الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




سبل السلام - ابن حجر العسقلاني ج 4

سبل السلام

ابن حجر العسقلاني ج 4


[ 1 ]

سبل السلام تأليف السيد الامام محمد بن إسماعيل الكحلاني ثم الصنعاني المعروف بالامير (1059 - 1182 ه‍) شرح بلوغ المرام، من جمع أدلة الاحكام للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني القاهري (733 - 852 ه‍) متن نخبة الفكر، في مصطلح أهل الاثر مع تعليقات مختارة للامام ابن حجر الجزء الرابع ملتزم الطبع والنشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر محمود نصار الحلبي وشركاه - خلفاء

[ 2 ]

راجعه وعلق عليه المرحوم الشيخ محمد عبد العزيز الخولي الاستاذ بدار العلوم بالقاهرة الطبعة الرابعة 1379 ه‍ - 1960 م

[ 3 ]

نصر الله أمرا سمع مقالتتي فوعاها فأداها كما سمعها (حديث شريف) بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحدود الحدود جمع حد، والحد: أصله ما يحجز به بين شيئين فيمنع اختلافهما. سميت هذه العقوبات حدودا لكونها تمنع عن المعاودة. ويطلق الحد على التقدير، وهذه الحدود مقدرة من الشارع. ويطلق الحد على نفس المعاصي نحو قوله تعالى - تلك حدود الله فلا تقربوها - وعلى فعل فيه شئ مقدر نحو قوله تعالى - ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه -. باب حد الزاني 1 - (عن كبي هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد الجهني أن رجلا من الاعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك) معنى أذكرك فحذف الباء: أي أذكرك الله رافعا نشيدتي: أي صوتي وهو بفتح أوله فنون ساكنة وضم الشين المعجمة: أي أسألك (الله الا قضيت لي بكتاب الله تعالى) استثناء مفرع إذ المعنى لا أنشدك الا القضاء بكتاب الله (فقال الاخر وهو أفقه منه) كأن الراوي يعرف أنه أفقه منه أو من كونه سأل أهل الفقه (نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال: قل، قال: إن ابني كان عسيفا 1) بالعين المهملة والسين المهملة فمثناة تحتية ففاء كأجير وزنا ومعنى (على هذا 2 فزني بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) كأنه قد علم صلى الله عليه وسلم أنه غير محصن، وقد كان اعترف بالزنا (واغذ با أنس) تصغير أنس 3 رجل من الصحابة لا ذكر له الا في هذا الحديث (إلى امرأة

[ 4 ]

هذا فان اعترفت فارجمها. متفق عليه. وهذا اللفظ لمسلم) الحديث دليل على وجوب الحد على الزاني غير المحصن مائة جلدة وعليه دل القرآن وأنه يجب عليه تغريب عام، وهو زيادة على ما دل عليه القرآن، ودليل على أنه يجب الرجم على الزاني المحصن وعلى أنه يكفي في الاعتراف بالزني مرة واحدة كغيره من سائر الاحكام، والى هذا ذهب الحسن ومالك والشافعي وداود وآخرون، وذهب الهادوية والحنفية والحنابلة وآخرون إلى أنه يعتبر في الاقرار بالزني أربع مرات مستدلين بما يأتي من قصة ماعز. ويأتي الجواب عنه في شرح حديثه وأمره صلى الله عليه وسلم أنيسا برجمها بعد اعترافها دليل لمن قال بجواز حكم الحاكم في الحدود ونحوها بما أقر به الخصم عنده، وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبو ثور كما نقله القاضي عياض. وقال الجمهور: لا يصح ذلك. قالوا: وقصة أنيس يطرقها احتمال الاعذار وأن قوله (فارجمها) بعد إعلامه صلى الله عليه وسلم أو أنه فوض الامر إليه. والمعنى فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقوله حكمت. قلت: ولا يخفى أن هذه تكلفات. واعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلى المرأة لاجل إثبات الحد عليها، فانه صلى الله عليه وسلم قد أمر باستتار من أتى بفاحشة وبالستر عليه، ونهى عن التجسس، وإنما ذلك لانها لما قذفت المرأة بالزني بعث إليها صلى الله عليه وسلم لتنكر فتطالب بحد القذف أو تقر بالزنى فيسقط عنه، فكان منها الاقرار فأوجبت على نفسها الحد. ويؤيد هذا ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عباس أن رجلا أقر أنه زنى بامرأة فجلده النبي (ص) مائة ثم سأل المرأة فقالت: كذب، فجلده جلد الفرية ثمانين وقد سكت عليه أبو داود وصححه الحاكم واستنكره النسائي. 2 - (وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم رواه مسلم. إشارة إلى قوله تعالى * (أو يجعل الله لهن سبيلا) * بين به أنه قد جعل الله تعالى لهن السبيل بما ذكره من الحكم. وفي الحديث مسألتان: الاولى: حكم البكر إذا زنى، والمراد بالبكر عند الفقهاء الحر البالغ الذي لم يجامع في نكاح صحيح. وقوله بالبكر هذا خرج مخرج الغالب لا أنه يراد به مفهومه فإنه يجب على البكر الجلد سواء كان مع بكر أو ثيب كما في قصة العسيف. وقوله: نفي سنة فيه دليل على وجوب التغريب للزاني البكر عاما وأنه من تمام الحد، وإليه ذهب الخلفاء الاربعة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم وادعي فيه الاجماع. وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه لا يجب التغريب، واستدل الحنفية بأنه لم يذكر في آية النور، فالتغريب زيادة على النص وهو ثابت بخبر الواحد فلا يعمل به لانه يكون ناسخا. وجوابه: أن الحديث مشهور لكثرة طرقه وكثرة من عمل به من الصحابة وقد عملت الحنفية بمثله بل بدونه كنقض الوضوء من القهقهة وجواز الوضوء بالنبيذ، وغير ذلك مما هو زيادة على ما في القرآن وهذا منه. وقال

[ 5 ]

ابن المنذر: أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله ثم قال إن عليه جلد مائة وتغريب عام وهو المبين لكتاب الله وخطب بذلك عمر على رؤوس المنابر وكأن الطحاوي لما رأى ضعف جواب الحنفية هذا أجاب عنهم بأن حديث التغريب منسوخ بحديث إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثم قال في الثالثة: فليبعها والبيع يفوت التغريب قال: وإذا سقط عن الامة سقط عن الحرة لانها في معناها قال: ويتأكد بحديث لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم قال: وإذا انتفى عن النساء عن الرجال انتهى. وفيه ضعف لانه مبني على أن العام إذا خص لم يبق دليلا وهو ضعيف كما عرف في الاصول. ثم نقول: الامة خصصت من حكم التغريب، وكان الحديث عاما في حكمه للذكر والانثى والامة والعبد، فخصت منه الامة وبقي ما عداها داخلا تحت الحكم. واستدل الهادوية بما ذكره المهدي في البحر من قوله: قلت: التغريب عقوبة لا حد لقول علي جلد مائة وحبس سنة ولنفي عمر في الخمر ولم ينكر، ثم قال: لا أنفي بعدها أحدا، والحدود لا تسقط. انتهى. ولا يخفى ضعف ما قاله. أما كلام علي عليه السلام فإنه مؤيد لما قاله الجماهير، فإنه جعل الحبس عوضا عن التغريب فهو نوع منه، وأما نفي عمر في الخمر فاجتهاد منه زيادة في العقوبة ثم ظهر له ألا ينفي أحدا باجتهاده، والنفي في الزنا بالنص، ويروى عن علي عليه السلام. وقال مالك والاوزاعي: إن المرأة لا تغرب، قالوا: لانها عورة وفي نفيها تضييع لها وتعريض للفتنة، ولهذا نهيت عن السفر مع غير محرم، ولا يخفى أنه لا يرد ما ذكر ولانه قد شرط من قال بالتغريب أن تكون مع محرمها وأجرته منها إذ وجبت بجنايتها، وقيل في بيت المال كأجرة الجلاد. وأما الرقيق: فإنه ذهب مالك وأحمد وغيرهما إلى أنه لا ينفى قالوا: لان نفيه عقوبة لمالكه لمنعه نفعه مدة غربته، وقواعد الشرع قاضية أن لا يعاقب إلا الجاني ومن ثمة سقط فرض الجهاد والحج عن المملوك. وقال الثوري وداود: ينفي لعموم أدلة التغريب ولقوله تعالى: * (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) * وينصف في حق المملوك لعموم الآية. وأما مسافة التغريب فقالوا: أقلها مسافة القصر لتحصل الغربة وغرب عمر من المدينة إلى الشام، وغرب عثمان إلى مصر، ومن كان غريبا لا وطن له غرب إلى غير البلد التي واقع فيها المعصية. المسألة الثانية: في قوله: الثيب بالثيب المراد بالثيب من قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، والمرأة مثله وهذا الحكم يستوي فيه المسلم والكافر. والحكم هو ما دل له قوله جلد مائة والرجم فإنه أفاد أنه يجمع للثيب بين الجلد والرجم وهو قول علي كما أخرجه البخاري أنه جلشراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله (ص) قال الشعبي: قيل لعلي جمعت بين حدين: فأجاب بما ذكر. قال الحازمي: وذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر وهو مذهب الهادوية. وذهب غيرهم: إلى أنه لا يجمع بين الجلد والرجم. قالوا: وحديث عبادة منسوخ بقصة ماعز والغامدية واليهودية فإنه (ص) رجمهم ولم يرو أنه جلدهم. قال الشافعي: فدلت السنة على أن الجلد ثابت على البكر ساقط عن الثيب، قالوا وحديث

[ 6 ]

عبادة متقدم. وأجيب بأنه ليس في قصة ماعز ومن ذكر معه على تقدير تأخرها تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم لاحتمال أن يكون ترك روايته لوضوحه، ولكونه الاصل. وقد احتج الشافعي بنظير هذا حين عورض في إيجاب العمرة بأن النبي (ص) أمر من سأله أن يحج عن أبيه ولم يذكر العمرة فأجاب بأن السكوت عن ذلك لا يدل على سقوطه. إلا أنه قد يقال: إن جلد من ذكر من الخمسة الذين رجمهم (ص) لو وقع مع كثرة من يحضر عذابهما من طوائف المؤمنين يبعد أنه لا يرويه أحد ممن حضر فعدم إثباته في رواية من الروايات مع تنوعها واختلاف ألفاظها دليل أنه لم يقع الجلد فيقوى معه الظن بعدم وجوبه، وفعل على ظاهر أنه اجتهاد منه لقوله: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ظاهر أنه عمل باجتهاده بالجمع بين الدليلين، فلا يتم القول بأنه توقيف وإن كان في قوله بسنة رسول الله (ص) ما يشعر بأنه توقيف. قلت: ولا يخفى قوة دلالة حديث عبادة على إثبات جلد الثيب ثم رجمه ولا يخفى ظهور أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلد من رجمه. فأنا أتوقف في الحكم حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، وكنت قد جزمت في منحة الغفار بقوة القول بالجمع بين الجلد والرجم ثم حصل لي التوقف هنا. 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من المسلمين رسول الله (ص) وهوفي المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه) أي انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجهه (فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟) بفتح الهمزة فحاء مهملة فصاد مهملة أي تزوجت، (قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه متفق عليه). الحديث اشتمل على مسائل: الاولى: أنه وقع منه إقرار أربع مرات فاختلف العلماء هل يشترط تكرار الاقرار بالزنا أربعا أو لا؟. ذهب من قدمنا ذكره وهم الحسن ومالك والشافعي وداود وآخرون: إلى عدم اشتراط التكرار مستدلين بأن الاصل عدم اشتراطه في سائر الاقارير كالقتل والسرقة، وبأنه صلى الله عليه وسلم قال لانيس: فإن اعترفت فارجمها ولم يذكر له تكرار الاعترا ف فلو كان شرطا معتبرا لذكره صلى الله عليه وسلم لانه في مقام البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة. وذهب الجماهير إلى أنه يشترط في الاقرار بالزنا أربع مرات مستدلين بحديث ماعز هذا. وأجيب عنهم بأن حديث ماعز هذا اضطربت فيه الروايات في عدد الاقرارات فجاء فيها أربع مرات، ومثله في حديث جابر بن سمرة عند مسلم، ووقع في طريق أخرى عند مسلم أيضا مرتين أو ثلاثا، ووقع في حديث عنده يضا في طريق أخرى فاعترف بالزنا ثلاث مرات. وقوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات: قد شهدت على نفسك أربع مرات حكاية لما وقع منه، فالمفهوم غير معتبر وما كان ذلك إلا زيادة في الاستثبات والتبين، ولذلك سأل صلى الله عليه وسلم: هل به جنون أو هو شارب خمر وأمر من يشم رائحته وجعل يستفسره عن الزنى

[ 7 ]

كما سيأتي بألفاظ عديدة، كل ذلك لاجل الشبهة التي عرضت في أمره، ولانها قالت الجهينة: أتريد أن تردني كما رددت ماعزا فعلم أن الترديد ليس بشرط في الاقرار. وبعد، فلو سلمنا أنه لا اضطراب، وأنه أقر أربع مرات، فهذا فعل منه من غير أمره صلى الله عليه وسلم ولا طلبه لتكرار إقراره بل فعله من تلقاء نفسه وتقريره عليه دليل على جوازه لا على شرطيته. واستدل الجمهور بالقياس، على أنه قد اعتبر في الشهادة على الزنا أربعة، ورد بأنه استدلال واضح البطلان لانه قد اعتبر في المال عدلان والاقرار به يكفي مرة واحدة اتفاقا: المسألة الثانية دلت ألفاظ الحديث على أنه يجب على الامام الاستفصال عن الامور التي يجب معها الحد، فإنه قد روي في هذا الحديث ألفاظ كثيرة دالة عليه، ففي حديث بريدة أنه قال: أشربت خمرا؟ قال: لا وأنه قام رجل يستنكهه فلم يجد فيه ريحا وفي حديث ابن عباس لعلك قبلت أو غمزت وفي رواية هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم، قال: هل جامعها؟ قال: نعم وفي حديث ابن عباس أنكتها؟ لا يكني. رواه البخاري. وفي حديث أبي هريرة أنكتها؟ قال: نعم، قال: دخل ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال: فما تريد بهذا القول، قال: تطهرني فأمر به فرجم. فدل جميع ما ذكر على أنه يجب الا ستفصال والتبين وأنه يندب تلقين ما يسقط الحد، وأن الاقرار لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة. وقد روي عن جماعة من الصحابة تلقين المقر، كما أخرجه مالك عن أبي الدرداء وعن علي عليه السلام في قصة شراحة فإنه قال لها علي: استكرهت؟ قالت: لا. قال: فلعل رجل أتاك في نومك الحديث وعند المالكية أنه لا يلقن من اشتهر بانتهاك الحرمات. وفي قوله: أشربت خمرا دليل على أنه لا يصح إقرار السكران. وفيه خلاف. وفيه دليل على أنه يحفر للرجل عند رجمه لان في حديث بريدة عند مسلم فحفر له حفيرة، وفي الحديث عند البخاري أنها لما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه زاد في رواية حتى مات وأخرج أبو داود أنه قال صلى الله عليه وسلم يعني حين أخبر بهربه: هلا رددتموه إلي وفي رواية تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه. وأخذ من هذا الهادوية والشافعي وأحمد أنه يصح رجوع المقر عن الاقرار فإذا هرب ترك لعله يرجع. وفي قوله (ص) لعله يتوب إشكال لانه ما جاء إلا تائبا يطلب تطهيره من الذنب. وقد أخرج أبو داود أنه قال صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز: والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها. ولعله يجاب بأن المراد لعله يرجع عن إقراره ويتوب بينه وبين الله تعالى فيغفر له أو المراد يتوب عن إكذابه نفسه. واعلم أن قوله: فأمر به فرجموه يدل أنه (ص) لم يحضر الرجم، وأنه لا يجب أن يكون أول من يرجم الامام فيمن ثبت عليه الحد بالاقرار وإلى هذا ذهب الشافعي

[ 8 ]

والهادي. والاولى حمل ذلك على الندب، وعليه يحمل ما أخرج البيهقي عن علي عليه السلام أنه قال: أيما امرأة بغى عليها ولدها أو كان اعتراف فالامام أو من يرجم فإن ثبت بالبينة فالشهود أول من يرجم. 4 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه سلم قال له: لعلك قبلت أو غمزت) بفتح الغين المعجمة والميم فزاي، في النهاية. أنه فسر الغمز في بعض الاحاديث بالاشارة كالرمز بالعين والحاجب، ولعل المراد هنا الجس باليد لانه ورد في بعض الروايات أو لمست عوضا عنه (أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله. رواه البخاري) والمراد استفهامه هل هو أطلق لفظ الزنا على أي هذه مجازا، وذلك كما جاء: العين تزني وزناها النظر. والحديث دليل على التثبت وتلقين المسقط للحد وأنه لابد من التصريح في الزنا الصريح الذي لا يحتمل غير ذلك. 5 - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل) بفتح المهملة والموحدة (أو الاعتراف. متفق عليه). زاد الاسماعيلي بعد قوله أو الاعتراف وقد قرأناها الشيخ والشيخة فارجموهما البتة وبين في رواية عند النسائي محلها من السورة وأنها كانت في سورة الاحزاب. وكذل‍ ك أخرج هذه الزيادة في هذا الحديث الموطأ عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب، وفي رواية زيادة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم وفي رواية لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي وهذا القسم من نسخ التلاوة مع بقاء الحكم. وقد عده الاصوليون قسما من أقسام النسخ. وفي الحديث دليل على أنها إذا وجدت المرأة الخالية من الزوج أو السيد حبلى ولم تذكر شبهة أنه يثبت الحد بالحبل وهو مذهب عمر وإليه ذهب مالك وأصحابه. وقالت الهادوية والشافعي وأبو حنيفة: أنه لا يثبت الحد إلا ببينة أو اعتراف، لان الحدود تسقط بالشبهات. واستدل الاولون بأنه قاله عمر على المنبر ولم ينكر عليه فينزلت منزلة الاجماع. قلت: لا يخفى أن الدليل هو الاجماع لا ما ينزل منزلته. 6 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها) بمثناة تحتية فمثلثة فراء فموحدة التعنيف لفظا ومعنى (ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر

[ 9 ]

متفق عليه وهذا لفظ مسلم). فيه مسائل: الاولى: دل قوله: فتبين زناها أنه إذا علم السيد بزنا أمته جلدها وإن لم تقم شهادوذهب إليه بعض العلماء. وقيل: المراد إذا تبين زناها بما يتبين به في حق الحرة وهو الشهادة أو الاقرار. والشهادة تقام عند الحاكم عند الاكثر، وقال بعض الشافعية: تقام عند السيد. وفي قوله: فليجلدها دليل على أن ولاية جلد الامة إلى سيدها، وإليه ذهب الشافعي، وعند الهادوية أن ذلك إذا لم يكن في الزمان إمام وإلا فالحدود إليه. والاول أقوى. والمراد بالجلد الحد المعروف في قوله تعالى: * (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) *. المسألة الثانية: قوله: ولا يثرب عليها ورد في لفظ النسائي ولا يعنفها وهو بمعنى ما هنا، وهو نهى عن الجمع لها بين العقوبة بالتعنيف والجلد، ومن قال المراد أنه لا يقنع بالتعنيف دوالجلد فقد أبعد. قال ابن بطال: يؤخذ منه أن كل من أقيم عليه الحد لا يعزر بالتعنيف واللوم وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الامام للتحذير والتخويف فإذا رفع وأقيم عليه الحد كفاه، ويؤيد هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن سبب ا لذي أقيم عليه حد الخمر وقال: لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم. وفي قوله: ثم إن زنت إلى آخره دليل على أن الزاني إذا تكرر منه الزنا بعد إقامة الحد عليه تكرر عليه الحد وأما إذا زنى مرارا من دون تخلل إقامة الحد لم يجب عليه إلا حد واحد. ويؤخذ من ظاهر قوله فليبعها أنه كان عليها الحد، قال المصنف في الفتح: الارجح أنه يجلدها قبل البيع ثم يبيعها، والسكوت عنه للعلم بأن الحد لا يترك ولا يقوم البيع مقامه. المسألة الثالثة: ظاهر الامر وجوب بيع السيد للامة وأن إمساك من تكررت منه الفاحشة محرم، وهذا قول داود وأصحابه. وذهب الجمهور إلى أنه مستحب لا واجب. قال ابن بطال: حمل الفقهاء الامر بالبيع على الحض على مباعدة من تكرر منه الزنا لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك فيكون ديوثا وقد ثبت الوعيد على من اتصف بالدياثة. وفيه دليل على أنه لا يجب فراق الزانية لان لفظ أمة أحدكم عام لمن يطؤها مالكها ومن لا يطؤها، ولم يجعل الشارع مجرد الزنا موجبا للفراق إذ لو كان موجبا لوجب فراقها في أول مرة بل لم يوجبه إلا في الثالثة على القول بوجوب فراقها بالبيع كما قاله داود وأتباعه، وهذا الايجاب لا لمجرد الزنا بل لتكريره لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك فيتصف بالصفة القبيحة ويجري هذا الحكم في الزوجة أنه لا يجب طلاقها وفراقها لاجل الزنا بل إن تكرر منها وجب لما عرفت. قالوا: وإنما يؤمر ببيعها في الثالثة لما ذكرنا قريبا، ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا قال: وحمله بعضهم على الوجوب ولا سلف له من الامة فلا يشتغل به، وقد ثبت النهي عن إضاعة المال فكيف يجب بيع ماله قيمة خطيرة بالحقير؟ ا ه‍. قلت: ولا يخفى أن الظاهر مع من قال بالوجوب ولم يأت القائل بالاستحباب بدليل على عدم الايجاب، قوله: وقد ثبت النهي عن إضاعة المال المال قلنا: وثبت هنا مخصص لذلك النهي وهو هذا الامر وقد وقع الاجماع على جواز بيع الشئ الثمين بالشئ الحقير إذا كان البائع عالما به وكذلك إذا كان جاهلا عند الجمهور. وقوله ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا، فقال: ليس في الامر ببيعها قطع لذلك إذ

[ 10 ]

لا ينقطع إلا بتركها له وليس في بيعها ما يصيرها تاركة له وقد قيل في وجه الحكم في الامر ببيعها مع أنه ليس من موانع الزنا أنه جواز أن تستغني عند المشتري وتعلم بأن إخراجها من ملك السيد الاول بسبب الزنا فتتركه خشية من تنقلها عند الملاك أو لانه قد يعفها بالتسري لها أو بتزويجها. المسألة الرابعة: هل يجب على البائع أن يعرف المشتري بسبب بيعها لئلا يدخل تحت قوله: من غشنا فليس منا؟ فإن الزنا عيب ولذا أمر بالحط من القيمة. يحتمل أنه لا يجب عليه ذلك لان الشارع قد أمره ببيعها ولم يأمره ببيان عيبها، ثم هذا المعيب ليس معلوما ثبوته في الاستقبال فقد يتوب الفاجر ويفجر البار، وكونه قد وقع منها وأقيم عليها الحد قد صيره كغير الواقع، ولهذا نهى عن التعنيف لها، وبيان عيبها قد يكون من التعنيف، وهل يندب له ذكر سبب بيعها فلعله يندب ويدخل تحت عموم المناصحة. المسألة الخامسة في إطلاق الحديث دليل على إقامة الحد على الامة سواء أحصنت أو لا، وفي قوله تعالى: * (فإذا أحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) * دليل على شرطية الاحصان ولكن يحتمل أنه شرط للتنصيف في جلد المحصنة من الاماء وأن عليها نصف الجلد لا الرجم إذ لا يتنصف فيكون فائدة التقييد في الآية. وصرح بتفصيل الاطلاق قول علي عليه السلام في خطبته: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهن ومن لم يحصن رواه ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما قال مالك. وهذا مذهب الجمهور. وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يحد من العبيد والاماء إلا من أحصن وهو مذهب بن عباس ولكنه يؤيد كلام الجمهور إطلاق الحديث الآتي. 7 - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم رواه أبو داود وهو في مسلم موقوف. على علي رضي الله عنه وأخرجه البيهقي مرفوعا. وقد غفل الحاكم فظن أنه لم يذكره أحد الشيخين واستدركه عليهما: قلت: يمكن أنه استدركه لكون مسلم لم يرفعه وقد ثبت عند الحاكم رفعه. والحديث دل على ما دل عليه الحديث الاول من إقامة الملاك الحد على المماليك، إلا أن هذا يعم ذكورهم وإناثهم فهو أعم من الاول، ودل على إقامة الحد عليهم مطلقا أحصنوا أو لا وعلى أن إقامته إلى المالك ذكرا كان أو أنثى. واختلف في الامة المزوجة فالجمهور يقولون إن حدها إلى سيدها، وقال مالك: حدها إلى الامام إلا أن يكون زوجها عبدا لمالكها فأمرها إلى السيد. وظاهره أنه لا يشترط في السيد شرط صلاحية ولا غيرها، قال ابن حزم: يقيمه السيد إلا أن يكون كافرا، قال: لانهم لا يقرون إلا بالصغار وفي تسليطه على إقامة الحد على مماليكه منافاة لذلك. ثم ظهر الحديث أن للسيد إقامة حد السرقة والشرب وقد خالف في ذلك جماعة بلا دليل ناهض. وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر قطع يد غلام له سرق، وجلد عبدا له زنى من غير أن يرفعهما إلى الوالي وأخرج مالك في الموطأ بسنده أن عبدا لبني عبد الله بن أبي بكر سرق واعترف فأمرت به عائشة فقطعت يده. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق بسندهما إلى الحسين بن محمد بن علي أن

[ 11 ]

فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حدت جارية لها زنت ورواه ابن وهب عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن فاطمة بنت رسول الله (ص) كانت تجلد وليدتها خمسين إذا زنت. وذهبت الهادوية إلى أنه لا يقيم الحد عليه إلا الامام إلا أن لا يوجد إمام أقامه السيد. وذهبت الحنفية إلى أنه لا يقيم الحدود مطلقا إلا الامام أو من أذن له. وقد استدل الطحاوي بما أخرجه من طريق مسلم بن يسار قال: كان أبو عبد الله رجل من الصحابة يقول: الزكاة والحدود والفئ والجمعة إلى السلطان. قال الطحاوي: ولا نعلم له مخالفا من الصحابة. وقد تعقبه ابن حزم فقال: بل خالفه اثنا عشر نفسا من الصحابة. وقد سمعت ما روي عن الصحابة وكفي به ردا على الطحاوي. ومن ذلك ما أخرجه البيهقي عن عمرو بن مرة وفيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت بقايا الانصار وهم يضربون الوليدة من ولائدهم في مجالسهم إذا زنت قال الشافعي: وكان ابن مسعود يأمر به وأبو برزة يحد وليدته. - 8 (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة) هي المعروفة بالغامدية (أتت النبي (ص) وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ففعل فأمر بها فشكت عليها ثيابها) مبني للمجهول أي شدت وورد في رواية عليها ثيابها (ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها. فقال عمر أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعى من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها الله؟ رواه مسلم). ظاهر قوله: فإذا وضعت فائتني بها ففعل أنه وقع الرجم عقيب الوضع، إلا أنه قد ثبت في رواية أخرى أنها رجمت بعد أن فطمت ولدها وأتت به وفي يده كسرة خبز، ففي رواية الكتاب طي واختصار. قال النووي بعد ذكر الروايتين - وهما في صحيمسلم -: ظاهرهما الاختلاف فإن الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد فطامه وأكله الخبز، والاولى أنه رجمها عقيب الولادة، فيجب تأويل الاولى وحملها على وفق الثانية، فيكون قوله في الرواية الاولى قام رجل من الانصار فقال: إلى رضاعه إنما قاله بعد الفطام وأراد برضاعه كفايته وتربيته وسماه رضاعا مجازا. انتهى باختصار. والحديث دليل على وجوب الرجم وتقدم الكلام فيه، وأما شد ثيابها عليها فلاجل أن لا تكشف عند اضطرابها من مس الحجارة. واتفق العلماء أنها ترجم المرأة قاعدة والرجل قائما، إلا عند مالك فقال: قاعدا، وقيل يتخير الامام بينهما. وفي الحديث دليل أنه صلى الله عليه وسلم صلى على المرأة بنفسه إن صحت الرواية، فصلى بالبناء للمعلوم إلا أنه قال الطبري: إنها بضم الصاد وكسر اللام قال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود وفي رواية لابي داود فأمرهم أن يصلوا ولكن أكثر الرواة لمسلم بفتح الصاد وفتح اللام. وظاهر قول عمر تصلي عليها أنه صلى الله عليه وسلم باشر الصلاة بنفسه، فهو يؤيد رواية الاكثر لمسلم، والقول بأن المراد من صلى أمر

[ 12 ]

بأن يصلي وأنه أسند إليه صلى الله عليه وسلم لكونه الآمر خلاف الظاهر فإن الاصل الحقيقة. وعلى كل تقدير فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها أو أمر بالصلاة، فالقول بكراهة الصلاة على المرجوم يصادم النص إلا أن تخص الكراهة بمن رجم بغير الاقرار لجواز أنه لم يتب فهذا ينزل على الخلاف في الصلاة على الفساق. فالجمهور أنه يصلي عليهم ولا دليل مع المانع عن الصلاة عليهم. وفي الحديث دليل على أن التوبة لا تسقط الحد وهو أصح القولين عند الشافعية والجمهور. والخلاف في حد المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط بالتوبة عند الجمهور لقوله تعالى: * (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) *. 9 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: رجم النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم) يريد ماعز بن مالك (ورجلا من اليهود وامرأة) يريد الجهنية (رواه مسلم وقصة رجم اليهوديين في الصحيحين من حديث ابن عمر). أما حديث ماعز والجهنية فتقدما. وفي الحديث دليل على إقامة الحد على الكافر إذا زنى وهو قول الجمهور. وذهب المالكية ومعظم الحنفية إلى اشتراط الاسلام وأنه شرط للاحصان الموجب للرجم، ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه، ورد قوله بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك، ودليلهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين زنيا كانا قد أحصنا. وقد أجاب من اشترط الاسلام عن الحديث هذا بأنه صلى الله عليه وسلم إنما رجمهما بحكم التوراة وليس من حكم الاسلام في شئ وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهما بما في كتابهما فإن في التوراة الرجم على المحصن وعلى غيره. قال ابن العربي: إنما رجمهما لاقامة الحجة عليهما بما لا يراه في شرعه مع قوله: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * ومن ثمة استدعى شهودهما لتقوم عليهما الحجة منهم. ورده الخطابي بأن الله تعالى قال: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * وإنما جاءه القوم سائلين الحكم عنده كما دلت عليه الرواية فنبههم على ما كتموه من حكم التوراة ولا جائز أن يكون حكم الاسلام عنده مخالفا لذلك لانه لا يجوز الحكم بالمنسوخ فدل على أنه إنما حكم بالناسخ انتهى. قلت ولا يخفى احتمال القصة للامرين، والقول الاول مبني على عدم صحة شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض. والثاني مبني على جوازه وفيه خلاف معروف. وقد دلت القصة على صحة أنكحة أهل الكتاب، لان ثبوت الاحصان فرع عن ثبوت صحته، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع كذا قيل. قلت: أما الخطاب بفروع الشرائع ففيه نظر، لتوقفه على أنه حكم صلى الله عليه وسلم بشرعة لا بما في التوراة على أحد احتمالين. 10 - (وعن سعيد بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما) هو أنصاري قال الواقدي: صحبته صحيحة كان واليا لعلي بن أبي طالب على اليمن (قال: كان بين أبياتنا) جمع بيت (رويجل) تصغير رجل (ضعيف فخبث) بالخاء المعجمة فموحدة فمثلثة أي فجر (بأمة من إمائهم فذكر ذلك سعيد لرسول الله (ص) فقال: اضربوه حده فقالوا: يا رسول الله إنه أضعف من ذلك، قال: خذوا عثكالا) بكسر العين فمثلثة بزنة قرطاس وهو العذق

[ 13 ]

(فيه مائة شمراخ) بالشين المعجمة أوله وراء آخره خاء معجمة بزنة عثكال وهو غصن دقيق في أصل العثكال (ثم اضربوه ضربة واحدة. ففعلوا. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وإسناده حسن لكن اختلفوا في وصله وإرساله). قال البيهقي: المحفوظ عن أبي أمامة أي ابن سهل بن حنيف كونه مرسلا، وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث أبي أمامة عن سعيد بن سعد بن عبادة موصولا، وقد أسلفنا لك غير مرة أن هذا ليس بعلة قادحة بل روايته موصولا زيادة من ثقة مقبولة. والمراد هنا بالعثكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان، وهو للنخل كالعنقود للعنب وكل واحد من تلك الاغصان يسمى شمراخا. وفي الحديث دليل على أن من كان ضعيفا لمرض ونحوه ولا يطيق إقامة الحد عليه بالمعتاد أقيم عليه بما يحتمله مجموعا دفعة واحدة من غير تكرار للضرب مثل العثكول ونحوه. وإلى هذا ذهب الجماهير، قالوا: ولا بد أن يباشر المحدود جميع الشماريخ ليقع المقصود من الحد. وقيل: يجزئ وإن لم يباشر جميعه وهو الحق فإنه لم يخلق الله العثاكيل مصفوفة كل واحد إلى جنب الآخر عرضا منتشرة إلى تمام مائة قط، ومع عدم الانتشار يمتنع مباشرة كل عود منها، فإن كان المريض يرجى زوال مرضه أو خيف عليه شدة حر أو برد، أخر الحد عليه إلى زوال ما يخاف. 11 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة رواه أحموالاربعة ورجاله موثقون إلا أن فيه اختلافا. ظاهره أن الاختلاف في الحديث جميعه في قوله ومن وجدتموه.. إلخ فقط، وذلك أن الحديث قد روي عن ابن عباس مفرقا وهو مختلف في ثبت كل واحد من الامرين. أما الحكم الاول: فإنه قد أخرج البيهقي من حديث سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس: في البكر يوجد على اللوطية قال يرجم. وأخرج عنه أنه قال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع بالحجارة. وأما الثاني: فإنه أخرج عن عاصم بن بهدلة عن أبي ذر عن ابن عباس أنه سئل عن الذي يأتي البهيمة قال: لا حد عليه. فهذا الاختلاف عنه دل على أنه ليس عنده سنة فيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما تكلم باجتهاده كذا قيل في بيان وجه قول المصنف إن فيه اختلافا. والحديث فيه مسألتان: الاولى: فيمن عمل عمل قوم لوط ولا ريب أنه ارتكب كبيرة وفي حكمها أقوال: الاول: أنه يحد حد الزاني قياسا عليه يجامع إيلاج محرم في فرج محرم وهذا قول الهادوية وجماعة من السلف والخلف وإليه رجع الشافعي واعتذروا عن الحديث بأن فيه مقالا فينتهض على إباحة دم المسلم إلا أنه لا يخفى أن هذه الاوصاف التي جمعوها علة لالحاق اللواط بالزنا لا دليل على عليتها. والثاني: يقتل الفاعل والمفعول به محصني كانا أو غير محصنين للحديث المذكور وهو للناصر وقديم قولي الشافعي وكأن طريقة الفقهاء أن يقولوا في القتل فعل ولم ينكر فكان إجماعا سيما مع تكريره من أبي بكر وعلي وغيرهما. وتعجب في المنار من قلة الذاهب إلى هذا مع وضوح دليله لفظا

[ 14 ]

وبلوغه إلى حد يعمل به سندا. الثالث: أنه يحرق بالنار فأخرج البيهقي أنه اجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريق الفاعل والمفعول به وفيه قصة وفي إسناده إرسال. وقال الحافظ المنذري: حرق اللوطية بالنار: أربعة من الخلفاء أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك. الرابع: أنه يرمى به من أعلى بناء في القرية منكسا ثم يتبع بالحجارة. رواه البيهقي عن علي رضي الله عنه وتقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما. المسألة الثانية: فيمن أتى بهيمة، دل الحديث على تحريم ذلك وأن حد من يأتيها قتله وإليه ذهب الشافعي في أخير قوليه، وقال: إن صح الحديث قلت به. وروي عن القاسم وذهب الشافعي في قول له أنه يجب حد الزنا قياسا على الزاني. وذهب أحمد بن حنبل والمؤيد والناصر وغيرهم إلى أنه يعزر فقط إذ ليس بزنا، والحديث قد تكلم فيه بما عرفت ودل على وجوب قتل البهيمة مأكولة كانت أو لا، وإلى ذلك ذهب علي رضي الله عنه وقول للشافعي. وقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا ولكن أرى أنه كره أن يؤكل من لحمها أو ينتفع بها بعد ذلك العمل، ويروى أنه قال في الجواب: إنها ترى فيقال هذه التي فعل بها ما فعل. وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه يكره أكلها، فظاهره أنه لا يجب قتلها. قال الخطابي: الحديث هذا معارض لبنهيه (ص) عن قتل الحيوان إلا لمأكله. قال المهدي: فيحتمل أنه أراد عقوبته بقتلها إن كانت له وهي مأكولة جمعا بين الادلة. 12 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي (ص) ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب رواه الترمذي ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في وقفه ورفعه. وأخرج البيهقي أن عليا عليه السلام جلد ونفى من البصرة إلى الكوفة ومن الكوفة إلى البصرة وتقدم تحقيق ذلك في التغريب وكأنه ساقه المصنف ردا على من زعم نسخ التغريب. 13 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين) جمع مخنث بالخاء المعجمة فنون فمثلثة اسم مفعول أو اسم فاعل روي بهما (من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم رواه البخاري) اللعن منه صلى الله عليه وسلم على مرتكب المعصية دال على كبرها وهو محتمل الاخبار والانشاء كما قدمناه. والمخنث من الرجال المراد به من تشبه بالنساء في حركاته وكلامه وغير ذلك من الامور المختصة بالنساء، والمراد من تخلق بذلك لا من كان ذلك من خلقته وجبلته. والمراد بالمترجلات من النساء المتشبهات هكذا ورد تفسيره في حديث آخر أخرجه أبو داود. وهذا دليل على تحريم تشبه الرجال بالنساء وبالعكس. وقيل: لا دلالة للعن على التحريم لانه صلى الله عليه وسلم كان يأذن في المخنثين بالدخول على النساء، وإنما نفي من سمع منه وصف المرأة بما لا يفطن له إلا من كان له إربة فهو لاجل تتبع أوصاف الاجنبية. قلت:

[ 15 ]

يحتمل أن من أذن له كان ذلك صفة له خلق لا تخلقا. هذا وقال ابن التين: أما من انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره وبالرجال من النساء إلى أن تتعاط السحق فإن لهذين الصنفين من اللوم والعقوبة أشد ممن لم يصل إلى ذلك. قلت: أما من يؤتى من الرجال في دبره فهو الذي سلف حكمه قريبا. 14 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عائشة بلفظ: ادرءو الحدود عن المسلمين ما استطعتم وهو ضعيف أيضا ورواه البيهقي عن علي من قوله بلفظ ادرءوا الحدود بالشبهات. وذكره المصنف في التلخيص عن علي رضي الله عنه مرفوعا وتمامه: ولا ينبغي للامام أن يعطل الحدود قال: وفيه المختار بن نافع وهو منكر الحديث قاله البخاري، إلا أنه ساق المصنف في التلخيص عدة روايات موقوفة صحح بعضها وهي تعاضد المرفوع وتدل على أن له أصلا في الجملة. وفيه دليل على أنه يدفع الحد بالشبهة التي يجوز وقوعها كدعوى الاكراه أو أنها أتيت المرأة وهي نائمة فيقبل قولها ويدفع عنها الحد ولا تكلف البينة على ما زعمته. 15 - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة والمراد بها الفعل القبيح والقول السئ مما نهى الله تعالى عنه (التي نهى الله تعالى عنها، فمن ألم بها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله تعالى فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله تعالى رواه الحاكم) وقال: على شرطهما (وهو في الموطأ من مراسيل زيد ابن أسلم). قال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه، ومراده بذلك حديث مالك. وأما حديث الحاكم فهو مسند، مع أنه قال إمام الحرمين في النهاية: إنه صحيح متفق على صحته. قال ابن الصلاح: وهذا مما يتعجب منه العارف بالحديث وله أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها اطراحه صناعة الحديث التي يفتقر إليها كل فقيه وعالم. وفي الحديث دليل على أنه يجب على من ألم بمعصية أن يستتر ولا يفضح نفسه بالاقرار ويبادر إلى التوبة فإن أبدى صفحته للامام - والمراد بها هنا حقيقة أمره - وجب على الامام إقامة الحد. وقد أخرج أبو داود مرفوعا: تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب. باب حد القذ ف القذف لغة: الرمي بالشئ. وفي الشرع: الرمي بوطئ يوجب الحد على المقذوف. 1 - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن) من قوله: * (إن الذين جاءوا بالافك) * إلى آخر

[ 16 ]

ثماني عشرة آية على إحدى الروايات في العدد (فلما نزل أمر برجلين) هما حسان ومسطح (وامرأة) هي حمنة بنت جحش (فضربوا الحد. أخرجه أحمد والاربعة وأشار إليه البخاري) في الحديث ثبوت حد القذف وهو ثابت لقوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) *. وظاهره أنه لم يثبت القذف لعائشة إلا من الثلاثة المذكورين، وقد ثبت أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول ولكن لم يثبت أنه جلده (ص) حد القذف. وقد ذكر ذلك ابن القيم، وعدأعذارا في تركه (ص) لحده ولكنه قد أخرج الحاكم في الاكليل أنه صلى الله عليه وسلم حده من جملة القذفة. وأما قول المارودي: إنه صلى الله عليه وسلم لم يجلد أحدا من القذفة لعائشة، وعلله بأن الحد إنما يثبت ببينة أو إقرار، فقد رد قوله بأنه ثبت ما يوجبه بنص القرآن، وحد القاذف يثبت بعدم ثبوت ما قذف به ولا يحتاج في إثباته إلى بينة. قلت: ولا يخفى أن القرآن لم يعين أحدا من القذفة وكأنه يريد ما ثب‍ ت في تفسير الآيات، فإنه ثبت أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول وأن مسطحا من القذفة وهو المراد بنزول قوله تعالى: * (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولي القربى) * لآية. 2 - (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أول لعان كان في الاسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فقال له رسول الله (ص): البينة وإلا فحد في ظهرك الحديث أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات، وفي البخاري نحوه من حديث ابن عباس. قوله: أول لعان: قد اختلفت الروايات في سبب نزول آية اللعان ففي رواية أنس أنها نزل‍ ت في قصة هلال، وفي أخرى أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني ولا ريب أن أول لعان كابنزولها لبيان الحكم. وجمع بينهما بأنها نزلت في شأن هلال وصادف مجئ عويمر العجلاني، وقيل غير ذلك. والحديث دليل على أن الزوج إذا عجز عن البينة على ما ادعاه من ذلك الامر وجب عليه الحد، إلا أنه نسخ وجوب الحد عليه بالملاعنة وهذا من نسخ السنة بالقرآن وإن كانت آية جلد القذف وهي قوله: * (والذين يرمون المحصنات) * الآية سابقة نزولا على آية اللعان. وإلا فآية اللعان إما ناسخة على تقدير تراخي النزول عند من يشترطه لقذف الزوج، أو مخصصة إن لم يتراخ النزول، أو تكون آية اللعان قرينة على أنه أريد بالعموم في قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات) * الخصوص، وهو من عدا القاذف لزوجته من باب استعمال العام في الخاص بخصوصه، كذا قيل. والتحقيق أن الازواج القاذفين لازواجهم باقون في عموم الآية وإنما جعل الله تعالى شهادة الزوج أربع شهادات قائمة مقام الاربعة الشهداء ولذا سمي الله أيمانه شهادة فقال: * (فشهادة أحدهم أربعة شهادات بالله) *. فإذا نكل عن الايمان وجب جلده جلد القذف كما أنه إذا رمى أجنبية أجنبي ولم يأت بأربعة شهداء جلد للقذف. فالازواج باقون في عموم: * (والذين يرمون المحصنات) * داخلون في حكمه، ولذا قال (ص): البينة وإلا فحد في ظهرك وإنما أنزل الله آيات اللعان لافادة أنه إذا فقد الزوج البينة وهم الاربعة الشهداء فقد جعل الله تعالى عوضهم الاربع الايمان وزاد

[ 17 ]

الخامسة للتأكيد والتشديد. وجلد الزوج بالنكول قول الجمهور، فكأنه قيل في الآية الاولى * (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) * ولم يحلفوا إن كانوا أزواجا لمن رموا. وغايته أنها قيدت الآية الثانية بعض أفراد عموم الاولى بقيد زائد عوضا عن القيد الاول إذا فقد الاول والله أعلم. 3 - (وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه) هو أبوعمران عبد الله بن عامر القارئ الشامي كان عالما حافظا لما رواه. في الطبقة الثانية من التابعين. أحد القراء السبعة روى عن وائلة بن الاسقع وغيره وقرأ القرآن على المغيرة بن شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان. ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة ومات سنة ثماني عشرة ومائة (قال: لقد أدركت أبا بكر) وعمر وعثمان ومن بعدهم فلم أرهم يضربون المملوك) ذكرا كان أو أنثى (في القذف إلا أربعين. رواه مالك والثوري في جامعه). دل على أن رأي من ذكر: تنصيف حد القذف على المملوك. ولا يخفى أن النص ورد في تنصيف حد الزنا في الاماء بقوله تعالى: * (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) *. فكأنهم قاسوا عليه حد القذف في الامة إن كانت قاذفة، وخصصوا بالقياس عموم * (والذين يرمون المحصنات) *، ثم قاسوا العبد على الامة في تنصيف الحد في الزنا والقذف، بجامع الملك. وعلى رأي من يقول بعدم دخول المماليك في العمومات لا تخصيص، إلا أنه مذهب مردود في الاصول، وهذا مذهب الجماهير من علماء الامصار. وذهب ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز إلى أنه رأي الظاهرية. والتحقيق أن القياس غير تام هنا لانهم جعلوا العلة في إلحاق العبد بالامة الملك، ولا دليل على أنه العلة إلا ما يدعونه من السير والتقسيم، والحق أنه ليس من مسالك العلة. وأي مانع من كون الانوثة جزء العلة لنقص حد الامة لان الاماء يمتهن ويغلبن ولذا قال تعالى: * (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) * أي لهن ولم يأت مثل ذلك في الذكور إذ لا يغلبون على أنفسهم. وحينئذ نقول: إنه لا يلحق العبد بالامة في تنصيف حد الزنا ولا القذف وكذلك الامة لا ينصف لها حد القذف بل يحد لها كحد الحرة ثمانين جلدة. ودعوى الاجماع على تنصيفه في حد الزنا غير صحيحة لخلاف داود، وأما في القذف فقد سمعت الخلا ف منه ومن غيره. 4 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من قذف مملوكه يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال متفق عليه) فيه دليل على أنه لا يحد المالك في الدنيا إذا قذف مملوكه، وإن كان داخلا تحت عموم آية القذف بناء على أنه لم يرد بالاحصان الحرية ولا التزوج وهو لفظ مشترك يطلق على الحر

[ 18 ]

وعلى المحصن وعلى المسلم. لانه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه يحد لقذفه مملوكه يوم القيامة ولو وجب حده في الدنيا لم يجب حده يوم القيامة، إذ قد ورد أن هذه الحدود كفارات لمن أقيمت عليه. وهذا إجماع وأما إذا قذف غير مالكه فإنه أيضا أجمع العلماء على أنه لا يحد قاذفه إلا أم الولد ففيها خلاف. فذهب الهادوية والشافعية وأبو حنيفة: إلى أنه لا حد أيضا على قاذفها لانها أيضا مملوكة قبل موت سيدها. وذهب مالك والظاهرية إلى أنه يحد وصح ذلك عن ابن عمر. باب حد السرقة 1 - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) نصب على الحال ويستعمل بالفاء وبثم ولا يأتي بالواو. قيل معناه: ولو زاد، وإذا زاد لم يكن إلا صاعدا فهو حال مؤكدة (متفق عليه واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا). وفي رواية لاحمد أي عن عائشة وهى: 2 - (اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك) إيجاب حد السرقة ثابت بالقرآن * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * ولم يذكر في القرآن نصاب ما يقطع فيه فاختلف العلماء في مسائل. الاولى: هل يشترط النصاب أو لا؟ ذهب الجمهور إلى اشتراطه مستدلين بهذه الاحاديث الثابتة. وذهب الحسن والظاهرية والخوارج إلى أنه لا يشترط بل يقطع في القليل والكثير لاطلاق الآية ولما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال صلى الله عليه وسلم: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده. وأجيب بأن الآية مطلقة في جنس المسروق وقدره، والحديث بيان لها وبأن المراد من حديث البيضة غير القطع بسرقتها، بل الاخبار بتحقير شأن السارق وخسارة ما ربحه من السرقة، وهو أنه إذا تعاطى هذه الاشياء الحقيرة وصار ذلك خلقا له جرأه على سرقة ما هو أكثر من ذلك مما يبلغ قدره ما يقطع به، فليحذر هذا القليل قبل أن تملكه العادة فيتعاطى سرقة ما هو أكثر من ذلك. ذكر هذا الخطابي وسبقه ابن قتيبة إليه، ونظيره حديث من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة وحديث تصدقي ولو بظلف محرق ومن المعلوم أن مفحص القطاة لا يصح تسبيله ولا التصدق بالظلف المحرق لعدم الانتفاع بها فما قصد صلى الله الثانية: اختلف الجمهور في قدر عليه وسلم إلا المبالغة في الترهيب النصاب بعد اشتراطهم له على أقوال بلغت إلى عشرين قولا والذي قام الدليل عليه

[ 19 ]

منها قولان: الاول: أن النصاب الذي تقطع به ربع دينار من الذهب وثلاثة دراهم من الفضة وهذا مذهب فقهاء الحجاز والشافعي وغيرهم مستدلين بحديث عائشة المذكور فإنه بيان لاطلاق الآية وقد أخرجه الشيخان كما سمعت وهو نص في ربع الدينار قالوا: والثلاثة الدراهم قيمتها ربع دينار ولما يأتي من أنه (ص) قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم قال الشافعي: إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع واحتج له أيضا بما أخرجه ابن المنذر أنه أتى عثمان بسارق سرق أترجة قومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع. وأخرج أيضا أن عليا عليه السلام قطع في ربع دينار كانت قيمته درهمين ونصفا. وقال الشافعي: ربع الدينار موافق الثلاثة الدراهم وذلك أن الصرف على عهد رسول الله (ص) اثنا عشر درهما بدينار وكان كذلك بعده. ولهذا قومت الدية اثني عشر ألفا من الورق وألف دينار من الذهب. القول الثاني: للهادوية و أكثر فقهاء العراق أنه لا يوجب القطع إلا سرقة عشرة دراهم ولا يجب في أقل من ذلك. واستدلوا لذلك بما أخرجه البيهقي والطحاوي من طريق محمد بن إسحاق من حديث ابن عباس أنه كان ثمن المجن على عهد رسول الله (ص) عشرة دراهم. وروى أيضا محمد بن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله. قالوا: وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قطع في مجن وإن كان فيهما أن قيمته ثلاثة دراهم، لكن هذه الرواية قد عارضت رواية الصحيحين والواجب الاحتياط فيما يستباح به العضو المحرم قطعه إلا بحقه فيجب الاخذ بالمتيقن وهو الاكثر. وقال ابن العربي: ذهب سفيان الثوري مع جلالته في الحديث إلى أن القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم وذلك أن اليد محرمة بالاجماع فلا تستباح إلا بما أجمع عليه والعشرة متفق على القطع بها عند الجميع فيتمسك به ما لم يقع الاتفاق على دون ذلك. قلت: قد أستفيد من هذه الروايات الاضطراب في قدر قيمة المجن من ثلاثة دراهم أو عشرة أو غير ذلك مما ورد في قدر قيمته ورواية ربع دينار في حديث عائشة صريحة في المقدار فلا يقدم عليها ما فيه اضطراب. على أن الراجح أن قيمة المجن ثلاثة دراهم لما يأتي من حديث ابن عمر المتفق عليه، وباقي الاحاديث المخالفة له لا تقاومه سندا وأما الاحتياط بعد ثبو ت الدليل فهو في اتباع الدليل لا فيما عداه. على أن رواية التقدير لقيمة المجن بالعشرة جاءت من طريق ابن إسحق ومن طريق عمرو بن شعيب وفيها كلام معروف وإن كنا لا نرى القدح في ابن إسحق إنما ذكروه كما قررنا في مواضع أخر. المسألة الثالثة: اختلف القائلون بشرطية النصاب فيما يقدر به غير الذهب والفضة فقال مالك في المشهور يقوم بالدراهم لا بربع الدينار يعني إذا اختلف صرفها مثل أن يكون ربع دينار صرف درهمين مثلا. وقال الشافعي: الاصل في تقويم الاشياء هو الذهب

[ 20 ]

لانه الاصل في جواهر الارض كلها. قال الخطابي: ولذلك فإن الصكاك القديمة كان يكتب فيها عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل فعرفت الدارهم بالدنانير وحصرت بها، حتى قال الشافعي إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع كما قدمنا. وقال بقول الشافعي في التقويم: أبو ثور الاوزاعي وداود. وقال أحمد بقول مالك في التقويم بالدراهم، وهذان القولان في قدر النصاب تفرعا عن الدليل كما عرفت. وفي الباب أقوال كما قدمنا لم ينهض لها دليل فلا حاجة إلى شغل الاوراق والاوقات بالقال والقيل. 3 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (ص) قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم متفق عليه. المجن بكسر الميم وفتح الجيم الترس مفعل من الاجتنان وهو الاستتار والاختفاء، وكسرت ميمه لانه آلة في الاستتار قال: وكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومغفري وقد عرفت مما مضى أن الثلاثة الدراهم ربع دينار ويدل له قوله: وفي رواية لاحمد ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك بعد أن ذكر القطع في ربع الدينار. ثم أخبر الراوي هنا أنه (ص) قطع في ثلاثة دراهم، ما ذاك إلا لانها ربع دينار، وإلا لنا في قوله: ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك وقوله هنا قيمته هذا هو المعتبر أعني القيمة وورد في بعض ألفاظ هذا الحديث عند الشيخين بلفظ ثمنه ثلاثة دراهم. قال ابن دقيق العيد: المعتبر القيمة وما ورد في بعض الروايات من ذكر الثمن فكأنه لتساويهما عند الناس في ذلك الوقت أو في عرف الراوي أو باعتبار الغلبة، وإلا فلو اختلفت القيمة والثمن الذي شراه به مالكه لم يعتبر إلا القيمة. 4 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده متفق عليه أيضا. تقدم أنه من أدلة الظاهرية، ولكنه مؤول بما ذكر قريبا والموجب لتأويله ما عرفته من قوله في المتفق عليه لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار وقوله فيما أخرجه أحمد ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك فتعين تأويله بما ذكرناه. وأما تأويل الاعمش له بأنه أريد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبل السفن فغير صحيح لان الحديث ظاهر في التهجين على السارق لتفويته العظيم بالحقير. قيل: فالوجه في تأويله أن قوله لتقطع خبر لا أمر ولا فعل وذلك ليس بدليل لجواز أن يريد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه يقطعه من لا يراعي النصاب، أو بشهادة على النصاب ولا يصح إلا دونه أو نحو ذلك. 5 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) قال:) مخاطبا لاسامة (أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. متفق عليه واللفظ لمسلم وله) أي لمسلم (من

[ 21 ]

وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي (ص) بقطع يدها). الخطاب في قوله أتشفع لاسامة بن زيد كما يدل له ما في البخاري أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، قالوا: من يكلم رسول الله (ص) ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله (ص)؟ فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتشفع - الحديث وهذا استفهام إنكار، وكأنه قد سبق علم أسامة بأنه لا شفاعة في حد. وفي الحديث مسألتان: الاولى: النهي عن الشفاعة في الحدود، وترجم البخاري في بباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، وقد دل لما قيده من أن الكراهة بعد الرفع ما في بعض روايات هذا الحديث. فإنه صلى الله عليه وسلم قال لاسامة لما تشفع لا تشفع في حد فإن الحدود إذا انتهت إلي فليس بمتروكة. وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وصححه الحاكم. وأخرج أبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حالت شفاعته دن حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره وأخرج ابن أبي شيبة من وجه أصح عن ابن عمر موقوفا، وفي الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ فقد ضاد الله في ملكه. وأخرج الدارقطني من حديث الزبير موصولا بلفظ اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه. وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال: لقي الزبير سارقا فشفع فيه فقيل: حتى يبلغ الامام فقال: إذا بلغ الامام فلعن الله الشافع والمشفع قيل: وهذا الموقوف هو المعتمد. وتأتي قصة الذي سرق رداء صفوان ورفعه إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ثم أراد أن لا يقطعه فقال صلى الله عليه وسلم: هلا قبل أن تأتيني به ويأتي من أخرجه. وهذه الاحاديث متعاضدة على تحريم الشفاعة بعد البلوغ إلى الامام وأنه يجب على الامام إقامة الحد، وادعى ابن عبد البر الاجماع على ذلك، ومثله في البحر. ونقل الخطابي عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذية الناس وغيره فقال: لا يشفع في الاول مطلقا وفي الثاني تحسن الشفاعة قبل الرفع. وفي حديث عن عائشة أقيلوا ذوي الهيئات إلا في الحدود ما يدل على جواز الشفاعة في التعزيرات لا في الحدود، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك. المسألة الثانية في قوله: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده وأخرجه النسائي بلفظ استعارت امرأة على ألسنة ناس يعرفون وهي لا تعرف، فباعته وأخذت ثمنه وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرحمن أن امرأة جاءت فقالت: إن فلانة تستعير حليا فأعارتها إياه فمكثت لا تراه فجاءت إلى التي استعارت لها فسألتها فقالت: ما استعرتك شيئا فرجعت إلى الاخرى فأنكرت فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاها فسألها فقالت: والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئا فقال: اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها فأتوه وأخذوه فأمر بها فقطعت. والحديث دليل على أنه يجب القطع على جحد العارية. وهو مذهب أحمد وإسحاق والظاهرية. ووجه دلالة الحديث على ذلك واضحة فإنه صلى الله عليه وسلم رتب القطع على جحد العارية. وقال ابن دقيق العيد: إنه لا يثبت الحكم المرتب على الجحود

[ 22 ]

حتى يتبين ترجيح رواية من روى أنها كانت جاحدة على رواية من روى أنها كانت سارقة. وذهب الجماهير: أنه لا يجب القطع في جحد العارية. قالوا: لان الآية في السارق، والجاحد لا يسمى سارقا، ورد هذا ابن القيم وقال: إن الجحد داخل في اسم السرقة. قلت: أما دخول الجاحد تحت لفظ السارق لغة فلا تساعده عليه اللغة. وأما الدليل فثبوت قطع الجاحد بهذا الحديث. قال الجمهور: وحديث المخزومية قد ورد بلفظ أنها سرقت من طريق عائشة وجابر وعروة بن الزبير ومسعود بن الاسود، أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي وغيرهم مصرحا بذكر السرقة، قالوا: فقد تقرر أنها سرقت، ورواية جحد العارية لا تدل على أن القطع كان لها، بل إنما ذكر جحدها العارية لانه قد صار خلقا لها معروفا فعرفت المرأة به والقطع كان للسرقة. وهذا خلاصة ما أجاب به الخطابي ولا يخفى تكلفه. ثم هو مبني على أن المعبر عنه امرأة واحدة وليس في الحديث ما يدل على ذلك، لكن في عبارة المصنف ما يشعر بذلك فإنه جعل الذي ذكره ثانيا رواية، وهو يقتضي من حيث الاشعار العادي أنهما حديث واحد، أشار إليه ابن دقيق العيد في شرح العمدة، والمصنف هنا صنع ما صنعه صاحب العمدة في سياق الحديث. ثم قال الجمهور: ويؤيد ما ذهبنا إليه الحديث الآتي وهو قوله: 6 - (وعن جابر رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع رواه أحمد والاربعة وصححه الترمذي وابن حبان قالوا: وجاحد العارية خائن، ولا يخفى أن هذا عام لكل خائن، ولكنه مخصص بجاحد العارية ويكون القطع فيمن جحد العارية لا غيره من الخونة. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يخص القطع بمن استعار على لسان غيره مخادعا للمستعار منه ثم تصرف في العارية وأنكرها لما طولب بها، قال: فإن هذا لا يقطع بمجرد الخيانة بل لمشاركة السارق في أخذ المال خفية. والحديث فيه كلام كثير لعلماء الحديث وقد صححه من سمعت. وهذا دال على أن الخائن لا قطع عليه. والمراد بالخائن الذي يضمر ما لا يظهره في نفسه. والخائن هنا هو الذي يأخذ المال خفية من مالكه مع إظهاره له النصيحة والحفظ. والخائن أعم، فإنها تكون الخيانة في غير المال، ومنه خائنة الاعين وهي مسارقة الناظر بطرفه ما لا يحل له نظره. والمنتهب: المغير من النهبة وهي: الغارة والسلب، وكأن المراد هنا ما كان على جهة الغلبة والقهر. والمختلس: السالب، من اختلسه إذا سلبه. واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية أن تكون السرقة في حرز، فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وهو قول للناصر والخوارج إلى أنه لا يشترط لعدم ورود الدليل باشتراطه من السنة ولاطلاق الآية. وذهب غيرهم إلى اشتراطه مستدلين بهذا الحديث إذ مفهومه لزوم القطع فيما أخذ بغير ما ذكر وهو ماكان عن خفية. وأجيب بأن هذا مفهوم ولا تثبت به قاعدة يقيد بها القرآن، ويؤيد عدم اعتباره أنه صلى الله عليه وسلم قطع يد من أخذ رداء صفوان من تحت رأسه من المسجد الحرام، وبأنه صلى الله عليه وسلم قطع يد المخزومية وإنما كانت تجحد

[ 23 ]

ما تستعيره. وقال ابن بطال: الحرز مأخوذ في مفهوم السرقة لغة، فإن صح فلابد من التوفيق بينه وبين ما ذكر مما لا يدل على اعتبار الحرز فالمسألة كما ترى، والاصل عدم الشرط وأنا أستخير الله وأتوقف حتى يفتح الله. 7 - (وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا قطع في ثمر ولا كثر) هو بفتح الكاف وفتح المثلثة جمار النخل وهو شحمه الذي في وسط النخلة كما في النهاية (رواه المذكورون) وهم أحمد والاربعة قال الطحاوي: الحديث تلقته (وصححه أيضا الترمذي وابن حبان) كما صححا ما قبله الامة بالقبول. والثمر المراد به ما كان معلقا في النخل قبل أن يجذ ويحرز، وعلى هذا تأوله الشافعي وقال: حوائط المدينة ليست بحرز وأكثرها تدخل من جوانبها والثمر اسم جامع للرطب واليابس من الرطب والعنب وغيرهما كما في البدر المنبر. وأما الكثر: فوقع تفسيره في رواية النسائي بالجمار، والجمار بالجيم آخره راء بزنة رمان، وهو شحم النخل الذي في وسط النخلة كما في النهاية. والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز القطع في سرقة الثمر والكثر، وظاهره سواء كان على ظهر المنبت له أو قد جذ. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. قال في نهاية المجتهد: قال أبو حنيفة: لا قطع في طعام ولا فيما أصله مباح كالصيد والحطب والحشيش، وعمدته في منعه القطع في الطعام الرطب: قوله صلى الله عليه وسلم لا قطع في ثمر ولا كثر. وعند الجمهور: أنه يقطع في كل محرز سواء كان على أصله باقيا أو قد جذ سواء كان أصله مباحا كالحشيش ونحوه، أولا. قالوا: لعموم الآية والاحاديث الواردة في اشتراط النصاب. وأما حديث: لا قطع في ثمر ولا كثر فقال الشافعي: إنه أخرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها فترك القطع لعدم الحرز فإذا أحرزت الحوائط كانت كغيرها. 8 - (وعن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه) لا يعرف له اسم، عداده في أهل الحجاز وروى عنه أبو المنذر مولى أبي ذر هذا الحديث (قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلص قد اعترف اعترافا ولم يوجد معه متاع. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما إخالك سرقت قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع وجئ به فقال: استغفر الله وتب إليه فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. فقال: اللهم تب عليه ثلاثا أخرجه أبو داود واللفظ له وأحمد والنسائي ورجاله ثقات) وقال الخطابي: في إسناده مقال والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة ولم يجب الحكم به، قال عبد الحق: أبو المنذر المذكور في إسناده لم يرو عنه إلا إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة. وفي الحديث دليل على أنه ينبغي للامام تلقين السارق الانكار، وقد روي أن النبي (ص) قال لسارق: أسرقت؟ قل: لا قال الرافعي: لم يصححوا هذا الحديث، وقال الغزالي: قوله قل: لا لم يصححه الائمة. وروى البيهقي موقوفا على أبي الدرداء أنه أتي بجارية سرقت فقال: أسرقت؟ قولي: لا فقالت: لا، فخلى سبيلها. وروى عبد الرزاق عن عمر أنه أتي برجل سرق، فسأله: أسرقت؟ قل لا

[ 24 ]

فقال: لا، فتركه. وساق روايات عن الصحابة دالة على التلقين. واختلف في إقرار السارق فذهبت الهادوية وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بفي ثبوت السرقة بالاقرار من إقراره مرتين، وكأن هذا دليلهم ولا دلالة فيه لانه خرج مخرج الاستثبات وتلقين المسقط، ولانه تردد الراوي هل مرتين أو ثلاثا، وكان طريق الاحتياط لهم أن يشترطوا الاقرار ثلاثا ولم يقولوا به. وذهب الفريقان وغيرهم إلى أنه يكفي الاقرار مرة واحدة كسائر الاقارير، ولانها قد وردت عدة روايات لم يذكر فيها اشتراط عدم الاقرار. 9 - (وأخرجه) أي حديث أبي أمية (الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فساقه بمعناه وقال فيه: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه) بالمهملتين (وأخرجه البزار أيضا) أي من حديث أبي هريرة. (وقال: لا بأس بإسناده). الحديث دال على وجوب حسم ما قطع، والحسم: الكي بالنار، أي يكوى محل القطع لينقطع الدم، لان منافذ الدم تنسد وإذا ترك فربما استرسل الدم فيؤدي إلى التلف. وفي الحديث دلالة على أنه يأمر بالقطع والحسم الامام، وأجرة القاطع والحاسم من بيت المال وقيمة الدواء الذي يحسم به منه، لان ذلك واجب على غيره. (فائدة): من السنة أن تعلق يد السارق في عنقه لما أخرجه البيهقي بسنده من حديث فضالة بن عبيد أنه سئل: أرأيت تعليق يد السارق في عنقه من السنة؟ قال: نعم رأيت النبي (ص) قطع سارقا ثم أمر بيده فعلقت في عنقه. وأخرج بسنده أن عليا رضي الله عنه قطع سارقا فمر به ويده معلقة في عنقه، وأخرج عنه أيضا أنه أقر عنده سارق مرتين فقطع يده وعلقها في عنقه، قال الراوي: فكأني أنظر إلى يده تضرب صدره. 10 - (وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: لا يغرم السارق إذ أقيم عليه الحد رواه النسائي وبين أنه منقطع وقال أبو حاتم: هو منكر. رواه النسائي من حديث المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف، والمسور لم يدرك جده عبد الرحمن بن عوف قال النسائي: هذا مرسل وليس بثابت. وكذا أخرجه البيهقي وذكر له علة أخرى. وفي الحديث دليل على أن العين المسروقة إذا تلفت في يد السارق لم يغرمها بعد أن وجب عليه القطع سواء أتلفها قبل القطع أو بعده. وإلى هذا ذهب الهادوية ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة، وفي شرح الكنز على مذهبه تعليل ذلك: بأن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للاصول فصار القطع بدلا من الغرم ولذلك ثنى سرقة ما قطع به لم يقطع. وذهب الشافعي وأحمد وآخرون ورواية عن أبي حنيفة: إلى أنه يغرم لقوله صلى الله عليه وسلم: على اليد ما أخذت حتى تؤديه. وحديث عبد الرحمن هذا لا تقوم به حجة مع ما قيل فيه، ولقوله تعالى: * (وتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * ولقوله عليه السلام: لا يحل مال امرئ مسلم

[ 25 ]

إلا بطيبة من نفسه. ولانه اجتمع في السرقة حقان: حق لله تعالى، وحق للآدمي فاقتضى كل حق موجبه. ولانه قام الاجماع أنه إذا كان موجودا بعينه أخذ منه، فيكون إذا لم يوجد في ضمانه قياسا على سائر الاموال الواجبة. وقوله: اجتماع الحقين مخالف للاصول دعوى غير صحيحة فإن الحقين مختلفان فإن القطع بحكمة الزجر، والتغريم لتفويت حق الآدمي كما في الغصب ولا يخفى قوة هذا القول. 11 - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التمر المعلق فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة) بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة فنون وهو معطف الازار وطرف الثوب (فلا شئ عليه، ومن خرج بشئ منه فعليه الغرامة والعقوبة، ومن خرج بشئ منه بعد أن يؤويه الجرين) هو موضع التمر الذي يجفف فيه (فبلغ ثمن المجن فعليه القطع. أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم). قال المنذري: المراد بالثمر المعلق ما كان معلقا في النخل قبل أن يجد ويجرن، والثمر اسم جامع للرطب واليابس من التمر والعنب وغيرهما. وفي الحديث مسائل: الاولى: أنه إذا أخذ المحتاج بفيه لسد فاقته فإنه مباح له. والثانية: أنه يحرم عليه الخروج بشئ منه فإن خرج بشئ منه فلا يخلو أن يكون قبل أن يجده ويؤويه الجرين، أو بعده، فإن كان قبل الجذ فعليه الغرامة والعقوبة وإن كان بعد القطع وإيواء الجرين له فعليه القطع مع بلوغ المأخوذ النصاب. لقوله صلى الله عليه وسلم: فبلغ ثمن المجن وهذا مبني على أن الجرين حزركما هو الغالب، إذ لا قطع إلا من حرز كما يأتي. الثالثة: أنه أجمل في الحديث الغرامة والعقوبة. ولكنه قد أخرج البيهقي تفسيرها بأنها غرامة مثليه وبأن العقوبة جلدات نكالا. وقد استدل بحديث البيهقي هذا على جواز العقوبة بالمال، فإن غرامة مثليه من العقوبة بالمال، وقد أجازه الشافعي في القديم ثم رجع عنه وقال: لا تضاعف الغرامة على أحد في شئ إنما العقوبة في الابدان لا في الاموال. وقال: هذا منسوخ والناسخ له قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الماشية بالليل أن ما أتلفت فهو ضامن أي مضمون على أهلها قال: وإنما يضمنونه بالقيمة. وقد قدمنا الكلام في ذلك في حديث بهز في الزكاة. الرابعة: أخذ منه اشتراط الحرز في وجوب القطع لقوله صلى الله عليه وسلم: بعد أن يؤويه الجرين وقوله في الحديث الآخر: لا قطع في ثمر ولا في حريسة الجبل فإذا آواه الجرين أو المراح فالقطع فيما بلغ ثمن المجن أخرجه النسائي. قالوا: والاحراز مأخوذ في مفهوم السرقة، فإن السرقة والاستراق هو المجئ مستترا في خفية لاخذ مال غيره من حرز كما في القاموس وغيره. فالحرز مأخوذ في مفهوم السرقة لغة ولذا لا يقال لمن خان أمانته سارق، هذا مذهب الجمهور. وذهبت الظاهرية وآخرون: إلى عدم اشتراطه عملا بإطلاق الآية الكريمة إلا أنه لا يخفى أنه إذا كان الحرز مأخوذا في مفهوم السرقة فلا إطلاق في الآية والله أعلم.

[ 26 ]

واعلم أن حريسة الجبل بالحاء المهملة مفتوحة فراء فمثناة تحتية فسين مهملة، والجبل بالجيم فموحدة قيل هي المحروسة، أي ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع لانه ليس بموضع حرز. وقيل حريسة الجبل الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مأواها. والمراح الذي تأوي إليه الماشية ليلا، كذا في جامع الاصول، وهذا الاخير أقرب بمراد الحديث، والله أعلم. 12 - (وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه أن النبي (ص) قال له لما أمر بقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه: هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به أخرجه أحمد والاربعة وصححه ابن الجارود والحاكم. الحديث أخرجوه من طرق: منها عن طاوس عن صفوان ورجحها ابن عبد البر وقال: إن سماع طاوس من صفوان ممكن لانه أدرك عثمان وقال: أدركت سبعين شيخا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وللحديث قصة أخرج البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال: بينما صفوان بن أمية مضطجع بالبطحاء إذ جاء إنسان فأخذ بردة من تحت رأسه فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقطعه فقال: إني أعفو وأتجاوز فقال: فهلا قبل أن تأتيني به؟. وله ألفاظ في بعضها: أنه كان في المسجد الحرام وفي أخرى: في مسجد المدينة نائما. وفي الحديث دليل على أنها تقطع يد السارق فيما كان مالكه حافظا له وإن لم يكن مغلقا عليه في مكان. قال الشافعي: رداء صفوان كان محرزا باضطجاعه عليه. وإلى هذا ذهب الشافعي والحنفية والمالكية، وقال في نهاية المجتهد: وإذا توسد النائم شيئا، فتوسده له حرز على ما جاء في رداء صفوان. قال في الكنز للحنفية: ومن سرق من المسجد متاعا وربه عنده يقطع وإن كان غير محرز بالحائط لان المسجد ما بني لاحراز الاموال فلم يكن المال محرزا بالمكان انتهى. وتقدم الخلاف في الحرز واختلف القائلون بشرطيته. فقال الشافعي ومالك والامام يحيى: إن لكل مال حرزا يخصه فحرز الماشية ليس حرز الذهب والفضة. وقال الهادوية والحنفية: ما أحرز فيه مال فهو حرز لغيره إذ الحرز ما وضع لمنع الداخل ألا يدخل والخارج ألا يخرج، وما كان ليس كذلك فليس بحرز لا لغة وشرعا. وكذلك قالوا: المسجد والكعبة حرزان لآلاتهما وكسوتهما. واختلفوا في القبر هل هو حرز للكفن فيقطع آخذه أو ليس بحرز؟ فذهب إلى أن النباش سارق: جماعة من السلف والهادي والشافعي ومالك وقالوا: يقطع لانه أخذ المال خفية من حرز له. وقد روي عن علي عليه السلام وعائشة، وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يقطع النباش لان القبر ليس بحرز. وفي المنار: هذه المسألة فيها صعوبة لان حرمة الميت كحرمة الحي لكن حرمة يد السارق كذلك الاصل منعها ولم يدخل النباش تحت السارق لغة، والقياس الشرعي غير واضح وإذا توقفنا امتنع القطع انتهى. واختلف في السارق من بيت المال فذهبت الهادوية والشافعي وأبو حنيفة: إلى أنه لا يقطع من سرق من بيت المال وروي عن عمر. وذهب مالك: إلى أنه يقطع. واتفقوا على أنه لا يقطع من سرق من الغنيمة والخمس وإن لم يكن من أهلها، قالوا: لانه قد يشارك فيها بالرضخ أو من الخمس.

[ 27 ]

13 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: جئ بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقتلوه فقال: إنما سرق يا رسول الله قال: اقطعوه فقطع، ثم جئ به الثانية فقال: ح اقتلوه فذكر مثله ثم جئ به الثالثة فذكر مثله. ثم جئ به الرابعة كذلك، ثم جئ به الخامسة فقال: اقتلوه. أخرجه أبو داود والنسائي) تمامه عندهما: فقال جابر: فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة (واستنكره) أي النسائي فإنه قال: الحديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بقوي في الحديث، قيل لكن يشهد له الحديث الآتي. وهو قوله: 14 - (وأخرج) أي النسائي (من حديث الحارث بن حاطب نحوه) وأخرج حديث الحرث الحاكم. وأخرج في الحلية لابي نعيم عن عبد الله بن زيد الجهني. قال ابن عبد البر: حيث القتل منكر لا أصل له (وذكر الشافعي أن القتل في الخامسة منسوخ). وزاد ابن عبد البر في كلام الشافعي: لا خلاف فيه بين أهل العلم. وفي النجم الوهاج: إن ناسخه حديث لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث تقدم. قال ابن عبد البر: وهذا يدل على أن حكاية أبي مصعب عن عثمان وعمر بن عبد العزيز أنه يقتل لا أصل له. وجاء في رواية النسائي بعد قطع قوائمه الاربع ثم سرق الخامسة في عهد أبي بكر رضي الله عنه فقال أبو بكر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال: اقتلوه ثم دفعه إلى فتية من قريش فقال: اقتلوه فقتلوه. قال النسائي: لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا. والحديث دليل على قتل السارق في الخامسة، وأن قوائمه الاربع تقطع في الاربع المرات، والواجب قطع اليمين في السرقة الاولى إجماعا وقراءة ابن مسعود مبينة لاجمال الآية فإنه قرأ (فاقطعوا أيمانهما). وفي الثانية الرجل اليسرى عند الاكثر لفعل الصحابة، وعند طاووس اليد اليسرى لقربها من اليمنى. وفي الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى وهذا عند الشافعي ومالك. وأخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى وسلم قال في السارق إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله وفي إسناده الواقدي. وأخرجه الشافعي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا، وأخرج الطبراني والدارقطني نحوه في عصمة بن مالك وإسناده ضعيف. وخالفت الهادوية والحنفية فقالوا: يحبس في الثالثة لما رواه البيهقي من حديث علي رضي الله عنه أنه قال بعد أن قطع رجله وأتي به في الثالثة: بأي شئ يتمسح وبأي شئ يأكل؟ لما قيل له تقطع يده اليسرى ثم قال: أقطع رجله؟ على أي شئ يمشي؟ إني لاستحي من الله ثم ضربه وخلد في السجن. وأجا ب الاولون بأن هذا رأي لا يقاوم النصوص وإن كان المنصوص فيه ضعف فقد عاضدته الروايات الاخرى. وأما محل القطع فيكون من مفصل الكف إذ هو أقل ما يسمى يدا ولفعله (ص) فيما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب أتي النبي (ص) بسارق فقطع يده من مفصل الكف وفي إسناده مجهول. وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة أن النبي (ص) قطع

[ 28 ]

من المفصل. وأخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن رجاء عن عدي رفعه، وعن جابر رفعه، وأخرجه سعيد بن منصور عن عمر. وقالت الامامية: ويروى عن علي عليه السلام أنه يقطع من أصول الاصابع إذ هو أقل ما يسمى يدا، ورد ذلك بأنه لا يقال لمن قطعت أصابعه مقطوع اليد لا لغة ولا عرفا، وإنما يقال مقطوع الاصابع. وقد اختلفت الرواية عن علي عليه السلام فروي أنه كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى. وقال الزهري والخوارج: إنه يقطع من الابط إذ هو اليد حقيقة، والاقوى لاول لدليله المأثور. وأما محل قطع الرجل فتقطع من مفصل القدم، وروي عن علي عليه السلام أنه كان يقطع الرجل من الكعب، وروي عنه وهو للامامية أنه من معقد الشراك. (خاتمة): أخرج أحمد وأبو داود عن عطاء عن عائشة أن النبي (ص) قال لها - وقد دعت على سارق سرقها ملحفة: لا تسبخي عنه بدعائك عليه ومعناه لا تخففي عنه الاثم الذي يستحقه بالسرقة. وهذا يدل على أن الظالم يخفف عنه بدعاء المظلوم عليه وروى أحمد في كتاب الزهد عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: بلغني أن الرجل ليظلم مظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه حتى يستوفي حقه ويكون للظالم الفضل عليه وفي الترمذي عن عائشة أن النبي (ص) قال: من دعا على من ظلمه فقد انتصر فإن قيل: قد مدح الله المنتصر من البغي ومدح العافي عن الجرم؟. قال ابن العربي: فالجواب أن الاول محمول على ما إذا كان الباغي وقحا ذا جرأة وفجور والثاني على من وقع منه ذلك نادرا فتقال عثرته بالعفو عنه. وقال الواحدي: إن كان الانتصار لاجل الدين فهو محمود وإن كان لاجل النفس فهو مباح لا يحمد عليه. واختلف العلماء في التحليل من الظلامة على ثلاثة أقوال: كان ابن المسيب لا يحلل أحدا من عرض ولا مال، وكان سليمان بن يسار وابن سيرين يحللان منهما. ورأى مالك التحليل من العرض دون المال. باب حد الشارب وبيان المسكر 1 - (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين قال:) أي أنس (وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر. متفق عليه). الخممصدر خمر كضرب ونصر خمرا يسمى به الشراب المعتصر من العنب إذا غلي وقذف بالزبد وهي مؤنثة وتذكر. ويقال خمرة. وفي الحديث مسائل. الاولى: أن الخمر تطلق على ما ذكر حقيقة إجماعا وتطلق على ما هو أعم من ذلك وهو ما أسكر من العصير أو من النبيذ أو من غير ذلك. وإنما اختلف العلماء هل هذا الاطلاق حقيقة أو لا قال صاحب القاموس: العموم أصح لانها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، ما كان إلا البسر والتمر انتهى. وكأنه يريد أن العموم حقيقة. وسميت خمرا، قيل: لانها تخمر العقل أي تستره فيكون بمعنى اسم الفاعل أي الساترة للعقل. وقيل: لانها تغطى حتى تشتد يقال خمره

[ 29 ]

أي غطاه فيكون بمعنى اسم المفعول. وقيل: لانها تخالط العقل من خامره إذا خالطه ومنه هنيئا مريئا غير داء مخامر. أي مخالط. وقيل: لانها تترك حتى تدرك ومنه اختمر العجين أي بلغ إدراكه، وقيل: مأخوذة من الكل لاجتماع المعاني هذه فيها. قال ابن عبد البر: الاوجه كلها موجودة في الخمر لانها تركت حتى أدركت وسكنت فإذا شربت خالطت ا لعقل حتى تغلب عليه وتغطيه. قلت: فالخمر تطلق على عصير العن‍ ب المشتد حقيقة إجماعا. وفي النجم الوهاج: الخمر بالاجماع المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف بالزبد. واشترط أبو حنيفة أن يقذف وحينئذ لا يكون مجمعا عليه. واختلف أصحابنا في وقوع الخمر على الانبذة: فقال المزني وجماعة بذلك لان الاشتراك في الصفة يقتضي الاشتراك في الاسم وهو قياس في اللغة وهو جائز عند الاكثر وهو ظاهر الاحاديث ونسبه الرافعي إلى الاكثرين أنه لا يقع عليها إلا مجازا. قلت: وبه جزم ابن سيده في المحكم وجزم به صاحب الهداية من الحنفية حيث قال: الخمر عندنا ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم. ورد ذلك الخطابي وقال: زعم قوأن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا عرب فصحاء فلو لم يكن الاسم صحيحا لما أطلقوه. وقال القرطبي: الاحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب للسنة الصحيحة ولفهم الصحابة، لانهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الامر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره بل سووا بينهما وحرموا ما كان من غير عصير العنب وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن. فلو كان عندهم فيه تردد لتوقفوا عن الاراقة حتى يستفصلوا ويتحققوا التحريم. ويأتي حديث عمر: أنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة، الحديث. وعمر من أهل اللغة، وإن كان يحتمل أنه أراد بيان ما تعلق به التحريم لا أنه المسمى في اللغة لانه بصدد بيان الاحكام الشرعية ولعل ذلك صار اسما شرعيا لهذا النوع فيكون حقيقة شرعية. ويدل له حديث مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل مسكر خمر وكل خمر حرام، قال الخطابي: إن الآية لما نزلت في تحريم الخمر وكان مسماها مجهولا للمخاطبين بين أن مسماها هو ما أسكر، فيكون مثل لفظ الصلاة والزكاة وغيرهما من الحقائق الشرعية انتهى. قلت: هذا يخالف ما سلف عنه قريبا ولا يخفى ضعف هذا الكلام فإن الخمر كانت من أشهر الاشربة عند العرب واسمها أشهر من كل شئ عندهم وليست كالصلاة والزكاة، وأشعارهم فيها لا تحصى، فكأنه يريد أنه ما كان تعميم الاسم بلفظ الخمر لكل مسكر معروفا عندهم فعرفهم به الشرع، فإنهم كانوا يسمون بعض المسكرات بغير لفظ الخمر كالامزار يضيفونها إلى ما يتخذ منه من ذرة وشعير ونحوهما، ولا يطلقون عليه لفظ الخمر، فجاء الشرع بتعميم الاسم لكل مسكر. فتحصل مما ذكر جميعا أن الخمر حقيقة لغوية في عصير العنب المشتد الذي يقذف

[ 30 ]

الزبد، وفي غيره مما يسكر حقيقة شرعية، أو قياس في اللغة، أو مجاز، فقد حصل المقصود من تحريم ما أسكر من ماء العنب أو غيره إما بنقل اللفظ إلى الحقيقة الشرعية أو بغيره. وقد علمت أنه أطلق عمر وغيره من الصحابة الخمر على كل ما أسكر، وهم أهل اللسان، والاصل الحقيقة فقد أحسن صاحب القاموس بقوله: والعموم أصح. وأما الدعاوى التي تقدمت على اللغة كما قاله ابن سيده وشارح الكنز فما أظنها إلا بعد تقرير هذه المذاهب تكلم كل على ما يعتقده ونزل في قلبه من مذهبه ثم جعله لاهل اللغة. المسألة الثانية: قوله فجلده بجريدتين نحو أربعين فيه دليل على ثبوت الحد على شارب الخمر وادعى فيه الاجماع، ونوزع في دعواه لانه قد نقل عن طائفة من أهل العلم أنه لا يجب فيه إلا التعزير لانه صلى الله عليه وسلم لم ينص على حد معين وإنما ثبت عنه الضرب المطلق. وفيه دليل على أنه يكون الجلد بالجريد وهو سعف النخل. وقد اختلف العلماء هل يتعين الجلد بالجريد على ثلاثة أقوال أقربها: جواز الجلد بالعود غير الجريد ويجوز الاقتصار على الضرب باليدين والنعال. قال في شرح مسلم: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب ثم قال: والاصح جوازه بالسوط. وقال المصنف: توسط بعض المتأخرين فعين السوط للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء ومن عداهم بحسب ما يليق بهم. وقد عين قوله في الحديث نحو أربعين ما أخرجه البيهقي وأحمد بلفظ فأمر قريبا من عشرين رجلا فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال. قال المصنف: وهذا يجمع ما اختلف فيه على تشعبه وأن جملة الضربات كانت أربعين لا أنه جلده بجريدتين أربعين. المسألة الثالثة: قوله فلما كان عمر استشار - إلى آخره سبب استشارته ما أخرجه أبو داود والنسائي أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر: إن النا س قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقو بة قال: وعنده المهاجرون والانصار فسألهم فأجمعوا على أن يضرب ثمانين. وأخرج مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد: أ ن عمر استشار في الخمر فقال له علي بن أبي طالب عليه السلام: نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى، فجلد عمر في الخمر ثمانين. وهذا حديث معضل، ولهذا الاثر عن علي طرق، وقد أنكره ابن حزم كما سلف، وفي معناه نكارة لانه قال: إذا هذي افترى والهاذي لا يعد قوله فرية لانه لا عمد له، ولا فرية إلا عند عمد. وقد أخرج عبد الرزاق قال: جاءت الاخبار متواترة عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسن في الخمر شيئا. ولا يخفى أن الحديث الآتي يؤيده. 2 - (ولمسلم عن علي في قصة الوليد بن عقبة) حققناها في منحة الغفار على ضوء النهار وفيها أن عثمان أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده فجلده فلما بلغ أربعين قال: امسك (جلد رسول الله (ص) أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي: وفي الحديث أن رجلا شهد عليه أنه رآه يتقيأ الخمر فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى

[ 31 ]

شربها). يريد أنه أحب إليه مع جرأة الشاربين لا أنه أحب إليه مطلقا فلا يرد أنه كيف يجعل فعل عمر أحب إليه من فعل النبي (ص) فإن ظاهر الاشارة إلى فعل عمر وهو الثمانون. ولكنه يقال إن ظاهر قوله أمسك بعد الاربعين دال على أنه لم يفعل الاحب إليه. وأجيب عنبأن في صحيح البخاري من رواية عبد الله بن عدي بن الخيار أن عليا جلد الوليد ثمانين. والقصة واحدة، والذي في البخاري أرجح، وكأنه بعد أن قال وهذا أحب إلي أمر عبد الله بتمام الثمانين. وهذه أولى من الجواب الآخر وهو أنه جلده بسوط له رأسان فضربه أربعين، فكانت الجملة ثمانين فإن هذا ضعيف لعدم مناسبة سياقه له. والروايات عنه صلى الله عليه وسلم أنه جلد في الخمر أربعين كثيرة، إلا أن في ألفاظها نحو أربعين، وفي بعضها بالنعال، فكأنه فهم الصحابة أن ذلك يتقدر بنحو أربعين جلدة. واختلف العلماء في ذلك: فذهبت الهادوية وأبو حنيفة ومالك وأحمد وأحد قولي الشافعي أنه يجب الحد على السكران ثمانين جلدة، قالوا: لقيام الاجماع عليه في عهد عمر فإنه لم ينكر عليه أحد. وذهب الشافعي في المشهور عنه وداود: أنه أربعون لانه الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم فعله، ولانه الذي استقر عليه الامر في خلافة أبي بكر رضي الله عنه. ومن تتبع ما في الروايات واختلافها علم أن الاحوط الاربعون ولا يزاد عليها. وفي هذا الحديث (أن رجلا شهد على الوليد أنه رآه يتقيأ الخمر فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها) وفي مسلم أنه شهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد عليه آخر أنه رآه يتقيؤها. قال النووي في شرح مسلم: هذا دليل لمالك وموافقيه في أن من تقيأ الخمر يحد حد شارب الخمر، ومذهبنا أنه لا يحد بمجرد ذلك لاحتمال أنه شربها جاهلا كونها خمرا أو مكرها عليه وغير ذلك من الاعذار المسقطة للحدود. ودليل مالك هنا قوي لان الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور في هذا الحديث ا ه‍. قلت: وبمثل ما قاله مالك قالت الهادوية، ثم لا يخفى أن اقتصار المصنف على الشاهد بالقئ وحده تقصير لايهامه أنه جلد الوليد بشهادة واحد على التقيؤ. 3 - (وعن معاوية رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه قال في شارب الخمر: إذا شرب فاجلدوه ثم إذا شرب الثانية فاجلده، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه أخرجه أحمد - وهذا لفظه - والاربعة). اختلفت الروايات في قتله: هل يقتل إن شرب الرابعة أو إن شرب الخامسة؟. فأخرج أبو داود من رواية أبان القصار وذكر الجلد ثلاث مرات بعد الاولى ثم قال: فإن شربوا فاقتلوهم. وأخرج من حديث ابن عمر من رواية نافع عنه أنه قال: وأحسبه قال في الخامسة: فإن شربها فاقتلوه. وإلى قتله فيها ذهب الظاهرية واستمر عليه ابن حزم واحتج له، وادعى عدم الاجماع على نسخه. والجمهور على أنه منسوخ ولم يذكروا ناسخا صريحا، إلا ما يأتي من رواية أبي داود عن الزهري: أنه صلى الله عليه وسلم ترك القتل في الرابعة وقد يقال: القول أقوى

[ 32 ]

من الترك فلعله صلى الله عليه وسلم تركه لعذر. (وذكر الترمذي ما يدل على أنه منسوخ، وأخرج ذلك أبو داود صريحا عن الزهري). يريد ما أخرجه من رواية الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شرب الخمر فاجلدوه - إلى أن قال ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه. قال: فأتي برجل قد شرب فجلده ثم أتي به قد شرب فجلده ثم أتي به قد شرب فجلده ثم أتي به الرابعة فجلده فرفع القتل عن الناس فكانت رخصة. وقال الشافعي: هذا - يريد نسخ القتل - مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم ومثله قال الترمذي والله أعلم. 4 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه متفق عليه. الحديث دليل على أنه لا يحل ضرب الوجه في حد ولا في غيره، وكذلك لا يضرب المحدود في المراق والمذاكير. لما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي عليه السلام أنه قال للجلاد: اضرب في أعضائه، واعط كل عضو حقه، واتق وجهه ومذاكيره. وأخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي من طرق عن علي عليه السلام. وإنما نهى عن المراق والمذاكير لانه لا يؤمن عليه مع ضربها. واختلف في ضربه في الرأس: فذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يضرب فيه إذ هو غير مأمون. وذهبت الهادوية وغيرهم إلى جواز ضربه فيه قالوا: لقول علي عليه السلام للجلاد: اضرب الرأس ولقول أبي بكر رضي الله عنه اضرب الرأس فإن الشيطان فيه أخرجه ابن أبي شيبة وفيه ضعف وانقطاع. وذهب مالك أنه لا يضرب إلا في رأسه. (فائدة): في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يحثي عليه التراب ويبكت، فلما ولي شرع القوم يسبونه ويدعون عليه ويقول القائل: اللهم العنه، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هذا ولكن قولوا: اللهم اغفر له اللهم ارحمه وأوجب المازري التثريب والتبكيت. وأما صفة سوط الضرب فأخرج مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يجلد رجلا فأتي بسوط خلق. فقال: فوق هذا، فأتي بسوط جديد فقال: دون هذا فيكون بين الجديد والخلق. وذكر الرافعي عن علي عليه السلام سوط الحد بين سوطين وضربه بين ضربين قال ابن الصلاح: السوط هو المتخذ من سيور تلوى وتلف. 5 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): ح لا تقام الحدود في المساجد رواه الترمذي والحاكم. وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي ضعيف من قبل حفظه. وأخرجه أبو داود والحاكم وابن السكن والدارقطني والبيهقي من حديث حكيم بن حزام. ولا بأس بإسناده. وله طرق أخر والكل متعاضدة وقد عمل به الصحابة، فأخرج ابن أبي شيبة عن طارق بن شهاب قال: أتي عمر بن الخطاب برجل في حد، فقال: أخرجاه من المسجد ثم اضرباه وأسنده على شرط الشيخين وأخرج عن علي عليه السلام: أن رجلا جاء إليه فساره، فقال: يا قنبر أخرجه

[ 33 ]

من المسجد فأقم عليه الحد وفي سنده مقال. وإلى عدم جواز إقامة الحد في المسجد ذهب أحمد وإسحاق والكوفيون لما ذكر من الدليل. وذهب ابن أبي ليلى والشعبي إلى جوازه ولم يذكر له دليلا وكأنه حمل النهي على التنزيه. قال ابن بطال: وقول من نزه المسجد أولى: يريد قول الاولين. 6 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: لقد أنزل الله تحريم الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر أخرجه مسلم. فيه دليل على ما سلف من تسمية نبيذ التمر خمر عند نزول آية التحريم. 7 - (وعن عمر رضي الله عنه قال: نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل متفق عليه. وأخرجه الثلاثة أيضا. ولا يقال إنه معارض بحديث أنس لان حديث أنس إخبار عما كان من الشراب في المدينة وكلام عمر ليس فيه تقييد بالمدينة وإنما هو إخبار عما يشربه الناس مطلقا، وقوله: الخمر ما خامر العقل إشارة إلى وجه التسمية، وظهره أن كل ما خالط العقل أو غطاه يسمى خمرا لغة، سواء كان مما ذكر أو غيره، ويدل له أيضا الحديث الآتي. 8 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام أخرجه مسلم. فإنه دال على أن كل مسكر يسمى خمرا. وفي قوله: كل مسكر حرام دليل على تحريم كل مسكر، وهو عام لكل ما كان من عصير أو نبيذ. وإنما اختلف العلماء في المراد بالمسكر: هل يراد تحريم القدر المسكر، وتحريم تناوله مطلقا وإن قل ولم يسكر إذا كان في ذلك الجنس صلاحية الاسكار. ذهب إلى تحريم القليل والكثير مما أسكر جنسه: الجمهور من الصحابة وغيرهم وأحمد وإسحاق والشافعي ومالك والهادوية جميعا، مستدلين بهذا الحديث وحديث جابر الآتي بعد هذا، وبما أخرجه أبو داود من حديث عائشة: كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فمل ء الكف منه حرام. وبما أخرجه ابن حبان والطحاوي من حديث سعد بن أبي وقاص: أنه (ص) قال: أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره وفي معناه روايات كثيرة لا تخلو عن مقال في أسانيدها لكنها تعتضد بما سمعت. قال أبو مظفر السمعاني: الاخبار في ذلك كثيرة لا مساغ لاحد في العدول عنها. وذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر علماء البصرة إلى أنه يحل دون المسكر من غير عصير العنب والرطب. وتحقيق مذهب الحنفية قد بسطه في شرح الكنز حيث قال: إن أبا حنيفة قال: الخمر هو النئ من ماء العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد حرم قليلها وكثيرها وقال: إن الغليان من آية الشدة، وكماله بقذف الزبد وبسكونه إذ به يتميز الصافي من الكدر. وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحدود وإكفار المستحل وحرمة البيع والنجاسة. وعند صاحبيه إذا اشتد صار خمرا ولا يشترط القذف بالزبد لان الاسم يثبت به، والمعنى المقتضي للتحريم وهو المأثر في الفساد وإيقاع العداوة. وأما الطلاء بكسر الطاء وهو العصير من العنب إن طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه، والسكر بفتحتين وهو النئ من ماء

[ 34 ]

الرطب. ونقيع الزبيب وهو النئ من ماء الزبيب فالكل حرام إن غلي واشتد وحرمتها دون الخمر. والحلال منها أربع نبيذ التمر والزبيب إن طبخ أدنى طبخ وإن اشتد إذا شرب ما لا يسكر بلا لهو وطرب، والخليطان وهو أن يخلط ماء التمر وماء الزبيب، ونبيذ العسل والتين والبر والشعير والذرة طبخ أو لا، والمثلث العنبي انتهى كلامه ببعض تصرف فيه. فهذه الانواع التي لم ينقل تحريمها استدل لها بأنها لا تدخل تحت مسمى الخمر فلا تشملها أدلة تحريم الخمر. وتؤول حديث ابن عمر هذا بما قاله الطحاوي حيث قال في تأويل الحديث قال بعضهم: المراد به ما يقع السكر عنده قال: ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلا حتى يقتل، قال: ويدل له حديث ابن عباس يرفعه حرمت الخمر قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب أخرجه النسائي ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في وصله وانقطاعه وفي رفعه ووقفه. على أنه على تقدير صحته فقد قال أحمد وغيره: إن الراجح أن الرواية فيه والمسكر بضم الميم وسكون السين لا السكر بضم السين أو بفتحتين. وعلى تقدير ثبوته فهو حديث فرد لا يقاوم ما عرفت من الاحاديث التي ذكرناها، وقد سرد لهم في الشرح أدلة من آثار وأحاديث لا يخلو شئ منها عن قادح فلا تنهض على المدعي. ثم لفظ الخمر قد سمعت أن الحق فيه لغة: عمومه لكل مسكر كما قاله مجد الدين فقد تناول ما ذكر دليل التحريم. وقد أخرج البخاري عن ابن عباس لما سأله أبو جويرية عن الباذق وهو بالباء الموحدة والذال المعجمة المفتوحة وقيل المكسورة وهو فارسي معرب أصله باذة وهو الطلاء فقال ابن عباس: سبق محمد الباذق: ما أسكر فهو حرام. الشراب الحلال الطيب. ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث. وأخرج البيهقي عن ابن عباس أنه أتاه قوم يسألون عن الطلاء فقال ابن عباس: وما طلاؤكم هذا؟ إذا سألتموني فبينوا لي الذي تسألونني عنه فقالوا: هو العنب يعصر ثم يطبخ ثم يجعل في الدنان قال: وما الدنان؟ قالوا: دنان مقيرة. قال: مزفتة؟ قالوا: نعم. قال يسكر؟ قالوا: إذا أكثر منه. قال: فكل مسكر حرام. وأخرج عنه أيضا أنه قال في الطلاء: إن النار لا تحل شيئا ولا تحرمه. وأخرج أيضا عن عائشة في سؤال أبي مسلم الخولاني قال: يا أم المؤمنين إنهم يشربون شرابا لهم - يعني أهل الشام - يقال له الطلاء. قالت: صدق الله وبلغ حبي، سمعت حبي رسول الله (ص) يقول: إن أناسا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها. وأخرج مثله عن أبي مالك الاشعري عن رسول الله (ص) أنه قال: ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها وتضرب على رؤوسهم المعازف يخسف الله بهم الارض ويجعل منهم قردة وخنازير. وأخرج عن عمر أنه قال: إني وجدت من فلان ريح شراب فزعم أنه يشرب الطلاء وإني سائل عما يشرب فإن كان يسكر جلدته، فجلده الحد تاما. وأخرج عن أبي عبيد أنقال: جاءت في الاشربة آثار كثيرة مختلفة عن النبي (ص) وأصحابه وكل له تفسير. فأولها: الخمر وهي

[ 35 ]

ما غلي من عصير العنب فهذه مما لا اختلاف في تحريمها من المسلمين إنما الاختلاف في غيرها ومنها السكر - يعني بفتحتين - وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار وفيه يروى عن ابن مسعود أنه قال: السكر خمر. ومنها البتع: بكسر الباء الموحدة والمثناة أي الفوقية الساكنة والمهملة وهو نبيذ العسل. ومنها الجعة بكسر الجيم وهي نبيذ الشعير. ومنها المزر وهو من الذرة جاء تفسير هذه الاربعة عن ابن عمر رضي الله عنهما وزاد ابن المنذر في الرواية عنه قال: والخمر من العنب والسكر من التمر. ومنها السكركة يعني بضم السين المهملة وسكون الكاف وضم الراء فكاف مفتوحة عن أبي موسى أنها من الذرة. ومنها الفضيخ: يعني بالفاء والضاد المعجمة والخاء المعجة ما افتضخ من البسر من غير أنه تمسه نار وسماه ابن عمر الفضوخ قال أبو عبيد: فإن كان مع البسر تمرر فهو الذي يسمى الخليطين، قال أبو عبيد: بعض العرب تسمي الخمر بعينها الطلاء. قاعبيد بن الابرص: هي الخمر تكنى الطلاء كما الذئب يكنى أبا جعدة قال: وكذلك الخمر سمي الباذق. إذا عرفت فهذه آثار تؤيد العمل بالعموم، ومع التعارض فالترجيح للمحرم على المبيح، ومن أدلة الجمهور الحديث الآتي: 9 - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام أخرجه أحمد والاربعة وصححه ابن حبان. وأخرجه الترمذي وحسنه ورجاله ثقات. وأخرج النسائي والدارقطني وابن حبان من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قليل ما أسكر كثيره. وفي الباب عن علي عليه السلام وعن عائشة رضي الله عنها وعن خوات وعن سعيد وعن ابن عمر وزيد بن ثابت كلها مخرجة في كتب الحديث والكل تقوم به الحجة وتقدم تحقيقه. (فائدة) ويحرم ما أسكر من أي شئ وإن لم يكن مشروبا كالحشيشة. قال المصنف: من قال إنها لا تسكر وإنما تخدر فهي مكابرة فإنها تحدث ما تحدث الخمر من الطرب والنشوة قال: وإذا سلم عدم الاسكار فهي مفترة وقد أخرج أبو داود أنه نهى رسول الله عن كل مسكر ومفتر. قال الخطابي: المفتر: كل شراب يورث الفتور والخور في الاعضاء وحكى العراقي وابن تيمية الاجماع على تحريم الحشيشة وأن من استحلها كفر. قال ابن تيمية: إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المائة السادسة من الهجرة حين ظهرت دولة التتار وهي من أعظم المنكرات، وهي شر من الخمر من بعض الوجوه لانها تورث نشوة ولذة وطربا كالخمر، (ويصعب الطعام عليها أعظم من الخمر) وقد أخطأ القائل: حرموها من غير عقل ونقل وحرام تحريم غير الحرام وأما البنج فهو حرام. قال ابن تيمية: إن الحد في الحشيشة واجب، قال ابن البيطار: إن الحشيشة وتسمى القنب توجد في مصر مسكرة جدا إذا تناول الانسان منها قدر درهم أو درهمين، وقبائح خصالها كثيرة وعد منها بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دينية

[ 36 ]

ودنيوية، وقبائح خصالها موجودة في الافيون وفيه زيادة مضار. قال ابن دقيق العيد في الجوزة: إنها مسكرة ونقله عنه متأخرو علماء الفريقين واعتمدوه. 10 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبذ له الزبيب في السقاء فيشربه يومه، والغد وبعد الغد فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه فإن فضل) بفتح الضاد وكسرها (شئ أهراقه. أخرجه مسلم). هذه الرواية إحدى روايات مسلم، وله ألفاظ أخر قريبة من هذه في المعنى، وفي دليل على جواز الانتباذ ولا كلام في جوازه. وقد احتج من يقول بجواز شرب النبيذ إذا اشتد بقوله في رواية أخرى سقاه الخادم أو أمر بصبه فإن سقيه الخادم دليل على جواز شربه وإنما تركه صلى الله عليه وسلم تنزها عنه. وأجيب: بأنه لا دليل على أنه بلغ حد الاسكار وإنما بدا فيه بعض تغير في طعمه من حموضة أو نحوها فسقاه الخادم مبادرة لخشية الفساد. ويحتمل أن تكون أو للتنويع كأنه قال سقاه الخادم أو أمر به فأهريق أي إن كان بدا فطعمه بعض تغير ولم يشتد سقاه الخادم، وإن اشتد أمر بإهراقه، وبهذا جزم النووي في معنى الحديث. 11 - (وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي (ص) إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم أخرجه البيهقي وصححه ابن حبان. وأخرجه أحمد وذكره البخاري تعليقا عن ابن مسعود ويأتي ما أخرجه مسلم عن وائل بن حجر. والحديث دليل على أنه يحرم التداوي بالخمر لانه إذا لم يكن فيه شفاء فتحريم شربها باق لا يرفعه تجويز أنه يدفع بها الضرر عن النفس وإلى هذا ذهب الشافعي. وقالت الهادوية: إلا إذا غص بلقمة ولم يجد ما يسوغها به إلا الخمر جاز وادعى في البحر الاجماع على هذا وفيه خلاف. وقال أبو حنيفة: يجوز التداوي بها كما يجوز شرب البول والدم وسائر النجاسات للتداوي، قلنا: القياس باطل فإن المقيس عليه محرم بالنص المذكور لعمومه لكل محرم. (فائدة): في النجم الوهاج قال الشيخ: كل ما يقول الاطباء من المنافع في الخمر وشربها كان عند شهادة القرآن أن فيها منافع للناس، قيل: وأما بعد نزول آية المائدة فإن الله تعالى الخالق لكل شئ سلبها المنافع جملة فليس فيها شئ من المنافع وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر. والذي قاله منقول عن الربيع والضحاك وفيه حديث أسنده الثعلبي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى لما حرم الخمر سلبها النافع. 12 - (وعن وائل) هو ابن حجر بضم احاء وسكون الجيم (الحضرمي أن طارق بن سويد سأل النبي (ص) عن الخمر يصنعها للدواء فقال: إنها ليست بدواء ولكنها داء أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما) أفاد الحكم الذي دل عليه الحديث الاول وهو تحريم التداوي بالخمر، وزيادة الاخبار بأنها داء،

[ 37 ]

وقد علم من حال من يستعملها أنه يتولد عن شربها أدواء كثيرة. وكيف لا يكون ذلك بعد إخبار الشارع أنها داء فقبح الله وصافها من الشعراء الخلعاء ووصاف شربها وتشويق الناس إلى شربها والعكوف عليها كأنهم يضادون الله تعالى ورسوله فيما حرمه ولا شك أنهم يقولون تلك الاشعار بلسان شيطاني يدعون إلى ما حرمه الله تعالى ورسوله. باب التعزير وحكم الصائل التعزير: مصدر عزر من العزر وهو الرد والمنع، وهو في الشرع: تأديب على ذنب لا حد فيه. وهو مخالف للحدود من ثلاثة أوجه: الاول: أنه يختلف باختلاف الناس فتعزير ذوي الهيئات أخف، ويستوون في الحدود مع الناس. والثاني: أنها تجوز فيه الشفاعة دون الحدود. والثالث: التالف به مضمون، خلافا لابي حنيفة ومالك. وقد فرق قوم بين التعزير والتأديب، ولا يتم لهم الفرق، ويسمى تعزير الدفعة ورده عن فعل القبائح، ويكون بالقول والفعل على حسب ما يقتضيه حال الفاعل. وقوله: وحكم الصائل الصائل: اسم فاعل من صال على قرنه إذا سطا عليه واستطال. 1 - (عن أبي بردة الانصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يجلد) روي مبنيا للمعلوم ومبنيا للمجهول ومجزوما على النهي ومرفوعا على النفي (فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى متفق عليه). وفي رواية عشر جلدات وفي رواية: لا عقوبة فوق عشر ضربات. والمراد بحدود الله: ماعين الشارع فيه عددا من الضرب أو عقوبة مخصوصة كالقطع والرجم، وهذان داخلان في عموم حدود الله خارجان عما فيه السياق إذ السياق في الضرب. وقد اتفق العلماء على حد الزنا والسرقة وشرب الخمر وحد المحارب وحد القذف بالزنا والقتل في الردة والقصاص في النفس. واختلفوا في القصاص في الاطراف هل يسمى حدا أم لا؟ كما اختلفوا في عقوبة جحد العارية واللواط وإتيان البهيمة وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها، والسحاق وأكل الدم والميتة ولحم الخنزير لغير ضرورة والسحر والقذف بشرب الخمر وترك الصلاة تكاسلا والاكل في رمضان هل يسمى حدا أو لا؟. فمن قال: يسمى حدا أجاز الزيادة في التعزير عليها على العشر الاسواط ومن قال: لا يسمى لم يجزه. إلا أنه قد اختلف في العمل بحديث الباب، فذهب إلى الاخذ به: الليث وأحمد وإسحق وجماعة من الشافعية. وذهب مالك والشافعي وزيد بن علي وآخرون: إلى جواز الزيادة في التعزير على العشرة ولكن لا يبلغ أدنى الحدود. وذهب القاسم والهادي: إلى أن يكون التعزير في كل حد دون حد جنسه لما يأتي من فعل علي عليه السلام. قلت: لا دليل لهم إلا فعل بعض الصحابة، كما روي أن عليا عليه السلام جلد من وجد مع امرأة من غير زنا مائة سوط إلا سوطين. وأن عمر رضي الله عنه ضرب من نقش على

[ 38 ]

خاتمة مائة سوط. وكذا روي عن ابن مسعود. ولا يخفى أن فعل بعض الصحابة ليس بدليل ولا يقاوم النص الصحيح وأن ما نقل عن عمر لا يتم لهدليلا، ولعله لم يبلغ الحديث من فعل ذلك من الصحابة، كما أنه قال صاحب التقريب معتذرا: لو بلغ الخبر الشافعي لقال به لانه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ومثله قال الداودي معتذرا لمالك: لم يبلغ مالكا هذا الحديث فرأى العقوبة بقدر الذنب. ولو بلغه ما عدل عنه فيجب على من بلغه أن يأخذ به. 2 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي. وللحديث طرق كثيرة لا تخلو عن مقال. والاقالة: هي موافقة البائع على نقض البيع. وأقيلوا هنا مأخوذ منها والمراد هنا موافقة ذي الهيئة على ترك المؤاخذة له أو تخفيفها. وفسر الشافعي ذوي الهيئات بالذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة. والعثرات جمع عثرة والمراد هنا الزلة. وحكى الماوردي في ذلك وجهين: أحدهما أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر، والثاني من إذا أذنب تاب. وفي عثراتهم وجهان: أحدهما الصغائر: والثاني أول معصية يزل فيها مطيع. واعلم أن الخطاب في أقيلوا للائمة لانهم الذين إليهم التعزير لعموم ولاتهم فيجب عليهم الاجتهاد في اختيار الاصلح لاختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس وباختلاف المعاصي وليس له أن يفوضه إلى مستحقه ولا إلى غيره. وليس التعزير لغير الامام إلا لثلاثة: الاب فإن له تعزير ولده الصغير للتعليم والزجر عن سئ الاخلاق - والظاهر أن الام في مسألة زمن الصبا في كفالته لها ذلك - وللامر بالصلاة والضرب عليها، وليس للاب تعزير البالغ وإن كان سفيها والثاني: السيد يعزر رقيقه في حق نفسه وفي حق الله تعالى على الاصح. والثالث: الزوج له تعزير زوجته في أمر النشوز كما صرح به القرآن. وهل له ضربها على ترك الصلاة ونحوها؟ الظاهر أن له ذلك إن لم يكف فيها الزجر لانه من باب إنكار المنكر، والزوج من جملة من يكلف بالانكار باليد أو اللسان أو الجنان والمراد هنا الاولان. 3 - (وعن علي رضي الله عنه قال: ما كنت لاقيم على أحد حدا فيموت فأجد في نفسي إلا شارب الخمر فإنه لو مات وديته) بتخفيف الدال المهملة وسكون المثناة التحتية أي غرمت ديته (أخرجه البخاري). فيه دليل على أن الخمر لم يكن فيه حد محدود من رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم فهو من باب التعزيرات، فإن مات ضمنه الامام، وكذا كل معزر يموت بالتعزير يضمنه الامام وإلى هذا ذهب الجمهور. وذهبت الهادوية: إلى أنه لا شئ فيمن مات بحد أو تعزير قياسا منهم للتعزير على الحد، بجامع أن الشارع قد أذن فيهما، قالوا: ح وقول علي عليه السلام إنما هو للاحتياط. وتقدم الجواب بأنه إذا أعنت في التعزير دل على أنه غير مأذون فيه من أصله بخلاف الاعنات في الحد فإنه لا يضمن لانه مأذون في أصله، فإن أعنت فإنه للخطأ في صفته، وكأنهم يريدون أنه لم يكن مأذونا في غير ما أذن به بخصوصه كالضرب مثلا، وإلا فهو مأذون في مطلق التعزير. وتأويلهم لقول علي عليه السلام ساقط فإنه صريح في أن ذلك واجب لا من باب الاحتياط ولان في تمام حديثه: لان رسول الله صلى الله

[ 39 ]

عليه وسلم لم يسنه. وأما قوله: جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين - إلى قوله - وكل سنة وقد تقدم، فلعله يريد أنه جلد جلدا غير مقدر ولا تقررت صفته بالجريد والنعال والايدي. ولذا قال أنس: نحو أربعين. قال النووي في شرح مسلم ما معناه: وأما من مات في حد من الحدود غير الشرب فقد أجمع العلماء على أنه إذا جلده الامام أو جلاده فمات فإنه لا دية ولا كفارة على الامام ولا على جلاده ولا بيت المال، وأما من مات بالتعزير فمذهبنا وجوب الضمان للدية والكفارة وذكر تفاصيل في ذلك مذهبية. 4 - (وعن عبد الله بن خباب) بفتح الخاء المعجمة فموحدة مشددة فألف فموحدة وهو خباب بن الارت صحابي تقدمت ترجمته (قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول ولا تكن القاتل أخرجه ابن أبي خيثمة) بالخاء المعجمة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فمثلثة (والدارقطني. وأخرج أحمد نحوه عن خالد بن عرفطة) بضم العين المهملة وسكون الراء وضم الفاء وبالطاء المهملة. وخالد صحابي عداده في أهل الكوفة روى عنه أبو عثمان النهدي وعبد الله بن يسار ومسلم مولاه. ولاه سعد بن أبي وقاص القتال يوم القادسية ومات بالكوفة سنة ستين. والحديث قد أخرج من طرق كثيرة وفيها كلها راو لم يسم وهو رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم. وسبب الحديث: أنه قال ذلك الرجل إن الخوارج دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذعرا يجر رداءه فقال: والله أرعبتموني مرتين قالوا: أنت عبد الله بن خباب؟ قال: نعم، قالوا: هل سمعت من أبيك شيئا تحدثنا به؟ قال: سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركك ذلك فكن عبد الله المقتول، قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه وبقروا أم ولده عما في بطنها. والحديث قد أخرجه أحمد والطبراني وابن قانع من غير طريق المجهول إلا أن فيه علي بن زيد بن جدعان وفهي مقال ولفظه: عن خالد بن عرفطة ستكون فتنة بعدي وأحداث واختلاف فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل. وأخرج أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: فإن دخل على بيتي وبسط يده ليقتلني " قال: كن كابن آدم. وأخرج أحمد من حديث ابن عمر بلفظ " ما يمنع أحدكم إذا جاء أحد يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم القاتل في النار والمقتول في الجنة " وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الفتنة: كسرو فيها قسيكم وأوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل على أحدكم بيته فليكن كخير ابني آدم وصححه القشيري في الاقتراح على شرط الشيخين. والحديث دليل على ترك القتال عند ظهور الفتن، والتحذير من الدخول فيها، قال القرطبي: اختلف السلف في ذلك فذهب سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة

[ 40 ]

وغيرهم إلى أنه يجب الكف عن المقاتلة، فمنهم من قال: إنه يجب عليه أن يلزم بيته، وقالت طائفة: يجب عليه التحول من بلد الفتنة أصلا، ومنهم من قال: يترك المقاتلة وهو قول الجمهور. وشذ من أوجبه حتى لو أراد أحدهم قتله لم يدفعه عن نفسه، ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وعن أهله وعن ماله وهو معذور إن قتل أو قتل. وذهب جمهور الصحابة والتابعين: إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين وحملوا هذه الاحاديث على من ضعف عن القتال أو قصر نظره عن معرفة الحق، وقال بعضهم: بالتفصيل، وهو أنه إذا كان القتال بين طائفتين لا إمام لهم فالقتال حينئذ ممنوع وتنزل الاحاديث على هذا وهقول الاوزاعي. وقال الطبري: إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المبطل أخطأ، وإن أشكل الامر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها، وقيل: إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث تكون المقاتلة لطلب الملك. وفيه دليل على أنه لا يجب الدفاع عن النفس، وقوله: إن استطعت يدل على أنها لا تحرم المدافعة وأن النهي للتنزيه لا للتحريم. في الصائل - وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من قتل دون ماله فهو شهيد رواه الاربعة وصححه الترمذي. في الحديث دليل على جواز الدفاع عن المال وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه، فإذا قتل فهو شهيد كما صرح به هذا الحديث، وحديث مسلم عن أبي هريرة أنه جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه. قال: فإن قاتلني قال: فاقتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: فهو في النار قالوا: فإن قتله فلا ضمان عليه لعدم التعدي منه، والحديث عام لقليل المال وكثيره وقد أخرج أبو داود وصححه الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد. ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد وفي الصحيحين ذكر المال فقط. ووجه الدلالة أنه لما جعله صلى الله عليه وسلم شهيدا دل على أن له القتل والقتال. قال في النجم الوهاج: ومحل ذلك إذا لم يجد ملجأ كحصن ونحوه أو لم يستطع الهرب وإلا وجب عليه. قلت: لا أدري ما وجه وجوب الهرب عليه، قالوا: ولا يجب الدفع عن المال بل جوز له أن يتظلم، إلا أنه قد تقدم أن علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالامر بالصبر على جوره فلا يجوز دفاعه عن أخذ المال ويجب الدفع عن البضع لانه لا سبيل إلى إباحته. قالوا: وكذلك يجب على النفس إن قصدها كافر لا إذا قصدها مسلم فلا يجب، لما تقدم قريبا في شرح الحديث الاول. وصح أن عثمان رضي الله عنه منع عبيده أن يدفعوا عنه وكانوا

[ 41 ]

أربعمائة وقا: من ألقى سلاحه فهو حر. قالوا: وخالف المضطر فإن في القتل شهادة بخلاف ترك الاكل. وهل ترك الدفاع عن قتل النفس مباح أو مندوب؟ فيه خلاف. كتاب الجها الجهاد: مصدر جاهدت جهادا أي بلغت المشقة، هذا معناه لغة. وفي الشرع: بذل الجهد في قتال الكفار أو البغاة. 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق رواه مسلم. فيه دليل على وجوب العزم على الجهاد، وألحقوا به فعل كل واجب، قالوا: فإن كان من الواجبات المطلقة كالجهاد وجب العزم على فعله عند إمكانه وإن كان من الواجبات المؤقتة وجب العزم على فعله عند دخول وقته. وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الاصول، وفي المسألة خلاف معروف. ولا يخفى أن المراد من الحديث هنا أن من لم يغز بالفعل ولم يحدث نفسه بالغزو مات على خصلة من خصال النفاق، فقوله: ولم يحدث نفسه لا يدل على العزم الذي معناه عقد النية على الفعل، بل معناه هنا لم يخطر بباله أن يغزو، ولا حدث به نفسه ولو ساعة من عمره ولو حدثها به أو خطر الخروج للغزو بباله حينا من الاحيان، خرج من الاتصاف بخصلة من خصال النفاق. وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم: ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه أي لم يخطر بباله شئ من الامور، وحديث النفس غير العزم وعقد النية. ودل على أن من حدث نفسه بفعل طاعة ثم مات قبل فعلها أنه لا يتوجه عليه عقوبة من لم يحدث نفسه بها أصلا. 2 - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم. الحديث دليل على وجوب الجهاد بالنفس، وهو: بالخروج والمباشرة للكفار، وبالمال وهو: بذله لما يقوم به من النفقة في الجهاد والسلاح ونحوه. وهذا هو المفاد من عدة آيات في القرآن * (جاهدوا بأموالكم وأنفسكم) * والجهاد باللسان بإقامة الحجة عليهم ودعائهم إلى الله تعالى، وبالاصوات عند اللقا والزجر ونحوه من كل ما فيه نكاية للعدو * (لا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح) * وقال صلى الله عليه وعلى وسلم لحسان: إن هجو الكفار أشد عليهم من وقع النبل. 3 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟) هو خبر في معنى الاستفهام وفي رواية: أعلى النساء؟ (قال: نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة. رواه ابن ماجه وأصله في البخاري) بلفظ قالت عائشة: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال: جهادكن الحج وفي لفظ له آخر فسأله نساؤه عن الجهاد فقال نعم، الجهاد الحج، وأخرج النسائي عن أبي هريرة جهاد الكبير - أي

[ 42 ]

العاجز - والمرأة والضعيف: الحج. دل ما ذكر على أنه لا يجب الجهاد على المرأة، وعلى أن الثواب الذي يقوم مقام ثواب جهاالرجال حج المرأة وعمرتها، ذلك لان النساء مأمورات بالستر والسكون، والجهاد ينافي ذلك، إذ فيه مخالطة الاقران والمبارزة ورفع الاصوات. وأما جواز الجهاد لهن فلا دليل في الحديث على عدم الجواز، وقد أردف البخاري هذا الباب بباب خروج النساء للغزو وقتالهن وغير ذلك. وأخرج مسلم من حديث أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه فهو يدل على جواز القتال وإن كان فيه ما يدل على أنها لا تقاتل إلا مدافعة وليس فيه أنها تقصد العدو إلى صفته وطلب مبارزته. وفي البخاري ما يدل على أن جهادهن إذا حضرن مواقف الجهاد سقي الماء ومداواة المرض ومناولة السهام. 4 - (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد متفق عليه. سمي إتعاب النفس في القيام بمصالح الابوين، وإزعاجها في طلب ما يرضيهما وبذل المال في قضاء حوائجهما جهادا من باب المشاكلة لما استأذنه في الجهاد، من باب قوله تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) *. ويحتمل أن يكون استعارة بعلاقة الضدية، لان الجهاد فيه إنزال الضرر بالاعداء واستعمل في إنزال النفع بالوالدين. وفي الحديث دليل على أنه يسقط فرض الجهاد مع وجود الابوين أو أحدهما لما أخرجه أحمد والنسائي من طريق معاوية بن جاهمة أن أبا جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئت لاستشيرك فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم قال: الزمها وظاهره سواء كان الجهاد فرض عين أو فرض كفاية، وسواء تضرر الابوان بخروجه أو لا. وذهب الجماهير من العلماء إلى أنه يحرم الجهاد على الولد إذا منعه الابوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين لان برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية. فإذا تعين الجهاد فلا. فإن قيل: بر الوالدين فرض عين أيضا، والجهاد عند تعينه فرض عين، فهما مستويان ما وجه تقديم الجهاد؟ قلت: لان مصلحته أعم، إذ هي لحفظ الدين والدفاع عن المسلمين، فمصلحته عامة مقدمة على غيرها وهو يقدم على مصلحة حفظ البدن. وفيه دلالة على عظم بر الوالدين فإنه أفضل من الجهاد وأن المستشار يشير بالنصيحة المحضة. وأنه ينبغي له أن يستفصل من مستشيره ليدله على ما هو الافضل. 5 - (ولاحمد وأبي داود من حديث أبي سعيد نحوه) في الدلالة على أنه لا يجب عليه الجهاد ووالداه في الحياة إلا بإذنهما كما دل له قوله (وزاد) أي أبو سعيد في رواية (ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك) بالخروج للجهاد (وإلا فبرهما) بعدم الخروج للجهاد وطاعتهما. 6 - (وعن جرير البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص):

[ 43 ]

أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين رواه الثلاثة وإسناده صحيح ورجح البخاري إرساله. وكذا رجح أيضا أبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم. ورواه الطبراني موصولا. والحديث دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين من غير مكة، وهو مذهب الجمهور لحديث جرير ولما أخرجه النسائي من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين ولعموم قوله تعالى: * (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) *. الآية. وذهب الاقل إلى أنها لا تجب الهجرة وأن الاحاديث منسوخة للحديث الآتي وهو قوله: 7 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية متفق عليه. قالوا: فإنه عام ناسخ لوجوب الهجرة الدال عليه ما سبق، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر من أسلم من العرب بالمهاجرة إليه، ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم، ولانه صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال لاميرهم: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين الحديث سيأتي بطوله، فلم يوجب عليهم الهجرة، والاحاديث غير حديث ابن عباس محمولة على من لا يأمن على دينه قالوا: وفي هذا جمع بين الاحاديث. وأجاب من أوجب الهجرة بأن حديث لا هجرة يراد به نفيها عن مكة، كما يدل له قوله: بعد الفتح فإن الهجرة كانت واجبة من مكة قبله. وقال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الاسلام وكانت فرضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت بالاصالة هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان. وقوله: ولكن جهاد ونية قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة للوطن التي كانت مطلوبة على الاعيان إلى المدينة قد انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار من الفتن، والنية في جميع ذلك معتبرة. وقال النووي: المعنى أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة. وجهاد معطوف بالرفع على محل اسم لا. 8 - (وعن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليه. وفي الحديث هنا اختصار ولفظه عن أبي موسى أنه قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: من

[ 44 ]

قاتل الحديث. والحديث دليل على أن القتال في سبيل الله يكتب أجره لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ومفهومه أن من خلا عن هذه الخصلة فليس في سبيل الله وهو من مفهوم الشرط. ويبقى الكلام فيما إذا انضم إليها قصد غيرها، وهو المغنم مثلا، هل هو في سبيل الله أو لا؟ قال الطبري: إنه إذا كان أصل المقصد إعلاء كلمة الله تعالى لم يضر ما حصل من غيره ضمنا، وبذلك قال الجمهور. والحديث يحتمل أنه لا يخرج عن كونه في سبيل الله مع قصد التشريك لانه قد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويتأيد بقوله تعالى: * (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) * فإن ذلك لا ينافي فضيلة الحج فكذلك في غيره. فعلى هذا: العمدة الباعث على الفعل، فإن كان هو إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه ضمنا. وبقي الكلام فيما إذا استوى القصدان، فظاهر الحديث والآية: أنه لا يضر، إلا أنه أخرج أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر، ماله؟ قال: لا شئ له فأعاده ثلاثة، كل ذلك يقول لا شئ له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه. قلت: فيكون هذا دليلا على أنه إذا استوى الباعثان الاجر والذكر مثلا بطل الاجر، ولعل بطلانه هنا لخصوصية طلب الذكر لانه انقلب عمله للرياء والرياء مبطل لما يشاركه، بخلاف طلب المغنم فإنه لا ينافي الجهاد بل إذا قصد بأخذ المغنم إغاظة المشركين والانتفاع به على الطاعة كان له أجر فإنه تعالى يقول: * (ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح) * والمراد النيل المأذون فيه شرعا. وفي قوله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه قبل القتال دليل على أنه لا ينافي قصد المغنم القتال بل ما قاله إلا ليجتهد السامع في قتال المشركين. وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسولي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة. ولا يخفى أن الاخبار هذه دليل على جواز تشريك النية إذ الاخبار به يقتضي ذلك غالبا. ثم إنه قد يقصد المشركون لمجرد نهب أموالهم كما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه في غزاة بدر لاخذ عير المشركين، ولا ينافي ذلك أن تكون كلمة الله هي العليا، بل ذلك من إعلاء كلمة الله تعالى، وأقرهم الله تعالى على ذلك بل قال تعالى: * (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) * ولم يذمهم بذلك، مع أن في هذا الاخبار إخبارا لهم بمحبتهم للمال دون القتال، فإعلاء كلمة الله يدخل فيه إخافة المشركين وأخذ أموالهم وقطع أشجارهم ونحوه. وأما حديث أبي هريرة عند أبي داود أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من الدنيا، فقال لا أجر له فأعاد عليه ثلاثا كل ذلك يقول: لا أجر له. فكأنه فهم (ص) أن الحامل هو العرض من الدنيا فأجابه بما أجاب، وإلا فإنه قد كان تشريك الجهاد بطلب الغنيمة أمرا معروفا في الصحابة، فإنه أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: اللهم ارزقني رجلا شديدا أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني عليه الصبر

[ 45 ]

حتى أقتله وآخذ سلبه. فهذا يدل على أن طلب العرض من الدنيا مع الجهاد كان أمرا معلوما جوازه للصحابة فيدعون اللبنيله. 9 - (وعن عبد الله بن السعدي رضي الله عنه) هو أبو محمد عبد الله بن السعدي وفي اسم السعدي أقوال، وإنما قيل له السعدي لانه كان مسترضعا في بني سعد، سكن عبد الله الاردن، ومات بالشام سنة خمسين على قول، له صحبة ورواية. قاله ابن الاثير. ويقال فيه ابن السعدي نسبة إلى جده ويقال فيه: ابن الساعدي كما في أبي داود (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو رواه النسائي وصححه ابن حبان). دل الحديث على ثبوت حكم الهجرة وأنه باق إلى يوم القيامة، فإن قتال العدو مستمر إلى يوم القيامة، ولكنه لا يدل على وجوبها، ولا كلام في ثوابها مع حصول مقتضيها، وأما وجوبها ففيه ما عرفت. 10 - (وعن نافع) هو مولى بن عمر، يقال: أبو عبد الله نافع بن سرجس بفتح السين وسكون الراء وكسر الجيم، كان من كبار التابعين من أهل المدينة سمع ابن عمر وأبا سعيد وهو من الثقات المشهورين بالحديث المأخوذ عنهم مات سنة سبع عشرة ومائة وقيل عشرين (قال: أغار رسول الله (ص) على بني المصطلق) بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف بطن شهير من خزاعة (وهم غارون) بالغين المعجمة وتشديد الراء جمع غار أي غافلون على غرة (فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم. حدثني بذلك عبد الله بن عمر. متفق عليه وفيه: وأصاب يومئذ جويرية) فيه مسألتان: الاولى: الحديث دليل على جواز المقاتلة قبل الدعاء إلى الاسلام في حق الكفار الذين قد بلغتهم الدعوة من غير إنذار، وهذا أصح الاقوال الثلاثة في المسألة وهي: عدم وجوب الانذار مطلقا، ويرد عليه حديث بريدة الآتي. والثاني: وجوبه مطلقا، ويرد عليه هذا الحديث. والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم ولكن يستحب. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وعلى معناه تظاهرت الاحاديث الصحيحة وهذا أحدها، وحديث كعب بن الاشرف، وقتل ابن أبي الحقيق وغير ذلك. وادعى في البحر الاجماع على وجوب دعوة من لم تبلغ دعوة الاسلام. والثانية: في قوله: فسبى ذراريهم دليل على جواز استرقاق العربلان بني المصطلق عرب من خزاعة، وإليه ذهب جمهور العلماء وقال به مالك وأصحابه وأبو حنيفة والاوزاعي. وذهب آخرون: إلى عدم جواز استرقاقهم وليس لهم دليل ناهض، ومن طالع كتب السير والمغازي علم يقينا استرقاقه صلى الله عليه وسلم للعرب غير الكتابيين كهوازن وبني المصطلق، وقال لاهل مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء وفادى أهل بدر، والظاهر أنه لا فرق بين الفداء والقتل والاسترقاق لثبوتها في غير العرب مطلقا، وقد ثبتت فيهم ولم يصح تخصيص ولا نسخ. قال أحمد بن حنبل: لا أذهب إلى قول عمر ليس على عربي ملك. وقد سبى النبي (ص) من العرب كما ورد

[ 46 ]

في غير حديث وأبو بكر وعلي رضي الله عنهما سبيا بني ناجية. ويدله الحديث الآتي: 11 - (وعن سليمان بن بريدة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على الجيش) هم الجند أو السائرون إلى الحرب أو غيره، في نسخة لا غيرها (أو سرية) هي القطعة من الجيش تخرج منه تغير على العدو وترجع إليه (أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا. ثم قال اغزوا باسم الله في سبيل الله تعالى، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا) بالغين المعجمة والغلول الخيانة في المغنم مطلقا (ولا تغدروا) الغدر ضد الوفاء (ولا تمثلوا) من المثلة، يقال مثل بالقتيل إذا قطع أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه (ولا تقتلوا وليدا) المراد غير البالغ سن التكليف (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال) أي إلى إحدى ثلاث خصال، وبينها بقوله: (فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم) أي القتال، وبينها بقوله: (ادعهم إلى الاسلام فإن أجابوك فاقبل منهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم بأنهم يكونون كأعراب المسلمين) وبيان حكم أعراب المسلمين تضمنه قوله: (ولا يكون لهم في الغنيمة) الغنيمة: ما أصيب من مال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب (والفئ) هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد (شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا) أي الاسلام (فاسألهم الجزية) وهي الخصلة الثانية من الثلاث (فإن هم أجابوك فأقبل منهم وإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) وهذه هي الخصلة الثالثة (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تفعل ولكن اجعل لهم ذمتك) علل النهي بقوله (فإنكم إن تخفروا) بالخاء المعجمة والفاء والراء من أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه (ذمتكم أهون من أن تخفروا ذمة الله، وأن أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل بل على حكم‍ ك) علل النهي بقوله: (فإنك لا تدري: أتصيب فيهم حكم الله تعالى أم لا أخرجه مسلم). في الحديث مسائل: الاولى: دل على أنه إذا بعث الامير من يغزو، أوصاه بتقوى الله وبمن يصحبه من المجاهدين خيرا، ثم يخبره بتحريم الغلو من الغنيمة وتحريم الغدر وتحريم المثلة وتحريم قتل صبيان المشركين، وهذه محرمات بالاجماع، ودل على أنه يدعو أمير المشركين إلى الاسلام قبل قتالهم، وظاهره وإن كان قد بلغتهم الدعوة، لكنه مع بلوغها يحمل على الاستحباب، كما دل له إغارته (ص) على بني المصطلق وهم غارون وإلا وجب دعاؤهم. وفيه دليل على دعائهم إلى الهجرة بعد إسلامهم، وهو مشروع ندبا بدليل ما في الحديث من الاذن لهم في البقاء. وفيه دليل على أن الغنيمة والفئ لا يستحقهما إلا المهاجرون، وأن الاعراب

[ 47 ]

لا حق لهم فيهما إلا أن يحضروا الجهاد، وإليه ذهب الشافعي، وذهب غيره إلى خلافه وادعوا نسخ الحديث ولم يأتوا ببرهان على نسخه. المسألة الثانية: في الحديث دليل على أن الجزية تؤخذ من كل كافر كتابي أو غير كتابي عربي أو غير عربي لقوله عدوك وهو عام، وإلى هذا ذهب مالك والاوزاعي وغيرهما. وذهب الشافعي: إلى أنها لا تقبل الا من أهل الكتاب والمجوس عربا كانوا أو عجما لقوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية) * بعد ذكر أهل الكتاب ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: سنوا بهم سنة أهل الكتاب وما عداهم داخلون في عموم قوله تعالى: * (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) * وقوله: * (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) *. واعتذروا عن الحديث بأنه وارد قبل فتح مكة بدليل الامر بالتحول والهجرة، والآيات بعد الهجرة، فحديث بريدة منسوخ أو متأول بأن المراد بعدوك من كان من أهل الكتاب. قلت: والذي يظهر عموم أخذ الجزية من كل كافر لعموم حديث بريدة. وأما الآية فأفادت أخذ الجزية من أهل الكتاب، ولم تتعرض لاخذها من غيرهم ولا لعدم أخذها، والحديث بين أخذها من غيرهم. وحمل عدوك على أهل الكتا ب في غاية البعد، وإن قال ابن كثير في الارشاد: إن آية الجزية إنما نزلت بعد انقضاء حرب المشركين وعبدة الاوثان ولم يبق بعد نزولها إلا أهل الكتاب، قاله تقوية لمذهب إمامه الشافعي، ولا يخفى بطلان دعواه: بأنه لم يبق بعد نزول آية الجزية إلا أهل الكتاب، بل بقي عباد النيران من أهل فارس وغيرهم، وعباد الاصنام من أهل الهند، وأما عدم أخذها من العرب فلانها لم تشرع إلا بعد الفتح، وقد دخل العرب في الاسلام، ولم يبق منهم محارب فلم يبق فيهم بعد الفتح من يسبي، ولا من تضرب عليه الجزية، بل من خرج بعد ذلك عن الاسلام منهم فليس إلا السيف أو الاسلام كما أن ذلك الحكم في أهل الردة، وقد سبى صلى الله عليه وسلم قبل ذلك من العرب بني المصطلق وهوازن، وهل حديث الاستبراء إلا في سبايا أوطاس؟. واستمر هذا الحكم بعد عصره صلى الله عليه وسلم ففتحت الصحابة رضي الله عنهم بلاد فارس والروم، وفي رعاياهم العرب خصوصا الشام والعراق ولم يبحثوا عن عربي من عجمي بل عمموا حكم السبي والجزية على جميع من استولوا عليه. وبهذا يعرف أن حديث بريدة كان بعد نزول فرض الجزية وفرضها كان بعد الفتح فكان فرضها في السنة الثانية عند نزول سور براءة، ولذا نهى فيه عن المثلة ولم ينزل النهي عنها إلا بعد أحد. وإلى هذا المعنى جنح ابن القيم في الهدي ولا يخفى قوته. المسألة الثالثة: تضمن الحديث النهي عن إجابة العدو إلى أن يجعل لهم الامير ذمة الله وذمة رسوله بل يجعل لهم ذمته، وقد علله بأن الامير ومن معه إذا أخفروا ذمتهم أي: نقضوا عهدهم، فهو أهون عند الله من أن يخفروا ذمته تعالى، وإن كان نقض الذمة محرما مطلقا. قيل: وهذا النهي للتنزيه لا للتحريم، ولكن الاصل فيه التحريم، ودعوى الاجماع على أنه للتنزيه لا تتم. وكذلك تضمن النهي عن إنزالهم على حكم الله، وعلله: بأنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا، فلا ينزلهم على شئ لا يدري أيقع أم لا؟ بل ينزلهم

[ 48 ]

على حكمه. وهو دليل على أن الحق في مسائل الاجتهاد مع واحد وليس كل مجتهد مصيبا للحق، وقد أقمنا أدلة حقية هذا القول في محل آخر. 12 - (وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد غزوة ورى) بفتح الواو وتشديد الراء أي سترها (بغيرها. متفق عليه). وقد جاء الاستثناء في ذلك بلفظ إلا في غزوة تبوك فإنه أظهر لهم مراده وأخرجه أبو داود وزاد فيه: ويقول الحرب خدعة وكانت توريته أنه إذا قصد جهة سأل عن طريق جهة أخرى إيهاما أنه يريدها، وإنما يفعل ذلك لانه أتم فيما يريده من إصابة العدو وإتيانهم على غفلة من غير تأهبهم له. وفيه دليل على جواز مثل هذا، وقد قال (ص): الحرب خدعة. 13 - (وعن معقل بن النعمان بن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء فنون، ولم يذكر ابن الاثير معقل بن مقرن في الصحابة، إنما ذكر النعمان ابن مقرن وعزا هذا الحديث إليه، وكذلك البخاري وأبو داود والترمذي أخرجوه عن النعمان بن مقرن فينظر، فما أظن معقل إلا سبق قلم - والشارح وقع له أنه قال: هو معقل بن النعمان بن مقرن المزني ولا يخفى أن النعمان هو ابن مقرن فإذا كان له أخ فهو معقل بن مقرن لا ابا النعمان. قال ابن الاثير: إن النعمان هاجر ومعه سبعة إخوة له. يريد أنهم هاجروا كلهم معه فراجع‍ ت التقريب للمصنف فلم أجد فيه صحابيا يقال له معقل ابن النعمان ولا ابن مقرن بل فيه النعمان بن مقرن فتعين أن لفظ معقل في نسخ بلوغ المرام سبق قلم وهو ثاب‍ ت فيما رأيناه من نسخة (قال: شهدت رسول الله (ص) إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر. رواه أحمد والثلاثة وصححه الحاكم وأصله في البخاري). فإنه أخرجه عن النعمان بن مقرن بلفظ: إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الارواح وتحضر الصلاة. قالوا: والحكمة في التأخير إلى وقت الصلاة مظنة إجابة الدعاء، وأما هبوب الرياح فقد وقع به النصر في الاحزاب كما قال تعالى: * (فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها) * (الاحزاب: 9) فكان توخي هبوبها مظنة للنصر، وقد علل بأن الرياح تهب غالبا بعد الزوال فيحصل بها تبريد حد السلاح للحرب والزيادة للنشا. ولا يعارض هذا ما ورد من أنه (ص) كان يغير صباحا لان هذا في الاغارة وذلك عند المصادفة للقتل. 14 - (وعن الصعب بن جثامة) تقدم ضبطها في الحج (قال: سئل رسول الله (ص) ووقع في صحيح ابن حبان: السائل هو الصعب ولفظه: سألت رسول الله (ص) وساقه بمعناه (عن الدار من المشركين يبيتون) بصيغة المضارع

[ 49 ]

من بيته مبني للمجهول (فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: هم منهم. متفق عليه) وفي لفظ البخاري: عن أهل الدار وهو تصريح بالمضاف المحذوف، والتبييت: الاغارة عليهم في الليل على غفلة مع اختلاطهم بصبيانهم ونسائهم فيصاب النساء والصبيان من غير قصد لقتلهم ابتداء. وهذا الحديث أخرجه ابن حبان من حديث الصعب وزاد فيه: ثم نهى عنهم يوم حنين وهي مدرجة في حديث الصعب وفي سنن أبي داود زيادة في آخره قال سفيان: قال الزهري: ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان. ويؤيد أن النهي في حنين: ما في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم لاحدهم: الحق خالدا فقل له: لا تقتل ذرية ولا عسيفا وأول مشاهد خالد معه صلى الله عليه وسلم غزوة حنين كذا قيل. ولا يخفى أنه قد شهد معه (ص) فتح مكة قبل ذلك. وأخرج الطبراني في الاوسط من حديث عمر قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى بامرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه تقاتل ونهى عن قتل النساء وقد اختلف العلماء في هذا، فذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: إلى جواز قتل النساء والصبيان في البيات عملا برواية الصحيحين. وقوله هم منهم أي في إباحة القتل تبعا لا قصدا إذا لم يمكن انفصالهم عمن يستحق القتل. وذهب مالك والاوزاعي: إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى إذا تترس أهل الحر ب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة هما فيهما لم يجز قتالهم ولا تحريقهم. وإليه ذهب الهادوية إلا أنهم قالوا في التترس: يجوز قتل السناء والصبيان حيث جعلوا ترسا، ولا يجوز إذا تترسوا بمسلم إلا مع خشية استئصال المسلمين. ونقل ابن بطال وغيره اتفاق الجميع على عدم جواز القصد إلى قتل النساء والصبيان للنهي عن ذلك. وفي قوله هم منهم دليل بإطلاقه لمن قال: هم من أهل النار، وهو ثالث الاقوال في المسألة والثاني: أنهم من أهل الجنة وهو الراجح في الصبيان، والاول: الوقف. 15 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال لرجل) أي مشرك (تبعه يوم بدر: ارجع فلن أستعين بمشرك رواه مسلم). ولفظه عن عائشة قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان تذكر فيه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله (ص) حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله (ص): جئ‍ ت لاتبعك وأصيب معك قال أتؤمن بالله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك، فلما أسلم أذن له. والحديث من أدلة من قال لا يجوز الاستعانة بالمشركين في القتال، وهو قول طائفة من أهل العلم، وذهب الهادوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى جواز ذلك قالوا: لانه (ص) استعان بصفوان بن أمية يوم حنين واستعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم. أخرجه أبو داود في المراسيل. وأخرجه الترمذي عن الزهري مرسلا، ومراسيل الزهري ضعيفة. قال الذهبي: لانه كان خطاء ففي إرساله شبهة تدليس وصحح البيهقي من حديث أبي حميد الساعدي أنه ردهم. قال المصنف:

[ 50 ]

ويجمع بين الروايات بأن الذي رده يوم بدر تفرس فيه الرغبة في الاسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه، أو أن الاستعانة كانت ممنوعة فرخص فيها وهذا أقرب. وقد استعان يوم حنين بجماعة من المشركين تألفهم بالغنائم. وقد اشترط الهادوية أن يكون معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء الاحكام. وفي شرح مسلم أن الشافعي قال: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة استعين به وإلا فيكره. ويجوز الاستعانة بالمنافق إجماعا لاستعانته صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي وأصحابه. 16 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (ص) رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر قتل النساء والصبيان متفق عليه. وقد أخرج الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم لمدخل مكة أتي بامرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه تقاتل أخرجه عن ابن عمر فيحتمل أنها هذه. وأخرج أبو داود في المراسيل عن عكرمة: أنه صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: ألم أنه عن قتل النساء؟ من صاحبها؟ فقال رجل: يا رسول الله أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها فأمر بها أن توارى. ومفهوم قوله تقاتل وتقريره لهذا القاتل يدل على أنها إذا قاتلت قتلت وإليه ذهب الشافعي، واستدل أيضا بما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث رباح بن ربيع التميمي قال: كنا مع رسول الله (ص) في غزوة فرأى الناس مجتمعين فرأى امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل. 17 - (وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم) بالشين المعجمة وسكون الراء والخاء المعجمة هم الصغار الذين لم يدركوا، ذكره في النهاية (رواه أبو داود وصححه الترمذي) وقال: حسن غريب وفي نسخة صحيح وهو من رواية الحسن عن سمرة وفيها ما قدمناه. والشيخ من استبانت فيه السن أو من بلغ خمسين سنة أو إحدى وخمسين كما في القاموس، والمراد هنا الرجال المسان أهل الجلد والقوة على القتال ولم يرد الهرمي، ويحتمل أنه أريد بالشيوخ من كانوا بالغين مطلقا فيقتل، ومن كان صغيرا لا يقتل، فيوافق ما تقدم من النهي عن قتل الصبيان. ويحتمل أنه أريد بالشرخ من كان في أول الشباب فإنه يطلق عليه كما قال حسان: إن شرخ الشباب والشعر الاسود ما لم يعاص كان جنونا فإنه يستبقى رجاء إسلامه كما قال أحمد بن حنبل: الشيخ لا يكاد يسلم والشباب أقرب إلى الاسلام فيكون الحديث مخصوصا بمن يجوز تقريره على الكفر بالجزية. 18 - (وعن علي رضي الله عنه: أنهم تبارزوا يوم بدر رواه البخاري وأخرجه أبو داود مطولا. وفي المغازي من البخاري عن علي كرم الله وجهه أنه قال: أنا أول من يجثو للخصومة يم القيامة، قال قيس: وفيهم أنزلت * (هذان خصمان اختصموا في ربهم) * قال: هم الذين تبارزوا في بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. وتفصيله ما ذكره ابن إسحاق أنه برز عبيدة لعتبة وحمزة

[ 51 ]

لشيبة وعلي للوليد. وعند موسى بن عقبة: فقتل علي وحمزة من بارزاهما واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين فوقعت الضربة في ركبة عبيدة فمات منها لما رجعوا بالصفراء، ومال علي وحمزة على من بارز عبيدة فأعاناه على قتله. والحديث دليل على جواز المبارزة وإلى ذلك ذهب الجمهور، وذهب الحسن البصري إلى عدم جوازها، وشرط الاوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق إذن الامير كما في هذه الرواية. 19 - (وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الانصار يعني قوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * قاله ردا على من أنكر على من حمل على صف الروم حتى دخل فيهم. رواه الثلاثة وصححه الترمذي) وقال: حسن صحيح غريب (وابن حبان والحاكم). أخرجه المذكورون من حديث أسلم بن يزيد أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى حصل فيهم ثم رجع فيهم مقبلا فصاح الناس: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الانصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصره قلنا بيننا سرا: إن أموالنا قد ضاعت فلو أنا قمنا وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكانت التهلكة الاقامة التي أردنا وصح عن ابن عباس وغيره نحو هذا في تأويل الآية. قيل: وفيه دليل على جواز دخول الواحد في صف القتال ولو ظن الهلاك. قلت: أما ظن الهلاك فلا دليل فيه إذ لا يعرف ما كان ظن من حمل هنا، وكأن القائل يقول: إن الغالب في واحد يحمل على صف كبير أنه يظن الهلاك. وقال المصنف في مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو: أنه صرح الجمهور أنه إذا كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، لا سيما إن ترتب على ذلك وهن المسلمين. قلت: وخرج أبو داود من حديث عطاء بن السائب - قال ابن كثير ولا بأس به - عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه فعلم ما عليه فرجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه. قال ابن كثير: والاحاديث والآثار في هذا كثيرة تدل على جواز المبارزة لمن عرف من نفسه بلاء في الحروب وشدة وسطوة. 20 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حرق رسول الله (ص) نخل بني النضير وقطع متفق عليه. يدل على جواز إفساد أموال أهل الحرب بالتحريق والقطع لمصلحة، وفي ذلك نزلت الآية: * (ما قطعتم من لينة) * الآية قال المشركون: إنك تنهي عن الفساد في الارض فما بال قطع الاشجار وتحريقها. قال في معالم التنزيل: اللينة فعلة من اللون، ويجمع على ألوان، وقيل من ماء اللين ومعناه النخلة الكريمة وجمعها لين. وذهب الجماهير إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الاوزاعي وأبو ثور واحتجا بأن أبا بكر رضي الله عنه وصى جيوشه أن لا يفعلوا ذلك. وأجيب بأنه رأى المصلحة في بقائها، لانه قد علم

[ 52 ]

أنها تصير للمسلمين فأراد بقاءها لهم وذلك يدور على ملاحظة المصلحة. 21 - (وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تغلوا فإن الغلو)، بضم الغين المعجمة وضم اللام (نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان). تقدم أن الغلول: الخيانة. قال ابن قتيبة: سمي بذلك لان صاحبه يغله في متاعه أي يخفيه، وهو من الكبائر بالاجماع كما نقله النووي، والعار: الفضيحة. ففي الدنيا أنه إذا ظهر افتضح به صاحبه وأما في الآخرة فلعل العار ما يفيده ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله (ص) وذكر الغلول وعظم أمره فقال: لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك - الحديث وذكر فيه البعير وغيره. فإنه دل الحديث على أنه يأتي الغال بهذه الشنيعة يوم القيا مة على رؤوس الاشهاد، فلعل هذا هو العار في الآخرة للغال، ويحتمل أنه شئ أعظم من هذا. ويؤخذ من هذا الحديث أن هذا ذنب لا يغفر بالشفاعة لقول (ص): لا أملك لك من الله شيئا. ويحتمل أنه أورده في محل التغليظ والتشديد، ويحتمل أنه يغفر له بعد تشهيره في ذلك الموقف. والحديث الذي سقناه ورد في خطاب العاملين على الصدقات، فدل على أن الغلول عام لكل ما فيه حق للعباد وهو مشترك بين الغال وغيره. فإن قلت: هل يجب على الغال رد ما أخذ؟ قلت: قال ابن المنذر: إنهم أجمعوا على أن الغال يعيد ما غل قبل القسمة. وأما بعدها فقال الاوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الامام خمسه ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى ذلك وقال: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به وإن كان لم يملكه لم يتصدق به فليس له التصدق بمال غيره والواجب أن يدفعه إلى الامام كالاموال الضائعة. 22 - (وعن عوف بن مالك رضي الله عنه: أن النبي (ص) قضى بالسلب للقاتل رواه أبو داود وأصله عند مسلم. ففيه دليل على أن السلب الذي يؤخذ من العدو الكافر يستحقه قاتله سواء قال الامام قبل القتال: من قتل قتيلا فله سلبه، أو لا، وسواء كان القاتل مقبلا أو منهزما، وسواء كان ممن يستحق السهم في المغنم أو لا، إذ قوله: قضى بالسلب للقاتل حكم مطلق غير مقيد بشئ من الاشياء. قال الشافعي: وقد حفظ هذا الحكم عن رسول الله (ص) في مواطن كثيرة: منها يوم بدر، فإنه صلى الله عليه وسلم حكم بسلب أبي جهل لمعاذ بن الجموح لما كان هو المؤثر في قتل أبي جهل، وكذا في قتل حاطب ابن أبي بلتعة لرجل يوم أحد أعطاه النبي (ص) سلبه. رواه الحاكم والاحاديث في هذا الحكم كثيرة. وقوله صلى الله عليه وسلم في يوم حنين من قتل قتيلا فله سلبه بعد القتال لا ينافي هذا، بل هو مقرر للحكم السابق فإن هذا كان معلوما عند الصحابة من قبل حنين، ولذا قال عبد الله بن جحش: اللهم ارزقني رجلا شديدا - إلى قوله - أقتله وآخذ

[ 53 ]

سلبه، كما قدمنا قريبا. وأما قول أبي حنيفة والهادوية: إنه لا يكون السلب للقاتل إلا إذا قال الامام قبل القتال مثلا: من قتل قتيلا فله سلبه وإلا كان السلب من جملة الغنيمة بين الغانمين فإنه قول لا توافقة الادلة، وقال الطحاوي: ذلك موكول إلى رأي الامام، فإنه صلى الله عليه وسلم أعطى سلب أبي جهل لمعاذ بن الجموح بعد قوله له ولمشاركه في قتله كلاكما قتله لما أرياه سيفيهما. وأجيب عنه بأنه (ص) إنما أعطاه معاذا لانه الذي أثر في قتله لما رأى عمق الجناية في سيفه، وأما قوله: كلاكما قتله فإنه قاله تطييبا لنفس صاحبه. وأما تخميس السلب الذي يعطاه القاتل فعموم الادلة من الاحاديث قاضية بعدم تخميسه وبه قال أحمد وابن المنذر وابن جرير وآخرون، كأنهم يخصصون عموم الآية، فإنه أخرج حديث عوف بن مالك أبو داود وابن حبان بزيادة ولم يخمس السلب وكذلك أخرجه الطبراني. واختلفوا هل تلزم القاتل البينة على أنه قتل من يريد أخذ سلبه؟ فقال الليث والشافعي وجماعة من المالكية: إنه لا يقبل قوله إلا بالبينة لورود ذلك في بعض الروايات بلفظ من قتل قتيلا عليه بينة فله سلبه. وقال مالك والاوزاعي: يقبل قوله بلا بينة، قالوا: لانه صلى الله عليه وسلم قد قبل قول واحد ولم يحلفه بل اكتفى بقوله، وذلك في قصة معاذ بن الجموح وغيرها فيكون مخصصا لحديث الدعوى والبينة. 23 - (وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في قصة قتل أبي جهل) يوم بدر (قال: فابتدراه) تسابقا إليه (بسيفيهما) أي ابني عفراء (حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله (ص) فأخبراه. فقال: أيكما قتله؟ هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، قال: فنظر فيهما) أي في سيفيهما (فقال: كلاكما قتله فقضى صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح) بفتح الجيم آخره حاء مهملة بزنة فعول (متفق عليه). استدل به على أن للامام أن يعطي السلب لمن شاء وأنه مفوض إلى رأيه لانه صلى الله عليه وسلم أخبر أن ابني عفراء قتلا أبا جهل ثم جعل سلبه لغيرهما، وأجيب عنه: أنه إنما حكم به (ص) لمعاذ بن عمرو بن الجموح لانه رأى أثر ضربته بسيفه هي المؤثرة في قتله لعمقها فأعطاه السلب، وطيب قلب ابني عفراء بقوله: كلاكما قتله وإلا فالجناية القاتلة له ضربة معاذ بن عمرو ونسبة القتل إليهما مجاز أي كلاكما أراد قتله، وقرينة المجاز إعطاء سلب المقتول لغيرهما، وقد يقال هذا محل النزاع. 24 - (وعن مكحول) هو أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الشامي كان من سبي كابل، وكان مولى لامرأة من قيس وكان سنديا لا يفصح، وهو عالم الشام ولم يكن أبصر منه بالفتيا في زمانه، سمع من أنس بن مالك وواثلة وغيرهما، ويروي عنه الزهري وغيره وربيعة الرأي وعطاء الخراساني، مات سنة ثمان عشرة ومائة (أن النبي (ص) نصب المنجنيق على أهل الطائف. أخرجه أبو داود في المراسيل ورجاله ثقات ووصله العقيلي بإسناد ضعيف عن علي رضي الله عنه). وأخرجه الترمذي عن ثور راويه عن مكحول ولم يذكر مكحولا فكان من قسم المعضل. وقال السهيلي: ذكر الرمي بالمنجنيق الواقدي

[ 54 ]

كما ذكره مكحول وذكر أن الذي أشار به سلمان الفارسي، وروى ابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن سنان ومن حديث عبد الرحمن بن عوف أنه صلى الله عليه وسلم حاصرهم خمسا وعشرين ليلة ولم يذكر أشياء من ذلك. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر حاصر أهل الطائف شهرا. وفي مسلم من حديث أنس أن المدة كانت أربعين ليلة. وفي الحديث دليل أنه يجوز قتل الكفار إذا تحصنوا بالمنجنيق ويقاس عليه غيره من المدافع ونحوها. 25 - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي (ص) دخل مكة وعلى رأسه المغفر) بالغين المعجمة ففاء. في القاموس المغفر كمنبر وبهاء وككتابة زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع بها المتسلح (فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل) بفتح المعجمة وفتح الطاء المهملة) متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه متفق عليه) فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة غير محرم يوم الفتح، لانه دخل مقاتلا، ولكن يختص به ذلك، فإنه محرم القتال فيها كما قال (ص): وإنما أحلت لي ساعة من نهار الحديث وهو متفق عليه. وأما أمره صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وهو أحد جماعة تسعة أمر (ص) بقتلهم، ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فأسلم منهم ستة، وقتل ثلاثة منهم ابن خطل. وكان ابن خطل قد أسلم فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم مصدقا، وبعث معه رجلا من الانصار، وكان معه مولى يخدمه مسلما، فنزل منزلا وأمر مولاه أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاما، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان تغنيانه بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقتلهما معه فقتلت إحداهما واستؤمن للاخرى فأمنها. قال الخطابي: قتله صلى الله عليه وسلم بحق ما جناه في الاسلام، فدل على أن الحرم لا يعصم من إقامة واجب ولا يؤخره عن وقته ا ه‍. وقد اختلف الناس في هذا فذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفي الحدود والقصاص بكل مكان وزمان، لعموم الادلة، ولهذه القصة. وذهب الجمهور من السلف والخلف وهو قول الهادوية إلى أنه لا يستو في فيها حد لقوله تعالى: * (ومن دخله كان امنا) * ولقوله (ص): لا يسفك بها دم وأجابوا عما احتج به الاولون بأنه لا عموم للادلة في الزمان والمكان، بل هي مطلقات مقيدة بما ذكرناه من الحديث، وهو متأخر، فإنه في يوم الفتح بعد شرعية الحدود. وأما قتل ابن خطل ومن ذكر معه فإنه كان في الساعة التي أحلت فيها مكة لرسول الله (ص)، واستمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر، وقد قتل ابن خطل وقت الضحى بين زمزم والمقام. وهذا الكلام فيمن ارتكب حدا في غير الحرم ثم التجأ إليه، وأما إذا ارتكب إنسان في الحرم ما يوجب الحد فاختلف القائلون بأنه لا يقام فيه حد. فذهب بعض الهادوية أنه يخرج من الحرم ولا يقام عليه الحد وهو فيه. وخالف ابن عباس فقال من سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم. رواه أحمد عن طاوس عن ابن عباس. وذكر الاثرم عن ابن عباس أيضا: من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه الحد ما أحدث فيه من شئ، والله تعالى يقول: * (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم) *. ودل كلام

[ 55 ]

ابن عباس رضي الله عنه أنه يقام فيه. وفرقوا بينه وبين الملتجئ إليه: بأن الجان فيه هاتك لحرمته والملتجئ معظم لها، ولانه لم يقم الحد على من جنى فيه من أهله لعظم الفساد في الحرم، وأدى إلى أن من أراد الفساد قصد إلى الحرم ليسكنه وفعل فيه ما تتقاضاه شهوته. وأما الحد بغير القتل فيما دون النفس من القصاص ففيه خلاف أيضا. فذهب أحمد في رواية أنه يستوفى، لان الادلة إنما وردت فيمن سفك الدم، وإنما ينصرف إلى القتل، ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه، لان حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، ولان الحد فيما دون النفس جار مجرى تأديب السيد عبده فلم يمنع منه. وعنه رواية بعدم الاستيفاء لشئ عملا بعموم الادلة، ولا يخفى أن الحكم للاخص حيث صح أن سفك الدم لا ينصرف إلا إلى القتل. قلت: ولا يخفى أن الدليل خاص بالقتل، والكلام من أوله في الحدود فلا بد من حملها على القتل، إذ حد الزنا غير الرجم، وحد الشرب والقذف يقام عليه. 26 - (وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه) هو أبو عبد الله سعيد بن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة فمثناة فراء الاسدي مولي بني والبة بطن من بني أسد بن خزيمة كوفي أحد علماء التابعين، سمع ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأنسا وأخذ عنه عمرو بن دينار وأيوب. قتله الحجاج سنة خمس وتسعين في شعبان منها، ومات الحجاج في رمضان من السنة المذكورة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم بدر ثلاثة صبرا) في القاموس: صبر الانسان وغيره على القتل أن يحبس ويرمى حتى يموت. وقد قتله صبرا وصبرا عليه، ورجل صبورة: مصبور للقتل انتهى (أخرجه أبو داود في المراسيل ورجاله ثقات). والثلاثة هم طعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط. ومن قال بدل طعيمة: المطعم بن عدي، فقد صحف كما قاله المصنف. وهذا دليل على جواز قتل الصبر إلا أنه قد روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم برجال ثقات وفي بعضهم مقال: لا يقتلن قرشي بعد هذا صبرا قاله صلى الله عليه وسلم بعد قتل ابن الاخطل يوم الفتح. 27 - (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما: أن رسول الله (ص) فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين أخرجه الترمذي وصححه وأصله عند مسلم. فيه دليل على جواز مفاداة المسلم الاسير بأسير من المشركين. وإلى هذا ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يجوز المفاداة ويتعين إما قتل الاسير أو استرقاقه. وزاد مالك أو مفاداته بأسير. وقال صاحبا أبي حنيفة: يجوز المفاداة بغيره أو بمال أو قتل الاسير أو استرقاقه. وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم قتل الاسير كما في قصة عقبة بن أبي معيط. وفداؤه بالمال كما في أسارى بدر. والمن عليه كما من على أبي غرة يوم بدر على أن لا يقاتل، فعاد إلى القتال يوم أحد فأسره وقتله وقال في حقه: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين والاسترقاق وقع منه صلى الله عليه وسلم لاهل مكة ثم أعتقهم. 28 - (وعن صخر) بالصاد المهملة فخاء معجمة ساكنة فراء (ابن العيلة) بالعين المهملة مفتوحة وسكون المثناة التحتية ويقال ابن أبي العيلة عداده في أهل الكوفة وحديثه

[ 56 ]

عندهم. روى عنه عثمان بن أبي حازم وهو: ابن ابنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم أخرجه أبو داود ورجاله موثوقون) وفي معناه الحديث المتفق عليه أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها أحرزوا دماءهم وأموالهم الحديث. وفي الحديث دليل على أن من أسلم من الكفار حرم دمه وماله. وللعلماء تفصيل في ذلك. قالوا: من أسلم طوعا من دون قتال ملك ماله وأرضه وذلك كأرض اليمن. وإن أسلموا بعد القتال فالاسلام قد عصم دماءهم وأما أموالهم فالمنقول غنيمة وغير المنقول فئ. ثم اختلف العلماء في هذه الارض التي صارت فيئا للمسلمين على أقوال: الاول: لمالك ونصره ابن القيم أنها تكون وقفا يقسم خراجها في مصالح المسلمين وأرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الامام في وقت من الاوقات أن المصلحة في قسمتها كان له ذلك. قال ابن القيم: وبه قال جمهور العلماء وكانت عليه سيرة الخلفاء الراشدين ونازع في ذلك بلال وأصحابه وقالوا لعمر: اقسم الارض التي فتحوها في الشام. وقالوا له: خذ خمسها واقسمها، فقال عمر: هذا غير المال ولكن أحبسه فيئا يجري عليكم وعلى المسلمين، ثم وافق سائر الصحابة عمر رضي الله عنه. وكذلك جرى في فتوح مصر وأرض العراق وأرض فارس وسائر البلاد التي فتحوها عنوة، فلم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة. ثم قال: ووافقه على ذلك جمهور الائمة وإن اختلفوا في كيفية بقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الامام أحمد وأكثر نصوصه على أن الامام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة. فإن كان الاصلح للمسلمين قسمتها قسمها. وإن كان الاصلح أن يقفها على المسلمين وقفها عليهم. وإن كان الاصلح قسمة البعض ووقف. البعض فعله. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل الاقسام الثلاثة، فإنه قسم أرض قريظة والنضير. وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر، وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين. وذهب الهادوية إلى أن الامام مخير فيها بين الاصلح من الاربعة الاشياء: إما القسم بين الغانمين، أو يتركها لاهلها على خراج، أو يتركها على معاملة من غلتها، أو يمن بها عليهم، قالوا: وقد فعل مثل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. 29 - (وعن جبير) بالجيم والموحدة والراء مصغرا (ابن مطعم) بزنة اسم الفاعل أي ابن عدي. وجبير صحابي عارف بالانساب. مات سنة ثمان أو تسع وخمسين (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيا) هو والد جبير (ثم كلمني في هؤلاء النتني) جمع نتن بالنون والمثناة الفوقية (لتركتهم له. رواه البخاري). المراد بهم أسارى بدر، وصفهم بالنتن لما هم عليه من الشرك، كما وصف الله تعالى المشركين بالنجس، والمراد لو طلب مني تركهم وإطلاقهم من الاسر بغير فداء لفعلت ذلك، مكافأة له على يد كانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه صلى الله على وسلم لما رجع من الطائف دخل النبي (ص) في جوار المطعم بن عدي إلى

[ 57 ]

مكة. فإن المطعم بن عدي أمر أولاده الاربعة فلبسوا السلاح وقام كل واحد منهم عند الركن من الكعبة فبلغ ذلك قريشا فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك، وقيل: إن اليد التي كانت له أنه أعظم من سعى في نقض الصحيفة التي كانت كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم ومن معهم من المسلمين، حين حصروهم في الشعب، وكان المطعم قد مات قبل موقعة بدر كما رواه الطبراني. وفيه دليل على أنه يجوز ترك أخذ الفداء من الاسير، والسماحة به لشفاعة رجل عظيم، وأنه يكافأ المحسن وإن كان كافرا. 30 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج فتحرجوا فأنزل الله تعالى: * (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) * الآية. أخرجه مسلم. قال أبو عبيد البكري: أوطاس واد في ديار هوازن. والحديث دليل على انفساخ نكاح المسبية، فالاستثناء على هذا متصل، وإلى هذا ذهبت الهادوية والشافعي، وظاهر الاطلاق سواء سبي معها زوجها أم لا. ودلت أيضا على جواز الوطئ ولو قبل إسلام المسبية سواء كانت كتابية أو وثنية. إذ الآية عامة، ولم يعلم أنه (ص) عرض على سبايا أوطاس الاسلام ولا أخبر أصحابه أنها لا توطأ مسبية حتى تسلم، مع أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ويدل لهذا ما أخرجه الترمذي من حديث العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم وطئ السبايا حتى يضعن ما في بطهونهن فجعل للتحريم غاية واحدة وهي وضع الحمل ولم يذكر الاسلام. وما أخرجه في السنن مرفوعا: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ولم يذكر الاسلام، وأخرجه أحمد. وأخرج أحمد أيضا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح شيئا من السبايا حتى تحيض حيضة ولم يذكر الاسلام، ولا يعرف اشتراط الاسلام في المسبية في حديث واحد. وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره. وذهب الشافعي وغيره من الائمة إلى أنه لا يجوز وطئ المسبية بالملك حتى تسلم إذا لم تكن كتابية. وسبايا أوطاس هن وثنيات فلا بد عندهم من التأويل بأحلهن بعد الاسلام، ولا يتم ذلك إلا لمجرد الدعوى، فقد عرفت أنه لم يأت دليل بشرطية الاسلام. 31 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله (ص) سرية) بفتح السين المهملة وكسر الراء وتشديد الياء (وأنا فيهم قبل) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي جهة (نجد فغنموا إبلا كثيرة وكانت سهمانهم) بضم السين المهملة جمع سهم وهو النصيب (اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا. متفق عليه). السرية: قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، والسرية التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار والمراد من قوله: سهمانهم أي أنصباؤهم أي بلغ نصيب كل واحد منهم هذا القدر أعني اثني عشر بعيرا، والنفل: زيادة يزادها الغازي على نصيبه من المغنم. وقوله: نفلوا مبني للمجهول فيحتمل أنه نفلهم أميرهم وهو قتادة. ويحتمل أنه النبي (ص)، وظاهر رواية الليث عن نافع عند مسلم أن القسم والتنفيل كان من أمير الجيش، وقرر النبي

[ 58 ]

صلى الله عليه وسلم ذلك، لانه قال: ولم يغيره النبي (ص). وأما رواية ابن عمر عند مسلم أيضا بلفظ ونفلنا رسول الله (ص) بعيرا بعيرا فقد قال النووي: نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما كان مقررا لذلك. ولكن الحديث عند أبي داود بلفظ فأصبنا نعما كثيرة وأعطانا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان ثم قدمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل اثني عشر بعيرا بعد الخمس فدل على أن التنفيل من الامير، والقسمة منه صلى الله عليه وسلم. وقد جمع بين الروايات بأن التنفيل كان من الامير قبل الوصول إلى النبي (ص) ثم بعد الوصول قسم النبي صلى الله عليه وسلم بين الجيش، وتولى الامير قبض ما هو للسرية جملة ثم قسم ذلك على أصحابه، فمن نسب إلى النبي (ص) فلكونه الذي قسم أولا، ومن نسب ذلك إلى الامير فباعتبار أنه الذي أعطى أصحابه آخرا. وفي الحديث دليل على جواز التنفيل للجيش، ودعوى أن يختص ذلك بالنبي (ص) لا دليل عليه، بل تنفيل الامير قبل الوصول إليه (ص) في هذه القصة دليل على عدم الاختصاص. وقول مالك إنه يكره أن يكون التنفيل بشرط من الامير، بأن يقول: من فعل كذا فله كذا قال: لانه يكون القتال للدنيا فلا يجوز، يرده قوله (ص): من قتل قتيلا فله سلبه سواء ما قاله (ص) قبل القتال أبعده فإنه تشريع عام إلى يوم القيامة، وأما لزوم كون القتال للدنيا فالعمدة الباعث عليه لانه لا يصير قول الامام: من فعل كذا فله كذا قتاله للدنيا بعد الاعلام له أن المجاهد في سبيل الله من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا. فمن كان قصده إعلاء كلمة الله لم يضره أن يريد مع ذلك المغنم والاسترزاق كما قال (ص): واجعل رزقي تحت ظل رمحي. واختلف العلماء هل يكون التنفيل من أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس؟ قال الخطابي: أكثر ما روي من الاخبار يدل على أن النفل من أصل الغنيمة. 32 - (وعنه) أي ابن عمر (قال: قسم رسول الله (ص) يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما متفق عليه واللفظ للبخاري، ولابي داود) أي ابن عمر (أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهمين لفرسه وسهما له). الحديث دليل على أنه يسهم لصاحب الفرس ثلاثة سهام من الغنيمة، له سهم ولفرسه سهمان. وإليه ذهب الناصر والقاسم ومالك والشافعي لهذا الحديث، ولما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للفرس سهمين ولكل إنسان سهما فكان للفارس ثلاثة أسهم، ولما أخرجه النسائي محديث الزبير أن النبي (ص) ضرب له أربعة أسهم سهمين لفرسه وسهما له وسهما لقرابته يعني من النبي (ص). وذهبت الهادوية والحنفية إلى أن الفرس له سهم واحد لما في بعض روايات أبي داود بلفظ فأعطى للفارس سهمين وللراجل سهما وهو من حديث مجمع بن جارية، ولا يقاوم حديث الصحيحين. واختلفوا إذا حضر بفرسين فقال الجمهور: لا يسهم إلا لفرس واحد ولا يسهم لها إلا إذا حضر بها القتال.

[ 59 ]

33 - (وعن معن) بفتح الميم وسكون العين المهملة. هو أبو زيد معن بن يزيد السلمي بضم السين المهملة. له ولابيه ولجده صحبة شهدوا بدرا كما قيل: ولا يعلم من شهد بدرا هو وأبوه وجده غيرهم، وقيل: لا يصح شهوده بدرا. يعد في الكوفيين، ابن يزيد (قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نفل) (بفتح النون وفتح الفاء هو الغنيمة (إلا بعد الخمس رواه أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي) المراد بالنفل هو ما يزيده الامام لاحد الغانمين على نصيبه. وقد اتفق العلماء على جوازه، واختلفوا هل يكون من قبل القسمة أو من الخمس؟ وحديث معن هذا ليس فيه دليل على أحد الامرين. بل غاية ما دل عليه أنها تخمس الغنيمة قبل التنفيل منها. وتقدم ما قاله الخطابي من أن أكثر الاخبار دالة على أن التنفيل من أصل الغنيمة، واختلفوا في مقدار التنفيل فقال بعضهم: لا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث أو من الربع كما يدل عليه قوله: 34 - (وعن حبيب بن مسلمة رضي الله عنه) بالحاء المهملة المفتوح وموحدتين بينهما مثناة تحتية وهو عبد الرحمن بن حبيب بن مسلمة القرشي الفهري وكان يقال له حبيب الروم لكثرة مجاهدته لهم. ولاه عمر أعمال الجزيرة وضم إليه أرمينية وأذربيجان، وكان فاضلا مجاب الدعوة. مات بالشام أو بأرمينية سنة اثنتين وأربعين (قال: شهدت رسول الله (ص) نفل الربع في البدأة) بفتح الباء الموحدة وسكون الدال المهملة (والثلث في الرجعة. رواه أبو داود وصححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم). دل الحديث أنه (ص) لم يجاوز الثلث في التنفيل، وقال آخرون: للامام أن ينفل السرية جميع ما غنمت لقوله تعالى: * (قل الانفال لله والرسول) * ففوضها إليه (ص)، والحديث لا دليل فيه على أنه لا ينفل أكثر من الثلث. واعلم أنه اختلف في تفسير الحديث، فقال الخطابي رواية عن ابن المنذر: إنه صلى الله عليه وسلم فرق بين البدأة والقفول حين فضل إحدى العطيتين على الاخرى لقوة الظهر عند دخولهم وضعفه عند خروجهم، ولانهم وهم داخلون أنشط وأشهى للسير والامعان في بلاد العدو وأجم وهم عند القفول لضعف دوابهم وأبدانهم، وهم أشهى للرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم لطول عهدهم بهم وحبهم للرجوع، فيرى أنه زادهم في القفول لهذه العلة والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الخطابي بعد نقله كلام ابن المنذر: هذا ليس بالبين لان فحواه يوهم أن الرجعة أي القفول إلى أوطانهم وليس هو معنى الحديث، والبدأة إنما هي ابتداء السفر للغزو إذا نهضت سري من جملة العسكر فإذا وقعت بطائفة من العدو فما غنموا كان لهم فيه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، فإن قفلوا من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث لان نهوضهم بعد القفول أشد لكون العدو على حذر وحزم. انتهى، وما قاله هو الاقرب. 35 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) ينفل بعض من يبعث من سرايا لانفسهم خاصة سوى قسمة عامة الجيش متفق عليه. فيه أنه

[ 60 ]

(ص) لم يكن ينفل كل من يبعثه، بل بحسب ما يراه من المصلحة في التنفيل. 36 - (وعنه) أي ابن عمر (قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعن‍ ب فنأكله ولا نرفعه رواه البخاري، ولابي داود فلم يؤخذ منهم الخمس وصححها ابن حبان). لا نرفعه: لا نحمله على سبيل الادخار، أو لا نرفعه إلى من يتولى أمر الغنيمة ونستأذنه في أكله اكتفاء بما علم من الاذن في ذلك. وذهب الجمهور إلى أنه يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به وكل طعام اعتيد أكله عموما وكذلك علف الدواب قبل القسمة، سواء كان بإذن الامام أو بغير إذنه، ودليلهم هذا الحديث، وما أخرجه الشيخان من حديث ابن مغفل قال أصبت جراب شحم يوم خيبر فقلت: لا أعطي منه أحدا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم. وهذه الاحاديث مخصصة لاحاديث النهي عن الغلول. ويدل له أيضا الحديث الآتي وهو قوله: 37 - (وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يجئ فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف أخرجه أبو داود وصححه ابن الجارود والحاكم. فإنه واضح في الدلالة على أخذ الطعام قبل القسمة وقبل التخميس قاله الخطابي، وأما سلاح العدو ودوابهم فلا أعلم بين المسلمين خلافا في جواز استعمالها. فأما إذا انقضت الحرب ردها في المغنم. وأما الثياب والحرث والادوات فلا يجوز أن يستعمل شئ منها إلا أن يقول قائل: إنه إذا احتاج إلى شئ منها لحاجة ضرورية كان له أن يستعمله مثل أن يتشد البرد فيستدفئ بثوب ويتقوى به على المقام في بلاد العدو مرصدا له لقتالهم. وسئل الاوزاعي عن ذلك فقال: لا يلبس الثوب إلا أن يخاف الموت. قلت الحديث الآتي: 38 - (وعن رويفع بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه أخرجه أبو داود والدارمي ورجاله لا بأس بهم. يؤخذ منه جواز الركوب ولبس الثوب وإنما يتوجه النهي إلى الاعجا ف والاخلاق للثوب، فلو ركب من غير إعجاف، ولبس من غير إخلاق وإتلا ف جاز. 39 - (وعن أبي عبيدة بن الجراح) بالجيم والراء والحاء المهملة (قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: يجير) بالجيم والراء بينهما مثناة تحتية من الاجارة وهي الامان (على المسلمين بعضهم. أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وفي إسناده ضعف) لان في إسناده الحجاج بن أرطاة، ولكنه يجبر ضعفه الحديث الآتي وهو قوله: 40 - (وللطيالسي من حديث عمرو بن العاص قال: يجير على المسلمين أدناهم) وما في الصحيحين وهو: 41 - (عن علي قال: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم زاد ابن ماجه)

[ 61 ]

من حديث علي أيضا (من وجه آخر: ويجير عليهم أقصاهم). كالدفع لتوهم أنه لا يجير إلا أدناهم فتدخل المرأة في جواز إجارتها على المسلمين كما أفاده الحديث الآتي: 42 - (وفي الصحيحين من حديث أم هانئ) بنت أبي طالب، قيل: اسمها هند وقيل فاطمة، وهي أخت علي بن أبي طالب عليه السلام) قد أجرنا من أجرت). وذلك أنها أجارت رجلين من أحمائها وجاءت إلى النبي (ص) تخبره أن عليا أخاها لم يجز إجارتها فقال (ص): قد أجرنا الحديث. والاحاديث دالة على صحة أمان الكافر من كل مسلم ذكر أو أنثى حر أم عبد مأذون أو غير مأذون لقوله: أدناهم فإنه شامل لكل وضيع، وتعلم صحة أمان الشريف بالاولى. وعلى هذا جمهور العلماء إلا عند جماعة من أصحاب مالك فإنهم قالوا: لا يصح أمان المرأة إلا بإذن الامام، وذلك لانهم حملوا قوله صلى الله عليه وسلم لام هانئ قد أجرنا من أجرت على أنه إجازة منه، قالوا: فلو لم يجز لم يصح أمانها وحمله الجمهور على أنه (ص) أمضى ما وقع منه، وأنه قد انعقد أمانها لانه صلى الله عليه ولم سماها مجيرة، ولانها داخلة في عموم المسلمين في الحديث على ما يقوله بعض أئمة الاصول أو من باب التغليب بقرينة الحديث الآتي: 43 - (وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله (ص) يقول: لاخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما رواه مسلم. وأخرجه أحمد بزيادة لئن عشت إلى قابل وأخرج الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأخرج البيهقي من حديث مالك عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب. قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عمر عن ذلك حتى أتاه الثلج واليقين عن رسول الله (ص) أنه قال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب فأجلى يهود خيبر قال مالك: وقد أجلى يهود نجران وفدك أيضا. والحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب لعموم قوله: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب وهو عام لكل دين، والمجوس بخصوصهم حكمهم حكم أهل الكتاب كما عرفت. وأما حقيقة جزيرة العرب، فقال مجد الدين في القاموس: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا، ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضا، انتهى. وأضيفت إلى العرب لانها كانت أوطانهم قبل الاسلام وأوطان أسلافهم وهي تحت أيديهم. وبما تضمنته الاحاديث من وجوب إخراج من له دين غير الاسلام من جزيرة العرب قال مالك والشافعي وغيرهما، إلا أن الشافعي والهادوية خصوا ذلك بالحجاز. قال الشافعي: وإن سأل من يعطي الجزية أن يعطيها ويجري عليه الحكم على أن يسكن الحجاز لم يكن له ذلك، والمراد بالحجاز مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها، وفي القاموس الحجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها كأنها حجزت بين نجد وتهامة أو بين نجد والسراة

[ 62 ]

أو لانها احتجزت بالحرار الخمس حرة بني سليم وراقم وليلى وشوران والنار. قال الشافعي: ولا أعلم أحدا أجلى أحدا من أهل الذمة من اليمن وقد كانت بها ذمة وليس اليمن بحجاز فلا يجليهم أحد من اليمن ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن. قلت: لا يخفى أن الاحاديث الماضية فيها الامر بإخراج من ذكر من أهل الاديان غير دين الاسلام من جزيرة العرب، والحجاز بعض جزيرة العرب وورد في حديث أبي عبيدة الامر بإخراجهم من الحجاز وهو بعض مسمى جزيرة العرب والحكم على بعض مسمياتها بحكم لا يعارض الحكم عليها كلها بذلك الحكم كما قرر في الاصول: أن الحكم على بعض أفراد العام لا يخصص العام، وهذا نظيره. وليست جزيرة العرب من ألفاظ العموم كما وهم فيه جماعة من العلماء. وغاية ما أفاده حديث أبي عبيدة زيادة التأكيد في إخراجهم من الحجاز لانه دخل إخراجهم من الحجاز تحت الامر بإخراجهم من جزيرة العرب ثم أفرد بالامر زيادة تأكيد لا أنه تخصيص أو نسخ وكيف وقد كان آخر كلامه صلى الله عليه وسلم اخرجوا المشركين من جزيرة العرب كما قال ابن عباس: أوصى عند موته. وأخرج البيهقي من حديث مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: بلغني أنه كان من آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب. وأما قول الشافعي: إنه لا يعلم أحدا أجلاهم من اليمن. فليس ترك إجلائهم بدليل، فإن أعذار من ترك ذلك كثيرة، وقد ترك أبو بكر رضي الله عنه إجلاء أهل الحجاز مع الاتفاق على وجوب إجلائهم، لشغله بجهاد أهل الردة لم يكن ذلك دليلا على أنهم لا يجلون، بل أجلاهم عمر رضي الله عنه. وأما القول بأنه صلى الله عليه وسلم أقرهم في اليمن بقوله لمعاذ: خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا فهذا كان قبل أمره صلى الله عليه وسلم بإخراجهم، فإنه كان عند وفاته كما عرفت، فالحق وجوب إجلائه من اليمن لوضوح دليله. وكذا القول بأن تقريرهم في اليمن قد صار إجماعا سكوتيا، لا ينهض على دفع الاحاديث، فإن السكوت من العلماء على أمر وقع من الآحاد أو من خليفة أو غيره من فعل محظور أو ترك واجب لا يدل على جواز ما وقع ولا على جواز ما مترك، فإنه إن كان الواقع فعلا أو تركا لمنكر وسكتوا لم يدل سكوتهم على أنه ليس بمنكر، لما علم من أن مراتب الانكار ثلاث: باليد أو اللسان أو القلب، وانتفاء الانكار باليد واللسان لا يدل على انتفائه بالقلب، وحينئذ فلا يدل سكوته على تقريره لما وقع حتى يقال قد أجمع عليه إجماعا سكوتيا إذ لا يثبت أنه قد أجمع الساكت إلا إذا علم رضاه بالواقع، ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب. وبهذا يعرف بطلان القول بأن الاجماع السكوتي حجة ولا أعلم أحدا قد حرر هذا في رد الاجماع السكوتي مع وضوحه والحمد لله المنعم المتفضل فقد أوضحناه في رسالة مستقلة. فالعجب ممن قال: ومثله قد يفيد القطع وكذلك قول من قال: إنه يحتمل أن حديث الامر بالاخراج كان عند سكوتهم بغير جزية باطل لان الامر بإخرا جهم عند وفاته صلى الله عليه وسلم والجزية فرضت في التاسعة من الهجرة عند

[ 63 ]

نزول براءة فكيف يتم هذا؟ ثم إن عمر أجلى أهل نجران وقد كان صالحهم صلى الله عليه وسلم على مال واسع كما هو معروف، وهو جزية. والتكلف لتقويم ما عليه الناس، ورد ما ورد من النصوص بمثل هذه التأويلات مما يطيل تعجب الناظر المنصف. قال النووي: قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين إلى الحجاز ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعي ومن وافقه: إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال. فإن دخل في خفية وجب إخراجه فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير، وحجته قوله تعالى: * (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام) *. قلت: ولا يخفى أن الباديان هم المجوس، والمجوس حكمهم من حكم أهل الكتاب، لحديث سنوا بهم سنة أهل الكتاب فيجب إخراجهم من أرض اليمن ومن كل محل من جزيرة العرب، وعلى فرض أنهم ليسوا بمجوس فالدليل على إخراجهم دخولهم تحت لا يجتمع دينان في أرض العرب. 44 - (وعنه) أي عمر رضي الله عنه (قال: كانت أموال بني النضير) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة بعدها مثناة تحتية (مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف) الايجاف من الوجف وهو السير السريع (عليه المسلمون بخيل ولا ركاب) الركاب بكسر الراء الابل (فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع) بالراء والعين المهملة بزنة غراب اسم لجمع الخيل (والسلاح عدة في سبيل الله تعالى. متفق عليه). بنو النضير: قبيلة كبيرة من اليهود وادعهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه إلى المدينة على أن لا يحاربوه وأن لا يعينوا عليه عدوه، وكانت أموالهم ونخيلهم ومنازلهم بناحية المدينة فنكثوا العهد، وسار معهم كعب بن الاشرف في أربعين راكبا إلى قريش فحالفهم، وكان ذلك على رأس ستة أشهر من واقعة بدر كما ذكره الزهري. وذكر ابن إسحاق في المغازي أن ذلك كان بعد قصة أحد وبئر معونة، وخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية الضمري من بني عامر فجلس النبي (ص) إلى جنب جدار لهم فتمالؤا على إلقاء صخرة عليه من فوق ذلك الجدار، وقام بذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرا أنه يقضي حاجة وقال لاصحابه: لا تبرحوا ورجع مسرعا إلى المدينة، فاستبطأه أصحابه فأخبروا أنه رجع إلى المدينة، فلحقوا به فأمر بحربهم والمسير إليهم فتحصنوا فأمر بقطع النخل والتحريق وحاصرهم ست ليال. وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم فتربصوا فقذف الله الرعب في قلوبهم فلم ينصروهم، فسألوا أن يجلوا من أرضهم على أن لهم ما حملت الابل فصولحوا على ذلك، إلا الحلقة بفتح الحاء المهملة وفتح اللام فقاف وهي السلاح فخرجوا إلى أذرعات وأريحاء من الشام وآخرون إلى الحيرة ولحق آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب بخيبر وكانوا أول من أجلي من اليهود، كما قال تعالى * (لاول الحشر) * والحشر الثاني من خيبر في أيام عمر رضي الله عنه. وقوله: (مما أفاء الله على رسوله) الفئ: ما أخذ بغير قتال، قال في نهاية المجتهد: إنه لا خمس فيه عند العلماء، وإنما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب

[ 64 ]

لان بني النضير كانت على ميلين من المدينة فمشوا إليها مشاة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ركب جملا أو حمارا، ولم تنل أصحابه صلى الله عليه وسلم مشقة في ذلك. وقوله كان ينفق على أهله أي مما استبقاه لنفسه، والمراد أنه يعزل لهم نفقة سنة، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير ولا يتم عليه السنة، ولهذا توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على شعير استدانه لاجله. وفيه دلالة على جواز ادخار قوت سنة، وأنه لا ينافي التوكل، وأجمع العلماء على جواالادخار مما يستغله الانسان من أرضه، وأما إذا أراد أن يشتريه من السوق ويدخره فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز بل يشتري ما لا يحصل به تضييق على المسلمين كقوت أيام أو أشهر، وإن كان في وقت سعة اشترى قوت السنة. وهذا التفصيل نقله القاضي عياض عن أكثر العلماء. 45 - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فأصبنا فيها غنما، فقسم فينا رسول الله (ص) طائفة وجعل بقيتها في المغنم رواه أبو داود ورجاله لا بأس بهم. الحديث من أدلة التنفيل، وقد سلف الكلام فيه، فلو ضمه المصنف رحمه الله إليها لكان أولى 46 - (وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أخيس) بالخاء المعجمة فمثناة تحتية فسين مهملة. في النهاية: لا أنقضه (بالعهد ولا أحبس الرسل رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان). في الحديث دليل على حفظ العهد والوفاء به، ولو لكافر، وعلى أنه لا يحبس الرسول، بل يرد جوابه، فكأن وصوله أمان له فلا يجوز أن يحبس بل يرد. 47 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم رواه مسلم. قال القاضي عياض في شرح مسلم: يحتمل أن يكون المراد بالقرية الاولى هي التي لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب، بل أجلى عنها أهلها وصالحوا، فيكون سهمهم فيها أي حقهم من العطاء كما تقرر في الفئ. ويكون المراد بالثانية: ما أخذت عنوة، فيكون غنيمة يخرج منها الخمس والباقي للغانمين، وهو معنى قوله: هي لكم أي باقيها. وقد احتج به من لم يوجب الخمس في الفئ، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قبل الشافعقال بالخمس في الفئ. باب الجزية والهدنة الاظهر في الجزية أنها مأخوذة من الاجزاء، لانها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه. والهدنة: هي متاركة أهل الحرب مدة معلومة لمصلحة، ومشروعية الجزية سنة تسع على الاظهر، وقيل سنة ثمان.

[ 65 ]

1 - (عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي (ص) أخذها - يعني الجزية - من مجوس هجر رواه البخاري وله طريق في الموطأ فيها انقطاع. وهي ما أخرجه الشافعي عن ابن شهاب أنه بلغه: أن رسول الله (ص) أخذ الجزية من مجوس البحرين قال البيقهى: وابن شهاب إنما أخذ حديثه عن ابن المسيب، وابن المسيب حسن المرسل، فهذا هو الانقطاع الذي أشار إليه المصنف. وأخرج الشافعي من حديث عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: لا أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله (ص) يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عباس قال: جاء رجل من مجوس هجر إلى النبي (ص) فلما خرج قلت له: ما قضى الله ورسوله فيكم قال: شرا، قلت: مه قال: الاسلام أو القتل قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عباس: وأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا ما سمعت. قلت: لان رواية عبد الرحمن موصولة وصحيحة ورواية ابن عباس هي عن مجوسي لا تقبل اتفاقا. وأخرج الطبراني عن مسلم بن علاء الحضرمي في آخر حديثه بلفظ سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب وأخرج البيهقي عن المغيرة في حديث طويل مع فارس وقال فيه: فأمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وكان أهل فارس مجوسا. فدلت هذه الاحاديث على أخذ الجزية من المجوس عموما ومن أهل هجر خصوصا، كما دلت الآية على أخذها من أهل الكتاب اليهود والنصارى. قال الخطابي: وفي امتناع عمرضي الله عنه من أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، دليل على أن رأي الصحابة أن لا تؤخذ الجزية من كل مشرك كما ذهب إليه الاوزاعي وإنما تقبل من أهل الكتاب. وقد اختلف العلماء في المعنى الذي من أجله أخذت الجزية منهم. فذهب الشافعي في أغلب قوليه: إلى أنها إنما قبلت منهم لانهم من أهل الكتاب وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال أكثر أهل العلم: إنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما أخذت الجزية من اليهود والنصارى بالكتاب ومن المجوس بالسنة انتهى. قلت: قدمنا لك أن الحق أخذ الجزية من كل مشرك كما دل له حديث بريدة، ولا يخفى أن في قوله: سنوا بهم سنة أهل الكتاب ما يشعر بأنهم ليسوا بأهل الكتاب. ويدل لما قدمناه قوله: 2 - (وعن عاصم بن عمر) هو أبو عمرو عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه العدوي القرشي. ولد قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين وكان وسيما جسيما خيرا فاضلا شاعرا مات سنة سبعين قبل موت أخيه عبد الله بأربع سنين، وهو جد عمر بن عبد العزيز لامه روى عن أبو أمامة ابن سهل بن حنيف وعروة بن الزبير (عن أنس) أي ابن مالك (وعن عثمان بن أبي سليمان) أي ابن جبير بن مطعم القرشي المكي، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن وعامر بن عبد الله بن الزبير وغيرهم (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر) بضم الهمزة بعد الكاف مثناة تحتية فدال مهملة فراء (دومة)

[ 66 ]

بضم الدال المهملة وسكون الواو. ودومة الجندل اسم محل (فأخذوه وأتوا به فحقن له دمه وصالحه على الجزية. رواه أبو داود). قال الخطابي: أكيدر دومة: رجل من العرب يقال إنه من غسان. ففي هذا دليل على أخذ الجزية من العرب كجوازه من العجم انتهى. قلت: فهو من أدلة ما قدمناه. وكان صلى الله عليه وسلم بعث خالدا من تبوك والنبي صلى الله عليه وسلم بها في آخر غزاة غزاها وقال لخالد إنك تجده يصيد البقر فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه بمبصر العين في ليلة مقمرة أقام وجاءت بقر الوحش حتى حكت قرونها بباب القصر فخرج إليها أكيدر في جماعة من خاصته، فتلقتهم جند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا أكيدر وقتلوا أخاه حسان فحقن رسول الله دمه وكان نصرانيا، واستلب خالد من حسان قباء ديباج مخوصا بالذهب، وبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجار خالد أكيدرا من القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل، وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وألفي درع وأربعمائة رمح فعزل رسول الله (ص) صفيه خالصا، ثم قسم الغنيمة - الحديث. وفيه أنه قدم خالد بأكيدر على رسول الله (ص) فدعاه إلى الاسلام فأبى فأقره على الجزية. 3 - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن وأمرني: أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله) بالعين المهملة مفتوحة وتكسر: المثل، وقيل: بالفتح ما عادل من جنسه وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل: بالعكس كما في النهاية ثم دال مهملة (معافريا) بفتح الميم فعين مهملة بعدها ألف ففاء وراء بعدها ياء النسبة إلى معافر، وهي بلد باليمن تصنع فيها الثياب فنسبت إليها، فالمراد أو عدله ثوبا معافريا (أخرجه الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم). وقال الترمذي: حديث حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا وأنه أصح. وأعله ابن حزم بالانقطاع وأن مسروقا لم يلق معاذا، وفيه نظر. وقال أبو داود: إنه منكر، قال: وبلغني عن أحمد أنه كان ينكر هذا الحديث إنكارا شديدا. قال البيهقي: إنما المنكر رواية أبي معاوية عن الاعمش عن إبراهيم عن مسروق عن معاذ. فأما رواية الاعمش عن أبي وائل عن مسروق فإنها محفوظة قد رواها عن الاعمش جماعة، منهم: سفيان الثوري وشعبة ومعمر وأبو عوانة ويحيى بن شعبة وحفص بن غياث. وقال بعضهم: عن معاذ، وقال بعضهم: إن النبي (ص) لما بعث معاذا إلى اليمن أو معناه. والحديث دليل على تقدير الجزية بالدينار من الذهب على كل حالم أي بالغ، وفي رواية محتلم، وظاهر إطلاقه سواء كان غنيا أو فقيرا، والمراد أنه يؤخذ الدينار ممن ذكر في السنة، وإلى هذا ذهب الشافعي فقال: أقل ما يؤخذ من أهل الذمة دينار عن كل حالم، وبه قال أحمد فقال: الجزية دينار أو عدله من المعافرين لا يزاد عليه ولا ينقص. إلا أن الشافعي جعل ذلك حدا في جانب القلة وأما الزيادة فتجوز لما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس أن النبي (ص) صالح أهل نجران على ألفي

[ 67 ]

حلة النصف في محرم والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من صنف من أصناف السلاح يغزو بها المسلمون ضامنين لها حتى يردها عليهم إن كان باليمن كيد. قال الشافعي: وقد سمعت بعض أهل العلم من المسلمين ومن أهل الذمة من نجران يذكر: أن قيمة ما أخذوا من كل واحد أكثر من دينار وإلى هذا ذهب عمر فإنه أخذ زائدا على الدينار. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه توقيف في الجزية في القلة ولا في الكثرة، وأن ذلك موكول إلى نظر الامام، ويجعل هذه الاحاديث محمولة على التخيير والنظر في المصلحة. وفي الحديث دليل على أنها لا تؤخذ الجزية من الانثى لقوله: حالم. قال في نهاية المجتهد: اتفقوا على أنه لا يجب الجزية إلا بثلاثة أوصاف: الذكورة والبلوغ والحرية. واختلفوا في المجنون والمقعد والشيخ وأهل الصوامع والفقير قال: وكل هذه مسائل اجتهادية ليس فيها توقيف شرعي قال: وسبب اختلافهم هل يقتلون أم لا؟ ا ه‍. هذا وأما رواية البيهقي عن الحكم بن عتيبة أنه (ص) كتب إلى معاذ باليمن على كل حالم أو حالمة دينارا أو قيمته فإسنادها منقطع وقد وصله أبو شيبة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس بلفظ فعلى كل حالم دينار أو عدله من المعافر ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار أو عوضه من الثياب لكنه قال البيهقي: أبو شيبة ضعيف. وفي البا ب عن عمرو بن حزم ولكنه منقطع، وعن عروة وفيه انقطاع، وعن معمر عن الاعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ وفيه وحالمة لكن قال أئمة الحديث: إن معمرا إذا روى عن غير الزهري غلط كثيرا. وبه يعرف أنه لم يثبت في أخذ الجزية من الانثى حديث يعمل به. وقال الشافعي: سألت محمد بن خالد وعبد الله بن عمرو بن مسلم وعددا من علماء أهل اليمن وكلهم حكوا عن عدد مضوا قبلهم يحكون عن عدد مضوا قبلهم كلهم ثقة أن صلح النبي صلى الله عليه وسلم كان لاهل الذمة باليمن على دينار كل سنة ولا يثبتون أن النساء كن ممن يؤخذ منه الجزية. وقال عامتهم: ولم يؤخذ من زروعهم وقد كان لهم زروع ولا من مواشيهم شيئا علمناه. وقال: وسألت عددا كبيرا من ذمة أهل اليمن متفرقين في بلدان اليمن فكلهم أثبت لي لا يختلف قولهم أن معاذا أخذ منهم دينارا عن كل بالغ منهم وسموا البالغ حالما قالوا: وكان في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مع معاذ أن على كل حالم دينارا. واعلم أنه يفهم من حديث معاذ وحديث بريدة المتقدم أنه يجب قبول الجزية ممن بذلها، ويحرم قتله، وهو المفهوم من قوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية) *: أنه ينقطع القتال المأمور به في صدر الآية من قوله تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) * بإعطاء الجزية، وأما جوازه وعدم قبول الجزية فتدل الآية على النهي عن القتال عند حصول الغاية، وهو إعطاء الجزية فيحرم قتالهم بعد إعطائها. 4 - (وعن عائذ بن عمرو المزني رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: الاسلام يعلو ولا يعلى أخرجه الدارقطني. فيه دليل على علو أهل الاسلام على أهل الاديان في كل أمر

[ 68 ]

لاطلاقه، فالحق لاهل الايمان إذا عارضهم غيرهم من أهل الملل كما أشير إليه في إلجائهم إلى مضايق الطرق، ولا يزال دين الحق يعلو ويزداد علوا، والداخلون فيه أكثر في كل عصر من الاعصار. 5 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه رواه مسلم. فيه دليل على تحريم ابتداء المسلم لليهودي والنصراني بالسلام لان ذلك أصل النهي وحمله على الكراهة خلاف أصله، وعليه حمله الاقل. وإلى التحريم ذهب الجمهور من السلف والخلف. ذهب طائفة منهم ابن عباس إلى جواز الابتداء لهم بالسلام وهو وجه لبعض الشافعية إلا أنه قال المازري: إنه يقال: السلام عليك - بالافراد، ولا يقال: السلام عليكم. واحتج لهم بعموم قوله تعالى: * (وقولوا للناس حسنا) * وأحاديث الامر بإفشاء السلام. والجوا ب: أن هذه العمومات مخصوصة بحديث الباب. وهذا إذا كان الذمي منفردا، وأما إذا كان معه مسلم جاز الابتداء بالسلام ينوي به المسلم، لانه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم على مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين. ومفهوم قوله: لا تبدءوا أنه لا ينهى عن الجواب عليهم إن سلموا. ويدل له عموم قوله تعالى: * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) * وأحاديث إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم وفي رواية: إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم فقولوا: وعليك وفي رواية " قل وعليك " أخرجها مسلم. واتفق العلماء على أنه يرد على أهل الكتاب ولكنه يقتصر على قوله: وعليكم، وهو هكذا بالواو عند مسلم في روايات، قال الخطابي: عامة المحدثين يروون هذا الحرف بالواو، قالوا: وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو. وقال الخطابي: هذا هو الصواب لانه إذا حذف صار كلامه بعينه مردودا عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. قال النووي: إثبات الواو وحذفها جائز إذا صحت به الروايات، فإن الواو وإن اقتضت المشاركة فالموت هو علينوعليهم ولا امتناع. وفي الحديث دليل على إلجائهم إلى مضايق الطرق إذا اشتركو هم والمسلمون في الطريق فيكون واسعه للمسلمين فإن خلت الطريق عن المسلمين فلا حرج عليهم. وأما ما يفعله اليهود في هذه الازمنة من تعمد جعل المسلم على يسارهم إذ لاقاهم في الطريق فشئ ابتدعوه لم يرو فيه شئ وكأنهم يريدون التفاؤل بأنهم من أصحاب اليمين فينبغي منعهم مما يتعمدونه من ذلك لشدة محافظتهم عليه ومضادة المسلم. 6 - (وعن المسور بن مخرمة ومروان رضي الله عنهما أن النبي (ص) خرج عام الحديبية

[ 69 ]

فذكر الحديث) هكذا في نسخ بلوغ المرام بإفراد ذكر وكان الظاهر فذكرا بضمير التثنية ليعود إلى المسور ومروان وكأنه أراد فذكر أي الراوي: (بطوله وفيه: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو: على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض أخرجه أبو داود وأصله في البخاري). الحديث دليل على جواز المهادنة بين المسلمين وأعدائهم من المشركين مدة معلومة لمصلحة يراها الامام وإن كره ذلك أصحابه فإنه ذكر في المهادنة ما يفيده الحديث الآتي وهو قوله: 7 - (وأخرج مسلم بعضه من حديث أنس وفيه أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا) أي من جاء من المسلمين إلى كفار مكة لم يردوه إلى رسول الله (ص) ومن جاء من أهل مكة إليه صلى الله عليه وسلم رده إليهم فكره المسلمون ذلك (فقالوا: أتكتب هذا يا رسول الله؟ قال: نعم إنمن ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا). فإنه (ص) كتب هذا الشرط مع ما فيه من كراهة أصحابه له والحديث طويل ساقه أئمة السير في قصة الحديبية واستوفاه ابن القيم في زاد المعاد وذكر فيه كثيرا من الفوائد. وفيه أنه (ص) رد إليهم أبا جندل بن سهيل وقد جاء مسلما قبل تمام كتاب الصلح، وأنه بعد رده إليهم جعل الله له فرجا ومخرجا، ففر من المشركين ثم أقام بمحل على طريقهم يقطعها عليهم وانضاف إليه جماعة من المسلمين حتى ضيق على أهل مكة مسالكهم. والقصة مبسوطة في كتب السير. وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد النساء الخارجات إليه، فقيل لان الصلح وقع في حق الرجال دون النساء، وأرادت قريش تعميم ذلك في الفريقين، فإنها لما خرجت أم كلثوم بنت أبي معيط مهاجرة طلب المشركون رجوعها فمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأنزل الله تعالى الآية وفيها: * (فلا ترجعهن إلى الكفار) *. والحديث دليل على جواز الصلح على رد من وصل إلينا من العدو كما فعله صلى الله عليه وسلم وعلى أن لا يردوا من وصل منا إليهم. 8 - (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل معاهدا لم يرح) بفتح المثناة التحتية وفتح الراء أصله يراح أي لم يجد (رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما. أخرجه البخاري) وفي لفظ للبخاري: من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله - الحديث. وفي لفظ له تقييد ذلك بغير جرم، وفي لفظ له بغير حق. وعند أبي داود والنسائي بغير حلها والتقييد معلوم من قواعد الشرع. وقوله: من مسيرة أربعين عاما وقع عند الاسماعيلي سبعين عاما، ووقع عند الترمذي من حديث أبي هريرة. وعند البيهقي من رواية صفوان بن سليم

[ 70 ]

عن ثلاثين من أبناء الصحابة بلفظ سبعين خريفا وعند الطبراني من حديث أبي مسيرة مائة عام، وفيه من حديث أبي بكرة خمسمائة عام وهو في الموطأ من حديث آخر وفي مسند الفردوس عن جابر إن ريح الجنة ليدرك من مسيرة ألف عام. وقد جمع العلماء بين هذه الروايات المختلفة قال المصنف ما حاصله: إن ذلك الادراك في موقف القيامة وإنه يتفاوت بتفاوت مراتب الاشخاص فالذي يدركه من مسيرة خمسمائة أفضل من صاحب السبعين إلى آخر ذلك، وقد أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي ورأيت نحوه في كلام ابن العربي. وفي الحديث دليل على تحريم قتل المعاهد. وتقدم الخلاف في الاقتصاص من قاتله، وقال المهلب: في هذا دليل على أن المسلم إذا قتل المعاهد أو الذمي لا يقتص منه، قال: لانه اقتصر فيه على ذكر الوعيد الاخروي دون الدنيوي. هذا كلامه. باب السبق والرمي السبق بفتح السين المهملة وسكون الموحدة مصدر، وهو المراد هنا. ويقال بتحريك الموحدة، وهو الرهن الذي يوضع لذلك والرمي مصدر رمى والمراد به هنا المناضلة بالسهام للسبق. 1 - (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سابق النبي صلى الله عليه وسلم بالخيل التي قد ضمرت) من التضمير وهو كما في النهاية: أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف إلا قوتها لتخف، زاد في الصحاح: وذلك في أربعين يوما، وهذه المدة تسمى المضمار والموضع الذي يضمر فيه الخيل أيضا مضمار، وقيل: تشد عليها سروجها وتجلل بالاجلة حتى تعرق فيذهب رهلها ويشتد لحمها (من الحفياء) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها مثناة تحتية ممدودة وقد تقصر: مكان خارج المدينة (وكان أمدها) بالدال المهملة أي غايتها (ثنية الوداع) محل قريب من المدينة سميت بذلك: لان الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها (وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. وكان ابن عمر فيمن سابق. متفق عليه، زاد البخاري) من حديث ابن عمر (قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن الثنية إلى مسجد بني زريق ميل). الحديث دليل على مشروعية السباق وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها في الجهاد، وهي دائرة بين الاستحباب والاباحة بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبي: لا خلا ف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى الاقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الاسلحة، لما في ذلك من التدرب على الحرب. وفيه دليل على جواز تضمير الخيل المعدة للجهاد وقيل إنه يستحب. 2 - (وعنه) أي ابن عمر رضي الله عنهما (أن النبي (ص) سابق بين

[ 71 ]

الخيل وفضل القرح) جمع قارح، والقارح ما كملت سنه كالبازل في الابل (في الغاية. رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان). فيه مثل الذي قبله دليل على مشروعية السباق بين الخيل، وأنه يجعل غاية القرح أبعد من غاية ما دونها لقوتها وجلادتها وهو المراد من قوله وفضل القرح. 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا سبق) بفتح السين وفتح الباء الموحدة هو: ما يجعل للسابق على السبق من جعل (إلا في خف أو نصل أو حافر رواه أحمد والثلاثة وصححه ابن حبان). وأخرجه الحاكم من طرق وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد وأعل الدارقطني بعضها بالوقف. قوله: إلا في خف المراد به الابل، والحافر الخيل، والنصل السهم أي ذي خف أو ذي حافر أو ذي نصل على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. والحديث دليل على جواز السباق على جعل، فإن كان الجعل من غير المتسابقين كالامام يجعله للسابق حل ذلك بلا خلاف، وإن كان من أحد المتسابقين لم يحل لانه من القمار. وظاهر الحديث أنه لا يشرع السبق إلا فيما ذكر من الثلاثة، وعلى الثلاثة قصره مالك والشافعي، وأجازه عطاء في كل شئ. وللفقهاء خلاف في جوازه على عوض أو لا، ومن أجازه عليه فلشرائط مستوفاة في المطولات. 4 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق) مغير الصيغة أي يسبقه غيره (فلا بأس به، وإن أمن فهو قمار. رواه أحمد وأبو داود وإسناده ضعيف) ولائمة الحديث في صحته إلى أبي هريرة كلام كثير حتى قال أبو حاتم: أحسن أحواله أن يكون موقوفا على سعيد بن المسيب، وقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد من قوله، انتهى. وهو كذلك في الموطإ عن الزهري عن سعيد. وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عنه فقال: هذا باطل وضرب على أبي هريرة. وقد غلط الشافعي من رواه عن سعيد عن أبي هريرة. وفي قوله: وهو لا يأمن أن يسبق دلالة على أن المحلل وهو الفرس الثالث في الرهان يشترط عليه أن لا يكون متحقق السبق وإلا كان قمارا، وإلى هذا الشرط ذهب البعض، وبهذا الشرط يخرج عن القمار، ولعل الوجه أن المقصود إنما هو الاختبار للخيل فإذا كان معلوم السبق فات الغرض الذي يشرع لاجله، وأما المسابقة بغير جعل فمباحة إجماعا. 5 - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) وهو على المنبر يقرأ: * (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) *: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي رواه مسلم. أفاد الحديث تفسير

[ 72 ]

القوة في الآية بالرمي بالسهام لانه المعتاد في عصر النبوة، ويشمل الرمي بالبنادق للمشركين والبغاة، ويؤخذ من ذلك شرعية التدرب فيه، لان الاعداد إنما يكون مع الاعتياد إذ من لم يحسن الرمي لا يسمى معدا للقوة. كتاب الاطعمة 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: كل ذي ناب من السباع فأكله حرام رواه مسلم. دل الحديث على تحريم ما له ناب من مسباع الحيوانات. والناب: السن خلف الرباعية كما في القاموس. والسبع: هو المفترس من الحيوان كما في القاموس أيضا، وفيه: الافتراس والاصطياد، وفي النهاية: أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع هو ما يفترس الحيوان ويأكله قهرا وقسرا كالاسد والذئب والنمر ونحوها. واختلف العلماء في المحرم منها: فذهب الهادوية والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود إلى ما أفاده الحديث، ولكنهم اختلفوا في جنس السباع المحرمة فقال أبو حنيفة: كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضبع واليربوع والسنور. وقال الشافعي: يحرم من السباع ما يعدو على الناس كالاسد والذئب والنمر دون الضبع والثعلب لانهما لا يعدوان على الناس. وذهب ابن عباس فيما حكاه عنه ابن عبد البر وعائشة وابن عمر، - على رواية عنه فيها ضعف - والشعبي وسعيد بن جبير إلى حل لحوم السباع مستدلين بقوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) * الآية. فالمحرم هو ما ذكر في الآية وما عداه حلال. وأجيب: بأن الآية مكية وحديث أبي هريرة بعد الهجرة، فهو ناسخ للآية عند من يرى نسخ القرآن بالسنة. وبأن الآية خاصة بثمانية الازواج من الانعام ردا على من حرم بعضها كما ذكر الله تعالى قبلها من قوله: * (وقالوا ما في بطون هذه الانعام) * إلى آخر الآيات. فقيل في الرد عليهم * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) * الآية: أي أن الذي أحللتموه هو المحرم والذي حرمتموه هو الحلال، وأن ذلك افتراء على الله وقن بها لحم الخنزير لكونه مشاركا لها في علة التحريم وهو كونه رجسا. فالآية وردت في الكفار الذين يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ويحرمون كثيرا مما أباحه الشرع، وكان الغرض من الآية بيان حالهم وأنهم يضادون الحق فكأنه قيل: ما حرام إلا ما أحللتموه مبالغة في الرد عليهم. قلت: ويحتمل أن المراد قل لا أجد الآية محرما إلا ما ذكر في الآية ثم حرم الله من بعد كل ذي ناب من السباع. ويروي عن مالك أنه إنما يكره أكل كل ذي ناب من السباع لا أنه محرم.

[ 73 ]

2 - (وأخرجه) أي أخرج معنى حديث أبي هريرة، من حديث ابن عباس بلفظ نهى) أي عن كل ذي ناب من السباع، وزاد أي ابن عباس (وكل ذي مخلب) بكسر الميم وسكون الخاء المعجة وفت اللام آخره موحدة [ من الطير ] وأخرج الترمذي من حديث جابر تحريم كل ذي مخلب من الطير، وأخرجه أيضا من حديث العرباض بن سارية وزاد فيه: يوم خيبر. في القاموس المخلب ظفر كل سبع من الماشي والطائر أو هو لما يصيد من الطير. والظفر لما لا يصيد. وإلى تحريم كل ذي مخلب من الطير ذهبت الهادوية ونسبه النووي إلى الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور. وفي نهاية المجتهد نسب إلى الجمهور القول بحل كل ذي مخلب من الطير، وقال: وحرمها قوم ونقل النووي أثبت لانه المذكور في كتب الفريقين وأحمد، فإن في دليل الطالب على مذهب أحمد ما لفظه: ويحرم من الطير ما يصيد بمخلبه كعقاب وباز وصقر وباشق وشاهين وعدد كثيرا من ذلك ومثله في المنهاج للشافعية ومثله للحنفية. وقال مالك: يكره كل ذي مخلب من الطير ولا يحرم. وأما النسر فقالوا: ليس بذي مخلب لكنه محرم لاستخباثه. قالت الشافعية: ويحرم ما ندب قتله كحية وعقرب وغراب أبقع وحدأة وفأرة وكل سبع ضار واستدلوا بقوله (ص): خمس فواسق يقتلن في الحل والحرام، وتقدم في كتاب الحج قالوا: ولان هذه مستخبثات شرعا وطبعا. قلت: وفي دلالة الامر بقتلها على تحريم أكلها نظر ويأتي لهم أن الامر بعدم القتل دليل على التحريم، وقد قال الشافعية: إن الآدمي إذا وطئ بهيمة من بهائم الانعام فقد أمر الشارع بقتلها قالوا: ولا يحرم أكلها فدل على أنه لا ملازمة بين الامر بالقتل والتحريم. 3 - (عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله (ص) يوم خيبر عن لحوم الحمر الاهلية وأذن في لحوم الخيل. متفق عليه وفي لفظ البخاري لرواية جابر هذه، (ورخص) عوض أذن وقد ثبت في روايات أنه (ص) وجد القدور تغلي بلحمها فأمر بإراقتها، وقال: لا تأكلوا من لحومها شيئا والاحاديث في ذلك كثيرة، وفي رواية إنها رجس أو نجس، وفي لفظ إنها رجس من عمل الشيطان. وفي الحديث مسألتان: الاولى أنه دل منطوقه على تحريم أكل لحوم الحمر الاهلية، إذ النهي أصله التحريم وإلى تحريم أكل لحومها ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلا ابن عباس فقال: ليست بحرام. وفي رواية ابن جريج عن ابن عباس: وأبى ذلك البحر وتلا قوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) * وروي عن عائشة وعن مالك روايات أنها مكروهة أو حرام أو مباحة. وأما ما أخرجه أبو داود عن غالب بن أبجر قال أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنك حرمت لحوم الحمر الاهلية وقد أصابتنا سنة. فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من جهة جوال القرية - يعني الجلالة -. فقد قال الخطابي:

[ 74 ]

أما حديث ابن أبجر فقد اختلف في إسناده قال أبو داود: رواه شعبة عن عبيد بن الحسن عن عبد الرحمن بن معقل عن عبد الرحمن بن بشر عن ناس من مزينة أن سيد مزين أبجر أو ابن أبي أبجر سأل النبي صلى الله عليوسلم، ورواه مسعر فقال: عن ابن عيينة عن أبي معقل عن رجلين من مزينة أحدهما عن الآخر، وقد ثبت التحريم من حديث جابر، يريد هذا وساقه من طريق أبي داود متصلا، ثم قال: وأما قوله: إنما حرمتها من أجل جوال القرية فإن الجوال هي التي تأكل العذرة وهي الجلة، إلا أن هذا لا يثبت، وقد ثبت أنه إنما نهى عن لحومها لانها رجس، وساق سنده إلى محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: لما افتتح رسول الله (ص) خيبر أصبنا حمرا خارجة من القرية فنحرنا وطبخنا منها فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ورسوله ينهيانكم عنها وإنها رجس من عمل الشيطان فأكفئت القدور انتهى. وبهذا يبطل القول بأنها إنما حرمت مخافة قلة الظهر، كما أخرجه الطبراني وابن ماجه عن ابن عباس: إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمر الاهلية مخافة قلة الظهر. وفي رواية البخاري عن ابن عباس في المغازي من رواية الشعبي أنه قال ابن عباس: لا أدري أنهى عنها رسول الله (ص) من أجل أنها حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم أو حرمها ألبتة يوم خيبر؟. فإنه يقال: قد علم بالنص أنه حرمها لانها رجس وكأن ابن عباس لم يعلم بالحديث فتردد في نقله النهي، وإذ قد ثبت النهي وأصله التحريم عمل به، وإن جهلنا علته. وأما ما أخرجه الطبراني من حديث أم نصر المحاربية: أن رجلا سأل النبي (ص) عن الحمر الاهلية فقال: أليس ترعى الكلا وتأكل الشجر،؟ قال: فأصب من لحومها فهي رواية غير صحيحة لا تعارض بها الاحاديث الصحيحة. المسألة الثانية: دل الحديث على حل أكل لحوم الخيل وإلى حلها ذهب زيد بن علي والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وجماهير السلف والخلف لهذا الحديث، ولما في معناه من الاحاديث الصحيحة. وأخرج ابن أبي شيبة بسنده على شرط الشيخين عن عطاء أنه قال لابن جريج: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت له: أصحاب رسول الله؟ قال: نعم. ويأتي حديث أسماء: نحرنا على عهد رسول الله (ص) فرسا فأكلناه. وذهبت الهادوية ومالك وهو المشهور عند الحنفية إلى تحريم الخيل. واستدلوا بحديث خالد بن الوليد نهى رسول الله (ص) عن لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع وفي رواية بزيادة يوم خيبر وأجيب عنه بأنه قال البيهقي فيه: هذا إسناد مضطرب مخالف لرواية الثقات، وقال البخاري: يروى عن أبي صالح ثور بن يزيد وسليمان بن سليم وفيه نظر. وضعف الحديث أحمد والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق. واستدلوا بقوله تعالى: * (لتركبوها وزينة) * وتقدير الاستدلال بالآية بوجوه: الاول: أن العلة المنصوصة تقتضي الحصر، فإباحة أكلها خلاف ظاهر الآية. وأجيب عنه بأن كون العلة منصوصة لا يقتضي الحصر فيها، فلا يفيد

[ 75 ]

الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بها في غيرهما اتفاقا، وإنما نص عليهما لكونهما أغلب ما يطلب، ولو سلم الحصر لامتنع حمل الاثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به الثاني: من وجوه دلالة الآية على تحريم الاكل: عطف البغال والحمير فإنه دال على اشتراكهما معها في حكم التحريم فمن أفرد حكمهما عن حكم ما عطف عليه احتاج إلى دليل. وأجيب عنه بأن هذا من باب دلالة الاقتران وهي ضعيفة. الثالث: من وجودلالة الآية: أنها سيقت للامتنان فلو كانت مما يؤكل لكان الامتنان به أكثر لانه يتعلق ببقاء البنية. والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها سيما وقد امتن بالاكل فيما ذكر قبلها: وأجيب بأنه تعالى خص الامتنان بالركوب لانه غالب ما ينتفع بالخيل فيه عند العرب فخوطبوا بما عرفوه وألفوه، كما خوطبوا في الانعام بالاكل وحمل الاثقال لانه كان أكثر انتفاعهم بها لذلك، فاقتصر في كل من الصنفين بأغلب ما ينتفع به فيه. الرابع: من وجوه دلالة الآية: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة التي امتن بها وهي الركوب والزينة. وأجيب عنه: بأنه لو لزم من الاذن في أكلها أن تفنى للزم مثله في البقر ونحوها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به لمنفعة أخرى. وقد أجيب عن الاستدلال بالآية بجواب إجمالي وهو: أن آية النحل مكية اتفاقا والاذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، وأيضا فإن آية النحل ليست نصا في تحريم الاكل، والحديث صريح في جوازه، وأيضا لو سلم ما ذكر كان غايته للدلالة على ترك الاكل وهو أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه أو خلاف الاولى، وحيث لم يتعين هنا واحد منها لا يتم بها التمسك، فالتمسك بالادلة المصرحة بالجواز أولى. وأما زعم البعض أن حديث جابر دال على التحريم لكونه ورد بلفظ الرخصة، والرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل أنه رخص لهم فيها بسبب المخمصة فلا يدل على الحل المطلق، فهو ضعيف لانه ورد بلفظ أذن لنا ولفظ أطعمنا فعبر الراوي بقوله: رخص لنا عن أذن لا أنه أراد الرخصة الاصطلاحية الحادثة بعد زمن الصحابة، فلا فرق بين العبارتين أذن ورخص في لسان الصحابة. 4 - (وعن ابن أبي أو في رضي الله عنهما قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد) وهواسم جنس، والواحدة جرادة، يقع على الذكر والانثى كحمامة (متفق عليه) وهو دليل على حل الجراد. قال النووي: وهو إجماع وأخرج ابن ماجه عن أنس قال كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتهادين الجراد في الاطباق. وقال ابن العربي في شرح الترمذي: إن جراد الاندلس لا يؤكل لانه ضرر محض. فإذا ثبت ما قاله فتحريمها لاجل الضرر، كما تحرم السموم ونحوها. واختلفوا هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجراد أم لا؟ وحديث الكتاب يحتمل أنه كان يأكل معهم إلا أن في رواية البخاري زيادة لفظ: نأكل الجراد معه قيل: وهي محتملة أن المراد غزونا معه فيكون تأكيدا لقوله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن المراد نأكل معه. قلت: وهذا الاخير هو الذي يحسن حمل الحديث عليه إذ التأسيس أبلغ من التأكيد ويؤيده ما وقع في الطب

[ 76 ]

عند أبي نعيم بزيادة: ويأكل معنا. وأما ما أخرجه أبو داود من حديث سليمان. أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال: لا آكله ولا أحرمه فقد أعله المنذري بالارسال، وكذلك ما أخرجه ابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب فقال: لا آكله ولا أحرمه، وسئل عن الجراد فقال مثل ذلك، فإنه قال النسائي: ثابت ليس بثقة. ويؤكل عند الجماهير على كل حال ولو مات بغير سبب لحديث أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال أخرج أحمد والدارقطني مرفوعا من حديث ابن عمر وقال: إن الموقوف أصح ورجح البيهقي الموقوف وقال: له الحكم الرفع. واختلف فيه هل هو من صيد البحر أم من صيد البر؟ وورد حديثان أنه من صيد البحر. وورد عن بعض الصحابة أنه يلزم المحرم فيه الجزاء فدل أنه عنده من صيد البر، والاصل فيه أنه بري حتى يقوم دليل على أنه بحري. 5 - (وعن أنس رضي الله عنه في قصة الارنب قال: فذبحها فبعث بوركها إلى رسول الله (ص) فقبله متفق عليه. وفي القصة أنه قال أنس: أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران فسعى القوم وتعبوا، فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحة فبعث بوركها، أو قال بفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها وهو لا يدل على أنه أكل منها، لكن في رواية البخاري في كتاب الهبة قال الراوي وهو هشام بن يزيد: قلت لانس وأكل منها؟ قال: وأكل منها ثم قال: فقبله. والاجماع واقع على حل أكله، إلا أن الهادوية وعبد الله بن عمر وعكرمة وابن أبي ليلى قالوا: يكره أكلها، لما أخرجه أبو داود والبيهقي من حديث ابن عمر أنها جئ بها إلى النبي (ص) فلم يأكلها ولم ينه عنها وزعم أي ابن عمر أنها تحيض، وأخرج البيهقي عن عمر وعمار مثل ذلك وأنه أمر بأكلها ولم يأكل منها، قلت: لكنه لا يخفى أن عدم أكله صلى الله عليه وسلم لا يدل على كراهيتها وحكى الرافعي عن أبي حنيفة تحريمها. (فائدة): ذكر الدميري في حياة الحيوان أن الذي يحيض من الحيوان: المرأة والضبع والخفاش والارنب. ويقال: إن الكلبة كذلك. 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله (ص) عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان. قال البيهقي: رجاله رجال الصحيح، قال البيهقي: هو أقوى ما ورد في هذا الباب. وفيه دليل على تحريم قتل ما ذكر، ويؤخذ منه تحريم أكلها لانه لو حل لما نهى عن القتل. وتقدم لنا في هذا الاستدلال بحث. وتحريم أكلها رأي الجماهير، وفي كل واحدة خلاف إلا النملة فالظاهر أن تحريمها إجماع.

[ 77 ]

7 - (وعن ابن أبي عمار) هو عبد الرحمن بن أبي عمار المكي وثقه أبو زرع والنسائي ولم يتكلم فيه أحد ويسمى القس لعبادته، ووهم ابن عبد البر في إعلاله وقال البيهقي: إن الحديث صحيح (قال: قلت لجابر: الضبع صيد هو؟ قال: نعم. قلت: قاله رسول الله (ص)؟ قال: نعم. رواه أحمد والاربعة وصححه البخاري وابن حبان). الحديث دليل على حل أكل الضبع. وإليه ذهب الشافعي فهو مخصص من حديث تحريم كل ذي ناب من السباع، وأخرج أبو داود من حديث جابر مرفوعا الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل وأخرجه الحاكم وقال: صحيح الاسناد. قال الشافعي: وما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير. وحرمه الهادوية والحنفية عملا بالحديث العام كما أشرنا إليه، ولكن أحاديث التحليل تخصصه، وأما استدلالهم على التحريم بحديث خزيمة بن جزء وفيه: قال صلى الله عليه وسلم أو يأكل الضبع أحد أخرجه الترمذي وفي إسناده عبد الكريم أبو أمية، وهو متف‍ ق على ضعفه. 8 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن القنفذ) بضم القاف وفتحها وضم الفاء (فقال: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) * فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا فهو كما قال. أخرجه أحمد وأبو داود وإسناده ضعيف). ضعف بجهالة الشيخ المذكور، قال الخطابي: ليس إسناده بذلك وله طرق قال البيهقي: لم يرد إلا من وجه ضعيف، وقد ذهب إلى تحريمه أبو طالب والامام يحيى. وقال الرافعي: في القنفذ وجهان، أحدهما أنه يحرم وبه قال أبو حنيفة وأحمد لما روي في الخبر أنه من الخبائث، وذهب مالك وابن أبي ليلى إلى أنه حلال وهو أقوى من القول بتحريمه لعدم نهوض الدليل عليه، مع القول بأن الاصل الاباحة في الحيوانا ت، وهي مسألة خلافية معروفة في الاصول فيها خلاف بين العلماء. 9 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما) قياس قاعدة وعنه (قال: نهى رسول الله (ص) عن الجلالة وألبانها أخرجه الاربعة إلا النسائي وحسنه الترمذي) وأخرج الحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمرو بن العاص نحوه، وقال حتى تعلف أربعين ليلة. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: نهى عن لحوم الحمر الاهلية وعن الجلالة وعن ركوبها ولابي داود أن يركب عليها وأن يشرب ألبانها. والجلالة هي التي تأكل العذرة والنجاسات سواء كانت من الابل أو البقر أو الغنم أو الدجاج. والحديث دليل على تحريم الجلالة وألبانها وتحريم الركوب عليها. وقد جزم ابن حزم أن من وقف في عرفات راكبا على جلالة لا يصح حجه، وظاهر الحديث أنه إذ ثبت أنها أكلت الجلة فقد صارت محرمة. وقال النووي: لا تكون جلالة إلا إذا غلب على علفها النجاسة، وقيل: بل الاعتبار بالرائحة والنتن، وبه جزم النووي والامام يحيى وقال: لا تطهر بالطبخ ولا بإلقاء التوابل

[ 78 ]

وإن زال الريح لان ذلك تغطية لا استحالة. وقال الخطابي: كرهه أحمدو أصحاب الرأي والشافعي وقالوا: لا تؤكل حتى تحبس أياما. قلت: قد عين في الحديث حبسها أربعين يوما، وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاث أيام. ولم ير مالك بأكلها بأسا من غير حبس. وذهب الثوري ورواية عن أحمد إلى التحريم كما هو ظاهر الحديث. ومن قال يكره ولا يحرم قال: لان النهي الوارد فيه إنما كان لتغير اللحم وهو لا يوجب التحريم بدليل المذكى إذا جف. ولا يخفى أن هذا رأي في مقابلة النص، ولقد خالف الناظرون هنا السنة، فقال المهدي في البحر: المذهب والفريقان: وندب حبس الجلالة قبل الذبح، الدجاجة ثلاثة أيام، والشاة سبعة والبقرة والناقة أربعة عشر وقال مالك: لا وجه له. قلنا: لتطييب أجوافها ا ه‍. والعمل بالاحاديث هو الواجب وكأنهم حملوا النهي على التنزيه ولا ينهض عليه دليل. وأما مخالفتهم للتوقيف فلم يعرف وجهه. 10 - (وعن أبي قتادة رضي الله عنه في قصة الحمار الوحشي: فأكل منه النبي (ص) متفق عليه. تقدم ذكر قصة الحمار هذا الذي أهداه أبو قتادة في كتاب الحج. وفي هذا دلالة على أنه يحل أكل لحمه وهو إجماع. وفيه خلاف شاذ أنه إذا علف وأنس صار كالاهلي. 11 - (وعن أسمابنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: نحرنا على عهد رسول الله (ص) فرسا فأكلناه متفق عليه. وفي رواية: ونحن بالمدينة. وفي رواية الدارقطني هنا فأكلناه نحن وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث دليل على حل أكل لحم الخيل، وتقدم الكلام فيه، لان الظاهر أنه (ص) علم ذلك وقرره، كيف وقد قالت: إنه أكل منه صلى الله عليه وسلم. وقالت هنا: نحرنا، وفي رواية الدارقطني: ذبحنا، فقيل: فيه دليل على أن النحر والذبح واحد، قيل: ويجوز أن يكون أحد اللفظين مجازا إذ النحر للابل خاصة وهو الضرب بالحديد في لبة البدنة حتى تفرى أوداجها والذبح هو قطع الاوداج في غير الابل. قال ابن التين: الاصل في الابل النحر وفي غيرها الذبح وجاء في البقرة: * (فذبحوها) * وفي السنة نحرها. وقد اختلف العلماء في نحر ما يذبح وذبح ما ينحر، فأجازه الجمهور والخلاف فيه لبعض المالكية. وقوله في الحديث ونحن بالمدينة يرد على من زعم أن حلها قبل فرض الجهاد فإنه فرض أول دخولهم المدينة. 12 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أكل الضب على مائدة رسول الله (ص) متفق عليه. فيه دليل على حل أكل الضب وعليه الجماهير وحكى عياض عن قوم تحريمه وعن الحنفية كراهته وقال النووي: أظنه لا يصح عن أحد فإن صح فهو محجوج بالنص وبإجماع من قبله. وقد احتج القائلون بالتحريم بما أخرجه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الضب وفي إسناده إسماعيل بن عياش ورجاله شاميون وهو قوي في الشاميين فلا يتقول الخطابي: ليس إسناده بذلك، ولا قول ابن حزم: فيه ضعيف ومجهولون، فإن رجاله ثقات كما قاله المصنف، ولا قول

[ 79 ]

البيهقي: فيه إسماعيل بن عياش وليس بحجة، لما عرفت من أنه رواه عن الشاميين وهو حجة في روايته عنهم. وبما أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن حسنة أنهم طبخوا ضبابا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمة من بني إسرائيل مسخت في دواب الارض فأخشى أن تكون هذه. فألقوها وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان والطحاوي وسنده على شرط الشيخين. وأجيب عن الاول: بأن النهي وإن كان أصله التحريم لكن صرفه هنا إلى الكراهة ما أخرجه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: كلوه فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي وهذه الرواية ترد ما رواه مسلم أنه قال بعض القوم عند ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الضب: لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه ولذا أعل ابن عباس هذه الرواية فقال بئس ما قلتم ما بعث نبي الله إلا محلا ومحرما كذا في مسلم. وأجيب عن الثاني: بأنه وقع منه (ص) ذلك، أعني: خشية أن تكون أمة ممسوخة قبل أن يعلمه الله تعالى أن الممسوخ لا ينسل، وقد أخرج الطحاوي من حديث ابن مسعود قال: سئل رسول الله (ص) عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟ قال: إن الله لم يهلك قوما أو يمسخ قوما فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة وأصل الحديث في مسلم ولم يعرفه ابن العربي. فقال: قولهم إن الممسوخ لا ينسل: دعوى فإنه لا يعرف بالعقل إنما طريقه النقل وليس فيه أمر يعول عليه. وأجيب أيضا: بأنه لو سلم أنه ممسوخ لا يقتضي تحريم أكله، فإنه كونه كان آدميا قد زال حكمه ولم يبق له أثر أصلا. وإنما كره صلى الله عليه وسلم الاكل منه لما وقع عليه من سخط الله سبحانه كما كره الشرب من مياه ثمود. قلت: ولا يخفى أنه لو لم ير تحريمه لما أمر بإلقائها، أو بتقريرهم عليه، لانه إضاعة مال ولا إذن لهم في أكله، فالجواب الذي قبله هو الاحسن. ويستفاد من المجموع جواز أكله وكراهته للنهي. 13 - (وعن عبد الرحمن بن عثمان) هو ابن عبد الله التيمي (القرشي رضي الله عنه) ابن أخي طلحة بن عبد الله الصحابي، قيل: إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وليست له رؤية. أسلم يوم الفتح وقيل: يوم الحديبية وقتل مع ابن الزبير في يوم واحد روى عنه ابناه وابن المنكدر (أن طبيبا سأل النبي (ص) عن الضفدع) بزنة الخنصر (يجعلها في دواء فنهى عن قتلها. أخرجه أحمد وصححه الحاكم وأخرجه أبو داود والنسائي) والبيهقي بلفظ: ذكر طبيب عند النبي (ص) دواء وذكر الضفدع يجعلها فيه، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفادع. قال البيهقي: هو أقوى ما ورد في النهي عن قتل الضفدع. وأخرج من حديث ابن عمر: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم قال البيهقي: إسناده صحيح. وعن أنس لا تقتلوا الضفادع فإنها مرت على نار إبراهيم فجعلت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار. والحديث دليل على تحريم

[ 80 ]

قتل الضفادع. قالوا: ويؤخذ منه تحريم أكلها ولانها لو حلت لما نهى عن قتلها وتقدم نظير هذا الاستدلال وليس بواضح. باب الصيد والذبائح الصيد: يطلق على المصدر أي التصيد وعلى المصيد. واعلم أنه تعالى أباح الصيد في آيتين من القرآن: الاولى قوله تعالى: * (يا أيها الذين امنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم) * والثانية: * (وما علمتم من الجوارح مكلبين) *. والآلة التي يصاد بها ثلاثة: الحيوان الجارح، والمحدد، والمثقل، ففي الحيوان: 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط متفق عليه. الحديث دليل على المنع من اتخاذ الكلاب واقتنائها وإمساكها إلا ما استثناه من الثلاثة، وقد وردت بهذه الالفاظ روايات في الصحيحين وغيرهما. واختلف العلماء هل المنع للتحريم أو للكراهة؟. فقيل: بالاول، ويكون نقصان القيراط عقوبة في اتخاذها، بمعنى أن الاثم الحاصل باتخاذها يوازن قدر قيراط من أجر المتخذ له، وفي رواية قيراطان. وحكمة التحريم: ما في بقائها في البيت من التسبب إلى ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة، الذين دخولهم يقرب إلى فعل الطاعات ويبعد عن فعل المعصية، وبعدهم سبب لضد ذلك، ولتنجيسها الاواني. وقيل: بالثاني، بدليل نقص بعض الثواب على التدريج، فلو كان حراما لذهب الثواب مرة واحدة. وفيه أن فعل المكروه تنزيها لا يقتضي نقص شئ من الثواب. وذهب إلى تحريم اقتناء الكلب الشافعية إلا المستثنى. واختلف في الجمع بين رواية قيراط ورواية قيراطان، فقيل: إنه باعتبار كثرة الاضرار كما في المدن ينقص قيراطان، وقلته كما في البوادي ينقص قيراط، أو أن الاول إذا كان في المدينة النبوية والثاني في غيرها. أو قيراط من عمل النهار وقيراط من عمل الليل. فالمقتصر في الرواية باعتبار كل واحد من الليل والنهار، والمثني باعتبار مجموعهما، واختلفوا أيضا هل النقصان من العمل الماضي أو من الاعمال المستقبلة، قال ابن التين: المستقبلة وحكى غيره الخلاف. وفيه دليل على أن من اتخذ المأذون منها فلا نقص عليه، وقيس عليه اتخاذه لحفظ الدور إذا احتيج إلى ذلك أشار إليه ابن عبد البر. واتفقوا على أنه لا يدخل الكلب العقور في الاذن لانه مأمور بقتله. وفي الحديث دليل على التحذير من الاتيان بما ينقص الاعمال الصالحة. وفيه الاخبار بلطف الله تعالى في إباحة لما يحتاج إليه في تحصيل المعاش وحفظه.

[ 81 ]

(تنبيه): ورد في مسلم الامر بقتل الكلاب فقال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الاخذ بالحديث في قتل الكلاب إلا ما استثني. قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه. وذهب آخرون إلى جواز اقتنائها جميعا ونسخ قتلها إلا الاسود البهيم قال: وعندي أن النهي أولا كان نهيا عاما عن اقتنائها جميعا وأمر بقتلها جميعا، ثم نهى عن قتل ما عدا الاسود ومنع الاقتناء في جميعها إلا المستثنى ا ه‍ والمراد بالاسود البهيم ذو النقطتين فإنه شيطان، والبهيم الخالص السواد، والنقطتان معروفتان فوق عينيه: 2 - (وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله (ص) إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله تعالى) هذا إشارة إلى آلة الصيد الثانية أعني المحدد وهو قتله بالرماح والسيو ف لقوله تعالى: * (تناله أيديكم ورماحكم) * ولكن الحديث في السهم (فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل متفق عليه وهذا لفظ مسلم) في الحديث مسائل: الاولى: أنه لا يحل صيد الكلب إلا إذا أرسله صاحبه فلو استرسل بنفسه لم يحل ما يصيده عند الجمهور، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: إذا أرسلت فمفهوم الشرط أن غير المرسل ليس كذلك. وعن طائفة أن المعتبر كونه معلما فيحل صيده وإن لم يرسله صاحبه بناء على أنه خرج قوله: إذا أرسلت مخرج الغالب فلا مفهوم له. وحقيقة المعلم هو أن يكون بحيث يغرى فيقصد ويزجر فيقعد. وقيل: التعليم قبول الارسال والاغراء حتى يمتثل الزجر في الابتداء لا بعد العدو ويترك أكل ما أمسك فالمعتبر امتثاله للزجر قبل الارسال وأما بعد إرساله على الصيد فذلك متعذر. والتكليب إلهام من الله تعالى ومكتسب بالعقل، كما قال تعالى: * (تعلمونهن مما علمكم الله) * قال جار الله: مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. المسألة الثانية: في قوله: فاذكر اسم الله عليه هذا مأخوذ من قوله تعالى: * (واذكروا اسم الله عليه) * فإن ضمير عليه يعود إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا عليه عند إرساله كما أفاده الكشاف. وكذلك قوله: إن رميت فاذكر اسم الله دليل على اشتراط التسمية عند الرمي، وظاهر الكتاب والسنة وجوب التسمية. واختلف العلماء: فذهبت الهادوية والحنفية إلى أن التسمية واجبة على الذاكر عند الارسال ويجب عليه أيضا عند

[ 82 ]

الذبح والنحر فلا تحل ذبيحته ولا صيده إذا تركت عمدا مستدلين بقوله تعالى: * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) *، وبالحديث هذا. قالوا، وقد عفي عن الناسي بحديث رفع على أمتي الخطأ والنسيان ولما يأتي من حديث ابن عباس بلفظ: فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم ثم ليأكل وسيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى. وذهب آخرون إلى أنها سنة منهم ابن عباس ومالك ورواية عن أحمد مستدلين بقوله تعالى: * (إلا ما ذكيتم) * قالوا: فأباح التذكية من غير اشتراط التسمية ولقوله تعالى: * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * وهم لا يسمون. ولحديث عائشة الآتي: أنهم قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا أفنأكل منه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سموا عليه أنتم وكلوا. وأجابوا عن أدلة الايجاب بأن قوله: (ولا تأكلوا) المراد به ما ذبح للاصنام كما قال تعالى: * (وما ذبح على النصب وما أهل لغير الله به) * لانه تعالى قال: * (وإنه لفسق) * وقد أجمع المسلمون على أن من أكل متروك التسمية عليه فليس به، فوجب حملها على ما ذكر جمعا بينه وبين الآية السابقة وحديث عائشة. وذهبت الظاهرية: إلى أنه لا يجوز أكل ما لم يسم عليه ولو كان تاركها ناسيا، لظاهر الآية الكريمة، وحديث عدي رضي الله عنه فإنه لم يفصل. قالوا: وأما حديث عائشة وفيه: أنهم قالوا: يا رسول الله إن قوما حديث عهدهم بالجاهلية يأتون بلحمان - الحديث فقد قال ابن حجر إنه أعله البعض بالارسال. قال الدارقطني: الصواب أنه مرسل. على أنه لا حجة فيه لانه أدار الشارع الحكم على المظنة وهي كون الذابح مسلما وإنما شك على السائل حداثة إسلام القوم فألغاه (ص) بل فيه دليل على أنه لا بد من التسمية وإلا لبين له عدم لزومها وهذا وقت الحاجة إلى البيان وأما حديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان فهم متفقون على تقدير رفع الاثم أو نحوه ولا دليل فيه، وأما أهل الكتا ب فهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم. فيتحصل قوة كلام الظاهرية، فيترك ما تيقن أنه لم يسم عليه وأما ما شك فيه والذابح مسلم فكما قال صلى الله عليه وسلم: اذكروا اسم الله وكلوا. المسألة الثالثة في قوله: فإن أدركته حيا فاذبحه، فيه دليل على أنه يجب عليه تذكيته إذا وجده حيا ولا يحل إلا بها وذلك اتفاق، فإن أدركه وفيه بقية حياة فإن كان قد قطع حلقومه أو مريئه أو جرح أمعاءه أو أخرج حشوه فيحل بلا ذكاة. قال النووي: بالاجماع، وقال المهدي للهادوية إنه إذا بقي فيه رمق وجب تذكيته، والرمق إمكان التذكية لو حضرت آلة. ودل قوله وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل فكله. أنه إذا أكل حرم أكله، وقد عرفت أن من شرط المعلم أن لا يأكل فأكله دليل على أنه غير كامل التعليم. وقد ورد في الحديث الآخر تعليل ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وهو مستفاد من قوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * فإنه فسر الامساك على صاحبه بألا يأكل منه. وقد أخرج أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أرسلت الكلب فأكل

[ 83 ]

الصيد فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا أرسلته ولم يأكل فكل فإنما أمسك على صاحبه وإلى هذا ذهب أكثر العلماء. وروي عن علي رضي الله عنه وجماعة من الصحابة حله وهو مذهب مالك لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آلوسلم في حديث أبي ثعلبة الذي أخرجه أبو داود بإسناد حسن أنه قال: يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها قال: كل مما أمسكن عليك قال: وإن أكل؟ قال: وإن أكل وفي حديث سلمان كله وإن لم تدرك منه إلا نصفه. قيل: فيحمل حديث عدي على أن ذلك في كلب قد اعتاد الاكل فخرج عن التعليم، وقيل: إنه محمول على كراهة التنزيه، وحديث أبي ثعلبة لبيان أصل الحل وقد كان عدي موسرا فاختار صلى الله عليه وسلم له الاولى وكان أبو ثعلبة معسرا فأفتاه بأصل الحل. وقال الاولون: الحديثان قد تعارضا وهذه الاجوبة لا يخفى ضعفها فيرجع إلى الترجيح. وحديث عدي أرجح لانه مخرج في الصحيحين ومتأيد بالآية وقد صرح (ص) بأنه يخاف أنه إنما أمسك على نفسه، فيترك ترجيحا لجنبة الحظر كما قال (ص) في الحديث: وإن وجدت مع كلبك كلبا آخر - إلى قوله - فلا تأكل فإنه نهى عنه لاحتمال أالمؤثر فيه كلب آخر غير المرسل فيتركه ترجيحا لجنبة الحظر. وقوله: فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت اختلفت الاحاديث في هذا. فروى مسلم وغيره من حديث أبي ثعلبة في الذي يدر ك صيده بعد ثلاث أنه قال صلى الله عليه وسلم: كل ما لم ينتن وروى مسلم أيضا من حديثه أنه قال صلى الله عليه وسلم: إذا رميت بسهمك فغاب عنك مصرعه فكل ما لم يبت ولاختلافها اختلف العلماء. فقال مالك: إذا غاب مصرعه ثم وجد به أثر من الكلب فإنه يأكله ما لم يبت فإذا بات كره. وفيه أقوال أخر. والتعليل بما لم ينتن وما لم يبت هو النص ويحمل ذكر الاوقات على التقييد به وترك الاكل للاحتياط وترجيح جنبة الحظر. وقوله وإن وجدته غريقا فلا تأكل ظاهره وإن وجد به أثر السهم لانه يجو أنه مات إلا بالغرق. المسألة الرابعة: الحديث نص في صيد الكلب واختلف فيما يعلم من غيره كالفهد والنمر ومن الطيور كالبازي والشاهين وغيرهما. فذهب مالك وأصحابه إلى أنه يحل صيد كل ما قبل التعليم حتى السنور. وقال جماعة منهم مجاهد: لا يحل إلا صيد الكلب. وأما ما صاده غيره الكلب فيشترط إدراك ذكاته. وقوله تعالى: * (من الجوارح مكلبين) * دليل للثاني بناء على أنه من الكلب بسكون اللام - فلا يشمل غيره من الجوارح، ولكنه يحتمل أنه مشتق من الكلب - بفتح اللام - وهو مصدر بمعنى التكليب وهو التضرية فيشمل الجوارح كلها. والمراد بالجوارح هنا الكواسب على أهلها وهو عام. قال في الكشاف: الجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير والكلب والفهد والنمر والعقاب والبازي والصقر والشاهين. والمراد بالمكلب: معلم الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها لذلك، بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف. واشتقاقه من الكلب لان التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتق له منه لكثرته في جنسه أو لان السبع يسمى كلبا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله

[ 84 ]

الاسد، أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة يقال هو كلب بكذا إذا كان ضاريا به ا ه‍. فدل كلامه على شمول الآية للكلب وغيره من الجوارح على تقدير الاشتقاقين، ولا شك أن الآية نزلت والعرب تصيد بالكلاب والطيور وغيرهما، وقد أخرج الترمذي من حديث عدي بن حاتم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فكل وقد ضعف بمجالد، ولكن قد أوضحنا في حواشي ضوء النهار أنه يعمل بما رواه. 3 - (وعن عدي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله (ص) عن صيد المعراض) بكسر الميم وسكون المهملة آخره معجمة يأتي تفسيره (فقال: إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيذ) بفتح الواو وبالقاف فمثناة تحتية وذال معجمة بزنة عظيم يأتي بيانه (فلا تأكل رواه البخاري). اختلف في تفسير المعراض على أقوال لعل أقربها ما قاله ابن التين: إنه عصا في طرفه حديد يرمي به الصائد، فما أصاب بحده فهو ذكي يؤكل وما أصاب بعرضه فهو وقيذ أي موقوذ، والموقوذ ما قتل بعصا أو حجر أو ما لا حد فيه، والموقوذة المضروبة بخشبة حتى تموت، من وقذته ضربته. وفي الحديث إشارة إلى آلة من آلات الاصطياد وهي المحدد فإنه صلى الله عليه وسلم أخبره أنه إذا أصاب بحد المعراض أكل فإنه محدد وإذا أصاب بعرضه فلا يأكل. وفيه دليل أنه لا يحل صيد المثقل، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري. وذهب الاوزاعي ومكحول وغيرهما من علماء الشام: إلى أنه يحل صيد المعراض مطلقا. وسبب الخلاف معارضة الاصول في هذا الباب بعضها لبعض، ومعارضة الاثر لها، وذلك أن من الاصول في هذا الباب أن الوقيذ محرم بالكتاب والاجماع ومن أصوله أن العقر ذكاة الصيد فمن رأى أن ما قتله المعراض وقيذ منعه على الاطلاق ومن رآه عقرا مختصا بالصيد، وأن الوقذ غير معتبر فيه لم يمنعه على الاطلاق، ومن فرق بينما خزق من ذلك وما لم يخزق نظر إلى حديث عدي هذا وهو الصواب. هذا وقوله: فإنه وقيذ أي كالوقيذ وذلك لان الوقيذ المضروب بالعصا من دون حد وهذا قد شاركه في العلة وهي القتل بغير حد. 4 - (وعن أبي ثعلبة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركت فكله ما لم ينتن أخرجه مسلم. تقدم الكلام فيما غاب عن مصرعه من الصيد سواء كان بسهم أو جارح، وفي الحديث دلالة على تحريم أكل ما أنتن من اللحم، قيل: ويحمل على ما يضر الآكل أو صار مستخبثا أو يحمل على التنزيه، ويقاس عليه سائر الاطعمة المنتنة. 5 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي (ص): إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه) أي عند ذكاته (أم لا؟ قال: سموا الله عليه أنتم وكلوه رواه البخاري). تقدم أن في رواية إن قوما حديث عهدهم بالجاهلية وهي هنا في البخاري من تمام الحديث بلفظ قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر وفي رواية

[ 85 ]

مالك زيادة وذلك في أول الاسلام. والحديث قد أعل بالارسال، وليس بعلة عندنا على ما عرفت سيما وقد وصله البخاري، وتقدم أن الحديث من أدلة من قال بعدم وجوب التسمية ولا يتم ذلك. وإنما هو دليل على أنه لا يلزم أن يعلموا التسمية فيما يجلب إلى أسواق المسلمين وكذا ما ذبحه الاعراب من المسلمين لانهم قد عرفوا التسمية، قال ابن عبد البر: لان المسلم لا يظن به في كل شئ إلا الخير إلا أن يتبين خلاف ذلك. ويكون الجواب عنهم بقوله فسموا إلخ من الاسلوب الحكيم وهو جواب السائل بغير ما يترقب كأنه يقول: الذي يهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله عليه وتأكلوا منه، وهذا يقرر ما قدمناه من وجوب التسمية إلا أن تحمل أمور المسلمين على السلامة. وأما ما اشتهر من حديث المؤمن يذبح على اسم الله سمى أم لم يسم وإن قال الغزالي في الاحياء: إنه صحيح، فقد قال النووي: إنه مجمع على ضعفه. وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وقال: إنه منكر لا يحتج به. وكذا ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن الصلت السدوسي عن النبي (ص) قال ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر فهو مرسل، وإن كان الصلت ثقة فالارسال علة عند من لم يقبل المراسيل، وقولنا فيما تقدم إنه ليس الارسال علة: نريد إذا أعلوا به حديثا موصولا ثم جاء من جهة أخرى مرسلا. 6 - (وعن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه أن رسول الله (ص) نهى عن الخذف) بفتح الخاء المعجمة وسكون الذال المعجمة ففاء (وقال: إنها) أنث الضمير مع أن مرجعه الخذف وهو مذكر نظرا إلى المحذوف به وهي الحصاة (لا تصيد صيدا ولا تنكأ) بفتح حرف المضارعة وهمزة في آخره (عدوا ولكنها تكسر السن وتفقأ العين. متفق عليه واللفظ لمسلم). الخذف: رمي الانسان بحصاة أو نواة أو نحوهما يجعلها بين أصبعيه السبابتين أو السبابة والابهام. وفي تحريم ما يقتل بالخذف من الصيد الخلاف الذي مضى في صيد المثقل لان الحصاة تقتل بثقلها لا بحد. والحديث نهى عن الخذف لانه لا فائدة فيه، ويخاف منه المفسدة المذكورة، ويلحق به كل ما فيه مفسدة. واختلف فيما يقتل بالبندقة فقال النووي: إنه إذا كان الرمي بالبنادق وبالخذف إنما هو لتحصيل الصيد وكان الغالب فيه عدم قتله فإنه يجوز ذلك إذا أدركه الصائد وذكاه كرمي الطيور الكبار بالبنادق. وأما أثر ابن عمر وهو ما أخرجه عنه البيهقي أنه كان يقول: المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة فهذا في المقتولة بالبندقة، وكلام النووي في الذي لا يقتلها وإنما يحسبها على الرامي حتى يذكيها، وكلام أكثر السلف أنه لا يؤكل ما قتل بالبندقة وذلك لانه قتل بالثقل. قلت: وأما البنادق المعروفة الآن فإنها ترمي بالرصاص فيخرج وقد صيرته نار البارود كالميل فيقتل بحده لا بصدمه فالظاهر حل ما قلته.

[ 86 ]

7 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا) بفتح الغين المعجمة وفتح الراء فضاد معجمة هو في لاصل الهد ف يرمى ثم جعل اسما لكل غاية يتحرى إدراكها (رواه مسلم). الحديث نهى عن جعل الحيوان هدفا يرمى إليه، والنهي للتحريم لانه أصله ويؤيده قوة حديث لعن الله من فعل هذا لما مر (ص) وطائر قد نصب وهم يرمونه. ووجه حكمة النهي أن فيه إيلاما للحيوان، وتضييعا لماليته، وتفويتا لذكاته إن كان مما يذكى، ولمنفعته إن كان غير مذكى. 8 - (وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن امرأة ذبحت شاة بحجر فسئل النبي (ص) عن ذلك فأمر بأكلها رواه البخاري. الحديث دليل على صحة تذكية المرأة، وهو قول الجماهير، وفيه خلاف شاذ أنه يكره ولا وجه له. ودليل على صحة التذكية بالحجر الحاد إذا فرى الاوداج، لانه جاء في رواية أنها كسرت الحجر وذبحت به، والحجر إذا كسرت يكون فيه الحد. ودليل على أنه يصح أكل ما ذبح بغير إذن المالك، وخالف فيه إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر وغيرهم. واحتجوا بأمره صلى الله عليه وسلم بإكفاء ما في قدور ما ذبح من المغنم قبل القسمة بذي الحليفة كما أخرجه الشيخان. وأجيب: بأنه إنما أمر بإراقة المرق وأما اللحم فباق جمع ورد إلى المغنم. فإن قيل: لم ينقل جمعه ورده إليه. قلنا: ولم ينقل أنهم أتلفوه وأحرقوه فيجب تأويله بما ذكرنا موافقة للقواعد الشرعية. قلت: لا يخفى تكليف الجواب والمرق مال لو كان حلالا لما أمر بإراقته فإنه من إضاعة المال. وأما الاستدلال على المدعي بشاة الاسارى، فإنها ذبحت بغير إذن مالكها فأمر (ص) بالتصدق بها على الاسارى كما هو معروف، فإنه استدلال غير صحيح، وذلك لانه (ص) لم يستحل أكلها ولا أباح لاحد من المسلمين أكلها بل أمر أن تطعم الكفار المستحلين للميتة. وقد أخرج أبو داود من حديث رجل من الانصار قال: خرجنا مع رسول الله (ص) في سفر فأصاب الناس مجاعة شديدة وجهد فأصابوا غنما فانتهبوها فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله (ص) على فرسه فأكفأ قدورنا ثم جعل يرمل اللحم بالتراب وقال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة. فهذا مثل الحديث الذي أخرجه الشيخان، وفيه التصريح بأنه حرام وفيه إتلاف اللحم لانه ميتة، فعرفت قوة كلام أهل الظاهر. وأما حديث الكتاب وأنه صلى الله عليه وسلم أمر بأكل ما ذبح بغير إذن مالكه فإنه يرد على أهل الظاهر لانهم يقولون بحل ما ذبح بغير إذن مالكه مخافة أن يموت أو نحوه. وفيه دليل على أنه يجوز تمكين الكفار مما هو محرم على المسلمين، ويدل له أنه صلى الله عليه وسلم نهى عمر علبس الحلة من الحرير فبعث بها عمر لاخيه المشرك إلى مكة كما في البخاري وغيره. قال المصنف في الفتح: ويدل الحديث على تصديق الاجير الامين فيما أؤتمن عليه حتى يتبين عليه دليل الخيانة، لان في الحديث أنها كانت المرأة أمة راعية لغنم سيدها وهو كعب بن مالك فخشيت على الشاة أن تموت فذبحتها. ويؤخذ منه جواز تصرف المودع لمصلحة بغير إذن المالك.

[ 87 ]

9 - (وعن رافع بن خديج رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:) سبب الحديث أنه قال رافع بن خديج: يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم) بفتح الهمزة فنون ساكنة فهاء مفتوحة فراء أي ما أساله وصبه بكثرة، من النهر (وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر أما السن فعظم وأما الظفر فمدى) بضم الميم وبفتحها وفتح الدال المهملة فألف مقصورة: جمع مدية مثلثة الميم وهي الشفرة أي السكين (الحبشة متفق عليه). فيه دلالة صريحة بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويجري الدم. واعلم أنه تكون الذكاة بالنحر للابل وهو الضرب بالحديد في لبة البدنة حتى يفري أوداجها. واللبة - بفتح اللام وتشديد الموحدة - موضع القلادة من الصدر. والذبح لما عداها وهو قطع الاوداج أي الودجين وهما عرقان محيطان بالحلقوم، فقولهم الاوداج تغليب على الحلقوم والمرئ فسميت الاربعة أوداجا. واختلف العلماء فقيل لا بد من قطع الاربعة وعن أبي حنيفة: يكفي قطع ثلاثة من أي جانب، وقال الشافعي: يكفي قطع الاوداج والمرئ. وعن الثوري يجزئ قطع الودجين. وعن مالك يشترط قطع الحلقوم والودجين لقوله صلى الله عليه وسلم: ما أنهر الدم وإنهاره إجراؤه وذلك يكون بقطع الاوداج لانها مجرى الدم وأما المرئ فهو مجرى الطعام وليس به من الدم ما يحصل به إنهاره. والحديث دليل على أنه يجزئ الذبح بكل محدد، فيدخل السيف والسكين والحجر والخشبة والزجاج والقصب والخزف والنحاس وسائر الاشياء المحددة. والنهي عن السن والظفر مطلقا من آدمي أو غيره منفصل أو متصل ولو كان محددا، وقد بين (ص) وجه النهي في الحديث بقوله: أما السن فعظم فالعلة كونه عظما، وكأنه قد سبق منه صلى الله عليه وسلم النهي عن الذبح بالعظم. وقد علل النووي وجه النهي عن الذبح بالعظم أنه ينجس به وهو من طعام الجن فيكون كالاستجمار بالعظم. وعلل في الحديث النهي عن الذبح بالظفر بكونه مدى الحبشة أي وهم كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم، وأورد عليه بأن الحبشة تذبح بالسكين أيضا فيلزم المنع من ذلك التشبه. وأجيب بأن الذبح بالسكين هو الاصل وهو غير مخصص بالحبشة. وعلل ابن الصلاح ذلك بأنه إنما منع لما فيه من التعذيب للحيوان ولا يحصل به إلا الخنق الذي ليس على صفة الذبح. وفي المعرفة للبيهقي رواية عن الشافعي أنه حمل الظفر في هذا الحديث على النوع الذي يدخل في الطيب وهو من بلاد الحبشة وهو لا يفري فيكون في معنى الخنق. وإلى تحريم الذبح بما ذكر ذهب الجمهور. وعن أبي حنيفة وصاحبيه أنه يجوز بالسن والظفر المنفصلين واحتجوا بما أخرجه أبو داود من حديث عدي بن حاتم أفر الدم بما شئت والجواب أنه عام خصصه حديث رافع بن خديج. 10 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله (ص) أن يقتل

[ 88 ]

شئ من الدواب صبرا رواه مسلم. وهدليل على تحريم قتل أي حيوان صبرا وهو إمساكه حيا ثم يرمى حتى يموت، وكذلك قتل من الآدميين في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبرا. والصبر: الحبس. 11 - (وعن شداد بن أوس رضي الله عنه) شداد بالشين المعجمة ودالين مهملتين هو: أبو يعلى شداد بن أوس بن ثابت النجاري الانصاري وهو ابن أخي حسان بن ثابت لم يصح شهوده بدرا، نزل بيت المقدس وعداده في أهل الشام، مات به سنة ثمان وخمسين، وقيل غير ذلك، قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ممن أوتي العلم والحلم (قال: قال رسول الله (ص): إن الله تعالى كتب الاحسان على كل شئ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بكسر القاف مصدر نوعي (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) بزنة القتلة (وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته. رواه مسلم. قوله كتب الاحسان أي أوجبه، كما قال تعالى: * (إن الله يأمر بالعدل والاحسان) * وهو فعل الحسن ضد القبيح فيتناول الحسن شرعا والحسن عرفا، وذكر ما هو أبعد شئ عن اعتبار الاحسان وهو الاحسان في القتل، لاي حيوان من آدمي وغيره في حد وغيره، ودل على نفي المثلة مكافأة إلا أنه يحتمل أنه مخصص بقوله: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * وقد تقدم الكلام في ذلك. وأبان بعض كيفية إحسانها بقوله: وليحد بضم حرف المضارعة من أحد السكين أحسن حدها، والشفرة بفتح المعجمة السكين العظيمة وما عظم من الحديد وحدد وقوله: وليرح بضم حرف المضارعة أيضا من الاراحة ويكون بإحداد السكين وتعجيل إمرارها وحسن الصنيعة. 12 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكاة الجنين ذكاة أمه رواه أحمد وصححه ابن حبان. الحديث له طرق عند الترمذي وأبي داود والدار قطني إلا أنه قال عبد الحق: إنه لا يحتج بأسانيده كلها وقال الجويني: إنه صحيح لا يتطرق احتمال إلى متنه ولا ضعف إلى سنده، وتابعه الغزالي، والصواب أنه بمجموع طرقه يعمل به، وقد صححه ابن حبان وابن دقيق العيد. وفي الباب عن جابر وأبي الدرداء وأبي أمامة وأبي هريرة قاله الترمذي. وفيه عن جماعة من الصحابة مما يؤيد العمل. والحديث دليل على أن الجنين إذا خرج من بطن أمه ميتا بعد ذكاتها فهو حلال مذكى بذكاة أمه. وإلى هذا ذهب الشافعي وجماعة حتى قال ابن المنذر: لم يرو عن أحد من الصحابة ولا من العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه، إلا ما يروى عن أبي حنيفة، وذلك لصراحة الحديث فيه، ففي لفظ ذكاة الجنين بذكاة أمه أخرجه البيهقي، فالباء سببية أي إن ذكاته حصلت بسبب ذكاة أمه، أو ظرفيه ليوافق ما عند البيهقي أيضا ذكاة الجنين في ذكاة أمه. واشترط مالك أن يكون قد أشعر، لما رواه أحمد بن عصام عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه

[ 89 ]

لكنه قال الخطيب: تفرد به أحمد بن عصام وهو ضعيف، وهو في الموطأ موقوف على ابن عمر، وأصح. وعورض بما رواه ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر وفيه ضعف لسوء حفظ ابن أبي ليلى، ولكنه أخرج البيهقي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر روي عن أوجه عن ابن عمر مرفوعا قال البيهقي: ورفعه عنه ضعيف والصحيح أنه موقوف. قلت: والموقوفان عنه قد صحا وتعارضا فيطرحان ويرجع إلى إطلاق حديث الباب وما في معناه. وذهب الهادوية والحنفية إلى أن الجنين إذا خرج ميتا من المذكاة فإنه ميتة لعموم * (حرمت عليكم الميتة) * وكذا لو خرج حيا ثم مات، وإليه ذهب ابن حزم، وأجابوا عن الحديث بأن معناه ذكاة الجنين إذا خرج حيا فهو ذكاة أمه، قاله في البحر. قلت: ولا يخفى أنه إلغاء للحديث عن الافادة، فإنه معلوم أن ذكاة الحي من الانعام ذكاة واحدة من جنين وغيره كيف ورواية البيهقي بلفظ ذكاة الجنين في ذكاة أمه، فهي مفسرة لرواية ذكاة أمه، وفي أخرى بذكاة أمه. 13 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم يكفيه اسمه) الضمير للمسلم وقد فسره حديث البيهقي عن ابن عباس قال فيه فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله (فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم ثم ليأكل أخرجه الدارقطني) وفيه راو في حفظه ضعف بينه بقوله: (وفي إسناده محمد بن يزيد بن سنان، وهو صدوق ضعيف الحفظ. وأخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح إلى ابن عباس موقوفا عليه. وله شاهد عند أبي داود في مراسيله بلفظ ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليها أم لم يذكر ورجاله موثقون). وفي الباب مرسل صحيح، ولكنها لا تقاوم ما سلف من الاحاديث الدالة على وجوب التسمي مطلقا، إلا أنها تفت في عضد وجو ب التسمية مطلقا وتجعل ترك أكل ما لم يسم عليه من باب التورع. باب الاضاحي الاضاحي: جمع أضحية بضم الهمزة ويجوز كسرها، ويجوز حذف الهمزة وفتح الضاد كأنها اشتقت من اسم الوقت الذي شرع ذبحها فيه، وبها سمي اليوم يوم الاضحى. 1 - (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويسمي ويكبر ويضع رجله على صفاحهما) بالمهملتين الاولى مكسورة. في النهاية: صفحة كل شئ وجهه وجانبه (وفي لفظ ذبحهما بيده، وفي

[ 90 ]

لفظ: سمينين، ولابي عوانة في صحيحه) أي عن أنس رضي الله عنه (ثمينين - بالمثلث بدل السين) هذا مدرج من كلام أحد الرواة أو أبي عوانة أو المصنف (وفي لفظ لمسلم) من رواية أنس (ويقول: بسم الله والله أكبر). الكبش: هو الثني إذا خرجت رباعيته والاملح الابيض الخالص، وقيل: الذي يخالط بياضه شئ من سواد، وقيل: الذي يخالط بياضه حمرة، وقيل: هو الذي فيه بياض وسواد والبياض أكثر، والاقرن هو الذي له قرنان. واستحب العلماء التضحية بالاقرن لهذا الحديث، وأجازوها بالاجم الذي لا قرن له أصلا، واختلفوا في مكسور القرن: فأجازه الجمهور وعند الهادوية لا يجزئ إذا كان القرن الذاهب مما تحله الحياة. واتفقوا على استحباب الاملح قال النووي: إن أفضلها عند الصحابة البيضاء ثم الصفراء ثم الغبراء وهي التي لا يصفو بياضها ثم البلقاء وهي التي بعضها أسود وبعضها أبيض ثم السوداء، وأما حديث عائشة: يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فمعناه أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود. قلت: إذا كانت الافضلية في اللون مستندة إلى ما ضحى به (ص) فالظاهر أنه لم يتطلب لونا معينا حتى يحكم بأنه الافضل بل ضحى بما اتفق له وتيسر حصوله فلا يدل على أفضلية لون من الالوان. وقوله ويسمي ويكبر فسره لفظ مسلم بأنه بسم الله والله أكبر أما التسمية فتقدم الكلام فيها. وأما التكبير فكأنه خاص بالتضحية والهدي لقوله تعالى: * (ولتكبروا الله على ما هداكم) *. وأما وضع رجله صلى الله عليه وسلم على صفحة العنق وهي جانبه فليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الضحية. ودهو وما بعده أنه يتولى الذبح بنفسه ندبا. 2 - (وله من حديث) أي لمسلم من حديث (عائشة رضي الله عنها أمر بكبش أقرن يطأ في سوادويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها: يا عائشة هلمي المدية ثم قال اشحذيها) أي المدية تقدم ضبطها وهو بمعنى وليحد أحدكم شفرته (بحجر ففعلت ثم أخذها) أي المدية (وأخذه فأضجعه) أي الكبش (ثم ذبحه ثم قال: بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به). فيه دليل على أنه يستحب إضجاع الغنم ولا تذبح قائمة ولا باركة لانه أرفق بها، وعليه أجمع المسلمون ويكون الاضجاع على جانبها الايسر لانه أيسر للذابح في أخذ السكين باليمنى وإمساك رأسها باليسار. وفيه أنه يستحب الدعاء بقبول الاضحية وغيرها من الاعمال، وقد قال الخليل والذبيح عند عمارة البيت: * (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) *، وقد أخرج ابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال عند التضحية وتوجيهها للقبلة: * (وجهت وجهي) * الآية ودل قوله وآل محمد وفي لفظ عن محمد وآل محمد أنه تجزئ التضحية من الرجل عن أهل بيته ويشركهم في ثوابها، وأنه يصح نيابة المكلف عن غيره في فعل الطاعات، وإن لم يكن من الغير أمر ولا وصية، فيصح أن يجعل ثواب عمله لغيره، صلاة كانت أو غيرها، وقد تقدم ذلك ودل له ما أخرجه الدارقطني من حديث جابر أن رجلا قال: يا رسول الله إنه كان

[ 91 ]

لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال (ص): إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك. 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا. رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم ورجح الائمة غيره) أي غير الحاكم (وقفه). وقد استدل به على وجوب التضحية على من كان له سعة، لانه لما نهى عن قربان المصلى دل على أنه ترك واجبا، كأنه يقول لا فائدة في الصلاة مع ترك هذا الواجب، ولقوله تعالى: * (فصل لربك وانحر) * ولحديث مخنف ابن سليم مرفوعا " على أهل كل بيت في كل عام أضحة " دل لفظه على الوجوب. موقوف فلا حجتة فيه، والثاني ضعفف بأبي رملة قال الخطابى: إنه مجهول والآية محتملة فقد فسر قوله - وانحر - بوضع الكف على النحر والصلاة، أخرجه ابن أبي حاتم وابن أبي شاهين في سننه وابن مردوية والبيهقي عن ابن عباس، وفيه روايات من الصحابة مثل ذلك، ولو سلم فهو دالة على أن النحر بعد الصلاة فهى تعين لوقته لا لوحوبه كأنه يقول: إذا نحرت بعد الصلاة العيد، فانه قد أخرج ابن جرير عن آنس " كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلى، فأمر أن يصلى ثم نحر " ولضعف أدلة الوجوب ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنها سنة مؤكدة، بل قال ابن حزم: لا يصلح عن أحد من الصحابة أنها واجبة. وقد أخرج مسلم وغيره من حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا ذخل العشر فأراد أحدكم أن يضحى فلا يأخذ من شعره وبشره شيئا " قال الشافعي: إن قوله " فأراد أحدكم " يدل على عدم الوجوب. ولما أخرجه البيهقي من حديث عبد الله بن عمر " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت بيوم الاضحى عيدا جعله الله لهذه الامة، فقال الرجل: فان لم أجد إلا منيحة أنثى أو شاة أهلى ومنيحتهم أذبحها؟ قال لا " الحديث. ولما أخرجه البيهقى أيضا من حديث ابن عباس أنه قال صلى الله عليه وسلم " ثلاث هن على فرض ولكم تطوع وعد منها الضحية " وأخرجه أيضا من طريق أحرى بلفظ " كتب على النحر ولم يكتب عليكم " وبما أخرجه أيضا من " أنه صلى الله عليه وسلم لما ضحى قال: بسم الله والله أكبر، اللهم عنى عمن لم يضح من أمتى " وأفعال الصحابة دالة على عدم الاجاب فأخرج البيهقى عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما أنهما كانا لا يضحيان خشية أن يقتدى مهما. وأخرج عن ابن عباس أنه كان إذا حضر الاضحى أعطى مولى له درهمين

[ 92 ]

فقال اشبر بهما لحما، وأخبر الناس أنه ضحى ابن عباس. وروى أن بلالا ضحى بديك، ومثله روى عن ابى هرير. والروايات عن الصحابة في هذا المعنى كثيرة دالة على أنها سنة 4 - (وعن جندب بن سفيان) وهو أبو عبد الله جندب بن سفيان الجبلى العلقمي الاخمسى، كان بالكوفة ثم انتقل إلى البصرة ثم خرج منها، ومات في فتنة ابن الزبير بعد أربع سنين (قال: شهدت الاضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى صلاته بالناس نضر إلى غنم قد ذبحت فقال: من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله. متفق عليه) فيه دليل على أن وقت التضحية من بعد صلاة العيد فلا تجرى قبله، والمراد صلاة المصلى نفسه. ويحتمل أن المراد صلاة الامام وأن اللام للعهد في قوله " يراد به المذكور قبلها وهى صلاته صلى الله عليه وسلم، وإليه ذهب مالك فقال: لا يجوز قبل صلاة الامام وخطبته وذبحه. ودليل اعتبار ذبح الامام ما رواه الطحاوي من حديث جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدية، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر فأمرهم أن يعيدوا ". وأجيب بأن المراد زجرهم عن التهجيل الذى قد يؤدى إلى فعلها قبل الوقت، ولذا لم يأت في الا حديث إلا تقييدها بصلاته صلى الله عليه وسلم، وقال أحمد مثل قول مالك ولم يشترط ذبحه. ونحوه من الحسن والاوزاعي وإسحاق بن راهويه. وقال الشافعي وداود: وقتها إذا طلعت الشمس ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين وإن لم يصل الامام ولا يصلى المضحي. قال القرطبى: ظواهر الحديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة لكن لما روى الشافعي أن من لا صلاة عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها. وقال بن دقيق العيد: هذا اللفظ أظهر في الصلاة، وهو قوله في روايه " من ذبح قبل أن يصلى فليذح مكانها أخرى " قال لكن إن أجريناه على ظاهره اقتضى أنها لا تجزئ الاضحية في حق من لم يصل العيد. فان ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث وإلا وجب الخروج عن هذا الظاهر وفي هذه الصورة ويبق ما عداها في محل البحث. وقد أخرج الطحاوي من حديث جابر " أن رجلا ذبح قبل أن يصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة " صححه ابن حبان. وقد عرفت الاقوى دليلا من هذه الاقوال. وههذا الكلام في ابتداء وقت الضحية. وأما انتهاؤه فأقول فعند الهادويه العاشر ويوما بعده. وبه قال مالك وأحمد. وعند الشافعي أن أيام الاضحى أبعة يوم النحر وثلاثة بعده، وعند داود وجماعة من التابعين يوم النحر فقط إلا في منى في ثلاثة الايام. وعند جماعة أنه في آخر يوم من شهر ذى الحجة. قال في نهاية المجتهد: سبب اختلافهم شيئان: أحدهما الاختلاف في الايام المعلومات ما هي في قوله تعالى - ليشهدوا منافع لهم - الآية، وفقيل يوم وهو المشهور وقيل: العشر الاول من ذي الحجة، والسبب الثاني: معارضة دليل الخطاب في هذه الآية بحديث

[ 93 ]

جبير بن مطعم مرفوعا أنه قال صلى الله عليه وسلم: كل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح فمن قال في الايام المعلوما ت إنها يوم النحر ويومان بعده في هذه الآية رجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور، وقال: لا نحر إلا في هذه الايام. ومن رأى الجمع بين الحديث والآية قال: لا معارضة بينهما، إذ الحديث اقتضى حكما زائدا على ما في الآية، مع أن الآية ليس المقصود فيها تحديد أيام النحر والحديث المقصود منه ذلك، قال: يجوز الذبح في اليوم الرابع إذا كان من أيام التشريق باتفاق. ولا خلاف بينهم أن الايام المعدودات هي أيام التشريق وأنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر إلا ما يروى عن سعيد بن جبير أنه قال: يوم النحر من أيام التشريق. وإنما اختلفوا في الايام المعلومات على القولين، وأما من قال يوم النحر فقط فبناء على أن المعلومات العشر الاول، قالوا: وإذا كان الاجماع قد انعقد على أنه لا يجوز الذبح هنا إلا في اليوم العاشر وهو محل الذبح المنصوص عليه فوجب أن لا يكون إلا يوم النحر فقط انتهى. (فائدة): في النهاية أيضا ذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز التضحية في ليالي أيام النحر، وذهب غيره إلى جواز ذلك. وسبب الاختلاف هو أن اليوم يطلق على اليوم والليلة نحو قوله: * (فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام) * ويطلق النهار دون الليل نحو * (وسبع ليال وثمانية أيام) * فعطف الايام على الليالي والعطف يقتضي المغايرة. ولكن بقي النظر في أيهما أظهر والمحتج بالمغايرة في أنه لا يصح بالليل عمل بمفهوم اللقب ولم يقل به إلا الدقاق، إلا أن يقال دل الدليل على أنه يجوز في النهار، والاصل في الذبح الحظر فيبقى الليل على الحظر والدليل على تجويزه في الليل ا ه‍. قلت: لاحظر في الذبح بل قد أباح الله ذبح الحيوان في أي وقت وإنما كان الحظر عقلا قبل إباحة الله تعالى لذلك. 5 - (وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله (ص) فقال: أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها والكبيرة التي لا تنقي) بضم المثناة الفوقية وإسكان النون وكسر القاف أي التي لا نقي لها بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ (رواه أحمد والاربعة وصححه الترمذي وابن حبان). وصححه الحاكم وقال: على شرطهما وصوب كلامه المصنف، وقال: لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ولكنه صحيح أخرجه أصحاب السنن بأسانيد صحيحة وحسنه أحمد بن حنبل فقال: ما أحسنه من حديث، وقال الترمذي صحيح حسن. والحديث دليل على أن هذه الاربعة العيوب مانعة من صحة التضحية، وسكت عن غيرها من العيوب، فذهب أهل الظاهر إلى أنه لا عيب غير هذه الاربعة، وذهب الجمهور إلى أنه يقا س عليها غيرها مما كان أشد منها أو مساويا لها كالعمياء ومقطوعة الساق. وقوله البين عورها قال في البحر: إنه يعفى عما إذا كان الذاهب الثلث فما دونه، وكذا في العرج قال الشافعي: العرجاء إذا تأخرت عن الغنم لاجله فهو بين. وقوله ظلعها أي اعوجاجها.

[ 94 ]

6 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن رواه مسلم) المسنة: الثنية من كشئ من الابل والبقر والغنم فما فوقها كما قدمنا. والحديث دليل على أنه لا يجز الجذع من الضأن في حال من الاحوال إلا عند تعسر المسنة، وقد نقل القاضي عياض الاجماع على ذلك، ولكنه غير صحيح لما يأتي، وحكي عن ابن عمر والزهري أنه لا يجزئ ولو مع التعسر. وذهب كثيرون إلى إجزاء الجذع من الضأن مطلقا وحملوا الحديث على الاستحباب بقرينة حديث أم بلال أنه قال رسول الله (ص) ضحوا بالجذع من الضأن أخرجه أحمد وابن جرير والبيهقي، وأشار الترمذي إلى حديث نعمت الاضحية الجذع من الضأن وروى ابن وهب عن عقبة بن عامر بلفظ ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجذع من الضأن. قلت: ويحتمل أن ذلك كله عند تعسر المسنة. 7 - (وعن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والاذن) أي نشرف عليهما ونتأملهما لئلا يقع نقص وعيب (ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة) بفتح الموحدة ما قطع من طرف أذنها شئ ثم بقي معلقا (ولا مدابرة) والمدابرة بالدال المهملة وفتح الموحدة ما قطع من مؤخر أذنها شئ وترك معلقا (ولا خرقا) بالخاء المعجمة مفتوحة والراء ساكنة المشقوقة الاذنين (ولا ثرمي) بالمثلثة فراء وميم وألف مقصورة هي من الثرم وهو سقوط الثني من الاسنان، وقيل: الثنية والرباعية، وقيل: هو أن تنقطع السن من أصلها مطلقا، وإنما نهى عنها لنقصان أكلها، قاله في النهاية، ووقع في نسخة الشرح شرقاء بالشين المعجمة والراء والقاف وعليها شرح الشارح ولكن الذي في نسخ بلوغ المرام الصحيحة الثرمي كما ذكرناه (أخرجه أحمد والاربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم) فيه دليل على أنها تجزئ الاضحية إلا ما ذكر وهو مذهب الهادوية، وقال الامام يحيى: تجزئ وتكره، وقواه المهدي وظاهر الحديث مع الاول. وورد النهي عن التضحية بالمصفرة بضم الميم وإسكان الصاد المهملة ففاء مفتوحة فراء أخرجه أبو داود والحاكم، وهي المهزولة كما في النهاية، وفي رواية: المصفورة قيل: هي المستأصلة الاذن. وأخرج أبو داود من حديث عقبة بن عامر السلمي أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المصفرة والمستأصلة والنجقاء والمشيعة والكسراء فالمصفرة: التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة التي استؤصل قرنها من أصله، والنجقاء: التي تنجق عينها، والمشيعة: التي لا تتبع الغنم عجفا أو ضعفا، والكسراء: الكسيرة. هذا لفظ أبي داود. وأما مقطوع الالية والذنب فإنه يجزئ لما أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث أبي سعيد قال: اشتريت كبشا لاضحي به فعدا الذئب فأخذ منه الالية فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ضح به وفيه جابر الجعفي وشيخه محمد بن قرظة مجهول، إلا أن له شاهدا عند البيهقي، واستدل به ابن تيمية

[ 95 ]

في المنتقى على أن العيب الحادث بعد تعيين الاضحية لا يضر. وذهبت الهادوية إلى عدم إجزاء مسلوب الالية. وفي نهاية المجتهد: أنه ورد في هذا الباب من الاحاديث الحسان حديثان متعارضان فذكر النسائي عن أبي بردة أنه قال: يا رسول الله أكره النقص يكون في القرن والاذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما كرهته فدعه ولا تحرمه على غيرك ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه: أمرنا رسول الله (ص) أن نستشرف العين الحديث. فمن رجح حديث أبي بردة قال: لا تتقي إلا العيوب الاربعة وما هو أشد منها. ومن جمع بين الحديثين حمل حديث أبي بردة على العيب اليسير الذي هو غير بين وحديث علي عليه السلام على الكثير البين (فائدة): أجمع العلماء على جواز التضحية من جميع بهيمة الانعام، وإنما اختلفوا في الافضل والظاهر أن الغنم في الضحية أفضل لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره، وإن كان يحتمل أن ذلك لانها المتيسرة لهم. ثم الاجماع على أنه لا يجوز التضحية بغير بهيمة الانعام إلا ما حكي عن الحسن بن صالح أنها تجوز التضحية ببقرة الوحش عن عشرة والظبي عن واحد وما روي عن أسماء أنها قالت: ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيل، وما روي عن أبي هريرة أنه ضحى بديك. 8 - (وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أقسم لحومها وجلودها وجلالها على المساكين، ولا أعطي في جزارتها شيئي منها متفق عليه. هذا في بدنه صلى الله عليه وسلم التي ساقها في حجة الوداع وكانت مع التي أتى بها علي رضي الله عنه من اليمن مائة بدنة، نحرها (ص) يوم النحر بمنى نحر بيده صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين، ونحر بقيتها علي رضي الله عنه. وقد تقدم في كتاب الحج. والبدن: تطلق لغة على الابل والبقر والغنم إلا أنها هنا للابل، وهكذا استعمالها في أحاديث، وفي كتب الفقه في الابل خاصة. ودل على أنه يتصدق بالجلود والجلال كما يتصدق باللحم، وأنه لا يعطي الجزار منها شيئا أجرة، لان ذلك في حكم البيع لاستحقاقه الاجرة، وحكم الاضحية حكم الهدي في أنه لا يباع لحمها ولا جلدها ولا يعطى الجزار منها شيئا. قال في نهاية المجتهد: العلماء متفقون فيما علمت أنه لا يجوز بيع لحمها واختلفوا في جلدها وشعرها مما ينتفع به، فقال الجمهور: لا يجوز وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير الدنانير والدراهم يعني بالعروض، وقال عطاء: يجوز بكل شئ دراهم وغيرها، وإنما فرق أبو حنيفة بين الدراهم وغيرها لانه رأى أن المعاوضة في العروض هي من باب الانتفاع لاجماعهم على أنه يجوز الانتفاع به. 9 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نحرنا مع رسول الله (ص) عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة روا مسلم. دل الحديث على جواز الاشتراك في البدنة والبقرة وأنهما يجزيان عن سبعة، وهذا في الهدي، ويقاس عليه الاضحية، بل قد ورد فيها نص، فأخرج الترمذي والنسائي من حديث ابن عباس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فحضر الاضحى فاشتركنا في البقرة سبعة وفي البعير عشرة

[ 96 ]

وقد صح اشتراك أهل بيت واحد في ضحية واحدة كما في حديث مخنف. وإلى هذا ذهب زيد بن علي وحفيد أحمد بن عيسى والفريقان. قال النووي: سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين مفترضين أو متطوعين، أو بعضهم متقربا وبعضهم طالب لحم، وبه قال أحمد، وذهب مالك إلى أنه لا يجوز الاشتراك في الهدي إلا في هدي التطوع، وهدي الاحصار عندي من هدي التطوع. واشترطت الهادوية في الاشتراك اتفاق الغرض قالوا، ولا يصح مع الاختلاف لان الهدي شئ واحد فلا يتبعض، بأن يكون بعضه واجبا وبعضه غير واجب، وقالوا إنها تجزئ البدنة عن عشرة لما سلف من حديث ابن عباس، وقاسوا الهدي على الاضحية. وأجيب: بأنه لا قياس مع النص. وادعى ابن رشد الاجماع على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة قال: وإن كان روي من حديث رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل البعير بعشر شياه أخرجه في الصحيحين، ومن طريق ابن عباس وغيره البدنة عن عشر قال الطحاوي: وإجماعهم دليل على أن الآثار في ذلك غير صحيحة ا ه‍. ولا يخفى أنه لا إجماع مع خلاف من ذكرنا وكأنه لم يطلع عليه. واختلفوا في الشاة، فقال الهادوية تجزئ عن ثلاثة في الاضحية قالوا: وذلك لما تقدم من تضحية النبي صلى الله عليه وسلم بالكبش عن محمد وآل محمد قالوا: وظاهر الحديث أنها تجزئ عن أكثر لكن الاجماع قصر الاجزاء على الثلاثة. قلت: وهذا الاجماع الذي ادعوه يباين ما قاله في نهاية المجتهد فإنه قال: إنه وقع الاجماع على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد. والحق أنها تجزئ الشاة عن الرجل وعن أهل بيته لفعله صلى الله عليه وسلم ولما أخرجه مالك في الموطأ من حديث أبي أيوب الانصاري قال: كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته ثم تباهى الناس بعد. (فائدة): من السنة لمن أراد أن يضحي أن لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره إذا دخل شهر ذي الحجة لما أخرجه مسلم من أربع طرق من حديث أم سلمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا. وأخرج البيهقي من حديث عمرو بن العاص أنه (ص) قال لرجل سأله عن الضحية وأنه قد لا يجدها فقال: قلم أظافرك، وقص شاربك، واحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله عزوجل وهذا فيه شرعية هذه الافعال في يوم التضحية وإن لم يترك من أول شهر الحجة. وذهب أحمد وإسحق: أنه يحرم للنهي، وإليه ذهب ابن حزم، وقال من لم يحرمه قد قامت القرينة على أن النهي ليس للتحريم وهو ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عائشة قالت: أنا فتلت قلائد هدي رسول الله (ص) بيدي ثم قلدها رسول الله (ص) بيده ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله (ص) شئ مما أحله الله حتى نحر الهدي. قال الشافعي: فيه دلالة على أنه لا يحرم على المرء شئ يبعثه بهديه، والبعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية. قلت: هذا قياس منه والنص قد خص من يريد التضحية بما ذكر.

[ 97 ]

(فائدة أخرى): يستحب للمضحي أن يتصدق وأن يأكل، واستحب كثير من العلماء أن يقسمها أثلاثا، ثلثا للادخار وثلثا للصدقة وثلثا للاكل لقوله صلى الله عليه وسلم كلوا وتصدقوا وادخروا أخرجه الترمذي بلفظ كنت نهيتكم عن لحوم الاضاحي فوق ثلاث ليتسع ذو الطول على من لا طول له فكلواما بدا لكم وتصدقوا وادخروا ولعل الظاهرية توجب التجزئة. وقال عبد الوهاب أوجب قوم الاكل وليس بواجب في المذهب. باب العقيقة العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح للمولود. وأصل العق: الشق والقطع، وقيل للذبيحة عقيقة لانه يشحلقها، ويقال: عقيقة للشعر الذي يخرج على رأس المولود من بطن أمه، وجعله الزمخشري أصلا والشاة المذبوحة مشتقة منه. 1 - (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وعبد الحق لكن رجح أبو حاتم إرساله. وقد أخرج البيهقي والحاكم وابن حبان من حديث عائشة بزيادة يوم السابع وسماهما، وأمر أن يماط عن رأسيهما الاذى وأخرج البيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين رضي الله عنهما يوم السابع من ولادتهما وأخرج البيهقي أيضا من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي (ص) عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام قال الحسن البصري: إماطة الاذى حلق الرأس. وصححه ابن السكن بأتم من هذا وفيه: وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود فأمرهم النبي (ص) أن يجعلوا مكان الدم خلوقا ورواه أحمد والنسائي من حديث بريرة وسنده صحيح ويؤيد هذه الاحاديث الحديث الآتي وهو قوله: 2 - (وأخرج ابن حبان من حديث أنس نحوه. والاحاديث دلت على مشروعية العقيقة. واختلف فيها مذاهب العلماء. فعند الجمهور أنها سنة. وذهب داود ومن تبعه إلى أنها واجبة. واستدل الجمهور بأن فعله صلى الله عليه وسلم دليل على السنية وبحديث من ولد لولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل أخرجه مالك. واستدلت الظاهرية بما يأتي من قول عائشة رضي الله عنها أنه (ص) أمرهم بها، والامر دليل الايجاب وأجاب الاولون بأنه صرفه عن الوجوب قوله: فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل. وقوله في حديث عائشة يوم سابعه دليل أنه وقتها وسيأتي فيه حديث سمرة وأنه لا يشرع قبله ولا بعده. وقال النووي: إنه يعق قبل السابع وكذا عن الكبير، فقد أخرج البيهقي من حديث أنس: أن النبي (ص) عق عن نفسه بعد البعثة ولكنه قال: منكر، وقال النووي: حديث باطل. وقيل يجزئ في السابع والثاني والثالث لما أخرجه البيهقي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي (ص) أنه قال: العقيقة تذبح لسبع ولاربع عشرة

[ 98 ]

ولاحدى وعشرين. ودل الحديث على أنه يجزئ عن الغلام شاة، لكن الحديث الآتي وهو قوله: 3 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان) وفي رواية (مكافئتان) قال النووي: بكسر الفاء وبعدها همزة ويأتي تفسيره (وعن الجارية شاة. رواه الترمذي وصححه). وقال: حسن صحيح. إلا أني لم أجد لفظه أن يعق في نسخ الترمذي. قال أحمد وأبو داود: معنى مكافئتان متساويان أو مقاربتان وقال الخطابي: المراد التكافؤ في السن فلا تكون إحداهما مسنة والاخرى غير مسنة بل يكونان مما يجزئ في الاضحية، وقيل: معناه أن يذبح إحداهما مقابلة للاخرى. دل الحديث على أنه يعق عن الغلام بضعف ما يعق عن الجارية. وإليه ذهب الشافعي وأبو ثور وأحمد وداود لهذا الحديث. وذهبت الهادوية ومالك إلى أن يجزئ عن الذكر والانثى عن كل واحد شاة للحديث الماضي. وأجيب: بأن ذلك فعل وهذا قول والقول أقوى، وبأنه يجوز أنه صلى الله عليه وسلم ذبح عن الذكر كبشا لبيان أنه يجزئ وذبح الاثنين مستحب، على أنه أخرج أبو الشيخ حديث ابن عباس من طريق عكرمة بلفظ كبشين كبشين. ومن حديث عمرو بن شعيب مثله، وحينئذ فلا تعارض. وفي إطلاق لفظ الشاة دليل على أنه لا يشترط فيها ما يشترط في الاضحية ومن اشترطها فبقياس. وأخرج أحمد والاربعة عن أم كرز الكعبية نحوه. (وأخرج أحمد والاربعة عن أم كرز) بضم أوله وسكون الراء بعدها زاي (الكعبية) المكية صحابية لها أحاديث، قاله المصنف في التقريب (نحوه). أي نحو حديث عائشة ولفظه في الترمذي: عن سباع بن ثابت أن محمد بن ثابت بن سباع أخبره أن أم كرز أخبرته أنها سألت رسول الله (ص) عن العقيقة قال: عن الغلام شاتان وعن الانثى واحدة، ولا يضركم أذكرانا كن أم إناثا قال أبو عيسى - يعني الترمذي حسن صحيح. وهو يفيد ما يفيد الحديث الثالث. 5 - (وعن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: كل غلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى رواه أحمد والاربعة وصححه الترمذي) وهذا هو حديث العقيقة الذي اتفقوا على أنه سمعه الحسن من سمرة واختلفوا في سماعه لغيره منه من الاحاديث. قال الخطابي: اختلف في قوله مرتهن بعقيقته فذهب أحمد بن حنبل أنه مات وهو طفل لم يعق عنه، أنه لا يشفع لابويه، قلت: ونقله الحليمي عن عطاء الخراساني ومحمد بن مطرف وهما إمامان عالمان متقدمان على أحمد. وقيل إن المعنى: العقيقة لازمة لا بد منها فشبه لزومها للمولود بلزوم الرهن للمرهون في يد المرتهن وهو يقوي قول الظاهرية بالوجوب. وقيل: المراد أنه مرهون بأذى شعره ولذلك جاء فأميطوا عنه الاذى، ويقوي قول أحمد ما أخرجه البيهقي عن عطاء الخراساني وأخرجه ابن حزم عن بريدة الاسلمي قال: إن الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات الخمس، وهذا دليل لو ثبت لمن قال بالوجوب. وتقدم أنها موقتة

[ 99 ]

باليوم السابع كما دل ما مضى ودل له هذا أيضا. وقال مالك: تفوت بعده، وقال: من مات قبل السابع سقطت عنه العقيقة. وللعلماء خلاف في العق بعده وفي قولها أمرهم أي المسلمين بأن يعق كل مولود له عن ولده، فعند الشافعي يتعين على كل من تلزمه النفقة للمولود، وعند الحنابلة يتعين على الاب إلا أن يموت أو يمتنع. وأخذ من لفظ تذبح بالبناء للمجهول أنه يجزئ أن يعق عنه الاجنبي وقد تأيد بأنه صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كما سلف إلا أنه يقال قد ثبت أنه (ص) أبوهما كما ورد به الحديث بلفظ كل بني أم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة - رضي الله عنها - فأنا وليهم وأنا عصبتهم وفي لفظ وأنا أبوهم أخرجه الخطيب من حديث فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها ومن حديث عمر رضي الله تعالى عنه. وأما ما أخرجه أحمد من حديث أبي رافع أن فاطمة رضي الله تعالى عنها لما ولدت حسنا قالت: يا رسول الله ألا أعق عن ولدي بدم؟ قال: لا ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة فهو من الادلة على أنه قد أجزأ عنه ما ذبحه النبي (ص) عنه وأنها ذكرت هذا فمنعها ثم عق عنه وأرشدها إلى تولي الحلق والتصدق وهذا أقرب لانها لا تستأذنه إلا قبل ذبحه وقبل مجئ وقت الذبح وهو السابع. وفي قوله في حديث سمرة ويحلق دليل على شرعية حلق رأس المولود يوم سابعه، وظاهره عام لحلق رأس الغلام والجارية. وحكى المازني كراهة حلق رأس الجارية، وعن بعض الحنابلة تحلق لاطلاق الحديث. وأما تثقيب أذن الصبية لاجل تعليق الحلي فيها الذي يفعله الناس في هذه الاعصار وقبلها فقال الغزالي في الاحياء: إنه لا يرى فيه رخصة فإن ذلك جرح مؤلم ومثله موجب للقصاص فلا يجوز إلا لحاجة مهمة كالفصد والحجامة والختان، والتزين بالحلي غير مهم، فهذا وإن كان معتادا فهو حرام ا ه‍. وفي كتب الحنابلة أن تثقيب آذان الصبايا للحلي جائز ويكره للصبيان وفي فتاوى قاضي خان من الحنفية: لا بأس بثقب أذن الطفل الانهم كانوا في الجاهلية يفعلونه ولم ينكره عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. قوله ويسمى هذا هو الصحيح في الرواية. وأما روايته بلفظ ويدمي من الدأي يفعل في رأسه من دم العقيقة كما كانت تفعله الجاهلية فقد وهم راويها، بل المراد تسمية المولود. وينبغي اختيار الاسم الحسن له لما ثبت من أنه صلى الله عليه وسلم كان يغير الاسم القبيح، وصح عنه إن أخنع الاسماء عند الله رجل تسمى شاهان شاه ملك الاملاك لا ملك إلا الله تعالى فتحرم التسمية بذلك وألحق بتحريم التسمية بقاضي القضاة وأشنع منه حاكم الحكام نص عليه الاوزاعي. ومن الالقاب القبيحة ما قاله الزمخشري: إنه توسع الناس في زماننا حتى لقبوا السفلة بألقاب العلية، وهب أن العذر مبسوط فما أقول في تلقيب من ليس من

[ 100 ]

الدين في قبيل ولا دبير بفلان الدين هي لعمري والله الغصة التي لا تساغ. وأحب الاسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ونحوهما وأصدقها حارث وهمام، ولا تكره التسمية بأسماء الانبياء ويس وطه خلافا لمالك وفي مسند الحارث ابن أبي أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان له ثلاثة من الولد ولم يسم أحدهم بمحمد فقد جهل فينبغي التسمي باسمه صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج في كتاب الخصائص لابن سبع عن ابن عباس أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد ألا ليقم من اسمه محمد فليدخل الجنة تكرم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقال مالك: سمعت أهل المدينة يقولون: ما من أهل بيت فيهم اسم محمد إلا رزقوا رزق خير، وقال ابن رشد: يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بالتجربة أو عندهم فيه أثر. (فائدة): روى أبو داود والترمذي أن النبي (ص) أذن في أذن الحسن والحسين حين ولدا، ورواه الحاكم، والمراد الاذن اليمنى، وفي بعض المسانيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في أذن مولود سورة الاخلاص، وأخرج ابن السني عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام الصلافي أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان وهي التابعة من الجن. ويستحب تحنيكه بتملما في الصحيحين من حديث أبي موسى قال: ولد لي غلام فأتيت النبي (ص) فسما إبراهيم، وحنكه بتمرة ودعا له بالبركة. والتحنيك

[ 101 ]

أن يضع التمر ونحوه في حنك المولود حتى ينزل في جوفه منه شئ، وينبغي أن يكون المحنك من أهل الخير ممن ترجى بركته. كتاب الايمان والنذور الايمان: بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد وأطلقت على الحلف لانهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه. والنذور جمع نذر وأصله الانذار بمعنى التخويف وعرفه الراغب: بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر. 1 - (عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله (ص) أنه أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ركب) الركب ركبان الابل اسم جمع أو جمع وهم العشرة فصاعدا وقد يكون للخيل (وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله) ليس المراد أنه لا يحلف إلا بهذا اللفظ بدليل أنه (ص) كان يحلف بغيره نحو مقلب القلوب كما يأتي (أو ليصمت) بضم الميم مثل قتل يقتل (متفق عليه) 2 - (وفي رواية لابي داود والنسائي عن أبي هريرة مرفوعا: لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالانداد) الند بكسر أوله المثل، والمراد هنا أصنامهم وأوثانهم التي جعلوها لله تعالى أمثالا لعبادتهم إياها وحلفهم بها نحو قوله واللات والعزى (ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون). الحديثان دليل على النهى عن الحلف بغير الله تعالى وهو للتحريم كما هو أصله، وبه قالت الحنابلة والظاهرية. وقال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله تعالى بالاجماع. وفي رواية عنه إن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لاحد الحلف بها. وقوله لا يجوز بيان أنه أراد بالكراهة التحريم كما صرح به أولا، وقال الماوردي: لا يجوز لاحد أن يحل‍ ف أحدا بغير الله تعالى لا بطلاق ولا عتاق ولا نذر، وإذا حلف الحاكم أحدا بذلك وجب عزله. وعند جمهور الشافعية والمشهور عن المالكية أنه للكراهة ومثله للهادوية ما لم يسو في التعظيم. قلت: لا يخفى أن الاحاديث واضحة في التحريم لما سمعت ولما أخرج أبو داود والحاكم واللفظ له من حديث ابن عمر أنه قال صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله كفر وفي رواية للحاكم كل يمين يحلف بها دون الله تعالى شرك ورواه أحمد بلفظ من حلف بغير الله فقد أشرك وأخرج مسلم: من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله وأخرج النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص أنه حلف باللات والعزى قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا تعد. فهذه الاحاديث الاخيرة تقوي القول بأنه محرم لتصريحها بأنه شرك من غير تأويل ولذا أمر بتجديد الاسلام والاتيان

[ 102 ]

بكلمة التوحيد. واستدل القائل بالكراهة بحديث: أفلح - وأبيه - إن صدق أخرجه مسلم. وأجيب عنه أولا: بأنه قال ابن عبد البر: إن هذه اللفظة غير محفوظة وقد جاءت عن راويها أفلح والله إن صدق بل زعم بعضهم أن راويها صحف والله إلى وأبيه، وثانيا: أنها لم تخرج مخرج القسم بل هي من الكلام الذي يجري على الالسنة مثل: تربت يداه، ونحوه. وقولنا: من غير تأويل إشارة إلى تأويل القائل بالكراهة فإنه تأول قوله فقد أشرك بما قاله الترمذي: قد حمل بعض العلماء مثل هذا على التغليظ كما حمل بعضهم قوله الرياء شرك على ذلك. وأجيب بأن هذا إنما يرفع القول بكفر من حلف بغير الله ولا يرفع التحريم كما أن الرياء محرم اتفاقا ولا يكفر من فعله كما قال ذلك البعض. واستدل القائل بالكراهة بأن الله تعالى قد أقسم في كتابه بالمخلوقات من الشمس والقمر وغيرهما. وأجيب بأنه ليس للعبد الاقتداء بالرب تعالى فإنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، على أنها كلها مؤولة بأن المراد ورب الشمس ونحوه. ووجه التحريم أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به ومنع النفس عن الفعل أو عزمها عليه بمجرد عظمة من حلف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى فلا يلحق به غيره. ويحرم الحلف بالبراءة من الاسلام أو من الدين أو بأنه يهودي أو نحو ذلك لما أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف فقال: إني برئ من الاسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الاسلام سالما. والاظهر عدم وجوب الكفارة في الحلف بهذه المحرمات، إذ الكفارة مشروعة فيما أذن الله تعالى أن يحلف به لا فيما نهى عنه، ولانه لم يذكر الشارع كفارة، بل ذكر أنه يقول كلمة التوحيد لا غير. 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): يمينك على ما يصدقك به صاحبك وفي رواية اليمين على نية المستحلف أخرجهما مسلم. الحديث دليل على أن اليمين تكون على نية المحلف، ولا ينفع فيها نية الحالف إذا نوى بها غير ما أظهره، وظاهره الاطلاق سواء كان المحلف له الحاكم أو المدعي للحق، والمراد حيث كان المحلف له التحليف كما يشير إليه قوله: على ما يصدقك به صاحبك فإنه يفيد أن ذلك حيث كان للمحلف التحليف وهو حيث كان صادقا فيما ادعاه على الحالف وأما لو كان على غير ذلك كانت النية نية الحالف، واعتبرت الشافعية أن يكون المحلف الحاكم وإلا كانت النية نية الحالف. قال النووي: وأما إذا حلف بغير استحلاف وورى فتنفعه ولا يحنث سواء حلف ابتداء من غير تحليف، أو حلفه غير القاضي أو غير نائبه ولا اعتبار في ذلك بنية المحلف بكسر اللام غير القاضي. والحاصل أن اليمين على نية الحالف في جميع الاحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون اليمين على نية المستحلف، وهو مراد الحديث. أما إذا حلف بغير استحلاف القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون اليمين على نية الحالف، وسواء في هذا كله بالله تعالى أو بالطلاق

[ 103 ]

والعتاق، إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق والعتاق فتنفعه التورية، ويكون الاعتبار بنية الحالف لان القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق وإنما يستحلف بالله ا ه‍. قلت: ولا أدري من أين جاء تقييد الحديث بالقاضي أو نائبه بل ظاهر الحديث أنه إذا استحلفه من له الحق فالنية نية المستحلف مطلقا. 4 - (عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه) ابن حبيب بن عبد شمس العبشمي أبي سعيد صحابي من مسلمة الفتح افتتح سجستان ثم سكن البصرة ومات بها سنة خمسين أو بعدها (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإذا حلفت على يمين) أي على محلوف منه سماه يمينا مجازا (ورأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير متفق عليه، وفي لفظ للبخاري فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك وفي رواية لابي داود) عن عبد الرحمن أيضا (فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير وإسنادهما) بالتثنية أي لفظ البخاري ورواية أبي داود والاولى إفراد الضمير ليعود إلى رواية أبي داود فقط لما علم من عرفهم أن ما في الصحيحين صحيح لا يحتاج إلى أن يقال إسناده (صحيح). الحديث دليل على أن من حلف على كل شئ وكان تركه خيرا من التمادي على اليمين وجب عليه التكفير، وإتيان ما هو خير، كما يفيده الامر، ولكنه صرح الجماهير بأنه إنما يستحب له ذلك لا أنه يجب. وظاهره وجوب تقديم الكفارة، ولكنه ادعى الاجماع على عدم وجوب تقديمها، وعلى جواز تأخيرها إلى ما بعد الحنث، وعلى أنه لا يصح تقديمها قبل اليمين. ودلت رواية ثم ائت الذي هو خير على أنه يقدم الكفارة قبل الحنث لاقتضاء ثم الترتيب ورواية الواو تحمل على رواية ثم حملا للمطلق على المقيد، فإن تم الاجماع على جواز تأخيرها وإلا فالحديث دال على وجوب تقديمها. وممن ذهب إلى جواز تقديمها على الحنث مالك والشافعي وغيرهما وأربعة عشر من الصحابة وجماعة من التابعين، وهو قول جماهير العلماء. لكن قالوا: يستحب تأخيرها عن الحنث، وظاهره أن هذا جار في جميع أنواع الكفارة وذهب الشافعي إلى عدم إجزاء تقديم التكفير بالصوم وقال: لا يجوز قبل الحنث لانها عبادة بدنية لا يجوز تقديمها على وقتها كالصلاة وصوم رمضان وأما التكفير بغير الصوم فجائز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة. وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه لا يجوز تقديم التكفير على الحنث على كل حال، قالت الهادوية: لان سبب وجود الكفارة هو مجموع الحنث واليمين، فلا يصح التقديم قبل تمام سبب الوجوب، وعند الحنفية السبب الحنث ولا يخفى أن الحديث دال على خلاف ما عللوا به وذهبوا إليه فالقول الاول أقرب إلى العمل به. 5 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال: من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه رواه أحمد والاربعة وصححه ابن حبان. قال الترمذي: لا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختياني، قال ابن علية: كان

[ 104 ]

أيوب يرفعه تارة وتارة لا يرفعه، قال البيهقي: لا يصح رفعه إلا عن أيوب مع أنه شك فيه. قلت: كأنه يريد أنه رفتارة ووقفه أخرى، ولا يخفى أن أيوب ثقة حافظ لا يضر تفرده برفعه، وكونه وقفه تارة لا يقدح فيه، لان رفعه زيادة عدل مقبولة، وقد رفعه عبد الله العمري وموسى بن عقبة، وكثر بن فرقد، وأيوب بن موسى، وحسان بن عطية، كلهم عن نافع مرفوعا فقوى رفعه. على أنه وإن كان موقوفا فله حكم الرفع إذ لا مسرح للاجتهاد فيه. وإلى ما أفاده الحديث ذهب الجماهير، وقال ابن العربي: اجمع المسلمون بأن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا قال: ولو جاز منفصلا كما قال بعض السلف لم يحنث أحد في يمين ولم يحتج إلى الكفارة. واختلفوا في زمن الاتصال. فقال الجمهور: هو أن يقول إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ولا يضره التنفس. قلت: وهذا هو الذي تدل له الفاء في قوله: فقال. وعن طاوس والحسن وجماعة من التابعين أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وقال عطاء: قدر حلبة ناقة، وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر، وقال ابن عباس: له الاستثناء أبدا متى يذكر. قلت: وهذه تقادير خالية عن الدليل، وقد تأول بعضهم هذه الاقاويل بأن مرادهم أنه يستحب له أن يقول إن شاء الله تبركا، أو يجب على ما ذهب إليه بعضهم لقوله تعالى: * (واذكر ربك إذا نسيت) * فيكون الاستثناء رافعا للاثم الحاصل بتركه أو لتحصيل ثواب الندب على القول باستحبابه. ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث. واختلفوا هل الاستثناء مانع للحنث في الحلف بالله وغيره من الطلاق والعتاق وغيره من الظهار والنذر والاقرار؟ فقال مالك: لا ينفع إلا في الحلف بالله دون غيره، واستقواه ابن العربي واستدل بأنه تعالى قال: * (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) * فلا يدخل في ذلك اليمين الشرعية وهي الحلف بالله. وذهب أحمد إلى أنه لا يدخل العتق لما أخرجه البيهقي من حديث معاذ مرفوعا إذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم تطلق، وإذا قال لعبده أنت حر إن شاء الله فإنه حر إلا أنه قال البيهقي: تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول، واختلف عليه في إسناده. وذهبت الهادوية إلى أن الاستثناء بقوله إن شاء الله معتبر فيه أن يكون المحلوف عليه فيما شاءه الله أو لا يشاؤه، فإن كان مما يشاؤه الله بأن كان واجبا أو مندوبا أو مباحا في المجلس أو حال التكلم - لان مشيئة الله حاصلة في الحال - فلا تبطل اليمين بل تنعقد به وإن كان لا يشاؤه بأن يكون محظورا أو مكروها فلا تنعقد اليمين، فجعلوا حكم الاستثناء بالمشيئة حكم التقييد بالشرط فيقع المعلق عند وقوع المعلق به وينتفي بانتفائه، وكذا قوله إلا أن يشاء الله حكمه حكم إن شاء الله. ولا يخفى أن وفي قوله فقال: إن شاء الله دليل على أنه لا في الاستثناء النية، وهو قول كافة العلماء. وحكي عن بعض المالكية صحة الاستثناء بالنية من غير لفظ، وإلى هذا أشار البخاري وبوب عليه باب النية في الايمان - يعني بفتح الهمزة ومذهب الهادوية صحة الاستثناء بالنية وإن لم يلفظ بالعموم إلا من عدد منصوص فلا بد من الاستثناء باللفظ.

[ 105 ]

6 - (وعنه رضي الله عنه قال: كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاومقلب القلوب رواه البخاري. المراد أن هذا اللفظ الذي كان يواظب عليه في القسم، وقد ذكر البخاري الالفاظ التي كان صلى الله عليه وسلم يقسم بها لا، ومقلب القلوب وفي رواية لا ومصرف القلوب - والذي نفسي بيده - والذي نفس محمد بيده - والله - ورب الكعبة ولابن أبي شيبة كان إذا اجتهد اليمين قال: والذي نفس أبي القاسم بيده ولابن ماجه: كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يحلف بها: أشهد عند الله والذي نفسي بيده. والمراد بتقليب القلوب تقليب أعراضها وأحوالها لا تقليب ذات القلب. قال الراغب: تقليب الله القلوب والبصائر صرفها عن رأي إلى رأي والتقلب: التصرف قال الله تعالى: * (أو يأخذهم في تقلبهم) * وقال ابن العربي: القلب جزء من البدن خلقه الله وجعله للانسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة، وجعل ظاهر البدن محل التصرفات الفعلية والقولية، ووكل به ملكا يأمر بالخير وشيطانا يأمر بالشر، والعقل بنوره يهديه، والهوى بظلمته يغويه، والقضاء مسيطر على الكل، والقلب يتقلب بين الخواطر الحسنة والسيئة، واللمة من الملك تارة ومن الشيطان أخرى، والمحفوظ من حفظه الله ا ه‍. قلت: وقوله: والكلام بناء منه على إثبات الكلام النفسي وأن محله القلب، وقوله صلى الله عليه وسلم: لارد ونفي للسابق من الكلام. والحديث دليل على جواز الاقسام بصفة من صفات الله وإن لم تكن من صفات الذات، وإلى هذا ذهبت الهادوية حيث قالوا: الحلف بالله أو بصفة لذاته أو لفعله لا يكون على ضدها، ويريدون بصفة الذات كالعلم والقدرة ولكنهم قالوا: لا بد من إضافتها إلى الله تعالى كعلم الله، ويريدون بصفة الفعل كالعهد والامانة إذا أضيفت إلى الله، إلا أنه قد ورد حديث بالنهي عن الحلف بالامانة أخرجه أبو داود من حيث بريدة بلفظ من حلف بالامانة فليس منا وذلك لان الامانة ليست من صفاته تعالى بل من فروضه عل العباد. وقولهم لا يكون على ضدها احتراز عن الغضب والرضا والمشيئة، فلا تنعقد بها اليمين. وذهب ابن حزم وهو ظاهر كلام المالكية والحنفية - إلى أن جميع الاسماء الواردة في القرآن أو السنة الصحيحة وكذا الصفات صريح في اليمين وتجب به الكفارة. وفصلت الشافعية في المشهور عنهم والحنابلة فقالوا: إن كان اللفظ يختص بالله تعالى كالرحمن ورب العالمين وخالق الخلق فهو صريح ينعقد به اليمين سواء قصد الله تعالى أو أطلق، وإن كان يطلق عليه تعالى وعلى غيره لكن يقيد كالرب والخالق فتنعقد به اليمين إلا أن يقصد به غير الله تعالى. وإن كان يطلق عليه وعلى غيره على السواء نحو الحي والموجود، فإن نوى غير الله تعالى أو أطلق فليس بيمين وإن نوى به الله تعالى انعقد على الصحيح. 7 - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما) أي ابن العاص (قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ فذكر الحديث وفيه اليمين الغموس) وهي بفتح الغين المعجمة وضم الميم آخره ومهملة (وفيه قلت:) ظاهره أن السائل ابن عمرو راوي الحديث

[ 106 ]

والمجيب هو النبي (ص)، ويحتمل أن يكون السائل غير عبد الله لعبد الله وعبد الله المجيب والاول أظهر (وما اليمين الغموس؟ قال: التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب أخرجه البخاري). اعلم أن اليمين إما أن تكون بعقد قلب وقصد أو لا بل تجري على اللسان بغير عقد قلب وإنما تقع بحسب ما تعوده المتكلم، سواء كانت بإثبات أو نفي نحو والله، وبلى والله، ولا والله، فهذه هي اللغو الذي قال الله تعالى فيه * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) * كما يأتي دليله. وإن كانت عن عقد قلب فينظر إلى حال المحلوف عليه، فينقسم بحسبه إلى أقسام خمسة: إما أن يكون معلوم الصدق أو معلوم الكذب أو مظنون الصدق أو مظنون الكذب أو مشكوكا فيه. فالاول: يمين برة صادقة وهي التي وقعت في كلام الله تعالى نحو * (فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) * ووقعت في كلام رسول الله (ص). قال ابن القيم: إنه (ص) حلف في أكثر من ثمانين موضعا، وهذه هي المرادة في حديث: إن الله تعالى يحب أن يحلف به، وذلك لما يتضمن من تعظيم الله تعالى. والثانيوهو معلوم الكذب اليمين الغموس ويقال لها: الزور والفاجرة، وسميت في الاحاديث: يمين صبر ويمينا مصبورة، قال في النهاية سميت غموسا لانها تغمس صاحبها في النار، فعلى هذا هي فعول بمعنى فاعل، وقد فسرها في الحديث بالتي يقتطع به مال المرء المسلم، فظاهره أنها لا تكون غموسا إلا إذا اقتطع بها مال امرئ مسلم لا أن كل محلوف كذبا يكون غموسا وكلنها تسمى فاجرة. الثالث ما ظن صدقه وهو قسمان: الاول ما انكشف فيه الاصابة فهدا ألحقه البعض بما علم صدقه، إذ بالانكشاف صار مثله. والثاني ما ظن صدقه وانكشف خلافه وقد قيل: لا يجوز الحلف في هذين القسمين لان وضع الحلف لقطع الاحتمال فكأن الحالف يقول: أنا أعلم مضمون الخبر وهذا كذب فإنه إنما حلف على ظنه. الرابع: ما ظن كذبه والحلف عليه محرم. الخامس: ما شك في صدقه وكذبه وهو أيضا محرم. فتلخص أنه يحرم ما عدا المعلوم صدقه. وقوله: ما الكبائر فيه دليل على أنه قد كان معلوما عند السائل أن في المعاصي كبائر وغيرها. وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب إمام الحرمين وجماعة من أئمة العلم إلى أن المعاصي كلها كبائر. وذهب الجماهير إلى أنها تنقسم إلى كبائر وصغائر واستدلوا بقوله تعالى: * (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) * وبقوله: * (والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم) *. قلت: ولا يخفى أنه لا دليل على تسمية شئ من المعاصي صغائر وهو محل النزاع. وقيل: لا خلاف في المعنى إنما الخلاف لفظي، لاتفاق الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة ومنها ما لا يقدح فيها. قلت: وفيه أيضا تأمل. وقوله: فذكر الحديث ذكر فيه الاشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس. وقد تعرض الشارح رحمه الله إلى ما قاله العلماء في تحديد الكبيرة وأطال نقل أقاويلهم في ذلك، وهي أقاويل مدخولة. والتحقيق أن الكبر والصغر أمر نسبي

[ 107 ]

فلا يتم الجزم بأن هذا صغير وهذا كبير إلا بالرجوع إلى ما نص الشارع على كبره فهو كبير وما عدا باق على الابهام والاحتمال. وقد عد العلائي في قواعده الكبائر المنصوص عليها بعد تتبعها من النصوص فأبلغها خمسا وعشرين، وهي الشرك بالله، والقتل، والزنى - وأفحشه بحليلة الجار - والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسحر، والاستطالة في عرض المسلم بغير حق، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والنميمة، والسرقة، وشرب الخمر، واستحلال بيت الله الحرام، ونكث الصفقة، وترك السنة، والتعرب بعد الهجرة، واليأس من روح الله، والامن من مكر الله، ومنع ابن السبيل من فضل الماء، وعدم التنزه من البول، وعقوق الوالدين، والتسبب إلى شتمهما، والاضرار في الوصية، وتعقب بأن السرقة لم يرد النص بأنها كبيرة وإنما في الصحيحين: لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن وفي رواية النسائي فإن فعل ذلك فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه. فإن تاب تاب الله عليه قد جاء في أحاديث صحيحة: النص على الغلول وهو إخفاء بعض الغنيمة بأنه كبيرة. وجاء في الجمع بين الصلاتين لغير عذر، ومنع الفحل ولكنه حديث ضعيف وجاء في الاحاديث ذكر أكبر الكبائر كحديث أبي هريرة إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن، ونحوه من الاحاديث، ولا مانع من أن يكون في الذنوب الكبير والاكبر. وظاهر الحديث أنه لا كفارة في الغموس وقد نقل ابن المنذر وابن عبد البر اتفاق العلماء على ذلك، وقد أخرج ابن الجوزي في التحقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس فيها كفارة: يمين صبر يقتطع بها مالا بغير حق وفيه راو مجهول. وقد روى آدم بن أبي إياس وإسماعيل القاضي عن [ اث ] ابن مسعود موقوفا: كنا نعد الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه. قالوا: ولا مخالف له من الصحابة، ولكن تكلم ابن حزم في صحة أثر ابن مسعود. وإلى عدم الكفارة ذهبت الهادوية وذهب الشافعي وآخرون إلى وجوب الكفارة فيها، وهو الذي اختاره ابن حزم في شرح المحلى لعموم * (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * الآية واليمين الغموس معقودة قالوا: والحديث لا تقوم به حجة حتى تخصص الآية، والقول بأنه لا يكفرها إلا التوبة، فالكفارة تنفعه في رفع إثم اليمين ويبقى في ذمته ما اقتطعه بها من مال أخيه، فإن تحلل منه وتاب محا الله تعالى عنه الاثم. 8 - (وعن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: * (لا يؤاخذكم الله في اللغو في أيمانكم) * قالت: هو قول الرجل لا والله وبلى والله. أخرجه البخاري) موقوفا على عائشة (ورواه أبو داود مرفوعا). فيه دليل على أن اللغو من الايمان ما لا يكون عن قصد الحلف، وإنما جرى على اللسان من غير إرادة الحلف وإلى تفسير اللغو بهذا ذهب الشافعي ونقله ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين. وذهب الهادوية والحنفية إلى أن لغو اليمين أن يحلف على الشئ يظن صدقه فيكشف خلافه، وذهب طاوس

[ 108 ]

إلى أنها الحلف وهو غضبان، وفي ذلك تفاسير أخر لا يقوم عليها دليل، وتفسير عائشة أقرب لانها شاهدت التنزيل وهي عارفة بلغة العرب. وعن عطاء والشعبي وطاوس والحسن وأبي قلابة: لا والله، وبلى والله لغة من لغات العرب لا يراد بها اليمين، وهي من صلة الكلام، ولان اللغو في اللغة ما كان باطلا، وما لا يعتد به من القول، ففي القاموس اللغو واللغى كالفتى السقط، وما لا يعتد به من كلام وغيره. 9 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها) وفي لفظ من حفظها (دخل الجنة. متفق عليه، وساق الترمذي وابن حبان الاسماء والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة) اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة، وظاهر الحديث أن أسماء الله الحسنى منحصرة في هذا العدد بناء على القول بمفهوم العدد، ويحتمل أنه حصر لها باعتبار ما ذكر بعده من قوله: من أحصاها دخل الجنة وهو خبر المبتدأ. فالمراد أن هذه التسعة والتسعين تختص بفضيلة من بين سائر أسمائه تعالى، وهو أن إحصاءها سبب لدخول الجنة وإلى هذا ذهب الجمهور. وقال النووي: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير التسعة والتسعين، ويدل عليه ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من حديث ابن مسعود مرفوعا: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك فإنه دل على أن له تعالى أسماء لم يعرفها أحد من خلقه بل استأثر بها. ودل على أنه قد يعلم بعض عباده بعض أسمائه، ولكنه يحتمل أنه من التسعة والتسعين. وقد جزم بالحصر فيما ذكر أبو محمد بن حزم فقال: قد صح أن أسماءه تعالى لا تزيد على تسعة وتسعين شيئا لقوله صلى الله عليوسلم مائة إلا واحدا فنفي الزيادة وأبطلها، ثم قال: وجاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسما مضطربة لا يصح منها شئ أصلا وإنما تؤخذ من نص القرآن وما صح عن النبي (ص)، ثم سرد أربعة وثمانين اسما استخرجها من القرآن والسنة. وقال الشارح تبعا لكلام المصنف في التلخيص: إنه ذكر ابن حزم أحدا وثمانين اسما والذي رأيناه في كلام ابن حزم أربعة وثمانين، وقد نقلنا كلامه وتعيين الاسماء الحسنى على ما ذكره في هامش التلخيص. واستخرج المصنف من القرآن فقط تسع وتسعين اسما وسردها في التلخيص وغيره وذكر السيد محمد بن إبراهيم الوزير في إيثار الحق أنه تتبعها من القرآن فبلغت مائة وثلاثة وسبعين اسما وإن قال صاحب الايثار: مائة وسبعة وخمسين، فإنا عددناها فوجدناها كما قلنا أولا. وعرفت من كلام المصنف أن مراده أن سرد الاسماء الحسنى المعروفة مدرج عند المحققين، وأنه ليس من كلامه (ص). وذهب كثيرون إلى أن عدها مرفوع، وقال المصنف بعد نقله كلام العلماء في ذكر عدد الاسماء والاختلاف فيها ما لفظه: ورواية الوليد بن مسلم عن شعيب هي أقرب الطرق الواضحة وعليها عول غالب من شرح الاسماء

[ 109 ]

الحسنى ثم سردها على رواية الترمذي وذكر اختلافا في بعض ألفاظها وتبديلا في إحدى الروايا ت للفظ بلفظ ثم قال: واعلم أن الاسماء الحسنى على أربعة أقسام: القسم الاول: الاسم العلم وهو الله. والثاني: ما يدل على الصفات الثابتة للذات كالعليم والقدير والسميع والبصير. والثالث: ما يدل على إضافة أمر إليه كالخالق والرازق. والرابع: ما يدل على سلب شئ عنه كالعلي والقدوس. واختلف العلماء أيضا هل هي توقيفية يعني أنه لا يجوز لاي أحد أن يشتق من الافعال الثابتة لله تعالى اسما، بل لا يطلق عليه إلا ما ورد به نص الكتاب والسنة، فقال الفخر الرازي: المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية. وقالت المعتزلة والكرامية: إذا دل العقل على أن معنى اللفظ ثابت في حق الله تعالى جاز إطلاقه على الله تعالى. وقال القاضي أبو بكر والغزالي: الاسماء توقيفية دون الصفات، قال الغزالي: كما أنه ليس لنا أن نسمي النبي صلى الله عليه وسلم باسم لم يسمه به أبوه ولا أمه ولا سمى به نفسه كذلك في حق الله تعالى. واتفقوا على أنه لا يجوز أن يطلق عليه تعالى اسم أو صفة توهم نقصا، فلا يقال: ماهد ولا زارع ولا فالق وإن جاء في القرآن: * (فنعم الماهدون) * * (أم نحن الزارعون) * * (فالق الحب والنوى) * ولا يقال ماكر ولا بناء وإن ورد * (ومكروا ومكر الله) * * (والسماء بنيناها) *. وقال القشيري: الاسماء تؤخذ توقيفا من الكتاب والسنة والاجماع فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه وما لم يرد لم يجز ولو صح معناه. وقد أوضحنا هذا البحث في كتابنا إيقاظ الفكرة. وقوله: من أحصاها اختلف العلماء في الاحصاء فقال البخاري وغيره من المحققين: معناه حفظها وهو الظاهر فإن إحدى الروايتين مفسرة للاخرى، وقال الخطابي: يحتمل وجوها أحدها: أن يعدها حتى يستوفيها بمعنى أن لا يقتصر على بعضها فيدعو الله بها كلها ويثني عليه بجميعها فيستوجب الموعود عليها من الثواب، وثانيها: المراد بالاحصاء الاطاقة، والمعنى من أطاق القيام بحق هذه الاسماء والعمل بمقتضاها وهو أن يعتبر معانيها فيلزم نفسه بمواجبها، فإذا قال: الرزاق وثق بالرزق وكذا سائر الاسماء. ثالثها: المراد به الاحاطة بمعانيها. وقيل: أحصاها عمل بها فإذا قال: الحكيم، سلم لجميع أوامره لان جميعها على مقتضى الحكمة وإذا قال: القدوس، استحضر كونه مقدسا منزها عن جميع النقائص، واختاره أبو الوفاء ابن عقيل. وقال ابن بطال: طريق العمل بها أن ما كان يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، وما كان يختص به نفسه كالجبار والعظيم فعلى العبد الاقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد يقف منه عند الخشية والرهبة. ويؤيد هذا أن حفظها لفظا من دون عمل واتصاف كحفظ القرآن من دون عمل لا ينفع كما جاء يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم ولكن هذا الذي ذكرته لا يمنع من ثواب من قرأها سردا، وإن كان متلبسا بمعصية، وإن كان ذلك مقام الكمال الذي لا يقوم به إلا أفراد من الرجال. وفيه أقوال أخر لا تخلو

[ 110 ]

من تكلف تركناها. فإن قلت: كيف يتم أن المراد من حفظها على ما هو قول جمع من المحققين ولم يأت بعددها حديث صحيح؟. قلت: لعل المراد من حفظ كل ما ورد في القرآن وفي السنة الصحيحة وإن كان موجودا فيهما أكثر متسعة وتسعين فقد حفظ التسعة والتسعين في ضمنها فيكون حثا على تطلبها من الكتاب والسنة الصحيحة وحفظها. 10 - (وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ص): من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثنا أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان. المعروف: الاحسان، والمراد من أحسن إليه إنسان بأي إحسان فكافأه فقد بلغ في الثناء عليه مبلغا عظيما، ولا يدل على أنه قد كافأه على إحسانه بل دل على أنه ينبغي الثناء على المحسن. وقد ورد في حديث آخر الدعاء إذا عجز العبد عن المكافأة مكافأة ولا يخفى أن ذكر الحديث هنا غير موافق لباب الايمان والنذور وإنما محله باب الادب الجامع. - 11 (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) أنه نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل متفق عليه) هذا أول الكلام في النذور. والنذر لغة: التزام خير أو شر، وفي الشرع التزام المكلف شئا لم يكن عليه منجزا أو معلقا، واختلف العلمافي هذا النهي، فقيل: هو على ظاهره، وقيل بل متأول. قال ابن الاثير في النهاية: تكرر النهي عن النذر في الحديث وهو تأكيد لامره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال لحكمه وإسقاط للزوم الوفاء به، إذا كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك الامر لا يجر لهم في العاجل نفعا، ولا يصرف عنهم ضرا ولا يرد قضاء فقال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله تعالى لكم أو تصرفون به عنكم ما قدر عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم ا ه‍. وقال المازري بعد نقل معناه عن بعض أصحابه: وهذا عندي بعيد عن ظاهر الحديث. قال: ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقرب مستثقلا لها لما صارت عليه ضربة لازب، فلا ينشط العقل نشاط مطلق الاختيار، أو لان الناذر يصير القربة كالعوض عن الذي نذر لاجله فلا تكون خالصة ويدل عليه قوله: إنه لا يأتي بخير. وقال القاضي عياض: إن المعنى أنه يغالب القدر والنهي لخشية أن يقع في ظن بعض الجهلة ذلك. وقوله: لاح يأتي بخير معناه أن عقباه لا تحمد. وقد يتعذر الوفاء به وأن لا يكون سببا لخير لم يقدر فيكون مباحا. وذهب أكثر الشافعية - ونقل عن المالكية - إلى أن النذر مكروه لثبوت النهي عنه. واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة لانه لم يقصد به خالص القربة وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررا بما التزم. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية أنها كراهة تحريم، ونقل

[ 111 ]

الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم من الصحابة. وقال ابن المبارك: يكره النذر في الطاعة والمعصية، فإن نذر بالطاعة ووفى به كان له أجر. وذهب النووي في شرح المهذب إلى أن النذر مستحب، وقال المصنف: وأنا أتعجب ممن أطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهي الصريح فأقل درجاته أن يكون مكروها. قال ابن العربي: النذر شبيه بالدعاء فإنه لا يرد القدر لكنه من القدر، وقد ندب إلى الدعاء ونهى عن النذر لان الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به التوجه إلى الله والخضوع والتضرع، والنذر فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول، وترك العمل إلى حين الضرورة ا ه‍. قلت: القول بتحريم النذر هو الذي دل عليه الحديث، ويزيد تأكيدا تعليله بأنه لا يأتي بخير، فإنه يصير إخراج المال فيه من باب إضاعة المال، وإضاعة المال محرمة، فيحرم النذر بالمال كما هو ظاهر قوله: وإنما يستخرج به من البخيل. وأما النذر بالصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ونحوها من الطاعات فلا تدخل في النهي، ويدل له ما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: * (يوفون بالنذر) * قال: كانوا ينذرون طاعات من الصلاة والصيام وسائر ما افترض الله عليهم. وهو وإن كان أثرا فهو يقويه ما ذكر في سبب نزول الآية. هذا وأما النذور المعروفة في هذه الازمنة على القبور والمشاهد والاموات فلا كلام في تحريمها. لان الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر، ويجلب الخير ويدفع الشر ويعافي الاليم، ويشفي السقيم، وهذا هو الذي كاني فعله عباد الاوثان بعينه، فيحرم كما يحرم النذر على الوثن. ويحرم قبضه، لانه تقرير على الشرك. ويجب النهي عنه وإبانة أنه من أعظم المحرمات، وأنه الذي كان يفعله عباد الاصنام، لكن طال الامد حتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا، وصارت تعقد اللواءات لقباض النذور على الاموات، ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات. وينحر في بابه النحائر من الانعام. وهذا هو بعينه الذي كان عليه عباد الاصنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد أشبعنا الكلام في هذا في رسالة تطهير الاعتقاد عن درن الالحاد. والحديث ظاهر في النهي عن النذر مطلقا، ما ينذر به ابتداء كمن ينذر أن يخرج من ماله كذا، وما يتقرب به معلقا، كأن يقول: إن قدم زيد تصدقت بكذا. 12 - (وعن عقبة بن عامرضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): كفارة النذر كفارة يمين رواه مسلم وزاد الترمذي فيه إذا لم يسم وصححه) الحديث دليل على أن من نذر بأي نذر من مال أو غيره فكفارته كفارة يمين ولا يجب الوفاء به، وإلى هذا ذهب جماعة من فقهاء أهل الحديث كما قال النووي. وقد أخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها: في رجل جعل ماله في المساكين صدقة قالت: كفارة يمين وأخرج أيضا عن أم صفية أنها سمعت عائشة رضي الله عنها وإنسان يسألها عن الذي يقول كل ماله في سبيل الله أو كل ماله في رتاج الكعبة، ما يكفر ذلك؟ قالت عائشة: يكفره ما يكفر اليمين وكذا أخرجه عن عمر وابن عمر وأم سلمة، قال البيهقي: هذا في غير العتق

[ 112 ]

فقد روي عن ابن عمر من وجه آخر أن العتاق يقع، وكذلك عن ابن عباس، ودليلهم حديث عقبة هذا. وذهب آخرون: إلى تفصيل في المنذور به فإن كان المنذور به فعلا فالفعل إن كان غير مقدور فهو غير منعقد، وإن كان مقدورا فإن كان جنسه واجبا لزم الوفاء به عند الهادوية ومالك وأبي حنيفة وجماعة آخرين، وقول للشافعي إنه لا ينعقد النذر المطلق بل يكون يمينا فيكفرها، ذكر هذا الخلاف في البحر. وذهب داود وأهل الظاهر وذكر النووي في شرح مسلم أنه أجمع المسلمون على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة، فإن كان معصية أو مباحا كدخول السوق لم ينعقد النذر ولا كفارة عليه عندنا وبه قال جمهور العلماء. وقال أحمد وطائفة: فيه كفارة يمين. وقال في نهاية المجتهد: إنه وقع الاتفاق على لزوم النذر بالمال إذا كان في سبيل البر وكان على جهة الجزم، وإن كان على جهة الشرط فقال مالك: يلزم كالجزم ولا كفارة يمين في ذلك، إلا أنه إذا نذر بجميع ماله لزم ثلث ماله إذا كان مطلقا، وإن كان المنذور به معينا لزمه وإن كان جميع ماله، وكذا إذا كان المعين أكثر من الثلث، وذهب الشافعي إلى أنها تجب كفارة يمين، لانه ألحقها بالايمان، ثم ذكر أقاويل في المسألة لا ينهض عليها دليل، وذكر متمسك القائلين بأدلة ليست من باب النذر ولا تنطبق على المدعي، وحديث عقبة أحسن ما يعتمد الناظر عليه. وقد حمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة يمين، ذكره النووي في شرح مسلم، وهو الذي دل عليه إطلاق حديث عقبة. 13 - (ولابي داود من حديث ابن عباس مرفوعا من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين وإسناده صحيح لكن رجح الحفاظ وقفه) أما النذر الذي لم يسم كأن يقول: لله علي نذر. فقال كثير من العلماء في ذلك كفارة يمين لا غير، وعليه دل حديث عقبة وحديث ابن عباس، وأما النذر بالمعصية فكفارته كفارة يمين، كما صرح به الحديث، سواء فعل المعصية أم لا، وكذلك من نذر نذرا لا يطيقه عقلا ولا شرعا كطلوع السماء وحجتين في عام، لا ينعقد وتلزمه كفارة يمين. وعند الشافعي ومالك وداود وجماهير العلماء: لا تلزمه الكفارة لما دل عليه الحديث الآتي وهو قوله: 14 - (وللبخاري من حديث عائشة ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه. ولم يذكر كفارة، وحديث عمر لا يمين عليك ولا نذر في معصية الله أخرجه ابن ماجه. وذهبت الهادوية وابن حنبل إلى وجوب الكفارة، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما. وأجيب عنه بأن الاصح أنه موقوف. وأما الزيادة في حديث عمران بن حصين وكفارته كفارة يمين فقد أخرجها النسائي والحاكم والبيهقي، ولكن فيه: محمد بن الزبير الحظلي

[ 113 ]

وليس بالقوي، وله طريق أخرى فيها علة، ورواه الاربعة من حديث عائشة وفيه راو متروك، ورواه الدارقطني وفيه أيضا متروك. ولا يلزم الوفاء بنذر المعصية لقوله: فلا يعصه ولما يفيده قوله: 15 - (ولمسلم من حديث عمران لا وفاء لنذر في معصية. فإنه صريح في النهي عن الوفاء، كالذي قبله. 16 - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله (ص) فاستفتيته فقال النبي (ص): لتمش ولتركب متفق عليه واللفظ لمسلم، ولاحمد والاربعة فقال: إن الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئا، مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام) دل الحديث على أن من نذر أن يمشي إلى بيت الله لا يلزمه الوفاء، وله أن يركب لغير عجز وإليه ذهب الشافعي. وذهبت الهادوية: إلى أنه لا يجوز الركوب مع القدرة على المشي، فإذا عجز جاز له الركوب ولزمه دم، مستدلين برواية أبي داود لحديث عقبة بأنه قال فيه إن أختي نذرت أن تحج ماشية وإنها لا تطيق فقال رسول الله (ص): إن الله تعالى لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة فتقييد رواية الصحيحين بأن المراد ولتمش إن استطاعت وتركب في الوقت الذي لا تطيق المشي فيه أو يشق عليها. وقوله: فلتختمر ذكر ذلك لانه وقع في الرواية أنها نذرت أن تحج لله ماشية غير مختمرة قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرها. الحديث ولعل الامر بصيام ثلاثة أيام لاجل النذر بعدم الاختمار، فإنه نذر بمعصية، فوجب كفارة يمين، وهو من أدلة من يوجب الكفارة في النذر بمعصية، إلا أنه ذكر البيهقي أن في إسناده اختلافا، وقد ثبت في رواية أبي داود عن ابن عباس بعد قوله: فلتركب ولتهد بدنة قيل: وهو على شرط الشيخين إلا أنه قال البخاري: لا يصح في حديث عقبة بن عامر الامر بالاهداء، فإن صح فكأنه أمر ندب وفي وجهه خفاء. 17 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: استفتى سعد بن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه فقال: اقضه عنها متفق عليه) لم يبين هذه الرواية ما هو النذر، وجاء في رواية أفيجزئ أن أعتق عنها؟ فقال: أعتق عن أمك فظاهر هذه الرواية أنها نذرت بعتق، وأما ما أخرج النسائي عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء فإنه في أمر آخر غير الفتيا، إذ هذا في سؤاله (ص) عن الصدقة تبرعا عنها. والحديث دليل على أنه يلحق الميت ما فعل له من بعده من عتق أو صدقة أو نحوهما، وقد قدمنا ذلك في آخر كتاب الجنائز. وهل يجب ذلك على الوارث؟ ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب على الوارث أن يقضي النذر عن الميت إذا كان ماليا ولم يخلف

[ 114 ]

تركة، وكذا غير المالي. وقالت الظاهرية: يلزمه ذلك لحديث سعد. وأجيب بأن حديث سعد لا دلالة فيه على الوجوب، والظاهر مع الظاهرية إذ الامر للوجوب. 18 - (وعن ثابت بن الضحاك) هو ثابت بن الضحاك الاشهلي. قال البخاري: هو ممن بايع تحت الشجرة حدث عنه أبو قلابة وغيره (قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة). بضم الموحدة وبفتحها وبعدها واو ثم ألف وبعد الالف نون موضع بالشام، وقيل: أسفل مكة دون يلملم (فأتى رسول الله (ص) فسأله، فقال هل كان فيها وثن يعبد؟ قال: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ فقال: لا. فقال: أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله تعالى ولا في قطيعة رحم ولا فيما لا يملك ابن آدم. رواه أبو داود والطبراني واللفظ له وهو صحيح الاسناد وله شاهد من حديث كردم) بفتح الكاف وسكون الراء وفتح الدال المهملة (عند أحمد). والحديث له سبب عند أبي داود وهو: أنه قال: يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أذبح على رأس بوانة - في عقبة من الصاعد عنه - الحديث وهو دليل على أن من نذر أن يتصدق أو يأتي بقربة في محل معين أنه يتعين عليه الوفاء بنذره ما لم يكن في ذلك المحل شئ من أعمال الجاهلية، وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الهادوية. وقال الخطابي: إنه مذهب الشافعي، وأجازه غيره لغير أهل ذلك المكان ا ه‍. ولكنه يعارضه حدي‍ ث لا تشد الرحال فيكون قرينة على أن الامر هنا للندب، كذا قيل، ويدل له أيضا قوله: 19 - (وعن جابر رضي الله عنه أن رجلا قال يوم الفتح:) أي فتح مكة. (يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال: صل ها هنا فسأله فقال: صل ها هنا فسأله فقال: فشأنك إذن رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم) وصححه ابن دقيق العيد في الاقتراح، وهو دليل على أنه لا يتعين المكان في النذر وإن عين - إلا ندبا. 20 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الاقصى، ومسجدهذا متفق عليه واللفظ للبخاري. تقدم الحديث في آخر باب الاعتكا ف ولعله أورده هنا للاشارة إلى أن النذر لا يتعين فيه المكان إلا أحد الثلاثة المساجد. وقد ذهب مالك والشافعي إلى لزوم الوفاء بالنذر بالصلاة في أي المساجد الثلاثة وخالفهم أبو حنيفة فقال: لا يلزم الوفاء، وله أن يصلي في أي محل شاء وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا كان لحج أو عمرة، وأما غير الثلاثة المساجد فذهب أكثر العلماء إلى عدم لزوم الوفاء لو نذر بالصلاة فيها إلا ندبا. وأما شد الرحال للذهاب إلى قبور الصالحين والمواضع الفاضلة فقال الشيخ أبو محمد الجويني: إنه حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره قال النووي: والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم

[ 115 ]

ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى الثلاثة خاصة، وقد تقدم هذا في آخر باب الاعتكاف. 21 - (وعن عمر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك متفق عليه، وزاد البخاري في رواية فاعتكف ليلة. دل الحديث على أنه يجب على الكافر الوفاء بما نذر به إذا أسلم. وإليه ذهب البخاري وابن جرير وجماعة من الشافعية لهذا الحديث. وذهب الجماهير إلى أنه لا ينعقد النذر من الكافر. قال الطحاوي: لا يصح منه التقرب بالعبادة، قال: ولكنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من عمر أنه سمح بفعل ما كان نذر فأمره به، لان فعله طاعة وليس هو ما كان نذر به في الجاهلية. وذهب بعض المالكية إلى أنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر به استحبابا، وإن كان التزمه في حال لا ينعقد فيها. ولا يخفى أن القول الاول أوفق بالحديث، والتأويل تعسف. وقد استدل به على أن الاعتكاف لا يشترط فيه الصوم إذ الليل ليس ظرفا، وتعقب بأن في رواية عند مسلم يوما وليلة وقد ورد ذكر الصوم صريحا في رواية أبي داود والنسائي اعتكف وصم وهو ضعيف. كتاب القضاء القضاء: بالمد الولاية المعروفة وهو في اللغة: مشترك بين أحكام الشئ والفراغ منه، ومنه * (فقضاهن سبع سماوات) * وبمعنى إمضاء الامر ومنه * (وقضينا إلى بني إسرائيل) * وبمعنى الحتم والالزام ومنه: * (وقضى ربك ألا تعبد وا إلا إياه) *. وفي الشرع: إلزام ذي الولاية بعد الترافع، وقيل: هو الاكراه بحكم الشرع في الوقائع الخاصة لمعين أو جهة، والمراد بالجهة كالحكم لبيت المال أو عليه. 1 - (عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة) وكأنه قيل: من هم؟ فقال: (رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار رواه الاربعة وصححه الحاكم). وقال في علوم الحديث: تفرد به الخراسانيون وروته مراوزة، قال المصنف: له طرق غير هذه جمعتها في جزء مفرد. والحديث دليل على أنه لا ينجو من النار من القضاء إلا من عرف الحق وعمل به، والعمدة العمل فإن من عرف الحق ولم يعمل به فهو ومن حكم بجهل سواء في النار. وظاهره أن من حكم بجهل وإن وافق حكمه الحق فإنه في النار، لانه أطلقه وقال: فقضى للناس على جهل فإنه يصدق على من وافق الحق وهو جاهل في قضائه - أنه قضى على جهل، وفيه التحذير من الحكم بجهل، أو بخلاف الحق مع معرفته به. والذي في الحديث أن الناجي من قضى بالحق عاله

[ 116 ]

به، والاثنان الآخران في النار، وفيه أنه يتضمن النهي عن تولية الجاهل القضاء. قال في مختصر شرح السنة: إنه لا يجوز لغير المجتهد أن يتقلد القضاء ولا يجوز للامام توليته، قال: والمجتهد من جمع خمسة علوم: علم كتاب الله، وعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقاويل علماء السلف من إجماعهم واختلافهم. وعلم اللغة، وعلم القياس. وهو طريق استنباط الحكم من الكتاب والسنة إذا لم يجده صريحا في نص كتاب أو سنة أو إجماع، فيجب أن يعلم من علم الكتاب الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والخاص والعام، والمحكم والمتشابه، والكراهة والتحريم، والاباحة والندب، ويعرف من السنة هذه الاشياء، ويعرف منها الصحيح والضعيف والمسند والمرسل، ويعرف ترتيب السنة على الكتاب، وبالعكس، حتى إذا وجد حديثا لا يوافق ظاهره الكتاب اهتدى إلى وجه محمله، فإن السنة بيان للكتاب فلا تخالفه، وإنما تجب معرفة ما ورد منها من أحكام الشرع دون ما عداها من القصص والاخبار والمواعظ. وكذا يجب أن يعرف من علم اللغة ما أتى في الكتاب والسنة من أمور الاحكام دون الاحاطة بجميع لغات العرب، ويعرف أقاويل الصحابة والتابعين في الاحكام، ومعظم فتاوى فقهاء الامة، حتى لا يقع حكمه مخالفا لاقوالهم، فيأمن فيه خرق الاجماع، فإذا عرف كل نوع من هذه الانواع فهو مجتهد وإذا لم يعرفها فسبيله التقليد ا ه‍. 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين رواه أحمد والاربعة وصححه ابن خزيمة وابن حبان. دل الحديث على التحذير من ولاية القضاء والدخول فيه، كأنه يقول: من تولى القضاء فقد تعرض لذبح نفسه فليحذره وليتوقه، فإنه إن حكم بغير الحق مع علمه به أو جهله له فهو في النار، والمراد من ذبح نفسه إهلاكها أي فقد أهلكها بتوليه القضاء. وإنما قال: بغير سكين للاعلام بأنه لم يرد بالذبح فري الاوداج الذي يكون في الغالب بالسكين، بل أريد به إهلاك النفس بالعذاب الاخروي، وقيل: ذبح ذبحا معنويا، وهو لازم له، لانه إن أصاب الحق فقد أتعب نفسه في الدنيا لارادته الوقوف على الحق وطلبه واستقصاء ما يجب عليه رعايته في النظر في الحكم، والموقف مع الخصمين، والتسوية بينهما في العدل والقسط، وإن أخطأ في ذلك لزمه عذاب الآخرة، فلا بد له من التعب والنصب. ولبعضهم كلام في الحديث لا يوافق المتبادر منه. 3 - (وعنه) أي أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستحرصون على الامارة) عام لكل إمارة من الامامة العظمى إلى أدنى إمارة ولو على واحد (وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة) أي في الدنيا (وبئست الفاطمة) أي بعد الخروج منها (رواه البخاري). قال الطيبي: تأنيث الامارة

[ 117 ]

غير حقيقي فترك تأنيث نعم وألحقه ببئس نظرا إلى كون الامارة حينئذ داهية دهياء، وقال غيره: أنث في لفظ وتركه في لفظ للافتتان وإلا فالفاعل واحد. وأخرج الطبراني والبزار بسند صحيح من حديث عوف بن مالك بلفظ: أولها: ملامة، وثانيها: ندامة، وثالثها: عذاب يوم القيامة، إلا من عدل وأخرج الطبراني من حديث زيد بن ثابت يرفعه نعم الشئ الامارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس الشئ الامارة لمن أخذها بغير حقها تكون عليه حسرة يوم القيامة وهذا يقيد ما أطلق فيما قبله. وقد أخرج مسلم من حديث أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني قال: إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. قال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية لا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل فإنه يندم على ما فرط فيه إذا جوزي بالجزاء يوم القيامة، وأما من كان أهلها وعدل فيها فأجره عظيم، كما تضافرت به الاخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الاكابر منها، فامتنع الشافعي لما استدعاه المأمون لقضاء الشرق والغرب. وامتنع منه أبو حنيفة لما استدعاه المنصور فحبسه وضربه، والذين امتنعوا من الاكابر جماعة كثيرون. وقد عد في النجم الوهاج جماعة. (تنبيه): في قوله: ستحرصون دلالة على محبة النفوس للامارة لما فيها من نيل حظوظ الدنيا ولذاتها ونفوذ الكلمة، ولذا ورد ا لنهي عن طلبها كما أخرج الشيخان أنه (ص) قال لعبد الرحمن: لا تسأل الامارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وأخرج أبو داود والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إليه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله ملكا يسدده وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: والله إنا لا نولي هذا الامر أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه حرص بفتح الراء قا الله تعالى: * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) * ويتعين على الامام أن يبحث عن أرضي الناس وأفضلهم فيوليه، لما أخرجه الحاكم والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من استعمل رجلا على عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضي لله تعالى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين، وإنما نهى عن طلب الامارة لان الولاية تفيد قوة بعد ضعف، وقدرة بعد عجز تتخذها النفس المجبولة على الشر وسيلة إلى الانتقام من العدو، والنظر للصديق. وتتبع اوغراض الفاسدة ولا يوثق بحسن عاقبتها ولا سلامة مجاورتها فالاولى أن لا تطلب ما أمكن. وإن كان قد أخرج أبو داود بإسناد حسن عنه (ص) من طلب قضاء المسلمين حتى يناله. فغلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار. 4 - (وعن عمرو ابن العاص أنه سمع رسول لله (ص) يقول أذا حكم الحاكم أي إذا أراد الحكم لقوله: فاجتهد فإن الاجتهاد قبل الحكم، ثم أصاب فله أجران فإذا حكم واجتهد ثم أخطأ أي لم يوافق ما هو عند الله تعالى من الحكم

[ 118 ]

[ فله أجر. متفق عليه ] الحديث من أدلة القول بأن الحكم عند الله في كل قضية واحد معين قد يصيبه من أعمل فكره وتتبع الادلة ووفقه الله فيكوله أجران: أجر الاجتهاد، وأجر الاصابة. والذي له أجر واحد هو من اجتهد فأخطأ فله أجر الاجتهاد. واستدلوا بالحديث على أنه يشترط أن يكون الحاكم مجتهدا. قال الشارح وغيره وهو المتمكن من أخذ الاحكام من الادلة الشرعية قال: ولكنه يعز وجوده بل كاد يعدم بالكلية ومع تعذره فمن شرطه أن يكون مقلدا مجتهدا في مذهب إمامه. ومن شرطه أن يتحقق أصول إمامه وأدلته وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصا من مذهب إمامه اه‍. قلت: ولا يخفى ما في هذا الكلام من البطلان. وإن تطابق عليه الاعيان وقد بينا بطلان دعوى تعذر الاجتهاد في رسالتنا المسماة بإرشاد النقاد إلتيسير الاجتهاد بما لا يمكن دفعه وما أرى هذه الدعوى التي تطابقت عليها الانظار إمن كفران نعمة الله عليهم فإنهم - أعني المدعين لهذه الدعوى والمقررين لها - مجتهدون يعرف أحدهم من الادلة ما يمكنه بها الاستنباط مما لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد قاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة ولا أبو موسى الاشعري قاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمن ولا معاذ بن جبل قاضيه فيها وعامله عليها ولا شريح قاضي عمر وعلي رضي الله عنهم على الكوفة. ويدل لذلك قول الشارح: فمن شرطه أي المقلد أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه وأن يتحقق أصوله وأدلته أي ومن شرطه أن يتحقق أصول إمامه وأدلته وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصا من مذهب إمامه، فإن هذا هو الاجتهاد الذي حكم بكيدودة عدمه بالكلية وسماه متعذرا، فهلا جعل هذا المقلد إمامه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عوضا عن إمامه وتتبع نصوص الكتاب والسنة عوضا عن تتبع نصوص إمامه، والعبارات كلها ألفاظ دالة على معان فهلا استبدل بألفاظ إمامه ومعانيها ألفاظ الشارع ومعانيها ونزل الاحكام عليها إذا لم يجد نصا شرعيا عوضا عن تنزيلها على مذهب إمامه فيما لم يجده منصوصا؟ تالله لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، من معرفة الكتاب والسنة إلى معرفة كلام الشيوخ والاصحاب وتفهم مرامهم، والتفتيش عن كلامهم. ومن المعلوم يقينا أن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم أقرب إلى الافهام وأدنى إلى إصابة المرام فإنه أبلغ الكلام بالاجماع، وأعذبه في الافواه والاسماع وأقربه إلى الفهم والانتفاع ولا ينكر هذا إلا جلمود الطباع ومن لاحظ له في النفع والانتفاع. والافهام التي فهم بها الصحابة الكلام الالهي والخطاب النبوي هي كأفهامنا وأحلامهم كأحلامنا، إذ لو كانت الافهام متفاوتة تفاوتا يسقط معه فهم العبارات الالهية، والاحاديث النبوية لما كنا مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين لا اجتهادا ولا تقليدا، أما الاول فلاستحالته، وأما الثاني فلانا لا نقلد حتى نعلم أنه يجوز لنا التقليد، ولا نعلم ذلك إلا بعد فهم الدليل من الكتاب والسنة على جوازه لتصريحهم بأنه لا يجوز التقليد في جواز التقليد، فهذا الفهم الذي فهمنا به

[ 119 ]

هذا الدليل نفهم به غيره من الادلة من كثير وقليل، على أنه قد شهد المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه يأتي من بعده من هو أفقه ممن في عصره وأوعى لكلامه حيث قال فرب مبلغ أفقه من سامع وفي لفظ أوعى له من سامع والكلام قد وفينا حقه في الرسالة المذكورة. ومن أحسن ما يعرفه القضاة كتاب عمر رضي الله عنه الذي كتبه إلى أبي موسى الذي رواه أحمد والدارقطني والبيهقي قال الشيخ أبو إسحاق: هو أجل كتاب، فإنه بين آداب القضاة وصفة الحكم وكيفية الاجتهاد واستنباط القياس. ولفظه أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فعليك بالعقل والفهم وكثرة الذكر، فافهم إذا أدلى إليك الرجل الحجة، فاقض إذا فهمت وامض إذا قضيت. فإنه لا ينفع تلكم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا. ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه فإن جاء ببينة أعطيته حقه، وإلا استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى. ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم اعرف الاشباه والامثال وقس الامور عند ذلك واعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشببها بالحق. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب أو قرابة، فإن الله تعالى تولى منكم السرائر، وادرأ بالبينات، والايمان، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة، والتنكر عند الخصومات، فإن القضاء عند مواطن الحق يوجب الله تعالى به الاجر ويحسن به الذكر. فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما ليس في قلبه شانه الله تعالى، فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا. فما ظنك بثواب من الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته والسلام ا ه‍. ولامير المؤمنين علي عليه السلام في عهد عهده إلى الاشتر لما ولي مصر فيه عدة مصالح وآداب ومواعظ وحكم وهو معروف في النهج لم أنقله لشهرته. وقد أخذ من كلام عمر رضي الله عنه أنه ينقض القاضي حكمه إذا أخطأ ويدل له ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك وقالت الاخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما نصفين فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى. وللعلماء قولان في المسألة: قول إنه ينقضه إذا أخطأ والآخر لا ينقضه لحديث وإن أخطأ فله أجر. قلت: ولا يخفى أنه لا دليل فيه لان المراد

[ 120 ]

أخطأ ما عند الله وما هو في نفس الامر من الحق، وهذا الخطأ لا يعلم إلا يوم القيامة أو بوحي من الله تعالى. والكلام في الخطأ الذي يظهر له في الدنيا من عدم استكمال شرائط الحكم أو نحوه. 5 - (وعن أبي بكرة رضي الله عنقال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان متفق عليه. النهي ظاهر في التحريم، وحمله الجمهور على الكراهة، وترجم النووي في شرح مسلم له: بباب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، وترجم البخاري: بباب هل يقضي القاضي أو يفتي المفتي وهو غضبان؟ وصرح النووي بالكراهة في ذلك. وإنما حملوه على الكراهة نظرا إلى العلة المستنبطة المنسبة لذلك، وهي أنه لما رتب النهي على الغضب والغضب بنفسه لا مناسبة فيه لمنع الحكم، وإنما ذلك لما هو مظنة لحصوله، وهو تشويش الفكر ومشغلة القلب عن استيفاء ما يجب من النظر وحصول هذا قد يفضي إلى الخطأ عن الصواب. ولكنه غير مطرد مع كل غضب ومع كل إنسان، فإن أفضى الغضب إلى عدم تمييز الحق من الباطل فلا كلام في تحريمه، وإن لم يفض إلى هذا الحد فأقل أحواله الكراهة. وظاهر الحديث أنه لا فرق بين مراتب الغضب ولا بين أسبابه، وخصه البغوي وإمام الحرمين بما إذا كان الغضب لغير الله، وعلل بأن الغضب لله يؤمن معه من التعدي، بخلاف الغضب للنفس، واستبعده جماعة لمخالفته لظاهر الحديث والمعنى الذي لاجله نهي عن الحكم معه. ثم لا يخفى أن الظاهر في النهي التحريم وأن جعل العلة المستنبطة صارفة إلى الكراهة بعيد. وأما حكمه (ص) مع غضبه في قصة الزبير فلما علم من أن عصمته مانعة عن إخراج الغضب له عن الحق، ثم الظاهر أيضا عدم نفوذ الحكم مع الغضب، إذ النهي يقتضي الفساد. والتفرقة بين النهي للذات والنهي للوصف كما يقوله الجمهور غير واضح كما قرر في غير هذا المحل. وقد ألحق بالغضب الجوع والعطش المفرطان، لما أخرجه الدارقطني والبيهقي بسند تفرد به القاسم العمري وهو ضعيف عن أبي سعيد الخدري أن النبي (ص) قال: لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان وكذلك ألحق به كل ما يشغل القلب ويشوش الفكر من غلبة النعاس أو الهم أو المرض أو نحوها. 6 - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للاول حتى تسمع كلام الآخر فسوف تدري كيف تقضي قال علي: فما زلت قاضيا بعد: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ابن المديني وصححه ابن حبان. الحديث أخرجوه من طرق أحسنها رواية البزار عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي رضي الله عنه. وفي إسناده عمرو بن أبي المقدام، واختلف فيه على عمرو بن مرة فرواه شعبة عنه عن أبي البختري قال: حدثني من سمع عليا رضي الله عنه أخرجه أبو يعلى وإسناده صحيح لولا هذا المبهم، وله طرق أخر تشهد له، ويشهد له الحديث الآتي، وهو قوله:

[ 121 ]

7 - (وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث دليل على أنه يجب على الحاكم أن يسمع دعوى المدعي أولا، ثم يسمع جوا ب المجيب، ولا يجوز له أن يبني الحكم على سماع دعوى المدعي قبل جواب المجيب، فإن حكم قبل سماع الاجابة عمدا بطل قضاؤه وكان قدحا في عدالته، وإن كان خطأ لم يكن قادحا وأعاد الحكم على وجه الصحة، وهذا حيث أجاب الخصم. فإن سكت عن الاجابة، أو قال: لا أقر ولا أنكر، ففي البحر عن الامام يحيى ومالك يحكم عليه لتصريحه بالتمرد، وإن شاء حبسه حتى يقر أو ينكر، وقيل: بل يلزمه الحق بسكوته إذ الاجابة تجب فورا، فإذا سكت كان كنكوله، وأجيب: بأن النكول الامتناع من اليمين وهذا ليس منه وقيل: يحبس حتى يقر أو ينكر. وأجيب: بأن التمرد كاف في جواز الحكم إذ الحكم شرع لفصل الشجار ودفع الضرار، وهذا حاصل ما في البحر. قيل: والاولى أن يقال ذلك حكمه حكم الغائب، فمن أجاز الحكم على الغائب أجاز الحكم على الممتنع عن الاجابة باشتراكهما في عدم الاجابة. وفي الحكم على الغائب قولان: الاول: أنه لا يحكم على الغائب لانه لو كان الحكم عليه جائزا لم يكن الحضور عليه واجبا، ولهذا الحديث فإنه دل على أنه لا يحكم حتى يسمع كلام المدعى عليه، والغائب لا يسمع له جواب، وهذا الذي ذهب إليه زيد بن علي وأبو حنيفة. والثاني: يحكم عليه لما تقدم من حديث هند، وتقدم الكلام فيه مستوفى. وهذا مذهب الهادوية ومالك والشافعي وحملوا حديث علي هذا على الحاضر، وقالوا: الغائب لا يفوت عليه حق فإنه إذا حضر كانت حجته قائمة وتسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم، لانه في حكم المشروط. 8 - (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا) زاد في رواية: فلا يأخذه رواه ابن كثير في الارشاد (فإنما أقطع له قطعة من النار متفق عليه). اللحن: هو الميل عن جهة الاستقامة، والمراد أن بعض الخصماء يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره. وقوله: على نحو ما أسمع من الدعوى والاجابة والبينة أو اليمين، وقد تكون باطل في نفس الامر فيقطع من مال أخيه قطعة من نار، باعتبار ما يؤول إليه من باب * (إنما يأكلون في بطونهم نارا) *. والحديث دليل على أن حكم الحاكم لا يحل به للمحكوم له ما حكم له به على غيره إذا كان ما ادعاه باطلا في نفس الامر، وما أقامه من الشهادة كاذبا، وأما الحاكم فيجوز له الحكم بما له والالزام به. وتخليص المحكوم عليه مما حكم به لو امتنع وينفذ حكمه ظاهرا، ولكنه لا يحل به الحرام إذا كان المدعي مبطلا وشهادته كاذبة. وإلى هذا ذهب الجمهور. وخالف أبو حنيفة فقال: إنه ينفذ ظاهرا وباطنا وأنه لو حكم الحاكم بشهادة زور أن هذه المرأة زوجة فلان حلت له، واستدل بآثار لا يقوم بها دليل، وبقياس لا يقوى على مقاومة النص. وفي الحديث دليل أنه صلى الله عليه وسلم يقر على الخطأ، وقد

[ 122 ]

نقل الاتفاق عن الاصوليين أنه لا يقر فيما حكم فيه باجتهاده بناء على جواز الخطأ في الاحكام. وجمع بين اتفاقهم وما أفاده الحديث: بأن مرادهم أنه لا يقر فيما حكم فيه باجتهاده بناء على جواز الخطأ عليه فيه، وذلك كقصة أسارى بدر والاذن للمتخلفين. وأما الحكم الصادر عن الطريق التي فرضت كالحكم بالبينة أو يمين المحكوم عليه فإنه إذا كان مخالفا للباطن لا يسمى الحكم به خطأ بل هو صحيح، لانه على وفق ما وقع به التكليف من وجوب العمل بالشاهدين، وإن كانا شاهدي زور فالتقصير منهما. أما الحاكم فلا حيلة له في ذلك ولا عتب عليه بسببه. بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد الذي وقع الحكم على وفقه، مثل أن يحكم بأن الشفعة مثلا للجار وكان الحكم في ذلك في علم الله أنها لا تثبت إلا للخليط، فإنه إذ كان مخالفا للحق الذي في علم الله فيثبت فيه الخطأ للمجتهد على من يقول الحق مع واحد وهذا هو الذي تقدم أنه إذا أخطأ كان له أجر. واستدل بالحديث على أنه لا يحكم الحاكم بعلمه لانه (ص) كان يمكنه اطلاعه على أعيان القضايا مفصلا، كذا قاله ابن كثير في الارشاد قلت: وفيه تأمل لانه (ص) إنما أخبر أنه يحكم على نحو ما يسمع ولم ينف أنه يحكم بما علم والتعليل بقوله: فإنما أقطع له قطعة من النار دال على أن ذلك في حكمه بما يسمع، فإذا حكم بما علمه فلا تجري فيه العلة. 9 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كيف تقدس أمة أي تطهر (لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم رواه ابن حبان). وأخرج حديث جابر أيضا ابن خزيمة وابن ماجه وقد شهد له الحديث وهو قوله: 10 - (شاهد من حديث بريدة عند البزار. وفي الباب عن قابوس بن المخارق عن أبيه رواه الطبراني وابن قانع، وفيه عن خولة غير منسوبة، فقيل: إنها امرأة حمزة رواه الطبراني وأبو نعيم، وشواهد حديث هذا الباب كثيرة منها ما ذكر ومنها الحديث وهو قوله: 11 - (وآخر) أي وله شاهد (من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه). والمراد أنها لا تطهر أمة من الذنوب لا ينتصف لضعيفها من قويها فيما يلزم من الحق له، فإنه يجب نصر الضعيف حتى يأخذ حقه من القوي، كما يؤيده حديث انصر أخاك ظالما أو مظلوما. 12 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره رواه ابن حبان، وأخرجه البيهقي ولفظه في تمرة)

[ 123 ]

في الحديث دليل على شدة حساب القضاة يوم القيامة، وذلك لما يتعاطونه من الخطر. فينبغي له أن يتحرى الحق، ويبلغ فيه جهده، ويحذر من خلطاء السوء، من الوكلاء والاعوان، فقد خرج البخاري وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: ما استخلف الله من خليفة إلا له بطانتان بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه الله تعالى وأخرجه النسائي من حديث أبي هرير مرفوعا بلفظما من وال إلا له بطانتان الحديث. ويحذر الغرماء والوكلاء، ويروي لهم حديث من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع وفي لفظ من أعان علخصومة بظلم فقد باء بغضب من الله رواهما أبو داود من حديث ابن عمر. ولما عرفتمن تجنب أكابر العلماء ولاية القضاء كما قدمناه. وإذا كان هذا في القاضي العدل فكيف بقضاة الجور والجهالة؟. في ترجمة عبد الله بن وهب في الغربال: أنه كتب إليه الخليفة بقضاء مصر فاختفى في بيته فاطلع عليه بعضهم يوما فقال: يابن وهب ألا تخرج فتحكم بين الناس بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال. أما علمت أن العلماء يحشرون مع الانبياء، والقضاة مع السلاطين؟. 13 - (وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة رواه البخاري. فيه دليل على عدم جواز تولية المرأة شيئا من الاحكام العامة بين المسلمين، وإن كان الشارع قد أثبت لها أنها راعية في بيت زوجها، وذهب الحنفية إلى جواز توليتها الاحكام إلا الحدود، وذهب ابن جرير إلى جواز توليتها مطلقا. والحديث إخبار عن عدم فلاح من ولي أمرهم امرأة، وهم منهيون عن جلب عدم الفلاح لانفسهم مأمورون باكتساب ما يكون سببا للفلاح. 14 - (وعن أبي مريم الازدي رضي الله عنه) وهو صحابي اسمه عمرو بن مرة الجهني روى عنه ابن عمه أبو الشماخ وأبو المعطل وغيرهما (عن النبي (ص) قال: من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وفقيرهم احتجب الله دون حاجته. أخرجه أبو داود والترمذي). ولفظه عند الترمذي: ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته وأخرجه الحاكم عن أبي مخيمرة عن أبي مريم وله قصة مع معاوية. وذلك أنه قال لمعاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ولاه الله - الحديث فجعل معاوية رجلا على حوائج المسلمين. ورواه أحمد من حديث معاذ بلفظ من ولي من أمور المسلمين شيئا فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله تعالى عنه يوم القيامة ورواه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس بلفظ أيما أمير احتجب عن الناس فأهملهم احتجب الله تعالى عنه يوم القيامة وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في هذا الحديث منكر. وأخرج الطبراني

[ 124 ]

برجال ثقات إلا شيخه - فإنه قال المنذري: لم يقف فيه على جرح ولا تعديل - من حديث أبي جحيفة أنه قال لمعاوية: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أحببت أن أضعه عندك مخافة أن لا تلقاني: سمعت رسول الله (ص) يقول: يا أيها الناس من ولي منكم عملا فحجب بابه عن ذي حاجة للمسلمين حجبه الله أن يلج باب الجنة، ومن كانت همته الدنيا حرم الله عليه جواري فإني بعثت بخراب الدنيا ولم أبعث بعمارتها والحديث دليل على أنه يجب على من ولي أمرا من أمور عباد الله أن لا يحتجب عنهم أن يسهل الحجاب، ليصل إليه ذو الحاجة من فقير وغيره، وقوله: احتجب الله عنه كناية عن منعه له من فضله وعطائه ورحمته. 15 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لعن رسول الله (ص) الراشي والمرتشي) في النهاية: الراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل. والمرتشي الآخذ (في الحكم رواه أحمد والاربعة وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان). وزاد أحمد والرائش هو الذي يمشي بينهما وهو السفير بين الدافع والآخذ، وإن لم يأخذ على سفارته أجرا، فإن أخذ فهو أبلغ. 16 - (وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند الاربعة إلا النسائي. إلا أنه لم يذكر فيه لفظ في الحكم وكذا في رواية أبي داود لم يذكرها إنما زادها في رواية الترمذي. والرشوة حرام بالاجماع سواء كانت للقاضي أو للعامل على الصدقة أو لغيرهما. وقد قال تعالى * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون) * وحاصل ما يأخذه القضاة من الاموال على أربعة أقسام رشوة وهدية وأجرة ورزق. فالاول: الرشوة إن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق، فهي حرام على الآخذ والمعطي، وإن كانت ليحكم له بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي، لانها لاستيفاء حقه، فهي كجعل الآبق وأجرة الوكالة على الخصومة، وقيل: تحرم لانها توقع الحاكم في الاثم. وأما الهدية، وهي الثاني: فإن كانت ممن يهاديه قبل الولاية فلا تحرم استدامتها وإن كان لا يهدى إليه إلا بعد الولاية فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد عنده جازت وكرهت، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على الحاكم والمهدي.

[ 125 ]

ويأتي فيه ما سلف في الرشوة على باطل أو حق. وأما الاجرة وهي الثالث: فإن كان للحاكم جراية من بيت المال ورزق حرمت بالاتفاق، لانه إنما أجري له الرزق لاجل الاشتغال بالحكم، فلا وجه للاجرة، وإن كان لا جراية له من بيت المال جاز له أخذ الاجرة على قدر عمله - غير حاكم - فإن أخذ أكثر مما يستحقه حرم عليه، لانه إنما يعطى الاجرة لكونه عمل عملا لا لاجل كونه حاكما، فأخذه لما زاد على أجرة مثله غير حاكم إنما أخذها لا في مقابلة شئ بل في مقابلة كونه حاكما ولا يستحق لاجل كونه حاكما شيئا من أموال الناس اتفاقا، فأجرة العمل أجرة مثله، فأخذ الزيادة على أجرة مثله حرام، ولذا قيل: إن تولية القضاء لمن كان غنيا أولى من تولية من كان فقيرا. وذلك لانه لفقره يصير متعرضا لتناول ما لا يجوز له تناوله إذا لم يكن له رزق من بيت المال. قال المصنف: لم ندرك في زماننا هذا من يطلب القضاء إلا وهو مصرح بأنه لم يطلبه إلا لاحتياجه إلى ما يقوم بأوده، مع العلم بأنه لا يحصل له شئ من بيت المال ا ه‍. 17 - (وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم رواه أبو داود وصححه الحاكم) وأخرجه أحمد والبيهقي كلهم من رواية مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وفيه كلام، قال أبو حاتم: إنه كثير الغلط. والحديث دليل على شرعية قعود الخصمين بين يدي الحاكم ويسوي بينهما في المجلس ما لم يكن أحدهما غير مسلم، فإنه يرفع المسلم كما في قصة علي عليه السلام مع غريمه الذي عند شريح، وهي ما أخرجه أبو نعيم في الحلية بسنده قال: وجد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه درعا عند يهودي التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل لي أورق فقال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحا فلما رأى عليا قد أقبل تحرف عن موضعه وجلس على فيه ثم قال علي لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تساووهم في المجلس وساق الحديث. قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين قال: درعي سقط عن جمل لي أورق فالتقطها هذا اليهودي. قال شريح: ما تقول يا يهودي قال: درعي وفي يدي. قال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك ولكن لا يد لك من شاهدين فدعا قنبرا والحسن بن علي فشهدا إنه لدرعه. فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها. وأما شهادة ابنك فلا نجيزها فقال عليه السلام: ثكلتك أمك أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة قال: اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة سيدي شباب أهل الجنة؟ ثم قال لليهودي: خذ الدرع، فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى لي، ورضي: صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن جمل لك التقطتها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فوهبها له علي رضي الله عنه وأجازه بتسعمائة،

[ 126 ]

وقتل معه يوم صفين. ا ه‍. وقول شريح: والله إنها لدرعك، كأنه عرفها، ويعلم أنها درعه لكنه لا يرى الحكم بعلمه، كما أنه لا يرى شهادة الولد لابيه. فانظر ما أبرك العمل بالحق من الحاكم والمحكوم عليه وما آل من الخير للمدعى عليه. باب الشهادات الشهادة: مصدر شهد - جمع لارادة الانواع، قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والشاهد حامل الشهادة ومؤديها لانه مشاهد لما غاب عن غيره. وقيل: مأخوذة من الاعلام من قوله تعالى: * (شهد الله أنه لا إله إلا هو) * أي علم. 1 - (عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها رواه مسلم. دل على أن خير الشهداء من يأتي بالشهادة لمن هي له قبل أن يسأله، إلا أنه يعارضه الحديث الثاني وهو حديث عمران وفيه ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون في سياق الذم لهم. ولما تعارضا اختلف العلماء في الجمع بينهما على ثلاثة أوجه. الاول: أن المراد بحديث زيد إذا كان عند الشاهد شهادة بحق لا يعلم بها صاحب الحق، فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها فيخلف ورثة فيأتي إليهم فيخبرهم بأنه عنده لهم شهادة، وهذا أحسن الاجوبة وهو جواب يحيى بن سعيد شيخ مالك. الثاني: أن المراد بها شهادة الحسبة، وهي ما لا تتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضا، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله تعالى أو ما فيه شائبة منه كالصلاة والوقف والوصية العامة ونحوها. وحديث عمران المراد به الشهادة في حقوق الآدميين المحضة. الثالث: أن المراد بقوله أن يأتي بالشهادة قبل أن يسألها: المبالغة في الاجابة فيكون لقوة استعداده كالذي أتى بها قبل أن يسألها، كما يقال في حق الجواد إنه ليعطي قبل الطلب. وهذه الاجوبة مبنية على أن الشهادة لا تؤدى قبل أن يطلبها صاحب الحق. ومنهم من أجاز ذلك عملا برواية زيد وتأول حديث عمران بأحد تأويلات: الاول: أنه محمول على شهادة الزور، أي يؤدون شهادة لم يسبق لهم بها علم، حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم. الثاني: أن المراد إتيانه بالشهادة بلفظ الحلف نحو أشهد بالله ما كان إلا كذا، وهذا جواب الطحاوي. الثالث: أن المراد به الشهادة على ما لا يعلم مما سيكون من الامور المستقبلة فيشهد على قوم بأنهم من أهل النار وعلى قوم بأنهم من أهل الجنة من غير دليل، كما يصنع ذلك أهل الاهواء، حكاه الخطابي. والاول أحسنها. 2 - (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن متفق عليه. القرن: أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر

[ 127 ]

من الامور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمان أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على مدة من الزمان. واختلفوا في تحديدها، من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين. قال المصنف: إنه لم ير من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرين وما عدا ذلك فقد قال به قائل. قلت: أما التسعون فنعم. وأما المائة والعشرون فصرح به في القاموس فإنه قال، أو مائة وعشرون. والاول أصح لقوله صلى الله عليه وسلم لغلام: عش قرنا فعاش مائة سنة، انتهى. قال صاحب المطالع: القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد. وقرنه صلى الله عليه وسلم المراد به المسلمون في عصره. وقوله ثم الذين يلونهم هم التابعون، والذين يلون التابعين أتباع التابعين، وهذا يدل على أن الصحابة أفضل من التابعين، والتابعين أفضل من تابعيهم، وأن التفضيل بالنظر إلى كل فرد فرد. وإليه ذهب الجماهير. وذهب ابن عبد البر إلى أن التفضيل بالنسبة إلى مجموع الصحابة لا إلى الافراد، فمجموع الصحابة أفضل ممن بعدهم لا كل فرد منهم، إلا أهل بدر وأهل الحديبية فإنهم أفضل من غيرهم، يريد أن أفرادهم أفضل من أفراد من يأتي بعدهم. واستدل على ذلك بما أخرجه الترمذي من حديث أنس وصححه ابن حبان من حديث عمار من قوله صلى الله عليه وسلم: أمتي مثل المطر لا يدري أو له خير أم آخره وبما أخرجه أحمد والطبراني والدارمي من حديث أبي جمعة؟ قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وهاجرنا معك، قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني وصححه الحاكم. وأخرج أبو داود والترمذي من حديث ثعلبة يرفعه: يأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: بل منكم وأخرج أبو الحسن القطان في مشيخته عن أنس يرفعه يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه له أجر خمسين منكم. وجمع الجمهور بين الاحاديث: بأن للصحبة فضيلة ومزية لا يوازيها شئ من الاعمال، فلمن صحبه صلى الله عليه وسلم فضيلتها وإن قصر عمله، وأجره باعتبار الاجتهاد في العبادة، وتكون خيريتهم على من سيأتي باعتبار كثرة الاجر لا بالنظر إلى ثواب الاعمال وهذا قد يكون في حق بعض الصحابة وأما مشاهير الصحابة فإنهم حازوا السبق من كل نوع من أنواع الخير، وبهذا يحصل الجمع بين الاحاديث. وأيضا فإن المفاضلة بين الاعمال بالنظر إلى الاعمال المتساوية في النوع، وفضيلة الصحبة مختصة بالصحابة لم يكن لمن عداهم شئ من ذلك النوع. وفي قوله: ثم يكون قوم - إلى آخره دليل على أنه لم يكن في القرنين الاولين من بعد الصحابة من يتصف بهذه الصفات المذمومة، ولكن الظاهر أن المراد بحسب الاغلب واستدل به على تعديل القرون الثلاثة، ولكنه أيضا باعتبار الاغلب. وقوله: لا يؤتمنون أي لا يراهم الناس أمناء ولا يثقون بهم لظهور خيانتهم. وقد ثبت أن الامانة أول ما يرفع من الناس. ومعنى قوله: يظهر فيهم السمن أنهم يتوسعون في المآكل والمشارب، وهي أسباب

[ 128 ]

السمن، وقيل: أراد كثرة المال، وقيل: المراد أنهم يسمنون أي يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ليس لهم من الشرف. وفي حديث أخرجه الترمذي بلفظ: ثم يجئ قوم يتسمنون ويحبون السمن فجمع بين السمن أي التكثر بما ليس عندهم وتعاطي أسباب السمن. 3 - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر بفتح الغين المعجمة وفتح الميم وكسرها بعدها راء فسره أبو داود بالحنة - بالحاء المهملة - وهي الحقد والشحناء (على أخيه ولا تجوز شهادة القانع) بالقاف وبعد الالف نون ثم عين مهملة يأتي بيانه (لاهل البيت رواه أحمد وأبو داود). وأخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: رد رسول الله (ص) شهادة الخائن والخائنة وأخرجه ابن ماجه والبيهقي وإسناده قوي. وأخرجه الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة وذي غمر لاخيه - الحديث وفيه ضعف، قال الترمذي: لا يصح عندنا إسناده، وقال أبو زرعة في العلل: منكر، وضعفه عبد الحق وابن حزم، وابن الجوزي، وقال البيهقي: لا يصح من هذا شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: الخائن قال أبو عبيدة: لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه، فانه قد سمى ذلك أمانة، قال الله تعالى - يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمناتكم - فمن ضيع شيئا مما أمر الله تعالى به أو ما نهى عنه فليس ينبغى أن يكون عدلا، فانه إذا كان خائنا فلس له تقوى ترده عن ارتكاب محظرات الدين التى منه الكتاب فلا يحصل الظن بخبره لانه مظنة تهمة أو مسلوب الاهلية. وأما ذو الغمر فالمراد بأخيه المسلم المشهود عليه، والكافر مثله لا يجوز أن يشهد ذو حقه عليه إذا كانت العداوة بسبب غير الدين، فان ذا الحقد مظنة عدم صدق خبره لمحبة إنزال الضرر بمن يحقد عليه. وأما المسلم إذا لم يكن ذا حقد على الكافر بسبب غير الدين فانها تقبل شهادته عليه وأن كان بينهما عداوة في الدين، فان عداوة الدين لا تقتضي أن يشهد عليه زورا فان الدين لا يسوغ ذلك، وأنما خرج الحديث عن الاغلب. والقانع هو الخادم لاهل البيت والنقطع إليهم للخدمة وقضاء الحوائج، وموالتهم عند الحاجة، في تمام الحديث وأجزاها: أي شهادة القانع لغيرهم: أي لغير من هو تابع لهم،. إنما منع من شهادة لمن هو قانع لهم لانه مظنة تهمة فيجب دفع الضر عنهم وجلب الخير إليهم فمنعم من الشهادة. ومنع هؤلاء من الشهادة دليل على أعتبار العدالة في الشاهد، عليه دل قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم - وقد رسموا العدالة: بأنها محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة. وقد نازعناهم في هذا الرسم في عد من المباحث، كرسالة: المسائل المهمة فيما تعم به البلوى حكام الامة، وحققنا الحق في العدالة في رسالة: ثمرات النظر في علم الاثر

[ 129 ]

وفي منحة الغفار حاشية ضوء النهار، ولله الحمد. واخترنا أن العدل هو: من غلب خيره شره ولم يجرب عليه اعتياد كذب. وأقمنا عليه الادلة هنالك، والشارح هنا مشى مع الجماهير وذكر بعض ما يتعلق بتفسير مرادهم. 4 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله (ص) يقول: لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية رواه أبو داود وابن ماجه. البدوي من سكن البادية، نسب على غير قياس. النسبة والقياس بادوي والقرية - بفتح القاف وقد تكسر المصر الجامع. وفيه دليل على عدم صحة شهادة البدوي على صاحب القرية لا على بدوي مثله فتصح. وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابه، وقال أحمد: أخشى أن لا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية لهذا الحديث، ولانه متهم حيث أشهد بدويا ولم يشهد قرويا. وإليه ذهب مالك إلا أنه قال: لا تقبل شهادة البدوي لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرائع ولانهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها. وذهب الاكثر إلى قبول شهادتهم وحملوا الحديث على من لا تعرف عدالته من أهل البادية، إذ الاغلب أن عدالتهم غير معروفة، وقد استدل في البحر لقبول شهادتهم بقبوله (ص) لشهادة الاعرابي على هلال رمضان. 5 - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله (ص)، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نؤاخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم رواه البخاري. وتمامه: فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شئ: الله يحاسبه في سريرته. ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه. وإن قال: إن سريرته حسنة. استدل به على قبول شهادة من لم يظهر منه ريبة نظرا إلى ظاهر الحال وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدل من الاستقامة من غير كشف عن حقيقة سريرته لان ذلك متعذر إلا بالوحي وقد انقطع، وكأن المصنف أورده وإن كان كلام صحابي لا حجة فيه، لانه خطب به عمر وأقره من سمعه فكان قول جماهير الصحابة، ولان هذا الذي قاله هو الجاري على قواعد الشريعة. وظاهر كلامه أنه لا يقبل المجهول. ويدل له ما رواه ابن كثير في الارشاد: أنه شهد عند عمر رجل فقال له عمر: لست أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك ائت بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه. قال: بأي شئ تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، فقال: هو جارك الادنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملك بالدينار والدرهم اللذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا، قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الاخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه، ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك قال ابن كثير: رواه البغوي بإسناد حسن. 6 - (وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه عد شهادة الزور من أكبر الكبائر متفق عليه في حديث طويل. في حديث ولفظه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر - ثلاثا -؟ قالوا: بلى، قال: الاشراك بالله وعقوق الوالدين. وجلس

[ 130 ]

وكان متكئا ثم قال: ألا وقول الزور فمزال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. تقدم تفسير شهادة الزور، قال الثعلبي: الزور تحسين الشئ ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وقد جعل صلى الله عليه وسلم قول الزور عديلا للاشراك ومساويا له. قال النووي: وليس على ظاهره المتبادر وذلك لان الشرك أكبر بلا شك، وكذلك القتل فلا بد من تأويله وذلك بأن التفضيل لها بالنظر إلى ما يناظرها في المفسدة، وهي التسبب في أكل المال بالباطل فهي أكبر الكبائر بالنسبة إلى الكبائر التي يتسبب بها إلى أكل المال بالباطل فهي أكبر من الزنا ومن السرقة وإنما اهتم (ص) بإخبارهم على شهادة الزور،، وجلس وأتى بحرف التنبيه وكرر الاخبار لكون قول الزور وشهادة الزور أسهل على اللسان، والتهاون بها أكثر، ولان الحوامل عليه كثيرة من العداوة والحسد وغيرها، فاحتيج إلى الاهتمام بشأنه بخلاف الاشراك، فإنه ينبو عنه قلب المسلم، ولانه لا تتعدى مفسدته إلى غير المشرك، بخلاف قول الزور فإنه يتعدى إلى من قيل فيه، والعقوق يصرف عنه كرم الطبع والمروءة. 7 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال لرجل: ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فشاهد أو دع أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف وصححه الحاكم فأخطأ. لان في إسناده محمد بن سليمان بن مشمول ضعفه النسائي، وقال البيهقي: لم يرو من وجه يعتمد عليه، وفيه دليل على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه علما يقينا كما تعلم الشمس بالمشاهدة. ولا تجوز الشهادة بالظن. فإن كانت الشهاد على فعل فلا بد من رؤيته، وإن كانت على صوت فلا بد من سماع ذلك الصوت، ورؤية الصوت أو التعريف بالصوت بعدلين أو عدل عند من يكتفي به، إلا في مواضع فإنها تجوز الشهادة بالظن. وقد بوب البخاري للشهادة على الظن بقوله باب الشهادة على الانساب والرضاع المستفيض، والموت القديم وذكر أربعة أحاديث في ثبوت الرضاع، وثبوته إنما هو بالاستفاضة ولم يذكر حديثا على رؤية الرضاع، وأشار بذلك إلى ثبوت النسب، فإن من لازم الرضاع ثبوت النسب. وأما ثبوت الرضاعة نفسها بالاستفاضة، فإنه مستفاد من صريح الاحاديث، فإن الرضاعة المذكورة فيها كانت في الجاهلية وكان ذلك مستفيضا عند من وقع له. وحد الاستفاضة عند الهادوية شهرة في المحلة تثمر ظنا أو علما، وإنما اكتفي بالشهرة في المذكورة إذ لا طريق له إلى التحقيق

[ 131 ]

بالنسب لتعذر التحقق فيه في الاغلب، وأراد البخاري بالموت القديم ما تطاول الزمان عليه، وحده البعض بخمسين سنة، وقيل أربعين، وذلك لانه يشق فيه التحقيق وإلى العمل بالشهرة في النسب ذهب الهادوية والشافعية وأحمد، ومثله الموت، كذلك ذهبت إليه الهادوية في ثبوت الولاء، وقال المصنف في الفتح. اختلف العلماء في ضابط ما تفيد فيه الشهادة بالاستفاضة فيصح عند الشافعية في النسب قطعا، والولادة وفي الموت والعتق والولاء والولاية والوقف والعزل والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسفه، وذلك على الراجح في جميع ذلك، وبلغها بعض المتأخرين من الشافعية بضعة وعشرين موضعا، وهي مستوفاة في قواعد العلائي إلى آخر كلامه. 8 - (وعنه رضي الله أن رسول الله (ص) قضى بيمين وشاهد أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وقال: إسناده جيد. قال ابن عبد البر: لا مطعن لاحد في إسناده، كذا قال، لكنه قال الترمذي في العلل: سألت محمدا يعني البخاري عنه فقال: لم يسمعه عندي عمرو من ابن عباس يريد عمرو بن دينار راويه عن ابن عباس. وقال الحاكم: قد سمع عمرو من ابن عباس عدة أحاديث وسمع من جماعة من أصحابه فلا ينكر أن يكون سمع منه حديثا. وسمعه من أصحابه عنه وله شواهد. 9 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله، أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان. وأخرجه أيضا الشافعي، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: وهو صحيح، وقد أخرج الحديث عن اثنين وعشرين من الصحابة. وقد سرد الشارح أسماءهم. والحديث دليل على أنه يثبت القضاء بشاهد ويمين، وإليه ذهب جماهير من الصحابة والتابعين وغيرهم، وهو مذهب فقهاء المدينة السبعة والهادوية ومالك، وقال الشافعي: وعمدتهم هذه الاحاديث، واليمين وإن كان حاصلها تأكيد الدعوى لكن يعظم شأنها، فإنها إشهاد لله سبحانه أن الحقيقة كما يقول، ولو كان الامر على خلاف الدعوى لكان مفتريا على الله أنه يعلم صدقه، فلما كانت بهذه المنزلة العظيمة هابها المؤمن بإيمانه وعظمة شأن الله عنده أن يحلف به كاذبا، وهابها الفاجر لما يراه من تعجيل عقوبة الله لمن حلف يمينا فاجرة، فلما كان لليمين هذا الشأن صلحت للهجوم على الحكم كشهادة الشاهد، وقد اعتبرت الايمان فقط في اللعان وفي القسامة في مقام الشهود. وذهب زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه إلى عدم الحكم باليمين والشاهد مستدلين بقوله تعالى: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * وقوله * (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) * قالوا: وهذا يقتضي الحصر ويفيد المخالفة أنه لا يكون بغير ذلك، وزيادة الشاهد واليمين تكون نسخا لمفهوم المخالفة، وأجيب عنه بأنه على تقدير اعتبار مفهوم المخالفة، يصح نسخه بالحديث الصحيح أعني حديث ابن عباس. واستدلوا بقوله (ص): شاهداك أو يمينه وأجيب: بأن هذا الحديث صحيح وحديث الشاهد واليمين صحيح يعمل بهما في منطوقهما فإن مفهوم أحدهما لا يقاوم منطوق

[ 132 ]

الآخر. هذا وفي سنن أبي داود أنه قال سلمة في حديثه: قال عمرو في الحقوق يريد أن عمرو بن دينار الراوي عن ابن عبا س خص الحكم بالشاهد واليمين بالحقوق. قال الخطابي: وهذا خاص بالاموال دون غيرها، فإن الراوي وقفه عليها، والخاص لا يتعدى به محله ولا يقاس عليه غيره، واقتضاء العموم منه غير جائز لانه حكاية فعل والفعل لا عموم له ا ه‍. والحق أنه لا يخرج من الحكم بالشاهد واليمين إلا الحد والقصاص للاجماع أنهما لا يثبتان بذلك. باب الدعاوى والبينات الدعاوى جمع دعوى. وهي اسم مصدر من ادعى شيئا إذا زعم أن له حقا أو باطلا. والبينات جمع بينة وهي الحجة الواضحة، سميت الحجة بينة لوضوح الحق وظهوره بها. 1 - (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه متفق عليه وللبيهقي) أي من حديث ابن عباس (بإسناد صحيح: البينة على المدعي واليمين على من أنكر). وفي الباب عن ابن عمر عند ابن حبان، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الترمذي. والحديث دال على أنه لا يقبل قول أحد فيما يدعيه لمجرد دعواه، بل يحتاج إلى البينة أو تصديق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك وإلى هذا ذهب سلف الامة وخلفها. قال العلماء: والحكمة في كون البينة على المدعي أن جانب المدعي ضعيف، لانه يدعي خلاف الظاهر، فكلف الحجة القوية وهي البينة فيقوى بها ضعف المدعي، وجانب المدعى عليه قوي لان الاصل فراغ ذمته فاكتفي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة. 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف رواه البخاري. يفسره ما رواه أبو داود والنسائي من طريق أبي رافع عن أبي هريرة أن رجلين اختصما في متاع ليس لواحد منهما بينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استهما على اليمين ما كان أحبا ذلك أو كرها قال الخطابي: ومعنى الاستهام هنذا الاقتراع يريد أنهما يقترعان فأيهما خرجت له القرعة حلف وأخذ ما ادعى. وروي مثله عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو أنه أتى بنعل وجد في السوق يباع فقال رجل: هذا نعلي لم أبع ولم أهب وقرع على خمسة يشهدون، وجاء آخر يدعيه يزعم أنه نعله وجاء بشاهدين، قال الراوي: فقال علي رضي الله عنه: إن فيه قضاء وصلحا وسوف أبين لكم ذلك. أما صلحه فأن يباع النعل فيقسم على سبعة أسهم لهذا خمسة ولهذا اثنان، وإن لم يصطلحا فالقضاء أن يحلف أحد الخصمين أنه ما باعه ولا وهبه وإنه نعله، فإن تشاححتما أيكما يحلف فإنه يقرع بينكما على الحلف فأيكما قرع حلف. انتهى كلام الخطابي.

[ 133 ]

3 - (وعن أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك رواه مسلم. الحديث دليل على شدة الوعيد لمن حلف ليأخذ حقا لغيره أو يسقط عن نفسه حقا، فإنه يدخل تحت الاقتطاع لحق المسلم، والتعبير بحق المرء المسلم يدخل فيه ما ليس بمال شرعا، كجلد الميتة ونحوه. وذكر المسلم خرج مخرج الغالب، وإلا فالذمي مثله في هذا الحكم، قيل: ويحتمل أن هذه العقوبة تختص بمن اقتطع بيمينه حق المسلم لا حق الذمي وإن كان محرما فله عقوبة أخرى، وإيجاب النار وتحريم الجنة مقيد بما إذا لم يتب ويتخلص من الحق الذي أخذه باطلا، ثم المراد باليمين: اليمين الفاجرة وإن كانت مطلقة في الحديث فقد قيدها الحديث الآتي وهو قوله: 4 - (وعن الاشعث رضي الله عنه) بشين معجمة ساكنة فعين مهملة مفتوحة فمثلثة وهو أبو محمد (ابن قيس) بن معديكرب الكندي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد كندة وكان رئيسهم وذلك في سنة عشر وكان رئيسا في الجاهلية مطاعا في قومه وجيها في الاسلام، وارتد عن الاسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى الاسلام في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وخرج للجهاد مع سعد بن أبي وقاص وشهد القادسية وغيرها ثم سكن الكوفة ومات بها سنة اثنتين وأربعين وصلى عليه الحسن بن علي رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان متفق عليه). والمراد بكونه فاجرا فيها أن يكون متعمدا عالما أنه غير محق، وإذا كان تعالى عليه غضبان حرمه جنته وأوجب عليه عذابه. وعن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه أن رجلين اختصما إلى رسول الله (ص) في دابة ليس لواحد منهما بينة فقضى بها بينهما نصفين رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهذا لفظه وقال: إسناده جيد. قال الخطابي يشبه أن يكون هذا البعير أو الدابة التى كانت في أيديهما معا فجعله النبي صلى الله عليه وسلم بينهما لاستوائهما في الملك باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقانه لو كان الشئ في يد أحدهما. وقد روى أبو داود عقيبه حديثا فقال: ادعيا بعيرا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث كل واحد منهما بشاهدين فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين قال الخطابي: وهو مروي بالاسناد الاول، إلا أن في الحديث المتقدم لم يكن لواحد منهما بينة، وفي هذا أن كل واحد منهما قد جاء بشاهدين فاحتمل أن تكون القضية واحدة إلا أن الشهادات لما تعارضت تهاترت فصاراكمن لا بينة له، وحكم بالشئ بينهما نصفين لاستوائهما في اليد، ويحتمل أن يكوالبعير في يد غيرهما فلما أقام كل واحد منهما شاهدين على دعواه نزع الشئ من يد المدعى

[ 134 ]

عليه ودفعه إليهما. وقد اختلف العلماء في الشئ يكون في يد الرجل يتداعاه اثنان يقيم كل واحد منهما بينة، فقال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه: يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة صار له. وكان الشافعي يقول به قديما ثم قال في الجديد: فيه قولان، أحدهما يقضي به بينهما نصفين وبه قال أصحاب الرأي وسفيان الثوري. والقول الثاني: يقرع بينهما فأيهما خرج سهمه حلف: لقد شهد شهوده بحق ثم يقضى له به. وقال مالك: لا أقضي به لواحد منهما إن كان في يد غيرهما، وحكي عنه أنه قال: هو لاعدلهما شهودا وأشهرهما في الصلاح، وقال الاوزاعي: يؤخذ بأكثر البينتين عددا، وحكي عن الشعبي أنه قال: هو بينهما على حصص الشهود ا ه‍ كلام الخطابي. وفي المنار: أن القرعة ليس هذا محلها وإنما وظيفتها حيث تعذر التقريب إلى الحقيقة من كل وجه، وكون المدعي هنا مشتركا أحد المحتملات فلا وجه لابطاله بالقرعة، واختار قسمة المدعي وهو الصواب في هذه الصورة. 6 - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان. وأخرجه النسائي برجال ثقات من حديث أبي أمامة مرفوعا من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. والحديث دليل على عظمة إثم من حلف على منبره صلى الله عليه وسلم كاذبا. واختلف العلماء في تغليظ الحلف بالمكان والزمان هل يجوز للحاكم أو لا؟ والحديث لا دليل فيه على أحد القولين إنما فيه عظمة إثم من حلف على منبره صلى الله عليه وسلم كاذبا. وذهب الهادوية والحنفية والحنابلة: إلى أنه لا تغليظ بزمان ولا مكان وأنه لا يجب على الحالف الاجابة إلى ذلك. وذهب الجمهور: إلى أنه يجب التغليظ في الزمان والمكان قالوا: ففي المدينة على المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، وفي غيرهما في المسجد الجامع، وكأنهم يقولون في الزمان ينظر إلى الاوقات الفاضلة كبعد العصر وليلة الجمعة ويومها ونحو ذلك. احتج الاولون بإطلاق أحاديث اليمين على المدعى عليه وبقوله شاهداك أو يمينه. واحتج الجمهور بحديث جابر وحديث أبي أمامة وبفعل عمر وعثمان وابن عباس وغيرهم من السلف. واستدلوا للتغليظ بالزمان بقوله تعالى: * (تحبسونها من بعد الصلاة) * قال المفسرون: هي صلاة العصر. وقال آخرون: يستحب التغليظ في الزمان والمكان ولا يجب. وقيل: هو موضع اجتهاد للحاكم إذا رآه حسنا ألزم به. 7 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم) هذا كناية عن غضبه تعالى وإشارة إلى حرمانهم من رحمته (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم عن أدنا س الذنوب بالمغفرة (وله عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لاخذها بكذا وكذا، فصدقه

[ 135 ]

وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفوإن لم يعطه منها لم يف متفق عليه). قوله: على فضل ماء أي على ماء فاضل عن كفايته، فهذا منع ما لا حاجة إليه من هو محتاج له، وتقدم الكلام عليه في كتاب البيع. وقوله وصدقه أي المشتري وضمير هو للاخذ مصدر قوله لاخذها لدلالة فعله عليه مثل * (اعدلوا هو أقرب للتقوى) * أي والاخذ على غير ما حلف عليه فهذا ارتكب أمرين عظيمين الحلف بالله والكذب في قيمة السلعة. وخص بعد العصر لشرف الوقت وهو من أدلة من غلظ بالزمان. وقوله: بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا أي لما يعطيه منها والوعيد يحتمل أنه لمجموع ما ذكر من المبايعة لاجل الدنيا، فإنها نية غير صالحة، ولعدم الوفاء بالخروج عن الطاعة وتفريق الجماعة. والاصل في بيعة الامام أن يقصد بها إقامة الشريعة ويعمل بالحق، ويقيم ما أمر الله بإقامته، ويهدم ما أمر الله بهدمه. ووقع في البخاري ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم فيكون من توعد بهذا النوع من الوعيد أربع. وفي مسلم مثل حديث أبي هريرة قال: وشيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر وأخرج أيضا من حديث أبي ذر مرفوعا ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر والمسبل إزاره فحصل من مجموع الاحاديث تسع خصال إن جعلنا المنفق سلعته بالحلف الكاذب والذي حلف بعد العصر لقد أعطي كذا وكذا: شيئا واحدا، وإن جعلناهما شيئين كما هو الظاهر، فإن المنفق سلعته بالكذب أعم من الذي يحلف لقد أعطي فتكون عشرا. 8 - (وعن جابر رضي الله عنه أن رجلين اختصما في ناقة فقال كل واحد منهما: نتجت هذه الناقة عندي وأقاما) أي كل واحد (بينة فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده). سيأتي من أخرجه، وأخرج الذي بعده، وقد أخرج هذا البيهقي ولم يضعفه. وأخرج نحوه عن الشافعي إلا أن فيه تداعيا دابة ولم يضعف إسناده أيضا. والحديث دليل على أن اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك وغيرهما، قال الشافعي: يقال لهما قد استويتما في الدعوى والبينة وللذي هو في يده سبب بكينونته في يده هو أقوى من سببك فهو بفضل قوة سببه، وذكر هذا الحديث. وذهب الهادوية وجماعة من الآل وابن حنبل إلى أنه ترجح بينة الخارج، وهو من لم يكن في يده، قالوا: إذ شرعت له - وللمنكر اليمين - ولقوله صلى الله عليه وسلم: البينة على المدعي فإنه يقتضي أنه لا تفيد بينة المنكر. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال من كان في يده شئ فبينته لا تعمل له شيئا ذكره في البحر. وأجيب عن ذلك بأن حديث جابر خاص وحديث البينة على المدعي عام والخاص مخصص مقدم، وأثر علي رضي الله عنه لم يصح، وعلى صحته فمعارض بما سبق. وعن القاسم أنه يقسم بينهما، لان اليد مقوية

[ 136 ]

لبينة الداخل فساوت بينة الخارج. ويروى عنه كقول الشافعي، وللحنفية تفصيل لم يقم عليه دليل. 9 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق رواهما) أي هذا والذي قبله (الدارقطني وفي إسنادهما ضعف) لان مدارهما على محمد بن مسروق عن إسحاق بن الفرات، ومحمد لا يعرف، وإسحاق مختلف فيه كما قاله المصنف. وقال الذهبي في الكاشف: إن إسحاق بن الفرات قاضي مصر ثقة معروف. وقال البيهقي: الاعتماد في هذا الباب على أحاديث القسامة فإنه قال صلى الله عليه وسلم لاولياء الدم: أتحلفون؟ فأبوا قال: فتحلف يهود وهو حديث صحيح، وساق الروايات في القسامة وفيها رد اليمين، قال: فهذه الاحاديث هي المعتمدة في رد اليمين على المدعي إذا لم يحلف المدعى عليه. قلت: وهذا منه قياس إلا أنه قد ثبت عندهم أن القسامة على خلاف القياس وثبت أنه لا يقاس على ما خالف القياس. وقد استدل بحديث الكتاب على ثبوت رد اليمين على المدعي، والمراد به أنها تجب اليمين على المدعي ولكن إذا لم يحلف المدعى عليه. وقد ذهب الشافعي وآخرون إلى أنه إذا نكل المدعى عليه فإنه لا يجب بالنكول شئ إلا إذا حلف المدعي. وذهب الهادوية وجماعة إلى أنه يثبت الحق بالنكول من دون تحليف للمدعي، وقال المؤيد: لا يحكم به ولكن يحبس حتى يحلف أو يقر. استدل الهادوية بأن النكول كالاقرار. ورد بأنه مجرد تمرد عن حق معلوم وجوبه عليه هو اليمين فيحبس له حتى يوفيه أو يسقطه بالاقرار، واستدلوا أيضا بأنه حكم به عمر وعثمان وابن عباس وأبو موسى وأجيب بعدم حجة أفعالهم. نعم لو صح حديث ابن عمر كان الحجة فيه. 10 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله (ص) ذات يوم مسرورا تبرق) بفتح المثناة الفوقية وضم الراء (أسارير وجهه) هي الخطوط التي في الجبهة واحدها سر وسرر وجمعها أسرار، وأسرة، وجمع الجمع أسارير أي: تضئ وتستنير من الفرح والسرور (فقال: ألم تري إلى مجزز) بضم الميم وفتح الجيم ثم زاي مشددة مكسورة ثم زاي أخرى اسم فاعل لانه كان في الجاهلية إذا أسر أسيرا جز ناصيته وأطلقه (المدلجي) بضم الميم وبالدال المهملة وجيم بزنة مخرج نسبة إلى بني مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة (نظر آنفا) أي الآن (إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: هذه الاقدام بعضها من بعض متفق عليه). في رواية للبخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الاقدام بعضها من بعض. واعلم أن الكفار كانوا يقدحون في نسب أسامة، لكونه كان أسود شديد السواد. وكان زيد أبيض كذا قاله أبو داود. وأم أسامة هي أم أيمن كانت حبشية سوداء. ووقع في الصحيح

[ 137 ]

أنها كانت حبشية وصيفة لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم. ويقال: كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن الفيل فصار ت لعبد المطلب، فوهبها لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم. وتزوجت قبل زيد عبيدا الحبشي فولد ت له أيمن فكنيت به واشتهرت بكنيتها واسمها بركة. والحديث دليل على اعتبار القيافة في ثبوت النسب، وهي مصدر قاف قيافة، والقائف: الذي يتتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأبيه وأخيه. وإلى اعتبارها في ثبوت النسب ذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء مستدلين بهذا الحديث. ووجه دلالته ما علم من أن التقرير منه (ص) حجة لانه أحد أقسام السنة. وحقيقة التقرير أن يرى النبي (ص) فعلا من فاعل أو يسمع قولا من قائل أو يعلم به وكان ذلك الفعل من الافعال التي لا يعلم تقدم إنكاره لها، كمضي كافر إلى كنيسة أو مع عدم القدرة كالذي كان يشاهده من كفار مكة من عبادة الاوثان وأذاهم للمسلمين ولم ينكره، كان ذلك تقريرا دالا على جوازه، فإن استبشر به فأوضح كما في هذه القصة فإنه استبشر بكلام مجزز في إثبات نسب أسامة إلى زيد فدل ذلك على تقرير كون القيافة طريقا إلى معرفة الانساب. وبما رواه مالك عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الاسلام فأتى رجلان إلى عمر رضي الله عنه كلاهما يدعي ولد امرأة فدعا قائفا فنظر إليه القائف فقال: لقد اشتركا فضربه عمر بالدرة ثم دعا المرأة فقال أخبريني خبرك فقالت: كان هذا لاحد الرجلين - يأتيها في إبل لاهلها فلا يفارقها حتى يظن أنه قد استمر بها حمل ثم ينصرف عنها فأهريقت عليه دما ثم خلف عليها هذا - يعني الآخر - فلا أدري من أيهما هو، فكبر القائف، فقال عمر للغلام: فإلى أيهما شئت فانتسب. فقضى عمر بمحضر من الصحابة بالقيافة من غير إنكار من واحد منهم، فكان كالاجماع تقوى به أدلة القيافة. قالوا: وهو مروي عن ابن عباس وأنس بن مالك ولا مخالف لهما ما الصحابة، ويدل عليه حديث اللعان. وقوله صلى الله عليه وسلم: إن جاءت به على صفة كذا وكذا فهو لفلان، أو على صفة كذا وكذا فهو لفلان فجاءت به على الوصف المكروه فقال: لولا الايمان لكان لي ولها شأن فقوله: فهو لفلان إثبات للنسب بالقيافة وإنما منعت الايمان عن إلحاقه بمن جاء على صفته. وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه لا يعمل بالقيافة في إثبات النسب، والحكم في الولد المتنازع فيه أن يكون للشريكين أو المشتريين أو الزوجين. وللهادوية في الزوجين تفاصيل معروفة في الفروع، وتأولوا حديث مجزز هذا وقالوا: ليس من باب التقرير لان نسب أسامة كان معلوما إلى زيد وإنما كان يقدح الكفار في نسبه لاختلا ف اللون بين الولد وأبيه، والقيافة كانت من أحكام الجاهلية وقد جاء الاسلام بإبطالها ومحو آثارها، فسكوته (ص) عن الانكار على مجزز ليس تقريرا لفعله، واستبشاره إنما هو لالزام الخصم الطاعن في نسب أسامه بما يقوله ويعتمده فلا حجة في ذلك. قلت: ولا يخفى

[ 138 ]

أن هذا الجواب مبني على أنه قد سبق منه (ص) إنكار للقيافة وإلحاق النسب بها، كتقدم إنكاره مضي كافر إلى كنيسة وهذا دليل عليه، بل الدليل قائم على خلافه، وهو قوله (ص) في قصة اللعان بما سمعت ثم فعل الصحابة من بعده. وقولهم بثبوت النسب به من الادلة على عدم إنكاره (ص). وأما قوله: الولد للفراش فذلك فيما إذا علم الفراش، فإنه معلوم أن الحكم به مقدم قطعا، وإنما القيافة عند عدمه، ثم الاصح عند القائلين بالالحاق أنه يكفي قائف واحد، وقيل: لا بد من اثنين، وحديث الباب دال على الاكتفاء بالواحد. كتاب العتق العتق الحرية، ويقال عتق عتقا بكسر العين وفتحها فهو عتيق وعاتق. وفي النجم الوهاج العتق إسقاط الملك من الآدمي تقربا لله وهو مندوب، وواجب في الكفارات، وقد حث الشارع عليه كما قال تعالى: * (فك رقبة) * فسرت بعتقها من الرق، والاحاديث في فضله كثيرة منها: 1 - (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما امرئ مسلم أعتق امرءا مسلما استنقذ الله بكل عضو) بكسر العين وضمها (منه عضوا منه من النار متفق عليه). وتمامه في البخاري حتى فرجه بفرجه وفيه أنه إذا كان المعتق والمعتق مسلمين أعتقه الله من النار وفي قوله: استنقذ ما يشعر بأنه استحقاقه لها، واشترط إسلامه لاجل هذا الاجر، وإلا فإن عتق الكافر يصح، وقولهم لا قربة لكافر ليس المراد أنه لا ينفذ منه ما من شأنه أن يتقرب به كالعتق والهبة والصدقة وغير ذلك. إنما المراد أنه لا يثاب عليها وإلا فهي نافذة منه، لكن لا نجاة له بسببه من النار. وفي تقييد الرقبة المعتقة بالاسلام أيضا دليل على أن هذه الفضيلة لا تنال إلا بعتق المسلمة، وإن كان في عتق الكافرة فضل لكن لا يبلغ ما وعد به هنا من الاجر. ووقع في رواية مسلم إرب عوض عضو وهو بكسر الهمزة وإسكان الراء فموحدة العضو وفيه أن عتق كامل الاعضاء أفضل من عتق ناقصها، فلا يكون خصيا ولا فاقد غيره من الاعضاء، والاغلى ثمنا أفضل كما يأتي. وعتق الذكر أفضل من عتق الانثى كما يدل له قوله: 2 - (وللترمذي وصححه عن أبي أمامة وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار. فعتق المرأة أجره على النصف من عتق الذكر، فالرجل إذا أعتق امرأة كانت فكاك نصفه من النار، والمرأة إذا أعتقت الامة كانت فكاكها من النار كما دل له مفهوم هذا ومنطوق قوله: 3 - (ولابي داود من حديث كعب بن مرة وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار. وبهذا والذي قبله استدل من قال عتق الذكر

[ 139 ]

أفضل، ولما في الذكر من المعاني العامة والمنفعة التي لا توجد في الاناث من الشهادة والجهاد والقضاء وغير ذلك مما يختص بالرجال إما شرعا وإما عادة، ولان في الاماء من تضيع بالعتق ولا يرغب فيها بخلاف العبد. وقال آخرون: عتق الانثى أفضل لان يكون ولدها حرا سواء تزوجها حر أو عبد. وقوله في رواية حتى فرجه بفرجه استشكله ابن العربي قال: لان المعصية التي تتعلق بالفرج هي الزنا، والزنا كبيرة لا تكفر إلا بالتوبة إلا أن يقال إن العتق يرجح عند الموازنة بحيث تكون حسنات العتق راجحة توازي سيئة الزنا، مع أنه لا اختصاص لهذا بالزنا، فإن اليد يكون بها القتل، والرجل يكون بها الفرار من الزحف وغير ذلك. (فائدة): في النجم الوهاج: أنه أعتق النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين نسمة عدد سني عمره وعد أسماءهم. قال: وأعتقت عائشة سبعا وستين وعاشت كذلك، وأعتق أبو بكر كثيرا وأعتق العباس سبعين عبدا رواه الحاكم. وأعتق عثمان وهو محاصر عشرين. وأعتق حكيم بن حزام مائة مطوقين بالفضة. وأعتق عبد الله بن عمر ألفا واعتمر ألف عمرة وحج ستين حجة، وحبس ألف فرس في سبيل الله. وأعتق ذو الكلاع الحميري في يوم واحد ثمانية آلاف عبد، وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف نسمة انتهى. 4 - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها) روي بالعين المهملة والغين المعجمة (ثمنا وأنفسها عند أهلها متفق عليه) دل على أن الجهاد أفضل أعمال البر بعد الايمان. وقد تقدم في كتاب الصلاة أن الصلاة في أول وقتها أفضل الاعمال على الاطلاق، وتقدم الجمع بين الاحاديث هنالك. ودل على أن الاغلى ثمنا أفضل من الادنى قيمة. قال النووي: محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلا فأراد أن يشتري بها رقابا يعتقها فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضولتين قال: فثنتان أفضل بخلاف الاضحية فإن الواحدة السمينة أفضل، لان المطلوب في العتق فك الرقبة وفي الاضحية طيب اللحم، انتهى. والاولى أن هذا لا يؤخذ قاعدة كلية بل يختلف باختلاف الاشخاص فإنه إذا كان شخص بمحل عظيم من العلم والعمل وانتفاع المسلمين به فعتقه أفضل من عتق جماعة ليس فيهم هذه السمات فيكون الضابط اعتبار الاكثر نفعا. وقو له: وأنفسها عند أهلها أي ما كان اغتباطهم بها أشد، وهو الموافق لقوله تعالى: * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) *. 5 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل) بفتح العين أي لا زيادة فيه ولا نقص (فاعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا) يكن له مال يبلغ ثمن العبد (فقد عتق) بفتح العين المهملة (منه ما عتق) بفتح العين ويجوز ضمها (متفق عليه). دل الحديث على أن من له حصة في عبد

[ 140 ]

إذا أعتق حصته فيه وكان موسرا لزمه تسليم حصة شريكه بعد تقويم حصة الشريك تقويم مثله، وعتق عليه العبد جميعه، وقد أجمع العلماء على أن نصيب المعتق بنفس الاعتاق، ودل على أنه لا يعتق نصيب شريكه إلا مع يسار المعتق لا مع إعساره، لقوله في الحديث (وإلا) أي وإلا يكن له مال (فقد عتق منه ما عتق) وهي حصته. وظاهره تبعيض العتق، إلا أنه قد وقع في هذا اللفظ نزاع بين الائمة، فقال ابن وضاح: ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لانه رواه أيوب عن نافع قال: قال نافع: وإلا فقد عتق منه ما عتق ففصله من الحديث، وجعله من قول نافع، قال أيوب مرة: لا أدري هو من الحديث أو هو شئ قاله نافع. وقال غيره: قد رواه مالك وعبيد الله العمري فوصلاه بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وجعلاه منه. قال القاضي عياض: وما قاله مالك وعبيد الله العمري أولى وقد جواده، وهما في نافع أثبت من أيوب عند أهل هذا الشأن، وكيف وقد شك أيوب فيه كما ذكرنا. وقد رجح الائمة رواية من أثبت هذه الزيادة من قول النبي (ص) قال الشافعي: لا أحسب عالما في الحديث يتشكك في أن مالكا أحفظ لحديث نافع من أيوب لانه كان ألزم له، حتى لو تساويا وشك أحدهما، شئ، ولم يشك فيه صاحبه كان الحجة مع من لم يشك. هذا وللعلماء في المسألة أقوال، أقواها ما وافقه هذا الحديث وهو أنه لا يعتق نصيب الشريك إلا بدفع القيمة، وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال أهل الظاهر، وهو قول للشافعي. قالت الهادوية وآخرون: إنه يعتق العبد جميعه وإن لم يكن للمعتق مال فإنه يستسعى العبد في حصة الشريك مستدلين بقوله: 6 - (ولهما) أي الشيخين (عن أبي هريرة رضي الله عنه وإلا قوم العبد عليه واستسعي غير مشقوق عليه، وقيل: إن السعاية مدرجة في الخبر). فإنه ظاهر أنه إذا لم يكن للشريك مال قوم العبد واستسعي في قيمة حصة الشريك، وأجيب بأن ذكر السعاية ليست من كلامه صلى الله عليه وسلم بل مدرجة من بعض الرواة في الخبر كما أشار إليه المصنف. قال ابن العربي: اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من قوقتادة، قال النسائي: بلغني أن هماما رواه فجعل هذا الكلام أعني الاستسعاء من قوقتادة. وكذا قال الاسماعيلي: هو من قول قتادة مدرج على ما روى همام. وجزم ابن المنذر والخطابي بأنه من فتيا قتادة. وقد رد جميع ما ذكر من إدراج السعاية باتفاق الشيخين على رفعه، فإنهما في أعلى درجات التصحيح، وقد روى السعاية في الحديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وهو أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له ولكثرة أخذه عنه من همام وغيره فإنه كان أكثر ملازمة لقتادة من همام وشعبة، وما روياه لا ينافي رواية سعيد لانهما اقتصرا في رواية الحديث على بعضه، وأما إعلال رواية سعيد بن أبي عروبة بأنه اختلط فمردود، لان روايته في الصحيحين قبل الاختلاط، ثم رواه البخاري من رواية جرير بن حازم لمتابعته له لينتفي عنه التفرد ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما ثم قال: اختصره شعبة، كأنه جواب سؤال مقدر تقديره إن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة فكيف لم يذكر

[ 141 ]

الاستسعاء؟ فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفا لانه أورده مختصرا وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. قلت: وبهذا تعرف المجازفة في قول ابن العربي: اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد تقرر هذا لك فقد عرفت تعارض كلام هؤلاء الائمة الحفاظ في هذه الزيادة، ولا كلام في هذه الزيادة ولا كلام في أنها قد رويت مرفوعة والاصل عدم الادراج حتى يقوم عليه دليل ناهض. وقد تقاومت الادلة هنا ولكنه عضد القول برفع زيادة السعاية إليه (ص) أن الاصل عدم الادراج. ومع ثبوت رفعها فقد عارضت رواية: وإلا فقد عتق منه ما عتق وقد جمع بينهما بوجهين: الاول: أن معنى قوله وإلا فقد عتق منه ما عتق أي بإعتاق مالك الحصة حصته، وحصة الشريك تعتق بالسعاية فيعتق العبد بعد تسليم ما عليه ويكون كالمكاتب، وهذا هو الذي جزم به البخاري، ويظهر أن ذلك يكون باختيار العبد لقوله: غير مشقوق عليه فلو كان ذلك على جهة اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له غاية المشقة، وهو لا يلزم في الكتابة ذلك عند الجمهور لانها غير واجبة فهذا مثلها، وإلى هذا الجمع ذهب البيهقي وقال: لا تبقى بين الحديثين معارضة أصلا وهو كما قال، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك إذا لم يختر العبد السعاية ويحمل حديث أبي المليح عن أبيه أن رجلا أعتق شقصا له في غلام فذكر ذلك للنبي (ص) فقال: ليس لله شريك وفي رواية فأجاز عتقه وأخرجه النسائي بإسناد قوي، ومثله ما أخرج أحمد بإسناد حسن من حديث سمرة أن رجلا أعتق شقصا في مملوك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو كله فليس لله شريك على الموسر فتندفع المعارضة. وأما ما أخرجه أبو داود من طريق ملقام عن أبيه: أن رجلا أعتق نصيبه في مملوك فلم يضمنه النبي (ص)، وإسناده حسن فهو في حق المعسر ويدل له ما أخرجه النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: من أعتق عبدا وله فيه شركاء وله وفاء فهو حر ويضمن نصيب شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم وليس على العبد شئ فقال: وله وفاء. والثاني: من وجهي الجمع: أن المراد بالاستسعاء أن العبد يستمر في خدمة سيده الذي لم يعتق رقيقا بقدر ماله من الرق. ومعنى غير مشقوق عليه أنه لا يكلفه سيده من الخدمة فوق ما يطيقه، ولا فوق حصته من الرق. قيل: إلا أنه يبعد هذا الجمع ما أخرجه الطبراني والبيهقي من حديث رجل من بني عذرة: أن رجلا منهم أعتق مملوكا له عند موته وليس له مال غيره فأعتق رسول الله (ص) ثلثه وأمره أن يسعى في الثلثين. قلت: قد يقول من اختار هذا الوجه من الجمع أن المراد من أمره صلى الله عليه وسلم أن يسعى في الثلثين يسعى على مواليه بقدر ثلثي رقبته من الخدمة لانه الذي بقي رقا لهم. وإيضاح الجمع بين الاحاديث أن قوله (ص): لا شريك لله فيما إذا كان مالك الشقص غنيا فهو في حكم المالكين فيعتق العبد كله ويسلم قيمة ما هو لشركائه، ويحمل حديث السعاية على ما إذا كان العبد قادرا عليها كما يرشد إليه قوله (ص): غير

[ 142 ]

مشقوق عليه. وحديث وإلا فقد عتق منه ما عتق على ما إذا كان المعتق فقيرا والعبد لا قدرة له على السعاية. واعلم أن هذا كله فيما إذا كان المعتق يملك بعض العبد، وأما إذا كان يملكه كله فأعتق بعضفجمهور العلماء يقولون: يعتق كله، وقال أبو حنيفة وأهل الظاهر: يعتق منه ذلك القدر الذي عتق ويسعى في الباقي، وهو قول طاوس وحماد. وحجة الاولين حديث أبي المليح وغيره، وبالقياس على عتق الشقص فإنه إذا سرى إلى ملك الشريك فبالاولى إذا لم يكن له شريك. وحجة الآخرين: أن السبب في حق الشريك هو ما يدخل على شريكه من الضرر فأما إذا كان العبد له جميعه لم يكن هناك ضرر فلا قياس، ولا يخفى أنه رأى في مقابلة النص. 7 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا يجزي) بفتح حرف المضارعة أي لا يكافئ (ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه رواه مسلم). فيه دليل على أنه لا يعتق عليه بمجرد الشراء وأنه لا بد من الاعتاق بعده، وإلى هذا ذهب الظاهرية. وذهب الجمهور: إلى أنه يعتق بنفس الشراء، وتأولوا فيعتقه بأنه لما كان شراؤه تسبب عنه العتق نسب إليه العتق مجازا، ولا يخفى أن الاصل الحقيقة إلا أنه صرفه عن الحقيقة حديث سمرة الآتي، وفيه تعليق الحرية بنفس الملك كما يأتي. وإنما كان عتقه جزاء لابيه لان العتق أفضل ما من به أحد على أحد، لتخليصه بذلك من الرق فتكمل له أحوال الاحرار من الولاية والقضاء والشهادة بالاجماع. والحديث نص في عتق الوالد ومثله قول من عدا داود في حق الام أيضا. 8 - (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: من ملك ذا رحم محرم فهو حر رواه أحمد والاربعة، ورجح جمع من الحفاظ أنه موقوف. وأخرجه أبو داود مرفوعا من رواية حماد. وموقوفا من رواية شعبة وقال: شعبة أحفظ من حماد، فالوقف حينئذ أرجح، وأخرجه أيضا من طريق شعبة عن قتادة أن عمر بن الخطاب قال: من ملك - الحديث فوقفه على عمر. وقال أبو داود: لم يحدث بهذا الحديث إلا حماد وقد شك فيه. قال ابن المديني: هو حديث منكر. وقال البخاري: لا يصح. ورواه ابن ماجه والنسائي والترمذي والحاكم من طريق ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهم. قال النسائي: حديث منكر. وقال الترمذي لم يتابع ضمرة عليه وهو خطأ. وقال الطبراني: وهم في هذا الاسناد، والمحفوظ بهذا الاسناد نهى عن بيع الولاء وعن هبته ورد الحاكم هذا وقال: إنه روي من طريق ضمرة الحديثان بالاسناد الواحد وصححه ابن حزم وعبد الحق وابن القطان، وقالوا: ضمرة بن ربيعة لا يضر تفرده لانه ثقة لم يكن في الشام رجل يشبهه. قلت: فقد رفعه ثقة فإرسال غيره له لا يضر كما قررناه. وفي الحديث دليل على أنه من ملك من بينه وبينه رحامة محرمة للنكاح فإنه يعتق عليه، وذلك كالآباء وإن علوا، والاولاد وإن سفلوا، والاخوة وأولادهم. والاخوال

[ 143 ]

والاعمام لا أولادهم. وإلى هذا ذهبت الهادوية والحنفية مستدلين بالحديث. وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق إلا الآباء والابناء للنص في الحديث الاول على الآباء. وقياسا للابناء عليهم وبناء منه على عدم صحة هذا الحديث عنده، وزاد مالك الاخوة والاخوات قياسا على الآباء وذهب داود إلى أنه لا يعتق أحد بهذا السبب لظاهر حديث أبي هريرة الماضي فيشتريه فيعتقه فلا يعتق أحد إلا بالاعتاق عنده. هذا الحديث كما عرفت وقد صححه أئمة فالعمل به متعين، وظاهره: أن مجرد الملك سبب للعتق، فيكون قرينة الحمل فيعتقه على المعنى المجازي كما قاله الجمهور، فلا يكون فيه حجة لداود. 9 - (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما: أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن لمال غيرهم فدعا بهم رسول الله (ص) فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق وهو ما رواه النسائي وأبو اثنين وأرق أربعة وقال له قولا شديدا رواه مسلم داود أنه صلى الله عليه وسلم قال: لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين (رواه مسلم) دل الحديث على أن حكم التبرع في المرض حكم الوصية ينفذ من الثلث وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد، وإنما اختلفوا هل تعتبر القيمة أو العدد من غير تقويم؟ فقال مالك: يعتبر التقويم فإذا كانوا ستة أعبد أعتق الثلث بالقيمة سواء كان الحاصل من ذل‍ ك اثنين منهم أو أقل أو أكثر، وذهب البعض: إلى أن المعتبر العدد من غير تقويم فيعتق اثنان في مسألة الستة الاعبد وخالفت الهادوية والحنفية وذهبوا إلى أنه يعتق من كل عبد ثلثه. ويسعى كل واحد في ثلثي قيمته للورثة، قالوا: وهذا الحديث آحادي خالف الاصول، وذلك لان السيد قد أوجب لكل واحد منهم العتق فلو كان له مال لنفذ العتق في الجميع بالاجماع. وإذا لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز تصرف السيد فيه. ورد: بأن الحديث الآحادي من الاصول فكيف يقال إنه خالف الاصول ولو سلم فمن الاصول أنه لا يدخل ضررا على الغير وقد أدخلتم الضرر على الورثة وعلى العبيد المعتقين، وإذا جمع العتق في شخصين كما في مسألة الحديث حصل الوفاء بحق العبد وحق الوارث، ونظير مسألة العبد: لو أوصى بجميع التركة فإنه يقف ما زاد على الثلث على إجازة الورثة اتفاقا، ثم إذا أريد القسمة تعينت الانصباء بالقرعة اتفاقا. 10 - (وعن سفينة رضي الله عنه) بالسين المهملة ففاء فمثناة تحتية فنون (قال: كنت مملوكا لام سلمة فقالت: أعتقك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عشت. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم). الحديث دليل على صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق، وأنه يصح تعليق العتق بشرط فيقع بوقوع الشرط. ووجه دلالته أنه علم أنه صلى الله عليه وسلم قرر ذلك إذ الخدمة له، وروي عن عمر أنه أعتق رقيق الامارة وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعده ثلاث سنين: قال في نهاية المجتهد: لم يختلفوا في أن العبد إذا أعتقه سيده على أن يخدمه سنين لا يتم عتقه إلا بخدمه، وبهذا قالت الهادوية والحنفية. 11 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) قال: إنما

[ 144 ]

الولاء لمن أعتق متفق عليه في حديث طويل. في حديث تقدم في البيع في قصة بريرة وتقدم شرحه بما فيه كفاية. وأفادت كلمة: إنما الحصر وهو إثبات الولاء لمن ذكر ونفيه عمن عداه، فاستدل به على أنه لا ولاء بالاسلام. خلافا للهادوية والحنفية. 12 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لحمة) في القاموس بضم اللام وفتحها في النسب والثوب (كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب رواه الشافعي وصححه ابن حبان والحاكم وأصله في الصحيحين بغير هذا اللفظ). يريد أنه فيهما بلفظ نهى النبي (ص) عن بيع الولاء وعن هبته أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن دينار عن عمر، وأخرجه مسلم من هذه الطريق وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح. ومعنى تشبيهه بلحمة النسب أنه يجري الولاء مجرى النسب في الميراث، كما تخالط اللحمة سدى الثوب حتى يصير كالشئ الواحد، كما يفيده كلام النهاية والحديث دليل على عدم صحة بيع الولاء ولا هبته، فإن ذلك أمر معنوي كالنسب ولا يتأتى انتقاله، كالابوة والاخوة، لا يتأتى انتقالهما، وقد كانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى الشرع عن ذلك، وعليه جماهير العلماء، وروي عن بعض السلف جواز بيعه، وعن آخرين منهم جواز هبته وكأنهم لم يطلعوا على الحديث، أو حملوا النهي على التنزيه وهو خلاف أصله. باب المدبر والمكاتب وأم الولد المدبر: اسم مفعول وهو الرقيق الذي علق عتقه بموت مالكه، سمي بذلك لان مالكه دبر دنياه وآخرته، أما دنياه فاستمرار انتفاعه بخدمة عبده، وأما آخرته فتحصيل ثواب العتق. والمكاتب: اسم مفعول أيضا هو من وقعت عليه الكتابة، وحقيقة الكتابة: تعليق عتق المملوك على أدائه مالا أو نحوه من مالك أو نحوه. وهو على خلاف القياس عند من يقول إن العبد لا يملك. وأم الولد تقدم ذكرها في كتا ب البيع. 1 - (عن جابر رضي الله عنه أن رجلا) اسمه مذكار كما في رواية مسلم وتقدم في أول كتاب البيع من رواية أبي داود والنسائي أن اسمه أبو مذكار واسم غلامه أبو يعقوب (من الانصار أعتق غلاما له) اسمه يعقوب كما في مسلم أيضا (عن دبر) بضم الدال المهملة وبضم الموحدة وسكونها (ولم يكن له مال غيره فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم. متفق عليه وفي لفظ للبخاري فاحتاج. وفي رواية النسائي) أي عن جابر (وكان عليه دين فباعه بثمانمائة درهم فأعطاه وقال: اقض دينك). الحديث دليل على مشروعية التدبير وهو متفق على مشروعيته، واختلف العلماء هل ينفذ من رأس المال أو من الثلث، فذهب الجمهور إلى أنه ينفذ من الثلث، وذهب جماعة من السلف والظاهرية إلى أنه ينفذ من رأس المال.

[ 145 ]

واستدل الجمهور بقياسه على الوصية بجامع أنه ينفذ بعد الموت، وبحديث ابن عمر مرفوعا المدبر من الثلث ورد الحديث بأنه جزم أئمة الحديث بضعفه وإنكاره وأن رفعه باطل، وإنما هو موقوف على ابن عمر. وقال البيهقي: الصحيح أنه موقوف، وروى البيهقي عن أبي قلابة مرسلا: أن رجلا أعتق عبدا له عن دبر فجعله صلى الله عليه وسلم من الثلث. وأخرج عن علي عليه السلام كذلك موقوفا. واستدل الآخرون بالقياس على الهبة ونحوها مما يخرجه الانسان من ماله في حال حياته، ودليل الاولين أولى لتأييد القياس بالمرسل والموقوف ولان قياسه على الوصية أولى من القياس على الهبة. وفي الحديث دليل على جواز بيع المدبر لحاجته لنفقته أو قضاء دينه، وذهب طائفة إلى عدم جواز بيعه مطلقا مستدلين بقوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * ورد بأنه عام خصصه حديث الكتاب. وذهب آخرون منهم الشافعي وأحمد إلى جواز بيعه مطلقا مستدلين بحديث جابر، وبشبهه بالوصية فإنه إذا احتاج الموصي باع ما أوصى به وكذلك مع استغنائه، قالوا: والحديث ليس فيه قصر البيع على الحاجة والضرورة وإنما الواقع جزئي من جزئيات صور جواز بيعه، وقياسه على الوصية يؤيد اعتبار الجواز المطلق، والظاهر القول الاول. 2 - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم عن النبي (ص) قال: المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم أخرجه أبو داود بإسناد حسن، وأصله عند أحمد والثلاثة وصححه الحاكم. وروي من طركلها لا تخلو عن مقال. قال الشافعي في حديث عمرو بن شعيب: لا أعلم أحدا روى هذا إلا عمرو بن شعيب ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبته، وعلى هذا فتيا المفتين. والحديث دليل على أن المكاتب إذا لم يف بما كوتب عليه فهو عبد له أحكام المماليك. وإلى هذا ذه‍ ب الجمهور: الهادوية والحنفية والشافعي ومالك. وفي المسألة خلاف: فروي عن علي عليه السلام أنه يعتق إذا أدى الشرط، ويروى عنه أنه يعتق بقدر ما أدى. ودليله ما أخرجه النسائي من رواية عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يودى المكاتب بحصة ما أدى دية حروما بقي دية عبد قال البيهقي: قال أبو عيسى فيما بلغني عنه: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: روى بعضهم هذا الحديث عن أيوب عن عكرمة عن علي واختلف على عكرمة فيه، ورواية عكرمة عن علي مرسلة، وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة، وروي عن علي من طرق مرفوعا وموقوفا. قلت: فقد ثبت له أصل إلا أنه قد عارضه حديث الكتاب. وقول الجمهور دليله الحديث وإن كان ما خلت طرقه عن قادح إلا أنه أيدته آثار سلفي عن الصحابة، ولانه أخذ بالاحتياط في حق السيد فلا يزول ملكه إلا بما قد رضي به من تسليم ما عند عبده فالاقرب كلام الجمهور. 3 - (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): إذا كان لاحداكن مكاتب وكن عنده ما يؤدي فلتحتجب منه رواه أحمد والاربعة وصححه الترمذي. وهو دليل على مسألتين: الاولى: أن المكاتب إذا صار معه جميع

[ 146 ]

مال المكاتبة فقد صار له ما للاحرار، فتحتجب منه سيدته إذا كان مملوكا لامرأة، وإن لم يكن قد سلم ذلك وهو معارض بحديث عمرو بن شعيب، وقد جمع بينهما الشافعي فقال: هذا خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو احتجابهن عن المكاتب وإن لم يكن قد سلم مال الكتابة إذا كان واجدا له، وإلا منع من ذلك كما منع سودة من نظر ابن زمعة إليها مع أنه قد قال: الولد للفراش. قلت: ولك أن تجمع بين الحديثين بأن المراد أنه قن إذا لم يجد ما بقي عليه ولو كان درهما، وحديث أم سلمة في مكاتب واجد لجميع مال الكتابة ولكنه لم يكن قد سلمه، وأما حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: إذا كاتبت إحداكن عبدها فليرها ما بقي عليه شئ من كتابته فإذا قضاها فلا تكلمه إلا من وراء حجاب فإنه ضعيف لا يقاوم حديث الكتاب. المسألة الثانية: دل بمفهومه على أنه يجوز لمملوك المرأة النظر إليها ما لم يكاتبها ويجد مال الكتابة، وهو الذي دل له منطوق قوله تعالى * (أو ما ملكت أيمانهن) * في سورة النور وفي سورة الاحزاب. ويدل له أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة لما تقنعت بثوب وكانت إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فقال النبي (ص): ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك أخرجه أبو داود وابن مردويه والبيهقي من حديث أنس، وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: كان العبيد يدخلون على أزواج النبي (ص) يريد مماليكهن. وفي تيسير البيان للاوزاعي أن رؤية المملوك لمالكته المنصوص أي للشافعي، وذكر الخلاف لبعض الشافعية ورده وهو خلاف ما نقلنا عنه أولا. فيحتمل أنه قول له وإلى هذا ذهب أكثر العلماء من السلف وهو قول الشافعي. وذهبت الهادوية وأبو حنيفة إلى أن المملوك كالاجنبي، قالوا: يدل له صحة تزويجها إياه بعد العتق، وأجابوا عن الحديث بأنه مفهوم لا يعمل به. وعن الآية بأن المراد ما ملكت أيمانهن المملوكات من الاماء للحرائر، وخصهن بالذكر رفعا لتوهم مغايرتهن للحرائر في قوله تعالى: * (أو نسائهن) * إذ الاماء لسن من نسائهن. ولا يخفى ضعف هذا وتكلفه. والحق بالاتباع أولى. 4 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يودي) بضم حرف المضارعة مبني للمجهول من وداه يديه (المكاتب بقدر ما عتق منه دية الحر وبقدر ما رق منه دية العبد رواه أحمد وأبو داود والنسائي). سقط هذا الحديث بشرحه من الشرح. وهو دليل على أن للمكاتب حكم الحر في قدر ما سلمه من كتابته فتبعض ديته إن قتل، وكذلك الحد وغيره من الاحكام التي تنصف وهذا قول الهادوية وذهب علي عليه السلام وشريح إلى أنه يعتق كله إذا سلم قسطا من مال الكناية، وعن علي عليه السلام رواية مثل كلام الهادوية. واستدل من قال لا تتبعض أحكامه: بأنه عبد ما بقي عليه درهم لحديث ابن عمر المكاتب عبد ما بقي عليه درهم إلا أنه موقوف وقد رفعه ابن قانع وأعله بالانقطاع وأخرجه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أبو داود

[ 147 ]

والنسائي لكن قال الشافعي: لم أر من رضيت من أهل العلم يثبته، كما تقدم، وقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي من حديث علي عليه السلام وابن عباس مرفوعين بلفظ المكاتب يعتق بقدر ما أدى ويرث ويقام عليه الحد بقدر ما عتق ولا علة له، وهو يؤيد حديث الكتاب ولعله هو. وإنما اختلف لفظه. وتقدم الخلاف في المسألة وبيان الراجح منها. 5 - (وعن عمرو بن الحارث رضي الله عنه) هو عمرو بن الحارث بن أبي ضرار بكسر الضاد المعجمة وراء خفيفة عداده في أهل الكوفة روى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة وغيره (أخي جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إبغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة. رواه البخاري). والحديث دليل على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من تنزهه عن الدنيا وأدناسها وأعراضها، وخلو قلبه وقالبه عن الاشتغال بها، لانه متفرغ للاقبال على تبليغ ما أمر به وعبادة مولاه والاشتغال بما يقربه إليه وما يرضاه، وقوله: ولا عبد ولا أمة وقد قدمنا أنه صلى الله عليه وسلم أعتق ثلاثا وستين رقبة فلم يمت وعنده مملوك. والارض التي جعلها صدقة قال أبو داود: كانت نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أعطاه الله إياه فقال: * (ما أفاء على رسوله) * فأعطى أكثرها المهاجرين وبقي منها صدقة رسول الله (ص) التي في أيدي بني فاطمة. ولابي داود أيضا من طريق ابن شهاب: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا: بنو النضير وخيبر وفدك فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسا لابناء السبيل، وأما خيبر فجزأها بين المسلمين ثم قسم جزءا لنفقة أهله وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين. 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته. أخرجه ابن ماجه والحاكم بإسناد ضعيف) إذ في سنده الحسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف جدا (ورجح جماعة وقفه على عمر رضي الله عنه). الحديث دال على حرية أم الولد بعد وفاة سيدها، وعليه دل الحديث الاول، حيث قال: ولا أمة، فإنه (ص) توفي وخلف مارية القبطية أم إبراهيم وتوفيت في أيام عمر، فدل أنها عتقت بوفاته (ص)، ولاجل هذا الحكم ذكر المصنف الحديث الاول، وتقدم الكلام في أم الولد مستوفى في كتاب البيع. 7 - (وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غارما في عسرته) الغارم: الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به ويؤديه، قاله في النهاية (أو مكاتبا في رقبته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله رواه أحمد وصححه الحاكم). فيه دليل على عظم أجر هذه الاعانة لمن ذكر، وذكر هنا لاجل المكاتب. وقد قال تعالى في المكاتب: * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا واتوهم من مال الله الذي اتاكم) * وقد أخرج النسائي من حديث علي رضي الله عنه مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم

[ 148 ]

قال: في الآية ربع الكتابة قال النسائي: والصو ب وقفه، وقال الحاكم في رواية الرفع صحيح الاسناد. وقد فسر قوله تعالى: * (وفي الرقاب) * بإعانة المكاتبين، وأخرج ابن جرير وغيره عن علي عليه السلام أنه قال: أمر الله السيد أن يدع الربع للمكاتب من ثمنه، وهذا تعليم من الله وليس بفريضة ولكن فيه أجر. كتاب الجامع أي الجامع لابواب ستة: الادب والبر والصلة والزهد والورع والترهيب من مساوئ الاخلاق والترغيب في مكارم الاخلاق والذكر والدعاء. الاول: باب الادب 1 - (عن أبي هرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): حق المسلم رواه مسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته) بالسين المهملة والشين (وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه. رواه مسلم). وفي رواية له خمس أسقط مما عده هنا وإذا استنصحك فانصحه. والحديث دليل على أن هذه حقوق المسلم على المسلم، والمراد بالحق ما لا ينبغي تركه، ويكون فعله إما واجبا أو مندوبا ندبا مؤكدا شبيها بالواجب الذي لا ينبغي تركه، ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه، فإن الحق يستعمل في معنى الواجب، كذا ذكره ابن الاعرابي. فالاولى من الست: السلام عليه عند ملاقاته لقوله: إذ القيته فسلم عليه. والامر دليل على وجوب الابتداء بالسلام، إلا أنه نقل ابن عبد البر وغيره أن الابتداء بالسلام سنة وأن رده فرض وفي صحيح مسلم مرفوعا الامر بإفشاء السلام. وأنه سبب للتحاب، وفي الصحيحين: إن أفضل الاعمال إطعام الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف قال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الايمان: إنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والانفاق من الاقتار. ويا لها من كلمات ما أجمعها للخير. والسلام: اسم من أسماء الله تعالى فقوله السلام عليك أي أنتم في حفظ الله. كما يقال: الله معك، والله يصحبك، وقيل السلام بمعنى السلامة أي سلامة الله ملازمة لك. وأقل السلام أن يقول: السلام عليكم، وإن كان المسلم عليه واحدا يتناوله وملائكته، وأكمل منه أن يزيد: ورحمة الله وبركاته، ويجزيه السلام علي‍ ك وسلام عليك بالافراد والتنكير، فإن كان المسلم عليه واحدا وجب الرد عليه عينا، وإن كان المسلم عليهم جماعة، فالرد فرض كفاية في حقهم، ويأتي قريبا حديث

[ 149 ]

يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم وهذا هو سنة الكفاية، ويشترط كون الرد على الفور، وعلى الغائب في ورقة أو رسول. ويأتي حديث أنه يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير. ويؤخذ من مفهوم قوله: حق المسلم على المسلم أنه ليس للذمي حق في رد السلام وما ذكر معه، ويأتي حديث لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام ويأتي فيه الكلام. وقوله إذا لقيته يدل أنه لا يسلم عليه إذا فارقه، لكنه قد ثبت حديث إذا قعد أحدكم فليسلم وإذا قام فليسلم وليست الاولى بأحق من الآخرة فلا يعتبر مفهوم إذا لقيته. ثم المراد بلقيه وإن لم يطل بينهما الافتراق لحديث أبي داود، إذا لقي أحدكم صاحبه فليسلم عليه فإن حال بينهما شجرة أو جدار ثم لقيه فليسلم عليه وقال أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون فإذا لقيتهم شجرة أو أكمة تفرقوا يمينا وشمالا فإذا التقوا من ورائها يسلم بعضهم على بعض. والثانية: إذا دعاك فأجبه ظاهره: عموم حقية الاجابة في كل دعوة يدعوه لها، وخصها العلماء بإجابة دعوة الوليمة ونحوها، والاولى أن يقال إنها في دعوة الوليمة واجبة وفيما عداها مندوبة، لثبوت الوعيد على من لم يجب في الاولى دون الثانية. والثالثة قوله: إذا استنصحك أي طلب منك النصيحة فانصحه دليل على وجوب نصيحة من يستنصح، وعدم الغش له، وظاهره: أنه لا يجب نصحه إلا عند طلبها، والنصح بغير طلب مندوب، لانه من الدلالة على الخير والمعروف. الرابعة قوله: وإذا عطس فحمد الله فشمته بالسين المهملة والشين المعجمة. قال ثعلب: يقال شمت العاطس وسمته إذا دعو ت له بالهدى، حسن السمت المستقيم قال: والاصل فيه السين المهملة فقلبت شيئا معجمة. فيه دليل على وجوب التشميت للعاطس الحامد. وأما الحمد على العاطس فما في الحديث دليل على وجوبه، وقال النووي: إنه متفق على استحبابه. وقد جاءكيفية الحمد وكيفية التشميت وكيف جواب العاطس فيما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم وأخرجه أيضا أبو داود وغيره بإسناد صحيح وفيه زيادة من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم أي شأنكم وإلى هذا الجواب ذهب الجمهور. وذهب الكوفيون إلى أنه يقول: يغفر الله لنا ولكم، (و) استدلوا بأنه أخرجه الطبراني عن ابن مسعود، وأخرجه البخاري في الادب المفرد، وقيل: يتخير أي اللفظين، وقيل: يجمع بينهما. وإلى وجوب التشميت لمن ذكر ذهبت الظاهرية وابن العربي، وأنه يجب على كل سامع ويدل له ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة: إذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم يسمعه أن يقول: يرحمك الله. وكأنه مذهب أبي داود صاحب السنن فإنه أخر عنه ابن عبد البر بسند جيد أنه كان في سفينة فسمع عاطسا، على الشط

[ 150 ]

فاكترى قاربا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع، فسئل عن ذلك فقال: لعله يكون مجاب الدعوة، فلما رقدوا سمعوا قائلا يقول لاهل السفينة: إن أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم انتهى. ويحتمل أنه إنما أراد طلب الدعوة كما قاله ولم يكن يراه واجبا. قال النووي: ويستحب لمن حضر من عطس فلم يحمد أن يذكره الحمد فيشمته وهو من باب النصح والامر بالمعروف. ومن آداب العاطس على ما أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا: إذا عطس أحدكم فليضع كفيه على وجهه وليخفض بها صوته، وأن يزيد بعد الحمد لله كلمة رب العالمين، فإنه أخرج الطبراني من حديث ابن عباس إذا عطس أحدكم فقال: الحمد الله، قالت الملائكة: رب العالمين فإذا قال أحدكم: رب العالمين قالت الملائكة: رحمك الله وفيه ضعف. ويشرع أن يشمته ثلاثا إذا كرر العطاس ولا يزيد عليها لما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا: إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه فإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يشمت بعد ثلاث. قال ابن أبي جمرة: في الحديث دليل على عظم نعمة الله على العاطس، يؤخذ ذلك مما رتب عليه من الخير، وفيه إشارة إلى عظمة فضل الله على عبده فإنه أذهب عنه الضرر بنعمة العطاس، ثم شرع له الحمد الذي يثاب عليه ثم الدعاء بالخير لمن شمته بعد الدعاء منه له بالخير، ولما كان العاطس قد حصل له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الابخرة المحتقنة في دماغه التي لو بقيت فيه أحدثت أدواء عسرة شرع له حمد الله على هذه النعمة مع بقاء أعضائه على هيئتها والتئامها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الارض لها. ومفهوم الحديث أنه لا يشمت غير المسلم كما عرفت، وقد أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة من حديث أبي موسى قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجون أن يقول لهم يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. ففيه دليل أنه يقال لهم ذلك، ولكن إذا حمدوا. الخامسة قوله: وإذا مرض فعده ففيه دليل على وجوب عيادة المسلم للمسلم، وجزم البخاري بوجوبها، قيل: يحتمل أنها فرض كفاية، وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة. ونقل النووي الاجماع على عدم الوجوب قال المصنف: يعني على الاعيان وإذا كان حقا للمسلم على المسلم فسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه. وسواء فيه القريب وغيره، وهو عام لكل مرض. وقد استثني منه الرمد، ولكنه قد أخرج أبو داود من حديث زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله (ص) من وجع بعيني وصححه الحاكم وأخرجه البخاري في الادب المفرد، وظاهر العبارة ولو في أول المرض، إلا أنه قد أخرج ابن ماجه من حديث أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود إلا بعد الثلاث وفيه

[ 151 ]

راو متروك. ومفهومه كما عرفت دال على أنه لا يعاد الذمي، إلا أنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم عاد خادمه الذمي وأسلم ببركة عيادته، وكذلك زار عمه أبا طالب في مرض موته وعرض عليه كلمة الاسلام. السادسة قوله: وإذا مات فاتبعه دليل على وجوب تشييع جنازة المسلم معروفا كان أو غير معرو ف. 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): انظ روا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) وقوله: (فهو أجدر) بالجيم والدال المهملة فراء أحق (أن لا تزدروا) تحتقروا (نعمة الله عليكم) علة للامر والنهي معا (متفق عليه). الحديث إرشاد للعبد إلى ما يشكر به النعمة. والمراد بمن هو أسفل من الناظر في الدنيا فينظر إلى المبتلى بالاسقام وينتقل منه إلى ما فضل به عليه من العافية التي هي أصل كل إنعام، وينظر إلى من في خلقه نقص من عمى أو صمم أو بكم، وينتقل إلى ما هو فيه من السلامة عن تلك العاهات التي تجلب الهم والغم. وينظر إلى من ابتلي بالدنيا وجمعها والامتناع عما يجب عليه فيها من الحقوق ويعلم أنه فضل بالاقلال وأنعم عليه بقلة تبعة الاموال في الحال والمال، وينظر إلى من ابتلي بالفقر المدقع أو الدين المفظع ويعلم ما صار إليه من السلامة من الامرين وتقر بما أعطاه ربه العين، وما من مبتلى في الدنيا بخير أو شر إلا ويجد من هو أعظم منه بلية فيتسلى به ويشكر ما هو فيه مما يرى غيره ابتلي به. وينظر من هو فوقه في الدين، فيعلم أنه من المفرطين، فبالنظر الاول يشكر مالله عليه من النعم، وبالنظر الثاني يستحي من مولاه ويقرع باب المتاب بأنامل الندم فهو بالاول مسرور بنعمة الله، وفي الثاني منكسر النفس حياء من مولاه. وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا: إذا نظر أحدكم إلى ما فضل عليه في الما والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه. 3 - (وعن النواس) بفتح النون وتشديد الواو وسين مهملة (ابن سمعان رضي الله عنه) بفتح السين المهملة وكسرها وبالعين المهملة. ورد سمعان الكلابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه ابنته وهي التي تعوذت من النبي (ص) - سكن النواس الشام، وهو معدود منهم وفي صحيح مسلم نسبته إلى الانصار. قال المازري والقاضي عياض: والمشهور أنه كلابي ولعله حليف الانصار (قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والاثم فقال: البر حسن الخلق، والاثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس. أخرجه مسلم). قال النووي: قال العلماء: البر يكون بمعنى الصلة وبمعنى الصدقة وبمعنى اللطف والمبرة وحسن الصحبة والعشرة وبمعنى الطاعة، وهذه الامور هي مجامع حسن الخلق. وقال القاضي عياض: حسن الخلق مخالقة الناس بالجميل والبشر والتودد لهم والاشفاق عليهم واحتمالهم والحمل عنهم والصبر عليهم في المكاره وترك الكبر والاستطالة عليهم ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة. وحكى فيه خلافا هل هو غريزة أو مكتسب؟

[ 152 ]

قال: والصحيح أن منه ما هو غريزة ومنه ما هو مكتسب بالتخلق والاقتداء بغيره. وقال الشريف في التعريفات: قيل حسن الخلق هيئة راسخة تصدر عنها الافعال المحمودة بسهولة وتيسر من غير حاجة إلى إعمال فكر وروية. انتهى. قيل: ويجمع حسن الخلق قوله صلى الله عليه وسلم: طلالقة الوجه وكف الاذى وبذلك المعروف حسن الخلق. وقوله: والاثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس أي تحرك الخاطر في صدرك وترددت هل تفعله لكونه لا لوم فيه أو تتركه خشية اللوم عليه من الله سبحانه وتعالى ومن الناس لو فعلته فلم ينشرح به الصدر ولا حصلت الطمأنينة بفعله خوف كونه ذنبا. ويفهم منه أنه ينبغي ترك ما تردد في إباحته. وفي معناه حديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك: أخرجه البخاري من حديث الحسن بن علي وفيه دليل على أنه تعالى قد جعل للنفس إدراكا لما لا يحل فعله وزاجرا عن فعله. 4 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان) المناجاة المشاورة والمساورة (دون الآخر حتى تختلطوا بالناس) وعلله (من أجل أن ذلك يحزنه) من أحزن يحزن مثل أخرج يخرج أو من حزن يحزن بضم الزاي (متفق عليه واللفظ لمسلم). فيه النهي عن تناجي الاثنان إذا كان معهما ثالث، إلا إذا كانوا أكثر من ثلاثة لانتفاء العلة التي نص عليها وهي أنه يحزنه انفراده وإيهام أنه ممن لا يؤهل للسر أو يوهمه أن الخوض من أجله. ودلت العلة على أنهم إذا كانوا أربعة فلا نهي عن انفراد اثنين بالمناجاة لفقد العلة. وظاهره عام لجميع الاحوال في سفر أو حضر، وإليه ذهب ابن عمر ومالك وجماهير العلماء، وادعى بعضهم نسخه ولا دليل عليه. وأما الآيات في سورة المجادلة فهي نهي اليهود عن التناجي كما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى) * قال: اليهود. وأخرج ابن (أبي) حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان بين اليهود وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة فكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله، أو بما يكره المؤمن فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم فنهاهم النبي (ص) عن النجوى فلم ينتهوا فأنزل الله: * (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى) *. 5 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): لا يقيم الرجل الرجمجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا متفق عليه. وفي لفظ لمسلم لا يقيمن صيغة النهي مؤكدا لفظ الخبر في هذا الحديث الذي أتى به المصنف في معنى النهي. وظاهره التحريم، فمن سبق إلى موضع مباح من مسجد أو غيره لصلاة أو غيرها من الطاعات فهو أحق به، ويحرم على غيره أن يقيمه منه، إلا أنه قد أفاد حديث من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به أخرجه مسلم أنه إذا

[ 153 ]

كان قد سبق فيه حق لاحد بقعوده فيه من مصل أو غيره ثم فارقه لاي حاجة ثم عاد وقد قعد فيه أحد أن له أن يقيمه منه. وإلى هذا ذهب الهادوية والشافعية وقالوا: لا فرق في المسجد بين أن يقوم ويترك فيه سجادة أو نحوها أو لا، فإنه أحق به، قالوا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها. والحديث يشمل من قعد في موضع مخصوص لتجارة أو حرفة أو غيرهما، قالوا: وكذلك من اعتاد في المسجد محلا يدرس فيه فهو أحق به، قال المهدي: إلى العشي. وقال الغزالي: إلى الابد ما لم يضرب (عنه). وأما إذا قام القاعد من محله لغيره فظاهر الحديث جوازه، وروي عن ابن عمر أنه إذا قام له الرجل من مجلسه لا يقعد فيه، وحمل على أنه تركه تورعا لجواز أنه قام له حياء من غير طيبة نفس. 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها) بنفسه (أو يلعقها) غيره. الاول بفتح حرف المضارعة من لعق، والثاني بضمه من ألعق (متفق عليه). والحديث دليل على عدم تعيين غسل اليد من الطعام وأنه يجزئ مسحها، وفيه دليل على أنه يجب لعق اليد أو إلعاقها الغير وعلله في الحديث بأنه لا يدري في أي طعامه البركة، كما أخرجه مسلم أنه (ص) أمر بلعق الاصابع والصحفة، وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم بالتقاط اللقمة ومسحها وأكلها، كما في رواية لمسلم أيضا بلفظ إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان. وهذه الامور من اللعق والالعاق ولعق الصحفة وأكل ما يسقط، ظاهر الاوامر وجوبها. وإلى هذا ذهب أبو محمد ابن حزم وقال: إنها فرض. والبركة: هي النماء والزيادة وثبوت الخير، والمراد هنا: ما يحصل به التغدية وتسلم عاقبته من أذى ويقوي على طاعة الله وغير ذلك. وهذه البركة قد تكون في لعق يده أو لعق الصحفة أو أكل ما يسقط من لقمة، وإن كان علل أكل الساقط بأنه لا يدعها للشيطان. والمراد من قوله: يده هو أصابع يده الثلاث كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل بثلاث أصابع، ولا يزيد الرابعة والخامسة إلا إذا احتاجهما بأن يكون الطعام غير مشتد ونحوه. وقد أخرج سعيد بن منصور: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل أكل بخمس. وهو مرسل، وفيه دلالة على أنه لا بأس بإلعاق الغير أصابعه من زوجة أو خادم وولد وغيرهم، فإن تنجست اللقمة الساقطة فيزيل ما فيها من نجاسة إن أمكن وإلا أطعمها حيوانا ولا يدعها للشيطان، كما ذكره النووي بناء على جواز إطعام المتنجس وعليه إجماع الامة فعلا خلفا عن سلف وتقدم الكلام في ذلك.

[ 154 ]

7 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير. متفق عليه، وفي رواية لمسلم) من رواية أبي هريرة (والراكب على الماشي). بل هو في البخاري، وقال المصنف إنه لم يقع تسليم الصغير على الكبير في صحيح مسلم فيشكل جعل الحديث من المتفق عليه. وظاهر الامر الوجوب، وقال المازري: إنه للندب، قال: فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأ الآخر كان المأمور تاركا للمستحب والآخر فاعلا للسنة. قلت: والاصل في الامر الوجوب وكأنه صرفه عنه الاتفاق على عدم وجوب البداءة بالسلام. والحديث فيه شرعية ابتداء السلام من الصغير على الكبير. قال ابن بطال عن المهلب: وإنما شرع للصغير أن يبتدئ الكبير لاجل حق الكبير، ولانه أمر بتوقيره والتواضع له، ولو تعارض الصغر المعنوي والحسي كأن يكون الاصغر أعلم مثلا قال المصنف: لم أر فيه نقلا، والذي يظهر اعتبار السن لان الظاهر تقديم الحقيقة على المجاز. وفيه شرعية ابتداء المار بالسلام للقاعد، قال المازري: لانه قد يتوقع القاعد منه الشر ولا سيما إذ كان راكبا فإذا ابتدأه بالسلام أمن منه وأنس إليه، أو لان في التصرف في الحاجا ت امتهانا فصار مزية فأمر المار بالابتداء، أو لان القاعد يشق عليه مراعاة المارين من كثرتهم فسقطت البداءة عنه للمشقة عليه. وفيه شرعية ابتداء القليل بالسلام على الكثير. وذلك لفضيلة الجماعة، لو ابتدأوا لخيف على الواحد الزهو فاحتيط له، فلو مر جمع كثير أو مر الكبير على الصغير قال المصنف: لم أر فيه نصا، واعتبر النووي المرور فقال: الوارد يبدأ سواء كان صغيرا أو كبيرا. وذكر الماوردي: أن من مشى في الشوارع المطروقة كالسوق أنه لا يسلم إلا على البعض، لانه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن المهم الذي خرج لاجله وخرج به عن العرف. وفيه شرعية ابتداء الراكب على الماشي، وذلك لان للراكب مزية على الماشي فعو ض الماشي بأن يبدأ الراكب بالسلام احتياطا على الراكب من الزهو لو حاز الفضيلتين، وأما إذا تلاقى راكبان أو ماشيان فقد تكلم فيها المازري فقال: يبدأ الادنى منهما على الاعلى قدرا في الدين إجلالا لفضله، لان فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع، وعلى هذا لو التقى راكبان ومركوب أحدهما أعلى في الجنس من مركوب الآخر كالجمل والفرس فيبدأ راكب الفرس، أو يكتفي بالنظر إلى أعلاهما قدرا في الدين فيبدأ الذي هو أدنى الذي هو فوقه، والثاني أظهر كما لا ينظر إلى من يكون أعلاهما قدرا من جهة الدنيا إلا أن يكون سلطانا يخشى منه. وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام كما ثبت في حديث المتهاجرين، وقد أخرج البخاري في الادب بسند صحيح من حديث جابر الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل وأخرج الطبراني بسند صحيح عن الاغر المزني قال: قال لي أبو بكر: لا يسبقك أحد بالسلام، وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة مرفوعا: إن أولى الناس بالله من بدأ السلام وقال: حسن، والطبراني في حديث قلنا يا رسول الله إنا نلتقي فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: أطوعكم لله تعالى.

[ 155 ]

8 - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزس هن الجماعة أن يرد أحدهم رواه أحمد والبيهقي. فيه يجز تسليم الواحد عن الجماعة ابتداء وردا، قال النووي: يستثنى من عموم ابتداء السلام من كان يأكل أو يشرب أو يجامع أو كان في الخلاء أو في الحمام أو نائما أناعسا أو مصليا أو مؤذنا ما دام متلبسا بشئ مما ذكر إلا أن السلام على من كان في الحمام إنما كره إذا لم يكن عليه إزار وإلا فلا كراهة. وأما السلام حال الخطبة في الجمعة فيكره للامر بالانصات، فلو سلم لم يجب الرد عليه عند من قال الانصات واجب، ويجب عند من قال إنه سنة، وعلى الوجهين لا ينبغي أن يرد أكثر من واحد. وأما المشتغل بقراءة القرآن فقال الواحدي: الاولى ترك السلام عليه، فإن سلم كفاه الرد بالاشارة وإن رد لفظا استأنف الاستعاذة وقرأ، قال النووي: وفيه نظر، والظاهر أنه يشرع السلام عليه ويجب عليه الرد. ويندب السلام على من دخل بيتا ليس فيه أحد لقوله تعالى * (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) *. وأخرج البخاري في الادب المفرد وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن ابن عمر رضي الله عنه: يستحب إذا لم يكن في البيت أحد أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وأخرج الطبراني عن ابن عباس نحوه: فإن ظن المار أنه إذا سلم على القاعد لا يرد عليه فإنه يترك ظنه ويسلم فلعل ظنه يخطئ، فإنه إن لم يرد عليه سلامه ردت عليه الملائكة، كما ورد ذلك، وأما من قال: لا يسلم على من ظن أنه لا يرد عليه لانه يكون سببا لتأثيم الآخر فهو كلام غير صحيح، لان المأمورات الشرعية لا تترك بمثل هذا، ذكر معناه النووي. وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يسلم عليه لان توريط المسلم في المعصية أشد من مصلحة السلام عليه، وامتثال حديث الامر بالافشاء يحصل مع غير هذا، فإن قيل: هل يحسن أن يقول: رد السلام فإنه واجب؟ قيل: نعم فإنه من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب، فإن لم يجب حسن أن يحلله من حق الرد. 9 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه أخرجه مسلم. ذهب الاكثر إلى أنه لا يجوز ابتداء اليهود والنصارى بالسلام. وهو الذي دل عليه الحديث إذ أصل النهي التحريم، وحكي عن بعض الشافعية أنه يجوز الابتداء لهم بالسلام. ولكن يقتصر على قول: السلام عليكم، وروي ذلك عن ابن عباس

[ 156 ]

وغيره، وحكى القاضي عياض عن جماعة جواز ذلك لكن للضرورة والحاجة. وبه قال علقمة والاوزاعي. ومن قال: لا يجوز يقول: إن سلم على ذمي ظنه مسلما ثم بان له أنه يهودي فينبغي أن يقول له: رد علي سلامي. وروي عن ابن عمر أنه فعل ذلك، والغرض منه أن يوحشه ويظهر له أنه ليس بينهما ألفة. وعن مالك: أنه لا يستحب أن يسترده، واختاره ابن العربي فإن ابتدأ الذمي مسلما بالسلام ففي الصحيحين عن أنس مرفوعا إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا سلم عليكم اليهود إنما يقول أحدهم: السام عليكم فقل: وعليك وإلى هذه الرواية بإثبات الواو ذهب طائفة من العلماء، واختار بعضهم حذف الواو لئلا يقتضي التشريك وقد قدمنا ذلك وما ثبت به النص أولى بالاتباع. وقال الخطابي: عامة المحدثين يروون هذا الحرف وعليكم بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو، وقال الخطابي: وهذا هو الصواب. قلت: وحيث ثبتت الرواية بالواو وغيرها فالوجهان جائزان. وفي قوله: فقولوا: وعليك وقولوا: وعليكم ما يدل على إيجاب الجواب عليهم في السلام، وإليه ذهب عامة العلماء، ويروى عن آخرين أنه لا يرد عليهم. والحديث يدفع ما قالوه. وفي قوله: فاضطروهم إلى أضيقه دليل على وجوب ردهم عن وسط الطرقات إلى أضيقها، وتقدم فيه الكلام. 10 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي (ص) قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه: يرحمك الله فإذا قال له يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم أخرجه البخاري). تقدم فيه الكلام، ولو أتى به المصنف بعد أول حديث في الباب لكان الصواب. 11 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يشربن أحد منكم قائما. أخرجه مسلم). وتمامه فمن نسي فليستقئ من القئ، وأخرجه أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: أنه (ص) رأى رجلا يشرب قائما فقال: مه، قال: لمه؟ أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا. قال: قد شرب معك ما هو شر منه: الشيطان وفيه راو لا يعرف ووثقه يحيى بن معين. والحديث دليل على تحريم الشرب قائما لانه الاصل في النهي، وإليه ذهب ابن حزم. وذهب الجمهور إلى أنه خلاف الاولى، وآخرون إلى أنه مكروه، كأنهم صرفوه عن ذلك لما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس سقيت رسول الله (ص) من زمزم فشرب وهو

[ 157 ]

قائم وفي صحيح البخاري أن عليا عليه السلام شرب قائما، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت فيكون فعله (ص) بيانا لكون النهي ليس للتحريم. وأما قوله: فليستقئ فإنه نقل العلماء على أنه ليس على من شرب قائما أن يستقئ، وكأنهم حملوا الامر أيضا على الندب. 12 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين وإذا نزع) أي نعله (فليبدأ بالشمال ولتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع. أخرجه مسلم) إلى قوله: بالشمال، وأخرج باقيه مالك والترمذي وأبو داود. ظاهر الامر الوجوب، ولكنه ادعى القاضي عياض الاجماع على أنه للاستحباب. قال ابن العربي: البداءة باليمين مشروعة في جميع الاعمال الصالحة، لفضل اليمين حسا في القوة، وشرعا في الندب إلى تقديمها. قال الحليمي إنما يبدأ بالشمال عند الخلع لان اللبس كرامة، لانه وقاية للبدن، فلما كانت اليمين أكرم من اليسرى بدأ بها في اللبس وأخرت في النزع لتكون الكرام لها أدوم وحصتها منها أكثر. وقال ابن عبد البر: من بدأ في الانتعال باليسرى أساء لمخالفة السنة. ولكن لا يحرم عليه لبس نعليه. وقال غيره: ينبغي أن تنزع النعل من اليسرى ويبدأ باليمين، ولعل ابن عبد البر يريد أنه لا يشرع له الخلع. إذا بدأ باليسرى ثم يستأنف لبسهما على الترتيب المشروع لانه قد فات محله. وهذا الحديث لا يدل على استحباب الانتعال. لانه قال: إذا انتعل أحدكم ولكنه يدل عليه ما أخرجه مسلم. استكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل أي يشبه الراكب في خفة المشقة وقلة النصب وسلامة الرجل من أذى الطريق، فإن الامر إذا لم يحمل على الايجاب فهو للاستحباب. 13 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يمش أحدكم في نعل واحدة ولينعلهما) بضم حرف المضارعة من أنعل كما ضبطه النووي وضمير التثنية للرجلين وإن لم يجر لهما ذكر فإنه قد ذكر ما يدل عليهما من النعل (جميعا أو ليخلعهما) أي النعلين، وفي رواية للبخاري أو ليحفهما جميعا وهو للقدمين (جميعا. متفق عليه). ظاهر النهي عن المشي في نعل واحدة التحريم، وحمله الجمهور على الكراهة، فإنهم جعلوا القرينة حديث الترمذي عن عائشة قالت: ربما انقطع شسع نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى في النعل الواحدة حتى يصلحها إلا أنه رجح البخاري وقفه. وقد ذكر رزين عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتعل قائما ويمشي في نعل واحدة. واختلفوا في علة النهي، فقال قوم: علته أن النعال شرعت لوقاية الرجل عما يكون في الارض من شوك ونحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لاحدى رجليه ما لا يتوقى للاخرى، فيخرج لذلك عن سجية مشيته، ولا يؤمن مع ذلك العثار، وقيل: إنها مشية الشيطان، وقال البيهقي: لما في ذلك من الشهر

[ 158 ]

في الملابس. وقد ورد في رواية لمسلم: إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشي في نعل واحدة حتى يصلحها وتقدم ما يعارضه من حديث عائشة فيحمل على الندب. وقد ألحق بالنعلين كل لباس شفع كالخفين. وقد أخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة: لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ولا خف واحدة وهو عند مسلم من حديث جابر، وعند أحمد من حديث أبي سعيد، وعند الطبراني من حديث ابن عباس. وقال الخطابي: وكذا إخراج اليد الواحدة من الكم دون الاخرى والارتداء على أحد المنكبين دون الآخر. قلت: ولا يخفى أن هذا من باب القياس ولم تعلم العلة حتى يلحق بالاصل، فالاولى الاقتصار على محل النص. 134 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلا متفق عليه. بضم الخاء المعجمة والمد: البطر والكبر فسر نفي نظر الله بنظر رحمته إليه أي لا يرحم الله من جر ثوبه خيلاء سواء كان من النساء أو الرجال. وقد فهمت ذلك أم سلمة فقالت عند سماعها الحديث منه صلى الله عليه وسلم: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يزدن فيه شبرا قالت: إذا تنكشف أقدامهن قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه أخرجه النسائي والترمذي، والمراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران باليد المعتدلة، والمراد جر الثوب على الارض وهو الذي يدل له حديث البخاري ما أسفل من الكعبين من الازار في النار وتقييد الحديث بالخيلاء دال بمفهومه أنه لا يكون من جره غير خيلاء داخلا في الوعيد وقد صرح به ما أخرج البخاري وأبو داود والنسائي أنه قال أبو بكر رضي الله عنه لما سمع هذا الحديث: إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فقال له صلى الله عليه وسلم: إنك لست ممن يفعله خيلاء وهو دليل على اعتبار المفاهيم من هذا النوع. وقال ابن عبد البر: إن جره لغير الخيلاء مذموم وقال النووي: إنه مكروه وهذا نص الشافعي. وقد صرحت السنة أن أحسن الحالات أن يكون إلى نصف الساق كما أخرجه الترمذي والنسائي عن عبيد بن خالد قال: كنت أمشي وعلي برد أجره فقال لي رجل: ارفع ثوبك فإنه أبقى وأنقى فنظرت فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إنما هي بردة ملحاء فقال: مالك في أسوة؟ قال: فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه وأما ما هو دون ذلك فإنه لا حرج على فاعله إلى الكعبين، وما دون الكعبين فهو حرام إن كان للخيلاء، وإن كان لغيرها فقال النووي وغيره: إنه مكروه وقد يتجه أن يقال: إن كان الثو ب على قدر لابسه لكنه يسدله فإن كان لا عن قصد كالذي وقع لابي بكر فهو غير داخل في الوعيد، وإن كان الثوب زائدا على قدر لابسه فهو ممنوع من جهة الاسراف، محرم لاجله ولاجل التشبه بالنساء، ولاجل أنه لا يأمن أن تتعلق به النجاسة. وقال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه فيقول: لا أجره خيلاء لان النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن يتناوله اللفظ أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول لا أمتثله لان تلك العلة ليست في، فإنها دعوى غير مسلمة بل إطالة ذيله دالة على تكبره ا ه‍. وحاصله: أن الاسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده اللابس، وقد أخرج ابن منيع

[ 159 ]

عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه إياك وجر الازار فإن جر الازار من المخيلة وقد أخرج الطبراني من حديث أبي أمامة وفيه قصة لعمرو بن زرارة الانصاري إن الله لا يحب المسبل والقصة أن أبا أمامة قال: بينما نحن مع رسول الله (ص) إذ لحقنا عمرو بن زرارة الانصاري في حلة: إزار ورداء، وقد أسبل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: عبدك وابن عبدك وأمتك، حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله إني حمش الساقين فقال: يا عمرو إن الله قد أحسن كل شئ خلقه إن الله لا يحب المسبل وأخرجه الطبري عن عمرو بن زرارة وفيه: وضرب رسول الله (ص) أربع أصابع تحت ركبة عمرو وقال: يا عمرو هذا موضع الازار ثم ضرب بأربع أصابع تحت الاربع ثم قال: يا عمرو وهذا موضع الازار الحديث ورجاله ثقات. وحكم غير الثوب والازار حكمهما، وكذلك لما سأل شعبة محارب بن دثار قال شعبة: أذكر الازار قال: ما خص إزارا ولا قميصا. ومقصوده أن التعبير بالثوب يشمل الازار وغيره، وأخرج أهل السنن إلا الترمذي عن ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم " الاسبال في الازار والقميص والعمامة. من جر منها شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة وإن كان في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد وفيه مقال. قال ابن بطال: وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائدا على ما جرت به العادة. وأخرج النسائي من حديث عمرو بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخى طرف عمامته بين كتفيه. وكذا تطويل أكمام القميص زيادة على المعتاد كميفعله بعض أهل الحجاز إسبال محرم. وقد نقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة. قلت: وينبغي أن يراد في المعتاد ما كان في عصر النبوة. 15 - (وعنه) أي عن ابن عمر رضي الله عنه (أن رسول الله (ص) قال: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله أخرجه مسلم). الحديث دليل على تحريم الاكل والشرب بالشمال، فإنه علله بأنه فعل الشيطان وخلقه، والمسلم مأمور بتجنب طريق أهل الفسق فضلا عن الشيطان. وذهب الجمهور إلى أنه يستحب الاكل باليمين والشرب بها لا أنه بالشمال محرم وقد زاد نافع: الاخذ والاعطاء. 16 - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل واشرب والبس وتصدق في غير سرف ولا مخيلة) بالخاء المعجمة ومثناة تحتية وزن عظيمة: التكبر (أخرجه أبو داود وأحمد وعلقه البخاري). دل على تحريم الاسراف في المأكل والمشرب والملبس والتصدق. وحقيقة الاسراف مجاوزة الحد في كل فعل أو قول وهو في الانفاق أشهر، والحديث مأخوذ من قوله تعالى: * (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) * وفيه تحريم الخيلاء والكبر. قال عبد اللطيف البغدادي: هذا الحديث جامع لفضائل تدبير

[ 160 ]

الانسان نفسه. وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة، فإن السرف في كل شئ مضر بالجسد ومضر بالمعيشة، ويؤدي إلى الاتلاف، فيضر بالنفس إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الاحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العجب، وتضر بالآخرة حيث تكسب الاثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس. وقد علق البخاري عن ابن عباس كل ما شئت واشرب ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف ومخيلة. باب البر والصلة البر بكسر الموحدة: هو التوسع في فعل الخير. والبر بفتحها التوسع في الخيرات وهو من صفات الله تعالى. والصلة: بكسر الصاد المهملة مصدر وصله كوعده، في النهاية تكرر في الحديث ذكر صلة الارحام وهي كناية عن الاحسان إلى الاقربين من ذوي النسب والاصهار والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لاحوالهم، وكذلك إن تعدوا وأساءوا، وضد ذلك قطيعة الرحم. ا ه‍. 1 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من أحب أن يبسط) مغير صيغته: أي يبسط الله (له في رزقه) أي يوسع له فيه (وأن ينسأ له) مثله في ضبطه. بالسين المهملة مخففة أي يؤخر له (في أثره) بفتح الهمزة والمثلثة فراء أي أجله (فليصل رحمه أخرجه البخاري). وأخرج الترمذي عن [ اث ] أبي هريرة أن صلة الرحم محبة في الاهل مثراة في المال منسأة في الاجل وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الاعمار وأخرج أبو يعلى من حديث أنس مرفوعا إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء وفسنده ضعف. قال ابن التين: ظاهر الحديث أي حديث البخاري معارض لقوله تعالى: * (فأذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) * قال: والجمع بينهما من وجهين. أحدهما: أن الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، ومثل هذا ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة إلى أعمار من مضى من الامم فأعطاه الله ليلة القدر. وحاصله أن صلة الرحم تكون سببا للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لم يمت. ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده بتأليف ونحوه، والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح. وثانيهما أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، والذي في الآية بالنسبة إلى علم الله كأن يقال للملك مثلا: إن عمر فلان مائة إن وصل رحمه وإن قطعها فستون وقود سبق في علمه أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الاشارة بقوله تعالى: * (يمحو الله

[ 161 ]

ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * والمحو والاثبات بالنستة إلى ما في علم الملك وما في أم الكتاب. والوجه الاول أليق فان الاثر ما يتبع الشئ فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور ورجحه الطيبى وأشار إليه في الفائق. ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الصغير بسند ضعيف عن أبي الدرداء قال " ذكر عن رسول الله صلى عليه وسلم وصل رحيمه أنسئ له في أجله؟ فقال: إنه ليس زيادة في عمره قال تعالى - فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون - ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده وأخرجه في الكبير مرفوعا من طريق أخرى. وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله، قال غيره: في أعم من ذلك وفي علمه ورزقه. ولابن القيم في كتاب الداء والدواء كلام يقضي بأن مدة حياة العبد وعمره هي مهما كان قلبه مقبلا على الله ذاكرا له مطيعا غير عاص فهذه هي عمره. ومتى أعرض القلب عن الله تعالى واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياة عمره، فعلى هذا معنى أنه ينسأ له في أجله أي يعمر الله قلبه بذكره وأوقاته بطاعته، ويأتي تحقيق صلة الرحم في شرح قوله: 2 - (وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا يدخل الجنة قاطع يعني قاطع رحم. متفق عليه. وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة يرفعه ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ادخر الله له في الآخرة من قطيعة الرحم وأخرج البخاري في الادب المفرد من حديث أبي هريرة يرفعه إن أعمال أمتي تعرض عشية الخميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم وأخرج فيه من حديث ابن أبي أوفى إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم وأخرج الطبراني من حديوث ابن مسعود إن أبواب السماء مغلقة دون قاطع الرحم. واعلم أنه اختلف العلماء في حد الرحم التي تجب صلتها، فقيل: هي التي يحرم النكاح بينهما بحيث لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر. فعلى هذا لا يدخل أولاد الاعمام ولا أولاد الاخوال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح لما يؤدي إليه من التقاطع وقيل: هو من كان متصلا بميراث. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ثم أدناك أدناك " وقيل: من كان بينه وبين الآخر قرابة سواء كان يرثه أولا. ثم صلة الرحم كما قال القاضي عياض: درجات بعضها أفضل من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، فلو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لم يسم قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسم واصلا. وقال القرطبي: الرحم التي توصل عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين، وتجب صلتها بالتوادد

[ 162 ]

والتناصح والعدل والانصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة. والرحم الخاصة: تزيد بالنفقة على القريب وتفقد حاله والتغافل عن زلته. وقال ابن أبي جمرة: المعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا في حق المؤمنين. وأما الكفار والفساق فتجب المقاطعة لهم إذا لم تنفع الموعظة. واختلف العلماء أيضا بأي شئ تحصل القطيعة للرحم، فقال الزين العراقي: تكون بالاساءة إلى الرحم، وقال غيره: تكون بترك الاحسان، لان الاحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة فلا واسطة بينهما، والصلة نوع من الاحسان كما فسرها بذلك غير واحد، والقطيعة ضدها وهي ترك الاحسان. وأما ما أخرجه الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم: ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها فإنه ظاهر في أن الصلة إنما هي ما كان للقاطع صلة رحمه. وهذا على رواية قطعت بالبناء للفاعل وهي رواية، فقال ابن العربي في شرحه: المراد الكاملة في الصلة. وقال الطيبي: معناه ليس حقيقة الواصل ومن يعتد بصلته من يكافئ صاحبه بمثل فعله ولكنه من يتفضل على صاحبه. وقال المصنف: لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع فهم ثلاث درجات واصل ومكافئ وقاطع، فالواصل: هو الذي يتفضل ولا يتفضل عليه، والمكافئ هو الذي لا يزيد في الاعطاء على ما يأخذه، والقاطع: الذي لا يتفضل عليه ولا يتفضل. قال الشارح: وبالاولى من يتفضل عليه ولا يتفضل أنه قاطع، قال المصنف: وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين فمن بدأ فهو القاطع فإن جوزي سمي من جازاه مكافئا. 3 - (وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: إن الله حرم عليكم عقوق الامهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال متفق عليه. الامهات: جمع أمهة لغة في الام، ولا تطلق إلا على من يعقل بخلاف أم فإنها نعم، وإنما خصت الام هنا إظهارا لعظم حقها وإلا فالاب محرم عقوقه. وضابط العقوق المحرم كما نقل خلاصته عن البلقيني وهو: أن يحصل من الولد للابوين أو أحدهما إيذاء ليس بالهين عرفا، فيخرج من هذا ما إذا حصل من الابوين أمر أو نهي فخالفهما بما لا يعد فالعرف مخالفته عقوقا، فلا يكون ذلك عقوقا، وكذلك لو كان مثلا على أبوين دين للولد أو حق شرعي فرافعه إلى الحاكم فلا يكون ذلك عقوقا، كما وقع من بعض أولاد الصحابة شكاية الاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في احتياجه لماله، فلم يعد النبي صلى الله عليه وسلم شكايته عقوقا: قلت: في هذا تأمل فإن قوله صلى الله عليه وسلم: أنت ومالك لابيك دليل على نهيه عن منع أبيه عن ماله وعن شكايته. ثم قال صاح‍ ب الضابط: فعلى هذا العقوق أن يؤذي الولد أحد أبويه بما لو فعله مع غير أبويه كان محرما من جملة الصغائر، فيكون في حق الابوين كبيرة، أو مخالفة الامر أو النهي فيما يدخل فيه الخوف على الولد من فوات نفسه أو عضو من أعضائه في غير الجهاد

[ 163 ]

الواجب عليه، أو مخالفتهما في سفر يشق عليهما، وليس بفرض على الولد أو في غيبة طويلة فيما ليس لطلب علم نافع أو كسب، أو ترك تعظيم الوالدين فإنه لو قدم عليه أحدهما ولم يقم إليه أو قطب في وجهه فإن هذا وإن لم يكن في حق الغير معصية فهو عقوق في حق الابوين. قوله ووأد البنات بسكون الهمزة وهو دفن البنات حية وهو محرم، وخص البنات لانه الواقع من العرب فإنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية كراهة لهن. يقال: أول من فعله قيس بن عاصم التيمي، وكان من العرب من يقتل أولاده مطلقا خشية الفاقة والنفقة. وقوله منعا وهات المنع مصدر من منع يمنع والمراد منع ما أمر الله أن لا يمنع، وهات فعل أمر مجزوم والمراد النهي عن طلب ما لا يستحق طلبه. وقوله: وكره لكم قيل وقال يروى بغير تنوين حكاية للفظ الفعل. وروي منونا وهي رواية في البخاري قيلا وقالا، على النقل من الفعلية إلى الاسمية، والاول أكثر، والمراد به نقل الكلام الذي يسمعه إلى غيره فيقول: قيل كذا وكذا بغير تعيين القائل، وقال فلان كذا وكذا. وإنما نهي عنه لانه من الاشتغال بما لا يعني المتكلم لكونه قد يتضمن الغيبة والنميمة والكذب ولا سيما مع الاكثار من ذلك قلما يخلو عنه. وقال المح‍ ب الطبري: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنهما مصدران للقول تقول: قلت قولا وقيلا. وفي الحديث الاشارة إلى كراهة كثرة الكلام، ثانيها: إرادة حكاية أقاويل النا س والبحث عنها لتخبر عنها، فتقول: قال فلان كذوقيل له كذا. والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه وإما لما يكرهه المحكي عنه. ثالثها: أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين كقوله: قال فلان كذا وقال فلان كذا ومحل كراهة ذلك في أن يكثر منه بحيث لا يأمن من الزلل، وهو في حق مينقل بغير تثبت في نقله لما يسمعه ولا يحتاط له، ويؤيد هذا الحديث الصحيح كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع أخرجه مسلم. قلت: ويحتمل إرادة كل من الثلاثة. وقوله وكثرة السؤال هو السؤال للمال، أو عن المشكلات من المسائل، أو مجموع الامرين وهو أولى، وتقدم في الزكاة تحريم مسألة المال وقد نهى عن الاغلوطات. أخرجه أبو داود وهي: المسائل التي يغلط بها العلماء ليزلوا فينتج بذلك شر وفتنة. وإنما نهي عنها لكونها غير نافعة في الدين ولا يكاد أن يكون إلا فيما لا ينفع. وقد ثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة أو يندر وقوعها جدا، لما في ذلك من التنطع والقول بالظن الذي لا يخلو صاحبه عن الخطأ. وقيل: كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وكثرة سؤال إنسان معين عن تفاصيل حاله وكان مما يكرهه المسؤول. وقوله: وإضاعة المال المتبادر من الاضاعة: ما لم يكن لغرض ديني ولا دنيوي. وقيل: هو الاسراف في الانفاق. وقيده بعضهم بالانفاق في الحرام، ورجح المصنف أنه ما أنفق في غير وجوهه المأذون فيها شرعا سواء كانت دينية أو دنيوية لان الله تعالى جعل المال قياما لمصالح العباد وفي التبذير تفويت تلك المصالح إما في حق صاحب المال أو في حق غيره. قال: والحاصل أن في كثرة الانفاق ثلاثة وجوه، الاول: الانفاق في الوجوه المذمومة شرعا ولا شك في تحريمه. الثاني: الانفاق في الوجوه المحمودة شرعا ولا شك في كونه

[ 164 ]

مطلوبا ما لم يفوت حقا آخر أهم من ذلك المنفق فيه. والثالث: الانفاق في المباحات وهو منقسم إلى قسمين، أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله فهذا ليس بإضاعة ولا إسراف. والثاني: فيما لا يليق به عرفا فإن كان لدفع مفسدة إما حاضرة أو متوقعة فذلك ليس بإسراف، وإن لم يكن كذلك فالجمهور على أنه إسراف. قال ابن دقيق العيد: ظاهر القرآن أنه إسراف وصرح بذلك القاضي حسين فقال في قسم الصدقات: هو حرام وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي في الكلام على الغارم، وقال الباجي من المالكية: إنه يحرم استيعاب جميع المال بالصدقة، قال: ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ولا بأس به إذا وقع نادرا لحادث كضيف أو عيد أو وليمة. والاتفاق على كراهة الانفاق في البناء الزائد على قدر الحاجة ولا سيما إن انضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرف، وكذلك احتمال الغبن الفاحش في المبايعات بلا سبب. وقال السبكي في الحلبيات: وأما إنفاق المال في الملاذ المباح فهو موضع اختلاف وظاهر قوله تعالى: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) *، أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف. ومن بذل مالا كثيرا في عرض يسير فإنه يعده العقلاء مضيعا انتهى. وقد تقدم الكلام في الزكاة على التصديق بجميع المال بما فيه كفاية. 4 - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين. أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم. الحديث دليل على وجوب إرضاء الوالد لوالديه وتحريم إسخاطهما فإن الاول فيه مرضاة الله، والثاني فيه سخطه فيقدم رضاهما على فعل ما يجب عليه من فروض الكافية كما في حديث ابن عمر أنه جاء رجل يستأذنه (ص) في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال ففيهما فجاهد، وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى رسول الله (ص) من اليمن فقال: يارسول الله إني قد هاجرتقال: هل لك أهل باليمن؟ فقال: أبواي، قال: أذنا لك؟ قال: لا قال: فارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما وفي إسناده مختلف فيه وكذلك غير الجهاد من الواجبات. وإليه ذهب جماعة من العلماء كالامير حسين ذكره في الشفاء والشافعي فقالوا: يتعين ترك الجهاد إذا لم يرض الابوان إلا فرض العين كالصلاة فإنها تقدم وإن لمن يرض بها الابوان بالاجماع. وذهب الاكثر لى أنه يجوز فعل فرض الكفاية والمندوب وإن لم يرض الابوان ما لم يتضرر بسبب فقد الولد، وحملوا الاحاديث على المبالغة في حق الوالدين وأنه يتبع رضاهما ما لم يكن في ذلك سخط الله كما قال تعالى * (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) * قلت: الآية إنما هي فيما إذا حملاه على الشرك ومثله غيره من الكبائر، وفيه دلالة على أنه لا يطيعهما في ترك فرض الكفاية والعين، لكن الاجماع خصص فرض العين. وأما إذا تعارض حق الاب وحق الام فحق الام مقدم لحديث البخاري قال رجل: يا رسول الله من أحق بحسن صحبتي؟ قال: أمك - ثلاث مرات - ثم

[ 165 ]

قال: أبوك فإنه دل على تقديم رضا الام على رضا الاب. قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للام ثلاث أمثال ما للاب قال: وكأن ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع. قلت: وإليه الاشارة بقوله تعالى: * (ووصينا الانسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها) * ومثلها: * (حملته أمه وهنا على وهن) *. قال القاضي عياض: ذهب الجمهور إلى أن الام تفضل على الاب في البر، ونقل الحارث المحاسبي الاجماع على هذا، واختلفوا في الاخ والجد من أحق ببره منهما؟ فقال القاضي: الاكثر الجد وجزم به الشافعية. ويقدم من أدلى بسببين على من أدلى بسبب، ثم القرابة من ذوي الرحم، ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجار، وأشار ابن بطال إلى أن الترتيب حيث لا يمكن البر دفعة واحدة. وورد في تقديم الزوج ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه الحاكم من حديث عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال زوجها، قلت فعلى الرجل؟ قال: أمه ولعل مثل هذا مخصوص بما إذا حصل التضرر للوالدين فإنه يقدم حقهما على حق الزوج جميعا بين الاحاديث. 5 - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو لاخيه ما يحب لنفسه متفق عليه. الحديث وقع في لفظ مسلم بالشك في قوله لاخيه أو لجاره. ووقع في البخاري لاخيه بغير شك. الحديث دليل على عظم حق الجار والاخ، وفيه نفي الايمان عمن لا يحب لهما ما يحب لنفسه، وتأوله العلماء بأن المراد منه نفي كمال الايمان، إذ قد علم من قواعد الشريعة أن من لم يتصف بذلك لا يخرج عن الايمان. وأطلق المحبوب ولم يعين. وقد عينه ما في رواية النسائي في هذا الحديث لفظ حتى يحب لاخيه من الخير ما يحب لنفسه قال العلماء: والمراد من الطاعات والامور المباحة. قال ابن الصلاح: وهذا قد يعد من الصعب الممتنع، وليس كذلك إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لاخيه في الاسلام ما يحب لنفسه من الخير. والقيام بذلك يحصل بأن يحب له مثل حصوله ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئا من النعمة عليه، وذلك سهل على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدغل. عافانا الله وإخواننا أجمعين ا ه‍. هذا على رواية الاخ. ورواية الجار عامة للمسلم والكافر والفاسق والصديق والعدو والقريب والاجنبي والاقرب جوارا والابعد، فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة لمحبة الخير له فهو في أعلى المراتب، ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به وهلم جرا إلى الخصلة الواحدة فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله. وقد أخرج الطبراني من حديث جابر الجيران ثلاثة: جار له حق وهو المشرك له حق الجوار، وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الاسلام وجار له ثلاثة حقوق جار مسلم له رحم له حق الاسلام والرحم والجوار وأخرج البخاري في الاد ب المفرد أن عبد الله بن عمر ذبح شاة فأهدى منها لجاره اليهودي. فإن كان الجار أخا أحب له ما يحب لنفسه، وإن كان كافرا أحب له الدخول

[ 166 ]

في الايمان مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الايمان. قال الشيخ محمد بن أبي جمرة: حفظ حق الجار مكمال الايمان والاضرار به من الكبائر لقوله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره قال: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة إلى الجار الصالح وغيره. والذي يشمل الجميع إرادة الخير وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية وترك الاضرار له إلا في الموضع الذي يحل له الاضرار بالقول والفعل. والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم وغير الصالح كفه عن الاذى وأمره بالحسنى على حسب مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكافر يعرض الاسلام عليه والترغيب فيه برفق. والفاسق يعظه بما يناسبه بالرفق ويستر عليه زلته وينهاه بالرفق فإن نفع وإلا هجره قاصدا تأديبه بذلك مع إعلامه بالسبب ليكف. ويقدم عند التعارض من كان أقرب إليه بابا كما في حديث عائشة: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما بابا أخرجه البخاري، والحكمة فيه أن الاقرب بابا يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف له بخلاف الابعد. وتقدم أن حد الجار أربعون دارا من كل جهة، وجاء عن علي عليه السلام: من سمع النداء فهو جار وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار. 6 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله (ص) أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا) هو الشبه ويقال له: ند ونديد (وهو خلقك قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة) بفتح الحاء المهملة الزوجة (جارك متفق عليه) قال تعالى: * (فلا تجعلوا لله أندادا) * وقال تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) * والآية الاخرى * (خشية إملاق) * وقوله: أن تزاني بحليلة جارك أي بزوجته التي تحل له وعبر بتزاني لان معناه تزني بها برضاها. وفيه فاحشة الزنا وإفساد المرأة على زوجها واستمالة قلبها إلى غيره، وكل ذلك فاحشة عظيمة. وكونها حليلة الجار أعظم، لان الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويركن إليه، وقد أمر الله تعالى برعاية حقه والاحسان إليه، فإذا قابل هذا بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن منه غيره كان غاية في القبح. والحديث دليل أن أعظ المعاصي الشرك ثم القتل بغير حق وعليه نص الشافعي، ثم تختلف الكبائر باختلا ف مفاسدها الناشئة عنها. 7 - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال: من الكبائر شتم الرجل والديه قيل: وهل يسب الرجل والديه قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه متفق عليه. قوله: شتم الرجل والديه أي يتسبب إلى شتمهما فهو من المجاز المرسل من استعماله المسبب في السبب، وقد بينه صلى الله عليه وسلم بجوابه عمن سأله: نعم. وفيه تحريم التسبب إلى أذية الوالدين وشتمهما، ويأثم الغير بسبه لهما، قال ابن بطال: هذا الحديث أصل في سد الذرائع

[ 167 ]

ويؤخذ منه أنه إن أمره إلى محرم حرم عليه الفعل وإن لم يقصد المحرم، وعليه دل قوله تعالى: * (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) *. واستنبط منه الماوردي تحريم بيع الثوب الحرير إلى من يتحقق منه لبسه، والغلام الامرد إلى من يحقق منه فعل الفاحشة، والعصير لمن يتخذه خمرا. وفي الحديث دليل على أنه يعمل بالغالب، لان الذي يسب أبا الرجل قد لا يجازيه بالسب، لكن الغالب هو المجازاة. 8 - (وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام متفق عليه. نفي الحل دال على التحريم، فيحرم هجران المسلم فوق ثلاثة أيام. ودل مفهومه على جوازه ثلاثة أيام. وحكمه جواز ذلك هذه المدة، أن الانسان مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفي له هجر أخيه ثلاثة أيام ليذهب العارض تخفيفا على الانسان ودفعا للاضرار به، ففي اليوم الاول يسكن غضبه وفي الثاني يراجع نفسه، وفي الثالث يعتذر، وما زاد على ذلك كان قطعا لحقوق الاخوة. وقد فسر معنى الهجر بقوله: يلتقيان... إلى آخره وهو الغالب من حال المتهاجرين عند اللقاء. وفيه دلالة على زوال الهجر له برد السلام، وإليه ذهب الجمهور ومالك والشافعي، واستدل له بما رواه الطبراني من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود في أثناء حديث موقوف، وفيه ورجوعه أن يأتي فيسلم عليه قال أحمد وابن القاسم: إن كان يؤذيه ترك الكلام فلا يكفيه رد السلام بل لا بد من الرجوع إلى الحال الذي كان بينهما، وقيل: ينظر إلى حال المهجور فإن كان خطابه بما زاد على السلام عند اللقاء مما تطيب به نفسه ويزيل علة الهجر كان من تمام الوصل وترك الهجر، وإن كان لا يحتاج إلى ذلك كفي السلام. وأما فوق اليوم الثالث، فقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث لمن كانت مكالمته تجلب نقصا على المخالف له في دينه أو مضرة تحصل عليه في نفسه أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. وتقدم الكلام في هجر من يأتي ما يلام عليه شرعا، وقد وقع من السلف التهاجر بين جماعة من أعيان الصحابة والتابعين وتابعيهم وقد عد الشارح جماعة من أولئك يستنكر صدوره من أمثالهم أقاموا عليه، ولهم أعذار إن شاء الله، والحمل على السلامة متعين والعباد مظنة المخالفة. وأما قول الذهبي: إنه لا يقبل جرح الاقران بعضهم على بعض سيما السلف قال: وحدهم رأس ثلاثمائة من الهجرة، فقد بينا اختلال ما قال في ثمرات النظر في علم الاثر، وقد نقل في الشرح قضايا كثيرة لا يحسن ذكرها إذ طي ما لا يحسن ذكره لا يحسن نشره. 9 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): كل معروف صدقة أخرجه البخاري. المعروف: ضد المنكر. ابن أبي جمرة: يطلق اسم المعروف على ما عرف من أدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا، فإن قارنته

[ 168 ]

النية أجر صاحبه جزما، وإلا ففيه احتمال. والصدقة: هي ما يعطيه المتصدق لله تعالى، فيشمل الواجبة والمندوبة، والاخبار عنه بأنه صدقة من باب التشبيه البليغ، وهو إخبار بأن له حكم الصدقة في الثواب، وأنه لا يحتقر الفاعل شيئا من المعروف ولا يبخل به، وفي الحديث إن كل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة والامر بالمعروف صدقة والنهي عن المنكر صدقة وقال: في بضع أحدكم صدقة، والامساك عن الشر صدقة وغير ذلك من الاعمال الصالحة ولفظ كل معروف عام. وقد أخرج الترمذي وحسنه مرفوعا من حدي‍ ث أبي ذر تبسمك في وجه أخيك صدقة لك، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة لك، وإرشادك في أرض الضلالة صدقة لك، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق صدقة لك، وإفراغك من دلوك إلى دلو أخيك صدقة وأخرجه ابن حبان في صحيحه. وفي الاحاديث إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر فيما هو أصلها، وهو ما أخرجه الانسان من ماله متطوعا، فلا تختص بأهل اليسار، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الاحوال من غير مشقة، فإن كل شئ يفعله الانسان أو يقوله من الخير يكتب له به صدقة. 10 - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا تحقرن من المعروف ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. بإسكان اللام ويقال: طليق. والمراد: سهل منبسط. 11 - (وعنه) أي أبي ذر (قال: قال رسول الله (ص): إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك أخرجهما مسلم. فيهما الحث على فعل المعروف ولو بطلاقة الوجه والبشو الابتسام في وجه من يلاقيه من إخوانه، وفيه الوصية بحق الجار وتعاهده ولو بمرقة تهديها إليه. 12 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من نفس) لفظ مسلم: من فرج (عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسرعلى معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) هذا ليس في مسلم كما قال الشارح وقد أخرجه غيره (ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه أخرجه مسلم). الحديث فيه مسائل: الاولى: فضيلة من فرج عن المسلم كربة من كرب الدنيا، وتفريجها إما بإعطائه من ماله إن كانت كربته من حاجة، أو بذل جاهه في طلبه له من غيره أو قرضه، وإن كانت كربته من ظلم ظالم له فرجها بالسعي في رفعها عنه أو تخفيفها، وإن كانت كربة مرض أصابه أعانه على الدواء إن كان لديه أو على طبيب ينفعه، وبالجملة تفريج الكرب باب واسع فإنه يشمل إزالة كل ما ينزل بالعبد أو تخفيفه. الثانية: التيسير على المعسر هو أيضا من تفريج الكرب، وإنما خصه لانه أبلغ، وهو إنظاره لغريمه في الدين أو إبراؤه له منه أو غير ذلك، فإن الله ييسر له عليه أموره ويسهلها له لتسهيله لاخيه فيما عنده له.

[ 169 ]

والتيسير لامور الآخرة بأن يهون عليه المشاق فيها ويرجح وزن الحسنات ويلقي في قلوب من هم عنده حق يجب استيفاؤه منه في الآخرة المسامحة وغير ذلك. ويؤخذ منه أن من عسر على معسر عسر عليه، ويؤخذ منه أنه لا بأس على من عسر على موسر لان مطله ظلم يحل عرضه وعقوبته. الثالثة: من ستر مسلما اطلع منه على ما لا ينبغي إظهاره من الزلات والعثرات فإنه مأجور بما ذكره من ستره في الدنيا والآخرة، فيستره في الدنيا بأن لا يأتي زلة يكره اطلاع غيره عليها، وإن أتاها لم يطلع الله عليها أحدا، وستره في الآخرة بالمغفرة لذنوبه وعدم إظهار قبائحه وغير ذلك، وقد حث صلى الله عليه وسلم على الستر فقال في حق ماعز هلا سترت عليه بردائك يا هزال. وقال العلماء: وهذا الستر مندوب لا واجب فلو رفعه إلى السلطان كان جائزا له ولا يأثم به. قلت: ودليله أنه (ص) لم يلم هزالا ولا أبان له أنه آثم، بل حرضه على أنه كان ينبغي له ستره، فإن علم أنه تاب وأقلع حرم عليه ذكر ما وقع منه ووجب عليه ستره، وهو في حق من لا يعرف بالفساد والتمادي في الطغيان، وأمامن عرف بذلك فإنه لا يستحب الستر عليه بل يرفع أمره إلى من له الولاية إذا لم يخف من ذلك مفسدة، وذلك لان الستر عليه يغريه على الفساد ويجرئه على أذية العباد ويجرئ غيره من أهل الشر والعناد، وهذا يعد انقضاء فعل المعصية. فأما إذا رآه وهو فيها فالواجب المبادرة لانكارها والمنع منها مع القدرة على ذلك، ولا يحل تأخيره، لانه من باب إنكار المنكر لا يحل تركه مع الامكان. وأما إذا رآه يسرق مال زيد فهل يجب عليه أخبار زيد بذلك أو ستر السارق؟ الظاهر أنه يجب عليه إخبار زيد، وإلا كان معينا للسارق بالكتم منه على الاثم والله تعالى يقول: * (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) *. وأما جرح الشهود والرواة والامناء على الاوقاف والصدقات وغير ذلك فإنه من باب نصيحة المسلمين الواجبة على كل من اطلع عليها، وليس من الغيبة المحرم بل من النصيحة الواجبة وهو مجمع عليه. الرابعة: الاخبار بأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، فإنه دال على أنه تعالى يتولى إعانة من أعان أخاه، وهو يدل على أنه يتولى عونه في حاجة العبد التي يسعى فيها، وفي حوائج نفسه فينال من عون الله ما لم يكن يناله بغير إعانته، وإن كان تعالى هو المعين لعبده في كل أموره، لكن إذا كان في عون أخيه زادت إعانة الله، فيؤخذ منه أنه ينبغي للعبد أن يشتغل بقضاء حوائج أخيه فيقدمها على حاجة نفسه لينال من الله كمال الاعانة في حاجاته. وهذه الجمل المذكورة في الحديث دلت على أنه تعالى يجازي العبد من جنس فعله، فمن ستر ستر عليه، ومن يسر يسر عليه، ومن أعان أعين. ثم إنه تعالى بفضله وكرمه جعل الجزاء في الدارين في حق الميسر على المعسر والساتر للمسلم، وجعل تفريج الكربة يجازي به في يوم القيامة، كأنه لعظائم يوم القيامة أخر عزوجل جزاء تفريج الكربة، ويحتمل أن يفرج عنه في الدنيا أيضا لكنه طوي في الحديث وذكر ما هو أهم. 1 3 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من دل على خير فله مثل أجر فاعله أخرجه مسلم. دل الحديث على أن الدلالة على

[ 170 ]

الخير يؤجر بها الدال عليه كأجر فاعل الخير، وهو مثل حديث من سن سنة حسنة في الاسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها والدلالة تكون بالاشارة على الغير بفعل الخير وعلى إرشاد ملتمس الخير على أنه يطلبه من فلان، والوعظ والتذكير وتأليف العلوم النافعة. ولفظ خير يشمل الدلالة على خير الدنيا والآخرة فلله در الكلام النبوي ما أشمل معانيه وأوضح مبانيه ودلالته على خير الدنيا والآخرة. 14 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له أخرجه البيهقي. وقد أخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم وفيه زيادة: ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه وفي رواية فإن عجزتم عن مكافأته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم. فإن الله يحب الشاكرين وأخرج الترمذي وقال حسن غريب ومن أعطي عطية فوجد فليجز بها فإن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور. والحديث دليل على أن من استعاذ بالله من أي أمر طلب منه غير واجب عليه فإنه يعاذ ويترك ما طلب منه أن يفعل، وأنه يجب إعطاء من سأله بالله وإن كان قد ورد أنه لا يسأل بالله إلا الجنة. فمن سأل من المخلوقين بالله شيئا وجب إعطاؤه إلا أن يكون منهيا عن إعطائه، وقد أخرج الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح إلا شيخه - وهو ثقة على كلام فيه - من حديث أبي موسى الاشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا بضم الهاء وسكون الجيم أي أمرا قبيحا لا يليق، ويحتمل ما لم يسأل سؤالا قبيحا أي بكلام يقبح، ولكن العلماء حملوا هذا الحديث على الكراهة، ويحتمل أنه يراد به المضطر، ويكون ذكره هنا أن منعه مع سؤاله بالله أقبح وأفظع ويحمل لعن السائل على ما إذا ألح في المسألة حتى أضجر المسؤول. ودل الحديث على وجوب المكافأة للمحسن، إلا إذا لم يجد فإنه يكافئه بالدعاء، وأجزأه إن علم أنه قد طابت نفسه أو لم تطب به، وهو ظاهر الحديث. باب الزهد والورع الزهد: هو قلة الرغبة في الشئ، وإن شئت قلت: قلة الرغبة عنه. وفي اصطلاح أهل الحقيقة: بغض الدنيا والاعراض عنها، وقيل: ترك راحة الدنيا لراحة الآخرة، وقيل: أن

[ 171 ]

يخلو قلبك مما خلت منه يدك. وقيل: بذل ما تملك ولا تؤثر ما تدرك. وقيل: ترك الاسف على معدوم، ونفي الفرح بمعلوم. قاله المناوي في تعريفاته. وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذر مرفوعا الزهادة في الدنيا ليست بتحر الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك انتهى فهذا التفسير النبوي يقدم على كل تفسير. والورع: تجنب الشبهات خوف الوقوع في محرم، وقيل ترك ما بريبك إلى ونفي ما يعيبك، وقيل: الاخذ بالاوثق وحمل النفس على الاشق، وقيل النظر في المطعم واللباس وترك ما به بأس. وقيل: تجنب الشبهات، ومراقبة الخطرات. - (عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: - وأهوى النعمض ان بإصبعيه إلى أذنيه - إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات) ويروى مشبهات بضم الميم وتشديد الموحدة ومشبهات بضمها أيض وتخفيف الموحدة (لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ) بالهمزة من البراءة أي حصل له البراءة من الذم الشرعي وصان عرضه من ذم الناس (لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) أي يوشك أن يقع فيه، وإنما حذفه لدلالة ما بعده عليه، إذ لو كان الوقوع في الشبهات وقوعا في الحرام لكانت من قسم الحرام البين، وقد جعلها قسما برأسه، وكما يدل له التشبيه بقوله: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب متفق عليه). أجمع الائمة على عظم شأن هذا الحديث وأنه من الاحاديث التي تدور عليها قواعد الاسلام، قال جماعة: هو ثلث الاسلام، فإن دورانه عليه وعلى حديث الاعمال بالنيات وعلى حديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقال أبو داود: إنه يدور على أربعة. هذه ورابعها حديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه وقيل: حديث ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. قوله: الحلال بين أي قد بينه الله ورسوله إما بالاعلام بأنه حلال نحو * (أحل لكم صيد البحر) * الآية وقوله تعالى: * (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) * أو سكت عنه تعالى ولم يحرمه فالاصل حله، أو بما أخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه حلال امتن الله ورسوله به، فإنه لازم حله وقوله: والحرام بين أي بينه الله لنا في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم نحو * (حرمت عليكم الميتة) * أو بالنهي عنه نحو * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) *. والاخبار عن الحلال بأنبين إعلام بحل الانتفاع به في وجوه النفع، كما أن الاخبار بأن الحرام بين إعلام باجتنابه. وقوله: وبينهما مشتبهات لا يعلمهن

[ 172 ]

كثير من الناس المراد بها التي لم يعرف حلها ولا حرمتها فصارت مترددة بين الحل والحرمة عند الكثير من الناس، وهم الجهال، فلا يعرفها إلا العلماء بنص، فما لم يوجد فيه شئ من ذلك اجتهد فيه العلماء وألحقوه بأيهما بقياس أو استصحاب أو نحو ذلك، فإن خفي دليله فالور تركه ويدخل تحت فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ - أي أخذ بالبراءة - لدينه وعرضه، فإذا لم يظهر فيه للعالم دليل تحريمه ولا حله فإنه يدخل في حكم الاشياء قبل ورود الشرع، فمن لا يثبت للعقل حكما، يقول: لا حكم فيها بشئ لان الاحكام شرعية، والفرض أنه لا يعرف فيها حكم شرعي ولا حكم للعقل، والقائلون بأن العقل حاكم، لهم في ذلك ثلاثة أقوال التحريم والاباحة والوقف. وإنما اختلف في المشتبهات هل هي مما اشتبه تحريمه أو ما اشتبه بالحرام الذي قد صح تحريمه؟ رجح المحققون الاخير، ومثلوا ذلك بما ورد في حديث عقبة بن الحارث الصحابي الذي أخبرته أمة سوداء بأنها أرضعته وأرضعت زوجته فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل؟ فقد صح تحريم الاخت من الرضاعة شرعا قطعا وقد التبست عليه زوجته بهذا الحرام المعلوم، ومثله التمرة التي وجدها صلى الله عليه وسلم في الطريق فقال: لولا أني أخاف أنها من الزكاة أو من الصدقة لاكلتها فقد صح تحريم الصدقة عليه ثم التبست هذه التمرة بالحرام المعلوم وأما ما التبس هل حرمه الله علينا أم لا؟ فقد وردت أحاديث دالة على أنه حلال، منها حديث سعد بن أبي وقا ص: إن من أعظم الناس إثما في المسلمين من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته فإنه يفيد أنه كان قبل سؤاله حلالا، ولما اشتبه عليه سأل عنه فحرم من أجل مسألته، ومنها حديثما سكت الله عنه فهو مما عفى عنه له طرق كثيرة ويدل له قوله تعالى: * (ويحلهم الطيبات) * فكل ما كان طيبا ولا يثبت تحريمه فهو حلال وإن اشتبه علينا تحريمه، والمراد بالطيب هو ما أحله الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سكت عنه، والخبيث ما حرمه وإن عدته النفوس طيبا، كالخمر، فإنه أحد الاطيبين في لسان العرب في الجاهلية. وقال ابن عبد البر: إن الحلال الكسب الطيب وهو الحلال المحض، وإن المتشابه عندنا في حيز الحلال بدلائل ذكرناها في غير هذا الموضع، ذكره صاحب تنضيد التمهيد في الترغيب في الصدقة نقله عن السيد محمد بن إبراهيم وقد حققنا أنه من قسم الحلال البين في رسالتنا المسماة القول المبين. وقال الخطابي: ما شككت فيه فالاولى اجتنابه، وهو على ثلاثة أحوال: واجب، ومستحب، ومكروه، فالواجب اجتناب ما يستلزم المحرم، والمندوب اجتناب معاملة من غلب على ماله الحرام، والمكروه اجتناب الرخصة المشروعة ا ه‍. قال في الشرح: وقد ينازع في المندوب فإنه إذا كان لاغلب الحرام فأولى أن يكون واجب الاجتناب وهو الذي بني عليه الهادوية في معاملة الظالم فيما لم يظن تحريمه، لان الذي غلب عليه الحرام يظن فيه التحريم ا ه‍ وقد أوضحنا هذا في حواشي ضوء النهار. وقسم الغزالي الورع أقساما: ورع الصديقين وهو ترك ما لم تكن فيه بينة واضحة على حله، وورع المتقين وهو ما لا شبهة فيه ولكن يخاف أن يجر إلى الحرام،

[ 173 ]

وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع وإلا فهو ورع الموسوسين قلت: ورع الموسوسين قد بوب البخاري فقال: باب من لم ير الوسواس في الشبهات كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون انفلت من إنسان، وكمن ترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حرام أم حلال ولا علامة تدل على ذلك التحريم، وكمن ترك تناول شئ لخبر ورد فيه متفق على ضعفه ويكون دليل إباحته قويا وتأويله ممتنع أو مستبعد، والكلام في الحديث متسع وفي هذا كفاية. وقوله إن لكل ملك حمى إخبار عما كانت عليه ملوك العرب وغيرهم، فإنه كان لكل واحد حمى يحميه من الناس ويمنعهم عن دخوله، فمن دخله أوقع به العقوبة ومن أراد نجاة نفسه من العقوبة لم يقربه خوفا من الوقوع فيه، وذكر هذا كضرب المثل للمخاطبين، ثم أعلمهم أن حماه تعالى: الذي حرمه على العباد. وقوله: ومن وقع في الشبهات إلخ أي من وقع فيها فقد حام حول حمى الحرام فيقرب ويسرع أن يقع فيه. وفيه إرشاد إلى البعد عن ذرائع الحرام وإن كانت محرمة، فإنه يخاف من الوقوع فيها الوقوع فيه، فمن احتاط لنفسه لا يقرب الشبهات لئلا يدخل في المعاصي. ثم أخبر صلى الله عليه وسلم منبها مؤكدا بأن في الجسد مضغة وهي القطعة من اللحم، سميت بذلك لانها تمضغ في الفم لصغرها وأنها مع صغرها عليها مدار صلاح الجسد وفساده، فإن صلحت صلح وإن فسدت فسد. وفي كلام الغزالي أنه لا يراد بالقلب المضغة إذ هي موجودة للبهائم مدركة بحاسة البصر بل المراد بالقلب لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق. وتلك اللطيفة هي حقيقة الانسان وهي المدركة العارفة من الانسان، وهو المخاطب والمعاقب والمطالب، ولهذه اللطيفة علاقة مع القلب الجسماني. وذكر أن جميع الحواس والاعضاء أجناد مسخرة للقلب، وكذلك الحواس الباطنة في حكم الخدم والاعوان وهو المتصرف فيها والمردد لها، وقد خلقت مجبولة على طاعة القلب لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا، فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت، وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت، وإذ ا أمر اللسان بالكلام وجزم به تكلم، وكذا سائر الاعضاء وتسخير الاعضاء والحواس للقلب يشبه - من وجه - تسخير الملائكة لله تعالى، فإنهم جبلوا على طاعته لا يستطيعون له خلافا، وإنما يفترقان في شئ وهو أن الملائكة عالمة بطاعتها للرب والاجفان تطيع القلب بالانفتاح والانطباق على سبيل التسخير، وإنما افتقر القلب إلى الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره إلى الله تعالى وقطع المنازل إلى لقائه فلاجله خلقت القلوب قال الله تعالى: * (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) * وإنما مركبه البدن وزاده العلم وإنما الاسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزود منه هو العمل الصالح، ثم أطال في هذا المعنى بما يحتمل مجلدة لطيفة، وإنما أشرنا إلى كلامه ليعلم مقدار الكلام النبوي وأنه بحر قطارته لا تنزف، وأما كونه محل العقل أو محله الدماغ فليست من مسائل علم الآثار حتى يشتغل بذكرها وذكر الخلاف فيها. 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص):

[ 174 ]

تعس) في القاموس كسمع ومنع، وإذا خاطبت قلت: تعس كمنع، وإذا حكيت قلت: تعس كفرح وهو الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط (عبد الدينار والدرهم والقطيفة الثوب الذي له خمل إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض. أخرجه البخاري أراد بعبد الدينار والدرهم من استعبدته الدنيا بطلبها وصار كالعبد لها تتصرف فيه تصرف المالك لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها وذكر الدينار والقطيفة مجرد مثال، وإلا فكل من استعبدته الدنيا في أي أمر وشغلته عما أمر الله تعالى، وجعل رضاه وسخطه متعلقا بنيل ما يريد أو عدم نيله فهو عبده، فمن الناس من يستعبده حب الامارات، ومنهم من يستعبده حب الصور، ومنهم من يستعبده حب الاطيان. واعلم أن المذموم من الدنيا كل ما يبعد العبد عن الله تعالى ويشغله عن واجب طاعته وعبادته، لا ما يعينه على الاعمال الصالحة فإنه غير مذموم وقد يتعين طلبه ويجب عليه تحصيله. وقوله رضي أي عن الله بما ناله من حطامها وإن لم يعط لم يرض أي عنه تعالى ولا عن نفسه فصار ساخطا، فهذا الذي تعس لانه أدار رضاه على مولاه وسخطه على نيل الدنيا وعدمه. والحديث نظير قوله تعالى: * (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) * الآية. 3 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله (ص) بمنكبي) يروى بالافراد والتثنية، وهو بكسر الكاف، مجمع الكتف والعضد (فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك. أخرجه البخاري). الغريب: من لا مسكن له يأويه، ولا سكن يأنس به ولا بلد يستوطن فيه، قيل في المسيح: سعد المسيح يسيح لا ولد يموت ولا بناء يخرب. وعطف عابر سبيل من باب عطف الترقي وأو ليست للشك بل للتخيير أو الاباحة، والامر للارشاد. والمعنى: قدر نفسك ونزلها منزلة من هو غريب أو عابر سبيل، لان الغريب قد يستوطن، ويحتمل أن أو للاضراب والمعنى، بل كن في الدنيا كأنك عابر سبيل لان الغريب قد يستوطن بلدا بخلاف عابر السبيل، فهمه قطع المسافة إلى مقصده والمقصد هنا إلى الله * (وأن إلى ربك المنتهى) *. قال ابن بطال لما كا الغريب قليل الانبساط إلى

[ 175 ]

الناس بل هو مستوحش منهم لا يكاد يمر بمن يعرفه فيأنس به فهو ذليل في نفسه خائف وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته وتخفيفه من الاثقال غير متشبث بما يمنعه عن قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى ما يعنيه من مقصده، وفي هذا إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا وأخذ البلغة مهنا والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره فكذلك المؤمن لا يحتاج في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل، وقوله: وكان ابن عمر إلخ قال بعض العلماء: كلام ابن عمر متفرع من الحديث المرفوع وهو متضمن لنهاية تقصير الاجل من العاقل إذا أمسى ينبغي له أن لا ينتظر الصباح إذا أصبح ينبغي له أن لا ينتظر المساء بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك. وفي كلامه الاخبار بأنه لا بد للانسان من الصحة والمرض فيغتنم أيام صحته وينفق ساعاته فيما يعود عليه نفعه فإنه لا يدري متى ينزل به مرض يحول بينه وبين فعل الطاعة ولانه إذا مرض كتب له ما كان يعمل صحيحا فقد أخذ من صحته لمرضه حظه من الطاعات. وقوله: من حياتك لموتك أي خذ من أيام الحياة والصحة والنشاط لموتك يتقديم ما ينفعك بعد المو ت وهو نظير حديث بادروا بالاعمال سبعا ما تنتظروا إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أمرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فإنه شر منتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر أخرجه الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة. 4 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): من تشبه بقوم فهو منهم أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان الحديث فيه ضعيف وله شواهد عند جماعة من أئمة الحديث عن جماعة من الصحابة تخرجه عن الضعف، ومن شواهده ما أخرجه أبو يعلي مرفوعا من حديث ابن مسعود من رضي عمل قوم كان منهم والحديث دال على أن من تشبه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو المبتدعفي أي شئ مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة، قالوا: فإذا تشبه بالكفار في زي واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر فإن لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء منهم من قال: يكفر وهو ظاهر الحديث ومنهم من قال: لا يكفر ولكن يؤدب. 5 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي (ص) يوما فقال: يا غلام احفظ الله جواب الامر (احفظ الله تجده) مثله (تجاهك) في القاموس وتجاهك مثلين تلقاء وجهك، (وإذا سألت) حاجة من حوائج الدارين، (فاسأل الله) فإن بيده أمورهما، وإذا استعنت فاستعن بالله رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وتمامه: واعلم أن الامة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك جفت الاقلام وطويت الصحف، وأخرجه أحمد عن ابن عباس بإسناد حسن بلفظ: كنت رديف النبي (ص) فقال: يا غلام أو يا غليم، إلا

[ 176 ]

أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت: بلى. قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق جميعا أرادوا أن ينفعوك بشئ لم يقضه الله تعالى لم يقدوا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشئ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر وأن الفرح مع الكرب، وأن مع العسر يسرا وله ألفاظ أخر وهو حديث جليل أفرده بعض علماء الحنابلة بتصنيف مفرد فإنه اشتمل على وصايا جليلة. والمراد من قوله: احفظ الله أي حدوده وعهوده وأوامره ونواهيه. وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده أن لا يتجاوزها ولا يتعدى ما أمر به إلى ما نهى عنه، فيدخل في ذلك فعل الواجبات كلها وترك المنهيات كلها. وقال تعالى: * (والحافظون لحدود الله) * وقال: * (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ) * فسر العلماء الحفيظ بالحافظ لاوامر الله، وفسر بالحفظ لذنوبه حتى يرجع منها فأمره (ص) بحفظ الله يدخل فيه كل ما ذكر وتفاصيلها واسعة. وقوله: تجده أمامك وفي اللفظ الآخر يحفظك، والمعنى متقارب: أي تجده أمامك بالحفظ لك من شرور الدارين جزاء وفاقا من باب وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم يحفظه في دنياه عن غشيان الذنوب، وعن كل أمر مرهوب، ويحفظ ذريته من بعده كما قال تعالى: * (وكان أبوهما صالحا) *. وقوله: فاسأل الله امر بإفراد الله عزو جل بالسؤال وإنزال الحاجات به وحده، وأخرج الترمذي مرفوعا سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وفيه من حديث أبي هريرة مرفوعا من لا يسأل الله يغضب عليه وفيه إن الله يحب الملحين في الدعاء وفي حديث آخر: يسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع. وقد بايع النبي صلى اللتعالى عليه وسلم جماعة من الصحابة على أن لا يسألوا الناس شيئا منهم الصديق وأبو ذر وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو يسقط خطام ناقته فلا يسأل أحدا أن يناوله، وإفراد الله بطلب الحاجات دون خلقه يدل له العقل والسمع، فإن السؤال بذل لماء الوجه وذل لا يصلح إلا لله تعالى، لانه القادر على كل شئ الغني مطلقا والعباد بخلاف هذا. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم حديث قدسي فيه: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر وزاد في الترمذي وغيره وذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون. وقوله إذا استعنت فاستعن بالله مأخوذ من قوله: * (وإياك نستعى) * أي نفردك بالاستعانة. أمره صلى الله عليه وسلم أن يستعين بالله وحده في كل أموره، أي إفراده بالاستعانة على ما يريده. وفي إفراده تعالى بالاستعانة فائدتان: فالاولى: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في الطاعات. والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عزوجل فمن أعانه الله فهو المعان،

[ 177 ]

ومن خذله فهو المخذول. وفي الحديث الصحيح احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وعلم صلى الله عليه وسلم العباد أن يقولوا في خطبة الحاجة: الحمد لله نستعينه وعلم معاذا أن يقول دبر الصلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك فالعبد أحوج شئ إلى مولاه في طلب إعانته على فعل المأمورات وترك المحظورات والصبر على المقدورات. قال يعقوب صلى الله عليه وسلم في الصبر على المقدور: * (والله المستعان على ما تصفون) *. وما ذكر من هذه الوصايا النبوية لا ينافي القيام بالاسباب، فإنها من جملة سؤال الله والاستعانة به، فإن من طلب رزقه بسبب من أسباب المعاش المأذون فيها رزق من جهته فهو منه تعالى، وإن حرم فهو لمصلحة لا يعلمها ولو كشف الغطاء لعلم أن الحرمان خير من العطاء، والكسب الممدوح المأجور فاعله عليه هو ما كان لطلب الكفاية له ولمن يعوله، أو الزائد على ذلك إذا كان يعده لقرض محتاج أو صلة رحم أو إعانة طالب علم أو نحوه من وجوه الخير لا لغير ذلك، فإنه يكون من الاشتغال بالدنيا وفتح باب محبتها الذي هو رأس كل خطيئة. وقد ورد في الحديث كسب الحلال فريضة أخرجه الطبراني والبيهقي والقضاعي عن ابن مسعود مرفوعا وفيه عباد بن كثير ضعيف. وله شاهد من حديث أنس عند الديلمي طلب الحلال واجب ومن حديث ابن عباس مرفوعا طلب الحلال جهاد رواه القضاعي ومثله في الحلية عن ابن عمر. قال العلماء: الكسب الحلال مندوب أو واجب إلا للعالم المشتغل بالتدريس والحاكم المستغرقة أوقاته في إقامة الشريعة، ومن كان من أهل الولايات العامة كالامام فترك الكسب بهم أولى لما فيه من الاشتغال عن القيام بما هم فيه. ويرزقون من الاموال المعدة للمصالح. 6 - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس رواه ابن ماجه وغيره وسنده حسن. فيه خالد بن عمرو القرشي مجمع علتركه، ونسب إلى الوضع، فلا يصح قول الحاكم إنه صحيح. وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث مجاهد عن أنس برجال ثقات إلا أنه لم يثبت سماع مجاهد من أنس وقد روي مرسلا، وقد حسن النووي الحديث كأنه لشواهده. والحديث دليل على شرف الزهد وفضله وأنه يكون سببا لمحبة الله لعبده ولمحبة الناس له لان من زهد فيما هو عند العباد أحبوه، لانه جبلت الطبائع استثقال من أنزل بالمخلوقين حاجاته وطمع فيما في أيديهم. وفيه لا بأس بطلب محبة العباد، والسعي فيما يكسب ذلك، بل هو مندوب إليه أو واجب كما قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا وأرشد صلى الله عليه وسلم إلى إفشاء السلام فإنه من جوالب المحبة وإلى التهادي ونحو ذلك. 7 - (وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي أخرجه مسلم. فسر العلماء

[ 178 ]

محبة الله لعبده بأنها إرادته الخير له وهدايته ورحمته، ونقيض ذلك بغض الله له. والتقي: هو الآتي بما يجب عليه المجتنب لميحرم عليه. والغني: هو غني النفس، فإنه الغني المحبوب قال (ص): ليس الغني بكثرة العرض ولكن الغني غني النفس وأشار عياض إلى أن المراد به غني المال وهو محتمل. والخفي: - بالخاء المعجمة والفاء - أي الخامل المنقطع إلى عبادة الله والاشتغال بأمور نفسه، وضبطه بعض رواة مسلم بالحاء المهملة، ذكره القاضي عياض، والمراد به الوصول للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء. وفيه دليل على تفضيل الاعتزال وترك الاختلاط بالناس. 8 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) أي يهمه من عناه يعنوه ويعنيه أهمه (رواه الترمذي، وقال: حسن). هذا الحديث من جوامع الكلم النبوية، يعم الاقوال، كما روي أن في صحف إبراهيم عليه السلام من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. ويعم الافعال فيندرج فيه ترك التوسع في الدنيا وطلب المناصب والرياسة وحب المحمدة والثناء وغير ذلك ما لا يحتاج إليه المرء في إصلاح دينه وكفايته من دنياه. وأما اشتغال العلماء بالمسائل الفرضية فقيل: إنه ليس من الاشتغال بما لا يعني، بل هو مما يؤجرون فيه، لانهم لما عرفوا من الاحاديث النبوية أنه في آخر الزمان يقل العلم ويفشو الجهل اجتهدوا في ذلك لما يأتي من الزمان ومن يأتي من العباد المحتاجين إلى معرفة الاحكام مع عجزهم عن البحث فإنهم أتعبوا القرائح وخرجوا التخاريج وقدروا التقادير. والاعمال بالنيات. قلت: لا يخفى أن تخريج التخاريج وتقدير التقادير ليس من العلم المحمود، لان غايتها أقوال خرجت من أقوال المجتهدين وليست أقوالا لهم ولا أقوالا لمن يخرجها ولا احتياج إليها، والعمل بها مشكل إذ ليست لقائل، إذ القائل بها ليس بمجتهد ضرورة فلا يقلد لانه إنما يقلد مجتهد عدل، والفرض أن المخرجين ليسوا مجتهدين، وأما تقدير التقادير فإنه قسم من التخاريج إذ غالب ما يقدر أنه يجاب عنه بأقوال المخرجين، وفي كلام علي عليه السلام العلم نقطة كثرها الجهال، بل هذه الموضوعات في التخاريج كانت مضرة للناظر في الكتاب والسنة، إذ شغلت الناظرين عن النظر فيهما ونيل بركتهما فقطعوا الاعمار في تقرير تلك التخاريج. وقد أشبع الكلام على ذلك وعلى ذم الاشتغال به طوائف من علماء التحقيق، وإن كان الاشتغال بها قد عم كل فريق. 9 - (وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ما ملا ابن آدم وعاء شرا من بطن أخرجه الترمذي وحسنه. وأخرجه ابن حبان في صحيحه

[ 179 ]

وتمامه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلا لا محالة وفي لفظ ابن ماجه فإن غلبت ابن آدم نفسه فثلثا لطعامه. وثلثا لشرابه. وثلثا لنفسه. والحديث دليل على ذم التوسع في المأكول والشبع والامتلاء، والاخبار عنه بأنه شر لما فيه من المفاسد الدينية والبدنية، فإن فضل الطعام مجلبة للسقام ومثبطة عن القيام بالاحكام. وهذا الارشاد إلى جعل الاكل ثلث ما يدخل المعدة من أفضل ما أرشد إليه سيد الانام صلى الله عليه وسلم، فإنه يخف على المعدة ويستمد من البدن الغذاء وتنتفع به القوى ولا يتولد عنه شئ من الادواء. وقد ورد من الكلام النبوي شئ كثير في ذم الشبع، فقد أخرج البزار بإسنادين أحدهما رجاله ثقات مرفوعا بلفظ أكثرهم شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا يوم القيامة قاله صلى الله عليه وسلم لابي جحيفة لما تجشأ فقال: ما ملات بطني منذ ثلاثين سنة وأخرج الطبراني بإسناد حسن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة زاد البيهقي: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وأخرج الطبراني بسند جيد أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا عظيم البطن فقال بأصبعه: لو كان في غير هذا لكان خيرا لك وأخرج البيهقي واللفظ له وأخرجه الشيخان مختصرا ليؤتين يوم القيامة بالعظيم الطويل الاكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة اقرأوا إن شئتم * (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) *. وأخرج بن أبي الدنيا أنه (ص) أصابه جوع يوما فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ثم قال: ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم وصح حديث من الاسرا ف أن تأكل كل ما اشتهيت وأخرج البيهقي بإسناد فيه ابن لهيعة عن عائشة قالت: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين فقال: يا عائشة أما تحبين أن لا يكون لك شغل إلا جوفك؟ الاكل في اليوم مرتين من الاسراف والله لا يحب المسرفين وصح كلوا واشربوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني في الاوسط سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام فأولئك شرار أمتي. وقال لقمان لابنه: يا بني إذا امتلات المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الاعضاء عن العبادة، وفي الخلو عن الطعام فوائد، وفي الامتلاء مفاسد، ففي الجوع صفاء القلب وإيقاد القريحة ونفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في المعدة والدماغ كشبه السكر حتى يحتوي على معادن الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الافكار. ومن فوائده كسر شهوة المعاصي كلها، والاستيلاء على النفس الامارة بالسوء، فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى ومادة القوى الشهوات، والشهوات لا محالة الاطعمة، فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة، وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه، والشقاوة كلها في أن تملكه نفسه. قال ذو النون: ما شبعت قط إلا عصيت أو هممت بمعصية. وقالت عائشة رضي الله عنها: أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبع إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا. ويقال: الجوع

[ 180 ]

خزانة من خزائن الله، وأول ما يندفع بالجوع شهوة الفرج وشهوة الكلام فإن الجائع لا تتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص من آفات اللسان، ولا تتحرك عليه شهوة الفرج فيتخلص من الوقوع في الحرام. ومن فوائده قلة النوم فإن أكل كثير شرب كثيرا فنام طويلا وفي كثرة النوم خسران الدارين وفوات كل منفعة دينية ودنيوية. وعد الغزالي في الاحياء عشر فوائد لتقليل الطعام وعد عشر مفاسد للتوسيع منه، فلا ينبغي للعبد أن يعود نفسه ذلك فإنها تميل به إلى الشره ويصعب تداركها، وليرضها من أول الامر على السداد، فإن ذلك أهون له من أن يجرئها على الفساد، وهذا أمر لا يحتمل الاطالة إذ هو من الامور التجريبية التي قد جربها كل إنسان. والتجربة من أقسام البرهان. 10 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل بني آدم خطاء) أي كثيرو الخطأ إذ هو صيغة مبالغة (وخير الخطائين التوابون أخرجه، الترمذي وابن ماجه وسنده قوي). والحديث دال على أنه لا يخلو من الخطيئة إنسان لما جبل عليه هذا النوع من الضعف وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما إليه دعاه وتر ك ما عنه نهاه، ولكنه تعالى بلطفه فتح باب التوبة لعباده، وأخبر أن خير الخطائين التوابون المكثرون للتوبة على قدر كثرة الخطأ، وفي الاحاديث أدلة على أن العبد إذا عصى الله وتاب تاب الله عليه ولا يزال كذلك ولن يهلك على الله إلا هالك. وقد خص من هذا العموم يحيى بن زكريا عليه السلام فإنه قد ورد أنه ما هم بخطيئة. وروي أنه لقيه إبليس ومعه معاليق من كل شئ فسأله عنها فقال: هي الشهوات التي أصيب بها بني آدم فقال: هل لي فيها شئ؟ قال: ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة والذكر قال: هل غير ذلك، قال: لا قال: لله علي أن لا أملا بطني من طعام أبدا فقال إبليس: لله علي أن لا أنصح مسلما أبدا. 11 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): الصمت حكمة وقليل فاعله أخرجه البيهقي في الشعب بسند ضعيف وصحح أنه موقوف من قول لقمان عليه السلام. وسببه أن لقمان دخل على داود عليه السلام فرآه يسرد درعا لم يكن رآها قبل ذلك، فجعل يتعجب مما رأى فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته حكمته عن ذلك فترك ولم يسأله، فلما فر قام داود ولبسها ثم قال: نعم الدرع للحرب فقال لقمان: الصمت حكمة - الحديث. وقيل: تردد إليه سنة وهو يريد أن يعلم ذلك ولم يسأله. وفيه دليل على حسن الصمت ومدحه، والمراد به عن فضول الكلام. وقد وردت عدة أحاديث دالة على مدح الصمت، ومدحه العقلاء والشعراء وفي الحديث من صمت نجا وقال عقبة بن عامر: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك الحديث، وقال صلى الله عليه وسلم: من تكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة وقال معاذ رضي

[ 181 ]

الله عنه له صلى الله عليه وسلم: أنؤاخذ بما نقول؟ قال: ثكلتك أمك وهل يكب الناس على مناخره إلا حصائد ألسنتهم؟ وقال صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت والاحاديث فيه واسعة جدا والآثار عن السلف كذلك. واعلم أن فضول الكلام لا تنحصر، بل المهم محصور في كتاب الله تعالى حيث قال * (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) * وآفاته لا تنحصر فعد منها الخوض في الباطل وهو الحكاية للمعاصي من مخالطة النساء ومجالس الخمر ومواقف الفساق وتنعم الاغنياء وتجبر الملوك ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة، فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه فهذا حرام، ومنها الغيبة والنميمة وكفى بهما هلاكا في الدين ومنها المراء والمجادلة والمزاح، ومنه الخصومة والسب والفحش وبذاءة اللسان والاستهزاء بالناس والسخرية والكذب. وقدعد الغزالي في الاحياء عشرين آفة، وذكر في كل آفة كلاما بسيطا حسنا وذكر علاج هذا لافات. باب الترهيب من مساوئ الاخلاق 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أخرجه أبو داود ولابن ماجه من حديث أنس نحوه. إياكم ضمير منصوب على التحذير والمحذر منه الحسد. وفي الحسد أحاديث وآثار كثيرة، ويقال: كان أول ذنب عصي الله به الحسد، فإنه أمر إبليس بالسجود لآدم فحسده فامتنع عنه فعصى الله فطرده، وتولد من طرده كل بلاء وفتنة عليه وعلى العباد، والحسد لا يكون إلا على نعمة، فإذا أنعم الله على أخيك نعمة فلك فيها حالتان، إحداهما: أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها وهذه الحالة تسمى حسدا. الثانية أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها له ولكن تريد لنفسك مثلها فهذا يسمى غبطة، فالاول حرام على كل حال إلا نعمة على فاجر أو كافر وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذا ت البين وإيذاء العباد، فهذه لا يضرك كراهتك لها ولا محبتك زوالها فإنك لم تحبزوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة للفساد. ووجه تحريم الحسد مع ما علم من الاحاديث أنه تسخط لقدر الله تعالى وحكمته في تفضيل بعض عباده على بعض. ولذا قيل: ألا قل لمن كان لي حاسدا أتدري على من أسأت الادب أسأت على الله في فعله لا نك لم ترض لي ما وهب ثم الحاسد إن وقع له الخاطر بالحسد فدفعه وجاهد نفسه في دفعه فلا إثم عليه، بل لعله مأجور في مدافعة نفسه، فإن سعى في زوال نعمة المحسود فهو باغ، وإن لم يسمع ولم يظهره لمانع العجز، فإن كان بحيث لو أمكنه لفعل فهو مأزور وإلا فلا، أي لا وزر عليه لانه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهدتها أن لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها. وفي الاحياء: فإن كان بحيث لو ألقي الامر إليه ورد إلى اختياره لسعى في إزالة النعمة فهو

[ 182 ]

حسود حسدا مذموما، وإن كان نزعه التقوى عن إزالة ذلك فيعفى عنه ما يجده في نفسه من ارتياحه إلى زوال النعمة من محسوده مهما كان كاره لذلك من نفسه بعقله ودينه. وهذا التفصيل يشير إليه ما أخرجه عبد الرزاق مرفوعا: ثلاث لا يسلم منهن أحد: الطيرة والظن والحسد. قيل: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وأخرج أبو نعيم كل ابن آدم حسود ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد وفي معناه أحاديث لا تخلو عن مقال. وفي الزواجر لابن حجر الهيثمي: إن الحسد مراتب: وهي إما محبة زوال نعمة الغير وإن لم تنتقل إلى الحاسد وهذا غاية الحسد، أو مع انتقالها إليه أو انتقال مثلها إليه، وإلا أحب زوالها لئلا يتميز عليه أو لا مع محبة زوالها، وهذا الاخير هو المعفو عنه من الحسد إن كان في الدنيا والمطلوب إن كان في الدين انتهى، وهذا القسم الاخير يسمى غيرة، فإن كان في الدين فهو المطلوب وعليه حمل ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، والمراد أنه يغار ممن اتصف بهاتين الصفتين فيقتدي به محبة للسرور في هذا المسلك ولعل تسميته حسدا مجازا. والحديث دليل على تحريم الحسد، وأنه من الكبائر. ونسبة الاكل إليه مجاز من باب الاستعارة. وقوله كما تأكل النار الحطب تحقيق لذهاب الحسنات بالحسد كما يذهب الحطب بالنار ويتلاشى جرمه. واعلم أن دواء الحسد الذي يزيله عن القلب معرفة الحاسد أنه لا يضر بحسده المحسود في الدين ولا في الدنيا وأنه يعود وبال حسده عليه في الدارين إذ لا تزول نعمة بحسدقط، وإلا لم تبق لله نعمة على أحد حتى نعمة الايمان لان الكفار يحبون زواله عن المؤمنين، بل المحسود يتمتع بحسنات الحاسد لانه مظلوم من جهة، سيما إذا أطلق لسانه بالانتقاص والغيبة وهتك الستر وغيرها من أنواع الايذاء، فيلقى الله مفلسا من الحسنات محروما من نعمة الآخرة، كما حرم من نعمة سلامة الصدر وسكون القلب والاطمئنان في الدنيا، فإذا تأمل العاقل هذا عرف أنه جر لنفسه بالحسد كل غم ونكد في الدنيا والآخرة. 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ليس الشديد بالصرعة) بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبالعين المهملة على زنة همزة صيغة مبالغة أي كثير الصرع (إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب متفق عليه). المراد بالشديد هنا: شد القوة المعنوية وهي مجاهدة النفس وإمساكها عند الشر ومنازعتها للجوارح للانتقام ممن أغضبها، فإن النفس في حكم الاعداء الكثيرين، وغلبتها عما تشتهيه في حكم من هو شديد القوة في غلبة الجماعة الكثيرين فيما يريدونه منه. وفيه إشارة إلى أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو لانه صلى الله عليه وسلم جعل الذي يملك نفسه عند

[ 183 ]

الغضب أعظم الناس قوة. وحقيقة الغضب حركة النفس إلى خارج الجسد لارادة الانتقام والحديث فيه إرشاد إلى أن من أغضبه أمر وأرادت النفس المبادرة إلى الانتقام ممن أغضبه أن يجاهدها ويمنعها عما طلبت. والغضب غريزة في الانسان فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم، لان البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفر اللون، وإن كان على النظير تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر، والغضب يترتب عليه تغير الباطن والظاهر كتغير اللون والرعدة في الاطراف وخروج الافعال على غير ترتيب، واستحالة الخلقة حتى لو رأى الغضبان نفسه في حالة غضبه لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، هذا في الظاهر، وأما في الباطن فقبحه أشد من الظاهر، لانه يولد حقدا في القلب وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل قبح باطنه متقدم على تغير ظاهره، فإن تغير الظاهر ثمرة تغير الباطن فيظهر على اللسان الفحش والشتم، ويظهر في الافعال بالضرب والقتل وغير ذلك من المفاسد. وقد ورد في الاحاديث دواء هذا الداء. فأخرج ابن عساكر موقوفا الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار، والماء يطفئ النار فإذا غضب أحدكم فليغتسل وفي رواية فليتوضأ وأخرج ابن أبي الدنيا إذا غضب أحدكم فقال: أعوذ بالله سكن غضبه وأخرج أحمد إذا غضب أحدكم فليسكت وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان: إذا غضب أحدكم فليجلس فإذا ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع وأخرج أبو الشيخ الغضب من الشيطان فإذا وجده أحدكم قائما فليجلس وإن وجده جالسا فليضطجع. والنهي متوجه إلى الغضب على غير الحق، وقد بوب البخاري باب ما يجوز من الغضب والشدة لامر الله وقد قال تعالى: * (جاهد الكفار والمشركين واغلظ عليهم) * وذكر خمسة أحاديث في كل منها غضبه صلى الله عليه وسلم في أسباب مختلفة راجعة إلى أن كل ذلك كان لامر الله وإظهار الغضب فيه منه صلى الله عليه وسلم ليكون أوكد وقد ذكر تعالى في موسى وغضبه لما عبد قومه العجل وقال: * (ولما سكت عن موسى الغضب) *. 3 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): الظلم ظلمات يوم القيامة متفق عليه. الحديث من أدلة تحريم الظلم وهو يشمل جميع أنواعه، سواء كان في نفس أو مال أو عرض، في حق مؤمن أو كافر أو فاسق. والاخبار عنه بأنه ظلمات يوم القيامة فيه ثلاثة أقوال: قيل: هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلا حيث يسعى نور المؤمنين يوم القيامة بين أيديهم وبأيمانهم، وقيل إنه أريد بالظلمات الشدائد وبه فسر قوله تعالى: * (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) * أي من شدائدها، وقيل: إنه كناية عن النكال والعقوبات. 4 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): اتقوا

[ 184 ]

الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم أخرجه مسلم. في الشح وفي التفرقة بينه وبين البخل أقوال، فقيل في تفسير الشح إنه أشد من البخل وأبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل البخل في بعض الامور والشح عام، وقيل: البخل بالمال خاصة والشح بالمال والمعروف وقيل الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده. وقوله: فإنه أهلك من كان قبلكم يحتمل أن يريد الهلاك الدنيوي المفسر بما بعده في تمام الحديث وهو قوله: حملهم على أن يسفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم وهذا هلاك دنيوي، والحامل لهم هو شحهم على حفظ المال وجمعه وازدياده وصيانته عن ذهابه في النفقات، فضموا إليه مال الغير صيانة له، ولا يدرك مال الغير إلا بالحرب والغصيبة المفضية إلى القتل واستحلال المحارم، ويحتمل أن يراد به الهلاك الاخروي، فإنه يتفرع عما اقترفوه من ارتكاب هذه المظالم، والظاهر حمله على الامرين واعلم أن الاحاديث في ذم الشح والبخل كثيرة، والآيات القرآنية كقوله تعالى: * (والذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه) * * (ولا تحسبن الذين يبخلون بما اتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم) * * (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) * في الحديث ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه أخرجه الطبراني في الاوسط وفيه زيادة، وفي الدعاء النبوي: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن - إلى قوله - والبخل أخرجه الشيخان، وقال صلى الله عليه وسلم: شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع أخرجه البخاري في التاريخ وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعا، والآثار فيه كثيرة فإن قلت: وما حقيقة البخل المذموم؟ وما من أحد إلا وهو يرى نفسه أنه غير بخيل ويرى غيره بخيلا، وربما صدر فعل من إنسان فاختلف فيه الناس فيقول جماعة: إنه بخيل ويقول آخرون: ليس بخيلا فماذا حد البخل الذي يوجب الهلاك وما حد البذل يستحق العبد به صفة السخاوة وثوابها؟. قلت: السخاء: هو أن يؤدي ما أوجب عليه، والواجب واجبان: واجب الشرع: وهو ما فرضه الله تعالى من الزكاة والنفقات لمن يجب عليه إنفاقه وغير ذلك، وواجب المروءة والعادة. والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن منع واحدا منهما فهو يخيل، لكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل، فمن أعطى زكاة ماله مثلا ونفقة عياله بطيبة نفسه ويتيمم الخبيث من ماله في حق الله فهو سخي. والسخاء في المروءة أن يترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات فإن ذلك مستقبح ويختلف استقباحه باختلاف الاحوال والاشخاص، وتفصيله يطول فمن أراد استيفاء ذلك راجع الاحياء للغزالي رحمه الله. واعلم أن البخل داء له دواء وما أنزل الله من داء إلا وله دواء، وداء البخل أمران الاول: حب الشهوات التي لا يتوصل إليها إلا بالمال وطول الامل، والثاني: حب ذات المال والشغف به وببقائه لديه، فإن الدنانير مثلا رسول تنال به الحاجات والشهوات فهو محبوب لذلك ثم صار محبوبا لنفسه، لان الموصل إلى اللذات لذيذ، فقد ينسى الحاجات والشهوات وتصير الدنانير

[ 185 ]

عنده هي المحبوبة وهذا غاية الضلال، فإنه لا فرق بين الحجر وبين الذهب إلا من حيث إنه تقضى به الحاجات، فهذا سبب حب المال، ويتفرع منه الشح. وعلاجه بضده، فعلاج الشهوات القناعة باليسير وبالصبر، وعلاج طول الامل الاكثار من ذكر الموت وذكر موت الاقرا والنظر في ذكر طول تعيهم في جمع المال ثم ضياعه بعدهم وعدم نفعه لهم. وقد يشح بالمال شفقة على من بعده من الاولاد، وعلاجه أن يعلم أن الله هو الذي خلقهم فهو يرزقهم وينظر في نفسه فإنه ربما لم يخلف أبوه له فلسا، ثم ينظر ما أعد الله عزوجل لمن ترك الشح وبذل من ماله في مرضاة الله، وينظر في الآيات القرآنية الحاثة على الجود المانعة عن البخل، ثم ينظر في عواقب البخل في الدنيا، فإنه لا بد لجامع المال من آفات تخرجه على رغم أنفه، فالسخاء خير كله ما لم يخرج إلى حد الاسراف المنهي عنه. وقد أدب الله عباده أحسن الآداب فقال * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) * فخيار الامرو أوسطها وخلاصته أنه إذا وجد العبد المال أنفقه في وجوه المعروف بالتي هي أحسن ويكون بما عند الله أوثق منه بما هو لديه، وإن لم يكن لديه مال لزم القناعة والتكفف وعدم الطمع. 5 - (وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه هو محمود بن لبيد الانصاري الاشهلي. ولد على عهد رسول الله (ص) وحدث عنه أحاديث، قال البخاري: له صحبة وقال أبو حاتم: لا تعرف له صحبة، وذكره مسلم في التابعين، قال ابن عبد البر: الصواب قول البخاري وهو أحد العلماء ما ت سنة ست وتسعين، قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر كأنه قيل: ما هو؟ فقال (ص): الرياء أخرجه أحمد بإسناد حسن الرياء مصدر راءي ومصدره يأتي على بناء مفاعلة وفعال وهو مهموز العين لانه من الرؤية ويجوز تخفيفها بقلبها ياء وحقيقته لغة أن يرى غيره خلاف ما هو عليه وشرهعا أن يفعل الطاعة ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله أو يخبر بها أو يجب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه. وقد ذمه الله في كتابه وجعله من صفات المنافقين في قوله: * (يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) * وقال: * (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) * وقال * (فويل للمصلين) * - إلى قوله - [ اي [ * (الذين هم يراءون) * وورد فيه من الاحاديث الكثيرة الطيبة الدالة على عظمة عقاب المرائي فإنه في الحقيقة عابد لغير الله، وفي الحديث القدسي: يقول الله تعالى من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا عنه برئ وأنا أغنى الاغنياء عن الشرك. واعلم أن الرياء يكون بالبدن وذلك بإظهار النحول والاصفرار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد والحزن على أمر الدين وخوف الآخرة، وليدل بالنحول على قلة الاكل وبتشعث الشعر ودرن الثوب يوهم أن همه بالدين ألهاه عن ذلك وأنواع هذا واسعة وهو معنى أنه من أهل الدين ويكون في القول بالوعظ في المواقف ويذكر كحايات الصالحين ليدل على عنايته بأخبار السلف وتبحره في العلم ويتأسف على مقارفة الناس للمعاصي والتأوه من ذلك والامر بالمعروف والنهي عن المنكر بحضرة الناس والرياء بالقول لا تنحصر أبوابه، وقد تكون المراءاة بالاصحاب والاتباع

[ 186 ]

والتلاميذ فيقال: فلان متبوع قدوة والرياء باب واسع إذا عرفت ذلك فبعض أبواب الرياء أعظم م بعض لاختلافه باختلاف أركانه وهي ثلاثة المراءى به والمراءى لاجله ونفس قصد الرياء فقصد الرياء لا يخلو من أن يكون مجردا عن قصد الثواب أو مصحوبا بإرادته، والمصحوب بإرادة الثواب لا يخلو عن أن تكون إرادة الثواب أرجح أو أضعف أو مساوية فكانت أربع صور، الاولى أن لا يكون قصد الثواب بل فعل الصلاة مثلا ليراه غيره، وإذا انفرد لا يفعلها وأخرج الصدقة لئلا يقال: إنه بخيل، وهذا أغلظ أنواع الرياء وأخبثها وهو عبادة للعباد، الثانية قصد الثواب لكن قصدا ضعيفا بحيث إنه لا يحمله على الفعل إلا مراءاة العباد ولكنه قصد الثواب فهذا كالذي قبله، الثالثة تساوي القصدان بحيث لم يبعثه على الفعل إلا مجموعهما ولو خلى عن كل واحد منهما لم يفعله فهذا تساوي صلاح قصده وفساده فلعله يخرج رأسا برأس لا له ولا عليه، الرابعة أن يكون إطلاع الناس راجحا أو مقويا لنشاطه ولو لم يكن لما ترك العبادة. قال الغزالي: والذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص ويعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثوا ب، وحديث أنا أغنى الاغنياء عن الشرك محمول على ما إذا تساوى القصدان أو أن قصد الرياء أرجح، وأما المراءى به وهو الطاعات فيقسم إلى الرياء بأصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها وهو ثلاث درجات: الرياء بالايمان وهو إظهار كلمة الشهادة وباطنه مكذب فهو مخلد في النار في الدرك الاسفل منها وفي هؤلاء أنزل الله تعالى: * (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله) * وقريب منهم الباطنية الذين يظهرون الموافقة في الاعتقاد ويبطنون خلافه، ومنهم الرافضة أهل التقية الذين يظهرون لكل فريق أنهم منهم تقية. والرياء بالعبادات كما قدمناه، وهذا إذا كان الرياء في أصل المقصد وأما إذا عرض الرياء بعد الفراغ من فعل العبادة لم يؤثر فيه إلا إذا ظهر العمل للغير وتحدث به. وقد أخرج الديلمي مرفوعا إن الرجل ليعمل عملا سرا فيكتبه الله عنده سرا فلا يزال به الشيطان حتى يتكلم به فيمحى من السويكتب علانية فإن عاد تكلم الثانية محى من السر والعلانية وكتب رياء وأما إذ قارن باعث الرياء باعث العبادة ثم ندم في أثناء العبادة فأوجب البعض من العلماء الاستئناف لعدم انعقادها. وقال بعضهم: يلغو جميع ما فعله إلا التحريم، وقال بعض: يصح لان النظر إلى الخواتم كما لو ابتدأ بالاخلاص وصحبه الرياء من بعده، قال الغزالي: والقولان الآخران خارجان عن قياس الفقه. وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول جواب جندب بن زهير لما قال للنبي (ص) إني أعمل العمل لله وإذا اطلع عليه سرني فقال (ص): لا شريك لله في عبادته وفي رواية إن الله لا يقبل ما شورك فيه رواه ابن عباس، وروي عن مجاهد أنه جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني فيسرني وأعجب به. فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم له شيئا حتى نزلت الآية يعني قوله تعالى: * (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) *. ففي الحديث دلالة على أن السرور

[ 187 ]

بالاطلاع على العمل رياء، ولكنه يعارضه ما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حديث غريب قال: قلت: يا رسول اللبينا أنا في بيتي في صلاتي إذ دخل علي رجل فأعجبني الحال التي رآني عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك أجران، وفي الكشاف من حديث جند ب أنه صلى الله عليه وسلم قال له: لك أجران أجر السر وأجر العلانية وقد يرجح هذا الظاهر قوله تعالى: * (ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول) * فدل على أن محبة الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنافي الاخلاص ولا تعد من الرياء. ويتأول الحديث الاول بأن المراد بقوله إذا اطلع عليه سرني لمحبته للثناء عليه، فيكون الرياء في محبته للثناء على العمل وإن لم يخرج العمل عن كونه خالصا، وحديث أبي هريرة ليس فيه تعرض لمحبة الثناء من المطلع عليه. وإنما هو مجرد محبة لما يصدر عنه وعلم به غيره. ويحتمل أن يراد بقوله فيعجبه أي يعجبه شهادة الناس له بالعمل الصالح لقوله صلى الله عليه وسلم: أنتم شهداء الله في الارض وقال الغزالي: أما مجرد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أمره بحيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد العبادة. 6 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آية المنافق) أي علامة نفاقه (ثلاث: إذ حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان متفق عليه). وقد ثبت عند الشيخين من حديث عبد الله بن عمر رابعة وهي وإذا خاصم فجر والمنافق من يظهر الايمان ويبطن الكفر. وفي الحديث دليل على أن من كانت فيه خصلة من هذه كانت فيه خصلة من النفاق، فإن كانت في هذه كلها فهو منافق وإن كان موقنا مصدقا بشرائع الاسلام. وقد استشكل الحديث بأن هذه الخصال قد توجد في المؤمن المصدق القائم بشرائع الدين، ولما كان كذلك اختلف العلماء في معناه، قال النووي: قال المحققون والاكثرون - وهو الصحيح المختار -: أن هذه الخصال هي خصال المنافقين، فإذا اتصف بها أحد من المصدقين أشبه المنافق فيطلق عليه اسم النفاق مجازا، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الاسلام وهو يبطن الكفر، وقيل: إن هذا كان في حق المنافقين الذين كانوا في أيامه صلى الله عليه وسلم تحدثوا بإيمانهم فكذبوا، وأتمنوا على رسلهم فخانوا، ووعدوا في الدين بالنصر فغدروا وأخلفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر وروياه عن النبي (ص)، قال القاضي عياض: وإليه مال كثير من الفقهاء. وقال الخطابي عن بعضهم: إنه ورد الحديث في رجل معين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق وإنما يشير إشارة. وحكى الخطابي أن

[ 188 ]

معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه منها أن تفضي به إلى حقيقة النفاق، وأيد هذا القول بقصة ثعلبة الذي قافيه تعالى: * (فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله وما وعدوه وبما كانوا يكذبون) * فإنه آل به خلف الوعد والكذب إلى الكفر فيكون الحديث للتحذير من التخلق بهذه الاخلاق التي تؤول بصاحبها إلى النفاق الحقيقي الكامل. 7 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): سباب بكسر السين المهملة مصدر سبه المسلم فسوق وقتاله كفر. متفق عليه) السب لغة الشتم والتكلم في أعراض الناس بما لا يعني كالسباب والفسوق مصدر فسق، وهو لغة الخروج وشرعا الخروج من طاعة الله، وفي مفهوم قوله المسلم دليل على جواز سب الكافر، فإن كان معاهدا فهو أذية له وقد نهى عن أذيته فلا يعمل بالمفهوم في حقه، وإن كان حربيا جاز سبه، إذ لا حرمة له، وأما الفاسق فقد اختلف العلماء في جواز سبه بما هو مرتكب له من المعاصي، فذهب الاكثر إلى جوازه لان المراد بالمسلم في الحديث الكالم الاسلام والفاسق لي‍ س كذلك وبحديث: اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس، وهو حديث ضعيف وأنكره أحمد، وقال البيهقي: ليس بشئ فإن صح حمل على فاجر معلن فجوره أو يأتي بشهادة أو يعتمد عليه، فيحتاج إلى بيان حالة لئلا يقع الاعتماد عليه انتهى كلام البيهقي، ولكنه أخرج الطبراني في الاوسط الصغير بإسناد حسن رجاله موثوقون، وأخرجه في الكبير أيضا من حديث معاوية بن حيدة قال: خطبهم رسول الله (ص) فقال: حتى متى ترعوون عن ذكر الفاجر اهتكوه حتى يحذره الناس، وأخرجه البيهقي من حديث أنس بإسناد ضعيف: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له، وأخرج مسلم: كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وهم الذين جاهروا بمعاصيهم فهتكوا ما ستر الله عليهم فيبيحون بها بلا ضرورة ولا حاجة، والاكثر يقولون بأنه يجوز أن يقال للفاسق: يا فاسق، ويا مفسد، وكذا في غيبته بشرط قصد النصيحة له أو لغيره بيان حاله أو للزجر عن صنيعه لا لقصد الوقيعة فيه، فلا بد من قصد صحيح إلا أن يكون جوابا لمن يبدأه بالسب فإنه يجوز له الانتصار لنفسه لقوله تعالى: * (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) * ولقوله (ص): المتاسبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم أخرجه مسلم ولكنه لا يجوز أن يعتدي ولا سيبه بأمر كذب. قال العلماء: وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الاول من حقه وبقي عليه إثم الابتداء والاثم المستحق لله تعالى، وقيل: برئ من الاثم ويكون على البادي اللوم والذم لا الاثم. ويجوز في حال الغضب لله تعالى لقوله (ص) لابي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية وقول عمر في قصة حاطب دعني أضرب عنق هذا المنافق وقول أسيد لسعد: إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين ولم ينكر (ص) هذه الاقوال وهي بمحضرة.

[ 189 ]

وقوله (ص): وقتاله كفر دال على أنه يكفر من يقاتل المسلم بغير حق وهو ظاهر فيمن استحل قتل المسلم أو قاتله حال إسلامه، وأما إذا كانت المقاتلة لغير ذلك فإطلاق الكفر عليه مجازا ويراد به كفر النعمة والاحسان وأخوة الاسلام لا كفر الجحود، وسماه كفرا لانه قد يؤول به ما يحصل من المعاصي من الرين على القلب حتى يعمى عن الحق فقد يصير كفرا أو إنه كفعل الكافر الذي يقاتل المسلم. 8 - (وعن أبي هرية رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث متفق عليه المراد بالتحذير من الظن بالمسلم شرا نحو قوله: * (اجتنبوا كثيرا من الظن) * والظن هو: ما يخطر بالنفس من التجويز المحتمل للصحة والبطن فيحكم به ويعتمد عليه، كذا فسر الحديث في مختصر النهاية. وقال الخطابي: المراد التهمة ومحل التحذير، والنهي إنما هو عن التهمة التي لا سبب لما يوجبها، كمن اتهم بالفاحشة ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. وقال النووي: والمراد التحذير من تحقيق التهمة والاصرار عليها وتقررها في النفس دون ما يعرض ولا يستقر فإن هذا لا يكلف به، كما في الحديث تجاوز الله عما تحدثت به الامة أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل ونقله عياض عن سفيان. والحديث وارد في حق من لم يظهر منه شتم ولا فحش ولا فجور، ويقيد إطلاقه حديث احترسوا من الناس بسوء الظن أخرجه الطبراني في الاوسط والبيهقي والعسكري من حديث أنس مرفوعا، قال البيهقي: تفرد به بقية، وأخرج الديلمي عن علي رضي الله عنه موقوفا: يحرم سوء الظن وأخرجه القضاعي مرفوعا من حديث عبد الرحمن بن عائذ مرسلا، وكل طرقه ضعيفة، وبعضها يقوي بعضا ويدل على أن لها أصلا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أخوك البكري ولا تأمنه أخرجه الطبراني في الاوسط عن عمر وأبو داود عن عمرو بن القفواء. وقد قسم الزمخشري الظن إلى واجب ومندوب وحرام ومباح، فالواجب: حسن الظن بالله، والحرام: سوء الظن به تعالى وبكل من ظاهره العدالة من المسلمين، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن الحديث، والمندوب: حسن الظن بمن ظاهر العدالة من المسلمين، والجائز: مثل قول أبي بكر لعائشة: إنما هو أخواك أو أختاك، لما وقع في قلبه أن الذي في بطن امرأته اثنان. ومن ذلك سوء الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الريب والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم سوء الظن به، لانه قد دل على نفسه، ومن ستر على نفسه لم يظن به إلا خير، ومن دخل في مداخل السوء اتهم، ومن هتك نفسه ظننا به السوء. والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لا تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، ومن عرفت منه الامانة في الظاهر، فظن الفساد والخيانة به محرم، بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطي الريب فنقابله بعكس ذلك. ذكر معناه في الكشاف. وقوله: فإن الظن

[ 190 ]

أكذب الحديث سماه حديثا لانه حديث نفس، وإنما كان الظن أكذب الحديث لان الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره، وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شئ، فيخفى على السامع كونه كاذبا بحسن الغالب فكان أكذب الحديث. 9 - (وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة متفق عليه. أخرجه البخاري من رواية الحسن وفيه قصة وهي أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، وكان عبيد الله عاملا على البصرة في إمارة معاوية وولده يزيد أخرجه الطبراني في الكبير من وجه آخر عن الحسن قال: قدم إلينا عبيد الله بن زياد أميرا أمره علينا معاوية غلاما سفيها يسفك الدماء سفكا شديدا وفيها معقل المزني فدخل عليه ذات يوم فقال له: انته عما أراك تصنع، فقال له: وما أنت وذاك ثم خرج إلى المسجد فقال له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رءوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ثم مرض فدخل عليه عبيد الله يعوده فقال له معقل بن يسار: إني أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحظها بنصيحة لم يرح رائحة الجنة ولفظ رواية المصنف وأخرج مسلم ما من أمير يلي أمر المسلمين لا يجتهد معهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة ورواه الطبراني وزاد: كنصحه لنفسه، وأخرج الطبراني بإسناد حسن ما من إمام ولا وال بات ليل سوداء غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاما وأخرج الحاكم وصححه من حديث أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم وأخرج أحمد والحاكم أيضا وصححه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استعمل رجلا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين وفي إسناده واه، إلا أن ابن نمير وثقه وحسن له الترمذي أحاديث، والراعي: هو القائم بمصالح من يرعاه. وقوله يوم يموت مراده أن يدركه الموت وهو غاش لرعيته غير تائب من ذلك. والغش بالكسر ضد النصح، ويتحقق غشه بظلمه لهم وأخذ أموالهم وسفك دمائهم وانتهاك أعراضهم واحتجابه عن خلتهم وحاجتهم وحبسه عنهم ما جعله الله لهم من مال الله سبحانه، المعين للمصارف وترك تعريفهم بما يجب عليهم من أمر دينهم ودنياهم، وإهمال الحدود، وردع أهل الفساد وإضاعة الجهاد وغير ذلك مما فيه مصالح العباد، ومن ذلك توليته لمن لا يحوطهم، ولا يراقب أمر الله فيهم، وتوليته من غيره أرضى لله منه مع وجوده. والاحاديث دالة على تحريم الغش وأنه من الكبائر، لورود الوعيد عليه بعينه فإن تحريم الجنة هو وعيد الكافرين في القرآن كما قال

[ 191 ]

تعالى: * (فقد حرم الله عليه الجنة) * وهو على رأي من يقول بخلود أهل الكبائر في النار واضح، وقد حمله من لا يرى خلود أهل الكبائر في النار على الزجر والتغليظ، قال ابن بطال: هذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من استرعاه الله عليهم أو خانهم أو ظلمهم فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة؟ ومعنى حرم الله عليه الجنة أي أنفذ عليه الوعيد ولم يرض عنه المظلومين. 10 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه أخرجه مسلم شق عليهم: أدخل عليهم المشقة أي المضرة. والدعاء عليه منه (ص) بالمشقة جزاء من جنس الفعل، وهو عام لمشقة الدنيا والآخرة وتمامه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ورواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ ومن ولي منهم شيئا فشق عليهم فعليه بهلة الله فقالوا: يا رسول الله وما بهلة الله؟ قال: لعنة الله. والحديث دليل على أنه يجب على الوالي تيسير الامور على من وليهم والرفق بهم، ومعاملتهم بالعفو والصفح، وإيثار الرخصة على العزيمة في حقهم لئلا يدخل عليهم المشقة، ويفعل بهم ما يحب أن يفعل به الله. 11 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا قاتل أحدكم) أي غيره كما يدل له فاعل (فليجتنب الوجه متفق عليه) وفي رواية إذا ضرب أحدكم وفي رواية فلا يلطمن الوجه. وهو دليل على تحريم ضرب الوجه، وأنه يتقى فلا يضرب ولا يلطم ولو في حد من الحدود الشرعية، ولو في الجهاد، وذلك لان الوجه لطيف يجمع المحاسن، وأعضاؤه لطيفة، وأكثر الادراك بها، فقد يبطلها ضرب الوجه وقد ينقصها، وقد يشين الوجه والشين فيه فاحش، لانه بارز ظاهر لا يمكن ستره، ومتى أصابه ضرب لا يسلم غالبا من شين، وهذا النهي عام لكل ضرب ولطم من تأديب أو غيره. 12 - (وعنه) أي أبي هريرة (أن رجلا قال: يا رسول الله أوصني. قال: لا تغضب فردد مرارا قال: لا تغضب أخرجه البخاري). جاء في رواية أحمد تفسيره بأنه جارية - بالجيم - ابن قدامة، وجاء في حديث أنه سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي قولا أنتفع به وأقلل. قال: لا تغضب ولك الجنة وورد عن آخرين من الصحابة مثل ذلك. والحديث نهى عن الغضب وهو كما قال الخطابي: نهى عن اجتناب أسباب الغضب وعدم التعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لانه أمر جبلي. وقال غيره: وقع النهي عما كان من قبيل ما يكتسب فيدفعه بالرياضة، وقيل هو نهي عما ينشأ عنه الغضب وهو الكبر، لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده فيحمله الكبر على الغضب، والذي يتواضع حتى تذهب عنه عزة النفس يسلم من شر الغضب. وقيل: معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب. قيل: إنما اقتصر صلى الله تعالى عليه وسلم على هذه اللفظة لان السائل

[ 192 ]

كان غضوبا. وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يفتي كل أحد بما هو أولى به، قال ابن التين: جمع النبصلى الله عليه وسلم في قوله: لا تغضب خيري الدنيا والآخرة، لان الغضب يؤول إلى التقاطع، ومنع الرفق، ويؤول إلى أن يؤذي الذي غضب عليه بما لا يجوز، فيكون نقصا في دينه انتهى. ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالاعلى على الادنى لان الغضب ينشأ عن النفس والشيطان فمن جاهدهما حتى يغلبهما مع ما في ذلك من شدة المعالجة كان أملك لقهر نفسه عن غير ذلك بالاولى. وتقدم كلام يتعلق بالغضب وعلاجه. 13 - (وعن خولة الانصارية رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة. أخرجه البخاري. الحديث دليل على أنه يحرم على من لم يستحق شيئا من مال الله، بأن يكون من المصارف التي عينها الله تعالى أن يأخذه ويتملكه، وأن ذلك من المعاصي الموجبة للنار. وفي قوله: يتخوضون دلالة على أنه يقبح توسعهم منه زيادة على ما يحتاجون، فإن كانوا من ولاة الاموال أبيح لهم قدر ما يحتاجونه لانفسهم من غير زيادة، وقد تقدم الكلام في ذلك. 14 - (وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه) من الاحاديث القدسية (قال:) الرب تبارك وتعالى: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي) وأخبرنا بأنه لا يفعله في كتابه بقوله: * (وما ربك بظلام للعبيد) * (وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا أخرجه مسلم). التحريم لغة: المنع عن الشئ، وشرعا: ما يستحق فاعله العقاب، وهذا غير صحيح إرادته في حقه تعالى بل المراد به أنه تعالى منزه متقدس عن الظلم. وأطلق عليه لفظ التحريم لمشابهته الممنوع بجامع عدم الشئ، والظلم مستحيل في حقه تعالى لان الظلم في عرف اللغة التصرف في غير الملك أو مجاوزة الحد وكلاهما محال في حقه تعالى، لانه المالك للعالم كله المتصرف بسلطانه في دقه وجله. وقوله: فلا تظالموا تأكيد لقوله وجعلته بينكم محرما. والظلم قبيح عقلا أقره الشارع وزاده قبحا وتوعد عليه بالعذا ب * (وقد خاب من حمل ظلما) * وغيرها. 15 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الغيبة؟) بكسر الغين المعجمة (قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) بفتح الموحدة وفتح الهاء من البهتان (أخرجه مسلم). الحديث كأنه سيق لتفسير الغيبة المذكورة في قوله تعالى: * (ولا يغتب بعضكم بعضا) * ودل الحديث على حقيقة الغيبة، قال في النهاية: هي أن تذكر الانسان في غيبته بسوء وإن كان فيه. قال النووي في الاذكار تبعا للغزالي: ذكر المرء بما يكره سواء كان في بدن

[ 193 ]

الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به ذكر سوء سواء ذكر باللفظ أو بالرمز أو بالاشارة، قال النووي: ومن ذلك التعريض في كلام المصنفين كقولهم قال من يدعي العلم أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به، ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة، ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة. وقوله ذكرك أخاك بما يكره شامل لذكره في غيبته وحضرته وإلى هذا ذهب طائفة، ويكون الحديث بيانا لمعناها الشرعي. وأما معناها لغة فاشتقاقها من الغيب يدل على أنها لا تكون إلا في الغيبة. ورجح جماعة أن معناها الشرعي موافق لمعناها اللغوي، ورووا في ذلك حديثا مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة فيكون هذا إن ثبت مخصصا لحديث أبي هريرة، وتفاسير العلماء دالة على هذا، ففسرها بعضهم بقوله: ذكر العيب بظهر الغيب، وآخر بقوله: هي أن تذكر الانسان من خلفه بسوء وإن كان فيه. نعم ذكر العيب في الوجه حرام لما فيه من الاذى وإن لم يكن غيبة. وفي قوله: أخاك أي أخ الدين دليل على أن غير المؤمن تجوز غيبته وتقدم الكلام في ذلك. قال ابن المنذر: في الحديث دليل على أن من ليس بأخ كاليهودي والنصراني وسائر أهل الملل ومن قد أخرجته بدعته عن الاسلام لا غيبة له، وفي التعبير عنه بالاخ جذب للمغتاب عن غيبته لمن يغتاب لانه إذا كان أخاه فالاولى الحنو عليه، وطي مساويه، والتأويل لمعايبه لا نشرها بذكرها. وفي قوله بما يكره ما يشعر بأنه إذا كان لا يكره ما يعاب به كأهل الخلاعة والمجون فإنه لا يكون غيبة. وتحريم الغيبة معلوم من الشرع ومتفق عليه. وإنما اختلف العلماء هل هو من الصغائر أو الكبائر؟ فنقل القرطبي الاجماع على أنها من الكبائر. واستدل لكبرها بالحديث الثابت إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام وذهب الغزالي وصاحب العمدة من الشافعية إلى أنها من الصغائر، قال الاوزاعي لم أر من صرح أنها من الصغائر غيرهما. وذهب المهدي إلى أنها محتملة بناء على ما لم يقطع بكبره فهو محتمل كما تقوله المعتزلة. قال الزركشي: والعجب ممن يعد أكل الميتة كبيرة ولا يعد الغيبة كذلك والله أنزلها منزلة أكل لحم الآدمي أي ميتا. والاحاديث في التحذير من الغيبة واسعة جدا دالة على شدة تحريمها. واعلم أنه قد استثنى العلماء من الغيبة أمورا ستة: الاولى: التظلم فيجوز أن يقول المظلوم فلان ظلمني وأخذ مالي أو أنه ظالم، ولكن إذا كان ذكره لذلك شكاية على من له قدرة على إزالتها أو تخفيفها ودليله قول هند عند شكايتها له صلى الله عليه وسلم من أبي سفيان أنه رجل شحيح. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته فيقول: فلان فعل كذا، في حق من لم يكن مجاهرا بالمعصية. الثالث: الاستفتاء بأن يقول للمفتي فلان ظلمني بكذا فما طريقي إلى الخلاص عنه، ودليله أنه لا يعرف الخلاص عما يحرم عليه إلا بذكر ما وقع منه. الرابع: التحذير للمسلمين من الاغترار، كجرح الرواة والشهود ومن يتصدر

[ 194 ]

للتدريس والافتاء مع عدم الاهلية، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: بئس أخو العشيرة وقوله صلى الله عليه وسلم أما معاوية فصعلوك وذلك أنها جاءت فاطمة بنت قيس تستأذنه (ص) وتستشيره وتذكر أنه خطبها معاوية بن أبي سفيان وخطبها أ بوجهم فقال: معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، ثم قال: انكحي أسامة الحديث. الخامس: ذكر من جاهر بالفسق أو البدعة كالمكاسين وذوي الولايات الباطلة، فيجوز ذكرهم بما يجاهرون به دون غيره، وتقدم دليله في حديث اذكروا الفاجر. السادس: التعريف بالشخص بما فيه من العيب كالاعور والاعرج والاعمش ولا يرد به نقصه وغيبته، وجمعها ابن أبي شريف في قوله: الذم ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن طلب الاعانة في إزلة منكر 16 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): لا تحاسدوا ولا تناجشوا) بالجيم والشين المعجمة (ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبغ) بالغين المعجمة من البغي. وبالمهملة من البيع (بعضكم على بعض، وكونوا عباد الله) منصوب على النداء (إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره) بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المهملة وبالقاف فراء. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم: لا يخفره بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء، أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أمانه قال: والصواب الاول (التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله، وعرضه أخرجه مسلم). الحديث اشتمل على أمور نهى عنها الشارع. الاول التحاسد وهو تفاعل يكون بين اثنين. نهى عن حسد كل واحد منهما صاحبه من الجانبين ويعلم منه النهي عن الحسد من جانب واحد بطريق الاولى لانه إذا نهى عنه مع من يكافئه ويجازيه بحسده مع أنه من باب * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * فهو مع عدم ذلك أولى بالنهي، وتقدم تحقيق الحسد. الثاني: النهي عن المناجشة وتقدم تحقيقها في البيع، ووجه النهي عنها أنها من أسباب العداوة والبغضاء. وقد روي بغير هذا اللفظ في الموطأ بلفظ ولا تنافسوا من المنافسة وهي الرغبة في الشئ ومحبة الانفراد به، ويقال: نافست في الشئ منافسة ونفاسا إذا رغبتح فيه، والنهي عنها نهي عن الرغبة في الدنيا وأسبابها وحظوظها. والثالث: النهي عن التباغض وهو تفاعل وفيه ما في تحاسدوا من النهي عن التقابل في المباغضة، والانفراد بها بالاولى وهو نهي عن تعاطي أسبابه لان البغض لا يكون إلا عن سبب. والذم متوجه إلى المباغضة لغير الله فأما ما كانت لله فهي واجبة فإن البغض في الله والحب في الله من الايمان، بل ورد في الحديث حصر الايمان عليهما. الرابع: النهي عن التدابر، قال الخطابي: أي لا تهاجروا فيهجر أحدكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل للآخر دبره، إذا أعرض عنه حين يراه، وقال

[ 195 ]

ابن عبد البر: قيل للاعراض تدابر لان من أبغض أعرض ومن أعرض ولى دبره والمحب بالعكس. وقيل: معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر، وسمي المستأثر مستدبرا لانه يولي دبره حين يستأثر بشئ دون الآخر؟ وقال المازري: معنى التدابر المعاداة، تقول: دابرته أي عاديته، وفي الموطأ عن الزهري: التدابر الاعراض عن السلام يدبر عنه بوجهه، وكأنه أخذه من بقية الحديث وهي يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام فإنه يفهم أن صدور السلام منهما أو من أحدهما يرفع الاعراض. الخامس: النهي عن البغي، إن كان بالغين المعجمة، وإن كان بالمهملة فعن بيع بعض على بيع بعض، وقتقدم في كتاب البيع، قال ابن عبد البر: تضمن الحديث تحريم بغض المسلم والاعراض عنه وقطيعته بعد صحبته بغير ذنب شرعي، والحسد له على ما أنعم الله تعالى عليه، ثم أمر أن يعامله معاملة الاخ النسيب، ولا يبحث عن معايبه، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب والحي والميت. وبعد هذه المناهي الخمسة حثهم بقوله: وكونوا عباد الله إخوانا فأشار بقوله: عباد إلى أن من حق العبودية لله الامتثال لما أمر، قال القرطبي: المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة، وفي رواية لمسلم زيادة كما أمر الله أي بهذه الامور فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منه تعالى وزاد المسلم حثا على أخوه المسلم بقوله: المسلم أخو المسلم وذكر من حقوق الاخوة أنه لا يظلمه، وتقدم تحقيق الظلم وتحريمه، والظلم محرم في حق الكافر، أيضا وإنما خص المسلم لشرفه. ولا يخذله والخذلان ترك الاعانة والنصر، ومعناه إذا استعان به في دفع أي ضر أو جلب أي نفع أعانه ولا يحقره ولا يحتقره ولا يتكبر عليه ويستخف به ويروى لا يحتقره وهو بمعناه. وقوله: التقوى ها هنا إخبار بأن عمدة التقوى ما يحل في القلب من خشية الله ومراقبته وإخلاص الاعمال له. وعليه دل حديث مسلم: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم أي أن المجازاة والمحاسبة إنما تكون على ما في القلب دون الصورة الظاهرة والاعمال البارزة، فإن عمدتها النيات ومحلها القلب. وتقدم إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد. وقوله: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه أي يكفيه أن يكون من أهل الشر بهذه الخصلة وحدها، وفي قوله: كل المسلم على المسلم حرام إخبار بتحريم الدماء والاموال والاعراض، وهو معلوم من الشرع علما قطعيا. 17 - (وعن قطبة) بضم القاف وسكون الطاء المهملة وفتح الموحدة (ابن مالك) يقال له التغلبي بالمثناة الفوقية والغين المعجمة ويقال الثعلبي بالمثلثة والعين المهملة (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم جنبني منكرات الاخلاق والاعمال والاهواء والادواء أخرجه الترمذي وصححه الحاكم واللفظ له). التجنيب: المباعدة: أي باعدني، والاخلاق: جمع خلق، قال القرطبي: الاخلاق أوصاف الانسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة. فالمحمودة على الاجمال: أن تكون مع غيرك على نفسك

[ 196 ]

فتنتصف منها ولا تنتصف لها، وعلى التفصيل: العفو والحلم والجود والصبر وتحمل الاذى والرحمة والشفقة وقضاء الحوائج والتودد ولين الجانب ونحو ذلك. والمذمومة: ضد ذلك وهي منكرات الاخلاق التي سأل صلى الله عليه وسلم ربه أن يجنبه إياها في هذا الحديث. وفي قوله اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، وفي دعائه صلى الله عليه وسلم في الافتتاح واهدني لاحسن الاخلاق لا يهدي لاحسنها سواك، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها غيرك. ومنكرات الاعمال: ما ينكر شرعا أو عادة، ومنكرات الاهواء جمع هوى، والهوى هو ما تشتيه النفس من غير نظر إلى مقصد يحمد عليه شرعا، ومنكرات الادواء جمع داء وهي الاسقام المنفرة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ منها كالجذام والبرص، والمهلكة: كذات الجنب وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من سئ الاسقام. 18 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمار) من المماراة، وهي المجادلة (أخاك ولا تمازحه) من المزح (ولا تعده موعدا فتخلفه أخرجه الترمذي بسند ضعيف). لكن في معناه أحاديث سيما في المراء، فإنه روى الطبراني أن جماعة من الصحابة قالوا: خرج علينا رسول الله (ص) ونحن نتمارى في شئ من أمر الدين فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله ثم انتهرنا وقال: أبهذا يا أمة محمد أمرتم؟ إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، ذروا المراء لقلة خيره، ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته، ذروا المراء، كفى إثما أن لا تزال مماريا، ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رياضها أسفلها وأوسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق، ذروا المراء فإنه أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الاوثان وأخرج الشيخان مرفوعا إن أبغض الرجال إلى الله الالد الخصم أي الشديد المراء أي الذي يحج صاحبه. وحقيقة المراء طعنك في كلام غيرك لاظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله، وإظهار مزيتك عليه، والجدال هو ما يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها. والخصومة لجاج في الكلام ليستوفى به أو غيره، ويكون تارة ابتداء وتارة اعتراضا، والمراء لا يكون إلا اعتراضا، والكل قبيح إذا لم يكن لاظهار الحق وبيانه وإدحاض الباطل وهدم أركانه. وأما مناظرة أهل العلم للفائد وإن لم تخل عن الجدال فليست داخلة في النهي، وقد قال تعالى: * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) * وقد أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا، وأفاد الحديث النهي عن ممازحة الاخ، والمزاح: الدعابة، والمنهي عنه ما يجلب الوحشة أو كان بباطل، وأما ما فيه بسط الخلق وحسن التخاطب وجبر الخاطر فهو جائز. فقد أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله إنك لتداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقا. وأفاد الحديث النهي عن إخلاف الوعد، وتقدم أنه من صفات المنافقين، وظاهره التحريم، وقد قيده حديث: أن تعده وأنت مضمر

[ 197 ]

لخلافه وأما إذا وعدته وأنت عازم على الوفاء فعرض مانع فلا يدخل تحت النهي. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق أخرجه الترمذي وفي إسنده ضعف) قد علم قبح البخل عرفا وشرعا، وقد ذمه الله في كتابه بقوله * (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) * وبقوله في الكانزين * (فبشرهم بعذاب أليم) * بل ذم من لم يأمر الناس ويحثهم على خلافه فقال تعالى: * (ولا يحض على طعام المسكين) *. جعله من صفات الذين يكذبون بيوم الدين وقال في الحكاية عن الكفار: إنهم قالوا وهم في طبقات النار: * (ولم نك نطعم المسكين) * الآية. وإنما اختلف العلماء في المذموم منه وقدمنا كلامهم في ذلك. وحده بعضهم بأنه في الشرع منع الزكاة، والحق أنه منع كل واجب، فمن منع ذلك كان بخيلا ينله العقاب. قال الغزالي: وهذا الحد غير كاف فإن من يرد اللحم والخبز إلى القصاب والخباز لنقص وزن حبة يعد بخيلا اتفاقا وكذا مضايق عياله في لقمة أو تمرة أكلوها من ماله بعد ما سلم لهم ما فرض القاضي لهم، وكذا من بين يديه رغيف فحضر من يظن أن يشاركه فأخفاه يعد بخيلا قلت: هذا في البخيل عرفا لا من يستحق العقاب فلا يرد نقضا. وأما حسن الخلق فقد تقدم القول فيه، وسوء الخلق ضده، وقد وردت فيه أحاديث دالة على أنه ينافي الايمان فأخرج الحاكم سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، وأخرج ابن منده سوء الخلق شؤم، وطاعة النساء ندامة، وحسن الملكة نماء، وأخرج الخطيب إن لكل شئ توبة إلا صاحب سوء الخلق فإنه لا يتوب من ذنب إلا وقع فيما هو شر منه، وأخرج الصابوني ما من ذنب إلا وله عند الله توبة إلا سوء الخلق فإنه لا يتوب صاحبه من ذنب إلا وقع فيما هو شر منه، وأخرج الترمذي وابن ماجه لا يدخل الجنة سئ الخلق، والاحاديث في الباب واسعة ولعله يحمل المؤمن في الحديث على كامل الايمان أو أنه خرج مخرج التحذير والتنفير أو أراد إذا ترك إخراج الزكاة مستحلا لترك واجب قطعي. 20 - (وعن أبي هرية رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم أخرجه مسلم دل الحديث على جواز مجازاة من نابتدأ الانسان بالاذية بمثلها وأن إثم ذلك عائد على البادئ لانه المتسبب لكل ما قاله المجيب إلا أن يعتدي المجيب في أذيته بالكلام فيختص به إثم عدوانه لانه إنما أذن له في مثل ما عوقب به: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) *، وعدم المكافأة والصبر والاحتمال أفضل فقد ثبت: أن رجلا سب أبا بكر رضي الله عنه بحضرته صلى الله عليه وسلم فسكت أبو بكر والنبي (ص) قاعد ثم أجابه أبو بكر فقام النبي (ص) فقيل له في ذلك فقال: إنه لما سكت أبو بكر كان ملك يجيب عنه فلما انتص‍ ف لنفسه حضر

[ 198 ]

الشيطان أو نحو هذا اللفظ قال تعالى: * (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور) * 21 - (وعن أبي صرمة) بكسر الصاد المهملة وسكون الراء اشتهر بكنيته واختلف في اسمه اختلافا كثيرا وهو من بني مازن بن النجار شهد بدرا وما بعدها من المشاهد قال: قال رسول الله (ص): من ضار مسلما ضاره الله ومن شاق مسلما شق الله عليه أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه أي من أدخل على مسلم مضرة في ماله أو نفسه أو عرضه بغير حق ضاره الله أي جازاه من جنس فعله وأدخل عليه المضرة. والمشاقة المنازعة أي من نازع مسلما ظلما وتعديا أنزل الله عليه المشقة جزاء وفاقا. والحديث تحذير من أذى المسلم بأي شئ. 22 - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن الله يبغض الفاحش البذئ أخرجه الترمذي وصححه البغض ضد المحبة وبغض الله عبده إنزال العقوبة بهوعدم إكرامه إياه والبذئ فعيل من البذاء وهو الكلام القبيح الذ ي ليس من صفات المؤمن كما دل له الحديث الآتي: 23 - (وله) أي للترمذي (من حديث ابن مسعود رفعه ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذئ وحسنه وصححه الحاكم ورجح الدارقطني وقفه الطعن السب يقال: طعن في عرضه أي سبه واللعان اسم فاعل للمبالغة بزنة فعال أي كثير اللعن ومفهوم الزيادة غير مراد فإن اللعن محرم قليلة وكثيرة. والحديث إخبار بأنه ليس من صفات المؤمن الكامل الايمان السب واللعن إلا أنه يستثني من ذلك لعن الكافر وشارب الخمر ومن لعنه الله ورسوله. 24 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال: رسول الله (ص): لا ستبوا الاموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا أخرجه البخاري سب الاموا ت عام للكافر وغيره وقد تقدم وعلله (ص) بإفضائهم إلى ما قدموا من أعمالهم وصار أمرهم إلى مولاهم. وقد مر الحديث بلفظة في آخر الجنائز والكلام عليه. 25 - (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الل (ص): لا يدخل الجنة قتات بقاف ومثناة فوقية وبعد الالف مثناة أيضا وهو النمام، وقد روي بلفظه: متفق عليه، وقيل: إن بين القتات والنمام فرقا فالنمام الذي يحضر القصة ليبلغها والقتات الذي يتسمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه وحقيقة النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض للافساد بينهم. وقال الغزالي: إن حدها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول إليه أو المنقول عنه أو ثالث وسواء كان الكشف بالرمز أو بالكتابة أو بالايماء. قال: فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه فلو رآه يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة كذا قاله. قلت ويحتمل أن مثل هذا لا يدخل في النميمة بل يكون

[ 199 ]

من إفشاء السر وهو محرم أيضا وورد في النميمة عدة أحاديث أخرج الطبراني مرفوعا ليس منا ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه، ثم تلا قوله تعالى: * (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) * وأخرج أحمد: خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشر عباد الله المشاؤون بالنميمة الباغون للبراء العيب يحشرهم الله مع الكلاب وغير هذا من الاحاديث. وقد تجب النميمة كما إذا سمع شخصا يتحدث بإرادة إيذاء إنسان ظلما وعدوانا يحذره منه، فإن أمكن تحذيره بغير ذكر من سمعه منه وإلا ذكر له ذلك. والحديث دليل على عظم ذنب النمام. قال الحافظ المنذري: أجمعت الامة على أن النميمة محرمة وأنها من أعظم الذنوب عند الله وفي كلام للغزالي ما يدل على أنها لا تكون كبيرة إلا مع قصد الافساد. 26 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من كف غضبه كف الله عنه عذا به أخرجه الطبراني في الاوسط وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن أبي الدنيا تقدم الكلام في الغضب مرارا. وهذا الحديث في فضل من كف غضبه ومنع نفسه من إصدار ما يقتضيه الغضب ولا يكون ذلك إلا بالحلم والصبر وجهاد النفس وهو أمر شاق، ولذا جعل الله جزاءه كف عذابه عنه، وقد قال تعالى في صفات المؤمنين: * (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) *. 27 - (وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا يدخل الجنة) من أول الامر (خب) بالخاء المعجمة مفتوحة وبالموحدة الخداع (ولا بخيل) تقدم الكلام على البخيل (ولا سئ الملكة) وهو من يترك ما يجب عليه من حق المماليك، أو يتجاوز الحد في عقوبتهم، ومثله تركه لتأديبهم بالآداب الشرعية من تعليم فرائض الله وغيرها، وكذلك البهائم سوء الملكة يكون بإهمالها عن الطعام وتحميلها ما لا تطيقه من الاحمال والمشقة عليها بالسير والضرب العنيف وغير ذلك (أخرجه الترمذي وفرقه حديثين وفي إسناده ضعف) ولكن له شواهد كثيرة وقد مضى كثير منها. 28 - (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تسمع حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك) بفتح الهمزة والمد وضم النون (يوم القيامة يعني الرصاص) هو مدرج في الحديث تفسيرا لما قبله (أخرجه البخاري). هكذا في نسخ بلوغ المرام تسمع بالمثناة الفوقية وتشديد الميم، ولفظ البخاري من استمع، والحديث دليل على تحريم استماع حديث من يكره سماع حديثه ويعرف بالقرائن وبالتصريح. وروى البخاري في الادب المفرد من رواية سعيد المقبري قال: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث فقمت إليهما فلطم صدري وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما. قال ابن عبد البر: لا يجوز لاحد أن يدخل على المتناجين في حال تناجيهما. قال المصنف: ولا ينبغي للداخل عليهما القعود عندهما ولو

[ 200 ]

تباعد عنهما إلا بإذنهما، لان افتتاحهما الكلام سرا وليس عندهما أحد دل على أنهما لا يريدان الاطلاع عليه. وقد يكون لبعض الناس قوة فهم إذا سمع بعض الكلام استدل به على باقيه فلا بد منه له من معرفة الرضا فإنه قد يكون في الاذن حياء وفي الباطن الكراهة. ويلحق باستماع الحديث استنشاق الرائحة ومس الثوب واستخبار صغار أهل الدار ما يقول الاهل والجيران من كلام أو ما يعملون من الاعمال. وأما لو أخبره عدل عن منكر جاز له أن يهجم ويستمع الحديث لازالة المنكر. 29 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس أخرجه البزار بإسناد حسن. طوبى: مصدر من الطيب، أو اسم شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها. والمراد أنها لمن شغله النظر في عيوبه، وطلب إزالته أو الستر عليها عن الاشتغال بذكر عيوب غيره والتعرف لما يصدر منهم من العيوب، وذلك بأن يقدم النظر في عيب نفسه إذا أراد أن يعيب غيره فإنه يجد من نفسه ما يردعه عن ذكر غيره. 30 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): من تعاظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان أخرجه الحاكم ورجال ثقات. تفاعل يأتي بمعنى فعل مثل توانيت بمعنى ونيت فيه مبالغة، وهو المراد هنا: أي من عظم نفسه إما باعتقاد أنه يستحق التعظيم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الاهانة. ويحتمل هنا أن تعاظم بمعنى تعظم مشددة أي اعتقد في نفسه أنه عظيم كتكبر اعتقد أنه كبير، أو يكون تفاعل بمعنى استفعل أي طلب أن يكون عظيما وهذا يلاقي معنى تكبر، والكبر كما قال المهدي في كتاب تكملة الاحكام: هو اعتقاد أنه يستحق من التعظيم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الاهانة. وقد أخرج مسلم والحاكم والترمذي من حديث ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر قارجل: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال صلى الله عليه وسلم: إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس. قيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يراه حقا. وقيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله. وقال النووي: معناه الارتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق وإنكاره ترفعا وتجبرا. وجاء في رواية الحاكم ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس فبطر الحق دفعه ورده. وغمط الناس - بفتح المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة - هو احتقارهم وازدراؤهم، هكذا جاء مفسرا عند الحاكم، قاله المنذري، ولفظة من رويت بالكسر لميمها على أنها حرف جر وبفتحها على أنها موصولة، والتفسير النبوي دل على أنه ليس من قبيل الاعتقاد وإنما هو بمعنى عدم الامتثال تعززا وترفعا واحتقارا للناس. وقال ابن حجر في الزواجر: الكبر إما باطن وهو خلق في النفس واسم الكبر بهذا أحق، وإما ظاهر وهو أعمال تصدر من

[ 201 ]

الجوارح وهي ثمرات ذلك الخلق، وعند ظهورها يقال: تكبر وعند عدمها يقال: كبر، فالاصل هو خلف النفس الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فهو يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به، وبه فارق العجب، فإنه لا يستدعي غير المعجب به حتى لو فرض انفراده دائما لما أمكن أن يقع منه العجب دون الكبر، فالعجب مجرد استعظام الشئ، فإن صحبه من يرى أنه فوقه كان تكبرا ا ه‍. والاختيال في المشية هومن التكبر وعطفه عليه من عطف أحد نوعي الكبر على الآخر، كأنه يقول: من جمع بين نوعين من أنواع هذا الكبر يستحق الوعيد، ولا يلزم منه أن أحدهما لا يكون بهذه المثابة لانه قد ثبتت أحاديث في ذم الكبر مطلقا. والحديث وغيره دال على تحريم الكبر وإيجابه لغضب الله تعالى. 31 - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): العجلة من الشيطان أخرجه الترمذي وقال: حسن. العجلة: هي السرعة في الشئ، وهي مذمومة فيما كان المطلوب فيه الاناة، محمودة فيم يطلب تعجيله من المسارعة إلى الخيرات ونحوها، وقد يقال: لا منافاة بين الاناة والمسارعة، فإن سارع بتؤده وتأن فيتم له الامران والضابط أن خيار الامور أوسطها. 32 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): الشؤم سوء الخلق أخرجه أحمد وفي سندضعف. الشؤم ضد اليمن، وتقدم الكلام على حقيقة سوء الخلق وأنه الشؤم، وأن كل ما يلحق من الشرور فسببه سوء الخلق، وفيه إشعار بأن سوء الخلق وحسنه اختيار مكتسب للعبد، وتقدم تحقيقه. 33 - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة أخرجه مسلم. تقدم الكلام في اللعن قريبا، والحديث إخبار بأن كثيري اللعن ليس لهم عند الله قبول شفاعة يوم القيامة أي لا يشفعون حين يشفع المؤمنون في إخوانهم. ومعنى ولا شهداء قيل: لا يكونون يوم القيامة شهداء على تبليغ الامم رسلهم إليهم الرسالات، وقيل: لا يكونون شهداء في الدنيا ولا تقبل شهادتهم لفسقهم، لان إكثار اللعن من أدلة التساهل في الدين، وقيل: لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله. فيوم القيامة متعلق بشفعاء وحده على هذين الاخيرين، ويحتمل عليهما أن يتعلق بهما، ويراد أن شهادته لما تقبل في الدنيا لم يكتب له في الآخرة ثواب من شهد بالحق، وكذلك لا يكون له في الآخرة ثواب الشهداء. 34 - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من عير أخاه بذنب) من عابه به (لم يمت حتى يعمله أخرجه الترمذي وحسنه وسنده منقطع). كأنه حسنه الترمذي لشواهده فلا يضره انقطاعه، وكأن من عير أخاه أي عابه، من العار وهو كل شئ لزم به عيب كما في القاموس - يجازى بسلب التوفيق حتى يرتكب ما عير أخاه به، وذاك إذا صحبه إعجابه بنفسه بسلامته مما عير به أخاه، وفيه أن ذكر

[ 202 ]

الذنب لمجرد التعيير قبيح يوجب العقوبة، وأنه لا يذكر عيب الغير إلا للامور الستة التي سلفت مع حسن القصد فيها. 35 - (وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنهم) معاوية بن حيدة رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله (ص): ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له أخرجه الثلاثة وإسناده قوي). وحسنه الترمذي وأخرجه البيهقي. والويل الهلاك، ورفعه على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور، وجاز الابتداء بالنكرة لانه من باب: سلام عليكم. وفي معناه الاحاديث الواردة في تحريم الكذب على الاطلاق، مثل حديث إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور (وإن) الفجور يهدي إلى النار سيأتي، وأخرج ابن حبان في صحيحه إياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار ومثله عند الطبراني وأخرج أحمد من حديث ابن لهيعة ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب. فإن العبد إذا كذب فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار وأخرج البخاري أنه قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل، ومن جملته قوله رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق في حديث رؤياه صلى الله عليه وسلم والاحاديث في الباب كثيرة. والحديث دليل على تحريم الكذب لاضحاك القوم، وهذا تحريم خاص. ويحرم على السامعين سماعه إذا علموه كذبا، لانه إقرار على المنكر بل يجب عليهم النكير أو القيام من الموقف. وقد عد الكذب من الكبائر، قال الروياني من الشافعية: إنه كبيرة ومن كذب قصدا ردت شهادته، وإن لم يضر بالغير، لان الكذب حرام بكل حال، وقال المهدي: إنه ليس بكبيرة، ولا يتم له نفي كبره على العموم، فإن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أو الاضرار بمسلم أو معاهد كبيرة. وقسم الغزالي الكذب في الاحياء إلى واجب ومباح ومحرم وقال: إن كل مقصد محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب وحده فمباح إن أنتج تحصيل ذلك المقصود، وواجب إن وجب تحصيل ذلك وهو إذا كان فيه عصمة من يجب إنقاذه، وكذا إذا خشي على الوديعة من ظالم وجب الانكار والحلف، وكذا إذا كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فهو مباح، وكذا إذا وقعت منه فاحشة كالزنا وشرب الخمر وسأله السلطان فله أن يكذ ب، ويقول: ما فعلت. ثم قال: وينبغي أن تقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كانت بالعكس أو شك فيها حرم الكذب، وإن تعلق بنفسه استحب أن لا يكذب، وإن تعلق بغيره لم تحسن المسامحة بحق الغير. والحزم تركه حيث أبيح. واعلم أنه يجوز الكذب اتفاقا في ثلاث صور كما أخرجه مسلم في الصحيح قال ابن شهاب: لم أسمع يرخص في شئ مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والاصلاح بين الناس

[ 203 ]

وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. قال القاضي عياض: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الثلاث الصور. وأخرج ابن النجار عن النواس بن سمعان مرفوعا الكذب يكتب على ابن آدم إلا في ثلاث: الرجل يكوبين الرجلين ليصلح بينهما، والرجل يحدث امرأته ليرضيها بذلك، والكذب في الحرب. قلت: نظر في حكمة الله ومحبته لاجتماع القلوب كيف حرم النميمة وهي صدق لما فيها من إفساد القلو ب وتوليد العداوة والوحشة، وأباح الكذب - وإن كان حراما - إذا كان لجمع القلوب وجلب المودة وإذهاب العداوة. 36 - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: كفارة من اغتبته أن تستغفر له رواه الحارث بن أبي أسامة بإسناد ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده والبيهقي في شعب الايمان وغيرهما بألفاظ مختلفة من حديث أنس، وفي أسانيدهما ضعف. وروي من طريق أخرى بمعناه، والحاكم من حديث حذيفة، والبيهقي قال: وهو أصح، ولفظه قال: كان في لساني ذرب على أهلي فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟ إني لاستغفر الله في كل يوم مائة مرة وهذا الحديث لا دليل فيه نصا أنه لاجل الاغتياب بل لعله لدفع ذرب اللسان. وفي الحديث دليل على أن الاستغفار من المغتاب لمن اغتابه يكفي ولا يحتاج إلى الاعتذار منه. وفصلت الهادوية والشافعية فقالوا: إذا علم المغتاب وجب الاستحلال منه، وأما إذا لم يعلم فلا، ولا يستحب أيضا، لانه يجلب الوحشة وإيغار الصدر، إلا أنه أخرج البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعا من كان عنده مظلمة لاخيه في عرضه أو شئ فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون له دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه وأخر نحوه البيهقي من حديث أبي موسى، وهو دال على أنه يجب الاستحلال وإن لم يكن قد علم، إلا أنه يحمل على من قد بلغه، ويكون حديث أنس فيمن لم يعلم ويقيد به إطلاق حديث البخاري. 37 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): أبغض الرجال إلى الله الالد الخصم) بفتح الخاء وكسر الصاد المهملة (أخرجه مسلم). الالد مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه، والخصم شديد الخصومة الذي يحج مخاصمه، ووجه الاشتقاق أنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر. وقد وردت أحاديث في ذم الخصومة كحديث: من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع تقدم تخريجه. وأخرج الترمذي وقال: غريب من حديث ابن عباس مرفوعا كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما وظاهر إطلاق الاحاديث أن الخصومة مذمومة ولو كانت في حق وقال النووي في الاذكار: فإن قلت: لا بد للانسان من الخصومة لاستيفاء حقه، فالجواب ما أجاب به الغزالي أن الذم إنما هو لمن خاصم بباطل وبغير علم، كوكيل القاضي، فإنه يتوكل قبل أن يعرف الحق في أي جانب، ويدخل في الذم من يطلب حقا لكن لا يقتصر على قدر

[ 204 ]

الحاجة بل يظهر اللدد والكذب لايذاء خصمه، وكذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر خصمه وكسره، ومثله من يخلط الخصومة بكلمات تؤذي وليس إليها ضرورة في التوصل إلى غرضه فهذا هو المذموم، بخلاف المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة الحجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء، ففعله هذا ليس مذموما ولاحراما لكن الاولى تركه ما وجد إليه سبيلا. وفي بعض كت‍ ب الشافعية أنها ترد شهادة من يكثر الخصومة لانها تنقص المروءة لا لكونها معصية. باب الترغيب في مكارم الاخلاق 1 - (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي) بفتح حرف المضارعة (إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا: وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا متفق عليه). الصدق ما طابق الواقع، والكذب ما خالف الواقع، هذه حقيقتهما عند الجمهور من الهادوية وغيرهم، والهداية الدلالة الموصلة إلى المطلوب. والبر - بكسر الموحدة - أصله التوسع في فعل الخيرات، وهو اسم جامع للخيرات كلها ويطلق على العمل الصالح الخالص. وقال ابن بطال على قوله: وإن البر إلى آخره مصداقه قوله تعالى: * (إن الابرار لفي نعيم) * وقال علي: قوله: وما يزال الرجل يصدق إلى آخر المراد يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة وهو الصديق. وأصل الفجور الشق فهو شق الديانة، ويطلق على الميل إلى الفساد وعلى الانبعاث في المعاصي وهو اسم جامع للشر. وقوله: وما يزال الرجل يكذب هو كما مر في قوله: وما يزال الرجل يصدق في أنه إذا تكرر منه الكذب استحق اسم المبالغة وهو الكذاب. وفي الحديث إشارة إلى أن من تحرى الصدق في أقواله صار له سجية، ومن تعمد الكذب وتحراه صار له سجية، وأنه بالتدرب والاكتساب تستمر صفات الخير والشر. الحديث دليل على عظمة شأن الصدق وأنه ينتهي بصاحبه إلى اجنة، ودليل على عظمة قبح الكذب وأنه ينتهي بصاحبه إلى النار، وذلك من غير ما لصاحبهما في الدنيا فإن الصدوق مقبول الحديث عند الناس مقبول الشهادة عند الحكام محبوب مرغوب في أحاديثه والكذو ب بخلاف هذا كله. 2 - (وعن أبي هرية رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: إياكم والظن بالنصب محذر منه، فإن الظن أكذب الحديث متفق عليه تقدم بيان معناه وأنه تحذير من أن يحقق ما ظنه، وأما نفس الظن فقد يهجم على القلب فيجب دفعه والاعراض عن العمل عليه

[ 205 ]

3 - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إياكم والجلوس في الطرقات) بضمتين جمع طريق (قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها قال: أما إذا أبيتم) أي امتنعتم عن ترك الجلوس على الطرقات (فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر) عن المحرمات (وكف الاذى) عن المارين بقول أو فعل (ورد السلام) إجابته على من ألقاه عليكم من المارين إذ السلام يسن ابتداء للمار لا للقاعد (والامر بالمعروف والنهي عن المنكر متفق عليه) قال القاضي عياض: فيه دليل على أنهم فهموا أن الامر ليس للوجوب وأنه للترغيب فيما هو الاولى، إذلو فهموا الوجوب لم يرجعوه. قال المصنف: ويحتمل أنهم راجعوا وقوع النسخ تخفيفا لما شكوا من الحاجة إلى ذلك. وقد زيد في أحاديث حق الطريق على هذه الخمسة المذكورة، زاد أبو داود وإرشاد ابن السبيل وتشميت العاطس إذا حمد الله وزاد سعيد بن منصور وإغاثة الملهوف وزاد البزار الاعانة على الحمل وزاد الطبراني وأعينوا المظلوم واذكروا الله كثيرا قال السيوطي في التوشيح: فاجتمع من ذلك ثلاثة عشر أدبا، وقد نظمها شيخ الاسلام ابن حجر فقال في أربعة أبيات: جمعت آداب من رام الجلوس على الطريق من قول خير الخلق إنسانا أفش السلام وأحسن في الكلام وشم ت عاطسا وسلاما، رد إحسانا في الحلم عاون ومظلوما أعن وأغث لهفان واهد سبيلا واهدحيرانا بالعرف مر وأنه عن نكر وكف أذى وغض طرفا وأكثر ذكر مولانا إلا أن الاحاديث التي قدمناها وذكرها السيوطي في التوشيح فيها أحد عشر أدبا والابيات ثلاثة عشر، لانه زاد: حسن الكلام وهو ثابت في حديث لابي هريرة، وزاد فيها وإفشاء السلام، ولم أجده في حديث إنما فيها رد السلام، وقد ذكره فيها، والحكمة في النهي عن الجلوس في الطرقات أنه لجلوسه يتعرض للفتنة، فإنه قد ينظر إلى الشهوات ممن يخاف الفتنة على نفسه من النظر إليهن مع مرورهن. وفيه التعرض للزوم حقوق الله والمسلمين، ولو كان قاعدا في منزله لما عرف ذلك ولا لزمته الحقوق التي قد لا يقوم بها، ولما طلبوا الاذن في البقاء في مجالسهم وأنه لا بد لهم منها عرفهم بما يلزمهم من الحقوق. وكل ما ذكر من الحقوق قد وردت به الاحاديث مفرقة تقدم بعضها ويأتي بعضها. 4 - (وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين متفق عليه. والحديث دليل على عظمة شأن التفقه في الدين وأنه لا يعطاه إلا من أراد الله به خيرا عظيما، كما يرشد إليه التنكير ويدل له المقام. والفقه في الدين تعلم قواعد الاسلام ومعرفة الحلال والحرام، ومفهوم الشرط أن من لم يتفقه في الدين لم يرد الله به خيرا. وقد ورد هذا المفهوم منطوقا في رواية أبي يعلى ومن لم يفقه لم يبال الله به

[ 206 ]

وفي الحديث دليل ظاهر على شرف الفقه في الدين، والمتفقهين فيه على سائر العلوم والعلماء. والمراد به معرفة الكتاب والسنة. 5 - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ما من شئ في الميزان أثقل من حسن الخلق أخرجه أبو داود والترمذي وصححه) وتقدم الكلام في حقيقته بما لا يحتاج فيه إلى الاعادة لقرب عهده. 6 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): الحياء من الايمان متفق عليه. الحياء في اللغة: تغير وانكسار يلحق الانسان من خوف ما يعاب به وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير فحق ذي الحق، والحياء وإن كان قد يكون غريزة فهو في استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية فلذلك كان من الايمان. وقد يكون كسبيا، ومعنى كونه من الايمان أن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، فيصير كالايمان القاطع بينه وبين المعاصي. وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الايمان، فسمي إيمانا كما يسمى الشئ باسم ما قام مقامه، والحياء مركب من جبن وعفة. وفي الحديث الحياء خير كله ولا يأتي إلا بخير. فإن قلت: قد يمنع الحياء صاحبه عن إنكار المنكر وهو إخلال ببعض ما يجب فلا يتم عموم أنه لا يأتي إلا بخير. قلت: قد أجيب عنه بأن المراد من الحياء في الاحاديث الحياء الشرعي. والحياء الذي ينشأ عنه ترك بعض ما يجب ليس حياء شرعيا بل هو عجز ومهانة وإنما يطلق عليه الحياء لمشابهته الحياء الشرعي، وبجواب آخر: وهو أن من كان الحياء من خلقه فالخير عليه أغلب، أو أنه إذا كان الحياء من خلقه كان الخير فيه بالذات فلا ينافيه حصول التقصير في بعض الاحوال. قال القرطبي في المفهم شرح مسلم: وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع له النوعان من الحياء المكتسب والغريزي وكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان في المكتسب في الذروة العليا (ص). 7 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الاولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت أخرجه البخاري. لفظ الاولى ليس في البخاري بل في سنن أبي داود، ووقع في حديث أبي حذيفة إن آخر ما تعلق به أهل الجاهلية من كلام النبوة الاولى إلى آخره أخرجه أحمد والبزار، والمراد من كلام النبوة الاولى ما اتفق عليه الانبياء ولم ينسخ كما نسخت شرائعهم، لانه أمر أطبقت عليه العقول. وفي قوله: فاصنع ما شئت قولان: الاول أنه بمعنى الخبر أي صنعت ما شئت وعبر عنه بلفظ الامر للاشارة إلى أن الذي يكف الانسان عن مدافعة الشر هو الحياء، فإذا تركه توفرت دواعيه على مواقعة الشر حتى كأنه مأمور به، أو الامر فيه للتهديد أي اصنع ما شئت فإن الله مجازيك على ذلك. الثاني، أن المراد انظر إلى ما تريد فعله فإن كان مما لا يستحى منه فافعله وإن كان مما يستحى منه فدعه ولا تبالي بالخلق.

[ 207 ]

8 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل) من القوي والضعيف (خير) لوجود الايمان فيهما (احرص) من حرص يحرص كضرب يضرب ويقال: حرص كسمع (على ما ينفعك) في دنياك ودينك (واستعن بالله) عليه (ولا تعجز) بفتح الجيم وكسرها (وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت) كذا (كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء) الله (فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان أخرجه مسلم). المراد من القوي قوي عزيمة النفس في الاعمال الاخروية فإن صاحبها أكثر إقداما في الجهاد وإنكار المنكر، والصبر على الاذى في ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله والقيام بحقوقه، من الصلاة والصوم وغيرهما. والضعيف بالعكس من هذا، إلا أنه لا يخلو عن الخير لوجود الايمان فيه، ثم أمره (ص) بالحرص على طاعة الله وطلب ما عنده، وعلى طلب الاستعانة به في كل أموره، إذ حرص العبد بغير إعانة الله لا ينفعه إذا لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجني عليه اجتهاده ونهاه عن العجز، وهو التساهل في الطاعات، وقد استعاذ منه صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل وسيأتي. ونهاه بقوله: إذا أصابه شئ، من حصول ضرر أو فوات نفع عن أن يقول: لو قال بعض العلماء: هذا إنما هو لمن قال معتقدا ذلك حتما، وأنه لو فعل ذلك لم يصبه قطعا، فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله وأنه لا يصيبه إلا ما شاء الله فليس من هذا. واستدل له بقول أبي بكر في الغار ولو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا وسكوته صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض: وهذا لا حجة فيه لانه إنما أخبر عن أمر مستقبل وليس فيه دعوى لرد قدره بعد وقوعه، قال: وكذا جميع ما ذكره البخاري في باب ما يجوز من اللو كحديث لولا حدثان قومك بالكفر الحديث ولو كنت راجما بغير بينة ولولا أن أشق على أمتي وشبيه ذلك فكله مستقبل ولا اعتراض فيه على قدر، فلا كراهية فيه، لانه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع وعما هو في قدرته فأما ما ذهب فليس في قدرته. قال القاضي: فالذي عندي في معنى الحديث: أن النهي على ظاهره وعمومه لكن نهي تنزيه. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: فإن لو تفتح عمل الشيطان قال النووي: وقد جاء من استعمال لو في الماضي قوله صلى الله عليه وسلم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى وغير ذلك فالظاهر أن النهي إنما هو إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون نهي تنزيه لا تحريم. وأما من قاله تأسفا على ما فاته من طاعة الله وما هو متعذر عليه من ذلك ونحو هذا فلا بأس به وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الاحاديث. 9 - (وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على

[ 208 ]

أحد أخرجه مسلم) التواضع: عدم الكبر، وتقدم تفسير الكبر. وعدم التواضع يؤدي إلى البغي، لانه يرى لنفسه مزية على الغير فيبغي عليه بقوله أو فعله، ويفخر عليه ويزدريه، والبغي والفخر مذمومان. ووردت أحاديث في سرعة عقوبة البغي منها عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من ذنب أجدر - أو أحق - من أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه وأخرجه ابن ماجه، وأخرج البيهقي: ليس شئ مما عصي الله به هو أسرع عقوبة من البغي. 10 - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: من رد عن عرض أخيه بالغيب رد الله عن وجهه النار يوم القيامة أخرجه الترمذي وحسنه. 11 - (ولاحمد من حديث أسماء بنت يزيد نحوه. في الحديثين دليل على فضيلة الرد على من اغتاب أخاه عنده، وهو واجب، لانه من باب الانكار للمنكر، ولذا ورد الوعيد على تركه كما أخرجه أبو داود وابن أبي الدنيا ما من مسلم يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته. وأخرج أبو الشيخ من رد عن عرض أخيه رد الله عنه النار يوم القيامة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: * (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) * وأخرج أبو داود وأبو الشيخ أيضا من حمى عرض أخيه في الدنيا بعث الله له ملكا يوم القيامة يحميه من النار وأخرج الاصبهاني من اغتيب عنده أخوه فاستطاع نصرته فنصره، نصره الله في الدنيا والآخرة وإن لم ينصره أذله الله في الدنيا والآخرة. بل ورد في الحديث أن المستمع للغيبة أحد المغتابين، فمن حضر الغيبة وجب عليه أحد أمور: الرد عن عرض أخيه ولو بإخراج من اغتاب إلى حديث آخر، أو القيام عن موقف الغيبة أو الانكار بالقلب، أو الكراهة للقول وقد عد بعض العلماء السكوت كبيرة، لورود هذا الوعيد. 12 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه أخرجه مسلم. فسر العلماء عدم النقص بمعنيين: الاول: أنه يبارك له فيه ويدفع عنه الآفات فيجبر نقص الصورة بالبركة الخفية. والثاني: أنه يحصل بالثواب الحاصل عن الصدقة جبران نقص عينها فكأن الصدقة لم تنقص المال لما يكتب الله من مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة. قلت: والمعنى الثالث أنه تعالى يخلفها بعوض يظهر به عدم نقص المال بل ربما زادته، ودليله قوله تعالى: * (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه) * وهو مجربمحسوس وفي قوله: ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا حث على العفو عن المسئ وعدم مجازاته على إساءته وإن كانت جائزة قال تعالى: * (فمن عفا وأصفح

[ 209 ]

فأجره على الله) *. وفيه أنه يجعل الله تعالى للعافي عزا وعظمة في القلوب، لانه بالانتصاف يظن أنه يعظم ويصان جانبه ويهاب ويظن أن الاغضاء والعفو لا يحصل به ذلك فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يزداد بالعفو عزا، وفي قوله: وما تواضع أحد لله أي لاجل ما أعده الله للمتواضعين إلا رفعه الله دليل على أن التواضع سبب للرفعة في الدارين لاطلاقه. وفي الحديث حث على الصدقة وعلى العفو وعلى التواضع، وهذه من أمهات مكارم الاخلاق. 13 - (وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): يا أيها الناس أفشو السلام وصلوا الارحام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام أخرجه الترمذ وصححه. الافشاء لغة: الاظهار، والمراد نشر السلام على من يعرفه وعلى من لا يعرفه، وأخرج الشيخان من حديث عبد الله بن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الاسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. ولا بد في السلام أن يكون بلفظ مسمع لمن يرد عليه. وقد أخرج البخاري في الادب المفرد بسند صحيح عن ابن عمر: إذا سلمت فأسمع فإنها تحية من عند الله، قال النووي: أقله أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسنة فإن شك استظهر. وإن دخل مكانا فيه أيقاظ ونيام فالسنة ما ثبت في صحيح مسلم عن المقداد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجئ من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان، فإن لقي جماعة يسلم عليهم جميعا، ويكره أن يخص أحدهم بالسلام لانه يولد الوحشة، ومشروعية السلام لجلب التحاب والالفة، فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا ألا أدلكم على ما تحابون به؟ أفشوا السلام بينكم. ويشرع السلام عند القيام من الموقف كما يشرع عند الدخول لما أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعا إذا قعد أحدكم فليسلم وإذا قام فليسلم فليست الاولى أحق من الآخرة وتكره أو تحرم الاشارة باليد أو الرأس لما أخرجه النسائي بسند جيد عن جابر مرفوعا لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والاكف إلا أنه يستثنى من ذلك حال الصلاة فقد وردت أحاديث بأنه صلى الله عليه وسلم كان يرد على من يسلم عليه وهو يصلي بالاشارة، وقد قدمنا تحقيق ذلك في الحديث العشرين من باب شروط الصلاة في الجزء الاول. وجوزت الاشارة بالسلام على من بعد عن سماع لفظ السلام. قال ابن دقيق العيد: وقد يستدل بالامر بإفشاء السلام من قال بوجوب الابتداء بالسلام، ويرد عليه أنه لو كان الابتداء فرض عين على كل أحد كان فيه حرج ومشقة، والشريعة على التخفيف والتيسير، فيحمل على الاستحبا ب ا ه‍. قال النووي: في التسليم على من لم يعرف إخلاص العمل لله تعالى واستعمال التواضع وإفشاء السلام الذي هو شعار هذه الامة، وقال ابن بطال في مشروعية السلام على غير معروف: استفتاح المخاطبة للتأنيس ليكون المؤمنون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد. وتقدم الكلام على صلة الارحام مستوفى، وعلى إطعام الطعام، فيشمل من يجب عليه إنفاقه ويلزم إطعامه ولو عرفا أو عادة، وكالصدقة على

[ 210 ]

السائل للطعام وغيره، فالامر محمول على فعل ما هو أولى من تركه ليشمل الواجب والمندوب والامر بصلاة الليل في قوله: صلوا بالليل فقد ورد تفسيره بصلاة العشاء، والمراد بالناس اليهود والنصارى، ويحتمل أنه أريد ذلك وما يشمل نافلة الليل. وقوله تدخلوا الجنة بسلام إخبار بأن هذه الافعال من أسباب دخول الجنة، وكأنه بسببها يحصل لفاعلها التوفيق وتجنيب ما يوبقها من الاعمال وحصول الخاتمة الصالحة. 14 - (وعن تميم الداري رضي الله عنه) هو أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة، نسب إلى جده دار ويقال الديري نسبة إلى دير كان فيه قبل الاسلام وكان نصرانيا وليس في الصحيحين والموطأ داري ولا ديري إلا تميم، أسلم سنة تسع كان يختم القرآن في ركعة وكان ربما ردد الآية الواحدة الليل كله إلى الصباح، سكن المدينة ثم انتقل منها إلى الشام، وروى النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته قصة الجساسة والدجال، وهي منقب له وهي داخلة في رواية الاكابر عن الاصاغر وليس له في صحيح مسلم إلا هذا الحديث وليس له في البخاري شئ (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة ثلاثا -) أي قالها ثلاثا (قلنا: لمن يا رسول الله؟) أي من يستحقها (قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم أخرجه مسلم). هذا الحديث جليل. قال العلماء: إنه أحد الاحاديث الاربعة التي يدور عليها الاسلام، وقال النووي: ليس الامر كما قالوه بل عليه مدار الاسلام قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. ومعنى الاخبار عن الدين بها أن عماد الدين وقوامه النصيحة. قالوا: والنصح لله: الايمان به ونفي الشرك عنه وترك الالحاد في صفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها وتنزيهه تعالى عن جميع أنواع النقائص والقيام بطاعته واجتناب معاصيه والحب فيه والبغض فيه وموالاة من أطاعه ومعادا من عصاه وغير ذلك مما يجب له تعالى. قال الخطابي: وجميع هذه الاشياء راجعة إلى العبد من نصيحة نفسه، والله تعالى غني عن نصح الناصح. والنصيحة لكتابة: الايمان بأنه كلامه تعالى وتحليل ما حلله وتحريم ما حرمه والاهتداء بما فيه والتدبر لمعانيه والقيام بحقوق تلاوته والاتعاظ بمواعظه والاعتبار بزواجره والمعرفة له والنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تصديقه بما جاء به واتباعه فيما أمر به ونهى عنه وتعظيم حقه وتوقيره حيا وميتا، ومحبة من أمر بمحبته من آله وصحبه ومعرفة سنته والعمل بها ونشرها والدعاء إليها والذب عنها. والنصيحة لائمة المسلمين: إعانتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به وتذكيرهم لحوائج العباد ونصحهم في الرفق والعدل. قال الخطابي: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم والجهاد معهم. وتعدد أسباب الخير في كل من هذه الاقسام لا تنحصر قيل: وإذا أريد بأئمة المسلمين: العلماء، فنصحهم بقبول أقوالهم وتعظيم حقهم والاقتداء بهم، ويحتمل أنه يحمل الحديث عليهما فهو حقيقة فيهما. والنصيحة لعامة المسلمين: بإرشادهم إلى

[ 211 ]

مصالحهم في دنياهم وأخراهم وكف الاذى عنهم وتعليمهم ما جهلوه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونحو ذلك. والكلام على كل قسم يحتمل الاطالة وفي هذا كفاية. وقد بسطنا الكلام عليه في شرح الجامع الصغير. قال ابن بطال: في الحديث دليل على أن النصيحة تسمى دينا وإسلاما وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول، قال: والنصيحة فرض كفاية يجزئ فيها من قام بها وتسقط عن الباقين، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة البشرية إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة، والله أعلم. 15 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق أخرجه الترمذي وصححه الحاكم) الحديث دليل على عظمة تقوى الله وحسن الخلق، وتقوى الله تعالى هي الاتيان بالطاعات واجتناب المقبحات، فمن أتى بها وانتهى عن المنهيات فهي من أعظم أسباب دخول الجنة. وأما حسن الخلق فتقدم الكلام فيه. 16 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق أخرجه أبو يعلى وصححه الحاكم. أي لا يتم لكم شمول الناس بإعطاء لمال لكثرة الناس وقلة المال فهو غيردا خل في مقدور البشر، ولكن عليكم أن تسعوهم ببسط الوجه والطلاقة ولين الجانب وخفض الجناح ونحو ذلك مما يوجب التحاب بينكم فإنه مراد الله، وذلك فيما عدا الكافر ومن أمر بالاغلاظ عليه. 17 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): المؤمن مرآة المؤمن أخرجه أبو داود بإسناد حسن. أي المؤمن لاخيه المؤمن كالمرآة التي ينظر فيها وجهه، فالمؤمن يطلع أخاه على ما فيه من عيب وينبهه على إصلاحه ويرشده إلى ما يزينه عند مولاه تعالى وإلى ما يزينه عند عباده، وهذا داخل في النصيحة. 18 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن وهو عند الترمذي إلا أنه لم يسم الصحابي. فيه أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصبر على المخالطة، والاحوال تختلف باختلاف الاشخاص والازمان، ولكل حال مقال ومن رجح العزلة فله على فضلها أدلة. وقد استوفاها الغزالي في الاحياء وغيرها. 19 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم كما حسنت خلقي) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام (فحسن خلقي)

[ 212 ]

بضمها وضم اللام (رواه أحمد وصححه ابن حبان). قد كان صلى الله عليه وسلم من أشرف العباد خلقا وخلقا وسؤاله ذلك اعترافا بالمن وطلبا لاستمرار النعمة وتعليما للامة. باب الذكر والدعاء الذكر: مصدر ذكر وهو ما يجري على اللسان والقلب، والمراد به ذكر الله والدعاء مصدر دعا وهو الطلب، ويطلق على الحث على فعل الشئ، نحو دعوت فلانا استعنته. ويقال: دعوت فلانا سألته. ويطلق على العبادة وغيرها. واعلم أن الدعاء ذكر الله وزيادة، فكل حديث في فضل الذكر يصدق عليه، وقد أمر الله تعالى عباده بدعائه فقال: * (ادعوني استجب لكم) * أخبرهم بأنه قريب يجيب دعاءهم فقال * (وإذ سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) *. وسماه مخ العبادة ففي الحديث عند الترمذي من حديث أنس مرفوعا الدعاء مخ العبادة وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يغضب على من لم يدعه، فإنه أخرج البخاري في الادب المفرد من حديث أبي هريرة مرفوعا من لم يسأل الله يغضب عليه، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه تعالى يحب أن يسأل، فأخرج الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل والاحاديث في الحث عليه كثيرة، وهو يتضمن حقيقة العبودية والاعتراف بغنى الرب وافتقار العبد، وقدرته تعالى وعجز العبد، وإحاطته تعالى بكل شئ علما. فالدعاء يزيد العبد قربا من ربه، واعترافا بحقه، ولذا حث (ص) على الدعاء وعلم الله عباده دعاءه بقوله: * (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) * الآية ونحوها، وأخبرنا بدعوات رسله وتضرعهم حيث قال أيوب: * (ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) * وقال زكريا عليه السلام: * (ربي لا تذرني فردا) * * (فهب لي من لدنك وليا) * وقال أبو البشر: * (ربنا ظلمنا أنفسنا) * الآية، وقال يوسف: * (ربي قد اتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث) * إلى قوله * (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) *. وقال يونس:: * (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) * ودعا نبينا (ص) في مواقف لا تنحصر عند لقاء الاعداء وغيرها، ودعواته في الصباح والمساء والصلوات وغيرها معروفة. فالعجب من الاشتغال بذكر الخلاف بين من قال التفويض والتسليم أفضل من الدعاء فإن قائل هذا ما ذاق حلاوة الماجة لربه ولا تضرع واعترافه بحاجته وذنبه. واعلم أنه قد ورد من حديث أبي سعيد عند أحمد: أنه لا يضيع الدعاء بل لا بد للداعي من إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته،، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها وصححه الحاكم وللدعاء شرائط ولقبوله موانع قد أودعناها أوائل الجزء الثاني من التنوير شرح الجامع الصغير وذكرنا فائدة الدعاء مع سبق القضاء. 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص):

[ 213 ]

يقول الله تعالى أنا مع عبدي ما ذكرني تحركت بي شفتاه أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان وذكره البخاري تعليقا، وهو في البخاري بلفظ قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله عزوجل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منهم وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة وهذه معية خاصة تفيد عظمة ذكره تعالى، وأنه مع ذاكر برحمته ولطفه وإعانته والرضا بحاله وقال ابن أبي جمرة: معناه أنا معه بحسب ما قصده من ذكره لي ثم قال: يحتمل أن يراد الذكر بالقلب أو باللسان أو بهما معا أو بامتثال الامر واجتناب النهي، قال: والذي تدل عليه الاخبار أن الذكر على نوعين، أحدهما مقطوع لصاحبه بما تضمنه هذا الخبر، والثاني على خطر قال: والاول مستفاد من قوله تعالى: * (فمن يعلم مثقال ذرة خيرا يره) *، والثاني من الحديث الذي فيه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا لكن إن كان في حال المعصية يذكر الله لخوف ووجل فإنه يرجى له. 2 - (وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (ص): ما عمل ابن آدم عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن الحديث من أدلة فضل الذكر وأنه من أعظم أسباب النجاة من مخاوف عذاب الآخرة وهو أيضا من المنجيات من عذاب الدنيا ومخاوفها، ولذا قرن الله الامر بالثبات لقتال أعدائه وجهادهم بالامر بذكره كما قال: * (إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيرا) * (الانفال: 45) وغيرها من الآيات والاحاديث الواردة في مواقف الجهاد. 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده أخرجه مسلم. دل الحديث على فضيلة مجالس الذكر والذاكرين وفضيلة الاجتماع عله الذكر. وأخرج البخاري: إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا - الحديث وهذا من فضائل مجالس الذكر تحضرها الملائكة بعد التماسهم لها. والمراد بالذكر: هو التسبيح والتحميد وتلاوة القرآن ونحو ذلك، وفي حديث البزار: أنه تعالى يسأل ملائكته ما يصنع العباد - وهو أعلم بهم - فيقولون: يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم. والذكر حقيقة في ذكر اللسان ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضار معناه وإنما يشترط أن لا يقصد غيره، فإن انضاف إلى الذكر باللسان الذكر بالقلب فهو أكمل، وإن انضاف إليهما استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه إزداد كمالا، فإن وقع ذلك في عمل صالح مما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما فكذلك، فإن صح

[ 214 ]

التوجه وأخلص لله فهو أبلغ في الكمال. وقال الفخر الرازي: المراد بذكر اللسان الالفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب التفكر في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكليف من الامر والنهي حتى يطلع على أحكامه وفي أسرار مخلوقات الله. والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة بالطاعات ومن ثمة سمي الله الصلاة ذكرا في قوله: * (فاسعوا إلى ذكر الله) * وذكر بعض العارفين أن الذكر على سبعة أنحاء: فذكر العينين بالبكاء وذكر الاذنين بالاصغاء وذكر اللسان بالثناء وذكر اليدين بالعطاء وذكر البدن بالوفاء وذكر القلب بالخوف والرجاء وذكر الروح بالتسليم والرضاء. وورد في الحديث ما يدل على أن الذكر أفضل الاعمال جميعها وهو ما أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعا ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى قال: ذكر الله. ولا تعارضه أحاديث فضل الجهاد وأنه أفضل من الذكر، لان المراد بالذكر الافضل من الجهاد ذكر اللسان والقلب والتفكر في المعنى واستحضار عظمة الله، فهذا أفضل من الجهاد، والجهاد أفضل من الذكر باللسان فقط. وقال ابن العربي: إنه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه فمن لم يذكر الله عند صدقته أو صيامه فليس عمله كاملا، فصار الذكر أفضل الاعمال من هذه الحيثية، ويشير إليه حديث نية المؤمن خير من عمله. 4 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي (ص) إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة أخرجه الترمذي وقال: حسن. زاد فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم وأخرجه أحمد بلفظ ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه إلا كان عليه ترة، وما من رجل يمشي طريقا فلم يذكر الله تعالى إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى إلى فراشه فلم يذكر الله عزوجل إلا كان عليه ترة وفي رواية إلا كان عليه حسرة يوم القيامة. وإن دخل الجنة والترة: بمثناة فوقية مكسورة فراء بمعنى الحسرة وقال ابن الاثير: هي النقص. والحديث دليل على وجوب الذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس سيما مع تفسير الترة بالنار أو العذاب، فقد فسرت بهما، فإن التعذيب لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محظور، وظاهره أن الواجب هو الذكر والصلاة عليه (ص) معا. وقد عدت مواضع الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فبلغت ستة وأربعين موضعا. قال أبو العالية: معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له بحصول الثناء والتعظيم. وفيه أقوال أخر هذا أجودها. وقال غيره: الصلاة منه تعالى على رسوله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي رحمة فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عظم محمدا أو المراد بالتعظيم: إعلاء ذكره، وإظهار دينه وإبقاء شريعته في الدنيا

[ 215 ]

وفي الآخرة بإحراز مثوبته وتشفيعه في أمته. والشفاعة العظمى للخلائق أجمعين في المقام المحمود ومشاركة الآل والازواج بالعطف يراد به في حقهم التعظيم اللائق بهم. وبهذا يظهر وجه اختصاص الصلاة بالانبياء استقلالا دون غيرهم. ويتأيد هذا بما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس يرفعه إذا صليتم علي فصلوا على أنبياء الله فإن الله تعالى بعثهم كما بعثني فجعل العلة البعثة فتكون مختصة بمن بعث. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عباس ما أعلم الصلاة تنبغي لاحد على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وحكى القول به عن مالك وقال: ما تعبدنا به. وقال القاضي عياض: عامة أهل العلم على الجواز قال: وأنا أميل إلى قول مالك، وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء. قالوا: يذكر غير الانبياء بالترضي والغفران، والصلاة على غير الانبياء يعني استقلالا لم تكن من الامر بالمعروف، وإنما حدثت في دولة بني هاشم يعني العبيديين. وأما الملائكة فلا أعلم فيه حديثا وإنما يؤخذ ذلك من حديث ابن عباس لان الله سماهم رسلا. وأما المؤمنون فقالت طائفة: لا تجوز استقلالا وتجوز تبعا فيما ورد به النص كالآل والازواج والذرية، ولم يذكر في الن‍ ص غيرهم فيكون ذلك خاصا ولا يقاس عليهم الصحابة ولا غيرهم، وقد بينا أنه يدعى للصحابة ونحوهم بما ذكره الله من أنه رضي عنهم وبالمغفرة كما أمر بها رسوله: * (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) * وأما الصلاة عليهم فلم ترد. والمسألة فيها خلاف معروف، فقال بجوازه البخاري، ووردت أحاديث بأنه صلى الله عليه وسلم صلى على آل سعد بن عبادة. أخرجه أبو داود والنسائي بسند جيد، وورد بأنه صلى الله عليه وسلم صلى على آل أبي أوفى، فمن قال بجوازه استقلالا على سائر المؤمنين فهذا دليله. ومن أدلته أن الله تعالى قال: * (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) * ومن منع قال: هذا ورد من الله ومن رسوله (ص) لم يرد الاذن لنا وقال ابن القيم: يصلى على غير الانبياء والملائكة وأزواج النبي (ص) وذريته وأهل طاعته على سبيل الاجمال. ويكره في غير الانبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعارا لا سيما إذا ترك في حق مثله وأفضل منه - كما تفعل الرافضة - فلو اتفق وقوع ذلك مفردا في بعض الاحايين من غير أن يتخذ شعارا لم يكن فيه بأس. واختلفوا أيضا في السلام على غير الانبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل: يشرع مطلقا، وقيل: تبعا ولا يفرد بواحد لكونه صار شعارا للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ محمد الجويني. قلت: هذا التعليل بكونه صار شعارا لا ينهض على المنع والسلام على الموتى قد شرعه الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وكان ثابتا في الجاهلية كما قال الشاعر: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما 5 - (وعن أبي أيوب الانصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له عشر مرات كان كمن أعتق أربعة

[ 216 ]

أنفس من ولد إسماعيل متفق عليه. زاد مسلم: له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير وفي لفظ من قال ذلك في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك وأخرج أحمد من طريق عبد الله بن يعيش عن أبي أيوب وفيه من قال إذا صلى الصبح لا إله إلا الله فذكره بلفظ عشر مرات كن كعدل أربع رقاب وكتب له بهن عشر حسنا ت ومحي عنه بهن عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات وكن له حرزا من الشيطان حتى يمسي وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك وسنده حسن، وأخرجه جعفر في الذكر عن أبي أيوب رفعه قال من قال حين يصبح - فذكر مثله لكن زاد: يحي ويميت. وقال: تعدل عشر رقب وكان له مسلحة من أول نهاره إلى آخره ولم يعمل يومئذ عملا يقهرهن، وإن قال مثل ذلك حين يمسي فمثل ذلك. وذكر العشر الرقاب في بعضها والاربع في بعضها كأنه باعتبار الذاكرين في استحضارهم معاني الالفاظ بالقلوب، وإمحاض التوجه والاخلاص لعلام الغيوب. فيكون اختلاف مراتبهم باعتبار ذلك وبحسبه كما قال القرطبي. 6 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر متفق عليه. معنى سبحان الله تنزيهه عما لا يليق به من نقص، فيلزم منه نفي الشريك والصاحب والولد وجميع ما لا يليق، والتسبيح يطلق على جميع ألفاظ الذكر ويطلق على صلاة النافلة، ومنه صلاة التسبيح خصت بذلك لكثرة التسبيح فيها. وفيه: أنه تكفر بهذا الذكر الخطايا، وظاهره ولو كبائر، والعلماء يقيدون ذلك بالصغائر ويقولون: لا تمحى الكبائر إلا بالتوبة، وقد أورد على هذا سؤال: وهو أنه يدل على أن التسبيح أفضل من التهليل، فإنه قال في التهليل: إن من قال مائة مرة في يومحيت عنه مائة سيئة كما قدمناه وهنا قال حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر والاحاديث دالة على أن التهليل أفضل، فقد أخرج الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث جابر مرفوعا أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد والاخلاص وهي اسم الله الاعظم ومعنى التسبيح داخل فيها فإنه التنزيه عما لا يليق بالله وهو داخل في لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك... إلخ، وفضائلها عديدة وأجيب عنه بأنه انضاف إلى ثواب التهليل مع التفكير ثلاثة أمور رفع الدرجات وكتب الحسنات وعتق الرقاب، والعتق يتضمن تكفير جميع السيئات فإن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار كما سلف. وظاهر الاحاديث أن هذه الفضائل لكل ذاكر. وذكر القاضي عن بعض العلماء أن الفضل الوارد في مثل هذه الاعمال الصالحة، والاذكار إنما هو لاهل الفضل في الدين، والطهارة من الجرائم العظام وليس من أصر على شهواته وانتهك دين

[ 217 ]

الله وحرماته بلا حق، من الافاضل المطهرين في ذلك وشهد له قوله تعالى: * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين امنوا وعملوا الصالحات) * الآية 7 - (وعن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت) بكسر التاء خطاب لها (منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته أخرجه مسلم). عدد خلقه منصوب صفة مصدر محذوف تقديره أسبحه تسبيحا ومثله أخواته. وخلقه شامل لما في السموات والارض وفي الدنيا والآخرة، ورضاء نفسه أي عدد من رضي الله عنهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ورضاه عنهم لا ينقضي ولا ينقطع. وزنة عرشه أي زنة ما لا يعلم قدر وزنه إلا الله. ومداد كلماته بكسر الميم وهو ما تمد به الدواة كالحبر، والكلمات هي معلومات الله ومقدوراته وهي لا تنحصر وهي لا تتناهى، ومدادها هو كل مدة يكتب بها معلوم أو مقدور وذلك لا ينحصر فمتعلقه غير منحصر كما قال تعالى: * (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) * الحديث دليل على فضل هذه الكلمات وأن قائلها يدرك فضيلة تكرار القبول بالعدد المذكور. 8 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): الباقيات الصالحات: لاإله إلا الله وسبحان الله والله أكبر والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله أخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم. الباقيات الصالحات: يراد بها الاعمال الصالحة التي يبقى لصاحبها أجرها أبد الآباد، وفسرها صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات، ويحتمل أنه تفسير لقوله تعالى: * (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) *. وقد جاء في الاحاديث تفسيرها بأفعال الخير. فأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث ابن عباس: الباقيات الصالحات: هن ذكر لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وتبارك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله وصلى الله على رسول الله (ص) والصيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة، وجميع أنواع الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لاهلها في الجنة وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن قتادة الباقيات الصالحات كل شئ من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات ولا ينافي تفسيرها في الحديث بما ذكر فإنه لا حصر فيه عليها. 9 - (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): أحب الكلام إلى الله أربع لا يضرك بأيهن بدأت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أخرجه مسلم. يعني إنما كانت أحبه إليه تعالى لاشتمالها على تنزيهه وإثبات الحمد له والوحدانية والاكبرية. وقوله: لا يضرك بأيهن بدأت دل على أنه لا ترتيب بينها ولكن تقديم التنزيه أولى لانه تقدم التخلية - بالخاء المعجمة - على التحلية

[ 218 ]

بالحاء المهملة - والتنزيه تخلية عن كل قبيح، وإثبات الحمد والوحدانية والاكبرية تحلية بكل صفات الكمال، لكنه لما كان تعالى منزهة ذاته عن كل قبيح لم تضر البداءة بالتحلية وتقديمها على التخلية. والاحاديث في فضل هذه الكلمات مجموعة ومتفرقة بحر لا تنزفه الدلاء ولا ينقصه الاملاء وكفى بما في الحديث من أنها الباقيات الصالحات وأنها أحب الكلام إلى الله تعالى. 10 - (وعن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله متفق عليه. زادالنساي) من حديث أبي موسى (لاملجأ من الله إلا إليه) أي أن ثوابها مدخر في الجنة وهو ثواب نفيس كما أن الكنز أنفس أموال العباد، فالمراد مكنون ثوابها عند الله لكم، وذلك لا كلمة استسلام وتفويض إلى الله واعتراف الاذعان له وأنه لا صانع غيره ولا راد لامره، وأن العبد لا يملك شيئا من الامر. والحول: الحركة والحيلة أي لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله، وروي تفسيرها مرفوعا أي لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله، ثم قال صلى الله عليه وسلم كذلك أخبرني جبريل عن الله تبارك وتعالى. وقوله: (ولا ملجأ) مأخوذ من لجأ إليه وهو - بفتح الهمزة - يقال لجأت إليه والتجأت إذا استندت إليه واعتضدت به أي لا مستند من الله ولا مهرب عن قضائه إلا إليه. 11 - (وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: إن الدعاء هو العبادة رواه الاربعة وصححه الترمذي. ويدل له قوله تعالى: * (ادعوني استجب لكم) * ثم قال: * (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) * وتقدم الكلام عليه. 12 - (وله) أي الترمذي (من حديث أنس مرفوعا بلفظ الدعاء مخ العبادة) أي خالصها لان مخ الشئ خالصه، وإنما كان مخها لامرين: الاول: أنه امتثال لامر الله حيث قال: (ادعوني) الثاني: أن الداعي إذا علم أن نجاح الامور من الله انقطع عما سواه وأفرده بطلب الحاجات وإنزال الفاقات، وهذا هو مراد الله من العبادة. 13 - (وله) أي الترمذي (عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه ليس شئ على الله أكرم من الدعاء وصححه ابن حبان والحاكم). 14 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): الدعاء بين الاذان والاقامة لا يرد أخرجه النسائي وغيره وصححه ابن حبان وغيره) تقدم الحديث بلفظ آخر في باب الاذان، وتقدم الكلام عليه، ويتأكد الدعاء بعد الصلاة المكتوبة لحديث الترمذي عن أبي أمامة قلت: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل

[ 219 ]

وأدبار الصلوات المكتوبة. وأما هذه الهيئة التي يفعلها الناس في الدعاء بعد السلام من الصلاة بأن يبقى الامام مستقبل القبلة والمؤتمون خلفه يدعو ويدعون، فقال ابن القيم: لم يكن من ذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا روي عنه في حديث صحيح ولا حسن. وقد وردت أحاديث في الدعاء بعد الصلاة معروفة وورد التسبيح والتحميد والتكبير كما سلف في الاذكار. 15 - (وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ربكم حيي) بزنة نسي وحشي (كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا أخرجه الاربعة إلا النسائي وصححه الحاكم). وصفه تعالى بالحياء يحمل على ما يليق به كسائر صفاته نؤمن بها ولا نكيفها ولا يقال: إنه مجاز وتطلب له العلاقات، هذا مذهب أئمة الحديث والصحابة وغيرهم وصفرا بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء أي خالية. وفي الحديث دلالة على استحباب رفع اليدين في الدعاء، والاحاديث فيه كثيرة. وأما حديث أنس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شئ من الدعاء إلا في الاستسقاء فالمراد به المبالغة في الرفع وأنه لم يقع إلا في الاستسقاء. وأحاديث رفعه صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء أفردها الحافظ المنذري في جزء. وأخرج أبو داود وغيره من حديث ابن عباس المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستسقاء أن تشير بأصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعا وهو موقوف، وأما مسح اليدين بعد الدعاء فورد فيه الحديث الآتي: 16 - (وعن عمرضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه أخرجه الترمذي، وله شواهد منها حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره ومجموعها يقضي بأنه حديث حسن) وفيه دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء. قيل: وكأن المناسبة أنه تعالى لما كان لا يردهما صفرا فكأن الرحمة أصابتهما فتناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الاعضاء وأحقها بالتكريم. 17 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان. المراد أحقهم بالشفاعة أو القرب من منزلته في الجنة. وفيه فضيلة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. وقد تقدمت قريبا، ولو أضاف هذا الحديث إلى ما سلف لكان أوفق. 18 - (وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه

[ 220 ]

لا يغفر الذنوب إلا أنت أخرجه البخاري. وتمام الحديث من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة. قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة استعير له اسم السيد وهو في الاصل الرئيس الذي يقصد إليه في الحوائج. ويرجع إليه في الامور، وجاء في رواية الترمذي ألا أدلك على سيد الاستغفار. وفي حديث جابر عند النسائي تعلموا سيد الاستغفار وقوله: لا إله إلا أنت خلقتني ووقع في رواية: اللهم لك الحمد لا إله إلا أنت خلقتني وزاد فيه آمنت لك مخلصا لك ديني. وقوله: وأنا عبدك جملة مؤكدة لقوله: أنت ربي، ويحتمل: أنا عبدك بمعنى عابدك فلا يكون تأكيدا ويؤيده عطف قوله: وأنا على عهدك ومعناه كما قال الخطابي: أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الايمان بك وإخلاص الطاعة لك ما استطعت ومتمسك به ومستنجز وعدك في المعونة والاجر. وفي قوله: ما استطعت اعتراف بالعجز والقصور عن القيام بالواجب من حقه تعالى. قال ابن بطال: يريد بالعهد الذي أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم. * (ألست بربكم) * فأقروا له بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قال على لسان نبيه أن من مات لا يشرك بي شيئا أن يدخل الجنة. ومعنى أبوء أقر وأعترف وهو مهموز وأصله البواء ومعناه اللزوم. ومنه: بوأه الله منزلا أي أسكنه، فكأنه ألزمه به وأبوء بذنبي أعترف به وأقر. وقوله: فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت اعترف بذنبه أولا ثم طلب غفرانه ثانيا. وهذا من أحسن الخطاب وألطف الاستعطاف كقول أبي البشر: * (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) *. وقد اشتمل الحديث على الاقرار بالربوبية لله تعالى. وبالعبودية للعبد في التوحيد له وبالاقرار بأنه الخالق، والاقرار بالعهد الذي أخذه على الامم. والاقرار بالعجز عن الوفاء من العبد، والاستعاذة به تعالى من شر السيئات نحو نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا والاقرار بنعمته على عباده، وأفردها للجنس، والاقرار بالذنب وطلب المغفرة وحصر الغفران فيه تعالى. وفيه أنه لا ينبغي طلب الحجا ت إلا بعد الوسائل. وأما ما استشكل به من أنه كيف يستغفر وقد غفر له صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو أيضا معصوم، فإنه من الفضول لانه (ص) أخبر بأنه يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم سبعين مرة. وعلمنا الاستغفار فعلينا التأسي والامتثال لا إيراد السؤال والاشكال، وقد علم هذا من خاطبهم بذلك فلم يوردوا إشكالا ولا سؤالا ويكفينا كونه ذكر الله على كل حال، وهو مثل طلبنا للرزق. وقد تكفل به وتعليمه لنا ذلك * (ارزقنا وأنت خير الرازقين) * وكله تعبد وذكر الله تعالى. 19 - و (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله (ص) يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في ديني

[ 221 ]

ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه الحاكم. العافية في الدين: السلامة من المعاصي والابتداع، وترك ما يجب، والتساهل في الطاعات، وفي الدنيا: السلامة من شرورها ومصائبها، وفي الاهل: السلامة من سوء العشرة والامراض والاسقام وشغلهم بطلب التوسع في الحطام، وفي المال: السلامة من الآفات التي تحدث فيه، وستر العورات: عام لعورة البدن والدين والاهل والدنيا والآخرة، وتأمين الروعات كذلك، والروعات: جمع روعة وهي الفزع. وسأل الله الحفظ له من جميع الجهات، لان العبد بين أعدائه من شياطين الانس والجن، كالشاة بين الذئاب إذا لم يكن له حافظ من الله فما له من قوة، وخص الاستعاذة بالعظمة عن الاغتيال من تحته لان اغتيال الشئ أخذه خفية هو أن يخسف به الارض كما صنع تعالى بقارون، أو بالغرق كما صنع بفرعون، فالكل اغتيال من التحت. 20 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) يقول: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك أخرجه مسلم. الفجأة: بفتح الفاء وسكون الجيم مقصور وبضم الفاء وفتح الجيم والمد وهي: البغتة، وزوال النعمة لا يكون منه تعالى إلا بذنب يصيبه العبد فالاستعاذة من الذنب في الحقيقة، كأنه قال: نعوذ بك من سيئات أعمالنا وهو تعليم للعباد، وتحول العافية انتقالها، ولا يكون إلا بحصول ضدها وهو المرض. 21 - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) يقول: اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الاعداء رواه النسائي وصححه الحاكم. غلبة الدين: ما يغلب المدين قضاؤه، ولا ينافي الاستعاذة كونه (ص) استدان ومات ودرعه مرهونة في شئ من شعير، فإن الاستعاذة من الغلبة بحيث لا يقدر على قضائه، ولا ينافيه أن الله مع المدين حتى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكره الله، وروي هذا عن عبد الله بن جعفر مرفوعا لانه يحمل على ما لا غلبة فيه. فمن استدان دينا يعلم أنه لا يقدر على قضائه فقد فعل محرما، وفيه ورد حديث من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله أخرجه البخاري وقد تقدم، ولذا استعاذ (ص) من المغرم وهو الدين، ولما سألته عائشة عن وجه إكثاره من الاستعاذة منه قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف فالمستدين يتعرض لهذا الامر العظيم. وأما غلبة العدو أي بالباطل لان العدو في الحقيقة إنما يعادي في أمر باطل إما لامر ديني أو لامر دنيوي كغصب الظالم لحق غيره مع عدم القدرة على الانتصاف منه، وغير ذلك. وأما شماته الاعداء فهي فرح العدو بضر نزل بعدوه. قال

[ 222 ]

ابن بطال: شماتة الاعداء ما ينكأ القلب وتبلغ به النفس أشد مبلغ. وقد قال هرون لاخيه عليهما السلام: * (ولا تشمت بي الاعداء) * لا تفرحهم بما تصيبني به. 22 - (وعن بريدة رضي الله عنه قال: سمرسول الله (ص) رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله الا أنت الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال (رسول الله (ص)): لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب أخرجه الاربعة وصححه ابن حبان) الاحد: صفة كمال لان الاحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة، ومتصفا بخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة الناشئة عن الالوهية. والصمد: السيد الذي يصمد إليه في الحوائج ويقصد، والمتصف به على الاطلاق هو الذي يستغني عن غيره مطلقا وكل ما عداه محتاج إليه وليس ذلك عنه إلا الله تعالى. ووصفه بأنه لم يلد لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه، وهو رد على من قال: الملائكة بنات الله، ومن قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وقوله: لم يولد أي لم يسبقه عدم. فإن قلت: المعروف تقدم كون المولود مولودا على كونه والدا، فكان هذا يقتضي أن يقال: الذي لم يولد ولم يلد. قلت: القصد الاصلي هنا نفي كونه تعالى ليس له ولد كما ادعاه أهل الباطل ولم يدع أحد أنه تعالى مولود فالمقام مقام تقديم نفي ذلك. فإن قلت: فلم ذكر ولم يولد مع عدم من يدعيه؟ قلت: تعميما لتفرد الله تعالى عن مشابهات المخلوقين وتحقيقا لكونه ليس كمثله شئ. والكفؤ: المماثل أي لم يكن أحد يمثاله في شئ من صفات كماله وعلو ذاته. وفي الحديث دليل على أنه ينبغي تحري هذه الكلمات عند الدعاء لاخباره صلى الله عليه وسلم أنه إذا سئل بها أعطى وإذا دعي بها أجاب. والسؤال: الطلب للحاجات، والدعاء أعم منه، فهو من عطف العام على الخاص. 23 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا أصبح يقول: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا ونموت وإليك النشور وإذا أمسى قال مثل ذلك إلا أنه قال: وإليك المصير أخرجه الاربعة. الظرف متعلق بمقدر أي بقوتك وقدرتك وإيجادك أصبحنا أي دخلنا في الصباح إذا أنت الذي أوجدتنا وأوجدت الصباح. ومثله أمسينا. والنشور من نشر الميت إذا أحياه، وفيه مناسبة لان النوم أخو الموت فالايقاظ منه كالاحياء بعد الاماتة، كما ناسب في المساء ذكر المصير لانه ينام فيه والنوم كالموت. وفيه الاقرار بأن كل إنعام من الله تعالى. 24 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء رسول الله (ص) ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار متفق عليه. قال القاضي عياض: إنما كان يدعو بهذه الآية لجمعها معاني الدعاء كله من أمر الدنيا والآخرة،

[ 223 ]

قال: والحسنة عندهم ههنا النعمة، فسأل نعيم الدنيا والآخرة، والوقاية من العذاب، نسأل الله أن يمن علينا بذلك. وقد كثر كلام السلف في تفسير الحسنة. فقال ابن كثير: الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة، وزوجة حسناء وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هني، وثياب جميلة، إلى غير ذلك مما شملته عبارتهم، فإنها مندرجة في حسنات الدنيا، فأما الحسنة في الآخرة: فأعلاها دخول الجنة وتوابعه من الامن، وأما الوقاية من النار: فهي تقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم وترك الشبهات أو العفو محضا. ومراده بقوله وتوابعه: ما يلحبه في الذكر لا ما يتعقبه حقيقة. 25 - (وعن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شئ قدير متفق عليه) الخطيئة الذنب، والجهل ضد العلم. والاسراف مجاوزة الحد في كل شئ. وقوله في أمري يحتمل تعلقه بكل ما تقدم أو بقوله إسرافي فقط. والجد بكسر الجيم ضد الهزل وقوله: وخطئي وعمدي من عطف الخاص على العام إذ الخطيئة تكون عن هزل وعن جد وتكرير ذلك لتعدد الانواع التي تقع من الانسان من المخالفات والاعتراف بها وإظهار أن النفس غير مبرأة من العيوب إلا ما رحم علام الغيوب. وقوله: وكل ذلك عندي خبره محذوف أي موجود ومعنى أنت المقدم أي تقدم من تشاء من خلقك فيتصف بصفات الكمالات ويتحقق بحقائق العبودية بتوفيقك، وأنت المؤخر لمن تشاء من عبادك بخذلانك وتبعيدك له عن درجات الخير. قال المصنف: وقع في حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوله في صلاة الليل، وتقدم بيانه، ووقع في حديث علي عليه السلام أنه كان يقوله بعد الصلاة. واختلفت الروايات هل كان يقوله بعد السلام أو قبله؟ ففي مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان يقول بين التشهد والسلام وأورده ابن حبان في صحيحه بلفظ إذا فرغ من الصلاة وهو ظاهر في أنه بعد السلام ويحتمل أنه كان يقوله قبله وبعده. 26 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر أخرجه مسلم. تضمن الدعاء بخير الدارين، وليس فيه دلالة على جواز الدعاء بالموت، بل إنما دل على سؤال أن يجعل الموت في قضائه عليه ونزوله به راحة من شرور الدنيا ومن شرور القبر لعموم كل شر، أي من كل شر قبله وبعده.

[ 224 ]

27 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) يقول: اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وارزقني علما ينفعني رواه النسائي والحاكم. 28 - (وللنسائي من حديث أبي هريرة نحوه، وقال في آخره: وزدني علما، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار وإسناده حسن) فيه أنه لا يطلب من العلم إلا النافع، والنافع: ما يتعلق بأمر الدين والدنيا في ما يعود فيها على نفع الدين، وإلا فما عدا هذا العلم فإنه ممن قال الله فيه: * (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) * أي في أمر الدين فإنه نفي النفع عن علم السحر لعدم نفعه في الآخرة بل لانه ضار فيها، وقد ينفعهم في الدنيا لكنه لم يعده نفعا. 29 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) علمها هذا الدعاء: اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، و أعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم) الحديث تضمن الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، والاستعاذة من شرهما وسؤال الجنة وأعمالها، وسؤال أن يجعل الله كل قضاء خيرا، وكأن المراد سؤال اعتقاد العبد أن كل ما أصابه خير، وإلا فإن كل قضاء قضى به خير وإن رآه العبد شرا في الصورة. وفيه أنه ينبغي للعبد تعليم أهله أحسن الادعية لان كل خير ينالونه فهو له، وكل شر يصيبهم فهو مضرة عليه. 30 - (وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. هذا آخر حديث ختم به البخاري صحيحه وتبعه جماعة من الائمة في ختم تصانيفهم في الحديث، والمراد من الكلمتين: الكلام نحو كلمة الشهادة، وهو خبر مقدم، وقوله: سبحان الله. إلخ مبتدأ مؤخر وصح الابتداء به وإن كان جملة لانه في معنى هذا اللفظ، وإنما قدم الخبر تشويقا للسامع إلى مبتدأ سيما بعد ما ذكر من الاوصاف، والحبيبة بمعنى المحبوبة أي محبوبتان له تعالى، والخفيفة فعيلة بمعنى فاعلة، والثقيلة فعيلة بمعنى فاعلة أيضا. قال الطيبي: الخفة مستعارة للسهولة، شبه سهولة جريانها على اللسان بما خف على الحامل من بعض الامتعة فلا يتعبه كالشئ الثقيل، وفيه إشارة إلى أن

[ 225 ]

سائر التكاليف شاقة على النفس وهذه سهلة عليها مع أنها تثقل في الميزان كثقل الشاق من الاعمال، وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة فقال: لان الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت فلا يحملك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفت، فلا تحملنك خفتها على ارتكابها. والحديث من الادلة على ثبوت الميزان كما دل عليه القرآن واختلف العلماء في الموزون فقيل: الصحف لان الاعمال أعراض فلا توصف بثقل ولا خفة، ولحديث السجلات والبطاقة. وذهب أهل الحديث والمحققون إلى أن الموزون نفس الاعمال، وأنها تجسد في الآخرة، ويدل له حديث جابر مرفوعا توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن ثقلت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن ثقلت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار قيل له: فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الاعراف أخرجه خيثمة في فوائده، وعند ابن المبارك في الزهد عن ابن مسعود نحوه مرفوعا. والاحاديث ظاهرة في أن أعمال بني آدم توزن أنه عام لجميعهم، وقال بعضهم: إنه يخص المؤمن الذي لا سيئة له وله حسنات كثيرة زائدة على محض الايمان فيدخل الجنة بغير حساب كما جاء فحديث السبعين ألفا. ويخص منه الكافر الذي لا حسنة له ولا ذنب له غير الكفر فإنه يقع في النار بغير حساب ولا ميزان. نقل القرطبي عن بعض العلماء أنه قال: الكافر مطلقا لا ثواب له ولا توضع حسنته في الميزان لقوله تعالى: * (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) * ولحديث أبي هريرة في الصحيح الكافر لا يزن عند الله جناح بعوضة وأجيب بأن هذا مجاز عن حقارة قدره ويلزم منه عدم الوزن. والصحيح أن الكافر توزن أعماله إلا أنه على وجهين: أحدهما: أن كفره يوضع في كفة ولا يجد حسنة يضعها في الاخرى لبطلان الحسنات مع الكفر فتطيش التي لا شئ فيها. قال القرطبي: وهذا ظاهر قوله تعالى: * (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم) * فإنه وصف الميزان بالخفة، والثاني: أنه قد يقع منه العتق والبر والصلة وسائر أنواع الخير المالية لو فعلها المسلم لكانت له حسنات فمن كانت له جمعت ووضعت في الميزان غير أن الكفر إذا قابلها رجح بها. ويحتمل أن هذه الاعمال تزن ما يقع منه من الاعمال السيئة، كظلم غيره وأخذ ماله وقطع الطريق، فإن ساوتها عذب بالكفر، وإن زادت عذب بما كان زائدا على الكفر منه، وإن زادت أعمال الخير معه طاح عقاب سائر المعاصي وبقي عقاب الكفر، كما جاء في حديث أبي طالب أنه في ضحضاح من نار. اللهم ثقل موازين حسناتنا إذا وزنت. وخفف موازين سيئاتنا إذا في كفة الميزان وضعت واجعل سجلات ذنوبنا عند بطاقة توحيدنا طائشة من كفة الميزان. ووفقنا بجعل كلمة التوحيد عند الممات آخر ما ينطق به اللسان.

[ 226 ]

قد انتهى بحمد ولي الانعام، ما قصدناه من شرح بلوغ المرام (سبل السلام) نسأل الله أن يجعله من موجبات دخول دار السلام، وأن يتجاوز عما ارتكبناه من الخطايا والآثام وأن يجعل في كفات الحسنات ما جرت به فيه وفي غيره الاقلام، وأن ينفع به الانام إنه ذو الجلال والاكرام. والمولي لعباده من إفضاله كل مرام. والحمد لله حمدا لا يفنى ما بقيت الليالي والايام. ولا يزول إن زال دوران الشهور والاعوام. والصلاة والسلام على رسوله الكاشف بأنوار الوحي كل ظلام، وعلى آله العلماء الاعلام، وأصحابه الكرام وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد وافق الفراغ منه صباح الاربعاء ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة 1164 من هجرة سيد الانام، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. ختمها الله تعالى بخير وما بعدها من الاعوام اه‍. تم الجزء الرابع بعون الله وحمده، وبه تم الكتاب ويليه: متن نخبة الفكر في مصطلح أهل الاثر (للحافظ ابن حجر)

[ 227 ]

خاتمة الطبع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق الموجودات من ظلمة العدم إلى نور الايجاد، وجعلها دليلا على وحدانيته لذوي البصائر ليوم الميعاد، وميز النوع الانساني منها بالعقل رفعا له إلى درجة الكمال، وخلق له ما في الارض جميعا تكميلا لنعمته عليه وتحقيقا للافضال، وبعث الرسل قطعا للحجة وبيانا هاديا للضال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) فأظهره الله على الدى نكله، وأتم به النعمة وجمع به الكلمة وأكمل به الدين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد جعل الله الانبياء والمرسلين صفوة الخلق، لانهم هدوا إلى الطيب من القول والى صراط العزيز الحميد، وجعل ورثتهم العلماء كما أخبر بذلك الصادق الامين، وكان من بينهم حجة الاسلام (الحافظ ابن حجر العسقلاني) صاحب (بلوغ المرام من جمع أدلة الاحكام) وشارحه العلامة (محمد بن إسماعيل اليمني الصنعاني) صاحب (سبل السلام). ولما كان فن الحديث يحتاج الناظر فيه إلى بيان الحسن من الصحيح ألحقنا به نخبة الفكر في مصطلح أهل الاثر لابن حجر مع بعض تعليقات من شرحه لابن حجر أيضا. وقد اعتنى بطبعه وحسن تنميقه ونشره بين الانام أصحاب شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر القاهرة 6 جمادى الاولى 1378 ه‍ 17 نوفمبر 1958 م

[ 228 ]

فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون قرآن كريم بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله الذي لم يزل عالما قديرا، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا) وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليما كثيرا (أما بعد: فان التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت، وبسطت واختصرت. فسألني بعض الاخوان أن ألخص له المهم من ذلك، فأجبته إلى سؤاله رجاء الاندراج في تلك المسالك، فأقول: الخبر) الحديث (إما أن يكون له طرق) أسانيد (بلا عدد معين أو مع حصر بما فوق الاثنين، أو بهما أو بواحد. فالاول: المتواتر، المفيد للعلم اليقيني بشروطه) وهي عدد كثير أحالت العادة توطؤهم على الكذاب رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحسن، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه. (والثاني: المشهور، وهو المستفيض على رأي) ويطلق المشهور على ما اشتهر على الالسنة. (والثالث: العزيز، وليس شرطا للصحيح، خلافا لمن زعمه. والرابع: الغريب، وسوى الاول آحاد. وفيها المقبول) وهو ما يجب العمل به عند الجمهور (وفيها المردود: لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها، دون الاول، وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار) كأن يخرج الخبر الشيخان في صحيحيهما، أو يكون مشهورا وله طرق متباينة، سالمة من ضعف الرواة والعلل، أو يكون مسلسلا بالائمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبا (ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند) طرفه الذي فيه الصحابي من أول التابعي، (أولا. فالاول: الفرد المطلق، والثاني: الفرد النسبي، ويقل إطلاق الفردية عليه) كما أن أكثر ما يطلقون الغريب على الفرد النسبي (وهبر الاحاد بنقل عدل، تام الضبط، متصل، مسند، غير معلل ولا شاذ، هو الصحيح لذاته) والمراد ((بالعدل) من له ملكة تحمله على ملازمة

[ 229 ]

التقوى والمروءة. والمراد (بالتقوى) اجتناب الاعمال السيئة، من شرك أو فسق أو بدعة. (والضبط) ضبط صدر وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيهوصححه، إلى أن يؤدى منه، وقيد بالتام إشارة إلى المرتبة العليا في ذلك. (والمتصل) ما سلم إسناده من سقوط فيه بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروى من شيخه. (والمعلل) ما فيه علة خفية قادحة. (والشاذ) ما يخالف فيه الرواي من هو أرجح منه (وتتفاوت رتبه بسبب تفاوت هذه الاوصاف، ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ثم شرطهما) المراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح (فان خف الضبط) مع بقية الشروط المقدمة في الصحيح (فالحسن لذاته، وبكثرة الطرق يصحح) فيسمى الصحيح لغيره (فان جمع) كقول الترمذي: حديث حسن صحيح. (فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين، وزيادة راويهما) أي الصحيح والحسن (مقبولة ما لم تقع منافية ل‍) رواية (من هو أوثق، فان خولف بأرجح فالراجح: المحفوظ، ومقابله: الشاذ و) إن وقعت المخالفة له (مع الضعف، فالراجح: المعروف، ومقابله: المنكر. والفرد النسبي إن وافقه غيره فهو: المتابع) والمتابعة مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي (وإن وجد متن) يروى من حديث صحابي آخر (يشبهه فهو: الشاهد، وتتبع الطرق) من الجوامع والمسانيد والاجزاء (لذلك) الحديث الذي يظن أنه فرد (هو الاعتبار، ثم المقبول إن سلم من المعارضة فهو المحكم وإن عورض بمثله، فان أمكن الجمع) بغير تعسف (فهو مختلف الحديث) وإن لم يكن الجمع (أو ثبت المتأخر) عرف بالتاريخ (فهو الناسخ والاخر المنسوخ، وإلا فالترجيح ثم التوقف ثم المردود، إما أن يكون لسقط) من إسناد (أو طعن) في راو (فالسقط: إما أن يكون من مبادى السند من) تصرف (مصنف أو من آخره بعد التابعي أو غير ذلك. فالاول المعلق) قال ابن الصلاح: إن وقع الخذف في كتاب التزمت صحته كالبخاري، فما أتى فيه بالجزم دل على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حذف لغرض من الاغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال. (والثاني: المرسل. والثالث: إن كان باثنين فصاعدا مع التوالي فهو: المعضل، وإلا فالمنقطع، ثم) إن السقط من الاسناد (قد يكون واضحا أو خفيا، فالاول يدرك بعدم التلاقي، ومن ثم احتيج إلى التاريخ، والثاني: المدلس) سمى بذلك لكون الرواي لم يسم من حدثه وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به (ويرد بصيغة) تحتمل وقوع (اللقى كعن، وقال) فان وقع بصيغة صريحة لا تجوز فيها كان كذبا (وكذلك المرسل الخفي من معاصر لم يلق) فالفرق بين المدلس والمرسل الخفي أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره

[ 230 ]

ولم يعرف انه لقيه فهو المرسل الخفي (ثم الطعن، إما أن يكون لكذب الرواي أو تهمته بذلك أو فحش غلطه أو غفلته) عن الاتقان (أو فسقه أو وهمه) بأن يروي على سبيل التوهم (أو مخالفته) للثقات (أو جهالته أو بدعته أو سوء حفظه) بأن يكون ليس غلطه أقل من إصابته (فالاول: الموضوع. والثاني: المتروك. والثالث: المنكر على رأي) من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة (وكذا الرابع والخامس، ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق ف‍ (هو المعلل، ثم المخالفة إن كانت بتغير السياق) سياق الاسناد (فمدرج الاسناد أو بدمج موقوف بمرفوع فمدرج المتن، أو بتقديم وتأخير) في الاسماء كمرة بن كعب وكعب بن مرة (فالمقلوب أو بزيادة راو، فالمزيد في متصل الاسانيد أو بابداله ولا مرجح فالمضطرب)، وقد يقع الابدال عمدا امتحانا أو بتغيير حروف مع بقاء صورة الخط في (السياق، فالمصحف) في النقط (والمحرف) في الشكل (ولا يجوز تعمر تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا العالم بما يحيل المعني) ومن ثم (احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل منها، ثم الجهالة وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته) من اسم أو كنية أو لقب أو حرفة الخ (فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وصنفوا فيه: الموضح، وقد يكون مقلا فلا يكثر الاخذ عنه، وصنفوا فيه: الوحدان) وهو من لم يرو عنه الا واحد (أو لا يسمى اختصارا، و) صنفوا فيه (المبهمات، ولا يقبل) حديث (المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل على الاصح، فان سمى وانفرد واحد عنه فمجهول العين، أو اثنان فصاعدا، ولم يوثق فمجهول الحال وهو المستور ثم البدعة إما بمكفر أو بمفسق، فالاول لا يقبل صاحبها الجمهور) والتحقيق أنه لايرد كل مكفر ببدعته، لان كل طائفة تدعى أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أثرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد فيرد على المختار، وبه صرح الجوزجاني شيخ النسائي. ثم سوء الحفظ إن كان لازما) للراوي في جميع حالاته (فالشاذ على رأي، أو طارئا. فالمختلط ومتى توبع السئ الحفظ بمعتبر) كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه (وكذا المستور، والمرسل، والمدلس صار حديثهم حسنا) لا لذاته بل (ب‍) اعتبار (المجموع) من المتابع والمتابع (ثم الاسناد) وهو الطريق الموصلة إلى المتن، والمتن هو غاية ما ينتهي إليه الاسناد من الكلام (إما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصريحا أو حكما من قوله أو فعله أو تقريره، أو إلى الصحابي كذلك، وهو من لقى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الاسلام، ولو تخللت ردة في الاصح) لاخفاء في رجحان نية من لازمه صلى الله عليه وسلم وقاتل معه أو قتل تحت رايته على من لم يلازمه، أو لم

[ 231 ]

يحضر معه مشهدا، أو على من كلمه يسيرا أو ماشاه قليلا، أو رآه على بعد أو في حال الطفولية، وإن كان شرف لصحبة حاصلا للجميع، ومن ليس له منهم سماع منه فحديثه مرسل من حيث الرواية، ويعرف كون الشخص صحابيا بالتواتر أو الاستفاضة أو الشهرة أو باخبار بعض الصحابة أو بعض ثقات التابعين، أو باخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا كان دعواه ذلك تدخل تحت الامكان (أو إلى التابعي، وهو من لقى الصحابي كذلك. فالاول: المرفوع. والثاني: الموقوف. والثالث: المقطوع. ومن دون التابعي فيه مثله، ويقال للاخيرين الاثر والمسند مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال، فان قل عدده) عدد رجال السند (1) فاما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى إمام ذي صفة عليه) كالحفط والفقه والضبط والتصنيف (كشعبة) ومالك والشافعي والثوري والبخاري ومسلم ونحوهم (فالاول: العلو المطلق. والثاني: النسبي، وفيه) في العلو النسبي (الموافقة، وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه، وفيه البدل: وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك. وفيه المساواة: وهي استواء عدم الاسناد من الرواي إلى آخره) آخر الاسناد (مع إسناد أحد المصنفين. وفيه المصافحة: وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف) على الوجه المشروح في المساواة (ويقابل العلو بأقسامه النزول، فان تشارك الراوي ومن روى عنه في السنن واللقي) الاخذ عن المشايخ (فهو) رواية (الاقران، وإن روى كل منهما عن الاخر فهو المدبج، وإن روى عمن دونه) في السن أو في اللقى أو في المقدار (فالاكابر عن الاصاغر. ومنه) رواية (الاباء عن الابناء) والصحابة عن التابعين، والشيخ عن تلميذه (وفي عكسه كثرة. ومنه من روى عن أبيه عن جده، وإن اشترك اثنان عن شيخ وتقدم موت أحدهما فهو السابق واللاحق، وإن روى عن اثنين متفقي الاسم) أو مع اسم الاب أو مع الجد أو مع النسبة (ولم يتميزا فباختصاصه بأحدهما يتبين المهمل، وإن جحد الشيخ مروية جزما رد أو احتمالا قبل في الاصح. وفيه من حدث ونسى، وإن اتفق الرواة في صيغ الاداء) كسمعت فلانا، قال: سمعت فلانا الخ (فهو المسلسل. وصيغ الاداء: سمعت وحدثني ثم أخبرني، وقرأت عليه ثم قرئ عليه وأنا أسمع، ثم أنبأني، ثم ناولني، ثم شافهني، ثم كتب إلى) المشافهة والكتابة بالاجازة (ثم عن ونحوها) من الصيغ المحتملة للسماع والاجازة ولعدم السماع أيضا، وهذا مثل: قال وذكر وروى (فالاولان) سمعت وحدثني (لمن سمع وحده من لفظ الشيخ، فان جمع فمع غيره) وقد تكون النون للعظمة لكن بقلة،

[ 232 ]

(وأولها اصرحها وأرفعها) مقدار ما يقع (في الاملاء، والثالث) أخبرني (والرابع) قرأت (لمن قرأ بنفسه، فان جمع فهو كالخامس، والا نباء: بمعنى الاخبار، الا في عرف المتأخرين فهو للاجازة كعن، وعنعنة المعاصر محمولة على السماع الا من مدلس، وقيل يشترط ثبوت لقائهما ولو مرة وهو المختار، وأطلقوا المشافهة في الاجازة المتلفظ بها، و) كذا (المكاتبة في الاجازة المكتوب بها، واشترطوا في صحة المناولة اقترانها بالاذن بالرواية، وهي أرفع أنواع الاجازة، وكذا اشترطوا الاذن في الوجادة والوصية بالكتاب وفي الاعلام) أن يعلم الشيخ أحد الطلبة بأنني أروي الكتاب الفلاني عن فلان (والا فلا عبرة بذلك كالاجازة العامة وللمجهول وللمعدوم على الاصح في جميع ذلك. ثم الرواة إن اتفقت الاسماء خطا واختفلت نطقا، فهو المؤتلف والمختلف، وإن اتفقت الاسماء) خطا ونطقا (واختلفت الاباء *) نطقا مع اختلافهما خطا (أو بالعكس) كأن تختلف الاسماء نطقا وتأتلف خطا وتتفق الاباء خطا ونطقا (فهو المتشابه، وكذا إن وقع ذلك الاتفاق في اسم الاب والاختلاف في النسبة، وكذا إن وقع الاتفاق في الاسم واسم الاب، والاختلاف في النسبة. ويتركب منه ومما قبله أنواع: منها أن يحصل الاتفاق والاشتباه الا في حرف أو حرفين) كمحمد بن سنان، ومحمد بن سيار، وعبد الله بن زيد، وعبد الله بن يزيد (أو) يحصل الاتفاق في الخط والنطق، لكن يحصل الاختلاف أو الاشتباه (بالتقديم والتأخير أو نحو ذلك) كالاسود بن يزيد، ويزيد بن الاسود، وأيوب بن سيار، وأيوب بن يسار. خاتمة (ومن المهم معرفة طبقا الرواة) الطبقة في اصطلاحهم عبارة عن جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ (وموالدهم ووفياتهم وبلدانهم وأحوالهم تعديلا وتجريحا وجهالة)، ومراتب الجرح وأسوؤها الوصف بأفعل كأوثق الناس ثم ما تأكد بصفة أو صفتين كثقة أو ثقة حافظ وأدناها ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح كشيخ تقبل التزكية من عارف بأسبابها ولو من واحد على الاصح. والجرج مقدم على التعديل إن صدر مبينا من عارف بأسبابه، فإن خلا من تعديل قبل مجملا على المختار.

[ 233 ]

(فصل: و) من المهم (معرفة كنى المسلمين) المشهورين بأسمائهم (وأسماء المكنين ومن اسمه كنيته، ومن اختلف في كنيته، ومن كثرت كناه أو نعوته، ومن وافقت كنيته اسم أبيه) كأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق (أو بالعكس) كاسحاق بن أبي إسحاق (أو كنيته كنية زوحته) كأبي أيوب وأم أيوب (ومن نسب إلى غير أبيه، أو الى غير ما يسبق إلى الفهم) كالحداد نسب إلى الحدادة لانه كان يجالس الحدادين (ومن اتفق اسمه واسم كنية زوحته) كأبي أيوب وأم أيوب (ومن نسب إلى غير أبيه، أو الى غير ما يسبق إلى الفهم) كالحداد نسب إلى الحدادة لانه كان يجالس الحدادين (ومن اتفق اسمه واسم أبيه وجده، أو) اسمه (واسم شيخه وشيخ شيخه، ومن اتفق اسم شيخه والراوي عنه) كالبخاري روى عن مسلم بن إبراهيم، وروى عنه مسلم بن الحجاج (ومعرفة الاسماء المجردة والمفردة) التي لم يسم بها الا واحد (والكنى) المجردة (والالقاب والانساب أو تقع إلى القبائل والى الاوطان بلدا أو ضياعا أو سككا أو مجاورة، والى الصنائع والحرف، ويقع فيها الاتفاق والاشتباه كالاسماء، وقد تقع ألقابا) كخالد بن محمد القطواني كان كوفيا ويلقب القطواني وكان يغضب منها (ومعرفة أسباب ذلك ومعرفة الموالي من أعلى ومن أسفل بالرق أو بالحلف) أو بالاسلام (ومعرفة الاخوة والاخوات، ومعرفة أدب الشيخ والطالب وسن التحمل والاداء) الاصح اعتبار سن التحمل بالتمييز، سككا أو مجاورة، والى الصنائع والحرف، ويقع فيها الاتفاق والاشتباه كالاسماء، وقد تقع ألقابا) كخالد بن محمد القطواني كان كوفيا ويلقب القطواني وكان يغضب منها (ومعرفة أسباب ذلك ومعرفة الموالي من أعلى ومن أسفل بالرق أو بالحلف) أو بالاسلام (ومعرفة الاخوة والاخوات، ومعرفة أدب الشيخ والطالب وسن التحمل والاداء) الاصح اعتبار سن التحمل بالتمييز، وسن الاداء يقدر بالاحتياج والتأهل لذلك (وكتابة الحديث وعرضه وسماعه وإسماعه والرحلة فيه وتصنيفه على المسانيد أو الابواب أو العلل) على بقيته، ويجمع أسانيده إما مستوعبا وإما مقيدا بكتب مخصوصة (ومعرفة سبب الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء وصنفوا في غالب هذه الانواع، وهي نقل محض ظاهرة التعريف مستغنية عن التمثيل فلتراجع مبسوطاتها) اه‍. متن نخبة الفكر في مصطلح أهل الاثر للعلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفي سنة 852 ه‍ مع بعض تعليقات عليه من شرح ابن حجر أيضا تخيرها الاستاذ الفاضل الشيخ محمد عبد العزيز الخولي

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية