف الصحيح بالانف الاخشم، وأذن السميع بأذن الاصم. ولا تؤخذ العين الصحيحة بالحدقة العمياء، ولا لسان الناطق بلسان الاخرس.
[ 204 ]
وفي السن القصاص. لكن عند القلع دون الكسر. وإن قلع سن صغير لم يثغر فلا قصاص في الحال ولا دية. فإن جاء وقت نباتها ونبت جميع الاسنان وعادت ولم تعد هي، وقال أهل الخبرة: قد فسد المنبت. وجب القصاص. لكن لا يستوفى في صغره. والصحيح: أن القصاص يستحقه جميع الورثة على فرائض الله تعالى. فإن كان بعضهم غائبا انتظر حضوره أو مراجعته. وإن كان بعضهم صبيا أو مجنونا انتظر بلوغ الصبي وإفاقة المجنون. وإن انفرد صبي أو مجنون بالاستحقاق انتظر كماله. ولا يستوفيه القيم بأمره. ويحبس القاتل في هذه الصورة، ولا يخلى بالكفيل، وليتفق مستحقو القصاص على واحد، أو ليوكلوا أجنبيا. فإن تزاحموا أقرع بينهم. والاظهر: أنه يدخل في القرعة من عجز عن الاستيفاء، كالشيخ والمرأة. فإذا خرجت له استناب. وإذا بادر أحد الورثة فقتل الجاني. فأصح القولين: أنه لا يلزمه القصاص. وللآخرين نصيبهم. وهل يأخذونه من شريكهم المبادر، أو من تركه الجاني؟ الاصح الثاني. ثم إن كانت المبادرة بعد عفو سائر الشركاء أو بعضهم، فالاظهر: وجوب القصاص. وليس لمن يستحق القصاص أن يستقل به، بل يستوفى بإذن الامام. فإن استقل عذر. وإذا راجع الامام فرآه أهلا فوض إليه قصاص النفس، ولا يفوض إليه قصاص الطرف. وإذا أذن له في ضرب الرقبة. فأصاب غيرها عامدا عذره ولم يعزله. وإن قال: أخطأت - وهو محتمل - فلا يعذر. ولكن يعزل. وأجرة الجلاد على المقتص منه، وللمستحق الاقتصاص على الفور. ولو التجأ الجاني إلى الحرم فله الاستيفاء فيه. ولا يؤخر لشدة الحر والبرد والمرض. والمرأة الحامل لا يقتص منها في النفس ولا في الطرف، حتى تضع الولد وترضعه
اللبأ. فإن لم يوجد من ترضعه فيؤخر الاستيفاء إلى أن توجد مرضعة، أو إلى أن ترضعه هي حولين وتفطمه. وتحبس الحامل في الاستيفاء إلى أن يمكن الاستيفاء. وإذا قتل بمحدد أو غيره، من تخنيق أو تحريق أو تجويع، اقتص منه بمثله. ولو قتله بالسحر أو بإسقائه الخمر أو باللواط اقتص بالسيف.
[ 205 ]
الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أن القاتل لا يخلد في النار. وتصح توبته من القتل. وحكي عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، والضحاك: أنه لا تقبل له توبة. واتفقوا على أن من قتل نفسا مسلمة مكافئة له في الحرية، ولم يكن المقتول ابنا للقاتل. وكان في قتله له متعمدا: وجب عليه القود. وأن السيد إذا قتل عبده. فإنه لا يقتل به وإن تعمد. واتفقوا على أن الكافر إذا قتل مسلما، قتل به. واختلفوا فيما إذا قتل مسلم ذميا أو معاهدا. فقال الشافعي وأحمد: لا يقتل به وقال مالك: كذلك، إلا أنه استثنى. فقال: إن قتل ذميا أو معاهدا، أو مستأمنا غيلة: قتل حتما. ولا يجوز للولي العفو. لانه تعلق قتله بالافتيات على الامام. وقال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالذمي، لا بالمستأمن. واتفقوا على أن العبد يقتل بالحر، وأن العبد يقتل بالعبد. واختلفوا في الحر إذا قتل عبد غيره. هل يقتل به أم لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل به. وقال أبو حنيفة: يقتل به. واتفقوا على أن الابن إذا قتل أحد أبويه قتل به. واختلفوا فيما إذا قتل الاب ابنه. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لا يقتل به. وقال مالك: يقتل به بمجرد القصد. كإضجاعه وذبحه. فإن حذفه بالسيف غير قاصد لقتله. فلا يقتل به. والجد عنده في ذلك كالاب. واتفقوا على أن المرأة تقتل بالرجل، والرجل يقتل بالمرأة.
واختلفوا هل يجري القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس؟ وبين العبيد بعضهم على بعض؟ فقال مالك والشافعي وأحمد: يجري. وقال أبو حنيفة: لا يجري. فصل: والجماعة إذا اشتركوا في قتل الواحد. هل يقتلوا به؟ فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يقتل الجماعة كلهم بالواحد، إلا أن مالكا استثنى من ذلك القسامة. فقال: لا يقتل بالقسامة إلا واحد. وعن أحمد روايتان. إحداهما: كمذهب الجماعة واختارها الخرقي. والاخرى: لا تقتل الجماعة بالواحد. وتجب الدية دون القود. وهل تقطع الايدي باليد؟ قال مالك والشافعي وأحمد: تقطع. وقال أبو حنيفة: لا تقطع. وتؤخذ دية اليد من القاطع بالسواء. واتفقوا على أنه إذا جرح رجلا عمدا. فلازم الفراش حتى مات. فإنه يقتص منه. واختلفوا فيما إذا كان القتل بمثقل، كالخشبة الكبيرة، والحجر الكبير الغالب في مثله أن يقتل. فقال مالك والشافعي وأحمد: يجب القصاص بذلك.
[ 206 ]
ولا فرق بين أن يخدشه بحجر أو عصا، أو يغرقه، أو يحرقه بالنار، أو يخنقه، أو يطين عليه بيتا. ويمنعه الطعام والشراب حتى يموت جوعا، أو يضغطه، أو يهدم عليه بيتا. أو يضربه بحجر عظيم، أو خشبة عظيمة محددة أو غير محددة. وبذلك قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: إنما القصاص عند القتل بالنار أو بالمحدد من الحديد، أو الخشبة المحددة، أو الحجر المحدد. فأما إن غرقه بالماء، أو قتله بحجر أو خشبة غير محددة: فإنه لاقود. وقال الشافعي، والنخعي، والحسن البصري: لاقود إلا في حديد. ولو ضربه فاسود الموضع، أو كسر عظامه في داخل الجلد. فعن أبي حنيفة في ذلك روايتان. واختلفوا في عمد الخطأ. وهو أن يتعمد الفعل ويخطئ في القصد، أو
يضرب بسوط لا يقتل مثله غالبا، أو يلكزه أو يلطمه لطما بليغا. ففي ذلك الدية دون القود عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. إلا أن الشافعي وأحمد قالا: إن كرر الضرب حتى مات. فعليه القود. وقال مالك: بوجوب القود في ذلك. واختلفوا فيما إذا أكره رجل رجلا على قتل آخر. فقال أبو حنيفة: يقتل المكره دون المباشر. وقال مالك وأحمد: يقتل المباشر. وقال الشافعي: يقتل المكره - بكسر الراء - قولا واحدا. وفي قتل المكره - بفتح الراء - قولان. الراجح من مذهبه: أن عليهما القصاص جميعا. فإن كافأه أحدهما فقط. فالقصاص عليه. واختلفوا في صفة المكره. فقال مالك: إذا كان سلطانا أو متغلبا، أو سيدا مع عبده. أقيد بهما جميعا، إلا أن يكون العبد أعجميا جاهلا بتحريم ذلك. فلا يجب عليه القود. وقال الباقون: يصح الاكراه من كل ذي يد عادية. واختلفوا فيما إذا أمسك رجل رجلا فقتله آخر. فقال أبو حنيفة والشافعي: القود على القاتل دون الممسك. ولم يوجب على الممسك شيئا إلا التعزير. وقال مالك: الممسك والقاتل شريكان في القتل. فيجب عليهما القود إذا كان القاتل لا يمكنه قتله إلا بالامساك، وكان المقتول لا يقدر على الهرب بعد الامساك. وقال أحمد في إحدى روايتيه: يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت. وفي الرواية الاخرى: يقتلان جميعا على الاطلاق. فصل: لو شهدوا بالقتل، ثم رجعوا عن الشهادة بعد استيفاء القصاص، وقالوا: تعمدنا، أو جاء المشهود بقتله حيا. قال أبو حنيفة: لاقود، بل يجب دية مغلظة. وقال الشافعي: يجب القصاص. وكذلك قال مالك في المشهور عنه. واتفقوا على أنهم لو رجعوا، أو قالوا: أخطأنا، لم يجب عليهم قصاص. وإنما
[ 207 ]
تجب دية. واختلفوا في الواجب بقتل العمد: هل هو معين أم لا؟ فقال أبو حنيفة ومالك، في إحدى روايتيه: الواجب معين، وهو القود. والرواية الاخرى: التخيير بين
الدية والقود. وعن الشافعي قولان. أحدهما: الواجب لا بعينه. والثاني، وهو الصحيح: أن الواجب القصاص عينا، ولكن له العدول إلى الدية. وإن لم يرض الجاني. وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وفائدة الخلاف في هذه المسألة: أنه إذا عفا مطلقا سقطت الدية. ولو عفا الولي عن القصاص عاد إلى الدية بغير رضى الجاني. وقال أبو حنيفة: ليس له العدول إلى المال إلا برضى الجاني. وقال الشافعي وأحمد: له ذلك مطلقا. وعن مالك روايتان. كالمذهبين. واتفقوا على أنه إذا عفا رجل من أولياء الدم سقط القصاص. وانتقل الامر إلى الدية. واختلفوا فيما إذا عفت المرأة. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يسقط القود. واختلفت الرواية عن مالك في ذلك. فنقل عنه: أنه لا مدخل للنساء في الدم. ونقل عنه: أن لهن مدخل في الدماء كالرجال، إذا لم يكن في درجتهن عصبة. فعلى هذا: ففي أي شئ لهن مدخل؟ عنه روايتان. إحداهما: في القود دون العفو. والثانية: في العفو دون القود. واتفقوا على أن الاولياء البالغين المستحقين إذا حضروا وطلبوا القصاص لم يؤخر، إلا أن يكون الجاني امرأة حاملا، فتؤخر حتى تضع. وعلى أنه إذا كان المستحقون صغارا، أو غائبين. فإن القصاص يؤخر، إلا أبا حنيفة. فإنه قال: في الصغار إذا كان لهم أب استوفى القصاص ولم يؤخر. ولو كان من المستحقين صغار أو غائب أو مجنون. فقد اتفق الائمة على أن القصاص يؤخر في مسألة الغائب. ثم اختلفوا في الصغير والمجنون. فقال أبو حنيفة ومالك: لا يؤخر القصاص لاجلهما. وقال الشافعي: يؤخر القصاص حتى يفيق المجنون ويبلغ الصغير. وعن أحمد روايتان. أظهرهما: أنه يؤخر. والثانية: لا يؤخر. فصل: وليس للاب أن يستوفي القصاص لولده الكبير بالاتفاق. وهل له أن يستوفيه لولده الصغير؟ قال أبو حنيفة ومالك: ليس له ذلك، سواء كان شريكا له أم لا،
وسواء كان في النفس أو الطرف. وقال الشافعي وأحمد، في أظهر روايتيه: ليس له أن يستوفيه. واختلفوا في الواحد يقتل الجماعة. فقال أبو حنيفة ومالك: ليس عليه إلا القود لجماعتهم، ولا يجب عليه شئ آخر. وقال الشافعي: إن قتل واحدا بعد واحد. قتل
[ 208 ]
بالاول. وللباقين الديات. وإن قتلهم في حالة واحدة أقرع بين أولياء المقتولين. فمن خرجت قرعته قتل له وللباقين الديات. وقال أحمد: إذا قتل واحد جماعة. فحضر الاولياء وطلبوا القصاص قتل لجماعتهم. ولا دية عليه. وإن طلب بعضهم القصاص وبعضهم الدية. قتل لمن طلب القصاص. ووجبت الدية لمن طلبها. وإن طلبوا الدية كان لكل واحد دية كاملة. فصل: ولو جنى رجل على رجل، فقطع يده اليمنى. ثم على آخر، فقطع يده اليمنى، ثم طلبا منه القصاص. فقال أبو حنيفة: تقطع يمينه بهما، وتؤخذ منه دية أخرى لهما. وقال مالك: يقطع يمينه بهما. ولا دية عليه. وقال الشافعي: تقطع يمينه للاول ويغرم الدية للثاني. فإن كان قطع يديهما معا أقرع بينهما، كما قال في النفس. وكذا إن اشتبه الامر. وقال أبو حنيفة: إن طلبا القصاص قطع لهما، ولا دية. وإن طلب أحدهما القصاص وأحدهما الدية: قطع لمن طلب القصاص، وأخذت الدية للآخر. ولو قتل متعمدا ثم مات. قال أبو حنيفة ومالك: يسقط حق ولي الدم من القصاص والدية جميعا. وقال الشافعي وأحمد: تبقى الدية في تركته لاولياء المقتول. واتفقوا على أن الامام إذا قطع السارق، فسرى ذلك إلى نفسه: أنه لا ضمان عليه. واختلفوا فيما إذا قطعه مقتص فسرى إلى نفسه. فقال مالك والشافعي وأحمد: السراية غير مضمونة. وقال أبو حنيفة: هي مضمونة تتحملها عاقلة المقتص. ولو قطع ولي المقتول يد القاتل. فقال أبو حنيفة: إن عفا عنه الولي غرم دية يده،
وإن لم يعف لم يلزمه شئ. وقال مالك: تقطع يده بكل حال، عفا عنه الولي أو لم يعف. وقال أحمد: يلزمه دية اليد في ماله بكل حال. واتفقوا على أنه لا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء، ولا يمين بيسار، ولا يسار بيمين. واختلفوا هل يستوفى القصاص فيما دون النفس قبل الاندمال أو بعده؟ فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا يستوفى إلا بعد الاندمال. وقال الشافعي: يستوفى في الحال. واختلفوا فيما يستوفى به القصاص من الآلة. فقال أبو حنيفة: لا يستوفى إلا بالسيف. سواء قتل به أو بغيره. وقال مالك والشافعي: يقتل بمثل ما قتل به. وعن أحمد روايتان، كالمذهبين. واتفقوا على أن من قتل في الحرم جاز قتله. واختلفوا فيمن قتل خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم، أو وجب عليه القتل لكفر أو زنى، أو وردة، ثم لجأ إلى الحرم. فقال أبو حنيفة وأحمد: لا يقتل فيه. ولكن يضيق عليه، فلا يبايع ولا يشارى، حتى يخرج منه فيقتل. وقال مالك والشافعي: يقتل في الحرم. انتهى.
[ 209 ]
باب كيفية القصاص ومستوفيه، والخلاف فيه القصاص فيما دون النفس شيئان: جرح يشق. وطرف يقطع. والقصاص يجب فيما دون النفس من الجروح والاعضاء. لقوله تعالى: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) *. ولما روي: أن الربيع بنت معوذ - وقيل: بنت أنس - كسرت ثنية جارية من الانصار. فعرضوا عليهم الارش، فلم يقبلوا. وطلبوا العفو، فأبوا. فأتوا النبي (ص). فأمر بالقصاص. فقال أنس بن النضر: والذي بعثك بالحق نبيا لا تكسر ثنيتها. فقال النبي (ص): كتاب الله، القصاص. فعفا القوم. فقال (ص): إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابره. ولان القصاص في النفس إنما جعل لحفظ النفوس. وهذا موجود فيما دون النفس.
فعلى هذا: كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما فيما دون النفس. فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم، ويد الكافر بيد الكافر، ويد المرأة بيد المرأة. وهذا إجماع. وتقطع يد المرأة بيد الرجل، ويد الرجل بيد المرأة، ويد العبد بيد الحر والعبد، على خلاف فيه. والاطراف المقدرة إذا صدر الصلح على الدية فيها هي: الاول منها: الاذنان. ففيهما - على المذهب، ولو من أصم دية واحدة - نصف دية. وفي بعضه بقسطه، بقدر مساحته. ولو أيبسهما فدية. وفي قول: حكومة. الثاني: العينان. ففيهما دية. وفي إحداهما نصفها. ولو عين أحول وأعمش وأعشى وأخفش. وكذا من بعينه بياض لا ينقص الضوء. وكذا في القصاص. فإن نقصت فبقسطه. فإن لم ينضبط فحكومة. الثالث: الاجفان الاربعة. وفيها دية. وفي كل جفن ربعها، ولو من أعمى وأعمش. وفي بعضه بقسطه. وفي يابس: حكومة. الرابع: الانف. ففي الانف - وهو مالان من الانف - دية في كل من طرفيه، في المارن ثلث الدية. وفي الحاجز حكومة. وفيهما دية. الخامس: الشفتان. وفيهما دية. وفي إحداهما: نصفها. وفي بعضها بقسطه. وهي في عرض الوجه: إلى الشدقين. وفي طوله: من جوف الفم إلى ما يستر اللحية في
[ 210 ]
الاصح، ولو شق شفته ولم يبق منها شئ فحكومة، أو قطع مشقوقة فدية أو ناقصة فحكومة. السادس: اللسان. وفيه دية. ولو ألكن ومبرسم وأرت وألثغ وطفل. ولو بلغ الطفل في وقت النطق أو التحريك ولم يوجد. فحكومة. السابع: الاسنان. وفي كل سن لذكر حر مسلم خمسة أبعرة، بشرط كونها أصلية
تامة مثغورة غير مقلقلة. وفي سن زائدة حكومة. ولو قلع سن صغير لم يثغر، ومضت مدة يتوقع فيها العود ولم تعد وفسد المنبت، وجب قصاص أو دية. فإن مات قبل النبات فحكومة. ولو قلع سن صغير فطلع بعضها ومات قبل أن يتم نباتها فحكومة. الثامن: اللحيان. وفيهما دية. وفي إحداهما: نصفها. والصحيح: أنه تكمل الدية في بسيط الاصابع. وفي كل إصبع عشرة أبعرة. وفي أنملة ثلثها، وفي أنملة إبهام نصفها. التاسع: الرجلان. وفيهما دية. وفي إحداهما: نصفها. والاعرج وكذا إن تعطل مشيها بكسر الفقار في الاصح. العاشر: حلمتا المرأة. وفيهما ديتها. وفي إحداهما: نصفها. والحلمة: المجتمع الناتئ على الثدي يخالف لونه لون الثدي غالبا وبجوانبها دارة على لونها. وهي من الثدي، لا من الحلمة. فلو قطع الثدي مع الحلمة لم يجز إلا دية. ولو قطع مع الثدي جلدة الصدر وجبت حكومة في الجلد أيضا. وفي حلمة الرجل حكومة. وفي قول دية. وفي حلمتي الخنثى حكومة على الاظهر. الحادي عشر: الذكر. وفيه دية. ولو لشيخ وصغير وعنين وخصي وغيرهم. وفي أشل حكومة. ولو ضربه فشل، فدية، وحشفة كذلك. وبعضها بقسطه منها. وقيل من الذكر. الثاني عشر: الانثيين. وفيهما دية. وفي إحداهما: نصفها. الثالث عشر: الاليتان. وفيهما دية. وفي إحداهما: نصفها. وفي بعضها بقسطه، إن عرف قدره وضبطه وإلا فحكومة. والالية: الشئ الناتئ على استواء الظهر والفخذ. ولا نظر إلى اختلاف قدره. ولا يشترط وصول إلى العظم ولو نبتت الالية والتحم الموضع لم تسقط الدية على المذهب. الرابع عشر: الشفران. وهما اللحمان الملتقيان على المنفذ. وفيهما دية. وفي
[ 211 ]
أحدهما نصفها، ولو ضربهما فشلا فدية. ولو قطع معهما عانتها فحكومة أيضا. الخامس عشر: سلخ الجلد إن بقي حياة مستقرة وحز غير السالخ رقبته. ففيه دية. فلو قطع يداه وسلخ رجل الجلد، وزعت مساحة الجلد على جميع البدن. فما خص اليدين حط من ديتهما. وعلى هذا لو قطع يداه ثم سلخ آخر جلده. لزم السالخ دية الجلد، إلا قسط اليدين. وفي الترقوتين حكومة على المذهب، كالضلع وسائر العظام. فصل في إزالة المنافع: الاول: العقل. فيه دية لا قصاص. فلو قطع يداه ورجلاه فزال عقله. وجب ثلاث ديات. وإن انتظم قوله وفعله صدق الجاني بيمينه، وإن لم ينتظم قوله وفعله فله دية بلا يمين. الثاني: السمع. وفيه دية. ومن أذن: نصفها، ولو أزال أذنيه وسمعيه فديتان. الثالث: البصر. وفي إذهابه من العينين دية. وفي إحداهما: نصفها، ولو من أحول وأعمش ونحوهما. ولو فقأ عينيه لم يجب إلا دية. ولا يقبل في إذهاب البصر عمدا إلا رجلان، أو خطأ فرجل وامرأتان. وإن نقص ضوء العينين وعرف قدره فبقسط الذاهب من الدية، وإلا فحكومة عند الاكثر باجتهاد القاضي. الرابع: الشم. وفيه دية على الصحيح. ومن منخر نصفها. ولو قطع أنفه فذهب شمه وجبت ديتان. فإن عاد استردت الدية. فإن ادعى ذهابه وأنكر الجاني يزعج في خلواته. فإن لم يظهر منه شئ حلف كأخرس. وأديت دية. وفي بعض الحروف: قسط من الدية. والموزع عليه ثمانية وعشرون حرفا في لغة العرب. فصل: والحكومة: جزء نسبته إلى دية النفس - وقيل: إلى عضو الجناية - نسبة نقصها من قيمته لو كان رقيقا بصفاته. وجنسها إبل. فإن كانت مقدرة شرط أن لا تبلع
مقدرة. فإن بلغته نقص القاضي شيئا باجتهاده. ويجوز أن تبلغ حكومة الكف دية إصبع في الاصح. فصل: في نفس الرقيق: قيمته، ولو مدبرا ومكاتبا وأم ولد. وفي غيرها ما نقص. وإن لم تتقدر من الحر، وإلا فبنسبته من قيمته في الاظهر. ففي يده: نصف قيمته. وفي يديه: كلها، وفي ذكره وأنثييه: قيمتان.
[ 212 ]
وهكذا. فلو لم تنقص القيمة بقطع الذكر والانثيين أو ازدادت لم يجب شئ في الاصح. باب موجبات الدية، والعاقلة، والكفارة العقل اسم للدية. وسميت الدية العقل لانها تعقل بباب ولي المقتول. والعصبة الذين يتحملون الدية يسمون العاقلة وإنما سموا بذلك، لانهم يأتون بالدية فيعقلونها عند باب ولي المقتول. وقيل: لانهم يمنعون من القاتل. والعقل المنع. ولذلك سمي العقل عقلا، لانه يمنع صاحبه من فعل القبيح. والاصل في وجوب الكفارة في القتل: قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) * فذكر الله تعالى في الآية ثلاث كفارات. إحداهن: إذا قتل مسلما في دار الاسلام. لقوله تعالى: * (ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة) *. الثانية: إذا قتل مؤمنا في دار الحرب، بأن كان أسيرا في صفهم، أو مقيما
باختياره، لقوله تعالى: * (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) * ومعناه: في قوم عدو لكم. وقد تقدم بيانه. الثالثة: إذا قتل ذميا، لقوله تعالى: * (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) * وظاهر الآية: أنه ليس له أن يقتله عمدا، وله أن يقتله خطأ. لان الاستثناء من النفي إثبات. قال الشيخ أبو حامد: ولا خلاف بين أهل العلم أن قتل الخطأ محرم كقتل العمد، إلا أن قتل العمد يتعلق به الاثم، وقتل الخطأ لا إثم عليه. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا صاح بصبي أو معتوه، وهما على سطح أو حائط. فوقع فمات. أو ذهب عقل الصبي، أو عقل البالغ. فصاح به فسقط. وإذا بعث الامام إلى امرأة يستدعيها إلى مجلس الحكم. فأجهضت جنينا فزعا، أو زال عقلها.
[ 213 ]
فقال أبو حنيفة: لا ضمان في شئ من ذلك على أحد. وقال الشافعي: الدية في ذلك كله على العاقلة، إلا في حق البالغ. فإنه لا ضمان على العاقلة فيه. ومن أصحابه من أوجب أيضا الضمان فيه. وهو ابن أبي هريرة. وقال أحمد: الدية في ذلك كله على العاقلة. وعلى الامام في حق المستدعاة. وقال مالك: الدية في ذلك كله على العاقلة، ما عدا المرأة. فإنه لا دية فيها على أحد. واختلفوا في المرأة إذا ضرب أحد بطنها، فألقت جنينا ميتا، ثم ماتت. فقال أبو حنيفة ومالك: لا ضمان لاجل الجنين. وعلى من ضربها الدية. وقال الشافعي وأحمد: في ذلك الدية كاملة. وغرة الجنين. واختلفوا في قيمة جنين الامة إذا كان مملوكا. فقال مالك والشافعي وأحمد: فيه
عشر قيمة أمه، سواء كان ذكرا أو أنثى. وتعتبر قيمة الام يوم جني عليها. وأما جنين أم الولد من مولاها: ففيه غرة، تكون قيمتها نصف عشر دية الاب. وكذلك في جنين الذمية إذا كان أبوه مسلما ولجنين الكتابية إذا كان أبوه مجوسيا قيمتها نصف عشر قيمته. وفي الانثى العشر ويعرف عشر دية الام اعتبارا بأوفى الديتين. وقال أبو حنيفة: في الذكر نصف عشر قيمته. وفي الانثى: العشر. ولم يفرق. واختلفوا فيمن حفر بئرا في فناء داره. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يضمن ما هلك فيها. وقال مالك: لا ضمان عليه. واختلفوا فيمن بسط بارية في المسجد، أو حفر فيه بئرا لمصلحته، أو علق قنديلا، فعطب بذلك أو بشئ منه إنسان. فقال أبو حنيفة: إذا لم يأذن له الجيران في ذلك ضمن. وعن الشافعي في الضمان وإسقاط قولان. أظهرهما: أنه لا ضمان. وعن أحمد روايتان. إحداهما لا ضمان عليه. وهي أظهرهما. والاخرى: يضمن. ولا خلاف أنه لو بسط فيه الحصير. فزلق به إنسان، أنه لا ضمار عليه. واختلفوا فيما إذا ترك في داره كلبا عقورا، فدخل في داره إنسان، وقد علم أن ثم كلبا عقورا فعقره. فقال أبو حنيفة والشافعي: لا ضمان عليه على الاطلاق. وقال مالك: عليه الضمان، بشرط: أن لا يكون صاحب الدار يعلم أنه عقور. وقال أحمد في إحدى روايتيه، وهي أظهرهما: لا ضمان عليه. والرواية الاخرى: يضمن، سواء علم أنه عقور أم لا.
[ 214 ]
فصل: واتفقوا على أن الدية في قتل الخطأ على عاقلة الجاني. وأنها تجب عليهم مؤجلة في ثلاث سنين. واختلفوا: هل يدخل الجاني مع العاقلة فيؤدي معهم؟ فقال أبو حنيفة: هو كأحد العاقلة، يلزمه ما يلزم أحدهم. واختلف أصحاب مالك. فقال ابن القاسم كقول أبي حنيفة. وقال غيره: لا يدخل الجاني مع العاقلة.
وقال الشافعي: إن اتسعت العاقلة أو لم تتسع، وعلى هذا: إذا لم تتسع العاقلة لتحمل جميع الدية، انتقل ذلك إلى بيت المال. وإن كان الجاني من أهل الديوان. فهل يلحق أهل ديوانه بالعصبة في الدم أم لا؟ قال أبو حنيفة: ديوانه عاقلته، ويقدمون على العصبة في التحمل. فإن عدموا فحينئذ تتحمل العصبة. وكذا عاقلة السوقي أهل سوقه، ثم قرابته. فإن عجزوا فأهل محلته. فإن لم تتسع فأهل بلدته. وإن كان الجاني من أهل القرى ولم يتسع، فالمصر الذي يلي تلك القرية من سواده. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا مدخل لهم في الدية إذا لم يكونوا أقارب الجاني. واختلفوا فيما تحمله العاقلة من الدية. هل هو مقدر. أم هو على قدر الطاقة والاجتهاد؟ فقال أبو حنيفة: يسوى بين جميعهم. فيؤخذ من ثلاثة دراهم إلى أربعة. وقال مالك وأحمد: ليس فيه مؤقت، وإنما هو بحسب التسهيل، ولا يضر به. وقال الشافعي: يتقدر، فيوضع على الغني نصف دينار، وعلى متوسط الحال ربع دينار، ولا ينقص من ذلك. وهل يستوي الفقير والغني من العاقلة في تحمل الدية أم لا؟ قال أبو حنيفة: يستويان. وقال مالك والشافعي وأحمد: يتحمل الغني زيادة على المتوسط. والغائب من العاقلة: هل يحمل شيئا من الديات كالحاضر أم لا؟ قال أبو حنيفة وأحمد: هما سواء. وقال مالك: لا يتحمل الغائب مع الحاضر شيئا إذا كان الغائب من العاقلة في إقليم آخر سوى الاقليم الذي فيه بقية العاقلة. ويضم إليهم أقرب القبائل ممن هو محارب معهم. وعن الشافعي كالمذهبين. واختلفوا في ترتيب التحمل. فقال أبو حنيفة: القريب والبعيد فيه سواء. وقال الشافعي وأحمد: ترتيب التحمل على ترتيب الاقرب من العصبات. فإن استغرقوه لم يقسم على غيرهم. فإن لم يتسع الاقرب لتحمله، دخل الابعد. وهكذا حتى يدخل فيهم
أبعدهم درجة على حسب الميراث. وابتداء حول العقل: هل يعتبر بالموت أو بحكم
[ 215 ]
الحاكم؟ قال أبو حنيفة: اعتباره من حين حكم الحاكم. وقال مالك والشافعي وأحمد: من حين الموت. ومن مات من العاقلة بعد الحول: هل يسقط ما كان يلزمه أم لا؟ قال أبو حنيفة: يسقط ولا يؤخذ من تركته. وأما مذهب مالك: فقال ابن القاسم: يجب في ماله ويؤخذ من تركته. وقال الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه: ينتقل ما عليه إلى تركته. فصل: إذا مال حائط إنسان إلى طريق، أو إلى ملك غيره، ثم وقع على شخص فقتله. فقال أبو حنيفة: إن طولب بالنقض فلم يفعل مع التمكن. ضمن ما تلف بسببه، وإلا فلا يضمن. وقال مالك وأحمد، في إحدى روايتيهما: إن تقدم إليه بنقضه فلم ينقضه. فعليه الضمان. زاد مالك: وأشهد عليه. وعن مالك رواية أخرى: أنه إذا بلغ من شدة الخوف إلى ما لا يؤمن معه الاتلاف: ضمن ما تلف به، سواء تقدم أم لا، وسواء أشهد أم لا. وعن أحمد: رواية أخرى، وهي المشهورة: أنه لا يضمن مطلقا. ولاصحاب الشافعي في الضمان وجهان. أصحهما: أنه لا يضمن. فصل: واتفقوا على وجوب الكفارة في قتل الخطأ، إذا لم يكن المقتول ذميا ولا عبدا. واختلفوا فيما إذا كان ذميا أو عبدا. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: تجب الكفارة في قتل الذمي على الاطلاق وفي قتل العبد المسلم على المشهور. وقال مالك: لا تجب الكفارة في قتل الذمي. وهل تجب في قتل العمد؟ قال أبو حنيفة ومالك: لا تجب. وقال الشافعي: تجب. وعن أحمد روايتان كالمذهبين. ولو قتل الكافر مسلما خطأ. فقال الشافعي وأحمد: تجب عليه الكفارة له. وقال أبو حنيفة ومالك: لا كفارة عليه. وهل تجب الكفارة على الصبي والمجنون إذا قتلا؟ قال مالك والشافعي وأحمد:
تجب. وقال أبو حنيفة: لا تجب. واتفقوا على أن كفارة الخطأ عتق رقبة مؤمنة. فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. واختلفوا في الاطعام. فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد، في إحدى روايتيه: لا يجزئ الاطعام في ذلك. والرواية الاخرى عن أحمد: أنه يجزئ. وللشافعي قولان. أصحهما: أنه لا إطعام. وهل تجب الكفارة على القاتل بسبب تعديه، كحفر البئر، ونصب السكين، ووضع الحجر في الطريق؟ قال مالك والشافعي وأحمد: تجب. وقال أبو حنيفة: لا تجب مطلقا. وإن كانوا قد أجمعوا على وجوب الدية في ذلك. انتهى.
[ 216 ]
كتاب الديات وما يتعلق بها من الاحكام تجب الدية بقتل المسلم والذمي. والاصل فيه من الكتاب قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) * وقد تقدم بيانها. ومن السنة: ما روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن النبي (ص): كتب إلى أهل اليمين: وفي النفس مائة من الابل وهو إجماع لا خلاف فيه. فإن كانت الدية في العمد المحض، أو في شبه العمد: وجبت مائة مغلظة. وهي: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، والخلفة الحامل. بدليل ما روى عبادة
ابن الصامت رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: ألا إن في الدية العظمى: مائة من الابل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: دية شبه العمد: ثلاثون حقة وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. فإن قيل: فما معنى قوله: منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها وقد علم أن الخلفة لا تكون إلا حاملا؟ قلنا: له تأويلان.
[ 217 ]
أحدهما: أنه أراد التأكيد في الكلام. وذلك جائز. كقوله تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) *. والثاني: أن الخلفة اسم للحامل التي لم تضع. واسم للتي وضعت ويتبعها ولدها. فأراد أن يميز بينهما. وإن كانت الجناية خطأ، ولم يكن القتل في الحرم، ولا في الاشهر الحرم، ولا كان المقتول ذا رحم محرم للقاتل: فإن الدية تكون مخففة أخماسا. وهي مائة من الابل: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. بدليل ما روى مجاهد عن ابن مسعود أن النبي (ص) قضى بدية الخطأ مائة من الابل: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. وإن كان قتل الخطأ في الحرم، أو في الاشهر الحرم - وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم - أو كان المقتول ذا رحم محرم للقاتل: كانت دية الخطأ مغلظة، كدية العمد. بدليل: أن الصحابة رضي الله عنهم غلظوا في دية الخطأ في هذه المواضع الثلاثة. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: من قتل في الحرم، أو في الاشهر الحرم، أو ذا رحم محرم. فعليه دية وثلث.
وروي عن عثمان رضي الله عنه: أن امرأة وطئت في الطواف فماتت. فقضى: أن ديتها ستة آلاف درهم. وألفا درهم للحرم. وروى ابن جبير: أن رجلا قتل رجلا في البلد الحرام في الشهر الحرام. فقال ابن عباس: ديته اثنا عشر ألف درهم، وأربعة آلاف، تغليظا للشهر الحرام، وأربعة آلاف للبلد الحرام فكملها عشرين ألفا. ولا مخالف لهم من الصحابة. وإن قتل خطأ في حرم المدينة. فهل تتغلظ الدية؟ فيه وجهان. أحدهما: تغلظ كما تغلظ في البلد الحرام. فإنه كالحرم في تحريم الصيد. فكان كالحرم في تغليظ دية الخطأ. والثاني: لا تغلظ - وهو الاصح - لانه دون الحرم. بدليل: أنه يجوز قصده بغير إحرام. فلم يلحق به في الحرمة ولا في تغليظ الدية.
[ 218 ]
الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أن دية المسلم الحر الذكر: مائة من الابل في مال القاتل العامد إذا عدل إلى الدية. ثم اختلفوا هل هي مؤجلة في ثلاث سنين؟ واختلفوا في دية العمل. فقال أبو حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه: هي أرباع. لكل سن من أسنان الابل منها: خمس وعشرون بنت مخاض، ومثلها بنت لبون، ومثلها حقاق، ومثلها جذاع. وقال الشافعي: تؤخذ مثلثة: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. أي حوامل. وبه قال أحمد في روايته الاخرى. وأما دية شبه العمد: فهي مثل دية العمد المحض عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. واختلفت الرواية عن مالك في ذلك.
وأما دية الخطأ: فقال أبو حنيفة وأحمد: هي مخمسة: عشرون جذعة، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت مخاض. وبذلك قال مالك والشافعي، إلا أنهما جعلا مكان ابن مخاض، ابن لبون. فصل: واختلفوا في الدنانير والدراهم. هل يجوز أن تؤخذ في الديات أم لا؟ فقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز أخذها في الديات، مع وجود الابل. وعنهما روايتان. وهل هي أصل بنفسها، أم الاصل الابل والذهب. والدراهم والفضة بدل عنها؟ قال مالك: هي أصل بنفسها، مقدرة بالشرع. ولم يعتبرها بالابل. وقال الشافعي: لا يعدل عن الابل إذا وجدت إلا بالتراضي. فإن أعوزت فعنه قولان. الجديد الراجح: أنه يعدل إلى قيمتها حين القبض، زائدة أو ناقصة والقديم المعمول به ضرورة: يعدل إلى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم. واختلفوا في مبلغ الدية من الدراهم. فقال أبو حنيفة: عشرة آلاف درهم. واختلفوا في البقر والغنم: هل لها أصل في الدية، أم تؤخذ على وجه القيمة؟ قال أحمد: البقر والغنم أصل مقدر فيها. فمن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة. واختلفت الرواية عنه أنها ليست ببدل. واختلفوا فيما إذا قتل في الحرم، أو قتل وهو محرم، أو في شهر حرام، أو قتل ذا رحم محرم: هل تغلظ الدية في ذلك؟
[ 219 ]
فقال أبو حنيفة: لا تغلظ الدية في شئ من ذلك. وقال مالك: تغلظ في قتل الرجل ولده فقط. والتغليظ: أن تؤخذ الابل أثلاثا: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. وعن مالك: في الذهب والفضة روايتان. إحداهما: لا تغلظ الدية فيهما. والاخرى: تغلظ. وفي صفة تغليظها عنه روايتان. أشهرهما: أنه يلزم من الذهب والورق قيمة الابل
المغلظة بالغة ما بلغت. وقال الشافعي: تغلظ في الحرم والمحرم والاشهر الحرم. وقيل: تغلظ في الاحرام. ولاصحابه وجهان. أظهرهما: لا تغلظ. ولا تغلظ عنده إلا في الابل. وأما الذهب والورق: فلا يدخل التغليظ فيه. وصفة التغليظ عنده: أن تكون بأسنان الابل فقط. وقال أحمد: تغلظ الدية. وصفة التغليظ، إن كان الضمان بالذهب والفضة: فبزيادة القدر. وهو ثلث الدية نصا عنه. وإن كان بالابل، فقياس مذهبه: أنه كالاثمان. وأنها مغلظة بزيادة القدر لا بالسن. واختلف الشافعي وأحمد: هل يتداخل تغليظ الدية أم لا؟ مثاله: قتل في شهر حرام في الحرم ذا رحم محرم. فقال الشافعي: يتداخل ويكون التغليظ فيهما واحدا. وقال أحمد: لا يتداخل، بل لكل واحد من ذلك ثلث الدية. واتفقوا على أن الجروح قصاص في كل ما يتأتى فيه القصاص. وأما ما لا يتأتى فيه القصاص. وهو عشرة: الحارصة. وهي التي تشق الجلد. والدامية: وهي التي تخرج الدم. والباضعة: وهي التي تشق اللحم. والمتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم. والسمحاق: وهي التي يبقى بينها وبين العظم قشرة رقيقة. فهذه الجروح الخمسة ليس فيها مقدر شرعي باتفاق الاربعة، إلا ما روى أحمد: أن زيدا رضي الله عنه حكم في الدامية ببعير. وفي الباضعة ببعيرين. وفي المتلاحمة بثلاثة أبعرة. وفي السمحاق بأربعة أبعرة قال أحمد: وأنا أذهب إلى ذلك. فهذه رواية عنه. والظاهر من مذهبه كالجماعة. وأجمعوا على أن في كل واحدة من هذه الخمسة حكومة بعد الاندمال. والحكومة: أن يقوم المجني عليه قبل الجناية كأنه كان عبدا. فيقال: كم قيمته قبل الجناية؟ وكم قيمته بعدها؟ فيكون له بقدر التفاوت من ديته.
[ 220 ]
فصل: وأما الخمسة التي فيها مقدر شرعي، فهي: الموضحة. وهي التي توضح عن العظم. فإذا كانت في الوجه: ففيها خمس من الابل عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه. وفي الرواية الاخرى: فيها عشر. وقال مالك: في موضحة الانف واللحى الاسفل حكومة خاصة. وباقي المواضع من الوجه فيها خمس من الابل. وإن كانت في الرأس: فهل هي بمنزلة الموضحة في الوجه أم لا؟ قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: هي بمنزلتها. وعن أحمد روايتان. إحداهما كالجماعة. والثانية: إن كانت في الوجه ففيها عشر، وإن كانت في الرأس ففيها خمس. وأجمعوا على أن في الموضحة القصاص إن كان عمدا. الثانية: الهاشمة. وهي التي تهشم العظم وتكسره. وفيها عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد: عشر من الابل، واختلفت الرواية عن مالك في ذلك، فقيل: خمس وحكومة. وقيل: خمسة عشر. وقال أشهب: فيها عشر، كمذهب الجماعة. الثالثة: المنقلة. وهي التي توضح وتهشم وتنقل العظام. وفيها خمسة عشر من الابل بالاجماع. الرابعة: المأمومة. وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي خريطة الدماغ المحيطة به. وفيها ثلث الدية، ثلاثة وثلاثون وثلث من الابل. الخامسة: الجائفة. وهي التي تصل إلى الجوف، كبطن وصدر، وثغرة نحر، وجنب، وخاصرة. وفيها ثلث الدية بالاجماع. واتفقوا على أن العين بالعين، والانف بالانف، والاذن بالاذن، والسن بالسن. وعلى أن في العينين دية كاملة. وفي الانف إذا جدع الدية. وفي اللسان الدية. وفي الشفتين الدية. وفي مجموع الاسنان - وهي اثنان وثلاثون سنا - الدية. وفي كل سن
خمسة أبعرة. وفي اللحييين الدية وفي لحي إن نبتت الاخرى نصفها. واستشكل وجوب الدية في اللحيين صاحب التتمة من الشافعية. لانه لم يرد فيه خبر. والقياس لا يقتضيه. بل هو كالترقوة والضلع. بل هو من العظام الداخلة. وفي الاذنين: الدية عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وعند مالك روايتان، إحداهما: كالجماعة، والثانية: حكومة.
[ 221 ]
واتفقوا على أن في الاجفان الاربعة الدية، في كل واحد ربع، إلا مالكا. فإنه قال: فيها حكومة. واختلفوا في العين القائمة التي لا يبصر بها، واليد الشلاء، والذكر الاشل، وذكر الخصي، ولسان الاخرس، والاصبع الزائدة، والسن السوداء. فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: في أظهر قوليه فيها حكومة. وعن أحمد روايتان. أظهرهما فيها الدية. والاخرى كالجماعة. واختلفوا في الترقوة والضلع، والذراع، والساعد، والزند والفخذ. فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: في ذلك حكومة. وقال أحمد: في الضلع بعير، وفي الترقوة بعير، وفي كل واحد من الذراع والساعد والزند والفخذ بعيران، ففي الزندين أربعة أبعرة. واختلفوا فيما لو ضر به فأوضحه فذهب عقله، فهل تنتقل الموضحة في دية العقل أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: عليه الدية للعقل ويدخل في ذلك أرش الموضحة. والقول الآخر للشافعي - وهو الاصح عند أصحابه - أن عليه لذهاب العقل دية كاملة. وعليه أرش الموضحة. وهذا مذهب مالك وأحمد. واختلفوا فيما إذا قلع سن من قد ثغر. فقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجب عليه الضمان. وقال مالك: بوجوبه وبعدم سقوطه بعودها. وللشافعي قولان، أصحهما: الوجوب وعدم السقوط.
ولو ضرب سن رجل فاسودت. قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى روايتيه: يجب أرش سن خمس من الابل. والرواية الاخرى: ثلث دية السن. وزاد مالك على ذلك، فقال: إن وقعت السن السوداء بعد ذلك لزمه دية أخرى وقال في ذلك حكومة فقط. واختلفوا فيما إذا قطع لسان صبي لم يبلغ حد النطق. فقال أبو حنيفة: فيه حكومة. وقال مالك وأحمد: فيه دية كاملة. ولو قلع عين أعور. فقال مالك وأحمد: يلزمه دية كاملة. وقال أبو حنيفة والشافعي: يجب القصاص. فإن عفا فنصف دية. وقال مالك: ليس له القصاص. وهل له دية كاملة، أو نصفها؟ عنه في ذلك روايتان. وقال أحمد: لا قصاص، بل دية كاملة. وفي اليدين الدية، في كل واحدة نصفها بالاجماع. وكذا الامر في الرجلين. وأجمعوا على أن في اللسان الدية. وأن في الذكر الدية، وأن في ذهاب العقل دية، وفي ذهاب السمع دية.
[ 222 ]
وإذا ضرب رجل رجلا فذهب شعر لحيته فلم ينبت، أو ذهب شعر رأسه، أو شعر حاجبه، أو أهداب عينيه فلم تعد. قال أبو حنيفة وأحمد: في ذلك الدية. وقال الشافعي ومالك: فيه حكومة. وأجمعوا على أن دية المرأة الحرة المسلمة في نفسها: على النصف من دية الرجل الحر المسلم. ثم اختلفوا: هل تساويه في الجراح أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: لا تساويه في شئ من الجراح، بل جراحها على النصف من جراحه في القليل والكثير. وقال مالك والشافعي في القديم، وأحمد في إحدى روايتيه: تساويه في الجراح فيما دون ثلث الدية. فإذا بلغت الثلث كانت دية جراحها على النصف من دية الرجل. وقال أحمد في الرواية الاخرى، وهي أظهر
روايتيه، واختارها الخرقي: تساويه إلى ثلث الدية. فإذا زادت على الثلث فهي على النصف. ولو وطئ زوجته وليس مثلها يوطأ فأفضاها. فقال أبو حنيفة وأحمد: لا ضمان عليه. وقال الشافعي: عليه الدية. وعن مالك روايتان. أشهرهما: فيه حكومة. والاخرى دية. واختلفوا في دية الكتابي اليهودي والنصراني. فقال أبو حنيفة: ديته كدية المسلم في العمد والخطأ من غير فرق. وقال أحمد: إن كان للنصراني أو اليهودي عهد وقتله مسلم عمدا، فديته كدية المسلم. وإن قتله خطأ فروايتان. إحداهما: نصف دية المسلم. واختارها الخرقي. والثاني: دية مسلم. فصل: والمجوسي: ديته عند أبي حنيفة كدية المسلم في العمد والخطأ من غير فرق. وقال مالك والشافعي: دية المجوسي في الخطأ ثمانمائة درهم. وفي العمد ألف وستمائة. واختلفوا في ديات الكتابيات والمجوسيات. فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: دياتهن على النصف من ديات رجالهن. لا فرق بين الخطأ والعمد. وقال أحمد: على النصف في الخطأ، وفي العمد كالرجل منهم سواء. فصل: وإذا جنى العبد جناية. فتارة تكون خطأ. وتارة تكون عمدا. فإن كانت خطأ فقد اختلف الائمة رحمهم الله تعالى في ذلك. فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد، في أظهر روايتيه: المولى بالخيار بين الفداء. وبين
[ 223 ]
دفع العبد إلى ولي المجني عليه. فيملكه بذلك. سواء زادت قيمته على أرش الجناية، أو نقصت. فإن امتنع ولي المجني عليه من قبوله، وطالب المولى ببيعه ودفع القيمة في الارش لم يجبر المولى على ذلك.
وقال الشافعي وأحمد في الرواية الاخرى: المولى بالخيار بين الفداء وبين الدفع إلى الولي للبيع. فإن فضل من ثمنه شئ فهو لسيده. فإن امتنع الولي من قبوله وطالب المولى ببيعه ودفع الثمن إليه كان له ذلك. وإن كانت الجناية عمدا. قال أبو حنيفة والشافعي في أظهر روايتيه: ولي المجني عليه بالخيار بين القصاص وبين العفو على مال. وليس له العفو على رقبة العبد، أو استرقاقه. ولا يملكه بالجناية. وقال مالك وأحمد في الرواية الاخرى: يملكه المجني عليه بالجناية. فإن شاء قتله. وإن شاء استرقه، وإن شاء أعتقه. ويكون في جميع ذلك متصرفا في ملكه. إلا أن مالكا اشترط أن تكون الجناية قد ثبتت بالبينة، لا بالاعتراف. وهل يضمن العبد بقيمته بالغة ما بلغت، وإن زادت على دية الحر، أم لا؟ قال أبو حنيفة: لا يبلغ به دية الحر، بل ينقص عشرة آلاف درهم. وقال مالك والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه: يضمن بقيمته بالغة ما بلغت. والحر إذا قتل عبدا خطأ. قال أبو حنيفة: قيمته على عاقله الجاني. وقال مالك وأحمد: قيمته على الجاني دون عاقلته. وعن الشافعي قولان. أحدهما: كمذهب مالك وأحمد. والثاني: على عاقلة الجاني. واختلفوا في الجناية على أطراف العبد. فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: كل ذلك في مال الجاني، لا على عاقلته. وللشافعي قولان. والجنايات التي لها أروش مقدرة في حق الحر، كيف الحكم في مثلها في العبد؟ قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد، في إحدى روايتيه: كل جناية لها أرش مقدر في الحر من الدية فإنها مقدرة من العبد بذلك الارش من قيمته. وقال مالك وأحمد، في الرواية الاخرى: يضمن ما نقص من قيمته. وزاد مالك، فقال: إلا في المأمومة والجائفة والمنقلة والموضحة. فإن مذهبه فيها كمذهب الجماعة. فصل: وإذا اصطدم الفارسان الحران فماتا. قال مالك وأحمد: على عاقلة كل
واحد منهما دية الآخر كاملة. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة. فقال الدامغاني: فيها روايتان، إحداهما كمذهب مالك وأحمد. والاخرى: على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر. وهذا مذهب الشافعي. قال: وفي تركة كل واحد نصف قيمة دابة الآخر. وله
[ 224 ]
قول آخر: أن هلاكهما وهلاك الدابتين: يكون هدرا. لانه لا صنع لهما فيه. كالآفة السماوية. والله سبحانه وتعالى أعلم. باب دعوى الدم والقسامة روي عن النبي (ص) أنه قال: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه إلا في القسامة. ومدعي الدم: ينبغي أن يعين من يدعي عليه، من واحد أو جماعة. والقتل في محل اللوث يقتضي القسامة. واللوث قرينة حال توقع في القلب صدق المدعي، مثل أن يوجد قتيل في قبيلة أو قرية صغيرة، بين المقتول وبين أهلها عداوة ظاهرة. فهو لوث في حقهم. وكذا لو تفرق جماعة عن قتيل في دار، أو مسجد، أو بستان، أو ازدحم قوم على بئر، ثم تفرقوا عن قتيل. ومعنى القسامة: أن يحلف المدعي على القتل الذي يدعيه خمسين يمينا. وكيفية اليمين، كما في سائر الدعاوى. وإذا مات قام وارثه مقامه. ويستأنف الوارث. وإن كانوا جماعة: وزعت الخمسين عليهم على قدر مواريثهم، ويجبر الكسر في اليمين. وإذا أقسم المدعي على قتل الخطأ أو شبه العمد: أخذ الدية من العاقلة. وإن حلف على العمد فيقتص من المقسم عليه. وإذا حلف على ثلاثة: أخذ من كل منهم ثلث الدية. وإن كان واحد منهم حاضرا والآخران غائبين، حلف على الحاضر خمسين يمينا وأخذ منه ثلث الدية. فإذا حضر الآخران حلف عليهما خمسين يمينا وأخذ منهما الثلثين،
على خلاف فيه. وقال شمس الائمة أبو بكر بن محمد بن سهل السرخسي - رحمه الله من أصحاب أبي حنيفة في المبسوط - إذا وجد الرجل قتيلا في محلة قوم: فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يغرمون الدية. قال: بلغنا هذا عن رسول الله (ص). وفيه أحاديث مشهورة. منها: حديث سهل ابن أبي حثمة بن عبد الله وعبد الرحمن بن سهل، وحويصة ومحيصة وهو، أنهم خرجوا في التجارة إلى خيبر، وتفرقوا
[ 225 ]
لحوائجهم. فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر. فجاؤوا إلى النبي (ص) ليخبروه. فقام عبد الرحمن - وهو أخو القتيل - فقال رسول الله (ص): الكبر الكبر. فتكلم أحد عميه حويصة، أو محيصة. وهو الاكبر منهما. وأخبر بذلك فقال: ومن قتله؟ فقالوا: من يقتله سوى اليهود؟ قال: يبرئكم اليهود بأيمان خمسين منهم. قالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفار، لا يبالون ما حلفوا عليه. فقال عليه الصلاة والسلام: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: كيف نحلف على أمر لم يعاين ولم يشاهد؟ قال: فألزم رسول الله (ص) اليهود الدية والقسامة. وذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله (ص) كتب إلى أهل خيبر: إن هذا قتيل قد وجد بين أظهركم. فما الذي يخرجه عليكم؟ فكتبوا إليه: إن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل. فأنزل الله على موسى أمرا. فإن كنت نبيا فاسأل الله مثل ذلك. فكتب إليهم: إن الله تعالى أراني أن أختار منكم خمسين رجلا. فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يغرمون الدية. فقالوا: قد قضيت فينا بالناموس - يعني بالوحي. الخلاف المذكور في مسائل الباب: اتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أن القسامة مشروعة في القتل إذا وجد قتيل ولم
يعلم قائله. واختلفوا في السبب الموجب للقسامة. فقال أبو حنيفة: الموجب للقسامة وجود القتيل في موضع هو حفظ قوم أو حمايتهم، كالمحلة والدار، ومسجد المحلة والقرية. فإنه يوجب القسامة على أهلها. لكن القتيل الذي يشرع فيه القسامة اسم لميت به أثر من جراحة، أو ضرب، أو خنق. ولو كان الدم يخرج من أنفه ودبره فليس بقتيل. ولو خرج من أذنه وعينه فهو قتيل فيه القسامة. وقال مالك: السبب المعتبر في القسامة: أن يقول المقتول: دمي عند فلان عمدا.
[ 226 ]
ويكون المقتول بالغا مسلما حرا، سواء كان فاسقا أو عدلا، ذكرا أو أنثى. أو يقوم لاولياء المقتول شاهد واحد. واختلف أصحابه في اشتراط عدالة الشاهد وذكوريته. فشرطها ابن القاسم. واكتفى أشهب بالفاسق والمرأة. ومن الاسباب الموجبة للقسامة عند مالك، من غير خلاف عنه: أن يوجد المقتول في مكان خال من الناس. وعلى رأسه رجل معه سلاح مخضب بالدم. وقال: السبب الموجب للقسامة اللوث. وهو عنده قرينة لصدق المدعي، بأن يرى قتيل في محله، أو قرية صغيرة، وبينه وبينهم عداوة ظاهرة، أو تفرق جمع عن قتيل، وإن لم يكن بينهم وبينه عداوة. وشهادة العدل عنده لوث. وكذا عبيد ونساء وصبيان. وكذا فسقة وكفار، على الراجح من مذهبه، لا امرأة واحدة. ومن أقسام اللوث عنده: لهج ألسنة العام والخاص بأن فلانا قتل فلانا. ومن اللوث: وجود الرجل ملطخا بالدماء بيده سلاح عند القتيل. ومنه يزدحم الناس بموضع، أو في باب فيوجد بينهم قتيل. قال أحمد: لا يحكم بالقسامة، إلا أن يكون بين المقتول وبين المدعى عليه لوث.
واختلفت الرواية عنه في اللوث. فروي عنه: أنه العداوة الظاهرة، والعصبية خاصة، كما بين القبائل من المطالبة بالدماء. وكما بين أهل البغي وأهل العدل. وهذا قول عامة أصحابه. وأما دعوى المقتول: أن فلانا قتلني: فلا يكون لوثا، إلا عند مالك. فصل: وإذا وجد المقتضي للقسامة عند كل واحد من الائمة حلف المدعون على قاتله خمسين يمينا، واستحقوا دمه إذا كان القتل عمدا عند مالك وأحمد. وعلى القديم من قولي الشافعي. وقال الشافعي في الجديد: يستحق دية مغلظة. واختلفوا: هل يبدأ بأيمان المدعين في القسامة، أم بأيمان المدعى عليهم؟ قال الشافعي وأحمد: بأيمان المدعين. فإن نكل المدعون ولا بينة، حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ. وقال مالك: يبدأ بأيمان المدعين. واختلفت الرواية في الحكم إن نكلوا. ففي رواية: يبطل الدم، ولا قسامة. وفي رواية: يحلف المدعى عليه إن كان رجلا بعينه حلف وبرئ. وإن نكل لزمته الدية في ماله، ولا يلزم العاقلة منها شئ. لان النكول عنده كالاعتراف، والعاقلة لا تحمل
[ 227 ]
الاعتراف. وفي رواية: تحمل العاقلة، قلت أو كثرت. فمن حلف منهم برئ، ومن تخلف فعليه بقسطه من الدية. وقال أبو حنيفة: لا تشرع اليمين في القسامة إلا على المدعى عليهم المعينون. فإذا لم يعين المدعون شخصا بعينه يدعون عليه. فيحلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا ممن يختارهم المدعون. فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا. فإن لم يكونوا خمسين كررت اليمين. فإن تكلمت الايمان وجبت الدية على عاقلة أهل المحلة. وإن عين المدعون قاتلا فلا قسامة. ويكون تعيينهم القاتل تبرئة لباقي أهل المحلة. ويلزم المدعى عليه اليمين بالله عزوجل أنه ما قتل، ويترك. واختلفوا فيما إذا كان الاولياء جماعة. فقال مالك وأحمد: تقسم الايمان بينهم
بالحساب. وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: تكرر الايمان عليهم بالادارة، بعد أن يبدأ أحدهم بالقرعة. واختلفوا هل تثبت القسامة في العبيد؟ فقال أبو حنيفة وأحمد: تثبت وللشافعي قولان. أصحهما: تثبت. وهل تسمع أيمان النساء في القسامة؟ قال أبو حنيفة وأحمد: لا تسمع مطلقا، لا في عمد ولا في خطأ. وقال الشافعي: تسمع مطلقا في العمد والخطأ. وهن في القسامة كالرجل. وقال مالك: تسمع أيمانهن في الخطأ دون العمد. انتهى. فالحاصل من تقرير أحكام هذه الجنايات فوائد: منها: ما حكى عن صدر الدين الخابوري. قال: سمعت القاضي شرف الدين البارزي - بحماه - يقول: لو وقع شخص على شخص. فإن استمر عليه مات وإن انتقل إلى غيره - أي انقلب عليه - مات. فماذا يفعل؟ الجواب: الاستمرار على من وقع عليه. لان انقلابه إحداث فعل من جهته، ولا يجوز له إحداث فعل. ومنها: لو وقع رجل على طفل بين أطفال، إن أقام على أحدهم قتله. وإن انتقل إلى آخر قتله. وكان أحدهم كافرا. قال ابن عبد السلام في قواعده: الاظهر عندي: أنه يلزمه الانتقال إليه، لان قتله أخف مفسدة من قتل الطفل المحكوم بإسلامه. ولانا نجوز قتل أولاد الكفار عند التترس بهم، بحيث لا يجوز ذلك في أطفال المسلمين.
[ 228 ]
ومنها: لو وقع في نار لا ينجو منها. وأمكنه أن يلقي نفسه في ماء يغرق. فإنه لا يلزمه الصبر على ألم النار على الاصح، بشرط أن تستوي مدة الحياة في الاغراق والاحراق. ذكره أيضا في القواعد.
ومنها: الكافر لا يقتص منه إذا أسلم لمن قتله من المسلمين، ولا يغرمون ما أتلفوه على المسلمين من الاموال. لانا لو ألزمناهم لتقاعدوا عن الاسلام. ومنها: أن كل عضو زوج من أعضاء بني آدم فهو مؤنث، إلا الحاجبين والثديين. وكل عضو فرد من أعضائهم يذكر، إلا الكبد والطحال. ومنها: الخصيان - بغير تاء - هذا هو المشهور. ونقل الجوهري وغيره عن أبي عمرو قال: الخصيان، البيضتان، والخصيان - بحذف التاء - الجلدتان اللتان فيهما البيضتان. قال الجوهري، ويقال: خصية - بضم الخاء وكسرها - والمشهور الضم. ومنها: الحدقة: هي السواد الاعظم الذي في العين. وأما الاصغر: فهو الناظر. وفيه إنسان العين. والمقلة: شحمة العين التي تجمع السواد والبياض. ذكره ابن قتيبة في أدب الكاتب. وجمع الحدقة: أحداق. وقيل: حداق. ويقال: حدق. ومنها: أن جمع رجب: رجبات وأرجاب ورجاب ورجوب. وفي اشتقاقه أقوال. أحدها: لتعظيمهم إياه. يقال رجبته - بالتشديد - ورجبته - بكسر الجيم والتخفيف - وإذا عظمه. قال النحاس، وقال المبرد: سمي رجبا، لانه في وسط السنة. مشتق من الرواجب. وقيل: لترك القتال فيه من الرجب. وهو القطع وقال الجوهري: إنما قيل رجب مضر، لانهم كانوا أشد تعظيما له. قال: وإذا ضموا إليه شعبان، قالوا: الرجبان. ويقال لرجب: الاصم، لانهم يتركون القتال فيه. فلا يسمع فيه صوت سلاح، ولا استغاثة. وهو استعارة. وتقديره: يصم الناس فيه، كما قالوا: ليل نائم، أي نيام فيه. ذكره صاحب تحرير التنبيه. ومنها: ما إذا وجد قتيل في محلة. فقال رجل: أنا تعمدت قتل هذا القتيل ولم يشركني فيه أحد. وقال آخر: مثله. فسئل ولي المقتول عن ذلك؟ فإن صدقهما سقط حقه من القود والدية. لان في تصديق كل واحد منهما تكذيبا للآخر. وإن صدق أحدهما ثبت حقه، إن شاء قتله وإن شاء عفا عنه وأخذ الدية.
ومنها: الاصطلاح في لغة العرب: جبهة الامير: جماعته. والعرقوب: الطريق في الجبل. والثنية: الطريق بين جبلين. والرجل: القطعة من الجراد. والعين: عين البئر. وفلا راس الرجل: إذا ضربه بالسيف. والدهن: الضرب بالعصا. والبلبل: الرجل
[ 229 ]
الخفيف اللحم. وقطاة المرأة: ما بين الوركين. والخسيس: الجنين الملقى ميتا. المصطلح: وما يشتمل عليه من الصور. صورة قتل العمد وبيانه، وما يجب فيه من دية العمد: حضر إلى شهوده في يوم تاريخه فلان وفلان. وأقر الحاضر الاول: أنه عمد إلى والد الحاضر الثاني فلان المذكور - أو إلى ولده لصلبه فلان، أو إلى أخيه لابويه فلان - المنحصر إرثه الشرعي فيه - وإن كان للميت ورثة جماعة عينهم، وحصر كل واحد بحصته على حكم الميراث - وضربه بسيف، أو سكين، أو شفرة أو حديدة، أو بمثقل خشبة أو فسطاط، أو حجر كبير، قاصدا متعمدا قتله. فمات من ذلك. واتفقا على أن يأخذ ولي الدم منه الدية. ويعفو عن القصاص. فدفع إليه دية العمد الواجبة عليه شرعا. فإن اتفقا على أخذها على مذهب أبي حنيفة. وإحدى الروايتين عن أحمد: فهي أرباع: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة. وخمس وعشرون جذعة. وإن اتفقا على أخذها على مذهب الامام الشافعي. والرواية الاخرى عن أحمد. فهي من ثلاثة أسنان: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وسلم هذه الدية من ماله إلى ولي المقتول، أو إلى أولياء المقتول المذكورين أعلاه. فتسلموها منه تسلما شرعيا صحيحا، غير مراض ولا معيبات. وإن كان الاخذ على مذهب أبي حنيفة: فيكتبها مقسطة في ثلاث سنين من أربعة أسنان.
وأقر الولي المذكور، أو الاولياء المذكورون: أنه عفا - أو أنهم عفوا - عن القصاص. ورجعوا إلى الدية الشرعية. ورضوا بها، عفوا شرعيا ورضا معتبرا مرضيا. وإن كان المكتوب على مذهب الشافعي، فيقول: ورضى القاتل بالعدول من القصاص إلى الدية. وقد سبق في كتاب الاقرار صورة قبض الدية والاقرار بعدم الاستحقاق، والابراء بسبب ذلك. وإن عفا الولي عن القصاص مجانا، كتب صورة العفو مجردة. ولا يتعرض لذكر شئ مما تقدم من أسنان الابل، ثم يعقب الاشهاد بالعفو بالاقرار بعدم الاستحقاق وإبراء شامل. ويكمل على نحو ما سبق.
[ 230 ]
وصورة ما إذا أبى الولي ولم يرض إلا بالقصاص: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني بين يدي سيدنا فلان الدين الشافعي أو المالكي فلان، وأحضر معه فلان. وادعى عليه لدى الحاكم المشار إليه: أنه قتل ولده لصلبه، فلانا عمدا محضا، ظلما وعدوانا. وأنه ضربه بسيف، أو بمحدد، أو بمثقل - ويذكر صفة المحدد أو المثقل - ضربة أو ضربتين، أو أكثر. فمات منه، أو فأزهق روحه، وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه؟ فأجاب بالاعتراف - أو بالانكار، أو قال: لم أفعل ذلك، أو يثبت ما يدعيه، أو يثبت ما ادعى به - فذكر المدعي المذكور أن له بينة تشهد له بذلك. وسأل الاذن في إحضارها. فأذن الحاكم المشار إليه في ذلك. فأحضر كل واحد من فلان وفلان وفلان، وشهدوا لدى الحاكم المشار إليه في وجه المدعى عليه - إما على إقراره بذلك، أو بالمشاهدة للفعل - وأنه عمد إلى فلان ولد المدعي المذكور لصلبه وضربه بالشئ الفلاني - إما المحدد أو المثقل - الذي يقتل مثله غالبا، ضربة أو ضربتين أو أكثر فمات. عرفهم
الحاكم المشار إليه. وقبل شهادتهم بما رأى معه قبولها، أو بعد التزكية الشرعية، وثبت ذلك عنده ثبوتا صحيحا شرعيا. ولما تكامل ذلك عنده سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه: الحكم له على القاتل بالقصاص، عملا بمذهبه ومعتقده. فأعذر إلى القاتل. فلم يأت بدافع شرعي واعترف بعدم الدافع والمطعن لذلك ولشئ منه، الاعتراف الشرعي. وثبت اعترافه بذلك لديه الثبوت الشرعي. فحينئذ: نظر الحاكم المشار إليه في ذلك وتدبره. وروى فيه فكره ونظره، واستخار الله كثيرا. واتخذه هاديا ونصيرا. وأجاب السائل إلى سؤاله. وحكم على القاتل المذكور بالقصاص، إذ لا يجوز للولي العفو عن القصاص عنده، حكما صحيحا شرعيا، لموافقة ذلك مذهبه ومعتقده، مسؤولا في ذلك مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف فيما فيه الخلاف من ذلك على نحو ما تقدم شرحه. وللولي استيفاء القصاص بنفسه بأمر السلطان أو نائبه بأمر السلطان. وإلا فمتى وثب بنفسه كان ذلك افتئاتا على السلطان. والصورة في قتل العمد عند أبي حنيفة بالمحدد وحده. وعند الباقين بالمحدد والمثقل. صورة شبه العمد وديته: حضر إلى شهوده في يوم تاريخه فلان وفلان. وأقر الحاضر الاول: أنه ضرب ولد الحاضر الثاني لصلبه فلان، بسوط أو عصى، حتى مات من ذلك الضرب - أو غرز
[ 231 ]
في مقتله إبرة، أو غرز في دماغه أو حلقه إبرة، فتورم ومات منه، أو مات في الحال - وصدق على أن هذا الفعل قتل شبه العمد، وأنه يقتضي القصاص. وسأل الولي أن يعفو عن القصاص، ويعدل إلى الدية على مذهب من يرى ذلك من السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين. فأجابه الولي إلى ذلك، إذ العدول عن القصاص إلى الدية من رضى الجاني. وهي عند أبي حنيفة وأحمد مثل دية العمد المحض من أربعة أسنان: خمس وعشرون بنت لبون،
وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وهي على مذهب مالك والشافعي من ثلاثة أسنان: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة. وأربعون خلفة في بطونها أولادها. فرضي منه بذلك، وأجابه إليه. وتسلم منه الدية المذكورة من أربعة أسنان، أو من ثلاثة أسنان، على ما يتفقان عليه، تسلما شرعيا تاما كاملا وافيا. ويكتب بينهما براءة على نحو ما تقدم شرحه. وإن تراضيا على الابل بالدراهم. فعند الشافعي: يعطي قيمة الابل بالغة ما بلغت. ولا يعدل عن الابل إذا وجدت إلا بالتراضي. وإن أعوزت الابل فقولان للشافعي، القديم: أنه يعدل إلى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم. والجديد: تجب القيمة حين القبض. وعند أبي حنيفة وأحمد: الدية مقدرة بالدنانير والدراهم. ويجوز أخذها مع وجود الابل. وعند مالك: أن الدراهم والدنانير أصل بنفسها، مقدرة في الذمة، ولم يعتبر الدية بالابل. ومبلغها من الدراهم عند أبي حنيفة: عشرة آلاف درهم. وعند الباقين: اثنا عشر ألف درهم، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك مبينا. وفي البقر والغنم والحلل. وهل هي أصل في الدية، أم تؤخذ على وجه القيمة؟ فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: ليس لشئ من ذلك أصل في الدية، ولا هو مقدر. وإنما يرجع إليه بالتراضي على وجه القيمة. وقال أحمد: البقر والغنم أصلان مقدران في الدية. فمن البقر: مائتا بقرة. ومن الغنم: ألفا شاة. واختلفت الرواية في الحلل. فروي عنه: أنها مقدرة بمائتي حلة. كل حلة إزار ورداء. وروي عنه: أنها ليست ببدل. فإذا اتفق الخصمان على شئ من هذه الاشياء: نزل الكاتب الصورة على أوضاعها الشرعية المتفق عليها، الموافقة لاحد هذه المذاهب الاربعة مع مراعاة الايضاح. وصورة وجوب القصاص على من حبس آخر حتى مات جوعا: حضر إلى شهوده فلان وفلان. وتصادقا على أن الحاضر الاول حبس ولد الحاضر الثاني فلان الرجل
الكامل، ومنعه من الخروج ومن الطعام والشراب. ومن طلبهما مدة يموت مثله فيها غالبا
[ 232 ]
من الجوع والعطش، وأنه مات في حبسه من الجوع والعطش. وأنه علم أن الواجب عليه بذلك القصاص. وسأل الحاضر الثاني ولي المقتول المذكور العفو عن القصاص إلى الدية. فأجابه إلى ذلك، ورضي منه بالدية، وعفا عن القصاص. فسأله ثانيا: أن يقبض الدية دراهم أو دنانير. فأجابه إلى ذلك. ورضي بقبض الدية دراهم أو دنانير، على مذهب من يرى ذلك من السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين. وأن الحاضر الاول دفع إلى الحاضر الثاني ما مبلغه اثنا عشر ألف درهم، أو ما مبلغه ألف دينار، وارثه. فقبض ذلك منه بحضرة شهوده - وإن قبضها على مذهب أبي حنيفة. فتكون عشرة آلاف درهم - قبضا شرعيا، تاما وافيا، وهو مبلغ الدية التي عفا عليها القابض المذكور أعلاه، ولم يتأخر له بسبب ذلك مطالبة، ولا شئ قل ولا جل. ويكتب براءة شاملة بينهما. ويكمل على نحو ما سبق. وإن لم يرض الولي إلا بالابل. فالواجب دية العمد. وإن اتفقا على البقر: فمائتا بقرة. أو على الغنم: فألفا شاة. وحيث وجب القصاص، وتراضيا على الدية. وجب دية العمد. وصورة وجوب القصاص على المكره، والعدول منه إلى الدية: حضر إلى شهوده فلان وفلان. وأقر الحاضر الاول: أنه أكره فلانا باليد العادية، والقوة الغالبة، حتى قتل فلانا ولد الحاضر الثاني، وأزهق روحه بسيف، أو بمثقل. فمات منه، وسأل ولي المقتول العفو عن القصاص، والعدول إلى الدية. وهي اثنا عشر ألف درهم. فأجاب إلى ذلك، ورضي منه بالدية المذكورة. فدفع المبلغ المذكور إليه، فقبضه منه قبضا شرعيا. وإن اتفقا على عشرة آلاف درهم. كتب ذلك لموافقة مذهب أبي حنيفة، ثم يكمل بالابراء على نحو ما تقدم شرحه.
وهذه الصورة جائزة عند الثلاثة، إلا مالكا. فإن الاكراه لا يتأتى عنده إلا من سلطان، أو متغلب، أو سيد مع عبده. فإذا أكره السيد عبده على قتل آخر فقتله. فهذه الصورة تصح عند مالك. فالجناية على السيد وعلى عبده. فإنها عنده على المكره والمكره جميعا. هذا إذا كان العبد يعرف لسان سيده، فإن كان السيد عربيا والعبد أعجميا. فلا يجب عنده على العبد شئ. وبالعكس أيضا. وإن كتب ذلك على مذهب مالك وأحمد. فيجب القصاص على السيد وعلى عبده إذا كان العبد مستعربا غير أعجمي.
[ 233 ]
وصورة الدعوى بالقتل خطأ، ووجوب دية الخطأ على العاقلة: حضر إلى مجلس الحكم العزيز بين يدي سيدنا فلان الدين فلان. وأحضر معه فلانا. وادعى عليه لدى الحاكم المشار إليه أنه: عمد إلى ولده لصلبة فلان العشاري العمر - مثلا - وضربه بحجر أو عصا ضربة. فمات من ذلك. وسأل سؤاله عن ذلك. فسئل. فأجاب: إنني لم أتعمده بالضرب. وإنما كنت قاصدا الرمي إلى شجرة أو غيرها. فوقعت الضربة فيه فمات منها. وكان ذلك خطأ مني. فطلب المدعي المذكور يمين المدعى عليه المذكور: أنه لم يقصده بالضرب متعمدا قتله. فبذل اليمين وحلف بالله العظيم اليمين الشرعية، الجامعة لمعاني الحلف شرعا: أنه لم يتعمد ضربه، وإنما رمى بالحجر إلى غيره. فوقعت الضربة فيه. فمات منه. كل ذلك من غير قصد منه ولا تعمد لقتله. فقال الحاكم للمدعي: ألك بينة تشهد أنه قتله عمدا؟ فأجاب: بأنه لا بينة له. فقال له الحاكم: الواجب لك على عاقلته دية مخففة، وهي مائة من الابل مخمسة من خمسة أسنان: عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض. أو اثني عشر ألف درهم بالتراضي.
فحينئذ: سأل ولي المقتول المذكور من الحاكم المشار إليه: الحكم بالدية على عاقلته على مقتضى مذهبه ومعتقد مقلده. فأجابه إلى سؤاله، لجوازه عنده شرعا، وحكم له بالدية المذكورة إبلا أخماسا، أو قيمتها بالغة ما بلغت حال القبض، عند إعواز الابل، مقسطة على عاقلة القاتل المذكور، حكما صحيحا شرعيا. مسؤولا فيه مستوفيا شرائطه الشرعية. ولما تكامل ذلك عنده سأل المدعى عليه المذكور ولي المقتول: أن يأخذ الدية مبلغ اثنا عشر ألف درهم. فرضي بذلك وقسطها على العاقلة تقسيطا شرعيا. وانفصلوا من مجلس الحكم المشار إليه على ذلك. وصورة دعوى تتضمن أن مسلما قتل ذميا. ووجوب دية الذمي عليه، والحكم لوارث المقتول بها على القاتل. فإن كانت الدعوى عند حنفي: كانت الدية مثل دية المسلم في العمد والخطأ. وعدل الولي عن القصاص عنده إلى الدية. وإن كانت الدعوى عند مالكي: كانت الدية مثل نصف دية المسلم في العمد والخطأ. وإن كانت الدعوى عند الشافعي: كانت مثل دية المسلم في العمد والخطأ. وإن كانت الدعوى عند حنبلي: كانت الدية في قتل الذمي الذي له عهد مثل دية المسلم في العمد وحده. وأما في الخطأ: فعنه روايتان إحداهما:
[ 234 ]
ثلث دية المسلم. والاخرى: مثل نصف دية المسلم. وهي اختيار الخرقي. وصورة ذلك: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان اليهودي أو النصراني. وأحضر معه فلان الشريف الحسيني، أو المسلم الاصلي. وادعى عليه لدى الحاكم المشار إليه: أنه عمد إلى ولده فلان، وضربه بسيف أو سكين أو غير ذلك، ضربة أو أكثر. فأزهق روحه - فهذا قتل العمد، وهو في مال القاتل - أو ضرب بسهم إلى غاية، أو طير، أو شجرة. فأصابه السهم. فمات منه - فهذا قتل الخطأ. وفيه: الدية على عاقلة
القاتل - أو ضربه بسوط أو عصا، أو غرز في دماغه إبرة، وما أشبه ذلك، حتى مات - وهذا شبه عمد - وقد بينا دية العمد، ودية الخطأ، ودية شبه العمد. وذكرنا الخلاف في ذلك بين العلماء في الصورة التي تقدمت. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه. فأجاب بالاعتراف. فحينئذ سأل ولي المقتول الحاكم المشار إليه الحكم له بدية ولده على مقتضى مذهبه ومعتقده. فأجابه إلى سؤاله. وحكم على القاتل المذكور بالدية على ما هي مقدرة عنده حكما صحيحا شرعيا، تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف. ويكمل على نحو ما سبق. صورة دعوى على رجل قتل عبد غيره عمدا: ووجوب القصاص على القاتل عند أبي حنيفة، خلافا للباقين. فإنه لا يقتل عندهم قاتل العبد بحال. وعند أبي حنيفة: إذا عدل عن القصاص إلى القيمة. فالواجب قيمة العبد بحيث لا تبلغ القيمة مقدار الدية، بل تنقص عشرة دراهم. والواجب عند مالك والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه - وهي التي اختارها الخرقي - قيمة العبد بالغة ما بلغت. والرواية الاخرى عند أحمد: أنه لا يبلغ بها دية الحر، ولم يقدر بالنقصان. حضر إلى مجلس الحكم العزيز بين يدي سيدنا فلان الدين الحنفي فلان، وأحضر معه فلانا. وادعى عليه: أنه عمد إلى عبده فلان بن عبد الله. وضربه بسيف فمات من تلك الضربة، أو فمات منه. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه. فأجاب بالاعتراف أو بالانكار. فأحضر المدعي المذكور بينة شهدت له بذلك لدى الحاكم المشار إليه في وجه الخصم المذكور، وهم فلان وفلان وفلان. عرفهم الحاكم وسمع شهادتهم. وقبلها بما رأى معه قبولها. وثبت ذلك عنده ثبوتا صحيحا شرعيا. فحينئذ خير الحاكم المشار إليه سيد العبد بين القصاص والقيمة، فاختار القيمة. وسأل الحاكم الحكم له بها على القاتل.
[ 235 ]
فأجابه إلى سؤاله، وحكم له بقيمة العبد المذكور ما لم تبلغ دية المسلم. وبالتنقيص عن مبلغ الدية عشرة دراهم، على مقتضى مذهبه ومعتقده، حكما صحيحا شرعيا، مسؤولا فيه مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف. ويكمل على نحو ما سبق. وصورة دعوى على جماعة قتلوا واحدا عمدا ووجوب القصاص عليهم كلهم عند أبي حنيفة ومالك والشافعي، خلافا لاحمد. فإن عنده إذا قتل جماعة واحدا. فعليهم الدية ولا قصاص، في إحدى الروايتين عنه. وإذا عدل الوارث عن القصاص إلى الدية جاز. وإن اختار الولي أن يأخذ القصاص من واحد، ويأخذ من الباقين قسطهم من الدية جاز: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان، وأحضر معه فلانا وفلانا وفلانا. وادعى عليهم: أنهم عمدوا إلى ولده لصلبه فلان، وضربوه بالسيوف حتى برد. ومات من ذلك. وسأل سؤالهم عن ذلك. فسألهم الحاكم المشار إليه. فأجابوه بالاعتراف أو بالانكار. فذكر المدعي المذكور: أنه له بينة تشهد له بذلك. وسأل الاذن في إحضارها. فأذن له. فأحضر جماعة من المسلمين. وهم: فلان وفلان وفلان. فشهدوا عند الحاكم المشار إليه شهادة متفقة اللفظ والمعنى، مسموعة شرعا: أن المدعى عليهم المذكورين عمدوا إلى فلان ولد المدعي المذكور، وضربوه بسيوفهم حتى مات، مشاهدة منهم لذلك. عرف الحاكم المشار إليه الشهود المذكورين، وسمع شهادتهم. وقبلها بما رأى معه قبولها شرعا. وثبت ذلك عنده ثبوتا صحيحا شرعيا. ثم سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه الحكم له بالقصاص من القاتلين المذكورين، لجوازه عنده شرعا. فأجابه إلى سؤاله. وحكم عليهم بالقصاص حكما
شرعيا تاما، معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه مستوفيا شرائطه الشرعية بعد الاعذار الشرعي. واعتبار ما يجب اعتباره شرعا، من تشخيص القاتلين المذكورين، ومعرفة المقتول المذكور المعرفة الشرعية. وإن كان قد طلب القصاص من أحدهم، وأخذ من الباقين قسطهما من الدية. فيقول: فحينئذ طلب ولي المقتول: أن يستوفي القصاص من فلان المبدأ بذكره أعلاه، وأن يأخذ من الآخرين ما وجب عليهما من دية العمد. وهو الثلثان منها، على كل واحد منهما الثلث.
[ 236 ]
وسأل الحاكم المشار إليه الحكم له بذلك. فأجابه إلى سؤاله وحكم على فلان المبدأ بذكره بالقصاص، وعلى كل واحد من الآخرين بثلث دية العمد، حكما صحيحا شرعيا - إلى آخره، ورضي ولي المقتول المذكور أن يأخذ بدلا عن الابل ثمانية آلاف درهم. فدفعاها إليه فقبضها منهما قبضا شرعيا، ويكمل. وإن كان العمد على مذهب أبي حنيفة فتقسط الدية في ثلاث سنين. وإن حصل العفو عن الجميع: كتب صورة العفو كما تقدم. وإن كانت الدعوى عند حنبلي، واختار العمل بالرواية الثانية، فيوجب عليهم الدية لا القصاص. صورة دعوى على مسلم قتل مجوسيا عمدا، ووجوب ديته: وهي ثلثا عشر دية المسلم، أو قتل عابد الوثن، أو الشمس أو القمر. وهؤلاء ليس لهم عقد ذمة، فلا دية لهم، لكن لو دخل أحدهم إلى دار الاسلام رسولا لم يتعرض إليه بالقتل. فإن قتله قاتل: ففيه أخس الديات، دية المجوس، وهي ثلثا عشر دية المسلم: حضر إلى مجلس الحكم العزيز بين يدي سيدنا فلان الدين الشافعي فلان المجوسي، وأحضر معه فلانا المسلم. وادعى عليه لدى الحاكم المشار إليه: أنه عمد إلى ولده لصلبه فلان، وضربه بالسيف أو بمثقل فمات منه، وسأل سؤاله عن ذلك.
فسأله الحاكم المشار إليه. فأجاب بالاعتراف أو بالانكار. فأحضر المدعي المذكور بينة شهدت له بذلك في وجه الخصم. وهم فلان وفلان وفلان. وقبل الحاكم المشار إليه شهادتهم بما رأى معه قبولها شرعا. فحينئذ سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه الحكم بما يجب له عليه شرعا. فأجابه إلى سؤال. وحكم على القاتل المذكور بدية ولده القتيل المذكور. وهي ثلثا عشر دية المسلم، وقدرها: ست وثلثان من ثلاثة أسنان عند الشافعي ومالك وأحمد. ومن أربعة أسنان عند أبي حنيفة، حكما شرعيا تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه مستوفيا شرائطه الشرعية. واعتبار ما يجب اعتباره شرعا من إعذار وتشخيص القاتل، ومعرفة المقتول المعرفة الشرعية مع العلم بالخلاف. وإن حصل التراضي على الدراهم والدنانير جاز. وقد بينا في هذه الصور مقادير الديات في القتل على اختلاف الائمة رحمهم الله تعالى زيادة على ما ذكرنا في الخلاف السابق في مسائل الباب. فصل: وأما صور المجالس الحكمية المتضمنة الدعاوى بالشجاج في الوجه
[ 237 ]
والرأس. وما يجب فيه القصاص وما لا يجب، وما يجب في جراحات الوجه والرأس والبدن من الديات والحكومات. وما يجب فيه الدية من الاطراف والحواس، وما يجب الضمان بفعله. وما لا يجب فيها. صورة دعوى بالموضحة: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان، وأحضر معه فلانا. وادعى عليه لدى الحاكم المشار إليه: أنه ضربه بسيف أو حجر أو غيره في وجهه أو رأسه فأوضح العظم. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه. فأجاب بالاعتراف. أو بالانكار. وتقوم البينة في وجه الخصم: أنه ضربه بكذا. فجرحه هذا الجرح، وشخصوه لدى الحاكم المشار إليه. وأشار إليه.
وأشاروا إليه في موضعه. فذكر المدعى عليه المذكور: أن هذه الجراحة ليست بموضحة. وإنما هي دونها. فأحضر المدعي المذكور جماعة من أهل المعرفة والخبرة بالجراحات. وهم فلان وفلان وفلان، فشهدوا لدى الحاكم المشار إليه: أنها موضحة. وثبت ذلك عنده ثبوتا صحيحا شرعيا. فعرف الحاكم المشار إليه المدعى عليه: أن الواجب عليه في ذلك القصاص، أو أرش موضحة، إذا رضي المجني عليه بالعدول عن القصاص إلى الدية، وهي خمس من الابل، أو قيمتها من الذهب أو الدراهم برضى المجني عليه. فسأل الجاني العفو عن القصاص والعدول إلى الارش. فعرض الحاكم ذلك على المجني عليه. فأجاب إليه. وسأل الحكم له على الجاني بأرش الموضحة. فأجابه إلى سؤاله. وحكم له بذلك حكما صحيحا شرعيا - إلى آخره. ويكمل. وإن كانت المشجوجة امرأة: فالواجب النصف من أرش موضحة الرجل. وإن كان المشجوج يهوديا أو نصرانيا. فعند أبي حنيفة كأرش موضحة المسلم. وعند مالك: كالنصف منها. وعند الشافعي: كالثلث منها. وعند أحمد: كموضحة المسلم إذا كان للكتابي عهد. ويعتبر الحال في موضحات النساء على النصف من ذلك، ويعتبر ذلك في موضحة المجوسي: نصف عشر أخس الديات. وهذا التفصيل في جميع ديات الشجاج الحاصلة في الوجه والرأس. وجراحات البدن والجائفات والحكومات المتقومة. وما يلزم بالضمان. وصورة دعوى بالهاشمة. وفيها عشر من الابل، إذا أوضح وهشم العظم. فإن
[ 238 ]
هشمت العظم من غير إيضاحه. ففيها خمس من الابل: حضر إلى مجلس الحكم العزيز بين يدي سيدنا فلان الدين فلان الفلاني. وأحضر معه فلانا. وادعى عليه الحاكم المشار
إليه: أنه ضربه بكذا. فجرحه بوجهه أو برأسه. وأوضح العظم وكسره. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه. فأجاب بالاعتراف - مثلا - أنه ضربه فجرحه، وأنه لم يوضح العظم ولا هشمه، فأحضر المدعي المذكور جماعة من أهل المعرفة والخبرة بذلك. وهم فلان وفلان وفلان. ووقفوا على الجراح المذكور وعاينوه. وعرفوه وحققوه، وشهدوا لدى الحاكم المشار إليه في وجه المدعى عليه المذكور: أن هذا الجرح أوضح فيه العظم وهشمه. عرفهم الحاكم المشار إليه. وسمع شهادتهم وقبلها لما رأى معه قبولها شرعا. وثبت ذلك عنده ثبوتا صحيحا شرعيا. فحينئذ سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه الحاكم له بدية الهاشمة المذكورة على مقتضى قاعدة مذهبه ومعتقده. فأجابه إلى سؤاله. وحكم له بعشر من الابل حكما صحيحا شرعيا تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه مستوفيا شرائطه الشرعية. واعتبار ما يجب اعتباره، شرعا بعد ثبوت الاعذار إلى الجاني المذكور وتشخيصه. واعترافه بعدم الدافع والمطعن لذلك ولشئ منه، الثبوت الشرعي. ويكمل. صورة دعوى بالمنقلة. وفيها خمس عشرة من الابل: حضر إلى مجلس الحكم العزيز بين يدي سيدنا فلان الدين فلان. وأحضر معه فلانا، وادعى عليه لدى الحاكم المشار إليه: أنه ضربه بكذا في وجهه أو رأسه. فجرحه جرحا أوضح العظم وهشمه، ونقله من مكانه. وسأل سؤاله عن ذلك. فسئل. فأجاب: أنه جرحه هذا الجرح، وأنه لا يعلم صحة الدعوى فيما عداه. فذكر المدعي المذكور: أن له بينة تشهد له بما ادعاه. وسأل الاذن في إحضارها. فأذن له. فأحضر جماعة من أهل النظر والمعرفة والخبرة بذلك. وهم فلان وفلان وفلان. فشهدوا لدى الحاكم المشار إليه في وجه الخصم المذكور، بعد
تشخيص الجرح ومعاينته: أن هذه الجراحة أوضحت العظم وهشمته ونقلته. عرفهم الحاكم وسمع شهادتهم وقبلها لما رأى معه قبولها شرعا. وثبت ذلك عنده ثبوتا صحيحا شرعيا. فحينئذ سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه: الحكم له على الجاني المذكور بالدية الشرعية الواجبة في هذه الجراحة، على مقتضى مذهبه ومعتقده. فأجابه إلى
[ 239 ]
سؤاله. وحكم له بخمس عشرة من إبل الدية حكما شرعيا، معتبرا مرضيا، ويكمل على نحو ما سبق. صورة دعوى بالمأمومة. وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي خريطة الدماغ المحيطة به. وفيها ثلث الدية. ثلاثا وثلاثون وثلث من الابل. حضر إلى مجلس الحكم العزيز بين يدي سيدنا فلان الدين فلان، وأحضر معه فلانا. وادعى عليه لدى الحاكم المشار إليه: أنه ضربه في رأسه فشجه. ووصلت الشجة إلى أم رأسه. وهي خريطة الدماغ المحيطة به، وأن الواجب له عليه بذلك: ثلث الدية ثلاثة وثلاثون وثلث من الابل. وطالبه بذلك، وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه. فأجاب: أنه ضربه وهو لا يعلم أنها مأمومة، فأحضر المدعي المذكور جماعة من أهل النظر والمعرفة والخبرة بذلك. وهم فلان وفلان وفلان. فشهدوا لدى الحاكم المشار إليه في وجه المدعى عليه المذكور، بعد تشخيص الجرح ومعاينته: أن هذه الشجة وصلت إلى أم الرأس خريطة الدماغ. عرفهم الحاكم المشار إليه. وسمع شهادتهم. وقبلها لما رأى معه قبولها شرعا. وثبت ذلك عند الثبوت الشرعي. فحينئذ سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه: الحكم له بدية هذه الجراحة. فأجابه إلى سؤاله، وحكم له بدية المأمومة. وهي الثلث من دية النفس، ثلاثة وثلاثون
وثلث من الابل حكما شرعيا. ويكمل. صورة دعوى بما تجب فيه الحكومة من الشجاج بالرأس والوجه وجراحات البدن: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني: فلان وفلان. وادعى الحاضر الاول على الحاضر الثاني لدى الحاكم المشار إليه: أنه شجه في وجهه، أو رأسه. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم. فأجاب بالاعتراف. فقال المشجوج: هذه موضحة. وقال المدعى عليه: إنما هي الدامية. فطلب الحاكم أرباب الخبرة في ذلك. فكشفوا الشجة ونظروها، وعاينوها. فوجدوها الباضعة، قد بضعت اللحم ولم تصل إلى الجلدة الرقيقة التي بين اللحم والعظم. فشهدوا عند الحاكم المشار إليه بذلك. فسمع شهادتهم. وقبلها بما رأى معه قبولها شرعا. ثم طلب أرباب الخبرة بتقويم الابدان، وأمرهم أن ينظروا إلى هذا الجرح المدعى به المذكور، ويقوموا المجروح صحيحا وجريحا، وأن ينظروا إلى ما بين القيمتين من التفاوت. فما بلغ فهو أرش الجناية المذكورة من الدية. فوقفوا على ذلك
[ 240 ]
وقوموه صحيحا وجريحا. فإذا التفاوت ما بين القيمتين كذا وكذا، وهو أرش هذه الجناية من الدية. وأقاموا شهاداتهم لدى الحاكم المشار إليه بذلك في وجه الخصم. فحكم الحاكم المشار إليه بذلك القدر المشهود به من الدية حكما شرعيا - إلى آخره. ويكمل على نحو ما سبق. وكيفية التقويم: أن يقوم المجني عليه - ثملا - بمائة درهم صحيحا، وبثمانية وتسعين درهما جريحا. فالتفاوت خمس عشر القيمة. فيكون الواجب خمس عشر الدية. وهذه صورة ما يكتب في جميع ما تجب فيه الحكومة، من الرأس والوجه والبدن. ولا يكتب فيما يتعلق بالبدن حكم بشئ مقدر من الدية إلا الجائفة. فإن فيها ثلث الدية. وصورة الدعوى بالجائفة: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان، وهو
متكلم شرعي جائز كلامه، مسموعة دعواه عن فلان. وأحضر معه فلانا، وادعى عليه لدى الحاكم المشار إليه: أنه ضرب المتكلم عنه - وهو فلان المذكور - ضربة بسنان، أو برمح، أو بسيف. فوصل السنان إلى داخل جوفه. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه. فأجاب بالاعتراف: أنه ضربه بالرمح، ولكن لم يصل السنان إلى جوفه. فذكر المنصوب المذكور: أن له بينة من أرباب الخبرة بالجراحات والجائفات تشهد بما ادعاه. وسأل الاذن في إحضارها. فأذن له فأحضر جماعة من أهل الخبرة بذلك. وهم فلان وفلان وفلان. وكشفوا الجرح المذكور كشفا شافيا وعاينوه. وأدخلوا فيه الميل. وقاسوا أعماقه، فوجدوه قد أجافه. وأقاموا شهادتهم بذلك لدى الحاكم المشار إليه في وجه الخصم المدعى عليه المذكور: أن هذا الجرح دخل السنان فيه إلى الجوف، وأنه الجائفة. وثبت ذلك عنده الثبوت الشرعي. فحينئذ سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه: الحكم للمجني عليه على الجاني المذكور بدية هذه الجناية. وهي ثلث دية النفس، ثلاث وثلاثون وثلث من الابل. فأجابه إلى سؤاله وحكم على الجاني المذكور بذلك حكما شرعيا. ويكمل على نحو ما تقدم شرحه. وأما صور الدعاوى المتضمنة القصاص في العين والانف والاذن والسن أو الدية عند ذلك. فمنها: صورة دعوى على شخص بأنه قلع عينه، أو قطع أنفه، أو أذنيه، أو بشئ مما تجب فيه الدية كاملة على ما تقدم بيانه. والخلاف فيه، على اختلاف مقادير
[ 241 ]
الديات من الحر المسلم، والكتابي الذمي، وغير الكتابي، والذكر والانثى. وهي كالديات الواجبة في فوات النفس في قتل العمد. حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان وفلان. وادعى الحاضر الاول على
الحاضر الثاني، لدى الحاكم المشار إليه: أنه قلع عينه اليمنى أو اليسرى، أو ضربه. فأزال ضوء عينه اليمنى أو اليسرى، أو قطع أجفان عينيه، أو قطع أنفه، أو أذنيه، أو أذنه اليمنى، أو اليسرى، أو ضربه فقلع سنه الفلاني - إما ثنيته أو رباعيته، أو ضرسه الاسفل أو الاعلى - أو قلع جميع أسنانه. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه. فأجاب بالاعتراف. فسأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه: الحكم عليه بالقصاص. فسأل المدعى عليه المذكور المدعي العفو عن القصاص والعدول إلى دية العين أو الانف أو الاذن أو الاسنان المقدرة في ذلك على الوجه الشرعي. فأجابه إلى ذلك ورضي به. ثم سأل الحاكم المشار إليه: الحكم على الجاني بدية عينه. فأجابه إلى ذلك وحكم له بخمسين من الابل، مفصلة من الاسنان، معينة في دية النفس. وهي دية عين المدعي المجني عليه المذكور حكما شرعا - إلى آخره. ويكمل على نحو ما سبق. وكذلك تكتب صور الدعاوى في جميع ما يجب من الديات. ويتصور في العينين ديتان كاملتان، كما لو فقأ الحدقتين، وقطع الاجفان الاربعة، أو أزال ضوء عينيه وقطع الاجفان الاربعة. وطريق التوصل إلى معرفة مقدار ما نقص من ضوء عيني المجني عليه، ليحكم الحاكم له بحقه من الدية: هو أن يجلس المجني عليه في مكان، ويجلس إلى جانبه رجل آخر صحيح النظر. ثم يقف بين يديهما رجل آخر، ووجهه إليهما. ثم يمشي إلى ورائه، وهما ينظران إلى وجهه إلى أن لا يحققا النظر إلى مقلتيه. وهل هو مغمض عينيه أم لا؟ فإن تساويا في ذلك: لم يكن نقص من ضور عيني المجني عليه شئ. وإن خفي على المجني عليه معرفة كون الماشي مفتوحة عيناه أو مغموضتان. وقال: لا أدري، هل هما مفتوحتان أو مغموضتان؟ فيجعل عند رجل الماشي علامة. ثم يمشي إلى ورائه، والرجل الجالس إلى جانب المجني عليه ينظر في حدقتي الماشي. فحين يخفي عليه:
هل هما مفتوحتان أو مغموضتان، فيقف الماشي هناك، ويعلم عند قدميه علامة، ثم يذرع الارض ما بين المجني عليه والماشي ويضبط ذلك الذرع، ثم يذرع ما بين انتهاء نظر المجني عليه وانتهاء نظر الجالس إلى جانبه. فمهما خرج حسب من الذرع الاول، وحكم للمجني عليه بقسطه من الدية.
[ 242 ]
مثاله: إذا كان الذرع الاول: مائة ذراع، وهو انتهاء نظر الجالس إلى جانب المجني عليه. وكان انتهاء نظر المجني عليه سبعين ذراعا، فتبين أن النقص ثلاثين. أو يكون تسعين. فيكون النقص عشرة. فجملة ما نقص: عشر الضوء. فيجب عشر الدية. وعلى هذا الحساب يكون العمل في امتحان نقص ضوء العين. وإذا ادعى رجل على رجل آخر: أنه ضربه ضربة أزال سمعه. وثبت عند الحاكم: أنه ضربه تلك الضربة. فطريق اعتبار ذلك: أن الحاكم يأمر رجلا يقف خلف المجني عليه على حين غفلة منه. ويرمي خلفه قريبا منه حجرا كبيرا، أو جرسا كبيرا، أو شيئا من أواني النحاس من شاهق. فإن التفت أو ظهر منه إشعار بتلك الرمية فلا يحكم له. وإن لم يلتفت ولم يظهر منه إشعار ولا علم فيحكم له بالدية كاملة. وفي لسان الاخرس الحكومة، وهي أن يقوم المجني عليه حال كونه ناطقا وحال كونه أخرس، وينظر في التفاوت بينهما. فما كان فهو قدر الحكومة من الدية. وفي إزالة العقل بالضرب على الرأس وغيره الدية. وفي إبطال المضغ: الدية. وفي كسر الصلب: الدية. وفي إزالة البطش: الدية. وفي المنع من المشي: الدية. وفي إبطال الصوت: الدية. وفي إبطال الذوق: الدية. ويتصور في الاذنين ديتان. كما لو قطع أذنيه، وأزال سمعه. ويتصور في الفم: خمس ديات. كما لو قطع شفتيه ثم قطع لسانه، أو أزال حركة لسانه وأزال صوته. أو قلع جميع أسنانه وأزال ذوقه، بحيث إنه لا يعرف الحلو من المر
ولا يفرق بينهما. فتجب هذه الديات على الجانب كلها إذا كانت الحياة باقية فيه. ويتصور في الفم نصف دية أخرى، كما لو أزال إحدى لحييه، وأمكن وقوف الآخر ثابتا في مكانه مع الحياة. ويتصور في الانف ديتان بقطع الانف وزوال الشم. ويتفرع على ذلك صور كثيرة، لا يمكن الاتيان بها لطولها وبسط الكلام فيها. وما تقدم ذكره من الصور في ذلك كاف. وفيه مثال لغيره مما يحتاج إلى كتابته. والحاذق الفهيم يوقع الوقائع، ويعتني بتنزيلها على القواعد المستقرة بلطيف تصرفه وحسن وضعه. ويراعى في كل صورة ما هو مطلوب فيها ومقصود بها الخلاف بين أئمة المذاهب الاربعة رحمهم الله تعالى رحمة واسعة بمنه وكرمه. وأما صور دعوى الدم والقسامة: فمنها: صورة دعوى بالقسامة، واستيفاء الايمان من المدعى عليهم، والحكم بالدية مقسطة
[ 243 ]
في ثلاث سنين على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني الحنفي فلان، وأحضر معه جماعة. وهم فلان وفلان وفلان. وادعى عليهم لدى الحاكم المشار إليه: أن ولده فلانا وجد قتيلا في الموضع الفلاني، الذي هو في حماية هؤلاء وحفظهم، أو في محلتهم، أو في دارهم، أو في مسجد محلتهم في قريتهم - والدم يخرج من أذنيه وعينيه، أو مضروب، أو به جراحات بالسيف، أو هو مخنوق. وسأل سؤالهم عن ذلك. فسألهم الحاكم المشار إليه. فأجابوا: أنهم ما قتلوه ولا علموا له قاتلا. ولكن اعترفوا أنه وجد قتيلا في محلتهم. فطلب المدعي المذكور من الحاكم المشار إليه العمل في ذلك بمقتضى مذهبه. والحكم فيه بما يراه من معتقده. فأعلمه الحاكم المشار إليه: أن يختار خمسين رجلا من
أهل المحلة أو القرية - إن شئت من مشايخهم وصلحائهم، وإن شئت من شبابهم ونسائهم - يحلفون خمسين يمينا: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا. وتستحق الدية على العاقلة. وهم أهل المحلة، القريب والبعيد من المدعى عليهم في ذلك سواء. تقسط عليهم في ثلاث سنين. فأجاب المدعي إلى ذلك. وعين خمسين رجلا من مشايخ تلك المحلة وصلحائهم وهم فلان وفلان ويذكر أسمائهم كلهم - وقال: هؤلاء يحلفون. فعرض الحاكم الايمان عليهم. فبذلوها. وحلفوا بالله العظيم الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي أنزل القرآن على نبيه ورسوله محمد (ص) - خمسين يمينا جامعة لمعاني الحلف شرعا - أنا ما قتلنا هذا القتيل. ولا علمنا له قاتلا. ولما استوفيت الايمان الشرعية منهم، سأل الخصم المدعي المذكور الحاكم المشار إليه: الحكم بالدية على ما يراه من مذهبه ومعتقده. فأجابه إلى سؤاله. وحكم له بدية قتيله. وهي مائة من الابل من أربعة أسنان. خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، مقسطة على ثلاث سنين. يستوي في أدائها أقرباء المدعى عليهم الاقارب والاباعد، حكما شرعيا إلى آخره، مع العلم بالخلاف فيما فيه الخلاف من ذلك. وفي السبب الذي يملك به أولياء المقتول القسامة ما هو. وبمن يبدأ بأيمانهم من المدعين والمدعى عليهم. وفي الدية ووجوبها حالة أو مقسطة. وبعد استيفاء الشرائط الشرعية. واعتبار ما يجب اعتباره شرعا. ويكمل على نحو ما سبق.
[ 244 ]
صورة القسامة على مذهب الامام مالك رحمه الله تعالى، والبداءة عنده بأيمان المدعين. وتعيين المدعين واحدا أو جماعة: أنه قتل قتيلهم عمدا ظلما وعدوانا. ووجوب القود، والعدول إلى الدية برضى المدعين والمدعى عليهم:
حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني المالكي فلان وفلان. وادعى الحاضر الاول على الحاضر الثاني لدى الحاكم المشار إليه: أنه قتل مورثه فلانا عمدا ظلما وعدوانا - أو يقول: إن مورثه فلانا أشهد عليه قبل موته في حال جواز الاشهاد عليه شرعا، وهو حر بالغ مسلم، أنه قال: اشهدوا علي أن دمي عند فلان، وهو المدعى عليه المذكور، أو يكون المقتول قد مات، ويدعي وارثه أن هذا قتل مورثي، أو أنه وجد في مكان خال من الناس، والمدعى عليه واقف على رأسه رافع السلاح، مخضب بالدماء، أو يقول: فادعى عليه الوارث. وذكر أن له بينة شرعية تشهد أنه جرحه. وأنه عاش بعد ذلك، وأكل وشرب ثم مات، أو يقول: وادعى أنه لما التقى الفئتان وانفصلتا، فوجد مورثي قتيلا بينهما. وقد عينت هذه الدعوى عليه بالقتل. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم. فأجاب بالانكار. فذكر المدعي أن له بينة تشهد له أن مورثه أشهد عليه قبل موته بالتدمية. وأنه قال: دمي عند فلان، أو تشهد: أنهم رأوا المقتول في مكان خال من الناس. وأن هذا المدعى عليه واقف على رأسه رافع السلاح مخضب بالدماء، أو غير ذلك مما تقدم ذكره من الاسباب - وسأل الاذن في إحضارها. فأذن له الحاكم فأحضرهم. وهم فلان وفلان وفلان. فشهدوا لدى الحاكم المشار إليه بذلك. وسمع الحاكم شهادتهم وقبلها. وأوجب على المدعي خمسين يمينا: أن المدعى عليه المذكور عمد إلى مورثه وقتله عمدا، ظلما وعدوانا. فبذل اليمين وحلف خمسين يمينا بالله العظيم، الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، أيمانا شرعية، مستوفاة جامعة لمعاني الحلف شرعا: أن هذا الحاضر عمد إلى مورثه، وقتله ظلما وعدوانا بغير حق. وسأل الحاكم المشار إليه المدعى عليه المذكور عن دافع شرعي. فلم يأت بدافع. فحينئذ سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه: الحكم عليه بالقصاص. فسأل المدعى عليه المذكور العدول إلى الدية. فأجابه المدعي إلى ذلك. فوداه بمائة من الابل من ثلاثة أسنان: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وأحضر ذلك إليه. وسلمه إياه. فتسلمه كتسلم مثله لمثل ذلك. ويكمل على نحو ما سبق. مع العلم بالخلاف. وإن رد المدعي الايمان على المدعى عليه. فإن حلف خمسين يمينا: أنه ما قتله،
[ 245 ]
ولا علم له قاتلا برئ. وإن نكل عن اليمين لزمته الدية في ماله، ولا يلزم العاقلة شئ. لان النكول عنده كالاعتراف. والعاقلة لا تحمل الاعتراف. وذلك إذا كان القتل خطأ. كما تقدم. صورة القسامة على مذهب الامام الشافعي رحمه الله تعالى: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني الشافعي فلان وفلان. وادعى الحاضر الاول على الثاني، لدى الحاكم المشار إليه: أن مورثه وجد قتيلا في قرية المدعى عليه، أو في محلته. وأنه كان بينهما عداوة ظاهرة لا يشاركه غيره فيها. وأن ذلك بمقتضى وجود الشرطين المذكورين لوث. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم عن ذلك. فأجاب بالانكار. فذكر المدعي المذكور: أن له بينة تشهد له بذلك. وسأل الاذن في إحضارها. فأذن له الحاكم. فأحضر المدعي المذكور جماعة من المسلمين. وهم فلان وفلان وفلان. فشهدوا عند الحاكم المشار إليه: أن المدعى عليه المذكور كان بينه وبين مورث المدعي المذكور عداوة ظاهرة، لا يشاركه غيره فيها. ثم أحضر بينة أخرى. وهم فلان وفلان وفلان فشهدوا لدى الحاكم المشار إليه: أن المدعي المذكور - وهو فلان - وجد قتيلا في محلة المدعى عليه المذكور، أو قريته. وسمع الحاكم شهادتهم. وقبلها لما رأى معه قبولها شرعا. وتبين أن ذلك لوث عنده، استحق المدعي بذلك القسامة الشرعية واستحقاق الدية. وأن مذهبه اقتضى أن المدعي يبدأ فيحلف خمسين يمينا بالله العظيم، الايمان الشرعية الجامعة لمعاني الحلف شرعا: أن المدعى عليه المذكور قتل مورثه المذكور، وأنه ضربه بسيف، أو بكذا، فمات منه،
وأنه كان بينهما عداوة ظاهرة لا يشاركه غيره معه فيها. فحلف على ذلك كذلك. ولما استوفيت الايمان الشرعية منه على الوجه المشروح أعلاه. وثبت ذلك جميعه عند الحاكم المشار إليه الثبوت الشرعي: أعلم الحاكم المشار إليه المدعى عليه المذكور: أن المدعي المذكور استوجب الدية. فعند ذلك: سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه: الحكم له بدية قتيله، على مقتضى مذهبه ومعتقد مقلده. وهي: مائة من الابل من ثلاثة أسنان: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. فذكر المدعي المذكور: أن الابل غير موجودة الآن ههنا. وأنها أعوزت. وسأل العدول عنها إلى الدراهم. فأجاب المدعي المذكور إلى ذلك. وسأل الحاكم المشار إليه الحكم له بدية قتيله باثني عشر ألف درهم عند إعواز الابل. وعدم وجودها.
[ 246 ]
فإن كان أقسم على قتل العمد: حكم للمدعي بالدية في مال المدعى عليه. وإن كان أقسم على شبه العمد، أو الخطأ: حكم بالدية على العاقلة، ويقول: فأجابه إلى سؤاله، وحكم له بذلك لجوازه عنده شرعا، حكما شرعيا - إلى آخره، مع العلم بالخلاف. وإن كان أقسم على قتل العمد. فيقول: وحكم له بذلك في مال المدعى عليه. وإن كان أقسم على شبه العمد أو الخطأ. فيقول: وحكم له بذلك على عاقلة المدعى عليه. وهم أقاربه على ترتيب الميراث. فإن لم يقدر على تحملها الاقارب حمل معهم الاباعد بقسطهم في ثلاث سنين، على كل منهم ربع دينار - ويكمل على نحو ما سبق. وصورة الدعوى في ذلك على مذهب الامام أحمد رحمه الله تعالى: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني الحنبلي فلان وفلان. وادعى الحاضر الثاني لدى الحاكم
المشار إليه، أو أحضر معه جماعة - ويذكر أسماءهم - وإن كان المدعون جماعة. فيذكر أسماءهم، وادعى عليه، أو وادعوا عليهم، لدى الحاكم المشار إليه - ويذكر نوعا من الانواع الموجبة للقسامة عند أحمد، مثل أن يكون اللوث: العداوة الظاهرة والعصبية، كما بين القبائل إذا طالب بعضهم بعضا بالدم، أو يكون اللوث ما بين أهل البغي وأهل العدل. وهو اختيار عامة أصحابه، أو يوجد قتيل في صحراء بادية. وعنده رجل بسيف مجرد ملطخ بالدم. ومثله يقتل، أو يجئ شهود من فساق ونساء وصبيان: أن فلانا قتل فلانا. أو يشهد به رجل واحد عدل، أو يدخل قوم دارا فيتفرقون عن قتيل - ثم يقول: وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم. فأجاب بالانكار. فإن كان قد ادعى أنه كان بينه وبين المقتول عداوة ظاهرة، أقام البينة. كما تقدم. وكذلك إذا كان المدعى عليه من أهل البغي، والقتيل من أهل العدل، ثم يقيم البينة: أنه وجد قتيلا في الصحراء، وعنده هذا الرجل مجرد سيفه. وهو ملطخ بالدماء - أو غير ذلك مما تقدم ذكره من أسباب اللوث عند أحمد رحمه الله تعالى - ثم يقول: عرف الحاكم الشهود. وسمع شهادتهم. وقبلها بما رأى معه قبولها. وثبت عند السبب الموجب للقسامة الثبوت الشرعية. واستحق المدعي القسامة على المدعى عليه المذكور، وهو أن يحلف المدعي خمسين يمينا شرعية جامعة لمعاني الحلف شرعا. فعرض الايمان على المدعي، أو على المدعين. فأجابوا إليها، وبذلوا الايمان، بعد أن أوجبها عليهم بالحساب.
[ 247 ]
فإن كانوا خمسة: حلف كل واحد منهم عشرة أيمان. وإن كانوا ثلاثة حلف كل واحد سبع عشرة يمينا وجبر الكسر. ثم يقول: ولما استوفيت الايمان الشرعية المعتبرة شرعا: سأل المدعي الحالف المذكور، أو المدعون الحالفون، الحكم لهم على المدعى عليه. أو على المدعى عليهم بدية العمد في مالهم. هذا إذا كان عمدا، وإن كان خطأ
فعلى عاقلة المدعى عليه، أو المدعى عليهم. فاستخار الله. وحكم له - أولهم - بذلك مقسطة على العاقلة في ثلاث سنين. وإن كان عمدا ففي مالهم، حكما شرعيا إلى آخره. ويكمل على نحو ما سبق. تنبيه: البعير في أول سنه يسمى: حوار. وفي الثانية: ابن مخاض، لان أمه في الثانية فيها من المخاض - وهن الحوامل - فنسب إليها. وواحد المخاض خلفة من غير لفظها، ثم ابن لبون في الثالثة. لان أمه فيها تكون ذات لبن، ثم حق في الرابعة. يقال: سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل عليه، ثم جذع في السنة الخامسة، ثم يلقي ثنيته في السادسة، فهو ثنى ثم يلقي رباعيته في السابعة. فهو رباع ثم يلقي السن التي بعد الرباعية. فهو سداس وسديس وذلك في الثامنة، ثم يفطر نابه في التاسعة. فهو باذل فإذا أتى عليه عام بعد ذلك فهو مخلف وليس له اسم بعد الاخلاف. ولكن يقال: مخلف عام، ومخلف عامين وما زاد فعلى ذلك. ثم لا يزال على ذلك، حتى يكون عودا إذا هرم. فإذا انتهى هرمه فهو بنت والانثى أب وقال أبو زيد: المؤنث في هذه الاسنان بهاء تلحق آخره إلا السديس والسداس والبازل. فإن هؤلاء بغير هاء. وقال الكسائي: الناقة مخلف أيضا بغير هاء. وأما أسنان الانسان: فعدتها اثنان وثلاثون سنا. أربع ثنايا، وأربع رباعيات والواحدة رباعية مخففة، وأربع أنياب، وأربعة ضواحك، واثنتا عشرة رحى، ثلاث في كل شق، وأربع نواجذ. وهي أقصاها. قال أبو زيد: لكل ذي ظلف وخف ثنيتان من أسفل فقط. ولذي الحافر والسباع كلها أربع ثنايا، ولذي الحافر بعد الثنايا: أربع رباعيات، وأربع قوارح، وأربعة أنياب، وثمانية أضراس. وصورة ما إذا قبض المستحق الدية قسط كل سنة من العاقلة: أشهد عليه فلان: أنه قبض وتسلم من عاقلة فلان كذا وكذا بالسبب الذي سيعين فيه. وهو أن فلانا الفلاني ثبت
عليه قتل فلان مورث القابض المذكور خطأ - أو شبه عمد - بمجلس الحكم العزيز الفلاني الثبوت الشرعي. وتحملت العاقلة المذكورة الدية. والقدر المذكور هو الواجب
[ 248 ]
على العاقلة المقبوض منهم المذكورين فيه للسنة الاولى. وآخرها كذا وكذا، فمن ذلك ما قبضه من فلان كذا، وما قبضه من فلان كذا، وما قبضه من فلان كذا، قبضا شرعيا. وتصادقوا على ذلك كله تصادقا شرعيا. وكذلك يفعل في كل سنة. فإذا تغلق ذلك، كتب آخر القبض في السنة الثالثة إقرارا بعدم استحقاق وبراءة شاملة. ويقول في الاقرار: ولا قصاص ولاية، ولا خطأ ولا عمد، ولا شبه عمد. كما تقدم ذكره في كتاب الاقرار. وصورة ما إذا عفا الوارث على الدية من غير قصاص. واعترف القاتل: أن الدية باقية في ذمته: أشهد عليه فلان وارث فلان: أنه أبرأ فلانا الذي باشر قتل مورثه فلان قتلا عمدا، أزهق به روحه من قبل تاريخه، من غير حق ولا موجب، إبراء شرعيا مقسطا للقصاص. ورضي بأخذ الدية الشرعية. وهي مائة من الابل مغلظة في مال الجاني من ثلاثة أسنان: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها حالة. وذلك بحضور فلان القاتل المذكور، وتصديقه على ذلك. واعترافه أن الدية المذكورة باقية في ذمته لفلان المذكور بالسبب المعين أعلاه إلى تاريخه. لم تبرأ ذمته من ذلك، ولا من شئ منه إلى الآن. وأن الكفارة في ذمته. وعليه الخروج من ذلك على الوجه الشرعي. وإن كان القتل خطأ فيفعل فيه كذلك. ولكن الدية مخمسة، كما تقدم إلا أن يكون القتل في الحرم، أو في شهر حرام، أو محرما ذا رحم. فتكون مثلثة. وكذلك في شبه العمد. وقد تقدم في هذا المعنى ما فيه كفاية. وصورة ما إذا وجبت غرة في جنين، ظهرت فيه صورة آدمي، أو قالت القوابل: إن فيه صورة آدمي. أو قلن: لو بقي لتصور. وإذا شككن لم تجب قطعا. وإنما تكمل الغرة
في جنين حكم بحريته وإسلامه، تبعا لاحد أبويه. وفي جنين يهودي أو نصراني: ثلث غرة مسلم. وفي مجوسي: ثلثا عشرها. والغرة عبد أو أمة سليمة من العيب. ويجبر المستحق على قبوله من كل نوع، لا من خصي وخنثى وكافر. وإن رضي بالعيب جاز. وهي لورثة الجنين إذا اتفقا عليها وتسلمها المستحق. كتب: أشهد عليه فلان: أنه قبض وتسلم من فلان كذا وكذا بالسبب الذي سيعين فيه. وهو أن فلانا - المقبض المذكور - جنى على حمل فلانة، فأجهضت جنينا فيه صورة آدمي، أو قال القوابل التقيات الامينات: أن فيه صورة آدمي، أو قلن لو بقي لتصور. وأنه وجب عليه بذلك الغرة، وهو القدر المقبوض فيه. يستحقه القابض المذكور أعلاه استحقاقا شرعيا بتصادقهما على ذلك التصادق الشرعي. ويذيل بإقرار بعدم استحقاق
[ 249 ]
وبراءة شاملة كما تقدم. وإن حصل ذلك وتنازعا فيه وترافعا إلى حاكم شرعي وادعى به عنده. ووقع الانكار من الجاني. فتقام البينة باستحقاق الوارث وصفة الجنين، ويعذر للمدعى عليه، ويحلف المدعي على وفق ما شهدت به البينة، ويقع التشخيص وحكم الحاكم. ويكمل على نحو ما سبق. وصورة الدعوى في القتل بالسحر: حضر إلى مجلس الحكم العزيز الفلاني فلان وفلان، وادعى الحاضر الاول على الحاضر الثاني: أنه قتل فلانا بسحره، وأن سحره مما يقتل غالبا. وسأل سؤاله عن ذلك. فسأله الحاكم المشار إليه. فإن أجاب بالاعتراف فلا كلام. ويفعل معه في ذلك مقتضاه شرعا. وإن أجاب بالانكار. فيقيم البينة على إقراره. وصفة ما يشهد به الشهود: أنه أقر أنه قتل فلانا المذكور مورث المدعي المذكور بسحره. وسحره مما يقتل غالبا، وأن فلانا المذكور توفي ولم يخلف وارثا سوى المدعي المذكور. فقبل الحاكم شهادتهم لما رأى معه قبولها شرعا، ثم استحلف المدعي
المذكور. فحلف بالله العظيم - عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم - يمينا شرعية جامعة لمعاني الحلف شرعا: أن دعواه المذكورة صحيحة، وأن المدعى عليه أقر أنه قتل مورثه المذكور بسحره، وأن سحره مما يقتل غالبا، وأنه ما أبرأه من ذلك، ولا من شئ منه، وأنه يستحق عليه القصاص بذلك، وأن من شهد له بذلك صادق في شهادته. ولما تكامل ذلك سأل المدعي المذكور الحاكم المشار إليه: الاشهاد على نفسه الكريمة بثبوت ما قامت به البينة الشرعية عنده فيه. واستيفاء القصاص الشرعي من المدعى عليه المذكور الاستيفاء الشرعي. فأعذر للمدعى المذكور. فاعترف بعدم الدافع والمطعن لذلك ولشئ منه الاعتراف الشرعي. وثبت اعترافه لديه بالبينة الشرعية. وأجاب السائل إلى سؤاله. وأشهد على نفسه الكريمة بثبوت ذلك عنده ثبوتا صحيحا شرعيا وحكم - أيد الله أحكامه - بموجب ذلك حكما شرعيا تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه مستوفيا شرائطه الشرعية، واعتبار ما يجب اعتباره شرعا من تشخيص المدعي والمدعى عليه. ومعرفة المقتول المعرفة الشرعية، مع العلم بالخلاف. وأذن للمدعي المذكور في استيفاء القصاص من المدعى عليه المذكور، إذنا شرعيا. ويكمل. وهذا القاتل يقتل بالسيف. فصل: الساحر من أهل الكتاب: هل يقتل أم لا؟ قال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل، وقال أبو حنيفة: يقتل كما يقتل الساحر المسلم. وهل حكم الساحرة المسلمة
[ 250 ]
حكم الرجل الساحر المسلم؟ قال مالك والشافعي وأحمد: حكمها حكم الرجل. وقال أبو حنيفة: تحبس ولا تقتل. فصل: من الحدود المرتبة على الجنايات: الردة، وهي قطع الاسلام بنية أو قول كفر، أو فعل، سواء قاله استهزاء، أو عنادا، أو اعتقادا. واتفق الائمة رحمهم الله تعالى على أن من ارتد عن الاسلام وجب عليه القتل.
واختلفوا هل يتحتم قتله في الحال. أم يوقف على استتابته؟ وهل استتابته واجبة أم مستحبة؟ وإذا استتيب فلم يتب، هل يمهل أم لا؟ فقال أبوحينفة: لا تجب استتابته، ويقتل في الحال، إلا أن يطلب الامهال، فيمهل ثلاثا. ومن أصحابه من قال: وإن لم يطلب الامهال استحبابا. وقال مالك: تجب استتابته. فإن تاب في الحال قبلت توبته، وإن لم يتب أمهل ثلاثا لعله يتوب. فإن تاب وإلا قتل. وللشافعي في وجوب الاستتابة قولان. أظهرهما: الوجوب. وعنه رضي الله عنه في الامهال قولان. أظهرهما: أنه لا يمهل وإن طلب، بل يقتل في الحال إذا أصر على ردته. وعلى ردته. وعن أحمد روايتان. أظهرهما: كمذهب مالك. والثانية: لا تجب الاستتابة. وأما الامهال: فإنه يختلف مذهبه في وجوبه ثلاثا. وهل المرتد كالمرتدة أم لا؟ قال مالك والشافعي وأحمد: الرجل والمرأة في حكم الردة سواء. وقال أبو حنيفة: تحبس المرأة ولا تقتل. وهل تصح ردة الصبي أم لا؟ قال أبو حنيفة: تصح. وقال الشافعي: لا تصح ردة الصبي. وروي مثل ذلك عن أحمد. واتفقوا على أن الزنديق - وهو الذي يسر الكفر ويظهر الاسلام - يقتل. ثم اختلفوا في قبول توبته إذا تاب. فقال أبو حنيفة في أظهر روايتيه، وهو الاصح من خمسة أوجه لاصحاب الشافعي: تقبل توبته. وقال مالك وأحمد: يقتل ولا يستتاب. وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك. المصطلح: وفيه صورة ما إذا وقع شخص في كفر. واحتاج إلى الحكم بإسلامه وحقن دمه عند الشافعي، وعند من يرى قبول توبته:
[ 251 ]
بين يدي سيدنا فلان الدين الشافعي أو الحنفي. ادعى فلان - بطريق الحسبة لما فيه من حق الله تعالى وحق رسوله (ص) وقصد الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر - على فلان: أنه في يوم تاريخه - أو في أمس تاريخه، أو في الوقت الفلاني - قال بصريح لفظه كذا وكذا - ويذكر لفظ المكفر الذي وقع فيه بحروفه، على سبيل الحكاية عنه في الدعوى عليه، من غير إخلال بشئ مما تلفظ به - ثم يقول: وسأل سؤاله عن ذلك، فبادر المدعى عليه المذكور على الفور. وقال بصريح لفظه: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وأنا مسلم، وأنا برئ من كل دين يخالف دين الاسلام. وأنا برئ مما نسب إلي ومما ادعي به علي، ومن كل جزء منه موجب للتكفير أو الردة. ثم يقول: ولما تلفظ المدعى عليه المذكور بذلك بين يدي سيدنا الحاكم المشار إليه. وثبت تلفظه به لديه الثبوت الشرعي بالبينة الشرعية. سأل الحاكم المشار إليه سائل شرعي: الحكم له بإسلامه وحقن دمه وإسقاط التعزيرات عنه، وقبول توبته على مقتضى مذهبه الشريف، واعتقاد مقلده. فاستخار الله كثيرا، واتخذه هاديا ونصيرا. وأجاب السائل إلى سؤاله وحكم - أيد الله أحكامه، وسدد نقضه وإبرامه - بصحة إسلام المدعي المذكور وحقن دمه، وقبول توبته، وإسقاط التعزيرات عنه. ومنع من يتعرض له أو ينسب إليه ما يقتضي الكفر، حكما صحيحا شرعيا، تاما معتبرا مرضيا، مسؤولا فيه، مستوفيا شرائطه الشرعية، مع العلم بالخلاف، مستندا في حكمه المذكور لنص مذهبه الشريف. واعتقاد مقلده إمام الائمة الحجة محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه. المسطر في الام. قال الامام الشافعي: ادعى على رجل أنه ارتد وهو مسلم، لم أكشف عن الحال. وقلت: قل أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك برئ من كل دين يخالف دين الاسلام. انتهى. وما أفتى به الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام تقي الدين السبكي. وذكره في
فتاويه. وهو قوله: مسألة: هل يجوز للحاكم الشافعي أن يحكم بإسلام شخص وعصمة دمه وإسقاط التعزير عنه، ومنع من يتعرض له، إذا نسب إليه ما يقتضي الكفر ولم تأت عليه بينة؟ وهل يحتاج إلى اعترافه بصدور القول منه؟ أجاب - رحمه الله تعالى - أنه يجوز للحاكم الشافعي الذي يرى قبول التوبة، إذا تلفظ الرجل بين يديه بكلمة الاسلام. وطلب منه الحكم له، وقد ادعى عليه بخلافه: أن
[ 252 ]
يحكم للمذكور بإسلامه وعصمة دمه، وإسقاط التعزير عنه. ولا يتوقف ذلك على اعترافه. فإنه قد يكون بريئا في نفس الامر. وإلجاؤه إلى الاعتراف على نفسه بخلاف ما وقع إنما يحكم القاضي بإسلامه، مستندا إلى ما سمعه منه من كلمة الاسلام. العاصمة للدم المبقية للمهجة، الماحية لما قبلها، ويمنع بحكمه ذلك من ادعى عليه بخلاف ما ينافي ذلك، ومن التعرض له بما يقتضي الكفر. وأشهد على نفسه الكريمة بذلك في تاريخ كذا. ويكتب الحاكم التاريخ والحسبلة بخطه على العادة. انتهى. والله أعلم.
[ 253 ]
كتاب الايمان وما يتعلق بها من الاحكام الاصل في انعقاد اليمين: الكتاب، والسنة، والاجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) * وقوله تعالى: * (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا
أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) *. وأما السنة: فروي أن النبي (ص) قال: والله لاغزون قريشا والله لاغزون قريشا، والله لاغزون قريشا، إن شاء الله وروى ابن عمر: أن النبي (ص) كان كثيرا ما يحلف: لا ومقلب القلوب، بلى ومقلب القلوب. وأجمعت الامة على انعقاد اليمين. واليمين تنعقد من كل بالغ عاقل مختار قاصد إلى اليمين. فأما الصبي والمجنون والنائم: فلا تنعقد أيمانهم، لقوله (ص): رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق. ولا تنعقد يمين المكره، لما روى أبو أمامة: أن النبي (ص) قال: ليس على مقهور يمين.